أهل الأثرالأرشيف العلمي
كتاب

مسألة في الكنائس

بسم الله الرحمن الرحيم1ما تقول2السادة العلماء أئمة الدين، وهداة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين، وأعانهم على إظهار الحق المبين، وإخمال الكفار والمنافقين، في الكنائس التي بالقاهرة وغيرها التي أغلقت3بأمر ولاة الأمور، إذا ادعى أهل الذمة: أنها غلِّقت ظلماً، وأنهم يستحقون فتحها، وطلبوا ذلك من ولي الأمر أيده الله تعالى ونصره.
فهل تقبل دعواهم؟ وهل تجب إجابتهم أم لا؟! وإذا قالوا: إن هذه الكنائس كانت قديمةً، من زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وغيره.
وأنهم يطلبون أن يقروا4، على ما كانوا عليه في زمن عمر -رضي الله عنه- وغيره من خلفاء المسلمين، وأن إغلاقها مخالفٌ لحكم الخلفاء الراشدين.
فهل القول مقبولٌ منهم أو مردود؟ وإذا ذهب5أهل الذمة إلى من يقدم من بلاد الحرب، من رسولٍ أو غيره، فسألوه أن يسأل ولي الأمر في فتحها، أو كاتبوا ملوك الحرب ليطلبوا ذلك من ولي أمر المسلمين فهل لأهل الذمة ذلك؟ وهل ينتقض عهدهم أم لا؟!


وإذا قال قائلٌ: إنهم إن لم يجابوا إلى ذلك حصل للمسلمين ضررٌ، إما بالعدوان على من عندهم من الأسرى12، أو3المساجد، وإما بقطع متاجرهم عن ديار الإسلام، وإما بترك معاونتهم لولي أمر المسلمين على ما يعتمده من مصالح المسلمين، ونحو ذلك.
فهل هذا القول صوابٌ، أو خطأٌ؟ بينوا ذلك مبسوطاً مشروحاً.
وإذا كان في فتحها تغير قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، [وحصول الفتنة والفرقة بينهم]4، وتغيرت قلوب أهل الصلاح والدين، وعموم الجند والمسلمين على ولاة الأمور؛ لأجل إظهار شعائر الكفر، وظهور عزهم وفرحهم وسرورهم بما يظهرونه وقت فتح الكنائس، من الشموع والجموع والأفراح وغير ذلك، وهذا فيه تغير قلوب المسلمين من الصالحين وغيرهم5، حتى إنهم يدعون الله تعالى على من تسبب في ذلك، وأعان عليه.
فهل لأحد أن يشير على ولي الأمر بذلك؟ ومن أشار عليه بذلك هل يكون ناصحاً لولي أمر المسلمين أم غاشًّا له؟! وأي الطرق هو الأفضل لولي الأمر -أيده الله تعالى- ولأوليائه من قمع أعدائه وإذلالهم؟ أو مطاوعتهم6؟!


بينوا لنا ذلك، وابسطوا بسطاً شافياً، مثابين مأجورين -إن شاء الله تعالى- وحسبنا الله ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا محمدٍ خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضي الله عن الصحابة المكرمين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، يا أرحم الراحمين.1
## الرد على دعوى أن المسلمين ظلموهم بإغلاق كنائسهم :

الجواب

: الحمد لله رب العالمين، أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها فهذا كذبٌ مخالفٌ2لأهل العلم.3
فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة: مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من الأئمة، كسفيان الثوري4، والأوزاعي5، والليث بن سعد6، وغيرهم، ومن قبلهم من


الصحابة والتابعين، متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسةٍ بأرض العنوة كأرض مصر والسواد1بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدًا في ذلك، ومتبعًا في ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ذلك2ظلماً منه؛ بل تجب طاعته في ذلك.3
وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم، كانوا ناقضين العهد، وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم.

تكذيب دعوى وجود الكنائس بالقاهرة منذ عهد الخلفاء الراشدين

: وأما قولهم إن هذه الكنائس من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأن الخلفاء الراشدين أقروهم عليها، فهذا أيضًا من الكذب.
فإن من المعلوم المتواتر أن القاهرة4بنيت بعد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بثلاثمائة سنة، بنيت بعد بغداد، وبعد البصرة والكوفة5وواسط.6
وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة، مثل ما فتحه المسلمون صلحاً، وأبقوا لهم كنائسهم القديمة،


بعد أن شرط عليهم فيه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن لا يحدثوا كنيسة في أرض الصلح، فكيف في بلاد المسلمين؟!

