وَلا أَوْلادَ لَهُ فَفِي جَوَازِ الْبَيْعِ قَبْلَ إِيَاسِهِ: قَوْلانِ، ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُحْكَمُ بِحَبْسِهِ وَيُخْرَجُ إِلَى يَدِ ثِقَةٍ لِيَصِحَّ الْحَوْزُ، وَتُوقَفُ ثَمَرَتُهُ فَإِنْ وَلَدَ لَهُ فَلَهُمْ وَإِلا فَلأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَلا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَصْرِفِ لَفْظاً، بَلْ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ صُرِفَ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَمَهْمَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مَا يَجُوزُ لَهُ اتُّبِعَ كَتَخْصِيصِ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ أَصْحَابِ مَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ، وَلَوْ حَبَّسَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَحِصَّتُهُ لِلْفُقَرَاءِ إِنْ كَانَتْ غَلَّةً، وَإِنْ كَانَتْ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَشِبْهِهِ فَرِوَايَتَانِ.
بَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِ
وَلَدِي أَوْ أَوْلادِي يَتَنَاوَلُ وَلَدَ الصُّلْبِ مُطْلَقاً وَوَلَدُ ذَكَرِهِمْ وَيُؤْثَرُ الأَعْلَى، وَقِيلَ: يُسَوَّى، وَوَلَدِي وَوَلَدُ وَلَدِي - الْمَنْصُوصُ أَيْضاً: لا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ، وَأَوْلادِي: فُلانٌ وَفُلانٌ وَفُلانَةُ وَأَوْلادُهُمْ يَدْخُلُونَ اتِّفَاقاً.
قَالَ الْبَاجِي: وَأَخْطَأَ ابْنُ زَرْبٍ فِي وَلَدِي وَوَلَدِهِمْ، كَوَلَدِي بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَبَنِيَّ وَبَنِي بَنِيَّ كَوَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَعَقِبِي كَوَلَدِي فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ أُنْثَى فَلَيْسَ بِعَقِبٍ وَنَسْلِي كَذَلِكَ، وَذُرِّيَّتِي يَدْخُلُ وَلَدَ الْبَنَاتِ اتِّفَاقاً لأَنَّ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ وَعَلَى إِخْوَتِهِ يَدْخُلُ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى، وَرِجَالُ إِخْوَتِي وَنِسَائِهِمْ، يَدْخُلُ الصَّغِيرُ مَعَهُمْ، وَعَلَى بَنِي أَبِي إِخْوَتُهُ الذُّكُورُ وَأَوْلادُهُمُ الذُّكُورُ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ: وَهُوَ اخْتِلافٌ.
وَآلِي وَأَهْلِي - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سِوَاؤُهُمُ الْعَصَبَةُ وَمَنْ لَوْ كَانَ رَجُلاً كَانَ عَصَبَةً، وَقِيلَ: الأَهْلُ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ أَحَدِ الأَبَوَيْنِ قَرُبُوا أَوْ بَعِدُوا كَالأَقَارِبِ، وَعَلَى مَوَالِيهِ - رُوِيَ: مَوَالِيهِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ فَقَطْ وَأَوْلادُهُمْ، وَرَوَى: وَمَوَالِي أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَرُوِيَ: [مَوَالِيهِ] وَمَوَالِي مَوَالِيهِ، وَرُوِيَ: وَمَوَالِي الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ وَالأُمِّ وَالأَخِ، وَفِي الْجَمِيعِ يُؤْثَرُ الأَحْوَجُ فَإِنِ اسْتَوَوْا فَالأَقْرَبُ، وَعَلَى قَوْمِهِ: عَصَبَتْهُ دُونَ النِّسَاءِ، وَأَطْفَالُ أَهْلِي أَوْ صِبْيَانُهُمْ وَصِغَارُهُمْ: لِغَيْرِ الْبَالِغِينَ، وَشُبَّانُهُمْ وَأَحْدَاثُهُمْ: لِمَنْ بَيْنَ الْبُلُوغِ وَكَمَالِ الأَرْبَعِينَ، وَكُهُولُهُمْ: لِمَنْ جَاوَزَهَا إِلَى السِّتِّينَ، وَشُيُوخُهُمْ: لِمَنْ جَاوَزَهَا، وَالذُّكُورُ وَالإِنَاثُ فِي الْجَمِيعِ،
وَأَرَامِلُهُمْ: لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ، وَحُكْمُ مُطْلَقِهِ: التَّنْجِيزُ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِاسْتِقْبَالٍ، وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي الصِّحَّةِ، وَالتَّنْجِيزُ فِي الْحَيَاةِ، وَإِلا فَفِي الثُّلُثِ، وَيَمْلِكُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْغَلَّةَ وَالثَّمَرَةَ وَاللَّبَنَ وَالصُّوفَ، وَنِتَاجُهَا: الإِنَاثُ كَالذُّكُورِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا سِوَى الْعَقَارِ إِذَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ الَّتِي وُقِفَ لَهَا - كَالْفَرَسِ يَهْرَمُ، وَالثَّوْبِ يَخْلِقُ - يُبَاعُ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا يُبَاعُ وَقْفٌ وَإِنْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ [إِلا أَنْ يُونَ بِشَرْطٍ 1
].
وَيَتَوَّلَى الْوَقْفَ: مَنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لا الْوَاقِفُ فَلَوْ شَرَطَ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ جَعَلَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ وَيَتَسَلَّمُ مِنْهُ غَلَّتَهُا وَيَصْرِفُهَا وَعَلَى ذَلِكَ وَقَفَ - فَقَوْلانِ، وَيَبْدَأُ بِإِصْلاحِهِ وَنَفَقَتِهِ وَلَوْ شَرَطَ خِلافَهُ، لَمْ يُقْبَلْ.
فَإِنْ كَانَتْ دَاراً لِلسُّكْنَى - فَإِمَّا أَصْلَحَ وَإِمَّا خَرَجَ فَتُكْرَى بِمَا تَصْلُحُ بِهِ، وَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ إِصْلاحَهَا عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ كَانَ فَرَساً لِلْجِهَادِ وَشِبْهِهِ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيع وَعُوِّضَ بِهِ سِلاحٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَبْقَى وَلَوْ تَحَقَّقَ هَلاكُهَا.
وَمَنْ هَدَمَ وَقْفاً فَعَلَيْهِ رَدُّهُ كَمَا كَانَ لا قِيمَتُهُ، وَمَنْ أَتْلَفَ حَيَوَاناً وَقْفاً فَالْقِيمَةُ وَتُجْعَلُ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ.
وَفِي بَيْعِ النَّقْضِ قَوْلانِ، وَلا يُنَاقَلُ بِالْعَقَارِ وَلَوْ دَثُرَ وَخَرُبَ مَا حَوْلَهُ، وَبَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ دَائِرَةً تَدُلُّ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهَا وَمِيرَاثِهَا.
وَعَنْ مَالِكٍ: لا بَأَسَ أَنْ يُشْتَرَىَ مِنْ دُورِ مُحَبَّسَةٍ إِذَا احْتِيجَ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ لأَنَّهُ نَفْعٌ عَامٌّ، وَقِيلَ: فِي مَسَاجِدِ جَوَامِعِ الأَمْصَارِ لا الْقَبَائِلِ، وَيُكْرِي الْمُتَوَلِّي بِنَظْرِهِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ كَالْوَكِيلِ، فَإِنْ أَكْرَاهَا لِمَنْ مَرْجِعُهَا إِلَيْهِ جَازَتِ الزِّيَادَةُ، وَقَدْ أَكْرَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنْزِلَهُ وَهو كَذَلِكَ عَشْرَ سِنِينَ وَاسْتُكْثِرَتْ.
فَلا يُفْسَخُ كِرَاءُ الْوَقْفِ لِزِيَادَةٍ، وَلا يُقْسَمُ إِلا مَا وَجَبَ بِالْسُكْنَى وَغَيْرِهِا لأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْقُطُ وَالْمَوْلُودُ وَالْمُتَجَدِّدُ يَسْتَحِقُّ، فَلَوْ قُسِّمَ قَبْلَهُ فَقَدْ يُحْرَمُ مُسْتَحِّقٌ وَيَأْخُذُ غَيْرُهُ.
وَإِذَا بَنَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فِيهِ أَوْ أَصْلَحَ بِخَشَبٍ أَوْ غَيْرِهَا فَأَمْرُهُ لَهُ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فَهُوَ وَقْفٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِوَرَثَتِهِ وَلمْ يَرَ مَا قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ يَسِيراً كَمِيزَابٍ وَنَحْوِهِ فَوَقْفٌ، وَإِلا فَلا.
وَلَوْ خَرِبَ الْوَقْفُ فَأَرَادَ غَيْرُ الْوَاقِفِ إِعَادَتَهُ فَلِلْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ مَنْعُهُ لِأَّنَ عَيْنَهُ مِلْكٌ، وَإِنِ امْتَنَعَ نَقْلُهُ عَنِ الْوَقْفِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَنْ حَبَّسَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ فَلِلْمُتَوَلِّي: تَفْضِيلُ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْعِيالِ وَالزِّمَانَةِ فِي الْغَلَّةِ وَالسُّكْنَى بِاجْتِهَادِهِ، وَأَمَّا عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ فَقِيلَ: كَذَلِكَ، وَقِيلَ: الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ سَوَاءٌ، أَمَّا إِذَا عَيَّنَهُمْ سُوِّيَ بَيْنَهُمْ، وَمَوَالِيهِ مِثْلُهُ، وَلا يَخْرُجُ السَّاكِنُ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيّاً.
ومَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لا يُحَاطُ بِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ حَمْلُهُ عَلَى الاجْتِهَادِ، وَمَنْ خَصَّ مُعَيَّناً مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ بُدِئَ بِهِ.
الْهِبَةُ
أأَرْكَانُهَا - ثَلاثَةٌ - صِيغَةٌ وَشِبْهُهَا مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ فِي الإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَمِثْلُهَا: الْعُمْرَى - كَقَوْلِهِ: أَعْمَرْتُكَ دَارِي أَوْ ضَيْعَتِي وَهِيَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ حَيَاتَهُ فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ لِلْوَاهِبِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ كَوَقْفٍ غَيْرِ مُؤَبَّدٍ.
والرُّقْبَى: غَيْرُ جَائِزَةٍ - مِثْلُ: إِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَدَارِي لَكَ، فَإِنْ مِتَّ قَبْلِي فَدَارُكَ لِي.
الثَّانِي: الْمَوْهُوبُ - كُلُّ مَمْلُوكٍ يَقْبَلُ النَّقْلَ [فَيَصِحُّ هِبَةُ] الْمَجْهُولِ وَالآبِقِ وَالْكَلْبِ وَالْمَرْهُونِ، وَيُخَيَّرُ الْمُرْتَهِنُ فِي إِمْضَائِهَا فَإِنْ لَمْ يَمْضِ فَفِي جَبْرِهِ عَلَى افْتِكَاكِهِ مُعَجَّلاً إِنْ كَانَ لا يَجْهَلُ أَنَّ الْهِبَةَ لا تَتِمُّ إِلا بِتَعْجِيلِهِ: قَوْلانِ، وَعَلَى النَّفْيِ يَحْلِفُ مَا قَصَدَ التَّعْجِيلَ، وَيَقْضِي فِي الأَجَلِ إِنْ كَانَ مُوسِراً وَيَأْخُذُهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَتَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ، وَقَبْضُهُ فِي الرَّهْنِ مَعَ إِعْلامِ الْمَدِينِ بِالْهِبَةِ.
الْوَاهِبُ: مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ، وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَرِيضِ مِنْ ثُلُثِهِ وَشَرْطُ اسْتِقْرَارِهَا
لا لُزُومِهَا الْحَوْزُ كَالصَّدَقَةِ إِلا فِي صَدَقَةِ أَبٍ عَلَى صَغِيرٍ وَعَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ، وَتُحَازُ بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ حُصُولُهُ فِي حِصَّةِ جِسْمِهِ وَعَقْلِهِ وَقِيَامِ وَجْهِهِ، وَالْعَارِيَةُ وَالْقَرْضُ كَالْهِبَةِ فِي الْحَوْزِ؛ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَهُ وَهُوَ جَادٌّ فِيهِ أَوْ سَاعٍ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الْهِبَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حَوْزٌ وَصَحَّتْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: بَطَلَتْ فَإِنْ مَرِضَ أَوْ جُنَّ بَطَلَ الْقَبْضُ إِنِ اتَّصَلا بِالْمَوْتِ فَإِنْ صَحَّ فَلَهُ الطَّلَبُ الأَوَّلُ وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ قَبَضَ فِيهِمَا - فَثَالِثُهُمَا: وَصِيَّةٌ وَلا أَرَى قَوْلَ مَنْ جَعَلَهَا كُلَّهَا وَصِيَّةً وَلا قَوْلَ مَنْ أَبْطَلَهَا.
فَلَوْ أَفْلَسَ وَلَوْ بِحَادِثٍ بَطَلَتْ، وَبَقَاؤُهُ فِي الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ بِاكْتِرَاءٍ أَوْ إِعْمَارٍ أَوْ إِرْفَاقٍ حَتَّى مَاتَ مُنَافٍ لِلْحَوْزِ، وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ هِبَةِ الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَةُ لِلزَّوْجِ دَارَ سُكْنَاهُمَا لأَنَّ الْيَدَ فِي السُّكْنَى لِلزَّوْجِ، وَأَمَّا الْخَادِمُ عِنْدَهُمَا وَمَتَاعُ الْبَيْتِ يَهَبُهُ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ لازِمٌ، وَرَوَى أَشْهَبُ: أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ.
وَلَوْ حَازَهَا ثُمَّ أَجَّرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا الْوَاهِبُ فَرَجَعَ إِلَيْهَا عَنْ قُرْبٍ بَطَلَتْ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ فَقَوْلانِ 1،
وَلَوْ رَجَعَ مُخْتَفِياً أَوْ ضَيْفاً فَمَاتَ لَمْ تَبْطُلْ وَلَوْ كَانَ عَنْ قُرْبٍ، وَلَوْ بَاعَ الْوَاهِبُ فَإِنْ عَلِمَ نَفَذَ وَالثَّمَنُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ رَدَّ وَهُوَ عَلَى طَلَبِهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ عِلْمِهِ فَفِي بُطْلانِهَا قَوْلانِ.
وَاضْطَرَبَ فِيهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ، فَلَوْ كَانَ وَهَبَهَا وَحَازَهَا الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلأَوَّلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ وَالْحَائِزُ أَوْلَى.
فَإِنْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ الأَمَةَ أَوِ اسْتَوْلَدَهَا فَفِي رَدِّهِ وَتَقْوِيمِ الأَمَةِ: قَوْلانِ.
