وأما قول المعترض الملحد وناظرهم العلماء فكشف الله الستر عنهم.
فالجواب أن يقال لهذا الملحد المفتري، قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن هذه المناظرة التي وقعت بين علماء مكة المشرفة وبين علماء الموحدين من المسلمين من أهل نجد أنها أشهر من نار على علم، ولم يكن ما جرى بينهم من المناظرة خفياً حتى تذكرها على سبيل الإجمال تعمية على من لم يعلم حقيقة الحال، وقد كان من المعلوم أنكم قوم بهت تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون وتموهون على الناس أن العلماء ناظروهم وكشفوا سترهم وهذا كذب وظلم وعدوان وتحكم بالباطل وهذيان، وليس معكم من الحجة والبيان إلا هذه الأماني الكاذبة التي هي في الحقيقة كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ونحن نذكر ما جرى بينهم من المناظرة من غير زيادة ولا نقصان، ولا تخرص بالهذيان، ليتبين لكل منصف تعنتكم بالباطل الذي لا يجدي، وتعلقكم بما لا ينجيكم في غدٍ بل يردي، فاعلم أن هذه المناظرة جرت ووقعت في السنة الحادية عشر بعد المائتين والألف.
قال الشيخ الإمام حسين بن غنام –رحمه الله- في تاريخه روضة الأفكار وفي
هذه السنة أرسل الشريف غالب رسلاً إلى عبد العزيز أصلح الله تعالى له الحال، وبلغه جميع الآمال، يطلب منه علماء من أهل الدين والتوحيد، ويزعم أنه يقصد بذلك تحقيق هذا الأمر ويريد ويحرّص على قدومهم مع من أرسله من البريدة حتى يقف على الحال عن يقين وعيان، ويحيط بعد ذلك بالعرفان، وينجلي له من المناظرة في شريف ذلك المكان، ما خفي عليه مدة أزمان، وربما تشرق له أنوار شمس البيان، ويحصل منه بعد الإباء والإصرار إذعان، وبعد النفرة عن عذب ذلك المنهل شرب وإدمان، فلما عرف أهل الإيمان، ما قصده ذلك الإنسان، وما حرص عليه من المناظرة لديه والتبيان، رغب أن يكون انقدح له من الدعوة شيء، أو نشر له من الحق طيّ، وربما يبدو من إياب وفي، بعد فرط صدود وامتناع ولي، ويقصي من شاء عن القرب لذلك الجنان، وأيضاً فالهداية والتوفيق قد يكونان في أوقات دون أوقات، ولله في دهره نفحات، كما جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم- في بعض الروايات، وكان من حسن سيرة عبد العزيز وفطنته، وبديع هديه وسنته، وعظيم فضل الله ومنته، أنه يدعو إلى الله بالتي هي أحسن وأحكم، ويرشد العباد للتي هي أقوم، فرأى إسعافه بذلك المرام، وإسعاده واختاره أن ينيله مأموله ومراده، فعسى أن يكون له سبب للسعادة، فعند ذلك أرسل إليه من أهل الدين من يكشف عنه شبه المبطلين، ويوضح له سبيل المهتدين، وهم أناس من أهل المنير والتبيين، وحسن المحاضرة في المناظرة بالبراهين، وكبيرهم حمد بن ناصر بن معمر وكان هو المرأس عليهم والمؤمر، فجهزهم بأحسن الجهاز وأتمه، وخولهم من معروفه أعمه، فجردوا للمسير الهمة، وقطعوا تلك المهامة المدلهمة، حتى أتم الله تعالى عليهم الفضل والنعمة، وصرف عنهم البؤس والنقمة، فوصلوا بعد انضاء الأعوجيات، وارقال تلك المهريات،
في سباسب الفلاة، ومواصلة السرى في الدجنات، بلد الله الحرام، ومحلة الحج الذي هو أحد أركان الإسلام، فدخلوها معتمرين فطافوا وسعوا وأتوا بالعمرة على التمام، ونحروا الجزر التي أرسلها الأمير سعود إلى بيت مولاه في المروة التي تراق فيها دماء شعائر الله أوصل الله تعالى تعالى إليه أجر ذلك وثوابه، وإنا له على ذلك القبول وأثابه، وبلغه في الدارين مقصوده وطلابه، فقابلهم الشريف بالإقبال، وأبدى لهم طلائع الإجلال، وتلقاهم بطلاقة وجه واستهلال، وأنزلهم منزل التوقير والسلامة، ووالى عليهم حشمته وإكرامه، وأحضرهم لديه مع علمائهم ليال، وعقدوا للمناظرة مجال، وتجارت الأذهان فيه للجدال، وشرعوا سنة المقال، وراموا سنة الحق بالمحال، ولم يأتوا ولله الحمد على كل بما يثلج لهم وهج البال، من النصوص السالمة من الضعف والاعتلال، ولم يجلبوا من البراهين المؤيدة للشرك والضلال، سوى موضوعات الملحدة والضلال، وأكاذيب الزنادقة وغلاة العباد الجمال، التي أعفت منار الحنيفية وما لها من معالم وإطلال، حين جرت على مباهج مناهج محاها الأذيال، فلما تحققوا ذلك وعلموه وتيقنوا أنهم لم يجدوا في الدفع وفهموه، أجمعوا رأيهم وأحكموه في النضال على المغالطة في اللفظ اللحن في اللفظ والقال، لما تبين منهم الخذلان والإذلال، فلم يعثروا في سرد صحيح السنة القامعة لهم والألقال، على ما فيه لبس لدى مصنف وأشكال، سوى لفظه جرى اللسان فيها على اللحن في الإعراب والأشكال، فارتفع من بعضهم عند ذلك التحطيئة بالمبادرة والاعتجال، وناهيك بهذا من نقص في اللب والاختلال، وسخافة في العقل وخيال، ووسوسة من الشيطان أبرز هاله في الخيال، وحسبك له كونه في الفلج بالحجة لم يبال، ولم يبد منه فضيحة
واعتجال، مع أنهم بذلك الإلزام والفلج لم يذعنوا ويجحدونه وهم به مستيقنون، ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وصفة ما جرى منهم أنهم حضروا بيت الشريف، تجاه بيت الله المنيف، وجالت خيول الأذهان لدى غالب، والكل جرى في ذلك المضمار لإدراك المآرب فأول ما افتتحوا به التكلم والتخاطب وأجمعوا عليه في المطالب قصدر منهم البدأة والتنافس.
ووقع منهم بتلك المجالس، وجرى منهم التحاور والمفاوضة والتخاطب فيه والمراوضة مسألة قتال الموحدين الناس والكشف عن وجهها حجب الالتباس.
فطلب من حمد بيان الحجة والدليل، والبرهان السالم من الأعاليل والنص القاطع للاحتمال والتأويلز والقامع لسائر الأقاويل على ذلك المنهج والسبيل، فأتى لهم جزاه الله تعالى الثواب الجزيل من النص القاطع القامع لكل أذن واعية وسامع.
وأصل لهم من الأصول فيها، ما يؤدي بالمراد ويكفيها وجلب من الأحاديث الصحيحة الراجحة والأدلة الباهرة اللائحة ما شفى وكفى، وصيرهم من قطع اللسان والحجة على شفا وأزاح عن محياهم القتام، ونفا فعصفت على بيت عنكبوتهم نسيم الحق فهفا، وفرق آثارهم ومنارهم بعدما هب عليهم وسفا، وأوقفهم على المنصوص فأقروا وسلموا لتلك النصوص وصدر منهم الإذعان بعد بعدما حملهم الشيطان على كون تلك لم تكن في الكتب مسطرة.
