كفاية الأخيار في حل غاية الاختصارصفحات 428-450
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطَّلَاق

صفحات 428-450
عن هذه الطبعة
عَلَم
تقي الدين الحصني
الكتاب
كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار
المؤلف
أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى الحسيني الحصني، تقي الدين الشافعي (المتوفى: 829هـ)
المحقق
علي عبد الحميد بلطجي ومحمد وهبي سليمان
الناشر
دار الخير - دمشق
الطبعة
الأولى، 1994
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إِذا عرفت هَذَا فَالْأَصْل فِي هَذَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَبَايَا أَوْطَاس لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع وَلَا غير ذَات حمل حَتَّى تحيض حَيْضَة ثمَّ لوُجُوب الِاسْتِبْرَاء سببان أَحدهمَا حُدُوث الْملك فِي الْأمة كَمَا ذكره الشَّيْخ بقوله وَمن استحدث ملك أمة فَمن ملك جَارِيَة وَجب عَلَيْهِ استبراؤها سَوَاء ملكهَا بارث أَو شِرَاء أَو هبة أَو وَصِيَّة أَو سبي أَو عَاد ملكه فِيهَا بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَو التخالف أَو الْإِقَالَة أَو الرُّجُوع فِي الْهِبَة وَإِذا عَادَتْ إِلَيْهِ بِفَسْخ كِتَابَة أَو ارْتَدَّت ثمَّ أسلمت فَإِنَّهُ يلْزمه الِاسْتِبْرَاء على الْأَصَح لزوَال ملك الِاسْتِمْتَاع وَلَو زوج أمته ثمَّ طلقت قبل الدُّخُول فَهَل يجب على السَّيِّد استبراؤها قَولَانِ وَلَو بَاعهَا بِشَرْط الْخِيَار فَعَادَت إِلَيْهِ بِفَسْخ فِي مُدَّة الْخِيَار فَفِي وجوب الِاسْتِبْرَاء خلاف الْمَذْهَب أَنه يجب إِن قُلْنَا يَزُول ملك البَائِع بِنَفس العقد وَإِلَّا فَلَا ثمَّ لَا فرق فِي الْأمة بَين أَن تكون صَغِيرَة أَو كَبِيرَة حَائِلا كَانَت أَو حَامِلا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا وَسَوَاء ملكهَا من رجل أَو امْرَأَة أَو طِفْل وَسَوَاء كَانَت مستبرأة من قبل أم لَا وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب لعُمُوم الْخَبَر مَعَ الْعلم بأنهن كَانَ فِيهِنَّ أبكار وعجائز وَالله أعلم (فرع) اشْترى زَوجته الْأمة فَهَل يجب عَلَيْهِ أَن يَسْتَبْرِئهَا وَجْهَان الصَّحِيح الْمَنْصُوص لَا ويدوم حلهَا لَكِن يسْتَحبّ ليتميز ولد النِّكَاح عَن ولد ملك الْيَمين وَقيل يجب لتجدد الْملك وَالله أعلم ثمَّ إِن كَانَت الْأمة الَّتِي حدث ملكهَا من ذَوَات الْحيض استبرأها بِحَيْضَة على الْجَدِيد الْأَظْهر للْحَدِيث وَقيل بطهر كالعدة وَإِن كَانَت مِمَّن لَا تحيض لصِغَر أَو اياس فبماذا تَعْتَد فِيهِ خلاف قيل بِثَلَاثَة أشهر لِأَنَّهُ أقل مُدَّة تدل على الْبَرَاءَة وَهَذَا مَا صَححهُ فِي التَّنْبِيه وَقيل بِشَهْر لِأَنَّهُ كقرء فِي الْحرَّة فَكَذَا فِي الْأمة وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَححهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا (فرع) وَطئهَا من يجب عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاء قبل الِاسْتِبْرَاء عصى وَلَا يَنْقَطِع الِاسْتِبْرَاء لِأَن قيام الْملك لَا يمْنَع الاحتساب فَكَذَا المعاشرة بِخِلَاف الْمُعْتَدَّة وَلَو أحبلها بِالْوَطْءِ فِي الْحيض فَانْقَطع الدَّم حلت لتَمام الْحيض وَإِن كَانَت طَاهِرَة عِنْد الْوَطْء لم ينْقض الِاسْتِبْرَاء حَتَّى تضع وَالله أعلم وَإِن كَانَت حَامِلا استبرأها بِوَضْع الْحمل لعُمُوم الْخَبَر وَظَاهر كَلَام الشَّيْخ أَنه لَا فرق بَين أَن يكون الْحمل من نِكَاح أَو شُبْهَة أَو زنا وَهُوَ مُوَافق لما حَكَاهُ الْمُتَوَلِي وَقَالَ الرَّافِعِيّ الْأَصَح وَعبارَة الرَّوْضَة التَّفْصِيل إِن ملكت بسبي كفى الْوَضع وَإِن ملكت بشرَاء وَحملهَا من زوج وَهِي فِي نِكَاحه أَو عدته أَو من وَطْء شُبْهَة فِي عدته فَالْمَشْهُور أَنه لَا اسْتِبْرَاء فِي الْحَال وَفِي وُجُوبه بعد الْعدة وَجْهَان

وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يحصل الِاسْتِبْرَاء بِالْوَضْعِ مُطلقًا وَأما حمل الزِّنَا فَفِي الِاكْتِفَاء بِوَضْعِهِ حَيْثُ يَكْتَفِي بثبات النّسَب وَجْهَان أصَحهمَا نعم وَإِن لم يكتف بِهِ وَرَأَتْ دَمًا وَهِي حَامِل وَقُلْنَا إِنَّه حيض كفى فِي الْأَصَح وَلَو ارتابت بِالْحملِ فِي مُدَّة الِاسْتِبْرَاء أَو بعده فَكَمَا فِي الْعدة وَاعْلَم أَن المرتابة الْحمل إِن كَانَ ارتيابها بعد انْقِضَاء عدتهَا سَوَاء كَانَت بالاقراء أَو الْأَشْهر يكره نِكَاحهَا والارتياب يحصل بارتفاع الْبَطن أَو حركته مَعَ ظُهُور الدَّم وَلَكِن شككنا هَل ثمَّ حمل أم لَا وَهل يَصح النِّكَاح قَولَانِ أَحدهمَا يَصح لأَنا حكمنَا بِانْقِضَاء الْعدة فَلَا تنقضه بِالشَّكِّ كَمَا لَو حصلت الرِّيبَة بعد النِّكَاح وَهَذَا هُوَ الْأَصَح فعلى هَذَا لَو ولدت لدوّنَ سِتَّة أشهر من العقد تَبينا الْبطلَان وَقيل لَا يَصح العقد لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي أعدتها بِالْحملِ فَلم تنقض أم بِغَيْرِهِ فَلَا تنْكح مَعَ الشَّك كَمَا لَو ارتاب بذلك فِي أثْنَاء الْعدة وَالله أعلم (فرع) مَذْكُور فِي الْعدَد لَو نكح شخص امْرَأَة حَامِلا من الزِّنَا صَحَّ نِكَاحه بِلَا خلاف وَهل لَهُ وَطْؤُهَا قبل الْوَضع وَجْهَان الْأَصَح نعم إِذْ لَا حُرْمَة لَهُ وَمنعه ابْن الْحداد وَالله أعلم قَالَ (وَإِذا مَاتَ سيد أم الْوَلَد استبرأت نَفسهَا بِشَهْر كالأمة) هَذَا هُوَ السَّبَب الثَّانِي مِمَّا يُوجب الِاسْتِبْرَاء وَهُوَ زَوَال الْفراش عَن مَوْطُوءَة بِملك يَمِين فَإِذا مَاتَ سيد عَن أم وَلَده وَلَيْسَت فِي زوجية وَلَا عدَّة نِكَاح لَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاء لِأَنَّهُ زَالَ عَنْهَا الْفراش فَأَشْبَهت الْحرَّة وَيكون استبراؤها بِشَهْر إِن كَانَت من ذَوَات الْأَشْهر وَإِلَّا فبحيضة إِن كَانَت من ذَوَات الْأَقْرَاء كالمتملكة وَلَو أعْتقهَا فَالْأَمْر كَذَلِك وَكَذَا لَو أعتق أمته الَّتِي وَطئهَا لزوَال الْفراش وَلَو اسْتَبْرَأَ الْأمة الْمَوْطُوءَة ثمَّ أعْتقهَا قَالَ الْأَصْحَاب لَا اسْتِبْرَاء عَلَيْهَا وَلها أَن تتَزَوَّج فِي الْحَال وَلم يطردوا فِيهِ الْخلاف فِي الْمُسْتَوْلدَة لِأَن الْمُسْتَوْلدَة يشبه فراشها فرَاش النِّكَاح وَالأَصَح فِي الْمُسْتَوْلدَة أَنه إِن استبرأها ثمَّ أعْتقهَا أَنه يجب استبراؤها وَلَو لم تكن الْأمة مَوْطُوءَة لم يكن فراشا وَلَا يجب الِاسْتِبْرَاء بإعتاقها وَلَو أعتق مُسْتَوْلدَة وَأَرَادَ أَن يَتَزَوَّجهَا قبل تَمام الِاسْتِبْرَاء جَازَ على الْأَصَح كَمَا يتَزَوَّج الْمُعْتَدَّة مِنْهُ بِنِكَاح أَو وَطْء شُبْهَة وَالله أعلم (فرع) لَا يجوز تَزْوِيج الْأمة الْمَوْطُوءَة قبل الِاسْتِبْرَاء بِخِلَاف بيعهَا لِأَن مَقْصُود النِّكَاح الْوَطْء فَيَنْبَغِي أَن يستعقب الْحل وَإِن استبرأها ثمَّ أعْتقهَا فَهَل يجوز تَزْوِيجهَا فِي الْحَال أم يحْتَاج إِلَى اسْتِبْرَاء جَدِيد زجهان يَعْنِي أم الْوَلَد أصَحهمَا يجب الِاسْتِبْرَاء وَكَلَام الرَّوْضَة هَذَا يُوهم أَن الْوَجْهَيْنِ فِي الْأمة لَا فِي أم الْوَلَد فاعرفه وَلَو اشْترى أمة وَأَرَادَ تَزْوِيجهَا قبل الِاسْتِبْرَاء فَإِن كَانَ البَائِع قد وَطئهَا لم يجز إِلَّا أَن يُزَوّجهَا بِهِ وَإِن لم يكن وَطئهَا البَائِع أَو كَانَ قد وَطئهَا واستبرأها قبل البيع أَو كَانَ الِانْتِقَال من امْرَأَة وَصبي جَازَ تَزْوِيجهَا فِي الْحَال على الْأَصَح كَمَا يجوز للْبَائِع تَزْوِيجهَا بعد الِاسْتِبْرَاء وَقيل لَا يجوز لَهُ كَمَا لَا يجوز لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا والقائلون بالأصح يلْزمهُم الْفرق

وَهَذَا الْوَجْه قوي وَنسبه الْقفال إِلَى أَكثر الْأَصْحَاب قَالَ الرَّافِعِيّ ونوقش فِي مثل هَذِه النِّسْبَة وَالله أعلم قَالَ

(فصل فِي الْمُعْتَدَّة الرَّجْعِيَّة السُّكْنَى وَالنَّفقَة وللبائن السُّكْنَى دون النَّفَقَة إِلَّا أَن تكون حَامِلا)

