كفاية الأخيار في حل غاية الاختصارصفحات 83-122
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصَّلَاة

صفحات 83-122
عن هذه الطبعة
عَلَم
تقي الدين الحصني
الكتاب
كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار
المؤلف
أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى الحسيني الحصني، تقي الدين الشافعي (المتوفى: 829هـ)
المحقق
علي عبد الحميد بلطجي ومحمد وهبي سليمان
الناشر
دار الخير - دمشق
الطبعة
الأولى، 1994
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَاب الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة وأوقاتها

(الصَّلَوَات المفروضات خمس الظّهْر وَأول وَقتهَا زَوَال الشَّمْس وَآخره إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله بعد ظلّ الزَّوَال) الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وصل عَلَيْهِم﴾ أَي ادْع لَهُم وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن أَقْوَال وأفعال مفتتحة بِالتَّكْبِيرِ مختتمة بِالتَّسْلِيمِ بِشُرُوط وَالْأَصْل فِي وُجُوبهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة﴾ أَي حَافظُوا عَلَيْهَا وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة جدا وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على ذَلِك وَبَدَأَ بِذكر أَوْقَاتهَا لِأَن أهم أُمُور الصَّلَاة معرفَة أَوْقَاتهَا لِأَن بِدُخُول الْوَقْت تجب وبخروجه تفوت وَالْأَصْل فِي التَّوْقِيت الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتاً﴾ أَي مَكْتُوبَة موقتة وروى ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أمني جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عِنْد الْبَيْت مرَّتَيْنِ فصلى بِي الظّهْر حِين زَالَت الشَّمْس وَكَانَ قدر شِرَاك النَّعْل وَصلى بِي الْعَصْر حِين كَانَ ظله مثله وَصلى بِي الْمغرب حِين أفطر الصَّائِم وَصلى بِي الْعشَاء حِين غَابَ الشَّفق الْأَحْمَر وَصلى بِي الْفجْر حِين حرم الطَّعَام وَالشرَاب للصَّائِم فَلَمَّا كَانَ الْغَد صلى بِي الظّهْر حِين كَانَ ظله مثله وَصلى بِي الْعَصْر حِين كَانَ ظله مثلَيْهِ وَصلى بِي الْمغرب حِين أفطر الصَّائِم وَصلى بِي الْعشَاء إِلَى ثلث اللَّيْل الأول وَصلى بِي الْفجْر باسفار ثمَّ الْتفت إِلَيّ وَقَالَ يامحمد هَذَا وَقت الْأَنْبِيَاء من قبلك وَالْوَقْت مَا بَين هذَيْن الْوَقْتَيْنِ)

والشراك بشين مُعْجمَة مَكْسُورَة أحد سيور النَّعْل والظل فِي اللُّغَة السّتْر تَقول أَنا فِي ظلك وَفِي ظلّ اللَّيْل وَهُوَ يكون من أول النَّهَار إِلَى آخِره والفيء يخْتَص بِمَا بعد الزَّوَال (وَقَوله زَوَال الشَّمْس) أَي فِيمَا يظْهر لنا لَا مَا فِي نفس الْأَمر لِأَن الشَّمْس إِذا انْتَهَت إِلَى وسط السَّمَاء وَهِي حَالَة الاسْتوَاء يبْقى للشاخص ظلّ فِي أغلب الْبِلَاد وَيخْتَلف مِقْدَاره باخْتلَاف الْأَمْكِنَة والفصول فَإِذا مَالَتْ الشَّمْس إِلَى جَانب الْمغرب حدث الظل فِي جَانب الْمشرق فحدوثه فِي مَكَان لَا ظلّ للشاخص فِيهِ كمكة وَصَنْعَاء الْيمن هُوَ الزَّوَال وزيادته فِي مَكَان للشاخص فِيهِ ظلّ هُوَ الزَّوَال الَّذِي بِهِ يدْخل وَقت الظّهْر فَإِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله غير ظلّ الزَّوَال حَالَة الاسْتوَاء فَهُوَ آخر وَقت الظّهْر قَالَ (وَالْعصر وَأول وَقتهَا الزِّيَادَة على ظلّ الْمثل وَآخره فِي الإختيار إِلَى ظلّ المثلين وَفِي الْجَوَاز إِلَى غرُوب الشَّمْس) إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله فَهُوَ آخر وَقت الظّهْر وَأول وَقت الْعَصْر للْخَبَر لَكِن لَا بُد من زِيَادَة ظلّ وَإِن قلت لِأَن خُرُوج وَقت الظّهْر لَا يكَاد يعرف إِلَّا بِتِلْكَ الزِّيَادَة فَإِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ خرج وَقت الِاخْتِيَار وَسمي بذلك لِأَن الْمُخْتَار هُوَ الرَّاجِح وَقيل لِأَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام اخْتَارَهُ وَقَوله الْجَوَاز إِلَى غرُوب الشَّمْس حجَّته قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (وَقت الْعَصْر مَا لم تغرب الشَّمْس) وَاعْلَم أَن للعصر أَرْبَعَة أَوْقَات وَقت فَضِيلَة وَهُوَ إِلَى أَن يصير الظل مثل الشاخص وَوقت جَوَاز بِلَا كَرَاهَة وَهُوَ من مصير الظل مثلَيْهِ إِلَى الاصفرار وَوقت كَرَاهَة يَعْنِي يكره التَّأْخِير إِلَيْهِ وَهُوَ من الاصفرار إِلَى قبيل الْغُرُوب وَوقت تَحْرِيم وَهُوَ تَأْخِير الصَّلَاة إِلَى وَقت لَا يَسعهَا وَإِن قُلْنَا كلهَا أَدَاء قَالَ (وَالْمغْرب وَقتهَا وَاحِد وَهُوَ غرُوب الشَّمْس) دَلِيل ذَلِك حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ أم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وَقت وَاحِد فِي الْيَوْمَيْنِ وَمَتى يخرج وَقت الْمغرب فِيهِ قَولَانِ الْجَدِيد الْأَظْهر أَنه يخرج بِمِقْدَار طَهَارَة وَستر عَورَة وأذان وَإِقَامَة وَخمْس رَكْعَات وَالِاعْتِبَار فِي ذَلِك بالوسط المعتدل وَالْقَدِيم لَا يخرج حَتَّى يغيب الشَّفق الْأَحْمَر لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَوقت الْمغرب إِذا غَابَتْ الشَّمْس مَا لم يسْقط الشَّفق) وَعَن بُرَيْدَة رَضِي الله

عَنهُ (أَن سَائِلًا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مَوَاقِيت الصَّلَاة فصلى بِهِ يَوْمَيْنِ فصلى بِهِ الْمغرب فِي الْيَوْم الأول حِين غَابَتْ الشَّمْس وصلاها فِي الْيَوْم الثَّانِي قبل أَن يغيب الشَّفق ثمَّ قَالَ أَيْن السَّائِل عَن وَقت الصَّلَاة فَقَالَ الرجل هَا أَنا يَا رَسُول الله فَقَالَ (وَقت صَلَاتكُمْ بَين مَا رَأَيْتُمْ) وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة قَالَ الرَّافِعِيّ وَاخْتَارَ طَائِفَة من الْأَصْحَاب الْقَدِيم ورجحوه قَالَ النَّوَوِيّ الْأَحَادِيث الصحيجة مصرحة بِمَا قَالَه فِي الْقَدِيم وَتَأْويل بَعْضهَا مُتَعَذر فَهُوَ الصَّوَاب وَمِمَّنْ اخْتَارَهُ من أَصْحَابنَا ابْن خُزَيْمَة والخطابي وَالْبَيْهَقِيّ وَالْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء وَالْبَغوِيّ فِي التَّهْذِيب وَغَيرهم وَالله أعلم قَالَ (وَالْعشَاء وَأول وَقتهَا إِذا غَابَ الشَّفق الْأَحْمَر وَآخره فِي الإختيار إِلَى ثلث اللَّيْل وَفِي الْجَوَاز إِلَى طُلُوع الْفجْر الثَّانِي) وَيدخل وَقت الْعشَاء بغيبوبة الشَّفق للأحاديث قَالَ ابْن الرّفْعَة وَهُوَ بِالْإِجْمَاع وَالِاخْتِيَار أَن لَا يُؤَخر عَن ثلث اللَّيْل لحَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَغَيره وَفِي قَول حَتَّى يذهب نصف اللَّيْل لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل) قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب إِن كَلَام الْأَكْثَرين يَقْتَضِي تَرْجِيح هَذَا وَصرح فِي شرح مُسلم بِتَصْحِيحِهِ فَقَالَ إِنَّه الْأَصَح وَوقت الْجَوَاز إِلَى طُلُوع الْفجْر الثَّانِي للْأَخْبَار وَذكر الشَّيْخ أَبُو حَامِد أَن لَهَا وَقت كَرَاهَة وَهُوَ مَا بَين الفجرين وَالله أعلم قَالَ (وَالصُّبْح وَأول وَقتهَا طُلُوع الْفجْر آخِره فِي الِاخْتِيَار إِلَى الاسفار وَفِي الْجَوَاز إِلَى طُلُوع الشَّمْس) أول وَقت الصُّبْح طُلُوع الْفجْر الصَّادِق وَهُوَ الْمُنْتَشِر ضوؤه مُعْتَرضًا بالأفق وَهُوَ الثَّانِي دَلِيل حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أما الْفجْر الأول فَلَا وَهُوَ أَزْرَق مستطيل وَيُسمى الْكَاذِب لِأَنَّهُ ينور ثمَّ يسود وَوقت الِاخْتِيَار إِلَى الاسفار لبَيَان جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ثمَّ يبْقى وَقت الْجَوَاز إِلَى طُلُوع الشَّمْس لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من أدْرك من الصُّبْح رَكْعَة قبل أم تطلع الشَّمْس فقد أدْرك الصُّبْح) وَاعْلَم أَن الْجَوَاز بِلَا كَرَاهَة إِلَى طُلُوع الْحمرَة فَإِذا طلعت يبْقى وَقت الْكَرَاهَة إِلَى طُلُوع الشَّمْس إِذا لم يكن عذر

(مَسْأَلَة) يكره النّوم قبل صَلَاة الْعشَاء والْحَدِيث بعْدهَا إِلَّا فِي خير كمذاكرة الْعلم وترتيب أُمُور يعود نَفعهَا على الدّين والخلق لقَوْل أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَ يكره النّوم قبل صَلَاة الْعشَاء والْحَدِيث بعْدهَا) وَلَا فرق بَين الحَدِيث الْمَكْرُوه والمباح وَالْمعْنَى فِي كَرَاهَة النّوم قبلهَا مَخَافَة استمراره إِلَى خُرُوج الْوَقْت وَلِهَذَا قَالَ ابْن الصّلاح إِن هَذِه الْكَرَاهَة تعم سَائِر الصَّلَوَات وَأما الحَدِيث بعْدهَا فَلِأَنَّهُ يخَاف من ذَلِك أَن تفوته الصُّبْح عَن وَقتهَا أَو عَن أَوله أَو تفوته صَلَاة اللَّيْل إِن كَانَ لَهُ تهجد وَقيل لِأَن الصَّلَاة الَّتِي هِيَ أفضل تكون خَاتِمَة عمله لاحْتِمَال مَوته فِي نَومه وَقيل لِأَن الله تَعَالَى جعل اللَّيْل سكناً والْحَدِيث يُخرجهُ عَن ذَلِك وَالله أعلم قَالَ

بَاب شَرَائِط وجوب الصَّلَاة

(فصل وشرائط وجوب الصَّلَاة ثَلَاثَة أَشْيَاء الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل) من اجْتمع فِيهِ الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالطَّهَارَة عَن الْحيض وَالنّفاس فَلَا شكّ فِي وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ فَأَما الْكَافِر فَإِن كَانَ كفره أَصْلِيًّا لم تجب عَلَيْهِ الصَّلَاة لِأَنَّهَا لَا تصح مِنْهُ فِي الْكفْر وَلَا يجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إِذا أسلم بِلَا خلاف تَخْفِيفًا فَلَا يجوز أَن يُخَاطب بهَا كالحائض وَهَذَا ظَاهر نَص الشَّافِعِي وَبِه قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وطرده فِي جَمِيع فروع الشَّرِيعَة وَحكي عَن العراقين كَذَا قَالَ الْفُقَهَاء لَكِن الصَّحِيح فِي الرَّوْضَة وَغَيرهَا أَن الْكَافِر الْأَصْلِيّ مُخَاطب بِالصَّلَاةِ وَغَيرهَا من فروع الشَّرِيعَة وَوجه الْجمع أَن الْفُقَهَاء يَقُولُونَ إِنَّه غير مُخَاطب حَال كفره وَالَّذِي قَالُوا إِنَّه مُخَاطب قَالُوا شَرط خطابه أَن يسلم فَمن لم يسلم فَلَا يُخَاطب فاعرفه وَأما الْمُرْتَد فَتجب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالْقَضَاء بِلَا خلاف إِذا أسلم لِأَنَّهُ بِالْإِسْلَامِ الْتزم ذَلِك فَلَا تسْقط عَنهُ بِالرّدَّةِ من أقرّ بِمَال ثمَّ ارْتَدَّ لَا يسْقط عَنهُ وَأما الصَّبِي وَمن زَالَ عقله بجنون أَو مرض وَنَحْوهمَا فَلَا تجب عَلَيْهِ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ وَعَن الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يعقل) وَدَلِيل عدم الْوُجُوب فِي حق الْحَائِض وَالنُّفَسَاء يعلم من الْحيض قَالَ

بَاب الصَّلَوَات المسنونة

(والصلوات المسنونة خمس العيدان والكسوفان وَالِاسْتِسْقَاء) مُرَاده بالمسنونة الَّتِي تسن لَهَا الْجَمَاعَة وَسَتَأْتِي فِي موَاضعهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ (وَالسّنَن التابعة للفرائض سبع عشرَة رَكْعَة رَكعَتَا الْفجْر وَأَرْبع قبل الظّهْر وركعتان بعْدهَا وَأَرْبع قبل الْعَصْر وركعتان بعد الْمغرب وَثَلَاث بعد الْعشَاء يُوتر بِوَاحِدَة مِنْهُنَّ) اخْتلف الْأَصْحَاب فِي عدد الرَّكْعَات التابعة للفرائض فالأكثرون على أَنَّهَا عشر رَكْعَات وَالْمرَاد الرَّاتِبَة الْمُؤَكّدَة وَإِلَّا فَمَا ذكره الشَّيْخ سنة وسنورد أدلته وَهِي رَكْعَتَانِ قبل الصُّبْح وركعتان قبل الظّهْر وركعتان بعْدهَا وركعتان بعد الْمغرب وركعتان بعد الْعشَاء وَحجَّة ذَلِك حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ (صليت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَكْعَتَيْنِ قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ بعْدهَا وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء) وحدثتني حَفْصَة بنت عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خفيفتين بَعْدَمَا يطلع الْفجْر) وَمن ذكر أَرْبعا قبل الظّهْر فحجته ورد عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَ لَا يدع أَرْبعا قبل الظّهْر) وَمن ذكر أَرْبعا قبل الْعَصْر فحجته مَا ورد عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَ يُصَلِّي قبل الْعَصْر أَربع رَكْعَات يفصل بَينهُنَّ) وَرُوِيَ (رحم الله امْرأ صلى قبل الْعَصْر أَرْبعا) والركعتان بعد الْعشَاء مذكورتان فِي حَدِيث ابْن عمر ثمَّ المُرَاد بالمؤكد مَا واظب عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهل يسْتَحبّ رَكْعَتَانِ قبل صَلَاة الْمغرب وَجْهَان قَالَ النَّوَوِيّ الصَّحِيح استحبابهما فقد ورد (صلوا قبل الْمغرب قَالَ فِي الثَّالِثَة لمن شَاءَ) وَفِي رِوَايَة (كَانُوا يبتدرون السَّوَارِي لَهما إِذا أذن الْمغرب حَتَّى إِن الرجل ليدْخل الْمَسْجِد فيحسب أَن الصَّلَاة قد صليت لِكَثْرَة من بصليهما) وَالثَّانِي لَا يستحبان لما روى ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ (مَا رَأَيْت أحدا يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَالله أعلم قَالَ

(وَثَلَاث نوافل مؤكدات صَلَاة اللَّيْل وَصَلَاة الضُّحَى وَصَلَاة التَّرَاوِيح) لَا شكّ فِي اسْتِحْبَاب قيام اللَّيْل وَقد أَجمعت الْأَئِمَّة على اسْتِحْبَابه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة لَك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَانُوا قَلِيلا من اللَّيْل مَا يهجعون﴾ وَكَانَ وَاجِبا ثمَّ نسخ وَفِي الحَدِيث (عَلَيْكُم بِقِيَام اللَّيْل فَإِنَّهُ دأب الصَّالِحين قبلكُمْ وقربة لكم إِلَى ربكُم ومكفرة للسيئات ومنهاة عَن الْإِثْم) وَفِي الْخَبَر أَيْضا (من صلى فِي لَيْلَة بِمِائَة آيَة لم يكْتب من الغافلين وَمن صلى بِمِائَتي آيَة فَإِنَّهُ يكْتب من القانتين المخلصين) وَاعْلَم أَن وسط اللَّيْل أفضل لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لما سُئِلَ أَي الصَّلَاة أفضل بعد الْمَكْتُوبَة فَقَالَ صَلَاة جَوف اللَّيْل) وَلِأَن الْعِبَادَة فِيهِ أثقل والغفلة فِيهِ أَكثر وَالنّصف الْأَخير أفضل من الأول لمن أَرَادَ قيام نصفه لقَوْله تَعَالَى ﴿وبالأسحار هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وَلِأَنَّهُ وَقت نزُول الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ نزُول قدرَة لَا حُلُول وَلَا تجسيم ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ وَأفضل من ذَلِك كَمَا قَالَ فِي الرَّوْضَة السُّدس الرَّابِع وَالْخَامِس لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أحب الصَّلَاة إِلَى الله تَعَالَى صَلَاة دَاوُد كَانَ ينَام نصف اللَّيْل وَيقوم ثلثه وينام سدسه) وَيكرهُ قيام اللَّيْل كُله قَالَ فِي الرَّوْضَة إِذا داوم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُضر للعينين والجسد كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فَإِن لم يجد بذلك مشقة اسْتحبَّ لَا سِيمَا للتلذذ بمناجاة الله سُبْحَانَهُ فَإِن وجد بذلك مشقة ومحذوراً كره وَإِلَّا لم يكره ورفقه بِنَفسِهِ أولى وَترك قيام اللَّيْل مَكْرُوه لمن اعتاده لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ (يَا عبد الله لَا تكن مثل فلَان كَانَ يقوم اللَّيْل ثمَّ تَركه) وَالله أعلم وَمن سنَن صَلَاة الضُّحَى قَالَ الله تَعَالَى ﴿يسبحْنَ بالْعَشي وَالْإِشْرَاق﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا الْإِشْرَاق صَلَاة الضُّحَى وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي - هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ

