أهل الأثرالأرشيف العلمي
متن

مختصر أخلاق حملة القرآن

بطاقة الكتاب وفهرس الموضوعات

الكتاب: مختصر أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري

قدم له وأشرف عليه: د. خالد بن عثمان السبت

الناشر: دار ابن الجوزي

الطبعة: الثانية , ١٤٣٨ هـ

عدد الصفحات: ٦٩

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

صفحة المؤلف: []

مختصر

أخلاق حملة القرآن

للإمام

محمد بن الحسين الآجري (ت ٣٦٠ هـ) رحمه الله

اختصره

د. خالد بن عثمان السبت

دار ابن الجوزي


بسم الله الرحمن الرحيم


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد:

فهذه طبعة جديدة لهذا المختصر، قد استدركنا فيها ما وقع في الطبعة الأولى من أخطاء، كما تم مقابلته على مطبوعة جديدة لأصل الكتاب، إضافة إلى بعض التعليقات في الحاشية.

فأسأل الله أن يتقبله، وينفع به؛ إنه سميع مجيب.

خالد بن عثمان السبت

٢٢/ رجب/ ١٤٣٦ هـ



مقدمة الطبعة الأولى

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد:

فهذا مختصر لكتاب «أخلاق حملة القرآن» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ت: ٣٦٠ هـ) رحمه الله، وأعلى درجته في الجنة.

والمقصود من هذا الاختصار: تقريب الكتاب ليكون في متناول الجميع، فينتفع به من شاء الله من المعلمين والمتعلمين في الحلق القرآنية وغيرها.

وإنما كان اختيار هذا الكتاب نظرا لما حواه من موضوعات لا غنى عنها لمعلم القرآن ومتعلمه وتاليه؛ حيث ذكر مؤلفه رحمه الله بعد الأبواب الثلاثة الأول في فضل حملته ومتعلميه ومعلميه، وما ورد في فضل الاجتماع في المساجد لمدارسته - ذكر بعد ذلك أبوابا في الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها أهل القرآن عموما، وما يطلب من ذلك حال تعليمه أو تعلمه، أو عند تلاوته.

فالكتاب في غاية الأهمية في بابه، إلا أنه قد اشتمل على


بعض الروايات الضعيفة، وما قد يبنى عليها من آداب ونحوها، إضافة إلى شيء من التكرار في بعض المواضع، فجاء هذا المختصر مقتصرا على صفو ما في هذا الكتاب وترك ما عداه.

العمل المتبع في هذا المختصر:

أولا: النسخة (الأصل) المعتمدة:

في البداية كان البناء على نسخة إلكترونية من كتاب «أخلاق حملة القرآن» للآجري في موقع جامع شيخ الإسلام ابن تيمية، قد حذفت أسانيدها دون الراوي الأول في الغالب، وكتب عليها (الناشر مكتبة الإمام ابن القيم العامة)، وبعد المقارنة بين بعض النسخ المطبوعة للكتاب تم اعتماد نسخة محققة هي الأصح من المطبوعات التي تيسر الوقوف عليها، وذلك بعد المقارنة بين خمس نسخ، وهي:

# ١ - طبعة دار عمار، (الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ)، بتحقيق الدكتور غانم قدوري - حفظه الله -.

# ٢ - طبعة دار الصفا والمروة، (الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ)، بتحقيق: أحمد شحاتة الألفي (١).

(١) وهي التي جرى مقابلتها بهذا المختصر في طبعته الثانية، كما أشرنا في مقدمتها.


# ٣ - طبعة مكتبة الدار، (الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ)، بتحقيق الدكتور عبدالعزيز القارئ - حفظه الله -.

# ٤ - طبعة مكتبة الإمام البخاري، بتحقيق الدكتور محمود النقراشي رحمه الله.

# ٥ - طبعة دار الكتب العلمية، بإشراف: المكتب السلفي لتحقيق التراث، وتخريج: محمد عمرو عبداللطيف.

فكانت من حيث تحقيق النص على الترتيب السابق، فأجودها الطبعة التي حققها الدكتور غانم القدوري، وهي المعتمدة في هذا المختصر، سوى أحرف أو كلمات يسيرة تم ترجيح عبارة النسخة التي حققها الدكتور عبدالعزيز القارئ، أو أحمد الألفي، أو ما في بعض الكتب الأصول فيما يتعلق بالمرويات؛ وذلك لكونه أليق بالنظر إلى السياق.

هذا بعد مقابلة النسخة المشار إليها بالمطبوعات الثلاث الأول مقابلة كاملة.

ثانيا: الحذف:

# ١ - حذف من هذا المختصر الروايات الضعيفة، سواء كانت مرفوعة أم غير ذلك، وكذا ما قد يبنى عليها من الأحكام أو الآداب.


# ٢ - حذف الروايات المكررة، والعبارات التي لا يحتاج إليها القارئ، مثل عبارة: «قال محمد بن الحسين» في بعض المواضع.

# ٣ - حذف الأسانيد.

# ٤ - وضع علامة تدل على الحذف في كل موضع وقع فيه حذف، وهي ثلاث نقط (...).

ثالثا: التخريج والعزو:

# ١ - إذا كان الحديث مخرجا في الصحيحين أو أحدهما فإنه يكتفى بذلك، وإلا فمن بقية الكتب الستة، فإن لم يكن في شيء منها فمن بقية الكتب التسعة، فإن لم يكن في شيء منها: فمن المصادر الأخرى.

# ٢ - تم تخريج الآثار في الهامش، وأما الآيات فكان عزوها بعد الآية مباشرة في صلب الكتاب، بين معقوفين [] تقليلا للهوامش.

# ٣ - تم نقل أحكام العلماء على الرواية أو الإسناد مع التخريج ما أمكن.

رابعا: عبارات المؤلف:

أثبتت عبارة المؤلف من غير تصرف، سوى الحذف


المشار إليه، ومن ثم فإن ما تقرؤه في هذا المختصر فإنه بحروفه من كلام الآجري.

خامسا: مقابلة النسخ:

قام بمقابلة النسخ الأستاذة مرام الدايل، وقد شاركتها في بعض مراحل العمل الأستاذة أمل الدويش.

وأما التخريج فقد شاركها في ذلك الشيخ حسين القحطاني.

وإنما كان عملي في هذا المختصر: الإشراف، وتحديد مواضع الحذف، واختيار النسخة الأجود تحقيقا بعد المقارنة المشار إليها، وكذا اختيار اللفظة الأقرب - في نظري - في بعض المواضع التي اختلفت فيها النسختان (١، ٢)، مع مراجعة متن هذا المختصر، وحواشيه وما في ضمنها من التخريج والعزو.

هذا وأسأل الله أن يتقبل هذا العمل، وأن ينفع به كل من بذل فيه، أو طالعه، إنه سميع مجيب.

وكتبه: خالد بن عثمان السبت

ليلة الأحد، الخامس عشر من رمضان من عام ١٤٣٥ هـ


بسم الله الرحمن الرحيم

قال أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري رحمه الله:

أحق ما أستفتح به الكلام، الحمد لمولانا الكريم، وأفضل الحمد ما حمد به الكريم نفسه، فنحن نحمده به:

﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (١) قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا (٢) ماكثين فيه أبدا (٣)﴾ [الكهف].

و﴿الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير (١) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (٢)﴾ [سبأ].

أحمده على تواتر إحسانه وقديم نعمه، حمد من يعلم أن مولاه الكريم علمه ما لم يكن يعلم، وكان فضله عليه عظيما.
وأسأله المزيد من فضله، والشكر على ما تفضل به من نعمه، إنه ﴿ذو فضل عظيم (١٧٤)﴾ [آل عمران].


وصلى الله على محمد عبده ورسوله، ونبيه، وأمينه على وحيه وعباده، صلاة تكون له رضا، ولنا بها مغفرة، وعلى آله أجمعين، وسلم كثيرا طيبا.

أما بعد:

فإني قائل - وبالله أثق لتوفيق الصواب من القول والعمل، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم -:

أنزل الله عز وجل القرآن على نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم -، وأعلمه فضل ما أنزل عليه، وأعلم خلقه في كتابه وعلى لسان رسوله: أن القرآن عصمة لمن اعتصم به، وهدى لمن اهتدى به، وغنى لمن استغنى به، وحرز من النار لمن اتبعه، ونور لمن استنار به، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين.

ثم أمر الله الكريم خلقه أن يؤمنوا به، ويعملوا بمحكمه فيحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويؤمنوا بمتشابهه، ويعتبروا بأمثاله، ويقولوا: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ [آل عمران: ٧].

ثم وعدهم على تلاوته والعمل به: النجاة من النار، والدخول إلى الجنة.

ثم ندب خلقه - إذا هم تلوا كتابه - أن يتدبروه، ويتفكروا


فيه بقلوبهم، وإذا سمعوه من غيرهم أحسنوا استماعه.
ثم وعدهم على ذلك الثواب الجزيل، فله الحمد.