بقاء الكنائس في مدائن الإسلام

: بل إذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة، كالعراق ومصر ونحو ذلك فبنى المسلمون مدينة عليها، فإن لهم أخذ تلك الكنيسة؛ لئلا تترك في مدائن المسلمين كنيسةٌ بعد عهد.1
فإن في سنن أبي داود بإسنادٍ جيد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تصلح قبلتان بأرضٍ، ولا جزية


على مسلم".1
والمدينة التي يسكنها المسلمون, والقرية التي يسكنها المسلمون, وفيها مساجد المسلمين, لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر: لا كنائس ولا غيرها2, إلا أن يكون لهم عهدٌ, فيوفى لهم بعهدهم.
فلو كان بأرض القاهرة ونحوها كنيسةٌ قبل بنائها, لكان للمسلمين أخذها, لأن الأرض عنوةً فكيف وهذه الكنائس محدثة, أحدثها النصارى؟!

حقيقة دولة العبيديين بمصر

: فإن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتي سنةٍ, على غير شريعة الإسلام, وكانوا يظهرون أنهم رافضة3, وهم في الباطن إسماعيلية (4) ,


ونصيرية1, وقرامطة2(3)؛ كما قال فيهم الغزالي (4) -رحمه الله- في كتابه الذي صنفه (5) في الرد عليهم: "ظاهر مذهبهم الرفض, وباطنه الكفر المحض" (6).


واتفق طوائف المسلمين: علماؤهم, وملوكهم, عامتهم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم, على أنهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام, وأن قتالهم كان جائزاً: بل نصّوا على نسبهم كان باطلاً.1
وأن جدهم كان عبيد الله بن ميمون القدّاح2, لم يكن من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.


وصنف العلماء في ذلك مصنفات.
وشهد بذلك مثل الشيخ أبي الحسن القدوري1إمام الحنفيّة, والشيخ أبي حامد الإسفراييني2إمام الشافعيّة,


ومثل القاضي أبي يعلى1إمام الحنبليّة, ومثل أبي محمد بن أبي زيد2إمام المالكيّة.
وصنف القاضي أبو بكر ابنُ الطيِّب3فيهم كتاباً, في كشف أسرارهم, سماه: "كشف الأسرار وهتك الأستار" (4).


عداوة الباطنية والرافضة للمسلمين وصوره

: والذين يوجدون في بلاد الإسلام من الإسماعيلية, والنصيرية, والدرزية1, وأمثالهم من أتباعهم.
وهم الذين عاونوا التتر2على قتال المسلمين وكان وزير هولاكو النصير


الطوسي1من أئمتهم.
وهؤلاء أعظم الناس عداوة للمسلمين وملوكهم, ثم الرافضة بعدهم فالرافضة يوالون من يعادي أهلَ السنة والجماعة, يوالون التتار, ويوالون النصارى.
وقد كان بالساحل بين الرافضة2, وبين الفرنج مهادنة؛ حتى صارت الرافضة تحملُ إلى قبرص3خيل المسلمين, وسلاحهم, وغلمان السلطان، وغيرهم من الجند والصبيان, وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المأتم


والحزن, وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور, وهم الذين أشاروا على التتر بقتل الخليفة1, وقتل أهل بغداد, ووزير بغداد ابن العلقمي2هو الذي خامر3على المسلمين, وكاتب التتار, حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة, [ونهى الناس عن قتالهم]4، وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين.
ولما كانوا ملوك القاهرة, كان


وزيرهم مرة يهودياً, ومرة نصرانياً أرمنياً1وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرمني, وبنوا كنائس كثيرةً بأرض مصر, في دولة أولئك الرافضة والمنافقين.
وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينارٌ وأردبّ وفي أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين, حتى فتحه نور الدين2وصلاح الدين.3


وفي أيامهم جاءت الفرنج إلى بلبيس1, وغُلبوا من الفرنج؛ فإنهم منافقون, وأعانوهم النصارى والله لا ينصر المنافقين, الذين هم يوالون النصارى, فبعثوا إلى نور الدين يطلبون النجدة, فأمدهم بأسد الدين2وابن أخيه صلاح الدين.
فلما جاءت الغُزّى3المجاهدون إلى ديار مصر, قامت الرافضة مع النصارى, فطلبوا قتال الغزّاة المجاهدين المسلمين, وجرت فصولٌ4يعرفها الناس، حتى قتل صلاح الدين مقدّمهم شاور.5


