جامع الأمهاتصفحات 570-576
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ السَّلَمِ

صفحات 570-576

وَلا تَجْتَمِعُ امْرَأَتَانِ وَلا رَجُلانِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مُتَجَرِّدَيْنِ، وَقَدْ نَهَى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الْمُكَامَعَةِ، وَهِيَ: الْمُضَاجَعَةُ وَالْمُعَاكَمَةُ، وَهِيَ: ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ، وَكَذَلِكَ يُفَرَّقُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ فِي الْمَضَاجِعِ - قِيلَ: لِسَبْعٍ، وَقِيلَ: لِعَشْرٍ.
وَإِذَا اكْتَسَبَ مَالاً مِنْ رِباً أَوْ غُلُولٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ خَمْرٍ وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى مَالِهِ الْحَلالَ فَالْمَشْهُورُ جَوَازُ مُعَامَلَتِهِ وَاسْتِقْرَاضُهُ، وَقَبْضُ الدَّيْنِ مِنْهُ، وَقَبُولُ هَدِيَّتِهِ، وَهِبَتِهِ، وَأَكْلُ طَعَامِهِ، وَأبى ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ، وَحَرَّمَهُ أَصْبَغُ جَرْياً عَلَى أَصْلِهِ، وَقَالَ: يُتَصَّدَقُ بِجَمِيعِهِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَرَامَ فَمَنَعَ أَصْحَابُنَا مِنْ مُعَامَلَتِهِ وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِ - وَهَلْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ كَمَا لابْنِ الْقَاسِمِ، أَوِ التَّحْرِيمِ كَمَا لأَصْبَغَ إِلا أَنْ يَبْتَاعَ سِلْعَةً حَلالاً فَلا بَأْسَ أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَأَنْ تَقْبَلَ هِبَتَهُ إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ بِيَدِهِ مَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ مِنَ التِّبَاعَاتِ، وَقُلْنَا بِكَرَاهَةِ مُعَامَلَتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَحْرِيمِهَا فَخِلافٌ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ كُلُّهُ حَرَاماً فَهَلْ تُمْنَعُ مُعَامَلَتُهُ وَقَبُولُ هَدِيَّتِهِ وَأَكْلُ مَا اشْتَرَاهُ إِلا أَنْ يُوهَبَ لَهُ أَوْ يَرِثَهُ فَيَجُوزُ إِلا أَنْ يَسْتَغْرِقَهُ مَا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْحَرَامِ فَيُمْنَعُ، أَوْ تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ دُونَ هِبَتِهِ وَمُحَابَاتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَفِيمَا ابْتَاعَهُ أَوْ وَرِثَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ، وَإِنِ اسْتَغْرَقَهُ التِّبَاعَاتُ إِذَا عَامَلَهُ بِالْقِيمَةِ وَلَمْ يُحَابِهِ أَوْ يَمْنَعْ مِنْ مُعَامَلَتِهِ إِلا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْمَالِ سِلَعاً فَيَجُوزُ شِرَاؤُهَا مِنْهُ، وَأَنْ تُقْبَلَ هِبَتُهُ، وَكَذَلِكَ مَا وَرِثَ أَوْ وُهِبَ لَهُ وَإِنِ اسْتَغْرَقَتْهُ التِّبَاعَاتُ كَمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَجَوَّزَ ابْنُ حَبِيبٍ هَدِيَّةَ الْعُمَّالِ.
أَوْ يَجُوزُ مُبَايَعَتُهُ مُطْلَقاً فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَفِيمَا اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ وَرِثَهُ وَإِنِ اسْتَغْرَقَهُ مَا عَلَيْهِ مِنَ التِّبَاعَاتِ -

أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَعَلَى غَيْرِ الرَّابِعِ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ الْمِيرَاثُ دُونَ الْهِبَةِ أَوْ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ كَمَا يَلْزَمُ الْمَوْرُوثَ: قَوْلانِ.
