كتاب الْبيُوع وَغَيرهَا من الْمُعَامَلَات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- تقي الدين الحصني
- الكتاب
- كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار
- المؤلف
- أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى الحسيني الحصني، تقي الدين الشافعي (المتوفى: 829هـ)
- المحقق
- علي عبد الحميد بلطجي ومحمد وهبي سليمان
- الناشر
- دار الخير - دمشق
- الطبعة
- الأولى، 1994
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب وَأجْمع الْمُسلمُونَ على الْجَوَاز فِي الْجُمْلَة وَهل تسْتَحب أَو تجب أَو كَيفَ الْحَال ينظر إِن كَانَ الْوَاجِد فَاسِقًا كره الِالْتِقَاط وَمن الْأَصْحَاب من مَنعه الِالْتِقَاط وَهُوَ قوي وَإِذا الْتقط نزعت من يَده كَمَا ينتزع مَال وَلَده وَإِن كَانَ الْوَاجِد حرا رشيدا وَهُوَ مِمَّن يَأْمَن على نَفسه عدم الْخِيَانَة فِيهَا نظر إِن وجدهَا فِي مَوضِع يَأْمَن عَلَيْهَا لأمانة أَهله وَلَيْسَ الْموضع مَمْلُوكا وَلَا دَار شرك فَالْأولى فِي حَقه أَن يَأْخُذهَا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ((وَالله فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه)) وَإِن كَانَت فِي مَوضِع لَا يَأْمَن عَلَيْهَا فَهَل يلْزمه أَخذهَا فِيهِ خلاف قيل يجب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فَيلْزم بَعضهم حفظ مَال بعض كَمَا أَو ولي مَال الْيَتِيم يلْزمه حفظ مَاله وَقيل لَا يلْزمه الِالْتِقَاط بل يسْتَحبّ وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن الِالْتِقَاط إِمَّا أَمَانَة أَو كسب وَلَا يجب شَيْء مِنْهُمَا فَإِذا قُلْنَا بِالْوُجُوب فَلم يَأْخُذهَا حَتَّى تلفت لم يضمنهَا لِأَن المَال لم يحصل فِي يَده كَمَا لَو رأى مَال شخص يغرق أَو يَحْتَرِق وَأمكنهُ خلاصه فَلم يفعل وَكَذَا لَو لم يطعم الْمُضْطَر حَتَّى مَاتَ لَا يلْزمه ضَمَانه وَإِن كَانَ عَاصِيا وَقَول الشَّيْخ فِي موَات أَو طَرِيق احْتَرز بذلك عَمَّا إِذا وجدهَا فِي ملك شخص فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ أَخذهَا صرح بِهِ الْمَاوَرْدِيّ لِأَن الظَّاهِر أَنَّهَا لصَاحب الْملك وَقَوله وَكَانَ على ثِقَة يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه إِذا كَانَ لَا يَثِق بِنَفسِهِ أَن الأولى أَن لَا يَأْخُذ وَهُوَ كَذَلِك بل فِي جَوَاز أَخذه لَهَا وَجْهَان حَكَاهُمَا الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد وَالله أعلم (فرع) لَيْسَ للْعَبد الِالْتِقَاط على الرَّاجِح لِأَن الِالْتِقَاط أَمَانَة أَو ولَايَة فِي الِابْتِدَاء وتملك بالانتهاء وَالْعَبْد لَيْسَ أَهلا لذَلِك فَلَا يعْتد بتعريفه فَإِن تلفت ضمنهَا فِي رقبته إِن لم يعلم السَّيِّد سَوَاء كَانَ بتفريط أَو غَيره لِأَنَّهُ مَال لزمَه بِغَيْر رضى مُسْتَحقّه فَأشبه أرش جِنَايَته فَإِن علم بهَا السَّيِّد فَأَخذهَا مِنْهُ فَهِيَ لقطَة فِي يَد السَّيِّد وَيسْقط الضَّمَان عَن العَبْد وَإِن لم يَأْخُذهَا مِنْهُ وأقرها فِي يَد العَبْد صَحَّ واستحفظه ليعرفها فَإِن كَانَ العَبْد خائناً فالسيد مُتَعَدٍّ وَإِن كَانَ العَبْد أَمينا فَلَا وَهل يسْقط الضَّمَان الْأَصَح فِي النِّهَايَة أَنه لَا يسْقط وَقِيَاس كَلَام الْجُمْهُور السُّقُوط وَإِن أهمله السَّيِّد
فَفِيهِ خلاف الرَّاجِح تعلق الضَّمَان بِالْعَبدِ وَسَائِر أَمْوَال السَّيِّد حَتَّى لَو أفلس السَّيِّد قدم صَاحب اللّقطَة على سَائِر الْغُرَمَاء وَالله أعلم قَالَ (وَإِذا أَخذهَا وَجب عَلَيْهِ أَن يعرف سِتَّة أَشْيَاء وعاءها وعفاصها ووكاءها وجنسها وعددها ووزنها ويحفظها فِي حرز مثلهَا) من جَازَ لَهُ الِالْتِقَاط فالتقط فَعَلَيهِ أَن يعرف مَا ذكره الشَّيْخ قَالَ الْمُتَوَلِي وَهُوَ على الْفَوْر أما معرفَة العفاص والوكاء فللحديث السَّابِق وَأما الْعدَد فَلَمَّا ورد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ ((وجدت صرة فِيهَا مائَة دِينَار فَأتيت بهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عرفهَا حولا فعرفتها حولا ثمَّ أَتَيْته فَقَالَ عرفهَا حولا فعرفتها حولا ثمَّ أَتَيْته فَقَالَ عرفهَا حولا فعرفتها حولا ثمَّ أَتَيْته الرَّابِعَة فَقَالَ اعرف عدتهَا ووكاءها ووعاءها فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فاستمتع بهَا)) وَبَاقِي الصِّفَات بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهَا صِفَات تتَمَيَّز بهَا فَأَشْبَهت الْمَنْصُوص عَلَيْهِ والوعاء الْإِنَاء والعفاص السدادة وَيُطلق على الْوِعَاء مجَازًا وَالْجُمْهُور على أَن العفاص الْوِعَاء وَلَكِن جمع الشَّيْخ بَينهمَا والوكاء هُوَ الْخَيط الَّذِي يشد