الكنائس القديمة في بر مصر وحكمها

: وقد كان في بر مصر كنائس قديمة, لكن تلك الكنائس أقرهم المسلمون عليها حين فتحوا البلاد؛ لأن الفلاحين كلهم كانوا نصارى, ولم يكونوا مسلمين, وإنما كان المسلمون الجندَ خاصة, فأقرهم كما أقر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود على خيبر1لما فتحها؛ لأن اليهود كانوا فلاحين, وكان المسلمون مشتغلين بالجهاد.
ثم إنه بعد هذا في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما كثر المسلمون واستغنوا عن اليهود, أجلاهم أمير المؤمنين عن خيبر, كما أقر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب"2، حتى لم يبق في خيبر يهودي.
وهكذا القرية التي يكون أهلها نصارى وليس عندهم مسلمون, ولا مسجدٌ للمسلمين, فإذا أقرهم المسلمون على كنائسهم التي فيها, جاز ذلك, كما فعله المسلمون.


وأما إذا سكنها المسلمون وبنوا بها مساجدهم, فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تصلح قبلتان بأرض".1
وفي أثر آخر: "لا يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب".2
والمسلمون قد كثروا بالديار المصرية, وعمرت في هذه الأوقات؛ حتى صار أهلها بقدْر ما كانوا في زمن صلاح الدين مراتٍ متعددة.
وصلاح الدين وأهل بيته كانوا يذلون النصارى, ولم يكونوا يستعملون منهم أحداً من أمرٍ من أمور المسلمين أصلاً.
ولهذا كانوا مؤيدين منصورين على الأعداء مع قلة المال والعدد.
فيما قويت شوكة النصارى والتتار بعد موت العادل3, أخي صلاح الدين, حتى إن بعض الملوك أعطاهم بعض مدائن المسلمين.
وحدثت حوادث بسبب التفريط فيما أمر الله4به ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة الحديد - 25].


وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [سورة الحج - 41]. فكان ولاة الأمور الذين يهدمون كنائسهم ويقيمون أمر الله فيهم كعمر بن عبد العزيز1وهارون الرشيد2ونحوهما مؤيدين منصورين, وكان الذين هم بخلاف ذلك مغلوبين مقهورين.
وإنما كثرت الفتن بين المسلمين, وتفرقوا على ملوكهم من حين دخل النصارى مع ولاة الأمر بالديار المصرية, في دولة المعز3, ووزارة الفائز, وتفرق البحرية, وغير ذلك.
والله يقول في كتابه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات


171 - 173] وقال تعالى في كتابه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر - 51]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [سورة محمد - 7]. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق, لا يضرهم من خالفهم, ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة".1
وكل من عرف سير الناس وملوكهم رأى كل من كان أنصر لدين الإسلام, وأعظم جهاداً لأعدائه, وأقوم بطاعة الله ورسوله, أعظم نصرة وطاعة وحرمة, من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وإلى هذا الزمان.

حكم هدم كنائس النصارى في أرض العنوة

: وقد أخذ المسلمون منهم كنائس كثيرةً من أرض العنوة, بعد أن أُقروا عليها في خلافة عمر بن عبد العزيز, وغيره من الخلفاء2, وليس في المسلمين من


أنكر ذلك, فعُلم أن هدم كنائس العنوة جائزٌ, إذا لم يكن فيه ضرر على المسلمين.1
فإعراض من أعرض عنهم كان لقلة المسلمين, ونحو ذلك من الأسباب, كما أعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن إجلاء اليهود, حتى أجلاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.


حكم مظاهرة الذميّين لأهل دينهم على المسلمين:

وليس لأحد من أهل الذمة أن يكاتبوا أهل دينهم من أهل الحرب, ولا يخبرونهم بشيء من أخبار المسلمين, ولا يطلبوا من رسولهم أن يكلف ولي المسلمين ما فيه ضررٌ على المسلمين, ومن فعل ذلك منهم وجبت عقوبته باتفاق المسلمين, وفي أحد القولين يكون قد نُقض عهده, وحل دمه, وماله.1
ومن قال إن المسلمين يحصل لهم ضررٌ, وإن* لم يجابوا إلى ذلك؛ لم يكن عارفاً بحقيقة الحال, فإن المسلمين قد فتحوا ساحل الشام, وكان أعظم المصائب عليهم؛ أخذُ أموالهم, وهدم كنائسهم.2