(أَوْصَانِي خليلي بِثَلَاث صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر وركعتي الضُّحَى وَأَن أوتر قبل أَن انام) ثمَّ أقل الضُّحَى رَكْعَتَانِ وَأما أَكْثَرهَا فَالَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر وَالشَّرْح الصَّغِير وَنَقله فِي الشَّرْح الْكَبِير عَن الرَّوْيَانِيّ وَأقرهُ أَنَّهَا اثْنَتَا عشرَة رَكْعَة وَاحْتج لَهُ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي ذَر رَضِي الله عَنهُ (إِن صليت الضُّحَى اثْنَتَيْ عشرَة رَكْعَة بنى الله لَك بَيْتا فِي الْجنَّة) وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب أَكْثَرهَا ثَمَان رَكْعَات قَالَه الْأَكْثَرُونَ وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث أم هَانِيء وَذكر مثله فِي التَّحْقِيق قَالَ الرَّافِعِيّ ووقتها من حِين ترْتَفع الشَّمْس أَي قدر رمح إِلَى الاسْتوَاء وَتَبعهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك فِي شرح الْمُهَذّب وَكَذَا ابْن الرّفْعَة لَكِن قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة الَّذِي قَالَه الْأَصْحَاب إِن وَقتهَا يدْخل بِطُلُوع الشَّمْس لَكِن يسْتَحبّ تَأْخِيرهَا إِلَى الِارْتفَاع وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَقتهَا الْمُخْتَار إِذا مضى ربع النَّهَار وَجزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي التَّحْقِيق قَالَ الْغَزالِيّ وَالْمعْنَى فِيهِ حَتَّى لَا يَخْلُو ربع النَّهَار عَن عبَادَة وَالله أعلم وَأما صَلَاة التَّرَاوِيح فَلَا شكّ فِي سنيتها وانعقد الْإِجْمَاع على ذَلِك قَالَه غير وَاحِد وَلَا عِبْرَة بشواذ الْأَقْوَال وَقد ورد (من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتساباً غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) وَفِيهِمَا من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (صلاهَا ليَالِي فصلوها مَعَه ثمَّ صلى فِي بَيته بَقِيَّة الشَّهْر وَقَالَ إِنِّي خشيت أَن تفرض عَلَيْكُم فتعجزوا عَنْهَا) ثمَّ إِنَّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام اسْتمرّ على ذَلِك وَكَذَلِكَ الصّديق رَضِي الله عَنهُ وصدراً من خلَافَة الْفَارُوق رَضِي الله عَنهُ ثمَّ رأى النَّاس يصلونها فِي الْمَسْجِد فُرَادَى واثنين اثْنَيْنِ وَثَلَاثَة ثَلَاثَة فَجَمعهُمْ على أبي رَضِي الله عَنهُ ووضب لَهُم عشْرين رَكْعَة وَأجْمع الصَّحَابَة مَعَه على ذَلِك وَفعل عمر ذَلِك لأمنه الافتراض وَسميت بالتراويح لأَنهم كَانُوا يستريحون بعد كل تسليمتين وَيَنْوِي فِي كل رَكْعَتَيْنِ التَّرَاوِيح أَو قيام رَمَضَان وَلَو صلاهَا أَرْبعا بِتَسْلِيمَة لم يَصح بِخِلَاف مَا لَو صلى سنة الظّهْر أَرْبعا بِتَسْلِيمَة فَإِنَّهُ يَصح وَالْفرق أَن التَّرَاوِيح شرعت فِيهَا الْجَمَاعَة فَأَشْبَهت الْفَرَائِض فَلَا تغير عَمَّا وَردت ووقتها مَا بَين صَلَاة الْعشَاء وطلوع الْفجْر الثَّانِي وفعلها فِي الْجَمَاعَة أفضل لما مر وَقيل الِانْفِرَاد أفضل كَسَائِر النَّوَافِل وَقيل إِن كَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ أمنا من الكسل وَلم تختل الْجَمَاعَة بتخلفه فالانفراد أفضل وَإِلَّا فالجماعة وَالله أعلم قَالَ

بَاب شَرَائِط صِحَة الصَّلَاة

(فصل وشرائط الصَّلَاة قبل الدُّخُول فِيهَا خَمْسَة أَشْيَاء) اعْلَم أَن الشَّرْط فِي اللُّغَة الْعَلامَة وَمِنْه أَشْرَاط السَّاعَة وَفِي الِاصْطِلَاح مَا يلْزم من عَدمه عدم الصِّحَّة وَلَيْسَ بِرُكْن هَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا كَذَا ذكره بعض الشُّرَّاح وَهُوَ صَحِيح إِن عددنا المبطلات شُرُوطًا وَأما مَا ذكره الشَّيْخ فَلَيْسَ كَذَلِك ثمَّ إِن الصَّلَاة لَهَا شُرُوط وأركان وأبعاض وهيئات فالشروط كَمَا ذكره الشَّيْخ خَمْسَة وعدها النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج أَيْضا خَمْسَة إِلَّا أَنَّهُمَا اخْتلفَا فِي الْكَيْفِيَّة وَاحْترز الشَّيْخ بقبل الدُّخُول فِيهَا عَمَّا وجد فِيهَا وَهُوَ مُبْطل فَإِنَّهُ لَا يعد شرطا بل يعد مَانِعا وَهُوَ اصْطِلَاح جمَاعَة مِنْهُم النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب والوسيط وَقَالَ الصَّوَاب أَنَّهَا مبطلات لَا شُرُوط وعد فِي الرَّوْضَة المبطلات شُرُوطًا فَذكر خَمْسَة ثمَّ قَالَ السَّادِس السُّكُوت عَن الْكَلَام السَّابِع الْكَفّ عَن الْأَفْعَال الْكَثِيرَة الثَّامِن الْإِمْسَاك عَن الْأكل فَصَارَت ثَمَانِيَة وَلِهَذَا قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة شُرُوطهَا ثَمَانِيَة وَاعْلَم أَن الشَّرْط والركن لَا بُد مِنْهُمَا فِي صِحَة الصَّلَاة وَلَكِن يفترقان بِأَن الشَّرْط مَا كَانَ خَارِجا عَن مَا هية الصَّلَاة والركن مَا كَانَ داخلها وَأما الأبعاض فتجبر بسجود السَّهْو بِخِلَاف الهيئات وَسَيَأْتِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ (طَهَارَة الْأَعْضَاء من الْحَدث وَالنَّجس) يشْتَرط لصِحَّة الصَّلَاة الطَّهَارَة عَن الْحَدث سَوَاء فِي ذَلِك الْأَصْغَر والأكبر عِنْد الْقُدْرَة لِأَن فَاقِد الطهُورَيْنِ يجب أَن يُصَلِّي على حسب حَاله وَتجب الْإِعَادَة وتوصف صلَاته بِالصِّحَّةِ على الصَّحِيح وَالدَّلِيل على اشْتِرَاط الطَّهَارَة الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ الْآيَة وَغَيرهَا وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور) الْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة جدا فَلَو صلى بِغَيْر طَهَارَة وَكَانَ مُحدثا عِنْد إِحْرَامه لم تَنْعَقِد صلَاته عَامِدًا كَانَ أَو نَاسِيا وَإِن أحرم متطهراً ثمَّ أحدث بِاخْتِيَارِهِ بطلت صلَاته سَوَاء علم أَنه فِي الصَّلَاة أم لَا وَإِن أحدث لَا بِاخْتِيَارِهِ بطلت طَهَارَته بِلَا خلاف وَتبطل صلَاته أَيْضا على الْمَشْهُور الْجَدِيد لانْتِفَاء شَرطهَا وَفِيه حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَحسنه التِّرْمِذِيّ وَفِي قَول قديم يَبْنِي إِذا تطهر وَاحْتَجُّوا لَهُ بِحَدِيث ضَعِيف الشَّرْط الثَّانِي الطَّهَارَة عَن النَّجَاسَة فِي الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان أما الْبدن فَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَالرجز فاهجر﴾ وَالرجز النَّجس وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيث مِنْهَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَائِشَة رَضِي

الله عَنْهَا (إِذا أَقبلت الْحَيْضَة فدعي الصَّلَاة وَإِذا أَدْبَرت فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي) وَمِنْهَا حَدِيث القبرين (إنَّهُمَا ليعذبان أما أَحدهمَا فَكَانَ لَا يسْتَتر من الْبَوْل) وَفِي إِضَافَة عَذَاب الْقَبْر إِلَى الْبَوْل خُصُوصِيَّة تخص دون بَقِيَّة الْمعاصِي وَقد جَاءَ (تنزهوا من الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ) عَافَانَا الله الْحَلِيم من عَذَابه وَأما الثَّوْب فللآية الْكَرِيمَة وَفِي الحَدِيث فِي دم الْحيض يُصِيب الثَّوْب قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (ثمَّ اغسليه بِالْمَاءِ) وَأما الْمَكَان فَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما بَال الْأَعرَابِي فِي الْمَسْجِد (صبوا عَلَيْهِ ذنوبا من مَاء) إِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَن النَّجَاسَة قِسْمَانِ نَجَاسَة وَاقعَة فِي مَظَنَّة الْعَفو ونجاسة لَا يُعْفَى عَنْهَا فالنجاسة غير المعفو عَنْهَا يجب اجتنابها فِي الثَّوْب وَالْبدن وَالْمَكَان فَلَو أصَاب الثَّوْب نَجَاسَة وَعرف موضعهَا غسلهَا فَلَو قطع موضعهَا أَجزَأَهُ وَيلْزم ذَلِك إِذا عجز عَن الْغسْل وَكَانَ الْبَاقِي يستر الْعَوْرَة بِشَرْط أَن لَا ينقص من قِيمَته بِالْقطعِ أَكثر من أُجْرَة الثَّوْب وَإِن لم يعرف موضعهَا من الْبدن وَالثَّوْب وَجب غسله كُله وَلَا يجْزِيه الِاجْتِهَاد وَلَو أصَاب طرف ثَوْبه أَو عمَامَته نَجَاسَة بطلت صلَاته سَوَاء كَانَ الصائب يَتَحَرَّك بحركته أم لَا وَلَو قبض طرف حَبل أَو شدَّة فِي وَسطه وطرفه الآخر نجس أَو ملقى على نَجَاسَة فَفِيهِ خلاف الرَّاجِح فِي الشَّرْح الْكَبِير وَالرَّوْضَة الْبطلَان كالعمامة وَالثَّانِي لَا تبطل وَالله أعلم قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير وَهُوَ أوجه الْوَجْهَيْنِ وَلَو كَانَ الْحَبل فِي يَده أَو شده فِي وَسطه وطرفه الآخر مربوط فِي عنق حمَار وعَلى الْحمار حمل نَجَاسَة فَفِيهِ الْخلاف وَالْأولَى عدم الْبطلَان لِأَن بَين الْحَبل والنجاسة وَاسِطَة وَلَو صلى على بِسَاط تَحْتَهُ نَجَاسَة أَو على طرفه نجاسه أَعلَى سَرِير قوائمه على نَجَاسَة لم يضر وَلَو كَانَت نَجَاسَة تحاذي صَدره فِي حَال سُجُوده أَو غَيره فَوَجْهَانِ الْأَصَح لَا تبطل صلَاته لِأَنَّهُ غير حَامِل للنَّجَاسَة وَلَا مصل عَلَيْهَا وَلَو صلى وَهُوَ حَامِل نشاباً لم تصح صلَاته لأجل الريش وَكَذَا لَو كَانَ فِي إبهامه كشتوان غير طَاهِر وَمَا أشبه ذَلِك وَالله أعلم الْقسم الثَّانِي من النَّجَاسَة الْوَاقِعَة فِي مَظَنَّة الْعَفو وَهِي أَنْوَاع مِنْهَا الْأَثر الْبَاقِي على مَحل

الِاسْتِنْجَاء بعد الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ يُعْفَى عَنهُ وَلَو حمل ثوبا عَلَيْهِ نَجَاسَة مَعْفُو عَنْهَا لم تصح صلَاته كَمَا لَو حمل مستجمراً بِالْحجرِ وَلَو انتشرت بالعرق عَن مَحل الِاسْتِنْجَاء فَالْأَصَحّ الْعَفو لعسر الِاحْتِرَاز وَلَو حمل حَيَوَانا تنجس منفذه بالخارج مِنْهُ فَفِي بطلَان صلَاته وَجْهَان الْأَصَح عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْبطلَان وَقطع بِهِ الْمُتَوَلِي وَالأَصَح عِنْد الْغَزالِيّ صِحَة صلَاته وَلَو حمل بَيْضَة مذرة حشوها دم وظاهرها طَاهِر فَالْأَصَحّ بطلَان الصَّلَاة وَمِنْهَا طين الشوارع الْمُتَيَقن النَّجَاسَة يُعْفَى عَمَّا يتَعَذَّر الِاحْتِرَاز مِنْهُ غَالِبا وَيخْتَلف بِالْوَقْتِ فيعفى فِي الشتَاء دون الصَّيف وبموضع النَّجَاسَة من الْبدن فيعفى عَن الأذيال دون الاكمام والاكتاف وَالرَّأْس وكل ذَلِك فِي الْقَلِيل دون الْكثير فالقليل مَا لَا ينْسب صَاحبه فِيهِ إِلَى قلَّة تحفظ بِخِلَاف الْكثير فَإِنَّهُ ينْسب صَاحبه فِيهِ إِلَى قلَّة الْحِفْظ وَلَو أصَاب أَسْفَل الْخُف أَو النَّعْل نَجَاسَة فدلكه بِالْأَرْضِ حَتَّى ذهب أجزاؤها فَفِي صِحَة صلَاته قَولَانِ الصَّحِيح لَا تصح مُطلقًا لِأَن النَّجَاسَة لَا يطهرها إِلَّا المَاء كَمَا مر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَمِنْهَا دم البراغيث فيعفى عَن قَلِيله فِي الثَّوْب وَالْبدن لمَشَقَّة الِاحْتِرَاز وَكَذَا يُعْفَى عَن كَثِيره فِي الْأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ وَالأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ لَا يُعْفَى وَالْقمل كالبراغيث وبل الذُّبَاب كالبراغيث وَكَذَا بَوْل الخفاش وَفِي ضبط الْقَلِيل وَالْكثير خلاف وَالأَصَح الرُّجُوع فِيهِ إِلَى الْعرف وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف الْأَوْقَات والبلاد وَلَو شكّ هَل هُوَ قَلِيل أَو كثير فالراجح أَنه قَلِيل لِأَن الأَصْل عدم الْكَثْرَة وَلَو قتل قمله أَو برغوثاً فِي ثَوْبه أَو بدنه أَو بَين أَصَابِعه فتلوث بِهِ أَو بسط الثَّوْب الَّذِي عَلَيْهِ الدَّم المعفو عَنهُ وَصلى عَلَيْهِ أَو حمله فَإِن كَانَ كثيرا لم تصح صلَاته وَإِن كَانَ قَلِيلا فَالْأَصَحّ فِي التَّحْقِيق الْعَفو وَنَقله فِي شرح الْمُهَذّب عَن الْمُتَوَلِي وَأقرهُ وَلَو كَانَ الثَّوْب زَائِدا على لِبَاسه لم تصح صلَاته لِأَنَّهُ غير مُضْطَر إِلَيْهِ وَالله أعلم وَمِنْهَا دم البثرات وقيحها وصديدها كَدم البراغيث فيعفى عَن قَلِيله وَعَن كَثِيره فِي الْأَصَح وَلَو عصره على الرَّاجِح والبثرات جمع بثرة وَهُوَ خراج صَغِير وَلَو أَصَابَهُ شَيْء من دم نَفسه لَا من البثرات بل من الدماميل والقروح وَمَوْضِع الفصد والحجامة فَفِيهِ خلاف وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ أَنه كَدم البثرات ثمَّ مَاء القروح والنفاطات إِن كَانَ لَهُ رَائِحَة فَهُوَ نجس وَإِلَّا فَالْمَذْهَب أَنه طَاهِر وَلَو أَصَابَهُ دم من غَيره فَإِن كَانَ كثيرا لم يعف عَنهُ لِأَنَّهُ لَا يشق الِاحْتِرَاز مِنْهُ وَإِن كَانَ قَلِيلا فَقَوْلَانِ الْأَحْسَن عِنْد الرَّافِعِيّ عدم الْعَفو وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ الْعَفو وَيسْتَثْنى دم الْكَلْب وَالْخِنْزِير لغلظ نجاستهما (فرع) إِذا صلى بِنَجَاسَة لَا يُعْفَى عَنْهَا وَهُوَ جَاهِل بهَا حَال الصَّلَاة سَوَاء كَانَت فِي بدنه أَو ثَوْبه أَو مَوضِع صلَاته فَإِن لم يعلم بهَا أَلْبَتَّة فَقَوْلَانِ الْجَدِيد الْأَظْهر يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء لِأَنَّهَا طَهَارَة وَاجِبَة فَلَا تسْقط بِالْجَهْلِ كطهارة الْحَدث وَالْقَدِيم أَنه لَا يجب وَنَقله ابْن الْمُنْذر عَن خلائق وَاخْتَارَهُ وَكَذَا النَّوَوِيّ اخْتَارَهُ فِي شرح الْمُهَذّب وَإِن علم بِالنَّجَاسَةِ ثمَّ نَسِيَهَا فطريقان أَحدهمَا على الْقَوْلَيْنِ وَالْمذهب الْقطع بِوُجُوب الْقَضَاء لتَقْصِيره ثمَّ إِذا أَوجَبْنَا الْإِعَادَة

فَيجب عَلَيْهِ إِعَادَة كل صَلَاة صلاهَا مَعَ النَّجَاسَة يَقِينا فَإِن احْتمل حدوثها بعد الصَّلَاة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن الأَصْل عدم وجدانها فِي ذَلِك الزَّمن وَلَو رأى شخصا يُرِيد الصَّلَاة وَفِي ثَوْبه نَجَاسَة وَالْمُصَلي لَا يعلم بهَا لزم الْعَالم إِعْلَامه بذلك لِأَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ لَا يتَوَقَّف على الْعِصْيَان بل هُوَ لزوَال الْمفْسدَة قَالَه الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة وَالله أعلم قَالَ (وَستر الْعَوْرَة بلباس طَاهِر وَالْوُقُوف على مَكَان طَاهِر) أما طَهَارَة اللبَاس وَالْمَكَان عَن النَّجَاسَة فقد مر وَأما ستر الْعَوْرَة فَوَاجِب مُطلقًا حَتَّى فِي الْخلْوَة والظلمة على الرَّاجِح لِأَن الله تَعَالَى أَحَق أَن يستحيا مِنْهُ سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا والعورة فِي اللُّغَة النَّقْص والخلل وَمَا يستحيا مِنْهُ وَهِي هُنَا مَا يجب ستره فِي الصَّلَاة وَالدَّلِيل على أَن سترهَا شَرط لصِحَّة الصَّلَاة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا يقبل الله صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار) وَالْمرَاد بالحائض الْبَالِغ وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على ذَلِك عِنْد الْقُدْرَة فَإِن عجز عَن الستْرَة صلى عُريَانا وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ على الرَّاجِح لِأَنَّهُ عذر عَام وَرُبمَا يَدُوم فَلَو أَوجَبْنَا الْإِعَادَة لشق ثمَّ شَرط الستْرَة أَن تمنع لون الْبشرَة سَوَاء كَانَ من ثِيَاب أَو جُلُود أَو ورق أَو حشيش وَنَحْو ذَلِك حَتَّى الطين وَالْمَاء الكدر وَصُورَة الصَّلَاة فِي المَاء على الْجِنَازَة وَالأَصَح وجوب التطين لِأَنَّهُ قَادر على الستْرَة وَلَا يَكْفِي الثَّوْب الرَّقِيق مثل غزل الْبَنَات وَنَحْوه لِأَنَّهُ لَا يمْنَع لون الْبشرَة وَكَذَا الكرباس الَّذِي لَهُ أبخاش وَلَو كَانَت عَوْرَته ترى من جيبه فِي رُكُوعه أَو سُجُوده لم يكف فَيجب إِمَّا زره أَو وضع شدّ عَلَيْهِ وَنَحْوه وَلَو لم يجد إِلَّا ثوبا نجسا وَلَا يجد مَاء يغسلهُ بِهِ فَقَوْلَانِ الْأَظْهر أَنه يُصَلِّي عُريَانا وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَالثَّانِي يُصَلِّي فِيهِ وَيُعِيد وَلَو كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَوضِع نجس وَمَعَهُ ثوب وَاحِد لَا يَكْفِي للعورة والنجاسة فَقَوْلَانِ أَيْضا أظهرهمَا يبسطه للنَّجَاسَة وَيُصلي عَارِيا بِلَا إِعَادَة وَالثَّانِي يُصَلِّي فِيهِ على النَّجَاسَة وَيُعِيد وَلَو لم يجد العاري إِلَّا ثوبا لغيره حرم عَلَيْهِ لبسه بلَى يُصَلِّي عَارِيا وَلَا يُعِيد وَلَيْسَ لَهُ أَخذه مِنْهُ قهرا وَلَو وهبه لم يلْزمه قبُوله فِي الْأَصَح للمنة وَلَو أَعَارَهُ لزمَه قبُوله لضعف الْمِنَّة فَإِن لم يقبل وَصلى عَارِيا لم تصح صلَاته لقدرته على الستْرَة وَلَو بَاعه إِيَّاه أَو أجره فَهُوَ كَالْمَاءِ فِي التَّيَمُّم وَيكرهُ أَن يُصَلِّي فِي ثوب فِيهِ صُورَة وتمثيل وَالْمَرْأَة متنقبة إِلَّا أَن تكون فِي مَسْجِد وَهُنَاكَ أجانب لَا يحترزون عَن النّظر فَإِن خيف من النّظر إِلَيْهَا مَا يجر إِلَى الْفساد حرم عَلَيْهَا رفع النقاب وَهَذَا كثير فِي مَوَاضِع الزِّيَارَة كبيت الْمُقَدّس زَاده الله تَعَالَى شرفاً فليجتنب ذَلِك وَيسْتَحب أَن يُصَلِّي الشَّخْص فِي أحسن ثِيَابه وَالله أعلم قَالَ

