كتاب الصيام
يَجِبُ صومُ رَمضانَ برؤيةِ هِلالِه، فإن لم يُرَ مع صَحْوٍ ليلةَ الثلاثينَ أَصْبَحوا مُفْطِرِينَ وإن حالَ دونَه غَيْمٌ أو قَتَرٌ فظاهِرُ المذْهَبِ يَجِبُ صومُه، وإن رُؤِيَ نَهَارًا فهو للَّيلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وإذا رآه أهلُ بلدٍ لَزِمَ الناسَ كلَّهم الصومُ، ويُصامُ لرؤيةِ عَدْلٍ ولو أُنْثَى، فإن صامُوا بشَهادةِ واحدٍ ثلاثينَ يَوْمًا فلم يُرَ الهلالُ أو صَامُوا لأَجْلِ غَيْمٍ لم يُفْطِروا، ومَن رأى وَحْدَه هلالَ رَمضانَ وَرُدَّ قولُه أو رأى هِلالَ شوَّالٍ صامَ.
مدخل
الشيخ: باب المياه، باب الآنية، باب الوضوء، باب الغسل، باب التيمم، باب الحيض، باب إزالة النجاسة.
هذه هي القاعدة عندهم؛ أن الكتاب للجنس، والباب للنوع، والفصل لمفردات المسائل، إذا طال الباب جعلوه فصولًا.
كتاب الصيام هذا جنس؛ لأن ما سبق في الصلاة والزكاة، وهذا هو الصيام، ورتَّب العلماء رحمهم الله الفقه في باب العبادات على حسب حديث جبريل، وعلى حسب حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في بعض ألفاظه؛ فقدموا الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج، والطهارة قبل الصلاة لأنها شرط، وهي مفتاح الصلاة فقدَّموها على الصلاة، وإلَّا لكان من المتوقع أن يجعلوها ضمن شروط الصلاة؛ يعني: في أثناء كتاب الصلاة، لكن لما رأوا أنها مفتاح وأن الكلام عليها كثير قدَّموها على كتاب الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3285
الصيام في اللغة: مصدر صام يصوم، ومعناه أمسك، فالإمساك في اللغة والصيام بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26] صومًا: يعني إمساكًا عن الكلام بدليل قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ يعني: إذا لم تري أحدًا ﴿فَقُولِي إِنِي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: إمساكًا عن الكلام ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، ومنه قولهم: صامت عليه الأرض إذا أمسكته وأخفته.
أما في الشرع: فهو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المُفَطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
ويجب التفطن لإلحاق كلمة التعبد في التعريف؛ لأن كثيرًا من الفقهاء لا يذكرونها، بل يقول: هو الإمساك عن المُفَطِّرات من كذا إلى كذا، في الصلاة يقولون: الصلاة هي: أقوال وأفعال معلومة، ولكن ينبغي أن نزيد كلمة التعبد حتى لا تكون مجرد حركات، أو مجرد إمساك، بل تكون عبادة.
التعبد لله عز وجل بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المُفَطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وحكمه الوجوب بالنص والإجماع، ومرتبته في الدين الإسلامي أنه أحد أركانه، فهو ذو أهمية عظيمة في مرتبته في الدين الإسلامي.
ثم اعلم أن من حكمة الله عز وجل أنَّ الله نَوَّع العبادات في التكليف؛ ليختبر المكلَّف كيف يكون امتثاله لهذه الأنواع، هل يَمْتَثِل ويَقْبَل ما يوافق هواه وطبعه، أم يمتثل ما به رضا الله عز وجل؟
فإذا تأملنا العبادات الخمس؛ الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وجدنا أن بعضها بَدنيٌّ محض، وبعضها مالي محض، وبعضها مركب، حتى يُبْتَلَى الشحيح من الجواد، ربما يهون على بعض الناس أن يُصَلِّيَ ألف ركعة، ولا يبذل درهمًا واحدًا، أليس كذلك؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3286
نعم، وربما يهون على بعض الناس أن يبذل ألف درهم ولا يصلي ركعة واحدة، هكذا، فجاءت الشريعة بالتقسيم والتنويع حتى يُعرَف مَنْ يمتثل تعبدًا لله، ومن يمتثل تبعًا لهواه.
فالصلاة مثلًا عبادة بدنية محضة، وما يجب لها مما يحتاج إلى المال كماء الوضوء الذي يشتريه الإنسان وثياب ستر العورة فهو تابع، وليس داخلًا في صلب العبادة.
والزكاة مالية محضة، وما تحتاج إليه من عمل بدني كإحصاء المال وحسابه، ونقل الزكاة إلى الفقير والمستحِق فهذا يعتبر تابعًا ليس داخلًا في صلب العبادة.
والحج مركب من مال وبدن إلَّا في أهل مكة فقد لا يحتاجون إلى المال، لكنَّ هذا شيء نادر بالنسبة أو قليل بالنسبة لغير أهل مكة.
الجهاد في سبيل الله مركب من مال وبدن، وربما يستقل بالمال، وربما يستقل بالبدن؛ فالجهاد من حيث التركيب أعم العبادات؛ لأنه قد يكون بالمال فقط، وقد يكون بالبدن فقط، وقد يكون بهما جميعًا.
ثم إن التكليف أو العبادات المكلَّف بها تتنوع من وجه آخر إلى كَفٍّ عن المحبوبات، وإلى بذل للمحبوبات، وهذا نوع تكليف أيضًا؛ كَفٍّ عن المحبوبات مثل الصوم.
بذل للمحبوبات كالزكاة؛ فإن المال محبوب إلى النفس، ولا يبذل المال المحبوب إلى النفس إلا لشيء أحب إليه منه، وكذلك الكفُّ عن المحبوبات هو أيضًا تكليف، وربما يهون على المرء أن يُنفق ألف درهم ولا يصوم يومًا واحدًا أو بالعكس؛ ومن ثَمَّ استحسن بعض العلماء استحسانًا مبنيًّا على اجتهاد لكنه سيء، حيث أفتى بعضَ الأمراء أن يصوم شهرين متتابعين بدلًا عن عتق الرقبة في الجماع في نهار رمضان، وقال: إن ردع هذا الأمير بصيام شهرين متتابعين أبلغ من ردعه بإعتاق رقبة؛ لأنه ربما يعتق ألف رقبة ولا يهون عليه أن يصوم يومًا واحدًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3287
لكنَّ هذا اجتهاد فاسد؛ لأنه مقابل للنص، ولأن المقصود بالكفَّارة ليس هو تعذيب الإنسان، بل تطهير الإنسان، وتطهيره بالإعتاق الذي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَإِنَّ اللَّه يُعْتِقُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ» (1) فهو فَكاك من النار، فيكون أفضل وأعظم، والمقصود بالكفارات هو التهذيب، وإن كان فيها شيء من التأديب لكن أهم شيء هو التهذيب وتطهير المرء، فالحاصل أنك إذا تأملت الشريعة الإسلامية والتكاليف الإلهية وجدتها في غاية الحكمة والمطابَقة والامتحان والاختبار.
وجوب الصيام برؤية الهلال
يقول المؤلف رحمه الله: (يجب صومُ رمضان برؤية هلاله) وهذه الجملة لا يريد بها بيان وجوب الصوم؛ لأنه مما عُلِمَ بالضرورة، ولكنه يريد أن يُبَيِّن متى يجب، فذكر أنه يجب بواحد من أمرين:
الأول: رؤية الهلال؛ قال: (بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) وسيأتي بيان مَنْ تثبت به رؤية هلال رمضان.
وقوله: (بِرُؤْيَةِ هِلالِهِ) مستفاد من قوله صلى عليه وآله وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» (2)، بل من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] أي: من القرآن والسُّنَّة؛ فمن القرآن في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ومن السُّنَّة في قوله: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، وعُلِم منه أنه لا يجب الصوم بمقتضى الحساب، فلو قرر علماء الحساب المتابعون لمنازل القمر أن الليلة من رمضان، ولكنه لم يُرَ فإنه لا يصام، فلا عمدة على الحساب؛ لأن الشرع علَّق هذا الحكم بأمر محسوس وهو الرؤية.
الجزء: 1 - الصفحة: 3288
الشيء الثاني مما يثبت به دخول رمضان إتمام شعبان ثلاثين يومًا، فإذا كان شعبان قد ثبت وتم ثلاثين يومًا فإنه يجب صوم رمضان في اليوم الحادي والثلاثين؛ لأن الشهر الهلالي لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا، ولا يمكن أن يَنْقُص عن تسعة وعشرين يومًا، فهو بين التسعة وعشرين والثلاثين.
(فإن لم يُرَ مع صَحْوٍ ليلةَ الثلاثين أصبحوا مفطرين) (إن لم يُرَ) نائب الفاعل يعود على مَنْ؟
على الهلال.
(مع صَحْوٍ) أي: صحو السماء؛ بأن تكون خالية من الغَيْم، وخالية من القَتَر، خالية من الدخان، خالية من الضباب، من كل مانع يمنع الرؤية ليلة الثلاثين أي: من شعبان أصبحوا مفطرين، حتى وإن كان قد هلَّ في الواقع، ما دام لم يُرَ فإنه وإن كان في السماء وقد هلَّ في الواقع فإنهم يصبحون مفطرين، وفي هذه الحال لا يصومون؛ يعني: أصبحوا مفطرين إما وجوبًا وإما استحبابًا؛ لقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلَّم: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجَلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (3).
(وإن حال دونه غيم أو قَتَر فظاهر المذهب يجب صومه)، (حال دونه) أي: دون الهلال، أي: دون رؤيته، (غيمٌ أو قَتَر)، الغيم معروف: السحاب، والقَتَر: التراب تحمله الرياح، وكذلك غيرهما مما يمنع الرؤية.
الجزء: 1 - الصفحة: 3289
(فظاهر المذهب يجب صومه) هذه العبارة غريبة من المؤلف؛ لأنه لم يَرِد مثلها في هذا الكتاب، (فظاهر المذهب)، وكأن المؤلف رحمه الله يشير إلى أن في المذهب خلافًا قويًّا على خلاف هذا القول، وسيأتي إن شاء الله، (فظاهر المذهب يجب صومه)، يجب صومه وجوبًا ظنيًّا احتياطًا، ما هو قطعيًّا، لماذا لا يكون قطعيًّا؟ لأنه لم يُرَ، وإنما كان احتياطًا، فالوجوب إذن مبنيٌّ على الاجتهاد والظن، لا على اليقين والقطع، فظاهر المذهب يجب صومه، لماذا؟ احتياطًا، كيف يكون احتياطًا؟ لاحتمال أن يكون الهلال قد هَلَّ، ولكن لم يُرَ بواسطة الغيوم أو القَتَر، أو الضباب أو ما أشبه ذلك؛ وحينئذ يكون للناس -في ليلة الثلاثين- حالان:
الحال الأولى: وجوب الصوم.
والثانية: الفطر، متى يكون الفطر؟
إذا كانت السماء صاحية، ويكون الصوم إذا كان عليها غيمٌ أو قَتَر أو نحوهما فظاهر المذهب يجب صومه، وهذا هو المشهور من المذهب المعتمد عند المتأخرين، حتى قال بعضهم: إن نصوص الإمام أحمد رحمه الله تدل عليه، أي: على الوجوب واستدلوا -كما قلت لكم- بأن هذا من باب الاحتياط، وبأن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان وفيه غيم أو قَتَر أرسل من ينظر إلى الهلال، فإن رآه وإلَّا أصبح صائمًا، أصبح هو بنفسه صائمًا، ولا يأمر أهله بالصيام، لكن لورعه وشدة تحريه -رضي الله عنه- كان يُصبِح صائمًا، إلَّا أننا نعلم أنه لا يرى الوجوب لأنه لم يأمر بذلك أهله.
فصار الفقهاء رحمهم الله استدلوا لوجوب الصوم بنظر وأثر؛ النظر الاحتياط، لاحتمال أن يكون الهلال قد هلَّ ولكن منعه هذا الحاجب، والأثر أثر ابن عمر رضي الله عنه.
ولننظر إلى هذا الاستدلال هل هو صحيح أو لا؟
فنقول: أما الاحتياط فإنما يكون فيما كان الأصل وجوبه، فشككنا في سقوط الوجوب، وأما ما الأصل عدمه، فلا احتياط في إيجابه، هذه واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3290
ثانيًا: ما كان سبيله الاحتياط فقد ذكر الإمام أحمد وغير الإمام أحمد فيما أظن أنه ليس بلازم، وإنما هو على سبيل الورع والاستحباب؛ وذلك لأننا إذا احتطنا وأوجبنا فقد وقعنا في غير الاحتياط، من حيث تأثيم الناس بالترك، والاحتياط أن تؤثِّم الناس أو لا تؤثِّمهم؟
طالب: أن لا تؤثِّمهم.
الشيخ: أن لا تؤثِّمهم؛ فلذلك نقول: إن باب الاحتياط إنما يكون فيما الأصل وجوبه، والأصل هنا عدم الوجوب أو الوجوب؟
طلبة: عدم الوجوب.
الشيخ: عدم الوجوب، فتبين ضعف هذا الاستدلال.
أما الأثر -أثر ابن عمر- فلا دليل فيه أيضًا؛ لأن ابن عمر إنما فَعَلَه رضي الله عنه على سبيل الاستحباب لا شك؛ لأنه لو كان على سبيل الوجوب لأمر الناس به، ولو على الأقل أهْله، ولم يأمرهم بذلك، فسقط الاستدلال بهذين؛ بالأثر، وبالنظر.
بقي أن يُقال: هل في المسألة قول آخر؟
نقول: فيها ستة أقوال غير هذا القول، وهذا السابع؛ فمن العلماء من قال: إنه إنه يَحْرُم صومه، على العكس من القول بالوجوب، واستدل هؤلاء بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (3)، وإذا كان لا يصوم صومًا فصام هذا اليوم الذي فيه الشك فقد تقدم رمضان بيوم، وبحديث عمار بن ياسر الذي علقه البخاري ووصله أصحاب السنن: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (4)، ولا شك أن هذا يوم يُشَك فيه؛ لوجود، أيش؟ الغيم والقَتَر، وبقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (5)، فقوله: «أَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3291
وإذا وَجَب إكمال شعبان ثلاثين يومًا حَرُم الصوم، وهذا القول هو الصحيح، هو الراجح، أنه لا يجوز صومه احتياطًا، وربما نستدل بدليل رابع وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (6) فإن هذا من باب التنطع في العبادة، والاحتياطِ لها في غير محله.
القول الثالث: أن صومه مستحب، وليس بواجب؛ استدلالًا بفعل عبد الله بن عمر.
القول الرابع: أن صومه مكروه، وليس بحرام.
والقول الخامس: أن صومه مباح، وليس بواجب، ولا مكروه، ولا مستحب، كم هذه؟ خمسة، الأحكام الخمسة تجري في هذا؛ الوجوب والتحريم والاستحباب والكراهة والإباحة.
القول السادس: العمل بعادةٍ غالبة، العمل بعادةٍ غالبة؛ يقولون: إذا مضى شهران كاملًان فالثالث ناقص، أو شهران ناقصان فالثالث كامل، هذا الغالب، فيُعمل بالعادة الغالبة، فإذا كان شهر رجب وشعبان ناقصين فرمضان كامل، وإذا كان رجب وجمُادى الثانية ناقصين فشعبان كامل.
والقول السابع: أن الناس تبعٌ للإمام، إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» (7)، والناس يَتْبَعُون إمامهم في هذا.
فهذه أقوال سبعة أصحُّها التحريم، ولكن إذا رأى الإمام وجوب صوم هذا اليوم وأَمَر الناس به فإنه لا تنبغي منابذته، ويحصُل عدم منابذته أن لا يُظْهِر الإنسان فطرَه، فيفطر في هذه الحال سرًّا.
والمسألة الآن كلها ما ثبت الشهر، أما لو حكم ولي الأمر بدخول الشهر فالصوم واجب، لكن الآن لم يثبت دخول الشهر، فهذه سبعة أقوال، وقد عرفتم أدلة كل قول.
الجزء: 1 - الصفحة: 3292
(وإن رُئِيَ نهارًا) (إن رئي) الضمير يعود على الهلال (نهارًا فهو لليلة المقبلة)، وكلام المؤلف في قوله: (فهو لليلة المقبلة) لم يُرِد به الحكم بأنه لليلة المقبلة، بل أراد به رَدَّ قول من يقول: إنه لليلة الماضية، فإن بعض العلماء يقول: إذا رُئِيَ الهلال نهارًا قبل غروب الشمس من هذا اليوم دلَّ ذلك على أنه لليلة الماضية، ومنهم من فصَّل بما إذا رُئِيَ قبل الزوال أو بعده.
ولكن القول الصحيح أنه ليس لليلة الماضية، اللهم إلَّا أن يُرى بعيدًا عن الشمس؛ يعني مرتفعًا عن الشمس كثيرًا، فهنا ربما نقول: إنه لليلة الماضية، إذا قدَّرنا أن بينه وبين مغرب الشمس، يعني: مسافة طويلة، فهذه قد يقال: لليلة الماضية، وأنه لم يُرَ في تلك الليلة لسبب من الأسباب، لكن مع ذلك لا نتيقن هذا الأمر.
ثم إن قوله: (إنه لليلة المقبلة) ليس على إطلاقه أيضًا؛ لأنه إن رُئي تحت الشمس فليس لليلة المقبلة قطعًا، إن رُئي تحت الشمس يعني: أقرب إلى المغرب من الشمس فليس لليلة المقبلة؛ لماذا؟ لأنه سابق لها، والهلال لا يكون هلالًا إلَّا إذا تأخر عن الشمس، فمثل: لو رأيناه قبل غروب الشمس بنصف ساعة، ووجدناه -أي الهلال- قد بقي عليه ربع ساعة أو عشر دقائق والشمس بقي عليها نصف ساعة فهنا قطعًا لا يكون للمقبلة؛ لماذا؟ لأنه سيغيب قبل أن تغرب الشمس، وإذا غاب قبل أن تغرب الشمس فلا عبرة برؤيته؛ إذ إن العبرة بالرؤية رؤيته بعد الغروب متخلفًا عن الشمس، هذا العبرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3293
ثم قال: (وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)، (إذا رآه): أي الهلال، (أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)، والمراد بالأهل هنا: من تثبت به رؤيته، فهو عامٌّ أُريد به الخاص، فليس المراد به أن جميع أهل البلد من صغير كبير وذكر وأنثى يراه، المراد إذا ثبتت رؤيته بمكان من بلاد المسلمين لزم الناس كلهم الصوم في مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (8). والخطاب موجه لعموم الأمة، فيُصام للرؤية، ويُفطَر للرؤية في جميع أقطار الأرض؛ لأنه خطاب عام، «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؛ ولأن ذلك أقرب إلى اتحاد المسلمين، واجتماع كلمتهم، وعدم التفرق بينهم بحيث يكون هؤلاء صائمين وهؤلاء مفطرين، هؤلاء مُعَيِّدين وهؤلاء صائمين، ففيه تفريق للأمة، وإذا اجتمعوا فصار يوم صومهم واحدًا ويوم فطرهم واحدًا كان هذا أقوى في الاتحاد، واجتماع الكلمة.
ففيه إذَن دليل أثري ودليل نظري معنوي؛ الأثري قوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأْفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، والنظري: أن فيه اجتماع كلمة المسلمين واتحادهم، وهذا أمر يَنْظُر إليه الشرع نظر اعتبار، وعلى هذا فإذا ثبتت رؤيته في أقصى المغرب، بل في أمريكا وجب على أهل الصين أن يصوموا مع تباعد ما بين المطالع، فإن مطالع الهلال في أمريكا ومطالعه في أقصى الشرق متباعدة جدًّا لكن مع ذلك يجب الصوم لما سمعتم من الدليل الأثري والدليل النظري.
وقال بعض أهل العلم: لا يجب إلَّا على مَنْ رآه أو كان في حكمهم، من رآه أو كان في حكمهم، ومن هو الذي في حكمهم؟ مَن وافقت مطالع الهلال عنده مطالع الهلال عند مَنْ رآه، فإذا اتفقت المطالع فإنه يجب الصوم، وإذا اختلفت لم يجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3294
قال شيخ الإسلام رحمه الله: تختلف مطالع الهلال باتفاق أهل المعرفة، أهل المعرفة بالفلك وجرائم الشمس والقمر، فإن اتفقت لزم الصوم، وإلَّا فلا، وهذا القول أقوى من الأول وأصح بدلالة الأثر والنظر الصحيح عليه، أما الأثر فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ﴿مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾، والقوم الآخرون الذين لا يوافقون من شهده في المطالع لا يقال: إنهم شهدوه، لا حقيقة ولا حكمًا، والله عز وجل إنما أوجب الصوم على مَنْ شهده، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فعلَّل الأمر بالصوم بالرؤية، ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال: إنه رآه، لا حقيقة ولا حكمًا.
وأما القياس فإن التوقيت اليومي يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع، التوقيت اليومي إمساكًا وإفطارًا يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع، فإذا طلع الفجر في المشرق فهل يلزم أهل المغرب أن يُمسكوا؟
طالب: لا.
الشيخ: كيف؟ ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الخطاب للأمة ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]، تبيَّن لنا في المشرق، نقول لأهل المغرب: أمسكوا؟
غابت الشمس في المشرق، وأهل المغرب صائمون والوقت عندهم أول النهار، نقول: غربت الشمس فأفطروا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش ما نقول؟ أليس إذا دخل هلال شوال ورُئي هلال شوال، وهو وقت في الفطر، على هذا القول اللي هو المذهب يُفطِر الناس جميعًا؟
وإذا رُئِي هلال رمضان أمسك الناس جميعًا؟ يعني: صاموا، أليس كذلك؟ إذن ما الفرق؟
الخطاب واحد موجه للعموم معلق بطلوع الفجر وبغروب الشمس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3295
إذن القياس الصحيح أنه كما يختلف المسلمون في الإمساك والإفطار اليومي يجب أن يختلفوا كذلك في الإمساك والإفطار الشهري إذا اختلفت المطالع، وبناء على هذا القول لو رآه أهل المغرب -أي الهلال- ولم يره أهل المشرق لم يلزمهم الصوم، ولو رآه أهل المشرق ولم يره أهل المغرب لزمهم الصوم.
طالب: ما يصير.
الشيخ: كيف ما يصير؟ نعم هو حقيقة ما يصير، متى رآه أهل المشرق والخط واحد فلا بد أن يراه أهل المغرب؛ لأنه إذا رُئي متأخِّرًا عن الشمس في المشرق فإنه لا يزداد في مسير الشمس إلَّا تأخُّرًا، وإذا رُئي خَفِيًّا في المشرق فسوف يُرى في المغرب ظاهرًا قويًّا، ولا يمكن أن يُرى في المشرق ثم يقول أهل المغرب: ما رأيناه، أبدًا، بل إحدى الدَّعْوَيَيْنِ كاذبة، إما أن المشرق لم يروه، وإما أن المغرب قد حُجِب عنهم، أمَّا أن يقول المشرق: رأيناه ثم يقول أهل المغرب: ما رأيناه فهذا لا يمكن، أليس كذلك؟
لكن لو قال أهل المغرب: رأيناه، وقال أهل المشرق: لم نره؟
طلبة: احتمال، يمكن.
الشيخ: صحيح، هذا يمكن.
إذن القول الراجح على هذا أنه إذا اختلفت مطالع الهلال لم يلزم مَنْ خالفت مطالعهم مطالع الرائين أن يصوموا أو أن يُفطِروا.
القول الثالث في المسألة: أن الناس تبعٌ لإمامهم، إذا صام صاموا، وإذا أفطر أفطروا، فإذا كان تبع المملكة أو الإمارة إذا ثبت في بلد الأمير رؤية الهلال لَزِم جميع مَنْ ينتسب لهذا الأمير أن يصوم.
وعلى هذا فلو كانت الخلافة عامة لجميع المسلمين فرآه الناس في بلد الخليفة، ثم حكم الخليفة بالثبوت لَزِم جميع من تحت ولايته في مشارق الأرض ومغاربها يصوم أو يفطر؛ لئلَّا تختلف الأُمَّة وهي تحت ولاية واحدة، فيحصل التنازع والتفرُّق.
الجزء: 1 - الصفحة: 3296
وعَمَلُ الناس اليوم على هذا: أنه إذا ثبت عند ولي الأمر لَزِم جميع من تحت ولايته أن يتبعوا ما ثبت عنده من صوم أو فطر، وهذا من الناحية الاجتماعية قول قويٌّ، وحتى لو صححنا القول الثاني الذي نحكم فيه باختلاف المطالع فينبغي لمن رأى أن المسألة مبنيَّة على اختلاف المطالع ألَّا يُظْهِر مخالفةً لما كان عليه الناس؛ لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس.
طيب، على هذا القول إذا كانت الحد بين الدولتين فاصلًا فقط، كالمراسيم بين الأرضَيْن، أهل القرية الذين في هذا الحكم يلزمهم الصوم، وأهل القرية التي ليس بينها وبينها إلَّا ذراع واحد لا يلزمهم الصوم، بناء على أن المرجع الولاية، لكن الذي تدل عليه الأدلة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن المسألة مبنية على اختلاف المطالع.
وذهب بعض أهل العلم -ولا سيما المتأخرين- إلى أنه يلزم حكم الرؤية كلَّ من أمكن وصول الخبر إليه في الليلة؟ وهذا في الحقيقة يشابه المذهب في وقتنا الحاضر؛ لأنه يمكن وصول الخبر لجميع أقطار الدنيا في أقل من ليلة، هذا القول -في الحقيقة- إنما يختلف عن المذهب فيما لو كانت وسائل الاتصالات مفقودة، فيكون ما يصل إلى الخبر في الليلة يجب أن يصوم، وما لا يصل الخبر إليه إلَّا بعد يوم لا يجب.
فالآن باعتبار المواصلات والاتصالات يمكن أن يصل الخبر في دقيقة، إذا أُعلِم مثلًا في الإذاعة هنا في المملكة يَسْمع الإذاعة الذي في المملكة والذي في خارج المملكة كل من يصل إليه صوت الإذاعة.
قال: (وإذا رآه أهلُ بلد لزم النَّاسَ كُلَّهُم الصَّوْمُ)، أو (لزم النَّاسُ كُلُّهُم الصَّوْمَ)؟
طلبة: الأول: (النَّاسَ).
الشيخ: هل الناس يَلْزمون الصوم، ولا الصوم يلزمهم؟
طلبة: الصوم يلزمهم.
الشيخ: الصوم يلزمهم؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لكن ما اللازم؟ هل الناس يلزمون الصوم ولَّا الصوم يلزمهم؟
طلبة: الصوم يلزمهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3297
الشيخ: إي، الصوم يلزمهم، صحيح، كما نقول: يجب الصوم؛ يعني: يلزم الصوم.
طالب: وإذا قال قائل: يا شيخ، وهذا القياس قياس رؤية الهلال على الإمساك والإفطار غير صحيحة؛ يعني: في المملكة العربية السعودية مثلًا بهذه المملكة عشر أوقات للإمساك والإفطار؛ يعني: في ستة ونصف، ستة مثلًا ونصف ودقيقة، إلى عشر دقائق مع أنه رمضان في يوم واحد.
الشيخ: عمل الناس الآن مبنيٌّ على القول بأن الناس تبع للإمام في مسألة دخول الشهر وخروجه.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا بالإجماع.
( ... ) تختلف، قد يُرى في المغرب ولا يُرى في المشرق، وقد يُرى في الشمال ولا يُرى في الجنوب؛ لأن القمر دائمًا متأخر عن الشمس؛ قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: 1، 2]، بعض العلماء يقول: المعنى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ هذا أول النهار، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ هذا أول الشهر؛ لأنه في أول الشهر يتلوها، لكن الواقع أن القمر دائمًا يتلو الشمس، دائمًا متأخر عنها، صحيح؟
إي، لكن قد يقول قائل: في آخر الشهر القمر يطلع قبل الشمس.
نقول: هو بسبب تأخره طلع قبلها؛ يعني: هو كل يوم يتأخر كل يوم يتأخر.
الطالب: ما الذي يترتب على هذا؟
الشيخ: يترتب على هذا نفي قول من يقول: إنه لليلة الماضية، فهؤلاء يقولون إذا رُئِيَ الهلال يلزم الإنسان، إذا رُئِيَ الهلال نهارًا يلزم الإنسان؛ لأنه تَبَيَّن اليوم من رمضان.
طالب: إذا رُئِيَ نهارًا فهو لليلة المقبلة.
الشيخ: كلام المؤلف، لليلة المقبلة، فيه مَنْ يَرى أنه لليلة الماضية، وعليه فيجب الإمساك إذا رُئِي في النهار.
الطالب: ( ... ) أحسن الله إليكم.
الشيخ: ما ندري مَنْ قال، لكنه قول العلماء، لكنه مثلما قلت لكم أنا؛ قلت: حتى كلام المؤلف قوله: (لليلة المقبلة) ليس على إطلاقه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3298
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة إذا رآه أهل بلد لزم الناس الصوم؛ يعني: الذين قالوا: إنهم تبع الإمام، ماذا يجيبون عن قضية ابن عباس رضي الله عنه عندما .. ؟
الشيخ: حديث أم الفضل أنها أرسلت مولى لها إلى معاوية، فرجع من معاوية إلى المدينة وقال: إن معاوية أفطر لأنهم رأوا الهلال ليلة الجمعة، قال ابن عباس: أما نحن رأيناه ليله السبت، ولا نزال نصوم حتى نراه، فالفقهاء يجيبون عن هذا بجواب ليس بصواب؛ يقولون: إن ابن عباس لم يعتدَّ بقول الواحد؛ لأنه فِطْر ولا يُعتدَّ بقول الواحد، فهمت؟ ولكنَّ هذا ليس بصحيح والحديث لا يدل على أنه لم يعتدَّ بقول الواحد، بل يدل على أنها لما اختلفت المطالع صار أهل المدينة لا يلزمهم الفطر حتى يروا الهلال.
طالب: ( ... ) ابن عباس ( ... ) رضي الله تعالى عنه.
الشيخ: نعم، لكن معاوية لا يخالف ابن عباس في هذا؛ لأنه يوافقه بعلمه وفقهه.
طالب: شيخ، قد يكون الفرق يومًا بين المطالع يُقْبَل من الناس، لكن المشكلة الآن يوجد يومين؛ لأن قد يصوم الناس في المشرق ويجلس بعض أهل المغرب يومين ما صاموا.
الشيخ: لا، هو الغريب أحيانًا أن أهل المغرب يصومون وأهل المشرق يصومون بعدهم بيومين.
الطالب: بالعكس ( ... ).
الشيخ: لا بالعكس، الباكستان يتأخرون أحيانًا عنا يومين.
الطالب: والمغرب كذلك.
الشيخ: المغرب لا بأس، المغرب قد يكون.
الطالب: بس يومين يا شيخ، هذا السؤال ( ... ) أحدهما يكون كاذبًا.
الشيخ: أحدهما يكون كاذبًا الذي يقول: رأيناه في المشرق، والمغرب يقولون: ما رأيناه.
الطالب: ( ... ) ما صاموا؛ لأنهم ما رأوه.
الشيخ: إذا قال: أهل المشرق رأيناه، وقال أهل المغرب: لم نره، فأحدهما كاذب.
الطالب: هذا الواقع.
الشيخ: لا هذا ما هو بالعكس، هذا الصواب.
الطالب: بس هذا الواقع.
الجزء: 1 - الصفحة: 3299
الشيخ: لأنه إذا رُئي في المشرق لا بد أن يُرى في المغرب، لا بد؛ لأنه إذا كان متأخِّرًا عن الشمس في المشرق فلا يمكن أن يقفز يروح قدامها فلا يُرى، ولهذا تذكرون قبل ثلاث سنوات أننا أفطرنا وكسفت الشمس بعد غروبها، وصار في ضجة كبيرة، قالوا: إفطار السعودية خطأ، لماذا؟ لأن كسوف الشمس سببه أن القمر يحول بينها وبين الأرض، وهذا يقتضي أنها حين غابت عنا غابت بعد القمر، غابت بعد القمر ثم لحقته وكسفت، وصار فيها ضجة كبيرة في الصحف الخارجية، نعم؟ وهذا ما فيه شك، يعني: لا يمكن أن تكسف الشمس بعد الغروب، ثم يُقال: إن الهلال قد هلَّ، أبدًا، مستحيل.
لكن لو قال الإنسان: إن الله على كل شيء قدير، نقول: الله على كل شيء قدير، صحيح، يمكن يجعل الهلال ليلة البدر، القمر ليلة البدر يمكن أن يجعله هلالًا، على كل شيء قدير، لكن كلام العادة والسُّنَّة التي أجراها الله عز وجل أن هذا لا يمكن أن يقال: هَلَّ الهلال ثم تكسف الشمس بعد الغروب.
ولما قال الفقهاء رحمهم الله: إذا وقع خسوف القمر يوم عرفة صلَّى صلاة الكسوف ثم دفع، قالوا: لأن الدفع وقته واسع، والكسوف غير واسع؛ لأنه ربما ينجلي فتفوت الصلاة، لما قالوا هذا قالوا: ويتصور كسوف الشمس والقمر كل وقت والله على كل شيء قدير، فقال شيخ الإسلام: نعم، لا نعارض في قدرة الله، كما أنه يمكن أنه تخرج الشمس في نصف الليل، ولَّا ما يمكن؟ والله على كل شيء قدير، في آخر الزمان تخرج من مغربها، لكن يقول: أجرى الله العادة أنه لا خسوف للقمر إلَّا في زمن الإبدار، ولا كسوف للشمس إلَّا في زمن الاستسرار في آخر الشهر، ولا يمكن أن يقع خسوف القمر في عَرَفَة أبدًا، مستحيل، وتعرفون أظن قبل شهرين عندنا هنا في عُنيزة ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3300
(ولو أنثى) لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه صام وأمر الناس بالصيام، (ولو أنثى)؛ لأنه خبر ديني فاستوى فيه الذكر والأنثى، كما لو قالت لك الأنثى: غابت الشمس تُفْطِر على قولها.
إذا رآه على المذهب يُصام بأمر ثالث وهو إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قَتَر فإنه يجب أن يُصام، وعليه فيكون صيام رمضان يثبت بواحد من أمور ثلاثة: رؤية هلاله، إكمال شعبان ثلاثين، أن يحول ليلة الثلاثين من شعبان دون رؤيته غيم أو قَتَر.
والصحيح في الثالثة أنه لا يجب صومه، بل لا يجوز صومه؛ لأنه اليوم الذي يُشَكُّ فيه.
إذا رُئي الهلال نهارًا، هل يكون لليلة الماضية أو المقبلة؟
المذهب يقول: إنه لليلة المقبلة ومرادهم أنه ليس لليلة الماضية خلافًا لمن قال: إنه لليلة الماضية، وقد ذكرنا في ذلك تفصيلًا: هل يُرَى تحت الشمس أو فوق الشمس؟ ذكرناه فيما سبق.
إذا رآه أهل بلد فهل يلزم جميع الناس أن يصوموا؟
المذهب: نعم، يلزم جميع الناس أن يصوموا، والصحيح أنه إن اختلفت المطالع لم يلزمهم، وإن اتفقت لزمهم، كما يدل على ذلك الأثر والنظر، وأظن أنَّا بَيَّنَّا الأدلة على ذلك؛ الأثرية والنظرية.
ثم قال المؤلف: (ويُصامُ برؤية عدل ولو أنثى)، (يُصام): نائب الفاعل يعود إلى رمضان، أي: يصوم الناس على التفصيل السابق، (يُصامُ برؤية عدل ولو أنثى)، وبعضهم يعبر: برؤية ثقة وهو أعم.
(برؤية عدل) مَن العدل؟
العدل في اللغة: المستقيم، ضد المعوج، وفي الشرع: من قام بالواجب ولم يَفْعَل كبيرة ولم يُصِرَّ على صغيرة، هذا العدل، مَن قام بالواجب: يعني أدى الفرائض كالصلوات الخمس، ولم يفعل كبيرة ولم يصرَّ على صغيرة؛ وحينئذ نحتاج في هذا التعريف إلى معرفة ما هي الكبائر؛ لأن الكبيرة بمجرد ما يفعلها الإنسان يخرج عن العدالة ما لم يَتُبْ، والصغيرة لا يخرج بمجرد فعلها ما لم يُصِرَّ عليها؛ فما هي الكبيرة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3301
من الكبائر النميمة، وهي نقل كلام الناس بعضهم ببعض لقصد الإفساد بينهم، فيأتي إلى شخص ويقول: قال فيك فلان كذا وكذا، مما يؤدي إلى العداوة والبغضاء، هذه النميمة.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (9)، أي: نمَّام، وثبت عنه أنه كُشِف له عن رجلٍ يُعَذَّب في قبره بالنميمة كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مَرَّ بقبرين، فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (10)، فإذا نَمَّ الإنسان مرة واحدة ولم يتب فليس بعدل.
من الكبائر أيضًا الغيبة، وهي: «ذُكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (11) من عَيْبٍ خِلْقي، أو خُلُقي، أو ديني، هذه الغيبة، خِلْقي كأن تقول: هذا الرجل أعور، هذا أنفه مائل، هذا فمه واسع، وما أشبه ذلك، هذا عَيْب خِلْقي.
خُلُقي مثل أن تقول: هذا أحمق، سريع الغضب، عصبي، وما أشبه ذلك.
ديني مثل أن تقول: مُتَهاوِن بالصلاة، لا يَصِلُ رحمه، لا يَبَرُّ بوالديه، وما أشبهها، هذه الغيبة «ذُكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» في غَيْبته ولَّا في حضوره؟
في غَيْبته؛ ولهذا تسمى غِيبة فِعْلَة، من الغَيْب، أما في حضرته، فلا تُسَمَّى غِيبة وإنما تُسَمَّى سبًَّا وشتمًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنِ امْرُؤٌ سَابَّهُ»؛ يعني: الصائم «سَابَّهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (12).
رجل اغتاب شخصًا في المجلس، نقول: إنه خرج عن العدالة ما لم يتب من ذلك، هذا هو العدل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3302
يقول الفقهاء أيضًا -يزيدون على ذلك-: ولم يخالف المروءة، فإن خالف المروءة فإنه ليس بعَدْلٍ، ومَثَّلوا لذلك بمن يأكل في السوق، ومَثَّلوا لذلك أيضًا بمن يَتَمَسْخَر بالناس؛ يقلِّد أصواتهم وما أشبه ذلك؛ قالوا: هذا ساقط المروءة فيكون ساقط العدالة.
وظاهر كلام أحمد فيمن ترك الوتر: أنه رجل سوء لا ينبغي أن تُقْبَل له شهادة، أنَّ مَنْ ترك عبادة مؤكدة فإنه تَسْقُطُ عدالته، ولكن ينبغي أن يقال: إن الشهادة في الأموال ليست كالشهادة في الأخبار الدينية؛ في الأموال ينبغي أن نُشَدِّد، لا سيما في وقتنا هذا؛ فما أكثر الذين يشهدون زورًا، لكن في الأخبار الدينية يَبْعُد أن الإنسان يكذب فيها إلا أن يكون هناك مُغريات توجب أن يكذب، مثلما يقال: إنه في بعض الدول إذا شهد شخص بدخول رمضان أعطَوْه مكافأة، أو بشهادة شوال أعطوه مكافأة، هذه ربما تُغْرِي ضعيف الإيمان فيشهد بما لم يرَ.
يُشْتَرط مع العدالة -وهي قد فاتت المؤلف رحمه الله- أن يكون قويَّ البصر بحيث تَصْدُق دعوى أنه رآه، فإن كان ضعيفَ البصر فإنه -وإن كان عدلًا- لا تقبل؛ لأنه إذا كان ضعيف البصر وهو عدل فإننا نعلم أنه متوهم، لكن لعدالته خاف أن يتعلق بذمته شيء فشهِد بما هو متوهم فيه، أليس كذلك؟
لهذا لا بد مع العدالة من قوة البصر بحيث يحتمل صدقُه فيما ادَّعاه، وإلَّا فلا، فلو جاءنا رجل أعمش ضعيف البصر لكنه عَدْل في دينه لا يُخِلُّ بواجب ولا ينتهك محرمًا وقال: لقد رأيت الهلال، قلنا: هات غيرك، قال: تقدح في ديني؟ ماذا أقول له؟
لا، صَوْمُ الناس، خَفْ ربك، يقول للقاضي: خَفِ الله، فيقول له: أنا أشك في إدراكك لهذا، أقدح في رؤيتك، ولا مانع، وإن شاء أن يختبره اختبره، فيضع له علامة في الجدار يكون بينه ويبنها كما بيني وبين الجدار كم أرى؟ ثلاثة متر، علامة كبيرة، علامة استفهام، يقول ما هذه؟ فيقول: هذا رقم تسعة.
هل يكون هذا ثقة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3303
لا ما هو ثقةً، فلا نقبله وإن كان عدلًا في دينه، وعندنا في ذلك دليل من القرآن وهو أن الله عز وجل جعل القوة والأمانة من مُسَوِّغَات إجراء ما يترتب على العمل، ففي قصة موسى مع صاحب مَدْيَن؛ قالت إحدى ابنتيه: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، وقال العفريت من الجن الذي التزم أن يأتي بعرش ملكة سبأ قال: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39]، فهذان الوصفان رُكْنان في كل عمل، ومنها الشهادة.
إذن نقول: برؤية عدل، فات المؤلف أن يقول: قويّ البصر، لكن لو أراد شخص أن يعتذر عن المؤلف ويقول: إن العدل إذا كان ضعيفَ البصر فلا يمكن أن يشهد بما لم يره، ما تقولون؟
نقول: لا هذا ليس بعذر؛ لأن العدل إذا تَوَهَّم وتَخَيَّل أنه رأى الهلال فسوف يُصِرُّ على أنه رآه؛ لما عنده من الدِّين الذي يرى أنه من الواجب عليه أن يبلِّغ لأجل أن يصوم الناس أو يُفْطِر الناس، فلا بد من إضافة قوي البصر.
قال: (ولو أنثى) قوله: (لو) غالبًا ما تأتي إشارة للخلاف، والمسألة كذلك في هذا.
قوله (ولو أنثى) إشارة خلاف؛ فإن بعض العلماء يقول: الأنثى لا تُقبل شهادتُها في رؤية الهلال، رمضان ولا غيره؛ لأن الذي رأى الهلال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فلا يُقبل إلَّا الرجال؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فُصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (13)، شاهدان، والمرأة شاهدة، وليست شاهدًا.
ولكن الفقهاء رحمهم الله -فقهاء المذهب- يقولون: إن هذا خبرٌ دينيٌّ يستوي فيه الذكور والإناث، كما استوت الذكور والإناث في الرواية، والرواية خَبَرٌ ديني، فكذلك الخبر برؤية الهلال؛ ولهذا لم يشترطوا لرؤية هلال رمضان ثبوت ذلك عند الحاكم، ولا لفظ الشهادة، بل قالوا: لو سمع شخصًا ثقة يحدث الناس في مجلسه: إنه رأى الهلال فإنه يلزمه أن يصوم بخبره.
الجزء: 1 - الصفحة: 3304
وهذه المسألة تحتاج إلى تحرير؛ يعني كون الإنسان إذا سمع شخصًا يُخبِر بأنه رأى هلال رمضان فإن يلزمه الصوم؟ هذه تحتاج إلى نظر؛ لأنه لا بد أن تُضبط الأمور ويقال: لا بد أن يذهب هذا الشاهد إلى الحاكم ليحكم برؤيته.
قال: (فإن صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، فلم يُرَ الهلالُ، أو صاموا لأجل غَيْمٍ لم يُفْطِروا)، (إن صاموا) أي: الناس (بشهادة واحد) أي: في دخول شهر رمضان، ولم يُرَ الهلال حينها أتموا ثلاثين فإنهم لا يفطرون، بل يصومون واحدًا وثلاثين يومًا، فإن لم يُرَ الهلال صاموا اثنين وثلاثين يومًا.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: بلى، كيف.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: طيب، ربما يكونوا أخطؤوا في شعبان.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يكون فيه خطأ في شعبان يوم، وفي دخول رمضان يوم.
طلبة: يومين.
الشيخ: هذان يومان، على كل حال، إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا ولم يُرَ الهلال، وجب عليهم واحدًا وثلاثين يومًا، لماذا؟ لأنه لا يثبُت خروج الشهر إلَّا بشهادة رجلين، وهنا الصوم مبنيٌّ على شهادة رجل، فهو مبنيٌّ على سببٍ لا يثبُت به خروجُ الشهر.
الآن الصيام ثابت بشهادة واحد، والإفطار لا يثبُت إلا بشهادة اثنين إذن لا تُفْطِر؛ يعني: إذا أفطرت فقد بَنَيْتَ على شهادة واحد، هذا هو المشهور من المذهب، وعرفتم التعليل.
وقال بعض أهل العلم: بل إذا صاموا ثلاثين يومًا بشهادة واحد لزمهم الفطر؛ لأن الفطر هنا تابع للصوم ومبنيٌّ عليه، والصوم ثبت بطريق شرعيٍّ مقبول، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فشهادة شوال لا تُقبل إلَّا برجلين لكن لما ثبت دخول شهر رمضان شرعًا كان دخوله مبنيًّا على أصل شرعي، فيكون خروجه مبنيًّا على هذا الأصل تبعًا، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3305
وهذا القول هو الصحيح أنهم إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا لزمهم الفطر؛ لأن الشهر لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا، كذلك إذا صاموا لأجل غيم فإنهم لا يفطرون، وهذا الذي قالوه نوافقهم عليه؛ لأن صيامهم في أول الشهر ليس مبنيًّا على بَيِّنَة، وإنما هو احتياط، كما ذكروا أنه يصومه احتياطًا حكمًا ظنيًّا؛ وعلى هذا فإذا صاموا لأجل غيم لم يفطروا لو صاموا ثلاثين يومًا، وعلى القول الصحيح: هل تأتي هذه المسألة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنهم لن يصوموا لأجل الغيم، فهذه المسألة إنما تتأتى على قول مَنْ يُلزِمُهم بالصيام يوم الغيم.
طالب: قال بعض العلماء: يجوز شهادة رجل غير عدل في الصيام وفي ( ... ) لا يجوز؛ لأن هذا الرجل غير عدل عنده تهاون في الواجبات، وإذا قال ( ... )، وإذا قال ( ... ) عنده تهاون في الواجبات ( ... )، فما تقول في قول هذا؟
الشيخ: أقول: ليس بصحيح.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: نعم، غير صحيح؛ لأنه حتى وإن كان غير عدل يمكن يريد أن يُضِرَّ الناس فيشهد.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هو يأكل أو ما يأكل.
طالب: شيخ لو أن إنسانًا فاعلًا كبيرة، ثم رأى الهلال، فهل يجب أن يخبرهم أنه فعل كبيرة أو يمكن أن يشهد؟
الشيخ: ما تقولون؟ سؤال: يقول إذا كان الإنسان غير عدل فاعل كبيرة ورأى الهلال، فهل يلزمه أن يخبر القاضي بأنه فعل كبيرة ليرد شهادته، أو يسكت ويجعل الحاكم يحكم بالظاهر؟
طلبة: يسكت.
طالب آخر: يشهد.
الشيخ: يُخبر، يفضح نفسه؟ !
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، يتوب ويبلِّغ.
الطالب: ( ... ) يُخبر عن نفسه ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هذا إن حصل فطيب، يعني: لو فرضنا إنسانًا مبتلى بشرب الخمر -والعياذ بالله- ويعرف أنه ما هو براح يترك الخمر، لكنه رأى الهلال قطعًا، فهل يلزمه أن يُخبر؟ فيجيء القاضي يقول: يا حضرة القاضي، لقد رأيت الهلال يقينًا، وأنا أشرب الخمر؟
طالب: أحسن الله إليكم، نلزمه أنه يصوم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3306
الشيخ: إي، ما يخالف، هو يمكن يصوم، لكن الكلام على أنه هل يشهد عند القاضي ولَّا لا؟
طالب: ( ... ) القاضي ما فيه فائدة؛ لأن القاضي لا ( ... ).
الشيخ: لا، هو إن أخبر القاضي ما هو بقابل شهادته، لكن هل يلزمه أن يُخبر أو يقول: أنا تيقنت الآن إني رأيت الهلال، هو إذا حصل أن يتوب إلى الله ويُخبر، هذا هو الواجب، لكن إذا لم يحصل فالظاهر لي أنه يَلْزَمه أن يخبر، ما هو بأنه يشرب الخمر، يلزمه أن يخبر بأنه رأى الهلال، ولا يُخبِر بأنه شارب الخمر؛ لأن الأحكام تتبعض.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يمكن ( ... ).
الطالب: ترائي الهلال ( ... ) هل يؤثر على ( ... )؟
الشيخ: لا، يقول: ترائي الهلال في الصباح يوم الثلاثين أو التاسع والعشرين هل يؤثر؛ يعني: هل نستفيد؟
لا نستفيد منه من حيث ثبوت دخول الشهر، لكن نستفيد منه من حيث أنه يُقرِّب أن يُرى الليلة أو لا يُرى؛ فمثلًا إذا رُئي رفيعًا فهذا يبعد أن يُرى، لكن إذا لم يُرَ فإن الناس يزداد تحرِّيهم له بعد الغروب.
طالب: أحسن الله إليكم ( ... ) استعمال النظارات، هل تقبل رؤيتهم بالعين المجردة هكذا؛ ( ... ) نظارات ( ... ) مكبر؛ ميكروسكوب ولَّا؟
الشيخ: إي، معناه: أنه قَوِيَ النظر.
الطالب: إي، لكن يلبس نظارت.
الشيخ: إي ما يخالف؛ يعني: بواسطة؟
الطالب: بواسطة.
الشيخ: ما في بأس، أنا أذكر لما كان ما فيه أنوار كهرباء كان الناس يصعدون على المناير ومعهم مكبر النظر، إي نعم ما فيه شيء؛ ولهذا نرى أن هذا حجة في استعمال مراصد، لكن المراصد أنا أرى أنه يُعمل بها في ردِّ شهادة مَنْ شَهِد ولم يُرَ في المرصد، لا في إثبات الهلال إذا لم يَرَه أهل الأرض؛ يعني: مثلًا لو جاءنا إنسان في الأرض قال: أنا رأيت الهلال قطعًا، وأهل المرصد عدول ثِقات يقولون: ما رأيناه، بل رأيناه قد غاب قبل الشمس؛ لأن المرصد يمشي مع القمر، فهل نَرُدُّ شهادة هذا الرجل؟ نعم، أنا أرى أنه يجب أن تُرَد؛ لأنه كذَّب الواقع.
الجزء: 1 - الصفحة: 3307
لكن لو قال أهل المرصد: رأينا الهلال، ولكن أهل الأرض لم يروه فلا عبرة بالمرصد؛ لأن قول الرسول «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ» (14) يعني: الرؤيا المعتادة.
طالب: ( ... ) شيخ لو ثبت دخول شهر رمضان بعدلين، فهل ( ... ) الثلاثين أو لا؟
الشيخ: لا، يُفطرون.
الطالب: الذين قالوا: إنه إذا ظهر الهلال في بلد ولم يظهر في الآخر لم يلزمهم الصوم واستدلوا بالليل والنهار، قالوا: يكون أهل البلد الصائمون ( ... ) هؤلاء صائمون، شيخ، ما نرد عليهم ونقول: إن الاختلاف القمري أوسع من الاختلاف الشمسي؛ الاختلاف الشمسي يكون دقائق، لكن الاختلاف القمري يكون أكبر.
الشيخ: لا، نفس الشيء، دقائق.
الطالب: هذا الاختلاف ما هو اختلافًا شهريًّا.
الشيخ: لا، دقائق؛ لأن هذا مُقَيَّد بالغروب ويكون يومًا كاملًا، لكن هو دقائق؛ يعني: يمكن يغيب عن أهل المشرق قبل الغروب بدقيقة، ويتأخر عن أهل المغرب بعد الغروب بدقيقة فيُرى.
طالب: لكن هذا مثلًا بشهر.
الشيخ: لا، ما هو بشهر، هذا يوم، الفرق يوم؛ لأن هذا اليوم موقت برؤية الهلال عند الغروب، إنما نفس الهلال يتأخر عن هؤلاء بدقيقة أو دقيقتين.
الطالب: وأيضًا يا شيخ نفس الصائمون يكونون مشتركين في اليوم؛ يعني: مثلًا هؤلاء مثلًا بينهم دقيقة ( ... ).
الشيخ: ما يهم، كله واحد، ما فيه شيء، هذا غير مؤثر، كونهم يشركون في اليوم، وإذا لم تغيب الشمس قبل أن يصوموا ما يؤثر.
طالب: مَنْ عرَّف الكبيرة بأنها ما حُدَّ لها عقوبةٌ دنيوية يترتب على فعلها عقوبة دنيوية ..
الشيخ: عقوبة دنيوية أو أخروية.
طالب: يعني هل .. ؟
الشيخ: هذا حَدُّ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبعضهم قال: ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة واقتصر على ذلك، وبعضهم قال: ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ترتيب لعنة أو غضب أو نَفْي إيمان فجعلها خمسة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3308
وبعضهم عدَّها عدًّا: الزنا، الربا، السرقة، وحَدَّ وعَدَّ، لكن ما ذكره الشيخ وجيه؛ كل ما رُتِّبَ عليه عقوبة خاصة فهو كبيرة؛ لأنه يتميز عما نُهي عنه نهيًّا مجرَّدًا.
طالب: ينبغي لنا أن نتراءى الهلال بالمكبرات؟
الشيخ: بالميكروفونات؟ !
الطالب: بمكبرات النظر.
الشيخ: إي نعم، لا بأس.
الطالب: يعني: مطلوب يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، مطلوب.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لمستور الحال ( ... )؟
الشيخ: المذهب لا يقبلون مستور الحال في هذه المسألة، في بعض المواضع يقبلون مستور الحال، لكن في هذه لا يقبلون.
طالب: ( ... ).
الشيخ: والله الذي يظهر لي أن القاضي إذا وثق بالرجل ما يحتاج للبحث عن عدالته.
طالب: ( ... ) يجب عليه الشهادة؟ تاب، هل يجب عليه أن يشهد عند القاضي؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: إذا رأى الهلال وقد فعل كبيرة ثم تاب، فهل يلزمه أن يبلغ القاضي؟
نقول: يجب، نعم يلزمه.
طالب: لكنه غير عَدْل، واشتراط العدالة؟
الشيخ: العدالة عند الأداء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو عند التحمل، عند الأداء؛ ولهذا لو تَحَمَّل الشهادة وهو فاسق، ثم أدَّاها وهو عَدْل قُبِلْ، بل لو تَحَمَّل الشهادة وهو كافر ثم أسلم فإنه يُقبَلْ.
طالب: بالنسبة للعدالة ( ... ).
الشيخ: إي هذه المشكلة.
الطالب: فإن بعض الناس ( ... ).
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ هذا حق أن ننبه عليه.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: لو قلنا بهذا القول ما وجدنا أحدًا عدلًا، مَن يَسلَم من الغِيبة؟ مَن يَسلَم من السخرية بالناس؟ مَن يَسلَم من التهاون في الواجبات؟ مَن يَسلَم من أكل المحرَّم؟ ما أكثر الذين يتخلفون عن الواجب في الوظائف، يتأخر في الحضور أو يتقدم في الخروج، وما أكثر الذين يقولون في إخوانهم ما لا يرضَون، مشكلة هذه، ويشرب الدخان ويحلق اللحية.
الجزء: 1 - الصفحة: 3309
فيه بعض الناس يحلق اللحية ويشرب الدخان ويشرب الخمر، لكن لا يمكن أن يشهد إلَّا على حق، أبدًا، هذا شيء مُشاهَد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، فجعل المسألة راجعة إلى ما يرضاه الناس، والصحيح في هذه المسألة أنه يُقْبَل مِنْ شهادة الفاسق ما يترجح أنه حَقٌّ وصدق؛ لأن الله لم يأمرنا بِرَدِّ شهادة الفاسق، قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] تثبَّتوا، فهذا هو الصحيح.
طالب: الحمد لله رب العالمين، وأُصَلِّي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وإن صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، فلم يُرَ الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يُفْطِروا، ومن رأى وحده هلال رمضان ورُدَّ قولُه أو رأى هلال شوال صام، ويلزم الصومُ لكل مسلم مكلَّف قادر، وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل مَنْ صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طَهُرَتَا ومسافر قَدِمَ مُفْطِرًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق أن الناس يلزمهم الصوم على المشهور من المذهب بواحد من أمور ثلاثةٍ:
الأول: رؤية الهلال.
والثاني: إكمال شعبان ثلاثين.
والثالث: أن يحول دون منظره ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قَتَر.
أمَّا الأول والثاني فصحيح، وأما الثالث فلا، الصواب: أن الثالث إذا حال دون منظره غَيْمٌ أو قَتَر فإنه لا يجب الصوم، بل يحرُم، وبناءً على ذلك إذا صاموا من أجل الغيم وأتموا ثلاثين، فما الحكم؟
طالب: إن صاموا من أجل الغيم وأتمَوا ثلاثين فإنهم يصومون.
الشيخ: يفطرون أو لا؟
الطالب: يفطرون.
الشيخ: بناء على؟
الطالب: على الصحيح ( ... ).
الشيخ: على الصحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3310
طالب: ( ... ) حفظكم الله ( ... ) يصومون واحدًا وثلاثين؛ لأنهم ( ... ).
الشيخ: إذن لا يبنون على الصوم الأول، إذا صاموا ثلاثين من أجل الغيم ولم يُرَ الهلال أتمُّوا.
الطالب: واحدًا وثلاثين.
الشيخ: يعني: استمروا في الصوم.
إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، على المذهب؟
الطالب: لا يفطرون.
الشيخ: لا يفطرون، لماذا؟
الطالب: قالوا: لأن ..
الشيخ: دخول شوال لا يثبت؟
الطالب: لا يثبت إلَّا بشهادة إلَّا باثنين.
الشيخ: نعم، إلَّا باثنين، ودخول رمضان ثبت بواحد فلا يُبنى عليه، وهل هناك قول آخر؟
طالب: ( ... ).
طالب آخر: ( ... ) على تحريم صيام يوم ..
الشيخ: لا، هل هناك قول آخر أنهم إذا أتموا ثلاثين بشهادة واحد يُفطرون؟
الطالب: نعم.
الشيخ: فيه قول، ما حجة هذا القول؟
الطالب: الذين قالوا ( ... ).
الشيخ: لأنهم يفطرون، الذين قالوا: لا يفطرون عرفنا.
الطالب: نعم يقولون: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: يدخل في ( ... ) ما لا يثبت بالاستقلال ( ... ).
الشيخ: ودخول رمضان ثابت شرعًا؟
الطالب: بشهادة واحد ( ... ).
الشيخ: تمام، صحيح، وهذا القول هو الصحيح.
ثم انتقل المؤلف إلى مسألة أخرى مهمة؛ (وَمَنْ رأى وَحْدَه هلالَ رمضانَ ورُدَّ قولُه) (وَحْدَه) أي: منفردًا عن الناس، سواءٌ كان منفردًا بمكان أو منفردًا برؤية.
مثال المنفرد بمكان: أن يكون الشخص في برية ليس معه أحد فيرى الهلال، ويذهب إلى القاضي فيَرُدُّ قوله؛ إما لجهالته بحاله، أو لغير ذلك من الأسباب هذا انفرد بالمكان، أو انفرد بالرؤية؛ بحيث يجتمع معه ناس يتراءَون الهلال فيراه هو ولا يرونه، فهذا أيضًا رأى وحده هلال رمضان منفردًا بالرؤية لا بالمكان، لكن رُدَّ قوله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3311
يقول المؤلف: (صَامَ)، (صام) يعني: لزمه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وهذا الرجل قد شَهِدَ الشهر فوجب عليه أن يصوم؛ ولقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (8)، وهذا الرجل رآه فوجب عليه الصوم، وفي لفظ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» وهذا الرجل رآه فيلزمه الصوم، وهل يلزمه الصوم فقط أو كل ما يترتب على دخول الشهر؟
كل ما يترتب على دخول الشهر؛ لأنه رآه، فيلزمه الصوم.
المسألة الثانية: (أو رأى هلالَ شوالٍ) يعني: وحده، إذا رأى هلال شوال فإنه يصوم، والفرق بينهما أن هلال شوال لا يثبت إلَّا بشاهدين، لا يثبت شرعًا إلَّا بشاهدين، وهنا لم يشهد به إلَّا واحد، فلا يكون داخلًا شرعًا، فيلزمه الصوم مع أنه رآه، رأى الهلال بعينه وتأكَّد.
نقول: يلزمه الصوم، والتعليل: لأنه لا يَثْبُت دخول شوال إلَّا بشاهدين، وإذا شهد واحد لم يثبت دخوله شرعًا.
وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الفِطر سِرًّا، إذا رأى وحده هلال شوال، يجب عليه أن يُفْطِر سِرًّا؛ لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وآلهوسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» (14) وهذا الرجل قد رآه، ولقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وهذا الرجل قد رآه، فيلزمه الفطر، ولكن يلزمه ذلك سرًا؛ لئلا يُعْلِن مخالفة الجماعة، لئلا يُعلن مخالفة الجماعة.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله في هاتين المسألتين أنه يَتْبَعُ الناس وأنه لو رأى وحده هلال رمضان لم يلزمه الصوم؛ لأن الهلال: ما هَلَّ واستهل واشتهر، لا ما رُئِي، وعلى هذا -على رأي الشيخ رحمه الله- يلزم هذا الرجل أن يصوم كما قال المؤلف، لكن كلامنا نريد على رأي الشيخ في مسألة رؤية رمضان لا يلزمه أن يصوم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3312
ويَلْزَمُ الصومُ لكلِّ مُسلمٍ مكَلَّفٍ قادرٍ.
وإذا قامت البَيِّنَةُ في أثناءِ النهارِ وَجَبَ الإمساكُ والقضاءُ على كلِّ مَن صارَ في أثنائِه أَهلاً لوُجوبِه، وكذا حائضٌ ونُفَسَاءُ طَهُرَتَا، ومسافرٌ قَدِمَ مُفْطِرًا، ومَن أَفْطَرَ لكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه أَطْعَمَ لكلِّ يومٍ مِسكينًا،
فيلزمه الصوم مع أنه رآه، رأى الهلال بعينه وتأكد، نقول: يلزمه الصوم، والتعليل: لأنه لا يثبت دخول شوال إلا بشاهدين، وإذا شهد واحد لم يثبت دخوله شرعًا.
وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الفطر سرًّا إذا رأى وحده هلال شوال، يجب عليه أن يفطر سرًّا لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» (1)، وهذا الرجل قد رآه، ولقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (2)، وهذا الرجل قد رآه، فيلزمه الفطر، ولكن يلزمه ذلك سرًّا؛ لئلا يُعلن مخالفة الجماعة.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله في هاتين المسألتين أنه يتبع الناس، وأنه لو رأى وحده هلال رمضان لم يلزمه الصوم؛ لأن الهلال ما هلَّ واستهل، واشتهر، لا ما رُئي، وعلى هذا -على رأي الشيخ رحمه الله- يلزم هذا الرجل أن يصوم وكما قال المؤلف، لكن كلامنا نريد على رأي الشيخ في مسألة رؤية رمضان، لا يلزمه أن يصوم إذا رأى وحده هلال رمضان ورد قوله.
وهنا المؤلف -رحمه الله- يقول في هلال رمضان: (ورد قوله)، ولم يقل في هلال شوال (ورد قوله)؛ لأن هلال شوال لا يثبت به دخول الشهر مطلقًا حتى لو قُبل، وقيل له: أنت رجل عدل، ونصدقك بأنك رأيته فإنه لا يعتبر، بخلاف رمضان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3313
والخلاصة الآن ليتضح المقال: دخول رمضان يثبت بشهادة الواحد، ودليله حديث ابن عمر: أخبرت النبي صلى الله عليه أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه (3)، هلال شوال وغيره من الشهور لا يثبت إلا بشاهدين؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (4)، فقال: «إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا»، ومثل ذلك أيضًا دخول شهر ذي الحجة، لو رأى الإنسان وحده هلال ذي الحجة، فهل يثبت دخول الشهر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، وعلى هذا فلو وقف هذا الرجل بعرفة في اليوم التاسع عنده الذي هو الثامن عند الناس، فإن ذلك لا يجزئه، ولو أراد أن يصوم في اليوم التاسع عنده الذي هو الثامن عند الناس بنية أنه من عرفة، فإن ذلك لا يجزئه عن عرفة.
وفي اليوم التاسع عند الناس الذي هو العاشر عنده، هل يجوز أن يصومه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يجوز؛ لأنه وإن كان عنده حسب رؤيته العاشر، لكنه عند الناس التاسع، لم يثبت شرعًا دخول شهر ذي الحجة بشهادة هذا الرجل، وعلى هذا فإذا وقف في اليوم العاشر عنده، وهو التاسع عند الناس أجزأه الوقوف.
والذي يظهر لي في مسألة الصوم ما ذكره المؤلف -رحمه الله- أنه يصوم سرًّا، أما في مسألة الفطر فإنه لا يفطر، وهذا من باب الاحتياط، نكون احتطنا في الصوم، واحتطنا في الفطر، ففي الصوم قلنا له: صُم، وفي الفطر قلنا له: لا تفطر، صُم؛ لأنك وإن رأيته فإن الاحتياط ألا تفطر، تبعًا لمن؟ تبعًا للجماعة، هذا عندي أقرب، مع أن المسألة تحتاج إلى نظر، أما شيخ الإسلام رحمه الله فقال: المعتبر ثبوته شرعًا لا عبرة برؤيته؛ لأن الهلال هو ما استهل وظهر وبان، وأما أن ينفرد برؤية رجل فهذا لا ينبني عليه حكم.
ثم قال المؤلف مبينًا من يلزمه الصوم: (يلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر)، يلزم الصوم لكل مسلم وضده؟
طلبة: الكافر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3314
الشيخ: الكافر، فالكافر لا يلزمه الصوم، بل لو صام لم يجزئه، ولم يصح منه، والله أعلم.
طالب: ( ... ) رؤية، ما هو احتياط أنه يصوم؟ لأن اليوم العاشر يوم العيد ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: نفرض عليه الصيام؟
الشيخ: بلى، لكن ما صار يوم العيد.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم؟
الطالب: عنده احتياط، ما هو الأولى أنه ما يصوم احتياطًا؟ لأن اليوم العاشر عيد عنده.
الشيخ: يقول: إذا رأى هلال ذي الحجة وصار عنده اليوم العاشر، فلماذا لا نقول: إنه يحتاط ولا يصوم؛ لأنه يوم عرفة؟
نقول: لأن دخول الشهر لا يثبت شرعًا إلا بشاهدين، أما رمضان فلأن دخول الشهر يثبت بشاهد واحد، فلهذا نقول: إذا رأيت هلال رمضان فصم.
طالب: جزاك الله خيرًا، طيب إن احتطنا يا شيخ.
الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ) هلال شوال ( ... ) يصوم احتياطًا؟
الشيخ: كيف يصوم احتياطًا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يصوم تبعًا للجماعة.
طالب: ( ... ) احتياطًا.
الشيخ: يصوم تبعًا للجماعة، لا، هو الآن لو أنه اعتبر رؤيته في هلال شوال لكان الصوم حرامًا عليه.
الطالب: لا، أقصد يا شيخ، إحنا الآن ثلاثين من رمضان ( ... ) رأى الهلال- هلال شوال، قلنا احتياطًا: إنه يصوم احتياطًا.
الشيخ: طيب.
الطالب: وهذا يا شيخ ( ... ) هل يصوم احتياطًا؟
الشيخ: لا، لأن هنا قلنا له: يتبع الجماعة، حكمنا بأنه يتبع الجماعة احتياطًا في دخول شوال، نحكم بأنه يتبع الجماعة احتياطًا أيضًا في دخول ذي الحجة.
الطالب: رجل صام يومًا من رمضان، ثم ارتد ( ... )، ثم فاته يوم أو يومان، هل يلزم القضاء؟
الشيخ: يعني ثم عاد للإسلام؟ ما يلزمه القضاء، في حال الكفر لا يلزمه القضاء.
طالب: شيخ، على قول المذهب ومن تبعه إذا هل الهلال في بلد لزم الجميع، الآن العالم الإسلامي الآن متفرق، والإعلام منتشر يعني لو ظهر في السعودية يراه في المغرب يسمع به، هل نقول للذي في المغرب مثلًا يصوم؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3315
الشيخ: الآن عمل الناس -بارك الله فيك- كل دولة لها رؤيتها، إلا إذا حسنت العلاقات مع الدولة الأخرى.
الطالب: صاروا مع بعض.
الشيخ صاروا مع بعض، إنما نقول للإنسان: إذا صام الناس في بلدك صُم، وإذا أفطر فأفطر.
الطالب: بالنسبة للشعب؟
الشيخ: الشعب إي نعم نقول: لا تفده.
الطالب: ( ... ) عندنا مثلًا ( ... ).
الشيخ: هذا غلط من بعضهم، يقول بعض الناس العامة: عَيِّدوا والناس صائمون، ما هو بصحيح.
طالب: لا، هم يتبعونه في الصيام، لكن في العيد يتبعون.
الشيخ: لا، أنا سمعت أنهم عيَّدوا، فيه ناس أقاموا صلاة العيد.
طالب: أحسن الله إليكم، الأقليات في الدول الكافرة من تتبع؟
الشيخ: في الدول الكافرة، نعم، تتبع إذا كان هناك رابطة أو مكتب إسلامي تتبع ما يقول هذا المكتب، وإذا لم يكن كذلك فهم يخيرون، والأحسن أن يتبعوا أقرب بلد إليهم.
طالب: إذا شهد شاهدان في شوال، وكل واحد يقول: رأيت الهلال، ولكن أقوالهم متعارضة، يقول واحد: هلال هكذا، والثاني قال: هلال هكذا؟
الشيخ: ما تقبل شهادتهم.
الطالب: ولا واحد؟
الشيخ: إي، ولا واحد؛ للتناقض.
الطالب: وكذلك في الصيام مثلًا قال: رأيت شهر رمضان، وكان هو الآخر الآخر قال: رأيت رمضان هكذا.
الشيخ: هلال رمضان ما يشترط فيه التعدد.
الطالب: يعني يسقط قول هذه بهذه، ولا ما يسقط؟
الشيخ: لا، ينظر للأرجح منهما.
طالب: المشهور عندنا ( ... ).
الشيخ: المحبوس.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يجب التحري، ( ... ).
الطالب: ( ... ) وافق العيد ( ... ).
الشيخ: إي؛ لأنه يكون وافق وقت نهي، أيش عندنا الآن؟
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
الجزء: 1 - الصفحة: 3316
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر، وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طهُرتا، ومسافر قدم مفطرًا، ومن أفطر لِكبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لما ذكر المؤلف -رحمه الله- ما يثبت به دخول الشهر، ذكر من يلزمه الصوم، فقال: (ويلزم الصوم لكل مسلم)، يعني لا كافر، الإسلام ضده الكفر، فالكافر لا يلزمه الصوم، ولا يصح منه الصوم، ومعنى قولنا: لا يلزمه أننا لا نلزمه به حال كفره، ولا بقضائه بعد إسلامه، أما دليل الأول فقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54].
فإذا كانت النفقات -ونفعها متعدٍّ- لا تُقبل منهم لكفرهم، فالعبادات الخاصة من باب أوْلى، وأما كونه لا يقضي إذا أسلم؛ فلقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ يعني عن كفرهم ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، وثبت عن طريق التواتر أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان لا يأمر من أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات.
الجزء: 1 - الصفحة: 3317
ولكن هل يُعاقَب على تركها في الآخرة؟ الجواب: نعم، يعاقب على تركها في الآخرة، وعلى ترك جميع واجبات الدين؛ لأنه إذا كان المسلم المطيع لله الملتزم لشرعه يعاقب عليها، فالمستكبر من باب أولى، وإذا كان الكافر يعذب على ما يتمتع به من نِعم الله من طعام وشراب ولباس، ففعل المحرمات وترْك الواجبات من باب أوْلى، هذا بالنظر للقياس، أما بالنظر للنص، فقد قال الله تعالى عن أصحاب اليمين أنهم يقولون للمجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: 42 - 46]، فهذا هو الذي أدخلهم في سقر.
فإن قال قائل: تكذيبهم بيوم الدين كُفر، وهو الذي أدخلهم في سقر؟
قلنا: لكنهم ذكروا أربعة أشياء، ولولا أن لهذه المذكورات، مع التكذيب بيوم الدين أثر في إدخالهم النار لم يكن لذكرها فائدة، ولولا أنهم عُوقبوا عليها ما جرت على بالهم.
﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ الصلاة، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ الزكاة، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ مثل الاستهزاء بآيات الله، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
إذن فالكافر لا يُؤمر بالصوم حال كفره، ولا يُقبل منه لو صام، ولكنه يُعذَّب عليه في الآخرة.
قال: (مُكلَّف) وإذا رأيت كلمة (مكلف) في كلام الفقهاء فالمراد بها البالغ العاقل؛ لأنه لا تكليف مع الصغر، ولا تكليف مع الجنون، والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة بالنسبة للذكر: تمام خمس عشرة سنة، إنبات العانة، إنزال المني بشهوة، وللأنثى بأربعة أشياء هذه الثلاثة، ورابع وهو.
طالب: الحيض.
الشيخ: الحيض، فإذا حاضت فقد بلغت ولو لم يكن لها إلا عشر سنين.
الجزء: 1 - الصفحة: 3318
العاقل ضده المجنون، أي: فاقد العقل، من مجنون ومعتوه ومُهذر، وما أشبه ذلك، كل من ليس له عقل بأي وصف وُصف فإنه ليس بمكلَّف، وليس عليه شيء من واجبات الدين لا صلاة، ولا صيام، ولا إطعام، ولا شيء، يعني لا يجب عليه إطلاقًا، وعليه فالمهذرم الكبير المُخرِّف، لا يجب عليه صوم، ولا إطعام، لماذا؟ لفقد الأهلية، أهلية التكليف؛ وهي العقل.
(قادِر) يعني قادرًا على الصيام احترازًا من العاجز؛ فالعاجز ليس عليه ليس عليه صوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، لكن بالتتبع والاستقراء تبين أن العجز ينقسم إلى قسمين: قسم طارئ، وقسم دائم.
فالقسم الطارئ هو المذكور في الآية عليه ﴿عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والدائم هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، حيث فسرها ابن عباس رضي الله عنهما بالشيخ والشيخة لا يُطيقان الصوم، فيطعمان عن كل يوم مسكينًا.
والحقيقة أنه بالنظر لظاهر الآية ليس فيها دلالة على ما فسرها به ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن الآية في الذين يطيقون الصوم ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
الجزء: 1 - الصفحة: 3319
وهذا واضح أنهم قادرون على الصوم، لكنهم مخيرون بين الفدية والصوم، وهذا في أول الأمر، أول ما نزل وجوب الصوم كان الناس مخيَّرين فيه، إن شاؤوا صاموا، وإن شاؤوا أطعموا، كما ثبت في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، لكن غور فقه ابن عباس رضي الله عنهما عجيب، هذا في الحقيقة يدل على عمق فقهه رضي الله عنه؛ لأن وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل الفدية عديلًا للصوم لمن قدر، فإذا لم يقدر بقي عديله وهو الفدية، وهذا في الحقيقة من غور فقهه رضي الله عنه ورسوخ علمه، وإلا فالإنسان إذا قرأ الآية ما فيها تعرُّض لمن لا يطيق بل فيها لمن يطيق، لكن هذا وجه الدلالة، فصار العاجز عجزًا لا يرجى زواله، الواجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكينًا، ولكن كيف الإطعام؟ ومتى؟
أما كيفيته، فله كيفيتان:
الكيفية الأولى: أن يصنع طعامًا فيدعو إليه المساكين بحسب الأيام التي عليه، كما كان أنس بن مالك يفعله حين كبر رضي الله عنه.
الكيفية الثانية: أن يُطعمهم طعامًا غير مطبوخ، قالوا: في هذه الحال يُطعمهم مُد بُرٍّ أو نصف صاع من غيره؛ أي: من غير البر، ومد البر رُبع الصاع النبوي، خمس الصاع الحالي عندنا في القصيم، فالصاع النبوي أربعة أمداد، والصاع النبوي أربعة أخماس صاعِنا، وعلى هذا فيكون صاعنا، كم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: خمسة أمداد، يكون خمسة أمداد، فيُجزئ من البُرِّ عن خمسة أيام لخمسة مساكين، لكن ينبغي في هذه الحال أن يجعل معه ما يؤدِّمه من لحم أو نحوه، حتى يتم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، هذه الكيفية.
أما متى؟ فهو بالخيار إن شاء فدى عن كل يوم بيومه، وإن شاء أخَّر إلى آخر يوم لفعل أنس رضي الله عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3320
وهل يُقدِّم قبل ذلك؟ يعني لو قال: أنا أريد أن أُخرج الفدية في أول يوم من رمضان، نقول: لا تقدم؛ لأن تقديمك الفدية كتقديمك الصوم، فهل يجزئ أن تُقدِّم الصوم في شعبان؟ لا، إذن لا تقدم الفدية، فإما أن تجعل كل يوم بيومه، أو في آخر يوم من رمضان.
الخلاصة الآن: أن قول المؤلف قادر ضده؟
طلبة: العاجز.
الشيخ: العاجز، وأن العجز ينقسم إلى قسمين، وعرفتم حكم كل منهما ودليله، بقي عليه شرط خامس أو رابع.
طلبة: خامس.
الشيخ: مسلم، مكلف، قادر، رابع على كلام المؤلف، وهو المقيم، أن يكون مقيمًا، فإن كان مسافرًا لم يجب عليه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وقد أجمع العلماء -الظاهرية وغير الظاهرية- أنه يجوز للمسافر الفطر، واختلفوا فيما لو صام؛ فذهبت الظاهرية وبعض أهل القياس إلى أنه لا يصح صوم المسافر، وأنه إذا صام فقد قدَّم الصوم عن وقت وجوبه فيكون كما لو صام في شعبان، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فأوجب عليه عدة من أيام أخر؛ لأن ﴿عدَّة﴾ هذه مبتدأ خبرها محذوف، التقدير؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: فالواجب: أو فعليه عدة، ولكن قولهم ضعيف، فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صام في سفره في رمضان (5)، وثبت أن الصحابة كانوا يسافرون في رمضان فمنهم الصائم ومنهم المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (6)، وحينئذٍ يكون المراد بالآية بيان البدل أن عليه عدة من أيام أخر، لا وجوب أن تكون عدة من أيام أخر.
إذن المسافر لا يلزمه الصوم، لكن يلزمه القضاء كالمريض، وحينئذٍ نسأل: أيهما أفضل للمريض والمسافر أن يصوما أو يفطرا؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3321
الشيخ: نقول: الأفضل أن يفعل الأيسر، فإن كان في الصوم ضرر كان الصوم حرامًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
فإن هذه الآية تدل على أن ما كان ضررًا على الإنسان فإنه منهي عنه.
ولكن لو قال قائل: الآية في القتل لا في مطلق الضرر؟
قلنا: نعم، هذا ظاهر الآية، أنه في القتل لا في مُطلق الضرر، لكن عمرو بن العاص استدل بها على نفي الضرر فأقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وذلك في قصة أنه بعثه مع سرية فأجنب، فتيمم ولم يغتسل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ » (7). قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وكانت الليلة باردة فتيممت، فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقريرًا أو تحذيرًا؟
طلبة: تقريرًا.
الشيخ: تقريرًا لفعله، وهذا يدل على أن الآية تتضمن النهي عن القتل، وعن ما فيه الضرر، وعليه فنقول: إذا كان الصوم يضر المريض كان الصوم حرامًا عليه.
فإن قال قائل: ما مقياس الضرر؟
قلنا: مقياس الضرر قد يُعلم بالحس، وقد يُعلم بالخبر، أما بالحس فأن يشعر المريض نفسه بأن الصوم يضره، ويثير عليه الأوجاع، ويُوجب تأخر البرء، وما أشبه ذلك، وأما الخبر فأن يخبره طبيب عالِم ثقة بذلك، أي بأنه؟
طلبة: مريض.
الشيخ: بأنه مريض، سبحان الله!
طلبة: يضره.
الشيخ: بأنه يضره.
إن أخبره عامي ما هو عالم ما هو بطبيب، فهل يأخذ بقوله؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إن أخبره طبيب غير عالم، ولكنه متطبب، فإنه لا يأخذ بقوله، إن أخبره طبيب غير ثقة، فإنه لا يأخذ بقوله، ولكن هل يشترط في الثقة أن يكون مسلمًا؛ لأن غير المسلم لا يُؤْمَن؟
الطالب: لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3322
الشيخ: لا، الصحيح لا، وأننا متى وثقنا بقوله عملنا بقوله في إسقاط الصيام؛ وفي إسقاط الصلاة قائمًا مثلًا وما أشبه ذلك؛ لأن مِثل هذه الأشياء صنعة، وقد يحافظ الكافر على صنعته، وسُمعته فلا يقول إلا ما كان صوابًا في اعتقاده وهو حادِث، وها هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وثق بكافر في أعظم حال خطرة، وثق بكافر في أعظم الحالات خطرًا، وذلك حين هاجر من مكة إلى المدينة استأجر رجلًا مشركًا من بني الديل، يقال له: عبد الله بن أريقط على أن يدله على الطريق، وهذه مسألة خطرة؛ لأن قريشًا كانت تبحث عنه، وأخرجت مئة بعير للنبي عليه الصلاة والسلام، ومئة بعير لأبي بكر، يعني أخرجوا مئتي بعير على من دلهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ومثل هذا عِوض مغرٍ لهذا الرجل المشرك، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان واثقًا منه، فدل هذا على أن المشرك أو الكافر إذا وثقنا منه فإننا نأخذ بقوله.
بالنسبة للسفر هل الأولى أن يصوم أو الأولى ألا يصوم؟ نقول: مذهب الحنابلة أن الأوْلى ألا يصوم؛ بل كرهوا الصوم، والشافعية قالوا: الأولى أن يصوم.
والصحيح التفصيل في هذا؛ أنه إذا كان الفطر والصوم سواءً فالصوم أفضل، وإن شق عليه الصوم من أجل السفر.
طلبة: الفطر أولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3323
الشيخ: فالفطر أولى، الدليل على هذا التفصيل هو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم في السفر، ولم يفطر إلا حين قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ما تفعل، فإنه في غزوة الفتح صام حتى بلغ كراع الغميم فأتوا إليه، وقالوا: يا رسول الله، الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ما تفعل، مع علمهم بأن الإنسان مخير، لكن يريدون تمام التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا بقدح من ماء بعد صلاة العصر -يعني ما بقي على الغروب إلا قليلًا- ورفعه على فخذه حتى رآه الناس، فشرب، والناس ينظرون إليه عليه الصلاة والسلام؛ ليقتدوا به؛ لأنه إمامهم، وهم ينتظرون ما يفعل، فجيء إليه، فقيل: إن بعض الناس قد صام، قال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (8)؛ لأنهم صاموا مع المشقة، ومع أن رسولهم عليه الصلاة والسلام وإمامهم أفطر، ثم يبقون هم صيامًا، هذه معصية، فسماهم عصاة.
فإذن نقول: الصواب هو هذا، أنه مع المشقة يكون الفطر أولى، وإن كانت المشقة شديدة يخشى من ضررها كان حرامًا، أما مع عدم المشقة فعلمتم أن الصوم أفضل.
وأما قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» (9) الذي استدل به الحنابلة عل كراهة الصوم في السفر فهذا خاص، وليس عامًّا، خاص بمن؟ بالرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم قد ظُلِّل عليه، وازدحم الناس عليه ينظرون حاله، فقال ما هذا؟ قالوا: صائم، قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، فنقول: إنه خاص بهذا الرجل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، قولوا: العبرة بعموم اللفظ.
طلبة: لا بخصوص السبب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3324
الشيخ: لا بخصوص السبب، وحينئذٍ نجيب على هذا فنقول: الخصوصية نوعان: خصوصية شخصية، وخصوصية نوعية، نوع وشخص؛ فالخصوصية الشخصية أن تقول: هذا الحكم خاص بهذا الرجل لا يتعداه إلى غيره، هذا يحتاج إلى دليل، وهذا هو الذي تقول فيه: العبرة بعموم اللفظ.
طلبة: لا بخصوص السبب.
الشيخ: لا، بخصوص السبب، فآية اللعان وردت في قصة رجل معين، آية الظهار كذلك، فهل العبرة بالعموم أو بالخصوص؟
طالب: بالعموم.
الشيخ: بالعموم، كل أحد يثبت له هذا الحكم.
النوع الثاني من الخصوصية: الخصوصية النوعية، وإن شئت فقل: الخصوصية الحالية؛ يعني التي لا يثبت بها العموم إلا لمن كان مثل هذا الشخص؛ أي مثل حاله، أو مثل نوعه، فيقال: ليس من البر الصوم في السفر، لمن؟
طلبة: لمن شق عليه.
الشيخ: لمن شق عليه، كهذا الرجل، ولا يعم كل إنسان صام، فهذا هو التفصيل في شرط أن يكون مقيمًا.
فيه الشرط الخامس: الخلو من الموانع، وهذا خاص بالنساء؛ فالحائض لا يلزمها الصوم، والنفساء لا يلزمها الصوم؛ ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقررًا ذلك: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» (10)، فلا يلزمها الصوم إجماعًا، ولا يصح منها إجماعًا، ويلزمها قضاؤه إجماعًا، ثلاث إجماعات؛ أن الصوم.
طالب: لا يلزمها.
الشيخ: لا يلزمها، وأنه.
طالب: . لا يصح منها.
الشيخ: لا يصح منها، وأنها تقضيه، والنفساء كالحائض في هذا.
ثم قال المؤلف: (وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه)، يعني: وإن لم يكن حال الفطر من أهل الوجوب، ولهذا قال: في أثنائه، أي أثناء النهار (أهلًا لوجوبه)، (إذا قامت البينة)، البينة في دخول الشهر واحد أو متعدد؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: واحد.
طالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3325
الشيخ: لا، البينة، ما أقول متى يجب الصوم، واحد، إذا قامت البينة في أثناء النهار مثل أن يكون الذي رآه في مكان بعيد، فحضر إلى القاضي في أثناء النهار، وشهد، يقول المؤلف: (وجب الإمساك والقضاء)، أما وجوب الإمساك فلا شك فيه، ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم حين وجب صوم عاشوراء أمر المسلمين بالإمساك في أثناء النهار، أمرهم بالإمساك في أثناء النهار فأمسكوا؛ ولأن هذا اليوم من رمضان فهو يوم محترم، له حرمته، فلا يمكن أن ينتهك بالفطر.
وأما القضاء فيلزم؛ لأن من شرط صيام الفرض أن يُنوى قبل الفجر؛ لأنه إذا لم يُنوَ إلا في أثناء اليوم صار الصائم صائمًا نصف يوم إذا قام في نصف اليوم، إذا نوى في نصف اليوم صار صائمًا نصف يوم فلا يجزئ، وعلى هذا فيلزمه القضاء لهذه العلة.
أما وجوب الإمساك فلا أعلم هل فيه مخالف أم لا؛ لأنه لا شك قول جمهور العلماء، ودليله واضح، وأما وجوب القضاء فليس فيه دليل، ولكن فيه تعليل وهو عدم النية قبل الفجر، فإذا كانت النية من أثناء اليوم لم يَصدُق عليه أنه صام يومًا، بل صام بعض اليوم؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (11).
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أنه لا قضاء، يجب الإمساك دون القضاء، وعلَّل ما ذهب إليه أن هؤلاء الذين كانوا يأكلون ويشربون قبل ثبوته بالبينة كانوا يأكلون ويشربون بأمر الله، بإذن الله، قد أحله الله لهم، فهم لم ينتهكوا حرمة، بل هم جاهلون بها، بكون هذا اليوم من رمضان، فيدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وبناءً على قوله: لو لم تقُم البينة إلا بعد الغروب؛ غروب ذلك اليوم لم يلزمهم قضاؤه، فإذا كان الشهر تسعًا وعشرين فقد صاموا بالفعل، كم؟
طلبة: ثمانية وعشرين.
الشيخ: ثمانية وعشرين يومًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3326
وأجاب عن قولنا باشتراط النية من قبل الفجر بأن النية تتبع العلم، وأن الله لا يكلف أحدًا أن ينوي ما لم يعلم، والعلم لم يحصل إلا.
طالب: بعد ( ... ).
الشيخ: في أثناء النهار، فلو أنه نوى بعد العلم ولو بلحظة، يعني لو أخَّر النية بعد العلم لم يصح صومه لا شك، لكن الرجل من حين أن علم نوى، ولا يُكلَّف أن ينوي قبل أن يعلم.
وفيه أيضًا القياس على من أكل قبل غروب الشمس ظانًّا غروبها، ثم تبين أنها لم تغرب، أو من أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ثم تبين أنه قد طلع الفجر فإن صومه صحيح.
ولا شك أن تعليله قوي رحمه الله، لكن يرجح قول الجمهور عندي أن من أفطر قبل غروب الشمس ظانًّا غروبها، أو أكل بعد طلوع الفجر ظانًّا أن الليل باقٍ كان عنده نية؛ نية الصوم، فأكل في آخر النهار ظنًّا أن الوقت قد انقضى، أما هؤلاء فليس عندهم نية أصلًا، ولهذا كان الخلاف في المسألتين الأخيرتين في من أكل قبل الغروب أو بعد طلوع الفجر كان أشهر من الخلاف في المسألة الأولى، والمسألة الخَطْب فيها يسير، فكون الإنسان يقضي يومًا ويُبرئ ذمته عن يقين خير من كونه يأخذ بقول شيخ الإسلام رحمه الله، وإن كان له حظ قوي من النظر فيكون في الحقيقة مخاطر.
وقوله: (على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه) ومن كان من قبل هذا اليوم أهلًا للوجوب؟
طلبة: من باب أوْلى.
الشيخ: من باب أوْلى، مثال الذي يكون في أثنائها للوجوب: صبي بلغ في أثناء النهار، ثم قامت البينة فيلزمه.
طالب: الإمساك.
الشيخ: الإمساك؛ لأنه صار في أثناء اليوم من أهل.
طلبة: الوجوب.
الشيخ: من أهل الوجوب، وكذلك لو فُرض أنه قامت البينة وهو لم يبلغ، لكن بلغ بعد قيام البينة فإنه يلزمه الإمساك؛ لأنه صار أهلًا للوجوب، ولكن سيأتينا الخلاف فيما إذا طرأ شرط الوجوب في أثناء النهار، هل يلزم القضاء أو لا يلزم؟ سيأتي إن شاء الله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3327
(على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طهُرتا ومسافر قدم مفطرًا) هذه ثلاث مسائل: حائض طهُرت في أثناء النهار، ماذا يلزمها على كلام المؤلف؟
طلبة: الإمساك.
الشيخ: الإمساك والقضاء، نفساء طهرت في أثناء النهار يلزمها الإمساك والقضاء، مسافر قدم مفطرًا، يلزمه الإمساك والقضاء، لماذا؟ لأنه بزوال المانع صار من أهل الوجوب، فألزمناه بالإمساك، ولكونه متلبسًا بمانع في أول النهار وليس من أهل الوجوب ألزمناه بالقضاء، وهذه المسألة فيها عن أحمد روايتان: رواية ما ذهب إليه المؤلف، ورواية أخرى لا يلزمه الإمساك في هذه الصورة، لكن عليهم القضاء، والفرق بينهم وبين ما إذا قامت البينة في أثناء النهار أن هؤلاء لهم الفطر في أول النهار ظاهرًا وباطنًا، هؤلاء الثلاثة لهم الفطر في أول النهار.
طلبة: ظاهرًا وباطنًا.
الشيخ: ظاهرًا وباطنًا، فاليوم في حقهم غير محترم، لكن إذا قامت البينة في أثناء النهار، وكان الرجل في أول النهار قد أكل وشرب، فإن له الفطر ظاهرًا لا باطنًا؛ لأنه لو علم في أن أول النهار من الشهر لزمه.
طلبة: الصوم.
الشيخ: الإمساك، بخلاف من قدم من السفر وهو مفطر، أو طهرت الحائض والنفساء، فإنهم يعلمون أن اليوم من رمضان، لكن لا حُرمة لهذا اليوم في حقهم، ولهذا ذكر صاحب المغني عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من أكل في أول اليوم فليأكل في آخره، يعني من حل له الأكل في أول اليوم حل له الأكل في آخر اليوم، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن المسافر إذا قدم لبلده مفطرًا فإنه لا يلزمه الإمساك، وأن الحائض إذا طهرت مفطرة لا يلزمها الإمساك، العبارة سليمة؟ الحائض إذا طهرت مفطرة.
طلبة: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3328
الشيخ: هذا لا يستقيم، لأنك إذا قلت: الحائض إذا طهرت مفطرة مفهومه إذا طهرت صائمة، وهذا لا يستقيم، ولهذا الحائض يقول المؤلف حائض ونفساء طهرتا، ومسافر قدم مفطرًا، فقيد المسافر بكونه مفطرًا بخلاف الحائض والنفساء؛ لأنه لا يمكن بحقهما الصوم، فإذا طهرت الحائض لم يلزمها الإمساك، وإذا طهرت النفساء لم يلزمها الإمساك، وحينئذٍ يمكن أن نأتي بمسألة معاياة؛ يعني (لُغْز)، فيقال: رجل بالغ عاقل قادر مسلم في بلده جاز أن يجامع زوجته في نهار رمضان.
طالب: قدم مسافرًا.
الشيخ: مسافر قدم مفطرًا على امرأته التي طهرت من الحيض، فيجوز له أن يجامعها؛ لأن كل واحد منهما لا يلزمه الإمساك.
هذه المسائل الثلاث يمكن أن نعبر عنها بعبارة عامة فنقول: إذا زال مانع الوجوب في أثناء النهار، فهل يلزم القضاء؟ الجواب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، هل يلزم الإمساك؟
طلبة: لا.
الشيخ: فيه خلاف؛ المذهب نعم، يلزم الإمساك، والصحيح لا يلزم الإمساك، وعرفتم التعليل؛ أن هؤلاء الثلاثة ليس لهذا اليوم حرمة في حقهم؛ لأنهم يجوز لهم الأكل في أول النهار ظاهرًا وباطنًا.
المريض إذا برئ في أثناء النهار.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: وهو مفطر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: مثلهم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لأنه زال مانع الوجوب كالمسافر إذا قدم مفطرًا.
رجل اضطر إلى الفطر لإنقاذ غريق؟ غريق أو حريق، قال: لا أستطيع أن أنقذه وأنا صائم، أنا تعبان، قلنا: يجب عليك أن تفطر لإنقاذه، فأفطر لإنقاذه، هل نقول: إذا أنقذه يلزمه الإمساك؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا؟ لماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأن هذا الرجل حلَّ له الفطر لسبب مباح، فلا يلزمه، امرأة أفطرت خوفًا على رضيعها؛ لأنها ترضعه، وفي أثناء النهار مات الرضيع.
طلبة: لا يلزمها.
الشيخ: يلزمها الإمساك؟
طلبة: لا يلزمها.
الشيخ: ينبني على الخلاف.
طالب: على القول الصحيح؟
الشيخ: على القول الصحيح: لا يلزمها، إذن يُعنون عن هذه المسائل بماذا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3329
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إذا زال مانع الوجوب هل يلزم الإمساك؟ الجواب الصحيح أن نقول: الصحيح لا، والمذهب؟
طلبة: يلزم.
الشيخ: يلزم، طيب، ما دخل؟
طلبة: ( ... ) المؤذن.
طالب آخر: شيخ، هل يشترط بالنسبة إلى النية بصورة جماعية، ولا لكل صوم نية.
الشيخ: إي، يسأل: يقول: هل يجب لكل صوم نية أو تكفي نية رمضان في أوله؟
الصحيح أنه يُكتفى بنية واحدة من أول الشهر ما لم يوجد عذر يبيح الفطر في أثناء الشهر فيفطر فإنه لا بد من تجديد النية.
طالب: شيخ، إذا قامت البينة في أثناء النهار ( ... ).
الشيخ: يسأل: يقول: إذا قامت البينة في أثناء النهار، وقلنا بوجوب الإمساك والقضاء، فما فائدة الإمساك؟ فائدة الإمساك أن الأصل في هذا الرجل أن يمسك، لكن رُفع عنه الوجوب من أجل الجهل فتبين الآن أنه يلزمه الإمساك، وبقي النظر لماذا لا يجزئ الإمساك بعض النهار؛ لأنه غير عالم، فقلنا: إن هذا الرجل لم ينوِ من أول، من قبل الفجر.
طالب: ( ... ) في آخر الوقت، وأنه لا يجوز له أن ( ... ) لأنه معذور، لا يجوز له أن ( ... )؛ لأنه معذور ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: وأما لو تعمد التأخير لآخر الوقت فإنه، فإنه لا يجوز له ( ... ) يجوز له ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ليش؟ لأنه ما وجب عليه، النائم ما يجب عليه.
الشيخ: نعم؛ لأن النائم لم تجب عليه الصلاة إلا حين استيقاظه.
طالب: الفرق بينها وبين مسألة الإمساك لمن وجدت البينة على أن رُئي الهلال في ليلة رمضان.
الشيخ: يعني في أثناء النهار، ما الفرق بين هذا وبين ما إذا قامت البينة في أثناء النهار.
هكذا؟
الطالب: شيء ثانٍ، شيخ، ألزمنا مثلًا شيخ ( ... ) قلنا: إن الراجح.
الشيخ: اترك الشيء الثاني، الآن؟
الطالب: نحن قلنا: صيام يوم الشك يحرم، وأنه لو صامه يبطل ولا يصح.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) لو نام عن الصيام يوم الشك، فلما تبين.
الشيخ: ليس هذا يوم شك.
الطالب: يوم ثلاثين.
الشيخ: ليس هذا يوم شك.
الطالب: لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3330
الشيخ: قد يكون عندهم ليس شك، قد يكون الجو صافيًا، وقد يكون يظنون أن اليوم هذا تسع وعشرين.
الطالب: طيب، ( ... ).
الشيخ: الفرق بين المسألة هذه والمسألة الأولى أن النائم معذور بنومه، مرفوع عنه القلم، وهذا معذور بجهله؛ ولذلك لا نُؤثِّمه ولا نقول: تأثم بأكلك وشربك بفعل المفسد، هذا مفسد في الصوم، لكن نقول: لما لم يوجد الشرط وهو نية الصوم من أول النهار فسد المشروط؟
الطالب: مريض يا شيخ يضره الصوم، هل يعتبر صومه منهيًّا عنه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: المذهب هل يقضي ولا يقبل صومه؛ لأنه منهي عنه ( ... )؟
الشيخ: لا، يقولون: إن هذا النهي لا يعود إلى ذات العبادة، يعود إلى ضرر ( ... ).
الطالب: ( ... ) المذهب ( ... ).
الشيخ: لا، ما يرون هذا؛ لأن الضرر عندهم، الضرر ممنوع في الصلاة وغير الصلاة، ويحتمل أنه إذا قالوا بالتحريم، لكنهم لا يقولون بالتحريم أبدًا، المذهب ما رأيتهم قالوا بتحريم الصوم على المريض، لكن القاعدة: إذا ثبت التحريم -ولو لضرره- فإنه يقتضي أن يبطل صومه، هذه القاعدة.
طالب: ( ... ). النهي لم يعُد ( ... ).
الشيخ: إي نعم، رجع إلى أمر خارج، وهو ضرر الرجل به، مثل الحرير، الحرير يعود إلى أمر خارج وهو يكون محرمًا على الرجال؛ لأنهم ليسوا أهلًا للبس الحرير.
الطالب: ويش الحكم؟
الشيخ: الحكم لو قالوا بالتحريم يلزم على قاعدتهم ألا يصح.
الطالب: وما الصحيح يا شيخ أنه يصح؟ وهو صحيح ( ... ).
الشيخ: الظاهر أنه يصح؛ لأن هذا الأمر خارج.
طالب: ويأثم؟
الشيخ: يأثم ما فيه شك، يأثم.
طالب: شيخ، ليس من عادته أن يصوم يومًا من الأيام المعتادة، ثم صام مثلًا يوم الإثنين أو الخميس، وقال: إن كان غدًا صومًا فهو يوم من رمضان، وإن لم يكن صومًا فهو يوم عادي.
الشيخ: فهو نفل.
الطالب: فهو نفل.
الشيخ: نعم.
طالب: وهو ليس من عادته أن يصوم.
الشيخ: نعم، عند شيخ الإسلام يصح، وعلى المذهب لا يصح.
الطالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3331
الشيخ: والله أرى أنه ما يجعل ( ... ) إن كان من رمضان فهو فرض، وإلا فليس بفرض، ولا يمنح لهذا اليوم، لكن مثل لو صادف مثل الليلة الأخيرة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لو قال: أنا أصوم يوم الإثنين إن كان من رمضان فهو فرضي، وإن كان من غير رمضان فهو نفل، فهذا عند الشيخ يصح.
طالب: بس هذا يا شيخ تقدم رمضان به وهو مو من عادته؛ ليس من عادته.
الشيخ: إي، لكن فيه احتمال أن يكون من رمضان.
الطالب: مو بصوم شك؟
الشيخ: لا، يوم الشك الذي نشك في دخوله من أجل غيم أو قتر.
طالب: أحسن الله إليكم، في مسألة إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار قلتم: لا نعلم خلافًا في وجوب الإمساك.
الشيخ: نعم.
الطالب: أحسن الله إليكم، إن كان بعض العلماء ذكر رواية، ولا أدري هل تصح أو لا؛ بأنه لا إمساك، واستدلوا بقول ابن مسعود: من أكل في أول النهار فليأكل في آخره (12).
الشيخ: نعم.
الطالب: وكانوا عللوا بأن الاستدام أفضل من الابتداء، فهل هذا؟
الشيخ: لا، ما هو صحيح، أولًا: معنى كلام ابن مسعود: من حلَّ له الأكل.
الطالب: وهذا ينطبق في مسألة الحائض والنفساء؟
الشيخ: إي نعم، والمسافر، ولا ينطبق على هذا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، والثاني أنه لما تبين من رمضان ما صار يوم شك، ولا صار سابقًا عليه بيوم أو يومين، صار الآن من رمضان حسب الواقع.
طالب: وإن لم يكن من رمضان ( ... ).
الشيخ: نعم؟ إي، إذا كان من عادته أن يصوم يوم الإثنين فلا يدخل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، سيدخل في النهي، لكن هو ما صام يوم الإثنين، صام لاحتمال أن يكون من رمضان، فاشترط في نيته إن كان من رمضان فهو فرْض وإلا فهو نفل؛ لأن فيه احتمالًا أنه يكون من رمضان، فإذا تبين من رمضان صح، وإن لم يتبين يكون داخلًا في النهي.
طالب: يعني نقول: الأوْلى أنك لا تصوم؟
الشيخ: إي نعم، الأوْلى ألا يصوم ما فيه شك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3332
قال أبو بكر لعمر رضي الله عنه: يا عمر، إن لله حقًّا في الليل لا يقبله في النهار، وحق في النهار لا يقبله في الليل، وإنها لا تُقبل نافلة حتى تؤدَّى فريضة (13)، إي نعم، ويش السؤال؟
الطالب: يمكن توضيح المسألة، ما معنى كلمة؟
الشيخ: يعني معناه أنه إذا أخَّر الإنسان عمل النهار إلى الليل لم يُقبل، كما لو أخَّر صلاة الظهر فصلَّاها في المغرب ما صحت ولا قُبلت، ولو أخَّر صلاة العشاء إلى النهار لم تُقبل.
قوله: لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، هذا ليس على إطلاقه؛ لأن من الفرائض ما يكون موسعًا فتصح النافلة فيه، فصلاة الظهر مثلًا فريضة، ويجوز للإنسان أن يتنفَّل ما بين الأذان والإقامة؛ لأن الوقت واسع، لكن لو ضاق الوقت على صلاة الفريضة لم تُقبل النافلة.
الطالب: كالفائتة يا شيخ؟
الشيخ: كالفائتة أو مثلًا رمضان، بقي على شعبان أربعة أيام، وعليه أربعة أيام، ما يصح.
يقول: نحن طلاب، نتردد من المجمعة كل يوم، أنتم ممن تتردد من المجمعة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: وتدركنا صلاة الظهر في بريدة، فهل لنا أن نجمع مع صلاة العصر جمع تقديم، وهل تقصر الصلاة؟ علمًا أن بلدنا يبعد عن بريدة مئة وتسعة وثلاثين كيلو متر؟
والله الأحوط ألا يفعلوا؛ لأن هذا لا يعد سفرًا، يأتون يؤدون الدرس ويرجعون، وإن فعلوا فلا بأس.
يقول: صاحب قطع غيار ثلاجات وبعض القطع يحول عليها الحول، وبعضها يتجدد بالشهر، أعني أنه يشتري بالقيمة التي بيعت بها قطع غيار أخرى، فهل القطع التي تتجدد عليها زكاة أو تُستأنف بها حولًا جديدًا؟
الجواب: لا يُستأنف بها حول جديد؛ لأن عروض التجارة كل واحد منها جديد يقع بدل الأول، كذلك أيضًا إذا تغيرت التجارة من قطع غيار إلى ملابس في أثناء الحول، فهل يبتدئ حولًا جديدًا أم يكمل الحول؟ الجواب؟
طلبة: يكمل الحول.
الشيخ: إي، يكمل الحول، كالأول؛ لأن عروض التجارة بعضها يقع بدلًا عن بعض.
الجزء: 1 - الصفحة: 3333
امرأة حاضت بعد أن أحرمت وجماعتها لن ينتظروا حتى تطهر؛ لأنهم يريدون العودة إلى مناطقهم لأعمال لديهم، فماذا تعمل؟
إذا كانت قد اشترطت: أن محلي حيث حبستني، فإنها تحل ولا شيء عليها، ولهذا ينبغي للمرأة -لو تنبهون النساء- ينبغي للمرأة التي حول الحيض أن تنبه على هذا، ويقال: اشترطي أن محلي حيث حبستني؛ لتكون في سعة، وإن لم تشترط، فإن كان يمكن رجوعها لإكمال عمرتها مثل أن يكون بلدها قريبًا، وإذا طهرت سهل أن ترجع فعلت، وإن لم يمكن تلجَّمت -يعني لبست حفاظة حتى لا يتسرب الدم إلى المسجد- وطافت من أجل الضرورة.
طالب: تطوف وهي حائض يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، تطوف وهي حائض للضرورة؛ لأنها الآن ما يمكنها أن ترجع، أما إذا كان يمكن ولو بعد أسبوع أو أسبوعين فلا تفعل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي.
الطالب: نصحح الصوم له وهو في أول النهار، هل يكون آثمًا؟
الشيخ: لا ما هو آثم هنا، ما دام أنه يتوقع دخول الشهر، هو غير آثم.
الطالب: يتوقع كل واحد قرب رمضان يصوم.
الشيخ: ستأتينا المسألة في زاد المستقنع، ونبين كلام الشيخ رحمه الله، شيخ الإسلام يقول: هذا جائز ولا بأس به، «إِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (14).
طالب: بالنسبة إلى ( ... )؟
الشيخ: لا، يأمره به.
ما حكم الذي يخجع وعيه، ويطلق زوجته؟
نقول: اللي يخجع وعيه ويطلق زوجته إذا كان من شدة الغضب فلا طلاق عليه.
طالب: ( ... ) الصغار ( ... )، الأمر الشرعي ( ... ).
الشيخ: لا، الأولى ألا يضربوا، لكنهم يلزمون به.
الطالب: والمذهب؟
الشيخ: المذهب يجوزون الضرب، لكن الضرب إنما ورد في الصلاة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الصبيان، ما هو قلنا: من الشروط أن يكون بالغًا عاقلًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3334
الطالب: حديث صيام يوم عاشوراء؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مناديًا: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ أَفْطَرَ فَلْيُمْسِكْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» (15). فالحديث ( ... )، وأنهم أصبحوا صائمين، ولم ينووا عن عاشوراء ( ... ).
الشيخ: نعم، ويش تقولون في هذا؟ شيخ الإسلام استدل بهذا، لكن ليس فيه دليل؛ لأن هذا تجدد الوجوب شرعًا، أما مسألة رؤية الهلال، فالهلال شرط للوجوب، وليس التكليف حدث من جديد، العلم برؤية الهلال شرط للوجوب، وأما قصة عاشوراء هو أصلًا لم يجب إلا حين أوجبه الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكر الفقهاء مسألة وقالوا: إنه يعاني بها، وهي إذا كان كبير مسافر ومريض يقول: فأفطر فإنه لا قضاء عليهم ولا فدية.
الشيخ: الكبير الذي لا يقدر على الصوم.
الطالب: نعم، لا قضاء ولا فدية.
الشيخ: إذا سافر، إي نعم، يقول: لا قضاء عليه ولا فدية، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ وذلك لأن هذا الرجل ليس أهلًا لوجوب الصوم، الواجب عليه الفدية، ويستوي فيها السفر والحضر، والذي يسقط عن المسافر هو الصوم، وهذا أصلًا ليس واجبًا عليه.
الطالب: الفدية واجبة بكل حال.
الشيخ: واجبة نعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، إذا أراد شخص أن يسافر بعد طلوع الفجر، فهل يجوز له الفطر قبل السفر؛ لأنه ليس من أهل الوجوب؟ بنيته له، سيسافر.
الشيخ: كيف ليس من أهل الوجوب؟
الطالب: سيسافر.
الشيخ: ولكنه سيسافر من بلده، ولَّا من البلد التي سافر إليها؟
الطالب: من بلده.
الشيخ: من بلده ما يجوز حتى يخرج من البلد، إلى الآن ما صار مسافرًا.
الطالب: سيسافر، يعني هو ..
الشيخ: سيسافر، لكن هل هو الآن على سفر؟ ولا على نية السفر؟
الطالب: على نية السفر.
الشيخ: إي، الآية ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 185].
الجزء: 1 - الصفحة: 3335
طالب: جزاك الله خيرًا، إذا واحد رأى الهلال وحده ورد قوله فيلزمه الصوم؛ فكيف نجمع بين هذا القول وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» (16)، الناس لا يصومون وهو يصوم، فهذا خالف إجماع الأمة؟
الشيخ: أولًا: بارك الله فيك الحديث: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ»، هم ما اجتمعوا على ضلالة؛ لأن هذا الرجل مخالف، عرفت؟ وهذا الحديث أيضًا في صحته نظر، بعضهم حسَّنه وبعضهم ضعفه، لكن ظاهر القرآن مثل قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: 115] أن الإجماع حجة.
الطالب: دليل وجوب الإمساك يا شيخ حديث صوم عاشوراء ( ... ) صوم عاشوراء نسخ صومه ( ... ) الواجب ( ... ) فكيف نقول رمضان؟ نقيس على رمضان؟
الشيخ: شيخ الإسلام ما يستدل به على وجوب الإمساك، وجوب الإمساك ما فيه إشكال، يستدل به على عدم وجوب القضاء.
الطالب: وجه الدلالة؟
الشيخ: وجه الدلالة أن الرسول ما ألزم الذين لم يمسكوا إلا في أثناء النهار ما ألزمهم بالقضاء.
الطالب: هذا في يوم عاشوراء.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف نقيس على رمضان؟
الشيخ: إي، هذا قبل أن ينسخ، ما ألزمهم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما يخالف، لكن حين كان واجبًا لم يلزمه بالقضاء، ما قال: ومن كان مفطرًا فليقضِ، بل أمره بالإمساك دون القضاء.
الطالب: ( ... ) يوم عاشوراء هذا؟
الشيخ: إي، لكن حين كان واجبًا فحكمه حكم رمضان، يعني قبل أن يُنسخ؛ لأن هذا الإيجاب قبل أن يُنسخ.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ؛ بالنسبة للإدام لطعام المفدي، هل على سبيل الاستحباب أم على سبيل الوجوب؟
الشيخ: أحسن، ما هو على سبيل الوجوب.
الطالب: استحباب.
طالب آخر: شيخ، قدم رجل من سفر على زوجة له لم تُبيِّت النية، له أن يجامعها؟
الشيخ: لا، هي يلزمها الإمساك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3336
الطالب: ما بيَّتت النية.
الشيخ: إي، ولو ما بيتت، يلزمها الإمساك.
الطالب: ولو جامعها؟
الشيخ: ما يجوز يجامعها، إذا جامعها أفسد.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما يجوز، ولا يجوز ترضع.
الطالب: جاهلة.
الشيخ: لازم يمازح في الشيء، إذا كانت جاهلة ما عليها شيء.
طالب: شيخ، ما صحة من يقول: أنه يثبت رؤية الهلال قبل غروب الشمس؟
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: يعني بمجرد يرى الهلال قبل غروب الشمس ويثبت أنه غدًا صيام.
الشيخ: يعني قصدك يُرى قبل طلوع الشمس في المشرق؟
الطالب: لا، الغروب أنه يرى الهلال، ما هو بلازم بعد الغروب.
الشيخ: لا، هو لا يثبت رؤيته إلا بعد الغروب.
الطالب: والدليل؟
الشيخ: الدليل، هذا الهلال شرعًا وعرفًا؛ لأنه لو غاب قبلها ما صار، ما هل ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: 12] وهو القمر، فإذا غاب قبل الشمس ما صار له سلطان.
الطالب: بالنسبة لإنقاذ غريق، هذا يصير أمرًا اضطراريًّا ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: ( ... ) عندي إشكال الفرق بين ( ... ).
الشيخ: يعني أنت ودك أن الذي أنقذ الغريق نأمره بالإمساك؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما يصح؛ لأن الآن هذا الرجل حلَّ له الفطر، كامرأة مثلًا في أثناء النهار جاع صبيها، ولم يقبل ثدي غيرها، ولا يمكن أن ترضعه إلا بعد أن تفطر.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، واضح.
الطالب: شيخ الإسلام استدل بقاعدة: أن العبادات لا تلزم قبل بلوغها المكلف، كيف تجيب عن هذا يا شيخ؟
الشيخ: نجيب عن هذا قبل بلوغ المكلَّف الحكم الشرعي، أما سبب الوجوب فلا يدخل في هذا؛ لأن لو قال قائل: أنا ما علمت أن الشمس زالت، هل نسقط عنه صلاة الظهر؟
وهذا مراده، إن ما تلزم قبل العلم؛ يعني العلم بالحكم الشرعي، لا العلم بسبب الوجوب، ويش ها الكلام هذا، ويش تقول؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3337
طالب: مصرف الزكاة يا شيخ، قلتم: ممكن الإنفاق على طلاب العلم من مصرف في سبيل الله، فهل الإنفاق على بناء مدرسة أو مستشفى في بلد إسلامي يعاني من التنصير يدخل في هذا الإطار؟
الشيخ: لا، ما يدخل في هذا، هذه من أعمال البر العامة، لكن مسألة العلم جهاد في سبيل الله؛ لأن الدين الإسلامي يقوم بالعلم والجهاد.
الطالب: بناء مدرسة مش علم؟
الشيخ: لا، بناء المدرسة سكن لطلاب العلم.
طالب: شيخ، لو قال: ما عندنا إلا الزكاة يا شيخ، نحن نتبرع.
الشيخ: لا يتبرعون، يصرفون الزكاة في مصارفها.
الطالب: شيخ، سؤال ( ... ) أوردتم الرجل لا يجامع امرأته ( ... ).
الشيخ: لو حدث عن جهل ما عليهم شيء، القاعدة: أن كل محظور فعله الإنسان جاهلًا فلا شيء عليه.
الطالب: لو فعله، هو لم يذكر هذا الأمر، نسي ( ... ).
الشيخ: كيف لو؟
الطالب: جامع امرأته، ثم تذكر هذا أنه نسي الصوم؟
الشيخ: ما يخالف، ما عليه شيء.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، ( ... )؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وإذا تبين ( ... ).
الشيخ: يتحرى ويصوم.
الطالب: وإذا تبين ( ... ).
الشيخ: عند الفقهاء يقولون: إن تبين أنه وافق الشهر أو بعده أجزأ، وإن تبين أنه قبله لم يجزئ.
طالب: رجل عليه صوم واجب من قضاء أو نذر في غير رمضان، وفي أثناء النهار أبدل هذه النية من صوم واجب إلى صوم نفل، ثم بعد العصر أو شيء من ذلك جاءه ضيف فأكل معه، هل عليه شيء؟
الشيخ: إي نعم، نقول: إن الواجب إذا شرع فيه الإنسان لا يمكن أن يحوله إلى نفل.
الطالب: قياسًا على الصلاة.
الشيخ: قياسًا على الصلاة وغيرها، والأصل أنه من شرع في واجب لزمه المضي فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3338
طالب: لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا، ويُسن لمريض يضره، ولمسافر يقصر، وإن نوى حاضر صوم يوم، ثم سافر في أثنائه فله الفطر، وإن أفطرت حامل، أو مرضع خوفًا على أنفسهما قضتاهُ فقط، وعلى ولديهما قضتاه، وأطعمتا لكل يوم مسكينًا، ومن نوى الصوم، ثم جُنَّ أو أُغمي عليه جميعَ النهار، ولم يفق جزءًا منه لم يصح صومه، لا إن نام جميع النهار.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا شروط من يلزمه الصوم وأنها؟
طالب: يلزمه الصوم.
الشيخ: نعم.
الطالب: مسلم.
الشيخ: نعم.
الطالب: مكلف.
الشيخ: نعم.
الطالب: مقيم.
الشيخ: نعم.
الطالب: المعافى، لا يكون مريضًا.
طالب آخر: القادر.
الشيخ: القادر، طيب، المكلَّف يعني البالغ العاقل، فالشروط إذن: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والإقامة، والقدرة، وفيه سادس: الخلو من الموانع؛ يعني ألا تكون المرأة حائضًا ولا نفساء.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن أفطر لكِبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا)، (مَنْ أفطر لكبر): اللام هنا للتعليل؛ أي من أجل الكبر، وهو التقدم في السن، يتقدم في السن، ثم يعجز عن الصوم.
الطالب: إذا قامت البينة يا شيخ في أثناء النهار وجب الإمساك.
الشيخ: ما يخالف، يقول: (إذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه -أي في أثناء النهار- أهلًا لوجوبه)، أي: لوجوب الصوم، مثل صغير بلغ في أثناء النهار يجب عليه الإمساك، مجنون عقل في أثناء النهار يجب عليه الإمساك؛ لوجود سبب الوجوب في أثناء النهار، فإذا وجد السبب وجد أيش؟ المسبب، فإذا بلغ الصبي وجب عليه أن يمسك حتى لو كان قد أكل أو شرب في أول النهار فإنه يلزمه الإمساك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3339
وكذلك أيضًا يلزمه على المذهب القضاء، والصحيح أن القضاء لا يلزمه؛ وذلك لعدم وجود سبب الوجوب في أول النهار، فهو في أول النهار غير مكلَّف، فإذا وُجِد سبب التكليف في أثناء النهار وجب عليه الإمساك فقط، وكذلك المجنون، لو كان الرجل مجنونًا، ثم عقل في أثناء النهار في رمضان فإنه يجب عليه الإمساك لوجود سبب الوجوب وهو العقل.
قال المؤلف: (والقضاء) يعني ويجب عليه القضاء، وهذا أحد القولين في المسألة، قالوا: يجب عليه الإمساك؛ لأنه صار أهلًا للوجوب، ويجب عليه القضاء؛ لأنه لم ينوِ من أول النهار، ولهذا لو كان صائمًا، وبلغ في أثناء النهار، فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه قد نوى الصوم من أول النهار، ولكن الكلام على من نوى في أثناء النهار.
والصحيح أنه لا يلزمه القضاء لعدم تكليفه، وعُلم من كلام المؤلف أن من علم أنه يبلغ غدًا فإنه لا يلزمه الصوم، من أين يؤخذ؟
من قوله: (في أثناء النهار وجب الإمساك)، فإذا قدرنا أن هذا الشخص يعلم أنه غدًا يتم له خمس عشرة سنة -أي يبلغ في أثناء النهار- فإنه لا يلزمه الإمساك لعدم التكليف، وكذلك من علم أنه يقدم بلده غدًا فإنه لا يلزمه الصوم، في المسألة الأولى يعلم أنه يبلغ غدًا لا يلزمه الصوم، وكذلك إذا علم أنه يقدم غدًا فإنه لا يلزمه الصوم.
قال: (وكذا حائض ونفساء طهُرتا)، (وكذا) أي وكمن صار في أثنائه أهلًا للوجوب، حائض ونفساء طهُرتا، من المعلوم أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصوم، ولا يصح منهما أيضًا، لا يصح من الحائض والنفساء الصوم، فإذا طهُرتا في أثناء النهار، فماذا يجب؟ يقول المؤلف: إنه يلزمهما شيئان: الأول: الإمساك، والثاني؟
طلبة: القضاء.
الشيخ: القضاء، الإمساك لزوال المانع، والقضاء لعدم النية من أول النهار.
الجزء: 1 - الصفحة: 3340
وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو أحد القولين في المسألة؛ للعلة التي سمعتم، والقول الثاني: أنهما لا يلزمهما الإمساك؛ وذلك لأن النهار في حقهما غير محترم؛ إذ إنه يجوز لهما الفطر في أول النهار ظاهرًا أيش؟
طلبة: وباطنًا.
الشيخ: ظاهرًا وباطنًا، فلا يلزمهما الإمساك، والإمساك هنا لا يستفيدان به شيئًا، وإنما هو مجرد حِرمان، فالقول الراجح في هذه المسألة -أي فيما إذا طهُرت الحائض أو النفساء- أنه لا يلزمهما الإمساك، ولكن يلزمهما القضاء؛ لأنهما لم يصوما هذا اليوم.
قال: (ومسافر قدم مفطرًا) أي: يلزمه الإمساك والقضاء، يلزمه الإمساك لزوال المانع من الوجوب؛ وهو السفر، ويلزمه القضاء؛ لأنه لم ينوِ من أول النهار؛ أي من قبل الفجر، وبناءً على ذلك -أي على هذا التعليل- لو أن المسافر نوى الصوم من قبل الفجر، ثم قدم البلد فصيامه صحيح، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه نوى الصوم.
وعُلم من كلام المؤلف أنه لا يلزم المسافر إذا عَلِم أنه يقدم غدًا أن يصوم، وهذا أحد القولين في المسألة وهو الصحيح.
والمذهب أنه يلزمه أن يصوم؛ لأنه يعلم أنه سيزول المانع غدًا، ويلزمه الإمساك، ولكن القول الصحيح أنه لا يلزمه الصوم، المسافر إذا قدم مفطرًا يلزمه على كلام المؤلف شيئان: الإمساك، والقضاء، الإمساك لزوال المانع من وجوب الصوم، والقضاء؛ لأنه لم يتم له صوم ذلك اليوم فيلزمه قضاؤه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3341
والقول الثاني في المسألة: أنه لا يلزمه الإمساك، وإنما يلزمه القضاء؛ لأن هذا يجوز له أن يُفطر في أول النهار ظاهرًا وباطنًا، وعليه فيكون الفرق بين هاتين المسألتين والمسألة الأولى أو المسألتين الأوليين، الفرق بينهما أنه في المسألتين الأوليين وجد سبب الوجوب، وفي الأخريين زال المانع، فالفرق بينهما إذن أن المسألتين الأوليين من باب وجود سبب الوجوب، والأخريين من باب زوال المانع، وإلا فإن الحائض والنفساء والمسافر كل منهم يلزمه الصوم، فسبب الوجوب متحقق بحقه، لكن وُجد المانع، فنحن نقول: هؤلاء الثلاثة لا يجب عليهم الصوم لوجود المانع، فإذا كان يحل لهم الأكل والشرب في أول النهار، فليكن كذلك في آخر النهار.
وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما ذكره عنه في المغني: مَن أكل أول النهار فليأكل آخر النهار (12).
هنا مسألة الثالثة مثل هذه وهي ما إذا برئ المريض فإنه يلزمه على المذهب الإمساك والقضاء، إذا برئ في أثناء النهار، لزمه الإمساك لزوال المانع، والقضاء؛ لأنه لم ينوِ من قبل الفجر، والصحيح أنه لا يلزمه الإمساك، وإنما يلزمه القضاء فقط، فهذه ثلاث مسائل، بل أربع مسائل: الحائض إذا طهرت في أثناء النهار، النُّفساء إذا طهرت في أثناء النهار، المسافر إذا قدم مفطرًا، المريض إذا برئ مفطرًا، فهؤلاء الأربعة كلهم يلزمهم شيئان: الإمساك، والقضاء، والصحيح أنه لا يلزمهم إلا القضاء.
وبناء على ذلك لو قدم الإنسان بلده مفطرًا ووجد امرأته قد اغتسلت من الحيض لطُهرها في أثناء النهار فإنه يجوز له جماعها، وعليه يلغز بها فيقال: رجلٌ مكلَّف، بالغ، عاقل، مقيم، قادر جاز له أن يجامع في أثناء النهار في رمضان، فما هذه الصورة؟ نقول: هذه الصورة فيما إذا قدم المسافر مفطرًا ووجد امرأته قد طهرت من الحيض في أثناء النهار، فإنه يجوز له أن يجامعها ولا شيء عليه، وهذا هو القول الراجح كما علمتم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3342
بقي علينا فيما لو علم أنه يفطر غدًا، أنا قلت قبل قليل: إنه يلزمه الإمساك، ولكن الصحيح أنه لا يلزمه الإمساك حتى على المذهب، لماذا؟ لأنه ليس بمكلَّف، لعدم وجود سبب الوجوب، بخلاف من علم أنه يقدم غدًا فإنه يلزمه الإمساك؛ لأن سبب الوجوب موجود في حقه فلزمه، والصحيح في المسألتين أنه لا يلزمه الإمساك فيهما.
خلاصة البحث هذا:
أولًا: إذا تجدد سبب الوجوب.
والثاني: إذا زال المانع.
فالمسألة الأولى إذا تجدَّد سبب الوجوب فإنه.
طالب: يجب الإمساك.
الشيخ: يجب الإمساك، ولا يجب القضاء على الصحيح، والمذهب يجب الإمساك والقضاء، مثاله: من بلغ في أثناء النهار، أو مجنون عقل في أثناء النهار.
المسألة الثانية: إذا زال المانع في أثناء النهار فالمذهب يلزم الإمساك والقضاء، والصحيح أنه يلزم القضاء دون الإمساك.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومن أفطر لكِبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا)، (من أفطر لكِبر): اللام هنا للتعليل؛ أي بسبب الكبر، فإن الإنسان إذا كبر يشق عليه الصوم، والكبر لا يُرجى برؤه، أليس كذلك؟ لأن الرجوع إلى الشباب مُتعذِّر:
لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ
لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ
فالكبير لا يمكن أن يرجع شابًّا، فإذا أفطر لكبر ..
ومَن أَفْطَرَ لكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه أَطْعَمَ لكلِّ يومٍ مِسكينًا، وسُنَّ لمريضٍ يَضُرُّه، ولمسافرٍ يَقْصُرُ، وإن نَوَى حاضرٌ صومَ يومٍ ثم سافرَ في أثنائِه فَلَه الفِطْرُ، وإن أَفْطَرَتْ حاملٌ أو مُرْضِعٌ خَوفًا على أنفسِهما قَضَتَاهُ فقطْ، وعلى وَلَدَيْهما قَضَتَا وأَطْعَمَتَا لكلِّ يومٍ مِسكينًا، ومَن نَوَى الصومَ ثم جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ ولم يُفِقْ جزءًا منه لم يَصِحَّ صَوْمُه، لا إن نامَ جميعَ النهارِ، ويَلْزَمُ الْمُغْمَى عليه القضاءُ فقط
الجزء: 1 - الصفحة: 3343
لأنه ليس بمكلَّف؛ لعدمِ وجودِ سَبَبِ الوجوبِ، بخلافِ مَنْ عَلِمَ أنه يقدم غدًا فإنه يَلْزمُهُ الإمساك؛ لأن سببَ الوجوبِ موجودٌ في حقِّه فلَزِمَهُ، والصحيح في المسألتينِ أنه لا يَلْزمه الإمساكُ فيهما.
خلاصةُ البحثِ هذا:
أولًا: إذا تجدَّد سببُ الوجوب، والثاني: إذا زالَ المانع.
في المسألة الأولى: إذا تجدَّدَ سببُ الوجوبِ فإنه يجبُ الإمساك، ولا يجب القضاءُ على الصحيح، والمذهب: يجب الإمساكُ والقضاءُ، مثاله: مَنْ بَلَغَ في أثناء النهار، أو مجنونٌ عقلَ في أثناء النهار.
المسألة الثانية: إذا زالَ المانعُ في أثناء النهار فالمذهب: يَلْزم الإمساكُ والقضاءُ.
والصحيحُ أنه يَلْزم القضاءُ دون الإمساك.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومَنْ أفطرَ لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَطْعَمَ لكُلِّ يومٍ مسكينًا).
(مَنْ أَفْطَرَ لِكِبَرٍ) اللام هنا للتعليل؛ أي: بسببِ الكِبَر؛ فإنَّ الإنسانَ إذا كَبِر يشقُّ عليه الصوم، والكِبَر لا يُرجَى بُرْؤُهُ، أليس كذلك؟ لأنَّ الرجوع إلى الشباب متعذِّر.
لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ
لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ
فالكبير لا يُمكن أنْ يرجع شابًّا، فإذا أفطرَ لِكِبَرٍ فإنه ميؤوسٌ مِن قُدرته على الصوم فيَلْزمه الفدية.
كذلك مَنْ أفطرَ لمرضٍ لا يُرجَى بُرْؤُهُ، ويُمثِّل كثيرٌ من العلماء فيما سبق بالسِّلِّ؛ يقولون: إنه لا يُرجَى بُرْؤُه، لكن المثال في الوقت الحاضر غير صحيحٍ، لماذا؟ لأن السِّلَّ صار مما يُمكن بُرْؤُه، لكنْ يُمكن أنْ نُمثِّل في الوقت الحاضر بأيش؟
طلبة: بالسرطان.
الشيخ: بالسرطان، نسأل الله العافية؛ فإنَّ السرطان لا يُرجَى بُرْؤُه، فإذا مَرِضَ الإنسانُ بمرضِ السرطانِ وعَجَزَ عن الصومِ صار حُكمه حكْمَ الكبير الذي لا يستطيع الصوم، يَلْزمه فديةٌ عن كل يوم.
وهنا نحتاج إلى أمرينِ:
الأمر الأول: ما وجْهُ سقوطِ الصومِ عنه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3344
فيُقال: وجْهُ السقوطِ عدمُ القُدرة، وليس كالمريض الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]؛ لأن المريض يُرجَى بُرْؤُهُ وهذا لا يُرجَى، فسقط وجوبُ الصومِ عنه للعجزِ عنه.
المسألة الثانية: ما هو الدليلُ على وجوب الفِدية؟ لأنَّه إذا سَقَطَ عنه وجوبُ الصومِ للعجْزِ عنه فإنه قد امتثلَ أمرَ اللهِ في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، فما الدليلُ على وجوب الفِدية؟
قُلْنا: الدليلُ على ذلك أنَّ ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال في الشيخِ والشيخةِ -يعني الكبيرينِ- إذا لم يُطِيقا الصومَ: يُطعِمانِ عن كلِّ يومٍ مسكينًا (1)، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، استدلَّ بهذه الآية، الحكْم صادرٌ من صحابيٍّ، ومعلومٌ خلافُ العلماء في قول الصحابي هلْ هو حُجَّةٌ أو ليس بِحُجَّة، لكنه هنا قولُ صحابيٍّ في تفسير آيةٍ، وإذا كان في تفسير الآية فقد ذهب بعضُ العلماء إلى أنَّ تفسير الصحابيِّ له حُكْم الرفعِ، وإنْ كان هذا القولُ ضعيفًا، لكنْ لا شكَّ أنه إذا حَكَمَ واستدلَّ بالآية فإن استدلاله بالآيات أصحُّ من استدلالِ غيرِهِ، فما وجْهُ الدلالة من الآية؟ إذْ يُمكن لكلِّ واحدٍ أن يقول: إنَّ الآية يقول الله فيها: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، والكبير لا يُطيق، فكيف استدلَّ ابنُ عباسٍ بهذه الآية على الذي لا يُطيق؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3345
نقول: استدلالُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما بهذه الآية استدلالٌ عميقٌ جدًّا، وَجْهُهُ أنَّ الله قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فجعلَ الفِديةَ معادِلةً للصوم، وهذا في أول الأمر لَمَّا كان الناسُ مُخَيَّرينَ بين الصومِ والفديةِ، فلمَّا تعذَّرَ أحدُ البَدَلينِ ثبتَ الآخَرُ؛ لَمَّا تعذَّر الصومُ ثبتت الفديةُ، فهو استدلالٌ يدلُّ على عُمْقِ فَهْمِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، وإلَّا فإنَّ مَنْ أخذَ بظاهرِ الآيةِ يقول: الآيةُ ما تدلُّ على هذا، الآيةُ تدلُّ على أنَّ الذي يُطيق إمَّا أنْ يفدي وإمَّا أنْ يصوم، والصومُ خيرٌ.
لكنْ نقول: وجْهُ ذلك أنه لَمَّا جعلَ اللَّهُ سبحانه وتعالى الفديةَ عديلًا للصوم في مقامِ التخييرِ دلَّ ذلك على أنها تكون بَدَلًا عنه عند العجزِ عنه، وهذا واضح.
وعلى هذا فمَنْ أفطر لكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجَى بُرْؤُه فإنه يُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
ولكنْ ما الذي يُطْعَم؟
يُطْعَمُ كلُّ ما يُسمَّى طعامًا مِن تمرٍ أو بُرٍّ أو رُزٍّ أو غيرِه.
وكمْ؟
نقول: هنا لم يُقَدَّر ما يُعْطَى، المعطَى غيرُ مقدَّرٍ، فيُرجَع فيه إلى العُرف، إلى ما يَحْصُل به الإطعامُ، وكان أنس بن مالكٍ رضي الله عنه لَمَّا كَبِرَ كان يجمع ثلاثينَ فقيرًا فيُطعمهم خبزًا وأُدْمًا، وعلى هذا فإذا غَدَّى المساكينَ أو عَشَّاهم كفى، فإذا جمعَ ثلاثينَ فقيرًا في آخِرِ يومٍ من رمضان وعشَّاهم كفاه عن الفدية.
وقال بعضُ العلماء: لا يصحُّ الإطعامُ، بلْ لا بدَّ من التمليك.
وعليه فقالوا: إنَّ الواجب مُدٌّ من البُرِّ أو نصفُ صاعٍ مِن غيره.
وقيل: بل الواجب نصفُ صاعٍ من أيِّ طعامٍ كان.
فالذين قالوا بالأول قالوا: إن مُدَّ البُرِّ يُساوي نصفَ صاعٍ من الشعير؛ لأنه أطيبُ وأغلى في نفوسِ الناس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3346
والذين قالوا بأنه نصفُ صاعٍ على كلِّ حالٍ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عُجرة في فِدية الأذى: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصفُ صَاعٍ» (2). قالوا: وهذا نصٌّ في تقدير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيُقاس عليه كلُّ فديةٍ وتكون نصفَ صاعٍ.
ثم ما المرادُ بنصف الصاع؟ هلْ يُرجَعُ في الصاعِ إلى العُرف، أو يُرجَعُ فيه إلى الصاعِ النبويِّ؟
لم أعلم أنَّ أحدًا من العلماء قال: إنه يُرجَع في الصاع إلى العُرف.
بينما الدراهمُ والدنانيرُ ذهبَ شيخ الإسلام إلى أنه يُرجَع فيها إلى العُرف؛ يعني نِصاب الدراهم كمْ مِن درهمٍ؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: مِئتا درهمٍ؛ قال في حديث أنس بن مالكٍ الذي كَتَبَهُ أبو بكرٍ قال: وفي الرِّقَةِ في كلِّ مِئَتَيْ درهمٍ ربعُ العُشْرِ (3). فمِن العلماء مَن قال: المرادُ بمئتي الدرهم خمسُ أواقٍ.
فاعتبر الوزنَ، ومنهم مَن اعتبرَ العددَ كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال: الدرهمُ ما سَمَّاهُ الناسُ درهمًا، ولو كان كالْجَمَلِ في كِبَرِهِ أو كان كنصفِ التمرةِ مَثَلًا، العبرةُ بالعدد.
لكن الأصواع -حتى عند شيخ الإسلام رحمه الله- لم يرجع فيها إلى العُرف، بل رجع فيها إلى الصاعِ؛ صاعِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا فنقول: نصفُ صاعٍ مِن صاعِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد حرَّرَ عُلماؤنا -رحمهم الله- الصاعَ المعروفَ الآن بين أيدينا هنا في القصيم فوجدوه يزيد على الصاعِ النبويِّ رُبعًا؛ يعني أضِفْ إلى الصاعِ النبويِّ رُبعَهُ يَكُن الصاعُ الحاضرُ؛ أي إنَّ الصاعَ النبويَّ أربعةُ أخماسِ الصاعِ الموجود، فَهِمْتُمْ؟ صاعُنا الموجودُ خمسةُ أمدادٍ نبويةٍ، وصاعُ الرسولِ أربعةُ أمدادٍ نبويةٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3347
الخلاصة الآن: مَنْ عَجَزَ عن الصوم عجزًا لا يُرْجَى زوالُهُ وجبَ عليه الإطعامُ، ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وهلْ يُجزِئ أنْ يُغدِّيَهُمْ أو يُعَشِّيَهُمْ أمْ لا بدَّ مِن التمليك؟ على قولينِ، والراجح أنه يُجزئ.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: الراجحُ أنه يُجزئ الإطعامُ ويُجزئ التمليكُ.
قال: (وسُنَّ لمريضٍ يضرُّهُ، ولمسافرٍ يَقْصُر).
(سُنَّ) الضمير يعود على؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا.
طالب: الفِطر.
الشيخ: الفِطر؛ لأنه قال: أفطر؛ وَمَنْ عَجَزَ عنه لكِبَرٍ لا يُرجَى بُرْؤُه أطعمَ لكلِّ يومٍ مسكينًا؛ يعني: وأفطرَ.
(وسُنَّ) يعني الفِطر (لمريضٍ يضرُّهُ)؛ فإذا كان الإنسانُ مريضًا يضرُّه الصومُ فالإفطارُ في حقِّهِ سُنَّةٌ، هكذا قال المؤلف رحمه الله؛ وذلك أنَّه إذا لم يُفطِر فقد عَدَلَ عن رُخصةِ اللهِ سبحانه وتعالى، والعدولُ عن رُخصةِ اللهِ خطأٌ، فالذي ينبغي للإنسانِ أنْ يَقْبل رُخصةَ اللهِ.
والصحيحُ في هذه المسألة أنَّه إذا كان يضرُّه فإنَّ الصومَ حرامٌ والفِطرَ واجبٌ، هذا هو الصحيح؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، والنهي هنا يشمل القتلَ الذي هو إزهاقُ الرُّوحِ، ويشمل ما فيه ضررٌ، والدليلُ على أنه يشمل ما فيه ضررٌ حديثُ عمرو بن العاص رضي الله عنه أنَّه صلَّى بأصحابِهِ وعليه جَنابةٌ، لكنه خاف البردَ فتيمَّمَ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ»؟ قال: يا رسولَ اللهِ، ذكرتُ قولَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ –يعني: وإنِّي خِفْتُ البردَ- فأقرَّهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ذلك (4).
فالصوابُ أنَّ المريضَ بالنسبةِ للصومِ ينقسمُ إلى أقسامٍ:
الجزء: 1 - الصفحة: 3348
الأول: مَنْ لا يتأثَّر بالصوم؛ مِثل الزُّكامِ اليسيرِ، وجعِ الرأسِ اليسيرِ، وجعِ الضِّرسِ، وما أَشْبه ذلك؛ فهذا لا يَحِلُّ له أن يُفطر، وإنْ كان بعضُ العلماء قال: يَحِلُّ له؛ لعموم قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 185]. ولكننا نقول: إنَّ هذا الحكْمَ مُعَلَّلٌ بعِلَّةٍ وهي أنْ يكون الفِطر أَرْفَقَ له، فحينئذٍ له الفِطر، أمَّا إذا كان لا يتأثَّر فإنه لا يجوز له الفِطر ويجب عليه الصوم.
الحالُ الثانية: المريضُ الذي يشقُّ عليه الصومُ ولا يضرُّهُ، فهذا يُكره له أنْ يصوم، ويُسَنُّ له أن يُفطر.
الحالُ الثالثة: أنْ يضرَّهُ الصومُ؛ كرجُلٍ مصابٍ بمرضِ الكُلَى أو بمرضِ السُّكَّرِ وما أَشْبَهَ ذلك؛ فالصومُ عليه حرامٌ، ولا يحلُّ له أنْ يصوم.
ولكنْ لو صامَ في هذه الحالِ هلْ يُجزئه الصوم؟
قال أبو محمَّدٍ ابنُ حزمٍ رحمه الله: لا يُجزِئه الصوم؛ لأن الله تعالى جعلَ للمريض عِدَّةً من أيامٍ أُخَر، فإذا صامَ في مرضِهِ فهو كالقادرِ الذي يصومُ في شعبان؛ لأنه لم يأتِ وقتُ صومِهِ بعدُ، وقْتُ صومِهِ إذا عُوفِيَ، فإذا صامَ في مرضِهِ فقد صامَ قبل وقْتِهِ فلا يُجزئه، وحينئذٍ يَلْزمه القضاء.
وقولُ أبي محمدٍ على القاعدة المشهورة أنَّ ما نُهِيَ عنه لِذَاتِهِ فإنه لا يُجزئ، لا يَقَعُ مُجزِئًا، فإذا قُلنا بالتحريم فإنَّ مقتضى القواعدِ أنه إذا صامَ لا يُجزِئُهُ؛ لأنه صومٌ مَنْهِيٌّ عنه كالصوم في أيامِ التشريقِ وكالصوم في أيامِ العيدينِ لا يَحِلُّ ولا يصِحُّ، وبهذا نعرفُ خطأ بعضِ المجتهدين المرضى الذين يشقُّ عليهم الصومُ، وربما يضرُّهم الصومُ، ولكنهم يأبَوْن أنْ يُفطِروا، نقول: هؤلاء أخطؤوا حيثُ لم يَقْبلوا كَرَمَ اللهِ عز وجل، لم يَقْبلوا رُخصته وأضرُّوا بأنفسهم، واللهُ عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
إذَنالصوابُ في قول المؤلف: (وسُنَّ لمريضٍ يضرُّهُ)، الصواب أيش؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3349
ويجبُ على مريضٍ يضرُّه.
يعني: يجبُ الفِطْر على مريضٍ يضرُّه.
قال: (ولِمُسافِرٍ يَقْصُر).
يعني: يُسَنُّ الفِطر لمسافِرٍ يَقْصُر، وهو الذي يكون سفرُهُ بالغًا لِمسافةِ القَصْر، فأمَّا المسافرُ سفرًا قصيرًا فإنه لا يُفطِر.
وسَفَرُ القصْرِ على المذهب وعلى رأي جمهور العلماء مُقدَّرٌ بالمسافة؛ مسيرةُ يومينِ قاصِدَيْنِ للإبل، وهي ستَّةَ عشر فرسخًا، ومقدارها بالكيلو: واحدٌ وثمانون كيلو وثلاث مئة وأظُنُّ سبعةَ عَشَرَ مترًا أو نحو هذا، بالتقريب لا بالتحديد؛ لأن التحديدَ صعبٌ ولا يُمكن، لكنْ بالتقريب.
فعلى هذا نقول: إذا نوى الإنسانُ سفرًا يَبْلُغُ هذه المسافةَ فإنه مسافرٌ يقصُر، وحينئذٍ يُسَنُّ له أنْ يُفطِر.
فإذا قال قائلٌ: لو صامَ فهلْ يأثم بذلك؟
نقول أيضًا في هذه المسألة: المسافرُ له ثلاثُ حالات:
الحالُ الأولى: ألَّا يتأثَّر بالصوم إطلاقًا؛ مِثْل أنْ يكون في أيامِ البراد، في أيامِ الشتاء، النهارُ قصيرٌ والجوُّ مناسبٌ، ولا يتأثَّر صامَ أو أفطرَ، فهُنا اختلفَ العلماءُ رحمهم الله هل الفِطْر أفضل، أو الصوم أفضل، أو أنَّ الصوم مكروهٌ، أو أنَّ الصومَ حرامٌ؛ فعلى رأي أبي محمدٍ؟
طلبة: الصومُ حرامٌ.
الشيخ: الصومُ حرامٌ، ولو صامَ لم يُجزِئه، ولكنَّ هذا قولٌ بعيدٌ من الصواب، الصوابُ أنَّ هذا من باب الرخصةِ، والدليلُ على هذا أنَّ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم معه يصومون ويُفطرون، ولَمْ يَعِب الصائمُ على المفطِر ولا المفطِر على الصائم (5)، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام نفسُهُ يصوم.
ولكن الصواب في هذه المسألةِ أنَّ للإنسان المسافر حالات:
الأولى: ألَّا يكون في صومه مَزِيَّةٌ على فِطْره ولا عَكْس، ففي هذه الحال نقول: الصومُ أفضلُ على القول الراجح، وهو مذهب الشافعي رحمه الله، الصوم أفضل لأدلَّةٍ:
الجزء: 1 - الصفحة: 3350
أولا: أنَّ هذا فِعْلُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام؛ قال أبو الدرداء رضي الله عنه: كُنَّا مع النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في رمضانَ في يومٍ شديدِ الحرِّ، حتى إنَّ أَحَدَنا لَيَضَعُ يديهِ على رأسِهِ مِنْ شدَّةِ الحرِّ، وما فينا صائمٌ إلَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رَوَاحة (6). هذه واحدة.
ثانيًا: أنه أسرعُ في إبراءِ الذِّمَّةِ؛ لأن القضاء يتأخَّر، والأداء -وهو الصيامُ في رمضانَ- يتقدَّم.
ثالثًا: أنه أسهلُ على المكلَّف غالبًا؛ لأن صومَهُ مع الناس وفِطْرَهُ مع الناس أسهلُ مِن أنْ يستأنفَ الصومَ بَعْدُ كما هو مجرَّبٌ ومعروفٌ.
رابعًا: أنه يُدرِك الزمنَ الفاضلَ، وهو رمضانُ، فإنَّ رمضانَ أفضلُ من غيرِهِ لأنه محلُّ الوجوب.
فلهذه الأوجُهِ يترجَّحُ ما ذهبَ إليه الشافعيُّ رحمه الله: أنَّ الصومَ أفضلُ في حقِّ مَنْ يكون الصومُ والفِطْرُ عنده سواءً.
الحالُ الثانية: أنْ يكون الفِطر أَرْفَقَ به، فهُنا نقول: الفِطر أفضلُ.
وإذا شقَّ عليه بعضَ الشيءِ صارَ الصومُ في حقِّهِ مكروهًا؛ لأن ارتكابه المشقَّةَ مع وجودِ الرخصةِ يُشْعِر بالعدولِ أو بالعزوفِ عن رُخصة الله عز وجل.
الحالُ الثالثة: أنْ يشقَّ عليه مشقَّةً شديدةً غيرَ محتمَلةٍ، فهنا يكون الصومُ في حقِّهِ حرامًا، ودليلُ ذلك أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام لَمَّا شُكِي إليه أنَّ الناسَ قَدْ شقَّ عليهم الصيامُ وأنَّهم ينتظرون ما يفعل؛ دعا بماءٍ بعد العصرِ وهو على بعيرِهِ عليه الصلاة والسلام فأَخَذهُ وشَرِبهُ والناسُ ينظرون إليه، ثم قيل له بعد ذلك: إن بعضَ الناسِ قد صامَ.
فقال: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (7). فوصفهم بأيش؟ بالعِصيان، فهذا ما يظهرُ لنا من الأدلَّةِ في صوم المسافر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3351
وهُنا مسألةٌ: لو سافرَ مَنْ لا يستطيعُ الصومَ لكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجى بُرْؤُهُ فماذا يصنع؟ هو الآن لا يصومُ سواء في البلدِ أو في السفرِ، ولا يُرجى زوالُ المانعِ في حقِّهِ، فقال بعضُ الفقهاء: إنه لا صومَ عليه ولا فِديةَ؛ لأنه مسافرٌ، والفديةُ بَدَلٌ عن الصومِ، والصومُ يسقطُ في السفر، ولا صومَ عليه لأنه عاجزٌ.
ولكنَّ هذا القولَ عليلٌ، أو هذا التعليل عليلٌ؛ لأنَّ هذا الذي على هذه الحال -يعني لا يُرجَى زوالُ عَجْزِهِ- لم يكن الصومُ واجبًا في حقِّهِ أصلًا، وإنما الواجبُ أيش؟ الفديةُ، والفديةُ لا فرقَ فيها بين السفرِ والحضرِ، وعلى هذا فإذا سافرَ مَنْ لا يُرجَى زوالُ المانعِ في حقِّهِ فإنه كالمقيم يَلْزمه فِديةٌ؛ أنْ يُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا، والقولُ بأنه يسقطُ عنه الصومُ والفديةُ قولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأن العِلَّةَ فيه عليلةٌ كما سمعتم.
طالب: ابن حزمٍ -رحمه الله- بم يُجِيبُ عن صيامِ رسولِ الله وصيامِ صحابةِ رسولِ الله؟
الشيخ: نعم، واللهِ لا أعلمُ ماذا يُجيب، لكن الآن لا أرى جوابًا سديدًا له.
الطالب: لا يكون يقصد الصيامَ الذي فيه مشقَّة.
الشيخ: لا، مُطْلَقًَا.
طالب: مجرَّد الصيام؟
الشيخ: مُطْلَقًا.
الطالب: حديثٌ في صحيح مسلم؛ حديثُ عبد الله بن عمر المازنيِّ أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أصومُ في السفرِ ولا يشقُّ عليَّ.
فقال: «إِنْ أَفْطَرْتَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ صُمْتَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ» (8).
وأيضًا يا شيخ عمومُ حديثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (9)، ( ... ) حتى ولو كان فيه مشقَّةٌ.
الشيخ: ولو لم يكنْ فيه مشقَّةٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3352
أمَّا حديثُ المازنيِّ ففيه نَظَرٌ، وأمَّا الحديثُ الثاني فلأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قاله في حالٍ فيها مشقَّةٌ؛ فإنه رأى رجُلًا قد ظُلِّلَ عليه وحولَهُ زِحامٌ، فقال: «مَا هَذَا؟ ». قالوا: صائمٌ.
فبناءً على هذه الحالِ قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ».
طالب: والحديثُ الأوَّلُ؟
الشيخ: الحديثُ الأوَّلُ يحتاجُ إلى نظرٍ.
طالب: بارك الله فيكم، لو قال لنا قائلٌ: إني لا أُسلِّمُ بالاستدلالِ بحديثِ أَنَسٍ؛ لأن هذا يومٌ شديدُ الحرِّ.
الشيخ: أيش؟
الطالب: لو قال لنا قائلٌ: إنَّ الاستدلالَ بحديثِ أَنَسٍ في الصومِ الذي لا يشقُّ غيرُ مُسَلَّمٍ به.
الشيخ: أيش حديث أَنَس؟
الطالب: حديثُ أَنَسٍ قال: كُنَّا في سفرٍ ..
الشيخ: أبي الدرداء.
الطالب: أبي الدرداء .. في يومٍ شديدِ الحرِّ، ولم يكنْ صائم إلَّا النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أبي رواحة.
الشيخ: عبد الله بن رواحة.
الطالب: عبد الله بن رواحة.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا الصومُ يشقُّ جدًّا، ( ... ) يا شيخ غير واضح.
الشيخ: ليش؟ الرسولُ صامَ.
الطالب: الصوم الذي لا يشقُّ.
الشيخ: الرسولُ صامَ، وهلْ يفعلُ الأفضلَ أو غيرَ الأفضلِ؟
الطالب: لا شكَّ أنه يفعلُ الأفضلَ.
الشيخ: نعم، هذا هو.
طالب: ( ... ) «إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي»، فالنبيُّ لا يشقُّ عليه الصومُ.
الشيخ: معه ابنُ رواحة.
الطالب: وقوله: "شديد الحرِّ"، هذا يمكن .. الصوم هنا شاقٌّ جدًّا؟
الشيخ: هو لا شكَّ أنَّه لو صار شديدَ الحرِّ صار يشقُّ على الناس؛ مسافرونَ وفي شِدَّةِ الحرِّ يشقُّ عليهم.
طالب: أحسن الله إليكم، هلْ ( ... ) تقسيم صوم المسافر على من وافق سفرُهُ يومَ نَفْلِهِ، يوم صيامِ نَفْل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3353
الشيخ: الظاهرُ أنَّهُ لا ينطبقُ؛ لأن صومَ النفْلِ ليس فيه إلزامٌ، لكنْ إذا كان يشقُّ عليه مشقَّةً غيرَ محتمَلَةٍ يقال: لا تفعلْ، ارفُقْ.
كما قال الرسولُ عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (10)، ثم هذا الصومُ الذي تصومُهُ نفْلًًا يُمكن أنْ تقضيه في يومٍ آخَر.
الطالب: ( ... ) ما يُكْرَه يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما يُكْرَه.
طالب: المريض إذا صام صِيامه مُحَرَّم لا يعني شيئًا في ذاته.
كيف نجاوب عن الكلام هذا؟
الشيخ: أن نقول: إنَّه إذا حَرُمَ الصومُ على المسافرِ ثم صامَ، فإنَّ المتوجِّهَ على القواعدِ أنَّ صومَهُ لا يصِحُّ، إي نعم.
طالب: والجوابُ عن هذا؟
الشيخ: هو يقول: لا يصِحُّ.
الطالب: إي، والجواب عليه أن نقول: يصح، أو: صومه لا يصح؟
الشيخ: الأفضل ما نقول: ( ... )، نقول: مُقْتضَى القواعدِ أنَّه لا يصِحُّ.
الطالب: أحسن الله إليك، الكبيرُ والمريضُ الذي لا يُرجَى بُرْؤُهُ إنْ أَعْسَرَ يا شيخ، الفدية هل تسقطُ عنه؟
الشيخ: إي، هذا سؤالٌ وجيهٌ؛ يقول: إذا أَعْسَرَ المريضُ الذي لا يُرجَى بُرْؤُهُ أو الكبيرُ، فماذا يكون عليه؟ هل يسقطُ عنه؟
الشيخ: نقول: نَعَمْ، يسقطُ، القاعدةُ عندنا أنَّه لا واجبَ مع عَجْزٍ، كلُّ الواجباتِ تسقطُ بالعَجْز، لكنْ إنْ كان لها بَدَلٌ وجبَ بَدَلُها، وإنْ لم يكنْ لها بَدَلٌ سقطتْ إلى غيرِ شيءٍ، ومعلومٌ أنَّ الإطعامَ في المريضِ الذي لا يُرجى بُرْؤُهُ والشيخِ الكبيرِ ليس له بَدَلٌ.
الطالب: لو صامَ عنه غيرُهُ ( ... )؟
الشيخ: عندَ شيخِ الإسلامِ -رحمه الله- أنه جائزٌ؛ لو تطوَّعَ إنسانٌ وصامَ عنه في غيرِ رمضانَ؛ لأن رمضانَ ما يُمكن أن يصومَ أحدٌ عن أحدٍ، لكنْ في غيرِ رمضان، ولكنَّ الصحيحَ أنه لا يصِحُّ أنْ يصومَ أحدٌ عن أحدٍ حيٍّ أبدًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3354
طالب: ( ... ) النبيُّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قال: «أُولَئِكَ العُصَاةُ» (7) ما أَمَرهم أنْ ( ... ) صومَ هذا اليوم.
الشيخ: ما الذي أدراك؟
الطالب: ما نُقِلَ إلينا.
الشيخ: وعدمُ النقْلِ ليس نقلًا للعدم، ما دام عندنا القاعدة الشرعية وهي أنَّ الشيءَ المنهيَّ عنه لا يمكن أن يصحَّ؛ لأن هذا فيه مضادَّةٌ لأمْر الله، إذا كان الله قد نَهَى عنه فمعناه أنَّ الله لا يرضاه.
طالب: ( ... ) السفر لضرورةٍ أو لحاجةٍ أو السفر للنزهة؟
الشيخ: إي نعم، السفرُ سواءٌ كان مشروعًا أو مباحًا كالنُّزْهةِ وشبهها لا فَرْقَ.
بَقِيَ السفر المحرَّم أو المكروه، هل يترخَّصُ فيه الإنسانُ بقَصْرِ الصلاةِ والفِطْرِ في رمضانَ وما أَشْبَهَ ذلك؟
فيه قولانِ للعلماء؛ فمذهبُ أبي حنيفة رحمه الله -واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- أنَّه يترخَّصُ حتى في السفرِ المحرَّمِ، ولكن الصحيح أنَّ السفرَ المحرَّمَ لا رُخْصةَ فيه؛ لأنه يُمْكن للمسافرِ أنْ يتخلَّصَ منه، بماذا؟ بالتوبة؛ نقول: تُبْ وتَرَخَّصْ.
لكنْ لو سافرَ ليُفطِرَ، هل له أنْ يُفطِر؟
لا، ليس له أنْ يُفطِرَ؛ لأنه أراد أنْ يتحيَّلَ على إسقاطِ الواجبِ، والتحيُّلُ على إسقاطِ الواجباتِ لا يُسْقِطُها، فيَحْرُمُ عليه السفرُ ويَحْرُمُ عليه الفِطْرُ، كلاهما يَحْرُمانِ.
طالب: تزوَّجَ في رمضان يا شيخ ( ... ) يجامع زوجته ( ... )، فقالوا: يسافر .. ؟
الشيخ: إذَنْ سافر لأيش؟ ليُجامع، فيَحْرُم عليه.
طالب: الفشل الكلوي لماذا لا نجعلُه مثل السرطان؛ لأنه يتعذَّر وجودُ الكلية الصالحة؟
الشيخ: على كلِّ حالٍ، ما يُمْكن أنْ نُعيِّن مرضًا معيَّنًا، مِثْل كلِّ شيءٍ لا يُرجى بُرْؤُه، فالْحُكْمُ واحدٌ، لكنْ فيه مرض الكلَى غير فشل الكلَى، أحيانًا يكون مرض الكلَى تحتاج الكلية إلى الشرب دائمًا، إي نعم.
طالب: مسألة التمليك ( ... )؟
الشيخ: الإطعام.
الطالب: ( ... ) التفريق بين البُرِّ و ..
الشيخ: وغيره، نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3355
الطالب: هاتِ الصحيح في هذا.
الشيخ: جمهور العلماء على التفريق، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبعض العلماء قال: إنه لا فرقَ.
ولا شكَّ أن الأحوط أنْ يُقال: إنه لا فرقَ.
هذا الأحوط.
الطالب: الرز العادي يا شيخ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مو مثل الشعير الآن، مثل البُر.
الشيخ: مثل البُر أو أحسن، إي نعم.
الطالب: ( ... ) نِصف ( ... ) رُبع؟
الشيخ: الأحوطُ أنْ يكون النصف، ولكنْ لو قُلنا بالرُّبع فلا بأس.
طالب: ( ... ) في نهار رمضان، ( ... ) يَلْزمُهُ القضاءُ.
الشيخ: لا.
الطالب: يَلْزمه الإمساك ولا يَلْزمه القضاء.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) يَلْزمه القضاء.
الشيخ: يَلْزمه القضاء! لا، لا يُمْكن، أمَّا أنَّ عندك وهمًا.
طالب: يا شيخ، المريض الذي يشقُّ عليه، نأخذُ بقولِه أو بقولِ الطبيب؟
الشيخ: لا، بقوله هو؛ الطبيب ما يعلم أنه يشقُّ عليه أو لا يشقُّ.
الطالب: قد يعلم أنَّه يضرُّه.
الشيخ: لا، الضرر يؤخذ بقولِ الطبيب.
طالب: (يجبُ صومُ رمضانَ برؤيةِ هلالِهِ، فإنْ لَمْ يُرَ مَعَ صَحْوِ ليلةِ الثلاثينَ).
الشيخ: ( ... ) نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول المؤلف: (كتابُ الصيام)، فما هو الصيامُ في اللغة وفي الشرع؟
طالب: في اللغة معناه الإمساك، وفي الشرع ( ... ) من طلوع الشمس.
الشيخ: لا.
الطالب: هو الإمساك عن الأمور ( ... ) الشرع.
الشيخ: لا.
طالب: هو التعبُّد لله سبحانه وتعالى بالامتناعِ عن الأكلِ والشُّربِ والجماعِ ومستلزمات الإفطار من طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.
الشيخ: الأكل والشُّرب وسائر المفطراتِ، التعبُّد لله تعالى بالإمساك عن الأكلِ والشُّربِ وسائرِ المفطراتِ مِن .. كمِّلْ.
الطالب: مِن طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.
الشيخ: إلى غروبِ الشمسِ، أحسنت.
متى فُرِضَ الصيامُ؟
طالب: برؤية الهلال.
الشيخ: لا، متى فُرِض في الشرع الإسلاميِّ؟
الطالب: السنة الثالثة من الهجرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3356
الشيخ: السنة الثالثة من الهجرة، إي، السنة الثالثة؟
طالب: السنة الثانية.
الشيخ: الثانية!
طالب: السنة الثامنة.
الشيخ: الثامنة! هذه ثلاثة أقوال: الثالثة، والثانية، والثامنة.
طالب: السنة الثانية في شعبان.
الشيخ: السنة الثامنة؟ !
الطالب: الثانية.
الشيخ: الثانية في شعبان.
طالب: الثانية.
الشيخ: الثانية، نعم، وهذه بالإجماع، في السنة الثانية بالإجماع، فصامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تسعَ رمضاناتٍ إجماعًا، نعم، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه.
طيب، كيف كان فَرْضُهُ أولًا؟
طالب: كان بالتخيير، إنْ شاء صامَ وإنْ شاء أفطرَ.
الشيخ: وإذا أفطرَ فماذا يصنع؟ عَنْ .. ؟
الطالب: عَنْ كلِّ مسكينٍ رُبع صاعٍ.
الشيخ: عن كلِّ يومٍ.
الطالب: مسكينًا.
الشيخ: مسكينًا.
ما هي الحكمة في أنه فُرِضَ على التخيير ثم الإلزام؟
طالب: ( ... ) التدريج ( ... ).
الشيخ: أحسنتَ، التدريج بالتشريع؛ ليَقْبل الناسُ الشريعةَ شيئًا فشيئًا.
هل له نظيرٌ في التدريج؟
طالب: الخمر.
الشيخ: الخمر، كيف كان تدريجه؟
الطالب: أولًا الإباحة.
الشيخ: الإباحة.
الطالب: ( ... ) تحريمه ( ... ).
الشيخ: ثم التعريضُ بالتحريم.
الطالب: ثم تحريمه في وقتٍ، وهو وقتُ الصلاةِ.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم تحريمه ( ... ).
الشيخ: أحسنت، أربعُ مراحل: الإباحةُ، ثم التعريضُ بالتحريمِ، ثم تحريمه في وقتٍ معيَّنٍ، ثم تحريمه في جميع الأوقات.
بماذا يثبتُ دخولُ رمضانَ؟
طالب: برؤية عدلٍ.
الشيخ: برؤية عدلٍ.
الطالب: بإكمال ..
الشيخ: شعبانَ.
أو؟ المذهب؟
طالب: إذا كانتْ ليلتُه فيها غيمٌ أو قَتَر.
الشيخ: إذا كانتْ ليلةُ الثلاثين من شعبانَ فيها غيمٌ أو قَتَرٌ فيُحكَم بدخوله حُكْمًا ظنِّيًّا لا قطعيًّا.
إذَنْ يُصام بواحدٍ من أمورٍ ثلاثةٍ: شهادة رَجُلينِ أو رَجُلٍ؛ رَجُلانِ أو رَجُلٌ بَيِّنَةٌ، أو إكمال شعبانَ ثلاثين، أو الغيم ليلةَ الثلاثين من شعبان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3357
إذا رُئِي في بلدٍ فهلْ يَلْزمُ جميعَ الناسِ الصومُ؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما التفصيل؟
الطالب: التفصيل، فيه أقوالٌ كثيرةٌ.
الشيخ: التفصيل فيه أقوالٌ! الأقوال غير التفصيل.
الطالب: فيه تفصيل.
الشيخ: الأقوال غير التفصيل، فهلْ أنت تريد: فيه خِلاف؟ يعني بكلمة "فيه تفصيل" يعني: فيه خِلاف؟
الطالب: أردتُ أن أقول: إنه فيه خِلاف.
الشيخ: فيه خِلافٌ.
ما الذي مشى عليه المؤلف؟
طالب: الذي مشى عليه المؤلف أنَّه إذا رآه أهلُ بلدٍ صامَ الناسُ كلُّهم.
الشيخ: أحسنتَ.
طيب، ما هو الدليلُ على هذا الحكم؟
طالب: إذا رآه أهلُ بلدٍ؟
الشيخ: إذا رآه أهلُ بلدٍ لَزِمَ الناسَ كلَّهم الصومُ، فما هو الدليل؟
الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (11)، وقوله صلى الله عليه وسلم ..
الشيخ: وجْهُ الدلالةِ من الحديث: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؟
الطالب: أنَّه إذا رآهُ المسلمون في منطقةٍ ما فهذه الرؤية تعُمُّ سائرَ المسلمين ( ... ).
الشيخ: إي، يعني الخطاب عامٌّ، «صُومُوا» أيُّها المسلمون «لِرُؤْيَتِهِ» أي: إذا رُئِيَ للأُمَّة.
طيب، القولُ الثاني؟
طالب: أنَّه لا يصومُ إلَّا أهلُ الْمَطْلعِ.
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا اشتركَ أُناسٌ في مَطْلعٍ واحدٍ يصومون.
الشيخ: إذا اتَّفقت المطالعُ في البلادِ وجبَ الصومُ، وإن اختلفتْ؟
الطالب: وإن اختلفتْ فكلُّ أُناسٍ لهم رؤيتُهم.
الشيخ: طيب، ما حُجَّة هذا القول؟
طالب: أنَّ اتفاقَ المسلمين في المطالعِ، إذا اختلفت المطالعُ فهم لا ( ... ) قول الرسولِ صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؛ وجْهُ الدلالة أنَّ عند اختلاف المطالعِ لا يكون رؤيةٌ للمختلفين في المطالع، ( ... ) لا يكون رؤية لهم.
الشيخ: ذكرْنا فيه دليلًا من القرآن والسُّنَّة والقياس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3358
الطالب: قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، فأولئك الذين لم يتَّفقوا في المطالعِ لم يشهدوا الشهر.
الشيخ: لا حقيقةً ولا حُكْمًا.
طيب، هذا من القرآن.
من السُّنَّة؟
طالب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، هؤلاء لم يَرَوْهُ، والقياس ..
الشيخ: وإذا رأيتموه؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: وهؤلاء لم يَرَوْهُ، تمام.
القياس؟
طالب: قالوا: إنَّ الاختلافَ حسب التوقيتِ اليوميِّ؛ فأهلُ المشرقِ يُفطرون قبل أهلِ المغربِ، أيضًا اختلاف المطالعِ في رؤية الهلال.
الشيخ: في التوقيتِ الشهريِّ، إذا كان بالإجماعِ أنَّ الاختلافَ في التوقيتِ اليوميِّ يختلف فيه الحكْمُ فكذلك الشهريُّ؛ إذْ لا فرقَ، تمام.
فيه قول ثالث؛ فيها ستَّةُ أقوالٍ، لكن أصولها ثلاثةٌ.
قول ثالث؟
طالب: أنَّ الناسَ تَبَعٌ لإمامهم؛ إذا صامَ صاموا، وإذا لم يَصُمْ ( ... ).
الشيخ: طيب ما حجة هذا القول؟
الطالب: الصومُ يومَ يصومُ الناسُ والفِطرُ حين يُفطِرون.
الشيخ: نعم، هذا من حيث النص.
من حيث المعنى؟
الطالب: من حيث المعنى: أنَّ الإمامَ هو الذي يَثْبتُ عن طريقه الصيامُ بالنسبة لعامَّةِ الناسِ، هو الذي يأمرهم بالصيام.
الشيخ: أنَّ الإمامَ هو المسؤولُ عن هذه الأشياءِ فيكونُ الحكمُ إليه، ولأنَّ هذا .. لو لم نَقُل بذلك لأدَّى إلى الخلافِ بين الناس والنزاعِ والعداوةِ والبغضاءِ؛ مثلما سمعْنا في بعضِ البلاد هذا العامَ؛ فيه ناس مِن هذا البلد خرجوا أفطَرُوا معنا وخرجوا وصَلَّوا العيد، والآخرون صائمون، ما يجوز هذا، هذا لا يجوز.
طالب: ( ... ).
الشيخ: على كلِّ حالٍ هُمْ تَبَعٌ للإمام، لكن الإمام ماذا يعمل؟ الإمام يجب عليه -على القول الراجح- أنْ يعمل بالقول باختلافِ المطالع.
صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا ولم يرَوا الهلال، ماذا يصنعون؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3359
الطالب: أتَمُّوا الشهر ..
الشيخ: أتَمُّوا ثلاثين؛ شَهِدَ واحدٌ بأنه رأى الهلالَ ليلةَ الأحدِ، فصاموا إلى أن صاموا يوم الاثنينِ الْمُوفِي الثلاثينَ، ليلةَ الثلاثاء طلبوا الهلالَ ما رأوه، فماذا يصنعون؟
الطالب: على رأي المؤلف: إذا لم يَرَوْا هلالَ ثلاثين فإنهم يصومون.
الشيخ: يصومون واحدًا وثلاثين يومًا؟ ! وإنْ أَبَى العامَّةُ قالوا: الشهر ما يزيد على ثلاثين يومًا، ما احنا بصايمين.
الطالب: ( ... ) إذا أتَمُّوا ثلاثين ولم يَرَوا الهلالَ ( ... ) حتى يَرَوا الهلالَ.
الشيخ: طيب، لماذا؟
الطالب: لأنهم لم يَرَوا الهلالَ.
الشيخ: طيب صاموا ثلاثين يومًا.
الطالب: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (11).
الشيخ: طيب، صُمْنا لرؤيته ولا يزيدُ الشهرُ على ثلاثين يومًا.
طالب: لأن شهرَ رمضانَ يَثْبت بشهادة رجُل واحد.
الشيخ: إي نعم، لأنَّ دخول الشهرِ يَثْبتُ بواحدٍ وخروجه لا يَثْبتُ إلَّا باثنينِ.
طيب، هل هناك رأيٌ آخرُ في المسألة؟
طالب: القول الثاني أنه يجبُ عليهم الصيام.
الشيخ: الصيام، هذا الذي نحن نتكلَّم عليه.
الطالب: الإفطار.
الشيخ: يجب عليهم الفطر، ليش؟
الطالب: لأن الشهرَ لا يزيدُ على ثلاثين.
الشيخ: لأن دخولَ الشهرِ ثبتَ بمقتضى دليلٍ شرعيٍّ، ولا يُمْكن أنْ يزيد على ثلاثين يومًا، ويَثْبتُ تَبَعًا ما لا يَثْبتُ استقلالًا؛ فإذا كان دخول شوال لا يَثْبتُ إلَّا باثنينِ، لكن خروج رمضان تَبَعًا لدخوله يَثْبتُ به الحكْم، وهذا القول هو الصحيح.
طيب هنا مسألة قريبة من هذا: لو أن رجلًا صامَ برؤية بلدٍ ثم سافرَ إلى بلدٍ آخر قد صاموا بعد البلدِ الذي صامَ فيه بيومٍ، وأتمَّ هو ثلاثين، ولم يُرَ الهلالُ في البلد الثاني، فهلْ يصومُ معهم أو يُفطِر؟
طالب: يصوم معهم.
الشيخ: يصوم معهم؟ هو صامَ ثلاثين.
الطالب: لا، يصومُ تبعًا للبلد الذي هو فيه.
الشيخ: طيب.
طالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3360
الشيخ: افرضْ أنهم ما اتَّحدوا في المطالع، أو أنهم اتَّحدوا ولكن رؤيةَ البلدِ الذي صامَ فيه غيرُ حقيقية.
الطالب: البلد الأول إذا أتمَّ ثلاثين أفطرَ.
الشيخ: إذا أتمَّ ثلاثين أفطرَ.
الطالب: إذا أفطروا في بلدِه.
الشيخ: ما أَفْطروا، هم عندهم اليوم تسعٌ وعشرون، هو صام اليوم ثلاثين.
الطالب: البلد الأول.
الشيخ: البلد الأول صار أفطرَ.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يُفطِر وفي البلد الثاني صائمون؟ !
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: يُفطِر ولكنْ سِرًّا.
الشيخ: يُفطِر سِرًّا؛ لأنه أتمَّ ثلاثين، ويكون سِرًّا لئلَّا يخالف الجماعة.
إذَنْ عندنا قولانِ: قولٌ مجزومٌ به وهو أنه يُفطِر سِرًّا، وقولٌ متردَّدٌ فيه؛ لأن صاحبه لم ترسخ قدمُهُ هل يصوم معهم أو لا؟ فما ترون؟
طالب: يصوم.
الشيخ: ها؟
الطالب: ( ... ) يفطر سرًّا.
الشيخ: نعم، القولُ بأنه يُفطِر سرًّا له وجْهٌ لا شكَّ، لكنْ أرجحُ منه أنه يصومُ معهم ولو زادَ على ثلاثين يومًا، يصوم؛ لأنه الآن هذا المكان اللِّي هو فيه لم يَثْبتْ خروج رمضان، وهذا أقربُ إلى الصواب، وربما يُقاس على ما إذا سافرَ الإنسانُ نهارًا من بلدٍ إلى بلدٍ آخر يتأخَّر غروبُ الشمسِ فيه، هلْ يُفطِر إذا غربت الشمسُ في البلد الذي ارتحلَ منه ولَّا يبقى حتى تغيب الشمس في البلد هذا؟
طلبة: يبقى ( ... ).
الشيخ: يَبْقى حتى تغيب الشمسُ في البلد هذا، إي نعم، طيب.
طالب: ما بينهم فرق؟
الشيخ: لا، ما بينهم فرق.
الطالب: ( ... ) اليوم ما زاد، هو يوم ( ... ) صيام يوم ( ... ).
الشيخ: وهذا زاد ساعات؛ لأن اليوم في البلدِ الذي ارتحلَ منه اثنتا عشرة ساعة، واليوم في البلد الذي وصلَ إليه اثنتا عشرة ساعة، فهو اثنتا عشرة ساعةً -اليوم- في البلدينِ.
طالب: شيخ ( ... ) فيمن صلى الظُّهر.
الشيخ: ( ... ) خلاص أخطأنا، أنا أخطأت إني راجعتها.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) نناقشها بعد ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3361
طيب، على كلِّ حالٍ هذا الأرجحُ، ولكنْ فيه قول أنَّه يُفطِر سِرًّا اعتبارًا بالبلد الذي انتقلَ منه، والمذهبُ أنَّه يُفطِر سِرًّا، ليش؟ لأنهم يقولون: إذا رُئِي في مكانٍ لَزِمَ جميعَ الناسِ حكْمُ الصومِ أو الفِطر، وقضى أنَّ الفِطْر في المكان الذي انتقلَ منه قد ثَبَتَ.
هناك فرقٌ بين وجودِ سببِ الوجوبِ وبين زوال المانعِ، فنريدُ صُوَرًا تبيِّنُ هذا الشيءَ.
طالب: زوال المانعِ ( ... ) حائض تَطْهُر ( ... ).
الشيخ: الحائض تَطْهُر، هذا زوالُ المانع، فإذا زالَ المانعُ في أثناءِ النهار فما الحكْمُ على ما جرى عليه المؤلف؟
الطالب: ( ... ) أنه يَلْزمها الإمساك.
الشيخ: أنه يَلْزم الإمساك؟ ! اصبر ما وصلنا إلى الصحيح، يَلْزم الإمساكُ والقضاءُ.
لماذا يَلْزم الإمساك؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: من اليوم ( ... ).
الشيخ: إي، لكنْ لماذا يَلْزمها الإمساك؟
الطالب: يَلْزمها الإمساك ( ... ).
الشيخ: أيش؟ لأنَّ لأنَّ.
الطالب: لأنَّ ( ... ) من رمضان ( ... ).
الشيخ: يعني لِحُرمةِ الزمن، تمام.
ولماذا يَلْزمها القضاء؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: صحيح؛ لأنَّ صوم هذاك اليوم ليس بصحيح، إمساكُها لا يُعَدُّ صومًا.
طيب، هلْ هناك قولٌ آخَر؟
طالب: القول الآخَر أن ( ... ).
الشيخ: نعم.
ما هو حُجَّة لُزومِ القضاءِ عليها؟
الطالب: لأنَّها لَمْ تَصُمْ.
الشيخ: لأنَّها لَمْ تَصُمْ.
وما هو حُجَّة عدمِ الإمساك؟
الطالب: لأن هذا زوالُ مانع ( ... ).
الشيخ: لا، ما يُمْكن تعلِّل بالحكْم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إذا قال مِثْل ما قال الأخ، لو قال: هذا الزمن محترم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، صحيح قاله، لكنْ نريد تعليلًا بيِّنًا؛ لأن كلام ابن مسعودٍ رضي الله عنه حُكْم، لكن نريد توجيهَ هذا الحكْم.
طالب: لأنها أفطرتْ بعُذْرٍ شرعيٍّ ( ... ) ليس له حُرمةٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3362
الشيخ: أحسنت، لأنها أفطرتْ بعُذرٍ شرعيٍّ، والنهارُ بالنسبة إليها ليس له حُرمة؛ لأنه يُباح لها الفِطْرُ ظاهرًا وباطنًا، هذا القول هو الراجح، هذا القول هو الصحيح، وقد سبق.
طيب، نريد مِثالًا لِمَا حَدَثَ فيه سببُ الوجوب.
طالب: إذا بلغ الصبي.
الشيخ: بلوغ الصبي، نعم؛ إذا بَلَغَ الصبيُّ في أثناء النهارِ فقد وُجِد سببُ الوجوبِ في أثناء النهار، فماذا يَلْزم؟
الطالب: يَلْزمه الإمساك.
الشيخ: يلزمه الإمساك.
طيب على كلام المؤلف؟
الطالب: يَلْزمه الإمساكُ والقضاءُ.
الشيخ: يَلْزمه الإمساكُ والقضاءُ، تمام.
لماذا يَلْزمه الإمساك؟
طالب: لأنه قامتْ عليه البيِّنة ( ... ).
الشيخ: لا يا شيخ، البيِّنة قامتْ من الليل، اليوم رابع من الشهر.
الطالب: قامتْ عليه البيِّنة، لأنه لم يجبْ عليه الصوم .. لأنه قامتْ عليه البيِّنة.
الشيخ: لا، البيِّنة قائمة، اليوم الرابع من الشهر، ما قامت البيِّنة في أثناء النهارِ، نحن الآن في رمضان.
الطالب: لأنه وُجِد سبب الوجوب.
الشيخ: يعني لأنه كُلِّفَ فلَزِمه الصومُ أو الإمساكُ.
طيب، ولماذا يَلْزمه القضاء؟
طالب: ما صام من اليوم الجديد ( ... ).
الشيخ: لأنه زمن الوجوب؟ طيب، لو صامَ من الفجر هل يَلْزمه القضاء؟ لو صامَ من الفجر وبَلَغَ في أثناء النهار؟
الطالب: ( ... ) على قول ( ... ) يَلْزمه ( ... ).
الشيخ: صامَ من الفجر مع الناس.
الطالب: لأنه ليس من أهل الوجوب.
الشيخ: إذا صحَّ التعليلُ الذي ذكرتَ فالحكمُ -كما قُلْتَ- أنَّه يَلْزمه القضاء؛ لأنه في أول النهار ليس من أهل الوجوب.
لكن هلْ هذا التعليل هو الصحيح؟
طالب: لأنه لم يَنْوِ من الفجر.
الشيخ: نعم، يعني لم يَصُمْ من أول النهار، صحيح.
طيب، فيه قول آخَر في المسألة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أنه يَلْزمه الإمساكُ ولا يَلْزمه القضاءُ، نعم.
لماذا يلزمه الإمساك؟
لأنه صار من أهل الوجوب، فلزِمه الإمساكُ، كما لو قامت البيِّنة في أثناء ..
الجزء: 1 - الصفحة: 3363
طيب، ولماذا لا يَلْزمه القضاء؟
طالب: لأنه لم يكن ( ... ) للوجوب من أول النهار.
الشيخ: تمام؛ لأنه ليس من أهل الوجوبِ من أول النهار، فلا يَلْزمه القضاءُ، وهذا القول هو الراجح أنَّه يَلْزمه الإمساكُ ولا يَلْزمه القضاءُ.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، يَلْزمه الأمساكُ، سبحان الله!
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا صبيٌّ بَلَغَ في أثناء النهارِ يَلْزمه الإمساكُ ولا يَلْزمه القضاءُ، وهذا اللِّي علَّل الأخ.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: ( ... ) غير مكلَّفة.
الطالب: الحائض؟
الشيخ: الحائض قُلنا: زوال مانع، وهذا الآن نقرِّر الفرقَ بين زوالِ المانعِ ووجود سببِ الوجوبِ، بينهما فرقٌ.
طيب، ما حُكم الصوم بالنسبة للمسافر؟
طالب: فيه ثلاث حالات.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: اللِّي ما يتأثر بالصوم، يعني ما يشقُّ عليه أبدًا ( ... ).
الشيخ: اصبرْ، أعطِنا حالات وبعدين نشوف الأحكام.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: مشقَّة محتمَلة؛ يعني ليست شديدة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، تمام، الأول؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا.
طالب: المسافر الذي لا يتأثَّر، مَثَلًا لا يشقُّ عليه الصومُ، فهذا لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز أنْ يُفطر؟
الطالب: المسافر الذي لا يشقُّ عليه الصوم.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) فيجوز له أنْ يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صامَ هذا، النبيُّ صلى الله عليه وسلم ..
الشيخ: يعني الفِطْر والصوم في حقِّهِ سواء؟
الطالب: الفِطْر والصوم، نعم .. لا، المسافر.
الشيخ: رجلٌ مسافرٌ ولا يشقُّ عليه الصومُ أبدًا.
الطالب: فله أنْ يصوم.
الشيخ: له، وله أنْ؟
الطالب: يُفطر.
الشيخ: يعني كلاهما على حدٍ سواء.
طيب، كأنَّ الناسَ يريدون أنْ يعارضوك.
طالب: الصومُ أفضلُ له.
الشيخ: الصومُ أفضل، والمسألة خلافية فيها رأيٌ أنَّ الفِطْر أفضل.
طيب، لماذا فضَّلنا الصوم؟
طالب: كي يصومَ مع الناس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3364
الشيخ: طيب، إذا صار ما فيه إلَّا هو، يعني هو وحدَه مسافرٌ ما عنده ناسٌ صائمون ولا مفطرون.
الطالب: ( ... ) ناس صائمين يصوم مع الناس.
الشيخ: طيب، ما عندك غير هذا التعليل؟
الطالب: ولا يكون مشقَّة عليه فيما بعد.
الشيخ: لأنه أسهلُ إذَنْ، إذَنْ لأنَّ صومَهُ في وقته أسهل، هذه واحدة.
الطالب: تَبرأُ ذِمَّتُه.
الشيخ: سرعةُ براءة الذِّمَّة، اثنين، إي نعم.
طالب: ليسهُلَ عليه صيامُه.
الشيخ: هذا قلناه.
طالب: أبو الدرداء رضي الله عنه قال ..
الشيخ: أنَّه فِعْلُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، طيب.
طالب: أنَّه يُدرك الزمنَ الفاضلَ.
الشيخ: فضْلُ الزمنِ.
طيب، الثانية: أنْ يشقَّ عليه مشقَّةً لكنها ليستْ شديدةً.
طالب: يُكره له الصوم.
الشيخ: يُكره له الصوم.
الطالب: والأفضل بحقِّه الفِطْر.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء بعد العصرِ رأى بعضَ الصحابةِ شقَّ عليهم الصومُ، فأتى له بماء.
الشيخ: غير هذه، دليل آخَر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما هو؟
الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صائمًا في وقت ( ... ).
الشيخ: لا.
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (9)؛ لأنه رأى رجلًا مُظَلَّلًا عليه.
الشيخ: صحيح، رأى رجلًا قد ظُلِّلَ عليه وعليه زحامٌ فقال: «مَا هَذَا؟ » قالوا: صائمٌ.
قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ».
لَدَيْنا قاعدة معروفة عند العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أفلا يقتضي هذا أنْ يكون الصومُ في السفر ليس من البِرِّ مطْلَقًا؟
طالب: ليس فيه دليل.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: بسبب حديث: اجتمعَ رجالٌ على شخصٍ ظُلِّلَ عليه، فقال «مَا هَذَا؟ ». قالوا: إنه رجلٌ صائمٌ.
والدليل أنَّه وجد في صومِهِ مشقَّةً ( ... ).
الشيخ: لكن الحديث الأخير: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، ولم يقُلْ: مع المشقَّةِ.
الطالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3365
الشيخ: إي، فهِمْتم يا جماعة؟ يقول: نعم، إنَّ العبرةَ بعموم اللفظ، فلا نقول: إنَّ الذي انتفى عنه البر هو هذا الشخص بعينه.
بلْ كلُّ مَنْ شاركه في هذا المعنى داخلٌ في الحديث، وهذا صحيح.
وقد نبَّهَ على هذا ابن دقيق العيد رحمه الله في شرح العمدة، وهو واضحٌ لمنْ تأمَّله، فلا نقول -كما استدلَّ بعضُ العلماء- بأنه يُكره الصومُ في السفر لهذا الحديث، نقول: هذا الحديثُ مبنيٌّ على سببٍ لمعنًى مخصِّصٍ وهو المشقَّة.
ثالثًا: إذا شقَّ شديدًا؟
طالب: يَحرُم الصوم.
الشيخ: يَحرُم؟
الطالب: إذا شقَّ مشقَّةً شديدةً، لَحِقَ ضررٌ؛ يَحرُم الصوم.
الشيخ: ما دليلك؟
الطالب: الدليلُ الذي رواه مسلمٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عام الفتح أنهم شقَّ عليهم الصيامُ، وأُخْبِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقيل له: إنهم ينظرون ماذا تفعلُ.
فأخذ قَدَحًا من الماء وشَرِبَ بعد العصر والناسُ ينظرون (12).
الشيخ: اللهم صلِّ وسلِّم عليه.
الطالب: فأفطرَ بعضُ الناسِ وبعضُهم ما زالَ صائمًا، فأُخبِرَ بذاك فقال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».
الشيخ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وَصَفَ الذين لم يُفطِروا مع مشقَّةِ الصومِ بأنهم؟
الطالب: عُصاة.
الشيخ: عُصاة؛ أي: جمع عاصٍ، والعاصي لا يكون إلا بإثم.
طيب، المريض حُكْم الصوم في حقه؟
طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: فيه تفصيل، ما هو؟
الطالب: إنْ كان مرضُهُ لا يُرجَى بُرْؤُهُ فأنه يُفطِر ويُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا ( ... ).
الشيخ: إذا كان لا يُرجى بُرْؤُهُ فإنه يُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
طيب، وإذا كان يُرجى بُرؤُهُ؟
الطالب: أنَّه يُفطِر ويقضي.
الشيخ: مطْلَقًا يُفطر؟
الطالب: لا، إنْ كان يؤثِّر عليه الصيام.
الشيخ: إذا كان يشقُّ عليه.
الطالب: نعم، فإنَّه يُفطر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3366
الشيخ: لو قال لك قائلٌ: الآية مطْلَقة؛ ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]، وأنتم قلتم في السفر: له الفِطر وإنْ لم يشُقَّ عليه.
فقولوا في المرض: له الفِطر وإنْ لم يشقَّ عليه.
حتى الإنسان الذي فيه زكامٌ يسيرٌ نقول له: أفطِر.
طالب: فيه قول.
الشيخ: فيه قول! طيب، هذه أحسن مما يُقال عن ابن جِنِّي: فيه قولانِ.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ابن جِنِّي يقولون: هو رجلٌ معروفٌ عالمٌ في النحو، وله شيخٌ كبيرُ العِمامة، أبوه من شيوخِ العمائم ولا يَعْرِف، وكان الناس يسألونه، فيقال أنه قال له ابنه: كُلّ ما قالوا لك قُلْ: فيه قولانِ؛ لأنه ما تخلو مسألة من خِلاف، فقيل له: أفي الله شكٌّ؟ قال: فيه قولانِ.
تورَّط بهذا، الله ما فيه شكٌّ -عز وجل- ولا أحدَ يقولُ: إنه فيه شكٌّ.
قالوا لَمَّا شافوه متورِّطٌ قالوا: الحلُّ عند ابنِهِ.
قال: نعم، فيه قولانِ في إعرابه، في إعرابه قولانِ.
فبعضُ الناسِ الآن ينقدحُ في ذهنه أنَّ المسألة فيها تردُّدٌ فيقول: فيها قولانِ.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هو فيها قولٌ، لكنْ نريدُ: ما هو القول الصحيح؟ يعني: كيف يُجاب عن الآية؟ لأن ظاهر الآية في الحقيقة يحتمل هذا القول: أنَّ مجرَّد المرضِ يُبيح الفِطْر.
طالب: القول ( ... ) في إطلاقِ الآية، ولكنَّ الصحيح أنَّه لا يُفطِر عملًا بالعِلَّة.
الشيخ: نعم.
الطالب: عملًا بالعِلَّة ( ... ).
الشيخ: طيب، كيف نُجيب عن مسألة السفر؟
الطالب: ثبتَ بالسُّنَّةِ العمليَّةِ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يصومُ ويُفطر في السفر، يعني ( ... ) في السفر للمشقَّة.
الشيخ: والصحابةُ يصومون ويُفطِرون، ولولا هذا لَقُلْنا: إنَّ السفر لا يجوز فيه الفِطْر إلا إذا كان في الصوم مشقَّة، لكنْ لَمَّا رأينا الصحابةَ أفطروا بدون مشقَّةٍ قُلْنا هكذا.
طالب: والمرض؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3367
الشيخ: المرض؟ ما عَلِمْنا أحدًا من السلف أفطرَ بأيِّ مرضٍ، المرضُ إذا كان ( ... ) بالصوم ولا يهتمُّ به؛ صداعٌ يسيرٌ، أو وَجَعُ ضرسٍ يسيرٌ، أو وَجَعُ عينٍ يسيرٌ، أو وَجَعُ أذنٍ يسيرٌ، أو وَجَعُ رِجْلٍ أو رُكْبةٍ، أو ما أشبه ذلك، نقول: أفطِر؟ !
طالب: لمن لَمْ يتحمَّل المرض كأَلَمِ الراسِ والضرسِ، ما يستطيع أنْ يتحمَّل الألم في الرأس، ما يصحُّ أنْ يُفطِر؟
الشيخ: له أنْ يُفطِر، ما دام فيه مشقَّة ولو كان يستطيع، لو كان يتحمَّل فله أنْ يُفطِر.
طالب: المصاب بمرض السكر؟
الشيخ: المصاب بمرض السكري قالوا لي: أنه ممن لا يُرجَى بُرْؤُه.
الطالب: يستطيع الصيام.
الشيخ: إي، لكنْ يضرُّه؛ يقولون: لا بدَّ يشرب دائمًا، على كلِّ حالٍ يَرجِع للطبيب.
طالب: السلام عليكم، إذا كان المرضُ لا يخصُّ مَثَلًا البطنَ، غالبًا ما ( ... ) الصائم من الصيام إلَّا في مرضٍ يخصُّ ما يمنعه من الأكل، لكنْ لو كان مَثَلًا في رِجْله أو يده ( ... ).
الشيخ: لا، يشقُّ عليه؛ لأن المريض تضيقُ عليه الدنيا، المريضُ ليس كالصحيح.
الطالب: يعني ما يخصص ( ... ).
الشيخ: لا، مُطْلَقًا؛ في البطن وغير البطن.
طالب: مريضٌ يشقُّ عليه الصومُ فقال: ( ... )، قال له: أفطِر، وهو عليه كفارة ( ... )؟
الشيخ: كفارة أيش؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) رمضان؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: والمسافر، هذه قاعدة خذها عندك: لا يصح صوم غير رمضان في رمضان.
نُقِلَ إلينا أنكم تقولون بجواز الجمعِ بين نيَّةِ قضاء رمضانَ وصيامِ ستٍّ من شوال، فهل هذا صحيح؟
لا، هذا غير صحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ» (13)، فجعلَ هذا مستقلًّا، ولو جازَتْ مِثْل هذه الحال لجازَ أنْ ينويَ الإنسانُ في صلاةِ الظُّهرِ راتبةَ الظُّهرِ الأولى في الركعتينِ، والثانيةَ في الركعتينِ، ويصلِّي بلا رواتب.
هذا يقول: هلْ يجوزُ إجهاضُ المرأةِ جنينَها في الشهرِ الثالث؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3368
نقول: يجوزُ عند الضرورة؛ إذا قال الأطباء: إنه إذا بَقِيَ في البطْنِ فإنه سوف يقتلُ الأمَّ.
أو قالوا: إنَّ الولد فيه تشويه.
ففي هذه الحال لا بأسَ بالإجهاض ما دام لم يتمَّ له أربعةُ أشهر.
طالب: مفيش ( ... ) فيه ضرورة للأُم؟
الشيخ: لا ما يجوز.
الطالب: طيب، إيه الحكم في ( ... )؟
الشيخ: الحكم يتوب إلى الله ويستغفر ولا يعود.
الطالب: مفيش دِيَة يعني؟
الشيخ: لا ما فيه، ما فيه صيام.
طالب: سأل بعضُ الإخوان يا شيخ، يقولون لمثلك -جزاك الله خيرًا-: تحرص على صيامِ الأيام البيض ( ... )، لكنهم لاحظوا عليك اليوم أنك ما ..
الشيخ: إي، أنا نويت بالستِّ ثلاثة أيامٍ من الشهر.
الطالب: أدخلتَها.
الشيخ: أدخلتُها فيها، نعم.
الطالب: اللِّي ما نوى؟
الشيخ: اللِّي ما نوى ( ... )، وإن اقتصرَ على الأول -إنْ شاء الله- لا بأس.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإِنْ نَوَى حاضرٌ صومَ يومٍ ثُمَّ سافرَ في أثنائِهِ فلَهُ الفِطْرُ.
وإنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ خوفًا على أنفُسِهما قَضَتَاهُ فقط، وعلى ولدَيْهِمَا قَضَتَا وأطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا.
ومَنْ نَوَى الصومَ ثُمَّ جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ ولم يُفِقْ جُزْءًا منه لم يَصِحَّ صومُهُ، لا إنْ نامَ جَمِيعَ النهارِ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: (وإِنْ نَوَى حاضرٌ صومَ يومٍ ثُمَّ سافرَ في أثنائِهِ فلَهُ الفِطْرُ).
الحاضرُ يجب عليه أنْ يصوم كما هو واضح، فإذا سافرَ في أثناء اليوم فهلْ له أنْ يُفطِر أو لا يُفطِر؟
في هذه المسألة قولانِ لأهل العلم:
القول الأول: أنَّ له أنْ يُفطِر، لكنْ بشرطٍ كما سنذكره.
القول الثاني: ليس له أنْ يُفطِر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3369
الأول هو المشهورُ من مذهبِ الإمامِ أحمد رحمه الله، وعلَّلوا ذلك بعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] يعني: فأفطرَ فعِدَّةٌ مِن أيامٍ أُخَر.
وهذا الآن سافرَ وصار على سَفَرٍ، فيَصْدُقُ عليه أنه مِمَّن رُخِّصَ له في الفِطْر فيُفطِر.
والقول الثاني علَّلوا بأنَّ الإنسانَ شَرَعَ في صومٍ واجبٍ فلَزِمَهُ إتمامُه، كما لو شَرَعَ في القضاء فإنه يَلْزمُهُ أنْ يُتِمَّ، وإنْ كان لولا شُروعه لم يَلْزمه أنْ يصوم؛ يعني مثلًا: إنسانٌ عليه يومٌ من رمضانَ فقال: أَصُومه غدًا.
أو: بعدَ غدٍ.
نقول: أنتَ بالخيار غدًا أو بعدَ غدٍ.
لكنْ إذا صامه غدًا فهلْ له أن يُفطِر في أثنائه ليصوم بعدَ غدٍ؟ لا، فهذا مِثْله.
لكن الصحيح ما ذهبَ إليه المؤلف أنَّ له أنْ يُفطِر، وقد جاءت السُّنَّة بذلك والآثارُ عن الصحابةِ رضي الله عنهم أنَّه إذا سافرَ في أثناء اليومِ فله الفِطْر.
ولكنْ هلْ يُشترط أنْ يُفارِقَ قريتَهُ، أوْ إذا عَزَمَ على السفرِ وارتحلَ فله أنْ يُفطِر؟
في هذا أيضًا قولانِ عن السلف، والصحيحُ أنه لا يُفطِر حتى يُفارِقَ القريةَ؛ لأنه لم يكن الآنَ على سَفَرٍ ولكنَّهُ ناوٍ للسفر، ولذلك لا يجوز أنْ يَقصُر الصلاةَ حتى يخرجَ من البلد، فكذلك لا يجوز أن يُفطِر حتى يخرج من البلد.
وإذا جازَ أنْ يُفطِر بعد السفرِ في أثناء اليومِ فهلْ يُفطِر بالأكلِ والشربِ أو بأيِّ مفطرٍ شاء؟
الجواب: الثاني؛ له أنْ يُفطِر بالأكلِ والشربِ وجماعِ أهله إذا كانوا معه، أيّ مُفْطِرٍ له أنْ يفعله.
ثم قال المؤلف: (وإنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ خوفًا على أنفُسِهما قَضَتَاهُ فقط، وعلى ولدَيْهِمَا قَضَتَا وأطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا).
الجزء: 1 - الصفحة: 3370
(إنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ ... ) إلى آخره، أفادَنا المؤلف رحمه الله أنه يجوز للحامِلِ أن تُفطِر ويجوز للمُرضِع أن تُفطِر وإنْ لم تكونا مريضتينِ؛ وذلك لأن الحاملَ يشقُّ عليها الصومُ من أجْلِ الحملِ، لا سِيَّما في أشهُرِهِ الأخيرةِ، ولأنَّ صيامها ربما يؤثِّر على نموِّ الحمْلِ إذا لم يكنْ في جسمها غذاءٌ؛ فربما يضْمُر الحمْلُ ويضعُف، وكذلك في المرضِع، هي سليمةٌ صحيحةٌ ما فيها شيءٌ، لكنْ إذا صامتْ ربما يقِلُّ لبنُها فيتضرَّرُ بذلك الطفل، لهذا كان من رحمة الله عز وجل بهما أنْ رَخَّصَ لهما في الفِطْر.
ولكن إفطارهما قد يكون مُراعاةً لحالهما وقد يكون مُراعاةً لحالِ الولد -الحمْل أو الطفل- وقد يكون مُراعاةً لحالهما مع الولد، فما الحكْم في الأحوال الثلاثة؟
نقول: أمَّا القضاءُ فلا بدَّ منه؛ لأن الله تعالى فَرَضَ الصيامَ على كلِّ مسلمٍ، وقال في المريض والمسافر: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ مع أنهما مُفطرانِ بعُذْرٍ، فإذا لم يسقط القضاء عمَّن أفطرَ لعُذْرٍ من مرضٍ أو سَفَرٍ فعَدَمُ سقوطِه عمَّنْ أفطرتْ لمجرَّد الراحةِ من باب أَوْلى، فالقضاء لا بدَّ منه.
ولكن الإطعام هلْ يَلْزم أو لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3371
ذكرَ المؤلفُ رحمه الله حالينِ، فقال في الحال الأولى: (وإنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ خوفًا على أنفُسِهما قَضَتَاهُ فقط) أي: قَضَتَا الصومَ فقط.
وقوله: (فقط) هذه كلمةٌ تعني أنه لا زيادةَ على ذلك.
(وعلى ولدَيْهِمَا قَضَتَا وأطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا) فزاد هُنا أنه في الحال اللتي تُفطرانِ مُراعاةً للولد يَلْزمهما القضاءُ وأنْ تُطعِما عن كلِّ يومٍ مسكينًا؛ أمَّا القضاءُ فواضحٌ لأنهما أفْطَرَتَا، وأمَّا الإطعامُ فلأنهما أفْطَرَتَا لمصلحة الغيرِ فلَزِمَهما الإطعام، وفيه أيضًا قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانتْ رُخْصةً للشيخِ الكبيرِ والمرأةِ الكبيرةِ وهما يُطيقانِ الصيامَ أن يُفطرا ويُطعِما لكلِّ يومٍ مسكينًا، والمرضعِ والْحُبلى إذا خافَتَا على أولادهما أفْطَرَتَا وأطْعَمَتَا (14). رواه أبو داود، ورُوِيَ عن ابن عمر رضي الله عنهما، فعلى هذا يَلْزمُهما شيئانِ:
الأول: القضاء؛ لأنهما أفْطَرَتَا.
والثاني: الإطعام؛ لأن فِطْرهما كان لمصلحة الغير.
بَقِيَت حالٌ ثالثةٌ لم يذكرْها المؤلف، ما هي؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إذا أفْطَرَتَا لمصلحتِهما ومصلحةِ الولد -الجنين أو الطفل- فالمؤلف سكتَ عن ذلك رحمه الله، ولكن المذهب أنه يُغَلَّبُ جانبُ مصلحةِ الأُمِّ، وعلى هذا فتقضيانِ فقط، فيكون الإطعامُ في حالٍ واحدةٍ وهي: إذا كان لمصلحة؟
طلبة: الغير.
الشيخ: الغير؛ لمصلحةِ الولدِ؛ الجنين أو الطفل، وهذا أحدُ الأقوالِ في المسألة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3372
والقولُ الثاني: أنَّه لا يَلْزمهما القضاءُ، وإنما يَلْزمهما الإطعامُ فقط سواء أفْطَرَتَا لمصلحتِهما أو مصلحةِ الولد أو للمصلحتينِ جميعًا، واستدلَّ قائلُ هذا القولِ بهذا الأثرِ؛ أثرِ ابن عباسٍ: إذا خافَتَا على أولادهما أفْطَرَتَا وأطْعَمَتَا (15)، ولم يذكر القضاء، وبحديثٍ آخَرَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ الصِّيَامَ عَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ» (14).
وقال بعضُ العلماء: يَلْزمهما القضاءُ فقط دون الإطعام، وهذا القولُ أرجحُ الأقوالِ عندي؛ لأن غاية ما يكون في حالهما أنهما كالمريض والمسافر، فيَلْزمهما القضاء فقط، وأمَّا سكوتُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما في هذا الأثرِ عن القضاء فلأنَّه معلومٌ، وأمَّا ما وَرَدَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْحُبْلَى والْمُرْضِعِ الصِّيَامَ» فالمراد بذلك وجوبُ أدائه، وعليها القضاء.
فإذا قال قائلٌ: أرأيتم لو أنَّ شخصًا أفطرَ لمصلحةِ الغيرِ في غيرِ هذه المسألةِ؛ مثل أنْ يُفطِر لإنقاذِ غريقٍ أو لإطفاءِ حريقٍ، فهلْ يَلْزمه القضاءُ والإطعامُ؟
نقول: في هذا قولانِ للعلماء:
منهم مَن قال: يَلْزمه القضاءُ والإطعامُ قياسًا على الحاملِ والمرضِعِ.
ومنهم مَن قال: لا يَلْزمه إلَّا القضاءُ فقط.
واستدلَّ لذلك بأنَّ النصَّ إنما وَرَدَ في الْحُبْلى والمرضِعِ دون غيرهما.
ولكنْ قال الآخَرون: وإنْ وَرَدَ النصُّ بذلك، لكن القياس في هذه المسألة تامٌّ، وهو أنه أفطرَ لمصلحة الغير.
والإفطارُ لمصلحة الغير له صورٌ منها:
الجزء: 1 - الصفحة: 3373
إنقاذُ الغريقِ؛ لو أنَّ رجلًا رأى شخصًا معصومًا سقط في الماء، وهو يقول: لا أستطيعُ أنْ أُخرِجه إلا إذا شَرِبْتُ؛ لأني عطشان لا أستطيعُ أن أتحرَّك.
فنقول أيش؟ اشربْ وأنقِذْه.
وكذلك في إطفاء الحريق؛ لو قال: لا أستطيعُ أنْ أُطفِئَ الحريقَ حتى أشربَ، قُلْنا: لا بأسَ، اشربْ وأطفِئ الحريقَ.
في هذه الحال إذا شَرِبَ وأخرجَ الغريقَ هَلْ له أنْ يأكلَ ويشربَ بقيَّةَ اليومِ؟
نعم، له أنْ يأكل ويشرب بقيَّةَ اليوم؛ لأن هذا الرجل أُذِنَ له في فِطْر هذا اليوم، وإذا أُذِنَ له في فِطْر هذا اليومِ صارَ هذا اليومُ في حقِّهِ ليس من الأيام التي يجب إمساكها، فيبقى مُفطِرًا إلى آخرِ النهار.
طيب، كذلك لو أنَّ شخصًا احتيجَ إلى دَمِهِ، بحيث أُصيبَ رجلٌ آخَر بحادثٍ ونَزَفَ دَمُهُ وقالوا: إنَّ دمَ هذا الصائمِ يَصْلُح له، وإنَّه إنْ لم يُستدرَكْ هذا المريضُ قبل الغروب لَمَاتَ، فهلْ له أنْ يَأْذَنَ في استخراجِ دمِهِ مِنْ أجْل إنقاذِ المريض؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ له ذلك؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، له ذلك، وفي هذه الحال يُفطِر بناءً على القولِ الراجحِ: أنَّ ما ساوَى الحِجامَةَ فهو مِثْلُها، وتعلمون الخلافَ في هذه المسألة؛ أنَّ المذهبَ أنَّه لا يُفطِر بإخراجِ الدم إلَّا بالحِجامة فقط دون الفَصْدِ ودون الشَّرطِ، لكن الصحيح أنَّ ما كان بمعناها فهو مِثْلُها.
وقولُ المؤلف رحمه الله تعالى: (أطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا).
(أطْعَمَتَا) ظاهِرُ كلامِهِ أنَّ الإطعامَ واجبٌ على الحامِلِ والمرضِعِ، ولكنَّ المذهبَ أنَّ الإطعامَ واجبٌ على مَن تَلْزمُهُ النفقةُ للولد؛ فمثلًا: إذا كان الأبُ موجودًا فمَن الذي يُطْعِم؟
طلبة: الأب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3374
الشيخ: الأبُ؛ لأنه هو الذي يَلْزمُهُ الإنفاقُ على ولدِهِ دون الأُمِّ، وعلى هذا فلا نُخاطِبُ الأمَّ إلَّا بالصيامِ فقط، وأمَّا الإطعامُ فنُخاطِبُ به الأبَ، ولو أنَّ الأبَ تهاونَ ولم يُطْعِمْ فليس على الأُمِّ في ذلك إثمٌ؛ لأن الواجبَ إنما هو على الأبِ، ولهذا يُعتبر كلامُ المؤلف رحمه الله مخالفًا للمذهب في هذه المسألة.
طالب: مقدارُ الإطعامِ يا شيخ؟
الشيخ: الإطعامُ، كلَّما أُطْلِقَ الإطعامُ فهو مُدُّ بُرٍّ أو نصفُ صاعٍ من غيره، والصحيح أنَّه له أن يُخرِج هذا وله أن يُطعِم المساكين.
يقول المؤلف رحمه الله: (ومَنْ نَوَى الصومَ ثُمَّ جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ ولم يُفِقْ جُزْءًا منه لم يَصِحَّ صومُهُ، لا إنْ نامَ جَمِيعَ النهارِ، ويَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيهِ القضاءُ فقطْ).
هذه ثلاثةُ أشياء متشابهة: الجنون، والإغماء، والنوم، وأحكامُها تختلفُ؛ إذا جُنَّ الإنسانُ جميعَ النهارِ في رمضانَ؛ يعني: أصابه الجنونُ من قَبْلِ الفجرِ حتى غربت الشمسُ، فمِن المعلومِ أنَّ صومَهُ لا يصِحُّ، لماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، هو ناوٍ، الرجلُ في صحَّةٍ ونوى، لكنْ أُصيبَ بالجنون.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأنه ليس أهْلًا للعبادة، مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصومِ العقلُ، مِن شَرْطِ الوجوبِ والصِّحةِ العقلُ، وعلى هذا فصومُهُ غيرُ صحيحٍ ولا يَلْزمُهُ القضاءُ، لماذا؟ لأنه ليس أهلًا للوجوبِ، مجنونٌ، والمجنون ليس أهلًا للوجوب.
طيب، الثاني: مَنْ أُغْمِيَ عليه بحادثٍ أو مرضٍ؛ إنسانٌ بعد أنْ تسحَّرَ أُصيبَ بمرضٍ أو حادثٍ فأُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ، فهل يصِحُّ صومُه؟
لا، لا يصِحُّ صومُهُ؛ لأنه ليس بعاقلٍ، ولكنْ يَلْزمُهُ القضاءُ لأنه مُكَلَّفٌ، وهذا قولُ جمهور العلماء.
طيب، لو فُرِضَ أنَّ الرجُل أُغمِيَ عليه قبل أذانِ الفجرِ، وأفاقَ بعد طلوعِ الشمس، يصِحُّ أو لا؟
طلبة: يصِحُّ.
الشيخ: يصِحُّ صومُهُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3375
صلاةُ الفجرِ هل تَلْزمه أو لا؟
طالب: لا تَلْزمه.
الشيخ: لا تَلْزمه؛ لأنه مرَّ عليه الوقتُ وهو ليس أهلًا للوجوب.