المعتدات أَنْوَاع مِنْهَا الرَّجْعِيَّة فلهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى بِالْإِجْمَاع ورد فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس حِين طَلقهَا ثَلَاثًا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَجْعَل لَهَا سُكْنى وَلَا نَفَقَة وَقَالَ إِنَّمَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى لمن تملك الرّجْعَة وَفِي رِوَايَة وَلَا نَفَقَة لَك إِلَّا أَن تَكُونِي حَامِلا وَفِي رِوَايَة لَا نَفَقَة لَك وَلَا سُكْنى وَكَانَت بَائِنا حَائِلا وَلِأَن الرَّجْعِيَّة زَوْجَة وَالْمَانِع من جِهَة الزَّوْج لِأَنَّهُ يقدر على إِزَالَته وكما تجب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى تجب لَهَا بَقِيَّة مُؤَن الزَّوْجَات إِلَّا آلَات التَّنْظِيف وَالله أعلم وَمِنْهَا الْبَائِن والبينونة إِن كَانَت بخلع أَو اسْتِيفَاء الطلقات الثَّلَاث فلهَا السُّكْنَى حَامِلا كَانَت أَو حَائِلا لقَوْله تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِين بِفَاحِشَة﴾ وَإِن كَانَت مُعْتَدَّة عَن وَفَاة فَفِي اسْتِحْقَاقهَا السُّكْنَى قَولَانِ أَحدهمَا لَا يجب كَمَا لَا تجب النَّفَقَة وَالْأَظْهَر الْوُجُوب لِأَن فريعة بنت مَالك أَخ أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ قتل زَوجهَا فَسَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن ترجع إِلَى أَهلهَا فَإِنَّهُ لم يَتْرُكهَا فِي مسكن يملكهُ فَأذن لَهَا فِي الرُّجُوع قَالَت فَانْصَرَفت حَتَّى إِذا كنت فِي الْحُجْرَة أَو فِي الْمَسْجِد دَعَاني فَقَالَ امكثي فِي بَيْتك حَتَّى يبلغ الْكتاب أجل قَالَت فاعتددت أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَإِن كَانَت مُعْتَدَّة عَن

نِكَاح بفرقة غير طَلَاق فِي الْحَيَاة كفسخ بِعَيْب ورضاع أَو غَيرهمَا فَفِي وجوب السُّكْنَى بِمثل تِلْكَ طرق عديدة وَاخْتلف تَرْجِيح الرَّافِعِيّ فِي ذَلِك فصحح فِي الْمُحَرر الِاسْتِحْقَاق فِي جَمِيع الصُّور فَقَالَ الْأَظْهر أَن الْمُعْتَدَّة عَن سَائِر الْفِرَاق فِي الْحَيَاة كالمطلقة وَذكر الْوُجُوب فِي الْمُطلقَة وَقَالَ فِي بَاب الْخِيَار لَا تسْتَحقّ إِن كَانَت حَائِلا على الْمَشْهُور وَكَذَا إِن كَانَت حَامِلا على أصح الْقَوْلَيْنِ وَذكر فِي أصل الرَّوْضَة هُنَا خَمْسَة طرق وَقَالَ الرَّابِع يَعْنِي الطَّرِيق الرَّابِع ذكر الْبَغَوِيّ إِن كَانَت الْفرْقَة بِعَيْب أَو غرر فَلَا سُكْنى وَإِن كَانَت برضاع أَو مصاهرة فلهَا السُّكْنَى على الْأَصَح لِأَن السَّبَب لم يكن مَوْجُودا يَوْم العقد وَلَا اسْتندَ إِلَيْهِ والملاعنة تسْتَحقّ قطعا كالمطلقة ثَلَاثًا وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَذْهَب وجوب السُّكْنَى إِذا وَقع فسخ سَوَاء كَانَ بردة أَو إِسْلَام أَو رضَاع أَو عيب وَنَحْوه وَالله أعلم (فرع) طَلقهَا وَهِي نَاشِزَة فَلَا سُكْنى لَهَا فِي الْعدة لِأَنَّهَا لَا تسْتَحقّ النَّفَقَة وَالسُّكْنَى فِي صلب النِّكَاح فَبعد الْبَيْنُونَة أولى كَذَا قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَقَالَ الإِمَام إِن طلقت فِي مسكن النِّكَاح فعلَيْهَا ملازمته لحق الشَّرْع فَإِن أطاعت اسْتحقَّت السُّكْنَى وَالله أعلم وَقَوله إِلَّا أَن تكون حَامِلا يَعْنِي الْبَائِن بخلع أَو طَلَاق ثَلَاث فلهَا النَّفَقَة إِذا كَانَت حَامِلا وَقَضِيَّة كَلَام الشَّيْخ أَن النَّفَقَة لَهَا وَهُوَ الصَّحِيح وَقيل إِنَّه للْحَمْل فعلى الصَّحِيح لَا تجب لحامل عَن وَطْء الشُّبْهَة وَلَا فِي النِّكَاح الْفَاسِد وَكَذَا أَيْضا لَا تجب النَّفَقَة لمعتدة عَن وَفَاة وَإِن كَانَت حَامِلا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة تبعا لِابْنِ عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُم وَينْفق عَلَيْهَا من التَّرِكَة حَتَّى تضع وَبِه قَالَ شُرَيْح وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَحَمَّاد وَابْن أبي ليلى وسُفْيَان وَالله أعلم قَالَ (وعَلى الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا الْإِحْدَاد وَهُوَ الِامْتِنَاع من الزِّينَة وَالطّيب) يجب الاحداد فِي عدَّة الْوَفَاة وَهُوَ مَأْخُوذ من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع لِأَنَّهَا تمنع الزِّينَة وَنَحْوهَا وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث لَيَال إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَفِي رِوَايَة لَا تحد امْرَأَة على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا فَلَا تلبس ثوبا مصبوغاً إِلَّا ثوب عصب وَلَا تكتحل وَلَا تمس طيبا إِلَّا إِذا طهرت فنبذة من قسط أَو ظفار وَلَا فرق فِي وجوب الْإِحْدَاد بَين الْمسلمَة والذمية وَلَو كَانَ زَوجهَا ذِمِّيا وَلَا بَين الْحرَّة وَالْأمة وَلَا بَين المكلفة وَغَيرهَا وَالْوَلِيّ يمْنَع الصَّغِيرَة والمجنونة مِمَّا تمْتَنع مِنْهُ

المكلفة وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَن الْمُعْتَدَّة عَن غير الْوَفَاة أَنه لَا يجب وَهُوَ كَذَلِك أما الرَّجْعِيَّة فَلِأَنَّهَا زَوْجَة فِي الْأَحْكَام نعم نَص الشَّافِعِي أَنه يسْتَحبّ وَذهب بعض الْأَصْحَاب إِلَى أَن الأولى أَن تتزين بِمَا يدعوا إِلَى رَجعتهَا وَأما الْمُطلقَة بخلع أَو اسْتِيفَاء الْعدَد فَفِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا أَنه لَا يجب الْإِحْدَاد أَيْضا لِأَنَّهَا مُعْتَدَّة عَن طَلَاق فَأَشْبَهت الرَّجْعِيَّة وَأَيْضًا فِي مجفوة بالطلاف فَلَا تكلّف التفجع بِخِلَاف الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وَالْقَدِيم أَنه يجب الْإِحْدَاد لِأَنَّهَا بَائِن مُعْتَدَّة فَأَشْبَهت الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وَأما المفسوخ نِكَاحهَا بِعَيْب وَنَحْوه فَفِيهَا طَرِيقَانِ أَحدهمَا على القَوْل فِي الْبَائِن بِالطَّلَاق وَقيل لَا يجب قطعا لِأَن الْفَسْخ إِمَّا لِمَعْنى فِيهَا أَو بمباشرتها فَلَا يَلِيق بهَا إِظْهَار التفجع هَذَا فِي الْإِحْدَاد وَأما كيفيته فَهُوَ ترك الزِّينَة بالثياب والحلي وَالطّيب أما الثِّيَاب فَلَا يحرم جنس الْقطن وَالصُّوف والوبر وَالشعر بل يجوز لبس المنسوج مِنْهَا على ألوانها الخلقية وَكَذَا الْكَتَّان والقصب والديبقي من أصل وَإِن كَانَت نفيسة ناعمة لِأَن نفاستها وحسنها من أصل الْخلقَة لَا من زِينَة دخلت عَلَيْهَا وَأما الابريسم فَلم ينْقل فِيهِ نَص عَن الشَّافِعِي وَهُوَ عِنْد مُعظم الْأَصْحَاب كالكتان وَغَيره إِذا لم يحدث فِيهِ زِينَة وَقَالَ الْقفال يحرم الإبريسم قلت إِطْلَاق جَوَاز لبس الصُّوف بأنواعه وَكَذَا الديبقي وَنَحْوه صَحِيح عَن أهل الثروة من المدن وَغَيرهم أما غير أهل الثوره لاسيما المستثعثين من أهل الْبَوَادِي فَيتَّجه الْجَزْم بِتَحْرِيم ذَلِك عَلَيْهِم وَأي نِسْبَة بَين ثوب كرباس مصبوغ إِلَى صوف مربع وَقد قَالَ فِي الْبَحْر إِن الحلى من الصفر وَنَحْوه إِن كَانَ فِي قوم يتزينون بِهِ حرم وَإِلَّا فَلَا يَنْبَغِي أَن يُرَاعى عَادَة اللابس وَمحله مَا يحصل بِهِ الزِّينَة عِنْدهم دون مَا لَا يحصل وَالله أعلم وَأما مَا لَا يحرم فِي جنسه لَو صبغ ينظر فِي صبغه إِن كَانَ مِمَّا يقْصد بِهِ الزِّينَة غَالِبا كالأحمر والأصفر فَلَيْسَ لَهَا لبسه وَلَا فرق بَين أَن يكون لينًا أَو خشناً فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَنَصّ عَلَيْهِ فِي الْأُم وَيدخل فِي هَذَا الديباج المنقش وَالْحَرِير الملون فيحرمان والمصبوغ غزله قبل النسج كالبرود وَهُوَ حرَام على الْأَصَح كالمصبوغ بعد النسج وَإِن كَانَ الصَّبْغ مِمَّا لَا يقْصد مِنْهُ الزِّينَة بل يصْبغ للمصيبة وَاحْتِمَال الْوَسخ كالأسود والكحلي فلهَا لبسه وَهُوَ أبلغ فِي الْحداد بل حكى الْمَاوَرْدِيّ وَجها أَنه يلْزمهَا لبس السوَاد فِي الْحداد وَإِن كَانَ الْمَصْبُوغ متردداً بَين الزِّينَة وَغَيرهَا كالأزرق فَإِن كَانَ براقاً فِي اللَّوْن فَحَرَام وَإِن كَانَ كدراً أَو أكهب وَهُوَ الَّذِي يضْرب إِلَى الغبرة جَازَ وَأما الطّراز على الثَّوْب جَازَ وَأما الطّراز على الثَّوْب فَإِن كَانَ كثيرا فَحَرَام وَإِلَّا فأوجه ثَالِثهَا إِن نسج مَعَ الثَّوْب جَازَ وَإِن ركب حرم لِأَنَّهُ مَحْض زِينَة وَالله أعلم وَأما الْحلِيّ فَيحرم عَلَيْهَا لبسه سَوَاء فِيهِ السوار والخلخال والخاتم وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَبِهَذَا

