بَابُ وَقْتِ إبَاحَةِ الْفُتْيَا، وَاسْتِحْبَابِهَا، وَإِيجَابِهَا، وَكَرَاهَتِهَا، وَتَحْرِيمِهَا
الجزء: 1 - الصفحة: 127
فَصْلٌ
الفُتْيا فَرْضُ عَيْنٍ: إِذا كَانَ فِي الْبَلَدِ مُفْتٍ وَاحِدٌ.
[وَفَرْضُ] (1) كفَايَةٍ: إِذَا كَانَ فِيهِ (2) مُفْتِيَانِ فَأَكْثَرُ، سَوَاءٌ حَضَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ هُمَا، وَسُئِلَا مَعًا أَوْ لا (3).
والْوَرَعُ إِذًا: "التَّرْكُ لِلْخَطَرِ، وَالْخَوْفِ مَنِ التَّقْصِيرِ وَالْقُصُورِ".
و
َتَحرُمُ الْفَتْوَى عَلَى الْجَاهِلِ بِصَوَابِ الْجَوَابِ:
لِقَوْلهِ - تَعَالى -: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ 4 الآيَةَ.
وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أُفْتيَ بِفُتْيَا غَيْرِ ثَبْتٍ؛ [فَإِنَّمَا إِثْمُهُ] 5 الَّذِي أَفْتَا" 6. رَوَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.123
الجزء: 1 - الصفحة: 129
وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ أُفْتِيَ بفُتْيَا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ [كَانَ إِثْمُ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَفْتَاهُ" 7. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَقَوْلُهُ: "مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ ] 8 [لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ، وَمَلَائِكَةُ الأَرْضِ] 9 " 10. ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "تَعْظِيمِ الْفَتْوَى" 11.
وَلِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - 12: "إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا؛ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" 13. حَدِيثٌ حَسَنٌ 14، [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ] 15.
الجزء: 1 - الصفحة: 130
وَقَال الْبَرَاءُ 16: "لَقَدْ رَأَيْتُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ [أَصْحَابِ] 17 بَدْرٍ، مَا فِيهِمْ مِنْ أحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَكْفِيَهُ صَاحِبُهُ الفُتْيَا" 18. وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى: "أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُسْأَلُ أحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، فَتردُّهَا هَذَا إِلَى هَذَا، وَهَذَا إِلَى هَذَا، حَتَّى تَرْجِعَ 19 إِلَى الأْوَّلِ" 20. وَفِي رِوَايَةٍ: "مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ، أَوْ يُسْأَلُ عَنْهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: "عَنْ 21 شَيءٍ" - إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ [إِيَّاهُ، وَلَا يُسْتَفْتَى فِي شَيءٍ إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ] 22 الفُتْيَا" 23.
الجزء: 1 - الصفحة: 131
وقَال ابْنُ مَسْعُودٍ [-رضي الله عنه-] 24: "مَنْ أَفْتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْأَلُونَهُ [عَنْهُ].
25 فَهُوَ مَجْنُونٌ" 26.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [-رضي الله عنهما-] 27 نَحْوُهُ 28.
وَقَال أَبُو حَصِينٍ 29 الأَسَدِيُّ: "إِنَّ أَحَدَكُم لَيُفْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ، لَوْ وَرَدَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ" 30.
وَنَحْوُهُ عَنِ الْحَسَنِ 31 وَالشَّعْبِيِّ 32.
الجزء: 1 - الصفحة: 132
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ: "إِذَا أَغْفَلَ 33 الْعَالِمُ [قَوْلَ] 34: "لَا أَدْرِي" 35، [فَقَدْ] 36 أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ 37 " 38. وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [-رضي الله عنه-] 39. 40
الجزء: 1 - الصفحة: 133
وَسُئِلَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقِ -رضي الله عنهم -] 41 عَنْ شَيْءٍ، فَقَال: "لَا أُحْسِنُهُ" فَقَال السَّائِلُ: إِنِّي جِئْتُ إِلَيْكَ لَا أَعْرِفُ غَيْرَكَ! فَقَال الْقَاسمُ: "لَا تَنْظُرْ إِلَى طُولِ لِحْيَتِي، وَكَثْرَةِ النَّاسِ حَوْلِي، وَاللهِ مَا أُحْسِنُهُ" فَقَال شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ - جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ -: يَابْنَ أَخِي، الْزَمْهَا، فَوَاللهِ مَا رَأْيتُكَ فِي مَجْلِسٍ أَنْبَلَ مِنْكَ الْيَوْمَ.
فَقَال الْقَاسِمُ: "وَاللهِ لَأَنْ يُقْطَعَ لِسَانِي أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أتَكَلَّمَ بِمَا لَا عِلْمَ لِي [بِهِ] 42 " 43.
وَقَال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَسُحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ - صَاحِبُ "الْمُدَوَّنَةِ" -: "أَجْسَرُ النَّاسِ عَلَى الفُتْيَا 44 أقَلُّهُمْ عِلْمًا" 45.
وَسَأَل رَجُلٌ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ شَيْءٍ أَيَّامًا، فَقَال: "إِنِّي إِنَّمَا أَتَكَلَّمُ فِيمَا [أَحْتَسِبُ فِيهِ الْخَيْرَ، وَلَسْتُ] 46 أُحْسِنُ مَسْأَلتَكَ هَذِهِ" 47.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
وَقَال الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ: "شَهِدْتُ مَالِكًا سُئِلَ 48 عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَال فِي ثِنتيْنِ 49 وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي" 50.
وَقِيلَ: "رُبَّمَا كَانَ يُسْأَلُ عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً، فَلَا يُجِيبُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا" 51.
وَكَانَ يَقُولُ: "مَنْ أَجَابَ فِي مَسْأَلَةٍ، فَيَنْبَغِي [مِنْ] 52 قَبْلِ أَنْ يُجِيبَ فِيهَا؛ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَكَيْفَ يَكُونُ خَلَاصُهُ فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ يُجِيبَ فِيهَا" 53.
وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَال: "لَا أَدْرِي".
فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا مَسْألَة خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ! فَغَضِبَ وَقَال: "لَيْسَ فِي العِلْمِ [شَيْءٌ] 54 خَفِيفٌ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللهِ - تَعَالى -: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ 55، فَالعِلْمُ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَخَاصَّةً 56 مَا يُسأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" 57.
الجزء: 1 - الصفحة: 135
وَقَال: "مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ" 58. وَقَال أَيْضًا: "لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيءٍ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَمَا أَفْتَيْتُ حَتَّى سَأَلْتُ رَبِيعَةَ 59 وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ فَأَمَرَانِي بِذَلِكَ، وَلَوْ نَهَيَانِي انْتَهَيْتُ" 60. وَقَال: "إِذَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الْمَسَائِلُ، وَلَا يُجِيبُ 61 [أَحَدٌ مِنْهُمْ] 62 فِي مَسْأَلَةٍ حَتَّى يَأْخُذَ رَأْيَ صَاحِبِهِ، مَعَ مَا رُزِقُوا مِنَ السَّدَادِ وَالتَّوْفِيقِ مَعَ الطَّهَارَةِ، فكَيْفَ بِنَا الَّذِينَ غَطَّتِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبُ قُلُوبَنَا! " 63. وَقِيلَ: "كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ كَأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ" 64. وَقَال عَطَاءٌ 65: "أَدْرَكْتُ أقْوَامًا إِنْ كَانَ أَحَدُهُم لَيُسْأَلُ عَنِ الشَّيءِ، فَيَتَكَلَّمُ
الجزء: 1 - الصفحة: 136
وَإِنَّهُ لَيَرْعُدُ" 66.
وَسُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّ الْبِلَادِ شَرٌّ؟ فَقَال: "لا أدْرِي"، فَسَأَلَ جِبْرِيلَ [فَقَال: ] 67 " لا أَدْرِي"، فَسَأَلَ رَبَّهُ [-عَزَّ وَجَلَّ-] 68 فَقَال: أَسْوَاقُهَا" 69.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "تَعْظِيمِ الْفُتْيَا" 70.
وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ شَيْءٍ، فَقَال: "لَا أَدْرِي".
فَقِيلَ: أَلَا تَسْتَحِي مِنْ قَوْلِكَ "لَا أَدْرِي"، وَأَنْتَ فَقِيهُ أَهْلِ الْعِرَاقِ" فَقَال: "لَكِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَسْتَحِ حِينَ قَالتْ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ 71 " 72.
وَقَال أَبُو نُعَيْمٍ 73: "مَا رَأَيْتُ عَالِمًا أَكْثَرَ قَوْلًا "لَا أَدْرِي" مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ" 74.
الجزء: 1 - الصفحة: 137
وَقَال أَبُو 75 الذَّيَّالِ 76: "تَعَلَّمْ "لَا أَدْرِي"، فَإِنَّكَ إِنْ قُلْتَ "لَا أَدْرِي"؛ عَلَّمُوكَ حَتَّى تَدْرِيَ، وَإِنْ قُلْتَ "أَدْرِي"؛ سَأَلُوكَ حَتَّى لَا تَدْرِيَ" 77.
وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ [رَحَمَهُ اللهُ] 78 عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَسَكَتَ.
فَقِيلَ: ألا تُجِيبُ؟ فَقَال: "حَتَّى أَدْرِيَ الفَضْلَ فِي سُكُوتِي، أَوْ فِي الْجَوَابِ" 79.
وقَال الأَثْرَمُ: "سَمِعْتُ [الْإمَامَ] 80 أَحْمَدَ يُسْتَفْتَى، فَيُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "لا أَدْرِي"، وَذَلِكَ فِيمَا [قَدْ] 81 عَرَفَ فِيهِ الأْقَاوِيلَ 82 " 83.
وَقَالَ: "مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا فَقَدْ عَرَّضَهَا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تُلْجِئُ الضَّرُورَةُ" 84.
الجزء: 1 - الصفحة: 138
وَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ؛ الْكَلَامُ أَوِ الْإِمْسَاكُ؟ فَقَال: "الْإِمْسَاكُ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلَا لِضَرُورَةٍ" 85.
وَقَال عُقْبَةُ 86 بْنُ مُسْلِمٍ: "صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ أَرْبَعَةً 87 وَثَلَاثِينَ شَهْرًا، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يُسْأَلُ؛ فَيَقُوُل: "لَا أَدْرِي" 88.
وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لَا يَكَادُ يُفْتِي فُتْيَا، وَلَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا قَال: "اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي، وَسَلِّمْ مِنِّي" 89.
وَقَال سُحْنُونٌ - صَاحِبُ "الْمُدَوَّنَةِ" -: "أَشْقَى النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ [بِدُنْيَاهُ، وَأَشْقَى مِنْهُ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ] 90 بِدُنْيَا غَيْرِهِ، فَفَكَّرْتُ فِيمَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، فَوَجَدْتُهُ الْمُفْتِيَ، يَأْتِيهِ رَجُلٌ قَدْ حَنِثَ فِي امْرَأَتِهِ وَرَقِيقِهِ 91، فَيَقُولُ [لَهُ] 92: "لَا شَيءَ عَلَيْكَ".
فَيَذْهَبُ الْحَانِثُ فَيَتَمَتَّعُ بِامْرَأَتِهِ وَرَقِيقِهِ، وَقَدْ بَاعَ الْمُفْتِي دِينَهُ بِدُنْيَا هَذَا" 93.
الجزء: 1 - الصفحة: 139
وَسَألَهُ رَجُلٌ مَسْأَلَةً، فَترَدَّدَ إِلَيْهِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَال: "وَمَا أَصْنَعُ لَكَ يَا خَلِيلِي! وَمَسْأَلتُكَ هَذِهِ مُعْضِلَةٌ، وَفِيهَا أَقَاوِيلُ، وَأَنَا مُتَحَيِّرٌ فِي ذَلِكَ" فَقَال لَهُ: وَأَنْتَ أَصْلَحَكَ اللهُ لِكُلِّ مُعْضِلَةٍ!، فَقَال لَهُ سُحْنُونٌ: "هَيْهَاتَ يَا ابْنَ أَخِي، لَيْسَ بِقَوْلِكَ هَذَا أَبْذُلُ لَكَ لَحْمِي وَدَمِي إِلَى النَّارِ" 94. كَانَ يُزْرِي عَلَى مَنْ يَعْجَلُ فِي الفَتْوَى، وَيَذْكُرُ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ عَنْ مُعَلِّمِيهِ القُدَمَاءِ 95. قَال: "إِنِّي لَأُسْأَلُ 96 عَنِ الْمَسْأَلةِ أَعْرِفُهَا، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْجَوَابِ إِلَّا كَرَاهَةُ 97 الْجُرْأَةِ بَعْدِي عَلَى الفَتْوَى 98 " 99. وَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تُسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُ أَصْحَابِكَ لَأَجَابَ 100، فَتَتَوَقَّفُ فِيهَا! فَقَال: "فِتْنَةُ الْجَوَابِ بِالصَّوَابِ أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ" 101. وَقَال الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُسأَلُ عَنِ الْمَسْأَلَةٍ وَيَعْجَلُ [فِي الْجَوَابِ] 102، فَيُصِيبُ فَأَذُمُّهُ، ويُسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَيَتَثَبَّتُ فِي الْجَوَابِ، فَيُخْطِئُ فَأَحْمَدُهُ" 103.
الجزء: 1 - الصفحة: 140
وَقَال أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَالصَّيْمَرِيُّ 104: "قَلَّ مَنْ حَرَصَ عَلَى الفَتْوَى، وَسَابَقَ إِلَيْهَا، وَثَابَرَ عَلَيْهَا؛ إِلَّا قَلَّ تَوْفِيقُهُ، وَاضْطَرَبَ فِي أَمْرِهِ، وَإِذَا كَانَ كارِهًا لِذَلِكَ غَيْرَ مُخْتَارٍ [لَهُ] 105، مَا وَجَدَ مَنْدُوحَةً عَنْهُ، وَقَدَرَ أَنْ يُحِيلَ بِالأْمْرِ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ كَانَتِ الْمَعُونَةُ لَهُ مِنَ اللهِ أَكْثَرَ، وَالْصَّلَاحُ فِي جَوَابِهِ وَفتاوِيهِ 106 أَغْلَبَ" 107. وَقَال بِشْرٌ الْحَافِي: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُسْأَلَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسْأَل" 108. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ لَيْسَ 109 شَيءٌ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنَ الْفَتْوَى 110. 111 وَقَال تَارَةً: "مَا ابْتُلِيَ أَحَدٌ بِمَا ابْتُلِيتُ بِهِ، أَفْتَيْتُ الْيَوْمَ فِي عَشْرِ مَسَائِلَ" 112. وَرَأَى رَجُلٌ رَبِيعَةَ بْنَ [أَبِي] 113 عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَبْكِي، فَقَال: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَال:
الجزء: 1 - الصفحة: 141
"اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ، وَظَهَرَ فِي الإِسْلَامِ أَمْر عَظِيمٌ" 114.
