كفاية الأخيار في حل غاية الاختصارصفحات 123-158
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصَّلَاة

صفحات 123-158
عن هذه الطبعة
عَلَم
تقي الدين الحصني
الكتاب
كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار
المؤلف
أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى الحسيني الحصني، تقي الدين الشافعي (المتوفى: 829هـ)
المحقق
علي عبد الحميد بلطجي ومحمد وهبي سليمان
الناشر
دار الخير - دمشق
الطبعة
الأولى، 1994
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مُضْطَجعا للْخَبَر السَّابِق وَيكون على جنبه الْأَيْمن على الْمَذْهَب الْمَنْصُوص وَيجب أَن يسْتَقْبل الْقبْلَة فَإِن لم يسْتَطع صلى على قَفاهُ وَيكون إيماؤه بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود إِلَى الْقبْلَة إِن عجز عَن الاتيان بهما وَيكون سُجُوده أَخفض من رُكُوعه فَإِن عجز عَن ذَلِك أَوْمَأ بطرفه لِأَنَّهُ حد طاقته فَإِن عجز عَن ذَلِك أجْرى أَفعَال الصَّلَاة على قلبه ثمَّ إِن قدر فِي هَذِه الْحَالة على النُّطْق بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَة وَالتَّشَهُّد وَالسَّلَام أَتَى بِهِ وَإِلَّا أجراه على قلبه وَلَا ينقص ثَوَابه وَلَا يتْرك الصَّلَاة مَا دَامَ عقله ثَابتا وَإِذا صلى فِي هَذِه الْحَالة لَا إِعَادَة عَلَيْهِ عَلَيْهِ وَاحْتج الْغَزالِيّ لذَلِك بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم) ونازعه الرَّافِعِيّ فِي ذَلِك الِاسْتِدْلَال وَلنَا وَجه أَنه فِي هَذِه الْحَالة لَا يُصَلِّي وَيُعِيد وَاعْلَم أَن المصلوب يلْزمه أَن يُصَلِّي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَكَذَا الغريق على لوح قَالَه القَاضِي حُسَيْن وَغَيره (فرع) إِذا كَانَ يُمكنهُ الْقيام لَو صلى مُنْفَردا وَلَو صلى فِي جمَاعَة قعد فِي بَعْضهَا نَص الشَّافِعِي على جَوَاز الْأَمريْنِ وَأَن الأول أفضل مُحَافظَة على الرُّكْن وَجرى على ذَلِك القَاضِي حُسَيْن وتلميذاه الْبَغَوِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَهُوَ الْأَصَح وَقَالُوا لَو أمكنه الْقيام بِالْفَاتِحَةِ فَقَط وَلَو قَرَأَ سُورَة عجز فَالْأَفْضَل الْقيام بِالْفَاتِحَةِ فَقَط وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة أفضل وَالله أعلم قَالَ

بَاب مَا يتْرك سَهوا من الصَّلَاة

(فصل والمتروك من الصَّلَاة ثَلَاثَة أَشْيَاء فرض وَسنة وهيئة فالفرض لَا يَنُوب عَنهُ سُجُود السَّهْو بل إِن ذكره وَالزَّمَان قريب أَتَى بِهِ وَبنى عَلَيْهِ وَسجد للسَّهْو) سُجُود السَّهْو مَشْرُوع للخلل الْحَاصِل فِي الصَّلَاة سَوَاء فِي ذَلِك صَلَاة الْفَرْض أَو النَّفْل وَفِي قَول لَا يشرع فِي النَّفْل ثمَّ ضَابِط سُجُود السَّهْو إِمَّا بارتكاب شَيْء مَنْهِيّ عَنهُ فِي الصَّلَاة كزيادة قيام أَو رُكُوع أَو سُجُود أَو قعُود فِي غير مَحَله على وَجه السَّهْو أَو ترك مَأْمُور بِهِ كَتَرْكِ رُكُوع أَو

سُجُود أَو قيام أَو قعُود وَاجِب أَو ترك قِرَاءَة وَاجِبَة أَو تشهد وَاجِب وَقد فَاتَ مَحَله فَإِنَّهُ يسْجد للسَّهْو بعد تدارك مَا تَركه ثمَّ إِن تذكر ذَلِك وَهُوَ فِي الصَّلَاة أَتَى بِهِ وتمت صلَاته وَإِن تذكره بعد السَّلَام نظر إِن لم يطلّ الزَّمَان تدارك مَا فَاتَهُ وَسجد للسَّهْو وَإِن طَال اسْتَأْنف الصَّلَاة من أَولهَا وَلَا يجوز الْبناء لتغير نظم الصَّلَاة بطول الْفَصْل وَفِي ضبط طول الْفَصْل قَولَانِ للشَّافِعِيّ الْأَظْهر وَنَصّ عَلَيْهِ فِي الْأُم أَنه يرجع فِيهِ إِلَى الْعرف وَالْقَوْل الآخر وَنَصّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيّ أَن الطَّوِيل مَا يزِيد على قدر رَكْعَة ثمَّ حَيْثُ جَازَ الْبناء فَلَا فرق بَين أَن يتَكَلَّم بعد السَّلَام وَيخرج من الْمَسْجِد ويستدبر الْقبْلَة وَبَين أَن لَا يفعل ذَلِك هَذَا هُوَ الصَّحِيح ثمَّ هَذَا عِنْد تَيَقّن الْمَتْرُوك أما إِذا سلم من الصَّلَاة وَشك هَل ترك ركنا أَو رَكْعَة فَالْمَذْهَب الصَّحِيح أَنه لَا يلْزمه شَيْء وَصلَاته مَاضِيَة على الصِّحَّة لِأَن الظَّاهِر أَنه أَتَى بهَا بكمالها وعروض الشَّك كثير لَا سِيمَا عِنْد طول الزَّمَان فَلَو قُلْنَا بتأثير الشَّك لَأَدَّى إِلَى حرج ومشقة وَلَا حرج فِي الدّين وَهَذَا بِخِلَاف عرُوض الشَّك فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يَبْنِي على الْيَقِين وَيعْمل بِالْأَصْلِ كَمَا ذكره الشَّيْخ من بعده فَإِذا شكّ فِي أثْنَاء الصَّلَاة هَل صلى ثَلَاثًا أَو أَرْبعا أَخذ بِالْيَقِينِ وأتى بِرَكْعَة وَلَا يَنْفَعهُ غَلَبَة الظَّن أَنه صلى أَرْبعا وَلَا أثر للإجتهاد فِي هَذَا الْبَاب وَلَا يجوز الْعَمَل فِيهِ بقول الْغَيْر وَلَو كَانَ المخبرون كثيرين وثقات بل يجب عَلَيْهِ أَن يَأْتِي بِمَا شكّ فِيهِ حَتَّى لَو قَالُوا لَهُ صليت أَرْبعا يَقِينا وَهُوَ شَاك فِي نَفسه لَا يرجع إِلَيْهِم وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فَلم يدر كم صلى أَثلَاثًا أم أَرْبعا فليطرح الشَّك وليبن على مَا استيقن ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم فَإِن كَانَ صلى خمْسا شفعن لَهُ صلَاته وَإِن كَانَ صلى تَمام الْأَرْبَع كَانَتَا ترغيماً للشَّيْطَان) ثمَّ هَذَا فِي حق الامام وَالْمُنْفَرد أما الْمَأْمُوم فَلَا يسْجد إِذا سَهَا خلف امامه ويتحمل الامام سَهْوه حَتَّى لَو ظن أَن الامام سلم فَسلم ثمَّ بَان لَهُ أَنه لم يسلم فَسلم مَعَه فَلَا سُجُود عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سَهَا فِي حَال اقتدائه وَلَو تَيَقّن الْمَأْمُوم فِي تشهده أَنه ترك الرُّكُوع أَو الْفَاتِحَة مثلا من رَكْعَة نَاسِيا أَو شكّ فِي ذَلِك فَإِذا سلم الإِمَام لزمَه أَن يَأْتِي بِرَكْعَة وَلَا يسْجد للسَّهْو لِأَنَّهُ شكّ فِي حَال الِاقْتِدَاء وَلَو سمع الْمَأْمُوم الْمَسْبُوق صَوتا فَظَنهُ سَلام الإِمَام فَقَالَ ليتدارك مَا عَلَيْهِ وَكَانَ عَلَيْهِ رَكْعَة مثلا فَأتى بهَا وَجلسَ ثمَّ علم أَن الامام لم يسلم وَتبين خطأ نَفسه لم يعْتد بِتِلْكَ الرَّكْعَة لِأَنَّهَا مفعولة فِي غير محلهَا لِأَن وَقت التَّدَارُك بعد انْقِطَاع الْقدْوَة فَإِذا سلم الامام قَامَ وأتى بالركعة وَلَا يسْجد للسَّهْو لبَقَاء حكم الْقدْوَة وَلَو سلم الإِمَام

بعد مَا قَامَ فَهَل يجب عَلَيْهِ أَن يعود إِلَى الْقعُود لِأَن قِيَامه غير مَأْذُون فِيهِ أم يجوز أَن يمْضِي فِي صلَاته وَجْهَان أصَحهمَا فِي شرح الْمُهَذّب وَالتَّحْقِيق وجوب الْعود وَالله أعلم قَالَ (والمسنون لَا يعود إِلَيْهِ بعد التَّلَبُّس بِغَيْرِهِ لكنه يسْجد للسَّهْو) وَقد تقدم أَن الصَّلَاة تشْتَمل على أَرْكَان وأبعاض وهيئات فالأركان مَا لَا بُد منا وَلَا تصح الصَّلَاة بِدُونِهَا جَمِيعهَا وَأما الأبعاض وَهِي الَّتِي سَمَّاهَا الشَّيْخ سنناً وَلَيْسَت من صلب الصَّلَاة فتجبر بسجود السَّهْو عِنْد تَركهَا سَهوا بِلَا خلاف وَكَذَا عِنْد الْعمد على الرَّاجِح لوُجُود الْخلَل الْحَاصِل فِي الصَّلَاة بِسَبَب تَركهَا بل الْعمد أَشد خللاً فَهُوَ أولى بِالسُّجُود وَهَذِه الأبعاض سِتَّة التَّشَهُّد الأول وَالْقعُود لَهُ والقنوت فِي الصُّبْح وَفِي النّصْف الْأَخير من شهر رَمَضَان وَالْقِيَام لَهُ وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّشَهُّد الأول وَالصَّلَاة على الْآل فِي التَّشَهُّد الْأَخير وَالْأَصْل فِي التَّشَهُّد الأول مَا ورد من حَدِيث عبد الله بن بُحَيْنَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (ترك التَّشَهُّد الأول نَاسِيا فَسجدَ قبل أَن يسلم) وَإِذا شرع السُّجُود لَهُ شرع لقعوده لِأَنَّهُ مَقْصُود ثمَّ قسنا عَلَيْهِمَا الْقُنُوت وقيامه لِأَن الْقُنُوت ذكر مَقْصُود فِي نَفسه شرع لَهُ مَحل مَخْصُوص وَهَذَا فِي قنوت الصُّبْح ورمضان أما قنوت النَّازِلَة فَلَا يسْجد لَهُ على الْأَصَح فِي التَّحْقِيق وَالْفرق تَأَكد ذَيْنك بِدَلِيل الِاتِّفَاق على أَنَّهُمَا مشروعان بِخِلَاف النَّازِلَة وَأما الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّشَهُّد الأول فَلِأَنَّهُ ذكر يجب الاتيان بِهِ فِي الْجُلُوس الْأَخير فَيسْجد لتَركه فِي التَّشَهُّد الأول قِيَاسا على التَّشَهُّد وَعلل الْغَزالِيّ اخْتِصَاص السُّجُود بِهَذِهِ المور لِأَنَّهَا من الشعائر الظَّاهِرَة الْمَخْصُوصَة بِالصَّلَاةِ وَقَوله والمسنون لَا يعود إِلَيْهِ بعد التَّلَبُّس بِغَيْرِهِ كَمَا إِذا قَامَ من التَّشَهُّد الأول أَو ترك الْقُنُوت وَسجد فَلَو ترك التَّشَهُّد الأول وتلبس بِالْقيامِ نَاسِيا لم يجز لَهُ الْعود إِلَى الْقعُود فَإِن عَاد عَامِدًا عَالما بِتَحْرِيمِهِ بطلت صلَاته لِأَنَّهُ زَاد قعُودا وَإِن عَاد نَاسِيا لم تبطل وَعَلِيهِ أَن يقوم عِنْد تذكره وَيسْجد للسَّهْو وَإِن كَانَ جَاهِلا بِتَحْرِيمِهِ فَالْأَصَحّ أَنه كالناسي هَذَا حكم الْمُنْفَرد والامام وَأما الْمَأْمُوم فَإِذا تلبس إِمَامه بِالْقيامِ فَلَا يجوز لَهُ التَّخَلُّف عَنهُ لأجل التَّشَهُّد فَإِن فعل بطلت صلَاته وَلَو انتصب مَعَ الامام ثمَّ عَاد الامام إِلَى الْقعُود لم يجز للْمَأْمُوم أَن يعود مَعَه فَإِن عَاد الامام عَامِدًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ بطلت صلَاته وَإِن كَانَ نَاسِيا أَو جَاهِلا لم تبطل وَلَو قعد الْمَأْمُوم فانتصب الامام ثمَّ عَاد الامام إِلَى الْقعُود لزم الْمَأْمُوم الْقيام لِأَنَّهُ توجه على الْمَأْمُوم الْقيام بانتصاب الامام وَلَو قعد الامام للتَّشَهُّد الأول وَقَامَ الْمَأْمُوم نَاسِيا فَالصَّحِيح وجوب الْعود إِلَى مُتَابعَة الامام فَإِن لم يعد بطلت صلَاته هَذَا كُله فِيمَن انتصب قَائِما أما إِذا انتهض نَاسِيا وتذكر قبل الانتصاب فَقَالَ الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب يرجع إِلَى التَّشَهُّد

وَالْمرَاد من الانتصاب الِاعْتِدَال والاستواء هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور ثمَّ إِذا عَاد قبل الانتصاب فَهَل يسْجد للسَّهْو قَولَانِ الاظهر فِي أصل الرَّوْضَة أَنه لَا يسْجد وَإِن صَار إِلَى الْقيام أقرب وَصَححهُ فِي التَّحْقِيق وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب إِنَّه الْأَصَح عِنْد الْجُمْهُور وَالَّذِي فِي الْمُحَرر أَنه إِذا صَار إِلَى الْقيام أقرب سجد وَإِلَّا فَلَا وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير إِن طَريقَة التَّفْصِيل أظهر قَالَ الإسنائي الْفَتْوَى على مَا فِي شرح الْمُهَذّب لموافقته الْأَكْثَرين هَذَا كُله إِذا ترك التَّشَهُّد الأول ونهض نَاسِيا أما إِذا تعمد ذَلِك ثمَّ عَاد قبل الانتصاب والاعتدال فَإِن عَاد بعد مَا صَار إِلَى الْقيام أقرب بطلت صلَاته وَإِن عَاد قبله لم تبطل وَالله أعلم وَلَو ترك الامام الْقُنُوت إِمَّا لكَونه لَا يرَاهُ كالحنفي أَو نسي فَإِن علم الْمَأْمُوم أَنه لَا يلْحقهُ فِي السُّجُود فَلَا يقنت وَإِن علم أَنه لَا يسْبقهُ قنت وَقد أطلق الرَّافِعِيّ وَالْغَزالِيّ أَنه لَا بَأْس بِمَا يَقْرَؤُهُ من الْقُنُوت إِذا لحقه عَن قرب وَأطلق القَاضِي حُسَيْن أَن من صلى الصُّبْح خلف من صلى الظّهْر وقنت تبطل صلَاته قَالَ ابْن الرّفْعَة وَلعلَّة مُصَور بِحَالَة الْمُخَالفَة وَهُوَ الظَّاهِر وَالله أعلم قَالَ (والهيئة لَا يعود إِلَيْهَا بعد تَركهَا وَلَا يسْجد للسَّهْو عَنْهَا وَإِذا شكّ فِي عدد مَا أَتَى بِهِ من الرَّكْعَات بنى على الْيَقِين وَهُوَ الْأَقَل وَيسْجد لَهُ سُجُود السَّهْو وَمحله قبل السَّلَام وَهُوَ سنة) الهيئات هِيَ الْأُمُور المسنونة غير الأبعاض كالتسبيح وتكبير الِانْتِقَالَات والتعوذ وَنَحْوه فَلَا يسْجد لَهَا بِحَال سَوَاء تَركهَا عمدا أَو سَهوا لِأَنَّهَا لَيست أصلا فَلَا تشبه الأَصْل بِخِلَاف الأبعاض وَوجه ذَلِك أَن سُجُود السَّهْو زِيَادَة فِي الصَّلَاة فَلَا يجوز إِلَّا بتوقيف وَورد فِي بعض الأبعاض وقسنا عَلَيْهِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ لتأكده وَبَقِي مَا عداهُ على الأَصْل فَلَو فعله ظَانّا جَوَازه بطلت صلَاته إِلَّا أَن يكون قريب عهد باسلام أَو نَشأ ببادية قَالَه الْبَغَوِيّ وَقيل يسْجد لترك التَّسْبِيح فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَقيل يسْجد لترك السُّورَة وَقيل يسْجد لكل مسنون وَأما إِذا شكّ فِي عدد الرَّكْعَات فقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ وَأما كَون السُّجُود قبل السَّلَام وَبعد التَّشَهُّد فللاخبار وَلِأَن سَببه وَقع فِي الصَّلَاة فَأشبه سُجُود التِّلَاوَة وَأما كَونه سنة فَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَت الرَّكْعَة والسجدتان نَافِلَة) وَلِأَنَّهُ بدل مَا لَيْسَ بِوَاجِب وَالله أعلم قَالَ