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحَلالَ بِعَرْضٍ حَرَامٍ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَيْنٍ فَهَلْ يَجُوزُ - مَعَ عِلْمِ صَاحِبِهِ أَنْ بِخُبْثِ الثَّمَنَ، وَجَهْلِهِ - كَمَا لأَصْحَابِنَا وَابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، أَوْ يُكْرَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ وَالْجَهْلِ كَمَا لِسَحْنُونٍ، أَوْ يَجُوزُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ دُونَ الْجَهْلِ كَمَا لابْنِ عُبْدُوسٍ - قَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَنْ بَاعَ شَيْئاً حَرَاماً بِشَيْءٍ حَلالٍ كَانَ مَا أَخَذَهُ حَرَاماً، وَيَبْقَى الْحَرَامُ حَرَاماً بِيَدِ آخِذِهِ إِنْ عَلِمَ ذَلِكَ.
قَالَ: وَلا تَجُوزُ وَصَايَا الْمُتَسَلِّطِينَ بِالظُّلْمِ بِالْمَالِ الْمُسْتَغْرِقِ لِلذِّمَّةِ وَلا عِتْقُهُمْ، وَأَلا تُورَثَ أَمْوَالُهُمْ وَيُسْلَكَ بِهَا سَبِيلَ الْفَيْءِ.
وَأَمَّا الْوَرَعُ: فَلا خَفَاءَ أَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ -: الرِّبَا، وَالسُّحْتُ، وَالرِّشَا، وَأُجْرَةُ الْكَهَانَةِ وَالنِّيَاحَةُ وَالْغِنَاءُ وَادِّعَاءُ الْغَيْبِ، وَاللَّعِبُ الْبَاطِلُ كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ الْغَصْبُ، وَالسَّرِقَةُ، وَما لا تَطِيبُ بِهِ نَفْسُ مَالِكِهِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ يَجِبُ تَرْكُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، ثُمَّ يَتَرَقَّى إِلَى تَرْكِ الشُّبُهَاتِ اسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، فَإِنَّهُ مَنْ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ.
وَالْمُكَلَّفُ مُتَعَّبِدٌ بِطَهَارَةِ قَلْبِهِ وَجِسْمِهِ، وَأَكْثَرُ الْمَذَامِّ إِنَّمَا تَنْبَعِثُ مِنَ الْقَلْبِ، وَصَلاحُهُ صَلاحٌ لِجُمْلَةِ الْجِسْمِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
وَالأَحْكَامُ وَالْعِبَادَاتُ الَّتِي يَتَصَرَّفُ الإِنْسَانُ عَلَيْهَا بِقَلْبِهِ وَجِسْمِهِ تَقَعُ فِيهَا مُشْكِلاتٌ وَأُمُورٌ مُلْتَبِسَاتٌ - التَّسَاهُلُ فِيهَا وَتَعْوِيدُ النَّفْسِ الْجُرْأَةَ عَلَيْهَا يُكْسِبُ

فَسَادَ الدِّينِ وَالْعِرْضِ، وَقَدْ ضَرَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ مَثَلاً مَحْسُوساً أَنَّ الْمُلُوكَ لَهُمْ أَحْمِيَةٌ لا يُتَجَاسَرُ عَلَيْهَا وَلا يُدْنَى مِنْهَا مَهَابَةً مِنْ سَطْوَتِهِمْ، وَخَوْفاً مِنَ الْوُقُوعِ فِي حَوْزَتِهِمْ، وَأَنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمَهُ، فَمَنْ تَرَكَ مِنْهَا مَا قَرُبَ فَهُوَ مِنْ تَوَسُّطِهَا أَبْعَدُ، فَالْمُؤْمِنُ يَكُونُ عَلَى حَذَرٍ وَيُجَانِبُ كُلَّ مَا كَرِهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ فِعَالٍ وَمَقَالٍ، وَلا يَضِيعُ مَا لِلَّهِ عَلَيْهِ فِي قَلْبٍ أَوْ جَارِحَةٍ.