وَقَال: "وَلَبَعْضُ مَنْ يُفْتِي هَاهُنَا أَحَقُّ بِالسِّجْنِ مِنَ السُّرَّاقِ" 115.
قُلْتُ: "فكَيْفَ لَوْ رَأَى زَمَانَنَا، وَإِقْدَامَ مَنْ لا عِلْمَ عِنْدَهُ عَلَى الْفُتْيَا، مَعَ قِلَّةِ خِبْرَتِهِ، وَسُوءِ سِيرَتِهِ 116، وَشُؤْمِ سَرِيرَتِهِ! وَإِنَّمَا قَصْدُهُ السُّمْعَةُ وَالرِّيَاءُ، وَمُمَاثَلَةُ الْفُضَلاءِ وَالنُّبَلَاءِ، وَالْمَشْهُورِينَ الْمَسْتُورِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، وَالْمُتبَحِّرِينَ السَّابِقِينَ، وَمَعَ هَذَا، فَهُمْ يُنْهَوْنَ فَلا 117 يَنْتَهُونَ، [وَيُنْبَّهُونَ فَلَا يَنْتَبِهُونَ] 118، قَدْ أُمْلِيَ لَهُمْ بِانْعِكَافِ الْجُهَّالِ عَلَيْهِمْ، وَترَكُوا مَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَمَا عَلَيْهِمْ.
فَمَنْ أَقْدَمَ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ أَهْلًا مِنْ فُتْيَا، أَوْ قَضَاءٍ، أَوْ تَدْرِيسٍ؛ أَثِمَ.
فَإِنْ [كَانَ] 119 أَكْثَرَ مِنْهُ، وَأَصَرَّ 120 وَاسْتَمَرَّ؛ فَسَقَ، وَلَمْ يَحِلَّ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَلا فُتْيَاهُ، وَلا قَضَاؤُهُ.
هَذَا حُكْمُ دِينِ الإِسْلَامِ، [وَالسَّلامِ] 121، وَلا اعْتِبَارَ بِمَنْ خَالفَ هَذَا الصَّوَابَ،
الجزء: 1 - الصفحة: 142
فإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ".
وَقَدْ قَال ابْنُ دَاوُدَ 122 وَغَيْرُهُ: "إِنَّ الشَّافِعِيَّ شَرَطَ فِي الْمُفْتِي وَالْقَاضِي شُرُوطًا لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الأَنْبِيَاءِ" 123.
وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِهِ: "شَرَطَ الشَّافِعِيُّ فِيهِمَا شُرُوطًا تَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ حَاكِمٌ" 124.
وَكَتَبَ سَلْمَانُ 125 إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ: "بَلَغَنِي أَنَّكَ قَعَدْتَ طَبِيبًا؛ فَاحْذَرْ أَنْ تَقْتُلَ مُسْلِمًا" 126.
الجزء: 1 - الصفحة: 143
وَتَحْرُمُ الْفَتْوَى 127 عَلَى الْجَاهِل بمَا يَسْأَلُ عَنْهُ؛ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ 128، وَإِنْ كَانَ عَارِفًا بِغَيْرِهِ.
وَقَال سُفْيَانُ 129: "أَدْرَكْتُ الْفُقَهَاءَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يُجِيبُوا فِي الْمَسَائِلِ وَالفُتْيَا، حَتَّى لَا يَجِدُوا بُدًّا مِنْ أَنْ يُفْتُوا" 130.
وَقَال: "أَدْرَكْتُ الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَهَاءَ يَترادُّونَ الْمَسَائِلَ، يَكْرَهُونَ أَنْ يُجِيبُوا فِيهَا، فَإِذَا أُعْفُوا 131 مِنْهَا كَانَ أحَبَّ إِلَيْهِمْ" 132.
وَقَال: "أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْفُتيَا أَسْكَتُهُمْ عَنْهَا، وَأَجْهَلُهُمْ بِهَا أَنْطَقُهُمْ فِيهَا" 133.
الجزء: 1 - الصفحة: 144
بَاب
ُ صِفَةِ الْمُفْتِي، وَشُرُوطِهِ،
وَأَحْكَامِهِ، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
الجزء: 1 - الصفحة: 145
وَمنْ [صِفَتِهِ وَشُرُوطِهِ] 134: أَنْ يَكُونَ:
- مُسْلِمًا.
- مُكَلَّفًا.
- عَدْلًا 135.
- فَقِيهًا.
- مُجْتَهِدًا.
- يَقِظًا.
- صَحِيحَ الذِّهْنِ وَالفِكْرِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْفِقْهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ 136. أَمَّا اشْتِرَاطُ إِسلامِهِ، وَتَكْلِيفِهِ، وَعَدَالتِهِ؛ فَبِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اللهِ - تَعَالى - بِحُكْمِهِ، فَاعْتُبِرَ إِسْلَامُهُ، وَتَكْلِيفُهُ، وَعَدَالتُهُ، لِتَحْصُلَ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَيُبْنَى عَلَيْهِ، كَالرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 147
فَصْلٌ وَالْعَدْلُ:
- مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبِ، وَالْمَنْدُوبِ، وَالصِّدْقِ.
- وَتَرْكِ الْحَرَامِ، وَالْمَكْرُوهِ، وَالْكَذِبِ.
- مَعَ حِفْظِ 137 مُرُوءَتِهِ.
- وَمُجَانبَةِ الرَّيْبِ وَالتُّهَمِ، بِجَلْبِ نَفْعٍ وَدَفْعِ ضَرَرٍ 138.
فَإِنْ كَانَ هَذَا وَصْفَهُ ظَاهِرًا، وَجُهِلَ بَاطِنُهُ؛ فَفِي كَوْنِهِ عَدْلًا خِلافٌ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِنَا: أَنهُ لَيْسَ عَدْلًا، كَمَا لَوْ عُلِمَ أَنَّ بَاطِنَهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ.
وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ: لَيْسَ بِعَدْلٍ مَنْ يَقُولُ 139 عَلَى اللهِ وَعَلَى 140 رَسُولِهِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ جَازَفَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، مَعَ إِثْمِهِ بِذَلِكَ، وَإِسْقَاطِ 141 مُرُوءَتِهِ.
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ 142.
الجزء: 1 - الصفحة: 148
[وَبِالْجُمْلَةِ] 143:
كُلُّ مَا يَأْثَمُ بِفِعْلِهِ مَرَّةً: يَفْسُقُ بِفِعْلِهِ ثَلَاثًا.
وَإِنْ كَانَ كَبِيرَةً: فَمَرَّةً.
وَكُلُّ مَا أَسْقَطَ الْمُرُوءَةَ: أَسْقَطَ الْعَدَالةَ إِذَا كَثُرَ، وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 149
فَصْلٌ
فَأَمَّا الْفَقِيهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ: "مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةٌ تَامَّةٌ، يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْرِفَ الْحُكْمَ بِهَا إِذَا شَاءَ، مَعَ مَعْرِفَتِهِ جُمْلَةً كَثِيرَة عُرْفًا مِنْ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ 144 الْعَمَلِيَّةِ، بِالاِجْتِهَادِ وَالتَّأَمُّلِ، وَحُضُورِهَا عِنْدَهُ".
