مريم فيردهم كل واحد إلى الذي بعده، إلى أن يأتوا المسيح فيقول لهم: اذهبوا إلى محمد عبد [غفر] الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال صلى الله عليه وسلم: "فيأتوني فأذهب إلى ربي، فإذا رأيته خررت ساجداً وأحمد ربي بمحامد يفتحها عليَّ لا أحسنها الآن، فيقال لي: أي محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع - قال - فيحدّ لي حدّ فأدخلهم الجنة".
وذكر تمام الخبر.
615 - فبين المسيح أن محمداً هو الشفيع المشفع؛ لأنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبين محمدٌ عبد الله ورسوله أفضل الخلق وأوجهُ الشفعاء وأكرمهم على الله تعالى أنه يأتي فيسجد ويحمد، لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له، فيقال له: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع، وذكر أن ربه يحد له حداً فيدخلهم الجنة.
616 - وهذا كله يبين أن الأمر كله لله، هو الذي يلزم1الشفيع بالإذن له في الشفاعة، والشفيع لا يشفع إلا فيمن يأذن [الله له]، ثم يحد للشفيع حداً فيدخلهم الجنة.
فالأمر بمشيئته وقدرته واختياره.
وأوجه الشفعاء وأفضلهم هو عبده الذي فضله على غيره واختاره واصطفاه بكمال عبوديته وطاعته وإنابته وموافقته لربه فيما يحبه ويرضاه.
617 - وإذا كان الإقسام بغير الله والرغبة إليه وخشيته وتقواه ونحو ذلك هي من الأحكام التي اشتركت المخلوقات فيها فليس لمخلوق أن يقسمَ به ولا يتقى ولا يتوكل عليه وإن كان أفضل المخلوقات، ولا يستحق ذلك أحد من الملائكة والنبيين، فضلاً عن غيرهم من المشايخ والصالحين.
618 - فالسؤال لله تعالى بالمخلوقات إن كان بما أقسم به وعظمه من المخلوقات1فيسوغ السؤال بذلك كله وإن [لا] لم يكن سائغاً [و] لم يجز أن يسأل بشيء من ذلك، والتفريق في ذلك بين معظم ومعظم كتفريق من فرق فجوز الحلف ببعض المخلوقات دون بعض، وكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر.
619 - ولو فرق مفرق بين مايؤمن به وبين ما لا يؤمن به، قيل له: فيجب الإيمان بالملائكة والنبيين، ويؤمن بكل ما أخبر به الرسول مثل منكر ونكير والحور العين والولدان وغير ذلك، أفيجوز أن يقسم بهذه المخلوقات لكونه يجب الإيمان بها؟ أم يجوز السؤال بها كذلك؟.
620 - فتبين أن السؤال بالأسباب إذا لم يكن المسئول به سبباً لإجابة الدعاء فلا فرق بين السؤال بمخلوق ومخلوق، كما لا فرق بين
القسم بمخلوق ومخلوق، وكل ذلك غير جائز.
فتبين أنه لا يجوز ذلك كما قاله من قاله من العلماء.
والله أعلم.
621 - وأما قوله تعالى (2: 89) : ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فكانت اليهود تقول للمشركين: سوف يبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم، لم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به، بل1يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الأمي لنتبعه ونقتل هؤلاء معه.
622 - هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير، وعليه يدل القرآن فإنه قال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾، والاستفتاح الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يُبعث فيقاتلونهم معه، فبهذا ينصرون، ليس هو بإقسامهم به وسؤالهم به، إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به نصروا، ولم يكن الأمر كذلك.
بل لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه.
623 - وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذ مخالف به للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له.
وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في (دلائل النبوة) وفي كتاب (الاستغاثة الكبير).
وكتب السيرة1ودلائل النبوة2والتفسير3مشحونة بذلك.