ولا موصلة فيها ومقررة.
وتفوهوا بحضرة الشريف بذلك حتى أوقفهم أحمد على ما هنالك، ونقل من الكتب التي عندهم ما ضعضع وجدهم، وجلب عليهم علتهم وجهدهم فوطفت جباههم من العرق لما داخلهم من الخجل والفرق فلم يكن حينئذٍ بد ولا حيلة حين قرأوا حجته ودليله، ولم يستطع
منهم إنسان على جحود ذلك البرهان، بل صدر منهم إقرار بذلك وإعلان ولم يكترثوا بما صدر قبل من الكتمان وما ابتدأوا به من الزور والبهتان فأمسوا بذلك يقرون وبمضمونه يصدقون ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ثم تفاوضوا بعد ذلك في مجالس عديدة، في دعوة الأموات فأبدى لهم من النصوص العادلة السديدة والآثار الراجحة المفيدة، والأقوال الصحيحة العديدة، ممن له الفكرة بالتحقيق من أقوال الأئمة الكبار، والاتباع المتقدمين الأخيار، ما أدهش العقول والأفكار، مما لا يسمع له إنكار، ولكنهم جحدوا وقوع ذلك في الوجود، وأنكروا أن يكون ذلك في الأقطار موجود وذلك عندهم واقع مشهود، وهم على ذلك كل ساعة شهود، والعياذ بالله تعالى عن هذه الأفكار باللسان، مع أنهم متيقنونه في الجنان، ويشاهدونه الخلق عندهم بالأعيان، فنقول سبحانك هذا بهتان، ولا بدع فيما جرى وصدر، فقد قال كبيرهم أول من حضر، وتأهب للمناظرة واتزر، وجر ذيول الخيلاء وافتخر، واختال من الكبر والأشر، اعلم أني أقول ولا أماري، ولا أخاصمك ولا أناظرك، ولا أباري، أن تأتيني بالدليل من الكتاب، أو سنة النبي التي هي خصم لكل كذاب، ولا أجاريك ولا أطالب بما قاله علماء المذاهب، سوى ما قاله به إمامي أبو حنيفة لأني مقلد له فيما قال فلا أسلم لسوى قوله من قال، ولو قلت قال رسول الله أو قال الله ذو الجلال، لأنه أعلم مني ومنك بأولئك، وأدل انتهاج تلك المسالك، والأخذ بغير أقوال الأئمة هو عين اقتحام جراثيم المهالك، فليقف العاقل على هذا المقال ويقضي منه العجب، حيث صدر من هذا المدعي للعلم مع الله سوء هذا الأدب، فيا بئس
ما اقترفه من الإثم واكتسب، لم يخف الله ولم يراقب ولم يخش سوء العواقب وحاول بذلك في الدنيا المراتب، حتى يكون من الجاه والرياسة فيها متوسط الكاهل والغارب، فلما انقضت تلك الأيام والليال، وتقضت ساعات المناظرة والجدال.
طلبوا من حمد بن ناصر بن معمر.
تأصيل ما برهن به واحتج به وقرر، وكتب ما سجله عليهم وسطر، فانتدب لذلك أدام الله نفعه وكثر، من الفوائد جمعه فحرر، من الكتب الذي عندهم في ذلك المكان، ما أراده من ذلك الأمر والشان يعد طلبه منهم تلك الكتب وتسميتها بالأعيان.
فجمع لديهم عجالة وعجل لهم في سوحهم رسالة، أوجز مقاله وأتى فيها بما فيه كفاية في الحجة والدلالة يذعن بعد سماعها كل منصف عاقل، ويشهد بفضل قائلها كل فاضل، وتقر بصدقها وصحة مضمونها الأماثل.
ولا لعبرة بمنافق أو غبي جاهل.
بنى للحق المبين على أساسها صرحاً وأجاد فيها أحكمه من التحرير إيضاحاً وشرحاً.
فأفاد فيما نحا، من التحير صدعاً وصدحاً، وترك مناظريه يعاينون في الجواب عنها كدحاً، فلم يدركوا من سعيهم ريحاً، بل زاد وفيما زخرفوه من الصواب بعد أو نزحا، وهي عليك مجلؤة وحججها مقروءة متلوة محيطة لوضئ حسنها النقاب، سافرة الوجه للنقاد خالية من شين الإسهاب، والإطناب، جالية دجى الرين والارتياب، ولكن عيبها سلامتها من الإعجاب.
وهذا نص الرسالة المزبور، والعجالة المنقحة المسطور، وأتيت بها على تأصيلها ووضعها ولم أغير بديع منوالها وصنعها، الرسالة.
بسم الله الرحمن الرحيم "المسألة الأولى" ما قولكم فيمن دعا نبياً أو ولياً أو استغاث به في تفريج الكربات، وكقوله يا رسول الله أو يا بن عباس أو يا محجوب أو غيرهم
من الأولياء والصالحين.
الجواب: الحمد لله وأستعينه وأستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله –صلى الله عليه وسلم، وعلى آله ومن اتبعهم بإحسان واقتفى آثارهم إلى آخر الزمان.
أما بعد فإن الله تعالى قد أكمل لنا الدين، ورسوله قد بلغ البلاغ المبين، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى , وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ الآية روى مالك في الموطأ أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله" وعن أبي الدرداء –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"، وقال –صلى الله عليه وسلم-: "ما تركت من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ولا شيء يقرب إلى النار إلا وقد حدثتكم به"، وقال –صلى الله عليه وسلم-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة
ضلالة" فمن أصغى إلى كتاب الله وسنة رسوله وجد فيها الهدى والشفاء وقد ذم الله تعالى من أعرض عن كتابه ودعا عند التنازع إلى غيره.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ إذا عرفت هذا فنقول الذي شرعه لنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عند زيارة القبور إنما هو تذكرة الآخرة والإحسان إلى الميت بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤال العافية كما في صحيح مسلم عن بريدة قال كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا حرج إلى المقابر يقول: "السلام عليكم يا أهل الديار"، وفي لفظ "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية"، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" وعن عائشة –رضي الله عنها- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" رواه مسلم، فإذا كنا على جنازته ندعو له لا ندعوا به ونشفع له لا نستشفع به فبعد الدفن أولى وأحرى فبدل أهل الشرك قولاً غير الذي قيل لهم بدلوا الدعاء له بدعائه والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسوله الله –صلى الله عليه وسلم- إحساناً إلى الميت سؤال الميت وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة بنص رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وعن أنس –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء مخ العبادة" رواه الترمذي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومن المحال أن يكون دعاء الموتى مشروعاً ويصرف عن القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثم يوفق
له الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فهذه سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهذه طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان هل نقل عن أحدهم نقل صحيح أو حسن؟ أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها فضلاً عن أن يسألوا أصحابها جلب الفوائد وكشف الشدائد، ومعلوم أن مثل هذا مما تتوافر لهم الدواعي على نقله وقد كان من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون فما منهم من استغاث عند قبر ولا دعاه ولا استشفى به ولا انتصر به ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي –صلى الله عليه وسلم- من بعد موته ولا بغيره من الأنبياء ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا الصلاة عندها فإن كان عندكم في هذا أثر صحيح أو حسن فأوقفونا عليه بل الذي صح عنهم خلاف ما ذهبتم إليه، ولما قحط الناس في زمن عمر بن الخطاب استسقى الناس بالعباس وتوسل بدعائه، وقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ونحن نتوسل إليك بعم نبيك فأسقنا" فيسقون كما ثبت ذلك في صحيح البخاري ذكره في كتاب الاستسقاء من صحيحه ونحن نعلم بالضرورة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يشرع لأمته أن يدعو أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور وأن ذلك من الشرك الأكبر الذي حرم الله ورسوله قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ , وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ
فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ , إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً , أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾.
