لا إله إلا الله وترك بعض حقوقها لطال الكلام جداً فكيف بمن ترك الإسلام كله؟ وكذب واستهزأ على عمد ألا إنهم يقولون لا إله إلا الله كهؤلاء البوادي، وفما ذكرناه كفاية لمن طلب الإنصاف، فقد ذكرنا الأدلة من كلام الله وكلام رسوله وإجماع الصحابة وإجماع أهل العلم بعدهم فإن كان هذا الذي ذكرنا له معنى آخر ما فهمناه بينوه لنا من كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء، ورحم الله امرأً نظر لنفسه وعرف أنه ملاق الله الذي عنده الجنة والنار.
وأما المسألة الثالثة وهي مسألة البناء على القبور فنقول ثبت في الصحيح والسنن عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن البناء وأمر بهدمه كما رواه مسلم في صحيحه، حيث قال: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع بن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي ليلى عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن ابن الزبير عن جابر –رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه، وقال أيضاً حدثنا هارون الأيلي قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا عمر بن الحارث أن ثمامة بن شفي حدثه قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره يسوى ثم قال سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يأمر بتسويتها، وقال الترمذي باب ما جاء في تسوية القبور، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل أن علياً –رضي الله عنه- قال لأبي الهياج الأسدي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن لا تدع
تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته قال وفي الباب عن جابر، وقال ابن ماجه: باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها، حدثنا أزهر بن مروان قال: حدثنا عبد الرزاق عن أيوب، عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن تجصيص القبور، حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر، قال: نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن يكتب على القبر شيء، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا وهب، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن القاسم بان مخيمرة عن أبي سعيد عن النبي –صلى الله عليه وسلم- نهى أن يبنى على القبر.
قال النووي –رحمه الله- في شرح مسلم قال الشافعي في الأم رأيت الأئمة في مكة يأمرون بهدم ما يبنى، ويؤيد الهدم قوله ولا قبراً مشرفاً إلا سويته، وقال الأذرعي –رحمه الله تعالى- في قوت المحتاج ثبت في صحيح مسلم النهي عن التجصيص والبناء، وفي الترمذي وغيره النهي عن الكتابة، قال القاضي: ولا يجوز أن يبنى عليها قباب ولا غيرها، والوصية عليها باطلة، قاله الأذرعي، ولا يبعد الجزم بالتحريم في ملكه وغيره من غير حاجة على من علم النهي بل هو القياس الحق؛ والوجه في البناء على القبور المباهاة ومضاهاة الجبابرة والكفار، والتحريم يثبت بدون ذلك، وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة وإنفاق الأموال الكثيرة عليه فلا ريب في تحريمه، والعجب كل العجب! ممن يلزم بذلك الورثة من حكام العصر ويعمل الوصية بذلك.
انتهى كلام الأذرعي –رحمه الله-، ومن جمع بين سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما أنتم عليه من فعلكم مع قبر أبي طالب والمحجوب وغيرهما، وجد أحدهما مضاداً للآخر مناقضاً له لا يجتمعان أبداً، فنهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن
البناء على القبور كما تقدم ذكره، وانتم تبنون عليها القباب العظيمة والذي رأيته في المعلاة أكثر من عشرين قبة، ونهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن يزاد عليها غير ترابها، وأنتم تزيدون عليها غير التراب التابوت الذي عليه لباس الجوخ وما فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص، وقد روى أبو داود من حديث جابر أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه، أو يزاد عليه، ونهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الكتابة عليها كما تقدم من صحيح مسلم، وقال أبو عيسى الترمذي، باب ما جاء في التجصيص والكتابة عليها، حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، أخبرنا محمد بن ربيعة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها، وإن توطأ.
هذا حديث حسن صحيح، وهذه القبور عندكم مكتوب عليها القرآن والأشعار، وقال أبو داود: باب البناء على القبر، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج قال: حدثني أبو الزبير أنه سمع جابراً يقول: سمعت النبي –صلى الله عليه وسلم- "نهى أن يقعد على القبر وأن يجصص وأن يبنى عليه".
انتهى، ولعن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من أسرجها، والذي رأيته ليلة دخولنا مكة شرفها الله تعالى في المقبرة أكثر من مائة قنديل، هذا مع علمكم أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لعن فاعله، فقد روى ابن عباس عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "لعن الله زورات القبور والمتخذين عليها السرج" رواه أهل السنن، وأعظم من هذا كله وأشد تحريماً الشرك الذي يفعل عندها هو ودعوة القبور وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، لكن تقولون لنا أن هذا لا يفعل عندها وليس عندنا أحد يدعوها ويسألها، ونقول اللهم اجعل ما ذكروا حقاً وصدقاً نسأل الله أن يطهر حرمه من الشرك.
