المطلب الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة...
المطلب الأول: التعريف بهم. "المقصود بأهل السنة والجماعة: هم الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، ومن سلك سبيلهم، وسار على نهجهم، من أئمة الهدى، ومن اقتدى بهم من سائر الأمة أجمعين. فيخرج بهذا المعنى كل طوائف المبتدعة وأهل الأهواء. فالسنة هنا في مقابل البدعة، والجماعة هنا في مقابل الفرقة.1
فعن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:] 156، قال: "تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة"2. والجدير بالذكر هنا أن نعرف أن العلماء يستعملون هذه العبارة لمعنيين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلفظ أهل السنة يراد به: 1- من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة.3
2- وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت
الصفات لله تعالى ويقول: "إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة ويثبت القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة"1. ومقصودنا بعبارة (أهل السنة) هو المعنى الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، ذلك لأن لأهل السنة أصولهم التي اتفقوا عليها ونصوا عليها في كتب الاعتقاد المعروفة. ولأهل السنة عدة مسميات منها: أهل الحديث، الفرقة الناجية، الجماعة، الطائفة المنصورة وغير ذلك. ويمكن حصر قواعد منهج أهل السنة في النقاط التالية: أولا: ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها. ثانيا: التقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث. وذلك يتم بـ: أ- الاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه. ب- الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهمه.2
ثالثا: العمل بذلك والاستقامة عليه اعتقادا، وتفكيرا، وسلوكا، وقولا والبعد عن كل ما يخالفه ويناقضه.
رابعا: الدعوة إلى ذلك باللسان والبنان.
فمن التزم هذه القواعد في الاعتقاد، والعمل، فهو على نهج أهل
لسنة بإذن الله.1
وأهل السنة قالوا: الأصل في الدين الاتباع والعقل تبع، فالعقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة. ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء ولبطل الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء.2
والتقرير بأن النقل مقدم على العقل لا ينبغي أن يفهم منه أن أهل السنة ينكرون العقل والتوصل به إلى المعارف والتفكير به في خلق السموات والأرض وفي الآيات الكونية الكثيرة، فأهل السنة لا ينكرون استعمال العقل ولكنهم توسطوا في شأن العقل بين طائفتين ضلتا في هذا الباب هما: أهل الكلام: الذين يجعلون العقل وحده أصل علمهم ويفردونه ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن، فجعلوا عقولهم هي التي تثبت وتنفي والسمع معروضا عليها، فإن وافقها قبل اعتضادا لا اعتمادا، وإن عارضها رد وطرح، وهذا من أعظم أسباب الضلال التي دخلت على الأمة.
وأهل التصوف: الذين يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه ويقرون من الأمور بما يكذب صريح العقل.
ويمدحون الشكر والجنون والوله، وأمورا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا بزوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها
وكلا الطرفين مذموم.
وأما أهل السنة فيرون أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال وبها يكمل العلم والعمل، ولكنه ليس مستقلا بذلك.
فالعقل غريزة في النفس وقوة فيها، بمنزلة البصر التي في العين.
فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس أو النار.
وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن إدراكها.
وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورا حيوانية.
فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة والرسل جاءت بما يعجز العقل عن إدراكه ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه.1