624 - قال أبو العالية4وغيره: كان اليهود إذا استنصروا بمحمد صلى الله عليه وسلم / على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا حتى نغلب المشركين ونقتلهم، فلما بعث الله محمداً ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات (2: 89) : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
625 - وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا: مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله وهداه - ما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا، وكانت لاتزال بيننا وبينهم شرور.
فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرَم.
كثيراً ما كنا نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله محمداً رسولاً من عند الله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات التي في البقرة: ﴿ولما جاءهم كتابٌ من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما
جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾.1
ولم يذكر ابن أبي حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسري السلف إلا هذا. وهذا لم يذكر فيه السؤال به عن أحد من السلف، بل ذكروا الأخبار به، أو سؤال الله أن يبعثه. 626 - فروى ابن أبي حاتم عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: يستظهرون يقولون: نحن نعين محمداً عليهم، وليسوا كذلك، يكذبون.2
وروي3عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال: كانوا يقولون: إنه سيأتي نبي فلما جاءهم وعرفوا كفروا به.
# 627 - وروي1بإسناده عن ابن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد قال: أخبرني عكرمة - أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس2أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود3بن سلمة: يامعشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم (2: 89) : ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
628 - وروي4بإسناده عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا، حتى نعذب المشركين
ونقتلهم. فلما بعث الله محمداً ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.1
629 - وأما الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هُزمت يهود فعاذت بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه2، وقال: أدت الضرورة إلى إخراجه. وهذا مما أنكره عليه العلماء، فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس، وهو عند أهل العلم بالرجال متروك بل كذاب. وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معين وغيره من الأئمة في حقه.3
قلت: وهذا الحديث من جملتها.4
وكذلك الحديث الآخر الذي يرويه عن أبي بكر كما تقدم.
630 - ومما يبين ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إنما نزلت باتفاق / أهل التفسير والسير في اليهود المجاورين للمدينة أولاً كبني قينقاع1وقريظة2والنضير3، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج، وهم الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، ثم لما نقضوا العهد حاربهم، فحارب أولاً بني قينقاع ثم النضير - وفيهم نزلت سورة الحشر - ثم قريظة عام الخندق.
631 - فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان؟ فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب، ومما يبين ذلك، أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء، وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب، ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله.
632 - ومما ينبغي أن يعلم، أن مثل هذا اللفظ لو كان مما يقتضي السؤال به، والإقسام به على الله تعالى، لم يكن مثل هذا مما يجوز أن يعتمد عليه في الأحكام؛ لأنه أولاً لم يثبت، وليس في الآية مايدل
عليه، ولو ثبت لم يلزم أن يكون هذا شرعاً لنا.1
633 - فإن الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه، وأخبر عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا (18:21) : ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾2ونحن قد نهينا عن بناء المساجد على القبور، ولفظ الآية إنما فيه أنهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، وهذا كقوله تعالى (8: 19) : ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ﴾.
والاستفتاح طلب الفتح وهو النصر.
634 - ومنه الحديث المأثور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر بهم، أي بدعائهم، كما قال: "وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم، بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم؟ ".3
# 635 - وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، بأن يعجل بعث ذلك النبي إليهم لينتصروا به عليهم، لا لأنهم أقسموا على الله وسألوا به، ولهذا قال تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ فلو لم ترد الآثار التي تدل على أن هذا معنى الآية، لم يجز لأحد أن يحمل الآية على ذلك المعنى المتنازع فيه بلا دليل؛ لأنه لا دلالة فيها عليه، فكيف وقد جاءت الآثار بذلك؟.
636 - وأما ما تقدم ذكره عن اليهود من أنهم كانوا ينصرون، فقد بينا أنه شاذ، وليس هو من الآثار المعروفة في هذا الباب، فإن اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب، بل كانوا مغلوبين معهم، وكانوا يحالفون العرب، فيحالف كل فريق فريقاً، كما كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج.
