مقدمة الكتاب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين أكمل الْحَمد على جَمِيع هداياته ومعارفه وعطاياه وعوارفه وَأفضل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتحياته الطَّيِّبَات المباركات وإكرامه على رَسُوله وحبيبه وصفوته مُحَمَّد الْأمين خَاتم النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ الَّذِي جعل الله الذلة وَالصغَار على من خَالف أمره كَمَا ورد بِهِ الحَدِيث المتين وَالْقُرْآن الْمُبين حَيْثُ قَالَ رب الْعَالمين فِي بعض الْمُخَالفين لَهُ فِي الدّين ﴿سينالهم غضب من رَبهم وذلة فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نجزي المفترين﴾ وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى أهل بَيته الطيبين الطاهرين وَرَضي الله عَن الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ الصَّادِقين السَّابِقين وَالَّذين جاؤا من بعدهمْ من التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين أما بعد فَإِنِّي نظرت إِلَى شدَّة الْخلاف وَاخْتِلَاف الْعُقَلَاء والأذكياء وَأهل الرياضات الْعَظِيمَة من الرهبان وَسَائِر أَجنَاس أهل الْأَدْيَان ثمَّ إِلَى مَا وَقع من ذَلِك بَين أهل الْإِسْلَام من أهل القوانين العلمية البرهانية وَأهل القوانين الرياضية الرهبانية وَأهل التفاسير والتآويل للآيات القرآنية وَأهل الْآثَار والأنظار فِي الْفُرُوع الظنية فَرَأَيْت اخْتِلَافا كَبِيرا وتعاديا نكيرا وتباعدا كثيرا سبق إِلَى ظن النَّاظر فِيهِ أَنه لَا طَرِيق لَهُ مَعَ سَعَة ذَلِك إِلَى تَمْيِيز المحق من الْمُبْطل والمصيب من الْمُخطئ بِالدَّلِيلِ الصَّحِيح لِأَن التَّمْيِيز الصَّحِيح لذَلِك لَا يحصل إِلَّا بعد بُلُوغ الْغَايَة القصوى فِي طرق جَمِيع هَذِه الطوائف حَتَّى يعْتَرف لَهُ بِالْإِمَامَةِ فِي كل فن من تِلْكَ الْفُنُون كل أَمَام بهَا وعارف ويتقن علم كل فرقة مثل اتقان كل من أئمتهم لدعواهم وحقائقهم مُمَيّزا لمعارفهم ومزالقهم والعمر أقصر من أَن يَتَّسِع لذَلِك مَعَ تفريغه عَن
الشواغل الْمُزَاحمَة لذَلِك تمّ الطّلب الشَّديد لَهُ فَكيف يَتَيَسَّر علم جَمِيع ذَلِك فِي أول أَوْقَات التَّكْلِيف مَعَ الشواغل الجمة وَالتَّقْصِير الْكثير من الأكابر المتصدرين للتعليم كَيفَ للمتعلمين الْمُقَصِّرِينَ على تلقن مَذَاهِب أسلافهم من غير الثِّقَات إِلَى الإهتمام بتحقيق أدلتهم الَّتِي تخصهم دع عَنْك الإهتمام بأدلة خصومهم وتحقيقها مَعَ شدَّة الإشكالات ودقتها ومعارضة الأذكياء والرهبان بَعضهم لبَعض فِي كل مِلَّة وكل فرقة وَمَعَ اسْتِمْرَار من ظَاهره الْفَهم والإنصاف من أهل الْإِسْلَام على ذَلِك الإختلاف فعظمت هَذِه الفكرة عِنْدِي واهتم لَهَا قلبِي لَوْلَا مَا عارضها من الْعلم الْيَقِين بل الضَّرُورِيّ بِمَا للأكثرين من العقائد الْبَاطِلَة ومعارضة الْحق الْوَاضِح بالشبه الساقطة وتعرف ذَلِك بمطالعة كتب الْملَل والنحل والأهواء والتجاهل فَنَظَرت فِي كَيْفيَّة النجَاة مَعَ ذَلِك مستمدا من الله تَعَالَى دَاعيا طَالبا رَاغِبًا رَاهِبًا وان الله تَعَالَى وَله الْحَمد وَالشُّكْر وَالثنَاء وفقني حِينَئِذٍ إِلَى أوضح الطّرق فِي علمي وأبعدها من الشّبَه والشكوك إِلَى معرفَة مَا تمس الضَّرُورَة إِلَى مَعْرفَته من الْحق الَّذِي تخَاف الْمضرَّة بجهله وَهُوَ الَّذِي جَاءَ الْإِسْلَام بِوُجُوب مَعْرفَته أَو أَمر بهَا أَو ندب إِلَيْهَا من الْكتاب وَالسّنة