من تواضع لله رفعهالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحمد لله الذي له الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد: فإن من صفات المؤمنين الإنابة والإخبات والتواضع وعدم الكبر.
ومن استقرأ حياة نبي هذه الأمة يجد فيها القدوة والأسوة، ومن تتبع حياة السلف الصالح رأى ذلك واضحًا جليًا.
وهذا هو الجزء «العشرون» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟ » تحت عنوان: «من تواضع لله رفعه» أدعو الله عز وجل أن يزيننا بزينة الإيمان، وأن يجعلنا أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين وأن يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم

الجزء: 1 - الصفحة: 3

مدخل

قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ 1. قال عكرمة: العلو: التجبر، وقال سعيد بن جبير: بغير حق، وقال ابن جريج: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ تعظمًا وتجبرًا.
وعن علي رضي الله عنه قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره 2. وقال الله عز وجل حاثًا على مكارم الأخلاق ومحذرًا من الكبر والعجب: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 3. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: بلين جانبك، ولطف خطابك، وتوددك إليهم، وحسن خلقك، والإحسان التام بهم 4. وقال تعالى حكاية عن لقمان عليه السلام وهو يعظ ابنه: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا

الجزء: 1 - الصفحة: 4

يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (1). قال ابن عباس: لا تتكبر، فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم إذا كلموك (2). ونجد في القرآن الكريم آيات تمدح المتواضعين وتتوعد المتكبرين وتبين أن لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (3). فالعبرة بالتقوى وليست بالعلم أو المال أو الحسب أو السلطان، فإن اقترن واحد من هذه بالتقوى كان خيرًا عظيمًا وإن عري عنها كان سببًا لاستحقاق العذاب الأليم، فكم من مال أودى بصاحبه في المهالك، وكم من سلطان يكون في النار مع فرعون وهامان، وكم من عالم تسعر به النار قبل غيره، فالتقوى هي قطب الرحى في جميع الأمور، وليس لأي من تلك الأمور السالفة فضيلة إلا باقترانها بالتقوى (4).

و

فصول الكتاب · 13 فصل
جارٍ التحميل