بَابُ كَيْفِيَّةِ الاسْتِفْتَاءِ، وَالْفَتْوَى، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا
1 الجزء: 1 - الصفحة: 239
إِذَا لَزِمَ الْمُفْتِيَ الْجَوَابُ؛ لَزِمَهُ بَيَانهُ، إِمَّا شَفَاهًا أَوْ كِتَابَةً.
فَإِنْ جَهِلَ لِسَانَ السَّائِلِ؛ أَجْزَأَتْهُ تَرْجَمَةُ وَاحِدٍ ثِقَةٍ؛ لِأنهَا خَبَرٌ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَال بِخَطِّهِ، لَا بِإِمْلَائِهِ وَتَهْذِيبِهِ.
وَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ السُّؤَال عَلَى وَرَقَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ يَكْتُبُ الْجَوَابَ.
[فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلةِ تَفْصِيلٌ؛ لَمْ يُطْلِقِ الْجَوَابَ] 2.
وَلَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَ السَّائِلَ -إِنْ حَضرَ-، وَيُقَيِّدَ السُّؤَال فِي رُقْعَةِ 3 الاسْتِفْتَاءِ، ثُمَّ يُجِيبَ عَنْهُ.
وَهُوَ أَوْلَى وَأَسْلَمُ.
[وَلَهُ] 4 أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى جَوَابِ أَحَدِ الأْقْسَامِ؛ [إِذَا عَلِمَ] 5 أَنَّهُ الْوَاقِعُ لِلسَّائِلِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: "هَذَا إِذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا".
وَلَهُ أَنْ يُفَصِّلَ الْأَقْسَامَ فِي جَوَابِهِ، ويُذْكُرَ حُكْمَ كُلِّ قِسْمٍ.
وَقِيلَ 6: "هَذَا ذَرِيعَةٌ إِلَى تَعْلِيمِ النَّاسِ الْفُجُورَ، وَفَتْحِ بَابِ التَّمَحُّلِ وَالتَّحَيُّلِ الْبَاطِلِ؛ وَلِأَنَّ ازْدِحَامَ الْأَقْسَامِ بِأَحْكَامِهَا عَلَى [فَهْمِ] 7 الْعَامِّيِّ يَكَادُ يُضَيِّعُهُ".
الجزء: 1 - الصفحة: 241
وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُفْتِي مَنْ يَسْتَفْسِرُهُ فِي ذَلِكَ؛ احْتَاجَ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَلْيَتَثبَّتْ وَلْيَجْتَهِدْ فِي اسْتِيفَاءِ الْأَقْسَامِ وَأَحْكَامِهَا وَتَحْرِيرِهَا 8.
الجزء: 1 - الصفحة: 242
فَصْلٌ
فَإنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي بَعِيدَ الْفَهْم؛ فَلْيَرْفُقْ بهِ الْمُفْتِي فِي التَّفَهُّم مِنْهُ، وَالتَّفْهِيم لَهُ.
وَيَسْتُرْ عَلَيْهِ.
وَيَحْسُنُ الْإِقْبَال نَحْوَهُ.
وَيَتَأَمَّلُ وَرَقَةَ الاسْتِفْتَاءِ مِرَارًا، لَاسِيَّمَا آخِرَهَا.
وَيَسْألُ الْمُسْتَفْتِي 9 عَنِ الْمُشْتبَهِ، وينْقُطُهُ وَيَشْكُلُهُ؛ لِمَصْلَحَتِهِ وَمَصلَحَةِ مَنْ يُفْتِي بَعْدَهُ.
وَإِنْ رَأَى لَحْنًا فَاحِشًا، أَوْ خَطَأً يُحِيلُ مَعْنًى 10؛ أَصْلَحَهُ؛ لَأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْوَرَقَةِ إِنَّمَا قَدَّمَهَا إِلَيْهِ لِيَكْتُبَ فِيهَا مَا يَرَى 11، وَهَذَا مِنْهُ.
وَكَذَا: إِنْ رَأَى بَيَاضًا فِي [أثنَاءِ بَعْضِ الْأَسْطُرِ] 12 أَوْ فِي آخِرِهَا؛ خَطَّ عَلَيْهِ وَشَغَلَهُ، كَمَا يَفْعَلُ الشَّاهِدُ فِي كُتُبِ 13 الْوَثَائِقِ وَنَحْوِهَا 14؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا [قَصَدَ أَحَدٌ
الجزء: 1 - الصفحة: 243
الْمُفْتِيَ بِسُوءٍ] 15، فكَتَبَ فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ [بَعْدَ فَتْوَاهُ] 16 مَا يُفْسدُهَا 17.
الجزء: 1 - الصفحة: 244
فَصْلٌ
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ مَا فِي الْوَرَقَةِ عَلَى الْفُقَهَاءِ الْحَاضِرِينَ الصَّالِحِينَ لِذَلِكَ، ويُشَاوِرَهُمْ فِي الْجَوَابِ [ويُبَاحِثَهُمْ فِيهِ] 18 [وَإِنْ] 19 كَانُوا دُونَهُ وَتَلَامِذَتَهُ 20؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ.
إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَا [لَا] 21 يَحْسُنُ إِبْدَاؤُهُ، أَوْ مَا لَعَلَّ السَّائِلَ يُؤثِرُ سَتْرَهُ، أَوْ مَا فِي إِشَاعَتِهِ مَفْسَدَةٌ لِبَعْضِ النَّاسِ؛ فَيَنْفَرِدَ هُوَ بِقِرَاءَتِهَا وَجَوَابِهَا 22.
الجزء: 1 - الصفحة: 245
فَصْلٌ يَنبغِي أَنْ يَكتُبَ الْجَوَابَ:
- بِخَطٍّ وَاضِحٍ وَسَطٍ.
- وَلَفْظٍ وَاضِحٍ حَسَنٍ.
- تَفْهَمُهُ الْعَامَّةُ، وَلَا تَسْتَقْبِحُهُ 23 الْخَاصَّةُ.
-ويقَارِبُ سُطُورَهُ وَأَقْلَامَهُ وَخَطَّهُ، لِئَلا 24 يُزَوِّرَ أَحَدٌ عَلَيْهِ. - ثُمَّ يَنْظُرَ [فِي] 25 الْجَوَابِ بَعْدَ سَطْرِهِ 26.
الجزء: 1 - الصفحة: 246
فَصْلٌ وإذَا 27 ابْتَدَأَ بالإفْتَاء:
- كَتَبَ فِي جَانِبِهَا الْأَيْسَرِ [-إِنْ شَاءَ-] 28؛ لَأِنَّهُ أَمْكَنُ.
- وَإِنْ كَتَبَ فِي الْأَيْمَنِ أَوْ أَسْفَلَ؛ جَازَ.
- وَإِنْ تَرَفَّعَ فِيهَا؛ كُرِهَ، لَاسِيَّمَا فَوقَ البَسْمَلَةِ.
- وَأَكْثَرُ مَنْ يُفْتِي يَقُوُل: "الْجَوَابُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ"، وَحَذَفَ ذَلِكَ آخَرُونَ.
وَالأوْلَى: أَنْ يُكْتَبَ فِيمَا طَال مِنَ الْمَسَائِلِ، ويحْذَفَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. - وَيَخْتِمُ الْجَوَابَ بِقَوْيهِ: "وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ"، أَوْ: "وَاللهُ الْمُوَفِّقُ"، أَوْ: "وَاللهُ أَعْلَمُ".
- وَكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُوُل إِذَا أَفْتَى: "إِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي".
[وَقَدْ قَال أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضي الله عنه- فِي الْكَلالةِ: "أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِيِ، فإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأ فَمِنِّي] 29 وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ".
30 الْكَلالةُ: مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ 31.
الجزء: 1 - الصفحة: 247
وَ [هَذَا] 32 يُكْرَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لَأِنَّهُ يُضْعِفُ نَفْسَ السَّائِلِ، وَيَدْخُلُ قَلْبَهُ الشَّكُّ فِي الْجَوَابِ.
- وَلَيْسَ [يَقْبُحُ] 33 مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: "الْجَوَابُ عِنْدَنَا"، أَوْ: "الَّذِي عِنْدَنَا"، أَوْ يَقُولَ: " [وَ] 34 الَّذِي نَرَاهُ 35 كَذَا وَكَذَا"؛ لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابهِ، وَأَرْبَابِ مَقَالَتِهِ.
- وَكَانَ مَالِكٌ وَمَكْحُولٌ لَا يُفْتِيَانِ حَتَّى يَقُولَا: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ" 36.
- وقِيلَ: "يَقُولُ الْمُفْتي أَيْضًا 37: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ 38. ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ 39 الآيَةَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 248
﴿قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ 40.
لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ [العَلِيِّ الْعَظِيمِ] 41. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ وَسَلِّمْ.
اللَّهُمَّ [وَفِّقْنِي وَاهْدِنِي] 42 وَسَدِّدْنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ الصَّوَابِ وَالثَّوَابِ، وَأَعِذْنِي مِنَ الْخَطَأِ وَالْحِرْمَانِ.
آمِينَ".
- وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ فَتْوَى؛ فَلْيَأْتِ بِهَا عِنَد أَوَّلِ 43 فُتْيَا 44 يُفْتِيهَا فِي يَوْمِهِ، لِمَا يُفْتِيهِ فِي سَائِرِ يَوْمِهِ 45، مُضِيفًا إِلَيْهَا قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَمَا تَيَسَّرَ.
فَإِنَّ مَنْ ثَابَرَ عَلَى ذَلِكَ؛ كَانَ حَقِيقًا بِأَنْ يَكُونَ مُوَفَّقًا فِي فَتَاوِيهِ. - وإنْ تَرَكَهُ؛ جَازَ 46. [وَقَدْ] 47 قِيلَ للإمَامِ أَحْمَدَ -رضي الله عنه- 48: رُبَّمَا اشْتَدَّ عَلَيْنَا الأمْرُ
الجزء: 1 - الصفحة: 249
[مِنْ جِهَتِكَ] 49، فَلِمَنْ نَسْأل بَعْدَكَ؟ فَقَال: "سَلُوا عَبْدَ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقَ، فَإِنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُوفَّقَ لِلصَّوَابِ" 50.
الجزء: 1 - الصفحة: 250
فَصْلٌ
وَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَخْتَصِرَ جَوَابَهُ، فَيَكْتَفِيَ فِيهِ بأنَّهُ: "يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ" أَوْ: "حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ".
وَلَا يَعْدِلُ إِلَى الْإِطَالةِ وَالاحْتِجَاجِ؛ لَيُفَرِّقَ بَيْنَ الْفُتْيَا 51 وَالتَّصْنِيفِ، وَلَوْ سَاغَ التَّجَاوُزُ إِلَى قَلِيلٍ لَسَاغَ إِلَى كَثِيرٍ، وَلَصَارَ 52 الْمُفْتِي مُدَرِّسًا، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ.
وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ 53: أَيَجُوزُ كَذَا؟ كتَبَ: "لَا".
وقيل 54: "الْجَوَابُ بـ (نَعَمْ أَوْ لَا) لَا يَليقُ بغَيْر العَامَّة".
وَإِنَّمَا يَحْسُنُ مِنْهُ الاقْتِصَارُ الَّذِي لَا يُخِلُّ بِالْبَيَانِ الْمُشْترَطِ عَلَيْهِ، دُونَ مَا يُخِلُّ بِهِ، فَلَا يَدَعُ إِطَالةً لَا يَحْسُنُ الْبَيَانُ بِدُونِهَا 55.
فَإذَا كَانَتْ فُتْيَاهُ 56 فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ أَوِ الرَّجْمَ -مَثَلًا-؛ فَلْيَذْكُرْ الشُّرُوطَ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْقَوَدُ وَالرَّجْمُ.
وَإِذَا اسْتُفْتِيَ فِيمَنْ قَال قَوْلًا يَكْفُرُ بِهِ، بأَنْ قَال: "الصَّلَاةُ لَعِبٌ"، أَوْ:
الجزء: 1 - الصفحة: 251
"الحَجُّ عَبَثٌ"، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَلَا يُبَادِرُ بِأَنْ يَقُولَ: "هَذَا حَلَال الدَّمِ"، أَوْ: "يُقْتَلُ".
بَلْ يَقُولُ: "إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ؛ اسْتَتَابَهُ السُّلْطَانُ، فَإِنْ تَابَ؛ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَإِنْ أَصَرَّ وَلَمْ يَتُبْ؛ قُتِلَ وَفُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا"، وَبَالغَ فِي تَغْلِيظِ أَمْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي قَالهُ يَحْتَمِلُ أُمُورًا لَا يَكْفُرُ بِبَعْضِهَا؛ فَلَا يُطْلِقُ جَوَابَهُ.
وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: "لِيُسْأَلْ عَمَّا أَرَادَ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ أَرَادَ كَذَا، فَالْجَوَابُ [فِيهِ] 57 كَذَا، [وَإِنْ أَرَادَ كَذَا؛ فَالْحُكْمُ كَذَا] 58 ".
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيمَا شَأْنُهُ التَّفْصِيلُ 59.
وَإِذَا اسْتُفْتِيَ عَمَّا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ فَلْيَذْكُرْ قَدْرَ مَا يُعَزِّرُهُ بِهِ السُّلْطَانُ.
فَيَقُولُ: "يُضْرَبُ مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، وَلَا يُزَادُ عَلَى كَذَا"؛ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُضْرَبَ بِفَتْوَاهُ -إِذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ- مَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُهُ.
وَإِذَا قَال: "عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِشَرْطِهِ" أَوْ "الْقَوَدُ بِشَرْطِهِ"؛ فَلَيْسَ بِإِطْلَاقٍ، وَتَقْيِيدُهُ بِشَرْطِهِ؛ يَحُثُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الشَّرْطَ مِنَ الْوُلَاةِ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ شَرْطِهِ.
وَالْبَيَانُ أَوْلَى 60.
الجزء: 1 - الصفحة: 252
(فَصْلٌ)
إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلةِ مِيرَاثٍ فِيهَا إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ، أَوْ أَعْمَامٌ أَوْ 61 وَبَنُوهُمْ؛ سَأَلَ: مِنْ أَبَوَيْنِ هُمْ؟ أَوْ مِنْ أَبٍ؟ أَوْ مِنْ أُمٍّ؟
وإِنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلةٍ عَائِلَةٍ؛ بَيَّنَ سَهْمَ [كُلِّ شَخْصٍ] 62، مِمَّا عَالتْ إلَيْهِ [الْمَسْأَلةُ] 63.
فَمَنْ خَلَّفَ زَوْجَةً وَأَبَوَيْنِ وَابْنَتَيْنِ:
قَال: "لِلزَّوْجَةِ ثُمُنُ عَائِلٍ"، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ.
أَوْ يَقُوُل: "صَارَ ثُمُنها تُسْعًا"، كَمَا قَالهُ فِيهَا عَلِيٌّ -رضي الله عنه- عَلَى الْمِنْبَرِ 64.
أَوْ يَقُولُ: "لَهَا كَذَا وَكَذَا سَهْمًا مِنْ أَصْلِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا".
وَإِنْ كَانَ فِي الْمَذْكُورِينَ مَنْ لَا يَرِثُ، أَوْ يَسْقُطُ تَارَةً؛ بَيَّنَهُ.
وَإِنْ سُئِلَ عَنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ، بِمَنْ تَرِثُ الْأَنْثَى مَعَ أَخِيهَا غَيْرِ وَلَدِ الْأُمِّ؟ قَال: "لِلذَّكَرِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا، مِنْ أَصْلِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا، وَلِلْأُنْثَى نِصْفُهُ، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا [سَهْمًا] 65 مِنَ الأْصْلِ الْمَذْكُورِ"، أَوْ 66 نَحْوَ ذَلِكَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 253
وَلا يَقُلْ: لِلذَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ.