طيب، الثالث مَنْ؟ الثالث: النائم؛ رجلٌ تسحَّرَ، وكان مُرهَقًا، واضطجعَ ينتظِرُ أذانَ الفجرِ ثم نامَ ولم يستيقِظْ إلَّا بعد غروبِ الشمس، فما الحكم؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صومُهُ صحيحٌ، ولا قضاء عليه.
فهذه ثلاثةُ مسائل متشابهة وأحكامُها مختلفة.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، امرأةٌ كلَّمَا مرَّ عليها رمضانُ إمَّا حاملٌ أو مُرضِعٌ؟
الشيخ: إي، ما تقولون في هذا السؤال؟ سؤالٌ وجيهٌ وواقعٌ؛ امرأةٌ تَحمِل في رمضانَ ويشقُّ عليها الصومُ، وإذا حملتْ في رمضانَ سوف تَضَعُ قبل رمضانَ الثاني بثلاثةِ أشهرٍ أو أقلَّ أو أكثرَ، ثم تَشْرَعُ في الإرضاعِ، لا تصومُ الشهرَ الثاني، فجاء الشهرُ الثالثُ السَّنَةَ الثالثةَ حملتْ.
الظاهر -والله أعلم- أنَّ مِثْل هذه تكون كالشيخِ الكبيرِ؛ تُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا، فإذا عَلِمْنا سوف يستغرق مِن رمضانَ إلى رمضانَ كل هذا الوقتِ لا يُمْكنها أنْ تقضي؛ فالظاهرُ أنها تُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
طالب: الراجح في مسألة الإطعام على مَنْ؟
الشيخ: الحامِل والمرضِع؟
الطالب: إي، على ( ... ) الوليد.
الشيخ: الراجحُ أنَّه لا إطعامَ أصلًا.
طالب: حُجَّةُ شيخ الإسلام يا شيخ إذا تعلَّق بهدْيٍ أنَّه يُجزِئُ عن العقيقة؟
الشيخ: إي نعم، واللهِ في نفسي منها شيءٌ، ابنُ القيِّم رحمه الله ذَكَرَ أنَّه إذا صادفت العقيقةُ يومَ العيدِ؛ عيدِ الأضحى، فإنَّ الشاةَ تُجزِئُ عن الأُضحيةِ وعن العقيقةِ، لكنْ في نفسي مِن هذا شيءٌ؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ مستقلَّةٌ، لكنْ هو رحمه الله قاسها على تحيَّةِ المسجد.
الطالب: لأنهما مِن جنسٍ واحدٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3376
الشيخ: إي نعم، تحيَّة المسجد؛ إذا دخلَ المسجد وصلَّى الراتبةَ أجزأتْ عن تحيَّة المسجدِ، أو صلَّى الفريضةَ أجزأتْ عن تحيَّة المسجد.
واللِّي قدْ أيْسَرَ اللهُ عليه ينبغي أنْ يذبح ثنتينِ، والحمد لله.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، مَنْ أدرك، طلوعَ الفجرِ ثم جُنَّ، ولم يُفِقْ إلَّا بعدَ المغرب، هو أدركَ الآنَ جُزءًا من النهار؟
الشيخ: يعني بعد أنْ طَلَعَ الفجرُ، يَصِحُّ صومُهُ.
ويَجِبُ تَعيينُ النِّيَّةِ من الليلِ لصومِ كلِّ يومٍ واجبٍ، لا نِيَّةِ الفَرْضِيَّةِ، ويَصِحُّ النفْلُ بنِيَّةٍ من النهارِ قبلَ الزوالِ وبعدَه، ولو نَوَى إن كان غدًا من رمضانَ فهو فَرْضِي لم يَجْزِهِ، ومَن نَوَى الإفطارَ أَفْطَرَ.
﴿باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة﴾
مَن أَكَلَ أو شَرِبَ أو اسْتَعَطَ أو احْتَقَنَ أو اكْتَحَلَ بما يَصِلُ إلى حَلْقِه، أو أَدْخَلَ إلى جَوْفِه شيئًا من أيِّ مَوْضِعٍ كان غيرَ إِحْلِيلِه، أو اسْتَقَاءَ أو اسْتَمْنَى أو باشَرَ فأَمْنَى أو أَمْذَى أو كَرَّرَ النظَرَ فأَنْزَلَ.
طالب: الراجح في مسألة الإطعام على المذهب؟
الشيخ: على أيش؟
طالب: الراجح في مسألة الإطعام على مَن؟
الشيخ: الحامل والمرضع؟
الطالب: إي، على ( ... ) الوليد.
الشيخ: الراجح أنه لا إطعام أصلًا.
طالب: حجة شيخ الإسلام يا شيخ إذا تعلق بهدي أنه يجزئ عن العقيقة.
الشيخ: إي نعم، والله في نفسي منه شيء، ابن القيم رحمه الله ذكر أنه إذا صادفت العقيقة يوم العيد -عيد الأضحى- فإن الشاة تجزئ عن الأضحية وعن العقيقة، لكن في نفسي من هذا شيء؛ لأن كل عبادة مستقلة، لكن هو -رحمه الله- قاسها على تحية المسجد.
الطالب: من جنس واحد.
الشيخ: إي نعم، تحية المسجد، إذا دخل المسجد وصلى الراتبة أجزأت عن تحية المسجد، أو صلى الفريضة أجزأت عن تحية المسجد، واللي قد أيسر الله عليه ينبغي أن يذبح ثنتين والحمد لله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3377
طالب: شيخ بارك الله فيكم، من أدرك، طلع الفجر، طلوع الفجر ثم جُن ولم يُفِق إلَّا بعد المغرب، هو أدرك الآن جزءًا من النهار.
الشيخ: يعني بعد أن طلع الفجر، يصح صومه.
الطالب: لكن ( ... ) صحة الصوم ( ... ) وصومه.
الشيخ: إي لكن هذا شرع في العقل، شرع في الصوم وهو عاقل، ودخل في الصوم وهو عاقل.
الطالب: ( ... ) بالصيام بالقضاء.
الشيخ: ما نلزمه بالقضاء؛ لأنه استمر.
الطالب: لكن ( ... ) يجوز؟
الشيخ: لا، المفروض أنه ما أكل ولا شرب.
الطالب: لو أكل وشرب؟
الشيخ: لو أكل وشرب ما يصح صومه.
الطالب: يقضي؟
الشيخ: يقضي.
طالب: ( ... ) ياشيخ المرضعة والحامل في جميع الحالات تقضي ولا تطعم، هذا الصحيح؟
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف ينطبق على من خالفوا ابن عباس وهو من الصحابة؟
الشيخ: إي نعم، الجواب ( ... ) مثل غيره من العلماء يؤخذ من قوله ويُترك.
الطالب: والقول الثاني قاله بعض الصحابة؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: القول الذي رجحناه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قاله بعض الصحابة؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... ) هل إذا جُنَّ بعد طلوع الشمس أو بعد طلوع الفجر صومه صحيح إذا أحرم وهو عاقل وجُنَّ بعد الإحرام، هل حَجُّه صحيح ويجزئ عن الإسلام؟ وقد بينه المؤلف في الوقوف بعرفة هل يقاس هذا على هذا؟
الشيخ: لا، إذا جُنَّ في أثناء الإحرام فقيل: إنه يبطل إحرامه، يبطل، وقيل: يبقى حتى يُنظر هل يفوته الحج أو يمكن أن يَعْقِل قبل فوات الحج؟
الطالب: لماذا صححنا صومه ولم نصحح حَجَّه؟
الشيخ: كيف ما صححناه؟ نصححه.
الطالب: الحج؟
الشيخ: إي نعم، لو أدرك عرفة وهو عَقَل وأدرك عرفة صح صومه.
الطالب: لا، جُنَّ ولم يعقل.
الشيخ: معناه لأن الوقوف شرط.
الطالب: والصيام؟
الشيخ: والصيام أفاق جزءًا من النهار، إذا لم يُفِق ما صح.
طالب: سؤال ياشيخ، من الفجر إلى غياب الشمس هو في ( ... ) هل إذا جُنَّ ( ... )؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3378
الشيخ: هم يقولون: إن الصوم مجرد نية، مو عمل، فإذا كان مجرد نية وهذا الذي جُنَّ قد نوى، والتزم بذلك، ولم يحصل أكل ولا شرب يستمر.
الطالب: الصلاة ( ... ).
الشيخ: لا، الصلاة عمل، كيف يعمل وهو مجنون؟ الصلاة عمل ركوع وسجود وقيام وقعود.
طالب: إذا جن المجنون ( ... ) ثم أفاق من جنونه ( ... ) هل يستمر ( ... )؟
الشيخ: إي نعم يستمر، مادام صام قبل الفجر، نوى قبل الفجر.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: أفطر؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا ما يصح، يقضي هذا اليوم.
يقول: ذكرتم أنه لو أُغمِيَ على رجل قبل الفجر وأفاق قبل غروب الشمس لم يصح صومه وعليه القضاء، أما الصلاة فلا يقضيها، فما هو وجه التفريق بينهما، بارك الله في علمكم؟
وجه التفريق أن الصوم لا يتكرر، بخلاف الصلاة، ولهذا وجب على الحائض قضاؤه ولم يجب عليها قضاء الصلاة، واضح؟
يقول: هل يصح حجز الأماكن بالمسجد؟ والجدير بالذكر أن الشخص يحضر مبكرًا ويجد الأماكن محجوزة؟
والله نحن نرى أنه لا يجوز، لكن نرى أن الإنسان إذا حجز فلغيره أن يحجز، مثلما قلنا في المشاعر -مشاعر الحج- الأصل أنه ما يجوز الحجز، لكن إذا حَجَز الناس فاحجز، ماذا تفعل؟
طالب: الدليل على هذا ياشيخ؟
الشيخ: على أيش؟ على الجواز ولَّا على المنع؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا؛ لأن المذهب أنه يجوز، المشهور من مذهب الحنابلة أنه يجوز أن يحجز في الصلاة وفي الدرس.
طالب: إذا ترى ياشيخ أنت الجواز.
الشيخ: أنا ما أرى الجواز، أنا أرى أن الإنسان لا يحجز.
الطالب: إذا حجزوا؟
الشيخ: إذا حجز فله أن يحجز.
الطالب: يلزم من هذا القول بالجواز.
الشيخ: ما يلزم بارك الله فيك؛ لأن الناس كلهم الآن تساووا، وصار كل إنسان يأخذ حقه.
يقول: مسألة عدم مشروعية قضاء المغمى عليه الصلاة لم تتضح.
واضح، إذا أُغْمِيَ عليه حتى خرج الوقت فهذا هو، لا يلزمه القضاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 3379
طالب: ذكرنا أنه علَّلْنا أنه لخروج الوقت، وأن الصلاة تتكرر، وأن الصيام لا يتكرر، لكن يعني -كما نعلم وكما درسنا- أن الصلاة حتى في أشد المواقف خوفًا، في الحرب، ما سقطت.
الشيخ: هي ما سقطت لأنه صاح معه عقله، في الحرب لا تسقط.
الطالب: إي أفلا نقيس على النائم؟
الشيخ: لا ما يصح قياسه؛ لأن النائم يستيقظ، إذا أُوقِظ استيقظ، أما المغمَى عليه فهو عقله أكثر من نائم، زوال عقله وتغطيته أكثر من النائم.
الطالب: إذا تعمد الإغماء ( ... ).
الشيخ: لا، إذا تعمد الإغماء أو أُغْمِيَ عليه لمصلحة نفسه كما لو أُغْمِيَ عليه ببنج فإنه يقضي.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب الصيام: ويجب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب، لا نية الفريضة، ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، ولو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي لم يجزه ومن نوى.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في إنسان صام وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: والذي مشى عليه المؤلف أن له أن يفطر، ودليله حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح، فلما بلغ كُراع الغميم أفطر (1).
امرأة حامل أفطرت خوفا على نفسها فماذا عليها؟
طالب: يجوز لها الفطور وتقضي.
الشيخ: هي أفطرت فعلًا خوفًا على نفسها.
طالب: عليها القضاء.
الشيخ: عليها أيش؟
طالب: عليها القضاء دون الإطعام.
الشيخ: عليها القضاء دون الإطعام، وأخرى أفطرت خوفًا على الولد؟
طالب: عليها القضاء والإطعام.
الشيخ: والإطعام.
امرأة ثالثة أفطرت خوفًا على نفسها وعلى الولد؟
طالب: عليها القضاء فقط.
الجزء: 1 - الصفحة: 3380
الشيخ: عليها القضاء فقط، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف، وما هو القول الراجح اللي رجحناه؟
طالب: أنه لا يلزمها إلَّا القضاء فقط.
الشيخ: أنه لا يلزمها إلَّا القضاء فقط.
رجل أُصيب بحادث قبل طلوع الفجر وقد نوى الصوم ولم يُفِق إلَّا بعد غروب الشمس؟
طالب: لا يجزئه، بل يقضي.
الشيخ: يلزمه القضاء.
وآخر نام قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس؟
طالب: صيامه صحيح ولا قضاء عليه.
الشيخ: صيامه صحيح ولا قضاء عليه.
وثالث جُنَّ قبل طلوع الفجر ولم يُفِق إلَّا بعد غروب الشمس؟
طالب: عليه القضاء فقط.
الشيخ: عليه أيش؟
طالب: عليه القضاء.
الشيخ: عليه القضاء؟
طالب: لا يصح صومه، وليس عليه قضاء.
الشيخ: ليس عليه قضاء، فصارت ثلاثة الآن تختلف أحوالهم: النائم يصح صومه ولا قضاء عليه، والمغمَى عليه لا يصح صومه وعليه القضاء، والمجنون؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح صومه.
طالب: ولا قضاء عليه.
الشيخ: ولا قضاء عليه، ما الفرق بين المجنون والمغمى عليه؟
طالب: المغمى عليه؟
الشيخ: الفرق بين المغمى عليه والمجنون؟
الطالب: المجنون فاقد العقل من الأصل.
الشيخ: إي، لكن ما الفرق؟ ليش، هذا قلنا: لا يصح صومه ولا قضاء عليه؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: المغمى عليه يلزمه القضاء، ولا يصح صومه، والمجنون لا يصح صومه ولا يلزمه القضاء.
الطالب: لأن المغمَى عليه مكلف.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الطالب: لأن المغمى عليه مكلف والمجنون؟
الطالب: ليس بمكلف.
الشيخ: ليس بمكلف.
المؤلف يقول: (ويَلْزَم المُغْمَى عليه القَضَاءُ فقط)، في عبارته شيء من الخلل، فما هو الخلل؟
طالب: لأنه يُوهِم نَفْي الإطعام.
الشيخ: إي نعم؛ لأن قوله: (فقط) يُوهِم أنه لا إطعام عليه، وليس هذا المراد، المراد أن المغمَى عليه من بين هؤلاء الثلاثة فقط هو الذي يلزمه القضاء، ولهذا لو قال: ويلزم المغمى عليه فقط القضاء لكان أحسن، ويلزم المغمى عليه فقط، يعني: دون المجنون والنائم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3381
ثم قال المؤلف: (ويجب تعيين النية من الليل) النية والإرادة والقصد معناها واحد، يعني قصد الشيء يعني نيته، إرادة الشيء يعني نيته، والنية لا يمكن أن تتخلف عن عمل اختياري، يعني أن كل عمل يعمله الإنسان مختارًا فإنه لا بد فيه من النية، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (2)، يعني ما فيه عمل بلا نية، حتى قال بعض العلماء: لو كَلَّفَنَا الله عملًا بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، يعني لو قال الله لنا: توضئوا بلا نية، صلوا بلا نية، صوموا بلا نية، حُجُّوا بلا نية لكان هذا من تكليف ما لا يطاق، مَنْ يُطيق أن يفعل فعلا مختار فعله ولا ينوي؟ هذا لا يمكن.
وبذلك نعرف أن ما يحصل لبعض الناس من الوسواس حيث يقول: أنا ما نويت أنه وهم لا حقيقة له، وكيف يصح أنك لم تنوِ وأنت قد فعلت؟ وذكروا عن ابن عقيل رحمه الله، وهو من الفقهاء ومتكلم الحنابلة، يعني هو من المتكلمين ومن الفقهاء، أنه جاءه رجل يقول له: ياشيخ، أغتسِل في نهر دجلة ثم أخرج وأرى أنني لم أتطهر أو لم أطهُر.
فقال له ابن عقيل: لا تصلِّ.
فقال: كيف؟ قال: نعم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (3)، وأنت تذهب إلى دجلة -نهر- تنغمس فيه تغتسل عن الجنابة ثم تخرج وترى أنك ما تطهرت، هذا جنون.
فارتدع الرجل عن هذا.
فالحاصل أن النية مصاحبة لكل عمل أيش؟
طالب: اختياري.
الشيخ: اختياري، لا بد، ثم عاد ما هي النية، تختلف؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وبهذا التقرير يتبين أن الجملتين في الحديث ليس معناهما واحدًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3382
المهم المؤلف يقول: (يجب تعيينُ النيةِ) أفادنا بهذه العبارة أنه تجب النية ويجب تعيينها، النية وتعيينها، أنوي الصيام عن رمضان، أنوي الصيام عن كفارة، أنوي الصيام عن نذر أو ما أشبه ذلك، يقول: (من الليل لصوم كل يوم واجب)، (من الليل)، المراد بقوله: (من الليل) ما قبل طلوع الفجر، فيشمل ما كان قبل الفجر بدقيقة واحدة، وإنما وجب ذلك لأن صوم اليوم كاملًا لا يتحقق إلا بهذا، فمن نوى بعد طلوع الفجر هل يقال: إنه صام يومًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، فلذلك يجب لصوم كل يوم واجب أن ينويه قبل طلوع الفجر، وهذا معنى قول المؤلف: (من الليل)، يعني ليس بلازم أن تُبَيِّت النية قبل أن تنام، الواجب ألا يطلع الفجر إلا وقد نويت؛ لأجل أن تشمل النيةُ جميع أجزاء النهار؛ إذ إنه قد فُرِض عليك أن تصوم يومًا، فإذا كان قد فرض عليك أن تصوم يومًا فلا بد أن تنويه، متى؟ قبل الفجر إلى الغروب؛ ولهذا قال: (النية من الليل)، وهذا التعليل الذي ذكرته لكم يؤيده الحديث الذي ذكره في الشرح عن عائشة مرفوعًا: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (4) والمراد صيام الفرض، أما النفل فسيأتي.
يقول: (لصوم كل يوم واجب)، يعني يجب أن ينوي كل يوم بيوم، (لصوم كل يوم واجب)، فمثلًا في رمضان كم يحتاج إلى نية.
طلبة: ثلاثين نية.
الشيخ: ثلاثين نية، كل يوم لا بد أن ينوي له نية مستقلة، من ليلته أيضًا، وبناءً على ذلك لو أن رجلًا نام بعد العصر في رمضان ولم يستيقظ من الغد إلا بعد طلوع الفجر فهل يصح صومه اليوم الثاني؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا، لماذا؟
طلبة: لأنه لم ينوِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3383
الشيخ: لأنه لم ينوِ صوم هذا اليوم من ليلته، هذا الذي ذكره المؤلف هو المشهور من المذهب، وعللوا ذلك بأن كل يوم عبادة مستقلة، ولذلك لا يفسد صيام يوم الأحد بفساد صيام يوم الاثنين مثلًا، وهذا يدل على أن كل يوم عبادة مستقلة، فيجب أن ينوي لكل يوم نية مستقلة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يُشْتَرط فيه التتابع تكفي النية في أوله، ما يشترط فيه التتابع، تكفي النية في أوله، ما لم يقطعه لعذر، فيستأنف النية، وعلى هذا فإذا نوى الإنسان أول يوم من رمضان أنه صائم هذا الشهر كله فإنه يجزئه عن الشهر كله ما لم يحصل عذر ينقطع به التتابع، كما لو سافر في أثناء رمضان فإنه إذا عاد للصوم يجب عليه أن يجدد النية، وهذا هو الأصح؛ لأن المسلمين جميعهم لو سألتهم لقال كل واحد منهم: أنا ناو الصوم أيش؟
طلبة: من أول الشهر.
الشيخ: من أول الشهر إلى آخره.
وعلى هذا فإذا لم تتحقق النية حقيقة فهي متحققة حكمًا؛ لأن الأصل عدم القطع، ولهذا قلنا: إذا انقطع التتابع لسبب يبيحه ثم عاد إلى الصوم فلا بد من تجديد النية، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، وهو الذي لا يسع الناس العمل إلا عليه.
رجل عليه صيام شهرين متتابعين هل يلزمه أن ينوي لكل يوم نية جديدة؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، على ما مشى عليه المؤلف يجب أن ينوي لكل يوم نية جديدة، وعلى القول الذي اخترناه؟
طلبة: لا يجب.
الشيخ: لا يجب؛ لأن هذا يلزم فيه التتابع، فإذا أمسكْتَ بأوله فأنت في النية حكمًا إلى أن ينتهي، وعليه فإذا نوى -حينما شرع في صوم الشهرين المتتابعين- نوى صيام الشهرين المتتابعين، فإنه يكفيه عن جميع الأيام ما لم يقطع ذلك بعذر ثم يعود إلى الصوم فيلزمه أن يجدد النية.
رجل -بناء على هذا القول- نام في رمضان بعد العصر ولم يُفِق إلَّا من الغد بعد الفجر.
طلبة: يصح صومه.
الشيخ: على القول الراجح؟
طلبة: يصح صومه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3384
الشيخ: يصح صومه؛ لأن النية الأولى كافية، والأصل بقاؤها، ولم يوجد ما يزيل استمرارها.
قال المؤلف: (لا نية الفريضة) يعني لا تجب نية الفريضة.
طلبة: (الفرضية).
الشيخ: أنا عندي (الفريضة)، لكن الفريضة والفرضية المعنى واحد، يعني: لا يجب أن ينوي أنه يصوم فرضًا؛ لأن التعيين يغني عن ذلك، إذا قال: أنا أنوي صيام رمضان فمعلوم أن صيام رمضان؟
طلبة: فرض.
الشيخ: فرض، ولو قال: أنا أنوي صيام كفارة قتل أو كفارة يمين فمعلوم أنه؟
طلبة: فرض.
الشيخ: فرض، كما قلنا في الصلاة: إذا نوى أن يصلي الظهر لا يحتاج أن يقول: فريضة أو أن ينوي أنها فريضة؛ لأنه معروف أن الظهر فريضة، وعلى هذا فنقول: نية الفريضة ليست بشرط.
ولكن هل الأفضل أن ينوي القيام بالفريضة أو لا؟ الأفضل أن ينوي القيام بالفريضة، يعني أن ينوي رمضان على أنه قائم بفريضة؛ لأن الفرض أحب إلى الله من النفل، لكنه ليس بواجب.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله في الشرح مسائل ينبغي أن نذكرها؛ لأنها مفيدة، فقال رحمه الله: ومن قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله مترددًا فسدت نيته، لا متبركًا، إذا قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله ننظر: هل مُرادُه الاستعانة بالتعليق بالمشيئة على تحقيق مراده؟ إن قال نعم؟ أجيبوا.
طلبة: صح صومه.
الشيخ: فصيامه صحيح؛ لأن هذا ليس تعليقًا، ولكنه استعانةٌ بالتعليق بالمشيئة لتحقيق مراده؛ لأن التعليق بالمشيئة مما يكون سببًا لتحقيق المراد، ويدل لهذا حديث سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام حينما قال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله.
فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف على تسعين امرأة يجامعهن ولم تلد منهن إلَّا واحدة شِقَّ إنسان، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَكَانَ دَرَكًا (5) لِحَاجَتِهِ» (6).
فإن قال ذلك مترددًا، يعني ما يدري هل يصوم أو لا يصوم فإنه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3385
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن النية لا بد فيها من الجزم، فلو بات على هذه النية قال: أنا صائم غدا إن شاء الله، فإن صومه -إن كان فرضًا- لا يصح إلَّا أن يستيقظ قبل الفجر وينويه.
قال المؤلف: كما لا يفسُد إيمانه بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله غير متردد في الحال، وهذه المسألة اختلف الناس فيها، وتكلمنا عليها منذ عهد.
طلبة: قريب.
الشيخ: قريب أو بعيد؟
طلبة: قريب.
الشيخ: قريب، وحينئذ نسألكم عنها: أولًا هل يجوز أن يقول: أنا مؤمن دون أن يقول: إن شاء الله؟
طالب: نعم ياشيخ، إذا كان في إثبات أصل الإيمان يجب عليه أن يقول: أنا مؤمن، ولا يقول: إن شاء الله، وأيضًا.
الشيخ: ترى يمكن انتقلت إلى التعليق.
الطالب: إذا كان على سبيل الإخبار يجوز.
الشيخ: إذا كان على سبيل الإخبار يجوز، ومنه قول القوم للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «مَنِ الْقَوْمُ؟ ». قالوا:
طلبة: المسلمون.
الشيخ: المسلمون (7).
طالب: اللهم إذا كان من باب الكبرياء فقط فهذا لا يجوز قطعًا.
الشيخ: الكبرياء؟
الطالب: لا يجوز التعظيم وكذا.
طالب آخر: تزكية النفس.
الشيخ: وإن كان من باب التزكية فإنه لا يجوز، الدليل؟
طالب: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، هذا إذا قال: أنا مؤمن بدون ذكر المشيئة، وإذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، فما الحكم؟
طالب: فيها تفصيل.
الشيخ: فيها تفصيل.
طالب: إذا قال: إن شاء الله مترددًا فإنه يكفر؛ لأن الشك يُبْطِل الإيمان.
الشيخ: إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله يعني مترددًا فهذا كفر؛ لأن الإيمان لا بد فيه من الجزم، هذا واحد.
طالب: وإن كان قالها هربًا وخوفًا من التزكية -من أن يزكي نفسه- عملًا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ وهو غير مشكك ولا متردد في أصل إيمانه فيجوز.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أو يجب؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3386
الطالب: يجب عليه أن يقول: إن شاء الله؛ خوفًا من التزكية.
الشيخ: إذا كان قال ذلك خوفًا من التزكية كان واجبًا عليه؛ لأن التزكية حرام، وما كان هو سببًا لاتقاء الحرام كان واجبًا.
طالب: إن قال ذلك، إن قال: إن شاء الله أي أن إيماني كائن بمشيئة الله هذا جائز.
الشيخ: يعني إن قصد به التعليل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: التعليل وأن إيمانه بمشيئة الله فهو جائز، هل لك دليل في هذا؟
الطالب: نعم، قول المُسَلِّم على القبور: السلام عليكم أهل الديار، إلى قوله: وإنَّا إنْ شاء الله بكم لاحقون.
الشيخ: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، فهو يقول: إن شاء الله في أمر مجزوم به؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لكن لبيان أن ذلك؟
طالب: بمشيئة الله.
الشيخ: بمشيئة الله، لو قيل لرجل صلى المغرب الآن: أصليتَ المغرب، فقال: إن شاء الله، هل يصح هذا القول أو لا يصح؟
طالب: إن كان يقصد ( ... ).
الشيخ: إي نعم، قال: فعلت ذلك بمشيئة الله فهو جائز صحيح، وإنْ قصد الإخبار عن الفعل فقط فقوله: إن شاء الله لا وجه له؛ لأنك ما فعلته إلَّا وقد؟
طالب: شاء الله.
الشيخ: وقد شاء الله، وإنْ قَصَد بقوله: إن شاء الله يعني صلاة مقبولة فهذا لا بأس به أيضًا، ولهذا لو قيل له: هل لبِسْتَ ثوبك -وهو عليه الثوب- قال: إن شاء الله يُنكر عليه، كيف تقول: إن شاء الله وهو عليك الآن، إلا إذا كان فقيهًا وقال: أنا أردت بقولي: إن شاء الله أن لُبسي إياه كان بمشيئة الله، فهذا لا يُنْكَر عليه.
طالب: متردد.
الشيخ: كيف يتردد وهو لابسه؟
الطالب: في الصلاة.
الشيخ: في الصلاة أيش متردد؟ هو مصل، لا ما يصح، إذا وقع الفعل ما فيه تردد، إلا إذا كان قصده الثواب، يعني صلاة أثاب عليها فهذا صحيح، ربما يتردد الإنسان لأنه ما يثق بالنفس.
قال: ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم.
طالب: القول الراجح يا شيخ؟
الشيخ: في أيش؟
الطالب: في المسألة.
الشيخ: أي مسألة؟
الطالب: إذا قال: إن شاء الله مترددًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3387
الشيخ: في الإيمان؟
الطالب: في الصيام.
الشيخ: إي، ما صح.
الطالب: ما يصح صومه؟
الشيخ: ما يصح نعم، ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم، يكفي هذا؟ لو قام في آخر الليل وأكل على أنه سحور، يكفي أو لا؟
طلبة: يكفي.
الشيخ: يكفي، حتى إن شيخ الإسلام قال: إن عشاء الصائم -اللي بيصوم غدًا- يختلف عن عشاء من لا يصوم غدًا، أيهما أكثر؟
طلبة: الصائم.
الشيخ: الذي لا يصوم ولَّا الصائم؟
طلبة: الصائم.
الشيخ: لا، الذي لا يصوم؛ لأن الصائم سوف يجعل فراغا للسَّحور.
ثم قال المؤلف رحمه الله -المتن-: (ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده).
طلبة: ما بعده.
الشيخ: كيف؟
طلبة: ما بعده.
الشيخ: (ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده)، عندكم (ما بعده)، حطوه نسخة، نسخة: (أو بعده).
(يصح النفل) أي: صوم النفل (بنية من النهار قبل الزوال أو بعده) هذا مقابل قوله: (يجب تعيين النية من الليل)، صيام النفل يصح بنية من أثناء النهار، لكن بشرط ألا يأتيَ مُفطرًا من بعد طلوع الفجر، فإن أتى بمفطر فإنه لا يصح، مثال ذلك: رجل أصبح، وفي أثناء النهار صام، وهو لم يأكل ولم يشرب ولم يجامع ولم يفعل مُفطرًا بعد الفجر، نقول: هذا الصوم صحيح، هذا صوم صحيح، مع أنه لم ينوه من قبل الفجر؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل ذات يوم على أهله فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ ». قالوا: لا.
قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» (8)، (إذن) ظرف للزمان الحاضر «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» فأنشأ النية من النهار ولَّا من قبل؟
طلبة: من النهار.
الشيخ: نعم، من النهار، فدل ذلك على جواز إنشاء النية في النفل من أثناء النهار، ولكن هل يُثاب ثواب يوم كامل؟ أو يُثاب من النية؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3388
الشيخ: في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إنه يُثاب من أول الفجر، يعني من أول النهار؛ لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون من أول النهار، ومنهم من قال: إنه لا يُثاب إلا من وقت النية فقط، فإذا نوى عند الزوال فكم أجره على القول الثاني؟
طلبة: نصف يوم.
الشيخ: أجر نصف يوم، وهذا القول هو الصحيح؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2)، وهذا الرجل لم ينوِ إلا في أثناء النهار فيحسب له الأجر من حين نيته، وبناء على هذا القول الراجح لو كان الصوم يُطْلَق على اليوم مثل صيام الاثنين، صيام الخميس، صيام البيض، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونوى من أثناء النهار فإنه لا يحصُل له ثواب ذلك اليوم، يعني لو نوى في يوم الاثنين نوى من أثناء النهار، فهل يُثاب ثواب من صام يوم الاثنين من أول النهار؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولا يصدق عليه أنه صام يوم الاثنين، وكذلك لو أصبح مُفْطِرًا فقيل له: إن اليوم هو اليوم الثالث عشر من الشهر، وهو أول أيام البيض، فقال: إذن أنا صائم، فهل يثاب ثواب أيام البيض؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، بناء على القول الصحيح الذي يكون الثواب من النية، لا يُثاب ثواب صيام أيام البيض؛ لأنه لم يصم يومًا كاملًا، وهذه نقطة قد يظن بعض الناس أن كلام المؤلف يدل على حصول الثواب، حتى في اليوم المعيَّن من النفل، اشترطنا في صحة النية من أثناء النهار في النفل ألَّا يفعل قبلها؟
طلبة: مُفطرًا.
الشيخ: مُفطرًا، فلو أن الرجل أصبح مُفْطِرًا وأفطر، أكل خبزًا وأدمًا وشاهيًا وحليبًا، وفي أثناء الضحى قال: نويت الصيام؛ لأنه نفل، يصح أو لا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأنه فعل ما ينافي الصوم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3389
لو قال قائل: ألستم تقولون: إنه لا يُثاب على أجر الصوم إلَّا من النية؟ أو ترجحون ذلك؟ قلنا: بلى، ولكن هل يمكن أن يكون صومٌ وقد أكل أو شَرِب في يومه؟ هذا لا يمكن، ولهذا نجد أن الصغار من الفتيان والفتيات إذا صاح على أهله وقال: أنا أريد أن أصوم، يقولون له بعد الفطور: صم، إلى متى؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إلى أن يأتي الغداء، إذا جاء الغداء بيقول: عطونا غدا، نعطيه الغدا، وحينئذ يكون صائمًا، صيام فتى، أو صيام غلام.
ويقول: (ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده)، والدليل كما سمعتم، (ولو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي لم يجزئه)، هذه مسألة مهمة تَرِد كثيرًا، (لو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي)، سواء قال: وإلا فنفل، أو: وإلا فأنا مُفطِر، رجل نام في الليل مبكرًا ليلة الثلاثين من شعبان، وفيه احتمال أن تكون هذه الليلة هي؟
طلبة: واحد رمضان.
الشيخ: واحد رمضان، فقال: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي، أو قال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، أو قال: إن كان غدًا من رمضان فهو فرض، وإلا فهو عن كفارة واجبة، أو ما أشبه ذلك من أنواع التعليق، فهل يصح؟
المذهب -كما رأيتم- يقول: لا يصح؛ لأن قوله: إن كان فهو فرضي وقع على وجه التردد، والنية لا بد فيها من الجزم، فلو بان من رمضان، يعني مثلًا الرجل نام ولم يستيقظ إلَّا بعد طلوع الفجر ثم تبين أنه من رمضان، فهل عليه القضاء؟ قضاء هذا اليوم؟
طلبة: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3390
الشيخ: نعم، على ما مشى عليه المؤلف يجب عليه قضاء هذا اليوم؛ لأن هذا اليوم لم يصح صومه، والرواية الثانية عن الإمام أحمد في هذه المسألة أن الصوم صحيح إذا تبين أنه من رمضان، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولعل هذا يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لضُباعة بنت الزُّبَيْر: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي؛ فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (9)، فهذا الرجل علَّقَه لأنه لا يعلم، هو لا يعلم أن غدًا من رمضان فيتردد، فتردده مبني على التردد في ثبوت الشهر، لا على التردد في هل يصوم أو لا يصوم، ولهذا لو قالها ليلة الواحد من رمضان المؤكد أنها من رمضان، لو قال: أنا غدا، يعني يمكن أن أصوم ويمكن لا أصوم قلنا: هذا ما صح، لم يصح؛ لأنه متردد، لكن هذا التردد ليس مبنيًّا على التردد في النية، وإنما مبني على التردد في أيش؟
طلبة: في ثبوت الشهر.
الشيخ: في ثبوت الشهر، وإذا عَلَّق الصوم على ثبوت الشهر، فهذا هو الواقع، لو لم يثبت الشهر لم يصم، وعلى هذا فينبغي لنا إذا نمنا قبل أن يأتي الخبر في ليلة الثلاثين من شعبان، أن ننوي بأنفسنا أنه إن كان غدًا من رمضان فنحن صائمون، وإن كان بالنية على سبيل العموم نية كل مسلم لكن تعيينها أحسن؛ يقول في نفسه: إن كان غداً من رمضان فهو فرضي.
لو قال ذلك ليلة الثلاثين من رمضان وقال: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، وإلَّا فأنا مفطر؟
طالب: بس ما يحتاج ( ... ).
الشيخ: هو قال هكذا: إن كان غدًا من رمضان، ليلة الثلاثين من رمضان، فيه احتمال ألا يكون، إن كان غدًا من رمضان، يعني فأنا صائم، وإلَّا فأنا مفطر، يقولون: إن هذا جائز، والواقع أن هذا فيه تردد في النية لكنه مبني على ثبوت؟
طلبة: الشهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3391
الشيخ: ثبوت الشهر، فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون في أول الشهر كما كان في آخره، لكن هم يُفَرِّقُون بأنه في أول الشهر الأصل عدم الصوم؛ لأنه لم يثبت دخول الشهر، وهنا بالعكس الأصل أيش؟
طلبة: الصوم.
الشيخ: الأصل الصوم، الأصل أن غدا الثلاثين من رمضان، ولكن هل هذا التفريق فَرْق مؤثر؟ هو في الواقع غير مؤثر بالنسبة للتردد، كلاهما متردد، والاحتمال في كليهما وارد، فيوم الثلاثين من شعبان فيه التردد: هل يكون من رمضان أو لا؟ ويوم الثلاثين من رمضان فيه التردد: هل يكون من رمضان أو لا؟ لكن الفرق عندهم هو ما سمِعتم.
ثم قال: (ومن نوى الإفطار أفطر)؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (2) فما دام ناويًا للصوم فهو صائم، وإذا نوى الإفطار؟
طلبة: أفطر.
الشيخ: أفطر، صار مفطرًا، ولأن الصوم نية، ليس شيئًا يفعل، بل هو نية، فإذا نوى الإفطار أفطر، كما لو نوى قطع الصلاة فإنها أيش؟
طلبة: تنقطع.
الشيخ: تنقطع الصلاة، ولكن ما معنى قول المؤلف: (أفطر) معناه: انحلَّتْ نيته، وفسد يومه، لكن لو نواه بعد ذلك نفلًا في أثناء النهار، لو نواه نفلًا أيجوز هذا أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، إلَّا أن يكون في رمضان، فإن كان في رمضان فإنه لا يجوز.
مثال آخر: إنسان صام يومًا نفلًا، ثم نوى الإفطار، ثم قيل له: كيف تفطر؟ ما بقي من الوقت إلا قليل أقل من نصف اليوم، قال: إذن هَوَّنْت، أنا صائم، هل يُكتب له يوم؟ أو من النية الثانية؟
طلبة: من النية الثانية.
الشيخ: من النية الثانية؛ لأنه قطع النية الأولى وصار مُفْطِرًا، لكن يصح أن ينوي النفل من أثناء النهار، إلَّا إذا كان في رمضان فإن رمضان لا يصح فيه صوم أي يوم.
طالب: بارك الله فيكم، نوى أن يفطر، لكن مثلًا ما وجد أكلا، نوى أن يفطر ما وجد أكلًا، فأتم صيامه فرضًا، هل يصح هذا الفرض؟
الشيخ: ما يصح؛ لأنه نوى الفطر.
الطالب: لكن ما نوى ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3392
الشيخ: أما لو نوى أن يُفْطِر بمعنى أنه يقول: إن وجدتُ ماء شربت، أو إن وجدتُ طعامًا أكلت، ولكنه ما فعل فإنه لا يُفْطِر، والفرق أن الأول جزم بالقطع، والثاني عزم على فعل المحظور، ولم؟
طلبة: يفعله.
الشيخ: ولم يفعله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا ( ... ) السابقة أن الإنسان لو عمل رياء عملًا صالحًا ( ... ) رياء فإنه ليس له من الأجر شيء، ولكن لو تاب إلى الله عز وجل واحتسب العمل مرة أخرى فإن له الأجر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فما الفرق بينه وبين الذي في أثناء النهار وجد طعامًا؟
الشيخ: لأن هذا الصوم يوم.
الطالب: وجد طعام فنوى الصيام فلماذا قلنا: له نصف الأجر أو نصف ( ... ).
الشيخ: لأنه يصح النفل بنية من النهار كما جاء في الحديث.
الطالب: أقصد الأجر.
الشيخ: كيف؟ الأجر ما له إلا من نصف اليوم.
الطالب: لأني ياشيخ أقول: إنه يحتسب بعد أن تاب.
الشيخ: في الرياء يعني؟
الطالب: يعني عمل عملًا من الأعمال الصالحة رياء، ثم تاب إلى الله.
الشيخ: تاب متى؟
الطالب: تاب بعد العمل واحتسبه مرة أخرى ( ... ) الأجر.
الشيخ: لا، ما وصله أجر، إذا تاب يسقط عنه الإثم فقط.
الطالب: وليس له.
الشيخ: وليس له أجر.
طالب: أفطر في أثناء رمضان لعذر، ثم نام من بعد العصر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس؟
الشيخ: يقول: لو أنه أفطر لعذر في رمضان، ثم نام من بعد العصر ولم يستيقظ إلا بعد الفجر غدًا؟
طالب: إذا صام يومًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: نوى صيامه، ثم ( ... ).
الشيخ: إي نعم لكن من نيته؟
الطالب: أن يصوم.
الشيخ: أن يستمر يعني، يكفي، على القول الذي رجحناه يكفي.
طالب: شيخ، بالنسبة ( ... ).
الشيخ: أنتم فاهمون السؤال هذا؟
طالب: لا ما هو واضح ياشيخ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3393
الشيخ: يقول: رجل مسافر، والمسافر له أن يفطر في رمضان، أفطر يومًا أو يومين، ثم بدا له أن يصوم، ونوى الصوم بقية الشهر، ثم في يوم من الأيام نام من بعد العصر إلى بعد الفجر، هل يصح يومه هذا؟ يصح صوم يومه هذا أو لا؟ على القول الذي رجحناه يصح؛ لأنه نوى الاستمرار في الصوم إلى آخر الشهر.
طالب: شيخ، إذا قلنا: إنه يفطر، هل ( ... ) وهو في رمضان أن يمسك أو لا؟
الشيخ: سؤال جيد، يقول: لو نوى الإفطار في رمضان قلنا: إنه يُفطر، لكن هل يجوز له أن يستمر في الفطر يأكل ويشرب؟
نقول: إن كان يباح له الفطر فلا بأس، كالمريض مثلًا أو المسافر، وإن كان لا يباح له الفطر، فإنه يلزمه الإمساك والقضاء.
والقاعدة في هذه المسألة: أن كل من أفطر لعذر فإن له الأكل بقية نهاره، لو أفطر لإنقاذ معصوم في رمضان وأنقذه فهل يلزمه الإمساك بقية اليوم؟
الطالب: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأن هذا اليوم في حقه لا يلزمه صومه، فلا يلزمه الإمساك، خلافًا لما يظنه بعض الناس أنه إذا أفطر لإنقاذ معصوم وأنقذ المعصوم، فقد انتهت الحاجة إلى الأكل والشرب فيلزمه الإمساك، هذا ليس بصحيح.
والقاعدة الآن: من أفطر لغير عذر في رمضان أيش؟
الطالب: وجب عليه الإمساك.
الشيخ: وجب عليه الإمساك بقية اليوم مع الإثم، ومن أفطر لعذر فلا إثم عليه، ولا يلزمه الإمساك.
طالب: الفرق بينه وبين الصلاة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: الصلاة يقطعها؟ ينوي قطع الصلاة ثم يكمل ( ... ) وألا يستمر؟
الشيخ: لا، انقطعت خلاص.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أي صيام؟
الطالب: لو نوى ( ... ).
الشيخ: لو نوى قطع الصيام انقطع الصوم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إذا نوى الإفطار لعذر شرعي في رمضان أفطر ويأكل ويشرب.
طالب: لكن من غير عذر.
الشيخ: لا، بغير عذر يلزمه الإمساك، في رمضان خاصة احترامًا للزمن.
طالب: ما الفرق بينه وبين الصلاة؟
الشيخ: الصلاة ما فيها زمن محدد.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيضًا ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3394
طالب: من أفطر لغير عذر يا شيخ.
الشيخ: نعم، السؤال.
طالب: إذا كان صائمًا في رمضان، ونوى السفر، وأراد السفر، ونوى الإفطار بعد أن يخرج من العمران، ثم حصل له شيء فترك السفر فهل تنقطع؟
الشيخ: ما تنقطع.
الطالب: ما ينقطع الصيام؟
الشيخ: يستمر.
الطالب: يستمر في الصيام.
الشيخ: إي نعم.
الشيخ: لأنه ما نوى الإفطار، نوى الإفطار إذا سافر.
طالب: أحسن الله إليك ياشيخ، من أفطر لغير عذر هل يلزمه القضاء مع الإثم؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والحديث ياشيخ «مَنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ» لا يقوى له.
الشيخ: «لَمْ يَقْضِهِ صَوْمُ الدَّهْرِ» (10).
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا أولًا ضعيف، والثاني على تقدير صحته لم يقضه صوم الدهر، يعني بمعنى أنه لا يمكن أن يكون كالذي أدَّاه في وقته، أما من لم يصم أصلًا فهذا لا يُقبل منه ولا يقضي، لو قضى لم يُقبل منه.
عرفت الفرق؟ يعني رجل تعمد ألا يصوم يومين من رمضان، ولم يصم، هذا نقول: لا يقضي؛ لأنه لو قضى لم ينفعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (11) لكن من شرع في صوم اليوم ثم أفسده لزمه القضاء، والفرق أنه لما شرع فيه ألزم نفسه به، فصار في حقه كالنذر، فيلزمه القضاء، بخلاف من لم يشرع أصلًا.
طالب: بارك الله فيك، ما تستطيع أن تحصي الأيام التي تجب فيها النية قبل الفجر، يعني الأيام التي فرض.
الشيخ: كل صوم واجب.
الطالب: مثل يعني الكفارة قصدي.
الشيخ: لا، الكفارة لازم من قبل الفجر، سواء كفارة ظهار أو كفارة قتل أو جماع في رمضان أو كفارة يمين أو نذر، القاعدة: كل صوم واجب لا بد أن ينوي قبل الفجر.
طالب: شيخ شرطتم أن العبادة التي نيتها متتابعة.
الشيخ: أيش؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3395
الطالب: إذا كان فيه تتابع في العبادة فيكفي النية في أولها، النية في أول العبادة بالنسبة للحديث ياشيخ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصَّوْمَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (4) الرد عليه؟
الشيخ: الرد على هذا أنَّا نُبَيِّتُه مو قبل الفجر فقط، من قبل يومين، ما هو بقبل الفجر فقط، انتهى؛ لأن هذا قد أشار قبلك.
طالب: ( ... ) ذكرنا الراجح أن ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: الراجح أن ما يشترط فيه التتابع يكفي نية واحدة هل هذا ينطبق على الصوم؟ وهل الصوم يشترط فيه التتابع؟
الشيخ: هل أيش؟
الطالب: هل الصوم يشترط فيه التتابع؟
الشيخ: بعضه يشترط وبعضه لا يُشترط، صيام شهرين متتابعين يُشترط، رمضان يُشترط.
الطالب: من سافر ينقطع ( ... )؟
الشيخ: ذكرنا إنه إذا قطعها بالسفر لا بد من تجديد النية.
الطالب: وهذه القاعدة ما الدليل عليها؟
الشيخ: ( ... ) استثنينا أنه ما لم يوجد سبب شرعي يبيح الفطر فلا بد من استئناف النية.
الطالب: دليلنا على هذه القاعدة، أليس هو التتابع؟
الشيخ: الدليل لأن الإنسان نوى هذا، من الأصل ناو يصوم من واحد رمضان إلى ثلاثين من رمضان، أو إلى تسع وعشرين.
الطالب: ما هو بقياس على الحج أو على الصلاة؟
الشيخ: لا، هو مستقل بنفسه، ما يحتاج قياس، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، لكن مراد الحديث: لو نويت في أثناء النهار وهو صوم واجب ما أجزأ؛ لأنه لا يقال: إنك صمت يومًا.
( ... ) في أثناء النهار فما توجيهكم لذلك؟ توجيهنا لهذا أن عاشوراء لم يؤمر به إلا في ذلك الوقت، وأما صوم النفل فقد أُمر به من قبل، أخذنا ثلاثة الآن؟
[باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة]
الجزء: 1 - الصفحة: 3396
طالب: أو استعط، أو احتقن، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه، أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله، أو استقاء، أو استمنى، أو باشر فأمنى، أو أمذى، أو كرر النظر فأنزل، أو حجم، أو احتجم وظهر دم، وظهر دم عامدًا ذاكرًا لصومه، فسد، لا ناسيًا أو مكرهًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قال المؤلف: (باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة).
والمفسد للصوم يسمى عند العلماء المُفطرات، وأصولها ثلاثة؛ ذكرها الله عز وجل في قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] هذه أصول المُفطرات، وقد أجمع العلماء على مدلول هذه الثلاثة، وما سوى ذلك فيأتي -إن شاء الله- الكلام فيه.
أولًا: الأكل: الأكل: إدخال الشيء إلى المعدة عن طريق الفم، وقولنا: إدخال الشيء يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا يضر ولا ينفع، ما ينفع كاللحم والخبز والسَّوِيق، وما أشبه ذلك، وما يضر: كأكل الحشيشة، والخمر يسمى شربًا، وما أشبهها، وما لا نفع فيه ولا ضرر مثل أن يبتلع الإنسان خَرَزَة، خرزة سبحة أو نحوها، فهذا لا ينفع ولا يضر، ومع ذلك يكون مُفطرا، ووجه العموم إطلاق الآية: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، وهذا يسمى أكلًا.
وقال بعض أهل العلم: إن ما لا يغذي لا فِطر بأكله، وبناءً على هذا فإن بلع الخرزة لا يُفطر، أو الحصاة، أو ما أشبهها، والصحيح أنه عام، وأن كل ما ابتلعه الإنسان من نافع أو ضار أو ما لا نفع فيه ولا ضرر فإنه مُفطر لإطلاق الآية، هذه واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3397
الثانية: (أو شرب)، الشرب يشمل ما ينفع وما يضر، ويمكن أن نقول: ما لا نفع فيه ولا ضرر، إن كان فلنقله، المهم أنه يشمل كل ما يُشرب من ماء أو مرق أو لبن أو دم أو دخان أو غير ذلك، كل ما يُشرب فهو داخل في قول المؤلف: (أو شرب).
قال: (أو استعط)، استعط يعني تناول السَّعُوط، والسَّعُوط ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، فإنه أيضا مُفطر؛ لأن الأنف مَنْفَذ يصل إلى المعدة، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للَقيط بن صَبِرة: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (12)، فقوله صلى الله عليه وسلم: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» يدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق، ولا نعلم لهذا علة إلَّا أن المبالغة تكون سببًا لوصول الماء إلى المعدة، وهذا مخل بالصوم، وعلى هذا فنقول: كل ما وصل إلى المعدة عن طريق الأنف فإنه مُفطر، ودليله ما ذكرناه من حديث لَقيط بن صَبِرة رضي الله عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3398
قال المؤلف: (أو احتقن)، الاحتقان هو إدخال الأدوية عن طريق الدُّبُر، وهو معروف، ولا يزال معروفًا، فإذا احتقن فإنه يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن العلة وصول الشيء إلى الجوف، والحقنة تصل إلى الجوف، يعني تصل إلى شيء مجوف في الإنسان، تصل إلى الأمعاء فتكون مُفَطِّرة، بناء على أن العلة وصول الطعام والشراب إلى الجوف، فإذا وصل إلى الجوف عن طريق الفم أو الأنف أو أي منفذ كان فإنه يكون مُفَطِّرًا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعليه أكثر أهل العلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا فِطْر بذلك، أن الحقنة لا تفطر لأنها لا يُطلق عليها اسم الأكل والشرب، لا لغة ولا عرفًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3399
وليس هناك دليل في الكتاب والسُّنَّة أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الجوف، لو كان هناك دليل لقلنا: كل ما وصل إلى الجوف من أي منفذ كان فإنه مُفَطِّر، لكن الكتاب والسُّنَّة دلَّا على شيء معين، وهو الأكل والشرب، وهذا ليس أكلًا ولا شربًا، لا عرفًا ولا لغة، وليس مناط الحكم أن يصل الشيء إلى الجوف حتى نقول: إن هذا مُفَطِّر، لكن بعض العلماء المعاصرين يقول: إن الحقنة إذا وصلت إلى الأمعاء فإن البدن يمتصها عن طريق الأمعاء الدقيقة، وإذا امتصها انتفع منها، فكان ما يصل إلى هذه الأمعاء الدقيقة كالذي يصل إلى المعدة من حيث التغذي به، وهذا من حيث المعنى قد يكون قويًّا، لكن قد يقول قائل: إن العلة في تفطير الصائم بالأكل والشرب ليست مجرد التغذية، وإنما هي التغذية مع التلذذ بالأكل والشرب، فتكون العلة مركبةً من جزأين، أحدهما: وصول الشيء إلى الجوف، والثاني: التلذذ بالأكل والشرب؛ لأن التلذذ بالأكل والشرب مما تطلبه النفوس، والدليل على هذا أن المريض إذا غُذِّي بالإبر لمدة يومين ثلاثة تجده في أشد ما يكون شوقًا إلى الطعام والشراب، مع أنه متغذٍّ، فلقائل أن يقول: ليست العلة هي وصول الشيء إلى الجوف، بل العلة مركبة من شيئين: أحدهما ذلك، والثاني التلذذ.
وبناء على هذا -وليس هذا ببعيد- نقول: إن الحقنة لا تُفَطِّر مطلقًا، ولو كان الجسم يتغذى بها عن طريق الأمعاء الدقيقة، فيكون القول الراجح في هذه المسألة قول شيخ الإسلام ابن تيمية مطلقًا، ولا التفات إلى ما قاله بعض المعاصرين وهو أن الحقنة لا تُفَطِّر.
ومن الحقن المعروفة الآن ما يوضع في الدبُر عند شدة الحمى، فإن هذا معروف عند الأطباء، ومنها أيضًا ما يُدْخَل في الدبر من أجل العلم بحرارة المريض وما أشبه ذلك، فكل هذا لا يُفَطِّر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3400
ثم لدينا قاعدة مهمة لطالب العلم، وهي أننا إذا شككنا في الشيء أَمُفَطِّر هو أم لا فما الأصل؟ الأصل عدم الفطر، فلا نجرؤ على أن نُفْسِد عبادة مُتَعَبِّد لله إلا بدليل واضح يكون لنا حجة عند الله عز وجل، فالحقنة مثلا لا شك أنها ليست أكلًا ولا شربًا، ولا يحصل بها ما يحصل بالأكل والشرب من التلذذ، فلذلك لا نُلحِقها بالأكل والشرب إلَّا بشيء نعتمد عليه بَيِّن وواضح.
قال: (أو اكتحل بما يصل إلى حلقه) (اكتحل) الكحل معروف، اكتحل بما يصل إلى الحلق، فإنه يُفَطِّر؛ لأنه وصل إلى شيء مجوف في الإنسان وهو الحلق، هذا هو تعليل من قال: إن الكحل يُفَطِّر، ولكن هذا التعليل فيه نظر، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أن الكحل لا يفطر ولو وصل طعم الكحل إلى حلقه، وقال: إن هذا لا يسمى أكلًا ولا شربًا ولا بمعنى الأكل والشرب، ولا يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب، وليس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديث صحيح صريح يدل على أن الكحل مُفَطِّر، والأصل عدم التفطير وسلامة العبادة حتى يثبت لدينا ما يُفْسِدها، وما ذهب إليه رحمه الله هو الصحيح، وأن الكحل لا يفطر ولو وجد الإنسان طعمه في حلقه، وبناءً على ذلك لو أنه قطر في عينه وهو صائم فوجد الطعم في حلقه فإنه لا يُفْطِر لذلك بناءً على ما اختاره شيخ الإسلام، وهو حق إن شاء الله.
قال: (أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله)، إذا أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان -غير الإحليل- فإنه يفطر بذلك، فلو أن الإنسان أدخل منظارًا إلى المعدة حتى وصل إلى المعدة فإنه يكون بذلك مُفْطِرًا، والصحيح أنه لا يُفْطِر بهذا إلا أن يكون في هذا المنظار دهن أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار، فإنه يكون بذلك مُفْطِرًا، ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلَّا للضرورة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3401
لو أن الإنسان كان له فتحة في بطنه وأدخل إلى بطنه شيئًا عن طريق هذه الفتحة، هل يفطر بذلك أو لا؟ نقول: على ما مشى عليه المؤلف: يُفْطِر، وعلى القول الثاني: لا يُفْطِر.
نقول: إذا أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير الإحليل، الإحليل يعني الذَّكَر، لو أدخل عن طريق الذَّكَر خيطًا فيه طعم دواء فإنه لا يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن الذكر لا يصل إلى الجوف ما دخل عن طريقه، فإن البول إنما يخرج رشحًا، هكذا علل الفقهاء -رحمهم الله- البول يجتمع في المثانة، وإذا أراد أن يخرج فإنه يخرج رشحًا، هكذا يقولون.
وقد يقال: إن في هذا نظرًا؛ لأن البول إذا أراد الله أن يخرج فإنه ينفتح، تنفتح المثانة وينزل البول، وهذا يدل على أنه يصل إلى المثانة، لكن يقولون: إن المثانة أيضا لا تتصل بالبدن؛ لأن الماء ينزل إليها عن طريق الرشح؛ لأنه ليس لها إلا ثقب واحد، والحمد لله نحن نقول: إننا في غنى عن هذه التعليلات؛ بماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: بالأصل أن المُفَطِّر هو الأكل والشرب، وما أُدْخِل من طريق الإحليل لا يسمى أكلًا ولا شربًا، وإذا كانت الحقنة -وهي التي تُدْخَل عن طريق الدبر- لا تفطر فما دخل عن طريق الإحليل من باب أَوْلَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3402
قال المؤلف: (أوِ استقاء)، استقاء يعني استدعى القيء، ولكن لا بد من قيد: استقاء فقاء، فلو استدعى القيء ولكنه لم يقئ فإن صومه لا يفسد، بل لا يفسد إلا إذا استقاء فقاء، ولا فرق بين أن يكون القيء قليلًا أو كثيرًا ما دام قيئًا، أما ما خرج بالتعتعة من الحلق فإنه لا يُفَطِّر، لا يُفَطِّر إلَّا ما خرج من المعدة، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ، وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ» (13) ذرعه يعني غلبه.
واستدعاء القيء له طرق: النظر والشم والعصر والجذب، هذه أربعة أشياء، وربما نقول: السمع أيضًا، أما النظر فأن ينظر الإنسان شيئًا كريهًا فتتقزز نفسُه ثم يتقيأ، وأما الشم فظاهر؛ يشم رائحة كريهة فيتقيأ، وأما العصر فأن يعصر بطنه عصرًا شديدًا إلى فوق ثم يتقيأ، وأما الجذب فأن يدخل أصبعه في فمه حتى يصل إلى أقصى حلقه ثم يتقيأ، والسمع ربما يسمع شيئا كريهًا، وبعض الناس نفسه قريبة فيتقيأ، المهم إذا غَلَبَه القيء فلا شيء عليه، وإن تعمده هو فعليه القضاء، والدليل حديث أبي هريرة، وقال بعض العلماء: إنه لا فطر بالقيء ولو تعمده؛ بناء على قاعدة قَعَّدوها، وهي: الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل، قاعدتان متقابلتان.
وبناء على هذه القاعدة التي ليست بصحيحة قالوا: إنه لا نقض بأكل لحم الإبل، لا ينتقض الوضوء؛ لأن لحم الإبل داخل وليس بخارج، ولا فساد للصوم بأيش؟
طالب: بالقيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 3403
الشيخ: بالقيء والحجامة؛ لأن هذا خارج وليس بداخل.
ولكن من المعلوم أن هذا رأي يقابل النص، ويعارض النص، والرأي المقابل للنص المعارض له رأي فاسد، لا عبرة به، نقول لصاحبه: ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 140]، ما دام هذا حكم الله فإنه خير من الرأي، ولكن مع ذلك نحن قلناه لنبين لكم أن من العلماء من يذهب مذهبًا غريبًا، القاعدتان أول ما يسمعهما الإنسان يقول: ما أحلاهما، ولكن إذا كانتا تخالفان النص فلا خير فيهما.
يقول رحمه الله: (أو استمنى)، استمنى يعني طلب خروج المني بأي وسيلة، ولكن سيذكر المؤلف في الآخِر (فأمنى، أو أمذى)، إذا استمنى يعني استدعى المني سواء بيده أو بالتدلُّك على الأرض أو ما أشبه ذلك حتى أنزل، فإن صومه يفسد بذلك، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة رحمهم الله؛ مالك والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأبى الظاهرية ذلك وقالوا: لا فطر بالاستمناء ولو أمنى، أين الدليل من القرآن والسُّنَّة على أنه يُفْطِر بذلك؟ فإن أصول المُفَطِّرات كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، وليس هذا منها، فيحتاج إلى دليل، ولا يمكن أن نُفْسِد عبادة عباد الله إلَّا؟
طلبة: بدليل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3404
الشيخ: بدليل من الله ورسوله.
ولكن عندي -والله أعلم- أنه يمكن أن يُستدل لذلك من وجهين: الوجه الأول نص، والوجه الثاني قياس، أما النص فإن في الحديث الصحيح أن الله سبحانه وتعالى قال في الصائم: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (14)، والاستمناء شهوة، والمني شهوة، والدليل على أن المني يطلق عليه اسم شهوة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ».
قالوا: يارسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْه وِزْرٌ، كَذَلِكَ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» (15) والذي يوضع هو المني، النطفة، وهذا يدل على أن المني مُفَطِّر إذا كان لشهوة، وأما القياس فأن نقول: جاءت السُّنَّة بفطر الصائم بالتقيؤ إذا قاء، وجاءت السُّنَّة بفطر المحتجم إذا احتجم وخرج منه الدم، وكلا هذين يضعفان البدن، أما خروج الطعام فإنه واضح أنه يُضْعِف البدن؛ لأن المعدة تبقى خالية فيجوع الإنسان ويعطش سريعًا، وأما خروج الدم فظاهر أيضًا أنه يُضْعِف البدن، ولهذا ينصح من احتجم أو تبرع لأحد بدم من جسمه أن يبادر بالأكل، وبالأكل السريع؛ السريع الهضم والسريع التفرق في البدن؛ حتى يعوض ما نقص بالدم.
خروج المني هل يحصُل به ذلك؟ نعم، يُفَتِّر البدن بلا شك، يُفَتِّر البدن، ولهذا أُمِر بالاغتسال ليعود النشاط إلى البدن، فيكون هذا قياسًا على أيش؟
طلبة: على الحجامة.
الشيخ: على الحجامة وعلى القيء، وبهذا نقول: إن المني إذا خرج بشهوة فهو مُفَطِّر للدليل والقياس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3405
يقول: (أو استمنى، أو باشر فأمنى)، باشر مَن؟ باشر زوجته، سواء باشرها باليد أو باشرها بالوجه، بتقبيل، أو باشرها بالفرج أيضًا، فإنه إذا أنزل أفطر، وإن لم يُنْزِل فلا فطر بذلك، ونقول في الإنزال بالمباشرة ما قلناه في الإنزال بأيش؟ بالاستمناء: إنه مُفَطِّر.
وعُلِمَ من كلام المؤلف أنه لو استمنى بدون إنزال فإنه لا فطر، وأنه لو باشر بدون إنزال فإنه لا فطر بذلك، وسيأتي بيان حكم المباشرة وأن العلماء قالوا: إنها مكروهة ما لم يَظُن الإنزال فتحرم، وبعض العلماء قال: إنها مباحة مالم يَظُن الإنزال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يباشر وهو صائم، ويقبل وهو صائم، وسيأتي الكلام عليها فيما بعد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3406
قال: (أو باشر فأمنى أو أمذى)، (أمنى) واضح، (أو أمذى)، ما هو المذي؟ المذي: هو ماء رقيق يحصل عَقِب الشهوة بدون أن يحس به الإنسان عند خروجه، وهو بين البول والمني من جهة النجاسة، فالمني طاهر موجِب لغسل جميع البدن، والبول نجس موجِب لغسل ما أصاب من البدن فقط، يعني يوجب أن نغسل ما أصابه من البدن فقط، والمذي بين بين، يوجب غسل الذكر والأنثيين وليس يوجب الغسل إذا أصاب الملابس، بل يكفي فيه النضح كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، يرى المؤلف -رحمه الله- أن المذي كالمني، يعني إذا استمنى فأمذى أو باشر فأمذى فإنه يَفْسُد صومه، والذين يقولون: لا يفسد بالمني يقولون: لا يفسد بالمذي من باب أولى، والذين يقولون: إن الصوم يفسد بالمني اختلفوا في المذي على قولين؛ فالمذهب ما سمعتم ولكن ليس له دليل صحيح؛ لأن المذي دون المني، لا بالنسبة للشهوة ولا بالنسبة لانحلال البدن، فلا يمكن أن يُلْحَق به.
والصواب أنه إذا باشر فأمذى أو استمنى فأمذى أنه لا يَفْسُد صومه، وأن صومه صحيح، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والحجة فيه عدم الحجة؛ لأن هذا الصوم عبادة شرع فيه الإنسان على وجه شرعي، فلا يمكن أن نُفْسِد هذه العبادة إلا بدليل.
قال: (أو كرر النظر فأنزل)، إذا كرر النظر فأنزل فسد صومه، وإن نظر نظرة واحدة فأنزل أيش؟ لم يفسد؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَةُ» (16)، ولأن الإنسان لا يملك أن يجتنب هذا الشيء، فإن بعض الناس يكون سريع الإنزال وقوي الشهوة من حين ينظر إلى امرأته يُنْزِل، وهذا لو قلنا بأنه يُفَطِّر لكان فيه مشقة، فصار النظر فيه تفصيل: إن كرر حتى أنزل فسد صومه، وإن أنزل بنظرة واحدة لم يفسد، بقي شيء ثالث الآن: التفكير، لو جعل يفكر يفكر يفكر حتى أنزل أيفسد صومه؟
طالب: لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3407
الشيخ: لا، لا يفسد صومه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (17)، فعندنا الآن المباشرة والنظر والتفكير، المباشرة إذا أنزل فيها أو أمذى -على المذهب- فسد صومه، النظر إن كان واحدة فأنزل أو أمذى فلا شيء في ذلك، وإن كرر فأمذى فلا شيء في ذلك، وإن كرر فأنزل فسد صومه، التفكير لا يفسد صومه سواء أمنى أو أمذى، والدليل كما سمعتم.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم بأنه لو قيل يعني بأن التلذذ علة مع كونه مغذيًا لكان قولًا ( ... ) أحسن الله إليكم، وهذه العلة ألا يدفعها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (18) معلوم أن الصائم لا يتلذذ بهذا الماء الذي يأتي يخرج يخرج من أنفه ( ... ).
الشيخ: ما فيه شك أنه ما يحصل به اللذة كما يحصل باللسان؛ لأنه يكون وراء الذوق.
الطالب: ومع ذلك نهى النبي عن ..
الشيخ: نهى خوفًا من الإفساد، يمكن أن يُعَلَّل بأن هذا منفذ معتاد وجرت العادة أن الإنسان يتغذى به، لكن لا شك أن اللذة ما تحصل به كما تحصل بالفم.
طالب: قوله: (أوْ اسْتَمْنَى) ذكرنا خلافًا، وذكرنا الصحيح أنه يُفَطِّر إذا استمنى.
الشيخ: إذا أمنى.
الطالب: إذا أمنى، الدليل قول: «شَهْوَتَهُ» (14) في الحديث القدسي، قلنا: «شَهْوَتَهُ» ( ... ) قوله: «شَهْوَتَهُ» هذه عامة وقيدت بالمباشرة بالآية.
الشيخ: بالآية؟
الطالب: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187].
الشيخ: الآية ما.
الطالب: الشهوة عامة اللمس والنظر والتقبيل والضم وغير ذلك.
الشيخ: لكن كلمة: وضعها.
الطالب: هذه عائدة من العموم أو شهوته الحديث وضعها ( ... ).
الشيخ: إي.
الطالب: فقوله: أو شهوته هذه عامة.
الشيخ: ما هو مجرد الشهوة تُفَطِّر، ولهذا لو قَبَّل أو باشر وحصلت شهوة شديدة لكن ما أنزل فلا شيء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3408
الطالب: نعم، قوله رحمه الله ( ... ) فائدة التخصيص؛ لأن الشهوة هنا عامة، والله عز وجل خص بالمباشرة الاستمناء، كيف نخصصه من هذا العموم؟
الشيخ: الاستمناء فيه نوع مباشرة، ولهذا لو خرج المني منه بدون أن يحرك ذكره، ولكن مجرد يعني انفعال وتفكير ما فسد صومه.
الطالب: الاستمناء لا يسمى مباشرة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الاستمناء لا يسمى مباشرة.
الشيخ: ما هو مباشرة غيرك لكن مباشرة يدك، وقد يستمني الإنسان بيد زوجته.
الطالب: يعني الآية ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187] تشمل الاستمناء بمباشرة الزوجة وبمباشرة اليد؟
الشيخ: لا، الآية قد لا نقول: إن قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: النساء، واضحة، لكن عندما نقول: نزول المني لأنه شهوة مفسد للصوم فنقول: الاستمناء هو سبب النزول هذا، فإذا استمنى وأنزل فسد صومه.
الطالب: على هذا نقول: إن النظر بشهوة يفسد الصوم، واللمس بشهوة يفسد الصوم.
الشيخ: لا، لا بد من إنزال، النظر لولا أن النظرة الواحدة لا يمكن التحرز منها لقلنا أيضًا: إذا أنزل بنظرة واحدة فسد صومه.
الطالب: إذن العلة الشهوة والإنزال.
الشيخ: معلوم إي.
الطالب: إذا تخلف أحدهما؟
الشيخ: ما يمكن الإنزال بلا شهوة، يمكن يتخلف الإنزال عن الشهوة، ولا يمكن أن تتخلف الشهوة عن الإنزال، لو تخلفت عن الإنزال لن يكون له أثر، لو أنزل لمرض أو ما أشبه ذلك ما يضر.
طالب: شيخ قلنا: إن علة الإفطار الطعم مع الفائدة للجسم.
الشيخ: أيش؟
الطالب: علة الإفطار للجسم الإنسان يتلذذ، اللذة مع الفائدة، طيب يا شيخ كيف قلنا: إن الإفطار بالحصى والخَرَزة، هنا لا يستفيد به ولا يتلذذ؟
الشيخ: نقول: لو قائل بهذا لم يكن بعيدًا، لكن يبقى عندنا مسألة الخَرَزة وشبهها التي لا فائدة منها ولا يتلذذ بها الإنسان نأخذها بالعموم؛ لأن كوننا نعلل بالتلذذ مع التغذية علة استنباطية، والعلة المستنبَطة لا تخصِّص العموم، كما هو المعروف.
الجزء: 1 - الصفحة: 3409
طالب: أحيانًا الإنسان وهو صائم يتجشم ما يخرج من بطنه من طعام ويصل إلى حلقه ( ... ) قيء يبلعه إلى جوفه؟
الشيخ: ينزل، ما يضر.
الطالب: ما هو الفم؟ حدود الفم؟ ( ... ) اللسان؟
الشيخ: لا، طرف اللسان من أسفل.
طالب: الحقنة المعروفة ( ... ) الإسلام هل هي ( ... )؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: الحقنة المعروفة قديمًا هل هي مثل الحقنة الآن يا شيخ؟
الشيخ: الحقن، الإبر هذه؟ من باب أولى، لا تُفَطِّر.
الطالب: الحقنة القديمة كيف ( ... )؟
الشيخ: الحقنة القديمة عبارة عن.
.؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
أو حَجَمَ أو احْتَجَمَ وظَهَرَ دمٌ عامدًا ذاكرًا لصومِه فَسَدَ لا ناسيًا أو مُكْرَهًا، أو طارَ إلى حَلْقِه ذبابٌ أو غُبارٌ، أو فَكَّرَ فأَنزَلَ أو احْتَلَمَ أو أَصْبَحَ في فيه طعامٌ فلَفَظَه، أو اغْتَسَلَ أو تَمضمضَ أو اسْتَنْثَرَ أو زادَ على ثلاثٍ أو بالَغَ فدَخلَ الماءُ حَلْقَه لم يَفْسُدْ، ومَن أَكَلَ شاكًّا في طلوعِ الفجْرِ صَحَّ صومُه، إلا إن أَكَلَ شاكًّا في غُروبِ الشمسِ أو مُعْتَقِدًا أنه ليلٌ فبانَ نهارًا.
الشيخ: فنقول: الاستمناء هو سبب النزول هذا، فإذا استمنى وأنزل فسد صومه.
طالب: على هذا نقول: إن النظر بشهوة يفسد الصوم، واللمس بشهوة يفسد الصوم.
الشيخ: لا، لا، لابد من إنزال، النظر لولا أن النظرة الواحدة لا يمكن التحرز منها لقلنا أيضًا: إذا أنزل بنظرة واحدة فسد صومه.
الطالب: إذن العلة الشهوة والإنزال.
الشيخ: معلوم، إي.
الطالب: إذا تخلَّف أحدهما؟
الشيخ: ما يمكن إنزال بلا شهوة، يمكن يتخلف الإنزال عن الشهوة، ولكن لا يمكن أن تتخلف الشهوة عن الإنزال؛ لو تخلفت عن الإنزال لم يكن له أثر، لو أنزل لمرض أو ما أشبه ذلك ما يضر.
طالب: شيخ، قلنا: إن علة الإفطار الطعام مع الفائدة في الجسم.
الشيخ: إيش.
الطالب: الجسم، الإنسان يتلذذ، اللذة مع الفائدة، يا شيخ كيف قلنا بالإفطار في حق مَن بلع حصاة ولَّا خَرَزة؟
الشيخ: إي نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3410
الطالب: هنا لا يستفيد منه ولا يتلذذ.
الشيخ: إحنا نقول: لو قائل بهذا لم يكن بعيدًا، لكن يبقى عندنا مسألة الخَرَزَة وشبهها التي لا فائدة منها، ولا يتلذذ بها الإنسان، نأخذها بالعموم؛ لأن كوننا نعلل بالتلذذ مع التغذية علة استنباطية، والعلة المستنبَطة لا تخصِّص العموم كما هو معروف.
طالب: أحيانًا الإنسان وهو صائم يتجشَّأ فيخرج من بطنه طعم ويصل إلى حلقه، ( ... ) يبلعه إلى جوفه؟
الشيخ: ينزل .. ( ... )
إلى الفم، ما يضر.
الطالب: ما هو الفم، حدود الفم؟ ( ... ) اللسان؟
الشيخ: لا، لا، طرف اللسان من أسفل.
طالب: الحقنة المعروفة في عصر الإسلام هل هي ..
الشيخ: كيف؟ كيف؟
الطالب: الحقنة المعروفة قديمًا هل هي مثل الحقنة الآن؟
الشيخ: الحقن، الإبر هذه؟ من باب أولى لا تفطِّر.
الطالب: الحقنة القديمة كيف ( ... )؟
الشيخ: الحقنة القديمة عبارة عن لَيّ متصل بوعاء، هذا الوعاء يُجعل فيه أدوية معينة ثم يُدْخَل الليّ في الدُّبُر ويُفتح الدواء عليه.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله في باب: ما يُفسد الصوم ويوجب الكفارة: أَوْ حَجَمَ أوِ احْتَجَمَ، وَظَهَرَ دَمٌ عامدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَسد، لا ناسيًا أَوْ مُكْرَهًا، أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ أوْ غُبَارٌ، أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أوِ احْتَلَمَ، أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ، أوِ اغْتَسَلَ، أوْ تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْثَرَ أوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المُفَطِّرات أصولها موجودة في القرآن.
طالب: موجودة.
الشيخ: نعم.
الطالب: هي أصول ثلاثة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3411
الشيخ: أصولها ثلاثة: الأكل، والشرب، والجماع، وهذه متَّفق عليها، لو أكل طينًا، هل يُفْطِر أو لا؟ أكل طينًا، سوَّى له طينة بيده ثم أكلها.
الطالب: هذا ما هو طعام يا شيخ.
الشيخ: ما هو طعام! إي.
طالب: شيخ يُفْطِر.
الشيخ: يُفْطِر؟
الطالب: إي نعم، لعموم ..
الشيخ: لعموم الأكل، إي نعم، ولهذا يقال: فلان يأكل التراب مثلًا، يوجد بعض الحوامل، النساء إذا حملت في أول شهور الحمل، يأتيها حُب لأكل الطين، بعضها تأكل الفحم، وتختلف، يُسَمَّى عند الناس الوِحام أو الوَحم.
رجل شرِب دخانًا؟
طالب: يُفْطِر؛ لوصوله إلى المعدة.
الشيخ: يُفْطِر لوصوله إلى المعدة؟ يدخل في الأكل ولَّا في الشرب؟
الطالب: الدخان يتحول لحبيبات فيكون ( ... ).
الشيخ: الدخان معروف، يسمى سيجارة، يسمى تِتِن، إيش تقول فيه؟
الطالب: يدخل في الشرب.
الشيخ: يدخل في الشرب؛ لأنه يسمى شُرْبًا، رجل احتقن في دُبُره هل يُفْطِر؟ المذهب أنه يُفْطِر، والقول الثاني؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: أنه لا يُفْطِر، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لعدم دخوله في الأكل والشرب، رجل قَطَّر في إحليله شيئًا، فهل يُفْطِر أو لا؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر، وعلى القول الثاني؟
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: إذن قول واحد لا يُفْطِر، لماذا؟
الطالب: لأنه لا يصل إلى جوفه.
الشيخ: لا يصل إلى جوفه، بخلاف الحقنة فإنها تصل إلى الجوف، هذا الفرق بينهما، يقول: لأن المثانة تمنع أن ينفذ شيء من الدُّهْن إلى جوف الإنسان؛ لأن البول ينزل رشْحًا.
استنشق رجلٌ الماء؟
طالب: استنشاق الماء؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يُفَطِّر.
الشيخ: يُفَطِّر؟ ما الدليل؟
الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا» (1).
الشيخ: نعم، يفطِّر؛ لقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، جملة معترضة لإفساح المجال.
الجزء: 1 - الصفحة: 3412
رجل استقاء؟
طالب: إن كان متعمِّدًا فطر.
الشيخ: شوف السؤال: استقاء، أي: طلب خروج القيء، هل يُفْطِر أو لا؟
الطالب: إذا أنزل القيء.
الشيخ: إي؟
الطالب: أفطر.
الشيخ: أحسنت، إذن إذا قاء أفطر، أما إن حاول أن يقيء ولكن لم يخرج شيء فإنه لا يُفْطِر.
إنسان حاول خروج الماء الدافق حتى خرج؟
الطالب: يُفْطِر.
الشيخ: يُفْطِر، هذا أَكْل؟
الطالب: لا.
الشيخ: شُرْب؟
الطالب: لا.
الشيخ: جماع؟
الطالب: بمعنى الجماع.
الشيخ: لا، ما هو بمعنى الجماع، لو أن أحدًا فعل بامرأة أجنبية هذا الفعل ما قلنا: زنى بها، ولا رجمناه ولا جلدناه.
الطالب: ولكن يُفْطِر يا شيخ؛ لأنه قضى شهوته.
الشيخ: وهل قضاء الشهوة يوجِب الفطر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187].
الشيخ: نعم، يعني؟
الطالب: يعني النهار غير ..
الشيخ: الجماع هذا.
الطالب: نعم.
الشيخ: نتكلم عن إنسان حاول إخراج الماء الدافق فخرج.
الطالب: نعم.
الشيخ: بغير جماع.
الطالب: نعم، هذا يُفْطِر يا شيخ؛ لأنه قضى شهوته، وأتى حاجته.
الشيخ: إي، ما هو الدليل على أن قضاء الشهوة يوجب الفطر؟
الطالب: نعم، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ » قالوا: نعم، قال: «فَإِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ كَذَلِكَ» (2).
الشيخ: ما فيه ذكر الصيام إطلاقًا.
الطالب: هذا يا شيخ يدل على أن دَفْق المني يعني الشهوة، فإذا دفق المني في النهار فقد أتى شهوته.
الشيخ: وإتيان الشهوة يوجب الفطر؟
الطالب: ودليل أتاني من الخلف: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ» (3).
الشيخ: لُقِّنْتَ يعني؟
الطالب: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3413
الشيخ: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ»، وهذا لا شك أن إنزال الماء الدافق من أعلى الشهوة.
رجل باشر زوجته فأَمْذَى.
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: حتى على ما مشى المؤلف؟
الطالب: على ما مشى المؤلف يُفْطِر.
الشيخ: نعم، والقول الثاني؟
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: أنه لا يُفْطِر، وهو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
رجل حَجَم؟
طلبة: ما أخذناها.
الشيخ: نأخذها إن شاء الله.
الطالب: مر علينا مسألة الاستمناء بالنظر والقياس، وذكرنا القياس أنه يُقَاسُ على الاحتجام وعلى خروج الدم؛ لأنه يورِث ضعف البدن، فقسنا المني على الدم.
الشيخ: نعم، هذا النظر، بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله: (أَوْ حَجَمَ أوِ احْتَجَمَ وَظَهَرَ دَمٌ).
(حَجَمَ) غيره، (احْتَجَمَ): طلب مَن يَحْجِمُه، فهنا حاجم وهنا محجوم.
يقول المؤلف: إنه إذا حَجَمَ غيره، أَوِ احْتَجَمَ، أي: طلب من يحجمه، وظهر دم، لهذا الشرط، فإن لم يظهر دم؛ لكون المحجوم قليل الدم ولم يخرج شيء فإنه لا يُفْطِر.
وظاهر قول المؤلف: (وَظَهَرَ دَمٌ) أنه لا فرق بين أن يكون الدم الظاهر قليلًا أو كثيرًا، فإذا حجم الإنسان وظهر دم فإنه يُفْطِر، سواء كانت الحجامة في الرأس، أو في الكتفين، أو في أي مكان من البدن.
ومواضع الحجامة معروفة عند الحجَّامين، وأوقاتها أيضًا معروفة عند الحجَّامين، وأحوال المحجوم معروفة، مَنْ يمكن أن يُحْجَم، ومَنْ لا يمكن، ولهذا يجب على الإنسان إذا أراد الحجامة أن يحتاط، وأن يختار لمن يحجمه مَن هو معروف بالحِذق، لئلا ينزف دمه من حيث لا يشعر، ونزوف الدم خطير جدًّا.
وقوله: (وَظَهَرَ دَمٌ)، قلت: يشمل القليل والكثير، الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (4).
الجزء: 1 - الصفحة: 3414
فإذا قال قائل: هذا الحديث فهمناه، هذا الحديث ضعَّفه بعض أهل العلم، وقال: إنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن ضَعَّفَه فإنه لا يستدل به، ولا يأخذ به؛ لأنه لا يجوز أن يُحْتَج بالضعاف على أحكام الله عز وجل.
ومن العلماء مَن صحَّحَه كالإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرِهما من الحفَّاظ، وعلى هذا يكون الحديث حجة، فإذا كان حجة وقلنا: إنه يُفْطِر بالحجامة الحاجمُ والمحجومُ، فما هي الحكمة؟
قال الفقهاء رحمهم الله: إن هذا من باب التعبُّد، والأحكام الشرعية التي لا نعرف معناها تسمى عند أهل الفقه تعبُّدية، بمعنى أن الواجب على الإنسان أن يتعبَّد لله بها، سواءٌ علم الحكمة أم لا.
ولكن نسأل: هل لها حكمة معلومة عند الله؟
الجواب: نعم لا شك؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: 10]، فما مِنْ حكم من أحكام الشريعة إلَّا وله حكمة عند الله عز وجل، لكن قد تظهر لنا بالنص، أو بالإجماع، أو بالاستنباط، وقد لا تظهر.
فهذه المسألة -أعني إفطار الحاجم والمحجوم بالحجامة إذا ظهر الدم- هذه من الأحكام التعبُّدية التي يجب على الإنسان أن يتعبَّد لله بها وإن لم يعرف المعنى.
وهذه الأحكام التعبُّدية لها أصل أشارت إليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألتها عَمْرة بنت رواحة قالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟
طالب: مُعاذة.
الشيخ: مُعاذة، قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم ولا نُؤْمَر بقضاء الصلاة (5).
الجزء: 1 - الصفحة: 3415
فوكَلَت الأمر إلى مَنْ؟ إلى حكم الله ورسوله، ولم تقل: لأن الصلاة تتكرر، والصيام لا يتكرر، وما أشبه ذلك مما ذكره الفقهاء؛ لأن المؤمن إذا قيل له: هذا حكم الله، فهذه الحكمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
فالحاصل أن الأحكام التي لا تُعلم حكمتها تسمى عند العلماء تعبُّدية، يعني الواجب علينا أن نتعبَّد بها لله مع اعتقادنا أن لها حكمة ولا بد، لكن لقصورنا أو لتقصيرنا في طلب الحكمة صِرْنَا لا نعرفها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل لذلك حكمة، أما المحجوم فالحكمة من كونه يُفْطِر هو أنه إذا خرج منه هذا الدم أصاب بدنه الضعفُ، الذي يحتاج معه إلى غذاء لترتد عليه قوته؛ لأنه لو بقي مثلًا إلى آخر النهار على هذا الضعف فربما يؤثر على صحته في المستقبل، فكان من الحكمة أن يكون مُفْطِرًا، ووجه ذلك أن الحجامة للصائم -إذا قلنا بأنها تُفَطِّر- لا تجوز في الفريضة إلَّا عند الضرورة، فإذا جازت للضرورة جاز له أن يُفْطِر، وإذا جاز له أن يُفْطِر جاز له إيش؟ جاز له أن يأكل، وحينئذ نقول: احتجِمْ وكُلْ واشرب من أجل أن تعود إليك قوتك وتَسْلَم مما يُتَوَقَّع من مرض بسبب هذا الضعف.
وعلى هذا فالقول بتفطير الصائم بالحجامة من مصلحة الصائم، أليس كذلك؟ من مصلحته، لماذا؟ لأننا نقول: إذا كان صومه فرضًا فإنه لا يجوز أن يحتجم إلَّا للضرورة، فإذا اضطُرَّ إلى ذلك وحَجَم قلنا: الآن أفطرت بعذر شرعي، وإذا أفطرتَ بعذر شرعي فَكُلْ حتى ترتدَّ عليك القوة، وعلى هذا فذلك من مصلحته، أما إذا كان الصوم نفلًا فالأمر واضح فيه، والصائم نفلًا له أن يخرج من صومه بدون عذر، لكنه يُكْرَه لغير غرض صحيح.
إذن صارت الحكمة بالنسبة للمحتجم ظاهرة أو غير ظاهرة؟
طلبة: ظاهرة.
الشيخ: ظاهرة، الحكمة بالنسبة للحاجم؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3416
الحكمة بالنسبة للحاجم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: إن الحاجم -عادة- يمص القارورة -قارورة الحجامة- وإذا مَصَّهَا فإنه بالضرورة سوف يصعد الدم إلى فمه، وربما من شدة الشفط ينزل الدم إلى بطنه من حيث لا يشعر، وهذا يكون شُرْبًا للدم، فيكون بذلك مُفْطِرًا، يقول: هذا هو الغالب، ولا عبرة بالنادر.
ولا أدري هل تعرفون قوارير الحجامة؟ قوارير الحجامة عبارة عن قارورة من حديد يكون فيها قناة دقيقة، يَمُصُّها الحاجمُ، ويكون في فمه قطنة من حين ما يمصها يسدها بهذه القطنة؛ لأنه إذا مصها تَفَرَّغ الهواء، وإذا تَفَرَّغ الهواء فلا بد أن يجذب الدم، ولهذا إذا جذب الدم ثم امتلأت القارورة سقطت، وأما ما دامت لم تمتلئ فهي باقية.
يقول: لا بد أن يصل إلى الحاجم شيء من هذا الدم من غير شعور، والحكمة إذا كانت غير منضبطة فإنه يؤخذ بعمومها، ولهذا قال: لو أنه حَجَم بآلات منفصلة لا تحتاج إلى مَصّ فإنه لا يُفطِر بذلك، أما الذين يقولون أنه تعبُّدي فيقولون: إن الحاجم يُفْطِر ولو حجم بآلات منفصلة؛ لعموم اللفظ.
فعلى كل حال فالذي يظهر لي -والعلم عند الله- أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أَوْلَى؛ أن نقول: أن الإنسان إذا حجم بطريق بطريق غير مباشر ولا يحتاج إلى مصه فلا معنى لأن نقول بأنه مفطر، والأحكام الشرعية يُنْظَر فيها إلى العلل الشرعية.
وقلت لكم: إن العلماء مختلفون في هذه المسألة، والقول بأن الحجامة مُفَطِّرة هو مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- وهو منفرد به عن المذاهب، وانفراد الإمام أحمد عن المذاهب لا يعني أن قوله ضعيف؛ لأن المسألة ما هي بالأكثرية كمجالس الناس اليوم، المسألة تعود إلى ما دَلَّ عليه الشرع، وإذا انفرد الإمام أحمد -رحمه الله- بقول دل عليه الشرع فإن الجماعة معه، وله -يرحمه الله- مُفْرَدَات منظومة شرحها الشيخ منصور بن يونس البَهُوتِي، من أراد أن يرجع إليها فهي مفيدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3417
يقول المؤلف: (وَظَهَرَ دَمٌ عامدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَسد)، اشترط المؤلف لفساد الصوم شرطين:
الشرط الأول: أن يكون عامدًا، وضدُّه: غير العامد، والشرط الثاني أن يكون ذاكِرًا، وضده الناسي.
فاشترط المؤلف -رحمه الله- شرطين: العَمْد والذكْر، ومقتضى كلامه أنه لا يُشْتَرَط أن يكون عالِمًا؛ لأنه لم يذكر إلَّا شرطين: العمد، والثاني: الذكْر؛ أن يكون ذاكرًا، يعني فإن كان جاهلًا فإنه يُفْطِر؛ لأنه لم يشترط أن يكون عالِمًا.
لو أن الإنسان لم يتعمد فإنه لا يُفْطِر، مثل أن يطير إلى فمه غبار أو دخان، أو يدخله حشرة من ذباب أو غيره بغير قصد، فإنه لا يُفْطِر بذلك، والدليل قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، وهذا لم يتعمد قلبه تناول المفسِد فيكون صومه صحيحًا، ولهذا قال: (لَا نَاسِيًا) وهذا ضد؟
طالب: ذاكرًا.
الشيخ: ذاكرًا، أو مُكْرَهًا، وهذا ضد؟
طلبة: عامدًا.
الشيخ: عامدًا.
قبل أن نتكلم على الشرطين نسأل: هل يُلْحَق بالحجامة الفَصْد والشَّرْط والإِرْعاف، وما أشبه ذلك؟
الفَصْد: يعني فَصْد العِرْق، والشَّرْط كذلك: شَقّ العِرْق؛ إن شققته طولًا فهو شَرْط، وإن شققته عَرْضًا فهو فَصْد، فهل يُلْحَق هذا بالحجامة، ونقول: إن الإنسان إذا شَرَط عِرقه حتى خرج منه الدم أفطر؟ وكذلك إذا فَصَدَه؟ وكذلك إذا أَرْعَف نفسه وهو الذي تعمَّد أن يُرعِف من أجل أن يخِفَّ رأسُه؟
المذهب: لا يُلْحَق بالحجامة، ويكون جائزًا للصائم فرضًا ونفلًا، لماذا؟ لأن الأحكام التعبُّدية لا يُقَاسُ عليها، وهذه قاعدة أصولية فقهية من قواعد أصول الفقه (الأحكام التعبُّدية لا يقاس عليها)؛ لأن من شرط القياس اجتماع الأصل والفرع في العلة، وإذا لم يكن علة فلا قياس، فيقولون: إن الفطر بالحجامة تعبُّدي، والتعبُّدي لا يقاس عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3418
أما على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو أن علته معقولة معلومة- فيقول: إن الفَصْد والشَّرْط يُفسِدان الصوم، وكذلك لو أَرْعَفَ نفسه، لو أَرْعَفَ نفسه حتى خرج الدم من أنفه فإنه يُفْطِر بذلك، وقوله -رحمه الله- أقرب إلى الصواب.
وأما مغالاة العامة الآن بحيث إن الإنسان لو استاك وأَدْمَت لِثَتُه قالوا: أفطر، ولو حَكَّ جلده حتى خرج الدم من حِكَّتِه قالوا: أفطر، ولو قلع ضرسه وخرج الدم قالوا: أفطر، ولو أَرْعَفَ بدون اختياره جاؤوا يسألون: هل يُفْطِر أو لا يُفْطِر؟ كل هذه مبالغة، فقلع الضرس لا يُفْطِر ولو خرج الدم؛ لأن قالع ضرسه لا يقصد بذلك إخراج الدم، وإنما جاء خروج الدم؟
طالب: تبعًا.
الشيخ: تبعًا، وكذلك لو حك الإنسان جلده، أو لو بَطَّ الجَرح حتى خرجت منه المادة العفنة كل ذلك لا يضر.
بقي علينا الشرطان اللَّذَان ذكرهما المؤلِّف، أن يكون إيش؟
طلبة: عامدًا.
الشيخ: (عامدًا ذَاكِرًا)، ما هو الدليل؟
نقول: أما اشتراط كونه ذاكِرًا فدليله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (6).
وقوله: «وَهُوَ صَائِمٌ»، يشمل الفريضة والنافلة، «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
وانظر الحديث: «أَطْعَمَهُ اللهُ» فلم ينسب الفعل إلى الفاعل، بل إلى الله؛ لأنه ناسٍ، لم يقصد المخالفة، ولم يقصد المعصية، فلهذا نُسِب فعله إلى مَن أنساه وهو الله عز وجل، هذا دليل واضح، وهو دليل خاص.
ولدينا دليل عام؛ قاعدة شرعية من أقوى قواعد الشريعة وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، فقال الله تعالى: قَدْ فَعَلْتُ (7)، فصار في النسيان دليلان: عام وخاص.
الجزء: 1 - الصفحة: 3419
وإذا اجتمع في المسألة دليلان عام وخاص فأيهما أولى؟
طالب: الخاص.
الشيخ: أن نستدل بالخاص أو بالعام؟
طلبة: الخاص.
الشيخ: أن نستدل بالخاص؛ لأننا إذا استدللنا بالعام فإنه قد يقول قائل: هذا عام، والمسألة هذه مستثناة من العموم، مثلًا، قد يَدَّعي هذا، مع أنه لو ادَّعاه لكانت الدعوى مردودة؛ لأن الأصل أن العموم شامل لجميع أفراده، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، حيث قال: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (8)؛ لأن «عِبَادَ اللهِ الصَّالِحِينَ» عامة، فالعموم يشمل جميع أفراده، فلو استدلَلْنا على أن الناسي إذا أكل أو شرب لا يفسُد صومه بآية البقرة، استدلال صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: ولو ادَّعَى مُدَّعٍ أن هذا خارج قلنا له: نعم، أين الدليل؟ الأصل أن العام شامل لجميع أفراد العموم، والدليل على هذا الأصل حديث: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»، لكن الحمد لله المسألة فيها دليل خاص.
أكل ناسيًا أو شرب ناسيًا، ولَمَّا جعل يَعْلُك اللقمة ذكر أنه صائم، فهل يلزمه أن يلفُظَها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يلزمه أن يلفُظَها؛ لأنها في حكم الظاهر، الفم في حكم الظاهر، والدليل أنه في حكم الظاهر أن الإنسان الصائم يتمضمض ولا يَفْسُد صومه.
ابتلعها حتى وصلتْ ما بين حنجرته ومعدته، هل يلزمه أن يخرجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يلزمه، ولو حاول وأخرجها لفَسَد صومه من جهة التقيؤ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3420
هذا رجل -ذكروه لنا سابقًا ونحن صغار- يقول إنه اشترى عنبًا، والعنب في ذلك الوقت قليل جدًّا، مَن يحصل على عنقود من العنب، فجاء به إلى أهله، وكان الناس يفرحون بالعنب جدًّا، العنقود يساوي عندهم شيء كثير، فوضعه في منديل، وكأنه أعجبه، فجعل يأكل وهو صائم، يأكل ويأكل ويأكل حتى خَلَصَ ما في المنديل إلَّا واحدة، ذَكَر أنه صائم، فقال في نفسه: إن كان ما أكلته من العنب سابقًا لا يُفَطِّر فهذه ما تُفَطِّر، واحدة من مئات، وإن كان ذاك يُفَطِّر فقد أفطرت، فأكل الواحدة، فاستفتى بعض العلماء وقال له: أَعِد صومك، لماذا؟ لأنه ..
طلبة: تعمد.
الشيخ: لأنه تعمَّد أكل هذه.
لكن لو قال قائل: أفلا يَرِدُ عليه أنه جاهل؟ قلنا: بلى، لكن على القول بأن الجهل لا يُعْذَر فيه بالصيام يُفطِر ما فيه إشكال، وعلى القول الثاني أنه يُعذَر فيه، يتوجه احتمالان؛ أن يكون مُفْطِرًا، وأن لا يكون مُفْطِرًا؛ لأن كونه يتعمد أن يأكلها وهو عالم أنه صائم دون أن يسأل ويتحرى يكون بذلك مُفَرِّطًا، وعلى كل حال نقول: الحمد لله، عنبة بيوم، اقض يومًا ولا يضرك إن شاء الله، وينتهي.
بقي عليه يقول: (لا ناسيًا أَوْ مُكْرهًا)، قال: (ولو بِوَجُورِ مُغْمًى عليه معالجةً).
طالب: ( ... ).
الشيخ: ها؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، (أَوْ مُكْرَهًا)، يعني إذا كان مُكْرَهًا فإنه لا يُفْطِر، فيُشترط أن يكون عمدًا، ودليله ما ذكرناه قبل قليل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
يقول: (ولو بوَجُورِ مغمًى عليه معالجةً)، وهذه يُحتاج إليها.
طالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3421
الشيخ: هي شرح، (ولو بوَجُورِ مغمًى عليه معالجةً)، يعني الإنسان أُغْمي عليه وهو صائم فجعلوا يصبُّون في فمه ماءً لعله يصحو، فَصَحَا، هل يُفْطِر بذلك؟ يقول الشارح: لا يُفْطِر بهذا؛ لأنه غير قاصد، الذي صب به الماء آخر، وهو مُغْمًى عليه لا يُحِس، فعلى هذا نقول: هذا الرجل الذي صببنا فيه الماء معالجةً لا يُفْطِر؛ لأن ذلك بغير قصد منه، كما لو أتيت إلى شخص نائم وصببت في فمه ماءً وهو نائم، فهل يُفْطِر بهذا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يُفْطِر؛ لأنه بغير قصد، وإذا صببت به الماء سوف يزدرده، يبتلعه وهو نائم، ولكنه يبتلعه وهو غير تامِّ الشعور، فلا يكون صومه فاسدًا.
بقي علينا أننا نزيد نحن هنا شرطًا ثالثًا دَلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة، وهو أن يكون عالِمًا، فتكون شروط المُفَطِّرات ثلاثة: العلم، والذِّكْر، والعمد.
فإن كان ضد العلم الجهل، والجهل ينقسم إلى قسمين: جهل بالحكم، وجهل بالحال.
الجهل ينقسم إلى قسمين: جهل بالحكم الشرعي، يعني: لا يدري أن هذا حرام مثلًا، وجهل بالحال: لا يدري أنه في حال يَحْرُم عليه الأكل والشرب، وكلاهما عذر، الدليل لذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وإذا انتفت المؤاخذة انتفى ما يترتب عليها، وهذا عامٌّ.
وهناك دليل خاص في هذه المسألة للنوعين من الجهل؛ أما الجهل بالحكم فدليله حديث عَدِيّ بن حاتِم رضي الله عنه أنه أراد أن يصوم، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: 187]، فماذا صنع؟ أتى بعِقال أسود، عِقال البعير؛ حبل تُرْبَط به يد البعير، أتى بعِقال أسود وعقال أبيض، وجعلهما تحت وسادته، وجعل يأكل وينظر إلى الخيطين، حتى تَبَيَّنَ الخيط الأبيض من الخيط الأسود فتوقف، هذا أخطأ في أيش؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3422
الشيخ: في الحكم، في فهم الآية، وهذا خطأ في الحكم، الحكم أن الخيط الأبيض بياض النهار، والأسود سواد الليل، فلما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام أخبره، قال له: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ أَنْ وَسِعَ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ» (9)، صحيح ولَّا لا؟ صار وساده مَدّ الأفق، الخيط الأبيض يمتد من الشمال إلى الجنوب، فقال: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ» أنْ وَسِع الخيط الأبيض والأسود، ولم يأمره بالإعادة، لماذا؟ لأنه جاهل، ما قصد ولا تعمد مخالفة الله ورسوله، بل رأى أن هذا هو حكم الله ورسوله، فعُذِر بهذا، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقضاء.
وأما الجهل بالحال فقد ثبت في الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا في يومِ غَيْمٍ على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم طلعت الشمس (10)، هؤلاء أفطروا في النهار وأكلوا في النهار بناءً على إيش؟
طلبة: غروب الشمس.
الشيخ: على أن الشمس قد غربت، فهم جاهلون، لا بالحكم الشرعي ولكن بالحال، لم يظنوا أن الوقت في النهار، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا لكان من شريعة الله، ولكان محفوظًا، فلمَّا لم يُحْفَظ ولم يُنْقَل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أمرهم بالقضاء فالأصل براءة الذمة وعدم القضاء.
إذن نزيد في الشروط شرطًا ثالثًا وهو؟
طلبة: العلم.
الشيخ: العلم، وضده الجهل؛ سواء كان الجهل بالحكم الشرعي أو بالحال فإنه لا يُفَطِّر، ولكن هؤلاء الذين أفطروا قبل أن تغيب الشمس إذا تَبَيَّنَ أن الشمس لم تغرُب، هل يقولون: نحن أفطرنا الآن أو لا؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3423
الشيخ: لا، يجب عليهم الإمساك، يجب عليهم أن يُمْسِكوا؛ لأنهم أفطروا بناءً على سبب تَبَيَّن عَدَمُه، وهذا يجرُّنا إلى مسألة مهمة، وهي أن مَن بنى قوله على سبب تَبَيَّنَ أنه لم يوجَد فلا حكم لقوله، وهذا له مسائل كثيرة، من أهمها: ما يقع لبعض الناس في مسألة الطلاق، يقول لزوجته مثلًا: إنْ دخلت دار فلان فأنت طالق، بناءً على أن عنده آلات محرَّمة كالتلفزيون أو غيرها، ثم يَتَبَيَّن أنه ليس عنده شيء من ذلك، فهل إذا دخلَتْ تطلُق أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لا تطلق؛ لأنه مبني على سبب تَبَيَّنَ زواله، وهذا هو القياس شرعًا وواقعًا.
نعود إلى قضية عَدِيّ بن حاتِم استدل بها البلاغيون على مسألة دَعَوْها -والله أعلم بصحتها- يقولون: كلما كان الإنسان طويل الرقبة كان غَبِيًّا، إذا كان طويل الرقبة كان غَبِيًّا، لماذا؟ لتباعد ما بين الدماغ والقلب، فيضعف فَهمه، ولهذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ»؛ لأن عَرْض الوسادة يدل على طول الرقبة، وطول الرقبة يدل على البلاهة، وهذا قول باطل من أبطل الأقوال، كيف يصف الرسول عليه الصلاة والسلام رجلًا مجتهدًا بأنه أبله؟ هذا لا يقع من أدنى واحد، فكيف بالرسول؟ !
طالب: الاحتجام من أي أصول المُفَطِّرات؟
الشيخ: هذه مستقلة، جاءت بها السُّنَّة.
طالب: أحسن الله إليكم، من احتجم ناسيًا أو جاهلًا، أو استقاء ناسيًا أو جاهلًا، فهل نقول أنه يُفْطِر لأنا عَلَّلْنا بأن جسمه يَضْعُف؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يُفْطِر؟
الشيخ: ما يُفْطِر، لكن لو ضَعُف واحتاج إلى الفطر أفطر لضعفه.
الطالب: ( ... ) الجهل.
الشيخ: إي، هو الآن نقول: لا يُفْطِر، صومه صحيح، لكن لو فُرِض أنه بالقيء تَعِب، لما خَلَت المعدة تعب واحتاج إلى الفطر يُفْطِر.
الطالب: بس هذا ما يناقض ما قاله شيخ الإسلام؟
الشيخ: لا، النادر لا حكم له.
الجزء: 1 - الصفحة: 3424
طالب: شيخ، حفظكم الله، رجل تبرع بدمه وهو صائم، فهل يُفْطِر يا شيخ؟
الشيخ: الغالب أن الدم المتبَرَّع به أنه كثير، يعني يُلْحِق البدن من الضعف ما تُلْحِقُه الحجامة، وبناء على ذلك يكون مفطِرًا.
الطالب: يقاس؟
الشيخ: إي نعم، فإذا كان صومه فريضة فإنه لا يجوز أن يتبرع إلَّا إذا كان هناك ضرورة، وهذا بناء على ما ذهب إليه شيخ الإسلام، أما على المذهب فلا.
طالب: شيخ، إذن على هذا القول أن الأصول أربعة؛ أصول الفطر: الأكل، والشرب، والشهوة، والضرر، ولَّا لا؟
الشيخ: ممكن أن نقول هكذا، ويمكن إذا قلنا بأنها تعبُّدية ما تكون هكذا، نقول: هذه جاءت بها السُّنَّة مستقلة.
طالب: أخذنا قاعدة أن العلة إذا كانت غير مستنبَطة يعني تقريبًا غير منصوص عليها، وعادت على النص بالإِبطال، فإنها لا يؤخذ بها.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: وقول شيخ الإسلام ابن تيمية يعود على النص بالإبطال.
الشيخ: وهو؟
الطالب: أن ..
الشيخ: الحاجم إذا لم يمص القارورة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، هو صحيح هذه تَرِد على هذه القاعدة، ولهذا قلنا لكم: نحن الظاهر لنا كلام شيخ الإسلام هو الأقرب، بالنسبة للمحجوم واضح، بالنسبة للحاجم قد نقول: إنه إذا كانت العلة هذه غير منصوص عليها ولا مُجْمَع عليها فلا ينبغي أن نقول بأنها تُفَطِّر، لكن لقائل أن يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم عن شيء معهود في زمنه، الحاجم يعني المعهود، فتكون (أل) بمعنى العهد الذهني المعروف عندهم، أما اللي يحجم بآلات فهذا بعيد.
طالب: شيخ، إذا كان في المدينة حاجم واحد، وكل واحد في قريته في كل يوم من أيام رمضان واحد مضطر إنه يحتجم، فهل يكون كل الشهر مُفْطِرًا؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا الفرض؟ يقول: إذا كان ليس في المدينة إلَّا حاجم واحد، وكل يوم يجيه واحد مضطر في رمضان، له أن يقول: ما بحجم، إلَّا إذا خاف أن يهلك؛ لأن أحيانًا يثور الدم على الإنسان وربما يُهْلِكُه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3425
الطالب: هل يجوز للحاجم .. ؟
الشيخ: يجوز.
الطالب: يُفْطِر كل رمضان؟
الشيخ: إي، وماذا يصنع؟ مثل ما لو كان كل يوم يطلع يلقى حريق ولَّا غريق.
الطالب: بالليل الحجامة.
الشيخ: أخاف يصير مُضْطَرّ، وإلَّا عاد نعم تأخير الليل واضح إذا أمكن، حتى لو عاد ما فيه إلَّا واحد يحجم إذا كان يمكن بالليل.
يقول: أثناء الصلاة يجد بعض الناس ضيقًا شديدًا في الصلاة، وبعض الأحيان يضطر إلى الرجوع إلى الخلف، وأيضًا في التشهد الأخير بعض الإخوان -هداهم الله- يفترش ولا كأن بجواره أحدًا، وربما يكون -ما شاء الله- قد أعطاه الله صحة؟
على كل حال السُّنَّة في التشهد الأخير في الصلاة التي فيها تشهدان أن يتوَرَّك، لكن إذا كان يخشى من أذيَّة جاره فهذه سُنَّة تُتْرك من أجل دفع الأذى.
تقول: رجل عنده بعض الخبرة في الفَصْد والحجامة، وجاءه في يوم من أيام رمضان في النهار مريض يجوز له الفطر لضرورة المرض، ما رأيكم هل يفصده أو يحجمه؟
ما دام مريضًا يجوز له الفطر فهو يُفْطِر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي.
الطالب: ( ... ) بعض الناس ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لكن هل ما يمكن يصبر إلى الليل؟ إن كان يصبر إلى الليل عشان ما يُفْطِر الحاجم، إنما الْمُفْطِر الآن الحاجم هو المشكل، ولَّا المحجوم ما دام مريضًا يجوز له، لكن إذا كان فيه ضرورة، يعني يُخشى أن يموت قبل الليل فهنا يحجمه، ويُفْطِر هذا الحاجم.
هذا السؤال الثالث والباقي، يقول: ذكرتم أن الحقنة لا تُفَطِّر ولو غذَّت الجسم؛ لأنها ليست بمعنى الأكل والشرب، فهل يقاس عليها الإبر المغذية؟ وهل هي بمعنى الأكل والشرب؟
نعم الإبر المغذِّيَة نرى أنها تُفَطِّر الصائم؛ لأنها بمعنى الأكل والشرب، فيه فائدة للجسم.
تقول: ما القول الصحيح في مسألة احتجاب المرأة عن الرجل الأعمى؟ والسؤال الثاني: أسقطت طفلًا له شهرين أَيُصَلَّى عليه وتعتد كعدة النُّفَسَاء؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3426
أما الأول: فالصحيح أنه لا يجب عليها أن تحتجب عن الرجل الأعمى.
وأما الثاني فلا يُصلَّى عليه؛ لأنه لا يُصَلَّى إلَّا على مَن بلغ أربعة أشهر، وليس فيه نفاس أيضًا؛ لأن النفاس لا يكون إلا إذا خُلِّق، ولا يُخَلَّق في شهرين.
طالب: تصلِّي هي؟
الشيخ: تصلِّي نعم، إذا صارت شهرين تصلِّي.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
نقل المصنف رحمه الله تعالى في باب ما يُفسِد الصوم ويوجب الكفارة: أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه.
الشيخ: نقل عن مَنْ؟ عمَّن نقل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، يقال: نقل، في الأحاديث وشبهها، أما المؤلَّف هو اللي ألَّفه.
الطالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في باب ما يُفسِد الصوم ويوجب الكفارة: أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ، أوْ غُبَارٌ، أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أوِ احْتَلَمَ، أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ، أوِ اغْتَسَلَ، أوْ تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْثَرَ، أوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ، وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوع الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ، إلَّا ..
الشيخ: لا إِنْ أَكَلَ.
الطالب: لا إِنْ أَكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الْمُفَطِّرات التي مرت بنا يُشترط لكونها مُفَطِّرة شروط؟
طالب: العَمَدْ.
الشيخ: العَمْد، وضده؟
الطالب: الجهل.
الشيخ: الجهل؟
الطالب: لا، العَمْد، وضده الإكراه، الإكراه والخطأ.
الشيخ: الخطأ من الجهل.
طالب: الشرط الأول العَمْد، وضده عدم العَمْد.
الشيخ: يعني عدم العَمْد، يعني أن لا يقصد الشيء، أحسنت.
الطالب: وأن يكون ..
الشيخ: اصبر، يكفي، ما هو الدليل على اشتراط العَمْدية؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3427
طالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، ( ... ) هنا خطأ.
الشيخ: الخطأ متعمِّد لكن جاهل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الخطأ قرين النسيان وهو الجهل.
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ شَيْئًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ» (6).
الشيخ: إذا نسي.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم؟
الطالب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنَّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (11).
الشيخ: إي نعم، أين الدليل؟ هذا ما أُكْرِه، لكن لم يتعمَّد.
طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].
الشيخ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾.
الطالب: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾.
الشيخ: إي، ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
مثال غير العامد؟
طالب: إنسان جامع في نهار رمضان.
الشيخ: حد بيجامع من غير عمد؟
الطالب: غير عامد في الصيام؟
الشيخ: غير عامد لما حصل من المُفَطِّرات.
الطالب: نعم، الوضوء ..
الشيخ: لا، مثال، ما هو دليل.
الطالب: مثال غير العامد شرب ناسيًا.
الشيخ: لا، ناسي.
الطالب: غير العمد مَن دخل في فمه غبار مثلًا أو ذباب.
الشيخ: إي، أو تمضمض فنزل الماء بغير قصد، هذا غير عامد، هذا لا يُفْطِر.
يُشترط شرط آخر؟
الطالب: العلم.
الشيخ: العلم، وضدُّه؟
الطالب: الجهل.
الشيخ: وضدُّه الجهل، أحسنت، ما الدليل؟
الطالب: الدليل أن الجهل نوعان؛ جهل بالحال وجهل ..
الشيخ: لا، الدليل أولًا.
الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الشيخ: أحسنت، والجهل؟ الجهل خطأ، ذكرنا أن الجهل ينقسم إلى قسمين.
طالب: نعم، قسمين، الجهل بالحال.
الشيخ: إي.
الطالب: وجهل بالحكم.
الشيخ: بالحكم، وكلاهما يُعذر به؟
الطالب: كلاهما يُعذر به.
الجزء: 1 - الصفحة: 3428
الشيخ: أحسنت، ما هو الدليل الخاص على العذر بالجهل بالحكم؟
طالب: ( ... ) ورُوِي عن عَدي بن حاتِم أنه ( ... ) ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
الشيخ: نعم.
الطالب: الشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ» (9) ولم يأمره بالقضاء.
الشيخ: إي، ولكن ويش اللي فعله هو، عَدي بن حاتِم ماذا فعل؟
الطالب: أخذ خيطًا من عِقال أبيض وعِقال أسود، وجعلهما تحت وسادته، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
الشيخ: أحسنت، حديث عَدي بن حاتِم أنه أتى بعقالين أبيض وأسود وهو يريد أن يصوم، وجعلهما تحت الوسادة التي هو متكئ عليها، فكان يأكل ويشرب، وينظر إلى هذين العقالين، فلما تبين الأبيض من الأسود أمسك، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يأمره بالقضاء.
الجهل بالحال؟
طالب: أفطر.
الشيخ: مثاله.
الطالب: أن يفطر الإنسان في يوم غيم ( ... ).
الشيخ: يظن أنها؟
الطالب: يظن أنها غابت الشمس.
الشيخ: أنها غابت الشمس، تمام، هل يُفْطِر أو لا؟
الطالب: يُفْطِر.
الشيخ: يُفْطِر؟ إذن معناه لم تعذره بالجهل.
الطالب: لأنه علم أنها ..
الشيخ: ما عَلِم أنها غابت، لو علم أنها غابت ما ذهب يُفْطِر.
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر؛ لأنه؟
الطالب: علم.
الشيخ: لأنه ..
الطالب: جاهل، جاهل.
الشيخ: جاهل بإيش؟
الطالب: بالحكم.
الشيخ: بالحكم؟ لا، يدري أنه لا يجوز الأكل قبل غروب الشمس.
الطالب: جاهل بالحال.
الشيخ: جاهل بالحال، يعني يظن أن الشمس غربت، فهو جاهل بالواقع، طالما أن الحال هنا الواقع، الحال يعني الجهل بالواقع.
ما هو الدليل على هذا؟
طالب: حديث أسماء رضي الله عنها قالت: أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس، ولم يأمرنا صلى الله عليه وسلم بالقضاء ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3429
الشيخ: حديث أسماء أنهم أفطروا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم غيم، ثم طلعت الشمس، ولم يأمرهم بالقضاء.
إذا قال قائل: عدم النقل ليس نقلًا للعدم، يعني كونه لم يُنقَل أنه أمرهم لا يدل على أنه لم يأمرهم، فبماذا نجيب؟
طالب: هذا مما تدعو الحاجة إلى نقله.
الشيخ: نعم.
الطالب: وهذا شرع يجب أن يُحفظ.
الشيخ: نعم.
الطالب: فما دام لم يُنقل دَلَّ على أنه لم يأمرنا به النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء.
الشيخ: أحسنت، لو كان القضاء واجبًا لأمرهم به؛ لأنه شرط، ولو أمرهم به لوجب أن يُنقل إلينا؛ لأن الشرع لا بد أن يكون محفوظًا فلا يضيع.
الشرط الثالث؟
طالب: ذاكرًا.
الشيخ: ذاكرًا، ضدُّه؟
الطالب: النسيان.
الشيخ: الناسي، يعني لو أكل أو شرب وهو صائم ناسيًا؟
الطالب: صائم.
الشيخ: يُفْطِر ولَّا ما يُفْطِر؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا يُفْطِر؟
الطالب: الناسي لا يُفْطِر.
الشيخ: إي نعم هو ناسي، أكل شرب على العادة، مرَّ بالبرَّادة وهو عطشان، فعلى العادة شرب ناسيًا.
الطالب: يتم صومه.
الشيخ: ما هو الدليل العام والخاص؟
الطالب: الدليل العام: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الشيخ: والخاص؟
الطالب: الخاص ورد عن النبي صلى عليه وسلم.
الشيخ: حديث أبي هريرة.
الطالب: مَنْ نسي.
الشيخ: أن النبي.
الطالب: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ إِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (6).
الشيخ: أحسنت، هذا هو المهم في درسنا في معرفة المُفَطِّرات هو معرفة هذه الشروط، حتى لا نُفْسِد صوم أحد إلا بدليل شرعي يكون لنا حجة عند الله؛ لأن الله تعالى سيقول لنا: لماذا أفسدتم عبادة عبادي بلا إذن مني؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3430
وهذا أمر مهم؛ لأن بعض الناس يتساهل في هذا الأمر، والإنسان المفتي أو المؤلف يَحْكي عن الله، ويقول على الله، فلا بد أن يعرف له جوابًا عند الله يوم القيامة إذا سأله: كيف أفسدتَ عبادة عبادي بدون إذن مني؟ فماذا يقول؟
فإذا جاءت النصوص -ولله الحمد- مُيَسِّرة على العباد عاذِرَةً لهم بالجهل والنسيان وعدم القصد، فلماذا نحن نُلزِم الناس بشيء قد عفا الله عنه، وعفو الله تعالى أوسع من مؤاخذته، ورحمته أوسع من عقوبته، ورضاه أوسع من غضبه -عز وجل.
وهذه مسألة ينبغي للإنسان طالب العلم الذي يمن الله عليه بالفتوى أن يجعل هذا السؤال نصب عينيه: لماذا ضيَّقْتَ على عبادي بالشروط؟ لماذا أفسدتَ عبادة عبادي بلا دليل؟ وما أشبه ذلك.
طالب: ضد العَمْد ما هو؟
الشيخ: ضد العَمْد عدم الاختيار، يعني أنا ما اخترت هذا الشيء، فعامدًا بمعنى مختارًا، كل شيء يحصل بلا قصد أو بإكراه؛ لأن الْمُكْرَه يفعل الشيء بلا قصد.
إنسان أُغْمِيَ عليه وهو صائم، فاضطُرَّوا إلى أن يُوجِرُوه بدواء.
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر؟ لماذا؟
الطالب: لعدم قصد الفطر.
الشيخ: لعدم القصد منه، صحيح؟ وهل يجوز لهم أن يفعلوا ذلك به؟
الطالب: يجوز لهم للحاجة.
الشيخ: يجوز لهم للضرورة؛ ولأنه لا يُفْطِر، صومه لن يَفْسُد بهذا العمل.
رجل قبَّل زوجته فأمذى.
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: حتى على كلام المؤلف؟
الطالب: نعم.
الشيخ: حتى على ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: على ما ذهب إليه المؤلف أنه يُفْطِر.
الشيخ: أنه يُفْطِر؛ لأنه يجعل المذي؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كالإنزال، رجل كَرَّرَ النظر فأمذى، أَيُفْطِر؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: حتى على رأي المؤلف؟
الطالب: وعلى رأي المؤلف يُفْطِر.
طالب آخر: بلى يُفْطِر.
الشيخ: ما تقولون؟ أيهما أصح أيهما؟ الثاني أو الأول؟
طلبة: الثاني.
الجزء: 1 - الصفحة: 3431
الشيخ: الثاني، وهنا فرَّق المؤلف بين الإمذاء والإمناء، والصواب أن الفرق بينهما في هذه الحال وغيرها.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى في بيان ما لا يُفْسِد الصوم: (أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ) يعني: فلا يُفْطِر؛ لأنه بغير قصد، لكن لو كان مستقَر الذباب حين طار أقصى الفم فإنه يمكنه أن يُخْرِجَه، إنما لو ذهب إلى الحَلْق فإنه لا يمكن أن يخرجه، وربما لو حاول إخراجه لتقيأ، لذلك نقول: يُعفى عنه.
كذلك إذا طار إلى حلقه غبار، فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم القصد، ولا يقال للعامل الذي يعمل في التراب: لا تعمل وأنت صائم؛ لأنك لو عملت وأنت صائم لطار إلى حلقك غبار؛ لأننا نقول: إن طيران الغبار إلى حلقه ليس بمقصود، هو يريد أن يعمل في التراب، ومن يعمل في التراب فلا بد أن يطير إلى حلقه الغبار، فإذا طار إلى حلقه غبار فإن ذلك لا يضر.
أفلا يمكن أن يقال: ما دام هذا العمل وسيلة إلى إفطاره أفلا نقول: إنه لا يجوز أن يعمل؟
الجواب أن نقول: هذا ليس وسيلة إلى إفطاره؛ لأنه إذا طار إلى حلقه غبار بلا قصد فإنه؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر.
كذلك إذا يقول: (أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)، (فَكَّرَ) يعني: في الجماع، (فَأَنْزَلَ)، سواء كان ذا زوجة ففكر في جماع زوجته، أو لم يكن ذا زوجة ففكر في الجماع عمومًا فأنزل فإنه لا يفسد صومه بذلك، ودليله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (12)، وهذا لم يعمل، ولم يتكلم، إنما حدَّث نفسه وفكَّر فأنزل.
وعُلِم منه -من كلامه- (فَكَّرَ فَأَنْزَلَ) أنه لو حصل منه عمل فإنه يُفْطِر أو لا؟ يُفْطِر، يعني لو حصل منه عمل بأن تدَلَّك بالأرض حتى أنزل، أو حرَّك ذكره حتى أنزل، أو قبَّل زوجته حتى أنزل، أو ما أشبه ذلك فإنه يُفْطِر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3432
قوله: (أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ أوِ احْتَلَمَ)، (احْتَلَمَ) فإنه لا يُفْطِر، حتى لو نام على تفكير، واحتلم في أثناء النوم فإنه لا يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن النائم غيرُ قاصد، وقد رُفِع عنه القلم فلا يُفْطِر إذا احتلم.
أحيانًا يستيقظ الإنسان حينما يتحرك الماء الدافق، فهل يلزمه -في هذه الحال- أن يمسكه؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ لا؛ لأنه انتقل من محله، ولا يمكن رده، وحَبْسُهُ بالضغط على الذَّكَر مُضِرّ، فيقال في هذه الحال: يمشي، كما أنه لو تحركت معدته ليتقيأ فإنه لا يلزمه أن يحبسها؛ لما في ذلك من الضرر.
يقول: (أوِ احْتَلَمَ، أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ)، فهنا لا يفسُد صومه؛ لأنه لم يبتلع طعامًا بعد طلوع الفجر، كيف يتصور هذا؟ يتصور إذا كان الإنسان مثلًا يأكل تمرًا، وصار في أقصى فمه شيء من التمر، ولم يُحِسّ به إلَّا بعد أن طلع الفجر، نقول في هذه الحال: الفِظْ هذا وصومك صحيح، ولا بأس.
يقول: (أوِ اغْتَسَلَ) اغتسل فدخل الماء إلى حلقه فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم؟
طالب: القصد.
الشيخ: لعدم القصد.
(أوْ تَمَضْمَضَ) فدخل الماء إلى حلقه، حتى وصل إلى معدته، فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد.
(أوِ اسْتَنْثَرَ) والمراد: استنشق؛ لأن الاستنثار يَخرج الماء من الأنف، فإما أن تكون هذه من المؤلف سبقة قلم، أو سهوًا؛ لأن المراد بقوله: (اسْتَنْثَرَ) يعني: استنشق الماء في الوضوء مثلًا، ثم نزل الماء إلى حلقه فمعدته فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد.
(أوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) يعني زاد على الثلاث في المضمضة أو الاستنشاق، فدخل الماء إلى حلقه، فإنه لا يفسُد صومه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3433
وأتى المؤلف بقوله: (زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ)؛ لأن ما قبل الثلاث مشروع، ما قبل الثلاث في المضمضة والاستنشاق مشروع، ومأذون فيه، والقاعدة عند العلماء أن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، فهنا إذا تمضمض في الأُولى والثانية والثالثة فنزل الماء إلى بطنه فإنه لا يُفْطِر بذلك واضح؛ لأنه لم يفعل إلَّا شيئًا مشروعًا، وهذا ترتب على شيء مشروع فلا يضر.
لكن لو زاد على الثلاث فالزيادة على الثلاث في الوضوء إما محرَّمة وإما مكروهة كراهة شديدة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» (13)، فإذا زاد على الثلاث فالزيادة مكروهة، أدنى أحوالها أنها مكروهة، لكنه زاد عليها ووصل الماء إلى بطنه، فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد.
لأنك لو سألت هذا الذي تمضمض أكثر من ثلاث: أَأَنت تريد أن يصل الماء إلى بطنك؟ لقال: لا، فإذا كان كذلك فإنه لا يُفْطِر؛ لأنه لم يقصد أن ينزل الماء إلى بطنه.
وكذلك لو بالغ في الاستنشاق أو المضمضة، مع أنه مكروه، يُكْرَه للصائم أن يبالغ فيهما، لكن لو بالغ ودخل الماء إلى بطنه فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم القصد.
لو أنه يَبِس فمه كما يوجد في أيام الصيف، ويوجد أيضًا مع بعض الناس، يكون ريقه قليلًا ينشف فمه، فتمضمض من أجل أن يَبْتَلَّ فمه، أو تَغَرْغَرَ بالماء ونزل إلى بطنه، فهل يُفْطِر بذلك؟ نقول: لا؛ لأنه غير مقصود، ولم يقصد الإنسان أن ينزل الماء إلى بطنه، وإنما أراد أن يَبُلَّ فمه ونزل الماء بغير قصد.
ويتفرع على هذا: هل يجوز للصائم أن يستعمل الفرشة والمعجون أو لا؟
نقول: يجوز، لكن الأَوْلَى ألَّا يستعملهما؛ لما في المعجون من قوة النفوذ والنزول إلى الحلق، وبدلًا من أن يفعل ذلك في النهار يفعله في الليل، الأمر واسع.
(أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3434
ثم قال: (وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوع الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ)، (مَنْ أَكَلَ شَاكًّا)، ومن شَرِب؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: مثله، ومن جامع؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك، يعني: من أتى مُفَطِّرًا، وهو شاكٌّ بطلوع الفجر فصومه صحيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إلى متى؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، وضد التبيُّن: الشك والظن، فما دمنا لم يتبين لنا فلنا أن نأكل ونشرب؛ لأن الله أباح ذلك.
ثم إن الإنسان في هذا الوقت إما أن يتيقن أن الفجر لم يطلع، مثل أن يكون طلوع الفجر في الساعة الخامسة، ويكون أكْلُه وشُرْبُه في الساعة الرابعة والنصف، فهنا يتيقن أن الفجر لم يطلُع، وهذا لا إشكال فيه، وإما أن يتيقن أن الفجر طلع، كأن يأكل الساعة الخامسة والنصف، فهذا صومه فاسد ولا شك، وإما أن يأكل وهو شاكٌّ هل طلع الفجر أو لا، ويغلب على ظنه أنه لم يطلُع، فما الحكم؟
طلبة: صومه صحيح.
الشيخ: صومه صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، وإما أن يأكل ويشرب، ويغلب على ظنه أن الفجر طالع.
طلبة: صومه صحيح.
الشيخ: فصومه صحيح، وإما أن يأكل ويشرب مع التردد الذي ليس فيه رجحان، فصومه؟
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح.
هذه خمسة أقسام يصح الصوم فيها في ثلاثة أقسام؛ إذا علم أنه لم يطلُع، أو غلب على ظنه أنه لم يطلُع، أو تردد فيه، أو غلب على ظنه أنه طلع لكن لم يتيقن، كل هذا يؤخذ من الآية الكريمة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
هل يُقَيَّد هذا فيما إذا لم يتبين أنه أكل في الفجر؟
أما على القول الراجح فإنه لا يُقَيَّد، حتى لو تبين أن الفجر قد طلع فصومه صحيح، بناءً على العذر بالجهل بالحال.
الجزء: 1 - الصفحة: 3435
وأما على المذهب فيقولون: إذا تبين أن أكله كان بعد طلوع الفجر فعليه القضاء، بناءً على أنهم لا يَعْذرون بالجهل، والصواب العذر بالجهل كما سبق.
يقول: (لَا إِنْ أَكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ) فإنه لا يصح صومه، (إِنْ أَكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ) فإنه لا يصح صومه، والفرق بين من أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ومن أكل شاكًّا في غروب الشمس، أن الأول بانٍ على أصل، وهو الأصل بقاء الليل، والثاني أيضًا بانٍ على أصل وهو الأصل بقاء النهار، فلا يجوز أن يأكل مع الشك.
إذن متى يجوز أن يأكل؟ إذا تيقن، أو غلب على ظنه أن الشمس قد غربت، حتى على المذهب في هذه الحال إذا غلب على ظنه أن الشمس قد غربت فله أن يُفْطِر، ولا قضاء عليه ما لم يتبين أنها لم تغرب، وسبق على القول الصحيح أنه معذور أيضًا، أرجو أنكم فهمتم الآن، إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر فأكْلُه جائز أو غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: وصومه؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، إذا أكل شاكًّا في غروب الشمس فأكله حرام، ولَّا لا؟ فأكله حرام وعليه القضاء، الفرق أنه في الأول بنى على أصل، وفي الثاني بنى على أصل، الأول بنى على أي أصل؟
طلبة: بقاء الليل.
الشيخ: على أصل بقاء الليل؛ لأن الأصل بقاء الليل حتى نتيقن أنه طلع الفجر، والثاني بنى على أصل أيضًا وهو أن الأصل.
طلبة: بقاء النهار.
الشيخ: بقاء النهار ما لم نعلم أن الشمس قد غربت.
إذا تبين -بعد أن أكل شاكًّا في غروب الشمس- إذا تبين أن الشمس قد غربت قبل أن يأكل، فما حكم صومه؟ صومه صحيح؛ لأن شكَّه كان تَبَيَّن أنه مبني على غير أصل، أعرفتم؟ وإن أكل ظانًّا أن الشمس غربت ولم يتبين الأمر، فصومه؟ صحيح، من أين نأخذه من كلام المؤلف؟ من قوله: (شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3436
فَعُلِم منه أنه لو أكل وقد ظن أن الشمس قد غربت فإنه يصح صومه ما لم يتبين أنها لم تغرب، فإن تبين أنها لم تغرب فقد عرفتم القول الصحيح في هذا، وهو أنه لا قضاء عليه، والمذهب أن عليه القضاء.
فإن قال قائل: ما الدليل على أنه يجوز الفطر بالظن مع أن الأصل بقاء النهار؟
قلنا: الدليل حديث أسماء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أفطروا في يوم غيم، وإفطارهم بناءً على إيش؟ على ظن ولَّا أو على يقين؟
طلبة: على ظن.
الشيخ: على ظن قطعًا؛ لأنهم لو تيقنوا أن الشمس غربت ما طلعت، فهم بَنَوْا على ظن، فدل ذلك على أنه يجوز أن يُفْطِر بظن الغروب، ثم إن تبين أن الشمس غربت فالأمر واضح، أو لم يتبين شيء فالأمر أيضًا واضح، وإن تبين أنها لم تغرب وجب القضاء على المذهب، وعلى القول الراجح: لا يجب القضاء.
ثم قال: (أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا)، يعني: سواء من أول النهار أو آخره، أكل يعتقد أنه ليل، بناءً على ظنه، أو بناءً على الأصل، فبان نهارًا، فعليه القضاء، لماذا؟ لأن الفقهاء رحمهم الله لا يَعذرون بالجهل، ويكون العمل بالواقع.
مثاله: أكل السَّحُور يعتقد أن الفجر لم يطلُع، فتبين أنه طالع، فما الحكم؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: المذهب يجب عليه القضاء، وهذا يقع كثيرًا، يقوم الإنسان من فراشه ويقرِّب سَحوره ويأكل ويشرب، وإذا بالصلاة تُقَام، يعني أنه أكل وشَرِب بعد طلوع الفجر، فعلى المذهب يلزمه القضاء، وعلى القول الراجح: لا قضاء.
كذلك أكل يعتقد أن الشمس غربت، ثم تبين أنها لم تغرُب فهو أكل يعتقد أنه في ليل، فبَانَ أنه في نهار، فيلزمه -على المذهب- القضاء، والراجح أنه لا يلزمه.
إذن حصلنا على الفرق بين أول النهار وآخره في أنه يجوز في أول النهار الأكل مع الشك، وفي آخر النهار لا يجوز الأكل مع الشك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3437
طالب: أحسن الله إليكم، ما أدري مناط الحكم -يعني بالإفطار- هل هو مرور الشيء إلى الجوف أو إلى المعدة أو إلى الحلق أم ماذا؟ لأن تعليلات الفقهاء تختلف من شيء إلى ..
الشيخ: المذهب: وصوله إلى جوفه، سواء الحلق أو البطن أو أي مكان، شيخ الإسلام يرى أن مناط الحكم بوصول الشيء إلى المعدة.
الطالب: المعدة فقط؟
الشيخ: فقط، وأما غيرها فلا فلا عبرة به.
الطالب: وهذا الـ ..
الشيخ: وهذا أقرب إلى الانضباط وإلى الصواب.
الطالب: قلنا قاعدة سابقة: إذا تعذر ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا غلب على ظنه أنه ( ... ).
الشيخ: نعم، صحيح.
الطالب: فإذا غلب على ظنه أنها لم تغرب، قلنا: إنه يجوز له الفطر.
الشيخ: لا، ما يجوز، إذا غلب على ظنه أنها لم تغرب لا يجوز.
طالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يُفْطِرُون على الأذان.
الشيخ: نعم.
الطالب: فإذا كان المؤذن أو العامل في المسجد يُصَلِّح الميكروفون تكلم في الميكروفون ففكروه الأذان فأكلوا.
الشيخ: إي نعم، أكل ثم تبين أنها لم تغرب الشمس.
طالب: نعم.
الشيخ: فجاء يستفتي فماذا يقول له؟
طالب: أقول: إن صومه صحيح، على المذهب غير صحيح.
الشيخ: وعلى الراجح؟
الطالب: الراجح صحيح.
الشيخ: وهو كذلك.
طالب آخر: إذا كان العامل يرش مبيدات الحشرات، الرائحة قوية جدًّا فذاقها؟
الشيخ: الرائحة لا تضر، يعني لو إنسان مثلًا -كما قال الأخ- يرش مبيد الحشرات فطار إلى حلقه رائحته فلا يضر.
طالب: نفس الشيء البخور يا شيخ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أسمعتم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إيراد جيد، يقول: القاعدة عند الفقهاء أن ما وصل إلى مجوَّف فإنه مُفطِّر، فلماذا استثنَوا الإحليل؟ يعني إذا قطَّر في إحليله -أي في ذَكَرِه- فإنه لا يضر، يقولون: لأن المثانة ما تنفذ إلى الجوف.
الطالب: هي ما هي جوف؟
الشيخ: لا، ما هي جوف.
طالب: الإمساك يا شيخ بعد طلوع الفجر هل هو عند قول: الله أكبر الله أكبر، أو عند الفراغ؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3438
الشيخ: المؤذِّنون في الواقع يختلفون، أولًا منهم من ليس بحريص، ومنهم من ساعته غير مضبوطة، ومنهم من نظره ضعيف، فيظن أربعة ونص يظنها خمسة ونص، ما الإنسان يعتمد عليهم تمامًا، إلَّا مؤذن تعرفه تمامًا يتحرى، فهذا إذا أذَّن من يوم ما أذَّن أمسِكْ، لكن ورد أنه إذا أذَّن والإناء في يدك وأنت تشرب فلا تضعه حتى تقضي نَهْمَتَك منه، وهذا فيه سعة.
طالب: شيخ ( ... ).
الشيخ: الصلاة.
طالب: بارك الله فيكم، الناس الذين في السهول والجبال، قلنا في قول أهل الطائرات: أهل الطائرات إذا كانوا في سماء البلاد فإنهم لا يُفْطِرون بزوال الشمس وتغيب على أهل الأرض قبلهم، فهل نقيس أهل الجبال والمرتفعات والعمارات الشاهقة مئة دور، وما أشبه ذلك، لا يُفْطِرون اللي تحت حتى يُفْطِر الذين فوق؟
الشيخ: ما فهمت؟
الطالب: بعض المناطق سهول أو جبال.
الشيخ: نعم.
الطالب: أو عمارات مرتفعة جدًّا، لا تغيب عن العلوية، تغيب عن السفلية قبل أن تغيب عن ..
الشيخ: نعم، احنا قلنا: من غابت عنهم فلْيُفْطِروا، ومن لم تغب عنهم فلا يُفْطِرون.
الطالب: الاحتقان لا يُفَطِّر مطلقًا، ذكرنا هذا الرأي.
الشيخ: نعم.
الطالب: ذكرنا أيضًا أن الإبر المغذية تُفَطِّر.
الشيخ: نعم.
الطالب: فما وجه الفرق بين الحقنة إن كان فيها ما يغذِّي وغيرها من الإبر المغذِّية.
الشيخ: نعم، هم يقولون: إن الحقنة ما هي تغذي، إنما هي تنظِّف الأمعاء فقط، لكن إذا ثبت أن الحقنة تغذِّي فالحكم واحد.
طالب: هل يجوز أن يُفْطِر إذا غلب على ظنه أن الشمس غربت.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو شك أن الشمس غربت، فأفطر فتبين أن الشمس غربت.
الشيخ: نعم، صومه صحيح.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هو آثم؛ لأنه نقول: لا تأكل وأنت شاك، لكنه أكل.
الطالب: هو نوى الإفطار.
الجزء: 1 - الصفحة: 3439
الشيخ: إي نعم، لكن نوى الإفطار في الليل، اصبر، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (14) سواء نوى أو لم يَنْوِ، لأن نقول لهذا الرجل الذي أكل شاكًّا: أنت يجوز لك الأكل قبل أن تُفطر.
طالب: إذا تعمَّد الأكل وبان أنه نهار ( ... ).
الشيخ: إي نعم، يصح.
طالب: في باب ما يُفْسِد الصوم ويوجب الكفارة: فصلٌ:
وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَان فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ، وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرجِ فأَنْزَلَ، أَوْ كَانَتِ المرأةُ معذورةً، أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ، وإنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَة.
الشيخ: فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَة.
طالب: عندي (فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَة).
الشيخ: لا، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَة وفي الأولَى ثْنَتَانِ.
الطالب: وإنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ في الثانية، وفي الأولَى اثْنَتَانِ، وإنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، وَكَذَلك مَنْ لَزِمَه الإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ، وَمَنْ جَامَعَ وَهُوَ مُعَافًى، ثُمَّ مَرِضَ، أوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ، وَلَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ، وَهْيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِيِّنَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3440
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن مَن أكل شاكًّا في طلوع الفجر ثم تبين أنه طالع، فما الحكم؟
طالب: صَحَّ صومه.
الشيخ: تبين أنه طالع.
الطالب: تبين له بعد ذلك؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نعم يصح صومه.
الشيخ: يصح صومه؟ حتى على ما مشى عليه المؤلف؟
الطالب: على المذهب عليه القضاء.
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: إي، طيب، هذا يقول.
الطالب: ( ... ) القضاء ( ... ).
الشيخ: المذهب أن عليه القضاء، والراجح؟
الطالب: الراجح -كما هو ظاهر الآية- يصح صومه.
الشيخ: الراجح أن صومه صحيح.
ما هو الدليل على رجحان هذا القول؟
طالب: رجحان القول؟
الشيخ: نعم، أنه إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فصومه صحيح على القول الصحيح، فما هو الدليل؟
الطالب: عموم الأدلة التي ( ... ).
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الشيخ: إي نعم: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الطالب: وهذا من الخطأ.
الشيخ: وهذا من الخطأ، وهل هناك دليل خاص في المسألة؟
طالب: حديث أسماء رضي الله عنها أنها قالت: صُمْنَا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم، فطلعت الشمس (10) فلم يُؤْمَرُوا بالقضاء.
الشيخ: فطلعت الشمس، وإذا كان هذا في آخر النهار فأوله من باب أَوْلَى؛ لأن أوله مأذون له أن يأكل ويشرب إلى أن يتبين له الفجر.
رجل آخر أكل يعتقد ..
(فصلٌ)
الجزء: 1 - الصفحة: 3441
ومَن جامَعَ في نهارِ رمضانَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ، وإن جامَعَ دونَ الْفَرْجِ فأَنْزَلَ أو كانت المرأةُ مَعذورةً أو جامَعَ مَن نَوَى الصوْمَ في سَفَرِه أَفْطَرَ ولا كَفَّارَةَ، وإن جامَعَ في يومينِ أو كَرَّرَه في يومٍ ولم يُكَفِّرْ فكَفَّارَةٌ ثانيةٌ، وكذلك مَن لَزِمَه الإمساكُ إذا جَامَعَ، ومَن جامَعَ وهو مُعافًى ثم مَرِضَ أو جُنَّ أو سافَرَ لم تَسْقُطْ، ولا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بغيرِ الجِماعِ في صِيامِ رَمضانَ، وهي عِتْقُ رَقبةٍ، فإنْ لم يَجِدْ فصيامُ شَهرينِ مُتتابعينِ، فإن لم يَستطعْ فإطعامُ سِتِّينَ مِسكينًا، فإن لم يَجِدْ سَقَطَتْ.
(بابُ ما يُكْرَهُ ويُستحبُّ وحُكْمُ القضاءِ)
يُكْرَه جَمْعُ رِيقِه فيَبْتَلِعُه، ويَحْرُمُ بَلْعُ النُّخامةِ ويُفْطِرُ بها فقط إن وَصَلَتْ إلى فَمِه ويُكْرَهُ ذَوقُ طَعامٍ بلا حَاجةٍ، ومَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ، وإن وَجَدَ طَعْمَها في حَلْقِه أَفْطَرَ ويَحْرُم العِلْكُ الْمُتَحَلِّلُ إن بَلَعَ رِيقَه، وتُكْرَهُ القُبلةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهوتَه، ويَجِبُ اجتنابُ كَذِبٍ وغِيبةٍ وشَتْمٍ،
الشيخ: على رُجْحَان هذا القول، أنه إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فصومه صحيح على القول الصحيح فما هو الدليل؟
طالب: عموم الأدلة ( ... ).
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286].
الشيخ: إي نعم، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الطالب: وهذا من الخطأ.
الشيخ: وهذا من الخطأ، وهل هناك دليل خاص في المسألة؟
طالب: حديث أسماء رضي الله عنها أنها قالت: صُمْنَا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم، فطلعت الشمس (1).
الجزء: 1 - الصفحة: 3442
الشيخ: فطلعت الشمس، وإذا كان هذا في آخر النهار فأوَّله من باب أَوْلَى؛ لأن أوله مأذون له أن يأكل ويشرب إلى أن يتبين له الفجر.
رجل آخر أكل يعتقد أنه ليل في آخر النهار، فبان نهارًا؟
طالب: نعم يا شيخ ( ... ) حديث أسماء.
الشيخ: ما حكم هذا الذي فعل هذا الفعل؟
الطالب: غير آثم، وصومه صحيح، ولكن يلزمه الإمساك.
الشيخ: أنا أحب أن تجيب أولًا بما قاله المؤلف من أجل أن أعرف أنك هضمت الكتاب.
الطالب: لا أعرف كلام المؤلف.
الشيخ: إي، إذن ما درست الكتاب، لا تقول: إني درست زاد المستقنع.
الطالب: ما ألزمتمونا بالحفظ يا شيخ.
الشيخ: مو لازم الحفظ.
طالب: يبطل الصوم.
الشيخ: يلزمه القضاء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: على رأي المؤلف يلزمه القضاء لأنهم في باب مفسِدات الصوم لا يعذرون بالجهل، والقول الراجح؟
الطالب: أنه لا قضاء عليه.
الشيخ: أنه لا قضاء عليه، ما هو دليل رجحان هذا القول؟
طالب: حديث أسماء.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: أنهم أفطروا ..
الشيخ: أنهم أفطروا؟
الطالب: ولَمَّا، ثم بَانَ النهار.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أفطروا على غَيْم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: إي نعم، أفطروا متى؟
الطالب: أفطروا قبل، في يوم غيم.
الشيخ: في يوم غيم، ثم طلعت ..
الطالب: الشمس.
الشيخ: ولم يأمرهم بالقضاء، هذا دليل خاص، وأما الأدلة العامة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فهي واضحة.
ثم عقد المؤلف فصلًا خاصًّا للجماع، الجماع من مُفَطِّرات الصائم بالإجماع، ودليله قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾، أي: الإمساك، ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]، وهو مُفَطِّر بالإجماع، وهو أعظم المُفَطِّرات، ولهذا وجبت فيه الكفارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3443
قال المؤلف: (وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَان فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ)، (مَنْ جَامَعَ)، (مَنْ) هذه من صِيَغ العموم؛ لأنها اسم شرط، فيشمل كل مَن جامع في نهار رمضان وهو صائم فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ، ولكن ليس هذا على عمومه، بل لا بد من شروط:
الشرط الأول: أن يكون ممن يلزمه الصوم، فإن كان ممن لا يلزمه الصوم -كالصغير- فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن له أن يُفْطِر بدون عذر.
الشرط الثاني: ألَّا يكون هناك مُسقِط للصوم، فإن كان هناك مُسقِط للصوم كما لو كان في سفر وهو صائم فجامع زوجته فإنه ليس عليه إثم وليس عليه كفارة، وإنما عليه القضاء فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185].
إذن لا بد من أن يكون ممن يلزمه الصوم، ولا بد ألَّا يوجد مُسْقِط للصوم.
رجل مريض صائم وهو ممن يباح له الفطر بالمرض، لكنه تكلَّف وصام، ثم جامع زوجته، فهل عليه الكفارة؟ لا؛ لأنه ممن يحلُّ له الفطر، فالحاصل إذا كان ممن يلزمه الصوم.
وقوله: (فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ) يشمل القُبُل الحلال والدُّبُر الحلال، والدُّبُر الحرام والقُبُل الحرام، يعني حتى ولو كان زنًا -والعياذ بالله- فإنه يلزمه القضاء والكفارة، (فَعَلَيْهِ القَضَاءُ).
طالب: قلت: الدُّبُر الحلال.
الشيخ: نعم؟
الطالب: هل الدُّبُر الحلال.
الشيخ: لا، الدُّبُر حرام، كل الدُّبُر حرام حتى لزوجته، لكن دُبُر مِن امرأة حلال، أما الدُّبُر فلا يحل وطؤه حتى من الزوجة، فهو يشمل كل هذا.
(فَعَلَيْهِ القَضَاءُ)؛ لأنه أفسد صومه الواجب فوجب عليه القضاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 3444
(وَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ)، الكفارة احترامًا للزمن، وبناءً على ذلك -أنه احترامًا للزمن- أنه لو كان هذا في قضاء رمضان فالقضاء واجب، وعليه القضاء لهذا اليوم الذي جامَع فيه وليس عليه كفارة، لماذا؟ لأنه خارجَ شهرِ رمضان، بخلاف ما إذا كان في الشهر فعليه الكفارة.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يُنزِل أو لا يُنزِل، فإذا أولج الحَشَفَة في القُبُل أو الدُّبُر، فإنه يلزمه -كما قال المؤلف- القضاء والكفارة.
قال: (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرجِ فأَنْزَلَ) فالجواب قوله: (أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)، إن جامع دون الفرج كما لو جامع بين فخذيها، أو ما أشبه ذلك، فأنزل فعليه القضاء ولَا كفارة.
كذلك إذا (كَانَتِ المرأةُ معذورةً) بجهل أو نسيان أو إكراه، فإنه ليس عليها كفارة، وعليها القضاء، وعُلِمَ من قوله: (أَو كَانَتِ المرأةُ معذورةً) .. إلى آخره أنه لو كانت مُطاوِعَةً فعليها ..
طالب: القضاء.
الشيخ: القضاء والكفارة.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على وجوب الكفارة؟
قلنا: الدليل على ذلك حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: هلكْت، قال: «مَا أَهْلَكَكَ؟ »، قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فسأله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هل يجد رقبة؟ فقال: لا، قال: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ »، قال: لا، قال: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ »، قال: لا، فالرجل فقير وعاجز عن الصوم، ثم جلس الرجل، فجيء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتمر، فقال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، قال: أَعَلَى أفقر مني يا رسول الله؟ ! والله ما بين لَابَتَيْهَا أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (2) فرجع إلى أهله بتمر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3445
فإن قال قائل: هذا الرجل عرفنا الدليل، لكن ما هو الدليل على وجوب الكفارة على المرأة؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يذكر في هذا الحديث أن على المرأة الكفارة، مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يمكن، يعني لا يمكن أن يؤخر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيان الحكم مع دعاء الحاجة إليه؟
فالجواب عن هذا أن يقال: إن هذا الرجل استفتى عن فعل نفسه، والمرأة لم تَسْتَفْتِ، وحالها تحتمل أن تكون معذورة ومُكْرَهَة، وتحتمل أن تكون مُطاوِعة، فلمَّا لم تأتِ وتَسْتَفْتِ سكت عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يذكر أنَّ عليها كفَّارة، والاستفتاء لا يُشترط فيه البحث عن حال الشخص الآخر، ولهذا لَمَّا جاءت امرأة أبي سفيان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تشتكيه بأنه لا يُنْفِق لم يطلب أبا سفيان ليسأله، بل أَذِن لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي ولدها.
فإذا قال قائل: ما الدليل على الوجوب؟ أليس الأصل براءة الذمة؟
قلنا: الدليل على ذلك أن الأصل تَسَاوِي الرجال والنساء في الأحكام إلَّا بدليل، ولهذا لو أن رجلًا قذف رجلًا بالزنا لجُلِد ثمانين جلدة إذا لم يأت بالشهود، مع أن الآية في النساء: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]، فالأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية إلَّا بدليل.
فإذا قال قائل: ظاهر كلام المؤلف أنه لو كان الرجل هو المعذور بجهل أو نسيان فإنَّ الكفارة لا تسقط عنه؟
قلنا: نعم، هذا ظاهره؛ لقوله: (أَوْ كَانَتِ المرأةُ معذورةً) ففُهِم منه أنه لو كان الرجل هو المعذور فإنَّ الكفارة لا تسقط عنه، وهذا هو المشهور من المذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3446
والصحيح أن الرجل إذا كان معذورًا بجهل، أو نسيان، أو إكراه، فإنه ليس عليه قضاء، وليس عليه كفارة، وأن المرأة كذلك إذا كانت معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه فليس عليها قضاء ولا كفارة، المذهب أن عليها القضاء، وليس عليها الكفارة، والصحيح أنه لا قضاء عليها ولا كفارة.
وكذلك بالنسبة للرجل، فلو كان الرجل جاهلًا لا يعلم أن الجماع بدون إنزال حرام على الصائم، قلنا له: ليس عليك قضاء وليس عليك كفارة؛ للجهل، وقد سبقت الأدلة على ذلك.
وكذلك لو قال: أنا نسيتُ أني صائم، قلنا: لا قضاء عليك ولا كفارة، وإن كان النسيان في مثل هذه الحال بعيدًا؛ لأن الناس في رمضان والنسيان يكون بعيدًا، لكن نقول: ربما يحصل، ولو قال قائل: إذا نَسِيَ هو لم تنسَ الزوجة، قلنا: يمكن أن تَنْسَ الزوجة أو تداهن، ربما تداهن وتسكت، وتقول: ما نقدر نذكِّره، كما يقول بعض العامَّة: إذا رأيت الرجل يشرب وهو صائم أو يأكل وهو صائم فلا تذكِّره؛ لأن الله هو الذي أطعمه وسقاه، فنقول: هذا قد يكون هي داهنت وسكتت وقالت: هذا ناسٍ ولا أُذَكِّره.
فعلى كل حال إذا وُجِدَ الجهل أو النسيان أو الإكراه من الزوج أو الزوجة وجامعها فالقول الراجح أنه ليس عليهما قضاء.
طلبة: ولا كفارة.
الشيخ: ولا كفارة.
بقي أن نُنَبِّه على مسألة مهمة، وهي أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: لا يمكن الإكراه على الجماع من الرجل، يعني لا يمكن أن يُكْرَه الرجل على الجماع؛ لأن الجماع لا بد فيه من انتشار وانتصاب الذَّكَر، والمكْرَه لا يمكن أن يكون منه ذلك.
فيقال: هذا غير صحيح؛ لأن الإنسان إذا هُدِّد مثلًا بالقتل أو بالحبس، أو ما أشبه ذلك، ثم دنا من المرأة فلا يَسْلَم من الانتشار، وكونهم يقولون: هذا غير ممكن، نقول: هذا ممكن.
فإن قال قائل: الرجل الذي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أليس جاهلًا؟ كما استشكله الأخ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3447
نقول: هو جاهل ما يجب عليه، وليس جاهلًا أنه حرام، ولهذا يقول: «هَلَكْتُ»، فهو عارف وعالم، لكن لا يدري ماذا عليه، ونحن إذا قلنا: إن الجهل عذر، فليس مرادُنا أن الجهل بما يترتب على هذا الفعل المحرَّم، ولكنَّ مرادَنا الجهل بهذا الفعل هل هو حرام أو ليس بحرام.
ولهذا لو أن أحدًا زنى جاهلًا بالتحريم وهو ممن عاش في غير البلاد الإسلامية، رجل حديث عهد بالإسلام، أو عاش في بادية بعيدة لا يعلمون أن الزنا محرَّم فزنا فإنه لا حدَّ عليه، لكن لو كان يعلم أن الزنا حرام، لكن لا يعلم أنَّ حدَّه الرجم، أو أنَّ حدَّه الجلد والتغريب، فإنه يُحَدُّ؛ لأنه انتهك الحرمة، فصار الجهل بما يترتب على الفعل المحرم ليس أيش؟ ليس بعذر، والجهل بالفعل هل هو حرام أو ليس بحرام هذا عذر.
يقول: (أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)، (جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ) يعني: من صام في سفره، هذا المراد، إنسان مسافر سفرًا يبيح الفطر فصام، ثم في أثناء النهار جامع زوجته، فهذا يُفْطِر، وليس عليه كفارة، ويلزمه القضاء أو لا يلزمه؟
طلبة: يلزمه.
الشيخ: يلزمه القضاء، وعليه فالذين يذهبون إلى العمرة في رمضان ويصومون هناك، ثم يجامع أحدُهم زوجته في النهار ليس عليه كفارة، لماذا؟
طلبة: مسافر.
الشيخ: لأنه مسافر، والمسافر يُبَاح له الفطر، هذا إذا نوى أقل من أربعة أيام، أما إذا نوى أكثر من أربعة أيام فالمسألة خلافية معروفة، والصحيح أنه مسافر، حتى لو أقام الشهر كله فإنه مسافر يجوز له الفطر، ويجوز له الجماع.
(أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)، لماذا؟
طالب: لأنه مسافر.
الشيخ: لأن الجماع والأكل والشرب في حقه مباح، له -أي المسافر- أن يُفْطِر في أثناء النهار.
الجزء: 1 - الصفحة: 3448
(وإنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ في الثانية، وفي الأولَى اثْنَتَانِ)، ذكر المؤلف رحمه الله مسألتين؛ المسألة الأولى: إذا جامع في يومين، بأن جامع في اليوم الأول من رمضان، وفي اليوم الثاني، فإنه يلزمه كفارتان، وإن جامع في ثلاثة أيام؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: كم؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: ثلاث كفارات، وإن جامع في كل يوم من الشهر؟
طالب: فثلاثون كفارة.
الشيخ: فثلاثون كفارة أو تسع وعشرون، حسب أيام الشهر؛ وذلك لأن كل يوم عبادة مستقلة، ولهذا لا يفسد صوم اليوم الأول بفساد صوم اليوم الثاني؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة فيلزمه لكل يوم كفارة.
وقيل: لا يلزمه إلَّا كفارة واحدة إذا لم يُكَفِّر عن الأول، وذلك لأنها كفارات من جنس واحد فاكتُفِيَ فيها بكفارة واحدة، كما لو حلف على أَيْمَان متعددة ولم يُكَفِّر، فإنه إذا حَنِث في جميعها تكفيه كفارة واحدة، وكما لو أحدث بأحداث متنوعة فإنه يجزئه ..
طلبة: وضوء واحد.
الشيخ: وضوء واحد، وهذا القول -وإن كان له حظ من النظر وقوة- لكن لا تنبغي الفُتْيَا به؛ لأنه لو أُفْتِيَ به لانتهك الناس حرمة الشهر كله، وسَهُلَ عليه أن يُطْعِم ستين مسكينًا، ولا سيما إذا كان شابًّا تزوج في آخر شعبان، فإنه يقول: ما دام يجزي أن أُطْعِم ستين مسكينًا فسيفعل، ولا يبالي أنه فعل محرَّمًا، وإلَّا فهو آثم، ليس المعنى أن الكفارة تُبيح الفعل، لكنها تكفِّر الذنب، وأما الفعل فهو حرام.
على كل حال لا ينبغي الفتوى بهذا القول وإن كان له حظ من النظر، وذلك خوفًا من إيش؟
طلبة: التساهل.
الشيخ: من التهاون في هذا الأمر.
أما إذا جامع في يوم واحد مرتين، فإن كَفَّر عن الأول لزمه كفارة عن الثاني، وإن لم يُكَفِّر عن الأول أجزأه كفارة واحدة؛ وذلك لأن الموجَب والموجِب واحد، واليوم؟
طالب: واحد.
الشيخ: واحد، فلا تتكرر الكفارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3449
وقيل: إنه لا يلزمه عن الثاني كفارة؛ لأن يومه فسد، فسد بإيش؟ بالجماع الأول، فهو في الحقيقة غير صائم، وإن كان يلزمه الإمساك لكنه ليس هذا الإمساك مُجْزِئًا عن صوم، فلا تلزمه الكفارة؛ لأن الكفارة تلزم إذا أفسد صومًا صحيحًا.
وهذا القول له وجه من النظر أيضًا؛ أنه إذا كرر في يوم واحد لم تلزمه إلَّا كفارة واحدة، سواء كفَّر عن الأول -يعني عن أول مرة- أم لم يكفِّر.
مثاله: رجل جامع في أول النهار بعد طلوع الشمس مثلًا بربع ساعة، ثم كفَّر بإعتاق رقبة، ثم جامع بعد الظهر، على ما مشى عليه المؤلف يلزمه؟
طلبة: كفارة.
الشيخ: كفارة ثانية؛ لأنه كفَّر عن الأول، وهو الآن وإن كان ليس صائمًا صومًا شرعيًّا لكنه يلزمه الإمساك، وعلى القول الثاني: لا تلزمه الكفارة؛ لأن الجماع وَرَد على صوم غير صحيح، وإنما هو على إمساك فقط، وفي الأولى اثنتان.
(وإنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، وَكَذَلكَ مَنْ لَزِمَه الإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ)، يعني: مَن لزمه الإمساك إذا جامع فإنه يُكَفِّر وإن كان لا يُعْتَدُّ بصومه.
مثاله: رجل مسافر، وكان مُفْطِرًا، فقدِم إلى بلده، فعلى المذهب يلزمه أن يُمْسِك، مع أن هذا الإمساك لا يُعتبر له، فلو جامع فإن عليه الكفارة؛ لأنه يلزمه الإمساك، أعرفتم ولَّا فيه نظر؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: رجل مسافر مُفْطِر في سفره قدِم إلى بلده، فالمذهب -كما سبق- يلزمه ..
طالب: الإمساك.
الشيخ: الإمساك؛ لحرمة اليوم، فلو كان مشتاقًا إلى أهله، وجامع زوجته في ذلك اليوم الذي قَدِم فيه وهو مُفْطِر فعليه؟
طلبة: الكفارة.
الشيخ: الكفارة، أما القضاء فواضح إنه لا بد أن يقضي لأنه مُفْطِر، وهذا ما مشى عليه المؤلف، والقول الثاني أنه لا يلزمه الإمساك؛ لأن هذا اليوم في حقه غير محترَم؛ إذ إنه ..
طالب: مُفْطِر في أوله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3450
الشيخ: في أوله مُفْطِر بإذن من الشرع، وليس عندنا صوم يجب في أثناء النهار، إلَّا إذا قامت البينة فهذا شيء آخر، وهذا هو القول الراجح، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من أفطر أول النهار فليفطر آخره (3)، يعني: مَن أُبيح له أن يُفْطِر في أول النهار أُبِيح له أن يُفْطِر في آخر النهار.
ومثل ذلك أيضًا إذا كان مريضًا يُبَاحُ له الفطر، وهو الآن مُفْطِر، ثم شفاه الله، وزال عنه المرض الذي استباح به الفطر، فإنه على المذهب إيش؟
طلبة: يمسك.
الشيخ: يلزمه؟
طلبة: الإمساك.
الشيخ: الإمساك، فإن جامع في هذه الحال فعليه؟
طلبة: الكفارة.
الشيخ: الكفارة، كذلك بالنسبة للمرأة لو طَهُرَت من الحيض في أثناء النهار وهي -طبعًا- مُفْطِرة؛ لأن الحيض ليس فيه صيام، فيلزمها على المذهب ..
طلبة: الإمساك.
الشيخ: الإمساك، فلو جامعها زوجها المريض الذي يباح له أن يُفْطِر فعليها؟
طلبة: كفارة.
الشيخ: الكفارة، والصحيح أنه لا كفارة عليها، وبناءً على ذلك لو قَدِم المسافر مُفْطِرًا في يوم كانت زوجته طاهرًا في أثنائه من الحيض، فهل يجوز أن يجامعها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: على القول الراجح يجوز أن يجامعها، ولا إثم عليه ولا عليها؛ لأن هذا اليوم في حقهما غير محترَم؛ لإذن الشارع لهما بالفطر فيه، لكن على المذهب -كما رأيتم- يلزمه الإمساك، ويترتب على الجماع ما يترتب على الصوم من أول النهار.
(وَكَذَلكَ مَنْ لَزِمَه الإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ، وَمَنْ جَامَعَ وَهُوَ مُعَافًى، ثُمَّ مَرِضَ، أوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ)، هذه عكس المسألة الأولى، جامع وهو معافًى وصائم، ثم مُرِض في أثناء النهار، أصابه مَرض يُبِيحُ له الفطر، فهل تلزمه الكفارة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، تلزمه الكفارة مع أنه في آخر النهار ..
طالب: يُبَاح.
الشيخ: يُبَاحُ له أن يُفْطِر، لكن نقول: هو حين الجماع كان ممن لم يؤذن له في إيش؟
طلبة: في الفطر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3451
الشيخ: في الفطر، فلزمته الكفارة.
كذلك أيضًا مَن جامع وهو عاقل، ثم جُنَّ في أثناء النهار، فالصوم يبطل بالجنون، وعليه ..
طلبة: الكفارة.
الشيخ: الكفارة؛ لأنه حين الجماع من أهل الوجوب، وهو أيضًا صائم.
وكذلك مَن جامع في أول النهار، ثم سافر في أثنائه، فإنه يباح له الفطر، وتلزمه الكفارة.
فإذا قال هو: إنه قد أُذِنَ لي في الفطر آخر النهار فلا كفارة علَيَّ، كالذي أُذِنَ له في الفطر أول النهار وجامع في آخره وقلتم: إنه لا كفارة عليه، ما الفرق؟
نقول: الفرق ظاهر جدًّا، أنت حينما جامعت هل سبق من الشارع إِذْن لك بالفطر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، بل أنت مُلْزَم بالصوم، وما ورد من العذر أو ما طرأ من العذر فهو طارئ بعد انتهاكك لحرمة الزمن، فَظَهَر الفرق.
ثم قال المؤلف: (وَلَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ)، نزيد قَيْدًا: (مِمَنْ يلزَمَه الصوم)، فلا تجب الكفارة في صيام النفل، ولا تجب الكفارة في صيام كفارة اليمين، ولا تجب الكفارة في صيام فدية الأذى، ولا تجب الكفارة في صيام المتعة لمن لم يجد الهَدْي، ولا تجب الكفارة في صيام النَّذْر، لا تجب إلَّا في الجماع في نهار رمضان ممن يلزمه ..
طالب: الصوم.
الشيخ: الصوم، أيضًا لا تجب الكفارة في الإنزال بقُبلة، أو مباشرة، أو غير ذلك؛ لأنه ليس بجماع، وظاهره أن الكفارة تجب بالجماع وإن لم يحصُل ..
طلبة: إنزال.
الشيخ: إنزال، وهو كذلك؛ لأن الكفارة مُرَتَّبَة على الجماع.
طالب: يا شيخ، أنتم قلتم الآن ويظهر من كلامك أنك تميل إلى عدم الكفارة كل يوم من أيام رمضان؟
الشيخ: إي، لا ما نُفْتي.
الطالب: إي، لكن كلامك الآن يُفْهَم الآن أنك تقول بعدم الكفارة بكل يوم.
الشيخ: إي، أقول: هذا قوي جدًّا.
الطالب: ما هو الدليل؟
الشيخ: الدليل القياس على ما سمعت.
الطالب: لِمَ لا نقيسه على كفارة القتل أو كفارة الظِّهَار؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3452
الشيخ: أحسنت، حتى كفارة الظِّهَار إذا ما كفَّر عن الأول ما تكرر.
الطالب: ( ... ) كفارة اليمين لكن كفارة القتل.
الشيخ: إي نعم، كفارة القتل؛ لأنها عِوَض عن نفس، كما لو قتل المحْرِم صُيودًا في الحرم، لو مثلًا قتل عشر حمامات يلزمه عشر شِياه وإن لم يفدِ عن الأولى؛ لأنها عِوض عن أنفس.
الطالب: لكن الآن توجيه القياس هذا يا شيخ هل يتجه، يعني ( ... )؟
الشيخ: قوي قوي جدًّا، أنا أرى أنه قوي لكننا لا نُفتي به حذرًا من التهاون، ومثل هذه المسائل نحن نعطيكم، إن شاء الله أنتم مستقبلًا ستكون من أهل الفُتيا.
مثل هذه المسائل التي يظهر فيها الدليل لكن يُخْشَى من انتهاك الناس ما لا يجوز يمكن أن يُفْتِيَ بها الإنسان سرًّا في حال معينة، يعني فلو جاءنا إنسان في هذه المسألة: إنسان مثلًا واقَعَ ثلاثة أيام أو أربعة أيام، وقال: أنا ما أستطيع أصوم عن كل يوم شهرين، فإنَّا في هذه الحال إذا درسنا حاله وعرفنا أن الرجل صحيح يشق عليه ذلك، وأن القياس ظاهر لنا، فهذا ربما نُفْتِيه سِرًّا، ونقول له: لا تُخْبِر الناس، وكان كثير من العلماء يفتون في مثل هذه المسائل سِرًّا مثل المجد رحمه الله جد شيخ الإسلام ابن تيمية كان يُفتي بأن الطلاق الثلاث واحدة، لكن يُفتي به سِرًّا ما هو جهرًا.
طالب: لكنك يا شيخ أعطيته جهرًا، فلا بد أن يشرِّق ويغرِّب والمنتهِك يا شيخ يسمع هذا الكلام.
الشيخ: لا، لا ما دام أني قلت لا أفتي به، الآن قلت لكم: لا أفتي به.
الطالب: لكن هذا الشريط الكلام غالبًا يسمعه.
الشيخ: ما يخالف، يسمعون هذا وهذا، يسمعون أنه قول قوي، ويسمعون أننا لا نُفتي به.
الطالب: عظَّم الله أجركم.
الطالب: لو احتال وأكل ثم جامع؟
الشيخ: هل ينفع ذلك؟
الطالب: أنا أسأل: هل تلزمه الكفارة يا شيخ؟
الشيخ: إي، تلزمه الكفارة، ما فيه شك.
الطالب: ليش؟
الشيخ: لأنه يلزمه الإمساك أصلًا، أصلًا أكله هذا حرام.
أنتم سمعتم سؤال الأخ؟
طلبة: لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3453
الشيخ: يقول لو أنه تحيَّل وأكل ثم جامع في نهار رمضان، وهو ممن يجب عليه الصوم، نقول: لا يفيده هذا شيئًا؛ لأن أصل الأكل حرام عليه.
طالب: رجل نوى أن يسافر، وقبل السفر جامع زوجته وهو في ..
الشيخ: يعني قبل أن يخرج من البلد؟
الطالب: قبل أن يخرج من البلد.
الشيخ: إي نعم، عليه القضاء والكفارة؛ لأنه لا يحل له أن يُفْطِر إلَّا إذا سافر.
طالب: شيخ، قول الشيخ هنا: (والنَّزْعُ جِمَاع)، الإنزال بالمساحقة كالجماع.
الشيخ: (النَّزْعُ جِمَاع) يعني لو أن الإنسان كان يجامع زوجته في آخر الليل، ثم أَذَّن المؤذن الذي يؤذن على طلوع الفجر وهو على أهله، فنزع في الحال، يعني أخرج ذَكَره، فيقول المؤلف: إن (النَّزْعُ جِمَاع)، وهذا من غرائب العلم والواقع، الفارُّ من الشيء كالذي يفعله؟ هو لَمَّا نزع من يوم سمع الأذان هل هو فارٌّ من الجماع ولَّا واقع فيه؟
طلبة: فارٌّ.
الشيخ: فارٌّ منه، ولهذا القول الراجح أن النزع ليس جماعًا، أن النزع توبة، وأنه لا يفسُد صومه، ولا تلزمه كفارة، وهذه أنا تركت التنبيه عليها -وإن كانت مهمة- لأنها نادرة الوقوع، أما المساحقة -والعياذ بالله- فالمساحقة تكون بين المرأتين، كل واحدة تجامع الأخرى، فلو أنزلت إحداهما أو كلتاهما فإنه ليس عليهما كفارة.
طالب: شيخ، قلنا: إن المقصود من الكفارة، الحكمة منها احترام الزمان.
الشيخ: من إيجابها، إي نعم.
الطالب: قلنا: الدليل على ذلك أنه لو أفطر في غير رمضان.
الشيخ: لو جامع.
الطالب: لو جامع.
الشيخ: في صوم واجب غير رمضان.
الطالب: كفارة ( ... )؟
الشيخ: فلا كفارة.
الطالب: فلا كفارة.
الشيخ: نعم.
طالب: وقلنا يا شيخ: مَنْ جامع وهو حاضر.
الشيخ: نعم.
الطالب: في المدينة فعليه كفارة.
الشيخ: نعم.
الطالب: المهم الزمان فسد.
الشيخ: لكن متى جاز انتهاك الزمان أَبَعْدَ الجماع أو قبله؟
الطالب: قبل الجماع.
الشيخ: لا، بعد الجماع، هو لَمَّا جامع ( ... ) ما فيه خلاف.
الجزء: 1 - الصفحة: 3454
الطالب: شيخ، الزمن كله ( ... ).
الشيخ: لا، لا، فرق بين إنسان انتهك الحرمة بعد والحرمة باقية، وبين إنسان لم ينتهكها.
طالب: قلنا: إنه لا تجب الكفارة إلَّا بالجماع، فلو استمنى أو باشر فأنزل لا تجب عليه الكفارة.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو قيل يا شيخ: إن العلة في حديث الأعرابي أنه قضى شهوته فأُمِر بالكفارة.
الشيخ: لا، لا.
الطالب: كما أننا سوَّينا بين مباشرته بالإنزال والجماع بجامع الشهوة والإفطار، كذلك يكون في الكفارة؟
الشيخ: لا ما يصح؛ لأن الرجل يقول: وقعت على امرأتي (2)، ولم يذكر أنه أنزل، فجعل العلة الوقاع.
طالب: رجل جامع وأذَّن الأذان -أذان الفجر- فقال: لا أريد أن أنزع قياسًا على رجل شرب الماء فجاز.
الشيخ: إن شاء الله تعالى إذا تزوجت إن شاء الله أجبناك على هذا، يقول الأخ: أفلا نقيس الرجل إذا كان يجامع وأذَّن على مَن أذَّن والإناء في يده فإنه لا يلزمه ترك الشرب حتى يقضي نَهمته، فيقول هذا: ما هو نازع حتى يقضي شهوته؟
نقول: هذا ربما يكون له وجهة نظر، لكن الأصل المنع، ثم إن الماء قد يكون لدفع ضرورة، بخلاف الجماع، فعلى كل حال يلزمه أن ينزع، لكن الصحيح أنه ليس بجماع.
طالب: إذا أُكرِه على الجماع وكذلك امرأته، هل يُلزَمون بالإمساك؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يُلزَمون بالإمساك بعد ..
الشيخ: لا، أصلًا ما فسد صومهما، صومهما باقٍ.
الطالب: يعني الصوم باقٍ.
الشيخ: إي نعم، ما فيه ما يحتاج إلى الإمساك.
الطالب: المسألة التي ذكرها الأخ؛ الإنزال ما يكون عليه كفارة يا شيخ، مثلًا لو استيقظ ..
الشيخ: لا، ما يكون عليه، يعني حتى مثلًا لو فرضنا أنه متهيئ لنزول الماء الدافق يخرج حتى مع النزع.
طالب: عفا الله عنك، الشرع ميسر على التيسير.
الشيخ: حمدًا لله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3455
الطالب: والمذهب بعض ما يسره المذهب فيه تشديد شوي، مثل المسافر القادم من السفر والمرأة التي طهرت نهار اليوم، هذا فيه تشديد من المذهب؛ لأنهم حقهم إنهم معذورون في أول النهار.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: بس يقولون: لأنه رُخِّص لهما في الفطر بالنسبة للمسافر ما دام مسافرًا، أما الآن فهو مقيم.
الطالب: المهم أن الله ما كلفهم بالصوم لأنهم ( ... ).
الشيخ: صحيح، كلامك صحيح أبدًا، ولو حصل مثل هذا وقَدِم الإنسان مسافرًا وهو مُفْطِر وأهله كذلك قد طَهُروا من الحيض فلا حرج أن يجامع.
طالب: بالنسبة للإفطار أليس يكون بالنية؟
الشيخ: بالنية، إذا نوى الإفطار أفطر.
الطالب: يا شيخ اللي نوى السفر.
الشيخ: نعم، نوى السفر؟
الطالب: ألا يفطر قبل أن يخرج؟
الشيخ: ما حصل السفر إلى الآن.
الطالب: اللي نوى الأكل ما أكل.
الشيخ: إي.
الطالب: يعني نوى الفطر وما أكل.
الشيخ: فَرْق، شوف، لا، لو نوى أن يأكل ولم يأكل فإنه لا فِطْر عليه؛ لأن فَرْق بين من نوى المحظور ولم يفعله، وبين مَن قطع العبادة، ولهذا لو نوى أن يُحْدِث وهو يصلي ولم يُحْدِث فصلاته صحيحة.
طالب: .. وهْيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل تجب الكفارة في غير الجماع؟
طالب: لا تجب.
الشيخ: وما هو الجماع الذي تجب فيه الكفارة؟
طالب: الجماع في الصوم.
طالب آخر: تجب بشرطين: أن يكون المجامِع ممن يلزمه الصيام، وألَّا يكون هناك عذر يبيح له الإفطار.
الشيخ: لا.
الطالب: كالسفر والمرض.
الشيخ: ما دام قلت: ممن لا يجب عليه الصيام، يكفي عن هذا الذي قلت.
طالب: المراد بالجماع إدخال الحَشَفَة في ..
الجزء: 1 - الصفحة: 3456
الشيخ: لا، لا، ما هو الجماع الذي تجب فيه الكفارة؟
الطالب: للجماع شرطين:
الشيخ: الأول؟
الطالب: الأول أن يكون ممن يلزمه الصوم.
الشيخ: هذا واحد.
الطالب: الثاني ألَّا يكون هناك مُسْقِط لهذا ..
طالب آخر: أن يكون ممن يلزمه الصوم، وأن يكون في نهار رمضان، وأن يكون ( ... ).
الشيخ: إذا قلنا: (ممن يلزمه الصوم) معناه العذر، يعني يشترط شرطان: الأول؟
طالب: ممن يلزمه الصوم.
الشيخ: أن يكون في نهار رمضان، والثاني: ممن يلزمه؟ الصوم.
رجل جامع في قضاء رمضان، هل عليه الكفارة؟ لا كفارة عليه، لماذا؟
الطالب: لأن الكفارة احترامًا للزمن.
الشيخ: لأن الكفارة احترامًا للزمن، ولا يكون ذلك إلَّا في نهار رمضان.
مسافر جامع وهو صائم في نهار رمضان؟
طالب: لا كفارة، يُفْطِر ولا كفارة عليه.
الشيخ: هل عليه كفارة؟
الطالب: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه لا يلزمه الصوم.
الشيخ: لأنه لا يلزمه الصوم.
كرَّر الجماع فهل تتكرر الكفارة؟
طالب: إذا كرر الجماع، إن كَفَّر قبل أن يجامع جماعُا ثانيًا فعلى قول المؤلف أنه تلزمه كفارتان.
الشيخ: هكذا نقول؟
الطالب: شيخ، إذا لم يُكَفِّر فإنها لا تلزمه الكفارة.
الشيخ: إذا كَفَّر عن الأول لزمه كفارة عن الثاني، وإن لم يُكَفِّر؟
الطالب: يكفِّر كفارة واحدة.
الشيخ: خطأ.
طالب: على ما مشى عليه المؤلف يلزمه.
الشيخ: قبل ما نشوف المؤلف وغير المؤلف، نحتاج إلى تفصيل قبله.
طالب: تلزمه كفارة واحدة على القول الصحيح، وإذا كان كَفَّر ..
الشيخ: نعم.
طالب: هل كان الجماع في يوم واحد أو في يومين؟
الشيخ: نحن نقول: إذا كَفَّر عن الأول؟
الطالب: لزمته كفارة ثانية.
الشيخ: لزمه؟
الطالب: كفارة ثانية عن الجماع الثاني.
الشيخ: سواء في يوم أو في يومين.
الطالب: على قول المصنف سواء في يوم أو في يومين.
الشيخ: كفَّر عن الأول يا أخي.
الطالب: تلزمه كفارة ثانية عن الثاني.
الشيخ: نعم.
الطالب: سواء في يوم أو في يومين.
الجزء: 1 - الصفحة: 3457
الشيخ: في يوم أو في يومين، إذا لم يُكَفِّر عن الأول؟
طالب: إن كان في يوم تلزمه كفارة واحدة.
الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان في أيام متفرقة فيلزمه لكل يوم كفارة؛ لأنها عبادة مستقلة على ..
الشيخ: بعد ما وصلنا للتعليل، بس أعطنا الحكم.
الطالب: تلزمه كفارة واحدة.
الشيخ: إذن إذا كان في يوم واحد فكفارة واحدة، وإن كان في أيام متعددة فعليه لكل يوم؟
طلبة: كفارة.
الشيخ: كفارة، فيه رأي فيما إذا كرره في يومٍ وكفَّر عن الأول؟
طالب: لا يجب عليه كفارة ثانية.
الشيخ: نعم.
الطالب: لأنه جامع في يوم فاسد.
الشيخ: نعم؛ لأن جِماعه الثاني كان في يوم ..
الطالب: فسد.
الشيخ: فاسد الصيام، هل يُفَرَّق بين أن يكون الجماع من امرأة واحدة أو من ثنتين؟
طالب: بالنسبة له؟
الشيخ: إي نعم، بالنسبة للزوج.
الطالب، لا، لا يُفَرَّق.
الشيخ: لا يُفَرَّق، يعني فلو جامع.
الطالب: لو جامع الأولى في أول النهار.
الشيخ: والثانية في آخره.
الطالب: والثانية في غد أو في آخره.
الشيخ: لا ما هو غدًا، خلينا في آخره.
الطالب: في آخره.
الشيخ: ولم يكفِّر.
الطالب: يلزمه كفارة ثانية على قول، والقول الثاني لا تلزمه.
الشيخ: ولم يكفِّر، جامع إحداهما في أول النهار، والثانية في آخره ولم يكفِّر.
الطالب: كفارة واحدة.
الشيخ: كفارة واحدة.
الطالب: نعم.
الشيخ: مع أن الموطوءة؟
الطالب: اثنتين.
الشيخ: طيب.
ثم نأخذ الدرس الجديد، قال: (وَهِيَ) أي: كفَّارة الوطء في نهار رمضان (عِتْقُ رَقَبَةٍ)، أي: فَكُّها من الرِّق، هذا عتق الرقبة.
ووجه المناسبة هو أنَّ هذا الرجل لَمَّا جامع في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه استحق أن يُعاقَب، ففدى نفسه بعِتق الرقبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3458
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) يعني: إن لم يجد رقبة، أو لم يجد ثمنها، (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)، (فَصِيَامُ) الفاء: رابطة للجواب، و (صِيَامُ): مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: فَعَلَيهِ صيام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، بدلًا عن عِتق الرقبة.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصوم (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، أي: فعليه إطعام ستين مسكينًا، والمسكين هنا يشمل الفقير والمسكين؛ لأن الفقير والمسكين إذا ذُكِرَا جميعًا كان الفقير أشد حاجة، وإذا أُفْرِد أحدهما عن الآخر صارَا بمعنى واحد، إذا اجتمعَا افترقَا وإذا افترقَا ..
طلبة: اجتمعَا.
الشيخ: اجتمعَا.
(فَإِطْعَامُ سِتِيِّنَ مِسْكِينًا)، ودليل ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للرجل الذي قال إنه أتى أهله في رمضان: «أَعْتِقْ رَقَبَةً»، فقال: لا أجد، قال: «صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قال: لا أستطيع، قال: «أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» (2)، قال: لا أجد، فجعلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُرَتَّبة.
وهذه أغلظ الكفَّارات، ويساويها كفَّارة الظِّهَار التي وصف الله الظِّهَار بأنَّه مُنْكَر من القول وزور، ويليها كفَّارة القتل؛ لأن القتل ليس فيه إلَّا خصلتان، العِتق والصيام، وليس فيه إطعام.
وقوله: (صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) هل المعتَبر الأَهِلَّة؟ أو المعتبر الأَهِلَّة في شهر كامل، والأيام في الشهر المجَزَّأ؟
في هذا قولان للعلماء، والصحيح أن المعتَبَر الأَهِلَّة، سواء في الشهر الكامل، أو في الشهر المجَزَّأ، أيش الفرق؟
نعم، إذا ابتدأ الإنسان هذين الشهرين من أول يوم، من أول ليلة ثبت الشهر، ولنقل: إنه شهر جُمادى الأولى -كما أنَّا فيه الآن- ابتدأه من أول يوم من شهر جُمادَى الأولى، فيختمه في آخر يوم من شهر جُمادَى الثانية.
الجزء: 1 - الصفحة: 3459
ولنفرض أن جُمادَى الأولى تسعة وعشرون يومًا، وكذلك جمادى الثانية، فيكون صومه؟ ثمانية وخمسين يومًا، هذا لا شك أنَّه يُعْتَبَر بالهلال.
لكن إذا ابتدأ الشهر من نصف شهر جُمادَى الأولى، فجُمادَى الثانية معتبرة بالهلال، أليس كذلك؟ لأنه سوف يُدْرِك أوَّل الشهر وآخر الشهر، فيعتبَر بالهلال.
بقِينا آخر شهر جُمادَى الأولى وأول شهر رجب، هل يعتبَر بتسعة وعشرين يومًا، أو بستين يومًا؟
الصحيح أنه يعتبَر بتسعة وعشرين يومًا إذا كان شهر جُمادَى الأولى تسعة وعشرين، وقيل: بل يُجبَر ويُجعَل ستين يومًا.
إذا ابتدأ الصوم في النصف من شهر جُمادَى الأولى متى ينتهي؟ في الرابع عشر من شهر رجب، آخره الرابع عشر من شهر رجب، وإذا قدَّرنا أن شهر جُمادَى الأولى ناقص، وشهر جُمادَى الثانية ناقص صار صومه؟
طالب: ثمانية وخمسين.
الشيخ: ثمانية وخمسين يومًا، وإذا قلنا بأنه كَمَّل النصف بالعدد صار لا ينتهي إلَّا في الخامس عشر من رجب، فيكون الشهر الْمُجَزَّأ كم؟
طلبة: ثلاثين.
الشيخ: ثلاثين يومًا.
وقول المؤلف: (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، هنا قُدِّر الطاعِم دون الْمُطعَم، فهل الْمُطعَم مقدَّر؟
المشهور من المذهب أنَّه مُقدَّر، وهو مُدٌّ من البُرّ، أو نصف صاع من غيره لكل مسكين، مُدٌّ من البُرّ أو نصف صاع من غيره لكل مسكين، والْمُدّ ربع الصاع -أعني صاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعلى هذا فتكون الأصواع لستين مسكينًا كم؟
طلبة: خمسة عشر.
الشيخ: خمسة عشر صاعًا بصاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصاع النبي صلى الله عليه وسلم ينقص عن الصاع المعروف الآن هنا في القصيم الخُمُس وخُمس الخُمُس، ولندع خُمس الخُمُس، ينقص الخُمُس، وعلى هذا فيكون الصاع في القصيم خمسة أمداد، ويكون إطعام ستين مسكينًا كم بالأصواع القَصِيمِيَّة؟ اثني عشر صاعًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3460
وقيل: بل يُطعِم نصف الصاع من البُرّ أو من غيره، واحتج هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لكعب بنِ عُجرة رضي الله عنه حين حلق رأسه في العمرة، قال: «أَطْعِم سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (4)، وأَطْلَق، ولم يقل: من التمر أو من البُرّ، وهذا يقتضي أن يكون المقدَّر نصف الصاع، وإذا كان كذلك فزِد على ما قلنا النصف، فيكون بالنسبة لصاع الرسول صلى الله عليه وسلم إطعام ستين مسكينًا كم؟ ثلاثين صاعًا، وبالنسبة لصاعنا أربعة وعشرين صاعًا.
والأمر في هذا قريب، فلو أن الإنسان احتاط وأطعم لكل مسكين نصف صاع لكان حسنًا.
المؤلف يقول: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ) الكفارة، ودليل ذلك من الكتاب والسُّنَّة؛ أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7]، وهذا الرجل الفقير ليس عنده شيء، فلا يُكَلَّف إلا ما آتاه الله، والله عز وجل بحكمته لم يؤتِه شيئًا، ودليل آخر قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، ودليل ثالث: العموم؛ عموم القاعدة الإسلامية الشرعية وهي أنه: لا واجب مع عجز، فالواجبات تسقط بالعجز عنها، وهذا الرجل الذي جامَع لا يستطيع الرقبة ولا الصيام ولا الإطعام، نقول: إذن لا شيء عليه وبرئت ذمته، فإن أغناه الله في المستقبل فهل يلزمه أن يُكَفِّر أو لا؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأننا نقول: سقطت، وكما أن الفقير لو أغناه الله لم يلزمه أن يؤدي زكاة عما مضى من سنواته؛ لأنه فقير، فكذلك هذا الذي لم يَجِد الكفارة إذا أغناه الله تعالى لم يجب عليه قضاؤها.
الجزء: 1 - الصفحة: 3461
نحن قلنا: من الكتاب والسُّنَّة؛ من السُّنَّة أن الرجل لَمَّا قال: لا أستطيع أن أُطْعِم ستين مسكينًا، لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: أَطْعِمْهم متى استطعت، بل أمره أن يُطعم حين وَجَد، فقال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، فقال: أَعَلَى أفَقَرَ مني يا رسول الله؟ قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (2)، ولم يقل: والكفارة واجبة في ذمتك، فدلَّ هذا على أنها تسقط بالعجز.
وقال بعض العلماء: إنها لا تسقط بالعجز، واستدل بالحديث، قال: لأن الرجل قال: لا أجد، فلمَّا جاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم التمرُ قال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، ولو كانت ساقطة بالعجز لم يقل: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ».
فيقال في الجواب: إن هذا وجده في الحال، يعني وجده في حال في المجلس الذي أفتاه النبي صلى الله عليه وسلم به، فكان كالواجد قبل ذلك؛ ولهذا لَمَّا قال: أطعمه أهلك لم يقل: وعليك كفارة إذا اغتنيت.
فالقول الراجح أنها تسقط، وهكذا أيضًا نقول في جميع الكفارات إذا لم يكن قادرًا عليها حين وجوبها فإنها تسقط؛ إما بالقياس على كفارة الوطء في رمضان، وإما لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7] وما أشبهها، وعلى هذا فكفارة الوطء في الحيض إذا قلنا: إن الوطء في الحيض يوجب الكفارة، ثم عجز، تسقط أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تسقط، فدية الأذى إذا لم يجد ولم يستطع الصوم تسقط، وهكذا جميع الكفارات، بناءً على ما استدللنا به لهذه المسألة، وبناءً على القاعدة العامة الأصولية التي اتفق عليها الفقهاء في الجملة، وهي أنه لا واجب؟
طلبة: مع عجز.
الشيخ: مع عجز.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ).
طلبة: إيمان الرقبة.
الشيخ: كيف؟
طالب: اشتراط الإيمان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3462
الشيخ: إي نعم، جاء الحديث مطلقًا: «أَعْتِقْ رَقَبَةً»، ولكن كلما جاءت الرقبة مطلَقة فلا بد من شرط الإيمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا جاءه معاوية بن الحكم يستفتيه في جارة له لَطَمَها، غضِب عليها ولطمها، فأراد أن يُعْتِقَها، فدعاها الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال لها: «أَيْنَ اللهُ؟ »، قالت: في السماء، قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (5)، فهذا يدل على أن عِتق غير المؤمن ليس بمشروع، فكلَّما جاءت الرقبة مطلَقة فإنها مقيَّدة بالإيمان.
طالب: ما فيه وجه على التخيير؟
الشيخ: ها؟
الطالب: الكفارة على التخيير أو الترتيب؟
الشيخ: على الترتيب.
الطالب: فيه ذكر في شرح حديث في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلًا أفطر يومًا من رمضان، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يُكَفِّر بعِتق رقبة، أو بصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا.
الشيخ: مو بهذا اللفظ، هذا معنى الحديث، سؤال فقه ولَّا؟
طالب: هل يشترط يا شيخ في الرقبة سلامتها من العيوب؟
الشيخ: إي نعم، اشتراط سلامتها من العيوب فيه خلاف، فمنهم من قال: إنه شرط، ومنهم من قال: لا نشترط سوى ما اشترط الله، وهو الإِيمان.
الطالب: الأدلة؟
الشيخ: الأدلة يقول: إنه إذا كان معيبًا عيبًا يُخِلّ بالعمل خللًا بَيِّنًا فإن إعتاقه يكون به عالة على غيره، وعدم إعتاقه أحسن له، يبقى عند سيده يُنْفِق عليه، لكن إذا كان مثلًا مكسَّر رجليه ما يستطيع يعمل، ويش الفائدة من إعتاقه، هذا لا يزداد إلَّا حَسْرة.
الطالب: الصحيح.
الشيخ: يحتاج إلى تحرير، لكن يظهر لي أنه لا يشترط.
يقول: ما وجه خطأ من يقول: محمد حبيب الله، وقد قلنا: إن الخُلَّة أعلى درجات المحبة، والقائل لهذا نطق بالعموم الذي تدخل تحته الخُلَّة، أيهن أعلى؟
طالب: الخُلَّة.
الشيخ: إذا وصفته بالأدنى هضمتَه حقه ولَّا لا؟
الطالب: أنا ما وصفته بالأدنى.
الشيخ: لا؛ لأن الخُلَّة ما تدخل في المحبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3463
الطالب: الخُلَّة ما تدخل؟
الشيخ: لا، ما تدخل.
الطالب: ما قلنا: إن ابن القيم عدها من عشرة أقسام؛ أقسام المحبة.
الشيخ: إي.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: درجات، أعلاها الخُلَّة، فالحبيب ليس بخليل، ولهذا قال الرسول: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ» (6)، واتخذ من أمته أَحِبَّة.
الطالب: بس كل خليل حبيب.
الشيخ: وليس كل حبيب.
الطالب: خليلًا.
الشيخ: إذن؟
الطالب: إذن لا ( ... ).
الشيخ: نعم، إذا وصفتَ بالأعم دون الأخص الذي هو أعلى فهذا هضم لحقه.
الطالب: وعن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: أوصاني خليلي.
(7)
الشيخ: نعم، أبو هريرة اتخذ الرسول خليلًا، لكن الرسول ما اتخذه خليلًا، هذا الفرق، يعني أنا لي أن أقول: اتخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم خليلًا، لكن الرسول ما يقول، فالخُلَّة هنا بالنسبة لأبي هريرة من أبي هريرة للرسول، لا من الرسول لأبي هريرة.
باب ما يكره ويستحب في الصوم وحكم القضاء
طالب: كتاب الصيام: بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ: يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ، وَيَحْرُمُ بَلْعُ النُّخَامَةِ، وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ، وَيُكْرَهُ ذَوْقُ طَعَامٍ بِلَا حَاجَةٍ، وَمَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ، وإنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ، ويَحْرُمُ العِلْكُ المُتَحَلِّلُ إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ، وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، وَيَجِبُ اجْتِنَابُ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ ونَمِيمَةٍ، وسُنَّ لِمَنْ شُتِمَ قَوْلُهُ: إِنِّي صَائِمٌ، وَتَأخِيرُ سَحُورٍ، وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ عَلَى رُطَبٍ، فَإِنْ عُدِمَ فَتَمْرٌ، فَإِنْ عُدِمَ فَمَاءٌ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الجزء: 1 - الصفحة: 3464
سبق لنا أن الكفارة تجب في الوطء في نهار رمضان لمن يلزمه الصوم، وأنها عِتق رقبة، فإن لم يجد؟
طلبة: فصيام شهرين.
الشيخ: فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع؟
طلبة: إطعام.
الشيخ: فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت، وقلنا: إن هذا سارٍ في كل واجب يعجز عنه، وبيَّنَّا دليلَ ذلك.
ثم قال المؤلف: (بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ)، هذه ثلاثة عناوين جمعها المؤلف في باب واحد، فقوله: (مَا يُكْرَهُ) أي: في الصيام، (وَيُسْتَحَبُّ) أي: في الصيام، (وَحُكْمِ القَضَاءِ) أي: قضاء رمضان.
والمكروه عند الفقهاء هو الذي نهى عنه الشرع لا على وجه الإلزام بالتَّرْك، هذا المكروه عندهم، نهى عنه الشرع لا على وجه الإلزام بالترك؛ لأنه إن نهى عنه على وجه الإلزام بالترك صار حرامًا، وأمثلته كثيرة؛ في الصلاة مكروهات، في الوضوء مكروهات، في الصيام مكروهات، في الحج مكروهات، في البيع مكروهات، يعني الأمثلة كثيرة.
أما حُكْمُهُ فإنه يُثاب تاركه امتثالًا، ولا يُعاقَب فاعلُه، وبهذا ظهر الفرق بينه وبين الحرام؛ أن الحرام إذا فعله الإنسان استحق العقوبة، أما هذا فلا، أما في لسان الشرع فإن المكروه يُطلَق على المحرَّم، بل قد يكون من أعظم المحرَّمات، قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء حين نهى عن أشياء متعددة منهيات عظيمة قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 28]، وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (8).
أما المستحب، وهو قوله: (يُسْتَحَبُّ)، فالمستحب هو المسنون، وهو ما أُمِرَ به لا على وجه الإلزام بالفعل، فإن أُمِرَ به على وجه الإلزام بالفعل كان واجبًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3465
وحُكْمُهُ أنه يُثَابُ فاعله امتثالًا ولا يُعاقَب تاركُه، يثاب فاعله امتثالًا ولا يُعاقَب تاركه، ولكنَّ ثواب المندوب أو المستحَب أو المسنون أقل من ثواب الواجب، بالدليل الأثري والنظري؛ أما الدليل الأثري فقوله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (9)، فصلاة ركعتين فريضةً أَحَبُّ إلى الله من صلاة ركعتين نافلة.
وأما النظر فإن إيجاب الله للواجب يدل على أنه أَوْكَد، وأنَّ المكلَّف محتاج إليه أكثر من احتياجه إلى النوافل.
وعلى هذا فنقول: إن المندوب يُثَابُ فاعله امتثالًا، ولكن ثوابه أقل من ثواب الواجب.
وهل يُفَرَّق بين المستحب والمسنون؟
فرَّق بعض العلماء بينهما بأن المستحب ما ثبت بقياس، والمسنون ما ثبت بسُنَّة، أي بدليل.
ولكن الصحيح أنه لا فَرْق، والمسألة اصطلاحية، ممن قال: لا فَرْق بينهما، الحنابلة في أصول الفقه، قالوا: لا فَرْق بينهما، فلا فَرْق بين أن تقول: يستحب أن يتوضأ ثلاثًا بثلاث، أو تقول: يُسَنّ أن يتوضأ ثلاثًا بثلاث، وهذا مجرد اصطلاح.
يعني لو أن أحدًا قال في مؤلَّف له: أنا إنْ عَبَّرْتُ بـ (يُسَنّ) فإنما أُعَبِّر عن ثابت بسُنَّة، وإن عَبَّرْتُ بـ (يُستحب) فإنما عَبَّرْتُ عن ثابت بقياس، ثم مشى على هذا الاصطلاح، لم نقل له شيئًا.
وأما حكم القضاء فسيأتي إن شاء الله حكمه، وأنه يجب القضاء، ولكن ليس على الفور، وإنما يكون على التراخي، فلك أن تؤخِّر قضاء رمضان ولو بلا عذر إلى أن يبقى بينك وبين رمضان الثاني مقدار ما عليك، فحينئذ يجب عليك أن تقضي.
قال المؤلف رحمه الله: (يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ)، (يَبْتَلِعَ) بالنصب، ولك أن تقول: لماذا ننصِبُها وهي فعل مضارع، والأصل في الفعل المضارع أن يكون مرفوعًا، فنقول: لأنه عُطِف على اسم خالص صريح، وابن مالك يقول:
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ
الجزء: 1 - الصفحة: 3466
تَنْصِبُهُ (أَنْ) ثابتًا أو مُنحَذِفْ
وهنا (يَبْتَلِع) معطوفة على (جَمْع)، و (جَمْع) اسم خالص، يعني مصدر، ومنه قول الشاعر الجاهلي: وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
و(تقرَّ) بالنصب معطوفة على (لُبس).
هنا (يَبْتَلِع) بالنصب معطوفة على (جَمْع)، يعني: يُكره جمع ريقه، يُكره أن يجمع ريقه فيبتلعه، سواءٌ فعل ذلك عبثًا، أو فعل ذلك لدفع العطش، أو لأي سبب، المهم أنه يُكْرَه أن يجمعه فيبتلعه، لماذا؟ قال في الشرح: للخروج من الخلاف، أي: خلاف من قال: إنه إذا فعل ذلك أفطر، فإن من العلماء من يقول: إن الصائم إذا جمع ريقه فابتلعه أفطر.
ولكن هل التعليل بالخلاف تعليل صحيح تثبت به الأحكام الشرعية؟
الجواب: لا، ولهذا كلما رأيت حكمًا عُلِّل بالخروج من الخلاف فإنه لا يكون تعليلًا صحيحًا، بل نقول: الخلاف إن كان له حظ من النظر بأن كانت النصوص تحتمله فإنه يُراعَى جانب الخلاف هنا، لا من أجل أن فلانًا خالف، ولكن من أجل أن النصوص تحتمله، فيكون تجنبه من باب الاحتياط، وأما أن نقول في أمر فيه خلاف: يُكْرَه خروجًا من الخلاف، لو قلنا بذلك لكانت المكروهات عندنا كثيرة جدًّا؛ لأنك لا تكاد تجد مسألة إلَّا وفيها خلاف، فلو قلنا: إنه يصح التعليل بالخلاف أو بمراعاة الخلاف لكان في هذا مشكلة، مع أنه لا دليل على هذا، بل نقول: الخلاف إن كان له أيش؟
طالب: حظ من النظر.
الشيخ: حظ من النظر، بأن كانت النصوص تحتمله، فإننا نراعيه لا لأجل أنه خالف فلان وفلان، لكن لأجل احتمال الأدلة، وهنا ليس هناك دليل يدل على أن جمع الريق يُفَطِّر، إذا جمعه إنسان وابتلعه، وإذا لم يكن هناك دليل فإنه لا يصِح التعليل.
وعلى هذا فنقول: لو جمع ريقه فابتلعه فليس بمكروه، ولا يقال: إن الصوم نَقَص بذلك؛ لأننا إذا قلنا: إنه مكروه، لزم من ذلك أن يكون الصوم ناقصًا؛ لفعل المكروه فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3467
وعُلِم من كلام المؤلف أنه لو بلع ريقه بلا جمع فإنه لا كراهة في ذلك، وهو ظاهر، وعليه فلا يجب التَّفْل ولو بعد شرب الماء عند أذان الفجر، فإنه لم يُعْهَد من الصحابة - فيما نعلم- أن الإنسان إذا شرب عند طلوع الفجر جعل يَتْفُل حتى يذهب طعم الماء، بل هذا مما يُسامَح فيه، نعم لو بقي طعم طعامٍ كحلاوة تمر، أو ما أشبه ذلك فهذا لا بد أن يتفله ولا يبتلعه.
(يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ وَيَحْرُمُ بَلْعُ النُّخَامَةِ) بلع النُخامة حرام على الصائم وغير الصائم؛ وذلك لأنها مستقذَرة، وربما تحمل أمراضًا خرجت من البدن، فإذا رددتها إلى المعدة قد يكون في ذلك ضرر عليك، فهي حرام على الصائم وعلى غيره، لكنها تتأكد على الصائم؛ لأنها تُفْسِد صومه، ولهذا قال: (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ).
بلع النخامة حرام، قلنا: على الصائم وغيره؛ لما فيها من القَذَر، وربما يحصل فيها ضرر على البدن من حيث لا يشعر المرء.
وقوله: (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ)، (فَقَطْ) التفقيط هنا لإخراج الريق، فالريق ولو كثُر لا يُفْطِر به الإنسان.
(إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ)، وهو ما يذوق به الطعام، فإن لم تَصِل بأن أحس بها نزلت من دماغه، وذهبت إلى جوفه فإنها لا تُفَطِّر؛ وذلك لأنها لم تصل إلى ظاهر البدن، والفم في حكم الظاهر، فإذا وصلت إليه ثم ابتلعها بعد ذلك أفطر، وأما إذا لم تصل إليه فإنها ما زالت في حكم الباطن فلا تُفَطِّر.
وفي المسألة قول آخر في المذهب؛ أنها لا تُفَطِّر أيضًا ولو وصلت إلى الفم، وهذا القول أرجح؛ لأنها لم تخرج من الفم، ولا يُعَدُّ بلعها أكلًا ولا شربًا، فلو ابتلعها بعد أن وصلت إلى فمه فإنه لا يُفْطِر بها، ولكن - كما قلنا أولًا- إن ابتلاعها محرَّم؛ لما فيها من استقذار وخوف الضرر.
إذا ظهر دم من لسانه، أو من أسنانه، من لِثَتِه فهل يجوز بلعه؟
طلبة: لا، ما يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 3468
الشيخ: لا يجوز، لا للصائم ولا لغيره؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3]، وإذا وقع من الصائم فإنه يُفْطِر، ولهذا يجب على الإنسان أن يلاحظ الدم الذي يخرج من ضرسه إذا قلعه في أثناء الصوم، أو قلعه في الليل، واستمر يخرج منه الدم ألَّا يبتلع هذا الدم؛ لأنه يُفَطِّرُه، وأيضًا هو حرام، حتى لو فرضنا أنك لست بصائم فإن بَلْع الدم حرام؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، وبعض الناس يتدمَّى سِنُّه ولكن حوله أُناس فيخجل منهم فتجده يقول: في البِير ولا في راس البعير، يبتلعه، وهذا خطأ ما هو صحيح.
يقول: (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ) وَيُكْرَهُ أيضًا، هذا المكروه الثاني (يُكْرَهُ ذَوْقُ طَعَامٍ بِلَا حَاجِةٍ)، يُكْرَه أن يذوق طعامًا كالتمر والخبز والمَرَق وغيرها، إلَّا إذا كان لحاجة فلا بأس.
ووجه هذا أنه ربما ينزل شيء من هذا الطعام إلى الجوف من غير أن يشعر به، فيكون في ذوقه الطعام تعرُّض لفساد الصوم، وأيضًا ربما يكون مشتهيًا للطعام كثيرًا، ثم يتذوقه لأجل أن يتلذَّذ به، وربما يمتصه بقوة، ثم ينزل إلى جوفه، لهذا يُكْرَه أن يذوق طعامًا إلَّا لحاجة، الحاجة مثل أن يكون طباخًا يحتاج أن يذوق الطعام لينظر ملحه، أو حرارته، أو ما أشبه ذلك.
قال: (وَيُكْرَهُ مَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ) يعني: يُكْرَه للصائم أن يمضَغ، أن يعلك، عِلْكًا قويًا، والقوي هو الشديد الذي لا يتفتت، فيُكْرَه للصائم أن يمضَغه؛ لأنه ربما يتسرَّب إلى بطنه شيء من طعمه إن كان له طعم، فإن لم يكن له طعم فلا وجه للكراهة، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يمضَغه أمام الناس؛ لأنه إذا مضغه أمام الناس فما الذي يدريهم أنه علك قوي أو غير قوي، وما الذي يدريهم أنه علك ليس فيه طعم أو فيه طعم، فلذلك لا ينبغي.
الجزء: 1 - الصفحة: 3469
عندي تعليل في الشرح يقول: لأنه يجلب البلغم، ويجمع الريق، ويُورِث العطش، ثلاث أشياء فيه.
قوله: (وَيُكْرَهُ مَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ وإنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ)، (إنْ وَجَدَ طَعْمَهُما) أي: الطعام الذي ذاقه ولو لحاجة، (إنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ)، وإن وجد طعم العلك القوي في حلْقه أفطر.
وعُلِمَ من قول المؤلف: (فِي حَلْقِهِ) أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الحلْق لا إلى المعدة، وخالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: ليس هناك دليل يدل على أن مناط الحكم وصول الطعم إلى الحلْق، وهو واضح؛ لأنه أحيانًا يصل الطعم إلى الحلْق، ولكن ما يبتلع، ما ينزل، يكون منتهاه الحلْق، فمثل هذا لا يمكن أن نتجاسر ونقول: إن الإنسان يُفْطِر بذلك، ثم إنه أحيانًا عندما يتجشأ الإنسان يجد الطعم في حلقه، لكن لا يصل إلى فمه، ومع ذلك يبتلع هذا الذي تجشأ به، يعني ربما يتجشأ ويخرج بعض الشيء لكن لا يصل إلى الفم، بل ينزل وهو يُحِسّ بالطعم.
(وإنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ، ويَحْرُمُ العِلْكُ المُتَحَلِّلُ)، قال: (إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ)، (العِلْكُ المُتَحَلِّلُ): هو الذي ليس بصَلْب، إذا عَلَكْتَه تحلَّل وصار مثل التراب، هذا حرام، على مَنْ؟
طلبة: على الصائم.
الشيخ: على الصائم؛ لأنه إذا عَلَكَه لا بد أن ينزل منه شيء؛ لأنه مُتَحَلِّل يمشي مع الريق، وما كان وسيلة لفساد الصوم فإنه يكون حرامًا إذا كان الصوم واجبًا، ويُفْسِد الصوم إذا بلع منه شيئًا.
قال المؤلف: (إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ)، يعني: فإن لم يبلع ريقه فإنه لا يحرُم، يعني لو كان الإنسان يعلك العلك فلمَّا تحلل لَفَظَه، فإنه ليس بحرام، أو كان يجمعه، يعلكه ويجمعه ولا ينزل ثم لفظه، فإنه على كلام المؤلف -الماتِن- لا يحرُم؛ لأن المحظور من مضْغ العلك المتحلِّل أن ينزل إلى الجوف، وهذا لا ينزل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3470
فإن قال قائل: هل يُقَاس ما يكون في الفرشة من تدليك الأسنان بالمعجون على العلك المتحلِّل؟ أو على العلك الصلب القوي؟
طلبة: الأول.
الشيخ: هو للمتحلِّل أقرب، ولهذا نقول: لا ينبغي للصائم أن يستعمل المعجون في حال الصوم؛ لأنه ينفُذ إلى الحلق بغير اختيار الإنسان؛ لأن نفوذه قوي، واندراجه تحت الريق قوي أيضًا، فنقول: إذا كنت تريد تنظيف أسنانك فانتظر إلى أن تغرب الشمس ونظِّفْها، لكن مع هذا لا يفسُد الصوم باستعمال المعجون.
قال: (وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ)، القبلة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ألَّا يصحبها شهوة إطلاقًا، مثل تقبيل الإنسان أولاده الصغار، أو تقبيل القادم من سفر، أو ما أشبه ذلك، فهذه لا تؤثر، ولا حكم لها.
القسم الثاني: أن تُحَرِّك الشهوة، ولكنه يَأْمَن من إفساد الصوم بالإنزال، أو بالإمذاء أيضًا إذا قلنا بأن الإمذاء يُفَطِّر الصوم، هذا يقول المؤلف: إن القبلة تُكْرَه في حقه.
القسم الثالث: أن يخشى من فساد الصوم؛ إما بإنزال وإما بإمذاء، إن قلنا بأنه يُفْطِر بالإمذاء، وسبق أن الصحيح أنه لا يُفْطِر، فهذه تحرُم إذا ظن الإنزال، بأن يكون شابًّا قوي الشهوة، شديد المحبة لأهله، فهذا لا شك أنه على خطر إذا قبَّل زوجته في هذه الحال، فمثل هذا نقول: يحرُم عليه أن يُقَبِّل؛ لأنه يُعَرِّض صومه لماذا؟
طلبة: للفساد.
الشيخ: للفساد.
