قصر الأملصفحات 47-73
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الكتاب

صفحات 47-73

٤٣ - قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا القاسم بن عمرو بن محمد، قال: حدثنا سويد بن عمرو، قال: سمعت داود الطائي، يقول: «لو أملت أن أعيش شهرا لرأيتني قد أتيت عظيما.
وكيف أؤمل ذلك وأرى الفجائع تغشى الخلق في ساعات الليل والنهار»

٤٤ - حدثنا عبد الله قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا القاسم بن أبي سعيد، قال: حدثني إبراهيم بن خازم بن سلمة الفراء، قال: سمعت محمد بن النضر الحارثي، يقول: «إلى الله أشكو طول أملي، وعند الله أحتسب عظيم غفلتي»

٤٥ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن العباس، قال: حدثنا يحيى بن المتوكل، قال: حدثنا المبارك، عن الحسن، قال ⦗٤٨⦘: «كان أحدهم يتخذ القصبة، ويجعل فيها خيطا يعلقها في إصبعه فيها ماء، يريد إذا بال أن يتوضأ، مخافة أن يأتيه أمر الله»

٤٦ - حدثنا عبد الله قال: حدثنا أبو بلال الأشعري، قال: حدثنا جابر بن سليمان، عن أبي عمير المكي، عن حوشب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة، وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات، وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل»

٤٧ - حدثنا عبد الله قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي، قال: حدثنا أيوب بن سويد، عن يونس، عن الزهري، عن ابن المسيب ⦗٤٩⦘، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين: في حب المال، وطول الأمل " قال يونس: دخلت على ابن شهاب في أرض وهو يغرس، فكلمته في ذلك، فأخبرني بهذا الحديث

٤٨ - حدثنا عبد الله قال: حدثني أبو محمد البزاز، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك،: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " خط خطوطا، وخط منها خطا ناحية فأبعده، وقال: «أتدرون ما مثل هذا؟ هذا مثل المتمني، وذلك الخط البعيد الأمل، بينما هو يتمنى، إذ جاءه الموت»

٤٩ - حدثنا عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن عبيد، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن زبيد الإيامي، عن مهاجر العامري، قال: قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: " إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتباع الهوى، وطول الأمل، فأما اتباع الهوى: فيصد عن الحق، وأما طول الأمل: فينسي الآخرة، ألا وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل "

٥٠ - حدثنا عبد الله قال: حدثنا أبو عبد الله الأزدي، عن الحسن بن محمد الخزاعي، عن رجل من ولد عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن عمر بن عبد العزيز قال: في بعض خطبه: «إن لكل سفر زادا لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى ⦗٥١⦘، وكونوا كمن عاين ما أعد الله من ثوابه وعقابه، ترغبون وترهبون، ولا يطولن عليكم الأمل فتقسو قلوبكم، وتنقادوا لعدوكم، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يصبح بعد مسائه ولا يمسي بعد صباحه، وربما كانت بين ذلك خطفات المنايا، فكم رأيت ورأيتم من كان بالدنيا مغترا، وإنما تقر عين من وثق بالنجاة من عذاب الله، وإنما يفرح من أمن أهوال القيامة، فأما من لا يداوي كلما، إلا أصابه جارح من ناحية أخرى، فكيف يفرح أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي، وتظهر عولتي، وتبدو مسكنتي في يوم يبدو فيه الغنى والفقر، والموازين فيه منصوبة، لقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم انكدرت، ولو عنيت به الجبال لزالت، ولو عنيت به الأرض لتشققت.
أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة؟ وأنكم صائرون إلى أحدهما؟»

٥١ - حدثنا عبد الله قال: حدثني إبراهيم بن سعيد الأصبهاني، قال: كتب محمد بن يوسف الأصبهاني العابد إلى بعض إخوانه: «أقرئ من أقرأتنا منه السلام السلام، وتزود لأخراك، وتجاف عن دنياك، واستعد للموت، وبادر الفوت، واعلم أن أمامك أهوالا وأفزاعا قد أرعبت الأنبياء والرسل، والسلام»