وَيتَحرَّزُ وَيَتَحَفَّظُ فِي جوَابِ مَسَائِلِ الْمُنَاسَخَاتِ، وَلْيَقُلْ 67: "لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، مِنْ ذَلِكَ كَذَا [وَكَذَا] 68 بِإِرْثِهِ مِنْ فُلَانٍ، [وَكَذَا بِإِرْثِهِ مِنْ فُلَانٍ] 69 ".
وَيحْسُنُ أَنْ يَقُولَ فِي قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ: "تُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَعْدَ إِخْرَاجِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْ دَيْنٍ وَنَحْوِهِ أَوْ وَصِيَّةٍ، إِنْ كَانَا" 70.
الجزء: 1 - الصفحة: 254
فَصْلٌ
لَيْسَ لِلْمُفْتِي أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ جَوَابِهِ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّقْعَةِ تَعَرُّضٌ لَهُ.
وَكَذَا: إِذَا زَادَ السَّائِلُ شَفَاهًا مَا لَيْسَ فِي الرُّقْعَةِ 71، [وَلَا لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ.
وَلَيْسَ لِلمُفْتِي أَنْ يَكْتُبَ جَوَابَهُ فِي الرُّقْعَةِ] 72.
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ 73 يُضِيفَهُ إِلَى السُّؤَالِ بِخَطِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الأْدَبِ كَوْنُ السُّؤَالِ جَمِيعِهِ بِخَطِّ الْمُفْتِي.
وَلَا بَأْسَ لَوْ كَتَبَ بَعْدَ جَوَابِهِ عَمَّا فِي الرُّقْعَةِ: "زَادَ السَّائِلُ مِنْ لَفْظِهِ كَذَا وَكَذَا، وَالْجَوَابُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا".
وَإِذَا 74 كَانَ الْمَكْتُوبُ [فِي الرُّقْعَةِ] 75 عَلَى خِلَافِ الصُّورَةِ الْوَاقِعَةِ، وَعَلِمَ الْمُفْتِي بِذَلِكَ؛ فَلْيُفْتِ عَلَى مَا وَجَدَهُ فِي الرُّقْعَةِ، وَلْيَقُلْ: "هَذَا إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَ 76، وَإِنْ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ -وَيَذْكُرُ مَا عَلِمَهُ مِنَ الصُّورَةِ-؛ فَالْحُكْمُ كَذَا وَكَذَا".
الجزء: 1 - الصفحة: 255
وَإِنْ زَادَ الْمُفْتِي عَلَى جَوَابِ الْمَذْكُورِ فِي السُؤَالِ، بِمَا لَهُ [بِهِ] 77 تَعَلُّقٌ، وَيُحْتَاجُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ 78؛ فَحَسَنٌ 79.
الجزء: 1 - الصفحة: 256
فَصْلٌ
لَا يَنْبَغِي إِذَا ضَاقَ مَوْضِعُ الْفَتْوَى عَنْهَا أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ فِي رُقْعَةٍ أُخْرَى؛ خَوْفًا مِنَ الْحِيلَةِ عَلَيْهِ.
وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ مَوْصُولًا بِآخِرِ سَطْرٍ فِي الرُّقْعَةِ.
وَلا 80 يَدَعُ بَيْنَهُمَا فُرْجَةً؛ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُثْبِتَ 81 السَّائِلُ فِيهَا غَرَضًا لَهُ ضَارًّا.
وَكَذَا 82: إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ وَرَقَةٌ مُلْتَزِقَةٌ؛ كتَبَ عَلَى مَوْضِعِ الالْتِزَاقِ وَشَغَلَهُ بِشَيْء.
وَإِذَا أَجَابَ عَلَى ظَهْرِ الرُّقْعَةِ: فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي أَعْلَاهَا لَا فِي ذَيْلِهَا، إِلَّا أَنْ يَبْتَدِئَ الْجَوَابَ فِي أسْفَلِهَا مُتَّصِلًا بِالاسْتِفْتَاءِ، فَيَضِيقَ عَلَيْهِ الْمَوْضِعُ، فَيُتِمَّهُ وَرَاءَهَا ممَّا يَلِي أَسْفَلَهَا؛ لِيَتَّصِلَ [بِهِ] 83 جَوَابُهُ.
وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَكْتُبَ عَلَى ظَهْرِهَا، وَلَا يَكْتُبَ عَلَى حَاشِيتِهَا بِطُولِهَا.
وَحَاشِيَتُهَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ ظَهْرِهَا.
وَالأمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ 84.
الجزء: 1 - الصفحة: 257
فَصْلٌ
إِذَا سَبَقَ بِالْجَوَابِ (1) مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلفَتْوَى
86؛ لَمْ يُفْتِ مَعَهُ، لِأنَّهُ تَقْرِيرٌ 87 لِمُنْكَرٍ، بَلْ يَضْرِبُ عَلَى ذَلِكَ بِإِذْنِ صَاحِبِ الرُّقْعَةِ.
وَلَو لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ 88 فِي هَذَا الْقَدْرِ؛ جَازَ.
لَكِنْ لَيْسَ لَهُ احْتِبَاسُ الرُّقْعَةِ إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا.
ولَهُ انْتِهَارُ السَّائِلِ وَزَجْرُهُ، وَتَعْرِيفُهُ قُبْحَ مَا أَتَاهُ، وَأنَهُ قَدْ كَانَ وَاجِبًا 89 عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ أَهْلِ الْفَتْوَى 90، وَطَلَبُ فُتْيَا مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ.
وَإِنْ رَأَى فِيهَا اسْمَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ؛ سَأَلَ عَنْهُ.
فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ فَوَاسِعٌ لَهُ 91 أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْفَتْوَى مَعَهُ؛ خَوْفًا مِمَّا قُلْنَاهُ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا يَكْتُبُ عَلَى ظَهْرِهَا 92.
وَالأوْلَى فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنْ يُشِيرَ عَلَى صَاحِبِهَا بِإِبْدَالِهَا، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ؛ أَجَابَهُ شَفَاهًا.85
الجزء: 1 - الصفحة: 258
وَإِنْ خَافَ فِتَنةً [مِنَ الضَّرْبِ] 93 عَلَى فُتْيَا مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا، وَلَمْ تَكُنْ خَطَأً؛ امْتَنَعَ مِنَ الفُتْيَا مَعَهُ.
فَإِنْ غَلَبَتْ فتاوِيهِ؛ لِتَغَلُّبِهِ عَلَى مَنْصِبِهَا بِجَاهٍ أَوْ تَلْبِيسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، بحَيْثُ صَارَ امْتِنَاعُ الْأَهْلِ مِنَ 94 الْفُتْيَا مَعَهُ ضَارًّا بِالْمُسْتَفْتِينَ 95؛ فَلْيُفْتِ مَعَهُ، وَلْيَتَلَطَّف مَعَ ذَلِكَ فِي إِظْهَارِ قُصُورِهِ لِمَنْ يَجْهَلُهُ 96.
الجزء: 1 - الصفحة: 259
فَصْلٌ
وَإذا ظَهَرَ لَهُ [أَنَّ] 97 الْجَوَابَ عَلَى خِلَافِ غَرَض الْمُسْتَفْتِي، وَأنَّهُ لَا يَرْضَى بِأن يُكتَبَ فِي وَرَقَتِهِ؛ فَليَقْتَصِرْ عَلَى مُشَافَهَتِهِ بِالْجَوَابِ، وَلَا يَكْتُبُ فِيهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ.
فَإِنَّهُ إِذَا وَافَقَ الْجَوَابُ غَرَضَ الْمُسْتَفْتِي؛ [دَعَا] 98 لِلْمُفْتِي.
وَإِنْ خَالفَهُ، سَكَتَ، أَوْ تَكَرَّهَ 99.
الجزء: 1 - الصفحة: 260
فَصْلٌ
وَإنْ رَأَى في وَرَقَة الاسْتفْتَاء فُتْيَا غَيْره، وَهيَ خَطَأٌ قَطْعًا، إِمَّا خَطَأٌ مُطْلَقًا [لِمُخَالفَتِهَا الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ] 100، وَإِمَّا عَلَى مَذْهَب مَنْ يُفْتِي ذَلِكَ الْغَيْرَ عَلَى مَذْهَبِهِ قَطْعًا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الإِمْتِنَاعُ مِنَ الإِفْتَاءِ، تَارِكًا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خَطَئِهَا، إِذَا لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ غَيْرُهُ، بَلْ عَلَيْهِ الضَّرْبُ عَلَيْهَا عِنْدَ تَيَسُّرِهِ، أَوِ الإِبْدَال وَتَقْطِيعُ الرُّقْعَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ وَمَا 101 يَقُومُ مَقَامَهُ؛ كَتَبَ صَوَابَ جَوَابِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الْخَطَأِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُخْطِئُ أَهْلًا لِلفَتْوَى 102؛ فَحَسَن أَنْ تُعَادَ إِلَيهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا.
وَإِنْ وَجَدَ فِيهَا فُتْيَا 103 مَنْ [هُوَ] 104 أَهْلٌ لِلْفَتْوَى 105، [وَهِيَ] 106 عَلَى خِلَافِ مَا يَرَاهُ هُوَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِخَطَئِهَا؛ فَلْيَقْتَصِرْ [عَلَى] 107 أَنْ يَكْتُبَ جَوَابَ نَفْسِهُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِفُتْيَا غَيْرِهِ بِتَخْطِئَةٍ وَلَا اعْتِرَاضٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 261
وَلَا يَسُوغُ لِمُفْتٍ 108 إِذَا اسْتُفْتِيَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِجَوَابِ غَيْرِهِ بِرَدٍّ وَلَا تَخْطِئَةٍ، بَلْ يُجِيبُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ وِفَاقٍ أَوْ خِلَافٍ.
فَقَدْ يُفْتِي أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِمَا يُخَالِفُهُمْ فِيهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يَرُدُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ فِي مَسَائِلِ [الاجْتِهَادِ] 109 الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ 110.
الجزء: 1 - الصفحة: 262
فَصْلٌ
إِذَا لَمْ يَفْهَمِ الْمُفْتِي السُّؤَال أَصْلًا، وَلَمْ يَحْضُرْ صَاحِبُ الْوَاقِعَةِ؛ كتَبَ: "يُزَادُ فِي الشَّرْحِ [لِنُجِيبَ] 111 عَنْهُ" أَوْ: "لَمْ أَفْهَمْ مَا فِيهَا فَأُجِيبَ 112 عَنْهُ".
وَقَال بَعْضُهُمْ: "لَا يَكْتُبُ شَيْئًا أَصْلًا" 113.
أَوْ: يَحْضُرُ السَّائِلُ لِيُشَافِهَهُ.
وَإِذَا اشْتَمَلَتِ الرُّقْعَةُ عَلَى مَسَائِلَ، فَهِمَ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ، أَوْ فَهِمَهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يُرِدِ الْجَوَابَ عَنْ بَعْضِهَا، أَوِ احْتَاجَ فِي بَعْضِهَا إِلَى مُطَالعَةِ رَأْيِهِ، أَوْ كُتُبٍ هُوَ فِيهَا؛ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَأَجَابَ عَنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ، أَوْ يَقُوُل: "فَأَمَّا 114 بَاقِي الْمَسَائِلِ [فَلَنَا فِيْهِ] 115 نَظَرٌ" أَوْ يَقُوُل: "مُطَالعَةٌ" أَوْ يَقُوُل: "زِيَادَةُ تأَمُّلٍ".
وَإِذَا فَهِمَ مِنَ السُّؤَالِ صُورَةً، وَهُوَ يَحْتَمِلُ غَيْرَهَا؛ فَلْيَنُصَّ عَلَيْهَا فِي
الجزء: 1 - الصفحة: 263
أَوَّلِ جَوَابِهِ، فَيَقُولُ: "إِنْ كَانَ قَدْ قَال كَذَا وَكَذَا، أَوْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا -أَوْ 116 مَا أَشْبَهَ هَذَا-؛ فَالْحُكْمُ كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَكَذَا [وَكَذَا] 117 " 118.
الجزء: 1 - الصفحة: 264
فَصْلٌ
يَجُوزُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ الْحُجَّةَ،
إِذَا كَانَتْ نَصًّا وَاضِحًا مُخْتَصرًا.
وَأَمَّا الْأَقْيِسَةُ وَشَبَهُهَا: فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِنْهَا.
وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفْتِي طَرِيقَ الاجْتِهَادِ، وَلَا وَجْهَ الْقِيَاسِ وَالاسْتِدْلَالِ.
إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى 119 تتعَلَّقُ بِنَظَرِ قَاضٍ؛ فَيُومِئَ فِيهَا إِلَى طَرِيقِ الاجْتِهَادِ، وَيُلَوِّحَ بِالنُّكتَةِ الَّتِي عَلَيْهَا بَنَى الْجَوَابَ.
- أَوْ يَكُونَ غَيْرُهُ قَدْ أَفْتَى فِيهَا بِفَتْوَى [غَلِطَ فِيهَا عِنْدَهُ] 120؛ فَيُلَوِّحَ بِالنُّكتَةِ الَّتِي أَوْجَبَتْ خِلَافَهُ؛ لِيُقِيمَ عُذْرَهُ فِي مُخَالفَتِهِ.
- وَكَذَا: لَوْ كَانَ فِيمَا يُفْتِي 121 بِهِ غُمُوضٌ؛ فَحَسَن أَنْ يُلَوِّحَ بِحُجَّتِهِ.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ أَوْلَى مِمَّا سَبَقَ مِنْ إِطْلاقِ الْمَنْعِ مِنْ تَعَرُّضِهِ لِلِاحْتِجَاجِ.
وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُفْتِي فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ إِلَى أَنْ يُشَدِّدَ وَيُبَالِغَ، فَيَقُولَ: "وَهَذَا 122 إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ"، أَوْ: "لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا"، أَوْ: "فَمَنْ خَالفَ
الجزء: 1 - الصفحة: 265
هَذَا فَقَدْ خَالفَ الْوَاجِبَ، وَعَدَلَ عَنِ الصَّوَابِ"، أَوْ: "تَرَكَ الْإِجْمَاعَ"، أَوْ: "فَقَدْ أَثِمَ وَفَسَقَ"، أَوْ: "وَعَلَى 123 وَلِيِّ الأْمْرِ أَنْ يَأخُذَ بِهَذَا وَلَا 124 يُهْمِلَ الأمْرَ".
وَمَا أَشْبَهَ هَذ الْألفَاظَ، عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَيُوجِبُهُ الْحَال 125.
الجزء: 1 - الصفحة: 266
فَصْلٌ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّقَاعِ عِنْدَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الأسْبَقَ، فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْفُتْيَا.
- وَعِنْدَ التَّسَاوِي أَوِ الْجَهْلِ؛ يُقَدِّمُ السَّابِقَ بِقُرْعَةٍ 126.
- وَقِيلَ 127: "لَهُ تَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ الَّذِي شَدَّ رَحْلَهُ، وَفِي تَأْخِيرهِ بِتَخَلُّفِهِ 128 عَنْ رِفْقَتِهِ ضَرَرٌ 129 عَلَى مَنْ سَبَقَهُمَا.
- إِلَّا إِذَا كَثُرَ الْمُسَافِرُونَ وَالنِّسَاءُ، بِحَيْثُ يَلْحَقُ غَيْرَهُمْ مِنْ تَقْدِيمِهِمْ ضَرَرٌ كَثِيرٌ؛ فَيَعُودَ إِلَى التَّقْدِيمِ بِالسَّبْقِ أَوْ 130 الْقُرْعَةِ.
- ثُمَّ لَا يُقَدِّمُ مَنْ يُقْدِّمُهُ إِلَّا فِي فُتْيَا وَاحِدَةٍ" 131.