ولا ريب أن دعاء الموتى وسؤالهم جلب الفوائد وكشف الشدائد أنه من الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين كما تقدم بيانه في المسألة الأولى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ إلى آخره، وقد روى الترمذي عن أنس أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "الدعاء مخ العبادة" وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ رواه أحمد وأبو داود والترمذي، قال العلقمي في شرح الجامع الصغير حديث الدعاء مخ العبادة قال شيخنا في النهاية مخ الشيء خالصه وإنما كان مخها لأمرين أحدهما: أنه امتثالاً لأمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو محض العبادة، وخالصها، والثاني: إذا رأى نجاح الأمور من الله تعالى قطع عمله عما سواه ودعاه لحاجته وحده، وهذا هو أصل العبادة ولأن الغرض من الثواب عليها وهذا هو المطلوب من الدعاء، وقوله "الدعاء هو العبادة" قال شيخنا قال الطيالسي أتى بالخبر المعرف باللام ليدل على الحصر وأن العبادة ليست غير الدعاء، وقال شيخنا قال البيضاوي: لما حكم أن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة من حيث إن فاعلها مقبل على الله معرض عمن سواه ولا يرجو ولا يخاف إلا منه واستدل عليه بالآية يعني قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فإنها تدل على مأمور به إذا أتى
به المكلف قبل منه لا محالة وترتب منه المقصود ترتب الجزاء على الشرط والسبب على المسبب، وما كان كذلك كان أتم العبادة وأكملها.
انتهى كلام العلقمي –رحمه الله تعالى-.
وليكن هذا آخر الكلام على هذه المسائل الثلاث فإن وافقتمونا على أن هذا هو الحق فهو المطلوب وإن زعمتم أن الحق خلافه فأجيبونا بعلم بالكتاب والسنة فإنهما بين الناس فيما تنازعوا فيه كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقد ذكرنا لكم الأدلة من الكتاب والسنة وكلام الأئمة فإذا أجبتم على هذه المسائل الثلاث أجبناكم عن بقية المسائل إن شاء الله تعالى، ولنختم الكلام بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ , الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ والحمد لله أولاً وآخراً كما يحب ربنا ويرضى وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
وأما قوله: وسلط عليهم إبراهيم باشا المصري فكاد يفنيهم ويقطع دابرهم لكن لله إرادة في بقاء جرثومة من هذه الطائفة في بلاد نجد، فالجواب أن يقال: نعم قد الله المسلمين بهذه الطائفة المصرية لما لله في ذلك من الحكمة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الم , أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ , وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ , وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ , أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة وأما تسلط أعداء الله ورسوله على المسلمين فلأسباب أحدها: ما تقدم بيانه والثاني ما ذكره شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن في مقاماته فقال –رحمه الله تعالى-: وأما الدولة التركية المصرية فابتلى الله بهم المسلمين لما ردوا حاج الشامي عن الحج بسبب أمور كانوا يفعلونها في المشاعر، فطلبوا منهم أن يتركوها وأن يقيموا الصلاة جماعة، فما حصل ذلك فردهم سعود –رحمه الله تعالى تديناً فغضبت تلك الدول التركية وجرى عندهم أمور يطول عدها ولا فائدة في ذكرها فأمروا محمد علي صاحب مصر أن يسير إليهم بعسكره وبكل ما يقدر عليه من القوة والكيد، فبلغ سعوداً ذلك فأمر ابنه عبد الله أن يسير لقتالهم وأمرهم أن ينزل دون المدينة؛ فاجتمعت عساكر الحجاز على عثمان بن عبد الرحمن المضايفي وأهل بيشة وقحطان وجميع العربان فنزلوا بالجديدة.
فاختار عبد الله بن سعود القدوم عليهم والاجتماع بهم وذلك أن العسكر المصري في ينبع فاجتمع المسلمين في بلد حرب وحفروا في مضيق الوادي خندقاً وعبأوا الجموع فصار في الخندق من المسلمين أهل نجد وصار عثمان ومن معه من أهل الحجاز في الجبل فوق الخندق فحين نزل العسكر أرزت خيولهم وعلموا أنه لا طريق لها إلى المسلمين فأخذوا يضربون بالقبوس فدفع الله شر تلك القبوس الهائلة عن المسلمين أن رفعوها مرت ولا ضرت وأن خفضوها اندفنت في التراب فهذه عبرة وذلك من أعظم ما معهم من الكيد أبطله الله في الحال ثم مشوا على عثمان ومن معه في الجبل فتركهم حتى قربوا منه فرموهم بما احتسبوهم به وما أعدوه لهم حين أقبلوا عليهم؛ فما أخطأ لهم بندق.؟ فقتلوا العسكر قتلاً ذريعاً؛ وهذه أيضاً من العبر لأن العسكر الذين جاءهم أكثر منهم بأضعاف؛ ومع كل واحد من الفرود
والمزندات فما أصابوا رجلاً من المسلمين؛ وصار القتل فهم.
