صفات الله وآثارها فى إيمان العبدتعبد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام بصفة الحلم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

تعبد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام بصفة الحلم

والعبد إذا أراد يتعبد لله بهذه الصفة فعليه أن ينظر إلى من سبقه بالتعبد بها ليعلم كيف يتعبد لله بهذه الصفة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لنا أروع الأمثلة في ذلك، فقد علم أن الله حليم يحب الحلم؛ لأن الله جل في علاه يحب صفاته، ويحب أن يرى أثر هذه الصفات على العبد المؤمن الذي اعتقدها لله جل في علاه، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بأن الله حليم ويحب كل حليم، وانظروا إلى حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بيته أولاً، فقد كان حلم النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه يضرب به المثل، فكان ذات مرة عند عائشة رضي الله عنها وأرضاها وكانت نوبتها فأرسلت زينب رضي الله عنها وأرضاها بقصعة فيها طعام في نوبة عائشة، فغارت عائشة، وغيرة النساء معلومة، حتى قال الإمام مالك: إن المرأة إذا غارت قذفت، وإذا قذفت لم تحد؛ لأن الغيرة تغلب على العقل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ومعه أصحابه، فالمجلس فيه أصحاب رسول الله وفيه المعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق على الله، بينما هم كذلك إذ تخرج عائشة رضي الله عنها وأرضاها قبل الحجاب، وتأخذ قصعة الطعام فتلقي بها فتكسرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (غارت أمكم غارت أمكم، إناء بإناء وطعام بطعام)، انظروا إلى حلم النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته وهو بذلك يتعبد لله بهذه الصفة الجليلة بعدما اعتقدها اعتقاداً جازماً لله جل في علاه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشتهي عسلاً، فكان في كل يوم في العصر يذهب إلى زينب فيجلس يسامرها ويحب أن يأكل عندها العسل، فغارت عائشة فقالت: يذهب إلى زينب ويجلس، لم يجلس؟ فعرفت أنه يأكل عندها العسل، فذهبت إلى سودة، وكانت عائشة شديدة الرأي عليهن؛ لأن عائشة كانت لها الحظوة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكن يخشين عائشة، يعني: إن خالفنها تألم عليها رسول الله، كن يعتقدن ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم، فهو يتعامل مع كل امرأة بحسن خلقه، فذهبت عائشة إلى سودة، وسودة أكبر منها سناً بمراحل فقالت: إذا دخل عليك فقولي له: أكلت مغافير؟ ونزلت على رأي عائشة، ثم ذهبت حفصة وقالت لها الشيء نفسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يشتم منه رائحة لا تقبل، وهذه سنة سنها الرسول صلى الله عليه وسلم لكل إنسان يحاول قدر الإمكان أن يكون على رائحة طيبة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على حفصة فقالت: يا رسول الله! كأنها تشمئز، ما هذا؟ أكلت مغافير؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (والله ما أكلت مغافير ما أكلت إلا عسلاً)، فذهب إلى سودة فقالت: ما هذا يا رسول الله! أكلت مغافير؟ ثم دخل على عائشة فقالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: ما هذا يا رسول الله! ما هذه الرائحة؟ أكلت مغافير؟ فقال: (والله ما أكلت مغافير بل أكلت هذا العسل)، فأقسم بالله ألا يأكل العسل، وهذا حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه، فهو لم ينهر امرأة منهن، بل منع نفسه مما يشتهي حتى لا يقال له: أكلت مغافير، فأنزل الله جل في علاه على النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:1].
وانظر إلى سعة حلم النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءته الوفود وجاءه أعرابي جلف لا يعرف كيف يتعامل مع أكرم خلق الله على الله، فجبذه بردائه صلى الله عليه وسلم، حتى ظهر ذلك في صفحة عنق النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: أعطني من مال الله ليس من مالك ولا من مال أبيك، فأراد الصحابة قتل هذا الأعرابي والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم له ويكتب له عطاء.
وقد علمنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه الحلم، وابنته كذلك، وكان ذلك في حادثة الإفك وقد تولى كبره المنافق العربيد عبد الله بن أبي ابن سلول وخاض فيه من خاض، ومرضت أم المؤمنين شهراً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل عليها -وبكل حلم- ويقول: (كيف تيكم؟) ويتركها ويسير، فلما علمت بحادثة الإفك دخل عليها رسول الله وهي تبكي فقال: (يا عائشة! إن كنت قد ألممت بالذنب، فاستغفري ربك فإنه غفور رحيم، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله.
فقالت: والله ليس مثلي ومثلكم إلا كمثل يعقوب مع أولاده، فصبر جميل والله المستعان) من الحلم؛ لأن علامات الحلم الصبر، فالله جل في علاه كافأها على حلمها في هذا البلاء بأن برأها من فوق سبع سماوات، وقد اشتد غضب أبيها أبي بكر رضي الله عنه وقال: والله لا أنفق على مسطح فأنزل الله معاتباً إياه: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:22]، فقال: أحب أن يغفر الله لي، ثم أعاد النفقة على مسطح.
وعمر بن الخطاب ضرب لنا أروع الأمثلة في الحلم أيضاً، عندما دخل المسجد وكان هناك من ينام في المسجد وكان عمر رضي الله عنه وأرضاه رجل طوال، ورجله ليست بالهينة، فوطئ رجلاً بقدمه، فقام الرجل فقال: أنت أيها الأعمى! يقول ذلك لـ عمر، وعمر معه من معه من الصحابة، فقاموا لتأديبه فقال: اتركوه وقال للرجل: أوما ترى عيني؟ إني لست بأعمى، وهذا من حلم عمر رضي الله عنه وأرضاه.
اللهم ارزقنا الحلم، فالإنسان إذا تعلم الحلم ساد، والقاعدة عند العلماء: لا يسود المرء إلا بالحلم.
فنسأل الله جل في علاه أن يعلمنا الحلم، وأن يجعلنا نطبق هذه الآيات وهذه الصفات على أنفسنا، فيرى الله منا الصدق ويحلينا بصفات المتقين، ويرزقنا الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

صفات الله وآثارها في إيمان العبد -

فصول الكتاب · 108 فصل · 13 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول صفات الله وآثارها فى إيمان العبد · 13 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةقواعد في الأسماء والصفاتالتسليم التام لظاهر كلام الله ورسولهأسماء الله كلها حسنىالجوابصفات الله كمال من كل وجهالجوابالرد على المعطلةشرح صفة الأولية والآخرية لله عز وجلأهمية علم العقيدةالفرق بين الصفات الثبوتية والصفات السلبيةالمعطلة من الجهمية والمعتزلة ومنهجهم في الصفاتإثبات صفة الأولية لله عز وجلكيفية التعبد لله بصفة الأوليةالتعبد لله بأوليته عند أصحاب المعاصيالدعاء تعبد لله بصفة الأوليةأصناف الناس في التعبد لله بصفة الأوليةإثبات صفة الآخرية لله وكيفية التعبد بهاالفرق بين الصفات الذاتية والفعليةأدلة اتصاف الله بصفة الآخريةالتعبد لله بصفة الآخريةشرح صفة الأحديةصفة الأحديةأثر صفة الأحدية في إيمان العبدمن يتعبد الله بالأحدية لا يخاف إلا اللهصفة الباطنية لله تعالىقرب الله لا ينافي علوهأثر صفة الباطنية في إيمان العبدصفة التبارك لله تعالىأثر صفة التبارك في إيمان العبدأسباب البركةشرح صفة الصمدية والعزة لله عز وجلصفة الصمدية لله تعالىصفة الصمدية لله تعالىبيان مفهوم صفة الصمدية لله تعالىثبوت صفة الصمدية لله تعالى في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنةذكر النماذج لمن تعبدوا ربهم بهذه الصفة العظيمةصفة العزة لله تعالىثبوت صفة العزة لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنةالجوابأثر التعبد لله بصفة العزةبيان عزة الله تعالى من خلال عرض بعض القصصشرح صفة الربوبية والسبوح والسلام لله عز وجلإثبات صفة الربوبيةأنواع الخلقلوازم الربوبيةالفرق بين مشركي هذا العصر ومشركي العرب قديماأثر الربوبية في إيمان العبدما يجب على العبد من تعبد لله بصفة الربوبيةأثر الإيمان بالربوبية في الحياة الآخرةصفة السيادةالسبوحتنزيه الله عن النقائصصفة السلامشرح صفة العلو والغنى لله عز وجلأدلة صفة العلو من الكتاب والسنةتعبد المسلم لربه بصفة العلوتعبد الصحابة لربهم بصفة العلوتعبد الرسل لربهم بصفة العلوتعبد العلماء لربهم بصفة العلوصفة الغنى لله تعالىالفرق بين الصفات الذاتية والصفات الخبريةأدلة صفة الغنى في الكتاب والسنةتعبد المسلم لربه بصفة الغنىشرح صفة العظمة والعلم لله عز وجلصفة العظمة لله تعالى وآثارها في إيمان العبدالأمور التي يتعبد الله بها في صفة العظمةتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لنعم اللهتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لأوامر ربهمن تعظيم الله سبحانه تعظيم رسولهالفرق بين كفر النوع وكفر العينالجوابتعظيم الصحابة الكرام لله ولرسوله ولأوامرهمامن تعظيم الله تعظيم لقائهصفة العلم لله تعالى وآثارها في إيمان العبدأدلة ثبوت صفة العلم لله من الكتاب والسنةاختصاص الله تعالى بعلم الغيبشرح صفة السمع والبصر والجمال والجود لله عز وجلإثبات صفتي السمع والبصر لله سبحانه وتعالىالمعنى اللغوي لصفتي السمع والبصر المثبت لله تعالىأنواع سمع الله عز وجلأثر الإيمان بصفتي السمع والبصرثبوت صفة الجمال لله سبحانه وتعالى والأدلة عليهاجمال المخلوقات من جمال الخالقالتعبد لله بصفة الجمالأثر الإيمان بصفة الجمالثبوت صفة الجود لله سبحانه وتعالىأنواع الجودالتعبد لله بصفة الجودشرح صفة الحق والحمد والحلم لله عز وجلثبوت صفة الحق لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماعتعبد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لله بصفة الحقثبوت صفة الحمد لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماعفوائد حمد الله سبحانه وتعالىتعبد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بصفة الحمد لله تعالىثبوت صفة الحلم لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماعتعبد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام بصفة الحلمشرح صفة الحكم والحكمة لله عز وجلإثبات صفة الحكم لله تعالىكيفية التعبد لله بصفة الحكمأمثلة من تسليم الصحابة لحكم الله عز وجلحكم الله عز وجل بين عباده يوم القيامةإثبات صفة الحكمة لله تعالىكيفية التعبد لله بصفة الحكمةتجلي حكمة الله عز وجل في خلق إبليس وإنظاره إلى يوم القيامةحكمة الله في تسليط أهل الكفر والعصيان على أهل الحق والإيمانكيفية التعبد لله بصفة الحكمة
جارٍ التحميل