الجزء: 1 - الصفحة: 267
فَصْلٌ
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمِيلَ فِي فُتْيَاهُ مَعَ الْمُسْتَفْتِي أَوْ مَعَ خَصْمِهِ؛ بِأَنْ يَكْتُبَ فِي جَوَابِهِ مَا 132 هُوَ [لَهُ، وَ] 133 يَسْكُتَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي مَسائِلِ الدَّعَاوِي وَالبَيِّنَاتِ بِذِكْرِ 134 وُجُوهِ الْمَخَالِصِ مِنْهَا.
- وَإِذَا سَأَلهُ أَحَدُهُمْ 135: بِأَيِّ شَيءٍ تَنْدَفِعُ دَعْوَى كَذَا وَكَذَا، أَوْ 136 بَيِّنَةُ كَذَا وَكَذَا؟ لَمْ يَجِبْهُ؛ لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى إِبْطَالِ حَقٍّ.
- وَلَهُ أَنْ يَسْأَلهُ عَنْ حَالِهِ فِيمَا [إِذَا] 137 ادُّعِيَ عَلَيْهِ، فَإِذَا شَرَحَهُ لَهُ عَرَّفَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ دَافِعٍ وَغَيْرِ 138 دَافِعٍ 139.
الجزء: 1 - الصفحة: 268
بَاب
ُ صِفَةِ الْمُسْتَفْتِي،
وَأَحْكَامِهِ، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ
الجزء: 1 - الصفحة: 269
أَمَّا صِفَتُهُ: فَهُوَ كُلُّ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْفُتْيَا مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا 140.
وَالتَّقْلِيدُ: "قَبُولُ قَوْلِ مَنْ 141 يَجُوزُ عَلَيْهِ الإصْرَارُ عَلَى الْخَطَأِ، بِغَيْرِ حُجَّةٍ، [عَلَى نَفْسِ مَا قُبِلَ قَولُهُ فِيهِ".
وَقِيلَ: "هُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ] 142 مُلْزِمَةٍ" كَمَا سَبَقَ.
أَخْذًا مِنَ الْقِلَادَةِ فِي الْعُنُقِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ يَتَقَلَّدُ قَوْلَ الْمُفْتِي كَالْقِلَادَةِ فِي عُنُقِهِ، أَوْ أنَّهُ قَلَّدَ ذَلِكَ الْمُفْتِيَ، وَتَقَلَّدَ الْمُفْتِي فِي عُنُقِهِ حُكْمَ مَسْأَلةِ الْمُسْتَفْتِي 143.
وَيَجِبُ الاسْتِفْتَاءُ فِي كُلُّ حَادِثَةٍ لَهُ يَلْزَمُهُ 144 تَعَلُّمُ حُكْمِهَا.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ حَتَّى يَعْرِفَ صَلَاحِيَّةَ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ لِلْفُتْيَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَهُ.
وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْجِيحُ لِمُفْتٍ يُفْتِيهِ عَلَى غَيْرِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ 145.
وَلَا يَكْتَفِي بِكَوْنِهِ عَالِمًا أَوْ مُنْتَسِبًا إِلَى الْعِلْمِ، وَإِنِ انْتَصَبَ فِي مَنْصِبِ التَّدْرِيسِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَنَاصِبِ أَهْلِ العِلْمِ، فَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 271
وَيَجُوزُ 146 لَهُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ تَوَاتَرَ بَيْنَ النَّاسِ خَبَرُهُ 147، وَاسْتِفْتَاءُ مَنْ فَهِمَ أَنَّهُ [أَهْلٌ لِلْفَتْوَى] 148.
وَقِيلَ 149: "إِنَّمَا يُعْتَمَدُ [عَلَى] 150 قَوْلِهِ 151: "أَنَا مُفْتٍ" لَا شُهْرَتِهِ بِذَلِكَ وَلَا التَّوَاتُرِ؛ لِأنَّهُ لَا يُفيدُ عِلْمًا إِذَا 152 لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى مَعْلُومٍ مُحَسٍّ 153، وَالشُّهْرَةُ بَيْنَ الْعَامَّةِ لَا يُوثَقُ بِهَا 154، وَقَدْ يَكُونُ أَصْلُهَا التَّلْبِيسَ".
وَلَهُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ أَخْبَرَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْفَى فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ بمُجَرَّدِ 155 تَصَدِّيهِ لِلْفَتْوَى 156 وَاشْتِهَارِهِ بِمُبَاشَرِتِهَا، إِلَّا بِأَهْلِيَّتِهِ لَهَا.
وَقَدْ قِيلَ 157: "يُقْبَلُ فِيهَا خَبَرُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ".
ويَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْعَدْلِ مِنَ الْعِلْمِ وَالبَصَرِ مَا يُمَيِّزُ بِهِ الْمُلْبِسَ مِنْ غَيْرِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 272
وَلَا يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى خَبَرِ آحَادِ الْعَامَّةِ؛ لِكَثْرَةِ مَا يَتَطرَّقُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْتَّلَبُّسِ 158 فِي ذَلِكَ 159.
الجزء: 1 - الصفحة: 273
فَصْلٌ
فإِنِ اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِمَّنْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الاجْتِهَادُ وَالْبَحْثُ عَنِ الأعْلَمِ وَالأوْرَعِ [وَالأوْثَقِ] 160 لِيُقَلِّدَهُ دُونَ غَيْرِهِ؟
فِيهِ وَجْهَانِ لنَا، وَلبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ؛ لِأَهْلِيَّتِهِمْ، وَقَدْ سَقَطَ الاجْتِهَادُ عَنْهُ، لَاسِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ"، لِقَوْلِ 161 النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" 162.
وَالثَّانِي: يَجِبُ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الاجْتِهَادِ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ وَشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ كَالْأَدِلَّةِ 163.
وَالأوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ ظَاهِرُ حَالِ السَّلَفِ لِمَا سَبَقَ.
وَمَتَى اطّلَعَ عَلَى الْأَوْثَقِ مِنْهُمَا، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ دُونَ الْآخَرَ، كَمَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَرْجَحِ الدَّلِيلَيْنِ، وَأَوْثَقِ الرِّوَايَتَيْنِ.
فَعَلَى هَذَا: يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ الْأَوْرَعِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَعْلَمِ مِنَ الْوَرِعِينَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 274
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ وَالآخَرُ أَوْرَعَ؛ قَلَّدَ الأعْلَمَ -عَلَى الْأَصَحِّ-، لِأَنَّهُ أَرْجَحُ، وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ كَالْأَدِلَّةِ.
وَقِيلَ: "بَلْ الْأَوْرَعَ".
[لِقَوْلِ اللهِ] 164 -تَعَالى-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ 165.
وَلِقَوْلِهِ عَلَيهِ السلام: "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ" 166.
الجزء: 1 - الصفحة: 275
فَصْلٌ
يُجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَيِّتِ -فِي أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ وَأَشْهَرِهِمَا-؛ لِأَنَّ الْمَذَاهِبَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَصْحَابِهَا، وَلِهَذَا يُعتَدُّ بِهَا بَعْدَهُمْ 167 فِي الإجْمَاعِ وَالْخِلَافِ.
ويُؤَكِّدَهُ 168: أَنْ مَوْتَ الشَّاهِدِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَ الأدَاءِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِشِهَادتِهِ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ أَهْلِيّتَهُ زَالتْ بِمَوْتِهِ، فَهُوَ كَمَا لَو فَسَقَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الاجْتِهَادِ فِيهَا -فِي أَحَدِ الْمَذَاهِب- فَرُبَّمَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَرَأْيُهُ فِيهَا 169.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ احْتِمَالًا؛ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا.
وَقُلْتُ 170: "هَذَا إِنْ لَزِمَ السَّائِلَ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ بِتَجَدُّدِ 171 الْحَادِثَةِ لَهُ ثَانِيًا" 172.
وَمَنْ نَصَرَ الأوَّلَ قَال: "الْأَصْلُ بَقَاءُ الاجْتِهَادِ وَالْحُكْمِ".
الجزء: 1 - الصفحة: 276
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: "إِنْ مَاتَ الْمُفْتِي قَبْلَ عَمَلِ الْمُسْتَفْتِي [بِفُتْيَاهُ] 173، فَلَهُ الْعَمَلُ بِهَا".
قَال: "وَقِيلَ: لَا.
لِمَا سَبَقَ" 174.
وَإِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ بِهَا، لَمْ يَجُزْ [لَهُ] 175 تَرْكُهُ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 277
فَصْلٌ
هَلْ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَتَخَيَّرَ وَيُقَلِّدَ أَيَّ مَذْهَبٍ شَاءَ أَمْ لا؟
- فَإِنْ كانَ مُنْتَسِبًا إِلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ؛ بَنيْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ هَلْ لَهُ مَذْهَبٌ أَمْ لَا؟
وَفِيهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا مَذْهَبَ لَهُ؛ لِأَنَّ 176 [الْمَذْهَبَ إِنَّمَا يَكُونُ] 177 لِمَنْ يَعْرِفُ الْأَدِلَّةَ.
فَعَلَى هَذَا: لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ [شَاءَ مِنْ] 178 شَافِعِيٍّ وَحَنَفِيٍّ وَمَالِكِيٍّ وَحَنْبَلِيٍّ، لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ"؛ لِقَوْلهِ - صلى الله عليه وسلم - 179: "أَصْحَابي كَالنُّجُوم؛ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" 180. وَالثَّانِي: أَنَّ لَهُ مَذْهَبًا؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي انْتَسَبَ إلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ، فَعَلَيهِ الْوَفَاءُ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ حَنْبَلِيًّا أَوْ مَالِكِيًّا أَوْ شَافِعِيًّا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ حَنَفَيًّا، وَلا 181 يُخَالِفَ إِمَامَهُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 278
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إِلَى مَذْهَبِ [إِمَامِهِ] 182 مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ إِمَامَهُ فِيهِ.
- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ انْتَسَبَ إِلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ؛ انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، يَأْخُذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ؟
وَفِيهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ فِي عَصْرِ أَوَائِلِ الْأُمَّةِ أَنْ يَخُصَّ الْعَامِّيُّ عَالِمًا مُعَيَّنًا بِتَقْلِيدٍ 183 لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ".
فَعَلَى هَذَا: هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ عَلَى أَيِّ مَذْهَبٍ شَاءَ، أَوْ يَلْزَمَهُ أَنْ يَبْحَثَ حَتَّى يَعْلَمَ عِلْمَ مِثْلِهِ أَسَدَّ الْمَذَاهِبِ وَأَصَحَّهَا أَصْلًا، فَيَسْتَفْتِيَ أَهْلَهُ 184؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ؛ كَالْمَذْهَبَيْنِ اللَّذَيْنِ 185 سَبَقَا فِي إِلْزَامِهِ بِالْبَحْثِ عَنِ الأْعْلَمِ وَالأْفْقَهِ مِنَ الْمُفْتِينَ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَهُوَ جَارٍ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يبْلُغْ رُتْبَةَ 186 الاجْتِهَادِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَأَرْبَابِ سَائِرِ الْعُلُومِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ اتِّبَاعُ أَيِّ مَذْهَبٍ شَاءَ لَأَفْضَى إِلَى أَنْ يَلْتَقِطَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ مُتَّبِعًا هَوَاهُ، [وَمُتَخَيِّرًا] 187 بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّجْوِيزِ، وَفِيهِ انْحِلالٌ
الجزء: 1 - الصفحة: 279
عَنِ التَّكلِيفِ، بِخِلَافِ الْعَصْرِ الْأوّلِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنِ الْمَذَاهِبُ الْوَافِيَةُ بِأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ حِينَئِذٍ قَدْ مُهِّدَتْ وَعُرِفَتْ.
فَعَلَى هَذَا: يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي اخْتِيَارِ مَذْهَبٍ يُقَلِّدُهُ 188 عَلَى التَّعْيِينِ.
وَهَذَا أوْلَى بِإِيجَابِ 189 الاجْتِهَادِ فِيهِ عَلَى الْعَامِّيِّ، مِمِّا سَبَقَ فِي الاسْتِفْتَاءِ 190.
الجزء: 1 - الصفحة: 280
فَصْلٌ وَنَحْنُ نُمَهِّدُ [لَهُ] 191 طَرِيقًا سَهْلًا، فَنَقُوُل:
- لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ فِي ذَلِكَ مُجَرَّدَ التَّشَهِّي وَالْمَيْلِ إِلَى مَا وَجَدَ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَأَهْلَهُ، قَبْلَ تَأَمُّلِهِ وَالنَّظَرِ فِي صَوَابِهِ 192.
- وَلَيْسَ لَهُ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ وَحْدَهُ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ وَأَعْلَى دَرَجَةً مِمَّنْ بَعْدَهُمْ -مَعَ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ عِنْدَنَا حُجَّةٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ 193 -؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا [لِتَدْوِينِ] 194 الْعِلْمِ وَضَبْطِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ مَذْهَبٌ مُهذَّبٌ مُحَرَّرٌ مُقَرَّرٌ مُسْتَوْعِبٌ، وَإِنَّمَا قَامَ 195 بذَلِكَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنَ الأَئِمَّةِ النَّاخِلِينَ لِمَذَاهِبِ 196 الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، الْقَائِمِينَ بِتَمْهِيدِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، النَّاهِضِينَ بِإِيضَاحِ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، وَمَعْرِفَةِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحَمْدَ، وَأَمْثَالِهِمْ، فَإِنَّ اتِّفَاقَهُمْ نِعْمَةٌ تَامَّةٌ، وَاخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 281
فَصْلٌ
وَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّازم الالْتزَامُ بِأَهْل الدِّين، وَعُلَمَاء الشَّريعَة الْمُبَرَّزينَ، وَأكَابِرِ الأئِمَّةِ المُتَّبِعِينَ الْمَتْبُوعِينَ، وَالْمَشْهُورِينَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ الْمُحِقِّينَ، [وَالْمُتَدَيِّنِينَ] 197 الْمُتَوَرِّعِينَ، وَالْمُوَفَّقِينَ الْمُسَدَّدِينَ الْمُرَشَّدِينَ.
وَكَانَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ السَّالِكُ النَّاسِكُ الْكَامِلُ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ -رضي الله عنه- قَدْ تَأَخَّرَ عَنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ 198، وَنَظَرَ فِي مَذَاهِبِهِمْ، وَمَذَاهِبِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَأَقَاوِيلِهِمْ، وَسَبَرَهَا [وخَبَرَهَا] 199 وَانتقَدَهَا، وَاخْتَارَ أَرْجَحَهَا وَأَصْلَحَهَا 200، وَوَجَدَ مَنْ قَبْلَهُ قَدْ كَفَاهُ مُؤْنَةَ التَّصْوِيرِ وَالتَّأصِيلِ وَالتَّفْصِيلِ، فتفَرَّغَ لِلِاخْتِيَارِ وَالتَّرْجِيحِ، وَالتَّنْقِيحِ وَالتَّكمِيلِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى الصَّحِيحِ، مَعَ كَمَالِ آلَتِهِ، وَبَرَاعَتِهِ 201 فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَرَجُّحِهِ عَلَى مَنْ سَبقَهُ، لِمَا يَأْتِي، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُ مَنْ بَلَغَ مَحَلَّهُ فِي ذَلِكَ؛ كانَ مَذْهَبُهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بِالاِتِّبَاعِ وَالتَّقْلِيدِ.
وَهَذَا طَرِيقُ الإِنْصَافِ وَالسَّلامَةِ مِنَ الْقَدْحِ فِي بَعْضِ الأَئِمَّةِ.
وَقَدِ ادَّعَى الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَأنَّهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ 202.