أما القسم الأول -وهي التي لا تحرِّك الشهوة- فلا شك أنها جائزة، ولا إشكال فيها؛ لأن الأصل الحِلّ حتى يقوم دليل على الكراهة أو التحريم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3471
وأما الثاني -وهو الذي إذا قَبَّل تحرَّكت شهوته لكن يأمن على نفسه- فالصحيح أن القبلة لا تُكْرَه، وأنه لا بأس بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله سلم كان يُقَبِّل وهو صائم (10)، وسأله رجل عن قُبْلَة الصائم وكان عنده أم سَلَمَة، فقال له: سل هذه، اسألها، فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُقَبِّل وهو صائم.
وهذا يدل على أنها جائزة، سواء حرَّكت الشهوة أم لم تُحَرِّك.
ويُروَى عن عمر -أظن- أنه قال: ما أبالي قَبَّلْتُ امرأتي أم شَمَمْتُ ريحانًا (11)، شم الريحان لا يُفَطِّر، لكنه ينعش النفس ويَسُرّ النفس، تقبيل الزوجة كذلك يسر وينعش الإنسان، لكن ليس جماعًا ولا إنزالًا، فبأي شيء تكون الكراهة.
وأما ما ذُكِر من أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن القبلة فأَذِن له، وسأله آخر فلم يأْذَن له، فإذا الذي أَذِنَ له شيخ، والذي لم يأْذَن له شاب، فحديث ضعيف لا تقوم به الحجة.
إذن القبلة تنقسم إلى كم؟
طلبة: إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: ثلاثة أقسام: قسم جائز، وقسم مكروه، وقسم محرَّم، والصحيح أنها قسمان فقط: قسم جائز، وقسم محرَّم.
والجائز له صورتان:
الأولى: ألَّا تحرِّك القُبلة شهوته إطلاقًا.
والثانية: أن تحرِّك شهوته ولكن يأمن على نفسه.
(وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ)، غير القُبلة من دواعي الوطء كالضم ونحوه، نقول: حكمها حكم القُبلة، ولا فرق.
قال: (وَيَجِبُ اجْتِنَابُ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ وشَتْمٍ)، يجب على مَن؟
طلبة: الصائم وغيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 3472
الشيخ: على الصائم، لكن حتى غيره يجب عليه أن يتجنب هذه الأشياء، ولكنهم ذكروا هذا من باب التوكيد؛ لأنه يتأكد على الصائم مِن فِعْل الواجبات وتَرْك المحرَّمات ما لا يتأكد على غيره، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، هذه هي الحكمة من فرض الصيام؛ أن يكون وسيلة لتقوى الله عز وجل بفعل الواجبات وتَرْك المحرَّمات.
ودليله من السُّنَّة قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (12)، يعني: لم يُرِد الله منا بالصوم أن نترك الطعام أو الشراب؛ لأنه لو كان هذا مراد الله لكان يقتضي أن الله يريد أن يُعَذِّبنا.
وسُنُّ لِمَن شُتِمَ قولُه: " إِنِّي صَائِمٌ، وتَأْخِيرُ سُحورٍ وتَعجيلُ فِطْرٍ على رُطَبٍ، فإن عُدِمَ فتَمْرٌ، فإن عُدِمَ فماءٌ، وقولُ ما وَرَدَ.
ويُسْتَحَبُّ القضاءُ مُتتابعًا، ولا يَجوزُ إلى رمضانَ آخَرَ من غيرِ عُذْرٍ، فإن فَعَلَ فعليه مع القَضاءِ إطعامُ مِسكينٍ لكلِّ يومٍ، وإن ماتَ، ولو بعدَ رَمضانَ آخَرَ، وإن ماتَ وعليه صومٌ أو حَجٌّ أو اعتكافٌ أو صلاةُ نَذْرٍ استُحِبَّ لوَلِيِّهِ قَضاؤُه.
ألَّا تحرِّك القُبلة شهوته إطلاقًا، والثانية أن تحرك شهوته ولكن يأمن على نفسه.
(وتُكْرَه القُبلة لمن تحرك شهوته) غير القبلة من دواعي الوطء كالضم ونحوه؟ نقول: حكمها حكم القبلة ولا فرق.
قال: (ويجب اجتناب كذب وغيبة وشتم) يجب على من؟
طلبة: الصائم وغيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 3473
الشيخ: على الصائم، لكن حتى غيره يجب عليه أن يتجنب هذه الأشياء، ولكنهم ذكروا هذا من باب التوكيد؛ لأنه يتأكد على الصائم من فعل الواجبات وترك المحرمات ما لا يتأكد على غيره، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] هذه الحكمة، هذه هي الحكمة من فرض الصيام؛ أن يكون وسيلة لتقوى الله عز وجل بفعل الواجبات وترك المحرمات.
والدليل من السنة قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (1)، يعني: لم يرد الله منا بالصوم أن نترك الطعام والشراب؛ لأنه لو كان هذا مراد الله لكان يقتضي أن الله يريد أن يعذبنا، والله تعالى يقول: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النساء: 147]، إنما يريد منا عز وجل أن نتقي الله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» أي: الكذب، وإن شئت فقل: الزور كل قول محرم؛ لأنه ازْوَرَّ عن الطريق السليم.
«وَالْعَمَلَ بِهِ» أي: بالزور؛ وهو كل فعل محرم، «وَالْجَهْلَ»: السفاهة، السفه وعدم الحلم، مثل: الصخب في الأسواق، السب مع الناس، وما أشبه ذلك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَصْخَبْ» يعني: لا يرفع الأصوات، بل يكون مؤدَّبًا، «وَلَا يَرْفُثْ، وَإِنْ أَحَدٌ سَابَّهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» (2).
فالإنسان ينبغي أن يكون مؤدبًا، وبهذا نعرف الحكمة البالغة من مشروعية الصوم، لو أننا تربينا بهذه التربية العظيمة لخرج رمضان والإنسان على خُلُقٍ ليس على خلقه الأول، في الالتزام وفي الأخلاق وفي الآداب؛ لأنه تربية في الواقع.
الجزء: 1 - الصفحة: 3474
طالب: ذكرنا قول ( ... ) أن الإنسان ( ... ) وجد طعم طعام في فمه من حلوى أو غيره.
الشيخ: أيش؟
الطالب: إذا وجد الإنسان في فمه طعم حلوى أو غيره لا يبلع ريقه، وقلنا: إن المعجون اللي هو يشبه الطعم في فمه فلا يضر صومه ولا يفسده؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: شنو الفرق يا شيخ؟
الشيخ: المعجون لا يبلى.
الطالب: فإنه لا يفسد صومه هذا؟
الشيخ: إي نعم، حتى لو وضعت حلاوة في فمك أو تمرة، وذقتها ما يفسد الصوم.
الطالب: إي، لكن طعمه يا شيخ يصل إلى الحلق والجوف.
الشيخ: اللي هو؟
الطالب: قبل الفجر بقليل ولنفرض أكلت.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ووجدت طعم الطعام بعد الفجر.
الشيخ: إي نعم، هذا ينظر فيه؛ إذا كان طعامًا بيِّنًا فهذا لا يجوز بلعه، أما ما كان من الماء وشبهه فهذا لا بأس به.
الطالب: المعجون -يا شيخ- قوي، طعمه قوي.
الشيخ: ولهذا قلنا: الأحسن لا تستعمل المعجون.
الطالب: يفسد؟
الشيخ: ما يفسد؛ لأنه ما تيقن أنه يصل إلى جوفه.
طالب: فتات المسواك إذا بلعه؟
الشيخ: فتات المسواك إذا بلعه بغير قصد فإنه لا يضر.
الطالب: وبقصد؟
الشيخ: بقصد لا يجوز.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ألا يفهم من ظاهر الحديث أن من كذب وهو صائم فإن صومه غير صحيح؛ «فَلَا حَاجَةٌ لِلَّهِ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (1)؟
الشيخ: هذا سؤال وجيه، يقول: ألا يُفْهَم من الحديث أن من كذب فسد صومه؟ لأن الله ليس له حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
نقول: قال بذلك بعض العلماء من السلف؛ أن الإنسان إذا قال قولًا حرامًا، أو فعل فعلًا حرامًا وهو صائم، فإن صومه يبطل.
ولكن الإمام أحمد سئل عن هذا؛ سئل عن الغيبة من الصائم، وقيل له: إن فلانًا قال: إنها تفطر.
فقال: لو كانت الغيبة تفطر ما بقي لنا صيام، كل الناس يغتابون، ما يبقى صيام.
ثم القاعدة العامة الصحيحة أن المحرم إذا كان محرمًا في ذات العبادة أفسدها، وإن كان تحريمه عامًّا لم يفسدها.
الجزء: 1 - الصفحة: 3475
انظر الأكل والشرب يفسد الصوم؛ لأن تحريمه خاص في العبادة، لكن الغيبة عامة ولا لا؟ عامة، ولهذا كان الصحيح أن الصلاة في الثوب المغصوب، والوضوء بالماء المغصوب صحيح، والصلاة في الثوب المغصوب صحيحة؛ لأن التحريم هنا ليس عائدًا للصلاة، يعني: لم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: لا تصلوا في الثوب المغصوب، ولم يقل: لا تتوضؤوا بالماء المغصوب، فالنهي عام، استعمال الماء المغصوب في أي شيء حتى في الطعام والتغسيل العادي والتبرد حرام، هذه القاعدة هي التي مشى عليها جمهور العلماء؛ أن الحرام إذا كان خاصًّا بالعبادة فهو مبطل لها، وإذا كان عامًّا فلا.
طالب: فتات المسواك، هل يلزم الإنسان بالتحرز منه؟ أو يكون طبيعيًّا، يعني: إن ذهب شيء بغير قصد فالحمد لله، ولكن يكون طبيعيًّا؟
الشيخ: هو على كل حال المسواك فيه تفصيل؛ بعض المساويك معروف أنها جديدة تتفتت، هذه يحترز منها.
الطالب: لأنه قد يتكلف الإنسان هذا الأمر.
الشيخ: لا، أما العادي الذي قد استعمل وذهب ما يتفتت منه فالأصل السلامة.
الطالب: وطعمه كالجديد؟
الشيخ: الطعم الجديد لن تدخله.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، إذا تذوق الطباخ الطعام فابتلعه هل يفسد صومه يا شيخ؟
الشيخ: ابتلعه قصدًا ولَّا غصبًا؟
الطالب: ( ... ) اشتهاه.
الشيخ: أقول: قصدًا ولَّا ( ... ) وبلعه؟
الطالب: الثاني.
الشيخ: الثاني ما يجوز، يفسد الصوم ( ... ).
إذا أعطيت فقيرًا زكاة فطر، وأخرجها للسوق يبيعها، فلا يجوز أن تشتريها.
طالب: الرجل الذي يبيع ( ... ) الحبوب؟
الشيخ: ويبيعها إلى نفس الرجل الذي يبيع الزكاة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يعني معناه اللي أعطاه الزكاة؟
الطالب: التاجر يبيع للناس، وبعدين يرجعوا يعطونه، يعني يبيعها بثمانية ريال ويأخذها منهم بخمسة.
طالب آخر: فيه طرف ثان.
الشيخ: ما رأيكم في زكاة الفطر عندما يأخذ المساكين الزكاة ويبيعونها إلى نفس الرجل الذي يبيع الزكاة؟ ما فيها شيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 3476
الطالب: يعني: يبيعونها له، يشتريها بخمسة وهو يبيعها بثمانية؟
الشيخ: ما هو بعلى صاحبها؛ ليس على صاحبها، يعني: ما يبيعونها على اللي أعطاهم إياها.
الطالب: لا، ما هو اللي أعطاهم إياها، نفس اللي باعها يرجع إلى الفقراء ويبيعونها له ثانيًا.
الشيخ: ما يخالف، لا بأس.
الطالب: يعني: لا بأس؟
الشيخ: لا بأس ( ... ).
يقول: امرأة تعمَّدت إسقاط ما في بطنها في الشهر الأول من الحمل من أجل مصلحة طفل لها لم يستكمل السنتين بعد -أي تسعة أشهر- فهل تأثم أم تلزمها الكفارة؟
الكفارة لا تلزمها، لكن بعض العلماء يقول: تأثم، وبعضهم يقول: لا تأثم ما دام في الأربعين الأولى.
طالب: مصلحة الطفل.
الشيخ: الصحيح أنها تأثم إلا إذا دعت الحاجة ( ... ).
يقول: ما معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105].
هذه فيما إذا عجز الناس عن إزالة المنكر، فإنهم لا يضرهم من ضل إذا اهتدوا، أما إذا كانوا يستطيعون إزالة المنكر فإنه يضرهم من ضل، والباقي لغد.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في باب ما يُكْرَه ويستحب وحكم القضاء: وسُنَّ لمن شُتِم قولُه: إني صائم، وتأخيرُ سحور، وتعجيلُ فطر على رطب، فإن عُدِمَ فتمرٌ، فإن عُدِمَ فماءٌ، وقولُ ما ورد، ويُسْتَحَبُّ القضاء متتابعًا، ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر من غير عذر، فإن فعل فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم ولو بعد رمضانٍ آخر، وإن مات وعليه صَوْمُ أو حجُّ أو اعتكافُ أو صلاةُ نذرٍ استُحِبَّ لوليه قضاؤه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما حكم القُبْلَة للصائم على ما مشى عليه المؤلف؟
طالب: الكراهة.
الشيخ: مطلقًا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3477
الطالب: الكراهة إن كان ممن لا يملك إربه.
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا حركت شهوته.
الشيخ: الكراهة إن تحركت شهوته وإلا؟
الطالب: وإلا فلا.
الشيخ: وإلا فلا.
والصحيح؟
طالب: أنه يُقَسَّم إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: ما هم؟
الطالب: القسم الأول: ألا تتصل بشهوة إطلاقًا، فهذا لا شيء فيه.
النوع الثاني: أن تتصل به شهوة ولكن يأمن على صومه الإفساد بالإنزال، وهذا يُكْرَه في حقه.
أما النوع الثالث: فأن يخشى على صومه الإفساد بالإنزال، فهذا يحرم.
الشيخ: هذا ما ذهب إليه المؤلف، القول الراجح؟
طالب: الصحيح أن تقسم إلى قسمين: قسم جائز، وقسم محرم، والجائز له صورتان، والمحرم صورته الذي يخاف على نفسه، لا يأمن على نفسه الإنزال، فهذا شيء.
أما الصورتان التي ذكرهما المؤلف فإنهما جائزتان.
الشيخ: هذا هو الصحيح، الصحيح أنها تنقسم إلى قسمين:
الأول: أن يخاف إنزالًا، فهذه حرام.
والثاني: ألا يخاف، فهذه لا بأس بها ولو حركت شهوته.
يقول المؤلف: إنه يجب على الصائم اجتناب الكذب.
طالب: نعم.
الشيخ: وغيره؟
الطالب: هو كله محرم، سواء في الصيام أو غيره، غيبة ونميمة.
الشيخ: أنا أسأل عن الكذب، يقول المؤلف: يجب على الصائم أن يجتنب الكذب، وغير الصائم؟
الطالب: وغير الصائم.
الشيخ: ليش أيضًا يجب؟
الطالب: ولكن الصائم يتأكد في حقه.
الشيخ: الصائم يتأكد في حقه، ما هو الدليل على أنه يتأكد في حق الصائم ترك المحرمات وفعل الواجبات؟
الطالب: لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهَ وَشَرَابَهُ» (1).
الشيخ: وفي القرآن؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
الشيخ: نعم، أحسنت، ما حكم الكذب الأبيض؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3478
طالب: يقولون: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وأنا لم أتصور كذبًا أبيض.
الشيخ: ما تتصور الكذب الأبيض، من يعرف الجواب؟
طالب: الكذب كذب واحد، سواء كان أبيض أو أسود.
الشيخ: ما فيه أسود ولا أبيض، كله؟
الطالب: كله سواء.
طلبة: كله أسود، يا شيخ.
الشيخ: كله أسود، أليس قد جاء في الحديث أن ثلاثة أنواع من الكذب جائزة؟
طالب: بلى، يا شيخ.
الشيخ: وهي؟
الطالب: أولًا: للإصلاح بين الناس.
ثانيًا: أن يكذب الرجل على زوجته، أو تكذب هي عليه لأجل الألفة والود.
الشيخ: والثالث؟
الطالب: والثالث: إذا كان بين مسلمين وكفار حرب فيكذب المسلم لأجل التغطية.
الشيخ: في الحرب هو جاء به الحديث، لكن هل هو متفق على هذا المعنى؟
طالب: حمله بعض العلماء على التورية لا الكذب.
الشيخ: حمله بعض العلماء على أن المراد به التورية؛ وهي أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، وقال: إن التورية تسمى كذبًا كما اعتذر إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن الشفاعة بأنه كذب ثلاث كذبات.
وعلى كل حال متى أمكن اجتناب الكذب بالتورية فهو أولى، حتى على القول بأن الحديث يُحْمَل على الكذب الصريح، فإن الأولى تجنبه.
الغِيبَة حرام على الصائم؟
طالب: الغِيبَة حرام على الصائم وغيره.
الشيخ: لماذا قال: يجب على الصائم اجتنابه؟
الطالب: لأن تحريمها في حق الصائم أوجب.
الشيخ: وما هي الغِيبَة؟
الطالب: كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (3).
الشيخ: نعم، هل يستثنى من الغِيبَة شيء؟
طالب: لا يستثنى.
الشيخ: أبدًا؟
الطالب: إلا أن يكون في حالة المظلوم سيكون له الشكاية.
الشيخ: هذه واحدة، يعني في حال التظلم لا بأس أن يُذْكَر الظالم بما يكرهه الظالم.
الدليل؟
الطالب: الدليل حديث زوجة أبي سفيان هند بنت عتبة عندما اشتكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان رجل بخيل.
الشيخ: ومن القرآن؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3479
طالب: من القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: 1].
الشيخ: لا، استدل بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ هل هذا صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يعني يمكن أن يكون له وجه؛ لأنها تشتكي زوجها.
طالب: قول الله عز وجل: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: 148].
الشيخ: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾، هذه ثنتان، الثالث من يعرفه؟
طالب: المستفتي.
الشيخ: المستفتي هي قصة هند، نعم.
طالب: المجاهر بالمعصية.
الشيخ: يجوز غيبته؟
الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: تجوز غيبته، يعني معناها الآن إذا لاقانا واحد حالق لحيته، جاز أن نُشَرِّحه في المجالس، يلَّا، هو يمكن، هو قال به بعض العلماء -كما قال الأخ-: المجاهر بالفسق، لكن هذا يُقَيَّد بما إذا كان فيه مصلحة، وهو أنه إذا رأى الناس يتحدثون في المجالس أقلع.
طالب: إرضاء الناس يا شيخ؟
الشيخ: طيب هذه؟
طالب: المبتدعة، يجوز غيبتهم لتنبيه الناس؟
الشيخ: إي، إذا كان المقصود بها النصيحة، وهذه يدخل فيها فروع كثيرة؛ ومنها: ذكر معايب الشخص الذي تستشار فيه في المعاملة أو غيرها، ودليل ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام استشارته فاطمة بنت قيس في الذين خطبوها وكانوا ثلاثة، من؟
طالب: خالد بن الوليد.
الشيخ: لا.
طالب: أبو سفيان.
الشيخ: نعم.
طالب: معاوية.
الشيخ: اصبر، هذا معاوية.
طالب: خالد بن الوليد.
الشيخ: لا.
طالب: وأبو جهم، وأسامة بن زيد.
الشيخ: نعم، وأبو جهم، وأسامة بن زيد، فبَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام معايبَ اثنين، وأشار بالثالث، ماذا قال عن أبي جهم؟
طالب: قال عن أبي جهم: «إِنَّهُ لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» (4)، وهذه كناية إما عن كثرة سفره أو عن كثرة ضرب النساء.
الجزء: 1 - الصفحة: 3480
الشيخ: «إِنَّهُ لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»، وهو كناية عن كثرة أسفاره، أو عن كونه يضرب النساء، وقد جاء في لفظ آخر: «فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ» (5)، الثاني؟
طالب: معاوية، قال: «صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ».
الشيخ: معاوية، قال: «صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكَحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، بارك الله فيكم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف ( ... )؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هي النصيحة، إذا قلنا: إذا قُصِدَ النصيحة ما عاد فيها ( ... ) كثيرة، ذكر مثلًا الرواة الضعفاء بما فيهم من الجرح، وأشياء كثيرة، ذكر المبتدع كما قال الإخوان.
طالب: وبعضهم نظمه في بيت ستة.
الشيخ: لا، إذا قلنا: النصيحة، هي عامة، أفرادها ما تحصر.
طالب: إذا كان يا شيخ لا يعرف إلا ..
الشيخ: لا، إذا كان لا يعرف إلا بوصفه بالعيب هذا يرضى به عادةً في الغالب.
طالب: يا شيخ، الكافر؟
الشيخ: الكافر كيف؟ هو له حرمة أصلًا؟ ما له حرمة الكافر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لعلنا نترك هذه لأنها تتفرع كثيرًا، ما الفرق بين السبِّ والغِيبة؟
طالب: السب يكون أمام المخاطب، والغيبة من وراء ظهره.
الشيخ: نعم، الغيبة تكون من وراء ظهره، والسب أمامه، ولذلك سميت غيبة؛ لأنها في الغيبة.
قال: (ويُسَنُّ لمن شُتِمَ قولُه: إني صائم).
(يسن لمن شتم) أي: لمن شتمه أحد، أي ذكره بعيب أمامه، وهو بمعنى السب، وكذلك لو فعل معه ما هو أكبر من المشاتمة بأن يقاتله، يتماسك وياه يسن له أن يقول: إني صائم؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (6).
وهل يقولها سرًّا أو يقولها جهرًا؟ قال بعض العلماء: يقولها سرًّا، وقال بعض العلماء: جهرًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3481
وفصل بعض العلماء بين الفرض والنفل، فقال في الفرض: يقولها جهرًا لبعده عن الرياء، وقال في النفل: يقولها سرًّا خوفًا من الرياء، والصحيح أنه يقولها جهرًا في صوم النافلة والفريضة؛ وذلك لأن فيها فائدتين.
الفائدة الأولى: بيان أن المشتوم لم يترك مقابلة الشاتم إلا لكونه صائمًا، لا لعجزه عن المقابلة؛ لأنه لو تركه عجزًا عن المقابلة لاستهان به الآخر، وصار في ذلك ذُلٌّ له، فإذا قال: إني صائم، كأنه يقول: أنا لا أعجز عن مقابلتك وأن أُبَيِّنَ من عيوبك أكثر مما بينت من عيوبي، لكني امرؤ صائم.
الفائدة الثانية: تذكير هذا الرجل بأن الصائم لا يُشاتِم أحدًا، وربما يكون هذا المشاتِم صائمًا كما لو كان ذلك في رمضان، وكلاهما في الحضر؛ حتى يكون قوله هذا متضمنًا لنهيه عن الشتم وهو منكر.
فالصواب أنه يقولها جهرًا في الفرض والنفل.
(ويُسَنُّ لمن شُتِمَ قولُه: إني صائم، ويُسَنُّ تأخير) أبغي أقرأها (سَحور)، صواب ولَّا لا؟
طلبة: صواب.
الشيخ: (وَيُسَنُّ تأخير سَحور)؟
طلبة: لا، سحور، بالضم.
الشيخ: (وَيُسَنُّ تأخير سُحور).
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ما الذي يُؤَخَّر؛ هل هو التمر المقدم للإنسان يأكله في آخر الليل أو الفعل؟
الفعل، إذن (سُحور)؛ لأن سَحُور بالفتح: اسم لما يُفْعَل به، وسُحور بالضم: اسم للفعل؛ ولهذا نقول: (وَضوء) اسم للماء، و (وُضوء) اسم للفعل، ونقول: (طَهور) اسم للماء، ونقول: (طُهور) اسم للفعل؛ فعل الطهارة، وهذه قاعدة مفيدة تعصم الإنسان من الخطأ في مثل هذه العبارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3482
إذن: (يُسَنُّ تأخيرُ سُحور) بالضم، يعني: أن الإنسان إذا تسحر -وهو سُنَّة أيضًا السحور- ينبغي له أن يؤخره اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وترقُّبًا للخيرية التي قال فيها الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» (7)، فيكون فيه سُنة قولية وسنة فعلية، ورفقًا بالنفس؛ لأنه إذا أخَّر السحور قلَّت المدة التي يُمْسِكُ فيها، وإذا قدَّم فإنها تطول بحسب تعجيل السحور وتأخيره، ففيها الاقتداء بالسُّنَّة وترقب الخير، والرفق بالنفس.
ولكن يؤخره ما لم يخش طلوع الفجر، فإن خشي طلوع الفجر فليبادر، فمثلًا إذا كان يكفيه ربع ساعة في الأكل -أكل السحور- متى يتسحر؟ إذا بقي ربع ساعة، إذا كان يكفيه خمس دقائق؟ إذا بقي خمس دقائق، يعني يكون ما بين ابتدائه إلى انتهائه كما بينه وبين وقت الفجر.
(تأخير السحور)، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر السحور، حتى إنه لم يكن بين سحوره وبين إقامة الصلاة إلا نحو خمسين آية، يقدرون بالآيات؛ لأنه ما فيه ساعات ذاك الوقت.
ولهذا قال العلماء رحمهم الله في بيان البناء على غلبة الظن في دخول وقت الصلاة قالوا: له علامات، منها: إذا كان من عادته أن يقرأ حزبًا من القرآن، فإذا قرأ هذا الحزب وكان من عادته أنه إذا أتمه دخل الوقت فإنه يحكم بدخول الوقت.
ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ما فيه ساعات، فكانوا يقدرون بالآيات، بالأعمال، قَدْر نَحْر جَزور، وما أشبه ذلك، فلهذا يقول: (بينهما قَدْر خمسين آية) ثم قدر خمسين آية، أي آية نعتبرها؛ الطويلة أو القصيرة؟
طلبة: الوسط.
الشيخ: المتوسطة، ثم أي تلاوة نعتبر؛ الإسراع أو الترتيل؟
طلبة: وسط.
الشيخ: أيضًا نقول: وسط؛ لأننا لو قلنا: أطول آية، وقلنا بالترتيل، يطول الوقت.
يقول: (ويُسَنُّ تعجيل فطر)، يعني: المبادرة به؛ إذا أَذَّن المغرب، أو إذا غربت الشمس؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3483
طلبة: إذا غربت الشمس.
الشيخ: إي نعم، المعتبر غروب الشمس لا الأذان، لا سيما في الوقت الحاضر؛ حيث يعتمد الناس على التقويم، ثم يربطون التقويم بساعاتهم، وساعاتهم قد تتغير بتقديم وتأخير، بعض الناس يعتمد كم الوقت اليوم؟ قال: عليها مثلًا ستة وعشرة الغروب، قال: يلا أذن ستة وعشرة، ربما تكون ساعته مقدمة يمكن عشر دقائق، فيؤذن قبل الوقت بعشر دقائق، إذن لا عبرة بأذان المغرب، العبرة بغروب الشمس، فلو غربت الشمس وأنت تشاهدها والناس لم يؤذنوا بعد فلك أن تفطر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا -وأشار إلى المشرق- وَأَدْبَرَ مِنْ هَاهُنَا -وأشار إلى المغرب- وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».
(8)
ولا عبرة بالنور القوي، بعض الناس يقول: نبقى حتى يغيب القرص وحتى يبدأ الظلام بعض الشيء، نقول: لا عبرة بهذا، انظر إلى القرص متى غاب أعلاه فقد غربت الشمس، وسُنَّ الفطر، فيُسَنُّ أن يبادر بالفطر، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (7)، وبهذا نعرف أن الذين يؤخرون الفطر إلى أن تشتبك النجوم كالرافضة أنهم ليسوا في خير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ»، ويروى أن الله سبحانه وتعالى قال: «أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» (9)، وذلك لما فيه من المبادرة إلى تناول ما أحله الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى كريم، والكريم يحب أن يتمتع الناس بكرمه، فيحب من عباده أن يبادروا لما أحل الله لهم، من حين أن تغرب الشمس أفطر.
فإن قال قائل: وهل لي أن أفطر بغلبة الظن؟ بمعنى أنه إذا غلب على ظني أن الشمس غربت فهل لي أن أفطر؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3484
الجواب: نعم، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا في يوم غَيْمٍ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلعتِ الشمس (10)، ومعلوم أنهم لم يفطروا عن علم، أليس كذلك؟ لو أفطروا عن علم ما طلعت الشمس، لكن أفطروا بناءً على غلبة الظن أنها غابت ثم انجلى الغيم، فطلعت الشمس، فهذا دليل على أنه يجوز أن يفطر بغلبة الظن.
(ويُسَنُّ تعجيل الفطر)، يقول: (على رُطَبٍ)، الرطب هو التمر اللين الذي لم يَيْبَس، وكان هذا في زمن مضى، لا يتسنى إلا في وقت معين من السنة، أما الآن والحمد لله ففي كل وقت، يمكن أن تفطر على رطب في كل الشهر، كل الشهور، فتفطر على رطب.
فإن لم يكن، يقول: (فإن عُدِمَ فعلى تَمْرٍ)، وهو اليابس أو المُجَبَّن، المجبن يعني المكنوز الذي صار كالجبن، مرتبط بعضه ببعض.
(فإن عُدِمَ فعلى تَمْرٍ، فإن عُدِمَ فماءٌ)، إن عدم التمر فالماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» (11).
إذا كان عند الإنسان عسل وماء فأيهما يُقَدِّم؛ الماء أو العسل؟
طلبة: العسل.
طلبة آخرون: الماء.
طالب: الاثنين.
الشيخ: يقدِّم الماء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ»، ولكن لا بأس يشرب ماءً وبعدين يأكل العسل.
طالب: العسل أخو التمر.
الشيخ: ليس أخاه، العسل من النحل، وهذا من النخل.
على كل حال، يُفْطِر على ماء مقدَّمًا على غيره، فإن لم يجد ماءً ولا شرابًا آخر ولا طعامًا، فماذا يصنع؟
طالب: ينوي.
الشيخ: ينوي الفطر بقلبه، ويكفي.
وقال بعض العوام: إذا لم تجد شيئًا فعُض على أصبعك ومُصَّه، وهذا لا أصل له.
الجزء: 1 - الصفحة: 3485
وقال آخرون: بُلَّ الغترة ثم مُصَّهَا؛ لأن إذا بللتها انفصل الريق عن الفم، فإذا رجعتها ومصصتها أدخلت شيئًا خارجًا عن الفم إلى الفم، وهذا يعتبر أكلًا أو شربًا.
وعلى تقليد هؤلاء العوام نقول: فإن عدِمَ فماء، فإن عَدِمَ فرِيقٌ، وهذا لا أصل له.
نقول: إذا غربت الشمس وليس عندك ما تفطر به أفطرت حكمًا، حتى إن بعض العلماء قال: إن قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (8) أن المعنى: أفطر حكمًا وإن لم يفطر حسًّا، ولكن يُسَنُّ له أن يبادر، وليس هذا ببعيد، إلا أنه يضعفه أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أذن لهم بالوصال إلى السحر.
قال: (فإن عُدِمَ فتمر، فإن عُدِمَ فماء) ولم يتكلم المؤلف هنا عن الوصال، لكن ربما نأخذ حكمه من قوله: (يُسَنُّ تعجيل الفطر) لأن الوصال لا يكون فيه تعجيل الفطر.
والوصال أن يقرن الإنسان بين يومين في صوم يوم واحد، بمعنى ألا يفطر بين اليومين.
وحكمه قيل: إنه حرام، وقيل: إنه مكروه، وقيل: إنه مباح لمن قدر عليه، فالأقوال فيه ثلاثة.
والذي يظهر: فيه التحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الوصال فأَبَوا أن ينتهوا فتركهم، وواصل بهم يومًا ويومًا ويومًا حتى دخل الشهر -يعني: شهر شوال- فقال عليه الصلاة والسلام: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ» (12) كالمنكِّل لهم، وهذا يدل على أنه على سبيل التحريم، فالقول بالتحريم أقواها.
الجزء: 1 - الصفحة: 3486
ولكن مع ذلك ليس عندي فيه جزم؛ لأنه لو كان حرامًا -كما تحرم الميتة والخنزير- لمنعهم الرسول عليه الصلاة والسلام من فعله منعًا باتًّا، لكنه نهاهم عن ذلك رفقًا بهم؛ ولهذا ذهب بعض الصحابة رضي الله عنهم إلى جواز الوصال لمن قدر عليه معللًا ذلك بأنه إنما نهي عن الوصال من أجل الرفق بالناس لأنه يشق عليهم، فكان عبد الله بن الزبير يواصل إلى خمسة عشر يومًا، لا يأكل ولا يشرب ابتغاء وجه الله.
لكن مع ذلك نحن نقول: إنه رضي الله عنه متأول، والصواب خلاف تأويله، والصواب أن أدنى أحواله الكراهة، وأن الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطر، لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ» (13).
طالب: في هذا الباب ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: عبد الله بن الزبير.
الشيخ: هكذا معروف في تاريخه.
(فإن عُدِمَ فماء وقولُ ما وَرَد) قول ما وَرَد متى؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: قول ما ورد عند الفطر، ومعلوم أنه ورد عند الفطر وعند غيره التسمية، عند الأكل أو الشرب، وهي على القول الراجح واجبة؛ يعني: يجب على الإنسان إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يُسَمِّ؛ أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك (14)؛ لإخباره أن الشيطان يأكل مع الإنسان إذا لم يُسَمِّ، لإمساكه بيد الجارية والأعرابي حين جاءا ليأكلا قبل أن يُسمِّيا؛ أمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيديهما وأخبر أن الشيطان دفعهما، وأن يد الشيطان مع يديهما، بيد النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليأكل من الطعام (15).
فالصواب أن التسمية على الأكل والشرب واجبة، ولكنه لو نسي فإنه يسمي إذا ذكر ويقول: بسم الله أوله وآخره.
الجزء: 1 - الصفحة: 3487
كذلك أيضًا؛ مما ورد: الحمد عند الانتهاء، فإن الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها، وورد أيضًا آثار في ذلك منها: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (16)، وهذه في أسانيدها ما فيها، لكن إذا قالها الإنسان فلا بأس.
ومنها: إذا كان الجو حارًّا وشرب فإنه يقول: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (17) وذهاب الظمأ بالشرب واضح، وابتلال العروق كذلك واضح حتى إن الإنسان إذا شرب وهو عطشان يَحُسُّ بأن الماء من حين ما يصل إلى المعدة يتفرق في البدن، يَحُسُّ به إحساسًا ظاهرًا، ويقول: سبحان الحكيم العليم الذي فرقه بهذه السرعة فهذا مما يُسَنُّ.
ثم قال: (ويُسْتَحَبُّ القضاء متتابعًا)، والباب الذي نحن فيه (باب ما يُكْرَه ويُسْتَحب، وحكم القضاء)
وهنا بدأ بالقضاء، قال: (ويستحب القضاء متتابعًا) الاستحباب مُنْصَبٌّ على قوله: (متتابعًا)، وليس على قوله: (القضاء) لماذا؟ لأن القضاء واجب، والمستحب كونه متتابعًا، أي: لا يفطر بين أيام الصيام لماذا؟ لوجهين:
الوجه الأول: أن هذا أقرب إلى مشابهة الأداء، صح، لماذا؟ لأن الأداء متتابع، شهر رمضان متتابع.
وثانيًا: أسرع في إبراء الذمة، فإنك إذا صُمْتَ يومًا وأفطرت يومًا تأخر القضاء، فإذا تابعت صار ذلك أسرع في إبراء الذمة.
وثالثًا: أنه أحوط؛ لأن الإنسان لا يدري ما يَعْرِض له؛ قد يكون اليوم صحيحًا وغدًا مريضًا، وقد يكون اليوم حيًّا وغدًا ميتًا؛ فلهذا كان الأفضل أن يكون القضاء متتابعًا.
وينبغي أيضًا: أن يبادر به من حين أن يزول يوم العيد يشرع فيه؛ يعني: في اليوم الثاني من شوال يشرع فيه؛ لأن هذا كما قلت: أسرع لإبراء الذمة وأحوط.
الجزء: 1 - الصفحة: 3488
ثم قال: (ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر من غير عذر) ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر، أو إلى رمضانَ.
طلبة: رمضانٍ.
الشيخ: بالتنوين؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم؛ لأن (رمضان) إذا كان المقصود بها رمضان معين امتنعت من الصرف، وإذا كان المراد أي رمضان فإنها تصرف؛ وذلك لأنها إذا كان المراد بها أي رمضان فُقِدَ منها شرط واحد وهو العلمية.
والمزيد بالألف والنون يُشْتَرط لمنعه من الصرف أن يكون عَلَمًا وأن تكون الألف والنون زائدة.
طالب: ( ... ) يا شيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ... ) فَبِتَمْر، فإن لم يجد فبماء فإنه طهور (11) وتعلق الحكم هنا بالماء، وعندي يا شيخ من يقسم الماء إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: لا، ما هذا، ما هو بطهور ضد النجس؛ يعني: مطهر للمعدة.
طالب: شيخ حفظك الله، قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف قد يخص بعموم أو بعلة؟
الشيخ: هذا -بارك الله فيك- مبني على أن قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟ فمن قال: إنه ليس بحجة فإنه لا يخصص به العموم.
الطالب: ومن قال: إنه حجة؟
الشيخ: ومن قال: إنه حجة فلازم قوله أن يخصص به العموم، ما لم يكن مبنيًّا على اجتهاد، فإن كان مبنيًّا على اجتهاد فقد يخطيء وقد يصيب، وأنا أرى أن الأَوْلَى الأخذ بالعموم وألا يخصص.
الطالب: يعني: معنى هذا يا شيخ؟
الشيخ: يعني: معنى هذا أن فعل ابن عمر في كونه إذا حج أو اعتمر أخذ من لحيته (18) لا يُخَصِّصُ عموم الأمر بالإعفاء.
الطالب: فبقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «حَتَّى يَدَعَ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ» (19)، هذا عامٌّ فهل يخصصه مثلًا فعل صحابي؟
الشيخ: أبدًا، التعمق مذموم بكل حال؛ لقوله: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (20) قالها ثلاثًا.
الطالب: فبهذا ماذا نقول: يا شيخ في الوصال؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: في الوصال.
الشيخ: في الوصال؛ نقول: إن هذا تأول، تأولٌ من عبد الله بن الزبير أخطأ فيه رضي الله عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3489
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ما المراد بالمقاتلة في هذه المسألة؟
الشيخ: المقاتلة بالأيدي: الأخذ بالأيدي، يتشابكون.
الطالب: دماءهم ( ... ).
الشيخ: لا، هذا قتل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا قَتْل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا قتل.
الطالب: البعض يتشابك بالسكاكين والسواطير.
الشيخ: لا، أعوذ بالله، المراد بالمقاتلة يعني المشابكة بالأيدي وشبهها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، بس، هذا ويش يسوي؟ شنو ناظر؟
طالب: ( ... )، الكراهة ( ... ) خلاف الأولى أو لا بد من دليل شرعي؟
الشيخ: نعم، الكراهة لا بد فيها من دليل شرعي، فأما إذا كان على سبيل الاحتياط تقول: الأولى، فقط.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، الراجح في تقديم صيام النفل على صيام الواجب، كمن صام ستًّا من شوال على قضاء من رمضان.
الشيخ: أما من صام ستًا من شوال مقدِّمًا إياها على قضاء رمضان فإنها لا تنفعه عن الست، حتى لو قلنا بصحة صوم التطوع قبل القضاء لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ» (21)، ومن بقي عليه شيء من رمضان لم يكن صام رمضان.
وقد ظن بعض طلبة العلم أن هذا مبني على صحة النفل قبل القضاء، وليس بصحيح؛ لأن صوم ست من شوال تابع لرمضان، لا يصح إذا بقي من رمضان شيء؛ يعني: لا يثاب ثواب الست إذا بقي من رمضان شيء، وقد نص على ذلك ابن رجب رحمه الله في كتاب لطائف المعارف.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- هل يثبت أثر عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تؤخر القضاء إلى أن .. ؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، وهو ثابت.
طالب: يا شيخ، إن قولك وينبغي أن يبادر به في اليوم الثاني من شوال فـ ..
الشيخ: ينبغي غير يجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3490
طالب: في عهد السلف رضي الله تعالى عنهم كان ما فيه تطاول في البنيان مثل البنيان هذا، ذكرتم جزاكم الله خيرًا أن الإنسان ينوي الفطر، يفطر عندما تغرب الشمس، كيف إن الإنسان بيته يكون صغيرًا وفيه بيوت الثانية ما شاء الله؛ عشرين دورًا وثلاثين دورًا.
الشيخ: يرقى للدور الواحد وعشرين.
الطالب: لا، حق يا شيخ؟
الشيخ: صحيح هذا.
الطالب: كيف، يطلع يعني؟
الشيخ: إي يطلع أيوه.
الطالب: شيخنا، حقيقي السؤال هذا الله يكرمك.
الشيخ: هذا حقيقي، وهذا الجواب أيضًا.
الطالب: والله يا شيخ، طيب كيف يعني لو طلع ونزل لشقى.
الشيخ: الله المستعان.
الطالب: بس، حقيقي يا شيخ السؤال هذا مهم جدًا.
الشيخ: أبدًا، أصلًا نحن قلنا: إذا غربت الشمس، إذا كنت تحت السقف كيف تعرف إن الشمس غربت؟
الطالب: أنا الحين جالس في ..
الشيخ: فاهم فاهم.
الطالب: في بيوت حولي كثيرة جدًّا والشمس بتكون باينة في الغروب ولكن في قرص الشمس لسه نصف والنصف الآخر يعني لو أتينا مثلًا صحراء نرى نصف ونصف تحت.
الشيخ: إذن لا تفطر.
الطالب: ما يُرَى يعني ما يفطر إلا يظنه ( ... ) الغروب عندنا غروب الشمس، الناس بينتظروا عندما ينتهي ضوء الشمس من السماء يعني يميل.
الشيخ: على كل حال -بارك الله فيك- اصعد إذا كنت تريد أن لا تنتظر الأذان اصعد إلى فوق.
الطالب: طلعت لفوق، فيه عمارة تاني قدامي أعلى.
طالب آخر: يسمع المدفع.
الشيخ: صحيح، هو الآن يعني مرتب مدفع.
الطالب: يعني الناس تفطر على المدفع، إذن مع الأذان فهو الأولى.
الشيخ: ( ... ).
طالب: ذكرنا فيما سبق أن الإنسان يأكل حتى يتيقن طلوع الفجر ولكن في غلبة الظن، والآن التقويم مقدم جدًّا، وأيضًا ثبت من غير طريق أن في الوقت الحاضر أن الفجر يطلع بعد التقويم بمقدار ربع ساعة أو ما أشبه ذلك، فالإنسان ..
الجزء: 1 - الصفحة: 3491
الشيخ: على كل حال، لو فتح الباب للعامة، العامة ما يمكن تقدر، لأنه لو قيل لكم مثلا أن تأكلوا إلى بعد خمس دقائق من الأذان، العامة ما يمكن تضبطها، خلهم على ما هم عليه، لكن فيما لو جاء إنسان يستفتيك، قال: أنا بعد ما أذن أكلت تمرات وشربت في خلال خمس دقائق ما يمكن تقول: يلزمك القضاء.
طالب: الله يجزيك خيرًا، إذا قلنا بأن صيام ستًّا من شوال من باب الترتيب؛ القضاء ثم ست من شوال، رجل مسافر أو عذر مريض أفطر شهر رمضان كله، فإذا استحببنا أن يصوم رمضان، أن يقضي رمضان متتابعًا، فيبدأ من اليوم الثاني وينتهي ثاني ذو القعدة، ويفوته أجر ستة أيام.
الشيخ: ليش؟ لماذا؟
الطالب: ثلاثين يومًا يا شيخ.
الشيخ: ما يفوته؛ لأن هذا قضى لعذر، ولهذا لو فرضنا الإنسان، مثلًا، امرأة صامت رمضان كله وفي ليلة العيد نفست وبقيت كل شهر شوال ما تصوم، هل لها أن تصوم في ذي القعدة ويكتب لها الأجر؛ لأنه إذا كان رمضان وهو واجب إذا أُخِّر لعذرٍ أجزأ فهذا مثله.
طالب: يا شيخ انتهى.
الشيخ: انتهى؟ خلاص ( ... ).
يقول: ما قولكم فيمن يروح يمينًا وشمالًا أو إلى الأمام والخلف عند قراءة القرآن، وبعضهم يعتذر بأن هذا يطرد النوم، وما القول فيمن يمشي عندما يتحفظ شيئًا ويعتذر أن هذا أطرد للنوم؟
أما الثاني الذي يمشي: فلا شك أنه جائز؛ لأن القرآن يقرأ في حال المشي، وفي حال الجلوس، وفي حال الاضطجاع، وفي حال الاتكاء، وأما الأول: فنعم بعض الناس يعتاد هذا، لا يفعله تعبُّدًا لكن من عنده، فإن كان شيئًا بسيطًا من أجل أن يطرد النوم عنه كما قال فلا بأس به، أما الإنسان الذي يبالغ في هذا الشيء ويكاد يصل إلى الأرض ثم يرفع رأسه، فهذا الظاهر أنه لا ينبغي.
أما هذا يقول: ما هي الشروط التي من خلالها نستطيع أن نحكم على كون الشيء هذا بدعة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3492
كل ما تُعُبِّدَ به لله ولم يثبت في الشرع فهو بدعة، هذا الضابط، وما فُعِلَ على سبيل العادة فإن جاءت السنة، أو فإن جاء الشرع بتحريمه فهو حرام، وإلا فالأصل فيه الحل، والعبادة سواء كانت في العقيدة كما فعل أهل البدع، أو كانت في القول كالأذكار التي يرتبها الصوفية، أو بالفعل كالذي يشرع يعني: عبادات يخترعها فهذا الضابط، كل من تَعَبَّد لله بما لم يأذن به الله فهو مبتدع.
قلنا: من فوائد قول الصائم لمن يشتمه: إني صائم بيان أن المشتوم لم يترك مقابلة الشاتم إلَّا لكونه صائمًا، هل يُفهَم من ذلك أنه يُسَنُّ لمن يُشتم وهو غير صائم أن يَرُدَّ على شاتمه بالمثل؟
أي نعم، هو جائز أن يفعل ذلك، أن يَرُدَّ عليه بالمثل لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194].
وهذا يقول: ذكرتم أنه إذا أفطر عن جماع يلزمه كفارتان، وإذا جامع ثلاثة أيام تلزمه ثلاث كفارات؟
هذا غير صحيح، نحن لم نذكر أنه إذا أفطر عن جماع يلزمه كفارتان، أنما يلزمه؟ كفارة واحدة، لكن إذا كرره في يومين تلزمه كفارتان، في ثلاثة أيام تلزمه ثلاث كفارات، هذا الذي ذكره الماتن، وقد تقدم الكلام عليه.
آخر سؤال: ما حد من قتل ابنته؟ القصاص أم الجلد والحبس؟ الصحيح أن من قتل ابنته عمدًا أو ابنه عمدًا فإنه يقتص منه، والقول الثاني لا يقتص منه وعليه الدية، وسبق لنا الكلام في هذا وبينا الأدلة، أليس كذلك؟ الدية للورثة، للورثة غير الأب.
طالب: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المصنف رحمه الله: ويستحب القضاء متتابعًا، ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر، فإن فعل فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، وإن مات ولو بعد رمضان آخر، وإن مات وعليه صوم أو حج، أو اعتكاف، أو صلاة نذر استحب لوليه قضاؤه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3493
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن تكلمنا على قول المؤلف: (ويُسْتَحَبُّ القضاء متتابعًا) وأن هذا الحكم منزل على أيش؟
طالب: على ( ... ) أنه إذا، على ثلاث أمور أنه أشبه بـ ..
الشيخ: لا، كلمة (وَيُسْتَحَب القضاء متتابعًا) هل هي منصبة على (القضاء) أو على (متتابعًا)؟
الطالب: على (متتابعًا).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن القضاء يكون متتابعًا.
طالب آخر: لأن القضاء واجب.
الشيخ: لأن القضاء واجب، المستحب أن يكون متتابعًا، ولهذا لو عبر المؤلف فقال: ويستحب التتابع في القضاء، لزال الوهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويُسْتَحَبُّ القضاءُ متتابعًا) أي: أن يكون قضاؤه متتابعًا، أي: لا يفطر بين الأيام، وذكرنا لهذا ثلاث علل.
طالب: لأنه أبرأ للذمة.
الشيخ: أسرع في إبراء الذمة.
الطالب: والثاني أنه أحوط؛ لأنه لا يدري هل سيعيش أو سيموت؟
الثالث أن القضاء يحكي الأداء.
الشيخ: أنه أشبه بالأداء، التتابع أشبه بالأداء.
ثم قال: (ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر من غير عذر) (ولا يجوز) أي: تأخير القضاء إلى رمضانٍ آخر، يجب التنوين هنا؛ لأنه نكرة.
وزيادة الألف والنون لا تمنع من الصرف إلا إذا انضاف إلى ذلك علمية أو وصفية، وهنا ليس عَلَمًا ولا وصفًا، إذا قلنا: (رمضانٍ آخر) فما شرطه التعريف إذا كان نكرة فإنه ينصرف، هذا الضابط؛ ما يشترط في منعه من الصرف العلمية فإنه إذا زالت العلمية لم يمتنع من الصرف.
إذن نقول هنا: (إلى رمضانٍ آخرَ)، (أخرَ) ممنوع من الصرف للعلمية والعدل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3494
(من غير عذر) وعُلِمَ من كلام المؤلف أنه يجوز أن يؤخر القضاء إلى أن يبقى عليه عدد أيامه من شعبان لقوله: (ولا يجوز إلى رمضانٍ آخرَ) فيجوز أن يقضي في شوال، في ذي القعدة، في ذي الحجة، في أي شهر بشرط ألا يكون الباقي من شعبان بقدر ما عليه، فإذا بقي من شعبان بقدر ما عليه فحينئذ يلزمه أن يقضي متتابعًا.
وعُلِمَ من قوله: (من غير عذر) أنه لو أخره لعذر فإنه جائز؛ مثل أن يكون مسافرًا فيستمر به السفر أو يكون مريضًا فيستمر به المرض، أو تكون امرأةً حاملًا فيستمر بها الحمل ويزيد عن تسعة أشهر أو امرأةً مرضعًا فتحتاج إلى الإفطار كل السنة.
المهم أنه إذا كان لعذر فلا بأس أن يؤخره؛ لأنه إذا جاز أن يفطر في رمضان وهو أداء فجواز الإفطار في أيام القضاء من باب أولى.
قال: (ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر) ولم يتكلم المؤلف عن الصيام قبل القضاء، فهل يجوز أن يصوم قبل القضاء؟ وهل يصح لو صام؟
ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك، وقال: ما دام الوقت موسعًا فإنه يجوز أن يتنفل، كما لو تنفل في وقت الصلاة قبل أن يصلي.
فمثلًا: الظهر يدخل وقتها من الزوال وينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله، له أن يؤخرها إلى آخر الوقت، في هذه المدة هل له أن يتطوع؟
الجواب: نعم؛ لأن الوقت موسع.
فقال بعض العلماء: يجوز أن يتطوع بصوم النفل مَنْ عليه قضاء ما لم يضق الوقت، وقاسوا ذلك على الصلاة، وقالوا: هذه الصلاة وهي أوكد من الصيام يجوز للإنسان في حال السعة أن يتطوع بجنسها ولا حرج عليه.
وهذا القول: أظهر وأقرب إلى الصواب؛ لأن القياس فيه ظاهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3495
ولكن هل هذا أولى؟ أو الأولى أن يبدأ بالقضاء؟ الثاني، الأولى أن يبدأ بالقضاء، حتى مثلًا لو مر عليه عشر ذي الحجة أو يوم عرفة فإننا نقول: صم القضاء في هذه الأيام وربما تدرك أجر القضاء وأجر صيام هذه الأيام، وعلى فرض أنك لا تدرك إلا القضاء فإن القضاء أفضل من تقديم النفل، لكن الكلام على الصحة وعدم التأثيم بصيام النفل، فالذي يظهر أنه لا يأثم، وأن النفل يكون صحيحًا، أما المذهب: فإنه لا يصح، ويأثم، لا يصح أن يتطوع بصوم قبل القضاء، ويكون آثمًا؛ لأنه لا يمكن أن تؤدى النافلة قبل الفريضة.
والجواب على هذا التعليل أن نقول: الفريضة وقتها في هذه الحال موسع، فهو لم يفرض علي أن أفعلها حتى أقول: إنني تركت الفرض، بل هذا فرض في الذمة وسع الله تعالى فيه، فإذا صمت النفل فلا حرج.
إلا أنه هنا مسألة ينبغي التنبه لها وهي أن الأيام الستة من شوال لا تُقَدَّم على قضاء رمضان، فلو قُدِّمَت صارت نفلًا مطلقًا، ولم يحصل على ثوابها الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (21)، وذلك لأن الحديث يقول فيه: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ» ومن كان عليه قضاء فإنه لا يَصْدُق عليه أنه صام رمضان، وهذا واضح.
وقد ظن بعض طلبة العلم أن الخلاف في صحة صوم التطوع قبل القضاء ينطبق على هذا، وليس كذلك، بل هذا لا ينطبق عليه؛ لأن الحديث فيه واضح أنه لا ست إلا بعد قضاء رمضان.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على جواز التأخير؟ وما هو الدليل على منع التأخير إلى ما بعد رمضان آخر؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3496
قلنا: أما الأول فدليله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] يعني: فعليه عدة من أيام أخر، ولم يُقَيِّدها الله تعالى بالتتابع، لو قُيِّدَت بالتتابع للزم من ذلك الفورية، ولكن الله تعالى لم يذكر التتابع، فدلَّ هذا على أن الأمر فيه سعة.
وأما الدليل على أنه لا يُؤَخَّر إلى ما بعد رمضان الثاني؛ فلأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلَّا في شعبان (22) فقولها: ما أستطيع أن أقضيه، دليل أنه لا يؤخر إلى ما بعد رمضان؛ لأنها لا تستطيع أن تؤخره إلى ما بعد رمضان، والاستطاعة هنا الاستطاعة الشرعية؛ يعني: لا أستطيع شرعًا.
وأما التعليل فلأنه إذا أخره إلى ما بعد رمضان صار كمن أخر صلاة فريضة إلى وقت الثانية من غير عذر، ومعلوم أنه لا يجوز أن تؤخر صلاة الفريضة إلى وقت الثانية إلا لعذر.
يقول: (فإن فعل) يعني: إن فعل أي: أَخَّره إلى ما بعد رمضان الثاني بلا عذر (فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم) لو أَخَّر إلى ما بعد رمضان الثاني كان آثمًا، وعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3497
أما وجوب القضاء فواضح؛ لأنه دين في ذمته لم يقضه فلزمه قضاؤه، وأما الإطعام فجبرًا لما أخل به من تفويت الوقت المحدد، فيكون هذا الإطعام جبرًا للتأخير، يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا يعني مع كل يوم يقضيه يطعم مسكينًا، فإذا قدَّرْنا أن عليه ستة أيام فيطعم معها ستة مساكين، وقد روي في هذا حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أمر لمن أخَّر إلى ما بعد رمضان (23)، لكنه حديث هالك الإسناد، ضعيف جدًّا لا تقوم به حجة، ولا تشغل به الذمة، وروي أيضًا عن ابن عباس (24) رضي الله عنه وعن أبي هريرة (25) أنه يلزمه الإطعام، وما ذكر عنهما فإنه ليس بحجة؛ وذلك لأن الحجة لا تثبت إلا بالكتاب والسنة، وأما أقوال الصحابة فإن في ثبوتها نظر إذا خالفت ظاهر القرآن.
وهنا إيجاب الطعام مخالف لظاهر القرآن؛ لأن الله لم يوجب إلا عدة من أيام أخر، لم يوجب أكثر من ذلك، وإذا لم يوجب إلا عدة من أيام أخر فإننا لا نلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به إلا بدليل تبرأ به الذمة، على أن ما رُوِيَ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعن أبي هريرة يمكن أن يحمل على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الوجوب.
فالصحيح في هذه المسألة أنه لا يلزمه أكثر من الصيام إلا أنه يأثم بالتأخير.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أَخَّرَه إلى ما بعد رمضان الثاني وجب عليه الإطعام فقط، ولا يصحُّ منه الصيام، بناءً على أنه عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون عمله باطلًا، أي يكون القضاء في غير وقته، كما لو صلى الصلاة في غير وقتها فإنها لا تُقْبَل منه إذا لم يكن هناك عذر يبيح تأخيرها.
فالأقوال إذن ثلاثة إطعام فقط، أو صيام فقط، أو الجمع بينهما، وأصح الأقوال أنه يلزمه الصيام فقط القضاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 3498
ثم قال: (وإن مات ولو بعد رمضان آخر) يعني: إن مات بعد أن أَخَّرَه، مات مَنْ عليه القضاء بعد أن أَخَّرَه فإنه ليس عليه إلا إطعام مسكين؛ لأن القضاء في حقه تعذر؛ يعني: رجل أخر القضاء إلى ما بعد رمضان الثاني ثم مات فعليه إطعام، والقضاء تعذر؛ لأنه مات قبل أن يتمكن منه بعد رمضان الثاني.
وقيل: يلزمه إطعامان؛ إطعام عن القضاء وإطعام عن التأخير، وهذا لا شك أنه أقيس إذا قلنا بأنه يجب الإطعام إذا أخَّر الصيام إلى ما بعد رمضان، فالأقيس أنه يلزمه إطعامان؛ إطعام عن القضاء وإطعام عن التأخير.
ولكن لا بد من التفصيل في هذه المسألة؛ إذا مر رمضان على إنسان مريض، إذا مر على إنسان مريض فننظر؛ هل مرضه يرجى زواله أو لا؟ إن كان يرجى زواله بقي الصوم واجبًا عليه حتى يُشْفَى، ويقضي، لكن لو استمر به المرض حتى مات فهذا لا شيء عليه؛ لأن الواجب عليه القضاء ولم يدركه، عرفتم؟
مثاله إنسان أصيب في رمضان بزكام في العشر الأواخر من رمضان مثلًا بزكام، والزكام من المعروف أنه يُرْجَى زواله، لكن تضاعف به المرض حتى هلك ومات، فهذا ليس عليه قضاء، لماذا؟ لأن الواجب عليه عدة من أيام أخر ولم يتمكن من ذلك؛ يعني: مات قبل أن يتمكن فصار كالذي مات قبل أن يدركه رمضان فليس عليه شيء.
الثاني أن يكون هذا الذي أفطر رمضان، أفطر بمرض يرجى زواله ثم عوفي بعد هذا، ثم مات قبل أن يقضي، فهذا يُطْعَم عنه عن كل يوم مسكين بعد موته.
الثالث أن يكون المرض الذي أصابه في رمضان لا يرجى زواله فهذا عليه الإطعام ابتداءً لا بدلًا؛ لأن من أفطر لعذر لا يرجى زواله فالواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم، كالكبر ومرض السرطان وغيره من الأمراض التي لا يرجى زوالها.
هذه أقسام ثلاثة:
الأول من كان مرضه يرجى زواله ولكنه استمر به المرض حتى مات، أيش؟
طلبة: لا شيء عليه.
الشيخ: لا شيء عليه، لا قضاء عليه ولا إطعام.
الجزء: 1 - الصفحة: 3499
الثاني مَنْ مرضه يرجى زواله ثم شفي وتمكن من الصوم ولكنه لم يصم فعليه إطعام مسكين لكل يوم، يؤخذ من تركته؛ وهل يصام عنه؟ في هذا خلاف بين العلماء يأتي إن شاء الله في آخر الباب.
الثالث من كان مريضًا بمرض لا يرجى زواله فهذا ليس عليه صوم، وإنما عليه الإطعام ابتداءً فيطعم عنه وهو حي، يطعم عنه لكل يوم مسكينًا.
هذا الثالث لو فرض أن الله عافاه والله على كل شيء قدير، فهل يلزمه أن يصوم؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لا يلزمه أن يصوم؛ لأن الرجل كان يجب عليه الإطعام وقد أطعم فبرئت ذمته وسقط عنه الصيام.
ثم قال المؤلف: (وإن مات ولو بعد رمضانٍ آخر) وقوله: (ولو بعد رمضانٍ آخر) إشارة إلى الخلاف الذي ذكرته؛ فإن من العلماء من قال: إذا مات بعد رمضان آخر ولم يصم وقد أَخر بلا عذر، يلزمه كم؟ إطعامان: إطعام عن القضاء وإطعام عن التأخير، أما المذهب فلا يلزمه إلا إطعام واحد.
ثم قال: (وإن مات وعليه صومُ أو حج أو اعتكاف أو صلاةُ نذرٍ استُحِبَّ لوليه قضاؤه) (إن مات) (إن) شرطية، وفعل الشرط؟
طالب: (مات).
الشيخ: (مات)، وجوابه: (استُحِبَّ لوليه قضاؤه).
إن مات وعليه صوم نذر، وقلت لكم: إنها تُقْرَأ بدون تنوين باعتبار نية المضاف إليه، إن مات وعليه صوم نذر.
في آخر شيء، (وإن مات وعليه صومُ أو اعتكافُ أو صلاةُ نذرٍ) ولذلك قلت لكم: لا تنون، الذي يقرأ المتن يقرأه بلا تنوين على نية أيش؟
طلبة: المضاف إليه.
الشيخ: المضاف إليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3500
(إن مات وعليه صوم) نذر (اسْتُحِبَّ لوليه قضاؤه) استُحِبَّ ولا يجب، وإنما يستحب أن يقضيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيامُ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (26) وهذا خبر بمعنى الأمر، ولأن امرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسألته أن أمها ماتت وعليها صوم نذر فهل تصوم عنها؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ» (27) يعني: صومي عنها، وشبه ذلك بالدين تقضيه عن أمها فإنه تبرأ ذمتها به فكذلك الصوم.
إذن الدليل عندنا حديثان؛ الحديث الأول حديث عائشة رضي الله عنها: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وهذا خبر بمعنى الأمر.
والثاني حديث المرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أمها نذرت أن تصوم فلم تصم، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تقضيه.
فلو قال قائل: حديث عائشة أمر: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» فما الذي صرفه عن الوجوب؟
نقول: صرفه عن الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] ولو أننا قلنا بوجوبه، بوجوب قضاء الصوم عن الميت، لزم من عدم قضائه أن تحمل وازرة وزر أخرى، وهذا خلاف ما جاء في القرآن، إذن يستحب لوليه أن يقضيه.
فإن لم يفعل قال: قد عافانا الله، قلنا له: أطعم عن كل يوم مسكينًا، يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا قياسًا على صوم الفريضة.
وإن مات وعليه صوم فرض فهل يُقْضَى عنه؟
الجواب: لا يُقْضَى عنه؛ لأن المؤلف خصص هذا بصوم النذر، والعبادات ليس فيها قياس، ثم لا يصح القياس هنا أيضًا لأن وجوب النذر أخف من الوجوب بأصل الشرع، الوجوب بالنذر أخف من الوجوب بأصل الشرع، فلا يمكن أن يقاس الأثقل على الأخف؛ لأنه ما وجب بالنذر تدخله النيابة لخفته بخلاف الواجب بأصل الشرع فإن الإنسان مطالب به من قبل الله عز وجل، وهذا مطالب به من قبل العبد هو الذي ألزم نفسه به، فكان أهون ودخلته النيابة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3501
إذن من مات وعليه صوم فرض رمضان أو كفارة أو غيرها، فماذا نقول؟ نقول: لا يُقْضَى عنه لماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأن هذا واجب بأصل الشرع، ولا يَصِحُّ قياسه على النذر؛ لأن النذر أخف منه، ولا يصح قياس الفريضة -ما وجب بأصل الشرع- على ما وجب بالنذر؛ لأنه دونه.
ولكن القول الراجح أن مَنْ مات وعليه صيام فرض بأصل الشرع يعني: صيام مفروض بأصل الشرع فإن وليه يقضي عنه، لا قياسًا ولكن بالنص، ما هو النص؟
حديث عائشة: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» و «صَوْمٌ» نكرة غير مقيد بصوم معين، وأيضًا كيف يصح أن نقول: إن المراد به صوم النذر، وصوم النذر بالنسبة لصوم الفرض قليل؛ يعني: ربما يموت الإنسان ما نذر صوم يوم واحد، لكن كونه يموت وعليه صيام رمضان هذا كثير، فكيف نرفع دلالة الحديث على ما هو غالب، ونحملها على ما هو نادر؟ هذا تصرف غير صحيح في الأدلة، الأدلة إنما تُحْمَل على الغالب الأكثر.
ولو سألنا: ما هو الغالب الأكثر في الذين يموتون وعليهم الصيام؟
طلبة: الفرض.
الشيخ: أي الفرض؛ رمضان، أو كفارة أو ما أشبه ذلك.
فالصواب أن صوم رمضان إذا مات الإنسان وعليه الصوم فإنه يُقْضَى عنه.
لكن متى يكون عليه الصوم؟ نحن ذكرنا قبل قليل ثلاثة أقسام، ما هو الذي يلزمه الصوم؟
القسم الثاني وهو مَنْ أمكنه القضاء فلم يفعل، هذا هو الذي يلزمه الصوم، فإذا مات قلنا لوليه: صُم عنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
وإذا صام عنه وليه، فمن هو الولي؟ هل الولي مَنْ يتولى أمره كالأب مع ابنه البالغ أو مع بنته البالغة؟ أم ماذا؟
نقول: الولي هو الوارث، الولي هو الوارث.
والدليل على أن الولي هو الوارث قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (28) فذكر الأولوية في الميراث.
الجزء: 1 - الصفحة: 3502
إذن الولي هو الوارث، وقيل: الولي هو القريب مطلقًا، ولكن الأقرب أنه الوارث، وحتى على القول بأنه القريب فيقال: أقرب الناس وأحق الناس به هم ورثته، وعلى هذا فيصوم الوارث.
هل يلزم إذا قلنا بالقول الراجح إنه يشمل الواجب بأصل الشرع والواجب بالنذر؛ هل يلزم أن يقتصر ذلك على واحد من الورثة؟ لأن الصوم هذا وجب على واحد فهل نقول: لا يصوم عنه إلا واحد؟
ننظر: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (26)، و (ولي) مفرد مضاف، فيَعُمُّ كل ولي، كل وارث.
فلو قُدِّر أن الرجل له خمسة عشر ابنًا وأراد كل واحد منهم أن يصوم يومين عن شهر ثلاثين يومًا، هل يجزئ؟
نعم، يجزئ لو صاموا، لو كانوا ثلاثين وارثًا وصاموا كلهم يومًا واحدًا، نعم، يجزئ لأنهم صاموا ثلاثين يومًا، ولا فرق بين أن يصوموها في يوم واحد أو إذا صام واحد صام الثاني اليوم الذي بعده حتى يتموا ثلاثين يومًا.
لو كان هذا في كفارة الظهار؛ عليه الصيام شهرين متتابعين، فهل يمكن أن يقتسمها الورثة؟
لا يمكن، لماذا؟ لاشتراط التتابع.
قد يقول قائل: ممكن، نجعل واحدًا يصوم ثلاثة أيام إذا أفطر صام الثاني ثلاثة أيام وهلم جرًّا حتى تتم، نقول: لكنه لا يصدق على واحد منهم أنه صام شهرين متتابعين، بل إنه صام الأيام التي صامها، وعليه فنقول: إذا وجب على الميت صيام شهرين متتابعين فإنه إما أن ينتدب لها واحد من الورثة ويصومها، وإما أن يطعموا عن كل يوم مسكينًا.
الثاني قال: (أو حج) مَنْ مات وعليه حجُّ نذر فإن وليُّه يحج عنه؛ لأن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها قال: «نَعَمْ» (29).
الجزء: 1 - الصفحة: 3503
وإذا كان حجَّ فريضة فكذلك أيضًا، حج الفريضة بأصل الإسلام ثابت؛ ففي حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال: «مَنْ» قال: أخ لي أو قريب لي قال: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ» قال: لا.
قال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (30)، وكذلك أيضًا في حديثه في الصحيحين: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن فريضةَ الله على عباده بالحج أدركتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يثبُت على الراحلة، أفأَحُجُّ عنه قال: «نَعَمْ» (31)، فإذا جازت النيابة عن الحي لعدم قدرته على الحج فعن الميت من باب أولى.
ثالثًا: (أو اعتكاف) اعتكاف نذر، رجل نذر أن يعتكف الثلاثة الأيام من أول شهر جمادى الثاني، ولكنه لم يعتكف ومات، فإذا مات يعتكف عنه مَنْ؟ وليُّه؛ لأن هذا الاعتكاف صار دينًا عليه، وإذا كان دينًا فإنه يقضى كما يقضى دين الآدمي، وإذا كان اعتكافًا واجبًا بأصل الشرع؟
طلبة: ما في.
الشيخ: ما في، صح، إذن الاعتكاف لا يمكن أن يكون واجبًا إلا بالنذر.
ولهذا يقال: إن أحد الملوك نذر؛ قال: لله علي نذر أن أقوم بعبادة لا يشاركني فيها أحد، استفتى الناس قالوا: ما يمكن؛ لأنه ما تدخل في عبادة إلا ويمكن آخرون يكونون متلبسين بها، فسألوا عالمًا فطنًا فقال: يخلى له المطاف؛ يعني: بالكعبة، فإذا لم يطف بالكعبة إلا هو فقد تلبس بعبادة لا يشاركه فيها أحد لأنه ما في طواف مشروع إلا في الكعبة، أما الاعتكاف لأنه ربما ينذر أنه يعتكف في هذا المسجد ويكون غيره أيضًا قد اعتكف في مسجد آخر.
الرابع: (أو صلاة نذر) رجل نذر أن يصلي لله ركعتين، فمضى الوقت ولم يصلِّ ثم مات يستحب لوليه أن يُصَلِّيَ عنه؛ لأن هذا النذر صار دينًا في ذمته، والدين يقضى كدين الآدمي، وإن كان فريضة بأصل الشرع هل تُقْضَى؟ لا تقضى؛ لأن ذلك لم يَرِد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3504
وعلى هذا فالحج يقضى فرضًا كان أو نذرًا قولًا واحدًا، والصوم يُقْضَى إذا كان نذرًا، وإن كان فرضًا بأصل الشرع ففيه خلاف، والصلاة لا تُقْضَى قولًا واحدًا إذا كانت واجبة بأصل الشرع، وإن كانت واجبة بالنذر فإنها تقضى على ما قاله المؤلف وفهمتم دليلها.
بقي الاعتكاف لا يمكن أن يكون واجبًا بأصل الشرع، وإنما يجب بالنذر، فيعتكف عنه ولِيُّه، فإذا قال الولي: أنا لا أعتكف، لست ملزومًا، فماذا نصنع؟ أو قال: لا أصلي، نقول: ما فيه شيء، ما فيه بديل، ما فيه إطعام لا عن الاعتكاف ولا عن الصلاة.
طالب: يا شيخ، ذكرت حديث عائشة في تأخيرها الصيام، وأنها قالت: لا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، أي أنها لا تستطيع شرعًا أن تؤخره إلى ما بعد رمضان، لا يمكنها ذلك، ما هو ( ... ) سبب تأخيرها إلى شعبان هو مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف؟
الشيخ: هذا عاد منها أو من أحد الرواة، فيها خلاف؛ هل هي مدرجة؟ أو من كلامها؟
الطالب: حتى إذا كانت مدرجة ما يستفاد منها؟ يعني الآن: نحن استفدنا من كلامها أنها لا تؤخره بعد رمضان بهذه الكلمات، ما يستأنس بهذه الكلمات أنها تَرُدُّ على مَن قال: لماذا تؤخِّرينه إلى شعبان.
الشيخ: هذا اعتذار.
الطالب: اعتذار؟
الشيخ: اعتذار، لكن لو كانت تستطيع أن تؤخره إلى بعد رمضان الثاني كان العذر موجودًا؛ مكان الرسول.
الطالب: يلزم أن تستوي؛ يعني: لن تصوم أبدًا.
(بابُ صومِ التَّطَوُّعِ)
الجزء: 1 - الصفحة: 3505
يُسَنُّ صِيامُ أَيَّامِ البِيضِ، والاثنينِ والخميسِ، وسِتٍّ من شَوَّالٍ، وشهرِ الْمُحَرَّمِ- وآكَدُه العاشرُ ثم التاسعُ - وتِسعِ ذي الْحِجَّةِ، ويومِ عَرَفَةَ لغيرِ حاجٍّ بها، وأَفْضَلُه صَوْمُ يومٍ وفِطْرُ يَومٍ، ويُكْرَهُ إفرادُ رَجَبٍ والجمُعَةِ والسبْتِ والشكِّ، ويَحْرُمُ صومُ العِيدينِ ولو في فَرْضٍ، وصيامُ أيَّامِ التشريقِ إلا عَن دَمِ مُتعةٍ وقِراٍن، ومَن دَخَلَ في فَرْضٍ مُوَسَّعٍ حَرُمَ قَطْعُه،
في ذِمَّتِهِ، والدَّينُ يُقضَى كدَينِ الآدميِّ.
وإنْ كان فريضةً بأصل الشرع؟
طالب: لا تُقضى.
الشيخ: هل تُقضى؟
طلبة: ( ... ) لا.
الشيخ: لا تُقضى؛ لأن ذلك لم يَرِدْ، وعلى هذا فالحجُّ يُقضى فرضًا كان أو نَذْرًا قولًا واحدًا، والصومُ يُقضى إنْ كان نَذْرًا، وإنْ كان فرضًا بأصل الشرع ففيه خلافٌ، والصلاةُ لا تُقضى قولًا واحدًا إذا كانتْ واجبةً بأصل الشرع، وإنْ كانتْ واجبةً بنذرٍ فإنها تُقضى على ما قال المؤلف، وفَهِمتم دليلها.
بَقِي الاعتكاف، الاعتكافُ لا يُمْكن أنْ يكون واجبًا بأصل الشرع، وإنما يجب بالنذر، فيعتكفُ عنه ولِيُّه.
فإذا قال الولِيُّ: أنا لا أعتكفُ، لستُ مَلْزومًا.
فماذا نصنع؟ أو قال: لا أُصلِّي؟
نقول: ما فيه شيء، ما فيه بديل، ما فيه إطعام لا عن الاعتكاف ولا عن الصلاة.
طالب: يا شيخ، ذكرتَ حديث عائشة لتأخيرها الصيام وأنها قالتْ: لا أستطيع أنْ أقضيه إلا في شعبان.
أي إنها لا تستطيع شرعًا أنْ تؤخِّره إلى ما بعد رمضان، لا نُنكر هذا، ما هو علَّلتْ سبب تأخيرها إلى شعبان لمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: كيف .. ؟
الشيخ: هذا منها أو مِن أحد الرواةِ، فيها خلافٌ؛ هلْ هي مُدرَجةٌ أو من كلامها.
الطالب: حتى إن قلت: مُدرجة، لا يُستفاد منها؛ يعني الآخِر استفدنا من كلامها أنها لا تؤخِّره بعد رمضان.
الشيخ: إي نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3506
الطالب: ما يُستأنس بهذه الكلمة ( ... ) أنها تبغي تردُّ على مَن قال: لماذا تؤخِّريه؟
الشيخ: إي نعم، هذا اعتذار منها، لكنْ لو كانتْ تستطيع أنْ تؤخِّره إلى بعد رمضان الثاني كان العُذر موجودًا؛ مكان الرسول.
طالب: ( ... ) تستوي يعني، لن تصوم أبدًا ..
الشيخ: أنا أقول: إنها بالنسبة للرسول حُسن مُعاشرةٍ فقط، لكن لا يمنع مِن وجوب القضاء.
طالب: يا شيخ، في مسألة المرأة، أن المرأة إذا ( ... )؟
الشيخ: إذا أيست.
الطالب: إذا هي يائسة.
الشيخ: يائسة، أما إذا لم تيأس تنتظر.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما ( ... )؟
الطالب: ( ... ) أن الشيخ الكبير ( ... ) الشيخ الكبير قد يئس من ( ... )، أمَّا المرأة قد يئست يعني تُسيء لزوجها نفسه.
الشيخ: ( ... ) عيال؟
الطالب: ما هو ( ... ).
الشيخ: ولكن نقول: لا تطلبون الأولاد، شرعًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: شرعًا.
طالب: بس فيه فَرْق.
الشيخ: هو صحيح فيه فَرْق؛ أنها ربما تندم فيما بعد، ربما لا يُقدِّر الله أنْ تَحمِل، و ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لا، هذا لا يُرجَى زوالُه، إذا كان امرأةٌ كلَّ سَنَةٍ تَحمِل، وهي إمَّا حاملٌ ولَّا مُرضِع، إذا جاء رمضان تُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
طالب: شيخ، ذكرتم -بارك الله فيكم- أنَّ مَن مات يجوز أن يُحَجَّ عنه نفلًا أو فرضًا.
الشيخ: ما ذكرْنا نفلًا.
الطالب: يعني نذرًا.
الشيخ: إي، قُلنا فرضًا بأصلِ الشرعِ أو نذرًا.
الطالب: وهلْ يجوز نفلًا يا شيخ؛ أنْ يَحُجَّ الرجُل عن أبيه مَثَلًا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: دليلُ الفرضِ معروفٌ وهو حديثُ الخثعمية، فما دليلُ جواز النفْلِ يا شيخ؟
الشيخ: أنَّ الأصل أنَّ ما جازَ في الفرضِ جازَ في النفْلِ إلا بدليلٍ، ثم حديثُ ابنِ عباسٍ في قصة الرجل اللِّي قال: لبَّيك عن شُبرمة، ما قال: هل هو نفْلٌ أو فرضٌ؟
لكن بقينا فيما إذا استنابَ شخصٌ غيرَه في حجِّ نفلٍ ( ... ).
أيش؟
طالب: أنَّ مَن مات وعليه صومٌ يُقضَى عنه بالإطعام.
الجزء: 1 - الصفحة: 3507
الشيخ: إي نعم؛ لأنَّه تعذَّر الصومُ، وإذا تعذَّرَ الصومُ في الكِبَر فقد ثبتَ أنَّ فيه إطعامًا، فهذا مِثْله.
طالب: يا شيخ، من انقطع عنه التكليف ليش يختلف عن الرجُل؟
الشيخ: لا، ( ... ) في ذِمَّتِهِ دَيْن، دَيْنٌ في ذِمَّتِهِ.
طالب: قلنا: إنَّ مَنْ ماتَ وعليه اعتكافُ نَذْرٍ أو صلاةُ نَذْرٍ فإنه يُستحبُّ لوَلِيِّهِ أنْ يَقضي عنه.
أليس الأصلُ في العبادات منع القياس؟ ! فكيف يصِحُّ قياسُ الاعتكافِ مَثَلًا على دَيْنِ الآدميِّ؟
الشيخ: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قاسَ في العباداتِ على أُمُورٍ عاديَّات ( ... )؛ قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ؟ »، وهذا الاعتكافُ المنذورُ صارَ دَيْنًا عليه، فهو إلى الحجِّ المنذور أقربُ من الدَّيْنِ.
طالب: شيخ، جمع التقديم في الصلاة؟
طالب آخر: إذا فرضْنا عليه القضاء وهو يستطيعُ الصوم، فكلَّما قيل له أنْ يصوم قال: لا، أُريد إذا متُّ يقضي هذا ( ... ) يُطعِم مسكينًا؟
الشيخ: الظاهر أنَّ هذا لا يُجزِئه؛ لا يُجزِئُ الإطعامُ عنه، هو لو قال: إنَّ الأمرَ واسعٌ.
لا بأسَ، أمَّا أن يقول: لا، أتركُ الصومَ لأجْلِ أن يُطعَمَ عنِّي.
هذا ما يصِحُّ.
طالب: قول عائشة أليسَ فيه دليلٌ على أنَّ القضاء يكون واجبًا بالفوريَّة؛ قولها: لا أستطيعُ، فنقول: الذي لا يستطيعُ يقضي عند الاستطاعة.
الشيخ: عند الاستطاعة.
طالب: أليسَ فيه دليلٌ على الفوريَّة؟
الشيخ: بارك الله فيك.
ما تقولون في هذا الإيراد؟
طالب: ( ... )؟
الشيخ: يقول: أليسَ في حديث عائشة: فما أستطيعُ أنْ أقْضِيَهُ إلَّا في شعبانَ، أليسَ فيه دليلٌ على الفوريَّة في القضاء؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هل يَرِدُ علينا هذا؟
طالب: لا ( ... ).
الشيخ: لو كان واجبًا شرعًا ما مكَّنها الرسولُ عليه الصلاة والسلام من تَرْكِهِ.
طالب: قولها: لا أستطيع.
الجزء: 1 - الصفحة: 3508
الشيخ: ما هو استطاعة بَدَنِيَّة، مِن أجْل مراعاةِ الرسولِ عليه الصلاة والسلام، مِن أجْل الرسول.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هذا سواءٌ منها أو مِن بعض الرواة، لكنْ لا شكَّ أنه لو كان واجبًا على الفورِ ما مكَّنها الرسولُ أن تؤخِّر.
طالب: شيخ، بالنسبة للإطعام، مَنْ أخَّرَ الصيامَ إلى رمضان آخَر، وَرَدَ عنْ أبي هريرةَ وابنِ عباسٍ ( ... ) قول الصحابي ( ... ) التعارض ( ... ).
الشيخ: إي نعم، بلى نقولُ، على خلافٍ في هذا، لكنْ نقولُ: نحن نرى هذا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إلَّا أنَّ هذا عُورِضَ بظاهر النصِّ، وفيه احتمالٌ أنْ يكون على سبيل التطوُّع، ما هو على سبيل الوجوب.
طالب: وزيادة يا شيخ، زيادة على النَّصِّ.
الشيخ: زيادة على النَّصِّ ما نَقْبل، إذا كان الله تعالى ذكر في مَعْرِضِ البيانِ الواجبِ أنَّ عليه عدةً من أيامٍ أُخَر ولم يَذْكر غيرها، فنقول: ما وَرَدَ عن هذينِ الصحابيَّينِ إنما هو على سبيل الاستحباب إذا صحَّ عنهما، مع أنَّ المسألة -واللهِ- في نفسي منها شيء.
طالب: طريق الإجماع يا شيخ؛ أنَّه لم يُعارض.
الشيخ: لا، ما فيه إجماع، والإجماع يكون إذا اشتهرَ القولُ ولم يُنْكَر؛ مِثْل حديثِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حكايةِ التشهُّد؛ لَمَّا حكى على المنبرِ التشهُّدَ قال: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ.
وكان هذا بعد وفاةِ الرسولِ، ولم يُنْكِر عليه أحدٌ، وبه استدْلَلْنا على أنَّ قول ابن مسعودٍ رضي الله عنه تفقُّهٌ من عنده، لكن مخالفٌ للنصِّ؛ لأنهم كانوا في حياة الرسول يقولون: السلامُ عليك، وبعد موته: السلامُ على النبي.
الجزء: 1 - الصفحة: 3509
يقول: لقدْ وَرَدَ حديثٌ في قِيام الليل: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ».
إلى قوله: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ».
هل يُقال: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» اقتداءً بالرسول، أو يُقال: وأنا من المسلمين؟
الجواب: يقال: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» كما جاء في الحديث، والأوَّليةُ هنا ليست أوَّليةَ زَمَنٍ، إنما هي أوَّليةُ انقيادٍ، والمعنى: إنَّني لا أُنْكِر ذلك، بلْ أستسلِمُ لله.
طالب: صلاة ( ... ).
[باب صوم التطوع]
طالب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال رحمه الله تعالى:
بابُ صومِ التطوُّع
يُسَنُّ صِيامُ أيامِ البِيضِ، والاثنينِ والخميسِ، وسِتٍّ من شوال، وشهرِ المحرَّم، وآكَدُهُ العاشرُ ثم التاسعُ، وتسعِ ذي الحِجَّةِ، ويومِ عرفةَ لغيرِ حاجٍّ بها، وأفْضَلُهُ صومُ يومٍ وفِطْرُ يومٍ.
ويُكْرَهُ إفرادُ رجب، والجمعةِ، والسبتِ، والشكِّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
رجلٌ عليه صومٌ من رمضان فلَمْ يَصُمْه إلا في شوال من السَّنةِ الثانيةِ، ما الحكم؟
طالب: من السَّنةِ الثانيةِ، عليه القضاءُ وعليه الكفَّارةُ، إذا كان من السَّنة الثانية.
الشيخ: إي، أنا أقول: من السَّنة الثانية، فما الحكم؟
الطالب: الحكم: عليه القضاءُ وعليه الكفَّارةُ.
الشيخ: مَن يعرف؟
طالب: هذا على المذهب، أمَّا القولُ الراجحُ فإنه عليه القضاءُ فقط؛ لأن الشرع لم يجز سوى القضاء، والدليل الذي ..
الشيخ: اصبر، هذا خطأ، وجواب الأخ خطأ.
طالب: ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) هو عليه أن يُطعِم مسكينًا لكلِّ يوم.
الشيخ: خطأ.
طالب: ذكرْنا في المسألة ثلاثةَ أقوالٍ: قول المذهب، وقول ( ... ).
الشيخ: خطأ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3510
طالب: ( ... ) إذا كان لعُذرٍ عليه القضاء، وإذا كان لغير عُذرٍ في المذهب أنه عليه القضاءُ والكفَّارةُ، والقول الراجح أنَّه فقط عليه القضاء.
الشيخ: يعني مع الإثم.
الطالب: مع الإثم.
الشيخ: هذا هو الصحيح، ولاحِظوا يا جماعة أنَّ الشيء اللي يحتاج إلى تفصيل لا بُدَّ أن تفصِّل حتى يكون الجوابُ مبنيًّا على أصْل.
هلكَ هالكٌ عن بنتٍ وأخٍ وعمٍّ شقيقٍ، كيف نقسمها؟
طالب: نسأل الأول يا شيخ: هذا أخٌ لأمٍّ أمْ أخٌ لغيرِ أمٍّ؟ إنْ كان أخًا لأمٍّ يسقط.
الشيخ: فللبنتِ النصفُ، والباقي للعمِّ الشقيق.
الطالب: وإنْ كان الأخُ لغيرِ أمٍّ نقول ..
الشيخ: يعني أخًا شقيقًا أو لأبٍ، فللبنت النصف.
الطالب: والباقي للأخ، ويسقط العمُّ.
الشيخ: انظر الآن، التفصيل لا بدَّ منه في المقام الذي يحتاج إلى تفصيلٍ لئلَّا تغلط.
الآن لو هذا الميت خلَّفَ ألف مليون، كان للبنت خمس مئة مليون، يبقى خمس مئة مليون لمن؟ من جهة الأخِ أخطأتَ ومن جهة العمِّ أخطأتَ حتى تفصِّل؛ فالشيءُ الذي يحتاج إلى تفصيلٍ لا بدَّ من التفصيل فيه.
إذَن الخلاصة إذا كان تأخيرُهُ قضاءَ رمضان إلى السَّنة الثانية لعُذرٍ فلا شيءَ عليه إلا القضاء، وإذا كان لغير عُذرٍ فهُنا يأتي الخلاف.
طالب: محلُّ الخلاف: منهم مَن قال: إنَّ عليه القضاءَ وعليه إطعامًا؛ عن كلِّ يوم مسكين.
ومنهم مَن قال: إنَّ عليه الإطعامَ دون القضاء.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أنَّ عليه الإطعام؟
الشيخ: ما أدري، ما علِمناه.
الطالب: لغير عُذر؟
الشيخ: لغير عُذر.
الطالب: ومنهم مَنْ قال: إنَّ عليه القضاءَ دون الإطعام.
وهو الصحيح، وهو الراجح.
الشيخ: وعليه إثم ولّا ما عليه؟
الطالب: عليه إثم؛ لأنه أخَّره لغير عُذر.
الشيخ: لأنه لغير عُذر، والصحيح أنه لا شيءَ عليه إلا القضاء.
ماتَ إنسانٌ وعليه صومُ رمضان، فما صورةُ المسألة؛ أن يموت إنسانٌ وعليه صومُ رمضان؟
طالب: يُقضى عنه.
الشيخ: إي، لكنْ ما صورتُها؛ مِثال.
الجزء: 1 - الصفحة: 3511
الطالب: إنْ كان مريضًا مرضًا يُرجى بُرْؤُه، ثم شُفِيَ ولم يَقْضِ فماتَ؛ يَقضِي ولِيُّهُ عنه.
الشيخ: أحسنت، وجوبًا أو استحبابًا؟
الطالب: استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا، كيف نقول: إنه استحبابٌ مع قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»؟
طالب: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
الشيخ: لقوله: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
ولو قُلنا: وجوبًا، لَلَزِمَ أنْ نؤثِّمَهُ إذا لم يَصُمْ، فيكون آثمًا بفعلِ غيرِهِ.
إذا لَمْ يَصُم الولِيُّ؛ قال لنا: لستُ بصائم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إنْ كان خلَّفَ مالًا وجبَ أن يُطعَم عنه مِن تَرِكَتِهِ لكلِّ يومٍ مسكينٌ، وإنْ لم يُخلِّف مالًا؟
طالب: سقط عنه.
الشيخ: سقط، صحيح.
طالب: الولِيُّ له أن يستأجر مَن يصوم؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: هل للولِيِّ أنْ يستأجر مَن يصوم؛ يقول: يلَّا يا فلان، تعالَ صُمْ كلَّ يومٍ بكذا وكذا من الدراهم؟
الجواب: لا؛ لأن مسائل القُربِ لا يصِحُّ الإيجار عليها.
رجلٌ نَذَرَ أنْ يُصلِّي ركعتينِ، ولكنه ماتَ قبل أن يُصلِّي؟
طالب: لِيَقْضِ عنه ولِيُّهُ.
الشيخ: وجوبًا أو استحبابًا؟
طالب: ( ... )؛ لأن صلاة النافلة تُقضى عنه، أمَّا صلاة الفريضة بأصل الشرع لا تُقضى عنه.
الشيخ: لكن وجوبًا؟
الطالب: استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا، فإنْ لَمْ يفعلْ؟
الطالب: يأثم.
الشيخ: يأثم؟ ! إذَنْ وجوبًا.
طالب: لأنها لنْ تبرأ ذِمَّةُ الميتِ إلا وصلاتُه ..
الشيخ: ( ... ) من الميت، إذا أوجب عليه إنسانٌ شيئًا يكون واجبًا عليَّ أنا؟
طالب: يبقى استحبابًا لا يأثم.
الشيخ: المهمُّ الآن: رجلٌ نَذَرَ أنْ يُصلِّي ركعتينِ فلَمْ يُصَلِّ حتى ماتَ، فهل يُصلِّي عنه ولِيُّهُ أو لا؟
طالب: يُصلِّي عنه ولِيُّهُ.
الشيخ: وجوبًا؟
طالب: إذا كانت صلاة في أصل الشرع لا ..
الشيخ: ما هي صلاة أصل، قلتُ: نَذَرَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3512
طالب: صلاة نَذْرٍ فيصومُ وجوبًا.
الشيخ: ما هو يصوم، ما أنا قلتُ: يصوم.
وجوبًا ولَّا استحبابًا؟
طالب: وجوبًا.
الشيخ: وجوبًا، كيفَ يكون وجوبًا وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؟ فهو أوجبَ على نفسِهِ شيئًا، فكيف يجبُ عليَّ أنا؟ واضحة الآية؛ ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
طالب: يبقى استحبابًا، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، يبقى استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا؟ ما تقولون؟ وما هو الدليل على استحبابه؟
طالب: الاستحباب.
الشيخ: إي نعم، استحباب قضاءِ صلاةِ الركعتينِ المنذورتينِ.
الطالب: لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
الشيخ: إحنا الآن في الصلاة، إي نعم.
طالب: قياسًا على الصوم.
الشيخ: قياسًا على الصوم، وهلْ في العبادات قياسٌ؟
طالب: لا.
الشيخ: إذَن؟
طالب: هُم قالوا بالقياس.
الشيخ: قياسًا على الصوم؟ لكنْ ما فيه دليل يؤيِّد هذا القياس.
طالب: ( ... ) حديث: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ( ... ).
الشيخ: لا، ما نقصد الصيام يا إخواني.
الطالب: الصلاة يعني نقيسها على الصيام.
الشيخ: الصلاة.
الطالب: نقيسها على الصيام.
الشيخ: هذا كلام الأخ؛ قلنا: ( ... ) قياس، قال: لا، فطلبْنا منه دليلًا واضحًا على القياس في هذه المسألة.
طالب: ( ... ) النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ» ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3513
الشيخ: سألت امرأةٌ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنَّ أُمَّها نَذَرَتْ صومَ شهرٍ، فلمْ تَصُمْ حتى ماتتْ، أفتصومُ عنها؟ قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ ». قالت: نعم.
قال: «اقْضُوا اللَّهَ»، فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم النذر دَيْنًا، وإذا كان دَيْنًا وقد قاسَ الرسولُ عليه الصلاة والسلام دَيْنَ اللهِ على دَيْنِ الآدميِّ نقول: لا فَرْقَ بين دَيْنِ الصيامِ ودَيْنِ الصلاةِ؛ لعموم الحديث.
وقال بعض العلماء: إنَّ الصلاة والاعتكاف لا يُقْضَيانِ؛ لأنهما عبادتانِ بدنيَّتانِ لا يجبانِ بأصل الشرع، فلا يُقْضَيانِ، والمسألة محتملة؛ يعني أن التعليلات فيها متكافئة عندي، وكنتُ أَمِيلُ من قَبْلُ إلى أنها لا تُقضى -الاعتكاف ولا الصلاة- لأنها عبادةٌ لم تجبْ بأصل الشرع، لكنِّي تردَّدتُ الآن: هلْ تُقْضَى أو لا تُقْضَى؟
أمَّا الصومُ فواضحٌ، والحجُّ واضحٌ جاءتْ به السُّنَّة.
وأمَّا الاعتكافُ والصلاةُ فمَنْ أخذَ بعمومِ «أَرَأَيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ؟ » قال: يُقضَى؛ لأن هذا نَذْرٌ، والنذرُ جعله النبيُّ عليه الصلاة والسلام مِن الدَّيْنِ، فيُقضى.
ومَن قال: إنه عبادةٌ لم يكنْ لها وجوبٌ بأصل الشرع فلا تُقاس، قال: لا يُقضى.
وعلى هذا فيكون الاحتياطُ أيش؟
طالب: القضاء.
الشيخ: القضاء.
نَذَرَ شخصٌ أن يصوم شهر محرَّم فماتَ في ذي الحِجَّة؟
طالب: لا شيء عليه.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: كالذي ماتَ قبل أنْ يأتي رمضان.
الشيخ: لأنه عيَّنَ وقتًا لَمْ يُدرِكه؛ رجلٌ نَذَرَ أنْ يصوم شهر محرَّم ولكنه مات في ذي الحجة، فهل يُقضى عنه؟ نقول: لا؛ لأنه مات قبل أنْ يُدرِك زمنَ الوجوب، كمَنْ ماتَ قبل أن يُدرِك رمضان.
نبدأ الآن بصوم التطوُّع، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بابُ صَوْمِ التطوُّع).
الجزء: 1 - الصفحة: 3514
(صوم) مضافٌ، و (التطوُّع) مضافٌ إليه، والإضافة هُنا لبيانِ النوع؛ وذلك أنَّ الصومَ نوعانِ: فريضةٌ، وتطوُّع، وكلاهما بالمعنى العامِّ يُسمَّى تطوُّعًا؛ فإن التطوُّعَ فِعْلُ الطاعةِ، لكنَّه يُطْلَق غالبًا على الطاعة التي ليستْ بواجبةٍ، وإلَّا فإنَّ الأصلَ أنَّ التطوُّع يشمل الطاعةَ الواجبةَ والمستحبَّةَ، وبناءً على ذلك نقول: لا مُشاحَّة في الاصطلاح.
فإذا كان الفقهاء -رحمهم الله- جعلوا التطوُّع في مقابل الواجب، فهذا اصطلاحٌ ليس فيه محذورٌ شرعيٌّ، فيُمشَى عليه ويُقال: صلاةُ التطوُّعِ: كلُّ صلاةٍ ليستْ بواجبةٍ.
صومُ التطوُّع: كلُّ صومٍ ليس بواجب.
إذَنْ (صوم التطوُّع) يعني الصوم الذي ليس بواجب.
واعلم أنَّ مِن رحمة الله وحِكْمته أنْ جعلَ للفرائض ما يُماثلها من التطوُّع، وذلك من أجْل ترقيعِ الخلل الذي يحصُل في الفرائض من وجهٍ، ومن أجْل زيادة الأجرِ والثوابِ للعاملين من وجهٍ آخر؛ لأنه لولا مشروعيةُ هذه التطوعات لكان القيامُ بها بدعةً مُضِلَّةً، ولكنْ مِن نعمة الله أنْ شَرَعَ لعبادِهِ هذا التطوُّع.
وقد جاء في الحديث أنَّ التطوُّعَ تَكْمُل به الفرائضُ يوم القيامة.
ثم إنَّ صوم التطوُّع سَرَده المؤلف سردًا عامًّا بدون تفصيل، ولكنه ينقسم في الواقع إلى قِسْمينِ: تطوُّع مُطْلَق، وتطوُّع مُقَيَّد، والتطوُّع المقيَّد أَوْكَدُ من التطوُّع المطْلَق، كالصلاة أيضًا؛ التطوُّع المقيَّد أَفْضلُ من التطوُّع المطْلَق.
يقول المؤلف: (يُسَنُّ صيامُ أيامِ البِيضِ).
(يُسَنُّ) وهُنا نطلب أمرينِ: الأمر الأول: ثبوتُ استحبابها، والثاني: أنها ليستْ بواجبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3515
أمَّا كونها ليستْ بواجبةٍ فلأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ أركانَ الإسلامِ وذَكَرَ منها صومَ رمضان دون غيره، وقد سأله الأعرابيُّ، بلْ سأله جبريل عليه الصلاة والسلام عن أركانِ الإسلامِ، فبيَّنَ له أنَّ منها صيام رمضان، ولا يجبُ سواه، اللهم إلا بنَذْرٍ.
وأمَّا استحبابُ صيامِها فنقول: إنَّ استحبابَ صيامِها لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبرَ أو أَمَرَ أنْ يُصامَ اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
وسُمِّيتْ بِيضًا لابْيِضَاضِ لياليها بنورِ القمر، ولهذا يُقال: أيامُ البِيضِ؛ يعني أيام الليالي البِيض، ما هو البِيض وصف للأيام، بلْ وصفٌ للَّيالي؛ لأنها بنور القمرِ صارتْ بيضاء.
أيامُ البِيض هي: اليومُ الثالث عشر، واليومُ الرابع عشر، واليومُ الخامس عشر، وهي تُغنِي عن صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ الذي قال فيه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «صِيامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»؛ لأن الحسنةَ بعَشْرِ أمثالِها؛ فثلاثةُ أيامٍ بثلاثينَ حسنةً عن شهرٍ، وكذلك الشهرُ الثاني والثالث، فيكون كأنَّما صامَ السَّنَةَ كُلَّها، وكان النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ؛ تقول عائشة: لا يُبالي أصامَها مِن أوَّلِ الشهرِ أو وَسَطِهِ أو آخِرِه.
فهاهُنا أمرانِ:
الأمر الأول: استحبابُ صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ سواءٌ في أوَّلِ الشهرِ أو وَسَطِهِ أو آخِرِه، وسواءٌ كانت متتابعة أم متفرِّقة.
الثاني: أنه ينبغي أنْ تكون هذه الأيامُ في أيامِ البِيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر؛ فتعيينها في أيام البِيض كتعيينِ الصلاةِ في أوَّل وقتِها؛ يعني أَفْضل وقتٍ للأيام الثلاثة هو أيام البِيض، ولكنْ مَن صامَ الأيامَ الثلاثةَ في غير أيام البِيض حَصَلَ على الأجْرِ وحَصَلَ له صيامُ الدهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3516
الثاني: يقول: صوم يوم (الاثنين والخميس).
وصوم الاثنين أَوْكَدُ من صوم الخميس، فيُسَنُّ للإنسان أنْ يصومَ يَوْمَي الاثنينِ والخميسِ من كلِّ أسبوع، وقد علَّلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك بأنَّهما يومانِ تُعرَض فيهما الأعمالُ على الله عز وجل، قال: «فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
وسُئل عن صومِ الاثنينِ فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ» أو «أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»، فبيَّن الرسولُ عليه الصلاة والسلام أنَّ صيامَ يوم الاثنين مطلوبٌ، وعلى هذا فيُسَنُّ صيامُ يومينِ من كلِّ أسبوعٍ هما يوم الاثنين والخميس.
نستعرضُ أيامَ الأسبوعِ الآن:
صيامُ يوم الثلاثاء والأربعاء ليس بسُنَّة ولا مكروه، ليس بسُنَّةٍ؛ يعني على التعيين، وإلَّا فهو سُنَّةٌ مُطْلَقة؛ يُسَنُّ للإنسانِ أنْ يُكثِر من الصيام، لكنْ لا نقول: يُسَنُّ أنْ تصومَ يوم الثلاثاء.
ولا: يُسَنُّ أنْ تصومَ يوم الأربعاء.
ولا يُكره ذلك.
الجمعة؟
طالب: مكروه.
الشيخ: لا يُسَنُّ صومُ يومها، ويُكره أنْ يُفْرَدَ بصومٍ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ».
ولأنَّه قال لإحدى أُمَّهاتِ المؤمنين وكانتْ صامتْ يوم الجمعة: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟ ». قالت: لا.
قال: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ ». قالت: لا.
قال: «فَأَفْطِرِي».
فدلَّ ذلك على أنَّ يوم الجمعة لا يُفْرَدُ بصومٍ، بلْ قد وَرَدَ النهيُ عن ذلك؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيامٍ وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ».
السبت؟
السبتُ قيل: إنه كالأربعاء والثلاثاء يُباح، وقيل: إنه لا يجوز إلَّا في الفريضة، وقيل: إنه يجوز لكنْ بدون إفراد، والصحيح أنَّه يجوز بدون إفرادٍ؛ يعني: إذا صُمْتَ معه الأحدَ أو صُمْتَ معه الجمعةَ فلا بأس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3517
وأمَّا الحديثُ الذي رواه أبو داود: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرٍ -يعني - فَلْيَأْكُلْهُ».
فهذا الحديثُ مختلَفٌ فيه؛ هلْ هو صحيحٌ أو ضعيفٌ؟ وهلْ هو منسوخٌ أو غيرُ منسوخٍ؟ وهلْ هو شاذٌّ أو غيرُ شاذٍّ؟ وهل المرادُ بذلك إفرادُهُ دون جمعِهِ إلى الجمعة أو الأحد؟
وأصحُّ الأقوالِ في ذلك أنَّ المنهيَّ عنه هو إفرادُهُ، وأمَّا إذا ضُمَّ إلى يوم الجمعةِ أو ضُمَّ إليه يومُ الأحدِ فإنه لا كراهةَ فيه، والدليل ما ذكرتُهُ لكم آنفًا؛ حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ ».
ويش باقي عندنا؟ الأحد.
الأحد استحبَّه بعضُ العلماء؛ استحبَّ أنْ يصومه الإنسانُ، وكرهه بعضُ العلماء.
أمَّا مَن استحبَّه فقال: لأنه يومُ عيدٍ للنصارى، ويومُ العيدِ يكون يومَ أكلٍ وسرورٍ وفَرَحٍ، فالأفضلُ مخالفتُهم وصيامُ هذا اليوم.
وقال بعضُ العلماء: بلْ يُكره أنْ يصومه وحْدَه.
لماذا؟ قال: لأنَّ الصومَ نوعُ تعظيمٍ للزمن، وإذا كان يومُ الأحدِ يومَ عيدٍ للكفَّارِ فصومُهُ نوعُ تعظيمٍ له، ولا يجوز أن نعظِّم ما يُعظِّمه الكفَّارُ على وجْهِ أنه شعيرةٌ من شعائرهم.
فصارَ الآن الثلاثاء والأربعاء، حُكم صومِهما أيش؟
طالب: الكراهة.
الشيخ: الجوازُ، لا يُسَنُّ تعيينهما ولا يُكره.
والجمعةُ والسبتُ والأحدُ يُكره إفرادُها، وأمَّا ضمُّها إلى ما بعدها فلا بأس.
وأمَّا الاثنين والخميس فصومُهما سُنَّة.
قال: وصوم (الاثنين والخميس) وصوم (ستٍّ من شوال).
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ»، فيُسَنُّ للإنسان أنْ يصوم ستَّةَ أيامٍ من شوال.
الجزء: 1 - الصفحة: 3518
قال الفقهاء رحمهم الله: والأفضلُ أنْ تكون بعد يوم العيدِ مباشرةً؛ لِمَا في ذلك من السبْقِ إلى الخيرات، والأفضلُ أن تكون متتابعةً؛ لأنَّ ذلك أسهلُ غالبًا، ولأنَّ فيه سبقًا لفِعْل هذا الأمر المشروع.
فعليه يُسَنُّ أنْ يصومها في اليوم الثاني من شوال ويُتابعها حتى تنتهي، وهي طبعًا ستنتهي في اليوم الثامن من شهر شوال، صح؟
طلبة: السابع.
طلبة آخرون: الثامن.
الشيخ: في اليوم الثامن.
طلبة: الثامن
طلبة آخرون: السابع.
الشيخ: نهايتُها السابع، والثامن إفطار، هذا اليوم الثامن يُسمِّيه العامَّة عندنا: عيد الأبرار؛ يعني الذين صاموا ستَّةَ أيامٍ من شوال، ولكن هذا بدعة، فهذا اليوم ليس عيدًا للأبرار ولا للفُجَّار.
ثم إنَّ مقتضى قولِهم أن مَنْ لم يصُمْ ستَّةَ أيامٍ من شوال فليس من الأبرار، وهذا خطأ؛ الإنسان إذا أدَّى فَرْضَهُ فهذا برٌّ بلا شك، وإنْ كان بعضُ البِرِّ أكملَ من بعض، ثم إنَّ السُّنة أن يصومَها بعد انتهاء رمضان لا قَبْل، وعلى هذا فمَنْ عليه قضاءٌ ثم صام الستة قبل القضاء فإنه لا يحصُل على ثوابها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ»، ومَن كان عليه شيء منه فإنه لا يصح أن يُقال: إنه صام رمضان، بلْ صام بعضَه.
وليست هذه المسألة مبنيَّة على الخلاف في صوم التطوع قبل القضاء؛ لأن هذا التطوع -أعني صومَ الستِّ- قيَّده النبي صلى الله عليه وسلم بقيدٍ، وهو أن يكون بعد رمضان.
وقد توهَّم بعض الناس فظنَّ أنه مبنيٌّ على الخلاف في صحة صوم التطوع قبل قضاء رمضان، وأظن أنكم عرفتموه مِن قَبْل وأنَّ فيه خلافًا، وأنَّ الراجحَ جوازُ صوم التطوع قبل قضاء رمضان وصحته ما لم يَضِق الوقتُ عن القضاء.
ومما يُسَنُّ أيضًا صيامُ (شهر المحرم).
الجزء: 1 - الصفحة: 3519
شهرُ المحرَّم هو الذي يَلِي شهرَ ذي الحجَّة، وهو الذي جعله الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول شهور السَّنة، وصومُه أفضل الصيام بعد رمضان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ».
واختلف العلماء -رحمهم الله- أيهما أفضل: شهر المحرَّم أو شهر شعبان؛ فقال بعض العلماء: شهر شعبان أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه كلَّه أو إلَّا قليلًا منه، ولم يُحفَظ أنه كان يصوم شهر المحرَّم، لكنه حثَّ على صيامه بقوله: إنه «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ».
قالوا: ولأن صوم شعبان ينزل منزلة الراتبة قبل الفريضة، وصوم المحرم ينزل منزلة النفْل المطْلَق، ومنزلةُ الراتبةِ أفضل من منزلة النفْل المطْلَق.
وعلى كلِّ حالٍ فهذانِ الشهرانِ يُسَنُّ صومُهما: شعبان، والمحرَّم.
قال: (وآكَدُهُ العاشرُ ثم التاسعُ).
(آكده العاشر) لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»، فهو آكَدُ من التاسع وآكَدُ من بقية الأيام.
ثم يليه (التاسع) لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَئِنْ بَقِيتُ» أو «لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» يعني مع العاشر.
وهل يُكره إفراد العاشر؟
قال بعض العلماء: إنه يُكره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ، خَالِفُوا الْيَهُودَ».
وقال بعض العلماء: إنه لا يُكره، ولكنه لا يحصُل على الأجر التامِّ إذا أَفْرده.
إذَن صوم العاشر أَوْكد من التاسع، وأَوْكد من بقية الأيام.
فإن قال قائل: ما هو السبب في كون يوم العاشر آكَد أيامِ محرَّم؟
قلنا: السبب في ذلك أنه اليوم الذي نَجَّى الله فيه موسى وقومَه، وأهلكَ فرعونَ وقومَه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3520
وفي هذا الحديث الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام دليلٌ على أنَّ التوقيت كان في الأمم السابقة بالأَهِلَّةِ وليس بالصورة الإفرنجية؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبرَ بأن اليوم العاشر من محرَّم هو الذي أهلكَ اللهُ فيه فرعونَ وقومَه ونَجَّى موسى وقومَه.
قال: (وآكدُهُ العاشِرُ ثم التاسِعُ).
ويُسَنُّ أيضًا صومُ (تسعِ ذي الحجَّة).
(تسع ذي الحِجَّة) بالكسر أفصح من (الحَجَّة) بالفتح، و (القَعدة) بالفتح أفصحُ من (القِعدة) بالكسر، فـ (القَعدة) مفتوحة و (الحِجة) مكسورة على الأفصح.
تسع ذي الحجة تبدأُ من أول يومٍ من ذي الحجة، وتنتهي باليوم التاسع وهو يوم عرفة، ودليل استحبابها قولُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، والصومُ من العمل الصالح.
فأمَّا ما رُوي من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم العَشْر فهذا إخبارُ الراوي عن عِلْمه، وقول الرسول مقدَّم على شيء لم يعلمه الراوي، وقد رجَّح الإمام أحمد -رحمه الله- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم العَشْر؛ عَشْرَ ذي الحِجة، فإنْ ثبت هذا فهو المطلوب، وإنْ لم يَثْبت فإن صيامها داخل في عموم الأعمال الصالحة التي قال فيها الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ».
قال: (وآكَدُهُ يومُ عرفة).
(آكَدُهُ) أي: آكَدُ تسعِ ذي الحجة صيامُ يومِ عرفة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3521
(آكَدُهُ يومُ عرفة لغيرِ حاجٍّ بها) يومُ عَرَفة هو اليوم التاسع، وإنما كان آكَدَ أيامِ العشر لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ والسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»، وعلى هذا فصومُ يوم عرفة أفضلُ من صوم عاشوراء؛ لأن صوم عاشوراء قال فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» فقط، أمَّا هذا فقال: «السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ والَّتِي بَعْدَهُ».
(لغير حاجٍّ بها) أمَّا الحاجُّ فإنه لا يُسَنُّ أنْ يصوم يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عن صومِ يومِ عَرَفة بعَرَفة، وهذا الحديث في صحته نَظَرٌ، لكن يؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم شكَّ الناسُ في صومه يوم عرفة، فأُرسِلَ إليه بقدحٍ من لبنٍ فشَرِبه ضُحًى يومَ عرفةَ والناسُ ينظرون إليه، حتى يتبيَّن أنه لم يَصُم، ولأن هذا اليومَ يومُ دعاءٍ وعملٍ، ولا سِيَّما أنَّ أفضل زمن هذا اليوم في الدعاء هو آخِر اليوم، فإذا صام الإنسانُ فسوف يأتيه آخِرُ اليوم وهو في كسلٍ وتعبٍ، لا سِيَّما في أيام الصيف وطولِ النهار وشدةِ الحر فإنه يتعب، وتزول الفائدة العظيمة الحاصلة في هذا اليوم، والصوم يُدرَك في وقتٍ آخَر.
ولهذا نقول: صومُ يومِ عرفة للحاجِّ مكروهٌ، وأمَّا لغير الحاجِّ فهو سُنَّةٌ مؤكدةٌ.
طالب: أحسن الله إليك، ثبتَ عن بعض الخلفاء أنهم كانوا في الحجِّ يصومون يوم عرفة وهم حُجَّاج.
الشيخ: إذا ثبت عن بعض الصحابة من الخلفاء أو غيرهم أنهم يصومون يومَ عرفة وهم حُجَّاج فهؤلاء يُعْتذَر عن فِعْلهم ولا يُحتَجُّ به؛ لأن خير الهدْيِ هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
طالب: قول المصنف يا شيخ: (لغير حاجٍّ بها)، ( ... ) التقييد (بها) احترازي ( ... ) بيان الوصف؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3522
الشيخ: لا، هذا أَغْلبيٌّ؛ يعني لو فُرِض أنَّ الحاجَّ لم يتمكَّن من الوقوف يوم عرفة بالنهار فلا يُسَنُّ له الصيام.
طالب: هل يجوز أنْ يقدِّم أيام البِيض؛ أنْ يجعلها في أول الشهر؟
الشيخ: لا بأس، لكنْ ما يُثاب على ذلك ثوابَ أيام البِيض؛ يعني لو صام ثلاثة أيامٍ في أول الشهر فإنَّه لا يحصُل على أجر صيامِ أيام البِيض، لكن يحصُل على أنه صام ثلاثة أيامٍ من كل شهر.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما تقولون في قول السادة المالكية بالنسبة لصيام الستِّ من أيام شوال: تُصام مرَّةً ولا تُصام أُخرى سدًّا للذريعة أن يُظَنَّ أنها واجبة؟
الشيخ: أولًا: تخصيصك كلمة السادة للمالكية يحتاج إلى المناقشة.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: نعم، ما جوابكم عن قول السادة المالكية؟ فلماذا وصفتَهم بالسادة المالكية؟
الطالب: وغيرُهم سادةٌ كذلك، وهذا كلامٌ يؤخذ من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: أنا أقول: لماذا خصصت المالكية؟
الطالب: ولو كان سؤالي عن الأحناف لقُلْتُ: السادة الأحناف، وأقصد به الفقهاء.
الشيخ: لا بأس، لا شكَّ أنَّ الفقهاء والعلماء سادة البَشَر.
أقول إنَّ هذا القول مرجوحٌ؛ لأن تَرْكَ السُّنن خوفًا من أن يُظَنَّ أنها واجبةٌ، لو كانت هذه القاعدة قاعدةً سليمةً لكان كلُّ السُّنن تُترَك خوفًا من أنْ تكون واجبة، لكن يُبَيَّن للناس أنها ليست بواجبةٍ وتُفْعل.
طالب: الراجح في صيام يوم الأحد يا شيخ هلْ يُفرَد؟
الشيخ: إفراده مكروهٌ؛ لئلَّا يفتخر النصارى بتعظيمنا له.
طالب: الراجح في إفراد يوم عاشوراء بالصيام؟
الشيخ: إي واللهِ، الظاهر -إن شاء الله- أنَّه ليس بمكروه، وأنَّ صوم يومٍ قبله ويومٍ بَعْده على سبيل الاستحباب فقط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، عاشوراء.
طالب: بارك الله فيك، الصائم ( ... ).
طالب: ذكرتَ أمس يا شيخ أن لا يجوز ( ... ).
طالب: صامَ ( ... ) السبت وأَفْرده بالصوم لا على وجْهِ التعظيم ( ... )؟
الشيخ: هل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3523
طالب: ( ... ) يقصد التعظيم ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، نقول: لا تُفْرِده؛ لأن قوله: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ» يُحمَل على النهي عن إفراده.
طالب: ذكرتَ بالأمس يا شيخ أنَّه لا يجوز الخروج على الإمام إلا بشروط، ولم توضِّح هذه الشروط مِن قَبْل؛ يعني ( ... ) هذه الشروط من قَبْل إلا قد تحدثتم عن ( ... ) الصلاة فقط، يعني «إِذَا رَأَيْتُمْ كُفْرًا بَوَاحًا» ألا وهو يعني إذا قال: لا تُصَلُّوا.
يعني لا تُصَلُّوا فقط، ما ذكرتَ يا شيخ شروط كثيرة يعني ..
الشيخ: أنا قلت: إذا قال: لا تُصَلُّوا؟
الطالب: نعم، قُلتَ لي ذلك.
الشيخ: لك أنت؟ !
الطالب: قلت يعني: إذا قال: لا تُصَلُّوا، هذا كُفْرٌ بواحٌ.
الشيخ: نعم.
الطالب: من شروط ..
الشيخ: ما أدري.
الطالب: نرجو تخصيص الوقت يعني ..
الشيخ: طيب إذا ذكرتُ لك الشروط هل ستخرجُ على الإمام؟
الطالب: لا، هو فيه شروط أخرى، ( ... ).
الشيخ: قُل الشروط اللي عندك.
طالب: يعني اللي عندي: «إِذَا رَأَيْتُمْ كُفْرًا بَوَاحًا»، فإذا تمام يعني .. إذا الإنسان .. إذا رأينا ذلك ويجب الخروج على هذا، سنرى هل نحن قوةٌ وشوكتنا قويةٌ حتى نخرج على الإمام؟
الشيخ: ما ذكرنا هذا؟
طالب: ذكرت يا شيخ.
الشيخ: طيب، ماشي.
الطالب: لا، أنا أُريد شروط الإمام اللي يُخرَج عليه؛ يعني «إِذَا رَأَيْتُمْ كُفْرًا بَوَاحًا»، ما هي شروط الكفر البواح؟
الشيخ: الكُفر معروف؛ مِثْل أنْ يُنكر وجودَ الله مَثَلًا.
الطالب: نفرض أنه هو يُنكر وجودَ الله ولكنْ بطريقٍ غير مباشر.
الشيخ: ويش يعني طريق غير مباشر؟
الطالب: يعني الرجل يقول: إن الشريعة الإسلامية ليستْ لها مكان الآن، ألا وهي ( ... ) الوضعية ( ... ).
الشيخ: لا، هو ما أنكرَ وجودَ الله.
الطالب: ما قلتُ ذلك، يعني أقول إنه ..
الشيخ: على كلِّ حالٍ لا بدَّ من كفرٍ بَوَاحٍ صريحٍ.
الطالب: أريد يا شيخ أنْ أفهم يعني السؤال أشكلَ عليَّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3524
الشيخ: حتى لو فهمتَ -بارك الله فيك- ما يمكن تخرج على الإمام.
الطالب: شيخ، ما أتكلم لأني أخرج، أنا ما ( ... ) أفعل شيئًا، ولكن هذا عِلْم حتى ( ... ).
الشيخ: العِلم لازِمْ أنْ نرى، فلا يكفي الظن؛ «كفرًا»، فالفسوق لا يُوجِب الخروجَ عليه، بلْ لا يُبيح الخروج على الإمام إذا كان فاسقًا.
«بواحًا» يعني لا تأويل فيه، فإنْ كان فيه التأويل بأنْ قال الإمام: أنا أرى أنَّ مسائل الدنيا ما نرجع فيها للشرع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»، هذا له تأويل.
عندنا فيه من الله برهان: يعني معناه عندنا دليلٌ قاطعٌ على أن هذا العمل الذي قام به هذا الإمام كُفر.
بقي شرط وجوب الخروج هو؟
طالب: الاستطاعة.
الشيخ: القدرة والاستطاعة.
طالب: هذا معلوم أن لوجوب الخروج يرى بعضهم ..
الشيخ: إي، خلاص، فالشروط الأربعة لجواز الخروج، والشرط الخامس لوجوب الخروج.
طالب: الكلام يعني، هو مِن الكلمة يا شيخ، مِن الكلمة، هل يعني ممكن الإنسان يكفر بكلمة؟
الشيخ: إي، يُمكن إذا قال: إن الله ليس بموجود مثلًا والعياذُ بالله.
الطالب: فقط؟
الشيخ: لا، هذا مِثال.
الطالب: نعم، رجلٌ قال يعني مثلًا: ليس للشريعة الإسلامية مكان.
الشيخ: ما أحد يقول ليس للشريعة مكان، يعني حتى في العبادات أو في الأمور الاقتصادية.
طالب: لا يا شيخ، مش مكان ( ... )، في الأمور اللي يتحاكم بها الناس وبعضهم.
الشيخ: هذا ما هو بَوَاح؛ لأنه بعض الناس اشتبهَ عليه قوله: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» بأن المراد كلُّ ما يتعلَّق بالدنيا فهو إليكم.
طالب: شيخ، ما المقصود بالحديث: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ عَلَى اللَّهِ فِي يَوْمَي الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ»، المقصود بعرض الأعمال؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3525
الشيخ: المقصود بعرض الأعمال كما قال الرسول: تُعرَض على الله سبحانه وتعالى، فيغفر الذنبَ، ويزيد في الثواب، ويرضى عن العبد الذي عَمِل بطاعته، وما أشبهَ ذلك.
طالب: شيخ، قُلنا: الأصلُ في الأمرِ الوجوبُ.
الشيخ: فيه خلاف.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ويش عندك أنت؟
الطالب: الحديث عن ( ... ) يوم الجمعة الصيام، قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَفْطِرِي» ( ... ) فما ( ... )؟
الشيخ: إي، جيِّد، هذا يقول: إذا قُلنا: الأصلُ في الأمرِ الوجوبُ وفي النهي التحريم.
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة وقال للمرأة، قال لها: «أَفْطِرِي»، والأمر للوجوب، فالعلماء قالوا: يدلُّ على أنَّ النهي ليس للتحريم وأنَّ الأمر للاستحباب أنَّه جاز صومُه بضمِّه إلى غيره، ولو كان صومه حرامًا لم يجز بضمِّه إلى غيره، بدليل أن يوم العيد لو صامه الإنسان مضمومًا إلى غيره لم يَجُز.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا اللي عنده ( ... ).
طالب: إذا صام الستَّ قبل القضاء ( ... ) ثم أتبعها بالقضاء، وعليه أن ( ... )، هل يصوم بعده؟
الشيخ: إي نعم، يصوم بعد القضاء ويكون ذاك نفلًا.
( ... ) وإذا وجد عنده لحم آدميٍّ هل يأكله؟
أمَّا إذا كان الكافرُ حربيًّا فهو حلالُ الدمِ يقتله ويأكله، وأمَّا إذا كان ذِمِّيًّا أو معاهَدًا أو مستأمنًا فلا.
ولكن إذا وُجِد ميِّت؛ يعني -مَثَلًا- رجُلانِ في مفازةٍ انقطع عنهم الطعام والشراب فمات أحدهما، فهل للآخَر أنْ يأكل صاحبه؟
أمَّا المذهب فلا يجوز؛ مذهب الحنابلة، يقولون: لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»، فحُرمة الميتِ كحُرمة الحيِّ.
وأمَّا مذهب الشافعية، وأظنُّه روايةً عن أحمد، فيقولون: إنه لا بأس أنْ يأكل من هذا الميِّت بقَدْر الضرورة؛ لأن حُرمة الحيِّ أعظم من حُرمة الميِّت، وهذا هو الصحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3526
هل تجب ركعتا تحية المسجد في فناء المدرسة بعد أن يُفرش في الفناءِ السجادُ؟
لا؛ لأن هذا يُسمَّى مُصَلًّى ولا يُسمَّى مسجدًا، ولهذا لا يَثْبت له أحكامُ المسجدِ؛ فيجوز البيعُ والشراءُ فيه، ويجوز للجُنُب أن يمكث فيه بلا وضوءٍ، وما أشبهَ ذلك.
يقول: ذكرتم بالأمس أنَّ سبب القتال بين جيشِ عليٍّ وجيشِ معاويةَ رضي الله عنهما أنَّ سببه من الجيشِ نفسِه، فما صحة مَن يقول: إن الجيشانِ -هكذا عبَّر، ما أدري لعله على لُغةِ من يُلْزم المثنى الألفَ مُطْلَقًا أو هو لحن، ويش نقول له؟
طالب: لحن يا شيخ.
الشيخ: إي، بارك الله فيك، إذَن الصواب: إنَّ الجيشينِ كانا سيصطلحانِ فيما بينهما، ولكن بعض الذين في قلوبهم مرضٌ ألَّبوا القتال في الليل.
ما يَبْعُد هذا، ولكن الذين ألَّبوه من الجيش، بمعنى أنه ليس من القُوَّاد.
طالب: ذَكَر بعضُ الإخوة في الدرس السابق أنَّ بعض الخلفاء الراشدين صام في يوم عرفة، يقول: إنَّ ابن عمر رضي الله عنه أخبرَ بأنه حجَّ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعمر وعثمان فلمْ يَصُم أحدهم بعرفة، ذَكَره عنك.
الشيخ: إي، ويش الإشكال؟
الطالب: الإشكال أنَّ أحد الإخوة قال: إنهم صاموا بعرفة.
الشيخ: ما سمعته ( ... ).
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: ما سمعته، أنه صام بعرفة؟ !
الطالب: أنهم صاموا بعرفة.
الشيخ: أحد الخلفاء؟ !
الطالب: بعض الخلفاء الراشدين، وابن عمر يقول: بأنهم ما صاموا ( ... ).
الشيخ: ( ... ) هو الظاهر، ( ... ) الرسول أعلنَ فِطْره أمام الناسِ، ما يُمكن أنْ يصوم الخلفاء الراشدون.
على كل حال هذه أسئلة ما هي بذات أهمية.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ويُكره إفرادُ رجب والجمعةِ والسبتِ والشكِّ، ويَحرُم صومُ العيدينِ ولو في فرضٍ، وصيامُ أيام التشريق إلا عن دمِ متعةٍ وقِرانٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3527
ومَن دخلَ في فرضٍ مُوسَّعٍ حَرُم قَطْعُهُ، ولا يَلْزم في النفْلِ ولا قضاءُ فاسِدِهِ إلا الحج.
وتُرجَى ليلةُ القَدْر في العَشْرِ الأواخرِ من رمضان، وأوتارُه آكَدُ، وليلةُ سبعٍ وعشرين أَبْلغ، ويدعو فيها بما وَرَدَ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق لنا ما يُشرع صومُه من الأيام والأشهر.
قال المؤلف: (وأفْضَلُهُ) أي: أفضلُ صومِ التطوعِ (صومُ يومٍ وفِطْرُ يومٍ)، ودليل ذلك أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه قال: لَأصُومَنَّ النهارَ ولا أُفْطِر، ولَأقُومَنَّ الليلَ ولا أنام.
فبلغَ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسأله: «أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ كَذَا؟ » قال: نعم.
فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «صُمْ كَذَا، صُمْ كَذَا».
قال: إنِّي أُطِيق أفضل مِن ذلك، حتى قال له: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، صِيامُ دَاوُدَ».
وقال له في القيام: «نَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَقُمْ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وَنَمْ سُدُسَ اللَّيْلِ، فَذَلِكَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قِيَامُ دَاوُدَ»، وذلك لأن هذا الصيام يعطي النفسَ بعضَ الحريةِ ويعطي البدنَ بعضَ القوةِ؛ لأنه يصوم يومًا ويفطر يومًا.
وكذلك القيام؛ إذا نامَ نصفَ الليل ثم قامَ ثُلثه ثم نامَ سُدسه فإنَّ تعبه في قيام الثُّلثِ سوف يزولُ بنومه في السُّدس، فيقوم في أول النهار نشيطًا، ولكن هذا مشروطٌ -أي: صَوم يومٍ وفِطْر يومٍ- مشروطٌ بما إذا لم يُضَيِّع ما أوجب الله عليه، فإنْ ضيَّعَ ما أوجبَ اللهُ عليه كان هذا مَنْهِيًّا عنه؛ لأنه لا يمكن أن تُضاع فريضةٌ من أجْلِ نافلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3528
فلو فُرِضَ أن هذا الرجل إذا صام يومًا وأفطر يومًا تخلَّف عن الجماعة في المسجد لأنه يتعبُ في آخِر النهار ولا يستطيع أنْ يَصِل إلى المسجد، فنقول له: لا تفعلْ؛ لأن إضاعةَ الواجبِ أعظمُ من إضاعةِ المستحبِّ، هذا مستحبٌّ لا تأثمُ بتَرْكه، فاتركه.
كذلك لو فُرِض أنه لو صام يومًا وأفطرَ يومًا انشغلَ بذلك عن مؤونةِ أهْلِهِ الذين تَلْزمه مؤونتُهم؛ يعني انقطعَ عن البيع والشراء، انقطعَ عن العمل، فإنَّنا نقول له: لا تفعلْ؛ لأن القيام بالواجب أهمُّ من القيام بالتطوع.
وقد التزمَ عبد الله بن عمرو بذلك حتى كَبِر، فتمنَّى أنه قَبِلَ رُخصة النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم من كل شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، حتى إنه اجتهدَ رضي الله عنه وصارَ يصومُ خمسةَ عَشَرَ يومًا متتابعةً ويُفطر خمسةَ عَشَرَ يومًا متتابعةً، ويرى أنَّ هذا بدلٌ عن صيام يومٍ وإفطارِ يومٍ، لكنْ مع ذلك تمنَّى أن يكون قَبِلَ رُخصة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3529
ونأخذ من هذا فائدةً، وهي أنَّ الإنسان لا يقيس نفسَه في مستقبله على حاضِره؛ فقد يكون الإنسان في أول العبادةِ نشيطًا يرى نفسَه أنه قادرٌ، ثم بعد ذلك يَلْحقه المللُ أو يَلْحقه ضعفٌ وتعبٌ ثم يندم، لهذا ينبغي للإنسان أن يكون عمله قصدًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مرشدًا أُمَّتَه، قال: «اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ»؛ يعني لا تُكلِّفوا أنفسكم، وقال: «الْقَصْدَ»، «اسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ، والْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا»، وقال: «إِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى»، الْمُنْبَتُّ: الذي يسير ليلًا ونهارًا، فهذا لا أرضًا قَطَعَ ولا ظهرًا أبقى.
فالإنسان ينبغي له أن يقدِّر المستقبل، لا يقول: أنا الآن نشيط؛ مثلًا بأعمل كذا، مثلًا يقول: بأغيِّب القرآن، وكذا وكذا من الأحاديث، وزاد المستقنع، وأغيِّب ألفية ابن مالك، كلها أغيِّبها بأسبوع.
هذا ما يصير هذا، أعطِ نفسك حقَّها، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ»، وكثيرٌ من الناس يكون عنده رغبةٌ إما في العبادة أو طلبِ العلم أو غيرِ ذلك، ثم بعد هذا يكسل، فالذي ينبغي للإنسان أن يخطِّط للمستقبل كما يخطِّط للحاضر.
قال: (وأَفْضَلُهُ صَومُ يومٍ وفِطْرُ يومٍ)، وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ يوم الجمعة صومُهُ ليس بحرامٍ، وأنَّ صوم يوم السبت ليس بحرامٍ؛ لأنه إذا صار يصوم يومًا ويُفطِر يومًا سوف يصادفُ الجمعة والسبت، لذلك يتبيَّن أنَّ صومهما ليس بحرامٍ، وإلا لَقال الرسول عليه الصلاة والسلام: صُمْ يومًا وأَفْطِر يومًا ما لم تصادف الجمعة والسبت.
ثم قال: (ويُكره إفرادُ رجبٍ) بالصوم، لماذا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3530
علَّلوا هذا بأنه من شعائر الجاهلية، وأنَّ أهل الجاهلية هم الذين يُعَظِّمون هذا الشهر، وأمَّا السُّنة فلم تَرِدْ في تعظيمه، ولهذا قالوا: كلُّ حديثٍ يُروى في فَضْل الصلاة أو الصوم في رجبٍ فإنه كَذِبٌ باتفاق أهل العلم بالحديث.
وقد ألَّفَ ابنُ حجرٍ رحمه الله رسالة صغيرة: تبيينُ العَجَب فيما وَرَدَ في فَضْلِ رَجَب، أو قال: في صومِ رَجَب.
وقوله: (يُكره إفرادُ رجبٍ) يؤخذ منه أنه لو صامه مع غيره فلا يُكره؛ وذلك لأنه إذا صام معه غيره لم يَكُن الصيامُ من أجْل تخصيص رجب؛ يعني لو صام شعبانَ ورَجَبًا فلا بأس، لو صام جمادى الثاني ورَجَبًا فلا بأس.
(يُكره إفرادُ رجبٍ والجمعةِ) الجمعةُ يُكره إفرادها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ جُمُعَةٍ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ»، وقال: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ، وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ»، وقال لإحدى أمهات المؤمنين وقد وجدها صائمةً يوم الجمعة: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟ ». قالت: لا.
قال: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ ». قالت: لا.
قال: «فَأَفْطِرِي»، فإنْ صامها مع غيرها لم يُكره؛ لو صام الخميس والجمعة فلا بأس، أو الجمعة والسبت فلا بأس.
فإنْ صامها وحدها لا للتخصيص، لكنْ لأنه وقتُ فراغه؛ كرجُلٍ عاملٍ يعمل كلَّ أيام الأسبوع وليس له فراغ إلا يوم الجمعة، فهل يُكره؟
عندي أنَّ فيه ترددًا؛ إنْ نَظَرْنا إلى ما رواه مسلم: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ» قلنا: إنَّ هذا لم يَخُصَّها.
الجزء: 1 - الصفحة: 3531
وإنْ نَظَرْنا إلى حديث المرأة قال: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟ ». قالت: لا.
قال: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ ». قالت: لا.
قال: «فَأَفْطِرِي».
فإنَّ هذا قد يؤخذ منه أنه يُكره إفرادُها وإنْ كان في الأيام الأخرى لا يستطيع، وقد لا يؤخذ منه فيُقال: إنَّ قول الرسول «أَصُمْتِ أَمْسِ؟ » أو «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ » يدل على أنها قادرةٌ على الصوم.
فالحاصل أنه إذا أَفْرَدَ يومَ الجمعة بصومٍ لا لقَصْدِ الجمعةِ، ولكنْ لأنه اليوم الذي يحصُل فيه الفراغُ، فالظاهر -إن شاء الله- أنه لا يُكره وأنه لا بأس.
وقوله: (والسبت) أيضًا يُكره إفرادُه، وأمَّا جَمْعُه مع الجمعة فلا بأس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ »، فدلَّ هذا على أن صومه مع الجمعة لا بأس به.
وهذه المسألة قد يُلْغَز بها ويُقال: يومانِ إنْ أُفْرِدَ أحدُهما كُرِهَ، وإن اجتمعا فلا كراهة.
مع أنَّ الذي يتبادر أنَّ المكروه إذا ضُمَّ إلى مكروهٍ ازدادت الكراهة، لكن هذا إذا ضُمَّ المكروهُ إلى مكروهٍ زالت الكراهة، وذلك لأن الكراهة إنما هي في الإفراد، فإذا صار الجمعُ فلا كراهة.
إفرادُ يوم السبت، ما الدليل على كراهته؟
الدليل: يقول: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ»، ونحن إذا نَظَرْنا إلى هذا الحديث وإلى ظاهرِ هذا الحديث قُلنا: إنَّ صوم يوم السبت في النافلة منهيٌّ عنه سواء أَفْرده أو ضمَّه إلى يوم الجمعة أو إلى يوم الأحد.
ولكنْ يُقال: هذا النهيُ لِنفرضْ أنه عامٌّ، فإذا وَرَدَ ما يدلُّ على التخصيص وهو جواز صوم يوم السبت مع الجمعة كان مخصِّصًا لهذا العموم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3532
وقد اختلف العلماء في هذا الحديث؛ فمنهم مَن قال: إنَّه منسوخٌ، ومنهم مَن قال: إنَّه ضعيفٌ، ومنهم مَن قال: إنَّه شاذٌّ.
ولكن يُقال: لا حاجة إلى هذا كلِّه، الحديث لا بأس به، ولكنْ يُحمَل على ما إذا أَفْرده؛ بدليل ما ثبتَ في الأحاديث الأخرى مِن أنَّه إذا ضُمَّ إليه يومُ الجمعة فلا بأس به.
فإذا قال قائل: كيف تقتصرون على الكراهة مع النهي؟
قُلنا: نقتصر على الكراهة مع النهي لأنَّه لو كان النهيُ للتحريم لم يَزَل التحريمُ بضمِّه إلى يومٍ آخَر، فهذا يدلُّ على أنَّ النهي فيه خفيفٌ، بدليل أنَّه يصح صومُه أو يجوز صومُه مع ضمِّه إلى يوم آخَر.
وقوله: (ويوم الشكِّ) يعني: يُكره صومه.
والكلام الآن: ما هو يوم الشك؟
قيل: إنَّ يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في السماء ما يمنع رؤيةَ الهلال كغَيْمٍ وقَتَرٍ.
وقيل: إنَّ يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماءُ صَحْوًا.
وأيُّهما أَقْرب؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول أقربُ؛ لأنه إذا كانت السماءُ صَحْوًا وتراءى الناسُ الهلالَ ولم يَرَوْه لم يَبْقَ عندهم شكٌّ أنه لم يَهِلَّ، فالشكُّ يكون إذا كان هناك ما يمنع رؤية الهلال.
ولكنْ لَمَّا كان فقهاؤنا رحمهم الله يرون أنه إذا كان ليلة الثلاثين يحولُ بين رؤيةِ الهلال ما يمنع رؤيتَه فإنه يجب صومُه؛ حملوا الشكَّ على ما إذا كانت السماءُ صَحْوًا، وهذه آفةٌ في الحقيقة يَلْجأ إليها بعض العلماء، وسبب هذه الآفة أنَّ الإنسان يعتقد قَبْل أنْ يستدلَّ، وهذا خطأ، الواجب أنْ تجعل اعتقادك تابعًا للدليل، فتستدلَّ أولًا ثم تعتقدَ ثانيًا وتحكمَ ثانيًا.
فالصواب بلا شك أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال، وأمَّا إذا كانت السماء صَحْوًا فلا شك.
بقي أن يُقال: هل صومُه مكروهٌ كما قال المؤلف أو محرَّم؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3533
نقول: في هذا خلافٌ بين العلماء؛ فمنهم مَن قال: إنه محرَّم، ومنهم مَن قال: إنه مكروهٌ.
والصحيح أنَّ صومه محرَّم إذا قصد به الاحتياط لرمضان، ودليلُ ذلك قولُ عمار بن ياسر رضي الله عنه: مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، وثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ».
وعلى هذا فإذا صامَ يومَ الشكِّ احتياطًا لرمضان فإنَّ ذلك يكون حرامًا عليه؛ لأنه نوعٌ من التعدِّي لحدود الله؛ فإن الله يقول في كتابه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ».
(ويَحْرُمُ صومُ العيدَيْنِ) لنهْيِ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك؛ فقد ثبت عنه أنه نهى عن صوم يوميِ العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، وأجمعَ العلماء -رحمهم الله- على أنَّ صومهما محرَّم،
فلا يجوز للإنسان أنْ يصوم يوم العيد.
ولكنْ لو أنَّه كان يومُ العيد عندنا هنا، وكان في شرق آسيا مثلًا ليس يوم العيد، هل يحرُم عليهم الصوم؟
طلبة: لا يحرم.
الشيخ: إنْ قُلتم لا يَحْرُم أخطأتم، إنْ قُلتم يَحْرُم أخطأتم أيضًا.
نقول: على رأي مَن يرى أنه إذا ثبتت الرؤية في مكانٍ من الأرض بطريقٍ شرعيٍّ فهي للجميع يكون صومُ الذين في شرق آسيا حرامًا؛ لأن هذا اليومَ يومُ عيدٍ لهم، وإذا قُلنا: إنَّ كلَّ قومٍ لهم رؤيتُهم، وهم لم يَرَوْه ونحن رأيناه؛ فإنه لا يَحْرُم عليهم ويَحْرُم علينا نحن.
الجزء: 1 - الصفحة: 3534
(ولو في فرضٍ) حتى لو كان في فرضٍ فإنه يَحْرُم أنْ يصوم يومَيِ العيدينِ، حتى لو كان على الإنسان قضاءٌ من رمضان وقال: أُحِبُّ أن أبدأ بالقضاء من أول يومٍ من شوال، قُلنا: هذا حرام، حتى لو فُرِضَ أنه نَذَر أنْ يصوم يوم الاثنينِ فصادفَ يومَ العيد فإنه حرامٌ عليه.
قال: (وصيام أيامِ التشريق) يعني يَحْرُم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيها: «أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، فقوله «أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» يدلُّ على أنَّ هذه الأيام لا تصلح أنْ تكون أيامَ إمساك، وإنما هي أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ لله.
وأيام التشريق ثلاثةٌ بعد يوم النحر، فهي: الحادي عَشَرَ، والثاني عَشَرَ، والثالث عَشَرَ، وهذه الأيامُ الثلاثةُ تُسَمَّى أيامَ التشريق؛ لأنَّ الناس كانوا يُشَرِّقون فيها اللحم، ومعنى يُشَرِّقونه: أي يُقَدِّدونه ثم ينشرونه في الشمس من أجْل أنْ يَيْبَسَ حتى لا يعفن ويفسد، فلهذا سُمِّيتْ أيام التشريق.
قال: (إلا عن دمِ متعةٍ وقِرَانٍ) يعني فيصح.
كيف دم المتعة والقِران؟
إذا حجَّ الإنسان وكان متمتعًا -والمتمتع هو الذي يأتي بالعُمرة أولًا ثم يَحِلُّ ويأتي بالحج بعد ذلك- فعليه الهدْيُ، فإنْ لم يجد فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع.
القارن كالمتمتع، وهو الذي يُحرِم بالعمرة والحج جميعًا فيقول: لبيك عمرةً وحجًّا، أو يُحرِم بالعمرة أولًا ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، فهو أيضًا قارنٌ وعليه الهدْيُ، فإن لم يجد فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع من الحج.
دمُ المتعةِ والقِرانِ إذا لم يجدهما الحاجُّ فإنه يصوم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع.
فمتى تبتدئ هذه الأيامُ الثلاثةُ؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3535
تبتدئ من حين الإحرام بالعمرة حتى ولو كان قبل شهر ذي الحجة؛ إذا كان متمتعًا وأحرمَ بالعمرة في آخر ذي القعدة وهو يعلم أنه لن يجد الهدْيَ لأنه ليس معه دراهم فله أنْ يصوم.
فإن قيل: كيف يصوم في العمرةِ والآيةُ الكريمةُ يقول الله فيها: ثلاثة في الحج.
نقول: لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ».
متى ينتهي صوم هذه الثلاثة؟
ينتهي بآخِر يومٍ من أيام التشريق، وعلى هذا فإذا لم يتيسَّر للإنسان أنْ يصوم قبل ذلك فإنه يصوم الأيام الثلاثة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، ودليلُ ذلك حديثُ عائشةَ وابنِ عمر -رضي الله عنهم- أنهما قالا: لم يُرَخَّصْ في أيام التشريقِ أن يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لم يجد الهدْي.
وقول الصحابي: لم يُرَخَّص، أو: رُخِّصَ لنا، أو ما أشبهَ ذلك يُعتبر مرفوعًا حكمًا.
قال: (ومَن دَخَلَ في فرضٍ موسَّعٍ حَرُمَ قَطْعُهُ).
(مَنْ دَخَلَ) يعني: شَرَعَ (في فرضٍ موسَّعٍ) فإنه يَحرُم عليه قَطْعُه، ويَلْزمه إتمامُه إلا لعُذرٍ شرعيٍّ.
مثال ذلك: رجلٌ لَمَّا أُذِّن لصلاة الظُّهر قام يصلِّي صلاة الظهر، ثم أراد أنْ يقطع الصلاة ويصلِّي فيما بَعْدُ؛ فإنه لا يحلُّ له ذلك مع أنَّ الوقت مُوَسَّعٌ له إلى العصر، لكنْ لَمَّا شرعَ به صار لازمًا عليه، فلا يحلُّ له قطعُه لوجوب الْمُضِيِّ فيه؛ لأنه واجبٌ شَرَعَ فيه، وشروعُه فيه يُشْبه النذْرَ، فيَلْزمه أن يُتِمَّ.
وإنْ دخلَ في فرضٍ مُضيَّقٍ؟
طلبة: من باب أَوْلى.
الشيخ: حَرُمَ قطعُه من باب أَوْلى؛ فلو دخلَ في الصلاة ولم يبقَ من الوقت إلا مقدار ركعاتِ الصلاةِ حَرُم عليه القطعُ من باب أَوْلى؛ لأنه إذا حَرُم القطعُ في الموسَّع ففي المضيَّق من باب أَوْلى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3536
لكن استثنينا ما إذا كان لضرورةٍ؛ مِثْل أنْ يشرع الإنسانُ في الصلاةِ ثم يُضْطر إلى قطعها لإطفاء حريقٍ أو صدِّ غَرَقٍ أو ما أشبهَ ذلك، ففي هذه الحال له أن يقطع الصلاة.
وهلْ يجوز أن يقطع الفرضَ ليأتي بما هو أكمَلُ؛ مِثْل أنْ يشرع في الفريضة في الصلاة، ثم يحسُّ بجماعةٍ دخلوا ليصلُّوا جماعةً، فهلْ له أن يقطع الصلاةَ هنا من أجْل أن يدخل في الجماعة؟
طالب: نعم.
الشيخ: الجواب نعم، له ذلك؛ لأن هذا الرجل لم يعمد إلى معصية الله ورسوله بقطع الفريضة، ولكنه قَطَعَها ليأتي بها على وجهٍ أكمَل، فهو لمصلحة الصلاة في الواقع، فلهذا قال العلماء في مِثْل هذه الحال: له أنْ يقطعها إلى ما هو أفضل.
وربما يُستدَلُّ لذلك بقصة الرجل الذي أتى النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مكة وقال: يا رسول الله إني نذرتُ إنْ فَتَحَ اللهُ عليك مكة أنْ أصلِّي ركعتينِ في بيت المقدس، أو قال: أنْ أصلِّي في بيت المقدس.
قال: «صَلِّ هَاهُنَا».
فأعادَ عليه مرَّتينِ أو ثلاثًا فقال: «شَأْنَكَ».
يعني أنا أفتيتُك بأنه يجوز أنْ تصلِّي في مكة، وإذا أَصْرَرْتَ على أنْ تصلِّي هناك فشأنك؛ أي: فالزمْ شأنَك أو: فالأمرُ شأنُك وأمرُك.
فهنا أَذِنَ له الرسول عليه الصلاة والسلام أن يصلِّي في مكة، لماذا؟ لأنها أفضل، وإنْ كان ذهابُه إلى بيت المقدس فيه نوعٌ من المشقَّة والتعب، ولكنْ لا يتقصَّد الإنسانُ التعبَ في العبادة، تقصُّد التعبِ في العبادة قد لا يكون فيه أجر، لكنْ إذا كانت العبادةُ لا تأتي إلا بتعبٍ كانت أفضل.
وهذه نقطةٌ ينبغي للإنسان أن يتنبَّه لها وهي: هلْ تقَصُّد التعب في العبادة أفضلُ أم الراحة؟
الجواب: الراحة أفضل، لكنْ لو كانت العبادةُ لا تأتي إلا بتعبٍ كانت المشقَّةُ والتعبُ أَفْضل؛ فيها أجْر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرفع الله به الدرجات ويُكفِّر به الخطايا قال: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ».
الجزء: 1 - الصفحة: 3537
لكنْ لا نقول للإنسان: إذا كان يُمْكنك أن تسخِّن الماء فالأفضل أنْ تذهب إلى الماء الثلج وتتوضأ به.
لا نقول هذا، ما دامَ اللهُ يَسَّرَ عليك فيَسِّرْ على نفْسِك.
الشاهد من هذا أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أَمَره أنْ يصلِّي في مكة حتى ألَحَّ عليه فقال: «شَأْنَكَ».
قال المؤلف -رحمه الله- (ولا يَلْزمُ في النَّفْل).
يعني: لا يَلْزم الإتمام في النفْل؛ ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخلَ على أهْله ذاتَ يومٍ فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ ». قالوا: نعم، عندنا حَيْسٌ، قال: «أَرِينِيهِ».
يقول لعائشة: «فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا».
فأرتْهُ إيَّاه فأكلَ، وهذا الصومُ نفْلٌ، فقَطَعه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأَكَل، فدلَّ هذا على أنَّ النفْل أَمْره واسعٌ للإنسان أنْ يقطعه.
ولكن العلماء يقولون: لا ينبغي أنْ يقطعه إلا لغرضٍ صحيحٍ.
واستدلُّوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33].
واستدلُّوا أيضًا بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ؛ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»، فإذا كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام انتقده لتَرْكِ قيامِ الليلِ فكيف بمن تَلَبَّسَ بالنافلة؟ ! يكون انتقادُه إذا تَرَكَها مِن باب أَوْلى، ولهذا نقول للإنسان إذا شَرَعَ في النافلة: لا تقطعْها إلا لغرضٍ صحيح.
وهلْ من الغرض إذا دخلَ في الصلاة فنادتْه أُمُّه، هل من الغرض الصحيحِ أنْ يَرُدَّ عليها فيقطع الصلاة؟
طالب: لا غير صحيح.
طالب: إذا كانت نافلة؟
الشيخ: إي نعم، نافلة.
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم؟
طالب: مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا أو فيه تفصيل؟
طالب: ( ... ) نافلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3538
الشيخ: نقول: فيه تفصيل؛ إذا كانت الأمُّ إذا علمتْ أنه في صلاةٍ لا ترضى أنْ يقطعها، وأحبُّ إليها ألَّا يقطعها وأنْ يمضي في صلاته، ولا يؤثِّر عليها شيئًا، ولا يكون في قلبها شيءٌ عليه، فهُنا لا يقطعها؛ لأنه ربما لو قطعها مَثَلًا، لو قَطَعَ الصلاةَ وقال لأُمِّه: قطعتُ الصلاةَ من أجْلك.
قالت: ليش تقطعها! هذا لا نقول: اقطع الصلاة.
أمَّا إذا كانتْ مِمَّن لا يعذر في مثل هذه الحال؛ يعني: بعضُ النساء، بل بعضُ الآباء لا يعذر في مِثْل هذه الحال، ففي هذه الحال نقول: اقطعها.
لو ناداه الرسول صلَّى الله عليه وسلم؟
طلبة: يجب.
طالب: ( ... ) كانتْ فرضًا ( ... ).
الشيخ: هذا السؤال: لو ناداه الرسول؟ نقول: أمَّا هذه المسألة الآن فلا تَرِد، لكن المسألة؛ يعني فرضُها نظريًّا وعِلميًّا، نقول: يجب عليه أنْ يقطع الصلاة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24].
لكنْ لو قال قائل: إنَّ الآية فيها ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فلا بدَّ أن نعلم أنه دعانا لشيءٍ ينفعنا.
فالجواب أنَّ هذا القَيْد ليس قَيْدَ احترازٍ، ولكنه قَيْدٌ لبيانِ الواقعِ؛ فإن الله ورسوله لا يدعُوانِنَا إلَّا لما فيه حياتُنا.
طالب: شيخ، في قوله: (ويَحْرُمُ صومُ العِيدَينِ ولوْ فِي فرضٍ)، هلْ هذه إشارةٌ إلى خلافٍ في صيامِ العيدينِ؟
الشيخ: ما أدري هلْ فيها خِلاف، أو رفْع توهُّمٍ.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أو رفع توهم.
لئلا يقول قائل إذا كان فرضًا فهذا واجب عارضه محرَّم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: توهُّم.
طالب: عبارةٌ في الكتاب، يقول: (وعيد الكُفَّار)، ذكر مِن ضِمْن المكروه عيد الكفَّار.
الشيخ: صوم أعياد الكفَّار اختلف فيه الفقهاء:
الجزء: 1 - الصفحة: 3539
منهم مَن قال: إنه يُكره أنْ يصوم يوم عيد الكفار؛ لأن هذا يعطي الكفار قُوَّةً، ويقول: هؤلاء المسلمون عظَّموا عيدنا فصاموه.
وهذا الأصحُّ.
ومنهم مَن قال: بل لا يُكره؛ لأن الصوم ضِدُّ الفِطر، والفِطْر فرحٌ وسرورٌ، فكأنه يقول: أنتم أيها الكفار تبتهجون بهذا اليوم بالأكل والشُّرب والحلوى وما أشبهَ ذلك، ونحن نقابلُكم بالصوم والإمساك.
لكن الأَوْلى أنْ يُقال بالكراهة وألَّا نَعْبأ بالكفار وأعيادهم؛ يعني ينبغي بلْ يجب علينا ألَّا نهتمَّ بأعيادهم، اللهم إلَّا أنْ نُحَذِّر السفهاءَ الذين يُعظِّمون أعيادَ الكفار ويتبادلون الهدايا بينهم في أعيادهم، فهذا لا بأس.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فإذا كان الإنسان يُصَلِّي وقيل: حيَّ على الجهاد؟
الشيخ: إي نعم، هذه يمكن يصلِّي ويمشي، ما هي مشكلة.
طالب: يعني: لا، حيَّ على الجهاد لا ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ) الكفَّار ( ... ).
الشيخ: إذا كان فرض كفاية ( ... )، أو فرض عينٍ؛ مِثْل يُعرف أنَّ هذا الرجل يَعرِف من السلاحِ والعملِ بالسلاح ما لا يَعرِف غيرُه فيجبُ عليه.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم حديثَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ خَيْرَ الصِّيَامِ صَوْمُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا»، وكذلك يوجَد حديثٌ آخَرُ؛ قال صلى الله عليه وسلم فيه: «خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم»، وكان يصوم الاثنين والخميس، فما الذي ترجِّحونه -بارك الله فيكم- بالنسبة للمسلم؛ يعني: هلْ يتَّبع النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيصوم السُّنة الفعلية؛ يصوم الاثنين والخميس، أمْ يصوم يومًا بعد يوم؟
الشيخ: لا، يصوم يومًا ويفطر يومًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3540
الطالب: ثم ما رأيُكم في قول مَن يقول بأنَّه حتى الحديث الثاني عائدٌ إلى الأول؛ بمعنى أنَّ مَنْ صامَ يومًا وأفطرَ يومًا فمصيره إلى أنْ يصوم الاثنين والخميس فقط؛ لأن الجمعة منهيٌّ عن إفرادها، وكذلك منهيٌّ عن إفراد السبت، ثم إذا صام .. ولا يَلْزَمُ في النفْلِ، ولا قَضاءُ فاسِدِه إلا الْحَجُّ، وتُرْجَى ليلةُ القَدْرِ في العَشرِ الأواخِرِ من رَمضانَ، وأَوتارُه آكَدُ، وليلةُ سبعٍ وعشرينَ أبلغُ، ويَدْعُو فيها بما وَرَدَ.
(بَابُ الاعتِكَافِ)
هو لُزومُ مَسجدٍ لطاعةِ اللهِ تعالى مَسنونٌ، ويَصِحُّ بلا صوْمٍ ويَلزمان بالنَّذْرِ، ولا يَصِحُّ إلا في مَسجدٍ يُجْمَعُ فيه إلا المرأةُ ففي كلِّ مَسجدٍ سِوَى مَسْجِدِ بيتِها، ومَن نَذَرَه أو الصلاةَ في مَسجدٍ غيرِ الثلاثةِ - وأَفضلُها الحرامُ،
طالب: ( ... ) وعيد الكفار ذكره من ضمن المكروه؟
الشيخ: صوم أعياد الكفار اختلف فيها الفقهاء:
منهم من قال: إنه يكره أن يصوم يوم عيد الكفار؛ لأن هذا يعطي الكفار قوة؛ ويقول: هؤلاء المسلمون عظموا عيدنا فصاموه، وهذا الأصح.
ومنهم من قال: بل لا يكره؛ لأن الصوم ضد الفطر، والفطر فرح وسرور، فكأنه يقول أنتم أيها الكفار تبتهجون بهذا اليوم، بالأكل والشرب والحلوى وما أشبه ذلك ونحن نقابلكم بالصوم والإمساك.
لكن الأولى أن يقال بالكراهة، وألا نعبأ بالكفار وأعيادهم، يعنى ينبغي، بل يجب علينا ألا نهتم بأعيادهم، اللهم إلا أن نحذر السفهاء الذين يعظمون أعياد الكفار ويتبادلون الهدايا بينهم في أعيادهم، فهذا لا بأس.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرتم الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]، فإذا كان الإنسان يصلي وقيل: حي على الجهاد؟
الشيخ: إي نعم، هذه يمكن يصلي ويمشي ما هي مشكلة.
طالب: لا، حي على الجهاد الآن يركب ( ... )؟
الشيخ: يلحقهم.
الطالب: يقطعه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3541
الشيخ: إذا كان فرض كفاية لا يقطع، أو فرض عين مثل يعرف أن هذا الرجل يعرف من السلاح والعمل بالسلاح ما لا يعرف غيره فيجب عليه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرتم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ خَيْرَ الصِّيَامِ صَوْمُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» (1)، وكذلك يوجد حديث آخر، قال صلى الله عليه وسلم فيه: «خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (2) كان يصوم الاثنين والخميس، فما الذي ترجحونه -بارك الله فيكم- بالنسبة للمسلم ..
الشيخ: بالنسبة لأيش؟
الطالب: بالنسبة للمسلم يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيصوم؛ يعني السنة الفعلية يصوم الإثنين والخميس، أم يصوم يومًا بعد يوم.
الشيخ: لا، يصوم يومًا ويفطر يومًا.
الطالب: ما رأيكم في قول من يقول: بأن حتى الحديث الثاني عائد إلى الأول بمعنى أن من صام يومًا وأفطر يومًا فمصيره إلى أن يصوم الإثنين والخميس فقط؛ لأن الجمعة منهي عن إفرادها، وكذلك منهي عن إفراد السبت، إذن من صام الاثنين ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو صحيح هذا ما يقتضيه.
الطالب: لأن إذا صام يومًا وأفطر يومًا سيقع في ( ... ).
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: وغير؟
الطالب: صوم عشر ذي الحجة.
الشيخ: وعشر ذي الحجة، كل هذه مرت علينا أدلتها، ما هي الأيام التي يحرم صومها؟
طالب: العيدان.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأيام التشريق.
الشيخ: نعم.
الطالب: ومن لم يجد هديًا.
الشيخ: إلا لمتمتع وقارن لم يجد الهدي، أحسنت.
طالب: الشك، علي الصحيح.
الشيخ: ويوم الشك على القول الصحيح وهو؟
الطالب: يوم الثلاثين من شعبان، أو ..
الشيخ: يوم الثلاثين من شعبان، بشرط؟
الطالب: إذا كان في السماء غيم.
الشيخ: إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو نحوه.
ذكرنا أن من حكمة الله ورحمته أن شَرَع التطوع فى الصوم والحج والصدقة وغير ذلك، كيف هذا؟
طالب: إكمال العبادة الناقصة، حتى تكمل العبادة الناقصة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3542
الشيخ: تكمل الفرائض يوم القيامة، هذه الحكمة.
وما وجه كونها رحمة؟
طالب: رفعة الدرجات.
الشيخ: رفعة الدرجات، لولا مشروعيتها؟
طالب: لكان فِعْلُها بدعة.
الشيخ: لكان فعلها بدعة، تمام.
رجل شرع في صيام القضاء فهل يجوز له أن يقطعه؟
الطالب: لا يجوز له أن يقطعه.
الشيخ: لماذا؟
طالب: الواجب الموسع إذا شرع فيه الإنسان يجب إتمامه.
الشيخ: والمضيق؟
الطالب: من باب أولى.
الشيخ: إذن لا تقل: واجب موسع، قل: لأنه واجب، ومن شرع في واجب وجب عليه إتمامه.
شرع فى صيام كفارة يمين؟ رجل شرع في صيام كفارة يمين هل يجوز أن يقطع هذا اليوم؟
الطالب: شرع فى صيام كفارة يمين؟
الشيخ: نعم، ما هو كفارة اليمين إذا لم يجد الإطعام والرقبة والكسوة، يصوم ثلاث أيام؟
طالب: يجوز يا شيخ لأسباب، يجوز أن يقطعه لأسباب.
الشيخ: أنا سألتك: هل يجوز القطع؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز لماذا؟ لأنه واجب.
الطالب: إيه اللي الواجب؟
الشيخ: كفارة اليمين، استمر ما عندك عِلْم؟
طالب: يجوز قطعه يا شيخ؛ لأنه غير واجب.
الشيخ: إي؛ يعني يجوز أن يخرج منه؛ لأنه واجب.
الطالب: ما أقول: إنه واجب، إنه غير واجب.
الشيخ: كفارة اليمين ما هي واجبة؟
الطالب: كفارة اليمين؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نعم واجبة، ولكن واجبة ممكن إطعام مسكين فيها عدة ..
الشيخ: ما عنده طعام مسكين أو لم يجد مساكين، ولا عنده عتق رقبة، المهم لم يجد، لا إطعام ولا كسوة ولا رقبة.
طالب: لا أعرف.
الشيخ: من؟
طالب: لا يجوز قطعها، فقد تلبس بها؛ لأنها واجب.
الشيخ: نعم، والقاعدة كل من تلبس في واجب وجب عليه الإتمام.
من شرع في نفل يجوز قطعه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يجوز قطعه، الدليل؟
طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صائمًا ذات يوم، ودخل على عائشة رضي الله عنها، فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ »، فقالوا: نعم عندنا، وأَفْطَرَ، قال: «أَصْبَحْتُ الْيَوْمَ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرْتُ» (3).
الشيخ: هذا صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3543
قال: (ولا يلزم في النفل) أي لا يلزم الإتمام في النفل، (ولا قضاء فَاسِدِهِ) يعني: لو فسد النفل فإنه لا يلزمه القضاء.
مثال ذلك: رجل صام تطوعًا ثم أفسد الصوم بأكل أو شرب أو جماع أو غير ذلك، فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه لو وجب القضاء لوجب الإتمام، فإذا كان لا يجب الإتمام فلا يجب القضاء من باب أولى.
وكذلك لو شرع في صلاة نافلة ثم أفسدها بحدث أو قطع أو غير ذلك فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنها نافلة.
وإن شرع في صوم منذور فهل يجوز قطعه؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنه واجب.
الشيخ: لأنه واجب فإن قطعه لزمه القضاء.
قال المؤلف: (إلا الحج) يعني إلا الحج فإنه يلزم إتمامه ولو كان نفلًا ويجب قضاء فاسِدِه، ولو كان نفلًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يعني عن إتمامهما ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وهذه الآية نزلت قبل فرض الحج؛ لأنها نزلت في السنة السادسة في الحديبية، والحج إنما فُرِض في السنة التاسعة أو العاشرة، ومع هذا أمر الله بإتمامهما مع أنهما نفل لم يفرضا بعد، فالحج إذا شرع فيه لزمه الإتمام ولو كان نفلًا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، الحكمة من ذلك أن الحج والعمرة لا يحصلان إلا بمشقة، ولا سيما فيما سبق من الزمن، فلا ينبغي للإنسان بعد هذه المشقة أن يفسدهما؛ لأن في ذلك خسارة فادحة، بخلاف الصلاة، أو الصوم، أو ما أشبه ذلك.
بل قوله: (إلا الحج) لم يذكر المؤلف العمرة، فهل هذا من باب الاكتفاء، أو هناك قول آخر بأن العمرة لا تجب؟
الظاهر أنه من باب الاكتفاء، والعمرة تسمى حجًّا أصغر كما في حديث عمرو بن حزم المشهور المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول فإن فيه: والعمرة الحج الأصغر (4)، وعليه فالعمرة مثل الحج إذا شرع في نفلها لزمه الإتمام، وإن أفسده لزمه القضاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 3544
قال: (إلا الحج) يعني: وكذلك العمرة، إذا فسد الحج، وهو نفل، هل يلزمه أن يقضيه؟
الجواب: نعم؛ لأن قوله: (إلا الحج) مستثنى من قوله: (ولا يلزم في النفل ولا قضاء فاسده إلا الحج)، وعلى هذا فلو أن الرجل أحرم بالعمرة، وفي أثناء العمرة جامع زوجته، نقول: يلزمك المضي في هذه العمرة، ثم القضاء؛ لأنك أفسدته بماذا؟ بالجماع، فإن فعل محظورًا فهل تفسد العمرة؟
لا؛ لأنه لا يُفسد العمرة ولا الحج من المحظورات، إلا الجماع قبل التحلل الأوّل.
ثم قال: (وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) الحقيقة أن البحث في ليلة القدر ليس هذا محله فيما يبدو لنا، محله إما الاعتكاف، وإما صلاة التطوع.
أما الاعتكاف فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يعتكف إلا رجاء إصابة ليلة القدر.
وأما صلاة التطوع فلأن ليلة القدر يشرع قضاؤها، ولا مناسبة بين ليلة القدر وبين صوم التطوع إطلاقًا فيما نرى، لكن كأنهم -رحمهم الله- لما أتموا الصيام وما يتعلق به ذكروا ليلة القدر، على كل حال لو سألنا سائل: ما هو أنسب باب لذكر ليلة القدر، قلنا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إما باب الاعتكاف وإما صلاة التطوع.
ليلة القدر اختلف العلماء في تعيينها على أكثر من أربعين قولًا، ذكرها الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، أكثر من أربعين قولا.
أم الخلاف هل هي باقية أو رفعت؟
الصحيح بلا شك أنها باقية، وما ورد في الحديث: من أنها رفعت، فالمراد به: رفع علم عينها في تلك الساعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم رآها ثم خرج ليخبر بها أصحابه فتلاحى رجلان فرُفِعَت (5)، هكذا جاء الحديث.
والمراد بقوله: رُفِعَت؛ يعني: رُفِع العلم بتعينها في تلك السنة، فالصواب أنها باقية إلي يوم القيامة.
والبحث الثاني في ليلة القدر: هل هي في رمضان، أو في غيره؟
نقول: لا شك أنها في رمضان، وذلك لمجموع أدلة لأدلة مجموعة منها:
الجزء: 1 - الصفحة: 3545
قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، من هذا الدليل نعرف أن القرآن نزل في أي شهر؟
طلبة: في رمضان.
الشيخ: في رمضان، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، إذا ضممت هذا إلى هذا تعين أن تكون ليلة القدر في رمضان؛ لأنها لو كانت في غير رمضان ما صح أن يقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إذن ليلة القدر في رمضان قطعًا، ولا إشكال فيه بدلالة القرآن.
لكنه دليل مركب، والدليل المركب لا يتم الاستدلال به إلا بضم كل دليل إلى الآخر، والأدلة المركبة لها أمثلة منها هذا المثال.
ومنها: أقل الحمل، أقل الحمل في بطن أمه الحمل الذي إذا ظهر بقي حيًّا، أقل مدته ستة أشهر، من أين علمنا ذلك؟ من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]، وقال في آية أخرى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]، ففي الآية الثانية هذه أسقط ذكر الحمل، وذكر أن الفصال في عامين، والعامان أربعة وعشرون شهرًا، فإذا كان حمله وفصاله ثلاثون شهرًا فأضف إلى أربعة وعشرين ستة تكن ثلاثين، وبهذا عرف أن أقل الحمل ستة أشهر، هذا يسمى الدليل المركب.
إذن نرجع إلي البحث الأصلي ليلة القدر في رمضان، في أي ليلة من رمضان؟ في أول ليلة أو في آخر ليلة أو فيما بين ذلك؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3546
كل هذا يحتمل من القرآن؛ لأن القرآن ما فيه بيان، لكن ثبتت الأحاديث أنها في العشر الأواخر من رمضان، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم اعتكف العشر الأول من رمضان يريد ليلة القدر، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قيل: إنها في العشر الأواخر، وأريها عليه الصلاة والسلام، وأنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وكان معتكفًا عليه الصلاة والسلام، أمطرت السماء فوكف المسجد –يعني: خر السيل منه من سقفه- وكان مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم على عريش فصلى الفجر -صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه- بأصحابه، ثم سجد على الأرض، قال أنس: فرأيت أثر الماء والطين على جبهته، فسجد في ماء وطين (6)، فتبيَّن بهذا أنها كانت في ذلك العام ليلة إحدى وعشرين.
إذن هي في العشر الأواخر، وأُرِيَ جماعة من الصحابة ليلة القدر في السبع الأواخر، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ -يعني: اتفقت- فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (7)، وعلى هذا فالسبع الأواخر أرجى العشر الأواخر، إن لم يكن المراد بقوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» يعني: في تلك السنة، فهذا محتمل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يعتكف العشر الأواخر كلها إلى أن مات.
فيحتمل أن يكون معنى قوله: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ»؛ يعني: في تلك السنة بعينها، لم تكن ليلة القدر إلا في السبع الأواخر، وأنه ليس يعني أنه في كل رمضان مستقبلٍ تكون في السبع الأواخر؛ يعني فتبقى الآن في العشر الأواخر، أولها ليلة إحدى وعشرين، آخرها آخر ليلة من الشهر.
البحث الثالث: هل ليلة القدر في ليلة واحدة كل عام أو تنتقل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3547
في هذا خلاف بين العلماء والصحيح أنها تتنقّل فتكون عامًا ليلة إحدى وعشرين، وعامًا ليلة تسع وعشرين، وعامًا ليلة خمس وعشرين، وعامًا ليلة أربع وعشرين، وهكذا؛ تتنقّل؛ لأنه لا يمكن جمع الأحاديث الواردة إلا على هذا القول، أنها تتنقّل والحكمة من كونها تتنقّل ظاهرة جدا؛ لأنه لو كانت في ليلة معينة لكان الكسول لا يقوم إلا تلك الليلة، لكن إذا كانت متنقلة، وصار كل ليلة يحتمل أن تكون هي ليلة القدر صار الإنسان يقوم كل ليالي العشر، وهذا من الحكمة في عدم تعيينها في ليلة معينة حتى يتبين النشيط من الكسلان والراغب في الخير من الزاهد في الخير.
البحث الرابع: نقول الصحيح أنها تتنقل لكن أرجاها ليلة سبع وعشرين كما سيذكر المؤلف.
البحث الخامس: لماذا سميت ليلة القدر؟
سميت ليلة القدر؛ لأنه يُقدَّر فيها ما يكون في تلك السنة، يكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عزّ وجل، وبيان إتقان صنعه، وخلقه، فهناك كتابة أولى قبل خلق السماوات والأرض، بخمسين ألف سنة في اللوح المحفوظ، وهذه كتابة لا تتغير ولا تتبدل لقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39] أصله الذي هو مرجع كل ما يكتب.
الكتابة الثانية: عُمرية، يكتب على الجنين ما يعمله، وما مآله، وما رزقه، وهو في بطن أمه، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح حديث ابن مسعود المتفق عليه (8).
الكتابة الثالثة: الكتابة السنوية، وهي التي تكون ليلة القدر، فسُمّيت ليلة القدر؛ لأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في تلك السنة من خير وشر عام أو خاص، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 3، 4] ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويبين ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وأمر الله كله حكيم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3548
وقِيل: سميت ليلة القدر، من القدر وهو الشرف، كما تقول: فلان ذو قدر عظيم، أي: ذو شرف؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 2، 3]، وليلة خير من ألف شهر قدرها عظيم لا شكَّ.
إذن سُميت ليلة القدر لسببين: ما هو السبب الأول؟
طلبة: لأنه يُقدَّر فيها ما يكون في تلك السنة.
الشيخ: لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة وله دليل، أو لأنها عظيمة القدر، وله أيضًا دليل.
وقيل: لأن للعبادة فيها قدرًا عظيمًا؛ لقول النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَّدَمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (9)، وهذا لا يحصل إلا لهذه الليلة فقط، لو أن الإنسان قام ليلة النصف من شعبان أو ليلة النصف من رجب أو ليلة النصف من أي شهر أو في غير ليلة النصف لم يحصل له هذا الأجر، فيكون ليلة القدر لعظم قدر العبادة فيها، والليل معروف أن أهم ما يفعل فيه من العبادات القيام، قال: (ترجى ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان وأوتاره آكد) لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الْتَمِسُوهَا فِي كُلّ وِتْرٍ» (10).
فما هي أوتاره؟
واحد وعشرون، اثنين وعشرون، ثلاث وعشرون، إن غلطت ردوا عليّ، إحدى وعشرون، اثنين وعشرون.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، إحدى وعشرون، ثلاث وعشرون، خمس وعشرون، سبع وعشرون، تسع وعشرون، خمس ليال هذا أرجاها، وليس معناه أنها لا تكون إلا في الأوتار، تكون في الأوتار وغير الأوتار.
وهنا مسألة يفعلها أهل مكة وغير أهل مكة، يظنون أن ليلة القدر للعمرة فيها مزية، ولهذا تجدهم يعتمرون في تلك الليلة، ينزلون من الطائف يأتون من جدة وما حول ذلك ويؤدون العمرة في هذه الليلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3549
ونقول: تخصيص تلك الليلة بعمرة بدعة؛ لأنه تخصيص لعبادة في زمن لم يخصصه الشارع، ما الذي يخصص ليلة القدر؟ القيام هو الذي قال الرسول فيه: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (9)، ولم يقل من اعتمر، بينما قال: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» (11) فتخصيص العمرة بليلة القدر، أو تخصيص ليلة القدر بعمرة هذا من البدع.
فانظر كيف يزين الشيطان للإنسان العمل حتى يستحسن البدعة، أعرفتم هذه؟ ولذلك لما كانت -سبحان الله- لما كانت بدعة صار يلحق الناس المعتمرين فيها من المشقة الشيء العظيم، حتى إن بعضهم إذا رأى المشقة في الطواف وفي السعي قال: ما لها لزوم، ثم انصرف إلى أهله، وكثيرًا ما نُسْأَلُ عن هذا، جاء يعتمر ليلة السابع والعشرين، فلما رأى الزحام قال: خلاص، تحلل، فانظر الجهل كيف يؤدي بصاحبه إلى هذا، إذن ينبغي لنا نحن طلبة العلم، بل يجب علينا أن نبين للناس هذه المسألة، ونقول: تخصيص ليلة القدر بعمرة أيش هو؟
الطلبة: بدعة.
الشيخ: بدعة، فها هو رسول الله عليه الصلاة والسلام ما قال: عمرة في ليلة القدر لها شرف وقدر، بل جعل القيام هو الذي له الشرف والقدر.
قال: (وليلة سبع وعشرين أبلغ) يعني: أبلغ الأوتار وأرجاها، لكنها لا تتعين في ليلة السابع والعشرين.
فإن قال قائل: هل ينال الإنسان أجرها، وإن لم يشعر بها؟
الجواب: نعم، ولا شك، وأما قول بعض العلماء: إنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها فقول ضعيف جدًا؛ لأن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» (9)، ولم يقل: عالمًا بها، ولو كان العلم شرطًا في حصول هذا الثواب لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام، فالإنسان ينال أجرها وإن لم يعلم بها.
إن قال إنسان: هل لها علامات؟
قلنا: نعم لها علامات مقارنة، وعلامات تابعة.
أما علاماتها المقارنة فهي:
الجزء: 1 - الصفحة: 3550
قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة، وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان في البر بعيدًا عن الأنوار.
منها: زيادة النور في تلك الليلة.
ومنها: الطمأنينة، طمأنينة القلب، وانشراح الصدر من المؤمن، فإنه يجد راحة وطمأنينة، وانشراح صدر في تلك الليلة، أكثر مما يجده في بقية الليالي.
ومنها: على ما قيل: إن الرياح تكون فيها ساكنة؛ يعني: لا يأتي فيها عواصف أو قواصف، بل يكون الجو مناسبًا.
ومنها: أن الله قد يُرِي الإنسانَ الليلةَ في المنام، كما حصل ذلك لبعض الصحابة.
ومنها: أن الإنسان يجد في القيام لذة، أكثر مما يجده في غيرها من الليالي.
أما العلامات اللاحقة:
فمنها: أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية، ليست كعادتها في بقية الأيام.
وأما ما يذكر عن بعض العلماء أنه يقل فيها نباح الكلاب، أو يعدم بالكلية، فهذا لا يستقيم، في بعض الأحيان أحيانًا الإنسان ينتبه لجميع ليالي العشر، فيجد أن الكلاب تنبح ولا تسكت، فهذا لا يكون علامة.
ثم قال: (ويدعو فيها بما ورد) يعني: يستحب أن يدعو فيها ويلح فيها بالدعاء بما ورد عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ومنه: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، كما قالت عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام: أرأيت يا رسول الله إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (12)، فهذا من الدعاء المأثور، وكذلك الأدعية الكثيرة الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليعلم أن الأدعية الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام خير وأكمل
الجزء: 1 - الصفحة: 3551
وأفضل من الأدعية المسجوعة التي يسجعها بعض الناس، وتجده يطيل، ويذكر سطرًا وسطرين في دعاء بشيء واحد، لكن الدعاء الذي جاء في القرآن والذي جاءت به السنة، خير بكثير مما صنع مسجوعًا، كما يوجد في بعض الختمات، ختمات القرآن، وكما يوجد أيضًا في بعض المنشورات ويدعو فيها بما ورد، والله أعلم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: تخصيصها.
الطالب: تخصيصها؟
الشيخ: إي نعم، ما هو معناها أنها وقعت مصادفة.
الطالب: من يتحلل منها نلزمه بإتمامها؟
الشيخ: إي نعم، لا يحل، نلزمه بإتمامها ولو بعد شهرين أو ثلاثة.
الطالب: فيه تناقض بدعة ثم نقول يتمها؟
الشيخ: لا؛ لأنه لما شرع فيها صارت واجبة عليه.
الطالب: بدعة يا شيخ.
الشيخ: بدعة في تخصيصها، لكن الآن لما شَرَع فيها صارت واجبة عليه، كالنذر أصله مكروه، ولكنه يجب عليه أن يوفي به إذا التزمه.
طالب: ( ... ) العشر الأواخر من رمضان انشقاق القمر ( ... ).
الشيخ: انشقاق القمر؟
الطالب: انشق القمر ( ... ) الجو في منتصف الليل.
الشيخ: يقظة أو منامًا؟
الطالب: لا، يقظة.
الشيخ: لا، ما هو بصحيح.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا يمكن عيونه فيها ( ... ) ولّا شيء خاص به.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أبدًا ما هو صحيح.
طالب: بالنسبة لكفارة الجماع في نهار رمضان، لو قضى دخل عليها أيام التشريق، فهل يقطع ويتابع أم إذا قُطعت يجب ( ... )؟
الشيخ: كل صوم متتابع لا ينقطع بعذر شرعي أو حسي، عرفتم يا جماعة ولّا لا؟ كل صوم يجب فيه التتابع فإنه لا ينقطع بعذر شرعي أو حسي، عرفت؟
الطالب: نعم؛ يعني يقطع ..
الشيخ: الحائض مثلًا إذا كان عليها صيام شهرين متتابعين إذا حاضت تفطر ولا ينقطع التتابع، إذا سافر الرجل في أثناء الشهرين المتتابعين يفطر ولّا ينقطع التتابع؟ إذا دخل رمضان يصوم رمضان ولّا ينقطع التتابع؟ إذا جاء العيد يُفْطر ولّا ينقطع التتابع أيام التشريق يفطر ولّا ينقطع التتابع؟ هذه القاعدة: كل صوم يجب فيه التتابع فإنه لا ينقطع أيش؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3552
طلبة: ( ... ).
الشيخ: بعذر شرعي أو حسي.
طالب: شيخ، لو صام الناس الثالث عشر من ذي الحجة، ثالث أيام التشريق، بنية أنه أول أيام البيض فيها، وليس ( ... )؟
الشيخ: ما يجوز ولا يصح.
طالب: من خصص ليلة القدر هل نقول: يسقط العمرة؟
الشيخ: هذا سؤال قبل قليل سأله.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، قلنا: لا يجوز، الذين يلحقهم الزحام لا يجوز أن يتحللوا.
الطالب: لا، هل نأمر نحن نقول: حل العمرة؟
الشيخ: لا، ما نأمر، نقول: يلزمك الإتمام.
طالب: الراجح قلنا: إن ليلة القدر تتنقل بين الليالي.
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم سوف يعَيِّنها إذا كانت تتنقل بين ( ... )؟
الشيخ: لا، هو يعينها في ذلك العام فقط، أُطلع عليها فخرج ليخبر الناس بها فرُفِعَت.
الطالب: شيخ، كون الإنسان تخصيص ليلة القدر بكثرة التصدق؛ يعني الإكثار من النوافل؟
الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا من البِدَع لا تخصص إلا بالقيام فقط.
طالب: الحج إذا فسد لزم قضاؤه، قلنا: الدليل النظري على ذلك أنه يكلف المشاق والمتاعب حتى وصل ( ... ).
الشيخ: لا، ما هذا الذي عللناه إحنا عللنا بهذا.
الحكمة من كونه يجب المضي في نفله واستدللنا بـ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وهذا دليل أثري، وبأنه ليس من الرشد أن الإنسان يأتي ويتكلف وإذا شرع فيه قطعه، أفهمت؟ هذا اللي إحنا عللناه، أما مسألة الفاسد ما ذكرنا فيه شيء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يقول ما هو الفرق بين الزاني البكر والزاني الذي قد طلق زوجته وبقى بدون زوجة ثم زنى؛ لأنه لا يستطيع أن يصبر عن النكاح؟
الفرق أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (13)، وهذا ثَيِّب فما دام صار ثيبًا فسواء معه زوجته أو ماتت عنه وسواء كان معها زوجها أو مات عنها.
طالب: ( ... ) مطلق يا شيخ؟
الشيخ: إيه، مطلق نعم.
طالب: الحكمة يا شيخ؟
الشيخ: الحكمة الله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3553
طالب: ( ... ) يا شيخ أن الله أنعم عليه بنعمة الزواج، فلذلك هو مختلف ..
الشيخ: يرد على هذا، هذا الذي أنت قلت: إذا صار تزوج مثلًا أسبوع وماتت زوجته، وبقى له سنة أو سنتان ما تزوج، ما وجد أحدًا يزوّجه، لكن نقول: الحكمة أن هذا حكم الله ورسوله، وانتهى.
يقول: رجل صلى الظهر والعصر جمع تقديم وهو في مدينته لم يُفارق البنيان، وعندما وصل المدينة التي يقصدها لم يُؤَذِّن العصر أولم يَأْذَن؟
طالب: لم يَأْذَن.
الشيخ: لم يأْذَن العصر، كتابة لم يأْذَن؛ لأنه همزة على ألف، ولم يُؤَذِّن همزة على واو، لم يَأْذَن العصر فهل عليه أن يصلي العصر مع الجماعة.
الجواب: لا، إذا أدى الإنسان الفريضة على الوجه الذي أُمر فإنها لا تجب عليه مرة ثانية، هذه القاعدة.
يقول: كل صوم يجب فيه التتابع لا ينقطع بعذر شرعي أو حسي ما هو الدليل؟
الدليل لذلك: أن الله أمر بصيام رمضان ورخص للمريض والمسافر والحائض.
طالب: إذا أفطر يا شيخ ( ... )؟
الشيخ: إيه يعني مثلًا لو سافر عشرة أيام في الشهر الأول ثم رجع يكمل الشهر الباقي وعشرة أيام الماضية وأظنها ثلاثة.
[باب الاعتكاف] طالب: بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله تعالى: بَابُ الاعتِكَافِ
هُوَ لُزُومُ مَسْجِدٍ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، مسنون، ويصح بلا صوم، ويلزمان بالنذر، ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه، إلا المرأة، ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها، ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة -وأفضلها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى- لم يلزمه فيه، وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله: (باب الاعتكاف)، وأظننا انتهينا من الكلام على بقية صوم التطوع، فما هو الدليل على وجوب المضي في النفل إذا كان حجًّا أو عمرة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3554
طالب: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] قاعدة عامة.
الشيخ: هذا عامٌّ، وأيضًا هذا نزل قبل؟
الطالب: قبل فرض الحج.
الشيخ: قبل فرض الحج.
(ولا قضاء فاسِدِه) يعني لو؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: (ولا قضاء فاسده) الضمير يعود على أيش؟
الطالب: (ولا قضاء فاسده)؟
الشيخ: نعم.
طالب: النفل.
الشيخ: النفل، أيش معنى (قضاء فاسده) مثل أيش؟
طالب: مثل صوم النفل لو تأخر لا يجب عليه القضاء.
الشيخ: لا يجب عليه القضاء؛ لأنه غير واجب؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لم يجب ( ... ) فلم يجب قضاء.
قال: (إلا الحج) الدليل؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهذا عامٌّ.
الشيخ: وجه العموم؟
الطالب: وجه العموم أمر الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ فأطلق، ولم يستثن ما لم يحصر.
الشيخ: بل قال: ﴿إِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؟
الطالب: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196].
الشيخ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ دلّت السنة على وجوب قضائه.
ليلة القدر سميت بذلك لوجوه؟
الطالب: ثلاثة.
الشيخ: وهي؟
الطالب: لأنها تقدر فيها الأشياء التي تصير في السنة، المقادير التي تحصل في السنة.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الآية قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4].
الشيخ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، والثاني؟
الطالب: القدر الشرعي.
الشيخ: القدر الشرعي، ما الدليل؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 2، 3].
الشيخ: نعم، الثالث؟
الطالب: أن للعبادة فيها قدرًا عظيمًا.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (9).
الجزء: 1 - الصفحة: 3555
الشيخ: أحسنت، أيما أوكد أو أقرب حصولا من ليالي العشرة؟
الطالب: ليلة سبع وعشرين، الوتر.
الشيخ: الوتر.
الطالب: وليلة سبع وعشرين أوكد.
الشيخ: أوكد، الوتر يعني ليلة؟
الطالب: ليلة واحد وعشرين ( ... ) وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين.
الشيخ: نعم، هل انحصرت ليلة القدر في السبع الأواخر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: انحصرت؟
الطالب: لا، حُصِرت، لكن أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنها تُلْتَمس في السبع الأواخر.
الشيخ: إذن معناها انحصرت في السبع الأواخر؟ إذا قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (7) معناها انحصرت؟
الطالب: هذا ليس مقيدا، ولكنه عام.
الشيخ: إي، إذن معناها انحصرت؟
الطالب: هي انحصرت في العشر الأواخر.
الشيخ: قلت: في السبع الأواخر ..
الطالب: وحديث آخر حصرها في السبع الأواخر.
طالب آخر: ظاهر فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ألّا تنحصر.
الشيخ: ظاهر فعله أنها لم تنحصر.
الطالب: ولكن ( ... ) الصحابة فيه احتمال.
الشيخ: أنه ..
الطالب: أنها قد انحصرت في السبع الأواخر ( ... ).
الشيخ: إي، تمام، يكون قول الرسول: «الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (7) يخاطب أولئك القوم الذين رأوها في السبع الأواخر في تلك السنة، والدليل على أنها عامة في العشر الأواخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يزل يعتكف العشر الأواخر حتى مات (14).
ليلة القدر لها علامات؟
طالب: مقارنة.
الشيخ: نعم مقارنة.
الطالب: المقارنة مثل أن تكون قوة الإضاءة في تلك الليلة، قوية.
الشيخ: يعني منيرة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: تكون تلك الليلة منيرة.
الطالب: وكذلك الطمأنينة وانشراح صدر المؤمن، وكذلك أن تكون الرياح ساكنة، وكذلك أن يحس الإنسان القائم بلذة في قيام الليل، وكذلك ( ... ).
الشيخ: أيوة، بقي واحدة.
جيد أربعة من خمسة.
طالب: أن الله عز وجل قد يرى هذا الإنسان ليلة القدر في منامه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3556
الشيخ: نعم الرؤية قد يراها الإنسان في ليلتها.
العلامات اللاحقة؟
طالب: صبيحتها تخرج الشمس لا شعاع.
الشيخ: أن الشمس تخرج في صبيحتها ليس لها شعاع، تمام، ما الفائدة من العلامة اللاحقة؟
لأن انتهت الليلة.
طالب: الفائدة علامة على ( ... ).
الشيخ: إي، راحت الليلة السابقة يعني لو عرفت أن البارحة مثلا ليلة القدر ويش الفائدة؟
الطالب: مثل النور ( ... ) ضوء الشمس ( ... ).
الشيخ: لا، ما أقول: لماذا لم يكن لها شعاع؟ أنا أسأل: ما هي الفائدة من أني أعرف لما طلعت الشمس لها شعاع أن البارحة ليلة سبعة وعشرين ما هي ليلة القدر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أنا ما ذكرته، صحيح، لكن عندي ما شاء الله أناس أذكياء.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: بشارة للمجتهد في تلك الليلة.
الشيخ: أحسنت، تمام، البشرى للمجتهد في تلك الليلة أن يكون قد وفق لها، فكأنها كالطابع والختم على أنك أنت حيث وفقت البارحة مثلا للقيام وانشراح الصدر، وما أشبه ذلك فهذه بشرى لك؛ يعني: كالتصديق تمامًا.
يدعو بما ورد مما ورد؟
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (12).
الشيخ: نعم أحسنت «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» انظر، الآن الإنسان مجتهد وعامل وقائم ثم يرشده الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ» لأن الإنسان مهما بلغ لن يؤدي شكر نعمة الله، فهو مقصر دائمًا، ولهذا مع الاجتهاد يقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الاعتكاف)
الجزء: 1 - الصفحة: 3557
الاعتكاف مأخوذة من عَكَفَ على الشيء، وأصله: لزوم الشيء ومداومته، هذا أصله لزوم الشيء ومداومته، ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52] أي: لها ملازمون، وكذلك: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: 138] أي: يلازمونها، ويداومون عليها.
لكنه في الشرع: لزوم مسجد، وأعلم أن الغالب أن الحدود أو التعريفات الشرعية تكون أخص من التعريفات اللغوية؛ يعني: أن التعريفات اللغوية غالبًا تكون أعم وأوسع من التعريفات الشرعية.
إذن التعريفات الشرعية تخصص عموم المدلولات اللغوية الزكاة مثلًا في اللغة: النماء لكن في الشرع ليست كذلك مخصصة.
الصلاة كذلك في اللغة: الدعاء، ولكنها في الشرع أخص، إلا شيئًا واحدًا وهو الإيمان، فإن الإيمان في اللغة: التصديق، لكنه في الشرع: قول، وعمل، واعتقاد، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم يجعلون الإيمان مدلوله شرعًا أوسع من مدلوله لغة لا نعلم شيئا كذلك إلا الإيمان.
الاعتكاف الآن هو لغة: لزوم الشيء، لكن شرعًا لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، هذا الاعتكاف، (لزوم مسجد لطاعة الله) فقوله: (لزوم مسجد) خرج به لزوم الدار، لو أن الإنسان اعتكف في بيته، وقال: أنا لا أخرج إلى الناس فأفتتن في الدنيا، ولكني أبقى في بيتي عاكفًا، قلنا: هذا ليس اعتكافًا شرعيًّا، هذا يسمى عُزلة، ولا يُسمى اعتكافًا.
وهل العزلة عن الناس أفضل أو لا؟
في هذا تفصيل:
من كان اجتماعه بالناس خير، فترك العزلة أولى، ومن لا يؤثر اختلاطه بالناس وبقاؤه في بيته خير؛ لأنه رجل سريع الافتتان يخشى على نفسه من الفتنة فبقاؤه في بيته خير، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم، فالمسألة فيها تفصيل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3558
إذن (لزوم مسجد) خرج به لزوم البيت، وخرج به لزوم المدرسة، وخرج به لزوم الرباط، لو كان هناك ربط لطلبة العلم يسكنونها ويبقون فيها، فإن لزومها لا يعتبر اعتكافًا شرعًا.
وخرج به لزوم الْمُصَلَّى، لو أن قومًا في عمارة ولهم مصلَّى، وليست بمسجد، فإن لزوم هذا المصلَّى لا يعتبر اعتكافًا؛ لأنه لا بد أن يكون لزوم مسجد.
وما هو الدليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] فجعل محل الاعتكاف هو المسجد.
(لطاعة الله) (اللام) هنا للتعليل؛ يعني: أنه لزمه لطاعة الله، لا للانعزال عن الناس، ولا من أجل أن يأتيه أصحابه ورفقاؤه يتحدثون عنده، قال فلان وقيل لفلان وقالت الدولة الفلانية، لا، هو لطاعة الله، فأنت تلزم المسجد للتفرغ لطاعة الله عزّ وجل، هذا الاعتكاف.
وبهذا نعرف أن أولئك الذين يعتكفون في المساجد، ثم يأتي إليهم أصحابهم من يمين وشمال ومن جوانب المسجد، ثم يأتون يتحدثون بأحاديث لا فائدة منها، نقول: هؤلاء لم يأتوا بروح الاعتكاف؛ لأن روح الاعتكاف أن تمكث في المسجد لأي شيء؟
الطلبة: لطاعة الله.
الشيخ: لطاعة الله عزّ وجل.
وهل ينافي ذلك؛ أي هل ينافي روح الاعتكاف أن تعتكف في المسجد لطلب العلم؟
نقول: لا شك أن طلب العلم من طاعة الله، لكن الاعتكاف يكون للطاعات الخاصة كالصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، وما أشبه ذلك، ولا بأس أن تحضر درسًا أو درسين في يوم أو ليلة؛ ولو أنت معتكف؛ لأن هذا لا يؤثر على الاعتكاف، فمجالس العلم إن دامت، وصار الإنسان في هذا المسجد يطالع دروسه، ويحضر الجلسات الكثيرة التي تشغله عن العبادة الخاصة، فهذا لا شك أنه فيه نقص، لكن الشيء العارض أو القليل من الكثير لا بأس به، ولست أقول: إن هذا ينافي الاعتكاف، كما قلت بالأول، الذين يجلسون ويتحدثون بعضهم إلى بعض هؤلاء لا شك أنهم فعلوا ما يفَوِّت عليهم روح الاعتكاف.
الجزء: 1 - الصفحة: 3559
يقول المؤلف: (مسنون) خبر ثان لـ (هو)، أين الخبر الأول؟
لزوم في الخبر الأول ذكر تعريفه، في الخبر الثاني ذكر حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، أذكر حد الشيء وتعريفه، ثم بعد ذلك أذكر حكمه، حتى يكون الحكم منطبقًا على معرفة الصورة.
(مسنون) ولم يقيده المؤلف بزمن دون زمن، ولا بمكان دون مكان، وعلى هذا فيكون مسنونًا كل وقت؛ لأن المؤلف لم يقيده، ومسنون في كل مكان؟
نقول: لا، ليس مسنونًا في كل مكان؛ لأنه بالأول قال: (لزوم مسجد) لكنه مسنون في كل مسجد، كل مساجد الدنيا فإنه يسن فيها الاعتكاف، وليس خاصًا بالمساجد الثلاثة، كما روي ذلك عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ» (15) فإن هذا الحديث ضعيف.
ولو صح فالمراد به: لا اعتكاف تام إلا في المساجد الثلاثة، ويدل على ضعفه:
أولًا: أن ابن مسعود رضي الله عنه وهَّنَه، حين ذكر له حذيفة رضي الله عنه أن قومًا معتكفين في مسجد بين بيت حذيفة وبيت ابن مسعود رضي الله عنه، فجاء إلى ابن مسعود زائرًا له، وقال: إن قومًا كانوا معتكفين في المسجد الفلاني، فقال له ابن مسعود رضي الله عنه لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت (16)، فأوهن هذا حكمًا ورواية.
أما حكمًا ففي قوله: أصابوا فأخطأت، وأما رواية: حفظوا ونسيت، والإنسان لا شك معرض للنسيان.
فنحن نقول: إن صح هذا الحديث فالمراد به لا اعتكاف تام؛ يعني أن المساجد الأخرى الاعتكاف فيها دون الاعتكاف في المساجد الثلاثة، كما أن الصلاة فيها دون الصلاة في المساجد الثلاثة.
ويدل على ذلك أيضًا -أنه عامٌّ في كل مسجد- قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187].
﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (ال) هنا لو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لقلنا: (ال) هذه للعهد الذهني، ولكن أين الدليل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3560
وإذا لم يقم دليل على أن (ال) للعهد فهي للعموم، هذا الأصل للعموم إذن في المساجد يعم كل مسجد.
ثم كيف يكون هذا الحكم في كتاب الله للأمة في مشارق الأرض ومغاربها، ثم نقول: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة؟
هذا بعيد أن يكون حكم مذكور على سبيل العموم للأمة الإسلامية، ثم نقول: هذه العبادة لا تصح إلا في المساجد الثلاثة، كالطواف لا يصح إلا في المسجد الحرام.
فالصواب: أنه عام في كل مسجد، لكن لا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل، كما أن الصلاة في المساجد الثلاثة أفضل.
وقوله: (مسنون) عندي في الشرح يقول: إجماعًا؛ يعني أن العلماء أجمعوا على سنيته، وقد دَلَّ عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، فيكون فيه الأدلة الثلاثة.
أما الكتاب: فإن الله تعالى قال لإبراهيم: ﴿طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125] ومن هذه الآية نعرف أن الاعتكاف مشروع حتى في الأمم السابقة، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187].
وأما السنة: فواضحة مشهورة مستفيضة أن الرسول عليه الصلاة والسلام: اعتكف، واعتكف أصحابه معه واعتكف أزواجه من بعده.
(ويصح بلا صوم)، بقي علينا: أن نقول: إنه مسنون في كل وقت، هكذا يقول المؤلف رحمه الله وغيره من أهل العلم، أنه مسنون كل وقت، حتى لو أردت الآن -ونحن في شهر جمادى- أن تعتكف غدًا أو الليلة وغدًا، فلا بأس يكون ذلك مسنونًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3561
وهذه المسألة فيها نظر؛ لأننا نقول: الأحكام الشرعية تُتَلقى من فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يعتكف النبي صلّى الله عليه وسلّم في غير رمضان إلا قضاءً، وكذلك ما علمنا أن أحدًا من أصحابه اعتكفوا في غير رمضان اللهم إلا قضاءً، لكن لما استفتاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه نذر أن يعتكف ليلة أو يومًا، يومًا وليلة في المسجد الحرام قال له: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (17)، ولكن الرسول لم يُشَرِّع ذلك لأمته شرعًا عامًا، بحيث يقال للناس: اعتكفوا في المساجد في رمضان، وفي غير رمضان فإن ذلك سنة.
فالذي يظهر لي: أن الإنسان لو اعتكف في غير رمضان، فإنه لا ينكر عليه بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام أذن لعمر أن يوفي بنذره، ولو كان هذا النذر مكروهًا أو حرامًا، لم يأذن له لوفائه بنذره.
لكننا لا نطلب من كل واحد أن يعتكف في كل وقت نقول: خير الهدي هدي محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، ولو كان الرسول يعلم أن في الاعتكاف في غير رمضان، بل في غير العشر الأواخر منه سنة وأجرًا لبينه للأمة حتى تعمل به؛ لأنه قد قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]، وانظر الآن كما في حديث أبي سعيد اعتكف الرسول صلّى الله عليه وسلّم: العشر الأول، ثم الأوسط، ثم قيل له: إن ليلة القدر في العشر الأواخر فاعتكف العشر الأواخر (18)، ولم يعتكف في السنة الثانية العشر الأول، ولا الأوسط، مع أنه كان زمن للاعتكاف من قبل، والشهر رمضان شهر اعتكاف.
فالذي يظهر لي أنه لا يسن الاعتكاف، أي: لا يُطلب من الناس أن يعتكفوا إلا في العشر الأواخر فقط، لكن من تطوع وأراد أن يعتكف في غير ذلك، فإنه استئناسًا بحديث عمر لا ننهاه عن ذلك، ولا نقول: إن فعله بدعة، لكن نقول: الأفضل أن تقتدي بالرسول عليه الصلاة والسلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 3562
ولهذا نظائر، منها قصة الرجل الذي كان يقرأ لأصحابه فيختم بـ (قل هو الله أحد) (19)، لم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يشرع ذلك لأمته، فلا يُشرع للإنسان كلما قرأ في الصلاة أن يختم بـ (قل هو الله أحد)، كما فعل هذا الرجل؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يشرعه لأمته لا بفعله ولا بقوله.
وكذلك سعد بن عبادة استأذنه في أن يجعل مخرافه في المدينة صدقة لأمه فأذن له (20)، لكن لم يقل للناس تصدقوا عن أمهاتكم بعد موتهن حتى يكون سُنّة مشروعة، ففرق بين هذا وهذا.
يقول: (مسنون ويصح بلا صوم) (يصح) الضمير يعود على أيش؟
طلبة: الاعتكاف.
الشيخ: على الاعتكاف، (بلا صوم) وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء:
منهم من قال: إنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يعتكف إلا بصوم إلا ما كان قضاءً.
ومنهم من يرى أنه لا يُشترط له الصوم، ويُستدل بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه (17)، ويقول أيضًا: إنهما عبادتان منفصلتان، فلا يشترط للواحدة وجود الأخرى، وهذا القول هو الصحيح أنه يصح بلا صوم.
ولكن ما الفائدة من قولنا: (يصح بلا صوم)، ثم نقول: ليس مشروعًا إلا في رمضان في العشر الأواخر؟
الفائدة لو كان الإنسان مسافرًا مثلًا أو لا يصح المثال؟ لو كان مسافرًا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إذا كان مقيمًا في بلده يمكن أو كان الإنسان مريضًا مرضًا يبيح له أن يفطر، ولكن يقول: أحب أن أعتكف، نقول: لا بأس؛ هو مسنون، فهو يصح بلا صوم، كما قال المؤلف رحمه الله.
(ويلزمان بالنذر)، (يلزمان) الفاعل؟
(يصح) قلتم: إن الضمير يعود على الاعتكاف.
(بلا صوم) عندنا الآن اعتكاف وصوم، ثم قال: (ويلزمان بالنذر) ما الذي يلزمان؟
طلبة: الصوم ( ... ).
الشيخ: نعم الصوم والاعتكاف (يلزمان بالنذر)، فمن نذر أن يصوم يومًا لزمه، ومن نذر أن يعتكف يومًا لزمه، ومن نذر أن يصوم معتكفًا لزمه، ومن نذر أن يعتكف صائمًا لزمه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3563
ولكن هناك فرق بين الصورتين الأخيرتين، من نذر أن يصوم معتكفًا لزمه الصوم والاعتكاف، ومن نذر أن يعتكف صائمًا لزمه الصوم والاعتكاف لكن بينهما فرق:
إذا نذر أن يصوم معتكفًا لزمه أن يعتكف من قبل الفجر إلى الغروب؛ لأنه نذر أن يصوم معتكفًا فلا بد أن يستغرق الاعتكاف كل اليوم.
أما إذا نذر أن يعتكف صائمًا فإنه يعتكف ولو في أثناء النهار، ولو ساعة من النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه اعتكف صائمًا، ولهذا قد لا يفرِّق أو لا يعرف الفرق كثير من الطلبة في هذه المسألة.
إذا نذر أن يصوم معتكفًا أو أن يعتكف صائمًا يلزمه الجمع بينهما، لكن استيعاب الاعتكاف للصوم لليوم كله هل يلزم أو لا؟ على حسب ما سمعتم، إذا قال قائل: ما الدليل على وجوبهما بالنذر؟
قلنا: الدليل على هذا الدليل قوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (21).
والصوم طاعة، والاعتكاف طاعة.
لكن أحيانًا يراد بنذر الطاعة: الامتناع، أو الإقدام، أو التصديق، أو التكذيب؛ يعني أحيانًا يراد بنذر الطاعة واحد من هذه الأربعة: الامتناع، أو الإقدام، أو التصديق، أو التكذيب، فهل يجب الوفاء بها؟
يقول العلماء: لا يجب الوفاء، بل يخير بين الوفاء وكفارة اليمين.
مثاله قال: إن كلمت فلانًا، فللَّه عليَّ نذر أن أصوم أسبوعًا، ومراده أيش؟
الطلبة: الامتناع.
الشيخ: الامتناع، ما أراد الطاعة، أراد أن يمتنع، لكنه رأى أنه لا يتأكد الامتناع إلا إذا ألزم نفسه بهذا النذر.
إذن لو سألناه هل قصدك الصوم؟ لقال: لا، لو قصدت الصوم صمت بلا نذر، لكن أنا أريد أن أمنع نفسي وأؤكد المنع؛ لأني أعرف أن الصوم ثقيل عليّ فإذا قيدت الامتناع بالصوم امتنعت.
قال أهل العلم: هذا حكمه حكم اليمين، بمعنى أنه إن شاء صام الأسبوع، وإن شاء كفر عن يمينه، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (22).
الجزء: 1 - الصفحة: 3564
وكذلك لو قصد الحث فقال: إن لم أكلم فلانًا اليوم فللَّه عليّ نذر أن أصوم عشرة أيام، هذا أيش المقصود؟
طلبة: الحث.
الشيخ: الحث على تكليمه، فإذا مضى اليوم ولم يكلمه قلنا له: أنت الآن مخير، إن شئت فصم عشرة أيام، وإن شئت كفر عن يمينك.
قال: (ولا يصح إلا في مسجد يُجمَّع فيه).
طالب: مثال التكذيب والتصديق.
الشيخ: ما هو بواضح؟
التصديق: أن يخبر بخبر، فيقال: له أبدًا لا يصح هذا الخبر، فيقول: إن لم يكن صحيحًا فلله عليَّ نذر أن أصوم أو أعتكف عشرة أيام، هذا ويش قصده؟
قصده حمل المخاطب على تصديقه، والتكذيب بالعكس، إي نعم.
يقول: (ولا يصح إلا في مسجد يُجمَّع فيه).
قوله (إلا في مسجد) تقدم الكلام عليه أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد.
وقوله: (يجمع فيه) كلمة فيها إيهام؛ لأننا لا ندري هل المراد تقام فيه الجمعة أو تقام فيه الجماعة؟
والجواب: أن المراد تقام فيه الجماعة؛ ولا يُشْتَرط أن تقام فيه الجمعة، لماذا لا يصح إلا في المسجد الذي تقام فيه الجماعة؟
لأن المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة، لا يصدق عليه أنه مسجد بالمعنى الصحيح، هذا من جهة، من جهة أخرى أنه لو اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجماعة، مثل أن يكون هذا المسجد قد هجره أهله، أو نزحوا عنه، فهو بين أمرين: إما أن يترك صلاة الجماعة ويبقى في المسجد، وإما أن يخرج كثيرًا، والخروج الكثير ينافي الاعتكاف، كيف يقال: إن هذا معتكف في المسجد وهو يخرج منه في اليوم خمس مرات.
لهذا قالوا: لا بد أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة؛ إلا إذا كان اعتكافه ما بين الصلاتين، أو صلاة واحدة على القول بإنه يصح في أي وقت، فهذا لا يشترط أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة؛ لأنه ليس بحاجة إلى ذلك؛ إذ إن زمن الاعتكاف مدة ساعتين، أو ثلاث ساعات.
يقول: (إلا في مسجد يجمَّع فيه) ويش بعده؟
طالب: (إلا المرأة).
الشيخ: (إلا المرأة) فيصح اعتكافها في كل مسجد، المرأة تعتكف؟
طلبة: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3565
الشيخ: إي نعم، تعتكف ما لم يكن في اعتكافها فتنة، إن كان في اعتكافها فتنة فإنه لا تمكن من هذا؛ لو فرضنا أنها إذا اعتكفت في المسجد صار هناك فتنة كما يوجد في المسجد الحرام، المسجد الحرام -كما تشاهدون- ما فيه مكان خاص بالنساء، إذا اعتكفت المرأة فالمرأة لا بد أن تنام إما ليلًا وإما نهارًا، ونومها بين الرجال ذاهبين وجائين فيه فتنة.
لكن إذا لم يكن فتنة فإنه يصح أن تعتكف، والدليل على هذا اعتكاف زوجات النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم في حياته، وبعد مماته.
اعتكف أزواجه من بعده واعتكفن معه، لكن إن خيف فتنة فإنها تمنع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم منع فيما دون ذلك، لما أراد أن يعتكف عليه الصلاة والسلام خرج ذات يوم، وإذا هذا خباء لعائشة، وهذا خباء لفلانة، وهذا خباء لفلانة، فقال عليه الصلاة والسلام: «آلبر يردن؟ » ثم أمر بنقضها، وألغى الاعتكاف تلك السنة، وقضاه في شوال (23).
وهذا يدل على أن اعتكاف المرأة إذا كان يحصل فيه فتنة، فإنه تمنع من باب أولى، لكن المرأة لو اعتكفت في مسجد لا تقام فيه الجماعة، فلا حرج عليها؛ لأنه لا يجب عليها أن تصلي مع الجماعة، وعلى هذا فاعتكافها لا يحصل فيه ما ينافيه.
ولكن قد تقولون: كيف تعتكف في مسجد لا يصلى فيه الجماعة؟ أليس في هذا فتنة؟
نقول: ربما يكون، وربما لا يكون؛ قد يكون المسجد هذا محرزًا محفوظًا لا يدخله أحد، ولا يُخشى على النساء من فتنة في اعتكافهن فيه، وقد يكون الأمر بالعكس، لكن المدار على أنه متى حصلت الفتنة، مُنِع من اعتكاف النساء.
هل نقول: من لا تجب عليه الجماعة كالمرأة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، فلو فُرِض أن إنسانًا معذورًا بمرض، أو بغيره مما يبيح له ترك الجماعة ثم اعتكف في غير مسجد تقام فيه الجماعة، فلا بأس.
الطالب: شيخ بارك الله فيك، إن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتكف في رمضان فقط، والدليل على الاعتكاف في غير رمضان ما ( ... ).
الشيخ: اعتكف في رمضان؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3566
الطالب: نعم.
الشيخ: وأيش؟
الطالب: وقضاه في شوال ( ... ) في غير رمضان ما بلغ ( ... ).
الشيخ: الدليل على أيش؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: حديث عمر، استدلوا بحديث عمر.
الطالب: النذر ( ... ) الرسول صلى الله عليه وسلم ( ... ) وهذا نذر.
الشيخ: يقولون: لو كان الاعتكاف لا يصح إلا بصوم صار حرامًا؛ لأن أي إنسان يفعل العبادة وقد اختل شرط منها وهو عالم به يحرُم عليه، فهمت القاعدة هذه؟
كل إنسان يفعل عبادة وهي غير مشروعة فإنه يحرُم عليه فِعْلُها.