وهذه أيضاً عبرة عظيمة؛ هذا كله وأنا شاهده، ثم مالوا إلى الجانب الأيمن من الجبال بجميع عسكرهم من الرجال وأما الخيل فليس لها فيه مجال فانهزم كل من من كان على الجبل من أهل بيشة قحطان وسائر العربان أيضاً عبرة عظيمة؛ هذا كله وأنا شاهده، ثم مالوا إلى الجانب الأيمن من الجبال بجميع عسكرهم من الرجال وأما الخيل فليس لها فيه مجال فانهزم كل من من كان على الجبل من أهل بيشة قحطان وسائر العربان إلا ما كان من حرب فلم يحضروا فاشتد على المسلمين لما صاروا في أعلى الجبل فصاروا يرمون المسلمين من فوقهم فحمي الوطيس آخر ذلك اليوم ثم من غد فاستنصر أهل الإسلام ربهم الناصر لمن ينصره، فما قرب الزوال من اليوم الثاني، نظرت فإذا برجلين قد أتيا فصعدا طرف ذلك الجبل فما سمعنا لهم بندقاً ثارت إلا أن الله كسر ذلك البيرق ونحن ننظر فتتابعت الهزيمة على جميع العسكر فولوا مدبرين وجنبوا الخيل والمطرح وقصدوا طريقهم الذي جاءوا معه، فتبعهم المسلمون يقتلون ويسلبون هذا، ونحن ننظر إلى تلك الخيول قد حارت وخارت، وظهر عليهم عسكر من الفرسان من جانب الخندق ومعهم بعض الرجال فولت تلك الخيو مدبرة، وتبعتهم خيول المسلمين في أثرهم وليس معهم زاد ولا مزاد، فانظر إلى هذا النصر العظيم من الإله الحق رب العباد لأن الله هزم تلك العساكر العظيمة برجلين، فهذه ثلاث عبر ولكن أين من يعتبر؟ فأخذوا بعد ذلك مدة من السنين، ثم بعد ذلك سار طوسون كبير ذلك العسكر الذي هزمه الله فقصد المدينة فوراً، وأمر سعود علي عبد الله ومن معه من المسلمين أن ينهضوا لقتالهم فوجدوهم قد هجموا على المدينة ودخلوها وأخرجوا من كان بها من أهل نجد وعسير، فجمع المسلمون تلك السنة فأقبل ذلك العسكر ونزل رابغ، ونزل المسلمون وادي فاطمة، فحان لهم شريف مكة وضمهم إليه، وجاءوا مع الخبث على غفلة من المسلمين، فعلم المسلمون أنه لا مقام لهم مع ما جرى من الخيانة
فرجعوا إلى أوطانهم فخاف عثمان وهو بالطائف أن يكون الحرب منهم ومن الشريف عليه، لما يعلم من شدة عداوتهم، فخرج بأهله وترك لهم الطائف فخافه أن يجتمعوا على حربه وليس معه إلا القليل من عشيرته ولا يأمن أهل الطائف أيضاًَ فنزل المسلمون بتربة بعد ذلك نحواً من شهر ثم رجعوا حين أكلوا ما معهم من الزاد فجرى بعد ذلك وقعات بينهم وبين المسلمين لا فائدةفي الإطالة بذكرها والمقصود من استيلائهم على المدينة ومكة والطائف كان بأسباب قدرها الملك الغلاب: فيريك عزته ويبدي لطفه... والعبد في الغفلات عن ذا الشأن وفيها من العبرات أن الله أبطل كيد العدو وحمى الحوزة، وعافى المسلمين من شرهم وصار المسلمون يغزونهم فيما قرب من المدينة ومكة في نحو من ثلاث سنين أو أربع فتوفى الله سعود –رحمه الله- وهم غزاه على من كان معيناً لهذا العسكر من البوادي، فأخذوا وغنموا فبقي لهم من الولاية ما كانوا عليه أولاً إلا ما كان من مكة والطائف وبعض الحجاز، وبعد وفاة سعود تجهزوا للجهاد على اختلاف كان من أولئك الأولاد، فصار المسلمين جانبين جانباً مع عبد الله وجانباً مع فيصل وأخيه، فنزل الحناكية عبد الله ونزل فيصل تربة باختيار وأمر من أخيه له فوافق أن محمد علي حج تلك السنة فواجه فيصل هناك، فطلب منه يصالحه على الحرمين فأبى وغلظ له الجواب وفيما قال: لا أصلح الله منا من يصالحكم... حتى يصالح ذئب المعز راعيها فأخذت محمد علي العزة والأنفة فسار إلى بسل، الظاهر أنه كان حريصاً على الصلح فاستعجل فيصل بمن معه فساروا إليه في بسل وقد استعد لحربهم خوفاً مما جرى منهم فأقبلوا وهم في منازله، فسار عليهم العساكر والخيول
