أهل الأثرالأرشيف العلمي

الرموز

صفحات 39-38

خ: المراد بها المخطوطة التي اعتمدناها لكتاب التوسل والوسيلة.
ب: نسخة محب الدين الخطيب.
ز: نسخة زهير الشاويش

قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية "661 - 728" دراسة وتحقيق ربيع بن هادي عمير المدخلي أستاذ في السنة وعلومها بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سابقاً

بسم الله الرحمن الرحيم 1 - الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليُظهرَه على الدين كله وكفى بالله شهيداً.
أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهدى به من الضلالة، وبصرَّ به من العمى، وأرشد به من الغيّ، وفتح به أعيناً عميًا، وآذاناً صمًّا، وقلوباً غلفًا، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعَبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه.
صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً.
ففرّق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار، وبين أوليائه وأعدائه.
2 - فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وقد أرسله الله إلى الثقلين: الجن والإنس، فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه في باطنه وظاهره، والإيمانُ به ومتابعته هو سبيل الله وهو دين الله، وهو عبادة الله وهو طاعة الله، وهو طريق أولياء الله وهو الوسيلة التي أمر الله بها عباده في قوله تعالى (5: 35) : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾.
فابتغاء الوسيلة إلى الله إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد واتباعه.
3 - وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد في كل حال، باطناً وظاهراً، في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته، في مشهده

ومغيبه، لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه، ولا بعذر من الأعذار، ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته.
4 - وهو صلى الله عليه وسلم شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدراً وأعلاهم جاهاً عند الله.
وقد قال تعالى (33: 69) عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ وقال (3: 45) عن المسيح: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ﴾.
ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاهاً من جميع الأنبياء والمرسلين، لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع بهما1من شفع له الرسول ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله تبارك وتعالى بدعائه وشفاعته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
5 - ولفظ (التوسل) في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى.
والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة.
6 - ولهذا نُهي عن الاستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار، ونهي عن الاستغفار للمنافقين وقيل له (63: 6) : ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَاسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.
ولكن الكفار

يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الإيمان، قال تعالى (9: 37) : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، فإذا كان في الكفار من خف كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه، لا في إسقاط العذاب بالكلية، كما في صحيح مسلم1عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت: يا رسول الله فهل نفعتَ أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"، وفي لفظ: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح"2، وفيه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منهما دماغه"3وقال: "إن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه" (4). 7 - وكذلك ينفع دعاؤه لهم بأن لا يعجل عليهم العذاب في

الدنيا كما كان صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".1
وروى أنه دعا بذلك: أن اغفر لهم فلا تعجّل عليهم العذاب في الدنيا، قال تعالى (35: 45) : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وأيضاً فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أو يرزقه، كما دعا لأم أبي هريرة حتى هداها الله2، وكما دعا لدَوْس فقال: "اللهم اهد دوساً وائت بهم" فهداهم الله.3
8 - وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين لما طلبوا منه أن يستسقي لهم، فاستسقى لهم4، وكان ذلك إحساناً منه إليهم

يتألف به قلوبهم، كما كان يتألفهم بغير ذلك.
9 - وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاهاً عند الله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته، لكن دعاء الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم، فإن الإيمان بهم وطاعتهم توجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقاً وعاماً، فكل من مات مؤمناً بالله ورسوله مطيعاً لله ورسوله كان من أهل السعادة قطعاً، ومن مات كافراً بما جاء به الرسول كان من أهل النار قطعاً.
10 - وأما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا، فلا شفيع أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى (14: 41) عنه: ﴿رَبّنا اغْفرْ لي وَلوالدَيّ وللمُؤمنينَ يومَ يَقُومُ الحساب﴾.