فَكُلُّ 145 فَقِيهٍ حَقِيقَةً مُجْتَهِدٌ قَاضٍ 146؛ لِأَنَّ 147 الاجْتِهَادَ: بَذْلُ الْجَهْدِ وَالطَّاقَةِ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلِهِ 148، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ أُصُوليٌّ 149؛ فَلِهَذَا 150 كَانَ عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ فَرْضًا عَلَى الْفُقَهَاءِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: "أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ" 151.
وَقَال الْعَالِمِيُّ الْحَنَفِيُّ 152: "إِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ أَرَادَ الاِجْتِهَادَ وَالْفَتْوَى
الجزء: 1 - الصفحة: 150
وَالْقَضَاءَ، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى غَيْرِهِمْ" 153. وَهُوَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللهُ - تَعَالى -.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، كَالْفِقْهِ 154.
قُلْتُ: "نَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ 155 ".
وَلِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ الدَّلِيلُ، وَالتَّعْلِيلُ، وَالصَّحِيحُ، وَالْفَاسِدُ، وَالْعَلِيلُ 156، وَالنَّبِيلُ، وَالرَّذِيلُ، وَكَيْفِيَّةُ الاسْتِدْلَالِ، وَالاسْتِنْبَاطُ، وَالْإِلْحَاقُ، وَالاجْتِهَادُ، وَالْمُجْتَهِدُ، وَالْفَتْوَى، وَالْمُفْتِي، وَالْمُسْتَفْتِي، وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ الاجْتِهَادُ وَالْفَتْوَى، أَوْ يَجِبَانِ عَلَيْهِ، أَوْ يَحْرُمَانِ، أَوْ يَنْدُبَانِ لَهُ، وَمَنْ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ، أَوْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ أَوْ يَمْتَنِعُ.
وَمَنْ جَهِلَهُ 157؛ كَانَ حَاكِيَ فِقْهٍ، وَفَرْضُهُ التَّقْلِيدُ.
وَقَدْ أوْجَبَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ تَقْدِيمَ مَعْرِفَتِهِ عَلَى الْفُرُوعِ 158.
وَلِهَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي 159، وَابنُ أَبِي مُوسَى 160، وَابْنُ البَنَّا 161، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي أَوَائِلِ كُتُبِهِمْ الْفُرُوعِيَّةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 151
وَقَال أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ: "أَبْلَغُ مَا تُوصَلُ بِهِ إِلَى إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ 162؛ إِتْقَانُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَطَرَفٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ" 163. لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَوْجَبَ تَقْدِيمَ الْفُرُوعِ؛ لِتَحْصُلَ 164 [الدُّرْبَةُ وَ] 165 الْمَلَكَةُ 166. وَهُوَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى-.
الجزء: 1 - الصفحة: 152
فَصْلٌ
فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ مُطْلَقًا فَهُوَ: "مَنْ حَفِظَ وَفَهِمَ 167 أَكْثَرَ الْفِقْهِ، وَأُصوُلَهُ، وَأَدَلَّتَهُ فِي مَسَائِلِهِ، [فَهُوَ مُجْتَهِدٌ] 168 إِذَا كَانَتْ 169 لَهُ أَهْلِيَّةٌ تَامَّةٌ يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فِيهَا بِالدَّلِيلِ، وَسَائِرِ الْوَقَائِعِ إِذَا شَاءَ".
فَإِنْ كَثُرَتْ إِصَابَتُهُ؛ صَلَحَ -مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ- أَنْ يُفْتِيَ وَيَقْضِيَ، وَإِلَّا فَلَا.
الجزء: 1 - الصفحة: 153
فَصْلٌ وَالْمُجْتَهِدُ أَرْبَعَةُ أقْسَامٍ:
- مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ.
- وَمُجْتَهِدٌ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ، أَوْ فِي مَذْهَبِ إِمَامِ غَيْرِهِ.
- وَمُجْتَهِدٌ فِي نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ.
- وَمُجْتَهِدٌ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْهُ، أَوْ مَسَائِلَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 154
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ المُجْتهِد المُطْلَقُ
وَهُوَ: "الَّذِي -ذَكَرْنَاهُ آنِفًا 170 - إِذَا اسْتَقَلَّ بِإدْرَاكِ الأْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الأْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ مِنْهَا، مَعَ حِفْظِهِ لِأَكْثَرِ الْفِقْهِ، وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ".
وَقِيلَ 171: "لَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهُ لِفُرُوعِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ الاِجْتِهَادِ".
وَفِيهِ بُعْدٌ.
وقِيلَ 172: "يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَتَأَدَّى بِفَتْوَاهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ".
وَمِنْ شَرْطِهِ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ، وَحَقِيقَةَ ذَلِكَ وَمَجَازَهُ، وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَمُجْمَلَهُ وَمُبَيِّنَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَمُطْلَقَهُ وَمُقَيَّدَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَصَحِيحَ السُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ وَسَقِيمَهَا، وَمُتَوَاتِرَهَا 173 وَاحَادَهَا، وَمُرْسَلَهَا وَمُسْنَدَهَا، وَمُتَّصِلَهَا وَمُنْقَطِعَهَا، وَيَعْرِفَ الْوِفَاقَ وَالْخِلَافَ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَالْأَدِلَّةَ وَالشُّبَهَ 174 وَالْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَالْقِيَاسَ وَشُرُوطَهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَالْعَرَبِيَّةَ
الجزء: 1 - الصفحة: 155
الْمُتَداوَلَةَ بالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْعِراقِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ 175.
وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِبَعْضِ ذَلِكَ؛ لِشُبْهَةٍ أَوْ إِشْكَالٍ، لَكِنْ يَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ وُجُوهِ دَلَالةِ الْأَدِلَّةِ، وَكَيْفِيَّةِ 176 أَخْذِ الأْحْكَامِ مِنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا.
وَهَلْ يُشْترطُ مَعْرِفَةُ الْحِسَابِ وَنَحْوِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَيْهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ 177.
وَمِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ عُدِمَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، مَعَ أَنَّهُ الْآنَ أَيْسَرُ مِنْهُ فِي الزَّمَنِ الأوَّلِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ قَدْ دُوِّنَا، وَكَذَا مَا تتَعلَّقُ بِالاِجْتِهَادِ مِنَ الْآيَاتِ، وَالْآثَارِ، وَأُصُولِ الْفِقْهِ، وَالْعَرَبِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ 178 الْهِمَمَ قَاصِرَةٌ، وَالرَّغَبَاتِ فاتِرَةٌ، وَنَارَ الْجَدِّ وَالْحَذَرِ خَامِدَةٌ، [وَعَيْنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ جَامِدَةٌ] 179؛ اكتِفاءً بِالتَّقْلِيدِ، وَاسْتِعْفَاءً مِنَ التَّعَبِ الْوَكِيدِ، وَهَرَبًا مِنَ الْأَثْقَالِ، وَأَرَبًا فِي تَمْشِيةِ الْحَالِ، وَبُلُوغِ الْآمَالِ، وَلَوْ بِأَقَلِّ الْأعْمَالِ.
وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، قَدْ أهْمَلُوهُ وَمَلُّوهُ، وَلَمْ يَعْقِلُوهُ لِيَفْعَلُوهُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 156
وَقِيلَ 180: "الْمُفْتِي هُوَ: مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ عَلَى يُسْرٍ 181 مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ آخَرَ" 182.