فولوا مدبرين لكن الله أعز المسلمين فحبس عنهم تلك الدول والخيول حتى وقفوا على التلول فسلم أكثر المسلمين من شرهم واستشهد منهم القليل، ولا بد في القتال من أن ينال المسلم أو ينال منه، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآيات، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ الآيات، وقد قال هرقل لأبي سفيان: فما الحرب بينكم وبيه؛ قال سجال ينال منا وننال منه، فهذه سنة الله في العباد وزيادة للمؤمنين في الثواب، وتغليظ على الكافرين في العقاب، وأما عبد الله فرجع بمن معه لم يلق كيداً دون المدينة، فتفكر في حماية الله لهذه الطائفة مع كثيرة من عاداهم وناوأهم ومع كثرة من أعان عليهم ممن ارتاب في هذا الدين وكرهه وقبل الباطل وأحبه، فما أكثر هؤلاء! لكن الله قهرهم بالإسلام، ففي هذا المقام عبرة، وهو أن الله أعزهم وحفظهم من شر من عاداهم، فلله الحمد والمنة، وبعد ذلك رجع محمد علي إلى مصر، وبعث الشريف غالب إلى اسطنبول وأمر ابنه طوسون أن ينزل الحناكية دون المدينة، وأمر العطاس أن يسعى بالصلح بينهم وبين عبد الله بن سعود ويركب له من مكة وأراد الله أن أهل الرس يخافون لأنهم صاروا في طرف العسكر واستلحقوا لهم نفراً قليلاً من المغاربة، وطوسون على الحناكية، وصار في أولاد سعود نوع من العجلة في الأمور، فأمروا على الرعايا بالمسير إلى الرس فنزلوا الرويضة فتحصنوا بمن عندهم، فأوجبت تلك العجلة أن استفزعوا أهل الرس أهل الحناكية، فلما جاء الخبر بإقبالهم نصرة لأهل الرس ارتحل المسلمون يلتمسون من أعانهم من حرب ما بينهم وبين المدينة فصادفوا خزانة العسكر فقتلوهم وأخذوا ما معهم، فهذا مما يسره الله لهم من النصر من غير قصد ولا دراية، فرجع المسلمون إلى عنيزة والعسكر نزلا الشبيبة
قريباً منهم، ويسر الله للمسلمين سبباً آخر وذلك من توفيق الله ونصره وجهزوا جيشاً فأغاروا على جانب العسكر فخرجوا عليهم فهزمهم الله وقتل المسلمون فيهم قتلاً كثيراً، فألقى الله الرعب في قلوبهم على كثرة من أعانهم وقوة أسبابهم، وذلك من نصر الله لهذا الدين فرجعوا إلى الرس فتبعهم المسلمون ونزلوا الحجناوي خوفاً من هجوم المسلمين عليهم فقدم العطاس على الأمر الذي عمده عليه محمد علي فوجد الحال قد تغير قصدهم ابتداء فمنعوه مما جاء له ثم أنهم سعوا في الصلح والمسلمoأخذوأخأخاون على الحجناوي، وكل من يجري بين الخيل طراد فمل بعض المسلمين من الإقامة فلم يبق منهم إلا شرذمة قليلة، فجاء منهم أناس يطلبون الصلح فأصلحهم عبد الله –رحمه الله تعالى- وطلبوا منه أن يبعث معهم رجلاً من أهل بيته خوفاً أن يعرض لهم أحد من المسلمين في طريقهم، فمشى معهم محمد بن حسين بن مشاري إلى المدينة والقصود أن الله سبحانه أذلهم وألقى الرعب في قلوبهم وحفظ المسلمين من شرهم بل غنمهم مما بأيديهم من حيث بذلهم المال في شراء الهجن، فاشتروا من المسلمين الذلول بضعفي ثمنها، وهذا كله مما يفيد صحة هذا الدين وأنه الذي يحبه الله ويرضاه وهو الذي يسر أسباب نصر من تمسك به وخذلان من ناوأهم وعاداهم في هذا الدين، فتفكر يا من له قلب، ولولا ما صار في أهل هذا الدين من مخالفة المشروع في بعض الأحوال لصار النصر أعظم مما جرى لكن الله تعالى عفى عن الكثير وحمى دينه عمن أراد إطفاءه، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى؟؟؟؟ في بييته وفوق ما يثني عليه خلقه، فتدبر هذه الوقائع وما فيها من ولاذ بل منهم شيئاً والدلالات الظاهرة على صدق هذه الدعوة إلى التوحيد؟؟؟ باشا حسين بك الذي والتجريد وإنكار الشرك والتنديد والاهتمام بإقامة حقوق هم محمد علي قبل هذا
الله تعالى ورسوله والنهي عما حرمه الله ورسوله من الشرك والبدع والفساد الذي وقع في آخر هذه الأمة لكن خفي على أهل الشقاق والعناد، فلو ساعد القدر وتم هذا الصلح لكان الحال غير الحال لكن ما أراده الله تعالى وقع على كل حال، لكن جرى من عبد الله بن سعود –رحمه الله تعالى- ما أوجب نقض ذلك الصلح، وهو أنه بعث عبد الله بن كثير لغامد وزهران بخطوط مضمونها أن يكونوا في طرفه وفي أمره فبعثوا بها إلى محمد علي فلم يرض بذلك وقال إنهم من جملة ما وقع عليهم الصلح، فهذا هو سبب النقض وأنشأ عسكراً إبراهيم باشا ونزل