637 - وأما كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب فهذا لا يعرف، بل المعروف خلافه، والله تعالى قد أخبر بما يدل على ذلك، فقال تعالى (3: 112) : ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
# 638 - فاليهود - من حيث ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، إلا بحبل من الله وحبل من الناس - لم يكونوا بمجردهم ينتصرون لا على العرب ولا غيرهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام، والذلة ضربت عليهم من حين بُعث المسيح عليه السلام فكذبوه.
قال تعالى: (3: 55) : ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وقال تعالى: (61: 14) : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾.
وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا، وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة السلام.
قال تعالى (2: 61) : ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
639 - فإذا لم يكن الصحابة كعمر بن الخطاب وغيره، في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد موته، يقسمون بذاته، بل إنما كانوا يتوسلون بطاعته أو بشفاعته، فكيف يقال في دعاء المخلوقين الغائبين والموتى، وسؤالهم من الأنبياء والملائكة وغيرهم، وقد قال تعالى: (17: 56 - 57) : ﴿قُلْ ادْعُوا / الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
640 - قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالمسيح وعزير وغيرهما، فنهى الله عن ذلك، وأخبر تعالى أن
هؤلاء يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ويتقربون إليه، وأنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله عنهم.1
وقد قال تعالى (3: 79 - 80) : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. 641 - ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُتخذ قبره مسجدا، وأن يتخد عيداً، وقال في مرض موته: "لعنة الله على اليهود والنصاري، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا. أخرجاه في الصحيحين.2
642 - وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". رواه مالك في موطئه.3
643 - وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله".
متفق عليه.4
# 644 - وقال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، بل ما شاء الله ثم شاء محمد".1
645 - وقال له بعض الأعراب: ما شاء الله وشئت فقال: "أجعلتني لله نِداً؟ بل ما شاء الله وحده".2
646 - وقد قال الله تعالى له (7: 188) : ﴿قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ﴾.
وقال تعالى (10: 49) : ﴿قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا﴾.
وقال تعالى (28: 56) : ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وقال تعالى (3: 128) : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأمْرِ شَيْءٌ﴾.
وهذا تحقيق التوحيد، مع أنه صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق على الله، وأعلاهم منزلة عند الله.
647 - وقد روى الطبراني في معجمه الكبير1، أن منافقاً كان يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله من هذا المنافق.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله".
648 - وفي صحيح مسلم (2) في آخره أنه قال قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
649 - وفي صحيح مسلم3- أيضاً - وغيره، أنه قال: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها".
# 650 - وفي الصحيحين1من حديث أبي سعيد وأبي هريرة - وله طرق متعددة عن غيرهما - أنه قال: "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى". 651 - وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته، وإن أراد المسجد فليأته. ثم ذكر الحديث "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد". ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه.2
652 - ولو حلف حالف بحق المخلوقين لم ينعقد يمينه، ولا فرق
في ذلك بين الأنبياء والملائكة وغيرهم، ولله تبارك وتعالى حق لا يشركه فيه أحد لا الأنبياء ولا غيرهم. وللأنبياء حق، وللمؤمنين حق، ولبعضهم على بعض حق. فحقه تبارك وتعالى أن يعبد، ولا يشرك به كما تقدم في حديث معاذ.1
653 - ومن عبادته تعالى أن يخلصوا له الدين ويتوكلوا عليه ويرغبوا إليه، ولا يجعلوا لله نداً لا في محبته ولا خشيته ولا دعائه ولا الاستعانة به، كما في الصحيحين أنه قال صلى الله عليه وسلم: "من مات وهو يدعو نداً من دون الله دخل النار".2
654 - وسئل: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك".3
655 - وقيل له: ما شاء الله وشئت.
فقال: أجعلتني لله نداً! بل ما شاء الله وحده".4
# 656 - وقد قال تعالى (4: 48، 116) : ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى (2: 22) : ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (16: 15) : ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياى فارهبون﴾، (29: 56) ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى (94: 7 - 8) : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، وقال تعالى في فاتحة الكتاب التي هي أم القرآن: ﴿إياك نعبد/ وإياك نستعين﴾، وقال تعالى (2: 165) : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وقال تعالى (5: 44) : ﴿فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي﴾ وقال تعالى (33: 39) : ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَ اللَّهَ﴾.