وَفِي بَيْعِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَهِبَتِهِ: قَوْلانِ - بِخِلافِ الْعِتْقِ، وَمَنْ حَبَسَ دَاراً أَوْ دُوراً وَهُوَ فِي بَعْضِهَا وَحِيزَ الْبَاقِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا حِيزَ لَزِمَ دُونَ الْبَاقِي، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ كَثِيراً لَزِمَ الْجَمِيعَ، وَإِلا فَلا، وَفِي جَعْلِ هِبَةِ الْمَغْصُوبِ كَالدَّيْنِ،
وَجَوَّزَهُ 1 بِالإِشْهَادِ: قَوْلانِ.
وَاخَتَارَهُ سَحْنُونٌ وَأَنْكَرَهُ يَحْيَى، وَفِي هِبَةِ الْمُودَعِ لَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ قَوْلانِ، وَكَذَلِكَ مَنْ وُهِبَ لَهُ فَقَبَضَ حَتَّى يَتَرَوَّى 2 ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ.
وَلَو تَصَدَّقَتْ بِصَدَاقِهَا فَقَبِلَهُ ثُمَّ مَنَّتْ عَلَيْهِ فَرَدَّ كِتَابَهَا أَوْ أَشْهَدَ لَهَا فِي غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ لأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ تُقْبَضْ.
وَإِذَا وَهَبَهُ مَا تَحَتَ يَدِ الْمُودَعِ وَمَاتَ وَعَلِمَ الْمُودَعُ صَحَّتْ، بِخِلافِ مَا وَهَبَهُ مِمَّا تَحْتَ يَدِ وَكِيلِهِ فَإِنَّهُ لا يَصِحُّ إِلا مَا قَبَضَ، وَما تَحْتَ يَدِ الْمُخْدَمِ وَالْمُسْتَعِيرُ كَالْمُودَعِ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ ابْنُ الْقَاسِمِ عِلْمَهُمَا بِخِلافِ الْمُودِعِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ لا يَحُوزَ لِلْمَوْهُوبِ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الإِخْدَامُ وَالْهِبَةُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَهُوَ حَوْزٌ لَهُ، وَإِلا.
وَمَا تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ لَيْسَ بِحَوْزٍ، إِلا أَنْ يَهَبَ الإِجَارَةَ - فَقَالَ أَشْهَبُ: الْمُسْتَأْجِرُ كَالْمُودَعِ.
وَالْمُرْسِلُ هَدِيَّةً يَمُوتُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وُصُولِهَا - فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَرْجِعُ لِلْمُهْدِي 3: أَوْ لِوَرَثَتِهِ وَعُلِّلَ بِفَوَاتِ الْحَوْزِ أَوْ بِعَدَمِ الْقَبُولِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ بِخِلافِ مَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ لِمَنْ حَوْزُهُ حَوْزاً لَهُمْ كَصِغَارِهِ وَأَبْكَارِ بَنَاتِهِ مَضَتْ.
وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ الْحَاجُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْهَدِيَّةِ لأَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ كَذَلِكَ.
[
وَ] الْهِبَةُ قِسْمَانِ - مُقَيَّدٌ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، وَمُطْلَقٌ - الأَوَّلُ: قِسْمَانِ - لِلْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ - وَقِيلَ: مُطْلَقاً - فَاتَ الرُّجُوعُ، وَلَوْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَكَذَلِكَ وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ مَرِضَ الأَبُ فَلَهُ، قَالَ: وَأَيْضاً فَلَيْسَ 4 لَهُ، وَقَالَ: وَأَمَّا الابْنُ فَلا أَدْرِي وَعَلَى
إِفَاتَتِهِ لَهُ زَالَ - فَفِي عَوْدِ الرُّجُوعِ: قَوْلانِ.
وَلَوْ وُهِبَ عَلَى هَذِهِ الأَحْوَالِ - فَفِي إِفَاتَتِهَا الرُّجُوعَ: قَوْلانِ، وَتَغَيُّرُ السُّوقِ لا يُفِيتُ، وَفِي زِيَادَةِ عَيْنِهَا وَنُقْصَانِهَا، قَوْلانِ، وَلَوْ وَلدَتِ الأَمَةُ لَمْ يُعْتَصَرِ الْوَلَدُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: إِلا بِفَوْرِ الْوِلادَةِ، وَالْحَمْلُ مِنْهُ مُفِيتٌ؛ وَفِي مُجَرَّدِ الْوَطْءِ: قَوْلانِ.
الثَّانِي: مَا يَقْصِدُ بِهِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى 1 مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ أَوْ لِفَقِيرٍ أَوْ يَتِيمٍ وَنَحْوِهِ فَلا اعْتِصَارَ فِيهِ لأَبٍ وَلا لِأُمٍّ وَلا لغَيْرِهِمَا لأَنَّهُ صَدَقَةٌ، وَلا يَنْبِغِي لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِوَجْهٍ إِلا بِمِيرَاثٍ وَلا يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَلا يَرْكَبُهَا.
وَأَمَّا الْمُطْلَقُ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ فَإِنِ اخْتَلَفَا حُكِمَ بِالْعُرْفِ مَعَ الْيَمِينِ فَإِنْ أَشْكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ إِلا قِيمَتُهَا قَائِمَةً أَوْ فَائِتَةً.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لِلْوَاهِبِ أَنْ يَأْبَى إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً.
وَفِي تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ - ثَالِثُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: إِلا الْحَطَبَ وَالتِّبْنَ وَشِبْهَهُ.
وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الثَّوَابِ بَعْدَ تَعْيِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ، وَإِذَا صَرَّحَ بِالثَّوَابِ - فَإِنْ عَيَّنَهُ فَبَيْعٌ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ فَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ.
كِتَابُ اللُّقَطَةِ
اللُّقَطَةُ كُلُّ مَالٍ مَعْصُومٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ فِي عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ فَلا تُلْتَقَطُ الإِبِلُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَفِي إِلْحَاقِ الْبَقَرِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ - ثَالِثُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: تُلْحَقُ الْبَقَرُ دُونَهَا.
وَيُلْتَقَطُ الْكَلْبُ، وَالْمَتَاعُ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ، وَالْمَطْرُوحُ خَوْفَ الْغَرَقِ، وَبِالْفَلاةِ تُقَدَّمُ الرَّاحِلَةُ لأَرْبَابِهَا وَعَلَيْهِمْ أُجْرَةُ حَمْلِهِ.
وَالالْتِقَاطُ حَرَامٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ خِيَانَةَ نَفْسِهِ، وَمَكْرُوهٌ لِلْخَائِفِ.
وَفِي الْمَأْمُونِ: الاسْتِحْبَابُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالاسْتِحْبَابُ فِيمَا لَهُ بَالٌ، وَالوُجُوبُ: إِنْ خَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ فَإِنْ أَخَذَهَا لِيَحْفَظَهَا ثُمَّ رَدَّهَا ضَمِنَهَا.
وَهِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبِ.
وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا سَنَةً عَقِيبَهُ فِي مَظَانِّ طَلَبِهَا فِي الْجَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهِمَا فِي كُلِّ يَوْمِينِ أَوْ ثَلاثَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ.
أَوْ يَسْتَأْجِرُ مِنْهَا إِنْ كَانَ مِثْلَهُ لا يُعَرِّفُ وَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بَعْدَهَا أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهَا ضَامِناً لَهَا.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ [رَحِمَهُ اللهُ
]: إِلا مَكَّةَ فَلا يُتَمَلَّكُ لُقَطَتُهَا لِلْحَدِيثِ، وَالْمَذْهَبُ خِلافُهُ، أَوْ يُبْقِيَهَا أَمَانَةً.
وَأَمَّا التَّافِهُ فَلا يُعَرَّفُ، وَأَمَّا مَا فَوْقَهُ مِنْ نَحْوِ مَخْلاةٍ وَدَلْوٍ - فَقِيلَ: يُعَرِّفُ بِهِ أَيَّاماً مَظِنَّةَ طَلَبِهِ، وَقِيلَ: سَنَةً كَالْكَثِيرِ.
وَأَمَّا مَا يَفْسُدُ كَالطَّعَامِ فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ
فِي رُفْقَةٍ لَهُ فِيهِمْ قِيمَةٌ - فَثَالِثُهَا: يَضْمَنُهُ إِنْ أَكَلَهُ وَلا يَضْمَنُ إِنْ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِلا أَكَلَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
وَالشَّاةُ بِمَكَانٍ يُخْشَى عَلَيْهَا وَيَعْسُرُ حَمْلُهَا كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَنَافِعُهَا وَغَلاتُهَا فَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ حِلابُ الشَّاةِ وَلا يُتْبَعُ إِلا بِهَا وَبِنَسْلِهَا، وَقِيلَ: إِلا أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَمَنٌ.
وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ الْبَقَرَ وَغَيْرَهَا فِي عُلُوفَتِهَا كِرَاءً مَأْمُوناً وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ إِلَى مَوْضِعِهِ، ثُمَّ إِنْ رَكِبَهَا بَعْدُ ضَمِنَهَا.
وَلَهُ بَيْعُ مَا يَخَافُ ضَيْعَتَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ بِخِلافِ مَا لا مُؤْنَةَ فِي بَقَائِهِ، وَلَيْسَ لِحَبْسِهِ إِيَّاهَا حَدٌّ إِلا عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَربُّهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ غُرْمِ النَّفَقَةِ وَإِسْلامِهَا فِيهَا فَتَكُونُ كَالْبَائِعِ.
وَيَجِبُ رَدُّهَا بِالْبَيِّنَةِ وَبِالإِخْبَارِ بِصِفَتِهَا مِنْ نَحْوِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا وَهُمَا الْمَشْدُودُ فِيهِ وَبِهِ.
وَفِي اعْتِبَارِ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ: قَوْلانِ، وَفِي إِلْزَامِهِ الْيَمِينَ مَعَ الصِّفَةِ: قَوْلانِ.
وَيُجْتَزَأُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْمُغَلِّبَةِ عَلَى الظَّنِّ عَلَى الأَصَحِّ.
وَيُسْتَأْنَى فِي الْوَاحِدَةِ، وَإِذَا وَصَفَهَا اثْنَانِ بِمَا يَأْخُذُهَا بِهِ الْمُنْفَرِدُ تَحَالَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا أَخَذَهَا الْحَالِفُ.
وَلَوْ دَفَعَهَا بِصِفَةٍ أَوْ بَيِّنَةٍ ثُمَّ وَصَفَهَا ثَانٍ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً فَلا شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ لَمْ يُشْهِدْ بِالْقَبْضِ عَلَى الْوَاصِفِ ضَمِنَ وَلِصَاحِبِهَا أَخْذُهَا بَعْدَ السَّنَةِ أَيْضاً حَيْثُ 1 وَجَدَهَا بِيَدِ الْمُبْتَاعِ مِنَ الْمُلْتَقِطِ لا الْمَسَاكِينِ بَعْدَ السَّنَةِ - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَأْخُذُ الثَّمَنَ لا غَيْرُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ كَانَ بَاعَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ.
فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ تَمَلُّكِهَا أَوْ تَصَدُّقِهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ ذَلِكَ أَمْرَ مِثْلِهَا، فَإِنْ وَجَدَهَا نَاقِصَةً بَعْدَهُا (1) خُيِّرَ بَيْنَ أَخْذِهَا نَاقِصَةً وَقِيمَتِهَا مِنَ الْمُلْتَقِطِ، وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي عَيْنِهَا إِنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إِلا أَنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِأَيْدِيهِمْ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا سِوَاهَا.
وَإِذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ عَبْداً فَمَا وَجَبَ بِالتَّعَدِّي فَفِي رَقَبَتِهِ كَالْجِنَايَةِ، وَبِغَيْرِهِ فَفِي ذِمَّتِهِ.
كِتَابُ اللَّقِيطِ
وَاللَّقِيطُ - طِفْلٌ ضَائِعٌ لا كَافِلَ لَهُ.
وَالْتِقَاطُهُ: فَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَيَنْبَغِي الإِشْهَادُ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ بَعْدَ أَخْذِهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ لِيَرْفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: يَعْنِي إِنْ كَانَ مُوضَعاً مَطْرُوقاً وَيُوقِنُ أَنَّ غَيْرَهُ يَأْخُذُهُ.
وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ الْتِقَاطٌ إِلا بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَوَلاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَيُنْتَزَعُ اللَّقِيطُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلامِهِ مِنَ الذِّمِّيِّ، وَإِذَا ازْدَحَمَ اثْنَانِ فَالسَّابِقُ ثُمَّ الأَوَّلُ وَإِلا فَالْقُرْعَةِ، وَعَلَى الْمُلْتَقِطِ حَضَانَتُهُ، وَأَمَّا نَفَقَتُهُ فَمِنْ مَالِهِ مِنْ وَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ شَيْءٍ كَانَ تَحْتَهُ أَوْ مَلْفُوفاً مِمَّا يَظْهَرُ أَنَّهُ وُضِعَ لَهُ وَإِلا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى الْمُلْتَقِطِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغَنَى - فَإِنْ ثَبَتَ لَهُ أَبٌ.
بِالْبَيِّنَةِ طَرَحَهُ عَمْداً لَزِمَتْهُ إِلا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ حِسْبَةً فَلا رُجُوعَ فَإِنْ أَشْكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْفِقِ.
وَيُحْكَمُ بِإِسْلامِ اللَّقِيطِ فِي قُرَى الْمُسْلِمِين وَمَوَاضِعِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قُرَى الشِّرْكِ فَمُشْرِكٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُ بَيْتَيْنِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَمُشْرِكٌ إِلا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ، [وقَالَ أَشْهَبُ: يُحْكَمُ بِإِسْلامِهِ كَحُرِّيَّتِهِ لِلاحْتِمَالِ.
وَفِي اسْتِلْحَاقِ الْمُلْتَقِطِ 1 الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ: قَوْلانِ.
وَفِي [مُسْلِمٍ] غَيْرِهِ -
ثَالِثُهَا: إِنْ أَتَى بِوَجْهٍ لَحِقَ بِهِ كَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ طَرَحَهُ لأَنَّهُ لا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَسَمِعَ أَنَّهُ إِذَا طَرَحَهُ عَاشَ.
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلا تَلْحَقُهُ إِلا بِبَيِّنَةٍ.
وَفِي الْمَرْأَةِ - ثَالِثُهَا: تُصَدَّقُ وَإِنْ كَانَ (2) مِنْ زِنًى وَتُحَدُّ.
وَاللَّقِيطُ حُرٌّ وَلا يُرَقُّ إِلا بِبَيِّنَةٍ لا بِإِقْرَارٍ.
كِتَابُ الأَقْضِيَةِ
وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِذَا انْفَرَدَ بِشَرَائِطِهِ تَعَيَّنَ وَصِفَاتُهُ ثَلاثَةٌ - شَرْطٌ وَاجِبٌ، وَمُوجِبٌ لِلْعَزْلِ، غَيْرُ شَرْطٍ وَمُسْتَحَبٌّ.
الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ ذَكَراً حُرّاً بَالِغاً عَاقِلاً مُسْلِماً عَدْلاً مُجْتَهِداً فَطِناً - فَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ [مُجْتَهِدٌ] فَمُقَلِّدٌ فَيَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ، وَقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ إِلا بِاجْتِهَادِهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: الْعَدْلُ مِنَ الثَّانِي، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْعَالِمُ مِنَ الثَّالِثِ.
الثَّانِي: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلامُ وَلا نَصَّ فِي الْكِتَابَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الثَّالِثِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ وَرِعاً غَنِيّاً لَيْسَ بِمِدْيَانٍ بَلَدِيّاً مَعْرُوفَ النَّسَبِ غَيْرَ مَحْدُودٍ حَلِيماً مُسْتَشِيراً لا يُبَالِي لَوْمَةَ لائِمٍ سَلِيماً مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ.
فَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ زِيَاداً لذَلِكَ.
وَلَوْ تَجَرَّدَ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ عَنْ إِذْنِ الاسْتِخْلافِ [لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتخِلافٌ]، وَقِيلَ: إِلا فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِمَا يُسْتَخْلَفُ فِيهِ، وَلِلإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَأْيِهِ فِي الاجْتِهَادِ وَفِي التَّقْلِيدِ، وَلَوْ شَرَطَ الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ كَانَ اشْتِرَاطاً بَاطِلاً، وَالتَّوْلِيَةُ صَحِيحَةٌ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَ فِي سِجِلاتِ قُرْطُبَةَ - وَلا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ فِي الْبَلَدِ قَاضِيَانِ فَأْكَثَرُ - كُلٌّ مُسْتَقِلٌ أَوْ مُخْتَصٌ بِنَاحِيَةٍ أَوْ بِنَوْعٍ - فَلَوْ تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي الاخْتِيَارِ فَالْقُرْعَةُ وَالتَّحْكِيمُ مَاضٍ فِي الأَمْوَالِ،
وَمَعْنَاهَا كَحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَفِي اشْتِرَاطِ دَوَامِ الرِّضَا إِلَى حِينِ نُفُوذِ الْحُكْمِ: قَوْلانِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: يُشْتَرَطُ إِلَى أَنْ يَنْشَبَا، فَلَوْ حُكِّمَ فِي غَيْرِ الأَمْوَالِ فَحَكَمَ فَقَتَلَ [أَوِ اقْتَصَّ] أَوْ حَدَّ أَوْ لاعَنَ أُدِّبَ وَمَضَى مَا لَمْ يَكُنْ جَوْراً بَيِّناً، فَلَوْ حَكَّمَا عَبْداً أَوِ امْرَأَةً أَوْ مَسْخُوطاً - فَقَوْلانِ، بِخِلافِ الْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُوَسْوِسِ.
فَلَوْ حَكَّمَ خَصْمُهُ - فَثَالِثُهَا: يَمْضِي مَا لَمْ يَكُنِ الْمُحَكِّمُ الْقَاضِيَ وَيَجُوزُ الْعَزْلُ لِمَصْلَحَةٍ، وَالْمَشْهُورُ الْعَدَالَةُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعْزَلَ لِمُجَرَّدِ الشَّكِيَّةِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: أَحَبُّ إِلَيَّ 1 أَنْ يُعْزَلَ إِنْ وُجِدَ بَدَلُهُ وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ سَعْداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ أَعْدَلُ مَنْ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا عَزَلَهُ عَنْ سُخْطٍ فَلْيُظْهِرْهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ فَلْيُبِرَّهُ وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ شُرَحْبِيلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ: أَعَنْ سُخْطٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: لا، وَلَكِنْ وَجَدْتُ أَقْوَى مِنْكَ، فَقَالَ: إِنَّ عَزْلَكَ عَيْبٌ فَأَخْبِرِ النَّاسَ بِعُذْرِي فَفَعَلَ.
وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَخْلِفُ لَمْ يَنْعَزِلْ مُسْتَخْلِفُوهُ وَلَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الْعَزْلِ قَضَيْتُ بِكَذَا أَوْ شَهِدَ بِأَنَّه قَضَى لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمَحْبُوسِينَ وَالأَوْصِيَاءِ وَأَمْوَالِ الأَيْتَامِ وَيَخْتَارَ الْكَاتِبَ وَالْمُزَكِيَّ وَالْمُتَرْجِمَ وَيَتَّخِذَ مَجْلِساً يَصِلُ إِلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمَرْأَةُ [فِي الْمُدَوَّنَةِ] وَالقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْحَقِّ وَالأَمِرِ الْقَدِيمِ.
وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْقُضَاةِ لا يَجْلِسُونَ إِلا فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ، فَسُمِّيَتْ رَحْبَةَ الْقُضَاةِ وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهُ فِي مَسَاجِدِ الأَمْصَارِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ لِيَصِلَ إِلَيْهِ الْحَائِضُ وَالذِّمِّيُّ، وَلا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيُعَزِّرُ التَّعْزِيرَ الْيَسِيرَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكْثِرَ فَيُخْطِئَ وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ أَيَّامَ النَّحْرِ وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ سَفَرِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ وَفِي كَثْرَةِ الْمَطَرِ وَالْوَحْلِ لأَنَّهُ يَضُرُّ بِالنَّاسِ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ
وَبيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَفِي كَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مُرُورِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ: قَوْلانِ، وَلا يَحْكُمُ فِي حَالِ غَضَبٍ وَلا جُوعٍ وَلا مَا يُدْهِشُ عَنْ تَمَامِ الْفِكْرِ، وَيَنْبِغِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَحضَرِ (1) الْعُدُولِ لِيَنْقُلُوا الإِقْرَارَ فَيَحْكُمُ بِهِ وَيَكْتُبُهُ خَشْيَةَ نِسْيَانِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَمُحَمَّدٌ: وَبِمَحْضَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمُشَاوَرَتِهِمْ كَعُثْمَانَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]، وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا يَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَهُمْ وَلَكِنْ يَسْتَشِيرُهُمْ كَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَلا يَنْبَغِي لِقَاضٍ أَنْ يَثِقَ بِرَأْيِهِ فَيَتْرُكَ الْمُشَاوَرَةَ، وَلا يَسْتَكْبِرُ 2 عَنْهَا فَقَدْ سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمَنْبَرِ عَنِ الْجَدَّةِ، وَعُمَرُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] عَنِ الجَدِّ وَسَأَلَ عَنْ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، وَلا يُفْتِي الْحَاكِمُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا بَأْسَ بِهِ كَالْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ]، وَلا يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ وَلا بِوَكِيلٍ مَعْرُوفٍ، وَيُتَوَرَّعُ عَنِ الْعَارِيَةِ وَالسَّلَفِ وَالْقِرَاضِ وَالإِبْضَاعِ وَالْوَلائِمِ إِلا وَلِيمَةَ النِّكَاحِ الْعَامَّةَ وَلا بَأْسَ بأَكْلِهِ فِيهَا، وَلا يَقْبَلُ هَدِيَّةً مُطْلَقاً وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا أَضْعَافَهَا إِلا مِنْ وَلَدِهِ وَوَالَدِهِ وَأَشْبَاهِهِمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ وَالْمُصَاحِبِينَ وَالْمُلازِمِينَ فِي غَيْرِ 3 حَاجَةٍ وَيُخَفِّفُ مِنَ الأَعْوَانِ مَا اسْتَطَاعَ.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّبَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إِذَا أَسَاءَ عَلَى الآخَرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَيَنْبَغِي ذَلِكَ أَيْضاً إِذَا أَسَاءَ عَلَى الْحَاكِمِ إِلا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي وَشِبْهِهِ فَلا يُعْظِمُ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يَقُولُ الناسُ فِي أَحْكَامِهِ وَشُهُودِهِ وَسِيرَتِهِ فَإِنَّ فِيهِ قُوَّةً عَلَى أَمْرِهِ.
وَإِذَا صَحَّ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالزُّورِ وَيَأْخُذُ الْجُعْلَ 4 عَزَّرَهُ عَلَى الْمَلَأِ وَلا يَحْلِقُ لَهُ رَأْساً وَلا لِحْيَةً، فَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَداً لأَنَّهُ لا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ.
وَفِي جَوَازِ حُكْمِ الْحَاكِمِ لِمَنْ لا تَجُوزُ لَهُ شَهَادَتُهُ - ثَالِثُهَا: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: - إِلا لِزَوْجَتِهِ وَيَتِيمِهِ الَّذِي يَلِي مَالَهُ وَلا يَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ وَلا يَتَعَقَّبُ
أَحْكَامَ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَلا يَنْقُضُ مِنْهَا إِلا مَا خَالَفَ الْقَطْعَ أَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّ لَهُ فِيهِ رَأْياً فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْواً، وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَيَتَعَقَّبُهَا وَيَمْضِي [مِنْهُ] مَا لَمْ يَكُنْ جَوْراً، وَتُنْبَذُ أَحْكَامُ الْجَائِرِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: وَهُوَ كَالْجَاهِلِ.
وَنَقْلُ الأَمْلاكِ وَنَسْخُ الْعُقُودِ وَشِبْهُهُ وَاضِحٌ أَنَّهُ حُكْمٌ، وَفَتْوَاهُ فِي وَاقِعَةٍ وَاضِحٌ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ.
وَفِي مِثْلِ تَقْرِيرِ نَكَاحِ بِلا وَلِيٍّ رُفِعَ إِلَيْهِ فَأَقَرَّهُ - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حُكْمٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَلَوْ قَالَ: لا أُجِيزُهُ وَلَمْ يَفْسَخْهُ فَفُتْيَا.
وَالْحُكْمُ بِالْفَسْخِ لِمَعَارِضٍ اجْتِهَادِيٍّ لا يَقْتَضِي الْفَسْخَ إِذَا تَجَدَّدَ السَّبَبُ ثَانِياً بَلْ يَكُونُ مُعَرِّضاً لِلاجْتِهَادِ - كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ، وَنِكَاحِ امْرَأَةٍ فِي عِدَّتِهَا وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحاً مَعَ بَيْعٍ أَوْ مَعَ إِجَارَةٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُ حُكْمِ نَفْسِهِ فِيمَا يَنْقُضُ فِيهِ حُكْمَ غَيْرِهِ وَفِيمَا لَهُ فِيهِ رَأْيٌ فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْواً فَلَوْ حَكَمَ قَصْداً فَظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُهُ أَصْوَبُ - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُفْسَخُ الأَوَّلُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ: لا يَجُوزُ فَسْخُهُ وَصَوَّبَهُ الأَئِمَّةُ كَابْنِ مُحْرِزٍ وَلا يَمْضِي فَسْخَ حُكْمِ غَيْرِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَجْهُ فَسْخِهِ اتِّفَاقاً، وَفِي فَسْخِ حُكْمٍ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ: قَوْلانِ.
وَلا يُحِلُّ الْقَضَاءُ حَرَاماً كَمَنْ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَحُكِمَ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ لِلْمَالِكِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ.
وَإِذَا أَشْكَلَ عَلَى الْحَاكِمِ أَمْرٌ تَرَكَهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: لا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِالصُّلْحِ.
وَلا يَحْكُمُ بِالتَّخْمِينِ فَإِنَّهُ فِسْقٌ وَجَوْرٌ.
وَلا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ مُطْلَقاً، [وَقَالَ] ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ: إِلا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ - فَقَوْلانِ.
فَلَوْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ فِي غَيْرِهِ فَفِي فَسْخِهِ: قَوْلانِ.
وَأَمَّا مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْخُصُومَةِ فَحَكَمَ بِهِ فَلا يُنْقَضُ، فَلَوْ أَنْكَرَ بَعْدَ
إِقْرَارِهِ - فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ: يَحْكُمُ فَلَوْ أَنْكَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ لَمْ يُفِدْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفِي الْجَلابِ: إِذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ حَكَمَ فَأَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ إِلا بِبَيِّنَةٍ عَلَى حُكْمِهِ.
وَيَعْتَمِدُ الْحَاكِمُ عَلَى عِلْمِهِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ اتِّفَاقاً وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورُ الْعَدَالَةِ وَالْجَرْحَةِ، [فَلَوْ أَمَرَ 1 بِأَمْرٍ وَنَسِيَ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ أَمْضَاهُ عَلَى الأَصَحِّ كَمَا يَمْضِيهِ غَيْرُهُ اتِّفَاقاً، وَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَينِ فِي الْمَجْلِسِ وَالنَّظَرِ وَالسَّلامِ وَغَيْرِهِ مُطْلَقاً، وَقِيلَ: لَهُ رَفْعُ المُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ وَإِذَا سَكَتَ الْخَصْمَانِ أَمَرَ الْمُدَّعِيَ بِالْكَلامِ، فَإِذَا انْتَهَى طَالَبَ بِالْجَوَابِ فَإِنْ أَقَرَّ فَلِلْمُدَّعِي الإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَلِلْحَاكِمِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ قَالَ: لا وَاسْتَحْلَفَهُ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ عَلَى الأَشْهَرِ إِلا أَنْ يَظْهَرَ عُذْرُهُ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ تَنَازَعَا فِي الابْتِدَاءِ فَالْجَالِبُ [فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أُمِرَ بِالانْصِرَافِ فَمَنْ أَبَى إِلا الْمُحَاكَمَةَ فَهُوَ الْمُدِّعِي] فَإِنْ أَبَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَيَحْكُمُ بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَهُ أَبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ؟ فَيَقُولُ: لُا، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ أَنْظَرَهُ مَا لَمْ يَتَبَيِّنْ لَدَدُهُ ثُمَّ هُوَ عَلَى حُجَّتِهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ، وَإِذَا حَكَمَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لا حُجَّةَ لِي فَأَتَى بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: عِنْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: لا مُطْلَقاً.
وَإِذَا تَزَاحَمَ الْمُدَّعُونَ فَالسَّابِقُ ثُمَّ الْقُرْعَةُ إِلا الْمُسَافِرَ وَما يُخْشَى فَوَاتُهُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتاً أَوْ يَوْماً لِلنِّسَاءِ، وَالْمُفْتِي كَذَلِكَ، وَإِنْهَاؤُهُ إِلَى حَاكِمٍ آخَرَ بِالإِشْهَادِ وَالْمُشَافَهَةِ، فَالإِشْهَادُ يَكُونُ بِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقاً، وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَبِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ إِنْ كَانَ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ، وَاسْتُحِبَّ أَنْ تَكُونَ بِكِتَابٍ مَخْتُومٍ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ حَتَّى لَوْ شَهِدَ بِخِلافِهِ أَمْضَي، فَلَوْ قَالَ: أَشْهَدْتُكَمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ خَطِّي أَوْ حُكْمِي - فَرِوَايَتَانِ، وَمِثْلُهُ لَوْ أَقَرَّ مُقِرٌّ بِمِثْلِهِ.