وقد كان صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداء بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى (9: 113) : ﴿ما كان للنّبِيّ والذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا للمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أولي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لهُمْ أنهم أصْحَابُ الجحيم﴾ ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال (9: 114 - 115) : ﴿وما كان اسْتغْفارُ إبْراهيمَ لأبيهِ إلاّ عنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أنّهُ عَدُوٌ للهِ تَبَرّأ منْهُ إنَّ إبْراهيمَ لأوّاهٌ حليمٌ * وما كانَ اللهُ لِيُضلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيّن لهُمْ ما يَتّقونَ﴾.
11 - وثبت في صحيح البخاري1عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له ابراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك.
فيقول إبراهيم: يا رب أنت وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله عز وجل: إني حرّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: انظر ما تحت رجليك فينظر، فإذا هو بذيخ2متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار".
فهذا لما مات مشركًا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين (60: 4 - 5) : ﴿قد كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهيمَ وَالذينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لقَوْمهمْ إنّا بُرءَآؤُاْ منْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون الله كَفْرنا بِكُمْ وبَدا بَيْنَنَا

وَبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتَّى تُؤمنُوا بالله وَحْدَهُ إلاّ قَوْلَ إبراهيمَ لأبيه لأسْتَغْفرَنَّ لَكَ وما أمْلكُ لكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيءٍ رَبّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلنا وإليْكَ أَنَبْنا وإليْكَ المَصيرُ * رَبّنا لا تجْعَلْنا فِتْنَةً للّذينَ كَفَرُا واغْفرْ لَنا رَبّنا إنّك أنْتَ الْعَزيزُ الحكِيمُ﴾ فقد أمر الله1تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا في قول إبراهيم لأبيه: "لأستغفرنَّ لك" فإن الله لا يغفر أن يشرك به.
12 - وكذلك سيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم2عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي".
وفي رواية3أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت".
13 - وثبت عن أنس في الصحيح4أن رجلاً قال: يا رسول الله

أين أبي؟ قال: "في النار".
فلما قفّى1دعاه فقال: "إني أبي وأباك في النار".
14 - وثبت أيضًا في الصحيح2عن أبي هريرة: لما أنزلت هذه الآية (26: 214) : ﴿وَأنْذرْ عَشيرتَكَ الأَقْرَبينَ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فاجتمعوا فعم وخص فقال: "يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عَبْد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، [يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار]3، يا بني عبد المطلب انقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من

الله شيئاً، غير أن لكم رحما سأبُلُّها ببلالها.1
وفي رواية عنه "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، ياصفية - عمة رسول الله - لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً".2
وعن عائشة لما نزلت: ﴿وَأنذرْ عَشيرَتَكَ الأقْرَبين﴾ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا فاطمة بنت محمد، ياصفية بنت عبد المطلب، [يا بني عبد المطلب]3، لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم".4
15 - وعن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً ذات يوم فذكر الغلول5فعظمه وعظم أمره ثم قال: "لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء يقول: يا رسول الله، أغثني.
فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته

فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني.
فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني.
فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق1فيقول يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت2فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك". أخرجاه في الصحيحين.3
وزاد مسلم4"لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك".
وفي البخاري (5) عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعار6فيقول يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول: يا محمد، فأقول لا أملك لك شيئاً، قد بلغت".

# 16 - وقوله هنا صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله شيئاً كقول إبراهيم لأبيه (60:4) : ﴿لأستَغْفرَن لَكَ ومَا أمْلكُ لكَ منَ الله منْ شَيءٍ﴾.
17 - وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهي نافعةٌ في الدنيا والدين باتفاق المسلمين، وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة في زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق عليها بين المسلمين.
وقد قيل إن بعض أهل البدعة ينكرها.
18 - وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم.
19 - وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج1والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثمَّ إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب.
20 - وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم فيقرّون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يخرج من النار قومًا بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قومًا بلا شفاعة.2

# 21 - واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى (2: 48) : ﴿وَاتَّقوا يومًا لا تَجْزى نَفس عن نفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ منها شفاعةٌ ولا يُؤْخَذُ منها عَدْلٌ﴾ وبقوله (2: 123) : ﴿ولا يُقْبَلُ منها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شفاعةٌ﴾ وبقوله (2: 254) : ﴿منْ قَبْل أَنْ يأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شفاعة﴾ وبقوله (40: 18) : ﴿وما للظَّالِمينَ منْ حَميم ولا شَفِيع يُطاع﴾ وبقوله (74: 48) : ﴿فما تَنْفَعُهُمْ شفاعةُ الشافعين﴾.
وجواب أهل السنّة أن هذا [لعله يراد]1به شيئان: 22 - أحدهما: أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى (74: 42 - 48) في نعتهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ في سَقَر * قالوا لَمْ نَكُ منَ المصَلِّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وكُنَّا نخُوضُ مَعَ الْخائضين * وكُنَّا نُكَذِّبُ بيَوْمِ الدِّين * حَتَّى أَتانا الْيَقين * فَمَا تَنْفَعُهُم شفاعَةُ الشَّافِعين﴾ فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارًا.
23 - والثاني: أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي أثبتها2أهل الشرك، ومن شابههم من أهل البدع، من أهل الكتاب والمسلمين، الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل المشفوع إليه شفاعة الشافع3لحاجته إليه رغبة ورهبة، كما يعامل المخلوقُ المخلوق4بالمعاوضة.
فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء

والصالحين، ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يُتوَسل إلى الملوك بخواصِّهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة.
فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى (2: 255) : ﴿مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بإذْنه﴾، وقال (53: 26) : ﴿وكَمْ مِنْ مَلَك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ وقال (21: 26 - 28) عن الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ وقال: (34: 22 - 23) : ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقال تعالى (10: 18) : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى (6: 51) : ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وقال تعالى (32: 4) : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى (43: 86) : ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال

تعالى (6: 94) : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقال تعالى (39: 43 - 45) : ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقال تعالى (20: 108 - 109) : ﴿وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَ هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ وقال صاحب يس (36: 22 - 25) : ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِي * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِي﴾.
24 - فهذه الشفاعة التي أثبتها1المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين حتى صوروا تماثيلهم2وقالوا: استشفاعنا بتماثيلهم استشفاع بهم، وكذلك قصدوا قبورهم وقالوا: نحن نستشفع بهم بعد مماتهم ليشفعوا لنا إلى الله، وصوروا تماثيلهم فعبدوهم كذلك، وهذه الشفاعة

أبطلها الله ورسوله وذم المشركين عليها وكفرهم بها.
قال الله تعالى عن قوم نوح (71: 23 - 24) : ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾.
25 - قال ابن عباس وغيره: هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم.
26 - وهذا مشهور في كتب التفسير والحديث وغيرها كالبخاري1وغيره، وهذه أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم وحسم مادتها وسد ذريعتها، حتى لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلي فيها وإن كان المصلي فيها لا يستشفع بهم، ونهى عن الصلاة إلى القبور، وأرسل علي بن أبي طالب فأمره أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه، ولا تمثالاً إلا طمسه ومحاه، ولعن المصورين.
27 - وعن أبي الهياج الأسدي، قال لي علي بن أبي طالب: إني لأبعثك على ما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً2مشرفاً إلا سويته.
وفي لفظ: ولا صورة إلا طمستها.
أخرجه مسلم.3

فصل 28 - ولفظ (التوسل) قد يراد به ثلاثة أمور، يراد به أمران متفق عليهما بين المسلمين.
29 - أحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به1وبطاعته.
30 - والثاني: دعاؤه وشفاعته، وهذا أيضاً نافع يتوسل به من دعا له وشفع فيه باتفاق المسلمين.
ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً.
31 - ولكن التوسل بالإيمان وبطاعته هو أصل الدين، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة، فمن أنكر هذا المعنى فكفره ظاهر للخاصة والعامة.
32 - وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضاً كافر، لكن هذا أخفى من الأول، فمن أنكره عن جهل عُرِّف ذلك، فإن أصر على إنكاره فهو مرتد.
33 - أَمَّا دعاؤه وشفاعته في الدنيا فلم ينكره أحد من أهل القبلة.
34 - وأما الشفاعة يوم القيامة، فمذهب أهل السنة والجماعة - وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة

وغيرهم - أن له شفاعات يوم القيامة خاصة وعامة، وأنه يشفع فيمن يأذن الله له أن يشفع فيه من أمته من أهل الكبائر.
ولا ينتفع بشفاعته إلا أهل التوحيد المؤمنون1دون أهل الشرك، ولو كان المشرك محباً له معظمًا له لم تنقذه شفاعته من النار، وإنما ينجيه من النار التوحيد والإيمان به.
ولهذا لما كان أبو طالب وغيره يحبونه ولم يقروا بالتوحيد الذي جاء به لم يمكن أن يخرجوا من النار بشفاعته ولا بغيرها.
35 - وفي صحيح البخاري2عن أبي هريرة أنه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قالا لا إله إلا الله خالصاً من قلبه".
36 - وعنه في صحيح مسلم3قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة

يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً".
37 - وفي السنن1عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة

وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً" وفي لفظ قال:"ومن لقي الله لا يشرك به شيئاً فهو في شفاعتي".
38 - وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً غيره، وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: (43: 45) : ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال تعالى (21: 25) : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى (16: 36) : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ﴾.
وقد ذكر الله عز وجل عن كل من الرسل أنه افتتح دعوته بأن قال لقومه (11: 50 و 61) : ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
39 - وفي المسند1عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن

تشبه بقوم فهو منهم".
40 - والمشركون من قريش وغيرهم - الذين أخبر القرآن بشركهم واستحل النبي صلى الله عليه وسلم / دماءهم وأموالهم وسبى حريمهم وأوجب لهم النار - كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السماوات والأرض كما قال (31: 25) : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ وقال (29: 61) : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ﴾ وقال (23: 84 - 91) : ﴿قُلْ لِمَنْ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
41 - وكان المشركون الذي جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتم مخلوقة، ولكنهم يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه كما قال تعالى (10: 18) : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وقال تعالى (39: 1 - 3) : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ

يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾.
42 - وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
وقال تعالى (30: 28 - 32) : ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
43 - بين سبحانه بالمثل الذي ضربه لهم أنه لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم، فأنتم فيه سواء يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضاً، فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟.
44 - وهذا كما كانوا يقولون: له بنات.
فقال تعالى (16: 62) : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمْ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.
وقد قال تعالى (16: 58 - 60) : ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي

التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
45 - والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله (بالشرك أصلهم)1صنفان: قوم نوح وقوم إبراهيم.
فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم.
وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر.
وكل من هؤلاء وهؤلاء يعبدون الجن، فإن الشياطين قد تخاطبهم وتعينهم على أشياء، وقد يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون الجن؛ فإن الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم.
قال تعالى: (34: 40 - 41) : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
46 - والملائكة لا تعينهم على الشرك لا في المحيا ولا في الممات ولا يرضون بذلك/، ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصور لهم في صور الآدميين فيرونهم بأعينهم ويقول أحدهم: أنا إبراهيم، أنا المسيح، أنا محمد، أنا الخضر، أنا أبو بكر، أنا عمر، أنا عثمان، أنا علي، أنا الشيخ فلان.
وقد يقول بعضهم عن بعض: هذا هو النبي فلان، أو (الشيخ فلان، و)2هذا هو الخضر، ويكون أولئك كلهم جنًّا يشهد بعضهم لبعض.
والجن كالإنس، فمنهم الكافر ومنهم الفاسق ومنهم العاصي وفيهم العابد

الجاهل1، فمنهم من يحب شخاً فيتزيّا في صورته ويقول: أنا فلان.
ويكون ذلك في برِّية ومكان قفر فيطعم ذلك الشخص طعامًا ويسقيه شراباً أو يدله على الطريق أو يخبره ببعض الأمور الواقعة الغائبة فيظن ذلك الرجل أن نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك، وقد يقول: هذا سر الشيخ وهذه رقيقته2وهذه حقيقته أو هذا مَلَكٌ جاء على صورته.
وإنما يكون ذلك جنيًّا، فإن الملائكة لا تعين على الشرك والإفك والإثم والعدوان.
وقد قال الله تعالى (17: 56 - 57) : ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
47 - قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح، فبين الله تعالى أن الملائكة والأنبياء عباد الله3، كما أن الذين يعبدونهم عباد الله، وبين أنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين.
48 - والمشركون من هؤلاء قد يقولون: إنا نستشفع بهم أي نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا، فإذا أتينا قبر أحد طلبنا منه أن

يشفع لنا، فإذا صورنا تمثاله - والتماثيل إما مجسدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى في كنائسهم - قالوا: فمقصودنا بهذه التماثيل تذكر أصحابها وسيرهم ونحن نخاطب هذه التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله.
فيقول أحدهم: يا سيدي فلاناً أو يا سيدي جرجس أو بطرس أو ياستي الحنونة مريم.
أو يا سيدي الخليل أو موسى ابن عمران أو غير ذلك، اشفع لي إلى ربك.
وقد يخاطبون الميت عند قبره أو يخاطبون الحي وهو غائب، كما يخاطبونه لو كان حاضراً حياًّ وينشدون قصائد يقول أحدهم فيها: يا سيدي فلانا! أنا في حسبك، أنا في جوارك، اشفع لي إلى الله، سل الله لنا أن ينصرنا على عدونا، سل الله أن يكشف عنا هذه الشدة، أشكو إليك كذا وكذا فسل الله أن يكشف هذه الكربة.
أو يقول أحدهم: سل الله أن يغفر لي.
ومنهم من يتأول قوله تعالى: (4: 64) : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
49 - ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة، ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين، فإن أحداً منهم لم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم، وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك رضي الله عنه سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها1إن شاء الله تعالى.