657 - ولهذا لما كان المشركون يخوّفون إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى (6: 80 - 82) : ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
# 658 - وفي الصحيحين1عن ابن مسعود، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما ذاك الشرك كما قال العبد الصالح (31: 13) : ﴿يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
وقال تعالى (24: 52) : ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾.
659 - فجعل الطاعة لله والرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله.
وجعل الخشية والتقوى لله وحده فلا يخشى إلا الله، ولا يتقى إلا الله.
وقال تعالى (5: 44) : ﴿فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً﴾.
وقال تعالى: (3: 175) : ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقال تعالى (9: 59) : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.
فجعل سبحانه الإيتاء لله والرسول في أول الكلام وآخره، كقوله تعالى (59: 7) : ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
مع جعله الفضل لله وحده، والرغبة إلى الله وحده وهو تعالى وحده.
حسبهم لا شريك له في ذلك.
# 660 - وروى البخاري1عن ابن عباس في قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قال: قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد (3: 173) : حين قَالَ لَهُمْ النَّاسُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
661 - وقال تعالى (8: 64) : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ومعنى ذلك [عند] جماهير السلف والخلف أن الله وحده حسبك وحسبُ من اتبعك من المؤمنين، كما بسط ذلك بالأدلة.
وذلك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم الوسائط بيننا وبين الله في أمره ونهيه ووعده ووعيده.
662 - فالحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله.
فعلينا أن نحب الله ورسوله، ونطيع الله ورسوله، ونرضي الله ورسوله، قال تعالى (9: 62) : ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
وقال تعالى (4: 59) : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
وقال تعالى (4: 80) : ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
وقال تعالى (9: 24) : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾.
# 663 - وفي الصحيحين1عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كنَّ فيه وجدَ بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار﴾.
664 - وقد قال تعالى (48: 8 - 9) : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾.
فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، وتعزيره نصره ومنعه، والتسبيح بكرة وأصيلا/ لله وحده، فإن ذلك من العبادة لله.
665 - والعبادة هي لله وحده: فلا يصلى إلا لله، ولا يصام إلا لله، ولا يحج إلا إلى بيت الله، ولا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة، لكون هذه المساجد بناها أنبياء الله بإذن الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يحلف إلا بالله، ولا يُدْعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله.
666 - وأما ما خلقه الله سبحانه من الحيوان والنبات والمطر والسحاب وسائر المخلوقات، فلم يجعل غيره من العباد واسطة في ذلك الخلق، كما جعل الرسل واسطة في التبليغ بل يخلق ما يشاء بما يشاء من
الأسباب، وليس في المخلوقات شيء يستقل بإبداع شيء، بل لا بد للسبب من أسباب أخر تعاونه، ولا بد من دفع المعارض عنه، وذلك لا يقدر عليه إلا الله وحده، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، بخلاف الرسالة، فإن الرسول وحده كان [واسطة] في تبليغ رسالته إلى عباده.
667 - وأما جعل الهدى في قلوب العباد، فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول.
كما قال الله تعالى (28: 56) : ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى (16: 37) : ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾.
668 - وكذلك دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع، إذا جعل الله تعالى المحل قابلاً له، وإلا فلو استغفر النبي للكفار والمنافقين لم يغفر لهم، قال الله تعالى (63: 6) : ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.
669 - و [أما] الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيننا وبين الله عز وجل، في أمره ونهيه ووعده ووعيده وخبره، فعلينا أن نصدقهم في كل ما أخبروا به، ونطيعهم فيما أوجبوا وأمروا، وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله عز وجل، لا نفرق بين أحد منهم، ومن سبَّ واحدا منهم كان كافراً مرتداً مباح الدم.