(وَالْعلم بِدُخُول الْوَقْت) لَا شكّ أَن دُخُول الْوَقْت شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة فَإِن علم ذَلِك فَلَا كَلَام وَإِن جَهله وَجب عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ مَأْمُور بِهِ وَلَا فرق فِي الْجَهْل بَين أَن يكون لغيم أَو حبس فِي مَوضِع مظلم أَو غير ذَلِك فَلَو قدر على الْخُرُوج من الْبَيْت المظلم لرؤية الشَّمْس فَهَل يلْزمه ذَلِك فَوَجْهَانِ أصَحهمَا فِي شرح الْمُهَذّب لَهُ الإجتهاد وَلَو أخبرهُ عدل عَن مُعَاينَة بِأَن قَالَ رَأَيْت الْفجْر طالعاً والشفق غارباً أَو أَخْبرنِي فلَان بِرُؤْيَتِهِ امْتنع عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد كَمَا لَو أخبرهُ شخص بِنَصّ من كتاب أَو سنة فِي مَسْأَلَة لَا يجوز الِاجْتِهَاد مَعَ وجود النَّص ثمَّ الِاجْتِهَاد يكون بورد من قِرَاءَة أَو درس علم وَبِنَاء وَنسخ وَنَحْو ذَلِك وَسَوَاء كَانَ مِنْهُ أَو من غَيره كَمَا قَالَه ابْن الرّفْعَة وَمن الأمارات صياح الديك المجرب والمؤذن الْوَاحِد إِن لم يكن ثِقَة فَلَا يَأْخُذ أحد بأذانه وَإِن كَانَ ثِقَة وَهُوَ غير عَالم بِالْوَقْتِ فَكَذَا وَإِن كَانَ ثِقَة عَالما بِالْوَقْتِ فَوَجْهَانِ قَالَ الرَّافِعِيّ لَا يُؤْخَذ بقوله لِأَنَّهُ يخبر عَن اجْتِهَاده والمجتهد لَا يُقَلّد مُجْتَهدا بِخِلَاف مَا إِذا أذن فِي يَوْم الصحو فَإِنَّهُ يخبر عَن مُشَاهدَة وَقَالَ النَّوَوِيّ يَأْخُذ بقوله وَنَقله عَن نَص الشَّافِعِي فَإِنَّهُ لَا يتقاعد عَن صياح الديك ثمَّ حَيْثُ أمرناه بِالِاجْتِهَادِ نظر إِن كَانَ عَاجِزا عَن الْأَدِلَّة فَالْأَصَحّ فِي شرح الْمُهَذّب أَنه يُقَلّد وَإِن كَانَ يحسنها نظر إِن صلى بِلَا اجْتِهَاد لم تصح صلَاته وَوَجَب عَلَيْهِ أَن يُعِيد وَإِن صلى فِي الْوَقْت وَإِن اجْتهد نظر إِن لم يغلب على ظَنّه شَيْء أخر إِلَى حُصُول الظَّن وَالِاحْتِيَاط أَن يُؤَخر إِلَى زمن يغلب على ظَنّه أَنه لَو أخر لخرج الْوَقْت وَإِن غلب على ظَنّه دُخُول الْوَقْت صلى ثمَّ إِن لم يتَبَيَّن لَهُ الْحَال فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَإِن بَان وُقُوعهَا فِي الْوَقْت فَلَا كَلَام وَإِن بَان بعده صحت وَإِن نوى الْأَدَاء صرح بِهِ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الصّيام وَإِن بَان أَنَّهَا قبل الْوَقْت قضى على الْمَذْهَب وَلَو علم المنجم دُخُول الْوَقْت بِالْحِسَابِ قَالَ فِي الْبَيَان الْمَذْهَب أَنه يعْمل بِهِ بِنَفسِهِ وَلَا يعْمل بِهِ غَيره والمنجم الموقت لَا المنجم فِي عرف النَّاس كهؤلاء الَّذين يضْربُونَ بالرمل فَإِنَّهُم فسقة وَمِنْهُم من يكون سيء الِاعْتِقَاد وَهُوَ زنديق كَافِر وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (من أَتَى عرافاً لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا) وَرِوَايَة مُسلم (من أَتَى عرافاً فَسَأَلَهُ عَن شَيْء فَصدقهُ) وَلَو أخبرهُ مخبر بِأَن صلَاته وَقعت قبل الْوَقْت نظر إِن أخبرهُ عَن علم أَو مُشَاهدَة وَجَبت الْإِعَادَة وَإِن أخبرهُ عَن اجْتِهَاد فَلَا وَالله أعلم قَالَ (واستقبال الْقبْلَة) هِيَ الْكَعْبَة وَسميت قبْلَة لِأَن الْمُصَلِّي يقابلها وكعبة لارتفاعها واستقبالها شَرط لصِحَّة

الصَّلَاة فِي حق الْقَادِر لَا فِي شدَّة الْخَوْف وَفِي نفل السّفر الْمُبَاح لقَوْله تَعَالَى ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ والاستقبال لَا يجب فِي غير الصَّلَاة فَتعين أَن يكون فِي الصَّلَاة وَلقَوْله للمسيء صلَاته (واستقبل الْقبْلَة وَكبر) ثمَّ الْفَرْض فِي خق الْقَرِيب من الْقبْلَة اصابة عينهَا بِأَن يحاذيها بِجَمِيعِ بدنه فَلَو خرج بعض بدنه عَن مسامتتها فَلَا تصح صلَاته على الْأَصَح وَأما الْبعيد فَفِي الْفَرْض فِي حَقه قَولَانِ أظهرهمَا أَيْضا إِصَابَة الْعين لِلْآيَةِ لَكِن يَكْفِي غَلَبَة الظَّن بِخِلَاف الْقَرِيب فَإِنَّهُ يلْزمه ذَلِك بِيَقِين لقدرته عَلَيْهِ بِخِلَاف الْبعيد وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الْفَرْض فِي حق الْبعيد الْجِهَة وَاعْلَم أَن يشْتَرط أَيْضا أَن يكون مصلي الْفَرْض مُسْتَقرًّا فَلَا يَصح من الْمَاشِي وان اسْتقْبل الْقبْلَة وَلَا من الرَّاكِب الَّذِي تسير بِهِ دَابَّته لعدم استقراره فَلَو كَانَت الدَّابَّة واقفة واستقبل وَلم يخل بِالْقيامِ صحت على الْأَصَح وَقطع بِهِ الْجُمْهُور نعم تصح فِي السَّفِينَة السائرة بِخِلَاف الدَّابَّة وَالْفرق أَن الْخُرُوج من السَّفِينَة فِي أَوْقَات الصَّلَاة إِلَى الْبر مُتَعَذر أَو متعسر بِخِلَاف الدَّابَّة وَلَو خَافَ من النُّزُول عَن الدَّابَّة انْقِطَاعًا عَن رفقته أَو كَانَ يخَاف على نَفسه أَو مَاله صلى عَلَيْهَا وَأعَاد وَاعْلَم أَن الْقَادِر على يَقِين الْقبْلَة لَا يجوز لَهُ الِاجْتِهَاد وَأما غير الْقَادِر على الْيَقِين فَإِن وجد من يُخبرهُ عَنْهَا عَن علم اعْتَمدهُ وَلم يجْتَهد بِشَرْط عَدَالَة الْمخبر فيستوي فِي ذَلِك الرجل وَالْمَرْأَة وَالْحر وَالْعَبْد فَلَا يقبل قَول الْكَافِر قطعا وَكَذَا الْفَاسِق كقضاة الرشا وأئمة الظُّلم وشهود قسم الْجور وَكَذَا لَا يقبل قَول الصَّبِي الْمُمَيز على الصَّحِيح ثمَّ الْمخبر قد يكون بِاللَّفْظِ وَقد يكون دلَالَة كالمحراب الْمُعْتَمد وَسَوَاء فِي الْعَمَل بالْخبر أهل الِاجْتِهَاد وَغَيرهم حَتَّى إِن الْأَعْمَى يعْتَمد الْمِحْرَاب بالمس حَيْثُ يعْتَمد الْبَصِير وَكَذَا الْبَصِير فِي الظلمَة وَلَو اشْتبهَ عَلَيْهِ مَوَاضِع فَلَا شكّ أَنه يصبر حَتَّى يُخبرهُ غَيره صَرِيحًا فَإِن خَافَ فَوَات الْوَقْت صلى على حسب حَاله وَأعَاد هَذَا كُله إِذا وجد من يُخبرهُ عَن علم وَهُوَ مِمَّن يعْتَمد قَوْله أما إِذا لم يجد الْعَاجِز من يُخبرهُ فَتَارَة يقدر على الِاجْتِهَاد وَتارَة لَا يقدر فَإِن قدر لزمَه الِاجْتِهَاد واستقبل مَا ظَنّه الْقبْلَة وَلَا يَصح الِاجْتِهَاد إِلَّا بأدلة

الْقبْلَة وَهِي كَثِيرَة وأضعفها الرِّيَاح لاختلافها وأقوالها القطب وَهُوَ نجم صَغِير فِي بَنَات نعش الصُّغْرَى بَين الفرقدين والجدي إِذا جعله الْوَاقِف خلف أُذُنه الْيُمْنَى كَانَ مُسْتَقْبل الْقبْلَة إِن كَانَ بِنَاحِيَة الْكُوفَة وبغداد وهمدان وجرجان وَمَا والاها وَيكون على عَاتِقه الْأَيْسَر بأقليم مصر وَيكون خلف ظَهره بِدِمَشْق وَلَيْسَ للقادر على الإجتهاد تَقْلِيد غَيره فَإِن فعل وَجب قَضَاء الصَّلَاة وَسَوَاء خَافَ خُرُوج الْوَقْت أم لَا فَإِن ضَاقَ الْوَقْت صلى كَيفَ كَانَ وَتجب الْإِعَادَة هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل يُقَلّد عِنْد خوف الْفَوات وَلَو خفيت الْأَدِلَّة على الْمُجْتَهد لغيم أَو ظلمَة أَو تَعَارَضَت الْأَدِلَّة فَفِيهِ خلاف منتشر ملخصه قَولَانِ أظهرهمَا لَا يُقَلّد قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمحل الْخلاف عِنْد ضيق الْوَقْت أما إِذا لم يضق فَلَا يُقَلّد قطعا لعدم الْحَاجة هَذَا فِي الْقَادِر أما إِذا لم يقدر على الِاجْتِهَاد بِأَن كَانَ عَاجِزا عَن أَدِلَّة الْقبْلَة كالأعمى والبصير الَّذِي لَا يعرف الْأَدِلَّة وَلَا لَهُ أَهْلِيَّة مَعْرفَتهَا وَجب عَلَيْهِ تَقْلِيد مُسلم عدل عَارِف بالأدلة سَوَاء فِيهِ الرجل وَالْمَرْأَة وَالْحر وَالْعَبْد وَاعْلَم أَن التَّقْلِيد هُوَ قبُول قَول الْمُسْتَند إِلَى الِاجْتِهَاد فَلَو قَالَ بَصِير رَأَيْت القطب أَو رأين الْخلق الْكثير من الْمُسلمين يصلونَ إِلَى هُنَا كَانَ الْأَخْذ بِهِ قبُول خبرلا تَقْلِيد لِأَنَّهُ لم يسْتَند إِلَى اجْتِهَاد بل إِلَى الرُّؤْيَة وَلَو اخْتلف عَلَيْهِ اجْتِهَاد مجتهدين قلد من شَاءَ مِنْهُمَا على الصَّحِيح وَالْأولَى تَقْلِيد الأوثق الأعلم وَقيل يجب ذَلِك وَرجحه الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير قَالَه ابْن الرّفْعَة وَنَقله القَاضِي أَبُو الطّيب عَن نَص الشَّافِعِي فِي الْأُم قَالَ ابْن الرّفْعَة لَكِن الْأَكْثَرُونَ على التَّخْيِير وَاعْلَم أَن الْمُصَلِّي بِالِاجْتِهَادِ إِذا ظهر الْخَطَأ فِي الإجتهاد فَإِن كَانَ قبل الشُّرُوع فِي الصَّلَاة أعرض عَنهُ وَاعْتمد الْجِهَة الَّتِي يعلمهَا أَو يَظُنهَا فَإِن تَسَاوَت عِنْده جهتان فَلهُ الْخِيَار فيهمَا على الْأَصَح وَلَو تَيَقّن الْخَطَأ بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة وَجَبت الْإِعَادَة على الْأَظْهر لفَوَات الِاسْتِقْبَال وَقيل لَا يُعِيد اعْتِبَارا بِمَا ظَنّه وَقت الْفِعْل لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالصَّلَاةِ بِهِ وَالْأول مَذْهَب الْفُقَهَاء وَالثَّانِي مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين وَلَو تَيَقّن الْخَطَأ وَلم يتَيَقَّن الصَّوَاب بل ظَنّه فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ لِأَن الأول مُجْتَهد فِيهِ وَالثَّانِي مُجْتَهد فِيهِ وَلَا ينْقض الِاجْتِهَاد بِالِاجْتِهَادِ حَتَّى لَو صلى أَربع رَكْعَات إِلَى أَربع جِهَات باجتهادات فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ على الأصيح وَلَو تَيَقّن الجظأ فِي أثْنَاء الصَّلَاة بطلت على الْأَظْهر أَو ظن الْخَطَأ فَالْأَصَحّ أَنه ينحرف وَيَبْنِي على صلَاته حَتَّى لَو صلى أَربع رَكْعَات إِلَى أَربع جِهَات باجتهادات فَلَا قَضَاء وَلَو صلى بِاجْتِهَاد ثمَّ أَرَادَ صَلَاة فَرِيضَة أُخْرَى حَاضِرَة أَو فَائِتَة وَجب الِاجْتِهَاد على الْأَصَح سعياً فِي إِصَابَة الْحق وَلَا يحْتَاج إِلَى إِعَادَة الِاجْتِهَاد للنافلة قطعا قَالَ فِي الرَّوْضَة وَلَو اجْتهد اثْنَان وَأدّى اجْتِهَاد كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى جِهَة عمل كل مِنْهُمَا بِاجْتِهَادِهِ وَلَا يَقْتَدِي بِصَاحِبِهِ لِأَن كلا مِنْهُمَا يعْتَقد خطأ صَاحبه كَمَا لَو اخْتلف اجتهادهما فِي الإناءين أَو الثَّوْبَيْنِ الْمُتَنَجس أَحدهمَا وَلَو شرع فِي الصَّلَاة بالتقليد فَقَالَ لَهُ عدل أَخطَأ بك فلَان فَإِن كَانَ يخبر عَن علم ومعاينة وَجب الرُّجُوع إِلَى قَوْله وَإِن كَانَ يخبر عَن اجْتِهَاد فَإِن كَانَ قَول الأول عِنْده أرجح لزِيَادَة عَدَالَته أَو هدايته للأدلة أَو هُوَ

مثله أَو لم يعرف أَنه مثله أم لَا لم يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بقول الثَّانِي وَلَا يجوز على الصَّحِيح وَإِن كَانَ الثَّانِي أرجح تحول وَبنى على الصَّحِيح كتغير اجْتِهَاده وَلَو قَالَ لَهُ الْمُجْتَهد الثَّانِي ذَلِك بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة لم تلْزمهُ الاعادة قطعا وَإِن كَانَ الثَّانِي أرجح كَمَا لَو تغير اجْتِهَاده بعد الْفَرَاغ وَلَو قَالَ لَهُ الثَّانِي أَنْت على الْخَطَأ قطعا وَجب قبُوله قطعا سَوَاء أخبرهُ هَذَا الْقَاطِع بالْخَطَأ عَن الصَّوَاب متيقناً أَو مُجْتَهدا يجب قبُوله لِأَن تَقْلِيد الأول بَطل بِقطع هَذَا وَالله أعلم الشَّرْط السَّادِس السُّكُوت عَن الْكَلَام فالمتكلم إِن كَانَ غير مَعْذُور ونطق بِحرف مفهم مثل ق وش تبطل وَإِن نطق بحرفين بطلت أفهم كقم أَو لَا كمن وَعَن وبطلانها بِالثَّلَاثَةِ فَصَاعِدا أولى وَلَا فرق فِي الْبطلَان بَين أَن يكون لمصْلحَة الصَّلَاة كَقَوْلِه للْإِمَام قُم أم لَا وَلَو نطق بِحرف بعده مُدَّة فَالْأَصَحّ بُطْلَانهَا لِأَن الْمدَّة حرف وَفِي التنحنح خلاف الرَّاجِح أَنه إِن بَان مِنْهُ حرفان بطلت وَإِلَّا فَلَا هَذَا إِذا كَانَ بِغَيْر عذر فَإِن كَانَ مَغْلُوبًا فَلَا بَأْس وَلَو تَعَذَّرَتْ الْقِرَاءَة الْوَاجِبَة إِلَّا بالتنحنح تنحنح وَهُوَ مَعْذُور وَإِن تعذر الْجَهْر فالراجح أَنه لَيْسَ بِعُذْر وَلَو تنحنح الامام وَظهر مِنْهُ حرفان فَهَل للْمَأْمُوم أَن يَدُوم على مُتَابَعَته وَجْهَان الرَّاجِح نعم وَالظَّاهِر أَنه مَعْذُور وَأما الضحك والبكاء والأنين فَإِن بَان مِنْهُ حرفان بطلت وَإِلَّا فَلَا وَسَوَاء كَانَ الْبكاء للدنيا أَو للآخررة وَإِن تكلم الْمُصَلِّي وَهُوَ مَعْذُور كمن سبق لِسَانه إِلَى الْكَلَام بِلَا قصد أَو غَلبه السعال أَو الضحك وَبَان مِنْهُ حرفان أَو تكلم نَاسِيا أَو جَاهِلا بِتَحْرِيم الْكَلَام وَهُوَ قريب عهد بِالْإِسْلَامِ فَإِن كَانَ يَسِيرا لم تبطل صلَاته وَإِن كثر بطلت على الْأَصَح والقلة وَالْكَثْرَة يرجع فيهمَا إِلَى الْعرف وَضم إِلَى ذَلِك فِي شرح الْمُهَذّب كَثْرَة العطاس وَقَالَ إِنَّه يبطل وَلَو جهل كَون التنحنح مُبْطلًا فَهُوَ مَعْذُور لخفاء حكمه على الْعَوام وَلَو أكره على الْكَلَام بطلت صلَاته على الْأَظْهر لِأَنَّهُ نَادِر كَمَا لَو أكره على الصَّلَاة بِلَا طَهَارَة أَو على أَن يُصَلِّي وَهُوَ قَاعد فَإِنَّهُ يجب الاعادة وَلَو أشرف إِنْسَان على الْهَلَاك فَأَرَادَ انذاره وَلم يحصل إِلَّا بالْكلَام وَجب وَتبطل صلَاته على الْأَصَح لوُجُود الْكَلَام وَلَو قَالَ الْمُصَلِّي آه من خوف النَّار بطلت صلَاته على الصَّحِيح الشَّرْط السَّابِع الْكَفّ عَن الْأَفْعَال اعْلَم أَن الْفِعْل الزَّائِد على الصَّلَاة إِن كَانَ من جِنْسهَا كالركوع وَالسُّجُود وَزِيَادَة رَكْعَة إِن تعمد ذَلِك بطلت سَوَاء قل الزَّائِد أَو كثر وَإِن كَانَ الْفِعْل من غير جنس الصَّلَاة فاتفق الْأَصْحَاب على أَن الْقَلِيل لَا يبطل وَالْكثير يبطل وَفِي ضبط الْقَلِيل وَالْكثير أوجه الصَّحِيح الرُّجُوع فِيهِ إِلَى الْعَادة فَلَا يضر مَا عده ى النَّاس قَلِيلا كالإشارة برد السَّلَام وخلع النَّعْل وَنَحْوهمَا ثمَّ قَالُوا الفعلة الْوَاحِدَة كالخطوة والصربة قَلِيل قطعا وَالثَّلَاث كَثِيرَة قطعا والاثنتان قَلِيل على الْأَصَح وَاتفقَ الْأَصْحَاب على أَن الْكثير إِنَّمَا يبطل إِذا توالى فَإِن تفرق بِأَن خطا خطْوَة ثمَّ بعد زمن خطْوَة أُخْرَى وَكرر ذَلِك مَرَّات فَلَا يضر قطعا قَالَه فِي الرَّوْضَة وَيشْهد لَهُ حَدِيث أَمَامه رَضِي الله عَنْهَا فَلَو تردد فِي فعل هَل وصل إِلَى حد الْكَثْرَة أم لَا قَالَ الإِمَام الْأَظْهر أَنه لَا يُؤثر لِأَن الأَصْل