٥٢ - حدثنا عبد الله قال: حدثنا الحسين بن عبد الرحمن، عن رجل، من قريش، قال: كتب رجل إلى أخ له: «أما بعد، فإن الدنيا حلم والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث، والسلام»

٥٣ - حدثنا عبد الله قال: حدثني بعض أصحابنا، قال: كتب رجل إلى أخ له: «إن الحزن على الدنيا طويل، والموت من الإنسان قريب، وللنقص في كل وقت منه نصيب، وللبلاء في جسمه دبيب، فبادر قبل أن تنادى بالرحيل، والسلام»

٥٤ - حدثنا عبد الله قال: أنشدنا أبو بكر بن علي قوله: «

[البحر البسيط]

قل للمؤمل إن الموت في أثرك ... وليس يخفى عليك الأمر من نظرك

فيمن مضى لك إن فكرت مفتكر ... ومن يمت كل يوم فهو من نذرك

دار تسافر فيها من غد سفرا ... فلا تئوب إذا سافرت من سفرك

تضحى غدا سمرا للذاكرين كما ... صار الذين مضوا بالأمس من سمرك»

٥٥ - قال: وأنشدني قوله:

[البحر الرجز]

نودي بصوت أيما صوت ... ما أقرب الحي من الموت

كأن أهل الغي في غيهم ... قد أخذوا أمنا من الموت

كم مصبح يعمر بيتا له ... لم يمس إلا خارب البيت

هذا وكم حي بكى ميتا ... فأصبح الحي مع الميت

٥٦ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني بكر بن محمد، قال: حدثنا السكن بن إسماعيل، عن حوشب، عن أبي المتوكل الناجي، قال: قال لي سليمان بن عبد قيس: يا أبا المتوكل ⦗٥٤⦘. قلت: لبيك.
قال: «عليك بما يرغبك في الآخرة، ويزهدك في الدنيا، ويقربك إلى الله» . قلت: وما هو يا عبد الله؟، قال: «تقصر عن الدنيا همتك، وتسمو إلى الآخرة بنيتك، وتصدق ذلك بفعلك» . قلت: فكيف لي ما أستعين به على ذلك؟، قال: «تقصر أملك في الدنيا، وتكثر رغبتك في الآخرة، حتى تكون بالدنيا برما، وبالآخرة كرثا.
فإذا كنت كذلك لم يكن شيء أحب إليك ورودا من الموت، ولا شيء أبغض إليك من الحياة» .، قال: قلت: أيا عبد الله، ما كنت أحسبك تحسن مثل هذا، قال: «كم من شيء أحسنه وددت أني لا أحسنه، وكم من شيء لا أحسنه وددت أني أحسنه، وما يغني ما أحسن من الخير إذا كنت لا أعمل به.
والله لو جاءني النذير من ربي عند الموت، فأخبرني أني من أهل النار، وأنه لم يبق من أجلي إلا ساعة من نهار، ما.
. نفسي عن نفسي بهلاكها، ولا اجتهدت نفسي فيما بقي من عمرها لتكون أعذر لها عندي إذا نزل الموت»