الجزء: 1 - الصفحة: 157
الْقِسْمُ الثّانِي مُجْتَهِدٌ فِي مَذهَبِ إِمَامِهِ، أَوْ إِمَامِ غَيْرِهِ
وَأَحْوَالهُ أرْبَعَةٌ:
الْحَالةُ الْأُولَى:
أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُقَلِّدٍ لِإِمَامِهِ فِي الْحُكْمِ وَالدَّلِيلِ، لَكِنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ فِي الاِجْتِهَادِ وَالفَتْوَى، وَدَعَا إِلَى مَذْهَبِهِ، وَقَرَأَ كَثِيرًا مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ؛ فَوَجَدَهُ صَوَابًا، وَأوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَأَشَدَّ مُوَافَقَةً فِيهِ وَفِي طَرِيقِهِ.
وَقَدِ ادَّعَى هَذَا مِنَّا [الْقَاضِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ] 183 فِي "شَرْحِ الإِرْشادِ" 184 الَّذِي لَهُ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَغَيْرُهُمَا.
وَمِنَ 185 الشَّافِعِيَّةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ 186.
وَاخْتَلَفَتِ 187 الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْمُزَنِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ؛ هَلْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ مُسْتَقِلِّينَ أَوْ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ؟ 188
الجزء: 1 - الصفحة: 158
وَفَتْوَى الْمُجْتَهِدِ الْمَذْكُورِ؛ كَفَتْوَى الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، فِي الْعَمَلِ بِهَا، وَالاِعْتِدَادِ بِهَا فِي الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ 189.
الجزء: 1 - الصفحة: 159
فَصْلٌ
وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: "إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إِمَامٍ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِالْفَتْوَى [فِيهِ] 190 عَنْ نَفْسِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْإِمَامِ؟
عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَيَكُونُ مُتَّبِعُهُ مُقَلَّدًا لِلْمَيِّتِ لَا لَهُ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ لَهُ، لَا لِلْمَيِّتِ، وَالسَّائِلُ إِنَّما أَرَادَ الاسْتِفْتَاءَ عَلَى قَوْلِ الْمَيِّتِ" 191.
وَالأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مُسْتَفْتِيَهُ عَمِلَ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ الَّذِي عَرَفَ الْمُفْتِي صِحَّتَهُ بِالدَّلِيلِ، فَقَدْ وَافَقَهُ [فِيهِ] 192؛ فَصَحَّتْ فُتْيَاهُ.
وَإِنْ مَنَعْنَا تَقْلِيدَ الْمَيِّتِ - فِي وَجْهٍ لَنَا بَعِيدٍ وَمَذْهَبٍ لِغَيْرِنَا ضَعِيفٍ-؛ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَجَدَّدَ النَّظَرَ عِنْدَ حُدُوثِ الْمَسْأَلةِ حِينَ الْفَتْوَى -وَفِي وُجُوبِهِ 193 مَذْهَبَانِ، سَنَذْكُرُهُمَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى-[؛ فَلَا يُفْتِي السَّائِلَ.
وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَعَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْفَتْوَى أَدْرَكْنَا الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي الفُتْيَا] 194.
الجزء: 1 - الصفحة: 160
الْحَالةُ الثَّانِيةُ:
أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ، مُسْتَقِلًّا بِتَقْرِيرِهِ بِالدَّلِيلِ، لَكِنْ لَا يَتَعَدَّى أُصُولَهُ وَقَوَاعِدَهُ، مَعَ إِتْقَانِهِ لِلفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَأَدِلَّةِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، عَارِفًا 195 بِالقِيَاسِ وَنحْوِهِ، تَامَّ الرِّيَاضَةِ، قَادِرًا عَلَى التَّخْرِيجِ وَالاسْتِنْبَاطِ، وَإِلْحَاقِ الفُرُوعِ بِالْأُصُولِ وَالقَواعِدِ الَّتِي لإمَامِهِ.
وَقِيلَ 196: "وَلَيْسَ مِنْ [شَرْطِهِ: مَعْرِفَةُ هَذَا] 197 عِلْمَ الْحَدِيثِ، وَاللُّغَةَ، وَالْعَرَبِيَّةَ؛ لِكَوْنِهِ يَتَّخِذُ نُصُوصَ 198 إِمَامِهِ أُصُولًا يَسْتَنْبِطُ مِنْهَا الأْحْكَامَ؛ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ، وَقَدْ يَرَى حُكْمًا ذَكَرَهُ إِمَامُهُ بِدَليلٍ، فَيَكْتَفِي بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ بَحْيثٍ عَنْ مُعَارِضٍ أَوْ غَيْرِهِ".
وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَهَذَا شَأْنُ أَهْلِ الْأَوْجُهِ وَالطُّرُقِ فِي الْمَذَاهِبِ، وَهُوَ حَال أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الطَّوَائِفِ الْآنَ.
فَمَنْ عَمِلَ بِفُتْيَا هَذَا؛ فَقَدْ قَلَّدَ إِمَامَهُ دُونَهُ؛ لِأَنَّ مُعَوَّلَهُ عَلَى صِحَّةِ إِضَافَةِ مَا يَقُولُ إِلَى إِمَامِهِ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِتَصْحِيحِ نِسْبَتِهِ إِلَى الشَّارعِ بِلَا وَاسِطَةِ إِمَامِهِ.
وَالظَّاهِرُ: مَعْرِفتهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثٍ وَلُغَةٍ وَنَحْوٍ.
وَقِيلَ 199: "إِنَّ فَرْضَ الْكِفَايةِ لَا يَتَأَدَّى بِهِ؛ لَأَنَّ تَقْلِيدَهُ نَقْصٌ وَخَلَلٌ فِي الْمَقْصُودِ".
الجزء: 1 - الصفحة: 161
وَقِيلَ 200: "يَتَأَدَّى بِهِ فِي الفَتْوَى، لَا فِي إِحْيَاءِ الْعُلُومِ الَّتِي تُسْتَمَدُّ مِنْها الفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَ فِي فَتْوَاهُ مَقَامَ إِمَامٍ مُطْلَقٍ، فَهُوَ يُؤَدِّي عَنْهُ مَا كَانَ يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ حِينَ كَانَ حَيًّا قَائِمًا بِالفَرْضِ مِنْهَا".
وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ.
ثُمَّ قَدْ يُوجَدُ مِنَ الْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ اسْتِقْلالٌ بِالاِجْتِهَادِ وَالفَتْوَى فِي مَسْألَةٍ خَاصَّةٍ أَوْ بَابٍ خَاصٍّ.
وَيَجُوزُ 201 لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا لَمْ يَجِدْهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ عَنْ إِمَامِهِ لِمَا 202 يُخْرِّجُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ.
وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ، وَهُوَ أَصَحُّ.
فَالْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ -مَثَلًا- إِذَا أَحَاطَ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ، وَتَدَرَّبَ فِي مَقَايِيسِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ؛ تَنَزَّلَ مِنَ الْإِلْحَاقِ بمَنْصُوصَاتِهِ وَقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ مَنْزِلَةَ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ فِي إِلْحَاقِهِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهَذَا أَقْدَرُ عَلَى ذَا مِنْ ذَاكَ [عَلَى ذَاكَ] 203، فَإِنَّهُ يَجِدُ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ قَوَاعِدَ مُمَهَّدَةً، وَضَوَابِطَ مُهَذَّبَةً، مَا لَا يَجِدُهُ 204 الْمُسْتَقِلُّ 205 فِي أُصُولِ الشَّرْعِ 206 وَنُصُوصِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 162
وَقَدْ سُئِلَ [الإِمَامُ] 207 أَحْمَدُ -رضي الله عنه- عَمَّنْ يُفْتِي بِالْحَدِيثِ، هَلْ لَهُ ذَلِكَ 208 إِذَا حَفِظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ؟
فَقَال: "أَرْجُو".