وَسِتٌّ فِي جَمِيعِ الأَفْعَالِ قَبْلَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَيَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنَ الإِمْسَاكِ عَنِ الْفَرْضِ، وَيُسَارِعُ إِلَى أَدَائِهِ.
الْوَاجِبُ: تَرْكُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ الْعَقْدِ بِالْقَلْبِ عَلَى الضَّلالِ وَالْبِدَعِ وَالْغُلُوِّ فِي الْقَوْلِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلا يَعْتَقِدُ إِلا الصَّوَابَ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَتْرُكَ بَعْضَ الْحَلالِ الَّذِي يَكُونُ سَبَباً وَذَرِيعَةً إِلَى الْحَرَامِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: "لا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَراً مِمَّا بِهِ بَأْسٌ" فَيَتْرُكُ فُضُولَ الْكَلامِ لِئَلا يُخْرِجَهُ إِلَى الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيَتْرُكَ بَعْضَ الْمَكَاسِبِ مِمَّا تَقِلُّ فِيهِ السَّلامَةُ لِلْمُكْتَسِبِينَ، وَيَدَعُ طَلَبَ الإِكْثَارِ مِنَ الْمَالِ خَوْفاً أَلا يَسْلَمَ وَيَكُفَّ عَنْ بَعْضِ الْمَطْعَمِ إِذَا خَشِيَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يُبَطِّرُهَا، وَأَنْ يَدَعَ أَنْ يَحْلِفَ صَادِقاً وَهُوَ لَهُ حَلالٌ فَمَا مَخَافَةُ أَنْ يُعَوِّدُ لِسَانَهُ الْيَمِينَ فَيَحْلِفَ كَاذِباً، وَيَدَعُ النُّصْرَةَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَعْتَدِيَ، فَمَا زَالَ التَّقْوَى بِالْمُتَّقِينَ حَتَّى تَرَكُوا كَثِيراً مِنَ الْحَلالِ مَخَافَةَ الْحَرَامِ.
وَأَمَّا تَصْفِيَةُ الْقُوتِ، وَتَرْكُ الاجْتِهَادِ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) قَالَ ابْنُ عُبْدُوسٍ: قِوَامُ الدِّينِ طَيِّبُ الْمَطْعَمِ، فَمَنْ طَابَ مَكْسَبُهُ زُكِّيَ عَمَلُهُ وَمَنْ لَمْ يُصَحِّحْ فِي طِيبِ

مَكْسَبِهِ خِيفَ عَلَيْهِ أَلا تُقْبَلَ صَلاتُهُ وَصِيَامُهُ وَحَجُّهُ وَجِهَادُهُ وَجَمِيعُ عَمَلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنِ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: الَّذِي إِذَا أَمْسَى يَسْأَلُ مِنْ أَيْنَ قُرْصَاهُ، قُلْتُ: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ لَتَكَلَّفُوهُ، فَقَالَ: عَلِمُوهُ وَلَكِنَّهُمْ غَشِمُوا الْمَعِيشَةَ يَعْنِي تَعَسَّفُوا تَعَسُّفاً، وَقَالَ عُمَرُ: الدِّينُ الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْكَفُّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَالْعَمَلُ بِحَلالِ اللَّهِ وَحَرَامِهِ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: " مَنْ بَاتَ وَانِياً مِنْ مَكْسَبٍ حَلالٍ بَاتَ مَغْفُوراً لَهُ ". وَالذِّكْرُ بِاللِّسَانِ حَسَنٌ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ أَدَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الْحَلالِ وَلا آخُذُ مِنْهَا، فَعَلَيْكُمُ النَّظَرَ فِي طَيِّبِ مَكَاسِبِكُمْ وَالاجْتِهَادِ لأَنْفُسِكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَيْهَا عَلَى الْغِشِّ فَإِنَّكُمْ تُفْضُونَ بِأَعْمَالِكُمْ إِلَى مَنْ لا تَخْفَى عَلَيْهِ ضَمَائِرُكُمْ، فَقَدْ بَانَ أَنَّ رَأْسَ دِينِكُمُ الْوَرَعُ، وَمَلاكَ أَمْرِكُمْ طَيِّبُ الْمَكْسَبِ، فَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "يَا كَعْبُ إِنَّهُ لا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّباً، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ"؟ وَأَمَّا بَيَانُ الاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ فَبِسُلُوكِ طَرِيقِ الْوَرَعِ، قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: وَهُوَ أَلا يَكُونَ فِي الشَّيْءِ الْمُقْتَنَى مَغْمَزٌ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ النَّظَرُ فِي الْمَعِيشَةِ أَلا يَغْشُمَهَا الْعَبْدُ، وَلَمَّا عَزَّ تَحْصِيلُ الطَّيِّبِ فِي وَقْتِنَا هَذَا مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ كَانَ

الأَمْرُ فِيهِ كَمَا قَالَ الْقَاسِمُِ بْنُ مُحَمَّدٍ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا حَرَاماً لَمَا كَانَ بُدٌّ مِنَ الْعَيْشِ، وَمَنْ أَرَادَ شِرَاءَ قُوتِهِ فَلْيَتَلَطَّفْ جَهْدَهُ فِي شِرَاءِ الطَّيِّبِ، فَإِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ وَاسْتَفْرَغَ طَاقَتَهُ وَقَعَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَصْلِهِ فَبِشِرَاءِ الْخَيْرِ، وَمَا يَقِلُّ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ خَيْرٌ مِنْ شِرَاءِ مَا خَالَطَهُ غَصْبٌ أَوْ رِباً أَوْ بَيْعٌ فَاسِدٌ، ثُمَّ يَبْقَى قَائِماً بِعَيْنِهِ إِلَى حِينِ شِرَاءِ مَا أُفِيتَ بِوَجْهٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ لَيْسَ مِنَ الْوَرَعِ بِسَبِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَاخِلٌ فِيمَا لا يَنْقُضُ عَلَى مَنْ بَاعَهُ أَوِ اشْتَرَاهُ، وَإِنَّ ذِمَّةَ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِمَّنْ أَفَاتَهُ خَالِيَةٌ مِنَ التَّبِعَاتِ، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ فَتَرْكُهُ وَإِنْ أُفِيتَ، كَمَا كَرِهَ مَالِكٌ سَلَفَ السَّلْمِ مِنْ نَصْرَانِيٍّ مَا بَاعَ بِهِ خَمْراً، وَأَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ النّصْرَانِيُّ بِذَلِكَ، يَعْنِي بَاعَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْراً وَذِمَّةُ النَّصْرَانِيِّ خَالِيَةٌ فَكَيْفَ بِمَنْ أَفَاتَ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ بِمِثْلِهِ لإِفَاتَتِهِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ مِلْكٍ لَهُ، وَلأَنَّه اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِداً وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ شِرَاءَ طَعَامٍ مِنْ مُكْتَرِي الأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُهُ أَنَّ الطَّعَامَ كُلَّهُ لَهُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ كِرَاءُ الأَرْضِ عَيْناً، وَطَرِيقُ الْوَرَعِ يَشُقُّ طَلَبُهُ، وَيَعْسُرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَوْقَاتِ وُجُودُهُ إِلا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَلكن يُجْتَزَأُ بِالأَشْبَهِ مِنَ الْمَوْجُودِ فَالأَشْبَهُ فَهُوَ الْمُمْكِنُ فِي كُلِّ حِينٍ، وَاللَّوْمُ عَلَى الْكَفَافِ مُرْتَفِعٌ إِذْ لا حَرَجَ فِي الدِّينِ، وَلَيْسَ الْمُتَحَدِّي بِحُدُودِ الإِسْلامِ كَاللاعِبِ الْمَازِحِ، وَاخْتِبَارُ الْبَائِعِ الثِّقَةِ عَمَّا بَاعَهُ أَنَّهُ طَيِّبٌ مَقْبُولٌ، وَقَبُولُ قَوْلِ مَنْ هُوَ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ حَقِيقَةَ الْوَرَعِ لَكِنْ هُوَ خَيْرٌ مِمَّنْ يَقُولُ: لا أَدْرِي شَأْنَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الأَخْذِ بِالأَشْبَهِ، وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الأَقْوَاتُ فِي الأَسْوَاقِ وَعُلِمَ اسْتِقَامَةُ أَصْلِهِ مِنْهَا أَوْ سَتْرُهُ عَنِ الحَرَام حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ إِذَا جُهِلَتْ حَقِيقَتُهُ وَتَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ، وَما غَلَبَ عَلَيْهِ الرِّيبَةُ عُمِلَ عَلَى اجْتِنَابِ مَا جُهِلَ مِنْهُ حَتَّى يَنْكَشِفَ صِحَّةُ أَصْلِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُتَحَرِّي مَا يَتَحَرَّى بِهِ إِلا سُؤَالَ الْبَاعَةِ فَلْيَخْتَبِرْ مِنْهُمْ بِأَحْسَنِهِمْ تَوَقُّفاً وَأَصْدَقِهِمْ قَوْلاً.
قَالَ: وَلا يُقَالُ فِي الْغَلَّةِ: إِنَّهُ لا شُبْهَةَ فِيهَا إِنْ كَانَتِ الأُصُولُ رَدِيئَةً، وَإِنْ كَانَتْ مِلْكاً لِمَنِ اعْتَلَّهَا كَمَا أَخْبَرْتُكَ فِي طَعَامٍ بِكِرَاءِ الأَرْضِ بِالطَّعَامِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهَا، وَقَدْ مَنَعَ سَحْنُونٌ رَجُلاً كَسْبُهُ مِنْ بَلَدِ السُّودَانِ أَنْ يَعْمَلَ مِنْهُ قَنْطَرَةً بِقُرْبِ دَارِهِ، وَإِنْ كَانَ لا مَطْعَنَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْكَرَاهَةُ فِي نَفْسِ السَّفَرِ لِوُجُوهٍ أُخَرَ، وَلَوْ كَانَتِ الْغَلَّةُ لا شُبْهَةَ فِيهَا، يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ طَعَامٍ مِنْ حَرْثِ الأَرْضِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ بِبَقَرٍ مَغْصُوبَةٍ وَزَرِيعَةٍ مَغْصُوبَةٍ، وَنَحْنُ لا نَأْمُرُ بِهَذَا ابْتِدَاءً وَلا نَنْقُضُهُ إِنْ

وَقَعَ إِلا أَنَّ الْغَلَّةَ تُخْتَارُ عَلَى مَا لَيْسَ بِغَلَّةٍ، وَهَكَذَا هَذَا الْبَابُ، كَمَا اشْتَرَيْتُ لَكَ إِنَّمَا يُرْجَعُ إِلَى الأَمْثَلِ فَالأَمْثَلِ عَلَى قَدْرِ الإِمْكَانِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ لِئَلا تُخِلَّ بِوَجْهِ التَّحَرِّي رِفْعَةٌ، وَلِيَسْلَمَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْغَاشِمِينَ الْخَابِطِينَ الْعَشْوَاءَ فِي مَعِيشَتِهِمْ لا يَسْأَلُونَ وَلا يَتَحَرَّجُونَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي تَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَاعْتِزَالِ شُرُورِ النَّاسِ، وَمِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ، وَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَلا يُرَى إِلا سَاعِياً فِي تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ لِمَعَادِهِ أَوْ دِرْهَمٌ لِمَعَاشِهِ فَكَيْفَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُؤْمِناً عَالِماً بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ؟! وَيَحِقُّ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي عِلْمِهِ، وَيَحْتَرِسَ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَقِفَ عَلَى مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ وَيُقِلَّ الرِّوَايَةَ جُهْدَهُ وَيُنْصِفَ جُلَسَاءَهُ وَيُلِينَ لَهُمْ جَانِبَهُ، وَيُثِيبَ سَائِلَهُ، وَيُلْزِمَ نَفْسَهُ الصَّبْرَ، وَيَتَوَقَّى الضَّجَرَ وَيَصْفَحَ عَنْ زَلَّةِ جَلِيسِهِ، وَلا يُؤَاخِذَهُ بِعَثْرَتِهِ.