وكان نوروز1-رحمه الله- قد شرط عليهم الشروط، ووضع الجزية، وكان ذلك أعظم المصائب عليهم، ومع هذا لم يدخل على المسلمين بذلك إلا كل خير، فإن المسلمين مستغنون عنهم، وهم إلى ما في بلاد المسلمين أحوج من المسلمين إلى ما في بلادهم، بل مصلحة دينهم ودنياهم لا تقوم إلا بما في بلاد المسلمين، والمسلمون -ولله الحمد والمنة- أغنياء عنهم في دينهم ودنياهم. فأما نصارى الأندلس فهم لا يتركون المسلمين في بلادهم إلا لحاجتهم إليهم، وخوفهم من التتار، فإن المسلمين عند التتار أعز من النصارى وأكرم، ولو قدروا، وإنهم قادرون على من عندهم من النصارى.2
والنصارى الذين في ذمة المسلمين فيهم من البتاركة3، وغيرهم من علماء النصارى ورهبانهم، وليس عند النصارى مسلمٌ يحتاج إليه المسلمون ولله


الحمد، مع أن إفكاك الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل ذلك1الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات.
وكل مسلمٍ يعلم أنهم لا يتجرون إلى بلاد المسلمين، إلا لأغراضهم، لا لنفع المسلمين؛ ولو منعهم ملوكهم من ذلك لكان حرصهم على المال يمنعهم من الطاعة.
فإنهم أرغب الناس في المال2، ولهذا يتقامرون في الكنائس.3
وهم طوائف مختلفون، وكل طائفة تضاد الأخرى.4


المشورة على ولي الأمر في إعزازهم

: ولا يشير على ولي المسلمين بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام، أو تقوية أمرهم بوجه من الوجوه، إلا رجل منافقٌ، يظهر الإسلام1، وهو منهم في الباطن، أو رجلٌ له غرضٌ فاسدٌ، مثل أن يكونوا برطلوه2، ودخلوا عليه برغبةٍ، أو رهبةٍ، أو رجلٌ جاهلٌ في غاية الجهل، لا يعرف السياسة الشرعية الإلهية التي تنصر سلطان المسلمين على أعدائه، وأعداء الدين.
وإلا فمن كان عارفاً ناصحاً له أشار عليه بما يوجب نصره، وثباته، وتأييده، واجتماع قلوب المسلمين عليه، وفتحهم له، ودعاء الناس له في مشارق الأرض ومغاربها.
وهذا كله إنما يكون بإعزاز دين الله، وإظهار كلمة الله، وإذلال أعداء الله تعالى.
وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين، وصلاح الدين، ثم العادل، كيف مكنهم الله، وأيدهم، وفتح لهم البلاد، وأذل لهم الأعداء، لما قاموا من ذلك بما قاموا به؟! وليعتبر بسيرة من والى النصارى؛ كيف أذله الله، وكبته؟!.3


استغناء المسلمين عن النصارى وأمثالهم

: وليس المسلمون محتاجين إليهم -ولله الحمد- فقد كتب خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- يقول له: إن بالشام كاتباً نصرانياً، لا يقوم خراجُ الشام إلا به. فكتب إليه: لا تستعمله! فكتب: إنه لا غناءَ بنا عنه. فكتب إليه، لا تستعمله! فكتب إليه: إذا لم نولِّه ضاع المالُ. فكتب إليه عمر رضي الله عنه: مات النصرانيُّ، والسلام.1
وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن مشركاً لحقه ليقاتل معه، فقال له: "إني لا أستعين بمشرك".2
وكما أن الجندَ المجاهدين إنما تصلح، إذا كانوا مسلمين مؤمنين، وفي المسلمين كفايةٌ، في جميع مصالحهم -ولله الحمد.3
ودخل أبو موسى الأشعري على عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- فعرض عليه حساب العراق, فأعجبه ذلك.
وقال: ادْع كاتبك يقرأه عليَّ.
فقال: إنه


لا يدخل المسجد, قال: ولم؟ قال: لأنه نصراني! فضربه عمر -رضي الله عنه- بالدواة1, فلو أصابته لأوجعته, ثم قال: لا تعزّوهم بعد أن أذلهم الله2, ولا تأمنُوهم بعد أن خوَّنهم الله3, ولا تُصدّقوهم بعد أن أكذبهم4الله5(6).


والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قلوبهم واحدة، متواليةٌ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين، معاديةٌ لأعداء الله ورسوله وأعداء الدين. وقلوبهم الصادقة، وأدعيتهم الصالحة، هي العسكر الذي لا يُغلب، والجند الذي لا يُخذل، فإنهم هم الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.1
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ


قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران - آية 118 - 120]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة 51 - 56]. وهذه الآيات العزيزة فيها عبرة لأولي الألباب.
فإن الله تعالى أنزلها بسبب أنه كان بالمدينة النبوية من أهل الذمة من كان له عز وسَعة1على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أقوام من المسلمين عندهم ضعف يقين وإيمان، وفيهم منافقون


يُظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، مثل عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وأمثاله، وكانوا يخافون أن تكون للكفار دولةٌ، فكانوا يوالونهم، ويباطنونهم ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي نفاقٌ وضعف إيمان، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، أي في معاونتهم.
﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾، فقال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ﴾، أي هؤلاء المنافقين1الذين يوالون أهل الذمة ﴿عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ﴾.
فقد عرف أهل الخبرة أن أهل الذمة من اليهود والنصارى، والمنافقين يكاتبون أهل دينهم بأخبار المسلمين، وبما يطلعون على ذلك من أسرارهم حتى أُخذ جماعة من المسلمين في بلاد التتر، وسيس2وغير ذلك بمطالعة أهل الذمة لأهل دينهم.
ومن الأبيات المشهورة قول بعضهم: كل العداوات قد ترجى مودتها... إلا عداوة من عاداك في الدين3


ولهذا وغيره مُنعوا أن يكونوا على ولاية المسلمين, أو على مصلحة من يقويهم, أو يفضل عليهم في الخبرة والأمانة من المسلمين, بل استعمال من هو دونهم في الكفاية أنفعُ للمسلمين في دينهم ودنياهم.1
ولقيلٌ من الحلال يُبارَك فيه, والحرامُ الكثير يذهب, ويمحقه الله تعالى، والله أعلم.2


و

الشروط العُمرية1التي كانوا ملتزمين بها:

1- أن لا يتخذوا من مدائن الإسلام ديراً ولا كنيسة ولا قُليّة2ولا صومعة لراهب, ولا يجددوا ما خرب منها.
2- ولا يمنعوا كنائسهم التي عاهدوا عليها أن ينزلها المسلمون ثلاثة أيام، يُطعموهم, ويؤووهم.


3- ولا يظهروا شِركاً ولا ريبة لأهل الإسلام.
4- ولا يعلوا على المسلمين في البنيان.
5- ولا يعلموا أولادهم القرآن.
6- ولا يركبوا الخيل ولا البغال, بل يركبوا الحمير باللُكف1عرضاً من غير زينة لها ولا قيمة. ويركبوا وأفخاذهم مثنية. 7- ولا يظهروا على عورات المسلمين. 8- ويتجنبوا أوساط الطرق؛ توسعة للمسلمين. 9- ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية. 10- وأن يجذّوا مقادم رؤوسهم. 11- وأن يلزموا زيَّهم حيث ما كانوا.2
12- ولا يستخدموا مسلماً في الحمام, ولا في أعمالهم الباقية.
13- ولا يتسموا بأسماء المسلمين, ولا يتكنوا بكناهم, ولا يتلقبوا بألقابهم.
14- ولا يركبون3سفينة نوتيها مسلمٌ.


15- ولا يشترون رقيقاً مما سباه مسلم.
16- ولا يشترون شيئاً مما خرجت عليه سهام المسلمين.
17- ولا يبيعون الخمور.
18- ومن زنى منهم بمسلمة قُتل.
19- ولا يلبسون عمامة صافية, بل يلبس النصراني العمامة الزرقاء عشرة أذرع, من غير زينة لها ولا قيمة.
20- ولا يشتركون مع المسلمين في تجارة, ولا بيع, ولا شراء.
21- ولا يخدمون الملوك, ولا الأمراء فيما يُجري أميرهم على المسلمين من كتابة, أو أمانة, أو وكالة, أو غير ذلك.1


وهذه الشروط التي وردت فيها الأحاديث النبوية شرّفها الله وأعزها. قال صلى الله عليه وسلم: "اليهود والنصارى خونة لا أعان الله من ألبسهم ثوب عز".1
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم, ولا من خذلهم, حتى تقوم الساعة". وكل من عرف سير الناس وملوكهم, رأى من كان أنصرَ لدين الله, وأعظم جهاداً لدين الله, ولأعدائه, وأقوم بطاعة الله ورسوله, أعظم نصرة وطاعة وحرمة, من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فمن خرج عن شرط من هذه الشروط فقد حل للمسلمين منهم ما حل بأهل المعاندة والشقاق.2
ويتقدم حاكم المسلمين يطلب من يكون من أكابر النصارى، ويُلزمهم بهذه الشروط العُمرية, أعز الله أنصارها بمحمد وآله.
تمت المسألة وجوابها والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, صلاة دائمة إلى يوم الدين, آمين.