الجزء: 1 - الصفحة: 282
وَنَحْنُ نَقُوُل: كَانَ [الْإِمَامُ] 203 أَحْمَدُ أَكْثَرَهُمْ عِلْمًا بالأْخْبَارِ، وَعَمَلًا بِالآثَارِ، وَاقْتِفَاءً لِلسَّلَفِ، وَاكْتِفَاءً بِهِمْ دُونَ الْخَلَفِ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّهِمْ قَدْرًا وَذِكْرًا، وَأَرْفَعِهِمْ مَنْزِلَةً وَشُكْرًا، وَأَسَدِّهِمْ طَرِيقَةً وَأَقْوَمِهِمْ سَطْرًا، [وَأَشْهَرِهِمْ] 204 دِيَانَةً وَصِيَانَةً وَأَمَانَةً وَأَمْرًا، وَأَعْلَمِهِمْ بَرًّا وَبَحْرًا، قَدِ اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ، وَالدِّين، وَالْوَرَعِ، وَالاتِّبَاعِ، وَالْجَمْعِ، وَالاطِّلَاع، وَالرِّحْلَةِ، وَالْحِفْظِ، وَالْمَعْرِفَةِ، وَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَنَحْوِهِ، مَا لَمْ يَجْتَمِعْ مِثْلُهُ لِإنْسَانٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ، وَأَهْلُ الْأَعْصَارِ وَإِلَى الْآنَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِمَامَتِهِ، وَفَضِيلَتِهِ، وَاتِّبَاعِهِ لِمَنْ مَضَى بِإِحْسَانٍ، وَأنَّهُ إِمَامٌ فِي سَائِرِ عُلُومِ الدِّينِ، مَعَ الْإِكْثَارِ وَالْإِتْقَانِ، وإنَ أَوْلَى بِالاتِّبَاعِ، وَأَحْرَى بِالْبُعْدِ عَنِ الابْتِدَاعِ.
وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ كُتُبًا كَثِيرَةً تَدُلُّ عَلَى إمَامَتِهِ وَرُجْحَانِهِ عَلَى غَيْرِهِ 205.
فَلِذَلِكَ وَنَحْوِهِ تَعَيَّنَ الْوُقُوفُ بِبَابِهِ، وَالانْتِمَاءُ إلَيْهِ، وَالاقْتِدَاءُ بِهِ، وَالاهْتِدَاءُ بِنُورِ صَوَابِهِ، وَالارْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ فِي وُرُودِهِ وَإِيَابِهِ، وَالاقْتِفَاءُ لِمَطَالِبِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَالاكْتِفَاءُ بِصُحْبَةِ أَصْحَابِهِ 206.
وَلِأَنَّ مَذْهَبَهُ مِنْ أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ وَأَكْمَلِ، وَأَوْضَحِ الْمَنَاهِجِ وَأَجْمَلِ؛
الجزء: 1 - الصفحة: 283
لِكَثْرَةِ 207 أَخْذِهِ لَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ مَعْرِفَتِهِ بهمَا وَبِأَقْوَالِ 208 الأئِمَّةِ، وَأَحْوَالِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَتَطَلُّعِهِ عَلَى عُلُومِ الإِسْلَامِ، وَتَظَلُّعِهِ 209 مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَحْكَامِ، وَدِينِهِ التَّامِّ 210، وَعِلْمِهِ الْعَامِّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ، وَشَهَادَتِهِمْ لَهُ بِالْإِمَامَةِ وَالتَّقَدُّمِ عَلَى أَكْثَرِ الْقُدَمَاءِ، وَإِطْنَابِهِمْ فِي مَدْحِهِ وَشُكْرِهِ، وَإِسْهَابِهِمْ 211 فِي نَشْرِ فَضْلِهِ وَذِكْرِهِ، وَلَمْ يَشُكُّوا فِي صِحَّةِ اعْتِقَادِهِ وَانْتِقَادِهِ، وَأَنَّ الثِّقَةَ 212 تَحْصُلُ بِإِخْبَارِهِ، وَالنَّفْرَةَ بِإِنْكَارِهِ، وَالْعِبْرَةَ بِاعْتِبَارِهِ، [وَالْخِبْرَةَ بِاخْتِبَارِهِ] 213، وَالْخِيرَةَ لِاخْتِيَارِهِ 214، بَلْ يَرْجِعُونَ فِي دِينِهِمْ إِلَيْهِ، وَيُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ، وَيَرْضَوْنَ [بمَا يُنْسَبُ] 215 إِلَيْهِ، وَلَوْ كُذِبَ عَلَيْهِ.
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ إِذْ 216 وَفَّقَنَا لِاتِّبَاعِ مَذْهَبِهِ 217، وَالابْتِدَاءِ بتَحْصِيلِهِ وَطَلَبهِ، وَالانْتِهَاءِ إِلَى الرِّضَا [بِهِ؛ لِصِحَّةِ] 218 مَطْلَبِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 284
وَهَذَا وَأَمْثَالهُ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، وَنُقْطَةٌ مِنْ بَحْرٍ غَزِيرٍ.
وَالْغَرَضُ: الْحَثُّ عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَمَعْرِفَةِ ارْتفَاعِهِ 219 فِي الْعُلُومِ، وَاتِّسَاعِ بَاعِهِ.
فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَجَعَلَنَا مِنْ تُبْاعِهِ 220، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَةِ أَتْبَاعِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةً مِنْ مَنَاقِبِهِ 221، وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي مَدْحِهِ وَإِمَامَتِهِ فِي كُتُبٍ أُخَرَ 222.
وَلَوْ لَمْ يَقُلْ فِيهِ النَّاسُ سِوَى مَا نَذْكُرُهُ الْآنَ؛ لَكَانَ فِيهِ أَبْلَغَ غَايَةٍ، وَأَنْهَى نِهَايَةٍ، وَفِي بَعْضِهِ كِفَايَةٌ.
قَال الشَّافِعِيُّ [-رضي الله عنه-] 223: "أَحْمَدُ إمَامٌ فِي ثَمَانِ خِصَالٍ: إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ، إِمَامٌ فِي الْفِقْهِ، إِمَامٌ فِي الْقُرْآنِ، إِمَامٌ فِي اللُّغَةِ، إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ، إِمَامٌ فِي الزُّهْدِ، إِمَامٌ فِي الْوَرَعِ، إِمَامٌ فِي الْفَقْرِ" 224.
وَقَال [أَيْضًا] 225: "خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ، وَمَا خَلَّفْتُ بِهَا أَوْرَعَ، وَلَا أَتْقَى،
الجزء: 1 - الصفحة: 285
وَلَا أَفْقَهَ، وَلَا أَعْلَمَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ" 226. وَقَال لأحْمَدَ: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ مِنَّا بِالْحَدِيثِ، فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ كُوفِيًّا أَوْ شَامِيًّا، فَأَعْلِمُونِي [بِهِ] 227 حَتَّى أَذْهَبَ إلَيْهِ" 228. وَقَال: "كُلُّ مَا فِي كُتُبِي "حَدَّثَنِي الثِّقَةُ" 229 فَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، [وَكُلُّ مَا فِي كُتُبِي "وَهَذَا مِمَّا يُثْبِتُهُ"، أَوْ "لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ" فَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ] 230 " 231. وَقَال يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: " [وَاللهِ] 232 مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَفْقَهُ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، لَيْسَ فِي شَرْقٍ وَلَا غَرْبٍ مِثْلُهُ" 233. وقَال إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: "رَأَيْتُ أَحْمَدَ كَأَنَّ [اللهَ] 234 قَدْ جَمَعَ لَهُ عِلْمَ الأْوَّلِينَ
الجزء: 1 - الصفحة: 286
وَالْآخِرِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، يَقُولُ مَا يَشَاءُ 235، [وَيَدَعُ مَا يَشَاءُ] 236. وَعَدَّ الأئِمَّةَ" 237. وَقَال: "كَانَ أَحْمَدُ أَفْقَهَ الْقَوْمِ" 238. وَقَال [أَبُو الْقَاسِمِ الْخُتَّلِيُّ] 239: "كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْمَسْأَلةِ 240 كَأَنَّ عِلْمَ الدُّنْيَا بَيْنَ عَيْنيهِ" 241. وَقَال الْخَلَّال: "كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا تَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ رَجُلٍ قَدِ انْتَقَدَ الْعِلْمَ، فتكَلَّمَ عَلَى مَعْرِفَةٍ" 242. وَقَال أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: "مَا رَأَيْتُ أَسْوَدَ الرَّأْسِ أَحْفَظَ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا أَعْلَمَ بِفِقْهِهِ وَمَعَانِيهِ مِنْ أَحْمَدَ" 243.
الجزء: 1 - الصفحة: 287
وَقَال عَبْدُ الرَّزَّاقِ: "مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل، وَلَا أَوْرَعَ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ، وَمَا قَدِمَ عَلَيْنَا مِثْلُهُ" 244. قَال [أَبُو] 245 يَعْقُوبَ: " [وَمَا] 246 رُحِلَ إِلَى أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا رُحِلَ إِلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ" 247. وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ 248: "انْتَهَى الْعِلْمُ إِلَى أَرْبَعَةٍ: عَلَيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِيْنٍ، وَأَبِي 249 بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَكَانَ أَحْمَدُ أَفْقَهَهُمْ [فِيهِ] 250 " 251. وَقَال قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: "لَوْ أَدْرَكَ أَحْمَدُ عَصْرَ 252 الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالأْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَنُظَرَائِهِمْ؛ لَكَانَ هُوَ الْمُقَدَّمُ" 253.
الجزء: 1 - الصفحة: 288
[قِيلَ: تَقِيسُ أَحْمَدَ إِلَى التَّابِعِينَ؟ فَقَال: "إِلَى كِبَارِ التَّابِعِينَ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ] 254 " 255. وَقَال: "أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إِمَامَا الدُّنْيَا" 256. وَقَال أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ: "لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ أَحْمَدَ مِثْلُهُ" 257. وَقَال عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ: "كَانَ أَحْمَدُ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَهُوَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ" 258. قَال: "وَقَدْ أَجَابَ عَنْ سِتِّينَ أَلْفَ مَسْأَلةٍ بِـ (أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا) " 259. وَقَال أَبُو ثَوْرٍ 260: "أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ" 261.
الجزء: 1 - الصفحة: 289
وَقَال: "كُنْتَ إِذَا رَأَيْتَهُ خُيِّلَ إِلَيْكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَوْحٌ بَيْنَ عَيْنيهِ" 262.
وَقَال إِسْحَاقُ 263: "أَنَا أَقِيسُ أَحْمَدَ [بْنَ حَنْبَلٍ] 264 إِلَى كِبَارِ التَّابِعِينَ؛ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُوَ حُجَّة بَيْنَ اللِه وَبَيْنَ عَبِيدِهِ 265 فِي أَرْضِهِ، وَلَا يُدْرَكُ فَضْلُهُ" 266.
وَقَال ابْنُ مَهْدِيٍّ: "لَقَدْ كَادَ هَذَا الْغُلَامُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ" 267.
وَقَال أَبُو زُرْعَةَ: "كَانَ أَحْمَدُ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ".
قِيلَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَال: "ذَاكَرْتُهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ" 268.
وَقَال: "حَزَرْنَا اسْتِشْهَادَاتِ أَحْمَدَ فِي الْعُلُومِ فَوَجَدْنَاهُ يَحْفَظُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ فِيمَا 269 يَتَعَلَّقُ بِالأحْكَامِ" 270.
الجزء: 1 - الصفحة: 290
وَقَال: "مَا أَعْلَمُ فِي أَصْحَابِنَا أَسْوَدَ الرَّأْسِ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَمَا رَأَيْتُ أَكْمَلَ مِنْهُ، اجْتَمَعَ فِيهِ فِقْهٌ وَزُهْدٌ وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ خَيْرٍ، وَهُوَ أَحْفَظُ مِنِّي، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ الْمَشَايخِ 271 الْمُحَدِّثِينَ أَحْفَظَ مِنْهُ" 272.
وَقَال عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ: "كَانَ [أَبِي] 273 يُذَاكِرُ بِأَلْفَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ".
وَقَال مُهَنَّا: "مَا رَأَيْتُ أَجْمَعَ لِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ أَحْمَدَ [بْنِ حَنْبَلٍ] 274، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ فِي عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَزُهْدِهِ ووَرَعِهِ" 275.
وَقَال الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ: "إِنْ عَاشَ هَذَا الْفَتَى سَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ" 276.
وَقَال أَحْمَدُ: "رَحَلْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الثُّغُورِ، وَالشَّامَاتِ، وَالسَّوَاحِلِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْجَزَائِرِ 277، وَمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَالْحِجَازِ، وَالْيَمَنِ، وَالْعِرَاقَيْنِ جَمِيعًا،
الجزء: 1 - الصفحة: 291
وَفَارِسَ، وَخُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ، وَالْأَطْرَافِ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَى بَغْدَادَ" 278.
وقَال: "اسْتَفَادَ مِنَّا الشَّافِعِيُّ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَفَدْنَا مِنْهُ" 279.
وَقَال أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ: "قَدْ خَرَجَ عَنْ أَحْمَدَ اخْتِيَارَاتٌ، بَنَاهَا عَلَى الْأَحَادِيثِ بِنَاءً لَا يَعْرِفُهُ أَكْثرهُمْ، وَخَرَجَ عَنْهُ 280 مِنْ دَقِيقِ الْفِقْهِ مَا لَيْسَ نرَاهُ 281 لِأحَدٍ مِنْهُمْ، وَانْفَرَدَ بِمَا سَلَّمُوهُ لَهُ مِنَ الْحِفْظِ، وَشَارَكَهُمْ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى كِبَارِهِمْ" 282.
ولَهُ التَّصانِيفُ الْكَثِيرَةُ:
مِنْهَا: الْمُسْنَدُ.
وَهُوَ بِزِيَادَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ إِلَّا أَرْبَعِينَ حَدِيثًا.
وَمِنْهَا: التَّفْسِيرُ.
وَهُوَ مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ ألْفًا.
وَقِيلَ: بَلْ [مِائَةُ أَلْفٍ] 283 وَخَمْسُونَ أَلْفًا.
وَمِنْهَا: الزُّهْدُ.
وَهُوَ نَحْوُ مِائَةِ جُزْءٍ.
وَمِنْهَا: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ.
وَمنْهَا: الْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّرُ فِي الْقُرْآنِ، وَجَوَابَاتُ أَسْوِلَةٍ 284. وَمِنْهَا: الْمَنْسَكُ الْكَبِيرُ، وَالْمَنْسَكُ الصَّغِيرُ، وَالصِّيَامُ، وَالْفَرَائِضُ، وَحَدِيثُ شُعْبَةَ، وَفَضَائِلُ الصَّحَابَةِ، وَفَضَائِلُ أَبِي بَكْرٍ، وَفَضَائِلُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَالتَّارِيخُ، وَالْأَسْمَاءُ وَالْكُنَى، وَالرِّسَالةُ فِي
الجزء: 1 - الصفحة: 292
الصَّلَاةِ، وَرَسَائِلُ فِي السُّنَّةِ، وَالْأَشْرِبَةِ، وَطَاعَةِ الرَّسُولِ [- صلى الله عليه وسلم -] 285، وَالرَّدُّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِي مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَمَشَايِخُهُ أَعْيَانُ السَّلَفِ، وَأَئِمَّةُ الْخَلَفِ.
وَأَصْحَابُهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
قَال الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ: "لَا يُحْصِيهُمْ عَدَدٌ، وَلَا يَحْوِيهُمْ 286 بَلَدٌ، وَلَعَلَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ" 287.
وَرَوَى الْفِقْهَ عَنْهُ 288 أَكْثر مِنْ مِائَتَي نَفْسٍ، أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ أَصْحَابُ تَصَانِيفَ 289. 290
وَرَوَى عَنْهُ الْحَدِيثَ أَكَابِرُ مَشَايِخِهِ؛ كَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ، وَوَكِيعْ، وَقُتَيْبَةَ، وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَخَلْقٍ غَيْرِهِمْ 291.
وَمَا مِنْ مَسْأَلةٍ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إِلَّا لَهُ فِيهَا قَولٌ أَوْ أَكْثَرُ، نَصًّا أَوْ 292 إِيمَاءً.