عدم الْكَثْرَة وَعدم بطلَان الصَّلَاة ثمَّ حد التَّفْرِيق أَن يعد الثَّانِي مُنْقَطِعًا عَن الأول وَاعْلَم أَن شَرط الفعلة الْوَاحِدَة الَّتِي لَا تبطل أَن لَا تتفاحش فَإِن أفرطت كالوثبة الْفَاحِشَة أبطلت قطعا قَالَه فِي الرَّوْضَة لِأَنَّهَا مُنَافِيَة للصَّلَاة وَاعْلَم أَن الحركات الْخَفِيفَة كتحريك الْأَصَابِع فِي حكة لَا تضر على الْأَصَح وَإِن كثرت وتوالت لِأَنَّهَا لَا تخل بهيئة تَعْظِيم الصَّلَاة وَلَا بالخشوع أما لَو حرك كَفه ثَلَاثًا على بدنه يهترش فَإِن صلَاته تبطل قَالَ فِي الْكَافِي إِلَّا أَن يكون بِهِ جرب لَا يقدر مَعَه على عدم الحك فيعذر وَاعْلَم أَن كثير الْفِعْل حَيْثُ أبطل عِنْد الْعمد فَكَذَا يبطل عِنْد فعله سَهوا على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ يقطع نظم الصَّلَاة وَالله أعلم الشَّرْط الثَّامِن الامساك عَن الْأكل فَإِن أكل الْمُصَلِّي شَيْئا بطلت صلَاته وَإِن قل لِأَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوع وَفِي وَجه لَا تبطل بِالْقَلِيلِ وَهُوَ غلط وَلَو كَانَ بَين أَسْنَانه شَيْء فابتلعه أَو نزلت من رَأسه نخامة فابتلعها عَامِدًا بطلت صلَاته فَإِن كَانَ مَغْلُوبًا بِأَن جرى الرِّيق بباقي الطَّعَام أَو نزلت المخامة وَلم يُمكنهُ إِِمْسَاكهَا لم تبطل صلَاته لِأَنَّهُ مَعْذُور وَإِن أكل نَاسِيا أَو جَاهِلا بِالتَّحْرِيمِ فَإِن قل لم تبطل وَإِن كثر بطلت صلَاته على الْأَصَح وَاعْلَم أَن المضغ وَحده فعل يبطل كَثِيره الصَّلَاة إِن لم يصل شَيْء إِلَى الْجوف وَلَو كَانَ بفمه عقيدة فذابت وَنزل إِلَى جَوْفه مِنْهَا شَيْء بطلت صلَاته وَإِن لم يحصل مِنْهُ فعل الْوُصُول الْمُفطر إِلَى جَوْفه ويعبر عَن هَذَا بِأَن الامساك شَرط فِي الصَّلَاة ليَكُون حَاضر الذِّهْن تَارِكًا للأمور العادية فعلى هَذَا تبطل الصَّلَاة بِكُل مَا يبطل بِهِ الصَّوْم فَلَو نكش أُذُنه بِشَيْء وَأدْخلهُ بَاطِن أُذُنه بطلت صلَاته وَالله أعلم قَالَ (وَيجوز ترك الِاسْتِقْبَال فِي حالتين فِي شدَّة الْخَوْف) إِذا التحم الْقِتَال وَلم يتمكنوا من تَركه بِحَال لقلتهم وَكَثْرَة الْعَدو أَو اشْتَدَّ الْخَوْف وَلم يلتحم الْقِتَال وَلم يأمنوا أَن يركب الْعَدو أكتافهم وَلَو ولوا انقسموا وصلوا بِحَسب الامكان وَلَيْسَ لَهُم التَّأْخِير عَن الْوَقْت لِلْآيَةِ الشَّرِيفَة الدَّالَّة على إِقَامَة الصَّلَاة فِي وَقتهَا ويصلن ركباناً وَمُشَاة مستقبلي الْقبْلَة وَغير مستقبليها لقَوْله تَعَالَى ﴿خِفْتُمْ فرجالاً أَو ركباناً﴾ قَالَ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرهَا مستقبلي الْقبْلَة وَغير مستقبليها كَذَا رَوَاهُ مَالك عَن نَافِع قَالَ نَافِع لَا أرَاهُ قَالَ ذَلِك إِلَّا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَقد رَوَاهُ الشَّافِعِي بِسَنَدِهِ عَنهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلِأَن الضَّرُورَة

قد تَدْعُو إِلَى الصَّلَاة على هَذِه الْحَالة وَلَا يجب الِاسْتِقْبَال لَا فِي حَال التَّحْرِيم وَلَا فِي غَيره وَإِن كَانَ رَاجِلا قَالَه الْبَغَوِيّ وَغَيره وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا يُعْفَى عَن ترك الِاسْتِقْبَال إِذا كَانَ بِسَبَب الْعَدو فَلَو انحرف عَن الْقبْلَة لجماح الدَّابَّة وَطَالَ الزَّمن بطلت الصَّلَاة وَلَو لم يتَمَكَّن من اتمام الرُّكُوع وَالسُّجُود اقْتصر على الْإِيمَاء وَيجْعَل السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع وَيجب الِاحْتِرَاز عَن الصياح بِكُل حَال لعدم الْحَاجة إِلَيْهِ وَلَو احْتَاجَ إِلَى الفعلات الْكَثِيرَة كالطعنات والضربات المتوالية فعل وَلَا تبطل صلَاته على الصَّحِيح كَمَا لَو اضْطر إِلَى الْمَشْي وَقيل تبطل وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقَوله (فِي شدَّة الْخَوْف) يَشْمَل كل مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَة من أَنْوَاع الْقِتَال فَيجوز فِي قتال الْكفَّار وَلأَهل الْعدْل فِي قتال الْبُغَاة وَفِي قتال قطاع الطَّرِيق وَلَا يجوز للبغاة وَلَا لقطاع الطَّرِيق ذَلِك لعصيانهم فَلَا يُخَفف عَنْهُم وَلَو قصد شخص نفس شخص أَو حريمه أَو نفس غَيره أَو حريمه واشتغل بِالدفع عَن ذَلِك صلى على هَذِه الْحَالة وَلَو قصد مَاله نظر إِن كَانَ حَيَوَانا صلى كَذَلِك وَإِن لم يكن حَيَوَانا فَقَوْلَانِ وَالْأَظْهَر الْجَوَاز ويشمل مُطلق الْخَوْف مَا لَو هرب من سيل أَو حريق وَلم يجد معدلاً عَنهُ وَلَو كَانَ على شخص دين وَهُوَ مُعسر وعاجز عَن بَيِّنَة الاعسار وَلَا يصدقهُ الْمُسْتَحق وَلَو ظفر بِهِ حَبسه فَلهُ أَن يُصَلِّي هَارِبا على الْمَذْهَب وَلَو كَانَ عَلَيْهِ قصاص ويرجو الْعَفو إِذا سكن الْغَضَب قَالَ الْأَصْحَاب لَهُ الْهَرَب وَله أَن يُصَلِّي صَلَاة شدَّة الْخَوْف فِي هربه واستبعد الامام جَوَاز هربه بِهَذَا التوقع وَلَو ضَاقَ الْوَقْت على الْمحرم وَخَافَ إِن صلى مُسْتَقرًّا فَاتَ الْوُقُوف بِعَرَفَة فَفِيهِ أوجه الَّذِي رَجحه الرَّافِعِيّ أَن يُصَلِّي مُسْتَقرًّا وَإِن فَاتَ الْوُقُوف وَالثَّانِي يُصَلِّي صَلَاة شدَّة الْخَوْف جمعا بَيْنَمَا وَالثَّالِث يُؤَخر الصَّلَاة وَيحصل الْوُقُوف لِأَن قَضَاء الْحَج صَعب قَالَ النَّوَوِيّ إِن الثَّالِث هُوَ الصَّوَاب وَمَا رَجحه الرَّافِعِيّ ضَعِيف وَالله أعلم قَالَ (وَفِي النَّافِلَة فِي السّفر على الرَّاحِلَة) يجوز للْمُسَافِر التنقل رَاكِبًا وماشياً إِلَى جِهَة مقْصده فِي السّفر الطَّوِيل والقصير على الْمَذْهَب أما فِي الرَّاكِب فَلَمَّا ورد عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يُصَلِّي على رَاحِلَته فِي السّفر حَيْثُمَا تَوَجَّهت بِهِ) وَفِي رِوَايَة (يُصَلِّي على ظهر رَاحِلَته حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ) وَإِذا أَرَادَ الْفَرِيضَة نزل عَن رَاحِلَته فَاسْتقْبل وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن النَّاس محتاجون إِلَى الْأَسْفَار وَلَهُم أوراد وَقصد فِي النَّافِلَة فَلَو شَرط الِاسْتِقْبَال فِي التَّنَفُّل لَأَدَّى إِلَى ترك أورادهم أَو ترك مصَالح مَعَايشهمْ وَأما الْمَاشِي فبالقياس على الرَّاكِب لوُجُود الْمَعْنى ثمَّ هَذَا فِي الرَّاكِب الَّذِي لَا يُمكنهُ إتْمَام الرُّكُوع وَالسُّجُود فَإِن أمكن بِأَن كَانَ فِي مرقد كالمحارة وَنَحْوهَا لزمَه ذَلِك لِأَنَّهُ لَا مشقة عَلَيْهِ

كراكب السَّفِينَة وَأما من لَا يُمكنهُ ذَلِك فَفِي وجوب الِاسْتِقْبَال وَقت التَّحَرُّم أوجه الصَّحِيح إِن سهل عَلَيْهِ ذَلِك بِأَن كَانَ الزِّمَام فِي يَده وَهِي سهلة الانقياد أَو كَانَت قَائِمَة وَأمن انحرافه عَلَيْهَا أَو تحريفها لزمَه ذَلِك وَغير السهلة بِأَن تكون مقطورة أَو صعبة الانقياد وَاحْتج لذَلِك بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (كَانَ إِذا سَافر وَأَرَادَ أَن يتَطَوَّع اسْتقْبل بناقته الْقبْلَة وَكبر وَصلى حَيْثُ وَجه ركابه) وَالْمعْنَى فِيهِ وُقُوع أول الْعِبَادَة بِالشُّرُوطِ وَالْبَاقِي يَقع تبعا كالنية يجب ذكرهَا فِي أول الصَّلَاة وَيَكْفِي دوامها حكما لَا ذكرا للعسر وَإِذا شرطنا الِاسْتِقْبَال عِنْد الاحرام لم يشْتَرط عِنْد السَّلَام على الرَّاجِح مَا فِي سَائِر الْأَركان ثمَّ مهما أمكنه الِاسْتِقْبَال فِي الصَّلَاة وَجب بِأَن وقفت الدَّابَّة لحَاجَة سَوَاء فِي ذَلِك وَقت التَّحَرُّم أَو غَيره فاعرفه وَاعْلَم أَن صوب مقصد الْمُسَافِر هُوَ قبلته فَلَو انحرف عَنهُ بطلت صلَاته لِأَنَّهُ لَا حَاجَة لَهُ فِي ذَلِك وَإِن انحرف نَاسِيا وَعَاد عَن قرب لم تبطل صلَاته وَكَذَا لَو غلط فِي الطَّرِيق وَلَو انحرف بجماح الدَّابَّة وَطَالَ الزَّمَان بطلت صلَاته على الصَّحِيح كَمَا لَو أماله شخص عَن صوب مقْصده وَإِن قصر لم تبطل صلَاته لعُمُوم الجماح وَإِذا لم تبطل فِي صُورَة النسْيَان فَإِن طَال الزَّمَان سد للسَّهْو وَإِلَّا فَلَا وَاعْلَم أَنه لَا يجب على الرَّاكِب وضع جَبهته على عرف الدَّابَّة وَلَا على السرج وإلاكاف بل ينحني للرُّكُوع وَالسُّجُود وَيكون السُّجُود أَخفض ليحصل التَّمْيِيز بَينهمَا وَهُوَ وَاجِب عِنْد التَّمَكُّن نعم الرَّاكِب فِي مرقد وَنَحْوه مِمَّا يسهل فِيهِ الِاسْتِقْبَال وَكَذَا إتْمَام الْأَركان فَيجب عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَال فِي جَمِيع الصَّلَاة وَكَذَا اتمام الْأَركان لقدرته هَذَا فِي الرَّاكِب أما الْمَاشِي فَفِيهِ أَقْوَال أظهرها أَنه يرْكَع وَيسْجد على الأَرْض وَله التَّشَهُّد مَاشِيا لطوله كالقيام وَيشْتَرط أَن يكون مَا يلاقي بطن الْمُصَلِّي على الرَّاحِلَة طَاهِرا فَلَو وطِئت الدَّابَّة النَّجَاسَة لم يضر وَكَذَا لَو أَوْطَأَهَا على الْأَصَح وَلَو وطىء الْمَاشِي نَجَاسَة عمدا بطلت صلَاته نعم لَا يُكَلف التحفظ وَالِاحْتِيَاط فِي الْمَشْي للْمَشَقَّة وَاعْلَم أَنه يشْتَرط فِي جَوَاز التَّنَفُّل رَاكِبًا وماشياً دوَام السّفر وَالسير فَلَو وصل الْمنزل فِي خلال الصَّلَاة اشْترط اتمامها إِلَى الْقبْلَة مُتَمَكنًا وَينزل إِن كَانَ رَاكِبًا وَكَذَا لَو وصل مَكَان اقامته وَجب عَلَيْهِ النُّزُول واتمام الصَّلَاة مُسْتَقْبلا بِأول دُخُول الْبُنيان وَحكم نِيَّة الاقامة كَحكم من وصل منزل اقامته وَالله أعلم (فرع) يشْتَرط فِي حق الرَّاكِب والماشي الِاحْتِرَاز عَن الْأَفْعَال الَّتِي لَا يحْتَاج إِلَيْهَا فَلَو ركض الدَّابَّة لحَاجَة فَلَا بَأْس وَلَو أجراها بِلَا عذر أَو مَاشِيا فَقعدَ بِلَا عذر بطلت على الرَّاجِح وَالله أعلم (فرع) رَاكب التعاسيف وَهُوَ الهائم الَّذِي لَيْسَ لَهُ مقْعد معِين بل يسْتَقْبل الْقبْلَة مرّة

ويستدبرها أُخْرَى لَيْسَ لَهُ ترك الِاسْتِقْبَال فِي شَيْء من نافلته (فرع) رَاكب السَّفِينَة لَا يجوز لَهُ التَّنَفُّل فِيهَا إِلَى غير الْقبْلَة لتمكنه من ذَلِك نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي كالراكب فِي المحفة وَهل يسْتَثْنى الملاح ويتنفل حَيْثُ توجه لِحَاجَتِهِ إِلَى ذَلِك رجح الرَّافِعِيّ عدم استثنائه صرح بذلك فِي الشَّرْح الصَّغِير وَقَالَ لَا فرق بَينه وَبَين غَيره وَرجح النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ يسْتَثْنى قَالَ وَلَا بُد من استثنائه لِحَاجَتِهِ لأمر السَّفِينَة وَالله أعلم قَالَ

بَاب أَرْكَان الصَّلَاة

(فصل وأركان الصَّلَاة ثَمَانِيَة عشر ركنا النِّيَّة) قد علمت أَن الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة تشْتَمل على أَرْكَان وأبعاض وهيئات فَمن الْأَركان النِّيَّة لِأَنَّهَا وَاجِبَة فِي بعض الصَّلَاة يَعْنِي ذكرا وَهُوَ أَولهَا فَكَانَت ركنا كالتكبيرة وَالرُّكُوع وَغَيرهمَا وَمِنْهُم من عدهَا شرطا قَالَ الْغَزالِيّ هِيَ بِالشّرطِ أشبه وَوَجهه أَنه يعْتَبر دوامها حكما إِلَى آخر الصَّلَاة فَأَشْبَهت الْوضُوء والاستقبال وَهُوَ قوي ثمَّ النِّيَّة الْقَصْد فَلَا بُد من قصد أُمُور أَحدهَا قصد فعل الصَّلَاة لتمتاز عَن سَائِر الْأَفْعَال وَالثَّانِي تعين الصَّلَاة المأتي بهَا من كَونهَا ظهرا أَو عصرا أَو جُمُعَة وَهَذَانِ لَا بُد مِنْهُمَا بِلَا خلاف فَلَو نوى فرض الْوَقْت بدل الظّهْر أَو الْعَصْر لم تصح على الْأَصَح لِأَن الْفَائِتَة تشاركها فِي كَونهَا فَرِيضَة الْوَقْت الثَّالِث أَن يَنْوِي الْفَرِيضَة على الْأَصَح عِنْد الْأَكْثَرين سَوَاء كَانَ الناوي بَالغا أَو صَبيا وَسَوَاء كَانَت الصَّلَاة قَضَاء أَو أَدَاء وَفِي شرح الْمُهَذّب أَن الصَّوَاب فِي الصَّبِي أَنه لَا يَنْوِي الْفَرْض وَفِي اشْتِرَاط الْإِضَافَة إِلَى الله تَعَالَى بِأَن يَقُول لله وَجْهَان الْأَصَح أَنه لَا يشْتَرط الرَّابِع هَل لَا يشْتَرط تَمْيِيز الْأَدَاء من الْقَضَاء وَجْهَان أصَحهمَا فِي الرَّافِعِيّ لَا يشْتَرط لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد ولهذذا يُقَال أدّيت الدّين وقضيت الدّين وَالَّذِي قَالَ النَّوَوِيّ إِن هَذَا فِيمَن جهل خُرُوج الْوَقْت لغيم وَنَحْوه قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب صرح الْأَصْحَاب بِأَنَّهُ إِذا نوى الْأَدَاء فِي وَقت الْقَضَاء أَو عَكسه لم تصح قطعا وَالله أعلم وَلَا يشْتَرط التَّعَرُّض لعدد الرَّكْعَات وَلَا للاستقبال على الصَّحِيح نعم لَو نوى الظّهْر خمْسا أَو ثَلَاثًا لم تَنْعَقِد وَاعْلَم أَن النِّيَّة فِي جَمِيع الْعِبَادَات مُعْتَبرَة بِالْقَلْبِ فَلَا يَكْفِي نطق للسان مَعَ غَفلَة الْقلب نعم