  • من فتاوى شيخ الإسلام النواوي رحمه الله ورضي عنه [ت 676 هـ] مسألة: رجل يهودي أو نصراني وُلِّي صيرفيًّا في بيت مال المسلمين لميزان الدراهم المعوضة، والمصروفة، وينقدها، ويُعتمد في ذلك على قوله.
    هل يحلُّ توليته أم لا؟ وهل يُثاب وليّ الأمر على عزله واستبدال مسلم ثقة بدله؟ وهل يُثاب المساعد على عزله؟ فأجاب -رضي الله عنه- وعنّا والمسلمين: لا يحلُّ تولية اليهودي ولا النصراني لذلك، ولا يجوز إبقاؤه فيه ولا يحلُّ اعتماد قوله في شيء من ذلك.
    ويُثاب ولي الأمر -وفقه الله- على عزله واستبدال مسلم ثقة بدله.
    ويُثاب المساعد في عزله.
    قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ الآيات.
    قال: ومعنى1لا تتخذوا من يداخل بواطن أموركم [من دونكم] أي من غيركم: وهم الكفار ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: لا يقصرون فيما يقدرون على إيقاعه من الفساد، والأذى، والضرر.
    ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي يقولون نحن أعداؤكم.
    والله أعلم.

فتوى أخرى من فتاوى قاضي القضاة شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني الشافعي -رحمه الله ورضي عنه-[ت 805هـ]. مسألة: مسلم قال لذمّي في عيد من أعيادهم، عيد مبارك! هل يكفر، أم لا؟ وهل اليهود والنصارى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أم لا؟ أجاب رضي الله عنه: إن قال المسلم للذمي ذلك على قصد تعظيم دينهم وعيدهم حقيقة فإنه يكفر.
وإن لم يقصد ذلك وإنما جرى على لسانه، فلا يكفر بما قال من غير قصد.
وأما الأمة فإنها تطلق على التابعة للنبي صلى الله عليه سلم، وتطلق على من بُعث إليهم.
واليهود والنصارى وغيرهم وسائر المشركين والخلق كافة بُعث إليهم والأول هو الأشهر، ولا يكون اليهود والنصارى بالإطلاق الأول من الأمة؛ لعدم اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم.
ويكون من الأمة التي بعث إليهم، فإن بعثته صلى الله عليه وسلم تشمل اليهود والنصارى وغيرهم.


ملحق بذكر نص الفتوى التي ذكرها ابن القيم في كتابه "أحكام أهل الذمة"

لشيخه1شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أوردها كاملة لعلاقتها المباشرة بالموضوع.
قال ابن القيم -رحمه الله- في "أحكام أهل الذمة" 2/677-686: وورد على شيخنا استفتاء في أمر الكنائس صورته: ما يقول السادة العلماء -وفقهم الله- في إقليم توافق أهل الفتوى في هذا الزمان على أن المسلمين فتحوه عنوة من غير صلح ولا أمان، فهل ملك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟ وهل يكون الملك شاملاً لما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيع والكنائس والقلايات والديورة ونحو ذلك، أو يختص الملك بما عدا متعبَّدات أهل الشرك؟ فإن ملَكَ جميع ما فيه فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك من النصارى واليهود -بذلك الإقليم أو غيره- الذمة على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البيع والكنائس والديورة ونحوها متعبداً لهم، وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنة في مقابلة ذلك بمفرده، أو مع غيره أم لا؟ فإن لم يجز -لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه- فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكم الغنيمة يتصرف فيه الإمام تصرفه في الغنائم أم لا؟ وإن جاز للإمام أن يعقد الذمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها فهل يملك من عقدت له الذمة بهذا العقد رقاب البيع والكنائس والديورة ونحوها، ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذا العقد أم لا، لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع؟ وإذا لم يملكوا ذلك وبقوا على الانتفاع بذلك، وانتقض عهدهم بسبب يقتضي انتقاضه* إما بموت من وقع عقد الذمة معه ولم يعقبوا، أو أعقبوا، فإن قلنا: إن أولادهم يستأنف معهم عقد الذمة -كما نص عليه الشافعي فيما حكاه