قطع الْجُمْهُور وَقَالَ الإِمَام يجوز لَهَا أَن تتختم بِخَاتم الْفضة كَالرّجلِ وَفِي اللالي تردد الإِمَام وبالتحريم قطع الْغَزالِيّ وَهُوَ الاصح وَالله أعلم وَأما الطّيب فَيحرم عَلَيْهَا فِي بدنهَا وثيابها وَيحرم عَلَيْهَا دهن رَأسهَا وَيجوز لَهَا دهن الْبدن بِمَا لَا طيب فِيهِ كالدهن والشيرج وَلَا يجوز بِمَا فِيهِ طيب كدهن البان والبنفسج وَيحرم عَلَيْهَا أكل طَعَام فِيهِ طيب وَأَن تكتحل بِمَا فِيهِ طيب وَأما لَا طيب فِيهِ فَإِن كَانَ أسود وَهُوَ الإثمد فَحَرَام لِأَنَّهُ زِينَة وَلَا فرق بَين الْبَيْضَاء والسوداء وَفِي وَجه يجوز للسوداء وَالصَّحِيح الأول لإِطْلَاق الْأَحَادِيث فَإِذا احْتَاجَت إِلَى الاكتحال بِهِ لرمد وَغَيره اكتحلت بِهِ لَيْلًا ومسحته نَهَارا فَإِن دعت ضَرُورَة إِلَى الِاسْتِعْمَال نَهَارا جَازَ وَيجوز اسْتِعْمَاله فِي غير الْعين إِلَّا الْحَاجِب فَإِن زِينَة وَأما الْكحل الْأَصْفَر وَهُوَ الصَّبْر فَحَرَام على السَّوْدَاء وَكَذَا على الْبَيْضَاء على الْأَصَح لِأَنَّهُ يحسن الْعين وَيحرم الاسفيداج وَكَذَا الخضب بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوه فِيمَا يظْهر من الْبدن كاليدين وَالرّجلَيْنِ وَالْوَجْه قَالَ الإِمَام وتجعيد الأصداغ وتصفي الطرة لَا نقل فِيهِ وَلَا يمْتَنع أَن يكون كالحلي وَيجوز للمحدة التزين فِي الْفراش والبسط وأثاث الْبَيْت لِأَن الْحداد فِي الْبدن لَا فِي الْفراش وَيجوز لَهَا التَّنْظِيف بِغسْل الرَّأْس والامتشاط وَدخُول الْحمام وقلم الْأَظْفَار وَإِزَالَة الأوساخ لِأَنَّهَا لَيست من الزِّينَة وَالله أعلم (فرع) يجوز الْإِحْدَاد على غير الزَّوْج ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا دونهَا للْحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَقَدّم وَقد صرح بذلك الْغَزالِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَالله أعلم قَالَ (وعَلى الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا والمبتوتة مُلَازمَة الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة) يجب على الْمُعْتَدَّة مُلَازمَة مسكن الْعدة فَلَا يجوز لَهَا أَن تخرج مِنْهُ وَلَا إخْرَاجهَا إِلَّا لعذر نَص عَلَيْهِ الْقُرْآن الْعَظِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ فَلَو اتّفق الزَّوْجَانِ على أَن تنْتَقل إِلَى منزل آخر بِلَا عذر لم يجز وَكَانَ للْحَاكِم الْمَنْع من ذَلِك لِأَن الْعدة حق الله تَعَالَى وَقد وَجَبت فِي ذَلِك الْمنزل فَكَمَا لَا يجوز إبِْطَال أصل الْعدة كَذَلِك لَا يجوز إبِْطَال صفاتها وَقَوله إِلَّا لحَاجَة يَعْنِي يجوز الْخُرُوج وَالْحَاجة أَنْوَاع مِنْهَا إِذا خَافت على نَفسهَا أَو مَالهَا من هدم أَو حريق أَو غرق سَوَاء فِي ذَلِك عدَّة الْوَفَاة وَالطَّلَاق وَكَذَا لَو لم تكن الدَّار حَصِينَة وخافت اللُّصُوص أَو كَانَت بَين فسقة تخَاف على نَفسهَا أَو كَانَت تتأذى بالجيران والأحماء تأذياً شَدِيدا وَلَو كَانَت تبذو وتستطيل بلسانها عَلَيْهِم جَازَ إخْرَاجهَا وتتحرى الْقرب من مسكن الْعدة وَمِنْهَا إِذا احْتَاجَت إِلَى شِرَاء طَعَام أَو قطن أَو بيع غزل وَنَحْوه فَينْظر إِن كَانَت رَجْعِيَّة فَهِيَ زَوْجَة فَعَلَيهِ الْقيام بكفايتها بِلَا خلْوَة وَلَا تخرج إِلَّا بِإِذن قَالَ الْمُتَوَلِي إِلَّا إِذا كَانَت حَامِلا وَقُلْنَا تسْتَحقّ النَّفَقَة

فَلَا يُبَاح لَهَا الْخُرُوج وَمِنْهَا إِذا كَانَ الْمسكن مستعاراً وَرجع الْمُعير أَو مُسْتَأْجرًا وَمَضَت الْمدَّة وطالبه الْمَالِك فَلَا بُد من الْخُرُوج وَمِنْهَا إِذا لَزِمَهَا حق فَإِن كَانَ يُمكن اسْتِيفَاؤهُ فِي الْبَيْت كَالدّين فعل فِيهِ وَإِن لم يكن واحتيج فِيهِ إِلَى الْحَاكِم فَإِن كَانَت بَرزَة خرجت ثمَّ عَادَتْ إِلَى الْمسكن وَإِن كَانَت مخدرة بعث الْحَاكِم إِلَهًا نَائِبا أَو حضر بِنَفسِهِ وَلَا تعذر فِي الْخُرُوج لأغراض تعد من الزِّيَادَات دون الْأُمُور الْمُهِمَّات كالزيارة والعمارة واستنماء المَال بِالتِّجَارَة وتعجيل حجَّة الْإِسْلَام وزيارة بَيت الْمُقَدّس وقبور الصَّالِحين وَنَحْو ذَلِك فَهِيَ عاصية بذلك وَالله أعلم (فرع) يحرم على الزَّوْج مساكنة الْمُعْتَدَّة فِي الدَّار الَّتِي تَعْتَد فِيهَا ومداخلتها لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْخلْوَة وخلوته بهَا كخلوة الْأَجْنَبِيَّة وَكثير من الجهلة لَا يرَوْنَ ذَلِك حَرَامًا وَيَقُول هِيَ مطلقتي وَهُوَ يعرف الْحَال فَإِن اعْتقد حلّه بعد مَا عرف كفر فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضربت عُنُقه وَكَذَا حكم العكامين الَّذين يحجون مَعَ النِّسَاء لَا يحل لَهُم الْخلْوَة بِهن وَلَا يقْتَدى فِي ذَلِك بِمن يَفْعَله من المتفقهة فَإِن ذَلِك حرَام حرَام حرَام الْبَتَّةَ وَالله أعلم (فرع) مَضَت مُدَّة من الْعدة أَو كلهَا وَلم تطلب حق السكن سقط وَلم يصر دينا فِي ذمَّته نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَنَصّ أَن نَفَقَة الزَّوْجَة لَا تسْقط بِمُضِيِّ الزَّمَان بل تصير دينا فِي ذمَّته فَقيل قَولَانِ وَالْمذهب تَقْرِير النصين وَالْفرق أَن النَّفَقَة تجب بالتمكين وَقد وجد وَالسُّكْنَى لصيانة مَا بِهِ على مُوجب نظره وَلم يتَحَقَّق وَحكم السُّكْنَى فِي صلب النِّكَاح كَمَا ذكرنَا فِي الْعدة وَالله أعلم قَالَ

بَاب الرَّضَاع

فصل فِي الرَّضَاع إِذا أرضعت الْمَرْأَة بلبنها ولدا صَار الرَّضِيع وَلَدهَا بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون لَهُ دون الْحَوْلَيْنِ وَالثَّانِي أَن ترْضِعه خمس رَضعَات متفرقات الرَّضَاع بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وَيُقَال رضع بِكَسْر الضَّاد يرضع بِفَتْحِهَا وَبِالْعَكْسِ وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب

ثمَّ الرضَاعَة الْمُحرمَة لَهَا أَرْكَان مِنْهَا الْمُرضعَة وَلها ثَلَاث شُرُوط الأول كَونهَا امْرَأَة فلبن الْبَهِيمَة لَا يتَعَلَّق بِهِ تَحْرِيم فَلَو شربه صغيران لم يثبت بَينهمَا أخوة وَكَذَا لبن الرجل لَا يحرم على الصَّحِيح الشَّرْط الثَّانِي كَونهَا حَيَّة فَلَو ارتضع صَغِير من ميتَة أَو حلب مِنْهَا لم يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم مَا لَا يثبت حكم الْمُصَاهَرَة بِوَطْء الْميتَة وَلَو حلب لبن حَيَّة ثمَّ أوجر الصَّبِي بعد مَوتهَا حرم على الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي الشَّرْط الثَّالِث كَونهَا مُحْتَملَة للولادة فَلَو ظهر لصغيرة دون تسع سِنِين لبن لم يحرم وَإِن كَانَت بنت تسع سِنِين حرم وَإِن لم يحكم بِالْبُلُوغِ لِأَن احْتِمَال الْبلُوغ قَائِم وَالرّضَاع كالنسب فَيَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمَال وَلَا فرق فِي الْمُرضعَة بَين كَونهَا مُزَوّجَة أم لَا وَلَا بَين كَونهَا بكرا أم لَا وَقيل لَا يحرم لبن الْبكر وَالصَّحِيح أَنه يحرم وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَمِنْهَا أَي من أَرْكَان الرَّضَاع اللَّبن وَلَا يشْتَرط لثُبُوت التَّحْرِيم بَقَاء اللَّبن على هَيْئَة حَالَة انْفِصَاله عَن الثدي فَلَو تغير بحموضة أَو انْعِقَاد أَو أغلاه أَو صَار جبنا أَو أقطا أَو زبداً أَو مخيضاً وَأطْعم الصَّبِي حرم لحُصُول اللَّبن إِلَى الْجوف وَحُصُول التغذية بِهِ وَلَو خلط بِغَيْرِهِ نظر إِن كَانَ اللَّبن غَالِبا تعلّقت الْحُرْمَة بالمخلوط وَيشْتَرط أَن يكون اللَّبن قدرا يسْقِي مِنْهُ الْوَلَد خمس رَضعَات على الْمَذْهَب وَمِنْهَا أَي من الْأَركان المخل وَهِي معدة الصَّبِي الْحَيّ وَمَا فِي معنى الْعدة فَهَذِهِ ثَلَاثَة قيود الأول الْمعدة فالوصول إِلَيْهَا يثبت التَّحْرِيم سَوَاء ارتضع الطِّفْل أَو حلب أَو أوجر أَو صب فِي أَنفه فوصل إِلَى جَوْفه ودماغه حرم على الْمَذْهَب بِخِلَاف مَا إِذا احتقن بِهِ أَو كَانَ فِي بَطْنه جِرَاحَة فصب فِيهَا فوصل إِلَى الْجوف لم يثبت التَّحْرِيم على الْأَظْهر وَلَو ارتضع وتقيأ فِي الْحَال ثَبت التَّحْرِيم على الصَّحِيح الْقَيْد الثَّانِي كَون الصَّغِير دون الْحَوْلَيْنِ فَإِن بلغ سنتَيْن فَلَا أثر لارتضاعه ويعتبران بِالْأَهِلَّةِ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا رضَاع إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَفِي رِوَايَة لَا يحرم من الرَّضَاع إِلَّا مَا فتق الأمعاء فِي الثدي وَكَانَ قبل الْفِطَام الْقَيْد الثَّالِث حَيَاة الرَّضِيع فَلَا أثر للوصول إِلَى معدة الصَّغِير الْمَيِّت ثمَّ شَرط الرضَاعَة الْمُحرمَة خمس رَضعَات هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقيل يثبت برضعة وَاحِدَة وَقيل بِثَلَاث وَبِه قَالَ ابْن الْمُنْذر وَجَمَاعَة وَحجَّة الصَّحِيح قَول عَائِشَة