لَا يضر مُخَالفَة اللِّسَان من قصد بِقَلْبِه الظّهْر وَجرى على لِسَانه الْعَصْر فَإِنَّهَا تَنْعَقِد ظَهره وَاعْلَم أَن شَرط النِّيَّة الْجَزْم ودوامه فَلَو نوى فِي أثْنَاء الصَّلَاة الْخُرُوج مِنْهَا بطلت وَكَذَا لَو تردد فِي أَن يخرج أَو يسْتَمر بطلت وَلَو علق الْخُرُوج مِنْهَا على شَيْء فَإِن قَالَ إِن عيط لي فلَان أَو دق الْبَاب خرجت مِنْهَا بطلت فِي الْحَال على الرَّاجِح كَمَا لَو دخل فِي الصَّلَاة على ذَلِك فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِد بِلَا خلاف لفَوَات الْجَزْم كَمَا لَو علق الْخُرُوج من الاسلام فَإِنَّهُ يكفر فِي الْحَال بِلَا خلاف وَلَو شكّ فِي صلَاته هَل أَتَى بِكَمَال النِّيَّة أَو تَركهَا أَو ترك بعض شُرُوطهَا نظر إِن تذكر أَنه أَتَى بكمالها قبل أَن يَأْتِي بِشَيْء على الشَّك وَقصر الزَّمَان لم تبطل صلَاته لِأَن عرُوض الشَّك وزواله كثير فيعفى عَنهُ وَإِن طَال الزَّمَان فَالْأَصَحّ الْبطلَان لانْقِطَاع نظم الصَّلَاة وندور مثل ذَلِك وَإِن تذكر بعد مَا أَتَى على الشَّك بِرُكْن فعلي كالركوع وَالسُّجُود بطلت وَإِن أَتَى بِقَوْلِي كالقراءة وَالتَّشَهُّد بطلت أَيْضا على الْأَصَح الْمَنْصُوص الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور قَالَ النَّوَوِيّ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَو شكّ هَل نوى ظهرا أَو عصراً لم يجزه عَن وَاحِدَة مِنْهُمَا فَإِن تيقنهما فعلى التَّفْصِيل الْمَذْكُور وَالله أعلم وَاعْلَم أَنه يشْتَرط أَن تقارن النِّيَّة لتكبيرة الاحرام يَعْنِي ذكرا وَمَا معنى الْمُقَارنَة فِيهِ أوجه أَصَحهَا فِي الرَّوْضَة هُنَا أَنه يجب ذكرهَا من أول التَّكْبِيرَة إِلَى فراغها وَالثَّانِي أَن الْوَاجِب استحضارها لأوّل التَّكْبِيرَة فَقَط قَالَ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الطَّلَاق وَهُوَ الْأَظْهر وَالثَّالِث تَكْفِي الْمُقَارنَة الْعُرْفِيَّة عِنْد الْعَوام بِحَيْثُ يعد مستحضراً للصَّلَاة وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الامام وَالْغَزالِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَالله أعلم قَالَ (وَالْقِيَام مَعَ الْقُدْرَة) اعْلَم أَن الْقيام أَو مَا يقوم مقَامه عِنْد الْعَجز كالقعود والاضطجاع ركن فِي صَلَاة الْفَرْض لما روى عمرَان بن حُصَيْن رَضِي الله عَنهُ قَالَ (كَانَت بِي بواسير فَسَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الصَّلَاة فَقَالَ صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعداً فَإِن لم تستطع فعلى جنب) وَزَاد النَّسَائِيّ (فَإِن لم تستطع فمستلقياً لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا) وَيشْتَرط فِي الْقيام الانتصاب فَلَو انحنى متخشعاً وَكَانَ قَرِيبا إِلَى حد الرُّكُوع لم تصح صلَاته وَلَو لم يقدر على الْقيام إِلَّا بِمعين ثمَّ لَا يتَأَذَّى بِالْقيامِ لزمَه أَن يَسْتَعِين بِمن يقيمه فَإِن لم يجد مُتَبَرعا لزمَه أَن يستأجره بأجره الْمثل إِن وجدهَا وَلَو قدر

على الْقيام دون الرُّكُوع وَالسُّجُود لعِلَّة بظهره لزم ذَلِك لقدرته على الْقيام وَلَو احْتَاجَ فِي الْقيام إِلَى شَيْء يعْتَمد عَلَيْهِ لزمَه وَلَو كَانَ قَادِرًا على الْقيام واستند إِلَى شَيْء بِحَيْثُ لَو انحنى سقط صحت صلَاته مَعَ الْكَرَاهَة وَمن عجز عَن الانتصاب وَصَارَ فِي حد الراكعين كمن تقوس ظَهره لكبر أَو زمانة الْقيام على تِلْكَ الْحَالة فَإِذا أَرَادَ الرُّكُوع زَاد فِي الانحناء بِهِ إِن قدر عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَبِه قطع الْعِرَاقِيُّونَ وَالْمُتوَلِّيّ وَالْبَغوِيّ وَعَلِيهِ نَص الشَّافِعِي وَالله أعلم قَالَ (وَتَكْبِيرَة الاحرام) التَّكْبِيرَة ركن من أَرْكَان الصَّلَاة لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (مِفْتَاح الصَّلَاة الْوضُوء وتحريمها التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم) وَورد فِي حَدِيث الْمُسِيء صلَاته (إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فأسبغ الْوضُوء ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة وَكبر) قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ أحسن الْأَدِلَّة لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لم يذكر لَهُ فِي الحَدِيث إِلَّا الْفَرْض وَاعْلَم أَن تَكْبِيرَة الاحرام يعْتَبر فِيهَا أُمُور فَلَو فقد وَاحِد مِنْهَا لم يجز وَلم تصح صلَاته أَحدهَا أَنه يَأْتِي بِصِيغَة الله أكبر بِالْعَرَبِيَّةِ إِذا كَانَ قَادِرًا لما رَوَاهُ أَبُو حميد السَّاعِدِيّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا استفتح الصَّلَاة اسْتقْبل الْقبْلَة وَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ الله أكبر) فَلَو قَالَ الرَّحْمَن الرَّحِيم أكبر أَو أجل أَو قَالَ الرب أعظم وَنَحْو ذَلِك لم يجز وَلَو قَالَ الله الْأَكْبَر أَجزَأَهُ على الْمَشْهُور لِأَنَّهُ لفظ يدل على التَّكْبِير وَهَذِه الزِّيَادَة تدل على التَّعْظِيم فَصَارَ كَمَا لَو قَالَ الله أكبر من كل شَيْء فَإِنَّهُ يجزىء وَلَو عكس وَقَالَ أكبر الله لم يجز على الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي لِأَنَّهُ لَا يُسمى تَكْبِيرا بِخِلَاف مَا لَو قَالَ عِنْد الْخُرُوج من الصَّلَاة عَلَيْكُم السَّلَام فَإِنَّهُ يجزىء لِأَنَّهُ يُسمى سَلاما كَذَا قَالُوا وَلَو حصل بَين الِاسْم الْكَرِيم وَلَفظه أكبر فصل نظر إِن قل لم يضر كَمَا لَو قَالَ الله الْجَلِيل أكبر وَإِن طَال الْفَصْل كَمَا لَو قَالَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْملك القدوس أكبر لم يجز قطعا لِخُرُوجِهِ عَن اسْم التَّكْبِير وَمِنْهَا أَن يحصل بَين الِاسْم الْكَرِيم وَلَفظه أكبر وَقْفَة وَمِنْهَا أَن لَا يزِيد مَا يخل بِالْمَعْنَى بِأَن يمد الْهمزَة من الله لِأَنَّهُ يخرج بِهِ إِلَى الِاسْتِفْهَام أَو بِأَن يشْبع حَرَكَة الْبَاء فِي أكبر فَتبقى أكبار وَهُوَ اسْم للْحيض أَو يزِيد فِي إشباع الْهَاء فتتولد وَاو سَوَاء كَانَت سَاكِنة أَو متحركة وَمِنْهَا أَن

يَأْتِي بالتكبيرة بكمالها وَهُوَ منتصب فَلَو أَتَى بِبَعْضِهَا وَهُوَ فِي الْهَوِي وَقد وصل إِلَى حد أقل الرُّكُوع فَلَا تَنْعَقِد فرضا وَهل تَنْعَقِد نفلا الْأَصَح إِن كَانَ جَاهِلا انْعَقَدت وَإِلَّا فَلَا وَمِنْهَا أَن يَنْوِي بهَا تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح وَهَذَا يَقع كثيرا فِيمَن أدْرك الامام رَاكِعا نَحوه فَلَو نوى بهَا تَكْبِيرَة الاحرام وَالرُّكُوع لم تَنْعَقِد صلَاته فرضا وَلَا نفلا على الصَّحِيح للتشريك وَلَو لم ينْو تَكْبِيرَة الاحرام وَلَا تَكْبِيرَة الرُّكُوع بل أطلق فَالصَّحِيح الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقطع بِهِ جُمْهُور الْأَصْحَاب لَا تَنْعَقِد صلَاته لِأَنَّهُ لم يقْصد تَكْبِيرَة الاحرام وَقيل تَنْعَقِد لقَرِينَة الِافْتِتَاح وَمَال إِلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَيَردهُ قرينَة الرُّكُوع وَهَذَا كل فِي الْقَادِر على النُّطْق بِالْعَرَبِيَّةِ أما الْعَاجِز فَإِن كَانَ لَا يقدر على التَّعَلُّم إِمَّا لخرس أَو بِأَن لَا يطاوعه لِسَانه أَتَى بالترجمة وَلَا يعدل إِلَى ذكر آخر وَجَمِيع اللُّغَات فِي التَّرْجَمَة سَوَاء على الصَّحِيح وَأما الْقَادِر على التَّعَلُّم فَيجب عَلَيْهِ ذَلِك حَتَّى لَو كَانَ بِنَاحِيَة لَا يجد من يُعلمهُ فِيهَا لزمَه السّفر إِلَى مَوضِع يتَعَلَّم فِيهِ على الصَّحِيح لِأَن السّفر وَسِيلَة إِلَى وَاجِب وَمَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب وَلَا تجوز التَّرْجَمَة فِي أول الْوَقْت لمن أمكنه التَّعَلُّم فِي آخِره فَلَو صلى بالترجمة من لَا يحسسن التَّعَلُّم بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَأما من قدر على التَّعَلُّم وَلَكِن ضَاقَ الْوَقْت عَن تعلمه لبلاده ذهنه أَو قلَّة مَا أدْركهُ من الْوَقْت فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ أَيْضا وَإِن أخر التَّعَلُّم مَعَ التَّمَكُّن وضاق الْوَقْت صلى بالترجمة لحُرْمَة الْوَقْت وَتجب الاعادة على الصَّحِيح الصَّوَاب لتَقْصِيره وَهُوَ آثم وَلَو كبر تَكْبِيرَات دخل بالأوتار فِي الصَّلَاة وَخرج مِنْهَا بالأشفاع لِأَن نِيَّة الِافْتِتَاح تَتَضَمَّن قطع الصَّلَاة وَلَو لم ينْو بِغَيْر الأولى الِافْتِتَاح وَلَا الْخُرُوج من الصَّلَاة صَحَّ دُخُوله بِالْأولَى وَبَاقِي التَّكْبِيرَات ذكر لَا تبطل الصَّلَاة والوسوسة عِنْد تَكْبِيرَة الاحرام من تلاعب الشَّيْطَان وَهِي تدل على خبل بِالْعقلِ أَو الْجَهْل فِي الدّين وَالله أعلم (وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وبسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم آيَة مِنْهَا) من أَرْكَان الصَّلَاة قِرَاءَة الْفَاتِحَة لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب) وَفِي رِوَايَة (لَا تجزيء صَلَاة لَا يقْرَأ الرجل فِيهَا بِفَاتِحَة الْكتاب) وَفِي رِوَايَة (أم الْقُرْآن عوض عَن غَيرهَا وَلَيْسَ غَيرهَا مِنْهَا عوضا) وَورد فِي حَدِيث الْمُسِيء صلَاته أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ (فَكبر ثمَّ اقْرَأ بِأم الْكتاب) وَهَذَا ظَاهر فِي دلَالَة الْوُجُوب قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة وبسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم آيَة كَامِلَة من أول الْفَاتِحَة بِلَا خلاف وَحجَّة ذَلِك أَن عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (عد الْفَاتِحَة سبع آيَات وعد الْبَسْمَلَة آيَة مِنْهَا) وَعَزاهُ الإِمَام وَالْغَزالِيّ إِلَى البُخَارِيّ وَلَيْسَ فِي صَحِيحه نعم ذكره فِي تَارِيخه وروى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا قَرَأْتُمْ الْحَمد فاقرءوا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِنَّهَا أم الْقُرْآن وَأم الْكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم آيَة مِنْهَا أَو قَالَ هِيَ إِحْدَى آياتها) وَعَن أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (عد الْبَسْمَلَة آيَة من الْفَاتِحَة) وَقَالَ أَبُو نصر الْمُؤَدب اتّفق قراء الْكُوفَة وفقهاء الْمَدِينَة على أَنَّهَا آيَة مِنْهَا فَإِن قلت فَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَ يستفتح الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين) فَالْجَوَاب أَن المُرَاد قِرَاءَة السُّورَة الملقبة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن قيل هَذَا خلاف الظَّاهِر فَالْجَوَاب تعْيين ذَلِك جمعا بَين الْأَدِلَّة (فَائِدَة) هَل ثُبُوت الْبَسْمَلَة قُرْآنًا بِالْقطعِ أم بِالظَّنِّ قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب الْأَصَح أَن ثُبُوتهَا بِالظَّنِّ حَتَّى يَكْفِي فِيهَا أَخْبَار الْآحَاد لَا بِالْقطعِ وَلِهَذَا لَا يكفر نافيها باجماع الْمُسلمين قَالَ ابْن الرّفْعَة حكى العمراني أَن صَاحب الْفُرُوع قَالَ بتكفير جاحدها وتفسيق تاركها وَالله أعلم قلت قد حُكيَ الْمَاوَرْدِيّ والمحاملي وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَجْهَيْن فِي الْبَسْمَلَة هَل هِيَ فِي الْفَاتِحَة قُرْآن على سَبِيل الْقطع كَسَائِر الْقُرْآن أم على سَبِيل الحكم وَمعنى الحكم أَن الصَّلَاة لَا تصح إِلَّا بهَا فِي أول الْفَاتِحَة قَالَ الْمَاوَرْدِيّ قَالَ جُمْهُور أَصْحَابنَا هِيَ آيَة حكما لَا قطعا فعلى قَول الْجُمْهُور يقبل فِي إِثْبَاتهَا خبر الْوَاحِد كَسَائِر الْأَحْكَام وعَلى الآخر لَا يقبل كَسَائِر الْقُرْآن وَإِنَّمَا ثبتَتْ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر عَن الصَّحَابَة فِي إِثْبَاتهَا فِي الْمُصحف وَالله أعلم وَاعْلَم أَن الْقَادِر على قِرَاءَة الْفَاتِحَة يتَعَيَّن عَلَيْهِ قرَاءَتهَا فِي حَال الْقيام وَمَا يقوم مقَامه وَلَا يقوم غَيرهَا مقَامهَا لما مر من الْأَدِلَّة وَلَا يجوز ترجمتها عِنْد الْعَجز للإعجاز يَسْتَوِي فِي تَعْيِينهَا الامام وَالْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرد فِي السّريَّة وَكَذَا فِي الجهرية وَفِي قَول لَا تجب على الْمَأْمُوم فِي الجهرية بِشَرْط أَن يكون يسمع الْقِرَاءَة فَلَو كَانَ أَصمّ أَو بَعيدا لَا يسمع الْقِرَاءَة لزمَه الرَّاجِح وَتجب قِرَاءَة الْفَاتِحَة بِجَمِيعِ حروفها وتشديداتها فَلَو أسقط حرفا أَو خفف مشدداً أَو بدل حرفا بِحرف سَوَاء فِي ذَلِك الضَّاد وَغَيره لم تصح قِرَاءَته وَلَا صلَاته وَلَو لحن لحنا بِغَيْر الْمَعْنى كضم تَاء أَنْعَمت أَو كسرهَا أَو كسر كَاف إياك لم يُجزئهُ وَتبطل صلَاته إِن تعمد وَتجب اعادة الْقِرَاءَة إِن لم يتَعَمَّد وَيجب تَرْتِيب قرَاءَتهَا فَلَو قدم مُؤَخرا إِن تعمد بطلت قِرَاءَته وَعَلِيهِ استئنافها وَإِن سَهَا لم يعْتد بالمؤخر وَيَبْنِي على الْمُرَتّب إِلَّا أَن يطول فيستأنف الْقِرَاءَة وَتجب الْمُوَالَاة بَين كَلِمَات الْفَاتِحَة فَإِن أخل بالموالاة نظر إِن سكت وطالت مُدَّة السُّكُوت بِأَن أشعر بِقطع الْقِرَاءَة أَو

إعراضه عَنْهَا بطلت قِرَاءَته وَلَزِمَه استئنافها فَإِن قصرت مُدَّة السُّكُوت لم يُؤثر فَلَو قصد مَعَ السُّكُوت الْيَسِير قطع الْقِرَاءَة بطلت قِرَاءَته على الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَلَو تخللها ذكر أَو قِرَاءَة آيَة أُخْرَى أَو إِجَابَة مُؤذن أَو فتح على غير الإِمَام يَعْنِي غلط شخص فِي الْقِرَاءَة فَرد عَلَيْهِ وَكَذَا لَو جمد لعطاس بطلت قِرَاءَته وَإِن كَانَ مل تخَلّل مَنْدُوبًا فِي صلَاته كتأمينه لقِرَاءَة إِمَامه وَفتح عَلَيْهِ وسؤاله الرَّحْمَة والتعوذ من الْعَذَاب عِنْد قِرَاءَته آيهما فَلَا تبطل قِرَاءَته على الْأَصَح هَذَا كُله فِي الْقَادِر على قِرَاءَة الْفَاتِحَة أما من لَا يحسن الْفَاتِحَة حفظا لزمَه تعلمهَا أَو قرَاءَتهَا من مصحف وَلَو بشرَاء أَو اجارة أَو اعارة وَيلْزمهُ تَحْصِيل الضَّوْء فِي الظلمَة وَكَذَا يلْزمه أَن يتلقنها من شخص وَهُوَ فِي الصَّلَاة وَلَا يجوز لَهُ ترك هَذِه الْأُمُور إِلَّا عِنْد التَّعَذُّر فَإِن عجز عَن ذَلِك إِمَّا لضيق الْوَقْت أَو بلادة ذهنه أَو عدم الْمعلم أَو الْمُصحف أَو غَيره قَرَأَ سبع آيَات وَلَا يترجم عَنْهَا وَلَا ينْتَقل إِلَى الذّكر لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ للمسيء صلَاته (فَإِن كَانَ مَعَك قُرْآن فاقرأ وَإِلَّا فاحمد الله تَعَالَى وَهَلله وَكبره) وَالْمعْنَى أَن الْقِرَاءَة بِالْقُرْآنِ أشبه وَاشْتِرَاط سبع آيَات لِأَنَّهَا بدل وَهل يشْتَرط أَن تكون الْآيَات الَّتِي بدل الْفَاتِحَة مُتَوَالِيَات فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا عِنْد الرَّافِعِيّ نعم لِأَن المتوالية أشبه بِالْفَاتِحَةِ وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ وَهُوَ الْمَنْصُوص أَن يجوز المتفرقة مَعَ الْقُدْرَة على المتوالية كَمَا فِي قَضَاء رَمَضَان فَإِن عجز أَتَى بِذكر للْحَدِيث (أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أتعلم الْقُرْآن فعلمني مَا يجزيني من الْقُرْآن فَقَالَ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم) وَهل يشْتَرط أَن يَأْتِي بسبعة أَنْوَاع من الذّكر وَجْهَان قَالَ الرَّافِعِيّ أقربهما نعم وَلَا يجوز نقص حُرُوف الْبَدَل عَن حُرُوف الْفَاتِحَة سَوَاء كَانَ الْبَدَل قُرْآنًا أَو غَيره كالأصل وَلَو كَانَ يحسن آيَة من الْفَاتِحَة أَتَى بهَا ويبدل الْبَاقِي إِن أحسن وَإِلَّا كررها وَلَا بُد من مُرَاعَاة التَّرْتِيب فَإِن كَانَت الْآيَة من أول الْفَاتِحَة أَتَى بهَا أَولا ثمَّ أَتَى بِالْبَدَلِ وَإِن كَانَت من آخر الْفَاتِحَة أَتَى بِالْبَدَلِ ثمَّ بِالْآيَةِ فَإِن لم يحسن شَيْئا وقف بِقدر قِرَاءَة الْفَاتِحَة لِأَن قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَاجِبَة الْوُقُوف بِقَدرِهَا وَاجِب فَإِذا تعذر أَحدهمَا بَقِي الآخر وَمثله التَّشَهُّد الْأَخير قَالَ ابْن الرّفْعَة وَمثله التَّشَهُّد الأول والقنوت وَقَالَ فِي الاقليد وَلَا يقف وَقْفَة الْقُنُوت لِأَن قِيَامه مَشْرُوع لغيره وَيجْلس فِي التَّشَهُّد الأول لِأَن جُلُوسه مَقْصُود فِي نَفسه وَالله أعلم قَالَ (وَالرُّكُوع والطمأنينة فِيهِ) فَرِيضَة الرُّكُوع ثَابِتَة بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَوُجُوب الطُّمَأْنِينَة لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمسىء

