من تواضع لله رفعهأصحاب المنامات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1. ولقد يكفيك فيها ... أيها الطالب قوت ولعمري عن قليل ... كل من فيها يموت 2

سأل رجل الإمام مالكًا عن مسألة فقال: لا أحسنها، فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها! ! فقال له مالك: إذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم أني قد قلت لك إني لا أحسنها 3. وقد كثر المفتون في زماننا وبعضهم يبادر بالجواب قبل أن ينتهي السؤال .. ولمعرفة عظم مصيبته وجهله ليعلم أنه يجيب عن الله ورسوله فلينظر بماذا يجيب؟ خرج عبد الله بن مسعود ذات يوم فاتبعه ناس، فقال لهم: ألكم حاجة؟ قالوا: لا ولكن أردنا أن نمشي معك.
قال: ارجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع 4.

الجزء: 1 - الصفحة: 44

وقال الحسن: كنت مع ابن المبارك يومًا فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه، فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا.
يعني حيث لم نعرف ولم نوقر.
وقال صالح بن أحمد (بن حنبل): كان أبي لا يدع أحدًا يستقي له الماء لوضوئه 5. ونتيجة الكبر والتعالي على الناس معروفة مرذولة في الدنيا والآخرة، عن عمر بن شيبة قال: كنت بمكة بين الصفا والمروة فرأيت رجلاً راكبًا بغلته وبين يديه غلمان وإذا هم يعنفون الناس، قال: ثم عدت بعد حين دخلت بغداد فكنت على الجسر، فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل الشعر، قال: فجعلت أنظر إليه وأتأمله، فقال لي: ما لك تنظر إليَّ؟ فقلت له: شبهتك برجل رأيته بمكة، ووصفت له الصفة، فقال له: أنا ذلك الرجل، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: إني ترفعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني الله حيث يترفع الناس 6. قال هشام بن حسان: ذكروا التواضع عند الحسن وهو ساكت حتى إذا أكثروا عليه قال لهم: أراكم قد أكثرتم الكلام في التواضع.

الجزء: 1 - الصفحة: 45

قالوا: أي شيء التواضع يا أبا سعيد؟ قال: يخرج من بيته فلا يلقى مسلمًا إلا ظن أنه خير منه.
ومن التواضع الذلة لله عز وجل وخوف التقصير والزلل .. كان بكر بن عبد الله إذا رأى شيخًا قال: هذا خير مني، عبد الله قبلي، وإذا رأى شابًا قال: هذا خير مني، ارتكبت من الذنوب أكثر مما ارتكب (1). قال عبد الله بن مسعود: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب.
وعندما قيل للإمام أحمد بن حنبل: ما أكثر الداعين لك! فتغرغرت عينه وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا (2). وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الهلاك في شيئين: العجب، والقنوط.
وإنما جمع بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالطلب والتشمير، والقانط لا يطلب، والمعجب يظن أنه قد ظفر بمراده فلا يسعى.
قال مطرف رحمه الله: لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا، أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا.

وأعلم أن

فصول الكتاب · 13 فصل
جارٍ التحميل