ثم أعلم خلقه: أن من تلا القرآن، وأراد به متاجرة مولاه الكريم، فأنه يربحه الربح الذي لا بعده ربح، ويعرفه بركة المتاجرة في الدنيا والآخرة.

قال محمد بن الحسين: جميع ما ذكرته وما سأذكره إن شاء الله بيانه في كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ومن قول صحابته رضي الله عنهم، وسائر العلماء، وأنا أذكر منه ما حضرني ذكره إن شاء الله تعالى، والله الموفق في ذلك.

قال عز وجل: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (٢٩) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (٣٠)﴾ [فاطر].

وقال عز وجل: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (٩) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (١٠)﴾ [الإسراء].

وقال عز وجل: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (٨٢)﴾ [الإسراء].


وقال عز وجل: ﴿ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (٥٧)﴾ [يونس].

وقال عز وجل: ﴿ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (١٧٤) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (١٧٥)﴾ [النساء].

وقال عز وجل: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (١٠٣)﴾ [آل عمران].

وحبل الله هو القرآن.

وقال عز وجل: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (٢٣)﴾ [الزمر].


وقال عز وجل: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب (٢٩)﴾ [ص].

وقال عز وجل: ﴿وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (١١٣)﴾ [طه].

ثم إن الله تعالى وعد لمن استمع إلى كلامه، فأحسن الأدب عند استماعه بالاعتبار الجميل ولزوم الواجب لاتباعه، والعمل به أن يبشره عز وجل منه بكل خير، ووعده على ذلك أفضل الثواب، فقال عز وجل: ﴿فبشر عباد (١٧) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب (١٨)﴾ [الزمر] ...

فكل كلام ربنا حسن لمن تلاه، ولمن استمع إليه، وإنما هذا - والله أعلم - صفة قوم إذا سمعوا القرآن يتبعون من القرآن أحسن ما يتقربون به إلى الله عز وجل، مما دلهم عليه مولاهم الكريم، يطلبون بذلك رضاه، ويرجون رحمته، سمعوا الله قال: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (٢٠٤)﴾ [الأعراف]، فكان حسن استماعهم يبعثهم على التذكر فيما لهم وعليهم، وسمعوا الله عز وجل قال: ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (٤٥)﴾ [ق].


وقد أخبرنا الله عز وجل عن الجن في حسن استماعهم للقرآن، واستجابتهم لما ندبهم إليه، ثم رجعوا إلى قومهم، فوعظوهم بما سمعوا من القرآن بأحسن ما يكون من الموعظة.

قال الله عز وجل: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (١) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (٢)﴾ [الجن].

وقال عز وجل: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (٢٩) قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (٣٠) ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (٣١)﴾ [الأحقاف] ...

وقد قال الله عز وجل في سورة ﴿ق والقرآن المجيد (١)﴾ [ق] ما دلنا على عظيم ما خلق من السماوات والأرض، وما بينهما من عجائب حكمته في خلقه، ثم ذكر الموت وعظيم شأنه، ثم ذكر النار وعظيم شأنها.


ثم ذكر الجنة وما أعد فيها لأوليائه، فقال عز وجل: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (٣٥)﴾ [ق] ...

ثم قال بعد ذلك كله: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (٣٧)﴾ [ق].

فأخبر - جل ذكره - أن المستمع بأذنيه ينبغي له أن يكون مشاهدا بقلبه ما يتلو، وما يسمع؛ لينتفع بتلاوته للقرآن، وبالاستماع ممن يتلوه.

ثم إن الله عز وجل حث خلقه على أن يتدبروا القرآن، فقال عز وجل: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (٢٤)﴾ [محمد].

وقال عز وجل: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (٨٢)﴾ [النساء] ...

ألا ترون - رحمكم الله - إلى مولاكم الكريم؛ كيف يحث خلقه على أن يتدبروا كلامه، ومن تدبر كلامه عرف الرب عز وجل، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تفضله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذره مولاه الكريم، ورغب فيما رغبه فيه.


ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن، وعند استماعه من غيره، كان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وعز بلا عشيرة، وأنس بما يستوحش منه غيره، وكان همه عند تلاوة السورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلو؟ ولم يكن مراده: متى أختم السورة؟ وإنما مراده: متى أعقل عن الله الخطاب؟ متى أزدجر؟ متى أعتبر؟ لأن تلاوته للقرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة، والله الموفق لذلك.

عن ابن مسعود قال: «لا تنثروه نثر الدقل (١)، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة» (٢) ...

عن مجاهد في قوله عز وجل: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ [البقرة: ١٢١]، قال: «يعملون به حق عمله» (٣).

(١) الدقل: رديء التمر ويابسه.
ينظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ١٢٧)، م: (دقل).
(٢) وإسناده ضعيف، لكنه صحيح بمجموع طرقه كما سيأتي.
أخرجه البغوي في معالم التنزيل (٤/ ٤٩٠ - ٤٩١) من طريق المصنف به.
للتوسع في الكلام على طرقه وأسانيده يراجع: تعليق د. سعد آل حميد على تفسير سعيد بن منصور (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٧). (٣) إسناده صحيح.
أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٢١١)، وابن جرير (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨) كلهم عن مجاهد.


قال محمد بن الحسين: وقبل أن أذكر أخلاق أهل القرآن وما ينبغي لهم أن يتأدبوا به؛ أذكر فضل حملة القرآن، ليرغبوا في تلاوته والعمل به، والتواضع لمن تعلموا منه أو علموه.



باب: فضل حملة القرآن

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لله من الناس أهلون»، قيل: من هم يا رسول الله؟ ! قال: «أهل القرآن، هم أهل الله، وخاصته» (١) ...

عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (٢) ...

عن عبدالله بن مسعود قال: «تعلموا القرآن، واتلوه، فإنكم تؤجرون به، إن بكل اسم منه عشرا، أما إني لا أقول بـ ﴿الم] عشر، ولكن بالألف عشر، وباللام عشر، وبالميم

(١) أخرجه ابن ماجه (٢١٥). وصححه الحاكم (١/ ٥٥٦)، والمنذري في الترغيب (٢/ ٣٥٤)، والبوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٩١)، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (٢/ ٦٨٤)، والألباني في الضعيفة (٤/ ٨٤ - ٨٥). (٢) أخرجه الترمذي (٢٩١٤)، وأبو داود (١٤٦٤). وصححه الترمذي وابن حبان (٧٦٦)، والحاكم (١/ ٥٥٢ - ٥٥٣)، والذهبي، والألباني في الصحيحة (٢٢٤٠).


عشر» (١) ...


(١) إسناده صحيح، فيه عطاء بن السائب اختلط، وحماد بن سلمة ممن سمع منه قبل الاختلاط على قول الجمهور كما في الكواكب النيرات (ص ٣٢٥ - ٣٢٦). ومع ذلك فقد توبع: تابعه سفيان وشعبة وحماد بن زيد أخرجه الدارمي (٣٣٥١)، والطبراني (٩/رقم ٨٦٤٨، ٨٦٤٩)، وجميعهم ممن سمع عطاء قبل الاختلاط، فهذا دليل أن عطاء حفظه.
وصححه الألباني في الصحيحة (٦٦٠).


باب: فضل من تعلم القرآن وعلمه

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه - قال شعبة: قلت له (١): عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ قال: نعم - قال: «خيركم من تعلم القرآن، وعلمه».

قال أبو عبد الرحمن (٢): فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا.

فكان يعلم من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج (٣) ...

عن عقبة بن عامر يقول: خرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ونحن في الصفة (٤) فقال: «أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان (٥) أو (٦)

(١) شعبة بن الحجاج أحد رواته، وشيخه في هذا الإسناد هو علقمة بن مرثد.
(٢) هو السلمي.
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٢٧). قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٦): «بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج: اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر.
وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج العراق: ثمان وثلاثون سنة إلا ثلاثة أشهر، ولم أقف على تعيين ابتداء إقراء أبي عبدالرحمن وآخره.
فالله أعلم بمقدار ذلك» اهـ. (٤) موضع مظلل كان في مؤخر مسجد المدينة، أعد لنزول الغرباء فيه؛ من لا مأوى له ولا أهل.
انظر: شرح سنن أبي داود للعيني (٥/ ٣٦٩)، وعون المعبود (٤/ ٢٣١). (٥) اسم واد بالمدينة، سمي بذلك لسعته وانبساطه، من البطح؛ وهو البسط.
عون المعبود (٤/ ٢٣١). (٦) الظاهر أن (أو) للتنويع، لكن في جامع الأصول: (أو قال إلى العقيق)، فدل على أنه شك من الراوي.
مرقاة المفاتيح (٤/ ١٤٥٣).


العقيق (١)، فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين (٢) زهراوين (٣)، فيأخذهما في غير إثم، ولا قطع رحم؟»، قال: قلنا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك، قال: «فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد، فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» (٤).