بِهِ وَبَاقِي الصِّفَات مَعْرُوفَة وَيجب عَلَيْهِ أَن يحفظها فِي حرز مثلهَا فَإِنَّهَا أَمَانَة فَأَشْبَهت سَائِر الْأَمَانَات وَلَا يجب الْإِشْهَاد عَلَيْهَا على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لم يتَعَرَّض لَهُ وَقيل يجب وَفِيه حَدِيث وَهُوَ مَحْمُول على النّدب عِنْد الْقَائِلين بِالْمذهبِ وَالله أعلم قَالَ (ثمَّ إِذا أَرَادَ تَملكهَا عرفهَا سنة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد وَفِي الْموضع الَّذِي وجدهَا فِيهِ فَإِن لم يجد صَاحبهَا كَانَ لَهُ أَن يتملكها بِشَرْط الضَّمَان) أَخذ اللّقطَة إِن قصد حفظهَا على مَالِكهَا لم يلْزمه التَّعْرِيف لِأَنَّهُ إِنَّمَا يجب لأجل التَّمَلُّك وَلَا يملك عِنْد إِرَادَة الْحِفْظ والْحَدِيث إِنَّمَا ألزمهُ التَّعْرِيف لِأَنَّهُ جعلهَا لَهُ بعده وَهَذَا مَا ذكره الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا وَقيل يلْزمه التَّعْرِيف وَصَححهُ الإِمَام وَغَيره قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ الْأَقْوَى وَالْمُخْتَار قَالَه فِي الرَّوْضَة وَمُقْتَضَاهُ أَنه الصَّحِيح لِأَن الْمُخْتَار فِي الرَّوْضَة بِمَنْزِلَة الرَّاجِح كَمَا تقدم وَإِن أَرَادَ أَن يتملكها عرفهَا سنة للْحَدِيث الْمُتَقَدّم وَالْمعْنَى فِيهِ أَن السّنة لَا تتأخر عَن القوافل إِذْ الظفر بصاحبها قريب التوقع ثمَّ إِذا وَجب التَّعْرِيف فَهَل يجب على الْفَوْر أم يَكْفِي تَعْرِيف سنة مَتى أَرَادَ وَجْهَان أصَحهمَا لَا يجب على الْفَوْر وَيكون التَّعْرِيف على
أَبْوَاب الْمَسَاجِد عِنْد خُرُوج النَّاس مِنْهَا وَفِي الاسواق لِأَنَّهَا مظان الِاجْتِمَاع وَكَذَا فِي الْموضع الَّذِي وجدهَا فِيهِ لِأَن صَاحبهَا يتعهد وَلِأَن هَذِه الْمَوَاضِع أقرب إِلَى وجود مَالِكهَا فِيهَا وَقَوله على أَبْوَاب الْمَسَاجِد يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لَا يعرف فِي الْمَسَاجِد لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ((أَنْت الفاقد وَغَيْرك الْوَاجِد)) فِيهِ النَّهْي عَنهُ صَحَّ وَهُوَ كَذَلِك قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَا تعرف فِي الْمَسَاجِد كَمَا لَا تستطلب الضَّالة فِيهِ إِلَّا أَن الشَّاشِي قَالَ إِن أصح الْوَجْهَيْنِ جَوَاز التَّعْرِيف فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِخِلَاف سَائِر الْمَسَاجِد وَذكر مثله النَّوَوِيّ وَابْن الرّفْعَة وَمُقْتَضَاهُ التَّحْرِيم فِي بَقِيَّة الْمَسَاجِد إِلَّا أَن النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب نقل الْكَرَاهَة فاعرفه وَكَيْفِيَّة التَّعْرِيف أَن يَقُول من ضَاعَ مِنْهُ شَيْء وَلَا يجب عَلَيْهِ ذكر الْأَوْصَاف وَيسْتَحب ذكر بَعْضهَا وَقيل يجب ذكر بعض الْأَوْصَاف قَالَ الإِمَام وَلَا يستوعب الْأَوْصَاف لِئَلَّا يتعمدها الْكَاذِب فَإِن استوعبها فَهَل يضمن وَجْهَان صحّح النَّوَوِيّ الضَّمَان وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمِنْهَاج وَيذكر بعض أوصافها وَقَول الشَّيْخ عرفهَا سنة يَقْتَضِي إِطْلَاقه أَنه لَا يجب التَّرْتِيب فِي السّنة حَتَّى لَو عرف شَهْرَيْن أَو أقل أَو أَكثر فِي كل سنة كفى وَهُوَ كَذَلِك على الْأَصَح عِنْد النَّوَوِيّ وَقيل يجب التَّرْتِيب لِأَن الْمَقْصُود أَن يبلغ الْخَبَر الْمَالِك والتفريق لَا يحصل هَذَا الْمَقْصُود وَهَذَا هُوَ الْأَحْسَن فِي الْمُحَرر وَصَححهُ الإِمَام وَمَا صَححهُ النَّوَوِيّ صَححهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَاعْلَم أَنه لَا يجب اسْتِيعَاب السّنة بالتعريف بل يعرف أَولا فِي كل يَوْم ثَلَاث مَرَّات ثمَّ فِي كل يَوْم مرّة ثمَّ فِي كل أُسْبُوع مرّة ثمَّ فِي كل شهر مرّة بِحَيْثُ لَا ينسى أَنه تكْرَار لما مضى وَلَو قطع الْمُوَالَاة الْوَاجِبَة وَجب اسْتِئْنَاف السّنة وَفِي صَيْرُورَته ضَامِنا خلاف وَالله أعلم (فرع) إِذا وجد مَالا يتمول كزبيبة وَنَحْوهَا فَلَا يعرف ولواجده الاستبداد بِهِ وَإِن تمول وَهُوَ قَلِيل فَالْأَصَحّ أَنه لَا يعرف سنة بل يعرف زَمنا يظنّ أَن فاقده يعرض عَنهُ غَالِبا وَضَابِط الْقَلِيل مَا يغلب على الظَّن أَن فاقده لَا يكثر أسفه عَلَيْهِ وَلَا يطول طلبه غَالِبا وَالله أعلم فَإِذا عرف التَّعْرِيف الْمُعْتَبر وَكَانَ قد قصد التَّمْلِيك وَلم يجد الْمَالِك وَاخْتَارَ التَّمْلِيك ملك لِأَنَّهُ تمْلِيك مَال يُبدل فتوقف على الِاخْتِيَار كَالْبيع وَسَوَاء فِي ذَلِك الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَقيل يملك بالتعريف وَإِن لم يرض لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فادفعها إِلَيْهِ وَإِن لم يَأْتِ فَهِيَ لَك وَالصَّحِيح الأول فَعَلَيهِ أَن يَقُول تملكتها أَو نَحْو ذَلِك كَالْبيع وَإِذا ملكهَا صَارَت قرضا عَلَيْهِ فَإِن هَلَكت قبل التَّمْلِيك لم يضمنهَا لِأَنَّهَا مَحْفُوظَة لصَاحِبهَا وَلم يفرط فِيهَا كَالْمُودعِ وَإِذا ملكهَا وَجَاء صَاحبهَا إِن كَانَت مثلية ضمنهَا بِالْمثلِ وَإِلَّا فبالقية وَقت التَّمْلِيك جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَغَيره وَفِي وَجه وَقت طلب صَاحبهَا فَإِن