طالب: القائلون بأنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم، ثم قد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في شوال ولم يصم، والبدل له حكم المبدل منه، هل نقول: خرج على قولهم هذا كل عبادة تقضى لا يشترط فيها شروط صورة العبادة المؤادة.
الشيخ: نعم، نحن نقول ما هو من شروطها نقول الصوم ما هو شرط.
الطالب: كيف يجيبون على ( ... )؟
الشيخ: أي نعم، هذا نحن نقول الآن ما يُشترط الصوم.
الطالب: كيف يجيبون؟
الشيخ: ما يجيبون إلا أن يقولون: إن الاعتكاف تابع للصيام فما أظن الاعتكاف تابع للصيام ولا يمكن أن يكون المتبوع تابعًا؛ يعني لا يمكن أن نلزمه بالصوم، وقد صام وبرئت ذمته منه، لكن على كل حال هو قول مرجوح، القول بأنه لا بد من الصوم قول مرجوح.
طالب: بالنسبة للاعتكاف هل يجوز فيه العبادة الجماعية؟
الشيخ: بمعنى؟
الطالب: بأن يكون هناك مثلًا مجموعة من الشباب معتكفين، يكون لهم وقت محدد للنوم وقراءة القرآن جماعة والصلاة جماعة كل أمورهم تكون بصورة جماعية؟
الشيخ: أنا ما أرى الاجتماع على العبادات إلا ما جاءت به الشريعة فقط؛ لأن الاجتماع على العبادات يفتح علينا باب كثير من مناهج الصوفية وغيرهم، أما ما جاءت به السنة فعلى العين والرأس، كالاجتماع على صلاة الجماعة وعلى صلاة الجمعة وعلى الكسوف، وما أشبه ذلك.
طالب: هل اعتكفت النساء عدا زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، ثبت؟
الشيخ: لا يحضرني لكن ..
الجزء: 1 - الصفحة: 3567
الطالب: ما الرد على اللي يقولون: إن هذا خاص بزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: أقول: لا يحضرني الآن، لكن لا بد لو رجعت إلى الآثار وجدت أن هذا ثابت، ولكن الأصل عدم الخصوصية، كل إنسان يدعي خصوصية في عمل فهو مطالب بالدليل.
طالب: قد تكون بأنه خاص ببيت الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا، يا أخي ما اعتكفن بالبيت، اعتكفن في المسجد، ضربن أخبئة لهن.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، هناك حديث صححه بعض أهل العلم يقول: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (24).
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يقول شيخ الإسلام رحمه الله، وناهيك به حافظًا وفقيهًا وفيلسوفًا دَيِّنًا، يقول: كل حديث ورد فيه: «وَمَا تأخَّرَ» فغير صحيح؛ لأن هذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أهل بدر ما قيل لهم: وما تأخر، قيل: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (25)؛ لأنهم رضي الله عنهم فعلوا هذه الحسنى الكبيرة في هذه الغزوة فصارت هذه الحسنة العظيمة كفارة لما يأتي من بعدهم، وما قاله رحمه الله صحيح.
طالب: شيخ، ما يقال إن ( ... ) النبي صلى الله عليه وسلم في قضائه في شوال.
الشيخ: لا، ما يقال: واجب، لكن من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه إذا عمل عملًا أثبته (26) حتى أنه لما فاتته سُنَّة الظهر حين جاءه الوفد وقضاها بعد العصر (27) أثبت هذا العمل.
الطالب: بارك الله فيكم قول المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يصح إلا في مسجد يجمَّع فيه) لماذا لا نحمله على مسجد ( ... )؟
الشيخ: لا نحمله على ذلك؛ لأن الآية عامة في المساجد، والعلة في أنه لا بد من الجماعة، عرفتها أنه إذا صلى في مسجد لا تقام فيه الجماعة، إما أن يترك الجماعة، وهذا حرام، وإما أن يتردد إليها، وهذا ينافي الاعتكاف.
الطالب: ما ينكر على من اعتكف اعتكافًا مؤقتًا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3568
الشيخ: والله ما أستطيع أن أنكر عليه لكن أقول له: إن هدي الرسول خير من كل هذه، وإذا كان الرسول لم يعتكف إلا بوقت معين فلا تعتكف إلا بهذا الوقت، لكن من قال: كلما دخلت المسجد فأنوي الاعتكاف، هذا هو الذي يُنْكَر عليه؛ لأنه جعله سُنَّة.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يقول المولى عز وجل: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224] هل هذه الآية تكون رجل قال: والله لا أدخل بيت أختي، فنقول له: ادخل وكفِّر عن هذا اليمين، هل هذا يُفْهَم من ( ... )؟
الشيخ: اقرأ الآية؟
الطالب: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾.
الشيخ: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ يعني لا تجعلوا اليمين تعترض دون البر، فإذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك، وَأْتِ الذي هو خير.
الطالب: كيف نوضح هذا مع قوله في الآية ( ... ).
الشيخ: فهمت؟
الطالب: قول الرجل يا شيخ لرجل آخر: لو كلمتُ فلانًا سوف أصوم عشرة أيامٍ، هل يجوز هذا مع ذاك؟
الشيخ: إيه؟ إيش تقولون؟
طالب: السؤال؟
الشيخ: يقول: إن الله يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224]، وأنت قلت: لو نذر إنسان: إن كلمت فلانا أن أصوم عشرة أيام، وهذا يقتضي أن تهجره كذا؟ فأشكل عليه الأمر، أليس يجوز أن يهجر الإنسان أحيانًا؟
طالب: عن ثلاث؟
الشيخ: إي، الرسول هجر كعب بن مالك كم؟
الطالب: بس هذا الأمر من الله عز وجل.
الشيخ: حتى ( ... )؛ يعني لو كان هذا العاصي إذا هجرناه استقام هجرناه.
الطالب: يعني يهجر نهائيا ..
الشيخ: حتى يستقيم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لكن حتى يستقيم.
الطالب: ( ... ) عن ثلاث؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ بارك الله فيك، ما مدى صحة القول بعدم جواز الاعتكاف في المساجد التي يبنى عليها الدور؟
الشيخ: الدور؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3569
الطالب: الدور غرفة البيوت يعني، وكذلك الجمعة؟
الشيخ: والله نرى ما دام مسجدا ولو كان فوقه سكن، لكن لا يجوز أن يبنى فوق المسجد سكن؛ لأن المسجد يملك القرار والهواء، الهواء إلى السماء والقرار إلى قاع الأرض، لكن أحيانًا يبني الإنسان عمارة ثم يوقف أسفلها مسجدًا ما فيه بأس.
طالب: لكن يا شيخ يستدلون بأن مسجد الرسول ومساجد المسلمين التي جاءت فيما بعد لم يبنَ عليها دور؟
الشيخ: إي؛ لأنها عينت مسجدًا الآن، لو أبني مسجدًا ما جاز أن أبني فوقه بيوتًا، لكن لو بنيت عمارة وجعلت أسفلها مسجدًا فلا بأس.
الطالب: يعني هذا القول غير صحيح؟
الشيخ: غير صحيح.
طالب: بالنسبة للقول الراجح في أقل مدة الاعتكاف؟
الشيخ: والله أنا أرى أن الاعتكاف المسنون الذي يرجى ثواب فاعله ما شابه اعتكاف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن الإنسان إذا اعتكف يومًا من العشرة الأواخر ما أدري هل يحصل له أجر الاعتكاف هذا اليوم أو لا؟ إلا إذا شرع في الاعتكاف ثم قطعه لعذر شرعي كمرض، أو سمع أن بأهله مرضًا أو ما أشبه ذلك.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، نذر الطاعة إذا نذر الإنسان طاعة على القول بتحريم ( ... ).
الشيخ: لا؛ لأن المحرم ابتداء النذر، إنشاؤه، وأما وفاءه فواجب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (21).
طالب: يا شيخ، أنت قلت: قراءة (قل هو الله أحد) في الأوقات التي فيها الصلاة ( ... ).
الشيخ: ولا أمر بها.
الطالب: لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرها.
الشيخ: أقرها، نقول: هذا عمل جائز ولولا الإقرار لكان بدعة، لكن ليس من السنن التي تطلب من الإنسان، ربما لو يجيء إنسان مثل حال الرجل يقول: أنا والله أحب وأرغب أن أقرأ (قل هو الله أحد) لأنها صفة الرحمن، ربما لو كان الإنسان في قلبه مثل قلب هذا الرجل قلنا: إنه مسنون.
الطالب: الصلاة بالمعنى الشرعي هل هي أعم من المعنى اللغوي؟
الشيخ: لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3570
الطالب: لغةً الدعاء فقط.
الشيخ: إي، لكن دعاء على أي صفة، وهذا دعاء مخصوص مفتتح بالتكبير مختتم بالتسليم وفيه ركوع وفيه سجود وقيام وقعود، مقيد.
يقول: رجل دخل المسجد والإمام راكع فخشي فوات الركعة فكبر تكبيرة واحدة، ولم يكبر تكبيرة الركوع فهل عليه شيء؟
الجواب: ليس عليه شيء، ولا يلزمه سجود السهو.
يقول: هذا يا شيخ يوجد من بعض طلبة العلم ( ... ) أدبهم مع الأساتذة في المدرسة، أرجو أن توجه له كلمة ينفعه الله بها؟
على كل حال لا شك أن سوء الأدب مع الأساتذة وغيرهم أمر لا ينبغي، فأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا، ومع الأستاذ يكون أشد وأشد؛ لأن له فضلًا عليك بالتعليم، وليعلم أن الإنسان إذا أساء الأدب مع الأستاذ فإن الأستاذ لن يزداد إلا شدة عليه، لكن إذا تأدب معه وكلمه باحترام وتعظيم، وإذا أخطأ في المادة العلمية لم يرُدَّ عليه أمام الطلبة، وترك الأمر حتى يخرج معه ويكلمه بسر، فهذا لا شك أنه يرضي الأستاذ، وربما يرجع لو فرض أنه أخطأ خطأ بيِّنًا، فإنه يتكلم معه بسرٍّ إذا خرج من الفصل، فإن أصرَّ على رأيه وهو خطأ بَيِّن مثل أن يقول: الميتة حلال، والله تعالى قد حرم الميتة، فحينئذ لا حرج أن يتكلم في الفصل، فيقول: يا أستاذ ذكرت كذا وكذا والله يقول كذا وكذا أو السنة المهم يلزم غاية الأدب.
طالب: ( ... ).
طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا يصح إلا في مسجد يُجمَّع فيه إلا المرأة، ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها، ومن نذره، أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة -وأفضلها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى- لم يلزمه فيه، وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه وعكسه بعكسه ومن نذر زمنا معينا دخل معتكفه قبل ليلته الأولى وخرج بعد آخره.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن الاعتكاف من السنن الثابتة الباقية، وأن وقته العشر الأواخر من رمضان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3571
وسبق أنه لا بد فيه من أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة إذا كان المعتكف ممن تلزمه الجماعة، وأما إذا كان ممن لا تلزمه فإنه يصح في كل مسجد، ولهذا قال المؤلف: (إلا المرأة ففي كل مسجد) يصح أن تعتكف في كل مسجد، وإن كان لا تُقام فيه الجماعة، وفي هذا إشارة إلى أن النساء يُسَن لهن الاعتكاف، وهو كذلك، ولكن يُشترط فيه أن لا يلزم منه فتنة، فإن لزم منه فتنة فإنه يمنع؛ لأن الشيء المستحب إذا ترتب عليه ممنوع وجب أن يُمْنَع، كالشيء المباحِ إذا ترتب عليه ممنوع وجب أن يُمْنَع.
قال: (سوى مسجد بيتها) فلا يصح اعتكافها فيه ومسجد بيتها هو المكان الذي اتخذته مصلى، وكان الناس فيما سبق يتخذون مصليات في بيوتهم، تصلي فيها النساء يجعلون حجرة معينة خاصة تصلي فيها النساء، هذا المصلى لا يصح الاعتكاف فيه؛ لأنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكمًا، ولهذا لا يعتبر وقفًا، فلو بيع البيت بما فيه هذا المصلى فالبيع صحيح، ولو دخل أحد البيت، وقال: أنا أريد أن أصلي في هذا المكان؛ لأنه مصلى كالمساجد، لا تمنعوني من مساجد الله، قلنا له: نمنعك؛ لأن هذا ليس بمسجد، ولو لبثت المرأة فيه وهي حائض فلا بأس، ولو بقي فيه الإنسان وهو جنب فلا بأس، ولو دخله وجلس فيه بلا ركعتين فلا بأس.
ومثل ذلك المصليات التي تكون في المكاتب الآن، مكاتب الأعمال الحكومية فيها مصليات هذه المصليات لا يثبت لها حكم المسجد، وكذلك مصليات النساء في مدارس البنات لا يعتبر لها حكم المسجد، فيجوز فيها البيع والشراء ويجوز فيها بقاء الإنسان على جنابة وهكذا؛ لأنها ليست مساجد حقيقة، ولا حُكمًا.
قال: (سوى مسجد بيتها) إذن نقول: المصليات الْمُعَدَّة في البيوت أو في المكاتب لا تُعتبر مساجد ولا يثبت لها حكم المساجد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3572
قال: (ومن نذره) (الهاء) تعود على الاعتكاف؛ يعني: من نذر الاعتكاف، (أو الصلاة) يعني: أو نذر الصلاة (في مسجد غير الثلاثة) لم يلزمه؛ يعني: نذر رجل أن يعتكف في مسجد من المساجد، في أي بلد، فإنه لا يلزمه أن يعتكف فيه، إلا المساجد الثلاثة؛ قال المؤلف: (غير الثلاثة وأفضلها الحرام).
وأَفضلُها الحرامُ، فمَسجدُ المدينةِ، فالأَقْصَى - لم يَلْزَمْه فيه، وإن عُيِّنَ الأفضلُ لم يَجُزْ فيما دَونَه، وعكسُه بعَكْسِه، ومَن نَذَرَ زَمَنًا مُعَيَّنًا دَخَلَ مُعتكفَه قبلَ ليلتِه الأُولَى وخَرَجَ بعدَ آخِرِه، ولم يَخْرُج المُعْتَكِفُ إلا لما لابُدَّ منه، ولا يَعودُ مَريضًا، ولا يَشْهَدُ جَنازةً إلا أن يَشترِطَه، وإن وَطِئَ في فَرْجٍ فَسَدَ اعتكافُه، ويُسْتَحَبُّ اشتغالُه بالقُرَبِ واجتنابُ ما لا يَعْنِيهِ.
لأنها ليست مساجد حقيقة، ولا حُكْمًا.
قال: (سوى مسجدِ بيتِها) إذن نقول: المُصَلَّيات المُعدَّة في البيوت أو في المكاتب لا تُعْتَبر مساجد ولا يثبُت لها حكم المساجد.
قال: (وَمَنْ نَذَرَه) الهاء تعود على الاعتكاف؛ يعني: مَنْ نذر الاعتكاف، (أو الصلاة) يعني: أو نذر الصلاة (في مسجد غير الثلاثة) لم يلزمه؛ يعني: نذر رجل أن يعتكف في مسجد من المساجد في أي بلد فإنه لا يلزمه أن يعتكف فيه إلا المساجد الثلاثة؛ قال المؤلف: (غير الثلاثة، وأفضلُها الحرامُ فمسجدُ المدينةِ فالأقصى).
المساجد الثلاثة هي المسجد الحرام وهو أول بيت وضع للناس وأشرف البيوت وأعظمها حرمة، وله من الخصائص ما ليس لغيره، لا يوجد بيت في الأرض قَصْدُه من أركان الإسلام إلا المسجد الحرام، فهو أفضل هذه المساجد الثلاثة، ويليه المسجد النبوي الذي بناه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو بالمدينة، ويليه المسجد الأقصى وهو مسجد الأنبياء أو مسجد غالب أنبياء بني إسرائيل.
فهذه المساجد الثلاثة هي التي إذا نَذَر الصلاة فيها تعينت، لكن سيأتي التفصيل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3573
أفضلها المسجد الحرام، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما صح عنه: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ» (1)، وفي حديث آخر: «إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» (2).
فما هي مضاعفة المسجد الحرام؟
مضاعفة المسجد الحرام مئة ألف صلاة، إذا أدى الإنسان فيه فريضة فهو كمن أدى مئة ألف فريضة فيما سواه، جمعة واحدة مئة ألف جمعة، أعمارٌ طويلة ما تدرك مئة ألف جمعة.
المسجد النبوي الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه.
المسجد الأقصى في السنن أو في المسند أن الصلاة فيه بخمس مئة صلاة فهذه ترتيب المساجد الثلاثة، ثم هاهنا بحث بل أكثر من بحث؛ أولًا: هل الصلاة خاصة في المكان المعيَّن من المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى أو كل ما حوله فهو مثله؟
نقول: أمَّا المسجد الأقصى فليس له حَرَم بالاتفاق؛ لأن العلماء مُجْمِعُون على أنه لا حرم إلا للمسجد الحرام، والمسجد النبوي على خلاف في ذلك، ووادٍ في الطائف يقال له: وادي وَج على خلاف فيه أيضًا، وما عدا هذه الثلاثة الأماكن فإنها ليست بحَرَم بالاتفاق، ولا أحد يقول بأن المسجد الأقصى له حرم كحرم المدينة أو كحرم مكة.
المسجد النبوي؛ التضعيف خاصٌّ في المسجد الذي هو البناية المعروفة، لكن ما زِيدَ فيه فهو منه، والدليل على أن ما زيد فيه فهو منه أن الصحابة رضي الله عنهم صلَّوْا في الزيادة التي زادها عثمان رضي الله عنه (3)، مع أنها خارج المسجد الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فما زيد فيه فهو منه ولو قُبَّة فهو منه.
بقينا في المسجد الحرام المسجد الحرام فيه خلاف بين العلماء، هل أن المراد بالمسجد الحرام كل الحرم، أو المسجد الخاص الذي فيه الكعبة؟
يقول صاحب الفروع: إن ظاهر كلام أصحابنا يعني: الحنابلة، أنه خاص بالمسجد الذي فيه الكعبة فقط، وأما بقية الحرم فلا يثبت له هذا الفضل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3574
وقال بعض العلماء: إنه أي جميع الحرم يثبت له هذا الفضل، ولكل دليل، أما الذين قالوا: إنه خاص في المسجد الحرام الذي به الكعبة فاستدلوا بما رواه مسلم رحمه الله بلفظ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ» (1)، ولا نعلم في مكة مسجدًا يقال له: مسجد الكعبة إلا المسجد الذي فيه الكعبة فقط، فلا يقال عن المساجد التي في الشبيكة والتي في الزاهر، والتي في الشِّعب، وغيرها والعتيبية وغيرها لا يقال: إنها مسجد الكعبة، وهذا نص كالصريح في الموضوع.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (4)، ومعلوم أن الناس لا يشدون الرحال إلى المساجد التي في العزيزية والشبيكة، والزاهر، وغيرها، إنما تشد الرحال إلى المسجد الذي فيه الكعبة، ولهذا اختص بهذه الفضيلة، ومن أجل اختصاصه بهذه الفضيلة صار شدُّ الرحل له من الحكمة لينال الإنسان هذا الأجر.
ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]، وقد أُسْرِيَ بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحِجْر الذي هو جزء من الكعبة.
ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] فالمسجد الحرام هنا ما المراد به؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3575
مسجد الكعبة لا مكة؛ لأن الله قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ ولم يقل: فلا يدخلوا، ومن المعلوم أن المشرك لو جاء ووقف عند حَدِّ الحرم ليس بينه وبينه إلا شعرة لم يكن ذلك منهيًّا عنه، ولو كان المسجد الحرام هو كل الحرم لكان يُنْهَى المشرك أن يقرب حدود الحرم؛ لأن الله قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، ولذلك هل المحرم أن يدخل داخل الأميال، أو أن يأتي حول الأميال؟
طلبة: أن يدخل ..
الشيخ: الأول هو المحرم؛ لأنه إذا دخل الأميال، الأميال هي العلامات التي وضعت تحديدًا للحرم، لو دخلها لكان قاربًا من المسجد الحرام.
أما الذين قالوا: إنه عامٌّ فاستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديبية نزل في الحِلِّ (5)، والحديبية بعضها مِنَ الحِلِّ وبعضها من الحرم، ولكنه كان يُصَلِّي داخل الحرم؛ يعني: يتقصد أن يدخل داخل الحرم.
وهذا لا دليل فيه عند التأمل؛ لأن هذا لا يدل على الفضل الخاص، وإنما يدل على أن أرض الحرم أفضل من أرض الحل، وهذا لا إشكال فيه، لا إشكال في أن الصلاة في المساجد التي في الحرم أفضل من الصلاة التي في مساجد الحل.
ولكنَّ الشأن كل الشأن هل يثبت هذا التفضيل الخاص الذي هو مئة ألف صلاة؟ فالذي يتبيَّن هو أنه خاصٌّ في المسجد الحرام الذي فيه الكعبة.
فإن قال قائل: إذا امتلأ المسجد الحرام، واتصلت الصفوف وصارت في الأسواق وما حول الحرم فهل يثبت لهؤلاء أجر مَنْ كان داخل الحرم؟
الجواب: نعم؛ لأن هذه الجماعة جماعة واحدة، وهؤلاء الذين لم يحصل لهم الصلاة إلا في الأسواق خارج المسجد، هؤلاء لو حصلوا على مكان لكانوا يبادرون إليه، فنقول: ما دامت الصفوف متصلة، فإن الأجر حاصل حتى لمن كان خارج المسجد.
المسجد النبوي قلنا: إنه باتفاق -فيما نعلم- أنه خاصٌّ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وما زِيد فيه فهو منه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3576
المسجد الأقصى كذلك؛ خاصٌّ بالمسجد لا في كل مساجد القدس، خاصٌّ في مسجد الصخرة، أو ما حوله حسب اختلاف الناس فيه، ولكنه لا يشمل جميع المساجد في فلسطين.
يقول المؤلف: (أفضلُها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى) قال: (لم يلزمه) الجملة هنا جواب أيش؟
جواب (من)؛ يعني: مَنْ نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة لم يلزمه، (فيه) أي في المسجد الذي عَيَّنه.
ثم قال المؤلف: (وإن عَيَّن الأفضل لم يَجُز فيما دونه)، وقوله رحمه الله: (لم يلزمه) ظاهر كلامه الإطلاق حتى لو كان تعيينه للمسجد الذي نذر الاعتكاف فيه أو الصلاة لمزية شرعية؛ ككثرة الجماعة وقِدَم المسجد لأن كثرة الجماعة مزية وقِدَم المسجد مزية؛ ولهذا قال العلماء: المسجد العتيق أفضل من المسجد الجديد لتقدم الطاعة فيه.
ولكن في النفس من هذا شيء؛ نقول: إذا عَيَّن المسجد لمزية شرعية، فإنه لا يتنازل عنه إلى ما دونه في هذه المزية؛ ولهذا قالوا: لو عَيَّن المسجد الجامع واعتكافه يتخلله جمعة لم يجزه في مسجد غير جامع؛ لماذا؟ لأن المسجد الجامع له مزية، وهو أنه تقام فيه الجمعة، ولا يحتاج المعتكف إلى أن يخرج إلى مسجد آخر؛ ولأن التجميع في هذا المسجد يؤدي إلى كثرة الجمع.
فالصحيح في هذه المسألة أن نقول: غير المساجد الثلاثة إذا عَيَّنه لا يتعين إلا لمزية شرعية فإنه يتعين؛ لأن النذر يجب الوفاء به ولا يجوز العدول إلى ما دونه.
يقول المؤلف: (وإن عين الأفضل لم يَجُز فيما دونه وعكسه بعكسه) (إن عين الأفضل) أيٌّ أفضل؟ المساجد الثلاثة؛ لأن المؤلف قال: (أفضلها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى) إذا عَيَّن المسجد الحرام لم يجز في المدينة، ولا في بيت المقدس، وإن عين المدينة جاز فيها وفي مسجد مكة المسجد الحرام، وإن عَيَّن الأقصى جاز فيه وفي المدينة، وفي المسجد الحرام؛ ولهذا يقول المؤلف: (وعكسه بعكسه) يعني: مَنْ نَذَر الأدنى جاز في الأعلى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3577
والدليل على هذا أن رجلًا جاء يوم فتح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس شكرًا لله، فقال: «صَلِّ هَاهُنَا»، فسأله فقال: «صَلِّ هَاهُنَا»، فسأله الثالثة فقال: «شَأَنُكَ إِذَنْ» (6)، فدلَّ ذلك على أنه إذا نذر الأدنى جاز في الأعلى ولا عكس.
استدل شيخ الإسلام رحمه الله وبعض أهل العلم بهذا الحديث على أنه يجوز نقل الوقف من جهة إلى جهة أفضل منها، وهذا الاستدلال استدلال واضح، وذلك لأن النذر يجب الوفاء به، فإذا رَخَّص النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال إلى ما هو أعلى في النذر الواجب، فالوقف الذي هو أصله مستحب من باب أولى.
وهذا في الأوقاف العامة، أما الأوقاف الخاصة كالذي يوقِف على ولده مثلًا، فإنه لا يجوز أن ينقل إلا إذا انقطع النسل؛ وذلك لأن الوقف الخاص خاصٌّ لمن وُقِف له.
يقول رحمه الله: (ومن نذر زمنًا معيَّنًا دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره) (من نذر) يعني: في الاعتكاف (زمنًا معينًا) فمتى يدخل؟ يدخل قبل ليلته الأولى فإذا نذر أن يعتكف العشر الأول من رجب، متى يدخل؟ عند غروب الشمس من آخر يوم من جمادى الثانية.
وإذا نذر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان متى يدخل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو بيوم التاسع عشر.
طالب: ليلة العشرين.
الشيخ: إذا غابت الشمس يوم العشرين دخل.
الطالب: ليلة العشرين.
الشيخ: لا.
الطالب: ( ... ) العشرين.
الشيخ: لا، يوم العشرين.
طالب: يعني يدخل يوم عشرين بالليل.
الشيخ: إذا غابت الشمس يوم عشرين ( ... ) قال: (دخل معتكفه قبل ليلته الأولى وخرج بعد آخره).
يخرج إذا غربت الشمس من آخر يوم من الزمن الذي عينه.
إذا نذر أن يعتكف هذا الأسبوع ويشير إلى أسبوع مقبل بأن قال: لله عَلَيَّ نذر أن أعتكف الأسبوع القادم، متى يدخل؟ بغروب الشمس يوم الجمعة، ومتى يخرج؟ بغروب الشمس ليلة الخميس ولّا ليلة السبت؟
طلبة: ليلة السبت.
الجزء: 1 - الصفحة: 3578
الشيخ: إي نعم ليلة السبت؛ لأنه لا يتم أسبوعًا إلا بتمام سبعة أيام، ولا يتم سبعة أيام إلا إذا بقي إلى غروب الشمس من ليلة الجمعة.
وهل يلزمه التتابع؟
نقول: إذا نذر زمنًا معينًا لزمه التتابع؛ ضرورة تعيين الوقت، فإذا قال: لله علي نذر أن أعتكف الأسبوع القادم، لزمه التتابع، لله عَلَيَّ نذر أن أعتكف العشر الأُوَل من شهر كذا، يلزمه التتابع، لله عليَّ نذر أن أعتكف الشهر المقبل يلزمه التتابع ضرورة التعيين.
أما إذا نذر عددًا قال: أن أعتكف عشرة أيام، أو أن أعتكف أسبوعًا ولم يُعَيِّن الأسبوع، فله أن يتابع وهو أفضل، وله أن يُفَرِّق؛ لأنه يحصل النذر بمطلق الصوم إن كان صومًا، أو بمطلق الاعتكاف إن كان اعتكافًا.
قال: (ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد منه).
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، (ولا يخرج) لا: نافية.
(ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد منه)،
سبق لنا في تعريف الاعتكاف أنه لزوم مسجدٍ لطاعة الله فالمعتكِف قد ألزم نفسه أن يبقى في المسجد فلا يخرج من المسجد إلا لِمَا لا بد منه حِسًّا أو شرعًا، فالذي لا بد منه حسًّا أو شرعًا له أن يخرج.
مثال الأول الحِسُّ: الأكل والشرب، والحصول على زيادة الملابس إذا كانت بردًا، قضاء الحاجة؛ البول أو الغائط، هذا لا بد منه حسًّا.
ومثال الثاني: أن يخرج ليغتسل من جنابة مثلًا، أن يخرج يتوضأ لأنه لا بد أن يتوضأ لا بد أن يغتسل من الجنابة، فهذه لا بد منها شرعًا.
ثم قال: (ولا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه) لا يعود مريضًا إلا أن يشترطه، لا يشهد جنازة إلا أن يشترطه، أما كونه لا يعود مريضًا فلأن عود المريض ليس مما لا بد منه لأنه سنة يمكن للإنسان أن يدعه ولا يأثم، وكذلك شهود الجنازة، لكن لو فُرِضَ أنه تعيَّن عليه أن يشهد الجنازة بحيث لم نجد مَنْ يُغَسِّلُها ومن يحملها إلى المقبرة صار هذا مِنَ الذي لا بد منه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3579
وعُلِمَ من قوله: (إلا أن يشترطه) جواز اشتراط ذلك في ابتداء الاعتكاف، فإذا نوى الدخول في الاعتكاف، يقول: أستثني يا رب عيادة المريض أو شهود الجنازة.
ولكن هل هذا من الأمور التي تنبغي، أو المحافظة على الاعتكاف أولى؟
الثاني، إلَّا إذا كان المريض له حَقٌّ عليه أو مَنْ يُتَوَقَّع موته وله حق عليه، فهنا الاشتراط أولى لو كان المريض من أقاربه الذين يُعْتَبر عدم عيادتهم قطيعة رحم فهنا يَسْتَثْنِي، وكذلك شهودُ الجنازة.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على جواز اشتراط ذلك؛ لأن الأصل أن العبادات إذا شرع فيها أتمها إمَّا وجوبًا أو استحبابًا حسب حكم هذه العبادة؟
نقول: ليس هناك دليل واضح في المسألة إلا قياسًا على حديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب حيث جاءت تقول للرسول صلى الله عليه وسلّم: إنها تريد الحج وهي شاكية، فقال لها: «حُجِّي واشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (7)؛ فيؤخذ من هذا أن الإنسان إذا دخل في عبادة، واشترط شيئًا لا ينافي العبادة فلا بأس.
طالب: طيب يا شيخ لو دخل معتكفه ( ... ) ثم طرأ مثلًا على أخيه أو مثلًا على أبيه مرض أو ظروف؛ موت هل يقطع ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هذا صحيح يقول: لو دخل معتكفه ثم طرأ على أبيه مرض أو موت أو على قريبه، فهل له أن يقطعه؟
نقول: نعم له أن يقطعه لأن استمراره في الاعتكاف سُنَّةٌ وعيادته لأبيه أو قريبه الخاص قد تكون واجبة؛ لأنها من صلة الرحم، وكذلك شهود الجنازة.
طالب: ( ... ) المقاطعة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ) من باب الضرورة ( ... ).
الشيخ: لا، الضرورة التي استثنوها هي الضرورة المتعلقة بالشخص المعتكف ما هو بأمر خارج.
الطالب: عفا الله عنك يا شيخ ( ... ) أنه اعتكف في مسجد لا تُقامُ فيه الجمعة فهل يخرج مبكرًا أم إذا حضرت الخطبة، وهل ( ... ) إذا كان الاعتكاف مسنونًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3580
الشيخ: السؤال سمعتموه؟ يقول: إذا اعتكف في غير مسجد جامع ثم جاءت الجمعة، هل الأفضل أن يتقدم إلى الجمعة أو الأفضل أن يتأخر حتى يحضر الإمام؟
نقول: هذه فيها احتمالان:
الاحتمال الأول: التقدم لأن هذا مما يُشْرَع للجمعة، فهو كما لو خرج للاغتسال للجمعة إذا قلنا بأنه مستحب، ويحتمل أن يقال: التقدم إلى الجمعة سُنَّة فهو أمر له منه بد فلا يتقدم بل ينتظر حتى يحضر الإمام؛ لأنه لم يلزم بالحضور إلى المسجد وهو عندي محل تردد.
طالب: بناء مصلى في البيت ما حكمه؟ ..
الشيخ: اتخاذ مصلى في البيت طلبه عِتْبان بن مالك رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحضر النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيته وصلَّى فيه ليتخذ عتبان هذا المكان مصلى (8) وهذا فيه فائدة وهو حماية هذا المكان من أن تصيبه النجاسة أو الأذى وأيضًا بُعْد الصبيان عنه إذا عرفوا أنه مصلى.
طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- هاهنا ثلاث مسائل:
الأولى: مشى المصنف على أن الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة جائز ( ... )، وفي سنن ابن ماجة بسند صحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ» (9) فكيف نجيب؟
الشيخ: أجبنا على هذا بارك الله فيك.
الطالب: ما كنت حاضرًا.
الشيخ: ما كنت حاضرًا، ارجع للشريط.
الطالب: الثانية يا شيخ -جزاك الله خيرًا- ذكرتم بأن من الأدلة على أن الصلاة بمئة ألف خاصة بالمسجد الحرام الذي حول الكعبة؛ من الأدلة ما رواه مسلم في صحيحه بزيادة لفظ أو بإثبات لفظ مسجد الكعبة ولا نعلم مسجدًا يُطْلَق عليه مسجد الكعبة إلا المسجد الذي فيه الكعبة، أليس لقائل أن يقول: إن الله تعالى أطلق الكعبة على الحَرَم على مكة في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] فإنه ليس من المعقول أن يأخذ الرجل هديه ويذبحه عند الكعبة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3581
الشيخ: أحسنت، إذا كان ليس من المعقول أن الإنسان يذبح الهدي في الكعبة، فهل من المعقول أن الله أراد ذلك؟
الطالب: لا يا شيخ.
الشيخ: طيب، انتهى الموضوع، لكن مسجد الكعبة واضح فيه ولهذا نقول للناس: هل أنتم تجيزون شَدَّ الرحال إلى المساجد اللي في مكة؟ واللفظ واحد المسجد الحرام.
الطالب: والثالثة بالنسبة للوقف ذكرتم أن شيخ الإسلام ابن تيمية أخذ من قول النبي صلي الله عليه وسلم للرجل: «صَلِّ هاهنا» (6)، أخذ أنه يجوز نقل الوقف عن نص الواقف، فهل يجوز إذا أوقف الواقف وقفًا على طلبة علم مثلًا غير متزوجين أن يجعل القاضي هذا النص إلى المتزوجين؛ لأنهم –ممكن- أحوج وأفضل، هل يجوز هذا .. ؟
الشيخ: نعم، يعني: اشتراط أن يكون المستحق أعزب هذا شرط مخالف للسُّنَّة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالزواج وإذا قلنا: لا يستحق هذا الوقف إلا الأعزب بقي الناس لا يتزوجون، يعنى: هو مدعاة إلى عدم التزوج فهذا الشرط غير صحيح؛ ولهذا يجوز أنه يعطي المتزوج إذا كان فيه حاجة.
طالب: إذا نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ( ... ) فقلتم: يعتكف عند غروب شمس ليلة العشرين هنا يعتكف واحدًا وعشرين يومًا.
الشيخ: كيف يعتكف واحد وعشرين يومًا؟
الطالب: يوم عشرين.
الشيخ: لا، ما هو بيوم التاسع عشر.
الطالب: ليلة العشرين.
الشيخ: إذا غابت الشمس يوم العشرين دخل.
طالب: ليلة واحد وعشرين.
الشيخ: ليلة واحد وعشرين.
طالب: ( ... ) قسنا اشتراط ( ... ) على اشتراط المحرمة ( ... )، العبادات يا شيخ ( ... ).
الشيخ: العبادات يمتنع فيها القياس؛ إثبات عبادة مستقلة، أما شرط في عبادة وما أشبه ذلك، مع تساوي العبادتين في المعنى فلا بأس به، وما زال العلماء يستعملون هذا، تجب التسمية في التيمم قياسًا على الوضوء، تجب في الغسل قياسًا على الوضوء، فالعلماء يستعملون هذا، لكن القصد من قال: إنه لا قياس في العبادات يعني: في إثبات عبادة مستقلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3582
طالب: شرط نفي دفع الضرر هنا لا يترتب عليها ضرر يا شيخ.
الشيخ: كيف؟
الطالب: المحرمة تشترط لدفع الضرر بالاشتراط، لكن هنا ..
الشيخ: هي تخشى ألا تتم.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: تخشى ألا تتم.
الطالب: ما يكون فرق يا شيخ خالص.
الشيخ: فرق صحيح، لكن ما هو مؤثر.
طالب: قلنا بأن إذا نذر الاعتكاف في مسجد فيه مزية شرعية ..
الشيخ: أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما خالف قطاع الطريق موجودين.
طالب: فيه بعض المساجد يوجد فيها مسجد داخل المسجد خاص بالنساء ويوضع له دورة مياه أحيانًا، المعتكف يا شيخ يحتاج إلي الخروج لدورة المياه بإمكانه أن يدخل دورة المياه اللي بالمسجد هذه اللي من حق ..
الشيخ: النساء؟
الطالب: لكن يخشى يا شيخ أن يوجد فيه مسجد ( ... ) ..
الشيخ: لا، هذا يخرج ما فيه بأس، يخرج إلى الدورة الثانية، ما لم يتيقن أنه خارج.
طالب: شيخ، إذا قلنا بأنه يجوز أن ينذر الاعتكاف بمسجد فيه مزية شرعية فيجب الاعتكاف فيه فنقول بهذا أنه يحصل شد الرحال إلى غير المساجد الثلاث.
الشيخ: لا، المراد المسجد اللي ما يحتاج إلى شد رحل.
الطالب: ( ... ) في بلده.
الشيخ: إي، في بلده نعم.
( ... ) فضيلة الصلاة في المساجد الثلاثة عامة في صلاة الفرض والنفل أم هي خاصة؟
هذا سؤال مُهِمٌّ نذكره إن شاء الله في الدرس ( ... ).
هذه المسألة؛ مسألة المجاز وعدمه فيه خلاف؛ هل هو ممنوع في القرآن دون اللغة أو ممنوع في القرآن واللغة أو موجود في القرآن واللغة فيها ثلاثة أقوال:
الجزء: 1 - الصفحة: 3583
فالقول الأول: أنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة بناء على أن ما يحصل به تعيين المعنى فهو حقيقة ومعلوم أن المجاز يُعَيِّن المعنى بالقرينة، وإذا عين المعنى فهو حقيقة في سياقه، فكلٌّ يعرف أن قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] يعني: اسأل الناس الذين في القرية، ولا يَتَصَوَّرُ أحدٌ أن يقال: القرية ثم تَجَوَّز بها عن الساكنين، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59] المراد بالقرى هنا المساكن فالسياق يُعَيِّن المعنى؛ فمن قال: إنه متى تعين المعنى فهو حقيقة في سياقه وإن كان يستعمل في غير هذا المعنى في سياق آخر، قال: لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة.
ومن العلماء من مَنَعَ المجاز في القرآن دون اللغة مثل الشنقيطي رحمه الله محمد الأمين، وله رسالة في منع المجاز في القرآن.
ومنهم مَنْ قال: المجاز موجود في القرآن وفي اللغة، والمسألة ما فيها خطورة؛ يعني: الخلاف في هذا ما فيه خطورة إلا في باب الصفات، في باب صفات الله عز وجل؛ حيث تَسَلَّط المعطلة بهذا الكلام أعني: إثبات المجاز على نفي صفات الله وإلَّا ما فيه ذكر خطورة.
بعضهم قال: في القرآن فيه خطورة؛ لأن المجاز يجوز نفيُه ولا شيء في القرآن يجوز نفيه.
يقول: هل نفهم من توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لعُمَرَ الوفاء بنذره أن نذره قبل إسلامه منعقد ويلزمه الوفاء به بعد إسلامه؟
نعم، نفهم منه هذا؛ لأن النذر يصح حتى من الكافر.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: وإن وطئ في فرجٍ فسد اعتكافُه، ويستحب اشتغالُه بالقرب واجتناب ما لا يعنيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3584
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا أن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي خير من ألف صلاة ما عدا المسجد الحرام، وفي المسجد الأقصى خمس مئة صلاة، يرد على هذا أسئلة منها ما أوردها السائل قبل قليل هل هذا خاص في الفرض أو في الفرض والنفل؟
نقول: هو عامٌّ في الفرض وفي النفل لأن الحديث عامٌّ، وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم عامٌّ وجب الأخذ بعمومه ما لم يدل دليل على خلاف ذلك؛ فمثلًا: تحية المسجد في المسجد الحرام بمئة ألف، قيام الليل في رمضان بمئة ألف، وهلم جرًّا، ولكن النافلة التي لا يُشْرَع أن تُفْعَل في المسجد فِعْلُها في البيت أفضل من فعلها في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خَيْرُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (10)، أو قال: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ»، وأنه هو صلى الله عليه وسلم كان يتنفَّل في بيته.
فإذا قال قائل: كيف تكون في البيت أفضل وهي هنا أكثر بالكمية؟
قلنا: لكنها أفضل من حيث الكيفية، ومن المعلوم أن الجبل أكثر من مليون حصاة بمقدار النواة مثلًا، وعلى هذا فتفضيلها في البيت من حيث الكيفيَّة أفضل منها عددًا في المسجد.
المسألة الثانية: هل تُضَاعَفُ بقيةُ الأعمال كما تضاعف الصلاة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3585
نقول: الأصل في تقدير الثواب إلى الشارع فإن قام دليل واضح على ذلك فإنه يُعمَل به، وإلا فالأصل أن ثواب الأعمال واحد في جميع الأماكن ما لم يوجد دليل، لكن وُجِد دليل فيمَنْ صام رمضان في مكة لكنه ضعيف؛ أنه يضاعَف الصيام في مكة إلا أنه ضعيف، (11) والعلماء رحمهم الله قالوا قاعدة لكن لم يتضح لي دليلها: إن الحسنات تضاعف في كل زمان ومكان فاضل، وبناء على هذه القاعدة تكون جميع الأعمال في مكة أفضل منها في غيرها ولكن التضعيف الخاص يحتاج إلى دليل.
المسألة الثالثة: هل إذا ضوعفت الحسنات تضاعف السيئات؟ والجواب: لا تضاعف السيئات من حيث الكمية، لكن قد تضاعف من حيث الكيفية؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160] وهذه الآية نزلت في مكة؛ لأنها من سورة الأنعام، لكن تضاعَف من حيث الكيفية لقوله تعالى في المسجد الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].
ولعل فيما ذكرنا كفاية بالنسبة لإجابة السائل.
نرجع الآن إلى المناقشة فيما سبق.
رجل قال: لله عليَّ نذر أن أعتكف العشر الأواخر من رمضان، فمتى يَدْخُل؟
الطالب: يدخل ليلة واحد وعشرين؛ يعني: بعد غروب الشمس من يوم عشرين.
الشيخ: صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: نعم، ومتى يخرج؟
الطالب: بعد غروب الشمس من آخر يومٍ.
الشيخ: من آخر يومٍ من العشرة؛ يعني: ليلة العيد لا تدخل في هذا؟ صحيح.
إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام فهل يلزمه التتابع؟
الطالب: إذا نذر العشرة الأواخر أم العشرة .. ؟
الشيخ: إذا نذر عشرة أيام؟
الطالب: لا يلزمه التتابع.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنها عشرة أيام؛ تَصْلُح أن تكون مُفَرَّقة، وتصلح أن تكون متتابعة.
الشيخ: مطلقًا، لا يلزمه مطلقًا؟
الطالب: إلَّا إذا قال: في العشر الأواخر إذا عَيَّن.
الجزء: 1 - الصفحة: 3586
الشيخ: لا تعني إذا عيَّن أيامًا معلومة، وقال: لله عليَّ نذر أن أعتكف عشرة أيام.
الطالب: على ما نوى، إن نوى التتابع فهو يجب عليه أن يجعلها متتابعة ( ... ) لم ينوِ التتابع ( ... ) تصح منه أن ..
الشيخ: إذا صحَّت مفرقة، فمتى يدخل في كل يوم؟
الطالب: يدخل قبل غروب الشمس، ويخرج بعد غروب الشمس.
الشيخ: صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: وتدخل الليالي من؟
الطالب: من غروب الشمس.
الشيخ: لا تدخل في الأيام.
الطالب: نعم.
الشيخ: لأنه قال: أعتكف عشرة أيام.
إذن نقول: إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام، فإمَّا أن يشترط التتابع بلفظه فهو يلزمه؟
طلبة: التتابع.
الشيخ: التتابع، وإن لم يشترطه بلفظه؟
طالب: لم يلزمه.
الشيخ: فهو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن ينويَ التفريق؛ فلا تلزمه إلا مفرقة.
والثاني: أن ينوي التتابع، فتلزمه متتابعة.
والثالث: أن يُطْلِق فلا تلزمه متتابعة، لكن إذا تتابع فهو أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء ذمته.
أما إذا نذر أيامًا معيَّنة كالعشر الأُوَل أو الأُخَر، أو أول أسبوع من الشهر، أو ما أشبه ذلك فيلزمه التتابع.
خروج المعتكف للبيع والشراء؛ رجل صاحب دكان اعتكف، وصار يخرج بعد طلوع الشمس بساعة فإذا قَرُب الظهر رجع، إذا صلى العصر ذهب، إذا قرب المغرب رجع، ما تقول؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: ما هو هذا من ابتغاء من فضل الله؟
الطالب: إي، فضل الله له وقت غير زمن الاعتكاف.
الشيخ: ما هو العلة؟
الطالب: العلة أن هذا ينافي أصل الاعتكاف؛ إذ الاعتكاف الحبس ولزم المسجد للطاعة، وهذا للبيع.
الشيخ: صحيح، هذا البيع والشراء ينافي أصل الاعتكاف؛ لأن الاعتكاف لزوم مسجد لأي شيء؟
طلبة: للطاعة.
الشيخ: لطاعة الله.
مرض أبو المعتكف فخرج يعوده؟
الطالب: فيه تفصيل يا شيخ: إذا كان اشترط فإنه يجوز ( ... ).
الشيخ: كيف يشترط، وهو صحيح أول ما دخل؟
الطالب: ممكن يشترط يقول: إن مرض لي قريب ..
الجزء: 1 - الصفحة: 3587
الشيخ: قد يشترط فيقول: إن مرض لي قريب فلي أن أعوده، وإن لم يشترط؟
الطالب: إن لم يشترط لم ( ... ).
الشيخ: لم يَجُزْ؟ !
الطالب: لا يخرج ..
الشيخ: لم يجز مع إن الاعتكاف نفل؟ !
الطالب: هذا النذر.
الشيخ: لا، أنا أقول: نفل.
الطالب: إذا كان نفلًا، له أن يخرج ويبطل اعتكافه.
الشيخ: صحيح؛ لأن هذا له منه بد.
لو سألك: أيهما أولى أن أذهب وأعود أبي أو أبقى في الاعتكاف؟
الطالب: يُبْطِل الاعتكاف ويعود أباه.
الشيخ: الأَوْلَى أن يعود أباه ولو بَطَل اعتكافُه؛ لأن عيادة أبيه من البِرِّ، والبِرُّ أفضل من مُطْلَقِ الاعتكاف.
قال المؤلف رحمه الله: (وإن وَطِئ في فرج)، (إن وطئ) الفاعل يعود على المعتكف.
(في فرج) بطل اعتكافه لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] وهذا نهيٌ صريح في أنه لا تجوز مباشرة النساء حال الاعتكاف ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فلو جامع بَطَل اعتكافه؛ لأنه فعل ما نُهِيَ عنه بخصوصه، وكل ما نُهِيَ عنه بخصوصه في العبادة فإنه يُبْطِلُها، وهنا ينبغي أن نتعرض لهذه القاعدة المفيدة؛ النهي إن عاد إلى نفس العبادة فهي حرام وباطلة.
مثاله: لو صام الإنسان يوم العيد فصومه حرام وباطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن صوم يوم العيد (12)، ولو أن المرأة وهي حائض صامت لكان صومُها حرامًا وباطلًا؛ لماذا؟ لأنه منهيٌّ عنه بخصوص، يعني: قيل للحائض: لا تصومي، فإذا صامت فكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط، كل عبادة تُنافِي أمر الشرع أو تُوقَع فيما نهى عنه فهي باطلة.
الحالة الثانية: أن يكون النهي على قول أو فعل يختص بالعبادة، أن يكون النهي عائدًا إلى قول أو فعل يختص بالعبادة فهذا أيضًا يبطل العبادة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3588
مثال ذلك: الأكل في الصوم، الأكل في الصوم الأصل فيه أنه حلال أليس كذلك؟ فإذا أكل الصائم فسد صومه؛ لأن النهي عائد إلى فعل يختص بأيش؟ بالعبادة الذي هو الصوم، إذا جامع وهو مُحْرِم، فما الحكم؟
طلبة: فَسَد إحرامه.
الشيخ: يَفْسد إحرامه؟
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197].
إذا حلق رأسَه وهو مُحرِم؛ النهي هنا عن فِعْلٍ يختص بالعبادة ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] فسد الإحرام؛ لأن النهي يعود إلى فعل يختص بالعبادة.
القاعدة فإما أن يوجد دليل يخصص هذه المسألة، وإما ألا يمكن، وإما أن تفسد.
الظاهرية ذهبوا إلى فسادها وقالوا: إن فعل المحظورات في الإحرام مفسد للإحرام، هذه القاعدة وتدبروها بكل شيء؛ كل ما نهي عنه في العبادة إذا فعله الإنسان أبطلها؛ لأنه منهيٌّ عنه لأجل هذه العبادة، فإذا انتهكت الحرمة فسدت العبادة.
وأما حديث كعب بن عجرة؛ حيث إن الله عز وجل أَذِن لمن كان مريضًا أو به أذى من رأسه، أن يَحْلِقَ ويَفْدِي (13)، فهذا لعذر، ولا يستوي المعذور وغير المعذور، أيش نقول؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نسلم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: عندنا قاعدة أساسية الآن؛ كل فعل أو قول نُهِيَ عنه في العبادة فهو يُفْسِدها، هذه القاعدة مُطَّرِدَة، وهذا قول أو فعل نُهِيَ عنه في العبادة؛ محظور من محظورات الإحرام فيفسدها، ولا يمكن أن يقال: إن لنا حجة في قصة كعب بن عجرة؛ لأنه معذور ولما صار معذورًا صار الحلق في حقه أيش؟ حلالًا ما هو حرام، فإذا فعله في هذه الحال لم يكن فعل محظورًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: معذور هاج به الدم فأخذ من الشعر، ثم قالوا: نحن نخاصمكم بالقياس مع أننا لا نقول به لكن نلزمكم إياه لأنكم تقولون به، لماذا تقولون: إنه إذا جامع فَسَد إحرامه؟ أيُّ فرق؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3589
طالب: الفرق بين قوله هذا فاسد وبين قوله باطلًا.
الشيخ: لا هذه مسألة ثانية؛ التفريق بين الفساد والبطلان شيء أخر.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ذكرتم قبل هذا أن الفقهاء قالوا: إلَّا في الحج؛ لأن تكلف مشقة وجاؤوا ..
الشيخ: لا ما هو بهذا، هذا ذكرناه في جواز الخروج من النفل؛ قلنا: إلا الحج.
طالب: نقول: هذا الحج ينطبق عليه القاعدة، لكن يُسْتَثنَى إلا ما دل الدليل على عدم البطلان.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: لقول الله تعالى.
الشيخ: بس ما يخالف، يقولون: نحن معكم إذا كان لعذر.
لكننا نجيبهم بما جاء في القرآن، الصيد حرام في الإحرام، وقال الله فيه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: 95] أي: غير معذور ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ولم يُبْطِل الله الإحرام، فدلَّ هذا على أن الحج والعمرة لها أحوال خاصة؛ لقوة لزومها وثبوتها، لا يفسدها المُحَرَّمُ فيها إلا ما أجمع العلماء عليه، وهو فيما أعلم الجماع، وإلَّا فإنه لا يُفْسِدها، والدليل في الصيد ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ وهذا ليس بمعذور، ثم إنه ينجبر بالبدل، ثم إن العذر في المفسد لا يقتضي رفع البطلان، أرأيتم الصائم إذا كان مريضًا وأفطر من أجل المرض هل يَفْسُد صومه أو لا؟
طالب: نعم، يفسد.
الشيخ: مع أنه؟
الطالب: معذور.
الجزء: 1 - الصفحة: 3590
الشيخ: معذور، فلهذا تَبَيَّن أن أهل الظاهر رحمة الله عليهم أول ما يسمع الإنسان حجتهم ينبهر ويقول هذه حجة لا مناص منها، لكن عندما يتأمل يتبين له إذا وفقه الله عز وجل للبيان، وإن كان قيادة سهلة مشى، لكن إذا تأمل وجد أن الفقه كل الفقه في الذين يتَّبعون الدليل؛ ظاهره وباطنه، ويحملون النصوص الشرعية بعضها على بعض، حتى تتلاءم، ولذلك أنا أرى أن الظاهرية لهم حجج قوية، لكنها على اسمهم، أيش هي؟ ظاهرية، وأن الإنسان إذا تَعَمَّق وجد أن ما ذهب إليه الفقهاء المعنيُّون بالمعاني هو الصواب في الغالب.
إذن القاعدة اللي ذكرنا نرجع إلى قاعدتنا -لا بعد النظير- أيش القاعدة؟
أنه إذا نُهِيَ عن شيء في العبادة؛ فعل أو قول وهو يختص بالعبادة النهي فإنه يفسدها تمام، مثَّلنا بأيش؟ بالأكل والشرب في الصيام، الأكل والشرب حلال، لكن في الصيام حرام، فإذا فعل بطلت.
الكلام في الصلاة حرام دائمًا.
طلبة: ( ... ) خاص.
الشيخ: خاص، هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فإذا تكلم الإنسان في الصلاة، ولو بكلام يُحْمَد عليه ولو بأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر بطلت صلاته؛ لأن النهي أيش؟ خاصٌّ بالصلاة، حتى ولو كان مما يجب كالأمر المعروف والنهي عن المنكر، إذا تكلم في الصلاة بطلت.
الثالث: إذا كان النهي عامًّا فإن القاعدة أنه لا يبطل العبادة إذا كان النهيُ عامًّا في العبادة وغيرها فإنه لا يبطلها.
الغيبة للصائم؛ إذا اغتاب الصائم، فالغيبة حرام، لكن لا تُبْطِل الصيام، لماذا؟ لأن التحريم عامٌّ فلا يبطل الصوم.
صلى في أرض مغصوبة، حكم الصلاة؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: على القاعدة.
طلبة: صحيحة.
الشيخ: على القاعدة صحيحة؛ لأنه لم يَرِد النهي عن الصلاة، لو قال: لا تُصَلُّوا في أرض مغصوبة فصلى، قلنا: لا تصح؛ ليش؟ لأنه نُهِيَ عن الصلاة بذاتها بعينها.
الجزء: 1 - الصفحة: 3591
توضأ بماء مغصوب، أيش القاعدة؟ تقتضي أن يكون الوضوء صحيحًا؛ لأن التحريم عام، استعمال الماء المغصوب في الطهارة، في غسل الثوب، في الشرب، في غسل أي شيء حرام.
فالتحريم عامٌّ فلا يوجب بطلان العبادة.
لو صلى وهو مُحْدِث؟
طالب: لا تصح صلاته.
الشيخ: لا تصح، ليش؟
طالب: ( ... ).
طالب آخر: فاقد شرط.
الشيخ: نعم، هو فاقد شرط، لكن أيضًا ترك واجبًا، ووقوع في المنهي عنه: «لَا صَلَاةَ بِغَيْرِ وُضُوء» (14) فتكون الصلاة غير صحيحة، وعلى هذا فقس.
فصار عندنا الآن ثلاث قواعد؛ إذا عاد النهي إلى ذات العبادة فهي حرام ولا تَصِحُّ، إذا عاد النهي إلى فعل شيء أو قول شيء يختص بالعبادة أفسدها، إذا عاد النهي إلى شيء عام في العبادة وغيرها فإنه لا يبطلها.
صلَّى في المقبرة؟
طالب: لا تجوز.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا تصح لأيش؟
طلبة: لأن فيها نهيًا خاصًّا.
الشيخ: لأن فيها نهيًا خاصًّا «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (15).
صلَّى إلى قبر؛ يعني: جعل القبر قبلته؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لا تصح، لأيش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأن النهي عن نفس الصلاة «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ» (16)، وعلى هذا فقس، هذه هي القاعدة المفيدة.
الآن نرجع إلى الاعتكاف؛ رجل تزوَّج حديثًا وهو شاب، وليكن زواجه ليلة تسعة عشر من رمضان، ودخل معتكفه ليلة إحدى وعشرين، وكأنه اشتاق إلى أهله فذهب إلى أهله وجامع، ما حكمه؟
طالب: بَطَل الاعتكاف.
الشيخ: بطل الاعتكاف، اشترط لأنه حديث عهد بعرس؛ اشترط عند دخوله في الاعتكاف أن ينام مع أهله؟
طلبة: لا يَصِحُّ.
الشيخ: لأيش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأن هذا مُحَلِّلٌ لما حرَّم الله، وكل شرط أحل ما حرم الله فهو باطل.
يقول: (إن وَطِئ في فرج فَسَد اعتكافه).
وإن وطئ في غير فرج؟ مثل وطئ زوجته بين فخذيها، هل يَفْسُد؟
قالوا: لا يَفْسُد إلا أن يُنْزِل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3592
(ويُسْتَحَب اشتغالُه بالقُرَب واجتناب ما لا يَعْنِيه).
(يُسْتَحب اشتغالُه بالقُرَب) يعني: لا بالعلم إلا شيئًا نادرًا يفوت بفوات الوقت فلا بأس، وإلا فالأفضل أن يشتغل بالعبادات الخاصة، كقراءة القرآن، والذكر، والصلاة في غير وقت النهي، وما أشبه ذلك، وهو أفضل من أن يذهب إلى حلقات العلم، اللهم إلا أن تكون هذه الحلقات نادرة، لا تَحْصُل له في غير هذا الوقت، فربما نقول: طلب العلم في هذه الحال أفضل من الاعتكاف، فاحضرها، لكن سيحمل كتابه ويجلس على شيخه يقرأ، نقول: هذا الأفضل ألَّا يفعل، يشتغل بالقرب.
(واجتناب ما لا يَعْنِيه) يعني: أن يجتنب ما لا يعنيه من قول أو فعل أو ترك، أو غير ذلك وهذا سنة له ولغيره؛ قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (17)، وهذا من حُسْن إسلام المرء، ومن حسن أدبه، ومن راحة نفسه أن يدع ما لا يعنيه، أما كونه يَنْبُش عن شيء لا يعنيه، لو يشوف إتنين يتكلمون قال: تعال، ويش قال لك الرِّجِّال؟ يتعب، أليس كذلك؟ يتعب.
إذا كان أيضًا يتتبع الناس ويش حصل لفلان؟ ويش صار لفلان؟ ويش صار في أمريكا؟ ويش صار في موسكو؟ ويش صار في لندن؟ ويش صار في باريس؟ هل يعنيه هذا؟
أكثر الأحيان ما يعنيه، ربما يعنيه إذا أساء هؤلاء الكفار إلى المسلمين يعنيه هذا الشيء لأجل أن يدعوَ الله عليهم، لكن أشياء ما تعنيه، فإن من حسن إسلام المرء وأدبه وراحته أن يدع ما لا يعنيه؛ ولهذا تجد الرجل السمَّاع الذي ليس له هَمٌّ إلا سماع ما يقوله الناس، والاشتغال بقيل وقال، تجده منفرط عليه الوقت.
اجتناب ما لا يَعْنيه: هل يجوز مثلًا أن يزوره أحدٌ من أقاربه ويتحدث إليه ساعةً من زمان؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3593
الجواب: نعم؛ لأن صَفِيَّة بنت حُيَي زارت النبي صلى الله عليه وسلم في مُعْتَكَفِه، وتحدثت إليه ساعة (18) وهذا لا بأس به، وهذا مما يعني الإنسان، مما يعني الإنسان أن يتحدث إلى أهله؛ لأنه إذا تحدث إلى أهله أدخل عليهم السرور، وحصل بينهم الألفة، وهذا أمر مقصودٌ للشرع؛ ولذلك ينبغي لنا ألا يكون الإنسان منا كَلًّا، تجده مثلًا يجلس إلى أهله ما يكلمهم، ولا يتحدث إليهم، إن كان طالب علم فكتابه معه، وإن كان هو عابدًا يقرأ القرآن مثلًا أو يذكر الله ولا يتكلم، ثم إذا سألتَه ليش يا أخي ما تتكلم، قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (19)، أنا ويش أقول؟ ما عندنا كلامًا، أنا ما بعلمه الفقه ولا التوحيد ولا التفسير، ما عندي كلام ويش أقول؟ إذن الأَوْلى أنْ أَصْمُت.
نقول: يا أخي، الخير، فليقل: خيرًا، الخير إما أن يكون في ذات الكلام، أو في غيره فيما يؤدي إليه الكلام، ولا شك أنه إذا تكلَّمت مع أهلك، أو مع أصحابك بكلام مباح في الأصل ولكن قصدك إدخال الأُنْس والسرور عليهم، صار هذا خيرًا، لكن لغيره ولَّا لذاته؟
طلبة: لغيره.
الشيخ: لغيره، وقد يكون خيرًا لذاته أيضًا، ربما تَعْرِض عليهم مسألة فقهية أو آية تقول: فَسِّروا الآية هذه أو حديث تقول أيش معناه؟ فالمهم أن تَجَنُّب ما لا يعني الإنسان -لا شك- أنه خَيْرٌ للمعتكف ولغيره.
سمعنا أن واحدًا من الناس قال: أنا لن أتكلم بكلام الآدميين أبدًا، لا أتكلم إلا بكلام الله، فإذا دخل إلى بيته قال: ﴿ابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: 19] يعني: يديكوا قروش، جيب لنا الخبز، كل ما قيل، ما يتكلم إلا بالقرآن ما تقولون في هذا؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3594
الشيخ: قال أهل العلم: يَحْرُم جَعْلُ القرآنِ بدلًا من الكلام، وأنا رأيت في زمن الطلب وأنا صغير قصة في جواهر الأدب، عن امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، وتُعْجِب اللي يخاطبونها، قالوا: أيش بلاها؟
قالوا: هذه لها أربعون سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تَزِل فيغضب عليها الرحمن.
ماذا نقول نحن؟
نقول: هي زلَّت الآن، هذا زَلَل القرآن لا يُجْعَل بدلًا من الكلام، لكن لا بأس أن يستشهد الإنسان بالآية على قضية وقعت كما يُذْكَر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يَخْطُب، فخرج الحسن والحسين يَعْثُران بثياب لهما فنزل فأخذهما، وقال -أظنه-: «صَدَقَ اللَّهُ: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾» (20) فالاستشهاد بالآيات على الواقعة إذا كانت مطابقة تمامًا لا بأس بها.
الطالب: أحسن الله إليك، كيف حال القُبْلَة والضَمِّ وما شابه ذلك، والمباشرة فيما دون الفرج؛ غير مبطل للاعتكاف لأنه نافيه؟
الشيخ: إي هم يقولون: إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187] يراد به الجماع، لكن مُقَدِّمَاته تَحْرُم تحريم الوسائل.
الطالب: لكنه إذا أَمِنَ على نفسه الجماع في الفرج، معنى هذا أنهم يجيزون له القُبْلَة والضم وما ..
الشيخ: ما تجوز.
الطالب: لكنهم، يعني: يمنعونها، لكنه إن فعل لم يَفْسُد اعتكافه؟
الشيخ: إي نعم.
بالنسبة للخروج الآن، ممكن أن نقول: الخروج ثلاثة أقسام؛ قسم يجوز بلا شرط، وقسم لا يجوز ولو بشرط، وقسم يجوز بشرط.
القاعدة: ما يجوز بلا شرط هو الذي لا بد منه حِسًّا أو؟
طلبة: معنى.
الشيخ: أو شرعًا، وما لا يجوز ولو بشرط هو الذي ينافي الاعتكاف، وما يجوز بشرط هو الأمور المطلوبة شرعًا لكنها ليست بواجبة.
طالب: إذا مرض قريبه يا شيخ فعاده، يبطل؟
الشيخ: لا ما يَبْطُل، هذا فائدة هذا الشرط أنه لا يبطل.
الطالب: ولو كان نذرًا يا شيخ؟
الشيخ: ولو كان نذرًا.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3595
طالب: يا شيخ -بارك الله فيك- بعض النساء في رمضان يصوم طيلة اليوم حتى إذا قرب المغرب الآذان أفطرت تقول: هي حائض؟
الشيخ: وهي حائض؟
الطالب: نعم، وهي حائض.
الشيخ: أعوذ بالله.
الطالب: تقع كثيرًا جدًّا ..
الشيخ: ما سمعنا بهذا.
الطالب: لا، كثيرًا.
الشيخ: هل سمعتم بهذا؟
طلبة: أيش سؤاله؟
الشيخ: يقول: المرأة إذا كانت حائضًا في رمضان صامت حتى يبقى على غروب الشمس نصف ساعة ثم تفطر، الآن هذه خالفت الشرع من وجهين؛ نية الصيام، والإفطار قبل الغروب.
الطالب: هم يقولون: يا شيخ يعني: من باب عيب أنها تأكل، والبيت كله صائم مثلًا ..
الشيخ: لا، تكون في المطبخ وحدها، وتأكل أيش المشكلة.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لخروج المعتكف إذا كان اعتكف في العشرة الأواخر من رمضان هل يخرج بثيابه أم متجملًا إلى مصلى العيد.
الشيخ: مصلَّى العيد، الصحيح أنه يخرج مُتَجَمِّلًا، وأما قولهم رحمة الله عليهم: إنه يخرج بثيابه التي اعتكف فيها؛ لأنها أثر عبادة هذا ضعيف.
طالب: لكن إذا كان ( ... ) هل يخرج بعد ما يعلم .. ؟
الشيخ: إي نعم، لو ثبت الخبر نصف الليل طلع.
الطالب: كيف يخرج مُتَجَمِّلًا ( ... ) إذن هو يلبس الآن في محله.
الشيخ: لأيش يلبس؟
الطالب: لأنه سيخرج متجملًا.
الشيخ: طيب، يروح لبيته.
الطالب: يذهب إلى بيته؟ !
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ثم يتجمَّل ويذهب إلى ..
الشيخ: إي نعم.
بقي علينا مسألة سأل عنها الناس في أيام رمضان قالوا: إنا معتكفون ولا يستطيعون أن يصعدوا إلى السطح للدرس إلا عن طريق الخارج، يخرجون من الباب ويدخلون من الباب الثاني، فهل هذا يبطل الاعتكاف؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الظاهر أولًا لحاجة، وفي الشيء الثاني ما هو خروج مغادرة يرجع على طول هو يريد الدخول الآن، لكن مُنَع من الدخول مَنْ على الأبواب، فالظاهر أنه لا يضر، وأنا خفت أني اتهمت نفسي في هذا، وسألت الشيخ عبد العزيز، وقال: نعم، قال كما ذكرت.
الجزء: 1 - الصفحة: 3596
هذا السائل يقول: إذا كان النهي عامًّا فلا يُفْسِد العبادة، فماذا نقول: في شرب الخمر والزنا للصائم مع أن النهي هنا عام؟ وماذا نقول: في الغيبة للمصلِّي؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: مثل ( ... ) واحد ( ... ) يصلي ( ... ) يصلي، قال: هذا النهي عام، ماذا تقولون؟
كلام، هذا كلام، وهذا أكل وشرب وجماع.
طالب: القاعدة؟
الشيخ: القاعدة أن هذا منهيٌّ عنه بِعَيْنِه في فقه الصيام منهي عنه بعينه، لكن ما ورد حديث مثلًا أنه نُهِيَ عن الغيبة بعينها في الصيام.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا النذر.
طالب: بالنسبة إذا قلنا: إن النساء صلاتهن في بيوتهن خير من صلاتهن في المسجد الحرام والمسجد النبوي ..
الشيخ: وصلاتي أنا النافلة خير من صلاتي في المسجد الحرام.
الطالب: لا إذا كانوا في بُلدانهم، هل الأفضل صلاتهم في ( ... ) من صلاتهم في المسجد الحرام ( ... ) مكة ( ... ) المدينة.
الشيخ: اللي في بلدها، كيف تيجي تصلي في المسجد الحرام؟
الطالب: لا، يعني: هل ( ... ) إذا قالت المرأة: أريد أن أسافر مثلًا إلى مكة كي أصلي هناك يعني ..
الشيخ: على كل حال الصلاة في مكة أفضل من الصلاة ( ... )، الصلاة في الحرم أفضل من الصلاة في الحل.
الطالب: لا، يعني: بالنسبة للمرأة يا شيخ؟
الشيخ: المرأة وغيرها.
طالب: هل تقول: إن سفرها إلى مكة ( ... ) ما فيه فائدة كبيرة ( ... ) إلى مكة لأنه ..
الشيخ: فائدتها العمرة.
طالب: كيف يا شيخ أن الأجر الكيفي أفضل من الأجر الكمي في الصلاة في البيت الحرام، هل يأخذ الأجر الكمي إذا صلى في البيت؟
الشيخ: لا، لكن يأخذ الأجر الكيفي، أكثر بكثير من الكمي.
مدخل (21)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كتاب الجهاد) (الجهاد) مصدر جاهد الرباعي، وهو بذل الجهد في قتال العدو هذا الجهاد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3597
وينقسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام؛ جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المبارزين المعاندين.
أما الأول وهو جهاد النفس فهو إرغامها ومخالفتها في معصية الله؛ أي: إرغامها على طاعة الله ومخالفتها في الدعوة إلى معصية الله، وهذا الجهاد يكون شاقًّا على الإنسان مشقة شديدة لا سيما إذا كان في بيئةٍ فاسقة؛ فإن البيئة قد تَعْصِف به حتى ينتهك حرمات الله وحتى يدع ما أوجب الله عليه، وقد رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه حينما رَجَع من غزوة تبوك قال: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» (22) يعني جهاد النفس، لكنَّ هذا الحديث غير صحيح.
أما النوع الثاني فهو جهاد المنافقين، وجهاد المنافقين يكون بالعلم لا بالسلاح لأن المنافقين لا يُقاتَلون؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استأذن أن يُقْتَل المنافقون الذين عَلِمَ نفاقَهم فقال: «لَا، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (23)، وهم لهم جهاد؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: 73]، ولكن جهادهم بالعلم؛ ولهذا يجب علينا أن نتسلح بالعلم أمام المنافقين الذين يُورِدون الشبهات على دين الله ليصدوا عن سبيل الله، فإذا لم يكن لدى الإنسان عِلْمٌ فإنه ربما تَكْثُر الشبهات والشهوات والبِدَع، ولا يستطيع أحد أن يَرْدَعَها.
الثالث: جهاد المبارزين المعاندين المحاربين وهم الكفار الذين أعلنوا وصرَّحوا بالكفر، وهذا يكون بماذا؟
يكون بالسلاح، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] قد يقال: إنه يشمل النوعين جهاد المنافقين بالعلم وجهاد الكفار بالسلاح.
ولكن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (24) يؤيد أن المراد بذلك؟ السلاح، المقاتلة.
وجوب الجهاد
الجزء: 1 - الصفحة: 3598
الجهاد -يقول المؤلف-: (فرض كفاية)، وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به مَنْ يكفي سقط عن الباقين وصار في حقهم سُنَّةً وهذا حكمه، أما مرتبته في الإسلام فقد سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذِرْوَة سَنَامِ الإسلام (25)، والسَّنَامُ هو الشحم النابت فوق ظهر الجمل، وذروته أعلاه، وإنما جعله النبي عليه الصلاة والسلام ذِرْوَة سَنَام الإسلام؛ لأنه يعلو به الإسلام ويرتفع به الإسلام كما أن سَنام البعير كان فوق، مرتفعًا، فهو له مرتبة وله حكم، حكمه؟
طالب: فرض كفاية.
الشيخ: ومرتبته أنه ذروة سنام الإسلام، وقوله: (هو فرض كفاية) لا بد فيه من شرط وهو الكفاية أي بأن يكون عند الإنسان أو عند المسلمين قدرة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة فإن إقحام أنفسهم بالقتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة؛ ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة وكَوَّنوا الدولة الإسلامية وصار لهم شوكة أُمِروا بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط أن يكون عند المسلمين قوة يستطيعون بها الجهاد، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات؛ لأن جميع الواجبات يُشْتَرط فيه القدرة لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] إذن لا بد من القدرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3599
قال: (ويجب) يعني: يجب الجهاد (إذا حضره)؛ يعني: يكون فرض عين إذا حضر الإنسان القتال؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15، 16]، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن التولي يوم الزحف من الموبقات حيث قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ -وذكر منها- التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» (26)، إلا أن الله تعالى استثنى حالين:
الأولى: أن يكون مُتَحَرِّفًا لقتال بمعنى أن يذهب لأجل أن يأتي بقوة أكثر.
والثانية: أن يكون منحازًا إلى فئة؛ بحيث يُذْكَر له أن فئة من المسلمين من الجانب الآخر تكاد تهزم، فيذهب من أجل أن يَتَحَيَّز إليها تقوية لها، وهذا الأخير يشترط فيه ألَّا يَخَاف على الفئة التي هو فيها، فإن خاف على الفئة التي هو فيها فإنه لا يجوز أن يذهب إلى الفئة الأخرى.
إذن يكون في هذه الحال إذا حضر أيش؟
طالب: واجب عين.
الشيخ: واجبًا، فرض عين لا يجوز عنه الانصراف.
الثاني؛ إذا حَصَر بلدَه العدوُّ يجب عليه القتال دفعًا عن البلد، وهذا يشبه من حضر الصف في القتال؛ لأن العدو إذا حَصَر البلد فلا بد من الدفاع؛ إذ إن العدو سيَمْنع الخروج من هذا البلد، وسيَمْنَع الدخول إلي هذا البلد، وسيمنع ما يأتي لهم من الأرزاق، وغير ذلك مما هو معروف، ففي هذا الحال يجب أن يقاتل أهل البلد دفاعًا عن بلدهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3600
الثالث؛ قال: (أو استنفره الإمام) (استنفره) أي: قال: انفروا، و (الإمام) هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يُشْتَرط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت منذ أزمان متطاولة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» (27)، فإذا تأمَّر إنسان على جهةٍ ما صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا وأمره مطاعًا، وأنتم تعلمون أنه من عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابن الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار بن عبيد وغيرهم في العراق، تفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرف ضلال ناشئة نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد، نسأل الله العافية.
وهؤلاء لا أدري هل يريدون أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟ هل يريدون أن يقال: كل إنسان أمير نفسه؟
هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية -والعياذ بالله- لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن مَنْ استولى على ناحية من النواحي وصار له الكلمة العليا فيها فهو إمام فيها، وقد نَصَّ على ذلك العلماء مثل صاحب سبل السلام وقال: إن هذا لا يمكن الآن تحقيقه، وهذا هو الواقع الآن في البلاد التي في ناحية واحدة تجدهم يجعلون انتخابات ويحصل صراع على السلطة ويحصل رشاوى وبيع ذمم إلى غير ذلك، فإذا كان البلد الواحد لا يستطيعون أن يُوَلُّوا عليهم واحدًا إلا بمثل هذه الانتخابات المزيفة فكيف بالمسلمين عمومًا؟ هذا لا يمكن.
الجزء: 1 - الصفحة: 3601
إذن نقول: إذا استنفره الإمام، وإمام كل ناحية مَنْ كان واليًا عليها الذي له السلطة العليا في هذه الناحية إذا استنفره الإمام وجب عليه الخروج؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 38، 39] وقال النبي صلى الله عليه وسلّم: «إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (28)، هذا من ناحية الأدلة السمعية.
دليل عقلي؛ لأن الناس لو تمردوا في هذا الحال على الإمام لحصل الخلل الكبير على الإسلام؛ إذ إن العدو سوف يقدم ويتقدم إذا لم يجد مَنْ يقاومه ويدفعه.
بقي مسألة رابعة أو صورة رابعة: إذا احتيج إليه صار فرض عين عليه، كيف يحتاج إليه؟
يعنى: مثلًا هذا الرجل عندنا دبَّابات أو طائرات لا يعرف قيادتها إلا هذا الرجل، حينئذ يجب عليه أن يُقاتَل؛ لأن الناس محتاجون إليه، وهذا ربما نقول: إن هذه المسألة الرابعة تؤخذ من قولنا: إنه فرض كفاية؛ لأنه إذا لم يَقُم به أحد، واحتيج إلى هذا الرجل فهذا هو فرض كفاية يكون فرض عين عليه، والحاصل أن الجهاد يجب وجوب عين في أربع مسائل:
المسألة الأولى: إذا حضر القتال.
والثاني: إذا حصر بلدَه العدوُ.
والثالث: إذا استنفره الإمام.
والرابع: إذا احتيج إليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3602
﴿كتاب المناسك﴾ الحَجُّ والعُمرةُ واجبانِ على الْمُسْلِمِ الحرِّ الْمُكَلَّفِ القادرِ في عُمُرِه مَرَّةً على الْفَوْرِ، فإن زالَ الرِّقُّ والجنونُ والصِّبَا في الحَجِّ بعَرفةَ وفي العُمرةِ قبلَ طَوافِها صَحَّ فَرْضًا، وفِعْلُهما من الصبيِّ والعَبْدِ نَفْلًا، والقادرُ مَن أَمْكَنَه الركوبُ ووَجَدَ زادًا وراحلةً صالِحَيْنِ لِمِثْلِه بعدَ قضاءِ الواجباتِ والنفقاتِ الشرعيَّةِ والحوائجِ الأَصليَّةِ،
مدخل
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى:
كتاب المناسك
الحج والعمرة واجبان على المسلم الحر المكلف القادر في عمره مرة على الفور، فإن زال الرق والجنون والصبا -في الحج بعرفة، وفي العمرة قبل طوافها- صح فرضًا، وفعلُهما من الصبي والعبد نفلًا، والقادر: مَنْ أمكنه الركوب، ووجد زادًا وراحلة صالحين لمثله، بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كتاب المناسك) (المناسك) جمع (منسك)، والأصل أن المنسك هو التعبد، فهو مصدر ميمي بمعنى التعبد، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج: 34] أي: متعبدًا يتعبدون فيه، وأكثر إطلاقه -أكثر إطلاق المنسك أو النسك- على الذبيحة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
والفقهاء رحمهم الله جعلوه -أي: المنسك- ما يتعلق بالحج والعمرة؛ لأن فيهما الهدي والفدية، وهما من النسك الذي بمعنى الذبح.
شروط وجوب الحج والعمرة
يقول المؤلف رحمه الله: (الحج والعمرة واجبان) (الحج) مبتدأ، و (العمرة) معطوف عليه، و (واجبان) خبر المبتدأ.
الحج واجب فرض بإجماع المسلمين، بالكتاب والسنة، ومنزلته من الدين أنه أحد أركان الإسلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 3603
وهو في اللغة: القصد.
وفي الشرع: التعبد لله تعالى بأداء المناسك، على ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقول بعض الفقهاء في تعريفه: قصد مكة لعمل مخصوص، هذا لا شك أنه قاصر؛ لأن الحج أخص مما قالوا؛ لأننا لو أخذنا بظاهر التعريف: قصد مكة لعمل مخصوص، لكان يشمل من قصد مكة للتجارة، ولكن الأولى أن نذكر في كل تعريف للعبادة أن نذكر التعبد؛ فالصلاة لا نقول: إنها أقوال وأفعال معلومة، بل نقول: هي التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة، وكذلك الزكاة، وكذلك الصيام، لا بد من ذكر التعبد ما دمنا نريد أن نعرِّف عبادة، فليكن التعبد أول ما يذكر في التعريف.
فالحج: هو التعبد لله تعالى بأداء المناسك على حسب ما جاء في سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا هو الحج.
العمرة في اللغة: الزيارة.
وفي الشرع: التعبد لله بالطواف والسعي والحلق أو التقصير.
ومعلوم أن الطواف لا يكون إلا في البيت، والسعي بين الصفا والمروة، فعلى هذا يكون التعريف الحاصر المانع فهو جامع مانع.
العمرة لغة أيش؟
طلبة: الزيارة.
الشيخ: الزيارة.
وشرعًا: التعبد لله بالطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، والحلق أو التقصير.
يقول المؤلف: (واجبان) أي: كل منهما واجب، ولكن ليس وجوب العمرة كوجوب الحج؛ لا في الآكدية، ولا في العموم والشمول.
أما في الآكدية فإن الحج ركن من أركان الإسلام، وفرض بإجماع المسلمين، وأما العمرة فليست ركنًا من أركان الإسلام، ولا فرضًا بإجماع المسلمين.
كذلك أيضًا ليست العمرة كالحج في الشمول؛ فإن كثيرًا من أهل العلم يقول: إن العمرة لا تجب على أهل مكة، وهذا نص الإمام أحمد رحمه الله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3604
كما أن العلماء أيضًا مختلفون في وجوبها في الأصل هل هي واجبة أو سنة؟ والذي يظهر أنها واجبة؛ لأن أصح حديث يحكم في النزاع في هذه المسألة، حديث عائشة رضي الله عنها حين قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (1).
فقوله: «عَلَيْهِنَّ» ظاهرة في الوجوب؛ لأن (على) من صيغ الوجوب، كما ذكر ذلك أهل أصول الفقه، وعلى هذا فالعمرة واجبة.
ولكن هل هي واجبة على المكي؟
في هذا خلاف في مذهب الإمام أحمد؛ فالإمام أحمد نصَّ على أنها غير واجبة على المكي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بل إن شيخ الإسلام يرى أن أهل مكة لا تشرع لهم العمرة مطلقًا، وأن خروج الإنسان من مكة ليعتمر ليس مشروعًا أصلًا، ولكن في القلب من هذا شيء؛ لأن الأصل أن دلالات الكتاب والسنة عامة، والعامة تشمل جميع الناس إلا بدليل يدل على خروج بعض الأفراد من الحكم العام.
وهذا الخلاف الذي ذكرناه إنما هو في العمرة، أما في الحج فقد أجمع المسلمون على وجوبه على جميع المسلمين في أي مكان.
إذن يختلف الوجوب في العمرة عن الحج من وجهين؛ الوجه الأول؟
طلبة: الآكدية.
الشيخ: الآكدية، والوجه الثاني؟
طلبة: الشمول.
الشيخ: الشمول، فالحج واجب على جميع المسلمين بخلاف العمرة ففيها الخلاف الذي أشرنا إلى شيء منه.
استدل بعض العلماء على وجوب العمرة؛ بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، فهل يمكن أن يُسَلَّم لهذا الاستدلال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3605
الجواب: لا يمكن أن يُسَلَّم لهذا الاستدلال؛ لأن هناك فرقًا بين الإتمام وبين الابتداء، فالآية تدل على وجوب الإتمام لمن شرع فيهما؛ ولهذا نزلت هذه الآية في الحديبية قبل أن يفرض الحج؛ إذ الحج لم يفرض إلا في السنة التاسعة، والحديبية كانت في السنة السادسة، وهناك فرق بين الأمر بالإتمام وبين الأمر بالابتداء؛ ولهذا لو شرع الإنسان في الحج أو العمرة في كل سنة يحج ويعتمر، قلنا: يجب عليك إذا شرعت في الحج أن تتم، لكن ابتداءً لا يلزمه الحج إلا مرةً واحدة، لكن في الإتمام يلزمه كلما شرع، ولو حج كل سنة فإنه يلزمه كلما شرع في الحج أن يتمه، وكلما شرع في العمرة أن يتمها.
وعلى هذا فلا يتم الاستدلال بهذه الآية على وجوب العمرة.
ثم قال المؤلف: (واجبان على المسلم الحر المكلف القادر) (على المسلم) وهذا كثيرًا ما نسمعه؛ أن العبادات لا تجب إلا على المسلم؛ لأن كل عبادة لا تصح من كافر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54].
فالإسلام شرط لكل عبادة، فكل عبادة لا تصح من غير المسلم، وإذا قلنا: إنها غير واجبة على الكافر فلا يعني ذلك أنه لا يعاقب عليها، ولكنه لا يؤمر بها حال كفره، ولا بقضائها بعد إسلامه، انتبهوا، لأن هناك ثلاثة أشياء: الأمر بأدائها، والأمر بالقضاء، والإثم.
فالأمر بالأداء لا نوجهه إلى الكافر، والأمر بالقضاء إذا أسلم كذلك لا نوجهه إليه، والإثم ثابت يعاقب عليها، وعلى سائر فروع الإسلام.
يقول: (على المسلم الحر) وضده العبد الكامل الرِّق والمبعَّض فلا يجب عليهما الحج، لماذا؟ لأنهما لا مال لهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 3606
بالنسبة للعبد الكامل الرِّق؛ لأن ماله لسيده؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ» أو قال: «لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (2). فإذا لم يكن له مال فهو غير مستطيع.
المبعض له مال؛ يملك من المال بقدر ما فيه من الحرية، فإذا ملك عشرة ريالات ونصفه حر، صار له منها خمسة، لكنه لا يستطيع أن يحج من أجل مالك نصفه إذا كان مبعضًا بالنصف؛ لأنه مملوك بهذا الجزء فلا يلزمه الحج.
الشرط الثالث: (المكلف) وهو البالغ العاقل، فالصغير لا يلزمه الحج، ولكن لو حج فحجُّه صحيح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سألته المرأة التي رفعت إليه صبيًا فقالت: ألهذا الحج؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (3).
وقد عرفتم أن الصغير مَنْ دون البلوغ، وأن البلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة في الذكور، وواحد من أمور أربعة في الإناث.
أما المجنون فكذلك لا يلزمه الحج، ولو كان له أكثر من عشرين سنة؛ لأنه غير مكلف، والحج عمل بدني بخلاف الزكاة، الزكاة تجب عليه؛ لأنها تجب في المال، لكن الحج عمل بدني، فلا يلزم المجنون، بل لا يصح منه.
يقول: (القادر) ولم يفسِّر المؤلف القدرة، لكن كلامه الآتي يبين ما هي القدرة؛ القادر في ماله، القادر في بدنه، هذا الذي يلزمه الحج أداءً بنفسه؛ من كان قادرًا بماله قادرًا ببدنه.
فإن كان عاجزًا بماله قادرًا ببدنه لزمه أيضًا أداءً؛ مثل أن يكون من أهل مكة، ليس عنده مال، لكن يقدر أن يخرج مع الناس على قدميه ويحج، فهذا يلزمه الحج؛ لأنه قادر.
وإن كان قادرًا بماله عاجزًا ببدنه لزمه الحج بالإنابة؛ أي: يلزمه أن ينيب من يحج عنه، إلا إذا كان العجز مما يرجى زواله فينتظر حتى يزول.
الجزء: 1 - الصفحة: 3607
مثال ذلك: إنسان كان فقيرًا وكبر وتقدمت به السن، وأصبح لا يمكنه أن يصل إلى مكة، فأغناه الله في هذه الحال، نقول: لا يلزمه الحج ببدنه؛ لأنه عاجز، وهذا العجز يرجى زواله أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يرجى زواله، لكن يلزمه الحج بالإنابة؛ أي: يلزمه أن ينيب من يحج عنه.
فإن قال قائل: كيف تلزمونه أن ينيب في عمل بدني، والقاعدة الشرعية التي دلت عليها النصوص أنه لا واجب مع عجز؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وهذا لا يستطيع أن يحج، فكيف نلزمه أن ينيب من يحج عنه؟ أفلا يجب أن نقول: إن هذا يسقط عنه الوجوب لعجزه عنه؟
الجواب أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرَّ المرأة حين قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ (4)، فأقرها على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، ولو لم يجب عليه ما أقرها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يمكن أن يقر على خطأ، فدل هذا على أن العاجز ببدنه القادر بماله يجب عليه أن ينيب، يجب عليه الحج بالإنابة، فصارت كلمة (القادر) ضدها أيش؟
طلبة: العاجز.
الشيخ: العاجز، والعجز نوعان؛ أولًا .. لا، أحسن نفسر القدرة، القدرة تكون بالمال والبدن، وتكون بالبدن دون المال، وتكون بالمال دون البدن.
القدرة بالمال والبدن؛ مثل أن يكون غنيًّا قويًّا في بدنه، فهذا يلزمه الحج بنفسه.
القادر ببدنه دون ماله، يلزمه أو لا يلزمه؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: يلزمه.
قادر ببدنه؛ يقدر يحج ببدنه، لكن ما عنده مال، نقول: يلزمه.
إذا كان في مكة واضح ما عليه مشقة.
إذا كان بعيدًا عن مكة، ويقول: أنا أستطيع أن أمشي إلى مكة، وأستطيع أن أخدم الناس وآكل معهم، كما يوجد فيما سبق من الزمن فهذا قادر، يلزمه.
إذا كان قادرًا بماله عاجزًا ببدنه؟
طلبة: وجب عليه.
الشيخ: وجب عليه الحج بالإنابة، إذا كان عاجزًا بماله وبدنه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3608
طلبة: سقط عنه.
الشيخ: سقط عنه الحج.
فهذه الأقسام الآن؛ قادر بماله وبدنه، ببدنه دون ماله، بماله دون بدنه، عاجز بالمال والبدن.
يقول: (في عمره مرة) ولَّا (مرة في عمره) أيش عندكم؟
طلبة: عندنا (في عمره مرة).
الشيخ: إي، حقيقة لو قدم (مرة) كان أحسن.
(مرة) يعني: واجبان مرة في العمر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الحج: أفي كل عام؟ قال: «الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» (5).
ولأن الله أطلق، فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97]، ولم يقل: كل سنة، فدل ذلك على أن الحج واجب مرة واحدة إلا لسبب كالنذر، فمن نذر أن يحج وجب عليه أن يحج؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (6).
وقوله: (مرة) دليله ما ذكرناه؛ يستفاد منه فائدة عظيمة؛ وهو أن من مرَّ بالميقات، وقد أدى الفريضة -المرة- فإنه لا يلزمه الإحرام، وإن بعُد مجيئه لمكة؛ يعني مثلًا: له أربع سنين، خمس سنين، ما ذهب إلى مكة، ثم ذهب إلى مكة لحاجة تجارة أو زيارة أو ما أشبه ذلك، ومرَّ بالميقات فإنه لا يلزمه أن يحرم؛ لماذا؟ لأن الحج والعمرة إنما يجبان مرة واحدة، ولو ألزمناه بالإحرام لألزمناه بزائد عن المرة، وهذا خلاف النص.
قال: (على الفور) يعني: يجب على الفور، ما هو الدليل؟ أن الأصل في الأمر أن يكون على الفور، هذا الأصل؛ ولهذا غضب النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة الحديبية حين أمرهم بالإحلال وتباطؤوا (7)، غضب عليهم.
ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له؛ قد يكون الآن قادرًا على أن يقوم بأمر الله، وفي المستقبل عاجزًا.
ولأن الله أمر بالاستباق إلى الخيرات؛ قال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، والتأخير خلاف ما أمر الله به، فالأدلة على أنه على الفور متعددة، وهذا هو الصواب؛ أنه واجب على الفور.
الجزء: 1 - الصفحة: 3609
وقيل: بل واجب على التراخي، فهو كالصلاة في الوقت؛ إن شئت صلها في أول الوقت، وإن شئت صلها في آخر الوقت، والعمر هو زمن الحج، فإن شئت فحجَّ في أول العمر، وإن شئت ففي آخره.
واستدلوا أيضًا بأن الله فرض الحج والعمرة في السنة السادسة، ولم يحج النبي عليه الصلاة والسلام إلا في السنة العاشرة.
ولكن الصحيح أنه واجب على الفور لما علمت من الأدلة الثلاثة.
وأما القول بأن عمر الإنسان كله وقت للحج فهذا صحيح، لكن من يضمن أن يبقى إلى السنة الثانية مثلًا؟ لا يضمن أحد، أما الصلاة فوقتها قصير؛ فلذلك وسِّع فيها.
ثم نقول أيضًا: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] غير صحيح؛ لأن هذا ليس أمرًا بهما ابتداءً، ولكنه أمر بهما، بأيش؟
طلبة: بالإتمام.
الشيخ: بالإتمام، أمر بإتمامهما، وفرق بين الابتداء والإتمام.
أما فرض الحج فالصواب أنه فرض في السنة التاسعة، ولم يفرضه الله تعالى قبل ذلك؛ لأن فرضه قبل ذلك ينافي الحكمة، كيف هذا؟ إذا كانت قريش منعت الرسول عليه الصلاة والسلام من العمرة فمن الممكن ومن المتوقع أن تمنعه من الحج، ومكة قبل الفتح بلاد كفر، لكن لما تحررت من الكفر بعد الفتح صار إيجاب الحج على الناس موافقًا للحكمة، ففرض في السنة التاسعة من الهجرة.
فإن قيل: لماذا لم يحج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التاسعة وأنتم تقولون: على الفور؟
نقول: لأسباب:
السبب الأول: كثرة الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنة؛ السنة التاسعة؛ ولهذا تسمى السنة التاسعة عام الوفود.
ولا شك أن استقبال المسلمين الذين جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ليتفقهوا في دينهم لا شك أنه أمر مهم، بل قد نقول: إنه واجب على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ليبلغ الناس.
هذه واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3610
ثانيًا: تأخر النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة؛ لأن السنة التاسعة من المتوقع أن يحج المشركون -كما حصل، كما وقع- حج المشركون في السنة التاسعة، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يؤخر من أجل أن يتمحض حجه للمسلمين فقط، وهذا هو الذي وقع، فإنه أذَّن في السنة التاسعة: ألَّا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (8). وكان الناس في الأول يطوفون عراة في البيت إلا من وجد ثوبًا من الحُمس من قريش، فإنه يستعيره ويطوف به، أما لغير قريش فإنهم لا يمكن أن يطوفوا بثيابهم؛ يطوفون عراة، وكانت المرأة منهم تطوف عارية، وتضع يدها على فرجها وتقول: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
أيش هذا؟ تطلعي بيه للناس ولا تحليه للناس! الناس بيشوفون، لهم أعين، لكن هذا الجهل!
على كل حال، الرسول عليه الصلاة والسلام تأخر من أجل الوفود، وهذا هو المتيقن، وتأخر -والله أعلم- لكن علل به بعض العلماء من أجل أن يتمحض حجه مع المسلمين خاصة لا مع المشركين، وعلى هذا فنقول: الصحيح أن الحج فرض في السنة التاسعة من الهجرة؛ لأنه جاء في آل عمران في أولها، وأول آل عمران كله في محاجة الوافدين الذين يقدمون على الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذن الصواب أنه واجب على الفور، وأنه لا يجوز للإنسان الذي تمت بحقه شروط الوجوب أن يتأخر، هذا هو الصحيح.
يقول: (فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضًا).
أولًا: قال: (فإن زال الرق)، أفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: (فإن زال الرق) أن الرقيق يصح منه الحج، أليس كذلك؟ أجيبوا.
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن الحرية شرط للصحة أو شرط للوجوب؟
طلبة: شرط للوجوب.
الشيخ: شرط للوجوب، فلو حج الرقيق فإن حجه صحيح.
ولكن هل يجزئ عن الفرض أو لا يجزئ؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3611
في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنه لا يجزئ؛ لأن الرقيق ليس أهلًا للوجوب، فهو كالصغير، لو حج الصغير قبل البلوغ لم يجزئه عن حجة الإسلام، فكذلك الرقيق ليس أهلًا للوجوب فلا يجزئ منه الحج، لكنه يصح.
وذهب بعض العلماء إلى أن الرقيق يصح منه الحج بإذن سيده؛ لأن إسقاط الحج عن الرقيق من أجل أنه لا يجد مالًا، ومن أجل حق السيد، فإذا أعطاه سيده المال وأذن له، فإنه مكلف بالغ عاقل فيلزمه الحج، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء، لكن المشهور عند الجمهور أنه لا يجزئ منه، ولكنه يصح.
المؤلف لما قال: (فإن زال الرق) علمنا أن الرقيق يصح منه الحج؛ يعني: أحرم بالحج وهو رقيق؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، دعونا نذكر الخلاف المطلق، وأنتم -إن شاء الله- إليكم الترجيح.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: واللهِ، الحقيقة أنا ما عندي ترجيح في الموضوع؛ لأن التعليل بأنه ليس أهلًا للحج قوي، والتعليل بأنه إنما منع من أجل حق السيد قوي أيضًا؛ لأن الأصل أنه من أهل العبادة.
فيه حديث في ذلك: أن من حج، ثم عتق فعليه حجة أخرى، وكذلك من حج وهو صغير فعليه حجة أخرى (9)، لكنه أيضًا مختلف في صحته والاحتجاج به، ولَّا لو صح الحديث مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لكان هو الفيصل، فأنا متوقف في هذا، ولكن بحول الله إذا وجد الأرقة الذين يحرمون في حال الرق، ثم يحررون في حال الوقوف بعرفة، فسيجعل الله لهم فرجًا ومخرجًا إن شاء الله.
طالب: قضاء الصيام، لماذا لا نقول: إنه على الفور؟
الشيخ: قضاء الصيام على الفور، لا نقول: على الفور؛ لأن الرسول يقر عائشة حتى شعبان (10).
طالب: أليست حجة للذين قالوا ( ... )؟
الشيخ: لا، فرق بين القضاء وبين الأداء.
طالب: شيخ، رجل عليه خمسة آلاف ريال دين، وأخذ من الزكاة خمسة آلاف، فسدد ثلاثة، وحج بألفين؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3612
الشيخ: السؤال يا جماعة يقول: رجل عليه خمسة آلاف دين، وأخذ من الزكاة خمسة آلاف لقضاء الدين، فقضى ثلاثة، وحج بألفين، ما تقولون؟
لا يجوز هذا، قال أهل العلم: من أخذ من الزكاة لقضاء الدين فإنه لا يصرفه في غيره، فإذا صرفه في غيره صار كمن حج بمال حرام، ومن حج بمال حرام فإنه لا يصح حجه عند كثير من العلماء.
الطالب: يرجع ويطالب الزكاة ..
الشيخ: من اللي يرجع؟
الطالب: هذا الرجل.
الشيخ: الذي أعطاه الزكاة؟
الطالب: الباقي عليه ألفان.
الشيخ: الذي أعطاه الزكاة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وأيش يدريه اللي أعطاه الزكاة؟
الطالب: يرجع يقول: أخذت منكم خمسة آلاف، وأريد ألفين مكان الألفين اللي صرفتها؟
الشيخ: من اللي يقوله؟
الطالب: المفروض هذا الرجل الذي حج؟
الشيخ: الفقير؟
الطالب: الفقير.
الشيخ: يقول لمن؟
الطالب: يقول لمن يعطيه الزكاة.
الشيخ: إذا وافق، لكن الذي أعطاه الزكاة، هذا الفقير اللي حج بألفين يجب عليه أن يرد عليه ألفين.
طالب: ( ... ) كيف ( ... )؟
الشيخ: بينا هذا، قلنا: إن (على) ظاهرة في الوجوب.
طالب: الجهاد نفسه هل هو واجب؟
الشيخ: لا، الجهاد واجب على الرجال.
طالب: على كل الرجال واجب؟
الشيخ: إي نعم، الأصل أنه فرض كفاية.
الطالب: كيف يكون واجبًا؟
الشيخ: في حق من؟
الطالب: في حق النساء.
الشيخ: الرسول قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (1)، ففسَّر هذا الجهاد الذي أوجبه عليهن بأنه الحج والعمرة.
طالب: العبد -يا شيخ- أليس من الناس؟
الشيخ: إلا من الناس.
الطالب: وليس من أهل الاستطاعة؟
الشيخ: من أهل الاستطاعة، إذا أُذن له وأعطي.
طالب: يملك الزاد والراحلة ( ... ).
الشيخ: لا، عندنا طائرة الآن، أعطيناه تذكرة كاملة، أو أرسلناه مع قافلة.
طالب: في حدود مكة الآن الاستطاعة فيها خلاف؟
الشيخ: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3613
الطالب: ومن الناس، يقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97].
الشيخ: إي نعم، أنا قلت لكم: إن المسألة فيها خلاف، وبيَّنا وجه كل قول، فمن ظهر له القول بالوجوب منكم فهو في حلٍّ أن يقول: يجب على العبد.
طالب: ( ... ) في قولك يا شيخ؟
الشيخ: أنا متوقف واللهِ، لكن أنا قلت لكم: إذا وقعت الواقعة سيجعل الله لها فرجًا.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: ما يخالف، فماله؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، أنا أقول: هذه البعير لها رحل، هذه البعير لها حوش، هذه البعير لها زمام، فلما أردت أن أبيع الزمام قامت البعير ترغي، تقول: هذا زمامي، زمامي، تطاع ولَّا لا؟ (اللام) في قوله: «لَهُ مَالٌ» للاختصاص؛ كقولهم: السرج للدابة، يعني: أن السيد ربما يأخذ شيئًا من ماله ويعطيه للعبد ويقول: اتَّجر به.
«فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» (2)، تقضي على الملك في قوله: «لَهُ مَالٌ» تدل على أنه للاختصاص.
طالب: الأصوليون يقولون: الحكم يدور مع علته، وهنا في هذه ( ... ) العلة ما يدور معها.
الشيخ: اللي هي العبد؟
الطالب: ( ... ) سيده أعطاه.
الشيخ: العبد، واللهِ لا شك أنه تعليل قوي، لكن اللي فيه عامة الفقهاء استدلوا بحديث ابن عباس الذي أشرت إليه: أن من حج فعتق فعليه أن يحج حجة أخرى (9). لكن كثير من المحدثين قال: إن هذا موقوف على ابن عباس وليس مرفوعًا.
طالب: ( ... ) بأي شيء استدل القائلون بعدم وجوب العمرة ( ... )؟
الشيخ: نعم، فيه أدلة، يقول: لأن الأصل في العمرة هي الزيارة، وأهل مكة لا يصدق عليهم أنهم زوار للبيت، فهم أخذوها من اللفظ، ولهم أدلة في هذا ذكرها في المغني، والمغني اختار أنها ليست بواجبة على أهل مكة، كما اختار شيخ الإسلام ابن تيمية، حتى إن بعضهم -ولا أتأكد- حكى الإجماع على عدم الوجوب، لكن ..
طالب: القول بعدم المشروعية ضعيف؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3614
الشيخ: المراد إذا خرجوا من مكة لأداء العمرة، وهذا ضعيف، لكن إذا جاؤوا من بلد آخر؛ مثل لو سافروا إلى بلد آخر، ثم عادوا إلى مكة، فهم كغيرهم إذا أحبوا العمرة.
هذا يسأل يقول: امرأة فاتها رمضان كله، ورمضان تسعة وعشرون، هل تقضي شهرًا ثلاثين أو تسعة وعشرين؟
طالب: تسعة وعشرين.
الشيخ: تسعة وعشرين؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: القضاء ( ... ) الأداء.
الشيخ: لا، الدليل، ما هو التعليل؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] عدة؛ حتى ما ذكرها الشهر ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، إن كان تسعًا وعشرين فتسعًا وعشرين، وإن كان ثلاثين فثلاثين، وإن كان واحدًا وثلاثين؟
طلبة: ما يأتي.
الشيخ: لا، يصير إذا سافر إلى بلد آخر، وتأخر إفطارهم يصوم معهم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يصوم معهم؟
طالب: التي عليها القضاء لا تصوم.
الشيخ: لا، تصوم إلا تسعًا وعشرين.
الطالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ورحمة الله المسداة للعالمين؛ سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب المناسك: فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضًا، وفعلُهما من الصبي والعبد نفلًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
شروط وجوب الحج؟
طالب: شروط الوجوب الإسلام.
الشيخ: الإسلام.
الطالب: والعقل.
الشيخ: والعقل.
الطالب: والبلوغ.
الشيخ: والبلوغ.
الطالب: والحرية.
الشيخ: والحرية.
الطالب: والقدرة المالية والبدنية.
الشيخ: إي نعم.
هل الحج واجب على الفور أو على التراخي؟
طالب: القول الصحيح أن الحج واجب على الفور.
الشيخ: نعم، ما هو الدليل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3615
الطالب: قلنا: إن الإنسان ما يدري ما يعرض له، وكذلك لأن أمر الله والرسول صلى الله عليه وسلم على الفور.
الشيخ: ما الدليل أنه على الفور؟
الطالب: «تَعَجَّلُوا الْحَجَّ» (11) ..
الشيخ: لا، ما الدليل على أن الأوامر على الفور؟
طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر الصحابة بالإحلال فتباطؤوا.
الشيخ: في غزوة الحديبية.
الطالب: نعم، فغضب لما تباطأ الصحابة.
الشيخ: فغضب لذلك (7)، فدل ذلك على أن الأمر على الفور، أحسنت.
وله أدلة أخرى أيضًا.
منها: الأمر باستباق الخيرات والمسارعة إليها.
ومنها: أن الإنسان إذا قلنا: إنه على التراخي، فإلى متى؟ لا بد أن يحدد؛ لأننا إذا قلنا: إنه على التراخي لازم من ذلك أن يدعه إلى آخر لحظة من حياته، وهذا يؤدي إلى سقوطه في الواقع.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة) إلى آخره.
إن زال الرق في الحج بعرفة صح فرضًا، ومعنى زوال الرق أن يعتق العبد، فإذا أعتقه سيده في الحج بعرفة صح حجه فرضًا، مع أنه حال إحرامه بالحج كان الحج في حقه نفلًا؛ لأن الحج لا يجب على الرقيق، على ما سبق من الخلاف فيه.
وقول المؤلف: (صح فرضًا) إذا أخذنا بظاهر كلامه أنه يكون فرضًا من أول الإحرام، وعلى هذا فيُلْغَزُ بها، فيقال لنا: عبادة أولها نفل انقلب إلى فرض بدون أن ينوي الفرض في أولها، وهي هذه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3616
وقيل: إنه لا يكون فرضًا إلا من حين العتق، وعلى هذا فتكون هذه العبادة أولها نفل، وآخرها فرض، وهذا ليس بغريب في الحج؛ لأن الحج يخالف غيره في مسألة النية في أمور متعددة، كما سيأتي أن الإنسان إذا قدم إلى مكة وهو مفرد أو قارن فطاف وسعى، فإنه سيطوف للقدوم، وطواف القدوم سنة، وسيسعى للحج، فله بعد ذلك أن يقلب هذه النية إلى عمرة ليصير متمتعًا، فتجدون الآن الطواف الذي كان سنة بالأول صار الآن واجبًا، بل ركنًا، والذي كان قُدُومًا صار الآن للعمرة، والسعي الذي كان للحج صار الآن للعمرة، فالحج له أشياء يخالف غيره.
إذا زال الرق بعرفة صار حجه فرضًا، إذا زال الجنون بعرفة صار حجه فرضًا.
فإذا قال قائل: كيف يتصور أن يزول الجنون بعرفة؟ وهل المجنون يصح منه عقد الإحرام؟
فالجواب على هذا أن نقول: من أهل العلم من قال: إن المجنون يجوز أن يحرم عنه وليه، كما يحرم عن الصغير، فالصغير ليس له تمييز، والمجنون ليس له عقل، فإذا جاز أن يحرم عن صبيه الذي ليس له تمييز، فيجوز أن يحرم عن المجنون، وبناءً على هذا القول لا إشكال؛ لماذا؟ لأنه سيحرم عنه وليُّه وهو مجنون، ويبقى محرمًا، فإذا عقل في عرفة صحَّ أن نقول: إنه زال جنونه بعرفة، وهو محرم.
أو نقول: إذا قلنا: إن المجنون لا يصح إحرامه بنفسه ولا بوليِّه، فإنه يحمل كلام المؤلف على ما إذا طرأ عليه الجنون بعد الإحرام؛ يعني: يكون أحرم عاقلًا، ثم جُن، ثم زال جنونه في عرفة.
ويشكل على هذا إشكال آخر، وهو أنه أَلَا يبطل الإحرام بالجنون؟
نقول: لا يبطل الإحرام بالجنون، بل يبقى على إحرامه، ثم إن زال جنونه في عرفة أتمه، وإن زال بعد عرفة فإنه يكون قد فاته الحج ويتمه عمرة، وإن بقي على جنونه فإنه يكون كالمُحصر؛ أي: أنه يتحلَّل، ويذبح هديًا إن تيسر.
و(زال الصبا بالحج بعرفة) الصبا؛ يعني: الصغر، وذلك بأن يبلغ في عرفة، وهل يمكن أن يبلغ في عرفة؟
طالب: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3617
الشيخ: يمكن، بماذا؟ إما بالسن، أو بالاحتلام.
إما بالسن بأن يكون هذا الرجل قد ولد في منتصف يوم عرفة، وفي منتصف يوم عرفة تم له خمس عشرة سنة، فحينئذٍ يكون قد بلغ في عرفة.
وإما أن ينام في يوم عرفة ويحتلم، فيكون قد بلغ في عرفة، فإذا بلغ الصبي في عرفة صار حجه فرضًا، وأجزأه عن حجة الإسلام.
يقول: (وفي العمرة قبل طوافها صح فرضًا) كذلك أيضًا لو اعتمر الصبي وفي أثناء العمرة قبل أن يشرع في الطواف بَلَغَ، فإن عمرته هذه تكون فرضًا، كذلك المجنون لو جن بعد إحرامه بالعمرة، أو قلنا: بصحة إحرام وليه عنه، ثم عقل قبل طواف العمرة فإنه يصح فرضًا.
وكذلك أيضًا العبد لو أحرم بالعمرة وهو رقيق، ثم أعتقه سيده قبل أن يطوف فإنه تكون عمرته فرضًا.
وعلم من كلامه أنه لو زال الرق والجنون والصبا بعد عرفة فإنه لا يكون فرضًا، إلا أنه إن زال بعد عرفة مع بقاء وقت الوقوف، ثم عاد فوقف فإنه يصح.
مثل أن يكون الصبي -مثلًا- أو الرقيق قد دفع من عرفة بعد غروب الشمس ليلة العيد، وفي تلك الليلة بلغ أو عتق، فإننا نقول له: إن رجعت الآن إلى عرفة ووقفت بها فإن حجك يكون فرضًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (12)، وقد وقفت بعرفة قبل فوات وقته، وحينئذٍ نقول: إذا رجع إلى عرفة ووقف بعرفة يجب أن يرجع إلى مزدلفة من أجل أن يبيت بها.
فإن قال قائل: هل يلزمه إذا بلغ بعد الدفع من عرفة مع بقاء وقت الوقوف أن يرجع إلى عرفة ليقف، أو له أن يستمر؟
نقول: إن قلنا بأن الحج واجب على الفور وجب أن يرجع ليقف بعرفة، حتى يؤديه من حين وجب عليه، وإن قلنا بأنه على التراخي لم يلزمه أن يرجع إلى عرفة، ويستمر في إتمام هذا الحج، ويكون هذا الحج نفلًا لا فرضًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3618
إذن قول المؤلف رحمه الله: (في الحج بعرفة) يَرِدُ عليه سؤال؛ وهو: لو زال الصبا والرق والجنون بعد الدفع من عرفة، ثم رجع فوقف قبل فوات وقت الوقوف فإنه يصح فرضًا، ويتفرع على هذا سؤال: هل يلزمه أن يرجع إذا بلغ قبل فوات وقت الوقوف؟ هذا ينبني على القول بأداء الحج هل يجب على الفور أو لا؟
إن قلنا: يجب على الفور وجب عليه أن يرجع؛ لأنه أمكنه أن يسقط الفريضة، وإن قلنا: على التراخي لم يلزمه، وحينئذٍ إذا استمر يقع الحج منه نفلًا، وصح فرضًا.
قال: (وفعلهما من الصبي والعبد نفلًا) يعني: يصح فعل الحج والعمرة من الصبي، ولكن يكون نفلًا؛ لأن من شرط الإجزاء البلوغ؛ لا يجزئ عن الفرد حتى يبلغ، فإذا حج وهو صغير فالحج في حقه نفل وليس بفرض.
ولم يبين المؤلف رحمه الله كيف يحج الصبي، لم يبين ذلك على وجه التفصيل، فنقول: الصبي إن كان مميزًا فإن وليه يأمره بنية الإحرام، يقول: يا بني أحرم؛ لأنه يميز، وإن كان غير مميز فإن وليه ينوي الإحرام له.
والولي يكون محرمًا إذا نوى الإحرام له، أو يكون الصبي محرمًا؟
يكون الصبي محرمًا، ينعقد الإحرام بنية وليه له، ثم يستمر عند الطواف إذا كان مميزًا يأمره بنية الطواف، يقول: يا بني، الآن نطوف، ثم إن كان قادرًا على المشي مشى، وإن لم يكن قادرًا حمله وليه أو غيره بإذن وليه، ويقال في السعي كما يقال في الطواف، أما الحلق أو التقصير فأمره ظاهر؛ لأنه يمكن أن يحلق رأسه أو يقصر وهو في المهد.
ثم نسأل: هل الأولى أن نحرم بالصغار بالحج والعمرة أو الأولى عدم ذلك؟
نقول: في هذا تفصيل، إن كان في وقت لا يشق فإن الإحرام بهم خير؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال للمرأة التي رفعت له الصبي، وسألته هل له حج؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (3).
أما إذا كان في ذلك مشقة؛ كأوقات الزحام في الحج أو في العمرة في رمضان فالأولى أن لا يفعل؛ لأنه يترتب على ذلك مشقة شديدة على الصبي وعلى؟
طالب: الولي.
الجزء: 1 - الصفحة: 3619
الشيخ: أهل الصبي، وربما ينشغل بهذا الصبي عن نسكه الذي هو مطالب بأدائه على الوجه الأكمل، كما هو الواقع، فصار الإحرام بهم مفصَّلًا على هذا الوجه.
أما إذا كان في وقت السعة؛ كما لو جاء في عمرة في أيام لا يكثر فيها الناس فالإحرام به خير.
وسؤال آخر: هل إذا أحرم الصبي يلزمه إتمام الإحرام، أو نقول: هو غير مكلف فله أن يفسخ ذلك؟
المشهور من المذهب أنه يلزمه الإتمام؛ لأن الحج والعمرة يجب إتمام نفلهما، والعمرة والحج بالنسبة للصبي نفل، فيلزمه الإتمام.
والقول الثاني وهو مذهب أبي حنيفة: أنه لا يلزمه الإتمام؛ لأنه غير مكلف، فقد رُفع عنه القلم؛ فإن شاء مضى، وإن شاء ترك، وهذا القول أقرب إلى الصواب، وهو ظاهر ما يميل إليه صاحب الفروع رحمه الله أنه له أن يتحلل ولا شيء عليه، وهو الأرفق بالناس بالنسبة لوقتنا الحاضر؛ لأنه ربما يظن الولي أن الإحرام بالصبي سهل، ثم تكون الأمور على خلاف ما يتوقع، فتبقى المسألة مشكلة، فإذا قلنا بهذا القول، وهو أنه غير مكلف، ولا ملزم بالواجبات، قلنا: إذن له أن يتحلل ولا شيء عليه، وهذا يقع كثيرًا من الناس بالوقت الحاضر مع الزحام؛ يلبس الصبي ثياب الإحرام؛ الإزار والرداء، ثم إذا احترَّ أو تعب منها ( ... )، ما يمكن الأمر، ففسخ الإزار والرداء، وقال: إما أن تعطوني القميص أستتر به، وإلا .. ، مثل هذا إذا أخذنا بهذا القول الذي هو أقرب إلى الصواب لعلته العلة الصحيحة زالت عنا هذه المشكلة.
صار الصبي إن كان يعقل النية؟ أجيبوا.
طالب: يأمره ..
الشيخ: يأمره وليه بما ينوي؛ من إحرام أو طواف أو سعي، وإن كان لا يعقل نوى ذلك عنه وليه.
البحث الثاني: إذا كان يعقل النية، ولكنه لا يستطيع الطواف بنفسه، فماذا نصنع به؟
طالب: يحمله وليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3620
الشيخ: يحمله وليه، أو غيره بإذن وليه في الطواف وفي السعي؛ لأن الركوب أو الحمل في الطواف والسعي عند العجز جائز، فقد قالت أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بالطواف للوداع، قالت: يا رسول الله، إني مريضة، قال: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» (13)، فدلَّ هذا على أنه يجوز الركوب أو الحمل عند العجز.
فيه بحث مهم أيضًا في هذه المسألة، إذا قلنا بأنه يحمله فهل يصح أن يطوف به عن نفسه وعن هذا الصبي؟
المذهب لا يصح، وإذا نوى عن نفسه وعن المحمول فإنه يقع عن المحمول ولا يقع عن نفسه.
والقول الثاني: أنه لا يصح، وإذا نوى عن نفسه وعن المحمول وقع عن نفسه دون المحمول؛ لأنه أصل والمحمول فرع.
والذي نرى في هذه المسألة أنه إذا كان الصبي يعقل النية فنوى وحمله وليه، فإن الطواف يقع عنه وعن الصبي؛ لأنه لما نوى الصبي صار الطواف كأنه طاف بنفسه، والولي لم يعمل شيئًا، فينوي عن نفسه، وينوي عن الولي.
أما إذا كان لا يعقل النية فإنه لا يصح أن يقع طواف بنيتين، فيقال لوليه: إما أن تطوف أولًا، ثم تطوف بالصبي، وإما أن تكل أمره إلى شخص يحمله، ( ... ) في الطواف والسعي.
يقول: (وفعلهما من الصبي والعبد نفلًا) العبد ولو كان بالغًا عاقلًا لا يصح منه الفرض، بل لا يقع منه الحج والعمرة إلا نفلًا؛ لأنه ليس من أهل الفرض، وسبق الخلاف في هذا؛ وهو أنه هل من شرط الوجوب الحرية على كل حال، أو نقول: من شرطه الحرية ما لم يأذن له، فإن أذن له وجب عليه؟ على الخلاف السابق.
ولكن حتى لو أذن له وليه بالحج فإنه على المذهب لا يقع إلا نفلًا، ولا يقع عن الفرض، حتى لو نوى أنه فريضة فإنه لا يصح، ولكن في هذا نظر، والصواب أنه إذا حج بإذن سيده ونواه عن الفريضة فإنه يجزئه؛ لأننا نقول: لا يجب عليه الحج؛ لأنه كان فقيرًا، والفقير لو حج حال فقره وتكلف المشقة فإنه يسقط به الفرض، فكذلك هذا العبد إذا حج بإذن وليه فإنه يسقط عنه الفرض.
الجزء: 1 - الصفحة: 3621
يقول: (وفعلهما من الصبي والعبد نفلًا) وعلى هذا يتبين أن الشروط الخمسة التي ذكرناها في الدرس السابق -شروط الوجوب- تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
منها: ما هو شرط للوجوب والإجزاء والصحة.
ومنها: ما هو شرط للوجوب والإجزاء دون الصحة.
ومنها: ما هو شرط للصحة.
فالإسلام شرط للوجوب والإجزاء والصحة.
وكذلك العقل شرط للوجوب والإجزاء والصحة، إلا على رأي من يرى أن المجنون كالصبي يصح أن ينوي عنه وليه.
والحرية شرط للوجوب والإجزاء دون الصحة.
والبلوغ شرط للوجوب والإجزاء دون الصحة.
والاستطاعة شرط للوجوب فقط، فلو حج وهو غير مستطيع أجزأه وصح منه.
فتنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة.
يقول رحمه الله: (والقادر) (القادر) في قوله: (على المسلم الحر المكلف القادر) من هذا القادر؟
يقول: (إن القادر مَنْ أمكنه الركوب ووجد زادًا وراحلة صالحين لمثله) هذا هو القادر من أمكنه الركوب، فمن لا يمكنه الركوب فليس بقادر، وكيف لا يمكنه الركوب؟
نقول: أما في عصر الإبل فتعذر الركوب كثير؛ يوجد بعض الناس لا يستطيع الركوب على الراحلة؛ لكونه نضو الخلقة، ضعيفًا هزيلًا لا يستطيع الركوب.
فإن قال قائل: يمكن أن نربطه على الرحل؟
قلنا: في هذا مشقة لا تأتي به الشريعة.
أما في وقتنا -وقت السيارات والطائرات- فالذي لا يمكنه الركوب في الغالب يكون نادرًا، لكن رأينا بعض الناس لا يمكنه الركوب في السيارة؛ لأنه إذا ركب تعب تعبًا عظيمًا؛ داخ، وزال وعيه، أو ربما يصاب بغثيان وقيء، يتعب معه تعبًا عظيمًا.
نقول: هذا لا يجب عليه الحج وإن كان صحيح البدن قويًّا، لكن ما دام يتكلف إلى هذه الكلفة فإنه لا يجب عليه الحج.
الثاني يقول: (وجد زادًا وراحلة)، الزاد: ما يتزود به المسافر من طعام وشراب ورحل، وغير ذلك من حوائج السفر.
والراحلة معروفة: ما يرتحله من المركوبات من إبل أو حُمُر أو سيارات أو طائرات.
الجزء: 1 - الصفحة: 3622
إذا وجد راحلة، ولكن المؤلف اشترط قال: (صالحين لمثله) يعني: لا بد أن يكون الزاد صالحًا لمثله، وكذلك الراحلة.
فلو كان يجد راحلة، لكن لا تصلح لمثله؛ لكونه من ذوي الجاه والغني والشرف والسيادة، ولم يجد إلا راحلة لا تصلح لمثله، مثلًا قدرنا أنه ذو شرف وسيادة ولم يجد راحلة إلا حمارًا فقط، هل يلزمه؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: ليس صالحًا ..
الشيخ: ليس صالحًا لمثله، يلحقه في ذلك غضاضة وشماتة من الأعداء فلا يلزمه.
كذلك الزاد؛ لو فرضنا أنه غني، لكن المسافرين لا يكون لهم من الزاد ما يكون لمثله، ليس عندهم إلا كسرة خبز وإدام بسيط؛ يعني: لا يأتدم به مثل هذا الرجل، فإنه لا يلزمه الحج؛ لأن في ذلك غضاضة عليه.
وهذه المسألة قد يقول قائل: إن عموم قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] يشمل من أمكنه الركوب على راحلة لا تصلح لمثله، وبزاد لا يصلح لمثله، والناس إذا سافر للحج على مثل هذه الراحلة أو بمثل هذا الزاد فإنهم لا يشمتون به، ولا يلومونه، صحيح أنه يتأثر نفسيًّا، ويفقد ما كان عليه من الزاد من طعام وشراب، وكذلك يرى أن هذه الراحلة لا تليق بمثله، لكن لا يقال: إنه عاجز، والله عز وجل يقول: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
ولهذا ذهب بعض العلماء إلى القول بأنه من وجد زادًا وراحلة يصل بهما إلى المشاعر ويرجع، ولم يقيدوا ذلك بكونهما صالحين لمثله، وهذا أقرب إلى الصواب؛ أن نقول: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بأي حال من الأحوال إذا لم يكن عليه ضرر، أما كونه يفقد المألوف من مركوب أو مطعوم أو مشروب فإن هذا لا يعد عجزًا.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: هذا يسأل يقول: المجنون إذا ارتكب محظورات الإحرام أو الصبي إذا ارتكب محظورات الإحرام، هل عليه شيء؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3623
نقول: ليس عليه شيء، فلو أن الصغير تطيَّب أو لبس قميصًا أو ما أشبه ذلك فليس عليه شيء، لكن على المشهور من المذهب يلزم وليه أن يزيل عنه هذا المحظور.
طالب: ( ... ) الصبي في الصلاة ( ... )؟
الشيخ: يقول: هل إذا بلغ في أثناء الصلاة هل تجزئه عن الفريضة أو لا بد أن يستأنف؟
المذهب لا بد أن يستأنف؛ لأنه لا يمكن أن يكون أول الصلاة نفلًا وآخرها فرضًا.
والقول الثاني: لا يلزمه الاستئناف، وهذا أصح، كما أنه لو صلى هذه الفريضة ثم بلغ بعد صلاتها فإنه لا يلزمه إعادتها.
طالب: ( ... ) الصبي المذهب أنه إذا حج قبل بلوغه فهو نفل ( ... ) الراجح، هل إذا حج قبل بلوغه يعتبر نفلًا أم أنه يسقط عنه ( ... )؟
الشيخ: إذا حج الصبي قبل بلوغه فإنه نفل ولا يسقط عنه الفرض.
طالب: شيخ، ما الدليل على ذلك، ( ... ) الحج بهذا الحكم، مع أن كثيرًا من العبادات إذا فعلها الصبي قبل بلوغه أجزأته، مثل الشهادة -مثلًا- قبل أن يبلغ إذا تلفظ بالشهادتين فهي ( ... )؟
الشيخ: لأن الشهادة هي الأصل، والصبي يكون تبعًا لوالديه، إذا كان والداه مسلمين فهو مسلم، حتى وإن لم ينطق بالشهادة، لكن لو امتنع من النطق بالشهادة بعد التمييز فإنه لا يتبع والديه.
طالب: حديث المرأة التي أتت بالصبي، قالت: أعليه حج ..
الشيخ: لا، قالت: ألهذا حج، قال: «نَعَمْ، لَهُ حَجٌّ» (3)، لا، ما يدل على الإجزاء؛ لأنه أصلًا إذا حج قبل أن يبلغ لم يخاطب به إلى الآن، فإذا كان لم يخاطب به فهو كما لو صلى الصلاة قبل دخول وقتها.
طالب: الصبي -يا شيخ- عند حمله عند الطواف كتفه اليسار لا بد أن يكون جهة الكعبة بعضهم يخلوا صدره جهة الصدر؟
الشيخ: إي، والله هذه مشكلة، ما تقولون؟
المحمول في الطواف، هل يجب أن تكون الكعبة عن يساره؟ مع أن الغالب أن الكعبة تكون؟
طلبة: عن يمينه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3624
الشيخ: عن يمينه، هذا هو الغالب، المذهب لا بد أن تكون على يساره، وعلى هذا فلا يمكن الحمل إلا وضعه على الكتف أو وضعه على الكتفين، وجعل يتمسك برأسه، أو فعل ما تفعله النساء ( ... ) النساء ( ... ) الآن تحمل ابنها وتكون الكعبة عن يساره، إي نعم.
والذي يظهر لي أنه ليس بشرط؛ لأن ظاهر قول الرسول: «لَهُ حَجٌّ» (3) يقتضي أنه له حج، ويحمل على ما يحمل عليه.
طالب: عادة.
طالب آخر: فيه مشقة.
الشيخ: وفيه مشقة ..
الطالب: هو حديث ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لكن لو حطه على كتف واحد ..
طالب: على كتف تصير الكعبة وراه يا شيخ.
الشيخ: ( ... ) ما يمكن يتحط على الكتف.
الطالب: الكعبة وراه تصير.
الشيخ: من؟
الطالب: إذا حطه على الكتف الأيسر مثلًا.
الشيخ: لا.
الطالب: يستدبر الكعبة.
الشيخ: ما يصير، إذا حطه على الكتف ورجلاه تتدلى على صدر أبيه مثلًا.
الطالب: تعب هذا -يا شيخ- ومشقة.
الشيخ: واللهِ على كل حال فيه تعب.
طالب: يا شيخ، بالنسبة للذي الآن في وقتنا الحاضر ما يستطيع يركب السيارة، مثلًا للغثاء الذي يحصل له، هذا ربما يكون مستمرًّا، هل يجب عليه الإنابة؟
الشيخ: إي نعم، تجب عليه الإنابة، إذا كان مستمرًّا يكون مثل الكبير والمريض مرضًا لا يرجى برؤه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: إن الصبي إذا لم يميز ونوى عنه وليه فإنه لا يحمله، وإلا يكون الطواف في الصبي إذا حمله.
الشيخ: إذا نوى.
الطالب: إذا نوى عنه، لكن الملاحظ أن كثيرًا من الناس يفعلون هذا الشيء؛ ينوون عنه وعن أنفسهم، ويحملون صبيانهم.
الشيخ: إي نعم، نرى أنه ما يصح الطواف عن الصبي، يصح الطواف للأب؛ للحامل دون المحمول.
طالب: يعني: لا بد أن يحمل من جهة أخرى؟
الشيخ: إي، من جهة أخرى، إذا خلص من طوافه حمله أو جعل إنسانًا ثانيًا يمشي معه.
طالب: ديه مسألة مهمة يحتاج ..
الشيخ: مهمة، إي نعم، والمشكلة أنه على المذهب يصح عن المحمول دون الحامل.
الطالب: هذه هي المشكلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3625
الشيخ: هذه هي المشكلة.
طالب: هذه أشد.
الشيخ: هذه أشد.
طالب: شيخ، وإن نوى الحامل؟
الشيخ: لا، إذا نوى إحنا قلنا: إذا كان مميزًا يقول له: انو، ويحمله ( ... ).
طالب: والسعي كذلك؟
الشيخ: إي نعم، والسعي كذلك؟
طالب: وإن نوى الحامل يا شيخ؟
طالب آخر: ( ... ) حمل الصبي رجل، ثم طاف به شوطًا، ثم نام أثناء الطواف، هل يجزئه؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طالب: الصبيان حالتهم ..
الشيخ: هذا واقع، لا، واقع ..
الطالب: يصيحون وينامون.
الشيخ: فيه أولًا أنه يصيح، لكن مسألة الصياح معفو عنها؛ لأن الله أباح فيه الكلام، لكن إذا نام؛ فيه ناس يحملون في الطواف، وفي السعي أيضًا، في العربيات ينامون، نقول: إذا نوى من أول الأمر -من أول شوط- فلا بأس، حتى لو نام كل السعي، إي نعم؛ لأنه يُسْعَى به.
طالب: يا شيخ، ما فيه قول: إن الطواف ( ... )؟
الشيخ: كيف؟ فيه قول قوي.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، بل هو الصحيح، الصحيح أنه لا تسن له الطهارة.
طالب: حديث ضعيف إذن.
الشيخ: لأن الحديث الذي يروى: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ (14) لا يصح مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلام، إنما هو عن ابن عباس من قوله، والدليل على أنه لا يصح عن رسول الله تناقض؛ لأنه يباح في الطواف أشياء غير الكلام.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، يباح غير الكلام، كلام الرسول مضبوط، لو كان من الرسول ما أبيح، فهو مثلًا يباح فيه ( ... )، ما يقرأ فيه الفاتحة، ولا يستقبل فيه القبلة، ولا يشترط فيه التوالي على رأي كثير من العلماء، ويجوز فيه الأكل والشرب.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: ( ... ).
طالب: أحسن الله إليكم، شرط الصحة فقط أي شيء؟
الشيخ: هو كل شرط للصحة شرط للوجوب، الخمسة هذه الشروط كلها شرط للوجوب لا بد فيها.
الطالب: لكن ما فيه شرط للصحة مستقل؟
الشيخ: لا، ما فيه شرط، فيه الشرط للإجزاء فقط، وشرط للوجوب فقط، كما ذكرناه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3626
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، كيف نجيب على من استدل بحديث ابن عمر في عدم وجوب العمرة، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97]، واستدل بهذا على عدم وجوب العمرة، حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» (15)، وذكر منها الحج دون العمرة في أركان الإسلام، وهو أصح من الحديث الآخر حديث عائشة؟
الشيخ: نعم، لكن السكوت عنها هل ينفي وجوبها؟ والرسول عليه الصلاة والسلام قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» (16)، وقال: «الْعُمْرَةُ حَجٌّ أَصْغَرُ» (17)، فهي نوع من الحج.
طالب: الحديث الآخر حديث الأعرابي: «وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ».
الشيخ: نعم، قال: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» (18)، لكنه ضعيف، حديث عائشة أصح منه، فيه حديث جابر: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» (19)، لكنه ضعيف.
طالب: القول -يا شيخ- في مسألة إتمام الصبي بالعمرة والحج، الصحيح أنه لا يُلزم بإتمامه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن شيخ، هل يلزم بواجبات الحج والبعد عن المحظورات إذ إنه أتم؟
الشيخ: إي، هذا ينبني على هذا؛ يعني: عند أبي حنيفة رحمه الله لا يلتزم بشيء إطلاقًا، يؤخذ منه ما عفا ..
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، يؤخذ منه ما فعل، وما لم يفعل لا يلزمه.
طالب: يا شيخ، هذا الذي لا يستطيع أن يركب السيارات الآن، ما نقول: إنه يلزمه أن يركب راحلة مثل البعير أو البغل أو الحمار، يستطيع الراحلة؟
الشيخ: إذا استطاع لا بأس.
الطالب: نعم، ما نقول: إنه يلزمه؟
الشيخ: يلزم، إذا أمكن يلزمه.
الطالب: يركب البعير ونحطه في السيارة.
الشيخ: لا.
طالب: ( ... ) يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما أظنه يصلح.
طالب: مسافر إذا صلى صلاة نافلة لا يلزم في السيارة ( ... ) لا يجوز؟
الشيخ: الفريضة لا تجوز في السيارة إلا إذا قام الإنسان بجميع الشروط.
الطالب: ( ... ) إذا صلى لغير القبلة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3627
الشيخ: النفل يعني؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي.
الطالب: فالآن الصبي إذا تطوع، فلا ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو هذا، الحكمة من أن المسافر يسقط عنه استقبال القبلة من أجل أن استقبال القبلة يعيقه عن السير، والنافلة ليست كالفريضة محدّدة خمس صلوات فقط، كلما أكثر منها الإنسان فهو خير، فمن أجل ألَّا يُحَال بينه وبين الإكثار منها رخص له الشرع في ترك استقبال القبلة؛ ولهذا لا بد أن يتجه إلى جهة سيره، لو اتجه إلى غير جهة السير بطلت صلاته، إلا إذا اتجه للقبلة؛ ولهذا -مثلًا- لو فرضنا أن إنسانًا اتجاه سيره إلى الشمال والقبلة عن اليسار، فانحرف عن اتجاه السير إلى الشرق، بطلت صلاته؛ لأنه ترك استقبال القبلة؛ تبطل صلاته، ولو اتجه إلى القبلة قالوا: إنها لا تبطل؛ لأن القبلة هي الأصل.
طالب: النافلة يا شيخ؟
الشيخ: النافلة، أيوه، الفريضة ما تصح أبدًا على الراحلة إلا للضرورة.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المصنف رحمه الله: والقادر: مَنْ أمكنه الركوب، ووجد زادًا وراحلة صالحين لمثله بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية، وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يُقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجده، ويجزئ عنه، وإن عوفي بعد الإحرام، ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرمها؛ وهو زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، وإن مات من لزماه أخرجا من تركته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما قولك في صغير بلغ في الحج بعد الوقوف بعرفة؟
طالب: إن كان يمكنه بعد الوقوف إن كان يمكنه الرجوع إلى عرفة ليقف، فعلى قول صح فرضًا من أول.
الشيخ: يعني: يرجع ويقف؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3628
الطالب: يرجع ويقف، مالم تطلع شمس يوم العيد يخرج فجر يوم العيد، وإلا فإنه لا يصح ( ... ) فرض، إذا طلع فجر يوم العيد؛ لأنه لا يمكنه الوقوف بعرفة.
الشيخ: يقول في الجواب: إذا أمكن أن يرجع فيقف بعرفة بحيث يكون وقت الوقوف باقيًا فإنه يرجع ويقف بعرفة، ويصح فرضًا، وإن لم يمكنه أن يرجع إلى عرفة قبل طلوع الفجر فإنه يبقى حجه نفلًا، صح.
ما تقول بصبي أحرم بالعمرة ثم بلغ قبل الشروع في الطواف؟
طالب: إذا بلغ قبل الشروع في الطواف فإنها تصح أن تقع فرضًا.
الشيخ: فإنها تنقلب فرضًا، ولَّا لا بد أن ينوي؟
الطالب: لا بد أن ينوي.
طالب آخر: تنقلب فرضًا دون إن ينوي يا شيخ.
الشيخ: تنقلب فرضًا وإن لم ينو.
عندنا قولان في المسألة.
طالب: صح، وما هو القول الثاني؟
الشيخ: صح، وما هو القول الثاني؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: صح، ينقلب فرضًا.
من هو القادر الذي قلنا بوجوب الحج عليه؟
طالب: ( ... ) الزاد والراحلة.
الشيخ: وأيش؟ فيه شيء آخر.
الطالب: الزاد والراحلة بعد ..
الشيخ: خلِّ (بعد)، ما بعد وصلناها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، من أمكنه الركوب ووجد الزاد والراحلة.
هل يشترط في الزاد والراحلة أن يكونا على وصف معين أو مطلق الزاد والراحلة؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: قال العلماء ( ... ) يجب أن يكونا صالحين لمثله.
الشيخ: يشترط أن يكونا صالحين لمثله.
الطالب: والصحيح أن يكونا ( ... ).
الشيخ: والصحيح أنه يشترط فيهما أن يمكنه الوصول إلى مكة والرجوع منها ولو بزاد لا يصلح لمثله؛ لأن زاد المسافر ليس كزاد المقيم.
ثم اشترط المؤلف في وجود الزاد والراحلة قال: (بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية) هذه ثلاثة أمور، لا يكون مستطيعًا قادرًا إلا بعد توافر هذه الأمور الثلاثة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3629
أولًا: (قضاء الواجبات) الواجبات: كل ما يجب على الإنسان بذله؛ كالديون لله أو للآدمي، والنفقات الواجبة للزوجة أو للأقارب، والكفارات، والنذور، فلا بد أن يقضي هذا الشيء؛ فمن كان عنده مال إن قضى به الدين لم يتمكن من الحج، وإن حج لم يقض به الدين، فهل نقول: هذا قادر؟ لا، لا يكون قادرًا إلا بعد قضاء الديون والكفارات، وغيرها.
فإذا قال قائل: لو أن صاحب الدين أذن له أن يحج فهل يكون قادرًا؟
فالجواب: لا؛ لأن المسألة ليست مسألة إذن أو عدم إذن، المسألة شغل الذمة أو عدم شغلها، ومن المعلوم أن صاحب الدين إذا أذن للمدين أن يحج فإن ذمته لا تبرأ من الدين، يبقى الدين في ذمته.
إذن فنقول: الحج الآن ليس واجبًا عليه، اقض الدين أولًا، ثم حج، وأنت لو لاقيت ربك قبل أن تحج ولم يمنعك من ذلك إلا قضاء الدين فإنك تلاقي ربك كامل الإيمان؛ لأن الحج في هذه الحال لم يجب عليك، فكما أن الفقير لا تجب عليه الزكاة، ولو لقي ربه للقي ربه على إسلام تام، فكذلك هذا المدين الذي لم يتوفر لديه مال يقضي به الدين ويحج به يلقى ربه وهو تام الإسلام.
وما يفعله أو ما يظنه بعض المدينين الآن من أن العلة هي عدم إذن الدائن فإنه لا حقيقة له ولا أصل له، ليست العلة أن الدائن أذن أو لا يأذن، العلة أن الذمة تبقى مشغولة أو تبرأ، هذه العلة، ومعلوم أنه لو أذن له أن يحج فهل يبرأ من شيء من الدين؟ أبدًا.
فإذا قال قائل: لو أنه أمكنه أن يحج ..
والنفقاتِ الشرعيَّةِ والحوائجِ الأَصليَّةِ، وإن أَعْجَزَه كِبَرٌ أو مَرَضٌ لا يُرْجَى بُرْؤُه لَزِمَه أن يُقيمَ مَن يَحُجُّ ويَعتمِرُ عنه من حيث وَجَبَا ويُجزئُ عنه، وإن عُوفِيَ بعدَ الإحرامِ، ويُشترَطُ لوُجوبِه على المرأةِ وُجودُ مَحْرَمِها وهو زوجُها أو مَن تَحْرُمُ عليه على التأبيدِ بنَسَبٍ أو سببٍ مُباحٍ، وإن ماتَ مَن لَزِمَاه أُخْرِجَا من تَرِكَتِه.
(بَابُ المَوَاقِيْتِ)
الجزء: 1 - الصفحة: 3630
ومِيقاتُ أَهْلِ المدينةِ ذو الْحُلَيْفَةِ، وأهلِ الشامِ ومصرَ والمغربِ الْجُحْفةُ، وأهلِ اليمنِ يَلَمْلَمُ، وأهلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وأهلِ المشرِقِ ذاتُ عِرْقٍ، وهي لأهلِها ولمَنْ مَرَّ عليها من غيرِهم، ومَن حَجَّ من أهلِ مَكَّةَ فمنها،
( ... ) فهل نقول هذا قادر؟ لا، لا يكون قادرًا إلا بعد قضاء الديون والكفارات وغيرها.
فإذا قال قائل: لو أن صاحب الدين أَذِن له أن يحج، فهل يكون قادرًا؟
الجواب: لا؛ لأن المسألة ليست مسألة إِذْن أو عدم إذن، المسألة شَغل الذمة أو عدم شَغْلها.
ومن المعلوم أن صاحب الدين إذا أذن للمدين أن يحج فإن ذمته لا تبرأ من الدين؛ يبقى الدين في ذمته.
إذن فنقول: الحج الآن ليس واجبًا عليه، اقض الدين أولًا ثم حُجَّ، وأنت لو لاقيت ربك قبل أن تحج ولم يمنعك من ذلك إلا قضاء الدين فإنك تلاقي ربك كامل الإيمان؛ لأن الحج في هذه الحال لم يجب عليك؛ فكما أن الفقير لا تَجِب عليه الزكاة، ولو لقي ربه للقي ربه على إسلامٍ تام، فكذلك هذا المدين الذي لم يتوفر لديه مال يَقْضي به الدين ويحج به يلقى ربه وهو تام الإسلام.
طيب، وما يفعله أو ما يظنه بعض المدينين الآن من أن العلة هي عدم إذن الدائن فإنه لا حقيقة له ولا أصل له؛ ليست العلة أن الدائن يأذن أو لا يأذن؛ العلة أن الذمة تبقى مشغولة أو تبرأ هذه العلة.
ومعلوم أنه لو أذن له أن يحج فهل يَبْرَأ من شيء من الدين؟ أبدًا.
طيب، فإذا قال قائل: لو أنه أمكنه أن يحج بمصلحة له مالية، بحيث يُعْطَى أجرة؛ يعني يكون الرجل هذا عاملًا جيدًا، فيستأجره أحد من الناس ليحج معه، إما بقافلة، وإما بالأهل، ويعطيه مثلًا ألف ريال في الشهر أو بعشرة أيام، وهو لو بقي في البلد لم يستفد ألف ريال، لا بالشهر ولا بعشرة أيام، فهل له أن يحج هنا؟ نعم، له أن يحج، ولا يمنع الدَّيْن وجوب الحج إذا كان الدين أقل مما سيعطى، أمّا إذا كان أكثر فإنه لا يزال باقيًا في ذمته، فيمنع الوجوب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3631
طيب، لو فرضنا أنه وَجَد من يحج به مجانًا ولا يعطيه شيئًا، فهل هذا يضره لو حج بالنسبة للدين أو لا يضره؟
طالب: فيه التفصيل يا شيخ.
طالب: ( ... ).
الشيخ: فيه تفصيل؛ التفصيل هو أنه إذا كان لو بقي لَعَمل وحصَّل أجرة فبقاؤه خير من الحج، وإذا كان لا يحصِّل شيئًا ولو بقي فهنا يتساوى في حقه الحج وعدمه.
وعلى كل تقدير فإن الحج لا يجب عليه ما دام يبقى في ذمته درهم واحد.
وكذلك نقول في الكفارات: لو كان عليه عتق رقبة وعنده عشرة آلاف ريال إما أن يعتق الرقبة بعشرة آلاف ريال وإما أن يحج؟
قلنا له: لا تحج، أعتق الرقبة الكفارة التي عليك؛ لأن وجوبها سبق وجوب الحج، والحج لا يجب إلا بالاستطاعة، ولا استطاعة لمن عليه دين في ذمته.
الثاني مما لا بد أن يتوافر قبل وجوب الحج النفقاتُ الشرعية؛ يعني: التي يقرها الشرع ويبيحها، النفقة له ولعياله على وجه لا إسراف فيه؛ فإذا كان عنده عشرة آلاف ريال، إن حج بها نقصت النفقة، وإن أنفق تعذر الحج، فهل يحج ولو نقصت النفقة أو لا يحج؟
طلبة: لا يحج.
الشيخ: لا يحج، ولكن المؤلف اشترط أن تكون النفقات شرعية، فإن كانت غير شرعية وهي نفقة الإسراف أو النفقة على ما لا حاجة فيه فإنه لا عبرة بها والحج مقدم عليها؛ كرجل مثلًا نفقته الشرعية التي تليق بحاله عشرة آلاف ريال، وعنده الآن خمسة عشر ألف ريال يمكن أن يحج منها بخمسة، لكنه يقول: أنا أريد أن أنفق نفقة الملوك، أو نفقة الأغنياء الذين هم أكثر مني غنًى لأني في وسط حيٍّ كل مَنْ فيه وزراء وأغنياء، فأحب إذا كانت سيارتي واقفة عند بابي أن تكون مثل سياراتهم، مع أنه يمكن أن يستغني بسيارة أقل بكثير، فهل هنا نقول: إن النفقة التي ينفقها نفقة شرعية؟
لا، بل هي نفقة إسراف في حقه، ولا عبرة بها، فنقول: ما زاد عن النفقة التي تليق بك يجب عليك أن تحج بها.
المؤلف يقول: (فاضل عن النفقات الشرعية).
الجزء: 1 - الصفحة: 3632
وإلى كم نُقَدِّر هذه الشرعية؟ يعني: النفقات الشرعية التي تكفيه في حجه ورجوعه؟ أو في سنته؟ أو على الدوام؟ أو ماذا؟
الفقهاء يقولون رحمهم الله: لا بد أن يكون بعد النفقات التي تكفيه وتكفي عائلته على الدوام، فهمتم؟ تكفيه وتكفي عائلته على الدوام.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لو قلنا بهذا القول لما وجب الحج على أحد؛ لأن الإنسان لو كان عنده مال قارون لا يستطيع أن يقول: هذا المال يكفيني على الدوام؛ لأن الأحوال تتغير، ربما تزيد الأجور أو نفقات المعيشة وتطول أعمارهم، يمكن يُقدِّر عمره خمسين سنة ويجعل الله عمره مئة سنة؛ معناه يحتاج إلى ضِعْف ما كان يتوقع.
لكن قالوا: معنى قولنا: على الدوام.
ليس ما تتصورون من أنه لا بد أن يكون عند الإنسان نقد يكفيه إلى الدوام؛ المراد بالدوام ما كان ناتجًا عن صنعة، أو عن أجرة عقار، أو ما أشبه ذلك؛ بحيث يقول: صنعتي أكتسب منها ما يكون على قدر النفقة تمامًا ولا يزيد، أو عقاراتي أستثمر ما يكون منها على قدر النفقة لا يزيد.
الآن النفقة على الدوام ولَّا لا؟ على الدوام، بناءً على أن هذا الاستثمار سوف يبقى على ما هو عليه وكذلك الصنعة.
هذا هو المراد.
ليس المراد أن يكون عنده نقد أو متاع يكفيه على الدوام؛ لأن هذا لا يمكن ضبطه، ولو قلنا به ما بقي على أحد حجٌّ واجب، لكن المراد بالدوام هو ما يكون من استثمار عقار أو أجور صنعة أو ما أشبه ذلك.
فإذن اتضح معنى قولهم رحمهم الله: على الدوام.
وقال بعض العلماء: ما يكفيه وعائلته إلى أن يرجع من الحج، فإذا كان عنده من النفقة ما يكفيه ويكفي عائلته حتى يرجع من الحج، وزاد على ذلك شيء يكفيه للحج وجب عليه الحج؛ لأنه إذا رجع إلى أهله، فالرزق عند مَنْ؟ عند الله عزّ وجل يرزق، ما دام الآن يمكن أن يحج ويبقي عند أهله النفقة التي تكفيهم إلى رجوعه فهذا قادر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3633
ولو أن قائلًا يقول: نُقدِّر النفقة بالسِّنَة كما قدَّروها في باب الزكاة؛ أن الفقير مَن لا يجد كفايته سَنَة؛ الفقير والمسكين، لو قال قائل بهذا لم يكن بعيدًا بأن نقول: إذا كان عنده من النقود ما يكفيه وعائلته لسنة، فزاد على ذلك شيء فإنه يلزمه أن يَحُج، وإن كان دون ذلك فإنه لا يلزمه؛ وذلك لأنه لا يخرج عن كونه فقيرًا إذا لم يكن عنده إلا دون ما يكفيه السنة.
الثالث: يقول: (الحوائج الأصلية)؛ لا بد أن يكون ما عنده زائدًا عن الحوائج الأصلية؛ الحوائج الأصلية يعني: التي يحتاجها الإنسان كثيرًا لأن هناك حوائج أصلية وحوائج فرعية؛ مثال الحوائج الأصلية: الكتب، أقلام، ساعات، سيارة، وما أشبه ذلك، هذه من الحوائج الأصلية، هي غير ضرورية، لكنها أصلية لا بد لحياة الإنسان منها.
فمثلًا طالب العلم عنده كتب يحتاجها للمراجعة والقراءة، فلا نقول له: بع كتبك وحُج، طيب لو كان عنده نسختان فهل نقول: بع إحدى النسختين لتحج أو لا؟
نعم نقول: بع إحدى النسختين، فإن كانتا مختلفتين قلنا: اختر ما تراه أنسب لك، وبع الأخرى؛ لأن ما زاد على النسخة الواحدة لا يعتبر من الحوائج الأصلية، فإذا كانتا مختلفتين قلنا: انظر ما تختاره فأبقيه والباقي بِعْه.
عنده أيضًا سيارتان لا يحتاج إلا واحدة، نقول: بع واحدة وحج بها وأبقِ الأخرى، فإن كانتا مختلفتين فليبع إحداهما، الذي يختار لنفسه يبقيه والذي لا يختار لنفسه يبيعه.
طيب، الصانع هل يبيع آلات الصنعة ليَحُج بها؟
لا يلزمه، لكن لو كان عنده آلات كبيرة يمكن أن يقتات بآلات أصغر منها، فهل يلزمه أن يبيع؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3634
نقول: يلزمه أن يبيع ما يزيد على نفقته إلا إذا قلنا بأن الحج لا يجب على الفور، فهنا له أن يبقي هذه الآلات الكبيرة ويحج مِنْ استثمارها؛ لأن الآلات الكبيرة يكون استثمارها كثيرًا، فحينئذ له أن يحج، حتى لو قلنا أيضًا: إن الحج على الفور فالذي يتوجه عندي أن له أن يُبْقِي الآلات الكبيرة لأن استثمارها أكثر، ولأنه ربما يظن أن الآلات الصغيرة كافية في هذا الوقت، ثم يأتي وقت آخر لا تكفي، فيكون في ذلك ضرر عليه، وآلات الصانع تُعْتَبر من أصول المال التي يحتاج إليها.
فالذي يظهر أنه إذا كان عنده آلتان؛ آلة كبيرة يستثمر منها أكثر وآلة صغيرة تكفيه لقوته، فإننا لا نقول له: بع الآلات الكبيرة، واشترِ الصغيرة، بل نقول: أَبْقِها ولا حرج، واستثمارها سيكون كثيرًا، ويمكن إذا لم تحج هذا العام أن تحج في العام القادم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَإِنْ أعْجَزَهُ كِبَرٌ، أوْ مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عنه ويَعَتَمِرُ).
(إن أعجزه كبر)؛ يعني: مع توافر المال لديه، فهو قادر بماله غير قادر ببدنه؛ ولهذا قال: (أعجزه كبر)، ولم يقل: (أعجزه فقر)، بل قال: (كبر)، فهو رجل غني لكن لا يستطيع أن يحج بنفسه لأنه كبير، لا يستطيع أن يحج بنفسه لأنه مريض، لكنْ مرض لا يُرْجَى برؤُه، فإنه يلزمه أن يُقِيم مَنْ يَحُج ويعتمر عنه.
وفُهِمَ من قوله: (لا يُرْجَى برؤُه) أنه لو كان يرجى برؤُه فإنه لا يلزمه أن يقيم مَنْ يحج عنه، لكن هل يلزمه أن يَحُجَّ بنفسه؟ لا؛ لأنه يعجزه، لكن مرضه يرجى برؤه فيجوز أن يؤخر الحج هنا لأنه تسقط عنه الفورية لعجزه، ويلزمه أن يحج بنفسه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3635
ونظير ذلك ما قلنا في الصوم: المريض مرضًا لا يرجى برؤُه ماذا يصنع؟ يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا، والمريض مرضًا يُرْجَى بُرْؤه ينتظر ويقضي.
هذا أيضًا مثله: المريض مرضًا لا يرجى برؤه نقول: أقم مَن يحج عنك ويعتمر، والذي يرجى برؤه نقول: انتظر حتى يعافيك الله عز وجل وتستطيع أن تحج بنفسك.
يقول: (لزمه أن يقيم مَن يحج ويعتمر عنه من حيثُ وجبا).
يقول: (أن يقيم مَن يحُج)، (مَن) هذه اسم موصول تشمل كل مَن يصح حجه، ولكن لا بد أن يكون على الصفة التي يجزئه فيها حج الفرض، فلو أقام عنه صبيًّا لم يجزئه؛ لأن الصبي لا يصحُّ حجه الفرض عن نفسه، فعن غيره أولى.
لو أقام رقيقًا -على القول بأن الحج لا يجزئه- لم يجزئه أيضًا.
إذن فيكون قوله: (مَنْ يحُج) عامًّا أريد به الخاص، والمعنى: يُقيم مَن يحج عنه ممن يجزئه الحج لو حج عن نفسه.
ويُشْتَرط لهذا المُقام الذي أقيم عن الغير يشترط ألا يكون عليه فرض الحج، فإن كان عليه فرض الحج فإنه لا يجزئ أن يكون نائبًا عن غيره، فلو أقام فقيرًا يحج عنه أجزأ أو لا؟
طالب: أجزأ.
طالب آخر: لا يجزئ.
الشيخ: أقام فقيرًا.
طالب آخر: إن حج عن نفسه.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لو أقام فقيرًا، العبارة التي قلت: يُشْتَرط أن يكون النائب الذي أقامه الرجل ليس عليه فرض الحج، فإذا أقام فقيرًا يحج عنه؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: يجوز يا شيخ؛ لأن الفقير لم يجب عليه فرض الحج.
الشيخ: إي، ما فهمتم العبارة جيدًا، يُشْتَرط لمن يقيمه ألا يكون عليه فرض الحج، والفقير الذي ليس عنده مال ليس عليه فرض الحج، وعلى هذا فلو أناب فقيرًا لم يؤد الحج لأجزأه؛ لأن هذا الفقير لم يجب عليه الحج، فهو كالغني الذي أدى الحج عن نفسه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3636
فإن أقام عنه غنيًّا لم يُؤَدِّ الفرض عن نفسه فإنه لا يجزئه، والدليل حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: سمع رجلًا يُلَبِّي يقول: لبيك عن شبرمة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ » قال: لا، قال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرَمَةَ» (1)، وفي بعض ألفاظ الحديث: «اجْعَلْهَا لِنَفْسِكَ» (2)، وفي بعض ألفاظ الحديث: «هَذِهِ لِنَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (3).
وهذا الحديث اختلف العلماء في رفعه ووقفه، واختلفوا في تصحيحه وتضعيفه؛ فمنهم من قال: إنه ضعيف لأنه مضطرب لاختلاف ألفاظه؛ ففي بعضها: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ»، وفي بعضها: «هَذِهِ لِنَفْسِكَ»، وفي بعضها: «اجْعَلْهَا لِنَفْسِكَ»، قالوا: وهذا اضطراب يتغير به الحكم.
وقال بعضهم: إن رفعه خطأ وإنه لا يصح إلا موقوفًا على ابن عباس رضي الله عنهما، وقالوا: إنه لا وجه للمنع، أي: مَنْع مَنْ لم يحج عن نفسه من أن يحج عن غيره؛ يعني: لا وجه أن نمنعه من أن يحج عن غيره؛ بدليل أن الإنسان لو أَدَّى الزكاة بالوكالة عن غيره قبل أن يؤدي زكاة نفسه لكان ذلك جائزًا، فما المانع؟ ! ولكن نقول: لا شك أن الأَوْلى والأليق بالمرء ألا يكون نائبًا عن غيره فيما هو فرض عليه حتى يؤديَ فرضه أولًا.
سواء صح هذا الحديث مرفوعًا أو صحَّ موقوفًا أو لم يصح، فإن النظر يقتضي أن يقدم الإنسان نفسه على غيره لعموم: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» (4)، ونفسك أحق من غيرك، لكن على المذهب يشترط هذا الشرط: أن لا يكون النائب لم يُؤَدِّ فرض الحج، فإن أقام من لم يؤدِّ فرض الحج فإن ذلك لا يصح.
طيب لو فرضنا أن هذا الذي أُقِيم وهو لم يؤدِّ فرض الحج حج وقال: لبيك عن فلان؛ عن الذي وكله، فماذا يكون العمل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3637
نقول: تكون الحجة لهذا الرجل الذي حج، ويرد النفقة؛ أي: الدراهم التي أعطاها مَنْ وَكَّلَهُ يردها عليه؛ لأن ذلك العمل الذي وكله فيه لم يصح له، فيرد عوضه.
يقول المؤلف رحمه الله: (لَزِمَه أن يُقيم من يَحُجُّ ويعتمر عنه)، وعموم كلامه رحمه الله يدل على أنه يجوز أن يقيم الرجل امرأة، وأن تقيم المرأة رجلًا، من أين نأخذها؟ من عموم الاسم الموصول (مَنْ).
وعلى هذا فللرجل أن يوكل امرأة وللمرأة أن توكِّل رجلًا.
ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخًا كبيرًا لا يَثْبُت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ» (5)، فأَذِنَ لها أن تحج عن أبيها، وهي امرأة؛ فدل ذلك على أنه يجوز أن تحج المرأة عن الرجل، ومن باب أولى أن يحج الرجل عن المرأة.
لكن قال المؤلف: (من حيثُ وجبا)؛ أي: مِنَ المكان الذي وجب على المستنيب أن يحج منه؛ فمثلًا: إذا كان من أَهْل المدينة ووجب عليه الحج وهو في المدينة، يجب أن يقيم النائب من المدينة ولا بد، فلو أقام نائبًا من رابغ من الميقات فإن ذلك لا يجزئ.
لو أقام نائبًا من مكة فهو من باب أولى، يجب أن يقيمه من البلد الذي وجب عليه الحج فيه، وهذا وجب عليه الحج وهو في المدينة.
وبناء على هذا لو أن صاحب المدينة وَكَّل شخصًا في مكة يحج عنه لم يصح؛ لأن الواجب أن يقيم من المكان الذي وجب عليه الحج فيه.
ما هي العلة؟ قالوا: لأن هذا الرجل لو أراد أن يحج لنفسه من أين ينطلق؟ من مكانه؛ من المدينة، فكذلك نائبه.
وهذا القول ضعيف؛ لأن المنيب إنما يلزمه أن ينطلق من بلده؛ لأنه لا يتمكن أن يقفز خطوة واحدة ويصل إلى مكة، أليس كذلك؟
ولهذا لو أن هذا المنيب في مكة قد سافر إليها لغرض غير الحج، إمّا لدراسة أو غيرها، ثم أراد أن يحرم بالفرض من مكة، هل نبيح له ذلك أو نقول: اذهب إلى المدينة لأنك من أهل المدينة، والحج واجب عليك في المدينة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3638
الأول، نقول: لا بأس أن يُحْرِم بالحج من مكة.
إذن، لا بأس أن يحرم النائب من مكة، والسعي من المدينة إلى مكة ليس سعيًا مقصودًا لذاته، وإنما هو سعي مقصود لغيره لعدم إمكان الحج إلا بالانطلاق من المدينة.
فالقول الراجح أنه لا يلزمه أن يقيم مَنْ يحج عنه من مكانه، وله أن يقيم من يحج عنه من أيش؟ من مكة، ولا حرج عليه في ذلك.
طالب: شيخ يقول: (أو مرض لا يرجى برؤه) قلنا: فبما أنه لو كان يرجى برؤه لا يجزئه، لو أقام؟
الشيخ: ما أدري.
الطالب: يكون عن المنيب؟
الشيخ: يكون عن المستنيب.
الطالب: عن المستنيب؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، لو حج الإنسان عن نفسه فرضًا ثم مات قبل يوم عرفة، هل يقاس على هذه المسألة يا شيخ كما لو أناب عن غيره فرضًا فمات المنيب قبل الإنابة، تسقط عنه الفريضة؟
الشيخ: يعني: مات المنيب وهو في بلده ولَّا النائب؟
الطالب: مات النائب في مكة قبل أن يسقط عنه .. ؟
الشيخ: قبل الحج؟
الطالب: نعم، قبل الحج، قبل يوم عرفة.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل يسقط عنه حجه؟
الشيخ: لا، لا يسقط عنه.
الطالب: لم يا شيخ؟
الشيخ: لأنه ما تم؛ ولهذا نقول: لو مات النائب فإنه يستناب مَن يكمل عنه حتى يقع الحج صحيحًا عن المستنيب.
الطالب: هو مات في يوم عرفة.
الشيخ: في يوم عرفة أو قبله، فإن لم يوجد فإن الثاني المستنيب الذي جعله نائبًا يؤدي الفريضة مرة ثانية ويرجع إن أمكن بما أعطاه هذا الرجل وإذا لم يمكن سقط عنه.
طالب: شيخنا، طالب العلم إذا كان له نسختان ( ... ) يبيع نسخة، ولو كان يا شيخ ( ... ) تكون إحداهما محرفة ( ... ) الحواشي؟
الشيخ: إذا كان لكل واحدة ميزة يحتاج إليها فإنه لا يلزمه بيعهما.
طالب: شيخ، هل يجوز للنائب ( ... )؟
الشيخ: لا؛ لأن هذا مما يختلف فيه القصد، أنا قد أرضى أن يكون هذا نائبًا عني ولا أرضى أن يكون غيره نائبًا.
الطالب: ولو كان أفضل منه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3639
الشيخ: ولو كان أفضل، حتى لو كان أفضل أنا يمكن لا أختاره، ثم إنه يكون مفتاحًا لباب سيئ يستعمله بعض الناس، بعض الناس يأخذ نيابات متعددة بدراهم كثيرة، سمعت أن بعض الناس يأخذ مثلًا من دول الخليج نيابات، فيعطونه يظنون أنه هو الذي يريد أن يحج، فيأخذ عشرة عشرين بأجور باهرة، ثم إذا وصل مكة شاف من إخوانه الفقراء وأعطاهم يمكن عُشر ما أخذ، وربما يكون ما يعرف عن حالهم ولا عن دينهم ولا عن علمهم، فهذا يفتح بابًا سيئًا.
طالب: طيب، إن فعل؟
الشيخ: إن فعل لا يجزئه، ويضمن المال للذي أنابه.
طالب: ( ... ) ما يستفيد ( ... ) من جهة ( ... ).
الشيخ: إي، لكن أصلها كل إنسان أراد أن يتبرع لشخص بالحج به فإنه لا يلزم الإنسان أن يَقْبَل، لا يلزمه القبول؛ لأن هذا يكون فيه مِنَّة عليه في المستقبل، ربما يأتي يومًا من الأيام يقول: هذا جزاء أني حجيت بك وتفعل بي ها الفعل.
طالب: ( ... ) إذا أذن للمدين أن يحج حج الفرض، وهذا حج نفل، هل يصح منه هذا الحج؟
الشيخ: الظاهر أنه يصح الحج، لكنه يكون آثمًا؛ لأن هذا الحج يؤدي إلى تأخر قضاء الدين.
طالب: أحيانًا ما يؤثر يا شيخ، تكلفته قليلة؛ الحج؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: أحيانًا تكون التكلفة قليلة جدًّا حتى إنه .. ؟
الشيخ: كم تكون التكلفة؟
الطالب: مئتان ريال أو ثلاث مئة ريال.
الشيخ: ثلاث مئة ريال، والدين كم؟
الطالب: الدين مثلًا عشرون ألفًا ثلاثون ألفًا.
الشيخ: ثلاثة ملايين، الدين ثلاثة ملايين، إذا وفر ثلاث مئة ريال صار الدين ثلاثة ملايين إلا ثلاث مئة ريال.
الطالب: بس الواقع -يا شيخ- أن هذه النسبة بسيطة.
الشيخ: لا، غلط، هذا ( ... ) قطرة مع قطرة تأتي غديرة، هذا من جهل بعض الناس؛ يستخف لكن لو أنه كلما حصل الريال أعطى الدائن لكان ينتهي، أما يقول: والله هذا يسير، هذه ثلاث مئة ريال بسيطة، والمرة الثانية تجيء ثلاث مئة ريال بسيطة، هذا ما هو صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3640
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويجزئ عنه وَإِنْ عُوفِي بَعْدَ الإِحْرَامِ.
وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ عَلَى المَرْأةِ وَجُودُ مَحْرَمِهَا؛ وَهُوَ: زَوْجُها أوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأبِيِد بِنَسَبٍ أَوْ سَببٍ مُباح، وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَزِمَاهُ أُخْرِجَا مِن تَرِكَتِهِ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أن من عجز عن الحج والعمرة لعارض فإنه ينقسم إلى قسمين؟
طالب: إذا كان لا يرجى برؤه.
الشيخ: لا يرجى زواله.
الطالب: زواله، فإنه يلزم أن يقيم مَنْ يحج عنه.
الشيخ: إذا كان لا يرجى زواله يلزمه أن يقيم؟
الطالب: من يحج عنه.
الشيخ: وإن كان يرجى؟
الطالب: يتربص حتى يُشْفَى.
الشيخ: ينتظر حتى يزول المانع ثم يحج.
ما الذي يُشْتَرط في النائب؟
طالب: الذي يشترط في النائب أن يكون قد حَجَّ عن نفسه الفريضة.
الشيخ: هذا واحد.
الطالب: وأن يصح عنه الفرض.
الشيخ: أن يكون قد حج عن نفسه الفرض؛ هذه واحدة، والثاني؟
طالب: أن يَصِحَّ حجه عن نفسه.
الشيخ: أن يصح حجه عن نفسه احترازًا من أيش؟
الطالب: احترازًا ( ... ) من العبد والصبي على المذهب.
الشيخ: نعم، أن يكون يجزئ الحج عن نفسه احترازًا من الصبي والعبد، فلا يصح أن ينيب عبدًا أو صبيًّا.
طالب: المريض يا شيخ؟
الشيخ: لا يصح؛ يصح أن يحج عن نفسه وعن غيره.
طيب، من أين ينطلق النائب؟
طالب: على المذهب من حيث وجب الحج على المنيب.
الشيخ: يعني: يجب أن يقام عليه من حيث؟
الطالب: من حيث وجب عليه.
الشيخ: من حيث وجب على المنيب.
الطالب: والصحيح أنه من أي مكان، لا يشترط أن ينيب من حيث وجب عليه ( ... ) لا يشترط ذلك.
الشيخ: مثِّل؟
طالب: ( ... ) وجب عليه الحج في المدينة؛ على المذهب لا بد أن يحرم من المدينة.
الشيخ: أن ينطلق من المدينة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3641
الطالب: والصحيح أنه يجوز ( ... ).
الشيخ: طيب، ما حجة المذهب؟
طالب: حجة المذهب أن هذا المكان هو الذي وجب على المنيب ..
الشيخ: حجة المذهب أن هذا المكان هو الذي وجب على المنيب أن يحج منه، فوجب على نائبه أن يحج منه.
ما حجة القول الصحيح؟
طالب: الصحيح ( ... ).
الشيخ: إي، لكن ما حجة القول الصحيح؟
الطالب: لأن طريق المنيب ليس مقصودًا لذاته، وإنما مقصود لغيره.
الشيخ: لأن الطريق مقصود لغيره لا لذاته، والمقصود الحج، فمتى حصل أجزأ.
هل له دليل في حق المنيب أو قياس؟
طالب: نعم؛ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما حج أن شخصًا يطوف بيقول: لبيك اللهم حجًّا عن شبرمة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ » فقال له: لا، فقال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ».
الشيخ: حديث ابن عباس في قصة الرجل الذي قال: لبيك عن شبرمة، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ »، فقال: لا، قال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرَمَةَ» (1). طيب، قياس؟
طالب: القياس أن المنيب لو ( ... ) ثم بدا له أن يحرم من مكة جاز له الإحرام ولا يلزم بالرجوع.
الشيخ: تمام، قياس نقول: لو أن المنيب ذهب إلى مكة لحاجة لغير النسك ثم بدا له من هناك أن يحرم لصح، فإذا كان هذا في الأصل ففي الفرع من باب أولى.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام).
(يجزئ) الضمير يعود على الحج.
(عنه) الضمير يعود على المنيب.
(وإن عوفي) الضمير يعود على المنيب أيضًا.
(بعد الإحرام) أي: بعد إحرام النائب.
يعني: لو أن المنيب الذي كان مريضًا، وكان يظن أن مرضه لا يرجى برؤُه، عافاه الله عز وجل بعد أن أحرم النائب، فإن الحج يجزئ عن المنيب، يجزئ فرضًا.
لماذا؟ نقول: لأن المنيب أتى بما أُمِرَ به من إقامة غيره مقامه، ومن أتى بما أُمر به برئت ذمته مما أُمِرَ به، وهذا واضح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3642
وفُهم من كلام المؤلف أنه إن عوفي قبل الإحرام فإنه لا يجزئ عن المنيب، لماذا؟
نقول: لأنه لم يَشرع في النسك الذي هو الواجب، فصار وجوب الحج على المنيب بنفسه قبل أن يشرع هذا في النسك الذي أنابه فيه فلزمه أن يحج بنفسه.
ولكن يبقى عندنا إشكال؛ هذا النائب الآن قد تكلف وسافر إلى مكة ووصل إلى الميقات، ولكنه لم يُحْرِم بعد، ماذا تكون حاله بالنسبة للنفقة ذهابًا وإيابًا؟ ثم إن هذا الرجل -أعني النائب- سوف يقول في إحرامه: لبيك عن فلان.
نقول: جواب هذا الإشكال: إذا علم النائب بأن المنيب قد عوفي قبل أن يُحرِم فما فعله بعد ذلك فهو على نفقته؛ لأنه علم أنه لا يجزئه حجه عن منيبه، وأما ما عمله قبل ذلك من النفقات فإنه على المنيب.
مثال ذلك: لنفرض أنه أنفق منذ سافر من البلد إلى أن وصل إلى الميقات ألف ريال، ثم عوفي صاحبه قبل أن يحرم؟
نقول: الآن لا يجزئ أن يحرم عنه، فعلى المنيب كم؟ ألف ريال؛ لأن هذا أنفقها بأمره قبل أن ينفسخ أو قبل أن تنتهي مدة نيابته، ما بعد ذلك يكون على النائب إن استمر في السير.
أما إذا رجع فالرجوع على من؟ نفقة الرجوع على المنيب؛ لأن هذا النائب إنما سعى من البلد لمصلحة المنيب، فما غرمه فإنه يكون على هذا المنيب، وبذلك يزول الإشكال.
فإن قُدِّر أن النائب لم يعلم بشفاء صاحبه واستمر، وأدى الحج، فماذا يصنع الآن؟
نقول: هذا الحج لا يجزئ عن المنيب، لكنه يكون نفلًا في حقه، وتلزمه النفقة أو الأجرة التي قدرها للنائب، تلزم المنيب؛ لأن هذا النائب لم يعلم، وتصرُّف الوكيل قبل علمه بانفساخ الوكالة أو زوالها يكون صحيحًا نافذًا، كما لو وكلت شخصًا يبيع لك شيئًا، ثم عزلته عن الوكالة ولم يعلم بالعزل حتى تصرف فإن تصرفه يكون صحيحًا استنادًا على الوكالة الأولى التي لم يعلم بأنها فسخت.
قال: (ويُشْتَرَط لوجوبه على المرأة وجود محرمها)، الضمير في قوله: (لوجوبه) يعود على الحج، وكذلك العمرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3643
(يشترط لوجوبه على المرأة وجود محرمها)، أي: أن يوجد لها محرم موافق للسفر معها؛ يعني: لا يكفي أن يوجد محرم، بل لا بد من وجود محرم يوافق على أن يسافر معها.
وفُهِمَ من كلام المؤلف أن وجود المحرم شرط للوجوب؛ لأن وجوده داخل في الاستطاعة التي اشترطها الله عز وجل لوجوب الحج، وهذا العجز -أعني عجز المرأة التي ليس لها محرم عن الوصول إلى مكة- عجز شرعي، وليس عجزًا حسيًّا، فهي كعادمة المال فلا يجب عليها الحج.
فإن ماتت وعندها مال كثير، لكن لم تجد محرمًا يسافر بها، فهل يخرج الحج من تركتها أو نقول: إنه لا شيء عليها؟
الثاني؛ لأن هذا شرط للوجوب.
وقال بعض العلماء: إن المحرم شرط للزوم الأداء لا للوجوب، وعلى هذا القول نقول: هذه المرأة إن وجدت محرمًا في حياتها وجب عليها أن تحج بنفسها، وإن لم تجد فإنها إذا ماتت يُحج عنها من تركتها؛ لأن وجود المحرم شرط لأيش؟ لوجوب الأداء بنفسها، وليس شرطًا للوجوب.
لكن المذهب أصح أنه شرط للوجوب؛ وذلك لأن هذه المرأة عاجزة عن الوصول إلى المشاعر عجزًا شرعيًّا، فلا يلزمها الحج.
وعلى هذا فنقول: إن المؤلف لما قال: (يُشْتَرط لوجوبه)، دل هذا على أن المرأة التي لا تجد محرمًا يسافر معها لا يجب عليها الحج، وأنها لو ماتت لم تمت آثمة ولا يخرج من تركتها شيء يؤدى به الحج.
القول الثاني في هذا أنه شرط للزوم الأداء؛ يعني: شرط للزوم الأداء بنفسها، وليس شرطًا للوجوب.
وبناء على ذلك نقول: إنها إذا ماتت يجب إخراج الحج من تركتها؛ لأنه واجب عليها.
يقول: (ويُشترط لوجوبه على المرأة وجودُ مَحْرَمِها، وهو -أي المحرم- زوجها أو مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مُباح).
المحرم هو الزوج (أو مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد بنسبٍ) أي: بقرابة (أو سببٍ مُباح) والسبب المباح ينحصر في شيئين:
الأول: الرضاع.
والثاني: المصاهرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3644
أما النسب؛ فالمَحْرَّم هو الأب، والابن، والأخ، والعم، وابن الأخ، وابن الأُخت، والخال.
كم هؤلاء؟ هؤلاء سبعة؛ الأب، والابن، والأخ، والعم، والخال، وابن الأخ، وابن الأُخت.
هؤلاء سبعة، هؤلاء محارم بالنسب، هؤلاء يحرمون على التأبيد أو إلى أمد؟ على التأبيد.
السبب المباح قلنا: ينحصر في شيئين: المصاهرة والرضاع؛ فالرضاع، المحرَّم من الرضاع كالمحرم من النسب سواء، فيكون محرمها من الرضاع أباها من الرضاع، ابنها من الرضاع، أخاها من الرضاع، عمها من الرضاع، خالها من الرضاع، ابن أخيها من الرضاع، وابن أختها من الرضاع.
سبعة من الرضاع وسبعة من النسب، هؤلاء كم؟ أربعة عشر.
المحارم بالمصاهرة أربعة أنواع: أبو زوج المرأة، وابن زوج المرأة، وزوج أم المرأة، وزوج بنت المرأة.
لكن ثلاثة يكونون محارم بمجرد العقد؛ وهم أبو زوج المرأة وابن زوج المرأة وزوج بنت المرأة، أما زوج أمها فإنه لا يكون محرمًا لها إلا إذا دخل بأمها.
وقول المؤلف: (بسبب مباح) خرج منه ما ثبت التحريم به بسبب مُحَرَّم؛ مثل: أم المزنيِّ بها، وأم الملوط به وبنتها، على القول بأن ذلك يوجب التحريم.
يعني: رجل زنا بامرأة، فهل يكون محرمًا لأمها؟ لا.
أمها حرام عليه؟ حرام عليه على التأبيد؛ أمها حرام عليه على التأبيد.
بنتها حرام عليه على التأبيد.
ومر علينا هذا في المحرمات بالنكاح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3645
ولكن القول الراجح أن أم المزني بها ليست حرامًا على الزاني، وأن بنت المزني بها ليست حرامًا على الزاني؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، وفي قراءة أخرى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ولم يذكر الله عز وجل أم المزني بها وبنتها، وإنما قال: ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]، ومعلوم أن المزني بها ليست من نسائه قطعًا؛ لأن نساءه زوجاته، فهي ليست من نسائه، فإذا لم تكن من نسائه فإنه لا يصح أن يُلْحَق السفاح بالنكاح الصحيح.
فالقول الراجح أن أم المزني بها وبنت المزني بها ليست حرامًا على الزاني، فإذا تاب من الزنا جاز أن يتزوج أم المزني بها وبنتها.
الموطوءة بشبهة، هل تدخل في ذلك أو لا؟ بمعنى: لو وطئ امرأة بشبهة؛ شبهة عقد، أو شبهة اعتقاد، فهل هو محرم لأمها؟
المذهب: لا؛ لأن هذه المرأة الموطوءة بشبهة لا تحل له في باطن الأمر، فتحريم أمها أو بنتها بسبب غير مباح.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن أم الموطوءة بشبهة وبنتها من محارمه؛ قال: لأنه حين وطئ هذه المرأة يظنها من حلائله، فيترتب على هذا الوطء ما يترتب على الوطء المباح.
وعلى هذا فمن وَطِئ امرأة بشبهة فإن أمها تكون حرامًا عليه وهي من محارمه أيضًا، وبنتها كذلك تكون حرامًا عليه وهي من محارمه؛ فصار المذهب: التسوية بين المزني بها والموطوءة بشبهة في أن أمها وبنتها ليستا من محارم الواطئ.
والصحيح التفريق بينهما، وأن أم الموطوءة بشبهة وبنتها من محارم الواطئ؛ لأنه وطئ وهو يظن أنه وطء حلال.
الجزء: 1 - الصفحة: 3646
ولنضرب لهذا مثلًا؛ رجل تزوج امرأة، ثم بعد ذلك تبين أنها أخته من الرضاع، وطؤه إياها؟ بشبهة؛ لأنه لا يعلم التحريم حين الوطء.
فهل نقول: إن أم هذه الزوجة حرام عليه؟ نقول: نعم، هي حرام عليه لا إشكال في هذا، لكن هل هي من محارمه؟ الجواب: نعم، هي من محارمه؛ لأنه حين وطئ المرأة التي تزوجها يعتقد أنها حلال له.
فهذا وطء شبهة.
والخلاصة أن المحرم مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، والسبب شيئان: الرضاع والمصاهرة.
هل المرأة التي تحرم عليه إلى أمد من محارمه كأخت زوجته مثلًا؟
ليست من محارمه؛ لأنها ليست على التأبيد، على أننا نبهناكم حين شرح المحرمات وقلنا: إن أخت الزوجة ليست حرامًا على الزوج، الحرام هو الجمع؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23]، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (6).
من هو المحرم؟ مَحْرَم المرأة من؟
طالب: زوجها، أو من تحرم عليه بسبب مباح.
الشيخ: أو مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد لنسب أو سبب مباح.
هل يشترط للمحرَم شروط؟
الجواب: نعم، يشترط أن يكون مسلمًا، فإن كان كافرًا فليس بمحرَم، وظاهر كلام الأصحاب أنه ليس بمحرم، سواء كانت المرأة موافقة له في الدين أو مخالفة، وبناء على ذلك يكون الأب الكافر ليس محرمًا لابنته الكافرة، ويكون الأب الذي لا يصلي غير محرم لابنته التي تصلي، لماذا؟ لأن من شرط المحرم أن يكون مسلمًا، وغير المسلم ليس بمحرم.
ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الإنسان محرم لمن يوافقها في الدين، فأبو المرأة الكافرة إذا كان كافرًا يكون محرمًا لها، ولا نمنعه من السفر هو وابنته مثلًا.
الأب الكافر يكون محرمًا للمسلمة؟
نقول: يكون محرمًا لها لكن بشرط أن يُؤمَن عليها، فإن كان لا يؤمن عليها فليس بمحرم ولا تُمكَّن من السفر معه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3647
يشترط أيضًا أن يكون بالغًا، فالصغير لا يكفي أن يكون محرمًا؛ ووجه ذلك أن المقصود من المحرم حماية المرأة وصيانتها، ومن دون البلوغ لا يحصل منه ذلك.
يشترط أن يكون عاقلًا؛ فالمجنون لا يصح أن يكون محرمًا ولو كان بالغًا؛ لأنه لا يحصل بالمجنون حماية المرأة وصيانتها وكفايتها.
يقول: (وهو زوجُها أو مَنْ تَحْرُم عليه).
الشروط الآن كم صارت؟
ثلاثة: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا.
هذه شروط المحرم، أما إذا فُقد المحرم البالغ العاقل المسلم، فإنه لا يجب عليها الحج، أو وجد لكن أبى أن يسافر معها، فإنه لا يجب عليها الحج.
فإذا بذلت له النفقة وقالت: حُجَّ معي وأنا أضمن جميع النفقة التي تنفقها في هذا الحج، فهل يلزمه أن يحج معها؟
لا يلزمه؛ لأن ذلك واجب لغيره.
وقال بعض العلماء: بل يلزمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجل الذي قال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكْتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا، قال: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (7)، فأمره أن ينطلق، والأصل في الأمر الوجوب.
ولأنه إذا كانت المرأة ستتكفل بجميع النفقة لا ضرر عليه في الغالب، ولا سيما إذا كان لم يؤدِّ حج الفريضة؛ فإنه في هذه الحال قد نقول: إنه يجب عليه من وجهين: لأداء الفريضة، ولقضاء حاجة هذه المرأة.
والذي يظهر أنه لا يجب عليه الموافقة، ولا يلزمه السفر معها.
وأما الحديث فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يحج مع امرأته؛ لأن المرأة الآن قد شرعت في السفر، ولا طريق إلى الخلاص من ذلك إلا أن يسافر معها.
قال: (وإن مات مَنْ لَزِمَاه أُخْرِجا من تَرِكَتِه).
الجزء: 1 - الصفحة: 3648
(من لزماه) يعني: من تمت الشروط في حقه؛ وجوب الحج أو العمرة، ثم مات فإنهما تخرجان (من تركته).
قبل الإرث؟ قبل الإرث.
وقبل الوصية؟ نعم؛ لأن ذلك دَيْن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» (8)، فيؤخذ من تركته ما يكفي للحج، وما بقي فإنه للوصية والورثة.
وهل يشترط أن يوصي بذلك أو يُخْرج من تركته سواء أوصى أو لم يوصِ؟
الجواب: الثاني؛ أنه يخرج من تركته سواء أوصى أو لم يوص، كما أنه لو كان عليه دين أخرجناه من تركته سواء أوصى به أم لم يوص به.
[باب المواقيت]
ثم قال المؤلف رحمه الله: (بَابُ المَوَاقِيْتِ).
(المواقيت) جمع ميقات، وهو مأخوذ من الوقت، وهو زماني ومكاني؛ يعني: قد يراد بالميقات الوقت الزمني، وقد يراد به المكان، وهو هنا يراد به الزمان ويراد به المكان.
قال المؤلف: (وميقات أهل المدينة ذو الحليفة).
(ميقات) مبتدأ و (ذو) خبر، و (الحليفة) تصغير الحِلْفَاء، وهو شجر بري معروف، وسمي هذا المكان بهذا الاسم لكثرته فيه، تبعد عن المدينة ستة أميال أو سبعة، وتبعد عن مكة عشرة أيام، وعلى هذا فهي أبعد المواقيت عن مكة.
(وأهل اليمن وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفةُ).
ما الذي جاء بأهل مصر والمغرب إلى الجحفة؟
لأنه لم تكن هناك قناة السويس، كانت القارة الأفريقية والآسيوية يمكن العبور من واحدة لأخرى عن طريق البر؛ يعني ليس فيه قناة السويس، فيأتي أهل الشام من طريق البر، وكذلك أهل المغرب من طريق البر ويمرون بالجحفة.
والجحفة قرية قديمة اجتحفها السيل واجترفها وزالت، وكذلك أيضًا حَلَّ بها الوباء الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقله من المدينة إلى الجحفة فقال: «اللَّهُمَّ انْقُلْ حُمَّاهَا -أي حمَّى المدينة- إِلَى الْجُحْفَةَ» (9)، لأنها كانت إذ ذاك بلاد كفر، أو أهلها غالبهم كفار، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقل الله حمى المدينة إليها.
الجزء: 1 - الصفحة: 3649
لما خَربت الجحفة وصارت غير مكان مناسب للحجاج، جعل الناس بدلها رابغًا، ولا يزال الآن موجودًا، وهو أبعد منها قليلًا عن مكة.
وعلى هذا فمن أحرم من رابغ فقد أحرم من الجحفة وزيادة.
بينها وبين مكة نحو ثلاثة أيام، الفرق بينها وبين المدينة كم؟ سبعة أيام.
(ولأهل اليمن يلملم)، ميقات أهل اليمن (يلملم)، و (يلملم) قيل: إنه مكان، وقيل: إنه جبل؛ يعني: مكان يسمى يلملم، وقيل: إنه جبل يسمى يلملم، والميقات عند هذا الجبل، وأيًّا كان فهو معروف.
(ولأهل نجد قرنُ المنازل) المؤلف يقول: (قرن)، ويقال: قرن المنازل، وقيل: إنه يقال له: قرن الثعالب.
ولكن الصحيح أن قرن الثعالب غير قرن المنازل.
(ولأهل المشرق ذاتُ عِرْق)، وسُمِّي هذا المكان بذات عرق؛ لأن فيه عرقًا وهو الجبل الصغير.
هذه الثلاثة؛ يلملم وقرن المنازل وذات عرق متقاربة، هي عن مكة نحو ليلتين، وذات عرق أبعد من قرن المنازل.
وهل هذه الأسماء باقية إلى الآن في هذه المواقيت؟
الجواب: لا، فذو الحليفة تُسْمَّى أيش؟ أبيار عليٍّ، والجحفة صار بدلها رابغًا، يلملم صار يُسمَّى السعدية، قرن المنازل يُسمَّى السيل، ذات عرق تسمى الضَّريبَة، ولكن الأمكنة -والحمد لله- ما زالت معلومة مشهودة للمسلمين لم تتغير.
طالب: أبو الزوج من الرضاعة هل يكون مَحْرمًا لزوجته؟ الشيخ: يقول: أبو الزوج من الرضاع هل يكون محرمًا لزوجته؟ ما الجواب؟ أما ما عليه الجمهور فهو محرم، وأما على القول الراجح فليس بمحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (10)، وأبو الزوج وابن الزوج محرمان من الرضاع.
طالب: يا شيخ -أحسن الله إليكم- لو أن العبد أو المرأة؛ الزوجة نذرت أو العبد نذر أن يحج ( ... )، فلو نذر وأحرم بغير إذن سيده، وكذلك الزوجة أحرمت بغير إذن زوجها ( ... ) فهل يجوز للزوجة ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3650
الشيخ: إذا أحرم العبد بلا إذن سيده فلسيده أن يحلله، وإذا أحرمت الزوجة بنفل دون إذن زوجها فله أن يحللها.
طالب: شرعًا ( ... ) فعلمت أنه لا يجوز.
الشيخ: وهي مسافرة؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، ففي هذه الحال تستمر للضرورة؛ لأنها الآن لو رجعت إلى بلدها سترجع بسفر وتكون مسافرة بلا محرم، فنقول: من أجل الضرورة تستمر، كما لو مات محرمها في الطريق؛ لو مات محرمها في الطريق فإن كان قريبًا من البلد رجعت، وإن كان بعيدًا خُيِّرَت بين الرجوع وبين الاستمرار.
طالب: ولو بعد الإحرام؟
الشيخ: ويش لونه؟
الطالب: يعني: أحرمت ( ... )؟
الشيخ: لا، بعد الإحرام ما يمكن ترجع؛ لأنها إن رجعت فإما أن نحكم بأنها محصرة وحينئذ يفوتها الحج، وإما أن نقول: تبقى لأنها شرعت فيه فيلزمها الإتمام.
طالب: النساء خروجهن بعضهن مع بعض للحج هل يعتبر ( ... )؟
الشيخ: ركوبهن مع بعض؟
الطالب: خروج النساء للحج بعضهن مع بعض ( ... )؟
الشيخ: هؤلاء ليس معهن محارم.
الطالب: لا ( ... ).
الشيخ: لا، ما يجوز، الصحيح أنه لا فرق بين المرأة الآمنة وغير الآمنة، حتى الآمنة التي معها نساء ولا تخشى على نفسها لا يحل لها أن تسافر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل: هل امرأتك آمنة أو غير آمنة.
طالب: بالنسبة ( ... ) يدخل فيه البدعة والسنة؟
الشيخ: اختلاف الدين لا يدخل فيه البدعة إلا إذا كانت البدعة مكفرة، إذا كانت البدعة مكفرة فنعم لا يكون الكافر محرمًا للمسلمة.
الطالب: بالنسبة للرافضة؟
الشيخ: الرافضة طبقات، بعضهم كافر وبعضهم غير كافر، يختلفون.
طالب: ذكرتم من المحارم التي تكون محرمًا بالمصاهرة ذكرت أبو الزوج ( ... ) إذا كان امرأة زوج ابنتها، فهل هم من المحارم؟
الشيخ: زوج ابنتها؛ تكون المرأة أم زوجته، ولّا لا؟ وأم الزوجة حرام ولّا غير حرام؟ حرام ما فيه شك، فتدخل في هذا الضابط.
الجزء: 1 - الصفحة: 3651
طالب: إذا كان الفقير حج وكان نائبًا وبرئ المنيب قبل الإحرام، لماذا لا يقع الحج على الفقير فرضًا وتكون الأجرة يتحملها أي يؤديها للمنيب إذا برئ المنيب قبل الإحرام؟
الشيخ: إذا عوفي المنيب قبل الإحرام، هذا النائب سيحج على أنه لزيد الذي أنابه، ما هو عن نفسه.
الطالب: هو ما حج عن فرض يا شيخ؛ حديث شبرمة (1).
الشيخ: لم يجب عليه الفرض؛ هذا الرجل الآن لم يجب عليه الفرض لأنه معسر.
طالب: ما رأيك -يا شيخ- في أصل توكيل الناس لأداء الحج عمن أدى الفريضة عن نفسه، ولكن يريد أن يحج مرة أخرى وهو غير قادر ( ... ) يوكل غيره، ما رأيك؟
الشيخ: يعني: هل تجوز الاستنابة في حج النفل؛ قصدك؟
الطالب: إي، في حج النفل، ما رأيك في هذا؟
الشيخ: إنسان أدى الفريضة ويريد أن يُوَكِّل من يحج عنه حج تطوع؟
من العلماء من يقول: يجوز إذا جاز أن ينيب في حج الفريضة؛ يعني بأن كان هذا المنيب مريضًا مرضًا لا يُرْجَى برؤه أو كبيرًا أو ما أشبه ذلك، أما الإنسان الصحيح فإنه لا يجوز أن ينيب عنه أحدًا في النفل، وهذا هو الصحيح.
الطالب: ورأيك يا شيخ؟
الشيخ: هذا هو الصحيح، أما المذهب فيجوز للإنسان القادر أن يتفق مع شخص بأن يحج عنه، والصحيح أنه لا يجوز لأنه لم يرد إلا في العاجز.
طالب: أحسن الله إليك، اشتهر عند الناس أنه إذا كانت هناك مرأة لا محرم لها أنه يجوز أن تحج مع نساء لهن محارم في قافلة واحدة، هل هذا صحيح؟
الشيخ: هذا ليس بصحيح إلا على رأي من يرى أن المرأة إذا كانت آمنة فإنها تسافر، ويقول: إن العلة في وجوب المحرم الخوف على المرأة، فإذا كانت آمنة فلا خوف عليها.
ولكن ظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجل: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (7) دون أن يستفصل أنه لا يجوز أن تسافر المرأة بدون محرم سواء كانت آمنة أم غير آمنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3652
الطالب: وهي لأهلها ولمن مَرَّ عليها من غيرهم، ومن حجَّ من أهل مكةَ فَمِنْها وعمرتُه من الحِلِّ، وأشهرُ الحجِّ شوال وذو القعدة، وعَشْرٌ من ذي الحجة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
سبق لنا أن المواقيت عشرة؟ !
طالب: لا، خمسة.
الشيخ: عشرة.
الطالب: خمسة.
الشيخ: خمسة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وذات عرق، وقرن المنازل.
الشيخ: نعم، خمسة.
ذو الحليفة ميقات لمن؟
طالب: لأهل المدينة.
الشيخ: لأهل المدينة.
الجحفة؟
طالب: الشام ومصر والمغرب.
الشيخ: يلملم؟
طالب: أهل اليمن.
الشيخ: قرن المنازل؟
طالب: قرن المنازل؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لأهل نجد.
الشيخ: لأهل نجد.
ذات عرق؟
طالب: لأهل المشرق.
الشيخ: لأهل المشرق.
هذه المواقيت هل وقَّتَها الرسول عليه الصلاة والسلام أم هي باجتهاد من الصحابة؟
طالب: ثبت في الصحيحين عن الأربعة ..
الشيخ: السؤال: هل هذه وقتها الرسول أم هي باجتهاد من الصحابة؟
الطالب: لا، أربعة متفق عليها أنها ..
الشيخ: أنها من الرسول؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وهي؟
الطالب: وهي ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم، وذات عرق مختلف فيها.
الشيخ: نعم، هل هو .. ؟
الطالب: ورد في صحيح مسلم (11) أن النبي صلى الله عليه وسلم وقتها، ولكن في رفعه شك، يعني: شك الراوي في رفعه.
الشيخ: نعم.
الطالب: وورد في غيره ..
الشيخ: وصح عن عمر أنه؟
الطالب: وَقَّتها.
الشيخ: وقتها.
ما اسم ذي الحليفة في العرف؟
طالب: أبيار علي.
الشيخ: أبيار علي.
الجحفة ما اسمها في العرف؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: اسمها رابغ الآن؟
الطالب: لا، ( ... ).
الشيخ: نقلت إلى رابغ؛ لأنها خربت فنُقِلَت إلى رابغ.
يلملم اسمه؟
طالب: السعدية.
الشيخ: السعدية لأهل اليمن.
قرن المنازل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: السيل الكبير.
الشيخ: السيل الكبير، صح.
ذات عرق؟
طالب: الضريبة.
الشيخ: ما هي أبعد المواقيت عن مكة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3653
طالب: ذو الحليفة.
الشيخ: ذو الحليفة.
ثم؟
طالب: ثم الجحفة.
الشيخ: ثم الجحفة، والثلاث الباقية؟
الطالب: متقاربة.
الشيخ: متقاربة.
يقول قائل: لماذا هذا التفريق بين هذه المواقيت فبعضها بعيد وبعضها قريب؟
والجواب على هذا السؤال: أنه لا ينبغي إيراده؛ لأن هذا السؤال نظيره أن يقول قائل: لماذا كانت الظهر أربعًا والعصر أربعًا والمغرب ثلاثًا والفجر اثنتين؟ لماذا لم تكن الظهر ثمانية والعصر كذلك والعشاء كذلك والمغرب خمسًا والفجر أربعًا؟
فالعبادات المقدَّرة لا يَرِد السؤال عنها؛ لأن موقف الإنسان منها أن يقول: سمعنا وأطعنا، لكن مع ذلك لا حرج على الإنسان أن يلتمس الحكمة؛ لأن الاطلاع على الحكمة مما يزيد الإنسان طمأنينة.
الحكمة -والله أعلم- أنه بَعُد ميقات أهل المدينة من أجل أن تقرب خصائص الحرمين بعضهما من بعض، فالمدينة حرم ومكة حرم، وحرم مكة محدود، لكن الإحرام بالنسك من خصائص أيش؟ حرم مكة، فكان من الحكمة ألا يخرج الإنسان من حدود حرم المدينة إلا قليلًا حتى يدخل فيما يختص بحرم مكة؛ هذا -والله أعلم- هو الحكمة.
أما البقية فلعلها -والله أعلم- أن الجحفة في ذلك الوقت هي أعمر قرية كانت حول طريق أهل الشام، وأما الثلاث الباقية فمتقاربة.
ثم هذه المواقيت وقَّتها النبي عليه الصلاة والسلام لأهلها ولمن مَرَّ عليهم من غيرهم؛ ولهذا قال المؤلف: (وهي لأهلها).
(هي) الضمير يعود على المواقيت.
(لأهلها) أي: أهل هذه الأماكن المذكورة؛ المدينة، الشام، اليمن، نجد، المشرق.
هذه المواقيت لأهل هذه البلاد.
(ولمن مَرَّ عليها من غيرهم)، إذا مَرَّ أحد من أهل نجد بميقات أهل المدينة فإنه يُحْرِم منه، ولا يكلَّف أن يذهب إلى ميقات أهل نجد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3654
وإذا مر أهل اليمن من ميقات أهل المدينة فإنهم لا يُكَلَّفون الذهاب إلى يلملم لما في ذلك من المشقة؛ فكان من تسهيل الله عز وجل أن مَن مر بهذه المواقيت فإنه يحرم من أول ميقات يمر به؛ فإذا كنت من أهل نجد ومررت بميقات أهل المدينة فأمامك بين يديك ميقات آخر: وهو الجحفة، أمامك الجحفة؛ لأن الجحفة من بعد ذي الحليفة، فهل تؤخِّر إلى الجحفة أو لا بد أن تحرم من ذي الحليفة؟
نقول: لا بد أن تُحْرِم من ذي الحليفة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ» (12)، فإذا وصلت إلى هذا الميقات وأنت تريد الحج أو العمرة وجب عليك الإحرام منه.
واختلف العلماء فيما إذا مر الشاميُّ بميقات أهل المدينة، هل له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة التي هي الأصل في ميقات أهل الشام؟
اختلفوا في ذلك على قولين: فالجمهور على أنه ليس له أن يؤخر، وأنه يجب أن يحرم من ذي الحليفة.
وذهب الإمام مالك إلى أن له أن يحرم من الجحفة، معللًا ذلك بأن هذا الرجل مرَّ بميقاتين يجب عليه الإحرام من أحدهما فرعًا، ومن الثاني أصلًا.
ما هو الأصل؟ الجحفة، وميقات أهل المدينة فرع، فهو للتسهيل والتيسير على الإنسان، فله أن يدع الإحرام من الفرع إلى الأصل.
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: للشامي إذا مر بذي الحليفة أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة.
ولكن الأحوط الأخذ برأي الجمهور؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» (12)، فوقَّت هذا لمن أتى، فيكون هذا الميقات الفرعي كالميقات الأصليِّ في وجوب الإحرام منه، والقول بهذا لا شك أنه أحوط وأبرأ للذمة.
هذه المواقيت الخمسة عَيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام قبل أن تُفْتَح، فالشام في عهده لم يفتح، اليمن في عهده لم يفتح إلا جزء يسير منه، العراق لم يفتح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3655
قال العلماء: وهذا من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، (من معجزات) والأصح أن نقول: من آيات الرسول، هذا من آيات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن توقيتها لأهل هذه البلاد إشارة إلى أن هذه البلاد سوف تُفْتَح ويحج أهلُها ويصيرون مسلمين، بعد أن كانوا كفارًا.
ثم قال المؤلف: (وَمَنْ حَجَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَمِنْهَا، وَعُمْرَتُهُ مِنْ الحِلِّ).
(من حج من أهل مكة فمنها) أي: من مكة، أي: فيُحْرِم من مكة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقَّت المواقيت: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (12). وهنا ينبغي أن نأخذ من الحديث أن مَن كان دون هذه المواقيت فإنه يحرم من مكانه؛ فمثلًا أهل الشرايع في طريق أهل نجد إذا أرادوا أن يحرموا هل نقول: ارجعوا إلى قرن المنازل فأحرموا منه، أو نقول: أحرموا من مكانكم؟ من مكانكم.
أهل جدة نقول: أحرموا من مكانكم، ولا حاجة أن تذهبوا إلى الجحفة ولا أن تذهبوا إلى ذي الحليفة.
من كان دون هذه المواقيت أحرم من حيث أنشأ.
وانظر إلى هذا التعبير النبوي، قال: «مِنْ حَيْثُ أَنْشَأ»، ولم يقل: من بلده؛ لأنه قد يكون دون مواقيت بلده، ولكنه هو في مكان آخر غير بلده، فينشئ النية؛ نية العمرة أو الحج، فنقول: أحرم من حيث أيش؟ من حيث أنشأت.
أهل مكة في الحديث: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، فيحرم أهل مكة من مكة.
وقول المؤلف: (من حج من أهل مكة فمنها) ليس له مفهوم -أعني قوله: (من أهل مكة) - فإن من حج من مكة من أهلها وغيرهم فإحرامه من مكة، فلا مفهوم للعبارة، ولو كانت العبارة: (ومن حج من مكة فمنها) ..
وعُمرتُه من الْحِلِّ، وأَشْهُرُ الحَجِّ شَوَّالٌ وذو القَعدةِ وعشْرٌ من ذي الْحِجَّةِ.
(بَابُ الإِحْرَامِ)
الجزء: 1 - الصفحة: 3656
الإحرامُ نِيَّةُ النُّسُكِ، سُنِّ لِمُريدِه غُسْلٌ أو تَيَمُّمٌ لعَدَمٍ وتَنظيفٌ، وتَطَيُّبٌ، وتَجَرُّدٌ من مَخِيطٍ، في إزارٍ ورِداءٍ أَبْيَضَيْنِ، وإحرامٌ عَقِبَ رَكعتينِ ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويُسْتَحَبُّ قولُ: " اللَّهُمَّ إني أُريدُ نُسُكَ كذا فيَسِّرْهُ لي، وإن حَبَسَنِي حابِسٌ فمَحَلِّي حيث حبَسْتَنِي،
(وعمرته من الحل): (من حج من أهل مكة فمنها)، أي: من مكة، أي: فيحرم من مكة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقت المواقيت: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (1)، وهنا ينبغي أن نأخذ من الحديث أن من كان دون هذه المواقيت فإنه يحرم من مكانه.
فمثلًا أهل الشرايع في طريق أهل نجد إذا أرادوا أن يُحرموا هل نقول: ارجعوا إلى قرن المنازل فأحرموا منه، أو نقول: أحرموا من مكانكم؟
طلبة: من مكانكم.
الشيخ: من مكانكم، أهل جدة نقول: أحرموا من مكانكم، ولا حاجة أن تذهبوا إلى الجحفة ولا أن تذهبوا إلى ذي الحليفة، من كان دون هذه المواقيت أحرم من حيث أنشأ.
وانظر إلى هذا التعبير النبوي قال: «مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ»، ولم يقل: من بلده؛ لأنه قد يكون دون مواقيت بلده، ولكنه هو في مكان آخر غير بلده، فينشئ النية؛ نية العمرة أو الحج، فنقول: أحرم من حيث أيش؟ أنشأت.
طيب، أهل مكة في الحديث: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، فيحرم أهل مكة من مكة.
وقول المؤلف: (من حج من أهل مكة فمنها) ليس له مفهوم، أعني قوله: (من أهل مكة)، فإنَّ من حج من مكة من أهلها وغيرهم فإحرامه من مكة، فلا مفهوم للعبارة، ولو كانت العبارة: (ومن حج من مكة فمنها) لشملت أيش؟ أهل مكة وغيرهم، لكن هو رحمه الله تبع غيره في العبارة: (من حج من أهل مكة فمنها).
إذن: من حج من مكة من أهلها ومن غيرهم فمنها.
الجزء: 1 - الصفحة: 3657
والدليل على هذا، الدليل على أن أهل مكة يحرمون من مكة قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، وفِعْل الصحابة رضي الله عنهم الذين حلوا من إحرامهم في التمتع مع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإنهم أحرموا من مكة، من الأبطح.
طيب، وقوله: (وعمرته من الحل)، يعني: عمرة من كان من أهل مكة من الحل، أي: من موضع خارج الحرم، والحرم له حدود معروفة والحمد لله إلى الآن، وتختلف قربًا وبعدًا من الكعبة، فبعضها قريبٌ من الكعبة، وبعضها بعيدٌ من الكعبة، أقربها من الكعبة التنعيم؛ التنعيم هو أقربها من الكعبة، وأبعدها من جهة جدة ومن جهة عرفة أيضًا، بعضها تسعة أميال أو أحد عشر ميلًا.
على كل حال هذه الحدود توقيفية، حدود الحرم توقيفية؛ ليس للرأي فيها مجال، فلا يقال: لماذا بعدت حدود الحرم من هذه الجهة دون هذه الجهة، لماذا؟ لأنها توقيفية.
المؤلف يقول: (عمرته من الحل)، القريب والبعيد أو القريب؟
القريب والبعيد، فلو قال: أنا لا أريد أن أحرم من التنعيم، بل أريد أن أحرم من طريق جدة وهو بعيد -حوالي أحد عشر ميلًا - لأنه إلى الحديبية؛ فهل له أن يفعل؟ أجيبوا.
طلبة: نعم.
الشيخ: له أن يفعل.
طيب، هل الأفضل أن يختار الأبعد، أو أن يختار الأقرب، أو أن يختار الأسهل؟
طلبة: الأسهل.
الشيخ: الأسهل، هذا هو الظاهر، وقال بعض العلماء: بل الأفضل أن يختار الأبعد؛ لأنه أكثرُ أجرًا، ولكن في النفس من هذا شيء.
وقال بعض العلماء أيضًا: الأفضل أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده، فإذا كان من أهل نجد وأراد أن يحرم قلنا: الأفضل أن تحرم من قرن المنازل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3658
فالأقوال إذن ثلاثة: الأبعد، الأفضل من الميقات، الأفضل، الأسهل، وهذا هو الأقرب.
وعليه فإذا كنت في مزدلفة فأحرم من عرفة؛ لأنها أقرب الحل إليك، وإذا كنت من جهة الشرائع وأنت داخل الحرم فالجعرانة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أحرم منها حين جاء من الطائف من غزوة حنين (2)، المهم اتبع الأسهل.
طيب، يقول: (وعمرته من الحل).
هذا هو القول الذي عليه جمهور أهل العلم: أنَّ من كان في مكة وأراد العمرة فإنه يحرم من الحل.
ودليل هذا القول أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما طلبت منه عائشة أن تعتمر، أمر أخاها عبد الرحمن وقال: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مِنَ الْحِلِّ» (3)، فأمره أن يخرج بها من الحرم لتهل بالعمرة من الحل، فدل ذلك على أن الحرم ليس ميقاتًا للعمرة، ولو كان ميقاتًا للعمرة لم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بأخته ويتجشم المصاعب في تلك الليلة ليحرما من الحل أو لتحرم من الحل؛ لأن من المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام يتبع ما هو أسهل ما لم يمنع منه الشرع، فلو كان من الجائز أن يُحْرَم بالعمرة من الحرم لقال لها: أحرمي من مكانك.
طيب، فإذا قال قائل: ماذا تقولون في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» (4)، ثم ذكر المواقيت وقال: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، مع أنه في الحديث قال: «مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ» (5)، فظاهر العموم أن العمرة لأهل مكة تكون من مكة.
قلنا: هذا الظاهر يعارضه حديث عائشة أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أخاها أن يخرج بها لتحرم من التنعيم.
فإن قال قائل: عائشة ليست من أهل مكة، فأمرت أن تخرج إلى الحل لتحرم منه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3659
قلنا: ليس المانع من الإحرام إحرام الآفاقي من مكة هو أنه ليس من أهل مكة، بدليل أن الآفاقي يحرم بالحج من أين؟ من مكة، فلو كانت مكةُ ميقاتًا للإحرام بالعمرة، لكانت ميقاتًا لأهل مكة وللآفاقيين الذين هم ليسوا من أهلها، وهذا واضح.
ثم إننا نقول: العمرة هي الزيارة، والزائر لا بد أن يفد إلى المزور؛ لأن من كان معك في البيت إذا وافقك في البيت لا يقال: إنه زارك، وهذا ترجيحٌ لغوي.
ونقول أيضًا: كل نسك فلا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم؛ النسك لا بد أن يُجمع فيه بين الحل والحرم بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر عائشة أن تحرم من الحل لتجمع في نسكها بين الحل والحرم (6).
فإن قال قائل: هذا يُنتقض عليكم بالإحرام بالحج من مكة؟
قلنا: لا ينتقض؛ لأن الذي يحرم بالحج لا يمكن أن يطوف بالبيت حتى يأتي إلى البيت من الحل، أين الحل في الحج؟
طلبة: عرفة.
الشيخ: عرفة؛ لأنه سيقف بعرفة، ولا يمكن أن يطوف للإفاضة إلا بعد الوقوف بعرفة، وبهذا تبين أن القول بأن أهل مكة يحرمون بالعمرة من مكة قولٌ ضعيف، لا من حيث الدليل، ولا من حيث اللغة، ولا من حيث المعنى.
طيب: (وعمرته من الحل)، ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأشهر الحج).
بقينا في مسألة مهمة نبحثها قبل أن ندخل الميقات الزمني: إذا مر الإنسان بهذه المواقيت فهل يلزمه أن يحرم؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3660
نقول: إن كان يريد الحج أو العمرة، أو كان الحج أو العمرة فرضه، يعني: لم يؤدِّ الفريضة من قبل، فإنه يلزمه أن يحرم.
ودليل اللزوم لفظ حديث ابن عمر، قال: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ»، أما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فقال: وَقَّتَ النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة (1)، (وَقَّتَ)؛ لكن حديث ابن عمر: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ»؛ «يُهِلُّ»، وكلمة «يُهِلُّ» خبرٌ بمعنى الأمر، فلا بد أن يحرموا من هذه المواقيت، إذا كان الإنسان يريد الحج أو العمرة، أو كان الحج أو العمرة فرضه.
إذا كان يريد الحج أو العمرة واضح؛ لأن لفظ الحديث: «مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ»، لكن إذا كان النسك فرضه، وهو لا يريد أن يحج أو لا يريد أن يعتمر، نقول: يلزمك؛ لأن الحج والعمرة واجبان على الفور، وأنت الآن وصلت، فلا يجوز أن تؤخر، لا بد أن تُحرم بالحج أو بالعمرة.