صلَاته (ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا) وَأَقل الرُّكُوع أَن ينحني الْقَادِر المعتدل الْخلقَة حَتَّى تبلغ راحتاه رُكْبَتَيْهِ يَعْنِي لَو أَرَادَ ذَلِك بِدُونِ إِخْرَاج رُكْبَتَيْهِ أَو انخناس لبلغتا رُكْبَتَيْهِ لِأَن دون ذَلِك يُسمى رُكُوعًا حَقِيقَة وَلَو لم يقدر على الانحناء إِلَى هَذَا الْحَد الْمَذْكُور إِلَّا بِمعين لزمَه وَكَذَا يلْزم الِاعْتِمَاد على شَيْء فَإِن لم يقدر انحنى الْقدر الْمُمكن فَإِن عجز أَوْمَأ بطرفه من قيام هَذَا فِي الْقَائِم وَأما الْقَاعِد فَأَقل رُكُوعه أَن ينحني قدر مَا يُحَاذِي وَجهه مَا وَرَاء رُكْبَتَيْهِ من الأَرْض وَلَا يجزبه غير ذَلِك وأكمله أَن ينحني بِحَيْثُ تحاذي جَبهته مَوضِع سُجُوده ثمَّ أقل الطُّمَأْنِينَة أَن يصبر حَتَّى تَسْتَقِر أعضاؤه فِي هَيْئَة الرُّكُوع وينفصل هويه عَن رَفعه فَلَو وصل إِلَى حد الرُّكُوع وَزَاد فِي الْهَوِي ثمَّ ارْتَفع والحركات مُتَّصِلَة لم تحصل الطُّمَأْنِينَة وَيشْتَرط أَن يقْصد بهوية غير الرُّكُوع حَتَّى لَو هوى لسجود تِلَاوَة وَصَارَ فِي حد الرُّكُوع وَأَرَادَ جعله رُكُوعًا لَا يعْتد بذلك الْهَوِي لِأَنَّهُ صرفه عَن هوي الرُّكُوع إِلَى هوي سُجُود التِّلَاوَة وَاعْلَم أَن أكمل الرُّكُوع أَن ينحني بِحَيْثُ يَسْتَوِي ظَهره وعنقه ويمدهما كالصفيحة وَينصب سَاقيه وَيَأْخُذ رُكْبَتَيْهِ بكفيه وَيفرق أَصَابِعه ويوجههما نَحْو الْقبْلَة جَاءَت السّنة بذلك قَالَ (والإعتد الوالطمأنين فِيهِ) الإعتدال ركن لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمسيء صلاتته (ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تعتدل قَائِما) وَأما وجوب الطُّمَأْنِينَة فلحديث صَحِيح رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَابْن حَيَّان فِي صَحِيحه وَقِيَاسًا على الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ ثمَّ الِاعْتِدَال الْوَاجِب أَن يعود بعد رُكُوعه إِلَى الْهَيْئَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قبل الرُّكُوع سَوَاء صلاهَا قَائِما أَو قَاعِدا وَلَو رفع الرَّاكِع رَأسه ثمَّ سجد وَشك هَل أتم اعتداله وَجب أَن يعتدل قَائِما وَيُعِيد السُّجُود وَيجب أَن لَا يقْصد بِرَفْعِهِ غير الِاعْتِدَال فَلَو رأى فِي رُكُوعه حَيَّة فَرفع فَزعًا مِنْهَا لم يعْتد بِهِ السُّجُود وَيجب أَن لَا يقْصد بِرَفْعِهِ غير الِاعْتِدَال فَلَو رأى فِي رُكُوعه حَيَّة فَرفع فَزعًا مِنْهَا لم يعْتد بِهِ وَيجب أَن لَا لايطول الِاعْتِدَال فَإِن طوله عمدا فَفِي بطلَان صلَاته ثَلَاثَة أوجه أَصَحهَا عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَقطع بِهِ الْبَغَوِيّ تبطل إِلَّا مَا ورد الشَّرْع بتطويله فِي الْقُنُوت أَو صَلَاة التَّسْبِيح وَالثَّانِي لَا تبطل مُطلقًا وَالثَّالِث إِن طول بِذكر آخر لَا بِقصد الْقُنُوت لز تبطل وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيّ وَقَالَ إِنَّه الْأَرْجَح وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب إِنَّه الْأَقْوَى إِلَّا أَنه صحّح فِي أصل الْمِنْهَاج أَن تطويله مُبْطل فِي

الْأَصَح فعلى مَا صَححهُ فِي الْمِنْهَاج حد التَّطْوِيل أَن يلْحق الِاعْتِدَال بِالْقيامِ فِي القرءة نَقله الْخَوَارِزْمِيّ عَن الْأَصْحَاب وَيلْحق الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ بالتشهد إِذا قُلْنَا إِنَّه قصير وَالله أعلم قَالَ (وَالسُّجُود والطمأنينة فِيهِ) السُّجُود ركن فِي الصَّلَاة بِالْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا واسجدوا﴾ وَأما الطُّمَأْنِينَة فَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمسيء صلَاته (ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا) ثمَّ أقل السُّجُود أَن يضع على الأَرْض من الْجَبْهَة مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم وَلَا بُد من تحامل فَلَا يَكْفِي الْوَضع حَتَّى تَسْتَقِر جَبهته فَلَو سجد على حشيش أَو شَيْء محشو وَجب أَن يتحامل حَتَّى ينكبس وَيظْهر أَثَره وَحجَّة ذَلِك قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا سجدت فمكن جبهتك من الأَرْض وَلَا تنقر نقرا) فَلَو سجد على جَبينه أَو أَنفه لم يكف أَو عمَامَته لم يكف أَو على شدّ على كَتفيهِ أَو على كمه لم يكف فِي كل ذَلِك إِن تحرّك بحركته فَفِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن حبَان (شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حر الرمضاء فَلم يشكنا) وَفِي رِوَايَة (فِي جباهنا وأكفنا) وَهل يجب وضع يَدَيْهِ وركبتيه وقدميه مَعَ جَبهته فِيهِ قَولَانِ الْأَظْهر عِنْد الرَّافِعِيّ لَا يجب ولأظهر عِنْد النَّوَوِيّ الْوُجُوب فعلى مَا صَححهُ النَّوَوِيّ الِاعْتِبَار بباطن الْكَفّ وَظهر الْأَصَابِع وَيشْتَرط فِي السُّجُود أَن ترْتَفع أسافله على أعاليه فِي الْأَصَح لِأَن الْبَراء بن عَازِب رفع عجيزته وَقَالَ (هَكَذَا كَانَ يفعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالثَّانِي تجوز الْمُسَاوَاة وَنَقله الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند عَن نَص الشَّافِعِي وَلَو ارْتَفَعت الأعالي على الأسافل لم يجز جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَلَو تَعَذَّرَتْ هَيْئَة رفع الأسافل على الأعالي لعِلَّة فَهَل يجب وضع وسَادَة ليضع جَبهته عَلَيْهَا فِيهِ وَجْهَان الرَّاجِح فِي الشَّرْح الْكَبِير لَا يجب وَصحح فِي الشَّرْح الصَّغِير الْوُجُوب وَالله أعلم (فرع) لَو كَانَ على جَبهته جِرَاحَة وعصبها وَسجد على الْعِصَابَة أَجزَأَهُ وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ إِذا سَقَطت الْإِعَادَة مَعَ الْإِيمَاء بِالسُّجُود فَهُنَا أولى وَلَو عجز عَن السُّجُود لعِلَّة أَوْمَأ بِرَأْسِهِ فَإِن عجز فبطرفه وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَالله أعلم قَالَ (وَالْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ والطمأنينة فِيهِ)

من أَرْكَان الصَّلَاة الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمسيء صلَاته (ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تعتدل جَالِسا) وَفِي رِوَايَة (حَتَّى تطمئِن جَالِسا ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا) وَقد ورد كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا رفع رَأسه لم يسْجد حَتَّى يَسْتَوِي جَالِسا) وَالله أعلم قَالَ (وَالْجُلُوس الْأَخير وَالتَّشَهُّد فِيهِ وَالصَّلَاة على النَّبِي فِيهِ) الْقعُود الَّذِي يعقبه السَّلَام وَالتَّشَهُّد فِيهِ وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ كل وَاجِب وَالْمرَاد بالتشهد التَّحِيَّات وأقلها (التَّحِيَّات لله سَلام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته سَلام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ لَا يشْتَرط لفظ أشهد بل يَكْفِي وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله إِذا عرف هَذَا فالدليل على وجوب ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ كُنَّا نقُول قبل أَن يفْرض علينا التَّشَهُّد السَّلَام على الله السَّلَام على فلَان فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قُولُوا التَّحِيَّات لله) إِلَى آخِره فَقَوله قبل أَن يفْرض وَقُولُوا ظاهران فِي الْوُجُوب وَفِي الصَّحِيحَيْنِ الْأَمر بِهِ وَإِذا ثَبت وجوب التَّشَهُّد وَجب الْقعُود لَهُ لِأَن كل من أوجب التَّشَهُّد أوجب الْقعُود لَهُ وَأما وجوب الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا رَوَاهُ كَعْب بن عجْرَة قَالَ خرج علينا النَّبِي 0 - (فَقُلْنَا قد عرفنَا كَيفَ نسلم عَلَيْك فَكيف نصلي عَلَيْك فَقَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد) إِلَى آخِره وَفِي رِوَايَة (كَيفَ نصلي عَلَيْك إِذا صلينَا عَلَيْك فِي صَلَاتنَا فَقَالَ قُولُوا) إِلَى آخِره وَفِي رِوَايَة (إِذا صلى أحدكُم فليبدأ بتحميد ربه والثنا عَلَيْهِ ثمَّ يُصَلِّي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَقد أَمر الله تَعَالَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وأجمعنا على أَنَّهَا لَا تجب خَارج الصَّلَاة فَتعين أَن تكون فِي الصَّلَاة كَذَا قَرَّرَهُ بَعضهم قلت فِي دَعْوَى الْإِجْمَاع نظر فَفِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال مِنْهُم من أوجبهَا فِي الْعُمر مرّة وَمِنْهُم من أوجبهَا فِي كل مجْلِس مرّة وَمِنْهُم من أوجبهَا كلما ذكر وَاخْتَارَهُ الْحَلِيمِيّ من أَصْحَابنَا وَمِنْهُم من أوجبهَا فِي أول كل دُعَاء وَفِي آخِره وَالله أعلم

وَقَول السيخ وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُؤْخَذ مِنْهُ أَن الصَّلَاة على الْآل لَا تجب وَهُوَ كَذَلِك بل الصَّحِيح الْمَشْهُور أَنَّهَا سنة وَالله أعلم وَاعْلَم أَن التَّحِيَّات جمع تَحِيَّة وَهِي الْملك وَقيل الْبَقَاء وَقيل الْحَيَاة وَإِنَّمَا جمعت لِأَن مُلُوك الأَرْض كَانَ كل وَاحِد مِنْهُم يحييه أَصْحَابه بِتَحِيَّة مَخْصُوصَة فَقيل جَمِيع تحياتهم لله وَهُوَ الْمُسْتَحق لذَلِك حَقِيقَة والبركات كَثْرَة الْخَيْر وَقيل النَّمَاء والصلوات هِيَ الصَّلَوَات الْمَعْرُوفَة وَقيل الدَّعْوَات والتضرع وَقيل الرَّحْمَة أَي لله تَعَالَى المتفضل بهَا والطيبات أَي الْكَلِمَات الطَّيِّبَات وَالله أعلم (فرع) من عرف التَّشَهُّد وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْعَرَبِيَّةِ لَا يجوز لَهُ أَن يعدل إِلَى ترجمتها كتكبيرة الْإِحْرَام فَإِن عجز ترجمتها وَالله أعلم قَالَ (والتسليمة الأولى وَنِيَّة الْخُرُوج من الصَّلَاة) من أَرْكَان الصَّلَاة التَّسْلِيم لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم) وَيجب إِيقَاع التسليمة الأولى فِي حَال الْقعُود ثمَّ أَقَله السَّلَام عَلَيْكُم فَلَا يَجْزِي سَلام عَلَيْكُم وَلَا سلامي عَلَيْكُم وَلَا سَلام الله عَلَيْكُم وَلَا السَّلَام عَلَيْهِم قَالَ النَّوَوِيّ لِأَن الْأَحَادِيث قد صحت بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَلم ينْقل عَنهُ خِلَافه فَلَو قَالَ شَيْئا من ذَلِك مُتَعَمدا بطلت صلَاته إِلَّا قَوْله سَلام عَلَيْهِم لِأَنَّهُ دُعَاء لَا كَلَام وَهل يجوز سَلام عَلَيْكُم بِالتَّنْوِينِ فِيهِ وَجْهَان الْأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ الْجَوَاز قِيَاسا على التَّشَهُّد لِأَن التَّنْوِين يقوم مقَام الْألف وَاللَّام وَقَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح الْمَنْصُوص لَا يَجْزِي لعدم وُرُوده هُنَا فَلَو لم ينون لم يجز بِاتِّفَاق الشَّيْخَيْنِ وَهل تجب نِيَّة الْخُرُوج من الصَّلَاة فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا تجب وَهُوَ اخْتِيَار الشَّيْخ لِأَن السَّلَام ذكر وَاجِب فِي أحد طرفِي الصَّلَاة فَتجب فِيهِ النِّيَّة كتكبيرة الْإِحْرَام وَلِأَن السَّلَام لفظ آدَمِيّ يُنَاقض الصَّلَاة فِي وَضعه فَلَا بُد فِيهِ من نِيَّة تميزه وأصحهما أَنَّهَا لَا تجب قِيَاسا على سَائِر الْعِبَادَات وَلَيْسَ السَّلَام كتكبيرة الْإِحْرَام لِأَن التَّكْبِير فعل تلِيق بِهِ النِّيَّة وَالسَّلَام ترك وَالله أعلم قَالَ

بَاب سنَن الصَّلَاة

(وسننها قبل الدُّخُول فِيهَا شَيْئَانِ الْأَذَان والاقامة) الْأَذَان فِي اللُّغَة الْإِعْلَام وَفِي الشَّرْع ذكر مَخْصُوص شرع للإعلام بِصَلَاة مَفْرُوضَة وَالْأَذَان

وَالْإِقَامَة مشروعان بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة﴾ والإخبار فِي ذَلِك كَثِيرَة مِنْهُمَا حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا حضرت الصَّلَاة فليؤذن لكم أحدكُم وليؤمكم أكبركم) وَفِي رِوَايَة (فأذنا ثمَّ أقيما) وهما سنة على الصَّحِيح وَقيل فرض كِفَايَة وَقيل هما سنة فِي غير الْجُمُعَة وَفرض كِفَايَة فِيهَا وَقَضِيَّة كَلَام الشَّيْخ أَنَّهُمَا ليسَا بِسنة فِي غير الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَهُوَ كَذَلِك فَلَا يشرعان فِي الْمَنْذُورَة والجنازة وَلَا السّنَن وَإِن شرعت فِيهَا الْجَمَاعَة كالعيد والكسوف وَالِاسْتِسْقَاء والتراويح لعدم ورودهما فِي ذَلِك ثمَّ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة إِن كَانَت مَكْتُوبَة فِي جمَاعَة رجال فَلَا خلاف فِي اسْتِحْبَاب الْأَذَان لَهَا وَأما الْمُنْفَرد فِي الصَّحرَاء وَكَذَا فب الْبَلَد فَيُؤذن أَيْضا على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ لأبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ (إِنِّي أَرَاك تحب الْبَادِيَة وَالْغنم فَإِذا كنت فِي باديتك أَو غنمك للصَّلَاة فارفع صَوْتك بالنداء فَإِنَّهُ لَا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن جن وَلَا إنس وَلَا شَيْء إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة) وَالْقَدِيم لَا يُؤذن لانْتِفَاء الْإِعْلَام وَيَنْبَغِي أَن يُؤذن وَيُقِيم قَائِما مُسْتَقْبل الْقبْلَة فَلَو تَركهمَا مَعَ الْقُدْرَة صَحَّ أَذَانه وإقامته على الْأَصَح لَكِن يكره إِلَّا إِذا كَانَ مُسَافِرًا فَلَا بَأْس بأذانه رَاكِبًا وأذان المضطجع كالقاعد إِلَّا أَنه أَشد كَرَاهَة وَلَا يقطع الْأَذَان بِكَلَام وَلَا غَيره فَلَو سلم عَلَيْهِ إِنْسَان أَو عطس لم يجبهُ حَتَّى يفرغ فَإِن أَجَابَهُ أَو تكلم لمصْلحَة لم يكره وَكَانَ تَارِكًا للمستحب نعم لَو رأى أعمى يخَاف وُقُوعه فِي بِئْر وَنَحْوه وَجب إنذاره وَيسْتَحب أَن يكون الْمُؤَذّن متطهرا فَإِن أذن وَأقَام وَهُوَ مُحدث أَو جنب كره وَيسْتَحب أَن يكون صيتًا وَحسن الصَّوْت وَأَن يُؤذن على مَوضِع عَال وَشرط الْأَذَان أَن يكون الْمُؤَذّن مُسلما عَاقِلا ذكرا وَهل الْأَذَان أفضل من الْإِمَامَة أم لَا فِيهِ خلاف الصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي أم الْإِمَامَة أفضل وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ قَالَ وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَابنَا إِن الْأَذَان أفضل وَنَصّ الشَّافِعِي على كَرَاهَة الْإِمَامَة وَاعْلَم أَن الْأَذَان مُتَعَلق بِنَظَر الْمُؤَذّن لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى مُرَاجعَة الإِمَام وَأما الْإِقَامَة فتتعلق بِإِذن الْأَمَام وَالله أعلم قَالَ (وَبعد الدُّخُول فِيهَا شَيْئَانِ التَّشَهُّد الأول والقنوت فِي الصُّبْح وَفِي الْوتر فِي النّصْف الْأَخير من شهر رَمَضَان)