دون معرفَة مَا لم يدل عقل وَلَا سمع على وجوب مَعْرفَته وَلَا ثَبت فِي الشَّرِيعَة استحبابها وبترك هَذَا الْقسم يسهل الْأَمر ويهون الْخطب فَإِن الَّذِي وسع دَائِرَة المراء والضلال هُوَ الْبَحْث عَمَّا لَا يعلم وَالسَّعْي فِيمَا لَا يدْرك وَطول السّير وَالسَّعْي فِي الطَّرِيق الَّتِي لَا توصل إِلَى الْمَطْلُوب والإقتداء بِمن يظنّ فِيهِ الْإِصَابَة وَهُوَ مُخطئ والإشتغال بالبحث عَن الدقائق الَّتِي لَا طَرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا وَلَا يُوصل الْبَحْث عَنْهَا إِلَى الْيَقِين وَلَا إِلَى الْوِفَاق وَلَا ظَهرت للخوض فِيهَا مَعَ طوله ثَمَرَة نافعة لَا بِالْيَقِينِ صادعة وَلَا للإفتراق جَامِعَة وَلَا رُوِيَ عَن أحد من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَلَا صَحَّ عَن أحد من السّلف الْكِرَام وَرُبمَا انْقَطع هَذَا الْعُمر الْقصير فِي تِلْكَ الطّرق الْبَعِيدَة قبل الْبلُوغ إِلَى الْمَقْصُود بهَا وَهُوَ معرفَة الْحق الْوَاجِب من الْبَاطِل المهلك وَمَعْرِفَة المحق من الْمُبْطل وَلَيْسَ الطّلب لكل علم بمحمود وَلَا كل مَطْلُوب بموجود أما الثَّانِيَة فوفاقية وَأما الأولى فعقلا وسمعا أما الْعقل فَإِنَّهُ لَا يحسن قطع
الْأَوْقَات فِي وزن الْحِجَارَة وَكيل التُّرَاب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يُفِيد وَالْعلَّة أَنه عَبث وَلعب لَا يضر وَلَا ينفع فَكيف بِمَا يضر أَو لَا يُؤمن أَنه يضر وَقد ذكر نَحْو ذَلِك القَاضِي جَعْفَر رَحمَه الله تَعَالَى وَأما السّمع فقد قَالَ تَعَالَى فِي متعلمي السحر أَنهم يتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم﴾ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْآيَة تَقْتَضِي ذمّ علمهمْ وذمهم بِهِ وَفِي الحَدِيث أَن من الْعلم جهلا قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة قيل فِي تَفْسِيره وَهُوَ أَن يتَعَلَّم مَا لايحتاج إِلَيْهِ كَالنُّجُومِ وعلوم الْأَوَائِل ويدع مَا هُوَ مُحْتَاج اليه فِي دينه من علم الْقُرْآن وَالسّنة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ وَعلم آدم الاسماء دون الْمَلَائِكَة وآتانا من الْعلم قَلِيلا مَعَ قدرته على أَن يؤتينا كثيرا فَقَالَ فِي ذَلِك ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ يُوضحهُ قَول الْخضر لمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام مَا علمي وعلمك وَعلم جَمِيع الْخَلَائق فِي علم الله إِلَّا كَمَا أَخذ هَذَا الطَّائِر بمنقاره من هَذَا الْبَحْر وَقَالَ لمُوسَى أَنا على علم من علم الله لَا يَنْبَغِي لَك أَن تعلمه وَأَنت على علم من علم الله لَا يَنْبَغِي لي أَن أعمله فَدلَّ ذَلِك كُله على أَنه لَا يَنْبَغِي لعاقل أَن يتَعَرَّض لعلم مَا لم يعلمنَا الله وَرَسُوله ويتضح معقوله ومنقوله لقَوْل الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا وَإِلَى ذَلِك الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم هَذَا ذكر من معي وَذكر من قبلي﴾ وَهَذِه الْآيَة دَالَّة على أَن كتب الله لَا تَخْلُو من الْبَرَاهِين الْمُحْتَاج اليها فِي أَمر الدّين كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْمُخْتَصر مستوعبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي قَول الْمَلَائِكَة لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِشَارَة إِلَى ذَلِك بل دلَالَة وَاضِحَة لأَنهم حِين قطعُوا على فَسَاد آدم مَعَ اخبار الله تَعَالَى لَهُم أَنه مستخلفه فِي الأَرْض إِنَّمَا أَتَوا من خوضهم فِيمَا لم يعلمهُمْ الله تَعَالَى إِذْ لَو كَانَ من تَعْلِيم الله مَا أخطأوا فِيهِ فَلَمَّا تبين لَهُم خطأهم نظرُوا من أَيْن جَاءَهُم الْخَطَأ على علو مَنْزِلَتهمْ فعرفوا أَنهم أخطأوا لما تعرضوا لعلم مَا لم يعلمهُمْ الله