٥٧ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن صالح الحناط، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن مرثد قال: حدثني بعض أصحابنا " أنهم خرجوا إلى مكة فنزلوا منزلا، فجاءهم رجل ليس معه ⦗٥٥⦘ إداوة ولا حذاء، فقال: أتريدون أن أجيئكم بماء؟ فأعطوه إداواتهم، فجاءهم بماء، فناوله بعضهم رغيفا، فأخذه، فقام غير بعيد، فأكله، ثم غطى رأسه، فنام.
فزوله صاحب الرغيف وكانوا قد طعموا فعمد إلى رغيفين، فجعل بينهما لحما، ثم أتاه، فأيقظه، فقال: قم فكل.
فقال: لا حاجة لي فيه.
فحرص به، فأبى فقال له المعطي: لما استغرق أهل الولاية الولاية.
قال: يقول له الرجل: لعلك تريد أن تقول: بما استتم به.
قال: نعم.
قال: بقطعهم الأمل.
قال: وكيف قدروا على قطع الأمل؟، قال: بقلة الادخار.
قال: وكيف قدروا على قلة الادخار؟ قال: بأخذهم الشيء على الحاجة.
قال: فيكون العطاء والمنع عندك واحدا؟ قال: لو زاد أحدهم على الآخر مقياس شعيرة لم يكن ثم رضا، ثم مضى نحو مكة، وترك الرغيفين.
قال: فبينا أنا أطوف، إذا هو في الطواف، فعرفني، فقال: صاحب الرغيفين؟ ⦗٥٦⦘ قلت: نعم.
قال: الأمر والله على ما قلت.
ثم غاب في الزحام، فلم أره "

٥٨ - حدثنا عبد الله قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان، عن مسعر، أو غيره عن عون بن عبد الله بن عتبة، قال: «ما أنزل الموت كنه منزلته من عد غدا من أجله، كم من مستقبل يوما لا يستكمله.
وكم من مؤمل لغد لا يدركه.
إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره»

٥٩ - حدثنا عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن عيسى الطفاوي، قال: حدثنا عبيد الله بن شميط بن عجلان، قال: سمعت أبي يقول ⦗٥٧⦘: " إن المؤمن يقول لنفسه: إنما هي أيام ثلاثة: فقد مضى أمس بما فيه، وغدا أمل لعلك لا تدركه، إنك إن كنت من أهل غد فإن غدا يجيء برزق غد، إن دون غد يوما وليلة تخترم فيه أنفس كثيرة، لعلك المخترم فيها.
كفى كل يوم همه.
ثم قد حملت على قلبك الضعيف هم السنين والأزمنة، وهم الغلاء والرخص، وهم الشتاء قبل أن يجيء الشتاء، وهم الصيف قبل أن يجيء الصيف، فماذا أبقيت من قلبك الضعيف لآخرته؟ كل يوم ينقص من أجلك وأنت لا تحزن، وكل يوم تستوفي رزقك وأنت لا تحزن، أعطيت ما يكفيك فأنت تطلب ما يطغيك، لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع، وكيف لا يستبين بعالم جهله وقد عجز عن شكر ما هو فيه، وهو مغتر في طلب الزيادة؟ أم كيف يعمل للآخرة من لا ينقطع من الدنيا شهوته، ولا تنقضي منها نهمته؟ ⦗٥٨⦘ فالعجب كل العجب لمن يصدق بدار الحيوان وهو يسعى لدار الغرور "

٦٠ - حدثنا عبد الله قال: حدثنا عبيد الله بن سعد القرشي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام بن حسان، قال: سمعت الحسن، يقول: " كان آدم صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يخطئ: أمله خلف ظهره، وأجله بين عينيه.
فلما أصاب الخطيئة حول، فجعل أمله بين عينيه، وأجله خلف ظهره "

٦١ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني الخليل بن عمر بن إبراهيم، قال: سمعت عبيد الله بن شميط بن عجلان، يقول: قال أبي: " طالت آمالكم، فجددتم منازلكم من الدنيا، وطيبتم منها معايشكم، وتلذذتم فيها بطيب الطعام، ولين اللباس، كأنكم للدنيا خلقتم أولا تعلمون أن الموت أمامكم؟ أولا تعلمون أن ملك الموت موكل بآجالكم، لا يذهب عنه من المدة شيء؟ ثم يقول: لا تكونوا رحمكم الله أقل شيء بالموت اكتراثا، وأعظم شيء عن الموت غفلة، فما ينتظر الحي إلا الموت، وما ينتظر المسافر إلا الظعن "