التَّشَهُّد الأول سنة فِي الصَّلَاة لما رَوَاهُ عبد الله بن بُحَيْنَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَامَ فِي صَلَاة الظّهْر وَعَلِيهِ جُلُوس فَلَمَّا أتم صلَاته سجد سَجْدَتَيْنِ) وَلَو كَانَ وَاجِبا لما تَركه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأما مشروعيته فالإجماع مُنْعَقد بعد السّنة الشَّرِيفَة على ذَلِك وَكَيف قعد جَازَ بِلَا خلاف بِالْإِجْمَاع لَكِن الإفتراش أفضل فيجلس على الكعب يسراه وَينصب يمناه وَيَضَع أَطْرَاف أَصَابِعه الْيُمْنَى للْقبْلَة وَأما الْقُنُوت فَيُسْتَحَب فِي اعْتِدَال الثَّانِيَة فِي الصُّبْح لما رَوَاهُ أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ (مَا زَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقنت فِي الصُّبْح حَتَّى فَارق الدُّنْيَا) وَكَون الْقُنُوت فِي الثَّانِيَة رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَكَونه بعد رفع الرَّأْس من الرُّكُوع فَلَمَّا ورد عَن بِي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لما قنت فِي قصَّة قَتْلَى بِئْر مَعُونَة قنت بعد الرُّكُوع فقسنا عَلَيْهِ قنوت الصُّبْح) نعم فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَ يقنت قبل الرّفْع من الرُّكُوع) قَالَ الْبَيْهَقِيّ لَكِن رُوَاة الْقُنُوت بعد الرّفْع أَكثر وأحفظ فَهَذَا أولى فَلَو قنت قبل الرُّكُوع قَالَ فِي الرَّوْضَة لم يُجزئهُ على الصَّحِيح وَيسْجد للسَّهْو على الْأَصَح وَلَفظ الْقُنُوت (اللَّهُمَّ اهدني فِيمَن هديت وَعَافنِي فِيمَن عافيت وتولني فِيمَن توليت وَبَارك لي فِيمَا أَعْطَيْت وقني شَرّ مَا قضيت فَإنَّك تقضي وَلَا يقْضى عَلَيْك وَإنَّهُ لَا يذل من واليت تَبَارَكت رَبنَا وَتَعَالَيْت) قَالَ الرَّافِعِيّ وَزَاد الْعلمَاء وَلَا يعز من عاديت قبل تَبَارَكت رَبنَا وَتَعَالَيْت وَقد جَاءَت فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ وَبعده فلك الْحَمد على مَا قضيت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك وَاعْلَم أَن الصَّحِيح أَن هَذَا الدُّعَاء لَا يتَعَيَّن حَتَّى لَو قنت بِآيَة تَتَضَمَّن دُعَاء وَقصد الْقُنُوت تأدت السّنة بذلك ويقنت الإِمَام بِلَفْظ الْجمع بل يكره تَخْصِيص نَفسه بِالدُّعَاءِ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا يؤم عبد قوما فيخص نَفسه بدعوة دونهم فَإِن فعل فقد خَانَهُمْ) ثمَّ سَائِر الْأَدْعِيَة فِي حق الإِمَام كَذَلِك أَي يكره لَهُ إِفْرَاد نَفسه صرح بِهِ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام الْأَذْكَار للنووي وَالسّنة أَن يرفع يَدَيْهِ وَلَا يمسح وَجهه لِأَنَّهُ لم يثبت قَالَه الْبَيْهَقِيّ وَلَا يسْتَحبّ مسح الصَّدْر بِلَا خلاف بل نَص جمَاعَة على كَرَاهَته قَالَه فِي الرَّوْضَة وَيسْتَحب الْقُنُوت فِي آخر وتره فِي النّصْف الثَّانِي من رَمَضَان كَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَأَبُو دَاوُد عَن أبي بن كَعْب وَقيل يقنت كل السّنة فِي الْوتر قَالَه النَّوَوِيّ فِي التَّحْقِيق فَقَالَ إِنَّه مُسْتَحبّ فِي جَمِيع السنه وَقيل يقنت فِي جَمِيع

رَمَضَان وَيسْتَحب فِيهِ قنوت عمر رَضِي الله عَنهُ وَيكون قبل قنوت الصُّبْح قَالَه الرَّافِعِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ الْأَصَح بعده لِأَن قنوت الصُّبْح ثَابت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْوتر فَكَانَ تَقْدِيمه أولى وَالله أعلم قَالَ

بَاب هيئات الصَّلَاة

(وهيئاتها خَمْسَة عشر شَيْئا رفع الْيَدَيْنِ عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَعند الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ) رفع الْيَدَيْنِ سنة فِيمَا ذكره الشَّيْخ لِأَنَّهُ صَحَّ عَن فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسَوَاء فِي ذَلِك من صلى قَائِما أَو قَاعِدا أَو مُضْطَجعا وَسَوَاء فِي ذَلِك الْفَرْض وَالنَّفْل وَسَوَاء فِي ذَلِك الرجل وَالْمَرْأَة وَسَوَاء فِي ذَلِك الإِمَام وَالْمَأْمُوم وَكَيْفِيَّة الرّفْع أَن يرفعهما بِحَيْثُ يُحَاذِي أَطْرَاف أَصَابِعه أَعلَى أُذُنَيْهِ وإبهامهاه شحمتي أُذُنَيْهِ وَكَفاهُ مَنْكِبَيْه وَهَذَا معنى قَول الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب يرفعهما حَذْو مَنْكِبَيْه وَحجَّة ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام (كَانَ يرفع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه إِذا افْتتح الصَّلَاة) وَكَذَا يسْتَحبّ رفع يَدَيْهِ إِذا قَامَ من التَّشَهُّد الأول وَلَو كَانَ بكفيه عِلّة رفع الْمُمكن أَو كَانَ أقطع رفع الساعد وَيسْتَحب أَن يكون كَفه إِلَى الْقبْلَة وَيسْتَحب كشف الْيَدَيْنِ وَنشر الْأَصَابِع وَالله أعلم قَالَ (وَوضع الْيَمين على الشمَال والتوجه والاستعاذة) يسْتَحبّ أَن يضع كَفه الْيَمين على الْيُسْرَى وَيقبض بكف الْيُمْنَى كوع الْيُسْرَى ثَبت ذَلِك عَن فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيكون الْقَبْض على رسغ الْكَفّ وَأول ساعد الْيُسْرَى وَقَالَ الْقفال هُوَ بِالْخِيَارِ بَين بسط أَصَابِع الْيُمْنَى فِي عرض الْمفصل وَبَين نشرها فِي صوب الساعد وَيسْتَحب جَعلهمَا تَحت صَدره رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقيل يجعلهما تَحت السُّرَّة وَقَالَ ابْن الْمُنْذر هما سَوَاء لِأَنَّهُ لم يثبت فِيهِ حَدِيث وَلَو أرسل يَدَيْهِ وَلم يقبض كره ذَلِك قَالَه الْبَغَوِيّ وَقَالَ الْمُتَوَلِي إِنَّه ظَاهر الْمَذْهَب لَكِن نقل ابْن الصّباغ عَن الشَّافِعِي أَنه إِن أرسلهما وَلم يعبث فَلَا يأس وَعلله الشَّافِعِي بِأَن الْمَقْصُود تسكين يَدَيْهِ بل نقل الطَّبَرِيّ قولا أَنه يسْتَحبّ وَالله أعلم وَيسْتَحب أَن يَقُول عقب تَكْبِيرَة الْإِحْرَام (وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا مُسلما وَمَا أَنا من الْمُشْركين إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ وَبِذَلِك أمرت وَأَنا أول الْمُسلمين) رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (كَانَ إِذا استفتح الصَّلَاة كبر ثمَّ قَالَ وجهت وَجْهي) إِلَى آخِره وَمعنى وجهت وَجْهي قصدت بعبادتي وَقيل أَقبلت بوجهي وحنيفاً يُطلق على المائل والمستقيم فعلى الأول يكن مَعْنَاهُ مائلاً إِلَى الْحق والنسك الْعِبَادَة وَلَو ترك دُعَاء الاقتتاح وتعوذ لم يعد إِلَيْهِ سَوَاء تعمد أَو نسي لفَوَات مَحَله وَلَو أدْرك الْمَسْبُوق الإِمَام فِي التَّشَهُّد الْأَخير فَسلم عقب تحرمه نظر إِن لم يقْعد استفتح وَإِن قعد فَسلم الإِمَام فَلَا يَأْتِي بِهِ لفَوَات مَحَله وَلَو أَنه بِمُجَرَّد مَا أحرم فرغ الإِمَام من الْفَاتِحَة فَقَالَ آمين أَتَى بِدُعَاء الاقتتاح لِأَن التَّأْمِين يسير لَا يقوم مقَامه نَقله فِي الرَّوْضَة عَن الْبَغَوِيّ وَأقرهُ قلت وَجزم بِهِ شيخ الْبَغَوِيّ القَاضِي حُسَيْن وَالله أعلم وَيسْتَحب أَيْضا التَّعَوُّذ لقَوْل تَعَالَى ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ أَي إِذا أردْت الْقِرَاءَة وَعَن جُبَير بن مطعم رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة قَالَ الله أكبر كَبِيرا وَالْحَمْد لله كثيرا وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا ثَلَاثًا اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزه ونفخه ونفثه) وهمزه هُوَ الْجُنُون ونفخة الْكبر ونفثة الشّعْر وَكَذَا ورد تَفْسِيره فِي الحَدِيث قَالَ الشَّافِعِي وَتحصل الِاسْتِعَاذَة بِكُل لفظ يشْتَمل عَلَيْهَا والأحب أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَقيل أعوذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَيسْتَحب التَّعَوُّذ لكل رَكْعَة لوُقُوع الْفَصْل بَين الْقِرَاءَتَيْن بِالرُّكُوعِ وَغَيره وَقيل يخْتَص بالركعة الأولى قَالَ (والجهر فِي مَوْضِعه والاسرار فِي مَوْضِعه والتأمين) الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْح والأولتين من الْمغرب وَالْعشَاء مُسْتَحبّ للْإِمَام بِالْإِجْمَاع الْمُسْتَفَاد من نقل الْخلف عَن السّلف وَأما الْمُنْفَرد فَيُسْتَحَب لَهُ أَيْضا لِأَنَّهُ غير مَأْمُور بالإنصات فَأشبه الإِمَام وَيسن الْجَهْر بالبسملة فِيمَا يجْهر فِيهِ لِأَنَّهُ صَحَّ من رِوَايَة عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَ يجْهر بهَا فِي الْحَاضِرَة) فَلَو صلى فَائِتَة فَإِن قضى فَائِتَة اللَّيْل بِاللَّيْلِ جهر وَإِن قضى فَائِتَة النَّهَار بِالنَّهَارِ أسر وَإِن قضى فَائِتَة النَّهَار بِاللَّيْلِ أَو بِالْعَكْسِ فأوجه الْأَصَح أَن الِاعْتِبَار بِوَقْت الْقَضَاء فيسر فِي الْعشَاء نَهَارا ويجهر فِي الظّهْر لَيْلًا وَلَا يسْتَحبّ فِي الصَّلَاة الجهرية الْجَهْر بِدُعَاء الاستفتاح قطعا وَفِي التَّعَوُّذ خلاف الْمَذْهَب أَنه

لَا يجْهر كدعاء الاستفتاح وَيسْتَحب عقب الْفَاتِحَة لَفْظَة آمين خَفِيفَة لقَوْل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا قَالَ الإِمَام غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين فَقولُوا آمين فَإِنَّهُ من وَافق قَوْله قَول الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) وَمعنى آمين استجب ثمَّ إِن التَّأْمِين يُؤْتى بِهِ سرا فِي الصَّلَاة السّريَّة وَأما فِي الجهرية فيجهر بِهِ الإِمَام وَالْمُنْفَرد فَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا فرغ من أم الْقُرْآن رفع صَوته وَقَالَ آمين) وَفِي الْمَأْمُوم طرق الرَّاجِح أَنه يجْهر قَالَ الشَّافِعِي فِي الْأُم أخبرنَا مُسلم بن خَالِد عَن ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ كنت أسمع الْأَئِمَّة ابْن الزبير وَمن بعده يَقُولُونَ آمين وَمن خَلفهم يَقُولُونَ آمين حَتَّى إِن لِلْمَسْجِدِ للجة وَذكر البُخَارِيّ ذَلِك عَن ابْن الزبير تَعْلِيقا وَقد مر أَن تعليقات البُخَارِيّ بِصِيغَة الْجَزْم هَكَذَا تكون صَحِيحَة عِنْده وَعند غَيره واللجة اخْتِلَاف الْأَصْوَات وَالله أعلم قَالَ (وَقِرَاءَة سُورَة بعد سُورَة الْفَاتِحَة) يسن للْإِمَام وَالْمُنْفَرد قِرَاءَة شَيْء من الْقُرْآن الْعَظِيم بعد قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي صَلَاة الصُّبْح وَفِي الأولتين من سَائِر الصَّلَوَات وَالْأَصْل فِي مَشْرُوعِيَّة ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَ يقْرَأ فِي الظّهْر فِي الأولتين بِأم الْقُرْآن وسورتين وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأم الْكتاب ويسمعنا الْآيَة أَحْيَانًا وَيطول فِي الرَّكْعَة الأولى مَا لَا يطول فِي الثَّانِيَة وَكَذَا فِي الْعَصْر) وَاعْلَم أَنه يحصل الِاسْتِحْبَاب بِأَيّ شَيْء قَرَأَ لَكِن السُّورَة الْكَامِلَة وَإِن قصرت أحب من بعض السُّورَة وَإِن طَالَتْ صرح بِهِ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير وَالَّذِي قَالَه النَّوَوِيّ إِن ذَلِك عِنْد التَّسَاوِي أما بعض السُّورَة الطَّوِيلَة إِذا كَانَ أطول من القصيرة فَهُوَ أولى ذكره فِي شرح الْمُهَذّب وَغَيره قلت قَول الرَّافِعِيّ أفقه إِلَّا أَن يكون الطَّوِيلَة قد اشْتَمَل على معَان تَامَّة الِابْتِدَاء والانتهاء وَالْمعْنَى فَلَا شكّ حِينَئِذٍ فِي تَفْضِيل ذَلِك على السُّورَة القصيرة وَالله أعلم وَلَا يسْتَحبّ السُّورَة فِي الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة على الرَّاجِح إِلَّا أَن يكون مَسْبُوقا فَيَقْرَؤُهَا فيهمَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَأما الْمَأْمُوم الَّذِي لم يسْبق فَيُسْتَحَب لَهُ الْإِنْصَات لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا﴾ الْآيَة وَجَاء فِي الحَدِيث النَّهْي عَن قِرَاءَة الْمَأْمُوم وَقَالَ (لَا تَفعلُوا إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب)

وَهَذَا إِذا كَانَت الصَّلَاة جهرية وَكَانَ الْمَأْمُوم يسمع إِمَّا إِذا لم يسمع لصمم أَو بعد أَو كَانَت الصَّلَاة سَرِيَّة أَو أسر الإِمَام بالجهرية فَإِنَّهُ يقْرَأ فِي ذَلِك لانْتِفَاء الْمَعْنى نعم الْجنب إِذا فقد الطهُورَيْنِ لَا يجوز لَهُ قِرَاءَة السُّورَة وَقَوله بعد سُورَة الْفَاتِحَة يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لَو قَرَأَ السُّورَة قبل الْفَاتِحَة لَا تحصل السّنة وَهُوَ كَذَلِك على الْمَذْهَب وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي يجوز فِيهَا الْهَمْز وَتَركه وَالله أعلم قَالَ (والتكبيرات عِنْد الْخَفْض وَالرَّفْع وَقَوله سمع الله لمن حَمده رَبنَا لَك الْحَمد وَالتَّسْبِيح فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود) الأَصْل فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة يكبر حِين يقوم وَيكبر حِين يرْكَع ثمَّ يَقُول سمع الله لمن حَمده حِين يرفع صلبه من الرُّكُوع وَيَقُول وَهُوَ قَائِم رَبنَا لَك الْحَمد ثمَّ يكبر حِين يهوي للسُّجُود ثمَّ يكبر حِين يرفع رَأسه يفعل ذَلِك فِي صلَاته كلهَا وَكَانَ يكبر حِين يقوم لإثنتين من الْجُلُوس) وَسمع الله لمن حَمده ذكر الرّفْع وربنا لَك الْحَمد ذكر الِاعْتِدَال وَقَوله رَبنَا لَك الْحَمد جَاءَ فِي الصَّحِيح هَكَذَا بِلَا وَاو وَمعنى سمع الله لمن حَمده أَي تقبله مِنْهُ وجازاه عَلَيْهِ وَأما التَّسْبِيح فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فقد ورد أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لما نزل قَوْله تَعَالَى ﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ قَالَ (اجهلوها فِي ركوعكم) وَلما نزل ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ قَالَ (اجْعَلُوهَا فِي سُجُودكُمْ) وروى مُسلم من حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يَقُول ذَلِك وَيسْتَحب أَن يَقُول ذَلِك ثَلَاثًا وَقد جَاءَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة وَفِيه أَحَادِيث وَهُوَ أدنى الْكَمَال وأكمله من تسع تسبيحات إِلَى إِحْدَى عشرَة تَسْبِيحَة قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَفِي الإفصاح يسبح فِي الأولتين إِحْدَى عشرَة تَسْبِيحَة وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ سبعا سبعا وَهل يسْتَحبّ أَن يضيف وَبِحَمْدِهِ قَالَ الرَّافِعِيّ استحبه بَعضهم قَالَ النَّوَوِيّ استحبه الْأَكْثَرُونَ وَجزم بِهِ فِي التَّحْقِيق وَالله أعلم قَالَ (وَوضع الْيَدَيْنِ على الفخذين فِي الْجُلُوس يبسط الْيُسْرَى وَيقبض الْيُمْنَى إِلَّا المسبحة فَإِنَّهُ يُشِير بهَا متشهداً)

فِي الْجُلُوس الأول وَالثَّانِي يسْتَحبّ للْمُصَلِّي أَن يضع يَده فيهمَا على فَخذيهِ ويبسط الْيُسْرَى بِحَيْثُ يسامت رؤوسها الرّكْبَة وَيقبض من الْيُمْنَى الْخِنْصر والبنصر وَالْوُسْطَى والإبهام وَيُرْسل المسبحة رَوَاهُ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسميت المسبحة لِأَنَّهَا تنزه الرب سُبْحَانَهُ إِذْ التَّسْبِيح التَّنْزِيه ويرفعها عِنْد قَوْله إِلَّا الله لِأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى التَّوْحِيد فَيجمع فِي ذَلِك بَين القَوْل وَالْفِعْل وَيسْتَحب أَن يميلها قَلِيلا عِنْد رَفعهَا وَفِيه حَدِيث رَوَاهُ ابْن حَيَّان رَضِي الله عَنهُ وَصَححهُ وَلَا يحركها لعدم وُرُوده وَقيل يسْتَحبّ تحريكها وَفِيهِمَا حديثان صَحِيحَانِ قَالَه الْبَيْهَقِيّ وَفِي وَجه أَنه حرَام مُبْطل للصَّلَاة حَكَاهُ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَالله أعلم قَالَ (والافتراش فِي جَمِيع الجلسات والتورك فِي الجلسة الْأَخِيرَة والتسليمة الثَّانِيَة) اعْلَم أَنه لَا يتَعَيَّن فِي الصَّلَاة جُلُوس بل كَيفَ قعد الْمُصَلِّي جَازَ وَهَذَا إِجْمَاع سَوَاء فِي ذَلِك جلْسَة الاسْتِرَاحَة وَالْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ وَالْجُلُوس لمتابعة الإِمَام نعم يسن فِي غير الْأَخير جُلُوس التَّشَهُّد الأول الافتراش فيجلس على كَعْب يسراه بعد فرشها وَينصب رجله الْيُمْنَى وَيجْعَل أَطْرَاف أصابعها للْقبْلَة وَفِي الْأَخير التورك وَهُوَ مثل الافتراش إِلَّا أَنه يُفْضِي بوركه إِلَى الأَرْض وَيجْعَل يسراه من جِهَة يمناه وَهَذِه الْكَيْفِيَّة قد ثبتَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَوجه الْفرق بَين الْجُلُوس الْأَخير وَغَيره أَن الْجُلُوس الأول خَفِيف وللمصلي بعده حَرَكَة فَنَاسَبَ أَن يكون على هَيْئَة المستوفز بِخِلَاف الْأَخير فَلَيْسَ بعده عمل فَنَاسَبَ أَن يكون على هَيْئَة المستقر وَاعْلَم أَن الْمَسْبُوق يجلس مفترشاً وَكَذَا الساهي لِأَن بعد جلوسهما حَرَكَة وتستحب التسليمة الثَّانِيَة لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (كَانَ يسلم عَن يَمِينه وَعَن يسَاره) ورد من رِوَايَة ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ وَالله أعلم قَالَ