اخْتلفَا فِي قدرهَا صدق الْمُلْتَقط لِأَنَّهُ غَارِم وَلَو لم تتْلف وَلَكِن تعيبت استردها مَعَ الْأَرْش على الْأَصَح وَقيل يقنع بهَا بِلَا أرش وَقيل غير ذَلِك وَالله أعلم (فرع) أَخذ الْمُلْتَقط اللّقطَة بِقصد الْخِيَانَة فِيهَا صَار ضَامِنا فَلَو عرف بعد ذَلِك وَأَرَادَ التَّمَلُّك بعده لم يكن لَهُ ذَلِك على الْمَذْهَب وَلَو قصد الْأَمَانَة أَولا ثمَّ قصد الْخِيَانَة بِلَا تعرف فَالْأَصَحّ أَنه لَا يصير ضَامِنا بِمُجَرَّد قصد الْخِيَانَة كَالْمُودعِ وَالله أعلم (فرع) إِذا جَاءَ صَاحبهَا بعد التَّمَلُّك أَخذهَا مَعَ زيادتها الْمُتَّصِلَة دون الْمُنْفَصِلَة وَالله أعلم قَالَ (وَجُمْلَة اللّقطَة أَرْبَعَة أضْرب أَحدهَا مَا يبْقى على الدَّوَام كالذهب وَالْفِضَّة وَهَذَا حكمه وَالثَّانِي مَالا يبْقى كالطعام الرطب فَهُوَ مُخَيّر بَين أكله وغرمه أَو بَيْعه أَو حفظ ثمنه وَالثَّالِث مالايبقى إِلَّا بعلاج كالرطب فيفعل مَا فِيهِ الْمصلحَة من بَيْعه وَحفظ ثمنه أَو تجفيفه وَحفظه) اللّقطَة تَارَة تكون حَيَوَانا وَتارَة تكون غَيره فَإِن كَانَت حَيَوَانا فَسَيَأْتِي وَإِن كَانَت غير حَيَوَان فَتَارَة تكون مِمَّا يُؤْكَل وَتارَة تكون مِمَّا لَا يُؤْكَل فَإِن كَانَت لَا تُؤْكَل وَلها بَقَاء فِي نَفسهَا كالنقود وَنَحْوهمَا فَهُوَ الَّذِي تقدم من اشْتِرَاط التَّعْرِيف وَغَيره مُتَعَلق بِهَذِهِ اللّقطَة وَإِن كَانَت مِمَّا يُؤْكَل فَتَارَة تكون مِمَّا يفْسد فِي الْحَال كالأطعمة والشواء والبطيخ وَالرّطب الَّذِي لَا يتتمر والبقول فالواجد فِيهَا بِالْخِيَارِ بَين أَن يأكلها وَيغرم قيمتهَا وَبَين أَن يَبِيع وَيَأْخُذ الثّمن وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فَإِن أكل عزل قيمتهَا من التَّعْرِيف وَعرف اللّقطَة سنة ثمَّ يتَصَرَّف فِيهَا لِأَن الْقيمَة قَائِمَة مقَام اللّقطَة وَلَو لم يقدر على البيع فَلَا خلاف فِي جَوَاز الْأكل وَهل يجب إِفْرَاز الْقيمَة فِيهِ خلاف الْأَظْهر فِي الرَّافِعِيّ لَا يجب لِأَن مَا فِي الذِّمَّة لَا يخْشَى هَلَاكه فَإِذا أفرز صَار أَمَانَة فِي يَده وَالله أعلم وَإِن كَانَت اللّقطَة مِمَّا لَا يفْسد وَيقبل العلاج كالرطب الَّذِي يتتمر وَالْعِنَب الَّذِي يتزبب وَاللَّبن الَّذِي يصنع مِنْهُ الْجُبْن وَنَحْوهَا روعي فِي ذَلِك الْحَظ والمصلحة للْمَالِك فَإِن كَانَ الْحَظ فِي البيع بَاعه وَإِن كَانَ فِي التجفيف جففه ثمَّ إِن تبرع الْوَاجِد بتجفيفه فَذَاك وَإِلَّا بَاعَ بعضه وأنفقه عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْمصلحَة فِي حق الْمَالِك وَهَذَا بِخِلَاف الْحَيَوَان حَيْثُ يُبَاع جَمِيعه لِأَن النَّفَقَة فِي الْحَيَوَان تَتَكَرَّر فتؤدي إِلَى أَن تَأْكُل اللّقطَة نَفسهَا وَالله أعلم قَالَ (وَالرَّابِع مَا يحْتَاج إِلَى النَّفَقَة كالحيوان وَهُوَ ضَرْبَان حَيَوَان لَا يمْتَنع بِنَفسِهِ فَهُوَ مُخَيّر فِيهِ بَين أكله وَغرم ثمنه أَو تَركه والتطوع بالانفاق عَلَيْهِ أَو بَيْعه وَحفظ ثمنه وحيوان يمْتَنع بِنَفسِهِ فَإِن وجده فِي الصَّحرَاء تَركه وَإِن وجده فِي الْحَضَر فَهُوَ مُخَيّر بَين الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة فِيهِ) غير الْآدَمِيّ من الْحَيَوَان ضَرْبَان الأول مَا لَا قُوَّة لَهُ تَمنعهُ من صغَار السبَاع كالغنم والعجول والفصلان من الْإِبِل وَفِي مَعْنَاهَا الكسير من كبار الْإِبِل وَالْبَقر إِذا وجده من يجوز الْتِقَاطه جَازَ لَهُ أَخذه إِن شَاءَ للْحِفْظ وَإِن شَاءَ للتَّمَلُّك لِأَنَّهَا لَو لم تلْتَقط لضاعت بَيْننَا وَبَين السبَاع وَرُبمَا أَخذهَا خائن وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ضَالَّة الْغنم ((هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب)) فَإِذا الْتقط فَإِن كَانَ الِالْتِقَاط من مضيعة فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَين الْخِصَال الثَّلَاث الَّتِي ذكرهَا الشَّيْخ وَالْأولَى أَن يمْسِكهَا ويعرفها ثمَّ يَليهَا البيع أَو الْحِفْظ وخصلة الْأكل مُتَأَخِّرَة فِي الْفَضِيلَة وَلقَائِل أَن يَقُول تقدم فِيمَا يُمكن تجفيفه أَنه يجب مُرَاعَاة مصلحَة الْمَالِك فَهَلا كَانَ هُنَا كَذَلِك وَإِن