أما إذا كنت قد أديت الفريضة ومررت بهذه المواقيت لا تريد حجًّا ولا عمرة، فليس عليك إحرام، سواءٌ طالت مدة غيبتك عن مكة أم قصرت، حتى لو بقيت عشر سنوات وأتيت إلى مكة لحاجة وقد أديت الفريضة، فإنه ليس عليك إحرام.
هذا هو القول الصحيح الذي تدل عليه السُّنَّة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الحج: هل هو في كل عام؟ فقال: «الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» (7)، ولم يقل: إلا أن يمر بالميقات، ولو كان المرور بالميقات موجبًا للإحرام لبيَّنه الرسول عليه الصلاة والسلام لدعاء الحاجة إلى بيانه، فلما قال: «الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» ولم يستثنِ، عُلِمَ أن المرور بالميقات ليس سببًا للوجوب.
ولكن هل الأفضل أن يحرم ويؤدي العمرة أو يؤدي الحج إذا كان وقته؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3661
الجواب: نعم، هذا هو الأفضل؛ لأن «الْعُمْرَة إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجّ الْمَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (8)، ويروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» (9). لكن الاستحباب شيء والوجوب شيء آخر، فالوجوب لا يجب إلا على من لم يؤدِّ النسك أو مرَّ بها يريد النسك.
طيب، ننتقل الآن إلى الميقات الزمني، قال المؤلف: (وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة).
أشهر الحج على كلام المؤلف شهران وبعض الثالث، شوال وهو شهرنا هذا، وذو القعدة، وذو الحجة، يقال: ذو القَعدة وذو القِعدة، ويقال: ذو الحَجة وذو الحِجة، والأفصح الفتحُ في الأول (ذو القَعدة)، والكسر في الثاني (ذو الحِجة)، فتقول: (ذو القَعدة) و (ذو الحِجة).
(شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة).
ليش قال: (من ذي الحجة)، والأول يقول: (ذو القعدة) بالواو؟ ليش؟
طلبة: دخل عليه ( ... ).
الشيخ: (عشر من ذي الحجة)؛ لأنه مجرور، وذو بمعنى صاحب من الأسماء الخمسة، ترفع بالواو وتجر بالياء وتنصب بالألف.
الجزء: 1 - الصفحة: 3662
طيب، هذا المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله، وبه أخذ أصحابه؛ أن أشهر الحج شهران وبعض الثالث، ولكن يَرِدُ على هذا القول أن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، ولم يقل: في أشهر معلومات، لو قال: في أشهر، صارت الأشهر الثلاثة ظرفًا، والمظروف لا يلزم أن يملأ الظرف، لو قال: في أشهر؛ قلنا: نعم يجوز أن يكون المراد شهرين وبعض الثالث، لكن قال: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وأشهر جمع، والمشهور في اللغة العربية أن أقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا فتكون أشهر الحج ثلاثة، وهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله، وهو أقرب إلى الصحة مما ذهب إليه المؤلف، لموافقته لظاهر الآية: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
فإن قال قائل: إذن هل تجيزون أن يقف الناس في خمسة عشر ذي الحجة؟
قلنا: لا؛ لا نجيزه، كما أنكم لا تجيزون أن يقف الناس في عشرة من شوال، أليس كذلك؟ فهذه الأشهر لا يلزم أن يكون الحج يجوز في كل يوم من هذه الأشهر، لا يلزم.
طيب، ويَرِدُ على كلام المؤلف أيضًا مبينًا لضعفه أن من أيام الحج اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر، فإن هذه الأيام من أيام الحج، ما الذي يفعل فيها من الحج؟ أيش؟ الرمي والمبيت، فكيف نخرجها عن أشهر الحج وهي أوقات لأعمال الحج؟ ! لو أن الإنسان قال: أريد أن أرمي الجمار الثلاث، وجمرة العقبة في يوم العيد، هل يمكنه ذلك؟ لا يمكنه، فلا بد أن يكون رمي الجمرات في الأيام الثلاثة، ويوم العيد جمرة واحدة يوم العقبة، وهي خارج الحد الذي قال المؤلف؛ لأن المؤلف قال: (عشر من ذي الحجة).
الجزء: 1 - الصفحة: 3663
وبعض الناس يقول: تسعٌ من ذي الحجة، بعض العلماء يقول: تسعٌ من ذي الحجة؛ لأن «الْحَجّ عَرَفَة» (10)، وعرفة ينتهي متى؟ في التاسع.
ولكن هذا القول ضعيف، أضعف مما ذهب إليه المؤلف؛ لأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وقال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3].
وعلى قول من يقول: إنها تسعة، يخرج هذا اليوم الذي سماه الله يوم الحج.
فالصواب ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله من أن أشهر الحج ثلاثة، كما هو ظاهر القرآن: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فإن قال قائل: هل يترتب على ذلك شيء، على هذا الخلاف؟
قلنا: نعم، يترتب عليه شيء؛ أولًا: يترتب عليه في مسائل الأيْمَان، لو قال قائل: والله لأصومنَّ ثلاثة أيام من أشهر الحج، وصام اليوم العشرين والحادي والعشرين والثالث والعشرين من ذي الحجة، هل يكون بارًّا بيمينه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا.
طالب: على المذهب لا.
الشيخ: على المذهب لا.
طالب: لماذا؟
الشيخ: لأنها انتهت أيام الحج، وعلى قول مالك يكون بارًّا بيمينه؛ لأنه صامها في أشهر الحج، أشهر الحج ما تنتهي إلا في الثلاثين من ذي الحجة أو في ثبوت دخول شهر محرم.
وينبني على ذلك أيضًا أنه لا يجوز أن يؤخر شيءٌ من أعمال الحج عن الأشهر الثلاثة إلا لضرورة، وإلا فالواجب ألا يخرج ذو الحجة وعليك شيءٌ من أعمال الحج إلا طواف الوداع؛ لأن طواف الوداع منفصل عن الحج لمن أراد الخروج.
الشيخ: وعلى هذا فهل يجوز للإنسان أن يؤخر حلق رأسه إلى أن يدخل المحرم؟
طالب: لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3664
الشيخ: لا، هل يجوز أن يؤخر طواف الإفاضة إلى أن يدخل المحرم؟ لا، لكن إذا كان لعذر فلا بأس، عذر الحلق أو التقصير: أن يكون في رأسه جروح لا يتمكن معها من الحلق أو التقصير، فله أن يؤخر حتى يبرأ.
عذر الطواف: أن تصاب المرأة بنفاس، يأتيها النفاس وهي واقفة بعرفة، والنفاس عادة يبقى أربعين يومًا، فهذه سوف يخرج ذو الحجة ولم تطف طواف الإفاضة.
نقول: هذا لا بأس؛ لأن تأخيرها للطواف لعذر.
نعم، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، ويرتاح إليه القلب؛ لموافقته لظاهر الآية، والأصل في الدلالات أن نأخذ بأيش؟ بالظاهر، إلا بدليلٍ شرعي يُخْرِجُ الكلام عن ظاهره، وإلا فإننا نأخذ بالظاهر.
بهذا يتقرر أن المواقيت نوعان: مواقيت مكانية وهي خمسة، وزمانية وهي ثلاثة.
الزمانية الثلاثة ما هي؟
طالب: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة على قول المؤلف.
الشيخ: والراجح؟
الطالب: جميع شهر ذي الحجة.
الشيخ: طيب، من فوائد التوقيت أن نسأل: هل يجوز للإنسان أن يحرم بالحج قبل الميقات المكاني أو الزماني، أو بالعمرة قبل الميقات المكاني؟ نقول: أو الزماني ولَّا ما حاجة؟
طلبة: لا، ما حاجة.
الشيخ: ليش؟ لأن العمرة تجوز في كل وقت، الحج له أوقات الأشهر المعلومات؛ فهل يجوز للإنسان أن يحرم بالحج قبل أشهره أو قبل الميقات المكاني، وكذلك العمرة؟
الجواب: قال بعض العلماء: لا يجوز أن يحرم قبل الميقات المكاني ولا الميقات الزماني، وأنه لو أحرم بالحج قبل دخول شهر شوال، صار الإحرام عمرة، لا حجًّا؛ لأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وهذا أحرم قبل دخول أشهر الحج، فيكون إحرامه عمرة، أو نقول بأنه فاسد لا ينعقد، كما لو صلى الظهر قبل الزوال فإنها تصح نفلًا أو لا تصح.
ومن العلماء من قال: ينعقد الإحرام ولكن يُكره، ينعقد الإحرام لأنه لبى لله، لكن يكره لمخالفته لظاهر الآية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
الجزء: 1 - الصفحة: 3665
وكذلك في المواقيت المكانية، القول الثاني في المسألة أنه يُكره أن يُحرم قبل الميقات، ولكن لو أحرم انعقد إحرامه؛ صح إحرامه وانعقد، فمثلًا: لو أحرم الإنسان من أهل المدينة من المدينة نفسها؟ قلنا: هذا مكروه، لا تتعدى ما حدَّ الله ورسوله، أحرم من ذي الحليفة، ولكن هل ينعقد الإحرام؟ نعم عند الجمهور ينعقد؛ ينعقد ولكنه مكروه.
والمراد بالإحرام: النية دون الاغتسال ولُبس الثياب؛ ثياب الإحرام، وأكثر العامة يحملون معنى الإحرام على أيش؟ على لبس الإحرام، وليس كذلك، الإحرام سيأتينا -إن شاء الله- في الباب الذي يليه أنه نية الدخول في النسك.
وعلى هذا فمن كان في المدينة وتغسَّل ولبس ثياب الإحرام ولم يحرم إلا بذي الحليفة، فإنه لم يفعل مكروهًا، ليش؟ لأن الإحرام هو نية الدخول في النسك، ولم تحصل منه إلا في الميقات.
فإن قال قائل: ما تقولون في شخص لم يمر بشيء من المواقيت، أيحرم من بلده ولو كان بعيدًا؟ لأنه لن يمر بالميقات، فما الجواب؟
نقول: إن أهل الكوفة وأهل البصرة شكوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل نجد قرن المنازل، وإنها جور عن طريقنا -جورٌ يعني مائلة بعيدة عن طريقنا- فقال رضي الله عنه: انظروا إلى حذوها من طريقكم (11).
فنقول لهذا الذي لا يمر بالميقات: أحرم إذا حاذيت الميقات، وهذا إذا كان يسيرُ على الأرض واضح، كما قال عمر رضي الله عنه، لكن إذا كان يسير في الجو فإذا حاذاها جوًّا أحرم، كالذي في الطائرة.
وقد نص شيخ الإسلام رحمه الله على أنه لا يجوز لمن كان في الطائرة أن يحرم أو أن يؤخر الإحرام حتى ينزل، قال: يجب أن يحرم في الطائرة إذا حاذى الميقات.
طالب: ما كان هناك طائرة.
الشيخ: نعم، ذكرها.
الطالب: نص هذا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3666
الشيخ: لا، هو تكلم عن السحرة؛ السحرة الذين يكذبون على الناس ويقولون: نحن تحملنا الملائكة إلى مكة بيوم واحد، نذهب إلى عرفة بيوم واحد، قال: هؤلاء يخطئون، حيث إن الشياطين تمر بهم من فوق الميقات ولا يحرمون منه، وهذه نظير الطائرة تمامًا، إي نعم.
طالب: التفصيل بين العمرة والحج؛ بأن العمرة يجوز مثلًا أن يُحْرم بها قبل الميقات مع الكراهة، أما الحج فإنه لا يجوز لأنه محدد.
الشيخ: الزماني يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أصل العمرة ما لها زمان.
الطالب: لا، أي قبل ميقاتها المكاني.
الشيخ: المكاني، لم يحدد الله للحج مكانًا.
الطالب: حدد زمانًا، لا أنا أراجع سؤالي.
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني لو أحرم بالعمرة قبل مكانها، وأحرم بالحج قبل زمانه، نقول يعني: إحرامه بالحج قبل زمانه هذا ما يجوز؛ لأن الله حدد زمان الحج، وأما الإحرام بالعمرة قبل مكانها فإنه يجوز مع الكراهة.
الشيخ: وبالحج قبل مكانه؟
الطالب: كيف يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم؛ بيحج، يحج مفردًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: مثل العمرة يصير، تكون كالعمرة.
الطالب: يكون كالعمرة في مسألة المكان.
الشيخ: نعم.
الطالب: والزمان يعني الله عز وجل حدد الأشهر ( ... ).
الشيخ: هو على كل حال الزمان فيه الخلاف هل ينعقد أو لا ينعقد أو يكون عمرة، الخلاف في المكان هل يكره أو لا يكره؟
الطالب: لكن ما تبين لكم فيها شيء يا شيخ؟
الشيخ: تبين لنا أن الإحرام بالحج وبالعمرة قبل المكان، يجينا إن شاء الله تعالى، بس لأن يكون مع الطلبة كلهم.
طالب: بارك الله فيك، الذين بين ميقات الجحفة وميقات ذي الحليفة، القرى، إذا أردوا الحج والعمرة يحرمون من حيث ينشئون أم الأفضل النزول إلى الجحفة أو يرجعون إلى ذي الحليفة؟
الشيخ: هم دون المواقيت ولَّا فوقها؟
الطالب: لا، بينهم يا شيخ.
الشيخ: إي، لكن بين الميقاتين، لكن هل هم أقرب إلى مكة من الميقاتين؟
الطالب: لا مش بين الميقاتين.
الجزء: 1 - الصفحة: 3667
الشيخ: إي أنا فاهم، لكن أيهم أقرب إلى مكة؟
الطالب: ميقات الجحفة.
الشيخ: أقرب إلى مكة؟
الطالب: إي، هم قبل الجحفة.
الشيخ: هم قبل الجحفة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: قبل الجحفة وبعد ذي الحليفة؟
الطالب: لا، منهم من هو أقرب إلى المدينة، ومنهم من هو أقرب إلى الجحفة.
الشيخ: على كل حال، اللي دون ذي الحليفة يحرِمون من مكانهم، ما دام أن الطريق واحد، يعني معناه اللي يجي من ذي الحليفة يمر بهؤلاء القرى، نقول: الآن أنتم على طريق الميقات، فأحرموا من مكانكم، أما اللي بعيدين عن الطريق؛ طريق ذي الحليفة، فلهم أن يؤخروا حتى يحرموا من الجحفة، نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا؛ وين أنت الآن؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: في مجلسنا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب؛ نحن ما ذكرنا دليلًا واضحًا في هذا، الصحابة حينما أحلوا في العمرة وتمتعوا من أين أحرموا؟ خرجوا إلى الحل ولّا أحرموا من مكانهم؟
طالب: من الحل.
الشيخ: لا.
طلبة: من مكانهم.
الشيخ: لا، حين حلوا من العمرة؛ لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ» (12)، وحلوا وأرادوا الإحرام بالحج يوم التروية؛ من أين أحرموا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: طيب هذه.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
بَابُ الإِحْرَامِ
الإِحْرَامُ: نِيَّةُ النُّسُكِ.
سُنَّ لمُريدِه غسْلٌ أو تيممٌ لِعَدَمٍ، وتنظيفٌ وتَطَيُّبٌ وتَجَرُّدٌ من مَخِيط، ويُحْرِمُ في إزارٍ ورداءٍ أبيضين، وإحرامٌ عَقِبَ ركعتين، ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويُستحبُّ قولُ: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي.
وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المواقيت نوعان؟
طالب: نعم يا شيخ، زماني ومكاني.
الجزء: 1 - الصفحة: 3668
الشيخ: ما هي الزمانية؟
الطالب: الزمانية قال على كلام المؤلف أشهر: (شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة)، وعلى الصحيح أنها ثلاثة أشهر؛ يشمل كامل ذي الحجة.
الشيخ: طيب، المكانية؟
طالب: المكانية هي خمسة مواضع: (يَلَمْلَم، وقَرْن، وذو الحُلَيْفة، والجُحْفة، وذاتُ عِرْق).
الشيخ: نعم، ما حكم الحج قبل المواقيت الزمانية؛ إذا عقد الحج قبل المواقيت الزمانية، يعني: أحرم للحج في رمضان؟
طالب: اختلف العلماء.
الشيخ: نعم.
الطالب: قول: لا يصح، بل يكره؛ لأن ( ... ) المواقيت.
الشيخ: قال بعض العلماء: ينعقد الإحرام بالحج ويكره، طيب والثاني؟
الطالب: الثاني أنه يصح.
الشيخ: هذا الذي قلنا ينعقد مع الكراهة.
طالب: والثالث لا يصح.
الشيخ: الثاني لا ينعقد بالحج ويكون عمرة.
طيب، إذا أحرم قبل الميقات المكاني؟
طالب: نقول: لا بأس ( ... ).
الشيخ: يعني أحرم من المدينة مثلًا مارًّا بذي الحليفة، لا بأس، يعني يجوز؟
طالب: يكره يا شيخ.
الشيخ: يكره؛ لكن ينعقد الإحرام؟
الطالب: نعم ينعقد.
الشيخ: ينعقد الإحرام.
طيب، إذا كان في الطائرة فهل الأوْلى أن يؤخر الإحرام حتى يصل إلى جدَّة أو أن يحرم إذا حاذى الميقات؟
طالب: الصحيح أنه يحرم إذا حاذى الميقات ولو كان في الجو.
الشيخ: يعني هذا الأوْلى.
الطالب: نعم.
الشيخ: أقول: هذا الأوْلى؟
الطالب: لا، هذا هو الصحيح.
الشيخ: إي، هذا الصحيح أنه الأوْلى.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: طيب، لكن هل يحرم وجوبًا أو يحرم استحبابًا؟
الطالب: يحرم وجوبًا؛ لأنه إذا فات الميقات فإن عليه دمًا.
الشيخ: يحرم وجوبًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل على إحرامه وجوبًا إذا حاذى الميقات أو مرَّ به؟
طالب: توقيت النبي صلى الله عليه وسلم للمواقيت فهو قال: «وَهِيَ مَوَاقيِتُ لِأَهْلِهَا أَوْ لِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا»، فالشاهد: «لِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا»، فلا بد أن يحرم منه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3669
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» (13).
الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا الدليل على أنه يحرم إذا حاذى، لكن ما هو الدليل على وجوب الإحرام من الميقات أو من محاذاته؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم ( ... ).
الشيخ: لا، هذا ما ( ... ).
طالب: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ».
الشيخ: نعم.
طالب: أمره صلى الله عليه وسلم ( ... ).
الشيخ: حديث عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ»، وهذا خبر بمعنى الأمر.
طيب، هل هناك شاهد لوقوع الخبر بمعنى الأمر؟
طالب: نعم يا شيخ، جاء في القرآن قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، وهو خبر بمعنى الأمر.
الشيخ: تمام، طيب، هل هناك دليل على أن من كان في الطائرة وحاذى الميقات فإنه يجب عليه أن يحرم منه؟
طالب: نعم يا شيخ، هناك عموم حديث: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ» (1).
الشيخ: هذا ما أتى عليه، بينه وبينه تسعة عشر ألف قدم.
طالب: أثر عمر بأمره أهل البصرة والكوفة عندما سألوه عن ميقات ( ... ) لهم أن يحرموا.
الشيخ: قال: «انْظُرُوا إِلَى حَذْوِهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ»، نعم، وكذلك قول شيخ الإسلام: إن الإنسان إذا مر بالميقات جوًّا فإنه يلزمه أن يحرم منه.
طالب: قال شيخ الإسلام: ما يصح الإحرام في الجو.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ما يصح الإحرام في الجو!
الشيخ: قال: لا يصح الإحرام في الجو! لا، نحن نقول: قال: إنه يجب الإحرام في الجو؟
طالب: لما تكلم عن السحرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3670
الشيخ: إي نعم؛ أن الشياطين تطير بهم ولا يحرمون إلا في الحرم، قال: من جملة شطحاتهم أنهم يتجاوزون الميقات بلا إحرام.
طيب، لو أنه تجاوز الميقات ولم يحرم وهو يجب عليه أن يحرم، ماذا يصنع؟
طالب: يجب عليه دم، ويحرم من مكانه؛ لأنه ترك واجبًا.
الشيخ: يجب عليه دم ويحرم من مكانه؛ أخطأت.
طالب: يجب عليه أن يرجع ويحرم من الميقات.
الشيخ: نعم، ويحرم من الميقات، فإن لم يمكن؟
الطالب: فعليه دم.
الشيخ: فعليه دم؛ يحرم من مكانه وعليه دم، هذا الصحيح، يجب أن يرجع ليحرم من الميقات، فإن لم يمكن أحرم من مكانه وعليه دم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (بَابُ الإِحْرَامِ).
طالب: الترجيح في مسألة الإحرام زمانًا ومكانًا.
الشيخ: كيف؟ أيش؟
الطالب: الترجيح في الإحرام قبل الميقات الزماني أجلناه إلى درس اليوم، والمكاني.
الشيخ: نعم، إحنا ذكرنا أن ظاهر القرآن: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، أنه لا ينعقد الحج إلا في هذه الأشهر، كما في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، وحينئذٍ يتحول إحرامه إن بقي على الإحرام إلى عمرة؛ فإن لم يبق عليه فهو لم ينعقد وليس بشيء.
وأما الميقات المكاني فإنه يُكره أو يحرُم، ولكنه ينعقد؛ لأنه وقع هذا من الصحابة، ولامهم الخلفاء، ولكنه لا نقول: إنه يفسد الإحرام.
[باب الإحرام]
ثم قال المؤلف: (بَابُ الإِحْرَامِ).
(الإحرام) مأخوذ من التحريم، ومعنى أحرم أي: دخل في الحرام، كأنجد أي: دخل في نجد، فالإحرام معناه: دخول الإنسان في التحريم، ولهذا يقال للتكبيرة الأولى من الصلاة: تكبيرة الإحرام؛ لأنه بها يدخل في التحريم، أي: تحريم ما يحرم على المصلي.
الجزء: 1 - الصفحة: 3671
أما المراد به هنا فإنه نية النسك، يعني نية الدخول فيه، هذا الإحرام، يعني: ينوي أنه الآن دخل في الإحرام، لا نية أنه يعتمر، أو أنه يحج، بل نية الدخول في العمرة أو نية الدخول في الحج، وبين الأمرين فرق.
فمثلًا الآن إذا كان أحدكم يريد أن يحج هذا العام، فهل نقول: إنه بنيته هذه أحرم؟
لا؛ لأنه لم ينوِ الدخول، وكذلك نريد أن نصلي العشاء، هل نحن بنيتنا هذه دخلنا في الصلاة؟
لا، إذن نية الفعل لا تؤثر، لكن نية الدخول فيه هي التي تؤثر، ولهذا نقول: الإحرام نية الدخول في النسك، لا نية أن يحج، يعني أن ينوي الدخول في العمرة إن كان نسكه عمرة، أو في الحج إن كان نسكه حجًّا، أما من نوى أن يحج أو يعتمر فإنه لا يكون محرمًا بذلك، كالصلاة تمامًا، أنت الآن تريد أن تصلي العشاء، فهل نيتك هذه تكون تحريمًا؟ أي: يحرم عليك ما يحرم على المصلي؟
لا، متى تكون؟ إذا نويت الدخول فيها فهذا هو الذي يكون به الدخول في الصلاة.
وسميت نية الدخول في النسك إحرامًا لأنه إذا نوى الدخول في النسك حَرَّمَ على نفسه ما كان مباحًا قبل الإحرام، إذا دخل في النسك حَرَّمَ على نفسه ما كان مباحًا قبل الإحرام، فيحرم عليه مثلًا الرفث، ويحرم عليه الطيب، ويحرم عليه حلق الرأس، ويحرم عليه الصيد، بماذا؟ بالإحرام.
نية الدخول في النسك قال المؤلف: (سُنَّ لِمُرِيدِهِ غُسْلٌ).
(سُنَّ) مَنِ السَّانُّ؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، والسُّنَّة في اللغة: الطريقة،
وفي الشرع: أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وتقريراته.
وفي الاصطلاح؛ اصطلاح الأصوليين، السُّنَّة: ما أُمِرَ به لا على وجه الإلزام، يعني المسنون.
(سُنَّ لِمُرِيدِهِ) أي: لمريد الدخول في النسك.
(غُسْلٌ) يعني: يسن أن يغتسل؛ وذلك لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا وأمرًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3672
أما فعله فإنه صلى الله عليه وآله وسلم تَجَرَّدَ لإهلاله واغتسل (14)، وأما أمره فإن أسماء بنت عُميس رضي الله عنها امرأة أبي بكر نفست في الحديبية، يعني: ولدت، ولدت ابنها محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصنع؟ قال: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» (15)، «اسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ» يعني: تحفَّظي به وأحرمي.
الشاهد من هذا قوله: «اغْتَسِلِي»، فأمرها أن تغتسل مع أنها نفساء، ليست باغتسالها هذا تستبيح الصلاة ولا غيرها مما يشترط له الطهارة، ومع هذا أمرها الرسول عليه الصلاة والسلام أن تغتسل.
وقول المؤلف: (سُنَّ لِمُرِيدِهِ).
مريد: هذه اسم فاعل مضاف، واسم الفاعل بمنزلة الموصول، بل إن النحويين يقولون: إن (أل) في اسم الفاعل أيش هي؟ موصولة، قال ابن مالك:
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعلى هذا تكون كلمة (مُرِيده) عامة للذكور والإناث، للجنب وغير الجنب، للحائض والنفساء وغيرهما، للصغير والكبير، كل من أراد النسك فليغتسل.
وقول المؤلف: (غُسْلٌ) إذا أطلق الغسل فالمراد به غسل الجنابة، أي: ما يشبه غسل الجنابة، فمثلًا إذا قلنا: يجب للجمعة الغسل، أي: غسل كغسل الجنابة، يسن للإحرام الغسل، يعني: كغسل الجنابة.
قال المؤلف: (أو تيممٌ لِعَدَم).
(أو) هذه معطوفة على (غسل)، يعني: أو أن يتيمم لعدم، أي: لعدم الماء أو تعذر استعماله بالمرض ونحوه، يعني: إذا تعذر استعمال الماء للعدم أو المرض فإنه يتيمم بدلًا عن الغسل، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله بناءً على أن التيمم يحل محل طهارة الماء الواجبة والمستحبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3673
ولكن ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الطهارة المستحبة إذا تعذر فيها استعمال الماء فإنه لا يتيمم؛ لأن الله إنما ذكر التيمم في طهارة الحدث: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، والعبادة لا تكون بالقياس، فإذا كان الشرع إنما جاء بالتيمم في الحدث فلا يقاس عليه غير الحدث؛ لأن العبادات لا قياس فيها، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه تيمم للإحرام.
وعليه فنقول: إن وجد الماء وأمكنه استعماله فعل، وإن لم يمكنه فلا تيمم، على هذا القول، أما على المذهب فيقولون: التيمم يحل محل طهارة الماء في الواجب أيش؟ والمستحب.
طيب، (أو تيممٌ لِعَدَم).
ويسن له أيضًا: (تنظيفٌ).
إذا قال العلماء: تنظيف، ليس تنظيف الثياب، ولا تنظيف البدن إذا قرن به الغسل؛ لأن تنظيف البدن يحصل بالغسل، لكن المراد بالتنظيف أخذ ما ينبغي أخذه، مثل: الشعور التي ينبغي أخذها: كالعانة، والإبط، والشارب، وكذلك الأظافر، فيسن أن يتنظف بأخذها.
طالب: (تنظُّف).
الشيخ: نعم، عندكم (تنظُّف)، يصح ما فيه مانع.
ولكن هل ورد في هذا سنة؟
لا، وإنما عللوا ذلك قالوا: لئلا يحتاج إلى أخذها في الإحرام، وأخذها في الإحرام ممتنع.
وبناءً على هذا نقول: إذا لم تكن طويلة في وقتنا الحاضر؛ إذا لم تكن طويلة ولا يخشى أن تطول في أثناء الإحرام، فيحتاج إلى أخذها، فإنه لا وجه لاستحباب ذلك؛ ما دامت العلة خوف أن يحتاج إليها في حال الإحرام ويتمكن، فإذا زالت هذه العلة زال أيش؟ زال المعلول وهو الحكم؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3674
قال: (وتَطَيُّبٌ) يعني: يسن أن يتطيب عند الإحرام، ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطيب لإحرامه، قالت عائشة: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت (16).
والطيب مستحب كل وقت، فهو كالسواك؛ السواك كل وقت، والطيب كل وقت، إذا أمكن للإنسان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (17).
وقوله: (وتَطَيُّبٌ) أطلق المؤلف، فهل المراد التطيب في البدن أو في البدن والإحرام؟ يعني ثياب الإحرام؟
الأول؛ المراد الأول: أن يتطيب في بدنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يطيب عند الإحرام رأسه ولحيته، قالت عائشة رضي الله عنها: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم (18)، مفارقه يعني فرق رأسه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام له رأس يبقي الشعر ويفرقه؛ يفرقه فرقتين من الخلف ومن الأمام، وكان في الأول يسدل شعره، أول ما قدم المدينة؛ لأنه فعل اليهود وهم أهل كتاب، والفرق فعل المشركين وهم كفار مشركون، ثم بعد ذلك كره السدل وصار يفرق.
الشاهد قولها: «كنت أنظر إلى وبيص المسك»، ما هو الوبيص؟
طالب: الريح.
الشيخ: لا، أنظر إلى وبيص؛ الريح ينظر؟
الطالب: لا؛ اللمعان.
الشيخ: اللمعان، صحيح، الوبيص كالبريق لفظًا ومعنًى، كيف؟ هذه وبيص (واو - با – ياء - صاد)، وهذه (باء - راء - ياء - قاف)؟
طلبة: بالوزن.
الشيخ: بالوزن، صحيح؛ هذه العبارات تقع في كلام العلماء، يقول لك: كذا ككذا لفظًا ومعنى، أي: في الميزان، طيب.
أما تطييب الثوب فإنه يكره، يعني ثوب الإحرام لا يطيب، لا بالبخور ولا بالدهن، ولكن إذا طيبه هل يجوز أن يلبسه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3675
قال بعض العلماء: نعم، إذا طيبه ولبسه قبل أن يعقد الإحرام فلا بأس، لكن يكره، وقال بعض العلماء: لا يجوز لبسه إذا طيبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» (19)، فنهى أن نلبس الثوب المطيب، وهذا هو الصحيح.
ولهذا حرم بعض العلماء تطييب ثياب الإحرام، قال: لأن تطييبها لا فائدة منه، إذا حرمنا عليه لباسها، فإنه ما الفائدة؟ إضاعة مال؛ ولهذا حرمه بعض أصحابنا كالآمدي رحمه الله.
قال: يحرم تطييب ثياب الإحرام.
المذهب أنه يكره، ولكن لاحظوا على المذهب يكره إن لبسها قبل أن يعقد الإحرام، أما إذا عقد الإحرام فلا يمكن أن يلبسها؛ لأن الثياب المطيبة لا يجوز لبسها في الإحرام.
وهنا مشكلة تقع كثيرًا: إذا تطيب في بدنه، وضع الطيب على رأسه وعلى لحيته، ثم سال الطيب من الموضع الذي وضعه فيه نازلًا إلى أسفل، فهل هذا يؤثر أو لا؟
الجواب: لا، لا يؤثر؛ لأن انتقال الطيب هنا بنفسه، انتقال الطيب بنفسه ما هو اللي نقله، ليس هو الذي أخذه بيده من طيب رأسه ووضعه مثلًا على صدره، لا، سال بنفسه، ولأن ظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لا يبالون إذا سال الطيب؛ لأنهم وضعوه في حالٍ يجوز لهم وضعه، فلا يُعْبأ به بعد ذلك، وهذا أمر واضح.
لكن هنا شيء آخر: المحرم سوف يتوضأ، أليس كذلك؟ وإذا طيب رأسه فسوف يمسح رأسه بيديه، وإذا مسح رأسه بيديه لصق من الطيب بيديه، فماذا يصنع؟ هل نقول: أعِدَّ لنفسك جوربًا تضعه في يدك إذا أردت أن تمسح رأسك لئلا تمس الطيب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذا تنطعٌ في الدين، ولم يرد، هل نقول: امسح الرأس بعودٍ أو نحوه كالخشبة والجلد، وعلى هذا يُعِدُّ المحرم معه أعوادًا وجلودًا يمسح بها رأسه؟
الجواب: لا.
بقي علينا أن يمسح بيده مباشرة، وهنا يُشْكِل؛ سوف يعلق الطيب بيده قطعًا، فماذا يصنع؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3676
على المذهب يجب أن يغسل يديه من هذا الطيب فورًا؛ يجب أن يغسل يديه من هذا الطيب حتى يذهب ريحه فورًا، لكن الذي يظهر لي أن هذا مما يعفى عنه، فالرجل لم يبتدئ الطيب، وهذا طيبٌ مأمور به، والمشقة في غسل يده غسلًا تذهب معه الرائحة لا ترد به الشريعة، فالصواب: أنه لا حرج عليه أن يمسح حتى ولو علق الطيب بيده؛ لأنه لم يستأنف الطيب، ولم يبتدئه وهو محرم.
ثم قال المؤلف: (ويسن تجرُّدٌ من مخيط).
(تجرُّدٌ من مخيط)؛ كيف تجرد؟ (يسن تجرُّدٌ من مخيط)، والتجرد من المخيط حال الإحرام واجب؛ لأن لبس المخيط حرام على المحرم، فكيف يتفق هذا الكلام؟
المراد أنه عند الاغتسال ينزع المخيط ثم يغتسل ثم يلبس ثياب الإحرام.
وتجرُّدٌ من مخيط، ويشترط في هذا التجرد ألا يستلزم كشف العورة أمام الناس، فإن استلزم ذلك كان حرامًا، ولكن ماذا يصنع؟
نقول: البس الإزار أولًا، ثم اربطه على نفسك، ثم اخلع القميص، ثم البس الرداء.
يلبس الإزار أولًا وعليه القميص، ثم يخلع القميص ويلبس الرداء.
( ... )
قوله: (أبيضين)؛ لأنها خير الثياب، وهل يسن أن يكونا جديدين أو يشترط؟
لا يشترط، لكن كلما كانت أنظف فهو أحسن؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم لما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، قال: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (20)، فكلما كان أنظف فهو أحسن.
وهذه السُّنَّة سُّنَّة لجميع الناس؛ الرجال، وإنما كانت على هذا الوجه من أجل اتفاق الناس على هذا اللباس، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد؛ لأنه لو أطلق العنان للناس تفاخر الناس، وصار هذا يلبس ثوبًا جميلًا جدًّا، وهذا عليه ثوب رديء، واختلف الناس، ولم تظهر الوحدة الإسلامية، وصار بعض الناس إذا رأى من عليه الثوب الذي يفوق ثيابه بمدًى بعيد اشتغل قلبه، وقال: كيف هذا عليه كذا وأنا علي كذا؟ ثم ربما يذهب يستدين ليلبس مثلما يلبس غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 3677
لهذا كان الناس في لباس الإحرام على حدٍّ سواء، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يغالي في ثياب الإحرام، بل يكون من جنس الناس.
(في إزار ورداء أبيضين، وإحرامٌ عقب ركعتين) الواو حرف عطف، (إحرام) معطوف على أيش؟
طالب: (سنَّ).
الشيخ: لا، ما هي على (سنَّ).
طالب: (غسلٌ).
الشيخ: على (غسل)، يعني: وسن لمريد الإحرام إحرامٌ عقب ركعتين، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل دبر الصلاة (21)، أهلَّ: يعني أحرم دبر الصلاة، فيسن أن يصلي ركعتين ليحرم بعدهما، ولكن الدليل الذي استدل به الأصحاب رحمهم الله لا يتعين أن تكون الصلاة التي أهلَّ دبرها صلاةً مسنونة، بل هو أهلَّ دبر صلاةٍ مفروضة عليه الصلاة والسلام، دبر صلاة الظهر أهلَّ، وهذا لا نعلم هل النبي عليه الصلاة والسلام قصد أن يكون إهلاله بعد الصلاة أو أهل لأنه لما صلى ركب وأهلَّ؛ أهلَّ عند ركوبه؟
في هذا احتمال، ومن ثَمَّ ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن ركعتي الإحرام لا أصل لمشروعيتهما، وأنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إن كان في الضحى فيمكن أن يصلي صلاة الضحى ويحرم بعدهما، إذا كان في وقت الظهر نقول: الأفضل أن تمسك حتى تصلي الظهر، ثم تحرم بعد الصلاة، وكذلك صلاة العصر، وأما صلاة مستحبة بعينها للإحرام، فهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
بقي أن يقال: لو أن الإنسان إذا توضأ صلى ركعتين سنة الوضوء، فهل سنة الوضوء مشروعة؟
نعم مشروعة، وعلى هذا فنقول: أنت إذا اغتسلت وتوضأت فصلِّ ركعتين سنة الوضوء.
ولكن يبقى نظر: إذا كان ليس من عادته في غير هذا المكان أن يصلي ركعتي الوضوء، انتبهوا: ما كل الناس إذا توضؤوا صلوا، فإذا لم يكن من عادته أن يصلي للوضوء، فأراد أن يصلي هنا، أليس سوف يشعر في نفسه أن هذه الصلاة أيش؟ من أجل الإحرام؟ أو على الأقل من أجل الاشتراك بين الإحرام والوضوء؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3678
هذا هو الظاهر، ولذلك نقول: إذا كان الإنسان سيبقى في الميقات حتى يأتي وقت الفريضة، فالأفضل أن يهلَّ بعد الفريضة؛ هذا هو الأفضل.
يقول: (ونِيَّته شَرْط).
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا لم يجد نعلين يا شيخ، لبس ( ... ) ماذا يفعل؟
الشيخ: إذا لم يجد النعلين فإنه يلبس الخفين كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن في وقتنا والحمد لله سيجد نعالًا ما هو نعلين، كلها مكومة عند المقعد، إنما ربما لا يجد دراهم يشتري بها.
طالب: داخل الطائرة يا شيخ.
الشيخ: نعم، أو في الطائرة نعم يمكن لا يجد، لكن الغالب أن الذي في الطائرة يكون عليه إما خفان وإما حافيًا وهذا بعيد، لكنِ الخفان يجوز أن يلبسهما إذا لم يجد نعلين.
طالب: ( ... ).
الشيخ: بالبخور.
الطالب: لا.
الشيخ: لا، ثياب الإحرام.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثوب الإحرام.
الطالب: أو يتطيب؟
الشيخ: يتطيب في بدنه، أما ثوبه لا.
الطالب: لا، البخور؟
الشيخ: حتى البخور ما يطيب الإحرام.
طالب: ( ... ).
الشيخ: العمرة؟
الطالب: العمرة أو الحج؟
الشيخ: العمرة لا بد يحرم من الحِل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لازم يحرم من الحل.
طالب: طيب الحج يا شيخ.
الشيخ: الحج يحرم من مكانه، إذا جاء وقت الحج يحرم من مكانه الذي هو فيه.
طالب: أحسن الله إليكم؛ ذكرتم بأن من لم يؤدِّ فرض الحج والعمرة ثم مرَّ بالميقات فإنه يلزمه الإحرام ولو لم ينوِ، ما الجواب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» (22) ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، يعني: ممن أراد أن يفعل، لكن هل يجب أن يريد أو لا يجب؟
الطالب: لا يجب.
الشيخ: لا يجب، الفريضة على الفور.
طالب: ( ... ) هذا الأمر على الفور؟
الشيخ: إي نعم، أرأيت مثلًا لو قال: الوضوء واجب على من يريد الصلاة؛ هل يدل هذا على أن الصلاة غير واجبة؟
الطالب: لا، ما يدل.
الشيخ: ما يدل على هذا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3679
طالب: طيب، يا شيخ لو كان وصل الميقات وأهل بيته وضعوا الطيب في الإحرام.
الشيخ: يغسله.
الطالب: يغسله؟
الشيخ: يغسله، نعم، إذا وصل الميقات وأهله قد طيبوا الإحرام يغسل إحرامه.
طالب: ( ... ) إذا أرادوا أن يذهبوا إلى مكة يمنعون؛ لأنهم قد حجوا أول مرة، قد حجوا الفريضة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ويكثر الأسئلة يقولون: هل يجوز لنا أن نتجاوز الميقات بثيابنا؟
الشيخ: بدون إحرام يعني؟
الطالب: نحرم لكن بثيابنا؟
الشيخ: ما يجوز يلبسون الثياب.
الطالب: ( ... ) يريد أن يتجاوز منطقة التوقيف، وبعدما نتجاوزه نخلع الثياب.
الشيخ: والله ما أرى هذا؛ أرى أنهم إذا أحرموا التزموا بحكم الله.
الطالب: لكن يمنعون يا شيخ.
الشيخ: إذا منعوا يكون هذا مما سلط عليهم، فيشكون إلى الله عزَّ وجل أنه يخفف هذا المنع.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما هو بعلى كل حال.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لبس القميص حرام؛ لا يلبس القميص.
الطالب: لكن ليس بشرط.
الشيخ: إي، ما هو بشرط، لكن يأثمون.
الطالب: ( ... ) تجاوز الميقات الآن ما هو الدليل على أنه إذا تجاوزه عليه دم؟
الشيخ: دعنا من الدم، لكن يحرم عليه؛ لأن وجوب الدم بترك الواجب في النفس منه شيء، ما فيه إلا حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُهْرِقْ دمًا» (23)، وهذا فيه نقاش أولًا في ثبوته، والثاني هل له حكم الرفع أو لا؟ لكن الكلام أنه يأثم بالاتفاق.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ترتيب الميقات ليس فيه سعة.
الشيخ: سعة؟
الطالب: فيه سعة ( ... ).
الشيخ: لكن رابغ أبعد من مكة من الجحفة ( ... ) هذا المكان من زمان.
طالب: هل القول بكراهة تطييب ثياب الإحرام؛ لو طيبها وخلعها ثم أراد أن يلبسها ( ... ).
الشيخ: إي نعم، يعني لو طيبها ولبسها ثم بعد ذلك خلعها لسبب من الأسباب فإنه لا يعيدها وفيها الطيب، يجب أن يغسلها.
الجزء: 1 - الصفحة: 3680
الطالب: طيب يا شيخ إذا سال العرق عليها وفيه الطيب هل نفس الحكم؟
الشيخ: نعم، هذا كلام الفقهاء، نفس الحكم، لكن في هذه الحال ربما أقول: يعفى عنه؛ لأن الطيب الذي أصابها من طيب مأمور به، وربما يشق على الإنسان أن يتحرز من هذا، ربما يشق عليه، والشيء إذا شق ولم يكن هناك نصٌّ بيِّن في تحريمه فإنه يسامح فيه.
طالب: ( ... ) مخيطه وبها جيوب.
الشيخ: المخيط سيأتينا إن شاء الله، إن المخيط هو اللباس المعتاد، ما هو بالذي به الخياط، وسيأتينا أن هذه العبارة ليست من عبارات الشرع، ما قالها الرسول، وقد قيل: إن أول من تكلم بها إبراهيم النخعي رحمه الله، وهو من فقهاء التابعين.
طالب: أحسن الله إليكم، لا يوجد دليل أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة لما أراد أن يحرم من الميقات قال: صلِّ في هذا الوادي فإنها أرض مباركة.
الشيخ: هذا جبريل أتاه وقال: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» أَوْ «عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» (24).
لكن لا يدل على أن يكون الإحرام من حين الصلاة أو أن للإحرام صلاة؛ لأن قوله: «صَلِّ» أمر، يحتمل المراد بذلك الفريضة، يعني: انتظر حتى تصلي، ويحتمل أنها نافلة.
طالب: يسن له الصلاة.
الشيخ: كما قلنا قبل ذلك ( ... ) ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إذا كان هناك سبب آخر فليفعل.
طالب: تجرده من مخيطه هل هو سُّنَّة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني لو ما تجرد من مخيطه، يجب عليه التجرد من مخيطه؛ لأنه عقد.
الشيخ: إذا أحرم وجب عليه التجرد.
الطالب: ( ... ) عليه السُّنَّة؟
الشيخ: ( ... ) بلى، لكن معناه أنه يتجرد قبل أن يلبس الإحرام، وقبل أن يعقد الإحرام، فإذا عقد وجب أن يتجرد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3681
الطالب: قال رحمه الله تعالى: (ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويستحبُ قولُه: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي، وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ، وصفته أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج، ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه، وعلى الأُفُقِيِّ دمٌ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
قال المؤلف رحمه الله: (ونِيَّتُه شَرْطٌ).
(نِيَّتُه) أي: نية النسك، وما هي نية النسك؟ يعني نية الدخول في النسك، شرط، فلا بد أن ينوي الدخول في النسك، فلو لبى بدون نية الدخول فإنه لا يصير محرمًا بمجرد التلبية، ولو لبس ثياب الإحرام بدون نية الدخول، فإنه لا يكون محرمًا بلبس ثياب الإحرام، لا بد من النية، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (25).
والتلبية قد تكون في غير الحج، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى ما يعجبه من الدنيا يقول: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» (26).
وأتيت بهذا استطرادًا؛ لأنه مهم بالنسبة لكم: إذا رأيتم ما يعجبكم من الدنيا من قصور أو سيارات أو بنين أو زوجات أو غيرها، فقولوا: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ»، فانظر كيف صد الإنسان نفسه بقول: لبيك، إجابة لله عزّ وجل؛ حتى لا تذهب نفسه مع الدنيا، ثم قال: «إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» وإن هذا العيش الذي أمامي ليس بشيء، زائل.
إذن لا بد من النية؛ هل يكفي لبس الإحرام؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، هل يكفي أن يقول: لبيك اللهم لبيك؟ لا؛ لأن التلبية تكون للحاج ولغيره.
قال: (ويستحب قولُه: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي).
الجزء: 1 - الصفحة: 3682
هذه الجملة اشتملت على مسألتين:
المسألة الأولى: قوله: (يستحب أنْ يقول: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا).
والاستحباب يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، لم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يحرم بحج أو عمرة يقول: اللهم إني أريد العمرة، أو اللهم إني أريد الحج.
ومعلومٌ أن العبادات مبناها على الاتباع وعلى الوارد، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام اعتمر أربع مرات، وحج مرة، ولم يكن يقول هذا، ولا أرشد إليه؛ فإنه ينبغي ألا يكون مستحبًّا.
ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة أن النطق بهذا القول كالنطق بقوله: اللهم إني أريد أن أصلي فيسر لي الصلاة، أو أن أتوضأ فيسر لي الوضوء، وهذا بدعة، فكذلك في النسك لا تقل هكذا، قل ما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام حين استفتته ضباعة بنت الزبير أنها تريد الحج وهي شاكية قال: «قُولِي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (27) أخرجه النسائي (28)، ولم يقل: قولي: اللهم إني أريد كذا وكذا.
طيب، المسألة الثانية: يقول: (وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني).
فإن قوله: (إن حبسني حابس) عام، أو إن شئت فقل: مطلق، يشمل من كان خائفًا، ومن لم يكن خائفًا، يعني: يشمل من كان يخشى من عائق يعوقه عن إتمام نسكه من مرض، أو ضياع نفقة، أو انكسار مركوب، أو خوف على نفسه، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه خائف ألا يكمل النسك.
ومن لم يكن خائفًا، هذا كلام المؤلف؛ لأنه لم يُفَصِّلْ، لم يقل: يقول: إن حبسني حابس إن خاف أن يحبسه حابس.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
فمنهم من قال: إنها سُّنَّة مطلقًا، أن يقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
ومنهم من يقول: ليست بسُّنَّة مطلقة.
ومنهم من فَصَّلَ وقال: سُّنَّة لمن كان يخاف المانع من إتمام النسك، وتركها سُّنَّة لمن لم يخف.
الجزء: 1 - الصفحة: 3683
وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي تجتمع به الأدلة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أحرم ولم يشترط، لم يقل: إن حبسني حابس، أحرم بِعُمَرِهِ كلِّها، حتى بالحديبية أحرم ولم يقل: إن حبسني حابس، وحبس، وكذلك في عمرة القضاء، وكذلك في عمرة الجعرانة، وكذلك في إحرامه في حجة الوداع، لم ينقل عنه أنه قال: إن حبسني حابس، ولا أمر به أصحابه أمرًا مطلقًا، بل أمر به من جاءت تستفتي لأنها مريضة تخشى أن يشتد بها المرض فلا تكمل النسك ..
وعلى هذا فيكون القول الراجح في هذه المسألة أن لا استحباب مطلقًا، ولا إنكار مطلقًا، بل من خاف من مانع يمنعه من إتمام النسك، قلنا له: اشترط؛ استرشادًا بإرشاد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن لم يخف قلنا له: لا تشترط؛ السُّنَّة ألا تشترط، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
فإن قال قائل: الحوادث الآن كثيرة؛ كثيرًا ما يحصل اصطدام، كثيرًا ما يحصل زحام يموت به الإنسان، أفلا يكون هذا مما يوجب مشروعية الشرط؟
قلنا: لا؛ لأنك لو أحصيت الحجيج، وأحصيت الحوادث التي تحدث لوجدت النسبة قليلة جدًّا، وليست بشيء؛ بالنسبة لكثرة السيارات وكثرة ( ... ) قليلة.
وفي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حصلت حوادث، ففي عرفة وقصت ناقة صاحبها فسقط منها فمات (29)، هذه حادث، حادث سيارة ولّا حادث ناقة؟ حادث ناقة، ولكن يشبه حادث السيارة.
إذن فالحوادث موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومع هذا لم يأمر أصحابه أن يشترطوا أمرًا عامًّا.
الخلاصة الآن في المسألة الثانية أيش؟ أنه يستحب الاشتراط لمن كان يخاف من مانع يمنعه من إتمام النسك، وأما إذا كانت الأمور على طبيعتها فإن السُّنَّة ألا يشترط، وبهذا تجتمع الأدلة.
فإن قال قائل: ما فائدة هذا الاشتراط؟
قلنا: زعم بعض العلماء أنه لا فائدة منه، وإنما هو لفظ يتعبد به فقط، وهذا القول لا شك أنه ضعيف جدًّا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3684
وأَفْضَلُ الأنساكِ التَّمَتُّعُ، وصِفَتُه أن يُحْرِمَ بالعُمرةِ في أَشْهُرِ الْحَجِّ ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحَجِّ في عامِه، وعلى الأفقي دمٌ،
فإن قال قائل: الحوادث الآن كثيرة، كثيرًا ما يحصل اصطدام، كثيرًا ما يحصل زحام يموت به الإنسان، أفلا يكون هذا مما يوجب مشروعية الشرط؟
قلنا: لا؛ لأنك لو أحصيت الحجيج، وأحصيت الحوادث التي تحدث لوجدت النسبة قليلة جدًّا، وليست بشيء بالنسبة لكثرة السيارات وكثرة الأوادم قليلة.
وفي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حصلت حوادث، ففي عرفة وَقَصَت ناقةٌ صاحبَها فسقط منها فمات، هذه حادثة، حادث سيارة ولَّا حادث ناقة؟ حادث ناقة ولكن يشبه حادث السيارة.
إذن فالحوادث موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومع هذا لم يأمر أصحابه أن يشترطوا أمرًا عامًّا.
الخلاصة الآن في المسألة الثانية أيش؟ أنه يُسْتَحَبُّ الاشتراط لمن كان يخاف من مانع يمنعه من إتمام النُّسُك، وأما إذا كانت الأمور على طبيعتها فإنَّ السُّنَّة أن لا يشترط، وبهذا تجتمع الأدلة.
فإن قال قائل: ما فائدة هذا الاشتراط؟
قلنا: زعم بعض العلماء أنه لا فائدة منه، وإنما هو لفظٌ يُتَعَبَّدُ به فقط، وهذا القول لا شك أنه ضعيف جدًّا.
والصواب أن له فائدة، وفائدته أنه إذا وُجِدَ المانع حَلَّ من إحرامه مجانًا، ومعنى قولي: (مجانًا) أي بلا هَدْي؛ لأن مَن أُحْصِر عن إتمام النسك فإنه يلزمه هدي، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، فإذا كان قد اشترط ووُجد ما يمنعه من إتمام النسك قلنا له: حُلَّ بلا شيء، مجانًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3685
لكن لو لم يشترط لم يَحِلّ إلَّا إذا حُصِر بعدو، على رأي كثير من العلماء، فإن حُصِر بمرض، أو حادث، أو ذهاب نفقة، أو ما أشبه ذلك، فإنه يبقى مُحْرِمًا ولا يحل، لكن إن فاته الوقوف فله أن يتحلل بعمرة، ثم يحج من العام القادم.
إذن الفائدة من هذا الاشتراط أنه إذا وُجِد مانع يمنعه من إتمام النسك فإنه يَحِلّ ولا شيء عليه، يرجع إلى بلده.
هنا عبارتان؛ العبارة الأولى أن يقول: (إنْ حبسني حابس فمَحِلِّي حيث حبستني)، (محلي) أي: مكان إحلالي من النسك، أو قت إحلالي من النسك.
والعبارة الثانية: أن يقول: (إن حبسني حابس فلي أن أَحِلّ).
هل بينهما فرق؟
نعم بينهما فرق؛ إذا قال: (فمَحِلِّي حيث حبستني)، حل بمجرد وجود المانع؛ لأنه عَلَّقَ الْحِلَّ على شرط، فوُجد الشرط، وإذا وُجِدَ الشرط وُجِدَ المشروط.
أما إذا قال: (إن حبسني حابس فلي أن أحل)، فإنه إذا وُجِدَ المانع فهو بالخيار؛ إن شاء حل، وإن شاء استمر.
فإن قيل: وهل من الخوف أن تخاف الحامل من النِّفَاس، أو الطاهر من الحيض؟
طالب: النفاس نعم.
الشيخ: النفاس نعم لا شك؛ لأن المرأة إذا نَفِسَت ما تستطيع أن تؤدي النسك، ثم إن مدة النفاس تطول غالبًا.
لكن نقول: حتى الحيض، إذا كان أهلها أو رُفْقَتُها لا يَبْقَوْن معها حتى تطهر، فإنها إذا كانت تتوقع حصول الحيض تشترط.
فإذا كانت امرأة لم يطرأ على بالها الحيض، لكن معها كسل أو مرض، وتخشى أن لا تُتِمَّ النسك من أجل هذا المرض، فقالت: إن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني، فأتاها الحيض، لكنه لم يطرأ على بالها، فهل نقول: إن حالها تُخَصِّص النية؟ أو نقول: إن العموم يشمل الحيض؟
طالب: العموم يشمل الحيض.
الجزء: 1 - الصفحة: 3686
الشيخ: نعم، هي الآن مريضة، فقالت: إن حبسني حابس فمَحِلِّي حيث حبستني، تريد يعني المرض، ما طرأ على بالها إلَّا المرض، لكن هي تستطيع، المرض يعني خَفَّ عليها أو زال، لكن حدث الحيض، فهل نقول: إن مقتضى حالها يخصِّص العموم، أو نأخذ بعموم اللفظ؟
الطلبة: نأخذ بعموم اللفظ.
الشيخ: يحتمل الأمرين عندي، أنا عندي يحتمل الأمرين، لكن مَن قال: إنه يؤخَذ بالعموم (حبسني حابس) نكرة في سياق الشرط فتعم، قال: هذا من الحوابس، والحوابس متعددة؛ قد يكون في قلبها تلك الساعة المرض، ويحصل حابس آخر كالحيض، والخوف، وفقدان النفقة، وموت الْمَحْرَم، وما أشبه ذلك.
فعلى كل حال الأخذ بالعموم أرجو ألَّا يكون به بأس، وإلا فإن الحال قد تُخَصِّص العموم.
فإذا قال قائل: ما نقول في شخصٍ اشترط بدون احتمال المانع، على القول بأنه لا يُسَنُّ الاشتراط إلا إذا كان يخشى المانع، فهل ينفعه هذا الاشتراط؟
طالب: ينفعه.
طالب آخر: لا ينفعه.
طالب آخر: على قولين.
الشيخ: على قولين، الآن فيها قولان عندكم؛ منكم من قال: إنه ينفعه، ومنكم من قال: إنه لا ينفعه؛ فالذي يقول: إنه ينفعه، يقول: إن هذا وإنْ وَرَدَ على سبب، فالعبرة بعمومه، والذي يقول: لا ينفع، يقول: هذا اشتراطٌ غير مشروع، وغير المشروع غير متبوع فلا ينفع.
وهذا عندي أقرب؛ أننا إذا قلنا بأنه لا يُسْتَحَبُّ الاشتراط فإنه لا يكون مشروعًا، وغير المشروع غير متبوع، لا يترتب عليه شيء، وإذا قلنا: إنه يترتب عليه حكم وهو غير مشروع، صار في هذا نوع من المضادة للأحكام الشرعية.
الاحتمال الراجح عندي -أنا ما راجعتها بالنسبة لهذه الأقوال- لكن الاحتمال الراجح عندي أنه لا يستفيد من هذا الشرط إلا إذا كان مشروعًا، لكن على قول مَن يقول: إن الاشتراط مشروع مطلقًا، يستفيد أو لا؟
طلبة: يستفيد.
الشيخ: نعم يستفيد، على قول مَن يقول: إنه مشروعٌ مطلقًا، يستفيد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3687
فيه مسألة: لو أن الرجل دخل في الإحرام، وقال: لبَّيْك اللهم عمرة، ولي أن أحل متى شئت، فهل يصح هذا الشرط؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه ينافي مقتضى الإحرام، مقتضى الإحرام وجوب الْمُضِيّ في الإحرام، وأنك غير مخيَّر، فلست أنت الذي ترتب أحكام الشرع، المرتِّب لأحكام الشرع هو الله عزَّ وجل ورسوله، فإذا قلت هذا فإنه لا يصح هذا الشرط.
قال المؤلف: (وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ).
قوله: (أفضلُ الأَنْساكِ)، أفادنا رحمه الله أن هناك أنساكًا متعددة؛ لأن (الأنساك) جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فهنا أنساكٌ ثلاثة: (التمتُّع، والإفراد، والقِرَان)، وذلك لأن الإنسان إما أن يُحْرِم بالعمرة وحدها، أو بالحج وحده، أو بهما، ما فيه قسمة رابعة.
إن أحرم بالعمرة وحدها فتمتُّعٌ، لكن بالشروط التي ستُذكر، بالحج وحده فهو مُفْرِد، بهما جميعًا هو قارِن، سنذكر الشروط.
لكن أقول: وجه انحصار الأنساك في هذه الثلاثة هو هذا؛ إما أن يُحْرِم بواحد، عمرة، أو حج، أو يقرِن بينهما؛ هذه الأنساك.
ويدل لهذا – أي: لتنوع الأنساك إلى هذه الثلاثة أنواع- حديث عائشة في مسلم قالت: حَجَجْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا مَنْ أهلَّ بحج، ومنا مَن أهلَّ بعمرة، وأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج (1). ثم فصَّلت.
قولها: (بالحج) يُحْمَل على أنه بالحج من حيث الأفعال، لا من حيث الأحكام؛ لأنه كان قارِنًا.
وقيل: أحرم بالحج أولًا ثم أردفه بالعمرة، وسنذكر هذا إن شاء الله تعالى في صفة القِرَان، وهل يصح إدخال العمرة على الحج، أو لا يصح؟
قال: (أفضل الأنساك التمتع)، ما هو الدليل؟
الدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه حين قضى من الطواف والسعي أن يَحِلُّوا ويجعلوها عمرة إلَّا مَن ساق الهدي، وكان سائقُ الهدي في تلك الحجة قليلين، هذا الدليل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3688
وقد حتَّم الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك، أمر أصحابه حينما أكمل السعي قال: «مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، وقال: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً»، وقال: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ».
وراجعه الصحابة في ذلك، وقالوا: يا رسول الله، كيف نجعلها عمرة وقد سَمَّيْنَا الحج، يعني: لَبَّيْنَا بالحج، قال: «افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ»، حتى أوردوا عليه مسألةً يُسْتَحْيَا منها، لكن حملهم ما في نفوسهم على إيرادها، قالوا: يا رسول الله، نخرج إلى مِنى وذَكَرُ أحدنا يقطر مَنِيًّا؟ يعني من جماع أهله؛ لأنهم سيحلون الحل كله.
ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام أبى إلَّا أن يحتم عليهم أن يجعلوها عمرة، فجعلوها عمرة (2).
استدل الإمام أحمد رحمه الله في هذا الحديث على أن التمتع أفضل إلا مَن ساق الهدي، فإنه لا يمكن أن يتمتع؛ لأن مَن ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد، وحينئذٍ يتعذر التمتع.
وقول المؤلف: (أفضل الأنساك التمتع) أفادنا رحمه الله بكلمة (أفضل) أنه يجوز ما سوى التمتع، وليس التمتع بواجب، وهذا رأي جمهور أهل العلم؛ أن التمتع ليس بواجب.
وذهب بعض العلماء إلى أن التمتع واجب، وأن الإنسان إذا طاف وسعى للحج إذا لم يَسُق الهدي فإنه يحل؛ شاء أم أبى، وهذا رأي ابن عباس -رضي الله عنهما- يرى أن الإنسان إذا لم يَسُق الْهَدْي وأحرم بالحج في أشهر الحج فإنه لا يصح منه الحج، يجب أن .. أيش؟ يحل لتكون عمرة ويكون متمتعًا.
واستدل رضي الله عنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وحَتْمه على الناس وغضبه لما تراخوا وصاروا يراجعونه (3).
وإلى هذا يميل ابن القيم -رحمه الله- فإنه في زاد المعاد مال إلى هذا الرأي، وأن التمتع واجب لمن لم .. أيش؟ لمن لم يَسُق الهدي، وذكر رأي شيخه -رحمه الله- وقال: أنا إلى قول ابن عباس أَمْيَل مني إلى قول شيخنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3689
فخالف شيخه في هذه المسألة، ومال إلى قول ابن عباس، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يناظر على هذه المسألة، حتى يقول: أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء (4)؛ لأن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- يريان أن الإفراد أفضل من التمتع.
واختار شيخ الإسلام في قصة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام للصحابة أن يجعلوها عمرة، وغضبه، وتحتيمه، قال: إن هذا الوجوب خاصٌّ بالصحابة رضي الله عنهم، وأما مَن بعدهم فتختلف الحال بحسب حال الإنسان، لا نقول: التمتع أفضل مطلقًا، ولا الإفراد، ولا القِرَان، انتبهوا.
شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يجب على الصحابة الذين خاطبهم الرسول عليه الصلاة والسلام أن يجعلوها عمرة، أما مَن بعدهم فلا، وله دليل سمعي ونظري؛ أما السمعي يعني الأثري، فهو أن أبا ذر -رضي الله عنه- سُئل عن المتعة، هل هي عامة أو للصحابة خاصة؟ قال: بل لنا خاصة (5).
ويُحْمَل كلامه -رضي الله عنه- على أن الوجوب لهم خاصة، وإلا فلا يمكن أن يقول أبو ذر: لنا خاصة، والرسول عليه الصلاة والسلام سأله سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» (6)، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام.
فخصوصية الحكم للصحابة إذا كان المقصود الوجوب فله وجه، أما إذا كان القصد، أو إذا كان المراد فسخ الحج مطلقًا فليس بصحيح، هذا دليل أيش؟ أثري سمعي لشيخ الإسلام ابن تيمية.
دليل نظري يقول: إن الصحابة خُوطِبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة، وهذا أول شيء يقع الحِل من الحج في أشهر الحج، لو لم ينفذه الصحابة كان هذا وصمة عار للأمة، فيقال: إذا كان الصحابة رفضوا أمر الرسول مباشرة فنحن من باب أولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3690
ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن يقرر هذا الحكم، والتقرير بالفعل أقوى من التقرير بأيش؟ بالقول، فإذا تقرر بالفعل بقي الأمر على ما هو عليه أولًا، وهو أنه هو الأفضل، أو يختلف كما قال شيخ الإسلام باختلاف حال الإنسان.
وما قاله رحمه الله وجيهٌ جدًّا؛ أن وجوب الفسخ في ذلك العام الذي واجههم به الرسول عليه الصلاة والسلام حق، وأما بعد ذلك فليس بحق، وأظنه لا يخفى، لو كان الأمر واجبًا على أبي بكر وعمر، وهما مَن هما بالنسبة لقربهما من الرسول عليه الصلاة والسلام، ولفهمهما قوله، ومعلوم أن مَن كان أقرب إلى الإنسان كان أعرف الناس بقوله ومراده.
فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من حيث وجوب التمتع وعدمه، وأنه واجب على الصحابة لما علمتم، أما غيرهم فالمذهب أن التمتع أفضل مطلقًا، حتى مَن ساق الهدي فالتمتع في حقه أفضل، لكن كيف يعمل وهو لا يَحِلّ له أن يحلق إلا في يوم العيد، ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]؟
قالوا: إذا طاف وسعى لا يحل، ينوي أن العمرة انتهت، لكن لا يحل بالحلْق، فإذا كان يوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج.
وهذا لا شك أنه قولٌ ضعيف جدًّا، ولا تَأْتي، ما رأيت السُّنَّة أتت بمثله.
فالصواب أن مَن ساق الهدي لا يمكنه أن يتمتع؛ لأنه لا يمكن أن يحل، والتمتع لا بد فيه من حل.
شيخ الإسلام يقول: لا نقول: التمتع أفضل مطلقًا، ولا القِرَان أفضل مطلقًا، ولا الإفراد أفضل مطلقًا.
يقول: مَن ساق الهدي فالأفضل له القِرَان؛ لأن التمتع في حقه متعذِّر، صح ولَّا لا؟ ما يمكن أن يتمتع، كيف يتمتع وهو ما حل؟ ! اللي ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد، فمتى يتمتع؟
ولأن هذا - أعني القِرَان مع سَوْق الهدي- فعل النبي صلى الله عليه وسلم (7)، فيكون موافقًا لفعل الرسول عليه الصلاة والسلام، فالقِرَان إذن أفضل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3691
المعنى الثالث: أنه يجمع بين الحج والعمرة، يجمع بين نسكين، مع أنه لو أَفْرَد وهو قد ساق الهدي صح، لكن القِرَان أفضل لهذه الوجوه الثلاثة.
يقول: فإن كان قد اعتمر قبل أشهر الحج ولم يَسُق الهدي، فالأفضل له الإفراد، سواءٌ اعتمر قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، أو اعتمر قبل أشهر الحج ورجع إلى بلده ثم عاد إلى مكة، فإن الأفضل الإفراد، حتى إنه قال: إن هذا بلا خلاف، قال: هذا بلا خلاف أن الأفضل الإفراد؛ لأنه يأتي بالعمرة في سَفْرَةٍ مستقلة، وبالحج في سَفْرَةٍ مستقلة.
المسألة الآن لها صورتان؛ الصورة الأولى: أتى بالعمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، فهذا لا شك أن الإفراد أفضل له، يعني لا يمكن أن يتمتع، التمتع لا بد يأتي بالعمرة من الميقات، وهنا في مكة ليس له عمرة من الميقات، هنا نقول: هذه الصورة واضحة من كلام شيخ الإسلام، وربما يكون قوله فيها صوابًا.
الصورة الثانية: يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يرجع إلى بلده، ثم يعود إلى مكة.
يقول: الأفضل ألَّا يُحْرِم بعمرة، يُحْرِم مفرِدًا، ويقول: إن هذا بلا خلاف، فإن صح الإجماع فليس لنا أن نخالفه، وإن لم يصح الإجماع فإنه يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه في حجة الوداع أن يجعلوها عمرة إلا مَن ساق الهدي (7)، ولم يقل: ومن اعتمر منكم قبل أشهر الحج فليَبْقَ على إحرامه، مع أنه يوجد في الصحابة مَن -فيما يظهر أنه يوجد فيهم- اعتمر قبل أشهر الحج.
فلذلك هذه المسألة مشكلة عليَّ من كلام شيخ الإسلام، وليس المشكل عليَّ أنه ذهب إليها؛ لأنه -رحمه الله- معروف بقوة استدلاله وفهمه وعقله، لكن المشكل عليَّ قوله: إن هذا بلا خلاف ( ... ).
طالب: بالنسبة لمن ساق الهدي يا شيخ ثم مات عليه الهدي في مكة، وأرد أن يُكْمِل الـ ..
الشيخ: أن يتمتع.
الطالب: أن يتمتع، هل يجزئه الهدي يا شيخ؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3692
الشيخ: هذا يُنْظَر، إن تلف بغير فعله وتفريطه سقط سَوْقُه وله أن يحل، وإن كان هو الذي أتلفه وجب عليه بدله، وحينئذٍ لا يحل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو مثل هذا؛ لأن الشهر يشمل التسع والعشرين والثلاثين.
الطالب: لكن ما نوى ( ... ).
الشيخ: ويش ما نوى؟
الطالب: ما نوى هل هو الشهر مثلًا التسع والعشرين أو الثلاثين.
الشيخ: لا، هو شهر، نوى شهرًا، وكون عدده تسعًا وعشرين أو ثلاثين هذا عند الله.
طالب: يا شيخ، حديث الرجل الذي حج عَن شُبْرُمَة، يقول: لبيك حجة عَن شُبْرُمَة (8).
الشيخ: نعم.
الطالب: أجبتم بأن ظاهر وصول الرجل إلى مكة بأنه ليس فقيرًا، والفقير قد قررتم بأنه إذا سافر على نفقته ( ... ) ولم يستفسر النبي صلى الله عليه وسلم منه: هل أنت فقير؟ هل أنت ممن وجبت عليه؟
الشيخ: ما الذي أوصله إلى مكة إلا القدرة.
الطالب: لعله مَن حج عنه.
الشيخ: لا، هو هذه ما هي معروفة في السلف، يعني كونهم يعطون الذي يحج شيئًا ما هو معروف عنهم.
الطالب: إي، ما سأل.
الشيخ: ما هي معروفة أصلًا، يسأل عن شيء غير معروف! ! !
الطالب: يا شيخ، لو هناك نقل لشيخ الإسلام آخر بالنسبة للإفراد.
الشيخ: أيش؟
الطالب: لشيخ الإسلام قول آخر في مسألة الإفراد، وأن الأفضل الإفراد ( ... ) التمتع حتى ولو حج.
الشيخ: حتى ولو اعتمر.
الطالب: إي نعم؛ ( ... ) الفتاوى يقول: مَن سافر سفرة واحدة واعتمر فيها، ثم أراد أن يسافر أخرى للحج فتمتُّعُه أفضل من الحج، فإن كثيرًا من الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قد اعتمروا قبل ذلك، ومع هذا أمرهم بالتمتع ولم يأمرهم بالإفراد.
الشيخ: نعم، والله هذا هو الموافق، لكنه صرَّح بمنسكه بما ذكرتُ لكم، وكذلك في الفتاوى أيضًا، أظنه حتى في الفتاوى قال هكذا.
الطالب: إي نعم، هو في الفتاوى ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3693
الشيخ: لكن هذا هو اللائق به، الواقع القول الثاني هذا هو اللائق به؛ أنه إذا أفرد العمرة بسفر، ثم عاد من بلده إلى مكة في أشهر الحج فإننا نستحب له أن يتمتع؛ لظاهر أمر الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: وجه أخير ( ... ).
الشيخ: والله هذا هو المشكل ( ... ).
طالب: .. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: وَصِفَتُه أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج، ويَفْرغَ منها ثم يحرِمَ بالحجِّ في عامِه، وعلى الأُفُقِيِّ دمٌ، وإن حاضت المرأةُ فخشيتْ فواتَ الحجِّ أَحْرَمَتْ به وصارت قارنةً.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، فيما سبق فهمنا أن الأنساك ستة ..
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: التمتع والقِران والإفراد.
الشيخ: التمتع والقِران والإفراد، تمام، ما هو أفضل هذه الأنساك؟
طالب: التمتع.
الشيخ: التمتع؟
الطالب: لكن قال شيخ الإسلام ..
الشيخ: اصبر اصبر، لا ما بعد وصلنا إلى ذكر الخلاف، ما هو الدليل على أنه أفضل؟
الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بأن يَحِلُّوا.
الشيخ: يَحِلُّوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة (7)، تمام، فيه أيضًا مرجِّح آخر؟
طالب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ».
الشيخ: أن الرسول قال: «لَوِ اسْتَقْبَلتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (7).
طالب: لأنه يا شيخ يعمل أعمالًا كثيرة أكثر من ..
الشيخ: أكثر عملًا من غيره؛ لأن فيه طوَافَيْن وسَعْيَيْن.
طالب: أنه أيسر وأسهل للحاج.
الشيخ: أيسر وأسهل؛ حيث إن الإنسان يتمتع بين العمرة والحج بمحظورات الإحرام.
الجزء: 1 - الصفحة: 3694
طالب: لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196].
الشيخ: نعم، أنه النسك المذكور في القرآن، لكن هذا قد ينازع فيه منازع، يقول: إن الله ذكره من أجل ما يترتب عليه من الحكم.
طالب: حديث عمران يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: حديث عمران (9) في توقيت التمتع قال ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هذا استدلال على الجواز، على كل حال هو أفضل للوجوه الثلاثة؛ أن الرسول أمر به، أنه أسهل على المكلَّف، أنه أكثر عملًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يدخل فيها القِرَان، هذه ثلاثة، هل التمتع أفضل مطلقًا، أم يعارضه غيره في بعض الأحوال؟
طالب: بارك الله فيكم، على خلاف.
الشيخ: كلام المؤلف؟
الطالب: على كلام المؤلف أنه أفضل مطلقًا إلا لِمَن ساق الهدي.
الشيخ: كلام المؤلف؟
الطالب: كلام المؤلف أن التمتع ..
الشيخ: أفضل الأنساك التمتع.
الطالب: نعم، على كلام المؤلف أن أفضل الأنساك التمتع.
الشيخ: في كل حال؟
الطالب: إلا لمن ساق الهدي.
الشيخ: أين في كلامه: (إلا لمن ساق الهدي)؟
الطالب: لا، ما أدري.
الشيخ: ما تدري؟ ! كيف تحكم على ما لا تدري؟ !
طالب: أفضل مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا، حتى مَن ساق الهدي.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما تقولون؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، نحن قلنا هكذا، كيف يمكن أن يتمتع وقد ساق الهدي؟
طالب: يتحلل من العمرة ويجعلها ( ... ).
الشيخ: كيف؟ الله يقول: ﴿لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ [البقرة: 196]! ! فمن ساق الهدي لا يمكن أن يحل إلا يوم العيد، ولو كان يمكن أن يحل لحل الرسول عليه الصلاة والسلام وزال الإشكال.
الطالب: على كلام المؤلف؟
الشيخ: إي على كلام المؤلف.
طالب: إذا كان ذهب الهدي معه من غير تفريط منه ..
الشيخ: لا، لا ما هو هذه.
طالب: يطوف ويسعى للعمرة ويظل على إحرامه إلى يوم العيد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3695
الشيخ: تمام، يطوف ويسعى للعمرة ويظل على إحرامه إلى يوم العيد، والحقيقة أنه على هذا لم يحصل له تمتع، أين التمتع؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما في السؤال، أفضل الأنساك التمتع، ما هو رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة؟ هل أفضل الأنساك التمتع مطلقًا، أو عنده تفصيلٌ في هذا؟
طالب: عنده تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: ( ... ) أن التمتع أفضل لمن لم يَسُق الهدي.
الشيخ: ومَن ساق الهدي؟
الطالب: كان القِران أفضل.
الشيخ: كان القِران أفضل، هذه واحدة.
طالب: أنه إذا فعل العمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة فالإفراد أفضل له.
الشيخ: وكذلك إن أنشأ سَفَرًا للحج ..
الطالب: إن أنشأ سفرًا على رأي شيخ الإسلام أن الإفراد أفضل.
الشيخ: فالإفراد أفضل، لكن ذكر لنا بعض الإخوان البارحة أن كلام شيخ الإسلام اختلف في هذه المسألة.
هل الإفراد متعذِّر في هذا الوقت؟
طالب: لا، غير متعذِّر.
الشيخ: غير متعذِّر، خلافًا لبعض المعاصرين، قال: الإفراد متعذِّر، وعنده أنه إن ساق الهدي فالقِرَان، وإن لم يسق الهدي فالتمتع، ولا إفراد، لكن هذا قولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر كلهم أَمَرُوا بالإفراد.
بل في حديث عائشة الذي أخرجه مسلم، أن الناس أحرموا مع الرسول عليه الصلاة والسلام، منهم مَن أَهَلَّ بحج، ومنهم مَنْ أَهَلَّ بعمرة، ومنهم مَنْ أَهَلَّ بحج وعمرة (1)، لما قَدِمَ مكة أمر مَن لم يَسُق الهدي أن يجعلها عمره، فشمل مَن؟ القارِن والمفرِد اللذين لم يسُوقَا الهدي أن يجعلوها عمرة، وأما مَن ساق الهدي فيبقى على إحرامه.
وظاهر الحديث حتى المفرِد يبقى على إحرامه إذا كان قد ساق الهدي، وهذا القول هو الصحيح وهو الذي عليه عمل الناس.
ثم قال: (وَصِفَتُهُ) صفة التمتع: (أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج ويَفْرُغَ منها، ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه)، انتبهوا للشروط.
الجزء: 1 - الصفحة: 3696
لا يكون الحج تمتعًا إلا إذا جمع هذه الأوصاف؛ أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في شوال لم يكن متمتعًا، لماذا؟ لأنه لم يُحْرِم بها في أشهر الحج.
الشيخ: ومَن أَحْرَم بها في شوال لم يكن متمتعًا.
طلبة: لا ( ... ).
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنه أحرم بها في أشهر الحج.
الشيخ: لأنه أحرم بها في أشهر الحج، ومَن أحرم بها في رمضان، وأتمها في رمضان، وبقي إلى الحج فليس بمتمتع.
إذن ثلاث صور: أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وأتمها في أشهر الحج، أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أحرم بالعمرة وأتمها قبل أشهر الحج.
الشيخ: مَن الذي لا يكون متمتعًا؟
طلبة: الأول والثاني.
الشيخ: الأول والثاني، الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها ..
طلبة: ( ... ).
الشيخ: الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في شوال، هذا غير متمتع، الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في رمضان غير متمتع، الذي أحرم بالعمرة في شوال وأتمها في شوال متمتع، هذه واحدة.
ثانيًا: (ويَفْرُغَ منها)، يفرغ من العمرة بالطواف والسعي والتقصير، وهنا التقصير أفضل من الحلق؛ لسببين:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أَمَرَ به مَن لم يَسُق الهدي أن يُقَصِّر.
والثاني: أنه من أجل أن يبقى للحج ما يُحْلَق أو يُقَصَّر، ولو أنه حَلَقَ والمدة قصيرة لم يتوفر الشعر للحج.
(يَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه)، (ثم) يعني بعد الفراغ منها والإحلال والتمتع بما أحل الله له، (يُحْرِم بالحج في عامه)، فإن أتى بالعمرة في أشهر الحج عام ثلاثة عشر، وحج عام أربعة عشر، ما تقولون؟
طلبة: ليس متمتعًا.
الشيخ: ليس متمتعًا؛ لأنه لا بد أن يُحْرِم بالحج في عامه، هذا هو المتمتع.
الجزء: 1 - الصفحة: 3697
بقينا بالقِرَان؛ القِرَان له صورتان أو ثلاث صور؛ الصورة الأولى: أن يُحْرِم بالحج والعمرة معًا، فيقول: لبيك عمرة وحجًّا، أو لبيك حجًّا وعمرة.
قالوا: والأفضل أن يقدِّم العمرة في التلبية، فيقول: لبيك عمرةً وحجًّا؛ لأنها سابقة على الحج.
الصورة الثانية: أن يُحْرِم بالعمرة وحدها، ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في الطواف، أن يحرم بالعمرة أولًا ثم يُدْخِل الحج عليها قبل الشروع في الطواف.
الصورة الثالثة: أن يُحْرِم بالحج أولًا، ثم يُدخل العمرة عليه، وهذه الصورة مختلف فيها؛ فأجازها كثير من أهل العلم، ومنعها آخرون.
فالصور الآن كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: أن يُحْرِم بهما جميعًا، أن يُحْرِم أولًا بالعمرة ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، أن يُحْرِم بالحج أولًا ثم يُدخل العمرة عليه، هذه ثلاث صور.
الصورة الأولى دليلها أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل، وقال: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ -أَوْ قَالَ: - عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» (10).
هذا الإحرام بهما معًا، دليله: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، أَوْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ».
دليل الثاني: أن يُحْرِم أولًا بالعمرة ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، ما حدث لعائشة رضي الله عنها حين أحرمت بالعمرة وحاضت بِسَرِف، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تُهِلَّ بالحج، وأمره بإهلالها بالحج ليس إبطالًا للعمرة، بدليل قوله: «طَوَافُكِ بِالْبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِعُمْرَتِكِ وَحَجِّكِ» (11).
وهذا يدل على أنها لم تُبْطِل العمرة؛ لأنها لو أبطلت العمرة لقال: طوافك بالبيت وبالصَّفا والمروة يسعك لحجك فقط، إذن هذا الدليل.
وإذا تأملت الدليل قد تعارِض وتقول: الدليل أَخَصُّ من المدلول، ولا يصلح الاستدلال بالأخص على الأعم، والعكس صحيح، كلام معلوم ولَّا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3698
طالب: ( ... ).
الشيخ: نحن قلنا: الصورة الثانية أن يُحْرِم بالعمرة ثم يُدخل الحج عليها، واستدللنا بأيش؟ بحديث عائشة؛ أنها حاضت قبل أن تصل مكة، فأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تُحْرِم بالحج، وجعلها قارِنة.
الدليل الآن إنما وقع في حالٍ تشبه الضرورة؛ لأن عائشة في هذه الحال لا يمكن أن تُكَمِّل العمرة وهي حائض، صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: صحيح.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن تطهر قبل الخروج إلى منى؛ لأنهم وصلوا اليوم الرابع؟
قلنا: بلى، يمكن، لكن الأمور الشرعية مبناها على الظن، على غلبة الظن، وهي عارفة نفسها أنها تأتيها الحيضة مثلًا لمدة ستة أيام، ولا تتمكن من العمرة قبل الخروج إلى الحج.
فإذن حديث عائشة في حال الضرورة، فهل نستدل به على حال السعة، ونقول: الإنسان يجوز إذا أحرم بالعمرة أن يُدْخِلَ الحج عليها ليكون قارِنًا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الفقهاء يقولون: يجوز، لكن في النفس من هذا شيء؛ لأننا نقول: إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام أمر مَن أَحْرَمَ بالحج ولم يَسُق الهدي أن يجعله عمرة، فكيف نجعل العمرة حجًّا؟ وهل هذا إلا خلاف ما أمر به الرسول؟ لأنك إذا جعلت العمرة حجًّا ماذا تصنع؟ ستبقى في إحرامك إلى يوم العيد، أهكذا؟
نحن قلنا: إن الدليل أخص من المدلول، كيف كان أخص؟ المدلول عام، في حال العذر وفي حال عدم العذر، الذي حكمنا به، والدليل خاص في حال الضرورة والعذر.
الصورة الثالثة، ما هي؟ أن يُحْرِم بالحج أولًا ثم يُدْخِل العمرة عليه، وهذا مُخْتَلَف فيه، فالمشهور عند الحنابلة -رحمهم الله- أن هذا لا يجوز؛ لأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر، وهذا فيمن أراد أن يكون قارِنًا، أما مَن حوَّل الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا فهذا واضح أنه جائز، لكن هذا أحرم بالحج ثم أدخل العمرة عليه ليبقى على إحرامه إلى يوم العيد فيكون قارِنًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3699
فعندنا -عند الحنابلة- لا يصح الإحرام بالعمرة ويبقى على حجه، لكن عندهم أنه يُسَنّ أن يفسخ الحج ليجعله عمرة ويكون متمتعًا إذا لم يَسُق الْهَدْي.
والذين قالوا بالجواز قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم أولًا بالحج كما قالت عائشة: وأَهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، ثم جاءه جبريل وقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو عمرة وحجة (12)، فأمره أن يُدْخِل عمرة على الحج، وهذا يدل على إدخال العمرة على الحج.
والقول بأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر مجرد قياس فيه نظر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقال: «إِنَّ الْعُمْرَةَ حَجٌّ أَصْغَرُ» (13)، فلا مانع ولا تناقض، وهذا القول كما ترون دليله قوي؛ أنه يصح إدخال العمرة على الحج.
فإذا قالوا: إنه لا يستفيد بذلك شيئًا؟ قلنا: يستفيد، بدل أن كان أتى بنسك واحد، أتى الآن بنسكين.
الإفراد، يقول الإفراد أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا، وله صورة واحدة فقط، كالتمتع ليس له إلا صورة واحدة، ما هو؟ أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا فيقول: لبيك حجًّا، فقط.
وأيهما أفضل، الإفراد أو القِرَان؟
إن ساق الهدي فلا شك أن القِرَان أفضل، وكذا إن لم يَسُق الهدي، القِران أفضل؛ لأنه يأتي بنُسُكين، بخلاف الإفراد.
وهل يُشْتَرَط في الإفراد أن يُحْرِم بالعمرة بعده؟ لا، ليس بشرط، إذا أتى بالحج وحده فسواءٌ اعتمر بعد ذلك أم لم يعتمر.
وما يوجد في بعض كتب المناسك أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا، ثم يأتي بعمرة بعده، فهو بِناء على مشروعية العمرة بعد الحج، وعلى أناس لا يستطيعون أن يَصِلُوا إلى البيت، فيأتون بالعمرة بعد الحج لأداء أيش؟ لأداء الفريضة، والعمرة بعد الحج غير مشروعة، كما تقدم لنا، أو يأتي إن شاء الله تعالى.
فصار الآن القِران له ثلاث صور، التمتع صورة واحدة، الإفراد صورة واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3700
قال المؤلف: (وَعَلَى الأُفُقِيِّ دَمٌ).
(عَلَى) هنا للوجوب، و (الأُفُقِيّ) نسبة إلى الأُفُق، ويقال: الآفَاقِي نسبة إلى الآفاق، والأرجح لغةً أن يقول: الأُفُقِيّ، نسبة إلى المفرَد؛ لأن هذا هو الأصل في النسبة.
(عَلَى الأُفُقِيِّ دَمٌ)، مَن الأفقي؟
الأفقي: مَن لم يكن حاضر المسجد الحرام، مَن لم يكن مِن حاضري المسجد الحرام؛ هذا الأفقي، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196].
﴿أَهْلُهُ﴾ يعني: سكنه؛ لأن السكن يتأهل فيه الإنسان.
﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وحينئذٍ نقول: مَن حاضرو المسجد الحرام؟ مَن هم؟
قيل: حاضرو المسجد الحرام مَنْ دون المواقيت، وعلى هذا فيختلف الناس في ذلك اختلافًا كبيرًا، فالذين من طريق المدينة قد يكون بينهم وبين مكة سبعة أيام، ثمانية أيام، وكلهم من حاضري المسجد الحرام، والذين في قَرْن المنازل ليس بينهم وبين مكة إلا يومان، وهذا القول فيه نظر، وفيه ضعف.
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة فقط؛ لأن حاضر الشيء المقيم فيه، ومَن كان خارج مكة فليس من حاضري المسجد الحرام.
وعلى هذا فمَن سَكَنُهُ في عرفة مثلًا فليس .. أيش؟ ليس من حاضري المسجد الحرام، ومَن سَكَنُهُ في مزدلفة ليس من حاضري المسجد الحرام؛ لأنه ليس من أهل مكة، أهل مكة فقط البناء.
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام أهل الحرَم، لا أهل مكة، وعلى هذا فكل مَن كان داخل الأميال فهم حاضرو المسجد الحرام.
فأهل منى من حاضري المسجد الحرام، أهل عرفة لا، ليسوا من حاضري المسجد الحرام.
الجزء: 1 - الصفحة: 3701
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرَم، ومَن بينهم وبينه دون مسافة القَصْر؛ لأن مَن دون المسافة يُعْتَبَر من أهل البلد.
ولكن أقرب الأقوال أن نقول: حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة أو أهل الحرَم، يعني: من كان من أهل مكة ولو كان في الحِلّ، أو مَن كان في الحرَم.
طالب: ( ... ) بعضهم يعني.
الشيخ: من كان، أنا أقول: أحسن ما يقال: إنهم أهل مكة أو أهل الحرم، فمن كان من أهل مكة وهو خارج الحرم فهو من حاضري المسجد الحرام، صح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، الآن في التنعيم، التنعيم متصِل بمكة الآن، متصِل بمكة تمامًا، بل فيه الآن بيوت من وراء التنعيم، يعني أصبح التنعيم داخل مكة، مع أنه من الحِلّ، وهنا يمكن أن يُلغِز بها مُلغِز، فيقول: هناك شجرٌ في مكة أنبته الله يجوز أن نَحُشَّه، أو ما يصح؟
الطلبة: نعم، يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه خارج الحرم، وهناك صيد في مكة يجوز أن نصيده، قد يقول قائل: كيف هذا؟ ! الرسول حرَّم شجر مكة (14)؟ لكن نقول: هذه مكة امتدت الآن، خرجت عن الحرم.
إذا كان داخل الأميال لكن خارج مكة يعتبر من حاضري المسجد الحرام؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، إذن هذا القول الذي تطمئن إليه النفس، أنهم أهل مكة أو أهل الحرم، يعني: الأبعد من الطرفين، الأبعد من الحرم أو مكة هم حاضرو المسجد الحرام، ومَن عداهم فليسوا من حاضري المسجد الحرام.
إذن الآفاقي على كلام المؤلف نقول: هو مَن كان خارج مكة وخارج الحرَم، على القول الصحيح.
وقول المؤلف: (دَمٌ)، كلمة (عليه دمٌ)، الدم يُطْلَق على الذبيحة هنا، ولو أن المؤلف قال: هَدْي، لكان أجود، لماذا؟ ليطابق الآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، ولكن هذا الهدي هل له شروط أو لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3702
نعم له شروط؛ لا بد أن يبلغ السن المعتبَر شرعًا، وهو أن يكون ثَنِيًّا، أو جَذَعًا، فالْجَذَع من الضأن، والثَّنِيُّ مما سواه؛ من المعز والبقر والإبل.
دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً - أي: ثَنِيَّةً - إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» (15).
فأجاز الرسول عليه الصلاة والسلام ذَبْحَ الجذعة من الضأن إذا تَعَذَّرَت الْمُسِنَّة، ولو كانت لا تجزي ما استثناها.
ولا بد أن يكون الْهَدْي سليمًا من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: ماذا يُتَّقَى من الضحايا؟ فقال: «أَرْبَعًا -وأشار بأصابعه- الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا، وَالْعَجْفَاءُ - الْهَزِيلَةُ - الَّتِي لَا تُنْقِي» (16).
لكن لو قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: ماذا يُتقى من الضحايا؟ !
فنقول: إن التخصيص هنا تخصيص زماني ومكاني؛ لأنهم سألوه في المدينة، والمدينة ما فيها هَدْي، فلما أمرنا أن نتقي هذه الأشياء عُلِم أن المصاب بهذه الأمراض لا يَصِحُّ أن يكون قُرْبَة، هذا هو الدليل.
فنقول أيضًا: يُتَّقَى من الهدايا هذه الْمَعِيبَات الأربعة، طيب، هل يُشْتَرَط الوقت؟ أن يكون في زمن الذبح؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: يُشْتَرَط، وأنه لا يُذْبَح دم المتعة إلا في الوقت الذي تُذبَح فيه الأضاحي، وهو يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، ومنهم من قال: يجوز تقديم الذبح بعد الإحرام بالعمرة، فيُذبح الهدي ولو قبل الخروج إلى منى للحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 3703
قالوا: لأن الصيام لمن لم يجد الهدي يجوز أن يكون قبل الخروج إلى الحج، مع أنه بدل، فإذا جاز في البدل فالأصل من باب أولى، وهذا هو المشهور عند الشافعية، ويأخذ به كثير من الحجاج اليوم؛ لأنهم يشاهدون الهدايا في منى تُرمى إلا بعد المشروع الجديد، فصاروا يأخذون به.
وتَوسَّع بعض رؤساء الحملات في هذا، فقال: يجوز أن يُذبح الهدي من حين أن يسافر الإنسان من بلده ولو قبل الحج بعشرة أيام أو عشرين يوم، وقال للحملة: اذبحوا كل يوم عشرة شياه اجعلوها هديًا لكم، وهذا جائز، أنتم شرعتم في الحج، نعم، فأفتى نفسه فتيا علَّامة الإسلام، نعم، لماذا؟
ليسلم من تمويلهم باللحم، وهذا هو الواقع، هذا شيء وقع وسُئلنا عنه في عرفة، حَمْلة جاءت من بلد ما فقالوا: إن صاحب الحملة قال: إن هديكم يجوز أن يقدَّم من حين خروجكم من بلدكم، كل يوم اذبحوا عشر هدايا، نعم، وكأنه يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾ [النساء: 100]! !
على كل حال هذا لا يصح، ولا قال به أحد من أهل العلم، ولا يجوز الْفُتْيَا به، والصحيح أنه يشترط الزمان، وأن هَدْي التمتع لا بد أن يكون في أيام الذبح؛ يوم العيد وثلاثة أيام بعده.
والدليل على هذا أنه لو كان يجوز أن يقدَّم ذبح الهدي على يوم العيد لفعله النبي عليه الصلاة والسلام وحل المشكلة؛ لذبح هديه حين قدم في اليوم الرابع وحلَّ، ولكنه قال: «لَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (17) ولا نحر إلا يوم العيد.
إذن انتبهوا، الصحيح أنه لا يُجزئ ذبح هدي التمتع إلا في زمن الذبح.
وهل له من مكان؟ نعم، إذن صار في هذه الناحية أضيق من الأضحية؛ الأضحية تصح في كل مكان، لكن هدي التمتع أضيق، لا يصح إلا في الحرَم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3704
فلو ذبح هديه في عرفة لم يجزئه، حتى لو دخل به إلى منى، وقد فعل ذلك بعض الناس في العام الماضي، عام اثني عشر وأربع مئة وألف، فذبحوا هداياهم في عرفة ودخلوا بها إلى منى، وهذا لا يجزئ؛ لأن مكان ذبح الهدي في الحرَم.
لكن قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» (18).
الشيخ: إذن، صار لا بد في هدي التمتع من شروط أربعة؟
طالب: شروط التمتع؟
الشيخ: نعم، شروط هدي التمتع؟
الطالب: الزمان والمكان ( ... ).
الشيخ: أنت بدأت من الأسفل! لو بدأت من فوق يمكن يسهل عليك.
الطالب: الزمان، والمكان، والسلامة من العيوب، والرابع ..
الشيخ: وبلوغ السن.
الطالب: وبلوغ السن.
الشيخ: فيه شرطٌ خامس؛ أن يكون من بهيمة الأنعام، فلو أهدى بفرس لم تجزئ، فصارت شروط هدي التمتع خمسة: أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن المعتَبَر شرعًا، وأن يكون سليمًا من العيوب، وأن يكون في زمن الذبح، وأن يكون في الحرم، خمسة شروط، هذا قول المؤلف: (وعلى الأُفُقِيّ دم).
طالب: إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حينما أمرها أن تدخل الحج على العمرة، قلت يا شيخ: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما أرشدها كان في حال ضرورة، ولكن هنا الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق، وقال: «يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (19)، وهذا الكلام يعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والإطلاق يعم.
الشيخ: لا، هو يعم حالة مخصوصة، لاحظ هذه المسألة ترى مفيدة في علم الأصول: إن العموم في حالة مخصوصة يكون عمومًا في هذه الحالة المخصوصة، فمثلًا لما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم رجلًا مُظَلَّلًا عليه وعليه زحام، قال: «مَا هَذَا؟ » قالوا: صائم، قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (20).
الجزء: 1 - الصفحة: 3705
فهل نقول هذا العموم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» عامٌّ لكل إنسان، في أي حال؟ لا، يختص بمن حاله مثل هذا، لكنه لا يختص بهذا الرجل، بل هو عامٌّ له ولمن كان في مثل حاله.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أجزأه نعم، نكتة طريفة: كنا نُقَرِّر في أيام التوعية أن الهدي لا بد أن يكون قد بلغ السن المعتبر شرعًا، فقام رجل من السودان فرفع يده، فقلنا: تفضل، قال: إنه يجزئ الصغير ولو لم يكن له إلا شهرٌ واحد.
ويش الدليل؟ قال: لأن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾، فإذا لم يتيسر لك إلا شيء صغير فإنه يمشي، يجزئ.
فماذا نقول؟
طالب: السنة اللي قيَّدت.
الشيخ: نقول: إن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، (أل) للعهد الذهني، أي: الهدي الشرعي، والهدي الشرعي هو الذي بلغ السن.
( ... )
طالب: الهدي لماذا لا نجعله مُرَتَّبًا، من الثني، ثم ننتقل إلى الجذعة ( ... )؟
الشيخ: نعم، الثَّنِيَّة أفضل من الجذعة.
الطالب: يعني مرتَّب ( ... ).
الشيخ: الرسول قال: «إِلَّا أَنْ تَعْسُر» (21)، لو قال: إلا ألَّا تجدوا.
الطالب: إذن الأصل أنه يذبح الثنية، فإذا ما استطاع ..
الشيخ: إذا تَعَسَّر، ما هو بإذا ما استطاع، إذا تعسَّر ذبح جذعة.
طالب: بالنسبة للمحرِم إذا أراد أن يُدْخِل العمرة على حجه، الراجح في هذا ما ( ... )؟
الشيخ: ويش قلنا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا قلنا قول فيه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يكفي هذا يكفي، نعم.
طالب: يا شيخ، ألا يمكن الاستدلال بهذا القول، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بأن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وكان منهم المفرِد، فإذا كانوا مفرِدين ( ... ) يدخلون العمرة على الحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 3706
الشيخ: لا، أشرنا إلى هذا، قلنا: إن هذا ليس إدخال عمرة على حج، هذا فسخ حج إلى عمرة، يعني: لغى الحج، مَرَّ، إدخال العمرة على الحج أنه يبقى متلبِّسًا بالنسكين جميعًا.
طالب: هذا التمتع ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: أقول: بناءً على أن أشهر الحج هي نهاية ذي الحجة هل ..
الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأنه ورد تحديده، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» (22)، وقال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (23).
الطالب: وما الفائدة يا شيخ ( ... )؟
الشيخ: ذكرناها يا شيخ.
الطالب: لا، يعني ما الفائدة بالنسبة لهذه؟
الشيخ: ذكرناها، ما ذكرناها يا جماعة؟ قلنا: تأخير طواف الإفاضة، وتأخير الحلق أو التقصير.
طالب: وفي الأيْمان.
الشيخ: وكذلك في الأيْمان ذكرناها ( ... ).
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله: وإن حاضت المرأةُ فخشيتْ فواتَ الحجِّ وأَحْرَمَتْ به وصارت قارنةً، وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعْمةَ لك والمُلكَ لا شريك لك، يُصَوِّت بها الرجلُ وتُخفيها المرأةُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هي صفة التمتع؟
طالب: أن يُحْرِم ( ... ).
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بالعمرة.
الشيخ: بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، وبعد ما يفرغ ويتحلل يُحْرِم بالحج.
صورتها؟
طالب: صورة التمتع؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يُحْرِم.
الشيخ: لأ، ما هو معناه، صورتها؟ رجل.
الطالب: إي نعم، رجل نوى التمتع.
الشيخ: رجل وصل إلى الميقات.
الطالب: نعم، رجل وصل إلى الميقات فأحرم بنية عمرة، ثم قام بأداء مناسك العمرة.
الشيخ: اترك بأداء مناسك؛ لأن به تفصيلًا، ثم طاف.
الطالب: والسعي والحلق والتقصير.
الشيخ: والحلق والتقصير؟ !
الجزء: 1 - الصفحة: 3707
الطالب: نعم، الحلق أو التقصير، ثم يقوم بأداء مناسك الحج.
الشيخ: لا، لا.
الطالب: ثم يتحلل.
الشيخ: ثم يتحلل، الحِل َّ كله أو بعضه؟
الطالب: الحل كله.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم يقوم بأداء مناسك الحج.
الشيخ: فإذا كان اليوم الثامن؟
الطالب: نعم، خرج إلى منى.
الشيخ: أحرم بالحج، أحسنت، هذه صورتها، من الذي يَلْزَمُه الدم من المتمتعين؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: مَن؟ كل متمتع يلزمه دم؟ ما فيه شرط؟
طالب: يلزم الأفقي دم.
الشيخ: إي، يلزم الأفقي، يعني: الذي جاء عن طريق الأفق؟
الطالب: الذي جاء من خارج المواقيت.
الشيخ: من الأفقي؟
طالب: هو الذي يأتي من وراء المواقيت.
الشيخ: ليس من حاضري.
الطالب: المسجد الحرام.
الشيخ: ما هو الدليل على هذا؟
طالب: على إيه يا شيخ؟
الشيخ: على أنه لا يلزم الهدي إلا مَن ليس من حاضري المسجد الحرام؟
طالب: قوله تعالى.
الشيخ: قوله تعالى.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: الدليل قوله تعالى في سورة البقرة في سياق آيات الحج، كَمِّل وضحتُ لك كثيرًا.
طالب: قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196].
الشيخ: إذن الدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196]، مَن حاضرو المسجد الحرام؟
الطالب: مَن في الحِلّ.
الشيخ: يعني مَن خارج الحرم؟
الطالب: مَن خارج الحرم من أهل مكة.
الشيخ: كيف خارج الحرم وهم من أهل مكة؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يعني: هم أهل الحرم أو أهل مكة؟
الطالب: أهل مكة.
الشيخ: أهل مكة، الذين داخل الأميال لكنهم خارج مكة هل هم حاضرو المسجد الحرام؟
الطالب: إذا اتصلت البنيان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3708
الشيخ: إذا خرجت البنيان عن حد الحرم فهل الساكنون هناك من حاضري المسجد الحرام؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إذن، أعطنا عبارة نعرفها.
طالب: القول الصحيح يا شيخ.
الشيخ: القول الصحيح أنهم ..
الطالب: أنهم من أهل مكة أو مَن في الحرم.
الشيخ: أو مَن في الحرم ولو كانوا خارج مكة، هذا أقرب ما يُقَال فيها، والمسألة فيها خلاف ذكرناه لكم في الشرح.
قال المؤلف: (وعلى الأفقي دم).
وشرحنا الدم، وقلنا: الأولى بالمؤلف أن قال: الهدي، كما قال ربنا عزَّ وجل.
وقلنا: إن هذا الهدي لا بد فيه من أربعة أمور.
طلبة: خمسة.
الشيخ: ستة أمور.
الطلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة أمور؟ إي نعم؛ بلوغ السن، والسلامة من العيوب، والزمان، والمكان، ومن بهيمة الأنعام، خمسة.
قال رحمه الله: (وعلى الأفقي دم).
وظاهر كلام المؤلف أن غير المتمتع لا يلزمه دم؛ لأنه قال في سياق التمتع: (وعلى الأفقي دم)، فهل هذا مراد أو لا؟
ظاهر كلام المؤلف أن الدم على المتمتع وحده، وثمة مفرِد وأيش؟ وقارِن، أما المفرِد فلا دم عليه.
أما القارن فظاهر كلامه رحمه الله أنه ليس عليه دم؛ لأن القارِن ليس بمتمتعٍ بهذا المعنى الذي قاله المؤلف، والمؤلف قال: (التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج).
ثم قال: (وعلى الأفقي دم)، وهذا الظاهر من كلام المؤلف هو ما ذهب إليه داود الظاهري، داود الظاهري من الظاهرية، وقال: إن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، فلا بد من تمتع فاصل بين أيش؟ بين العمرة والحج؛ لأن (إلى) للغاية، والغاية لا بد لها من ابتداءٍ وانتهاء، فلا بد أن يكون هناك تمتع بين العمرة والحج، أما القارِن فليس بين عمرته وحجه تمتع؛ لأنه سيظل محرِمًا إلى يوم العيد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3709
وهذا الذي ذهب إليه الظاهري هو ظاهر القرآن، ظاهر السياق: ﴿مَنْ تَمَتَّعَ﴾ ﴿إِلَى﴾، لو قال: من تمتع بالعمرة مع الحج، لقلنا: إن القارِن يدخل في ذلك؛ لأن القارِن في الحقيقة تمتع بالعمرة في ترك السفر لها سفرًا مستقلًّا، لكن لما قال: ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ علمنا أن هناك انفصالًا بين أيش؟ بين العمرة والحج.
ولهذا سأل ابنُ مَشِيش الإمامَ أحمد رحمه الله قال: أيجب على القارِن الهدي -أو قال: الدم- وجوبًا؟ قال: كيف يجب وجوبًا وقد قاسوه على المتمتع؟ كأنه رحمه الله يشير إلى أن وجوب الدم على القارِن إنما هو بأيش؟ بالقياس، وإذا كان بالقياس فلننظر هل هذا القياس تام، أو ليس بتام؟ لأن القياس التام لا بد أن يشترك فيه الأصل والفرع في العلة الموجِبة، ولّا لا؟
العلة الموجِبة للدم في التمتع الذي يكون فيه انفصال بين العمرة والحج هي أن الله يسَّر لهذا الناسك، يسَّر له أيش؟ تمتعًا تامًّا بين العمرة والحج، والقارِن ليس كذلك لا شك؛ لأنه سيبقى متمتعًا من حين أن يُحْرِم إلى يوم العيد، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس.
ولهذا نقول: إن ظاهر القرآن مع الظاهري؛ أن الدم لا يجب إلا على المتمتع فقط لا على القارِن والمفرِد.
ولكن مع هذا نقول: الأحوط للإنسان والأكمل لنُسُكه أن يُهْدِي؛ لأن من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام الإهداء التطوعي، فكيف بإهداءٍ اختلف العلماء في وجوبه؟ ! وكان أكثر العلماء على الوجوب، يكون هذا لا شك أولى وأبرأ للذمة وأحوط.
كم أهدى الرسول صلى الله عليه وسلم؟
طلبة: مئة.
الشيخ: بارك الله فيكم، لا إله إلا الله، سبع مئة.
الطلبة: مئة.
الشيخ: لا إله إلا الله، كم مئة بعير؟
الطلبة: سبع مئة.
الشيخ: سبع مئة شاة، وأنت الآن تشح على نفسك بشاة واحدة، اذبح الهدي ولو كنت قارِنًا، فإن كان قد وجب فقد أبرأت ذمتك، وإن لم يكن واجبًا فقد تقرَّبت إلى الله تعالى به.
الجزء: 1 - الصفحة: 3710
يُشترط، المؤلف رحمه الله ما ذكر غير هذا الشرط، يُشترط ألَّا يسافر بينهما، أي: بين العمرة والحج، فيمكن أن يُؤْخَذ من قول المؤلف: (ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج)، فإن ظاهره أنه لا سفر، وإن كان ليس بذاك الظاهر القوي.
المهم أنه يُشترط ألَّا يسافر بين العمرة والحج، فإن أتى بالعمرة ثم عاد مثلًا إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج فقد سافر بينهما؛ لأن السفر من مكة إلى المدينة سفر بلا شك.
فهل يسقط الدم؟
ربما نقول: إن ظاهر كلام المؤلف أنه أيش؟ يسقط؛ لأن قوله: (يفرغ منها ثم يحرم)، ولم يقل: ولو سافر، وظاهر أنه يفرغ ثم يحرِم أن المسألة متوالية، أن هذا متوالٍ.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوالٍ تعتبر أصل الأقوال:
القول الأول: أن السفر لا يُسقط الهدي، طال أم قصُر، إلى بلد الحاج، أو إلى بلدٍ أخرى.
فعلى هذا لو أن الرجل أتى بالعمرة في أشهر الحج، وهو عازم على أن يحج هذا العام، ثم رجع إلى بلده، وبقي إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرِمًا بالحج، فإن الهدي أيش؟ لا يسقط عنه.
وزعم قائل هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] يدل على أن هذا الرجل مسافر للحج، ولولا العمرة ما حصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفر مسافة قصر يُسقط الهدي، سواء سافر إلى بلده أو سافر إلى بلدٍ أخرى.
وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناويًا الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرِمًا بالحج، فإن الهدي يسقط عنه؛ لأنه سافر بين العمرة والحج مسافة قصْر.
والقول الثالث: التفصيل؛ أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله فإنه لا يسقط عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3711
ففي المثال الذي ذكرناه: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وحلَّ منها، ثم سافر إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج، هل يسقط عنه الهدي أو لا؟
طالب: لا يسقط.
الشيخ: لا يسقط، لكن لو رجع إلى الرياض بلده .. إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرِمًا بالحج، فإن الْهَدْيَ أيش؟ لا يسقط عنه.
وزعم قائلُ هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] يدل على أن هذا الرجل مسافرٌ للحج، ولولا العمرة ما حصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفرَ مسافةَ قصرٍ يُسْقِطُ الهدي، سواء سافر إلى بلده، أو سافر إلى بلد أخرى، وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناويًا الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرِمًا بالحج، فإن الهدي يسقط عنه؛ لأنه سافر بين العمرة والحج مسافةَ قصرٍ.
والقول الثالث: التفصيل؛ أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله فإنه لا يسقط عنه.
ففي المثال الذي ذكرنا: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وَحَلَّ منها، ثم سافر إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج، هل يسقط عنه الهدي أو لا؟ لا يسقط، لكن لو رجع إلى الرياض بلده، ثم عاد منها محرِمًا بالحج سقط عنه الهدي.
الجزء: 1 - الصفحة: 3712
وهذا القول هو الراجح؛ لأنه أنشأ سفرًا جديدًا، فإن السفر مفارقة الوطن، وهذا أنشأ للحج سفرًا جديدًا غير سفر العمرة، فيكون مُفْرِدًا لا مُتَمَتِّعًا، وهو مَرْوِيٌّ عن عمر وابنه -رضي الله عنهما- أنه إذا رجع إلى بلده، ثم عاد مُحْرِمًا بالحج فإنه مُفْرِد وليس بِمُتَمَتِّع، وإن عاد إلى بلد آخر فإنه مُتَمَتِّع؛ لأنه لم ينشئ سفرًا جديدًا؛ إذ إن سفره إلى البلد الآخر استمرار لسفره الأول، وليس قاطعًا للسفر، وهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة.
ذكر في الشرح مسألة ينبغي أن نتكلم عليها، وهي: إذا أحرم الإنسان بالحج ووصل إلى مكة فإنه يُسَنُّ أن يجعل الحج أيش؟ عمرة ليصير متمتعًا، انتبهوا لهذا القيد، فلو جعل الحج عمرة ليتحلل بالعمرة منه فإن ذلك لا يصح، ماذا قلنا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إن الرجل إذا أحرم بالحج وقلنا: افسخ الحج إلى عمرة لتصير متمتعًا، فأراد أن يفسخ الحج إلى عمرة ليحل بها منه، لا لأجل أن يتمتع، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا حيلة على إسقاط وجوب الحج عنه.
فإن قال قائل: ما الفرق بين مَن فسخ الحج ليصير متمتعًا، ومَن فسخ الحج بالعمرة ليتحلل منه؟
قلنا: الفرق بينهما ظاهر؛ مَن فسخ الحج إلى عمرة ليتحلل بها منه فهو أيش؟ متحيِّل على سقوط وجوب الْمُضِيِّ في الحج، ومَن فسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا فإنه منتقل من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن المتمتع أفضل من القارِن والْمُفْرِد، وهذا هو الذي أمر به النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابه؛ أن يفسخوا الحج ويجعلوه عمرة (1)، لماذا؟ ليصيروا متمتعين، لا ليتحللوا بالعمرة من الحج.
على كل حال نضرب مثلًا في ذلك: رجل سافر إلى مكة في أشهر الحج وأحرم بالحج، وكأنه تطاول المدةَ، باقٍ على الحج عشرة أيام أو عشرون يومًا، فقال: إذن أُحوله إلى عمرة من أجل أطوف وأسعى وأُقَصِّر وأرجع إلى بلدي، ما تقولون في هذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: هذا لا يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3713
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأنه لما شَرَعَ بالحج وجب عليه إتمامه، فإذا حَوَّلَه إلى عمرة ليتخلص منه صار متحيِّلًا على إسقاط واجب عليه، وهذا لا يجوز، واضح ولَّا لا؟
طالب: واضح.
الشيخ: رجل آخر ذهب ليحج، أحرم بالحج في أشهر الحج، ثم قيل له: إن التمتع أفضل، فحوَّل الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا، سيبقى إلى الحج ويحج، هذا ماذا نقول؟
طالب: جائز.
الشيخ: هذا جائز، بل سنة، لماذا؟ لأنه انتقل من مفضولٍ إلى أفضل، ولم يتحيل على إسقاط واجب، بل انتقل من المفضول إلى الأفضل، عرفتم؟
ونظير هذا أن رجلًا جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَاهُنَا»، يعني في مكة، لماذا؟ لأن مكة أفضل من بيت المقدس، فأعاد عليه، قال: «صَلِّ هَاهُنَا»، وكأن الرجل لم يقتنع، أعاد عليه، قال: «فَشَأْنُكَ إِذَنْ» (2)، خَلَّاهُ لنفسه، عرفتم؟ هنا انتقل من معين إلى معينٍ أفضل منه.
نظير هذا أيضًا -وإن كنا طولنا عليكم-: رجل شَرَعَ في صلاة الظهر منفردًا، فحضرت جماعة، فحوَّلها إلى نفل ليدخل مع الجماعة، ما تقولون؟ جائز ولَّا غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، يعني لما كان في الركعة الثانية حضرت الجماعة فحوَّلها إلى نفل ليصلي مع الجماعة، نقول: هذا جائز، وليس فيه شيء.
دخل في صلاة الظهر، ولما صلى في الركعة الثانية تذكر شيئًا لا يفوت، فقال: أحوِّلها إلى نفل من أجل أن أتخلص به منها، أيجوز أو لا يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا أيش؟ تحيّل على إسقاط واجب؛ لأنه إذا شرع في الفرض وجب عليه إتمامه.
فالمهم أن هذه قواعد مهمة لطالب العلم: الذي ينتقل عن شيء إلى آخر تخلُّصًا من الأول لوجوبه عليه، هذا لا يصح؛ لأن الواجبات لا تسقط بالتحيُّل عليها، كما أن المحرَّمات لا تحل أيش؟ بالتحيل عليها.
الجزء: 1 - الصفحة: 3714
وأما من انتقل من واجب لتكميل هذا الواجب، فإن ذلك جائز، ولا بأس به؛ لأنه تحوَّل إلى أفضل.
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (وَإِنْ حَاضَتِ المَرأةُ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ أحْرَمَتْ بِهِ، وَصَارَت قَارِنَةً).
(إن حاضت المرأة)، المرأة هنا عامٌّ أريد به الخاص، فالمراد بالمرأة هنا المرأة المتمتِّعة، يعني أحرمت بأيش؟ بعمرة، أحرمت بعمرة لتحل منها ثم تحج من عامها، لكنها حاضت، وكانت وصلت إلى مكة في اليوم الخامس من ذي الحجة، فحاضت، وعادتها ستة أيام، وهي الآن في اليوم الخامس، متى تطهر؟
طالب: يوم أحد عشر.
الشيخ: يوم أحد عشر، يعني بعد فوات الوقوف، إذن لا يمكنها أن تطوف وتسعى وتنتهي عمرتها، لا يمكنها ذلك، صح ولَّا لا؟ صح، نقول لهذه: يجب وجوبًا أن تُحْرِم بالحج لتكون قارِنةً.
وإنما قلنا: يجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بذلك عائشة حين حاضت بسَرِف قبل أن تدخل مكة (3)، والأصل في الأمر الوجوب، ولأن الحج يجب على الفور، فلو لم تُحْرِم به لفاتها الحج هذا العام؛ إذ لا يمكن أن تطوف وتسعى قبل الوقوف، ولأنها شرعت في العمرة من أجل الحج في الواقع، هي لم تَقْدَم إلا للحج؛ لأن العمرة تصح في كل وقت، ولا يمكن أداء الحج إلا بالتحلُّل من العمرة، والتحلل من العمرة مستحيل في هذا الحال؛ لأنها حائض، والحائض لا تطوف، فلم يَبْقَ عليها إلا أن تُحْرِم بالحج فتكون قارِنة.
ومثل ذلك مَن حصل له عارض بعد أن أحرم بالعمرة، حصل له عارض لا يمكنه معه أن يصل إلى مكة إلا بعد فوات الوقوف؟ فنقول لهذا: أَحْرِم، وهو محرِم بالعمرة متمتِّعًا بها إلى الحج، نقول لهذا أيش؟ أَحْرِم بالحج.
صورة المسألة: سافَر من المدينة إلى مكة وأحرم بالعمرة، يقصد أيش؟ يقصد التمتع بالعمرة إلى الحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 3715
في أثناء الطريق خربت السيارة، وعرف أنها لا يمكن أن تصلح إلا في زمنٍ لا يمكنه به إدراك العمرة قبل فوات الوقوف، ماذا نقول له؟ نقول: أَحْرِم بالحج لتكون قارنًا؛ لأنك لو بقيت على إحرامك بالعمرة ولم تَصِلْ إلَّا يوم التاسع فإن عليك خطرًا أن يفوتك الحج، فالآن أَحْرِم بأيش؟ بالحج؛ لئلا يفوتك الحج.
الصورة واضحة ولَّا غير واضحة؟ واضحة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: بقينا، هل معنى قولنا: يُحْرِم بالحج أنه يفسخ العمرة ثم يُحْرِم بالحج، أو يُدْخِل الحج على العمرة؟ الأول ولَّا الثاني؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، فمعنى قولنا: أَحْرِم بالحج، يعني: أَدْخِل الحج على العمرة، وليس فسخًا للعمرة؛ لأنه لو كان فسخًا للعمرة لكان الحج أيش؟ إفرادًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (4)، واضح؟
إذن قول المؤلف: أحرمت به، أي: أدخلته على العمرة، وليس المعنى أن تفسخ العمرة ثم تُحْرِم بالحج؛ لأن هذا لا يستقيم.
طالب: ( ... ) قبل الطواف؟
الشيخ: إي، قبل الطواف؛ لأنها إذا حاضت بعد الطواف ما فيه إشكال؛ السعي يجوز أن تسعى وهي حائض.
طالب: ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: ما هو بواضح؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: طيب، الآن نوضح، هذه امرأة أحرمت بالعمرة تريد التمتع، فحاضت قبل أن تطوف بالبيت، وتعلم أنها لن تطهر إلا بعد فوات الوقوف، ماذا نقول لها؟ نقول: أَحْرِمِي بالحج، أدخلي الحج على العمرة من أجل أن تكوني قارنة، تمام.
مثال آخر: امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، ثم طافت، وبعد الطواف حاضت، هل نقول: تُحْرِم بالحج؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا يمكن أن تُحْرِم بالحج الآن، إذا شرعت في طواف العمرة ما يمكن أن تُحْرِم بالحج، لكن تسعى وهي حائض؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تسعى وهي حائض؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟
طلبة: لأنه لا يُشْتَرَط له الطهارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3716
الشيخ: نعم، تسعى وهي حائض؛ لأن السعي لا يُشْتَرَط له الطهارة، فيجوز سعي الجُنُب، وسعي المحدِث حَدَثًا أصغر، لكنه على طهارةٍ أفضل لا شك، كل العبادات على الطهارة أفضل، لكن يصح السعي، فنقول لهذه: أكملي العمرة، أكملت العمرة، جاء وقت الحج وهي حائض، هل تُحْرِم وهي حائض؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تُحْرِم وهي حائض، الدليل؟
طلبة: حديث عائشة.
(3)
الشيخ: لا، عائشة؟
طلبة: أسماء.
الشيخ: أسماء بنت عميس، نَفِسَت فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ قال: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» (5)، واضح؟
إذن معنى قول المؤلف: (حَاضَتْ فَخَشِيتْ فَوَاتَ الحَجِّ)، لا يمكن أن تخشى فوات الحج إلا إذا كان حيضها قبل الطواف، أما إذا كان بعد الطواف فإنه لا يضرها شيء.
الشيخ: ما تقولون فيما لو حاضت أثناء الطواف؟ وهذا يقعُ كثيرًا من النساء، سبحان الله، الحيض يأتي لأسباب، قد يتقدم لأسباب، مع ( ... ) والزحام حاضت في أثناء الطواف، فهل تُتِمُّ الطواف وتكمل العمرة، أو تخرج من الطواف وتُحْرِم بالحج؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأنه لا يمكن تكميل الطواف، تكميل الطواف متعذِّر؛ حيث حاضت في أثنائه، أحدثت حدثًا أصغر في أثناء الطواف؟
طالب: على القول بعدم ( ... ).
الشيخ: تكمل، سبحان الله.
الطالب: على القول ( ... ).
الشيخ: فيها قولان؛ من اشترط الطهارة للطواف قال: إن طوافها بطل، ويجب عليها أن تتوضأ وتستأنف الطواف.
ومن قال: إن الطهارة في الطواف ليست بشرط؛ لعدم وجود دليل صحيح صريح لاشتراطها، قال: تكمل الطواف، وليس عليها شيء، وهذا القول هو الصحيح؛ أنه لا يُشْتَرَط له الطهارة؛ الطهارة من الحدث الأصغر.
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (وَإِذا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ قالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لبيك لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك، لَا شَرِيكَ لَكَ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3717
(إذا استوى على راحلته)، استوى عليها يعني: علَا واستقر، ركب ركوبًا تامًّا، قال: (لبيك اللهم لبيك) يعني: يُلَبِّي إذا استوى على راحلته، مع أنه في الأول قال: (إِحْرامٌ عَقِبَ رَكْعتَينِ)، فهل في كلامه تناقض؟
نقول: لا، كلام المؤلف ليس فيه تناقض، فهو ينوي الدخول في النسك بعد أن يصلي، لكن لا يلبي إلا إذا استوى على راحلته.
إذن تناقض فيه ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: أيش الجمع؟ أنه بعد الصلاة ينوي الإحرام؛ ينوي الدخول في النسك، أما التلبية فإذا ركب، إذا استوى على راحلته قال: لبيك، عندنا رواحل اليوم؟
طالب: السيارة.
الشيخ: السيارات هي رواحل؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، رواحل، إذن إذا ركب السيارة يحتاج أن يقول؛ شَغَّل السواق ولَّا وإن لم يُشَغِّل؟
طلبة: وإن لم يُشَغِّل.
الشيخ: وإن لم يُشَغِّل، الدليل على هذا أن ابن عمر رضي الله عنهما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين استوى على راحلته قال: لبيك (6). وهذا أحد أقوالٍ ثلاثة في المسألة.
والقول الثاني، وهو المذهب: يُلَبِّي عقب الصلاة، يعني: إذا نوى الدخول في النُّسُك قال: لبيك.
والقول الثالث في المسألة: إذا علا على البيداء، البيداء: جبل صغير هناك في ذي الْحُلَيْفَة، قال: لبيك، يعني: يُلَبِّي إذا استوى، إذا علا على أول علوٍّ يكون بعد الاستواء على الراحلة والسير.
فالأقوال إذن ثلاثة، وهذا أيضًا وردت به السُّنَّة؛ الأخير، قال جابر رضي الله عنه: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك (7)، قال: حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3718
فحديث ابن عمر في الصحيحين (6)، وحديث جابر في مسلم (8)، وكلاهما صحيح، فهل بينهما تعارض؟ لا، ليس بينهما تعارض؛ لأنه يُحْمَل على أن جابرًا لم يسمع التلبية إلا حين استوت راحلة النبي صلى الله عليه وسلم به على البيداء، ولن ينقل ما لم يسمع، وابن عمر سمعه يلبي، متى؟ حين استوى على راحلته، فنقل كلٌّ منهما ما سمع.
بقينا فيما رواه النسائي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أَهَلَّ دُبُرَ صلاته (9)، وهذا يدل على أنه أَهَلَّ بعد الصلاة؟
فيقال: دُبُرُ الصلاة ما كان بعدها، ولما استوى على راحلته فهو دُبُرُ الصلاة، وحتى إذا عَلَت به راحلته على البيداء فهو دُبُرُ الصلاة، فلا تناقض.
لكن روى أهل السنن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بسند فيه نظر أنه جمع بين الروايات المختلفة -ابن عباس- وقال: إن الناس نقل كل واحد منهم ما سمع، وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لَبَّى بعد الصلاة، فسمعه أناس فقالوا: أَهَلَّ دُبُرَ الصلاة، ولَبَّى حين ركب، فسمعه أناس فقالوا: لَبَّى حين ركب، وسمعه أناس حين استوت به راحلته على البيداء يلبي، فقالوا: لَبَّى حين استوت به راحلته على البيداء (10)، وهذا الحديث لولا ما قيل في سنده لكان وجهه ظاهرًا؛ لأنه يجمع بين الروايات.
ولكن نحن جرَّبْنَا أن الأَوْلَى أن لا يلبي إلَّا إذا ركب، ليش؟ لأنه أحيانًا يتفطن الإنسان لشيء، يكون ناسيًّا شيئًا كطِيب أو شبهه، ويتفطن له إذا أراد أن يركب، فإذا قلنا: أَحْرِم بعد الصلاة، لم يتمكن من استعمال الطيب بعد الإحرام، لكن إذا قلنا: لا تلبِّي الإحرام إلا بعد الركوب، حصل في ذلك فسحة.
وجربنا هذا وقلنا: ليتنا أخذنا بحديث ابن عمر، أن لا نلبي إلا إذا ركبنا؛ لأننا نسينا ما لا يمكن أن نستعمله ..
( ... )
طالب: يا شيخ، الرسول عليه الصلاة والسلام قَرَنَ؟
الشيخ: قَرَنَ إي نعم.
الطالب: وأهدى؟
الشيخ: وأهدى.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3719
الطالب: فكيف الآن نخالف قول الرسول عليه الصلاة والسلام ( ... ).
الشيخ: من المعلوم أنه لا يمكن أن نُلْزِم الناس باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه المسألة، وإلا لألزمناهم أن يُهْدُوا مئة بدنة؛ لأن الرسول أهدى مئة بدنة (11)، وهَدْي الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه تطوُّع، يعني ما زاد على الواحدة، فأين التفريط أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد لواحدة من سبع مئة الواجب والباقي تطوُّع.
ثم القاعدة الأصولية عند العلماء أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، وعلى كل حال نحن ذكرنا أن الأحوط أيش؟ الأخذ بقول الجمهور، سواءٌ قلنا: إنه ثبت بالنص، وأن القِرَان داخل في التمتع المذكور في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، أو قلنا: إنه ثابت بالقياس، كما قاله الإمام أحمد رحمه الله.
طالب: أمره أن يشترك كل سبعة في بدنة (12)، يُخَصِّص هذا؟
الشيخ: ما يُخَصِّص.
الطالب: أم نقول لهم: بل كل واحد مثلًا ( ... ) يقدم بدنة.
الشيخ: إي، لكن بارك الله فيك، ما فيه دليل على أن الرسول أراد الوجوب بأي واحدة من السبع مئة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: على كل حال، إحنا ما نهينا عن الهدي، اللي يهدي جزاه الله خيرًا؛ أخذًا بالأحوط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لا ما يدخل في هذا؛ لأن هذا صفة أو فعل مستقل، الظاهر أنه ما يدخل في هذا.
طالب: المفرِد يُشْرَع له هدي.
الشيخ: إي نعم، المفرِد يُشْرَع له الهدي، والمعتمِر عمرة واحدة يُشْرَع له الهدي، والذي في بلده إذا أرسل الهدي إلى مكة يُشْرَع له ذلك.
طالب: يُمْنع الطيب للمُحْرِم بمجرد الإحرام؟
الشيخ: إي نعم، بمجرد الإحرام.
طالب: بارك الله فيكم، هل هذا القول وهو الصحيح إن شاء الله.
الشيخ: القول بأيش؟
الطالب: القول هذا بأن القارِن ليس عليه الهدي وجوبًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: لا يستطيع الإهداء هل يلزم بالصيام؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3720
الشيخ: إي نعم، على القول بالوجوب يُلزم بالصيام.
الطالب: القول الذي اتبعناه.
الشيخ: على قول الذي لا يقول بالوجوب يستحب له الصيام.
طالب: إذا ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا كان قارِنًا، يعني: الصورة التي قلنا أنه ينتقل من مرحلة إلى أعلى منها، يكون في هذه الحالة ..
الشيخ: ما هي الصورة جزاك الله خيرًا؟ لأني فهمت من كلامك أنك ما فهمتها.
الطالب: نسيتها راحت عن بالي الآن.
الشيخ: هل نبني على شيءٍ منسي؟
الطالب: لا يا شيخ.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: أنه أحرم بالحج مُفْرِدًا، ثم أُعلِم أن التمتع أفضل، فقال: أريد أن أتمتع.
الشيخ: أجْعَلها عمرة؟
الطالب: أجْعَلها عمرة ( ... ).
الشيخ: لا يا أخي، هو أصلًا حاجٌّ هذا.
الطالب: حاجٌّ مُفْرِد.
الشيخ: مُفْرِد، فقال: أريد أن أجعلها عمرة ..
طالب: على القول بعدم اشتراط الطهارة ما الذي ( ... ).
الشيخ: لا، الحائض لا يمكنها أن تمكث في المسجد، الْجُنُب لو توضأ لجاز أن يمكث في المسجد على رأي الجمهور.
الطالب: ويطوف؟
الشيخ: يطوف، إذا جاز أن يمكث في المسجد فالطواف مُكْثٌ.
الطالب: الحائض يا شيخ؟
الشيخ: الحائض ثبت عن الرسول أنها ما يمكن.
الطالب: بالنص؟
الشيخ: بالنص، إي نعم، مع أن الجنب لو قيل بعدم الجواز مطلقًا لكان له وجه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: على هذا الرأي لا فرق، لكن وجوبه على القارِن ليس ببعيد، المفرِد ما يجب عليه، ما فيه إشكال.
الطالب: يُسْتَحَبُّ يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، على المفرِد يستحب أن يسوق الهدي.
الطالب: أصبحوا سواء؟
الشيخ: ما هم سواء؛ لأن المفرِد يسوقه على وجه التطوع بلا خلاف، قصدي المفرِد يهدي على وجه التطوع بلا خلاف، والقارِن على وجه الاحتياط، فرق بين هذا وهذا، إلا على رأي الجمهور أنه يهدي وجوبًا.
الطالب: يا شيخ، ما يدل على أنه الواجب الأرجح أو غير الواجب؟
الشيخ: ما يدل على هذا، أنت ما تعرف أن هناك درجة بين الواجب وغير الواجب؟ !
الطالب: بلى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3721
الشيخ: هذه الدرجة الاحتياط؛ لأن إذا قلنا: الاحتياط، معناه أنه لو تركه فهو على خطر من الإثم، لكن المستحب ما هو على خطر من الإثم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: صحيح، القِرَان يسمى تمتعًا؛ لأنه تمتع بسقوط أحد السَّفَرَيْن.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لكن الآية ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى﴾ [البقرة: 196]، إيش تدل عليه؟ على انفصال العمرة عن الحج ولَّا لا؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كذا ولَّا لا؟ طيب، إذا انفصل الحج عن العمرة حصل بينهما متعة كاملة، وتَحَلُّلٌ مِن مُحَرَّم، لكن مَن تمتع بالعمرة إلى الحج، بمعنى: مع الحج؛ لأن القِرَان ما هو تمتع بالعمرة إلى الحج، تمتعٌ بالعمرة مع الحج، فهو ما يحصل على هذا التمتع الذي يتنعم به ويَتَتَرَّف به.
طالب: لغةً؟
الشيخ: لا، لغةً ممنوع عند كثير من العلماء، لكن دعنا من اللغة، خَلِّي التمتع لغةً يصدُق بجمع الحج والعمرة في سفر واحد، لكن إذا قال الله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ واضح الانفصال.
طالب: ( ... )، وساق الصحابة الهدي ( ... )، ومنهم مَن لم يَسُقْ، مَن لم يَسُقْ أمرهم بالصيام.
الشيخ: أمرهم بالتمتع.
الطالب: ما يُحْمَل على القارِن الذي لم يَسُق الهدي؟
الشيخ: بلى، يُحْمَل على القارِن الذي لم يَسُق الهدي أنه يجعلها عمرة.
الطالب: لكن أمرهم بالصيام.
الشيخ: كيف أمرهم بالصيام؟ ! في القرآن: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، فالأصل وجوب الهدي.
الطالب: ( ... )؛ لأن الرسول أمر مَن قَرَنَ بالصيام؟
الشيخ: أَمَرَ مَنْ لم يَسُق الهدي أن يجعلها عمرة (13)، لكن هل أمر مَن قَرَنَ ولم يَسُقِ الهدي أن يذبح هديًا، فإن لم يجد فليَصُم؟ إذا جاء هذا فهو فيصل.
طالب: أحرم من ذي الْحُلَيْفَة ثم أراد الذهاب إلى مكة جوًّا، فهل له تأخير التلبية إلى أن يصعد الطائرة.
الشيخ: كيف؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3722
الطالب: أحرم من ذي الحليفة وأرد أن يذهب إلى جدة.
الشيخ: لا، ما يمكن، أصله يجب أن ينوي من ذي الحليفة.
الطالب: لكن التلبية في الطائرة يؤخرها.
الشيخ: إي، يعني هو ما بيركب السيارة ولَّا بيروح على رجليه؟
الطالب: بالسيارة.
الشيخ: طيب، إذا ركب السيارة.
الطالب: الدابة هي الطائرة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الدابة اللي ستوصله إلى مكة أو الراحلة هي الطائرة.
الشيخ: إي، لكن هذه دابة بدل دابة، هل مثلًا إذا صار بيروح مثلًا على جمل من ذي الحليفة إلى جدة أو إلى رابغ، وبعدها بيروح على بغل، هل نقول: أَخِّر التلبية إلى أن تركب البغل؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن أول ما تركب من الميقات هو الذي تُحْرِم منه.
طالب: بارك الله فيكم، عرضتم الخلاف في نية الدخول في التلبية أن تكون بعد الصلاة، أو إذا استوى على راحلته، أو إذا استوت به الراحلة على البيداء، كما جاء في الأحاديث، ثم قلتم في الأخير أنه يجب النية في الدخول في النسك بعد الصلاة، ولا يُلَبِّي إلا في السيارة؛ لأنه ربما يكون هذا أحسن له؛ لأنه ينسى شيئًا معينًا كالطِّيب.
الشيخ: لا، وبارك الله فيك، هذا الذي فهمته، لكن إذا قلنا: لا تلبي إلا إذا ركبت، معناه: لا تَنْوِ إلَّا إذا ركبت؛ لأن التلبية هي مِن أول ما يُحْرِم يُلَبِّي، ما فيها التأخير.
طالب: يا شيخ، قول المؤلف: (إذا حاضت المرأة فخَشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ أحْرَمَتْ بِهِ)، وإن لم تَخْشَ لم تُحْرِم؟
الشيخ: تبقى على إحرامها بالعمرة.
الطالب: وإن طال معها الحيض حتى وقت الحج؟
الشيخ: وصلت إلى مكة مثلًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على أنها ستَطْهُر في اليوم السادس، لكن استمر معها الحيض فجاء اليوم السابع، وجاء اليوم الثامن، وهي ما بعدُ طهرت، نقول: أَدْخِلِي الحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 3723
طالب: عائشة حينما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (4)، فتكون اعتمرت مع أنها قالت: كيف الناس يرجعون بحج وعمرة وأرجع أنا بحج؟ (14)
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: الإشكال أن الرسول قال لها: يكفيك عن حجك وعمرتك، وهي في الأخير تقول: كيف يرجعون بحج وعمرة وأنا أرجع بحج؟
الشيخ: فهمتم الإشكال؟ يقول: كيف يقول الرسول لها: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ»، ثم تقول هي: إن الناس يرجعون بحج وعمرة وأرجع بحج؟ نعم، هذا ظاهره التناقض.
فنقول: إنها أرادت أفعال العمرة، يعني: يرجع الناس بعمرة منفرِدة مستقلة وحج منفرِد مستقل، وأنا أرجع بحج؛ لأن القارن عمل الحج في حقه كعمل المفرِد سواءً لا يختلف، فهذا الذي أرادت.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يقولون: إذا صار الوادي جيدًا يدفع كل شيء حتى الحجر الذي أمامه ( ... ).
طالب: ( ... ) إلى أن ساق الهدي.
الشيخ: إي نعم؛ ويش سؤالك؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: على أيش؟
الطالب: على وجوب الهدي.
الشيخ: لا.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) أيش؟ مِنْ أَمْرِ مَنْ لم يَسُق الهدي أن يجعلها عمرة، قال: إلَّا مَنْ ساق الهدي فإنه لا يمكن أن يجعلها عمرة (13)؛ لأنه لو جعلها عمرة حَلَّ قبل أن يبلغ الهدي محلَّه، إي نعم.
طالب: شيخ، بالنسبة للحائض إذا كان عليها طواف الوداع وهي حائض ( ... ).
الشيخ: ماذا أيش؟
الطالب: الحائض إذا كان عليها طواف وداع وطواف إفاضة.
الشيخ: عبارتك هذه غير سليمة، صَحِّح العبارة.
الطالب: إذا كانت المرأة حائضًا.
الشيخ: نعم، كَمِّل.
الطالب: وأراد أصحابها الرحيل من مكة وهي عليها طواف إفاضة.
الشيخ: وطواف وداع.
الطالب: نعم.
الشيخ: العبارة غير صحيحة؛ ويش تقولون؟
طالب: صحيحة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3724
الشيخ: لا، غير صحيحة؛ لأن قوله: وعليها طواف وداع غير صحيح، الحائض ما عليها طواف وداع، لكن قل: إذا خافت فوات الرُّفْقَة ولم تَطُف طواف الإفاضة، عرفت؟
هذه المسألة وقعت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حين قيل له: إن صفية بنت حُيَيٍّ كانت حائضًا، فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ! »، قال ذلك تعجبًا أو إنكارًا، المهم أنه قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ! »، قالوا: إنها قد أفاضت، يعني: طافت طواف الإفاضة، قال: «انْفِرُوا» (15)، يعني: ما هي حابستنا الآن؛ لأن طواف الوداع على الحائض ليس بواجب، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام سيبقى حتى تطهر المرأة.
إنما إذا كانت المرأة مع رُفْقَة لن يبالوا بها ولن ينتظروها، فماذا تصنع؟ يقول بعض العلماء: تذهب معهم إذا لم يمكن أن يتخلف معها مَحْرَمُها، وتبقى على إحرامها أبد الآبدين، حتى تقدر على البيت وتأتي وتطوف طواف الإفاضة، فإن كانت ذات زوج لم يَقْرَبْهَا زوجها، وإن كانت غير مُزَوَّجَة لم تتزوج، إلى متى؟
طالب: إلى أن تصل البيت.
الشيخ: إلى أن تقدر على البيت وتجيء، وهي امرأة مثلًا قدَّرنا أنها من الهند أو من السند، ما تستطيع، نقول: هذا قضاء الله وقدره، لكن قضاء الله وقدره قد يأتي على الإنسان بما لا يستطيع، لكن شَرْعُ الله لا يمكن أن يأتي على الإنسان بما لا يستطيع، الشَّرْع مَبْنِيٌّ على القدرة، والقدَر إلى الله، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3725
الشيخ: فنقول: شَرْعُ الله لا يعارض قدره، وقدر الله لا يعارض شَرْعَه، ومثل هذه المرأة قد جعل الله لها يسرًا، نقول: تدفع الأذى عن المسجد بالتحفظ، تَتَلَجَّم، يعني: تجعل على فرجها حائلًا يمنع من تسرب الدم إلى المسجد، فهنا يزول الأذى المحتمَل بالنسبة للمسجد، بالنسبة لها الوصف القائم ببدنها المانع لها من الطواف يُعْفَى عنه؛ لأنها في هذه الحال مُضْطَرَّة إليه، وعلى هذا فنقول كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة: إنها تَتَلَجَّم وتطوف طواف الإفاضة ولو كانت حائضًا.
فإن قال قائل: هذا في امرأة لا يمكنها الرجوع إلى مكة، لكن في امرأة يمكنها الرجوع، يعني: مثلًا في المملكة لا تحتاج إلى تأشيرة دخول ولا إلى نفقة باهظة؟
نقول: هذه الآن نُخَيِّرُها، إن شاءت بقيت في مكة حتى تطهر وتطوف، وإن شاءت خرجت مع قومها، فإذا طَهُرَت عادت إلى مكة وطافت طواف الإفاضة، ولكن إذا عادت هل يلزمها أن تُحْرِم وتأتي بعمرة؛ لأنها مَرَّتْ بالميقات مُرِيدَةً لنُسُكٍ، أو لا يلزمها؟
طلبة: ما يلزمها.
طالب آخر: لأنها ما زالت مُحْرِمة.
طالب آخر: خلاف.
الشيخ: لا، هي حَلَّت التَّحَلُّل الأول، لاحظوا أنها حَلَّت التَّحَلُّل الأول، هذا ما هي عمرة، هذا حج، حَلَّت التَّحَلُّل الأول، والإحرام بالعمرة بعد التحلُّل الأول جائز، فهنا نقول: تُحْرِم بعمرة، وتطوف وتسعى وتُقَصِّر للعمرة، ثم بعد ذلك تطوف طواف الإفاضة، فإن كان الطواف طواف عمرة فإنها تبقى على إحرامها، يعني ما تحل من العمرة، تبقى على إحرامها أو ترجع مع قومها، فإذا طهرت عادت، إذا مَرَّت بالميقات هل تُحْرِم منه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنها على إحرام، إي نعم.
طالب: ( ... )
الشيخ: أهلَّ دُبُرَ صلاته.
الطالب: أَهَلَّ دُبُرَ صلاته ( ... ).
الشيخ: هذا له دليل، وهذا له دليل، الإنسان في حال الصلاة هل يُحْرِم بالحج وهو يصلي؟
الطالب: بعد الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3726
الشيخ: نقول: دُبُر الصلاة إذا ثبت أنه من حين سَلَّم، حديث ابن عباس (16) لو كان صحيحًا لكان فيصلًا، لو ثبت أنه من يوم انتهى من الصلاة أَهَلَّ يعني قال: لبيك، ما فيه إشكال، والجمع كما عرفتم ممكن، لكن الحديث فيه نظر، في صحته نظر، وأما حديث ابن عمر أنه حين استوى على راحلته فهو صحيح (6)، وحديث جابر حينما استوت به على البيداء أيضًا صحيح (8).
أما حديث معاذ فقلنا: إن معنى قوله: دُبُرَ كل صلاة (17) أي: في آخرها، أولًا: لأن آخر الصلاة محلٌّ للدعاء، وما بعد الصلاة محلٌّ للذكر، ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود حين ذكر التشهد: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (18)، وقال الله تعالى فيما بعد السلام: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّه﴾ [النساء: 103].
طالب: ذكرت يا شيخ أنه لا يُشْتَرَط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف، طيب ماذا يفعل في ركعتي الطواف؟
الشيخ: نعم، صحيح، هذا وارد، يقول: إذا قلنا بعدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف، فماذا يصنع في ركعتي الطواف؟ هل يصليهما على غير طهارة أم ماذا؟
طلبة: يتوضأ.
الشيخ: نقول: يذهب ويتوضأ ويصلي، أو يتركهما؛ لأنهما سنة، أرأيت لو أنه بعد أن طاف أحدث، طاف مُتَطَهِّرًا وبعد الطواف أحدث، فماذا يصنع بالركعتين؟
طالب: يتوضأ.
الشيخ: يتوضأ ويصليهما أو يدعهما.
طالب: ( ... ) دال على أن الإهلال بعد الصلاة؟
الشيخ: على أن الإهلال بعد الصلاة، الواو يقولون: لا تقتضي الترتيب.
الطالب: لكن ظاهرة فيه؟
الشيخ: على كل حال هي ظاهرة فيه، لكن ما هي صريحة، فإذا ثبت أنه لم يهلَّ إلا حين استوى على راحلته أخذنا به.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، رجل حج النفل، ويريد أن يفسد الحج إلى عمرة ليتحلل منه، هل يجوز؟
الشيخ: أنت حضرت الآن ولَّا من قبل؟
الطالب: الآن.
الشيخ: قبل الدرس، في أثناء الدرس ما حضرت؟
الطالب: حضرت.
الجزء: 1 - الصفحة: 3727
الشيخ: ويش قلنا؟
الطالب: قلتم: الحج إذا كان واجبًا لا يجوز التحلل منه.
الشيخ: ما قَيَّدْته بأنه واجب، ما تقولون؟ هل فهمتم فهمه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لعلك حين خرجت ثم رجعت نسيت، أصله: إذا دخل في الحج وجب عليه أن يتمه، فإذا أراد أن يجعله عمرة ليتحلل منه قلنا: هذا حرام، لكن لو أنه تحلل من الحج وجعله عمرة ليتمتع به إلى الحج –انتبهوا-، ثم بعد ذلك بدَا له ألَّا يحج، هل نُلْزِمُه بالحج أو لا؟ ما تقولون؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: عندنا الآن صورتان؛ الصورة الأولى: رجل أَحْرَم بالعمرة من أول الأمر مُتَمَتِّعًا بها إلى الحج، وحَلَّ منها، ثم بَدَا له ألَّا يحج، ما تقولون؟ جائز أو غير جائز؟
طالب: جائز.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: هذا جائز، ولا إشكال فيه؛ لأنه أحرم بالعمرة ناويًا الحج، ولكن بَدَا له ألَّا يحج، لكن رجل أحرم بالحج ثم حَوَّلَه إلى عمرة ليتمتع بها إلى الحج، فهل له أن يدع الحج أو لا؟ لأن بين الصورتين فرقًا، الأخيرة تَحَوَّل من الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا، والأولى لم يحصل له تحوُّل، فهل نقول: ما دمت تحولت من الحج الذي لزمك بشروعك فيه فإنه يلزمك أن تحج هذا العام؟
طالب: إذا كان الفرض ( ... ).
الشيخ: لا، خَلِّي إذا كان فرضًا، إذا كان فرضًا ما يجوز يدعه؛ لأنه واجب على الفور، الآن كلامنا في النفل، يحتمل عندي وجهين؛ الوجه الأول: إلزامه بأن يحج إلا إذا ترك هذا لعذر يعذر فيه، فهذا شيء آخر، لماذا؟ لأنه إنما أَجَزْنَا له أن يتحول من أجل أن يحج، فكيف إذا تَحَوَّل يرجع ويقول: لا أريد الحج، أما مَن كان معتمرًا بنية التمتع ثم بعد حلِّه من العمرة طرأ له ألَّا يحج، فهذا لا شك في جوازه، واضح؟
طالب: إن كان لعذر؟
الشيخ: إن كان لعذر يجوز، لا نُلْزِمُه بشيء؛ لأنه ما شَرَع في النُّسُك.
طالب: بالنسبة يا شيخ للقِرَان ( ... ) على قول أنه ليس بواجب.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ( ... ) واجب في التمتع.
الشيخ: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3728
الطالب: ولكنه يقال يا شيخ: إن التمتع أصلًا لم يكن يعرفه الصحابة، فورد التفصيل فيه حتى يعرفوا الأحكام، أما القِرَان ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم يُبَيِّن حكم الواجب وهو وجوب الذبح؟
الشيخ: ما فيه نص يدل على الوجوب.
الطالب: فِعْل الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الفعل ما يدل على الوجوب.
الطالب: وأنهم ما كانوا يعملونه من قبل، أما القِرَان موجود عندهم، أما التمتع فهو طارئ.
الشيخ: ما ندري! ! الظاهر أنهم في العمرة ما يرون العمرة في أشهر الحج ولا بالقِرَان، هذا هو الظاهر؛ لأنهم قالوا له، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، إلا الحج.
(19)
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ولهذا قالوا: كيف نجعلها عمرة وقد سَمَّيْنا الحج؟ وعلى كل حال المسألة لا بأس أنا بعطيكم شيئًا، ابحثوها.
طالب: يا شيخ أَعْطِنَا الخلاصة.
الشيخ: لا، هذا خلاصة ما عندي، ما ذكرته أولًا هو خلاصة ما عندي.
طالب: الدم في القِرَان واجب؟
الشيخ: هذا هو الذي عليه الجمهور، لكن لما ذكر صاحب الفروع، وأنا بالمناسبة صاحب الفروع في الحج بحث بحثًا ما بحثه في أي باب من أبواب الفقه، استوعب وناقش، يعني في عدة مسائل أورد ييجي ستة إيرادات أو سبعة مناقشة، لكن ما عدا عباراته الصعبة، إلا أننا ننصح بقراءته ليتعود الناس عليه، المهم لما ذكر هذه الرواية عن أحمد وأن أحمد قال: ليس كالتمتع، يجب وجوبًا، إنما قاسوه عليه، قال: فيؤخذ من هذا أنه لا يلزمه الدم، وهو مذهب داود الظاهري.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله صحبه أجمعين.
قال المؤلف -رحمنا الله وإياه-: وَإِذا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ قالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لبيك لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك، لَا شَرِيكَ لَكَ، يُصَوِّتُ بها الرجل، وتُخْفِيهَا المرأة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3729
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف فيما سبق: إن المرأة إذا حاضت قبل طواف العمرة وجب عليها أن تُحْرِم بالحج لتصير قارنة، وإنما يجب؛ لأن الحج يجب على الفور.
وقلنا: مثلُ ذلك؛ مثلها مَن تَعَرَّض لعمل يمنعه من أن يتم العمرة قبل الوقوف بعرفة، وسبق لنا أن الإنسان يُلَبِّي، ومتى يبدأ بالتلبية؟ على ثلاثة أقوال للعلماء:
الأول: دُبُرَ الصلاة.
والثاني: إذا ركب على ناقته.
والثالث: إذا علا على البيداء، أو على أدنى شَرَفٍ حوله إذا كان في غير ذي الْحُلَيْفَة.
وبَيَّنَّا أن الصحيح أنه يبدأ متى؟ إذا استوى على راحلته، إلَّا إذا صح حديث ابن عباس (16) -رضي الله عنهما– فهو فيصل، إذا صح فهو فيصل؛ أنه يبدأ بالتلبية عقب الصلاة.
نبدأ بالتلبية: (لبيك اللهم لبيك)، هذه التلبية عظيمة جدًّا، أطلق عليها جابر بن عبد الله التوحيد، قال رضي الله عنه: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد (8)، والتوحيد هو الذي دعت إليه جميع الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
فلننظر: (لبيك اللهم لبيك)، (لبيك) كلمة إجابة، والدليل على هذا ما ثبت في الصحيح: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ» (20)، فهي كلمة إجابة، وتَحْمِلُ معنى الإقامة، الإقامة من قولهم: أَلَبَّ بالمكان، أي: أقام فيه، فهي إذن متضمِّنة للإجابة والإقامة؛ الإجابة لله، والإقامة على طاعته، ولهذا فَسَّرَهَا بعضهم بقوله: لبيك أنا مجيب لك مقيم على طاعتك، وهذا تفسير بالمعنى لا شك، وهذا هو معناه.
فإذا قال قائل: أين النداء من الله حتى يجيبه الْمُحْرِم؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3730
قلنا: هو قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، أَذِّنْ بهم: أَعْلِم بهم، ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27].
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ يعني: لا إناثًا؟ أيش المعنى؟
طالب: للتغليب.
الشيخ: للتغليب؟ لا، رِجَالًا يعني: على أرجلهم، ليس المعنى ضد الإناث، والدليل أنهاا على أرجلهم ما بعدها: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27].
وهذه قاعدة مفيدة لكم في التفسير: قد يُعْرَف معنى الكلمة بما يقابلها، ومنه قوله تعالى -وهو أخفى من الآية التي معنا-: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71]، معنى (ثُبَاتٍ) متفرقين، مع أن ﴿ثُبَاتٍ﴾ يبعد جدًّا أن يفهمها الإنسان بهذا المعنى، لكن لما ذكر بعدها: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ عُلِم أن المراد بالثُّبات المتفرقون.
إذن نقول: لبيك، أي: أنا مجيب لدعوتك مقيم عليها.
والتثنية هنا هل المقصود بها حقيقة التثنية، أي: أجبتك مرتين، أو المقصود بها مُطْلَق التكثير، الأول أو الثاني؟ الثاني؛ لأن المعنى: إجابةً بعد إجابة، وإقامةً بعد إقامة، فالمراد بها مطلَق التكثير، أي: مطلق العدد، وليس المراد مرتين فقط، ولهذا قال النحويون: إنها مُلْحَقَة بالمثنى وليست مثنًى حقيقة؛ لأنه يراد بها أيش؟ الجمع والعدد الكثير.
ولماذا جاءت بالياء الدالة على أنها منصوبة؟
قالوا: لأنها مصدرٌ لفعل محذوف وجوبًا، لا يُجْمَع بينها وبينه، والتقدير: أَلْبَبْتُ إِلْبَابَيْنِ لَكَ، أَلْبَبْتُ يعني: أقمت بالمكان، إِلْبَابَيْنِ، لكن حصل فيها حذف؛ حذف الهمزة، وصارت: لَبَابَيْنِ، بعدها حذف الهمزة، ثم قيل: نحذف أيضًا الباء الثانية، ونقول: لَبَّيْكَ، فالياء هنا علامة للإعراب، منصوبة بأيش؟ بفعل محذوف وجوبًا، فهي مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3731
(اللهم لبيك)، ما معنى (اللهم)؟ أي: يا الله، لكن حذفت ياء النداء وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلَت الميم أخيرًا، ولم تكن في مكان الياء، فيرد علينا سؤالان؛ السؤال الأول: لماذا عُوِّضَ عن الياء بالميم؟ ولماذا نُقِلَ العِوَض إلى الآخِر ولم يكن في مكان الْمُعَوَّض؟
قال: يقال عن الأول: الميم أَدَلُّ على الجمع، ولهذا هي من علامات الجمع، (إليهم) للجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على ربه عزّ وجل؛ لأنه يقول: يا الله.
وثانيًا: أما كونها حُوِّلَت فتَيَمُّنًا بالبداءة بذكر اسم الله عزَّ وجل: اللهم.
وقوله: (لبيك) هذا من باب التوكيد اللفظي أو اللفظي المعنوي؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، هو لفظي، لم يتغير لفظ الأول، لكن له معنًى جديد، يكرر ويؤكد أنه مجيب لربه مقيم على طاعته: لبيك اللهم لبيك.
(لبيك لا شريك لك لبيك)، تكرار ثالث؛ لأنك تجيب مَن؟ تجيب الله -عزَّ وجل- وكلَّما أجبته ازددت إيمانًا به وشوقًا إليه، فكان التأكيد في مقتضى الحكمة، ولهذا ينبغي لك أن تشعر وأنت تقول: (لبيك) أن تشعر نداء الله -عزَّ وجل- لك، وإجابتك إياه، لا مجرد كلماتٍ تقال.
(لَبَّيْك لا شريك لك): لا شريك لك في التلبية، أو لا شريك لك في كل شيء، أيهما؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأنه أعم، يعني: لا شريك لك في ملكك، ولا شريك لك في ألوهيتك، ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك، ولا شريك لك في كل ما يختص بك، ومنها إجابتي هذه الإجابة، فأنا مُخْلِصٌ لك فيها، ما حججت رياءً، ولا سمعة، ولا للمال، ولا لغير ذلك، إنما حججت لك ولَبَّيْتُ لك فقط.
الجزء: 1 - الصفحة: 3732
وقوله: (لا شريك لك) إعرابها أن (لا) نافية للجنس، و (شريك) اسمها، و (لك) خبرها، والنافية للجنس أعم من النافية مطلق نفي؛ لأن النافية للجنس تنفي أي شيء من هذا، بخلاف ما إذا قلت: لا رجلٌ في البيت –بالرفع- هذه ليست نافية للجنس، هذه مطلق نفي، ولهذا يجوز أن تقول: لا رجلٌ في البيت بل رجلان، لكن لو تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، صاح عليك الناس العالِمون بالنحو، وقالوا: هذا غلط، لا يصح أن تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، تنفي الجنس أولًا، ثم تعود وتثبت؟ لا يمكن.
على كل حال (لا شريك لك)، (لا) نافية للجنس، وهي أعم ما يكون في النفي.
(إن الحمد والنعمة لك)، يقال: (إن) مروية بالكسر ومروية بالفتح؛ (أن الحمد والنعمة لك)، فعلى رواية الهمزة (أن الحمد لك) تكون الجملة تعليلية، أي: لبيك؛ لأن الحمد لك، تكون تعليلية، فتكون التلبية مُقَيَّدَة بهذه العلة، أي: بسببها، لبيك؛ لأنه لا شريك لك، وعلى رواية الكسر تكون الجملة استئنافية للتعليل، وتكون التلبية غير مقيَّدة بالمصدر المستفاد من (أن).
إذا كانت الرواية: (لَبَّيْك أن الحمد لك)، (لَبَّيْك إن الحمد لك)، صار التعليل هنا بنفس اللفظ، في الأول (أن) بنفس اللفظ، يعني: لَبَّيْك لأن الحمد لك، فصارت الآن التلبية مقيَّدة بأيش؟ بهذه العلة: لَبَّيْك؛ لأن الحمد لك.
أما على رواية الكسر: (إن الحمد لك)، فالجملة استئنافية للتعليل، وتكون التلبية غير مقيَّدة بالعلة، تكون تلبية مطلقة: لبيك بكل حال.
ولهذا قالوا: إن رواية الكسر أعم وأشمل، فتكون أولى، أي أن تقول: إن الحمد والنعمة لك، ولا تقل: أن الحمد، ولو قلت ذلك لكان جائزًا.
(إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك)، الحمد أو المدح؟
الحمد والمدح يتفقان في الاشتقاق الأكبر، أي: في الحروف دون الترتيب، ولَّا لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3733
يتفقان في الحروف دون الترتيب، نشوف الحروف: حاء، ميم، دال، موجودة في الكلمتين، فهل الحمد هو المدح أو بينهما فرق؟
الصحيح أن بينهما فرقًا عظيمًا؛ لأن الحمد مبني على المحبة والتعظيم، والمدح لا يُبْنَى على ذلك؛ قد يُبْنَى وقد لا يُبْنَى، قد أمدح رجلًا
لا محبةً له ولا تعظيمًا، لكن محبةً في نَوالِه، فيما يعطيني، أليس كذلك؟ ربما أمدح رجلًا من أجل أن يعطيني شيئًا، لكن قلبي لا يحبه ولا يعظِّمه.
أما الحمد فإنه لا بد أن يكون مبنيًّا على المحبة والتعظيم، ولهذا نقول في تعريف الحمد: وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا، ولا يمكن أحدٌ يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله عزَّ وجل.
إذن الحمد معناه وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا.
وقول بعضهم: الحمد والثناء بالجميل الاختياري، أن يُثْنِيَ على المحمود بالجميل الاختياري الذي يفعله اختيارًا من نفسه، هذا التعريف غير صحيح، يُبْطِلُه الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ قَالَ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» (21)، فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد، وهو كذلك.
الحمد (أل) فيه للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع، على دفع الضرر، على حصول الخير الخاص والعام، كله لله، على الكمال كله لله.
وقوله: (النِّعْمَةَ) يعني: الإنعام، فالنعمة لله، هل الصواب لله أو من الله؟ الحمد لله واضح، يعني: تَعَدِّي الحمد باللام واضح ما فيه إشكال، (النِّعْمَةَ) كيف تتعدى باللام؟ ما نقول: النعمة من الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
طالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3734
الشيخ: اللام بمعنى من؟ لأن اللام (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ)، (لك) خبر للحمد والنعمة، يقال في الجواب: النعمة لك، يعني: التفضل لك، أنت صاحب الفضل، فأنت المستحِقُّ للفضل، أي: الذي يُقَال: إنه أفضل وأنعم، فهي مِن، لكن حقيقةً له، هو صاحب الإفضال.
وقوله: (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ)، ذكرنا أن الحمد غير المدح؛ المدح قد يكون محبةً وتعظيمًا وقد لا يكون، لكن الحمد محبة وتعظيم.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد بحثًا مستفيضًا حول الفروق بين الحمد والمدح، وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس، وبحث بحثًا فيها مُسْهَبًا، وقال في أثناء البحث: وكان شيخُنَا -يعني: ابن تيمية- إذا تكلَّم في هذا أتى بالعجب العُجَاب، مع أن شيخ الإسلام ما هو نحوي! ! نعم، غير نحوي، ما هو من علماء النحاة، من علماء الفقه والعقائد وما أشبه ذلك، لكن مع ذلك فتح الله عليه، كان إذا تكلَّم في هذا أتى بالعجب العُجَاب، ولكنه كما قيل:
تَأَلَّقَ الْبَرْقُ نَجْدِيًّا فَقُلْتُ لَهُ
إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
مشغول بماذا؟ بما هو أهم من البحث في كلمة في اللغة العربية وأسرار اللغة العربية.
قال: (والْمُلْك، لا شريك لك)، هذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له، فإذا تأملت هذه الكلمات، وما تشتمل عليه من المعاني الجليلة وجدتها أنها مشتملة على جميع أنواع التوحيد، وأن الأمر كما قال جابر: أَهَلَّ بالتوحيد (8)، والصحابة أعلم الناس بالتوحيد لا شك، فلنرجع الآن، أنواع التوحيد ثلاثة، هل في هذا شيء من توحيد الربوبية؟
طالب: نعم.
الشيخ: وين؟
الطالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3735
الشيخ: الْمُلْك من توحيد الربوبية، بل الألوهية من توحيد الربوبية، إثبات الألوهية مُتَضَمِّنٌ لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مُسْتَلْزِم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحدًا يوحِّد الله في ألوهيته إلا وقد وحَّده في ربوبيته، لكن من الناس مَن يُوَحِّد الله في ربوبيته، ولا يُوَحِّده في ألوهيته، وحينئذٍ نُلزمه، نقول: إذا وَحَّدْتَ الله في الربوبية لزمك توحيده في الألوهية.
ولهذا عبارة العلماء مُحْكَمَة: (توحيد الربوبية مُسْتَلْزِم لتوحيد الألوهية، توحيد الألوهية مُتَضَمِّن لتوحيد الربوبية).
الأسماء والصفات من قوله: (إن الحمد والنعمة)، الحمد، قلنا: وصف المحمود بالكمال، النعمة من أفعاله عزَّ وجلَّ، من صفات الأفعال، فقد تَضَمَّنَت توحيد الأسماء والصفات.
من أين نعرف أنه بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؟
من قول: (لا شريك لك)، لو مَثَّلْنَا لأَشْرَكْنَا، فبهذا تَبَيَّن أن هذه الكلمات العظيمة متضمِّنة للتوحيد، مشتمِلة على التوحيد كله، ومع الأسف أنك تسمع بعض الناس في الحج أو العمرة يقولها وكأنها أنشودة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لاااا شريك لك لبيك)! كأنهم ينشدون، ما يأتون بالمعنى المناسب.
تقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، لكن هم يقفون على: (إن الحمد والنعمة لك والملك)، ثم يقولون: (لا شريك لك) مع أنها متصلة.
قال المؤلف: (يُصَوِّت بها الرجل).
هذه تلبية الرسول عليه الصلاة والسلام، كما قال جابر (8)، فهل لنا أن نزيد عليها؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3736
نقول: روى أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ» (22)، وهذا «إِلَهَ الْحَقِّ» من إضافة الموصوف إلى أيش؟ إلى صفته، يعني: لبيك أنت الإله الحق، وكان ابن عمر يزيد: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرَّغْبَاءُ إليك والعمل (23)، فلو زاد الإنسان مثل هذه الكلمات فنرجو أن لا يكون به بأس، اقتداء بِمَن؟ بعبد الله بن عمر، لكن الأوْلَى ملازمة ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الناس هل لهم أن يكبِّروا بدل التلبية إذا كان في وقت التكبير كعشر ذي الحجة؟
الجواب: نعم؛ لقول أنس -رضي الله عنه-: حَجَجْنَا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمنا الْمُكَبِّر ومنا الْمُهِلُّ (24).
وهذا يدل على أنهم ليسوا يُلَبُّون تلبية جماعية، لو كانوا يُلَبُّون تلبية جماعية لكانوا كلهم مُهِلِّين، لكن بعضهم يُكَبِّر، وبعضهم يُهِلُّ، وكلٌّ يذكر ربه على حسب حاله.
قال العلماء: وينبغي أن يذكر نسكه فيها؛ في التلبية، لكن أحيانًا إذا كان في عمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، في حج: لبيك اللهم حجًّا، في قِران: لبيك اللهم عمرةً وحجًّا.
قال: (يُصَوِّت بِهَا الرَّجُلُ).
(يُصَوِّت) يعني: يرفع صوته بها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ» (25)، فينبغي للرجل أن يرفع صوته امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، واتباعًا لسنته وسنة أصحابه.
قال جابر: كنا نَصْرَخُ بذلك صُراخًا (26).
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وقد سَبَّحُوا أو كَبَّرُوا في سفرٍ معه، قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ - يعني: هَوِّنوا عليها - فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ».
(27)
الجزء: 1 - الصفحة: 3737
قلنا: لكن التلبية لها شأن خاص؛ لأنها من شعائر الحج، فيُصَوِّت.
لو وقفت على الخط ومَرَّتْ بك قوافل الْحُجَّاج أتسمع دوي التلبية؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الواقع لا، اللهم إلا نادرًا، هؤلاء الذين يُلَبُّون تلبية جماعية، أما غير هذا تأسف أن تمر بك قوافل الحجيج لا تسمع مُلَبِّيًا، مع أن التلبية كما عرفتم امتثال لأمر الرسول واتباع لسنته واقتداء بأصحابه، ولا يسمعك حجر ولا شجر ولا مدر إلا شهد لك يوم القيامة (28)، قال: أشهد أن هذا حج البيت يُلَبِّي، ومع ذلك صَمْت، سكوت، وهذا لا شك أنه خلاف السُّنَّة.
المرأة، قال: (وتخفيها المرأة)، أي: تُسِرُّ بها؛ لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة فيما إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن أيش؟ تُصَفِّق ولَّا تقول: سبحان الله؟ تُصَفِّق؛ لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة -وإن لم يكن عورة- لكن يُخْشَى منه الفتنة.
ولهذا نقول: المرأة تُلَبِّي سرًّا بقدر ما تُسْمِعُ رفيقتها، لا تُعْلِن، وهذا من الأحكام التي تخالف فيها المرأة الرجال، وهي كثيرة؛ لأنها كما خالفته خِلْقَةً وفِطْرَةً خالفته حُكْمًا، والله -عزَّ وجلَّ- حكيم، أحكامه الشرعية مناسِبة لأحكامه القدَرية.
نعم (تخفيها المرأة)، ولو جهرت نقول: لا بأس؟ لا، نمنعها؛ لأنه ما فيه جهر، أنت امرأة فالسُّنَّة لك أن تُسِرِّي بذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3738
(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)
وهي تِسعةٌ: حَلْقُ الشعرِ وتقليمُ الأظافرِ، فمَن حَلَقَ أو قَلَّمَ ثلاثةً فعليه دمٌ، ومَن غَطَّى رأسَه بِمُلاصِقٍ فَدَى، وإن لَبِسَ ذَكَرٌ مَخيطًا فَدَى، وإن طَيَّبَ بَدَنَه أو ثوبَه أو ادَّهَنَ بِمُطَيِّبٍ أو شَمَّ طِيبًا
(محظورات الإحرام) كتركيب (سجود السهو)، فاعرفوا، ماذا أردت بقولك: تركيب (سجود السهو)؟
طالب: لأن سجود السهو بعد أن أدى الصلاة واستدبرت حالها.
الشيخ: لا.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: لا.
طالب: لأن الإضافة إضافة سبب.
الشيخ: صح، أن الإضافة إضافة سبب؛ إضافة الشيء إلى سببه، سجود السهو معناه: السجود الحاصل؟
طلبة: بسبب.
الشيخ: (محظورات الإحرام) المحظورات بسبب الإحرام، والمحظور: الممنوع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] أي: ممنوعًا، فممنوعات الإحرام يقول المؤلف: إنها تسعة قال: (وهي تسعة).
وحينئذٍ يسأل سائل يقول: ما الدليل على أنها تسعة؟ والجواب: التتبع والاستقراء.
فإذا قال قائل: إحصاؤكم لها وحصركم إياها بتسعة بدعة، هل قال الرسول: محظورات الإحرام تسعة؟ أيش نقول؟
نقول: هذا وسيلة لتقريب العلم للأمة ولم شتاته فإنه أسهل؛ ولهذا كان الرسول أحيانًا يقول: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ» (1)، لو قال: يظل الله في ظله إمامًا عادلًا، وفي مكان آخر قال: يظل الله بظله شابًّا نشأ في طاعة الله، وعدَّد السبعة في أمكنة وجمعناها هل يقال: هذا بدعة؟ لا، الرسول أحيانًا يجمع ويحصر، هنا نقول: جمعها وحصرها وسيلة لأيش؟
طلبة: لتقريب العلم.
الشيخ: لتقريب العلم للأذهان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3739
(وهي تسعة)؛ الأول: (حلق الشعر)، ولم يقل المؤلف: إزالة الشعر، مع أنه أعم اتباعًا للفظ القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، وهنا يجب أن نفهم إذا أردنا أن نكتب شيئًا أن المحافظة على لفظ القرآن والسنة أولى؛ لأنها دليل وحكم، فالكاتب المؤلف ينبغي له أن يحافظ على أيش؟
طالب: لفظ الكتاب والسنة.
الشيخ: على لفظ الكتاب والسنة.
(حلق الشعر) لكن هنا المؤلف رحمه الله قال: (حلق الشعر)، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ولا شك أن الدليل أخص من المدلول، ما هو المنهي عنه في الدليل؟
طلبة: حلق الرأس.
الشيخ: حلق الرأس، وما هو الحكم الذي استدل له بالدليل؟ حلق الشعر عمومًا، حتى العانة، حتى الشارب، حتى الساق، وما أشبه ذلك، وقد ذكرنا أنه لا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، ولكنهم يقولون: نحن نقيس حلق بقية الشعر على شعر الرأس، فإذا استدللنا بالآية فهو استدلال على حلق شعر الرأس باللفظ، وعلى بقية الشعر بالقياس، فجاءنا صاحب الراية الخضراء وقال: القياس لا يصح في الشريعة، من هو؟
طلبة: ابن حزم الظاهري.
الشيخ: ابن حزم والظاهرية قالوا: لا نسلم لكم القياس، والله عز وجل يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89] ولم ينهنا إلا عن حلق شعر الرأس، فلماذا نضيق على عباد الله ونقول: كل الشعور لا تحلقوها؟ !
رجل نما شعر شاربه وصار إذا أكل التفَّ مع الأكلِ الشعرُ، وإذا شرب كذلك، فماذا يصنع؟ إذا قلنا بأنه يحرم أخذ شعر الشارب يقول: يأخذه ويفدي؛ لأنه أذى، أو يأخذه ولا يفدي، بناء على قاعدة سنذكرها إن شاء الله، على كل حال الآن الدليل أيش؟
طلبة: أخص.
الجزء: 1 - الصفحة: 3740
الشيخ: أخص من المدلول، ولا ينبغي أن نستدل بالأخص على الأعم، لكن إذا قلنا: إنه يقاس ما خرج عن الدليل على ما ثبت بالدليل نحتاج إلى أمر آخر وهو تساوي الأصل والفرع في العلة، فما هي العلة التي نستطيع أن نلحق شعر بقية الجسد بشعر الرأس؟ قالوا: العلة الترفه؛ لأن حلق شعر الرأس يحصل به النظافة، بدليل أنه كلما زاد وسخ الرأس كثر فيه القمل والرائحة والأذى، فالعلة هي الترقب، فهل هذا مُسلم؟ ننظر هل المُحْرِم ممنوع من الترفه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما أسرع قول: لا، ولَّا: نعم، عندكم المحرم ممنوع من الترفه؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، حقيقةً لا، ليس ممنوعًا من الترفه بالأكل؛ له يأكل من الطيبات ما شاء، ولا ممنوعًا من الترفه باللباس؛ له أن يلبس من الثياب التي تجوز في الإحرام ما شاء، ولا ممنوعًا من الترفه بإزالة الأوساخ؛ له أن يغتسل ويزيل الأوساخ، فمن قال: إن العلة في المعقول في حلق الرأس هي الترفه حتى نقيس عليه ذلك؟ لا شيء، لكن العلة الظاهرة هو أن المحرم إذا حلق رأسه فإنه يسقط به نسكًا مشروعًا، ما هو؟
طلبة: الحلق والتقصير.
الشيخ: الحلق والتقصير عند انتهاء العمرة، وعند رمي جمرة العقبة إذا حلق رأسه في أثناء الإحرام ووصل إلى مكة في خلال ساعات في وقتنا الحاضر ماذا يصنع؟ أين ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27]؟ فالعلة أن في حلق الرأس إسقاط شعيرة من شعائر النسك؛ وهي الحلق أو التقصير، وهذا التعليل لا شك أنه عند التأمل أقرب من التعليل بأن ذلك من أجل؟
طلبة: الترفه.
الشيخ: الترفه، على هذا الرأي لا يحرم إلا حلق الرأس فقط، أما بقية الشعور فليست حرامًا.
قالوا أيضًا: الأصل الحل فيما يأخذه الإنسان من الشعور أو التحريم؟
طالب: الحل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3741
الشيخ: الحل، فلا نمنع إنسانًا من أخذ شيء من شعوره إلا بدليل، ولكن البحث النظري له حال والتطبيق العملي له حال أخرى، لو أن الإنسان تجنب الأخذ من شعوره؛ من شاربه، من لحيته، من إبطه، من عانته احتياطًا ماذا يكون؟ يكون هذا جيدًا، لكن أما أن نلزمه ونؤثمه إذا أخذ مع عدم وجود الدليل الرافع للإباحة فهذا فيه نظر، وأنا ذكرت الآن أربعة شروط: الشارب، واللحية، والإبط، والعانة، أيش اللي خطأ؟
طلبة: اللحية.
الشيخ: اللحية خطأ، هذه سبقت على لساني بغير قصد؛ لأن اللحية لا تؤخذ لا بالإحرام ولا بغير الإحرام.
الثاني: (تقليم الأظفار) يعني؟
طلبة: قصها.
الشيخ: إي نعم، يعني: قصها أو قلمها بالمبراة، وكانوا في الأول يقلمون الظفر يأخذون المبراة -تعرفون المبراة؟ السكينة الصغيرة- يقطعون بها الظفر هكذا كما يُقلَّم القلم، القلم تعرفونه يُقلَّم، الآن لا يُقلَّم؛ لأنه حديد، لكن يقلم المرسمة الرصاص، فيقولون: تقليم الأظفار أيضًا حرام، من أي مكان؛ من اليد أو من الرجل أو منهما؟
طلبة: منهما.
الشيخ: منهما جميعًا، ما هو الدليل؟
طلبة: القياس.
الشيخ: لا دليل إلا بالقياس.
( ... ) ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فسبق أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما سمى التلبية تلبية النبي صلى الله عليه وآله وسلم توحيدًا (2)، فما وجه ذلك؟
طالب: وجه ذلك أن هذه التلبية اشتملت على أنواع التوحيد.
الشيخ: هذه التلبية اشتملت على أنواع التوحيد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أخرج لنا منها توحيد الربوبية؟
الطالب: توحيد الربوبية قوله: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ» .. توحيد الربوبية؟
الشيخ: نعم، امشِ شوية.
الطالب: «لَكَ وَالْمُلْكَ».
الشيخ: «وَالْمُلْكَ».
الطالب: «الْمُلْكَ»، نعم.
الشيخ: هذا من وجه، من وجه آخر؟
طالب: «لَا شَرِيكَ».
الشيخ: لا، «لَا شَرِيكَ لَكَ».
طالب: توحيد الربوبية ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3742
الشيخ: أخذ توحيد الربوبية من هذا، الوجه الأول ما قاله الشيخ سليمان (الْمُلَكَ)، والوجه الثاني؟
طالب: أن توحيد الأولهية متضمن.
الشيخ: تمام، أن توحيد الأولهية متضمن لتوحيد الربوبية، وقد قال الرسول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ».
فيها أيضًا توحيد الأولهية، من أين يؤخذ؟
طالب: توحيد الأولهية «اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ».
الشيخ: من «اللَّهُمَّ»؟
الطالب: لا، «لَا شَرِيكَ لَكَ».
الشيخ: لا، هذا تحقيق التوحيد، لكن اللي فيه توحيد الأولهية؛ لأن «لَا شَرِيكَ لَكَ» في ربوبيتك، في ألوهيتك، في أسمائك وصفاتك.
الطالب: نعم.
الشيخ: لكن توحيد الأولهية نص على الأولهية.
طالب: «اللَّهُمَّ».
الشيخ: «اللَّهُمَّ»؛ لأن معناها: يا الله.
الأسماء والصفات؟
الطالب: «لَا شَرِيكَ».
الشيخ: لا، هذه «لَا شَرِيكَ» -بارك الله فيك- لتحقيق التوحيد في أي نوع من الأنواع.
طالب: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ».
الشيخ: من أين؟ كيف (الحمد والنعمة)؟ كيف ذلك؟
الطالب: لأن الحمد وصف المحمود بصفات الكمال.
الشيخ: مع المحبة والتعظيم.
الطالب: مع المحبة والتعظيم.
الشيخ: وهذا يعني إثبات الأسماء والصفات الكاملة، والتوحيد يؤخذ من قوله: «لَا شَرِيكَ لَكَ».
هل المشروع رفع الصوت بها أم لا؟
طالب: للرجال والنساء.
الشيخ: للرجال والنساء، كيف يجمع بين هذا وبين قول الرسول عليه الصلاة والسلام للصحابة: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» (3)؟
الطالب: نقول: إن هذا خاص بفعله هذا.
الشيخ: خاص بالتلبية؛ لأنه من شعار الحج.
هل تصوت المرأة بها؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: تسر بها.
الشيخ: لماذا؟ النساء شقائك الرجال.
الطالب: لا -يا شيخ- في هذا الحال لا؛ لأنها تخشى الفتنة أن تصوت.
الشيخ: ولا تسر بها إطلاقًا؟
الطالب: لا، تسر بها.
الشيخ: بقدر؟
الطالب: بقدر ما تسمع رفيقتها.
الشيخ: إي نعم، أحسنت.
محظورات الإحرام من باب إضافة الشيء؟
طالب: إلى سببه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3743
الشيخ: إلى سببه.
هل لها نظير؟
الطالب: مثل قول: باب سجود السهو.
الشيخ: مثل قولهم: باب سجود السهو؛ يعني: باب السجود الذي سببه السهو.
ما معنى محظورات الإحرام؟
طالب: أي التي لا يجب ( ... ).
الشيخ: الممنوعات بسببه؛ لأن المحظور هو الممنوع، محظورات الإحرام الممنوعات بسببه، حصرها المؤلف في ثلاثين؟
الطالب: تسعة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: تسعة.
الشيخ: تسعة.
ما الدليل على هذا الحصر؟
الطالب: التتبع والاستقراء.
الشيخ: التتبع والاستقراء.
قال: من الناس من قال: إن حصر مثل هذه الأمور بتسعة بعشرة وما أشبه ذلك بدعة، فما الجواب على هذا؟
طالب: ليس بدعة؛ لأن هذا وسيلة لشيء ممدوح؛ وهو التيسير على الناس.
الشيخ: تيسير العلم على الناس، فهو وسيلة لشيء محمود؛ وهو تيسير العلم على الناس، والوسائل لها أحكام المقاصد.
وهل في السنة ما يفيد الحصر أحيانًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثل؟
الطالب: «لَا يَلْبَسِ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا .. ».
الشيخ: لا، حصر بعدد، يقول الرسول مثلًا: عشرة فيهم كذا وكذا.
طالب: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» (4)، أو «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» (5).
الشيخ: مثل: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ»، أو «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ»، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ»، وما أشبه ذلك.
المحظور الأول حلق الشعر، فما دليله؟
طالب: دليل حلق الشعر هو دليل خاص.
الشيخ: ما هو دليله؟ هات دليله، عندك نص هاته.
الطالب: القياس على حلق ..
الشيخ: حلق الشعر يا أخي دليله.
الطالب: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾.
الشيخ: طيب.
الطالب: ولكن قوله: (حلق الشعر) ..
الشيخ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ هل مثل هذا الاستدلال يعتبر صحيحًا؟
الطالب: قلنا -أحسن الله إليك-: إن هذا الاستدلال لا يصح؛ لأن المدلول ..
الشيخ: إلى الآن ما قلت، أمس ما سمعتك.
الطالب: إي نعم، أن الدليل هنا ..
الشيخ: السؤال الآن هل هذا النوع من الاستدلال صحيح؟
الطالب: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3744
الشيخ: نعم؟
الطالب: على حلق الرأس، أما حلق الشعر فلا يصح.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن هنا الدليل أخص من المدلول، وقلنا: إنه لا يجوز.
الشيخ: والقاعدة أنه لا يستدل بالأخص على الأعم، والعكس صحيح؛ يستدل بالأعم على الأخص؛ لأنه عام، إذنْ ما الذي يثبت هذا الحكم في جميع الشعور؟
طالب: أثبتوه بالقياس على حلق الرأس.
الشيخ: القياس على حلق الرأس، ما علة القياس؟
طالب: علتهم الترفه.
الشيخ: الترفه، أيش معنى الترفه؟
الطالب: التنعم.
الشيخ: التنعم.
وهل في حلق الشعر تنعم؟
الطالب: قد يكون فيها شيء من الترفه، كما يؤدي إلى أذى داخل الرأس.
الشيخ: لأنه ينظف الرأس.
الطالب: يجمل.
الشيخ: ويزيل عنه الوسخ، أما الجمال فيختلف.
المؤلف قال: (حلق الرأس) لماذا قال: (حلق الرأس) والمحرم إزالته بأي نوع من أنواع الإزالة؟
الطالب: من أجل أن يكون اللفظ مطابقًا لما جاء في القرآن والسنة.
الشيخ: من أجل أن يطابق لفظه لفظ القران والسنة.
هل نأخذ من هذا أن العلماء رحمهم الله يتحرون أن تكون كلماتهم موافقة لألفاظ الكتاب والسنة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وما ترى في هذا الطريق هل هو سليم؟
الطالب: نعم، سليم.
الشيخ: ومساوٍ لغيره أو لا؟
طالب: الطريق هذا سليم.
الشيخ: لكن هل تساوي غيرها أو هي أفضل منها؟
الطالب: أفضل منها؛ لأن فيها الدليل والحكم.
الشيخ: أفضل منها؛ لأنها فيها الحكم والدليل؛ ولهذا مر علينا في الزاد -زاد المستقنع- لما قال رحمه الله في باب صلاة الجماعة: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (6)، هذه عبارة المؤلف، قال الشارح: رواه مسلم من حديث أبو هريرة، جاء بالدليل والحكم، تكلمنا على موضوع تعدي الحكم إلى بقية الشعور، وقلنا: إن من العلماء من خالف في ذلك، فمن المخالف؟
طالب: ابن حزم الظاهري.
الشيخ: داود الظاهري، المعروف عن داود الظاهري، ابن حزم ما راجعنا كلامه، لكن المعروف أنه مع داود الظاهري، كيف؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3745
طالب: قال: إن الوارد في القرآن هو حلق شعر الرأس.
الشيخ: نعم.
الطالب: فيكتبها بما ورد في القرآن.
الشيخ: لأن الأصل؟
الطالب: لأن الأصل الحل.
الشيخ: الحل، فإذا قام الدليل على تخصيص شيء محرم فإننا لا نتعداه إلى غيره، وما جواب الآخرين على هذا؟
الطالب: الجواب القياس.
الشيخ: القياس؛ قياس بقية الشعر.
الطالب: قياس بقية الشعر على شعر الرأس.
الشيخ: على شعر الرأس بجامع الترفه، هل يمكن أن ينقض هذا القياس؟
الطالب: يمكن أن ينقض يا شيخ.
الشيخ: بأيش؟
الطالب: ينقض بأن العبادات توقيفية ولا تثبت إلا بدليل.
الشيخ: لا، هذا مو تعبد، هذا تخلٍّ عن شيء.
الطالب: التخلي عن شيء يكون تعبدًا.
الشيخ: غير هذا؟
طالب: أقول: إن الحاج يكون بعض الأحيان عنده وقت من الراحة ومن الأكل ومن الشرب وغيره.
الشيخ: لا، هذا نقض العلة، لكن أنا أريد نقض القياس؛ يعني: نقض العلة أن نقول: إن العلة هي الترفه، وقد تنقض؛ لأن ما كل ترفه يكون ممنوعًا، الرسول عليه الصلاة والسلام اغتسل وهو محرم (7).
طالب: نقول: إن الأصل والفرع لازم أن تكون العلة جامعة بينهم، وهنا العلة ليست بجامعه؛ لأن حلق الرأس قد يكون من باب الترفع، وأما حلق العانة وما شابه ذلك فلا يكون من باب الترفع.
الشيخ: لا.
طالب: لأنه إسقاط شعيرة.
الشيخ: نعم؛ لأن حلق الرأس يفضي إلى إسقاط الشعيرة؛ وهي الحلق أو التقصير، ولكني قلت لكم في الأمس: الاحتياط اتباع أيش؟
طلبة: قول الجمهور.
الشيخ: اتباع الجمهور، وهذه قاعدة يجب أن طالب العلم يتمشى عليها أنك إذا وجدت حكمًا يخالف حكم الجمهور أو قولًا يخالف قول الجمهور فلا تتعجل بالأخذ به، لا تتعجل، انتظر؛ لأن كل جمهور علماء الأمة على خلاف هذا القول لا بد أن يكون هناك شيء وراء من يتصوروا فلا تتعجل، وكذلك ما يخالف الأحاديث الصحيحة التي كالجبال في السنة إذا جاء حديث يعتبر شاذًّا بالنسبة لها فلا تتعجل بالأخذ به.
الجزء: 1 - الصفحة: 3746
المؤلف رحمه الله يقول الثاني: (تقليم الأظفار) لم يرد فيه نص لا قرآني ولا نبوي، لكنهم قاسوه على حلق الشعر، وإذا كان داود ينازع في حلق بقية الشعر التي في الجسم في إلحاقها بالرأس فهنا؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى؛ ولهذا ذكروا في الفروع أنه يتوجه احتمال ألَّا يكون من المحظورات، بناء على أيش؟ بناء على القول بأن بقية الشعر ليس من المحظورات، لكن نقل بعض العلماء الإجماع على أنه من المحظورات.
وقول المؤلف: (تقليم الأظفار) يريد بذلك إزالتها بأي شيء كان؛ بالتقليم، أو بالقص، أو بغير ذلك، أو بالخلع، المهم أن إزالة الأظفار من محظورات الإحرام، وقول المؤلف: (الأظفار) يشمل أظافر اليد وأظافر الرجل، وهو كذلك، والعلة نحن قلنا: ليس فيه دليل قرآني ولا نبوي، ولكن فيه القياس بجامع الترفه في كلٍّ من تقليم الأظفار وحلق الشعر.
قال المؤلف رحمه الله: (فمن حلق أو قَلَّم ثلاثة فعليه دم)، (من حلق) (من) اسم شرط جازم، و (حلق) فعل الشرط، و (قلَّم) معطوف على فعل الشرط، و (فعليه دم) الجملة جواب الشرط؛ أي: فأي مُحْرِمٍ حلق ثلاث شعرات فعليه دم، أو قلَّم ثلاثة أظفار فعليه دم؛ عليه فدية؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، وإذا كان أقل الجمع ثلاثة فإنه إذا حلق ثلاثًا صدق عليه أنه أزال الشعر، وقول المؤلف: (أو قلَّم ثلاثة) نفس الشيء.
وعلم من قوله: (ثلاثة فعليه دم) أنه لو قلَّم دون ذلك أو حلق دون ذلك فليس عليه دم، لكن ماذا يجب عليه؟ قالوا: يجب عليه لكل شعرة إطعام مسكين، ولكل ظفر إطعام مسكين، وهذا التفصيل يحتاج إلى دليل، فأين في السنة ما يدل على أن الشعرة الواحدة فيها إطعام مسكين أو الظفر الواحد فيه إطعام مسكين؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3747
ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله في القدر الذي تجب فيه الفدية وفي مقدار ما يكون دون ذلك، فقال بعضهم: إذا حلق أربع شعرات فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق خمس شعرات فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق ربع الرأس فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق ما به إماطة الأذى فعليه دم، فالأقوال كم؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: ثلاثة، وأربعة، وخمسة، وربع الرأس.
طالب: وما يماط به الأذى.
الشيخ: وما يماط به الأذى، أقرب الأقوال إلى ظاهر القرآن القول الأخير، وهو مذهب مالك؛ أنه ليس عليه دم إلا إذا حلق ما يماط به الأذى؛ أي حلقًا يكاد يكون كاملًا؛ لأنه هو الذي يماط به الأذى، وهو الذي قال الله تعالى في القرآن في شأنه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: 196]، وهو لا يحلق إذا كان به أذًى من رأسه إلا ما يماط به الأذى فعليه فدية، وهذا القول أصلح الأقوال، ويدل له أنه الموافق لظاهر القرآن، هذا دليل.
الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو محرم في رأسه (8)، والحجامة في الرأس من ضرورتها أن يحلق الشعر لمكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه افتدى، لماذا؟ لأن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يماط به الأذى قليل بالنسبة لبقية الشعر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3748
وعلى هذا فنقول: من حلق ثلاث شعرات فليس عليه دم، أو أربعًا، أو خمسًا، أو عشرًا، أو عشرين، ولا يسمى هذا حلقًا، لكن هل يحل له ذلك أو لا؟ هذه النقطة، هل يحل أن يحلق شعرة أو شعرتين أو يزيلها بأي مزيل؟ الجواب: لا يحل، انتبهوا؛ لأن لدينا قاعدة: امتثال الأمر لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال النهي لا يتم إلا بترك جميعه، فإذا نهيت عن شيء فأنت منهي عنه جملة وأجزاء، وإذا أمرت بشيء فأنت مأمور به جملة وأجزاء، انتبه، امتثال المأمور لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال المحظور لا يتم إلا باجتناب جميعه، وعلى هذا فنقول: إذا حرم حلق جميع الرأس أو ما يماط به الأذى حرم حلق جزء منه، لكن الكلام في الفدية غير الكلام في التحريم.
فإن قال قائل: وهل يمكن أن يكون شيء من محظورات الإحرام محرمًا وليس فيه فدية؟
قلنا: نعم، يمكن، عقد النكاح الخطبة حرام على المحرم، لكن ليس فيهما فدية، القمل على رأي بعض الفقهاء؛ كون الإنسان يزيل القمل عن نفسه وهو محرم يكون حرامًا، وفيه فدية؟ لا، ما فيه فدية.
ولا أدري هل تعرفون القمل أو لا؟ الحمد لله، نحن في الأزمنة الأخيرة لا نعرفه؛ لأن النظافة الكثيرة والثياب دائمًا تكون نظيفة، لكن في الأول تكون القمل في الأبدان، وتتعب الناس أحيانًا؛ تجدها تمشي من فوق الثياب، وهي دويبة صغيرة؛ يعني: منتفخة أقل من الذرة، لكن شأنها قوي؛ تحجم الإنسان حجمًا؛ لأنها تقرصه، ثم تمتص الدم، وتؤذي الإنسان؛ ولهذا جيء بكعب بن عجرة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام والقمل يتناثر من رأسه على وجهه، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام له: «لَعَلَّكَ أَذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ » قال: نعم، يا رسول الله (9)، فسماها هوامًّا.
إذنْ نقول في هذه المسألة، أعني مسألة أيش؟
طلبة: حلق جميع الرأس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3749
الشيخ: حلق جميع الرأس محرم وفيه الفدية، وحلق بعضه محرم وليس فيه فدية، وأوردنا هل يمكن أن يكون شيء من المحظورات محرمًا وليس فيه فدية؟ وقلنا: نعم، خِطبة، عقد النكاح، إزالة القمل وصئبانه على رأي من يرى أنه حرام، والصحيح أنه ليس بحرام، الصحيح أن إزالة القمل ليس بحرام، بل أن المُحْرِم يستبيح من أجله أيش؟
طالب: المُحَرَّمَ.
الشيخ: المُحَرَّمَ، يحلق شعره لأجل ينفك عنه هذا القمل.
إذن القول الراجح أن الذي فيه الدم ما يماط به الأذى؛ أي: ما يكون ظاهرًا على كل الرأس بحيث يسلم الرأس من الأذى.
ثم اعلم أن العلماء في محظورات الإحرام إذا قالوا: دم فلا يعنون أن الدم متعين، بل هو أحد أمور ثلاثة: الدم، إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، صيام ثلاثة أيام، كلما رأيت شيئًا فيه دم إلا الجماع في الحج قبل التحلل الأول فإن فيه بدنة، وإلا جزاء الصيد فإن فيه مثله، كما سيأتي -إن شاء الله- في الفدية.
لكن هذه اجعلوها على بالكم؛ لأن كثيرًا من الإخوة المفتين كلما أتاهم إنسان قالوا: عليك دم، فيذهب العامي وهو لا يدري لم يبين له يتكلف بشراء الدم، وربما يستدين لذلك، لكن لو قيل له: أنت بالخيار؛ دم، إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، الثالث صيام ثلاثة أيام يمكن يهون عليه، أما كل واحد يجينا نقول: يلا عليك دم، هذا خطأ، الواجب أن يبين للناس الحكم الشرعي.
وبأي شيء عرفنا أنه يخير بين هذه الثلاثة؟ من حلق الرأس؛ لأن الله قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، فالمحظورات إذنْ ما لا فدية فيه، وما فديته بدنه، وما فديته مثله، وما فديته التخيير بين هذه الأمور الثلاثة، وهذا هو أكثر المحظورات؛ أنه يخير فيه بين هذه الأمور الثلاثة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3750
يقول المؤلف: (فمن حلق أو قَلَّم ثلاثة فعليه دم) هل نقول بناء على ذلك: يحرم على المحرم أن يحك رأسه؟ لا يحرم أن يحك، إلا من حكه ليتساقط الشعر فهوا حرام، لكن من حكه بدافع الحكة، ثم سقط شيء بغير قصد فإنه لا يضر، وقيل لعائشة: إن قومًا يقولون بعدم حك الرأس، قالت: لو لم أستطع أن أحكه بيدي لحككته برجلي (10)، رضي الله عنها من المبالغة في الحل.
ورأيت كثيرًا من الحجاج إذا أراد أن يحك رأسه تقول هكذا ينقر رأسه خوفًا من أن يتساقط شعره، كل هذا من التنطع، فالمهم ألَّا تحكه لتساقط الشعر، إذا حككته لغرض وسقط شيء بغير قصد فلا شيء عليه.
قال المؤلف: (ومن غطى رأسه بملاصق فدى) الواقع المؤلف رحمه الله ما جاء بها على العدد؛ الأول، الثاني، الثالث، لكن تفهم من كلامه، (من غطى رأسه) (من) اسم شرط جازم، (وغطى) فعل الشرط، و (فدى) جواب الشرط.
والمراد بـ (من) هنا -وإن كانت شرطية عامة- المراد بها الخصوص وهوا المحرم، (من غطى رأسه بملاصق فدي) مثل: الطاقية، الغترة، العمامة وما أشبه ذلك.
دليل هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الذي وقصته راحلته في عرفة: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» (11) أي: لا تغطوه، وهذا عام في كل غطاء، أما العمامة فجاء فيها نص خاص حين سئل ما يلبس المحرم؟ قال: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْخِفَافَ» (12)، فنص على العمامة، وليس هذا هو الدليل؛ لأن هذا ذكر بعض أفراد العام قوله: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» هذا الدليل العام.
الجزء: 1 - الصفحة: 3751
وقوله: (بملاصق) خرج به ما ليس بملاصق؛ وذلك لأن ما ليس بملاصق لا يعد تغطية؛ مثل الشمسية يمسكها الإنسان وهو محرم ليستظل بها عن الشمس أو يتقي بها المطر فإن هذا لا بأس به، لماذا؟ لأنه غير ملاصق، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الصحيح؛ أن غير الملاصق جائز وليس فيه فدية، أما المذهب عند الحنابلة فيقولون: إذا غطى رأسه بملاصق أو استظل بشمسية أو استظل بمحمل حرم عليه ذلك ولزمته الفدية، يلزمونه بأمرين؛ التحريم والفدية، وعلى هذا القول لا يجوز للمحرم أن يستظل بالشمسية إلا للضرورة، وإذا فعل فدى، ولا يجوز للمحرم أن يركب السيارة المغطاة؛ لأنه استظل بها، فإن اضطر إلى ذلك فدى، وعلى هذا إذا كانت سيارتنا مغطاة مثل الجومس لا نركب في الأسفل نركب فوق والعفش تحت.
طالب: لماذا؟
الشيخ: لماذا؟ لأنه يحرم علينا أن نستظل بشيء تابع لنا، لكن هذا القول مهجور من زمان بعيد، لا يمشي عليه اليوم إلا الرافضة، هم الذين يمشون عليه، وأظنهم أيضًا إنما مشوا عليه أخيرًا، وإلا من قبل ما كنا نعرف هذا الشيء منهم.
على كل حال هذا هو المذهب، فصار المؤلف رحمه الله مشى في هذه المسألة على الصحيح الذي هو خلاف المذهب.
وليعلم أن ستر الرأس أقسام؛ جائز بالنص والإجماع، وممنوع بالنص، وأظنه إجماعًا، ومختلف فيه، فالأول الجائز بالنص والإجماع؛ مثل أن يضع الإنسان على رأسه لبدًا؛ يعني: يلبدها بشيء كالحنة مثلًا، لو لبَّد المحرم على رأسه شيئًا مثل الحنة عسل صمغ عشان يهبط الشعر فإن هذا جائز، وقد ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يهل ملبدًا (13)، أيش معنى (ملبدًا)؟ أي ملبدًا رأسه؛ أي واضعًا عليه شيئًا يلبده، هذا لا بأس به بالنص، وأظنه محل إجماع.
الجزء: 1 - الصفحة: 3752
ثانيًا: أن يغطيه بما لا يقصد به التغطية والستر؛ كحمل العفش ونحوه فهذا لا بأس به، فيجوز للإنسان أن يحمل عفشه على رأسه وهو محرم ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن هذا لا يقصد به الستر غالبًا ولا يستر بمثله غالبًا.
الثالث: أن يستره بما يلبس عادة على الرأس؛ مثل: الطاقية، الشماغ، العمامة، فهذا أيضًا حرام بالنص، وأظنه إجماعًا.
الرابع: أن يغطى بما لا يعدُّ لبسًا لكنه ملاصق ويقصد به التغطية فهذا أيضًا حرام، ودليله؟
طلبة: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ».
الشيخ: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ .. » الحديث الذي وقصته راحلته، والغريب أن ابن حزم رحمه الله خالف بهذا في مثل تغطية الوجه، ستأتينا تغطية الوجه حرام ولَّا لا.
الخامس: أن يظلل رأسه ما هو تغطية بتابع له؛ كالشمسية والسيارة ومحمل البعير وما أشبهه، فهذا محل خلاف بين العلماء؛ منهم من أجازه وهو الصحيح، ومنهم من منعه.
السادس: أن يستظل بمنفصل عنه غير تابع له؛ كالاستظلال بالخيمة وثوب يضعه على شجرة أو أغصان شجرة أو ما أشبه ذلك، فهذا جائز ولا بأس به، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربت له قبة بنمرة، فبقي فيها عليه الصلاة والسلام حتى زالت الشمس في عرفة (14).
فإذا قال قائل: التظليل بالشمسية ونحوها أليس سترًا؟
فالجواب: لا، ليس بستر؛ لأن الذي يمشي إلى جنبك يرى كل رأسك ما غطى الرأس، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقود به أسامة، وكان الفضل رديفه رديف النبي عليه الصلاة والسلام في دفعه من مزدلفة إلى منى، وكان بلال وأسامة أحدهما يقود به البعير، والثاني واضع ثوبه على رأسه حتى رمى جمرة العقبة (15)؛ يعني: يظلله به، وهذا كالشمسية تمامًا، فالصواب في هذه المسألة أنه يجوز، وليس هذا بستر، فلا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ»، هذا المحظور هل هو عام للرجال والنساء أو خاص بالرجال؟
طلبة: خاص بالرجال.
الشيخ: هذا خاص بالرجال.
الجزء: 1 - الصفحة: 3753
أما الأول -حلق الرأس وتقليم الأظفار- فهو عام للرجال والنساء، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن تغطية الوجه ليست حرامًا ولا محظورًا؛ لأنه قال: (تغطية الرأس)، فمن غطى رأسه والوجه لم يتعرض له، وإذا لم يتعرض له فالأصل الحل، وعلى هذا فتغطية المحرم وجهه لا بأس بها، وهذه محل خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنه لا يجوز للمحرم -يعني: الرجل- أن يغطي وجهه.
ومنهم من أجازه، بناء على صحة اللفظة الواردة في حديث ابن عباس في قصة الرجل الذي وقصته ناقته، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» (16) فقط، وروى مسلم أنه قال: «وَلَا وَجْهَهُ» (17)، فاختلف العلماء في صحة هذه اللفظة؛ فمن كانت عنده صحيحة قال: إنه لا يجوز أن يغطي المحرم وجهه، ومن ليست صحيحة قال: إنه يجوز، وابن حزم رحمه الله قال: إنه يجوز في حال الحياة ولا يجوز في حال الموت، أو بالعكس.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن لبس ذكرٌ مخيطًا فدى، وإن طيب بدنه أو ثوبه أو ادهن بمطيب أو شم طيبًا أو تبخر بعود ونحوه فدى.
وإن قتل صيدًا مأكولًا بريًّا أصلًا ولو تولد منه ومن غيره أو تلف في يده فعليه جزاؤه، ولا يحرم حيوان إنسي ولا صيد البحر ولا قتل محرم الأكل ولا الصائل.
ويحرم عقد نكاح، ولا يصح، ولا فدية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الجزء: 1 - الصفحة: 3754
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن لبس ذكرٌ مخيطًا فدى) هذا من المحظورات، ويعبر عنه بلبس المخيط، وما معنى المخيط؟ المخيط عند الفقهاء: كل ما خيط على عضو أو على البدن كله؛ يعني: ما يخاط على العضو على قياسه أو على البدن كله، هذا المخيط؛ مثل: القميص، والسراويل، والجبة، والصدرية، وما أشبهها، وليس المراد بالمخيط ما فيه خياطة، بل إذا كان مما يلبس في الإحرام فإنه يلبس ولو كان فيه خياطة.
فهنا شيئان؛ الشيء الأول: ما هو المخيط؟ نقول: هو ما خيط على عضو أو على البدن كله أو عضو منه، وكلمة (لُبْس) هي الشيء الثاني لا بد أن يلبس على عادة اللبس، فلو وضعه وضعًا فليس عليه شيء؛ يعني: لو ارتدى بالقميص فإن ذلك لا يضر؛ لأنه ليس لبسًا له.
ما هو الدليل؟ الدليل على هذا حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما يلبس المحرم؟ - (ما) اسم استفهام؛ يعني: أي شيء يلبس؟ - قال: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْخِفَافَ»، فذكر خمسة أشياء لا تلبس مع أنه سئل عن الذي يلبس، فأجاب بما لا يلبس، ويعني هذا أنه يلبس المحرم ما سوى هذه الخمسة، وإنما عدل عن ذكر ما يلبس إلى ذكر ما لا يلبس؛ لأن ما لا يلبس أقل مما يلبس، ومعلوم أننا إذا حصرنا القليل فنقول: وما سوى ذلك فإنه يلبس.
المؤلف رحمه الله يقول: (وإن لبس ذكرٌ مخيطًا) فعبَّر بلبس المخيط، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أعطي جوامع الكلم لم يعبر بلبس المخيط وإنما ذكر أشياء معينة بالحد أو بالعد؟
طلبة: بالعد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3755
الشيخ: بالعد، عينها بالعد، وكان ينبغي للمؤلف وغيره من المؤلفين أن يذكروا ما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما ذكرنا فيما سبق أن المحافظة على لفظ النص حتى في سياق الأحكام أولى، ويذكر أن أول من عبَّر بلبس المخيط إبراهيم النخعي من التابعين، بل من فقهاء التابعين؛ لأنه -أي: إبراهيم النخعي- في الفقه أعلم منه في الحديث؛ ولهذا يعتبر فقيهًا، وهو في الحديث ليس بالمستوى الذي هو عليه في الفقه، فقال: لا يلبس المخيط.
ولما كانت هذه العبارة ليست واردة عن معصوم صار فيها إشكال؛ أولًا: من حيث عمومها، والثاني: من حيث مفهومها؛ لأننا إذا أخذنا بعمومها حرمنا كل ما فيه خياطة؛ لأن المخيط اسم مفعول بمعنى مخيوط، ولأن هذه العبارة توهم أن ما جاز لبسه شرعًا في الإحرام إذا كان فيه خياطة فإنه يكون ممنوعًا؛ يعني: لو أن الإنسان عليه رداء مرقع أو رداء موصول وصلتين بعضها ببعض، فهل هو مخيط أو لا؟ هو -لغةً- مخيطٌ، مخِيْطَ بعضه ببعض، وهذا ليس بحرام، بل هو جائز، فالتعبير النبوي أولى من هذا؛ لأن فيه عدًّا وليس فيه إيهام.
فلنرجع إلى تفسير حديث الرسول عليه الصلاة والسلام «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ»، والقميص: ما خيط على هيئة البدن وله أكمام، كثيابنا التي علينا الآن هذه قمص، فلا يلبسها المحرم؛ لأنه لو لبسها لم يكن هناك شعيرة ظاهرة للنسك، ولاختلف الناس فيها؛ هذا يلبس كذا، وهذا يلبس كذا، بخلاف ما إذا اتحدوا في اللباس.
«لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ» والسراويل اسم مفرد وليس جمعًا، وجمعه سراويلات، وقيل: إنه جمع، ومفرده سروال، لكن اللغة الفصيحة أن (سراويل) مفرد.
قال ابن مالك في الألفية:
وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني: صيغة منتهى الجموع
وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ
شَبَهٌ اقْتَضَى عُمَومَ الْمَنْعِ
الجزء: 1 - الصفحة: 3756
السراويل: لباس مقطَّع على قدر معين من أعضاء الجسم، ما هم؟ الرِّجلان فلا يلبس السراويل.
الثالث: «وَلَا الْبَرَانِسَ» البرانس: ثياب واسعة لها غطاء يغطى به الرأس متصل بها، وأكثر ما نراهم يلبسونها المغاربة هذه البرانس فلا يلبسها المحرم.
الرابع: «العمائم» والعمائم: لباس الرأس، فلا يلبس المحرم العمامة؛ لأنها لباس الرأس، ولم يقل: لا يغطي رأسه؛ لأنه لم يسأل إلا عما يلبس، فذكر ما يلبس على الرأس وهو العمامة، وما يلبس على أسفل والبدن وهو السراويل، وما يلبس على أعلى البدن وهو القميص.
الخامس: «وَلَا الْخِفَافَ» الخفاف معروفة هي: ما يلبس على الرجل من جلد أو نحوه، فلا يلبسها المحرم، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» (18).
نرجع مرة ثانية إلى الحديث فنقول: الحديث يقول: لا يلبس المحرم كذا وكذا، فإذا استعملها على غير وجه اللبس المعتاد فإن ذلك لا بأس به؛ مثل أن يجعل القميص رداء أو يجعله إزارًا، والسراويل رداء.
وبهذا نسد العذر على من يقول: إذا ركب في الطائرة أن ثياب الإحرام موجودة في الشنطة في جوف الطائرة، نقول: هذا ليس بمشكل؛ إذ يمكن الاستغناء عن ثياب الإحرام بماذا؟ بأن أجعل الثوب إزارًا وأجعل السراويل رداءً، أو إذا كان ممن يلبس الغترة يجعل الغترة رداءً، ولا إشكال في المسألة، أو نقول: اجعل القميص رداءً والبس السراويل؛ لأنك لا تجد إزارًا، فالمسألة ما فيها إشكال من لم يجد نعلين فليلبس الخفين.
الجزء: 1 - الصفحة: 3757
هل هذا يكون عند الحاجة أو مطلقًا؟ بمعنى لو كان الإنسان كما هو حالنا اليوم راكبًا في السيارة تصل به إلى المسجد الحرام لا يحتاج إلى المشي، فهل نقول: إنه في هذا الحال له أن يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين، أو نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أجاز لبس الخفين عند عدم النعلين؛ لأن الإنسان يحتاج إلى المشي، والمشي حول مكة -كما تعرفون- أودية وجبال لا تخلو من الأشواك غالبًا ومن الأحجار التي تدمي الأصابع، فلهذا رخص له في أن يلبس الخفين؟ الذي يظهر لي هذا؛ أنه يلبس الخفين عند الحاجة، أما إذا لم يحتج فلا حاجة، كما في وقتنا الحاضر.
أيش بقي علينا من اللباس؟ نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام حصر الذي لا يلبس بهذه الخمسة، هل يلحق بها ما كان في معناها؟
الجواب: نعم، يلحق بها ما كان في معناها، فمثلًا القميص يشبهها القوت، تعرفون القوت؟ معروف القوت يلبس على الصدر، يلحق به، فلا يجوز أن يلبسه المحرم، ويلحق به القباء، القباء: ثوب واسع له أكمام مفتوح الوجه، فلا يلبسه؛ لأنه يشبه القميص، لكن لو طرح القباء على كتفيه دون أن يدخل كميه فهل يعد هذا لبسًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الصحيح أنه ليس بلبس؛ لأن الناس لا يلبسونه على هذا العادة.