وَتُؤَدَّى عِنْدَ مَنْ كُتِبَ إِلَيْهِ وَغَيْرِهِ، وَيُمَيِّزُ اسْمَ الْغَائِبِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَحِلْيَتِهِ وَحِرْفَتِهِ وَنَحْوِهَا
مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ آخَرُ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَتَعَيَّنَ بِوَجْهٍ، وَالْمُشَافَهَةُ بِأَنْ يَكُونَا قَاضِيَيْنِ لِبَلَدٍ وَاحِدٍ، أَوْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِ وِلايَتِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَمِعُ فِي غَيْرِهَا لَمْ تُسْمَعْ، وَلَوْ كَانَ السَّامِعُ فَهِيَ شَهَادَةٌ وَلا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ بِهَا كَغَيْرِهَا، وَلَوِ اقْتَصَرَ الأَوَّلُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَأَشْهَدَ بذَلِكَ وَجَبَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُنْهَىَ إِلَيْهِ الإِتْمَامُ مِنَ التَّعْدِيلِ وَالْحُكْمِ، وَأَمَّا الْكِتَابُ الْمُجَرَّدُ فَلا أَثَرَ لَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: كَانَ مِنَ الأَمْرِ الْقَدِيمِ إِجَارَةُ الْخَوَاتِمِ حَتَّى حَدَثَ الاتِّهَامُ فَأُحْدِثَتِ الشَّهَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: كَذَلِكَ إِلا فِي الْقَرِيبِ كَإِعْرَاضِ الْمَدِينَةِ إِلَى قَاضِيهَا فِي الْحَقِّ الْيَسِيرِ فَإِنَّهُمْ بَقَوْا عَلَى الاجْتِزَاءِ بِالْخَطِّ وَالْخَوَاتِمِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِلا فِي الْقَرِيبِ وَأَطْلَقَ.
وَيَجِبُ قَبُولُ مَا يَرِدُ إِلَيْهِ عَنِ الْحَاكِمِ فِي الْمَالِ وَالْقِصَاصِ وَالْعُقُوبَاتِ (1) وَغَيْرِهَا إِنْ كَانَ أَهْلاً، وَرَدَّهُ إِنْ كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ فَإِنْ جَهِلَهُ قَبْلَهُ إِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الأَمْصَارِ، وَكَشَفَ عَنْهُ إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ تُسْمَعَ الْبَيِّنَةُ حَضَرَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ ثُمَّ يَعْلَمُ بِهِمْ 2، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَدْفَعٌ وَإِلا قُضِيَ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَرَهَا سَحْنُونٌ إِلا بِمَحْضَرِهِ إِلا أَنْ يَكُونَ غَائِباً غَيْبَةً بَعِيدَةً، وَيَحْكُمُ بِالدَّيْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَمِيَّزُ غَائِباً بِالصِّفَةِ كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَدَّعِ الْحُرِّيَّةَ أَوْ يَدَّعِيهِ ذُو يَدٍ.
وَفِي الْعَقَارِ - ثَالِثُهَا: فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ، وَالْيَمِينُ عَلَى عَدَمِ الإِبْرَاءِ وَالاسْتِيفَاءِ وَالاعْتِيَاضِ وَالإِحَالَةِ [والاحْتِيَالِ] وَالتَّوْكِيلِ عَلَى الاقْتِضَاءِ فِيهِ وَفِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ: وَإِنَّهُ عَلَيْهِ إِلَى الآنَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ غَائِباً عَنِ الْبَلَدِ أَوْ مُتَوَارِياً أَوْ مُتَعَزِّزاً، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إِنْ كَانَ لَهُ بِالْبَلَدِ مَالٌ أَوْ حَمِيلٌ أَوْ وَكِيلٌ وَإلا نُقِلَتِ الشَّهَادَةُ.
وَيُجْلَبُ الْخَصْمُ مَعَ مُدَّعِيهِ بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوِيِّ، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَجْلِبْهُ مَا لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدٌ فَيُكْتَبُ إِلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَحْضَرَ أَوْ يُرْضِيَ.
وَلا يَلْزَمُ مَنْ يُزْرِي بِهَا حُضُورُ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ أَنْ تَحْضُرَ لِتَحْلِفَ وَلَوْ 1 كَانَتْ تَتَصَرَّفُ، وَيَبْعَثُ الْحَاكِمُ مَنْ يُحَلِّفُهَا، فَإِنْ كَانَ فِيمَا لَهُ بَالٌ فَفِي الْمَسْجِدِ لَيْلاً.
وَإِذَا مَسَّتْ يَتِيماً حَاجَةٌ وَلَهُ رِبَاعٌ فِي وِلايَةٍ أُخْرَى كَتَبَ بِحَاجَتِهِ، وَقُضِيَ بِبَيْعِ أَقَلِّهَا رَدّاً عَلَيْهِ وَتَنْفِيذاً لِثَمَنِهِ [الثَّمَنُ].
كِتَابُ الشَّهَادِةِ
وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ حُرّاً مُسْلِماً بَالِغاً عَاقِلاً عَدْلاً مُسْتَعْمِلاً لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ، وَفِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُوَلًّى عَلَيْهِ لِسُوءِ نَظَرِهِ فِي الْمَالِ لا بِجُرْحَةٍ خِلافٌ.
وَالْعَدَالَةُ: الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ فَإِنَّهَا فِسْقٌ.
وَلا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَلا تَأْوِيلٍ كَالْقَدَرِيِّ وَالْخَارِجِيِّ.
وَلا يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرٌ، وَلَكِنْ رُبَّ مَعْصِيَةٍ لا يُحَافِظُ مُرْتَكِبُهَا عَلَى دِينِهِ عَادَةً.
وَفِيهَا: لَوْ ثَبَتَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ شَرَبَةُ خَمْرٍ أَوْ أَكَلَةُ رِباً أَوْ [أَنَّهُمْ] مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ فِي غَيْرِ شَيْءٍ أَوْ أَصْحَابُ قِيَانٍ أَوْ مُجَّانٌ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ فَذَلِكَ يُسْقِطُهُ وَمَا يُشْبِهُهُ، وَيُشْتَرَطُ الإِدْمَانُ فِي التَّجْرِيحِ بِالشِّطْرَنْجِ عَلَى الأَصَحِّ وَالْمُرُوءَةُ الارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ لا يُحَافَظُ مِثْلُهُ إِذَا تَحَلَّتْ بِهِ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَاماً كَالإِدْمَانِ عَلَى لَعِبِ الْحَمَامِ وَالشِّطْرَنْجِ، وَكَالْحِرْفَةِ 1 الدَّنِيَّةِ مِنْ دِبَاغَةٍ وَحِجَامَةٍ وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَاراً مِمَّنْ لا تَلِيقُ بِهِ فَأَمَّا أَهْلُهَا أَوْ مَنِ اضْطُرَّ فَلا تَقْدَحُ، وَلا يُقْبَلُ عَبْدٌ وَلا كَافِرٌ مُطْلَقاً، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ
ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: هِيَ السُّنَّةُ، وَمَا أَدْرَكْتُ الْقُضَاةَ إِلا وَهُمْ يَحْكُمُونَ بِهَا - بِخِلافِ النِّسَاءِ فِي الْمَأْتَمِ وَالأَعْرَاسِ عَلَى الأَصَحِّ - وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَاراً مَحْكُوماً بِإِسْلامِهِمُ اثْنَيْنِ فَصَاعِداً مُتَّفِقَيْنِ غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ قَبْلَ تَفْرِيقِهِمْ إِلا أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ 1،
وَفِي اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ: قَوْلانِ، وَفِي قَبُولِهَا فِي الْقَتْلِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ [وَلا تَجْرِيحُهُمْ، وَفِي قَدْحِ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ: قَوْلانِ]، وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى كَبِيرٍ لِصَغِيرٍ وَلا عَلَى عَكْسِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَمَّا عَلَى صَغِيرٍ بِقَتْلِهِ فَتَجُوزُ، وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مَعَ حُضُورِ كَبِيرٍ - رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ - فَإِنْ كَانَ فَاسِقاً أَوْ كَافِراً أَوْ عَبْداً - فَقَوْلانِ.
وَيَعْتَمِدُ الْحَاكِمُ عَلَى عِلْمِهِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ اتِّفَاقاً، وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورُ الْعَدَالَةِ وَالْجُرْحَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الاسْتِزْكَاءُ مَهْمَا شَكَّ وَلَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِالْعَدَالَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَلا يُقْبَلُ فِي التَّعْدِيلِ إِلا الْفَطِنُ الَّذِي لا يُخْدَعُ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ وَلا يُقْبَلُ إِلا الْعَارِفُ بِوَجْهِ التَّعْدِيلِ وَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ عَدَالَتَهُ بِطُولِ الْمِحْنَةِ 2 وَالْمُعَاشَرَةِ لا بِالتَّسَامُعِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا صَحِبَهُ شَهْراً فَلَمْ يَعْلَمْ إِلا خَيْراً فَلا يُزَكِّيهِ بِهَذَا، وَلا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ سُوقِهِ وَأَهْلِ 3 مَحَلَّتِهِ إِذَا كَانَ فِيهِمْ عُدُولٌ.
وَفِي الْمُدَوَّنةِ: وَلا يُقْبَلُ فِي الْبَلَدِيِّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِخِلافِ الْغَرِيبِ، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَزَأَ بِتَعْدِيلِ الْعَلانِيَةِ بِخِلافِ السِّرِّ، قَالَ مَالِكٌ: وَلا أُحِبُّ أَنْ يَسَأَلَ فِي السِّرِّ أَقَلَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَلا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ وَحْدَهُ، وَيُسْمَعُ التَّجْرِيحُ فِي الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ بِاتِّفَاقٍ، وَيُسْمَعُ فِي الْمُبَرَّزِ - الْقَدْحُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَشِبْهِهِمَا، وَفِي قَبُولِ تَجْرِيحِهِ فِي الْعَدَالَةِ ثَلاثَةٌ لِمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ - ثَالِثُهَا: إِنْ كَانُوا مِثْلَهُ أَوْ أَعْدَلَ قُبِلَ.
وَيُؤَجَّلُ الْخَصْمُ لِلتَّجْرِيحِ ثُمَّ يُحْكَمُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لابْنِ الْقَاسِمِ: أَيَجْرَحُ الشَّاهِدُ سِرّاً؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ سَأَلَ ذُو الْحَقِّ
عَنِ الْمُجْرِحِ فَعَلَى الْحَاكِمِ إِخْبَارُهُ.
وَيَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضاً، وَقِيلَ: أَوْ أَعْرِفُهُ، وَقِيلَ: أَوْ أَرَاهُ عَدْلاً رِضاً، وَلا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ التَّعْدِيلِ، وَفِي سَبَبِ الْجَرْحِ - ثَالِثُهَا لِمُطَرِّفٍ إِنْ كَانَ عَالِماً بِوَجْهِهِ لَمْ يَجِبْ، وَرَابِعُهَا لأَشْهَبَ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُبَرَّزٍ لَمْ يَجِبْ.
وَلَوْ شَهِدَ فَزُكِّيَ ثُمَّ شَهِدَ - فَثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يُغْمَزْ فِيهِ بِشَيْءٍ لَمْ يَحْتَجْ، وَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَ الْمُزَكَّى مُبَرَّزاً لَمْ يَحْتَجْ، وَإِذَا عُدِّلَ وَجُرِّحَ فَفِي تَقْدِيمِ الْجَرْحِ وَالتَّنَافِي: قَوْلانِ.
الْمَوَانِعُ:
الأَوَّلُ - التَّغَفُّلُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: قَدْ يَكُونُ الْخَيْرُ الْفَاضِلُ ضَعِيفاً لِغَفْلَتِهِ فَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ وَقِيلَ: إِلا فِيمَا 1 لا يَكَادُ يُلَبَّسُ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ بِهَا أَوْ يَدْفَعَ كَمَنْ شَهِدَ عَلَى مَوْرُوثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَى أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيراً وَكَمَنْ شَهِدَ أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَ عَبْداً - يُتَّهَمُ فِي وَلائِهِ، وَكَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ جَرَحَ مَوْرُوثَهُ، وَكَوَصِيٍّ شَهِدَ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ، وَكَمُنْفِقٍ عَلَيْهِ شَهِدَ لِلْمُنْفِقِ، وَ [فِي] عَكْسِهِ: قَوْلانِ.
فَلَوْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي وَصِيَّةٍ فَإِنْ كَانَ مَالُهُ كَثِيراً لَمْ يُقْبَلْ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ يَسِيراً - فَثَالِثُهَا: يُقْبَلُ لِغَيْرِهِ دُونَهُ، وَأَمَّا شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ فَجَائِزَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِيهَا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَأَمَّا الدَّفْعُ فَكَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً وَكَشَهَادَةِ الْمِدْيَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ 2 وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ لأَنَّهُ جَارٌّ.
الثَّالِثُ: الشَّفَقَةُ بِالنَّسَبِ أَوِ السَّبَبِ كَالأُبُوَّةِ وَالأُمُومَةِ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْبُنُوَّةِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَإِنْ سَفَلَتْ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ.
فِيهَا: وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بِتَوْكِيلِهِمْ غَيْرَهُمْ بِخِلافِ تَوْكِيلِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الأَخِ غَيْرِ الْمُنْفِقِ عَلَيْهِ لأَخِيهِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُبَرَّزاً، وَقِيلَ: فِيمَا لا تَتَّضِحُ فِيهِ التُّهْمَةُ، وَفِي جَوَازِ تَعْدِيلِهِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَفِي إِلْحَاقِ إِخْوَةِ
الصَّدَاقَةِ بِإِخْوَةِ النَّسَبِ: قَوْلانِ.
وَفِي شَهَادَةِ الرَّجُلِ لِزَوْجِ ابْنَتِهِ أَوْ زَوْجَةِ ابْنِهِ - ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مُبَرَّزاً جَازَ.
وَفِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لأَحَدِ أَبَوَيْهِ عَلَى الآخَرِ، وَشَهَادِةِ الأَبِ لأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الآخَرِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لِلشُّهُودِ لَهُ: قَوْلانِ، فَإِنْ ظَهَرَ مَيْلٌ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَأَوْلَى بِالْجَوَازِ، فَلَوْ كَانَتْ أُمُّهُمَا مُنْكِرَةً لِلطَّلاقِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِلأَبِ عَلَيْهَا.
الرَّابِعُ: الْعَدَاوَةُ - لا تُقْبَلُ عَلَيْهِ وَتُقْبَلُ لَهُ عَكْسَ الْقَرَابَةِ وَشَرْطُهُا: أَنْ يَتَكَوَّنَ عَنْ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ خِصَامٍ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ دَيْناً يَتَشَوَّفُ بِهِ عَادَةً إِلَى أَدَاءِ نَصِيبِهِ 1، وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَمِثْلُهُ لَوْ شَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ فِي خُصُومَتِهِ.
أَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ فَلا أَثَرَ لَهَا وَأَوْلَى بِقَبُولِهَا، وَفِي شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ بِمَالٍ، وَما لا يَلْحَقُ الأَبَ مِنْهُ مَعَرَّةٌ - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا تَجُوزُ [وَلَوْ كَانَ مِثْلَ أَبِي شُرَيْحٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَجُوزُ]، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَجُوزُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي وِلايَتِهِ، وَقَالَ أَيْضاً: تَجُوزُ إِذَا كَانَ الأَبُ مَيِّتاً، وَمَنِ امْتَنَعَتْ لَهُ امْتَنَعَتْ فِي تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ وَتَجْرِيحِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، وَمَنِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ امْتَنَعَتْ فِي الْعَكْسِ.
الْخَامِسُ: الْحِرْصُ عَلَى إِزَالَةِ التَّعْيِيرِ بِإِظْهَارِ الْبَرَاءَةِ أَوْ بِالتَّأَسِّي كَشَهَادَتِهِ فِيمَا يُرَدُّ فِيهِ لِفِسْقٍ أَوْ صِباً أَوْ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ وَكَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَى فِي الزِّنَى اتِّفَاقاً، وَكَشَهَادَةِ مَنْ حُدَّ فِي مِثْلِ مَا حُدَّ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: تُقْبَلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ وَلَدَ الزِّنَى لا يَنْدَفِعُ عَارُهُ بِالتَّوْبَةِ.
السَّادِسُ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي التَّحَمُّلِ وَالأَدَاءِ وَالْقَبُولِ، فَفِي التَّحَمُّلِ - كَالْمُخْتَفِي لِيَتَحَمَّلَهَا: لا تَضُرُّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَخْدُوعاً أَوْ خَائِفاً.
وَفِي الأَدَاءِ - يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ، فَفِيمَا تَمَحَّضَ مِنْ حَقِّ
الآدَمِيِّ: قَادِحَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ حَقّاً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ 1 يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالطَّلاقِ، وَالْعِتَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالرَّضَاعِ، وَالْوَقْفِ، وَكَذَلِكَ الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ لَمْ تَقْدَحِ الْمُبَادَرَةُ بَلْ تَجِبُ، فَإِنْ كَانَتْ حَقّاً لا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلا تَقْدَحُ وَلا تَجِبُ إِلا فِي التَّجْرِيحِ إِنْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ، وَفِي الْقَبُولِ كَمُخَاصَمَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الآدَمِيِّ، وَفِي مُخَاصَمَتِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى: قَوْلانِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ فِيهِمَا: قَوْلانِ.
السَّابِعُ: الاسْتِبْعَادُ، وَأَصْلُهُا 2 الْحَدِيثُ لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، وَمَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحَضَرِ لأَنَّهُ مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ، فَأَمَّا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا أَوْ رَآهُمَا أَوْ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَلا رِيبَةَ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لا يُقْبَلُ شَهَادَةُ السُّؤَّالِ إِلا فِي التَّافِهِ الَيَسِيرِ لِحُصُولِ الرِّيبَةِ فِيمَا لَهُ قَدْرٌ وَبَالٌ، فَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ غَيْرَ سُؤَّالٍ أَوْ سُؤَّالاً لِلإِمَامِ أَوْ لِلَأْعَيَانِ قُبِلَتْ مُطْلَقاً عَلَى الأَصَحِّ، وَلا يَكْفِي فِي زَوَالِ الْفِسْقِ مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ، بَلْ يُرْجَعُ إِلَى قَرَائِنِ الأَحْوَالِ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ بِزَوَالِهَا إِلَى الْعَدَاوَةِ 3 وَقَدْ يَظْهَرُ ذَلِكَ عَنْ قُرْبٍ وَعَنْ بُعْدٍ لاخْتِلافِ حَالِ الظَّانِّ وَالْمَظْنُونِّ فِي الْفِطْنَةِ وَالْغَوْرِ، وَقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ سَنَةٍ، وَقِيلَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ.
وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ كَالْفِسْقِ، فَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نَقَضَ الْحُكْمُ بِخِلافِ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ، وَفِي نَقْضِهِ بِفَاسِقَيْنِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بَطَلَتْ مُطْلَقاً، وَقِيلَ: إِلا بِنَحْوِ الْجِرَاحِ وَإِذَا 4
ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ ذِمِّيٌّ نُقِضَ وَرُدَّ الْمَالُ إِلا أَنْ
يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهَدِ الْبَاقِي، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مَالَهُ، فَإِنْ نَكَلَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيَحْلِفُ فِي الْقِصَاصِ مَعَ رَجُلٍ مِنْ عَصَبَتِهِ خَمْسِينَ يَمِيناً، وَيَكْفِي فِي كُلِّ يَمِينٍ: وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَلا يُزَادَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَيَتِمُّ الْحُكْمُ فَإِنْ نَكَلَ فِي الْقَطْعِ وَالْقِصَاصِ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ بِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَفِي الْقِصَاصِ [وَفِي الرَّجْمِ] رُدَّتِ الشَّهَادَةُ وَغَرِمَ الشَّاهِدُ وَالشَّاهِدَانِ فِي الرَّجْمِ 1 [وَالشُّهُودُ] فِي الرَّجْمِ، وَقِيلَ: عَاقِلَةُ الإِمَامِ، وَقِيلَ: هَدَرٌ، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ الشُّهُودُ غَرِمُوا، وَإِلا غَرِمَ الْحَاكِمُ؛ وَقِيلَ: إِنْ عَلِمُوا بِهِمْ وَبِأَنَّهُمْ لا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ غَرِمُوا، وَإِلا فَهَدَرٌ، وَلا غُرْمَ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَوْ حَدَثَتْ تُهْمَةُ الْجَرِّ وَالدَّفْعِ وَالْعَدَاوَةِ بَعْدَ الأَدَاءِ لَمْ تُبْطِلْ [تَقَبُّلَ] الشَّهَادَةِ.
وَلا يَثْبُتُ حُكْمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ مُنْفَرِدٍ، وَهِيَ مَرَاتِبُ:
[
الأُولَى]- بَيِّنَةُ الزِّنَى، وَشَرْطُهُا: أَرْبَعَةُ ذُكُورٍ مُجْتَمِعِينَ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ يَشْهَدُونَ بِزِنًى وَاحِدٍ وَرُؤْيَةٍ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْودِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَلِلْعَدْلِ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَةِ قَصْداً لِلتَّحَمُّلِ؛ وَاللِّوَاطُ كَالزِّنَى.
وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ، وَفِي السَّرِقَةِ: مَا هِيَ، وَكَيْفَ أَخَذَهَا، وَمِنْ أَيْنَ، وَإِلَى أَيْنَ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَجْهَلُ، وَفِي قَبُولِ اثْنَيْنِ فِي الإِقْرَارِ بِهِ: قَوْلانِ.
الثَّانِيةُ: مَا لَيْسَ بِزَنًى وَلا مَالٍ وَلا آيِلٍ إِلَيْهِ - كَالنِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالطَّلاقِ، وَالْعِتْقِ، وَالإِسْلامِ، وَالرِّدَّةِ، وَالْبُلُوغِ، وَالْوَلاءِ، وَالْعِدَدِ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ، وَثُبُوتِهِ، وَالنَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّدْبِيرِ - شَرْطُهُا: اثْنَانِ ذَكَرَانِ.
الثَّالِثُةُ: الأَمْوَالُ وَمَا يَؤُولُ إِلْيَهَا كَالأَجَلِ وَالْخِيَارِ، وَالشُّفْعَةِ، وَالإِجَارَةِ، وَقَتْلِ الْخَطَأِ وَمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ مُطْلَقاً، وَجِرَاحِ الْمَالِ مُطْلَقاً، وَفَسْخِ الْعُقُودِ، وَنُجُومِ
الْكِتَابَةِ وَإِنْ عَتَقَ بِهَا فَتَجُوزُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ بِالْمَالِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَالرَّابِعَةُ: مَا لا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالْوِلادَةِ، وَعُيُوبِ النِّسَاءِ، وَالاسْتِهْلالِ، وَالْحَيْضِ فَيَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَالْمِيرَاثُ لَهُ وَعَلَيْهِ بِغَرِيمَيْنِ وَفِي قَبُولِهِمَا فِي أَنَّهُ ابْنُ فُلانٍ: قَوْلانِ، مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ تَأْخِيرُهُ لِلرِّجَالِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى السَّرِقَةِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ثَبَتَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ عَبْدٍ عَمْداً وَيَثْبُتُ الْمَالُ دُونَ الْقِصَاصِ، وَعَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ 1 الْمَوْتِ، أَوْ مَوْتِ أَحَدِ الْوَارِثَيْنِ قَبْلَ الآخَرِ فِي ثُبُوتِ الْمِيرَاثِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَعَلَى الْمَوْتِ وَلا زَوْجَةَ وَلا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ فِي ثُبُوتِ الْمِيرَاثِ: قَوْلانِ، وَلَوْ أَقَامَ شَاهِداً فَطُولِبَ بِالتَّزْكِيَةِ أُجِيبَ إِلَى الْحَيْلُولَةِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَلا يُمْنَعُ مِنْ قَبْضِ أُجْرَةِ الْعَقَارِ وَتُحَالُ الأَمَةُ وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ إِلا أَنْ يَكُونَ مَأْمُوناً عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: تُحَالُ الرَّابِعَةُ مُطْلَقاً، وَما يَفْسُدُ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ قَالُوا: يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ إِنْ كَانَ شَاهِدَانِ، وَيُسْتَحْلَفُ وَيُخَلَّى إِنْ كَانَ شَاهِدٌ.
وَيَشْهَدُ الأَصَمُّ فِي الأَفْعَالِ وَالأَعْمَى فِي الأَقْوَالِ، وَفِي الاعْتِمَادِ عَلَى الْخَطِّ فِي ثَلاثِةِ مَوَاضِعَ - خَطُّ الْمُقِرِّ، وَخَطُّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ أَوِ الْغَالِبِ وَخَطُّ نَفْسِهِ - طَرِيقَانِ: الأُولَى إِجْمَالِيٌّ - الْمَذْهَبُ عَلَى أَرْبَعَةٍ - ثَالِثُهَا: تَجُوزُ فِي الأَوَّلِ خَاصَّةً، وَرَابِعُهَا: وَفِي الثَّانِي، وَالْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ - قِيلَ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ: مِثْلُ مَكَّةَ مِنَ الْعِرَاقِ، وَالثَّانِيةُ: تَفْصِيلٌ - أَمَّا عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فَجَائِزَةٌ كَإِقْرَارِهِ وَلا يَحْلِفُ عَلَى الأَصَحِّ، وَأَمَّا الثَّانِي - فَرِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَضَعَّفَهَا مُحَمَّدٌ بِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ سَمِعَهَا وَلَمْ يُشْهِدْهُ عَلَيْهِا، وَصَوَّبَهُ الْبَاجِيُّ إِلا فِي الأَحْبَاسِ وَنَحْوِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِي إِخْبَارِهَا وَلا يَتَسَاهَلُ فِي كِتَابَتِهَا، وَعَلَى قَبُولِهَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ [تَسَاهُلَ] مَنْ أَشْهَدَهُ - فَقَوْلانِ، قَالَ
الْبَاجِيُّ: لا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ لِمَا قَدْ تَسَاهَلَ النَّاسُ فِي وَضْعِهَا عَلَى مَنْ لا يَعْرِفُونَ، وَفِي قَبُولِهَا فِي غَيْرِ الأَمْوَالِ: قَوْلانِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ - فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْوٌ وَلا رِيبَةٌ فَلْيُشْهِدْ، قَالَ مُطَرِّفٌ: ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا يُشْهِدُ حَتَّى يَذْكُرَ بَعْضَهَا وَالأَوَّلُ أَصْوَبُ إِذَ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَى الأَوَّلِ يُؤَدِّيهَا وَلا يَقُولُ لِلْحَاكِمِ حَالَهُ، قَالَوا: وَإِنْ قَالَهَا فَلا يَقْبَلُهَا، وَعَلَى الثَّانِي - قَالَ مَالِكٌ: يُؤَدِّيهَا وَيَقُولُ
حَالَهُ.
وَمَنْ لا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فَلا يَشْهَدُ إِلا عَلَى عَيْنِهِ، وَلا يَشْهَدُ عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ حَتَّى تَكْشِفَ وَجْهَهَا لِيُعَيِّنَهَا عِنْدَ الأَدَاءِ، وَلَوْ عَرَّفَهَا رَجُلانِ - فَفِي جَوَازِ أَدَائِهِ عَلَيْهِا: قَوْلانِ، أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ وَلَوْ بِامْرَأَةٍ فَلا إِشْكَالَ.
وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عَيْنِ امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ فَلا يُسَجَّلُ عَلَى بِنْتِ زَيْدٍ، وَيُعْتَمَدُ عَلَى الْقَرَائِنِ الْمُغَلِّبَةُ لِلظَّنِّ فِي التَّعْدِيلِ وَالاعْتِبَارِ بِالْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ وَضَرَرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَجُوزُ فِي الضَّرَرِ بِالسَّمَاعِ مِنَ الأَهْلِ وَالْجِيرَانِ، وَيَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ 1 الْفَاشِي عَنِ الثِّقَاتِ فِي الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ وَالْمَوْتِ لِلضَّرُورَةِ بِشَرْطِ طُولِ الزَّمَانِ وَانْتِفَاءِ الرَّيْبِ، فَلَوْ شَهِدَ رَجُلانِ عَلَى السَّمَاعِ.
وَفِي الْقَبِيلِ مِئَةٌ مِنْ أَسْنَانِهِمَا لا تُعْرَفُ لَمْ تُقْبَلْ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً - ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ وَبَاءٌ فَهِيَ طُولٌ، وَلا يُسَمُّونَ مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ فَيَكُونُ نَقْلَ شَهَادِةٍ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ بَعْدَ يَمِينِهِ إِذَ لَعَلَّهُ عَنْ وَاحِدٍ، وَيُجْتَزَأُ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَرْبَعَةٌ لأَنَّهَا كَالنَّقْلِ فَاحْتِيطَ فِيهَا، وَالْمَشْهُورُ: جَرْيُهَا فِي النِّكَاحِ وَالْوَلاءِ وَالنَّسَبِ، أَصْبَغُ: يُؤْخَذُ الْمَالُ وَلا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبٌ.
وَأَمَّا السَّمَاعُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ مُرْتَفِعٌ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، مِثْلُ أَنَّ نَافِعاً مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]، وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لِذَلِكَ أَصْلاً، فَقِيلَ له: أَيَشْهَدُ أَنَّكَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ لا يَعْرِفُ أَبَاكَ وَلا يَعْرِفُ أَنَّكَ (1) ابْنُهُ إِلا بِالسَّمَاعِ، قَالَ: نَعَمْ يَقْطَعُ بِهَا وَيَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ.