كَانَ الِالْتِقَاط فِي الْعمرَان تخير بَين خَصْلَتَيْنِ فَقَط على الصَّحِيح الْإِمْسَاك وَالْبيع وَلَا يَأْكُل لِإِمْكَان البيع وَكَلَام الشَّيْخ مَحْمُول على الِالْتِقَاط من المضيعة وَإِن أطلق كَلَامه وَالله أعلم الضَّرْب الثَّانِي مَاله قُوَّة تَمنعهُ من صغَار السبَاع إِمَّا بقوته كَالْإِبِلِ أَو بعدوه كالخيل وَكَذَا البغال وَالْحمير قَالَه الرَّافِعِيّ أَو بطيرانه كالحمام وَنَحْو ذَلِك ينظر إِن كَانَ وجدهَا فِي مضيعة كالبرية لم يجز للواجد أَن يلتقطها للتَّمَلُّك وَتجوز للْحِفْظ لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي ضَالَّة الْإِبِل ((مَالك وَلها مَعهَا سقاؤها)) الحَدِيث وَقس على الْإِبِل مَا فِي مَعْنَاهَا فَإِن التقطها للتَّمَلُّك ضمنهَا لَو تلفت للتعدي نعم يبرأ بِالدفع إِلَى القَاضِي قلت يشْتَرط عَدَالَة القَاضِي وَإِلَّا فَلَا يسْقط عَنهُ الضَّمَان ولصاحبها مُطَالبَة كل مِنْهُمَا أما الْمُلْتَقط فلتعديه بِالْأَخْذِ وَأما القَاضِي فلتعديه على الشَّرِيعَة المطهرة وَالله أعلم وَإِن وجدهَا فِي الْعمرَان أَو قَرِيبا مِنْهَا جَازَ أَخذهَا للْحِفْظ وَهل يجوز أَخذهَا للتَّمَلُّك فِيهِ خلاف قيل لَا يجوز لإِطْلَاق الْخَبَر وَالرَّاجِح الْجَوَاز وَالْفرق بَين الْبَريَّة والعمران أَنَّهَا فِي الْعمرَان تتطرق إِلَيْهَا أَيدي النَّاس فَلَا تتْرك فَرُبمَا
ضَاعَت على مَالِكهَا بِأخذ خائن بِخِلَاف الْبَريَّة فَإِن طروق النَّاس بهَا لَا يعم وَلها اسْتغْنَاء بِأَن تسرح وَترد المَاء وَهَذَا الْمَعْنى مَفْقُود فِي الْعمرَان وَمحل الْخلاف إِذا كَانَ الزَّمَان زمَان أَمن إِمَّا إِذا كَانَ زمن نهب وَفَسَاد فَيجوز قطعا فِي الصَّحرَاء وَغَيرهَا قَالَه الْمُتَوَلِي وَغَيره وَألْحق الْمَاوَرْدِيّ بذلك مَا إِذا عرف مَالِكهَا وَأَخذهَا ليردها عَلَيْهِ قَالَ وَتَكون أَمَانَة فِي يَده وَالله أعلم (فرع) الْتقط رجلَانِ لقطَة يعرفانها ويتملكانها وَلَيْسَ لأَحَدهمَا نقل حَقه إِلَى صَاحبه كَمَا لَا يجوز للملتقط نقل حَقه إِلَى غَيره وَالله أعلم (فرع) قَالَ فِي التتمه يجوز الْتِقَاط السنابل وَقت الْحَصاد إِن أذن فِيهِ الْمَالِك أَو كَانَ قدرا لَا يشق على الْمَالِك الْتِقَاطه وَكَانَ لَا يلتقطه بِنَفسِهِ فَإِن كَانَ قدرا يشق على الْمَالِك أَو كَانَ يلتقطه بِنَفسِهِ حرم وَوَقع فِي عبارَة الرَّوْضَة فِي هَذَا الْفَرْع بعض خلل وَالله أعلم قَالَ
بَاب اللَّقِيط
فصل فِي اللَّقِيط وَإِن وجد لَقِيط بقارعة الطَّرِيق فَأَخذه وتربيته وكفالته وَاجِبَة على الْكِفَايَة وَلَا يقر إِلَّا فِي يَد أَمِين اللَّقِيط كل صبي ضائع لَا كافل لَهُ وَلَا فرق بَين الْمُمَيز وَغَيره وَفِي الْمُمَيز احْتِمَال للأمام وَالْمُعْتَمد الأول لاحتياجه إِلَى التعهد وَيُقَال لَهُ دعِي ومنبوذ فقولنا كل صبي خرج بِهِ الْبَالِغ لِأَنَّهُ مستغن عَن الْحَضَانَة والتعهد فَلَا معنى لأَخذه وَقَوْلنَا ضائع المُرَاد بِهِ المنبوذ وَأما غَيره فَإِن لم يكن لَهُ أَب وَلَا جد وَلَا وَصِيّ فحفظه من وَظِيفَة القَاضِي لِأَن لَهُ فِي كتاب الله الْحَكِيم وَسنة رَسُوله الْكَرِيم مَا يقوم بِهِ وَبِغَيْرِهِ من الضُّعَفَاء قَاتل الله قُضَاة السوء كم فِي ذمتهم من نفس قد هَلَكت يَأْخُذُونَ أَمْوَالهم ويدفعونها إِلَى الظلمَة وَمَعَ ذَلِك يدعونَ محبَّة الله وَرَسُوله وَقَوْلنَا لَا كافل لَهُ المُرَاد بالكافل الْأَب وَالْجد وَمن يقوم مقامهما إِذا عرفت هَذَا فَأخذ اللَّقِيط فرض كِفَايَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾ وَغير ذَلِك وَلِأَنَّهُ آدَمِيّ لَهُ حُرْمَة فَوَجَبَ حفظه بالتربية وَإِصْلَاح حَاله كالمضطر وَهَذَا أولى لِأَن الْبَالِغ رُبمَا احتال لنَفسِهِ فَإِذا الْتقط من هُوَ أهل للحضانة سقط الْإِثْم وَإِلَّا أَثم وَعصى كل من علم بِهِ من أهل تِلْكَ النَّاحِيَة بإضاعة نفس مُحْتَرمَة وَقَول الشَّيْخ وَلَا يقر إِلَّا فِي يَد أَمِين إِشَارَة إِلَى شُرُوط الْمُلْتَقط أَحدهَا التَّكْلِيف فَلَا يَصح الْتِقَاط الصَّبِي وَالْمَجْنُون