بَاب الْأَوْقَات الَّتِي يكره فِيهَا الصَّلَاة

(فصل وَخَمْسَة أَوْقَات لَا يصلى فِيهَا إِلَّا صَلَاة لَهَا سَبَب بعد صَلَاة الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس وَعند طُلُوعهَا حَتَّى تتكامل وترتفع قدر رمح وَإِذا اسْتَوَت حَتَّى تَزُول وَبعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس وَعند الْغُرُوب حَتَّى يتكامل غُرُوبهَا) الْأَوْقَات الَّتِي تكره الصَّلَاة الَّتِي لَا سَبَب لَهَا فِيهَا خَمْسَة ثَلَاث تتَعَلَّق بِالزَّمَانِ وَهِي وَقت طُلُوع الشَّمْس حَتَّى ترْتَفع قد رمح هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف وَفِي وَجه تَزُول الْكَرَاهَة بِطُلُوع قرص الشَّمْس بِتَمَامِهِ وَوقت الاسْتوَاء حَتَّى تَزُول الشَّمْس وَعند الاصفرار حَتَّى يتم غُرُوبهَا وَحجَّة ذَلِك مَا ورد عَن عقبَة بن عَامر رَضِي الله عَنهُ قَالَ (ثَلَاث سَاعَات كَانَ ينهانا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نصلي فِيهِنَّ أَو نقبر فِيهِنَّ أمواتنا حِين تطلع الشَّمْس بازغة حَتَّى ترْتَفع وَحين يقوم قَائِم الظهيرة حَتَّى تميل الشَّمْس وَحين تضيف الشَّمْس للغروب) وَمعنى تضيف تميل وَمِنْه الضَّيْف لِأَن المضيف يميله إِلَيْهِ وتضيف بتاء مَفْتُوحَة بنقطتين من فَوق وياء بنقطتين من تَحت بعد الضَّاد الْمُعْجَمَة وَالْمرَاد بالدفن فِي هَذِه الْأَوْقَات أَن يترقب الشَّخْص هَذِه الْأَوْقَات لأجل دفن الْمَوْتَى فِيهِ سَبَب الْكَرَاهَة كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ (إِن الشَّمْس تطلع وَمَعَهَا قرن الشَّيْطَان فَإِذا ارْتَفَعت فَارقهَا فَإِذا اسْتَوَت قارنها فَإِذا زَالَت فَارقهَا فَإِذا دنت للغروب قارنها فَإِذا غربت فَارقهَا) وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد بقرن الشَّيْطَان فَقيل قومه وهم عباد الشَّمْس يَسْجُدُونَ لَهَا فِي هَذِه الْأَوْقَات وَقيل إِن الشَّيْطَان يدني رَأسه من الشَّمْس فِي هَذِه الْأَوْقَات ليَكُون الساجد لَهَا سَاجِدا لَهُ وَقيل غير ذَلِك وَأما الوقتان الْآخرَانِ فيتعلقان بِالْفِعْلِ بِأَن يُصَلِّي الصُّبْح أَو الْعَصْر فَإِذا قدم الصُّبْح أَو الْعَصْر طَال وَقت الْكَرَاهَة وَإِذا أخر قصر وَحجَّة ذَلِك مَا ورد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (نهى عَن الصَّلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس وَبعد الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس) وَمُقْتَضى كَلَامهم أَن من جمع جمع تَقْدِيم وَصلى الْعَصْر مَجْمُوعَة فِي وَقت الظّهْر إِمَّا

لسفر أَو مرض أَو مطر أَنه يكره لَهُ وَهُوَ كَذَلِك وَقد صرح بِهِ الْبَنْدَنِيجِيّ عَن الْأَصْحَاب وَنَقله عَن الشَّافِعِي نعم ذكر الْعِمَاد بن يُونُس أَنه يكره وَتَبعهُ بعض شرَّاح الْوَسِيط قَالَ الاسنائي وَهُوَ مَرْدُود بِنَصّ الشَّافِعِي فَإِن قلت لَا تَنْحَصِر الْكَرَاهَة فِيمَا ذكرنَا بل تَركه الصَّلَاة أَيْضا فِي وَقت صعُود الإِمَام لخطبة الْجُمُعَة وَعند اقامة الصَّلَاة فَالْجَوَاب إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْقَات الْأَصْلِيَّة وَهل الْكَرَاهَة كَرَاهَة تَحْرِيم أَو تَنْزِيه فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا فِي الرَّوْضَة وَشرح الْمُهَذّب فِي هَذَا الْبَاب التَّحْرِيم وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الرسَالَة وَصَححهُ فِي التَّحْقِيق هُنَا وَفِي كتاب الطَّهَارَة وَفِي كتاب الاشارات أَن الْكَرَاهَة كَرَاهَة تَنْزِيه ثمَّ صحّح مَعَ تَصْحِيحه كَرَاهَة التَّنْزِيه أَن الصَّلَاة لَا تَنْعَقِد على الْأَصَح وَهُوَ مُشكل لِأَن الْمَكْرُوه جَائِز الْفِعْل ثمَّ إِذا قُلْنَا بِمَنْع الصَّلَاة فِي هَذِه الْأَوْقَات فيستثنى زمَان وَمَكَان أما الزَّمَان فَعِنْدَ الاسْتوَاء يَوْم الْجُمُعَة وَفِيه حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد رَضِي الله عَنهُ إِلَّا أَنه مُرْسل وَعلل عدم الْكَرَاهَة بِأَن النعاس يغلب فِي هَذِه الْأَوْقَات فيطرده بالتنفل خوفًا من انْتِقَاض الْوضُوء واحتياجه إِلَى تخطي النَّاس وَقيل غير ذَلِك وَلَا يلْحق بَقِيَّة الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة بِوَقْت الزَّوَال يَوْم الْجُمُعَة على الصَّحِيح لانْتِفَاء هَذَا الْمَعْنى ويعم عدم الْكَرَاهَة وَقت الزَّوَال لكل أحد وَإِن لم يحضر الْجُمُعَة على الصَّحِيح وَأما الْمَكَان فمكة زَادهَا الله تَعَالَى شرفاً وتعظيماً فَلَا تكره الصَّلَاة فِيهَا فِي شَيْء من هَذِه الْأَوْقَات سَوَاء صَلَاة الطّواف وَغَيرهَا على الصَّحِيح وَفِي وَجه إِنَّمَا يُبَاح رَكعَتَا الطّواف وَالصَّوَاب الأول وَفِيه حَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح وَالْمرَاد بِمَكَّة جَمِيع الْحرم على الصَّحِيح وَقبل مَكَّة فَقَط وَقيل يخْتَص بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَهَذَا كُله فِي صَلَاة لَا سَبَب لَهَا وَأما مَا لَهَا سَبَب فَلَا تكره وَالْمرَاد بِالسَّبَبِ السَّبَب الْمُتَقَدّم أَو الْمُقَارن فَمن ذَوَات الْأَسْبَاب قَضَاء الْفَوَائِت كالفرائض وَالسّنَن والنوافل الَّتِي اتخذها الانسان وردا وَتجوز صَلَاة الْجِنَازَة وَسُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر وَصَلَاة الْكُسُوف وَلَا تكره صَلَاة الاسْتِسْقَاء فِي هَذِه الْأَوْقَات على الْأَصَح وَقيل تكره كَصَلَاة الاستخارة لِأَن صَلَاة الاستخارة سَببهَا مُتَأَخّر وَكَذَا تكره رَكعَتَا الاحرام على الْأَصَح لتأخر سَببهَا وَهُوَ الاحرام وَأما تَحِيَّة الْمَسْجِد فَإِن اتّفق دُخُوله فِي هَذِه الْأَوْقَات لغَرَض كاعتكاف أَو درس علم أَو انْتِظَار صَلَاة وَنَحْو ذَلِك لم يكره على الْمَذْهَب الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور لوُجُود السَّبَب الْمُقَارن وَإِن دخل لَا لحَاجَة بل ليصليها فَوَجْهَانِ أقيسهما فِي الشَّرْح وَالرَّوْضَة الْكَرَاهَة كَمَا لَو أخر الْفَائِتَة ليقضيها فِي هَذِه الْأَوْقَات وَالله أعلم وَاعْلَم أَن من جملَة الْأَسْبَاب إِعَادَة الصَّلَاة حَيْثُ شرعت كَصَلَاة الْمُنْفَرد والمتيمم وَنَحْوهمَا وَالله أعلم قَالَ

بَاب صَلَاة الْجَمَاعَة

(فصل وَصَلَاة الْجَمَاعَة مُؤَكدَة وعَلى الْمَأْمُوم أَن يَنْوِي الْجَمَاعَة دون الإِمَام) الأَصْل فِي مَشْرُوعِيَّة الْجَمَاعَة الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك﴾ الْآيَة أَمر بِالْجَمَاعَة فِي قَوْله فلتقم فَعِنْدَ الْأَمْن أولى وَهِي فرض عين فِي الْجُمُعَة وَأما فِي غَيرهَا فَفِيهِ خلاف الصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ أَنَّهَا سنة وَقيل فرض كِفَايَة وَصَححهُ النَّوَوِيّ وَقيل فرض عين وَصَححهُ ابْن الْمُنْذر وَابْن خُزَيْمَة وَحجَّة من قَالَ إِنَّهَا سنة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صَلَاة الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْفَذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) وروى البُخَارِيّ بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة من رِوَايَة أبي سعيد فَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل يَقْتَضِي جَوَاز الْأَمريْنِ إِذْ المفاضلة تَقْتَضِي ذَلِك فَلَو كَانَ أحد الامرين مَمْنُوعًا لما جَاءَت هَذِه الصِّيغَة وَحجَّة من قَالَ بِفَرْض الْكِفَايَة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (مَا من ثَلَاثَة فِي قَرْيَة أَو بَدو لَا تُقَام فيهم الصَّلَاة إِلَّا استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان فَعَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة فَإِنَّمَا يَأْكُل الذِّئْب من الْغنم القاصية) وَحجَّة من قَالَ إِنَّهَا فرض عين أَحَادِيث مِنْهُمَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لقد هَمَمْت أَن آمُر بِالصَّلَاةِ فتقام ثمَّ آمُر رجلا فَيصَلي بِالنَّاسِ ثمَّ انْطلق مَعَ رجال مَعَهم حزم من حطب إِلَى قوم لَا يشْهدُونَ الصَّلَاة فَأحرق عَلَيْهِم بُيُوتهم بالنَّار) وَجَوَابه أَنه لم يحرق وَإِن هَذَا كَانَ فِي الْمُنَافِقين وَاعْلَم أَن الْجَمَاعَة تحصل بِصَلَاة الرجل فِي بَيته مَعَ زَوجته وَغَيرهَا لَكِنَّهَا فِي الْمَسْجِد أفضل وَحَيْثُ كَانَ الْجمع من الْمَسَاجِد أَكثر فَهُوَ أفضل فَلَو كَانَ بِقُرْبِهِ مَسْجِد قَلِيل الْجمع وبالبعيد مَسْجِد كثير الْجمع فالبعيد أفضل إِلَّا فِي حالتين أَحدهمَا أَن تتعطل جمَاعَة الْقَرِيب لعدوله عَنهُ الثَّانِيَة أَن يكون إِمَام الْبعيد مبتدعا كالمعتزلي غَيره وَكَذَا لَو كَانَ حنفياً لِأَنَّهُ لَا يعْتَقد وجوب بعض الْأَركان وَكَذَا الْمَالِكِي وَغَيره وَالْفَاسِق كالمبتدع وَأَشد الْفُسَّاق قُضَاة الظلمَة والرشا بل قَالَ أَبُو إِسْحَاق رَضِي الله عَنهُ إِن الصَّلَاة مُنْفَردا أفضل من الصَّلَاة خلف الْحَنَفِيّ وَلَو أدْرك الْمَسْبُوق الامام قبل أَن يسلم أدْرك فَضِيلَة الْجَمَاعَة على الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور لقَوْله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا جَاءَ أحدكُم الصَّلَاة وَنحن سُجُود فاسجدوا وَلَا تعدوها شَيْئا وَمن أدْرك الرُّكُوع فقد أدْرك الرَّكْعَة) وَقَالَ الْغَزالِيّ لَا تدْرك الْجَمَاعَة إِلَّا بِإِدْرَاك رَكْعَة قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة وَهُوَ شَاذ ضَعِيف قلت وَمَا قَالَه الْغَزالِيّ جزم بِهِ الفوراني وَنَقله الجيلي عَن المراوزة وَنَقله القَاضِي حُسَيْن عَن عَامَّة الْأَصْحَاب إِلَّا أَنه قَالَ فِي مَوضِع آخر وَلَو دخل جمَاعَة فوجدوا الامام فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة فالمستحب أَن يقتدوا بِهِ لِأَن هَذِه فَضِيلَة مُحَققَة فَلَا يتْركُوا الِاقْتِدَاء بِهِ فيصلون جمَاعَة ثَانِيًا لِأَنَّهَا فَضِيلَة موهومة وَالله أعلم وَلَو أدْرك الْمَسْبُوق الامام فِي الرُّكُوع فَهَل يدْرك الرَّكْعَة الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ النَّاس وأطبق عَلَيْهِ الْأَئِمَّة كَمَا قَالَه فِي أصل الرَّوْضَة أَنه يكون مدْركا لَهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ وَدَعوى الاجماع مَمْنُوع فقد قَالَ ابْن خُزَيْمَة والصبغي من أَصْحَابنَا لَا يدْرك الرَّكْعَة وَنَقله عَنْهُمَا الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ قلت كَذَا ابْن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنْهُم وَقَالَ البُخَارِيّ إِنَّمَا أجَاز ذَلِك من الصَّحَابَة من لم ير الْقِرَاءَة خلف الإِمَام وَأما من رَآهَا فَلَا وَحكى ابْن الرّفْعَة عَن بعض شُرُوح الْمُهَذّب أَنه إِذا قصر فِي التَّكْبِير حَتَّى ركع الامام لَا يكون مدْركا للركعة وَحكى الرَّوْيَانِيّ عَن بَعضهم أَنه يكون مدْركا للركعة بِإِدْرَاك الرُّكُوع إِذا كَانَ الامام بَالغا لَا صَبيا وزيفه وَالله أعلم فَإِذا فرعنا على الادراك فَلهُ شَرْطَانِ أَحدهمَا أَن يكون رُكُوع الامام معتداً بِهِ أما إِذا لم يكن فَلَا يدْرك الرَّكْعَة وَذَلِكَ كَمَا إِذا كَانَ الإِمَام مُحدثا أَو جنبا أَو نسي سَجْدَة من رَكْعَة قبل هَذِه الرَّكْعَة لِأَن الرُّكُوع إِذا لم يحْسب للامام فَأولى أَن لَا يحْسب للْمَأْمُوم الشَّرْط الثَّانِي أَن يطمئن قبل أَن يرْتَفع الامام عَن أقل الرُّكُوع لِأَن الرُّكُوع بِدُونِ الطُّمَأْنِينَة لَا يعْتد بِهِ فانتفاء الطُّمَأْنِينَة كانتفاء الرُّكُوع وَهَذَا مَا ذكره الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ لَكِن قَالَ ابْن الرّفْعَة ظَاهر كَلَام الْأَئِمَّة أَنه لَا يشْتَرط وَلَو شكّ هَل أدْرك الرُّكُوع مَعَ الطُّمَأْنِينَة قبل رفع الامام فَالْأَظْهر أَنه لَا يدْرك الرَّكْعَة ن الأَصْل عدم ادراكها وَلَو أدْرك الامام بعد رَفعه من الرُّكُوع فَلَا يكون مدْركا لَهَا بِلَا خلاف وَيجب على الْمَأْمُوم أَن يُتَابع الامام فِي الرُّكْن الَّذِي أدْركهُ فِيهِ وَإِن لم يحْسب وَلَو أدْرك الامام فِي التَّشَهُّد الْأَخير وَجب عَلَيْهِ أَن يُتَابِعه فِي الْجُلُوس وَلَا يلْزمه أَن يَأْتِي بالتشهد قَالَ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة قطعا وَيسن لَهُ ذَلِك على الصَّحِيح الْمَنْصُوص وَالله أعلم قلت وَدَعوى الْقطع مَمْنُوع فقد قَالَ الْمَاوَرْدِيّ بِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يتَشَهَّد كَمَا يجب عَلَيْهِ الْقعُود لِأَنَّهُ بالاقتداء الْتزم اتِّبَاعه وَالله أعلم ثمَّ شَرط حُصُول الْجَمَاعَة أَن يَنْوِي الْمَأْمُوم الائتمام مَعَ التَّكْبِير لِأَن التّبعِيَّة عمل