الحناكية ودار الرأي عند عبد الله بن سعود وأهل الرأي يقولون اضبط ديرتك واحتسب بالرهبة كذلك كذلك أهل البلدان واتركوه على هيئته، فإن مشى تبين لكم الرأي وربما أن الله يوفقكم لرأي يصير سبب كسره، وجاء حباب وغصاب يريدان أن يخلوا بعبد الله في السفر وملازمته في مجلسه ومأكله ومشربه ونومه ويقظته فأدركاه على الخروج بالمسلمين والعربان فوصلوا المادية وفيها عسكر فضربوهم بالريز في المدفع ووقع هزيمة وقى الله شرها وغدا فيها قليل من المسلمين وبعدها جسر إبراهيم باشا على القدوم فنزل القصيم وحربهم قدر شهرين وأيدهم الله بالنصر لما كانوا مستقيمين صابرين، وعزم على الرجوع عنهم لكن قوى عزمه فيصل الدويش وطعمه وخوفه وبعد هذا صالحوه أهل الرس وعبد الله بمن معه على غيره، وأقفى لبلده وأشار عليه مبارك؟ أنه يجئ بثلاثة آلاف من الإبل عند ابن جلهم ويجعل عليها الأشدة إن استفزعوا أمر ما كان له ولا يخلي في الدرعية له طارفة ويصعد مع عربان الرس ارتحل المسلم من كان مروة من بدوي أو حضري راح معه كذلك فصادفوا خزنة العسكر القدر لم يظفر به عدوه وتبرأ منهم من أعانهم بالرحل من النصر من غير قصد
مطير وغيرهم والله فيما جرى حكمة فقد ظهر بعضها لمن تدبر وتفكر، وهذا الرأي أسلم له، والذي يريد القعود ويكون ظهره على السعة ويذكر له أنك يا عبد الله إذا صرت كذلك صار لك في العسكر مكائد منها قطع سائلة ما بينه وبين المدينة، وهذا رأي سديد ولكن لم يريد الله قبوله لأن الأقدار غالبة، ولو قدر هذا لكان، فنزل الدرعية وأخذ قدر ثمانية أشهر متحصنين عنه وهو يضربهم بالقنابر والقبوس فوقى الله شره وأراد الله بعد ذلك أنه يرحمهم مع أماكن خالية ما فيها أحد؛ لأن البلد مطاول وليس فيها سور ينفع، والمقاتلة قليلة وانتهى الأمر إلى الصلح فأعطاهم العهد والميثاق على ما في البلد من رجل أو مال حتى الثمرة على النخل لكن لم يف لهم بما صالحهم عليه لكن الله تعالى وقى شره عن أناس معهم عليهم حنانة بسبب أناس من أهل نجد يكثرون فيهم عنده فكف الله يده ويد العسكر، وغدروا بسليمان بن عبد الله وآل سويلم وابن كثير عبد الله بسبب البغدادي الخبيث حداه عليهم فاختار الله لهم، وبعد هذا شتت أهل البلد عنها وقطع النخيل وهدم المساكن إلا القليل وانتقل للرجوع بعسكره وروح من روح لمصر بعد روحة عبد الله بن سعود –رحمه الله- تبعه عياله وإخوانه وكبار آل شيخ وبعد ذلك حج فسلط الله على عسكره الفناءء ولا وصل مصر إلا بالقليل، فلما وصل مصر حل بهم عقوبات أهل الإسلام، فمشى على السودان ولا أظفره الله فرجع مريضاً ثم إن محمد علي بعث ابنه إسماعيل وتمكن منهم بصلح فلما رأوا منه الخيانة بأخذ عبيد وجوار أحرقوه بالنار في بيته ومن معه من العسكر، ثم بعده روح لهم دفتردار ولاذ بل منهم شيئاً وأما عساكر الحجاز التي وصلت مصر قبل إبراهيم باشا حسين بك الذي صار في مكة وعابدين بك الذي صار في اليمن فسيرهم محمد علي قبل هذا
لحرب لموره وجريد لما خرجوا على السلطان فاستمده السلطان على حربهم فأمده بهذين العسكرين فهلكوا عن آخرهم ولم يفلت منهم عين تطرف وذلك أن موره وجريد في الأصل ولاية للسلطان فخرجوا عليه فهلك من عسكر السلطان والعساكر المصرية في حربهم ما يحصي وهذه عقوبة أجراها الله عليهم بسبب ما جرى منهم على أهل الإسلام حتى الأرناؤوط في جبلهم عصوا على السلطان قبل حادثة موره وجريد وبعد هذا اشتد الأمر على السلطان وبعث يستنصر محمد علي فبعث لهم عسكراً كبيرهم قار علي فهلكوا في البحر قبل أن يصلوا، ثم إن السلطان بعث نجيب أفندي لمحمد يطلب منه أن يسير بنفسه فبعث إليه يعتذر بالمرض، وأن إبراهيم باشا يقوم مقامه وقبل ذلك بعث حسين بيه، الذي سبأ أهل نجد وقتل منهم البعض في ثرمداء وفزع للسلطان قبل روحة إبراهيم باشا بعسكره الذي كان معه في نجد وتبعه إبراهيم باشا يمده ونزلوا موره لحرب أهلها فأذلهم الله فقتلوا فيهم قتلاً عظيماً.
