حاشية كتاب التوحيدكتاب التوحيد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1) (1) كتاب: مصدر كتب يكتب كتابا وكتابة وكتبا، ومدار المادة على الجمع، ومنه تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، والكتيبة لجماعة الخيل.
والكتابة بالقلم لاجتماع الحروف والكلمات، والمراد به هنا المكتوب، أي هذا مكتوب جامع لخصائص التوحيد وحقوقه ومكملاته، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر.
أو البدع القادحة في التوحيد، أو المعاصي المنقصة للتوحيد، وبيان الوسائل والذرائع الموصلة إلى الشرك والمقربة منه بالبراهين القاطعة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
والتوحيد: مصدر وحّده يوحّده توحيدا، جعله واحدا أي فردا، ووحّده قال: إنه واحد أحد، أو قال لا إله إلا الله.
والواحد والأحد وصف اسم الباري تعالى لاختصاصه بالأحدية.
وأقسام التوحيد ثلاثة: (الأول) توحيد الربوبية.
وهو العلم والإقرار بأن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه، والمدبر لأمور خلقه جميعهم.
(والثاني) توحيد الأسماء والصفات.
وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال ونعوت الجلال، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.
(والثالث) توحيد الإلهية.
وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ويتعلق بأعمال العبد وأقواله الظاهرة والباطنة، خلاف ما زعمه المتكلمة والصوفية وغيرهم من أن المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وأنهم إذا أثبتوا ذلك فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأن من أقر بما يستحقه –سبحانه- من الصفات، ونزهه عن كل ما نزه عنه، وأقر أنه –سبحانه- خالق كل شيء فهو الموحّد، =

قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّّ لِيَعْبُدُونِ﴾.1
= بل لا يكون موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده، ويقر أنه وحده هو الإله المستحق للعبادة; ويلتزم بعبادته وحده لا شريك له.
وأقسام التوحيد الثلاثة متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمتى أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر لم يكن موحدا.
والقسم الثالث هو مقصود المصنف -رحمه الله تعالى- بتصنيف هذا الكتاب، وإن كان قد ضمنه النوعين الآخرين؛ لأن هذا النوع هو أول دعوة الرسل أن: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ 1، ولعموم البلوى في زمانه بعبادة القبور والأشجار وغيرها، ودعوة الأنبياء والأولياء والصالحين وغيرهم، فمن أجل ذلك صرف العناية في بيان ذلك.
وإن شئت قلت كما قال ابن القيم وغيره: التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة.
وبهذا التوحيد ولأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل آية متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه؛ فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، وهو التوحيد العلمي الخبري.
وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد دونه وهو الإرادي الطلبي.
وإما أمر ونهي، وهو حقوق التوحيد ومكملاته.
وإما خبر عن أهل التوحيد وجزائهم وأهل الشرك وجزائهم، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي الشرك وأهله وجزائهم، وركنا التوحيد الصدق والإخلاص.
قال ابن القيم: والصدق والإخلاص ركنا ذلك الت... وحيد كالركنين للبنيان وحقيقة الإخلاص توحيد المر ا... د فلا يزاحمه مراد ثان1قول بالجر عطف على التوحيد، ويجوز الرفع على الابتداء.
والعبادة لغة: التذلل والانقياد.
وشرعا: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال =

وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ 11= الظاهرة والباطنة.
(وما خلقت) أي ما خلق الله الثقلين الجن والإنس إلا لحكمة عظيمة، وهي عبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه.
ففعل الأول وهو خلقهم ليفعلوا هم الثاني وهو عبادته، لا ليفعل هو سبحانه بهم الثاني فيجبرهم على العبادة; فإن من سبقت عليه الشقاوة لم يرد سبحانه وقوع العبادة منه، لما له في ذلك من الحكمة.
وقال بعض السلف: إلا لآمرهم وأنهاهم.
واختاره الزجاج والشيخ وغرهما; قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ 2 لا يؤمر ولا ينهى.
وقال: (اعبدوا ربكم) أي اتقوه، فقد أمرهم بما خلقوا له وأرسل الرسل بذلك، وكلما وردت العبادة في القرآن فمعناها توحيد الله بجميع أنواع العبادة.
وسميت وظائف الشرع عبادات؛ لأنهم يفعلونها خاضعين لله فيكونون من أهل رضاه.
قال تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ 3 أخبر أنه سبحانه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وفي الآية بيان عظم شأن التوحيد؛ إذ كان الخلق كلهم لم يخلقوا إلا له.1الطاغوت: مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، وكل من تعدى حده بأي نوع من الطغيان فهو طاغوت، ويكون واحدا وجمعا، ويؤنث ويذكر، وللسلف فيه تفاسير لا تنافي بينها، وكلها ترجع إلى ما قال ابن القيم: ((الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع)) اهـ. وأخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة وقرن وجيل من الناس رسولا منذ حدث الشرك في قوم نوح إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، يأمرهم (أن اعبدوا الله) أي وحدوا الله بالعبادة، (واجتنبوا) اتركوا وفارقوا عبادة ما سواه.
ولهذا خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب، و (اجتنبوا) أبلغ من اتركوا، =

وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ 11الآية2= فإن اتركوا لعدم الفعل، واجتنبوا تقتضي ذلك وتقتضي المباعدة والمجانبة، وهذه الآية هي معنى لا إله إلا الله فإنها تضمنت النفي والإثبات، كما تضمنته لا إله إلا الله، ففي قوله: (اعبدوا الله) الإثبات، وقوله: (اجتنبوا الطاغوت) النفي.
وهذه طريقة القرآن يقرن النفي بالإثبات، فينفي ما سوى الله، ويثبت عبادة الله وحده، والنفي المحض ليس بتوحيد وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد، ففيها بيان عظم شأن التوحيد، وإقامة الحجة على العباد، ومعنى لا إله إلا الله.
قال المصنف: ((وفيه الحكمة في إرسال الرسل، وأن الرسالة عمت كل أمة، وأن دين الأنبياء واحد)).1أي أمر ووصى وأوجب على ألسن رسله أن يعبد وحده دون ما سواه، والمراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي الديني، فإن القضاء ينقسم إلى قسمين كوني قدري، وشرعي ديني، واشتملت هذه الآيات على جملة الشرائع، وابتدئت بالتوحيد فدل على أنه أوجب الواجبات؛ إذ لا يبتدأ إلا بالأهم فالأهم، وختمت بالنهي عن الشرك، فدل على أنه أعظم المحرمات، وفيها معنى لا إله إلا الله، فإن قوله: (ألا تعبدوا) هو معنى لا إله، وقوله: (إلا إياه) هو معنى إلا الله.2أي وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحسانا، كما قضى بعبادته وحده لا شريك له كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ 2، وعطف حقهما على حقه دليل على تأكد حقهما، وأنه أؤكد الحقوق بعد الله، وأكده أيضا بالمصدر المؤكد لما فرضه من حقهما؛ لأن الله جعلهما سببا لخروجك من العدم، ولم يخص نوعا من أنواع الإحسان ليعم جميع أنواعه، وتواترت السنة ببر الوالدين وتحريم عقوقهما.: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ 3 أي لا تسمعهما قولا سيئاً حتى =

وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ 1 الآية.1وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ 2.2 = ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، تنبيها بما هو فوق ذلك من القول السيء، والفعل السيئ (ولا تنهرهما) أي لا يصدر إليهما منك قول قبيح: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ 3 لينا طيبا بأدب وتوقير.: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ 4 أي تواضع لهما: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ 5 أي في كبرهما وعند وفاتهما: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ 6 أي كما رحماني في تربيتهما لي في صغري أو لتربيتهما.
وقوله: "الآية" أي إلى آخر الآية، أو اقرأ الآية.1يأمر سبحانه عباده بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه، وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا، وقرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه، فدلت على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة.