٦٢ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن سهل، قال: حدثني أبو علقمة المدني، قال: كان صفوان بن سليم لا يكاد يخرج من مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإذا أراد أن يخرج بكى وقال: «أخاف أن لا أعود إليه»

٦٣ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا شعيث بن محرز، قال: حدثني إسماعيل بن زكريا، وكان جار الحبيب أبي محمد رحمه الله، قال: " كنت إذا أمسيت سمعت بكاءه، وإذا أصبحت سمعت بكاءه.
فأتيت أهله، فقلت: ما شأنه يبكي إذا أمسى، ويبكي إذا أصبح؟ قال: فقالت لي: يخاف والله إذا أمسى أن لا يصبح، وإذا أصبح أن لا يمسي "

٦٤ - حدثنا عبد الله قال: وحدثني محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن بن عائشة، قال: حدثني أبو زكريا، قال: قالت امرأة حبيب: كان يقول: «إن مت في اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني، وافعلي كذا، واصنعي كذا» . فقيل لامرأته: أرأى رؤيا؟ قالت: هذا يقوله في كل يوم

٦٥ - حدثنا عبد الله قال: حدثني أبو علي الجروي، قال: حدثنا أبو حفص التنيسي، قال: حدثنا رجاء أبو الأشيم، عن إبراهيم بن نشيط، قال: قال لي أبو زرعة: «لأقولن لك قولا ما قلته لأحد سواك، ما خرجت من المسجد منذ عشرين سنة فحدثت نفسي أن أرجع إليه»

٦٦ - حدثنا عبد الله قال: وحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا عون بن عمارة، قال: حدثنا عمارة بن زاذان، قال: سمعت زيادا النميري، يقول: «لو كان لي من الموت أجل أعرف مدته، لكنت حريا بطول الحزن والكمد حتى يأتيني وقته، فكيف وأنا لا أعلم متى يأتيني الموت صباحا أو مساء؟» ثم خنقته العبرة، فقام

٦٧ - حدثنا عبد الله قال: وحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أبو عمر الضرير، قال: حدثنا عبيد الله بن شميط، قال: سمعت أبي يقول: " أيها المغتر بطول صحته، أما رأيت ميتا قط من غير سقم؟، أيها المغتر بطول المهلة، أما رأيت مأخوذا قط من غير عدة؟، إنك لو فكرت في طول عمرك لنسيت ما قد تقدم من لذاتك.
أبالصحة تغترون؟، أم بطول العافية تمرحون؟، أم للموت تأمنون؟، أم على ملك الموت تجترئون؟، إن ملك الموت إذا جاء لم يمنعه منك ثروة مالك، ولا كثرة احتشادك ⦗٦٢⦘. أما علمت أن ساعة الموت ذات كرب وغصص وندامة على التفريط؟ ثم يقول: رحم الله عبدا عمل لساعة الموت.
رحم الله عبدا عمل لما بعد الموت.
رحم الله عبدا نظر لنفسه قبل نزول الموت "

٦٨ - حدثنا عبد الله قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إدريس، عن أبي زكريا التيمي، قال: بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام إذ أتي بحجر منقور، فطلب من يقرؤه.
فأتي بوهب بن منبه، فقرأه، فإذا فيه: " ابن آدم إنك لو رأيت قريب ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من حرصك وحيلك.
وإنما يلقاك غدا ندمك، لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، فبان منك الولد القريب، ورفضك الوالد والنسيب.
فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد.
فاعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة، أظنه قال: فبكى سليمان بكاء شديدا