قال مجاهد: يبتغون إلى ربهم الوسيلة، هو عيسى وعزير والملائكة، وكذا قال إبراهيم النخعي قال كان ابن عباس يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ هو عزير والمسيح والشمس والقمر.
وعن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: عيسى وأمه والعزير.
وعن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنيون والإنس الذي كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية، ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري، ذكره التفسير وهذه الأقوال كلها في معنى الآية حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابداً لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعواً وذلك المدعو يبتغي إلى ربه الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين فقد تناولته هذه الآية، ومعلوم أن المشركين يدعون الصالحين بمعنى أنهم وسائط بينهم وبين الله، ومع هذا فقد نهى الله تعالى عن دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر من الداعين ولا تحويله ولا يدفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغير صفته أو قدره ولهذا قال ﴿وَلا تَحْوِيلاً﴾ فذكر لتعم أنواع التحويل من دعا نبياً من الأنبياء أو الصالحين أو دعا الملائكة أو دعا الجن، فقد دعا من لا يغيثه ولا يملك كشف الضر عنه
ولا تحويلاً وهؤلاء المشركون اليوم منهم من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلى شيخه ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه فإذا تعسر أحدهم قال يا ابن عباس أو يا محجوب، ومنهم من يحلف بالله ويكذب ويحلف بابن عباس أو غيره ويصدق ولا يكذب، فيكون المخلوق في صدره أعظم من الخالق، فإذا كان دعاء الموتى يتضمن هذا الاستهزاء بالدين وهذه المحادة لله ولكتابه، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء وبالمحادة لله من كان يدعو الموتى ويستغيث بهم أو من كان لا يدعو إلا الله وحده لا شريك، كما أمرت به به رسله ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء به ونحن بحمد الله من أعظم الناس إيجاباً لرعاية جانب الرسول –صلى الله عليه وسلم- تصديقاً له فيما أخبر وطاعة له فيما أمر واعتناء بمعرفة ما بعث به واتباع ذلك دون ما خالفه عملاً بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ومعنا ولله الحمد أصلان عظيمان أحدهما: أن لا نعبد إلا الله، فلا ندعو إلا هو ولا نذبح النسك إلا لوجهه ولا نرجو إلا هو ولا نتوكل إلا عليه.
الأصل الثاني: أن لا نعبده بعبادة مبتدعة وهذان الأصلان هما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فإن شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن إخلاص الإلهية فلا يتأله القلب ولا اللسان ولا الجوارح غيره تعالى لا بحب ولا بخشية ولا إجلال ولا رغبة، ولا رهبة وشهادة أن محمداً رسول الله تتضمن تصديقه في جميع فيما أخبر به وطاعته واتباعه في كل ما أمر به فما أثبته وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه، وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" فقالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟
قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" إذا عرف هذا فالذي نعتقده وندين به الله أن دعا نبياً أو ولياً أو غيرهما وسأل منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، أن هذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا أولياء وشفعاء يستجلبون بهم المنافع ويستدفعون بهم المضار بزعمهم قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فمن جعل الأنبياء أو غيرهم كابن عباس أو المحجوب أو أبي طالب وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس بقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك أو لكونهم أقرب إلى الملك، فمن جعلهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك حلال الدم والمال، وقد نهص العلماء –رحمهم الله- على ذلك وحكموا عليه الإجماع قال في الإقناع وشرحه: من جعله بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم كفر إجماعاً؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي –رحمه الله تعالى- لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تنظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها وإلزامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها يا مولاي افعل بي كذا وكذا وأخذ تربتها تبركاً وإفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى.
انتهى.
قال الإمام البكري الشافعي –رحمه الله- في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وكانت الكفار إذا سألوا من خلق السماوات الأرض قالوا الله فإذا سألوا عن عبادة الأصنام قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ لأجل طلب شفاعتهم عند، وهذا كفر منهم.
انتهى كلامه.
فتأمل ما ذكره صاحب الإقناع وكذلك ما ذكره ابن عقيل من تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج وهو كفر.
وقال الحافظ العماد بن كثير –رحمه الله- في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي إنما يحملهم على عبادتهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم في أمور الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به.
قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما لك، وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسول –صلوات الله وسلامه عليهم- بردها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ فأخبر أن الملائكة التي في السماوات من المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما
أحبه الملوك أو أبغضوه فلا تضربوا لله الأمثال تعالى الله عن ذلك.
انتهى.
وقال الإمام البكري –رحمه الله- عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الآية فإن قلت: إذا أقروا فكيف عبدوا الأصنام قلت كلهم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله والتقرب إليه لكن بطرق مختلفة، ففرقة قالت: ليس لنا أهلية عبادة الله تعالى بلا واسطة لعظمته فعبدنا لتقربنا إليه زلفى؛ وفرقة قالت الملائكة ذو وجاهة ومنزلة عند الله فاتخذنا لنا أصناماً على هيئة الملائكة لتقربنا إلى الله زلفى، وفرقة اعتقدت أن لكل صنم شيطاناً موكلاً بأمر الله فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله ولا أصابه شيطانه بنكبة بأمر الله.
انتهى كلامه.
فانظر إلى كلام هؤلاء الأئمة وتصريحهم بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله وتأمل ما ذكره ابن كثير وما حكاه عن زيد بن أسلم وزيد وابن زيد ثم قال: وهذه الشبهة التي اعتقد المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل –صلوات الله وسلامه عليهم- بردها والنهي عنها، وتأمل ما ذكره البكري –رحمه الله- عند آية الزمر أن الكفار ما أرادوا إلا الشفاعة ثم صرح بأن هذا كفر، فمن تأمل ما ذكره الله في كتابه تبين له أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله فإنهم لم يعتقدوا فيها أنها تخلق الخلائق وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ
لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ , سَيَقُولُونَ اللهُ﴾ الآيتين إلى غير ذلك من الآيات التي أخبر الله فيها أن المشركين معترفون أن الله هو الخالق الرازق وإنما كانوا يعبدونهم ليقربوهم ويشفعوا كما ذكره سبحانه في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فبعث الله الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يجعل معه إلهاً آخر، وأخبر أن الشفاعة كلها له وأنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه وأنه لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله وأنه لا يرضى إلا التوحيد، فالشفاعة مقيدة بهذه القيود قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ , قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وفي الصحيحين من غير وجه عتن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهو سيد ولد آدم وأكرم الخلق على الله أنه قال: "آتي تحت العرش فأخر لله ساجداً ويفتح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم قال يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع قال فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ثم أدعوا" فذكر أربع مرات –صلوات الله وسلامه عليه- وعلى سائر الأنبياء وقال الإمام البكري الشافعي –رحمه الله- عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ نفى الشفاعة وإن كانت واقعة في الآخرة لأنها من حيث إنها لا تقع إلا بإذنه كأنها غير موجودة من غيره وهو كذلك، لكن جعل
ذلك لتبين الرتب، وجملة النفي حال من ضمير يحشروا وهي محل الخوف والمراد به المؤمنون العاصون.