فَقِيلَ لِأَبِي إِسْحَاقَ ابْنِ شَاقْلَا: فَأَنْتَ تُفْتِي، وَلَسْتَ تَحْفَظُ هَذَا القَدْرَ؟
فَقَال: "لَكِنِّي أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ" يَعْنِي الإِمَامَ أَحْمَدَ 209.
ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَفْتِيَ -فِيمَا يُفْتِيهِ بِهِ مِنْ تَخْرِيجِهِ هَذَا- مُقَلِّدٌ لِإمَامِهِ لَا لَهُ.
وَقِيلَ: "مَا يُخَرِّجُهُ أَصْحَابُ الْإِمَامِ عَلَى مَذْهَبِهِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ 210 إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَذْهَبُهُ؟ "
فِيهِ لَنَا وَلِغَيرِنَا خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ هُوَ: "الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى أَقْوَالِهِ، كَمَا يَتَمَكَّنُ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى [كُلِّ] 211 مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَوِ 212 السُّنَّةُ أَوِ الاسْتِنْبَاطُ".
الجزء: 1 - الصفحة: 163
ولَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يُفْتِيَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيمَا يُفْتِي بِهِ، بِحَيْثُ يَحْكُمُ فِيمَا يَدْرِي، وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي، بَلْ قَدْ يَجْتَهِدُ الْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ، وَيَجْتَهِدُ العَامِّيُّ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ وَيَتَّبِعُهُ.
ثُمَّ تَخْرِيجُهُ تَارَةً يَكُونُ مِنْ نَصٍّ مُعَيَّنٍ لِإِمَامِهِ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيِّنَةٍ، وَتَارَةً لَا يَجِدُ لِإِمَامِهِ نَصًّا مُعَيَّنًا [يُخَرِّجُ مِنْهُ] 213؛ فَيُخَرِّجُ عَلَى وَفْقِ أُصُولِهِ وَقَوَاعِدِهِ، بِأَنْ يَجِدَ 214 دَلِيلًا مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ إِمَامُهُ، وَعَلَى شَرْطِهِ، فَيُفْتِيَ بِمُوجَبِهِ.
وَجَعْلُ هَذَا مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ بَعِيدٌ.
ثمَّ إِنْ وَقَعَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّخْرِيجِ فِي صُورَةٍ فِيهَا نَصٌّ رمَامِهِ مُخَرَّجًا 215 -هُوَ فِيهَا بِخِلَافِ نَصِّهِ فِيهَا- مِنْ نَصٍّ آخَرَ فِي 216 صُورَةٍ أُخْرَى، سُمِّيَ 217: "قَوْلًا مُخَرَّجًا 218 "؛ كَنَصِّهِ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ 219 فِي وَقْتَيْنِ، فَيُخَرِّجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي الْأُخْرَى، فَيَكُونُ لَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَوْلَانِ: قَوْلٌ مَنْصُوصٌ، وَقَوْلٌ مُخَرَّجٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: "الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلَيْهِ [فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ] 220 لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ"؛ لَمْ يَجُزِ
الجزء: 1 - الصفحة: 164
النَّقْلُ وَالتَّخْرِيجُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَى الْمُتَأَخِّرَةِ.
[وَيَجُوزُ عَكْسُهُ.
هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَصْحَابِنَا.
وَفِي جَوَازر خِلافٌ وَتَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ آنِفًا.
وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ يُطْلِقُونَ النَّقْلَ وَالتَّخْرِيجَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَيَلْزَمُ التَّخْرِيجُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَى الْمُتَأَخِّرَةِ] 221؛ فَيَكُونُ الْقَدِيمُ مَذْهَبًا، وَالْجَدِيدُ لَيْسَ مَذْهَبًا.
وَإِذَا وَقَعَ النَّوْعُ الثَّانِي فِي صُورَةٍ قَدْ قَال فِيهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ غَيْرَ ذَلِكَ، سُمِّيَ [ذَلِكَ] 222: "وَجْهًا" لِمَنْ خَرَّجَهُ، وَيُقَال: "فِيهَا وَجْهَانِ".
وَقَدْ يُخَرِّجُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ خِلَافَ نَصِّ الْإِمَامِ فِيهَا، عَلَى مَا يَرَاهُ دَلِيلًا مِنْ جِنْسِ أَدِلَّةِ الْإِمَامِ.
وَذَلِكَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا كَثِيرٌ، وَالْخِلَافُ هُنَا اصْطِلَاحٌ لَفْظِيٌّ.
وَشَرْطُ التَّخْرِيجِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا عِنْدَ اخْتِلافِ النَّصَّيْنِ: أَلَّا يُوجَدَ بَيْنَ الْمَسْأَلتَيْنِ فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ 223، وَلَا يَكُونَ الْإِمَامُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَ زَمَنُ الْقَوْلَيْنِ قَرِيبًا.
وَلَا حَاجَةَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِلَى عِلَّةٍ جَامِعَةٍ، وَهُوَ كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ.
وَمَتَى أَمْكَنَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلتَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ -عَلَى الأصَحِّ- التَّخَريجُ، وَلَزِمَهُ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا لِلْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 165
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَوْلِ بِالتَّخْرِيجِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي إِمْكَانِ الفَرْقِ 224 وَتَمَامُ ذَلِكَ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى-.
الجزء: 1 - الصفحة: 166
الْحَالةُ الثَّالِثَةُ:
أَلَّا يَبْلُغَ بِهِ رُتْبَةَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ 225، أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ، غَيْرَ أَنّهُ فَقِيهُ النَّفْسِ، حَافِظٌ لِمَذْهَبِ إِمَامِهِ، عَارِفٌ بِأَدِلَّتِهِ، قَائِمٌ بِتَقْرِيرِهِ وَنُصْرَتِهِ، يُصَوِّرُ، [ويُحَرِّرُ] 226، ويُمَهِّدُ، ويقَرِّرُ، ويزَيِّفُ، ويرَجِّحُ.
لَكِنَّهُ قَصَّرَ عَنْ دَرَجَةِ أُولِئَكَ:
- إِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْ فِي حِفْظِ الْمَذْهَبِ مَبْلَغَهُمْ.
- وَإِمَّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتبَحِّرٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَنحْوِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِثْلُهُ فِي ضِمْنِ مَا يَحْفَظُهُ مِنَ الْفِقْهِ، وَيَعْرِفُهُ مِنْ أَدِلِّتِهِ، عَنْ أَطْرَافٍ مِنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ.
- وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُقَصِّرًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَدَوَاتُ الاجْتِهَادِ الْحَاصِلِ لِأَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ 227.
وَهَذِهِ صِفَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأخِّرِينَ الَّذِينَ رَتَّبُوا الْمَذَاهِبَ وَحَرَّرُوهَا، وَصَنَّفُوا فِيهَا تَصَانِيفَ بِهَا يَشْتَغِلُ النَّاسُ الْيَومَ غَالِبًا، وَلَمْ يَلْحَقُوا مَنْ يُخَرِّجُ الوُجُوهَ ويمَهِّدُ الطُّرُقَ فِي الْمَذَاهِبِ.