الثَّانِي الْحُرِّيَّة فَلَا يلتقط العَبْد لِأَن الِالْتِقَاط ولَايَة فَإِن الْتقط انتزع مِنْهُ إِلَّا أَن يَأْذَن السَّيِّد لَهُ أَو يقره الْحَاكِم فِي يَده الثَّالِث الْإِسْلَام فَلَا يلتقط الْكَافِر الصَّبِي الْمُسلم لِأَن الِالْتِقَاط ولَايَة نعم يلتقط الطِّفْل الْكَافِر وللمسلم الْتِقَاط الطِّفْل الْمَحْكُوم بِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ من أهل الْولَايَة عَلَيْهِ الرَّابِع الْعَدَالَة فَلَيْسَ لِلْفَاسِقِ الِالْتِقَاط فَلَو الْتقط انتزع من يَده لِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يسترقه الْخَامِس الرشد فالمبذر الْمَحْجُور عَلَيْهِ لَا يقر فِي يَده وَلَا يشْتَرط فِي الِالْتِقَاط الذُّكُورَة بِلَا خلاف وَلَا الْغَنِيّ على الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا يلْزمه نَفَقَته نعم يجب عَلَيْهِ رعايته بِمَا يحفظه وَالله أعلم قَالَ (فَإِن وجد مَعَه مَال أنْفق عَلَيْهِ الْحَاكِم مِنْهُ وَإِن لم يُوجد مَعَه مَال فنفقته من بَيت المَال) اعْلَم أَن اللَّقِيط قد يكون لَهُ مَال يسْتَحق بِكَوْنِهِ لقيطاً أَو بِغَيْرِهِ فَالْأول كالوقف على اللقطاء وَالْوَصِيَّة لَهُم أَو لهَذَا بِخُصُوصِهِ وَالثَّانِي مَا يُوجد تَحت يَده واختصاصه فَإِن للصَّغِير يدا واختصاصا كَالْبَالِغِ إِذْ الأَصْل الْحُرِّيَّة مالم يعرف غَيرهَا وَذَلِكَ كالثياب الَّتِي هِيَ لَابسهَا ومفروشة تَحْتَهُ وملفوفة عَلَيْهِ وَكَذَا مَا غطي بِهِ كاللحاف وَغَيره وَكَذَا مَا شدّ عَلَيْهِ أَو جعل فِي جيبه من دَرَاهِم وحلي وَغَيرهمَا وَكَذَا دَابَّة عناتها بِيَدِهِ وَلَو كَانَ فِي خيمته فَهِيَ لَهُ أَو فِي دَار لَيْسَ فِيهَا غَيره أَو فِي بُسْتَان وَجْهَان حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيّ قَالَ النَّوَوِيّ وطردهما صَاحب المستظهر فِي الضَّيْعَة وَهُوَ بعيد وَيَنْبَغِي الْقطع بِأَنَّهُ لَا يحكم لَهُ بهَا وَالله أعلم فَإِذا عرف لَهُ مَال أنْفق عَلَيْهِ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي حضَانَة أَبِيه الْمُوسر وَله مَال كَانَت نَفَقَته فِي مَاله فَهَذَا أولى وَلَا ينْفق عَلَيْهِ إِلَّا الْحَاكِم لِأَن الَّذِي يَلِي التَّصَرُّف فِي مَاله بِغَيْر أبوة وجدوده وَلَا وصاية هُوَ الْحَاكِم فَإِنَّهُ ولي من لَا ولي لَهُ نعم للملتقط الِاسْتِقْلَال بِحِفْظ مَال الطِّفْل على الصَّحِيح وَقيل لَا يَلِي كالإنفاق وَالْقَوْل الأول تعضده اللّقطَة وَلَو لم يكن حَاكم فليشهد فَإِذا أنْفق بِلَا إِشْهَاد ضمن لتَركه الِاحْتِيَاط وَقيل لَا يضمن فَإِن أشهد لم يضمن على الْأَصَح قَالَ مجلي وَيشْهد فِي كل مرّة فَإِن لم يكن لَهُ مَال وَجَبت نَفَقَته فِي بَيت المَال من سهم الْمصَالح لِأَن عمر رَضِي الله عَنهُ اسْتَشَارَ الصَّحَابَة فِي نَفَقَة اللَّقِيط فَأَجْمعُوا على أَنَّهَا فِي بَيت المَال وَلِأَن الْبَالِغ الْمُعسر
ينْفق عَلَيْهِ مِنْهُ وَهَذَا أولى وَقيل يستقرض لَهُ القَاضِي من بَيت المَال فَإِن لم يكن فِي بَيت المَال شَيْء أَو كَانَ وَلَكِن كَانَ هُنَاكَ مَا هُوَ أهم من نَفَقَة اللَّقِيط كسد ثغر اسْتقْرض لَهُ القَاضِي فَإِن لم يجد من يقْرضهُ جمع القَاضِي النَّاس وعد نَفسه مِنْهُم وقسط نَفَقَته على أهل الثروة ثمَّ إِن بَان رَقِيقا رَجَعَ على سَيّده أَو حرا وَله مَال أَو قريب رَجَعَ عَلَيْهِ وَإِن بِأَن حرا لَا مَال لَهُ وَلَا قريب وَلَا كسب قضى الإِمَام حَقهم من سهم الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والغارمين كَمَا يرى وَالله أعلم (فرع) التقطه اثْنَان غَنِي وفقير قدم الْغَنِيّ على الرَّاجِح فَلَو اشْتَركَا فِي الْغنى وَفضل أَحدهمَا الآخر فَوَجْهَانِ صحّح النَّوَوِيّ فِي زِيَادَته عدم التَّقَدُّم وَالله أعلم (فرع) ادّعى شخص رقّه سَوَاء الْمُلْتَقط وَغَيره قَالَ الْمَاوَرْدِيّ لَا يقبل قَوْله لِأَن الظَّاهِر حُرِّيَّته وَفِيه اضرار بِهِ وَفِي الرَّوْضَة تبعا للرافعي أَنه إِذا ادّعى رقّه من هُوَ فِي يَده فَإِن عرفنَا اسناد يَده إِلَى الِالْتِقَاط لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ وَإِلَّا حكم لَهُ بِالرّقِّ فِي الْأَصَح ثمَّ إِذا بلغ وَأنكر الرّقّ لم يقبل مِنْهُ فِي أصح الْوَجْهَيْنِ وَالله أعلم قَالَ
بَاب الْوَدِيعَة
فصل فِي الْوَدِيعَة والوديعة أَمَانَة يسْتَحبّ قبُولهَا لمن قَامَ بالأمانة فِيهَا الْوَدِيعَة اسْم لعين يَضَعهَا مَالِكهَا أَو نَائِبه عِنْد آخر ليحفظها وَالْأَصْل فِيهَا الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وَغَيرهَا وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ((أد الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنك وَلَا تخن من خانك)) وَورد من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ ((آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا اؤتمن خَان)) وَفِي رِوَايَة ((وَإِن صَامَ وَصلى وَزعم أَنه مُسلم)) وَلَا خَفَاء أَن الْحَاجة بل الضَّرُورَة دَاعِيَة إِلَى الإبداع ثمَّ من عرض عَلَيْهِ شَيْء ليستودعه نظر أَن كَانَ أَمينا قَادِرًا على حفظهَا ووثق من نَفسه بذلك اسْتحبَّ لَهُ أَن يستودع لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ((وَالله فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه)) وَلَو لم يكن هُنَاكَ