٦٩ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن حميد بن عبد الرحمن بن يوسف الأصبهاني، قال ⦗٦٣⦘: وجدت كتابا عند جدي عبد الرحمن بن يوسف: من محمد بن يوسف إلى عبد الرحمن بن يوسف.
سلام عليك.
" فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني محذرك متحولك من دار مهلتك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك، فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها، فيأتيك منكر ونكير، فيقعدانك وينتهرانك، فإن يكن الله معك فلا بأس ولا وحشة ولا فاقة، وإن يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع وضيق مضجع.
ثم تتبعك صيحة الحشر، ونفخ الصور، وقيام الجبار لفصل قضاء الخلائق، وخلاء الأرض من أهلها، والسماوات من سكانها.
فباحت الأسرار، وأسعرت النار، ووضعت الموازين، وجيء بالنبيين والشهداء، ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ [الزمر: ٧٥]، فكم من مفتضح ومستور.
وكم من هالك وناج.
وكم من معذب ومرحوم.
فياليت شعري ما حالي وحالك يومئذ؟ ففي هذا ما هدم اللذات، وسلا عن الشهوات، وقصر الأمل، فاستيقظ النائمون، وحذر الغافلون.
أعاننا الله وإياك على هذا الخطر العظيم، وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعهما من قلوب المتقين.
فإنما نحن به وله "

٧٠ - حدثنا عبد الله قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: قال بعض الحكماء: «تيقظوا لأمر الله فقد.
. ألسنة عنه.
واحبسوا على أنفسكم ما يمر لها صفحا من العبر، وعلى أسماعكم لما يمر بها مختارا من المواعظ، وليحرك التخويف منكم خوفا، وليحدث التذكير لكم اعتبارا، أو ليزدكم ببغض الدنيا إليكم لها بغضا، ولمصارعها حذرا.
وأغلقوا عليكم باب الأمل، فإنه يفتح عليكم باب القسوة.
وأحلوا الخوف منكم محل الرجاء.
وأمهدوا في دار مقامكم قبل الرحلة، وبادروا بذلك الموت، وحسرات الفوت، وضيق المضطجع، وهول المطلع، والموقف للحساب، فكأن قد أظلكم.
فبادروا في بقية آجالكم فناءها، وبصحبة أجسامكم سقمها.
وكونوا من الله على حذر، ومن لقائه على عتاد.
فاستدل مستدل بما يرى، أو اعتبر معتبر بما يسمع، أو نظر ناظر فأبصر، وفكر مفكر فانتفع.
ولا.
. حظوظكم من الله، فقد حضرت النقلة، وطال الاغترار»

٧١ - حدثنا عبد الله قال: حدثني أبو علي الجروي، قال: حدثني أبو عبد الملك بن الفارسي قال: حدثني خطاب بن عبد الدائم بن دينار، قال ⦗٦٥⦘: كتب أبو عتبة عباد الخواص إلى سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر: «أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله، وحسن النظر مما هو منظور فيه من أمرك، وأعرض نفسك قبل عرض الله إياك، وبادر الأجل بصالح العمل قبل فوت ذلك والأسف عليه، فالعجب لموقع هذا الخطر من القلوب مع المعرفة بفنائه والعلم بما مضى منه ومن أهله، هل فيهم مغبوط بشيء كان فيه؟، أم هل منهم ظاعن بشيء معه؟، أم هل منهم مردود إلى معتمد، فأتى كتابك فسررت بعافية الله؟ إياكم.
. غلبة الهوى على المعرفة، قد كان السرور بالموت أحق، ولكنا نسأل الله لنا ولك بركة عطائه، واللطف بالسلامة فيما أخرنا له، فقد.
. . الموت الصالحون قبلنا عند وقوع أوائل.
. . في جمهورها.
إنما وصف.
. . منها.
. . لا نعرفه من أنفسنا، ولا نناله إلا بالله تعالى.
نحن معافون، وما يأتينا من نعم الله عظيم»