انتهى.
وقال عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ دل على أن الشافعة تكون للمؤمنين فقط قال الإمام الحافظ عماد الدين بن كثير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو لأنهم معترفون أنه هو الذي خلق السماوات والأرض وهو ربها ومدبرها ومع هذا فقد اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم وإنما عبد هؤلاء المشركون مع الله آلهة هم يعترفون أنها مخلوقة عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، وكما أخبر عنهم قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فأنكر تعالى ذلك عليهم حيث اعتقدوا ذلك وهو تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ولا تنفع الشافعة عنده إلا لمن أذن له، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك وتنهاهم عن عبادة من سوى الله فكذبوهم.
انتهى.
والمقصود بيان شرك المشركين الذين قاتلهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فإنهم ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله وبيان أن طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم في الشدائد أنه من الشرك الذي كفر الله به المشركين وبيان أن الشفاعة كلها لله ليس لأحد معه من الأمر شيء وأنه لا شفاعة إلا بعد إذن الله وأنه تعالى لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله وأنه لا يرضى إلا التوحيد كما تقدمت الأدلة الدالة على ذلك ومعلوم أن أعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عند الله هم الرسل والملائكة المقربون وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول ولا يتقدمون بين يديه ولا يفعلون شيئاً إلا بعد إذنه لهم
وأمرهم فيأذن سبحانه لمن شاء أن يشفعوا فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له تعالى والذي شفع عنده إنما شفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه وهي إرادته أن يرحم عبده وهذا ضد الشافعة الشركية التي أثبتها المشركون ومن وافقهم وهي التي أبطلها سبحانه في كتابه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد كما صرحت بذلك النصوص فروى البخاري عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"، وعن عوف بن مالك –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً" رواه الترمذي وابن ماجه فأسعد الناس بشفاعة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد وأخلصوه من التعلقات الشركية وهم الذين ارتضى الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ فأخبر سبحانه أنه لا يحصل شفاعة تنفع إلا بعد رضاه قول المشفوع له وإذنه للشافع وأما المشرك فإنه لا يرتضيه ولا يرضى قوله ولا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه، فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع وإذنه للشافع فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه فإنه هو الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع له والذي وفقه لفعل ما يستحق من الشفاعة، فمتخذ الشفيع مشرك لا تنفعه شفاعته ولا يشفع فيه ومتخذ الرب إلهه
وحده ومعبوده هو الذي يأذن للشافع فيه، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
فبين الله المتخذين شفعاء مشركون وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم وإنما تحصل بإذنه سبحانه للشافع ورضاه عن المشفوع له كما تقدم بيانه، والمقصود أن الكتاب والسنة دلا على أن من جعل الملائكة والأنبياء أو ابن عباس أو أبا طالب أو المحجوب وسائط بينه وبين الله يشفعون له عند الله لأجل قربتهم من الله كما يفعل عند الملوك، أنه كافر مشرك حلال الدم والمال إن قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وصلى وصام وزعم أنه مسلم، بل هم من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحبون أنهم يحسنون صنعاً، ومن تأمل القرآن العزيز وجده مصرحاً بأن المشركين الذين قاتلهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم-كلهم مقرون بأن الله هو الخالق الرازق وأن السماوات السبع ومن فيهن والأرضين السبع، ومن فيهن كلهم عبيده وتحت قهره وتصرفه كما حكاه تعالى عنهم في سورة يونس وسورة المؤمنين وسورة العنكبوت وغيرهم من السور، وجده مصرحا بأن المشركين يدعون الصالحين كما ذكر الله تعالى ذالك عنهم في سورة سبحان والمائدة وغيرهما من السور، وكذلك أخبر عنهم أنهم يعبدون الملائكة كما ذكر ذلك عنهم في سورة الفرقان وسبأ والنجم، وجده مصرحا أيضا بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلا الشفاعة والتقرب إلى الله تعالى كما ذكر عنهم في سورة يونس والزمر وغيرهما من السور، فإذا تبين لكم أن القرآن قد صرح بهذه المسائل الثلاث أعني اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية وأنهم يدعون الصالحين وأنهم ما أرادوا
منهم إلا الشفاعة، تبين لكم أن هذا الذي يفعل عند القبور من سؤالهم جلب الفوائد وكشف الشدائد أنه الشرك الأكبر كفر الله به المشركين، فإن هؤلاء المشركين شبهوا الخالق بالمخلوق؛ وفي القرآن العزيز وكلام أهل العلم من الرد على هؤلاء ما لا يتسع له هذا الموضع، فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس تكون على أحد وجوه ثلاثة إما لإخبارهم من أحوال الناس مما لا يعرفونه.
ومن قال إن الله لا يعرف أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الأنبياء أو غيرهم من الأولياء والصالحين فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
الثاني: أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رغبته ودفع أعدائه إلا بأعوان من الذل فلا بد له من أعوان وأنصار لذله وعجزه، والله سبحانه ليس له ولي ولا ظهير من الذل، وكلما في الوجود من الأسباب فهو سبحانه ربه وخالقه، فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم والله سبحانه ليس له شريك في الملك بل لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ولهذا لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهما، فإن من شفع عنده بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب أثر فيه بشفاعته حتى يفعل ما يطلب منه؛ والله لا شريك له بوجه من الوجوه.
الثالث: أن يكون الملك ليس مريداً لنفع رعيته والإحسان إليهم إلا بمحرك يحركه من خارج، فإذا خاطب الملك من ينصحه أو يعظه، أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، والله تعالى رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها
وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو سبحانه إذا أجرى نفع العباد بعضهم على يد بعض، فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع له فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي إلى إرادة الإحسان والدعاء، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه، والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون عنده إلا بإذنه كما تقدم بيانه بخلاف الملوك، فإن الشافع عندهم يكون شريكا لهم في الملك، وقد يكون مظاهرا لهم معاونا لهم على ملكهم، وهم يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك والملك يقبل شفاعتهم تارة لحاجته إليهم وتارة لجزاء إحسانهم ومكافأتهم حتى انه يقبل شفاعة ولده وزوجته، لذالك فإنه محتاج إلى الزوجة والولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه فإنه إذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه، ويقبل شفاعة أخيه مخافة أن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس، فلا أحد يقبل شفاعة أحد إلا لرغبة أو لرهبة والله تعالى لا يرجو أحدا ولا يخافه ولا يحتاج إلا أحد، بل هو الغني سبحانه عما سواه وكل ما سواه فقير إليه والمشركون يتخذون شفعاء مما يعبدونه من الشفاعة عند المخلوق.
قال تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعَهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلَاءِ شُفَعَاؤنَا عِنْدَ اللهِ﴾ إلى قوله سبحانه وتعالى ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً , أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ فأخبر سبحانه انما يدعى من دونه لا يملك كشف الضر ولا تحويله، وأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون
إليه، فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسط الملائكة والأنبياء وفيما ذكرناه كفاية لمن هداه الله.
وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه، ومن يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
وأما المسألة الثانية وهي من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ولم يصل ولم يزك هل يكون مؤمناً؟ فنقول أما من قال لا إله إلا الله محمد رسول وهو مقيم على شركه يدعو الموتى ويسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، فهذا مشرك كافر حلال الدم والمال، وإن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم كما تقدم بيانه، وأما إن وحد الله تعالى ولم يشرك به شيئا ولكن ترك الصلاة والزكاة، فإن كان جاحداً للوجوب فهو كافر إجماعاً، وأما إن أقر بالوجوب ولكنه ترك الصلاة تكاسلاً عنها، فهذا اختلف العلماء في كفره، والعلماء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة لا يجتمعوا على ضلالة، وإذاتنازعوا في شيء رد ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال العلماء الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو إلى سنته بعد وفاته قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ وقد ذم الله من أعرض عن كتابه ودعا عند التنازع إلى غيره فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ إذا عرف هذا فنقول: اختلف العلماء –رحمهم الله- في تارك الصلاة كسلاً من غير جحود فذهب أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ومالك إلى أنه لا يحكم بكفره، واحتجوا
بما رواه عبادة بن الصامت –رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" وذهب إمامنا أحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك والنخعي والحاكم وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين إلى أنه كافر، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعاً ذكره عن الشيخ أحمد بن حجر في شرح الأربعين، وذكره في كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر عن جمهور الصحابة –رضي الله عنهم- ومن بعدهم من التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقاً ويحكمون عليه بالارتداد منهم أبو بكر وعمر وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرة وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة ولا نعلم لهؤلاء مخالفاً من الصحابة وأجابوا عن قوله –صلى الله عليه وسلم-: "من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له"، وأن المراد عدم المحافظة عليهن في وقتهن بدليل الآيات والأحاديث الواردة فيها وفي تركها، واحتجوا على كفر تاركها بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"، وعن بريدة بن الحصيب قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" رواه الإمام أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حديث حسن صحيح إسناده على شرط مسلم، وعن ثوبان مولى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: "بين العبد والكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك" وإسناده صحيح على شرط مسلم، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه
ذكر الصلاة يوماً فقال: "من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً وبرهاناً ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" رواه الإمام أحمد وأبو حاتم بن حبان في صحيحة، وعن عبادة بن الصامت –رضي الله عنه- قال: أوصانا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال: "لا تشركوا بالله شيئاً ولا تتركوا الصلاة عمداً فمن تركها عمداً خرج من الملة" رواه ابن أبي حاتم في سننه، وعن معاذ بن جبل –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله" رواه الإمام أحمد، وعن أبي الدرداء –رضي الله عنه- قال: "أوصاني رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن لا أترك الصلاة متعمداً فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة" رواه ابن أبي حاتم، وعن معاذ بن جبل عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة... الحديث" وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: "كان أصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم- لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" رواه الترمذي، فهذه الأحاديث كما ترى صريحة في كفر تارك الصلاة مع ما تقدم من إجماع الصحابة كما حكاه إسحاق بن راهويه وابن حزم وعبد الله بن شقيق، وهو مذهب الجمهور من التابعين ومن بعدهم، ثم إن العلماء كلهم مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلاً إلا أبا حنيفة ومحمد بن شهاب الزهري وداود فإنهم قالوا: يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب، ومن احتج لهذا القول بقوله –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فقد أبعد النجعة، فإن هذا الحديث لا حجة فيه، بل هو حجة لمن يقول بقتله كما سيأتي بيانه إن شاء الله واحتج الجمهور على قتله بالكتاب والسنة، أما الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فشرط الكف
التوبة من الشرك وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم توجد الصلاة لم يكف عن قتالهم؛ قال ابن ماجه حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبو حاتم، حدثنا الربيع بن أنس، عن أنس –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات والله عنه راض" قال أنس وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ قال خلع الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ و ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وأما السنة فثبت في الصحيحين عن ابن عمر –رضي الله عنهما- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فعلق العصمة على الشهادتين والصلاة والزكاة وقد بعث النبي –صلى الله عليه وسلم- كتاباً فيه: "من محمد رسول الله إلى أهل عمان أما بعد: فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله والزكاة وخطوا المساجد وإلا غزوتكم" خرجه الطبراني والبزار وغيرهما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين، وروى ابن شهاب عن حنظلة عن علي بن الأشجع أن أبا بكر الصديق –رضي الله عنه- بعث خالد بن الوليد وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمن ترك واحدة منهن قاتله عليها كما تقتل على الخمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
وقال سعيد بن جبير: قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- لو أن الناس
تركوا الحج قاتلناهم على تركه كما نقاتل على الصلاة والزكاة، وبالجملة فالكتاب والسنة دالان على أن القتال ممدود إلى الشهادتين والصلاة والزكاة، وقد أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة من شريعة من شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله كالمحاربين وأولى.
انتهى.
وأما حديث أبي هريرة عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فهذا الإشكال فيه بحمد الله، وليس لكم فيه حجة، بل هو حجة عليكم، قال علماؤنا –رحمهم الله- إذا قال الكافر لا إله إلا الله فقد شرع في العاصم له فيجب الكف عنه، فإن تمم ذلك تحققت العصمة وإلا بطلت ويكون النبي –صلى الله عليه وسلم- قد قال حديثاً في وقت فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كف عنه وصار ماله ودمه معصوماً، ثم بين النبي –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الآخر أن القتال ممدود إلى الشهادتين، فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" فبين أن تمام العصمة وكمالها إنما يحصل بذلك، ولأن لا تقع الشبهة بأن مجرد الإقرار يعصم على الدوام كما وقعت لبعض الصحابة حتى جلاها أبو بكر الصديق –رضي الله عنه-، ثم وافقوه –رضي الله عنهم-.
انتهى.
ومما يبين فساد قولكم وخطأ فهمكم في معنى حديث أبي هريرة أن الصحابة –رضي الله عنهم- أجمعوا على قتال مانعي الزكاة بعد مناظرة حصلت بين أبي بكر الصديق وعمر –رضي الله عنهما-، واستدل على أبي كب بحديث أبي هريرة، فبين صديق الأمة –رضي الله عنه- أن الحديث حجة على قتال من منع الزكاة فوافقه عمر وسائر الصحابة وقاتلوا مانعي الزكاة وهم يشهدون أن لا
إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون، ونحن نسوق الحديث ثم نذكر كلام العلماء عليه ليتبين لكم أن فهمكم الفاسد لم يقل به أحد من العماء وأنه فهم مشوم مذموم مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فنقول ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: لما توفي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فقال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق للمال، فوالله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لأقاتلهم على منعه، قال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق، وهذا الحديث خرجه البخاري في كتاب الزكاة ومسلم في كتاب الإيمان وهو من أعظم الأدلة على فساد قولكم، فغن الصديق –رضي الله عنه- جعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب، وقد تكلم النووي –رحمه الله تعالى- في شرح صحيح مسلم، فقال: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي –صلى الله عليه وسلم- وأن من قال ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها، ووكلت سريرته إلى الله تعالى، وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام واهتمام الإمام بشرائع الإسلام، ثم ساق الحديث ثم قال: قال الخطابي في شرح هذا الكلام كلام حسن لا بد من ذكره لما فيه من الفوائد قال –رحمه الله-: مما يجب تقديمه في هذا أن يعلم أن أهل الردة كانوا إذ ذاك صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر هم، وهم الذين عنى أبو هريرة بقوله من كفر من العرب والصنف
الآخر فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع، فإنهم جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف، ووقعت الشبهة لعمر –رضي الله عنه- فراجع أبا بكر –رضي الله عنه- وناظره واحتج عليه بقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله" وأن هذا كان من عمر تعلقاً بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل في شرائطه، فقال أبو بكر: الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم ثم قايسه بالصلاة وردوا الزكاة إليها وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة –رضي الله عنهم-، ولذلك ردوا المختلف فيه إلى المتفق عليه، فلما استقر عندهم صحة رأي أبي بكر –رضي الله عنه- وبان لعمر صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال، عرفت أنه الحق، يريد انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان للقتال، عرفت أنه الحق، يريد انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصاً ودلالة.