ابن الصباغ، وصححه العراقيون، واختاره ابن أبي عصرون في "المرشد"- فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة إلا بشرط ألا تدخلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال التي جهل مستحقوها وأيس من معرفتها، أم لا يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد الذمة، بل يجب عليه إدخالها في عقد الذمة؟ فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس والديورة التي تحقق أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين، ولا يجب عليه ذلك عند التردد في أن ذلك كان موجوداً عند الفتح، أو حدث بعد الفتح، أو يجب عليه مطلقاً فيما تحقق أنه كان موجوداً قبل الفتح أو شك فيه؟ وإذا لم يجب في حالة الشك، فهل يكون ما وقع الشك في أنه كان قبل الفتح، وجهل الحال فيمن أحدثه لمن هو؟ لبيت المال أم لا؟ وإذا قلنا: إن من بلغ من أولاد من عقدت معهم الذمة -وإن سلفوا- ومن غيرهم لا يحتاجون أن تعقد لهم الذمة، بل يجري عليهم حكم من سلف إذا تحقق أنه من أولادهم، يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم أنفسهم، أم يحتاج إلى تجديد عقد وذمة؟ وإذا قلنا: إنهم يحتاجون إلى تجديد عقد عند البلوغ، فهل تحتاج [كنائسهم] وبيعهم إليه أم لا؟ فأجاب: "الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكعامة أرض الشام، وبعض مدنها، وكسواد العراق -إلا مواضع قليلة فتحت صلحاً- وكأرض مصر، فإن هذه الأقاليم فتحت عنوة على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد روي في أرض مصر أنها فتحت صلحاً، وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين صحيح -على ما ذكره العلماء المتأهلون للروايات الصحيحة في هذا الباب- فإنها فتحت أولا صلحاً، ثم نقض أهلها العهد، فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستمده، فأمده بجيش كثير فيهم الزبير بن العوام، ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوة.


ولهذا روي من وجوه كثيرة أن الزبير سأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- أن يقسمها بين الجيش كما سأله بلال قسم الشام، فشاور الصحابة في ذلك فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئاً للمسلمين ينتفع بفائدتها أول المسلمين وآخرهم.
ثم وافق عمرَ على ذلك بعض من كان خالفه، ومات بعضهم، فاستقر الأمر على ذلك: فما فتحه المسلمون عنوة، فقد ملكهم الله إياه كما ملكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقار.
ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد؛ وليس لمعابد الكفار خاصة خروجها عن ملك المسلمين: فإن ما يقال من الأقوال، ويفعل فيها من العبادات، إما أن يكون مبدلاً أو محدثاً لم يشرعه الله قط، أو يكون الله قد نهى عنه بعد ما شرعه.
[و] قد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله الله، وتكون كلمة الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ولهذا لما استولى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم، كبني قينقاع والنضير وقريظة، كانت معابدهم مما استولى عليه المسلمون، ودخلت في قوله سبحانه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾، ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، لكن -وإن ملك المسلمون ذلك- فحكم الملك متبوع كما يختلف حكم الملك في المكاتب والمدير وأم الولد والعبد، وكما يختلف في المقاتلين الذين يؤسرون، وفي النساء والصبيان الذين يُسْبَون، كذلك


يختلف حكمه في المملوك نفسه والعقار والأرض والمنقول.
وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم لها أحكام مختصة بها لا تقاس بسائر الأموال المشتركة.
ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر أقر أهلها ذمة للمسلمين في مساكنهم، وكانت المزارع صلحاً للمسلمين عاملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط ما يخرج منها من تمر أو زرع، ثم أجلاهم عمر -رضي الله عنه- في خلافته، واسترجع المسلمون ما كانوا أقروهم فيه من المساكن والمعابد.
فصل وإما أنه هل يجوز للإمام عقد الذمة مع إبقاء المعابد بأيديهم؟ فهذا فيه خلاف معروف في مذاهب الأئمة الأربعة، منهم من يقول: لا يجوز تركها لهم، لأنه إخراج ملك المسلمين عنها، وإقرار الكفر بلا عهد قديم؛ ومنهم من يقول بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك كما أقر النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر فيها، وكما أقر الخلفاء الراشدون الكفار على المساكن والمعابد التي كانت بأيديهم.
فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار، منهم من يوجب إبقاءه، كمالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية، ومنهم من يخير الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة، وهذا قول الأكثرين، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وعليه دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قسم نصف خيبر وترك نصفها لمصالح المسلمين.
ومن قال: "يجوز إقرارها بأيديهم"، فقوله أوجه وأظهر؛ فإنهم لا يملكون بهذا الإقرار رقاب المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنهم لا يملكون ما ترك لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيبر ما أقرهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المساكن والمعابد.
ومجرد إقرارهم ينتفعون بها ليس تمليكاً، كما لو أُقطع المسلم بعض عقار بيت


