صفات الله وآثارها فى إيمان العبدأثر صفة الباطنية في إيمان العبد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

إذا تعبد العبد لله بهذه الصفة -صفة الباطنية- علم أن الله منه قريب، وإذا علم أن الله قريب منه علم أن دعائه لا بد أن يكون مسموعاً، ويستلزم من ذلك أن يكون مستجاباً، ويقال: مستجاباً وعلى قرب الإجابة حتى ولو طال الزمن؛ لأن ما هو آت فهو قريب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي)، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:186]. ومن العجب أن يبخل المرء على نفسه بالدعاء وهو يعتقد بأن الله قريب منه، وأنه يسمع همساته وبكائه وتضرعه! فلا يرفع يديه ليطلب من ربه جل وعلا ما يطمع في الحصول عليه من حاجة أخروية أو دنيوية.
كما أنك إذا علمت أن ربك قريب، فستعلم أن الدعاء لا ينبغي أن تنزله إلا بالله جل في علاه، وقدوتك في ذلك الأنبياء، فهذا زكريا عليه السلام دخل على مريم فوجد عندها رزقاً، قال المفسرون: كان يجد رزق الشتاء في الصيف ورزق الصيف في الشتاء، فسألها كما أخبر الله عنه: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:37]، فلما علم القرب الحقيقي دعا ربه قائلاً: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:4 - 6]، وفي موطن آخر أخبر الله عنه أنه دعاه قائلاً: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران:38]، فاستجاب الله له في التو، وأصبح له ولد هبة من الله سبحانه وتعالى، فالله قريب من دعاء عباده، فلا يبخلن أحد على نفسه بأن يتقرب إلى القريب فيدعوه بحاجته، فإن الله سيقضي له حاجته.
كما أنك إذا تعبدت لربك في الباطنية بالقرب استحييت من ربك، فإذا دنت منك المعصية علمت أن الله قريب منك يرى ما تفعل، ويسمع ما تقول، ويعلم نبضات قلبك، فاستحييت من ربك وابتعدت عن هذه المعصية، وقلت كما قال الأولون: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب وإذا علمت أن الله جل في علاه رقيب منك، وأن باطنية الله جل في علاه في قلبك، فستوقن أنه على قرب منك، فيسمع الغيبة والنميمة، ويرى السرقة، ولا يخفى عليه النظر الحرام، ولا تغيب المعاصي عنه، وهو على قربه منك يمهلك ولا يهملك، وإذا أخذك لم يفلتك سبحانه جل في علاه.
كما أنك إذا تعبدت لربك بهذه الصفة؛ بلغت إلى مرتبة الإحسان، ومراتب الدين ثلاث: المرتبة الأولى: الإسلام، والثانية: الإيمان، والثالثة: الإحسان، فمن أراد أن يرتقي من مرتبة الإسلام إلى الإيمان ثم الإحسان؛ فعليه أن يتدبر هذه الاسم الباطن، وعليه أن يتدبر هذه الصفة الجليلة ويسعى جاهداً لأن يتعبد لله جل في علاه، بهذه الصفة العظيمة.
وقد ذكروا أن رجلاً عالماً كان يقرب منه طالباً من طلبة العلم فقالوا له: لِمَ تقرب هذا الطالب وتبعد هؤلاء الطلبة؟! ولِمَ يحظى هذا الطالب بالحفاوة عن هؤلاء وكلهم يدرسون عندك؟ فقال العالم: أريكم منه شيئاً تعرفون منه لِمَ أقرب هذا عن أصحابه وزملائه، فقال للذين يطلبون عنده العلم بعد أن أعطى كل واحد طيراً: كل واحد منكم يأخذ هذا الطير ويذبحه في مكان لا يراه أحد فيه، فأخذ كل طالب علم طيراً من هذه الطير وأخذ يجتهد أن يبحث عن مكان لا يراه أحد فيه، فيذبح الطير فيه، فذبح طيره الأول والثاني والثالث والرابع والخامس وجاءوا جميعاً إلى هذا العالم كل يحكي: كنت قد اختبأت فذبحته ولم يرني أحد، والآخر يقول كما قال الأول وهكذا، ثم يأتي هذا الطالب النجيب الأريب الفقيه وقد أتى بطيره ولم يذبحه، فقال له العالم: لِمَ لمْ تذبح طيرك؟! فقال: يا معلمي! بحثت في كل مكان لا يراني الله فيه فما وجدت مكاناً إلا والله يراني فيه، كيف لا وهو الرقيب سبحانه وتعالى.
ولذا ينبغي أن تدرك أن باطنية الله قرب من العبد، وكما أن هذا الطالب قُرب في الدنيا فسيكون في الآخرة من المقربين؛ لأنه تعبد الله بالإحسان، وهذه هي ثمرة الإحسان على المتورعين المتقين.
وذكر أن أبا الإمام البخاري ذلك العلم الحبر، المحدث الفقيه، الذي قال فيه العلماء: أصح كتاب بعد كتاب الله هو كتاب صحيح البخاري، ذكر أن أباه وهو يتصبب عرقاً من سكرات الموت كان يقول: يا بني! قد تركت لك ألف ألف دينار فيها دينار فيه شبهة، فكان الإمام البخاري هو ثمرة التعبد لله بالباطنية! فالأب كان يعلم أن الله يراه، ولم يقل يوماً كما يقول البعض اليوم: أتركها في رقبة عالم وأصبح سالماً، بل كان يتعبد لله لقربه منه، وأما نحن فنسأل الله أن يغفر لنا ما اجترأنا عليه من معاصي وما تجاوزنا من حدود الله جل في علاه، وما ذاك إلا لأننا جهلنا هذه الصفة.