البرانس يلحق بها العباءة؛ فإن العباءة تشبه البرنس من بعض الوجوه، فلا يجوز للإنسان أن يحرم أن يلبس العباءة بعد إحرامه على الوجه المعروف، أما لو لفها على صدره كأنها رداء فإن ذلك لا بأس به.
السراويل لا يلبسها فهل يلحق بذلك التُّبَّان أو لا؟
طالب: ما هو التُّبَّان؟
الشيخ: التبان هو: عبارة عن السراويل القصيرة الأكمام؛ يعني: ما تصل إلا إلى نصف الفخذ، ما عندكم نصف ( ... ).
طالب: ( ... ) النصف.
الشيخ: على كل حال أنا أصفه لكم باللفظ يصل إلى نصف الفخذ، هل يلحق بالسراويل أو لا؟
طالب: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3758
الشيخ: الصحيح أنه يلحق بالسراويل؛ لأنه في الواقع سراويل، لكن كمها قصير، ولأنها تلبس عادة كما يلبس السراويل.
إذنْ نلحق بهذه الأشياء الخمسة ما يشبهها، وما عدا ذلك فإننا لا نلحقه.
مثاله: لو أن الرجل عقد الرداء على صدره فهل هذا حرام؟
الجواب: لا؛ لأن الرداء وإن عقد لا يخرج عن كونه رداءً، لو شبكه بمشبك فهل هذا لبس؟ الجواب: لا، ليس كلبس القميص، بل هو رداء مشبك، لكن بعض الناس توسعوا في هذه المسألة وصار الرجل يشبك رداءه من رقبته إلى عانته، فيبقى كأنه أيش؟
طلبة: قميص.
الشيخ: كأنه قميص، وهذا لا ينبغي، أما زره بإزار واحد من أجل ألَّا يسقط ولا سيما عند الحاجة؛ كما لو كان الرجل هو الذي يباشر العمل لأصحابه من قهوة وطبخ وغير ذلك فهذا لا بأس به، أما أن يجعله كله من أوله إلى آخره مزرر بالأزرة فهذا يشبه أن يكون قميصًا ليس له أكمام.
لو لبس الإنسان ساعة في يده هل تلحق بالخمسة التي ذكرها الرسول؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا تلحق، وأشبه ما تكون بالخاتم، والخاتم جائز لا أشكال فيه.
لو لبس في عينه مرآة يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنها لا تدخل في هذه الأشياء الخمسة لا لفظًا ولا معنًى.
لو وضع في أذنه سماعة؟
طالب: يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز، ليست داخلةً في هذه الخمسة لا لفظًا ولا معنًى.
لو وضع في فمه تركيبة أسنان؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
لو لبس حذاء مخروزًا فيه خياطة؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: حذاء.
طالب: مخيوط؟
الشيخ: إي، كله خيوط.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) جوابكم ما هو ( ... ).
طالب: يجوز، هذا ليس خفًّا.
الشيخ: يجوز؛ لأنه ليس خفًّا، هو نعل مخروز، وهو بخرازته لم يخرج عن كونه نعلًا، وهذا هو الذي قلنا: إن المحافظة على اللفظ النبوي أولى من أن نقول: المُحَرَّم لبس المخيط؛ لأن كثيرًا من العامة يسألون عن النعال المخروزة يقولون: فيها خياطة.
لو تقلد الإنسان بسيف أو بفرد ما تقولون؟
طلبة: يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 3759
الشيخ: يجوز؟ نعم يجوز؛ لأنه لا يدخل فيما نص عليه الرسول عليه الصلاة والسلام لا لفظًا ولا معنًى.
لو ربط بطنه بحزام؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز، مخيط يجوز؟
طلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز.
لو علق على كتفه قربة ماء؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، أو وعاء نفقة، كل هذا جائز، والمهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام عدَّ ما يحرم عدًّا، فما كان بمعناه ألحقناه به، وما لم يكن بمعناه لم نُلحقه به، وما شككنا فيه فالأصل الحل.
ومما نشك فيه الإزار المخيط، بعض الناس يلبس إزارًا مخيطًا؛ يعني: ما ينفتح، ثم يلفه على بدنه ويشده بحبل، هل نقول: إن هذا جائز أو أنه يشبه القميص أو السراويل؟
نقول: إنه جائز؛ لأنه لا يشبه القميص ولا السراويل، السراويل لكل قدمٍ كمٌّ، والقميص في أعلى البدن، ولكل يدٍ كُمٌّ أيضًا، فهذا لا بأس به، ويستعمله بعض الناس الآن؛ لأنهم يقولون: إنه أبعد عن انكشاف العورة، فنقول: ما دام يطلق عليه اسم إزار فهو إزار، ويكون حلالًا.
وقول المؤلف: (إن لبس ذكرٌ مخيطًا فدى)، (ذكر) خرج بذلك الأنثى، فالأنثى لها أن تلبس ما شاءت، ليس لها ثياب معينة للإحرام، إلا أنه لا يجوز أن تلبس ما يكون تبرجًا وزينة؛ لأنها سوف تكون أمام الناس في الطواف وفي السعي، فلا يجوز لها أن تلبس هذا.
هل يحرم عليها شيء من اللباس المرأة؟ نقول: نعم، يحرم عليها شيء من اللباس؛ وهما القفازان والنقاب، القفازان: لباس اليدين، والنقاب: لباس الوجه، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حرم على المحرمة تغطية وجهها، وإنما حرم عليها النقاب فقط؛ لأنه لباس الوجه، وفرق بين النقاب وبين تغطية الوجه.
وعلى هذا فلو أن المرأة المحرمة غطت وجهها لقلنا: هذا لا بأس به، لكن الأفضل أن تكشفه ما لم يكن حولها رجال أجانب، فيجب عليها أن تستر وجهها عنهم.
هل يحرم عليها الجوارب؟
طلبة: لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3760
الشيخ: لا، الجوارب حرام على من؟ على الرجل، هل يحرم على الرجل القفازان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يحرم عليه القفازان، وبعضهم حكى في ذلك الإجماع، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حرم على المحرم لبس ما يختص بالرِّجل فكذلك لبس ما يختص باليد، وهي مصنوعة على هيئة أحد الأعضاء، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكرها فيما يتجنبه المحرم؛ لأنه ليس من عادة الرجال أن يلبس القفازين؛ ولهذا لما كان من عادة النساء أن تلبس القفازين قال في المرأة: «وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» (19).
انتهينا من هذا المحظور الذي هو لبس المخيط، وظاهر كلام المؤلف أن لبسه حرام؛ سواء طال الوقت أم قصر، وهو كذلك، وبناء على هذا لو أن رجل لبس ثوبه القميص والسراويل بناء على أنه حل من إحرامه وتبين أنه لم يحل فإن عليه أن ينزعه في الحال.
مثال ذلك: رجل أتى بعمرة فطاف وسعى، ثم لبس ثوبه القميص والسراويل، ثم ذكر أنه لم يقصر أو لم يحلق، فماذا نقول له؟
نقول: يجب فورًا أن تغير الملابس؛ لأنك لا تزال على إحرامك، والمحرم لا يجوز أن يلبس القميص ولا طرفة عين، لكن يؤجل بقدر العادة، ما نقول مثلًا: إذا كنت في مسجد اركض قدام الناس وادعس الناس، أو جيب السيارة اركبها وعلم على مئتين مثلًا، ما نقول هكذا، رجوع الشيء المعتاد.
وهل له إذا أراد خلع القميص هل له أن يخلعه من أعلى أو من أسفل إذا كان الجيب واسعًا أو يشقه؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3761
الشيخ: الآن عندنا ثلاثة احتمالات؛ من أسفل، وهذا لا يكون إلا إذا كان جيبه واسعًا، يشقه على شيء يوسعه ينزله من أسفل، أو يخلعه خلعًا عاديًّا، إذا قلنا بالأخير لزم من ذلك عند خلعه أن يغطى رأسه، والمحرم لا يغطى رأسه؛ فلذلك قال بعض العلماء: إذا أراد خلع القميص الذي أحرم به؛ فإما أن يخلعه من أسفل إن اتسع الجيب، وإلا شقه، ولا يمكن أن يخلعه من فوق؛ لأنه إذا فعل فقد غطى رأسه، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن شق القميص إفساد له، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إضاعة المال (20)، ولأن التغطية هنا غير مقصودة، فهي كما لو حمل عفشه على رأسه، بل الحمل على الرأس -حمل العفش- يكون أيش؟ أطول، وهذا يعني لحظة من الزمن، فالصواب أنه يخلعه خلعًا عاديًّا، ولا يحتاج إلى أن يشقه، ولا أن ينزله من أسفل.
لو لم يجد الإنسان رداء ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا لم يجد إزارًا فإنه يلبس سراويل، لكن لو لم يجد رداء يبقى على ما هو عليه؛ لأنه يجوز للإنسان أن يبقى مؤتزرًا بين الناس، ويجوز أن يبقى مؤتزرًا ويصلي، فهو ليس في ضرورة إلى الرداء.
فإذا قال: أنا لا أستطيع أن أبقى مكشوف الصدر والظهر؛ يلحقني في ذلك مشقة لا أحتملها أو أخاف من المرض، إذا كانت الأيام باردة، نقول: إذن البس القميص إذا كان لا يمكنك أن تتلفف به البسه وافدِ؛ لأن الإنسان إذا احتاج إلى فعل المحظور فعله وفدى، كما في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.
ومن المحظورات قال: (وإن طيب بدنه أو ثوبه أو ادهن بمطيب أو شم طيبًا أو تبخر بعود ونحوه فدى) هذا من المحظورات أيضًا، من المحظورات الطيب، ما هو الدليل؟
الدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الوَرْسُ» أو قال: «ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْوَرْسُ» (21) والزعفران طِيبٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3762
لكن قد يقول قائل: الزعفران أخص من كونه طيبًا؛ لأنه طيب ولون، ونحن نقول: إن الطيب بأي لون كان يحرم على المحرم، نقول: نأتي بدليل آخر؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الذي وقصته ناقته في عرفة قال: «لَا تُحَنِّطُوهُ» (22)، وتحنيط الميت أطياب مجموعة تجعل في مواضع من جسمه، وهذا عام لكل طيب؛ لأن الرسول قال: «لَا تُحَنِّطُوهُ»، وذكر أشياء، ثم قال: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»، وهذا دليل على أن المحرم لا يجوز له استعمال الطيب، وهو كذلك لا يجوز له استعمال الطيب، ووجه أن الطيب يعطي الإنسان نشوة، وربما يحرك شهوته ويلهب غريزته، ويحصل بذلك فتنة له، والله عز وجل يقول: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، ثم إنه قد ينسيه ما هو فيه من العبادة؛ فلذلك نهي عنه، الطيب هنا يشمل الطيب في رأسه، في لحيته، في صدره، في ظهره، في أي مكان، في ثوبه أيضًا.
قال المؤلف: (أو شم طيبًا) الشم يعني أن يستنشقه ليختبر رائحته، (أو ادهن بمطيب) كذلك أيضًا إذا ادهن بمطيب؛ يعني: مسح على جلده بدهن فيه طيب فإنه لا يجوز؛ لأن ذلك سوف يعلق به وتبقى رائحته.
كذلك أيضًا يقول: (أو شم طيبًا) يعني: تقصد شم الطيب فإنه يحرم عليه ذلك ويفدى، ولكن المسألة الأخيرة -وهي شم الطيب- فيها نظر؛ لأن الشم ليس استعمالًا؛ ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يحرم الشم، لكن إن تلذذ به فإنه يتجنبه خوفًا من المحذور الذي يكون بالتطيب، أما يشمه ليختبره مثلًا طيبه؛ هل هو طَيِّب أو وسط أو رديء؟ هذا لا بأس به.
وهذه المسألة لها ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يشمه بلا قصد.
والثانية: أن يتقصد شمه، لكن لا للتلذذ به أو الترفه به.
والثالث: أن يقصد شمه للتلذذ به.
الجزء: 1 - الصفحة: 3763
فالقول بتحريم الثالث وجيه، أما القول بتحريم الثاني فغير وجيه، وأما الأول فهذا لا يحرم قولًا واحدًا، ومن ذلك ما يحصل للإنسان إذا كان يطوف أنه يشم رائحة الطيب الذي في الكعبة، وقد رأينا بعض الناس شاهدناهم يصبون الطيب صبًّا على حجارة الكعبة، ومثل هذا لا بد أن يفوح له رائحة، ولكن الإنسان إذا لم يقصدها ليس فيها شيء، ونحن نرى أن الذين يضعون الطيب في الحجر الأسود قد أساؤوا إساءة بالغة؛ لأنهم سوف يحرمون الناس استلام الحجر الأسود، أو يوقعونهم في محظور من محظورات الإحرام، وكلاهما عدوان على الطائفين.
فيقال لهم أنتم: إذا أبيتم إلا أن تطيبوا الكعبة فنحن لا نمنعكم، لكن لا تجعلوا الطيب في مشعر من مشاعر الطواف، اجعلوه في جوانب الكعبة من الذي لا يمسح، أما أن تجعلوه في مكان يحتاج المسلمون إلى مسحه وتقبيله فهذا جناية؛ لأنهم إما أن يدعوا المسح مع القدرة عليه، وإما أيش؟
طالب: أن يقعوا في المحظور.
الشيخ: أن يقعوا في المحظور، ومشكلة إذا جاء الإنسان يطوف وأنت في أثناء الطواف قال: والله أنا قبَّلت الحجر الأسود ومسحت بيدي وعلق فيها شيء من الطيب ماذا تقول له؟ ستقول: اذهب واغسل الطيب والزحام شديد، ماذا يكون أذى هذا الرجل؟ أذًى شديد.
ولهذا ينبغي لكم أنتم طلبة العلم إذا جرى مثلًا كلام حول هذا أن تبينوا لهذا الأخ الذي احتسب بنيته وأساء بفعله أن تقولوا: إن هذا عدوان على الناس تمنعونهم من شعيرة من شعائر الطواف وأنتم تردون الإحسان فأنتم تحسنون، ولكن تسيئون فالنية طيبة والتصرف سيء.
طالب: هل يُلحق الشماغ بالعمامة؟
الشيخ: أيش تقولون؟ يقول: هل يلحق الشماغ بالعمامة؟
طلبة: نعم، يلحق.
الشيخ: الجواب يلحق أيضًا من جهة أخرى، حتى من جهة أخرى؛ وهي تغطية الرأس.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يلبس المرءُ أيَّ شيء في يده من أجْل العمل؛ يعني إنْ كان ما يلبسه في يديه للعمل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3764
الشيخ: قفازين يعني، هذا عند الضرورة؛ إذا اضطروا إلى ذلك فإنهم يفتون على القاعدة التي ذكرْنا أو التي سنذكرها إن شاء الله تعالى.
طالب: في مصنف ابن أبي شيبة نقل عن ابن عمر (23) وعن أنس بن مالك (24) أنهم كانوا يقبِّلون الحجر وإنَّ خضاب الطيب على ثيابهم، وسُئل عن ذلك فقال: ليس عليه شيء.
الشيخ: لعل هذا -والله أعلم- أنه قد طيبه من قبل في ثوبه.
الطالب: لا.
الشيخ: من طيب الحجر؟
الطالب: من طيب الكعبة.
الشيخ: يمكن هذا أنهم يعذرونه بأنه شيء لم يقصده وشيء كأنه أكره عليه.
طالب: يا شيخ، قالوا: إن تغطية الوجه للرجل اختلف العلماء؛ منهم من أجاز، ومنهم من منع على صحة رواية مسلم ولم يرجح؟
الشيخ: واللهِ ما تبين لي فيها الترجيح؛ لأنه احتمال أن الراوي الذي حدث به أخيرًا وزاد هذه اللفظة أنه ذكرها بعد، والذي يميل إليه ابن القيم رحمه الله أنها لا تصح.
طالب: لا بأس بتغطية الوجه.
الشيخ: إي نعم، أنها لا تصح اللفظة، وأن تغطية الوجه لا بأس بها.
أو تَبَخَّرَ بعُودٍ ونحوِه فَدَى، وإن قَتَلَ صيدًا مأْكُولًا بَرِّيًّا أَصْلًا ولو تَوَلَّدَ منه ومن غيرِه أو تَلِفَ في يدِه فعليه جَزَاؤُه، ولا يَحْرُمُ حيوانٌ آنِسِيٌّ، ولا صَيْدُ البحرِ، ولا قَتْلُ مُحَرَّمِ الأَكْلِ ولا الصائلُ، ويَحْرُمُ عقْدُ نكاحٍ ولا يَصِحُّ ولا فِديةَ، وتَصِحُّ الرُّجعةُ، وإن جامَعَ الْمُحْرِمُ قبلَ التحَلُّلِ الأَوَّلِ فَسَدَ نُسُكُهما ويَمْضِيانِ فيه ويَقْضِيَانِه ثانيَ عامٍ،
ولهذا ينبغي لكم أنتم -طلبةَ العلم- إذا جرى مَثَلًا كلامٌ حول هذا أن تبيِّنوا لهذا الأخ الذي احتسبَ بنيَّته وأساءَ بفعله؛ أن تقولوا: إن هذا عدوانٌ على الناس؛ تمنعونهم من شعيرةٍ من شعائر الطواف وأنتم تريدون الإحسان، فأنتم تُحسنون ولكن تُسيئون، فالنيَّة طيِّبة والتصرف سيِّء.
طالب: هل يُلْحق الشِّماغ بالعمامة؟
الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: هل يُلْحق الشماغ بالعمامة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3765
طلبة: نعم يُلْحق.
الشيخ: الجواب يُلحق أيضًا من جهة أخرى، حتى من جهة أخرى؛ وهي تغطية الرأس.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يلبس المحرم شيءٍ في يده من أجْل العمل؛ يعني إنْ كان ما يلبسه في يديه للعمل؟
الشيخ: قفازين يعنى، هذا عند الضرورة؛ إذا اضطُرُّوا إلى ذلك فإنهم يفتون على القاعدة التي ذكرْنا أو التي سنذكرها إن شاء الله تعالى.
طالب: في مصنف ابن أبي شيبة نقل عن ابن عمر (1) وعن أنس بن مالك (2) أنهم كانوا يُقَبِّلون الحجَرَ وإنَّ خضاب الطيب على ثيابهم، وسُئل عن ذلك فقال: ليس عليه شئ.
الشيخ: لعل هذا -والله اعلم- أنه قد طيَّبه مِن قَبْل في ثوبه.
الطالب: لا.
الشيخ: من طِيب الحجَر؟
الطالب: من طِيب الكعبة.
الشيخ: يمكن هذا أنهم يعذرونه بأنه شيءٌ لم يقصده وشيءٌ كأنه أُكْرِهَ عليه.
طالب: شيخ، قلنا: إن تغطية الوجه للرجُل اختلف فيها العلماء؛ منهم مَن أجاز، ومنهم مَن مَنَع على صحة رواية مسلم، ولم يرجِّح.
الشيخ: واللهِ ما تبيَّن لى فيها الترجيح؛ لأنه احتمال أن الراوي الذي حدَّث به أخيرًا وزاد هذه اللفظةَ أنَّه ذكرها بَعْد، فيها احتمال، والذي يميل إليه ابن القيم -رحمه الله- أنها لا تصح.
طالب: لا بأس بتغطية الوجه؟
الشيخ: إي نعم، أنها لا تصح اللفظة، وأنَّ تغطية الوجه لا بأس بها.
الطالب: تغطية الوجه للمرأة في غير وجود الأجانب هل يجب عليها؟
الشيخ: لكنْ بنقاب ولَّا بغير نقاب؟
الطالب: بغير نقاب.
الشيخ: لا بأس به، لكن تَرْكه أحسن؛ يعنى كَشْف المرأةِ وجهها إذا لم يكن عندها رجالٌ أفضلُ من غيره.
الطالب: بالنسبة .. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ» (3). شيخ، يعنى الثوب اللي ما مسَّه الزعفران يجوز لبسه؟
الشيخ: لكن هو مُطيَّب؟
الطالب: لا، ما هو مُطيَّب.
الشيخ: ماذا تفهم من الثوب؟ أنا أخشى أنك تفهم من الثوب القميص.
الطالب: ما أعرفُ الفرق بين الثوب والقميص.
الجزء: 1 - الصفحة: 3766
الشيخ: الثوب: قطعة القماش، حتى الرداء يُسَمَّى ثوبًا، والإزار يُسَمَّى ثوبًا، كلُّ قطعة من القماش قُطْن أو صوف أو غيره فهي ثوب.
طالب: طيب، يا شيخ، الرداء الملوَّن؟
الشيخ: الرداء الملوَّن لا بأس به.
الطالب: ما يُعَدُّ من الشهرة؟
الشيخ: ربما نقول: إن الأفضل تَرْكُه لئلَّا يتباهى الناسُ في ذلك؛ لأنه إذا انفتحَ الباب وصارَ الإنسان يأتي بملوَّنٍ جاءَ أخَرُ بملوَّنٍ أحسن منه وتباهَى الناسُ في هذا.
طالب: إذا قلنا: ( ... )؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: المرأة الْمُحْرِمة إذا وُجِد أجانب أنها تغطِّي وجهها، فما الجواب يا شيخ عن حديث الفضل بن عباس ( ... )؟
الشيخ: سمعتم ما قال؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يقول: إذا قلنا بأنه إذا كان عندها أجانب يجب أنْ تغطِّي وجهها، فما هو الجواب عن حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما أنه كان رديفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في دفْعِهِ من مزدلفة إلى مِنى، ومرَّت به امرأةٌ كاشفةُ الوجه، فسألت النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنَّ أباها أدركتْه فريضةُ الله على عباده في الحجِّ شيخًا كبيرًا لا يَثْبت على الراحلة، أفأحُجُّ عنه.
قال: «نَعَمْ».
وجعل الفضلُ بن العباس ينظر إليها وتنظر إليه، فصرفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وجهَ الفضل إلى الشِّقِّ الآخَر (4).
طالب: لم يكن وجوب الحجاب ( ... ) الوجه ( ... ).
الشيخ: لا، هذا جواب غير صحيح، والجواب أن هذا قبل نزول الحجاب؛ هذا في حجَّة الوداع.
طالب: بعضهم يا شيخ يقول: ( ... ) عَرَضها على الفضل بن العباس لكي يتزوجها، فهو من باب نظر الرجل إلى الزوجة.
الشيخ: يقول: هذه مخطوبةٌ للفضل، وصُرِف الفضلُ عنها، لكن الخطبة في حال الإحرام لا تجوز.
الطالب: أنها لم تعلم بأن المرأة لا يحلُّ لها كَشْفُ وجهها قبل ذلك، لم تعلمْ بذلك، ولذلك أتتْ كاشفةً.
الشيخ: إي نعم؛ يعني معناه أن نقول: هذه لم تعلم، وكشفتْ بناءً على البراءة الأصلية.
الجزء: 1 - الصفحة: 3767
طيب، لماذا لم يقُل لها الرسول: الناس بين يديكِ، احتجبي.
طالب: شيخ، يحتمل أنَّ ( ... ) النبي عليه الصلاة والسلام مَنَعَ الفضلَ وأجاز لنفسه هذا الشيء، هذا يدل ( ... ) فقط ( ... ).
الشيخ: الجواب الآن نقول: إنه ليس حولها إلا النبي صلى الله عليه وسلم والفضل بن العباس، وأن الرسول صرفَ وجْهَ الفضل، وأمَّا هو عليه الصلاة والسلام فإنه يجوز له الاطِّلاع على النساء ولا يَلْزمُهُنَّ الاحتجابُ عنه، كما أنه يجوز له الخلوة بهنَّ.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي شاب.
طالب: المرأة كانت ( ... ).
الشيخ: يعني معناه أنه ينظر إليها؛ يعني الهيكل العام، هذا ذهبَ إليه الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: ما هو النظر إلى الوجه، الوجه ما فيه دليل أنه مكشوف، لكنْ يعني هيكلها.
إلَّا أنَّ هذا يعكِّره قوله: تنظر إليه؛ لأن الوجه إذا كان مغطًّى ما ندري أنها تنظر إليه، صحيح أنه إذا التفتتْ فإن التفاتها يوحي بأنها تنظر إليه، لكن ما هو صريح.
طالب: يا شيخ، وردَ أن النساء أنها كانت ( ... ).
الشيخ: لا، هذه في صلاة العيدين.
طالب: ( ... ).
الشيخ: وهو؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، يعني يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما صرفَ وجْهَ الفضلِ قال لها: احْتَجِبِي.
على كلِّ حالٍ الحديث هذا له احتمالاتٌ كثيرةٌ، ولو ذهبَ إنسانٌ يذكر الاحتمالات العقلية في هذا الحديث لحصلَ على عشرة أو أكثر، والمعروف عند العلماء أنَّ الحديث إذا كان محتمِلًا فإنه لا يكون حُجَّةً أو لا يكون معارضًا على ما كان صريحا، وعندنا أحاديثُ وآياتٌ ونَظَر تدلُّ على أنه لا يحلُّ للمرأة أن تكشف وجهها، وحينئذٍ نأخذ بهذا الواضح المحكَم ونَدَعُ المتشابه، هذا أحسنُ ما يُقال فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3768
طالب: يا شيخ، لو قال قائل: في باب الأُضحية حرَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يأخذ المضحِّي شيئًا من شعره أو بَشَره.
في باب الإحرام قلنا بأن نتمسك بما ورد فيه النص فقط ( ... )، مع أنه يا شيخ في مدخل الهدايا جعلنا لها الشروط التي تجعل للأضحية من حيث السن إلى آخره، أفلا يكون هذا أَوْلى يا شيخ، لا سيَّما أن أيام إرادة الأضحية أكثر من عشرة أيام، وقت الإحرام ( ... )؛ يعني منها أحوال الإحرام، الميقات قبلها، ما يُحرَّم لمريد الأضحية أَوْلى منه، ماذا تقول في هذا؟
الشيخ: لا، هذا قياسٌ مع الفارق؛ لأن الذي يريد أن يضحي يَحْرُم عليه أخذُ الشعر وأخذُ الظفر وأخذُ البشرة، والْمُحْرِم لا يَحْرُم عليه أخذُ البشرة بالإجماع، فلا يصح القياس.
ثم إني عثرتُ على كلامٍ للشنقيطي رحمه الله في كتاب أضواء البيان وقال: إنه ليس فيه نصٌّ لا من الكتاب ولا من السُّنة على تحريم أخْذ الأظفار وكذلك على تحريم شعر البَدَن.
وتعجَّب من نقْلِ ابن المنذر الذي نقله عنه صاحبُ المغني أنَّ العلماء أجمعوا على أنه لا يحلُّ للمُحْرِم تقليمُ أظفارِهِ وقال: إن هذا بناء على أنَّ داود الظاهري لا يُعتَدُّ بخلافه.
والمعروف عند الأصوليِّين أنه يُعتدُّ بخلافه، وعلى كلِّ حال إحنا ذكرْنا أنَّ الاحتياط بلا شكٍّ تجنُّبُ هذا الشيء، ما دام العلماء جمهورُهم على أنه لا يجوز فأنت في غِنًى عن هذا.
طالب: شيخ، الرسولُ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا يَلْبَس السَّرَاوِيلَ» (5) فلو الإنسان لم يجدْ إزارًا ولبس السراويل هلْ يَلْزمه الفَدْي؟
الشيخ: لا، ذا لا يَلْزم؛ لأن هذا بدلٌ شرعيٌّ، وكذلك الخِفاف لا يَلْزمه؛ لأنها بدلٌ شرعيٌّ.
لكنْ بقي عندنا مسألة في الخِفاف: هل إذا جاز له أنْ يلبس الخِفاف يَلْزمه أن يقطعها حتى تكون أسفل من الكعبين؟
طالب: لا.
الشيخ: اختلفَ العلماء في هذا على قولين:
الجزء: 1 - الصفحة: 3769
القول الأول: يَلْزمه أن يقطعها؛ لأن حديث ابن عمر في الصحيحين ثابتٌ في أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» (6).
وقال بعض العلماء: لا يجب القطع؛ لأنه ثبتَ في الصحيحين من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطبَ الناسَ يوم عرفة وقال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» (7)، ولم يأمر بالقطع.
وحديث ابن عباسٍ متأخِّر؛ لأن حديث ابن عمر كان في المدينة قبل أنْ يسافر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الحجِّ، وحديث ابن عباسٍ كان في عرفة بعدُ، وأيضًا الذين حضروا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام في عرفة أكثرُ مِن الذين حضروا في المدينة، ولو كان القطعُ واجبًا لم يؤخِّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم البيانَ عن وقت الحاجة، وعليه فلا يكون هذا من باب حَمْلِ المطْلَق على المقيَّد؛ لأن حَمْل المطْلَق على المقيَّد فيما إذا تساوت الحالانِ: حالُ المطْلَق وحالُ المقيَّد، فحينئذٍ نحمل المطْلَقَ على المقيَّد، أمَّا مع اختلاف الحال فلا يُمكن أن يُحمَل المطْلَقُ على المقيَّد، وهذا هو الصحيح؛ أنه إذا جازَ لبسُ الخفَّينِ لعَدَمِ النعلينِ فإنه لا يجب قطعُهما.
طالب: ما الدليل على خصوصيَّة النبي عليه الصلاة والسلام في النظر والخلوة؟
الشيخ: الدليل أحاديثُ وردتْ في هذا؛ حديث أنَّ الرسول كان يذهب إلى امرأةٍ من الأنصار، كان يذهب إليها وتفليه عليه الصلاة والسلام وليستْ مَحْرَمًا له (8)، والرسولُ قد خُصَّ فيما يتعلَّق بالنساء بخصائص ليست لغيره.
طالب: ما وجْه من رأى التفريق بين القُفَّازين في يد الرجُل والشراب في القدمينِ، مع أنَّ كليهما مفصَّل على بعض أجزاء البَدَن، قلنا: إن القفَّازين ما يجوز.
الشيخ: والشراب ما يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 3770
الطالب: الشراب ما يجوز للمحرم؟
الشيخ: إي نعم، للرجل أو للمرأة؟ فصِّلْ.
الطالب: لا، للرجُل.
الشيخ: لا، للرجُل ما يجوز، إلا إذا احتاج إليها ولم يجد نعلين.
طالب: فيه نوع من الصابون عند الاغتسال يكون فيه رائحة طيِّبة، هل يجوز استعماله؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ فيه نوع من الصابون له رائحة، لكنْ هل هذا طِيب؟ هل الناس يتطيَّبون بها، أو رائحة بَسْ مجرَّد رائحة زكيَّة فقط كرائحة النعناع والأُتْرُجِّ وما أشْبَهَها؟
طلبة: بعضُها طيب.
الشيخ: بعضُها طِيب يعنى، على كلِّ حال .. إذَن الحكْم يدور مع عِلَّته؛ إذا كان فيها طِيب وأنها تُستعمل وتُختار لما فيها من الطِّيب فهذا طِيبٌ لا يستعمله.
طالب: ( ... ) أصابه الصداع، فأخذ خرقة وعَصَب ( ... ) غطَّى رأسه ( ... )؟
الشيخ: ويش تقولون؟
الطلبة: هذا لحاجة.
الشيخ: إي، ما يخالف، لحاجة، لكن سيأتينا إن شاء الله أن فِعْل المحظور له ثلاث حالات، إذا احتاج للمحظور مع بقاء الحظر فإنه يستعمله ويفدي، كما أذِنَ الله سبحانه وتعالى بِحَلْق الرأس مع الفدية.
طالب: أحسن الله إليك، ( ... ) الكحل اللِّي يجوز للرجل أو المرأة بحاجة أو بغير حاجة؟
الشيخ: إي نعم، الكحل يجوز للمرأة لحاجةٍ ولغير حاجةٍ، لكنْ لا بدَّ أن تحتجب عن الرجال، أمَّا الرجُل فإن كان يُعطي عينه حُسْنًا فإنه يُنهى عنه؛ لأنه يكون متشبِّهًا بالمرأة في هذه الحال، وإذا كان شابًّا ربما يكون فيه فتنة، وأمَّا إذا كان كُحلًا للتداوي فقط فلا بأس.
الطالب: ولا ( ... ) فديه؟
الشيخ: لا، ما ( ... ).
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى أله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: أو شمَّ طِيبًا أو تبخَّرَ بعودٍ ونحوِهِ فَدَى.
وإنْ قَتَلَ صيدًا مأكولًا برِّيًّا أصلًا ولو تولَّدَ منه ومن غيرِهِ أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3771
ولا يَحْرُمُ حيوانٌ إنْسِيٌّ ولا صيدُ البحرِ ولا قَتْلُ مُحَرَّمِ الأكْلِ ولا الصائلِ.
ويَحْرُم عقدُ نكاحٍ ولا يصحُّ، ولا فِدية، وتصحُّ الرجعةُ.
وإنْ جامَعَ الْمُحْرِم ..
طالب: سؤال القهوة ( ... ).
الشيخ: القهوة اللِّي فيها زعفران ظاهر الريح لا يجوز شُربها.
الطالب: للمُحْرِم؟
الشيخ: للمُحْرِم.
الطالب: وغير الْمُحْرِم؟
الشيخ: غير الْمُحْرِم.
( ... ) وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى أله وأصحابه أجمعين.
سَبَق لنا أنَّ من محظورات الإحرام الطِّيب، ودليلُه حديث ابن عباسٍ في الذي وَقَصَتْهُ راحلتُه (9)، وفي الحقيقة إنَّ هذا الحديث استدلُّوا به على مسائل عديدةٍ، وهو من آيات الله عز وجل أنْ تقع حادثةٌ واحدةٌ لواحدٍ من الصحابة تؤخذ منها أحكامٌ عديدةٌ؛ أحكامٌ في الحياة وأحكامٌ في الموت، وهذا من بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الله يُبارك في عِلْمه، فتجد القِصَّة الواحدة تشتمل على عدَّة أحكامٍ تحتاجها الأُمَّة إلى يوم القيامة في الحياة وفي الممات.
هذا الحديث أخذَ منه ابن القيم اثنتا عشرة مسألة، وفيه أكثر مما ذكر عند التأمُّل؛ لأنه في الحقيقة حديثٌ عظيمٌ، وفي هذا أيضًا دليلٌ على حكمة الله عز وجل وأنَّ قدَره الذي يُعتبر مصيبةً قد يكون نعمةً ومنحةً من الناحية الشرعية؛ فهذا الذي وَقَصَتْه راحلتُه رضي الله عنه في عرفةَ مصيبة، لكنْ حَصَل فيها من الفوائد والبركة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل.
إذا تبخَّر بعودٍ فإنه يكون متطيِّبًا فيَحْرم عليه ذلك.
إذا شمَّ طِيبًا قَصْدًا فإنه حرامٌ عليه، وهذه المسألة فيها خلافٌ:
الجزء: 1 - الصفحة: 3772
فمن العلماء مَن قال: إنَّ شمَّ الطِّيب قصْدًا ليس فيه شيءٌ وليس حرامًا؛ لأنه لم يستعمله، وإنما شَمَّه شَمًّا، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تُحَنِّطُوهُ» (10)، ويقول: «لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ» (3)، والشمُّ لا يؤثِّر في الإنسان لا في ثوبه ولا في بَدَنه.
ومنهم مَن قال: إنْ شَمَّه قصْدًا للتلذُّذ به فهذا حرامٌ، وإنْ شَمَّه قصْدًا لحاجةٍ مِثل أنْ يَختبر هذا الطيب هل هو طَيِّبٌ أو رديءٌ فإن هذا لا بأس به.
وهذا أقربُ إلى الصواب أنْ يُقال: إنْ شممتَه قصْدًا للتلذُّذ به فهذا حرامٌ، وإنْ شممتَه قصْدًا لغرضٍ غيرِ التلذُّذ به فهذا جائزٌ، وإنْ شممتَه بغير قصْدٍ بأنْ دخلَ في خياشيمك بدون قصْدٍ فهذا لا بأس به.
قال المؤلف (وإنْ قَتَلَ صيْدًا مأكولًا بَرِّيًّا).
هذا أيضًا من محظورات الإحرام، مرَّ علينا كمْ؟
طلبة: خمس.
الشيخ: حلْقُ الشعر، تقليم الأظفار، تغطية الرأس، لبس المخيط، الطِّيب؛ هذه خمسة، السادس: قَتْل الصيد.
طالب: ( ... ) (فَدَى)؟
الشيخ: (فَدَى) يعني: عليه فِدية.
(قَتْل الصيد) وقَتْل الصيدِ لا بدَّ فيه من شروط:
أولًا: أنْ يكون مأكولًا، فإنْ كان غير مأكول فليس فيه فِدية.
ولكنْ هل يُقتَل غيرُ المأكول أو لا يُقتل؟
نقول: ينقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام؛ غير المأكول من الحيوان والحشرات وما أشبهها ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما أُمِرَ بقتْله.
والثاني: ما نُهِيَ عن قتْله.
والثالث: ما سُكِتَ عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3773
فأمَّا ما أُمِر بقتله فإنه يُقتل؛ مِثل الخمس التي نصَّ عليها الرسول عليه الصلاة والسلام: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» (11)، ومنه الحيَّة، ومنه الذئب والأسد وما أشبهها، فنصُّ الرسول عليه الصلاة والسلام على هذه الخمس يتناول ما هو مِثْلها أو أشدُّ منها.
والثاني: ما نُهِيَ عن قتْله؛ مثل: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد؛ هذه نُهِيَ عن قتْلها، فلا تُقتَل لا في الحِلِّ ولا في الْحَرَم.
النملة معروفة، ما هي؟
النملة معروفة، والمعروف لا يُعَرَّف؛ لأنك لو عَرَّفْتَ المعروفَ صار نكرةً، ولهذا قال النحويون:
عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ النَّقَا رَأْسَ زَيْدِكُمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"عَلَا زيدُنا ... رأسَ زيدِكم" زيدٌ بالأول معرفة، ولَمَّا أضفْناه -والإضافة تقتضي التعريف- صارَ نكرة، فالمعروف إذا عُرِّفَ تنكَّر، ولهذا تجدون في القاموس إذا جاء مِثل هذه الكلمة -يعني مرَّ عليها- قال: معروف (م)؛ كَتَب (م) يعني معروف.
إذَن النمل معروفٌ، منه صِغار ومنه كبار.
النحلة، ما هي؟
الطلبة: معروفة.
الشيخ: النحلة هي النحلة، معروفة.
تَقُولُ هَذَا مُجَاجُ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني العَسَل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإِنْ تَعِبْ قُلْتَ ذَا قَيْءُ الزَّنَابِيرِ
الزنبور قريب من النحلة، ومعلومٌ أنك إذا قُلْتَ: مُجاج النحل؛ يعني يرغِّب فيه، لكنْ (قَيْء) و (زنابير) أعوذ بالله.
على كل حال النحلة معروفة.
الهدهد؟
الطلبة: معروف.
الشيخ: معروف؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: ما شاء الله.
الصُّرَد، معروف ولَّا غير معروف؟
الطلبة: غير معروف.
الشيخ: هذا غير معروف، يقولون: إنه طائرٌ صغيرٌ فوق العصفور منقارُه أحمر، ويعرفه أهلُ الطيور.
الجزء: 1 - الصفحة: 3774
إذَنْ ما أُمِرَ بقتْله ظاهرٌ، ما نُهِيَ عن قتْله ظاهرٌ.
ما سُكِتَ عنه إنْ آذَى أُلْحِقَ بالمأمور بقتْله، وإنْ لم يؤذِ فهو محلُّ توقُّفٍ؛ أجازه بعضُهم قال: لأن ما سَكَت عنه الشارع فهو مما عفى عنه.
وكَرِهه بعضهم قال: لأن الله خلقه لحكمةٍ، فلا ينبغي أن تقتُله؛ مثل: الذباب، الصراصر، الخنفساء، الْجُعْلان، وما أشْبَهَ.
هذه مسكوتٌ عنها، إنْ آذتْ أُلْحِقَت بأيش؟
الطلبة: بالمأمور بقتْله.
الشيخ: بالمأمور بقتْله؛ لأن المؤذي يُقتَل، حتى من بني آدم؛ إذا جاءك مَن يقول: أعطني مالك.
لا تُعْطِه، إنْ قاتَلَك قاتِلْه، إنْ قتَلَك فأنت شهيدٌ، وإنْ قتلْتَه فهو في النار.
إذا لم تؤذِ فالأحسن ألَّا تُقتل، لكن إن كانت تؤذي مثل أن تكون صراصر في الحمام تؤذيك إذا جلسْتَ، تصعد على ساقيك وعلى ثوبك وربما تعلو على رأسك، هذه مؤذية لك أن تقتلها، الذبابُ لك أن تقتله أيضًا لأن فيه أذيَّة، فالحاصل أن قول المؤلف: (مأكولًا) ضده أيش؟
الطلبة: غير المأكول.
الشيخ: غير المأكول، غير المأكول عرفتم أقسامه.
يقول: (بَرِّيًّا) ضِدُّه البحري، فما هو البَرِّي وما هو البحري؟
ما لا يعيش إلا في الماء بحري، وما يعيش في البَرِّ وحده أو في البَرِّ والبحر فهو بَرِّي.
انتبه! ما لا يعيش إلا في الماء بحريٌّ، وما لا يعيش إلا في البرِّ أو يعيش فيهما فهو برِّي؛ لأن إلحاقه بالبرِّي أَحْوط، وقد اجتمع فيه جانبُ حظْرٍ وجانبُ إباحةٍ فغُلِّبَ جانبُ الحظْر، أفهمتم الآن.
(أصلًا) يعني: أصلُه برِّي، ولا يمنع تحريمَ قتْله أنْ يكون أهليًّا مستأنسًا؛ فمثلًا الأرنبُ صيدٌ، مأكول ولَّا غير مأكول؟
الطلبة: مأكول.
الشيخ: برِّي ولَّا بحري؟
الطلبة: برِّي.
الشيخ: برِّي.
أصْلي ولَّا غير أصْلي؟
الطلبة: أصْلي.
الشيخ: أصْلي، فالأرنب المستأنسة كالأرنب المتوحشة؛ لأن أصلها متوحِّش.
الحمامة أصلُها وحشي ولَّا إنسي؟
الطلبة: وحشي.
الشيخ: وحشي، وعلى هذا فنعتبر الأصل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3775
الشروط إذَن: أنْ يكون صيدًا مأكولًا، وأنْ يكون بَرِّيًّا، وأنْ يكون متوحِّشًا أصْلًا؛ لأن معنى (أصلًا) يعني متوحِّشًا أصلًا، ثلاثة شروط.
الدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: 95] هذا الدليل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، والصيدُ هو ما جَمَع الأوصافَ الثلاثةَ التي سمعتموها.
كذلك الدليل على هذا من السُّنة أنَّ الصعب بن جثَّامة رضي الله عنه نَزَل به النبيُّ صلى الله عليه وسلم ضيفًا في طريقه إلى مكة في حجة الوداع، وكان الصعب عدَّاءً سَبُوقًا صيَّادًا، فذهبَ وصادَ حمارَ وحشٍ، لما نَزَل به النبيُّ عليه الصلاة والسلام ضيفًا صادَ حمارَ وحشٍ، وجاء به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن الرسول ردَّه، فتغيَّر وجْهُ الصعب، وجدير به أنْ يتغيَّر أنْ يردَّ هديتَهُ محمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، تغيَّر، فعرف النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما في وجهه فقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (12). والْمُحْرِم إذا صِيدَ الصيدُ من أجْله فالصيدُ عليه حرامٌ، لكنْ هل منعَ الصعبَ مِن أكْلِهِ؟ لا؛ لأن الصعب صاده وهو حلالٌ، وصيد الحلالِ حلالٌ، لكن الذي صِيدَ له هو الذي يَحْرُم عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3776
يقول المؤلف: (ولوْ تولَّد منه ومِن غيره) يعني الصيد لو تولَّد مِن الوحشي والإنسي (ومن غيره) فإنه يكون حرامًا؛ مثل لو تولَّد شيءٌ من صيدٍ برِّيٍّ متوحشٍ وصيدٍ برِّيٍّ غيرِ متوحشٍ مستأنس أصلُه فإنه يكون حرامًا، لماذا؟ للقاعدة المشهورة: أنَّه إذا اجتمعَ في شيءٍ مبيحٌ وحاظِرٌ ولم يتميز المبيح من الحاظر فإنه يُغَلَّب جانبُ الحظر؛ لأنه لا يمكن اجتنابُ المحظور إلا باجتناب أيش؟ الحلال، فوجب الاجتناب.
يقول: (ولو تولَّد منه ومِن غيرِهِ، أو تَلِفَ في يده).
(تَلِفَ) معطوف على (قَتَلَ)؛ يعني وإنْ قَتَل أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه إذا كان في يده صيدٌ مشتملٌ على الأوصاف الثلاثة ولم يقتله، لكن أُصيبَ هذا الصيدُ بمرضٍ من الله عز وجل وتَلِف فإنه يضمنه، لماذا؟ لأنه يَحْرم عليه إمساكُه، وظاهر كلام المؤلف أنه يَحْرم عليه إمساكه ولو كان قد مَلَكه قَبْل الإحرام.
ونحن نقول: الصيد الذي في يد الْمُحْرِم إنْ كان قد مَلَكه بعد الإحرام فهو حرامٌ لا شكَّ ولا يجوز له إمساكُه، وإنْ كان قد مَلَكه قبل الإحرام وأحرمَ وهو في يده فالمذهب أنه يجب عليه إزالة يده المشاهدة لا يده الْحُكْمية.
أيش معنى مشاهدة وحُكمية؟
يعني مثلًا إذا قدَّرْنا أنه صادَ في السير في قرن المنازل، صادَ أرنبًا قبل الإحرام، وأراد أن يُحْرِم والأرنبُ معه، نقول: إنك إنْ أحرمتَ والأرنبُ معك لَزِمَك إطلاقُها.
كيف؟
نعم، يَلْزمه إطلاقُها؛ لأنه لا يمكن أن يُقِرَّ يده المشاهدة على صيدٍ وهو مُحْرِم، يُطْلِقها.
وهل يزول ملكه عنها؟
لا، لأننا نقول أَزِلْ يدك المشاهدة، وملكُكَ باقٍ عليها؛ فلو أنَّ أحدًا أخذها ثم حلَلْتَ الإحرام فإنك ترجع عليه وتأخذها، أمَّا إذا صادها بعد أنْ أحرمَ فعليه إطلاقُها، ولا تدخل ملكه أصلًا؛ لأن الْمُحْرِم يَحْرُم عليه صيدُ البرِّ الذي جمع الأوصاف الثلاثة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3777
وقوله: (أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه) ظاهِرُه: سواءٌ تَلِفَ بتَعَدٍّ منه أو تفريطٍ أو لا، وهو كذلك؛ لأن إبقاء يده عليه مُحَرَّم، فيكون كالغاصِب، والغاصِب يضمن المغصوبَ بكل حال، فهذا يضمنه بكل حال.
وقوله: (فعليه جزاؤه) سيأتينا -إن شاء الله- جزاءُ الصيدِ مفصَّلًا في كلام المؤلف.
قال: (ولا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ).
شَرَع المؤلفُ رحمه الله في ذِكْر المفهوم في كلامه السابق؛ قوله: (ولا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ) هذا مفهوم قوله: (بَرِّيًّا أصلًا).
(لا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ) مثل: الإبل، البقر، الغنم، الدجاج، نعم، كل هذه لا تَحْرُم، وعمومُ كلامه أنه لا يَحْرم ولو توحَّش؛ يعني لو أن الدجاجة فرَّتْ من أهلها وصارتْ متوحشة لا يمكن أنْ تستأنس بالآدميِّ، ثم لَحِقَها وأدركها وقَتَلها أو أمسكها، تكون حلالًا أو حرامًا؟
الطلبة: حلالًا.
الشيخ: اعتبارًا بأيش؟
الطلبة: بالأصل.
الشيخ: بالأصل، ومثلُ ذلك لو ندَّت البعير؛ إذا ندَّت البعيرُ صارتْ مثل الصيدِ تُرْمَى رمْيًا وتحِلُّ، فإذا ندَّت البعير وتوحشتْ وصارتْ كالظباء لا يمكن إمساكُها ثم أدركَها وهو مُحْرِم وقَتَلَها فهي؟
طلبة: حلالٌ
الشيخ: حلالٌ.
(لا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ) التعليل اعتبارًا بأيش؟
الطلبة: بالأصل.
الشيخ: بالأصل.
(ولا صيدُ البحرِ) لا يَحْرُم صيدُ البحر؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96]، فصيدُ البحرِ ليس حرامًا على الْمُحْرِم، إذَنْ له أن يصيد ولو كان مُحْرِما، فإذا أحرمَ من رابغ ومرَّ بسِيف (13) البحر ونَزَل وجَعَل يصيد السمكَ فهل هذا حرام؟
الطلبة: ليس حرامًا.
الشيخ: ليس حرامًا؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾.
الجزء: 1 - الصفحة: 3778
ولا يَحْرُم (قتلُ مُحَرَّمِ الأكل)؛ لأن مُحَرَّم الأكلِ لا قيمة له ولا يُسَمَّى صيدًا، كالهِرِّ؛ الهرُّ مُحرَّم الأكل، لو أنَّ شخصًا قَتَله وهو مُحْرِمٌ فليس عليه جزاءٌ، ليش؟ لأنه لا قيمة له، هذا من جهة التعليل، ولأنه ليس بصيدٍ فلا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
قال: (ولا قَتْلُ مُحَرَّمِ الأكلِ ولا الصائل).
يعني: ولا يَحْرُم قتلُ الصائل؛ يعني لو صالَ عليك غزالٌ وخفْتَ على نفسك ودفعْتَه وأَبَى إلَّا أنْ يقتلك فقتلْتَه، فهل .. ؟
طالب: لا شيء عليك.
الشيخ: لا شيء عليك؛ لأنك دفعْتَه لِأَذَاهُ، وكلُّ مدفوعٍ لأَذَاهُ فلا حُرمة له، استمعْ للقاعدة: كلُّ شيءٍ مدفوعٍ لأذاهُ فلا قيمة له.
ومِن ذلك وإنْ كان قد مضى: لو نزلتْ شعرة بعينه؛ يعني نبتتْ في الجفن من الداخل وصارتْ تنغز عينَه، ونقَشَها بالمنقاش -وقُلنا بأنَّ الشعر عامٌّ لجميع البدن- فإن ذلك لا شيء فيه، ولو انكسرَ ظُفره وصار يؤذيه، كلَّما مسَّه شيءٌ آلَمَهُ، فقصَّ المنكسِر؛ فلا شيء عليه؛ لأنه دَفَعَه لِأذاه.
الصائلُ مؤذٍ، فإذا لم يندفع إلا بالقتل فقتلْتَه فإن ذلك ليس حرامًا عليك؛ لأنك دفعْتَ أذاه، وما دُفِعَ أذاهُ فليس له قيمةٌ شرعًا، حتى لو كان آدمِيًّا وصالَ عليك ولم يندفع إلا بالقتل فلك أن تقتله.
في حال تحريم الصيد على الْمُحْرِم، لو صادَهُ في حال تحريمه عليه فهل له أكلُه؟
لا، ليس له أكْلُه؛ لأن هذا محرَّم لِحَقِّ الله.
لو غصبَ شاةً من شخصٍ وذبحها هل يَحْرُم أكلُها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيها قولان:
قولٌ: يَحْرُم قياسًا على صيدِ الْمُحْرِم.
والقول الثاني -وهو الصحيح-: أنه لا يَحْرُم؛ لأن هذا يمكن ضمانُه لصاحبه بالقيمة أو بِمِثْله، لكنه آثِم، أمَّا الصيدُ إذا قَتَله الْمُحْرِم فهو حرامٌ، هل هو حرامٌ عليه وعلى غيره أو حرامٌ عليه وحده؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3779
الشيخ: حرامٌ عليه وعلى غيره؛ لأنه بمنزلة الميتة.
لو اضطُرَّ إلى ذلك فذبح الصيد، هل يحلُّ؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يحلُّ؛ لأنه لا تحريم مع الضرورة.
فلو قال قائلٌ: لو جاء مُحْرِمٌ هالكٌ من الجوع ما بقي عليه إلا أن يموت أو يَقْتل هذه الغزالة مثلًا أو هذه الأرنب.
نقول: لك أنْ تقتلها الآن، وإذا قتلْتَها فهي حلال.
أو نقول: هي حرام؟ هل نقول: هي حرامٌ ويأكل منها بقدْر الضرورة، أو نقول: هي حلالٌ ويتزوَّد منها؟
الثاني، هي حلالٌ؛ لأنه لَمَّا أُحِلَّ قتلُها لم يؤثِّر الإحرامُ فيها شيئًا، وهي ( ... ) للضرورة؛ لأن الآدميَّ أكرمُ عند الله عز وجل من الصيد.
ما شارك فيه الْمُحْرِم غيره؛ بمعنى أنَّ هذا الصيد قَتَله رجلانِ أحدُهما مُحْرِم والثاني مُحِلٌّ، فهل يَحْرُم على الْمُحْرِم وحده دون الْمُحِلِّ أو عليهما جميعًا؟
طلبة: لا يحلُّ.
الشيخ: هل تقولون: يَحْرُم صدرُه ورأسُه ويحلُّ بطنُه وعجزُه؛ لأنه اشتركَ به اثنان فنقسمه إلى نصفين، أو الجانب الأيمن حلالٌ والجانب الأيسر حرامٌ؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: عندنا قاعدة يا إخواننا ترى .. التطبيق على القواعد مهمٌّ، اشتركَ في قَتْل هذا الصيد حلالٌ وحرامٌ، ولا يمكن تمييز الحرام من الحلال، فماذا يكون؟ إذن يَحْرُم، إذا شارك فيه فِعْلًا؛ بمعنى ساهم الحلال والحرام، اجتمعا في جسد هذا الصيد فإنه يَحْرم؛ لأنه لا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال؛ حيث إن الحرام لم يتميَّز.
هذه اثنان: الاستقلال والمشاركة.
الدلالة أو الإعانة؛ يعني الْمُحْرِم لم يشارك، لكن دلَّ أو أعانَ، والذي تولَّى الصيدَ مُحِلٌّ، فهل يَحْرُم، أو هو حلالٌ لأن الذي قتله حلال لم يشاركه فيه الْمُحْرم؟
قال العلماء: يَحْرُم على الْمُحْرِمِ الدالِّ أو الْمُعين دون غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 3780
مثال الدالِّ: هؤلاء جماعةٌ يمشون على إبلهم أو على أرجُلهم، فالتفتَ مُحْرِم منهم فنظر الصيد، فقال للمُحِلِّ: يا فلان، شوف الصيد.
فذهبَ الْمُحِل فصاده.
حرامٌ على مَن؟
طلبة: على الْمُحْرِم.
الشيخ: على الْمُحْرِم فقط؛ لأنه دلَّ عليه، ونقول للمُحْرِم: عومِلْتَ بأيش؟ بنقيض قصدك أنت الآن دلِّيت الْمُحِل، قلت: هذا حلال، أبغي يصيده لنا ونأكل عليه الكبسة.
الآن هو حرامٌ عليك، والباقون يأكلون منه.
الْمُحْرِم الآخَر الذي لم يدُلَّ يأكل ولَّا ما يأكل؟
طلبة: يأكل.
الشيخ: يأكل.
الإعانة: رأى الْمُحِل صيدًا فركب فَرَسه ليصطاده، ولكنه نسي السهمَ في الأرض أو القوسَ، فقال للمُحْرِم: ناوِلْني القوسَ.
فناوله إيَّاه فذهب فصاده، هل يكون هذا الصيد حرامًا؟
طلبة: على الْمُحْرِم.
طلبة آخرون: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) هذا رجُل مُحِلٌّ ركبَ فرسه ليصطاد صيدًا رآه هو بنفسه، لكنْ لَمَّا ركب وإذا هو قد نسي السهمَ أو القوسَ، فقال للمحرم: ناولْني من فضلك القوسَ أو السهمَ.
فأخذه وناوله إيَّاه فذهب فقتله، يحرم على الجميع؟
طلبة: على الْمُحْرِم فقط.
الشيخ: على الْمُحْرِم فقط الذي أعانَ.
وعلى الْمُحِل؟
طلبة: لا، حلال.
الشيخ: وعلى غير الدالِّ من الْمُحْرِمين؟
طلبة: حلال.
الشيخ: حلال.
كم الأقسام الآن؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ما استقلَّ به، ما شاركَ فيه، ما دلَّ عليه، ما أعانَ عليه.
إذا صاد الْمُحِلُّ صيدًا وأطعمهُ الْمُحْرِم، فهل يكون حلالًا للمُحْرِم؟
طلبة: نعم.
طلبة آخرون: فيه تفصيل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3781
الشيخ: قال بعض العلماء: إنه حرامٌ على الْمُحْرِم لعموم قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وقالوا: هذا صيدُ بَرٍّ فيحرم على الْمُحْرِم ولو كان الذي قتله حلالًا.
واستأنسوا لرأيهم هذا بحديث الصعب بن جثَّامة حين صاد حمارًا وحشيًّا فجاء به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فردَّه وقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (12)، ولم يقل: إلَّا أنَّك صِدْتَه لنا.
وقولُهم قويٌّ لا شك.
ولكن الصحيح أنه يحلُّ للمُحْرِم، وأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ﴾ أنَّ ﴿صَيْدُ﴾ مصدرٌ؛ يعني حُرِّم عليكم أنْ تصيدوا صيدَ البرِّ، وليس بمعنى: مَصِيد، وهذا الْمُحْرِم ليس له أثرٌ في هذا الصيد؛ لا دلالة، ولا إعانة، ولا مشاركة، ولا استقلال، ولا صِيدَ من أجْله، فيكون الصيدُ حلالًا.
ويؤيد ذلك قصة أبي قتادة رضي الله عنه حين ذهبَ مع سريَّةٍ له على سِيف (13) البحر في عام الحديبية، فرأى حمارًا وحشيًّا، فركبَ فرسَه، فنسي قوسَه أو رُمْحه، فقال لأحد أصحابه: ناوِلْني الرمحَ.
قال: ما أُناولك إيَّاه؛ أنا مُحْرِم.
نزل وأخذه ومشى، فضرب الصيد، فجاء به إلى أصحابه فأطعمَهم إيَّاه، ولكنه صار في قلوبهم شكٌّ، حتى وَصَلُوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فأذِنَ لهم في أكْله مع أنهم حُرُم (14). فيجمع بينه وبين حديث الصعب بن جثَّامة بأنَّ أبا قتادة صاده لنفسه، وأنَّ الصعب صاده للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الجمع أَوْلى من النسْخ؛ لأن بعض العلماء قال: إن حديث الصعب ناسخٌ لأنه متأخِّر، وقد ردَّه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: إنَّا حُرُم.
والصحيح أنه مع إمكان الجمع لا نسْخَ، والجمع ممكن.
فإذا قال قائل: أبو قتادة رضي الله عنه معه قومُه وصاد الحمار، كيف يريده لنفسه وما صاده إلا لقومه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3782
فالجواب أنَّ أبا قتادة صاده لنفْسه أصلًا ولقومه تَبَعًا، هذا إنْ لم نتجاوز ونقول: إن أبا قتادة غضب عليهم وزعل عليهم أنهم منعوا إعطاءه الرمح.
ولكن هذا بعيد، الأخير بعيد؛ لأنهم ما امتنعوا بُخْلًا بمعونتهم، ولكن امتنعوا لسببٍ شرعيٍّ؛ قالوا: إنَّا حُرُم ما نُعطيك إيَّاه.
فلا أظُن أبا قتادة يكون في نفسه شيءٌ عليهم فيريد أن يختصَّ بالصيد، ولكنه وقع في نفسه أنه صاده لنفسه وسيُطعم أصحابه، بخلاف الذي لم يَصِد الحمار إلا للرسول صلى الله عليه وسلم، فبين القصْدينِ فرقٌ عظيمٌ، وهذا الذي يكون به الجمع بين الأدلة.
طالب: شيخ، لماذا ( ... ) أبي قتادة لم يسألوا أبا قتادة عن لماذا صاد الصيد هذا ( ... )؟
الشيخ: الأصل عدم السؤال.
طالب: صيد النهر والبحر، أو .. ؟
الشيخ: كلُّ ما لا يعيش إلا في الماء فهو صيدُ بحرٍ.
الطالب: بس يُسمى بحرًا يا شيخ؛ النهر؟
الشيخ: الماء، العلماء يقولون: الماء.
الطالب: الوادي.
الشيخ: الوادي ييبس، فالقاعدة ما عليه من نهر، بحر، وادٍ، سَمِّه ما شئت، كلُّ ما لا يعيش إلا بالماء فهو حيوان بحري.
طالب: اللي مَلَكها قبل الإحرام ( ... )؟
الشيخ: فيه قول ثانٍ: أنه يبقى ملكه ولا يَلْزمه الإزالةُ، قياسًا على صيد الْحَرَم؛ فإن صيد الْحَرَم إذا دخلَ به الإنسانُ إلى الحِلِّ فهو ملكه يبيع ويشتري فيه ولا حرج.
طالب: الصائل؛ ما قُتِلَ لدفْع أذيَّته، هل يأكله؟
الشيخ: ماذا تقولون في هذا السؤال الوجيه الغريب؟ يقول: إذا قتلتُ الصائلَ دفعًا عن نفسي فهل آكُلُه؟
أفهمتم السؤال؟ ما قُتِلَ لدفع أذاه هل يكون حلالًا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3783
نقول: إن قُتِل قتلًا دون ذكاةٍ شرعيَّةٍ فهو حرامٌ، كما فعل رجلٌ من الناس صالَ عليه ثورٌ، والثور له قرونٌ فرصَّه على الجدار -جدار الحوش- فالرجل ماذا يفعل الآن؟ ثور رصَّه على الجدار، ولكن الرجل كان قويًّا، فأمسك برأسه -برأس الثور- ولفَّ به كما يلف صاحب السيارة بالدركسيون، فلما فعل ذلك انكسر نُخاعه، سقط ميتًا، هذا لا يحِلُّ، لماذا؟ لأنه لم يُذَكَّ ذكاةً شرعيةً، لكن إنْ ذُكِّى ذكاةً شرعيةً كما فعلَ جحدر بن مالكٍ من الخوارج؛ أمسكه الحجاج بن يوسف الثقفي -والحجاج بن يوسف تعرفون قصصه، شديدٌ وغليظٌ- فحبسه، ثم جاء إليه أناسٌ يشفعون فيه فقال: لا أُخرجه إلا إذا غَلَبَ الأسدَ، فأتى بأسدٍ عظيمٍ وأجاعه خمسة عشر يومًا -هذا الأسد- ثم أطْلَقه على جحدر بن مالكٍ في مكانٍ محوط، فلمَّا رآه الأسد قال: هذه فريسة.
فزَأَرَ زئيرًا عظيمًا شديدًا، ثم قفز يريد أن يضرب على هذا الرجل وإذا هو في الأرض -وقال له: أنا سأعطيه سيفًا بيد وأغُلُّ يده الأخرى ما يتحرك فيها، اللي هو جحدر بن مالك- فلمَّا قفز الأسدُ زائرًا عليه، زائرًا زائرًا، وإذا بجحدرٍ قد أمسكَ السيفَ من تحت لَبَّته -لَبَّة الأسد- وطعنه، هذاك الأسد جاءٍ بقوة وهذا ( ... ) بقوة، فغاص السيف في نحر الأسد فسقط الأسد ميتًا، سبحان الله! الإنسان اللي يُقبِل عليه الأسد زائرًا غير زائرٍ ولَّى وهرب، لكن هذا سبحان الله! بعض الناس قلوبهم حجارة.
المهم، ما تقولون في الأسد، هل هو حلالٌ أمْ لا؟ لأنه ضربه في المذبح.
طالب: عشان سبع حرام.
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام بكل حال.
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، لو قدَّرْنا أن هذا جَمَلٌ وضربه في نَحْره وأَنْهَرَ الدمَ وسمَّى اللهَ؟
الطلبة: حلال.
الشيخ: حلال؛ لأنه قصد التذكية مع الدفاع عن النفس، لكنْ لو غاب عن ذهنه قصْد التذكية ولم يقصد إلا الدفاع عن نفسه فحينئذٍ يكون حرامًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3784
ولهذا -لاحِظوا هذه المسألة- لا بدَّ من قصْدِ التذكية، لو أرسلتَ سكينًا هكذا على شيءٍ من الأشياء فأصابت شاةً عند مذبحها وأنهرت الدم، هل تحِلُّ؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ولذلك كانت ذكاةُ المجنون غير صحيحة ليش؟
طلبة: ما يقصد.
الشيخ: يعني ما عنده قصْد، وذكاة السكران غير صحيحة لأنه ما عنده قصْد، فلا بدَّ من القصد.
إذن فهمنا جوابك الآن، ويش ترى الجواب؟
طالب: الجواب إذا كانت ذكاة شرعية.
الشيخ: إذا قَتَله بغير ذكاةٍ شرعيةٍ فهو حرام، وإنْ قَتَله بذكاةٍ شرعيةٍ قاصدًا التذكية فهو حلالٌ، وإن لم يقصد التذكية فهو حرام.
طالب: ( ... ) شاة، فأتى سبعٌ فعضَّها، فستموت، فهل يجوز أنْ يذكيها؟
الشيخ: تسأل هذا السؤال؟ ! تقرأ أية المائدة: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].
الطالب: مُحْرِم هو؟
الشيخ: الشاة ما تَحْرُم على الْمُحْرِم.
الطالب: وحشية يا شيخ.
الشيخ: فيه شاة وحشية! ما سمعتُ بشاةٍ وحشيةٍ إلا الليلة.
الطالب: تيس الجبل.
الشيخ: هذه نوع من الظِّباء، اللِّي يسمُّونها: العنوزة، ولَّا: عنْز، هذه نوع من الظِّباء، ما هي شاة.
الطالب: تحل له؟
الشيخ: ( ... ) ما تحِلُّ، هذه ما تحِلُّ أصلًا.
لكن فيه مسألة ذكرها الفقهاء، مسألة غريبة؛ لو كان عنده مَيْتة، وأمامه ظبيٌ، وهو مضطرٌّ الآن في غاية الضرورة، ولا بدَّ له إمَّا أن يأكل الميتة أو يصيد الظبي ويأكله، ماذا يصنع؟
طلبة: يصيد الظبي.
الشيخ: يصيد الظبي؟ متفقون على هذا؟
طلبة: نعم.
طالب: اختلفوا، فيها قولان.
الشيخ: قولان، ما خلاه يمين ولا يسار، وأنت ويش رأيك؟
الطالب: كل ( ... ) هذا محرَّم، وهذا للضرورة.
طالب: هذا محرَّم ( ... ).
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: على كلِّ حال الشيخ تخلَّص من هذا بأن في المسألة قولين، والمسألة فيها قولان:
منهم مَن قال: يقدِّم أكْل الميتة ويَدَع الصيد يمشي.
الجزء: 1 - الصفحة: 3785
ومنهم مَن قال: يقدِّم الصيد؛ لأن بإمكانه أنْ يذكِّيه ذكاةً شرعيةً، والمذكَّى خيرٌ من الميتة.
طالب: وعليه جزاء؟
الشيخ: ما عليه جزاء؛ لأنه مباحٌ له.
الآن يا جماعة هذه المسألة فيها خلاف؛ بعضهم قال: يقدِّم الميتة؛ لأن الميتة الآن صارتْ حلالًا في حقِّه؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 115]، والصيد الآن محترم؛ لأن هذه الميتة أصبحت في حقه كأنها لحمُ مُذَكَّاةٍ، فيكون ليس بضرورةٍ للصيد فيحْرُم عليه الصيد.
القول الثاني: أنه يقدِّم الصيد؛ لأن الميتة حرمت لخبثها، حرَّمها الله عز وجل لأنها ضارَّةٌ رجسٌ، والصيد حُرِّم لاحترامه وحقِّ الله عز وجل، وقد أحلَّ الله لنا ذلك، سامحَ في حقِّه، فإذا صِيدَ فإنه يكون صيدًا طيِّبًا مُذَكًّى، والمذكَّى حلالٌ، حتى ولو قُلنا بأنه إذا صاده في هذا الحال فعليه جزاء؛ لأنه أذهبَ حياتَه لمصلحةِ نفسِه، فهو كحلْق شعر الرأس إذا خاف منه أيش؟ الأذى، أو قُلنا بأنه في هذه الحال ليس بمحرَّم فلا جزاء فيه.
والذي يظهر لي أن يقدِّم الطيِّب الذي أحلَّه الله؛ لأنه الآن أمامك شيئان أحدُهما حلال، فما الذي تختار: أتختار القذر النجس، أمْ تختار الطيِّب الطاهر؟
طلبة: الطيِّب الطاهر.
الشيخ: الثاني، ولهذا الصحيحُ أنه في هذه الحال يقدِّم الصيد.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: ويحرُمُ عَقْدُ نكاحٍ ولا يصحُّ، ولا فِدية، وتصِحُّ الرجعةُ.
وإنْ جامَعَ الْمُحْرِم قبل التحلُّلِ الأولِ فَسَدَ نُسُكُهما ويمضيان فيه ويقضيانه ثاني عام.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى أله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
الجزء: 1 - الصفحة: 3786
سَبَق لنا الكلام على المحظور السادس وهو قَتْل الصيد إذا جَمَع ثلاثةَ أوصافٍ: أنْ يكون مأكولًا، وأنْ يكون برِّيًّا، وأنْ يكون متوحِّشًا أصلًا، وبيَّنَّا أنَّ البحري يجوز صيدُهُ للمُحْرم، وأنَّ الإنسي الأهلي كالدجاج يجوز ذبْحُه للمُحْرِم وصيدُه أيضًا فيما لو ندَّ، وأنَّ مُحَرَّم الأكل لا يَحْرُم على الْمُحْرِم.
وذكرْنا أنَّ محرَّم الأكل ثلاثة أقسام: ما أُمِرَ بقَتْله، وما نُهِيَ عن قَتْله، وما سُكِتَ عنه، وبيَّنَّا حُكْم كلِّ واحدٍ من هذا، ولا حاجة إلى الإعادة.
وبيَّنَّا أنه يجوز للإنسان أن يقتل الصائل عليه من الصيول التي تَحْرُم على الْمُحْرِم؛ لأن هذا من باب الدفاع عن النفس، ولكن كل ما أُبِيحَ إتلافُه لصَوْله فإنه يُدافع بالأهون فالأهون؛ إذا أمْكنَ دفعُه بغير قَتْلٍ دُفِعَ وإلَّا قُتِل.
بسم الله الرحمن الرحيم، نبدأ بدرس الليلة إن شاء الله، وهو المحظور السابع: عقد النكاح.
قال المؤلف: (ويَحْرُم عَقْد نكاحٍ على الذكور والإناث).
ودليل ذلك قول النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَنْكِح الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَح وَلَا يَخْطُبُ» (15)، فعقْد النكاح من محظورات الإحرام سواء كان الْمُحْرِمُ الوليَّ أو الزوجَ أو الزوجةَ، فالحكم يتعلَّق بهؤلاء الثلاثة: الولي، الزوج، الزوجة.
أمَّا الشاهدانِ فلا تأثير لإحرامهما، لكنْ يُكْره أنْ يحضرا عقده إذا كانا مُحْرِمَين، ولكن الْمُحَرَّم هو أنْ يكون الولي أو الزوج أو الزوجة، فإنَّ عَقْد النكاح في حقِّ الْمُحْرِم منهم حرامٌ، والدليل كما سمعتموه حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَنْكِح الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَح وَلَا يَخْطُبُ».
فإن عَقَدَ محِلٌّ لِمُحْرِمة فالنكاح حرام ولَّا غير حرام؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: محلٌّ لِمُحْرِمة؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: النكاح حرام.
عَقَد مُحْرِم على مُحِلَّة؟
الطلبة: حرام.
الجزء: 1 - الصفحة: 3787
الشيخ: حرام.
عَقَد مُحْرِم لِمُحِلٍّ ومُحِلَّة؛ يعني الزوجان حلال؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام أيضًا، والدليل هو هذا.
فإن قال قائل: كيف نقول هذا وقد ثبتَ أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ (16)، روى ذلك عبد الله بن عباس ابنُ أخت ميمونة، وهو عالِمٌ بحالها.
قُلْنا: الجواب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: سبيلُ الترجيح، والوجه الثاني: سبيل الخصوصية.
أمَّا الأول -وهو سبيل الترجيح- فإن الراجح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوَّج ميمونة وهو حلالٌ لا حرام ٌ، والدليل على هذا أن ميمونة نفسها روتْ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تزوَّجها وهو حلالٌ (17)، وأن أبا رافعٍ السفيرَ بينهما -يعني الواسطة بينهما- أخبرَ أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم تزوَّجها وهو حلال، وعلى هذا فيُرجَّح ذلك؛ لأن صاحب القصة والمباشر للقصة أدرَى بها مِن غيره.
فأمَّا حديث ابن عباس فإننا نقول: إن ابن عباس لم يعلم بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تزوَّجها إلا بعد أن أَحْرم الرسولُ، فظنَّ أن الرسول تزوَّجها وهو مُحْرِم بناءً على عِلْمه حيث لم يعلم إلا بعد أن أحرمَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الوجه كما ترون قويٌّ واضحٌ ولا إشكال فيه.
الجواب الثاني: أن مِن خصائص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنْ يتزوَّج وهو مُحْرِم؛ لأنه أَمْلَكُ الناسِ لإرْبِهِ، غيرُه لو تزوَّجَ وهو مُحْرِم لدعته نفسُه وشدةُ شهوته أنْ يتَّصِل بامرأته وربما جامَعَها، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام مُحَالٌ منه ذلك، فهو أَمْلَكُ الناسِ لإرْبِهِ، فكان تزوُّجُه في حال الإحرام من أيش؟
الطلبة: خصائصه.
الشيخ: من خصائصه، والرسول عليه الصلاة والسلام له في النكاح خصائصُ متعدِّدة.
وهل حَمْلُه على التخصيص أَمْرٌ غريبٌ بحيث لا نوافق عليه أو لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3788
الجواب: لا، ليس أَمْره غريبًا، ولكنْ ما الرأي إذا تعارضَ التخصيصُ والترجيحُ، أيُّهما أَوْلى؟
الطلبة: الترجيح.
الشيخ: الترجيح أَوْلى؛ لئلَّا يخرج النبي صلى الله عليه وسلم بحكمٍ خاصٍّ عن أُمَّته، والأصل عدم الخصوصية، فإذَنْ يكون مَسْلكُ الترجيح أَوْلى؛ وهو أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تزوَّج ميمونة وهو حلال.
يقول المؤلف: (ولا يصِحُّ) الضمير في (لا يصحُّ) يعود على العَقْد؛ يعني لو عُقِدَ على امرأةٍ مُحْرِمةٍ لزوجٍ حلالٍ فالنكاح لا يصحُّ، ولو عُقِدَ لزوجٍ مُحْرِم على امرأةٍ حلالٍ فالنكاح لا يصحُّ، ولو عُقِدَ لرجلٍ مُحِلٍّ على امرأةٍ مُحِلَّةٍ والوليُّ مُحْرِم لم يصحَّ النكاح، لماذا؟ لأن النهي واردٌ على عين العقد، وما ورد النهي على عينه فإنه لا يمكن تصحيحه؛ إذْ لو قُلنا بتصحيح ما ورد النهيُ على عينه لكان هذا من المحادَّةِ لله ولرسوله؛ لأن ما نهى الشارعُ عنه إنما يريد من الأُمَّة عدمَه، فلو أمضيناه لكُنَّا مضادِّين لله ورسوله، وعلى هذا فلو عُقِد النكاح فإنه لا يصحُّ.
وماذا لو أنه عُقِد النكاح في حال الإحرام، ثم بعد الإحلال دخل الرجل بزوجته وأنجبت منه أولادًا، هل نُمضي العقد، أو نقول: إنه لا بدَّ من عقد جديد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، ويكون وَطْؤُه الأول وطْئًا بشُبْهة وأولادُه أولادًا شرعيين، يُنسَبون إليه شرعًا كما هم منسوبون إليه قَدَرًا.
يقول: (ولا فِدية)، يعني ليس فيه فِدية، ما هو الدليل؟
الدليلُ على عَدَمِ الفِدية عدمُ الدليل.
اشرح لنا هذا الكلام؟
طالب: الدليل على عدم .. معروف.
الشيخ: اشرحْ لنا، أنا أتعلَّم.
الطالب: أي: الدليل على أنه لا فِدية ..
الشيخ: في عقد النكاح، الدليل عدم الدليل أيش؟
الطالب: وضَّحناها.
الشيخ: أعِدْها؛ بعض الناس يكون بليدًا ما يفهم إلا بمرة، مرتين.
الطالب: قلنا: ( ... ) شيخ، الدليل على عقد النكاح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3789
الشيخ: لا، الدليل على أنه لا فِدية في عقد النكاح هو عدم الدليل.
الطالب: الدليل يعني الدليل على أنه إذا عقد الرجل على امرأته بصورة من الصور الثلاثة؛ الأركان الثلاثة، لا فِدية فيه، دليل ذلك عدم الدليل.
الشيخ: ويش معنى عدم الدليل؟
الطالب: يعني ما فيه دليل يُوجب الفدية.
الشيخ: أحسنت، الدليل عدم الدليل؛ أي إنه ليس هناك دليل يوجب الفدية، والأصل أيش؟ الأصل براءة الذِّمة وعدم الوجوب.
فإذا قال قائل: إذا أخذتم بهذا الأصل فقولوا: إذن لا فدية في الطِّيب، ولا فدية في اللباس؛ لأنه ما فيه دليل على أنها فيها فدية، إنما وردَ الدليلُ بحلْق الرأس وجزاء الصيد، فأين الدليل على وجوب الفدية في لبس القميص والسراويل والبرانس والعمائم والخِفاف؟ ليس فيها إلا النهي.
ما هو الدليل؟
الدليل يقولون: هو القياس؛ لأن العِلَّة عندهم في تحريم حلْق الرأس هو الترفُّه، والإنسان يترفَّه باللباس.
والحقيقة أن هناك قولٌ أخَر في عقد النكاح أنَّ فيه الفدية قياسًا على اللباس، وقالوا: إنَّ ترفُّه الإنسانِ بعقد النكاح أشدُّ.
يعني ما شعور الإنسان إذا عُقِدَ له على فتاةٍ يرغبها، أو لبس ثوبًا؛ قميصًا باليًا ممزَّقًا، أيش يكون؟ الأول أشدُّ ولَّا الثاني؟
الطلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ الأوَّل يكاد يمشي على الهواء من شِدَّة الفَرَح، وهذا بالعكس.
على كل حالٍ القولُ بأن الدليل عدمُ الدليل قولٌ تطمئن إليه النفس، ولهذا نرى أن عقد النكاح ليس فيه فدية، لكنْ فيه الإثم وفيه فسادُ النكاح.
إذا قال قائل: إذا عَقَد وهو لا يدري أنَّ عقد النكاح في حال الإحرام حرام؟
فلا إثم، كما سيأتي إن شاء الله.
ولكنْ هل يصحُّ النكاح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن العقود يُعتبر فيها نفس الواقع.
ثم قال: (وتصِحُّ الرجعة).
الرجعة أيش؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3790
يعني أن يُراجع الإنسانُ مُطَلَّقته التي له الرجعة عليها؛ مثال ذلك: رجلٌ أحرمَ بعمرةٍ أو حجٍّ وكان قد طلَّقَ زوجته طلاقًا رجعيًّا، فأراد أن يراجعها، فجاء يسأل يقول: أنا أُريد أنْ أُراجِع زوجتي، فهل أُراجعها وأنا مُحْرِم؟
نقول: نعم، لا حرج، تصِحُّ الرجعة، وتُباح الرجعة أيضًا، فهُنا فرَّقْنا بين ابتداء النكاح وبين استدامة النكاح، وذلك لأن الرجعة لا تُسَمَّى عقْدًا، وإنما هي رجوع، ولأن الاستدامة أقوي من الابتداء.
أرأيتم الطِّيب يجوز للمُحْرِم عند عقد الإحرام أن يتطيَّب ويُحْرِم والطِّيب في مَفَارِقِه؟
يجوز، لكنْ لو أراد أنْ يبتدئ الطِّيب من جديدٍ قلنا: لا يجوز؛ لأن الاستدامة أيش؟ أقوى من الابتداء، وهُنا حصل لنا فرعانِ على هذه القاعدة في محظورات الإحرام: الفرع الأول ما هو؟ أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الفرع الأول ( ... ) قبل.
طالب: الطيب.
الشيخ: الطيب؛ يستديمه ولا يبتدئُهُ.
الفرع الثاني: النكاح؛ يستديمه ولا يبتدئُهُ.
يستديمه بماذا؟ بالمراجعة؛ إذا كان قد طلَّق زوجته وراجعها في حال الإحرام فالرجعة حلالٌ وتصحُّ، بخلاف العقد.
ثم قال: (وإنْ جامَعَ الْمُحْرِم قَبْل التحلُّلِ الأولِ).
هذا المحظور الثامن: الجماع، وهو أشدُّها إثمًا، وأعظمُها أثَرًا في النُّسُك.
ويحصُل الجِماع بإيلاج الحشفة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، فإذا أولَجَ الإنسانُ الحشفة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ فهذا هو الجماع، وهو محرَّم بنص القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197]، فسَّره ابن عباس رضي الله عنهما بالجماع (18).
والجماع له حالان:
الحال الأولى: أنْ يكون قَبْل التحلُّل الأول.
والحال الثانية: أنْ يكون بعد التحلُّل الأول.
فإن كان قبل التحلُّل الأول فاستمِعْ ما يترتَّب عليه، ولكنْ قَبْل أن نذكر ما يترتَّب عليه، لِنَعْرِفْ ما هو التحلُّل الأول، بماذا يكون؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3791
التحلُّل الأول يكون في الحج برمْي جمرة العَقَبة، فإذا لم يَرْمِ الجمرةَ فإنه في إحرامٍ تامٍّ، وإذا رمى الجمرةَ حلَّ التحلُّلَ الأولَ عند كثيرٍ من العلماء، وعند آخَرين لا يحِلُّ إلا بالرمْي مضافًا إليه الحلْقُ أو التقصيرُ، فإذا حَلَق أو قصَّرَ مع الرمي فقد حلَّ التحلُّل الأول.
وبماذا يكون التحلُّل الثاني؟
يكون التحلُّل الثاني -بالإضافة إلى الرمي والحلق أو التقصير- بالطواف والسعي إنْ كان متمتِّعًا أو مُفْرِدًا أو قارنًا ولم يكنْ سعى مع طواف القدوم.
فصار التحلُّل الأول يحصل بماذا؟ بالرمي، والحلق أو التقصير.
والثاني بالرمي، والحلق أو التقصير، والطواف، والسعي.
أربعة أو خمسة؟
طلبة: أربعة.
طالب: خمسة.
الشيخ: الرمي، الحلق أو التقصير، الطواف، السعي.
بقي علينا مما يُفعل يوم النحر ذبحُ الهدي، هذا لا علاقة له بالتحلُّل، يمكن أن تتحلَّل التحلُّل كُلَّه وأنت لم تذبح الهدي؛ لأنه لا علاقة له بالتحلُّل.
فيقول المؤلف: (إن جامَعَ قَبْل التحلُّل الأول فَسَدَ نُسُكُهما، ويمضيانِ فيه، ويقْضِيانِهِ ثاني عام).
هذه ثلاثة أحكام، وبقي حُكمانِ: الإثم، والفِدية؛ وهي بَدَنة.
فصار الجماع قَبْل التحلُّل الأول يترتَّب عليه خمسة أمور:
الأول: الإثم.
والثاني: فسادُ النُّسُك.
والثالث: وجوبُ المضِيِّ فيه.
والرابع: وجوبُ القضاء.
والخامس: الفِدية، وهي بَدَنة، ما هي شاة، بَدَنةٌ تُذْبح في القضاء.
مثال ذلك: رجلٌ جامَعَ زوجتَه ليلةَ مزدلفة في الحجِّ، ماذا نقول له؟ يعني عالِمًا عامدًا ما له عُذر.
نقول: الآن ترتَّب على جِماعك خمسةُ أمور:
الأول: الإثم، فعليك التوبة.
الثاني: فساد النُّسُك، فلا يُعتبر هذا النُّسُك صحيحًا.
الثالث: وجوبُ الْمُضِيِّ فيه، فيجب أن تكمله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196].
الرابع: وجوب القضاء من العام القادم بدون تأخير.
الجزء: 1 - الصفحة: 3792
والخامس: فديةٌ؛ بَدَنةٌ تُذبح في القضاء.
يجب عليك كل هذه الخمسة؛ لأنه جامَعَ أيش؟ قبل التحلل الأول.
فأمَّا الإثم فظاهرٌ أنه يترتَّب على فِعْله؛ لأنه عصى الله عز وجل في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
وأمَّا فسادُ النُّسُك فلِقضاء الصحابةِ رضي الله عنهم في ذلك، ووردَ فيه أحاديث مرفوعة لكنها ضعيفة، إنما هو صحَّ عن الصحابة.
وكذلك وجوبُ المضِيِّ فيه، صحَّ ذلك عن الصحابة عن عمر وغيره، وذهبت الظاهرية إلى أنه يفسد نُسُكُه ويَبْطُل، ينصرف، ولا يُمْكن أن يقضي نُسُكًا فاسدًا؛ لأنهم يقولون: هل الفاسد عليه أمْرُ الله ورسوله؟ إنْ قلتَ: نعم، لَزِمَ مِن ذلك أن الله ورسوله يأمرانِ بالفساد، وإنْ قلتَ: لا، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (19)، والمردود لا فائدة من فِعْله؛ ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147]، إذَن انصرفْ.
وقال بعض العلماء من التابعين: يتحلَّل بعُمرة، الحجُّ فَسَدَ الآن، فيتحلَّل بعُمرةٍ ويقضي، يجعلون هذا بمنزلة مَن فاتَهُ الوقوف بعرفة فإنه يتحلَّل بعُمرةٍ ويحلُّ.
لكن لا شك أن الصحابة رضي الله عنهم أعمق منا علمًا وأسد منا رأيًا، فهُمْ إلى الصواب أقربُ مِنَّا إليه، فنأخذ بأقوالهم ونقول: يفسد ويَلْزمُك الْمُضِيُّ فيه.
وفي هذا سدٌّ لباب أهل الشرِّ والفساد؛ لأنه ربما إذا قُلنا: إذا فسدَ فانصرِفْ، لا يُهِمُّه أنْ يأثم؛ يجامع من أجْل أيش؟ أن ينصرف ويُجامع زوجتَه متى شاء، فإذا سَدَدْنا عليه الباب وقُلنا: يَلْزمك الْمُضِيُّ، كان في هذا حِكْمة لتأديبه وردْعِه.
وإذا مضى في هذا الفاسد فهل حُكْمه حُكم الصحيح في بقية .. ؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3793
نسك فاسد؛ لأنهم يقولون: هل الفاسد عليه أمر الله ورسوله؟ إن قلت: نعم، لزم من ذلك أن الله ورسوله يأمران بالفساد، وإن قلت: لا، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (1). والمردود لا فائدة من فعله، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ إذن انصرف ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147] انصرف.
وقال بعض العلماء من التابعين: يتحلل بعمرة، الحج فسد الآن، فيتحلل بعمرة ويقضي، يجعلون هذا بمنزلة من فاته الوقوف بعرفة، فإنه يتحلل بعمرة ويحل، لكن لا شك أن الصحابة رضي الله عنهم أعمق منا علمًا، وأسد منا رأيًا، فهم إلى الصواب أقرب منا إليه، فنأخذ بأقوالهم، ونقول: يفسد، ويلزمك المضي فيه، وفي هذا سد لباب أهل الشر والفساد؛ لأنه ربما إذا قلنا: إذا فسد فانصرِف لا يهمه أن يأثم، يجامِع من أجل أن ينصرف، ويجامع زوجته متى شاء، فإذا سددنا عليه الباب وقلنا: يلزمك المضي كان في هذا حكمة لتأديبه وردعه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3794
وإذا مضى في هذا الفاسد، فهل حكمه حكم الصحيح في بقية المحظورات أو لا؟ نعم، يمضي في الفاسد، ويكون حكمه حكم الصحيح في كل ما يترتب عليه من محظورات وواجبات وغير ذلك.
طالب: الراجح أن يتحلل يا شيخ؟
الشيخ: الراجح أنه يمضي.
الطالب: لا، أنت ذكرت أن هناك مسألتين، قلت: التحلل فيه قول ( ... ) في رمي الجمار الأول.
الشيخ: إي نعم، أحسنت، مسألة التحلل؛ التحلل الأول، هل يحصل بالرمي وحده أو يحصل بالرمي والحلق؟ الصحيح أنه لا يحصل إلا بالرمي والحلق، وإن كان الحديث: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ» (2). فيه ضعف، لكنه يؤيده حديث عائشة في الصحيحين: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يُحرم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت (3). ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولِحِلِّه قبل أن ينحر ويحلق، فلما قالت: قبل أن يطوف بالبيت عُلِم أن الطواف بالبيت يباشر التحلل، ويعقبه، وهذا يقتضي أنه لا يحل إلا إذا رمى وحلق، بل ولو قال قائل: ونحر إذا كان معه هدي لكان قولًا جيدًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال حينما راجعه الصحابة في التحلل قال: «إِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (4).
فلو قال قائل: بأن سائق الهدي يتوقف إحلاله على ذبحه لكان له وجه، أفهمتم الآن تمامًا؟ إذا جامع قبل التحلل الأول ترتب عليه؟
طالب: خمسة أمور.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: الإثم.
الشيخ: الإثم، فساد؟
الطالب: فساد النسك.
الشيخ: النسك.
الطالب: وجوب المضي فيه.
الشيخ: وجوب المضي فيه.
الطالب: الفدية.
الشيخ: الفدية، الفدية في القضاء، إذن وجوب القضاء من العام القادم، الفدية في القضاء.
طالب: الفدية في الحج القادم يا شيخ تجزئ؟
الشيخ: كله من أقوال الصحابة.
طالب: توجيه قول الظاهرية أنه بني على فاسد؟
الشيخ: إي نعم، الرد عليه يعني؟ الرد عليه كما قلنا: اتباع الصحابة أحسن من القياس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3795
لم يذكر المؤلف -رحمه الله- ما إذا جامع بعد التحلُّل الأول، لكن ذكره غيره، قالوا: إذا جامع بعد التحلل الأول، فإنه يجب عليه أن يخرج إلى الحل ويُحرم؛ يعني: يخلع ثياب الحل ويلبس إزارًا ورداءً ليطوف طواف الإفاضة محرمًا، لماذا؟ قالوا: لأنه فسد إحرامه؛ يعني فسد ما تبقى من إحرامه، فوجب عليه أن يُجدده، وهل عليه فدية؟ الجواب: عليه فدية، وسيأتي -إن شاء الله- بيان الفدية فيما بعد، إذن، إذا جامع بعد التحلل الأول ترتب عليه أمور: الإثم، وفساد الإحرام، ووجوب الخروج إلى الحل ليحرم منه، والفدية.
هذا إذا جامع، متى؟ بعد التحلل الأول، مثاله: رجل رمى وحلق يوم العيد، ثم نام مع أهله وجامعهم قبل أن يطوف ويسعى، نقول: هذا جامع بعد التحلل الأول فعليه الإثم، وعليه الفدية، وفسد إحرامه، وعليه الخروج إلى الحل ليُحرم من هناك، فإذن يطوف محرمًا، أو بثيابه؟ قالوا: يطوف محرمًا؛ لأن إحرامه فسد.
ثم قال المؤلف: (وتحرم المباشرة)، وهذا هو المحظور التاسع، وهو آخر المحظورات، تحرم المباشرة؛ يعني مباشرة النساء لشهوة أو لغير شهوة؟ لشهوة، أما المباشرة لغير شهوة، كما لو أمسك الرجل بيد امرأته، فهذا ليس حرامًا، بدون شهوة، لكن مراده المباشرة بشهوة، سواء كانت باليد، أو بأي جزء من أجزاء البدن، لكنها ليست جماعًا، لم يجامع، هي حرام؛ فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه، وعليه بدنة.
المباشرة أيضًا إما أن تكون قبل التحلل الأول أو بعده، إن كانت قبل التحلل الأول، ترتب عليها أمران: الإثم، والفدية، وما هي الفدية؟ الفدية بدنة كفدية الجماع، لكن النسك لا يفسد، والإحرام لا يفسد، إنما عليه الإثم والفدية؛ وهي بدنة، هذا إذا باشر فأنزل، فإن باشر ولم يُنزل، بل أمذى، أو كان له شهوة، ولكن لم يمذِ، ولم يُنزِل فليس عليه بدنة، وإنما عليه فدية أذى، كما سيذكر إن شاء الله فيما بعد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3796
فصارت المباشرة الآن توافق الجماع في شيء وتخالفه في أشياء؛ توافق الجماع في أن الفدية فيها بدنة، وتخالف الجماع في أنها لا تفسد النسك ولا الإحرام، ولا يجب القضاء.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على وجوب البدنة فيها؟
قلنا: الدليل القياس على الجماع؛ لأنها إذا قارنها الإنسان صارت فعلًا موجبًا للغسل، فأوجب الفدية كالجماع؛ يعني كما أن الجماع يُوجِب الغسل؛ فالفدية بإنزال تُوجِب الغسل فلزم فيها بدنة، وإلا ليس فيها نص ولا أقوال للصحابة، لكن قاسوها على الجماع من هذه الناحية؛ أن الجماع موجب للغسل، والمباشرة إذا قارنها الإنزال أوجبت الغسل.
ولكن هذا القياس ضعيف؛ لأنه كيف يُقاس فرع على أصل يخالفه في أكثر الأحكام، الآن المباشرة مع الإنزال لا توافق الجماع إلا في مسألة واحدة؛ وهي وجوب الغسل، وإلا فلا توافقه في وجوب الحد، ولا في أي شيء من الأحكام، حتى فساد الصيام بها مع الإنزال مختلف فيه، فلا يصح أن يقاس فرع على أصل يخالفه في أكثر الأحكام؛ لأنه يقال: ما السبب أنك ألحقته به في هذا الحكم مع أنه يخالفه في أحكام أخرى، لماذا لا تجعله مخالفًا له في هذا الحكم كما خالفه في الأحكام الأخرى؟ !
ولذلك كان الصحيح أن المباشرة لا تجب فيها البدنة، ليس فيها بدنة، فيها ما في بقية المحظورات، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3797
وقول المؤلف: (لكن يُحرم من الحل لطواف الفرض)، هذه يظهر أنها سبقة قلم من الماتِن رحمه الله؛ لأن هذا الحكم المستدرك لا ينطبق على المباشرة، ينطبق على الجِماع بعد التحلل الأول، لا ينطبق على المباشرة أصلًا، فكأن الماتن -رحمه الله- حصل منه سبقة قلم فنقل حكم الجماع بعد التحلل الأول إلى المباشرة مع الإنزال، والإنسان بشر ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، فهذه العبارة الأصح أن تُنقل إلى الجماع بعد التحلل الأول، هو الذي ذكر أهل العلم أنه يفسد به الإحرام، وأنه يجب أن يخرج إلى الحل؛ ليحرم منه فيطوف محرمًا.
ثم قال: (وإحرام المرأة كالرجل) في أيش؟ في أنه يحرم عليها ما يحرم على الرجال، ويلزمها من الفدية ما يلزم الرجال إلا ما استثني.
قال: (إلا في اللباس) فليست كالرجل؛ لأن الرجل لا يلبس القميص ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف، والمرأة تلبس ذلك ولا إثم عليها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: تلبس العمامة، لكن عمامتها خمار.
قوله: (إلا في اللباس) يعني فلا يحرم عليها اللباس، لكن يحرم عليها نوع واحد من اللباس، وهو القفازان؛ فإنها لباس اليدين وهي حرام عليها.
ولهذا قال المؤلف: (وتجتنب البرقع والقفازين)، لو قال المؤلف: (البرقع والنقاب)، أو قال: (النقاب) فقط أحسن من اقتصاره على البرقع فقط؛ لأن البرقع زينة، والنقاب حاجة.
النقاب تستعمله المرأة، تغطي وجهها، وتفتح لعينيها بقدر العين لتنظر، والبرقع تجمل، يعتبر من ثياب الجمال للوجه، فهو إذن نقاب وزيادة، وعلى هذا، فنقول: البُرقع حرام على الْمُحْرِمة، دليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ» (5). وإذا نُهيت المرأة المحرمة عن النقاب، فنهيها عن البرقع من باب أوْلى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3798
(وتجتنب القفازين)، والقفازان: لباس يعمل لليدين، كما تعمل البُزاة، البُزاة جمع (بازٍ)؛ يعني أصحاب الطيور، يجعلون على أيديهم قفازين؛ ليتوقوا أظافر الطير إذا أمسكه، هكذا على يده، وأظنها تُعرف عندنا بشيء آخر، ما هي؟ الدسوس؛ لأن المرأة تدس يدها فيهما، ويطلق عليها اسم آخر أيضًا شراب اليدين؛ يعني جوارب اليدين؛ وهي معروفة، فالمرأة لا تلبس القفازين؛ وهما لباس اليدين؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ».
إذن هي تشارك الرجل في نوع من اللباس، وهو القفازان؛ لأن الرجل لا يلبس القفازين أيضًا؛ لأنها لباس.
قال: (وتغطية وجهها)؛ يعني تجتنب تغطية الوجه، فلا تغطي الوجه، وأما الرجل فسبق لنا أن القول الراجح أنه يُغطِّي الوجه؛ لأن اللفظة «وَلَا وَجْهَهُ» (6) في قصة الذي مات، مختلف في صحتها، وفيها نوع اضطراب، ولذلك أعرض الفقهاء عنها، وقالوا: إن تغطية المحرم وجهه لا بأس به، ويحتاجه المحرم كثيرًا، قد ينام مثلًا، ويضع على وجهه منديلًا أو نحوها عن الذباب، أو عن العرق، أو ما أشبه ذلك.
يقول: (يجب أن تغطي وجهها) وهذا هو المشهور من المذهب، وذكروا قاعدة، لكنها قاعدة قاعدة؛ أن إحرام المرأة في وجهها، وهذا إن أرادوا به أنه المحل الذي يمنع فيه لباس معين، فهذا صحيح، وإن أرادوا به التغطية فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة تكشف وجهها، إنما ورد النهي عن النقاب، والنقاب تغطية للوجه، لا كشف له، لكن النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نُهيت عن لباس الوجه، كما نُهي الرجل عن لباس الجسم، ولباس الرأس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3799
قال المؤلف: (ويباح لها التحلي) يباح للمرأة المحرمة أن تتحلى؛ أي: أن تلبس الحلي، والمراد الحلي المباح، لا كل حلي، فالحلي الذي على صورة حيوان حرام عليها وعلى غيرها، لكن الحلي المباح يباح لها؛ أي: أن الإحرام لا يمنع المرأة من التحلي، ولكن يبقى كلام المؤلف هل هو على إطلاقه؟ بمعنى أن المحرمة تتحلى وتُظهر حليتها للرجال، أو أنها تتحلى مع وجوب سترها عن الرجال؟
الثاني؛ يعني يجب أن تستر الحلي عن الرجال، ولكن إذا كانت وحدها في البيت، أو مع نساء، أو مع زوج، أو مع محارم وعليها الحلي، فلا بأس.
وإنما أبيح لها التحلي كما أبيح للرجل التحلي بالخاتم، الرجل المحرم يجوز أن يلبس الخاتم ولا حرج، فكذلك المرأة يجوز أن تلبس الحلي المباح لها، ولا حرج، هذه هي محظورات الإحرام.
وما فائدة الإنسان من معرفة محظورات الإحرام من حيث العمل والسلوك؟ هل الفائدة أن يعرف ما هو المحظور، وماذا يترتب عليه؟ أو الفائدة أن يعرف ما هو المحظور ليتجنبه، فإن ابتُلي به عرف ماذا يجب عليه؟ الثاني؛ ولهذا نحن ينقصنا في علمنا أننا لا نطبق ما علمناه على سلوكنا، أكثر ما عندنا أننا نعرف الحكم الشرعي، أما أن نطبق، فهذا قليل، نسأل الله أن يعاملنا بعفوه، وفائدة العلم هو التطبيق العملي؛ بحيث يظهر أثر العلم على صفحات وجه الإنسان، وعلى سلوكه، وأخلاقه، وعبادته، ووقاره، وخشيته وغير ذلك، هذا هو المهم.
أما أن نعلم، فأنا أظن لو يأتي رجل نصراني ذكي يدرس الفقه أقل مما درسناه، لفهم منه مثل فهمنا أو أكثر، انظر الآن في اللغة العربية المنجد يقولون: إن المؤلف في حقه نصراني، ويبحث بحثًا جيدًا، فالأمور النظرية ليست هي المقصودة بالعلم، اللهم إني أسألك علمًا نافعًا.
العلم فائدته الانتفاع، هذا فائدة العلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3800
وكم من عامي جاهل جدًّا بالنسبة لطالب عِلْم؛ تجد عنده من الخشوع لله عز وجل، ومراقبة الله، وحسن السيرة والسلوك، والعبادة، أكثر بكثير مما عند طالب العلم، وهذا هو الواقع، أسأل الله أن يعاملني وإياكم بعفوه، أهم شيء السلوك، هذا من محظورات الإحرام، يجب أن نتجنبها، هذا من مفسدات الصوم، يجب أن نتجنبه، لا أن نعرف أن هذا محظور، أو هذا مفسد فقط، أهم شيء التربية والتربي على ما علمنا من العلم وإلا فلا فائدة.
طالب: لو ( ... ) قبل التحلل الأول، ثم وجب عليه ( ... ) الحج، وأن يأتي في العام القادم أنه يحج فوجب عليه الحج فقُتل، هل يحج من ماله؟
الشيخ: يقول: رجل وجب القضاء من العام القادم فمات، ما هو لازم قتل، مات، هل يقضى عنه من ماله أو لا؟ أسألك، هل هذا القضاء دين عليه أو لا؟
الطالب: دين.
الشيخ: هل قال الرسول: «اقْضُوا اللَّهَ؛ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (7)؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذن يخرج من ماله.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، الأسئلة يا شيخ، الآن كيف نلزمه بالقضاء إذا كان مثلًا الحج تطوع، وليس حج فريضة؟
الشيخ: نعم، أحسنت، هذا سؤال وجيه، يقول: كيف نلزمه بالقضاء وحجه تطوع؟ لنا قاعدة سبقت؛ أن نفل الحج كفرضه في وجوب القضاء، وفي عدم جواز الخروج منه؛ فهو وجب عليه المضي في فاسد، والفاسد لا يجزئ، فيجب القضاء لفساد هذا النسك.
طالب: ما يُسمى مُتمًّا، لا حج بالعام القادم ما يسمى مُتمًّا؟
الشيخ: لا، أتم بإلزامه بالمضي، هذا الجزء الذي مضى فيه فاسد ولَّا صحيح؟
الطالب: فاسد.
الشيخ: إذن الفاسد لا يُقبل، لا بد أن يقبل.
يقول: إننا نجد أن النمل قد انتشر وخاصة في البيوت، وأصبح خطره حاصل وأذاه موجود، صحيح هذا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3801
على كل حال النمل، والحمد لله قليل في الواقع، النمل الذي هو النمل قليل، لكن في الذر النمل الصغار هذا، هذا كثير جدًّا ومؤذٍ للناس خصوصًا في البيوت المسلحة؛ لأنه يأتي تحت البلاط ويطلع الرمل، إذا طلع الرمل اللي تحت البلاط سقطت، وهذه أذية، لكن نحن وجدنا له طبًّا نافعًا بدون قتل، صب عليه جاز، ما عاد يجي، يرتحل، هذا جربناه في بيتنا الأول وفي بيتنا الثاني.
طالب: ما يموت يا شيخ.
الشيخ: يموت اللي يصيبه فقط، لكن من أجل رائحته يمشي ما يبقى.
أما مسألة الحشرات جميعًا، فمسألة البعوض واضح أنها مؤذية، والصراصر أيضًا في الحمامات مؤذية.
على كل حال القاعدة اللي إحنا سبق أن ذكرناها أمس نمشي عليها.
يقول: أشكل على كثير من الطلبة إحدى المسائل التي طرحناها أمس؛ وهي مسألة أكل الصائل إذا قُتل، فقلتم في موضع: إنه يحل إذا كان ذكاته شرعية وإلا فلا، وفي موضع آخر قلتم: لا يحل أكل الصائل إذا قُتل من المحرم على المحرم؟
إذا قتل المحرم صائلًا عليه؛ فليس عليه إثم ولا فدية، لكن لا يأكله؛ لأنه قتْل محرم، وإذا قتل إنسان آخر مُحِل صائلًا عليه في غير الحرم، فإن قصد الذكاة، وذكَّاه في موضع الذكاة صار حلالًا وإلا فلا.
طالب: فهل يحرم على غير المحرم .. ؟
الشيخ: أيهم؟ إي، يحرم.
الطالب: يا شيخ، أحيانًا يعني يكون ..
الشيخ: قلنا: ما ذبحه المحرم استغلالًا أو مشاركة؛ فهو حرام على المحرم وغيره، وما حرم عليه لدلالة أو إعانة، أو أنه صِيد من أجله؛ فهو حرام عليه وحده، نحن ذكرنا أمس خمس صور.
هذا يقول: قلت: إن صيد البحر يجوز للمحرم، ولا يحرم، لكن شرط ألا يكون في الحرم؟
طالب: لو وكل المحرم أحدًا يعقد له، هل تجوز الوكالة هذه؟
الشيخ: في حال الإحرام أو في غير حال الإحرام؟
الطالب: في حال الإحرام.
الشيخ: يصح، إذا عقد الوكيل، فمن المتزوج؟ ( ... ) ما يصح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3802
طالب: يا شيخ، ذكرت في الدرس الماضي بأن المحرم إذا فر إلى قتل الصيد فإنه يجوز له قتله للضرورة، والقاعدة تقول: تقدر الضرورة بقدرها، والمحرم إذا قتل الصيد لغير ضرورة فهو ميتة، والإنسان إذا احتاج إلى الميتة كأن يحتاج منها للأكل يأكل منها بقدر الضرورة، وذكرتم عكس ذلك قلتم: إذا قتله للضرورة فإنه يستطيع أن يتزود به أكثر من الضرورة؟
الشيخ: حتى الميتة يستطيع أن يتزود منها ملء بطنه إذا كان لا يرجو وجود شيء ذكي.
الطالب: يأخذ منها ويذهب؟
الشيخ: ويذهب، الأخذ منها ما هو ضار، لكن الكلام على الشبع، هل يجوز أن يشبع، أو يقال: إن هذه ضرورة تتقيد بقدرها؟
في هذا قولان للعلماء؛ القول الأول: أنه لما حلَّت حل حتى الشبع؛ لأنه وُجد السبب المبيح، والقول الثاني: أنه لا يأكل إلا بقدر الضرورة إلا إذا كان يعلم أنه لن يجد مباحًا.
الطالب: والراجح؟
الشيخ: والله اللي يترجح عندي أنه يأكل بقدر الضرورة؛ لأنها خبيثة هي، أما التزود، فالتزود ما هو مشكل، يتزود، وإذا وجد حلالًا رمى به.
طالب: عفا الله عنك، ذكرنا أن الشاهدين على العقد يكره لهم هذا؛ الشهادة، لماذا لا نقول: إنهما آثمان؛ لأنهما شهدا على شيء منهي عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد لعن شاهدي الربا.
الشيخ: شوف، بارك الله فيك، الشاهدان محرمان، والولي والزوج والزوجة حلال، كلهم يحلون الثلاثة؛ الزوج، والزوجة، والولي، لكن الشاهدان محرمان، أما إذا كان الولي أو الزوج أو الزوجة محرمًا فإنه لا يجوز شهودهم؛ لأنه إقرار على فاسد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ورد في الحديث أن «الْحَج عَرَفَة» (8)، وجاء في الحديث أن «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»، فلماذا لا نقول -أحسن الله إليكم- أن المجامع يفسد حجه بعد وقوفه بعرفة لا بعد التحلل من الأول؟
الشيخ: قبل الوقوف بعرفة؟
الطالب: بعد الوقوف بعرفة.
الشيخ: بعد الوقوف؟
الطالب: نعم، لماذا نقول هذا القول؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3803
الشيخ: لا، قل: لماذا لا نقول: إنه إذا جامع بعد الوقوف، فإن حجه لا يفسد؟
الطالب: هذا ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو هذا كلامك الآن، أنت تريد هذا، لكن ما عرفت أن تعبر عنه.
الطالب: لا، أقول: فساد الحج إذا كان وقع بعد عرفة بعد الوقوف؟
الشيخ: أنت تقول: إذا وقع الجماع بعد الوقوف، فإن القياس ألا يفسد الحج، ولَّا لا.
الطالب: نعم.
الشيخ: نقول: إذا وقع الجماع بعد الوقوف، وقبل التحلل، هل وقع على إحرام كامل؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا!
الطالب: نعم.
الشيخ: بعد الوقوف، وقبل التحلل؟
الطالب: الأول.
الشيخ: الأول إي؛ يعني ليلة المزدلفة، إذا وقع الجماع، هل وقع على إحرام كامل أو على إحرام ناقص؟ السؤال للسائل؟
الطالب: كامل.
الشيخ: كامل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذن لا فرْق بين ما قبل الوقوف وما بعده، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (8). إنما قاله ليبني عليه ما بعده، وأنه إذا فاته فات الحج، وإلا فمن المعلوم أن الطواف بالبيت أعظم أركان الحج، وهو بعد الوقوف.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] هذا الدليل على فساده.
الشيخ: زين.
الطالب: لكن إذا قلنا بفساده، هل مثلًا نقول: الفسوق والجدل كائن على هذا .. ؟
الشيخ: المحرم على سبيل العموم لا يؤثر في العبادة، والفسوق حرام على العموم، الذي يُفسد العبادة هو الذي حرم فيها خاصة.
الطالب: هذا الدليل خاص يا شيخ؟
الشيخ: لكن الفسوق حرام في الحج فقط؟
الطالب: وفي غيره.
الشيخ: إذن ما يؤثر على الحج، إذا صار الحرام حرامًا في العبادة وغيرها فإنه لا يؤثر عليها شيئًا، الغِيبة مثلًا للصائم حرام، تفسد الصيام؟
الطالب: لا تفسده.
الشيخ: لماذا؟ لأن تحريمها عام، الأكل للصائم؟
الطالب: مفسد.
الشيخ: حرام ومفسد؛ لأن تحريمه خاص.
الكلام في الصلاة حرام، مفسد ولَّا غير مفسد؟
الطالب: مفسد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3804
الشيخ: لأن تحريمه خاص، النظر إلى المرأة لشهوة وأنت تصلي حرام ولَّا حلال؟
الطالب: حرام.
الشيخ: مفسد؟
الطالب: ليس مفسدًا.
الشيخ: ليس مفسدًا، لماذا؟ لأن تحريمه عام.
الحيوان البرمائي، مركب الاسم هذا، إذا كان في البر فيعتبر بريًّا، وفي حالة وجوده في الماء يعتبر مائيًّا أو بحريًّا على الأصح، توافقون على رأيه؟
يعني البرمائي إن قتلته وهو في البحر فهو حلال، وإن قتلته في البر فهو حرام، ما يصير هذا، ذكرنا أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر يُغلَّب جانب الحاظِر، فيكون هذا حرامًا.
يقول: إذا صاد رجل صيدًا بريًّا لنفسه وقدمه للمحرم، هل يجوز أكله؟ ويش الجواب؟
لا يجوز، المحرم إذا صاد صيدًا فهو حرام عليه وعلى غيره من الْمُحِلِّين والْمُحرِمين.
طالب: صاده لنفسه.
الشيخ: إي، صاده لنفسه، لكن محرم هو، ولَّا غير محرم؟ ما تقولون؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: صاد رجل حلالًا صيدًا لنفسه، وقدمه لمحرم، ذكرنا في هذا قولين يا جماعة!
طالب: رجحنا أنه حلال.
الشيخ: إي نعم، لكن ذكرنا قولين؛ يعني كأن السائل أشكل عليه القول الثاني، ذكرنا فيه قولين، وقلنا: الصواب أنه حلال، وأن هذا هو وجه الجمع بين حديث أبي قتادة وحديث الصعب ابن جثامة.
طالب: حديث عثمان في صحيح مسلم: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ» (9). هذا يدل على جواز عقد الإنسان بين التحلل الأول كما قال شيخ الإسلام؟
طالب آخر: السؤال يا شيخ؟
الشيخ: السؤال يقول: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ».
ألا يدل على أنه يحل عقد النكاح بعد التحلل الأول كما هو الرواية الثانية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن المحرم بعد التحلل الأول لا يطلق عليه اسم المحرم الكامل؟ نقول: هذا المسألة ستأتينا إن شاء الله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3805
«حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» (10)، فهل المراد «إِلَّا النِّسَاءَ».
وما يتعلق بهن كالخطبة والعقد، أو المراد «إِلَّا النِّسَاءَ».
أي: إلا الاستمتاع بالنساء.
فالمسألة فيها قولان، ولكننا عمليًّا ينبغي أن نقول: لا تعقد النكاح حتى تتحلل تحللًا كاملًا، إنما لو فُرض أنه وقع أنه عقد النكاح قبل أن يحل التحلل الكامل، فهذه ربما نقول بقول شيخ الاسلام ابن تيمية الذي هو الرواية الثانية عن أحمد لعِظم المشقة.
فيه أناس جاؤوا من حج قبل العام، ولم يحلوا التحلل الثاني، وتزوج وجاءهم أولاد من قبل العام أخبرناهم أنه يجب أن يرجعوا إلى مكة، ويكملوا الحج فيرجعوا إلى مكة، ويحرموا من الميقات، وإذا أتموا العمرة أتوا بالطواف؛ طواف الإفاضة؛ لأنهم هم تركوا طواف الإفاضة، فقالوا: النكاح، العقد، والأولاد.
فحينئذٍ رأينا -يعني بعد التأمل- أن القول بأن عقد النكاح حرام فيه نظر من حيث الدليل؛ لأن قول الرسول «إِلَّا النِّسَاءَ» فيه احتمال قوي أن المراد الاستمتاع بهن بجماعٍ أو غيره، وأن العقد لا يدخل فيه، ولا سيما أن من تحلل التحلل الأول لا يطلق عليه أنه محرم إحرامًا كاملًا.
فقلت لهم: العقد -إن شاء الله- صحيح، والأولاد شرعيون، ولكن اذهبوا، ولا يأتين أحدكم امرأته، اذهبوا وكمِّلوا الحج بعد أن تأتوا بعمرة وطواف وسعي وتقصير أو حلق، ثم تأتوا بطواف الإفاضة.
طالب: أحسن الله إليك، تكلمنا عن الخطبة، ولم نتعرض لتعريف للخطبة، هل يدخل الخطبة؟
الشيخ: إي، أولًا: الخِطبة خِطبة المحرم؛ يعني لو خطب الرجل المحرِم من شخص، هل الخطبة حرام أو مكروهة؟ الصحيح أنها حرام؛ لأن النهي فيها واحد مع العقد والخطبة أنها حرام، وعموم الحديث: «وَلَا يَخْطِبْ» (9)، أنه لا يخطب تعريضًا، ولا تصريحًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3806
باب الفدية
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الفدية
يخير بفدية حلق، وتقليم، وتغطية رأس وطيب بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُد بُرٍّ، أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة.
ويجزئ صيد بين مثلٍ إن كان، أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعامًا، فيطعم كل مسكين مُدًّا، أو يصوم عن كل مد يومًا، وبما لا مثل له بين إطعام وصيام، وأما دم متعة وقران، فيجب الهدي، فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام، والأفضل كون آخرها يوم عرفة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن المحظور السابع من محظورات الإحرام عقد النكاح، وبينَّا دليله، وأنه إذا عُقد لا يصح، وبينَّا دليله وتعليله أيضًا، وسبق لنا أنه ليس فيه فدية وبينَّا الدليل؛ وأن الدليل هو عدم الدليل.
وسبق أن الرجعة تصح، وبينَّا الفرق بينها وبين العقد؛ بأن رجعة استدامة والعقد ابتداء، والاستدامة أقوى من الابتداء، ومثَّلنا لذلك بالطيب يُسن للمحرم قبل إحرامه، ويبقى بعد الإحرام ويُمنع من الابتداء، وأن المحظور الثامن الجماع، وأنه أشدها تأثيرًا وأعظمها إثمًا؛ لأن الله نص عليه في القرآن فقال: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة 197]، وأن الجماع له حالان؛ حال قبل التحلل الأول، فيترتب عليه خمسة أشياء: الإثم، وفساد النسك، والمضي فيه، والقضاء، وفدية مقدارها بدنة، وأنه بعد التحلل الأول يترتب عليه الإثم والفدية، والخروج إلى أدنى الحل ليُجدِّد إحرامه؛ لأنه يفسد إحرامه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3807
وسبق لنا أن المباشرة هي المحظور التاسع، وأنها إن أنزل فيها ففيها بدنة إذا كانت قبل التحلل الأول، وبينا أن القول الصحيح في هذا أنه لا تجب فيها البدنة، وأنه لا يصح قياسها على الجِماع لما بينهما من الفروق الكثيرة، وسبق لنا أن المؤلف -رحمه الله- وهم في نقل حكم مسألة إلى أخرى؛ وذلك في قوله في المباشرة: (إنه يحرم من الحل لطواف الفرد)، وبينا أن هذا سهو من المؤلف، وأنه إنما ذكر العلماء ذلك فيمن جامع بعد التحلل الأول، وبينا أن إحرام المرأة كالرجل إلا ما استثني، وبينا علة ذلك، وأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا بدليل، وبينا أنها تجتنب البرقع والقفازين والنقاب وتغطية الوجه على رأي المؤلف، وبينا أن الصحيح أنه لا يلزمها كشف الوجه، وإنما المحرم هو النقاب، وفرق بين النقاب الذي هو لباس، وبين التغطية التي هي مجرد ستر، وبينا أن ما اشتهر من أن إحرام المرأة بوجهها غير صحيح، وبينا أنه يباح التحلي، ولكن بشرط أن لا تتبرج به.
ثم قال المؤلف: (باب الفدية)
الفدية: ما يُعطى فداء لشيء، ومنه فدية الأسير في الحرب حيث يعطينا شيئًا، ثم نفكه، فالفدية كل ما يُعطى فداء لشيء فهو فدية، والفدية أقسام، بل ينبغي أن نقول: إن محظورات الإحرام تنقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح.
والثاني: ما فديته مُغلَّظة؛ وهو الجماع في الحج قبل التحلُّل الأول.
والثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد.
والرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات.
هذه القسمة حاصرة تُريح طالب العلم.
وفدية الأذى: إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة، أو متفرقة، أو ذبح شاة، تُذبح وتُوزَّع على الفقراء؛ هذه فدية الأذى مأخوذة من قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
الجزء: 1 - الصفحة: 3808
قال المؤلف مبينًا ذلك، لكنه ليس على وجه التقسيم والحصر:
(يُخيَّر) فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود على الْمحرِم الذي فعل محظورًا، والتقدير: يُخير المحرم إذا فعل محظورًا من هذه الأجناس، (يُخيَّر بفدية حلق) حلق الشعر الرأس أو غيره على المذهب.
(وتقليم) الأظفار؛ اليدين والرجلين، (وتغطية رأس، وطيب)، يخير في هذه الأربعة (بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُد بُرٍّ، أو نصف صاع تمر أو شعير، أو ذبح شاة).
لبس المخيط داخل في أي الاقسام الأربعة؟ في الأخير فدية الأذى.
(بين صيام ثلاثة أيام)، هذا واحد (أو إطعام ستة مساكين) هذه اثنين (أو ذبح شاة)، هذه ثلاثة.
دليل هذه الفدية من حيث الجملة، قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
﴿صِيَامٍ﴾ مجمل، لم يبينه الله عز وجل، لكن بينه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ مجمل أيضًا، لكن بينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ مبين؛ لأن النسك هو الذبيحة، الصيام بينه الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ثلاثة أيام، والإطعام بأنه إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع؛ فالصاع عن يوم؛ لأن ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ثلاثة آصع، كل صاع عن يوم، وهذا خلاف بقية الكفارات، كل إطعام مسكين عن يوم في الظهار، صيام كم؟ شهرين متتابعين، إطعام ستين مسكينًا، والغالب أن الشهرين ستون يومًا، وكذلك في كفارة الوطء في رمضان، لكن هذا خلاف الكفارات.
وقول المؤلف: (لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع تمر أو شعير)، ظاهر كلام المؤلف أن الفدية في الطعام محصورة في هذه الأصناف الثلاثة، البر، والتمر، والشعير، وهذا غير مراد؛ لأن المراد ما يطعمه الناس، من تمر، أو شعير، أو بر، أو رز، أو ذرة، أو دخن، أو غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 3809
ولكن المؤلف هنا فرَّق بين البر وغير البر، البر مد، وغير البر نصف صاع، والمد نصف الصاع؛ يعني أن صاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعة أمداد، نصفه مدان، ففرق المؤلف رحمه الله بين البُرِّ وغيره، ولم يفرق بين البر وغيره في باب الفطرة.
في باب الفطرة صاع من بر، أو صاع من تمر، أو شعير، أو غير ذلك مما يخرج منه، وهنا فرَّق، والفقهاء رحمهم الله يفرقون بين البر وغيره في جميع الكفارات والفدى، إلا في صدقة الفطر، ولهذا طرد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله طرد القاعدة، وقال: إن البُرَّ على النصف من غيره، ففي الفطرة نصف صاع عند شيخ الإسلام.
ولكن مذهبنا مذهب أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: لما قدم معاوية المدينة، وقال: أرى مُدًّا من هذه يساوي مُدَّيْن من الشعير، قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم (11). ونحن نقول كما قال أبو سعيد رضي الله عنه.
في هذه المسألة فرق المؤلف بين البُرِّ وغيره، فقال من البر، كم؟ مد أي: ربع صاع، ومن غيره نصف صاع، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لكعب بن عجرة: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (12)، فعين المقدار، وأطلق النوع، فظاهر الحديث أن الفدية نصف صاع لكل مسكين، سواء من البر أو من غيره؛ وهذا هو الصحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق، بيَّن المقدار وأطلق النوع، فنقول: إن قول المؤلف مُد بر ضعيف، والصواب: نصف صاع، من البر وغير البر، فتكون الآصع كم؟
طالب: ثلاثة آصع.
الشيخ: وهو كذلك.
قال: (أو ذبح شاة) أطلق المؤلف (شاة)، فهل المراد الأنثى من الضأن، أو المراد ما هو أعم من ذلك؟
الثاني: شاة، سواء كانت خروفًا أم أنثى، معزًا أم ضأنًا، بل معز أو ضأن أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، فليس المراد الأنثى من الضأن.
الجزء: 1 - الصفحة: 3810
نرجع إلى كلام المؤلف، يقول رحمه الله: (صيام ثلاثة أيام)، هل يشترط التتابع؟ لا يشترط التتابع؛ لأن ما أطلقه الشرع يجب أن يكون على إطلاقه، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال لكعب بن عجرة: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» (12) ولم يقيدها.
وفي صوم المتعة قال الله تعالى: ﴿صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة 196]، فأطلق ولم يشترط التتابع، وعلى هذا فلا يُشترط التتابع لا في صيام المتعة، ولا في صيام فدية الأذى، بل إن شئت صم يومًا بعد يوم، وإن شئت صمها متتابعة.
أنت بالخيار، وهكذا نطلق كل ما أطلقه الشرع؛ لأن إضافة قيد إلى مطلق في غير دليل من الشرع تضييق لشرع الله؛ لأنك كلما زدت قيدًا ضيقت درجة ولا بد.
فإذا قال قائل: ألستم تقولون: إن كفارة الأيمان ثلاثة أيام متتابعة، والله عز وجل أطلق، قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89]؟
فالجواب أنه قد صح عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: (صيام ثلاثة أيام متتابعة)، وقراءة ابن مسعود حجة حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام أحال عليها، فقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» (13). يعني عبد الله بن مسعود، إذن أربعة محظورات فديتها فدية أذى.
إذا قال قائل: الحلق عرفنا دليله من القرآن، فما الدليل في التقليم؟ القياس.
ما الدليل في تغطية الرأس؟ القياس.
ما الدليل في الطيب؟
طلبة: القياس.
الشيخ: الفدية، هل في الطيب نص في الفدية؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن القياس.
فصارت الثلاثة هذه كلها بالقياس، والمانعون للقياس يمنعون الفدية في هذه الثلاثة، القياس ممنوع خصوصًا وأن علة القياس هنا غير ظاهرة؛ لأن العلة التي يكون بها القياس هنا الترفه، وهذه علة سبق أن بحثنا فيها، وبينا أنها ليست في ذاك القوية.
الجزء: 1 - الصفحة: 3811
قال: (وبجزاء صيد)؛ يعني ويُخير بجزاء، وعلى هذا فالواو حرف عطف و (وبجزاء) معطوفة على قوله: (بفدية)، لكنها بإعادة العامل، وهي الباء، أما المتعلَّق فهو باقٍ؛ يعني ويخير بجزاء صيد بين مثل إن كان، أي: مثل للصيد إن كان له مثل، وإن لم يكن له مِثل فله حكم آخر.
وعلى هذا فنقول: الصيد نوعان: نوع له مثل من النعم؛ فهذا جزاؤه مثله؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] ثلاثة أشياء، وكلما جاءت (أو) في القرآن فهي للتخيير، هكذا جعلها قاعدة بعض المفسرين.
إذن يُخيَّر بين مثله إن كان، فماذا يصنع في الْمِثل؟ يذبحه، ويتصدق به على فقراء الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
(أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعامًا فيطعم كل مسكين مُدًّا، أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا) أو تقويمه بدراهم، هل هو تقويم المثل أو تقويم الصيد؟
طالب: المذهب الثاني.
الشيخ: المذهب أنه تقويم المثل؛ لأنه هو الواجب في الكفارة، وقيل: تقويم الصيد؛ لأنه إذا عدل عن المثل وجبت القيمة، فيكون الْمُقوَّم الصيد، فالمذهب يقولون: الذي يقوَّم المثل؛ لأنه هو الواجب أصلًا، فإذا كان هو الواجب أصلًا، فالواجب قيمته، ومنهم من يقول: يُقوَّم الصيد؛ لأنه لما عدل عن المثل صار كالصيد الذي لا مِثل له، والصيد الذي لا مِثل له، جزاؤه قيمته، لكن المذهب أن الضمير في قوله: (تقويمه)، يعود على المثل بدراهم يشتري بها طعامًا، فيطعم كل مسكين مدًّا أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا.
وقوله: (يشتري بها طعامًا)، ليس هذا على سبيل المثال، وليس على سبيل التعيين؛ يعني له أن يقومه بدراهم؛ أي المثل، ثم يخرج من الطعام الذي عنده ما يساوي هذه الدراهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3812
فقول المؤلف: (يشتري بها طعامًا)، هذا على سبيل التمثيل لا التعيين؛ بمعنى أنه لو كان عنده طعام يُقوِّم المثل، ثم يُخرج من الطعام الذي عنده بقدر قيمته.
(يُطعم كل مسكين مدًّا، أو يصوم عن كل مد يومًا) مثال ذلك: الحمامة، مِثلها الشاة، فالشاة جزاء الحمامة؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، أي ممثالة بين الشاة وبين الحمامة؟
الشاة أرجلها أربعة، والحمامة اثنتان؛ الشاة لها ألْية، والحمامة ما لها ألْية، يقولون: المشابهة في شُرْب الماء، المماثلة في شرب الماء، سبحان الله! ! الشاة تعب الماء عبًّا، والحمامة تعبه عبًّا، تعرف تعبه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، كمص الصبي للثدي، تمصه حتى مرة واحدة، لكن الدجاجة إذا ملأت منقارها رفعت رأسها، ولا بد، لكن الحمامة إذا وضعت منقارها في الماء ما ترفع رأسها حتى تروى، وكذلك الشاة.
رجل محرم قتل حمامة، نقول: أنت بالخيار، اذبح شاة وتصدق بها على فقراء الحرم، قُوِّم الشاة بدراهم، وأخرجْ بدل الدراهم طعامًا، أو أخرج الدراهم؟ لا، طعامًا؛ لأنه قال: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾.
قدَّرنا الشاة بمئتي ريال، قدرنا الطعام فيه بمئتي صاع، كل صاع بريال، مئتا صاع من أربعة المد كم؟ ثمان مئة مد، نقول: الآن أخرج طعامًا قدره كم؟ قدر طعام بالأصواع مئتا صاع، وإن شئت اعدل عن الطعام وصم ثمان مئة يوم؛ لأنه عن كل مد يومًا، فأيها يختار؟ هو سيختار إما الشاة، وإما الطعام؛ لأن الغالب ثمان مئة يوم صعب، لكن الحمد لله على التخيير المسألة، نقول: أنت الآن بالخيار.
الدليل الآية الكريمة: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] بقينا من الذي يُقدِّر الْمِثْل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3813
قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95] ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أي: بالْمِثْل ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، فالواحد لا يكفي، لا بد من اثنين، وسيأتينا في الباب الذي يليه -إن شاء الله- أن ما قضت به الصحابة وجب الرجوع إليه، وما لم تقضِ به الصحابة يُقوَّم، رجلانِ ينظرانِ في المماثلة.
قال: (وبما لا مثل له) هذا النوع الثاني، (وبما لا مثل له بين إطعام وصيام)، إذن يُخير بما لا مثل له بين شيئين: ما هما؟
طلبة: إطعام وصيام.
الشيخ: إطعام، وصيام، ويش اللي سقط؟
طالب: الْمِثْل.
الشيخ: المثل، لماذا سقط؟
طلبة: لعدم الماثلة.
الشيخ: لعدم المماثلة، فالصيد الذي ليس مثل في قيمته، إما أن يشتري بقيمته طعامًا يطعمه على الفقراء، وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا.
مثال الذي لا مثل له: الجراد، الجراد صيد لا مثل له، فإذا قتل المحرم جرادًا فعليه: إما قيمته يشتري بها طعامًا يطعم كل مسكين مدًّا، وإما أن يصوم عن كل مُدٍّ يومًا.
انتهينا من جزاء الصيد الآن، فصار جزاء الصيد ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون في صيد له مثل، والثاني: أن يكون في صيد ليس له مثل، فإن كان في صيد له مِثل خُيِّر بين ثلاثة أشياء: ذبح المثل، إطعام يقابل قيمة المثل، صيام يقابل الإطعام عن كل مُدٍّ يومًا.
(ما لا مثل له) يخير بين الإطعام وصيام فقط، وسقط المثل؛ لأنه لا مثل له؛ إذن الآن مر علينا نوعان من الفدية كلاهما على التخيير؛ فدية الأذى، والثاني: جزاء الصيد.
طالب: الراجح في التقويم؟
الشيخ: الراجح في التقويم البدل؛ أن العبرة قيمة البدل، وليس قيمة الصيد، أيهما أكثر؟
الطالب: البدل.
الشيخ: ما هو على كل حال، قد يكون البدل، وقد يكون الصيد، إذا صاد غزالة مثلها عنز، عنز تسوى عشرين ريالًا، والغزالة تسوى ألفي ريال، الغزال أغلى؟ طيب.
طالب: بعض العنوزة يا شيخ تباع بعشرة آلاف.
الشيخ: أي عنوزة؟ العنوزة الأهلية؟
الطالب: إي نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3814
الشيخ: ما شاء الله!
طالب: وفيه بخمسة عشر ألفًا.
الشيخ: على كل حال هذا نادر.
الآن قسمنا المحظورات إلى أربعة أقسام: ما فديته، ما لا فدية فيه، وما فديته مغلظة، وما فديته جزاؤه، وما فديته فدية هذا.
المؤلف رحمه الله دخَّل بعضها ببعض، ولكننا لم نوافقه على ذلك، قال في آخر الباب قبل الفصل: (ويجب بوطءٍ في فرج في الحج بدنة وفي العمرة شاة، وإن طاوعته زوجته لزمها).
(يجب بوطء في حج) متى؟ قبل التحلل الأول يجب أن يقيد.
(يجب بوطء) الباء للسببية، (وطء) يعني جماعًا، (في فرج) لا بين الفخذين مثلًا، في الحج بدنة، فيه شرط أن يكون قبل التحلل الأول، هذه الفدية المغلَّظة فيها بدنة.
(وفي العمرة شاة) هذه الشاة فدية أذى؛ لأن كل ما أوجب شاةً من المحظورات فهو فدية أذى؛ ولهذا أكثر المحظورات تعتبر فدية أذى؛ الجماع بعد التحلل الأول يُوجب شاة، إذن فديته فدية أذى، المباشرة بدون إنزال فدية أذى، وبإنزال -على القول الصحيح أيضًا- فدية أذى، فأنتم إذا عرفتم الحصر الذي ذكرناه صار عندكم راحة.
بقي علينا القسم الرابع ما هو؟ ما لا فدية فيه، وهذا مذكور في الباب الأول اللي قبل هذا، قال: (ويحرم عقد النكاح، ولا يصح ولا فدية)، وأهمل ذكره هنا؛ لأن الباب يقول فيه المؤلف: باب الفدية، وعقد النكاح ليس فيه الفدية.
ثم قال: (وأما دم متعة وقران، فيجب الهدي، فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام، والأفضل كون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله)، دم المتعة والقران ترتيب، وليس بتخيير، يجب فيه هدي، فإن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196].
الجزء: 1 - الصفحة: 3815
فصار الواجب بالمتعة والقران، الواجب هدي، فإن لم يجد فصيام، هل فيه إطعام؟ لا، فإذا كان غير قادر على الهدي، ولا قادر على الصيام سقط عنه؛ لأن الله لم يذكر إلا الهدي والصيام فقط.
وقول المؤلف: (وأما دم متعة وقران فيجب الهدي)، لم يذكر المؤلف ما نوع الهدي، ولكننا ذكرنا -فيما سبق- أن كل هدي أطلقه الشرع ويُتقرب به إلى الله فإنه لا بد فيه من شروط: أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن المقدر شرعًا، وأن يكون سليمًا من العيوب المانعة من الإجزاء، وأن يكون في زمان الذبح، لكن هذا خاص بالمتعة والقران؛ لأن فعل المحظور حيث وُجد في أي يوم وفي أي مكان، وكذلك المكان خاص بالمتعة والقران.
نحن ذكرنا قبل قليل أن الذي فيه شاة يكون تخييرًا، وهنا يقول: ترتيب، مع أن الواجب شاة، فهل كلامنا مناقض لكلام المؤلف؟
طالب: لا.
الشيخ: كيف لا؟ نحن قلنا: ما أوجب شاةً من المحظورات، وهذا دم المتعة والقران ليس دم المحظور، ولهذا نقول: هل هو من الجبران أو الشكران؟
من الشكران؛ فهو دم شكر، وليس دم جبر؛ لأن النسك لم ينقصه شيء، بل تُمِّم النسك؛ فمِن تمام النسك أوجب الله سبحانه وتعالى على الناسك هذا الهدي، شكرًا لله على هذه النعمة، ولذلك كان دم المتعة والقران مما يُؤكل منه، ويُهدى ويُتصدق، فدم المتعة والقران تأكل منه وتهدي وتتصدق، ودم المحظور لا يؤكل منه، ولا يهدى، ولكن يصرف للفقراء.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا عدم الإنسان القيمة التي يشتري فيها دمًا أو قرانًا، هل له أن يستلف مالًا، يقترض ( ... )؟
الشيخ: إي، يقول: هل إذا عدم ثمن الهدي في المتعة والقران، هل يستقرض؟ نقول: لا، لا ينبغي أن يستقرض.
طالب: لو افترض أن العلة في الحلق هي التغيير، أقول: لا يقال: التنعم، وإنما يقال: التغيير تغيير الخلق.
الشيخ: تغيير الخِلقة يعني؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3816
الطالب: إي، الخلقة، كما أظن جاء في العشر الأول من ذي الحجة: «فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ مِنْ شَيْءٍ» (14).
الشيخ: لا، ما هو بالظاهر؛ لأن التغيير لو أن الإنسان مثلًا أخذ شيئًا من جلده، وفيه شعر، فإنه ليس عليه فدية مع أنه أشد تغييرًا، ثم الحكمة في نهي الإنسان في عشر ذي الحجة أن يأخذ من شعره وبشرته أو ظفره شيئًا، العلة في ذلك والحكمة، والله أعلم لأجل أن يُشارك الْمُحلُّون المحرمين في شيء من خصائص الإحرام.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، ( ... ) الحمام هو الشاة، هذا غريب علينا! !
الشيخ: إي، غريب عليك، لكن ما هو بغريب على الصحابة.
الطالب: ( ... ) عن الصحابة وأنا ( ... ).
الشيخ: الآن أنت ما رأيت الشاة وهي تشرب؟ سؤال، أجب؟
الطالب: لا، ما رأيت.
الشيخ: ما رأيت الشاة وهي تشرب؟
الطالب: لا، الشاة رأيتها، لكن الحمامة.
الشيخ: اصبر، رأيت الشاة وهي تشرب.
هل منكم من رأى الحمامة وهي تشرب؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كيف شربها؟
الطالب: كيف شربها؟ تعب، تغمس منقارها في الماء، وتشرب إلى أن تروى وترفع رأسها.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما هو اللي لها القيمة، العلة المماثلة، ولو من بعض الوجوه والصحابة رضي الله عنهم قالوا: الحمامة فيها شاة.
طالب: البعير.
الشيخ: النعامة فيها بعير.
الطالب: البعير ( ... ).
الشيخ: إي، لكن البعير طويل الكرعان، طويل الرقبة، كبير الجسم، يناسبه النعام، هذا قضاء الصحابة ما لنا فيه تصرف.
طالب: شيخ، بالنسبة للتحلل الأول قلنا: فيه قولان لأهل العلم؛ القول الأول: أن يحصل بالرمي، والقول الثاني: يحصل بالرمي مع الحلق أو التقصير، الدليل اللي استدللنا فيه بالحلق أو التقصير قلنا: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، وهذا الحديث فيه ضعف، واستشهدنا بقول عائشة: كنت أطيبه لحله قبل أن يطوف بالبيت، فوجه الدلالة قبل أن يطوف بالبيت؟
الشيخ: ذكرناها البارحة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3817
طالب: نفس المسألة يعني إشكال عليها، هذا ليس من المماثل، هذا من التشابه بين الشاة وبين .. ؟
الشيخ: من عنده سؤال؟
طالب: نقول: يا شيخ، لو اشترك المحرم مع ستة في بعير، وهم يريدون ( ... ) وهو يريد القربة، هل نعتبر أن النية نيته أو نية .. ؟
الشيخ: سؤال يقول: إن سبع البدنة يجزئ عن الشاة، فما رأيكم لو أن ستة من الذين شاركوا الرجل أرادوا اللحم وهو أراد القربة، أيجزئ أم لا؟
الجواب: يجزئ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (15).
طالب: عرفنا ما يترتب على المباشرة قبل التحلل الأول، فهل يترتب عليه بعده ( ... )؟
الشيخ: بعد التحلل الأول يقول: كل محظور سوى عقد النكاح فيه فدية أذى، لكن الإثم بعد التحلل الأول أقل من الإثم قبل التحلل الأول.
ما شاء الله! !
طالب: شيخ، قضاء الصحابة في ( ... ).
الشيخ: لا، هم حكمهم يرفع الخلاف؛ لأن الله فوض الأمر إليهم، قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة 95]، ففوض الأمر إليهم، فما قضوا به وجب الرجوع إلى قضائهم فيه.
طالب: لماذا نلحق الخمسة في حلق الرأس، وما نلحقها في عقد النكاح؟
الشيخ: يسأل: يقول: لماذا نُلحق الخمسة بحلق الرأس ولا نلحقها بعقد النكاح؟
واحد آخر يقول: لماذا لا نُلحق عقد النكاح بهذه الخمسة؟ لأن التلفظ بعقد النكاح موجود.
الجزء: 1 - الصفحة: 3818
على كل حال هذا كلام الفقهاء رحمهم الله، وما قاله الفقهاء فهو الذي عليه الجمهور، وأنتم تعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة بعد فرض الحج؛ ولهذا تجد العلماء غالب أحكامهم تكون أقيسة، بعضها واضح، وبعضها خفي، وأحيانًا يكون تحكمًا من بعض الفقهاء بدون دليل أو بنظر غير صحيح؛ ولهذا لو أن أحدًا قال: أنا أريد أن أقَعِّد قاعدة، الأصل براءة الذمة حتى يثبت أن هذا فيه فدية؛ لأن الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل 89]، فإذا قال الله: هذا حرام، ولم يقل: وفيه فدية؛ فهو حرام ولا فدية فيه، ويكفي المؤمن أن يقال له: إن فعلتَ كذا فأنت آثم، لكن نظرًا إلى أن جمهور العلماء يقولون بهذا، وأن إيجاب الفدية على الناس من باب السياسة التي تمنعهم من الوقوع في المحظور؛ لأنك لو قلت ..
فإن عَدِمَه فصِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، والأفْضَلُ كونُ آخِرِها يومَ عَرَفَة، وسبعةٍ إذا رَجَعَ إلى أَهْلِه، والْمُحْصِرُ إذا لم يَجِدْ هَدْيًا صامَ عَشرةً ثم حَلَّ، ويَجِبُ بِوَطْءٍ في فَرْجٍ في الْحَجِّ بَدَنَةٌ، وفي العُمرةِ شاةٌ، وإن طاوَعَتْهُ زوجتُه لَزِمَها.
(فصلٌ)
ومَن كَرَّرَ محظورًا من جِنْسٍ ولم يَفْدِ فَدَى مَرَّةً بخِلافِ صَيْدٍ، ومَن فَعَلَ مَحظورًا من أجناسٍ فَدَى لكُلِّ مَرَّةٍ رُفِضَ إحرامُه أو لا، ويَسْقُطُ بنِسيانٍ فِديةُ لُبْسٍ وطِيبٍ، وتَغطيةِ رأسٍ دونَ وَطْءٍ، وصَيْدٍ وتقليمٍ وحِلاقٍ،
لأن الله فوَّض الأمر إليهم، قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95]، ففوَّض الأمر إليهم، فما قضوا به وجب الرجوع إلى قضائهم فيه.
طالب: ( ... ) حلق الرأس ( ... ).
الشيخ: يسأل يقول: لماذا نلحق الخمسة بحلق الرأس ولا نلحقها بعقد النكاح؟ وواحد آخر يقول: لماذا لا نلحق عقد النكاح بهذه الخمسة؛ لأن التلفظ بعقد النكاح موجود؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3819
على كل حال هذا كلام الفقهاء رحمهم الله، وما قاله الفقهاء فهو الذي عليه الجمهور، وأنتم تعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة بعد فرض الحج، ولهذا تجد العلماء غالب أحكامهم تكون أقيسة، بعضها واضح، وبعضها خفي، وأحيانًا يكون تحكُّمًا من بعض الفقهاء بدون دليل، أو بنظر غير صحيح.
ولهذا لو أن أحدًا قال: أنا أريد أن أُقَعِّدَ قاعدة: الأصل براءة الذمة حتى يثبت أن هذا فيه فدية؛ لأن الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]، فإذا قال الله: هذا حرام، ولم يقل: وفيه فدية، فهو حرام، ولا فدية فيه، ويكفي المؤمن أن يقال له: إن فعلت كذا فأنت آثم، لكن نظرًا إلى أن جمهور العلماء يقولون بهذا، وأن إيجاب الفدية على الناس من باب السياسة، السياسة هي التي تمنعهم من الوقوع في المحذور؛ لأنك لو قلت لشخص لبس قميصًا وسراويل وعمامة وخُفًّا، لو قلت: ليس عليك في هذا إلا أن تستغفر الله، قال: بس ( ... ) دائمًا يقولون كذا، إذا سأل وقلنا: عليك التوبة، قال: بس التوبة؟ والتوبة هي هيِّنَة، لكن العامة ما يدرون، يقول: إن شئت أملأ لك منى ومزدلفة وعرفات من الاستغفار والتوبة ( ... ) ما عَلَيَّ ولا قِرش ( ... )، من أجل سياسة الخلق لإصلاحهم نقول: قال العلماء كذا وكذا، ونُفْتِيهم.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله وإيانا:
وأما دم متعة وقِرَان فيجب الْهَدْي، فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام، والأفضل كون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله، والْمُحْصَر إذا لم يجد هديًا صام عشرة أيام ثم حَلَّ.
ويجب بوطء في فرج في الحج بدنة، وفي العمرة شاة، وإن طاوعته زوجته لَزِمَاهَا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3820
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا أن المحظورات بالنسبة للفدية تنقسم إلى أربعة أقسام:
ما لا فدية فيه، وما فديته مغلَّظة، وما فديته فدية أذى، وما فديته جزاؤه.
فما هي فدية الأذى؟
طالب: فدية الأذى مِن حَلْق الشعر.
الشيخ: لكن ما هي؟
الطالب: فدية الأذى إما شاة وإما إطعام ستين مسكينًا.
الشيخ: ستين مسكينًا؟
الطالب: قلنا: ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام.
الشيخ: لكل مسكين؟
الطالب: نصف صاع.
الشيخ: نصف صاع، لماذا سُمِّيَت فدية أذى؟
الطالب: لأنه أزيل عنه الأذى.
الشيخ: لماذا سُمِّيَت فدية أذى؟
طالب: لأن هذا أول ما شرعت كان ( ... ).
طالب آخر: لأنه يُزَالُ الأذى.
طالب آخر: لأنه موافق نص القرآن.
الشيخ: لقوله تعالى ..
طالب: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: 196].
الشيخ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
وأما المغلَّظة فهي فدية الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وهي بدنة.
وأما الجزاء ففي الصيد، وذكرنا أن الصيد ينقسم إلى قسمين: ما له مثل، وما ليس له مثل، فالذي له مثل يُخَيَّر بين ذبح المثل، أو تقويمه؛ يشتري بها طعامًا فيطعم عن كل مسكين مُدَّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا، وأما الذي ليس له مثل فيُخَيَّر فيه بين شيئين؛ بين الإطعام والصيام.
بسم الله الرحمن الرحيم، ذكرنا أن المؤلف رحمه الله تعالى أدخل دم المتعة والقِرَان بين فدية المحظورات، وهذا من حيث التنظيم التأليفي فيه نظر؛ لأن الذي ينبغي أن يجعل كل صنف مع صنفه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3821
هنا قال: (وأما دم متعة وقِرَان فيجب الهدي)، ودليل وجوب الْهَدْي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [البقرة: 196] إلى آخره.
فقول: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ مبتدأ، خبره محذوف، والتقدير: فعليه ما استيسر من الْهَدْي.
﴿مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ هذا باعتبار الوجود، لا باعتبار الْهَدْي نفسه، ولهذا لا يجزئ من الْهَدْي إلا إذا جمع شروطًا؛ أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن المعتبَر شرعًا، وهو في الضأن ستة أشهر، وفي المعز سنة، وفي البقر سنتان، وفي الإبل خمس سنوات، والثالث أن يكون سليمًا من العيوب المانعة في الإجزاء، وهي أربعة؛ فلا تجزئ العوراء البَيِّن عَوَرُها، ولا المريضة البَيِّن مرضها، ولا العرجاء البَيِّن عرجها، ولا العجفاء، وهي الهزيلة التي ليس فيها مُخّ، هذا قوله: ﴿مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
أما متى وأين يُذْبَح فإنه يُذْبَح في يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة بعده، وأما أين يُذْبَح فيُذْبَح في منى، وهو الأفضل، أو في مكة، أو في أي مكان من الحرم، أي مكان داخل حدود الحرم، وأما لو ذبحه في عرفة أو ذبحه في الشرائع مثلًا، أو ذبحه في الحديبية في طرفها الغربي، فإن ذلك لا يجزئ، لماذا؟ لأنه خارج حدود الحرم.
يقول المؤلف: (وقِرَان) دم قِرَان، فعطف دم القِرَان على دم المتعة، وهو واضح في أن المؤلف رحمه الله يرى وجوب الدم على القارِن، وهذا مذهب جمهور العلماء؛ أن القارن عليه دم، كما أن المتمتِّع عليه دم، وقد جرى البحث في هذا، وكوَّنَّا لجنتين؛ إحداهما ترجِّح أن القارِن كالمتمتِّع في وجوب الهدي، والثانية ترجِّح أنه ليس كالمتمتِّع في وجوب الهدي، واطلعنا على بحث إحدى اللجنتين، وهي التي ترى وجوب الدم على القارِن والمتمتِّع، وأما اللجنة الأخرى فحتى الآن لم يأتنا بحثها.
طالب: موجود.
الجزء: 1 - الصفحة: 3822
الشيخ: موجود؟ لا بد أن نطَّلِع عليه.
طيب نخلِّيه بعد الدرس.
إذن القارِن على كلام المؤلف كالمتمتِّع، وهو قول أكثر أهل العلم، والقول الثاني أنه ليس كالمتمتِّع، وأنه ليس عليه هَدْي؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، وهذا يقتضي أن يكون بينهما فاصل، وهو الحل، ومعلوم أن المتمتِّع بالحل ليس كالذي سيبقى على إحرامه من حين أن يُحْرِم إلى يوم العيد.
(1)
(2)
(3)
(4)
طالب: إذا أكره الزوج الزوجة في الحج، ولكن بعد المباشرة يعني كأنها راضية بينها وبين نفسها؟
الشيخ: لا، كيف يعني بعد ما وطأها ترى رضيت؟
الطالب: أثناء يا شيخ ..
الشيخ: هذه لا بد منها غصبًا عليها.
الطالب: الضابط يا شيخ؟
الشيخ: الضابط إذ أكرهها ومسكها وأولج فيها هذا هو، أما كونها أثناء الجماع تتلذذ ( ... ) هذا شيء طبيعي.
طالب: ( ... )
الشيخ: إي نعم، العمرة فيها سَوْق هَدْي.
الطالب: كيف؟
الشيخ: هذا الكيف، أنا مثلًا خرجت معتمرًا آخذ من الهدي أسوقه.
طالب: بعد العمرة؟
الشيخ: مع الرسول، جاء به من المدينة.
طالب: يُشْرَع أن ..
الشيخ: يُشْرَع إذا أراد عمرة أن يسوق الهدي، بل يُشْرَع أن يسوق الهدي، يعني يرسل الهدي وهو مكانه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: سنة، كانت عائشة رضي الله عنها تفتل قلائد هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فيبعث به من المدينة إلى مكة ولم يُحَرِّم على نفسه شيئًا من محظورات الإحرام.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: في العمرة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: قالوا: بعد السعي، إذا أتم السعي ذَبَحَهُ، قالوا: والأفضل أن يكون عند المروة.
طالب: ( ... ) عائشة.
الشيخ: كأنكم ما فهمتم أن الهدي يُسَاق في العمرة، سبحان الله!
طالب: ( ... ) بعد إرساله.
الشيخ: إي نعم، قال: الأفضل بعدما تنتهي العمرة.
طالب: بعد الحلق؟
الشيخ: إي نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3823
طالب: ترى هذا المريض في آخر شعبان بيصير عليه صيام؟
الشيخ: الآن الهدي، نشوف يُسَاق في العمرة، ويرسل وليس في بلده.
طالب: ثلاث حالات.
الشيخ: ثلاث حالات.
الطالب: إن كان متمتعًا وعجز عن الصيام ( ... ) ولا في آخر شعبان مر المريض وعليه صيام من ( ... ).
الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: رجل عليه سبعة أيام من صيام التمتع، وعليه سبعة أيام من رمضان، فمرض، ولم يَشْفَ إلا قبل رمضان بسبعة أيام، فهل يقدم صيام المتعة أو صيام رمضان؟
طالب: صيام رمضان.
الشيخ: صيام رمضان.
طالب: لا ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: يعني الثلاثة أيام.
الشيخ: ما يخالف، كله واحد؛ لأن صيام الأيام الثلاثة والسبعة ما لها وقت.
طالب: ويش لون بلا وقت؟
الشيخ: يعني الأيام إذا فاتت أيام الحج ما لها وقت.
طالب: إذن صار المريض يُعْذَر بالصيام.
الشيخ: يُعْذَر، نعم.
طالب: في نفس ( ... ).
الشيخ: في نفس ( ... ) نعم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هو الصحيح ( ... ) المتمتِّع إذا لم يستطع الهدي ( ... ) طلوع الفجر؟
الشيخ: قلنا: المذهب من فجر يوم النحر، وفيه قول ثان؛ إنه من ارتفاع الشمس قيد رمح، وهذان القولان متقاربان، يعني الغالب اللي ما ( ... ) عند طلوع الفجر ما ( ... ).
طالب: لو ترك الإنسان تكاسلًا الأيام الثلاثة؟
الشيخ: المذهب يشددون فيها تمامًا، يقول: لو تركها حتى لعذر فعليه أن يصومها وعليه دم، طيب ما عنده دم؟
طالب: هل يبقى في مكة؟ يلزم أن يبقى؟
الشيخ: لا، ما يلزم.
طالب: يقضيها يا شيخ.
الشيخ: يقضيها، وعليه دم، ولو عُذِرَ، لو كان مثلًا أنه أخَّرها لأيام التشريق، ومرض، على المذهب يلزمه أن يقضيها، ويلزمه دم.
طالب: صحيح.
الشيخ: أصلًا، ما هو بصحيح، الصحيح أنه إذا عجز لا، ما تسقط عنه مثله، مثل المرض إذا عافاه الله، يصوم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا.
طالب: ويش لون عليه دم ولو ( ... ) يصوم ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3824
الشيخ: يقول: يصوم ثلاثة أيام عن صيام المتعة، ثم عليه دم لتأخيرها عن أيامها.
طالب: ما استطاع الدم، يصوم؟
الشيخ: ما قالوا شيئًا، إذا ما استطاع الدم يبقى حتى يجيب ( ... ) الدم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: على كل حال، هو قول ضعيف، والقول الضعيف دائمًا يكون غير مُطَّرِد، فإذا كان غير مُطَّرِد الحمد لله.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، أبدًا الْمُكْرَه ما عليه شيء أبدًا.
طالب: قلنا فيما مضى: إن الرجل ( ... ).
الشيخ: إي، يعني يحرُم عليها أن تلبس الخفين قياسًا على تحريمها على الرجل.
طالب: قياسًا على ..
الشيخ: على تحريمها على الرجل.
طالب: على ( ... ).
الشيخ: لا، قياسًا على تحريمها على الرجل، كما قسنا تحريم القفازين على الرجل قياسًا على تحريمهما على المرأة، هكذا تقول، هذا قول وجيه بلا شك، يعني كأنه يقول: يجوز للرجل أن يلبس القفازين في الإحرام، وأنه ليس حرامًا، ولا يصح قياسه على تحريمه على المرأة، نقول: هذا لا يرد؛ لأنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان الرجال يلبسون القفازين أبدًا، بل يعد لبس القفازين من الرجال تشبهًا بالمرأة، ولهذا نحن الآن نقول: لو أن الرجل لبس قفازين أسودين لكان حرامًا عليه، ولدخل في اللعنة؛ لأنه يكون متشبهًا بالمرأة.
طالب: غير الأسود؟
الشيخ: لا، غير الأسود ما يتشبه بالمرأة، يخالفها في اللون.
طالب: بارك الله فيك، فدية الفوات، منهم مَن قال: بدنة على الأصح.
الشيخ: لا، ما هو صحيح، سيأتينا إن شاء الله في باب الفوات، والإحصار باب مستقل نتكلم عليه إن شاء الله.
طالب: ( ... ) مَن بَاشَرَ فأنزل بعد التحلل الأكبر.
الشيخ: التحلل الأكبر ولَّا الأول؟
الطالب: الأول.
الشيخ: ما ذكرناه يا جماعة كل محظور ففديته فدية أذى، والجماع بعد التحلل الأول محظور، فتكون فديته فدية أذى.
طالب: جامَع زوجته وهو محل وهي مُحْرِمة، وتراضوا، هل يكون في ذلك عليه شيء سدًّا للباب ( ... ) إذا كان مَحْرَمًا لها وهو محل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3825
الشيخ: كيف؟ ما فهمت.
الطالب: هو مثلًا مع زوجته مَحْرَمًا.
الشيخ: الزوج محل وهي مُحْرِمة.
الطالب: نعم، وأكرهها على الجماع.
الشيخ: فليس عليها شيء.
الطالب: لا عليه هو؟
الشيخ: ما عليه شيء، هو آثم فقط.
الطالب: ربما يُكَرِّرها مرة أو مرتين.
الشيخ: يأثم، الواجب أن تمتنع.
الطالب: ربما يكررها مرتين.
الشيخ: المهم على كل حال أنه ليس عليه شيء؛ لأنه محل، وهي ليس عليها شيء لأنها مُكْرَهَة.
طالب: شيخ، قلت: الصيد من شروطه أن يكون وحشيًّا، ولكن ما ندري وين الدليل يا شيخ؟
الشيخ: لأنه لا يسمى صيدًا إلا ما كان كذلك.
الطالب: كيف نعرف أن أصله وحشي أو إنسي؟
الشيخ: الوحشي هو المستوحش من بني آدم، ما يمكن تأخذه إلا بصيد، والمستأنس مثل الدجاج وشبهها، أشياء كثيرة يعني يسمونها الدواجن عندنا أظن.
طالب: ما وجد البدنة الذي جامع زوجته، هل عليه شاة؟
الشيخ: لا، الفقهاء يقولون: يصوم عشرة أيام قياسًا على التمتع، ولكن ما هو بصحيح.
الطالب: لكن ما يتحول إلى شاة؟
الشيخ: أبدًا، إذا لم يجد ما عليه شيء.
طالب: نهى عن صوم يوم عرفة لمن بعرفة يشمل يا شيخ غير الْمُحْرِمِين؟
الشيخ: لا، المراد به الْمُحْرِمُون، وعلى كل حال أنا نسيت أن أُنَبِّهَكم، هذا الحديث فيه مقال، لكن يؤيده أن الرسول لم يَصُم، مع أن صوم عرفة يكفِّر السنة التي قبله والتي بعده.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: فصل:
ومَنْ كَرَّر محظورًا من جنس ولم يَفْدِ فَدَى مرًة بخلاف صَيْد، ومن فعل محظورًا من أجناسٍ فَدَى لكل مرةٍ رفض إحرامه أو لا.
ويسقط بنسيانٍ فديةُ لبس وطيب وتغطية رأس دون وطء وصيد وتقليم وحلاق.
الجزء: 1 - الصفحة: 3826
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا الواجب في دم المتعة والقِرَان، وكذلك في بقية محظورات الإحرام، وكذلك في الإحصار ( ... ) لنا أن الإحصار يجب فيه دم، ودليله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وأنه إذا عَدِمَ الدم فلا شيء عليه، على القول الراجح.
وسبق لنا أنه يجب في الإحصار حَلْق، وإن لم يكن مذكورًا في كتاب الله، لكن مذكور في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبق لنا أن المذهب أن الدم الواجب لفوات أو ترك واجب كمتعة، وأن القول الراجح أن الدم الواجب لترك واجب إذا كان معسِرًا فلا شيء عليه، لا صيام ولا إطعام.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل: ومَن كَرَّر محظورًا من جنس واحد ولم يَفْدِ فَدَى مرة، بخلاف صيد)، إذا كرر الإنسان المحظور من جنس ولو أكثر من مرة، ولو عشر مرات، ولم يَفْدِ، فإنه يفدي مرة واحدة.
مثل: أن يُقَلِّم مرتين، أو يلبس مخيطًا مرتين، أو يحلق مرتين، أو يباشر مرتين أو أكثر، وهو من جنس واحد، فإن عليه فدية واحدة إذا لم يكفِّر، قياسًا على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد، فإنه يكفيه وضوء واحد، كذلك هذه المحظورات إذا فعل أشياء من جنس واحد فعليه فدية واحدة، اللبس شيء واحد، الحلق شيء واحد، التقليم شيء واحد، الطِّيب شيء واحد، تغطية الرأس شيء واحد.
وعلى هذا فلو لبس وغطى رأسه ففديتان؛ لأن تغطية الرأس من جنس، واللبس من جنس آخر، نعم، لو لبس عمامة بقصد اللبس فهنا يمكن أن نجعلها مع لبس القميص شيئًا واحدًا، لكن إذا عطى رأسه بغير ما يلبس عادة ولبس قميصًا فإنه يعتبر شيئين؛ لأنهما جنسان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3827
قلَّم ظفر يد وظفر رجل، شيء واحد، وإن تعدد الْمَحَلّ، كما لو لبس خفين وسراويل وقميصًا، فإنها شيء واحد، وكما لو طَيَّبَ يده ورأسه وصدره مثلًا فإنه شيء واحد، يعني: معناه تعدُّد الْمَحَلّ لا يؤثر شيئًا ما دام الجنس واحدًا.
قال المؤلف: (وَلَمْ يَفْدِ)، فعُلِمَ من كلامه أنه لو فدى عن الأول فدى عن الثاني؛ لأن الأول انتهى، وبرئت ذمته منه بفديته، فيكون الثاني تجديدًا.
وقوله: (بخلاف صيد) يعني: فإنه يتعدد بعدده، حتى ولو برمية واحدة، فإذا رمى رمية واحدة وأصاب خمس حمامات، فإن عليه خمس فدى، لا يقول: إن الفعل واحد والمحظور واحد؛ لأن الله اشترط في جزاء الصيد أن يكون مثله، والمماثلة تشمل الكمية والكيفية، فلو قدَّرْنا أنه فدى بشاة واحدة عن الخمس لم يكن أتى بمثلها، وهذا وجه استثناء الصيد؛ أن الله سبحانه وتعالى اشترط المماثلة، والمماثلة تشمل المماثلة كمًّا وكيفًا.
(ومَن فَعَلَ محظورًا من أجناس فَدَى لكلٍّ مرة)، مَن فعل محظورًا من أجناس مثل: أن يلبس القميص ويطَيِّب رأسه، وما أشبه ذلك، ويحلق ويقلِّم، هذه أربعة أجناس، فعليه أربع فِدًى، ولهذا قال: (ومن فعل محظورًا من أجناس فَدَى لكلٍّ مرةً) فدى لكلِّ واحد مرةً، وإن كرر أكثر وفدى أعاد الفدية أيضًا.
قال المؤلف: (رفض إحرامه أو لا) يعني: سواء فعل المحظور بعد أن رفض الإحرام، ونوى الخروج أم لا.
وأشار إليه المؤلف هنا؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا رفض إحرامه ارتفض وحَلَّ.
ولكن الصحيح ما قاله المؤلف؛ أن الإنسان يبقى على إحرامه ولو رفضه، اللهم إلا أن يكون غير مكلَّف، كالصغير، فإن الصغير إذا رفض إحرامه حل منه؛ لأنه ليس أهلًا للإيجاب.
وقوله: (رفض إحرامه أو لا) يعني أم لم يرفضه، ظاهره أنه لا شيء عليه برفضه، وأن وجود هذا الرفض وعدمه على حد سواء، وهذا هو الصحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3828
وقال بعض العلماء: يلزمه لرفضه دم؛ لأنه يحرُم عليه أن يخرج من النسك بعد أن تَلَبَّسَ به، فإذا رفضه وحاول الخروج فهذا وقوع في محظور، فيلزمه الدم.
والصحيح ما هو ظاهر كلام المؤلف؛ أنه لا شيء عليه.
رجل أحرم بالعمرة، ثم رفض الإحرام، ثم فعل المحظور، هل يكفِّر أو لا؟
طالب: يكفِّر على قول المؤلف.
الشيخ: ما يحتاج إلى توقف، هذا يكفِّر؛ لأن المؤلف يقول: رفض إحرامه أو لا؛ لأن رفضه للإحرام لا أثر له؛ إذ إنه لا يمكن الخروج من النسك إلا بواحد من ثلاثة أمور: إتمام النسك، التحلل إن شرط، الحصر، أما مجرد النية الإنسان يتلاعب يقول: هوّنت، هذا ما يمكن.
إذن المثال: رجل رفض إحرامه ثم لبس، هل عليه فدية؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هوّن.
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، رجل صائم فرفض صومه وشرب.
طالب: في غير رمضان؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نقول: الآن بطل الصوم في رمضان وغير رمضان، لكن في رمضان لا يحل له أن يأكل ويشرب؛ لأنه أفطر لغير عذر.
وهذا مما اختص به الحج من بين سائر العبادات، سائر العبادات إذا خرج منها، يعني رفضها، خرج منها، أما الحج فلا، الحج لا يخرج منه إلا بواحد من ثلاثة أمور؛ الأول: إتمامه، الثاني: التحلل إن شرط، والثالث: الحصر.
قال المؤلف: (ويسقط بنسيان فدية لبس وطِيب وتغطية رأس، دون وطء وصيد وتقليم وحلق)، المحظورات تنقسم باعتبار سقوطها بالعذر إلى قسمين:
قسم: تسقط فديته بالعذر.
وقسم: لا تسقط.
يقول المؤلف: (يسقط بالنسيان)، ومثله الجهل والإكراه، فدية اللبس، يعني: لو أن الإنسان نسي فلبس ثوبًا وهو مُحْرِم، فليس عليه شيء، ولكن عليه متى ذكر أن يخلعه ويلبس الإزار والرداء.
الجزء: 1 - الصفحة: 3829
كذلك الطيب، لو تَطَيَّب وهو محرِم ناسيًا فلا شيء عليه، لكن عليه إذا ذكر أن يبادر بغسله، وفي هذه الحال، أي في حال غسله إياه، لا شيء عليه، مع أنه سيباشره؛ لأن هذه المباشرة للتخلص منه لا لإقراره، والتحرك في الشيء للتخلص منه لا يعتبر ذلك حرامًا، أرأيت لو أن شخصًا غصب أرضًا وسكن فيها، أتى بأثاثه وسيارته وأولاده وسكن، ثم جاءه رجل وَعَظَهُ، فقال: باسم الله مشينا، مدة مشيه في هذه الأرض هل يؤاخذ به؟ لا؛ لأنه إنما تحرك للتخلص.
لكن لو قام من مكانه يتمشى في الأرض هل يأثم بذلك؟ نعم؛ لأنه لم يحاول التخلص.
أيضًا الرجل يستنجي بالماء فيباشر النجاسة بيده ولا يأثم بهذا، لماذا؟ لأنه إنما يفعل ذلك للتخلص منها.
فالطِّيب الذي يغسله المحرِم إذا تطيَّب ناسيًا ثم ذَكَرَ، نقول: اغسل الطِّيب، قال: كيف أغسله، إذن معناه: أُبَاشِر الطِّيب؟ قلنا: نعم، تباشر الطِّيب لكن تخلَّص منه.
في اللباس قلنا: يجب عليه أن يخلعه، لكن سبق لنا مشكلة في هذا، ما هي؟ أنه إذا حاول خلعه غطى رأسه.
قال بعض العلماء: يوسِّع الجيب شوي وينزله من أسفل، وقلنا فيما سبق: الصحيح أنه ليس بلازم، وأن هذه التغطية عابرة للتخلص من هذا اللباس.
(وتغطية رأس) يسقط بنسيان فدية تغطية الرأس، لو غطى رأسه ناسيًا وهو مُحْرِم فلا شيء عليه، ولكن متى ذكر وجب عليه كشفه.
النوم مثله، لو أن الإنسان وهو نائم غطى رأسه هل عليه فدية؟ لا؛ لأنه مرفوع عنه القلم، لكن متى استيقظ وجب عليه كشفه.
ما هو الدليل على سقوط هذه الأشياء بالنسيان، والجهل، والإكراه؟
الدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، فقال الله: قد فعلت.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].
الجزء: 1 - الصفحة: 3830
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 106]، فالكفر إذا كان يسقط موجِبه بالإكراه، فما دونه من باب أولى، إذن هذه آيات من القرآن.
أما في السنة فالحديث المشهور: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (5)، هذا من جهة الدليل من الكتاب والسنة.
التعليل أن هذا لم يتعمَّد المخالفة، فلا يُعَدّ عاصيًا، وإذا لم يكن عاصيًا لم يترتب عليه الإثم ولا الفدية، فصار الأدلة قرآن سنة تعليل، وهو ما يسمى بالنظر، الدليل النظري.
قال المؤلف: (دون وطء وصيد وتقليم وحلق) كم هذه؟
طلبة: أربع.
الشيخ: (دون وطء) يعني: أنه لا تسقط الفدية إذا وطئ ناسيًا، أو وطئ جاهلًا، أو وطئ مُكْرَهًا، إذا وطئ ناسيًا، أو جاهلًا، أو مُكْرَهًا، لماذا قالوا؟ لأن النسيان يبعد إنسان مُحْرِم ويعرف أن الجماع حرام، يبعد أن ينسى، لا سيما وأن عليه لباس الإحرام، وإذا قُدِّرَ أنه نسي ذَكَّرَتْه زوجته.
لكن الأخير ليس بتعليل؛ لأنا نقول: إذا ذكر ارتفع النسيان، لكن ما دام ناسيًا، قد يكون هو ناسيًا، وكذلك الزوجة، يقولون: هذا النسيان فيه بعيد.
فيقال في الجواب على هذا: هل النسيان وصف مُسْقِطٌ لحكم المحظور أو لا؟ نعم، لا شك، إذا كان كذلك فسواء كثر أم لم يكثر.
الجهل قالوا: لا يُعْذَر فيه، إذا جامع زوجته جاهلًا فإنه لا يُعْذَر، ولنفرض أن رجلًا جامع زوجته ليلة مزدلفة؛ لأنه سمع أن الحج عرفة، وقال: انتهى الحج، فجامع، هذا الجماع جهل أو عمد؟ جهل، لماذا لا نعذره، والجهل هذا قريب، ليس أمرًا مستبْعَدًا أن يكون جاهلًا؟ قالوا: لأن فيه إتلافًا، أيش الإتلاف؟ قالوا: زوال البكارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3831
وإذا كانت ثيبًا لها مع زوجها ثلاثون سنة، وين البكارة؟ قالوا: لأن الوطء يوجِب المهر، المهر حق من حق الله ولَّا حق الآدمي؟ حق آدمي، لو أن إنسانًا وطئ امرأة وهي غير زوجته لزمه المهر، لكن هذا المهر حق لمن؟ حق للآدمي، الآدمي ما يُعْذَر فيه بالجهل، لكن حق أكرم الأكرمين عز وجل إذا أسقطه هو سبحانه وتعالى عن عباده نلزم العباد به؟ لا.
الإكراه، قالوا: لا يسقط، لو أُكْرِه الرجل على أن يجامع زوجته لم تسقط الفدية، والمشكِل إذا كان قبل التحلل الأول، كم يلزمه؟ خمسة أحكام: البدنة، والقضاء، وفساد النسك، والمضي فيه، والإثم.
قالوا: ولو كان ما دام أُكْرِه، حتى سواء مُكْرَه ولَّا غير مُكْرَه تترتب عليه الأحكام، لماذا يا جماعة؟ قال: لأن الإكراه على الجماع لا يمكن، صحيح هذا الإكراه على الجماع لا يمكن.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ترى ما هو بالموطوء، كلامنا في الواطئ ولَّا الموطوءة؟ سبق أن المرأة الموطوءة إذا أُكْرِهَت لا شيء عليها، لكن هذا الواطئ قالوا: لا يمكن يُكْرَه؛ لأنه لا وطء إلا بانتشار، ولا انتشار مع إكراه، ولكن هذا التعليل عليل؛ لأنه من قال: إنه لا ينتشر مع الإكراه، إذا أجبرته زوجته ولنقل: إنها زوجة جديدة شابة أجبرته، وقالت: إما أن تفعل، وإلا فالمسدس، وهي جديدة وشابة، الآن هو بين أمرين؛ إما أن يدعها ويمكن تنفذ، وإما أن يجامع، في هذه الحال إذا دنا منها مهما كان الأمر سوف ينتشر، وسوف يجامع، فالقول بأنه لا جماع مع إكراه غير صحيح.
وعلى هذا فالوطء يمكن أن يكون مع الإكراه، ومع ذلك يقولون: إنه لا تسقط الفدية فيه.
الثاني: (الصيد) لا يُعْذَر فيه بالنسيان ولا بالجهل، ولا بالإكراه، لماذا؟ قالوا: لأنه إتلاف، والإتلاف يستوي فيه العمد وغيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 3832
فيه دليل، لا، فيه تعليل، لكنه تعليل سيتبين أنه عليل، فنقول: سبحان الله! الحاكم في عباده وبين عباده يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، ونحن نقول: مَن قتله متعمدًا وغير متعمد فجزاء مثل ما قتل من النعم، هل يمكن هذا؟ لا يمكن!
و(متعمد) وصف مناسب للحكم، فوجب أن يكون معتبرًا؛ لأن الأوصاف التي عُلِّقَت بها الأحكام إذا تبين مناسبتها لها صارت عِلَّة موجِبة، يوجد الحكم بوجودها، وينتفي بانتفائها، وإلا لم يكن للوصف فائدة.
إذن فنحن نقول هذا القول؛ بأنه لا فرق بين العامد والجاهل والناسي والْمُكْرَه، قول مخالف للقرآن: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، وهذا نص في الموضوع، يعني لو أننا استدللنا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ لقال قائل: يمكن أن هذا العموم يُخَصَّص، لكن الآن فيه دليل خاص على أن الصيد إذا لم يكن فيه تعمد فلا جزاء.
ما الجواب عن تعليلهم؟
الجواب عن تعليلهم أن الإتلاف الذي يستوي فيه العمد وغيره هو ما كان في حق الآدمي، أما ما كان في حق الله الذي أسقطه عز وجل تفضلًا منه وكرمًا، فهل نحن أعلم بالله في حقه من الله؟ أبدًا، فإذا كان الله قد أسقطه كيف نُلْزِم العباد به؟ ولهذا كان القول الراجح أن مَن سَبَّ الله ثم تاب لا نقتله، ومَن سَبَّ الرسول ثم تاب قتلناه، ليش؟ لأنا نعلم أن الله عز وجل قد عفا عن حقه، وأما الرسول فلا نعلم.
(وتقليم) أيضًا التقليم لا يسقط بالنسيان والجهل والإكراه.
لا بد أن نصور مسألة الصيد.
النسيان: رجل رأى الصيد، وكان مشغوفًا بالصيد، فنسي، فأخذ البندق ورمى الصيد، فسقط ما شاء الله من الصيد، فعلى المذهب عليه الفدية.
الجزء: 1 - الصفحة: 3833
الجهل: رجل كما قلنا بالأول وقف بعرفة، فسمع أن الحج عرفة، فلما كان في صباح العيد قبل أن يرمي وجد صيدًا من الطيور أو الظباء أو غيرها فصاده، فهذا جاهل عليه الجزاء.
رجل مُكْرَه خادم عند سيده، فقال له سيده: يالَّا شوف الصيد روح جيبه لنا، فقال: أنا مُحْرِم يا عم، قال: ما فيه، إما أن تفعل، وإما أفعل بك ما أفعل، أَكْرَهَهُ وصاد، عليه الجزاء أو لا؟
طلبة: على المذهب نعم.
الشيخ: إي، عليه الجزاء على المذهب.
التقليم: تقليم الأظفار لا يسقط بنسيان ولا بجهل ولا بإكراه.
سألنا كم ليلة؟ قال واحد: دائمًا يقول كذا، يقشر ظفوره بأسنانه، هل تسقط الفدية أو لا تسقط؟ ما تسقط، ولو كان نسيانًا، ولو كان جهلًا ولو كان مُكْرَهًا، لا تسقط، لماذا؟ ألستم تقولون: إن تقليم الأظفار حرام على الْمُحْرِم؛ لأنه من باب الترفه، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طَيِّب، الطِّيب واللباس ترفُّه، قلتم: إن فيه الفدية؛ لأنه ترفُّه ولَّا ما فيه نص؟ نقول: سبحان الله! تقليم الأظفار من باب الترفُّه، ومع ذلك لا تُعْذَرُون فيه بالجهل والنسيان والإكراه، واللباس والطيب من باب الترفُّه، وتُعْذَرُون فيه بالجهل والنسيان والإكراه.
قالوا: إي، لكن هناك فرق، الفرق أن تقليم الأظفار إتلاف، إتلاف أيش؟
طلبة: الأظفار.
الشيخ: هل له قيمة؟ وهل هذا إتلاف مطلوب ولَّا محظور في غير الإحرام؟
مطلوب، إذن لا قيمة له شرعًا ولا عرفًا، ولا أحد يجمع أظفاره علشان يبيعها، أبدًا، فليس لها قيمة، فأين الإتلاف الذي يكون؟ ثم على فرض أنه إتلاف، هو إتلاف مباح، بل مشروع لولا الإحرام.
مثله أيضًا الرأس، قال: (وحلق)، مثله سواء بسواء، العلة في وجوب الفدية مطلقًا هو أنه إتلاف، إتلاف أيش؟
طالب: الشعر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3834
الشيخ: الشعر ما له قيمة أبدًا، الناس لو أرادوا أن ينتفعوا بالشعر عندهم؛ شعر الضأن، وشعر الإبل، وغيرها، نعم، ربما لو كان شعر كثير طويل يمكن يصير له قيمة تشتريه امرأة ما لها رأس وتجعله باروكة، ومع ذلك هذا لا يجوز، لكن نحن نقول: يمكن يكون له ثمن، ومع هذا لا نوافق على أنه إتلاف؛ لأنه إتلاف ليس له قيمة، فتبين بهذا ضَعف هذا القول.
أعظم الإتلافات وهو إتلاف واضح هو الصيد، ومع ذلك قيَّد الله تعالى وجوب الجزاء فيه بالتعمد، وهو أصل الإتلافات، إذن نعود مرة ثانية فنقول: فاعل المحظورات -قسمة حاصرة إن شاء الله على القول الراجح- فاعل المحظورات كلها لا يخلو من ثلاث حالات ..
وكلُّ هَدْيٍ أو إطعامٌ فلِمساكينِ الْحَرَمِ، وفِديةُ الأَذَىَ واللُّبْسِ ونحوِهما ودمُ الإحصارِ حيث وُجِدَ سببُه، ويُجْزِئُ الصوْمُ بكلِّ مَكانٍ، والدمُ شاةٌ أو سُبُعُ بَدَنَةٍ وتُجزِئُ عنها بَقرةٌ.
﴿باب جزاء الصيد﴾
في النَّعَامةِ بَدَنَةٌ وحِمارِ الوَحْشِ وبَقرتِه والإبلِ والثَّيْتَلِ والوَعْلِ بقرةٌ، والضَّبُعِ كَبْشٌ، والغزالةِ عَنْزٌ، والوَبْرِ والضَّبِّ جَدْيٌ، واليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، والأَرْنَبِ عَناقٌ والحمامةِ شاةٌ.
(باب: حكم صيد الحرم)
يَحْرُمُ صَيْدُه على الْمُحْرِمِ والحلالِ، وحُكْمُ صَيْدِه كصَيْدِ الْمُحْرِمِ،
ولا أحد يجمع أظفاره علشان يبيعها، أبدًا، فليس لها قيمة، فأين الإتلاف اللي يكون؟
ثم على فرض أنه إتلاف هو إتلاف مباح، بل مشروع لولا الإحرام.
مثل أيضًا الرأس، قال: (وحلق) مثله سواء بسواء، العلة في وجوب الفدية مطلقًا هو أنه إتلاف، إتلاف أيش؟
طالب: ( ... ) الشعر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3835
الشيخ: الشعر ما له قيمة أبدًا، الناس لو أرادوا أن ينتفعوا بالشعر عندهم شعر الضأن وشعر الإبل وغيرها، ربما لو كان شعر كثير طويل يمكن يصير له قيمة، تشتريه امرأة ما لها رأس وتجعله باروكة، ومع ذلك هذا لا يجوز، لكن نحن نقول: يمكن يكون له ثمن، ومع هذا لا نوافق على أنه إتلاف؛ لأنه إتلاف ليس له قيمة.
فتبين بهذا ضعف هذا القول، أعظم الإتلافات وهو إتلاف واضح هو الصيد، ومع ذلك قيَّد الله تعالى وجوب الجزاء فيه بالتعمُّد، وهو أصل الإتلافات.
إذن نعود مرة ثانية فنقول: فاعل المحظورات -قسمة حاصرة إن شاء الله على القول الراجح- فاعل المحظورات كلها لا يخلو من ثلاث حالات:
ونريد بالمحظورات هنا المحظورات التي فيها فدية، وأما ما لا فدية فيه مثل عقد النكاح ما يدخل في التقسيم:
فاعل المحظورات ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يفعلها بلا عذر ولا حاجة، بلا عذر شرعي، كالجهل والنسيان والإكراه، ولا حاجة، فهذا آثم، ويلزمه ما يترتب على هذا المحظور الذي فعله؛ إن كان صيدًا فجزاء، وإن كان وطئًا في الحج قبل التحلل الأول فبدنة على كل حال حسب ما سبق.
القسم الثاني: أن يفعله لحاجة متعمِّدًا، فهنا لا إثم عليه، لكن عليه ما يترتب على فعل ذلك المحظور، ولكن لا إثم عليه، لماذا لا إثم عليه؟ للحاجة، ومنه حلق شعر الرأس لدفع الأذى، كما نص الله عليه في القرآن، قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
مثله أيضًا لو احتاج الإنسان إلى لبس المخيط، فيلبس المخيط، وعليه أيش؟ الفدية، كيف يحتاج إلى لبس المخيط، ويش لون؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: حَكَّة، الْحَكَّة يلبس حرير رداء أو إزار.
طالب: برد.
الشيخ: برد شديد لا ينفع معه الإزار، لا بد من فلينة، لا بد من سروال، لا بد من كوت، وهذا يعني نادر في مكة، لكن ربما يكون.
الجزء: 1 - الصفحة: 3836
ومن الحاجة حاجة الجنود إلى اللباس الرسمي، حاجة تتعلق بها مصالح الحجيج جميعًا، أليس كذلك؟ ليش؟ لأنه لو جاء الجندي بدون اللباس الرسمي ما أطاعه الناس، وصار الأمر فوضى، لكن إذا كان باللباس الرسمي صار له هيبة.
ولكن هل نقول: إن عليه الفدية أو لا؟ يعني: جواز اللباس ما عندنا إن شاء الله فيه إشكال أنه جائز لدعاء الحاجة أو الضرورة إلى ذلك، لكن هل عليه الفدية؟
طالب: الأحوط.
الشيخ: الأحوط.
طالب: عليه ..
الشيخ: وقيل: عليه الفدية جزمًا، ما فيه قول ثالث إنه ما عليه فدية؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، الأخ يقول: احتياطًا.
طالب: عليه.
الشيخ: والاحتياط الظاهر أنه جنس القولين.
على كل حال قد نقول: إنه لا فدية عليه؛ لأنه يشتغل بمصالح الحجيج، والنبي عليه الصلاة والسلام أسقط المبيت عن الرعاة والسقاة؛ المبيت بمنى، وهو واجب من واجبات الحج وأسقطه عنهم لمصلحة الحجاج، فرخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقاية الحجاج (1)، وسقاية الحجاج أدنى حاجة من حفظ الأمن وتنظيم الناس، فيحتمل ألا يجب عليه الفدية، لا سيما وأن لبس المخيط .. كمِّلوا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ليس فيه نص على وجوب الفدية فيه، لبس المخيط ما فيه نص على وجوب الفدية فيه، فيتكون عندنا الآن:
أولًا: عدم القطع بوجوب الفدية في لبس المخيط.
وثانيًا: القياس على سقوط الواجب عمن يشتغل أيش؟ بمصلحة الحجاج.
لكن لو قلنا كما قال الأخ: إنه يفدي احتياطًا، والفدية سهلة؛ إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، سهلة، الظاهر أنها الآن والحمد لله لا تشق على الإنسان، واضح؟
هذا القسم الثاني: إذا فعله عمدًا لحاجة فإنه لا يأثم، ولكن يترتب عليه ما يترتب أيش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: على فعل المحظور الذي فعله.
القسم الثالث: أن يكون معذورًا بجهل أو نسيان أو إكراه، فعلى المذهب كما رأيتم يفرِّقون بين المحظورات، فبعضها لا تسقط فديته بالنسيان والجهل والإكراه، وبعضها تسقط.
الجزء: 1 - الصفحة: 3837
والصحيح أن جميعها تسقط، وأن المعذور بجهل أو نسيان أو إكراه لا يترتب على فعله شيء إطلاقًا، لا في الجماع، ولا في الصيد، ولا في التقليم، ولا في لبس المخيط، في أي شيء، وذكرنا في أول الدرس الدليل من القرآن والسنة والنظر، ولا حاجة إلى إعادته؛ لأنه واضح.
وهكذا نقول: في جميع المحظورات في العبادات لا يترتب عليها الحكم إذا كانت مع الجهل أو النسيان أو الإكراه؛ لعموم النصوص، ولأن أصل الجزاء أو الفدية أو الكفارة أصله لفداء النفس من المخالفة، أو للتكفير عن الذنب، والناسي والجاهل هل تعمَّد المخالفة؟ أبدًا ما تعمَّد المخالفة، ولهذا لو كان ذاكرًا ما فعل.
الشرب في رمضان نسيانًا ليس فيه قضاء، صح؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الدليل: حديث أبي هريرة: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (2).
هذا الذي نسي لو قال له قائل: أنا أريد أن تشرب وأنت ذاكر أن اليوم من رمضان وأنك صائم، يأبى أو يوافق؟
طلبة: يأبى.
الشيخ: يأبى أشد الإباء، إذن الناسي لم يتعمد المخالفة، لم يتعمد مخالفة الله ورسوله، فليس بعاصٍ، وإذا انتفت المعصية انتفت الفدية والكفارة، وكيف يفدي الإنسان نفسه من شيء لا شيء؟ أليس كذلك؟
إذن القول الراجح أن جميع المحظورات في جميع العبادات إذا فعلها الإنسان ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا فلا شيء عليه، معاوية بن الحكم دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فعطس رجل من القوم، فقال: الحمد لله، العاطس قال: الحمد لله، معاوية رضي الله عنه يعلم أن تشميت العاطس إذا حمد واجب، قال: يرحمك الله، وهو يصلي، يرحمك الله، يخاطبه، إذن الكلام كلام آدمي ولّا لا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: فرماه الناس بأبصارهم، يعني نظروا إليه منكِرين أو مُقِرِّين؟
طلبة: منكِرين.
الجزء: 1 - الصفحة: 3838
الشيخ: منكِرين، فقال: وَاثُكْلَ أُمَّيَاه! ! رضي الله عنه، يعني تندَّم، فزاد الكلام كلامًا آخر، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكِّتُونه، فسكت، لما سلَّم دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم، قال معاوية: فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلِّمًا أحسن تعليمًا منه، اللهم صلِّ وسلم عليه.
دعاه النبي صلى الله عليه وسلم، دعا معاوية بن الحكم وقال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (3)، أو كما قال، ولم يأمره بالإعادة، لماذا؟ لأنه جاهل.
والمسيء في صلاته أمره بالإعادة (4) مع أنه جاهل، لكن المسيء في صلاته ترك مأمورًا، والمأمورات أمور إيجابية لا بد أن تكون، والمنهيات أمور عدمية لا بد ألَّا تكون.
ثم إن المأمورات يمكن تداركها بفعلها، لكن المنهيات مضت، نعم إذا كان في أثناء المنهي يمكن تداركه بقطعه.
في الصيام النسيان سمعتم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3839
والجهل، عدي بن حاتم رضي الله عنه أراد أن يصوم، وكانوا رضي الله عنهم يأخذون الأحكام من القرآن مباشرة، فالآية يقول الله فيها: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ [البقرة: 187]، ماذا صنع؟ جعل تحت وسادته عقالين، يعني حَبْلَيْن تُعْقَل بهما الإبل، واحد أبيض وواحد أسود، وجعل يأكل ويشرب، كلما أكل قليلًا نظر إلى الخيطين هل بان الأبيض من الأسود؟ لما بان الأبيض من الأسود وقف، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ»، أَنْ وَسِعَ الْخَيْطَيْنِ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ، يعني يتعجب عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني إذا كان الخيطان ما ذكرت، معناه أن الوسادة كبيرة، هذا هو الصحيح؛ أن الرسول يتعجب عليه، لكن البلاغيين عفا الله عنهم قالوا: إن الرسول قال له: أنت بليد ما تعرف؛ لأن عرض الوسادة يدل على طول الرقبة، وطول الرقبة يدل على البلادة، انتبهوا للرقاب، ليش؟
قالوا: لأنه إذا كانت الرقبة طويلة كانت الصلة بين القلب والدماغ بعيدة، فيقتضي أن يكون بليدًا.
ولكن الحمد لله ما رأينا إنسانًا طويل الرقبة وهو بليد أبدًا، فالمهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام بيَّن له أن هذا غير صحيح، وقال: «إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ».
(5) هل أمره بالإعادة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ليش؟
طلبة: جاهل.
الشيخ: جاهل بأيش؟ بالحكم ولَّا بالحال؟
طالب: بالحكم.
طلبة: بالحال.
الشيخ: لا ( ... ) بالحكم، ظن أم معنى الآية هذا، فهو جاهل بالحكم.
الجهل بالحال: حديث أسماء، أفطروا في يوم غيم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ثم طلعت الشمس (6)، ولم يؤمروا بالقضاء.
هذا هو الجهل بالحال، حيث ظنوا أن الشمس غربت، ولم تغرب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3840
المهم أنك إذا تتبعت النصوص العامة والخاصة وجدت أن فاعل المحظور مع الجهل والنسيان والإكراه لا يترتب عليه شيء، وهذا من مئات الآلاف الداخلة تحت قوله تعالى في الحديث القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي».
(7)
وفي قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54]،
فالصحيح في هذه المسألة أن نقسم المحظورات إلى هذه الأقسام الثلاثة: الأول؟
طالب: مِن قَصْد، مِن عَمْد.
الشيخ: من فعلها بلا عذر ولا حاجة ما حكمه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: تمام، والثاني؟
طالب: مَن فعله متعمِّدًا ولكن لعذر أو حاجة.
الشيخ: ما الحكم؟
طالب: الصحيح ما عليه.
الشيخ: ما عليه شيء أبدًا؟
طالب: لا، عليه الفدية.
الشيخ: يسقط عنه الإثم.
طالب: وعليه الفدية.
الشيخ: وعليه الفدية، والثالث؟
طالب: مَن فَعَلَهُ بعذر.
الشيخ: معذورًا، قيد.
طالب: مَن فعله معذورًا.
الشيخ: بأيش معذورًا، بنسيان أو جهل؟
طالب: أو إكراه.
الشيخ: أو إكراه.
طالب: لا شيء عليه، يعني لا إثم ولا ..
الشيخ: نعم، هذا هو القول الراجح، وهو قول حاصر في الموضوع، والله أعلم.
طالب: شيخ، مسألة الجنود، لو قيل بوضع زي خاص بذا ويكون خاص مميز له؟
الشيخ: إذا أمكن لا بأس، لكن أنت تعرف أن الناس ما يخضعون إلا للباس الرسمي.
طالب: إيه هذه يصير رسمي ..
الشيخ: لا بأس، إذا أمكن تلافي المحظور فهو واجب.
طالب: المعذور يا شيخ، قيَّدناه بالجهل والنسيان والإكراه بس.
الشيخ: إي نعم، ليش؟ ومثلها النوم.
الطالب: طيب المرض؟
الشيخ: المرض يكون من القسم الثاني؛ الحاجة، ولهذا قلنا: لازم نقيِّده؛ لأنه معذور بهذا، لأن صاحب المرض يفعل ..
طالب: الجنون.
الشيخ: أقول فعلًا الجنون مثل الناسي أو أشد، ما له عقل.
طالب: ( ... ) تقييده؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3841
الشيخ: إيه، تقييده لئلا يقول قائل: إذا قلتم بعذر يدخل به مَن فعله متعمِّدًا لعذر؛ لأنه من فعله متعمدًا لعذره يسقط عنه الإثم ولا تجب عليه الفدية.
طالب: في الكتاب يا شيخ كرر المحظور ذكر الوطء، كيف يتصور تكرير الوطء؛ لأنه إذا وطئ أول مرة فسد حجه؟
الشيخ: إي نعم، ما تقولون في هذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: يقول: إذا وطئ أول مرة فسد حجه، كيف يتصور التكرار؟ نقول: إذا فسد الحج ليس معناه أنه يخرج من الحج، يلزمه المضي، وحكمه حكم الصحيح في جميع المحظورات، فهمت؟
طالب: ( ... ) قلنا: هذا قياس على مَن أَحْدَثَ بعد ( ... ).
الشيخ: مثل ما فيه الأحداث إلا جنسين فقط أصغر وأكبر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، الأصغر أنواع تحت جنس واحد.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة ( ... ) عليه فدية يا شيخ، هم يستدلون بفدية الأذى فعلها معذور ( ... ) يا شيخ قتل الخطأ يرتفع عنه الإثم، لكن يجب عليه الكفارة، مثل الصيد؛ واحد صاد وهو ناسٍ فيجب عليه المثل ( ... ) كيف يفعله؟
الشيخ: سمعتم ما قال؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: يقول: نقيس قتل الصيد على قتل المؤمن خطأً أو مَن بيننا وبينهم ميثاق خطأً، فماذا نقول؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: قياس مع الفارق، الله فرَّق في قتل المؤمن بين العمد والخطأ، قال في العمد: ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92]، ما يمكن يقتله عمدًا، مؤمن يقتل مؤمنًا ما يمكن، هذه واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3842
الشيء الثاني في النص في قتل الصيد: نص متعمِّدًا، ولكن شوفوا يا جماعة الإنسان إذا اعتقد قبل أن يستدل، الحقيقة أحيانًا تتعجب، قالوا: إن ذكر التعمد هنا في العقاب: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95]، وهذا غريب، والله يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] فرتَّب الجزاء على العمد على الشرط السابق، وأما قولهم: إن التعمد هذا لأجل الجزاء في الآخرة بالانتقام، فهذا لا شك أنه باطل، وتحريف للكلم عن مواضعه، لكن المشكلة الإنسان إذا اعتقد قبل أن يستدل، واحنا نقول حتى عن أنفسنا نجد أننا إذا اعتقدنا شيئًا ثم جاءت الأدلة بخلافه قد يصعب على الإنسان أنه ينتقل، وتجده يحاول أن يجد دربًا يمشي معه؛ تحريف أو ما أشبه ذلك، ولذلك يجب علينا جميعًا أن نكون للأدلة متبعِين، متى تبيَّن الدليل ما يحتاج أن نتأوَّل أونحرِّف، والحمد لله نحن لا نكلَّف إلا ما نستطيع.
طالب: شيخ -عفا الله عنك- تكرار المحظورات ( ... ) بالنسبة للكفارة إذا تباعدت، يعني الأزمنة؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: ( ... ) السؤال؟
الشيخ: يقول: هل تكرار الكفارات كتكرار الأيمان؟
نقول: نعم، إذا حلف على شيء واحد عشر مرات في خلال عشرة أشهر، كل شهر يحلف مرة، ليس عليه إلا كفارة واحدة.
طالب: كيف تصير واحدة .. ؟
الشيخ: نعم، قال: والله لا أدخل هذا البيت، وبعد شهر قال: والله لا أدخل هذا البيت، وبشهر قال: لا والله لا أدخل البيت، عليه كفارة واحدة.
طالب: أحداث معينة يا شيخ؟
الشيخ: أيش؟
طالب: يعني أحداث مختلفة أقصد؟
الشيخ: أحداث ولّا أيمان؟
طالب: لا، الأيمان ( ... ) أحداث.
الشيخ: الأحداث انتهينا منه ( ... ) الأخ، الأيمان إذا تعدد الحلف والمحلوف عليه فعليه كفارة بعدده، إذا اتحد الحلف وتعدد المحلوف عليه فكفارة واحدة، إذا تعدد الحلف واتحد المحلوف عليه فكفارة واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3843
إذن تتعدد الكفارات متى؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: إذا تعددت الأيمان والمحلوف عليه.
طالب: عفا الله عنك ( ... ).
الشيخ: إي، هذا باب جديد، يقول: لا عذر اليوم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، ما يخالف -جزاكم الله خيرًا- نقول: لا عذر اليوم، لماذا؟ لأن العلماء كثيرون، فلماذا لم يسأل؟ والعجيب أن بعض العوام يقول: نحن اليوم أشد عذرًا منا بالأمس، بالأمس نسأل عالمًا واحدًا ونرتضيه ونأخذ به، ولا نعرف إلا هو، ولا في البلد إلا هو، اليوم أصبح العلماء في البلد كثيرين، وإذا سألنا أربعة وجدنا خمسة أقوال، فماذا نعمل؟ مشكل هذا، نحن متذبذِبين، وهذا حقيقة، يعني بعض الناس يستفتوني، يقول: أنا سألت فلانًا وقال كذا، وسألت فلانًا وقال كذا، وسألت فلانًا وقال كذا، مختلف.
فيقول: إحنا الآن معذورون، هذا وقت العذر، فالحقيقة إن العامة أحيانًا في بلبلة، اليوم واحد يقول: إن الخطيب اللي خطب بهم الجمعة هذه وقال: بيع التقسيط حرام، ولا يجوز بأي حال من الأحوال، لو أنه عندك الشيء ومالكه وأنت بتبيعه مؤجَّل بثمن زائد فهذا حرام، ومن كان قد فعل ذلك فعليه أن يتوب إلى الله، وأن يرد ما أخذه من أصحابه إليهم، والمسكين يقول كلمته بعد الصلاة، ويش لون هذا؟ قال: هذا بيع العِينَة، هذا حرام، فعاد ما أدري هل السائل أنه ما فهم كلام الشيخ، أو ما أدري، على كل حال الآن الناس يُعْذَرُون بالجهل، والعذر قائم وكثير من العوام، يعني صحيح عندهم شيء من التفريط، يشوف الناس يفعلون شيئًا فيفعله خصوصًا في الحج.
طالب: شيخ، مَن رفض إحرامه وارتكب محظورًا، وقلنا: عليك فدية، هل يجب ( ... )؟
الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟
يقول: من رفض إحرامه وفعل محظورًا، هل نقول: جَدِّد إحرامك أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ( ... ).
طالب: إحرامه زي ما هو.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ما يجدد يا شيخ، قلنا: رفض الإحرام ما له أثر إطلاقًا، الإنسان لا يخرج من النسك إلا بواحد من أمور ثلاثة، عدها علَيَّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3844
طالب: الإسلام، والْمُحْصَر، والمشترِط إن اشترط.
الشيخ: زين، أو الاشتراط، التحلُّل بالاشتراط إذا اشترط.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إنسان يريد أن ينام، وما يجيه النوم إلا إذا غطى رأسه، ماذا يفعل، هل يغطي وليس عليه شيء؟
الشيخ: يعني هو مُحْرِم؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما تقولون في هذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ما يجرِّب؟
طالب: ما يجي أبدًا.
الشيخ: لعله إن مثلًا تحصل خيمة مثلًا.
طالب: لا، ما يجي.
الشيخ: أبدًا؟
طالب: يصير من القسم الثاني؟
الشيخ: يصير من القسم الثاني الذي احتاج إلى فعل المحظور، إي نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، يقول: ما يقدر ينام، مشكِل إذا ما نام، هو لو كانت ليلة واحدة لقلنا: احتسب الأجر، لكن قد يكون أكثر من ليلة.
طالب: يلبِّد رأسه ( ... )، إذا لبد رأسه كأنه غطاها، إذا لبَّده بشيء كأنه غطاه.
الشيخ: يلبده بأيش؟
طالب: بحنة ولَّا بأي حاجة.
الشيخ: يروح يجيب حنة علشان هذه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: على كل حال، هاتوا سؤالًا غير هذا، هذا له أن يفعل ويكون من القسم الثاني كما قال الأخ.
طالب: أحرم بالحج يا شيخ، ثم بعد إحرامه ارتد، ثم أسلم، هل يصح؟
الشيخ: أعوذ بالله، هذا رجل يقول: ارتد وهو مُحْرِم، ثم أسلم، هو إذا ارتد وهو مُحْرِم بطل إحرامه، ولهذا قال العلماء: لا يبطل الإحرام إلا بالردة، ويفسد بالجماع بعد التحلل الأول.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: ويش أعظم من الكفر؟
طالب: لا، أسلَم يا شيخ.
الشيخ: إذا أسلَم خلاص، راح الأول، إن كان وقت الوقوف لم يفُت يمكنه يُحْرِم ويحج.
طالب: النظام أن الحاج يختم على جوازه ولا يحج إلا بعد أربع سنوات، إن جاء السنة الثانية أراد الحج مُنِعَ، فهل حكمه حكم الْمُحْصَر؟
الشيخ: يعني من الإتمام ولَّا من الابتداء؟
طالب: من الابتداء هو مُحْرِم، أَحْرَم.
الشيخ: قد أحرم يعني؟
طالب: قد أحرم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3845
الشيخ: إي، على كل حال يجعل الله له فرجًا، يتكلم مع المسؤولين ربما يجعل الله له فرجًا.
طالب: حديث المسيء في صلاته يا شيخ، النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالإعادة ثلاث مرات، مع أن الرجل كان جاهلًا، فهل هذا على القول: إن الجاهل لا يسقط عنه الإعادة؟
الشيخ: سمعتم؟
طلبة: لا.
الشيخ: يقول: الرسول عليه الصلاة والسلام أمره أن يعيد صلاته ثلاث مرات، ماذا قلنا؟
طالب: هذا فعل.
طالب آخر: قلنا: الواجب ..
الشيخ: لا، هو يقول: ليش كرره ثلاث مرات؟ لماذا لم يخبره بأول مرة؟
طالب: للتعليم يا شيخ.
طالب آخر: للاتباع يا شيخ.
طالب ثالث: قلنا: لكي يتلقى الحكم وهو متشوِّف له ومتهيِّئ.
الشيخ: إي نعم، ولأنه ربما في الأول كان متهاونًا فيستأنف على وجه صحيح.
طالب: سؤالي يا شيخ أنه كان جاهلًا بكيفية الصلاة ..
الشيخ: الجواب: قلنا: إن الرسول ردَّده لأجل أن يبقى متشوِّفًا للعلم، ويكون وقْع العلم في نفسه أشد، ولهذا قال في الثالثة: والذي بعثك بالحق، لا أُحْسِنُ غير هذا، فعلِّمْنِي (4).
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال -رحمه الله تعالى-: وكل هَدْي أو إطعام فلمساكين الحرم، وفدية الأذى واللبس ونحوهما ودم الإحصار حيث وُجِدَ سببه، ويجزئ الصوم بكل مكان، والدم شاة، أو سُبْع بدنة، وتجزئ عنها بقرة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وَمن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق القول فيمن كرَّر محظورًا هل تتكرر الفدية أو لا، وبَيَّنَّا أنه إن فدى عن الأول فدى عن الثاني، أي أنها تتكرر إذا فدى عن الأول بكل حال، وإن لم يَفْدِ عن الأول نظرنا فإن كان المحظور جنسًا واحدًا لم يتكرر، وإن كان أجناسًا تكرر، وعلى هذا فإذا لبس الإنسان ثوبه ثم فدى، ثم لبس ثوبه مرة ثانية فعليه فدية أخرى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3846
وأما إذا لم يَفْدِ عن الأول فعليه فدية واحدة، لكن يقيَّد هذا بشرط ألَّا يؤخِّر الفدية، من أجل ألَّا يتكرر، فإن فعل ذلك فإنه يعاقَب بنقيض قصده لئلا يتحيَّل على إسقاط الواجب، ثم سبق لنا أيضًا أن مَن فعل المحظور فله ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يفعله عامدًا بلا عذر ولا حاجة، فيترتب عليه أمران: الإثم، وما يقتضيه ذلك المحظور من فدية أو غيرها.
والحال الثانية: أن يفعله معذورًا بجهل أو نسيان أو إكراه فلا شيء عليه، وبَيَّنَّا أدلة ذلك من القرآن والسنة العامة والخاصة.
والثالث: أن يفعله لحاجة متعمِّدًا، فيسقط عنه الإثم، وتلزمه الفدية وما يترتب على هذا المحظور.
ثم ذكر المؤلف -رحمه الله- أنه لا فرق في هذا بين جزاء الصيد وغيره، أما المذهب فيفرِّقون بين ما كان إتلافًا أو بمعنى الإتلاف، وبين ما لم يكن كذلك، والصحيح أنه لا فرق.
ثم ذكر المؤلف أين تكون الفدية في أي مكان، وفي أي زمان، فقال: (وكل هَدْي أو إطعام فلمساكين الحرم).
(كل هدي) يعني يهديه الإنسان إلى البيت، سواء كان هَدْيَ تطوع، مثاله؟
طالب: هو ( ... ) سوى الإحرام بالحج.
الشيخ: لا، هدي التطوع ويش مثاله؟
طالب: ( ... ).
طالب: ( ... ) هدي المفرِد ( ... ).
الشيخ: إي، أن يهدي هديًا ليس بواجب، يكون مفرِدًا لا هدي عليه، ولكنه يتطوع بالهدي، كله هدي، أو كان الهدي واجبًا كهدي التمتع والقِرَان، أو كان الهدي فدية لترك واجب، أو لفعل محظور.
(أو إطعام) يعني: وكل إطعام كإطعام ستة مساكين في فدية الأذى، وإطعام المساكين في جزاء الصيد، وما أشبه ذلك.
يقول المؤلف: (فلمساكين الحرم)، يعني: فيصرف لمساكين الحرم، وهذا ليس على إطلاقه في كل هدي؛ لأن هدي المتعة والقِرَان هدي شُكْرَان، فلا يجب أن يُصْرَف لمساكين الحرم، بل حكمه حكم الأضحية، أي: أنه يأكل منه ويهدي ويتصدق، هذا هدي التمتع والقِرَان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3847
ولكن على مَن يتصدق؟ يتصدق على مساكين الحرم من هدي التمتع والقِرَان، ولا تجزئ الصدقة على غير مساكين الحرم، فلو ذبح الإنسان هدي التمتع والقِرَان في مكة، ثم خرج بلحمه إلى الشرايع، أو إلى جدة، أو ما أشبه ذلك، وأكل هناك ووزع على الفقراء هناك فإنه لا يجزئه؛ لأنه لا بد أن يكون لمساكين الحرم.
الهدي الذي لترك واجب يجب أن يتصدق بجميعه على مساكين الحرم.
الهدي الواجب لفعل محظور غير الصيد يجوز أن يكون في الحرم، وأن يكون في محل فعل المحظور، ودليل كونه في محل فعل المحظور أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر كعب بن عجرة أن يفدي بشاة (8) في محل فعل المحظور، ولأن هذا الدم وجب لانتهاك النسك في مكان معين، فجاز أن يكون فداؤه في ذلك المكان، وما جاز فعله خارج الحرم جاز فعله داخل الحرم، يعني ما جاز أن يُذْبَح ويُفَرَّق خارج الحرم فإنه يجوز أن يُذْبَح ويُفَرَّق في الحرم، ولا عكس، فليس ما وجب في الحرم يجوز أن يكون خارج الحرم، أما ما وجب خارج الحرم فيجوز أن يكون حيث وُجِدَ السبب، ويجوز أيضًا في الحرم.
دم الإحصار حيث وُجِدَ الحصار، ولكن لو فرضنا أنه أراد أن ينقله إلى الحرم فلا بأس، ولهذا قال المؤلف: (فلمساكين الحرم).
ومَن (مساكين الحرم)، هل هم أهل مكة، أو كل مَن كان داخل حدود الحرم؟ وهل هم الساكنون أو الذين جاؤوا للحج ويريدون أن يرجعوا، أي الآفَاقِيُّون؟ فعندنا الآن أربعة أشياء:
أولًا: هل المراد بساكن الحرم ساكن مكة، أو مَن كان داخل حدود الحرم؟
الثاني: هل المراد بمساكين الحرم الذين هم ساكنون في الحرم أو حتى الآفَاقِيّ؟
نقول: لا فرق بين مَن كان داخل مكة، أو خارج مكة لكنه داخل حدود الحرم، ولا فرق بين أن يكون المسكين من أهل مكة، أو من الآفاقيين، فلو أننا وجدنا فقراء حجاجًا وذبحنا ما يجب علينا من الهدي وأعطيناه إياهم فلا بأس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3848
فصار المراد بمساكين الحرم مَن كانوا في الحرم من الفقراء، سواء كانوا في مكة أو خارج مكة، أو كانوا من أهل المكان، أو كانوا آفاقيين؛ لأنهم كلهم أهل لأن يصرف لهم.
ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر علِيًّا أن يتصدق بلحم الإبل التي أهداها (9)، ولم يستثنِ أحدًا، فدل هذا على أن الآفاقي مثل أهل مكة.
وقوله: (لمساكين الحرم) هل المراد بالمساكين الفقراء والمساكين، أو المساكين فقط؟
الأول يشمل الفقراء والمساكين؛ لأننا نقول: إذا جاء لفظ المساكين وحده، أو لفظ الفقراء وحده، فكل واحد منهما يشمل الآخر، وأما إذا جاء لفظ المساكين ولفظ الفقراء فالفقراء أشد حاجة من المساكين، كما تبيَّن ذلك في كتاب الزكاة.
قال المؤلف: (وفدية الأذى)، ما هي فدية الأذى؟ هي: ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، وسميت فدية أذى .. ؟
طالب: لأن الإنسان يُزِيلُ بها أذى ( ... ).
الشيخ: لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: 196].
قال: (واللبس ونحوهما)، يعني: اللبس فديته فدية أذى كما سبق، وقد سبق لنا أن المحظورات؛ محظورات الإحرام، تنقسم من حيث الفدية إلى أربعة أقسام.
وقوله: (ونحوهما) أي: نحو فدية الأذى واللبس، كفدية الطيب وتغطية الرأس، وما أشبه ذلك.
(ودم الإحصار حيث وُجِدَ سببه) دم الإحصار، الإحصار بمعنى المنع، يعني: الدم الذي وجب بالإحصار، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196].