وَالتَّحَمُّلُ: حَيْثُ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ - فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالأَدَاءُ مِنْ نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ إِنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَلا تَحِلُّ إِحَالَتُهُ عَلَى الْيَمِينِ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَزِئِ الْحَاكِمُ بِاثْنَيْنِ فَعَلَى الثَّالِثُ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ أَبْعَدُ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ إِلا فِي رُكُوبِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ دَابَّةٌ وَعَسُرَ مَشْيُهُ، وَيَجُوزُ فِيمَا لا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَامَ فِيمَا يَتَكَلَّفُهُ مِنْ دَابَّةٍ وَنَفَقَةٍ عَجَزَ أَوْ لَمْ يَعْجِزْ، وَقِيلَ: لا يَجُوزُ فِيهِمَا فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ فِي غَيْرِ الْمُبَرَّزِ.
وَتَثْبُتُ الأَمْوَالُ وَحَقُوقُهَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ.
وَيُطَالَبُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ بِأَنْ يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ فَإِنِ امْتَنَعَ - فَالأَخِيرَةُ أَنْ يُحْبَسَ لَهُمَا إِلا أَنْ يُحْكَمَ بِالشَّهَادِةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحْبَسُ سَنَةً، وَقَالَ سَحْنُونٌ وَمُطَرِّفٌ: أَبَداً، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى شِرَاءِ الزَّوْجَةِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى نُجُومِ الْكِتَابَةِ - فَتَثْبُتُ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَسْخُ وَالْعِتْقُ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْقَضَاءِ 1 بِمَالٍ فَالْمَشْهُورِ: لا تَمْضِي.
وَلَهُ اسْتِحْلافُ الْمَطْلُوبِ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ بَعْدَ يَمِينِ الطَّالِبِ، وَالسَّفِيهُ وَالْعَبْدُ كَالرَّشِيدِ لا كَالصَّبِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَلَوْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ أَتَى الطَّالِبُ بِشَاهِدٍ آخَرَ لَمْ يُضَمَّ إِلَى الأَوَّلِ اتِّفَاقاً، وَفِي اعْتِبَارِهِ لِيَحْلِفَ مَعَهُ: قَوْلانِ، وَعَلَى اعْتِبَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ - فَفِي تَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ: قَوْلانِ، فَلَوْ كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الاسْتِقْبَالِ كَالشَّاهِدِ لِصَبِيٍّ 2 وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ - فَالْمَنْصُوصُ: يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ بِحِصَّةِ الصَّبِيِّ، فَإِنْ حَلِفَ - فَفِي وَقْفِ الْمُعَيَّنِ: قَوْلانِ، فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ - فَفِي أَخْذِهِ مِنْهُ تَمْلِيكاً أَوْ وَقْفاً: قَوْلانِ، وَعَلَى وَقْفِهِ أَوْ يَمِينِهِ يُسَجِلُّ الْحَاكِمُ الشَّهادَةَ لِيَسْتَحْلِفَ الصَّبِيَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ وَارِثَهُ قَبْلَهُ، فَإِنْ نَكَلا اكْتَفَى بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ الأُولَى عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ كَانَ وَارِثُ الصَّغِيرِ مَعَهُ أَوَّلاً وَكَانَ قَدْ نَكَلَ 3 لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْمَنْصُوصِ لأَنَّهُ نَكَلَ عَنْهَا، وَلَوْ كَانَ الأَبُ مُنْفِقاً وَالصَّبِيُّ فَقِيراً فَفِي قَبُولِ حَلِفِهِ: قَوْلانِ، فَلَوْ كَانَتِ الْيَمِينُ مُمْكِنَةً مِنْ بَعْضٍ مُمْتَنِعَةٍ مِنْ بَعْضٍ كَالشَّاهِدِ عَلَى رَجُلٍ بِوَقْفٍ عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِمْ بَطْناً بَعْدَ
بَطْنٍ فَرَوَى مُطَرِّفٌ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ وَاحِدٌ 1 ثَبَتَ الْجَمِيعُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِذَا حَلَفَ الْجُلُّ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ: كَمَسَأَلَةِ الْفُقَرَاءِ.
وَقِيلَ: يَثْبُتُ لِمَنْ حَلَفَ نَصِيبُهُ، فَلَوْ مَاتَ فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ الأَوَّلِينَ، أَوِ الْبَطْنِ الثَّانِي، أَوْ مَنْ حَلَفَ أَبُوهُ - خِلافٌ، ثُمَّ فِي أَخْذِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ: قَوْلانِ.
وَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَاحِدَةٍ: قَوْلانِ.
وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ تَجْرِي فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَشَرْطُهُا: أَنْ يَقُولَ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَوْ يَرَاهُ يُؤَدِّيهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَعَيِّنَ الأَوَّلُ، فَلَوْ طَرَأَ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ أَوْ رِدَّةٌ امْتَنَعَتْ وَالْجُنُونُ مِنْ كُلٍّ لا يَمْنَعُ، وَلا تُسْمَعُ إِلا بِمَوْتِ الأَصْلِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ بِمَكَانٍ لا يَلْزَمُهُ الأَدَاءُ مِنْهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لا تَكْفِي فِي الْحَدِّ مَسَافَةُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثِةِ وَيُنْقَلُ عَنِ الْمَرْأَةِ بِحُضُورِهَا.
قَالَ مُطَرِّفٌ: لَمْ أَرَ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةً قَطُّ أَدَّتْ وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَنْهَا، وَلَوْ زَكَّى النَّاقِلُ الأَصْلَ جَازَتِ الشَّهَادَتَانِ، وَتَنْقُلُ الْمَرْأَتَانِ مَعَ رَجُلٍ فِي بَابِ شَهَادَتِهِنَّ، وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَيَشْهَدُ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ اثْنَانِ لا يَكُونُ أَحَدُهُمَا شَاهِدَ أَصْلٍ وَيَكْتَفِي بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى الآخَرِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لا بُدَّ مِنْ آخَرَيْنِ، وَأَمَّا فِي الزِّنَى فَيُكْتَفَى بِأَرْبَعَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَرْبَعَةِ أَوْ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ فَلَوْ شَهِدَ ثَلاثَةٌ عَلَى ثَلاثَةٍ، وَوَاحِدٌ عَلَى أَرْبَعَةٍ لَمْ تَتِمَّ وَرَوَى مُطَرِّفٌ: لا بُدَّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَكْفِي أَرْبَعَةٌ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ فَإِنْ تَفَرَّقُوا فَثَمَانِيَةٌ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَكْفِي أَرْبَعَةٌ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ، وَرَوَى: يَكْفِي اثْنَانِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَيُلَفَّقُ الأَصْلُ مَعَ النَّقْلِ كَاثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ بِالرُّؤْيَةِ، وَاثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ، فَلَوْ شَهِدَ ثَلاثَةٌ بِالرُّؤْيَةِ وَوَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ لَمْ تَتِمَّ، وَإِذَا أَكَّدَتِ الأَصْلُ الْفَرْعَ - قَبْلَ الْحُكْمِ بَطَلَتْ، وَبَعْدَهُ ثَلاثَةٌ - لابْنِ الْقَاسِمِ: تَمْضِي وَلا غُرْمَ، ابْنُ حَبِيبٍ: يُنْقَضُ، مُحَمَّدٌ: (2) يَمْضِي وَيَغْرَمُ الأَصْلَ لِرُجُوعِهِمْ.
وَلِلرُّجُوعِ: ثَلاثُ صُوَرٍ الأُولَى: قَبْلَ القَضَاءِ فَلا قَضَاءَ، فَإِنْ قَالا: وَهِمْنَا بَلْ
هُوَ هَذَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: سَقَطَتَا مَعاً فَإِنْ قَالَ: شَكَكْتُ ثُمَّ قَالَ: زَالَ الشَّكُّ، فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هِيَ مِثْلُ التَّشَكُّكِ قَبْلَ الأَدَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: تَذَكَّرْتُهَا فَالْوَاضِحُ قَبُولُهَا وَثَالِثُهَا لِمَالِكٍ: إِنْ كَانَ مُبَرِّزاً قُبِلَتْ.
الثَّانِيةُ: بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ الاسْتِيفَاءِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُسْتَوْفَى الدَّمُ كَالْمَالِ، وَقَالَ أَيْضاً وَغَيْرُهُ: لا يُسْتَوْفَى لِحُرْمَةِ الدَّمِ، وَمِثْلُهُ لَوْ رَجَعَ شُهُودُ الإِحْصَانِ لَجُلِدَ جَلْدَ الْبِكْرِ.
الثَّالِثَةُ: بَعْدَ الاسْتِيفَاءِ فَيُغَرَّمَان الدِّيَةَ وَغَيْرَهَا إِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَمْدُهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلا يُغَرَّمَانِ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، فَإِنْ ثَبَتَ عَمْدُهُمَا - فَالدِّيَةُ لابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقِصَاصُ لأَشْهَبَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لا نَصَّ عَنْ مَالِكٍ فِي التَّغْرِيمِ فِي الرُّجُوعِ إِلا أَنَّ أَصْحَابَهُ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَغْرِيمِهِمْ وَما أَتْلَفُوهُ بِالْعَمْدِ 1.
وَلَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ وَحَكَمَ وَلَمْ يُبَاشِرِ الْقَتْلَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ، وَلَوْ عَلِمَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ وَبَاشَرَ الْقَتْلَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، فَأَمَّا لَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ قَذْفٍ أَوْ شَتْمٍ وَشِبْهِهِ فَالأَدَبُ لا غَيْرُ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ: لا خِلافَ فِي تَعَلُّقِ الْغَرَامَةِ بِهِمْ إِذَا شَهِدُوا عَلَى قَتْلِ عَمْدٍ فَاقْتُصَّ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ حَيٌّ، وَأَمَّا الْخِلافُ فِي الْبِدَايَةِ وَفِي الرُّجُوعِ - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَبْدَأُ بِالشُّهُودِ فَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ فَمِنَ الْقَاتِلِ، وَقِيلَ: الْمُسْتَحِقُّ مُخَيَّرٌ، وَفِي الرُّجُوعِ، قِيلَ: إِنَّمَا يَرْجِعُ الشُّهُودُ بِمَا أَدَّوْا عَلَى الْقَاتِلِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: لا رُجُوعَ فَلَوْ كَانَتْ عَلَى قَتْلٍ خَطَأٍ فَأُخِذَتِ الدَّيِةُ مِنَ
الْعَاقِلَةِ لَرُدَّتْ فَإِنْ أُعْسِرَ فَعَلَى الشُّهُورِ، وَلا رُجُوعَ، وَعَنْ أَشْهَبَ: فِيمَنْ رُجِمَ بِالشَّهَادَةِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مَجْبُوبٌ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الإِمَامِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَصْلِهِ.
وَيُحَدُّونَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَى فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا.
فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُ الأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ [وَقَبْلَ إِقَامَتِهِ] حُدُّوا، وَبَعْدَ إِقَامَتِهِ حُدَّ الرَّاجِعُ وَحْدَهُ اتِّفَاقاً دُونَ الثَّلاثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدٌ حُدُّوا أَجْمَعُونَ.
فَلَوْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ لَمْ يُحَدَّ الْبَاقُونَ لاسْتِقْلالِهِمْ وَلا الرَّاجِعَانِ لأَنَّهُمَا كَقَاذِفَيْنِ شَهِدَ لَهُمَا أَرْبَعَةٌ إِلا أَنْ يُكَذِّبَا الشُّهُودَ.
فَلَوْ رَجَعَ ثَالِثٌ حُدَّ هُوَ وَالسَّابِقَانِ وَغَرِمُوا رُبُعَ الدِّيَةِ، وَإِنْ رَجَعَ رَابِعٌ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ ظَهَرَ بَعْدَ رُجُوعِ اثْنَيْنِ أَنَّ أَحَدَ الأَرْبَعَةِ عَبْدٌ فَقَالَ مَالِكٌ: يُحَدُّ الرَّاجِعَانِ وَيُغْرَمَانِ رُبُعَ الدِّيَةِ، وَيُحَدُّ الْعَبْدُ بِغَيْرِ غَرَامَةٍ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنَ السِّتَّةِ بَعْدَ أَنْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ ثُمَّ ثَانٍ بَعْدَ مُوضِحَةٍ ثُمَّ ثَالِثٌ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَلَى الأَوَّلِ سُدُسُ دِيَةِ الْعَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي: مِثْلُهُ وَخُمُسُ الْمُوضِحَةِ، وَعَلَى الثَّالِثِ: رُبُعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ وَقِيلَ: مُضَافاً إِلَى السُّدُسِ وَالْخُمُسِ، وَإِذَا رَجَعَ أَرْبَعَةُ الزِّنَى وَشَاهِدَا الإِحْصَانَ - فَفِي اخْتِصَاصِهِ بِالأَرْبَعَةِ: قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَعَلَى التَّعْمِيمِ - فَفِي تَنْصِيفِهَا: قَوْلانِ، وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُمَا رَجِعَا مُكِّنَ مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهُمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَرْجِعَا فَقَوْلانِ.
وَلَوْ رَجَعَا عَنِ الرُّجُوعِ لَمْ يُقْبَلْ لأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِإِتْلافٍ.
أَمَّا لَوْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ نُقِضَ إِذَا أَمْكَنَ.
وَلَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ الطَّلاقِ وَأَقَرَّا بِالتَّعَمُّدِ نَفَذَ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا فَلا غُرْمَ عَلَيْهِمَا كَشَهَادَةِ عَفْوِ الْقِصَاصِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا فَفِي تَغْرِيمِهِمَا نِصْفُ الصَّدَاقِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ الدُّخُولِ فِي مُطَلَّقَةٍ لَغَرِمَا نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالطَّلاقِ وَاثْنَانِ بِالدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعُوا فَالأَكْثَرُ لا غَرَامَةَ عَلَى شَاهِدَيِ الطَّلاقِ، وَقِيلَ: كَمَا لَوِ انْفَرَدُوا، وَيَرْجِعُ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ إِذَا كَانَ مُنْكِراً طَلاقَهَا وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى شَاهِدَيِ الطَّلاقِ بِمَا فَوَّتَاهُ مِنَ الْمِيرَاثِ دُونَ مَا غَرِمَ لَهَا وَتَرْجِعُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهَا مِنَ الْمِيرَاثِ وَالصَّدَاقِ.
وَلَوْ رَجَعَا عَنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطٍ لِشَاهِدَيْ طَلاقِ أَمَةٍ غَرِمَا لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ بِرَدِّهَا زَوْجَةً.
وَلَوْ رَجَعَا عَنِ الْخُلْعِ فِي ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَغْرَمَانِ قِيمَتَهَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ كَمَنْ أَتْلَفَهَا، وَفِي الْعَبْدِ الآبِقِ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ فَإِنْ (1) ظَهَرَ عَيْبٌ عِنْدَ الْخُلْعِ اسْتَرَدَّ مَا يُقَابِلُهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُؤَخَّرُ الْجَمِيعُ إِلَى الْحُصُولِ فَيَغْرَمَانِ مَا يَحْصُلُ، وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُنْكِرَةً لِلزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَهَا تَكْذِيبُ نَفْسِهَا وَتَرِثُ.