(١) واد على بعد ثلاثة أميال، وقيل: على ميلين من المدينة، وإنما خصهما بالذكر لأنهما أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة.
انظر: المصدر السابق.
(٢) العظيمة السنام.
شرح سنن أبي داود للعيني (٥/ ٣٦٩). (٣) أي: سمينتين مائلتين إلى البياض.
عون المعبود شرح سنن أبي داود (٤/ ٢٣١). (٤) أخرجه مسلم (٨٠٣).


باب: فضل الاجتماع في المساجد لدرس القرآن

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله عز وجل، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١).

عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: «قلت لابن عباس: أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله عز وجل، يتدارسون فيه كتاب الله، ويتعاطونه بينهم، إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله تعالى ما داموا فيه، حتى يخوضوا في حديث غيره» (٢).


(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩). (٢) إسناده صحيح.
أخرجه الدارمي (٣٦٨)، وقد روي مرفوعا، والموقوف أصح كما في جامع العلوم والحكم (ص ٦٤٧)، راجع: التعليق على تفسير سعيد بن منصور (١٧٠٧).


باب: ذكر أخلاق أهل القرآن

ينبغي لمن علمه الله القرآن وفضله على غيره ممن لم يحمله كتابه، وأحب أن يكون من أهل القرآن وأهل الله وخاصته، وممن وعده الله من الفضل العظيم؛ مما تقدم ذكرنا له، وممن قال الله عز وجل: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ [البقرة: ١٢١]- قيل في التفسير: يعملون به حق عمله -، وممن قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «الذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران» (١) ...

فينبغي له أن يجعل القرآن ربيعا لقلبه، يعمر به ما خرب من قلبه، ويتأدب بآداب القرآن، ويتخلق بأخلاق شريفة، يبين بها عن سائر الناس ممن لا يقرأ القرآن.

فأول ما ينبغي له أن يستعمل: تقوى الله عز وجل في السر والعلانية باستعمال الورع في مطعمه، ومشربه، وملبسه، ومكسبه، ويكون بصيرا بزمانه وفساد أهله، فهو يحذرهم على دينه، مقبلا على شأنه، مهموما بإصلاح ما فسد من

(١) أخرجه البخاري (٤٩٣٧)، ومسلم (٧٩٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.


أمره، حافظا للسانه، مميزا لكلامه؛ إن تكلم تكلم بعلم إذا رأى الكلام صوابا، وإن سكت سكت بعلم إذا كان السكوت صوابا، قليل الخوض فيما لا يعنيه، يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه، يحبس لسانه كحبسه لعدوه، ليأمن شره وسوء عاقبته.

قليل الضحك فيما يضحك فيه الناس؛ لسوء عاقبة الضحك، إن سر بشيء مما يوافق الحق تبسم، يكره المزاح خوفا من اللعب، فإن مزح قال حقا، باسط الوجه، طيب الكلام.

لا يمدح نفسه بما فيه فكيف بما ليس فيه؟ يحذر من نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه.
ولا يغتاب أحدا، ولا يحقر أحدا، ولا يسب أحدا، ولا يشمت بمصيبة، ولا يبغي على أحد، ولا يحسده، ولا يسيء الظن بأحد إلا بمن يستحق، يحسد (١) بعلم، ويظن بعلم، ويتكلم بما في الإنسان من عيب بعلم، ويسكت عن حقيقة ما فيه بعلم.

قد جعل القرآن والسنة والفقه دليله إلى كل خلق حسن

(١) أي: يغبط.


جميل، حافظا (١) لجميع جوارحه عما نهي عنه، إن مشى مشى بعلم، وإن قعد قعد بعلم، يجتهد ليسلم الناس من لسانه ويده.
ولا يجهل، وإن جهل عليه حلم، ولا يظلم، وإن ظلم عفا، ولا يبغي على أحد، وإن بغي عليه صبر، يكظم غيظه ليرضي ربه، ويغيظ عدوه، متواضع في نفسه، إذا قيل له الحق قبله، من صغير أو كبير.

يطلب الرفعة من الله عز وجل لا من المخلوقين، ماقت للكبر، خائفا (٢) على نفسه منه، لا يتأكل بالقرآن، ولا يحب أن تقضى له به الحوائج، ولا يسعى به إلى أبناء الملوك، ولا يجالس به الأغنياء ليكرموه.

إن كسب الناس من الدنيا الكثير بلا فقه ولا بصيرة، كسب هو القليل بفقه وعلم، إن لبس الناس اللين الفاخر، لبس هو

(١) هكذا في جميع النسخ.
وله وجه صحيح في اللغة.
(٢) هكذا في عامة النسخ.
وله وجه صحيح في اللغة.
ولهما في الموضعين محامل صحيحة، منها: أن يقال بأن الرفع في هاتين اللفظتين على تعدد الخبر.
كما أن النصب صحيح على أنها حال من الضمير المستتر في الخبر المرفوع قبلها؛ وذلك لأن في الخبر المشتق ضميرا مستترا تقديره (هو)، وهذه اللفظة المنصوبة حال من هذا الضمير المستتر في الخبر المتقدم.


من الحلال ما يستر عورته، إن وسع عليه وسع، وإن أمسك عليه أمسك، يقنع بالقليل فيكفيه، ويحذر على نفسه من الدنيا ما يطغيه.

يتبع واجبات القرآن والسنة، يأكل الطعام بعلم، ويشرب بعلم، ويلبس بعلم، وينام بعلم، ويجامع أهله بعلم، ويصحب الإخوان بعلم، يزورهم بعلم، ويستأذن عليهم بعلم، يجاور جاره بعلم.

ويلزم نفسه بر والديه، فيخفض لهما جناحه، ويخفض لصوتهما صوته، ويبذل لهما ماله، وينظر إليهما بعين الوقار والرحمة، يدعو لهما بالبقاء، ويشكر لهما عند الكبر، لا يضجر بهما، ولا يحقرهما، إن استعانا به على طاعة أعانهما، وإن استعانا به على معصية لم يعنهما، ورفق بهما في معصيته إياهما، يحسن الأدب ليرجعا عن قبيح ما أرادا مما لا يحسن بهما فعله.

يصل الرحم، ويكره القطيعة، من قطعه لم يقطعه، من عصى الله فيه أطاع الله فيه.

يصحب المؤمنين بعلم، ويجالسهم بعلم، من صحبه


نفعه، حسن المجالسة لمن جالس، إن علم غيره رفق به، لا يعنف من أخطأ ولا يخجله، رفيق فى أموره، صبور على تعليم الخير، يأنس به المتعلم، ويفرح به المجالس، مجالسته تفيد خيرا، مؤدب لمن جالسه بأدب القرآن والسنة.

إن أصيب بمصيبة، فالقرآن والسنة له مؤدبان، يحزن بعلم، ويبكي بعلم، ويصبر بعلم، ويتطهر بعلم، ويصلي بعلم، ويزكي بعلم، ويتصدق بعلم، ويصوم بعلم، ويحج بعلم، ويجاهد بعلم، ويكتسب بعلم، وينفق بعلم، وينبسط في الأمور بعلم، وينقبض عنها بعلم.

قد أدبه القرآن والسنة، يتصفح القرآن ليؤدب به نفسه، ولا يرضى من نفسه أن يؤدي ما فرض الله عز وجل عليه بجهل، قد جعل العلم والفقه دليله إلى كل خير.

إذا درس القرآن فبحضور فهم وعقل، همته إيقاع الفهم لما ألزمه الله عز وجل من اتباع ما أمر، والانتهاء عما نهى، ليس همته متى أختم السورة؟ همته: متى أستغني بالله عن غيره؟ متى أكون من المتقين؟ متى أكون من المحسنين؟ متى أكون من المتوكلين؟ متى أكون من الخاشعين؟ متى أكون من


الصابرين؟ متى أكون من الصادقين؟ متى أكون من الخائفين؟ متى أكون من الراجين؟ متى أزهد في الدنيا؟ متى أرغب في الآخرة؟ متى أتوب من الذنوب؟ متى أعرف قدر النعم المتواترة؟ متى أشكر عليها؟ متى أعقل عن الله جلت عظمته الخطاب؟ متى أفقه ما أتلو؟ متى أغلب نفسي على هواها؟ متى أجاهد في الله عز وجل حق الجهاد؟ متى أحفظ لساني؟ متى أغض طرفي؟ متى أحفظ فرجي؟ متى استحيى من الله عز وجل حق الحياء؟ متى أشتغل بعيبي؟ متى أصلح ما فسد من أمري؟ متى أحاسب نفسي؟ متى أتزود ليوم معادي؟ متى أكون عن الله راضيا؟ متى أكون بالله واثقا؟ متى أكون بزجر القرآن متعظا؟ متى أكون بذكره عن ذكر غيره مشتغلا؟ متى أحب ما أحب؟ متى أبغض ما أبغض؟ متى أنصح لله؟ متى أخلص له عملي؟ متى أقصر أملي؟ متى أتأهب ليوم موتي وقد غيب عني أجلي؟ متى أعمر قبري؟ متى أفكر في الموقف وشدته؟ متى أفكر في خلوتي مع ربي؟ متى أفكر في المنقلب؟ متى أحذر ما حذرني منه ربي؟ من نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وغمها طويل، لا يموت أهلها فيستريحوا، ولا تقال عثرتهم، ولا ترحم عبرتهم،


طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم، كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، ندموا حيث لا ينفعهم الندم، وعضوا على الأيدي أسفا على تقصيرهم في طاعة الله عز وجل، وركوبهم لمعاصي الله تعالى، فقال منهم قائل: ﴿ياليتني قدمت لحياتي (٢٤)﴾ [الفجر]، وقال قائل: ﴿رب ارجعون (٩٩) لعلي أعمل صالحا فيما تركت﴾ [المؤمنون]، وقال قائل: ﴿ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال قائل: ﴿ياويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (٢٨)﴾ [الفرقان]، وقالت فرقة منهم، ووجوههم تتقلب في أنواع من العذاب: ﴿ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (٦٦)﴾ [الأحزاب: ٦٦].