والشرك تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
و (شيئا) نكرة في سياق النهي فتعم الشرك قليله وكثيره.
وتسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة؛ وذلك لأنها تضمنت عشرة حقوق.
وابتدأت بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، فدلت على أن التوحيد هو أوجب الواجبات، وأن الشرك أعظم المحرمات.
وفيها تفسير التوحيد، وأنه عبادة الله وحده وترك الشرك وهذا وجه مطابقتها للترجمة قاله حفيد المصنف، وفي بعض النسخ المعتمدة تقديمها على آية الأنعام فقدمتها لمناسبة كلام ابن مسعود.2أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله: (تعالوا) أي هلموا وأقبلوا (أتل) أي أقص عليكم وأخبركم بـ: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ 7 حقا لا تخرصا ولا ظنا، بل وحيا منه وأمرا من عنده،: ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ 8 كأن في الكلام =

................................. = محذوفا تقديره: وصاكم ألا تشركوا به شيئا.
فيكون المعنى حرم عليكم ما وصاكم بتركه من الإشراك به، ولهذا إذا سئل الصحابة -رضي الله عنهم- عما يقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يقول: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا " 1 وذكر سبحانه في هذه الآية جملا من المحرمات، وابتدأها بالنهي عن الشرك، والنهي عنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، فدل على أن التوحيد أوجب الواجبات.
وأن الشرك أعظم المحرمات، وهذا وجه مطابقتها للترجمة (وبالوالدين إحسانا) قال القرطبي: ((الإحسان إلى الوالدين برهما، وحفظهما وصيانتهما، وامتثال أمرهما، وإزالة الرق عنهما، وترك السلطنة عليهما)).
و (إحسانا) نصب على المصدرية، أي أحسنوا بالوالدين إحسانا.: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ 2 أي لا تئدوا بناتكم خشية العيلة والفقر فإني رازقهم وإياكم، أي لا تخافوا من الفقر بسبب رزقهم فهو على الله، وخص الأولاد لأن قتلهم يجمع بين القتل وقطيعة الرحم.
فالعناية بالنهي عنه آكد، وكان قتل البنات شائعا فيهم.
وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، فنهاهم الله عن ذلك.: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ 3 نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي.
(وظهر وبطن) حالان تستوفيان أقسام ما جعلتا له من الأشياء.: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ 4 قتلها (إلا بالحق)، وهذا مما نص على النهي عنه تأكيدا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش.
(ذلكم وصاكم به) إشارة إلى هذه المحرمات التي أولها النهي عن الشرك، والوصية الأمر المؤكد المقرر، وسميت وصية الميت وصية؛ لأنه يعهدها لمن بعده ليتمسكوا بها.
(لعلكم تعقلون) لعل للتعليل أن الله وصانا بهذه الوصايا وأمرنا بها، وأكد علينا فيها لنعقلها ونعمل بها.: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ 5 نهي عام عن القرب الذي يعم وجوه التصرف إلا ما يحسن، والسعي في نمائه.
(حتى يبلغ أشده) أي الرشد وزوال السفه مع البلوغ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ 6 أمر بإقامة العدل في الأخذ =

................................. = والإعطاء.: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ 1 أي من اجتهد في أداء الحق وأخذه فإن أخطأ بعد استفراغ الوسع وبذله الجهد فلا حرج عليه.: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ 2 أمر بالعدل في القول والفعل على القريب والبعيد، فلا يميل إلى الحبيب والقريب.: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 3.
(وبعهد الله أوفوا) أي وبوصية الله التي وصاكم بها فأوفوا، بأن تطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ 4 تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه.: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ 5 أي الذي أوصيكم به في هاتين الآيتين المشتملتين على ترك المنهيات وأعظمها الشرك، وفعل الواجبات وأعظمها التوحيد.
صراطا مستقيما واضحا سهلا واسعا (فاتبعوه) وهذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم.
و (أن) في موضع نصب أي: أتل (أن هذا صراطي) أي طريقي ومسلكي وشريعتي (مستقيما) قيما.
والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام، وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا إليه، وهو شريعة الله لا اعوجاج فيه، ولا طريق إليه سواه، وقد جمع ثلاثة أمور: السهولة والسعة والقرب، فهو أقرب الطرق إلى الله وأوسعها وأسهلها، ولو اجتمع أهل الأرض وأضعاف أضعافهم لوسعهم، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلا لعباده إليه، وهو إفراده بالعبودية، وإفراد رسله بالطاعة.
فأمر باتباعه ونهايته الجنة، وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة منها نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار.
(ولا تتبعوا السبل) البدع والشبهات، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ 6 أي تميل وتشتت بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده.
وهذه الآيات قيل: إنها المحكمات المذكورة في قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ 7.
وروى الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود قال " خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا بيده ثم قال "هذا سبيل الله مستقيما"، ثم خطّ خطوطا عن يمينه وشماله، ثم =

قال ابن مسعود رضي الله عنه1: " من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمة2فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ 1 إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ 2 " الآية.3
= قال: "وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه "، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ "3، وذكر أولا (تعقلون) ثم (تذكرون) ثم (تتقون)؛ لأنهم إذا عقلوا تذكروا، فإذا تذكروا خافوا، وكأن المصنف قال: كتاب التوحيد الذي هو الحكمة في إيجاد الثقلين كما في الآية الأولى، والذي هو الحكمة في إرسال الرسل كما في الآية الثانية، والذي هو أوجب الواجبات كما في الآية الثالثة والرابعة والخامسة، والذي ضده هو الشرك أعظم المحرمات كما في الآية الخامسة، والذي هو حق الرب على العباد الذي افترضه عليهم، ولا يقبل منهم سواه كما يأتي في حديث معاذ بن جبل، والذي حقيقته وتفسيره عبادة الله وحده لا شريك له كما في الآية الرابعة وحديث معاذ.1هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن صحابي جليل، من السابقين الأولين، ومن كبار علماء الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم وكان صاحب نعليه، وحدث عنه كثيرا، وأمّره عمر على الكوفة ومات سنة 32 هـ. وأثره هذا رواه الترمذي وغيره وحسنه.2بفتح التاء وكسرها، والخاتم حلقة ذات فص من غيرها.
وحقيقة الختم الاستيثاق.3أي من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت وختم عليها فلم تغير ولم تبدل، فليقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ 4 الآيات الثلاث؛ لأن كل آية =

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه1قال: " كنت رديف = منها ختمت بقوله: (ذلكم وصاكم به)، فالرسول صلى الله عليه وسلم لو وصى لم يوص إلا بما وصى به الله تعالى، فصارت وصية الله تعالى، ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم بالمعنى; ولذلك شبهها بالكتاب الذي كتب ثم ختم فلم يزد فيه ولم ينقص.
وليس المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبها وختم عليها، وإنما هذه الآيات كأنها وصية ختمها الرسول صلى الله عليه وسلم فلا حاجة بنا أن يوصي، فإن الله قد وصى بما في هذه الآيات؛ لأن فيها ما يكفي عن توصية الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: " ائتوئي بكتاب أكتب لكم فيه شيئا لا تضلوا بعدي "، وذلك في أثناء مرضه صلى الله عليه وسلم، فحيل بينهم وبين أن يكتب، وكثر اللغط.
فقال: "اخرجوا عني".
فقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: " إن الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين أن يكتب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الوصية " فذكرهم ابن مسعود رضي الله عنه أن عندهم من القرآن ما يكفيهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو وصى لم يوص إلا بما في كتاب الله.
وفي صحيح مسلم: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله " 1. وروى الحاكم وصححه عن عبادة مرفوعا: " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث "، ثم تلا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..﴾ 2 حتى فرغ من الآيات الثلاث.