٧٢ - حدثنا عبد الله قال: حدثنا أبو عبد الرحمن النحوي عبد الله بن محمد بن هانئ النيسابوري، قال: أخبرنا مرحوم بن عبد العزيز، عن القعقاع بن عجلان، قال: خطب عمر بن عبد العزيز، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: «أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى.
وإن لكم معادا يجمعكم الله للحكم فيكم والفصل فيما بينكم فخاب وشقي عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السماوات والأرض، وإنما يكون الأمان غدا لمن خاف الله واتقى، وباع قليلا بكثير، وفانيا بباق، وشقوة بسعادة.
ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفه بعدكم الباقون؟ ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديا أو رائحا إلى الله، قد قضى نحبه، وانقطع أمله، فيضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟، وايم الله إني لأقول لكم مقالتي هذه، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي؛ ولكنها سنن من الله عادلة، أمر فيها بطاعته، ونهى فيها عن معصيته.
وأستغفر الله» ⦗٦٧⦘. ووضع كمه على وجهه فبكى حتى لثقت لحيته، فما عاد إلى مجلسه حتى مات رحمه الله

٧٣ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أبو عمر الضرير، قال: حدثنا عمران بن خالد الخزاعي، قال: قال رجل لحسان بن أبي سنان: تركت المكاسب والتجارة، وفرقت مالك فقال له حسان: «وأنت أيضا لو ظننت أنك تموت غدا لقصرت؟»، قال: وكان الرجل من ملوك أهل البصرة

٧٤ - حدثنا عبد الله قال: وحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا الوليد بن صالح، قال: حدثنا عطاء بن محمد، قال: قال إبراهيم التيمي: قال أبي ⦗٦٨⦘: خرجنا حجاجا، فوجدنا أبا ذر بالربذة قائما يصلي، فانتظرناه حتى فرغ من صلاته، ثم أقبل علينا، فقال: «هلم إلى الأخ الناصح الشفيق»، ثم بكى، فاشتد بكاؤه، وقال: «قتلني حب يوم لا أدركه»، قيل: وما يوم لا تدركه؟ قال: «طول الأمل»

٧٥ - حدثنا عبد الله قال: وحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني محمد بن سلام الجمحي، قال: سمعت الربيع بن عبد الرحمن، يقول في كلامه: " قطعتنا غفلة الآمال عن مبادرة الآجال، فنحن في الدنيا حيارى، لا ننتبه من رقدة إلا أعقبتنا في أثرها غفلة، فيا إخوتاه نشدتكم بالله، هل تعلمون مؤمنا بالله أغر، ولنقمه أقل حذرا، من قوم هجمت بهم العبر على مصارع النادمين، فطاشت ⦗٦٩⦘ عقولهم، وضلت حلومهم عندما رأوا من العبر والأمثال، ثم رجعوا عن ذلك إلى غير قلعة ولا نقلة؟ فبالله يا إخواتاه، هل رأيتم عاقلا رضي من حاله لنفسه بمثل هذه حالا؟ والله عباد الله لتبلغن من طاعة الله رضاه أو لتنكرن ما تعرفون من حسن بلائه، وتواتر نعمائه.
إن تحسن أيها المرء يحسن إليك، وإن تسئ فعلى نفسك بالعتب فارجع، فقد بين وأعذر وأنذر، فما للناس على الله حجة بعد الرسل، ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء: ١٥٨] "

٧٦ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد، قال: حدثني عثمان بن زفر التيمي، قال: حدثني مسكين بن دينار، قال: كان في تيم الله شيخ متعبد، يجتمع إليه فتيان الحي ونساكهم، قال: فيذكرهم، فإذا أرادوا أن يتفرقوا قال: «يا إخوتاه، قوموا قيام قوم قد يئسوا من المعاودة لمجلسهم، خوفا من خطفات الموكل بالنفوس» . قال: فيبكي - والله - ويبكي

٧٧ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن حاتم بن بزيع، وغيره، قالوا: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، عن المعمر بن سليمان، قال ⦗٧٠⦘: قال عبد الرحمن بن يزيد - وكان له حظ من دين وعقل - فقال لبعض أصحابه: أبا فلان، «أخبرني عن حالك التي أنت عليها، أترضاها للموت؟»، قال: لا، قال: «فهل أزمعت التحويل إلى حال ترضاها للموت؟»، قال: لا والله ما تاقت نفسي إلى ذلك بعد، قال: «فهل بعد الموت دار فيها معتمل؟»، قال: لا، قال: «فهل تأمن أن يأتيك الموت وأنت على حالك هذه؟»، قال: لا، قال: «ما رأيت مثل هذه حالا رضي بها وأقام عليها - أحسبه قال - عاقل»

٧٨ - حدثنا عبد الله قال: وحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني محمد بن.
. . المكي، قال: حدثنا سفيان، قال: قال ⦗٧١⦘ القعقاع بن حكيم: «قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة، فلو أتاني ما أحببت تأخير شيء عن شيء»

٧٩ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن قدامة الجوهري، قال: حدثنا أيوب بن سليم، قال: سمعت شيخا في المسجد يكنى أبا سهل النهدي يقول: سمعت سفيان الثوري، يقول: رأيت شيخا في مسجد الكوفة يقول: «أنا في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة أنتظر الموت أن ينزل بي، لو أتاني ما أمرته بشيء ولا نهيته عن شيء، ولا لي على أحد شيء، ولا لأحد عندي شيء»

٨٠ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا الوليد بن صالح، عن الحارث بن عبيد بن الطفيل بن عامر التميمي، قال: سمعت يزيد الرقاشي، يقول في كلامه: " إلى متى نقول: غدا أفعل كذا، وبعد غد أفعل كذا، وإذا أفطرت ⦗٧٢⦘ فعلت كذا، وإذا قدمت من سفري فعلت كذا؟ أغفلت سفرك البعيد، ونسيت ملك الموت؟ أما علمت أن دون غد ليلة تخترم فيها أنفس كثيرة؟ أما علمت أن ملك الموت غير منتظر بك أملك الطويل؟ أما علمت أن الموت غاية كل حي؟ " قال: ثم يبكي حتى يبل عمامته، ثم يقول: «أما رأيته صريعا بين أحبابه لا يقدر على رد جوابهم، بعد أن كان جدلا خصما، سمحا كريما عليهم؟ أيها المغتر بشبابه، أيها المغتر بطول عمره» . قال: ثم يبكي حتى يبل عمامته

٨١ - حدثنا عبد الله قال: وحدثني أبو عبد الله التيمي، عن أبيه، قال: قال عمر بن ذر، «ابن آدم إنما يتعجل أفراحه بكاذب آماله، ولا يتعجل أحزانه بأعظم أخطاره»

٨٢ - حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني مالك بن ضيغم، قال ⦗٧٣⦘: ما سمعت أبي ينشد، من الشعر شيئا إلا هذه الأبيات: «

قل للمؤمل والمنايا شرع ... ماذا يغرك يا ابن من لم يخلد

يا ابن الذين تقطعت أوصالهم ... ترجو البقاء وأنت غير مخلد

وأبوك مالك كان يأمل ما ترى ... حتى أتته منية لم تردد»،

قال: فإذا قالها، بكى وأبكى

٨٣ - حدثنا عبد الله قال: حدثنا أبو زيد النميري، ومحمد بن الحسين، عن عبيد الله بن محمد القرشي، وقال أبو زيد: عن عتبة بن هارون، قال: قال ابن أبي عمرة: «

[البحر البسيط]

يا أيهذا الذي قد غره الأمل ... ودون ما يأمل التنغيص والأجل

ألا ترى إنما الدنيا وزينتها ... كمنزل الركب دارا ثمة ارتحلوا

حتوفها رصد وعيشها نكد ... وصفوها رنق وملكها دول

تظل تفزع في الروعات ساكنها ... فما يسوغ له لين ولا جذل

كأنه للمنايا والردى عرض ... تظل فيه بنات الدهر تنتضل

المرء يشقى بما يسعى لوارثه ... والقبر وارث ما يسعى له الرجل»

فصول الكتاب · 4 فصل · 211 صفحة
جارٍ التحميل