فأما عسكر حسين بيه فلا قدم مصر منه إلا صبي، أما إبراهيم باشا فاشترى نفسه منهم بالأمور، فانظر إلى هذه العقوبة العاجلة التي أوقعها الله على الأمر والمأمور وأكثر الناس لا يدري بهذه الأمور، فهذا الذي ذكرناه فيه عبرة عظيمة وشاهد لأهل هذا الدين أن الله لما سلط عليهم عدوهم ونال منهم ما نال صار العاقبة السلامة والعافية لمن ثبت على دينه واستقام على دين الإسلام، ثم إن الله تعالى أوقع بعدوهم ما ذكرنا وأعظم لكن ذكرنا الواقع على سبيل الاختصار لقصد الاعتبار فاعتبروا يا أولي الأبصار، ثم إن الله أجرى على من أعانهم من أهل نجد ممن شك منهم في هذا الدين وكثر الطعن على المسلمين أن الله تعالى أفناهم وهذه أيضاً من العبر لم يبق أحد ممن ظهر شره وإنكاره وعداوته للمسلمين
إلا وعوجل بالهلاك والذهاب، ولا فائدة في الإطالة بعدهم ومن سألنا أخبرناه عنهم بأعيانهم، وأما ظهور خالد وإسماعيل فإنهم لما جاء الخبر بأنهم وصلوا المدينة وخرجوا منها استشار فيصل –رحمه الله- في الغزو أو الإقامة فأشرت بأن يخرج بالمسلمين ويكون في البطينيات من الدجاني إلى ما دونه وينزل قريباً من العربان لأن أكثر رعبتهم من الدهنا ويؤلف كبارهم بالزاد ويقنل الحب من سدير والوشم وزاد الحسا والقطيف من تمر وعيش ويقرب منه كبار العربان بالزاد كذلك من معه من المسلمين ويصير له رجاجيل في القصيم عند من ثبت وينظر، فلو ساعد القدر وتم هذا الرأي لم يقدر العسكر أن يتعدي القصيم للوشم والعارض وخافوا من قطع سابلتهم ولهم لهم قدرة على حرب فيصل وهو في ذلك المكان فلو قدرنا أن يصير بعض عسكرهم يبون يقصدونه هلكوا في الدهنا والصمان إذا ماج عن وجوههم يوم أو يومين، فلو قدر أن يفعل هذا الرأي لما ظفروا به ولا وصلوا إلى بلده لأسباب معروفة لكن لما أراد الله خيانة أهل الرياض في الإمام فيصل وهم معه في الصريف قدم الرياض وخلاها لهم خوفاً منهم، فمشوا على الفزع هم والذين معهم من البادية والحاضرة وصار هلاكهم أن هجموا على الحلوة على غفلة وأخلى أهل الحلوة البلد لهم وأراد الله أن تركي الهزاني وبعض أهل الحوطة يفزعون وكسر الله تلك العساكر العظيمة ما بين قتل وهلاك وصاروا يتبعونهم موتى تحت الشجر يأخذون السلاح والمال والذي فزع عليهم ما يجي عشيرهم، فصارت آية عظيمة ورجع أقلهم إلى الرياض وساعدهم من ساعدهم والله حسبهم وتصلبوا معهم إلى أن جاءهم خورشيد فزاع ونزل فيصل الدلم وأشير عليه أنه ما يعقد فيه ويتحصن بمن معه من المسلمين في بعض الشعبان التي بين الحوطة ونعام ويجعل ثقلته وراءه، فإن حصل منهم ممشا جاهدهم بأهل القرايا ولا أراد الله أنه يفعل فلما تمكنوا من فيصل وأخذوه أرسلوه إلى
مصر وصار عسكرهم في ذهاب وعذاب وفساد، فأوقع الله الحرب بين السلطان ومحمد علي ورد الله الكرة لأهل نجد فرجعوا كما كانوا أولاً على ما كانوا عليه قبل حرب هالدولة، كما قال تعالى في بني إسرائيل: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً , إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ نسأل الله أن يمكن بالإحسان وينفي عنا أسباب التغيير إنه ولينا وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والمقصود بما ذكرنا الاعتبار بأن الله حفظ هذا الدين ومن تمسك به وأيدهم بالنصر على ضعفهم وقلتهم وأوقع بأسه بهذه الدولة على قوتهم وكثرتهم وأسباب كيدهم، ثم إن الله تعالى أهلك تلك الدول بما أجرى عليهم من حرب النصارى في بلاد الروم فكل دولة مشت على نجد والحجاز لم يبق منهم اليوم عين تطرف وكانوا لا يحصي عددهم إلا الله فهلكوا في حرب النصارى فصارت العاقبة والظهور لما جاهدهم في الله من الموجدين، فجمع الله لهم بعد تلك الحوادث العظيمة من النعم والعز والنصر ما لا يخطر بالبال ولا يدور في الخيال، فلا يشك في هذا الدين بعد ما جرى مما ذكرناه إلا من أعمى الله بصيرته وجعل على قلوبهم أكنة عن فهم أدلة الكتاب والسنة ولم يعتبروا بما جرى لهذين الدين من ابتدائه إلى يومنا هذا وكل من ذكرنا من الدول والبادي والحاضر رام إطفاءه وكلما أرادوا إطفاءه استضاءت أنواره وعز أنصاره فهذا ما جرى على الدول الذي زعم ابن منصور أن شيخنا جرها على أهل نجد وما جرى بسبب تلك الدول من ظهور هذا اليدين والعز والتمكين وذهاب من ناوأهم من هذه الدول وغيرها فلله الحمد لا نحصي ثناءً عليه وهو المرجو أن يوزعنا شكر ما أنعم به علينا من هذا الدين الذي رضيه لعباده وخص به المؤمنين، ومن عجيب ما اتفق لأهل