رَضِي الله عَنْهَا قَالَت كَانَ فِيمَا أنزل الله تَعَالَى من الْقُرْآن عشر رَضعَات مَعْلُومَات يحرمن ثمَّ نسخن بِخمْس مَعْلُومَات فَتوفي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهن فِيمَا يقْرَأ من الْقُرْآن وَفِي رِوَايَة لَا تحرم المصة وَلَا المصتان 2 وَلَا الرضعة وَلَا الرضعتان ثمَّ شَرط الرضعات أَن يكن متفرقات وَالرُّجُوع فِي الرضعة والرضعتين إِلَى الْعرف فَمَتَى تخَلّل فصل كثير تعدّدت الرضعات فَلَو رضع ثمَّ قطع إعْرَاضًا واشتغل بِشَيْء آخر ثمَّ عَاد وارتضع فهما رضعتان وَلَو قطعت الْمُرضعَة رضاعه ثمَّ عَادَتْ إِلَى الارضاع فهما رضعتان على الْأَصَح كَمَا لَو قطع الصَّبِي وَلَا يحصل التَّعَدُّد بِأَن يلفظ الصَّغِير الثدي ثمَّ يعود إِلَى التقامه فِي الْحَال وَلَا بِأَن يتَحَوَّل من ثدي إِلَى آخر أَو تحوله الْمُرضعَة لنفاد مَا فِي الأول وَلَا بِأَن يلهو عَن الامتصاص وَلَا بِأَن يقطع للتنفس وَلَا بتخلل النومة الْخَفِيفَة وَلَا بِأَن تقوم الْمُرضعَة وتشتغل بشغل خَفِيف ثمَّ تعود إِلَى الْإِرْضَاع فَكل ذَلِك رضعة وَاحِدَة وَالله أعلم (فرع) أرضعت صَغِيرا وَشَكتْ هَل أَرْضَعَتْه خمْسا أم أقل وَهل وصل اللَّبن إِلَى جَوْفه أم لَا فَلَا تَحْرِيم وَلَا يخفى الْوَرع وَلَو تحققت أَنَّهَا أَرْضَعَتْه خمْسا وَلَكِن شكت هَل هِيَ فِي الْحَوْلَيْنِ أم بَعْضهَا فَلَا تَحْرِيم أَيْضا على الرَّاجِح وَالله أعلم قَالَ (وَيصير زَوجهَا أَبَا لَهُ) هَذَا مَعْطُوف على قَوْله صَار الرَّضِيع وَلَدهَا فَإِذا حذف المتخلل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ يبْقى الْكَلَام صَار الرَّضِيع وَلَدهَا وَيصير زَوجهَا أَبَا لَهُ وَحجَّة ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن أَفْلح أَخا أبي القعيس اسْتَأْذن عَليّ بعد مَا أنزل الْحجاب فَقلت وَالله مَا آذن لَهُ حَتَّى اسْتَأْذن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن أَخا أبي القعيس لَيْسَ هُوَ أرضعني إِنَّمَا أرضعتني امْرَأَة أبي القعيس فَدخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت يَا رَسُول الله إِن الرجل لَيْسَ هُوَ أرضعني وَإِنَّمَا أرضعتني امْرَأَته فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ائذني لَهُ فَإِنَّهُ عمك تربت يَمِينك قَالَ عُرْوَة فَلذَلِك كَانَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقول حرمُوا من الرضَاعَة مَا يحرم من النّسَب وَأَبُو القعيس زوج أمهَا من الرضَاعَة فَهُوَ أَبوهَا لِأَن اللَّبن لَهُ وأفلح أَخُوهُ فَهُوَ عَمها وَقَوْلها إِنَّمَا أرضعتني امْرَأَته الضَّمِير رَاجع إِلَى أخي أَفْلح وَفِي رِوَايَة إِن الرضَاعَة تحرم مَا تحرم الْولادَة وَفِي رِوَايَة يحرم من الرضَاعَة مَا يحرم

من الْولادَة وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تربت يَمِينك فِي معنى ذَلِك خلاف منتشر جدا للسلف وَالْخلف من جَمِيع الطوائف قَالَ النَّوَوِيّ وَالأَصَح الْأَقْوَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهَا كلمة أَصْلهَا افْتَقَرت يَمِينك وَلَكِن الْعَرَب اعتادت اسْتِعْمَالهَا غير قاصدة حَقِيقَة مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ مثل قَاتله الله مَا أشجعه وَلَا أم لَهُ وَلَا أَبَا لَهُ وويل أمه وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم قَالَ (وَيحرم على الْمُرْضع التَّزْوِيج إِلَى من ناسبها وَيحرم عَلَيْهَا التَّزْوِيج إِلَى الْمُرْضع وَولده دون من كَانَ فِي دَرَجَته أَو أَعلَى طبقَة مِنْهُ) الْكَلَام الْآن فِيمَن يحرم بِالرّضَاعِ وَلَا شكّ أَن قطب ذَلِك الرَّضِيع والمرضع وَكَذَا الْفَحْل الَّذِي لَهُ اللَّبن ثمَّ تَنْتَشِر الْحُرْمَة مِنْهُم إِلَى غَيرهم فَيحرم على الْمُرْضع بِفَتْح الضَّاد أَن يتَزَوَّج بِمن ناسب الْمُرضعَة أَي من انتسب إِلَيْهَا بِالنّسَبِ أَو بِالرّضَاعِ وَولده وَإِن سفل وَمن انتسب إِلَيْهِ وَإِن علا لِأَن الرَّضِيع وَولده وَإِن سفل أبناؤها إِمَّا على سَبِيل الْحَقِيقَة أَو الْمجَاز كأبناء النّسَب وَإِذا صدقت النِّسْبَة حرم على الشَّخْص أَن يتَزَوَّج أُخْته أَو بنت أُخْته أَو بنت أَخِيه وَإِن نزلت وَكَذَا يحرم عَلَيْهِ أَن يتَزَوَّج أم أمه وَأم أَبِيه من الرَّضَاع وَإِن علت لِأَنَّهُمَا أما أمه وَأَبِيهِ حَقِيقَة أَو مجَازًا وَنِكَاح تِلْكَ حرَام وَإِن علت فِي الرَّضَاع كالنسب وَكَذَا يحرم عَلَيْهَا أَن تتَزَوَّج بالمرضع أَي بالرضيع وبولده وَإِن سفل لِأَنَّهَا أمّهم وَإِن سفلوا دون من فِي دَرَجَته لِأَن أخوة الرَّضِيع إِذا لم يرضعوا فهم أجانب مِنْهَا وَكَذَا لَا يحرم من هُوَ أَعلَى من فِي دَرَجَة الرَّضِيع كأعمامه وَالْحَاصِل أَن كل مَا حرم من النّسَب حرم بِالرّضَاعِ للأدلة الْمُتَقَدّمَة وَاسْتثنى بَعضهم مسَائِل تحرم فِي النّسَب وَقد لَا تحرم فِي الرَّضَاع فَمنهمْ من صحّح الِاسْتِثْنَاء وَمِنْهُم من مَنعه وعَلى كل حَال فقد ذكرنَا ذَلِك مفصلا فِي فصل والمحرمات بِالنَّصِّ أَربع عشرَة فَرَاجعه وَالله أعلم قَالَ

بَاب النَّفَقَة

فصل وَنَفَقَة الْأَهْل وَاجِبَة للْوَالِدين والمولودين فَأَما الوالدون فَتجب نَفَقَتهم بِشَرْطَيْنِ الْفقر والزمانة والفقر وَالْجُنُون وَأما المولودون فَتجب نَفَقَتهم بِشُرُوط الْفقر والصغر والفقر والزمانة والفق وَالْجُنُون النَّفَقَة مَأْخُوذَة من الْإِنْفَاق والإخراج ويوجبها ثَلَاثَة أَسبَاب الْقَرَابَة وَالْملك والزوجية أما السببان الأخيران فيوجبان للمملوك على الْمَالِك وللزوجة على الزَّوْج وَلَا عكس وَأما السَّبَب الأول

وَهُوَ الْقَرَابَة فَيُوجب لكل مِنْهُم على الآخر لشمُول البعضية والشفقة وَلِهَذَا إِنَّمَا تجب بِقرَابَة البعضية وَهِي الْأُصُول وَالْفُرُوع فَيجب للوالد على الْوَلَد وَإِن علا وللولد على الْوَالِد وَإِن سفل لصدق الْأُبُوَّة والبنوة وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث وَلَا بَين الْوَارِث وَغَيره وَلَا فرق بَين اتِّفَاق الدّين وَالِاخْتِلَاف فِيهِ وَفِي وَجه لَا تجب على مُسلم نفقه كَافِر وَالدَّلِيل على وجوب الانفاق لى الْوَالِدين قَوْله تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أطيب مَا يَأْكُل الرجل من كَسبه وَولده من كَسبه يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ يَعْنِي وَلَده وَقد رُوِيَ إِن أَوْلَادكُم هبة من الله وَأَمْوَالهمْ لكم إِذا احتجتم إِلَيْهَا والأجداد والجدات ملحقون بالأبوين إِن لم يدخلُوا فِي عُمُوم الْأُبُوَّة كَمَا ألْحقُوا بهما فِي الْعتْق وَسُقُوط الْقصاص وَغَيرهمَا لوُجُود البعضية وَإِنَّمَا تجب نَفَقَة الْوَالِدين بِشُرُوط مِنْهَا يسَار الْوَلَد والموسر من فضل عَن قوته وقوت عِيَاله فِي يَوْمه وَلَيْلَته مَا يصرفهُ إِلَيْهِمَا فَإِن لم يفضل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لاعساره وَيُبَاع فِي نَفَقَة الْقَرِيب مَا يُبَاع فِي الدّين من الْعقار وَغَيره لِأَنَّهَا حق مَالِي لَا بدل لَهُ فَأشبه الدّين وَلَو كَانَ الْوَلَد لَا مَال لَهُ إِلَّا أَنه يقدر على الِاكْتِسَاب وَيحصل مَا يفضل عَن كِفَايَته فَهَل يُكَلف الْكسْب فِي خلاف قيل لَا كَمَا لَا يُكَلف الْكسْب لقَضَاء الدُّيُون وَالصَّحِيح أَنه يُكَلف وَبِه قطع الْجُمْهُور لِأَنَّهُ يلْزمه إحْيَاء نَفسه بِالْكَسْبِ وَمِنْهَا أَي من الشُّرُوط أَن لَا يكون لَهما مَال فَإِن كَانَ ويكفيهما فَلَا تجب سَوَاء كَانَا زمنين أَو مجنونين أَو بهما مرض وعمى أم لَا لعدم الْحَاجة وَمِنْهَا أَن لَا يَكُونَا مكتسبين فَإِن كَانَا مكتسبين لم تجب نفقتهما لِأَن الِاكْتِسَاب بِمَنْزِلَة المَال العتيد فَلَو كَانَا صَحِيحَيْنِ إِلَّا أَنَّهُمَا غير مكتسبين فَهَل يكلفان الْكسْب فِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا فِي التَّنْبِيه لَا تجب للقدرة على الْكسْب وَالثَّانِي أَنَّهَا تجب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ وَلَيْسَ من المصاحبة بِالْمَعْرُوفِ تكليفهما الْكسْب وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَمِنْهُم من قطع بِهِ فَإِن فقدت هَذِه الشُّرُوط وَكَانَا فقيرين زمنين أَو مجنونين أَو بهما عجز من مرض أَو عمى كَمَا قَالَه الْبَغَوِيّ وَجَبت نفقتهما لتحَقّق الْحَاجة وَالله أعلم