سُبْحَانَهُ فَقَالُوا حِينَئِذٍ ﴿سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾ فَهَذَا وهم أَحَق الْخلق بِالْعلمِ والكشف للغائبات فَإِنَّهُم أنوار وعقول بِلَا شهوات حاجبة وَلَا أهواء غالبة وَلذَلِك ذمّ الله الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ بابتغاء تَأْوِيل الْمُتَشَابه ومدح الراسخين بالإعتراف بِالْعَجزِ كَمَا هُوَ مَعْرُوف عَن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فِي أمالي السَّيِّد الامام أبي طَالب عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي نهج البلاغة على مَا سَيَأْتِي تَقْرِيره وَالْحجّة عَلَيْهِ وذم الْيَهُود على تعَاطِي مَا لم يعلمُوا فَقَالَ تَعَالَى ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ حاججتم فِيمَا لكم بِهِ علم فَلم تحاجون فِيمَا لَيْسَ لكم بِهِ علم﴾ وَمن ذَلِك أَن الله تَعَالَى أرى رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمُسْلِمين يَوْم بدر الْكثير من الْمُشْركين قَلِيلا فِي الْمَنَام ثمَّ فِي الْيَقَظَة للْمصْلحَة وَاخْتلف لمن الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يرونهم مثليهم رَأْي الْعين﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي السَّاعَة ﴿أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بِمَا تسْعَى﴾ أَي أُخْفِي علمهَا الْجملِي وَأما تعْيين وَقتهَا فقد أخفاه من الْخلق كَمَا قَالَ ﴿ثقلت فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا تَأْتيكُمْ إِلَّا بَغْتَة﴾ وَكفى بذلك حجَّة صادعة على أَن الْمصلحَة لِلْخلقِ قد تعلق بِجَهْل بعض الْعُلُوم وَمِمَّا يُوضح ذَلِك قَول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام ﴿ولأبين لكم بعض الَّذِي تختلفون فِيهِ﴾ كَمَا ذكر فِي الْكَشَّاف وَلِأَن حِكْمَة الله وَحكمه الَّذِي لَا يغالب قد يَقْتَضِي ذَلِك عُمُوما كَمَا اقْتَضَت كتم الْآجَال على الاكثرين وَجَاء فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أول رُؤْيا عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ أصبت بَعْضًا وأخطأت بَعْضًا فَسَأَلَهُ بَيَان مَا أصَاب فِيهِ وَمَا أَخطَأ فَأبى عَلَيْهِ فَقَالَ أَقْسَمت عَلَيْك الا مَا أَخْبَرتنِي فَقَالَ لَا تقسم فَهَذَا مَعَ اكرامه لَهُ وانه على خلق عَظِيم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فلولا أَن الْجَهْل بِبَعْض الْأُمُور قد يكون راجحا أَو وَاجِبا لما تخلف