فهذه النار - يا معشر المسلمين؛ يا حملة القرآن - حذرها الله المؤمنين في غير موضع من كتابه، رحمة منه للمؤمنين:

فقال عز وجل: ﴿ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (٦)﴾ [التحريم] ...

وقال عز وجل: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (١٨)﴾ [الحشر].


ثم حذر المؤمنين أن يغفلوا عما فرض عليهم وما عهده إليهم ألا يضيعوه، وأن يحفظوا ما استرعاهم من حدوده، ولا يكونوا كغيرهم ممن فسق عن أمره، فعذبهم بأنواع العذاب.

فقال عز وجل: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (١٩)﴾ [الحشر].

ثم أعلم المؤمنين أنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة.

فقال عز وجل: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (٢٠)﴾ [الحشر].

فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة يرى بها ما حسن من فعله، وما قبح منه، فما حذره مولاه حذره، وما خوفه به من عقابه خافه، وما رغبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه.
فمن كانت هذه صفته أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدا، وشفيعا، وأنيسا، وحرزا، ومن كان هذا وصفه نفع نفسه، ونفع أهله، وعاد على والديه، وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة ...


عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «يجيء القرآن يوم القيامة إلى الرجل كالرجل الشاحب (١)، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا الذي أظمأت نهارك، وأسهرت ليلك» (٢).

عن إياس بن عامر أن علي بن أبي طالب قال له: «إنك إن بقيت، فسيقرأ القرآن على ثلاثة أصناف: صنف لله تعالى، وصنف للدنيا، وصنف للجدل، فمن طلب به أدرك» (٣).

قال محمد بن الحسين: قد ذكرت أخلاق الصنف الذين قرؤوا القرآن يريدون الله عز وجل بقراءتهم، وأنا أذكر الصنفين اللذين يريدان بقراءتهما الدنيا والجدل، وأصف أخلاقهم حتى يعرفها من اتقى الله جلت عظمته، فيحذرها - إن شاء الله -.

(١) الشاحب: المتغير اللون والجسم لعارض من سفر أو مرض ونحوهما.
النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٤٨)، م: (شحب).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٧٨١). وحسنه البغوي في شرح السنة (١١٩٠)، وابن كثير في تفسيره (١/ ١٥٢)، وابن حجر في المطالب (٣٤٧٨)، والألباني في الصحيحة (٢٨٢٩). وصححه القرطبي في التذكرة (٢/ ٧٨٨)، والسيوطي في اللآلي (١/ ٢٤٤). وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) إسناده قوي.
أخرجه الدارمي (٣٣٧٢).


باب: أخلاق من قرأ القرآن لا يريد به الله عز وجل

فأما من قرأ القرآن للدنيا ولأبناء الدنيا فإن من أخلاقه: أن يكون حافظا لحروف القرآن، مضيعا لحدوده، متعظما في نفسه، متكبرا على غيره.
قد اتخذ القرآن بضاعة يتأكل به الأغنياء، ويستقضي به الحوائج، يعظم أبناء الدنيا، ويحقر الفقراء، إن علم الغني رفق به طمعا في دنياه، وإن علم الفقير زجره وعنفه؛ لأنه لا دنيا له يطمع فيها، يستخدم به الفقراء، ويتيه به على الأغنياء، إن كان حسن الصوت أحب أن يقرأ للملوك، ويصلي بهم طمعا في دنياهم، وإن سأله الفقراء الصلاة بهم ثقل ذلك عليه، لقلة الدنيا في أيديهم، إنما طلبه الدنيا حيث كانت ربض عندها.

يفخر على الناس بالقرآن، ويحتج على من دونه في الحفظ بفضل ما معه من القراءات، وزيادة المعرفة بالغرائب من القراءات التي لو عقل لعلم أنه يجب عليه ألا يقرأ بها (١)، فتراه تائها متكبرا، كثير الكلام بغير تمييز، يعيب كل من لم

(١) لكونها لم تثبت عند أهل الشأن من القراء، أو ربما لغرابتها على أهل بلده.


يحفظ كحفظه، ومن علم أنه يحفظ كحفظه طلب عيبه.

متكبرا في جلسته، متعاظما في تعليمه لغيره، ليس للخشوع في قلبه موضع، كثير الضحك والخوض فيما لا يعنيه، يشتغل عمن يأخذ عليه بحديث من جالسه، هو إلى استماع حديث جليسه أصغى منه إلى استماع من يجب عليه أن يستمع له، يري أنه لما يستمع حافظ، فهو إلى كلام الناس أشهى منه إلى كلام الرب عز وجل.

لا يخشع عند استماع القرآن، ولا يبكي، ولا يحزن، ولا يأخذ نفسه بالفكر فيما يتلى عليه وقد ندب إلى ذلك، راغب في الدنيا، وما قرب منها، لها يغضب ويرضى.

إن قصر رجل في حقه، قال: أهل القرآن لا يقصر في حقوقهم، وأهل القرآن تقضى حوائجهم! ! يستقضي من الناس حق نفسه، ولا يستقضي من نفسه ما لله عليها.

يغضب على غيره - زعم - لله، ولا يغضب على نفسه لله، ولا يبالي من أين اكتسب من حرام أو حلال، قد عظمت الدنيا في قلبه، إن فاته منها شيء لا يحل له أخذه حزن على فوته.
لا يتأدب بأدب القرآن، ولا يزجر نفسه عند الوعد


والوعيد.
لاه غافل عما يتلو أو يتلى عليه.

همته حفظ الحروف، إن أخطأ في حرف ساءه ذلك؛ لئلا ينقص جاهه عند المخلوقين، فتنقص رتبته عندهم، فتراه محزونا مغموما بذلك، وما قد ضيعه فيما بينه وبين الله تعالى مما أمر به في القرآن أو نهي عنه غير مكترث به.

أخلاقه في كثير من أموره أخلاق الجهال الذين لا يعلمون، لا يأخذ نفسه بالعمل بما أوجب عليه القرآن، إذ سمع الله عز وجل قال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧]، فكان الواجب عليه أن يلزم نفسه طلب العلم لمعرفة ما نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - فينتهي عنه.

قليل النظر في العلم الذي هو واجب عليه فيما بينه وبين الله عز وجل، كثير النظر في العلم الذي يتزين به عند أهل الدنيا ليكرموه بذلك، قليل المعرفة بالحلال والحرام الذي ندبه الله تعالى إليه ثم رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ ليأخذ الحلال بعلم، ويترك الحرام بعلم، لا يرغب في معرفة علم النعم، ولا في علم شكر المنعم.

تلاوته للقرآن تدل على كبر في نفسه، وتزين عند السامعين


منه، ليس له خشوع فيظهر على جوارحه، إذا درس القرآن أو درسه عليه غيره همته متى يقطع، ليس همته متى يفهم.

لا يعتبر عند التلاوة بضرب أمثال القرآن، ولا يقف عند الوعد والوعيد، يأخذ نفسه برضا المخلوقين، ولا يبالي بسخط رب العالمين.

يحب أن يعرف بكثرة الدرس، ويظهر ختمه للقرآن ليحظى عندهم، قد فتنه حسن ثناء من جهله، يفرح بمدح الباطل، وأعماله أعمال أهل الجهل، يتبع هواه فيما تحب نفسه، غير متصفح لما زجره القرآن عنه.

إن كان ممن يقرئ غضب على من قرأه على غيره، إن ذكر عنده رجل من أهل القرآن بالصلاح كره ذلك، وإن ذكر عنده بمكروه سره ذلك، يسخر بمن دونه، ويهمز من فوقه، يتتبع عيوب أهل القرآن ليضع منهم ويرفع من نفسه، يتمنى أن يخطئ غيره، ويكون هو المصيب.

ومن كانت هذه صفته، فقد تعرض لسخط مولاه الكريم، وأعظم من ذلك أن أظهر على نفسه شعار الصالحين بتلاوة القرآن، وقد ضيع في الباطن ما يجب لله، وركب ما نهاه عنه


مولاه الكريم، كل ذلك بحب الرئاسة، والميل إلى الدنيا.
قد فتنه العجب بحفظ القرآن، والإشارة إليه بالأصابع.