وَأَمَّا [فِي] 228 فَتَاوِيهِمْ: فَقَدْ كَانُوا يَتبَسَّطُونَ 229 فِيهَا كَتبَسُّطِ 230 أُولَئِكَ أَوْ نَحْوِهِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 167
وَيَقِيسُونَ غَيْرَ الْمَنْقُولِ وَالْمَسْطُورِ [عَلَى الْمَنْقُولِ وَالْمَسْطُورِ فِي الْمَذْهَبِ، غَيْرُ مُقْتَصِرِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَقِيَاسِ لَا فَارِقَ] 231، نَحْوُ: قِيَاسُ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ فِي رُجُوعِ الْبَائِعِ إِلَى عَيْنِ مَالِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الثَّمَنِ.
وَلَا تَبْلُغُ فَتَاوِيهِمْ فَتَاوَى أَصْحَابِ الْوُجُوهِ.
وَرُبَّمَا تَطَرَّقَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَخْرِيجِ قَوْلٍ، وَاسْتِنْبَاطِ وَجْهٍ وَاحْتِمَالٍ 232.
وَفَتَاوِيهِمْ مَقْبُولَةٌ أَيْضًا 233.
الجزء: 1 - الصفحة: 168
الْحَالةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقُومَ بِحِفْظِ الْمَذْهَبِ، وَنَقْلِهِ، وَفَهْمِهِ، فَهَذَا يُعْتَمَدُ نَقْلُهُ وَفَتْوَاهُ [بِهِ] 234، فِيمَا يَحْكِيهِ مِنْ مَسْطُورَاتِ مَذْهَبِهِ، مِنْ مَنْصُوصَاتِ إِمَامِهِ، وَتَفْرِيعَاتِ 235 أَصْحَابِهِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَذْهَبِهِ وَتَخْرِيجَاتِهِمْ.
- وَأَمَّا مَا [لَا] 236 يَجِدُهُ مَنْقُولًا فِي مَذْهَبِهِ:
- فَإِنْ وَجَدَ فِي الْمَنْقُولِ مَا هَذَا فِي مَعْنَاهُ، بِحَيْثُ يُدْرِكُ مِنْ غَيْرِ فَضْلِ فِكْرٍ وَتَأَمُّلٍ أَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي الْأَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَبْدِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي إعْتَاقِ الشَّرِيكِ؛ جَازَ لَهُ إِلْحَاُقهُ بِهِ، وَالفَتْوَى بِهِ.
وَكَذَلِكَ: مَا يَعْلَمُ انْدِراجُهُ تَحْتَ ضَابِطٍ وَمَنْقُولٍ مُمَهَّدٍ فِي الْمَذْهَبِ. - وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَعَلَيْهِ الإِمْسَاكُ عَنِ الفُتْيَا فِيهِ 237.
وَمثْلُ هَذَا يَقَعُ نَادِرًا فِي حَقِّ مِثْلِ الْفَقِيهِ 238 الْمَذْكُورِ، إِذْ يَبْعُدُ أَنْ تَقَعَ وَاقِعَةٌ لَمْ يُنَصَّ عَلَى حُكْمِهَا فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى [بَعْضِ] 239 الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَلَا مُنْدَرِجةٌ تَحْتَ شَيْءٍ مِنْ ضَوَابِطِ الْمَذْهَبِ الْمُحَرَّرَةِ فِيهِ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْفَقِيهَ لَا يَكُونُ إِلَّا فَقِيهَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ تَصْوِيرَ الْمَسَائِلِ عَلَى وَجْهِهَا
الجزء: 1 - الصفحة: 169
وَنَقْلَ أحْكَامِهَا بَعْدَهُ؛ لَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا فَقِيهُ النَّفْسِ.
وَيَكْفِي اسْتِحْضَارُ أَكْثَرِ الْمَذْهَبِ، مَعَ قُدرَتهِ عَلَى مُطَالعَةِ بَقِيَّتِهِ قَرِيبًا 240.
الجزء: 1 - الصفحة: 170
الْقِسْمُ الثَّالِثُ الْمُجْتَهَدُ فِي نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ
فَمَنْ عَرَفَ الْقِيَاسَ وَشُرُوطَهُ؛ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي مَسَائِلَ مِنْهُ قِيَاسِيَّةٍ لا تَتَعَلَّقُ 241 بِالْحَدِيثِ.
وَمَنْ عَرَفَ الفَرَائِضَ؛ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا، وَإِنْ جَهِلَ أَحَادِيثَ النِّكَاحِ وَغَيْرَهُ.
وَقِيلَ 242: "يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ دُونَ غَيْرِهَا".
وَقِيلَ: "بِالْمَنْعِ فِيهِمَا" 243. وَهُوَ بَعِيدٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 171
الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْمُجْتَهدُ فِي مَسَائِلَ، أَوْ مَسْأَلَةٍ
وَلَيْسَ 244 لَهُ الفَتْوَى 245 فِي غَيْرِهَا.
وَأَمَّا فِيهَا:
فَالْأَظْهَرُ: جَوَازُ.
وَيَحْتَمِلُ: الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْقُصُورِ وَالْتَّقْصِيرِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 172
فَصْلٌ فَمَنْ 246 أَفْتَى، وَلَيْسَ عَلَى صِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ؛ لأنَّهُ لَا يَعْرِفُ الصَّوَابَ وَضِدَّهُ، فَهُوَ كَالْأَعْمَى الَّذِي لَا يُقَلِّدُ الْبَصِيرَ فِيمَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْبَصَرُ؛ لِأَنَّهُ بِفَقْدِ الْبَصَرِ لَا يَعْرِفُ الصَّوَابَ وَضِدَّهُ، ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ 247. [قَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: "يَلْزَمُ وَلِيَّ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ، كَمَا فَعَلَ بَنُو أُمَيَّةَ" 248] 249. وَمَنْ تَصَدَّى لِلْفُتْيَا 250 ظَانًّا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا؛ فَلْيَتَّهِمْ نَفْسَهُ، وَلَيَتَّقِ رَبَّهُ، فَإِنَّ الْمَاهِرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَوِ الْخِلَافِ أَوِ الْعَرَبِيَّةِ دُونَ الْفِقْهِ؛ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفُتْيَا لِنَفْسِهِ وَلغَيْرِهِ؛ لأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَةِ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ مِنْ أُصُولِ الاجْتِهَادِ؛ لِقُصُورِ آلَتِهِ، وَلَا مِنْ مَذْهَبِ إِمَامٍ؛ لِعَدَمِ حِفْظِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ؛ فَلا 251 يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ، وَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ -عَلَى أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ 252 -.
الجزء: 1 - الصفحة: 173
وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ تَقْلِيدَهُ فِيمَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ، وَالْحُكْمَ بِهِ 253، وَلَا وَجْهَ لَهُ مَعَ جَهْلِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ وَعَامَّتَيْهُمَا 254 لِمَا سَبَقَ آنِفًا 255.
وَلِا يَجُوزُ لِلمُقَلِّدِ الْفَتْوَى بِمَا هُوَ مُقَلِّدُ فِيهِ 256.
وَقِيلَ: "إِنْ جَهِلَ دَلِيلَهُ".