عَن اخباره بعد هَذَا الالحاح الْكثير من هَذَا الصاحب الْكَبِير فَدلَّ على أَنه لَيْسَ فِي كل علم صَلَاح الْعباد وَأَن قَدرنَا أَنه يحصل من غير خطأ وَلَا تَعب وَلَا خطر فَكيف مَعَ خوف الْفَوْت والخطر الْعَظِيم والتعب الشَّديد بل هُوَ مَعَ تحقق ذَلِك فِي حق الْأَكْثَرين بالتجارب الضرورية وَمن ذَلِك قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين رفع علم لَيْلَة الْقدر وَسُئِلَ عَنْهَا وَعَسَى أَن يكون خيرا لكم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَقَوله فِي حَدِيث معَاذ دعهم يعملوا مُتَّفق على صِحَّته وشواهده جمة كَثِيرَة صَحِيحَة وَمن ذَلِك وَهُوَ أعظمه وأشهره قصَّة الْخضر ومُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام وَهِي شافية كَافِيَة وَهِي صَرِيحَة فِي اخْتِلَاف الْمصَالح فِي الْعُلُوم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى بعد حِكَايَة الإختلاف بَين دَاوُد وَسليمَان عَلَيْهِمَا السَّلَام ﴿وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي فِي مقالاته الْمَشْهُورَة الْعَامَّة فَقَالَ هَنِيئًا لَهُم السَّلامَة مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَفِي شعر الْعَلامَة ابْن أبي الْحَدِيد المعتزلي وَقد حكى كَثْرَة بَحثه فِي علم الْكَلَام حَتَّى قَالَ (وأسائل الْملَل الَّتِي اخْتلفت... فِي الدّين حَتَّى عَابِد الوثن) (وحسبت أَنِّي بَالغ أملي... فِيمَا طلبت ومبريء شجني) (فاذا الَّذِي استكثرت مِنْهُ هُوَ... الْجَانِي على عظائم المحن) (فضللت فِي تيه بِلَا علم... وغرقت فِي يم بِلَا سفن) وَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ فِي ذَلِك (الْعلم للرحمن جلّ جَلَاله... وسواه فِي جهلاته يتغمغم) (مَا للتراب وللعلوم وَإِنَّمَا... يسْعَى ليعلم أَنه لَا يعلم) وَقَالَ صَاحب نِهَايَة الاقدام (قد طفت فِي تِلْكَ الْمعَاهد كلهَا... وسيرت طرفِي بَين تِلْكَ المعالم) (فَلم أر إِلَّا وَاضِعا كف حائر... على ذقن أَو قارعا سنّ نادم)
فَهَذَا كَلَام سلاطين أَئِمَّة المعارف الْعَقْلِيَّة من فريقي الْملَّة الإسلامية وَسَيَأْتِي هَذَا مَبْسُوطا فِي مَوْضِعه فَأَما بعض الطّلبَة من أَتبَاع أهل الْكَلَام الَّذين قلدوا فِي تِلْكَ الْقَوَاعِد وهم يحسبون أَنهم من الْمُحَقِّقين فهم أبلد وَأبْعد من أَن يعرفوا مَا أوجب اعْتِرَاف هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة بِالْجَهْلِ وَالْعجز وَإِنَّمَا هم بِمَنْزِلَة من سمع أَخْبَار الحروب والشجعان وَهَؤُلَاء الْأَئِمَّة بِمَنْزِلَة من مارس مقارعة الْأَبْطَال ومنازلة الأقران وَلَا يلْزم من التزهيد فِي طلب مَا لَا يحصل والاشتغال بِمَا يضر من عُلُوم الفلاسفة والمبتدعة التزهيد فِي الْعلم النافع وَسَيَأْتِي اشباع القَوْل فِي عظم فَضله والحث عَلَيْهِ بعد تَقْرِير صِحَّته وَالرَّدّ الشافي على من نَفَاهُ وَمن هَا هُنَا أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَسلم بالإقتصاد فِي الْأُمُور وَقَالَ إِن المنبت لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهرا أبقى وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الله تَعَالَى معلما للأميين وَرَحْمَة للْعَالمين وَعلم بِالضَّرُورَةِ لَا بأخبار الْآحَاد إِن ذَلِك كَانَ خلقه وَدينه عِنْد الْعلمَاء النقاد فَتعين حِينَئِذٍ طلب الطَّرِيق الْقَرِيبَة الممكنة الَّتِي هِيَ فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا كَمَا نَص على ذَلِك فِي كِتَابه الْكَرِيم وَسنة رَسُوله عَلَيْهِ أفضل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَوْلَا مَا وَقع فِيهَا من التَّغْيِير لما احْتَاجَت إِلَى طلب وَلكنه قد وَقع فِيهَا التَّغْيِير كَمَا أخبر بذلك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته عِنْد أهل النَّقْل وَفِيه تَفْسِير الْفطْرَة وتقريرها من الْمبلغ الْمُبين لما أنزل