إن مرض أحد أبناء الدنيا أو ملوكها فسأله أن يختم عليه سارع إليه، وسر بذلك، وإن مرض الفقير المستور فسأله أن يختم عليه ثقل ذلك عليه.

يحفظ القرآن ويتلوه بلسانه، وقد ضيع الكثير من أحكامه.
أخلاقه أخلاق الجهال: إن أكل فبغير علم، وإن شرب فبغير علم، وإن نام فبغير علم، وإن لبس فبغير علم، وإن جامع أهله فبغير علم، وإن صحب أقواما، أو زارهم، أو سلم عليهم، أو استأذن عليهم؛ فجميع ذلك يجري بغير علم من كتاب أو سنة.
وغيره ممن يحفظ جزءا من القرآن مطالب لنفسه بما أوجب الله عز وجل عليه من علم أداء فرائضه، واجتناب محارمه، وإن كان لا يؤبه له، ولا يشار إليه بالأصابع.

فمن كانت هذه أخلاقه صار فتنة لكل مفتون؛ لأنه إذا عمل بالأخلاق التي لا تحسن بمثله اقتدى به الجهال، فإذا عيب على الجاهل قال: فلان الحامل لكتاب الله تعالى فعل هذا، فنحن أولى أن نفعله، ومن كانت هذه حاله فقد تعرض


لعظيم، وثبتت عليه الحجة، ولا عذر له إلا أن يتوب.

وإنما حداني على ما بينت من قبيح هذه الأخلاق نصيحة مني لأهل القرآن، ليتعلقوا بالأخلاق الشريفة، ويتجافوا عن الأخلاق الدنيئة، والله يوفقنا وإياهم للرشاد.

واعلموا - رحمنا الله وإياكم - أني قد رويت فيما ذكرت أخبارا تدل على ما كرهته لأهل القرآن، فأنا أذكر منها ما حضرني، ليكون الناظر في كتابنا ينصح نفسه عند تلاوته للقرآن، فيلزم نفسه الواجب، والله تعالى الموفق.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لقد أتى علينا حين، وما نرى أن أحدا يتعلم القرآن يريد به إلا الله تعالى، فلما كان ههنا بأخرة، خشيت أن رجالا يتعلمونه يريدون به الناس وما عندهم، فأريدوا الله تعالى بقراءتكم وأعمالكم، فإنا كنا نعرفكم إذ فينا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، فأما اليوم، فقد مضى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وانقطع الوحي، وإنما أعرفكم بما أقول: من أعلن خيرا أحببناه عليه، وظننا به خيرا، ومن أظهر شرا أبغضناه عليه، وظننا به شرا، سرائركم فيما بينكم وبين ربكم عز وجل» (١).


فإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد خاف على قوم قرؤوا القرآن في ذلك الوقت بميلهم إلى الدنيا؛ فما ظنك بهم اليوم؟ ! ...

عن سهل بن سعد الساعدي قال: بينا نحن نقترئ، إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال: «الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود، اقرؤوا القرآن، اقرؤوا قبل أن يأتي أقوام يقرؤونه، يقيمون حروفه، كما يقام السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره، ولا يتأجلونه» (٢) ...

عن الحسن قال: «إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان، لا علم لهم بتأويله، ولم يتاولوا الأمر من أوله، قال الله عز وجل:

(١) أخرجه أحمد (١/ ٤١)، وقال ابن المديني - كما نقل ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٥٤٤) -: «إسناده بصري حسن، لا نعلم في إسناده شيئا نطعن فيه»، وصححه الحاكم (٤/ ٤٤٩)، وحسنه أحمد شاكر في التعليق على المسند (٢٨٦). وأصله في البخاري (٢٦٤١) مختصرا.
(٢) أخرجه أبو داود (٨٣١). وصححه ابن حبان (٧٦٠)، والألباني في الصحيحة (٢٥٩). وفي الباب عن أنس وجابر وعمران بن الحصين وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم.


﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته﴾ [ص: ٢٩]، وما تدبر آياته إلا اتباعه والله يعلم، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله، فما أسقطت منه حرفا! وقد والله أسقطه كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نفس، والله ما هؤلاء بالقراء، ولا العلماء، ولا الحكماء، ولا الورعة، متى كانت القراء تقول مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء» (١).

عن مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ [البقرة: ١٢١] قال: «يعملون به حق عمله» (٢) ...

قال محمد بن الحسين: هذه الأخبار كلها تدل على ما

(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٩٣). وإسناده لا بأس به في المتابعات، فيه يحيى بن المختار فيه جهالة كما في تهذيب الكمال (٣١/ ٥٣١)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٢٧٨). إلا أنه توبع، فأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٩٨٤)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (٣٧١)، وسعيد بن منصور في التفسير (١٣٥)، من عدة طرق عن الحسن من قوله.
راجع: التعليق على تفسير سعيد بن منصور ... (٢/ ٤٢٣ - ٤٢٦). (٢) تقدم تخريجه.


تقدم ذكرنا له من أن أهل القرآن ينبغي أن تكون أخلاقهم مباينة لأخلاق من سواهم ممن لم يعلم كعلمهم.
إذا نزلت بهم الشدائد لجؤوا إلى الله الكريم فيها، ولم يلجؤوا فيها إلى مخلوق، وكان الله عز وجل أسبق إلى قلوبهم.
قد تأدبوا بأدب القرآن والسنة، فهم أعلام يقتدى بفعالهم؛ لأنهم خاصة الله وأهله، و﴿أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (٢٢)﴾ [المجادلة].

عن عبدالصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: «ينبغي لحامل القرآن ألا تكون له حاجة إلى أحد من الخلق، إلى الخليفة فمن دونه، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه».

قال: وسمعت الفضيل يقول: «حامل القرآن حامل راية الإسلام ... لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو» (١).

قال: وسمعت الفضيل يقول: «إنما أنزل القرآن ليعمل

(١) إسناده صحيح.
أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٩٢).


به، فاتخذ الناس قراءته عملا، أي ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويقفوا عند متشابهه» (١).

كتب حذيفة المرعشي إلى يوسف بن أسباط: «بلغني أنك بعت دينك بحبتين، وقفت على صاحب لبن، فقلت: بكم هذا؟ فقال: هو لك بسدس، فقلت: لا بثمن، فقال: هو لك، وكان يعرفك! اكشف عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، واعلم أنه من قرأ القرآن ثم آثر الدنيا لم آمن أن يكون بآيات الله من المستهزئين» (٢).

عن أبي المليح قال: «كان ميمون بن مهران يقول: لو صلح أهل القرآن صلح الناس» (٣).

عن بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس حدثه

(١) إسناده صحيح.
أخرجه الخطيب في اقتضاء العلم العمل (١١٦). (٢) إسناده فيه محمد بن أبي الورد، ترجم له الخطيب في تاريخه (٣/ ٢٠١)، وأثنى عليه بالعبادة والفضل، ولم يذكر ما يدل على توثيقه.
إلا أنه توبع، فأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٢٤٣)، والدينوري في المجالسة (٢٠٢٤) كلاهما من طريق يوسف به.
(٣) إسناده صحيح.
أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٨٣).


أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «يكون خلف بعد سنين أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر».

فقال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ فقال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن مؤمن به (١).

عن الحسن قال: مررت أنا وعمران بن الحصين على رجل يقرأ سورة يوسف، فقام عمران يستمع لقراءته، فلما فرغ سأل، فاسترجع وقال: انطلق، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «من قرأ القرآن فليسأل الله عز وجل به، فإنه سيأتي قوم يقرؤون القرآن، يسألون الناس به» (٢) ...

قال محمد بن الحسين: في هذا بلاغ لمن تدبره، فاتقى الله عز وجل، وأجل القرآن وصانه، وباع ما يفنى بما يبقى، والله عز وجل الموفق لذلك.

(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٨)، وصححه الحاكم (٤/ ٢٧٣، ٤/ ٥٤٧)، وابن كثير في تاريخه (٩/ ٢٣٢)، والألباني في الصحيحة (٢٥٨). (٢) أخرجه الترمذي (٢٩١٧) وحسنه، وحسنه كذلك الألباني في الصحيحة (٢٥٧).


باب: أخلاق المقرئ إذا جلس يقرئ ويلقن لله عز وجل ماذا ينبغي له أن يتخلق به

ينبغي لمن علمه الله كتابه، فأحب أن يجلس في المسجد يقرئ القرآن لله تعالى، يغتنم قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (١)، فينبغي له أن يستعمل من الأخلاق الشريفة ما يدل على فضله وصدقه، وهو أن يتواضع في نفسه إذا جلس في مجلسه، ولا يتعاظم في نفسه ... ويتواضع لمن يلقنه القرآن، ويقبل عليه إقبالا جميلا.