انتهى.
فتأمل هذا الباب الذي ذكره النووي –رحمه الله تعالى- وهو إمام الشافعية على الإطلاق تجده صريحاً في رد شبهتكم أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله يباح دمه وماله، وأن ترك الصلاة والزكاة فالترجمة نفسها صريحة في قولكم، فإنه صرح بالأمر بالقتال على ترك الصلاة، ومنع الزكاة، وتأمل
ما ذكره الخطابي أن الذين منعوا الزكاة منهم من كان يسمح بها ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم كبني يربوع فإنهم أرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم، وأنه عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر في هؤلاء، ثم أن غمر وافق أبا بكر على قتالهم، وتأمل قوله واحتج عمر بقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وكان هذا من عمر تعلقاً بظاهر الكلام قبل أن ينظر إلى آخره ويتأمل شرائطه، وتأمل قوله: إن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة، وقد أشار الخطابي إلى أن حديث أبي هريرة مختصر.
قال النووي –رحمه الله- قال الخطابي: ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر أن عبد الله بن عمر وأنس –رضي الله تعالى عنهما- روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة ففي حديث ابن عمر عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وفي رواية أنس "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" انتهى.
قلت: وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب من طريق أبي هريرة وروايته أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا قالوا ذلكط عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، وفي استدلال أبي بكر واعتراض عمر –رضي الله عنهما-، دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة وكان
هؤلاء الثلاثة سمعوا الزيادة في رواياتهم في مجلس آخر، فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف ولما احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة حجة عليهم، ولو سمع أبي بكر هذه الزيادة لاحتج بها ولما احتج بالقياس والعموم، والله أعمل.
انتهى كلام النووي.
فتأمل ما ذكره عن الخطابي تجده صريحاً في رد قولكم، وتأمل قوله فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف ولما احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة حجة عليهم، وبالجملة فحديث أبي هريرة حجة عليكم لا لكم ولو لم يكن فيه إلا قوله إلا بحقها لكان كافياً في بطلان شبهتكم، فإن الصلاة والزكاة من أعظم حقوق لا إله إلا الله، بل هما أعظمهما على الإطلاق، ومما يدل على بطلان قولكم وفساد فهمكم في معنى هذا الحديث، أعني حديث أبي هريرة "أمرت أن أقاتل حتى يقولوا لا إله إلا الله" أن جميع الشراح والمحشين لم يؤولوه على هذا التأويل الذي ذهبتم إليه، فإنه حديث صحيح مخرج في الصحاح وهؤلاء شراح البخاري ومحشوه نحو أربعين كما نبه عليه القسطلاني في خطبة شرح البخاري، وكذا شراح مسلم هل أحد منهم استدل به على ترك قتال من ترك الفرائض، بل الذي ذكروه خلاف ما ذهبتم إليه ولم يكن إلا احتجاج عمر به على أبي بكر ثم موافقته لأبي بكر على قتال مانعي الزكاة لكان كافياً ونحن نذكر لكم كلام الشراح عذراً ونذراً، قال النووي –رحمه الله تعالى- قوله –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى".
قال الخطابي: معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف، قال: ومعنى حسابه على الله تعالى فيما يسرونه ويخفونه قال: ففيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر
يقبل إسلامه أي في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكي ذلك عن أحمد بن حنبل، هذا كلام الخطابي، وذكره القاضي عياض –رحمه الله تعالى- معنى هذا وزاد عليه وأوضحه، فقال: اختصاص عصمة المال والنفس ممن قال لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد مشركوا العرب وأهل الأوثان من لا يوحدون وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقربا بالتوحيد فلا يكفي في عصمته بقول لا إله إلا الله إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، فلذلك في الحديث الآخر "وإني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة" هذا كلام القاضي، قلت ولا بد من الإيمان بما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به" انتهى كلام النووي.
فتأمل ما ذكره الخطابي وما ذكره القاضي عياض أن المراد بقول لا إله إلا الله التعبير عن الجائه إلى الإيمان واستدل بذلك الحديث الآخر الذي فيه: "وإني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة" وتأمل قوله أن المراد بحديث أبي هريرة مشركو العرب وغيرهم ممن لا يوحدون، وأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقول "لا إله إلا الله" إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، وتأمل قول النووي ولا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وبالجملة فقوله –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" لم نعلم أحداً من أهل العلم أجراه على ظاهره، وقال إن من قال لا إله إلا الله يكف عنه ولا يجوز قتاله وأن ترك الصلاة ومنع الزكاة، هذا لم يقل به أحد من العلماء، ولازم قولكم إن اليهود لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأن الصحابة مخطئون في قتالهم مانعي الزكاة لأنهم يقولون لا إله إلا الله، سبحان
الله ما أعظم هذا الجهل: كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، ومن العجب أنكم تقرؤون في صحيح البخاري هذا الباب في كتاب الإيمان حيث قال: باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾.
حدثنا عبد الله بن محمد السندي قال: حدثنا شعبة عن وافد بن محمد سمعت أبي يحدث عن ابن عمر –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ويشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى" ثم بعد ذلك هذه الآية والحديث الذي ذكره البخاري وبأي شيء تدفعون به هذه الأدلة؟ وقال الإمام أبو عيسى الترمذي في سننه باب أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله: حدثنا هناد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ويشهدوا أن لا إله إلا الله" الحديث ثم أردفه بحدث أبي هريرة في قتال أبي بكر لمانعي الزكاة وساق الحديث بتمامه ثم قال: باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة، حدثنا بعد بن يعقوب الطالقاني أن ابن المبارك قال: أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ويشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وليستقبلوا قبلتنا ويأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماءهم وأموالهم إلا بحقها ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين"، وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي هريرة هذا حديث حسن صحيح.
والمقصود بيان فساد هذه الشبهة التي زيفها من يدعي أنه من العلماء على
الجهلة من الناس أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مسلم لا يجوز قتله ولو ترك فرائض الإسلام، وهذا كلام الله؛ وهذا كلام رسوله وهذا كلام العلماء صريحاً في رد هذه الشبهة، بل قد دلّ الكتاب والسنة والإجماع على أن الطائفة الممتنعة تقاتل على ترك الصلاة ومنع الزكاة وإن أقروا بالوجوب كما تقدمت النصوص الدالة على ذلك، بل قد صرح العلماء أن أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة يقاتلون كما يأتي، وصرحوا أيضاً بأنهم لو تركوا إقامة صلاة الجماعة يقاتلون، وكذلك لو تركوا صلاة العيد، وعلماء حرم الله الشريف يقولون: من قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ونفسه وإن لم يصل ولم يزك.