وَهُوَ مِنْ وَلَدِ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلِ [بْنِ ثَعْلَبَةَ] 293، لَا مِنْ وَلَدِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ،
الجزء: 1 - الصفحة: 293
يَلْتَقِي نَسَبُهُ بِنَسَبِ [رَسُولِ اللهِ] 294 - صلى الله عليه وسلم - 295.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
فَصْلٌ
إِذَا اخْتَلَفَ عَلَى الْمُسْتَفْتِي فُتْيَا مُفْتِيَيْنِ فَأَكْثَرَ
فَفِيهِ مَذَاهِبُ:
الأوَّلُ: أَنهُ يَأْخُذُ بِأَشَدِّهَا وَأَغْلَظِهِا 298، فَيَأْخُذُ بِالْحَظرِ دُونَ الإْبَاحَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ، وَالْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيٌّ.
وَالثَّانِي: يَأْخُذُ بِأَخَفِّهَا 299؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 300، وَقَوْلِهِ [-تَعَالى-] 301: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 302، وَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ 303.
وَلِأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَال: "بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ" 304.
الجزء: 1 - الصفحة: 295
وَقَال أَيْضًا: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ" 305.
وَالثَّالِثُ: يَجْتَهِدُ فِي الْأَوْثَقِ، فَيَأْخُذُ بِفَتْوَى الْأَعْلَمِ الْأَوْرَعِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ، وَالآخَرُ أَوْرَعَ؛ فَمَذْهَبَانِ، كَمَا سَبَقَ.
وَالرَّابعُ: يَسْأل مُفْتِيًا آخَرَ فَيَعْمَلُ بِفَتْوَى مَنْ يُوَافِقُهُ؛ لِلتَّعَاضُدِ، كَتَعَدُّدِ 306 الأْدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ؛ لِزِيَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ.
وَالْخَامِسُ: يَتَخَيَّرُ، فَيَأْخُذُ بِقَوْلِ أَيِّهِمَا شَاءَ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ 307: "إِذَا تَسَاوَى الْمُفْتِيَانِ عِنْدَهُ.
وإِنْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا؛ تَعَيَّنَ قَوْلُهُ".
وَقِيلَ 308: "عَلَيْهِ 309 أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَبْحَثَ عَنْ أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ -وَإِنْ كَانَ قَائِلُهُ مَرْجُوحًا- فَإِنَّهُ حُكْمُ التَّعَارُضِ، وَقَدْ وَقَعَ، وَلَيْسَ كَالتَّرْجِيحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ عِنْدَ الاسْتِفْتَاءِ؛ فَلْيَبْحَثْ إِذَنْ عَنِ الأوْثَقِ مِنَ الْمُفْتَينِ فَيَعْمَلَ بِفُتْيَاهُ" 310.
الجزء: 1 - الصفحة: 296
فَإِنْ لَمْ يَتَرجَّحْ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ؛ اسْتَفْتَى الآخَرَ 311، وَعَمِلَ بِفَتْوَى مَنْ وَافَقَهُ الآخَرُ، كَمَا سَبَقَ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ، وَكَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَقَبْلَ 312 الْعَمَلِ؛ اخْتَارَ جَانِبَ الْحَظْرِ وَالتَّرْكِ، فَإِنَّهُ أَحْوَطُ.
وَإِنْ تَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ 313؛ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ -وَإِنْ مَنَعْنَاهُ 314 التَّخْيِيرَ فِي غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ، وَفِي صُورَةٍ نَادِرَةٍ، ثُمَّ إِنَّمَا نُخَاطِبُ 315 بِمَا ذَكَرْنَاهُ الْمُفْتَينِ وَالْمُقَلِّدِينَ لَهُمَا- أَوْ يَسْأَلُ مُفْتِيًا آخَرَ 316.
وَقَدْ أَرْشَدَنَا الْمُفْتِي إِلَى مَا يُجِيبُهُ بِهِ فِي ذَلِكَ.
وَهَذَا يَجْمَعُ مَحَاسِنَ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ التَّحْقِيقِ 317.
الجزء: 1 - الصفحة: 297
فَصْلٌ
إذَا سَمِعَ الْمُسْتَفْتِي جَوَابَ الْمُفْتي؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَلُ بهِ إلَّا بِالْتزَامه.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِذَا أَخَذَ فِي الْعَمَلِ بِهِ 318 ".
وَقِيلَ: "يَلْزَمُهُ إِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِحَّتُهُ، وَأنَّهُ حَقٌّ".
وَهَذَا أَوْلَى الأوْجُهِ 319.
وَإِنْ أَفْتَاهُ بِمَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ [الإِمَامُ] 320 أَحْمَدُ [-رضي الله عنه-] 321 عَنْ مَسْألةٍ فِي الطَّلاقِ، فَقَال: "إِذَا فَعَلَهُ يَحْنَثُ".
فَقَال [لَهُ] 322 السَّائِلُ: إِنْ أَفْتَانِي أَحَدٌ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، [يَعْنِي] 323 يَصِحُّ؟ فَقَال: "نَعَمْ"، وَدَلَّهُ عَلَى مَنْ يُفْتِيهِ بِذَلِكَ 324.
الجزء: 1 - الصفحة: 298
وَالأقْرَبُ: أَنهُ يَلْزَمُهُ الاجْتِهَادُ فِي أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ، وَيَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِفُتْيَا مَنِ اخْتَارَهُ 325 وَرَجَّحَهُ بِاجْتِهَادِهِ، وَلَا يَجِبُ تَخْيِيرُهُ.
وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ أَنْ نَقُولَ -إِذَا أَفْتَاهُ المُفْتِي-:
- فَإِنْ لَمْ يَجدْ مُفْتِيًا آخَرَ؛ لَزِمَهُ الأخْذُ بِفُتْيَاهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِ، [وَلَا] 326 [بِالأخْذِ فِي الْعَمَلِ بِهِ] 327، وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ أَيْضًا عَلَى سُكُونِ نَفْسِهِ إِلَى صِحَّتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَإِنَّ فَرَضَهُ التَّقْلِيدُ كَمَا عُرِفَ.
- وَإِنْ وَجَدَ مُفْتِيًا آخَرَ:
- فَإِنِ اسْتبَانَ أَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ هُوَ الْأَعْلَمُ الْأَوْثَقُ؛ لَزِمَهُ مَا أَفْتَاهُ بِهِ، بِنَاءً عَلَى الأَصَحِّ فِي تَعَيُّنِهِ 328 كَمَا سَبَقَ.
- وَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَفْتَاهُ بِهِ بِمُجَرَّدِ إِفْتَائِهِ، إِذْ يَجُوزُ لَهُ اسْتِفْتَاءُ غَيْرِهِ وَتَقْلِيدُهُ، وَلَا يَعْلَمُ اتِّفَاقَهُمَا فِي الْفَتْوَى 329.
- فَإِنْ وَجَدَ الاتِّفَاقَ، أَوْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ حَاكِمٌ؛ لَزِمَهُ حِينَئِذٍ 330.
الجزء: 1 - الصفحة: 299
فَصْلٌ
وَإِذَا اسْتَفْتَى فَأُفْتَيَ، ثُمَّ حَدَثَتْ [لَهُ تِلْكَ الْحَادِثَةُ] 331 مَرَّةً أُخْرَى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ؟
فِيهِ مَذْهَبَانِ، وَلنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ، [لِجَوَازِ تَغَيُّرِ] 332 رَأْيِ الْمُفْتِي.
وَالثَّانِي: لَا يَلْزمُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الْحُكْمَ، وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُ الْمُفْتِي عَلَيْهِ.
وَقِيلَ 333: "الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا قَلَّدَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَيِّتٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ" 334.
وَفِيهِ ضَعْفٌ، لِأَنَّ الْمُفْتِيَ عَلَى مَذْهَبِ الْمَيِّتِ قَدْ يَتَغَيَّرُ جَوَابُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 300
فَصْلٌ
وَلَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ بِنَفْسِهِ.
وَأَنْ يُنْفِذَ ثِقَةً يَقْبَلُ خَبَرُهُ فَيَسْتَفْتِيَ لَهُ.
وَيَجُوزُ لَهُ الاعْتِمَادُ عَلَى خَطِّ الْمُفْتِي، إِذَا أَخْبَرَهُ مَنْ يَثِقُ بِقَوْلِهِ أنَّهُ خَطُّهُ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ، وَلَمْ 335 يَتَشَكَّكْ فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْجَوَابِ بِخَطِّهِ 336.
الجزء: 1 - الصفحة: 301
فَصْلٌ
يَنْبَغِي لِلمُسْتَفْتِي التَّأَدُّبُ 337 مَعَ الْمُفْتِي.
وَأَنْ يُجِلَّهُ فِي خِطَابِهِ، وَسُؤَالِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلا 338 يُومِئْ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ.
وَلا يَقُلْ لَهُ: "مَا تَحْفَظُ فِي كَذَا وَكَذَا؟ " أَوْ: "مَا مَذْهَبُ إِمَامِكَ فِيهِ؟ ".
وَلا يَقُلْ إِذَا أَجَابَهُ: "هَكَذَا 339 قُلْتُ أَنَا" أَوْ 340: "كَذَا وَقَعَ لِي".
وَلا يَقُلْ [لَهُ] 341: "أَفْتَانِي فُلَانٌ" أَوْ: "أَفْتَانِي غَيْرُكَ بِكَذَا وَكَذَا".
وَلا يَقُلْ إِذَا اسْتَفْتَى فِي رُقْعَةٍ: "إِنْ كَانَ جَوَابُكَ مُوافِقًا لِمَنْ أَجَابَ فِيهَا فَاكْتُبْهُ 342، وَإِلَّا فَلَا تَكْتُبْ 343 ".
وَلَا يَسْأَلْهُ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ مُسْتَوْفِزٌ، أَوْ عَلَى حَالةِ ضَجَرٍ، أَوْ هَمٍّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ الْقَلْبَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 302
وَيَبْدَأُ بِالأَسَنِّ الْأَعْلَمِ مِنَ الْمُفْتِينَ، وَبِالْأَوْلَى فَالْأَوْلَى، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَقِيلَ 344: "إِذَا أَرَادَ جَمْعَ الْجَوَابَاتِ فِي رُقْعَةٍ؛ قَدَّمَ الأْسَنَّ وَالأْعْلَمَ، وَإِذَا 345 أَرَادَ إِفْرَادَ الْجَوَابَاتِ فِي رِقَاعٍ؛ فَلا يُبَالِي بِأيِّهِمْ بَدَأَ" 346.
الجزء: 1 - الصفحة: 303
فَصْلٌ
يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ رُقْعَةُ 347 الاسْتِفْتَاءِ وَاسِعَةً؛ لِيَتَمَكَّنَ الْمُفْتِي مِنَ اسْتِيفَاءِ 348 الْجَوَابِ، فَإِنَّهُ 349 إِذَا ضَاقَ الْبَيَاضُ اخْتَصَرَ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالسَّائِلِ.
وَلَا يَدَعِ الدُّعَاءَ فِيهَا 350 لِمَنْ يُفْتِي، إِمَّا خَاصًّا إِنْ خَصَّ وَاحِدًا بِاسْتِفْتَائِهِ، وَإِمَّا عَامًّا إِنِ اسْتَفْتَى الْفُقَهَاءَ مُطْلَقًا.
وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ 351: "أَنْ يَدْفَعَ الرُّقْعَةَ إِلَى الْمُفْتِي مَنْشُورَةً، وَلَا يُحْوِجَهُ إِلَى نَشْرِهَا، وَيَأْخُذَهَا مِنْ يَدِهِ إِذَا أَفْتَى، وَلَا يُحْوِجَهُ إِلَى طَيِّهَا".
وَيَكُونَ كَاتِبُ الاِسْتِفْتَاءِ:
- يُحْسِنُ الْجَوَابَ.
- وَيَضَعَهُ عَلَى الغَرَضِ 352. -[مَعَ] 353 إِبَانَةِ الْخَطِّ وَاللَّفْظِ 354 وَصِيَانَتِهِمَا عَمَّا يَتَعَرَّضُ لِلتَّصْحِيفِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 304
- وَيَكُونَ كَاتِبُهَا عَالِمًا.
وَكَانَ بَعْضُ [الْفُقَهَاءِ] 355 الرُّؤَسَاءِ لَا يُفْتِي إِلَّا فِي رُقْعَةٍ كَتبَهَا رَجُلٌ بِعَيْنِهِ مِنْ عُلَمَاءِ بَلَدِهِ 356.
الجزء: 1 - الصفحة: 305
فَصْلٌ
لَا يَنْبَغِي لِلعَامِّيِّ (1) أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالْحُجَّةِ فِيمَا أَفْتَاهُ [بِهِ]
358.
وَلا يَقُولَ [لَهُ] 359: "لِمَ؟ "، وَلا: "كَيفَ؟ ".
فإِنْ أَحَبَّ أَنْ تَسْكُنَ 360 نَفْسُهُ بِسَمَاعِ الْحُجَّةِ [فِي ذَلِكَ] 361، سَأَلَ عَنْهَا فِي مَجْلسٍ آخَرَ، أَوْ 362 فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَعْدَ قَبُولِ الْفَتْوَى مُجرَّدَةً عَنِ الْحُجَّةِ.
وَقِيلَ 363: "لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالدَّلِيلِ؛ لَأِجْلِ احْتِيَاطِهِ لِنَفْسِهِ.
وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَ [لَهُ] 364 الدَّلِيلَ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا.
وَلَا يَلْزَمُهُ [ذَلِكَ] 365 إِنْ كَانَ ظَنِّيًا؛ لافْتِقَارِهِ إِلَى اجْتِهَادٍ يَقْصُرُ عَنْهُ الْعَامِّيُّ" 366.357
الجزء: 1 - الصفحة: 306
بَابُ مَعْرفَةِ أَلْفَاظِ إمَامنَا أَحْمَدَ [-رضي الله عنه-] 367 وَسَائَرِ أَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَاجْتِهَادَاتِهِ، وَأَحْوَالِهِ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ يَحْمِلُهَا الْأَصْحَابُ، لِمَا عُلِمَ مِنْ دِينِهِ وَتَحَرِّيهِ فِي ذَلِكَ.
إِذْ رُبَّمَا حَمَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ، فَإِذَا ذَكرْنَا الْغَرَضَ تَسَاوَى فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْهُ كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى-.
وَلِأَنَّ مَذْهَبَهُ غَالِبًا إِنَّمَا أُخِذَ مِنْ فَتَاوِيهِ وَأَجْوِبَتِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، لَا مِنْ تَصْنِيفٍ قَصَدَ بِهِ ذَلِكَ.
وَبِالْكَلامِ فِي ذَلِكَ يُعْرَفُ مُرَادُ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ بِأَقْوَالِهِمْ [وَأَفْعَالِهِمْ] 368 وَسَائِرِ أَحْوَالِهِمْ 369.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى التَّأَلِيفِ وَنَحْوِهِ فِي بَابٍ آخَرَ، إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى- 370.
الجزء: 1 - الصفحة: 307
فَصْلٌ وَأَلْفَاظُ الْإِمَامِ (1) أَحْمَدَ -رضي الله عنه- عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ:
صَرِيحٌ لا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، وَلا مُعَارِضَ لَهُ؛
فَهُوَ مَذْهَبُهُ.
فَإِنْ رَجَعَ عَنْهُ صَرِيحًا 372، كَقَوْلِهِ: "كنْتُ أَقُولُ: الأْقْرَاءُ الأْطْهَارُ 373. وَأَنَّ الْمُتيَمِّمَ لَا يَخْرُجُ إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ 374. وَأَنَّ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ 375 " وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ قَالهُ عَنْهُ قُدَمَاءُ 376 أَصْحَابِهِ 377 الَّذِينَ يَخْبُرونَ 378 أَقْوَالهُ، وَأَفْعَالهُ، وَأَحْوَالهُ 379؛ فَلَا [يَكُونُ مَذْهَبًا لَهُ] 380.371
الجزء: 1 - الصفحة: 308
وَقِيلَ: "بَلَى 381، وَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ الْمُقَلِّدُ حَيْثُ كَانَ الْإِمَامُ قَالهُ بِدَلِيلٍ".
لَاسِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "لَا يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ تَجْدِيدُ الاجْتِهَادِ بِتَجَدُّدِ الْحَادِثَةِ لَهُ ثَانِيًا، وَلَا أَنْ يُعْلِمَ مَنْ قَلَّدَهُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، وَلَا رُجُوعُ الْمُقَلِّدِ إِلَى اجْتِهَادِهِ الثَّانِي قَبْلَ عَمَلِهِ 382 بِالأوَّلِ، وَلَا تَجْدِيدُ السُّؤَالِ بِتَجَدُّدِ 383 حَادِثَتِهِ لَهُ ثَانِيًا".
الجزء: 1 - الصفحة: 309
فَصْلٌ
فَإِنْ نُقِلَ [عَنْهُ] (1) فِي مَسْأَلَةٍ [وَاحِدَةٍ] (2) قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ هُوَ وَلا غَيْرُهُ بِرُجُوعِهِ عَنْهُ:
- فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، بِحَمْلِهِمَا عَلَى اخْتِلَافِ حَاليْنِ، أَوْ مَحَلَّيْنِ، أَوْ بِحَمْلِ عَامِّهِمَا عَلَى خَاصِّهِمَا، وَمُطْلَقِهِمَا 386 عَلَى مُقَيَّدِهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَذْهَبُهُ 387.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي "التَّيَمُّمِ بِالرَّمْلِ" رِوَايَتَانِ 388، حَمَلَ الْقَاضِي 389 الْجَوَازَ عَلَى رَمْلٍ لَهُ غُبَارٌ، وَالْمَنْع عَلَى رَمْلٍ لَا غُبَارَ لَهُ.
وَنُقِلَ عَنْهُ: الْقَطْعُ 390 فِيمَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ 391، [وَأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي الطَّائِرِ.
يُرِيدُ إِنْ نَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ] 392.384385
الجزء: 1 - الصفحة: 310
- وَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَعُلِمَ التَّارِيخُ 393؛ فَالثَّانِي [مَذْهَبُهُ] 394. اخْتَارَهُ الْخَلَّال وَصَاحِبُهُ 395.
وَقِيلَ: " [وَالْأَوَّلُ] 396 أَيْضًا، لَا عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَا التَّعَاقُبِ، وَلَا [عَلَى] 397 الْجَمْعِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ مُفْتٍ وَاحِدٍ، فِي حَمالةٍ وَاحِدَةٍ".
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ؛ لِمَا سَبَقَ.
كَمَنْ صَلَّى صَلَاتَيْنِ بِاجْتِهَادَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، وَلَمْ يَبِنْ لَهُ الْخَطَأُ جَزْمًا 398، وَفِي أَيِّهِمَا تَبِعَهُ مَنْ قَلَّدَهُ؛ لَمْ يَكُنْ خَارِجًا عَمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ تَارَةً بِدَلِيلٍ لَمْ يَقْطَعْ بِخِلَافِهِ.
وَلمَنْ قَلَّدَهُ [أَيْضًا] 399 أَنْ يَسْتَمِرَّ [إِذًا] 400 عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ، وَلَا يَتَغَيَّرَ عَنْهُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ مَنْ قَلَّدَهُ فِيهِ -فِي الْأَقْيَسِ-.
وَيَجُوزُ التَّخْرِيجُ مِنْهُ، وَالتَّفْرِيعُ [عَلَيْهِ] 401، وَالْقِيَاسُ؛ إِنْ قُلْنَا: "مَا قِيسَ عَلَى كَلَامِهِ مَذْهَبٌ لَهُ"، وَإِلَّا فَلَا.
الجزء: 1 - الصفحة: 311
وَإِنْ قُلْنَا: "يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ تَجْدِيدُ اجْتِهَادِهِ فِيمَا [أَفْتَى بِهِ، لِتَجَدُّدِ الْحَادِثَةِ ثَانِيًا.
وَإِعْلَامُ الْمُقَلِّدِ لَهُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ فِيمَا] 402 أَفْتَاهُ بِهِ؛ لِيَرْجعَ عَنْهُ.
وَأَنَّ مَنْ قَلَّدَهُ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ بِتَجَدُّدِ الْحَادِثَةِ لَهُ ثَانِيًا.
وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِالاجْتِهَادِ الثَّانِي"؛ لَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَذْهَبًا لَهُ، وَلا 403 يَعْمَلُ بِهِ مَنْ قَلَّدَهُ، وَإِنْ كَانَ عَمَلَ بِهِ؛ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ إِذًا.
فَلَوْ كَانَ الْمُفْتِي فِي صَلَاةٍ فَدَارَ لِتَغَيُّرَ اجْتِهَادِهِ فِي الْقِبْلَةِ؛ تَبِعَهُ إِذًا مَنْ قَلَّدَهُ فِي الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ 404: فَمَذْهَبُهُ أقْرَبُهُمَا مِنْ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ أَثَرٍ، أَوْ قَوَاعِدِ الْإِمَامِ، أَوْ عَوَائِدِهِ، وَمَقَاصِدِهِ، وَأُصُولِهِ، وَتَصَرُّفَاتِهِ؛ كَمَذْهَبِهِ 405 فِيمَا [اخْتُلِفَ] 406 مِنْ أَقْوَالِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ [وَالنَّسْخُ، أَوْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ أَوْ أَحَدِهِمْ إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ] 407؛ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِالأْشْبَهِ مِنْهَا بِالْكِتَابِ، أَوِ 408 السُّنَّةِ، أَوِ اتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، أَوْ أَقْوَالِ الأْئِمَّةِ.
وَقَدْ أَشَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ إِلَى ذَلِكَ وَنَحْوِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 312
[وَقُلْتُ] 409: "إِنْ جَعَلْنَا أَوَّلَ قَوْلَيْهِ فِي مَسْأَلةٍ وَاحِدَةٍ مَذْهَبًا لَهُ مَعَ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، فَمَعَ الْجَهْلِ بِهِ أَوْلَى؛ لِجَوَازِ تَأْخِيرِ الرَّاجِحِ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ كَآخِرِ قَوْلَيْهِ فِيمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ لَمْ نَجْعَلْ 410 أَوَّلَهُمَا ثَمَّ مَذْهَبًا لَهُ؛ احْتَمَلَ هُنَا 411 الْوَقْفَ؛ لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ أَرْجَحِهِمَا 412.
وَإِنْ تَسَاوَيَا؛ فَالْوَقْفُ أَوْلَى".
قُلْتُ: "وَيَحْتَمِلُ التَّخْيِيرَ وَالتَّسَاقُطَ".
وَإِنِ اتَّحَدَ حُكْمُ الْقَوْلَيْنِ دُونَ الْفِعْلِ؛ كَإِخْرَاجِ الْحِقَاقِ أَوْ بَنَاتِ اللَّبُونِ عَنْ مِائَتَي بَعِيرٍ، وَكُلِّ وَاجِبٍ مُوَسَّعٍ أَوْ مُخَيَّرٍ؛ خُيِّرَ الْمُجْتَهِدُ بَيْنَهُمَا، وَلَهُ أَنْ يُخَيِّرَ الْمُقَلِّدَ لَهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا.
وَإِنْ مَنَعْنَا تَعَادُلَ الْأَمَارَاتِ -وَهُوَ الظَّاهِرُ عَنِ [الْإِمَامِ] 413 أَحْمَدَ-؛ فَلَا وَقْفَ، وَلا تَخْيِيرَ، وَلا تَساقُطَ.
وَإِنْ جُهِلَ تَارِيخُ أَحَدِهِمَا؛ [فَهُوَ كَمَا] 414 لَوْ جُهِلَ تَارِيخُهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ: الْوَقْفَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 313
فَصْلٌ وَمَا قِيسَ عَلَى كَلَامِهِ 415:
- فَهُوَ مَذْهَبُهُ.
اخْتَارَهُ الأَثْرَمُ، وَالْخِرَقِيُّ، وَابْنُ حَامِدٍ. - وَقِيلَ: "لَا".
اخْتَارَهُ الْخَلَّال، وَصَاحِبُهُ. - وَقِيلَ 416: "إِنْ جَازَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ، وَإِلَّا فَلَا" 417.
وَقُلْتُ: "إِنْ نَصَّ الْإِمَامُ عَلَى عِلَّتِهِ أَوْ أَوْمَأَ إِلَيْهَا؛ كَانَ مَذْهَبًا لَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ أَقْوَالهُ، أَوْ 418 أَفْعَالهُ، أَوْ أَحْوَالهُ [لِلعِلَّةِ] 419 الْمُسْتَنْبَطَةِ بِالصِّحَّةِ وَالتَّعْيِينِ".
الجزء: 1 - الصفحة: 314
فَصْلٌ وَإِذَا قُلْنَا: "مَا قِيسَ عَلَى كَلَامِهِ [فَهُوَ] 420 مَذْهَبُهُ"، فَأَفْتَى فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ، بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فِي وَقْتَيْنِ 421، كَقَوْلهِ فِي الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ 422: "أَنَّهَا تَنْحَلُّ بِزَوَالِ الْمِلْكِ"، وَقَوْلهِ فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ 423: "لَا تَنْحَلُّ بِزَوَالِ الْمِلْكِ":
- جَازَ نَقْلُ الْحُكْمِ وَتَخْرِيجُهُ مِنْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-؛ لِاتِّحَادِ مَعْنَاهُمَا أَوْ تَقَارُبِهِ.
- وَالثَّانِي: الْمَنْعُ 424. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ 425، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ 426، لِأَنَّ الْجَمْعَ عِنْدَ الإِمَامِ مَظْنُونٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا صَرِيحًا، أَوْ مَنَعَ النَّقْلَ وَالتَّخْرِيجَ،
الجزء: 1 - الصفحة: 315
أَوْ قَرُبَ الزَّمَنُ بِحَيْثُ يَظُنُّ أَنَّهُ ذَاكَرَ حُكْمَ الْأَوَّلَةِ حِينَ أَفْتَى بِالثَّانِيةِ؛ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْحُكْمِ وَلا تَخْرِيجُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا ظُهُورُ دَلِيلِ الْحُكْمِ الثَّانِي لَهُ، وَبَيَانُ الْفَارِقِ فِي الْمَسْأَلةِ الثَّانِيَةِ، مَعَ ذِكْرِهِ نَظِيرَتِهَا وَدَلِيلِهَا؛ لَمَا أَفْتَى بِهِ، [بَلْ سَوَّى] 427 بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّهُ ظَهَرَ لَنَا مَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، وَظَهَرَ لَهُ وَحْدَهُ فَرْقٌ؛ وَلِأَنَّ نَصَّهُ فِي كُلِّ مَسْأَلةٍ يَمْنَعُ الْأَخْذَ بِغَيْرِهِ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْعَهْدِ بِالْمَسْأَلةِ الأُولَى وَدَلِيلِهَا، وَمَا قَالهُ فِيهَا؛ احْتَمَلَ التَّسْوِيَةَ عِنْدَهُ، [فَنَنْقُلُ نَحْنُ] 428 حُكْمَ الثَّانِيَةِ إِلَى الأُولَى -فِي الْأَقْيَسِ-، وَلَا نَنْقُلُ 429 حُكْمَ الْأُولَى إِلَى الثَّانِيَةِ، إِلَّا أَنْ نَجْعَلَ 430 أَوَّلَ قَوْلَيْهِ فِي مَسْأَلةٍ وَاحِدَةٍ مَذْهَبًا لَهُ، مَعَ 431 مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ.
وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ؛ جَازَ نَقْلُ حُكْمِ أَقْرَبِهِمَا مِنْ كتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ أَثَرٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ قَوَاعِدِ الْإِمَامِ وَأُصُولِهِ إِلَى الْأُخْرَى -فِي الأَقْيَسِ-، وَلَا عَكْسَ، إِلَّا أَنْ نَجْعَلَ 432 أَوَّلَ قَوْلَيْهِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مَذْهَبًا [لَهُ] 433 مَعَ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، فَنَنْقُلَ 434 حُكْمَ الْمَرْجُوحَةِ مِنَ الرَّاجِحَةِ، وَأَوْلَى؛ لِجَوَازِ كَوْنِهَا الْأَخِيرَةَ دُونَ الرَّاجِحَةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 316
فَأَمَّا مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مُقَلِّدٍ فِيهَا، فَلَهُ التَّخْرِيجُ وَالنَّقْلُ بِحَسْبِ مَا يَظْهَرُ لَهُ.
وَإِذَا أَفْضَى النَّقْلُ وَالتَّخْرِيجُ إِلَى خَرْقِ إِجْمَاعٍ، أَوْ رَفْعِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَوْ عَارَضَهُ نَصُّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، لَمْ يَجُزْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 317
الْقِسْمُ الثَّانِي:
ظَاهِرٌ يَجُوزُ تَأْوِيلُهُ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ
(1). فَإِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ لُغَوِيٌّ، أَوْ عُرْفِيٌّ؛ فَهُوَ مَذْهَبُهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
الْمُجْمَلُ الْمُحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ
(2).
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
مَا دَلَّ سِيَاقُ (3) كَلَامِهِ عَلَيْهِ، وَقُوَّتُهُ، وَإِيمَاؤُهُ، وَتَنْبِيهُهُ.
435436437 الجزء: 1 - الصفحة: 318
فَصْلٌ
فَإِنْ قَال: "هَذَا لا يَنْبَغِي"، أَوْ: "لَا يَصْلُحُ" 438:
فَهُوَ لِلتَّحْرِيمِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَبِسَ فَرُّوجًا مِنْ حَرِيرٍ -أَي قَبَاءً-، ثُمَّ نَزَعَهُ نَزْعًا كَرِيهًا، وَقَال: "إِنَّ هَذَا لا يَنْبَغِي لِلْمُتَّقِينَ" 439.
وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ؛ فَتَعَيَّنَ، وَلَعَلَّهُ [عَلَيهَ السَّلَامُ] 440 قَال بَعْدَ ذَلِكَ: "هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهَا" 441، فَكَانَ تَوْكِيدًا لِتَحْرِيمِهِ السَّابِقِ، إِذْ لَوْ كَانَ تَحْرِيمُهُ سَابِقًا؛ لَمْ يَلْبَسْهُ، وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا؛ لَمْ يَنْزِعْهُ نَزْعًا كَرِيهًا، وَيَقُولُ مَا قَالهُ.
وَلِأَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- 442 قَال: "إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَقِرَاءَةُ الْقُرآنِ" 443.
الجزء: 1 - الصفحة: 319
وَلهَذَا قَال: "إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلا 444 تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاةِ" 445.
الجزء: 1 - الصفحة: 320
فَصْلٌ
وَقَوْلُ [الْإمَامِ] 446 أَحْمَدَ: "لا بَأْسَ بِكَذَا"، أَوْ 447: "أَرْجُو أَنْ لا بَأْسَ بِهِ 448 " 449: لِلْإِبَاحَةِ.
وَفَاقًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهَ السَّلَامُ: "لَا بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيْتةِ إِذَا دُبِغَ، وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا إِذَا غُسِلَ" 450.
الجزء: 1 - الصفحة: 321
فَصْلٌ قَوْلُ أَحْمَدَ: "أَخْشَى" أَوْ "أَخَافُ" أَنْ يَكُونَ كَذَا، أَوْ أَلَّا يَكُونَ كَذَا 451:
- كَقَوْلِهِ: "يَجُوزُ" أَوْ "لَا يَجُوزُ".
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي.
كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْجَمَاعَةِ: "أَخْشَى أَنْ تَكُونَ فَرِيضَةً" 452، وَفِي إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ [فِي الزَّكَاةِ] 453: "أَخْشَى أَلَّا يُجْزِئَهُ" 454، وَقَوْلِهِ فِي الطَّلَاقِ -إِذَا أَخْبَرَ بِهِ وَهُوَ كَاذِبٌ-: "أَخْشَى أَنْ يَكُونَ وَقَعَ" 455. وَالْكُلُّ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَنَا؛ لِقَوْلِهِ 456 -تَعَالى-: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ 457، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ 458
الجزء: 1 - الصفحة: 322
- وَقِيلَ: "هُمَا لِلْوَقْفِ وَالشَّكِّ".
كَقَوْلِ 459 أَحْمَدَ فِي "الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ" يَعْنِي بِهِ الطَّلاقَ: "أَخْشَى أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا" 460. وَفِيْهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُسْتَعْمَلُ [عُرْفًا] 461 غَالِبًا فِي الاِمْتِنَاعِ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ خَوْفَ الضَّرَرِ مِنْهُ، وَحَيْثُ امْتَنَعَ مِنَ الْفَتْوَى إِنَّمَا كَانَ تَخْفِيفًا عَلَى النَّاسِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 323
فَصْلٌ وَقَوْلُ أَحْمَدَ: "أُحِبُّ كَذَا" 462:
- لِلنَّدْبِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
كَقَوْلِ أَحْمَدَ: "يَذْبَحُ إِلَى الْقِبْلَةِ أَحَبُّ إِليَ" 463، وَ"يَذْهَبُ إِلَى الْجُمْعَةِ مَاشِيًا أَحَبُّ إِليَّ" 464. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ" 465. وَقَال: "إِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ [-تَعَالى-] 466 أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ" 467. وَالْمَحْبُوبُ مَنْدُوبٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 324
- وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: " [إِنَّهُ] 468 لِلْوُجُوبِ".
كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي اثْنَيْنِ قَطَعَا يَدًا: "أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُقْطَعَا" 469. وَعِنْدَهُ تُؤْخَذُ الْأَيْدِي بالْيَدِ، وَالْأَنْفُسُ بِالنَّفْسِ، فكَأَنَّهُ أَرَادَ "أَسْتَحِبُّ مِنَ الْمَذَاهِبِ كَذَا"، وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ.
وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِ أَحْمَدَ: "هَذَا حَسَنٌ"، أَوْ "أَحْسَنُ"، أَوْ "أَسْتَحْسِنُ كَذَا"، وَفِي قَوْلِهِ: "يُعْجِبُنِي كَذَا"، أَوْ "هُوَ أَعْجَبُ 470 إِلَيَّ".
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: "إِذَا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا، أَوْ قَال: "هُوَ حَسَنٌ"؛ فَهُوَ لِلنَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.
وَإِنْ قَال: "يُعْجِبُنِي"؛ فَهُوَ لِلوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ".
الجزء: 1 - الصفحة: 325
فَصْلٌ وَقَوْلُ أَحْمَدَ: "أكْرَهُ كَذَا"، أَوْ "لا يُعْجِبُنِي" 471:
- لِلتَّنْزِيهِ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-، إِنْ لَمْ [يُحَرِّمْهُ قَبْلَ] 472 ذَلِكَ.
كَقَوْلِهِ: "أَكْرَهُ النَّفْخَ فِي الطَّعَامِ 473، وَإِدْمَانَ اللَّحْمِ 474، وَالخُبْزَ الْكِبَارَ 475 ". لِقَوْلِهِ 476 -تَعَالى-: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ 477 الْآيَةَ.
وَقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا" 478.
الجزء: 1 - الصفحة: 326
- وَقِيلَ: "بَلْ لِلتَّحْرِيمِ".
اخْتَارَ الْخَلَّال، وَصَاحِبُهُ، وَابْنُ حَامِدٍ.
كَقَوْلِ أَحْمَدَ: "أَكْرَهُ الْمُتْعَةَ 479، وَالصَّلَاةَ فِي الْمَقَابِرِ 480 ". وَكَقَوْلِهِ: "هَذَا قَبِيحٌ"، أَوْ "أَنَا أَسْتَقْبِحُهُ"، أَوْ "لا أَرَاهُ".
لِقَوْلِهِ 481 -تَعَالى-: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ 482، أَي حَرَامًا.
وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ.
وَالْأَوْلَى: النَّظَرُ إِلَى الْقَرَائِنِ فِي الكُلِّ، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبٍ، أَوْ نَدْبٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ كَرَاهَةٍ، أَوْ إِبَاحَةٍ؛ حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ، أَوْ تَأَخَّرَتْ، أَوْ تَوَسَّطَتْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 327
فَصْلٌ فَإِنْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ غَيْرِهِ فَقَال: "ذَاكَ 483 أَهْوَنُ"، أَوْ: "أَشَدُّ" 484:
- فَقَال أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: "هُمَا [عِنْدَهُ] 485 سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ قَدْ يَسْتَوِيَانِ فِي الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ، وَالتَّحْرِيمِ، وَالْكَرَاهَةِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا آكَدَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَهُ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ".
- وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: "لَفْظُهُ يَقْتَضِي الْفَرْقَ فِي الْحُكْمِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: "أَهْوَنُ" يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ التَّحْرِيمِ؛ فَيَكُونَ مَكْرُوهًا، أَوْ نَفْيَ الْوُجُوبِ؛ فَيَكُونَ مَنْدُوبًا".
وَالْأُوْلَى: النَّظَرُ إِلَى الْقَرَائِنِ فِي الْكُلِّ، وَمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَصْلَحِ 486 الْمَحَامِل، وَأَرْجَحِهَا، وَأَنْجَحِهَا، وَأَرْبَحِهَا 487. وَقَدْ وُجِّهَ كُلُّ قَوْلٍ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ هُنَا.
الجزء: 1 - الصفحة: 328
فَصْلٌ فَإِنْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ غَيْرِهِ، فَقَال: "ذَاكَ 488 شَنَعٌ" 489، كقَوْلهِ فِي الْعَبِيدِ: "تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي الأَمْوَالِ" فَقِيلَ لَهُ: تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ؟ فَقَال: "ذَاكَ شَنَعٌ" 490:
- فَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَبُو بَكْرٍ بِالْفَرْقِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ، وَمَا شَنُعَ عِنْدَ النَّاسَ إِلَّا لِدَلِيلٍ مَانِعٍ مِنَ التَّسْوِيَةِ.
- وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: " [هُمَا] 491 عِنْدَهُ سَوَاءٌ؛ لِعَدَمِ مَا يَمْنَعُهَا ظَاهِرًا، وَتَرْكُ الشَّيْءِ لِلشَّنَاعَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى قُبْحِهِ وَمَنْعِهِ شَرْعًا.
وَلِهَذَا تَرَكَ أَحْمَدُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ تَأَسِّيًا بِالنَّاسِ فِي التَّرْكِ، وَهَابَ مَسْأَلةَ الْمَفْقُودِ، وَجَعَلَهَا أَصْحَابنَا 492 مَذْهَبًا لَهُ" 493.
الجزء: 1 - الصفحة: 329
قُلْتُ: "وَالاِعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ عَلَى الْقَرَائِنِ، وَاسْتِقْرَاءِ النَّظَائِرِ.
فَإِنْ كَثُرَ التَّشَابهُ بَيْنَهُمَا 494، وَعَسُرَ الْفَرْقُ؛ لَمْ تَمْتَنِعِ 495 التَّسْوَيةُ شَرْعًا بالشَّنَاعَةِ عُرْفًا.
وَإِنْ ظَهَرَ الْفَرْقُ؛ تُرِكَ لَهُ، لِلْإِلْحَاقِ 496 لَا لِلشَّنَاعَةِ" 497.
الجزء: 1 - الصفحة: 330
فَصْلٌ فَإِنْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَال: "أَجْبُنُ عَنْهُ" 498:
- فَقَال ابْنُ حَامِدٍ: "هُوَ مَذْهَبُهُ، وَلَيْسَ قَوِيًّا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ جُبْنَهُ لِكَثْرَةِ الشُّبْهَةِ، أَوْ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ، أَوْ لِتَعَادُلِ الْأَدِلَّةِ -إِنْ أَمْكَنَ-".
- وَقُلْتُ 499: "بَلْ يُكْرَهُ" 500.
الجزء: 1 - الصفحة: 331
فَصْلٌ
[وَمَا] 501 دَلَّ كَلَامُهُ عَلَيْهِ وَسِيَاقُهُ 502 وَقُوَّتُهُ 503:
فَهُوَ مَذْهَبُهُ، مَا لَمْ يُعَارِضْهُ أَقْوَى مِنْهُ.
[كَقَوْلِه] 504 فِي الْعُرَاةِ: "فِيهَا 505 اخْتِلَافٌ، إِلَّا أَنَّ إِمَامَهُمْ يَقُومُ [فِي] 506 وَسَطِهِمْ"، وَعَابَ مَنْ قَال: "يَقْعُدُ الإِمَامُ" 507.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ: أَنْ [يُصَلِّي الْعُرْيَانُ قَائِمًا] 508.
الجزء: 1 - الصفحة: 332
فَصْلٌ فَإِنْ أَفْتَى بِحُكْمٍ، ثُمَّ اعْترَضَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؛ فَسَكَتَ 509:
- لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا عَنْهُ إِلَى ضِدِّهِ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَهُ بَعْضُ الأصْحَابِ، إِنْ 510 احْتَمَلَ التَّدَبُّرَ، أَوْ كَرَاهِيَةَ الْكَلَامِ؛ لِشُبْهَةٍ، أَوْ فِتْنَةٍ، أَوْ تَوَرُّعًا 511. - وَالثَّانِي: يَكُونُ رُجُوعًا.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِتَوَقُّفِ أَحْمَدَ عَنِ الْجَوَابِ مَعَ وُجُوبِ دَفْعِ الشُّبْهَةِ؛ خَوْفًا مِنْ ضَلَالِ السَّائِلِ، أَوْ بَقَائِهِ عَلَى بَاطِلٍ، وَقَدْ رَجَعَ الصَّحَابَةُ [-رضي الله عنهم-] 512 إِلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ لَوْمِهِمْ [إيَّاهُ فِي] 513 قِتَالِهِ [مَانِعِي] 514 الزَّكَاةِ؛ لِقَوْلِهِمْ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" 515.
الجزء: 1 - الصفحة: 333
فَصْلٌ وَصِيغَةُ 516 [كَلَامِ] 517 الْوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَرُوَاتِهِ، فِي تَفْسِيرِ مَذْهَبِهِ وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ رَأْيِهِ 518:
- كَنَصِّهِ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعْرِفَتُهُمْ مَذْهَبِهِ 519، وَمُرَادِهِ بِكَلَامِهِ، وَهُوَ عَدْلٌ ثِقَةٌ، خَبِيرٌ بِمَا رَوَاهُ، كَقَوْلِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ: "سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الْخُطَّافِ؛ فكَانَ عِنْدَهُ أَسْهَلَ مِنَ الْخُشَّافُ 520 " 521. - وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ مَذْهَبُهُ.
اخْتَارَهُ الْخَلَّال وَصَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ خِلَافَهُ، وَرُبَّمَا أَرَادَ غَيْرَ مَا ظَهَرَ لِلرَّاوِي، بِخِلَافِ حَالِ الصَّحَابَةِ [-رضي الله عنهم-] 522 مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي ذَلِكَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 334
فَصْلٌ وَإِنِ انْفَرَدَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، أَوْ 523 رُوَاتِهِ عَنْهُ بِقَوْلٍ، وَقَوِيَ دَلِيلُهُ 524:
- فَهُوَ مَذْهَبُهُ.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقَال: "يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ 525 أَحْمَدَ، فَكَيْفَ [عَنْهُ! ]، 526، وَالرَّاوِي عَنْهُ ثِقَةٌ خَبِيرٌ بِمَا رَوَاهُ". - وَخَالفَهُ الْخَلَّال، وَصَاحِبُهُ، [وَأَكْثر الأصْحَابِ] 527، لِأَنِّ نِسْبَةَ الْخَطَأَ إِلَى وَاحِدٍ أَوْلَى مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَى جَمَاعَةٍ، وَالأَصْلُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 335
فَصْلٌ
فإِنْ أَجَابَ فِي شَيْءٍ بِكِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ قَوْلِ صَحَابِيٍّ 528:
كَانَ الْحُكْمُ مَذْهَبَهُ؛ لأَنَّهُ اعْتَقَدَ مَا ذَكَرَهُ دَلِيلًا حَيْثُ أَجَابَ [فِيهِ] 529، وَأَفْتَى بِحُكْمِهِ، وَإِلَّا لَبَيَّنَ مُرَادَهُ مِنْهُ غَالِبًا.
وَلأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَهُ، فَلَوْ كَانَ مُتَأَوَّلًا أَوْ مُعَارَضًا؛ لَتَوَقَّفَ فِيهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 336
فَصْلٌ فَإِنْ ذَكرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- خَبَرًا، أَوْ قَوْلَ صَحَابِيٍّ، وَصَحَّحَهُ، أَوْ حَسَّنَهُ، أَوْ رَضِيَ سَنَدَهُ، أَوْ دَوَّنَهُ فِي كتُبِهِ، وَلَمْ 530 يَرُدَّهُ 531:
- لَمْ يَكُنْ مُقْتَضَاهُ مَذْهَبًا لَهُ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-، إِذْ لَوْ نُسِبَ إِلَيْهِ مَا رَوَاهُ [مَذْهَبًا لَهُ] 532؛ لَنُسِبَ إِلَى أَرْبَابِ الْحَدِيثِ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا رَوَوْهُ.
وَلهَذَا: لَوْ أَفْتَى بِحُكْمٍ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثًا يُخَالِفُهُ؛ لَمْ نَجْعَلْ نَحْنُ مَذْهَبَهُ الْحَدِيثَ، بَلْ فُتْيَاهُ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ مَنْسُوخًا أَوْ مُتَأَوَّلًا أَوْ مُعَارَضًا بِأَقْوَى مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ.
وَلأَنَّ أَحْمَدَ صَحَّحَ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ مَهْرٌ 533، وَلَمْ يَجْعَلْهُ 534 مَذْهَبَهُ -فِي الأْشْهَرِ-. - وَالثَّاني: يَكُونُ مُقْتَضَاهُ مَذْهَبَهُ.
اخْتَارَهُ ابْنَاهُ، وَالْمَرُّوذِيُّ، وَالْأَثْرَمُ، لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَخَذَ بِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 337
فَلَا يُظَنُّ أَنهُ يُفْتِي بِخِلَافِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُعَارِضِ حَتَّى يَتبَيَّنَ 535. وَإِنْ أَفْتَى بِخِلَافِهِ؛ دَلَّ عَلَى ظَفَرِهِ بِدَلِيلٍ يَجُوزُ تَرْكُ الْخَبَرِ لَهُ 536.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْفَتْوَى 537، فَيُقَدَّمُ مَا رَوَاهُ عَلَى مَا رَآهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَكَذَا فِي حَقِّهِ.
[وَقُلْتُ] 538: "يُقَدَّمُ 539 الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا، مَعَ ذِكْرِهِ أَوَّلِهِمَا".
الجزء: 1 - الصفحة: 338
فَصْلٌ فَإِنْ ذَكَرَ [عَنْ] 540 الصَّحَابَةِ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلَيْنِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ أَحَدَهُمَا 541:
- فَمَذْهَبُهُ: أَقْرُبهُمَا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-؛ لأَنَّهُ قَال: "إِذَا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ نُظِرَ أَشْبَهُهُمَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأُخِذَ بِهِ" 542. وَلَا نَجْعَلُ 543 مَا حَكَاهُ عَنْ غَيْرِهِمْ مَذْهَبًا لَهُ؛ لَأنَّهُ يَجُوزُ 544 أَنْ يَذْهَبَ إِلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ لا 545 يَخْرِقُ إِجْمَاعَهُمْ، بِخِلَافِ الصَّحَابَةِ؛ لَأنَّهُ 546 يَتَعَيَّنُ الأخْذُ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ؛ لأَنَّهُ عِنْدَهُ حُجَّةٌ -فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ-.