(فرع حسن) لَو كَانَت الْأُم تقدر على النِّكَاح لِكَثْرَة الطلاب فَلَا تسْقط نَفَقَتهَا عَن الابْن فَلَو تزوجت سَقَطت فَلَو نشزت لم يلْزم الْوَلَد نَفَقَتهَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم وَأما الدَّلِيل على وجوب نَفَقَة المولودين وَإِن سفلوا ذُكُورا كَانُوا أَو إِنَاثًا فَقَوله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ الْآيَة وَفِي السّنة الشَّرِيفَة جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ إِن معي دِينَار فَقَالَ أنفقهُ على نَفسك فَقَالَ معي آخر قَالَ أنفقهُ على ولدك وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لزوجة أبي سُفْيَان فِي الحَدِيث الْمَشْهُور خذي من مَاله مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ وَيَكْفِي بنيك وَإِنَّمَا تجب النَّفَقَة لَهُم بِشُرُوط مِنْهَا يسَار الْوَالِدين كَمَا مر فِي حق الْوَلَد فَإِن لم يكن لَهما مَال وَلَكِن كَانَا ذَا كسب لَائِق بهما فَهَل يجب عَلَيْهِمَا أَن يكتسبا لنفقة الْوَلَد فِيهِ خلاف الصَّحِيح تجب وَبِه قطع الْأَكْثَرُونَ وَالثَّانِي لَا تجب وَمِنْهَا أَن لَا يكون للْوَلَد مَال وَلَا كسب فَإِن كَانَ لم تجب لعدم حَاجته سَوَاء كَانَ الْوَلَد زَمنا أَو مَجْنُونا أَو مَرِيضا أَو بِهِ عمى فَإِن كَانَ الْوَلَد أَو الْأَوْلَاد فُقَرَاء زمنين أَو فُقَرَاء مجانين أَو فُقَرَاء أطفالاً لَا يتهيأ مِنْهُم الْعَمَل وَجَبت نَفَقَتهم للآيات الدَّالَّة على ذَلِك ولعجزهم وَأوجب أَبُو ثَوْر نَفَقَتهم مَعَ الْيَسَار فَلَو كَانَت الْأَوْلَاد أصحاء إِلَّا أَنهم غير مكتسبين بِأَيْدِيهِم فَهَل تجب نَفَقَتهم وَالْحَالة هَذِه فِي خلاف وَالْأَحْسَن عِنْد الرَّافِعِيّ تجب كَمَا تجب للْأَب وَالْحَالة هَذِه وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيح عدم الْوُجُوب لِأَن الطِّفْل مَحل النَّص وَالصَّحِيح المتمكن من الْحِيلَة والتكسب لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يلْحق بِهِ بِخِلَاف الزَّمن وَالْمَجْنُون وَالله أعلم (فرع) لَو كَانَ للِابْن مَال غَائِب لزم الْوَالِد أَن ينْفق عَلَيْهِ قرضا مَوْقُوفا فَإِن قدم مَاله رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أنْفق وَإِن لم يَأْذَن الْحَاكِم إِذا قصد الرُّجُوع وَإِن هلك المَال لم يرجع بِمَا أنْفق من حِين التّلف قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم وَاعْلَم أَنه يُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَن غير الأَصْل وَالْفُرُوع لَا تجب نَفَقَتهم وَهُوَ كَذَلِك وَقَالَ أَبُو ثَوْر يلْزم الْوَارِث النَّفَقَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن النَّفَقَة لَو كَانَت على الْوَارِث للَزِمَ الْأَب ثلثا النَّفَقَة وَالأُم ثلثهَا وَلَيْسَ كَذَلِك وَالله أعلم

(فرع) نَفَقَة الْقَرِيب لَا تقدر بل هِيَ بِقدر الْكِفَايَة وتختلف بِالْكبرِ والصغر والزهادة وَالرَّغْبَة لِأَنَّهَا لتجزية الْوَقْت وَلَا يشْتَرط انْتِهَاء الْمُنفق عَلَيْهِ إِلَى حد الضَّرُورَة وَيُعْطِيه مَا يسْتَقلّ بِهِ دون مَا يسد الرمق وَتجب لَهُ الْكسْوَة وَالسُّكْنَى وَلَو احْتَاجَ إِلَى خَادِم وَجب وَلَو اندفعت هَذِه الْأُمُور بضيافة وتبرع سَقَطت وَلَا يجب عَلَيْهِ بدلهَا فَلَو سلم النَّفَقَة إِلَى الْقَرِيب فَتلفت فِي يَده أَو أتلفهَا وَجب الْإِبْدَال لَكِن إِذا أتلفهَا لزمَه الْإِبْدَال إِذا أيسر فَلَو ترك الْإِنْفَاق على قَرِيبه حَتَّى مضى زمَان لم تصر دينا سَوَاء تعدى أم لَا لِأَنَّهَا شرعت على سَبِيل الْمُوَاسَاة بِخِلَاف نَفَقَة الزَّوْجَة لِأَنَّهَا عوض وَالله أعلم قَالَ (وَنَفَقَة الرَّقِيق والبهائم وَاجِبَة بِقدر الْكِفَايَة وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَالا يُطيق) هَذَا هُوَ السَّبَب الثَّانِي مِمَّا يُوجب النَّفَقَة وَهُوَ ملك الْيَمين فَمن ملك عبدا أَو أمة لزمَه نَفَقَة رَقِيقه قوتاً وأدماً وَكِسْوَة وَسَائِر الْمُؤَن سَوَاء كَانَ قِنَا أَو مُدبرا أَو أم ولد وَسُوء كَانَ صَغِيرا أَو كَبِيرا وَسَوَاء كَانَ زَمنا أَو أعمى أَو سليما وَسَوَاء كَانَ مَرْهُونا أَو مُسْتَأْجرًا أَو غير ذَلِك لوُجُود السَّبَب الْمُوجب لذَلِك وَهُوَ ملك الْيَمين وروى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ للمملوك طَعَامه وَكسوته وَلَا يُكَلف من الْعَمَل إِلَّا مَا يُطيق وَفِي رِوَايَة كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يحبس عَمَّن يملكهُ قوته وَلِأَن السَّيِّد يملك كَسبه وتصرفه فَلَزِمته مُؤْنَته وَقد اتّفق الْعلمَاء على ذَلِك فَيلْزمهُ إطعامه ومؤنته بِقدر الْكِفَايَة وَيعْتَبر فِي ذَلِك رغبته وزهادته وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَالا يُطيق وَإِذا اسْتَعْملهُ لَيْلًا أراحه نَهَارا وَبِالْعَكْسِ ويريحه فِي الصَّيف فِي وَقت القيلولة وَمَا خفف عَنهُ فَلهُ أجره فَفِي الحَدِيث مَا خففت عَن خادمك من عمله كَانَ لَك أجر فِي موازينك وعَلى الْمَمْلُوك ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى بذل المجهود وَترك الكسل وَالله أعلم وكما يجب عَلَيْهِ مُؤنَة مَمْلُوكه كَذَا يجب عَلَيْهِ نَفَقَة دَابَّته سَوَاء فِي ذَلِك الْعلف والسقي نعم يقوم مقَام ذَلِك أَن يخليها لترعى وَترد المَاء إِن كَانَت مِمَّن ترعى وتكتفي بذلك لخصب الأَرْض وَنَحْوه وَلم يكن مَانع من ثلج وَغَيره فَإِن امْتنع من ذَلِك أجْبرهُ الْحَاكِم عَلَيْهِ وأثم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ عذبت امْرَأَة فِي هرة حبستها حَتَّى مَاتَت فَدخلت فِيهَا النَّار لَا هِيَ أطعمتها وسقتها إِذْ هِيَ حبستها وَلَا هِيَ تركتهَا تَأْكُل من خشَاش الأَرْض قَالَ والخشاش الحشرات

وَدخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَائِط رجل من الْأَنْصَار والحائط الْبُسْتَان فَإِذا فِيهِ جمل فَلَمَّا رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذرفت عَيناهُ فَأَتَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمسح عَلَيْهِ فسكن ثمَّ قَالَ من رب هَذَا الْجمل فجَاء فَتى من الْأَنْصَار فَقَالَ هُوَ لي يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْك فَقَالَ أَلا تتقي الله فِي هَذِه الْبَهِيمَة الَّتِي ملكك الله إِيَّاهَا فَإِنَّهَا تَشْكُو إِلَيّ أَنَّك تجيعه وتدأبه وَفِي رِوَايَة أَن الْجمل حن إِلَيْهِ وَلِأَن الدَّابَّة ذَات روح فَأَشْبَهت الْمَمْلُوك وَلَا يكلفها من الْعَمَل إِلَّا مَا تطِيق كالرقيق وَالله أعلم (فرع) الدَّابَّة اللَّبُون لَا يجوز نزف لَبنهَا بِحَيْثُ يضر وَلَدهَا وَإِنَّمَا يحلب مَا فضل عَن ري وَلَدهَا قَالَ الْمُتَوَلِي وَلَا يجوز الْحَلب إِذا كَانَ يضر الْبَهِيمَة لقلَّة الْعلف وَيسْتَحب أَن لَا يستقصى فِي الْحَلب ويدع فِي الضَّرع شَيْئا وَيسْتَحب أَن يقص الحالب أَظْفَاره لِئَلَّا تؤذيها وَكَذَا أَيْضا يبْقى للنحل شَيْئا من الْعَسَل فِي الكوارة وَالله أعلم قَالَ (وَنَفَقَة الزَّوْجَة الممكنة من نَفسهَا وَاجِبَة وَهِي مقدرَة إِذا كَانَ الزَّوْج مُوسِرًا فمدان من غَالب قوتها وَمن الْأدم وَالْكِسْوَة مَا جرت بِهِ الْعَادة وَإِن كَانَ مُعسرا فَمد وَمَا يتأدم بِهِ المعسرون ويكتسونه وَإِن كَانَ متوسطاً فَمد وَنصف وَمن الْأدم وَالْكِسْوَة الْوسط) قد علمت أَن أَسبَاب النَّفَقَة ثَلَاثَة الْقَرَابَة البعضية وَملك الْيَمين وَقد تقدم وَهَذَا هُوَ السَّبَب الثَّالِث وَهُوَ ملك الزَّوْجِيَّة وَلَا شكّ فِي وجوب نَفَقَة الزَّوْجَة وَقد تظاهرت الْأَدِلَّة على ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ والقيم على الْغَيْر هُوَ الْمُتَكَلف بأَمْره وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ والآيات فِي ذَلِك كَثِيرَة وَفِي السّنة الشَّرِيفَة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث هِنْد امْرَأَة أبي سُفْيَان لما جَاءَت إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَشَكتْ إِلَيْهِ أمرهَا فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ وَفِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل فَاتَّقُوا الله فِي النِّسَاء فَإِنَّكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله وَلكم عَلَيْهِنَّ أَن لَا يؤطئن فرشكم أحدا تكرهونه فَإِن فعلن ذَلِك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عَلَيْكُم رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ وَقد تركت فِيكُم مَا لن تضلوا بعدة إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كتاب الله الحَدِيث بِطُولِهِ وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على وجوب نَفَقَة الزَّوْجَة فِي الْجُمْلَة وَنَفَقَة الزَّوْجَة أَنْوَاع مِنْهَا

الطَّعَام وَهُوَ الْحبّ المقتات فِي الْبَلَد غَالِبا وَيخْتَلف الْوَاجِب بإختلاف حَال الزَّوْج فِي الْيَسَار والإعسار وَيَسْتَوِي فِي ذَلِك الْمسلمَة والذمية والحرة وَالْأمة لِأَنَّهُ عوض فعلى الْمُوسر مدان وعَلى الْمُعسر مد وعَلى الْمُتَوَسّط مد وَنصف والأعتبار بِمد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ مائَة وَثَلَاثَة وَسَبْعُونَ درهما وَثلث دِرْهَم على مَا صَححهُ الرَّافِعِيّ قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ تَفْرِيع من الرَّافِعِيّ على أَن رَطْل بَغْدَاد مائَة وَثَلَاثُونَ درهما وَالْمُخْتَار أَنه مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم وَالله أعلم وَدَلِيل التَّفَاوُت قَوْله تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أَي ضيق ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ وَأما اعْتِبَار الْحبّ المقتات فِي الْبَلَد فَلِأَن الله تَعَالَى أوجب النَّفَقَة بِالْمَعْرُوفِ وَمن الْمَعْرُوف أَن يطْعمهَا مِمَّا يَأْكُل أهل الْبَلَد وَأما وجوب الْحبّ دون غَيره من الدَّقِيق وَالْخبْز فبالقياس على الْكَفَّارَة وَسَوَاء فِي ذَلِك الْقَمْح وَالشعِير وَالتَّمْر وَكَذَا الأقط فِي أهل الْبَادِيَة الَّذين يقتاتونه وَلنَا مقَالَة إِن كَانَ الْأَغْلَب فِي بلدهما أم لَا يطحنون بِأَيْدِيهِم لم يفْرض لَهَا إِلَّا الدَّقِيق وَإِن اعتدن الطَّحْن فَلَا بَأْس بِفَرْض الْحِنْطَة وَقيل لأنظر إِلَى الْغَالِب بل إِلَى مَا يَلِيق بِحَال الزَّوْج وَالْمذهب الأول وَيجب لَهَا أُجْرَة الطَّحْن وَالْخبْز وَقيل إِن اعتادت ذَلِك لَزِمَهَا فعله وَإِلَّا فَلَا وَمِنْهَا أَي من الْأَنْوَاع الْوَاجِبَة للزَّوْجَة الْأدم وجنسه غَالب أَدَم الْبَلَد من الزَّيْت وَغَيره وَيخْتَلف باخْتلَاف الْفُصُول وَقد تغلب الْفَوَاكِه فِي أَوْقَاتهَا فَتجب وَيجب أَن يطعهما اللَّحْم وَفِي كَلَام الشَّافِعِي أَنه يطْعمهَا فِي كل أُسْبُوع رَطْل لحم وَهُوَ مَحْمُول على الْمُعسر وعَلى الْمُوسر رطلان وعَلى الْمُتَوَسّط رَطْل وَنصف وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي أَن يكون يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ أولى بالتوسع فِيهِ ثمَّ قَالَ الْأَكْثَرُونَ إِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي هَذَا على عَادَة أهل مصر لعزة اللَّحْم عِنْدهم ذَلِك الْوَقْت وَأما حَيْثُ يكثر اللَّحْم فيزاد بِحَسب عَادَة الْبَلَد وَقَالَ الْقفال وَآخَرُونَ لَا مزِيد على مَا قَالَه الشَّافِعِي فِي جَمِيع الْبِلَاد لِأَن فِيهِ كِفَايَة لمن قنع وَيجب على الزَّوْج آلَات الطَّبْخ وَالشرب كالقدر والجرة والكوز وَنَحْوهَا وَيَكْفِي كَونهَا من خزف أَو حجر أَو خشب والزيادات على ذَلِك من رعونات الْأَنْفس وَمِنْهَا أَي وَمن الْأَنْوَاع الْوَاجِبَة الإخدام فَمن لَا تخْدم نَفسهَا فِي عَادَة الْبَلَد فعلى الزَّوْج إخداهما على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور لِأَنَّهُ من المعاشرة بِالْمَعْرُوفِ فَإِن قَالَ الزَّوْج أَنا أخدمها بنفسي لم يلْزمهَا ذَلِك لِأَنَّهَا تَسْتَحي مِنْهُ فتمتنع من اسْتِيفَاء الْخدمَة وَلِأَنَّهُ عَار عَلَيْهَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل لَهُ ذَلِك وَمِنْهَا أَي من الْأَنْوَاع الْوَاجِبَة الْكسْوَة وَتجب على قدر الْكِفَايَة وتختلف بطول الْمَرْأَة وقصرها وهزلها وسمنها وباختلاف الْبَلَد فِي الْحر وَالْبرد وَلَا يخْتَلف عدد الْكسْوَة بيسار الزَّوْج وإعساره وَفِي