هذه الدعوة أن محمد بن سعود عفا الله عنه لما وفقه الله لقبول هذا الدين ابتدأ بعد تخلف الأسباب وعدم الناصر شمر في نصرته ولم يبال بمن خالفه من قريب أو بعيد، حتى أن بعض الناس ممن له قرابة به عذله عن هذا المقام الذي شمر إليه فلم يلتفت إلى عذل عاذل ولا لوم لائم ولا رأي مرتاب بل جد في نصرة هذا الدين فملكه الله تعالى في حياته كل قرى من عاداه من أهل القرى، ثم بعد وفاته صار الأمر في ذريته يسوسون الناس بهذا الدين يجاهدون فيه كما جاهدوا في الابتداء فزادت دولتهم وعظمت صولتهم على الناس بهذا الدين الذي لا شك فيه ولا التباس، فصار الأمر في ذريته لا ينازعهم فيه منازع، ولا يدافعهم عنه مدافع وأعطاهم الله القبول والمهابة، وجمع الله عليهم من أهل نجد وغيرهم ممن لا يمكن اجتماعهم على إمام واحد إلا بهذا الدين وظهرت آثار الإسلام في كثير من الأقاليم النجدية وغيرها مما تقدم ذكره وأصلح الله بهم ما أفسدت تلك الدول التي حاربتهم ودافعتهم عن هذا الدين ليطفئوه فأبى الله ذلك وجعل لهم العز والظهور كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، نسأل الله أن يديم ذلك وأن يجعلهم أئمة هدى وأن يوفقهم لما وفق به الخلفاء الراشدين الذين لهم التقدم في نصرة هذا الدين وعلينا وعلى المسلمين أن ندعوا لمن ولاه الله أمرنا من هذه الذرية أن يصرف عنا وعنهم كل محنة وبلية، وأحيى الله بهم ما درس من الشريعة المحمدية، وأصلح لهم القلوب وغفر لنا ولهم الذنوب، اللهم اغفر لنا ولهم لنتوب وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين وأما قوله: لكن لله إرادة في بقاء جرثومة من هذه الطائفة في بلاد نجد.
فأقول: نعم إن الله في ذلك إرادة وحكمة في بقاء جرثومة هذه الطائفة التي اختصها الله بإظهار دينه وإعلاء كلمته واتباع رسوله فيما أمر به ونهى عنه،
وتقديم قوله على قول كل واحد كائناً من كان، وتجديد ما اندرس من معالم الدين بعد أفول شموسه ونسيان آياته، فلما ابتلاهم الله بهذه الدول المصرية بسبب ما اقترفوه من الذنوب ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، جعل لهم العاقبة وجمع شملهم بعد تشتتهم، ولم شعثهم، فكان لهم ولله الحمد وله المنة حوزة واجتماع على دين الله ورسوله يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة جمعة وجماعة، ويجاهدون في سبيل الله فهم المتحققون بقول لا إله إلا الله والمعتصمون بها لأنها هي كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، وقد أصبح أهل جزيرة العرب بدعوتهم إليها وإلى العمل بمقتضاها والجهاد في ذلك متمسكين بجذر عراها، كما قال قتادة –رحمه الله- عن حال أول هذه الأمة أن المسلمين لما قالوا لا إلا الله أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها ويظهرها ويفلجها وينصرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها، فلج، ومن قاتل بها نصره إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها، فأهل نجد ولله الحمد هم المتمسكون بها وغيرهم من سائر أهل الأقطار والأمصار إلا من شاء الله إنما يقولون بأفواههم ويخالفونها بأهوائهم، فيقولون لا إله إلا الله وهم يدعون غير الله بأصوات عالية مجتمعة وقلوب محترقة خاشعة "عبد القادر يا جيلان يا ذا الفضل والإحسان صرت في خطب شديد من إحسانك لا تنسان"، وقولهم: يا رفاعي إني... أنا المحسوب أنا المنسوب رفاعي لا تضيعني... أنا المحسوب أنا المنسوب وقول الآخر: يا عيدروس شيء لله يا محيي النفوس، ويقول بلهجة قلب واحتراق كثير من
يا أهل الشرك والإبلاس، وذوي الفقر والإفلاس، اليوم على الله وعليك ابن عباس، ويسألونه الحاجات ويسترزقون ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾.
وقد ذكر الإمام حسين بن محمد النعيمي اليمني في بعض رسائله: أن امرأة كف بصرها، فنادت وليها، أما الله فقد صنع ما ترى، ولم يبق إلا حسبك، انتهى.