وقول المؤلف: (دم الإحصار)، (أل) هنا للعهد الذهني، أي: ما يكون إحصارًا يحل للإنسان أن يتحلل به من نسكه، وهو حصر العدو فقط على المشهور من المذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3849
وقيل: إن المراد بالحصر كل ما يمنع الإنسان من إتمام نسكه، من عدو أو غيره، كضياع النفقة والمرض والانكسار؛ انكسار الحاج مثلًا، وما أشبه ذلك، وهذا القول الثاني هو الأصح، وسيأتي إن شاء الله في الفوات والإحصار.
قال: (حيث وجد سببه).
(حيث) ظرف مكان، أي يكون حيث وجد السبب، مِن حِلٍّ أو حَرَم.
فلو فُرِضَ أن الإنسان أحرم من قَرن المنازل وفعل المحظور في الشرائع، والشرائع قبل حدود الحرم، جاز أن يؤدي الفدية في نفس المكان في الشرائع، وكذلك لو أحرم من الحديبية وفعل المحظور في طريقه إلى مكة قبل أن يصل إلى حدود الحرم، فإنه يجوز أن يؤدي الفدية في مكان فعل المحظور.
ويجوز أن ينقلها إلى الحرم أو لا؟
يجوز أن ينقلها إلى الحرم؛ لأن ما جاز في الحل جاز في الحرم.
ويستثنى من فعل المحظور جزاء الصيد، فإن جزاء الصيد لا بد أن يؤدَّى إلى الحرم؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، إلى أن قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
فيستثنى من فعل المحظور أيش؟
طلبة: الصيد.
الشيخ: الصيد، فإن جزاءه يجب أن يكون في الحرم، وهل المراد في الحرم ذبحًا وتفريقًا، أو ذبحًا فقط، أو تفريقًا فقط؟
الجواب: الأول؛ ذبحًا وتفريقًا، فما وجب في الحرم وجب أن يُذْبَح في الحرم، وأن يُفَرَّق ما يجب تفريقه منه في الحرم، وعلى هذا فمن ذبح هدي التمتع في عرفة ووزعه في منى، أو في مكة، فإنه لا يجزئه، لماذا؟ لأنه خالف في مكان الذبح، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (10)، وهذا خالف.
ولو ذبحه في منى وفرَّقه في عرفة والطائف والشرائع، وما أشبهها؟
طلبة: لم يجزئه.
الشيخ: لم يجزئه؛ لأنه لا بد أن يكون لمساكين الحرم.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لو ذبحه خارج الحرم وفرَّقه في الحرم أجزأه؛ لأن المقصود نفع فقراء الحرم، وقد حصل، وهذا وجه للشافعية.
الجزء: 1 - الصفحة: 3850
ولا ينبغي الإفتاء به، اللهم إلا عند الضرورة، كما لو فعل ذلك أناس يجهلون الحكم، ثم جاؤوا يسألون بعد فوات وقت الذبح، أو كانوا فقراء، فحينئذ ربما يسع الإنسان أن يفتي بهذا الوجه.
قال: (ويجزئ الصوم بكل مكان) لماذا؟ لأن الصوم لا يتعلق بنفع أحد، فيجزئ في كل مكان، ولكن يجب أن يلاحظ مسألة قد تمنع من أن نصوم في كل مكان، وهو أن الكفارات تجب على الفور، إلا ما نص الشرع فيها على التراخي، فإذا كان يجب على الفور وتأخَّر سفره مثلًا إلى بلده لزمه أن يصوم في مكة.
ولنضرب مثلًا برجل لزمته فدية الأذى، وهي صيام أو صدقة أو نسك، فاختار الصيام، هل نقول: لك أن تؤخِّره حتى ترجع إلى بلدك؟
نقول: لو أخَّرته فأنت آثم، ويجزئ، لكن بادِر؛ لأن إخراج الكفارة واجب على الفور كإخراج الزكاة.
قال: (والدم شاة أو سُبْع بدنة، وتجزئ عنها بقرة).
يقول: (الدم شاة) يعني: إذا أُطْلِق الدم، ووجدت كلام العلماء: عليه دم، عليه دم، فالمراد بذلك واحد من ثلاثة أمور:
إما شاة، والشاة إذا أُطْلِقت في لسان الفقهاء فهي للذكر والأنثى من الضأن والمعز، فالتَّيْس؟
طلبة: شاة.
الشيخ: والخروف؟
طلبة: شاة.
الشيخ: والشاة الأنثى؟
طلبة: شاة.
الشيخ: والعنز؟
طلبة: شاة.
الشيخ: شاة، هذه الشاة في إطلاق الفقهاء.
(أو سُبْع بدنة) يعني: واحد من سبعة من البدنة، بشرط أن ينويه قبل ذبحها، فإن جاء إلى بدنة مذبوحة واشترى سُبْعها ونواه عن الشاة فإنه لا يجزئ؛ لأنه الآن صار لحمًا، ولا بد في الفدية أن تُذْبَح بنية الفدية.
وقول المؤلف: (سُبع بدنة) ظاهره أنه يجزئ، ولو كان شريكه يريد اللحم وهو كذلك، فلو اتفق إنسان مع جزار على أن يشتري سُبع البعير التي يريد أن ينحرها، ونواه، أي المشتري نوى السُّبْع عن شاة واجبة في فدية أذى، أجزأ أو لا؟
طلبة: أجزأ.
الشيخ: أجزأ.
قال: (أو سُبْع بدنة، وتجزئ عنها بقرة).
الجزء: 1 - الصفحة: 3851
(تجزئ عنها) أي: عن البدنة بقرة، إذن ما هي البدنة؟ البدنة هي البعير، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36]، وهذا لا يكون إلا في الإبل، البقرة تجزئ عن البدنة، فسُبْع البدنة والبقرة سواء، مع أنك لو نظرت إلى كبر الجسم وكثرة اللحم لرأيت أن البدنة أكبر وأكثر نفعًا، لكن هذه المسائل مسائل تعبدية لا يُرْجَع فيها إلى القيمة التي بين الناس؛ لقول الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].
وقول المؤلف: (أو سُبْع بدنة، وتجزئ عنها بقرة) ظاهره ولو في جزاء الصيد، فمن قتل حمامة فالواجب عليه شاة، هل يجوز أن يجعل بدل الشاة سُبْع بدنة أو بقرة كلام المؤلف ظاهره الجواز، والصواب عدم الجواز في جزاء الصيد.
ووجه أن ذلك هو الصواب أن جزاء الصيد يشترط فيه المماثلة، وسُبْع البدنة لا يماثل الحمامة، فلا يجزئ عنه، فالصواب أن جزاء الصيد لا يجزئ فيه سُبْع البدنة أو البقرة، وذلك لأن الله اشترط فيه المماثلة، قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]
وليعلم أن سُبْع البدنة أو البقرة يجزئ عما تجزئ عنه الشاة، وعلى هذا فلو ضحَّى به الإنسان عن نفسه وأهل بيته لأجزأ خلافًا لما فهمه بعض طلبة العلم؛ من أن سُبْع البدنة لا يشرك فيه، وإنما يجزئ عن واحد فقط، فإن هذا وَهْم وليس فهمًا صحيحًا، لا عما جاء في السنة، ولا عما جاء في كلام العلماء؛ لأن التشريك في الثواب لا حصر له، وتشريك الملك هو الذي يُحْصَر، تشريك الملك في البدنة والبقرة كم؟
طلبة: سبعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3852
الشيخ: سبعة، فالملك والإجزاء لا تجزئ الشاة إلا عن واحد، ولا يجزئ سُبْع البدنة إلا عن واحد، ولا تجزئ البدنة أو البقرة إلا عن سبعة، أما الثواب فشرك مَن شئت، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضحِّي بالشاة واحدة عنه وعن أهل بيته، أهل بيته كم؟ معه من النسوة تسع، وهو العاشر، هذا إن لم يرد عليه الصلاة والسلام أهل بيته حتى الأقارب، فيكون لا حصر له، لكن اشتراك الملك والإجزاء كم جعل الشاة؟ عن واحد، وسُبْع البدنة عن واحد، والبقرة عن سَبْع، والبدنة عن سَبْع، ففرق بين الملك والإجزاء وبين الثواب.
فإذا اشترى الإنسان أو شارك في بعير في سُبْع، وقال: اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، فإن ذلك يجزئه، ولو كان أهل بيته مئة.
[باب جزاء الصيد]
ثم قال المؤلف: (باب جزاء الصيد)، يعني: باب المثل في جزاء الصيد؛ لأنه لا يريد بذلك -رحمه الله- أن يبيِّن ما يجب في الصيد، بل يريد أن يبيِّن المثل، وليعلم أن الصيد نوعان:
نوع لا مثل له، ونوع له مثل.
والنوع الذي لا مثل له نوعان أيضًا؛ نوع قضت الصحابة به، فيرجع إلى ما قضوا به، ونوع لم تَقْضِ به الصحابة، فيحكم فيه ذَوَا عدل من أهل الخبرة، ويحكمون بما يكون مماثلًا.
قال المؤلف -رحمه الله-: (في النعامة بدنة) يعني: لو قتل الإنسان نعامة وهو مُحْرِم، أو قتل نعامة في الحرم ولو كان مُحِلًّا فعليه بدنة.
(وفي حمار الوحش وبقرتِه والأيِّل والثَّيْتَل والوعل بقرةٌ)، (في حمار الوحش) وهو صيد معروف، وسُمِّيَ حمارًا لشبهه بالحمار، ما الذي يشبهه من النَّعَم؟
البقرة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] يشبهه البقرة.
في (الأيل) أيضًا بقرة، في الأيل، الأيل نوع من الظباء.
في (الثيتل) كذلك نوع من الظباء.
الجزء: 1 - الصفحة: 3853
و (الوعل بقرة)، عندي يقول في القاموس: الوعل، بفتح الواو مع فتح العين، وكسرها، وسكونها، هو تيس الجبل، ففسر المجهول بالمجهول، فلو خرجت إلى الجبال تبحثون عن تيوسها إذا وجدتم تيس الجبل فهو الوعل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: في الجبال؟
طالب: إي، أكبر من الضأن ( ... ).
الشيخ: إي، على كل حال هي كلها نوع من هذا، كلها فيها بقرة، لماذا؟ لأنها تشبهها.
قال: (وفي الضبع كبش) الضبع معروفة، لكنها هل هي حلال أو غير حلال؟
نقول: جعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها شاة (11)، ولولا أنها حلال ما كان لها قيمة، فإذن الضبع حلال، وإذا قتلها الْمُحْرِم ففيها كبش.
(وفي الغزالة عنز)، الغزالة صغيرة أصغر من الوعل والثيتل والأيل، فيها عنز؛ لأنها أقرب شبهًا بها.
(وفي الوبر، والضب، جدي)
(الوبر) يقول: هو دويبة كحلاء دون السِّنَّور، لا ذَنَب لها، وأظن معروفة، كثرت عندنا، كانت بالأول معدومة، لكن الآن كثيرة، فيها يقول: (جدي).
و(الجدي) هو الذكر من أولاد المعز له ستة أشهر، كذلك أيضًا في الضب، معروف ولَّا غير معروف؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: الضب فيه جدي.
(وفي اليربوع جَفْرَة)، (اليربوع) معروفة أيضًا، حيوان أو يشبه الفأر، لكنه أطول منه رِجلًا، وله ذَنَب طويل، في طرفه شعر كثير، وهو من أذكى الحيوانات التي تشبهه؛ لأنه يحفر له جحرًا في الأرض، ويجعل له بابًا، ثم يحفر في طرف الجحر حتى لا يبقى عليه إلا قشرة رقيقة، فإذا حشره أحد من عند باب الْجُحْر خرج من القشرة الرقيقة، وتسمى النافقاء، أعني: نافقاء اليربوع، ولهذا اشتق منه النفاق؛ لأن هذا اليربوع منافق في الجحر، لكنه نفاق مباح يريد أن يحمي بذلك نفسه، فإذا حشره أحد من عند باب الجحر نتق من هذه النافقاء وهرب، وهو حلال.
يقول: فيه (جفرة) لها أربعة أشهر.
(وفي الأرنب عناق)، وهي أصغر من الجفرة، يعني لها ثلاثة أشهر ونصف تقريبًا، والأرنب معروفة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3854
انظر الآن اليربوع زِنَتُه كرأس الأرنب، ومع ذلك الواجب فيه أكبر من الواجب في الأرنب؛ لماذا؟ لأن المعوَّل فيه على المماثلة.
قال: (وفي الحمامة شاة).
طالب: الْجَفْرَة يا شيخ؟
الشيخ: الْجَفْرة لها أربعة أشهر، والعَنَاق دونها.
في الحمامة شاة، وجه مشابهة الحمامة للشاة في الشرب فقط، لا في الهيكل، أو الهيئة، في الحمامة شاة، هذا كله قضى به الصحابة، منه ما قضى به واحد من الصحابة، يعني رُوِيَ عن واحد من الصحابة، ومنه ما رُوِيَ عن أكثر من واحد.
فإذا وجدنا شيئًا من الصيود لم تحكم به الصحابة أقمنا حَكَمَيْن عدلين خبيرين، وقلنا: ما الذي يشبه هذا من البهائم من بهيمة الأنعام؟
فإذا قالوا: كذا وكذا، حَكَمْنا به.
إذا لم نجد شيئًا محكومًا به من قِبَل الصحابة، ولا وجدنا شبهًا له من النَّعَم، فيكون من الذي لا مثل له، وفيه قيمة هذا الصيد قَلَّت أم كَثُرت.
باب صيد الحرم
ثم قال: (باب: حكم صيد الحرم).
(الحرم) هنا يحتمل أن يراد به العموم، ويحتمل أن يراد به حرم مكة، وهو المراد، وعلى هذا فتكون (أل) للعهد الذهني، المراد صيد حرم مكة، وليُعْلَم أنه لا يوجد في الدنيا إلا حرمان فقط، وهما حرم مكة وحرم المدينة، وأما بيت المقدس فلا يسمى حرمًا، وما يوجد من بعض التعبيرات: ثالث الحرمين، الموهِمة لكون بيت المقدس حرمًا فهي عبارة ينبغي تجنبها.
اختلف العلماء في وادي وج في الطائف، والصحيح أنه ليس بحرَم.
قال: (يحرم صيده على المحرِم والحلال) يحرم صيده، أي صيد الحرم على المحرِم والحلال، فيه أحد حلال؟
طالب: نعم.
الشيخ: من؟
طلبة: مَن لم يُحْرِم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3855
الشيخ: مَن لم يُحْرِم فهو حلال، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلن هذا التحريم عام الفتح، وقال: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (12)، وفي هذا الخبر المؤكَّد دليل على أنه لا يمكن نسخ تحريم حرَم مكة؛ لأنه جعل الغاية يوم القيامة.
(وحكم صيده كصيد المحرِم)، يعني على ما سبق من التفصيل، ففيه الجزاء مثل ما قتل من النَّعَم، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا، على ما سبق في صيد المحرِم.
وظاهر كلام المؤلف أن البحري منه لا يحرُم؛ لأن البحري لا يحرُم على المحرِم، فالبحري منه لا يحرُم كما لا يحرم صيد البحر على المحرِم؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
ولكن هل يُتَصَوَّرُ أن يكون في الحرم صيد بحري؟
الجواب: نعم، فيه بعض البِرَك الكبيرة يضعون فيها السمك ويتوالد فيها.
وقول المؤلف -رحمه الله-: (يحرم صيده على المحرِم والحلال) (صيده) أضاف الصيد إلى الحرَم، وعلى هذا فصيد الحل إذا دخل في الحرم لا يحرُم، لكن يجب إزالة اليد المشاهدة عنه وإطلاقه، ولا يجوز ذبحه في الحرم، بل ولا إبقاء اليد عليه اليد المشاهدة، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أن الصيد إذا دخل فيه الإنسان من الحل فهو حلال؛ لأنه ليس صيدًا للحرم، بل هو صيد لمالكه، وكان الناس يتبايعون الظباء والأرانب في قلب مكة في خلافة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، من غير نكير، وهذا يدل على أن الصيود التي يُدْخَل بها من الحل وتباع في مكة حلال بيعها وشراؤها وذبحها وأكلها، وليس فيها إثم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3856
بقينا في الصيد البحري، الصيد البحري على المذهب إذا كان في الحرَم فهو حرام، واستدلوا بعموم الحديث، بل بعموم الأحاديث الدالة على تحريم صيد الحرَم، والصحيح أن البحري يجوز صيده في الحرَم؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96] وهذا عامٌّ.
فلو فرض أن هناك بركة أو نحوها وفيها سمك غير مجلوب إليها بل توالد فيها، فإن الصحيح أنه لا يحرُم، وأنه حلال على المحرِم والحلال.
قال المؤلف: (ويحرُم).
طالب: أحسن الله إليك، نيابة ( ... ) ما استطاعت أن ترمي الجمرات ولم تجد من ينوب عنها، فهل يجوز لها أن تُنِيبَ مُحِلًّا غير مُحْرِم؟
الشيخ: الصحيح أنه يحل، أنه يجوز أن ينوب عن المحرِم في رمي الجمرات مَن كان مُحِلًّا.
طالب: ( ... ) في الحرم، ووزع على مساكين الحرم، وبعضها على أهل الحِل، هل يجزئ؟
الشيخ: لا يجزئ، إذا كان يجب تفريقها جميعها فإنه لا يجزئ أن يفرق بعضها في الحرم وبعضها في الحل، أما هدي التمتع والقِرَان فكما عرفت أنه يتصدق على الفقراء بشيء منه، والباقي هو حر فيه.
طالب: ما فيه تعيين يا شيخ؟
الشيخ: كيف تعيين؟
طالب: تعيين يعني يعطي الحرم الثلث أو ..
الشيخ: لا، ما فيه تعيين.
هذا سؤال يقول: ما الذي يُخْرِج الضبع من حديث أنه صلى الله عليه وسلم حرَّم كل ذي ناب من السباع (13)؟
الجواب أن يقال: يُخْرِجه بذلك سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فيكون مستثنًى من العموم، حرَّم كل ذي ناب من السباع.
وقال بعض العلماء: إنه لم يدخل في الحديث أصلًا؛ لأنه وإن كان سبعًا فإنه ليس له ناب يفترس به؛ إذ إن العادة أن الضبع لا تفترس إلا عند الضرورة.
طالب: شيخ في إحرام ( ... ).
الشيخ: أيش؟ الإحرام بأيش؟
طالب: عند قول المؤلف: ويحرِم في إزار ورداء أبيضين، قلنا: إنه يجوز أن ( ... ) القميص ( ... ) قيمة الهدي ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3857
الشيخ: حتى لو لم يعدمهما، يعني يجوز أن يجعل القميص على صدره وأكتافه كالرداء، سواء وجد الرداء أم لم يجده.
طالب: في وقت ( ... ).
الشيخ: أما لو خرجت من المسجد هنا وأنت قد خلعت قميصك وارتديت به لقال الناس: الرجل أصابه جنون، لكن لو كان في هذا الحرم ما قالوا هذا، ما استنكروه ولا سخروا منك.
طالب: كثير ( ... ).
الشيخ: أبدًا أبدًا، ما فيها شيء، جرب وأرجو ألَّا تجرب من عدم لكن جرب امتحانًا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الجماعة إن اشتركوا في صيد واحد فما الواجب عليهم؟
الشيخ: الجماعة إذا اشتركوا في صيد واحد وجب عليهم جزاء واحد.
طالب: أحسن الله إليك، ما الفرق بين هذه المسألة ومسألة اشتراك الجماعة في قتل شخص لما قلنا: يجب عليهم؟
الشيخ: الفرق ظاهر؛ لأن الله قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] وإذا قتلوا صيدًا واحدًا وأدوا جزاء واحدًا حصل الامتثال.
أما في مسألة القتل؛ قتل الجماعة بالواحد، فهذا لاحترام النفوس؛ نفوس الآدمي، ولهذا قال عمر رضي الله عنه حيث أمر بقتل سبعة من أهل صنعاء اشتركوا في قتل واحد، قال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به (14).
طالب: شيخ، المثلية، فَهِمْنَا مثلية الحمامة للشاة في الشرب، والباقي؟
الشيخ: الباقي في الصفة، على سبيل العموم.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: تشبيهها ولو من بعض الوجوه.
طالب: يعني مثل الضب ..
الشيخ: ما حكى إي نعم ..
الطالب: الضب الآن والأرنب، الضب فيه جدي، والأرنب فيه ..
الشيخ: فيه عَنَاق.
طالب: العَنَاق والجدي قريبات من بعضها ليست بعيدة ..
الشيخ: إي نعم، لكن أسرع.
الطالب: الأرنب والضب الفرق بينهما واضح.
الشيخ: إي، لكن تشبه من بعض الوجوه، ثم ما قضت به الصحابة ما فيه جدال.
طالب: يعني مجرد ( ... ) الصحابة فقط.
الشيخ: ما قضت به الصحابة، إي نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3858
طالب: ما قضت فيه الصحابة في الصيد، اللي قضت فيه الصحابة يعني ما لم تقضِ فيه الصحابة يحكم به ذَوَا عدل من المسلمين، كيف نفرق بين ما له مثل وما لا ( ... )؟
الشيخ: اشترطنا في ذلك أن يكون الحاكم من أهل الخبرة، وأنا لست صاحب خبرة، لا أعرف.
طالب: يعني لو جاء بشيء يا شيخ ..
الشيخ: نعم.
الطالب: جواب عقلي، لو جاء بشيء، قال: هذا يماثل ذاك في شيء ليس بصريح، يؤخذ به؟
الشيخ: إذا كانَا اثنين؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: قالوا: هذا يشبه كذا وكذا من النَّعَم.
طالب: اتفقوا فيما بينهم أن هذا ..
الشيخ: نأخذ به، ما دام صاحب خبرة نأخذ به.
طالب: ( ... ) قسمها المؤلف ثلاثة أقسام ( ... ).
الشيخ: ويش الأقسام الثلاثة؟
طالب: واحد الغزال، واثنين ما أعرف أساميهم، لكن مر علينا في الدرس.
الشيخ: الأيل والتيس هو الوعل.
طالب: إي نعم، لا الوعل ( ... ) الأيل الثاني ( ... ).
الشيخ: أنا لست صاحب خبرة بهذا، ما أعرفه.
طالب: يا شيخ، المماثلة ..
الشيخ: المهم لا توجد هذه الأشياء الآن، اللهم إلا كان في الجبال اللي بين مكة والمدينة يمكن.
طالب: شيخ، فرضية الوجه ما يقاس عليها منع المرأة من تغطية وجهها، يعني اتفاق العلماء على هذا؟
الشيخ: لا، ما اتفق العلماء على هذا، المرأة ما اتفق العلماء على أن المحرَّم عليها تغطية الوجه، المحرَّم عليها النقاب على الصحيح، وأنها لو غطت وجهها لكان ذلك خلاف الأفضل فقط.
طالب: ذكرنا في أحوال فاعل المحظور ثلاثة أحوال، وهذه الأحوال ( ... )، شيخ، الحاجة المقصود بها مطلَق الحاجة، فيدخل فيها الضرورة أم ..
الشيخ: لا، الضرورة من باب أولى.
طالب: أُرِيدَ به الخاص، المراد به العامّ.
الشيخ: ويش معناه؟
طالب: الحاجة ( ... ) الخاصة، ويراد به العامة.
الشيخ: الآن مثلًا، أليس الإنسان يمكن أن يصبر على القمل في رأسه، لو كثر القمل في رأسه قلنا: لك أن تحلق الرأس لئلا يبقى القمل، لكن ألا يمكن أن يصبر؟
الطالب: يمكن يا شيخ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3859
الشيخ: يمكن.
طالب: الأذى ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أيش الأذى؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الأذى وسخ، يعني يجوز يتنظف بدون حلق.
طالب: القمل؟
الشيخ: القمل حاجة ما هي ضرورة، الضرورة مثل لو فرضنا أنه نبت جروح في الرأس وصار الشعر يؤلمه أو يؤخِّر برأه، هذه ضرورة، في الواقع يمكن أن يقال: ضرورة.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، ذكرتم في إمكانية خروج الإنسان من إحرامه إلى ثلاث: إتمام النسك، أو الإحصار، أو الاشتراط إن اشترط، ما الفرق بين الإحصار والخروج بالاشتراط ( ... )؟
الشيخ: الفرق أن الإحصار يخرج منه ويلزمه الهدي، والمشترِط إذا خرج لا يلزمه الهدي.
طالب: أليس ذاك فرق في المسمَّى، ليس في الجزاء؟
الشيخ: حتى هذا التقسيم، ثم الإحصار على المذهب خاص بالعدو فقط، والمشترِط أي شيء يمنعه من إتمام النسك يخرج، المذهب أن الإحصار خاص بالعدو، والمشترِط أي شيء يمنعه من النسك يتحلل به.
طالب: ( ... ) هذا يا شيخ الاشتراط أعم من الإحصار.
الشيخ: بارك الله فيك ( ... ) لا، بينهما فرق في مسألة الجزاء أو الفدية، وفرق آخر أن الإحصار خاص والاشتراط عامٌّ.
طالب: شيخ، هل يجوز للمحرِم أن ينيب في الرمي مَن لم يُحْرِم؟
الشيخ: إي نعم، يجوز، فلو فرضنا أنه أناب شخصًا قد تحلل التحلُّل الأول والثاني فلا بأس.
طالب: أو لم يحج بالمرة؟
الشيخ: حتى على القول الراجح لو لم يحج ما فيه مانع.
طالب: جزاك الله خيرًا.
طالب آخر: الحديث الذي فيه يا شيخ جزاء الضبع ..
الشيخ: جزاء أيش؟
الطالب: جزاء الضبع الذي حكم فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، لو لم يثبت يا شيخ يدل على تحريم الضبع؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3860
الشيخ: يدل نعم، يدل على تحريم الضبع؛ لدخوله في العموم، لا على قول من قال: إنه لم يدخل في العموم، وأن الرسول نهى عن كل ذي ناب من السباع، وهذا الذي رجحه ابن القيم -رحمه الله- قال: إنها ليست ذات ناب، بمعنى أنها لا تأكل بنابها، ولا تعدو على أحد إلا عند الضرورة، إما دفعًا عن نفسها أو إذا اضطرت اضطرارًا كاملًا.
طالب: ( ... ) يكون حلالًا يا شيخ؟
الشيخ: هي حلال، الصحيح أنها حلال.
طالب: إن دخل الحرم ووجد الجراد وأخذ مجموعة من جراد وطبخها وهو جاهل هل عليه شيء؟
الشيخ: جاهل؟ لا، ليس عليه شيء، هذه ذكرناها في أقسام فاعل المحظور.
طالب: يا شيخ، إذا عجز المحصَر ثم تيسر له بعد أشهر هل يقضي؟
الشيخ: لا، إذا تحلل ما يقضي، إذا اشترط أن مَحَلِّي حيث حَبَسْتَنِي فليس عليه الحلق.
طالب: ما اشترط.
الشيخ: إي، يعني السؤال انتهينا من سؤالك.
طالب: ( ... ) فلا إثم عليه، عليه دم؟
الشيخ: عليه ما يترتب على هذا المحظور من دم أو غيره.
طالب: يعني مثلًا لو لبس إزارًا مثل سروال، من عدم لبس إزار أو ..
الشيخ: هذا لم يبق حرامًا عليه؛ لأن الرسول أحلَّه له: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ» (15)، هذا مما رفع الشرع حكمَه.
طالب: قاعدة عامة؟
الشيخ: لا، هذا أصله ما حرم عليه هذا، حينما عدم الإزار صار السراويل جائزة.
طالب: قلنا: فيمن جامع قبل التحلل الأول تلزمه خمسة أحكام، منها قضاء الحج ..
الشيخ: يترتب عليه ..
طالب: يترتب عليه خمسة أحكام: قضاء الحج، قضاء الحج بأي نسك، أم النسك الذي فسد؟
الشيخ: لا، بالنسك الذي فسد.
طالب: إن قضاه، مثلًا كان متمتِّعًا قضاه مفرِدًا هل يلزمه الدم دم التمتع؟
الشيخ: ما يلزمه؛ لأنه ما تمتع، لكن نقول: يجب عليك أن تقضيه متمتِّعًا؛ لأن حج التمتع أفضل من حج الإفراد.
طالب: إذا ما تمكن من التمتع؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3861
الشيخ: إذن ما عليه شيء، يكون مُفْرِدًا ليس عليه شيء.
طالب: بالنسبة للذي تلزمه بدنة، في الذي جامع، قلنا: إنه تلزمه فدية بدنة، هل يجزئ عنها سَبْع شياه أو بقرة؟
الشيخ: ماذا قلنا يا إخوان؟
طالب: الجزاء ( ... ).
الشيخ: قلنا: ما عدا الصيد فالبدنة تقوم مقام سبع غنم، سبع شياه، وسبع شياه تجزئ عنها البدنة إلا في الصيد، وذلك لاشتراط المماثلة.
طالب: من خالف محل الميقات جاهلًا أو غير عالم ( ... )؟
الشيخ: جاهلًا أو غير عالم لا فرق بينهما.
طالب: جاهلًا بالحكم هل يلزمه شيء؟
الشيخ: ويش الشيء؟
طالب: فدية أو شيء؟
الشيخ: مثل؟
طالب: دم أو ..
الشيخ: ويش مثاله؟
طالب: إنسان ترك الميقات تعداه وبلغ مكة ..
الشيخ: لما تعداه رجع فأحرم منه ولَّا أحرم من مكانه؟
طالب: لا، تعداه تمامًا، ما يعرف أنه يجب أن يُحْرِم من الميقات، يجهل هذا؟
الشيخ: أسألك الآن: هل أحرم من مكانه أو رجع فأَحْرَم من الميقات؟
طالب: لا، أحرم من مكانه.
الشيخ: أَحْرَم من مكانه؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، هذا يسقط عنه الإثم، وتجب عليه الفدية.
طالب: ويش يُخْرِجُه من القاعدة؟
الشيخ: ترك المأمور إذا تعذر فإنه يلزمه بدله، وهنا له بدل، لكن لو عجز حتى عن الشاة فليس عليه شيء.
طالب: وإن كان جاهلًا؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن فعل المأمور لا يُعْذَر فيه بالجهل ما أمكن فِعْلُه.
طالب: يجزئ عن الشاة سُبْع بدنة في كل شيء إلا في الصيد؟
الشيخ: إلا في الصيد، نعم.
الطالب: في العقيقة.
الشيخ: هذا يسأل يقول: هل يُجْزِئ سُبْع البدنة في العقيقة عن الشاة؟
الجواب: هل تجزئ البدنة عن الشاة في العقيقة؟ إي نعم، ما عجيب؛ لأن بعض العلماء يقول: ما تجزئ.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) قلنا: المناسك الناس في حاجة إليها الآن.
طالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3862
الشيخ: أقول بارك الله فيك: إن بعض العلماء يقول: إن البدنة والبقرة لا تجزئ في العقيقة، أما سُبْع البدنة والبقرة فلا يجزئ عن العقيقة قطعًا؛ لأن العقيقة فداء، والفداء لا بد أن يكون نفس بنفس.
طالب: يخرج.
الشيخ: تستثنى من هذا.
طالب: يصح قياس الجوارب على القفازين عند النساء في المحظور؟
الشيخ: الجوارب عند النساء حلال.
طالب: لماذا ما قسنا ( ... )؟
الشيخ: ما حرَّم عليه الشارع إلا القفازين فقط.
طالب: ( ... ) يا شيخنا، القفازان عند الرجال؟
الشيخ: الرجال لأنه يحرم عليهم اللباس، الرجال حرمنا عليهم القفازين ما هو قياسًا على النساء، قياسًا على الجوارب وعلى العمامة.
طالب: قَدَمُ المرأة في الحج ( ... )؟
الشيخ: قَدَمُ المرأة عورة في الحج وغير الحج على المشهور من مذهب الحنابلة، والمسألة فيها خلاف؛ بعض العلماء يرى أن الكف والقدم ليسَا من المحرَّم كشفه، إلا إذا وُجِدَ فتنة فهذا شيء آخر.
طالب: على قول الإمام مالك ( ... ).
الشيخ: إذا مَرُّوا بالمدينة.
طالب: إي نعم ( ... ).
الشيخ: على رأي شيخ الإسلام -رحمه الله- يجوز لأهل جدة إذا قصدوا جدة أن يتجاوزوا ذا الْحُلَيْفَة ولا حرج، ونحن نقول به أيضًا إذا كان ما قصدهم الحج، رجل يقول: أنا ابغي أذهب إلى أهلي، وإذا جاء وقت الحج حججت، هذا ما فيه إشكال أنه ما عليه شيء.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، في التمتع متى ( ... )؟
الشيخ: متى وقت أيش؟
الطالب: وقت عدم الْهَدْي، الواحد لا يجد هَدْيًا يصوم، ذكرتم يا شيخ فيه خلافًا، ولم تُرَجِّحه؟
الشيخ: الأقرب والله أعلم أنه فجر يوم العيد هذا الأقرب.
ويَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِه وحَشيشِه الأَخْضَرَيْنِ إلا الإِذْخَرَ، ويَحْرُمُ صَيدُ المدينةِ ولا جَزاءَ، ويُباحُ الحشيشُ للعَلَفِ وآلةِ الحرْثِ ونحوِه، وحَرَمُها ما بينَ عِيرٍ إلى ثَوْرٍ.
﴿باب: ذكر دخول مكة﴾
الجزء: 1 - الصفحة: 3863
يُسَنُّ مِن أَعلاها والمسجدُ من بابِ بني شَيْبَةَ، فإذا رأى البيتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ ما وَرَدَ، ثم يَطوفُ مُضْطَبِعًا، يَبْتَدِئُ الْمُعْتَمِرُ بطَوافِ العُمرةِ، والقارِنُ والْمُفْرِدُ للْقُدُومِ، فيُحَاذِي الحَجَرَ الأسودَ، بِكُلِّه ويَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُه، فإن شَقَّ قَبَّلَ يَدَه، فإنْ شَقَّ اللَّمْسُ أشارَ إليه ويَقولُ ما وَرَدَ، ويَجعلُ البيتَ عن يَسارِه ويَطوفُ سَبْعًا
الرجال حرَّمنا عليهم القفازين، ما هو قياسًا على النساء، قياسًا على الجوارب وعلى العمامة.
طالب: قَدَم المرأة في الحج ( ... )؟
الشيخ: قدم المرأة عورة في الحج وغير الحج على المشهور من مذهب الحنابلة، والمسألة فيها خلاف؛ بعض العلماء يرى أن الكف والقدم ليسَا من المحرَّم كشفه، إلا إذا وُجِدَ فتنة فهذا شيء آخر.
طالب: على قول الإمام مالك ( ... ).
الشيخ: إذا مروا بالمدينة؟
الطالب: إي نعم ( ... ).
الشيخ: على رأي شيخ الإسلام-رحمه الله- يجوز لأهل جدة إذا قصدوا جدة أن يتجاوزوا ذا الْحُلَيْفَة ولا حرج، ونحن نقول به أيضًا إذا كان ما قصدهم الحج، رجل يقول: أنا أبغي أذهب إلى أهلي، وإذا جاء وقت الحج حججت، هذا ما فيه إشكال أنه ما عليه شيء.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، في التمتع متى وقت العدم ..
الشيخ: متى وقت أيش؟
الطالب: وقت عدم الْهَدْي، الواحد لا يجد هَدْيًا يصوم، ذكرتم يا شيخ فيه خلافًا ولم تُرَجِّحُه؟
الشيخ: الأقرب، والله أعلم، أنه فجر يوم العيد هذا الأقرب.
طالب: شيخ، مَن قتل جرادًا يا شيخ وهو مُحْرِم في الحرم ماذا عليه؟
الشيخ: جاهلًا أو عالمًا؟
الطالب: عالِمًا.
الشيخ: عالِمًا الحرام؟
الطالب: قتلها خطأ يا شيخ؟
الشيخ: خطأ ما عليه شيء.
الطالب: النائب حال الدعاء في الحج يدعو لنفسه أم لمن وكله؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: هل النائب في الحج يدعو لنفسه أو يدعو للذي أنابه؟ نسأل هل الدعاء شرط في صحة الطواف أو السعي أو الوقوف؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3864
طلبة: لا.
الشيخ: ليس بشرط، لكن لا شك أن هذه الأفعال ما جُعِلَت إلا للذِّكر والدعاء، فالذي ينبغي أن يُقال: كل ذِكْر ذكرته وهو مشروع للنسك فثوابه لمن؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: للمحجوج عنه، وكل دعاء دعوتَ به فينبغي أن تدعو لصاحبك؛ لأن النسك له، لكن لو دعوت لنفسك ولم تدعُ له فلا إثم عليك، لكن الذي ينبغي أن تدعو لنفسك ولمن أعطاك النائبة.
طالب: شيخ، إذا طلع فجر يوم النحر ولم يجد هديًا المتمتِّع وغير مستطيع الإطعام نقول: هل يجب عليه الصيام؟
الشيخ: كيف الإطعام؟ ما فيه إطعام.
طالب: نعم، الصيام، ما يستطيع الصيام لمرض وخرج وقت الحج وهو مرض يُرْجَى برؤه، هل يقضي؟
الشيخ: يقضيه كرمضان.
طالب: النائب ما له من أجر؟
الشيخ: حسب نيته، إذا كان ناب تطوعًا لأخيه، فيُرْجَى أن يكون له أجر الحج كله، وإذا كان حج بأجر فله من الثواب بقدر نيته.
طالب: شيخ، إحلال الصيد يدل على أكله؟
الشيخ: إي، متى حل الصيد جاز أكله.
طالب: الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96] ( ... )؟
الشيخ: طعام البحر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، قال ابن عباس: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾: ما أُخِذَ حَيًّا، ﴿وَطَعَامُهُ﴾: ما وجد ميتًا (1) هكذا قال.
طالب: ذكر شيخ الإسلام في فتواه بأن الإهلال بالحج على ثلاثة أنواع؛ إما أن يُهِلّ بحج، وإما أن يُهِلّ بحج وعمرة قارِنًا، وإما أن يُهِلَّ بعمرة، وقال: إذا أَهَلَّ الحج إفرادًا أن يُدْخِل عليه العمرة، لكن لا يجوز العكس.
الشيخ: الظاهر أنه بالعكس، أنك فاهم غلط.
الطالب: نعم، إذا أحرم بالعمرة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم أدخل عليه الحج؛ لأنه أفضل منه، ولا يجوز العكس، وهو إدخال العمرة على الحج، فما دليله في ذلك؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3865
الشيخ: هذا هو المشهور عند الحنابلة -رحمهم الله- يقولون: لأن ذلك لم يَرِد، والأنساك مبناها على التوقيف، ولأنه إذا أدخل العمرة على الحج لم يستفد إلا إسقاط أعمال العمرة فقط، بخلاف القارِن، ولكن ذكرنا لكم فيما سبق أن هذا أحد وجهين في القِرَان، وأنه قوي، لا سيما إذا قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أَحْرَم أولًا بالحج، ثم قيل له: قُلْ: عمرة في حجة (2)، وأن الإنسان لو فعل هذا فلا بد أن يكون صحيحًا.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب صيد الحرم:
يحرُم صيده على المحرِم والحلال، وحكم صيده كصيد المحرِم، ويحرُم قطع شجره وحشيشه الأخضرين إلا الإذخر.
ويحرم صيد المدينة، ولا جزاء، ويباح الحشيش للعلف وآلة الحرث ونحوه، وحرمها ما بين عير إلى ثور.
باب: دخول مكة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا حكم الدم الواجب أين يكون، ومتى يكون، ولمن يكون، هذه ثلاثة أسئلة لا بد منها، فالواجب لفعل المحظور أين يكون؟
طالب: فعل المحظور؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يكون إما بالحرَم أو في المكان الذي فعل فيه ذلك المحظور.
الشيخ: أحسنت، يكون إما في الحرم أو في المكان الذي فعل فيه ذلك المحظور، ويُسْتَثْنَى من ذلك شيء واحد؟
طالب: نعم، جزاء الصيد.
الشيخ: جزاء الصيد، فيكون؟
طالب: فيكون في الحرم.
الشيخ: دم الإحصار أين يكون؟
طالب: الإحصار في الموضع الذي يُحْصَر فيه.
الشيخ: حيث كان الإحصار.
الدم الواجب في المتعة والقِرَان أين يكون؟
طالب: في الحرم.
الشيخ: يكون في الحرم، الدم الواجب لترك واجب أين يكون؟
طالب: في الحرم.
الشيخ: يكون في الحرم، متى يكون ذبح الدم الواجب لمتعة أو قِرَان؟
طالب: في أيام التشريق.
الجزء: 1 - الصفحة: 3866
الشيخ: في يوم العيد وأيام؟
الطالب: وأيام التشريق.
الشيخ: وأيام التشريق، ولا يجوز قبله؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو الذي يأكل منه من هذه الدماء؟
طالب: هَدْي المتعة والقِرَان.
الشيخ: هَدْي المتعة والقِرَان، كيف يأكل منه وهو واجب؟
طالب: لأنه دم شُكْرَان.
الشيخ: لأنه دم شُكْرَان لا جبران، هذا التعليل.
أما الدليل فلأن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل من هَدْيِه وهو قارِن (3).
وسبق لنا أيضًا أن الصوم لا يختص بمكان؛ لأنه يتعلق بذات الشخص نفسه، ففي أي مكان صام أجزأه.
وسبق لنا: جزاء الصيد تعيين المثل حسب ما قضت به الصحابة -رضي الله عنهم- وبَيَّنَّا أن ما قضت به الصحابة فإنه لا خيار فيه ولا مناقشة، وأما ما لم تقضِ به الصحابة فيُرْجَع فيه إلى قول عَدْلَيْن خبيرين يحكمان في ذلك.
وسبق لنا: أن صيد الحرَم حرام على المحرِم والحلال، وأن دليل ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة: «إِنَّهُ لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» (4)، وإذا نُهِيَ عن التنفير فالقتل من باب أولى.
وسبق لنا: أن صيده على ما ذهب إليه المؤلف كصيد المحرِم، وعلى هذا فالصيد البحري في الحرم ليس بحرام.
وهذا هو القول الراجح، أما المذهب فيقولون: إن الصيد البحري في الحرم حرام، ولكن ليس فيه جزاء، والصواب أنه حلال؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
وسبق لنا أنه يحرم قطع شجره وحشيشه.
طالب: لا.
الشيخ: ما سبق، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ويحرم قطع شجره وحشيشه الأخضَرَيْنِ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3867
ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا» (5)، وكل هذا تأكيد لحرمة هذا المكان، وأنه حتى الجماد بل حتى الأشجار محترمة والصيود محترمة، ولولا رحمة الله عز وجل لكانت كل الحيوانات محترمة، لكن هذا فيه مشقة على الناس، فحرم الصيد فقط.
وقول المؤلف: (شجره) هنا الشجر مضاف إلى الحرم، فيفيد أن المحرِم ما كان من شجر الحرم، لا من شجر الآدمي، وعلى هذا فما غرسه الآدمي أو بَذَرَه من الحبوب فإنه ليس بحرام، لماذا؟ لأنه ملكه، ولا يضاف إلى الحرم، يضاف إلى مالكه.
وقول المؤلف: (وحشيشه) نقول فيها ما قلنا في (شجره): إن الحشيش مضاف إلى الحرم، فالحشيش الذي نبت بفعل الآدمي ليس بحرام.
وقوله: (الأخضرين) صفة للشجر والحشيش.
والمراد: ما فيهما الحياة والنمو، سواء كانَا أخضرين أم غير أخضرين؛ لأن من الأشجار ما ليس بأخضر، وكذلك من الزروع أو الحشيش ما ليس بأخضر، فالمراد بالأخضر هنا ما فيه الحياة، فخرج بذلك ما كان ميتًا، فإنه حلال، فلو رأيت شجرة قد ماتت فهي حلال، ولو رأيت غصنًا منكسرًا تحت الشجرة فهو حلال؛ لأنه انفصل وهلك.
ولكن قال العلماء: ما قطعه الإنسان من أشجار الحرم فإنه حرام؛ لأنه أخذ بغير حق.
وقول المؤلف: (إلا الإذخر) والإذخر نبت معروف يستعمله أهل مكة في البيوت، والقبور، والحدادة.
أما الحدادة: فلأنه سريع الاشتعال، فيشعلون به النار من أجل أن تشتعل في الفحم والخشب.
وأما في القبور: فإنهم يجعلونه فيما بين اللبنات؛ ليمنع من تسرب التراب إلى الميت.
وأما في البيوت: فيجعلونه فوق الجريد؛ لئلا يتسرب الطين من بين الجريد فيختل السقف.
الجزء: 1 - الصفحة: 3868
فالناس في حاجة إليه، وسبب الاستثناء العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرَّم حشيشها قال: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لبيوتهم وقبورهم.
وفي لفظ: لبيوتهم وقينهم (4)، أي: حدَّادِيهِم.
فقال: «إلا الإذخر»، فاستثنى الإذخر، وعلى هذا فيُسْتَثْنَى من الشجر والحشيش الأخضر يستثنى الإذخر.
الكمأة، والعساقل، وبنات الأوبر، وما أشبهها كالذي يسميه الناس الفطيطر، هل هو حرام أو ليس بحرام؟
نقول: هل هو من الشجر؟
الجواب: لا، ليس من الأشجار، ولهذا يجوز جني الفقع في حرم مكة، والذي ذكرته ثلاثة أنواع: الكمأة، والعساقل، وبنات الأوبر، وهي أنواع داخلة تحت جنس واحد، وهو الفقع، هذا حلال؛ لأنه ليس بأشجار ولا بحشيش، فلا يدخل في التحريم.
ويقول: (ويحرم صيد المدينة).
وسكت المؤلف -رحمه الله- عن جزاء هذه الأشجار أو الحشائش، فهل أسقطها اختصارًا أو اقتصارًا؟
نقول: بما أن المؤلف من أصحاب الإمام أحمد -رحمه الله- من الحنابلة، فالظاهر أنه أسقطها اختصارًا لا اقتصارًا.
لكن يحتمل أنه ذكرها اقتصارًا، أي: أن التحريم مقصور على القطع والحش، وليس فيه جزاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 3869
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء؛ فمن العلماء من قال: إن هذه الأشجار أو الحشائش ليس فيها جزاء، وهذا القول مذهب مالك وابن المنذر، وجماعة من أهل العلم، وهو الحق؛ لأنه ليس في السُّنَّة دليل صحيح يدل على وجوب الجزاء فيه، وما ورد عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- فيحتمل أنه من باب التعزير، رأوا أنه يعزَّر مَن قَطَعَ هذه الأشجار، بناء على جواز التعزير بالمال، ولو كان هذا -أعني الجزاء- واجبًا لبَيَّنَه النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ لا يمكن أن يدع أمته بلا بيان لما يجب عليهم، وبوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم انقطع التشريع، وليس هذا من باب القياس حتى يقال: لعله يقاس على الصيد؛ لأن هنا فرقًا بين الصيد وبين الأشجار، فالأشجار نامية، لكن ليس بها الحياة التي في الصيود، فالصحيح أنه ليس فيه شيء، وأن الإنسان إذا قطع شجرة أو غصنًا منها، أو حش حشيشًا فإنه يأثم، ولكن لا جزاء عليه لا قليلًا ولا كثيرًا.
بقي أن يقال: لو كانت الأشجار في الطريق، فهل يجوز إزالتها من أجل الطريق؟
نقول: إن كان هناك ضرورة بحيث لا يمكن العدول بالطريق إلى محل آخر فلا بأس بقطعها، وإن لم يكن ضرورة فالواجب عدل الطريق عنها؛ لأنه يحرم قطعها بلا ضرورة.
فإن قال إنسان: إذا كانت الشجرة خارج الطريق لكن أغصانها ممتدة إلى الطريق وتؤذي المارة في شوكها وأغصانها، فهل تقطع؟
لا تقطع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» (4)، والشوك مؤذٍ، ومع ذلك نهى عن عضده، أي: قطعه، وبإمكان الإنسان أن ينزل رأسه حتى لا تصيبه الأغصان.
فإن قال قائل: إذا وطئ الإنسان على الحشيش بلا قصد، فهل عليه شيء؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3870
الجواب: لا، كما لو انفرش الجراد في طريقه ومر عليه فإنه ليس عليه شيء، ومن ذلك ما لو احتاج الإنسان إلى فرش أو إلى وضع فراش على الأرض في مِنى أو مزدلفة وكان فيها نبات، فإنه لا يحرم عليه وضع الفراش على الأرض، وإن أدى ذلك إلى تلف ما تحته من الحشيش أو من أصول الشجر؛ لأن ذلك غير مقصود، ومن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه كانت إبلهم تمشي على الأرض، ولم يقل: تَوَقَّوا المشي على الأرض، وفرق بين ما قصد وبين ما لم يقصد.
قال: (ويحرم صيد المدينة) صيد حَرَم المدينة حرام، لكن حرمته دون حرمة حرَم مكة؛ وذلك لأنه ثابت، أعني تحريم صيد مكة ثابت بالنص والإجماع، وأما حرم المدينة فمختلَف فيه، ولكن القول الصحيح أن المدينة لها حرَم، وأنه لا يجوز الصيد في حرم المدينة، ولكن هل فيه جزاء؟
يقول المؤلف -رحمه الله-: (ولا جزاء فيه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل فيه جزاء، وإذا لم يجعل فيه الجزاء فالأصل براءة الذمة وعدم الوجوب.
وقال بعض أهل العلم: وهو رواية عن أحمد: إن فيه الجزاء، وهو سلب القاتل، يعني: أخذ سلبه من ثوبه وغترته، وما أشبه ذلك؛ لحديث ورد في ذلك أخرجه مسلم (6).
والقائلون بعدم وجوب الجزاء يجيبون عن هذا الحديث بأنه من باب التعزير لا من باب الضمان، ولهذا لا يختلف هذا التعزير بين الصغير والكبير، ولا يختلف فيما إذا كانت السلب جديدًا أو مستعملًا.
والصواب: أنه ليس فيه جزاء، لكن إن رأى الحاكم أن يعزِّر مَن تعدى على صيد في المدينة بأخذ سلبه، أو بتضمينه مالًا، فلا بأس.
ثم قال: (ويباح الحشيش للعلف، وآلة الحرث ونحوه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص في ذلك (7)، يباح الحشيش للعلف، يعني يباح أن تحش الحشيش لتعلف بهائمك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3871
وكذلك يباح لآلة الحرث، يعني قطع الأغصان لآلة الحرث، السواني، بأن يقطع الإنسان شجرة لينتفع بخشبها في المساند والعوارض، وما أشبه ذلك مما يحتاجه أهل الحرث، وبهذا عُلِمَ أن تحريم حرم المدينة أخف من تحريم حرم مكة.
الرعي: هل يجوز في حرم المدينة الرعي؟ يعني لو أطلق الإنسان سائمته لترعى هل يجوز أو لا يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: وفي مكة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: يجوز أيضًا، الرعي يجوز في مكة وفي المدينة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان معه الإبل قد ساقها إلى مكة وكانت بلا شك ترعى لم يكمِّم أفواهها.
قال: (ولا جزاء فيه) بهذا نعرف أن بين حرم مكة وحرم المدينة فروقًا نذكرها الآن.
قال: (ويباح الحشيش للعلف وآلة الحرث ونحوه)
(وحرمها ما بين عير إلى ثور) حرم المدينة بريد في بريد، يعني مسافة بريد في بريد مربع ما بين عير إلى ثور، وثور جبل معروف بها، وعير جبل صغير يقولون: إنه خلف أُحُد من الناحية الشمالية.
أما من الشرق إلى الغرب فما بين لَابَتَيْهَا فهو حرام، وهو معروف حرم المدينة عند أهل المدينة.
لننظر الآن ما الفرق بين حرم مكة وحرم المدينة:
الفروق؛ أولًا: أن حرم مكة ثابت بالنص والإجماع، وحرم المدينة مختلَف فيه.
الثاني: أن صيد حرم مكة فيه الإثم والجزاء، وصيد حرم المدينة فيه الإثم ولا جزاء.
الثالث: أن الإثم المترتب على صيد حرم مكة أعظم من الإثم المترتب على صيد حرم المدينة، من وجهين:
الوجه الأول: أن حرم مكة أَوْكَد من حرم المدينة؛ لأن مضاعفة الحسنات في مكة أكثر من المدينة، وعِظَم السيئات في مكة أعظم من المدينة، فصار تحريم الصيد فيها أشد.
الجزء: 1 - الصفحة: 3872
الرابع: أن مَن أدخلها -أي: المدينة- صيدًا من خارج الحرم فله إمساكه، ولا يلزمه إزالة يده المشاهدة، وعلى هذا تحمل قصة أبي عمير الذي كانت معه طير صغير يلعب به يقال له: النُّغَيْر، فمات هذا الطير، فحزن الصبي لموته، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهذا الصبي -من باب الممازحة-: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» (8). وهذا الحديث استدل به من يرى أنه لا يحرُم صيد حرَم المدينة؛ قال: لأن الرسول أقر هذا الصبي.
والذين حرَّمُوه وهم الجمهور قالوا: إن هذا يُحْمَل على أن هذا النُّغَيْر أيش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: جلب إلى الحرَم، وليس من صيد الحرم.
الخامس: أن حرم مكة يحرُم فيه قطع الأشجار بأي حال من الأحوال إلا عند الضرورة، وأما حرم المدينة فيجوز ما دعت الحاجة إليه، كالعلف وآلة الحرث، وما أشبه ذلك.
السادس: أن حشيش وشجر حرم مكة فيه الجزاء على المشهور من المذهب، وأما حرم المدينة فلا جزاء فيه.
[باب ذكر دخول مكة]
ثم قال المؤلف –رحمه الله-: (باب: ذكر دخول مكة).
يقول -رحمه الله- في الشرح: (وتستحب المجاورة بمكة وهي أفضل من المدينة)، مكة أفضل من المدينة بلا شك، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام حين أخرج منها: «إِنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (9).
ولكن ذهب بعض العلماء إلى أن المجاورة في المدينة أفضل من المجاورة في مكة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على سكنى المدينة أكثر من حثه على سكنى مكة، وقال: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» (10).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: المجاورة في أي بلاد يقوى فيها إيمانه وتقواه أفضل من غيرها؛ لأن ما يتعلق بالعبادات والعلوم والإيمان أحق بالمراعاة مما يتعلق بالمكان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3873
وما ذهب إليه الشيخ -رحمه الله- هو الصواب؛ ولهذا نزح كثير من الصحابة -رضي الله عنهم- إلى الشام والعراق واليمن ومصر؛ لأنهم نزحوا إلى هذه الأماكن لأن إفادتهم فيها أكثر من بقائهم في المدينة.
قال في الفنون: الفنون كتاب لابن عقيل -رحمه الله-، وسُمِّيَ فُنُونًا لأنه جمع فيه الفنون كلها، وهو كتاب رأينا شيئًا منه، يعني لا بأس به، لكنه ليس ذاك الكتاب الذي فيه التحقيق الكامل في مناقشة المسائل، إنما هو ينفع طالب العلم بأن يفتح له الأبواب في المناقشة.
يقول: (الكعبة أفضل من مجرد الحجرة)، يعني: حجرة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا شك فيه، والحجرة ليس فيها فضل إطلاقًا؛ لأنها بناء، ثم هذا البناء الحجرة المعهودة الآن بناء محدَث على قبر النبي عليه الصلاة والسلام.
لكن لنقل: إن مراده بقوله: (الحجرة) يعني حجرة عائشة، وهو البيت الأول الذي دُفِنَ فيه الرسول عليه الصلاة والسلام فالكعبة أفضل من البيت الذي كان الرسول عليه الصلاة والسلام ساكنه، ودُفِنَ فيه.
قال: (فأما والنبي صلى الله عليه وسلم فيها -أي في الحجرة- فلا والله، ولا العرش وحملته ولا الجنة).
يعني أن الحجرة اللي فيها قبر النبي عليه الصلاة والسلام أفضل من الكعبة، وأفضل من العرش، وأفضل من حملة العرش، وأفضل من الجنة، لماذا؟ لأن بالحجرة جسدًا لو وُزِنَ به لرجح، وهذا التعليل عليل، هو لو قال: إن الجسد أفضل لكان فيه نوع من الحق، أما أن يقول: الحجرة أفضل؛ لأن فيها هذا الجسد، فهذا خطأ منه -رحمه الله-.
والصواب: أن هذا القول مردود عليه، وأنه لا يوافَق عليه، وأن الحجرة هي الحجرة، ولكنها شرفت بمقام النبي صلى الله عليه وسلم فيها في حياته وفي موته.
وأما أن تكون إلى هذا الحد، ويقسم -رحمه الله- أنه لا يعادلها الكعبة، ولا العرش، ولا حملة العرش ولا الجنة، فهذا وهم لا شك خطأ.
ثم قال: (تضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضل) تضاعف بالكم أو بالكيف؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3874
أما الحسنة فبالكم وبالكيف، وأما السيئة فبالكيف لا بالكم؛ لأن الله تعالى قال في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160]، وقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]، ولم يقل: نضاعف له ذلك، بل قال: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فيكون مضاعفة السيئة في مكة أو في المدينة مضاعفة كيفية.
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (باب: دخول مكة)، يعني: للحاج، كيف يدخل مكة؟ ومن أين يدخلها؟ ومتى يدخلها؟
يقول المؤلف -رحمه الله-: (يُسَنُّ من أعلاها والمسجد -يعني ودخول المسجد- من باب بني شيبة).
ذكرنا أنه متى يدخلها؟
الأفضل أن يدخلها نهارًا في أول النهار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها ضحى (11)، ولكن إذا لم يتيسر له ذلك فليدخلها على الوجه الذي يتيسر.
وقوله: (من أعلاها) أي: من أعلى مكة من الحجون، وهل هذه سنة مقصودة أو سنة وقعت اتفاقًا؟
بمعنى هل إن الإنسان يتعمد أن يذهب من هناك ليدخل من أعلاها، أو نقول: إذا كان طريقه من أعلاها، فالأفضل ألا يعدل عنه إلى مكان آخر؟
ظاهر كلام المؤلف الأول أنه يُسَنُّ قصد الدخول من أعلاها.
ولكن الذي يظهر أنه يُسَنُّ إذا كان ذلك أرفق لدخوله، ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر أن يدخل الناس من أعلاها.
(المسجد) يُسَنُّ دخوله من باب بني شيبة، وباب بني شيبة الآن عفا عليه الدهر، ولا يوجد له أثر الآن، لكننا أدركنا عقدًا حوالي مقام إبراهيم، قريبًا منه يقال: إن هذا هو باب بني شيبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3875
وكان الإنسان الذي يدخل من باب يقال له باب السلام يتجه إلى الكعبة يدخل من هذا الباب، وهل الدخول أيضًا من باب بني شيبة، لو قدر وجوده أو إعادته هل هذا من باب السنن المقصودة أو التي وقعت اتفاقًا؟ يقال فيه ما يقال في دخول مكة.
(فإذا رأى البيت رفع يديه، وقال ما ورد).
(إذا رأى البيت) أي: الكعبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127].
فإذا رأى الكعبة رفع يديه يدعو، وعلى هذا فيقف ويرفع يديه، ويدعو بالدعاء الوارد، والأحاديث الواردة في ذلك -أي في رفع اليدين وفي الدعاء- أحاديث فيها نظر، أكثرها ضعيف، ولهذا لم يذكر ذلك جابر -رضي الله عنه- في سياق حج النبي صلى الله عليه وسلم.
عندي أنا: (ومنه) أي: مما ورد: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا» (12) إلى آخره.
فإن صحت هذه الأحاديث -ولكنها لا تصح- عُمِلَ بها، وإن لم تصح فإنه لا يجوز العمل بالخبر الضعيف؛ لأن العمل بالخبر الضعيف إثبات سنة بغير دليل صحيح.
وعلى هذا -إذا قلنا بعدم صحة هذه الأحاديث، وأنه لا عمل عليها- فإنه يدخل باب المسجد كما يدخل أي باب من أبواب المساجد، يقدِّم رجله اليمنى، ويقول: بسم الله، اللهم صَلِّ على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ويتجه إلى الحجر الأسود فيطوف.
يقول المؤلف: (ثم يطوف مضطبعًا).
والاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر.
وقول المؤلف: (ثم يطوف مضطبعًا).
الجزء: 1 - الصفحة: 3876
يستفاد منه: أنه لا يفعل الاضطباع إلا إذا شرع في الطواف، وهو كذلك، والعجب من جهل كثير من الناس اليوم أنهم يضطبعون من حين أن يحرموا، ويستمرون إلى أن يَحِلُّوا، وهذا من الجهل وعدم تنبيه العامة، وإلا فلو نبِّه العامة على ذلك لكان العامة يريدون الخير.
قال: (ثم يطوف مضطبعًا، يبتدئ المعتمِر بطواف العمرة، والقارِن والمفرِد للقدوم).
يبتدئ المعتمر سواء كان متمتعًا أم غير متمتع، فغير المتمتع الذي يأتي في غير أشهر الحج، والمتمتع الذي يأتي في أشهر الحج قاصدًا الحج.
أما القارِن والمفرِد فظاهر طوافهما للقدوم وليس للعمرة؛ لأن المفرِد لم يُرِد العمرة أصلًا، والقارِن دخلت أعمال العمرة في الحج فيكون طواف الإفاضة الذي بعد الوقوف طوافًا للعمرة وللحج.
ولهذا قال: (والقارِن والمفرِد للقدوم).
طواف القدوم سنة وليس بواجب، والدليل على أنه سنة حديث عروة بن مضرس -رضي الله عنه-: أنه وافَى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الفجر في مزدلفة، وأخبره أنه جاء من طيئ (13)، وأنه وقف عند كل جبل، ولم يقل: إنه ورد مكة وطاف بها، ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم هل ورد مكة وطاف بها، فدل ذلك على أن طواف القدوم أيش؟ ليس بواجب.
وسُمِّيَ طواف القدوم؛ لأنه يقع أول ما يقدم الإنسان إلى مكة، فالمراد إذن بالقدوم قدوم مكة.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- المذهب الوقت المعتبَر في وجوب الهدي وعدمه فجر يوم النحر، وهم مع ذلك يقولون أيضًا بأنه إذا لم يجد الهدي فإنه يبدأ في صيام الثلاثة أيام من اليوم السابع حتى التاسع، فكيف يتأتى أحسن الله إليكم؟
الشيخ: سؤال يقول: إذا قلنا بأن وقت وجوب الهدي على المتمتع والقارِن هو طلوع فجر يوم النحر، فكيف يصح أن يقال: إنه يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة من حين الإحرام بالعمرة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3877
والجواب أن يقال: إن هذا الرجل الذي قلنا له: صُمْ، كان عارفًا بنفسه أنه لن يجد الهدي، أما من كان عنده احتمال بوجود الهدي فإنا نقول: أَخِّرِ الصوم إلى أيام التشريق.
طالب: شيخ ( ... ).
الشيخ: إي، هذا أيضًا يحتاج إلى التنبيه، الثمر؛ ثمر شجر الحرم، البذر أو غيره، هل نقول: إنه كالشجر؟
الجواب: لا، فلو أن تفاحة، شجرة تفاح نبتت في الحرم بدون فعل آدمي ثم أثمرت وأخذ الإنسان ثمرتها، فإن ذلك لا بأس به.
طالب: شيخ ( ... ).
الشيخ: المهم البذر، هذا قلنا: لا بأس به.
طالب: بَيَّنَّا حكم الحشيش وشجر الحرم ( ... )؟
الشيخ: أما المباني فلا أتصور أن أحدًا يحملها معه إلا إذا كان ( ... ) يهدمها.
طالب: بيعها.
الشيخ: البيع شيء آخر، بيع دور مكة هذا يأتي إن شاء الله في البيع، والمسألة فيها خلاف طويل عريض بين العلماء.
طالب: شيخ ( ... ) إذا أراد الإنسان أن يحرث الأرض يذهب وليس ( ... ) حكم الذي ( ... )؟
الشيخ: هذا يسأل يقول: إذا أردت أن أحفر مكانًا لقضاء الحاجة في منى وكان فيه شجر، كل الأرض مملوءة بالشجر، فماذا أصنع؟ هل أقول: يجب أن نضع إناء نقضي فيه الحاجة؟ هذا سؤالك ولّا لا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا لا بأس أن الإنسان يحفر ما يحتاج إلى حفره سواء لقضاء الحاجة أو لوضع حفرة يضع فيها النار، إذا أراد أن يوقد النار أو ما أشبه ذلك، أو يحفر لعمود الخيمة، كل هذا لا بأس به ولا يضر.
طالب: اللي عندهم أرض يزرعونها لا يستطيعون أن يزرعوا حتى يحرثوا الأرض ويكون فيها حشيش شجر؟
الشيخ: الحشيش هذا الذي نبت بفعلهم لا بأس به، يعني لو فرضنا أن فيها حشيشًا كان من فعلهم هم من قبل هذا لا بأس به، أما إن كان من فعل الله فإن اضطروا إلى ذلك فلا حرج أن يزيلوه.
طالب: ( ... ) حرم المدينة ( ... ) قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ولّا بعد الرسول؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3878
الشيخ: لا، حرَّمها الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ» (14).
طالب: شيخ، الغصن اليابس في الشجرة الخضراء هل يجوز ( ... )؟
الشيخ: يسأل عن الغصن اليابس في شجرة خضراء هل يجوز قطعه أو لا؟
نقول: نعم، يجوز ما دمنا نعلم أنه يابس يبس موت؛ لأن بعض الأشجار تيبس أغصانها، لكن ليس يبس موت، بمعنى إذا جاء الصيف نَمَتْ هذه لا يجوز أخذها.
طالب: ذكرتم أن السيئة تضاعف بالكيف، ما الدليل على ذلك؟ هذا ما يخالف ظاهر الآية: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: 160]؟
الشيخ: هو قد يخالف ظاهر الآية، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] يدل على أن العذاب أليم شديد، وهذه الكيفية.
طالب: اللي مقيم داخل الحرم؟
الشيخ: آدمي ولَّا صيد؟
طالب: ساكن.
الشيخ: أقول: آدمي ولَّا صيد؟
الطالب: آدمي.
الشيخ: نعم.
الطالب: احتاج إلى الحطب.
الشيخ: هي مشته.
طالب: يصلح طعامه ( ... ) ضرورة؟
الشيخ: لا، في مكة لا، يخرج خارج الحرم ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: يشتري، سهل أمره.
طالب: كان فيه زحمة يحازي الحجر الأسود، فما استطاع أن يحازي ( ... )؟
الشيخ: سيأتينا، اصبر.
طالب: عفا الله عنك، إن كان الذي عليه صيام ثلاثة أيام في الحج ما صامها أيام التشريق يعني ..
الشيخ: لعذر ولّا لغير عذر؟
طالب: لغير عذر.
الشيخ: لغير عذر؟
طالب: إن وقتها ما يجوز صيامها في غيرها ( ... )؟
الشيخ: على المذهب يلزمه القضاء ويلزمه دم لتأخيره.
طالب: هو ما عنده دم ( ... ) يا شيخ؟
الشيخ: فإذا كان ليس عنده دم على كلامهم يلزمه صيام عشرين يومًا؛ عشرة لعدم الدم، وعشرة للمتعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3879
ولو قال قائل: إنه لا يلزمه دم إذا أخَّر؛ لأنه لو كان عنده دم لذَبَحَهُ، لكن هم يقولون: يبقى في ذمته، فنقول: في هذه الحال إنه إذا أخَّرها تكاسلًا يجب عليه قضاؤها مع الإثم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، العبادات باعتبار الاستطاعة أول وقتها أم آخره؟
الشيخ: وقت الوجوب.
الطالب: أول وقتها ..
الشيخ: أول وقت الوجوب.
الطالب: يعني آخر وقتها.
الشيخ: أول الوقت كيف آخر الوقت؟
الطالب: يعني مثلًا الصلاة، رجل لا يستطيع القيام في أول الوقت هل يعتبر في أول الأذان أنه غير مستطيع، أم أنه ربما في أثناء الوقت يستطيع أن يقوم؟
الشيخ: إي نعم، له أن يصلي قاعدًا من أول الأذان؛ لأنه غير مستطيع، لكن لو كان يعلم من نفسه أن الوعكة هذه تأتيه في أول الوقت وتزول في آخره فهنا يؤخّر.
طالب: الهدي الدم باعتبار أول الوقت من ( ... )؟
الشيخ: وقت الوجوب طلوع الفجر لأنه اليوم الذي ينحر فيه.
الطالب: ولا يجوز في الثلاثة أيام؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: التشريق.
الشيخ: يجوز، لكن وقت الوجوب إحنا قلنا: وقت الوجوب هو أول وقت العبادة، ولهذا المرأة لو كانت طاهرًا ثم حاضت في أثناء الوقت وجب عليها قضاء الصلاة.
طالب: لو استطاع ( ... ).
الشيخ: فهو مخيَّر، إن شاء ذبح الهدي، وإن شاء أتم الصيام؛ لأنه وقت الوجوب غير قادر.
طالب: ( ... ) منتصف الطريق ( ... ) ماذا يفعل يا شيخ؟ هل يقطع الشجرة يا شيخ؟
الشيخ: ما ذكرنا هذه؟
طالب: نعم.
الشيخ: ذكرنا أن اليبس نوعان: يبس موت، فما يبس يُبْسَ مَوْتٍ فهذا لا حرمة له، وما يبس من أجل الفصل وأن هذا ليس وقت ( ... ) فهذا حكمه حكم الأخضر.
طالب: شيخ، نخلة نبتت ( ... ) فأراد أن يأخذها إلى البيت ليستفيد من ثمرها هل يجوز ..
الشيخ: نبتت بنفسها ولَّا هو اللي غرسها؟
الطالب: لا، نفسها.
الشيخ: نعم هذه مثل الأشجار الأخرى.
الطالب: يريد ينقلها إلى بيته؟
الشيخ: ما يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 3880
طالب: شيخ، ذكرنا أمس أن هَدْي التمتع إذا أراد أن يطعم منه لا بد أن يكون لمساكين الحرم ليتصدق منه، شيخ الآن الذي يفعله الناس ما هو هذا، هو يرسلها إلى الخارج الهدايا يذبحونها ويرسلونها إلى الخارج؟
الشيخ: إلى خارج الحرم؟
الطالب: إي خارج المملكة.
الشيخ: ربما إلى خارج المملكة نعم، هذه نقول في الجواب عنها: إن قبض ولي الأمر كقبض الفقير؛ لأن ولي الأمر نائب عن الفقراء، ولذلك إذا أديت زكاتك إلى ولي الأمر وتلفت عنده، هل تبرأ ذمتك أو لا؟
طالب: تبرأ.
الشيخ: تبرأ، فيقال: إن قبض ولي الأمر كقبض الفقير، وإذا رأى أن يصرفها هنا وهناك فلا حرج.
طالب: ( ... ) خارج الحرم يا شيخ؟
الشيخ: ( ... ) على كل حال؛ لأن الهدايا العظيمة الآن اللي تكون هذه السنوات ما يتسع لها فقراء الحرم، لكن في الحقيقة فيها شيء من التفريط، وإلا لو وزعت بانتظام لكان الفقراء الذين من أهل مكة والذين من الآفاق كثيرين جدًّا.
طالب: شيخ، حملات من جدة تذهب يوم ثمانية ويكون معهم متمتِّعون، فهم يرون بفتوى بعض المشايخ جواز التمتع، بعض الناس اللي يكونون معهم يرون أن التمتع يكون قبل يوم ثمانية، فقد دفعوا مالًا فماذا يفعلون؟
الشيخ: أيش؟
طالب: دفعوا فلوسهم.
الشيخ: على؟
طالب: على الحملة.
الشيخ: الواجب على الحملة أن تبين، وأن تقول: نحن لا ننطلق إلا في يوم ثمانية ليكون الناس على بصيرة، ولو أن الحملة انطلقت يوم سبعة لكان طيب.
طالب: أحسن الله إليك، ما نقل عن بعض السلف استحباب تقبيل الحجرة النبوية كما نقل صاحب جامع الاختيارات ذلك؟
الشيخ: لا، لا أصل له، هذا إذا نقل عن بعضهم فإن هذا عمل ليس بصواب؛ لأنه بدعة.
طالب: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] هل مراد الآية حال الإحرام أم في مكان الحرم؟
الشيخ: يشمل هذا وهذا، أنتم حُرُم متلبِّسون بالإحرام أو داخلون في أرض حرام.
الجزء: 1 - الصفحة: 3881
طالب: بعض الناس يا شيخ رأينهم يذبحون الهدي قبل يوم العيد، وعندما نبهناهم قالوا: إن هناك عندنا العلماء أفتونا بهذا، فما رأيكم؟ الشيخ: هذا صحيح، بعض العلماء يقول: إنه يجوز ذبح هدي التمتع والقِرَان من حين الإحرام بالعمرة أو من حين فراغ العمرة كما يجوز الصوم، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأنه لو جاز ذلك لفعله النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى من أصحابه -رضي الله عنهم- تلكؤًا في عدم الحِلّ، وهو يقول: «لَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (15)، ولو كان النحر جائزًا قبل يوم العيد لنحر تطييبًا لقلوب أصحابه.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: 25] هل المراد بالإرادة هنا عمل القلب، أو المراد التلبس بالعمل، القول الصحيح يا شيخ؟
الشيخ: المراد العزيمة.
الطالب: القلب عزم ..
الشيخ: أن يعزم عزمًا مؤكدًا.
طالب: أحسن الله إليك، يعتبر من الفروق بين حرم مكة والمدينة أنه مضاعف؟
الشيخ: هذا نبهنا على شيء منها أن المعاصي في حرم مكة أعظم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، دم القِرَان يجوز الأكل منه والصدقة منه، ولا يهديه، لكن الصدقة منه يجب أن تكون لفقراء الحرم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، من أعطاه شخصًا يظنه أهلًا فتبين أنه ليس بأهل فإنه يجزئه كالزكاة.
طالب: ما رأيكم في قوم ( ... ) اليوم السابع ( ... )؟
الشيخ: ما رأيكم؟ يقول: ما رأيك فيمن يذهب إلى منى في اليوم السادس أو السابع، أو قبل ذلك ليحجز الأماكن؟
طالب: قد تكون هذه ضرورة أحيانًا للحاج.
طالب آخر: ( ... ) إحرام.
الشيخ: إي نعم، الإحرام، لا بأس تحرم بالحج من أشهر الحج من دخول شهر شوال، لكن الكلام على هل يجوز التحجر في منى أو لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3882
الذي نرى أنه ما دام الناس يعملون هذا العمل فلا حرج عليك؛ لأنك لو لم تفعل ما وجدت مكانًا أبدًا في منى، فإذا كان الناس الآن لا ينكرون التحجر ويحجرون فلا بأس، ولهذا نرى أن من لطف الله عز وجل ورحمته بالناس الآن أن يَسَّرَ هذه الحملات؛ لأن هذه الحملات يذهبون ويأخذون من الجهات المسؤولة أراضٍ معينة.
طالب: ( ... ) نائم وقد غطى رأسه ( ... )؟
الشيخ: نقول: لا يقنع، لكن يكشف رأسه.
طالب: لو أدى هذا إلى إيقاظه؟
الشيخ: ما فيه بأس، لكن لعله إن شاء الله من أصحاب ثقيل النوم.
طالب: ( ... ) لقول الله عز وجل ( ... ) لكن الحديث هنا ما ( ... ).
الشيخ: يقول السؤال: قصة الخثعمية التي قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخ لا يَثْبُتُ على الراحلة (16)، ما فيه أنه عنده مال أو ليس عنده مال، هذا يستفاد من قوله: فريضة الله؛ لأنه لو لم يكن عنده مال ما وجب عليه الحج؛ إذ يصبح عاجزًا بماله وبدنه، والعاجز بماله وبدنه لا يستطيع إليه سبيلًا.
طالب: أحسن الله إليك شيخ، وجه آخر ما فيه؟
الشيخ: ما هو؟
الطالب: وهو قولها: أفأحج عنه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: قولها للنبي: : أفأحج عنه؟ دليل على أنها تستطيع أن تحج عنه.
الشيخ: معلوم هي تستطيع، الآن هي في مكة.
طالب: من ماله ما يشعر بأنها ..
الشيخ: لا ما يشعر بأنه من ماله.
طالب: يا شيخ، ذكرتم الذي يجامع زوجته قبل التحلل الأول يترتب عليه خمسة أمور: منها أنه وجوب المضي والقضاء من العام المقبل، وهذا من حكم الصحابة ( ... )، هذا واجب، وفي جزاء الذي قطع حشائش الأشجار قلتم: إن في الجزاء خلافًا، وأما ما ذكره الصحابة من أنه يجب عليه، فهذا قد يكون من باب التعزير، ما الفرق يا شيخ؟ هذا حكم صحابة، وهذا حكم صحابة ( ... ) أمر النبي؟
الشيخ: لكن بينهما فرق، هذا فيه احتمال أنه من باب التعزير، وأما ما ذكرت ليس فيه هذا الاحتمال.
الجزء: 1 - الصفحة: 3883
طالب: شيخ، لو مر رجل بالميقات وهو عنده نية بالحج لكن ما هو مسافر للحج، في هذا السفر هل نُلْزِمُه بالإحرام؟
الشيخ: لا، ما نلزمه.
طالب: يا شيخ، إذا أراد الإحرام بعد ذلك نُلْزِمُه بالميقات اللي مر منه أم ميقات بلده؟
الشيخ: من حيث أنشأ.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض الحملات ( ... ) وغالب مَن في هذه المخيم يكون أغنياء ليسوا فقراء لأخذ اللي ..
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: يقول: بعض الحملات تأتي بالهدي هدي المتعة والقِرَان ويذبحونه في المخيم ويأكلونه؟
طالب: ما يجوز هذا.
الشيخ: فيَقِي صاحب الحملة ماله بهذا الهدي، بدل ما يشتري له عشرة خرفان بكذا وكذا من المئات يقول: نكتفي بهذا الهدي، وهذا خطأ، فيقال: إذا ذبحوا لا بد أن يأخذوا من كل شاة قطعة من اللحم يتصدقون بها على الفقراء.
طالب: شيخ، في مضاعفة السيئات بمكة، الدليل: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]، وهذا مجرد الإرادة، ألَّا يكون بمكة مجرد إرادة يأثم، يعني يعذب، أما في غيرها فلا يعذب، فلا يكون هناك مضاعفة يعني فقط ذنب يأثم عليه؟
الشيخ: ما دام عذاب أليم في الإرادة فكيف بالفعل؟
طالب: فكيف؟
الشيخ: بالفعل.
الطالب: يعني هو من باب التخويف.
الشيخ: لا، من باب الحق، من باب تحقيق هذا الشيء، ولهذا اختلف العلماء، قالوا: مجرد الإرادة ما يكون فيها إثم، لكن لا بد إرادة بعزم، ولهذا تعدى بالباء ولم يقل: ومن يُرِد فيه إلحادًا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا اشترك جماعة في قتل صيد هل يكفيهم جزاء واحد، أو لكل واحد واحد؟
الشيخ: إي نعم، كم الذي قتلوا؟
طالب: قتلوا صيدًا واحدًا وهم خمسة ( ... ).
الشيخ: وهم خمسة ( ... ) ما مثله؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا أسألك ما مثله، إذا كان مثلية كالحمامة مثلًا شاة أو خمسة شياه شاة واحدة.
طالب: والمقوَّم ما هو مثلي يعني.
الجزء: 1 - الصفحة: 3884
الشيخ: الذي يلزم مثل الشيء، لا يلزمهم إلا قيمته فقط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: العلماء يقولون: إن الواجب من اللحم فيما يجب للفقراء أقل ما يقع عليه اسم اللحم، هذا هو الواجب.
طالب: عفا الله عنك، بالنسبة لأيام التشريق إذا كان الإنسان يختار الصوم ( ... )؟
الشيخ: يختار الصوم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الجمرات يكون بالليل ما فيه مانع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يعينه الله.
طالب: يعني ما فيه يعني ..
الشيخ: فيه أنه يقدِّمها قبل أن يخرج إلى الحج، يقدمها من يوم يُحْرِم بالعمرة أو من حين ما ينتهي من العمرة، وإذا كان في البلد سيجد ما يخفف عنه الحر.
طالب: شيخ، الهدي الواجب لفعل محظور إذا الإنسان مثلًا ذبح خارج مكة ما فيه فقراء أو مساكين يتصدق عليهم ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، يذبحه هناك وينقل اللحم إلى الفقراء.
الطالب: داخل مكة؟
الشيخ: داخل مكة، وفي المكان اللي حولها.
طالب: إن كان ما حوله مساكين يجوز ( ... ) على من شاء؟
الشيخ: لا، لازم فقراء.
طالب: رجل لا يستطيع الخروج من بلده مثلًا لمانع لديه وهو عنده مال يريد .. الشيخ: إذا كان يرجو زوال هذا المنع مثل إنسان ممنوع من الخروج من البلد وعنده مال، إذا كان يرجو زوال هذا المانع فلينتظر، وإذا كان لا يرجو فليقم من يحج عنه.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، في سنة من السنوات إحدى الحملات في المخيم خارج منى والجو في الحج يا شيخ من أشد ما يكون حرارة، فمن كان بدينًا لا يستطيع يتحمل الحر ويتعب كثيرًا يا شيخ، وكان بعض الناس يؤثرون النوم في المخيم اللي هو خارج منى، مع أن الخيام مجاورة لنا، قد ذهب الناس في اليوم الثاني عشر والثالث عشر وانصرفوا، وكان بعض الإخوان يخرجون يبيتون في مكان اللي هو داخل منى، وهؤلاء داخل المخيم اللي هو خارج منى في المكيف حتى يتقووا به على ما بقي عليهم من أعمال الحج؟ الشيخ: إي نعم، يعني معناه أنهم غير قادرين على أن يذهبوا إلى منى؟ الطالب: قريب المكان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3885
الشيخ: أقول: غير قادرين ولَّا يقدرون؟
الطالب: يقدرون، لكن المشكلة يا شيخ في أن الجو شديد الحرارة.
الشيخ: يعني ما يتحملون المشقة؟
الطالب: ما يتحملون، وهذا يدعوهم إلى السهر في الليل، وإذا سهروا في الليل لا يستطيع يقوم بأعمال الحج الباقية عليه؟
الشيخ: الذي يظهر أن هذا لا بأس يبقون في مكانهم في المكيف؛ لأن الذي يظهر أن المبيت في منى ليس محتم الوجوب، بدليل أن الرعاة والسقاة رُخِّصَ لهم.
طالب: أحكام التعزير ( ... ) اختصاص الحاكم أم اختصاص ( ... )؟
الشيخ: لا، من اختصاص الحاكم، والحاكم يجب عليه أن ينظر ما هو الأصلح في باب التعزير، يجب أن ينظر ما هو الأصلح.
طالب: كيف أطلق على جزاء الصيد أنه من باب التعزير، والنبي صلى الله عليه وسلم ( ... ) للصحابة: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ» ( ... ) وسعد بن أبي وقاص لم يكن واليًا على المدينة، فوجد رجلًا يصيد في المدينة فسلبه (17).
الشيخ: إي، لكن فيه وال غير والي المدينة في ذلك الوقت من هو؟
طالب: طيب سعد بن أبي وقاص ..
الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم والٍ.
طالب: سعد بن أبي وقاص بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ووجد رجلًا يصيد في المدينة ..
الشيخ: إي نعم نعم، هو يعتبر أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا إما تشريع أو أنه عليه الصلاة والسلام شرع هذا للتعزير، فإن كان للتعزير فلا، للحاكم أن يسقطه.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف -رحمه الله تعالى-: في باب دخول مكة: قال: ثم يطوف مضطبعًا يبتدئ المعتمِر بطواف العمرة، والقارِن والمفرِد للقدوم، فيحاذي الحجر الأسود بكله، ويستلمه ويقبِّله، فإن شق قبَّل يده، فإن شق اللمس أشار إليه ويقول ما ورد، ويجعل البيت عن يساره ويطوف سبعًا، يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثًا، ثم يمشي أربعًا يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3886
ومن ترك شيئًا من الطواف أو لم يَنْوِه أو نسكه أو طاف على الشاذروان أو جدار الحجر أو عريان أو نجسًا لم يصح.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق أن المؤلف -رحمه الله- ذكر أنه يُسَنُّ دخول مكة من أعلاها؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخلها من أعلاها، وأن العلماء اختلفوا هل هذا الدخول مقصود أو وقع اتفاقًا؟ فمنهم من قال: إنه مقصود، وإن الإنسان لو أتى من الغرب من مكة فإنه يدور حول مكة حتى يدخل من الشرق.
ومنهم من قال: بل وقع هذا اتفاقًا؛ لأنه أيسر لدخوله عليه الصلاة والسلام، وليس هذا ببعيد، فهذا القول أقرب إلى الصواب من القول الأول.
كذلك أيضًا نقول: يدخل المسجد من باب بني شيبة، وهو معروف، ويقال فيه ما يقال في دخول مكة من أعلاها، هل هو مقصود أو وقع اتفاقًا؟
فإن قلنا: إنه مقصود، صار الإنسان يطوف على المسجد حتى يحاذي هذا الباب فيدخل من هناك، وإذا قلنا: ليس بمقصود وإنما وقع اتفاقًا، لم يشرع ذلك.
وسبق أن الإنسان إذا دخل البيت يطوف مضطبعًا، وأن الاضطباع هو أن يجعل وسط ردائه تحت كتفه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر.
والحكمة من ذلك: إظهار القوة والنشاط؛ لأن هذا أنشط للإنسان، مما إذا التحف والتف بردائه، وقبل هذه الحكمة أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فعله (18) بالنسبة لنا، لكن لماذا فعله؟ لأنه يدل على النشاط والقوة والْجَلَد.
يطوف مضطبِعًا، آخر ما وقفنا عليه، (يبتدئ المعتمِر بطواف العمرة).
وهذا يشمل المعتمِر عمرة تمتع، والمعتمِر عمرة مفردة، فالمعتمر عمرة مفردة هو الذي يعتمر في أي شهر من شهور السنة، والمعتمِر عمرة تمتع هو الذي يعتمر في أشهر الحج ناويًا الحج من عامه، هذا هو المتمتِّع فإن اعتمر في أشهر الحج وهو لا يريد الحج، ثم طرأ له بعد أن يحج فليس بمتمتع، بل هو معتمر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3887
وقوله: (يبتدئ المعتمر بطواف العمرة) ظاهره أنه لا يصلي تحية المسجد، وهو كذلك، فإن مَن دخل المسجد الحرام للطواف أغناه الطواف عن تحية المسجد، ومَن دخله للصلاة أو الذِّكْر أو القراءة أو ما أشبه ذلك فإنه يصلي ركعتين، كما يصلي إذا دخل أي مسجد آخر.
قال: (والقارِن والمفرِد للقدوم) يعني: يطوف القارِن والمفرِد للقدوم، وليس هذا بواجب، أعني طواف القدوم.
ودليل ذلك حديث عروة بن مضرس: أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي الفجر في مزدلفة، وأخبره أنه ما ترك جبلًا إلا وقف عنده، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (19)، ولم يذكر طواف القدوم، فدل هذا على أنه ليس بواجب.
وسُمِّيَ طواف القدوم؛ لأنه جاء عند قدوم الإنسان إلى مكة، ولهذا ينبغي أن يبتدئ الإنسان به قبل كل شيء قبل أن يحط رحله؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة عمد إلى البيت وأناخ راحلته وطاف.
ولكن إذا شق على الإنسان هذا العمل، وأراد أن يذهب إلى مكان سكناه، ويحط رحله فلا حرج، المسألة مبناها على السنية فقط.
قال: (فيحاذي الحجر الأسود بكله).
(يحاذي) أي: يوازي، يكون حذوه، الحجر الأسود هو الذي في الركن الشرقي الجنوبي من الكعبة، ويوصف بالأسود لسواده، ويخطئ من يقول: الحجر الأسعد، فإن هذه تسمية بدعية، فإن اسمه الحجر الأسود.
ويُذْكَر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن، ولكنه سوَّدَتْه خطايا بني آدم (20)، فإن كان الحديث صحيحًا فلا غرابة فيه أن يكون نازلًا من الجنة، وإن لم يكن صحيحًا -وهو الأقرب أنه ضعيف- فلا إشكال فيه.
قال: (ويحاذي الحجر الأسود بكله).
الجزء: 1 - الصفحة: 3888
وقوله: (بكله) يعني: بكل بدنه، لا بد أن يحاذي الحجر بكل البدن، فلو وقف أمام الحجر وبعض بدنه خارج الحجر فإن طوافه ليس بصحيح، لا بد أن يحاذي الحجر الأسود بكله.
وقول المؤلف: (يحاذي الحجر الأسود بكله).
يدل على أنه لا يبنغي أن يتقدم نحو الركن اليماني فيبتدئ من قبل الحجر فإن هذا بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتدأ الطواف من الحجر، فكونك تتقدم بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام وتبتدئ من قبل الحجر هذا من البدع ومن التنطع في دين الله، فلا ينبغي أن يخطو الإنسان خطوة واحدة قبل الحجر الأسود، بل يبتدئ من الحجر، إلا أنه لا يجب أن يلاحظ أنه لا بد من محازاته بكل البدن، ولهذا قال: (يحاذي الحجر الأسود بكله).
(ويستلمه) يعني: يمسحه بيده، هذا هو الاستلام، واستلام كل شيء بحسبه، فاستلام النقود من المشتري يعني قبضها باليد، أما استلام الحجر الأسود أو الركن اليماني فالمراد به أن يمسحه، وذلك لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم (21).
وقد ورد حديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّ مَنْ صَافَحَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ» (22)، وهذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكنه ذكر عن ابن عباس من قوله، وابن عباس -رضي الله عنهما- ممن عرف بالأخذ عن الإسرائيليات، فلا يعول على قوله في مثل هذا؛ لأن العلماء ذكروا من شرط كون الخبر مرفوعًا حكمًا إذا أخبر به صحابي ألا يكون الصحابي معروفًا عنه الأخذ من بني إسرائيل.
قال: (ويقبله)؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقبِّله، لكن يقبِّله محبة له لكونه حجرًا، أو تعظيمًا لله عز وجل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3889
الثاني بلا شك، لا محبة له من حيث كونه حجرًا، ولا للتبرك به أيضًا، كما يصنعه بعض الجهال يمسح يده بالحجر الأسود، ثم يفيضها على بدنه، أو يمسح بالحجر الأسود، ثم يمسح به صبيانه الصغار تبركًا به، فإن هذا من البدع، وهو نوع من الشرك.
ولهذا قبَّل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الحجر الأسود وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، حجر من الأحجار، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبِّلك ما قبَّلتك (23)، فأفاد رضي الله عنه بهذا أنه مجرد تعبُّد واتباع للرسول صلى الله عليه وسلم، أنَّا رأينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبِّله فقبَّلناه، لكننا نعلم أننا نقبِّله تعظيمًا لله عز وجل ومحبة له، وقد قال مجنون ليلى:
أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى
أُقَبِّلُ ذَا الْجِدَارَ وَذَا الْجِدَارَا
وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي
وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا
فهذا المجنون وهو مجنون جنون عشق يمر على ديارها فيأتي إلى بيتها ويقبِّله جدارًا جدارًا، يقول: ما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب مَن سكن الديار.
فالإنسان إذا أحب شخصًا أحب مسكنه وأحب القرب منه، فلذلك كان تقبيلنا للحجر الأسود محبة لله عز وجل وتعظيمًا له ومحبة للقرب منه سبحانه وتعالى.
يقول: (يحاذي الحجر الأسود بكله ويستلمه ويقبِّله، فإن شق قبَّل يده) يعني: بعد استلامه (إن شق) أي: شق الاستلام والتقبيل فإنه يستلمه بيده ويقبِّل يده، ولهذا قال: (قبَّل يده) يعني: بعد أن يستلمه ويمسحه لا أنه يقبِّل يده بدون مسح وبدون استلام، فإن شق اللمس أشار إليه، وإذا أشار إليه فإنه لا يقبّله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3890
كل هذه الصفات وردت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي مُرَتَّبَة حسب الأسهل، فأعلاها استلام وتقبيل، ثم استلام بلا تقبيل، إذا شق التقبيل ولكن يقبِّل يده الثنتين، ثم إشارة، إذا لم يمكن استلامه بيده يشير، وفي هذه الحال لا تقبيل، فالمراتب ثلاث.
أعلاها: استلام وتقبيل، ثم استلام بلا تقبيل ولكن يقبِّل اليد، ثم إشارة بلا تقبيل؛ لأنه لا تقبيل مع الإشارة؛ إذ إن يدك لم تمس الحجر حتى تقبِّلها فإن شق أشار إليه.
(ويقول ما ورد) يعني: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنه في ابتداء الطواف: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم (24)، كما كان ابن عمر يقول ذلك.
أما في الدورات الأخرى فإنه يكبِّر، كلما حاذى الحجر كَبَّر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
بقي أن يقال: كيف الإشارة؟ هل الإشارة كما يفعل العامة أن تشير إليه كأنما تشير في الصلاة، أي: ترفع اليدين هكذا: الله أكبر؟
لا، الإشارة باليد اليمنى، كما أن المسح يكون باليد اليمنى، تشير، ولكن هل تشير وأنت ماشٍ والحجر على يسارك، أم تستقبله؟
روي عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، فَلَا تُزَاحِمْ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ إِنْ وَجَدْتَ فُرْجَةً فَاسْتَلِمْ وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» (25)
قال: «وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ»، وهذا هو الظاهر أنه عند الإشارة يستقبله؛ لأن هذه الإشارة تقوم مقام الاستلام والتقبيل، والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبِلًا له بالضرورة، فالظاهر أنه يستقبله.
لكن إن شق أيضًا مع كثرة الزحام فلا حرج أن يشير وهو ماشٍ.
(ويقول ما ورد) إذن الحجر له سُنَّتَان: سنة فعلية وسنة قولية.
الجزء: 1 - الصفحة: 3891
قال: (ويجعل البيت عن يساره)، إذا طاف يجعل البيت عن يساره؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف هكذا، أي جعل البيت عن يساره، وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (26)، هذا هو الدليل.
التعليل: لأن الإنسان إذا وقف أمام الحجر فسوف ينصرف، وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على تقديم الأيمن، وهو إذا انصرف الآن ينصرف إلى اليمين، أو لليسار؟
طلبة: إلى اليمين.
الشيخ: إلى اليمين، وإذا انصرف إلى اليمين لزم أن تكون الكعبة عن يساره.
وأيضًا باب الكعبة من المشرق، شرقًا، والباب هو وجه الكعبة وخلفه دبر الكعبة، فإذا انصرف عن يمينه وجعل الكعبة عن يساره فقد قدَّم وجه الكعبة على أيش؟ على دبرها.
هذا وجه ثان، وهي حكمة مناسبة لا شك.
فيه وجه ثالث: أن الحركة إذا جعل البيت عن يساره يعتمد فيها الأيمن على الأيسر، إن لف هكذا يعتمد الأيمن على الأيسر، فيكون هذا أولى؛ أن يعتمد الأيمن على الأيسر فيعلو على الأيسر، بخلاف ما لو اعتمد الأيسر على الأيمن فإن الأيسر يكون هو الأعلى.
فيه حكمة رابعة ذكرها بعض العلماء قال: إن القلب باليسار، وهو بيت تعظيم الله عز وجل، محل تعظيم الله عز وجل ومحبته، فصار من المناسب أن يجعل البيت عن يساره؛ ليقرب محل ذكر الله وعبادته وتعظيمه من البيت المعظم، فيكون القلب مواليًا للبيت إذا جعل الكعبة عن يساره، فهذه أربعة أمور، أعلاها بالنسبة لنا ما هو؟ اتباع السنة، هذا أعلاها، لكن لماذا فعل الرسول هكذا؟
نقول له: هذه الأوجه الأربعة.
يقول: (ويطوف سبعًا) (يطوف) يعني: يتردد بدوران على الكعبة، كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
يَرْمُلُ الأُفُقِيُّ في هذا الطوافِ ثَلاثًا ثم يَمْشِي أربعًا يَستلِمُ الحَجَرَ والركْنَ اليَمَانِيَّ كلَّ مَرَّةٍ، ومَن تَرَكَ شيئًا من الطوافِ أو لم يَنْوِهِ أو نَكَسَه أو طافَ على الشاذروانِ أو جِدارِ الْحَجَرِ أو عُريانًا أو نَجِسًا لم يَصِحَّ،
الجزء: 1 - الصفحة: 3892
إن الحركة إذا جعل البيت عن يساره يعتمد فيها الأيمن على الأيسر، إن لَفَّ هكذا يعتمد الأيمن على الأيسر، فيكون هذا أولى؛ أن يعتمد الأيمن على الأيسر فيعلو على الأيسر، بخلاف ما لو اعتمد الأيسر على الأيمن فإن الأيسر يكون هو الأعلى.
فيه حكمة رابعة ذكرها بعض العلماء، قال: إن القلب باليسار، وهو بيت تعظيم الله عز وجل، محل تعظيم الله عز وجل ومحبته، فصار من المناسب أن يجعل البيت عن يساره؛ ليقرب محل ذكر الله وعبادته وتعظيمه من البيت المعظم، فيكون القلب مواليًا للبيت إذا جعل الكعبة عن يساره.
فهذه أربعة أمور، أعلاها بالنسبة لنا ما هو؟
طلبة: الاتباع.
الشيخ: اتباع السنة، هذا أعلاها، لكن لماذا فعل الرسول هكذا؟ نقول له هذه الأوجه الأربعة.
يقول: (وَيَطُوفُ سَبْعًا) يطوف يعني يتردد بدوران على الكعبة، كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسبعًا كاملة لا تقل، فلو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح، كما لو نقص شيئًا من الصلاة الرباعية، أو الثلاثية، أو الثنائية، فإنها لا تصح لا بد أن يطوف سبعًا.
يقول: (يَرْمُلُ الأفُقِي فِي هَذا الطَّوَافِ ثَلاَثًا ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعًا) يرمل الأفقي، الأفقي قال العلماء: هو الذي أحرم من بعيد عن مكة، من الميقات أو ما دونه إذا كان بعيدًا.
فمثلًا: مَن أَحْرَمَ مِن قَرْن المنازل، أو يَلَمْلَم، أو ذات عرق، أو الجحفة، فإنه يرمل.
ومَن أَحْرَمَ مِن ذي الحُلَيْفَة فإنه يرمُل من باب أولى لأنه أبعد، ومَن أَحْرَم دون ذلك ولكنه يعتبر بعيدًا عن مكة فإنه يرمُل، حتى لو كان من أهل مكة ودخل مكة وأحرم من مكان بعيد فإنه يرمل في هذا الطواف؛ طواف القدوم، ثلاثًا، أي في ثلاثة أشواط، ثم يمشي أربعًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3893
وذلك لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسبب هذا الفعل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة في عمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة قالت قريش: إنه يقدم عليكم قوم وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يثرب، وَهَنَتْهُم يعني: أَضْعَفَتْهُم، ويثرب هي المدينة، والحمى مرض معروف، وكانت الحمى في المدينة شديدة حتى دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل أن ينقل حُمَّاهَا إلى الْجُحْفَة، ففعل سبحانه وتعالى.
لكن قريش أعداء، والعدو يحب الشماتة بعدوه، فقالوا: اجلسوا ننظر هؤلاء الذين قدموا عليكم وقد أضعفتهم الحمى، وجلسوا نحو الْحِجْر، أي في الجهة الشمالية من الكعبة، لأجل أن يَطَّلِعُوا على ما زعموه من ضعف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لذلك أن يرملوا في الأشواط الثلاثة.
والرمل ليس هزيز الكتفين كما يفعله بعض الْجُهَّال، الرمَل المشي بقوة ونشاط، بحيث يسرع، لكن لا يمد خطوه، والغالب أن الإنسان اللي يسرع يمد خطوه لأجل أن يتقدم بعيدًا، لكن في الطواف لا نقول: أسرِع بدون أن تمد الخطو بل تقارب الخطى.
فلما رأت قريشٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرملون هذا الرمَل قالوا: إنهم أشد جريًا ومشيًا من الغزلان، يعني الظباء، فغاظهم ذلك وحزنوا، حيث كانوا يتوقَّعُون في الأول أنهم ضعفاء، فتبين أنهم أقوياء (1).
ولكن كان الرمَل في عمرة القضاء من الْحِجْر إلى الركن اليماني، ثم يمشون ما بين الركنين؛ لأنهم إذا انحرفوا من عند الركن اليماني غابوا عن أنظار قريش، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبْقِي على قوتهم، وأن يمشوا مشيًا فيما بين الركنين، فلطف بهم النبي عليه الصلاة والسلام من وجهين؛ الوجه الأول: أنه خص الرمَل بالأشواط الثلاثة الأولى فقط، والثاني: أمرهم أن يمشوا ما بين الركنين؛ الركن اليماني والحجر الأسود.
الجزء: 1 - الصفحة: 3894
فهذا أصل مشروعية الرمَل، هذا هو أصله، ولكن هل يقال: إنه بعد فتح مكة وعز الإسلام يرتفع هذا الحكم لارتفاع سببه، أو نقول: إن هذا الحكم باقٍ؟
فالجواب: الثاني، فإن عمر رضي الله عنه أَوْرَدَ على نفسه هذا الإيراد، وقال: فيمَ الرمَل الآن وقد أَعَزَّنَا الله؟ ثم أجاب على نفسه: شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن نفعله (2).
مع أنَّا نقول في حجة الوداع: قد زال السبب، وهو إغاظة المشركين؛ لأنه ليس هناك مشرك حتى يُغَاظَ، ومع هذا أبقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إنه أبقاه بزيادة على الرمَل في عمرة القضاء، حيث كان الرمَل في حجة الوداع من الركن إلى الركن، أي في كل الأشواط الثلاثة، حتى ما بين الركنين رمَل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عمرة القضاء من الركن إلى الركن اليماني فقط، فدل ذلك على بقاء المشروعية.
فإن قال قائل: كيف تبقى المشروعية وقد زال السبب؟ والحكمة تقتضي أنه بزوال السبب يزول المسبَّب، أي بزوال العلة يزول المعلول؟
فالجواب: أن العلة وإن كانت إغاظة المشركين، ولا مشركين الآن، لكن ليتذكر الإنسان أن المسلم يُطْلَب منه أن يغيظ المشركين، فحينئذ ينبغي لك أن تشعر عند الرمَل في الطواف وكأن أمامك المشركين لأجل أن تغيظهم؛ لأن غيظ المشركين مما يقرِّب إلى الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: 120].
الجزء: 1 - الصفحة: 3895
إذن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى كلها، ويمشي في الباقي، فإن لم يتيسر له الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى لزحام المكان، ولكن تيسر له في الثلاثة الباقية الأخيرة لخفة الزحام، فهل يقضي الرمل الذي كان في الأشواط الثلاثة الأولى؟ لا يقضي؛ لأن الرمل سُنَّة في الثلاثة الأشواط الأولى، وقد فات محلها، ولأنه لو رمل في الأشواط الثلاثة الأخيرة لخالف السنة؛ إذ السنة في الأخيرة المشي دون الرمل.
فإن قال قائل: لماذا لم يكن الرمل في الأشواط الأربعة؟
قلنا: الحكمة من ذلك؛ أولًا: التخفيف على الناس، على الطائفين.
وثانيًا: من أجل أن ينقطع على وِتْر؛ لأن الطواف كله مبني على وِتْر، فلو قلنا: في الأربعة الأولى، لانقطع على شفع، ولو قلنا: في الخمسة، لكان فيه مشقة، فلهذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون في الأشواط الثلاثة الأولى، كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قال قائل: إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة، وبين أن أمشي مع القرب، فأيهما نقدِّم؟
نقول: قَدِّم الأول، ارمل، ولو بعدت عن الكعبة؛ لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من المراعاة المتعلقة بزمانها أو مكانها، قاعدة.
طالب: نكتبها؟
الشيخ: لأن .. قُلْهَا.
الطالب: لأن ..
الشيخ: مراعاة ..
الطالب: مراعاة الفضيلة المتعلقة ..
الشيخ: لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة.
الطالب: أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة بالمكان أو بالزمان.
الشيخ: تمام، وهذه القاعدة لها أمثلة:
لو أن رجلًا حين دخل عليه وقت الصلاة كان حاقنًا أو بحضرة الطعام، فهل الأولى أن يقضي حاجته ويأكل طعامه ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها، أو العكس؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، فهنا راعينا نفس العبادة، وألغينا مراعاة أول الوقت؛ لأنه إذا صلى فارغ القلب مقبِلًا على صلاته فهنا كانت الصلاة أكمل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3896
في المكان؛ لو أن شخصًا أراد أن يصلي في مكان لكن المكان حوله ضوضاء وتشويش، إلا أنه فاضل، المكان فاضل لكن حوله تشويش، أو حوله رجل له رائحة كريهة؛ في الصف الأول مثلًا، ما وجدت مكانًا إلا عند باب المسجد الذي يُشَوِّش عليك مَن في السوق، أو لم تجد إلَّا مكانًا إلى جنب شخص ذي رائحة كريهة، وأردت أن تصُفَّ في الثاني، أو أن تَصُفَّ في الأول مع التشويش أو مع الرائحة الكريهة؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، يعني أَصُفُّ في الصف الثاني وأدع الأول؛ لأنه يتعلق بذات العبادة.
الرمَل قال العلماء: أولى من الدنو من البيت؛ لأنه يتعلق بذات العبادة، والدنو من البيت يتعلق بمكان العبادة.
قال المؤلف رحمه الله: (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ كُلَّ مَرَّةٍ)؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستلمهما في كل مرة من طوافه (3).
في آخر مرة هل يستلمهما في آخر طوفة؟
طالب: لا.
الشيخ: إن قلتم: لا، أخطأتم، وإن قلتم: نعم، أخطأتم، يستلم الركن اليماني، ولا يستلم الحجر الأسود؛ لأنه إذا مَرَّ بالركن اليماني مَرَّ وهو في طوافه، وإذا انتهى إلى الحجر الأسود انتهى طوافه، ولهذا لا يستلم الحجر الأسود.
ولا يُكَبِّر أيضًا في آخر شوط؛ لأن التكبير تابع للاستلام، ولا استلام الآن، والتكبير في أول الشوط، وليس في آخر الشوط، وعلى هذا فإذا انتهى آخر شوط انصرف بدون أن تستلم أو تقبِّل أو تشير أو تكبِّر.
يقول: (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمَانِيَ كُلَّ مَرَّةٍ)، الحجر معروف، الركن اليماني لماذا سُمِّيَ يمانيًا؟ لأنه من جهة اليمن، ويُطْلَق عليه هو والحجر اسم الركنين اليمانِيَيْن، والكعبة ذات أركان أربعة، الحجر، والركن اليماني، الشمالي، الغربي، فيستلم الحجر والركن اليماني، ولا يستلم الشمالي والغربي.
الجزء: 1 - الصفحة: 3897
وقد طاف أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه ذات يوم، فجعل يستلم الأركان الأربعة، فأنكر عليه ابن عباس، ابن عباس ينكر على الخليفة، نعم ينكر، فقال له معاوية: إنه ليس شيء من البيت مهجورًا، فعلَّل بعلة عقلية، والعلة العقلية قد تكون ساقطة.
فقال له ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، ولم يستلم النبي صلى الله عليه وسلم من البيت إلَّا الركنين اليمانيين، فقال: صدقت (4)، وكفَّ عن استلام الركن الشمالي والغربي؛ لأن الصحابة يريدون الحق أينما كان، فكفَّ وصار يستلم الحجر الأسود والركن اليماني؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستلم إلا هذين الركنين.
فإن قال قائل: ما الحكمة في أنه لم يستلم الأركان الأربعة؟
فالجواب: أن الركن الشمالي والغربي ليسَا على قواعد إبراهيم، فلذلك لم يستلمهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ إن البيت كان ممتدًّا نحو الشمال من قبل، لكن لما عمرته قريش قصرت بهم النفقة، فرأوا -وهو رأي سديد- أن يحطِّموا الجزء الشمالي من الكعبة؛ لأنه لا سبيل لهم إلى حطم الجزء الجنوبي، لماذا؟ لأن فيه الحجر الأسود، ولا إلى الركن اليماني والركن الغربي، ليش؟ لأنهما لو حطمَا الكعبة من هناك لصارت الكعبة مستطيلة طولًا لا يتناسب مع العرض.
وإلَّا فالركن اليماني سيبقى ركنًا يمانيًا، حتى لو حطم من الجهة الغربية فسيبقى الركن هو الركن، لكن تبقى غير كعبة في الواقع؛ لأن الكعبة هي البناء المربع، أو القريب من التربيع، فإذا صارت مستطيلة ما صارت كعبة، فهذا هو الحكمة في أنه لم يستلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا الركنين اليمانِيَيْنِ.
لم يذكر المؤلف رحمه الله ماذا يقول في طوافه بعد أن ذكر التكبير عند الحجر، لم يذكر رحمه الله ماذا يقول عند استلام الركن اليماني، فماذا يقول؟
نقول: إنه لا يقول شيئًا، يستلم بلا قول لا تكبيرًا ولا غيره؛ لأن ذلك لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3898
والقاعدة الفقهية الأصولية الشرعية أن كل ما وُجِدَ سببه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فالسنة تركه، وهذا قد وُجِدَ سببُه، الركن اليماني كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يستلمه، ولكنه لا يكبِّر، وعلى هذا فلا يُسَنُّ التكبير عند استلامه.
في بقية الطواف ماذا يقول؟
يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].
قال شيخ الإسلام رحمه الله: والمناسبة في ذلك أن هذا الجانب من الكعبة هو آخر الشوط، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يختم دعاءه غالبًا بهذا الدعاء.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وما تسمعون من المطوفين: (وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار)، فهذا لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذه تعبُّدًا لله، لكن لو دعا ما ينكَر عليه؛ لأن هذا محل دعاء، لكن كونه يجعله مربوطًا بهذه الجملة: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، غلط، فالعامة يظنون أن هذا مستحب، وليس كذلك.
رُوِيَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول أيضًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ» (5)، ولكنه حديث ضعيف.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ( ... ) باب السلام ( ... )؟
الشيخ: باب السلام يقولون: إنه كان يحاذي باب بني شيبة، ولّا ما له أصل، لكن من أجل المحاذاة فيكون أسهل.
طالب: أحسن الله إليك، السجود على الحجر ورد عن ابن عباس؟
الشيخ: إي نعم، ورد عن ابن عباس أنه يسجد عليه، لكنني لا أحفظه مرفوعًا إلى الرسول على وجه صحيح.
الطالب: لكن يا شيخ هل يُعْمَل به؟
الشيخ: والله هو فعل صحابي، وابن عباس رضي الله عنهما ما يتعبد بشيء إلا وهو مشروع.
الجزء: 1 - الصفحة: 3899
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة لحديث ابن عمر رضي الله عنه لما خرج من الكعبة مُلَطَّخًا بالطيب، ما يكون الناس الذين يستلمون الحجر الأسود مرخَّصًا لهم فيه؟
الشيخ: ما صح عن ابن عمر.
طالب: ما صح.
الشيخ: لا، فيه ضعف، ما صح إلا عن عطاء، وقوله رحمه الله لا شك أنه أرفق بالناس من أن يقال: إنك تلزم بأن تغسله، خصوصًا إذا كنت جاهلًا، أما العالم بأن فيه طيبًا يعلق بالإنسان فإنه لا يُعْذَر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: هل إذا لم يستطع استلام الركن اليماني هل يشير إليه أم لا؟
الجواب أنه لا يشير إليه؛ لأن ذلك لم يَرِد.
طالب: ما ورد عن عمر أنه كان يسجد على الحجر؟
الشيخ: عمر لا، عن ابن عباس هذا المعروف.
الطالب: ورد عن عمر يا شيخ.
الشيخ: أقول اللي نعرف عن ابن عباس.
الطالب: وقوله: إنك حجر لا تضر ولا تنفع (2).
الشيخ: إذا صح عنه يكون مشروع السجود.
طالب: شيخ، إنهم وضعوا الطيب في الْحَجَر، فهل ( ... )؟
الشيخ: لا.
الطالب: الإشارة في كل طواف؟
الشيخ: الإشارة في كل شوط.
طالب: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (6)، والحشيش في اللغة هو العشب اليابس، إحنا قلنا: إن اليابس الميت لا عبرة به، كيف الجمع؟
الشيخ: ما هو الجمع، هذا من يقول اليابس فقط، من قاله؟
الطالب: إذا عم ما الذي يخص ..
الشيخ: لأنه لا ينمو؛ لأنه ليس بنام.
طالب: لا ( ... ) من عموم الحديث.
الشيخ: هذا نخرجه؛ لأنه ليس بنامٍ، ما له حرمة، هذا يذهب ترابًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: إن الْحَمَام يعيش في البيت ويتنامى، فأين التوحُّش؟
طالب: أصله.
الشيخ: نقول: الأصل، ولذلك قلنا لكم: إذا استأنس متوحِّش فهو متوحِّش، وإذا توحَّش مستأنس فهو أهلي، العبرة بالأصل.
طالب: وجه تخصيص أن غير الآفاقي لا يرمُل؟
الشيخ: نعم، التخصيص لأن أهل مكة يطوفون في الكعبة ولا يرمُلون.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا كان معتمر ( ... )؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3900
الشيخ: إذا كانوا معتمِرين وأحرموا من التنعيم فإنهم لا يرمُلون.
طالب: شيخ، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كلما أتى الْحَجَر استلمه، أو يشير إليه إذا لم يستطع، أو يستلمه بالمحجن (7)، فما التخصيص ( ... ) الستة دون السابع، النبي صلى الله عليه وسلم كلما جاء الحجر كان يستلمه.
الشيخ: هو كم استلمه؟
طالب: لم يَرِد، كان صلى الله عليه وسلم إذا جاء الحجر استلمه.
الشيخ: إي، كم يستلمه؟ سبع مرات.
طالب: أيش التخصيص يا شيخ بالسبع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما جاء ( ... ).
الشيخ: إي نعم هو سبعة، سبعة أشواط، كل شوط له استلام، بدأ بالأول، ثم بالثاني، ثم بالثالث، ثم بالرابع، ثم بالخامس، ثم بالسادس، ثم بالسابع.
الطالب: هي عبادة مستقلة، استلام الْحَجَر.
الشيخ: لا.
الطالب: ثم إنه يا شيخ ثبت في البخاري أنه بعد أن يشرب من زمزم إذا طلع يستلم الْحَجَر.
(8)
الشيخ: نعم صحيح، هذا بعد صلاة الركعتين تقدم إلى الركن فاستلمه.
الطالب: بعد أن يشرب يا شيخ.
الشيخ: بعد أن صلى ركعتين وشرب من زمزم.
الطالب: إي نعم، هذا يا شيخ يرد قياسنا أنه سبع الطواف.
الشيخ: هو سبع، بارك الله فيك.
طالب: هذا غير ..
الشيخ: الآن لو استلمه في آخر واحدة لاستلمه ثمانِ مرات.
طالب: وليكن ..
الشيخ: لا، ما هو وليكن، راح يصير، هو لا يمكن؛ لأنه حين محاذاة الحجر انقطع طوافه، انتهى طوافه، ما فيه طواف.
طالب: أليست عبادة مستقلة هذه؟
الشيخ: ما هي بعبادة مستقلة، ولا ورد أن الرسول يستلمه في كل شوط، والشوط السابع انتهى قبل الْحَجَر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يستلمه بِمِحْجَن ويُقَبِّل الْمِحْجَن، ويستلمه بيده ويُقَبِّل يده (9)، فالذي يمس الحجر يُقَبَّل.
طالب: ( ... ) ثم نقول في الْحَجَر من الاستقبال أو تقبيل اليد؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3901
الشيخ: هو ما يمكن يستلمه الإنسان، لا، التقبيل الركن اليماني ما فيه التقبيل، لا تقبيل اليد التي مَسَّتْه، ولا تقبيل الركن نفسه، ولا فيه إشارة أيضًا، إن استطعت أن تستلمه استلمه، وإلا فَامْشِ ولا ..
طالب: الاستقبال.
الشيخ: ما تستقبله.
طالب: الطائف يا شيخ، حينما يكون في الْمَطَاف يرى بعض المنكَرات، فهل يشتغل في الإنكار على أصحاب المنكَرات على اختلاف أنواعها أم يشتغل بذكر الله عز وجل الذي من أجله شُرِعَ الطواف.
الشيخ: أما الشيء المنكَر الظاهر فالإنكار من ذكر الله لا شك، لكن إذا شغله الإنكار عن طوافه فلا بأس أن يسكت، وإذا انتهى من طوافه ينكِر على هؤلاء؛ لأنه بإمكانه إذا انتهى من الطواف.
طالب: زحمة يا شيخ ما يقدر.
الشيخ: إذا أمكن حتى في الزحمة وقوفه مع هؤلاء يتحدث مع هذا صعب.
طالب: وهم يمشون.
الشيخ: يمشون، ينكِر عليهم، مثل لو امرأة متبرِّجة أو متطيِّبة ينكِر عليها.
طالب: شيخ، حفظكم الله، ذكرتم في القاعدة أن مراعاة الفضيلة المتعلِّقة بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة في مكانها وزمانها، مثال اللي ذكرتموه الصف، لو كان إنسان مثلًا فيه واحد رائحته غير طيبة، فلو تركته سوف يأتي إنسان آخر.
الشيخ: إحنا نقول: كريهة، ما قلنا: طيبة.
طالب: غير طيبة يا شيخ، أنا قلت: غير طيبة.
الشيخ: كريهة، قل؛ لأن غير طيبة أيضًا تشمل ما ليس طيبًا ولا غير طيب.
الطالب: كريهة جدًّا، سوف يأتي آخر يا شيخ ثم يتأذى بها، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (10)، فلماذا لا أتحمل أذاه؟
الشيخ: سبحان الله! حتى الثاني نقول له: رُوح، إذا كنت تتأذى انصرف عنه.
الطالب: لا بد يأتي آخر.
الشيخ: إي، لو جاء آخر ثالث، رابع، عاشر، إلى تمام المئة والألف.
طالب: في الصف الأول مثلًا لا بد يُغْلَق.
الشيخ: كيف؟
طالب: لا بد الصف الأول يكمل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3902
الشيخ: ما هو بلازم، إذا صار أني إذا جلست جنب هذا الرجل ما أدري ما أقول في صلاتي من شدة الرائحة الكريهة أذهب إلى مكان آخر، ولهذا قلنا لكم فيما سبق: إن ذا الرائحة الكريهة لا يَحِلُّ له أن يأتي المسجد أصلًا، ولنا أن نخرجه كما كان الصحابة يُخْرِجون مَن أكل البصل أو الثوم.
طالب: يصلي منفرِدًا يا شيخ؟
الشيخ: من؟
طالب: هو منفرِد خلف الصف.
الشيخ: مَن اللي منفرد.
طالب: هو اللي جاء.
طالب آخر: صاحب الرائحة.
الشيخ: صاحب الرائحة الكريهة؟
طالب: لا، الذي جاء وأراد يصف الصف الثاني مثلًا.
الشيخ: نعم، هذا إن قلنا بأن صلاته لا تصح مع إمكان الصف الأول فنقول: لا، إذا كان منفردًا لا يصُفّ، لا بد يبقى، ولو تَحَمَّل الرائحة الكريهة، وفي هذه الحال يمكن يتلثَّم، إذا تَلَثَّم يخف عليه الأمر.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، قد ذكرت في الفروق بين حرم مكة وحرم المدينة بأن حرم مكة متَّفَق عليه، وحرم المدينة مختلَف فيه، ما بَيَّنْتَ وجه الاختلاف، هل تحديد الحرم أو التحريم أصلًا؟
الشيخ: لا، في التحريم أصلًا.
الطالب: والأحاديث الصريحة في ذلك؟
الشيخ: إي نعم، لكن فيه الخلاف.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، الحديث الوارد في بداية الطواف الذي رواه ابن عمر، وما يفعله العامة الآن يكبِّرُون ثلاث مرات، هل لذلك أصل؟
الشيخ: ما له أصل، لا أعلم له أصلًا، إنما يكبِّر مرة واحدة.
يقول السؤال: ثبت أن استلام الحجر يحط الخطايا حَطًّا، هل استلامه بالْمِحْجَن يحط الخطايا حطًّا؟ هذا أيش.
طالب: هذا ما يساعد على أنها عبادة مستقلة أنها تَحُطُّ الخطايا.
الشيخ: إي، يحط الخطايا حيث شُرِع.
طالب: وأيضًا إذا استلمه أول مرة يحط الخطايا لأول مرة، المرة الأخرى ..
الجزء: 1 - الصفحة: 3903
الشيخ: رفعة الدرجات، مثل غيره من الأشياء اللي يكون فيها تكفير الذنوب، ومع ذلك يُسَنُّ للإنسان أن يزيد منها، ثم إننا نقول: أحيانًا يأتي مثلًا مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومَن صامه غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومَن قام ليلة القدر غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، فمثلًا إذا قال: أنا لا أقوم؛ لأني أصوم فيُغْفَر لي ما تقدم من ذنبي، فما الذي يبقى من الذنوب؟
طالب: لا يوافَق.
الشيخ: لا يوافَق؛ لأننا نقول: ترتيب الثواب على الأعمال قد يتحقق وقد لا يتحقق، قد لا يتحقق من أجل فعل العبد لا من أجل وعد الله، سوف يتحقق حسب وعد الله، لكن قد يكون في فعلك خلل لا يستطيع هذا الفعل أن يترتب عليه الثواب المرتَّب عليه، فإن قيل: إذا فرضنا أنه كان كاملًا بحيث يترتب عليه الثواب المرتَّب عليه؟ فالجواب أن نقول: يبقى الآخر زيادة في الحسنات.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة للمتمتِّعين بما أن الحملات تتأخر إلى اليوم الثامن، فبعضهم يتمتَّع في نفس اليوم الثامن، ثم يُهِلُّ بالحج، هل نقول: الأفضل له أن يفرِد؟
الشيخ: إذا قَدِم إنسان في اليوم الثامن فالأفضل القِرَان أو الإفراد؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، والحج يبدأ في اليوم الثامن، فلا مكان للعمرة الآن، ثم إن الحج أفضل من العمرة، فاشتغالك بالعمرة في وقت يُسَنُّ أن تكون فيه متلبِّسًا بالحج يعني أنك قَدَّمْتَ المفضول على الأفضل، فالزمن الآن منذ ضُحَى يوم الثامن الزمن للحج، فكيف تشغله بالعمرة؟ ثم أين التمتع الذي سيكون إنسان أتى بالعمرة وطاف وسعى وقصَّر ثم أحرم بالحج؟
فلذلك نرى وإن كنت ما رأيت أحدًا تكلم في هذا، لكن أرى أن الإنسان إذا جاء في اليوم الثامن في الوقت الذي خرج فيه الحجاج إلى مِنى ألَّا يتمتع، أن يُحْرِم بالعمرة والحج جميعًا، أو بالحج وحده.
طالب: التمتع هذا صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3904
الشيخ: والله ربما نقول: صحيح؛ لأنه ما فيه دليل على بطلان العمرة أو بطلان الحج.
طالب: لأنه ما حصل التمتع يا شيخ.
الشيخ: ما حصل، لكن على كل حال حصل الحل.
طالب: لو وكل بالتمتع يا شيخ.
الشيخ: هذا يقول عند ..
الطالب: عند الاستلام لمن شرب، يقول: باسم الله، ولّا يقول: باسم الله والله أكبر، وفي الشوط الثاني يقول: الله أكبر فقط، ولا ( ... ).
الشيخ: إي، هذا هو أصل البسملة، عند أوله، إنما هو مِن فعل ابن عمر، والباقي تكبير فقط.
طالب: حديث عمر كَبَّر وهَلَّل ( ... ).
الشيخ: بس الحديث هذا ضعَّفَه أهل العلم، ولا يدل على أنك تقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، تُكَبِّر وتُهَلِّل.
طالب: من ناحية أكل البصل والثوم، إذا كان يعرف أنه لن تكون منه رائحة، هل النهي مُنْصَبٌّ على الرائحة نفسها؟
الشيخ: إي، الرائحة، ولهذا قال في الحديث: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا» (11)، يعني يطبخهما حتى تذهب الرائحة.
طالب: إذا تمكَّن من موضع الرائحة ( ... ) تمنع رائحة البصل والثوم رائحة طيبة ( ... )؟
الشيخ: تغطيها يعني؟
طالب: نعم.
الشيخ: ماذا تقولون؟
طلبة: نثبت العلة.
الشيخ: هو على كل حال، ظاهريًّا، ينفع إذا صارت الرائحة قوية جدًّا تغطي رائحة البصل والثوم، لكن قد يتجشَّأ الإنسان في أثناء صلاته وتغلب الرائحة الكريهة على الطَّيِّب.
طالب: ما دليل التصدق ( ... )؟
الشيخ: دليل التصدق قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] هذا عامٌّ في كل ما يُذْبَح تقرُّبًا إلى الله.
طالب: شيخ ( ... ) أشار بيده ( ... ) ما يعتبر دليلًا؟
الشيخ: لا، إذا قيل: الركن، عند الإطلاق فهو الذي فيه الْحَجَر.
طالب: شيخ، بالنسبة للاضطباع والرمَل من خصوصيات طواف القدوم، أو يشترك مع طواف الإفاضة .. ؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3905
الشيخ: لا، هو في طواف القدوم فقط، لكن إذا قدرنا أن الرجل خرج إلى منى أو قصد منى من الأول ولم يدخل مكة ويطوف للقدوم، ثم عاد بعد عرفة ومزدلفة إلى مكة، فالاضطباع في حقه ليس بمشروع؛ لأنه قد حَلَّ، يبقى الرمل هل يُسَنُّ الرمَل؟ قال بعض العلماء: يُسَنُّ الرمَل؛ لأن هذا الطواف يُعْتَبَر بالنسبة له طواف قدوم؛ إذ إن هذا أول مرة يطوف بالبيت في هذا الحج.
طالب: شيخ بارك الله فيك، مسألة ذكرها صاحب الروض ولم تتكلم فيها.
الشيخ: وهي؟
الطالب: قول المؤلف: صاحب الروض يقول: بالنسبة لنقل تراب مكة يُكْرَه إلَّا ماء زمزم، الدرس الماضي ما تكلمت ..
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما ذكروا لا دليلًا ولا ..
الشيخ: نحن لسنا ندرس الروض، نحن ندرس زاد المستقنع في اختصار المقنع.
طالب: ما تقول في هذه المسألة؟
الشيخ: إي، إذن لا بأس، هذا السؤال صحيح الآن، نقول فيها: الصحيح أنه لا يُكْرَه إخراج تراب الحرم؛ لأن التراب شيء جامد لا ينمو، ولا يضر وجوده بالحرَم أو غير الحرم.
طالب: سد الذريعة، الناس تبركًا فيها.
الشيخ: لا، دعنا من مسألة التبرك، التبرك شيء آخر، حتى لو تَبَرَّك به في نفس مكة قلنا: هذا بدعة.
طالب: قلت: إن الركن اليماني سُمِّي يمانيًا؛ لأنه من جهة اليمن ( ... )، لماذا لا نقول: لأنه يمين الكعبة نفسها، والدليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» (12)، أي: يمين الكعبة؟
الشيخ: وين يمين الكعبة؟ يمين الكعبة هو الركن الشامي.
طالب: ما تصلح؟
الشيخ: لا، ما تصلح.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كان واحد بيطوف وتلفَّت يتفقد أهله، ما صارت الكعبة عن يساره أثناء الطواف، يضره يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، يقول: أحيانًا الإنسان يطوف، فيُكَلِّمُه أحد من الناس، يلتفت ويولي ظهره الكعبة، أو يكون مثلًا أهله خلفه، فيلتفت حتى يولي ظهره الكعبة، فهل طوافه صحيح أو لا؟
طالب: صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3906
الشيخ: ظاهر كلام الفقهاء أن طوافه لا يصح، الشوط هذا ما يصح؛ لأنه لم يجعل الكعبة عن يساره في كل الشوط، ولهذا يجب التنبه لهذه المسألة، لكن مع هذا في نفسي من هذا شيء؛ لأن الآن يعتبر هذا الطائف قد جعل الكعبة عن يساره، والالتفات اليسير ما يُخْرِجُه عن كونه جعل الكعبة عن يساره.
طالب: ولو رجع؟
الشيخ: لا، إذا رجع ما فيه إشكال، لو رجع وجعل الكعبة عن يساره من المكان الذي انصرف فيه ما فيه شيء.
طالب: في الزحام ما يمكن الرجوع.
الشيخ: على كل حال، ينبغي أن يتحرز، يقف على الأقل وقوفًا ويلتفت برأسه إلى أهله.
طالب: الصلاة خلف الإمام في الصف العاشر أفضل أم في الصف الأول لكن في ( ... ) الأسفل؟
الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟ يقول: هل الأفضل أن يكون الإنسان في الصف العاشر لكنه بحذاء الإمام، أو في الصف الأول في طرفه بعيدًا عن الإمام؟
طلبة: في الأول.
الطالب: في الصف الأول في الخلوة أسفل.
الشيخ: يعني أيش؟ إذا لم يجد مكانًا في مكان الإمام ينزل.
الطالب: يعني أحيانًا أُخَيَّر بين أن أنزل في الصف الأول أو أكون ..
الشيخ: لا، وجودك في المكان الذي فيه الإمام أفضل.
الطالب: حتى لو ..
الشيخ: ولو في الصف العاشر.
طالب: شيخ، إن كان في الطواف حامل لطفل، والطفل لا شك عند الحمل يستدير، يكون يمينه إلى الكعبة، فهل يصح الطواف؟
الشيخ: أما التكرونيات فيسارها يسار لولدها.
الطالب: من الخلف.
الشيخ: لأنها تعمل من الخلف، ويساره يسار أمه، وأما اللي يحمله كما يحمله أكثر الناس الآن على اليد هو قد يكون يولي الكعبة ظهره إن كان على اليد اليسرى، وقد يولي الكعبة وجهه إذا كان على اليد اليمنى، وقد يمشي حسب الحمل القهقرى.
الجزء: 1 - الصفحة: 3907
فمثل هذه يجب أيضًا مراعاتها، ولا يمكن يتخلص منها إلا إذا حمل الولد على كتفه أو على كتفيه، بحيث يكون رجله اليمنى على الكتف الأيمن، ورجله اليسرى على الكتف الأيسر، ولهذا نقول في مثل هذه المواسم الحج أو العمرة لا ينبغي أن تكلف نفسك تخلي الأولاد يُحْرِمون، دعهم.
طالب: قلنا: إن مَن قصر الطواف خطوة واحدة لا يصح طوافه، قلنا: من بدأ الطواف بعد الخط الأسود الموازي للحجر الأسود بخطوة واحدة ساهيًا هل نقول: إن الطواف غير ..
الشيخ: الشوط الأول يُلْغَى، إذا بدأ من وراء الخط الأسود البني ولو بخطوة واحدة فإن الشوط الأول يُلْغَى.
الطالب: نقول له: الآن أَعِدْهُ؟
الشيخ: متى؟ الآن؟
الطالب: بعدما انتهى من العمرة.
الشيخ: بعدما انتهى من العمرة، إي نعم، نقول: أَعِدْهُ ثم أَعِد السعي.
طالب: قلنا: إن الركنين الشاميين ما يشرع استلامهما؛ لأنهما ليسَا على قواعد إبراهيم، لو فرض يا شيخ أنه بُنِيَت الكعبة على قواعد إبراهيم يُشْرَع استلامهما.
الشيخ: نعم، لو بُنِيَت لسُنَّ استلامهما.
طالب: شخص يا شيخ حج عن أبيه الذي مات تطوعًا، حجه مشروع؟
الشيخ: إي، لا بأس، ما فيه مانع، كما لو تصدق عنه، لكن لو قال: أيما أفضل؛ أن أحج عنه أو أن أدعو له؟ قلنا: الدعاء له أفضل.
طالب: ما الأفضل في الطواف، هل قراءة القرآن، أم الدعاء، أم التسبيح؟
الشيخ: ما تراه أنفع لقلبك فافعله؛ لأن الطواف مكان ذِكْر، فما تراه أنه أنفع لقلبك من الخشوع والخضوع فافعله، إلا ما ورد مثل: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، في محلها أفضل.
طالب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المصنف رحمنا الله وإياه: وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوافِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، أَوْ نُسُكَهُ، أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان، أَوْ جِدَارِ الحِجْرِ، أَوْ عُرْيَان، أَوْ نَجِسٌ، لَمْ يَصِحَّ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ خَلْفَ المَقَامِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3908
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا الكلام على طواف القدوم، وأنه يُسَنُّ فيه للرجل شيئان؛ الأول: الاضطباع في جميع الطواف، والثاني: الرمَل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، ولا يُسَنُّ الاضطباع في غير الطواف، وما نشاهده من عامة الحجيج اليوم حيث يضطبعون من حين الإحرام إلى أن يحلوا فإنه ليس مبنيًّا على سُنَّة، ولا على كلام أحد من أهل العلم.
نعم، بعض العلماء قال: يكون الاضطباع في الطواف، ويكون الاضطباع كذلك في السعي بعده، ولكن الصحيح أنه في الطواف فقط، أما كونه من أول أن يُحْرِم حتى يحل فهذا لا أصل له.
وسبق لنا الحكمة من الرمَل، وأن أصله إغاظة المشركين، وسبق أن عمر رضي الله عنه قال: إننا قد أعزَّنَا الله، ففيمَ الرمَل إذن؟ ثم إنه رضي الله عنه استدرك فقال: شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن نفعله.
وهذا لا شك فيه، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام رَمَل في حجة الوداع، ورمل جميع الأشواط الثلاثة، بخلاف الرمَل في عمرة القضاء، فإنه رمَل من أين؟ من الْحَجَر إلى الركن اليماني، لكن في حجة الوداع رَمَلَ من الْحَجَر إلى الْحَجَر، وهذا هو الصحيح.
ولا مانع أن يكون الشيء مشروعًا لسبب قد زال، كما شُرِعَ السعي في الوادي في المسعى مع أنه شيء قد زال، كما سيأتينا إن شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله: (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوافِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، أَوْ نُسُكَهُ، أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان أَوْ جِدَارِ الحِجْرِ، أَوْ عُرْيَانٌ، أَوْ نَجِسٌ، لَمْ يَصِحَّ)، هذه مسائل بَيَّنَ فيها المؤلف أنها كلها تُفْسِد الطواف، الأولى: مَن ترك شيئًا من الطواف، (شيئًا) نكرة في سياق؟
طلبة: الشرط.
الجزء: 1 - الصفحة: 3909
الشيخ: الشرط، مَن تَرَكَ، فتعم، فتشمل لو ترك خطوة واحدة أو شبرًا واحدًا من الطواف فإنه لا يصح.
لكن إذا تركه من شوط، وذكر المتروك في أثناء الطواف، فإنه يُلْغَى الشوط الذي ترك منه ذلك، ويقع ما بعده بدلًا عنه.
وقوله: (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوافِ) يعني مَنْ تيقَّنَ الترك، أما مَن شك فإنه يُنْظَر؛ إما أن يشك بعد الفراغ والانصراف عن محل الطواف، وإما أن يشك في أثناء الطواف؛ إن شك في أثناء الطواف فهل يبني على اليقين أو على غلبة الظن؟
في ذلك خلاف، كالخلاف فيمن شك في عدد الركعات في الصلاة، فمن العلماء مَن قال: يبني على غلبة الظن، ومنهم من قال: يبني على اليقين.
مثال ذلك: في أثناء الطواف شك هل طاف خمسة أشواط، أو ستة أشواط، فإن كان الشك متساوي الأطراف جعلها خمسة؛ لأنها المتيقَّن، وإن ترجَّح أنها خمسة جعلها خمسة، وإن ترجَّح أنها ستة؛ فمن العلماء من يقول: يَعْمَل بذلك ويجعلها ستة، ومنهم من قال: يبني على اليقين ويجعلها خمسة.
والصحيح أنه يجوز أن يعمل بغلبة الظن كالصلاة، وعلى هذا فيجعلها ستة، ويأتي بالسابع، هذا ما دام متلبِّسًا بالعبادة.
أما بعد أن ينصرف عن مكان الطواف فإن الشك لا يؤثِّر، ولا يُلْتَفَتُ إليه، ما لم يتيقن الأمر.
مثال ذلك: رجل انصرف من الطواف على أنه أتمَّ طوافه، ثم شك هل طاف سبعًا أو ستًّا، نقول له: لا تلتفت لهذا الشك؛ لأن الشيطان ربما يأتي الإنسان بعد فراغه من العبادة ليُلَبِّس عليه دينه، فيُشَكِّكَه، ولو أن الإنسان التفت إلى مثل هذا الشك لفسدت عليه عباداته، وصار دائمًا في قلق، وانفتح عليه باب الوسواس.
الجزء: 1 - الصفحة: 3910
أقول: إن الإنسان لا يلتفت إلى الشك بعد الفراغ من العبادة؛ لأن ذلك يفتح عليه باب الوسواس والقلق، والشيطان يحرص على أن يكون الإنسان دائمًا في قلق، دائمًا في حزن، ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُدْخِل عليهم الحزن، ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 10].
فإن تيقَّنَ أنه ناقص شوطًا، فحينئذ يعمل باليقين، ويرجع ويأتي بالشوط، لكن في الغالب أن هذا لا يقع، الغالب أن الإنسان بعد أن يُتِمَّ الطواف وينصرف ويصلي ركعتين، الغالب أنه لا يتيقن أنه نقص، لكن إذا فرضنا ذلك وجب عليه أن يرجع ويأتي بالشوط السابع.
قال المؤلف: (أَوْ لَمْ يَنْوِهِ)، يعني: لم يَنْوِ الطواف، وإنما جعل يدور حول الكعبة ليتابع مَدِينًا له يطلبه دينًا، أو لأي غرض من الأغراض، فإنه لا يصح طوافه، لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (13)، وهذا لم يَنْوِ الطواف، بل نوى متابعة غريم، أو متابعة إنسان يريد أن يتكلم معه، ويمشي معه حتى ينتهي من طوافه، أو ما أشبه ذلك، نقول هذا لا يصح طوافه؛ لأنه لم يَنْوِهِ.
ولكن لو نوى الطواف مطلقًا دون أن ينويه للعمرة مثلًا، فهل يجزئ؟ في ذلك خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: لا يجزئ، بل يجب أن ينوي الطواف للعمرة، أو الطواف للحج، أو الطواف للوداع، أو الطواف تطوعًا؛ كطواف القدوم، وأما مجرد الطواف فلا يجزئ، وهذا هو المشهور من المذهب؛ أنه لا بد أن يعيِّن الطواف.
الجزء: 1 - الصفحة: 3911
وقال بعض العلماء: إنه لا يُشْتَرَطُ التعيين، تُشْتَرَطُ نية الطواف، لكن لا يُشْتَرَطُ التعيين؛ لأن الطواف جزء من العبادة، فكانت النية الأولى محيطة بالعبادة بجميع أجزائها، وقاسَ ذلك على الصلاة، قال: الصلاة فيها ركوع، فيها سجود، فيها قيام، فيها قعود، فهل يجب أن يَنْوِيَ لكل ركن من أركانها نية مستقلة، أو تكفي النية الأولى؟ النية الأولى تكفي، وعلى هذا فإذا نوى العمرة كانت هذه النية شاملة للعمرة من حين أن يُحْرِم إلى أن يَحِلَّ منها.
فإذا جاء إلى البيت الحرام وطاف، وغاب عن قلبه أنه للعمرة أو لغير العمرة، فعلى هذا القول يكون الطواف صحيحًا، وهذا القول هو الراجح؛ أنه لا يُشْتَرَطُ تعيين الطواف ما دام متلبِّسًا بنُسُك؛ لأن هذا الطواف جزء من العبادة، فدخل في بقيتها.
وهذا في الحقيقة مع كونه الراجح نظرًا هو الأيسر بالناس؛ لأن الإنسان مع الزحام والضنك ربما يغيب عن ذهنه أنه نوى أن يطوف للعمرة مثلًا، فلو قلنا بالقول الأول الذي هو لا بد من تعيين الطواف للنسك المعيَّن لكان في هذا مشقة على الناس، أما إذا قلنا بالقول الراجح؛ أن نية العبادة تنسحب على جميع العبادة بجميع أجزائها، فلا شك أن هذا أيسر للناس.
وهذا نظير مسألة مرت علينا في الصلاة، وهي؟ اذكروها.
طالب: إذا دخل الإنسان في صلاة الظهر ولم يعيِّن هذه الصلاة، فعلى المذهب أنه لا بد التعيين وإلا صلاته تكون باطلة، وأما على القول الثاني فإنها تصح.
الشيخ: يعني لو دخل في صلاة الظهر بنية أنها فرض الوقت، وغاب عن ذهنه تعيين الظهر، فإن القول الراجح أنها تجزئ وتصح؛ لأنك لو سألت هذا الرجل: ماذا أردت بهذه الصلاة؟ لكان الجواب: الظهر، والإنسان قد يَذْهَلُ عن التعيين، وقد يأتي والإمام راكع مثلًا، فيدخل في الصلاة بسرعة، ولا يتمكن من تعيين النية.
الجزء: 1 - الصفحة: 3912
قال: (أَوْ نُسُكَهُ)، يعني: أو لم يَنْوِ نسكه لم يصح، كيف نسكه؟ وهل هناك نسك بلا نية؟ نقول: نعم، الحج ينفرد عن العبادات الأخرى بأشياء كثيرة، منها: جواز تغيير النية، ومنها لزوم إتمامه ولو كان نفلًا، وله عدة أشياء يخالف غيره.
يجوز للإنسان أن يُحْرِمَ إحرامًا مطلقًا، فيقول: (لبيك) ولا يعيِّن لا عمرة ولا حجًّا، يقول: لبيك، مع الناس، لكن لا يجوز أن يطوف حتى يعيِّن؛ لأن الإحرام المطلَق صالح للعمرة وحدها، وللحج وحده، ولهما جميعًا، أفهمتم الإحرام المطلَق؟
الإحرام المطلق يقول: لبيك اللهم لبيك، قلنا: ماذا نويت؟ عمرة، حج، حج وعمرة؟ قال: ما نويت شيئًا، نويت الإحرام فقط، فهل إحرامه صحيح وينعقد؟ نعم ينعقد، إحرامه صحيح، وينعقد، يبقى يُلَبِّي، لكن إذا وصل إلى مكة وأراد الطواف فلا بد أن يعيِّن، يعين أيش؟ عمرة، حج، حج وعمرة.
ومن ذلك -أي من الإحرام المطلق- وإن كان فيه شيء من التعيين أن يقول: أحرمت بما أحرم به فلان، أو لبيك بما أحرم به فلان، يعني يكون هذا الرجل عنده شيء من الجهل، ويعرف أن فلانًا من أهل العلم والمعرفة قد حج، فيقول: لبيك بما أحرم به فلان، فهذا يصح، بماذا أحرم فلان؟ لا يدري، قد يكون أحرم بعمرة، أو بحج، أو بحج وعمرة، فنقول: إحرامك هذا صحيح، لكن لا بد أن تعلم بماذا أحرم قبل أن تطوف؛ ليقع طوافك بعد تعيين النسك الذي أردت.
الجزء: 1 - الصفحة: 3913
ويدل لهذه المسألة الأخيرة حديث علي بن أبي طالب بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وكذلك بعث أبا موسى فقدِمَا مكة والرسول عليه الصلاة والسلام قد قدم قبلهما للحج، كلاهما قال: أحرمت بما أحرم به رسولك، فلبوا بما أحرم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أما علي فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟ »، قال: بما أَهَلَّ به رسول الله، قال: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ» (14)، فأشركه في هديه، وقال: لا تحل، ليش لا يحل؟ لأن معه الهدي، قد ساق الهدي، ومَن ساق الهدي لا يمكن أن يَحِلَّ.
أما أبو موسى فقال له: اجعلها عمرة، مع أن إحرامه حين أَهَلَّ بما أَهَلَّ به رسول الله ينعقد قِرَانًا، لكن قال: اجعلها عمرة؛ لأن أبا موسى لم يكن معه هَدْي.
فنأخذ من هذا أن الإنسان يجوز أن يُحْرِم بما أَحْرَم به غيره، ولكن لا بد أن يعيِّن قبل أن يطوف، ليقع طوافه في نسك معلوم، ولهذا قال المؤلف هنا: (أو نسكه)، هذه العبارة الصحيحة.
ولذلك قال المؤلف في الشرح: (بأن أحرم مطلقًا)، رجل أحرم مطلقًا ودخل وطاف على أنه طواف مطلَق، كما أنه إحرام مطلَق، فهل يصح طوافه؟ لا؛ لأنه لم يَنْوِ هذا النسك بعينه، فعلى أي شيء يبني؟ ! إذن لا بد من تعيين النسك قبل الشروع في الطواف، فإن لم يَنْوِ نسكه لم يصح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3914
(أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان) الشاذروان هو السوار المحيط بالكعبة، سوار من أحجار من رخام محيط بالكعبة، وكان من قبل مسطَّحًا يمكن أن يطوف عليه الناس، فإذا طاف عليه الإنسان فإنه لا يصح طوافه؛ لأن الشاذروان من البيت من الكعبة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، ﴿بِالْبَيْتِ﴾ لم يقل: في البيت، لو قال: في البيت، صح الطواف من دون الْحَجَر وعلى الشاذروان، لكن قال: بالبيت، والباء للاستيعاب، وعلى هذا فإذا طاف على الشاذروان فإن طوافه لا يصح، لماذا؟ لأن الشاذروان من الكعبة، والطواف واجب بجميع الكعبة.
لكن بعض الخلفاء جزاه الله خيرًا جعله مُسَنَّمًا كما تشاهدون الآن، لا يمكن الطواف عليه، من صعد عليه ليطوف زلق؛ لأنه مَزَلَّة، فكفى الله المؤمنين القتال.
لكن لو فُرِضَ أن رجلًا أحمق قال لصاحبه: امش معي وأنا بأعتمد على كتفك، وأطوف على الشاذروان، هل يصح؟ لا يصح؛ لأنه من البيت، وهذا ربما يقع في أيام الزحام، فيطوف الإنسان على الشاذروان ويتكئ على أكتاف الناس، لكنه -والحمد لله- لم يحصل، فيما نعلم أنه لم يحصل؛ لأنه ربما يكون هناك جنود يمنعون من مثل هذه الصورة.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: بل يصح الطواف على الشاذروان؛ لأن الشاذروان ليس من الكعبة، بل هو كالعتبة تكون على سور البيت، وقد جُعِلَ عمادًا للبيت، فليس منه، وعلى هذا يجوز الطواف عليه.
ولكن في الوقت الحاضر لا يمكن الطواف عليه لما علمتم من صفة بنائه.
(أَوْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الحِجْرِ) جدار الحِجْر أو الْحَجَر؟ الْحِجْر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الآن الطواف عليه غير ممكن.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لو أمكن فإذا طاف عليه إنسان وجاء يسأل فيسفتح الله علينا ونرجِّح.
الجزء: 1 - الصفحة: 3915
قال: (أَوْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الحِجْرِ)، الْحِجْر معروف؛ هذا البناء المقوَّس من شمالي الكعبة، ويسمى عند العامة حِجْر إسماعيل، وسبحان الله أن يكون حجر إسماعيل وإسماعيل لم يعلم به! وقد بُنِيَ بعده بأزمان كثيرة؛ لأن سبب بنائه كما ثبت في الصحيح أن قريشًا لما بنت الكعبة قصَّرت بهم النفقة، وقد أجمعوا على أن يكون البناء من كسب طيِّب، فقصَّرت بهم النفقة، فقالوا: لا بد أن نبني البعض وندع البعض، فأي شيء يَدَعُونه؟ رأوا أن أنسب شيء يَدَعُونه أن يكون من الناحية الشمالية، ففعلوا، وجعلوا هذا الجدار، وسُمِّيَ الْحِجْر لأنه مُحَجَّر.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَبَنَيْتُ الْكَعْبَةَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ؛ بابًا يَخْرُجُ مِنْهُ النَّاسُ، وَبَابًا يَدْخُلُونَ مِنْهُ» (15)، ولكن ترك ذلك خَوْفًا من الفتنة، إلَّا أن الله سبحانه وتعالى حقَّق ما أراد الرسول عليه الصلاة والسلام بدون مَضَرَّة، لو أنها بُنِيَت على قواعد إبراهيم، وجُعِلَ لها بابٌ يدخل منه الناس، وبابٌ يخرج منه، لهلك الناس، ولا سيما في الأزمنة الأخيرة، حيث يتقاتلون على ما هو دون الكعبة بكثير، ما ظنكم لو دخل الناس من هذا الباب، والكعبة مسقوفة وضَيِّقَة، ماذا يكون؟ الناس يُهْلِك بعضهم بعضًا، لكن حصل مراد الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الْحِجْر، فجُعِلَ للحِجْر، وهو من الكعبة، جُعِلَ له بابان؛ باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه، مع كونه مكشوفًا فضاء لا يضر، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته.
الجزء: 1 - الصفحة: 3916
لما تولى خلافة الحجاز عبد الله بن الزبير رضي الله عنه هدم الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم؛ لأن السبب الذي منع الرسول عليه الصلاة والسلام من بنائه على قواعد إبراهيم قد زال، وتوطَّد الإيمان في القلوب، فهدمها رضي الله عنه، وجعل يأتي بالناس ويُشْهِدُهم على الأساسات الأولى التي هي على قواعد إبراهيم، وبناها على قواعد إبراهيم، وجعل لها بابين؛ بابًا يدخل منه الناس، وبابًا يخرجون منه.
ثم إنها هُدِمَت في عهد عبد الملك بن مروان، وأعيدت على ما كانت عليه في الجاهلية، بعد أن استُشْهِدَ عبدُ الله بن الزبير رضي الله عنه، ولما تولى الرشيد أظن أراد أن يعيدها على قواعد إبراهيم، فاستشار بذلك العلماء، فقالوا: لا تجعل بيت الله مَلْعَبَةً للملوك، كلما مَلَك مالك قال: أُغَيِّر إلى كذا، فتركه وبقي على ما هو عليه إلى الآن، والحمد لله.
إذا طاف على جدار الْحِجْر لم يصح، وإن طاف من دون جِدَار الْحِجْر من الداخل من باب أولى.
وظاهر كلام المؤلف أنه لو طاف على جِدَارِ الْحِجْر الذي ليس من الكعبة فإنه لا يصح، هذا ظاهره؛ لأن الْحِجْر ليس كله من الكعبة، ليس من الكعبة إلا مقدار ستة أذرع وشيء، وقرَّبَه بعضهم فقال: إذا ابتدأ الانحناء في الْحِجْر، فمن بداية الانحناء يكون خارج الكعبة، ومن المستوي يكون داخل الكعبة.
وعليه فنقول: إنه لا يصح الطواف على جدار الْحِجْر حتى في الجانب الخارج من الكعبة؛ لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فيكون هذا الزائد تابعًا للأصل.
يقول: (أو طاف عريانٌ) يعني طاف وهو عريان فإنه لا يصح طوافه؛ لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينادَى في الناس «أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ -يعني العام التاسع- وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (16).
الجزء: 1 - الصفحة: 3917
وكان الناس في الجاهلية إن حصلوا على ثياب من قريش أخذوها عارية أو شراء أو هدية فطافوا بها، وإلا فلا، على أن بعض العرب أيضًا، وإن كانوا من قريش، يقول: لا نطوف بثيابنا؛ لأنها ثياب عصينا الله فيها، فلا نطوف، نقول: إذا طفتم عراةً فهي ثياب عصيتم الله بها، أي: بخلعها.
وكانت المرأة تأتي تطوف عارية، وتضع يدها على فرجها، وترتجز في الطواف تقول:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُشِيرُ إِلَى الْفَرْجِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
صقيعة، يعني: ما بَدَا منه فلا أُحِلُّ لأحد أن ينظر إليه، لا أُحِلُّه، الناس بيطيعونها، الله أعلم، على كل حال هذا من الجهل.
أما الإسلام -ولله الحمد- لا يطوف بالبيت عريان، ومن المعلوم أنه لا أحد يطوف خالعًا ثيابه.
لكن قد يطوف وهو لم يُسْتَر الستر الواجب، ولنفرض أن عليه ثيابًا رقيقة، وعليه سراويل لا تصل إلى الركبة، فيطوف، نقول: هذا الرجل لا يصح طوافه، لماذا؟ لأنه لم يستر عورته؛ إذ لا بد في الستر من السرة إلى الركبة.
يقول: (أو نجس) كيف نجس؟ يعني أصابته نجاسة في ثوبه أو بدنه، فإن الطواف لا يصح؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، وكما لا تصح الصلاة مع النجاسة فكذلك الطواف.
ولأن الله تعالى أمر بتطهير بيته للطائفين، والقائمين، أو العاكفين، والركع السجود، فإذا أمر بتطهير المكان، أي مكان الطائف الذي هو منفصل عنه، فتطهير ملابسه المتصلة به من باب أولى، وعلى هذا فلا يحل أن يطوف بثوب نجس، أو يطوف وهو متنجِّس البدن، بل لا بد أن يغسل النجاسة من ثوبه وبدنه.
قال في الشرح: أو محدِث، يعني: وكذلك لا يجوز أن يطوف وهو مُحْدِث حدَثًا أصغر أو أكبر، وما هو الدليل؟ الدليل حديث ابن عباس المشهور: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» (17).
الجزء: 1 - الصفحة: 3918
لكن جزم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما هو موقوف عن ابن عباس من قوله.
فإذا قال قائل: وقول ابن عباس ألَّا يكون حجة؟ لأنه إما مرفوعًا وإما موقوفًا؛ إن كان مرفوعًا فهو حجة لرفعه، وإن كان موقوفًا فهو حجة؛ لأنه قول صحابي؟
فالجواب: أن قول الصحابي يكون في حكم الرفع إذا كان ليس فيه مجال للاجتهاد.
طالب: أحسن الله إليك، استدل ( ... ) بقصة عبد الرحمن بن أبي بكر مع عائشة بأنه بالقياس إذا أرادوا أن يخرجوا أيضًا يخرجون من الحل، مع أن ظاهر القصة أنه للحاجة، فلماذا يا شيخ لا نقول بجواز للقارِن أن يشتري الْهَدْي من مكة، ولا يلزمه أن يسوقه بقصة علي بن أبي طالب لما رجع من اليمن وهو لم يَسُق الهدي، الهدي وُجِدَ مع النبي صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: لا، هو معه هدي.
طالب آخر: السؤال يا شيخ.
الشيخ: السؤال يقول: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يَسُق الهدي، فلماذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم ألَّا يحل، قال: إن معي الهدي، فلا تحل؟ نقول: هو قد أتى ببعض الهدي من اليمن.
طالب: عَلِيّ؟
الشيخ: عَلِيّ، نعم.
طالب: بالنسبة للذي نوى الطواف في أثناء الطواف أحد الأشواط، يعني ما نوى أنه يكون الطواف هذا إلا يتبع غريمًا مثلًا أو شخصًا، أثناء الطواف عرضت له نية أخرى.
الشيخ: ويش النية الأخرى؟
طالب: مثلًا يتبع غريمًا أو يكلِّم شخصًا.
الشيخ: إي، لكن النية الأولى باقية لا بأس، حتى لو نوى الطواف ومتابعة الغريم فلا بأس إذا نواهما جميعًا.
طالب: شيخ، قلنا في أثناء الشرح: إن الحكمة من الاضطباع في الطواف بالبيت أن الإنسان يُظْهِر الجلَد يا شيخ، يعني إظهار الجلد في السعي من باب أولى؛ لأنه أطول وأكثر مشقة، نحن قلنا: لا يضطبع فيه، أليس ( ... )؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3919
الشيخ: أنا ما أدري هل نحن نُدَرِّس طلبة علم ولا عوَامّ، كانت قريش شمالي الكعبة ليست إلى المسعى، والمقصود من الاضطباع في الطواف هو إظهار الجلَد أمامهم والقوة والنشاط، لما رأوا الأمر هكذا لعلهم غادروا المكان، يمكن غادروا المكان، أو أنهم لا يَطَّلِعُون على أهل المسعى.
طالب: شيخ، الشاذروان ما نقول فيه ( ... )؟
الشيخ: لا، ما نقول فيه على رأي شيخ الإسلام: إذا كان أنه جُعِلَ عمادًا للبيت فقط وليس منه ما يدخل.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو نسي شوطًا ولم يتيقن إلا بعد أن سعى وحلَّ من العمرة؟
الشيخ: تريد المعتمِر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: إذا لم يعلم أنه ترك الشوط إلا بعد أن سعى وحَلَّ نقول: ارجع البس ثياب الإحرام وأَعِد الطواف من الأول، وأعد السعي وقَصِّر مرة ثانية؛ لأن ما وقع بعد الطواف مبني عليه، وقد تَبَيَّن أن الطواف لم يصح، والمبني على الفاسد فاسد.
طالب: ما نقول يعيد شوطًا واحدًا فقط؟
الشيخ: لا، نقول هذا لفوات الموالاة وتداخل العبادات.
الطالب: ولو كان قريبًا يا شيخ تذكِّره بعد السعي مباشرة؟
الشيخ: كيف يكون قريبًا وهو سعى السعي، كم مدته؟ سبعة أشواط طويلة، ثم كما قلت لك الآن: لفوات الموالاة وتداخل العبادات لا يمكن.
طالب: شيخ، قلنا في مسألة مَن لم يَنْوِ نُسُكَه عند الإحرام ما يرجع إلى ما كان في ذهنه قبل أن يصل إلى الميقات.
الشيخ: لا، هو الرجل ما نوى شيئًا أبدًا.
طالب: لا، إذا كان لديه نية قبل الميقات.
الشيخ: إذا كان لديه نية قبل الميقات ولم يفسخها.
الطالب: بس ما استحضرها.
الشيخ: أقول: ولم يفسخها.
الطالب: كيف ولم يفسخها؟
الشيخ: إي نعم ( ... ) على النية الأولى.
الطالب: لا ما ( ... ).
الشيخ: فيبنى على النية الأولى؛ لأن الأصل استصحاب الحكم.
الطالب: أقول يا شيخ: ما يقال إعادة الطواف؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني هو طاف ما استحضر النية.
الشيخ: لكن بنى على أصل لم يثبت زواله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3920
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، كثير من الناس اليوم إذا ما ( ... ) يعني يدخل في الحج ولا ينوي أي شيء، يعني العوام ما يدري هل هو مُفْرِد أو متمتِّع أو ..
الشيخ: هذا أشبه ما له الذي يقول: أحرمت بما أحرم به فلان؛ لأنه يتبع إخوانه اللي مشوا.
الطالب: لا يكون، ما يدري مثلًا ( ... ).
الشيخ: الذي نرى أن هذا يُفْتَى بأن إحرامه صحيح؛ لأنه عيَّن ما أراد إخوانه أصحابه اللي معه.
طالب: الطواف أو السعي راكبًا هل لا بد أن يكون من عذر؟
الشيخ: إي نعم، هذا فيه خلاف بين العلماء.
الطالب: الراجح؟
الشيخ: السؤال يقول: هل يجوز الطواف راكبًا أو السعي راكبًا، الركوب متعذر اليوم، لكن يمكن يكون محمولًا أو على عربية، فهذه فيها خلاف بين العلماء.
ثم يُصَلِّي رَكعتينِ خَلْفَ الْمَقامِ.
(فصلٌ) ثم يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ، ويَخْرُجُ إلى الصفا من بابِه فيَرْقَاه حتى يَرَى البيتَ ويُكَبِّرُ ثلاثًا ويَقولُ ما وَرَدَ، ثم يَنْزِلُ ماشيًا إلى العَلَمِ الأَوَّلِ، ثم يَسْعَى شديدًا إلى الآخَرِ، ثم يَمْشِي ويَرْقَى الْمَروةَ ويَقولُ ما قالَه على الصَّفَا، ثم يَنزِلُ فيَمْشِي في مَوْضِعِ مَشْيِه ويَسْعَى في مَوْضِعِ سَعْيِه إلى الصفا يَفعلُ ذلك سبعًا: ذهابُه سَعيةٌ ورُجوعُه سَعيةٌ، فإن بَدَأَ بالْمَروةِ سَقَطَ الشوطُ الأَوَّلُ، وتُسَنُّ فيهُ الطهارة والستارةُ والْمُوالاةُ، ثم إن كان مُتَمَتِّعًا لا هَدْيَ معه قَصَّرَ من شَعْرِه وتَحَلَّلَ، وإلا حَلَّ إذا حَجَّ والْمُتَمَتِّعُ إذا شَرَعَ في الطوافِ قَطَعَ التَّلبيةَ.
(بابُ صِفةِ الْحَجِّ والعُمرةِ)
يُسَنُّ للمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ الإحرامُ بالْحَجِّ يومَ الترويةِ قبلَ الزوالِ منها ويُجْزِئُ من بَقِيَّةِ الْحَرَمِ، ويَبيتُ بِمِنًى، فإذا طَلَعَت الشمسُ سارَ إلى عَرفةَ، وكُلُّها مَوْقِفٌ إلا بَطْنَ عُرَنَةَ، طالب: بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء: 1 - الصفحة: 3921
ومن ترك شيئًا من الطواف، أو لم ينوه، أو نسكه، أو طاف على الشاذروان، أو جدار الحجر، أو عريان، أو نجسًا؛ لم يصح، ثم يصلي ركعتين خلف المقام.
فصل
ثم يستلم الْحَجَر، ويخرج إلى الصفا من بابه، فيرقاه حتى يرى البيت، ويكبر ثلاثًا ويقول ما ورد، ثم ينزل ماشيًا إلى العلم الأول، ثم يسعى شديدًا إلى الآخر، ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل ذلك سبعًا: ذهابه سعيه، ورجوعه سعيه، فإذا بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، وتُسن فيه الطهارة والستارة والموالاة.
ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصَّر من شعره وتحلل، وإلا حل إذا حج، والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أنه يشترط للطواف أن ينويه، وأن يُعيِّن النسك قبله، وأنه يُشترط أن يستر عورته، وأن يكون مُتطهِّرًا من النجاسة، وأن يستوعب جميع الكعبة، ومنها الحجر، وأن يجعل البيت عن يساره.
ولم يذكر المؤلف -رحمه الله- ما إذا طاف مُحدِثًا اكتفاءً بما سبق في نواقض الوضوء، حيث قال: (ويحرم على المحدث مس المصحف، والصلاة، والطواف).
وعلى هذا فيشترط في الطواف أن يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر.
ودليل ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» (1).
وقول الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26].
وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم: أنه لا بد أن يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر، واستدلوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (2).
الجزء: 1 - الصفحة: 3922
وبقوله حين أراد أن ينفر، فقيل له: إن صفية قد حاضتْ، قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ »، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فَانْفِرُوا» (3).
وذهب شيخ الإسلام -رحمه الله- إلى أنه لا يُشترط الوضوء للطواف.
وأجاب عن هذه الأدلة بأن قوله: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» لا يصح مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن معناه لا يصح، إذ إنه قال فيه: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ»، والاستثناء عند الأصوليين معيار العموم؛ يعني أنه إذا جاء شيءٌ واستُثني منه شيءٌ دلَّ ذلك على أن بقية الصور غير المستثنى داخلة في المستثنى منه، فيكون عامًّا إلا في الصورة المستثناة.
وهذا لا يصح أن يقال: إن الطواف بالبيت صلاة في كل شيء إلا في الكلام؛ وذلك لأنه يُخالف الصلاة في أشياء كثيرة سوى الكلام، فمن ذلك أنه لا يُشترط فيه القيام، والصلاة يُشترط فيها القيام؛ يعني لو طاف يزحف فإن طوافه صحيح.
ومن ذلك أنه لا يُشترط له تكبير، والصلاة يُشترط لها تكبيرة الإحرام، ومن ذلك أنه لا يشترط له استقبال القِبلة، بل لا بد أن يكون البيت عن يساره.
وإن كان هذا قد يقول قائل: إن كونه عن يساره كاستقبال القبلة في أنه لا بد أن يكون البيت عن جهة من بدنه.
ومنها: أنه لا تشترط فيه القراءة لا الفاتحة ولا غيرها، بل لا يسن فيه أن يقرأ الفاتحة بعينها وسورةً معها.
ومنها: أنه ليس فيه ركوع ولا سجود، ولا يجب فيه تسبيحٌ بالله العظيم، أو بالله الأعلى.
ومنها: أنه يجوز فيه الأكل والشرب، والصلاة لا يجوز فيها الأكل والشرب.
ومنها: أنه لا يبطله التبسُّم (الضحك)، والصلاة يبطلها الضحك.
ومنها: أنها لا تشترط فيه الموالاة على رأي كثير من العلماء، والصلاة يشترط فيها.
الجزء: 1 - الصفحة: 3923
ولو أنك تأملت لوجدت أنه يخالف الصلاة في أكثر الأحكام، وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا بد أن يكون منضبطًا، لا ينتقض بصورة من الصور.
وأما الاستدلال بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26] فنقول: إنه لا يلزم من تطهير المسجد من الخبث أن يكون الإنسان الذي يطوف بالبيت طاهرًا من الحدث؛ لأنه لو لزم من ذلك لقلنا: يجب على الإنسان أن يتطهر لدخول المسجد الحرام، وإن لم يُرد الطواف، ولو كان كذلك أيضًا لكان مناقضًا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» (4).
وأما حديث عائشة وحديث صفية، فليس العلة عدم الطهارة، إنما العلة عدم جواز المكث في المسجد من الحائض، وهذا لا يستلزم وجوب الطهارة في الطواف؛ ولهذا كان القول الراجح أن المرأة الحائض إذا اضطرت إلى طواف الإفاضة في حال حيضها كان ذلك جائزًا، لكنها تتوقى ما يخشى منه تنجيس المسجد بأن تستثفر؛ أي: تجعل الحفاضة -كما يسمونها- على فرجها؛ لئلا يسيل الدم فيلوث المسجد.
وعليه، فالقول الراجح الذي تطمئن إليه النفس أنه لا يشترط في الطواف الطهارة من الحدث الأصغر، لكنها -بلا شك- أفضل وأكمل، وأتبع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينبغي أن يخل بها الإنسان لمخالفة جمهور العلماء في ذلك، لكن أحيانًا يضطر الإنسان إلى القول بما ذهب إليه شيخ الإسلام.
مثل: لو أحدث في أثناء طوافه في زحام شديد، فإن القول بأنه يلزمه أن يذهب ويتوضأ، ثم يأتي في هذا الزحام الشديد -ولا سيما إذا كان لم يبقَ عليه إلا بعض شوط- فيه مشقة شديدة، وما كان فيه مشقة شديدة، ولم يظهر فيه النص ظهورًا بيِّنًا، فإنه لا ينبغي أن نلزم الناس به، بل نتبع ما هو الأسهل والأيسر؛ لأن إلزام الناس بما فيه مشقة بغير دليل واضح منافٍ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
الجزء: 1 - الصفحة: 3924
فهذا هو القول الذي نذهب إليه؛ أن الطهارة من الحدث الأصغر ليست بواجبة، لكنها سُنَّة وأفصل بلا شك، ولا ينبغي للإنسان أن يفرط بها مع هذا الخلاف من أهل العلم، لكن أحيانًا يكون لا بد من القول بهذا؛ أي: بأن الطهارة ليست بشرط.
قال المؤلف: (ثُمَّ يصلي ركعتين خلْف المقام).
(ثم) أي بعد الفراغ من الطواف يُصلي ركعتين خلف المقام؛ لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وينبغي إذا تقدَّم أن يقرأ قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] كما قرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (5)، ومن أجل أن يشعر بفائدة عظيمة بيناها لكم فيما سبق، وهي أن فعله للعبادة امتثالٌ لأمر الله عز وجل حتى تتحقق بذلك الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والذل لأوامره.
وقوله: (خلف المقام) أي: مقام إبراهيم، وهو معروف، وسمي مقامًا؛ لأنه قام عليه عليه الصلاة والسلام حين ارتفع بناء الكعبة فبنى عليه.
وقد قيل: إن موضع قدميه كان بيِّنًا في هذا الحَجَر، لكن لطول السنين ولكثرة من يتمسح به الناس زال موضع القدمين.
واختلف المؤرخون: أين مكان هذا المقام في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل هو لاصقٌ بالكعبة، أو هو في مكانه الآن؟
فمنهم من قال: إنه لاصقٌ بالكعبة، وأن الذي قدمه إلى هذا المكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أجل التوسعة على الطائفين، ومنهم من قال: بل هذا مكانه.
وليس هناك عندي شيء يفصل بين القولين، فإن قوله -أي: قول جابر في حديثه الطويل المعروف: ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (6) - يحتمل أنه تقدم من منتهى الطواف -وهو الحجر- إلى مكان المقام -وهو خلف باب الكعبة- ويحتمل أنه تقدم إليه في مكانه الحاضر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3925
فإذا قلنا: إن مكانه الحاضر هو مكانه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فهل لنا فيما لو احتجنا إلى تأخيره ليتسع المطاف أن نُؤخره؟ الجواب: لا؛ لأنه توقيفي.
وإذا قلنا: إنه كان لاصقًا بالكعبة، ثم أخَّره عمر؛ فللاجتهاد في ذلك مجال، قد نقول بجواز تأخيره إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
وقوله: (يصلي ركعتين خلف المقام) ظاهر كلامه أنه لا يشترط فيهما الدنو من المقام، وأن السنة تحصل بهما، وإن كان مكانهما بعيدًا من المقام، وهو كذلك، ولكن كلما قرب من المقام فهو أفضل، إلا أنه إذا دار الأمر بين أن يصلي قريبًا من المقام مع كثرة حركته لرد المارين بين يديه، أو مع التشويش فيمن يأتي ويذهب، وبين أن يصلي بعيدًا عن المقام، لكن بطمأنينة، فأيهما أفضل؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أفضل؛ لأن ما يتعلق بذات العبادة أوْلى بالمراعاة مما يتعلق بمكانها كما سبق، وعلى هذا، فلو تأخر الإنسان إلى ما حول المسعى وصلاهما فقد أتى بالسنة.
ثم قال المؤلف: (فصل).
ولم يذكر الماتن -رحمه الله- ماذا يقرأ في هاتين الركعتين؛ لأنه مختصرٌ، لكن جاءت السنة بأنه يقرأ في الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: (قل هو الله أحد) (7)؛ لأنهما سورتا الإخلاص، فـ (قل يا أيها الكافرون) فيها إخلاص القصد، و (قل هو الله أحد) فيها إخلاص العقيدة، فالتوحيد في (قل هو الله أحد) توحيدٌ علمي عقدي، وفي (قل يا أيها الكافرون) عملي إرادي.
قال: (فصل: ثم يستلم الحجر، ويخرج إلى الصفا من بابه).
(ثم) أي: بعد الصلاة يعود، ويستلم الحجر، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (5). والظاهر أن استلام الحجر لمن أراد أن يسعى، وأما من طاف طوافًا مجردًا، ولم يُرِدْ أن يسعى فإنه لا يُسنُّ له استلامه، وهذا الاستلام للحجر كالتوديع لمن قام من مجلس، فإنه إذا أتى إلى المجلس سلَّم، وإذا غادر المجلس سلَّم.
هذا الظاهر والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3926
ولم يذكر المؤلف سوى الاستلام، وعليه فلا يُسنُّ تقبيلُه في هذه المرة، ولا الإشارة إليه، بل إن تيسر أن يستلمه فعل، وإلا انصرف من مكانه إلى المسعى.
يقول: (ويخرج إلى الصفا من بابه)
(من بابه)؛ لأنه أيسر، وكان المسجد الحرام -فيما سبق- له أبواب دون المسعى؛ يعني أن حدوده دون المسعى، وله أبواب يخرج الناس منها.
فقوله: (يخرج إلى الصفا من بابه) نعلله بأن ذلك أسهل.
(فيرقاه) أي الصفا (حتى يرى البيت).
ولم يذكر المؤلف -رحمه الله- ماذا يسن إذا قرب من الصفا؛ لأنه مختصر، ولكن يسن إذا دنا من الصفا أن يقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» (5).
وتلاوة هذه الآية كتلاوة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، أي: أن الإنسان يشعر بأنه يفعل ذلك، أيش؟
طلبة: طاعة لله.
الشيخ: طاعةً لله وامتثالًا لأمره سبحانه وتعالى.
(فيرقاه) أي: يرقى الصفا.
(حتى يرى البيت) أي: الكعبة، فيستقبلها -يستقبل الكعبة- ويرفع يديه.
(ويكبر ثلاثًا، ويقول ما ورد) يعني يقول: الله أكبر وهو رافعٌ يديه ثلاث مرات (5).
(ويقول ما ورد) ومنه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعدَهُ، ونصر عبدَهُ، وهزم الأحزاب وحده.
ثم يدعو، ثم يعيد الذِّكْر مرةً ثانيةً، ثم يدعو، ثم يعيد الذكر مرةً ثالثةً، وينزل متجهًا إلى المروة (5).
قال: (ثم ينزل ماشيًا إلى العَلَم الأول، ثم يسعى شديدًا إلى الآخر).
قوله: (ينزل ماشيًا إلى العلم الأول) (العَلَم) يعني ما جُعل علامة، وهو الشيء الشاخص البَيِّن، ومنه سُمِّي الجبل عَلَمًا، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: 32].
الجزء: 1 - الصفحة: 3927
وكان فيه عمود أخضر في هذا المكان، ولا يزال الآن العمود الأخضر، والآن زاد وضوحًا بالأنوار التي تحيط بهذا المكان.
وقوله: (إلى العلم الأول)؛ لأن هناك علمين: علمًا جنوبيًّا، وعلمًا شماليًّا، فالذي يلي الصفا جنوبي، والذي يلي المروة شمالي، فيسعى.
(ثم يسعى شديدًا إلى الآخر) (شديدًا) صفة لموصوف محذوف، والتقدير: سعيًا شديدًا، والسعي هنا بمعنى الركض، فيسعى سعيًا شديدًا بقدْر ما يستطيع، لكن بشرط ألا يتأذى أو يؤذي، فإن خافَ من الأذية عليه أو على غيره فليمشِ، ويسعى بقدر ما يتيسر له، وإنما قال: (شديدًا) لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يسعى حتى تدور به إزاره من شدة السعي (8).
فإن قال قائل: ما الحكمة؟
فالجواب: أنه في هذا المكان وادٍ؛ أي: مسيل مطر، والوادي في الغالب يكون نازلًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3928
وأصل السعي أن يتذكر الإنسان حال أم إسماعيل، فإنها رضي الله عنها خلَّفها إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي وابنها في هذا المكان، وجعل عندهما سقاءً من ماء، وجرابًا من تمر، فجعلت الأم تأكل من التمر، وتشرب من الماء، وتسقي اللبن لولدها، فنفد الماء، ونفد التمر، فجاعت وعطشت، ويبس ثديها؛ فجاع الصبي، وجعل يتلوَّى من الجوع، فأدركتها الشفقة، فرأت أقرب جبل إليها الصفا، فذهبت إلى الصفا، وجعلت تتحسس لعلها تسمع أحدًا، ولكنها لم تسمع، فنزلت إلى الاتجاه الثاني، إلى جبل المروة، ولما هبطت في بطن الوادي نزلت عن مشاهدة ابنها، فجعلت تسعى سعيًا شديدًا حتى تصعد لتتمكن من مشاهدة ابنها، وبقيت تتسمع –تتحسس- على المروة، ولم تسمع شيئًا، حتى أتمت هذا سبع مرات، ثم أحست بصوت لكن لا تدري من، فإذا هو جبريل نزل بأمر الله عز وجل، فضرب بجناحه أو برجله الأرض مكان زمزم الآن، فنبع الماء في الحال؛ ففرحت بذلك فرحًا شديدًا، وجعلت تحوش الماء -تُحجِّره- خافت أن يتسرب وينفد، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكَانَ عَيْنًا مَعِينًا»، ولكن مِن رحمة الله عز وجل أنها حجرته، لو كان عينًا معينًا لصار فيه ضيق على الناس؛ لأن هذا المكان صار مسجدًا، فلو كان عينًا معينًا يجري لكان في ذلك مشقة، ولكن من رحمة الله أنها حجَّرته حتى صار كالبئر.
المهم أنها شرِبت من هذا الماء، وصار هذا الماء شرابًا طعامًا، ودرَّت على الولد، وهيَّأ الله لها قومًا من جرهم مروا بمكة، فتعجبوا أن تكون الطيور تأوي إلى هذا المكان، وقالوا: لا يمكن أن تأوي الطيور إلى هذا المكان إلا وفيه ماء، وكانوا لا يعهدون ماءً في هذا المكان، فجاؤوا نحو هذه الجهة فوجدوا إسماعيل وأمه، فنزلوا عندهم، والقصة مطولة في صحيح البخاري (9).
الجزء: 1 - الصفحة: 3929
المهم أن هذا هو السبب في أن الناس يسعون سعيًا شديدًا إذا وصلوا هذا المكان، الآن ليس فيه وادٍ، لكن فيه علامة على مبتدأ الوادي، وهو هذا العلم الأخضر.
يقول: (ثم يمشي، ويرقى المروة، ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل ذلك سبعًا: ذهابه سعيَة، ورجوعه سعيَة)، يعني فليس السعي هنا دورةً كاملةً، بل نصف دورة، من الصفا إلى المروة سعية، ومن المروة إلى الصفا سعية أخرى.
وقول المؤلف: (يرْقَى عليه، ويرْقَى على المروة) ليس بشرط، وإنما الشرط أن تستوعب ما بينَ الجبلين، ما بين الصفا والمروة، فما هو الذي بينهما الآن؟ هل هو مبتدأ الارتفاع أو ماذا؟
نقول: الذي بينهما هو هذا الذي جُعِل مَمَرًّا للعربات، هذا هو المكان الذي يجب السعي فيه، وأما ما بعد مكان الممر فإنه من المستحب، وليس من الواجب، فلو أن الإنسان اقتصر في سعيه من حد -ممر العربات- لأجزأه؛ لأن الذين وضعوا هذه العربات وضعوها على أن منتهاها من الجنوب والشمال هو منتهى المسعى.
يقول: (فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول)، لماذا؟
لأنه يشترط أن يبدأ بالصفا، فإذا بدأ بالمروة فإنه يسقط الشوط الأول ويلغيه، كما لو بدأ بالسجود في الصلاة فإنه يسقط ولا يعتبر، فلا بد أن يبدأ بالصفا.
(فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، وتُسن فيه الطهارة) بقي أن نقول: المؤلف لم يذكر فيه اشتراط النية، فهل النية فيه شرط؟
فالجواب أن يقال: النية في السعي كالنية في الطواف، وقد سبق أن القول الراجح أنه لا يُشترط له نية، يُشترط نية في الطواف، لكن لا يشترط أن يكون لعمرة أو لحج؛ لأن النسك الذي هو فيه يُعيِّن أنه للعمرة أو للحج، كذلك نقول في السعي.
والمؤلف -رحمه الله- أتى بالسعي بعد الطواف، فهل يشترط أن يتقدمه طواف؟
الجواب: نعم يُشترط، فلو بدأ بالسعي قبل الطواف وجب عليه إعادته بعد الطواف؛ لأنه وقع في غير محله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3930
فإن قال قائل: ما تقولون فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل، فقال له رجلٌ: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: «لَا حَرَجَ» (10)؟
فالجواب: أن هذا في الحج، وليس في العمرة.
فإن قيل: ما ثبت في الحج ثبت في العمرة؛ لأن الطواف والسعي في الحج وفي العمرة كلاهما ركنٌ، فما ثبت في الحج ثبت في العمرة؟
فالجواب: أن يقال: إن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الإخلال بالترتيب في العمرة يخل بها تمامًا؛ لأن العمرة ليس فيها إلا طواف وسعي وحلْق أو تقصير، لكن الإخلال بالترتيب في الحج لا يؤثر فيه شيئًا؛ لأن الحج يُفعل فيه خمسة أنساك في يوم واحد، ولهذا لا يصح قياس العمرة على الحج في هذا الباب.
ويُذكر عن عطاء بن أبي رباح عالم مكة -رحمه الله- أنه أجاز تقديم السعي على الطواف في العمرة، وقال به بعض العلماء، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز مع النسيان أو الجهل، لا مع العلم والذكر.
ثم قال المؤلف: (وتسن فيه الطهارة)
(تُسن فيه) أي في السعي (الطهارة) من أي شيء؟
طالب: الحدث.
الشيخ: من الحدث والنجس أيضًا، ولا تُشترط الطهارة، فلو سعى مُحدِثًا، أو سعى وهو جُنُب، أو سعت المرأة وهي حائض؛ فإن ذلك مجزِئ، لكن الأفضل أن يسعى على طهارة.
(والستارة) يعني ستْر العورة، ومن المعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يسعى عريانًا عريًا كاملًا، لكن ربما يكون إزاره أو قميصه إذا كان في سعي الحج بعد التحلل الأول خفيفًا ترى من ورائه البشرة، أو يكون فيه شق -خرق- تُرى من ورائه العورة، ففي هذه الحال نقول: إن سعيه صحيح؛ لأن السترة فيه سنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3931
(والموالاة) (الموالاة) يعني أن تكون الأشواط متواليةً، وليس ذلك بشرط، فلو سعى الشوط الأول في أول النهار، وأتم في آخر النهار فسعيه صحيحٌ، لكنه خلاف السنة، ولو سعى الشوط الأول في الساعة الواحدة، والثاني في الساعة الثانية، والثالث في الساعة الثالثة، والرابع في الساعة الرابعة، والخامس في الساعة الخامسة، والسادس في الساعة السادسة، والسابع في الساعة السابعة، أي: كل ساعة يأتي بشوط؛ لكان سعيه صحيحًا؛ لأن الموالاة سُنَّة وليست بشرط، لكن المذْهَب أن الموالاة فيه شرط كالطواف.
ومن ثم صرف الشارح عبارة الماتِن إلى هذا المعنى، فقال: (تُسَنُّ الموالاة بينه وبين الطواف)، وهذا صرفٌ للعبارة عن ظاهرها، وإنما صَرَفها الشارح عن ظهرها من أجل أن تطابق المذهب؛ لأن الماتِن اشترط في خطبة الكتاب أنه على قوْل واحد، وهو الراجح في مذهب أحمد، والراجح في مذهب أحمد أن الموالاة في السعي شرط، كما أن الموالاة في الطواف شرط.
وهذا القول أصح؛ أن الموالاة شرط في السعي، كما أنها شرط في الطواف.
ويدل لهذا القول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سعى سعيًا متواليًا، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (11)، ويدل له أيضًا أن الإنسان لو فرق السعي كما صورنا قبل قليل لم يقل أحد: إنه سعى أيش؟ سبعة أشواط؛ لتفرق السعي.
نعم، لو فُرض أن الإنسان اشتد عليه الزحام فخرج ليتنفس، أو احتاج إلى بول أو غائط فخرج ليقضي حاجته، ثم رجع، فهنا نقول: لا حرج؛ لأن الموالاة هنا فاتت للضرورة، وهو حين ذهابه قلبه معلق بالمسعى، ففي هذه الحال لو قيل بذلك لكان له وجه.
أما أن يقول: سأطوف شوطًا اليوم، وشوطًا غدًا، وشوطًا بعد غد، أو شوطًا اليوم، وشوطًا بعد عشرة أيام، وشوطًا بعد عشرة أيام؛ يكون السعي كم في سبعين يومًا؟ فهذا قولٌ ضعيفٌ لا شك فيه.
يقول المؤلف رحمه الله: (ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصَّر من شعره).
الجزء: 1 - الصفحة: 3932
(إن كان) أي الساعي (متمتعًا لا هدي معه قصر من شعره)، والتقصير هنا أفضل من الحلق؛ من أجل أن يتوفر الحلق للحج.
وظاهر هذا التعليل أنه لو قدم مكة مبكرًا في شوال مثلًا، فالتقصير في حقه أفضل؛ لأنه سوف يتوفر الشعر للحلق في الحج.
طلبة: الحلق ..
الشيخ: نعم، سوف يتوفر الشعر ..
طلبة: الحلق أفضل إذا أتى في شوال.
الشيخ: نعم، إذا أتى متقدمًا فإن الحلق أفضل؛ لأنه سوف يتوفر الشعر للحلق في الحج.
ولكن اشترط المؤلف: (لا هدي معه)، فإن كان معه هدي فإنه لا يحل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (12).
وظاهر كلام المؤلف أنه يمكن أن يتمتع مع سَوْق الهدي؛ لأنه قال: (متمتعًا لا هدي معه)، ولكن كيف يمكن أن يتمتع وقد ساق الهدي، ومن ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196].
يقولون في هذه الصورة: إذا طاف وسعى أدخل الحج؛ يعني أحرم بالحج بدون تقصير، وهل يكون قارنًا في هذه الحال؟
يقولون: إنه ليس بقارِن، ولهذا يلزمونه بطواف وسعي في الحج، كما طاف وسعى في العمرة، ولو كان قارنًا لكفاه السعي الذي كان عند قدومه، وعليه، فيُلغز بهذه المسألة، يقال: لنا مُتمتِّع حرم عليه التحلل بين العمرة والحج، فما الجواب؟
طلبة: ساق الهدي.
الشيخ: الجواب: أنه مُتمتِّع ساق الهدي.
يقول: (وإلا حل إذا حج) (وإلا) كلمة (وإلا) يدخل فيها ثلاث صور:
يدخل ما إذا كان مُفْرِدًا، أو قارنًا، أو متمتعًا ساق الهدي.
(وإلا) أي بأن كان مُفْرِدًا، أو قارنًا، أو متمتعًا ساق الهدي، يقول: حل إذا حج؛ لتعذُّر الحل منه قبل أن يبلغ الهدي محله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3933
ثم قال المؤلف: (والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية) المتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية؛ لأنه شرع في الركن المقصود، ووصل إلى مقصوده، والتلبية إنما تكون قبل الوصول إلى المقصود، فإذا وصل إلى المقصود فلا حاجة إلى التلبية، فإذا شرع في الطواف فإنه يقطع التلبية.
وقيل: إن المتمتع يقطع التلبية إذا دخل حدود الحرم؛ لأن الحرم مقصوده وقد وصل إليه.
وقيل: إذا رأى البيت، ولكن المذهب في هذا أصح؛ أنه إذا شرع في الطواف يقطع التلبية.
وعُلِم من قوله: (والمتمتع) أن الْمُفْرِد والقارِن لا يقطعان التلبية، متى يقطعانها؟ عند رمي جمرة العقبة يوم العيد؛ لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يزل يُلبي حتى رمى جمرة العقبة (13)؛ لأنه برميه جمرة العقبة شرع فيما يحصل به التحلل، وهو الرمي، والله أعلم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- المقدم فيما إذا قدم لو أراد ألا يطوف طواف القدوم، وأراد أن يسعى سعي الحج وحده، هل له ذلك؟
الشيخ: ليس له ذلك.
الطالب: كيف ذلك مع قولنا قبل قليل: بأنه في الحج يجوز له أن يقدم السعي على الطواف؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والطواف هنا ليس بواجب، إنما هو سُنَّة.
الشيخ: إي نعم، طواف الإفاضة، والسعي لا بد أن يكون بعد طواف النسك، وهنا ما قدَّم النسك.
الطالب: شرح ( ... ).
الشيخ: إي نعم، السعي -سعي الحج- لا بد أن يكون يعني بعد طواف الإفاضة أو معه، وهنا ما جاء وقت طواف الإفاضة، طواف الإفاضة ما يأتي إلا إذا رجع من عرفة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
الطالب: لكن طواف القدوم سُنَّة يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أنه سُنَّة، لكن ما فعله، لو فعله لصح أن يأتي بالسعي بعده؛ لأنه طاف طواف نسك، أما الآن ما طاف طواف نُسك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3934
ولهذا لم يُرخِّص الرسول عليه الصلاة والسلام لعائشة أن تسعى؛ لأنها لم تطُف، ولا يمكن أن تسعى قبل طواف النسك.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في رسالة للشيخ المعلمي قدم لها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في جواز نقل المقام من مكانٍ لمكان، وأثبت أن المقام الموجود أنه في عهد الدولة السعودية نقل من مكانه؛ لأن الآن موجود ما هو مكانه حتى في عهد الدولة السعودية.
الشيخ: لا، السعودية ما نقلته.
الطالب: الشيخ محمد بن إبراهيم قدمه وقال ..
الشيخ: إي، المؤرخون اختلفوا في ذلك؛ منهم من قال: إنه منقول، وإنه كان لاصقًا بالبيت في الأول، ومنهم من قال: هذا مكانه من الأصل.
الطالب: لكن ذكر ..
الشيخ: وذكرنا أن قوله: (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم) ظاهره أنه في مكانه الآن، مع احتمال أن يكون معنى (تقدم) يعني لما انتهى طوافه آخر شوط تقدم إلى المقام؛ لأنه من وراء الباب.
الطالب: ( ... ) طُلب منه أن يبحث في هذا، فلما بحث وأثبت ذلك قدم له الشيخ محمد بن إبراهيم، وأجازه ( ... ).
الشيخ: على كل حال، ما حصل من هذا شيء.
الطالب: ما حصل؟
الشيخ: أبدًا، ما أفهم.
طالب: بالنسبة لمن لم يستطع استلام الحجر بعد صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم، هل يسن له أن يرجع حتى يحاذي الخط، ثم ينطلق إلى الصفا.
الشيخ: يعني من لم يستطع الاستلام يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: استلام الحجر بعد صلاة الركعتين.
لا، إذا علم أنه لن يستطيع لا حاجة أن يرجع.
الطالب: يستلمه يا شيخ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني ما يرجع؟
الشيخ: ما يرجع؛ لأنه ليس فيه إشارة حتى نقول: ارجع وأشِر، ينصرف من المكان الذي صلَّى فيه إلى المسعى.
الطالب: وإذا استطاع الاستلام يا شيخ يطوف ويستلم أم؟
الشيخ: لا، أبدًا، يتقدم إلى الحجر ويستلم وينصرف.
هذا يقول: هو لو خرج الحاج بعد أداء العمرة، وهو متمتع إلى القصيم مثلًا، فهل يلزمه طواف الوداع أو طواف القدوم إن ذهب ورجع؟ أفيدونا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3935
هل القصيم بلده؟ إن كانت بلده فإنه لا يخرج حتى يُودِّع، وإن لم تكن بلده فالأحوط أن يُودِّع وليس بلازم؛ لأنه لم يُنهِ سفره، وإذا رجع فإنه إن كان بلده فلا يرجع إلا مُحرِمًا من الميقات؛ إما بعمرة، وإما بحج، وإن لم تكن بلده فلا يلزمه أن يحرم؛ وذلك لأنه ما زال في سفره.
طالب: السؤال يا شيخ.
الشيخ: السؤال: لو خرج الحاج بعد أداء العمرة وهو متمتع إلى القصيم مثلًا، فهل يلزمه طواف الوداع أو طواف القدوم إن ذهب ورجع؟
سؤال ثان: لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لِعَلِي: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ» (14) مع أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتحلل إلا من ساق الهدي، وكذلك قوله: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ» (15)؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشرك عليًّا في هديه، فإن عليًّا من آل البيت، وهو أفضل آل البيت.
طالب: يعني نوى له أن.
الشيخ: إي نعم، أشركه فيه.
يقول: نقل بعض طلبة العلم عن الشيخ عبد العزيز بن باز أنه قال للجنة التي نصبت نفسها، قال لها: امضوا على ما أنتم عليه، فإنكم اجتهدتم، ونحن رددنا عليكم باجتهاد، والاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، فما صحة هذا؟
هذا باطل، وكذب على الشيخ، الشيخ أنكر هذا إنكارًا عظيمًا، وصياغة البيان الخارج هو الذي صاغه بالتعاون مع الهيئة.
أبدًا، هو ينكر هذا، ولا يمكن أن يقول هذا الكلام، ثم إني أرى أنا بعد أن صدر من هيئة كبار العلماء مثل هذا ألا يتكلم أحد بما يناقضه وإن كان رأيه يخالف رأي العلماء، رأي الهيئة؛ لأن هذا يؤدي إلى عدم الثقة بالهيئة، وهذا له خطره العظيم؛ لأنها إذا نُزعت الثقة من كبار علماء البلد ومن أمراء البلد؛ صارت الفوضى، فالذي أرى أنه لا أحد يتكلم؛ يعني لا ينبغي أن يتكلم أحد، حتى وإن خالف رأيه فلا يتكلم علنًا بما يخالف هذا البيان، أما فيما بينه وبين أحد من الناس، يعني يخاطب ويبحث معه فلكلٍّ رأي.
الجزء: 1 - الصفحة: 3936
هذا يقول: إذا لم يستلم الحجر، ما هو الدليل على الإشارة؟
الدليل على الإشارة: أنه ثبت في الصحيح -صحيح مسلم (16) - أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشير إليه بيده ويُكبِّر.
وأما حديث عمر يقول: مع أن ظاهر حديث عمر أنه كان لا يشير، حيث قال: «وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ، وَهَلِّلْ، وَكَبِّرْ» (17).
نقول: هذا الحديث أولًا: بعض العلماء ضعَّفه.
وثانيًا: يُقال في الجواب عنه: أن الإشارة ليست واجبة، هذا من رحمة الله.
يقول: هل بين الطواف والسعي وجوب ترتيب، أم لا؟ فإن لم يكن فكيف نقول: إن فساد الطواف إن طاف أولًا مستلزمٌ لئلا يصح السعي، مع أن هذا لا يوجد إلا في المرتبين؟
السؤال مفهوم؟
طلبة: لا.
الشيخ: يعني هل يُشترط أن يكون السعي بعد الطواف -هذا معنى الترتيب- أو لا يشترط؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، بس السؤال جاء قبل أن نتكلم عليه.
نقول: العمرة لا بد مع الترتيب، أما الحج فالصحيح أنه لا يشترط.
طالب: النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن لعائشة بالسعي قبل الطواف.
الشيخ: نعم.
طالب: ما فهمنا هذا.
الشيخ: ما فهمتموها.
عائشة -رضي الله عنها- حاضت -هي أحرمت بعمرة- وحاضت قبل أن تصل مكة بسرف، فأمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تفعل ما يفعله الحاج غير ألا تطوف بالبيت، ولم يأذن لها بالسعي، فلما طهرت طافت وسعت، وقال لها: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (18).
على أنه في الموطأ (19) لمالك قال لها: «عَلَى أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ»، واضح؟
يقول: قلنا إن زيادة: «وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ» في السعي بين العلمين ليس لها أصل، ويقول صاحب الروض: قال أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد-: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم، واعفُ عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم (20).
أقول: هذه يحتاج إلى إثباتها.
طالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3937
الشيخ: بالسند.
طالب: لا.
الشيخ: وعلى كل حال، إذا ثبت عن ابن مسعود فيكون الاقتداء به سائغًا.
يقول: إنه يحدث في زحام الحاج مرور النساء أمام المصلي، فما حكم ذلك في الحرم المكي، وفي الحرم المدني؟
هذا لا شك أنه من الأمور المشكلة، مشكل، لكن إذا كان منع المار يؤدي إلى فساد الصلاة لكثرة الحركة فإنه لا يمنعه، وإن كان لا يؤدي إلى ذلك فليمنع.
طالب: مسألة المرأة يا شيخ، المرأة.
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما يقدر يمنعها.
الشيخ: كيف؟
طالب: يتعذر ( ... )، يتعذر المنع عليه.
الشيخ: يتعذر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يمكن يتعذر إن صلى في هذا المكان، لكن ألا يمكن أن يصلي في مكان آخر؟
طالب: سجد مثلًا.
طالب آخر: الناس أكثر من المكان يا شيخ ( ... ).
الشيخ: العلماء يقولون: إذا خاف بمدافعته بطلان صلاته بكثرة العمل فإنه لا يدافع.
طلبة: المرأة يا شيخ، مُر النساء يا شيخ.
طالب: النساء مرت.
الشيخ: حتى النساء، إي نعم، الرجل ما فيه إشكال كثير.
طالب: قد يخرجن مباشرةً فجأة عند إقامة الصلاة وفي أثناء الزحام تجد مجموعة من النساء ..
الشيخ: هو -بارك الله فيك- إذا كان خلف الإمام فإن المرأة لا تضر ولو مرت.
طالب: ما تقطع الصلاة.
الشيخ: ما تقطع الصلاة، لو مرت بين الصفوف.
يقول: ذكرنا أن استلام الحجر بعد ركعتي الطواف للوداع، فما الفرق بين الطواف الذي بعده سعي أو لا وقد قلنا: إن الاستلام المذكور يكون إذا كان بعد الطواف سعي؟
نحن ما جزمنا بهذا، قلنا: لعل هذا هو السبب، ليس بجزم، والله أعلم.
وعلى كل حال، لاحظوا: أننا إذا ذكرنا حكمة أو عِلَّة في فعل، فهذا بالنسبة لفعل الرسول عليه الصلاة والسلام، أما بالنسبة لفعلنا نحن فالعلة الاتباع.
طالب: فالآن الاستلام مسنون بعد ( ... ).
الشيخ: لا، إذا كان بعده سعي فقط، لأنه ما ورد إلا بهذا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3938
يقول: هذا رجل من أهل مكة وهو خارج مكة يقول: إن 75 % يريد الحج، هل يدخل محرمًا أم يدخل حلالًا، ثم إذا أراد الحج أحرم من مكانه في مكة؟
الجواب: ما دام عنده ولو 1% إرادة الحج فإنه لا يتجاوز الميقات إلا محرمًا، بخلاف من يقول: لا أدري هل يمكنني بعد فراغ العمل أن آتي بالحج أو لا؟
يقول: لو قطع الساعي سعيه في منتصف السعية الرابعة للحاجة -كالصلاة- فهل يعيد السعية الرابعة من أولها أم من نصفها؟
إذا قطع الشوط سواء في الطواف أو في السعي قطعًا يبيح له المواصلة فيما بعد فإنه يبدأ من المكان الذي قطعه منه، ولا يلزمه إعادة الشوط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لو النصف أو الربع أو أي شيء، حتى في الطواف مثلًا لو أُقيمت الصلاة وهو عند باب الكعبة؛ فإنه إذا فرغ من الصلاة يبتدئ من باب الكعبة، لا يلزمه أن يبتدئ من الحجر؛ لأنه لا دليل على بطلان ما سبق.
يقول: إذا سعى الحاج وصعد إلى الصفا والمروة، هل يشترط رؤية البيت؟
الجواب: لا، ليس بشرط، لكن جابر يقول: حَتَّى رَأَى البَيْت (6) يُبيِّن مقدار ارتفاعه فقط.
وإذا وصل هو وزوجته إلى العلم الأخضر، فهل يسعى شديدًا وزوجته معه؟
ماذا تقولون؟
طلبة: لا يسعى.
الشيخ: لا يسعى، لا سيما في أيام المواسم والزحام؛ لأنه لو سعى ضيعها.
ونقول في وقت المواسم والزحام: هذا إذا أمكن أن يسعى، أما مع عدم الإمكان فلا يسعى مطلقًا.
لكن هنا إشكال: إذا كان أصل سعينا بين العلمين من أجل سعي أم إسماعيل -وهي امرأة- فلماذا لا نقول: إن النساء أيضًا يسعين؟
واضح ولا ما هو بواضح؟ الإشكال؟
طالب: ليس بإشكال.
الشيخ: لا، هو فيه إشكال، لأن إذا كان أصل سعينا نحن تذكر حال امرأة سعت، فلماذا لا نقول: النساء من باب أولى أن يقتدين بها؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، الجواب من وجهين:
الأول: أن أم إسماعيل سعت وحدها، ليس معها رجال.
الجزء: 1 - الصفحة: 3939
وثانيًا: أن بعض العلماء كابن المنذر حكى الإجماع على أن المرأة لا ترمل في الطواف، ولا تسعى بين العلمين.
وحينئذٍ لا يصح القياس؛ أولًا: لأنه قياس مع الفارق، والثاني؟
طالب: مخالفة ..
الشيخ: مخالفة الإجماع، إن صح.
هذا يقول: ذكرنا أن أصل مشروعية السعي هو ما فعلته أم إسماعيل عليها السلام، فهل نقول: إن ما كان أصل مشروعيته المرأة فإنه يشرع للمرأة أن تسعى سعيًا شديدًا بين العلمين الأخضرين؟
أجبنا على ذا.
وهذه ورقة صغيرة جدًّا: لماذا قلنا: لا يدعو بعد التكبيرة الثالثة عندما يصعد الصفا؟
لأن حديث جابر قال: ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ (6)، ولم يقل: ثم دعا بعد ذلك.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟ مثل الصفا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
يقول: رجل أحرم مفردًا بحج، ثم طاف طواف القدوم، ثم أراد أن يسعى سعي الحج، وأخبروه بأن التمتع أفضل؛ فسعى بنية العمرة وقصَّر وتحلَّل، علمًا بأنه في الطواف نوى طواف القدوم، فهل عمرته صحيحة؟
الجواب: نعم، حتى لو طاف وسعى وبعد السعي قيل له: الأفضل التمتع؛ فقصَّر وحلَّ، فهذا هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلا من ساق الهدي (21).
طالب: هو نوى بعد الطواف.
الشيخ: إي، ما يضر.
من كان عنده وصايا ضحايا والمال كثير، فهل يشتري بعيرًا أو ضأنًا، علمًا أن الموصي لم يُحدد عددًا؟ وما الجواب لو حدد فما يُصنع بالمال المتبقي؟
يشتري أضحية واحدة من الضأن، والباقي يجعله في أعمال الخير إذا كانت الزيادة مستمرة كل عام، أما إذا كانت توجد عامًا وتتخلف عامًا آخر فيرصد الباقي.
طالب: فيه إشكال.
الشيخ: وهو؟
طالب: إحنا ذكرنا في الموالاة بين السعي.
الشيخ: اصبروا يا جماعة، ( ... ) على هذا السؤال.
طالب: باقٍ الزكاة يا شيخ، المال الباقي عنده.
الشيخ: لا، ما عليه زكاة؛ لأنه ليس له مالك.
رجل سعى، مثل أنه بدأ بالصفا ويرجع من المروة يعتبره شوطًا واحدًا وهو جاهل، هل يجوز سعيه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3940
إي نعم، يجوز، نأخذ منه السبعة والباقي له، يأجره الله على التعب.
مع أن ابن القيم -رحمه الله- ذكر أن بعض العلماء توهَّم في هذا، وظن أن السعي دورة كاملة، فعلى هذا يسعى؟
طلبة: أربعة عشر.
الشيخ: أربعة عشر شوطًا.
وقد اشتهر بين الطلبة أن هذا عن ابن حزم، وليس كذلك، والذي عن ابن حزم أن الرَّمَل في الأشواط الثلاثة فقط في السعي كالطواف.
وسبب وهمه -رحمه الله- أنه لم يحج، ابن حزم، والإنسان اللي ما يحج ما يتصور الحج كما يمكن.
والعجب أنه لم يحج، ويتكلم عن أحكام الحج بأحسن ما يكون من الكلام، ( ... ).
وليس بغريب على فطاحلة العلماء، فها هو شيخ الإسلام -رحمه الله- لم يتزوج، وإذا تكلم فيما يتعلق بالنساء وعِشرتهن وغير ذلك، قلت: هذا من المتزوجين.
طالب: المتمتع الذي ساق الهدي، ما الفرق بينه وبين القارِن؟
الشيخ: الفرق بينه وبين القارن؛ أن القارِن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، والمتمتع يجب عليه طوافان وسعيان.
طالب: قلنا: إن الذي يأخذ .. المريض الذي لا يرجى برؤه، مالًا ويحج به فالزيادة له -للوكيل- وإذا كانت الزيادة هذه مطردة كل سنة؟
الشيخ: لا بأس، بيعطيها الولي.
طالب: أو يأخذها له؟
الشيخ: من؟
طالب: الوكيل.
الشيخ: له، انتبهوا إلى هذه المسألة .. قلت لرجل: حُجَّ بهذا الألف، وقلت لآخر: حج من هذا الألف، فالأول له الألف كله، ولو حج بنصفه، والثاني لا يزيد على ما أنفق؛ لأني قلت له: حج من هذا الألف.
طالب: شيخ، السؤال اللي قرأته يقول: إذا اطردت الزيادة.
الشيخ: هذا في مغل الوقف.
طالب: في الوقف.
الشيخ: الوقف، إنسان أوقف وقال: يخرج من مَغَلِّه أضحية، والزيادة مطردة كل سنة، فالزيادة هذه نصرفها في وجوه الخير، ما نعطلها.
أما إذا كانت تأتي سنة وسنة ما تأتي فإننا نرصدها خوفًا من القصور في السنوات المقبلة.
طالب: الزكاة فيها يا شيخ؟
الشيخ: ما فيها زكاة.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: سمعتم سؤاله؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3941
يقول: قلنا: إن السترة في الطواف واجبة وفي السعي غير واجبة؛ لأنهم يقولون: الطواف صلاة، والرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ»، ولا قال: ولا بين الصفا والمروة، «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (22).
طالب: يرى الشيخ ابن تيمية أن هذا الحديث ضعيف.
الشيخ: لا، «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» صحيح.
طالب: لا يصح مرفوعًا.
الشيخ: هذا إنما «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» (23)، هذا اللي يضعفه مرفوعًا.
عرفت؟
وأنا قلت لكم: لا يمكن الإنسان يخلع ثيابه ويسعى بين الصفا والمروة، لكن قد يكون فيه خرق على العورة ما أحس به، أو يكون عليه إزار خفيف.
طالب: شيخ، ذكرت -حفظك الله- في الموالاة قلت: برأي المذهب أن الصحيح في اشتراط الموالاة في السعي، استدلالًا بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (11)، يا شيخ، ألا يمكن أن نفعل مثلما فعلنا أيضًا في الطواف؟ وأن ظاهر فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سعى طاهرًا.
الشيخ: نعم، إحنا نقول: أفضل.
الطالب: نشترط يا شيخ؟
الشيخ: لا؛ لأننا لم نشترط الطهارة في الطواف فضلًا عن السعي، على القول الراجح.
أما الفرق بينهما على الذين يقولون: إن الطهارة شرط في الطواف دون السعي، فالفرق هو أنهم استدلوا بالنسبة للطواف بقوله: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ».
طالب: شيخ، ( ... ) إذا انتهى من الطواف فأُقيمت الصلاة، وصلَّى الفريضة، ما تُجزئ عن الركعتين ركعتي الطواف؟
الشيخ: ما تقولون؟
طلبة: لا.
الشيخ: هل تجزئ الفريضة عن ركعتي الطواف أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: اختلف فيها العلماء، فإن قيل: المراد إيجاد صلاة بعد الطواف كتحية المسجد؛ فإنها تجزئ، وإذا قيل: إنها صلاة مستقلة مطلوبة فإنها لا تجزئ، والاحتياط أن يصلي الركعتين.
طالب: شيخ، إذا لم يصح الاستدلال بقول ابن عباس على وجوب الطهارة في الطواف، فما فائدة كلامه؟
الشيخ: كلام مَنْ؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3942
الطالب: ابن عباس.
الشيخ: هو يرى هذا الرأي، أنه يرى هذا الرأي كما يراه غيره من العلماء.
طالب: هل جهل ابن عباس ( ... ) يعني في كلامه؟
الشيخ: هذا إذن معناه على هذا التقدير يكون حتى لا يصح ولا عن ابن عباس، لكن كوننا مثلًا نقول: إن ابن عباس يخطئ، هذا وارد، أما النبي عليه الصلاة والسلام لا يخطئ بالتشريع.
طالب: الدعاء بعد الركعتين.
الشيخ: منين؟
الطالب: ركعتي الطواف.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل بعدهما دعاء؟
الشيخ: لا.
الطالب: أو في التشهد فقط.
الشيخ: أبدًا، حتى يسن تخفيفهما؛ تخفيف الركعتين خلف المقام أفضل، والحكمة من ذلك ظاهرة، لأجل أن يُخلي المكان لمن هو أحق به منه.
الطالب: لأننا نلاحظ الناس -يا شيخ- يقفون ويدعون طويلًا، بعضهم وهو جالس، أغلب الناس.
الشيخ: هذا كله من الجهل.
الآن نجد ناسًا يقفون على ما يُقال: إن هذا بئر زمزم، ويدعون دعاءً طويلًا.
وبالمناسبة قال لي بعض الناس -اليوم نحن في كلية الزراعة- قال: بعض الناس إذا فرغ من الصلاة قال لصاحبه: تقبَّل الله، حَرَمًا، فقال الثاني: تقبَّل الله، جمعًا.
طالب: ما في الكلمة الأولى: تقبَّل الله.
الشيخ: ما فيها تقبل الله؟
الطالب: حرمًا، جمعًا.
الشيخ: فسألته: ما معنى حرم وجمع؟ هل جمع يعني مزدلفة؛ لأنها تسمى جمعًا؟
قال: لا، جمعًا يعني نحن وإياك نصلي في الحرم.
إذن الصواب أن تقول: جميعًا.
طالب: على حسب الوزن يا شيخ.
الشيخ: وقال أيضًا إنه: سألونا إذا توضأ يقول: زمزمًا.
ويش معنى (زمزمًا)؟
طلبة: شربت من زمزم.
الشيخ: يعني نتوضأ من زمزم؟
طالب: شربت يعني.
الشيخ: أو نشرب.
طالب: يكون صحبة إن شاء الله.
الشيخ: صحبةً.
طالب: غالبًا تأتي من المصريين عفا الله عنهم!
طالب آخر: هذه بدعة يا شيخ؟
الشيخ: ما وردت هذه؛ لأنهم يتخذونها دائمًا، كلما شربوا، أو كلما صلوا.
طالب: دعاء يا شيخ هذا، يعني يدعو له أن يتوضأ أو يشرب من زمزم، وأن يصلي في الحرم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3943
الشيخ: بس كونها تتخذ راتبة خلف الصلاة بدون دليل ما هو صحيح.