فسبحان مقلب القلوب والأبصار، وهل هذا إلا معارضة لكلام الله ورسوله وكلام أئمة المذاهب؟ وهذا كلامهم موجود في كتبهم يصرحون بأن من ترك الصلاة قتل وأن الطائفة الممتنعة من الصلاة والزكاة والحج تقاتل حتى يكون الدين كله لله ويحكون عليه الإجماع كما صرح بذلك أئمة الحنابلة في كتبهم فإذا كانوا يصرحون أن من ترك بعض شعائر الإسلام كأهل القرية إذا تركون الأذان أو تركوا صلاة الجماعة أو تركوا صلاة العيد فإنهم يقاتلون، فكيف بمن ترك الصلاة رأساً؟ وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد عصم نفسه ودمه وإن كانوا طائفة ممتنعين من فعل الصلاة والزكاة، بل لا يؤذنون ولا يصلون ولا يزكون، بل الظاهر عندهم أنهم كافرون بالشرائع وينكرون البعث بعد الموت سبحان الله ما أعظم هذا الجهل؛ وقد ذكرنا من كلام الله وكلام رسوله وكلام شراح الأحاديث ما فيه الهدى لمن هداه الله وبينا أن العصمة شرطها التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فمن لم يأت بهذه
الثلاث لم يكف عنه ولم يخل سبيله وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".
وأما كلام الفقهاء في كتبهم فنذكره على التفصيل، أما كلام المالكية، فقال الشيخ على الأجهوري في شرح المختصر: من ترك فرضاً أخر لبقاء ركعة بسجدتها من الضروري وقتل بالسيف حداً على المشهور، وقال ابن حبيب وجماعة خارج المذهب: كافر واختاره ابن عبد السلام.
انتهى.
وقال في فصل الأذان: قال المازري في الأذان معنيان: "أحدهما" إظهار الشعائر والتعريف بأن الدار دار إسلام وهو فرض كفاية يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه إن عجز عن قهرهم على إقامته إلا بالقتال.
والثاني: الدعاء للصلاة والإعلام بوقتها.
وقال الآبي في شرح مسلم والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إن لم يسمع الأذان أغار وإلا أمسك.
وقول المصنف يقاتلون عليه ليس القتال من خصائص القول بالوجوب لأنه نص عن عياض في قول المصنف والوتر غير واجب إلا أنهم اختلفوا في التمالي على ترك السنن هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم لأن في التمالي على تركها إماتتها.
انتهى.
وقال في فصل صلاة الجمعة قال ابن رشد صلاة الجماعة مستحبة للرجل في نفسه فرض كفاية في الجملة، ويعني بقوله في الجملة أنها فرض كفاية على أهل المصر ولو تركوها قوتلوا كما تقدم.
انتهى.
وعبارة غيره وإن تركها أهل بلد قوتلوا وأهل دار أجبروا عليها.
انتهى كلام الشيخ –رحمه الله- على الأجهوري، فانظر تصريحهم أن تارك الصلاة يقتل باتفاق أصحاب مالك وإنما اختلفوا في كفره، وأن ابن حبيب وابن عبد السلام اختاروا أنه يقتل كافراً وتأمل كلامهم في الطائفة الممتنعة عن الأذان وعن إقامة الجماعة في المساجد أنهم يقاتلون، فأين هذا من قولكم إن من ترك الفرائض مع الإقرار بوجوبها لا يحل قتالهم؟ لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأما كلام الشافعية فقال الإمام العلامة أحمد بن حمدان الأذرعي –رحمه الله- في كتاب "قوت المحتاج في شرح المنهاج" من ترك الصلاة جاحداً وجوبها كفر إجماعاً، وذلك جارياً في كل جحود مجمع عليه معلوم من الدين ضرورة، فإن تركها كسلاً قتل جداً على الصحيح المشهور، أما قتله فلأن الله تعالى أمر بقتل المشركين ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فدل على أن القتل لا يرفع إلا بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولما في الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ثم قال إشارات منه قتله ردة ووجد لشرذمة منهم منصور التميمي وابن خزيمة، وقضية كلام الرونق أنه كلام منصوص حيث قال: وإذا قتل ففي ماله ودفنه بين المسلمين قولان: أحدهما ما رواه الربيع عن الشافعي أن ماله يكون فيئاً ولا يدفن بين المسلمين، والثاني ما رواه المازني
عن الشافعي أن ماله لورثته ويدفن في مقابر المسلمين وقال في المستعمل سألت الربيع ما يصنع بماله إذا قتله؟ قال يكون فيئاً ومنها قول في الروضة تارك الوضوء يقتل على الصحيح جزم به الشيخ أبو حامد، وفي البيان لو صلى عرياناً مع القدرة للستر أو الفريضة قاعداً بلا عذر قتل، وكذلك لو ترك التشهد أو الاعتدال حكاه ابن الأستاذ عن البحر فإن صح طرد في سائر الأركان والشروط، ويجب أنيكون لمحله فيما أجمع عليه، ومنها لوم امتنع عن الصوم والزكاة وحبس ومنع من المفطرات، وقال إمام الحرمين يجوز أن يجعل الممتنع مما يضيق عليه كالممتنع من الصلاة يجبر عليه فإن أبى ضربت عنقه، قال المصنف والصحيح قتله بصلاة واحدة بشرط إخراجها عن وقت الضرورة.
انتهى كلام الأذرعي، فانظر في قتل من ترك الصلاة كسلاً وأن الربيع روى عن الشافعي أن ماله يكون فيئاً ولا يدفن في مقابر، وتأمل كلام أبي حامد وكلام صاحب الروضة في قتل تارك الوضوء وكلام صاحب البيان فيمن صلى عرياناً مع القدرة على السترة أو صلى الفريضة قاعداً بلا عذر أنه يقتل فأين هذا من قولكم أن من قال لا إله إلا الله كف عنه ولا يجوز قتاله بوجه من الوجوه؟ وقال الشيخ أحمد بن حجر الهيثمي في التحفة في باب حكم تارك الصلاة أن ترك الصلاة جاحداً وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلاً مع اعتقاده وجوبها قتل لآية ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وخبر "أمرت أن أقاتل الناس" لأنهما شرطان وفي الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإيتاء الزكاة لأن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا، فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة، فإنه لا يمكن فعلها بالمقاتلة، وقال في باب صلاة الجماعة: وقيل هي فرض للرجل فيجب بحيث لا يظهر بها الشعار في ذلك المحل ببادية أو غيرها
وإن لم يظهر الشعار بأن امتنعوا كلهم أو بعضهم كأهل محل من قرية كبيرة ولم يظهر الشعار إلا بهم قوتلوا يقاتلهم الإمام لإظهار هذه الشريعة الكبيرة وقال في باب الأذان: والإقامة سنة وقيل فرض كفاية فيقاتل أهل بلد تركوها أو أحدهما بحيث لم يظهر الشعائر، وفي باب صلاة العيدين، هي سنة وقيل هي فرض كفاية فعليه يقاتل أهل بلد تركوها.