فالمتعلم دائماً يكون أفضل من الجاهل؛ لأن المتعلم بعدما يرجع إلى ربه يتعبد لله بهذا العلم، نسأل الله أن يغفر الله لنا اجتراءنا على معاصيه.

فصول الكتاب · 108 فصل · 13 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول صفات الله وآثارها فى إيمان العبد · 13 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةقواعد في الأسماء والصفاتالتسليم التام لظاهر كلام الله ورسولهأسماء الله كلها حسنىالجوابصفات الله كمال من كل وجهالجوابالرد على المعطلةشرح صفة الأولية والآخرية لله عز وجلأهمية علم العقيدةالفرق بين الصفات الثبوتية والصفات السلبيةالمعطلة من الجهمية والمعتزلة ومنهجهم في الصفاتإثبات صفة الأولية لله عز وجلكيفية التعبد لله بصفة الأوليةالتعبد لله بأوليته عند أصحاب المعاصيالدعاء تعبد لله بصفة الأوليةأصناف الناس في التعبد لله بصفة الأوليةإثبات صفة الآخرية لله وكيفية التعبد بهاالفرق بين الصفات الذاتية والفعليةأدلة اتصاف الله بصفة الآخريةالتعبد لله بصفة الآخريةشرح صفة الأحديةصفة الأحديةأثر صفة الأحدية في إيمان العبدمن يتعبد الله بالأحدية لا يخاف إلا اللهصفة الباطنية لله تعالىقرب الله لا ينافي علوهأثر صفة الباطنية في إيمان العبدصفة التبارك لله تعالىأثر صفة التبارك في إيمان العبدأسباب البركةشرح صفة الصمدية والعزة لله عز وجلصفة الصمدية لله تعالىصفة الصمدية لله تعالىبيان مفهوم صفة الصمدية لله تعالىثبوت صفة الصمدية لله تعالى في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنةذكر النماذج لمن تعبدوا ربهم بهذه الصفة العظيمةصفة العزة لله تعالىثبوت صفة العزة لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنةالجوابأثر التعبد لله بصفة العزةبيان عزة الله تعالى من خلال عرض بعض القصصشرح صفة الربوبية والسبوح والسلام لله عز وجلإثبات صفة الربوبيةأنواع الخلقلوازم الربوبيةالفرق بين مشركي هذا العصر ومشركي العرب قديماأثر الربوبية في إيمان العبدما يجب على العبد من تعبد لله بصفة الربوبيةأثر الإيمان بالربوبية في الحياة الآخرةصفة السيادةالسبوحتنزيه الله عن النقائصصفة السلامشرح صفة العلو والغنى لله عز وجلأدلة صفة العلو من الكتاب والسنةتعبد المسلم لربه بصفة العلوتعبد الصحابة لربهم بصفة العلوتعبد الرسل لربهم بصفة العلوتعبد العلماء لربهم بصفة العلوصفة الغنى لله تعالىالفرق بين الصفات الذاتية والصفات الخبريةأدلة صفة الغنى في الكتاب والسنةتعبد المسلم لربه بصفة الغنىشرح صفة العظمة والعلم لله عز وجلصفة العظمة لله تعالى وآثارها في إيمان العبدالأمور التي يتعبد الله بها في صفة العظمةتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لنعم اللهتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لأوامر ربهمن تعظيم الله سبحانه تعظيم رسولهالفرق بين كفر النوع وكفر العينالجوابتعظيم الصحابة الكرام لله ولرسوله ولأوامرهمامن تعظيم الله تعظيم لقائهصفة العلم لله تعالى وآثارها في إيمان العبدأدلة ثبوت صفة العلم لله من الكتاب والسنةاختصاص الله تعالى بعلم الغيبشرح صفة السمع والبصر والجمال والجود لله عز وجلإثبات صفتي السمع والبصر لله سبحانه وتعالىالمعنى اللغوي لصفتي السمع والبصر المثبت لله تعالىأنواع سمع الله عز وجلأثر الإيمان بصفتي السمع والبصرثبوت صفة الجمال لله سبحانه وتعالى والأدلة عليهاجمال المخلوقات من جمال الخالقالتعبد لله بصفة الجمالأثر الإيمان بصفة الجمالثبوت صفة الجود لله سبحانه وتعالىأنواع الجودالتعبد لله بصفة الجودشرح صفة الحق والحمد والحلم لله عز وجلثبوت صفة الحق لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماعتعبد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لله بصفة الحقثبوت صفة الحمد لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماعفوائد حمد الله سبحانه وتعالىتعبد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بصفة الحمد لله تعالىثبوت صفة الحلم لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماعتعبد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام بصفة الحلمشرح صفة الحكم والحكمة لله عز وجلإثبات صفة الحكم لله تعالىكيفية التعبد لله بصفة الحكمأمثلة من تسليم الصحابة لحكم الله عز وجلحكم الله عز وجل بين عباده يوم القيامةإثبات صفة الحكمة لله تعالىكيفية التعبد لله بصفة الحكمةتجلي حكمة الله عز وجل في خلق إبليس وإنظاره إلى يوم القيامةحكمة الله في تسليط أهل الكفر والعصيان على أهل الحق والإيمانكيفية التعبد لله بصفة الحكمة
جارٍ التحميل