فافتقرت إِلَى النِّيَّة فَدخلت فِي عُمُوم الحَدِيث ويكفيه أَن يَنْوِي الائتمام بالمتقدم وَإِن لم يعرف عينه فَلَو نوى الِاقْتِدَاء بزيد مثلا فَبَان أَنه عَمْرو لم تصح كَمَا لَو عين الْمَيِّت فِي صَلَاة جَنَازَة وَأَخْطَأ لَا تصح صلَاته وَهَذَا إِذا لم يشر فَلَو أَشَارَ كَمَا لَو قَالَ أُصَلِّي خلف زيد هَذَا فَوَجْهَانِ قَالَ الامام وَابْن الرّفْعَة الْمَنْقُول الْبطلَان وَصحح النَّوَوِيّ الصِّحَّة تَغْلِيبًا للاشارة وَلَو لم ينْو الِاقْتِدَاء انْعَقَدت صلَاته مُنْفَردا ثمَّ إِن تَابع الامام فِي أَفعاله بطلت صلَاته على الْأَصَح فَلَو شكّ فِي أثْنَاء الصَّلَاة فِي نِيَّة الِاقْتِدَاء نظر إِن تذكر قبل أَن يحدث فعلا على مُتَابعَة الامام لم يضر وَإِن تذكر بعد أَن احدث فعلا على مُتَابَعَته بطلت صلَاته لِأَنَّهُ فِي حَال الشَّك حكمه حكم الْمُنْفَرد وَلَيْسَ لَهُ الْمُتَابَعَة حَتَّى لَو عرض لَهُ الشَّك فِي التَّشَهُّد الْأَخير لَا يجوز لَهُ أَن يُوقف سَلَامه على سَلام الامام وَالله أعلم قَالَ (وَيجوز أَن يأتم الْحر بِالْعَبدِ والبالغ بالمراهق) يجوز للْحرّ الْبَالِغ أَن يَقْتَدِي بِالْعَبدِ وَالصَّبِيّ أما جَوَاز الِاقْتِدَاء بِالْعَبدِ فَلَمَّا ورد أَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا (كَانَ يؤمها عَبدهَا ذكْوَان) نعم الْحر أولى من العَبْد لِأَن الامامة منصب جليل فَهِيَ بالأحرار أولى وَأما جَوَاز الِاقْتِدَاء بِالصَّبِيِّ فَلِأَن عَمْرو بن سَلمَة رَضِي الله عَنهُ كَانَ يؤم قومه على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن سِتّ أَو سبع سِنِين نعم الْبَالِغ أولى من الصَّبِي وَإِن كَانَ الصَّبِي أفقه وأقرأ للاجماع على صِحَة الِاقْتِدَاء بِهِ بِخِلَاف الصَّبِي وَلِأَن الْبَالِغ صلَاته وَاجِبَة عَلَيْهِ فَهُوَ أحرص بالمحافظة على حُدُودهَا وَكَلَام الرَّافِعِيّ يشْعر بِعَدَمِ كَرَاهَة إِمَامَة الصَّبِي لَكِن فِي الْبُوَيْطِيّ التَّصْرِيح بِالْكَرَاهَةِ وَهَذَا كُله فِي الصَّبِي الْمُمَيز أما غير الْمُمَيز فَصلَاته بَاطِلَة لفقدان النِّيَّة قَالَ (وَلَا يأتم رجل بِامْرَأَة وَلَا قارىء بأمي) لَا يَصح اقْتِدَاء الرجل بِالْمَرْأَةِ لقَوْله تَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أخروهن من حَيْثُ أخرهن الله) وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَلا لَا يُؤمن إمرأة رجلا) وَاحْتج بَعضهم بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لن يفلح قوم ولوا أَمرهم امْرَأَة) وَلِأَن الْمَرْأَة عَورَة وَفِي إمامتها بِالرِّجَالِ فتْنَة وَأما اقْتِدَاء

القارىء وَهُوَ هُنَا من يحسن الْفَاتِحَة بالأمي وَهُوَ هُنَا من لَا يحفظها فَفِي صِحَة اقتدائه بِهِ قَولَانِ الْجَدِيد الْأَظْهر لَا تصح لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يؤم الْقَوْم أقرؤهم) فَلَا يجوز مُخَالفَته بجعلهه مَأْمُوما وَلِأَن الامام بصدد أَن يتَحَمَّل عَن الْمَأْمُوم الْقِرَاءَة لَو أدْركهُ رَاكِعا والأمي لَيْسَ من أهل التَّحَمُّل وَيدخل فِي الْأُمِّي الْأَرَت الَّذِي يدغم حرفا فِي حرف فِي غير مَوضِع الادغام والألثغ وَهُوَ الَّذِي يُبدل حرفا بِحرف كالراء بالغين وَالْكَاف بِالْهَمْزَةِ وَكَذَا لَا يَصح الِاقْتِدَاء بِمن بِلِسَانِهِ رخاوة تَمنعهُ من التَّشْدِيد ثمَّ مَحل الْخلاف هُوَ فِي من لم يطاوعه لِسَانه أَو طاوعه وَلم يمض زمن يُمكن التَّعَلُّم فِيهِ أما إِذا مضى زمن يُمكن أَن يتَعَلَّم فِي وَقصر بترك التَّعْلِيم فَلَا يَصح الِاقْتِدَاء بِهِ بِلَا خلاف لِأَن صلَاته حِينَئِذٍ مقضية كَصَلَاة من لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا وَيصِح اقْتِدَاء أُمِّي بأمي مثله كاقتداء الْمَرْأَة بِالْمَرْأَةِ (فرع) لَو اقْتدى فِي صَلَاة سَرِيَّة بِمن لَا يعرف هَل هُوَ أُمِّي أم لَا تصح وَلَا يجب الْبَحْث بل يجوز حمل أمره على الْغَالِب فِي أَنه قارىء كَمَا يجوز حمل الْأَمر على أَنه متطهر وَإِن اقْتدى بِهِ فِي صَلَاة جهرية فَأسر وَجَبت الاعادة حَكَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ عَن نَص الشَّافِعِي لِأَن الظَّاهِر أَنه لَو كَانَ قَارِئًا لجهر فَلَو قَالَ إِنَّمَا أسررت نِسْيَانا أَو لكَونه جَائِزا لم تجب الاعادة وَالله أعلم قَالَ (وَأي مَوضِع صلى فِي الْمَسْجِد بِصَلَاة الامام فِيهِ وَهُوَ عَالم بِصَلَاتِهِ أَجزَأَهُ مَا لم يتَقَدَّم عَلَيْهِ) اعْلَم أَن لصِحَّة الِاقْتِدَاء شُرُوطًا أَحدهَا الْعلم بِصَلَاة الامام أَي الْعلم بأفعاله الظَّاهِرَة وَهَذَا لَا بُد مِنْهُ وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَاتفقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَاب ثمَّ الْعلم قد يكون بمشاهدة الإِمَام بعض الصُّفُوف وَقد يكون بِسَمَاع صَوت الامام أَو بِسَمَاع صَوت الْمبلغ فو كَانَ الْمبلغ صَبيا هَل يَكْفِي قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد فِي الفروق وَابْن الاستاذ فِي شرح الْوَسِيط شَرط الْمبلغ كَونه ثِقَة وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يقبل خَبره لَكِن قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فِي بَاب الْأَذَان ان الْجُمْهُور قَالُوا يقبل خبر الصَّبِي فِيمَا طَرِيقه الْمُشَاهدَة كدلالة الْأَعْمَى على الْقبْلَة وَنَحْوهَا وَهِي قَاعِدَة ومسألتنا فَرد من أفرادها مَسْأَلَة حَسَنَة الشَّرْط الثَّانِي أَن لَا يتَقَدَّم الْمَأْمُوم على الامام فِي الْموقف لِأَن المقتدين بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ لم ينْقل عَنْهُم التَّقَدُّم عَلَيْهِ وَكَذَا المقتدون بالخلفاء الرَّاشِدين لم ينْقل عَن أحد مِنْهُم ذَلِك فَلَو تقدم الْمَأْمُوم على الامام بطلت صلَاته على الْجَدِيد كَمَا لَو تقدم عَلَيْهِ فِي أَفعاله وإحرامه بل هَذَا أفحش فِي الْمُخَالفَة وَلَو تقدم عَلَيْهِ فِي أثْنَاء صلَاته بطلت أَيْضا لوُجُود الْمُخَالفَة وَلَو

شكّ هَل تقدم فَالصَّحِيح صِحَة صلَاته مُطلقًا كَذَا قطع بِهِ الْمُحَقِّقُونَ وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم لِأَن الأَصْل عدم التَّقَدُّم وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن إِن جَاءَ من وَرَاء الامام صحت وَإِن جَاءَ من قدامه فَلَا تصح عملا بِالْأَصْلِ قَالَ ابْن الرّفْعَة وَهَذَا هُوَ الْأَوْجه وَلَا تضر الْمُسَاوَاة لعدم التَّقَدُّم ثمَّ الِاعْتِبَار فِي التَّقَدُّم بالعقب وَهُوَ مُؤخر الرجل وَمحل ذَلِك فِي الْقيام فَإِن كَانَ قَاعِدا فالاعتبار بالألية وَإِن صلى مُضْطَجعا فالاعتبار بالجنب قَالَه الْبَغَوِيّ ثمَّ هَذَا فِي غير المستديرين بِالْكَعْبَةِ أما المستديرون بهَا فَلَا يضر كَون الْمَأْمُوم أقرب إِلَى الْقبْلَة فِي غير جِهَة الامام على الرَّاجِح الْمَقْطُوع بِهِ إِذا عرفت هَذَا فللامام وَالْمَأْمُوم ثَلَاثَة أَحْوَال أَحدهَا أَن يَكُونَا خَارج الْمَسْجِد الثَّانِيَة أَن يكون الامام دَاخل الْمَسْجِد وَالْمَأْمُوم خَارجه وَهَذِه تَأتي فِي كَلَام الشَّيْخ الْحَالة الثَّالِثَة أَن يكون الامام وَالْمَأْمُوم فِي الْمَسْجِد وَهِي الَّتِي ذكرهَا الشَّيْخ بقوله وَأي مَوضِع صلى فِي الْمَسْجِد بِصَلَاة الامام فِيهِ جَازَ وَذكر الشَّرْطَيْنِ اللَّذين ذكرناهما بقوله وَهُوَ عَالم بِصَلَاة الامام مَا لم يتَقَدَّم عَلَيْهِ فَإِذا جَمعهمَا مَسْجِد أَو جَامع صَحَّ الِاقْتِدَاء سَوَاء انْقَطَعت الصُّفُوف بَينهمَا أَو اتَّصَلت وَسَوَاء حَال بَينهمَا حَائِل أم لَا وَسَوَاء جَمعهمَا مَكَان وَاحِد أم لَا حَتَّى لَو كَانَ الامام فِي مَنَارَة وَهِي المئذنة وَالْمَأْمُوم فِي بِئْر أَو بِالْعَكْسِ صَحَّ لِأَنَّهُ كُله مَكَان وَاحِد وَهُوَ مبْنى للصَّلَاة وَلَو كَانَ فِي الْمَسْجِد نهر لَا يخوضه إِلَّا السابح فَهَل يمْنَع قَالَ الرَّوْيَانِيّ لَا يمْنَع قطعا وَإِن جرى فِي مثل ذَلِك خلاف فِي الْموَات وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن إِن حفر بعد جعله مَسْجِدا لم يمْنَع وحفره حِينَئِذٍ لَا يجوز وَإِن حفر قبل ذَلِك فَوَجْهَانِ قَالَ الرَّافِعِيّ وَفِي كَلَام أبي مُحَمَّد أَنه لَو كَانَ فِي جوَار الْمَسْجِد مَسْجِد آخر مُنْفَرد بامام وَجَمَاعَة ومؤذن فَيكون حكم كل مِنْهُمَا بِالْإِضَافَة إِلَى الثَّانِي كالملك الْمُتَّصِل بِالْمَسْجِدِ قَالَ الرَّافِعِيّ وَظَاهره يَقْتَضِي تغاير الحكم إِذا انْفَرد بالأمور الْمَذْكُورَة وَإِن كَانَ بَاب أَحدهمَا نَافِذا إِلَى الآخر وَمَا نَقله عَن أبي مُحَمَّد جزم بِهِ فِي الشَّرْح الصَّغِير وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَشرح الْمُهَذّب الصَّوَاب الَّذِي صرح بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَصَاحب الشَّامِل والتنبيه وَغَيرهم أَن الْمَسَاجِد الَّتِي يفتح بَعْضهَا إِلَى بعض لَهَا حكم مَسْجِد وَاحِد ورحبة الْمَسْجِد مِنْهُ عِنْد الْأَكْثَرين والرحبة هِيَ الْخَارِجَة عَنهُ مُتَّصِلَة بِهِ محجراً عَلَيْهَا قَالَه ابْن عبد السَّلَام وَصَححهُ النَّوَوِيّ قَالَ (وَإِن صلى الامام فِي الْمَسْجِد وَالْمَأْمُوم خَارج الْمَسْجِد قَرِيبا مِنْهُ وَهُوَ عَالم بِصَلَاتِهِ وَلَا حَائِل هُنَاكَ جَازَ) الْحَالة الثَّانِيَة إِذا كَانَ الامام فِي الْمَسْجِد وَالْمَأْمُوم خَارج الْمَسْجِد وَلَيْسَ بَينهمَا حَائِل صَحَّ

الِاقْتِدَاء إِذا لم تزد الْمسَافَة على ثلثمِائة ذِرَاع وَتعْتَبر الْمسَافَة من آخر الْمَسْجِد على الْأَصَح لِأَن الْمَسْجِد مَبْنِيّ للصَّلَاة فَلَا يدْخل فِي الْحَد الْفَاصِل وصورت الْمَسْأَلَة فِي أصل الرَّوْضَة بِأَن يقف الْمَأْمُوم فِي موَات مُتَّصِل بِالْمَسْجِدِ وصورها فِي الْمِنْهَاج بالموات وَلم يشْتَرط الِاتِّصَال وعَلى عدم الِاشْتِرَاط جرى ابْن الرّفْعَة قَالَ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة وَلَو وقف الْمَأْمُوم فِي شَارِع مُتَّصِل بِالْمَسْجِدِ فَهُوَ كالموات على الصَّحِيح وَلَو كَانَ الفضاء الَّذِي وقف فِيهِ الْمَأْمُوم مُتَّصِلا بِالْمَسْجِدِ وَهُوَ مَمْلُوك فَهَل حكمه حكم الْموَات أم لَا نقل فِي الرَّوْضَة عَن الْبَغَوِيّ أَنه لَا يَصح الِاقْتِدَاء حَتَّى تتصل الصُّفُوف وَكَذَا لَو وقف على سطح مَمْلُوك مُتَّصِل بسطح الْمَسْجِد لَا يَصح الِاقْتِدَاء بِهِ حَتَّى تتصل الصُّفُوف بِأَن لَا يبْقى بَين الواقفين مَوضِع يسع وَاقِفًا كَمَا لَو كَانَ فِي دَار مَمْلُوكَة مُتَّصِلَة بِالْمَسْجِدِ يشْتَرط الِاتِّصَال بِأَن يقف وَاحِد فِي آخر الْمَسْجِد مُتَّصِلا بِعتبَة الدَّار وَآخر فِي الدَّار مُتَّصِل بالعتبة بِحَيْثُ لَا يكون بَينهمَا موقف رجل قَالَ فِي أصل الرَّوْضَة وَمَا ذكره فِي الدَّار فَهُوَ صَحِيح وَأما مَا ذكره فِي الفضاء فمشكل وَيَنْبَغِي أَن يكون كالموات هَذَا كُله إِذا لم يكن حَائِل فَإِن كَانَ لِلْمَسْجِدِ جِدَار نظر إِن كَانَ لَهُ بَاب مَفْتُوح ووقف مُقَابِله جَازَ حَتَّى لَو اتَّصل صف بالمحاذي وَخَرجُوا عَن الْمُحَاذَاة جَازَ وَإِن لم يكن فِي الْجِدَار بَاب أَو كَانَ وَلم يقف بحذائه فَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه لَا يَصح الِاقْتِدَاء بِهِ وَإِن كَانَ الْحَائِل غير جِدَار الْمَسْجِد لم يَصح الِاقْتِدَاء بِلَا خلاف وَلَو كَانَ بَاب الْمَسْجِد مغلقاً أَي مُسكرا إِمَّا بسكره ويعبر عَنْهَا بالضبة فِي بعض الْبِلَاد أَو بغال أَو قفل وَنَحْو ذَلِك فَحكمه حكم الْجِدَار فَلَا يَصح الِاقْتِدَاء على الصَّحِيح وَإِن كَانَ بَاب الْمَسْجِد مردوداً فَقَط أَو كَانَ بَينهمَا شباك وَالْمَأْمُوم يعلم انتقالات الامام فَوَجْهَانِ الْأَصَح لَا يَصح الِاقْتِدَاء لِأَن الْبَاب يمْنَع الْمُشَاهدَة والشباك يمْنَع الاستطراق نعم قَالَ الْبَغَوِيّ لَو كَانَ الْبَاب مَفْتُوحًا حَالَة التَّحَرُّم بِالصَّلَاةِ فانغلق فِي أثْنَاء الصَّلَاة لم يضر كَذَا ذكره فِي فَتَاوِيهِ وَالله أعلم الْحَالة الثَّالِثَة أَن يكون الامام وَالْمَأْمُوم فِي غير الْمَسْجِد فَتَارَة يكونَانِ فِي الفضاء وَتارَة يكونَانِ فِي غير فضاء الضَّرْب الأول أَن يَكُونَا فِي الفضاء فَيجوز الِاقْتِدَاء بِشَرْط أَن لَا يزِيد مَا بَينهمَا على ثلثوائة ذِرَاع تَقْرِيبًا فِي الْأَصَح لِأَن الواقفين فِي الفضاء هَكَذَا يعدَّانِ فِي الْعَادة مُجْتَمعين وَلِأَن صَوت الامام عِنْد الْجَهْر الْمُعْتَاد يبلغ الْمَأْمُوم غَالِبا فِي هَذِه الْمسَافَة فَلَو تلاحقت الصُّفُوف فالاعتبار بالصف الْأَخير على الصَّحِيح وَقيل بالامام وَاعْلَم أَنه لَا فرق فِي ذَلِك بَين الفضاء الْموَات أَو الْمَمْلُوك أَو الْمَوْقُوف