بَاب مَا تخَالف فِيهِ الْمَرْأَة الرجل

(فصل وَالْمَرْأَة تخَالف الرجل فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء فالرجل يُجَافِي مرفقيه عَن جَنْبَيْهِ ويقل بَطْنه عَن فَخذيهِ فِي السُّجُود وَالرُّكُوع ويجهر فِي مَوضِع الْجَهْر وَإِذا نابه شَيْء فِي صلَاته سبح) يسْتَحبّ للراكع أَولا أَن يمد ظَهره وعنقة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يمد ظَهره وعنقه حَتَّى لَو صب على ظَهره مَاء لركد قَالَ الشَّافِعِي وَيجْعَل رَأسه وعنقه حِيَال ظَهره محدودباً وَيسْتَحب

نصب سَاقيه وَيكرهُ أَن يطأطىء رَأس لِأَنَّهُ دلح كدلح الْحمار كَمَا ورد فِي الْخَبَر الْمنْهِي عَنهُ وَيسْتَحب أَن يُجَافِي مرفقيه عَن جَنْبَيْهِ لِأَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا رَوَت أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يَفْعَله وَالْمَرْأَة تضم بَعْضهَا إِلَى بعض لِأَنَّهُ أستر لَهَا وَالْمُسْتَحب للرجل أَن يباعد مرفقيه عَن جَنْبَيْهِ فِي سُجُوده فَفِي الصَّحِيحَيْنِ (أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ إِذا سجد فرج بَين يَدي حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ) وَيسْتَحب أَيْضا أَن يقل بَطْنه عَن فَخذيهِ لما رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (كَانَ إِذا سجد فرج) وَفِي رِوَايَة (كَانَ إِذا سجد لَو أَرَادَت بَهِيمَة لنفذت) والبهيمة الْأُنْثَى من صغَار الْمعز وَالْمَرْأَة تضم بَعْضهَا إِلَى بعض لِأَنَّهُ أستر لَهَا وَأما الْجَهْر فقد مر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرجل وَأما الْمَرْأَة إِذا أمت أوصلت مُنْفَرِدَة فَإِنَّهَا تجْهر إِن لم يكن بِحَضْرَة الرِّجَال الْأَجَانِب لَكِن دون جهر الرجل وتسر إِن كَانَ هُنَاكَ أجانب وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن السّنة أَن تخْفض صَوتهَا سَوَاء قُلْنَا صَوتهَا عَورَة أم لَا فَإِن جهرت وَقُلْنَا إِن صَوتهَا عَورَة بطلت صلَاتهَا وَالرجل إِذا نابه شَيْء فِي صلَاته كتنبيه إِمَامه وإنذاره أعمى وَنَحْوه كغافل وَكَمن قَصده ظَالِم أَو سبع وَنَحْو ذَلِك يسْتَحبّ لَهُ أَن يسبح وَالْمَرْأَة تصفق لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من نابه شَيْء فِي صلَاته فليسبح فَإِنَّهُ إِذا سبح الْتفت إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التصفيق للنِّسَاء) وَفِي رِوَايَة (من نابه شَيْء فِي صلَاته فَلْيقل سُبْحَانَ الله) وَإِذا سبح فَيَنْبَغِي لَهُ قصد الذّكر والإعلام (فَائِدَة) التَّسْبِيح والتصفيق تبع للمنبه عَلَيْهِ إِن كَانَ التَّنْبِيه قربَة فالتسبيح والتصفيق قربتان وَإِن كَانَ مُبَاحا فمباحان وَلَو صفق الرجل وسبحت الْمَرْأَة لم يضر وَلكنه خلاف السّنة وَفِي وَجه أَن تصفيق الرجل يضر وَلَو تكَرر تصفيق الْمَرْأَة لم يضر بِلَا خلاف قَالَه ابْن الرّفْعَة وَفِي كَيْفيَّة تصفيق الْمَرْأَة أوجه الصَّحِيح أَنَّهَا تضرب بطن كفها الْأَيْمن على ظهر الْأَيْسَر فَلَو ضربت بطن كفها على بطن الآخر على وَجه اللّعب عَالِمَة بِالتَّحْرِيمِ بطلت صلَاتهَا وَإِن قل قَالَه الرَّافِعِيّ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب وَالله أعلم قَالَ (وعورة الرجل مَا بَين سرته وركبته)

أَي حرا كَانَ أَو عبدا مُسلما كَانَ أَو ذِمِّيا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لجرهد وَهُوَ بجيم وهاء مفتوحين ودال مُهْملَة (غط فخذك فَإِن الْفَخْذ عَورَة) وَقَوله مَا بَين سرته وركبته يُؤْخَذ مِنْهُ أَن السُّرَّة وَالركبَة ليستا من الْعَوْرَة وَهُوَ كَذَلِك على الصَّحِيح الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَأما الْحرَّة فعورتها فِي الصَّلَاة جَمِيع بدنهَا إِلَّا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ ظهرا وبطناً إِلَى الكوعين لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم هُوَ الْوَجْه والكفان وَلِأَنَّهُمَا لَو كَانَا من الْعَوْرَة لما كشفتهما فِي حَال الْإِحْرَام وَقَالَ الْمُزنِيّ القدمان ليسَا من الْعَوْرَة مُطلقًا وَأما الْأمة فَفِيهَا وَجْهَان الْأَصَح أَنَّهَا كَالرّجلِ سَوَاء كَانَت قنة أَو مُسْتَوْلدَة أَو مُكَاتبَة أَو مُدبرَة لِأَن رَأسهَا لَيْسَ بِعَوْرَة بِالْإِجْمَاع فَإِن عمر رَضِي الله عَنهُ ضرب أمة لآل أنس رَآهَا قد سترت رَأسهَا فَقَالَ لَهَا تتشبهين بالحرائر وَمن لَا يكون رَأسه عَورَة تكون عَوْرَته مَا بَين سرته وركبته كَالرّجلِ وَقيل مَا يَبْدُو مِنْهَا فِي حَال الْخدمَة لَيْسَ بِعَوْرَة وَهُوَ الرَّأْس والرقبة والساعد وطرف السَّاق لَيْسَ بِعَوْرَة لِأَنَّهَا محتاجة إِلَى كشفه ويعسر عَلَيْهَا ستره وَمَا عدا ذَلِك عَورَة وَالله أعلم قَالَ

بَاب مبطلات الصَّلَاة

(فصل وَالَّذِي تبطل بِهِ الصَّلَاة أحد عشر شَيْئا الْكَلَام الْعمد وَالْعَمَل الْكثير) إِذا تكلم الْمُصَلِّي عَامِدًا بِمَا يصلح لخطاب الْآدَمِيّين بطلت صلَاته سَوَاء كَانَ يتَعَلَّق بمصلحة الصَّلَاة أَو غَيرهَا وَلَو كلمة لما رُوِيَ عَن زيد بن أَرقم رَضِي الله عَنهُ قَالَ كُنَّا نتكلم فِي الصَّلَاة حَتَّى نزل قَوْله تَعَالَى ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ ونهينا عَن الْكَلَام وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لمعاوية بن الحكم السّلمِيّ وَقد شمت عاطساً فِي الصَّلَاة (إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن) وَقَوله عمدا احْتَرز بِهِ عَن النسْيَان وَفِي مَعْنَاهُ الْجَاهِل بِالتَّحْرِيمِ لقرب عَهده بِالْإِسْلَامِ وَفِي مَعْنَاهُ من بدره الْكَلَام بِلَا قصد وَلم يطلّ وَكَذَا غَلبه الضحك لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ) نعم لَو أكره على الْكَلَام بطلت صلَاته على الْأَصَح لِأَنَّهُ نَادِر وَلِهَذَا تَتِمَّة مهمة ذَكرنَاهَا فِي شُرُوط الصَّلَاة وَأما الْعَمَل الْكثير كالخطوات الثَّلَاث المتواليات وَكَذَا الضربات تبطل الصَّلَاة وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْعمد وَالنِّسْيَان كَمَا أطلقهُ الشَّيْخ وَالْأَصْل فِي ذَلِك الْإِجْمَاع لِأَن الْعَمَل الْكثير يُغير نظمها وَيذْهب الْخُشُوع وَهُوَ مقصودها وَيُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ أَن الْعَمَل الْقَلِيل لَا يبطل وَوَجهه بِأَن الْقَلِيل فيمحل الْحَاجة وَأَيْضًا فَلِأَن مُلَازمَة حَالَة مِمَّا يسعر بِخِلَاف الْكَلَام فَإِنَّهُ لَا يعسر فَلهَذَا بطلت بِالْكَلِمَةِ دون الخطوة وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مس الحصي (إِن كنت فَاعِلا فَمرَّة وَاحِدَة) وَأمر بِدفع الْمَار وبقتل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب وأدار ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا من يسَاره الى يَمِينه وغمز رجل فِي السُّجُود وَأَشَارَ لجَابِر رَضِي الله عَنهُ وكل ذَلِك فِي الصَّحِيح وَلِهَذَا تَتِمَّة مرت فِي شُرُوط الصَّلَاة قَالَ (وَالْحَدَث) الْحَدث فِي الصَّلَاة يُبْطِلهَا عمدا كَانَ أَو سَهوا وَسَوَاء سبقه أم لَا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَإِذا فسا أحدكُم فِي صلَاته فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليعد صلَاته) وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على ذَلِك فِي غير صُورَة السَّبق وَلِهَذَا تَتِمَّة مرت فِي شُرُوط الصَّلَاة قَالَ (وحدوث النَّجَاسَة وانكشاف الْعَوْرَة) إِذا تعمد إِصَابَة النَّجَاسَة الَّتِي غير مَعْفُو عَنْهَا بطلت صلَاته كَمَا لَو تعمد الْحَدث وَأما المعفو عَنْهَا مثل أم قتل قملة وَنَحْوهَا فَلَا تبطل لِأَن دَمهَا مَعْفُو عَنهُ كَذَا قَالَه الْبَنْدَنِيجِيّ وَإِن وَقعت عَلَيْهِ نَجَاسَة نظر إِن نحاها فِي الْحَال بِأَن نفضها لَو تبطل لتعذر الِاحْتِرَاز عَن ذَلِك مَعَ أَنه لَا تَقْصِير مِنْهُ وَفَارَقت هَذِه الصُّورَة الْخَاصَّة سبق الْحَدث لِأَن زمن الطَّهَارَة يطول وَأما انكشاف الْعَوْرَة فَإِن كشفها عمدا بطلت صلَاته وَإِن أَعَادَهَا فِي الْحَال لِأَن السّتْر شَرط وَقد أزاله بِفِعْلِهِ فَأشبه لَو أحدث وَإِن كشفها الرّيح فاستتر فِي الْحَال فَلَا تبطل وَكَذَا لَو انحل الْإِزَار أَو تكة اللبَاس فَأَعَادَهُ عَن قرب فَلَا تبطل كَمَا ذكرنَا فِي النَّجَاسَة قَالَ الإِمَام وحد الطول مكث محسوس وَالله أعلم قَالَ

(وتغيير النِّيَّة) فِيهِ مسَائِل الأولى إِذا قطع النِّيَّة مثل إِن نوى الْخُرُوج من الصَّلَاة بطلت بِلَا خلاف لِأَن من شَرط النِّيَّة بقاءها وَقد زَالَت وَهَذَا بِخِلَاف مَا لَو نوى الْخُرُوج من الصَّوْم حَيْثُ لَا يبطل على الْأَصَح وَالْفرق أَن الصَّوْم إمْسَاك فَهُوَ من بَاب التروك فَلم تُؤثر النِّيَّة فِي إِبْطَاله بِخِلَاف الصَّلَاة فَإِنَّهَا أَفعَال مُخْتَلفَة لَا يربطها إِلَّا النِّيَّة فَإِذا زَالَت زَالَ الرابط الثَّانِيَة لَو نقل النِّيَّة من فرض إِلَى آخر أَو من فرض إِلَى نفل فَالْأَصَحّ الْبطلَان وَمِنْهُم من قطع ببطلانها الثَّالِثَة إِذا عزم على قطعهَا مثل أَن جزم من الرَّكْعَة الأولى أَن يقطعهَا فِي الثَّانِيَة بطلت فِي الْحَال لقطعه مُوجب النِّيَّة وَهُوَ الِاسْتِمْرَار إِلَى الْفَرَاغ الرَّابِعَة إِذا شكّ هَل يقطعهَا مثل أَن تردد فِي أَنه هَل يخرج مِنْهَا أَو يسْتَمر بطلت لِأَن الِاسْتِمْرَار الَّذِي اكْتفى بِهِ فِي الدَّوَام قد زَالَ بِهَذَا التَّرَدُّد قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلم أر فِيهِ خلافًا قَالَ الإِمَام وَلَيْسَ من شكّ عرُوض التَّرَدُّد بالبال كَمَا يجْرِي للموسوس فَإِنَّهُ قد يعرض بالذهن تصور الشَّك وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَهَذَا لَا يبطل قَالَ (واستدبار الْقبْلَة) إِذا استدبر الْقبْلَة بطلت صلَاته كَمَا لَو أحدث إِذْ الْمَشْرُوط يفوت بِفَوَات شَرطه وَقد تقدم فِي فصل اسْتِقْبَال الْقبْلَة فروع مهمة فلتراجع قَالَ (وَالْأكل وَالشرب والقهقهة وَالرِّدَّة) من مبطلات الصَّلَاة الْأكل وَالشرب لِأَنَّهُ إِذا بَطل الصَّوْم بِهِ وَهُوَ لَا يبطل بالأفعال فَالصَّلَاة أولى وَلِأَنَّهُ يعد معرضًا عَن الصَّلَاة إِذْ الْمَقْصُود من الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة تَجْدِيد الايمان ومحادثة الْقلب بالمعرفة وَالرُّجُوع إِلَى الله تَعَالَى وَالْأكل يُنَاقض ذَلِك وَهَذَا إِذا كَانَ عَامِدًا فَإِن أكل نَاسِيا أَو جَاهِلا بِالتَّحْرِيمِ لقرب عَهده بِالْإِسْلَامِ وَنَحْوه كَمَا مر فِي شُرُوط الصَّلَاة فَلَا تبطل كَالصَّوْمِ وَهَذَا إِذا كَانَ قَلِيلا فَإِن كثر فَالْأَصَحّ الْبطلَان قَالَ القَاضِي حُسَيْن إِن أكل أقل من سمسمة لَا تبطل وَفِي السمسمة أَو قدرهَا وَجْهَان الصَّحِيح الْبطلَان وَالشرب كَالْأَكْلِ وَأما القهقهة وَهِي الضحك فَإِن تعمد ذَلِك بطلت صلَاته لِأَنَّهُ يُنَافِي الْعِبَادَة وَهَذَا إِذا بَان مِنْهُ حرفان فَإِن لم يبن فَلَا تبطل لِأَنَّهُ لَيْسَ

بِكَلَام وَقد مر لهَذَا تَتِمَّة فِي شُرُوط الصَّلَاة وَأما الرِّدَّة وَهِي قطع الْإِسْلَام إِمَّا بِفعل كَأَن سجد فِي الصَّلَاة لصنم أَو للشمس أَو قَول كَأَن ثلث أَو اعْتِقَاد كَأَن فكر فِي الصَّلَاة فِي هَذَا الْعَالم بِفَتْح اللَّام فَاعْتقد قدمه وَمَا أشبه ذَلِك كفر فِي الْحَال قطعا وَتبطل صلَاته وَكَذَا لَو اعْتقد عدم وجوب الصَّلَاة لاختلال النِّيَّة وَمَا أشبه ذَلِك وَالله أعلم

بَاب الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة

(فصل وركعات الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة سبع عشرَة رَكْعَة) هَذَا إِذْ كَانَت الصَّلَاة فِي الْحَضَر وَفِي غير يَوْم الْجُمُعَة فَإِن كَانَ فِيهَا جُمُعَة نقصت رَكْعَتَانِ وَإِن كَانَت مَقْصُورَة نقصت أَرْبعا أَو سِتا قَوْله فِيهَا سبع عشرَة رَكْعَة إِلَى آخِره يعرف بِالتَّأَمُّلِ وَلَا يَتَرَتَّب على ذَلِك كثير فَائِدَة وَالله أعلم قَالَ (وَمن عجز عَن الْقيام فِي الْفَرِيضَة صلى جَالِسا فَإِن عجز عَن الْجُلُوس صلى مُضْطَجعا) إِذا عجز الْمُصَلِّي عَن الْقيام فِي صَلَاة الْفَرْض صلى قَاعِدا وَلَا ينقص ثَوَابه لِأَنَّهُ مَعْذُور قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمران بن حُصَيْن (صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعداً فَإِن لم تستطع فعلى جنب) زَاد النَّسَائِيّ (فَإِن لم تستطع فمستلقياً لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا) وَنقل الاجماع على ذَلِك وَاعْلَم أَنه لَيْسَ المُرَاد بِالْعَجزِ عدم الامكان بل خوف الْهَلَاك أَو زِيَادَة الْمَرَض أَو لُحُوق مشقة شَدِيدَة أَو خوف الْغَرق ودوران الرَّأْس فِي حق رَاكب السَّفِينَة وَقَالَ الامام ضبط الْعَجز أَن تلْحقهُ مشقة تذْهب خشوعه كَذَا نَقله عَنهُ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَأقرهُ إلاأنه فِي شرح الْمُهَذّب قَالَ الْمَذْهَب خِلَافه وَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ أَن لَا يُطيق الْقيام إِلَّا بِمَشَقَّة غير مُحْتَملَة قَالَ ابْن الرّفْعَة أَي مشقة غَلِيظَة وَاعْلَم أَنه لَا يتَعَيَّن لقعوده هَيْئَة وَكَيف قعد جَازَ وَفِي الْأَفْضَل قَولَانِ أصَحهمَا الافتراش لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْقيام وَلِأَن التربع نوع ترفه وَالثَّانِي التربع أفضل ليتميز قعُود الْبَدَل عَن قعُود الأَصْل فَإِن عجز عَن الْقعُود صلى

فصول الكتاب · 18 فصل · 586 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار · 586 صفحة
كتاب الطَّهَارَة
كتاب الصَّلَاة
كتاب الْجَنَائِزكتاب الزَّكَاةكتاب الصّيامكتاب الْحَج
كتاب الْبيُوع وَغَيرهَا من الْمُعَامَلَات
كتاب الْفَرَائِض والوصايا
كتاب النِّكَاح وَمَا يتَّصل بِهِ من الْأَحْكَام والقضايا
كتاب الطَّلَاق
كتاب الْجِنَايَاتكتاب الْحُدُودكتاب الْجِهَادكتاب الصَّيْد والذبائح والضحايا والأطعمةكتاب السَّبق وَالرَّمْيكتاب الْإِيمَان وَالنُّذُوركتاب الْأَقْضِيَةكتاب الْعتْق
جارٍ التحميل