670 - وإذا تكلمنا فيما يستحقه الله تبارك وتعالى من التوحيد، بينا أن الأنبياء وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله تبارك وتعالى من خصائص، فلا يشرك بهم ولا يتوكل عليهم، ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله، ولا يقسم على الله بهم، ولا يتوسل بذواتهم.
# 671 - وإنما يتوسل بالإيمان بهم، وبمحبتهم، وطاعتهم، وموالاتهم وتعزيرهم، وتوقيرهم، ومعاداة من عاداهم، وطاعتهم فيما أمروا، وتصديقهم فيما أخبروا، وتحليل ما حللوه، وتحريم ما حرموه. والتوسل بذلك على وجهين: 672 - (أحدهما) : أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال، كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم، وقد تقدم بيان ذلك.1
673 - (والثاني) : التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه، فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة.
674 - ومثل هذا كقول المؤمنين (3: 193) : ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلأيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ﴾.
فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء.
675 - ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى (23: 109) : ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وأمثال ذلك كثير.
676 - وكذلك التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، فإنه يكون على وجهين: (أحدهما) : أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، فيدعو ويشفع، كما كان يطلب منه في حياته، وكما يطلب منه يوم القيامة،
حين يأتون آدم ونوحاً ثم الخليل ثم موسى الكليم ثم عيسى، ثم يأتون محمداً صلوات الله عليهم وسلامه فيطلبون منه الشفاعة.
677 - (الوجه الثاني) : أن يكون التوسل مع ذلك [بأن] يسأل الله تعالى بشفاعته ودعائه، كما في حديث الأعمى المتقدم بيانه1وذكره.
فإنه طلب منه الدعاء والشفاعة، فدعا له الرسول وشفع فيه، وأمره أن يدعو الله فيقول: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك به، اللهم فشفعه فيَّ".
فأمره أن يسأل الله تعالى قبول شفاعته.
678 - بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول، والرسول لم يدع له ولم يشفع فيه، فهذا/ توسل بما لم يوجد، وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا له وشفع فيه.
679 - ومن هذا الباب قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقت الاستسقاء كما تقدم2، فإن عمر والمسلمين3توسلوا بدعاء العباس، وسألوا الله تعالى مع دعاء العباس، فإنهم استشفعوا جميعاً، ولم يكن العباس وحده هو الذي دعا لهم، فصار التوسل بطاعته والتوسل بشفاعته كل منهما يكون مع دعاء المتوسل وسؤاله، ولا يكون بدون ذلك.
فهذه أربعة أنواع كلها مشروعة، لا ينازع في واحد منها أحد من أهل العلم والإيمان.
# 680 - ودين الإسلام مبني على أصلين، وهما: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
وأول ذلك أن لا تجعل مع الله إلها آخر، فلا تحب مخلوقاً كما تحب الله، ولا ترجوه كما ترجو الله، ولا تخشاه كما تخشى الله، ومن سوَّى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عَدَل بالله1، وهو من الذين بربهم يعدلون، وقد جعل مع الله إلهاً آخر، وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السموات والأرض.
681 - فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض، كما قال تعالى (31: 25 و 39: 38) : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
682 - وكانوا مع ذلك مشركين يجعلون مع الله آلهة أخرى، قال تعالى (6: 19) : ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لاَ أَشْهَدُ﴾، وقال تعالى (2: 165) : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.
683 - فصاروا مشركين لأنهم أحبوهم كحبه، لا أنهم2قالوا إن آلهتهم خلقوا كخلقه.
كما قال تعالى (13: 16) : ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾.
684 - وهذااستفهام إنكار بمعنى النفي، أي ما جعلوا لله
شركاء خلقوا كخلقه، فإنهم مقرون أن آلهتهم لم يخلقوا كخلقه، وإنما كانوا يجعلونهم شعفاء ووسائط.
قال تعالى (10: 18) : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقال صاحب يس (36: 22 - 25) : ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِي * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِي﴾.
685 - (الأصل الثاني) أن نعبده بما شرع على ألسن رسله، لا نعبده إلا بواجب أو مستحب، والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك.