عَلَيْهِ من الْهدى والنور حَيْثُ قَالَ (كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه) وَفِي ذَلِك يَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ السَّلَام فِي ممادح ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الَّتِي أودعها خطبه فِي محافل الْمُسلمين وَأما العارفين وَعلمهَا من حَضَره من خِيَار الْمُؤمنِينَ حَيْثُ قَالَ فِي محامد رب الْعَالمين لم يطلع الْعُقُول على تَحْدِيد صفته وَلم يحجبها عَن وَاجِب مَعْرفَته فَهُوَ الَّذِي يشْهد لَهُ أَعْلَام الْوُجُود على إِقْرَار قلب ذِي الْجُحُود وَقد جود فِي شَرحه ونصرته الْعَلامَة ابْن أبي الْحَدِيد وَعَزاهُ إِلَى قَاضِي الْقُضَاة وَفرق بَينه وَبَين قَول الجاحظ فَقَالَ أَنا مَا ادعينا فِي هَذَا الْمقَام إِلَّا أَن الْعلم بِإِثْبَات الصَّانِع هُوَ الضَّرُورِيّ والجاحظ
ادّعى فِي جَمِيع المعارف أَنَّهَا ضَرُورِيَّة وَأَيْنَ أحد الْقَوْلَيْنِ من الآخر انْتهى كَلَام الشَّيْخ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿الم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ﴾ وَقَوله ﴿الم تَنْزِيل الْكتاب لَا ريب فِيهِ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿قَالَت رسلهم أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَلذَلِك كَانَ الْمُخْتَار فِي حَقِيقَة النّظر إِنَّه تَجْرِيد الْقلب عَن الغفلات لَا تَرْتِيب الْمُقدمَات كَمَا ذكره الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى فَتَأمل ذَلِك قلت وَبَيَان هَذِه الْجُمْلَة فِي أَمريْن أَحدهمَا بَيَان الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من المعارف الإسلامية فِي الْأُصُول وَهِي سَبْعَة أُمُور كلهَا فطرية جلية كَمَا يَأْتِي وَعَلَيْهَا مدَار خلاف الْعَالمين أَجْمَعِينَ وَإِنَّمَا تدْرك بالفطرة قبل التَّغْيِير أَو مَعَ الشُّعُور بذلك التَّغْيِير فَإِن مداواته بعد الشُّعُور بِهِ سهلة وَذَلِكَ لِأَن البصيرة فِي المعلومات كالبصر فِي المحسوسات كِلَاهُمَا مخلوقان فِي الأَصْل على الْكَمَال مَا لم يغيرا فَمَتَى وَقع فيهمَا التَّغْيِير وَلم يشْعر بِهِ صَاحبه فحش جَهله وَخَطأَهُ وَمَتى شعر بذلك سهل علاجه واستداركه وَالْحكم عَلَيْهِ بِحكم العميان وَالله الْمُسْتَعَان الْأَمر الثَّانِي بَيَان أَن خوض جَمِيع الْمُتَكَلِّمين فِي عقائدهم الخلافية بَين الْفرق الإسلامية يتَوَقَّف دَائِما أَو غَالِبا على الْخَوْض فِي مُقَدمَات لتِلْك العقائد وَجَمِيع تِلْكَ الْمُقدمَات مُخْتَلف فِيهَا أَشد الِاخْتِلَاف بَين أذكياء الْعَالم وفحول علم المعقولات من عُلَمَاء الْإِسْلَام دع عَنْك غَيرهم وَمن شَرط الْمُقدمَات أَن تكون أجلى وَأَن لَا تكون بِالشَّكِّ والإختلاف أولى فَلْينْظر بإنصاف من كَانَ من أهل النّظر من عُلَمَاء الْكَلَام فِي تِلْكَ الْقَوَاعِد الدقيقة والمباحث العميقة والمعارضات الشَّدِيدَة والمناقشات اللطيفة فِي أَحْكَام الْقدَم وَمَتى يَصح من الله تَعَالَى إِيجَاد الْحَوَادِث وَمَا لزم كل خائض فِي ذَلِك حَتَّى الْتزم بعض شُيُوخ الْكَلَام نفي الْقُدْرَة على تَقْدِيم الْخلق عَن وقته وَبَعْضهمْ أَن الْحَوَادِث لَا نِهَايَة لَهَا فِي الِابْتِدَاء كَمَا لَا نِهَايَة لَهَا فِي الإنتهاء وَقَالَ جمهورهم أَنه قَادر فِي الْقدَم وَلَا يَصح مِنْهُ الْفِعْل فِيهِ مَعَ قدرته وَكَذَلِكَ اخْتلَافهمْ فِيمَا تعلق بِهِ الْعلم فِي الْقدَم وَفِي أَحْكَام الْوُجُود وَالْمَوْجُود وَهل هما شَيْء وَاحِد على