انتهى كلامه في التحفة.
فانظر إلى كلامه في قتل تارك الصلاة كسلاً، وتأمل قوله إن الآية والحديث شرطان في الكف عن القتل والمقاتلة في الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن الإمام يأخذ الزكاة ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا، بل كلامه في الأذان والإقامة وأن الإمام يقاتل على تركهما وعلى ترك أحدهما على القول بأنهما فرض كفاية، وتأمل كلامه في الطائفة إذا امتنعوا من صلاة العيدين، فأين هذا من كلام من يقول إن أهل البلد والبوادي إذا قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله لم يجز قتالهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا؟ فسبحان الله ما أعظم هذا الجهل، وأما كلام الحنابلة فقال في الإقناع وشرحه في كتاب الصلاة من جحد وجوبها كفر، فإن تركها تهاوناً وتكاسلاً لا جحوداً يهدد، فإن أبى أن يصليها حتى تضايق وقت الذي بعدها وجب قتله لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فمتى ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فيبقى على إباحة القتل، ولقوله –صلى الله عليه وسلم- لمن ترك الصلاة متعمداً، فمتى ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فيبقى على إباحة القتل، ولقوله –عليه السلام: "من ترك الصلاة
متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ورسوله" رواه الإمام أحمد عن مكحول وهو مرسل جيد، ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام كالمرتد نصاً فإن تاب بفعلها وإلا قتل بضرب عنقه، لما روى جابر عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "بين الرجل وبين الكفر وترك الصلاة" رواه مسلم، وروى بريدة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "من تركها فقد كفر" رواه الخمسة وصححه الترمذي.
انتهى.
وفي باب الأذان والإقامة فغن تركهما أي الأذان والإقامة أهل بلد قوتلوا أي: قاتلهم الإمام أو نائبه حتى يفعلوها لأنهما من أعلام الدين الظاهرة, فيقاتلوا على تركهما كسلاً كصلاة العيد، وقال –رحمه الله- في باب صلاة الجماعة وهي واجبة وجوب عين فيقاتل تاركها وإن أقامها غيره لأن وجوبها على الأعيان بخلافه، وقال في باب صلاة العيدين: وهي فرض كفاية إن تركها أهل بلد يبلغون الأربعين بلا عذر قاتلهم الإمام كالأذان فإنه من شعائر الإسلام الظاهرة وفي تركهما تهاون بالدين.
وقال في باب إخراج الزكاة.
ومن منعهما؛ أي: الزكاة بخلاً بهما وتهاوناً أخذت منه قهراً كدين الآدمي وإن غيب ماله أو كتمه وأمكن أخذها بأن كان في قبضة الإمام أخذت منه من غير زيادة وإن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثة أيام وجوباً فإن تاب وأخرج كف عنه وإلا قتل لاتفاق الصحابة على قتال مانعهما.
وإن لم يكن أخذها إلا بالقتل وجب على الإمام قتاله وإن وضعهما موضعهما.
انتهى كلامه في الإقناع وشرحه.
فتأمل كلامه فيمن ترك الصلاة كسلاً من غير جحود أنه يستتاب فإن وإلا قتل كافراً مرتداً، وتأمل كلامه في أهل البلدان إذا تركوا الأذان والإقامة أو صلاة العيد أنهم يقاتلون بمجرد ترك ذلك، فهذا كلام المالكية، وهذا كلام الشافعية، وهذا كلام الحنابلة، الكل منهم قد صرح بما ذكرناه
فإذا كانوا مصرحين بقتال من التزم شرائع الإسلام إلا أنهم تركوا الأذان وتركوا صلاة الجماعة وتركوا صلاة العيد فكيف بمن ترك الصلاة رأساً كالبوادي؟ ولا يزكون ولا يصومون، بل ينكرون الشرائع وينكرون البعث بعد الموت هذا هو الغالب عليهم إلا من شاء الله وهم القليل، وإلا فأكثرهم ليس معهم من الإسلام إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله، ومع هذا يجادل علماء مكة ويقولون إنهم مسلمون، وأن دماءهم وأموالهم حرام بحرمة الإسلام وإن لم يصلوا ولم يزكوا ولم يصوموا لأنهم لا يقولون لا إله إلا الله، وهل هذا إلا رد على الله؟ حيث يقول: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وهؤلاء يقولون يخلى سبيلهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا، وفي الصحيحين عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام" وهؤلاء يقولون من قال لا إله إلا الله فقد عصم دمه وماله وإن لم يصل ولم يزك كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، فهذا كتاب الله وسنة رسوله، وهذا إجماع الصحابة على قتل من ترك الصلاة أو منع الزكاة، قال صديق الأمة أبو بكر –رضي الله عنه-: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-" وفي رواية "عناقاً لقاتلتهم على منعها" وهذا إجماع العلماء.
قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة من شريعة من شرائع الإسلام، فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة كالمحاربين وأولى.
انتهى.
قال أبو العباس –رحمه الله تعالى-: القتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى
لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، فأي طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضة أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر أو نكاح ذوات المحارم أو من التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها التي لا يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر والأذان والإقامة عند من لا يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركهما أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها.
انتهى.
فتأمل كلام الحنابلة وتصريحه بأن من امتنع عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة كالصلوات الخمس أو الصيام أو الزكاة أو الحج أو ترك المحرمات كالزنا أو شرب الخمر أو المسكرات أو غير ذلك فإنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك حتى يكون الدين كله لله ويلتزموا جميع شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائع الإسلام، وأن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الطوائف من الصحابة فمن بعدهم، فأين هذا من قولكم إن من قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ودمه وأن ترك الفرائض وارتكب المحرمات؟ بل من تأمل سيرة النبي –صلى الله عليه وسلم- وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، عرف أن قولكم هذا مضاد لما فعله النبي –صلى الله عليه وسلم- وما فعله الخلفاء الراشدون من بعده، فيا سبحان الله! ما علمتم أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قاتل اليهود وهم يقولون لا إله إلا الله، وسبى نساءهم واستحل دماءهم وأموالهم، أما علمتم
أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أراد أن يغزو بني المصطلق عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ أما علمتم أن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- حرّق الغالية مع أنهم يقولون لا إله إلا الله، أما علمتم أن الصحابة قاتلوا الخوارج بأمر نبيهم –صلى الله عليه وسلم-، مع أنه –صلى الله عليه وسلم- أخبر أن الصحابة يحقرون صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم وقراءتهم مع قراءتهم، وقال: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم" أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويؤذنون ويصلون، أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني يربوع لما منعوا الزكاة مع أنهم مقرون بوجوبها، وكانوا قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة، وفي أمر هؤلاء عرضت الشبهة لعمر –رضي الله عنه- حتى جلاها الصديق أبو بكرن وقال والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لقاتلهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق وقد تقدم ذلك مبسوطاً، وذكرنا لفظه في شرح مسلم في باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
أما علمتم أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بعث البراء إلى رجل تزوج امرأة أبيه، حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا حفص بن غياث عن أشعث عن عدي بن ثابت عن البراء –رضي الله عنه- قاتل: مر بي خالي أبو بردة ومعه لواء، فقلت إلى أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه حديث حسن غريب.
انتهى.
ولو تتبعنا الآيات والأحاديث والآثار وكلام العلماء في قتال من قال