أَو الَّذِي بعضه مَوْقُوف وَبَعضه مَمْلُوك سَوَاء كَانَ الفضاء محوطاً أَو غير محوط وَلَو حَال بَين الامام وَالْمَأْمُوم أَو بَين الصفين نهر يُمكن العبور بِلَا سباحة إِمَّا بالوثوب أَو بالخوض أَو العبور على الجسر صَحَّ الِاقْتِدَاء وَإِن كَانَ يحْتَاج إِلَى سباحة لم يضر على الصَّحِيح وَكَذَا الشَّارِع المطروق وَالله أعلم الضَّرْب الثَّانِي أَن يَكُونَا فِي غير فضاء كَمَا إِذا وقف الامام فِي صحن دَار وَالْمَأْمُوم على ضفة مِنْهَا أَو فِي بَيت آخر مِنْهَا أَو كَانَا فِي مدرسة أَو رِبَاط مُشْتَمل على بيُوت وأروقة ووقف الامام فِي الرواق أَو محراب الرواق وصف خَلفه فِي الرواق الْمَأْمُومين فَإِن كَانَ موقف الْمَأْمُوم فِي بَيت أَو رواق آخر عَن يَمِين الامام أَو عَن يسَاره أَو خَلفه فَفِي كَيْفيَّة الِاقْتِدَاء طَرِيقَانِ أَحدهمَا وَهِي طَريقَة المراوزة وصححها الرَّافِعِيّ إِن كَانَ بِنَاء الْمَأْمُوم عَن يَمِين الامام أَو يسَاره اشْترط الِاتِّصَال بِحَيْثُ لَا يبْقى فرجه تسع وَاقِفًا بَين الْمَأْمُوم والامام أَو الصَّفّ الَّذِي يحصل بِهِ الِاتِّصَال فَإِن بقيت فرجه لَا تسع وَاقِفًا لم يضر على الصَّحِيح لَو كَانَ بَين الْمَأْمُوم وَبَين الامام مَا يشْتَرط الِاتِّصَال بِهِ عتبَة عريضة تسع وَاقِفًا اشْترط أَن يقف فِيهَا مصل وَإِن كَانَت لاتسع وَاقِفًا لم يضر على الصَّحِيح وَوجه وجوب الِاتِّصَال على هَذِه الْكَيْفِيَّة أَن اخْتِلَاف الْأَبْنِيَة يُوجب الِافْتِرَاق فاشترطنا الِاتِّصَال ليحصل الرَّبْط بالاجتماع وَإِن كَانَ بِنَاء الْمَأْمُوم خلف بِنَاء الامام فَالصَّحِيح صِحَة الِاقْتِدَاء للْحَاجة إِلَى الِاقْتِدَاء خلف الامام كَمَا يحْتَاج إِلَى الِاقْتِدَاء عَن يَمِينه ويساره فعلى هَذَا يشْتَرط الِاتِّصَال وَهُوَ هُنَا أَن لَا يكون بَين الصفين أَكثر من ثَلَاثَة أذراع تَقْرِيبًا فَلَا يضر زِيَادَة مَا لَا يتَبَيَّن فِي الْحس بِلَا ذرع وَقيل لَا يَصح الِاقْتِدَاء هُنَا لِأَن اخْتِلَاف الْبناء يُوجب الِافْتِرَاق وَلَا ينجبر ذَلِك بالاتصال المحسوس بتواصل المناكب بِخِلَاف الِاتِّصَال عَن الْيَمين واليسار فقد حصل حسا والطريقة الثَّانِيَة وَهِي طَريقَة الْعِرَاقِيّين وصححها النَّوَوِيّ أَنه لَا يشْتَرط الِاتِّصَال الَّذِي ذَكرْنَاهُ بل الْمُعْتَبر الْقرب والبعد الْمَذْكُور فِي الفضاء ثمَّ هَذَا كُله إِذا لم يكن حَائِل أصلا أَو كَانَ هُنَاكَ بَاب نَافِذ فَوقف بحذائه رجل أَو صف فَإِنَّهُ يَصح فَلَو حَال حَائِل يمْنَع الاستطراق والمشاهدة لم يَصح الِاقْتِدَاء بِلَا خلاف وَإِن منع الاستطراق دون الْمُشَاهدَة كالشباك فَالصَّحِيح عدم الصِّحَّة (تَنْبِيه) لَو كَانَ الشباك فِي جِدَار الْمَسْجِد ككثير من الترب والربط والمدارس ووقف الْمَأْمُوم فِي نفس الْجِدَار صحت الصَّلَاة لِأَن جِدَار الْمَسْجِد من الْمَسْجِد والحيلولة فِي الْمَسْجِد بَين الْمَأْمُوم وَالْإِمَام لَا تضر كَذَا قَالَه الإسنائي فِي شرح الْمِنْهَاج وَفِي فَتَاوِيهِ وَهُوَ سَهْو وَالْمَنْقُول فِي

الرَّافِعِيّ أَنه لايصح فَرَاجعه وَالله أعلم ثمَّ إِذا صَحَّ الِاقْتِدَاء صحت صَلَاة الصُّفُوف الَّتِي خلف الْمَأْمُوم وَإِن حَال بَين هَذِه الصُّفُوف وَبَين الإِمَام أبنية وَذَلِكَ بطرِيق التبع والصفوف مَعَ الْمَأْمُوم كالمؤتمين بِهِ حَتَّى لَا يجوز تقدمهم عَلَيْهِ فِي الْموقف وَإِن كَانُوا متأخرين عَن الإِمَام قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَلَا يجوز تقدم تكبيرهم على تكبيره نعم لَو أحدث هَذَا الْمَأْمُوم الْمَتْبُوع أَو ترك الصَّلَاة لَا تبطل قدوة الصُّفُوف التَّابِعين لَهُ لِأَنَّهُ لَا يغْتَفر ذَلِك دواماً دون الِابْتِدَاء قَالَه الْبَغَوِيّ ثمَّ شَرط صِحَة ذَلِك مَا إِذا حصل بَين الْمَأْمُوم وَالْإِمَام محاذاة كَمَا إِذا صلى الإِمَام على صفة عالية وَصلى الْمَأْمُوم على صحن أَو عَكسه فَلَا بُد من محاذاة بَينهمَا وَلَو كَانَ يُحَاذِي رَأس الْأَسْفَل قدم الْأَعْلَى وَقيل يشْتَرط محاذاة الرَّأْس للركبة وَلَو كَانَا فِي الْبَحْر وَالْإِمَام فِي سفينة وَالْمَأْمُوم فِي أُخْرَى وهما مكشوفتان فَالصَّحِيح أَنه يَصح الِاقْتِدَاء إِذا لم يزدْ مَا بَينهمَا على ثلثمِائة ذِرَاع كالصحراء قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَكَذَا لَو كَانَ أَحدهمَا فِي سفينة وَالْآخر على الشط وَإِن كَانَتَا مسقفتين فهما كالدارين والسفينة الَّتِي فِيهَا بيُوت كَالدَّارِ ذَات الْبيُوت والخيام كالبيوت وَالله أعلم قَالَ

بَاب قصر الصَّلَاة وَجَمعهَا

(فصل وَيجوز للْمُسَافِر قصر الصَّلَاة الرّبَاعِيّة بِأَرْبَع شَرَائِط أَن يكون سَفَره فِي غير مَعْصِيّة) لَا شكّ أَن السّفر غَالِبا وَسِيلَة إِلَى الْخَلَاص من مهروب أَو الْوُصُول إِلَى مَطْلُوب وَالسّفر مَظَنَّة الْمَشَقَّة وَهِي تجلب التَّيْسِير فَلهَذَا حط من الصَّلَاة الرّبَاعِيّة رَكْعَتَانِ وَالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة على جَوَاز الْقصر فِي السّفر الْمُبَاح الطَّوِيل وَفِي قصر المقضية خلاف وتفصيل بأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ﴾ الْآيَة وَالضَّرْب فِي الأَرْض السّفر وَورد عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ (صليت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أبي بكر رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ عمر رَكْعَتَيْنِ) وَقَالَ ابْن عمر (سَافَرت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وَعمر وَكَانُوا يصلونَ الظّهْر وَالْعصر رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ)

ثمَّ شَرط السّفر أَن يكون فِي غير مَعْصِيّة فَيشْمَل الْوَاجِب كسفر الْحَج وَقَضَاء الدُّيُون وَنَحْوهمَا ويشمل الْمَنْدُوب كحج التَّطَوُّع وصلَة الرَّحِم وَنَحْوهمَا ويشمل الْمُبَاح كسفر التِّجَارَة والتنزه ويشمل الْمَكْرُوه كسفر الْمُنْفَرد عَن رَفِيقه قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد وَمن الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة طواف الصُّوفِيَّة لرؤية الْبِلَاد والأقاليم قَالَ الإِمَام وَلَا يشْتَرط كَون السّفر طَاعَة بِاتِّفَاق وَعَن صَاحب التَّلْخِيص اشْتِرَاط الطَّاعَة وَاحْترز الشَّيْخ بقوله فِي غير مَعْصِيّة عَن سفر الْمعْصِيَة كالسفر لقطع الطَّرِيق وَأخذ المكوس وجلب الْخمر والحشيش وَمن تبعثه الظلمَة فِي أَخذ الرشا والجبايات وسفر الْمَرْأَة بِغَيْر إِذن زَوجهَا وسفر العَبْد الْآبِق وسفر الْمَدْيُون الْقَادِر على الْوَفَاء بِغَيْر إِذن صَاحب الدّين وَنَحْو ذَلِك فَهَؤُلَاءِ وأشباههم لَا يترخصون بِالْقصرِ لِأَن الْقصر رخصَة وَهَذَا السّفر مَعْصِيّة والرخص لَا تناط بِالْمَعَاصِي وكما لَا يقصر العَاصِي بِسَفَرِهِ لَا يجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ وَلَا يتَنَفَّل على الرَّاحِلَة وَلَا يمسح ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يَأْكُل الْميتَة عِنْد الِاضْطِرَار قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب بِلَا خلاف وَفِي الرَّوْضَة حِكَايَة خلاف فِي أكل الْميتَة وَلَا معول عَلَيْهِ وَلَو وجد ظَالِما فِي مفازة فَلَا يسْقِيه وَإِن مَاتَ أفتى بذلك سُفْيَان الثَّوْريّ لتستريح مِنْهُ الْبِلَاد والعباد وَالشَّجر وَالدَّوَاب وَهُوَ مَسْأَلَة مهمة نفيسة وَاحْترز الشَّيْخ بِالصَّلَاةِ الرّبَاعِيّة عَن الْمغرب وَالصُّبْح فَإِنَّهُمَا لَا يقصران قَالَ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ بِالْإِجْمَاع لَكِن نقل الْعَبَّادِيّ عَن مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي من أَصْحَابنَا أَنه يجوز قصر الصُّبْح إِلَى رَكْعَة فِي الْخَوْف كمذهب ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَالله أعلم قَالَ (وَأَن تكون مسافته سِتَّة عشر فرسخاً) يشْتَرط فِي جَوَاز الْقصر كَون السّفر طَويلا وَهُوَ سِتَّة عشر فرسخاً كَمَا ذكره الشَّيْخ وَهُوَ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ ميلًا بالهاشمي وَهِي أَرْبَعَة برد وَلَو حَبسه الرّيح قَالَ الدَّارمِيّ هُوَ كالإقامة فِي الْبَلَد من غير نِيَّة وَاعْلَم أَن مَسَافَة الرُّجُوع لَا تحسب فَلَو قصد موضعا على مرحلة بنية أَن يُقيم فَلَيْسَ لَهُ أَن يقصر لَا ذَهَابًا وَلَا إياباً وَإِن ناله مشقة مرحلَتَيْنِ لَا يُسمى طَويلا وَاعْلَم أَيْضا أَنه لَا بُد للْمُسَافِر من ربط قَصده بِموضع مَعْلُوم فَلَا يقصر الهائم وَإِن طَال سَفَره وَيُسمى هَذَا أَيْضا رَاكب التعاسيف (فرع) نوى مَسَافَة الْقصر ثمَّ نوى بعد خُرُوجه أَنه إِن وجد فلَانا رَجَعَ وَإِلَّا مضى فَالْأَصَحّ أَنه يترخص مَا لم يلقه فَإِذا لقِيه خرج عَن السّفر وَصَارَ مُقيما وَلَو نوى مَسَافَة الْقصر ثمَّ نوى بعد خُرُوجه أَنه إِذا وصل بلد كَذَا والبلد وسط الطَّرِيق أَقَامَ أَرْبَعَة أَيَّام فَأكْثر فَإِن كَانَ من مَوضِع خُرُوجه إِلَى الْمَقْصد الثَّانِي مَسَافَة الْقصر ترخص وَإِن كَانَ أقل ترخص أَيْضا على الْأَصَح وَالله أعلم قَالَ

(وَأَن يكون مُؤديا للصَّلَاة الرّبَاعِيّة وَأَن يَنْوِي الْقصر مَعَ الْإِحْرَام) حجَّة كَون الصَّلَاة الَّتِي تقصر أَن تكون مُؤَدَّاة لما مر من الْأَدِلَّة أما المقضية فَإِن فَاتَت فِي الْحَضَر وقضاها فِي السّفر وَجب عَلَيْهِ الْإِتْمَام لِأَنَّهَا ترتبت فِي ذمَّته أَرْبعا وَادّعى ابْن الْمُنْذر وَالْإِمَام أَحْمد الْإِجْمَاع على ذَلِك وَقَالَ الْمُزنِيّ وَله قصرهَا وَحكى الْمَاوَرْدِيّ وَجها مثله لِأَن الِاعْتِبَار بِوَقْت الْقَضَاء كَمَا لَو ترك صَلَاة فِي الصِّحَّة لَهُ قَضَاؤُهَا فِي الْمَرَض قَاعِدا والقائلون بِالْمذهبِ فرقوا بِأَن الْمَرَض حَالَة ضَرُورَة فَيحْتَمل فِيهِ مَا لايحتمل فِي السّفر لِأَنَّهُ رخصَة أَلا ترى أَنه لَو شرع فِي الصَّلَاة قَائِما ثمَّ طَرَأَ الْمَرَض لَهُ أَن يقْعد وَلَو شرع فِي الصَّلَاة فِي الْحَضَر ثمَّ سَافَرت بِهِ السَّفِينَة لم يكن لَهُ أَن يقصر وَإِن فَاتَت الصَّلَاة فِي السّفر قَضَاهَا فِي السّفر أَو فِي الْحَضَر فَهَل يقصرها فِيهِ أَقْوَال أظرهاإن قصاها فِي السّفر قصر وغن تخللت إِقَامَته وَإِن قَضَاهَا فِي الْحَضَر أتم هَذَا مَا صَححهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَصحح ابْن الرّفْعَة الْإِتْمَام مُطلقًا وَلَو شكّ هَل فَاتَت فِي الْحَضَر أَو فِي السّفر لم يقصر وَاعْلَم أَن شَرط الْقصر أَن ينويه لِأَن الأَصْل الْإِتْمَام فَإِذا لم ينْو الْقصر انْعَقَد إِحْرَامه على الأَصْل وَيشْتَرط أَن تكون نِيَّة الْقصر وَقت التَّحْرِيم بِالصَّلَاةِ كنيته وَلَا يشْتَرط دوَام ذكرهَا للْمَشَقَّة نعم يشْتَرط الانفكاك عَمَّا يُخَالف الْجَزْم بِالنِّيَّةِ فَلَو نوى الْقصر ثمَّ نوى الْإِتْمَام وَكَذَا لَو تردد بَين أَن يقصر أَو يتم أتم وَلَو شكّ هَل نوى الْقصر أم لَا لزمَه الإِمَام وَإِن تذكر فِي الْحَال أَنه نوى الْقصر لِأَنَّهُ بالتردد لزمَه الْإِتْمَام وَاعْلَم أَن للقصر أَرْبَعَة شُرُوط أَحدهَا النِّيَّة كَمَا ذكره الشَّيْخ الثَّانِي أَن يكون مُسَافِرًا من أول الصَّلَاة إِلَى آخرهَا فَلَو نوى الْإِقَامَة فِي أَثْنَائِهَا أَو انْتَهَت بِهِ السَّفِينَة إِلَى دَار الْإِقَامَة لزمَه الْإِتْمَام الثَّالِث أَن يعلم بِجَوَاز الْقصر فَلَو جهل جَوَازه فقصر لم تصح صلَاته لتلاعبه نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم قَالَ النَّوَوِيّ وَيلْزمهُ إِعَادَة هَذِه الصَّلَاة أَرْبعا الشَّرْط الرَّابِع أَن لَا يَقْتَدِي بمقيم أَو بمتم فِي جُزْء من صلَاته فَإِن فعل لزمَه الْإِتْمَام وَلَو صلى الظّهْر خلف من يُصَلِّي الصُّبْح مُسَافِرًا كَانَ أَو مُقيما لم يجز لَهُ الْقصر على الْأَصَح لِأَنَّهَا صَلَاة لَا تقصر وَلَو صلى الظّهْر خلف من يُصَلِّي الْجُمُعَة فَالْمَذْهَب أَنه لَا يجوز لَهُ الْقصر وَيلْزمهُ الْإِتْمَام وَسَوَاء كَانَ إِمَام الْجُمُعَة مُسَافِرًا أَو مُقيما وَلَو نوى الظّهْر مَقْصُورَة خلف من يُصَلِّي الْعَصْر مَقْصُورَة جَازَ وَالله أعلم (فرع) اقْتدى الْمُسَافِر بِمن علمه أَو ظَنّه مُقيما لزم الْإِتْمَام وَكَذَا لَو شكّ هَل هُوَ مُسَافر أَو