# 50 - فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم، هو من1أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب، وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى، قال الله تعالى2(42: 21) : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم وسؤالهم والاستغاثة بهم والاستشفاع بهم في هذه الحال - و [نصب] تماثيلهم بمعنى طلب الشفاعة منهم - هو من الدين الذي لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولاً ولا أنزل به كتاباً، وليس هو واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين/ لهم بإحسان، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين، وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس ممن له عبادة وزهد، ويذكرون فيه حكايات ومنامات، فهذا كله من الشيطان. وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة، أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين، فهذا كله ليس بمشروع لا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين. 51 - ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعةً سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يُعبد إلا بما هو واجب أو مستحب.3
وكثير من

الناس يذكرون في هذه الأنواع من الشرك منافعَ ومصالح، ويحتجون1عليها بحجج من جهة الرأي أو الذوق، أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك.
52 - وجواب هؤلاء من طريقين: أحدهما الاحتجاج2بالنص والإجماع، والثاني القياس والذوق والاعتبار ببيان ما في ذلك من الفساد، فإن فساد ذلك راجح على ما يظن فيه من المصلحة.
53 - أَمَّا الأول فيقال: قد علم بالاضطرار والتواتر من دين الإسلام وبإجماع سلف الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب، وعلم أنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم.
54 - فلا يقول أحد: ياملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا.
55 - وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله، يا رسول الله! ادع الله لي، سل الله لي، استغفر الله لي، سل الله لي أن يغفر لي أو يهديني أو ينصرني أو يعافيني.
56 - ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلاناً الذي ظلمني.

# 57 - ولا يقول: أنا نزيلك أنا ضيفك أنا جارك، أو أنت تجير من يستجيرك، أو أنت خير معاذ يستعاذ به.
58 - ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضراً أنه استجار بفلان ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر، ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم.
59 - فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع هذا لأمته.
60 - وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئاً من ذلك، بل أهل الكتاب ليس عندهم عن الأنبياء نقل بذلك كما أن المسلمين ليس عندهم عن نبيهم نقل بذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها/ أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين.
61 - وكان أصحابه يُبتلون بأنواع البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم.

# 62 - بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين.
وكل بدعة ليست واجبة ولامستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين.
63 - ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله، ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان.
64 - كما قال عبد الله بن مسعود1: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطاً عن يمينه وشماله ثم قال: "هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه".
ثم قرأ (6: 153) : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.

# 65 - فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه، ولا يخالف السنة المعلومة، وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، باتباع من خالف السنة والإجماع القديم، لا سيما وليس معه في بدعته إمام من أئمة المسلمين، ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين، ولا من يعتبر قوله في مسائل الإجماع والنزاع فلا ينخرم الإجماع بمخالفته، ولا يتوقف الإجماع على موافقته.
66 - ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم مجتهد لكان مخصوماً1بما عليه السنة المتواترة وباتفاق الأئمة قبله، فكيف إذا كان المنازع ممن ليس من المجتهدين ولا معه دليل شرعي، وإنما اتبع من تكلم في الدين بلا علم، ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
67 - بل2النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه لم يشرع هذا فليس هو واجباً ولا مستحباً، فإنه قد حرم ذلك وحرم ما يفضي إليه، كما حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
68 - ففي صحيح مسلم3عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك".

# 69 - وفي الصحيحين1عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم / قال قبل موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً.2
70 - واتخاذ المكان مسجداً هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجداً إنما يقصد فيه

عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين.
71 - فحرم صلى الله عليه وسلم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده.
72 - فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذلك1ذريعة إلى الشرك بالله.
والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه، كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة2لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك.
وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة؛ لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات.
73 - ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب3فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت مصلحتها، فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة4، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة، وفيه مفسدة توجب النهي عنه.