وَمَنْ جَالَسَ عَالِماً فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الإِجْلالِ وَلْيُنْصِتْ لَهُ عِنْدَ الْمَقَالِ، فَإِنْ رَاجَعَهُ فَتَفَهُّماً لا تَعَنُّتاً، وَلا يُعَارِضُهُ فِي جَوَابِ سَائِلٍ سَاءَلَهُ، فَإِنَّهُ يُلْبِسُ بِذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ وَيُزْرِي بِالْمَسْئُولِ وَيُنْتَظَرُ بِالْعَالِمِ فَيْئُهُ وَلا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ عَثْرَتُهُ، وَبِقَدْرِ إِجْلالِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ عِلْمِهِ، وَمَنْ نَاظَرَهُ فِي عِلْمٍ فَبِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَتَرْكِ الاسْتِعْلاءِ، فَحَسَنُ التَّأَنِّي وَجَمِيلُ الأَدَبِ مُعَيَّنَانِ عَلَى الْعِلْمِ، وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ، وَالأُولَى بِالْعِلْمِ صِيَانَتُهُ عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ وَعَيْبٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْثَماً، وَذَوُو الْعِلْمِ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُرُوءَةِ وَالأَدَبِ وَصِيَانَةِ الدِّينِ وَنَزَاهَةِ النَّفْسِ.
وَحَقِيقٌ عَلَى الْعَالِمِ أَلا يَخْطُوَ خُطْوَةً لا يَنْبَغِي فِيهَا ثَوَابُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلا يَجْلِسُ مَجْلِساً يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ، فَإِنِ ابْتُلِيَ بِالْجُلُوسِ فَلْيَقُمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِوَاجِبِ حَقِّهِ، وَإِرْشَادِ مَنِ اسْتَخَارَهُ وَوَعْظِهِ، وَلا يُجَالِسُهُ بِمُوَافَقَتِهِ فِيمَا يُخَالِفُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي مَرْضَاتِهِ، وَلا يَتَعَرَّضُ فِيهِ خَاصَّةً لِنَفْسِهِ وَلا أَحْسَبُهُ وَإِنْ قَامَ بِذَلِكَ أَنْ يَنْجُوَ، وَلا يُعْلِمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمِنْ إِجْلالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِجْلالُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ، وَإِجْلالُ الإِمَامِ الْمُقْسِطِ.
وَمِنْ شِيَمِ الْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ عَارِفاً بِزَمَانِهِ، مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظاً لِلِسَانِهِ، مُحْتَرِزاً مِنْ إِخْوَانِهِ، فَلَمْ يُؤْذِ النَّاسَ قَدِيماً إِلا مَعَارِفُهُمْ، وَالْمَغْرُورُ مِنِ اغْتِرَارِهِ

يَمْدَحُهُمْ، وَالْجَاهِلُ مِنْ صِدْقِهِمْ عَلَى خِلافِ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلإِقْبَالِ عَلَى امْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَالإِحْجَامِ عَنِ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِهِ، وَيُلْهِمَنَا مَا يُقَرِّبُنَا مِنْ أَجْرِهِ، وَيُوَارِينَا مِنْ سُخْطِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

فصول الكتاب · 6 فصل · 576 صفحة
جارٍ التحميل