وينبغي له أن يستعمل مع كل إنسان يلقنه ما يصلح لمثله؛ إذا كان يتلقن عليه الكبير والصغير، والحدث، والغني، والفقير، فينبغي له أن يوفي كل ذي حق حقه، ويعتقد الإنصاف إن كان يريد الله عز وجل بتلقينه القرآن ...

ثم ينبغي له أن يحذر على نفسه التواضع للغني، والتكبر على الفقير، بل يكون متواضعا للفقير، مقربا لمجلسه، متعطفا عليه، يتحبب إلى الله عز وجل بذلك ...

(١) سبق تخريجه.


ويتأول فيه ما أدب الله به نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - حيث أمره أن يقرب الفقراء: ﴿ولا تعد عيناك عنهم﴾ [الكهف: ٢٨]؛ إذ كان قوم أرادوا الدنيا، فأحبوا من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يدني منه مجلسهم، وأن يرفعهم على من سواهم من الفقراء، فأجابهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى ما سألوا، لا لأنه أراد الدنيا، ولكنه يتألفهم على الإسلام، فأرشد الله نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - على أشرف الأخلاق عنده، فأمره أن يقرب الفقراء، وينبسط إليهم، ويصبر عليهم، وأن يباعد الأغنياء الذين يميلون إلى الدنيا، ففعل - صلى الله عليه وآله وسلم -.

وهذا أصل يحتاج إليه جميع من جلس يعلم القرآن والعلم، يتأدب به، ويلزم نفسه ذلك، إن كان يريد الله بذلك.

وأنا أذكر ما فيه؛ ليكون الناظر في كتابنا فقيها بما يتقرب به إلى الله عز وجل، يقرئ لله عز وجل، ويقتضي ثوابه من الله لا من المخلوقين ...

وأحب له إذا جاءه من يريد أن يقرأ عليه، من صغير أو حدث أو كبير؛ أن يعتبر كل واحد منهم، قبل أن يلقنه من سورة «البقرة»، يعتبره بأن يعرف ما معه من «الحمد»، إلى


مقدار ربع سبع (١)، أو أكثر مما يؤدي به صلاته، ويصلح أن يؤم به في الصلوات إذا احتيج إليه، فإن كان يحسنه، وكان تعلمه في الكتاب؛ أصلح من لسانه، وقومه، حتى يصلح أن يؤدي به فرائضه، ثم يبتدئ فيلقنه من سورة البقرة.

وأحب لمن يلقن إذا قرئ عليه أن يحسن الاستماع إلى من يقرأ عليه، ولا يشتغل عنه بحديث ولا غيره، فبالحري أن ينتفع به من يقرأ عليه، وكذا ينتفع هو أيضا، ويتدبر ما يسمع من غيره، وربما كان سماعه للقرآن من غيره له فيه زيادة منفعة، وأجر عظيم، ويتأول قول الله عز وجل: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (٢٠٤)﴾ [الأعراف].

فإذا لم يتحدث مع غيره، وأنصت إليه أدركته الرحمة من الله، وكان أنفع للقارئ عليه.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لعبد الله بن مسعود: «اقرأ علي»، قال: فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» (٢) ...

وأحب لمن كان يقرئ ألا يدرس عليه وقت الدرس إلا

(١) أي: بقدر جزء من القرآن (تقريبا)، فالمفصل - مثلا - يمثل السبع الأخير من القرآن، وذلك يقارب أربعة أجزاء، وربعه الأخير: جزء عم (تقريبا).
(٢) أخرجه البخاري (٤٥٨٢).


واحد، ولا يكون ثان معه، فهو أنفع للجميع، وأما التلقين فلا بأس أن يلقن الجماعة.

وينبغي لمن قرئ عليه القرآن، فأخطأ فيه القارئ، أو غلط؛ ألا يعنفه، وأن يرفق به، ولا يجفو عليه، ويصبر عليه؛ فإني لا آمن أن يجفو عليه، فينفر عنه، وبالحري ألا يعود إلى المسجد ...

وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» (١) ...

فمن كانت هذه أخلاقه انتفع به من يقرأ عليه.

ثم أقول: إنه ينبغي لمن كان يقرئ القرآن لله - جلت عظمته - أن يصون نفسه عن استقضاء الحوائج ممن يقرأ عليه القرآن، وألا يستخدمه، ولا يكلفه حاجة يقوم فيها.
وأختار له إذا عرضت له حاجة أن يكلفها لمن لا يقرأ عليه، وأحب له أن يصون القرآن عن أن تقضى له به الحوائج، فإن عرضت له حاجة سأل مولاه الكريم قضاءها، فإذا ابتدأه أحد من إخوانه من غير مسألة منه فقضاها له، شكر الله إذ صانه عن المسألة، والتذلل لأهل الدنيا، وإذ سهل الله له قضاءها، ثم يشكر لمن

(١) أخرجه البخاري (٤٥٨٢).


أجري ذلك على يديه؛ فإن هذا واجب عليه.

وقد رويت فيما ذكرت أخبارا تدل على ما قلت، وأنا أذكرها ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة - إن شاء الله -.

عن الحسن بن الربيع البوراني قال: «كنت عند عبد الله ابن إدريس (١)، فلما قمت، قال لي: سل عن سعر الأشنان (٢)، فلما مشيت ردني، فقال لي: لا تسل؛ فإنك تكتب مني الحديث، وأنا أكره أن أسأل من يسمع مني الحديث حاجة» (٣).

قال خلف بن تميم: «مات أبي وعليه دين، فأتيت حمزة الزيات، فسألته أن يكلم صاحب الدين أن يضع عن أبي من دينه شيئا، فقال لي حمزة: ويحك؛ إنه يقرأ علي القرآن، وأنا

(١) هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي، وقد جمع بين العلم والزهد (ت ١٩٢). (٢) الأشنان: بضم الهمزة أو كسرها، فارسي معرب، وهو (الحرض) بالعربية، نوع من النبات، يستخدم في الغسل.
انظر: المصباح المنير (١/ ١٦)، م: (ء ش ن).
(٣) إسناده صحيح.
أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٣٦٨) من طريق المصنف.


أكره أن أشرب من بيت من يقرأ علي القرآن الماء» (١).

عن عبدالصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: «ينبغي لحامل القرآن ألا تكون له حاجة إلى أحد من الناس، إلى الخليفة فمن دونه، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه» (٢) ...

قال عبد الرحمن بن شبل: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه (٣)، ولا تجفوا عنه (٤)، ولا تأكلوا به (٥)، ولا تستكثروا (٦)» (٧).

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «من تعلم علما

(١) إسناده حسن.
ولم أجده عند غير المصنف.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) من الغلو، وهو التجاوز عن الحد، أي: لا تجاوزوا حده من حيث لفظه أو معناه؛ بأن تتأولوه بباطل، أو المراد: لا تبذلوا جهدكم في قراءته، وتتركوا غيره من العبادات.
فيض القدير للمناوي (٢/ ٦٤). (٤) أي: تعاهدوه، ولا تبعدوا عن تلاوته، وهو من الجفاء، وهو البعد عن الشيء.
عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢١/ ٢٦٤). (٥) أي: لا تجعلوا له عوضا من سحت الدنيا.
المصدر السابق.
(٦) أي: لا تجعلوه سببا للإكثار من الدنيا.
فيض القدير للمناوي (٢/ ٦٤). (٧) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٨، ٤٤٤). وصححه ابن حجر في الفتح (٩/ ٨٢)، والألباني في الصحيحة (٢٦٠).


مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (١) ...

والأخبار في هذا المعنى كثيرة، ومرادي من هذا النصيحة لأهل القرآن؛ لئلا يبطل سعيهم، إن هم طلبوا به شرف الدنيا حرموا شرف الآخرة، إذ بذلوه لأهل الدنيا طمعا في دنياهم، أعاذ الله حملة القرآن من ذلك.

فينبغي لمن جلس يقرئ المسلمين أن يتأدب بأدب القرآن، يقتضي ثوابه من الله، يستغني بالقرآن عن كل أحد من الخلق، متواضع في نفسه ليكون رفيعا عند الله جلت عظمته ...


(١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢). وصححه ابن حبان (٧٨)، والحاكم (١/ ٨٥)، والنووي في رياض الصالحين (١٦٢٨)، والعراقي في تخريج الإحياء (١/ ١٧٠)، والألباني في المشكاة (٢٢٧).


باب: ذكر أخلاق من يقرأ على المقرئ

من كان يقرأ على غيره، ويتلقن، فينبغي له أن يحسن الأدب في جلوسه بين يديه، ويتواضع في جلوسه، ويكون مقبلا عليه، فإن ضجر عليه احتمله، وإن زجره احتمله، ورفق به، واعتقد له الهيبة، والاستحياء منه.