والدعاء من جملة العبادات، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم - مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب - كان مبتدعاً في الدين، مشركا برب العالمين، متبعاً غير سبيل المؤمنين، ومن سأل الله تعالى بالمخلوقين أو أقسم عليه بالمخلوقين كان1مبتدعاً بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، فإن ذم من خالفه وسعى في عقوبته، كان ظالماً جاهلاً معتدياً، وإن حكم بذلك فقد حكم بغير ما أنزل الله، وكان حكمه منقوضا بإجماع المسلمين، وكان إلى أن يستتاب من هذا الحكم ويعاقب عليه أحوجَ منه إلى أن ينفذ له هذا الحكم ويعان
عليه، وهذا كله مجمع عليه بين المسلمين، ليس فيه خلاف لا بين الأئمة الأربعة ولا غيرهم.
686 - وقد بُسط الكلام على هذه الأمور في مجلدات، من جملتها مصنف ذكرنا فيه قواعد تتعلق بحكم الحكام، وما يجوز لهم الحكم فيه وما لا يجوز.
وهو مؤلف مفرد يتعلق بأحكام هذا الباب، لا يحسن إيراد شيء من فصوله هاهنا، لإفراد الكلام في هذا الموضع على قواعد التوحيد ومتعلقاته، وسيأتي إيراد ما اختصر منه، وحررت فصوله في ضمن أوراق مفردة يقف عليها المتأمل، لمزيد الفائدة ومسيس الحاجة إلى معرفة هذا الأمر المهم.
وبالله التوفيق.
* * * 687 - وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة إحدى عشرة وسبعمائة قد استُفتيت عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكتبت في ذلك جواباً مبسوطاً، وقد أحببتُ إيراده هنا لما في ذلك من مزيد الفائدة، فإن هذه/ القواعد - المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلوِّ - كلما تنوع بيانها، ووضحت عبارتها، فإن ذلك نور على نور.
والله المستعان.
688 - وصورة السؤال: المسئول من السادة العلماء أئمة الدين، أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين.
689 - وصورة الجواب: الحمد لله رب العالمين.
أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة، بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة.
ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما
اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن، من أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضاً لعموم الخلق. 690 - فله صلى الله عليه وسلم شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، لكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم على ربه عز وجل، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، ومن ذلك "المقام المحمود" الذي يغبطه به الأولون والآخرون. وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده.1
691 - وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات، وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقاً.
692 - وأجمعوا على أن الصحابة كانوا يستشفعون به، ويتوسلون به في حياته بحضرته، كما ثبت في صحيح البخاري2عن أنس بن مالك، أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا".
فيسقون.
# 693 - وفي البخاري1أيضاً عن ابن عمر أنه قال: ربما ذكرت قول الشاعر - وأنا انظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستقي، فما ينزل حتى يجيش2كل3ميزاب: وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه... ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل 694 - والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره عمر بن الخطاب قد جاء مفسراً في سائر أحاديث الاستسقاء، وهو من جنس الاستشفاع به، وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة4، ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته، ونحن نقدمه بين أيدينا شافعاً وسائلاً لنا، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
695 - وكذلك معاوية بن أبي سفيان - لما أجدب الناس بالشام - استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي5فقال: "اللهم إنا نستشفع - أو نتوسل - بخيارنا.
يا يزيد! ارفع يديك".
فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا.
# 696 - ولهذا قال العلماء: يستحبُّ أن يستسقى بأهل الدين والصلاح، وإذا كانوا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحسن.
وهذا الاستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه، فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به والناس يدعون معه.
697 - كما أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه أعرابي فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا".
وما في السماء قُزعة.
فنشأت سحابة من جهة البحر، فمطروا أسبوعاً لا يرون فيه الشمس، حتى دخل عليهم الأعرابي - أو غيره - فقال: يا رسول الله انقطعت السبل، وتهدم البنيان، فادع الله يكشفها عنا.
فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب1، ومنابت الشجر وبطون الأودية". فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب. والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما.2
698 - وفي حديث آخر في سنن أبي داود وغيره، أن رجلاً قال له: إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك.
فسبح رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه. وقال "ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن/ الله أعظم من ذلك".1
699 - وهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالشخص - في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - هو استشفاع بدعائه وشفاعته، ليس هو السؤال بذاته، فإنه لو كان هذا السؤال بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق.
700 - ولكن لما كان معناه هو الأول، أنكر النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "نستشفع بالله عليك" ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله، لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب، والله تعالى لا يسأل أحداً من عباده أن يقضي حوائج خلقه.
701 - وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله تعالى في مثل قوله: شفيعي إليك الله لا رب غيره... وليس إلى ردِّ الشفيع سبيلُ وكذلك بعض الاتحادية2ذكر أنه استشفع بالله سبحانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم! وكلاهما خطأ وضلال.
702 - بل هو سبحانه المسئول المدعو الذي يسأله كل من في
السموات والأرض، ولكن هو تبارك وتعالى يأمر عباده فيطيعونه، وكل من وجبت طاعته من المخلوقين فإنما وجبت لأن ذلك طاعة لله تعالى، فالرسل يبلغون عن الله أمره، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن بايعهم فقد بايع الله. قال تعالى (4: 64) : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى (4: 80) : ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. وأولو الأمر من أهل العلم وأهل الإمارة إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله. 703 - قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، ما لم يؤمر بمعصية الله، فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة".1
704 - وقال صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".2
# 705 - وأما الشافع فسائل لا تجب طاعته في الشفاعة وإن كان عظيماً، وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بريرة أن تمسك زوجها ولا تفارقه لما أعتقت، وخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فاختارت فراقه، وكان زوجها يحبها فجعل يبكي، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم أن تمسكه فقالت: أتأمرني؟ فقال: " لا! إنما أنا شافع".1
706- وإنما قالت " أتأمرني؟ " وقال " إنما أنا شافع" لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة بخلاف شفاعته، فإنه لا يجب قبول شفاعته، ولهذا لم يلمها النبي صلى الله عليه وسلم على ترك قبول شفاعته، فشفاعة غيره من الخلق أولى أن لا يجب قبولها.
707- والخالق جل جلاله أمُره أعلى وأجل من أن يكون شافعاً إلى مخلوق، بل هو سبحانه أعلى شأناً من أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه.
قال تعالى: (21: 26-29) : ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه، بل عبادٌ مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم
وماخلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون، ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾.
708- ودل الحديث المتقدم على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله عز وجل، أي يطلب منه الشفاعة في الدنيا والآخرة، فأما في الآخرة فيطلب منه الخلق الشفاعة في أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلوا الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته، ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا يدخلها، ويشفع في بعض من دخلها أن يخرج منها.
ولا نزاع بين جماهير الأئمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين الثواب.
709-ولكن كثيراً من أهل البدع والخوارج والمعتزلة [أنكروا]1شفاعته لأهل الكبائر، فقالوا: لا يشفع لأهل الكبائر.
بناء على أن أهل الكبائر عندهم لا يغفر الله لهم ولا يخرجهم من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا غيرها.
710- ومذهب الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أنه صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الكبائر، وانه لا يخلد في النار من أهل الإيمان أحد.
بل يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان.2
# 711- لكن هذا الاستسقاء والاستشفاع والتوسل به وبغيره كان يكون في حياته، بمعنى أنهم يطلبون منه الدعاء فيدعو لهم، فكان توسلهم بدعائه، والاستشفاع به طلب شفاعته، والشفاعةُ دعاء.
712- فأما التوسل بذاته في حضوره أو مغيبه أو بعد موته/ - مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم - فليس هذا مشهوراً عند الصحابة والتابعين.
713- بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من أصحاب رسول الله والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حياً كالعباس وكيزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبي صلى الله عليه وسلم لا عند قبره ولا غير قبره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، بل كانوا يصلوا عليه في دعائهم، وقد قال عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا.
فجعلوا هذا بدلاً عن ذاك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.
714- وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك ويقولوا في دعائهم بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله عز وجل أو السؤال به، فيقولون: نسألك أو نقسم عليك بنبيك، أو بجاه نبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس.
# 715- وروى بعض الجهال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سألتم الله فاسألوا بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم".1
وهذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولاذكره أحد من أهل العلم بالحديث.
مع2أن جاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين.
716- وقد أخبر سبحانه عن موسى وعيسى عليهما السلام أنهما وجيهان عند الله، فقال تعالى (33: 69) : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَءَاذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، وقال تعالى (3: 45) : ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَاوَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
717- فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله عز وجل فكيف بسيد ولد آدم.3
# 718- صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون.1
719- وصاحب الكوثر والحوض المورود الذي آنيته عدد نجوم السماء، وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً.2
720- وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة حين يتأخر عنها آدم وأولو العزم، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويتقدم هو إليها وهو صاحب اللواء، آدم ومن دونه تحت لوائه، وهو سيد ولد آدم وأكرمهم على ربه عز وجل3، وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، ذو الجاه العظيم صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
721- ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق، فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه (19: 93-94) : ﴿إِنْ
كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾، وقال تعالى: (4: 172-173) : ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَأَمَّا الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾.
722- والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب، والله تعالى لاشريك له، كما قال سبحانه (34: 22-23) : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
723- وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن اتخاذ القبور مساجد1، ولعن من يفعل ذلك، ونهى عن اتخاذ قبره عيداً.2
724- وذلك لأن أول ما أحدث الشرك في بني آدم كان في قوم نوح.
قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام.3
# 725- وثبت في الصحيحين1عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نوحاً أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. 726- وقد قال الله تعالى عن قومه أنهم قالوا (71-23: 24) : ﴿لا تَذَرُنَّءَالِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. قال غير واحد من السلف: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، فلما طال عليهم الأمد/ عبدوهم. 727- وقد ذكر البخاري في صحيحه هذا عن ابن عباس، وذكر أن هذه الآلهة صارت إلى العرب، وسمى قبائل العرب الذين كانت فيهم هذه الأصنام.2
728- فلما علمت الصحابة رضوان الله عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حسم مادة الشرك بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، وإن كان المصلي يصلي لله عز وجل، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس لئلا يشابه المصلين للشمس، وإن كان المصلي إنما يصلي لله تعالى.
وكان الذي يقصد الدعاء بالميت أو عند قبره أقرب إلى الشرك من الذي لا يقصد إلا الصلاة لله -عز وجل- لم يكونوا يفعلون ذلك.
# 729- وكذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو التوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته وموالاته، أو التوسل بدعائه وشفاعته، فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته مجردة عن هذا وهذا.
730- فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئاً من ذلك، ولا دعوا بمثل هذه الأدعية، وهم أعلم منا، وأعلم بما يجب لله ورسوله، وأعلم بما أمر الله به ورسوله من الأدعية، وما هو أقرب إلى الإجابة منا، بل توسلوا بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبي صلى الله عليه وسلم، دل عدولهم عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكناً.
731- وقد قال صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"1، رواه مالك في موطئه ورواه غيره. 732- وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني".2
733- وفي الصحيحين أنه قال في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا.
قالت عائشة: " ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً".3
# 734- وفي صحيح مسلم عن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك".1
735- وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله".2
736- وقد روى الترمذي حديثاً صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم رجلاً أن يدعو فيقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله! إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي، اللهم شفعه في".3
وروى النسائي نحو هذا الدعاء.4
737- وفي الترمذي وابن ماجه عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، فهو خير لك.
فقال: فادعه.
فأمره أن يتوضا فيحسن