الْحَاوِي للماوردي أَن نسَاء أهل الْقرى إِذا جرت عادتهن أَن لَا يلبسن فِي أرجلهن شَيْئا فِي الْبيُوت لم يجب لأرجلهن شَيْء ثمَّ جنس الْكسْوَة تخْتَلف باخْتلَاف يسَار الزَّوْج وإعساره فَيجب لامْرَأَة الْمُوسر من رفيع مَا يلبس أهل الْبَلَد من قطن أَو كتَّان أَو حَرِير لِأَن الْكسْوَة مقدرَة بالكفاية فَلَا يُمكن فِيهَا الزِّيَادَة فَيرجع إِلَى تفَاوت النَّوْع لِأَنَّهُ الْعرف بِخِلَاف النَّفَقَة وَيجب لامْرَأَة الْمُعسر من غليظ الْقطن والكتنان ولامرأة الْمُتَوَسّط مَا بَينهمَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَقيل ينظر فِي الْكسْوَة إِلَى حَال الزَّوْجَيْنِ فَيلْزمهُ مَا يكسو مثله مثلهَا عَادَة وَقيل يعْتَبر حَال الزَّوْجَة وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ وَنَفَقَة الزَّوْجَة الممكنة من نَفسهَا احْتَرز بِهِ عَن غير الممكنة وَعدم التَّمْكِين يحصل بِأُمُور مِنْهَا النُّشُوز فَلَا نَفَقَة لناشز وَإِن قدر الزَّوْج على ردهَا إِلَى الطَّاعَة قهرا فَلَو نشزت بعض النَّهَار فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا شَيْء لَهَا وَالثَّانِي يجب لَهَا بقسط زمن الطَّاعَة قَالَ الرَّافِعِيّ وَالْأول أوفق بِمَا سبق وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ الرَّافِعِيّ إِلَى تَرْجِيحه وَهُوَ عدم الْوُجُوب تبعه النَّوَوِيّ هُنَا ثمَّ رجح فِي آخر النِّكَاح الْقطع بِعَدَمِ الْوُجُوب ذكره فِي أول الْبَاب الْحَادِي عشر من زِيَادَته فَقَالَ قلت الصَّحِيح الْجَزْم فِي الْحرَّة بِأَنَّهُ لَا شَيْء لَهَا فِي هَذِه الْحَالة وَالله أعلم وَلَا يشْتَرط فِي النُّشُوز الِامْتِنَاع الْكُلِّي بل لَو امْتنعت من الْوَطْء وَحده أَو من بَقِيَّة الاستمتاعات حَتَّى قبْلَة سَقَطت نَفَقَتهَا فَلَو قَالَت سلم الْمهْر لأسلم نَفسِي فَإِن جرى دُخُول أَو كَانَ الْمهْر مُؤَجّلا فَهِيَ ناشز إِذْ لَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاع وَالْحَالة هَذِه لِأَنَّهَا بِالتَّسْلِيمِ أسقطت حَقّهَا من حبس نَفسهَا فَلَو حل الْأَجَل فَهَل هُوَ كالمؤجل أَو كالحال وَجْهَان وَلم يرجح الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ هُنَا شَيْئا وَصحح فِي الرَّوْضَة والمنهاج فِي الصَدَاق تبعا للمحرر عدم الْحَبْس وَنَقله الرَّافِعِيّ فِي الصَدَاق عَن أَكثر الْأَئِمَّة لكنه صحّح فِي الشَّرْح الصَّغِير أَن لَهَا الْحَبْس وعلته أَن لَهَا الْمُطَالبَة بعد الْحُلُول كَمَا فِي الإبتداء لَكِن جزم الرَّافِعِيّ فِي نَظِيره من البيع أَنه لَا حبس للْبَائِع إِذا حل الْأَجَل وَيحْتَاج إِلَى الْفرق نعم لَو كَانَت مَرِيضَة أَو كَانَ بهَا قرح يَضرهَا الْوَطْء فَهِيَ معذورة فِي الِامْتِنَاع عَن الْوَطْء وَعَلِيهِ النَّفَقَة بِشَرْط أَن تكون عِنْده وَكَذَا لَو كَانَ الرجل عبلاً وَهُوَ كَبِير الذّكر بِحَيْثُ لَا تُطِيقهُ فَلَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاع عَن الزفاف بِعُذْر عبالته وَلها الِامْتِنَاع بِعُذْر الْمَرَض لِأَنَّهُ متوقع الزَّوَال وَلَو قَالَت لَا أمكنه إِلَى فِي بَيْتِي أَو فِي مَوضِع كَذَا فَهِيَ ناشر وهربها من بَيت الزَّوْج وسفرها بِلَا إِذْنه نشوز قَالَ النَّوَوِيّ وَلَو حبست ظلما أَو بِحَق فَلَا نَفَقَة كَمَا لَو وطِئت بِشُبْهَة فاعتدت وَالله أعلم وَمِنْهَا الصغر فَإِذا كَانَت صَغِيرَة وَهُوَ كَبِير أَو صَغِير فَلَا نَفَقَة لَهَا على الْأَظْهر وَإِن كَانَت كَبِيرَة وَهُوَ صَغِير وَجَبت النَّفَقَة على الْأَظْهر إِذْ لَا عذر مِنْهَا وَمِنْهَا الْعِبَادَات فَإِذا أَحرمت بِحَجّ أَو عمْرَة فَإذْ

أَحرمت بِإِذْنِهِ وَخرجت فقد سَافَرت فِي غَرَض نَفسهَا فَإِن سَافر الزَّوْج مَعهَا لم تسْقط نَفَقَتهَا على الْمَذْهَب وَإِلَّا سَقَطت على الْأَظْهر وَإِن أَحرمت بِغَيْر إِذْنه فَلهُ أَن يحللها من حجَّة التَّطَوُّع قطعا وَكَذَا الْفَرْض على الْأَظْهر لِأَن حَقه على الْفَوْر فَإِن لم يحللها فلهَا النَّفَقَة مَا لم تخرج لِأَنَّهَا فِي قَبضته وَهُوَ قَادر على تحليلها والاستمتاع بهَا وَقيل لَا نَفَقَة لِأَنَّهَا ناشز بالاحرام وَلَو صَامت فِي رَمَضَان فَلَا تمنع مِنْهُ وَلَا تسْقط النَّفَقَة بِحَال وَأما قَضَاء رَمَضَان فَإِن تعجل لتعديها بالافطار لم تمنع مِنْهُ وَلَا تسْقط بِهِ النَّفَقَة على الْأَصَح وَفِي جَوَاز إلزامها الْإِفْطَار إِذا شرعت فِيهِ وَجْهَان مخرجان من الْقَوْلَيْنِ فِي التَّحْلِيل من الْحَج فَإِن قُلْنَا لَا يجوز فَفِي سُقُوط النَّفَقَة وَجْهَان صحّح فِي زِيَادَة الرَّوْضَة السُّقُوط وَأما صَوْم التَّطَوُّع فَلَا تشرع فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِن أذن لم تسْقط نَفَقَتهَا وَإِن شرعت فِيهِ بِغَيْر إِذْنه فَلهُ قطعه فَإِن أفطرت فلهَا النَّفَقَة وَإِن أَبَت فَلَا نَفَقَة على الْأَصَح وَقيل تجب لِأَنَّهَا فِي دَاره وقبضته قلت وَهُوَ قوي لِأَنَّهُ مُتَمَكن من وَطئهَا والاستمتاع بهَا وَإِلَّا فَمَا الْفرق بَين الصَّوْم وَالْحج إِلَّا أَن تفرض الصُّورَة فِي امتناعها من التَّمْكِين وَفِيه نظر لِأَن السُّقُوط وَالْحَالة هَذِه إِنَّمَا هُوَ لأجل عدم التَّمْكِين وَحِينَئِذٍ فَلَا مدْخل للصَّوْم وَالله أعلم وَلَو كَانَ الصَّوْم نذرا فَإِن كَانَ نذرا مُطلقًا فَللزَّوْج منعهَا مِنْهُ على الصَّحِيح لِأَنَّهُ موسع وَإِن كَانَ أَيَّامًا مُعينَة نظر إِن نذرتها قبل النِّكَاح أَو بعده بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ منعهَا وَإِلَّا فَلهُ وَحَيْثُ قُلْنَا لَهُ الْمَنْع فشرعت فِيهِ وأبت أَن تفطر فكصوم التَّطَوُّع وَأما صَوْم الْكَفَّارَة فَهُوَ على التَّرَاخِي فَللزَّوْج منعهَا وَحَيْثُ قُلْنَا إِن الصَّوْم يسْقط فَهَل يسْقط كل النَّفَقَة أم لَا لتمكنه من الِاسْتِمْتَاع لَيْلًا وَجْهَان صحّح النَّوَوِيّ سُقُوط الْجَمِيع وَالله أعلم قَالَ (وَإِن أعْسر بنفقتها فلهَا الْفَسْخ وَكَذَا إِن أعْسر بِالصَّدَاقِ قبل الدُّخُول) إِذا عجز الزَّوْج عَن الْقيام بمؤن الزَّوْجِيَّة الموظفة عَلَيْهِ فَالَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي قَدِيما وجديداً أَنَّهَا بِالْخِيَارِ إِن شَاءَت صبرت وأنفقت من مَالهَا أَو اقترضت وأنفقت على نَفسهَا ونفقتها فِي ذمَّته إِلَى أَن يوسر وَإِن شَاءَت طلبت فسخ النِّكَاح وَقَالَ فِي مَوضِع آخر وَقيل لَا خِيَار لَهَا وللأصحاب خلاف فِي ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَذْهَب أَن لَهَا أَن تفسخ وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد رَضِي الله عَنْهُمَا رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام سُئِلَ عَمَّن يعسر بِنَفَقَة امْرَأَته فَقَالَ يفرق بَينهمَا وَسُئِلَ ابْن الْمسيب عَن ذَلِك فَقَالَ يفرق بَينهمَا فَقيل لَهُ سنة فَقَالَ سنة قَالَ الشَّافِعِي الَّذِي يشبه قَول ابْن الْمسيب أَنه سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