[
وَلَوْ رَجَعَا عَنْ عِتْقٍ فَإِنْ كَانَ نَاجِزاً غَرِمَا قِيمَتَهُ وَالْوَلاءُ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: عَلَيْهِمَا الْقِيمَةُ بَعْدَ إِسْقَاطِ قِيمَةِ مَنَافِعِ مَا قَبْلَ الأَجَلِ عَلَى عَزَزِهَا وَلِيَسْتَوْفِيَهَا السَّيِّدُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ بِمُعْتَدِلٍ لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قِيمَةُ الْمَنَافِعِ أَكْثَرَ فَيَذْهَبُ مَجَّاناً، وَتَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيُّ بِامْتِنَاعِهِ عَادَةً لأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي تَقْوِيمِهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: عَلَيْهِمَا الْقِيمَةُ وَلَهُمَا مَنَافِعُ الْعَبْدِ إِلَى الأَجَلِ إِلا أَنْ يَسْتَوْفِيَا مَا غَرِمَاهُ قَبْلَهُ، فَلَوْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَخَذَا مَا غَرِمَاهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ قِيمَتِهِ لاعْتِرَافِ السَّيِّدِ لَهُمَا بِذَلِكَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مُخَيَّرٌ السَّيِّدُ فِي تَسْلِيمِ خِدْمَتِهِ كَسَحْنُونٍ، وَفِي الاسْتِمْسَاكِ وَدَفْعِ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ وَقْتاً بَعْدَ وَقْتٍ كَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ تَدْبِيرِ غَرِمَا قِيمَةَ نَاجِزاً وَاسْتَوْفِيَا مِنْ خِدْمَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ عَتَقَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ فَلا شَيْءَ لَهُمَا، وَإِنْ رَدَّهُ أَوْ بَعْضَهُ دَيْنٌ فَهُمَا أَوْلَى كَالْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَ كِتَابَةً فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَالأَكْثَرُونَ غَرِمَا قِيمَتَهُ وَاسْتَوْفَيَا مِنْ نُجُومِهِ فَلَوْ رُقَّ اسْتَوْفَيَا مِنْ رَقَبَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُجْعَلُ الْقِيمَةُ بِيَدِ عَدْلٍ حَتَّى يُسْتَوْفَى مِنَ الْكِتَابَةِ مِثْلُهَا فَتُرَدُّ عَلَيْهِمَا.
وَضَعَّفَهُ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: تُبَاعُ الْكِتَابَةُ بِعَرْضٍ فَإِنْ نَقَصَ عَنِ الْقِيمَةِ أَتَمَّاهَا وَإِنْ كَانَ بِاسْتِيلاءٍ فَالْقِيمَةُ، وَقَالَ
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ 1: وَيُخَفَّفُ لِمَا بَقِيَ مِنَ الاسْتِمْتَاعِ وَلا شَيْءَ لَهُمَا إِلا بِجِنَايَةٍ عَلَيْهِا فَلَهَا مِنَ الأَرْشِ مَا غَرِمَاهُ، وَفِي مَالٍ بِاسْتِفَادِةٍ: قَوْلانِ.
وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ أُمِّ وَلَدٍ - فَالأَكْثَرُ: أَلا غُرْمَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قِيمَتُهَا كَمَا لَوْ قَتَلاهُا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَيُخَفَّفُ فَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ مُكَاتَبٍ غَرِمَا قِيمَةَ كِتَابَتِهِ وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةٍ بِإِقْرَارِ بُنُوَّةٍ لَمْ يَغْرَمَا إِلا بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ بِالْمِيرَاثِ، فَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِبُنُوَّتِهِ عَبْداً لَهُ غَرِمَا قِيمَتَهُ نَاجِزاً ثُمَّ غَرِمَا بَعْدَ الْمِيرَاثِ مَا فَوَّتَاهُ، فَإِذَا مَاتَ وَتَرَكَ ابْناً آخَرَ عُزِلَتْ قِيمَتُهُ لِلابْنِ الأَوَّلِ لأَنَّ الْمُلْحَقَ مُقِرٌّ أَنَّ أَبَاهُ ظَلَمَ فِيهَا الشُّهُودَ ثُمَّ يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ نِصْفَ مَا بَقِيَ وَهُوَ مَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ وَلَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أُخِذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَكُمِّلَ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ.
وَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الأَوَّلِ بِمَا غَرِمَهُ الْمُلْحَقُ لِلْغَرِيمِ لأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ الْمُلْحَقِ وَالتَّرِكَةُ مِئَتَانِ وَكَانَتِ الْقِيمَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِئَةً أَخَذَ الْمُلْحَقُ مِئَةً وَالْعَصَبَةُ أَوْ بَيْتُ الْمَالِ مِئَةً ثُمَّ غَرِمَا لَهُمَا مِئَةً أُخْرَى الَّتِي فَوَّتَاهَا فَلَوْ طَرَأَ دَيْنٌ مِئَةً أُخِذَتْ مِنَ الْمُلْحَقِ وَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ بِمَئَةٍ عَلَى مَنْ غَرِمَاهَا لَهُ.
وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادِةِ عُبُودِيَّةٍ لِمُدَّعِي حُرِّيَّةٍ فَلا قِيمَةَ عَلَيْهِمَا فِي الرَّقَبَةِ، وَيَغْرَمَانِ كُلَّ مَا أَتْلَفَاهُ لِلْعَبْدِ مِنِ اسْتِعْمَالٍ وَمَالٍ مُنْتَزَعٍ، وَلا يَأْخُذُهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَيُورَثَ عَنْهُ بِالْحُرِّيَّةِ لا بِالرِّقِّ.
وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ مِنْ هِبَةٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ، وَلا يَتَزَوَّجُ لأَنَّهُ يُنَقِّصُ رَقَبَتَهُ، وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةٍ بِمِئَةٍ لِزَيْدٍ وَعُمَرَ ثُمَّ قَالا: هِيَ لِزَيْدٍ وَحْدَهُ غَرِمَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ خَمْسِينَ لا لِزَيْدٍ، وَمَتَى رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ وَعَنْ بَعْضِهِ غَرِمَ نِصْفَ الْبَعْضِ وَلَوْ رَجَعَ مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ فَلا غَرَامَةَ فَإِذَا رَجَعَ غَيْرُهُ غَرِمَ، وَأُدْخِلَ الأَوَّلُ مَعَهُ، وَعَنْ أَشْهَبَ: يَغْرَمُ الرَّاجِعُ مُطْلَقاً مِنْ ثَلاثَةٍ الثُّلُثَ، وَمِنْ أَرْبَعَةٍ الرُّبُعَ، وَإِذَا حَكَمَ بِرَجُلٍ وَنِسَاءٍ وَرَجَعُوا فَعَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ وَعَلَى النِّسَاءِ النِّصْفُ فَلَوْ رَجَعَ مِنْ عَشَرَةٍ ثَمَانٌ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِنَّ فَإِنْ رَجَعَتْ تَاسِعَةٌ فَعَلَى التِّسْعِ الرُّبُعُ، فَلَوْ كَانَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَتَانِ كَالرَّضَاعِ وَغَيْرِهِ وَرَجَعُوا فَعَلَى الرَّجُلِ سُدُسٌ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ سُدُسٍ.
فَلَوْ رَجَعُوا إِلا امْرَأَتَيْنِ فَلا غُرْمَ، فَلَوْ رَجَعَتْ أُخْرَى فَالنِّصْفُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ بَقِيَ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَشْهَبَ خِلافُهُ، وَلِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهَا قَبْلَ غُرْمِهِ لِيْغَرَمَهُ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ، وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ إِذَا تَعَذَّرَ مِنَ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: لا يَلْزَمُهُمَا إِلا بَعْدَ غُرْمِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَالْيَمِينِ وَالنُّكُولِ وَالْبَيِّنَةِ
وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِرْجَاعِ عَيْنِ حَقِّهِ بِيَدِهِ آمِناً مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ إِلَى رَذِيلَةٍ جَازَ لَهُ فَأَمَّا فِي الْعُقُوبَةِ فَلا بَدَّ مِنَ الْحَاكِمِ وَأَمَّا مَنْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ - فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ جَازَ، وَعَلَيْهِ الْخِلافُ فِي إِنْكَارِ مَنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِمَنْ أَنْكَرَهُ غَيْرُهُ.
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَنْ تَرَجَّحَ بِمَعْهُودٍ أَوْ أَصْلٍ فَذَلِكَ كَانَ مُدَّعِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ مَقْبُولاً لائْتِمَانِهِ، وَمُدَّعِي حُرِّيَّةِ الأَصْلِ صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً مَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حَوْزُ الْمِلْكِ بِخِلافِ مُدَّعِي الْعِتْقِ.
وَشَرْطُ الْمُدِّعَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُوماً مُحَقَّقاً فَلا يُسْمَعُ: لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْتُ وَبِعْتُ وَتَزَوَّجْتُ وَيُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلا يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ إِلا أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ طُرُوُّ مَا يُبَرِّئُهُ مِنْ إِبْرَاءٍ أَوْ بَيْعٍ، فَلَوْ قَالَ: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ الْغَائِبُ - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُنْظَرُ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: إِنْ كَانَ قَرِيباً كَالْيَوْمَيْنِ وَإِلا حَلَفَ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَمَنِ اسْتَمْهَلَ لِإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ أَوْ لِدَفْعِهَا أُمْهِلَ جُمُعَةً وَيُقْضَى عَلَيْهِ وَيَبْقَى عَلَى حُجَّتِهِ، وَلِلْمُدَّعِي طَلَبُ كَفِيلٍ فِي الأَمْرَيْنِ.
وَإِذَا امْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ فَرَوَى أَشْهَبُ: يُحْبَسُ، وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ كَالنَّاكِلِ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يَثْبُتُ إِلا بِالْبَيِّنَةِ طُولِبَ بِهَا
وَحُكِمَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الثَّلاثَةِ فَإِنِ اخْتَارَ الْحُكْمَ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَانَ عَلَى حُجَّتِهِ، وَلِلْمُدِّعِي عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ السَّبَبِ، وَتُقْبَلُ دَعْوَى نِسْيَانِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: الْقِيَاسُ بِيَمِينٍ [وُجُوبُ دَعْوَى الْقِصَاصِ عَلَى الْعَبْدِ، وَدَعْوَى الأَرْشِ عَلَى السَّيِّدِ].
وَاْليَمِينُ فِي الْحُقُوقِ كُلِهَا: وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ: يُزَادَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَفِي الْقَسَامَةِ وَاللِّعَانِ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلا يُزَادَ عَلَى الْكِتَابِيِّ: وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلِ، وَقِيلَ: يُزَادَ.
وَتُغَلَّظُ الْيَمِينُ فِيمَا لَهُ بَالٌ مِنَ الأَمْوَالِ بِالْمَكَانِ، وَقِيلَ: وَبِوَقْتِ الصَّلاةِ، وَتُغَلَّظُ فِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ بِهِمَا، وَتَخْرُجُ الْمُخَدَّرَةُ مِنَ الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَيْلاً، وَيُجْزِئُ فِي تَحْلِيفِهِمَا وَاحِدٌ، وَالاثْنَانِ أَوْلَى.
وَيَمِينُ الْمَسْجِدِ قَائِماً مُسْتَقْبِلاً، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي لِعَانٍ أَوْ قِصَاصٍ وَقَسَامَةٍ.
وَلا يَعْرِفُ مَالِكٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمَنْبَرِ إِلا فِي الْمَدِينَةِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَأْكَثَرَ، قَالَ: وَمَنْ أَبَى أَنْ
يَحْلِفَ عِنْدَهُ كَانَ نَاكِلاً، وَشَرْطُ الْيَمِينِ أَنْ يُطَابِقَ الإِنْكَارَ، وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى وَفْقِ الشَّهَادَةِ بِأَنَّه أَقَرَّ، وَلا يَلْزَمُهُ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا - فَإِنْ كَانَ عَلَى غَائِبٍ زَادَ وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إِلَى الآنَ وَيَحْلِفُ مَنْ بَلَغَ مِنْ وَرَثَتِهِ كَذَلِكَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَيُقْضَى بِجَمِيعِهِمْ.
وَيَحْلِفُ فِي الرَّدِّ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَفِي النَّقْصِ عَلَى الْبَتِّ.
وَمَا يَحْلِفُ فِيهِ بَتّاً يُكْتَفَى فِيهِ بِظَنٍّ قَوِيٍّ كَخَطِّهِ أَوْ خَطِّ أَبِيهِ أَوْ قَرِينَةٍ مِنْ خَصْمِهِ وَشِبْهِهِ، قِيلَ: الْمُعْتَبَرُ الْيَقِينُ.
وَالْيَمِينُ عَلَى نِيِّةِ الْحَاكِمِ فَلا تُفِيدُ تَوْرِيَةٌ وَلا اسْتِثْنَاءٌ.
وَيَمِينُ الْمَطْلُوبِ: مَالُهُ عِنْدِي كَذَا وَلا شَيْءَ مِنْهُ لا مُطْلَقاً، فَإِنْ ذَكَرَ السَّبَبَ نَفَاهُ مَعَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْقِيَاسُ أَنْ يُكْتَفَى بِذِكْرِ السَّبَبِ، وَعَنْ مَالِكٍ: يُقْبَلُ مَالُهُ: عَلَيَّ حَقٌّ، ثُمَّ رَجَعَ.
قَالَ ابْنُ زِيَادٍ - قُلْتُ لابْنِ عُبْدُوسٍ فَيُضْطَرُّ إِلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ أَوْ غُرْمِ مَا لا يَجِبُ فَقَالَ: يَنْوِي شَيْئاً 1 يَجِبُ رَدُّهُ الآنَ، وَيَبْرَأُ مِنَ الإِثْمِ، وَلَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ: هُوَ وَقْفٌ أَوْ لِوَلَدِي أَوْ لَيْسَ لِي - لَمْ يُمْنَعِ الْمُدَّعِي مِنَ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ قَالَ لِفُلانٍ الْحَاضِرِ فَلْيَدِّعِ عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ فَلِلْمُدَّعِي عَلَيْهِ تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَغَرِمَ قِيمَةَ مَا فَوَّتَهُ، فَلَوْ كَانَ غَائِباً لَزِمَهُ الْيَمِينُ أَوِ الْبَيِّنَةُ وَانْتَقَلَتِ الْحُكُومَةُ إِلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ فَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ بِهِ.