وقِيلَ 257: "يَجُوزُ لِمَنْ حَفِظَ مَذْهَبَ ذِي مَذْهَبٍ وَنُصُوصَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفا بِغَوَامِضِهِ وَحَقَائِقِهِ".
وَقِيلَ 258: "لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَبَحِّرًا فِيهِ عَالِمًا بِغَوَامِضِهِ وَحَقَائِقِهِ؛ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلعَامِّيِّ الَّذِي جَمَعَ فتاوَى الْمُفْتِينَ أَنْ يُفْتِيَ بِهَا.
وَإِذَا كَانَ مُتَبَحِّرًا فِيهِ؛ جَازَ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ".
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ مَنْ مَنَعَ الْفَتْوَى بِهِ: أَنَّهُ لَا يَذْكُرُهُ عَلَى صُورَةِ مَا يَقُوُلهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَلْ يُضِيفُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَحْكِيهِ عَنْ إِمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ؛ لِصِحَّةِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ كَمَا سَبَقَ.
فَعَلَى هَذَا: مَنْ عَدَدْنَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمُفْتِينَ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ لَيْسَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنَ الْمُفْتِينَ، وَلَكِنْ قَامُوا مَقَامَهُمْ وَأَدَّوا عَنْهُمْ، فَعُدُّوا مَعَهُمْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 174
وَسَبِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولُوا مَثَلًا: "مَذْهَبُ أَحْمَدَ كَذَا وَكَذَا، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ كَذَا وَكَذَا"، أَوْ 259 نَحْوَ ذَلِكَ.
وَمَنْ تَرَكَ مِنْهُمْ إِضَافَةَ ذَلِكَ إِلَى إِمَامِهِ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اكْتِفَاءً بِالْمَعْلُومِ مِنَ الْحَالِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالْمَقَالِ؛ جَازَ.
وَإِذَا عَرَفَ الْعَامِّيُّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ 260، وَدَلِيلَهَا 261:
فَقِيلَ: "يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ، وَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى العِلْمِ بِهِ، كَوُصُولِ الْعَالِمِ إلَيْهِ".
وَقِيلَ: "يَجُوزُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ دَلِيلُهَا نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَظُهُورُ دَلَالةِ النَّقْلِي بِخِلَافِ النَّظَرِيِّ".
وَقِيْلَ: "لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا".
وَهُوَ أَظْهَرُ -وَقَدْ سَبَقَ نَحْوُهُ، وَسَيَأْتِي 262 تَمَامُهُ؛ [وَلِأَنَّهُ] 263 رُبَّمَا كَانَ لَهُ مُعَارِضٌ يَجْهَلُهُ هُوَ.
فَلَوْ اسْتَفْتَى عَامِّيٌّ فَقِيهًا فِي حَادِثَةٍ، فَأَفْتَاهُ بِشَيءٍ، فَاعْتَقَدَهُ مَذْهَبًا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِصِحَّتِهِ، لَكِنْ لَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 175
فَصْلٌ
لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بمَا سَمِعَهُ مِنْ مُفْتٍ، إِنَّما يَجُوزُ [لَهُ] 264 أَنْ يَعْمَلَ هُوَ بهِ.
وَلا يُفْتِيَ بِالْحِكَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ، بَلْ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سُئِلَ عَمَّا عِنْدَهُ.
ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَالْقَاضِي، وَغَيْرُهُمَا 265، مِنَّا وَمنَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَدْ قَال عَبْدُ اللهِ [بْنُ أَحْمَدَ] 266: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الرَّجُلِ تَكُونُ 267 عِنْدَهُ الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ، فِيهَا قَوْلُ رَسُولِ اللهِ -صلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ-، وَاخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابعِينَ، وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ بَصَرٌ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ الْمَتْرُوكِ، [وَلَا] 268 الْإِسْنَادِ الْقَوِيِّ مِنَ الضَّعِيفِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا شَاءَ، وَيَتَخَيَّرَ مَا أَحَبَّ مِنْ مَتْنِهِ، فَيُفْتِيَ [بِهِ] 269، وَيَعْمَلَ بِهِ؟
قَال: "لَا يَعْمَلُ حَتَّى يَسْأَلَ مَا يُؤْخَذُ بِهِ مِنْهَا، فَيَكُونُ يَعْمَلُ عَلَى أَمْرٍ صَحِيحٍ، يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ" 270.
الجزء: 1 - الصفحة: 176
فَصْلٌ
وَمَنْ تَفَقَّهَ، وَقَرَأَ كِتَابًا أَوْ كُتُبًا مِنَ الْمَذْهَبِ 271، وَهُوَ قَاصِرٌ، لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفَةِ بَعْضِ الْمُفْتِينَ الْمَذْكُورِينَ؛ فَلِلْعَامِّيِّ أَنْ يُقَلِّدَهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فِي بَلَدِهِ، وَقَرِيبًا مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى السَّفَرِ إِلَى مُفْتٍ؛ لَزِمَهُ.
وَقِيلَ: "إِذَا 272 خَلَتِ الْبَلْدَةُ عَنْ مُفْتٍ، حَرُمَ السُّكْنَى فِيهَا".
فَإِنْ شَقَّ السَّفَرُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ مَسْأَلَتَهُ لِلْقَاصِرِ الْمَذْكُورِ:
- فَإِنْ وَجَدَهَا مَسْطُورَةً، وَهُوَ مِمَّنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ؛ أَخْبَرَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ، وَكَانَ الْمُسْتَفْتِي لَهُ مُقَلِّدًا لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ لَا لِلحَاكِي لَهُ.
- وَإِنْ لَمْ يَجِدْهَما؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقِيسَهَا عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَسْطُورِ وَإِنِ اعْتَقَدَهُ، مِثْلُ قِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ يُعَرَّضُ 273 لِأنْ يَعْتَقِدَ مَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ دَلِيلًا فِيهِ 274.
الجزء: 1 - الصفحة: 177
فَصْلٌ
فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْعَامِّيُّ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا فِي بَلَدِهِ وَلا غَيْرِهِ:
فَقِيلَ: "لَهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْوَقْفِ" 275.
وَهُوَ أَقْيَسُ.
لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قَال: "يَدْرُسُ الْإِسلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوبِ 276، حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ، وَلَا صَلَاةٌ، وَلا نُسُكٌ، وَلا صَدَقَةٌ، ويُسْرَى عَلى كتَابِ اللهِ فِي لَيْلَةٍ، فَلا يَبْقَى فِي الأرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى 277 طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ، الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالعَجُوزُ الكَبِيرَةُ، يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هذِهِ الكَلِمَةِ "لَا إِلَهَ إِلَا اللهُ"، فَنَحْنُ نَقُولُهَا".
فَقَال صِلَةُ بْنُ زُفَرَ لِحُذَيْفَةَ: فَمَا تُغْنِي 278 عَنْهُمْ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صِيَامٌ، وَلَا صَلَاةٌ، وَلَا نُسُكٌ، وَلَا صَدَقَةٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، فَرَدَّدَهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ [فِي] 279 الثَّالِثَةِ، فَقَال: يَا صِلَةُ، تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ، تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ، تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ 280.
الجزء: 1 - الصفحة: 178
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "السُّنَنِ" 281، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي "صَحِيحِهِ"، وَقَال: "هَذَا حَدِيثٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ" 282.
الجزء: 1 - الصفحة: 179