وَأَيْضًا فالجب أَو الْعنَّة يثبت حق الْفَسْخ فالعجز عَن النَّفَقَة أولى لِأَن الصَّبْر عَن الِاسْتِمْتَاع أسهل من الصَّبْر عَن النَّفَقَة فَرُبمَا عدم النَّفَقَة يُوقع الزَّوْجَة فِي الزِّنَا وَلَو كَانَ الرجل حَاضرا وَله مَال غَائِب فَإِن كَانَ دون مَسَافَة الْقصر فَلَا فسخ وَيُؤمر بتعجيل الاحضار وَإِن كَانَ على مَسَافَة الْقصر فَمَا فَوْقهَا فلهَا الْفَسْخ وَلَا يلْزمهَا الصَّبْر لشدَّة الضَّرَر وَإِن كَانَ لَهُ دين على زَوجته فَأمرهَا بالانفاق مِنْهُ فَإِن كَانَت موسرة فَلَا خِيَار كَمَا لَو كَانَ لَهُ دين على مُوسر حَاضر وَإِن كَانَت معسرة فلهَا الْفَسْخ لِأَنَّهَا لَا تصل إِلَى حَقّهَا والمعسر ينظر وَلَو تبرع شخص بأَدَاء النَّفَقَة عَن الْمُعسر فلهَا الْفَسْخ وَلَا يلْزمهَا الْقبُول كَمَا لَو كَانَ لَهُ دين على إِنْسَان فتبرع غَيره بِقَضَائِهِ لَا يلْزمه الْقبُول لِأَن فِيهِ منَّة للمتبرع وَاعْلَم أَن الْقُدْرَة بِالْكَسْبِ كالقدرة بِالْمَالِ فَلَو كَانَ يكْتَسب كل يَوْم قدر النَّفَقَة فَلَا خِيَار فَلَو عجز عَن الْعَمَل لمَرض فَلَا فسخ إِن رجى زَوَاله فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَإِن كَانَ يطول فلهَا الْفَسْخ للضَّرَر وَالله أعلم (فرع) لَو لم يُعْطهَا الْمُوسر إِلَّا نَفَقَة الْمُعسر فَلَا فسخ وَيصير الْبَاقِي دينا عَلَيْهِ والقادر على الْكسْب إِذا امْتنع من الانفاق عَلَيْهَا فَهُوَ كالموسر إِذا امْتنع وَالأَصَح أَنَّهَا لَا تفسخ إِذا منع الْمُوسر النَّفَقَة سَوَاء كَانَ حَاضرا أَو غَائِبا والاعسار بالكسوة كالاعسار بِالنَّفَقَةِ وَكَذَا الاعسار بالمسكن وَهل لَهَا أَن تفسخ بِالْعَجزِ عَن الْأدم فِيهِ خلاف الْأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ نعم وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ لَا فسخ لِأَنَّهُ غير ضَرُورِيّ وَالله أعلم (فرع كثير الْوُقُوع) شَرط الْفَسْخ تحقق اعسار الزَّوْج أَو غَلَبَة الظَّن بِالْبَيِّنَةِ المقبولة شرعا سَوَاء كَانَ الزَّوْج حَاضرا أَو غَائِبا فَلَو غَابَ وَلم يعلم اعساره فَلَا فسخ فِي الْأَصَح كَمَا لَو كَانَ الزَّوْج مُوسِرًا وَهُوَ غَائِب وَلَو ضمن النَّفَقَة ضَامِن بِإِذْنِهِ فَقيل لَهَا الْفَسْخ وَجزم القَاضِي حُسَيْن وَالْمُتوَلِّيّ بِالْمَنْعِ إِن كَانَ مليئاً وَإِن ضمن بِغَيْر غذنه فَوَجْهَانِ وَالله أعلم والاعسار بِالْمهْرِ فِيهِ خلاف منتشر حَاصِل الْمَذْهَب مَا ذكره الشَّيْخ إِن كَانَ قبل الدُّخُول فلهَا الْفَسْخ وَإِلَّا فَلَا وَالْفرق أَن بِالدُّخُولِ قد تلف المعوض فَصَارَ الْعِوَض دينا فِي الذِّمَّة وَلِأَن تَسْلِيمهَا يشْعر بِرِضَاهَا بِذِمَّتِهِ بِخِلَاف مَا قبل الدُّخُول وَاعْلَم أَنا حَيْثُ جَوَّزنَا الْفَسْخ فشرطه أَن لَا تكون الْمَرْأَة قبضت شَيْئا من الصَدَاق وَإِن قبضت شَيْئا مِنْهُ امْتنع عَلَيْهَا الْفَسْخ بِخِلَاف البَائِع إِذا قبض بعض الثّمن فَإِنَّهُ يجوز لَهُ الْفَسْخ بإفلاس المُشْتَرِي عَن بَاقِيه وَالْفرق أَن الزَّوْج باقباض بعض الْمهْر قد اسْتَقر لَهُ بعض الْبضْع فَلَو جَازَ للْمَرْأَة الْفَسْخ لعاد إِلَيْهَا الْبضْع بِكَمَالِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمكن فِيهِ التَّشْرِيك فَيُؤَدِّي إِلَى الْفَسْخ فِيمَا اسْتَقر بِخِلَاف البيع فَإِنَّهُ وَإِن اسْتَقر بعضه بِقَبض بعض الثّمن إِلَّا أَن الشّركَة فِيهِ مُمكنَة فجوزنا الْفَسْخ فِي الْبَاقِي خَاصَّة كَذَا ذكره ابْن الصّلاح وَتوقف ابْن الرّفْعَة فِي الْمَسْأَلَة ذكره فِي الْمطلب وَالله أعلم

(فرع) الصَّحِيح الْمَشْهُور أَن الْمَرْأَة لَا تستقل بِالْفَسْخِ بل لَا بُد من الرّفْع إِلَى الْحَاكِم كَمَا فِي الْعنَّة لِأَنَّهُ أَمر مُجْتَهد فِيهِ وَقيل لَهَا أَن تفسخ بِنَفسِهَا كالرد بِالْعَيْبِ فعلى الصَّحِيح إِذا ثَبت عِنْده الاعسار تولى الْفَسْخ بِنَفسِهِ أَو أذن لَهَا أَن تفسخ فَلَو لم ترفع إِلَى القَاضِي وفسخت بِنَفسِهَا لعلمها بعجزه لم ينفذ فِي الظَّاهِر وَهل ينفذ بَاطِنا وَجْهَان قَالَ الإِمَام الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَام الْأَئِمَّة أَنه لَا ينفذ بَاطِنا وَاعْلَم أَن القَاضِي إِنَّمَا يفْسخ أَو يإذن لَهَا فِيهِ بعد إمهال ثَلَاثَة أَيَّام من اعساره فِي الْأَصَح وَالله أعلم (فرع) لَهُ أم ولد وَعجز عَن نَفَقَتهَا فَعَن أبي زيد أَنه يجْبر على عتقهَا وتزويجها إِن وجد خاطباً رَاغِبًا وَقَالَ غَيره لَا يجْبر عَلَيْهِ بل يخليها لتكسب وتنفق على نَفسهَا كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ وَصحح النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة الثَّانِي وَالله أعلم قَالَ

بَاب الْحَضَانَة

فصل فِي الْحَضَانَة وَإِذا فَارق الرجل زَوجته وَله مِنْهَا ولد فَهِيَ أَحَق بحضانته إِلَى سبع سِنِين ثمَّ يُخَيّر بَين أَبَوَيْهِ فَأَيّهمَا اخْتَار سلم إِلَيْهِ الْحَضَانَة بِفَتْح الْحَاء هِيَ عبارَة عَن الْقيام بِحِفْظ من لَا يُمَيّز وَلَا يسْتَقلّ بأَمْره وتربيته بِمَا يصلحه ووقايته عَمَّا يُؤْذِيه وَهِي نوع ولَايَة إِلَّا أَنَّهَا بالاناث أليق لِأَنَّهُنَّ أشْفق وَأهْدى إِلَى التربية وأصبر على الْقيام بهَا وَأَشد مُلَازمَة للأطفال وَمؤنَة الْحَضَانَة على الْأَب لِأَنَّهَا من أَسبَاب الْكِفَايَة كَالنَّفَقَةِ فَإِذا فَارق الرّقّ الرجل زَوجته فالأم أَحَق بحضنة الْوَلَد مِنْهُ وَمن غَيره من النِّسَاء بِالشُّرُوطِ الَّتِي تَأتي وَاحْتج لتقديمها بِمَا روى عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن ابْني هَذَا كَانَ بَطْني لَهُ وعَاء وثديي لَهُ سقاء وحجري لَهُ حَوَّاء وَإِن أَبَاهُ طَلقنِي وَأَرَادَ أَن يَنْزعهُ مني فَقَالَ لَهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنْت أَحَق بِهِ مالم تنكحي ثمَّ إِنَّمَا يحكم بالطفل للْأُم دون الْأَب إِذا كَانَ صَغِيرا لَا يُمَيّز فَإِن ميز خير بَين الْأَبَوَيْنِ فَيكون عِنْد من اخْتَارَهُ مِنْهُمَا وَسَوَاء فِي ذَلِك الابْن وَالْبِنْت وَاحْتج للتَّخْيِير بِمَا روى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير غُلَاما

بَين أَبِيه وَأمه وَفِي رِوَايَة فَأخذ بيد أمه فَانْطَلَقت بِهِ وَاخْتلف فِي سنّ التَّمْيِيز فَالَّذِي جزم بِهِ هُنَا فِي أصل الرَّوْضَة أَنه فِي الْغَالِب ابْن سبع سِنِين أَو ثَمَان سِنِين تَقْرِيبًا وَاعْلَم أَن الْمدَار على التَّمْيِيز سَوَاء حصل قبل السَّبع أَو بعْدهَا وَلَا بُد مَعَ التَّمْيِيز أَن يكون عَارِفًا بِأَسْبَاب الِاخْتِيَار وَإِلَّا أخر إِلَى حُصُول ذَلِك لِأَن التخييز غنما فوض إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أعرف بحظه لِأَنَّهُ قد يعرف من أَبَوَيْهِ مَا يَدْعُو إِلَى اخْتِيَاره وَلِلنَّاسِ عِبَارَات فِي ضبط التَّمْيِيز وَأحسن مَا ذكر أَن يصير الطِّفْل بِحَيْثُ يَأْكُل وَحده وَيشْرب وَحده ويستنجي وَحده وَالله أعلم وَاعْلَم أَن حكم أم الْأُم مَعَ الْأَب أَو الْجد حكم الْأُم وَإِذا تنَازع الاناث فِي الْحَضَانَة قدمت الْأُم ثمَّ أمهاتها تقدم الْقُرْبَى فالقربى ثمَّ أم الْأَب ثمَّ أمهاتها ثمَّ أم الْجد ثمَّ أمهاتها وَلَا حق لأم الْأَب ثمَّ الْأَخ لِلْأَبَوَيْنِ ثمَّ للْأَب ثمَّ الْأُخْت للْأُم ثمَّ الْخَالَة ثمَّ الْعمة هَذَا هُوَ الْأَظْهر إِذا تمحض الاناث فَإِن اجْتمع مَعَ النِّسَاء رجال قدمت الْأُم ثمَّ أمهاتها ثمَّ الْأَب ثمَّ أمهاته ثمَّ الْجد ثمَّ الْأَخَوَات ثمَّ الْخَالَة ثمَّ الْعمة على النَّص وَأما الْأُخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم فَإِنَّهُم كَالْأَبِ وَالْجد فِي الْحَضَانَة يقدم الْأَقْرَب مِنْهُم فَالْأَقْرَب على تَرْتِيب الْمِيرَاث على النَّص وَاعْلَم أَن بَنَات الْأَخَوَات يقدمن على بَنَات الْإِخْوَة كَمَا قدم الْأُخْت على الْأَخ وَالأَصَح ثُبُوت الْحَضَانَة للْأُنْثَى الَّتِي لَيست بِمحرم كبنتي الْخَالَة والعمة وبنتي الْخَال وَالْعم فَإِن كَانَ الْوَلَد ذكرا استمرت حضانته حَتَّى يبلغ حدا يَشْتَهِي مثله وتتقدم بَنَات الخالات على بَنَات الأخوال وَبَنَات العمات على بَنَات الْأَعْمَام ويقدمن بَنَات الخؤولة على بَنَات العمومة وَالله أعلم قَالَ (وشرائط الْحَضَانَة سَبْعَة الْعقل وَالْحريَّة وَالدّين والعفة وَالْأَمَانَة والخلو من زوج وَالْإِقَامَة فَإِن اخْتَلَّ شَرط سَقَطت) قد علمت أَن الْحَضَانَة ولَايَة وسلطة وَأَن الْأُم أولى من الْأَب وَغَيره لوفور شفقتها فَإِذا رغبت فِي الْحَضَانَة فَلَا بُد لاستحقاقها من شُرُوط الأول كَونهَا عَاقِلَة فَلَا حضَانَة لمجنونة سَوَاء كَانَ جنونها مطبقاً أَو متقطعاً نعم إِن كَانَ ينْدر وَلَا تطول مدَّته كَيَوْم فِي سِنِين فَلَا يبطل الْحق بِهِ كَمَرَض يطْرَأ وَيَزُول وَوجه سُقُوط حَقّهَا بالجنون أَنه لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا مَعَ الْجُنُون حفظ الْوَلَد صيانته بل هِيَ فِي نَفسهَا تحْتَاج إِلَى من يكفلها فَكيف تكون كافلة لغَيْرهَا وَالله أعلم