- وَالثَّانِي: لَيْسَ أَحَدُهُمَا مَذْهَبًا لَهُ؛ لأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَشْبَهِ مِنْهُمَا 547، فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَمْ يُرَجِّحْ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ؛ دَلَّ 548 عَلَى أَنَّهُمَا عِنْدَهُ سَوَاءٌ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مَذْهَبًا لَهُ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 339
فَصْلٌ فَإِنْ نُقِلَ عَنْهُ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلانِ، دَلِيلُ أَحَدِهِمَا قَوْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ عَامٌّ، وَدَلِيلُ الآخَرِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ وَهُوَ خَاصٌّ 549:
- فَالْأَوَّلُ مَذْهَبُهُ.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، لِقَوْلِهِ 550 -تَعَالى-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ 551 إِلَى 552 غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ. - وَقِيلَ: "بَلْ الثَّانِي؛ لأَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ -عَلَى الْأَشْهَرِ- وَيَخُصُّ بِهِ عُمُومَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيُفَسِّرُ بِهِ مُجْمَلَهُمَا -فِي وَجْهٍ-".
وَإِنْ كَانَ قَوْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَخَصَّ أَوْ أَحْوَطَ؛ تَعَيَّنَ مُطْلَقًا، كَمَا لَوْ كَانَا عَامَّيْنِ أَوْ خَاصَّيْنِ، أَوْ لَمْ نَجْعَلْ 553 قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً -فِي رِوَايَةٍ -، وَلَمْ 554 نَخُصَّ 555 بِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ -فِي وَجْهٍ-.
الجزء: 1 - الصفحة: 340
وَإِنْ وَافَقَ أَحَدُهُمَا مَذْهَبَ صَحَابِيٍّ، وَقُلْنَا: "هُوَ حُجَّةٌ، يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَيُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ".
وَالآخَرُ مَذْهَبَ تَابِعِيٍّ، وَقُلْنَا: "يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مَعَ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: وَعَضَّدَهُ عُمُومُ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ أَثَرٍ".
فَأَيُّهُمَا مَذْهَبُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ 556.
وَإِنْ قَدَّمْنَا الْقِيَاسَ عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ، وَلَمْ نَخُصَّ 557 بِهِ عُمُومَ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ؛ قُدِّمَ أَشْبَهُهُمَا [بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ] 558.
الجزء: 1 - الصفحة: 341
فَصْلٌ فَإِنْ كانَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ عَامًّا أَوْ مُطْلَقًا، وَالآخَرُ خَاصًّا أَوْ مُقَيَّدًا 559:
- حُمِلَ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، جَمْعًا بَيْنَهُمَا بِحَسْب الْإِمْكَانِ.
- وَقِيلَ: "يُعْمَلُ بِكُلِّ قَوْلٍ 560 فِي مَحَلِّهِ، وَفَاءً [بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ] 561. فَإِنْ أَمْكَنَ هَذَا، أَوِ التَّنْزِيلُ عَلَى حَاليْنِ؛ تَعَيَّنَ، وَإِلَّا فَلا".
الجزء: 1 - الصفحة: 342
فَصْلٌ فإِنْ ذَكرَ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَعِلَّةَ كُلِّ قَوْلٍ، وَلَمْ يَمِلْ إِلى أَحَدِهِمَا 562:
- فَمَذْهَبُهُ: الْأَشْبَهُ مِنْهُمَا، بِكِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ أَثَرٍ.
- وَقِيلَ: "بِالْوَقْفِ".
وَفِيهِ بُعْدٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 343
فَصْلٌ وَإِنْ 563 ذَكَرَ الاخْتِلَافَ، وَحَسَّنَ بَعْضَهُ 564: فَهُوَ مَذْهَبُهُ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِأَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا، فَمَيْلُهُ إِلَى أَحَدِهَا 565 دَلِيلُ قُوَّتِهِ وَصِحَّتِهِ [عِنْدَهُ] 566.
الجزء: 1 - الصفحة: 344
فَصْلٌ فَإِنْ عَلَّلَ أَحَدَهُمَا، وَاسْتَحْسَنَ الْآخَرَ، وَلَمْ يُعَلِّلْهُ 567:
- فَمَذْهَبُهُ: مَا اسْتَحْسَنَهُ؛ لأَنَّهُ مَا اسْتَحْسَنَهُ إِلَّا لِعَلَّةٍ وَوَجْهٍ، فَقَدْ سَاوَى مَا عَلَّلَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ بِاسْتِحْسَانِهِ.
اخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ. - وَقِيلَ: "مَذْهَبُهُ مَا عَلَّلَهُ".
وَفِيهِ بُعْدٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 345
فَصْلٌ فَإِنْ أَعَادَ 568 ذِكْرَ أحَدِهِمَا، أَوْ 569 فَرَّعَ عَلَيْهِ 570:
- فَهُوَ مَذْهَبُهُ.
- وَقِيلَ: "لَا".
وَهُوَ أَوْلَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 346
فَصْلٌ
فَإِنْ سُئِلَ مَرَّةً فَذَكَرَ الاِخْتِلافَ، ثُمَّ سُئِلَ مَرَّةً أُخْرَى فَتَوَقَّفَ، ثُمَّ سُئِلَ مَرَّةً أُخْرَى فَأَفْتَى فِيهَا 571:
فَمَذْهَبُهُ فِيهَا: مَا أَفْتَى بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَشْبَهَ، لأَنَّهُ خِلَافُ نَصِّهِ.
وَجَوَابُهُ الْأَوَّلُ إِجْمَالٌ.
وَتَوَقُّفُهُ ثَانِيًا يَحْتَمِلُ النَّظَرَ فِي الْأَرْجَحِ مِمَّا حَكَاهُ، إِذْ لَيْسَ فِي ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ تَرْجِيحُ أَحَدِهَا 572.
الجزء: 1 - الصفحة: 347
فَصْلٌ فَإِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، فَقَال: "قَال فُلَانٌ كَذَا"، يَعْنِي بَعْضَ الْفُقَهَاءِ 573:
- فَهُوَ مَذْهَبُهُ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ وَإِلَّا لَمْ يُجِبِ السَّائِلَ بِهِ، [وَلَمْ] 574 يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ. - وَالثَّانِي: لَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ بِهِ، وَلَمْ يَرَهُ صَوَابًا أَوْ رَاجِحًا.
وَلهَذَا رُبَّمَا أَفْتَى بِخِلَافِهِ.
وَقَدْ يَكُونُ غَرَضُهُ أَلَّا يَتَقَلَّدَ لِلسَّائِلِ، بَلْ يَدُلَّهُ عَلَى مَا قِيلَ ليَسْأَلَ عَنْهُ.
وَهُوَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى-.
الجزء: 1 - الصفحة: 348
فَصْلٌ وَإِنْ 575 قَال: "يَفْعَلُ السَّائِلُ كَذَا وَكَذَا احْتِيَاطًا" 576:
- فَهُوَ وَاجِبٌ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ.
كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي الطَّلَاقِ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَليٍّ أَوْ بِلَا شُهُودٍ: "يَقَعُ احْتِيَاطًا" 577. - وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَنْدُوبٌ.
وَالْأَوْلَى: النَّظَرُ فِي الْحُكْمِ، فَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ فِيهِ أَحْوَطَ، أَوِ 578 اقْتَضَاهُ دَلِيلٌ أَوْ قَرِينَةٌ؛ تَعَيَّنَ، وَإِلَّا فَلَا.
الجزء: 1 - الصفحة: 349
فَصْلٌ فإِنْ تَوَقَّفَ فِي مَسْأَلَةٍ 579:
- جَازَ إِلْحَاقُهَا بِمَا يُشْبِهُهَا، إِنْ كَانَ حُكْمُهَا أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ.
- وَإِنْ أَشْبَهَتْ 580 مَسْأَلتَانِ أَوْ أَكْثَرُ، أَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ، فَهَلْ يُلْحِقُ 581 بِالأْخَفِّ، أَوِ الأْثْقَلِ 582، أَوْ يُخَيِّرُ الْمُقَلِّدَ بَيْنَهُمَا؟ يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا 583.
الْأَظْهَرُ هُنَا عَنْهُ: التَّخْيِيرُ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: "لَا تتَعَادَلُ الأَمَارَاتُ" 584. قُلْتُ: "فَلَا تَخْيِيرَ، وَلَا وَقْفَ، وَلَا تَسَاقُطَ إِذًا".
وَالْأَوْلَى: العَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِمَنْ هُوَ أصْلَحُ لَهُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 350
فَصْلٌ وَإِذَا نَصَّ عَلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ قَال فِيهَا: "وَلَوْ قَال قَائِلٌ"، أَوْ: "ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى كَذَا" يُرِيدُ خِلافَ نَصِّهِ، كانَ مَذْهَبًا؟ 585
- لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِلْإِمَامِ، كَمَا لَوْ قَال: "وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى كَذَا".
- قُلْتُ: "وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لَهُ، كَمَا لَوْ قَال: "يَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ".
الجزء: 1 - الصفحة: 351
فَصْلٌ وَمَفْهُومُ كَلامِهِ 586:
- مَذْهَبُهُ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، لأَنَّ التَّخْصِيصَ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ لِفَائِدَةٍ، وَلَيْسَ هُنَا [سِوَى] 587 اخْتِصَاصِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ تَخْصِيصُهُ بِهِ عَبَثًا وَلَغْوًا. - وَالثَّاني: لَا.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ؛ لأَنَّ كَلَامَهُ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا بِسُؤَالِ سَائِلٍ أَوْ حَالةٍ خَرَجَ الْكَلَامُ لَهَا مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ فَلَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ بخِلَافِهِ؛ وَلهَذَا [إِنَّ] 588 لَهُ أَنْ يُعْقِبَهُ 589 بِخِلَافِهِ 590، وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ ضِدَّهُ لَبَيّنَهُ غَالِبًا.
فَإِذَا قُلْنَا: "هُوَ مَذْهَبُهُ"، فَنَصَّ عَلَى خِلَافِهِ 591: - بَطَلَ الْمَفْهُومُ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ- لِقُوَّةِ النَّصِّ وَخُصُوصِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 352
- وَالثَّانِي: لَا يَبْطُلُ؛ لأَنَّ الْمَفْهُومَ كَالنَّصِ فِي إفَادَةِ الْحُكْمِ، فَيَصِيرُ فِي الْمَسْأَلةِ قَوْلَانِ إِنْ كَانَا عَامَّيْنِ.
كَقَوْلِهِ فِي الْأَبِ وَالْأَخِ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ عِتْقِ الْأَبِ بِالشِّرَاءِ؟ فَقَال: "يُعْتَقُ".
وَعَنْ [عِتْقِ] 592 الأْخ بِهِ؟ فَقَال: "يُعْتَقُ" 593. فَمَفْهُومُ الْأَوَّلَةِ: أَنَّ الْأَخَ لَا يُعْتَقُ، وَلَفْظُ الثَّانِيَةِ: أَنهُ يُعْتَقُ.
فَإِنْ قُلْنَا: " [إِنَّ] 594 الْمَفْهُومَ يَبْطُلُ بِالْمَنْطُوقِ"؛ كَانَتِ الْمَسْأَلةُ رِوَايَة وَاحِدَةً، وَإِلَا صَارَ فِي الْأَخِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: بِنَصِّهِ.
وَالأُخْرَى: بِنَقْلٍ وَتَخْرِيجٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 353
فصل فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا 595:
- فَهُوَ مَذْهَبُهُ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَاكْثَرُ أَصحَابِنَا، لأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأنبِيَاءِ فِي الْعِلْمِ، وَالتَّبْلِيغِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالاتِّبَاعِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا لَا دَلِيلَ لَهُ عِنْدَهُ، حَذَرًا مِنَ الضَّلَالِ وَالإِضْلَالِ، لَاسِيَّمَا مَعَ الدِّينِ، وَالْوَرَعِ، وَتَرْكِ الشُّبْهَةِ. - وَالثَّانِي: الْمَنع، لِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ سَهْوًا، أَوْ نِسْيَانًا، أَوْ جَهْلًا، أَوْ تَهَاوُنًا، [فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ] 596، [وَأَنْ يقرَّهُ اللهُ] 597 عَلَيْهِ، لِعَدَمِ الْوَحْيِ بَعْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَرُبَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ رُتْبَةِ الاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ [وَلأَنَّ خَطَأَهُ لَا يَعُمُّ] 598 ضَلَالهُ بِهِ، وَلَا اتِّبَاعَهُ فِي كُلِّ شَيءٍ، وَلَا تَجَنُبهُ، بِخِلَافِ الشَّارع فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لَكِنْ جَعْلُهُ أَوْلَى [أَوْلَى] 599.
الجزء: 1 - الصفحة: 354
فصل
إِذَا حَدَثَتْ مَسْألةٌ لا قَوْلَ فِيهَا لِأحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَهَلْ يَجُوزُ الاجْتِهَادُ فِيهَا، وَالْفَتْوَى (1)، وَالْحُكْمُ لِمَنْ هُوَ أَهْل لِذَلِكَ؟
601 فِيهِ ثَلَاثةُ أَوْجُهٍ:
- الأوَّلُ: يَجُوزُ؛ لِقَوْلِهِ -عليه السلام-: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" 602 وَهُوَ عَام، [وَعَلَى] 603 هَذَا دَرَجَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ.
[وَلِأَنَّ] 604 الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، لِكَثْرَةِ الْوَقَائِعِ، وَ [الْحَاجَةِ إِلَى] 605 مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا شَرْعًا، مَعَ قِلَّةِ النُّصُوصِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، وَحَذَرًا مِنْ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْخُصُومِ.
وَلأنَّهُ رُبَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ، فتتَعَذَّرُ 606 مَعْرِفتهُ إِذًا لِعَدَمِ النَّاظِرِ فِيهِ، أَوْ لِتَأَخُّرِ اجْتِهَادِهِ مَعَ دَعْوَى الْحَاجَةِ إلَيْهِ.600
الجزء: 1 - الصفحة: 355
- وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ فِيهِمَا.
قَال أَحْمَدُ لِبَعْضِ أَصْحَابهِ: "إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَامٌ" 607. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ يَتَدَافَعُونَ الْمَسَائِلَ وَالْفَتْوَى، وَكُلُّ وَاحِدٍ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ هِيَ، وَنَعْلَمُ 608 أنَّهُمْ لَوِ اجْتَهَدُوا لَظَهَرَ لَهُمُ الْحَقّ فِي الْمَسْأَلةِ لِأَهْلِيَّتهِمْ 609. - وَالثَّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ دُونَ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْخَطَرَ فِي الْأُصُولِ أَعْظَمُ 610، وَتَرْكَ الْخَوْضِ فِيهَا أَسْلَمُ، وَالْمُخْطِئُ فِي أَكْثَرِهَا كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، بِخِلَافِ الْفُرُوعِ فِي ذَلِكَ، فَإنَّ الْمُخْطِئَ [فِيهَا] 611 رُبَّمَا أُثِيبَ كَالْحَاكِمِ الْمُخْطِئِ؛ لِلنَّصِّ فِي اجْتِهَادِهِ، وَكَيْفَ 612 لَا وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ لِيَقْضِيَ فِيهَا الْمُجْتَهِدُ بِمَا يَرَاهُ، بخِلَافِ الْأُصُولِ، إِذِ الْعَقْلُ كَافٍ فِي [مَعْرِفَةِ] 613 أَكْثَرِ مَا يَلْزَمُهُ فِيهَا؛ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُ الْفُرُوعِ، حَيْثُ لَا يُعْلَمُ 614 إِلَّا مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
[وَاللهُ أَعْلَمُ] 615.
الجزء: 1 - الصفحة: 356