المال ينتفع بغلّته أو سُلم إليه مسجد أو رباط ينتفع به لم يكن ذلك تمليكًا له، بل ما أقروا فيه من كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعها منهم إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما انتزعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم فيها، وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس العنوة التي خارج دمشق، فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد، وأقر ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ومن معه في عصره من أهل العلم: فإن المسلمين لما أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى جانبه1، وكانت من كنائس الصلح لم يكن لهم أخذها قهراً، فاصطلحوا على المعاوضة بإقرار كنائس العنوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عوضاً عن كنيسة الصلح التي لم يكن لهم أخذها عنوة.
فصل ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلاً عن كنائس العنوة، كما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لقريظة والنضير لما نقضوا العهد، فإن ناقض العهد أسوأ حالاً من المحارب الأصلي، كما أن ناقض الإيمان بالردة أسوأ حالاً من الكافر الأصلي.
ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار، ولم يبق من دخل في عهدهم، فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها


فيئاً، فإذا عقدت الذمة لغيرهم كان كالعهد المبتدإ، وكان لمن يعقد لهم الذمة أن يقرهم في المعابد، وله ألا يقرهم بمنزلة ما فتح ابتداءً، فإنه لو أراد الإمام عند فتحه هدم ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدمه وإنما اختلفوا في جواز بقائه.
وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئاً للمسلمين.
أما على قول الجمهور الذين لا يوجبون قسم العقار فظاهر؛ وأما على قول من يوجب قسمه؛ فلأن عين المستحق غير معروف كسائر الأموال التي لا يعرف لها مالك.
وأما تقدير وجوب إبقائها فهذا تقدير لا حقيقة له: فإن إيجاب إعطائهم معابد العنوة لا وجه له، ولا أعلم به قائلاً، فلا يفرّع عليه، وإنما الخلاف في الجواز.
نعم قد يقال في الأبناء، إذا لم نقل بدخولهم في عهد آبائهم لأن لهم شبهة الأمان والعهد، بخلاف الناقضين، فلو وجب لم يجب إلا ما تحقق أنه كان له، فإن صاحب الحق لا يجب أن يعطى إلا ما عرف أنه حقه؛ وما وقع الشك فيه -على هذا التقدير- فهو لبيت المال، وأما الموجودون الآن، إذا لم يصدر منهم نقض عهد فهم على الذمة: فإن الصبي يتبع أباه في الذمة، وأهل داره من أهل الذمة، كما يتبع في الإسلام أباه وأهل داره من المسلمين؛ لأن الصبي لما لم يكن مستقلاًّ بنفسه جُعل تابعاً لغيره.
في الإيمان والأمان.
وعلى هذا جرت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه والمسلمين في إقرارهم صبيان أهل الكتاب بالعهد القديم من غير تجديد عقد آخر.
وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديماً قبل فتح المسلمين، أما ما أحدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته، ولا يمكّنون من إحداث البيع والكنائس كما شرط عليهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في الشروط المشهورة عنه: ألا يجدّدوا في مدائن الإسلام، ولا فيما حولها، كنيسة ولا صومعة ولا ديراً ولا قلاية، امتثالاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكون قبلتان ببلد واحد".
رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، ولما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "لا كنيسة في الإسلام".


وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى: فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها بصنعاء وغيرها.
وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: "من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار، القديمة والحديثة".
وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد1، وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب "بشروط عمر" استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع، فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق2، وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين: فمما ذكره ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "أيما مصر مصرته العرب -يعني المسلمين- فليس للعجم أن يبنوا فيه كنيسة، ولا يضربوا فيه ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً.
وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فإن للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم".


۞
فهرس العناوين · 146 صفحة
جارٍ التحميل