وأحب أن يتلقن ما يعلم أنه يضبطه - هو أعلم بنفسه - إن كان يعلم أنه لا يحتمل في التلقين أكثر من خمس خمس فلا ينبغي أن يسأل الزيادة، وإن كان يعلم أنه لا يحتمل أن يتلقن إلا ثلاث آيات، لم يسأل أن يلقنه خمسا، فإن لقنه الأستاذ ثلاثا لم يزده عليها، وعلم هو من نفسه أنه يحتمل خمسا سأله أن يزيده على أرفق ما يكون، فإن أبى لم يؤذه بالطلب، وصبر على مراد الأستاذ منه؛ فإنه إذا فعل ذلك كان هذا الفعل منه داعية للزيادة له ممن يلقنه - إن شاء الله -.

ولا ينبغي له أن يضجر من يلقنه فيزهد فيه، وإذا لقنه شكر له ذلك، ودعا له، وعظم قدره.
ولا يجفو عليه إن جفا عليه، ويكرم من يلقنه إذا كان هو لم يكرمه، وتستحي منه إن كان


هو لم يستح منك.
تلزم أنت نفسك واجب حقه عليك، فبالحري أن يعرف حقك؛ لأن أهل القرآن أهل خير وتيقظ وأدب، يعرفون الحق على أنفسهم.
فإن غفل عن واجب حقك؛ فلا تغفل أنت عن واجب حقه؛ فإن الله عز وجل قد أمرك أن تعرف حق العالم، وأمرك بطاعة العلماء، وكذا أمر الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -.

عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا ...» (١)، قال أحمد: «يعني: يعرف حقه» ...

عن أبي سلمة قال: «لو رفقت بابن عباس لأصبت منه علما» (٢).

عن مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي

(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٣). وصححه الحاكم (١/ ١٢٢)، وحسنه الألباني في الصحيحة (٢١٩٦). وفي الباب عن ابن عباس، وابن عمرو، وأنس، وجابر، وأبي هريرة، وأبي أمامة رضي الله عنهم.
راجع: المجمع (٨/ ١٤). (٢) إسناده صحيح.
أخرجه الدارمي (٤٢٦، ٥٨٧).


الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]، قال: «الفقهاء والعلماء» (١) ...

ثم ينبغي لمن لقنه الأستاذ ألا يجاوز ما لقنه، إذا كان ممن قد أحب أن يتلقن عليه.

وإذا جلس بين يدي غيره لم يتلقن منه إلا ما لقنه الأستاذ - أعني بحرف غير الحرف الذي قد تلقنه من الأستاذ -؛ فإنه أعود عليه، وأصح لقراءته، وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «اقرؤوا كما علمتم» (٢) ...

قال محمد بن الحسين: من قنع بتلقين الأستاذ ولم يجاوزه؛ فبالحري أن يواظب عليه، وأحب ذلك منه، فإذا رآه قد تلقن ما لم يلقنه زهد في تلقينه، وثقل عليه، ولم تحمد عواقبه.

(١) إسناده ضعيف.
أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ٢٩٢) من طريق المصنف.
لكنه صح عن مجاهد رحمه الله من غير هذا الطريق.
فقد أخرجه سعيد (٦٥٣، ٦٥٦)، وعبد الرزاق في التفسير (١/ ١٦٦)، وابن جرير في جامع البيان (٨/ ٥٠٠) من طرق عن مجاهد من قوله، أسانيد بعضها صحيح.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٤١٩، ٤٢١، ٤٥٢)، وصححه ابن حبان (٧٤٦، ٧٤٧)، والحاكم (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، والذهبي، وأحمد شاكر في التعليق على المسند (٨٣٢)، والألباني في الصحيحة (١٥٢٢).


وأحب له إذا قرأ عليه ألا يقطع حتى يكون الأستاذ هو الذي يقطع عليه، فإن بدت له حاجة، وقد كان الأستاذ مراده أن يأخذ عليه مائة آية، فاختار هو أن يقطع القراءة في خمسين آية، فليخبره قبل ذلك بعذره، حتى يكون الأستاذ هو الذي يقطع عليه.

وينبغي له أن يقبل على من يلقنه أو يأخذ عليه، ولا يقبل على غيره، فإن شغل الأستاذ عنه بكلام لا بد له منه في الوقت من كلامه؛ قطع القراءة حتى يعود إلى الاستماع إليه.

وأحب إذا انقضت قراءته على الأستاذ، وكان في المسجد، فإن أحب أن ينصرف انصرف وعليه الوقار، ودرس في طريقه ما قد تلقن.

وإن أحب أن يجلس ليأخذ على غيره فعل.
وإن جلس في المسجد، وليس بالحضرة من يأخذ عليه، فإما أن يركع، فيكتسب خيرا، وإما أن يكون ذاكرا لله تعالى، شاكرا له على ما علمه من كتابه، وإما جالس يحبس نفسه في المسجد، يكره الخروج منه خشية أن يقع بصره على ما لا يحل، أو معاشرة من لم تحسن معاشرته فجلس في المسجد، فحكمه


أن يأخذ على نفسه في جلوسه في المسجد: ألا يخوض فيما لا يعنيه، ويحذر الوقيعة في أعراض الناس، ويحذر أن يخوض في حديث الدنيا، وفضول الكلام؛ فإنه ربما استراحت النفوس إلى ما ذكرت، مما لا يعود نفعه، وله عاقبة لا تحمد.

ويستعمل من الأخلاق الشريفة في حضوره، وانصرافه ما يشبه أهل القرآن.

والله عز وجل الموفق لذلك.



باب: آداب القراء عند تلاوتهم القرآن مما لا ينبغي لهم جهله

وأحب لمن أراد قراءة القرآن في ليل أو نهار أن يتطهر، وأن يستاك، وذلك تعظيم للقرآن؛ لأنه يتلو كلام الرب عز وجل، وذلك أن الملائكة تدنو منه عند تلاوته للقرآن، ويدنو منه الملك، فإن كان متسوكا وضع فاه على فيه، فكلما قرأ آية أخذ الملك بفيه، وإن لم يكن تسوك تباعد الملك منه.

فلا ينبغي لكم - يا أهل القرآن - أن تباعدوا منكم الملك: فاستعملوا الأدب، فما منكم من أحد إلا وهو يكره إذا لم يتسوك أن يجالس إخوانه.

وأحب أن يكثر القراءة في المصحف؛ لفضل من قرأ في المصحف.

ولا ينبغي له أن يحمل المصحف إلا وهو طاهر.
فإن أحب أن يقرأ في المصحف على غير طهارة فلا بأس به،

ولكن لا


يمسه، ولكن يصفح المصحف بشيء، ولا يمسه إلا طاهرا.

وينبغي للقارئ إذا كان يقرأ، فخرجت منه ريح؛ أمسك عن القراءة حتى ينقضي الريح، ثم إن أحب أن يتوضأ ثم يقرأ طاهرا، فهو أفضل، وإن قرأ غير طاهر فلا بأس به، وإذا تثاءب وهو يقرأ أمسك عن القراءة حتى ينقضي عنه التثاؤب ...

وأحب للقارئ أن يأخذ نفسه بسجود القرآن، كلما مر بسجدة سجد فيها.
وفي القرآن خمس عشرة سجدة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: إحدى عشرة.

والذي أختار أن يسجد كلما مرت به سجدة؛ فإنه يرضي ربه عز وجل، ويغيظ عدوه الشيطان.

روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد؛ اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار» (١).

وأحب لمن يدرس وهو ماش في طريق، فمرت به سجدة

(١) أخرجه مسلم (١٣٣).


أن يستقبل القبلة، ويومئ برأسه بالسجود، وهكذا إن كان راكبا فدرس، فمرت به سجدة سجد، يومئ نحو القبلة، إذا أمكنه ...

وأحب له أن يتفكر في قراءته، ويتدبر ما يتلو، ويستعمل غض الطرف عما يلهي القلوب.
وإن يترك كل شغل حتى ينقضي درسه كان أحب إلي؛ ليحضر فهمه، ولا يشتغل بغير كلام مولاه.

وأحب إذا درس، فمرت به آية رحمة؛ سأل مولاه الكريم، وإذا مرت به آية عذاب استعاذ بالله من النار، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى عما قاله أهل الكفر سبح الله تعالى جلت عظمته، وعظمه.

فإذا كان يقرأ، فأدركه النعاس؛ فحكمه أن يقطع القراءة، ويرقد، حتى يقرأ وهو يعقل ما يتلوه.

قال محمد بن الحسين: جميع ما أمرت به التالي للقرآن موافق للسنة وأقاويل العلماء، وأنا أذكر منه ما حضرني - إن شاء الله - ...


عن أبي عبد الرحمن السلمي: «أن عليا كان يحث عليه، ويأمر به - يعني: السواك -، وقال: إن الرجل إذا قام يصلي، دنا الملك منه، يستمع القرآن، فما يزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيه، فما يلفظ من آية إلا دخلت في جوفه» (١).

عن إسحاق بن منصور الكوسج قال: «قلت لأحمد: القراءة على غير وضوء؟، قال: لا بأس بها، ولكن لا يقرأ في المصحف إلا متوضئ» (٢).