الثَّانِي الْحُرِّيَّة فَلَا حضَانَة لرقيقة وَإِن أذن السَّيِّد وَوجه الْمَنْع أَن مَنْفَعَتهَا للسَّيِّد وَهِي مَشْغُولَة عَن الْحَضَانَة بِهِ وَلِأَن الْحَضَانَة نوع ولَايَة وَلَا ولَايَة لرقيق ثمَّ إِن كَانَ الْوَلَد حرا فالحضانة بعد الْأُم للْأَب وَغَيره وَإِن كَانَ رَقِيقا فحضانته على السَّيِّد وَهل لَهُ نَزعَة من الْأَب وتسليمه إِلَى غَيره وَجْهَان بِنَاء على الْقَوْلَيْنِ فِي جَوَاز التَّفْرِيق وَهل لَهَا حق الْحَضَانَة فِي وَلَدهَا من السَّيِّد وَجْهَان الصَّحِيح لَا حضَانَة لنقصها وَلَو كَانَ الْوَلَد نصفه حر وَنصفه رَقِيق فَنصف حضانته لسَيِّده وَنِصْفهَا لمن يَلِي حضانته من أَقَاربه الْأَحْرَار وَالله أعلم الثَّالِث كَونهَا مسلمة إِن كَانَ الطِّفْل مُسلما بِإِسْلَام أَبِيه فَلَا حضَانَة لكافرة على مُسلم لِأَنَّهُ لَا حَظّ لَهُ فِي تربيتها لِأَنَّهَا تغشه وينشأ على مَا كَانَ يألف مِنْهَا وَلِأَنَّهُ ولَايَة وَلَا ولَايَة لكَافِر على مُسلم وَقيل تحضنه الْأُم الذِّمِّيَّة حَتَّى يُمَيّز وَالصَّحِيح الأول لما ذكرنَا والطفل الْكَافِر وَالْمَجْنُون الْكَافِر يثبت لقريبه الْمُسلم حضانته وكفالته على الصَّحِيح لِأَن فِيهِ مصلحَة لَهُ وَالله أعلم الرَّابِع وَالْخَامِس الْعِفَّة وَالْأَمَانَة فَلَا حضَانَة لفاسقة لِأَنَّهَا ولَايَة وَلَا تأمن أَن تخون فِي حفظه وينشأ على طريقتها وَاعْلَم أَنه لَا يشْتَرط تحقق الْعَدَالَة الْبَاطِنَة بل تَكْفِي الْعَدَالَة الظَّاهِرَة كشهود النِّكَاح قَالَه الْمَاوَرْدِيّ قَالَ فَلَو ادّعى أحد الْأَبَوَيْنِ فسق الآخر ليكفل قَوْله وَلَيْسَ لَهُ إحلافه بل هُوَ على ظَاهر الْعَدَالَة حَتَّى يُقيم مدعي الْفسق عَلَيْهِ بَيِّنَة كَذَا ذكره ابْن الرّفْعَة وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيّ لَا بُد من ثُبُوت أَهْلِيَّة الْأُم عِنْد القَاضِي إِذا نازعها الْأَب أَو غَيره من الْمُسْتَحقّين وَالله أعلم السَّادِس كَونهَا فارغة خلية عَن النِّكَاح لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنْت أَحَق بِهِ مالم تنكحي وَلِأَنَّهَا مَشْغُولَة بِالزَّوْجِ فيضرر الْوَلَد وَلَا أثر لرضا الزَّوْج بذلك كَمَا لَا أثر لرضا السَّيِّد بحضانة الْأمة وَلَو رَضِي الْأَب مَعَه فَهَل يسْقط حق الْجدّة الْأَصَح فِي الْكِفَايَة لِابْنِ الرّفْعَة أَنه يسْقط حق الْجدّة وَيكون عِنْد الْأُم وَقَالَ فِي التَّهْذِيب لَا يسْقط حق الْجدّة فقد يرجعان فيتضرر الْوَلَد فَلَو تزوجت أم الطِّفْل بِعَمِّهِ فَهَل تبطل حضانتها وَجْهَان أصَحهمَا لَا تبطل لِأَن الْعم صَاحب حق فِي الْحَضَانَة وشفقته تحمله على رِعَايَة الطِّفْل فيتعاونان على كفَالَته بِخِلَاف الْأَجْنَبِيّ وَبِهَذَا قطع الامامان الْقفال وَحجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ وَاعْلَم أَن الْخلاف مطرد فِي حق كل من لَهَا الْحَضَانَة ونكحت قَرِيبا للطفل لَهُ حق فِي الْحَضَانَة بِأَن نكحت أمه ابْن عَم الطِّفْل أَو عَم أَبِيه وَكَذَا تبقى حضانتها إِذا كَانَ زَوجهَا جد الطِّفْل أَي أَب أَبِيه

لِأَن لَهُ حَقًا فِي الْحَضَانَة وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا كَانَت الحاضنة جدة أَن يتَزَوَّج رجل بِامْرَأَة وَابْنه ببنتها من غَيره ثمَّ يَجِيء للِابْن ولد ثمَّ تَمُوت الْأُم وَالْأَب فتنتقل الْحَضَانَة إِلَى أم الْأُم وَهِي زَوْجَة الْجد وَالله أعلم السَّابِع الْإِقَامَة وَإِنَّمَا تكون الْأُم أَحَق بالطفل إِذا كَانَ الأبوان مقيمين فِي بلد وَاحِد فَأَما إِذا أَرَادَ أَحدهمَا سفرا يخْتَلف فِيهِ بلدهما نظر إِن كَانَ سفر حَاجَة كحج وتجارة وغزو لم يُسَافر بِالْوَلَدِ لما فِي السّفر من الْخطر وَالْمَشَقَّة بل يكون مَعَ الْمُقِيم إِلَى أَن يعود الْمُسَافِر سَوَاء طَالَتْ مُدَّة السّفر أم قصرت وَقيل للْأَب السّفر بِهِ إِذا طَال سَفَره وَإِن كَانَ السّفر سفر نقلة إِن كَانَ ينْتَقل إِلَى مَسَافَة الْقصر فللأب انتزاع من الْأُم ويستصحبه مَعَه سَوَاء كَانَ الْمُنْتَقل الْأَب أَو الْأُم أَو أَحدهمَا إِلَى بلد وَالْأُخْرَى إِلَى بلد آخر احْتِيَاطًا للنسب فَإِن النّسَب يتحفظ بِالْآبَاءِ وَفِيه مصلحَة للتأديب والتعليم وسهولة الْقيام بمؤنتة وَسَوَاء نَكَحَهَا فِي بَلَدهَا أَو فِي الغربة فَلَو رافقته الْأُم فِي الطَّرِيق دَامَ حَقّهَا وَكَذَا فِي الْمَقْصد وَلَو عَاد من سفر النقلَة عَاد حَقّهَا وَيشْتَرط أَمن الطَّرِيق وَأمن الْبَلَد الَّذِي ينْتَقل إِلَيْهِ فَلَو كَانَا مخوفين لغارة وَنَحْوهَا لم يكن لَهُ انْتِزَاعه مِنْهَا وَإِن كَانَت النقلَة إِلَى دون مَسَافَة الْقصر فَهَل يُؤثر ذَلِك وَجْهَان أَحدهمَا لَا ويكونان كالمقيمين فِي دارين من بلد وأصحهما أَنه كمسافة الْقصر وَلَو قَالَت إِنَّمَا تُرِيدُ سفر التِّجَارَة فَقَالَ بل النقلَة فَهُوَ الْمُصدق بِيَمِينِهِ على الْأَصَح وَقَالَ الْقفال يصدق بِلَا يَمِين فعلى الصَّحِيح لَو نكل حَلَفت وَأَمْسَكت الْوَلَد وَاعْلَم أَن سَائِر الْعَصَبَات من الْمَحَارِم كالجد وَالْأَخ وَالْعم بِمَنْزِلَة الْأَب فِي انتزاع الْوَلَد مِنْهَا وَنَقله إِذا أَرَادَ الِانْتِقَال احْتِيَاطًا للنسب وَكَذَا غير الْمَحَارِم كَابْن الْعم إِن كَانَ الْوَلَد ذكرا فَإِن كَانَت أُنْثَى لم تسلم إِلَيْهِ قَالَ الْمُتَوَلِي إِلَّا إِذا لم تبلغ حدا تشْتَهى وَفِي الشَّامِل لِابْنِ الصّباغ أَنه لَو كَانَ لَهُ بنت ترافقه سلمت إِلَى ابْنَته وَاعْلَم أَن الْمحرم الَّذِي لَا عصوبة لَهُ كالخال وَالْعم للْأُم فَلَيْسَ لَهُ نقل الْوَلَد إِذا انْتقل لِأَنَّهُ لَا حق لَهُ فِي النّسَب وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ فَإِن اخْتَلَّ شَرط سَقَطت وَجه ذَلِك أَن عِلّة اسْتِحْقَاق الْحَضَانَة مركبة من هَذِه الصِّفَات وَلَا شكّ أَن الْمَاهِيّة المركبة من أَجزَاء تَنْتفِي بِانْتِفَاء جُزْء مِنْهَا أَلا ترى أَن الصَّلَاة المستجمعة للشروط تصح بِوُجُود شُرُوطهَا وَلَو انْتَفَى شَرط مِنْهَا بطلت كَذَلِك هَهُنَا وَالله أعلم (فرع) هَل يشْتَرط مَعَ هَذِه الشُّرُوط فِي اسْتِحْقَاق الْأُم الْحَضَانَة أَن ترْضع الْوَلَد إِن كَانَ رضيعاً وَجْهَان أَحدهمَا لَا بل لَهَا الْحَضَانَة وَإِن لم يكن لَهَا لبِنْت أَو امْتنعت من الارضاع فعلى الْأَب على

هَذَا أَن يسْتَأْجر مُرْضِعَة ترْضِعه عِنْد الْأُم وَهَذَا مَا صَححهُ الْبَغَوِيّ وَالصَّحِيح الذب قطع بِهِ الْأَكْثَرُونَ يشْتَرط ذَلِك لعسر اسْتِئْجَار مُرْضِعَة قَالَ الاسنوي وَلم يذكرُوا من الشُّرُوط كَونهَا نصيرة وَمُقْتَضَاهُ ثُبُوت الْحَضَانَة للعمياء وَهُوَ كَذَلِك وَالله أعلم قَالَ

فصول الكتاب · 18 فصل · 586 صفحة
جارٍ التحميل