مُقيم يلْزمه الْإِتْمَام وَإِن اقْتدى بِمن علمه أَو ظَنّه مُسَافِرًا أَو علم أَو ظن أَنه قصر جَازَ لَهُ أَن يقصر خَلفه وَكَذَا لَو لم يدر أَنه نوى الْقصر فَلَا يلْزمه الْإِتْمَام بِهَذَا التَّرَدُّد لِأَن الظَّاهِر من حَال الْمُسَافِر أَنه يَنْوِي الْقصر وَكَذَا لَو عرض لَهُ هَذَا التَّرَدُّد فِي أثْنَاء الصَّلَاة لَا يلْزمه الْإِتْمَام وَالله أعلم قَالَ (وَيجوز للْمُسَافِر أَن يجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي وَقت أَيهمَا شَاءَ) يجوز الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء جمع تَقْدِيم فِي وَقت الأولى وَجمع تَأْخِير فِي وَقت الثَّانِيَة فِي السّفر الطَّوِيل وَلَا تجمع الصُّبْح إِلَى غَيرهَا وَلَا الْعَصْر إِلَى الْمغرب وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ معَاذ بن جبل رَضِي الله عَنهُ قَالَ (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة تَبُوك فَكَانَ يجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء فَأخر الصَّلَاة يَوْمًا ثمَّ خرج فصلى الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا ثمَّ دخل ثمَّ خرج فصلى الْمغرب وَالْعشَاء جَمِيعًا) ثمَّ لجمع التَّقْدِيم ثَلَاثَة شُرُوط أَحدهَا أَن يبْدَأ بِالْأولَى بِأَن يُصَلِّي الظّهْر قبل الْعَصْر وَالْمغْرب قبل الْعشَاء لِأَن الْوَقْت للأولى وَالثَّانيَِة تبع لَهَا وَالتَّابِع لَا يتَقَدَّم على الْمَتْبُوع فَلَو بَدَأَ بِالثَّانِيَةِ لم تصح وَيُعِيدهَا بعد الأولى الشَّرْط الثَّانِي نِيَّة الْجمع عِنْد تحرم الأولى أَو فِي أَثْنَائِهَا على الْأَظْهر فَلَا يجوز بعد سَلام الأولى الشَّرْط الثَّالِث الْمُوَالَاة بَين الأولى وَالثَّانيَِة لِأَن الثَّانِيَة تَابِعَة وَالتَّابِع لَا يفصل عَن متبوعه وَلِأَنَّهُ الْوَارِد عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلِهَذَا يتْرك الرَّوَاتِب بَينهمَا فَلَو وَقع الْفَصْل الطَّوِيل بَينهمَا امْتنع ضم الثَّانِيَة إِلَى الأولى وَيتَعَيَّن تَأْخِيرهَا إِلَى وَقتهَا سَوَاء طَال بِعُذْر كالسهو وَالْإِغْمَاء وَغَيره أم لَا وَلَا يضر الْفَصْل الْقصير وَاحْتج لَهُ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لما جمع بنمرة أَمر بِالْإِقَامَةِ بَينهمَا ثمَّ جُمْهُور الْأَصْحَاب جوزوا الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ وَفِيه فصل مَعَ نوع طلب للْمَاء بِشَرْط أَن يكون خَفِيفا وَالصَّحِيح أَن الرُّجُوع فِي الْفَصْل إِلَى الْعرف هَذَا فِي جمع التَّقْدِيم أما جمع التَّأْخِير فَلَا يشْتَرط التَّرْتِيب بَين الصَّلَاتَيْنِ وَلَا نِيَّة الْجمع حَال الصَّلَاة على الصَّحِيح وَلَا الْمُوَالَاة نعم يجب أَن يَنْوِي فِي وَقت الأولى كَون التَّأْخِير لأجل الْجمع تمييزاً عَن التَّأْخِير مُتَعَدِّيا وَلِئَلَّا يَخْلُو الْوَقْت عَن الْفِعْل أَو الْعَزْم فَإِن لم ينْو عصى وَصَارَت الأولى قَضَاء وَالله أعلم قَالَ (وَيجوز للحاضر فِي الْمَطَر أَن يجمع بَينهمَا فِي وَقت الأولى مِنْهُمَا)

يجوز للمقيم الْجمع بالمطر فِي وَقت الأولى من الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء على الصَّحِيح وَقيل يخْتَص ذَلِك بالمغرب وَالْعشَاء للْمَشَقَّة وَهَذَا بِشَرْط أَن تقع الصَّلَاة فِي مَوضِع لَو سعى إِلَيْهِ أَصَابَهُ الْمَطَر وتبتل ثِيَابه وَاقْتصر الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ على ذَلِك وَإِن كَانَ الْمَطَر قَلِيلا إِذا بل الثَّوْب وَاشْترط القَاضِي حُسَيْن مَعَ ذَلِك أَن يبتل النَّعْل كَالثَّوْبِ وَذكر الْمُتَوَلِي فِي التَّتِمَّة مثله وَاحْتج للْجمع بِمَا ورد عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلى بِالْمَدِينَةِ ثمانياً جَمِيعًا وَسبعا جَمِيعًا الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء) وَفِي رِوَايَة مُسلم من غير خوف وَلَا سفر وكما يجوز الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر يجوز الْجمع بَين الْجُمُعَة وَالْعصر ثمَّ إِذا جمع بالتقديم فَيشْتَرط فِي ذَلِك مَا شَرط فِي جمع السّفر وَيشْتَرط تحقق وجود الْمَطَر فِي أول الأولى وَأول الثَّانِيَة وَكَذَا يشْتَرط أَيْضا وجوده عِنْد السَّلَام من الأولى على الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَقيل لَا يشْتَرط وَنَقله الإِمَام عَن مُعظم الْأَصْحَاب وَلَا يشْتَرط وجوده فِي غير هَذِه الْأَحْوَال الثَّلَاثَة هَذَا هُوَ الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقطع بِهِ الْأَصْحَاب وَقَول الشَّيْخ فِي وَقت الأولى يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لَا يجوز الْجمع بالمطر فِي وَقت الثَّانِيَة وَهُوَ كَذَلِك على الْأَظْهر وَفِي قَول يجوز قِيَاسا على جمع السّفر والقائلون بالأظهر فرقوا بِأَن السّفر إِلَيْهِ فَيمكن أَن يستديمه بِخِلَاف الْمَطَر فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهِ فقد يَنْقَطِع قبل الْجمع وَالله أعلم (فرع) الْمَعْرُوف من الْمَذْهَب أَنه لَا يجوز الْجمع بِالْمرضِ وَلَا الوحل وَلَا الْخَوْف وَادّعى إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْإِجْمَاع على امْتِنَاعه بِالْمرضِ وكذاادعى إِجْمَاع الْأمة على ذَلِك التِّرْمِذِيّ وَدَعوى الْإِجْمَاع مِنْهُمَا مَمْنُوع فقد ذهب جمَاعَة من أَصْحَابنَا وَغَيرهم إِلَى جَوَاز الْجمع بِالْمرضِ مِنْهُم القَاضِي حُسَيْن وَالْمُتوَلِّيّ وَالرُّويَانِيّ والخطابي وَالْإِمَام أَحْمد وَمن تبعه على ذَلِك وَفعله ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فَأنكرهُ رجل من بني تَمِيم فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أتعلمني السّنة لَا أم لَك وَذكر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعله قَالَ ابْن شَقِيق فحاك فِي صَدْرِي من ذَلِك شَيْء فَأتيت أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ فَسَأَلته عَن ذَلِك فَصدق مقَالَته وقصة ابْن عَبَّاس وسؤال ابْن شَقِيق ثابتان فِي صَحِيح مُسلم قَالَ النَّوَوِيّ القَوْل بِجَوَاز الْجمع بِالْمرضِ ظَاهر مُخْتَار فقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (جمع بِالْمَدِينَةِ من غير خوف وَلَا مطر) قَالَ الأسنائي وَمَا اخْتَار النَّوَوِيّ نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ وَيُؤَيِّدهُ الْمَعْنى أَيْضا فَإِن الْمَرَض يجوز الْفطر كالسفر فالجمع أولى بل ذهب جمَاعَة من الْعلمَاء إِلَى جَوَاز الْجمع فِي الْحَضَر للْحَاجة لمن لَا يَتَّخِذهُ عَادَة وَبِه قَالَ أَبُو

إِسْحَاق الْمروزِي وَنَقله عَن الْقفال وَحَكَاهُ الْخطابِيّ عَن جمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر من أَصْحَابنَا وَبِه قَالَ أَشهب من أَصْحَاب مَالك وَهُوَ قَول ابْن سِرين وَيشْهد لَهُ قَول ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَرَادَ أَن لَا يحرج أمته حِين ذكر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (جمع بِالْمَدِينَةِ بَين الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء من غير خوف وَلَا مطر) فَقَالَ سعيد بن جُبَير لم فعل ذَلِك فَقَالَ لِئَلَّا يحرج أمته فَلم يعلله بِمَرَض وَلَا غَيره وَاخْتَارَ الْخطابِيّ من أَصْحَابنَا أَنه يجوز الْجمع بالوحل فَقَط وَالله أعلم قَالَ

بَاب صَلَاة الْجُمُعَة

(فصل وشرائط وجوب الْجُمُعَة سَبْعَة أَشْيَاء الْإِسْلَام) الْجُمُعَة لَهَا شُرُوط بِاعْتِبَار الْوُجُوب وشروط بِاعْتِبَار صِحَة الْفِعْل وَسَيَأْتِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَسميت الْجُمُعَة جُمُعَة لِاجْتِمَاع النَّاس فِيهَا أَو لما جمع فِيهَا من الْخَيْر وَالْأَصْل فِي وُجُوبهَا الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله﴾ الآيه وَفِي صَحِيح مُسلم أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ (لقد هَمَمْت أَن آمُر رجلا فَيصَلي بِالنَّاسِ ثمَّ أحرق على رجال يتخلفون عَن الْجُمُعَة بُيُوتهم) وَفِي رِوَايَة (لينتهين أَقوام عَن ودعهم الْجُمُعَة أَو ليختمن الله على قُلُوبهم ثمَّ لَيَكُونن الغافلين) وَفِي الحَدِيث (من ترك ثَلَاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه) إِذا عرفت هَذَا فَمن شُرُوط وُجُوبهَا الْإِسْلَام لما تقدم فِي كتاب الصَّلَاة قَالَ (وَالْحريَّة وَالْبُلُوغ وَالْعقل) أما وُجُوبهَا على الْحر الْبَالِغ الْعَاقِل فللأدلة الْمُتَقَدّمَة وَاحْترز الشَّيْخ بِالْحرِّ عَن العَبْد وبالبالغ عَن الصَّبِي وبالعاقل عَن غير الْعَاقِل فَلَا تجب الْجُمُعَة عَن عبد وَصبي وَمَجْنُون وَكَذَا

الْمغمى عَلَيْهِ بِخِلَاف السَّكْرَان قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْجُمُعَة وَاجِبَة على كل مُسلم إِلَّا على أَرْبَعَة عبد مَمْلُوك وَامْرَأَة وَصبي ومريض) وَأما الْمَجْنُون فَلِأَنَّهُ غير مُكَلّف قَالَ (والذكورة وَالصِّحَّة والاستيطان) احترزنا بالذكورة عَن الْأُنُوثَة فَلَا تجب الْجُمُعَة على الْمَرْأَة للْحَدِيث الْمُتَقَدّم وَلِأَن فِي خُرُوجهَا إِلَى الْجُمُعَة تكليفاً لَهَا وَنَوع مُخَالطَة بِالرِّجَالِ وَلَا تأمن الْمفْسدَة فِي ذَلِك وَقد تحققت الْآن الْمَفَاسِد لَا سِيمَا فِي مَوَاضِع الزِّيَارَة كبيت الْمُقَدّس شرفه الله وَغَيره فَالَّذِي يجب الْقطع بِهِ مَنعهنَّ فِي هَذَا الزَّمَان الْفَاسِد لِئَلَّا يتَّخذ أشرف الْبِقَاع مَوَاضِع الْفساد وَاحْترز الشَّيْخ بِالصِّحَّةِ عَن الْمَرَض فَلَا تجب الْجُمُعَة على مَرِيض وَمن فِي مَعْنَاهُ كالجوع والعطش والعري وَالْخَوْف من الظلمَة وأتباعهم قَاتلهم الله مَا أفسدهم للشريعة وَحجَّة عدم الْوُجُوب على الْمَرِيض الحَدِيث السَّابِق وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَفِي معنى الْمَرِيض من بِهِ إسهال وَلَا يقدر على ضبط نَفسه ويخشى تلويث الْمَسْجِد ودخوله الْمَسْجِد وَالْحَالة هَذِه حرَام صرح بِهِ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الشَّهَادَة وَقد صرح الْمُتَوَلِي بِسُقُوط الْجُمُعَة عَنهُ وَلَو خشِي على الْمَيِّت الانفجار أَو تغيره كَانَ عذرا فِي ترك الْجُمُعَة فليبادر إِلَى تَجْهِيزه وَدَفنه وَقد صرح بذلك الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة وَقَوله الاستيطان احْتَرز بِهِ عَن غير المستوطن كالمسافر وَنَحْوه فَلَا جمعه عَلَيْهِم كالمقيم فِي مَوضِع لَا يسمع النداء من الْموضع الَّذِي تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة إِذْ لم ينْقل عَنهُ أَنه صلى الْجُمُعَة فِي سفر وَقد رُوِيَ (لَا جُمُعَة على مُسَافر) قَالَ (وشرائط فعلهَا ثَلَاثَة أَن تكون الْبَلَد مصرا أَو قَرْيَة وَأَن يكون الْعدَد أَرْبَعِينَ من أهل الْجُمُعَة وَأَن يكون الْوَقْت بَاقِيا فَإِن خرج الْوَقْت أَو عدمت الشُّرُوط صليت ظهرا) لصِحَّة الْجُمُعَة شُرُوط بَقِيَّة شُرُوط الصَّلَاة مِنْهَا دَار الْإِقَامَة وَهِي عبارَة عَن الْأَبْنِيَة الَّتِي يستوطنها الْعدَد الَّذين يصلونَ الْجُمُعَة سَوَاء فِي ذَلِك المدن والقرى والمغر الَّتِي تتَّخذ وطناً وَسَوَاء فِيهَا الْبناء من حجر أَو طين أَو خشب وَنَحْوه وَوجه اشْتِرَاط ذَلِك أَنه لم ينْقل إِقَامَتهَا فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين إِلَّا كَذَلِك وَلَو جَازَت فِي غير ذَلِك لفَعَلت وَلَو مرّة وَلَو فعلت لنقل

وَيشْتَرط فِي الْأَبْنِيَة أَن تكون مجتمعة فَلَو تَفَرَّقت لم يكف وَيعرف التَّفْرِيق بِالْعرْفِ وَلَا جُمُعَة على أهل الْخيام وَإِن لازموا مَكَانا وَاحِدًا صيفاً وشتاء لأَنهم على هَيْئَة المستوفزين وَمِنْهَا أَن تُقَام فِي جمَاعَة لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين فَمن بعدهمْ لم ينْقل عَنْهُم وَلَا عَن غَيرهم فعلهَا فُرَادَى ثمَّ شَرط الْجَمَاعَة أَن تكون أَرْبَعِينَ وَبِه قَالَ الإِمَام أَحْمد رَضِي الله عَنهُ رِوَايَتَانِ أَحدهمَا مثل مَذْهَبنَا وَالْأُخْرَى أَن الِاعْتِبَار بِعَدَد يعد بهم الْموضع قَرْيَة وتمكنهم الْإِقَامَة فِيهِ وَيكون بَينهم البيع وَالشِّرَاء وَنقل صَاحب التَّلْخِيص من أَصْحَابنَا قولا عَن الْقَدِيم أَنَّهَا تَنْعَقِد بِثَلَاثَة وَلم يُثبتهُ عَامَّة الْأَصْحَاب وَالْمذهب الصَّحِيح الْمَشْهُور أَنه لَا بُد من أَرْبَعِينَ وَاحْتج لَهُ بِأَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث جَابر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ (مَضَت السّنة أَن فِي كل أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقهَا جُمُعَة) وَقَول الصَّحَابِيّ مَضَت السّنة كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمِنْهَا حَدِيث كَعْب بن مَالك قَالَ أول من صلى بِنَا الْجُمُعَة فِي بَقِيع الْخضمات أسعد بن زُرَارَة وَكُنَّا أَرْبَعِينَ وَجه الدّلَالَة أَن الْغَالِب على أَحْوَال الْجُمُعَة التَّعَبُّد وَالْأَرْبَعُونَ أقل مَا ورد وَمِنْهَا أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام جمع بِالْمَدِينَةِ وَلم ينْقل أَنه جمع بِأَقَلّ من أَرْبَعِينَ واتفقنا على اقامتها بالأربعين فَمن ادّعى إِقَامَتهَا بِدُونِ ذَلِك فَعَلَيهِ الدَّلِيل وَنقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه يشْتَرط خمسين وَاحْتج بِحَدِيث وَالْجَوَاب أَن الحَدِيث فِي رِجَاله جَعْفَر بن الزبير وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث وَاعْلَم أَن شَرط الْأَرْبَعين الذُّكُورَة والتكليف وَالْحريَّة وَالْإِقَامَة على سَبِيل التوطن لَا يظعنون شتاء وَلَا صيفاً إِلَّا لحَاجَة فَلَا تَنْعَقِد بالإناث وَلَا بالصبيان وَلَا بالعبيد وَلَا بالمسافرين وَلَا بالمستوطنين شتاء دون صيف وَعَكسه والغريب إِذا أَقَامَ بِبَلَد واتخذه وطنا صَار لَهُ حكم أَهله فِي وجوب الْجُمُعَة وَإِن لم يتَّخذ بل عزمه الرُّجُوع إِلَى بَلَده بعد مُدَّة يخرج بهَا عَن كَونه مُسَافِرًا قَصِيرَة كَانَت أَو طَوِيلَة كالتاجر والمتفقة وَالَّذِي يرحل من بَلَده من قلَّة المَاء أَو خوف الظلمَة قَاتلهم الله ثمَّ عزمه يعود إِذا انفرج أمره فَهَؤُلَاءِ لَا تلزمهم الْجُمُعَة وَلَا تَنْعَقِد بهم على الْأَصَح (فرع) إِذا تقَارب قَرْيَتَانِ فِي كل مِنْهُمَا دون أَرْبَعِينَ بِصفة الْكَمَال وَلَو اجْتَمعُوا لبلغوا أَرْبَعِينَ لم تَنْعَقِد بهم الْجُمُعَة وَإِن سَمِعت كل قَرْيَة نِدَاء الْأُخْرَى لِأَن الْأَرْبَعين غير مقيمين فِي مَوضِع الْجُمُعَة وَالله أعلم وَمِنْهَا أَي من شُرُوط صِحَة الْجُمُعَة أَن تقع فِي الْوَقْت ووقتها وَقت الظّهْر فَلَا تقضى على صورتهَا بالِاتِّفَاقِ وَقَالَ الإِمَام أَحْمد تجوز قبل الزَّوَال وَحجَّتنَا مَا ورد عَن أنس

رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يُصَلِّي الْجُمُعَة حِين تَزُول الشَّمْس) وروى مُسلم عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع رَضِي الله عَنهُ قَالَ (كُنَّا نصلي مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجُمُعَة إِذا زَالَت الشَّمْس ثمَّ نرْجِع فنتتبع الْفَيْء أَي ظلّ الْحِيطَان) وَلَو ضَاقَ الْوَقْت عَن الْجُمُعَة صلوا ظهرا وَلَا يجوز الشُّرُوع فِي الْجُمُعَة نَص الشَّافِعِي فِي الْأُم وَلَو خرج الْوَقْت وهم فِيهَا أتموها ظهرا وَإِن صلو رَكْعَة فِي الْوَقْت وَلَو شكوا هَل خرج الْوَقْت أم لَا لم يشرعوا فِي الْجُمُعَة وصلوا ظهرا فَإِن الْوَقْت شَرط لَا بُد من تَحْقِيق وجوده وَقد شككنا فِيهِ نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَالله أعلم قَالَ (وفرائضها ثَلَاثَة أَشْيَاء خطبتان يقوم فيهمَا وَيجْلس بَينهمَا وَأَن تصلى رَكْعَتَيْنِ فِي جمَاعَة) من شُرُوط صِحَة الْجُمُعَة أَن يتقدمها خطبتان فِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن سَمُرَة رَضِي الله عَنهُ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (كَانَ يخْطب خطبتين يجلس بَينهمَا وَكَانَ يخْطب قَائِما) وَفِي رِوَايَة (أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يخْطب خطبتين يقْرَأ الْقُرْآن وَيذكر النَّاس) وللخطبة خَمْسَة أَرْكَان أَحدهَا حمد لله تَعَالَى وَيتَعَيَّن لفظ الْحَمد وَالثَّانِي الصَّلَاة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيتَعَيَّن لفظ الصَّلَاة الثَّالِث الْوَصِيَّة بتقوى الله تَعَالَى قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَار على التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها فَإِن ذَلِك قد يتواصى بِهِ مُنكر والشرائع بل لَا بُد من الْحمل على طَاعَة الله تَعَالَى وَالْمَنْع من الْمعاصِي بِلَا خلاف وَلَو قَالَ أطِيعُوا الله كفى الرَّابِع الدُّعَاء للْمُؤْمِنين وَهُوَ ركن على الصَّحِيح وَلَا تصح الْخطْبَة بِدُونِهِ وَهُوَ مَخْصُوص بِالثَّانِيَةِ وَيَكْفِي مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الدُّعَاء الْخَامِس قِرَاءَة شَيْء من الْقُرْآن وَأقله آيَة وَاحِدَة نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي سَوَاء كَانَت وَعدا أَو وعيداً أَو حكما أَو قصَّة وَيشْتَرط كَون الْآيَة مفهمة فَلَا يَكْفِي ﴿ثمَّ نظر﴾ وَإِن كَانَت آيَة وَاخْتلف فِي مَحل الْقِرَاءَة وَالصَّحِيح الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم أَنَّهَا تجب فِي إِحْدَى الْخطْبَتَيْنِ لَا بِعَينهَا وَالله أعلم

هَذِه أَرْكَان الْخطْبَة أما شُرُوطهَا فستة أَحدهَا الْوَقْت وَهُوَ بعد الزَّوَال فَلَا يَصح تَقْدِيم شَيْء مِنْهَا عَلَيْهِ الثَّانِي تَقْدِيم الْخطْبَتَيْنِ على الصَّلَاة الثَّالِث الْقيام فيهمَا مَعَ الْقُدْرَة الرَّابِع الْجُلُوس بَينهمَا وَتجب الطُّمَأْنِينَة فِيهِ فَلَو كَانَ عَاجِزا عَن الْقيام وخطب جَالِسا وَجب أَن يفصل بَينهمَا بسكتة على الْأَصَح الْخَامِس الطَّهَارَة عَن الْحَدث وَالنَّجس فِي الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان وَكَذَا يجب ستر الْعَوْرَة على الْجَدِيد السَّادِس رفع الصَّوْت بِحَيْثُ يسمع أَرْبَعِينَ من أهل الْكَمَال وَإِلَّا لما يحصل الْمَقْصُود من مَشْرُوعِيَّة الْخطْبَة وَهل يشْتَرط كَونهَا عَرَبِيَّة الصَّحِيح نعم لنقل الْخلف عَن السّلف ذَلِك وَقيل لَا يجب لحُصُول الْمَعْنى فعلى الصَّحِيح لَو لم يكن فيهم من يحسن الْعَرَبيَّة جَازَ بغَيْرهَا وَيجب على كل وَاحِد أَن يتعلمها بِالْعَرَبِيَّةِ كالعاجز عَن التَّكْبِير بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِن مَضَت مُدَّة إِمْكَان التَّعْلِيم وَلم يتَعَلَّم أحد مِنْهُم عصوا كلهم وَلَا جُمُعَة لَهُم بل يصلونَ الظّهْر كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَوُجُوب تعلم الْخطْبَة على كل وَاحِد ذكره فِي التَّتِمَّة وَذكره غَيره وَجزم بِهِ ابْن الرّفْعَة وَعبارَة الرَّوْضَة وَيجب أَن يتَعَلَّم كل وَاحِد مِنْهُم الْخطْبَة قَالَ الأسنوي وَهُوَ غلط قَالَ القَاضِي حُسَيْن وَإِذا لم يعرف الْقَوْم الْعَرَبيَّة فَمَا فَائِدَة الْخطْبَة وَأجَاب بِأَن فَائِدَة الْخطْبَة الْعلم بالوعظ من حَيْثُ الْجُمْلَة وَقَول الشَّيْخ وَأَن تصلى رَكْعَتَيْنِ فِي جمَاعَة لقَوْل عمر رَضِي الله عَنهُ الْجُمُعَة رَكْعَتَانِ تَمام من غير قصر على لِسَان مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَا نقلهَا الْخلف عَن السّلف قَالَ ابْن الْمُنْذر وَهَذَا بِالْإِجْمَاع وَكَونهَا فِي جمَاعَة قد مر وَالله أعلم قَالَ (وهيئاتها أَربع الْغسْل وتنظيف الْجَسَد وَلبس الثِّيَاب الْبيض وَأخذ الظفر وَالطّيب) السّنة لمن أَرَادَ الْجُمُعَة أَن يغْتَسل لَهَا بل يكره تَركه فِي أصح الْوَجْهَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ (إِذا أَتَى أحدكُم الْجُمُعَة فليغتسل) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا (حق على كل مُسلم أَن يغْتَسل فِي كل سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا) زَاد النَّسَائِيّ وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة ولغسل الْجُمُعَة تَتِمَّة مهمة مرت فِي فصل الأغسال المسنونة وَالْغسْل وَإِن صدق بسكب المَاء على جَمِيع الْجَسَد إِلَّا أَن الْمَقْصُود مِنْهُ تنظيف الْجَسَد من الأوساخ الَّتِي يحصل بِسَبَبِهَا رَائِحَة كريهة فَلهَذَا ذكر الشَّيْخ تنظيف الْجَسَد وَمن السّنة أَيْضا أَن يتزين ويلبس من أحسن ثِيَاب ويتطيب لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة وَلبس من أحسن ثِيَابه وَمَسّ من طيب بَيته إِن كَانَ عِنْده ثمَّ أَتَى الجمعه فَلم يتخط أَعْنَاق النَّاس ثمَّ صلى مَا كتب لَهُ أنصت إِذا خرج إِمَامه حَتَّى يفرغ من صلَاته كَانَت كَفَّارَة بَينهَا وَبَين جمعته الَّتِي قبلهَا) والأبيض من الثِّيَاب أفضل وكما يسْتَحبّ الْغسْل وَالطّيب يسْتَحبّ إِزَالَة الظفر وَالشعر الْمُسْتَحبّ إزالتهما وَالْحكمَة فِي الْغسْل أَن لَا يجد الجليس من جليسه مَا يكره فَيَتَأَذَّى قَالَ الْعلمَاء وَيُؤْخَذ من هَذَا أَن الجليس لَا يتعاطى مَا يتَأَذَّى مِنْهُ جليسه من كَلَام سيء وَغَيره ومشروعية الطّيب حَتَّى يجد الجليس من جليسه مَا ينْتَفع بِهِ من طيب الرَّائِحَة وَحسن الثِّيَاب لأجل النّظر فَلَا يجد مَا يتَأَذَّى بِهِ بَصَره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على من شرع لنا هَذَا الْخَيْر وَالله أعلم قَالَ 0 - وَيسْتَحب الْإِنْصَات فِي حَال الْخطْبَة) هَل يحرم الْكَلَام وَقت الْخطْبَة فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم أَنه يحرم وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد فِي أرجح الرِّوَايَتَيْنِ عِنْده لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا﴾ قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين نزلت فِي الْخطْبَة قُرْآنًا لاشتمالها على الْقُرْآن الَّذِي يُتْلَى فِيهَا وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا قلت لصاحبك يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب أنصت فقد لغوت) واللغو الاثم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون﴾ والجديد أَن الْكَلَام لَيْسَ بِحرَام والإنصات سنة لما رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (أَن عُثْمَان دخل وَعمر يخْطب فَقَالَ عمر مَا بَال رجال يتأخرون عَن النداء فَقَالَ عُثْمَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا زِدْت حِين سَمِعت النداء أَن تَوَضَّأت) وَرُوِيَ (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل عَلَيْهِ رجل وَهُوَ يخْطب الْجُمُعَة فَقَالَ مَتى السَّاعَة فَأَوْمأ النَّاس إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ فَلم يفعل وَأعَاد الْكَلَام فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ بعد الثَّانِيَة وَيحك مَا أَعدَدْت لَهَا قَالَ حب الله وَرَسُوله فَقَالَ إِنَّك مَعَ من أَحْبَبْت) وَجه الدّلَالَة أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لم يُنكر عَلَيْهِم ذَلِك وَلَو كَانَ حَرَامًا لأنكره

وَيجوز الْكَلَام قبل الشُّرُوع فِي الْخطْبَة وَبعد الْفَرَاغ مِنْهَا وَقبل الصَّلَاة قَالَ فِي المرشد حَتَّى فِي حَال الدُّعَاء لِلْأُمَرَاءِ أَو فِيمَا بَين الْخطْبَتَيْنِ خلاف وَظَاهر كَلَام الشَّيْخ أَنه لَا يحرم وَبِه جزم فِي الْمُهَذّب وَالْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط نعم فِي الشَّامِل وَغَيره إِجْرَاء الْقَوْلَيْنِ ثمَّ هَذَا فِي الْكَلَام الَّذِي لَا يتَعَلَّق بِهِ غَرَض مُهِمّ ناجز فَأَما إِذا رأى أعمى يَقع فِي بِئْر أَو عقربا ندب على إِنْسَان فأنذره أَو علم ظَالِما يتطلب شخصا بِغَيْر حق كعريف الْأَسْوَاق ورسل قُضَاة الرشا فَلَا يحرم بِلَا خلاف وَكَذَا لَو أَمر بِمَعْرُوف أَو نهى عَن مُنكر فَإِنَّهُ لَا يحرم قطعا وَقد نَص على ذَلِك الشَّافِعِي وَاتفقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَاب (فرع) لَو سلم الدَّاخِل حَال الْخطْبَة فَإِن قُلْنَا بالقديم يحرم الْكَلَام حرمت إجَابَته بِاللَّفْظِ وَيسْتَحب بِالْإِشَارَةِ كَمَا فِي حَال الصَّلَاة وَلَو عطس شخص فَيحرم تشميته على الصَّحِيح كرد السَّلَام وَإِن قُلْنَا بالجديد إِنَّه لَا يحرم الْكَلَام فَيجوز رد السَّلَام والتشميت بِلَا خلاف وَهل يجب رد السَّلَام فِيهِ خلاف الصَّحِيح فِي الشَّرْح الصَّغِير اسْتِحْبَابه أَيْضا لَا وُجُوبه وَكَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وأصل الرَّوْضَة وَالله أعلم قَالَ (وَمن دخل وَالْإِمَام يخْطب صلى رَكْعَتَيْنِ خفيفتين ثمَّ يجلس) إِذا حضر شخص وَالْإِمَام يخْطب لم يتخط رِقَاب النَّاس لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من تخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة اتخذ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّم) وَيسْتَثْنى من ذَلِك الإِمَام وَمن بَين يَدَيْهِ فُرْجَة وَلَا طَرِيق إِلَيْهَا إِلَّا بالتخطي لأَنهم قصروا بِعَدَمِ سدها ثن الْمَنْع من التخطي لَا يخْتَص بِحَال الْخطْبَة بل الحكم قبلهَا كَذَلِك ثمَّ الدَّاخِل هَل يُصَلِّي التَّحِيَّة اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَقَالَ القَاضِي عِيَاض قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَجُمْهُور السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَا يُصَلِّيهمَا ويروى عَن عمر وَعُثْمَان وعَلى رَضِي الله عَنْهُم وحجتهم الْأَمر بالإنصات وتأولوا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي قَضِيَّة سليك على أَنه كَانَ عُريَانا فآمره بِالْقيامِ ليراه النَّاس ويتصدقوا عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِي وَالْإِمَام أَحْمد وَإِسْحَاق وفقهاء الْمُحدثين إِنَّه يسْتَحبّ أَن يُصَلِّي تَحِيَّة الْمَسْجِد رَكْعَتَيْنِ خفيفتين وَيكرهُ أَن يجلس قبل أَن يُصَلِّيهمَا وَحكى هَذَا الْمَذْهَب عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره من الْمُتَقَدِّمين وَاحْتج هَؤُلَاءِ بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسليك حِين جَاءَ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْطب يَوْم الْجُمُعَة وَقد جلس (أصليت يَا فلَان قَالَ لَا قَالَ قُم فاركع) وَفِي رِوَايَة (قُم فَصلي الرَّكْعَتَيْنِ) وَفِي رِوَايَة (صل رَكْعَتَيْنِ) وَفِي رِوَايَة (إِذا جَاءَ أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة وَقد خرج الإِمَام فَليصل رَكْعَتَيْنِ) وَفِي رِوَايَة (وَالْإِمَام يخْطب فليركع رَكْعَتَيْنِ وليتجوز فيهمَا) قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذِه الْأَحَادِيث كلهَا صَرِيحَة فِي الدّلَالَة لمَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَتَأْويل من قَالَ إِن أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسليك بِالْقيامِ ليتصدق عَلَيْهِ بَاطِل يردهُ صَرِيح قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا جَاءَ أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب فليركع رَكْعَتَيْنِ وليتجوز فيهمَا) فَهَذَا نَص صَرِيح لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَأْوِيل وَلَا أَظن عَالما يبلغهُ هَذَا اللَّفْظ صَحِيحا فيخالفه وَالله أعلم وَقَول الشَّيْخ وَمن دخل وَالْإِمَام يخْطب يَقْتَضِي أَن الْحَاضِر لَا يفْتَتح صَلَاة وَلم يبين أَنه مَكْرُوه أم لَا وَعبارَة الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة يَنْبَغِي لمن لَيْسَ فِي الصَّلَاة من الْحَاضِرين أَن لَا يستفتحها سَوَاء صلى السّنة أم لَا وَفِي الْحَاوِي الصَّغِير الْكَرَاهَة وَالَّذِي ذكره النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب أَنه حرَام وَنقل الْإِجْمَاع على ذَلِك وَلَفظه قَالَ أَصْحَابنَا إِذا جلس الإِمَام على الْمِنْبَر حرم على من فِي الْمَسْجِد أَن يبتدىء صَلَاة وَإِن كَانَ فِي صَلَاة خففها وَهَذَا إِجْمَاع قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَكَذَا ذكره الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالله أعلم قلت هَذِه مَسْأَلَة حَسَنَة نفيسة قل من يعرفهَا على وَجههَا فَيَنْبَغِي الاعتناء بهَا وَلَا يغتر بِفعل ضعفاء الطّلبَة وجهلة المتصوفة فَإِن الشَّيْطَان يتلاعب بصوفية زملننا كتلاعب الصّبيان بالكرة وَأَكْثَرهم صدهم عَن الْعلم مشقة الطّلب فاستدرجهم الشَّيْطَان قَالَ السَّيِّد الْجَلِيل أبوزيد قعدت ثَلَاثِينَ سنه فِي المجاهدة فَلم أر أصعب عَليّ من الْعلم وَقَالَ السَّيِّد الْجَلِيل أَبُو بكر الشبلي إِن فِي الطَّاعَة من الْآفَات مَا يغنيكم أَن تَطْلُبُوا الْمعاصِي فِي غَيرهَا وَقَالَ السَّيِّد الْجَلِيل ضرار بن عَمْرو إِن قوما تركُوا الْعلم ومجالسة الْعلمَاء وَاتَّخذُوا محاريب وصلوا وصاموا حَتَّى يبس جلد أحدهم على عظمه خالفوا فهلكوا وَالَّذِي لَا اله غَيره مَا عمل عَامل على جهل إِلَّا كَانَ مَا يفْسد أَكثر مِمَّا يصلح وَهَذِه زِيَادَة خَارجه عَن الْفَنّ الَّذِي نَحن فِيهِ فَمن أَرَادَ من هَذِه المناداة فَعَلَيهِ بِكِتَاب سير السالك فِي أَسْنَى المسالك وَالله أعلم قَالَ

بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ

(فصل وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ سنة مُؤَكدَة وَهِي رَكْعَتَانِ يكبر فِي الأولى سبعا سوى تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَفِي الثَّانِيَة خمْسا سوى تَكْبِيرَة الْقيام ويخطب بعْدهَا خطبتين) الْعِيد مُشْتَقّ من الْعود لِأَنَّهُ يعود فِي السنين أَو يعود السرُور بعوده أَو لِكَثْرَة عوائد الله تَعَالَى

على عباده فِيهِ أَي أفضاله ثمَّ صَلَاة الْعِيد مَطْلُوبَة بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ قيل المُرَاد بِالصَّلَاةِ هُنَا صَلَاة عيد النَّحْر وَلَا خَفَاء فِي أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يُصَلِّيهمَا هُوَ وَالصَّحَابَة مَعَه وَمن بعده وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أول عيد صلاه الْفطر فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وفيهَا فرضت زَكَاة الْفطر قَالَه الْمَاوَرْدِيّ ثمَّ الصَّلَاة سنة لقَوْل الْأَعرَابِي هَل عَليّ غَيرهَا أَي غير الصَّلَوَات الْخمس قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع وَهَذَا مَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقيل إِنَّهَا فرض كِفَايَة لِأَنَّهَا من شَعَائِر الْإِسْلَام فَتَركهَا تهاون فِي الدّين وتشرع جمَاعَة بِالْإِجْمَاع وَالْمذهب أَنَّهَا تشرع للنفرد وَالْمُسَافر وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة لِأَنَّهَا نَافِلَة فَأَشْبَهت الاسْتِسْقَاء والكسوف نعم يكره للشابة الجميلة وَذَوَات الْهَيْئَة الْحُضُور وَيسْتَحب للعجوز الْحُضُور فِي ثِيَاب بذلتها بِلَا طيب قلت يَنْبَغِي الْقطع فِي زَمَاننَا بِتَحْرِيم خُرُوج الشابات وَذَوَات الهيئات لِكَثْرَة الْفساد وَحَدِيث أم عَطِيَّة وَإِن دلّ على الْخُرُوج إِلَّا أَن الْمَعْنى الَّذِي كَانَ فِي خير الْقُرُون قد زَالَ وَالْمعْنَى أَنه كَانَ فِي الْمُسلمين قلَّة فَأذن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُنَّ فِي الْخُرُوج ليحصل بِهن الْكَثْرَة وَلِهَذَا أذن للْحيض مَعَ أَن الصَّلَاة مفقودة فِي حقهن وتعليله بشهودهن الْخَيْر ودعوة الْمُسلمين لَا يُنَافِي مَا قُلْنَا وَأَيْضًا فَكَانَ الزَّمَان زمَان أَمن فَكُن لَا يبدين زينتهن ويغضضن أبصارهن وَكَذَا الرِّجَال يَغُضُّونَ من أَبْصَارهم وَأما زَمَاننَا فخروجهن لأجل إبداء زينتهن وَلَا يغضضن أبصارهن وَلَا يغض الرِّجَال من أَبْصَارهم ومفاسد خروجهن مُحَققَة وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت (لَو رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أحدث النِّسَاء لمنعهن الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل) فَهَذِهِ فَتْوَى أم الْمُؤمنِينَ فِي خير الْقُرُون فَكيف بزماننا هَذَا الْفَاسِد وَقد قَالَ بِمَنْع النِّسَاء من الْخُرُوج إِلَى الْمَسَاجِد خلق غير عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا مِنْهُم عُرْوَة بن الزبير رَضِي الله عَنهُ وَالقَاسِم وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو حنيفَة مرّة وَمرَّة أجَازه وَكَذَا مَنعه أَبُو يُوسُف وَهَذَا فِي ذَلِك الزَّمَان وَأما فِي زَمَاننَا هَذَا فَلَا يتَوَقَّف أحد من الْمُسلمين فِي مَنعهنَّ إِلَّا غبي قَلِيل البضاعة فِي معرفَة أسرار الشَّرِيعَة قد تمسك بِظَاهِر دَلِيل حمل على ظَاهره دون فهم مَعْنَاهُ مَعَ إهماله فهم عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَمن نحا نَحْوهَا وَمَعَ إهمال الْآيَات الدَّالَّة على تَحْرِيم إِظْهَار الزِّينَة وعَلى وجوب غض الْبَصَر فَالصَّوَاب الْجَزْم بِالتَّحْرِيمِ وَالْفَتْوَى بِهِ وَالله أعلم ثمَّ وَقتهَا مَا بَين طُلُوع الشَّمْس والزوال وَقيل لَا يدْخل وَقتهَا إِلَّا بارتفاع الشَّمْس قدر رمح وَالصَّحِيح الأول والارتفاع قدر رمح مُسْتَحبّ ليزول وَقت الْكَرَاهَة وكيفيتها رَكْعَتَانِ للادلة وَإِجْمَاع الْأمة وَيَنْوِي صَلَاة عيد الْفطر أَو الْأَضْحَى وَيكبر فِي الأولى سبع

تَكْبِيرَات غير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَفِي الثَّانِيَة خمْسا سوى تَكْبِيرَة الْقيام من السُّجُود (رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يكبر فِي الْفطر والأضحى فِي الأولى سبعا قبل الْقِرَاءَة وَفِي الثَّانِيَة خمْسا قبل الْقِرَاءَة) وَيقف بَين كل تكبيرتين قدر آيَة معتلة يهلل وَيكبر ويحمد ورد عَن ابْن مَسْعُود قولا وفعلاً وَمعنى يهلل يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله والتحميد التَّعْظِيم وَهَذَا إِشَارَة إِلَى التَّسْبِيح والتحميد وَيحسن سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لِأَنَّهُ اللَّائِق بِالْحَال وجامع للأنواع الْمَشْرُوعَة للصَّلَاة وَهِي الْبَاقِيَات الصَّالِحَات كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَجَمَاعَة وَلَو نسي التَّكْبِيرَات وَشرع فِي الْقِرَاءَة فَاتَت وَيقْرَأ بعد الْفَاتِحَة فِي الأولى ق وَفِي الثَّانِيَة اقْتَرَبت بكمالها رَوَاهُ مُسلم وَتَكون الْقِرَاءَة جَهرا للسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَكَذَا يجْهر بالتكبيرات ثمَّ يسن بعد الصَّلَاة خطبتان ورد عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبا بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا (كَانُوا يصلونَ الْعِيد قبل الْخطْبَة) فَلَو خطب قبل الصَّلَاة لم يعْتد بهَا على الصَّحِيح الصَّوَاب الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وتكرير الْخطْبَة هُوَ بِالْقِيَاسِ على الْجُمُعَة وَلَو يثبت فِيهِ حَدِيث قَالَه النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة وَيسْتَحب أَن يفْتَتح الأولى بتسع تَكْبِيرَات وَالثَّانيَِة بِسبع تَكْبِيرَات وَاعْلَم أَن الصَّلَاة تجوز فِي الصَّحرَاء فَإِن كَانَ بِمَكَّة فالمسجد الْحَرَام أفضل وَإِن لم يكن عذر فَإِن ضَاقَ الْمَسْجِد فالصحراء أولى بل يكره فعلهَا فِي الْمَسْجِد وَإِن كَانَ الْمَسْجِد وَاسِعًا فَالصَّحِيح أَن الْمَسْجِد أولى وَالله أعلم قَالَ (وَيكبر من غرُوب الشَّمْس لَيْلَة الْعِيد إِلَى أَن يدْخل الإِمَام فِي الصَّلَاة وَفِي الْأَضْحَى خلف الصَّلَوَات الْفَرَائِض من صبح يَوْم عَرَفَة إِلَى الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق) يسْتَحبّ التَّكْبِير بغروب الشَّمْس لَيْلَتي الْعِيد الْفطر والأضحى وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْمَسَاجِد والبيوت والأسواق وَلَا بَين اللَّيْل وَالنَّهَار وَعند ازدحام النَّاس ليوافقوه على ذَلِك وَلَا فرق

بَين الْحَاضِر وَالْمُسَافر دَلِيله فِي عيد الْفطر قَوْله تَعَالَى ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ وَفِي عيد الْأَضْحَى بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ويغني عَنهُ ورد عَن أم عَطِيَّة قَالَت (كُنَّا نؤمر فِي الْعِيدَيْنِ بِالْخرُوجِ حَتَّى تخرج الْحيض فيكُن خلف النَّاس يكبرن بتكبيرهم) وَأما آخر وَقت التَّكْبِير فَفِي عيد الْفطر حَتَّى يحرم الإِمَام بِصَلَاة الْعِيد هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأما فِي الْأَضْحَى فَالصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ أَن آخر عقيب الصُّبْح من آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَعند النَّوَوِيّ الصَّحِيح أَنه عقيب الْعَصْر آخر أَيَّام التَّشْرِيق قَالَ وَهُوَ الْأَظْهر عِنْد الْمُحَقِّقين للْحَدِيث وابتداؤه بصبح يَوْم عَرَفَة ويشرع فِي الْأَضْحَى خلف الْفَرَائِض الْحَاضِرَة والفائتة وَكَذَا فِي كل صَلَاة نَافِلَة كَانَت ذَات سَبَب أَو مُطلقَة أَو فرض كِفَايَة كَصَلَاة جَنَازَة وَهل يسْتَحبّ عقب الصَّلَوَات فِي عيد الْفطر فِيهِ خلاف وَالأَصَح فِي أصل الرَّوْضَة أَنه لَا يسْتَحبّ لعدم نَقله وَصحح النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار أَنه يسْتَحبّ عقب الصَّلَوَات كالأضحى وَيسْتَحب رفع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ للرِّجَال دون النِّسَاء وَالتَّكْبِير فِي وقته أفضل من غَيره من الْأَذْكَار لِأَنَّهُ شعار الْيَوْم وَالله أعلم (فرع) : الْحَاج يكبر من ظهر يَوْم النَّحْر وَهُوَ يَوْم الْعِيد وَيخْتم بيصح آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَالصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ أَن غير الْحَاج كالحاج وَالله أعلم قَالَ:

بَاب صَلَاة الْكُسُوف والخسوف

(فصل وَيصلى لكسوف الشَّمْس وخسوف الْقَمَر رَكْعَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة قيامان يُطِيل الْقِرَاءَة فيهمَا وركوعان يُطِيل التَّسْبِيح فيهمَا دون السُّجُود) اعْلَم أَن الْكُسُوف والخسوف يُطلق على الشَّمْس وَالْقَمَر جَمِيعًا نعم الأجود كَمَا قَالَه الْجَوْهَرِي أَن الْكُسُوف للشمس والخسوف للقمر وَالصَّلَاة لَهما سنة لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فصلوا وَادعوا الله تَعَالَى) وَفِي رِوَايَة (أدعوا الله وصلوا حَتَّى ينْكَشف مَا بكم) ثمَّ أقلهَا أَن يحرم بنية صَلَاة الْكُسُوف وَيقْرَأ الْفَاتِحَة ويركع ثمَّ يرفع فَيقْرَأ الْفَاتِحَة ثمَّ يرْكَع ثَانِيًا ثمَّ يرفع ويطمئن ثمَّ يسْجد فَهَذِهِ رَكْعَة ثمَّ يُصَلِّي ثَانِيَة كَذَلِك فَهِيَ رَكْعَتَانِ فِي كل رَكْعَة قيامان وركوعان وَيقْرَأ الْفَاتِحَة فِي كل قيام فَلَو اسْتمرّ الْكُسُوف فَهَل يزِيد رُكُوعًا ثَالِثا وَجْهَان الصَّحِيح لَا يجوز كَسَائِر الصَّلَوَات وكما لَا يجوز زِيَادَة رُكُوع ثَالِث لَا يجوز

نقص رُكُوع لَو حصل الانجلاء وَلَو سلم من الصَّلَاة والكسوف بَاقٍ فَلَيْسَ لَهُ أَن يستفتح صَلَاة أُخْرَى على الْمَذْهَب والأكمل فِي هَذِه أَن يقْرَأ فِي الْقيام الأول بعد الْفَاتِحَة وَمَا يسْتَحبّ من الاستفتاح وَغَيره سُورَة الْبَقَرَة فَإِن لم يحسنها قَرَأَ بِقَدرِهَا وَفِي الْقيام الثَّانِي كمائتي آيَة مِنْهَا وَفِي الْقيام الثَّالِث يقْرَأ قدر مائَة وَخمسين آيَة وَفِي الرَّابِع قدر مائَة كَذَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَيسْتَحب أَن يطول فِي الرُّكُوع الأول بالتسبيح قدر مائَة آيَة من الْبَقَرَة وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ آيَة وَفِي الثَّالِث سبعين آيَة وَفِي الرَّابِع قدر خمسين آيَة لمجيئه فِي الْخَبَر وَلَا يطول السُّجُود على الصَّحِيح كالاعتدال قَالَه الرَّافِعِيّ وَصحح النَّوَوِيّ التَّطْوِيل قَالَ وَثَبت فِي الصَّحِيح وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ وتستحب الْجَمَاعَة فِي صَلَاة الْكُسُوف وينادى لَهَا الصَّلَاة جَامِعَة وَلَو أدْرك الْمَسْبُوق الإِمَام فِي الرُّكُوع الثَّانِي لم يدْرك الرَّكْعَة على الْمَذْهَب لِأَن الرُّكُوع الثَّانِي يتبع الأول وَالله أعلم قَالَ (ويخطب بعْدهَا خطبتين وَيسر فِي كسوف الشَّمْس ويجهر فِي خُسُوف الْقَمَر) يسن أَن يخْطب بعد الصَّلَاة خطبتين كخطبتي الْجُمُعَة لفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي ورد وَفِيه (قَامَ فَخَطب فَأثْنى على الله تَعَالَى) إِلَى أَن قَالَ (يَا أمة مُحَمَّد هَل من أحد أغير من الله أَن يرى عَبده أَو أمته يزنيان يَا أمة مُحَمَّد وَالله لَو تعلمُونَ مَا أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قَلِيلا أَلا هَل بلغت) وروى الْخطْبَة جمع من الصَّحَابَة فِي الصَّحِيح وَيَنْبَغِي أَن يحرضهم على الْإِعْتَاق وَالصَّدَََقَة ويحذرهم الْغَفْلَة والاغترار وَقد ورد أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (أَمر بالعتاقة فِي كسوف الْقَمَر) وَمن صلى مُنْفَردا لم يخْطب وَيسْتَحب الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي خُسُوف الْقَمَر والإسرار فَفِي التِّرْمِذِيّ وَقَالَ إِنَّه حسن صَحِيح وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَقَالَ إِنَّه على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَالله أعلم قَالَ

بَاب صَلَاة الاسْتِسْقَاء

(فصل وَصَلَاة الاسْتِسْقَاء مسنونة فيأمرهم الإِمَام بِالتَّوْبَةِ وَالصَّدَََقَة وَالْخُرُوج من الْمَظَالِم وَمُصَالَحَة الْأَعْدَاء وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ يخرج بهم فِي الْيَوْم الرَّابِع فِي ثِيَاب بذلة واستكانة وتضرع وَيُصلي بهم رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاة الْعِيد) الاسْتِسْقَاء طلب السقيا من الله تَعَالَى عِنْد الْحَاجة وَصلَاته سنة مُؤَكدَة (خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَسْقِي فَجعل إِلَى النَّاس ظَهره واستقبل الْقبْلَة وحول رِدَاءَهُ) وَفِي رِوَايَة جهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة ثمَّ قبل الْخُرُوج يَعِظهُمْ الْأَمَام ويخوفهم عَذَاب الله وَيذكرهُمْ بالعواقب وَيَأْمُرهُمْ بِالصَّدَقَةِ وأنواع الْبر وبالخروج من الْمَظَالِم وَالتَّوْبَة من الْمعاصِي فَإِن هَذِه الْأُمُور سَبَب انْقِطَاع الْغَيْث والأعين وحرمان الرزق وَسبب الْغَضَب وإرسال الْعُقُوبَات من الْخَوْف والجوع وَنقص الْأَمْوَال والزروع والثمرات بل سَبَب تدمير أهل ذَلِك الإقليم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل فدمرناها تدميراً﴾ وَيَأْمُرهُمْ بصيام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات ثمَّ يخرج بهم فِي الْيَوْم الرَّابِع وهم صِيَام لِأَن دُعَاء الصّيام أقرب إِلَى الْإِجَابَة وَيَكُونُونَ فِي ثِيَاب البذلة وَهِي الْخدمَة ليكونوا على هَيْئَة السَّائِل وَعَلَيْهِم السكينَة فِي مشيتهم وَكَلَامهم وجلوسهم فقد ورد أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (خرج متبذلاً متواضعاً متضرعاً حَتَّى أَتَى الْمصلى) وَلَا يتطيب لِأَنَّهُ من السرُور وَيَنْبَغِي أَن يكون الاسْتِسْقَاء بالمشايخ المنكسرين والعاجزين والمحزونات وَالصغَار لِأَن دُعَاء هَؤُلَاءِ أقرب إِلَى الْإِجَابَة والحذر أَن يَقع الاسْتِسْقَاء بقضاة الرشا وفقراء الزوايا الَّذين يَأْكُلُون من أَمْوَال الظلمَة ويتعبدون بآلات اللَّهْو فَإِنَّهُم فسقة ومعتقدون أَن مزمار الشَّيْطَان قربَة وزنادقة فَلَا يُؤمن على النَّاس بسؤالهم أَن يزْدَاد غضب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على تِلْكَ النَّاحِيَة فَإِذا خرج الإِمَام بهم صلى رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاة الْعِيد ويستغفر فِي الأولى سبعا وَفِي الثَّانِيَة خمْسا ويجهر بِالْقِرَاءَةِ للْحَدِيث وَيسْتَحب أَن يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِسُورَة نوح عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهَا لائقة بِالْحَال وَقَالَ الشَّافِعِي يقْرَأ فيهمَا مَا يقْرَأ فِي الْعِيد ووقتها وَقت الْعِيد قَالَه الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَذكر الرَّوْيَانِيّ وَآخَرُونَ أَنه يبْقى بعد الزَّوَال مَا لم يصل الْعَصْر وَقَالَ الْمُتَوَلِي لَا يخْتَص بِوَقْت قَالَ النَّوَوِيّ الصَّحِيح الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَقطع بِهِ الْأَكْثَرُونَ وَصَححهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهَا لَا تخْتَص بِوَقْت كَمَا لَا تخْتَص بِيَوْم وَالله أعلم قَالَ