النُّكُولُ: وَيَجْرِي فِيمَا يَجْرِي 2 فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ وَلا يَثْبُتُ الْحَقُّ بِمُجَرَّدِهِ بَلْ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي، وَيَتِمُّ بِقَوْلِهِ: لا أَحْلِفُ وَشِبْهِهِ، أَوْ يَتَمَادَى عَلَى الامْتِنَاعِ وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ بَيَانُ حُكْمِ النُّكُولِ، وَإِذَا تَمَّ نُكُولُهُ - فَقَالَ: أَنَا أَحْلِفُ لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي كَانَ كَيَمِينِ الْمَطْلُوبِ، وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ قَضَاهُ ثُمَّ
نَكَلَ بَعْدَ نُكُولِهِ لَزِمَهُ.
وَالْمُسْتَمْهِلُ لِحِسَابٍ وَشِبْهِهِ يُمْهَلُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةِ بِكَفِيلٍ بِوَجْهِهِ، وَقِيلَ: مَا يَرَى الْحَاكِمُ.
الدَّعْوَى: ثَلاثَةٌ - مُشْبِهَةٌ عُرْفاً: كَالدَّعَاوِي عَلَى الصَّنَّاعِ وَالْمُنْتَصِبِينَ لِلتِّجَارَةِ فِي الأَسْوَاقِ وَالْوَدَائِعِ عَلَى أَهْلِهَا وَالْمُسَافِرِ فِي الرُّفْقَةِ وَالْمُدَّعِي لِسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا فَلا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ خُلْطَةٍ، وَغَيْرُ مُشْبِهَةٍ عُرْفاً: كَدَعْوَى دَارٍ بِيَدِ حَائِرٍ يَتَصَرَّفُ بِالْهَدْمِ وَالْعِمَارَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَالْمُدَّعِي مُشَاهِدٌ سَاكِنٌ وَلا مَانِعَ مِنْ خَوْفٍ وَلا قَرَابَةٍ وَلا صِهْرٍ وَشِبْهِهِ فَغَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، وَلا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ إِلا بِإِسْكَانٍ أَوْ إِعْمَارٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ وَشِبْهِهِ.
وَالْعُرْفُ مُعْتَبَرٌ فِي مِثْلِهِ كَالنَّقْدِ وَالْحَمُولَةِ وَالسَّيْرِ وَالأَبْنِيَةِ وَمَعَاقِدِ الْقُمُطِ وَوَضْعِ الْجُذُوعِ.
وَالْمُدَّةُ الطَّوِيلَةُ قِيلَ: مَا يُعَدَّ طُولاً فِي مِثْلِهِ، وَقِيلَ: عَشْرٌ، وَقِيلَ: سَبْعٌ، وَمُتَوسِّطَةٌ: كَدَعْوَى دَيْنٍ فَتُسْمَعُ وَيُمَكَّنُ مِنَ الْبَيِّنَةِ وَلا يَسْتَحْلِفُ إِلا بِإِثْبَاتِ خُلْطَةٍ وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَفِي اسْتِحْلافِ الْمُتَّهَمِ: قَوْلانِ، وَفِي ثُبُوتِهَا بِشَاهِدٍ بِغَيْرِ يَمِينٍ أَوِ امْرَأَةٍ: قَوْلانِ.
وَكُلُّ دَعْوَى لا تَثْبُتُ إِلا بِشَاهِدَيْنِ فَلا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا وَلا تُرَدُّ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلاقِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلاءِ وَالرَّجْعَةِ، وَلَوِ اسْتَحْلَفَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ يَعْلَمُهَا - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا تُسْمَعُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: تُسْمَعُ.
تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ:
وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ فَإِنْ تَنَاقَضَتَا فَالتَّرْجِيحُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَسَاقَطَتَا، وَبَقِيَ الْمُدَّعَى فِي يَدِ حَائِزِهِ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ بِيَدِ غَيْرِهِمَا فَلِمَنْ يُقَرُّ لَهُ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: يَبْقَى فِي يَدِهِ وَيُقْسَمُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَيْدِيهِمَا فَقِيلَ: عَلَى الدَّعَاوِي، وَقِيلَ: نِصْفَيْنِ، وَإِذَا قُسِمَ عَلَى الدَّعَاوِي فَقَالَ الأَكْثَرُونَ: تَعُولُ عَوْلَ الْفَرَائِضِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَخْتَصُّ مُدَّعِي الأَكْثَرِ بِالزَّائِدِ، وَعَلَى الاخْتِصَاصِ - لَوْ زَادُوا عَلَى الاثْنَيْنِ فَقَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: اخْتِصَاصُ مُدَّعِي الأَكْثَرِ بِمَا زَادَ عَلَى الدَّعْوَيَيْنِ جَمِيعاً وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَالثَّانِي: اخْتِصَاصٌ 1 بِمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِمَا فَإِذَا تَدَاعَا اثْنَانِ الْكُلَّ وَالنِّصْفَ فَالأَكْثَرُونَ تَعُولُ بِالنِّصْفِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بِالنِّصْفِ وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
فَلَوْ كَانَ ثَالِثٌ يَدَّعِي الثُّلُثَ جَاءَ الْقَوْلانِ.
فَعَلَى الأَوَّلِ: يَخْتَصُّ مُدِّعِي الْكُلِّ بِالسُّدُسِ ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الْبَاقِي نِصْفَهُ وَهُوَ رُبُعٌ وَسُدُسٌ، ثُمَّ يَخْتَصُّ مُدِّعِي النِّصْفِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثُ وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ ثُمَّ يَقْسِمَانِ الثُّلُثَ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بِالنِّصْفِ ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الْبَاقِي نِصْفَ مَا زَادَ عَلَى الثُلُثِ وَهُوَ نِصْفُ سُدُسٍ، وَيَأْخُذُ مُدِّعِي النِّصْفِ نِصْفَ السُّدُسِ ثُمَّ يُقَسَمُ الْبَاقِي أَثْلاثاً لِلثَّلاثَةِ 2.
وَالتَّرْجِيحُ بِوُجُوهٍ - الْمَزِيَّةُ فِي الْعَدَالَةِ وَفِي زِيَادِةِ أَحَدِهِمَا: قَوْلانِ، إِلا أَنْ يَكْثُرَا جَمِيعاً، وَفِي الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ: قَوْلانِ، وَرَجَعَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَعَلَى التَّسَاوِي لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ أَعْدَلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا - فَقَوْلانِ، وَفِي أَعْدَلِيَّةِ الْمُعَدِّلِينَفِي الْمُزَكَّيْنِ قَوْلانِ.
وَالْيَدُ مُرَجَّحَةُ عِنْدَ التَّسَاوِي مَعَ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَذَهَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى أَنَّ الْحَائِزَ لا يَنْتَفِعُ بِبَيِّنَةٍ فَلَوْ تَرَجَّحَتِ الْبَيِّنَةُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْيَدِ، وَفِي يَمِينِ الْخَارِجِ حِينَئِذٍ: قَوْلانِ، وَاشْتِمَالُ إِحْدَاهُمَا عَلَى تَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ أَوْ سَبَبِ مِلْكٍ مُرَجِّحٌ، وَفِي مُجَرَّدِ التَّارِيخِ: قَوْلانِ، وَيُشْتَرَطُ فِي بَيِّنَةِ الْمِلْكِ بِالأَمْسِ مَثَلاً أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ أَمَّا لَوْ شَهِدَتْ بِالإِقْرَارِ اسْتُصْحِبَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا كَانَ لَهُ مِلْكاً بِالأَمْسِ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ أَنَّ أَحَدَهُمَا اشْتَرَاهُ مِنَ الآخَرِ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعِي أَمْسِ لَمْ يَأْخُذْهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ غَلَبَهُ جُعِلَ صَاحِبَ يَدٍ، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ عَلَى الْحَوْزِ، وَالنَّاقِلَةُ عَلَى الْمُسْتَصْحِبَةِ إِذْ لا تَعَارُضَ وَكَذَلِكَ
دَعْوَى ابْنٍ دَاراً، وَزَوْجَةٍ أَنَّهَا أَخَذَتْهَا صَدَاقاً أَوْ بَيْعاً وَكَأَخَوَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ: ادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ النَّصْرَانِيِّ وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ أَنَّهُ نَطَقَ بِالتَّنَصُّرِ ثُمَّ مَاتَ فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مَجْهُولَ الدَّيْنِ قُسِمَ بَيْنَهُمَا كَالتَّعَارُضِ، فَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً وَاخْتَلَفَتْ دَعَاوِيهِمْ قُسِمَ الْمَالُ لِكُلِّ جِهَةٍ نِصْفٌ إِنِ اخْتَلَفَ عَدَدُهُمْ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْوَلَدَيْنِ طِفْلٌ - فَقَالَ سَحْنُونٌ: يَحْلِفَانِ وَيُوقَفُ ثُلُثُ 1 مَا بِأَيْدِيهِمَا فَإِذَا كَبُرَ فَمَنِ ادَّعَى دَعْوَاهُ شَارَكَهُ وَرُدَّ الآخَرُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ حَلِفَا وَاقْتَسَمَاهُ، وَقَالَ أَصْبَغُ: لِلصَّغِيرِ النِّصْفُ لِإِقْرَارِهِمَا لَهُ، وَقَالَ: وَيُجْبَرُ عَلَى الإِسْلامِ.
مُوجِبَاتُ الْجِرَاحِ:
خَمْسَةٌ - الْقِصَاصُ، وَالدِّيَةُ، وَالكَفَّارَةُ، وَالتَّعْزِيزُ، وَالْقِيمَةُ.
الْقِصَاصُ: فِي النَّفْسِ وَالطَّرْفِ.
وَلِلنَّفْسِ - ثَلاثَةُ أَرْكَانٍ.
الْقَتْلُ: وَشَرْطُهُ - أَنْ يَكُونَ عَمْداً مَحْضاً عُدْوَاناً، وَهُوَ: الْقَصْدُ إِلَى مَا يُقْتَلُ مِثْلُهُ مِنْ مَبَاشَرَةٍ أَوْ تَسَبُّبٍ، فَالْمُبَاشَرَةُ، كَقَتْلِهِ - بِمُحَدَّدٍ، أَوْ مُثَقَّلٍ، أَوْ عَصْرِ الأُثْنَيَيْنِ، وَتَغْرِيقٍ وَتَحْرِيقٍ، وَمَنْعِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
فَلَوْ لَطَمَهُ أَوْ وَكَزَهُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ أَوْ ضَرَبَهُ بِعَصاً مُتَعَمِّداً عَلَى وَجْهِ الْقِتَالِ لا اللَّعِبِ فَمَاتَ عَاجِلاً أَوْ مَغْمُوراً لَمْ يَتَكَلَّمْ فَفِيهِ الْقَوَدُ، فَلَوْ مَاتَ بَعْدُ وَقَدْ تَكَلَّمَ يَوْماً أَوْ أَيَّاماً فَالْقَوْلُ بِقَسَامَةٍ - أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ - وَإِنْ ثَبَتَتْ (1) حَيَاتُهُ، أَمَّا لَوْ أَنْفَذَ لَهُ مَقْتَلاً فَلا قَسَامَةَ، وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ وَعَاشَ أَيَّاماً وَشِبْهَهُ، بِالشَّاةِ كَذَلِكَ تُذَكَّى فَلا تُؤْكَلُ.
وَلَوْ
رَمَاهُ فِي نَهَرٍ عَلَى وَجْهِ الْقِتَالِ قُتِلَ بِهِ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ لا يُحْسِنُ الْعَوْمَ فَالدِّيَةُ بِقَسَامَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَهُ أَوْ ضَمَّهُ أَوْ أَمَّهُ أَوْ قَطَعَ فَخِذَهُ.
وَالزَّوْجُ وَالْمُؤَدِّبُ وَنَحْوُهُ يُصِيبُ الصَّبِيَّ أَوْ غَيْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَطَأِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعَمْدُ [كَذَلِكَ]، وَقِيلَ: هُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَعَنْ مَالِكٍ: شِبْهُ الْعَمْدِ بِاطِلٌ لا أَعْرِفُهُ وَإِنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ، وَالتَّسَبُّبُ كَحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ سَرْبٍ أَوْ وَضْعِ سَيْفٍ أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ أَوِ اتْخَاذِ كَلْبٍ عَقُورٍ قَصْداً لِلإِهْلاكِ حَتَّى لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْراً لِإِهْلاكِ لِصٍ قُتِلَ بِهِ، وَلَوْ هَلَكَ بِهِ غَيْرُ الْمَقْصُودِ فَالدِّيَةُ أَوِ الْقِيمَةُ.
أَمَّا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لا لِقَصْدِ إِهْلاكٍ فَإِنْ كَانَ فِيمَا لا يَجُوزُ لَهُ ضَمِنَ الدِّيَةَ أَوِ الْقِيمَةَ، وَإِنْ كَانَ [فِيمَا] يَجُوزُ [لَهُ] فَإِنْ قَصَدَ ضَرَراً وَلَوْ لِسَارِقٍ ضَمِنَهُ وَغَيْرَهُ، وَإِلا فَلا ضَمَانَ، وَكَالإِكْرَاهِ وَتَقْدِيمِ الطَّعَامِ الْمَسْمُومِ وَكَذَلِكَ لَوْ طَرَحَ عَلَيْهِ حَيَّةً يَعْرِفُ بِأَنَّهَا قَاتِلَةٌ، وَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالسِّحْرِ قُتِلَ بِهِ، وَفِيمَنْ أَشَارَ بِالسَّيْفِ فَهَرَبَ فَطَلَبَهُ حَتَّى مَاتَ وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ: أَرْبَعَةٌ - الْقِصَاصُ، وَالدِّيَةُ، وَالْقَسَامَةُ، وَإِلْحَاقُهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ فَلَوْ أَشَارَ بِالسَّيْفِ فَمَاتَ مِنْهُ فَخَطَأٌ وَكَالإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْلا هُوَ لَمْ يَقْدِرْ.
فَلَوِ اشْتَرَكَ الْمُبَاشِرُونَ وَالْمُتَسَبِّبُونَ قُتِلُوا جَمِيعاً.
وَلَوْ تَمَالَأَ جَمْعٌ عَلَى ضَرْبِ سَوْطٍ سَوْطٍ قُتِلُوا جَمِيعاً، وَكَذَلِكَ الْمُكْرِهُ وَالْمُكْرَهُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُكَلَّفِ مِنْهُمَا فَنِصْفُ الدِّيَةِ.
وَفِي الْحَافِرِ لِإِهْلاكِ شَخْصٍ فَوَقَفَ عَلَى شَفِيرِهَا فَرَدَّاهُ آخَرُ: قَوْلانِ، وَفِي قَتْلِ الأَبِ يَأْمُرُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ، وَالْمُعَلِّمِ يَأْمُرُ الصَّغِيرَ، وَالسَّيِّدِ يَأْمُرُ الْعَبْدَ مُطْلَقاً: قَوْلانِ أَمَّا الْمَأْمُورُ لا يَخَافُ مُخَالِفَهُ فَعَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَيُضْرَبُ الآمِرُ وَيُحْبَسُ.
وَفِي