ثم قال: " من أوفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه ".1ابن عمرو بن أوس بن كعب بن عمرو الخزرجي الأنصاري، أبو عبد الرحمن صحابي جليل مشهور من أعيان الصحابة كان إليه المنتهى في العلم والأحكام والقرآن، قال -عليه السلام-: " يحشر أمام العلماء برتوة " 3 أي بخطوة أو رمية سهم، شهد بدرا وما بعدها، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة يوم الفتح يعلمهم دينهم، تم بعثه إلى اليمن قاضيا معلما، مات بالشام في طاعون عمواس سنة 18 هـ، وله 38.

النبي صلى الله عليه وسلم على حمار1فقال لي: " يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، (2) وما حق العباد على الله؟ (3) قلت: الله ورسوله أعلم (4).1وفي رواية: اسمه عفير، أهداه إليه المقوقس صاحب مصر.
والرديف هو الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة، وفيه تواضعه صلى الله عليه وسلم لركوب الحمار والإرداف عليه، خلافا لما عليه أهل الكبر.
(2) أخرج السؤال بصيغة الاستفهام؛ ليكون أوقع في النفس، وأبلغ في فهم المتعلم، وحق الله على العباد هو ما يستحقه عليهم من عبادته وحده.
قال ابن القيم: حق الإله عبادة بالأمر لا... بهوى النفوس فذاك للشيطان من غير إشراك به شيئا هما... سببا النجاة فحبذا السببان (3) ليس على الله حق واجب بالعقل كما تزعمه المعتزلة، لكن هو سبحانه كتب ذلك على نفسه تفضلا وإحسانا، فهو متحقق لا محالة؛ لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده،: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ 1، كتب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه الحق، لم يوجبه عليه مخلوق.
قال شيخ الإسلام: كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحق المخلوق على المخلوق: ما للعباد عليه حق واجب... كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا... فبفضله وهو الكريم الواسع (4) فيه حسن الأدب من المتعلم، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم.
قال ابن مسعود: " من كان عنده علم فليقل به، وإلا فليقل: الله أعلم ".

قال: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا1، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا (2). قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس (3)؟1أي يوحدوه بالعبادة ويفردوه، ويتجردوا من الشرك قليله وكثيره صغيره وكبيره، ومن لم يتجرد من الشرك لم يكن آتيا بعبادة الله وحده.
بل هو مشرك قد جعل لله ندا في عبادته.
وأصل العبادة التذلل والخضوع، قال الشيخ: ((العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل)).
وعرفها ابن القيم فقال: وعبادة الرحمن غاية حبه... مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر... ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله... لا بالهوى والنفس والشيطان قال المصنف: ((وفيه أن العبادة هي التوحيد لأن الخصومة فيه)).
(2) أي ألا يعذب من يعبده ولا يشرك به شيئا، والعذاب كل ما يعيي الإنسان ويشق عليه، من العذب وهو المنع، فسمي عذابا لأنه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره من مثل فعله.
قال الحافظ: اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم; إذ من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذب الله (، ومن كذب الله فهو مشرك.
وفي رواية: " ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار " 1. (3) يعني بفضل التوحيد، وفضل من تمسك به عند الله، ففيه فضل التوحيد وعظم شأنه، وأنه حق الرب الذي أحقه وافترضه على عباده، ولا يقبل منهم سواه، وعظم شأن أهله، وهو ألا يعذبهم.
وفيه تفسير التوحيد وأنه عبادة الله وحده وترك الشرك به.
وفيه استحباب بشارة المسلم بما يسره.
وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستبشار بمثل هذا.

قال: لا تبشرهم فيتكلوا " 11أخرجاه في الصحيحين.21وفي رواية: " إني أخاف أن يتكلوا " أي يعتمدوا على ذلك، فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة اعتمادا على ما يتبادر من ظاهر الحديث.
وفي رواية: فأخبر بها معاذ عند موته تأثما أي تحرجا من الإثم.
قال أبو المظفر: ((لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة.
فأما الأكياس فإذا سمعوا بمثل هذا زادوا في الطاعة فلا وجه لكتمانها عنهم)).
قال المصنف: وفيه جواز كتمان العلم للمصلحة، والخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.
وسئل عن معنى هذا الحديث، ومعنى " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " 2 فقال: معنى حديث معاذ عند السلف على ظاهره، وهو من الأمور التي يقولون: أمرّوها كما جاءت، يعني نصوص الوعد والوعيد، وقوله: " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " على ظاهره، وهو أن الله لو يستوفي حقه من عبده لم يدخل أحد الجنة، ولكن كما قال: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 3.2أي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما اللّذين هما أصح الكتب المصنفة.
والبخاري هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي، الحافظ الكبير صاحب الصحيح والتاريخ والأدب المفرد وغير ذلك.
روى عن أحمد والحميدي وابن المديني وطبقتهم، وعنه مسلم والنسائي والترمذي وغيرهم، ولد سنة 194 هـ، وتوفي سنة 256 هـ. ومسلم هو ابن الحجاج بن مسلم أبو الحسين القشيري النيسابوري، صاحب الصحيح والعلل والوحدان وغير ذلك، روى عن أحمد وابن معين وابن أبي شيبة والبخاري وطبقتهم، وعنه الترمذي وخلق.
ولد سنة 204، وتوفي بنيسابور سنة 261 هـ.

فصول الكتاب · 69 فصل · 406 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية كتاب التوحيد · 406 صفحة
مقدمة...كتاب التوحيدكتاب التوحيدباب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب1وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ 1 (3).1"باب" خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا باب، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، و "ما" يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية. أي باب بيان عظيم فضل التوحيد وتكفيره للذنوب وهو أشمل وأولى؛ لرفع وهم أن ثم ذنوبا لا يكفرها التوحيد وليس بمراد، ولا ريب أن التوحيد أفضل الأعمال على الإطلاق، وأعظمها تكفيرا للذنوب، ولما ذكر معنى التوحيد، وكانت الأنفس لها تشوق وتشوف إلى معرفة المعاني، ونيل الفضائل وتحصيلها، ناسب ذكر فضله وتكفيره للذنوب؛ ترغيبا فيه، وتحذيرا من الشرك. والباب لغة: المدخل إلى الشيء. واصطلاحا: اسم لجملة من العلم تحته فصول ومسائل غالبا، وليس مرادهم الحصر بل إنه المقصود بالذات والمعظم.باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب1وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ 1. (2)1أي هذا باب فيه أدلة من الكتاب والسنة تدل على أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، لما ذكر التوحيد وفضله ناسب أن يذكر تحقيقه، فإنه لا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه، وتحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد، وتحقيقه من وجهين: واجب ومندوب، فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي. فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه، فلا يكون العبد محققا للتوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه، ويسلم من البدع والمعاصي، والمندوب تحقيق المقربين، تركوا ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وحقيقته هو انجذاب الروح إلى الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر، فقد حصل الأمن التام، والاهتداء التام.باب الخوف من الشرك1وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ 1.21أي باب وجوب الخوف من الشرك وتحتمه والتحذير منه، وبيان ما يتعلق به من الخسران الأبدي والعذاب السرمدي، وخاف الشيء: فزع منه واتقى ضد أمن. لما ذكر التوحيد وفضله وتحقيقه ناسب أن يذكر الخوف من ضده وهو الشرك، ليحذره المؤمن ويخافه على نفسه، قال حذيفة: " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه ". وفي الحديث: " من أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه ". فيحذر المؤمن زوال تلك النعمة، وكان صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قيل له: يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب؟ قال: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء" 2. فإن شاء سبحانه أقامها على دينه، وإن شاء أزاغها، وحقيقة الخوف من الشرك صدق الالتجاء إلى الله والاعتماد عليه والابتهال والتضرع إليه، والبحث والتفتيش عن الشرك ووسائله وذرائعه، ليسلم من الوقوع فيه.1أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، أي عادل غيره به فيما يختص به سبحانه، وصارف خالص حقه لغيره، ومشبه المخلوق العاجز بمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وإذا كان من مات على الشرك لا يغفر له، وجب على العبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله، ومع كونه أعظم الذنوب عند الله سبحانه، ولا يغفر لمن لقيه به فهو هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين.باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله1وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾2الآية 11لما ذكر المصنف التوحيد وفضله وتحقيقه وما يوجب الخوف من ضده، نبه بهذه الترجمة على أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه، فإن الرجل إذا علم وجب عليه العمل، فإذا علم وعمل وجبت عليه الدعوة إلى الله، حتى يكون من ورثة الأنبياء وعلى طريقهم وطريق أتباعهم، قال الحسن لما تلا: ﴿مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ 2، قال: " هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته "، وقال: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ 3 هذا خليفة الله. والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى توحيده والإيمان به وبما جاءت به رسله، وذلك يتضمن الدعوة إلى أركان الإسلام وأصول الإيمان والإحسان، بل الأمر بما أمر به، والنهي عما نهى عنه، ولا تتم إلا بذلك، وأول ما يبدأ به الدعوة إلى التوحيد الذي هو معنى الشهادة، كما كان شأن المرسلين وأتباعهم كالمصنف رحمه الله، وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره.2يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل: يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة لله وحده طريقتي ومسلكي ودعوتي إلى الله وحده لا شريك له، لا إلى حظ ولا رياسة، بل إلى الله، على بصيرة بذلك ويقين وبرهان وعلم مني به (أنا ومن =باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله...باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعهباب ما جاء في الرقى والتمائمباب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما1وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ (2) الآيات 1.1أي وما يشبههما كبقعة ومغارة وزاوية وقبر ومشهد وموطئ وأثر ونحو ذلك. و (من) اسم شرط، والجواب محذوف تقديره: فقد أشرك بالله. ويحتمل أن (من) موصولة فيكون معناها باب بيان حكم من تبرك بالأشجار والأحجار ونحوها، وما يترتب عليه من الوعيد، وحكمه أنه مشرك الشرك الأكبر؛ لكونه تعلق على غير الله في حصول البركة من غيره، وإن كان الله جعل فيه بركة. والتبرك طلب البركة ورجاؤها واعتقادها، أو عائدة وأمل بركة تعود إليه من جهتها، من جلب نفع أو دفع ضر. وتبرك به تيمن وفاز منه بالبركة، واستبرك به تفاءل بالبركة، والبركة النماء والزيادة.باب ما جاء في الذبح لغير الله1وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ ﴾ 1 الآية.21أي من الوعيد على ذلك، وبيان أنه شرك أكبر ناقل عن الملة؛ لأنه عبادة من أجل العبادات، وقربة من أفضل القربات المالية، فصرفه لغير الله شرك، كمن يذبح لقبر أو شجرة أو حجر أو ملك أو نبي أو جني أو لطلعة سلطان أو للزيران أو غير ذلك.2أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغيره: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ 2 أي ذبحي، والناسك المخلص لله ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي ما أحيا عليه وما أموت عليه، من الإيمان والعمل الصالح لله رب العالمين خالصا لوجهه: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيء من ذلك، ولا في غيره من أنواع العبادة، فالصلاة أجل العبادات البدنية، والنسك أجل العبادات المالية، فمن صلى لغير الله فقد أشرك، ومن ذبح لغير الله فقد أشرك، ومطابقة الآية للترجمة أن الله تعبد عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما تعبدهم أن يتقربوا إليه بالصلاة، وإذا تقربوا إلى غيره بالذبح فقد جعلوا له شريكا في عبادته، وهو ظاهر في قوله: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ نفى أن يكون لله شريك في هذه العبادات. وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ 3 أي من هذه الأمة؛ لأن إسلام كل نبي متقدم على قومه، فدلت هذه الآية أن أقوال العبد وأفعاله الظاهرة والباطنة لا يجوز صرف شيء منها لغير الله، ومن صرف منها شيئا لغير الله فقد أشرك، والقرآن كله يدل على ذلك.باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله1وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ 1 الآية.21لا نافية، ويحتمل أنها للنهي، واستظهره الشارح. أي لا يجوز الذبح لله بمكان أعد للذبح لغير الله؛ لأن ذلك فيه مشابهة ومضارعة للمشركين ظاهرة في المكان، وهو منهي عنه، كما في الحديث: " من تشبه بقوم فهو منهم "2. ولو قصد الذابح وجه الله؛ لأنه إحياء للمحل الشركي، وتعظيم له، فيكون وسيلة إلى وجود الشرك ورجوعه، وسد الذرائع من أهم ما جاءت به الشريعة، بل لا يجوز بعدا عن الشرك ومواضع الغضب، وكان أهل نجد كغيرهم يذبحون للجن لطلب الشفاء منهم لمرضاهم، ويتخذون للذبح لهم مكانا مخصوصا في دورهم، فأزال الله ذلك عنه بدعوة شيخ الإسلام قدس الله روحه.2أي لا تصل في مسجد الضرار، وكان بناه جماعة من المنافقين مضارة لمسجد قباء، وكفرا بالله ورسوله،: ﴿وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ 3. وهو أبو عمرو الفاسق، وكان بناؤه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك. فسألوه أن يصلي فيه رجاء بركة صلاته، وذكروا أنهم بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية. فقال: " إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله "، فلما قفل ولم يبق بينه وبين المدينة إلا يوم أو بعضه، نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه وهدمه وحرقه قبل قدومه. ومطابقة الآية للترجمة أن هذا المسجد لما أسس على معصية الله والكفر به، صار محل غضب، فنهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوم فيه، لوجود العلة المانعة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يصلي إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله، وهذا قياس صحيح يؤيده الحديث الآتي. وقوله: =باب من الشرك النذر لغير الله1وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ 1.2 وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ 2 (3).1لكونه عبادة يجب الوفاء به إذا نذره لله، فإذا صرفه لغير الله كان شركا في هذه العبادة، كالذبح لغير الله. والنذر مصدر نذر ينذر، أي أوجب على نفسه شيئا لم يكن واجبا عليه شرعا، تعظيما للمنذور له، وكل الأبواب التي ذكرها المصنف تدل على أن من أشرك مع الله غيره في القصد والطلب فقد ناقض كلمة الإخلاص.2مدح الله الذين يتعبدون له بما أوجبوه على أنفسهم من الطاعات، وهو سبحانه لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب، أو ترك محرم، وذلك هو العبادة، فمن فعل ذلك لغير الله متقربا إليه فقد أشرك.باب من الشرك الاستعاذة بغير الله1وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ 1 (2).1الاستعاذة الإلتجاء والإعتصام والتحرز، وحقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، فالعياذ لدفع الشر، وأما اللياذ فطلب الخير. قال الشاعر:باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره1وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ... ﴾21الاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالإستنصار طلب النصرة، والاستعانة طلب العون، والغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال غياث المستغيثين، أي مدرك عباده في الشدائد إذا دعوه، ومجيبهم ومخلصهم.باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾1الآية 1.1أراد المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة الرد على كل مشرك كائنا من كان، وبيان حال المدعوين من دون الله، أنهم لا ينفعون ولا يضرون، سواء في ذلك الأنبياء والصالحون وغيرهم، وقوله: "أيشركون" استفهام إنكار وتوبيخ، وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع الله من لا يخلق شيئا، وليس فيه ما يستحق به العبادة؛ فإنه إذا كان معبودهم لا يخلق شيئا بطلت عبادتهم له، وتقرر أن الخالق سبحانه هو المستحق للعبادة وحده، وقوله: "وهم يخلقون" أي ومن أشركوه مع الله في عبادته مخلوق، والمخلوق لا يستحق أن يكون شريكاً للخالق في العبادة التي خلقهم لها، وأخبر أنهم مع ذلك "لا يستطيعون لهم نصرا" أي لمن سألهم النصرة "ولا أنفسهم ينصرون" وهاتان الصفتان أبلغ مما قبلهما، أي فكيف يشركون به من لا يستطيع نصر عابديه، ولا نصر نفسه؟ وذلك برهان ظاهر قاطع ببطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله، فإنه إذا كان المدعو لا يقدر أن ينصر نفسه فلأن لا ينصر غيره من باب الأولى، بل من هذه حاله فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلها معبودا؟ فبطل تعلق المشركين بهذه البراهين، وهي كونهم لا يخلقون بل يخلقون، عبيد لمن خلقهم لعبادته، والعبد لا يكون معبودا، ولا قدرة لهم على نفع عابدهم، ولا على نفع أنفسهم، وخاب سعيهم، وظهر أنهم أخسر الناس صفقة.باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾باب الشفاعةباب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾...باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين1وقول الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ 1.21أي باب ما جاء من الدليل والبرهان على أن سبب كفر بني آدم أو سبب أول كفر بني آدم، وتركهم دينهم الذي خلقوا له، ولا صلاح ولا فلاح لهم إلا به هو الغلو في الصالحين من الأنبياء والأولياء وغيرهم بالقول والاعتقاد فيهم، وضابط الغلو: تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي خطى الله عنه، ولما ذكر بعض ما يفعله عباد القبور مع الأموات من الشرك، أراد أن يبين السبب في ذلك، ليحذروا الغلو مطلقا لا سيما في الصالحين، فإنه أصل الشرك قديما وحديثا، لقرب الشرك بالصالحين من النفوس، فإن الشيطان يظهره في قالب المحبة والتعظيم.2في موضعين من كتابه، أي لا تتعدوا ما حد الله لكم، ولا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، وأهل الكتاب هنا هم اليهود والنصارى، والغلو كثير في النصارى؛ فإنهم غلوا في عيسى فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله، واليهود تنقصوه فحطوه من منزلته، حتى جعلوه ولد بغي، فالنصارى أفرطوا، واليهود فرطوا، والخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فهو تحذير لهذه الأمة أن يفعلوا مع نبيهم ما فعلت النصارى مع المسيح، واليهود مع العزير. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ 2. ومن تشبه بهم من هذه الأمة وغلا في الدين بإفراط أو تفريط فهو منهم، فعل من دعا نبيا أو وليا من دون الله =باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبدهباب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون اللهباب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك1وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ1المصطفى المختار، والجناب هو الجانب، والمراد حمايته صلى الله عليه وسلم التوحيد عما يقرب منه، أو يخالفه من الشرك وأسبابه؛ إذ هو أعظم الفرائض، بل لا تصح إلا به، وهو الذي جاءت الرسل بالقيام به، والنهي عما ينافيه، ومع حمايته لجنابه اجتهد في سد كل طريق يوصل أمته إلى الشرك، وحذر وأنذر، وأبدى وأعاد، وخص وعم، وقطع الوسائل والذرائع المفضية إليه، فصلّى الله عليه وسلّم كما بلغ البلاغ المبين، وفي الأبواب المتقدمة شيء من حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، ولكن أراد المصنف -رحمه الله- هنا حمايته الخاصة.باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان1وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ 1.21لما ذكر المصنف -رحمه الله- التوحيد وما ينافيه من الشرك، أو ينافي كماله، أو ما يكون وسيلة إلى ما ينافيه، ذكر أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة بعبادة الأوثان، والوثن يطلق على كل من قصد بأي نوع من أنواع العبادة، من صنم أو قبر أو مشهد أو غير ذلك، لقول الخليل: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً﴾ 2، مع قوله: (قالوا نعبد أصناما). وقال -عليه الصلاة والسلام- لعدي وفي عنقه صليب: " ألق عنك هذا الوثن " 3.2(ألم تر) ألم تنظر (إلى الذين أوتوا) أعطوا (نصيبا) حظا (من الكتاب) اليهود والنصارى (يؤمنون) يصدقون (بالجبت) الشيء الفشل، الذي لا خير فيه من أمور الدين، وقال الجوهري: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر. (والطاغوت) الشيطان، وسيأتي تمام الكلام فيهما.باب ما جاء في السحر1وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ1أي من الوعيد وبيان منافاته للتوحيد، وتكفير فاعله. والسحر في اللغة: الصرف، وهو عبارة عما خفي ولطف سببه، سمي سحرا لأنه بأمور خفية لا تدرك بالأبصار، أو لأنه يصرف الشيء عن جهته، وسحره عمل له السحر، وعن الأمر صرفه. وفي الحديث: " إن من البيان لسحرا "1 شبهه به لكون البيان يحصل منه ما يحصل من السحر، وسمي السحر سحرا لأنه يقع خفيا آخر الليل، وقوله: (سحروا أعين الناس) أخفوا عنهم عملهم، ولا يتوصل إليه إلا بالتقرب إلى الأرواح الخبيثة بشيء مما تحب، والاستعانة بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها والاتصاف بهيئاتها الخبيثة، ولهذا لا يعمل السحر إلا مع الأنفس الخبيثة المناسبة لتلك الأرواح، وتأثيره بإذن الله الكوني القدري لا الشرعي الديني، فإن الله لم يأذن فيه. ولما كان من أنواع الشرك ذكره المصنف تحذيرا منه كغيره من أنواع الشرك، وهو عزائم ورقى وكلام يتكلم به، وأدوية وتدخينات وغير ذلك، ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه.باب بيان شيء من أنواع السحرباب ما جاء في الكهان ونحوهم1روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (2)1أي باب ذكر ما جاء في أحكام الكهان من التغليظ الأكيد، والوعيد الشديد، وما جاء من الأحكام في نحوهم كالعرافين والمنجمين والرمالين. لما ذكر السحر وأنواعه ذكر أحكام الكهان ونحوهم؛ لمشابهتهم للسحرة، والكهان هم الذين يتعاطون الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعون معرفة الأسرار، ويأخذون عن مسترق السمع. قال الشارح: الكاهن لفظ يطلق على العراف والذي يضرب بالحصى والمنجم، وقال الخطابي: ((الكهان -فيما علم بشهادة الامتحان- قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطبائع نارية، فهم يفزعون إلى الجن ويستفتونهم في الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات)) اهـ.باب ما جاء فى النشرة1عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " سئل عن النشرة؟ فقال: هي من عمل الشيطان " 1.2 رواه أحمد بسند جيد وأبو داود3وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله (4).1بضم النون من نشر الشيء فرقه، فالنشرة ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من يظن أن به سحرا أو مسا من الجن، سميت بذلك لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي يحل ويكشف ويزال عنه، ومنه الحديث: ((فلعل طبا أصابه))، ثم نشره ب: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ 2 أي رقاه.2أي الأكبر أو جنس الشياطين، وأل في النشرة للعهد أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، هي من عمل الشيطان أو بواسطته؛ لأنهم ينشرون عن المسحور بأسحار واستخدامات شيطانية، فهذه حرام بالاتفاق.3في سننه عن جابر، ورواه الفضل بن زياد في كتاب المسائل، عن عبد الرزاق عن عقيل بن معقل بن منبه عن عمه وهب بن منبه عن جابر، قال ابن مفلح: إسناده جيد، وحسنه الحافظ.باب ما جاء في التطيرباب ما جاء في التنجيمباب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء1وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ 1. وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه1أي من النهي عن ذلك والوعيد الشديد، والتغليط الأكيد، وبيان أنه كفر، والاستسقاء طلب السقيا، والمراد به هنا نسبة السقيا ومجيء المطر إلى الأنواء جمع نوء، والنوء في أصله ليس هو نفس الكوكب، فإنه مصدر ناء ينوء نوءا نهض وطلع، فالنوء هو الطالع سمي نوءا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء مقابله الطالع بالمشرق، وقيل: ناء سقط وغاب، ولا تخالف بين القولين، وهي ثمانية وعشرون نجما، معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، مشهورة بمنازل القمر، ينزل كل ليلة منزلة منها في كل شهر. قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ 2. تسقط كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلها ذلك الوقت من المشرق، تنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر وينسبونه إلى النجم الساقط، ويقولون: مطرنا بنوء كذا.2أي تجعلون حظكم من شكر الله عليكم إذا أصابكم المطر والبركة والخير: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بنسبة النعم لغير الله من الكواكب والمخلوقات التي لا قدرة لها على شيء، وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أ﴾ " يقول: شكركم: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا " ويأتي عن ابن عباس نحوه، وروي عن جمهور المفسرين، وبه يظهر وجه استدلال المصنف بالآية. ويقال: وتجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون، والآية تشمل المعنيين.باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾باب قول الله تعالي: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله1وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ 1.21أراد المصنف -رحمه الله- بيان وجوب الصبر على الأقدار وبيان فضله، وتحريم ضده المنقص لكمال التوحيد، والإيمان عند أهل السنة: نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان يزيد وينقص. والصبر في اللغة الحبس والكف، ومنه: قتل فلان صبرا، إذا أمسك وحبس، ومنه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ 2 أي احبس نفسك معهم. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والصبر ضياء ". ولهما: " ما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر " 3. وقال علي: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ثم رفع صوته وقال: أما إنه لا إيمان لمن لا صبر له. قال أحمد: ذكره الله في تسعين موضعا من كتابه، وهو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وصبر عما نهى الله عنه، وصبر على ما قدره الله من المصائب، وهو واجب بالإجماع.2أول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بقدره ومشيئته وإرادته الكونية القدرية، وحكمته التامة، كقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ 4 الآية. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أي من أصابته مصيبة فعلم أنها من قدر الله فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرا منه، كما قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ =باب ما جاء في الرياءباب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا1وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ 1 الآيتين (2).1أراد المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة وما بعدها أن العمل لأجل الدنيا شرك، ينافي كمال التوحيد الواجب، ويحبط الأعمال، وهو أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه، فإن قيل: فما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟ قيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة، وهو ما إذا أراد الإنسان بعمله التزين عند الناس، والتصنع لهم والثناء، فهذا رياء، وهو أيضا إرادة الدنيا بالتصنع عند الناس، وطلب المدحة منهم والإكرام، ويفارق الرياء لكونه عمل عملا صالحا أراد به عرضا من الدنيا، كمن يجاهد ليأخذ مالا، أو يجاهد للمغنم، أو غير ذلك، ولهذا سماه عبدا لذلك، بخلاف المرائي؛ فإنه إنما يعمل ليراه الناس ويعظموه، والذي يعمل لأجل الدراهم أعقل من المرائي، وكلاهما خاسر، نعوذ بالله من موجبات غضبه.باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا1وقال ابن عباس: " يوشك2أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ".1أي شركاء مع الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّض لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ 1. وإنما تجب طاعة الأحبار والرهبان إذا أمروا بطاعة الله، فهي تبع لا استقلال، وأما إذا أمروا بمعصية الله فلا سمع لهم ولا طاعة، " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " 2 كما هو معلوم بالضرورة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولما كانت هذه الطاعة من أنواع العبادة، بل هي العبادة، فإنها طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسن رسله، نبه المصنف بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الرب تعالى بها، وأنه لا يطاع سواه إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله، والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال وتحليل الحرام.2"يوشك" أي يقرب ويدنو ويسرع، وهذا القول من ابن عباس -رضي الله عنهما- جواب لمن قال له: إن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- لا يريان التمتع بالعمرة إلى الحج، ويريان إفراد الحج أفضل. وكان ابن عباس يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج واجب؛ لحديث سراقة بن مالك حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوها عمرة، ويحلوا إذا طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، =باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَباب من جحد شيئا من الأسماء والصفات1وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ 1 الآية (2).1أي هذا باب بيان حكم من جحد شيئا من أسماء الله تعالى وصفاته، وأنه يكفر بذلك، ولما كان التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته، نبه عليه المصنف -رحمه الله-، وتقدم أن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة، فمن أقر بربوبية الله تعالى وإلهيته وجحد أسماءه وصفاته أو شيئا منها فقد كفر.باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾باب قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.1 1ترجم المصنف - رحمه الله - بهذه الآية الكريمة، التي ابتدأها الله عز وجل بأعلى المقامات التي أجلها عبادة الله وحده، وامتن عليهم بإيجادهم، وما أوجده لأجلهم، فلا يجعلوا له أندادا، أي شركاء ونظراء، يصرفون لهم شيئا مما يستحقه سبحانه وتعالى، فيقعوا في الشرك الأصغر أو الأكبر، وساق في الباب ما ألحق بالأصغر، فإن من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، بل ربما تجري على لسانه من غير قصد، وإن كانت الآية نزلت في الأكبر، فالسلف يحتجون بما نزل في الأكبر على الأصغر، كما فسرها ابن عباس وغيره، وقد قال تعالى في أول الآية بعد أن عدد فرق المكلفين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ 1 تنجون من عذاب الله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ 2 أي ومن كان هذا وصفه فهو المستحق أن يعبد وحده،: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 3 أشباها ونظراء، تصرفون أنواع العبادة أو شيئا منها لهم، كحال عبدة الأوثان، الذين كانوا يعبدونها من دون الله،: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 4 أنه ربكم لا يرزقكم غيره. قال أبو العالية وقتادة: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ 5 أي عدلاء شركاء. وقال ابن زيد: هي الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له. وقال قتادة ومجاهد: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله، وقال ابن عباس: أي لا تشركوا به شيئا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه ربكم، لا يرزقكم غيره. وقال مجاهد: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه إله واحد في التوراة والإنجيل. حكاه ابن كثير وغيره، وذكر حديث الحارث الأشعري " إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات: أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله، بذهب أو ورق، فجعل يعمل =باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله1عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحلفوا بآبائكم2، من حلف بالله فليصدق3، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله " 1. رواه ابن ماجه بإسناد حسن.41أي من الوعيد لكونه من الفعل المنافي لكمال التوحيد؛ لدلالته على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، فإن القلب الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله لا يفعل ذلك.2فيه النهي عن الحلف بالآباء، ولا مفهوم له، فقد تقدم النهي عن الحلف بغير الله مطلقا، وأنه من الشرك.3أي وجوبا لأن الصدق مما أوجبه الله على عباده، وحضهم عليه في كتابه، ولو لم يحلف بالله، فكيف إذا حلف به؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ 2. وقال: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ 3. وقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ 4. وهو حال أهل البر كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ 5 إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ 6. وفيه تأكد وجوب الصدق في اليمين بالله، لأن اليمين الغموس من الكبائر.4ولفظه: " ومن لم يرض بالله فليس من الله " 7. وله شواهد من الكتاب والسنة، وهذا وعيد شديد لمن لم يرض، أما إذا لم يكن له بحكم الشريعة على خصمه إلا اليمين، فأحلفه فلا ريب أنه يجب عليه الرضى، وظاهره وإن كان يعتقد كذبه في =باب قول: ما شاء الله وشئت1عن قتيلة " أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت" 1. رواه النسائي وصححه.21وأنه من الشرك؛ لما فيه من التسوية بين الخالق والمخلوق في المشيئة.2قتيلة بمثناة مصغر، بنت صيفي الأنصارية، صحابية مهاجرة، لها هذا الحديث في سنن النسائي، ورواه عنها عبد الله بن يسار الجعفي، ورواه الطبراني وابن سعد وابن منده وغيرهم. والحديث نص في أن هذا اللفظ من الشرك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر اليهودي على تسميته بذلك، ونهى عنه، وقال لمن قال ذلك: " أجعلتني لله ندا " 2؟ وأقر من سماه تنديدا، كما جاء بلفظ "إنكم تنددون" وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك، والعبد وإن كان له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا قدرة له على أن يشاء شيئا إلا إذا كان الله قد شاءه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 3. قال الشارح: ولو أتى بـ (ثم) وأراد أنه شريك لله تعالى في المشيئة فالنهي باق بحاله، بل يكون في هذه الصورة أشد ممن أتى بالواو، مع عدم هذا الاعتقاد، وفيه قبول الحق ممن جاء به كائنا من كان، وبيان النهي عن الحلف بالكعبة، وأنه شرك مع أنها بيت الله التي حجها فرض، وهذا يبين أن النهي عن الشرك بالله عام، لا يصلح منه شيء، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا للكعبة التي هي بيت الله في أرضه، ولا غير ذلك من سائر المخلوقات.باب من سب الدهر فقد آذى الله1وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ 1 الآية21لأنهم إذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، فإنما سبوا فاعله حقيقة وهو الله سبحانه، والساب مرتكب أحد أمرين: إما مسبة الله أو الشرك، فإن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله تعالى الله وتقدس. ومناسبة هذا الباب للكتاب ظاهرة؛ لأن سب الدهر يتضمن الشرك، ولفظ الأذى في اللغة: هو لما خف أمره وضعف أثره من الشر والمكروه، وهو بخلاف الضر، فقد أخبر سبحانه، أن العباد لا يضرونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور.2أي يقول مشركو العرب والفلاسفة الإلهيون وأضرابهم: ما حياتنا إلا حياة الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها تكذيبا منهم بالبعث بعد الموت،: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ 2 يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة، جحدا للمنقول ومكابرة للمعقول؛ ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ 3 أي ما يفنينا إلا ممر الليالي والأيام، فيسبون الدهر، والله يقول: " يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار " 4. وأكذبهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ 5 أي يقين علم: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ 6 يتوهمون ويتخيلون، ومطابقة الآية للترجمة ظاهرة؛ لأن من سب الدهر فقد شاركهم في سبه، وإن لم يشاركهم في الاعتقاد.باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه1في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله (2) "1. قال سفيان: مثل شاهان شاه (3).1كحاكم الحكام وسلطان السلاطين، وسيد السادات. أشار المصنف رحمه الله إلى النهي عن ذلك قياسا على ما في حديث الباب؛ لكونه شبهه في المعنى. وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد؛ لمنافاة هذه الألفاظ لكماله، فيكون فيه شائبة من الشرك وإن لم يكن أكبر، ولا يخفى ما في إطلاقه على غير الله من الجرأة على الله، وسوء الأدب معه؛ فإن كل لفظ يقتضي التعظيم والكمال، لا يكون إلا لله وحده.باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك1" عن أبي شريح، أنه كان يكنى أبا الحكم (2)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم (3).1أي وجوب احترام أسماء الله تعالى، وهو تعظيمها ووجوب تغيير الاسم لأجل احترام أسماء الله تعالى، وذلك من تحقيق التوحيد. واحترمه: رعى حرمته وهابه، وغير الاسم: حوّله وبدله، وجعل غيره مكانه.باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول1وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ 1 الآية.21أي باب بيان حكم من هزل بشيء فيه ذكر الله عز وجل أو القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني فقد كفر لاستخفافه بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد، وكفر بالإجماع، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء، والهزل المزح، والهذي ضد الجد، وهو أن لا يراد باللفظ ظاهره ومعناه، بل يراد به غير ذلك لمناسبة تقتضيه.2أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين الذين تكلموا بكلمة الكفر استهزاء، ليقولن معترفين ومعتذرين: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ 2 أي لم نقصد الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدوا الخوض في الحديث واللعب، وخاض في الحديث أفاض فيه، وفي الباطل دخل فيه. واللعب ضد الجد مزح، وفي الأمر استخف به وفعل فعلا يقصد به اللذة والتنزه، فأخبرهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن عذرهم هذا لا يغني عنهم من الله شيئا، وأنهم كفروا بعد إيمانهم بهذه المقالة التي استهزءوا بها، ولم يعبأ باعتذارهم. قال شيخ الإسلام: وقول من يقول: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ 3؛ فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان فهم لم يظهروا للناس، إلا لخواصهم وهم مع خواصهم ما زالوا كذلك، ولم يدل اللفظ أنهم ما زالوا منافقين. وقوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ 4 أي مخشي =باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾باب لا يقال السلام على اللهباب قول: اللهم اغفر لي إن شئت1في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت؛ ليعزم المسألة2فإن الله لا مكره له "1.31أي أنه لا يجوز، لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب، وينبئ عن قلة اكتراثه بذنوبه ورحمة ربه، وذلك مضاد للتوحيد.2أي ليجزم في مسألته، وليحقق رغبته، ويتيقن الإجابة؛ فإنه إذا فعل ذلك دل على علمه بعظيم ما يطلب من المغفرة والرحمة، قال القرطبي: نهى عن هذا القول؛ لأنه يدل على فتور الرغبة وقلة الاهتمام بالمطلوب، فإن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حالته الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، ودليل على قلة معرفته بذنوبه وبرحمة ربه، وأيضا فإنه لا يكون موقنا بالإجابة، وفي الحديث: " ادعوا وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل "2.3ولفظ مسلم " ليعزم على المسألة في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء لا مكره له "3. أي: لا فائدة في تقييده الاستغفار والرحمة بالمشيئة؛ فإن الله لا يضطره دعاء ولا غيره إلى فعل شيء، بل يفعل ما يريد بخلاف العبد، فإنه قد يعطي السائل مسألته لحاجته إليه، أو لخوفه أو رجائه، فيعطيه مسألته وهو كاره، فاللائق بالسائل =باب لا يقول عبدي وأمتي1في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقل أحدكم أطعم ربك وضئ ربك2، وليقل: سيدي ومولاي (3).1لما في ذلك من إيهام المشاركة في الربوبية.2لأن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله، منهي عن المضاهاة بهذا الاسم، لما فيه من التشريك في اللفظ، وإن كان يطلق لغة، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه تحقيقا للتوحيد، وسدا لذرائع الشرك، والله تعالى رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره شاركه في الاسم، فنهى عن ذلك لذلك، وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى، وإنما المعنى أن هذا مالك له، فيطلق عليه هذا اللفظ بهذا الاعتبار فنهى عنه حسما لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق، وتحقيقا للتوحيد، وبعدا عن الشرك حتى في اللفظ، وأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجماد فلا يمنع منه كقوله: رب الدار، ورب الدابة.باب لا يرد من سأل بالله1عن ابن عمر - رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من استعاذ بالله فأعيذوه2، ومن سأل بالله فأعطوه3،1لأن منع من سأل بالله أو بوجه الله من عدم إعظام الله وإجلاله، وقد جاء الوعيد على ذلك، فروى الطبراني عن أبي موسى مرفوعا: " ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هجرا ". وله عن أبي عبيدة مولى رفاعة بن رافع مرفوعا: " ملعون من يسأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله ".2تعظيما لله وتقربا إليه بذلك، فإذا قال: أعوذ بالله من شرك، أو شر فلان، فامنعوا الشر منه وكفوا عنه؛ لتعظيم اسم الله. ولما قالت الجونية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعوذ بالله منك. قال: " لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك "1.3أى إذا قال: أسألك بالله أو بوجه الله، كما في حديث ابن عباس: " من سألكم بوجه الله فأعطوه "2. رواه أحمد وأبو داود. وفي رواية له: "من سألكم بالله ". وله عن ابن عمر: " من سألكم بالله فأجيبوه إلى ما سأل "3 فيكون بمعنى أعطوه، وعن ابن عباس مرفوعا: " ألا أخبركم بشرار الناس؟ رجل يسأل بوجه الله ولا يعطي ". رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه. وجاء من حديث أبي هريرة: " ألا أخبركم بشر البرية"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذي يسأل بوجه الله ولا يعطي " 4. ويدخل فيه القسم عليه بالله أن يفعل كذا، ويجب إعطاء السائل مما له فيه حق كبيت المال، أو من في ماله فضل على حسب حاله ومسألته، أو يكون السائل =باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة1عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة "1. رواه أبو داود.21أي لا يجوز ذلك، إجلالا لله وإكراما وإعظاما له أن يسأل بوجهه العظيم ما هو حقير لديه من حوائج الدنيا، ما لم يرد به غاية المطالب وهي الجنة، أو الإعانة على أعمال الآخرة الموصلة إلى الجنة، وأما سؤال المخلوق بوجه الله، فتقدم النهي عنه في الباب قبله.2روي بالنفي والنهي، وبالبناء للمجهول، وهو الذي في الأصل، وروي بالخطاب للمفرد أي لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، أو ما هو وسيلة إلى الجنة، وذكر الجنة إنما هو للتنبيه على الأمور العظام، لا للتخصيص، فقد قال صلى الله عليه وسلم في دعائه منصرفه من الطائف حين كذبوه: " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي "، وفي آخره: " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ". وحديث: " اللهم أنت أحق من ذكر "2، وفي آخره: " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض ". وحديث: " أعوذ بوجه الله الكريم، وباسم الله العظيم، وبكلماته التامة "3. وأمثال ذلك مما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو سؤال ما يقرب إلى الجنة، أو يمنع من الأعمال التي تمنع منها، فيكون السائل قد سأل بوجه الله وبنور وجهه ما يقرب إلى الجنة، كما في الصحيح: " اللهم إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول =باب ما جاء في "لو"...باب النهي عن سب الريح1عن أبي بن كعب رضي الله عنه2أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا الريح3، فإذا رأيتم ما تكرهون (4)1لكونها إنما تهب عن إيجاد الله لها وأمره إياها، فلا تأثير لها إلا بأمر الله، فمسبتها مسبة لله تعالى واعتراض عليه، وهو قدح في التوحيد.2هو ابن قيس بن عبيد بن مريد بن معاوية بن النجار، أبو المنذر الأنصاري، سيد القراء، شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ليهنك العلم أبا المنذر "1. وقال له: " أمرني ربي أن أقرأ عليك " 2. وكان عمر يسميه سيد العرب. قيل: إنه مات في خلافة عمر، وقيل في خلافة عثمان سنة 30 هـ.3أي لا تشتموها ولا تلعنوها للحوق ضرر فيها، فإنها خلق من خلق الله مقهور مدبر، وإنما تهب بمشيئة الله وقدرته، فلا يجوز سبها فيرجع السب إلى من خلقها وسخرها. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا: " الريح من روح الله، تأتي بالنعمة وبالعذاب، فلا تسبوها، ولكن سلوا الله من خيرها، وتعوذوا بالله من شرها "3." وروى الترمذي عن ابن عباس أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة إليه ".باب قول الله تعالى: ﴿يظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾باب ما جاء في منكري القدر1وقال ابن عمر: " والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر" (2).1أي من الوعيد الشديد، والقدر بالفتح ما يقدره الله من القضاء، ولما كان توحيد الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر ذكر المصنف ما جاء من الوعيد فيمن أنكره، تنبيها على وجوب الإيمان به، وقد جاءت أحاديث كثيرة في ذم القدرية، وأنهم مجوس هذه الأمة، فعن ابن عمر مرفوعا: " القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم " 1. رواه أبو داود. وروى من حديث حذيفة: " لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر " الحديث. يعني أن الأمر مستأنف، لم يسبق به قدر ولا علم من الله، وإنما يعلمه بعد وقوعه. ومذهب أهل السنة ما دل عليه الكتاب والسنة أن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، قدر أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، وغلاة القدرية ينكرون علمه المتقدم، وكتابته السابقة، ويقولون: الأمر أنف. وهذا القول أول ما حدث في الإسلام في أواخر عصر الصحابة، وأول من ظهر ذلك منه معبد الجهني كما سيأتي، وعامة القدرية ينكرون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فينكرون مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وينكرون أن للعباد إرادات وأفعالا حقيقة وأن الله خالق أفعالهم وإراداتهم.باب ما جاء في المصورين1عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي2، فليخلقوا ذرة (3)، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة " 1. أخرجاه (4).1أي من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد، للمضاهاة بخلق الله، بل هو منشأ الوثنية، وما دخل على القرون قبلنا إنما هو من هذا الباب؛ لأن صورة المألوف تعظيم، وإذا ارتسمت في الحافظة وبقي ذكرها يمر على البصر الناظر إليها من رسمها لا بد أن تستولي على قلبه، وتحل فيه حلول التعبد له.2أي لا أظلم منه فإن الله له الخلق والأمر، وهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات على غير مثال سبق، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ 2 الآيات. فالمصور لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله تعالى من إنسان وبهيمة، صار مضاهيا لخلق الله، فصار لا أظلم منه، وما صوره يعذب به يوم القيامة.باب ما جاء في كثرة الحلف1وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ 1.2 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب " 2. أخرجاه (3).1أي من النهي عنه والوعيد لفاعليه، لما يترتب عليه من منافاة كمال التوحيد الواجب، والحلف بفتح المهملة وكسر اللام اليمين.2قال ابن عباس: يريد لا تحلفوا. وقال ابن جرير: لا تتركوها بغير تكفير. وقال آخرون: احفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا. وأراد المصنف من الآية ما قاله ابن عباس، وكلها متلازمة، فإنه يلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث، مع ما يدل عليه من الاستخفاف بالله، وعدم التعظيم له وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب.باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه1وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ 1 الآية.3 عن بريدة رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية (4)1أي من الدليل على وجوب حفظها والوفاء بها، والمراد التي تدخل في العهود، وأن عدم الوفاء عدم تعظيم له، فهو قدح في التوحيد.2أمر تعالى بالوفاء بالعهود والمواثيق،. والمحافظة على الأيمان، ومراد المصنف - رحمه الله - ما يجري بين الناس من الذمة أنه يجب الوفاء بذلك، وهو فرد من أفراد معنى الآية، فإنها دالة على وجوب الوفاء بذلك.3هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان الواردة على حث أو منع. قال مجاهد: يعني الحلف، أي حلف الجاهلية. وروى أحمد عن جبير بن مطعم مرفوعا: " لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة "2 أي أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن بالتمسك بالإسلام حماية وكفاية عما كانوا فيه. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ 3 تهديد ووعيد.باب ما جاء في الإقسام على الله1عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان.2 فقال الله عز وجل من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان (3)، إني قد غفرت له وأحبطت عملك "1. رواه مسلم (4).1أي ذكر ما جاء من الأدلة الدالة على تحريم الحلف على الله، إذا كان على جهة الحجر على الله، والقطع بحصول المقسم على حصوله، وهو التألي، فأما إن كان على جهة حسن الظن بالله فقد قال صلى الله عليه وسلم: " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره "2.2هذا ظاهر في قطعه بأن الله لا يغفر لذلك الرجل، فكأنه حكم على الله وحجر عليه، لما اعتقد له عنده من الكرامة والحظ والمكانة، وهذا لجهله بإلهية الحق وربوبيته سبحانه وتعالى.باب لا يشفع بالله على خلقهباب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشركباب قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
جارٍ التحميل