غَيره فقد أطلق مطلقون أَنه يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْقبُول وَهُوَ مَحْمُول كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ نقلا عَن السَّرخسِيّ أَنه يجب أصل الْقبُول بِشَرْط أَن لَا يتْلف مَنْفَعَة نَفسه وحرزه بِلَا عوض فِي الْحِفْظ وَإِن كَانَ يعجز عَن حفظهَا حرم عَلَيْهِ قبُولهَا كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَقيد ذَلِك ابْن الرّفْعَة بِمَا إِذا لم يعلم بذلك الْمَالِك فَإِن علم الْمَالِك بِحَالهِ فَلَا يحرم وَهُوَ ظَاهر وَإِن كَانَ قَادِرًا على حفظهَا لكنه لَا يَثِق بأمانة نَفسه فَهَل يحرم قبُولهَا وَجْهَان لَيْسَ فِي الشَّرْح وَالرَّوْضَة تَرْجِيح وَلَا شكّ فِي الْكَرَاهَة وَالله أعلم قَالَ (وَلَا يضمن إِلَّا بِالتَّعَدِّي) لَا شكّ أَن الْوَدِيعَة أَمَانَة فِي يَد الْمُودع بِفَتْح الدَّال كَمَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ كَسَائِر الْأَمَانَات نعم إِن تعدِي فِيهَا أَو قصر ضمن وَأَسْبَاب التَّقْصِير تِسْعَة واستيعابها لَا يَلِيق بِالْكتاب فلنذكر مَا يَتَيَسَّر ذكره السَّبَب الأول أَن يودعها الْمُودع بِفَتْح الدَّال عِنْد غَيره بِلَا عذر من غير إِذن الْمَالِك فَيضمن سَوَاء أودع عِنْده عَبده أَو زَوجته أَو ابْنه أَو أَجْنَبِي وَلَو أودعها عِنْد القَاضِي فَهَل يضمن وَجْهَان أصَحهمَا يضمن لِأَنَّهُ لم يُؤذن لَهُ قلت هَذَا فِي القَاضِي الْعَادِل أما قُضَاة الرشا والظلمة فيضمنها بِلَا نزاع وَالله أعلم وَهَذَا إِذا لم يكن عذر فَإِن كَانَ عذر بِأَن أَرَادَ سفرا فَيَنْبَغِي أَن يردهَا إِلَى مَالِكهَا أَو وَكيله فَإِن تعذر دَفعهَا إِلَى قَاض عدل وَوَجَب عَلَيْهِ قبُولهَا فَإِن لم يجد قَاضِيا دَفعهَا إِلَى أَمِين وَلَا يُكَلف تَأْخِير السّفر فَإِن ترك الدّفع إِلَى الْمَالِك أَو وَكيله مَعَ الْقُدْرَة وَدفعهَا إِلَى الْحَاكِم الْعدْل أَو إِلَى أَمِين مَعَ إِمْكَان الدّفع إِلَى الْمَالِك أَو وَكيله ضمن وَلَو دفع إِلَى أَمِين مَعَ الْقُدْرَة على الْحَاكِم الْعدْل ضمن على الْمَذْهَب وَلَو دفن الْوَدِيعَة فِي غير حرز عِنْد إِرَادَة السّفر ضمن أَو فِي حرز وَلم يعلم بهَا أَمينا أَو أعلمهُ حَيْثُ لَا يجوز الايداع عِنْد الْأمين ضمن وَإِن كَانَ يجوز وَلَكِن الْأمين لَا يسكن الْموضع ضمن فَإِن كَانَ يسكنهُ لم يضمن على الْأَصَح كَذَا قَالَ الْجُمْهُور وَاعْلَم أَنه كَمَا يجوز الايداع بِعُذْر السّفر وَكَذَا سَائِر الاعذار كَمَا إِذا وَقع فِي الْبقْعَة حريق أَو غرق أَو نهب أَو غَارة وَفِي معنى ذَلِك إشراف الْحِرْز على الخراب وَلم يجد حرْزا ينقلها إِلَيْهِ وَالله أعلم السَّبَب الثَّانِي السّفر بهَا فَإِن سَافر بهَا ضمن وَإِن كَانَ الطَّرِيق آمنا على الصَّحِيح وَهَذَا حَيْثُ لَا عذر فَإِن حصل عذر بِأَن رَحل أهل الْبَلَد أَو وَقع حريق أَو غَارة فَلَا ضَمَان بِشَرْط أَن يعجز عَن ردهَا إِلَى الْمَالِك أَو وَكيله أَو أَمِين وَحِينَئِذٍ يلْزمه السّفر فِي هَذِه الْحَالة وَإِلَّا فَهُوَ مضيع وَيلْزمهُ الضَّمَان وَلَو كَانَ فِي وَقت سَلامَة وَعجز عَن الرَّد إِلَى الْمَالِك أَو وَكيله أَو الْحَاكِم الْأمين فسافر بهَا وَالْحَالة هَذِه فَلَا ضَمَان على الْأَصَح لِئَلَّا يَنْقَطِع عَن مَصَالِحه وينفر النَّاس عَن قبُول الودائع وَشرط
الْجَوَاز أَمن الطَّرِيق وَإِلَّا فَيضمن وَاعْلَم أَن هَذَا فِي حق الْمُقِيم أما إِذا أودع مُسَافِرًا فسافر بالوديعة أَو منتجعاً فانتجع بالوديعة فَلَا ضَمَان لِأَن الْمَالِك رَضِي بِالسَّفرِ حِين أودعهُ وَالله أعلم السَّبَب الثَّالِث ترك الْإِيصَاء فَإِذا مرض الْمُودع مَرضا مخوفا أَو حبس ليقْتل لزمَه أَن يُوصي فَإِن سكت عَن ذَلِك لزمَه الضَّمَان لِأَنَّهُ عرضهَا للفوات لِأَن الْوَارِث يعْتَمد ظَاهر الْيَد وَلَا بُد فِي الْوَصِيَّة من بَيَان الْوَدِيعَة حَتَّى لَو قَالَ عِنْدِي لفُلَان ثوب وَلم يُوجد فِي تركته ضمن لعدم بَيَانه وَهَذَا كُله فِيمَا إِذا تمكن من الايداع أَو الْوَصِيَّة فَإِن لم يتَمَكَّن بِأَن قتل غيلَة أَو مَاتَ فَجْأَة فَلَا ضَمَان (فرع) مَاتَ الْمُودع وَلم يذكر وَدِيعَة أصلا فَوجدَ فِي تركته كيس مختوم وَعَلِيهِ هَذِه وَدِيعَة فلَان أَو وجد فِي جريدته لفُلَان عِنْدِي وَدِيعَة كَذَا لم يلْزم الْوَرَثَة التَّسْلِيم بِهَذَا لاحْتِمَال أَنه كتبه غَيره أَو كتبه هُوَ نَاسِيا أَو اشْترى الْكيس بِتِلْكَ الْكِتَابَة أورد الْوَدِيعَة بعد الْكِتَابَة فِي الجريدة وَلم يمحها وَإِنَّمَا يلْزم الْوَارِث التَّسْلِيم بِالْإِقْرَارِ وَلَو مَاتَ وَلم يذكر وَصِيَّة أصلا فَادّعى صَاحب الْوَدِيعَة أَنه قصر وَقَالَت الْوَرَثَة لَعَلَّهَا تلفت قبل