التَّحْقِيق أَو بَينهمَا فرق دَقِيق وَفِي دَعْوَى أبي هَاشم وَأَصْحَابه أَن الثُّبُوت غير الْوُجُود حَتَّى جمعُوا بَين الثُّبُوت والعدم دون الْوُجُود والعدم وقضوا بِأَن الله تَعَالَى لَا يدْخل فِي قدرته سُبْحَانَهُ أَن يكون هُوَ الْمُثبت للأشياء الثَّابِتَة فِي الْعَدَم مَعَ قضائهم بِثُبُوت جَمِيع الْأَشْيَاء فِي الْعَدَم بِغَيْر مُؤثر وَإِنَّمَا تَفْسِير خلق الله للأشياء عِنْدهم أَن يكسبها بعد ثُبُوتهَا صفة الْوُجُود مَعَ مُخَالفَة جُمْهُور الْعُقَلَاء لَهُم فِي ذَلِك وَفِي أدلتهم عَلَيْهِ كَمَا أوضحه صَاحبهمْ أَبُو الْحُسَيْن وَأَصْحَابه وأوضحوا أَيْضا مخالفتهم فِي اثبات الأكوان والإستدلال بهَا إِلَى أَمْثَال لذَلِك كَثِيرَة مِمَّا اشْتَمَلت عَلَيْهِ التَّذْكِرَة لِابْنِ متويه والملخص للرازي وَشَرحه والصحائف الإلهية لبَعض الْحَنَفِيَّة وَنَحْوهَا من جَوَامِع هَذَا الْفَنّ فعلى قدر مَا فِي تِلْكَ الْقَوَاعِد من الشكوك والإحتمالات تعرف ضعف مَا تفرع عَنْهَا وَلَعَلَّ كثيرا من النظار الْمُتَأَخِّرين يعْتَرف بِأَنَّهَا محارات ومجاهل لَا هِدَايَة للعقول فِيهَا إِلَى الْيَقِين ثمَّ يعْتَقد أَن عقائده المبنية عَلَيْهَا صَحِيحَة قَطْعِيَّة وَهَذِه غَفلَة عَظِيمَة فَإِن الْفَرْع لَا يكون أقوى من الأَصْل لَا فِي عُلُوم السّمع وَلَا فِي عُلُوم الْعقل ثمَّ أَن الْمُتَكَلِّمين كثيرا مَا يقفون المعارف الجليلة الْوَاضِحَة على أَدِلَّة دقيقة خُفْيَة فيتولد من ذَلِك مفاسد مِنْهَا إِيجَاب مَا لَا يجب من الإستدلال وتكلفه وتكليفه الْمُسلمين وَمِنْهَا تَكْفِير من لَا يعرف ذَلِك أَو تأثيمه ومعاداته وَمَعَ ذَلِك تَحْرِيمه يُؤَدِّي إِلَى حرَام آخر وَهُوَ التَّفَرُّق الَّذِي نَص الْقُرْآن الْكَرِيم على النَّهْي عَنهُ وَمِنْهَا تَمْكِين أَعدَاء الْإِسْلَام من التشكيك على الْمُسلمين فِيهِ وَفِي أَمْثَاله وَمِنْهَا الإبتداع وتوسيع دائرته وَمَا أحسن قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فِي مثل ذَلِك الْعلم نُكْتَة يسيرَة كثرها أهل الْجَهْل ولنذكر شَيْئا من ذَلِك نخرج بِهِ عَن التُّهْمَة بِدَعْوَى مَا لم يكن مِنْهُم فَنَقُول انا لَا نحتاج إِلَى دَلِيل على وجوب الله تَعَالَى بعد علمنَا بِالضَّرُورَةِ الفطرية أَنه الَّذِي أوجد الموجودات وَخلق العوالم ودبرها وَاسْتحق المحامد جَمِيعهَا والأسماء الْحسنى كلهَا وَأَنه على كل شَيْء قدير وَبِكُل شَيْء عليم خَبِير وَهَذَا هُوَ قَول الشَّيْخ أبي الْحُسَيْن وَأَصْحَابه وَأكْثر الْعُقَلَاء وجماهير الْأمة وَذهب الشَّيْخ أَبُو هَاشم الجبائي وَأَتْبَاعه إِلَى أَنا بعد علمنَا بذلك كُله نشك هَل هُوَ سُبْحَانَهُ مَوْجُود أَو مَعْدُوم بعد علمنَا بِأَنَّهُ موجد
الموجودات ومدبرها القيوم بهَا وَأَنا بعد الْعلم بذلك وَمَعَهُ نحتاج إِلَى النّظر الدَّقِيق فِي دَلِيل يدل على أَن خالقنا الْكَامِل الْأَسْمَاء والنعوت غير مَعْدُوم وَلَا يكفينا الْعلم بِأَنَّهُ خالقنا ومدبرنا دَلِيلا على وجوده قطّ وغفلوا عَن كَون وجود الْخَالِق القيوم بخلقه أقوى فِي التَّعْرِيف بِوُجُودِهِ من الدَّلِيل الَّذِي يتكلفونه على ذَلِك فِي فطر الْعُقَلَاء وَأَنه إِن أمكن الشَّك فِي هَذِه الْفطْرَة أمكن الشَّك فِي دليلهم عَلَيْهَا إِذْ لَا يُمكن أَن يكون أقوى مِنْهَا بل هُوَ أخْفى بِغَيْر شكّ كَمَا يعلم ذَلِك من وقف على أدلتهم فِي ذَلِك وَقد كنت أوردتها هُنَا وَبَيَان مَا فِيهَا من الشكوك ثمَّ صنت ديباجة هَذَا الْمُخْتَصر من ذَلِك وَنَحْوه من علم الجدل وَرَأَيْت أَن أورد ذَلِك فِي فصل مُفْرد فِي آخر هَذَا الْمُخْتَصر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِلَّا فَهِيَ فِي العواصم مَجْمُوعَة وَفِي كتب الْكَلَام مفرقة وَإِنَّمَا فعلت ذَلِك مَعًا ليسلم أَولا من كدورته أهل الاثر ثمَّ ينْتَفع ثَانِيًا بِالنّظرِ فِي الشكوك الْوَارِدَة عَلَيْهِ أهل الْكَلَام وَالنَّظَر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِنَّمَا اضْطر أَبُو هَاشم وَأَتْبَاعه إِلَى ذَلِك لأَنهم جوزوا للمعدوم تحققا فِي الْخَارِج لَا فِي الذِّهْن على مَا حَقَّقَهُ الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى فِي الْفَصْل الرَّابِع فِي صِفَات الله تَعَالَى وَاعْلَم أَن كَثْرَة التعنت فِي النّظر تُؤدِّي إِلَى طلب تَحْصِيل الْحَاصِل والتشكيك فِيهِ وَقد جربنَا ذَلِك وتأثيره فِي الموسوسين فِي الطَّهَارَة وَفِي النِّيَّة وأمثالهما من الْأُمُور الضرورية فَإِذا صَحَّ مرض الْعُقُول فِي الضروريات بِسَبَب التعنت والغلو فِي تَحْصِيل الْحَاصِل فَكيف إِذا وَقع هَذَا السَّبَب فِي محارات الْعُقُول ودقائق الْكَلَام وتوهم المبتلي بالوسوسة أَنه لَا طَرِيق لَهُ إِلَى معرفَة الله تَعَالَى إِلَّا تِلْكَ الدقائق الْخفية وَالْقَوَاعِد الْمُخْتَلف فِيهَا بَين أذكياء الْبَريَّة وَمن أَمارَة عدم الْيَقِين فِيهَا اسْتِمْرَار الْخلاف بعد طول الْبَحْث من الأذكياء من أهل الْإِنْصَاف وَمن عُلَمَاء أهل الْإِسْلَام وَلَا تحسبن أَن الْعلَّة فِي ذَلِك وَقتهَا بل الْعلَّة عدم الطَّرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا يُوضح هَذَانِ علم الْحساب والفلك وتسيير الشَّمْس وَالْقَمَر وَمَعْرِفَة أَوْقَات الكسوفيين من أدق الْعُلُوم وَمَعَ دقته فَإِن غالبه صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ بَين العارفين لَهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ خفِيا ظنيا فَهُوَ مَعْرُوف بذلك بَين أَهله وَعكس ذَلِك علم أَحْكَام النُّجُوم
فِي حُدُوث الْحَوَادِث فَإِن غالبه بَاطِل لِأَنَّهَا لم تصح مِنْهُ الْمُقدمَات فَدلَّ الضعْف والإختلاف على ضعف الْقَوَاعِد لَا على دقتها وَلذَلِك لَا يخْتَلف أهل الْحساب الدَّقِيق فِي الْفَرَائِض وَقِسْمَة الْمَوَارِيث فِي المناسخات وَنَحْوهَا مَعَ دقته وَلذَلِك لَا تخْتَلف عُلَمَاء الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان فِي كل دَقِيق بل يتفقون حَيْثُ تكون الْمُقدمَات صَحِيحَة وَإِن دقَّتْ وَلَا يَخْتَلِفُونَ إِلَّا حَيْثُ تكون الْمُقدمَات ظنية بل المتكلمون فِي الْحَقِيقَة كَذَلِك لكِنهمْ إِنَّمَا يتفقون فِي أُمُور يسْتَغْنى فِي مَعْرفَتهَا عَن علم الْكَلَام وَعَن مَعْرفَتهَا فِي علم الْكَلَام ثمَّ يختصون من بَين أهل الْعُلُوم بِدَعْوَى الْقطع فِي مَوَاضِع الظنون وتركيب التعادي والتأثيم والتكفير على تِلْكَ الدَّعَاوَى إِلَّا أفرادا من أئمتهم وأذكيائهم توغلوا حَتَّى فَهموا أَنهم انْتَهوا إِلَى محارات مُنْتَهى الْعُقُول فِيهَا الْميل إِلَى إمارات ظنية فَرَجَعُوا إِلَى التَّسْلِيم وَترك التَّكْفِير كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِك عَنْهُم ونصوصهم فِيهِ وَمن العبر الجلية فِي هَذَا للمتأملين أَن أهل الدُّنْيَا الموصوفة بِأَنَّهَا لعب وَلَهو ومتاع قد اتقنوا مَوَازِين معرفَة الْحق من الْبَاطِل فِيمَا بَينهم وتمييز يسير الحيف فِي ذَلِك حَتَّى لَا يَسْتَطِيع أحد تَدْلِيس الْبَاطِل مَعَ وزنهم وتمييزهم لذَلِك بِتِلْكَ الموازين الموصلة إِلَى الْعلم الْيَقِين الْقَاطِع لَا مَكَان اللجاج وَالْخلاف من الْمُخَالفين فَلَو اسْتَطَاعَ أهل الْكَلَام أَن يضعوا فِي أُمُور الدّين المهمة مَوَازِين حق تميز الْحق من الْبَاطِل على وَجه وَاضح يقطع الْخلاف ويشفي الصُّدُور مثل مَوَازِين أهل الدُّنْيَا مَا كَرهُوا ذَلِك وهم لَا يتهمون بالتقصير فِي ذَلِك وَإِنَّمَا أَتَوا من أَنهم تركُوا الإعتماد على تعلم الْحق من الْكتاب الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه الَّذِي أنزلهُ من أنزل الْمِيزَان ليتعرف بِهِ الْحق بعد دلَالَة الإعجاز على صدقه كَمَا يعرف الْحق فِي الْأَمْوَال بالميزان بعد دلَالَة الْعقل على صِحَّته وَلذَلِك جَمعهمَا الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿الله الَّذِي أنزل الْكتاب بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان﴾ أنزل الْكتاب لتعريف الْحق الديني وَالْمِيزَان لتعريف الْحق الدنيوي فَترك الْأَكْثَرُونَ الإعتماد عَلَيْهِ لما سَنذكرُهُ من الْأَسْبَاب الَّتِي ظَهرت فِي أعذار
الْمُخَالفين وان كَانَ السَّبَب الْأَكْبَر الَّذِي أخبر عَنهُ علام الغيوب حَيْثُ يَقُول ﴿لقد جئناكم بِالْحَقِّ وَلَكِن أَكْثَرَكُم للحق كَارِهُون﴾ وتعرضوا لما لَا يُمكن من ايضاح المحارات الَّتِي لَا تتضح وَالسير فِي الطّرق الَّتِي لَا توصل وَالْوَزْن بِالْمَوَازِينِ الَّتِي لم ينزلها الله تَعَالَى وَلَا علمتها رسله وَلَا اجْتمعت عَلَيْهَا عقول الْعُقَلَاء وفطن الأذكياء وَمَا خرج عَن ذَلِك كُله فَمن أَيْن لَهُ الوضوح حَتَّى يكون لَهُ ميزَان يُمَيّز بِهِ الْحق من الْبَاطِل عِنْد الدقة والخفاء والإختلاف الشَّديد فَتَأمل ذَلِك بإنصاف وأعجب من كل عَجِيب تَكْفِير بَعضهم لبَعض بِسَبَب الإختلاف فِي هَذِه المحارات الخالية من ذَلِك كُله وَقد قَالَ الله تَعَالَى بعد الْأَمر بوفاء الْكَيْل وَالْوَزْن ﴿لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ مَعَ وضوح الْوَفَاء فيهمَا وامكان الإحتياط فَكيف حَيْثُ يدق ويتعذر فِيهِ الإحتياط لَكِن قد يُمكن أَن لَا يسامحوا فِي ذَلِك من جِهَة أَن الضَّرُورَة بل الْحَاجة لم تدع إِلَيْهِ كالوزن هَذَا مَعَ مَا فِي التَّكْفِير للمخطئ فِي هَذِه الدقائق من الْمفْسدَة وَذَلِكَ عدم جسرة النَّاظر على الْمُخَالفَة لِأَنَّهَا صَارَت مثل الرِّدَّة من الدّين وَلَوْلَا ذَلِك لاتضح كثير من الدقائق فَإِن أَوَائِل أهل علم الْكَلَام لابد أَن يقصروا كَمَا هُوَ الْعَادة الدائمة فِي كل من ابْتَدَأَ مَا لم يسْبق إِلَيْهِ فَلَمَّا كفرُوا الْمُخَالف كتم بَعضهم الْمُخَالفَة وتكلف بَعضهم الْمُوَافقَة بالتأويل الْبعيد وَفَسَد الاكثرون وَقد ذكر نَحْو هَذَا فِي دَلَائِل اعجاز الْقُرْآن أَنه أسلوب مُبْتَدأ جَاءَ على الْكَمَال فَحرق الْعَادَات بذلك على أَن فِي علم الْكَلَام من الْخطر مَا لَا يتَعَرَّض لَهُ حَازِم بعد مَعْرفَته وَذَلِكَ مَا ذكره السَّيِّد الْمُؤَيد بِاللَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فانه ذكر فِي أَوَاخِر كِتَابه مَا ذكره فِي الزِّيَادَات مَا لَفظه