قال إسحاق - يعني: ابن راهويه -: كما قال، سنة مسنونة.

عن أبي بكر المروذي قال: «كان أبو عبدالله ربما قرأ في المصحف وهو على غير طهارة، فلا يمسه، ولكن يأخذ بيده عودا، أو شيئا يصفح به الورق» (٣).

(١) إسناده صحيح.
أخرجه المصنف في فضل قيام الليل (٣٤، ٣٥)، وعبدالرزاق في المصنف (٤١٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٨)، وفي الشعب (١٩٣٧). وروي مرفوعا، لكن قال المنذري في الترغيب (١/ ١٦٧): «الموقوف أشبه».
(٢) ذكره الكوسج في مسائل أحمد، وابن راهويه (١/ ٨٩). (٣) أورده ابن هاني في مسائل أحمد (١/ ١٠٢) بنحوه.


عن زرزر قال: قلت لعطاء: «أقرأ القرآن فيخرج مني الريح؟ قال: تمسك عن القراءة حتى تنقضي الريح» (١).

عن مجاهد قال: «إذا تثاءبت وأنت تقرأ فأمسك حتى يذهب عنك» (٢).

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إذا نعس أحدكم فليرقد؛ فإن أحدكم يريد أن يستغفر، فيسب نفسه» (٣) ...

قال محمد بن الحسين رحمه الله: جميع ما ذكرته ينبغي لأهل القرآن أن يتأدبوا به، ولا يغفلوا عنه، فإذا انصرفوا عن تلاوة القرآن اعتبروا أنفسهم بالمحاسبة لها، فإن تبينوا منها قبول ما ندبهم إليه مولاهم الكريم؛ مما هو واجب عليهم من أداء فرائضه، واجتناب محارمه، حمدوه في ذلك، وشكروا الله عز وجل على ما وفقهم له، وإن علموا أن النفوس معرضة عما ندبهم إليه مولاهم الكريم، قليلة الاكتراث به؛ استغفروا الله من تقصيرهم، وسألوه النقلة من هذه الحال، التي لا تحسن

(١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (١٠٠)، وابن أبي شيبة (٨/ ٤٤٧)، والبيهقي في الشعب (١٩٤٢). (٢) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٩٨)، والبيهقي في الشعب (١٩٤٣). (٣) أخرجه البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦).


بأهل القرآن، ولا يرضاها لهم مولاهم، إلى حال يرضاها؛ فإنه لا يقطع من يلجأ إليه.
ومن كانت هذه حاله، وجد منفعة تلاوة القرآن في جميع أموره، وعاد عليه من بركة القرآن كل ما يحب في الدنيا والآخرة - إن شاء الله -.

عن قتادة قال: «لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضاء الله الذي قضى: ﴿شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (٨٢)﴾ (١) [الإسراء]».

عن قتادة في قول الله عز وجل: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه﴾ [الأعراف: ٥٨]، قال: «﴿البلد الطيب﴾: المؤمن سمع كتاب الله فوعاه، وأخذ به، وانتفع به؛ كمثل هذه الأرض أصابها الغيث، فأنبتت، وأمرعت: ﴿والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ [الأعراف: ٥٨]، أي: إلا عسرا، فهذا مثل الكافر قد سمع القرآن فلم يعقله، ولم يأخذ به، ولم ينتفع به، كمثل هذه الأرض الخبيثة أصابها الغيث، فلم تنبت، ولم تمرع شيئا (٢).

(١) إسناده صحيح.
أخرجه الدارمي (٣٣٨٧). وقد جاء نحوه عن أويس القرني، والحسن البصري.
(٢) رجاله ثقات.
=



= أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٢/ ٤٩٧) بنحوه مختصرا، وإسناده صحيح.
وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر، كما في الدر المنثور (٣/ ٤٧٨).


باب: في حسن الصوت بالقرآن

... عن البراء بن عازب عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «زينوا القرآن بأصواتكم» (١).

عن صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: قلت له: قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «زينوا القرآن بأصواتكم»، ما معناه؟ قال: «التزيين أن يحسنه» (٢) ...

ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم، فليعرف قدر ما خصه الله به، وليقرأه لله، لا للمخلوقين، وليحذر من الميل إلى أن يستمع

(١) علقه البخاري في صحيحه (١٣/ ٥٢٨ مع الفتح)، ووصله أبو داود ... (١٤٦٨)، والنسائي في المجتبى (١٠١٥)، وابن ماجه (١٣٤٢) وصححه العقيلي (٤/ ١٢٤٤)، وابن خزيمة (١٥٥١)، وأبو عوانة ... (٣٩١١)، وابن حبان (٧٤٩)، والحاكم (١/ ٥٧١)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٦٢)، والألباني في الصحيحة (٧٧٢)، وقد أطال الحاكم في إيراد شواهد هذا الحديث في المستدرك (١/ ٥٧١ - ٥٧٥). وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة رضي الله عنهم.
(٢) ذكره صالح بن أحمد في مسائل أحمد (٢٨٧)، وعنه الخلال في الأمر بالمعروف (ص ١٠٢).


منه ليحظى به عند السامعين؛ رغبة في الدنيا، والميل إلى الثناء، والجاه عند أبناء الدنيا، والصلاة بالملوك دون الصلاة بعوام الناس.
فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه خفت أن يكون حسن صوته فتنة عليه، وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله عز وجل في السر والعلانية، وكان مراده أن يستمع منه القرآن لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله عز وجل، وينتهوا عما نهاهم عنه.
فمن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته، وانتفع به الناس ...

عن الزهري قال: بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن من إذا سمعته يقرأ أريت أنه يخشى الله» (١).

وقال محمد بن الحسين رحمه الله: وأكره القراءة بالألحان والأصوات المعمولة المطربة؛ فإنها مكروهة عند كثير من العلماء، مثل: يزيد بن هارون، والأصمعي، وأحمد بن حنبل،

(١) إسناده ضعيف.
أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٤) عن الزهري معضلا.
وفي الباب عن ابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وعائشة رضي الله عنهم.
وبها قواه الألباني مرفوعا في الصحيحة (١٥٨٣).


وأبي عبيد القاسم بن سلام، وسفيان بن عيينة، وغير واحد من العلماء، ويأمرون القارئ إذا قرأ أن يتحزن، ويتباكى، ويخشع بقلبه ...

فأحب لمن قرأ القرآن أن يتباكى ... ويخشع قلبه، فيتفكر في الوعد والوعيد ...

ألم تسمع إلى ما نعت الله عز وجل من هو بهذه الصفة، وأخبر بفضلهم، فقال عز وجل: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٣] الآية، ثم ذم قوما استمعوا القرآن، فلم تخشع له قلوبهم، فقال عز وجل: ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون (٥٩) وتضحكون ولا تبكون (٦٠) وأنتم سامدون (٦١)﴾ [النجم] يعني: لاهين.

ثم ينبغي لمن قرأ القرآن أن يرتل القرآن ترتيلا كما قال الله عز وجل: ﴿ورتل القرآن ترتيلا (٤)﴾ [المزمل].

قيل في التفسير: «بينه تبيينا».

واعلم أنه إذا رتله وبينه انتفع به من يسمعه منه، وانتفع هو بذلك؛ لأنه قرأه كما أمر؛ قال الله عز وجل: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ [الإسراء: ١٠٦]، يقال: «على تؤدة» ...


عن مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾، قال: «على تؤدة» (١).

قال محمد بن الحسين رحمه الله: والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه، وتدبره أحب إلي من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر، ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك والسنة، وقول أئمة المسلمين.

عن أبي جمرة الضبعي قال: «قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث، قال: لأن أقرأ البقرة في ليلة، فأتدبرها، وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول» (٢).

عن عبيد المكتب قال: «سئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة قراءتهما واحدة، وركوعهما،

(١) إسناده صحيح.
أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٢/ ٣١٩)، وابن جرير في جامع البيان (٢٣/ ٦٨٠ - ط. التركي).
(٢) إسناده صحيح.
أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٢١٢، ٢١٣)، وسعيد بن منصور في التفسير (١٥٩، ١٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٩٦).


وسجودهما، وجلوسهما، أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ [الإسراء: ... ١٠٦] (١).

قال محمد بن الحسين: جميع ما قلته ينبغي لأهل القرآن أن يتخلقوا بجميع ما حثثتهم عليه من جميل الأخلاق، وينزجروا عما كرهته لهم من دناءة الأخلاق.

والله الموفق لنا ولهم إلى سبيل الرشاد.

والحمد لله رب العالمين.

تم جميع الكتاب


(١) إسناده صحيح.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٢١، ١٠/ ٥٢٦)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (٢١٦)، والطبري في جامع البيان (١٥/ ١١٦ - ط التركي)، كلهم من طريق سفيان عن عبيد به.


فهرس المصادر والمراجع



۞
فهرس العناوين · 69 صفحة
جارٍ التحميل