نسبته إِلَى التَّقْصِير قَالَ امام الْحَرَمَيْنِ فَالظَّاهِر بَرَاءَة ذمَّته وَالله أعلم السَّبَب الرَّابِع نقلهَا فَإِذا أودعها فِي قَرْيَة فنقلها إِلَى قَرْيَة أُخْرَى إِن كَانَ بَينهمَا مَا يُسمى سفرا ضمن وَإِن لم يسم سفرا ضمن إِن كَانَ فِي النقلَة خوف أَو كَانَ الْمَنْقُول عَنْهَا أحرز وَإِلَّا فَلَا ضَمَان على الْأَصَح وَهَذَا إِن لم يكن ضَرُورَة فَإِن وجدت فَكَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمُسَافِر والنقلة من دَار إِلَى دَار وَمن محلّة إِلَى محلّة وَمن قَرْيَة إِلَى قَرْيَة مُتَّصِلَة الْعِمَارَة وَالله أعلم السَّبَب الْخَامِس التَّقْصِير فِي دفع المهلكات فَيجب على الْمُودع دَفعهَا على الْعَادة فَيجب عَلَيْهِ نشر ثِيَاب الصُّوف خوف العثة وتعريضها للريح بل لَو كَانَ ذَلِك لَا ينْدَفع إِلَّا بلبسها وَجب عَلَيْهِ فَإِن لم يفعل ضمن وَهَذَا عِنْد علم الْمُودع بذلك فَإِن كَانَ فِي صندوق مقفل أَو كيس مشدود وَلم يُعلمهُ الْمَالِك بذلك فَلَا ضَمَان إِذْ لَا تَقْصِير وَيُقَاس بِمَا ذكرنَا بَاقِي الصُّور كعلف الدَّوَابّ وَمَا أشبه ذَلِك وَالله أعلم السَّبَب السَّادِس التَّعَدِّي بِالِانْتِفَاعِ كالانتفاع بالوديعة كلبس الثَّوْب والطحن فِي الأعدال وَنَحْوهَا وركوب الدَّوَابّ على وَجه الِانْتِفَاع إِلَّا إِذا كَانَ لعذر بِأَن ركبهَا لأجل السَّقْي وَكَانَت لَا تقاد إِلَّا بِهِ حَيْثُ يجوز إخْرَاجهَا للسقي فَإِن أمكن قودها وركبها ضمن كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ قلت فِي ذَلِك نظر ظَاهر وَيَنْبَغِي تَخْصِيصه بِنَاحِيَة يسهل السَّقْي بهَا أما بعض النواحي الَّتِي يرد أَهلهَا المَاء من بعد واطردت عَادَتهم بركوب الدَّوَابّ والعواري والودائع وَغَيرهَا فَلَا يتَّجه الضَّمَان وَالْحَالة هَذِه للْعَادَة المطردة إِذْ الْعَادة محكمَة وَقد جَاءَ بهَا الْقُرْآن وَالسّنة وَالله أعلم
السَّبَب السَّابِع الْمُخَالفَة فِي الْحِفْظ فَإِذا أمره بِالْحِفْظِ على وَجه مَخْصُوص فَعدل عَنهُ وَتَلفت بِسَبَب الْعُدُول ضمنهَا للمخالفة وَإِن تلفت بِسَبَب آخر فَلَا ضَمَان وَفِي هَذَا صور مِنْهَا أودعهُ دَرَاهِم وَقَالَ اربطها فِي كمك فَأَمْسكهَا فِي يَده وَتَلفت هَل يضمن فِيهِ خلاف منتشر الرَّاجِح مِنْهَا أَنَّهَا إِن تلفت بنوم أَو نِسْيَان ضمن وَإِن أَخذهَا غَاصِب قهرا فَلَا ضَمَان لِأَن الْيَد أحرز وَلَو لم يربطها فِي كمه وَجعلهَا فِي جيبه لم يضمن لِأَنَّهُ أحرز إِلَّا إِذا كَانَ وَاسِعًا غير مزرر وَبِالْعَكْسِ يضمن قطعا بِأَن قَالَ اجْعَلْهَا فِي جيبك فربطها فِي كمه وَلَو ربطها فِي كمه كَمَا أمره لم يلْزمه الامساك بِالْيَدِ ثمَّ ينظر إِن جعل الْخَيط الرابط خَارج الْكمّ فَأَخذهَا طراز ضمن لِأَن فِيهِ اظهاراً للوديعة وتنبيهاً للطراز وسهولة فِي قطعه وحله وَإِن ضَاعَت بانحلال العقد لم يضمن إِذا كَانَ قد احتاط فِي الرَّبْط وَإِن جعل الْخَيط الرابط من دَاخل الْكمّ انعكس الحكم إِن أَخذهَا لص لم يضمن وَإِن ضَاعَت بالانحلال ضمن لِأَن الْعقْدَة إِذا انْحَلَّت تناثرت الدَّرَاهِم إِلَى خَارجه فَلَا يشْعر بِخِلَاف الْعَكْس فَإِنَّهَا إِن تناثرت فِي الْكمّ فيشعر بهَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَكَذَا قَالَه الْأَصْحَاب وَهُوَ مُشكل لِأَن الْمَأْمُور بِهِ مُطلق الرَّبْط فَإِذا أَتَى بِهِ وَجب أَن لَا ينظر إِلَى جِهَات التّلف بِخِلَاف مَا إِذا عدل عَن الْمَأْمُور بِهِ قلت وَمَا استشكله الرَّافِعِيّ قوي وَيَنْبَغِي الْفَتْوَى بِهِ وَيُؤَيِّدهُ أَن ابْن الرّفْعَة قَالَ وَقِيَاس مَا قَالَه الْأَصْحَاب أَنه لَو قَالَ الْمُودع للْمُودع احفظها فِي هَذَا الْبَيْت فوضعها فِي زَاوِيَة مِنْهُ فانهدمت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يضمن لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي غَيرهَا لسلم وَمَعْلُوم أَنه بعيد وَالله أعلم وَلَو أودعهُ دَرَاهِم فِي طَرِيق أَو سوق وَلم يقل اربطها فِي كمك وَلَا أمْسكهَا فِي يدك فربطها فِي الْكمّ وأمسكها بِالْيَدِ فقد بَالغ فِي الْحِفْظ وَكَذَا لَو جعلهَا فِي جيبه وَهُوَ ضيق أَو وَاسع وزرره وَلَو أمْسكهَا بِالْيَدِ وَلم يربطها لم يضمن أَن أَخذهَا غَاصِب وَيضمن إِن تلفت بغفلة أَو نوم وَلَو ربطها فِي كمه وَلم يمْسِكهَا بِيَدِهِ فَقِيَاس مَا تقدم أَن ينظر إِلَى كَيْفيَّة الرَّبْط وجهة التّلف وَلَو وَضعهَا فِي الْكمّ وَلم يربطها فَسَقَطت نظر إِن كَانَت خَفِيفَة لَا يشْعر بهَا ضمن لتَقْصِيره وَإِن كَانَت ثَقيلَة يشْعر بهَا لم يضمن ذكره فِي الْمُهَذّب وَلَو وَضعهَا فِي كور الْعِمَارَة وَلم يشد ضمن (فرع) أودعهُ شَيْئا فِي سوق وَنَحْوه ثمَّ قَالَ احفظها فِي بَيْتك فَيَنْبَغِي أَن يمْضِي إِلَى الْبَيْت ويحفظها فِيهِ فَإِن تَأَخّر بِلَا عذر وَتَلفت ضمن لتَقْصِيره وَيُقَاس بِمَا ذكرنَا بَقِيَّة الصُّور (فرع) أودعهُ خَاتمًا وَلم يقل شَيْئا فَإِن جعله فِي غير الْخِنْصر لم يضمن إِن كَانَ رجلا بِخِلَاف الْمَرْأَة لِأَن غير الْخِنْصر فِي حَقّهَا كالخنصر فِي حق الرجل وَإِن جعله فِي الْخِنْصر فَقيل يضمن لِأَنَّهُ اسْتِعْمَال وَقيل إِن قصد الْحِفْظ لم يضمن وَإِن قصد الِاسْتِعْمَال ضمن وَقيل إِن جعل فصه إِلَى ظَاهر ضمن وَإِلَّا فَلَا قَالَ النَّوَوِيّ الْمُخْتَار أَنه يضمن مُطلقًا إِلَّا إِذا قصد الْحِفْظ وَالله أعلم