(ثمَّ يخْطب بعْدهَا خطبتين ويحول رِدَاءَهُ وَيجْعَل أَعْلَاهُ أَسْفَله وَيكثر من الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار) إِذا فرغ من الصَّلَاة اسْتحبَّ لَهُ أَن يخْطب على شَيْء عَال خطبتين لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (خطب للاستسقاء على مِنْبَر) ويستغفر الله الْكَرِيم فِي افْتِتَاح الأولى تسعا وَالثَّانيَِة سبعا لِأَن الاسْتِغْفَار لَائِق بِالْحَال وليحذر كل الحذر أَن يسْتَغْفر بِلِسَانِهِ وَقَلبه مصر على بَقَائِهِ على الظُّلم والجور وَعدم إِقَامَة الْحُدُود وبقائه على الْغِشّ للرعية فيبوء بغضب من الله سُبْحَانَهُ فَإِنَّهَا صفة الْيَهُود وَقد ذمهم الله تَعَالَى على ذَلِك وَلِأَنَّهُ نوع استهزاء وَقد صرح الْعلمَاء بِأَن هَذَا الاسْتِغْفَار ذَنْب قد ذكر أَن عمر رَضِي الله عَنهُ لما استسقى لم يزدْ على الاسْتِغْفَار فَقَالُوا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا نرَاك اسْتَسْقَيْت فَقَالَ قد طلبت الْغَيْث بِمَجَادِيح السَّمَاء الَّتِي يسْتَنْزل بهَا الْمَطَر ثمَّ قَرَأَ ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا﴾ الْآيَات والمجاديح نُجُوم كَانَت الْعَرَب تزْعم أَنَّهَا تمطر فَأخْبر عمر رَضِي الله عَنهُ أَن المجاديح الَّتِي يستمطر بهَا هُوَ الاسْتِغْفَار لَا النُّجُوم ويحول رداءة كَمَا ذكره الشَّيْخ وَيفْعل النَّاس مثل الْخَطِيب فِي التَّحْوِيل وَفِيه إِشَارَة إِلَى تَحْويل الْحَال من الشدَّة إِلَى الرخَاء وَمن الْعسر إِلَى الْيُسْر وَمن الْغَضَب إِلَى الرأفة وَيرْفَع يَدَيْهِ وَيَدْعُو رَوَاهُ مُسلم ثمَّ يَدْعُو بِدُعَاء رَسُول الله صلى اللخ عَلَيْهِ وَسلم ويبالغ فِي الدُّعَاء سرا وجهراً لقَوْله تَعَالَى ﴿ادعوا ربكُم تضرعا وخفية﴾ فَإِذا أسر دَعَا النَّاس وَإِذا جهر أمنُوا وَمن جملَة الْأَدْعِيَة اللَّهُمَّ إِن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك مَا لَا يشتكي إِلَّا إِلَيْك اللَّهُمَّ انبت لنا الزَّرْع وأدر لنا الضَّرع واسقنا من بَرَكَات السَّمَاء وَأنْبت لنا من بَرَكَات الأَرْض اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجهد والجوع والعرى واكشف عَنَّا من الْبلَاء مَا لَا يكشفه غَيْرك اللَّهُمَّ إِنَّا نستغفرك إِنَّك كنت بِنَا غفارًا فَأرْسل السَّمَاء علينا مدرارا وَالله أعلم قَالَ

بَاب صَلَاة الْخَوْف

(فصل وَصَلَاة الْخَوْف على ثَلَاثَة أضْرب أَحدهَا أَن يكون الْعَدو فِي غير جِهَة الْقبْلَة فيفرقهم الإِمَام فرْقَتَيْن فرقة تقف فِي وَجه الْعَدو وَفرْقَة تقف خَلفه فَيصَلي بالفرقة الَّتِي خَلفه رَكْعَة ثمَّ لنَفسهَا وتمضي إِلَى وَجه الْعَدو وتجيء الطَّائِفَة الْأُخْرَى وَيُصلي بهَا رَكْعَة ثمَّ تتمّ لنَفسهَا ثمَّ يسلم بهَا) صَلَاة الْخَوْف مَشْرُوعَة فِي حَقنا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقد صلاهَا أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعده وَلِأَن سَببهَا بَاقٍ فتفعل كالقصر قَالَ الشَّيْخ وَهِي ثَلَاثَة أضْرب الأول أَن يكون الْعَدو فِي غير جِهَة الْقبْلَة فيفرقهم الإِمَام كَمَا قَالَ الشَّيْخ فرْقَتَيْن وَفرض الْمَسْأَلَة أَن يكون الْعَدو فِي غير جِهَة الْقبْلَة بِحَيْثُ لَا تمكن مشاهدتنا لَهُم فِي الصَّلَاة وَلم نَأْمَن أَن يكبسونا فِي الصَّلَاة وَأَن يكون فِي الْمُسلمين كَثْرَة بِحَيْثُ تكون كل فرقة تقاوم الْعَدو وَحِينَئِذٍ فتذهب فرقة إِلَى وَجه الْعَدو ويتأخر بفرقة إِلَى حَيْثُ لَا تبلغهم سِهَام الْعَدو فيفتتح بهم الصَّلَاة وَيُصلي بهم رَكْعَة فَإِذا قَامَ إِلَى الثَّانِيَة خرج المقتدون عَن مُتَابَعَته بنية الْمُفَارقَة فَإِن لم ينووا الْمُفَارقَة بطلت صلَاتهم فَإِذا فارقوه أَتموا لأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَة الثَّانِيَة وتشهدوا وسلموا وذهبوا إِلَى وَجه الْعَدو وَجَاءَت الطَّائِفَة الَّتِي فِي وَجه الْعَدو فاقتدوا بِالْإِمَامِ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة ويطيل الإِمَام الْقيام إِلَى لحوقهم فَإِذا لحقوه صلى بهم الثَّانِيَة فَإِذا جلس الإِمَام للتَّشَهُّد قَامُوا وَأَتمُّوا الثَّانِيَة وَالْإِمَام ينتظرهم فِي التَّشَهُّد فَإِذا لحقوه سلم بهم وَهَذِه الصَّلَاة على هَذِه الْكَيْفِيَّة هِيَ الَّتِي فعلهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِذَات الرّقاع وَذَات الرّقاع مَوضِع بِنَجْد وَسميت الْوَقْعَة بذلك لَان الْوَقْعَة كَانَت عِنْد شَجَرَة تسمى بذلك وَقيل لأَنهم لفوا على بواطن أَقْدَامهم الْخرق لِأَنَّهَا كَانَت قد تمزقت وَهَذَا أصح لِأَنَّهُ ثَبت فِي الصَّحِيح وَقيل غير ذَلِك قَالَ (الثَّانِي أَن يكون الْعَدو فِي جِهَة الْقبْلَة فيصفهم الإِمَام صفّين وَيحرم بِهِ فَإِذا سجد سجد مَعَه أحد الصفين ووقف الصَّفّ يحرسهم فَإِذا رفع سجدوا ولحقوه) هَذَا هُوَ الضَّرْب الثَّانِي وَهُوَ أَن يكون الْعَدو فِي جِهَة الْقبْلَة فيرتب الإِمَام النَّاس صفّين وَيحرم بِالْجمعِ فيصلون مَعَه حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الِاعْتِدَال عَن رُكُوع الرَّكْعَة الأولى فَإِذا سجد سجد مَعَه أحج الصفين إِمَّا الأول أَو الثَّانِي هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح وَلَا يتَعَيَّن صف للحراسة فَإِذا قَامَ الإِمَام وَمن مَعَه إِلَى الثَّانِيَة سجد الصَّفّ الآخر ولحقوه وَقَرَأَ بِالْجَمِيعِ وَركع بِالْجَمِيعِ فَإِذا اعتدل

حرس الصَّفّ الَّذِي سجد فِي الأولى وَسجد الصَّفّ الآخر فَإِذا رفعوا رؤوسهم يسْجد الصَّفّ الحارس وَهَذِه صَلَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعسفان كَمَا رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَغَيره وَإِن كَانَ فِي رِوَايَة مُسلم أَن الصَّفّ الَّذِي يَلِيهِ هُوَ الَّذِي يسْجد أَولا وَقَامَ الصَّفّ الآخر فِي نحر الْعَدو وَقَالَ الْأَصْحَاب ولهذه الصَّلَاة ثَلَاثَة شُرُوط أَن يكون الْعَدو فِي جِهَة الْقبْلَة وَأَن يكون على جبل أَو مستو من الأَرْض لَا يسترهم شَيْء عَن أبصار الْمُسلمين وَأَن يكون فِي الْمُسلمين كَثْرَة تسْجد طَائِفَة وتحرس أُخْرَى وَاعْلَم أَنه لَو رتبهم صُفُوفا جَازَ وَكَذَا لَو حرس بعض صف وَالله أعلم قَالَ الْحَال (الثَّالِث أَن يَكُونُوا فِي شدَّة الْخَوْف والتحام الْحَرْب فَيصَلي كَيفَ أمكنه رَاجِلا أَو رَاكِبًا مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَغير مُسْتَقْبل لَهَا) الضَّرْب الثَّالِث صَلَاة شدَّة الْخَوْف فَإِذا اشْتَدَّ الْخَوْف وَلم يُمكن قسْمَة الْقَوْم لِكَثْرَة الْعَدو وَنَحْو ذَلِك والتحم الْقِتَال فَلم يقدروا على النُّزُول حَيْثُ كَانُوا ركباناً وَلَا على الانحراف إِن كَانُوا رجالة صلوا رجَالًا أَو ركباناً إِلَى الْقبْلَة وَإِلَى غَيرهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن خِفْتُمْ فرجالاً أَو ركباناً﴾ قَالَ ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ مستقبلي الْقبْلَة وَغير مستقبليها وَكَذَا رَوَاهُ مَالك عَن نَافِع مولى ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُم وَقَالَ مَا أرَاهُ إِلَّا ذكره عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْمَاوَرْدِيّ رَوَاهُ الشَّافِعِي بِسَنَدِهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْأَصْحَاب يصلونَ بِحَسب الْإِمْكَان وَلَيْسَ لَهُم تَأْخِير الصَّلَاة عَن الْوَقْت وَإِذا صلوها على هَذِه الْكَيْفِيَّة فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِم وَلِهَذَا تَتِمَّة مرت فِي فصل الِاسْتِقْبَال وَالله أعلم قَالَ

بَاب مَا يحرم على الرِّجَال من لِبَاس وَغَيره

(فصل وَيحرم على الرِّجَال لبس الْحَرِير والتختم بِالذَّهَب وَيحل للنِّسَاء ويسير الذَّهَب وَكَثِيره سَوَاء) يحرم على الرِّجَال لبس الْحَرِير وَكَذَا التغطية بِهِ والاستناد إِلَيْهِ وافتراشه والتدثر بِهِ وَكَذَا اتِّخَاذه بطانة وستراً وَسَائِر وُجُوه الِاسْتِعْمَال وَحجَّة ذَلِك نَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك وَفِي رِوَايَة (نَهَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن لبس الْحَرِير والديباج وَأَن نجلس عَلَيْهِ) وَعلة النَّهْي أَن فِيهِ خُيَلَاء وخنوثة

لَا تلِيق بشهامة الرِّجَال وَلِهَذَا لَا يلْبسهُ إِلَّا الأرذال الَّذين يتشبهون بِالنسَاء الملعونون على لِسَان الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيحل لبسه للنِّسَاء لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أحل الذَّهَب وَالْحَرِير لإناث أمتِي وَحرم على ذكورها) وَفِيه لَطِيفَة شَرْعِيَّة وَهُوَ أَن لبسه يمِيل الطَّبْع إِلَى وَطْء النِّسَاء فَيُؤَدِّي إِلَى مَا طلبه سيد الْأَوَّلين والآخرين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ كَثْرَة النَّسْل وَهل يحرم على النِّسَاء افتراش الْحَرِير فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا عِنْد الرَّافِعِيّ يحرم لما فِيهِ من السَّرف وَالْخُيَلَاء أَلا ترى أَنه يجوز لَهُنَّ لبس الذَّهَب دون الْأكل فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلِأَن الْمَعْنى الَّذِي ذكرنَا فِي اللّبْس بِتَمَامِهِ مَفْقُود فِي الافتراش وَالأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ الْجَوَاز وَقَوله يحرم على الرِّجَال يُؤْخَذ مِنْهُ أَن لَا يحرم على الصّبيان حَتَّى أَنه يجوز لوَلِيّ الصَّبِي أَن يلْبسهُ وَهُوَ كَذَلِك على الصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْكَبِير بِشَرْط أَن يكون دون سبع سِنِين وَالصَّحِيح فِي الْمُحَرر وَعند النَّوَوِيّ الْجَوَاز مُطلقًا وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام الشَّيْخ وَقَول الشَّيْخ ويسير الذَّهَب وَكَثِيره سَوَاء يَعْنِي فِي التَّحْرِيم وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تلبسوا الْحَرِير والديباج وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِنَّهَا لَهُم فِي الدُّنْيَا وَلكم فِي الْآخِرَة) لهَذَا تَتِمَّة مهمة مرت فِي أول الْكتاب وَالله أعلم قَالَ (وَإِذا كَانَ بعض الثَّوْب إبْريسَمًا وَبَعضه قطنا أَو كتانا جَازَ لبسه مَا لم يكن الابريسم غَالِبا) حرم مَا حرم اسْتِعْمَاله من الْحَرِير الصّرْف وَإِذا ركب مَعَ غَيره مِمَّا يُبَاح اسْتِعْمَاله كالكتان وَغَيره مَا حكمه ينظر إِن كَانَ الْأَغْلَب الْحَرِير حرم وَإِن كَانَ الْأَغْلَب غَيره حل تَغْلِيبًا لجَانب الْأَكْثَر إِذْ الْكَثْرَة من أَسبَاب التَّرْجِيح فَإِن اسْتَويَا فَوَجْهَانِ الْأَصَح الْحل لِأَنَّهُ لَا يُسمى ثوب حَرِير وَالْأَصْل فِي الْمَنَافِع الْإِبَاحَة وَقيل يحرم تَغْلِيبًا لجَانب التَّحْرِيم وَهُوَ الْقيَاس لِأَن الْقَاعِدَة التَّحْرِيم عِنْد اجْتِمَاع الْحَلَال وَالْحرَام وَالصَّحِيح أَن الِاعْتِبَار بِالْوَزْنِ فِي الْكَثْرَة والقلة وَقيل الِاعْتِبَار بالظهور وَهُوَ قوي لوُجُود الْمَعْنى من الْخُيَلَاء وميل النَّفس وَاعْلَم أَنه يحل الثَّوْب الْمُطَرز والمطرف الَّذِي جعل طرفه حَرِيرًا كالطوق والفرج ورؤوس الأكمام والذيل ظَاهرا كَانَ التطريف أَو بَاطِنا وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَحَادِيث مِنْهَا مَا ورد عَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن لبس الْحَرِير إِلَّا فِي مَوضِع أصْبع أَو أصبعين أَو ثَلَاث أَو أَربع وَهَذَا فِي التطريف والتطريز بالحرير

أما الذَّهَب فَإِنَّهُ حرَام لشدَّة السَّرف وَقد صرح بذلك الْبَغَوِيّ وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة يَنْبَغِي أَن يتَنَبَّه لَهَا فَإِن كثيرا من الأرذال من أَبنَاء الدُّنْيَا يدْفع إِلَيْهِ فِي وَقت الْوضُوء أَو الْحمام شَمله أَو منشفة مطرفة بِالذَّهَب فيستعملها وَرُبمَا جَاءَ إِلَى الْمَسْجِد ووضعها تَحت جَبهته فِي وَقت الصَّلَاة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ قَالَ بعض الْعلمَاء الْفِتْنَة الْكفْر عَافَانَا الله تَعَالَى من ذَلِك وَالله أعلم قَالَ

فصول الكتاب · 18 فصل · 586 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار · 586 صفحة
كتاب الطَّهَارَة
كتاب الصَّلَاة
كتاب الْجَنَائِزكتاب الزَّكَاةكتاب الصّيامكتاب الْحَج
كتاب الْبيُوع وَغَيرهَا من الْمُعَامَلَات
كتاب الْفَرَائِض والوصايا
كتاب النِّكَاح وَمَا يتَّصل بِهِ من الْأَحْكَام والقضايا
كتاب الطَّلَاق
كتاب الْجِنَايَاتكتاب الْحُدُودكتاب الْجِهَادكتاب الصَّيْد والذبائح والضحايا والأطعمةكتاب السَّبق وَالرَّمْيكتاب الْإِيمَان وَالنُّذُوركتاب الْأَقْضِيَةكتاب الْعتْق
جارٍ التحميل