واجتمع جماعة من الموحدين من أهل الإسلام في بيت رجل من أهل مصر وبقربه رجل يدعي العلم، فأرسل إليه صاحب البيت فسأله بمسمع من الحاضرين، فقال له كم يتصرف في الكون؟ قال يا سيدي سبعة قال منهم قال فلان وفلان وعد له أربعة من المعبودين بمصر، فقال صاحب الدار لمن بحضرته من الموحدين: إنما بعثت لهذا الرجل وسألته لأعرفكم قدر ما أنتم فيه من نعمة الإسلام أو كلاماً نحو هذا إلى غير هذا مما معلوم مشهور مما لا يشك فيه شاك، إنه من صريح الإشراك الذي يأباه الدين الحنيف ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، فأي ملة صان الله ملة الإسلام لا تمانع ولا تدافع هذه الكفريات، فهذا ونحوه أعظم منه مما لم نذكره من كفريات هؤلاء الملاحدة الذين يزعم هذا الملحد أنهم المسلمون وهذا نموذج من دياناتهم واعتقاداتهم يطلعك على قناطير مقنطرة من كفرياتهم التي خرجوا من ربقة الإسلام.
وأما الوهابية فهم يعلمون ويعتقدون أن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وتعظيماً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً واستغاثة واستعانة واستعاذة ورغبة ورهبة وإنابة وذلاً وخضوعاً وخشوعاً وذبحاً ونذراً إلى غير ذلك من هذه العبادات التي من صرفها لغير الله كان مشركاً بالله الشرك الأكبر الذي من أتى به فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار.
فالوهابية يعلمون ويعتقدون أن هذه العبادات
محض حق الله، لا يصلح منها شيء لغير الله فيدعون الله وحده لا شريك له، ولا يدعون معه أحداً سواه، ويستغيثون به ولا يستغيثون بغيره، ويتوكلون عليه لا غيره، ويستغيثون به ويستعيذون به لا بغيره، ولا يخافون إلا الله ولا يرجون إلا إياه ولا يخضعون ولا يخشعون إلا له، ولا يذبحون ولا ينذرون إلا له ولا ينيبون ويتوبون إلا إليه، فمنهم المتحققون بقول لا إلا إلا الله، المخلصون له في جميع عباداتهم لا يشركون به أحداً من المخلوقات لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً فضلاً عن غيرهما، فبقاء جرثومة هذه الطائفة الوهابية مما حفظ الله به الإسلام، يجددون ما اندرس من أعلامه العظام ويظهرون دين الله ورسوله بين الأنام، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته، وتقوم بهم حجة الله على خلقه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".
وأما قوله: وقد تصدى لتحرير مذهبهم وتقرير مقولاتهم والرد عليهم جمهور من علماء الحجاز منهم السيد أحمد بن زيني الملقب بدحلان إلى آخر كلامه.
فالجواب أن نقول: لم يكن هؤلاء الملاحدة أعداء الله ورسوله يعرفون من دين الله ورسوله إلا ما عرفه جهال الكفار من الإقرار بتوحيد الربوبية فقط، وهو الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأرضين ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره.
وأما توحيد الألوهية فهو الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون وقاتلهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ليكون الدين كله لله وأن يخلصوا العبادة لله وحده كما
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وكما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ فهم لا يعرفونه وإذا كان ذلك كذلك فكيف يحررون مذهب أهل الملة الحنيفية أو يقررون ذلك بالأدلة الواضحة السنية ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً ولا على تحرير ما نقلوه مما لفقوه من مقولاتهم دليلاً وليس عندهم والله إلا الأكاذيب المخترعة الموضوعة والترهات المجترحة الباطلة المصنوعة وأما الرد عليهم فنعم لكن بالباطل ليدحضوا به الحق وقد أجابهم على ذلك علماء أهل السنة والجماعة وبينوا ما في كلامهم من الأوضاع والأكاذيب وما في كلامهم من الكفر الذي لا يشك فيه عاقل ولا يستريب فلله الحمد وله المنة، وأما قوله: ومن أعجب ما رأيت انتساب أناس لهذا المذهب حماقة وجهلاً ولو عرفوا حقيقته وأصوله لتبرأوا منه وقالوا كما نقول إسلام ووهابية لا يجتمعان.
فالجواب أن يقال: قدمنا حقيقة مذهب الوهابية وبينا أصوله بالأدلة الشرعية والبراهين العقلية وأنهم كانوا على مثل ما كان عليه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وما كان عليه التابعون والأئمة المهتدون من بعدهم من انتسب إليهم فإنما هو لأجل ما تحققه وعرفه من صحة ما هم عليه من الدين القويم والصراط المستقيم المخالف لما عليه أصحاب الجحيم، وإنما الحماقة والجهل المركب المريض ما تدعو إليه وتنتحله من الكفر بالله والشرك به الذي هو أمرض من كل مريض، فالعجب حينئذٍ غير عجيب، والحماقة والجهالة أقرب إليك من كل قريب، لأنك من هذا الدين وصحته في شك مريب، وعلى معادته ومعاداة أهله مجداً مجاهداً في التخريب عليهم والتأليب، ومن عرف صحة الدين كان حقيقاً أن يقول كما نقول إسلام ووهابية لا يفترقان: رضيعا لبان ثدي أم تقاسما... بأسحم داج عوض لا يتفرق بل إسلام وعباد القبور الوثنية لا يجتمعان إلا كما يجتمع في قلب عبد مؤمن أن محمداً –صلى الله عليه وسلم- صادق وأن أبا جهل صادق.
والله لن يجتمعا ولن يتلاقيا... حتى تشيب مفارق الغربان