السَّبَب الثَّامِن التضييع لِأَنَّهُ مَأْمُور بالتحرز عَن أَسبَاب التّلف فَلَو أخر الِاحْتِرَاز مَعَ الْقُدْرَة أَو جعلهَا فِي غير حرز مثلهَا ضمن وَلَو جعلهَا فِي أحرز من حرزها ثمَّ نقلهَا إِلَى حرز مثلهَا فَلَا ضَمَان وَلَو أعلم بالوديعة من يصادر أَمْوَال الْمَالِك ويأخذها ضمن وَلَو ضيعها نَاسِيا ضمن على الْأَصَح لتَقْصِيره وَلَو أَخذ الْوَدِيعَة ظَالِم لم يضمن كَمَا لَو سرقت وَلَو طَالب ظَالِم الْمُودع بِفَتْح الدَّال بالوديعة لزمَه دَفعه بالانكار والاخفاء بِكُل قدرته فَإِن ترك الدّفع مَعَ الْقُدْرَة ضمن لتَقْصِيره وَإِن أنكر فحلفه الظَّالِم جَازَ لَهُ أَن يحلف لمصْلحَة حفظ الْوَدِيعَة وَتلْزَمهُ الْكَفَّارَة على الْمَذْهَب وَإِن أكرهه على الْحلف بِالطَّلَاق تخير بَين الْحلف وَبَين الِاعْتِرَاف فَإِن اعْترف وَسلم ضمن على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ فدى زَوجته بالوديعة وَإِن حلف بِالطَّلَاق طلقت زَوجته على الْمَذْهَب لِأَنَّهُ فدى الْوَدِيعَة بِزَوْجَتِهِ وَالله أعلم السَّبَب التَّاسِع جحود الْوَدِيعَة فَإِن طلبَهَا مَالِكهَا فجحدها فَهُوَ خائن ضَامِن لتعديه بالجحود (فرع) قَالَ الْمُودع لَا وَدِيعَة لأحد عِنْدِي إِمَّا ابْتِدَاء وَأما جَوَابا السُّؤَال غير الْمَالِك فَلَا ضَمَان سَوَاء جرى ذَلِك بِحَضْرَة الْمَالِك أَو فِي غيبته لِأَن اخفاءها أبلغ فِي حفظهَا قَالَ (وَقَول الْمُودع مَقْبُول فِي ردهَا على الْمُودع) إِذا قَالَ الْمُسْتَوْدع للْمُودع رددت عَلَيْك الْوَدِيعَة فَالْقَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ لقَوْله تعال ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ أمره بِالرَّدِّ بِلَا اشهاد فَدلَّ على أَن قَوْله مَقْبُول لِأَنَّهُ لَو لم يكن كَذَلِك لأَرْشَد إِلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب وَلِأَنَّهُ يصدق فِي التّلف قطعا فَكَذَا فِي الرَّد وَفِيه اشكال من جِهَة أَن الْمُرْتَهن وَالْمُسْتَأْجر القَوْل قَوْلهمَا فِي التّلف دون الرَّد عِنْد الْعِرَاقِيّين وَالله أعلم قَالَ (وَعَلِيهِ أَن يحفظها فِي حرز مثلهَا) كَمَا إِذا قبل الْمُودع الْوَدِيعَة لزمَه حفظهَا لِأَنَّهُ الْمَقْصُود وَقد الْتَزمهُ وَيجب عَلَيْهِ أَن يحفظها فِي حرز مثلهَا لِأَن الاطلاق يَقْتَضِيهِ فتوضع الدَّرَاهِم فِي الصندوق والأثاث فِي الْبَيْت وَالْغنم فِي صحن الدَّار وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم قَالَ (وَإِذا طُولِبَ بهَا أَو أخر الْوَدِيعَة مَعَ الْقُدْرَة حَتَّى تلفت ضمن) إِذا طَالب الْمُودع الْمُودع بالوديعة وَجب عَلَيْهِ الرَّد لقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
فَإِن أخر بِلَا عذر فَتلفت ضمنهَا لتعديه وَإِن كَانَ لعذر فَلَا والعذر مثل كَونه بِاللَّيْلِ وَلم يتأت فتح الْحِرْز حِينَئِذٍ أَو كَانَ فِي صَلَاة أَو قَضَاء حَاجَة أَو طَهَارَة أَو أكل أَو حمام أَو مُلَازمَة غَرِيم يخَاف هربه أَو يخْشَى الْمَطَر والوديعة فِي مَوضِع آخر وَنَحْو ذَلِك فالتأخير جَائِز قَالَ الْأَصْحَاب وَلَا يضمن وطردوه فِي كل يَد أَمَانَة وَالله أعلم (فرع) فِي فَتَاوَى الْقفال لَو ترك حِمَاره فِي صحن خَان وَقَالَ للخاني احفظه كَيْلا يخرج وَكَانَ الخاني ينظره فَخرج فِي بعض غفلاته فَلَا ضَمَان لِأَنَّهُ لم يقصر فِي الْحِفْظ الْمُعْتَاد وَفِي فَتَاوَى القَاضِي حُسَيْن أَن الثِّيَاب فِي مشلح الْحمام إِذا سرقت والحمامي جَالس مَكَانَهُ مستيقظ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَإِن نَام أَو قَامَ من مَكَانَهُ وَلم يتْرك نَائِبا ضمن وعَلى الحمامي الْحِفْظ إِذا استحفظ وَإِن لم يستحفظ حكى القَاضِي حُسَيْن عَن الْأَصْحَاب أَنه لَا حفظ عَلَيْهِ قَالَ وَعِنْدِي يجب للْعَادَة وَالله أعلم (فرع) إِذا وَقع فِي بَيت الْمُودع أَو خزانته حريق فبادر إِلَى نقل أمتعته وَأخر الْوَدِيعَة فاحترقت لم يضمن كَمَا لَو لم يكن فِيهَا إِلَّا ودائع وَأخذ فِي نقلهَا فاحترقت وَتَأَخر وَالله أعلم