# 74 - فإذا كان نهيه عن الصلاة1في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك، لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها، كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها، كان معلوماً أن دعوة الشمس - والسجود لها هو محرم في نفسه - أعظم تحريماً من الصلاة التي نهى عنها؛ لئلا يفضي ذلك2إلى دعاء الكواكب.
75 - كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فنهى عن قصدها للصلاة عندها؛ لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم، لأن دعاءهم والسجود لهم أعظم تحريماً من اتخاذ قبورهم مساجد.
76 - ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين: زيارة شرعية وزيارة بدعية.
فالزيارة الشرعية أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت كما يقصد بالصلاة على جنازته الدعاء له.
77 - فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه، قال الله تعالى في المنافقين (9: 84) : ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فنهى نبيه / عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون.
78 - فلما نهى عن هذا وهذا؛ لأجل هذه العلة وهي الكفر دل على انتفاء هذا النهي عند انتفاء هذه العلة.
79 - ودل تخصيصهم بالنهي على أن غيرهم يصلى عليه ويقام

على قبره، إذ لو كان هذا غير مشروع في حق أحد لم يخصوا بالنهي، ولم يعلل ذلك بكفرهم.
80 - ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على موتى المسلمين وشرع ذلك لأمته، وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره، ويقول: "سلوا له التثبيت فإنه الآن يسئل" رواه أبو داود1وغيره.
81 - وقد كان يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأحد، ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية.
اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم".2

# 82 - وفي صحيح مسلم1عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".
83 - والأحاديث في ذلك صحيحة معروفة.
فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء لهم، وهذه غير الزيارة المشتركة التي تجوز في قبور الكفار.
84 - كما ثبت في صحيح مسلم وأبي داود2والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى3من حوله ثم قال: "استأذنتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة".
فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت تشرع ولو كان المقبور كافراً، بخلاف الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تشرع إلا في حق المؤمنين.
85 - وأما الزيارة البدعية؛ فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجْوَبُ للدعاء.

# 86 - فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك.
87 - ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم؛ مثل أن يتخذ قبورهم مساجد، لكان ذلك محرماً منهياً عنه، ولكان صاحبه متعرضاً لغضب الله ولعنته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".1

# 88 - وقال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذّر ما صنعوا.1
89 - وقال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك".2
90 - فإذا كان هذا محرماً وهو سبب لسخط الرب ولعنته، فكيف بمن يقصد دعاء الميت والدعاء عنده وبه، واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطَّلبات وقضاء الحاجات!؟ وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان في الناس.
91 - قال ابن عباس3: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم ظهر الشرك بسبب تعظيم قبور صالحيهم.
وقد استفاض عن ابن عباس وغيره في صحيح/ البخاري4وفي كتب التفسير وقصص الأنبياء في قوله (23: 71) : ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ أن هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم، قال ابن عباس: ثم صارت هذه الأوثان في

قبائل العرب.1
92 - وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئاً آخر ذكروه في زيارة القبور كما ذكر ذلك ابن سينا ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيرها2، ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم فإنهم لا يقرون، بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا أنه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءهم، فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه.
93 - كما أن ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم، بل هم يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية.

# 94 - فيقولون: إن الإنسان إذا أحب رجلاً صالحاً قد مات لا سيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعّال عندهم أو النفس الفلكية، يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك - بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك - ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة، وإن قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك المرآة، فهكذا الشفاعة عندهم، وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم.
95 - وفي هذا القول من انواع الكفر ما لا يخفى على من تدبره، ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب الضلال بني آدم، وجعل القبور أوثانًا هو أول الشرك.
96 - ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت وقد يكون من الجن والشياطين؛ مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه وعانقه، وهذا يرى عند قبور الأنبياء وغيرهم، وإنما هو شيطان؛ فإن الشيطان يتصور بصور الإنس ويدعي أحدهم أنه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبًا في ذلك.
97 - وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وهي كثيرة جدًا، والجاهل يظن أن ذلك - الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه - هو المقبور أو النبي أو الصالح وغيرهما، والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان ويتبين ذلك بأمور:

فصول الكتاب · 22 فصل · 418 صفحة
جارٍ التحميل