طالب: أحسن الله إليك، عند استلام الحجر يا شيخ بعض العلماء ذكر استلام الحجر بعد الركعتين تحية للمسعى، ما توجيه هذا القول؟
الشيخ: هذا غير صحيح، كيف يحيا السعي في مكان ليس هو السعي؟ نعم، لو فُرض أنه يستلم الصفا قلنا: تحية للسعي ( ... ).
[باب صفة الحج والعمرة]
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب صفة الحج والعمرة
يُسن للمُحِلِّين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها، ويُجزئ من بقية الحرم، ويبيت بمنى، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة.
ويُسن أن يجمع بين الظهر والعصر، ويقف راكبًا عند الصخرات وجبل الرحمة، ويكثر من الدعاء بما ورد، ومن وَقَف ولو لحظةً من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهلٌ له صح حجه، وإلا فلا.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
متى يقطع المتمتع التلبية؟
سبق لنا أنه يقطعها إذا شرع في الطواف، وأن المسألة ذات خلاف بين العلماء، ولكن الراجح هو هذا؛ أنه يقطعها إذا شرع في الطواف؛ لأنه وصل إلى الغاية، وهو البيت، فقطع التلبية.
وسبق لنا أيضًا أنه يُسنُّ في السعي: الموالاة، على ما ذهب إليه الماتِن، والصحيح أن الموالاة شرْط؛ لأن السعي عبادة واحدة، لا يُمكن أن تتفرق أجزاؤه إلا لعذر.
وسبق لنا أن الموالاة بين الطواف والسعي سُنَّة وليست بواجبة، وأنه لو طاف في أول النهار وسعى في آخره، أو طاف في يوم وسعى في يوم فلا بأس.
وسبق لنا أن الأشواط السبعة لا يُشترط فيها إكمال ما بين الصفا إلى الصفا، وإنما هي من الصفا إلى المروة شوْط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 3944
وسبق لنا بيان أصل مشروعية السعي، وأنه تذكر حال أم إسماعيل، وليس المراد مجرد التذكر كما سلف، إنما المراد أن يشعر الإنسان بأنه في حالة إلى التخلص من الذنوب وإلى الفرج الذي جعله الله عز وجل لتلك المرأة.
وسبق لنا أنه إذا بدأ بالصفا سقط الشوط الأول.
طلبة: لا، بالمروة.
الشيخ: إذا بدأ بالمروة سقط الشوط الأول.
وسألنا سائل، يقول: إذا طاف وجعل من الصفا إلى الصفا شوطًا، فما الحكم؟
طلبة: صح.
الشيخ: نقول: السعي صحيح، سبعة هي المشروعة، والباقي يؤجر عليها إذا كان مجتهدًا؛ لأنه تعب فيها.
ثم قال المؤلف: (باب صفة الحج والعمرة)، وهذا الحقيقة هو المقصود بالمناسك (صفة الحج والعمرة)، يعني الكيفية التي ينبغي أن يُؤدَّى عليها الحج، وكذلك العمرة.
قال المؤلف: (يُسنُّ للمُحلِّين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية) (يُسن للمُحلِّين) فمن المحل؟
المحل هو المتمتع؛ لأنه حل من إحرامه، أو من كان من أهل مكة فإنه مُحِل؛ لأنه باقٍ في مكة حلالًا، فيسن لهم الإحرام بالحج يوم التروية، لا قبله ولا بعده.
واستثنى بعض العلماء المتمتع إذا لم يجد الهدي، فإنه يصوم السابع والثامن والتاسع، قالوا: وينبغي أن يُحرم في اليوم السابع ليكون صوم الثلاثة كلها في الحج.
ولكن هذا القول ضعيف، والصحيح أنه لا يتقدم بالإحرام عن اليوم الثامن، وما ذكروه من التعليل فإنه مقابلٌ بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (24)، ولهذا هم يُجوِّزون أن يصوم من حين أن يُحرم بأيش؟
طلبة: بالعمرة.
الشيخ: بالعمرة.
وعلى هذا، فلا وجهَ لتقديم الإحرام بالحج على اليوم الثامن، مع أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أصحابه.
وعليه، فهل يُستثنى شيءٌ على هذا القول الراجح؟ هل يُستثنى أحدٌ يُحرم قبل اليوم الثامن؟ لا، لا يُستثنى أحدٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 3945
قال: (يوم التروية) وهو اليوم الثامن، وسُمِّي بذلك؛ لأن الناس كانوا -فيما سبق- يتروون الماء فيه؛ لأن منى في ذلك الوقت ليس فيها ماء، وكذلك مزدلفة وعرفة، فهم يتأهبون بسقي الماء للحج في المشاعِر من هذا اليوم، من اليوم الثامن.
ومن اليوم الثامن إلى الثالث عشر كلها لها أسماء، فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني.
يقول: (قبل الزوال)، يعني يُسنُّ أن يُحرِم قبل الزوال.
(منها) أي من مكة.
والصواب أنه لا يُحرم من مكة، يُحرم من مكانه الذي هو نازلٌ فيه، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ من الطواف والسعي خرج بظاهر مكة في الأبطح، ونزل هناك، وأحرم الناس من هذا المكان.
وعلى هذا فنقول: يسن أن يحرم من المكان الذي هو فيه، سواء في مكة أو في غيرها.
والعجب أن بعض العلماء قال: يُسنُّ أن يحرم من تحت ميزاب الكعبة.
أين ميزاب الكعبة؟ يُصب في.
طالب: الحجر.
الشيخ: في الحجر.
وعلى هذا فنقول لمليون وخمس مئة نفر: يُسن لكم إذا كنتم مُحلِّين أن تحرموا من الحجر، تحت الميزاب.
وعلى كل حال، القائل بهذا القول مجتهد، ولم يخطر بباله أن الحجيج يبلغ هذا المبلغ، ثم إنه مخالفٌ لظاهر السنة؛ لأن الصحابة أحرموا منين؟ من الأبطح، من مكانهم.
قال: (ويُجزئ من بقية الحرم) (يجزئ) يعني الإحرام بالحج.
(من بقية الحرم)، وهل هنا مكة وحرم؟
نعم، هنا مكة، وحرم مكة القرية؛ البيوت، والحرم كل ما أدخلته حدود الحرم فهو حرم، لكن في وقتنا الآن صارت مكة خارج الحرم من جهة التنعيم؛ فإنها من جهة التنعيم خرجتْ عن الحرَم؛ لأن البيوت صارت في الحِلّ.
وعلى هذا، فهنا جاران في هذا المكان: أحدهما: يحل له أن يقطع الشجر اللي في بيته، والثاني؟
الطلبة: لا يحل.
الشيخ: لا يحل، لماذا؟ لأن الثاني داخل حدود الحرم، والأول خارج حدود الحرم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3946
يقول المؤلف: (ويُجزئ من بقية الحرم)، وفُهِم من كلامه أنه لا يجزئ الإحرام بالحج من الحِلِّ، فالحرم ميقات من في مكة في الحج، والحِلُّ ميقات من في مكة في العمرة، فكما أنه لا يجوز أن يُحرم بالعمرة من الحرَم، فكذلك لا يجوز أن يُحرِم بالحج من الحِلِّ.
هذا مفهوم كلام المؤلف، وهو أحد القولين في المسألة.
وقيل: يُجزئ أن يُحرِم مَنْ في مكة بالحج من الحِلِّ، وعلى هذا، فإذا كان نازلًا في مكة، وأحرم من عرفة فإنه يُجزئ، وهذا هو المشهور من المذهب، والماتِن مشى في هذا على خلاف المذهب.
طالب: الراجح؟
الشيخ: الراجح: أنه لا ينبغي أن يخرج من الحرم، وأن يحرم من الحرم، ولكن لو أحرم من الحِلِّ فلا بأس؛ لأنه سوف يدخل إلى الحرم.
قال: (ويَبيت بمنى): يبيت بمنى ليلة التاسع.
وعلى هذا فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كلها في منى، جمعًا بلا قَصْر.
طلبة: لا، قصرًا.
الشيخ: قصرًا بلا جمع؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يجمع في منى، وإنما جمع في عرفة، وفي مزدلفة.
قال: (ويبيت بمنى فإذا طلعت الشمس) يعني من اليوم التاسع، (سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة) (سار إلى عرفة) رأسًا؟
لا، ينزل أولًا بنمرة، ونمرة قرية قرب عرفة، وليست من عرفة، هذا النزول هل هو نزول نسك أو نزول راحة؟
المعروف عند العلماء أنه نزول نسك، ويحتمل أنه نزول راحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضُربت له القبة في نمرة (5)، ولما طُلب منه أن تُضرب له قبة في مِنى قال: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» (25)؛ لأن منى مشعر، ونمرة ليست بمشعر على هذا القول.
لكن المعروف أن النزول بها سنة، وليس من أجل الراحة، لكن ينزل بها إن تيسر.
وهي معروفة الآن، بعض الحجاج ينزلون فيها، ويحدثوننا أنهم يجدون راحةً بالغة، ولا سيما فيما سبق، لما كان الناس يحجون على الإبل، فإنهم يحتاجون إلى الراحة.
ينزل بها، إلى متى ينزل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3947
إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس ركب من نمرة إلى عرفة، ورسول الله عليه الصلاة والسلام ركب من نمرة حتى أتى بطن الوادي -بطن عرنة- فنزل في بطن الوادي.
والظاهر منه -والله أعلم- أن نزوله في بطن الوادي؛ لأن بطن الوادي في الغالب يكون رمليًّا، فيكون فيه لين وسهولة على الناس للجلوس وللصلاة.
نزل -عليه الصلاة والسلام- في بطن الوادي، ثم خطب الناس خُطبةً بليغةً قرر فيها قواعد الإسلام وشيئًا كثيرًا من أحكامه (5).
وأعلن في تلك الخطبة أن ربا الجاهلية موضوع، وأن أول ربا يضعه ربا العباس بن عبد المطلب؛ لأنه عمه.
وفي هذا دليل على أن الربا الثابت في ذِمم الناس يجب وضعه، ولا يجوز أخذه، حتى وإن عُقد قبل الإسلام فإنه يجب وضعه، ولا يجوز أخذُه، أما ما قُبض من قبل من الرِّبا، وأتى الإنسان موعظةٌ من الله فإنه له، لكن ما بقي في ذمم الناس فإنه لا تتم التوبة منه إلا إذا تركه ولم يقبضه.
وتأمل قول الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الموقف العظيم، قال: «أَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ» (5)؛ لأنه قريبه، والحاكم لا يُحابي أقاربه في حُكم الله، بل يبدأ بهم قبل الناس، حتى يُعلم أنه ليس عنده محاباة في دِين الله.
كان عمر رضي الله عنه إذا منع الناس من شيء جمع أهله وأقاربه، وقال لهم: إن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وإني أمرت بكذا أو نهيت عن كذا، فلا أجد أحدًا منكم خالف إلا ضاعفت عليه العقوبة (26) رضي الله عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3948
والنبي عليه الصلاة والسلام قال في هذا الموقف العظيم والمجمع الكبير: «أَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ مِنْ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، وقال في موضع آخر: «وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (27)، أقسم -وهو الصادق البار بلا قسم- أنه لو سرقت فاطمة بنت محمد -سيدة نساء أهل الجنة، وأشرف النساء نسبًا ما هي المخزومية فقط- لو أنها سرقت: «لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
وهنا قال: «لَقَطَعْتُ» يحتمل: لقطعت يدها مباشرةً، أو أمرت بقطع يدها.
وأيهما أبلغ؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول: يقطع يد ابنته إذا سرقت.
فالحاصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يضع للحكام منهجًا لو ساروا عليه لأفلحوا؛ أن يكون أقاربهم وحاشيتهم عندهم كسائر الناس.
خطب الناس هذه الخطبة، ثم أمر بلالًا فأذَّن، وأقام وصلى الظهر، ثم أقام وصلى العصر، ولم يُسبِّح بينهما شيئًا (5).
وفي تقديمه الخطبة على الأذان، والجمع بين الظهر والعصر دليل على أنه لم يقصد بذلك صلاة الجمعة، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأن صلاة الجمعة تكون الخطبة فيها بعد الأذان، وهنا الخطبة قبل الأذان، وإلا فإن اليوم كان هو يوم الجمعة في حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم خطب الناس، وصلى الظهر والعصر، وركب حتى أتى آخِر عرفة من الناحية الشرقية، فوقف هناك.
وكان من عادته أنه يكون في أُخريات قومه، لا يكون في المتقدمين؛ لأجل يتفقد من كان محتاجًا، لو كان موقفه في أدنى عرفة مما يلي مكة لكان يدْفع قبل الناس، لكن تأخَّر في آخر عرفة من الناحية الشرقية لهذا الغرض، والله أعلم.
وقف هناك وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (28)، فكأنه عليه الصلاة والسلام يشير إلى الأمة: ألا تكلف نفسها هذا الموقف الذي وقفه الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كل إنسان يكون في مكانه؛ لئلا يحصل الزحام والأذى، يؤذي الناس بعضهم بعضًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3949
يقول المؤلف هنا: (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة).
(كلها موقف)، وهل عرفة معلومة بالحد؟
نعم، معروفة، لها حدود معروفة تكلم عليها الأولون، والحكومة السعودية وفقها الله جعلت أعلامًا.
وكُلُّها مَوْقِفٌ إلا بَطْنَ عُرَنَةَ، وسُنَّ أن يَجْمَعَ بينَ الظُّهْرِ والعصرِ، ويَقِفَ راكبًا عندَ الصَّخَراتِ وجَبَلِ الرحمةِ ويُكْثِرُ من الدعاءِ بما وَرَدَ، ومَن وَقَفَ ولو لَحْظَةً من فَجْرِ يومِ عَرفةَ إلى فَجْرِ يومِ النحْرِ وهو أَهْلٌ له صَحَّ حَجُّه وإِلَّا فَلا ومَن وَقَف نهارًا ودَفَع قبلَ الغُروبِ ولم يَعُدْ قَبلَه فعَلَيْه دَمٌ وَمَن وَقَفَ لَيْلًا فقط فَلَا، ثم يَدفعُ بعدَ الغُروبِ إلى مُزدَلِفَةَ بسَكِينَةٍ ويُسْرِعُ في الفَجوةِ ويَجمَعُ بها بينَ العِشاءَيْنِ ويَبيتُ بها، وله الدَّفْعُ بعدَ نِصْفِ الليلِ، وقَبْلَه فيه دَمٌ، كوُصولِه إليها بعدَ الفَجْرِ لا قَبْلَه، فإذا صَلَّى الصبْحَ أتى الْمَشْعَرَ الحرامَ فَرَقَاهُ، أو يَقِفُ عندَه ويَحْمَدُ اللهَ ويُكَبِّرُه ويَقْرَأُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين، ويَدْعو حتى يُسْفِرَ، فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسرعَ رَمْيَةَ حجَرٍ
«وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (1)، فكأنه عليه الصلاة والسلام يُشير إلى الأُمَّة ألَّا تُكلِّف نفْسها هذا الموقِف الذي وَقَفَهُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم، بلْ كلُّ إنسانٍ يكون في مكانه؛ لئلَّا يَحصُل الزحامُ والأذى، يؤذي الناسُ بعضهم بعضًا.
يقول المؤلف هنا: (فإذا طَلَعَتِ الشمسُ سار إلى عَرَفَةَ، وكلُّها موقفٌ إلا بطْنَ عُرَنَةَ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3950
(كلُّها موقف) وهلْ عرفة معلومةٌ بالحدِّ؟ نعم، معروفة، لها حدودٌ معروفةٌ تكلَّم عليها الأوَّلون، والحكومة السعودية -وفقها الله- جعلتْ علامةً بعد التحرِّي والضبط، جعلتْ أعلامًا عليها، وفي السنوات الأخيرة لَمَّا كَثُرَ مخالفةُ الناسِ في الموقف ووقوفُهم خارجَ حدودِ عَرَفَةَ جعلت العلامات واضحةً بيِّنةً كبيرةً.
يقول: (كلُّها موقِفٌ إلا بطْنَ عُرَنَةَ)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» (2). وظاهر كلام المؤلف أنَّ بطْن عُرَنة -وهو بطْن الوادي- أنه من عرفة، وجْهُ ذلك استثناؤه منها؛ لأنه لو لم يكن من عرفة ما احتيجَ إلى استثنائه، وعليه فنقول: بطْنُ عُرَنة من عرفة، ولكنْ مع ذلك لا يجوز الوقوفُ به، ولهذا قال: (كلُّها موقِفٌ إلا بطْنَ عُرَنة)، لو وَقَفَ في الوادي ودَفَعَ منه فحجُّه غير صحيح؛ لأن هذا ليس مِن عرفة شرعًا وإنْ كان منها تاريخيًّا.
قال: (ويُسَنُّ أنْ يجمعَ بين الظُّهرِ والعصرِ).
يُسَنُّ أن يجمع بين الظهر والعصر تقديمًا أو تأخيرًا؟
طلبة: تقديمًا.
الشيخ: تقديمًا، وعُلِم من قوله: (يُسَنُّ) أنه لو لم يجمع بينهما فلا حرج، فهُما صحيحتانِ، ولكن السُّنة الجمعُ.
لماذا كانت السُّنة الجمع مع أن الناس نازلون، والمسافر النازل لا يُسَنُّ له أن يجمع؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3951
الجواب على هذا أن يقال: إنما جَمَعَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في عرفة بين الظهر والعصر (3) لاجتماع الناس؛ لأنهم لو تفرَّقوا بعد صلاة الظهر ما اجتمعوا هذا الجمع الكبير، والجمعُ لأجْل تحصيلِ الجماعةِ مشروعٌ كما يُشرع في أيام المطر؛ يُشرع في أيام المطر المؤذي الجمعُ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من أجْل تحصيل الجماعة، وإلَّا فبالإمكان أنْ يُصَلِّي الظهر ويُقال للناس صلُّوا العصر في رِحالكم، أو يصلِّي المغرب ويُقال للناس صلُّوا العِشاء في رِحالكم، لكن اجتماع الناس على العبادة له شأنٌ كبيرٌ ومراعاةٌ في الشريعة الإسلامية.
هنا يقول: (يُسَنُّ أنْ يجمعَ بين الظهر والعصر، وأنْ يقِفَ راكبًا مستقبِلَ القِبْلةِ عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة).
(أنْ يقِفَ راكبًا)؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَقَفَ على بعيرِهِ راكبًا رافعًا يديه يدعو اللهَ عز وجل، ولَمَّا انفلتَ الزِّمام أخذه بإحدى يديه وهو رافعٌ الأُخرى، وَقَفَ راكبًا (4) وعلى هذا فيُسَنُّ أنْ يقِفَ الإنسانُ راكبًا.
كيف يقِفُ راكبًا؟
المراد بالوقوف هنا الْمُكْثُ، لا الوقوفُ على القدمين؛ فالقاعد يُعتبر واقفًا، ومعلومٌ أنَّ الراكب على البعيرِ جالسٌ عليها، ليس واقفًا عليها، بلْ هو جالسٌ.
وهذه المسألة مختلَفٌ فيها هل الأفضل أنْ يقِفَ راكبًا أو أنْ يقِفَ غيرَ راكبٍ؛ منهم مَنْ يقول: الأفضل أنْ يقِفَ راكبًا؛ لأن ذلك فِعْلُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبناءً على هذا يُسَنُّ لنا أنْ نقِفَ من بعد صلاة الظهر والعصر جمْع تقديمٍ إلى الغروب في السيَّارات؛ نركبُ في السيارات ونبقى فيها إلى الانصراف؛ لأن هذا هو الركوبُ، كلُّ شيءٍ بحسبه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3952
ولو قال قائلٌ: الأفضلُ راكبًا، إلَّا إذا كان وُقوفه على الأرض أخشعَ له وأَحْضرَ لقَلْبه فإنه يكون على الأرض، وهذا لا يُنافي القواعد الشرعية؛ لأن من القواعد ما قرَّرْناه ونُقَرِّره أنَّ الكمالَ الذاتيَّ للعبادة أَوْلى بالمراعاة من الكمال في المكان، وعليه فنقول: إنْ كان الأخشع لك والأحضر لقَلْبك أنْ تقِفَ في السيارة فافعلْ، وإلَّا ففي الأرض.
(ويقِف عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة)، وهي صخراتٌ معروفةٌ لا تزالُ إلى الآن موجودة، لكن الآن كانتْ مزارات للناس في غير موسم الحج، للبسطاء من الناس يذهب يزورها وحولها إبل مشدودة، يأتي الإنسان ويركب على البعير المشدودة عند الصخرات ثم تُلتقط له صورة فيذهب بها إلى بلده ويقول هذه صورتي عند جبل عرفات كل هذا من أجْل الدنيا من أجْل أن يحشو دراهم مِن ها البسطاء.
يقول: (يقِف راكبًا عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة).
(جبل الرحمة)، ويُقال له: جبل الدعاء، والمناسبةُ ظاهرةٌ أنَّ هذا المكان -أعني عرفة كلَّها- موطنُ رحمةٍ وموطنُ دعاء، ولكنه ليس معروفًا بهذا الاسم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن العلماء -رحمهم الله- جعلوا له لهذه المناسبةِ هذا الاسم: جبل الرحمة، أو: جبل الدعاء.
وقول المؤلف: (يقِف راكبًا عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة) لم يُبَيِّن أين يكون اتجاهُهُ، ولكن نقول: يكون اتجاهُهُ إلى القِبْلة؛ لأن كلَّ العبادات الأفضلُ أنْ تستقبِلَ بها القِبلة، إلَّا ما قام الدليلُ على خِلافه؛ كما قال ابن مفلحٍ -رحمه لله- في الفروع لَمَّا ذكر بعضُ العلماء أنَّه يُشرع أنْ يستقبِلَ القِبلة حالَ الوضوءِ، قال: وهو متوجِّهٌ في كلِّ طاعةٍ إلَّا بدليل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3953
ولا شكَّ أنه في الدعاء ينبغي أنْ يستقبِلَ الإنسانُ القِبلة، أمَّا في الوضوء وشِبْهه ففي النفْس من هذا شيءٌ؛ يعني كونُنا نقول لإنسانٍ: إذا أردتَ أن تتوضأ فاستقْبِل القِبلة، هذا يحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ؛ لأن الظاهر مِن حال الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّه لا يتعمَّد ذلك.
المهمُّ أنه يستقبل القِبلة.
ماذا تكون الحالُ لو كان إذا استقبلَ القِبلةَ صار الجبلُ خَلْفه أو صار عن يمينه أو شِماله؟ لا يضُرُّ؟
طلبة: لا يضُرُّ.
الشيخ: لا يضُرُّ، حتى لو كان الجبلُ خَلْف ظَهْرِك لا يضُرُّ؛ لأن الكعبة أفضل من الجبل، وعند العامَّةِ تستقبل الجبلَ، ولكن هذا ناتجٌ عن الجهل، وعلى طلبةِ العلم أنْ يُبَيِّنوا للناس أنَّ المشروعَ استقبالُ القِبْلة.
(ويُكثِرُ الدعاءَ).
بقي علينا أنْ نقول: نرى الناسَ في يوم عرفة يصعدون هذا الجبلَ، فهلْ صُعوده مشروعٌ أو ممنوعٌ أو جائزٌ أمْ ماذا؟
نقول: أمَّا مَن صعده تعبُّدًا فصُعوده ممنوعٌ؛ لأنه يكون أتى ببدعةٍ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وأمَّا من صعده تفرُّجًا فهذا جائزٌ ما لم يكنْ قدوةً يقتدي به الناسُ فيكون أيش؟
طلبة: ممنوعًا.
الشيخ: يكون ممنوعًا، وأمَّا من صعده إرشادًا للجُهَّال فصُعوده؟
طلبة: مشروع.
الشيخ: مشروعٌ أو واجبٌ حسب الحال؛ لأننا نسمعُ أنَّ بعض الجهَّالِ إذا صعد الجبلَ هذا كتب به كتابات، ويضع فيه خِرَقًا وأشياءَ مُنكَرة، فإذا ذهبَ طالبُ علمٍ يُرشد الناسَ ويقول: هذا مبتدَعٌ وهذا لا ينبغي، فهذا طيِّبٌ.
نقول: إنه مشروعٌ إمَّا وُجوبًا وإمَّا استحبابًا.
يقول: (ويُكثِر الدعاءَ) عندي (مِمَّا وَرَدَ)، كذا عندكم؟
طلبة: (بما وردَ).
طلبة آخرون: (مِمَّا وردَ).
الشيخ: (بما) ولَّا (ومِمَّا)؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: اختلطت الأصوات عليَّ، الآن ما أدري ويش اللي عندكم؟
الطلبة: (بما ورد) .. (مما ورد).
طالب: هذه وهذه ( ... ).
طالب: أنا عندي ( ... ).
الشيخ: إي، طيب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3954
طالب: ( ... ) الدعاء.
الشيخ: أنا حافظه: (ويُكثِر الدعاءَ ومِمَّا وَرَدَ)؛ يعني (مِن) هنا للجنس؛ يعني يكون دعاؤه مِمَّا وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يُكثر الدعاءَ بما يريد ومِمَّا وَرَدَ، أو يُكثر الدعاءَ بما وَرَدَ؛ أي: بالذي وَرَدَ، والمعنى متقارِبٌ، المهم أنَّه ينبغي للإنسانِ أنْ يُكثر من الدعاء ومن الذِّكر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (5).
فإنْ قال قائل: الوقت طويلٌ، ولا سيَّما في أيام الصيف، وربما يَلْحق الإنسانَ مللٌ؛ لأنه لو بقي يدعو من صلاة الظُّهر -يعني جمْع تقديم- إلى الغروب لَحِقَه المللُ، فهل اشتغاله بغير الدعاء والذِّكر جائز؟
نقول: نعم، وربما يكون مطلوبًا إذا كان وسيلةً للنشاط، والإنسانُ بَشَرٌ يَلْحقه المللُ، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم لا نَصِل إليه أو لا نكون مِثْله ولا قريبًا منه بالنسبة لتحمُّله للعبادة؛ فقد كان يقوم في الليل حتى تتورَّم قدماه وتتفطَّر قدماه عليه الصلاة والسلام (6)، ونحن لا نُطيق هذا.
على أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام خطبَ بعد الزوال، وليس بعد الزوال مباشرةً؛ لأنه لَمَّا زالت الشمسُ كان في نَمِرة، فأَمَر بناقته فرُحِلَتْ له، ثم سار على الإبل حتى أتى بطْنَ الوادي ونَزَلَ وخَطَبَ الناسَ خُطبةً طويلةً مفيدةً، ثم أَمَر بلالًا فأذَّنَ ثم أقامَ، فصلَّى الظهر ثم العصر، ثم ركبَ حتى أتى الموقِف (3)، والموقف من بطنِ عُرَنة طويلٌ بعيدٌ، في ظَنِّي والعِلم عند الله أنَّه سيكون المدة ساعتين أو قريبًا من ذلك بعد الزوال، ثم وقف هناك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3955
على كلِّ حالٍ المهمُّ بالنسبة لنا الآن إذا لَحِقَ الإنسانَ مللٌ فلا حرجَ أنْ يستريح إمَّا بنومٍ أو بقُرآنٍ أو بمذاكرةٍ مع إخوانه أو بِمُدارسةِ القرآنِ أو في أحاديث تتعلَّق بالرحمةِ والرجاءِ والبعثِ والنشورِ وأحوالِ الآخرةِ حتى يلينَ قلبُه ويرقَّ قلبُه، والإنسانُ طبيبُ نفْسِهِ في هذا المكان، لكنْ ينبغي أنْ يغتنمَ آخِرَ النهارِ بالدعاء أخِرَ النهارِ، ينبغي أنْ يغتنمه بالدعاء ويتفرَّغ له تفرُّغًا كاملًا.
وهنا نسأل: هل الأفضل أن يدعو كلُّ واحدٍ مِنَّا لنفسه أو أن نجعل لنا إمامًا يدعو بنا؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، كلُّ إنسانٍ يدعو لنفسه، لكنْ لو جاءك إنسانٌ وقال: ادعُ اللهَ لنا.
ورأيتَ منه التشوُّفَ أنْ تدعو له -ما هو له تقول: اللهم اغفِر له.
لا، تدعو له مِثل أنْ تصلِّي له؛ يعني تدعو وهو يؤمِّن- فإنَّه لا بأسَ في هذا الحال تطييبًا لقَلْبه، وربما يكون فيه خشوعٌ أيضًا إذا شَعَرَ الإنسانُ بالناس كلِّهم يلتفُّون حوله ويؤَمِّنون على دعائه، وربما يكون بعضُهم قريبَ الخشوعِ يَخْشع ويَبْكي فيُخَشِّع الناسَ، هذا لا بأس به فيما يظهر لي.
طالب: الدليل يا شيخ؟ الدليل على هذا؟
الشيخ: الدليل أنَّه ما فيه منع، وهذا يحصُل أحيانًا من الصحابة؛ يطلبون من الرسول أنْ يدعو لهم.
طالب: ( ... ) الموقف ما ( ... ).
الشيخ: لا، في هذا الموقف ما أعلم أنَّه دعا بالناس، ولهذا نقول: الأفضل أنْ يدعو كلُّ إنسانٍ لنفسه.
يقول: (ويُكثر من الدعاء ومما وردَ.
ومَنْ وقفَ ولو لحظةً مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر وهو أهلٌ له صَحَّ حجُّه).
(مَنْ وقفَ) (مَنْ) هذه اسم شَرْط، فهلْ يعُمُّ كلَّ واقفٍ أو يخصُّ مَنْ كان مُحرِمًا بحجٍّ؟ أيهما؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني لا شك، ولهذا لو وقف بعرفة ولم يُحرِم إلَّا بعد أنْ غادَرَها لم ينفعه الوقوف.
الجزء: 1 - الصفحة: 3956
(مَنْ وقفَ) محرمًا (بعرفة ولو لحظةً).
قوله: (ولو لحظة) يحتمِل أنه إشارة خلافٍ، ويحتمِل أنه للمبالغة وأنه لو وقفَ ولو أدنى وقفةٍ، وهذا الأقرب.
(مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر) أفادنا المؤلف -رحمه الله- أنَّ وقت الوقوفِ من فجر يوم عرفة، وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد، وجمهور العلماء على خلافه؛ على أنَّ وقت الوقوفِ من الزوال.
حُجَّة الإمام أحمد -رحمه الله- حديثُ عُروة بنِ الْمُضَرِّس أنَّه وافَى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم في مزدلفة لصلاةِ الصبح، وأخبره ما صَنَعَ وأنَّه أَتْعَبَ نفْسَه وأَكَلَّ راحِلتَه ولَمْ يَدَعْ جبلًا إلَّا وقفَ عنده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (7). فالشاهد قوله: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»، ولم يقيِّده بما بعد الزوال، هذا ما استدلَّ به الإمام أحمد -رحمه الله- في المشهور عنه.
أمَّا جمهور العلماء -وهو رواية عن أحمد- فإنَّ وقت الوقوفِ يكون مِن زوال الشمس، ويحتجُّون لذلك بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقِفْ قبل الزوالِ، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (8)، وعليه فيُحمَل قولُه لعروة بن المضرِّس: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»؛ أي: نهارًا مما يصِحُّ الوقوفُ فيه، فيكون مطْلقًا مقيَّدًا بالسُّنة الفعلية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شكَّ أنَّ هذا القول أَحْوط من القول بأنَّ النهار يشمل ما قبل الزوال.
يقول: (ومَنْ وقفَ ولوْ لحظةً مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر وهو أهلٌ له) أي: للحجِّ، جملة: (وهو أهلٌ) حالٌ من فاعل (وقفَ)؛ يعني: والحالُ أنه أهلٌ للحج.
فمَنْ هو الذي هو أهلٌ للحج؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3957
المسلم؛ لا شكَّ أنه لا بُدَّ أنْ يكون مسلمًا؛ فغير المسلم ليس أهلًَا للحج، وعلى هذا فلو كان لا يُصَلِّي ووقفَ بعرفةَ وبعدَ الدفْعِ منها -وهو حاجٌّ، وقفَ بعرفةَ حاجًّا- ومَنَّ اللهُ عليه بعد الدفْعِ منها فصلَّى، فهلْ يصِحُّ حَجُّه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه حين الوقوف ليس أهلًا للحج.
الثاني: لا بدَّ أن يكون مُحرِمًا كما أشرْنا؛ لأن غير الْمُحْرِم ليس أهلًا للحج، لم يكنْ في إحرامٍ حتى يصِحَّ وقوفه.
الثالث: ألَّا يكون مجنونًا، فإنْ كان مجنونًا لم يصِحَّ وقوفه.
( ... )
إذَنْ جملة (وهو أهلٌ له) في موضع نصبٍ على الحال.
فمَنْ هو الأهل؟
أنْ يكون مسلمًا، وأنْ يكون عاقلًا، وألَّا يكون سكرانًا ولا مُغْمًى عليه، أربعةُ أوصافٍ: وصْفانِ ثُبوتيَّانِ ووصْفانِ سَلْبيَّانِ؛ أنْ يكون مسلمًا، عاقلًا، غير سكرانٍ ولا مُغْمًى عليه.
طالب: مُحرِمًا.
الشيخ: مُحرِمًا بحجٍّ، إذَنْ ثلاثةٌ ثُبوتيَّة، واثنانِ سَلْبيَّان.
كيف يكون مُغْمًى عليه؟
لنفرِضْ أنَّه حصلَ عليه حادِثٌ وهو متَّجِهٌ إلى عرفة، فأُغْمِيَ عليه قبلَ أنْ يَصِل إلى عرفة، وبقي مُغْمًى عليه حتى انصرفَ الناسُ وانصرفوا به، فنقول: هذا الرجُل لم يصِحَّ وقوفُه لأنه كان مُغْمًى عليه.
ونقول: إنَّه فاته الحجُّ، فإذا أفاقَ تحلَّل بعمرةٍ ثم قضاهُ إذا كان فَرْضًا من العام القادم.
(صَحَّ حَجُّه وإلَّا فلا) قوله: (وإلَّا) (إنْ) هذه شرطية، و (لا) نافية، وفِعْل الشرطِ محذوفٌ، وليست (إلَّا) استثنائية، بلْ هي مركَّبة مِن حرفين: من (إنْ) و (لا)، لكنْ أُدغِمت إحداهما في الأخرى، والتقدير: وإلَّا يكن الأمرُ كذلك فلا؛ أي: فلا يصِحُّ حجُّه.
لننظر (وإلَّا):
المؤلف قال: (ومَنْ وقفَ بعرفة)، يعني: وإلَّا يقفْ بعرفة.
وقوله: مِن طلوع الفَجْر إلى طلوع النَّحر.
يعني: وإلَّا يقفْ في هذه المدَّة لم يصِحَّ حجُّه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3958
المؤلف قال: (وهو أهلٌ له)، يعني: وإلَّا يكنْ أهلًا لم يصِحَّ حجُّه.
فصار الذي يدخل في قوله: (وإلَّا) ثلاثة أشياء: وإلَّا يقفْ، وإلَّا يقفْ في الزمن؛ زمنِ الوقوف، وإلَّا يقفْ وهو أهلٌ للحج.
ثم قال: (وإلَّا فلا.
ومَنْ وقفَ نهارًا ودفعَ قبلَ الغروبِ ولم يَعُدْ إليها قَبْله فعليه دمٌ، ومَنْ وقفَ ليلًا فقطْ فلا).
يقول: (مَنْ وقفَ نهارًا) ولو قبل الغروب بلحظةٍ ثم دفعَ بعد الغروبِ فحجُّه صحيحٌ، وإنْ وقفَ نهارًا ثم دفعَ قبْلَ الغروبِ نظرتَ؛ فإنْ عاد إليها قبل الغروب صحَّ حجُّه، وإن غابت الشمسُ قبل أنْ يعود صحَّ حجُّه وعليه دمٌ، لماذا؟ لأنه تَرَكَ الواجبَ وهو الوقوفُ بعرفة إلى الغروب.
وظاهِرُ قولِ المؤلف: (ولم يَعُدْ قَبْله) أنه لو عاد بَعْد الغروبِ فعليه الدمُ، مع أنَّ ما بَعْد الغروبِ وقتٌ للوقوفِ، ولهذا كان قولُ المؤلف -رحمه الله- فيه شيءٌ من مخالفةِ القواعد؛ لأنه إذا عاد بعد الغروب فهلْ عاد في وقتِ الوقوفِ أو في غير وقتِ الوقوفِ؟
طلبة: في وقت الوقوف.
الشيخ: في وقت الوقوف، فمقتضى القياسِ أنه لا شيء عليه كما لو عاد قبل الغروب، المؤلف يقول: لو دَفَعَ ثم عاد قبل الغروب فلا شيء عليه؛ لأنه عاد في وقت الوقوف، وإنْ رجع بعد الغروب فعليه دمٌ.
فإنْ قال: كيف نُلزمه بالدم مع أنه عاد في وقت الوقوف؟ ! ولهذا كان المذهب طرد هذه المسألة؛ أي إن مَن رجع قبل أنْ يطلع الفجر فليس عليه شيء؛ لأنه رجع في وقت الوقوف.
وذهبَ بعضُ العلماء أنه يَلْزمه الدمُ بمجرَّد الدفع قبل الغروبِ سواءٌ رجعَ أمْ لَمْ يرجع؛ لأنه دَفَعَ مُنْهِيًا الوقوفَ، فحصلت المخالفةُ بذلك، فلَزِمه الدمُ.
ولا شكَّ أنَّ هذا أو المذهب هو المطَّرد، أمَّا كلامُ المؤلف ففيه شيءٌ من التناقض.
الجزء: 1 - الصفحة: 3959
فالاطِّراد إذَنْ أنْ نقول: مَنْ دفعَ قبل الغروبِ لَزِمه الدمُ.
أو نقول: مَنْ دفعَ قبل الغروبِ وعادَ قبل الفَجْرِ فلا دمَ عليه.
أمَّا أنْ نقول: إنْ رجع قبل الغروب فلا دمَ عليه، وإنْ رجع بعده فعليه دمٌ.
مع قولنا بأنَّ الكُلَّ وقتٌ للوقوف؛ ففيه شيءٌ من التناقض.
ولو قيل بالقول الثالث الذي يُلْزمه الدمُ إذا دفعَ قبل الغروب مُطْلقًا، إلَّا إذا كان جاهلًا ثم نُبِّهَ فرجعَ ولو بعد الغروب فلا دم عليه، لو قيل بهذا القول لكان له وجْهٌ؛ وذلك لأنه إذا دفع قبل الغروب فقد تعمَّد المخالفةَ، فيَلْزمه الدمُ بالمخالفة، ورجوعه بعد أنْ لَزِمه الدمُ بالمخالفةِ لا يؤثِّر شيئًا، أمَّا إذا كان جاهلًا -كما لو دفعَ قبل الغروبِ ثم قيل له: إنَّ هذا لا يجوز، فقال: أستغفر الله وأتوبُ إليه، ثم رجع ولو بعد الغروب- فإنه ليس عليه دمٌ، لو قيل بهذا القولِ لكان له وجهٌ، وهو أقربُ إلى القواعدِ مما ذهب إليه المؤلف.
يقول: (ومَنْ وقفَ ليلًا فقطْ فلا) ويش معنى (فقطْ)؟ أي: دون النهار؛ بأنْ لم يأتِ إلى عرفة إلَّا بعد غروب الشمسِ، فإنه يُجزِئه؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (9).
الجزء: 1 - الصفحة: 3960
(ثم يَدْفعُ بَعْد الغروبِ إلى مُزدلفةَ بسَكِينةٍ، ويُسرِعُ في الفَجْوةِ، ويَجْمَعُ بين العِشاءينِ)؛ لأن النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم دَفَعَ بعد الغروبِ وأردفَ أسامةَ بن زيدٍ خَلْفه، ودَفَعَ صلى الله عليه وسلم بسَكِينةٍ، وقد شَنَقَ الزِّمامَ لناقته حتى إنَّ رأسها من شِدَّة الشنق لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، قد عنَّها عنًّا شديدًا، وهو يقول بيده اليُمنى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» (10). وسبحان الله! التاريخ يُعيد نفسه؛ يعني من عهد الرسول وربما من قبل أيضًا كان الناسُ إذا نَفَروا أسرعوا، وفي ذلك الوقت الإسراعُ له وجْهٌ؛ لأن الدروب وعرةٌ، والليل قد أسدلَ ظلامه، فكانوا يحرصون على السرعة من أجْل مبادرةِ الوقتِ، بل قد كانوا في الجاهلية يدفعون قبل أنْ تغرب الشمس؛ إذا صارت الشمسُ على الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال دفعوا اغتنامًا لوقتِ السفر؛ يعني الإضاءة.
قال: (ويُسرع في الفَجْوة) يعني المتَّسع؛ يعني إذا أتى متَّسعًا أسرعَ؛ لأن ذلك أرفقُ به حتى يَصِل إلى مزدلفة مبكرًا، وكان من هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم في دفْعِهِ أنَّه إذا أتى حبلًا من الحِبال أَرْخَى لناقته قليلًا من أجْل أنْ تصعد؛ لأن الناقة إذا كانتْ قد عُنَّتْ بالزمام يشقُّ عليها الصعود، فإذا أُرْخِيَ لها سَهُلَ عليها الصعود، فكان من هَدْيِهِ عليه الصلاة والسلام أنَّه إذا أتى حبلًا من الحبال أَرْخَى لها قليلًا حتى تصعد (11)، وإذا وجد فجوةً أسرع (12).
يقول: (ويجمع بين العشاءينِ) متى يجمع؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3961
إذا وصلَ إلى مزدلفة، ولا يَصِل إلى مزدلفة إذا دَفَعَ على صفةِ دفْعِ الرسول عليه الصلاة والسلام إلَّا بعد دخول وقت العِشاء، ولهذا كان جمْعُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في مزدلفةَ جمْعَ تأخيرٍ؛ لأنكم تصوَّروا أنَّه في أقصى عرفة من جهة الشرق، سيمُرُّ بجميع عرفة وهي واسعة، ويَمُرُّ بالطريق الذي بينها وبين مزدلفة، ثم إنَّه ثبت في الصحيح أنَّه عليه الصلاة والسلام نزلَ في الشِّعب -شِعب المأزِمَيْنِ- وبال، وتوضَّأ وضوءًا خفيفًا، وقال له أسامة: الصلاةَ يا رسول الله.
قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» (13). وهذا يقتضي وقتًا طويلًا، فلهذا كان وصولُه إلى مزدلفة إلى مَقَرِّه هناك بعد دخول وقت صلاةِ العِشاء بلا شك.
فإنْ قال قائل: هلْ يُسَنُّ أنْ ينزلَ الإنسانُ في أثناء الطريقِ وفي المكان الذي نزلَ فيه الرسولُ عليه الصلاة والسلام إنْ كان سار معه، ويبول ويتوضَّأ وُضوءًا خفيفًا أو لا؟
نقول: لا؛ لأنَّ هذا وقعَ اتفاقًا بمقتضى الطبيعة؛ احتاجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أنْ يبول فنزلَ فبالَ بمقتضى الطبيعة، لو أنَّه احتاجَ إلى أنْ يبول في غير هذا المكانِ لَنَزَلَ، ولو لم يحتجْ لم ينزلْ، والدليلُ على هذا أنَّه صلى الله عليه وسلم لَمَّا وصلَ إلى مزدلفة ووقفَ صلَّى المغرب قبل حَطِّ الرِّحال، ثم بَعْد صلاةِ المغرب حَطُّوا رِحالهم، ثم صلَّوا العِشاء (13)، فهذا دليلٌ على أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم نزلَ هناك لا تعبُّدًا، ولكن اتفاقًا.
قال المؤلف: (ويبيتُ بها).
لو صلَّى المغربَ والعِشاءَ في الطريقِ، فهلْ يجوزُ أو لا؟
ذهب ابنُ حزمٍ مِنْجنيقُ العربِ إلى أنَّه لو صلَّى في الطريقِ لم يُجزِئه؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأُسامة: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ».
الجزء: 1 - الصفحة: 3962
ولكن الصحيح قول الجمهور: أنَّه لو صلَّى في الطريق لأجزأه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (14).
وأمَّا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأسامة: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فوجْهُهُ ظاهرٌ؛ لأنه لو أَوْقفَ الناسَ في هذا المكان؛ لو وقفَ ليُصلِّي وقفَ الناسُ، فلو أَوْقفهم في هذا المكانِ وهُم مُشْرَئِبُّون (15) إلى أنْ يَصِلوا إلى مزدلفة لكان في ذلك مشقَّةٌ عليهم ربما لا تُحتَمل، فكان هَدْيُه عليه الصلاة والسلام هَدْيَ رِفْقٍ وتيسيرٍ، لكنْ لو أنَّ أحدًا صلى فإنَّ صلاته تصِحُّ لعموم الحديث الذي ذكرْنا: «وجُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
لكنْ ربما يجب أنْ يصلِّي في الطريق، متى؟ إذا خَشِيَ خروجَ وقتِ صلاةِ العِشاء بمنتصف الليل، فإنه يجب أنْ يصلِّي في الطريق؛ ينزل ويصلي.
فإنْ لم يُمْكنه النزول للصلاة فإنه يصلِّي ولو على السيارة إذا كان لا يُمْكنه؛ لأنه ربما يكون الخطُّ يمشي لكن مشيًا ضعيفًا لا يُمْكنه أن يَصِل إلى مزدلفة قبل منتصف الليل، وليس الخطُّ واقفًا حتى يمكن أنْ ينزل ويصلِّي ثم يركب، ففي هذا الحالِ إذا اضطُرَّ إلى أنْ يصلِّي في السيارة فلْيُصَلِّ، وعليه أنْ يأتي بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات.
قال المؤلف رحمه الله: (ويبيتُ بها).
يبيتُ بها وجوبًا أو استحبابًا؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يبيتُ بها وجوبًا؛ بدليل قوله فيما بعد: (فعَليه دمٌ) إذا لم يفعل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3963
(ويبيت بها).
واختلف العلماء رحمهم الله في البيتوتةِ في المزدلفة؛ فمنهم مَن قال: إنها سُنَّة، ومنهم مَن قال: إنها واجبٌ يُجبَر بدمٍ، ومنهم مَن قال: إن المبيتَ فيها ركنٌ كالوقوف بعرفة؛ لأن الله نصَّ عليه وقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم سوَّاها في عرفة حينما قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (1). ولكن القول الوسط لعله أحسن الأقوال: أنَّه واجبٌ يُجبَر بدمٍ، ولا يُقتصر فيه على السُّنة.
قال المؤلف: (وله الدَّفْعُ بعد نصفِ اللَّيلِ).
(له) الضمير يعود على مَن؟ على الحاجِّ مُطْلقًا؛ قويًّا كان أَمْ ضعيفًا، رجُلًا كان أَمِ امرأة.
(له الدَّفْعُ بعد نصفِ اللَّيلِ) ما الدليل؟
الدليل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أذِنَ للضَّعَفةِ أنْ يدفعوا من مزدلفة ليلًا (16)، قالوا: وإذا انتصفَ الليلُ فقد أمضى أكثرَ الليلِ في مزدلفة، وإذا أمضى أكثرَ الليلِ أجزأه.
ولكن في هذا الحكم نظرٌ لأنه لا يُطابِق الدليل، فالدليل هو أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعث الضَّعَفَةَ مِن أهله بليلٍ، وكلمة (ليل) تَصْدق على النصف الأول، والنصف الثاني، والسَّحَر، وتعيينها بما بعد النصف يحتاج إلى دليل، ومن المعلوم أننا لو أخذنا بظاهر اللفظ لقُلنا: يجوز الدفعُ قبل منتصف الليل؛ لأنه دفع بليل.
وهذا لا يقول به المؤلف رحمه الله.
الجزء: 1 - الصفحة: 3964
ثم نقول: إذا قُلنا: الواجبُ المبيتُ مُعْظمَ الليلِ، فإنَّ نصف الليلِ ليس هو مُعْظم الليل؛ لأن الناس دفعوا من عرفة بعد غروب الشمس، والمسير من عرفة إلى مزدلفة يحتاج إلى ساعةٍ ونصفٍ أو ساعتين، ومن ثَمَّ كان من فِقْه أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما أنها تنتظر، حتى إذا غاب القمرُ دفعتْ (17)، وغروب القمر يكون بعد مُضِيِّ ثُلثي الليل تقريبًا، قد يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا، وكأنها رضي الله عنها اعتبرتْ نصف الليل، لكن اعتبرت النصف من نزول الناس في مزدلفة، ونزولُ الناس في مزدلفة إذا اعتبرنا النصف فإنه يزيد على النصف الحقيقي الذي هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر يزيد بنحو هذا المقدار الذي اعتبرته أسماء، وهو غروب القمر، وهذا هو الصحيح أنَّ المعتبر غروب القمر، وإنْ شئتَ فقُل: إنَّ المعتبر البقاءُ في مزدلفة أكثرَ الليل، ولكنْ يؤخذ من الليلِ المسافةُ ما بين الدفعِ من عرفة إلى وصولِ مزدلفة، فيكون ما ذهبتْ إليه أسماءُ رضي الله عنها هو المطابق لمعْظَم الليل.
يقول: (ويبيتُ بها، وله الدفْعُ بَعْدَ نصفِ اللَّيلِ، وقَبْلَهُ) أي: قبلَ نصفِ الليلِ؛ يعني: لو دَفَعَ (فيه دمٌ) ( ... ) سواءٌ كان عالِمًا بالحكْمِ أو جاهلًا، عامِدًا أو ناسيًا.
إذا دَفَعَ قبلَ منتصفِ الليل فعليه دمٌ، لماذا؟ لأنه تَرَكَ واجبًا، وهذا الدمُ دمُ جُبْرانٍ يذبحه ويتصدَّق به جميعًا على الفقراء في مكة.
(وقَبْلَهُ فيه دمٌ كوصولِهِ إليها بَعْدَ الفَجْرِ لا قَبْلَهُ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3965
(كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة (بعد الفَجْر)، فإذا وصل إلى مزدلفة بعد الفَجْر ولو بلحظةٍ لَزِمَه دمٌ؛ لأنه لم يَبِتْ بها، ولكن ظاهر حديثِ عروة بن مُضَرِّس رضي الله عنه أنَّ مَن أَدْركَ صلاةَ الفجر في مزدلفة على الوقت الذي صلَّاه الرسولُ عليه الصلاة والسلام فإنه لا شيءَ عليه؛ لقوله: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» (7)، والإشارة «هَذِهِ» تفيد أنه لا بدَّ أنْ تكون الصلاةُ في أول الوقت؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلَّى الفَجْر في أول وقتِها.
(كوُصُولِهِ إليها بَعْدَ الفَجْر لا قَبْلَهُ) أي: لا إنْ وَصَلَ إليها قَبْل الفجر ولو بعد نصفِ الليل فإنه لا شيء عليه.
والخلاصةُ على المذهب على ما مشى عليه المؤلف:
إذا دَفَعَ قَبْل منتصفِ الليلِ فعليه دمٌ.
إذا دَفَعَ بعد منتصفِ الليلِ فلا شيء عليه.
إذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر فعليه دمٌ.
إذا وصل إليها بعد منتصفِ الليلِ فلا شيء عليه.
فعليه الدمُ في حالين هما: إذا دَفَعَ قبل منتصف الليل، وإذا لم يَصِل إليها إلا بعد الفجر، عليه دمٌ في الحالين.
وليس عليه دمٌ فيما إذا دَفَعَ بعد منتصف الليل، أو وصل إليها بعد منتصف الليل.
طلبة: ( ... )؟
الشيخ: لا شيء عليه.
طالب: قبل الفجر.
الشيخ: طيب، لا شيء عليه إذا دَفَع بعد منتصف الليل قبل الفجر أو بعده، ولا شيء عليه إذا وصل بعد منتصف الليل لكن قبل الفَجْر؛ لأن ما بعد الفجر ذكرناه قبل، ولكنَّا قُلنا: إن ظاهر حديث عروة بن المضرِّس أنَّ مَن أَدْركَ صلاةَ الفجر في أولها فإنه يُجزئه.
بَقِي أنْ يقال: حدثت مشكلةٌ في أيامنا الأخيرة؛ أنَّ بعض الحجَّاج لا يَصِلون إلى مزدلفة إلَّا بعد طلوع الفجر وبعد صلاةِ الفجر أيضًا فما الحكْم؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3966
على المذهبِ يجبُ عليهم دمٌ؛ لأن القاعدة عندهم أنَّ من حُصِرَ عن واجبٍ فعليه دمٌ؛ لأن المحصور عن الواجب لا يتحلَّل؛ إذْ لا حاجةَ له إلى التحلُّل، لكن عليه دمٌ.
فنقول: هؤلاء الذين لم يَصِلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر ومُضِيِّ قَدْر الصلاةِ نقول: هؤلاء حُصِروا عن هذا الواجب فيَلْزمهم دمٌ.
ولكن بعض العلماء قال: إن هؤلاء حُصِروا إكراهًا، حُصِروا ولم يُحْصَروا، حُصِروا لأنهم لم يَصِلوا في الوقت، ولم يُحْصَروا لأنهم وصلوا إلى المكان، فيكون وصولهم إلى المكان بعد زوال الوقت كقضاء الصلاةِ بعد خروج وقتِها للعُذر، وأنهم إذا حُصِروا في هذه الحال ولم يَصِلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجرِ وذهابِ وقت الصلاةِ فإنهم يكونون كالذين عُذِروا عن وقت الصلاة حتى خرج وقتُها.
وهذا القولُ أقربُ إلى الصواب أنْ يُقال: مَنْ حُبِس عاجزًا عن الوصول إليها، ولم يَصِل إلا بعد طلوع الفجر ومُضِيِّ قَدْرِ الصلاةِ أو بعد طلوع الشمس؛ فإنه يَقِفُ ولو قليلًا ثم يستمِرُّ؛ وذلك لأنه يُشبه الصلاةَ إذا فاتتْ لعُذرٍ فإنه يقضيها، ولو قيل أيضًا بأنه يسقطُ الوقوفُ لأنه فاتَ وقتُه لم يكن بعيدًا.
المهم أنَّ القول الراجح أنَّه لا يُلْزَم بدمٍ؛ لأنه تَرَكَ هذا الواجبَ عجزًا عنه، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3967
طالب: وله الدفْعُ بعد نصفِ الليلِ، وقَبْله فيه دمٌ كوصوله إليها بعدَ الفَجْر لا قَبْله، فإذا صلَّى الصبحَ أتى المشعر الحرامَ فرقاهُ، أو يقِفُ عنده ويحمدُ اللَّهَ ويُكبِّره ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ... ﴾ الآيتين [البقرة: 198، 199]، ويدعو حتى يُسْفِر، فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أسرعَ رَمْيَةَ حَجَرٍ وأخذَ الحصى، وعددُه سبعون بين الحمَّصِ والبُندق، فإذا وصلَ إلى مِنًى -وهي من وادي مُحَسِّرٍ- إلى جمرةِ العقبةِ رماها بسبعِ حَصَياتٍ متعاقباتٍ يرفعُ يَدَهُ اليُمنى حتى يُرَى بياضُ إِبْطِهِ، ويُكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ولا يُجْزئ الرميُ بغيرها ولا بها ثانيًا، ولا يَقِف ويقطع التلْبِيةَ قبلها.
الشيخ: ( ... ) محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سَبَقَ لنا أنَّه في اليوم التاسع يذهبُ مِن مِنًى إلى عرفة، وأنَّه ينزل أولًا بنَمِرة حتى تزول الشمسُ، ثم يركبُ ويصلِّي الظهر والعصر بباطن الوادي، ثم يذهبُ إلى موقِفه، وهذا كُلُّه إنْ تيسَّر.
وسَبَقَ لنا أيضًا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقفَ في شرقِيِّ عرفة عند الصخراتِ والجبلِ وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (1). وعرفةُ كبيرةٌ واسعةٌ.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجب التأكد من حدودها لئلَّا يقِفَ الإنسانُ في غير الموقِف فيرجع بلا حجٍّ.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجب أنْ يبقى في عرفة إلى غروب الشمس، وأنَّه إنْ دَفَع قبل الغروب ولم يَعُدْ قبله فعليه دمٌ، وقيل: إنْ دَفَع وإنْ عاد فعليه دمٌ، وقيل: إنْ دَفَع وعاد بعد الغروب قبل الفجر فليس عليه شيء، فالأقوال ثلاثة، ورجَّحْنا أنَّ الأقرب ثبوتُ الدم عليه بمجرَّد الدفع؛ لأنه خالفَ ما فَعَله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 3968
وسَبَقَ لنا أنهم في الجاهلية يدفعون قبل غروب الشمس، وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خالَفَهم فدفَع بعد الغروب، لكنه دَفَع ولم يصلِّ إلا في المزدلفة، هذا في اليوم التاسع.
في ليلة العاشر يدفع من عرفة إلى مزدلفة فيصلي بها المغرب والعِشاء جمعًا وقَصْرًا ويبيت.
وهُنا هلْ يُشرع أنْ يُحيي تلك الليلةَ بالقراءةِ والذِّكرِ والصلاةِ، أمِ السُّنةُ النومُ؟
الثاني؛ السُّنة النومُ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اضطجعَ حتى طلعَ الصبح (3).
وأيضًا هلْ يصلِّي الوتر في تلك الليلة أو لا؟
نقول: لم يُذكَر في حديث جابرٍ ولا غيره فيما نعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَوْتَر تلك الليلة، لكنْ على سبيل العموم أنَّه لا يَدَعُ الوتر حَضَرًا ولا سَفَرًا.
نقول: إنَّه يُوتر تلك الليلة، وعَدَمُ النَّقْلِ ليس نَقْلًا للعَدَم؛ لأننا نبقى على الأصل وهو أنَّه لا يَدَعُ الوتر سَفَرًا ولا حَضَرًا.
ثم نقول: لو تَرَكه في تلك الليلةِ لَنُقِلَ؛ لأنه لو تَرَكه لَكان شرعًا، والشرع لا بدَّ أنْ يُحفظ ويُنقَل.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجوز على رأي الفقهاء -رحمهم الله- أنْ يدفع بعد منتصف الليل، ووجْهُهُ أنَّه إذا دَفَع بعد منتصف الليل فقد بقي في مزدلفة مُعْظم الليلِ أو أكثرَ الليلِ.
وسَبَقَ لنا أنَّ القول الراجح في هذه المسألة أنَّه لا يدفع إلا في آخِر الليل، وأنَّ أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما كانتْ ترتَقِبُ غروب القمر (17)، وأنَّ ما فَعَلتْهُ أسماء هو الفقه؛ لأنه لا ينبغي أن نحسب أول الليل ونحن لم نَصِل إلى مزدلفة إلا بعد دخول وقت العِشاء؛ إذْ إنَّ الناس يسيرون من عرفة إلى مزدلفة ولا يَصِلون إلا متأخرين.
الجزء: 1 - الصفحة: 3969
وسَبَقَ لنا أنَّ السُّنة صلاة المغرب والعِشاء في مزدلفة، وأنَّه لو صلَّى في غير مزدلفة فصلاتُه صحيحةٌ خلافًا لِمَنْ؟ لابن حزم، والدليل: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (14)، وأنَّه لو خاف فَوْتَ الوقتِ -أي: وقت العِشاء وهو منتصف الليل- وجبَ عليه أنْ يصلِّي في أيِّ مكانٍ.
الدفع في آخِر الليل هلْ يختصُّ بأهل الأعذار أو لا؟
قال بعض العلماء: إنَّه يختصُّ بأهل الأعذار من الضعفاء والنساء ونحوهم.
وأجازه الفقهاء مُطْلَقًا لأهل الأعذارِ ولغير أهل الأعذار.
حُجَّة الأوَّلِينَ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أقامَ في مزدلفةَ حتى صلَّى الفجر وأَسْفَرَ جِدًّا (3)، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (8). وعن عائشة رضي الله عنها تمنَّتْ أنها استأذنَت الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم أنْ تدفع قبل الفجر كما استأذنَتْ سَوْدَةُ، وقالت كلامًا يفيد أنها تودُّ أنها استأذنَتْ من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنها لو استأذنتْ لَكان أَشَدَّ من مفروحٍ به (18)؛ يعني: تُبالغ في أنها لو فعلتْ لأحبَّتْ ذلك.
على كلِّ حالٍ الذي يترجَّح أنَّه ليس بواجبٍ أنْ يبقى إلى صلاة الفجر، ولا سِيَّما في هذه الأزمان مع كثرة الناس والزِّحام والشِّدة، لكنْ هو الأفضل؛ أنْ يبقى إلى أنْ يصلِّي الفجر ويُسْفِر جِدًّا ثم ينصرف.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى، وهو مبتدأ درس الليلة: (فإذا صلَّى الصبح)، وهُنا لم يُبَيِّن متى تكون هذه الصلاة، لكنْ قد ثبتَ بالسُّنة أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صلَّاها حين تبيَّن له الصبح ولم يتأخر؛ صلَّاها بغَلَس (19).
الجزء: 1 - الصفحة: 3970
(فإذا صلَّى الصبحَ أتى المشْعَرَ الحرامَ) والمشعر الحرام: جبلٌ صغيرٌ معروفٌ في مزدلفة، وعليه المسجدُ المبنيُّ الآن، أتاه سواءٌ كان راكبًا أمْ راجلًا، والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ركبَ ناقته ووقفَ عند المشعر الحرام، وقف راكبًا (3)، لكنه قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (1) (جَمْع) يعني مزدلفة، وسُمِّيت جَمْعًا لأن الناس يجتمعون فيها كلُّهم، وكانوا في الجاهلية يجتمعون فيها كلُّهم، وفي عرفة لا يجتمع أهلُ مكة، بلْ لا يجتمع قُريش مع غيرهم؛ لأنهم يَقِفون في مزدلفة، لا يخرجون إلى عرفة؛ لأنَّ عرفة من الحِلِّ، فمِنْ أجْل هذا سُمِّيت جمعًا لأنها تجمع الناس كلَّهم.
يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».
وقوله: (المشعر الحرام) وُصِفَ بالحرام لأن هناك مَشْعرًا حلالًا وهو عرفات، ففي الحجِّ مَشْعرانِ: حلالٌ وحرامٌ؛ فالمشعر الحرام: مزدلفة، والمشعر الحلال: عرفة.
ولماذا وُصِف بالحرام؟ لأنه داخل حدود الحرم.
قال: (فيرقاه) يعني: يرقى هذا المشعر، وهو جبلٌ صغيرٌ كما قُلنا (أو يَقِف عنده)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198].
(أو يَقِف عنده، ويحمد اللَّهَ ويُكبِّره) ويدعو الله عز وجل رافعًا يديه إلى أنْ يُسْفِر جِدًّا، ويكون أيضًا مستقبِلَ القِبلة.
قال المؤلف: (ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ... ﴾ الآيتين)، وقراءة هاتَينِ الآيتَينِ لا أعلمُ فيها سُنَّةً، لكنها مناسِبة؛ لأنَّ الإنسانَ يُذَكِّر نفسه بما أَمَر اللهُ به في كتابه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3971
(ويدعو حتى يُسْفِر) يُسْفِر جدًّا؛ يعني: يتبيَّن السفر أو الإسفار ويرى الناسُ بعضهم بعضًا، ثم ينطلق قبل أنْ تطلع الشمس، ولهذا قال: (فإذا أَسْفَرَ سار قبل طلوع الشمسِ بسَكِينَةٍ) خلافًا لأهلِ الجاهلية، أهلُ الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة إلا إذا طلعت الشمس، وكان من عباراتهم الموروثة: أَشْرِقْ ثَبِير، كَيْمَا نُغِير (20). ثَبير: جبلٌ معروفٌ هناك كان رفيعًا تتبيَّن به الشمسُ قبل غيره مما حوله من الجبال، وكانوا يرقبون هذا الجبل، فإذا أشرقَ دفعوا.
إذَنْ هُم -أعني في الجاهلية- يُبادرون السفر أو الإسفار في أول الليل؛ ليلة العيد، وفي آخرها، كيف ذلك؟ لأنهم يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ويدفعون من مزدلفة بعد طلوع الشمس، أمَّا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فخالَفَهم في الوقتينِ.
يقول: سار بسَكِينةٍ؛ يعني: لا بإسراعٍ وإيضاعٍ للإبل، والإيضاع: الإسراع، بلْ يكون بسَكِينةٍ.
(فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أسرعَ رميةَ حَجَرٍ) لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حرَّكَ قليلًا؛ حرَّكَ ناقتَه حين بَلَغَ مُحَسِّرًا (3)، ومُحَسِّر: بطنُ وادٍ عظيم، وبهذا نعرف أنَّ بين المشاعر أودية؛ فبين المشْعرِ الحرام والمشْعرِ الحلال وادٍ وهو عُرَنة، وبين المشْعَرينِ الحرامَينِ مِنًى ومزدلفةَ وادٍ وهو وادي مُحَسِّر، أسرعَ فيه النبيُّ عليه الصلاة والسلام (3).
واختلفَ العلماءُ لماذا أسرعَ:
فقال بعضُهم: أسرعَ لأن بطن الوادي يكون دعثًا وليِّنًا يحتاج أنْ يحرِّك فيه الإنسانُ بَعيره؛ لأن مَشْي البعيرِ على الأرضِ الصلبة أسرعُ مِن مشيها على الأرض الرخوة، فحرَّك مِن أجْل أنْ يتساوى سيرُها في الأرض الصلبة وسيرُها في الأرض الرخوة، وعلى هذا فالملاحَظ هنا هو مصلحةُ السير فقط.
الجزء: 1 - الصفحة: 3972
وقيل: أسرعَ لأن الله أهلكَ فيه أصحابَ الفيل، فينبغي أنْ يُسرع؛ لأن المشروع للإنسان إذا مرَّ بأراضي العذابِ أنْ يُسرع؛ كما فَعَل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم حين مرَّ بديار ثمود في غزوة تبوك؛ لَمَّا مرَّ زَجَر الناقةَ عليه الصلاة والسلام وقَنَّعَ رأسه هكذا وأسرعَ، واليومَ الناسُ بعضُهم يتَّخذ هذه الديارَ سياحةً ونُزهةً والعياذ بالله، مع أنَّ الرسول أسرعَ وقال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» (21).
كيف يُصِيبنا ما أصابهم ونحن لم نعمل؟
لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء فقلْبُه يكون غيرَ ليِّنٍ وغيرَ خاشعٍ، فيكون قاسيًا مع مشاهدته آثارَ العذابِ، وحينئذٍ يُصيبه ما أصابهم من التكذيبِ والتولِّي، هذا معنى الحديث؛ يعني ليس المراد أنْ يُصيبكم العذابُ الرِّجزُ الحِسِّي، قد يُراد به العذابُ أو الرِّجزُ المعنويُّ؛ أنْ يقسو قلب الإنسان فيُكذِّب بالخبر ويتولَّى عن الأمر -نسأل الله العافية- وبهذا نعرف أنَّ اتخاذها نُزهةً خطأٌ عظيمٌ مخالفٌ لأمر النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»، والذين يذهبون للنُّزهةِ أو للتفرُّج هلْ هُم يبكون؟
الظاهر أنهم إلى الضحك أقربُ منهم إلى البُكاء، ويُصَوِّرون ويعملون أشياء اللهُ أعلمُ بها، فنسأل اللهَ لنا ولكم العِبرة والهداية.
المهمُّ أنَّ مِن العلماء مَن علَّلَ إسراعَ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ هذا هو الموضع الذي أهلكَ اللهُ فيه أصحابَ الفيلِ، لكن هذا التعليل عليلٌ؛ لأن أصحابَ الفيلِ لم يُهلَكوا هُنا، بلْ في مكانٍ يُقال له: الْمُغَمَّس، حول الأبطح، وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي:
حَبَسَ الْفِيلَ بِالْمُغَمَّسِ حَتَّى
الجزء: 1 - الصفحة: 3973
ظَلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَكْبُولُ
فعلى هذا يكون هذا التعليلُ غيرَ صحيحٍ أو كأنه مكسور.
وقال بعض العلماء: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أسرعَ لأنهم كانوا في الجاهلية يَقِفون في هذا الوادي ويذكرون أمجادَ آبائهم؛ وأباؤنا فعلوا كذا وفعلوا كذا وفعلوا كذا، فأراد النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أنْ يُخالِفهم كما خالَفَهم في الخروج من عرفة وخالَفَهم في الخروج من مزدلفة، ولعل هذا أقربُ التعاليل أنَّه فَعَل ذلك مُخالَفةً للمشركين الذين يَقِفون في هذا الوادي ليذكروا أمجادَ آبائهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200].
ثم قال المؤلف: (أسرعَ رميةَ حَجَرٍ) (رميةَ حَجَرٍ) كيف يمكن قياسها؟
وأَخَذَ الْحَصَا -وعدَدُه سَبعونَ بينَ الحِمِّصِ والْبُنْدُقِ - فإذا وَصَلَ إلى مِنًى - وهي من وادي مُحَسِّرٍ إلى جَمرةِ العَقبةِ - رَماها بسَبْعِ حَصَيَاتٍ مُتعاقباتٍ يَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بياضُ إِبِطِه ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ولا يُجْزِئُ الرميُ بغيرِها، ولا بها ثانيًا، ولا يَقِفُ، ويَقْطَعُ التلبيةَ قَبْلَها، ويَرْمِي بعدَ طُلوعِ الشمسِ ويُجْزِئُ بعدَ نِصفِ الليلِ - ثم يَنْحَرُ هَدْيًا إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ من جميعِ شَعْرِه، وتُقَصِّرُ منه المرأةُ أَنْمُلَةً، ثم قَدْ حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ، والحِلاقُ والتقصيرُ نُسُكٌ، ولا يَلْزَمُ بتأخيرِه دَمٌ، ولا بتقديمِه على الرَّمْيِ والنَّحْرِ.
(فصلٌ)
الجزء: 1 - الصفحة: 3974
ثم يُفيضُ إلى مَكَّةَ، ويَطوفُ القارِنُ والمُفْرِدُ بنِيَّةِ الفريضةِ طوافَ الزيارةِ، وأَوَّلُ وقتِه بعدَ نِصفِ ليلةِ النحْرِ، ويُسَنُّ في يومِه وله تَأخيرُه، ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمروةِ إن كان مُتَمَتِّعًا أو غيرَه ولم يكنْ سَعَى مع طَوافِ القُدومِ، ثم قد حَلَّ له كلُّ شيءٍ ثم يَشربُ من ماءِ زَمزمَ لِمَا أَحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ منه ويَدعو بما وَرَدَ.
ثم يَرْجِعُ فيَبيتُ بِمِنًى ثلاثَ ليالٍ فيَرْمِي الجمرةَ الأُولَى، وتَلِيَ مَسجدَ الْخَيْفِ - بسبْعِ حَصَياتٍ ويَجعلُها عن يَسارِه ويَتأَخَّرُ قليلًا ويَدعو طَويلاً، ثم الوُسْطَى مِثْلَها، ثم جَمْرَةَ العَقَبَةِ ويَجعلُها عن يَمينِه ويَسْتَبْطِنُ الوادِيَ ولا يَقِفُ عندَها، يَفعلُ هذا في كلِّ يومٍ من أَيَّامِ التشريقِ - بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا -
قال العلماء: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسرع؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم: وآباؤنا فعلوا كذا، وفعلوا كذا، وفعلوا كذا، فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُخالفهم كما خالفهم في الخروج من عرفة، وخالفهم في الخروج من مزدلفة.
ولعل هذا أقرب التعاليل؛ أنه فعل ذلك مخالفةً للمشركين الذين يقفون في هذا الوادي ليذكروا أمجاد آبائهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 198] ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200].
ثم قال المؤلف: (أسرعَ رمية حجر) (رمية حجر)، كيف يمكن قياسها؟
لأن الحجر قد يكون كبيرًا، فإذا رميت به لم يذهب بعيدًا، وقد يكون الرامي ضعيفًا، فإذا رمى بالحجر الصغير لم يذهب بعيدًا، لكنهم يقولون: مقدار خمس مئة ذراع، الذراع أظن ثلثي المتر، نعم، على هذا التقريب، لكن هل هذا يمكن العمل به الآن؟
طالب: لا يمكن.
الجزء: 1 - الصفحة: 3975
الشيخ: الظاهر أنه لا يمكن؛ لأن الإنسان محبوس بأرتال السيارات التي لا يمكن أن يتقدم ولا أن يتأخر، وربما يُحبس في نفس المكان، يعجز أن يمشي.
ولكن نقول: هذا شيء بغير اختيار الإنسان، ينوي الإنسان بقلبه أنه لو تيسر له أن يُسرع لأسرع، وإذا علم الله من نيته هذا فإنه قد يُثيبه على ما فاته من الثواب.
يقول: (وأخذ الحصاة) من أين؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يأخذه من وادي مُحسر أو من بعده؛ لأنه قال: (فإذا بلغ محسرًا أسرع وأخذ)، فعلى هذا يأخذه بعد أن يتجاوز مُحسرًا في طريقه.
والذي يظهر لي من السنة أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخذ الحصى من عند الجمرة؛ لأنه أمر ابن عباس أن يلقُط له الحصى وهو واقف يقول للناس: بأمثال هؤلاء فارموا، ورمى.
وأما أخذه من مزدلفة فليس بمُستحب، وإنما استحبه بعضُ المتقدمين؛ لأجل أن يبدأ بالرمي أي: رمي جمرة العقبة من حين أن يصل إلى منى؛ لأن رمي جمرة العقبة هو تحية منى، ويُفعل قبل كل شيء، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام رمى وهو على بعيره قبل أن يذهب إلى رحله ويُنزل رحله، لكنه رمى على بعيره.
والناس لا يتيسر لهم أن يقولوا لأحد منهم: القُط لنا الحصى، ويلقط لهم الحصى وهم على إبلهم، ثم يرمون، لا يتيسر؛ فلذلك استحب بعضُ المتقدمين أن يأخذ الحصى من مزدلفة، وليس هذا بسُنَّة.
ولكن عامة الخلق يظنون أنه يجب أن يكون الحصى من مُزدلفة وجوبًا، حتى إن الواحد منهم يأخذ عددًا كبيرًا، يأخذ سبعين حصاةً؛ لأن سبعين حصاةً تكون لمن تأخر؛ واحد وعشرون، وواحد وعشرون، وواحد وعشرون، كم هذه؟ ثلاث وستون، وسبع يوم العيد، هذه سبعون حصاةً.
بعض الناس يأخذ زيادةً، لماذا؟
يخشى أن تسقط منه واحدة أو تضيع، أو يحتاج أحدُ إخوانه، ولذلك سمعتُ فيما سبق أن كل واحد منهم يستقرض من الآخر، إذا ضاع منه شيء قال لأخيه: أقرضني -جزاك الله خيرًا- حصاةً، ومتى يوفيها؟ يمكن في العام القادم، أو فيما بعده.
الجزء: 1 - الصفحة: 3976
كل هذا؛ لأن العامة إذا رأوا العلماء يأخذون أو يقولون: يُستحب أن يأخذ من مزدلفة؛ ظنوا أن هذا واجب، والعامة يُحبون الخير لا شك، وقد تبيَّن بما قررنا أنه ليس من السنة، فضلًا عن أن يكون واجبًا.
قال المؤلف: (أخذ الحصى)، وهل يغسل الحصى ليُطهِّره؟
قال بعض العلماء: إنه يغسله تطهيرًا له إن كان قد أصابته نجاسة، أو تنظيفًا له إن لم تكن أصابته نجاسة.
والصحيح أن غسله بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغْسِله.
(وعدده سبعون) هذا كلام المؤلف ما شاء الله (وعدده سبعون) يعني: سبعون حصاةً (بين الحمص والبندق)، ذكر المؤلف -رحمه الله- العدد والحجم؛ العدد سبعون؛ بناءً على أنه يتأخر، فإن لم يتأخر فأنزِل من السبعين واحدًا وعشرين تكن.
طالب: سبع وأربعون.
طالب آخر: لا، تسع وخمسون.
الشيخ: واحد وعشرون، وواحد وعشرون: اثنان وأربعون، وسبعة: تسع وأربعون.
تكن تسعة وأربعين.
والصحيح أنه لا يأخذ سبعين، ولا تسعًا وأربعين، أنه يأخذ الحصى كل يوم في يومه من طريقه وهو ذاهب إلى الجمرة؛ لأن الشيء الذي ليس عليه دليل يكون عدم فعله -لا سيما في العبادات- هو الدليل.
يقول: (وعدده سبعون).
أما الحجم، فقال: (بين الحمص والبندق) أظن العقيل يعرف الحمص، تعرفه؟ ما تعرف الحمص؟ أحد منكم ما يعرفه؟
طالب: هو دون الفول يا شيخ.
الشيخ: والفول مين يعرفه؟ ! على كل حال، الحمص معروف، ما أظن أحد يجهله.
طلبة: معروف؟
الشيخ: إي نعم، لا سيما في مكة.
طالب: البليلة يا شيخ.
الشيخ: بليلة، يمكن البليلة قريب منها، وأظن عقيل يعرفها، إي، هو هذا.
على كل حال، (بين الحمص والبندق) البندق هو الحصى الذي يُرمى به بين الإبهام والوسطى، تضعه هكذا، ثم ترمي به بالسبابة، والذي يُدرك هذه الكيفية من الرمي يكون جيدًا في حذف هذه الحصاة.
على كل حال، هي أكبر من الحمص ودون البندق، ولهذا قال: (بين الحمص والبندق).
(فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة) من الواصل؟
الطلبة: الحاج.
الجزء: 1 - الصفحة: 3977
الشيخ: الحاج، ومِنى اسم مكان معروف، وسُميت بهذا الاسم لكثرة ما يُمنى فيها من الدماء، أي: يُراق من الدماء، وهي من حيث الإعراب مصروفة، فتقول: إلى منًى؛ لأنها تنصرف.
يقول: (فإذا وصل إلى منى) وهي من وادي مُحسِّر إلى جمرة العقبة، هذا حدها شرقًا وغربًا من وادي مُحسر -الذي ذكرنا قبل قليل أنه يُسرع فيه- إلى جمرة العقبة آخر الجمرات.
الوادي منها أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف حسب دلالة (مِنْ) أنه منها، وليس كذلك، أما جمرة العقبة فليست منها؛ لأنه قال: (إلى جمرة العقبة)، والمعروف في معاني الحروف أن ابتداء الغاية داخل، لا انتهاؤها، لكن إذا كانت المسألة من باب الحد، فإن ابتداء الغاية وانتهاءها لا يدخلان.
فإذا قلت: لك من هذه الأرض مِن كذا إلى كذا، فالحد لا يدخل في المحدود، لا ابتداءً ولا انتهاءً، وبهذا يتقرر أن وادي مُحسر ليس من منى، وأن جمرة العقبة ليست من منى.
هذا من الشرق والغرب، لكن من الشمال والجنوب كيف نحدها؟
قال العلماء: كل الجبال الكبيرة كل وجوهها التي إلى منى مِن منى، كل سُفوح الجبال ووجوهها التي تتجه إلى منى كلها من منى.
وبناء على هذا تكون منى واسعة جدًّا، وتحمل الحاج، لو أنها نُظمت تنظيمًا تامًّا مبنيًّا على العدل لوسعت الناس، لكن يحصل فيها الظلم؛ تجد بعض الناس يتخذ مكانًا واسعًا يسع أكثر من حاجته عشر مرات، أو عشرين مرة.
وهنا مشكلة في الوقت الحاضر، يقول بعض الناس: أنا لا أجد أرضًا في منى إلا بأجرة، يبذلون إلى عشرين ألفًا، ثلاثين ألفًا، سبعين ألفًا، فهل يجوز أن يستأجر أرضًا في منى؟
الجواب: نعم، يجوز، والإثم على الْمُؤَجِّر الذي أخذ المال بغير حق، أما المستأجر ماذا يصنع؟
ولهذا قال فقهاءُ الحنابلة رحمهم الله: لا يجوز تأجير بيوت مكة، ولكن إذا لم يجد بيتًا إلا بأجرة بذل الأجرة، والإثم على صاحب البيت.
وهذه المسألة تُذكر في البيوع، وليس هذا موضع ذكرها، لكن ذكرتها استطرادًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3978
أما بيوت منى، فلا شك أنه لا يجوز تأجيرها أبدًا، ولا أرض منى؛ لأن منى مشعر محدود، محصور، فأين يذهب الناس إذا استولى عليها من يقول: أنا لا أُنزل فيها الناس إلا بأجرة؟ !
أما مكة يمكن للإنسان أن ينزل بعيدًا، ولا يهم، لكن منى وعرفة ومزدلفة مشاعر كالمساجد، لا يجوز لأحد إطلاقًا أن يبني فيها بناء ويُؤجره، ولا أن يختط أرضًا ويُؤجرها، فإن فعل فالناس معذورون، يبذلون الأجرة، والإثم على الذي أخذها.
يقول: (فرماها بسبع حصيات متعاقبات) سبع حصيات، ولماذا اختِيرت السبع؟ اقتداءً بمن؟ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه رماها بسبع حصيات.
أما لماذا لم تكن خمسًا، أو ثلاثًا، أو تسعًا، أو إحدى عشرة حصاة؟
فهذا ليس لنا الحق في أن نتكلم فيه، كما أنه ليس لنا الحق بأن نقول: لماذا كانت الصلوات الخمس سبع عشرة ركعة؟ لماذا لم تكن الظهر ستًّا، والعصر ستًّا، والعشاء ستًّا مثلًا؟
نقول: هذا لا تُدركه عقولنا، وليس لنا فيه إلا مجرد التعبد.
(بسبع حصيات مُتعاقبات) معنى (مُتعاقبات)؟
طالب: وراء بعض.
الشيخ: وراء بعض، يعني واحدة بعد الأخرى، صحيح.
وقول المؤلف: (رماها) يُفهم منه أنه لو وضع الحصى وضعًا فإنه لا يُجزئه، بل لا بد من الرمي، حذف، أما لو أخذ الحصاة ووضعها هكذا؛ هذا لا ينفع.
وقوله رحمه الله: (متعاقبات) لو أنه من شدة الزحام رمى السبع جميعًا، ما لا يُجزئه؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة فقط، تجزئه واحدة.
وقول المؤلف: (بسبع حصيات متعاقبات) ظاهره أنها مُتوالية، أو أنه لا فرق بين المتوالية والمتفرقة، فيه احتمال: أنه يجوز أن تكون متوالية، ويجوز أن تكون متفرقةً، لكنها عبادة واحدة، والأصل في العبادة الواحدة المكونة من عدد أن تكون متوالية.
يقول رحمه الله: (يرفع يده اليُمنى حتى يُرى بياضُ إبطه، ويُكبر مع كل حصاة)
علل الشارح هذا بأنه أعونُ له على الرمي، هكذا، حتى يبدو بعض إبطه؛ لأنه أعون له على الرمي.
الجزء: 1 - الصفحة: 3979
وهذا فيما إذا كان الإنسان بعيدًا واضحًا، لكن إذا كان قريبًا ويمكن يقول: هكذا، هكذا، فلا حاجة، المقصود هو الرمي، فالإنسان البعيد يحتاج إلى رفع يده حتى يصل إلى المراد.
وقول المؤلف: (فرماها بسبع حصيات) (رماها): قد يُفهم من هذا الكلام أنه لا بد أن يرمي الشاخص -العمود القائم- ولكنه غير مراد، المقصود أن تقع في الحوض، سواء ضربت العمود أم لم تضربه.
(ويُكبِّر مع كل حصاة)، كلما رمى قال: الله أكبر، مع كل حصاة، وبهذا نعرف الحكمة من الرمي؛ من رمي الجمرات، الحكمة هو تعظيم الله عز وجل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْي الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (1)، فالحكمة إقامة ذكر الله، وتعظيم الله عز وجل، وتمام التعبد؛ لأن كون الإنسان يأخذ حصى ويضرب به هذا المكان يدل على تمام انقياده، إذ إن النفوس قد لا تنقاد للشيء إلا بعد أن تعرف المعنى الذي من أجله شُرع، لكن كونك تأتي وترمي هذه الحصيات في هذا المكان يدل على تمام الذل والتعبد لله عز وجل.
وأما ما يُذكر أن الرمي هنا إغاظة للشيطان، فإن هذا لا أصل له صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن الحكمة هو إقامة ذكر الله عز وجل.
وعلى المفهوم الذي ذكرنا أنه من أجل الشيطان صار بعضُ العامة إذا أقبل على الجمرة يُقبل بانفعال شديد، وغضب شديد، مُحمر العينين، مُنتفش الشعر، يخبط كأنه جمل هادر، وكيف يضرب؟ يدور أكبر حصاة حصل ويضرب بها هذا المكان، وربما يضرب هذا المكان بالنعال، والخشب، وما أشبه ذلك.
ولقد رأيتُ بعيني قبل أن تُبنى هذه الجسور رأيتُ رجلًا وامرأته جالسين على الحصى -الحصى المتجمع من رمي الناس- يضربان العمود، والحصى تُصيبهما، ولا يتأثران، لا يتحركان، فأقول في نفسي:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ
الجزء: 1 - الصفحة: 3980
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
يعني أنهم صبروا من أجل تحصيل الأجر، يظنون أن هذا أجر لهم، كله من أجل العقائد أو التوهمات التي يرثها بعضُهم من بعض.
قال: (ولا يُجزئ الرمي بغيرها)، بغير أيش؟
طلبة: بغير الحصى.
الشيخ: بغير الحصى، حتى ولو كان ثمينًا.
عندي بالشرح يقول: (كجوهر، وذهب، ومعادن).
يعني لو رميت بدل الحصاة -الحصى- دنانير فإنه لا يُجزئ؛ لأن المسألة تعبدية، لو رميت بجوهر، لو رميت بالماس، لو رميت بالحديد، لو رميت بالخشب، بأي شيء فإنه لا يُجزئ إلا بالحجر.
لو رميت بمدر -الطين المُجبن اليابس- فإنه لا يُجزئ.
وهنا نسأل: هل يجوز أن يرمي بكسر الأسمنت؟
يوجد مثلًا عند محل صبات الأسمنت يوجد كسر من الأسمنت، هل يجوز أن يرمي بها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذه ليست أحجارًا، لكن يوجد في هذه الأمكنة يوجد حصى -أحجار مختلطة بالأسمنت- يمكن يرمي بها.
قال: (ولا يُجزئ الرمي بغيرها، ولا بها ثانيًا) يعني ولا يجزئ الرمي بها ثانيةً، يعني لا ترمي بحصاة رُمي بها، لماذا؟
قاسُوه على أصل، قالوا: لأن الماء المستعمل في الطهارة الواجبة لا يرفع الحدث.
هذه حصاة مستعملة في عبادة واجبة مرمية -وهو الرمي- فلا يجوز أن ترمي بها ثانيًا، كما لا يجوز أن تتوضأ بالماء المستعمل، هذه واحدة, وعلَّلوا بتعليل آخر: قالوا: لأن العبد إذا أُعتق في كفارةلم يجُز إعتاقُه مرةً أخرى.
ونحن نقول: كلا التعليلين عليل؛ أما الأول: فإنه قاس مختلفًا فيه على مختلف فيه؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الحصاة المرمي بها مُجزئة، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله.
فنقول: أنت قِست شيئًا مختلفًا فيه على شيء مُختلف فيه، والقياس لا بد فيه من أن يتفق الطرفان على حكم الأصل؛ لأجل أن يُلزم أحدُهما الآخر بما يقتضيه القياس.
أما إذا قال: أنا لا أُسلِّم أن الماء المستعمل لا يرفع الحدث.
أقول: الماء المستعمل يرفع الحدث، وحينئذٍ إذا بطل الأصل المقيس عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 3981
الطلبة: بطل المقيس.
الشيخ: بطل المقيس، هذه واحدة.
وأما الرقبة: فنقول: إن العبد إذا أُعتق صار حرًّا، يعني زال عنه وصف العبودية، ولهذا لو قُدر أن هذا العبد ذهب إلى الكفار، ثم حاربنا، ثم سبيناهُ مرةً ثانيةً؛ عاد رقيقًا، وجاز أن يُعتق في الكفارة.
إذن القول الراجح أن الحصاة المرمي بها مجزئة، وهذا مع كونه هو الصحيح أرفق بالناس؛ لأنه أحيانًا تسقط منك الحصاة وأنت عند الحوض، وتتحرج أن تأخذ مما تحت قدمك، فإذا قلنا بالقول الراجح: إنها تُجزئ ولو كانت مرميًّا بها أمكن الإنسان أن يأخذ من تحت قدمه ويرمي.
لكن أُورد على هذا القول إيراد لننظر معكم كيف نتخلص من هذا الإيراد؟
قالوا: هذا القول يستلزم أن يُجزئ الحجيج كلهم حصاة واحدة!
يعني يجيء واحد يرمي بحصاة، ثم يأخذها ويرمي بها، ويأخذها ويرمي، ويأخذ ويرمي، كم هذه؟
طلبة: سبع.
الشيخ: إلى السبع، والآخر ينتظر، فبعدما ينتهي يأخذ ويرمي، والثالث ينتظر، وإذا قدَّرنا أن مليون مسلم اللي بيرمي.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: على كل حال -شوف العلماء رحمهم الله- أورد هذا الإيراد: قيل: يلزم على قولكم أن يجزئ الحجيج كلهم حصاة واحدة.
قلنا: نحن نلتزم بهذا، لكن من يبغي يفعل؟ !
أحد الناس بيقعد ينتظر الثاني حتى يكمل سبع مرات يُعيد الحصاة، ثم الثالث والرابع إلى مليون نفر! هذا لا يمكن، فالإيراد الذي تنفر الطباع منه، ولا تقبله ليس بإيراد في الواقع، لكن الذي يحتاج الناس إليه في عصرنا هذا هو أنه أحيانًا تسقط منك الحصاة وأنت قريب من الحوض، وتحتاج إلى أن تأخذ من تحت قدمك وترمي به، نقول: لا بأس، افعل ولا حرج.
(ولا يجزئ الرمي بغيرها، ولا بها ثانيًا، ولا يقف) أيش معنى (لا يقف)؟
لا يقف بعد رمي الجمرة، لا يقف للدعاء، ينصرف إلى المنحر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 3982
رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، اللهم اغفر لي ولوالدي.
الإخوان يقولون: البندق نبات أو ثمر يُؤكل، قاله عبد الرحمن رستم، وحجاج بن عبد الرازق الأنصاري.
فلا ندري.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: على كل حال، يرجع إليه.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: تأتينا -إن شاء الله- غدًا بشيء منه، للاطلاع عليه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نخليها بعدين.
طالب: ( ... ) والبُندق بضم الباء والدال، الذي يُرمى بها، الواحدة: بندقة، بهاء، والجمع بنادق، وثمرة شجر.
الشيخ: يعني خلاص، إذن يطلق على معنيين؛ على الحصى الذي يُرمى به، وعلى ثمر الشجر.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولا يقف): يعني لا يقف بعدها للدعاء، بل ينصرف إلى المنحر، وهنا نسأل: من أين يرمي هذه الجمرة؟ أمن الشرق أم من الغرب؟ يرمي من بطن الوادي.
وكانت الجمرة -وأنا أدركتها- في ظهر جبل، لاصقة بجبل، لكن جبل ليس بالرفيع، فيه عقبة، ولهذا تُسمى جمرة العقبة، يصعد الناس منه، وكان تحتها وادي شهيب يمشي، فالنبي عليه الصلاة والسلام رمى من بطن الوادي (2)، ولم يصعد على الجبل فيرمي من فوق.
إذا رمى من بطن الوادي تكون مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، وقد فعل ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال: هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة (3)، فيرمي من بطن الوادي، يجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، وهذا إن تيسر، وفي عهدنا بالوقت الحاضر قد يكون صعبًا.
وقد ذكرنا القاعدة التي تُعتبر قاعدةً نافعةً: أن مراعاة ذات العبادة أولى من مراعاة مكانها، فإذا كان إذا أتاها مثلًا من الشمال -الآن ما فيه عقبة ولا في جبل- إذا أتاها من الشمال يكون أيسر له، فليكن من الشمال.
المهم أن نقول: ارمها الآن من أي مكان يكون أيسر لك، المهم أن تؤديها بخشوع، واستحضار أنك في عبادة، وتُكبر الله عز وجل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3983
ثم قال المؤلف: (ويقطع التلبية قبلها)؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُلبي حتى رمى جمرةَ العقبة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ذكرناها.
(ويقطع التلبية قبلها)، عندي بالشرح لقول الفضل بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة (4).
ومن حين أن يبدأ يقطع التلبية؛ لأنه إذا بدأ سُنَّ له ذكر آخر، وهو أيش؟
طلبة: التكبير.
الشيخ: التكبير.
قال: (ويرمي بعد طلوع الشمس) يرمي الفاعل؛ الحاج، يرمي بعد طلوع الشمس هذا هو الأفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمى بعد طلوع الشمس (5).
(ويُجزئ بعد نصف الليل) بعد نصف الليل منين؟
طالب: من ليلة المزدلفة.
الشيخ: من ليلة النحر، وظاهر كلام المؤلف أنه يجزئ مطلقًا للقوي، والضعيف، والذكر، والأنثى، وسبق بيان ذلك، وأنه لا يدفع أحد من مُزدلفة إلا بعد أن يُصلي الفجر، ما لم يكن ضعيفًا أو صاحبًا لضعيف، ومع ذلك لو دفع فإنه لا يأثم والمسألة من باب الأفضلية.
قال المؤلف: (ويجزئ بعد نصف الليل، ثم ينحر هديًا إن كان معه) ينحر الهدي بعد الرمي.
وقوله: (إن كان معه) يعني أو ليس معه، وذهب يشتريه من السوق ونحره.
وقوله: (ينحر هديًا): عبَّر بالنحر من باب التغليب، أو من باب مراعاة لفظ الحديث، حيث قال جابر: ثم انصرف إلى المنحَر فنحر (6).
لكن من المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أهدى إبلًا، فمن كان أهدى إبلًا فإننا نقول له: انحر، لكن من أهدى بقرًا أو أهدى غنمًا فإنا نقول له: اذبح، فعليه يكون قول المؤلف: (ثم ينحر) إما بناءً على التغليب، وإما موافقةً للفظ الحديث.
(ويحلق، أو يُقصِّر من جميع شعره) يحلق، أو يُقصر، (أو) هنا للتخيير، ولكنه تخيير بين فاضل ومفضول، ما هو الفاضل؟
طالب: الحلق.
الجزء: 1 - الصفحة: 3984
الشيخ: الحلق؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا للمُحلِّقين ثلاثًا وللمُقصِّرين مرة (7)، ولأن الله قدمه في الذكر، فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27].
(ويحلق أو يقصر من جميع شعره) من الذي يحلق؟
طلبة: الحاج.
الشيخ: الحاج، لكن هل يحلق هو بيده، أو يُكلف من يحلقه؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، وإن شاء الأول، إن قدر على أن يحلق نفسه بنفسه فلا حرج، خلافًا لقول بعض العلماء: إنه إذا حلق نفسه بنفسه يكون فعل محظورًا، فنقول: لا، هذا لم يفعل محظورًا، حلق للنسك.
يقول: (ثم يحلق، أو يُقصر من جميع شعره) أشار المؤلف بقوله: (من جميع شعره) إلى أن التقصير لا بد أن يكون شاملًا للرأس.
من كل شعرة بعينها؟ لا، لكن لا بد أن يعم الرأس بحيث يظهر لمن رآه أنه مُقصر.
وذكر ذلك خلافًا لما قاله بعضُ أهل العلم؛ أنه يكفي أن يُقصر من ثلاث شعرات، أو من ربع الرأس، أو ما أشبه ذلك، بل الصواب ما ذكره المؤلف، أنه لا بد أن يُقصِّر من جميع الشعر.
(وتُقصر منه المرأة أنمُلة) المرأة تُقصر أنملة، كيف أنملة؟
طلبة: عندنا: (قدر).
الشيخ: عندكم (قدر)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: (تقصر المرأة منه قدر أنملة): الأنملة: أنملة الأصبع؛ يعني أن المرأة تمسك بضفائر رأسها -إن كان لها ضفائر- أو بأطرافه -إن لم يكن لها ضفائر- وتقص بقدْر أنملة، وقدر أنملة بالتقدير الأخير هذا كم؟ من؟
طالب: 2 سم يا شيخ.
الشيخ: 2 سم؟ تقريبًا.
(ثم قد حل له كل شيء إلا النساء) (ثم) يعني بعد الحلق قد حلَّ له كل شيء إلا النساء.
الآن فعل الحاج ثلاثة أشياء، ما هي؟
الرمي، والنحر، والحلْق، أو التقصير، إذا فعل هذه حلَّ من كل شيء إلا النساء.
(كل شيء) يعني المحظورات التسعة يحل منها إلا النساء.
(إلا النساء وطئًا، ومباشرةً، وعقدًا)، هذا هو المشهور من المذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 3985
وقيل: وطئًا، ومباشرةً، لا عقدًا وخطبةً، وأنه يجوز العقد وتجوز الخطبة بعد التحلل الأول.
فعلى المذهب، لو أن أحدًا من الناس رمى، ونحر، وحلق، ثم تزوج قبل أن يطوف بالبيت، فالنكاح مُحرم وغير صحيح.
وهذا ربما يقع في غير هذه الصورة التي ذكرت، ربما يطوف الإنسان طواف الإفاضة على وجه لا يُجزئه، ثم يرجع إلى بلده ويتزوج في هذه المدة قبل أن يُصحِّح خطأه في الطواف، فعلى المذهب يكون النكاح غير صحيح، وتلزمه إعادة العقد.
وعلى القول الثاني -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصحيح- يجوز عقد النكاح بعد التحلل الأول ويصح.
وقوله رحمه الله: (ثم قد حل له كل شيء) ظاهره أنه لا يحل بمجرد الرمي، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه يحل بالرمي؛ أي: رمي جمرة العقبة، سواء حلق أم لم يحلق.
واستدلوا لذلك بأن الإنسان يقطع التلبية إذا شرع في الرمي، وهذا يعني أن نُسكه انتهى، وبأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام تعليق الحل بالرمي فقط.
ولكن الذي يظهر لي أنه لا يمكن أن يحل إلا بعد الرمي والحلق؛ لقول عائشة رضي الله عنها: كنتُ أُطيِّب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يُحرِم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت (8).
ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فهي -رضي الله عنها- جعلت الحل ما بين الطواف والذي قبله، والذي سبقه هو الرمي والنحر والحلق، لا سيما وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (9). فالصواب أنه لا يحل التحلل الأول إلا بالرمي والحلق.
يقول رحمه الله: (والحلاق والتقصير نسك) يعني أن الحلق والتقصير نُسك، وإنما نص على هذا دفعًا لقول من يقول: إنه إطلاق من محظور، وليس بنسك.
الجزء: 1 - الصفحة: 3986
وبناءً على هذا، ينوب مناب الحلق فِعل أي محظور فعله؛ لأن المقصود أن يُعلم أنه تحلَّل من إحرامه، كما قال بعضُهم في التسليم في الصلاة: إن المراد فعل ما يُنافي الصلاة، وأنه إذا فعل ما يُنافي الصلاة فإنه يُغني عن التسليم.
ويُذكر أن بعض الناس قال لبعض الملوك الذين يعتنقون مذهبًا من المذاهب، قال: أتريد أن أصلي لك صلاةً على هذا المذهب؟ قال: نعم.
قال: على أقل مجزئ؟ قال: نعم.
فكبر تكبيرة الإحرام، وقال: الله أعظم، ثم قال: مُدهامتان، ثم ركع بلا تكبير، ولا تسبيح، ولا طُمأنينة، ثم رفع كذلك، وفي النهاية عند التسليم أحدث، أحدث بريح، ليش؟ لأنه فعل ما يُنافي الصلاة، فقال: أيش هذا؟ ! قال: هذا هو مُقتضى هذا المذهب الذي أنت عليه.
فعلى كل حال، يرى بعض العلماء أن الحلق والتقصير إطلاق من محظور، وليس بنُسك، ولكنه قول ضعيف، والصواب أنه نسك، وأنه عبادة وقُربة لله، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا للمُحلقين وللمُقصرين، ولا يدعو إلا لشيء مطلوب شرعًا.
(ولا يلزم بتأخيره دم، ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني لو أخر الحلق أو التقصير عن أيام التشريق، أو عن شهر ذي الحجة، أو أخره إلى ربيع، أو إلى رمضان، أو إلى السنة الثانية، فليس عليه شيء، لكن يبقى عليه أيش؟ التحلل الثاني؛ لأنه لا يمكن أن يتحلل التحلل الثاني حتى يحلق أو يُقصر، ولكن الذي يظهر أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لأنه نسك، وقد قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197].
طلبة: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا, ما يفعل.
طالب: شيخ، بالنسبة لهذا العصر يكون الحجاج؛ يعني يكونون منتشرين في عرفات، ولا يسعهم مكان واحد بالنسبة لصلاة الظهر والعصر، والآن يعني الخطبة وصلاة المشعر يعني بتكون في الإعلام؛ يعني من مذياع ومرئي، فهل يعني يجوز لهم أن يصلوا خلف المذياع، وهم منتشرون في عرفات خلف الإمام؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3987
الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول خلاصة سؤاله: هل يجوز لنا ونحن في عرفة أن نصلي بصلاة الإمام إمام مسجد عرنة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: نقول: لا يجوز؛ لأنه لا بد من أن يكون مكان الجماعة واحدًا، ثم إننا لا نأمن أن ينقطع الصوت.
وعلى رأي بعض العلماء، يقول: لا بد من اتصال الصفوف إذا كان خارج المكان، ولو فتحنا هذا الباب لفتحنا على أنفسنا شيئًا لا يمكن لنا دفعه، لقال الناس: نبقى في بيوتنا في يوم الجمعة، ونصلي الجمعة خلف إمام مكانه أفضل من مكان إمامنا، ما هو؟
الطلبة: الحرم.
الشيخ: الحرم، وهذه مشكل، ولهذا الذي نرى أنه يجب سد هذا الباب، ونقول: من كان متصلًا مع الناس -مثل الذي يكون حول المسجد، مسجد عُرنة- فليُصلِّ مع الناس، أما البعيد فلا.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم بأن رمي جمرة العقبة هي تحية منى، وذكرتم أيضًا بأن جمرة العقبة ليست من منى، فكيف يكون الرميُ تحيةً لها وهي ليست من منى؟
الشيخ: إي، تحيةً لها زمنًا لا مكانًا، بمعنى أنه يُبدأ به قبل كل شيء.
طالب: لكن تحية الشيء يا شيخ، أليست مكانًا أحسن الله إليك؟
الشيخ: هذه منى، إذا وصلت منى، وإن كان هذا ليس منى.
طالب: أقول: أليست العبرة بالمكان؟
الشيخ: لا، لكن تحية المسجد من المسجد، أما هذه فتحية منى، يعني تحية النزول في منى، والإنسان إذا رمى سوف ينزل بمنى، والعلماء نصوا على هذا، على أن جمرة العقبة ليست من منى.
طالب: شيخ، قلنا: إنه يجوز حتى لغير الضعفاء ( ... ) بمزدلفة بعد مضي ثلثي الليل، لكن شيخ، النبي صلى الله عليه وسلم، إنما رخص ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لكن في وقتنا الحاضر الآن فيه مشقة على كل أحد، حتى الإنسان القوي يلحقه مشقة عظيمة، فبناء على هذا نقول: لا بأس.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ( ... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: ما يأخذ الحصاة ( ... )، بل إذا ( ... ).
الشيخ: ما به بأس، هذا أقرب إلى السنة.
طالب: من الأرض؟
الشيخ: إي، من الأرض.
طالب: عند الجمرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3988
الشيخ: عند الجمرة.
طالب: رضي الله عنك يا شيخ، التلبية ( ... ) مشاعر، هل يلبي أو لا؟
الشيخ: إي، هذه المسألة اختلف فيها العلماء، هل يلبي الإنسان وهو نازل في عرفة، أو نازل في المزدلفة، أو التلبية إنما تكون للماشي الذي يُقبل على من دعاه؟
يرى شيخ الإسلام رحمه الله أن التلبية إنما تكون للماشي -للساعي- لأنه هو الذي يتجه إلى من دعاه، ولكن ظاهر السنة خلاف ذلك؛ لأن قوله: لم يزل يُلبي حتى رمى جمرة العقبة (10) ظاهره أنه في كل هذا الوقت.
طالب: الأبطح من الحرم ولا خارج الحرم؟
الشيخ: الأبطح من الحرم.
طالب: من خارج مكة ( ... ).
الشيخ: تقصد من الحرم؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، المزدلفة من الحرم، منى من الحرم.
طالب: شيخ، قلنا: إن المكي إذا أراد العمرة خرج إلى الحل، واستدللنا لذلك بحديث عائشة وقلنا: عائشة ( ... ) من غير المكي، فكيف يتم الاستدلال؟
الشيخ: أليس الآفاقي إذا أحرم بالحج يُحرم من مكة؟
طالب: بلى، ولكن المكي والآفاقي يُحرم بالحج من مكة داخلين تحت العموم.
الشيخ: زين.
الطالب: ومَن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ.
الشيخ: لكن ألا يمكن أن يكون العموم يُخصص؟
الطالب: يخصص للآفاقي، هذا جاء الدليل ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو في الآفاقي، ما دام أنه قال: «حَتَّى أَهْل مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (11)، وقد ذكر الحج والعمرة، ثم بين في حديث عائشة أنه يُحرم من الحل ( ... ) واضح؟
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا في الدعاء في عرفة: يجوز أن يُؤمن الناس خلف ..
الشيخ: يعني يمشي مع الناس مثلًا على واحد يدعو لهم.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، لكن بعض الإخوة قال: نخشى أن يفتح علينا هذا الباب، التكبير الجماعي، والتلبية الجماعية.
طالب: الدعاء خلف الصلاة.
الشيخ: لا، هو أحيانًا يكون أي يكون الجماعة، ما معهم إنسان يعرف يدعو والوقت طويل، يقول: جزاك الله الخير، ادعُ لنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 3989
وحديث العباس أن عمر قال: ادعُ لنا، لكنه حديث العباس لا يتم الاستدلال به؛ لأنه في مكان دعاء استسقاء.
على كل حال، المسألة تحتاج إلى تأمل، وأنا أحب أن نسد الأبواب أمام أهل البدع.
وأنا أقول للإنسان: إذا كان معك عوائل لا يعرفون الدعاء، فأنت قل لهم: ادعوا باللي تعرفون، لو تقول: اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي، تكررها إلى الغروب، كفى.
طالب: بارك الله فيكم، لو حدث لإنسان تقدم إلى الجمرات ولقط من تحت الجمرات، فهل هذا جائز؟ أفتونا يا شيخ، أفادكم الله.
الشيخ: أيش؟
طالب: تذكرون هذا الأمر، أن لو لقط من الجمرات نفسها، أخذ من الحوض.
الشيخ: من الحوض يجزئ، ما فيها شيء.
الطالب: بدون حاجة.
الشيخ: بدون حاجة، لكن الغالب إن لم يصل إلى هذا المكان يكون في حاجة؛ لأنه لو نزل رأسه بيأخذ ممكن يُدعس.
طالب: في عرفة والمشاعر، الذين يخرجون من أهل مكة للتجارة، هل يصلون قصرًا وجمعًا في عرفات ومزدلفة؟
الشيخ: سمعتم السؤال؟
يقول: إذا خرج أهل مكة مع الحجاج للتجارة، هل يقصرون ويجمعون أو لا؟ فهذا ينبني على الخلاف، هل الجمع والقصر في منى ومزدلفة وعرفة نُسك، أو من أجل السفر؟
يرى بعض العلماء أنه نُسك، وهذا رأي من يرى أنه لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة، ويرى آخرون أنه للسفر، وأن السفر ما تعارف الناس عليه، وفي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان الناس يتزودون للخروج إلى منى وعرفة ومزدلفة، ويتأهبون أُهبة السفر، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
والدليل على هذا أنه لو كان من أجل النسك لقلنا لمن أحرم في مكة وتأخر عن الخروج، وهو من أهل مكة، فإنه يجوز له القصر.
الصحيح أنه من أجل السفر، وبناءً على ذلك نقول: هؤلاء الذين يخرجون مع الحجاج للتجارة لهم القصر.
بقي أن نقول: منى في الوقت الحاضر هل تُعتبر خارج مكة، أو تُعتبر من مكة؟
طالب: من مكة.
الجزء: 1 - الصفحة: 3990
الشيخ: الظاهر أنها من مكة، ولهذا نحن نقول للحجاج من أهل مكة: الأحوط لكم ألا تقصروا في منى، كما هو المشهور من مذهب الحنابلة أيضًا؛ مذهب الحنابلة الآن والشافعية، ومن يشترط المسافة يرى أنه لا يجوز لأهل مكة أن يقصروا، ولا أن يجمعوا في عرفة، ولا مزدلفة، ولا منى؛ لأن كل هذه لا تبلغ المسافة.
لكن إذا قلنا: إن الصحيح أن السفر ما تأهب الناسُ له؛ فإنا نقول في الوقت الحاضر: إن منى لأهل مكة حي من أحياء هذا ( ... ).
نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الإنسان إذا دفع من عرفة بات في المزدلفة، وله أن ينصرف منها على ما مشى عليه الفقهاء رحمهم الله بعد منتصف الليل مطلقًا؛ أي: سواء كان قويًّا أم ضعيفًا.
وسبق لنا أن القول الراجح في هذا أنه لا يدفع إلا إذا مضى أكثرُ الليل، وأن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما كانت ترقُب غروب القمر، فإذا غرب دفعت، وأن هذا هو الصحيح، وهو الذي يحصل به الْمُكث في مزدلفة أكثر الليل.
وسبق لنا أيضًا أنه إذا وصل إلى منى فإنه يبدأ برمي جمرة العقبة، ثم أيش؟
طلبة: نحر الهدي.
الشيخ: ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي.
وتُرتب هكذا على وجه الندب، فإن قدَّم بعضها على بعض فالصحيح أن ذلك جائز، سواء كان لعذر -كالجهل والنسيان- أو لغير عذر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُسأل في ذلك اليوم عن التقديم والتأخير فيقول: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ» (12).
وتأمل قوله: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ»، ولم يقل: «لَا حَرَجَ» فقط، بل قال: «افْعَلْ»، وافعل فعل أمر للمُستقبل، يعني أنك إذا فعلت في المستقبل فلا حرج.
وقد أبدى بعضُ العلماء المحققين -كابن دقيق العيد وغيره- أن هذا إنما يكون لمن كان معذورًا؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: لم أشعر، فظننتُ أن كذا قبل كذا، فقال: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ».
الجزء: 1 - الصفحة: 3991
ولكن لما كان النبي عليه الصلاة والسلام قال: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ»، وهي للمستقبل، ولم يقتصر على قوله: «لَا حَرَجَ»؛ عُلم أنه لا فرق بين الناسي والجاهل، وبين الذاكر والعالم.
وهذا كما أنه ظاهر الأدلة؛ فهو الموافق للدين الإسلامي في مثل هذه الأزمان؛ لأن ذلك أيسر على الناس.
بقي السعي قبل الطواف، فإن من العلماء من أنكر هذا، وقال: لا يمكن السعي قبل الطواف؛ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، فالطواف لا يمكن أن يتقدمه السعي.
فمنهم من طعن في صحة الرواية: سعيتُ قبل أن أطوف (13).
ومنهم من قال: المراد بذلك سعي الحج لمن كان قارنًا أو مُفرِدًا، فأما الأول فالحديث صحيح، ولا مطعن فيه، وأما الثاني: فإن هذا الرجل لم يسأل عن سعي سبق منذ أيام، إنما سأل عن سعي حصل في ذلك اليوم، ولا يصح أن نقول: إن هذا السعي الذي كان بعد طواف القدوم؛ لأن ظاهر حال السائل لا تقتضي هذا.
وسبق لنا أنه يحصل التحلل الأول إذا رمى وحلق أو قصَّر، وأن النحر لا علاقة له بالتحلل، ولكن الفقهاء -رحمهم الله- توسعوا وقالوا: يحصل التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة، وهي: الرمي، والحلق، والطواف، قالوا: إذا رمى وطاف حل التحلل الأول، إذا حلق وطاف حل التحلل الأول، إذا رمى وحلق حل التحلل الأول.
المهم إذا فعل اثنين من ثلاثة، والسنة إنما جاءت بالرمي وحده، أو بالرمي والحلق، ولكنهم قالوا: إذا كان الطواف مُؤثرًا في التحلل الثاني فإنه يكون مُؤثرًا في التحلل الأول، وذلك أن الإنسان إذا رمى وحلق وطاف: حل التحلل الثاني، فإن كان مُتمتعًا فيحل التحلل الثاني بعد السعي، وإن كان قارِنًا أو مُفرِدًا، ولم يكن سعى مع طواف القدوم فكذلك، فلهذا ألحقوا الطواف بالرمي والحلْق، وقالوا: إذا فعل اثنين من ثلاثة.
وسبق لنا أن القول الراجح أن الحلْق والتقصير إطلاق من محظور.
الجزء: 1 - الصفحة: 3992
الطلبة: لا، نُسك.
الشيخ: نُسك، أنه نسك، وليس إطلاقًا من محظور.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا للمُحلقين والْمُقصرين، والدعاء لا يكون إلا على فعل مأمور به، وإذا كان مأمورًا به فهو نُسك.
وسبق لنا أن المذهب، يرون أنه لا بأس من تأخيره ولو سنوات، لكنه يبقى على التحلل الأول فقط، ما هو على إحرامه، يبقى على التحلل الأول فقط، فلا يحل له النساء، على القول بأنه لا بد للتحلل الأول من الحلق أو التقصير، ولكن الذي يترجح لي أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197].
ثم قال المؤلف: (فصل: ثم يفيض إلى مكة) (يفيض)؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، (ولا يلزم بتأخيره دم) يعني لا يلزم بتأخير الحلق أو التقصير عن أيام منى دم، بل ولا عن شهر ذي الحجة، بل لو أخَّره إلى عشر سنوات فليس عليه شيء، ولكن هنا مسألة لو كان جاهلًا أنه يجب الحلق أو التقصير، ثم علم، فنقول: احلق وقصِّر الآن، ولا حرج عليك فيما فعلت من المحظورات قبل ذلك؛ لأنك فعلتها جاهلًا.
قال: (ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني ولا يلزم بتقديم الحَلْق أو التقصير على الرمي والنحر دم، بل له أن يُقدمه على الرمي والنحر، وليس عليه شيء، وقد سبق البحث في هذه المسألة، وبينا أدلة ذلك من سُنَّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم قال: (فصل، ثم يفيض إلى مكة) (يفيض) مأخوذ من فاض الماء، يعني يفيض الحاج أو الحجيج، يفيضون إلى مكة، أي: ينزلون من منى إلى مكة، ومتى هذا؟
في ضحى يوم النحر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفاض إليها في الضحى.
(ويطوف القارنُ والمفردُ بنية الفريضة طواف الزيارة) يطوف المفرد والقارن بنية الفريضة طواف الزيارة.
أفادنا المؤلف رحمه الله أن هذا الطواف فرض؛ لقوله: (بنية الفريضة)، وأنه لا بد من نيته، وأنه فرض.
الجزء: 1 - الصفحة: 3993
وسبق الخلاف في هذه المسألة، وبينا أن الطواف والسعي والرمي وما أشبهه كلها تعتبر أجزاء من عبادة واحدة، وأن النية في أولها كافية عن النية في بقية أجزائها؛ لأن هذه العبادة -الحج- عبادة مُكونة أو مركبة من هذه الأجزاء، فإذا نوى في أولها أجزأ عن الجميع، كما لو نوى الصلاة من أولها.
وأفادنا في قوله: (يطوف المفردُ والقارنُ) أن المتمتع لا يطوف، وليس كذلك، وإنما أراد -رحمه الله- بالنص على المفرِد والقارِن دفْع ما قيل: إن المفرِد والقارِن يطوفان للقدوم أولًا إذا لم يكونا دخلا مكة من قبل، ثم يطوفان للزيارة، فيلزمهما على هذا طوافان: الطواف الأول للقدوم، بشرط ألا يكونا دخلاها من قبل، والثاني للزيارة.
كيف لم يكونا دخلاها من قبل؟ هل يمكن هذا؟ هل يمكن للقارن والمفرد ألا يكونا دخلا مكة قبل طواف الإفاضة؟
نعم، يمكن؛ لأنه من الجائز لهما شرعًا أن يذهبا من الميقات رأسًا إلى منى أو إلى عرفة، بخلاف المتمتع، المتمتع لا يتأتى في حقه ذلك؛ لأن المتمتع لا بد أن يدخل مكة ويُتم عمرته.
فأراد المؤلف بالنص على المفرِد والقارِن دفع ما قيل من أنهما يطوفان للقدوم أولًا إذا لم يكونا دخلا مكة، ثم للزيارة.
وما ذهب إليه المؤلف -رحمه الله- هو الصواب، بل هو المتعين، وذلك أنه اجتمع عند المفرِد والقارن اللذين لم يدخلا مكة من قبل، اجتمعا لديهما طوافُ قدوم وطوافُ فرض، فاكتُفي بطواف الفرض عن طواف القدوم، كما لو دخل الإنسانُ المسجد، وقد أُقيمت الصلاة، أو لم تُقم، وأراد أن يصلي الفريضة، فإن ذلك يجزئ عن تحية المسجد، والقياس هنا في غاية الوضوح، قياس جلي واضح.
ثم إنه لم يُنقل عن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أن أحدًا منهم طاف مرتين في يوم العيد، مع أن بعض أصحابه لم يكن دخل مكة، مثل: عروة بن مُضرس، فإنه لم يدخل مكة من قبل.
الجزء: 1 - الصفحة: 3994
وعلى هذا، فالصواب ما ذهب إليه المؤلف، أما المتمتع فلا بد أن يطوف طواف الإفاضة، ولا يطوف طواف القدوم؛ وذلك لأنه قد طافه من قبل في العمرة.
على أن المذهب أن المتمتع أيضًا يطوف للقدوم، لكن يطوف بالقدوم بلا رمل.
نقول: ولا اضطباع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، لا نقول: ولا اضطباع؛ لأنه قد حل ولبس ثيابه -لبس قميصه- لكن بلا رمل، والصواب خلاف ذلك، وأنه لا طواف للقدوم، لا في حق المفرِد والقارِن مطلقًا، ولا في حق المتمتع كذلك.
ثم قال المؤلف: (وأول وقته) الضمير في وقته يعود على؟
طلبة: طواف ( ... ).
الشيخ: طواف الزيارة، أول وقته بعد نصف ليلة النحر، ولكن بشرط أن يسبقه الوقوف بعرفة وبمزدلفة، فلو طاف بعد منتصف ليلة النحر، ثم خرج إلى عرفة ومُزدلفة؛ فإنه لا يجزئه، فلو أن المؤلف -رحمه الله- قيد ذلك لكان أوضح، على أنه ربما يقال: إن هذا معلوم من قوله في أول الفصل: (ثم يفيض)، لكن لا بد من ذكره.
أول وقته بعد نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة ومزدلفة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، ولا يمكن قضاء التفث ووفاء النذور إلا بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة.
ثم قال المؤلف: (ويُسن في يومه) (يُسن) أي: يُسن طواف الزيارة في يومه، أي: في يوم العيد؛ اتباعًا لسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه طاف في يوم العيد.
ثم قال: (وله تأخيره) أي تأخير طواف الإفاضة عن أيام منى، وله تأخيره عن شهر ذي الحجة، وله تأخيره إلى ربيع، وله تأخيره إلى رمضان، وله تأخيره إلى سنة، وله تأخيره إلى سنتين، وله تأخيره إلى عشر سنوات وأكثر؟
طالب: وأكثر.
الشيخ: وأكثر؛ لأن المؤلف قال: (وله تأخيره)، ولم يُقيده بزمن، لم يقل: له تأخيره إلى كذا، ولكن يبقى عليه أيش؟
طالب: التحلل.
الشيخ: التحلل الثاني، يبقى على الحل الأول حتى يطوف.
الجزء: 1 - الصفحة: 3995
وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من أن له تأخيره إلى ما لا نهاية له ضعيف، والصواب أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة، إلا إذا كان هناك عُذر كمرض لا يستطيع معه الطواف، لا ماشيًا، ولا محمولًا، أو امرأة نفست قبل أن تطوف طواف الإفاضة أو طواف الزيارة، فهنا ستبقى لمدة شهر أو أكثر.
أما إذا كان لغير عذر، فإنه لا يحل له أن يُؤخره، بل يجب أن يبادر قبل أن ينتهي شهر ذي الحجة.
وعُلم من كلام المؤلف أنه لا يجب أن يطوف طواف الإفاضة يوم العيد؛ لقوله: (يُسن في يومه، وله تأخيره).
وعُلم منه أيضًا أنه يبقى على حله الأول إذا أخَّر طواف الإفاضة عن يوم العيد، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، بل حُكي إجماعًا أنه لا يعود حرامًا لو أخَّر طواف الإفاضة حتى تغرب الشمس من يوم العيد.
ولكن ذُكر في هذا خلاف عن بعض التابعين؛ لحديث ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، لكنه حديث شاذ، وفي صحته نظر، وهذا الحديث مُقتضاه أنه لو غابت الشمس يوم العيد، ولم يطُف فإنه يعود حرامًا كما كان بالأمس، ولكنه لا يُعوَّل عليه؛ لشذوذه، وعدم عمل الأمة به، وذلك أن الأمة لا يمكن أن تُخالف مثل هذا الحديث الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله والعمل به؛ لأنه من المعلوم أنه ليس كل الحجيج يطوفون طواف الإفاضة في يوم العيد.
ثم إنه إذا انتهى من إحرامه فقد حل، ولا يعود للحرام إلا إذا عقد إحرامًا جديدًا، أما مجرد عدم المبادرة بطواف الإفاضة فإنه لا يمكن أن يكون سببًا لعودة التحريم بلا نية؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (14).
قال المؤلف: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا) يسعى بين الصفا والمروة على صفة ما سبق، يبدأ بالصفا أولًا، ويختم؟
طالب: بالمروة.
الشيخ: بالمروة.
(إن كان مُتمتعًا)، ومن المتمتع؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3996
طالب: المحرم الذي أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم فرغ منها، ثم أحرم بالحج في عامه.
الشيخ: يقول: هو الذي أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم حل منها، وأحرم بالحج من عامه، فيلزمه أن يسعى مطلقًا؛ وذلك لأنه يلزمه طوافان وسعيان؛ طواف للعمرة، طواف للحج، سعي للعمرة، سعي للحج.
أما الْمُفرِد والقارِن قال المؤلف: (أو كان غيره) أي غير متمتِّع، وهو المفرِد والقارن، (ولم يكن سعى مع طواف القدوم)، فإن سعى فلا يُعيد السعي؛ لقول جابر رضي الله عنه: لم يطُف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بالصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول (15).
لم يطف ولا أصحابه إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سعوا بعد طواف القدوم.
وظاهر هذا الحديث الذي سقته الآن أن المتمتع لا يسعى؛ لأن كثيرًا من الصحابة تمتعوا؛ لأنهم لم يسوقوا الهدي، وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتمتع، ولكن هذا الظاهر يجب حمله على أن المراد بـ (أصحابه) الذين بقوا على إحرامهم لسوقهم الهدي، فهو عام أُريد به الخاص.
ويدل لهذا ما رواه البخاري من حديثي عائشة وابن عباس رضي الله عنهما مما يدل على ذلك، وهذا هو الصحيح؛ أن المتمتع يلزمه سعي للحج، كما يلزمه سعي للعمرة.
يقول: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم)
فهمنا من قول المؤلف: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم) يعني غير المتمتع؛ أن القارِن والمفرِد يجوز لهما أن يُقدما سعي الحج بعد طواف القدوم، ويجوز أن.
طلبة: يُؤخراه.
الشيخ: يُؤخراه، كل هذا جائز، ولكن أيهما أفضل؟
الجزء: 1 - الصفحة: 3997
الأفضل -والله أعلم- أن يُقدَّم بعد طواف القدوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدمه، على أنه قد يقول قائل: أنا أنازِع في هذا الدليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدَّمه ليعلم أصحابه، وعامة أصحابه يحتاجون إلى السعي؛ لأنهم تمتعوا، فلا يدل تقديمه إياه على وجه قطعي؛ أن الأفضل تقديم السعي للمُفرِد والقارِن بعد طواف القدوم.
لكن نحن نُجيب عن هذا الإيراد بأن الأصل أن ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام فهو سُنَّة، واحتمال أن يكون ذلك من أجل أن يُعلم أصحابه أو نحو ذلك، هذا أمر محتمل، لكن إبقاء النص على ظاهره أوْلى؛ ولأنه في الغالب إذا سعى بعد طواف القدوم يكون أسهل؛ لأن الزحام أسهل من الزحام في يوم العيد، وفي أيام التشريق.
قال: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم، ثم قد حل له كل شيء) (حل له) أي للحاج.
(كل شيء) حتى شرب الخمر؟ !
طلبة: لا.
الشيخ: أيش كل شيء؟ هذا عام أُريد به.
الطلبة: الخاص.
الشيخ: الخاص، أي: كل شيء حرُم عليه بالإحرام فإنه يحل له إذا طاف وسعى، طواف الإفاضة، وسعى سعي الحاج، إذا كان متمتعًا، أو كان مفردًا، أو قارنًا، ولم يكن سعى مع طواف القدوم.
وفي هذا إشارة، أو في هذا دليل على أن العام ولو كان بلفظ (كل) قد يُراد به الخاص، ما الذي يُعينه أن المراد الخاص؟
طالب: السياق.
الشيخ: السياق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25]، أي: ريح عاد، فهل هي دمرت السماوات والأرض؟ لا، بل ولا المساكن لم تُدمرها.
﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25]، فالمراد بـ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: مما أُمرت أن تدمره، أو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مما يتعلق بهؤلاء القوم الذين كذبوا هودًا.
(ثم قد حل له كل شيء) حتى النساء؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى النساء، إذن يمكن للرجل إذا كان أهله معه أن يستمتع بأهله في آخر يوم العيد أو لا يمكن؟
الطلبة: يمكن.
الجزء: 1 - الصفحة: 3998
الشيخ: يمكن، يرمي، ويحلق أو يقصر، ويطوف، ويسعى.
هل يمكن أن يستمتع بأهله ليلة العيد؟
الطلبة: لا.
الشيخ: انتبهوا يا إخواني، على ما قرأتُم في كلام المؤلف.
إذا كان يجوز الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل، فدفع، ورمى، وذهب إلى مكة، وطاف، وسعى، قبل الفجر، يمكن؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إي، واقع من ( ... )، ما فيه إشكال، خصوصًا أيامنا الآن، في أيامنا هذه المواصلات قليلة سهلة.
المهم أنه يمكن، لكن على القول الذي اخترناه، وأنه لا يدفع إلا في آخر الليل؛ قد يكون هذا مُتعذرًا، لكن على ما مشى عليه المؤلف يكون ممكنًا.
ثم قال: (حل له كل شيء).
قال: (ثم يشرب من ماء زمزم)؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما طاف طواف الإفاضة شرب من ماء زمزم.
وقوله: (لما أحب) أي ينويه لما أحب، إذا كان مريضًا، وشرب من أجل أن يذهب مرضُه فليفعل.
إذا كان عطشانًا شرب لأجل الري فليفعل، إذا كان كثير النسيان فشرب ليقوى حفظُه فليفعل.
وقد فعل ذلك بعضُ المحدثين؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (16)، والحديث حسن، «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».
إذن ينبغي أن تنوي ما تُحب أن يكون حاصلًا بهذا الماء، ولهذا قال المؤلف: (لما أحب).
قال: (ويتضلع منه) ما معنى يتضلع؟
أي: يملأ بطنه حتى يمتلئ ما بين أضلاعه؛ لأن هذا الماء خير، وقد ورد حديث، لكن فيه نظر: أن آية ما بين الإيمان والنفاق التَّضلُّع من ماء زمزم (17)؛ وذلك لأن ماء زمزم ليس عذبًا حلوًا، بل هو يميل إلى الملوحة، والإنسان المؤمن لا يشرب من هذا الماء الذي يميل إلى الملوحة إلا إيمانًا بما فيه من البركة، فيكون التضلع منه دليلًا على الإيمان.
الجزء: 1 - الصفحة: 3999
فإن قال قائل: هل يفعل شيئًا آخر كالرش على البدن، وعلى الثوب، أو أن يغسل به أثوابًا يجعلها لكفنه، كما كان الناسُ يفعلون ذلك, نحن شاهدناهم قبل أن يكثُر الحجيج يشترون ثياب كثيرة بيضاء، ويغسلونها بماء زمزم، وينشرونها على الساحة، ويكون هذه مجالها أكفان لنا.
نقول: لا، نحن لا نتجاوز في التبرك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا نتجاوز إليه، بل نقول: ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام من هذه الأمور أخذنا به، وما لا فلا.
ثم قال: (ويدعو بما ورد) متى؟
يدعو إذا شرب من ماء زمزم بما ورد.
وعندنا يقول الشارح: فيقول: بسم الله، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وريًّا وشبعًا، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك.
هكذا قال المؤلف إنه ورد، فمن يُخرج لنا هذا الحديث؟
طالب: باقي الحديث: آية ما بين الإيمان والنفاق التضلع من ماء زمزم.
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيوه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا أشرنا إلى أنه ضعيف، وأن وجهه لو صح أن الماء ليس بعذب، ولا يتروى به إلا من آمن بفائدته، لكن فيه أيضًا: يرش على بدنه وثوبه، ويستقبل القبلة ويتنفس ثلاثًا، هذا أيضًا يحتاج إلى إثبات.
ثم قال المؤلف: (ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال) يرجع متى؟
ثم يرجع من مكة بعد أن يطوف ويسعى، يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال، هذا إن تأخَّر، وإن تعجَّل فليلتان، ما هما الليالي الثلاث؟ الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة، هذا إن تأخر، وإن تعجل فالحادية عشرة، والثانية عشرة.
(فيرمي الجمرة الأولى) متى؟
بعد الزوال، وسيذكر المؤلف.
(الجمرة الأولى -وتلي مسجد الخيف- بسبع حصيات متعاقبات، ويجعلها عن يساره، ويتأخر قليلًا، ويدعو طويلًا، ثم الوسطى مثلها، ثم جمرة العقبة):
الجزء: 1 - الصفحة: 4000
صفة الرمي على المذهب: يقول رحمه الله: (يرمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف)، وتُسمى الجمرة الصغرى.
يقول: (ويجعلها عن يساره) حال الرمي، يستقبل القبلة، وتكون الجمرة عن يساره، فمثلًا الجمرة هنا، والقبلة هنا، يستقبل القبلة، ويرمي هكذا، ما يرمي تلقاء وجهه، يرمي هكذا، نحن نتكلم على ما يدل عليه كلام المؤلف، ثم نعود -إن شاء الله- ننظر.
قال: (ويتأخر قليلًا) (يتأخر) بمعنى يبعد، إلى أي مدى؟
إلى موضع لا يناله فيه الحصا، ولا يتأذى بالزحام.
(ويدعو طويلًا) يستقبل القبلة، ويدعو دعاء طويلًا، وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بقدر سورة البقرة، (18) وعلى هذا فيُطيل الدعاء، مستقبل القبلة، رافعًا يديه.
(ثم الوسطى مثلها)، لكن يجعلها عن يمينه، على كلام الأصحاب رحمهم الله، الوسطى يرمي بسبع حصيات مُتعاقبات، ويجعلها عن يمينه.
هكذا الجمرة هنا، والقبلة هنا، يجعلها عن يمينه، ( ... ) إذا رمي كذا، وهذا فيه صعوبة، والذي يمكن بسهولة إذا كان الرجل يعمل بيديه جميعًا، يعني بعض الناس تكون قوة يده اليسرى كقوة يده اليمنى، فهذا إن جعل الجمرة عن يساره رمى باليُمنى، وإن جعل عن يمينه رمى باليُسرى.
(ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها) جمرة العقبة يرميها بسبع حصيات مُتعاقبات، ويستقبل القبلة، ويرمي من بطن الوادي، ويجعلها عن يمينه، كيف يفعل؟
كالوسطى، يجعلها عن يمينه، والقبلة أمامه، ويرمي هكذا، ولكن الصحيح خلاف ما قال المؤلف.
الصحيح أنه يرمي مستقبل القبلة في الأولى والوسطى، والجمرة بين يديه، وما ذكره من الصفة فهي أولًا: لا دليل عليها، والثاني: أن فيها صعوبة، والثالث: أنها في وقتنا غير ممكنة، عسى أن يحصل للإنسان أن يرمي الجمرة تلقاء وجهه.
فالصواب أنه يرمي الجمرة -ولو كان في سعة- تلقاء وجهه، مستقبل القبلة، الأولى، والوسطى.
الجزء: 1 - الصفحة: 4001
أما الثانية: فيرميها مستقبل الجمرة، وتكون الكعبةُ عن يساره، ومنى عن يمينه؛ لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رماها كذلك، وقال: هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة (19)، يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحينئذٍ يُستثنى من استقبال القبلة في رمي الجمرات جمرة العقبة، يجعل الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل الجمرة.
وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن تستقبل القبلة، وترمي جمرة العقبة بحيث تكون بين يديك، لماذا؟ لأجل الجبل؛ لأنها هي ملصقة بالجبل، فلا يمكن، وفي هذا دليل واضح على أن المقصود هو استقبال أيش؟
طلبة: الجمرة.
الشيخ: الجمرة، سواء استقبلت القبلة أم لم تستقبل، لكن في الجمرة الأولى والوسطى يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، أما في العقبة فلا يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، ولذلك فُضل -أو اعتُبر- استقبال الجمرة.
قال: (ولا يقف عندها) لا يقف عند جمرة العقبة، وإنما يقف بعد الأولى، وبعد الوسطى، ولا يقف بعد العقبة، لماذا؟
قال العلماء: لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في جوف العبادة، ولا يكون بعدها.
انتبه، يكون في جوف العبادة، ولا يكون بعدها.
وهذا على قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية واضح، ولهذا يرى أن الإنسان إذا أراد أن يدعو في الصلاة، فليدعُ قبل أن يُسلم، لا بعد أن يسلم، لا في الفريضة، ولا في النافلة، وقد سبق لنا بيان هذا.
وبه نعرف أيضًا أن الدعاء على الصفا والمروة يكون في أول الأشواط لا في آخرها، فيكون آخر شوط على المروة ليس فيه دعاء؛ لأنه انتهى السعي، ولا دعاء بعده، وإنما يكون الدعاء في مقدمة الشوط، كما كان التكبير أيضًا في الطواف في مقدمة الشوط.
وعليه، فإذا انتهى من السعي عند المروة ينصرف، إذا انتهى من الطواف عند الحجر ينصرف، ولا حاجة إلى التقبيل، أو الاستلام، أو الإشارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4002
قال المؤلف: (يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، مُستقبل القبلة مُرتِّبًا)
(في كل يوم من أيام التشريق) واليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، لكنه ليس كل اليوم، بل يقول المؤلف: (بعد الزوال).
وعليه يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يُجزئ الرميُ قبل الزوال، ولا يجزئُ بعد الغروب؛ لأن ذلك خارج عن اليوم.
بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا- فإن رَماهُ كلَّه في الثالثِ أَجْزَأَه ويُرَتِّبُه بنِيَّتِهِ، فإن أَخَّرَه عنه أو لم يَبِتْ بها فعليه دَمٌ، ومَن تَعَجَّلَ في يومينِ خَرَجَ قبلَ الغُروبِ، وإلا لَزِمَه الْمَبيتُ والرَّمْيُ من الْغَدِ، فإذا أرادَ الخروجَ من مَكَّةَ لم يَخْرُجْ حتى يَطوفَ للوداعِ، فإن أَقامَ أو اتَّجَرَ بعدَه أَعادَه، وإن تَرَكَه غيرُ حائضٍ رَجَعَ إليه فإن شَقَّ أو لم يَرْجِعْ فعليه دَمٌ، وإن أَخَّرَ طَوافَ الزيارةِ فطَافَه عندَ الخروجِ أَجْزَأَ عن الوَداعِ، ويَقِفُ غيرُ الحائضِ بينَ الركْنِ والبابِ داعيًا بما وَرَدَ، وتَقِفُ الحائضُ ببابِه وتَدْعُو بالدعاءِ، وتُسْتَحَبُّ زِيارةُ قَبْرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ.
و(صِفَةُ العُمرةِ) أن يُحْرِمَ بها من الْمِيقاتِ أو من أَدْنَى الْحِلِّ من مَكِّيٍّ ونَحوِه لا من الْحَرَمِ، فإذا طافَ وسَعَى وقَصَّرَ حَلَّ، وتُباحُ كلَّ وقتٍ وتُجزئُ عن الفَرْضِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 4003
قال المؤلف: (مستقبل القبلة في كل يومٍ من أيام التشريق يفعل هذا)، يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق (بعد الزوال مستقبل القبلة مرتبًا في كل يوم من أيام التشريق) واليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، لكنه ليس كل اليوم، بل يقول المؤلف: (بعد الزوال)، وعليه يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال، ولا يجزئ بعد الغروب؛ لأن ذلك خارج عن اليوم، ولهذا قال: في كل يومٍ من أيام التشريق بعد الزوال.
طيب لا يجزئ قبل الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بعد الزوال وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (1)، ولأنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجهٍ آخر، ولما فيه من تطويل الوقت من وجهٍ ثالث، فلما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعمد أن يؤخر حتى تزول الشمس، مع أنه أشق على الناس، دل هذا على أنه قبل الزوال لا يجزئ، ويدل لذلك أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من حين أن تزول الشمس يبادر فيرمي قبل أن يصلي الظهر، وكأنه يترقب بفارغ الصبر زوال الشمس ليرمي ثم يصلي الظهر، وهذا هو القول الراجح، ولو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي عليه الصلاة والسلام بيانًا للجواز أو ليَسر الله مَن يفعله مِن الصحابة ويقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
إذن الرمي قبل الزوال في الأيام الثلاثة أيام التشريق لا يصح، بعد غروب الشمس أيضًا لا يجزئ على المشهور من المذهب؛ لأنها عبادة نهارية فلا تجزئ في الليل.
وذهب بعض العلماء إلى إجزاء الرمي ليلاً وقال: إنه لا دليل على التحديد بالغروب؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدد أوله بفعله ولم يحد آخره.
الجزء: 1 - الصفحة: 4004
وقد سئل الرسول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري (2) أن رجلاً قال: يا رسول الله، رميت بعدما أمسيت؟ قال: «لَا حَرَجَ».
والمساء يكون في آخر النهار وفي أول الليل، ولما لم يستفصل الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل: بعدما أمسيت في آخر النهار أو في أول الليل، عُلم أن الأمر واسع في هذا، ثم إنه لا غرابة أن يكون الليل تابعًا للنهار، فها هو الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج والليل فيه تابع للنهار، فإن وقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر.
ولهذا نرى أنه إذا كان لا يتيسر على الإنسان أو لا يتيسر للإنسان أن يرمي في النهار فله أن يرمي في الليل، وإذا كان يتيسر لكن مع الأذى والمشقة وأنه في الليل يكون أريح له وأكثر طمأنينة فإنه يرمي في الليل؛ لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من المتعلق بزمن العبادة، وما دام أنه ليس هناك دليل صحيح صريح يحدد آخر وقت الرمي فالأصل عدم ذلك، ولا ينبغي أن نلزم الناس بأن يرموا كلهم وهم مليون رجل يرمون كلهم في خلال ست ساعات.
يعني لو فرضنا أن من الزوال إلى غروب الشمس ست ساعات، وذلك في وقت الاعتدال الربيعي والخريفي، اقسم ست ساعات على مليون نفر كم معدل الذين يرمون في كل ساعة؟
الطلبة: مئة وستون ألفًا.
الشيخ: اثنان وستون ألفًا.
الطلبة: مئة وستون ألفًا.
الشيخ: مئة وستون ألفًا، سبحان الله، ! مئة وستون ألفًا في الساعة هذا صعب، هذا إذا قلنا: إنهم مليون، فكيف وهم أكثر من ذلك، ولهذا كان من أحسن ما فعلت، أو أظن هيئة كبار العلماء، من أحسن ما فعلوا أنهم أصدروا فتوى بأنه لا بأس بالرمي في الليل في هذه الأزمنة وإن النفس مطمئنة والصدر منشرح للفتوى بذلك.
يقول رحمه الله: (مستقبل القبلة مرتبًا).
ما معنى الترتيب؟ أن يبدأ بالحصاة الأولى قبل الثانية؟
طالب: ليس الترتيب كذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 4005
الشيخ: ليس هذا المراد؛ لأنه لا بد أن يرمي الحصاة الأولى قبل الثانية، المراد الترتيب بين هذه الجمرات بأن يرمي الأولى ثم الوسطى ثم العقبة، فإن نكَّث ورمى العقبة ثم الوسطى ثم الأولى.
الطلبة: صحت الأولى.
الشيخ: صحت الأولى فقط، ووجب عليه أن يرمي الثانية والثالثة.
وقال بعض أهل العلم إن الترتيب ليس بشرط ولكنه ندب، وقال: إن هذا ليس أولى من عدم الترتيب في أنساك يوم العيد، وأنساك يوم العيد كما مر علينا لا يشترط فيها الترتيب، أليس كذلك؟ قال: هذا من باب أولى ألا يشترط.
وعارضه آخرون فقالوا: ليس الأمر كذلك، فإن اشتراط الترتيب هنا أولى من اشتراطه في أنساك العيد؛ لأن هذا عبادة واحدة، بخلاف أنساك يوم العيد فإنها عبادات متنوعة، أما هذه فهي عبادة واحدة، فلا بد أن تُفعل كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولكن ما دام الإنسان في السعه فلا شك أن نقول: إنه يجب عليك الترتيب، وإنه لو سألنا في أيام التشريق فقال: إنه رمى منكسًا لسهل علينا أن نقول: اذهب وارم مرتبًا، لكن إذا كان الأمر قد فات في أيام التشريق وجاء يسأل فقال: إني رميت من غير أن أعلم بدأت بجمرة العقبة، وأنا رأيت أن جمرة العقبة تُرمى يوم العيد دون الجمرتين الأخريين، وهذا يدل على أنها أفضل منهما، والقاعدة الشرعية، وسيقيس هذا اليوم في مقابلة النص، القاعدة الشرعية أن الأفضل نعم يُبدأ به، فأنا رأيت أن هذا هو الصواب وفعلت كل أيام التشريق، في هذه الحال نرجو ألا يكون هناك بأس بإفتائه بأن رميه صحيح؛ لأنه ليس هناك قول عن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: رتبوا بينها، وليس هناك إلا مجرد الفعل وعموم: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (1).
الجزء: 1 - الصفحة: 4006
ولا سيما أن كثيرًا من العلماء قالوا: يسقط الترتيب بين أعضاء الوضوء بالجهل والنسيان، وقالوا: يسقط الترتيب بين الفوائت التي تفوت الإنسان بالجهل والنسيان، وقالوا: يسقط الترتيب بين الصلاتين المجموعتين بالجهل، فهذا يدل على أنه إذا اختل الترتيب لعذرٍ من الأعذار فإنه يسقط عن الإنسان؛ لأنه فعل العبادة، أتى بالعبادة لكن على وجهٍ غير مرتب، فإذا جاء الإنسان وقد مضت أيام التشريق وقال: إنه كان يرمي في أيام التشريق منكسًا فأرجو ألا يكون هناك بأس بإفتائه بأن رميه صحيح وأنه لا يجب عليه ما يجب على من ترك الرمي.
(فإن رماه كله في اليوم الثالث أجزأه، ويرتبه بنيته): إن رماه: الضمير يعود على الحصى، حصى الجمار، كله في اليوم الثالث، الثالث أو الرابع؟
الطلبة: الثالث.
الشيخ: الثالث؛ لأن المؤلف يتكلم عن إن رمى أيام التشريق، إن رماه كله أجزأه، ولكن يقول: يرتبه بنيته، يرتب الأيام بنيته، فمثلاً يبدأ برمي أول يوم بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود فيرمي لليوم الثاني بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود فيرمي للثالث يبدأ بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة.
ولا يجزئ أن يرمي الأولى عن ثلاثة أيام، ثم الوسطى عن ثلاثة أيام، ثم العقبة عن ثلاثة أيام؛ لأن ذلك يفضي إلى التداخل، تداخل العبادات وإدخال جزء من عبادة يوم في عبادة يوم آخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 4007
وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من جواز جمع الرمي في آخر يوم فيه نظر، بل هو ضعيف؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمى كل يوم في يومه وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (1)، ولأنه رخص للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا (3)، كلمة (رخص) تدل على أن مَن سواهم فإن وقت الرمي في حقه عزيمة.
وهذا القول هو الصحيح، أنه لا يجوز أن يؤخر رمي الجمرات إلى آخر يوم إلا في حالٍ واحدة، لو فرضنا أن منزله بعيد؛ إذ ما يكون منزله في أقصى منى من الشمال أو من الشرق ويصعب عليه أن يتردد كل يوم، لا سيما في أيام الحر وأيام الزحام، فهنا نقول: لا بأس أن يؤخر الرمي إلى آخر يوم ويرميه مرة واحدة؛ لأن هذا أولى بالعذر ممن؟
الطلبة: الرعاة.
الشيخ: من الرعاة الذين رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمعوا الرمي في يوم.
وأما من كان قادرًا والرمي عليه سهل لقربه من الجمرات، أو لكونه يستطيع أن يركب السيارات حتى يقرب من الجمرات، فإنه يجب أن يرمي كل يومٍ في يومه.
قال: (ويرتبه بنيته، فإن أخره عنه) أي: عن أيام التشريق (فعليه دم) ولو لعذر؟ نعم ولو لعذر، لكن إذا كان لعذر يسقط عنه الإثم، وأما جبره بالدم فلا بد منه.
فلو فرض أن رجلاً من الناس لم يظن أن رمي الجمرات واجب، أو لم يظن أن الترتيب فيها واجب، وجاءنا يسألنا بعد أن مضت أيام التشريق، ماذا نقول له؟
نقول: على ما مشى عليه المؤلف يجب عليك دم، يجب عليك دم، فإذا قال: أنا جاهل، قلنا: نعم أنت جاهل ويسقط عنك الإثم، لكن هذا العمل الذي فاتك بجهلك له بدل وهو الدم، فيجب عليك أن تذبح فدية توزعها على الفقراء في مكة.
قال: (أو لم يبت بها) يعني لم يبت بها، الضمير يعود على منى، لم يبت بها ليلتين إن تعجل أو ثلاث ليال إن تأخر فعليه دم، والدم إذا أُطلق فهو ما يجزئ في الأضحية بأن يكون من بهيمة الأنعام وقد تم له السن المعتبر شرعًا وسلم من العيوب المانعة من الإجزاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 4008
وقول المؤلف: (أو لم يبت بها) عُلم منه أنه لو ترك ليلة من الليالي فإنه ليس عليه دم، وهو كذلك، فإذا ترك ليلة من الليالي فعليه إطعام مسكين، وليلتين إطعام مسكينين، وثلاث ليال دم، وقيل: إن ترك المبيت فإنه ليس عليه دم مطلقًا، وهذا مبني على أن المبيت سنة وليس بواجب، واستدل هؤلاء لكون المبيت سنة وليس بواجب أن الرسول عليه الصلاة والسلام رخص لعمه العباس في السقاية أن يبيت بمكة من أجل سقي الناس ماء زمزم (4)، وهذا ليس بضرورة أن يبيت؛ إذ من الجائز أن تترك زمزم كل من جاء شرب منها، ولكن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يرخص للعباس يدل على أن الأمر في ذلك واسع، ولكن الصحيح أنه واجب - أي المبيت - لأن كلمة رخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقايته يدل على أن ما يقابل رخصة فهو عزيمة لا بد منه.
ولكن لا نفعل كما يفعل بعض المفتين اليوم، يأتيه الرجل يقول: أنا لم أدرك الليل كله في منى، فات عليّ بعض الليل وأنا في مكة، نزلت إلى مكة أقضي الحج أطوف ثم تأخر بي السير، ولم أصل إلى منى إلا بعد الفجر مثلاً، فيقول: عليك دم، كل كلمة يمكن، كل كلمة يقول: عليك دم، وهذا غلط؛ لأن إلزام المسلمين بما لم يلزمهم الله به يعتبر عدوانًا.
لكن ما ظنكم لو أن مفتيًا أفتى بغير علم وقال للحاج: عليك دم، فذهب الحاج واشترى دمًا بخمس مئة ريال وتصدق به على الفقراء، هل يمكن أن نقول بتضمين المفتي؟
طالب: بلى وإي نعم.
الشيخ: هو بغير علم.
طالب: يضمن.
الشيخ: نعم، نقول بضمانه، بتضمينه؛ لأنه هوالذي أفتاه بغير علم وألزمه بما لم يلزمه الله.
ونحن نستفيد من هذا التضمين بأن هذا الذي أفتى بغير علم اليوم لا يفتي بمثله أبدًا، ولا يفتي بمسألة إلا وقد علمها أو غلب على ظنه أن هذا حكمها.
قال المؤلف: نعم.
طالب: انتهى.
الشيخ: انتهى، هذا يقول.
طالب: نعم ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 4009
الشيخ: أكثر الناس ينسب السعي بين الصفا والمروة للاقتداء بأم إسماعيل، وأن هذه الأَمة كذا أو الأُمّة.
طالب: هذه الأُمّة.
الشيخ: وأن هذه الأُمّة.
طالب: اقتداؤها بالرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: تتابع.
الطالب: اقتداؤها بالرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: تتابع ( ... ) رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ... ) رأي ( ... )؟ أيش، ويش الإشكال في هذا؟
الطالب: الإشكال أن الناس ينسبون كل السعي والسعي بين ( ... ) إلى أم إسماعيل.
الشيخ: أيوه
الطالب: ( ... ) الرسول صلى الله عليه وسلم ( ... ).
الشيخ: لا، على كل حال فعل الرسول هو الأصل، يعني نحن بالنسبة لنا نتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن أصل المشروعية هو؟
الطلبة: ما جرى لأم إسماعيل.
الشيخ: ما جرى لأم إسماعيل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام نفسه قال: «فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَعَى النَّاسُ» (5).
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام ( ... ) على آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع، فإن أقام أو اتجر بعده أعاده، وإن تركه غير حائضٍ رجع إليه، فإن شق أو لم يرجع فعليه دم، وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، ويقف غيرُ الحائض بين الركن والباب داعيًا بما ورد، وتقف الحائض ببابه وتدعو بالدعاء، وتستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه.
الشيخ: ( ... ) محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سبق لنا في الدرس الماضي ما يفعله الإنسان في يوم العيد وأنه خمسة أنساك، وأنها مرتبة كالتالي: الرمي، النحر، الحلق أو التقصير، الطواف، السعي.
وأنه لو قدم بعضها على بعض فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن التقديم والتأخير فقال: «لَا حَرَجَ» (6).
الجزء: 1 - الصفحة: 4010
وسبق لنا أنه إذا طاف وسعى أنه يرجع إلى منى ويبيت فيها ليلتين إن تعجل، وثلاثًا إن تأخر، وفي هذه الأيام يرمي الجمرات الثلاث بعد الزوال، يرمي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ويقف بين الأولى والوسطى وبين الوسطى والعقبة ولا يقف بعد العقبة، إذن العقبة ليس بعدها وقوف لا في يوم النحر ولا في أيام التشريق.
وسبق لنا أنه يكبر مع كل حصاة؛ عند الرمي يقول: الله أكبر بدون بسملة، وسبق أنه يجب ترتيب هذه الجمرات الأولى ثم الوسطى ثم العقبة.
قال المؤلف رحمه الله: (فإن رماه كله في الثالث أجزأه) أظن أخذنا هذا.
نعم، وسبق لنا أن المذهب أنه يجوز تأخير الرمي إلى آخر يوم، ولكن يجب أن يرتبه بنيته؛ الثلاث عن اليوم الأول، والثلاث عن اليوم الثاني، والثلاث عن اليوم الثالث إن تأخر، وأن القول الراجح خلاف ذلك، وأنه لا يجوز أن يؤخر الرمي إلى آخر يوم إلا إذا كان هناك عذر، مثل أن يكون مريضًا، أو يكون مكانه بعيدًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرخص في التأخير إلا للرعاة فقط (3).
قال المؤلف رحمه الله: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) هذا مبتدأ درس الليلة: من تعجل خرج قبل الغروب، وقول المؤلف: (في يومين) المراد باليومين الحادي عشر والثاني عشر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: 203] أي من هذه الأيام المعدودات، والأيام المعدودات هي أيام التشريق.
وبعض العوام يظنون أن قوله: ﴿مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ يعني يومي العيد والحادي عشر، فيتعجلون في الحادي عشر، ولكن هذا غلط محض لم يقل به أحد من أهل العلم، وإنما المراد من تعجل في يومين من هذه الأيام الثلاثة أيام التشريق.
الجزء: 1 - الصفحة: 4011
يقول المؤلف رحمه الله: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) خرج من أي مكان؟ من منى قبل أن تغرب الشمس، وذلك ليصدق عليه أنه خرج في اليومين؛ إذ لو أخر الخروج إلى ما بعد الغروب لم يكن تعجل في يومين؛ لأن اليومين قد فاتا، إذن لا بد أن يخرج قبل غروب الشمس، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، وإلا يعني: وإلا يخرج قبل غروب الشمس لزمه المبيت إلا في الثالث عشر، والرمي من الغد بعد الزوال كاليومين قبله.
الدليل أن الله قال: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾، و (في) للظرفية، والظرف لا بد أن يكون أوسع من المظروف، فلا بد أن يكون الخروج في نفس اليومين، وقد روي عن عمر رضي الله عنه ما يدل على ذلك، أنه إذا أدركه المساء فإنه يلزمه أن يبقى (7).
ولكن هنا مسألة، لو أن الجماعة قوضوا الخيام وحمَّلوا العفش وركبوا، ولكن حبسهم المسير لكثرة السيارات، فغابت عليهم الشمس قبل الخروج من منى، فهل نقول: يجب عليكم أن ترجعوا وتبيتوا أو لهم أن يستمروا في الخروج؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأن هؤلاء حُبسوا بغير اختيار منهم، وإلا فقد تعجلوا.
قال: (فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع) إذا أراد الخروج من مكة إلى أي مكان؟
الطلبة: مزدلفة.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه إذا أراد الخروج من مكة لأي بلد كان، المهم أن يفارق مكة، فإنه لا يخرج حتى يطوف للوداع، وصرح بعض الأصحاب ومنهم صاحب الغاية - فيما أظن - قال: إذا أراد الخروج من مكة إلى بلده لم يخرج حتى يطوف للوداع.
الجزء: 1 - الصفحة: 4012
ووجه ذلك - التقييد بالبلد - أنه إذا أراد الخروج إلى بلدٍ آخر فإنه لم يزل في سفر ولم يرجع، فمثلًا لو كان في مكة وانتهى الحج ثم خرج إلى جدة وليس من أهل جدة أو خرج إلى الطائف وليس من أهل الطائف فإنه على هذا التقييد، تقييد إذا رجع، نعم تقييد أراد الخروج من مكة إلى بلده، فإنه في هذا الحال لا يطوف للوداع؛ لأنه لم يرد الخروج إلى بلده وهو في حكم المسافر، لا زال مسافرًا، وهذا التقييد تقييد حسن.
والدليل على هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأمر أصحابه أن يطوفوا للوداع حين خرجوا من مكة إلى المشاعر، وإن كان قد يقال: إن الرسول لم يأمرهم بذلك؛ لأنهم لم يتموا نسكهم حتى يُلزموا بالوداع.
على كل حال اللي يظهر أن هذا التقييد أصح من الإطلاق، ولكن لو أن الإنسان عمل بالأمرين طاف إذا أراد الخروج من مكة إلى بلدٍ آخر، وإذا رجع إلى مكة طاف إذا أراد الخروج إلى بلده لكان خيرًا.
لكن إذا كان الأمر فيه مشقة أن يطوف مرتين، فلا يظهر الإلزام بالطواف إذا أراد الخروج إلى غير بلده؛ لأنه في الواقع لم يغادر مكة، سوف يرجع إليها، أما لو أراد الخروج إلى بلدٍ آخر عبر سفره إلى بلده فهنا يطوف، كما لو أراد الخروج إلى بلده عن طريق المدينة فاتجه إلى المدينة وهو يريد السفر إلى بلده فإن هذا يلزمه الطواف لأنه حقيقة غادر مكة.
ثم قال: (فإن أقام أو اتجر بعده أعاده) أفادنا المؤلف بقوله: (فإن أقام) إلى آخره أنه لا بد أن يكون هذا الطواف آخر أموره، وهو كذلك، فلا بد أن يكون آخر أموره؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض (8).
الجزء: 1 - الصفحة: 4013
آخر عهدهم بالبيت، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطواف آخر شيء، وبه نعرف أن ما يفعله بعض الحجاج من كونهم يطوفون للوداع، ثم يخرجون إلى منى ويرمون الجمرات، ثم يغادرون، فإن فعلهم خطأ، لماذا؟ لأن آخر عهدهم بالجمار وليس البيت، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما طاف للوداع بعد الانتهاء من النسك كله.
وقوله: (فإن أقام) ظاهره مطلقًا أنه إذا أقام بعد طواف الوداع، سواء كانت الإقامة طويلة أم قصيرة، إلا أنهم استثنوا من ذلك إذا أقام لانتظار الرفقة فإنه لا يلزمه إعادة الطواف ولو طال الوقت.
فمثلًا إذا طاف وخرج ينتظر رفقته في البيت، أو ينتظر رفقته في السيارة، وتأخروا، فإنه لا يلزمه إعادة الطواف، وكذلك لو فرض أنه طاف ولما ركب وسار، صار في السيارة الخراب، فجلس في مكة من أجل إصلاح هذا الخراب، فإنه لا يلزمه إعادة الطواف، لماذا؟
لأنه إنما أقام لشيء ينتظر متى انتهى واصل السفر.
وقول المؤلف: (أو اتجر بعده أعاده)، أو اتجر يعني اشترى شيئًا للتجارة، أو باع شيئًا للتجارة، فإنه يعيده، وعلم من ذلك أنه لو اشترى حاجة في طريقه لا تجارة فإنه لا بأس به، فلو أنه خرج بعد أن ودَّع ثم مر بالبقالة واشترى أشياء يحتاجها في سفره، أو اشترى هدايا لأهله، فإن ذلك ليس بتجارة ولا يضر، على أننا نُرغِّب أن يكون شراؤه هذا قبل طوافه.
وعُلم من كلام المؤلف أنه إذا طاف للوداع فإنه لا يرجع القهقرى إذا أراد أن يخرج من المسجد - القهقرى يعني على وراء - ولا يقف عند الباب فيكبر ثلاثًا، ويقول: السلام عليك يا بيت الله، فإن هذا كله من البدع، إذا ودعت فامض في سبيلك، واستدبر الكعبة، ولا شيء عليك؛ لأن تعظيم الكعبة إنما يكون باتباع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن يرجع القهقرى، ولم يكن إذا انتهى إلى باب المسجد وقف ونظر إلى الكعبة وودعها، بل كان عليه الصلاة والسلام ودع ومشى على المعتاد.
الجزء: 1 - الصفحة: 4014
(وإن تركه) غير حائضٍ (رجع إليه)، إن تركه أي الحاج، غير حائض يعني ولا نفساء، فإنه يرجع إليه، فإن تركته الحائض فإنه لا يلزمها الرجوع لو طهرت إلا إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة، فإنه يلزمها الرجوع، أما لو طهرت بعد مفارقة البنيان ولو بيسير ولو داخل الحرم فإنه لا يلزمها أن ترجع، الدليل على هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما: إلا أنه خُفف عن الحائض (8).
قال: (وإن تركه) غير حائض (رجع إليه، فإن شق، أو لم يرجع، فعليه دم) إن شق الرجوع ولم يرجع فعليه دم، أو لم يرجع بلا مشقة فعليه دم، لكن الفرق أنه إذا تركه للمشقة لزمه الدم ولا إثم، وإذا تركه لغير مشقة لزمه الدم مع الإثم؛ لأنه تعمد ترك واجب.
وقول المؤلف: (إن تركه رجع إليه فإن شق)، تركه إلى أين؟
يقول: إذا تركه قبل مسافة القصر ولم يرجع قبل مسافة القصر فإن جاوز المسافة استقر عليه الدم، سواء رجع أم لم يرجع، وكذلك لو وصل إلى بلده فإن الدم يستقر عليه، سواء رجع أم لم يرجع.
وعلى هذا فأهل جدة لو خرجوا إلى جدة قبل طواف الوداع ثم رجعوا بعد أن خَفَّ الحرم وطافوا فإن الدم لا يسقط عنه لأنه استقر في مسافة القصر أو بوصوله إلى بلده، حتى لو فرض أن أناسًا من بلد دون جدة كأهل بحرة مثلاً فإنهم إذا وصلوا إلى بلدهم استقر عليهم الدم؛ لأنهم تركوه وانتهوا منه.
وقول المؤلف: (فعليه دم) إذا قيل: ما هو الدليل على وجوب الدم؟ قلنا: الأثر المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (9).
وهذا نسك واجب أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون في تركه دم، وهذا الحديث أو وهذا الأثر مشهور عند العلماء، واستدلوا به وبنوا عليه وجوب الفدية بترك الواجب وقالوا في تقرير هذا الدليل: إن هذا قول صحابي ليس للرأي فيه مجال، فوجب العمل به؛ لأن قول الصحابي الذي ليس للرأي فيه مجال يكون له الحكم؟
الطلبة: الرفع.
الشيخ: الرفع، يكون له حكم الرفع.
الجزء: 1 - الصفحة: 4015
وقال بعض العلماء: إن هذا قول صحابي لا شك، لكن يمكن أن يكون صادرًا عن اجتهاد ويكون للرأي فيه مجال، وجهه أن يقيس ترك الواجب على فعل المحرم، فعل المحرم محظورات الإحرام فيها دم، وجه القياس أن الكل في هذا وفي هذا انتهاك لحرمة النسك؛ ترك الواجب انتهاك لحرمة النسك وفعل المحظور انتهاك لحرمة النسك، فيكون ابن عباس رضي الله عنهما بنى هذا الحكم على أيش؟ على اجتهاد، وإذا بناه على اجتهاد فإنه يكون قول صحابي وليس مرفوعًا، ويبقى النظر هل قول الصحابي حجة؟
فيه خلاف بين العلماء مشهور في أصول الفقه، وهو عند الإمام أحمد رحمه الله حجة ما لم يخالف نصًّا أو قول صحابي، فإن خالف نصًّا فلا عبرة به، العبرة بالنص، وإن خالف قول صحابي طُلب الترجيح بين القولين.
إذن المسألة على هذا التقرير تكون من باب الاجتهاد، ونحن نفتي الناس بالدم وإن كان في النفس شيء من ذلك، لكن من أجل الانضباط، انضباط الناس وحملهم على فعل المناسك الواجبة يكون بإلزامهم بهذا الشيء - أي بالدم - لأن العامي إذا قلت له: ليس عليك دم وإنما عليك أن تستغفر الله وتتوب إليه، مو سهل، ما فيه إلا التوبة، يظن أن التوبة سهلة، والتوبة ما أصعبها، من الذي يتوب إلى الله توبة نصوحًا مسألة ما هي هينة، لكن عامي لا تأخذ منه قرشًا والباقي عنده سهل.
على كل حال إلزام الناس بهذا الشيء وإن كان في النفس منه شيء من حيث الدليل فإنه من الحكمة، من أجل ألا يتهاون الناس بالواجبات.
ثم قال: (وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن طواف الوداع).
نعم إن أخر طواف الزيارة، ما هو طواف الزيارة؟
الطلبة: طواف الإفاضة.
الشيخ: هو طواف الإفاضة، يعني طواف الحج، فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع، كيف يجزئه وطواف الوداع واجب وطواف الإفاضة ركن؟
قلنا: لأن المقصود من طواف الوداع أن يكون آخر عهده.
الطلبة: بالبيت.
الجزء: 1 - الصفحة: 4016
الشيخ: بالبيت، وقد حصل، فيكون مجزئًا عن طواف الوداع، وهذا واضح فيما إذا كان من قارن أو مفرد وسعى بعد طواف القدوم؛ لأنه في هذه الحال ليس عليه إلا طواف يطوف وينصرف، لكنه مشكل فيما إذا كان من متمتع؛ لأن المتمتع لا بد أن يطوف ويسعى، فكيف الحل؟
قال بعض العلماء أو بعض طلبة العلم: الحل أن يقدم السعي على الطواف؛ لأن تقديم السعي على الطواف في الحج جائز؛ لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا حَرَجَ» (10)، فإذا قدم السعي على الطواف صار الطواف آخر شيء.
وقال بعض العلماء: بل لا حاجة إلى ذلك، بل يقدم الطواف ويأتي بالسعي بعده، والسعي تابع للطواف فلا يضر أن يفصل بين الطواف وبين الخروج، واستدل البخاري (11) رحمه الله على ذلك بأن الرسول عليه الصلاة والسلام أذن لعائشة أن تأتي بعمرة بعد تمام النسك، فأتت بعمرة فطافت وسعت وسافرت (12)، فحال السعي بين الطواف والخروج، وبأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف للوداع وصلى صلاة الفجر وقرأ بالطور (13)، فهذا يدل على أن مثل هذا الفصل لا يضر، وهذا عندي أقرب من القول الأول الذي يقول بتقديم السعي؛ لأن هذا يحصل في الترتيب، ترتيب مشروع، وهو أن يُقدم الطواف على السعي.
في هذه الصورة - أعني إجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع - ربما نقول: لا تخلو من ثلاث حالات: أن ينوي طواف الإفاضة فقط، أن ينوي طواف الوداع فقط، أن ينويهما جميعًا، الصورة التي ذكرها المؤلف هو أن يؤخر طواف الإفاضة فيجزئ عن طواف الوداع بلا نية.
فعلى هذا نقول: الصورة الأولى: إذا نوى طواف الإفاضة ولم يكن عنده نية طواف الوداع فما الحكم؟
طالب: يجزئ عن طواف.
الشيخ: يجزئ كما تجزئ الفريضة عن تحية؟
الطلبة: المسجد.
الشيخ: المسجد.
الصورة الثانية إذا نواهما جميعًا.
طالب: يجزئ.
الشيخ: يجزئ أيضًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (14).
الجزء: 1 - الصفحة: 4017
الصورة الثالثة: إذا نوى طواف الوداع فقط ولم ينوِ طواف الإفاضة.
الطلبة: لا يجزئه.
الشيخ: فإنه لا يجزئه عن طواف الإفاضة، لا يجزئ عن طواف الإفاضة، وهذه مسألة يجب أن ينبه الناس لها؛ لأن أكثرهم يقول: إذا أخر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع أجزأ فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، يقول: أنا نويت الوداع فقط، ولا ترى على باله طواف الإفاضة، فنقول في هذه الحال: إنه لا يجزئه؛ لأن طواف الإفاضة ركن وطواف الوداع واجب، فهو أعلى منه، ولا يجزئ الأدنى عن الأعلى، لكن لو قال قائل: ألستم تقولون: إن الرجل إذا حج عن نفسه ونوى أنها نافلة، وهو لم يؤد الفريضة، ألستم تقولون: إن هذه النافلة تقع عن الفريضة؟
الجواب: بلى نقول ذلك.
وكذلك لو حج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه مع وجوب الحج عليه، فإن الحج يقع عن نفسه؟
أقول: لا يستقيم هذا؛ لأن مسألتنا جزء من حج، بخلاف الحج كاملًا، فالحج كاملًا، نقول فيه: إن ذمته مشغولة بالفريضة، فإذا أدى ما دون الفريضة صار للفريضة، وأما هذا فهو جزء من عبادة، فإن طواف الوداع إن قلنا: إنه من الحج فهو جزء منه، وإن قلنا: إنه مستقل فإنه لا يمكن أن يجزئ واجب عن ركن.
قال: (ويقف غير الحائض بين الركن والباب).
(يقف) يعني الحاج إذا ودَّع، يقف (بين الركن) أي الحجر الأسود (والباب) باب الكعبة، ومسافته كما تعلمون قليلة، فيقف يقول بالشرح: ويلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين.
وهذا يسمى الالتزام عند أهل العلم، والمكان هذا يسمى الملتزم.
وهي مسألة اختلف فيها العلماء، مع أنها لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام، إنما صحت عن بعض الصحابة، هل الالتزام سنة؟ ومتى وقته؟ هل هو عند القدوم أو عند المغادرة أو في كل وقت؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4018
ووجه الخلاف بين العلماء في هذا أنه لم ترد فيه سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفعلون ذلك عند القدوم، والفقهاء قالوا: يفعله عند المغادرة، فيلتزم في الملتزم - وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر والباب - على الصفة التي سمعتم التي ذكرها الشارح ويقول ما ورد.
ثم ذكر الشارح رحمه الله دعاءً طويلاً، نعم، ومنه: (اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك، وابن أَمَتِكَ، حملتني على ما سخَّرتَ لي من خلقك، وسيَّرتني في بلادك حتى بلَّغْتَني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نُسُكي، فإن كنت رضِيتَ عني فازدد عني رضًا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان صلاتي، إن أنت أذِنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسِن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيت لي، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير.
ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم).
وهذا يحتاج إلى تخريج.
طالب: الالتزام؟
الشيخ: إي نعم، الالتزام لا بأس به، لا بأس أن يلتزم الإنسان ما لم يكن فيه ضيق وأذية فلا يفعل.
طالب: ( ... ) هذا الموضع.
الشيخ: في القدوم والذهاب الرجوع.
الطالب: في جميع البيت؟
الشيخ: لا، في هذا الموضع فقط، هذا الملتزم.
قال: (وتقف الحائض ببابه) أي بباب المسجد (وتدعو بالدعاء) وهذا لا دليل عليه، كون الحائض تأتي وتقف بباب المسجد وتدعو بهذا الدعاء ليس له دليل إطلاقًا، والنبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: إن صفية قد أفاضت قال: «انْفِرُوا»، أو قال: «فَلْتَنْفِرْ» (15)، ولم يقل: فلتأت إلى المسجد وتقف ببابه.
وعلى هذا فيكون هذا القول -أي أن الحائض تأتي وتقف بباب المسجد وتدعو بالدعاء- يكون هذا قولاً ضعيفًا لا يُعمل به.
الجزء: 1 - الصفحة: 4019
ثم قال: (وتستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما)
طالب: (وقبري صاحبيه).
الشيخ: عندنا (قبر) بدون ياء، إن كانت (قبري) فظاهر، وإن كانت (قبر) فهو مفرد.
طالب: مضاف.
الشيخ: مضاف فيعم، لكن لا شك أن (قبري صاحبيه) أصح، بل يتعين في هذا السياق، لماذا؟ لأنه إذا قيل: قبر صاحبيه يوهم أنه قبر واحد لاثنين، وليس كذلك، ولهذا الصواب النسخة اللي عندكم.
(وقبري صاحبيه رضي الله عنهما) الدليل قال: لحديث: من حج فزارني بعد وفاتي.
طالب: «فَزَارَ قَبْرِي».
الشيخ: من حج نعم «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» رواه الدارقطني (16).
لكن هذا لا يحتاج إلى تخريج الظاهر، نعم.
الطلبة: ضعيف هذا.
الشيخ: نعم موضوع.
طالب: موجود يا شيخنا ( ... ) والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
الشيخ: اللي عندي الدارقطني فقط.
الطلبة: ( ... )
الشيخ: طيب على كل حال حديث ضعيف هذا، موضوع لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن كلام النبي عليه الصلاة والسلام كله حق، وهل الذي يزور قبره بعد وفاته كالذي يزوره في حياته؟
الطلبة: لا.
الشيخ: أبدًا، ولا يشبهه بأي حال من الأحوال.
طالب: مبسوط.
طالب آخر: ( ... ) تخريج شيخ الإسلام.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) تخريج شيخ الإسلام ذلك.
الشيخ: نعم، على كل حال هذا الحديث لا يصح.
إذن ما هو الدليل على استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه؟
الدليل عموم الأدلة الدالة على استحباب زيارة القبور، ولكن ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يشد الرحل إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبري صاحبيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 4020
يعني أن الحاج إذا انتهى يشد الرحل إلى المدينة ليزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، فمنهم من قال: إن شد الرحل إلى القبور لا بأس به؛ لأنه شد لعمل صالح، فالرسول أمر بزيارة القبور ولم ينه عن شد الرحل لها، بل قال: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (17)، وخير قبورٍ يُشد لها الرحل.
طالب: قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبرا صاحبيه.
ومنهم من قال: إنه مكروه شد الرحل لزيارة القبور، ومنهم من قال: إنه محرم، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقرره بأدلة إذا طالعها الإنسان تبين أن ما ذهب إليه هو الحق.
قال المؤلف رحمه الله: (وصفة العمرة: أن يحرم بها من الميقات، أو من أدنى الحل من مكي ونحوه، لا من الحرم).
صفة العمرة أن يحرم بها فهي إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، أربعة أشياء، الإحرام يقول: أن يحرم بها من الميقات، إن مر به أو من محاذاته إن لم يمر به أو مما دونه إن كان دون الميقات، المهم أن يحرم بها على حسب ما سبق في المواقيت.
وقول المؤلف: (أو من أدنى الحل من مكي ونحوه) وأدنى الحل بالنسبة إلى مكة إلى الكعبة التنعيم هو أدنى الحل، أما بالنسبة لمن أراد العمرة فقد يكون التنعيم، وقد يكون غير التنعيم، فالذي في مزدلفة مثلًا أدنى الحل إليه عرفة، والذي في الجهة الغربية من مكة أدنى الحل إليه الحديبية وهكذا، المهم أنه يحرم من أدنى الحل.
ولا يلزمه أن يقصد التنعيم الذي عينه الرسول عليه الصلاة والسلام لعائشة أو الجعرانة التي أحرم منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين رجع من غزوة حنين (18)، لا يلزمه ذلك؛ لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تحرم من التنعيم (18) لكونه أقرب الحل إليها، وإحرامه من الجعرانة لكونه نازلًا بها.
وقوله: (من مكي ونحوه).
الجزء: 1 - الصفحة: 4021
المكي هو ساكن مكة، ونحوه هو الآفاقي المقيم بمكة، فكلاهما يحرم من أدنى الحل، وقد سبق لنا تقرير ذلك وبيان شبهة من قال من أهل العلم: إن المكي يحرم من مكة لعموم الحديث.
قال: (لا من الحرم).
يعني: لا يحرم للعمرة من الحرم، فإن فعل انعقد إحرامه، ولكن يلزمه دم لتركه الواجب، وهو الإحرام من الحل.
قال: (وتباح كل وقت، فإذا طاف وسعى وحلق أو قصر حل)؛ لأن العمرة مكونة من إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، من أربعة أشياء.
نعم.
طالب: عندي: حلق أو قصر.
الشيخ: نعم: وحلق أو قصر.
الطالب: تصحيحه.
الشيخ: عندي متن.
قال: (وتباح كل وقت).
تباح العمرة في كل وقت، أما الحج فهو أشهُر معلومات، العمرة تباح في كل وقت حتى في يوم عيد النحر، وحتى في يوم عرفة، وحتى في أيام التشريق، فمثلاً لو أن أحدًا قدم إلى مكة في يوم عرفة هل نقول: إن العمرة لا تصح لأن الوقت للحج؟ لا، نقول: تصح، لكن الحاج هو الذي ينبغي أن يقال له: اذهب إلى عرفة ولا تتمتع؛ لأن وقت التمتع قد فات، ولكن انو القران أو الإفراد.
وقول المؤلف: (تباح كل وقت) لم يذكر رحمه الله هل يُسن أن يعتمر كل وقت أو في السنة مرة أو في الشهر مرة أو ماذا؟
ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى رحمه الله اتفاق السلف على أنه يكره تكرارها، أي تكرار العمرة، وقال الإمام أحمد: لا يعتمر إلا إذا حمم رأسه - حمم يعني اسود - من الشعر.
وبناءً على هذا يكون ما يفعله العامة الآن من تكرار العمرة، ولاسيما في رمضان كل يوم، إن لم يكن بعضهم في اليوم والليلة، في النهار عمرة وفي الليل عمرة.
( ... ) عندي يقول: ويكره الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف، قاله في المبدع لابن مفلح، وقاله أيضًا شيخ الإسلام رحمه الله قبله: إنه يكره.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (19) فهو مطلق مقيد بعمل السلف رضوان الله عليهم.
طالب: ( ... ) ويستحب تكرارها.
الجزء: 1 - الصفحة: 4022
الشيخ: نعم، إي نعم، قال: (ويستحب تكرارها في رمضان لأنها تعدل حجة)، هذا غلط، هذا ليس بصحيح؛ لأن كراهة السلف لتكرارها عام في رمضان وفي غيره.
قال: (وتجزئ عن الفرض) ما الذي تجزئ عن الفرض؟ العمرة، تجزئ عن الفرض في أي وقتٍ أداها، عمرة المتمتع تجزئ عن الفرض، وعمرة القارن.
الطلبة: تجزئه.
الشيخ: تجزئ عن الفرض؛ لأن القارن أتى بعمرة وحج؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (20)، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم لها حجًّا وعمرة.
لو جعل القارن عمرته لشخص وحجه لآخر يجزئ؟
طالب: قارن؟
الشيخ: قارن.
الطالب: لا يجزئ.
الشيخ: جعل عمرته لشخص وحجه لآخر.
الطلبة: لا يجزئ.
الشيخ: المتمتع جعل عمرته لشخص وحجه لآخر؟
الطلبة: يجوز، يجزئ.
الشيخ: المتمتع واضح أنه يجزئ لأن العمرة؟
الطلبة: منفصلة.
الشيخ: منفصلة.
طالب: وتكون مفردة.
الشيخ: والقارن قال الفقهاء رحمهم الله: إنه يجوز؛ لأن القران وإن كان فعلاً واحدًا لكنه نسكان، وإذا كان نسكين أجزأ أن يجعل واحدًا منهما عن شخص والآخر عن شخصٍ آخر.
طالب: الصحيح؟
الشيخ: والله أنا أميل إلى أنه لا ينبغي أن يجعل العمرة لشخص والحج لآخر، لكن لو فعل لا أقول: إنه حرام؛ لأن الرسول أثبت أنهما نسكان.
طالب: النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الْحَجُّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» (21).
الشيخ: نعم.
الطالب: وقال: «مَن أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (22) ( ... ) يا شيخ ( ... ) هذه الأحاديث تدل على ( ... )، ما أدري ما رأيك؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4023
الشيخ: وبهذا قال بعض أهل العلم، لكن الجمهور على خلاف ذلك، الجمهور قالوا: إنها لا تكفر إلا الصغائر، وأيدوا رأيهم هذا بقولهم: إن الصلوات الخمس أعظم من الحج، أعظم ثوابًا عند الله ومنزلة في الدين، ومع ذلك اشترط النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتكفيرها للذنوب أن تجتنب الكبائر، ولكن الإنسان يرجو من الله عز وجل إذا كان حجه مبرورًا أن يكفر عنه جميع السيئات.
ويجاب عما ذكره الجمهور رحمهم الله بأن الحج أعظم مشقة وأكثر تعبًا من الصلاة، والإنسان الذي يقدم إليه من بلاد بعيدة، ولا سيما في الزمن الأول، يدل على رغبته الشديدة فيما يقرب إلى الله، فكان بهذا موجبًا لهدم كل ما سبق من الأعمال.
فلو أن الإنسان رجا ربه عز وجل أن تكفر عنه جميع الذنوب تمسكًا بهذا الحديث فإن الله عز وجل أكرم من عباده.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، لازم.
طالب: أحسن الله إليكم، وفي حديث أبي موسى لما قال: إني أهل بما أهل به.
الشيخ: رسولك.
الطالب: إني أهللت بما أهللت به يا رسول الله.
فقال: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ ». قال: لا.
قال: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا واَلْمَرْوَةِ» (23). فطفت.
الشيخ: «اجْعَلْهَا عُمْرَةً».
الطالب: «وَاجْعَلْهَا عُمْرَةً».
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما فيه دليل على وجوب سوق الهدي، فيه دليل على أن من لم يسق الهدي وهو قارن فإنه يجعلها عمرة.
طالب: ( ... ) هذا أحرم بالعمرة ثم وطأ امرأته أثناء إحرامه قبل التحلل، أقول: ما الذي يجب عليه؟
الشيخ: ما تقولون فيه؟ رجل أحرم بعمرة وجامع زوجته قبل أن يتحلل، فماذا عليه؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: عليه فدية أذى ( ... ) حصرنا لكم فيما سبق الفداء، وذكرنا أن محظورات الإحرام تنقسم:
ما ليس فيه فدية، وما فديته بدنه، وما فديته جزاء، وما فديته فدية الأذى.
وهذا الحصر الذي ذكرنا سابقًا اعتمده لأجل ألا يُشكل عليك شيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 4024
طالب: شيخ، إذا قلنا: إن الدليل عند القول بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم لعموم الدليل ( ... ) العناء زيارة غيره من القبور.
الشيخ: نعم وهو كذلك.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هو على كل حال الزيارة للقبور سواء قبر النبي عليه الصلاة والسلام أو قبر صاحبيه كلها من أجل أن تذكر الآخرة، لكن لا شك أنه يكون في قلب الإنسان إذا زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يكون في قلبه إذا زار قبر شخصٍ آخر، وأما الأحاديث الواردة «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» (24)، أو «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» (25) فكلها ضعيفة، بل موضوعة.
طالب: أيهما أفضل العمرة في رمضان أو في الحج؟
الشيخ: أو في أشهر الحج يعني في أشهر الحج عمومًا، هذا يقول: أيهما أفضل: العمرة في رمضان أو في أشهر الحج؟
تردد ابن القيم رحمه الله في ذلك أيهما أفضل: العمرة في رمضان لأنها تعدل حجة، أو في أشهر الحج؛ لأن جميع عمر النبي صلى الله عليه وسلم كانت في أشهر الحج؟ والظاهر أنها في رمضان أفضل، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتمر في أشهر الحج من أجل دفع العقيدة التي كانت عند العرب بأن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ويقولون: إذا عفا الأثر، وبرأ الدَّبَر، ودخل شهر صفر؛ حلت العمرة لمن اعتمر (26). ولَّا قبل حرام في مذهبهم.
طالب: هل يجوز لرجل شيخ أن ينيب عن نفسه أكثر من رجل يحج عنه في عام واحد؟
الشيخ: إي نعم، يجوز ذلك، لكن إذا أناب اثنين فأكثر في فريضة فأيهما يقع حجه عن الفريضة؟
الطلبة: الأول.
طالب: من أحرم أولًا.
الشيخ: من أحرم أولًا فهو الذي يقع حجه عن الفريضة، والثانية تكون نفلًا.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، ذكرت بأن بعض العلماء قال بأن الترتيب ما بين الجمرات ليس بشرط، وأنه إذا نكس فنقول: إن رميك جائز.
الشيخ: نقول ( ... ) والرمي صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 4025
الطالب: فيكون بذلك العادة الشرعية بأنه مجرد فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله العام: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (1)، وفي نفس الوقت استدلوا بنفس الدليلين على عدم الرمي قبل الزوال، وأنه لو رمى قبل الزوال، فإنه ملزم بغير علة.
يعني لو نفس الدليلين فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله العام، وفي الموضعين وموضع يثبت وموضع ..
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يختار ما بعد الزوال للرمي مع كونه أشق وأعظم يدل على أنه ليس بجائز قبل ذلك، وقول ابن عمر: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا (27).
الطالب: في نفس الإيراد يَرد أن نتعلم الترتيب.
الشيخ: لا، ما يَرد على هذا الترتيب، ما هناك فرق بين أن تبدأ بالأخيرة أو بالأولى من جهة المشقة، بل أحيانًا إذا كنت من جهة الغرب يمكن بدؤك بالأولى أسهل.
طالب: شيخ، من حج تطوعًا قال: بيسقط الفريضة نقول: تكون فريضة، ومن صلى قبل صلاة الظهر ولم يصل الظهر أربعًا نقول نحن: ما تقع فريضة، ما الفرق بين الصورتين؟
الشيخ: يسأل يقول: لو صلى قبل الظهر، يعني قبل الزوال.
الطالب: لا في وقت الظهر قبل الفريضة.
الشيخ: في وقت الظهر قبل الفريضة.
صلى أيش؟
الطالب: أربع ركعات.
الشيخ: بنية؟
الطالب: بنية تطوع.
الشيخ: إي نعم، الفرق بينهما أن الصلاة وقتها موسع، بخلاف الحج فإن وقته مضيق.
طالب: إذا قلنا بتحريم زيارة الأضرحة والقبور، كيف نرجح حديث «فَزُورُوهَا».
الشيخ: أيش؟
الطالب: الحديث الثاني: «فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ».
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: الذين أجازوا شد الرحل لزيارة القبور استدلوا بهذا الحديث الذي ذكرت: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (17).
الجزء: 1 - الصفحة: 4026
والذين منعوا ذلك قالوا: لأن زيارة القبور عبادة متعلقة بمكان، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» (28).
وقالوا: إن قوله: «زُورُوا الْقُبُورَ» يعني فحوى الخطاب والحالة التي تكلم فيها الرسول عليه الصلاة والسلام تدل على أنها القبور التي في بلدك، لا تحتاج إلى شد رحل، وقالوا أيضًا: إن شد الرحل إلى جهات القبور تؤدي إلى شد الرحل للمغالاة فيها والتعلق بها، والشيطان من هذه الناحية يدخل على الإنسان حتى يوقعه في الشرك.
كلام شيخ الإسلام رحمه الله استدل بأدلة أكثرها غالبها أدلة عقلية وتعليلات، لكن إذا راجعتها اطمأننت إلى هذا القول.
طالب: فضيلة الشيخ، النص «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» عام لا ( ... ) ولكن هذا عام مخصص إذا جاء عامان ( ... ) نقدم ( ... ).
الشيخ: لا، كل واحد يخصص الآخر، هذا إذا قلنا: إن قوله: «زُورُوا الْقُبُورَ» للعموم، فهذا عام وهذا عام، فيُنظر أيهما أولى بتخصيص الآخر، نقول: هذا نهي، لا تشد الرحال إلا إلى كذا، فهو نهي عام في كل شيء.
طالب: إذا قلنا: ستر العورة في السعي سنة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ستر العورة في السعي سنة، فلماذا نقول: ستر العورة؟
الشيخ: ستر العورة سنة؟
الطالب: في السعي.
الشيخ: في السعي، إي نعم.
الطالب: فلماذا لا يكون واجب ( ... ) في غير السعي سترها واجب ( ... ).
الشيخ: لا، فائدة قولنا: إن ستر العورة في السعي سنة أنه لو فرض أن الرجل سعى وقد انكشف شيء من عورته كانشقاق الثوب، وهو لم يعلم بذلك، فإننا لو قلنا: إنه شرط لزم من ذلك إعادة السعي، وإذا قلنا: ليس بواجب لم يجب إعادة السعي، ولكن ليس معنى قولنا هذا أنه لا يجب ستر العورة، ستر العورة واجب لكنه ليس شرطًا بالنسبة للسعي فقط.
طالب: شيخ ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 4027
الشيخ: إي نعم، الذي يجب إعادة الطواف فيما لو تأخر عن طواف الوداع نية الإقامة، ولو ساعة لغير ما استثني، مثل انتظار رفقة، الاتجار مطلقًا، حتى ولو كنت في طريقك تمشي مع صاحبك واشتريت منه شيئًا للتجارة فإنك تعيد.
طالب: قارن يجب عليه أن يسوق الهدي أنه حتى لا ( ... ) السيارة حتى لا يجب أن يمشي بها من الميقات والآن سئلت ..
الشيخ: هل قلنا: إن القارن يجب أن يسوق الهدي؟
الطلبة: لا.
الشيخ: قلنا: ما ساق الهدي لزم أن يقرن.
الطالب: يعني يجوز له أن يشتري شيئًا من مكة؟
الشيخ: إي، معلوم، كالمتمتع؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ) سكتت.
الشيخ: إي نعم، يقول: إذا قلنا: إن عمل القارن كعمل المفرِد، فما الفائدة من تقسيم الأنساك إلى ثلاثة؟
الجواب: الفائدة ظاهرة؛ لأن القارن يحصل له؟
الطلبة: نسكان.
الشيخ: نسكان: عمرة وحج، والقارن عليه هدي، والمفرِد؟
الطلبة: ليس عليه.
الشيخ: ليس عليه هدي.
طالب: ( ... )
الشيخ: لا، يختلف أيضًا؛ لأن القارن يحصل على نسكين، والمفرِد على نسك واحد.
طالب: في نفس ( ... )؟
الشيخ: نعم.
الطالب: في نفس ( ... ).
الشيخ: في نفس الرحال، صحيح الأفعال واحدة.
طالب: إذا فقد النية فقط.
الشيخ: النية والعمل، إذا كان مفردًا وجب عليه أن يعتمر؛ لأن العمرة ما سقطت حتى الآن، وإذا كان قارنًا لم يجب أن يعتمر.
طالب: ذكرنا فيما سبق أن الملبي بعمرة يستمر نعم، الملبي بعمرة يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود
الشيخ: كيف؟
الطالب: الملبي بعمرة سواء كان متمتعًا أو قارنًا قلنا: إنه يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود.
الشيخ: مَن؟
الطالب: الملبي بعمرة إذا أحرم بعمرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لكن ثبت في البخاري (29) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا دخل أدنى الحرم قطع التلبية.
الشيخ: في البخاري؟
الطالب: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 4028
الشيخ: عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثبته الآن.
طالب: ( ... ).
الشيخ: بأن المتمتع يقطع التلبية إذا شرع في الطواف، لكن ثبت في صحيح البخاري (29) من حديث نافع عن ابن عمر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلبي حتى إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية.
وثبت هذا من فعل ابن عمر رضي الله عنهما كما في حديث عُبيد بن جُبير عنه أنه إذا وصل أدنى بيوت مكة قطع التلبية (30). وأما ما ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلبي حتى استلام الحجر الأسود (31) فقد ذكر بعض المحدثين أن في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ جدًّا.
على كل حال يكون المعتمد إذا وصل إلى أدنى الحرم فإنه يمسك عن التلبية؛ لأنه إذا ثبت عن الرسول ما أبدًا.
طالب: ما ثبت يا شيخ أنه كان لا يقطع التلبية إلا عند جمرة العقبة.
الشيخ: هذا إذا كان في حج.
طالب: ( ... ) قارنًا يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: قارنًا.
الشيخ: القارن ما يقطع التلبية إلا إذا كان شرع في الرمي، وكذلك المفرد، وكذلك المتمتع، لكن الرسول اعتمر عدة مرات، اعتمر في الجعرانة، اعتمر عمرة القضاء فلعل ابن عمر أراد إحدى العمرتين.
طالب: شيخ، بارك الله في عمرك، قلت: الدعاء في آخر شوط على المروة لا يُشترط.
الشيخ: نعم.
الطالب: لأنه ليس في جوف العبادة، فيا شيخ الآن إذا سقطنا هذا الشوط، إذا سقطنا شوط السعي آخر شوط
الشيخ: إذا أيش؟
الطالب: إذا أسقطنا هذا الشوط، آخر شوط الذي على المروة.
الشيخ: نعم، يعني الدعاء، الدعاء والرقي يعني.
الطالب: قلت: الدعاء على آخر شوط على المروة.
الشيخ: نعم.
الطالب: على المروة لا يشرع فيه الدعاء.
الشيخ: قلنا: إذا وصل إلى المروة في آخر شوط لا يشترط الدعاء، وأما آخر شوط على المروة فإنه يدعو.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فهمت؟
الطالب: إي نعم معاك يا شيخ، يعني إذا وصل المروة نفسها ..
الشيخ: يعني مثلًا آخر شوط وصل إلى المروة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4029
الطالب: إي نعم.
الشيخ: خلاص انتهى السعي.
الطالب: انتهى الدعاء.
الشيخ: نعم.
الطالب: شكرًا يا فضيلة الشيخ.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم يا شيخ، ما هو الدليل على أنه من غابت عليه الشمس يلزمه الانضباط عليه؟ إذن الرجوع إلى منى.
الشيخ: المبيت.
الطالب: يلزمه المبيت.
الشيخ: ما هو الرجوع إلى منى إذا ( ... ) الرجوع.
يقول: ما هو الدليل على أنه إذا غربت الشمس وهو في منى لزمه البقاء إلى اليوم الثالث عشر.
ذكرنا الدليل، وذكرنا أيضًا فيه أثرًا عن عمر رضي الله عنه: أن من أدركه المساء فإنه يجب عليه المبيت (32).
طالب: ذكرتم أنه في جمرة العقبة ورمي الجمار في أيام منى أن الليل تابع النهار.
الشيخ: نعم.
الطالب: ذكرتم بأن جمرة العقبة إن صح الوقوف فيها ليلاً أنها تابع النهار.
الشيخ: نعم، هذا إذا تبع النهار نقول: دل الحديث على أن منتهى جواز الدفع من منى هو ما كان في نفس اليومين، وأما ما بعد الغروب فهو خارج عن اليومين.
طالب: طواف الوداع واجب؟
الشيخ: نعم.
الطالب: والدليل على هذا عن ابن عباس في ( ... ) حتى ( ... ) عنه الشيء.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، في حديث: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف (33) هذا الطواف صح في رواية أبي داود للحديث نفسه.
طالب: إذا نزل الحاج في نمرة.
الشيخ: إذا أيش؟
الطالب: إذا نزل الحاج في نمرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ولم يدفع إلى عرفة إلا قبيل الغروب بساعة، هل يجمع؟
الشيخ: فهل.
الطالب: هل يجمع بين العصر والظهر ( ... ) إتمامه؟
الشيخ: لا يجمع بينهما؛ لأن الفائدة من الجمع هو أن على ما قال العلماء أن يتسع الوقت للدعاء وهو في مكان ليس فيه دعاء في نمرة، الدعاء إنما يكون في عرفة، وهذا لم يصل إليها.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم أنه إذا طاف للوداع ولم يكن طاف طواف الزيارة.
الشيخ: نعم.
الطالب: فإنه لا يجزئه عن طواف الزيارة.
الشيخ: نعم، إذا نوى طواف الوداع.
الجزء: 1 - الصفحة: 4030
الطالب: نعم، وقد تقدم أنه إذا كان متلبسًا بالنسك.
الشيخ: نعم.
الطالب: أخذنا في الدروس السابقة.
الشيخ: نعم.
الطالب: أنه لا يلزمه تجديد النية عند كل الواجبات أو الأركان؟
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف ذلك؟
الشيخ: الجواب واضح؛ لأن هذا نوى خلاف ما يراد به النسك؛ لأنه هو لم يطف فقط وسكت، لو أنه طاف ولم يعين أنه للوداع.
الطالب: لأجزأ عليهم.
الشيخ: أجزأ.
يقول: في رمي الجمرات وقت أول التشريق ثبت أنه بسبب رمي إبراهيم عليه السلام الشيطان (34) عن ابن عباس موقوفًا ورجاله ثقات في مجمع الزوائد (35) عن أبي الطفيل، هل هو صحيح؟
يعني يقول سبب رمي الجمرات هو أن إبراهيم رمى الشيطان عن ابن عباس.
طالب: ( ... ).
الشيخ: تقدم لنا أن ابن عباس رضي الله عنهما ممن عُرف بالأخذ عن بني؟
الطلبة: إسرائيل.
الشيخ: إسرائيل، ومثل هذا الخبر لا يدخله الاجتهاد، وعلى هذا فيكون من أخبار بني إسرائيل فلا يكون له حكم الرفع.
الطالب: أظنه مرفوعًا في مسند ( ... ).
الشيخ: لا بد أن تصححه لنا.
يقول: آخر الزمان يصير يُعير الرجل بدينه كما تُعير الزانية بزناها، وفي الوقت الحاضر نرى الواقع كما ذُكِر، حتى إن بعض الدول يضيقون على رَجل الدين الذي لا يعرف يمكن (فيهم) أو (عليهم) إلا اتباع السنة، نرجو إيضاح العبارة وما يترتب عليها من المفاسد؟
طالب: الإسلام ما فيه رجال دين.
الشيخ: إي، لك وش هذا؟ وش؟
طالب: صحيح ولا مانو صحيح؟
الشيخ: وش؟
الطالب: أقول: أستفيد هذه العبارة أقول: صحيحة ولا موضوعة.
الشيخ: ما أدري، ما سمعته بحديث.
طالب: حديث عائشة رمي الجمرات أن رمي الجمرة في جمرة العقبة يكون فيه التحلل الأول (36).
الشيخ: يكون أيش؟
الطالب: يكون فيه التحلل الأول.
الشيخ: إي نعم.
على كل حال الحديث الذي ذكرت يدل على أن التحلل الأول يحصل بالرمي فقط، هذا أخذناه.
التلبية.
طالب: الراجح في المسألة يا شيخ؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4031
الشيخ: والله إلى الآن ما بعد تقرر عندي الرجحان، لكن أنا أقول لكم: إذا ثبت الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام فوهو العمدة لا شك ولا في راجح ومرجوح.
يقول: إذا أصيب الثوب بدم يغلب على الظن نجاسته، فحاول لابس الثوب إزالته بالماء والفرك، فلم يزل كله، بل بقي له أثر، فماذا يفعل؟
على كل حال الدم إذا كان يغلب على الظن نجاسته ولم يتيقن فإنه لا يلزمه الغسل؛ لأن لا بد من اليقين، وإذا تيقن أنه دم نجس وغسله فإنه لا يضره بقاء اللون إذا زالت عين النجاسة طهر.
طالب: أحسن الله لك يا فضيلة الشيخ، بعض الناس في شوطه السابع من السعي عندما يحاذي الباب يخرج من عليه ( ... ) هذا يكون تام وصحيح يا شيخ؟
الشيخ: هو المسعى الذي يجب الذي به المشايات.
طالب: الباب دونها.
الشيخ: لا، فوقها.
طالب: الباب فوقها.
الشيخ: الباب فوقها.
الطالب: قدمنا السابع وخرج مع الباب.
الشيخ: ( ... ) بس ( ... ) لأن الباب تصوري الآن أن الباب يعني ما تقدمها كثيرًا ولا تأخر عنها كثيرًا تقريبًا، هي تكون في نصفها أو قريبًا منه، فليلاحظ هذا الشيء.
طالب: والرمي والحلاق والوداع والباقي سنن، وأركان العمرة: إحرام وطواف وسعي، وواجباتها: الحلاق والإحرام من ميقاتها، فمن ترك الإحرامَ لم ينعقد نسكه، ومن ترك ركنًا غيره أو نيته لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دم أو سنة فلا شيء عليه).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف: وأركان الحج وواجباته وأركان العمرة وواجباتها.
وقد سبق في أول المناسك شروط الحج، شروط وجوبه وشروط صحته وشروط إجزائه، وقد اعترض بعض الناس على هذا التقسيم على الشروط، على الأركان، على الواجبات، على السنن وقال: أين هذا في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4032
وإذا لم نجد ذلك في كتاب الله أو سنة رسوله فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (37) فيرد على صاحبه.
والجواب عن ذلك أن يقال: الأمور قسمان: أمور غائية وأمور وسيلة.
فأما الأمور الغائية التي هي غاية ومقصودة لذاتها فإنها لا تُفعل إلا بإذنٍ من الشرع، ولا يمكن لأحدٍ أن يشرعها أو يتعبد لله بها.
والثاني: أمور وسيلة يقصد بها الوصول للغاية، فهذه ليس لها حد شرعي، بل لها القاعدة الشرعية، وهي أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والوسائل تختلف باختلاف الأزمان واختلاف الأحوال واختلاف الأماكن واختلاف الأمم، وإذا كان كذلك فالوسائل بابها مفتوح.
فالعلماء رحمهم الله رأوا أن من وسائل تقريب العلم إلى الأذهان وإلى الحصر أن يكتبوا مثل هذا، أن يقولوا: هذه شروط، هذه أركان، هذه واجبات، هذه سنن، وقالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد فعل هذا المبدأ، فنجده أحيانًا يقول: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ» (38)، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» (39) مع أنهم لا ينحصرون في سبعة ولا ينحصرون في ثلاثة، لكن هذا من باب التقريب؛ تقريب العلم للأفهام.
يبقى النظر إذا قال: هذا شرط أو هذا واجب فهنا يُطالب بالدليل، يقال له: من أين لك أن هذا شرط، وأن هذا واجب، وأن هذا ركن، وأن هذا سنة؟ هذا هو الذي يطالب فيه الإنسان بالدليل، أما تقسيم الأشياء إلى هذا وهذا وهذا تقريبًا للأفهام، فإنه من باب الوسائل.
الجزء: 1 - الصفحة: 4033
لو أردنا أن نسقط هذه المسألة لقلنا أيضًا: تقسيم العلم إلى توحيد وطهارة وصلاة وزكاة وصيام وحج وبيوع ورهان وما أشبه ذلك أيضًا هذا بدعة، أين في السنة أنها قُسمت هكذا، أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسمها، فيقال: ينبغي للإنسان أن يكون فهمه واسعًا، وأن يعرف مقاصد الشريعة، وألا يجعل الوسائل مقاصد، فإنه بذلك يضل ويُبدِّع أناسًا كثيرين من أهل العلم المحققين، حينئذ نقول: تقسيم العلم إلى أبواب ليس به بأس، تقسيم الأبواب إلى شروط وأركان وواجبات ومستحبات ليس به بأس؛ لأننا لسنا نتعبد لله بذلك، ولكننا نريد أن نقرب العلم كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يستعمل تقريب العلم لكن بأساليب مختلفة.
يقول: (أركان الحج الإحرام) الأركان جمع ركن، والركن هو جانب البيت الأقوى، وهي التي تسمى عندنا بالزاوية، مثل هذه الزاوية ركن، هذا أقوى ما في الجدار، هذا الركن لماذا؟ لأن بعضه يسند بعضًا حيث يتلاقى طرفا الجدار فيسند بعضهما بعضًا، ولهذا يسمى ركنًا؛ لأنه جانب الشيء الأقوى يسمى ركنًا
و(أركانُ الْحَجِّ): الإحرامُ، والوُقوفُ، وطَوافُ الزيارةِ، والسعيُ.
و(وَاجِبَاتُه): الإحرامُ من الْمِيقاتِ الْمُعْتَبَرِ له، والوُقوفُ بعَرفةَ إلى الغُروبِ، والْمَبيتُ لغيرِ أَهلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى ومُزدَلِفَةَ إلى بَعدِ نِصفِ الليلِ، والرميُ، والْحِلاقُ، والوَداعُ، والباقي سُنَنٌ.
و(أَركانُ العُمرةِ): إحرامٌ، وطَوافٌ، وسَعْيٌ.
و(واجباتُها): الْحِلاقُ، والإحرامُ من مِيقاتِها، فمَن تَرَكَ الإحرامَ لم يَنعقِدْ نُسُكُه، ومَن تَرَكَ رُكْنًا غَيرَه أو نِيَّتَه لم يَتِمَّ نُسُكُه إلا به، ومَن تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
وهي أنَّ الوسائل لها أحكامُ المقاصدِ، والوسائلُ تختلفُ باختلافِ الأزمان، واختلافِ الأحوال، واختلاف الأماكن، واختلاف الأُمَم، وإذا كان كذلك فالوسائلُ بابُها مفتوحٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 4034
فالعلماء -رحمهم الله- رَأَوْا أنَّ من وسائل تقريبِ العلم إلى الأذهان وإلى الحصْرِ أنْ يكتبوا مِثْلَ هذا؛ أنْ يقولوا: هذه شروطٌ، هذه أركانٌ، هذه واجباتٌ، هذه سُنَنٌ.
وقالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قد فَعَل هذا المبدأ؛ فنجده أحيانًا يقول: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ» (1)، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ» (2) مع أنهم لا يَنْحصِرون في سبعةٍ ولا يَنْحصِرون في ثلاثةٍ، لكن هذا من باب التقريبِ؛ تقريبِ العلم للأفهام.
يبقى النظر؛ إذا قال: هذا شرطٌ أو هذا واجبٌ.
فهُنا يُطالَب بالدليل؛ يُقال له: مِن أينَ لك أنَّ هذا شرطٌ، وأنَّ هذا واجبٌ، وأنَّ هذا ركنٌ، وأن هذا سُنَّةٌ؟ هذا هو الذي يُطالَب فيه الإنسانُ بالدليل، أمَّا تقسيمُ الأشياءِ إلى هذا وهذا وهذا تقريبًا للأفهامِ فإنه من باب الوسائل، لو أردْنا أنْ نَسْلُك هذا المسلكَ لقُلْنا أيضًا: تقسيمُ العلم إلى توحيدٍ وطهارةٍ وصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وبيوعٍ ورهانٍ وما أشْبَهَ ذلك أيضًا هذا بدعةٌ؛ أين في السُّنة أنها قُسِّمت هكذا أو أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قسَّمها؟
فيُقال: ينبغي للإنسان أنْ يكون فَهْمُه واسعًا، وأنْ يعرف مقاصدَ الشريعة، وألَّا يجعل الوسائلَ مقاصدَ؛ فإنه بذلك يَضِلُّ ويُبدِّع أُنَاسًا كثيرين من أهل العلم المحقِّقين.
حينئذٍ نقول: تقسيمُ العلم إلى أبوابٍ ليس به بأسٌ، تقسيمُ الأبوابِ إلى شروطٍ وأركانٍ وواجباتٍ ومستحبَّاتٍ ليس به بأسٌ؛ لأننا لَسْنا نتعبَّد لله بذلك، ولكنَّنا نريد أنْ نُقَرِّبَ العِلْم، كما كان الرسولُ عليه الصلاة والسلام يستعمل تقريبَ العلم لكنْ بأساليب مختلفة.
يقول: (أركان الحج: الإحرام).
الجزء: 1 - الصفحة: 4035
الأركانُ جمع رُكْن، والرُّكْن هو جانب البيتِ الأقوى، وهى التي تُسمَّى عندنا بالزاوية؛ مثلًا هذه الزاوية رُكْن، أقوى ما في الجدار هذا الرُّكْن، لماذا؟ لأن بعضه يسند بعضًا؛ حيث يتلاقى طَرَفَا الجدارِ فيسند بعضُهما بعضًا، ولهذا يُسَمَّى رُكْنًا؛ لأنه جانبُ الشيءِ الأقوى يُسَمَّى رُكْنًا.
وقوله: (الإحرام) سبق لنا أن الإحرام هو نيَّةُ النُّسُك وليس لباسَ ثوبِ الإحرام؛ لأنَّ الإنسان قد ينوي النُّسُك فيكون مُحْرِمًا ولو كان عليه قميصُهُ وإزارُهُ، ولا يكون مُحرِمًا ولو لَبِس الإزارَ والرداءَ إذا لم يَنْوِ، فالإحرامُ نيَّةُ النُّسُك، والنيَّة محلُّها القلب، فيكون داخلًا في النُّسُك إذا نوى أنه داخلٌ فيه.
ولكنْ يجب أنْ تعرف الفرقَ بين مَن نوى أنْ يحجَّ ومَن نوى الدخولَ في الحجِّ، أيُّهما الركن؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ مَنْ نوى الدخولَ في الحجِّ، أمَّا مَن نوى أنْ يحجَّ فلم يُحرِم، ولهذا ينوي الإنسانُ الحجَّ من رمضان، من رجب، من قبل ذلك، ولا نقول: إنَّ الرجُل تلبَّس بالنُّسُك أو دخلَ في النُّسُك أو أَحْرَمَ.
الإحرام نيَّة الدخولِ في النُّسُك.
طيب، وهلْ يُشترط مع النيَّة لفظٌ؟
الصحيح أنه لا يُشترط، ومِن العلماء مَن قال: لا بدَّ من التلبية مع النيَّة.
وجَعَل التلبيةَ بمنزلة تكبيرةِ الإحرامِ في الصلاة.
(الإحرام) الدليلُ على أنَّ الإحرامَ ركنٌ قولُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (3).
الجزء: 1 - الصفحة: 4036
الثاني: (الوقوف) يعني بعرفة؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (4)، ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، فقوله: ﴿إِذَا أَفَضْتُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ الوقوف بعرفة لا بدَّ منه وأنَّه أمْرٌ مُسَلَّمٌ، وأنَّ الوقوفَ بمزدلفة بعد الوقوف بعرفة.
الثاني: (الوقوف).
الثالث: (طوافُ الزيارة) ويُقال له طوافُ الإفاضةِ، وهو الطوافُ الذي يقعُ في يوم العيد أو ما بعده، والمرادُ بالطوافِ البيت؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، الشاهد قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾؛ لأنَّ الجملةَ هذه أمْرٌ، فِعْلٌ مضارعٌ مقرونٌ بلام الأمرِ فيكون أمرًا.
والرابع: (السَّعي)؛ لقول النبيِّ عليه الصلاة والسلام: «اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» (5)، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، ولقول عائشة رضي الله عنها: واللهِ ما أتَمَّ اللهُ حجَّ رجُلٍ ولا عُمْرتَه لم يَطُفْ بهما (6) أي: بالصفا والمروة.
فإنْ قال قائل: كيف تقولون: إنَّ السعي بين الصفا والمروةِ ركنٌ.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]، ونَفْيُ الْجُناح لا يدلُّ على الوجوبِ، يدلُّ على رفْعِ الإثم فقط، فكيف تجعلونه رُكْنًا لا يصِحُّ الحجُّ إلَّا به؟
هذا إيرادٌ واردٌ؛ كيف تجعلون السعي بين الصفا والمروةِ من أركانِ الحجِّ والله عز وجل يقول: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وهذا يدلُّ على رفْع الإثم عمَّن اطَّوفَ بهما ولا يدلُّ على أنه رُكن؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4037
قلنا: إنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يكفي دليلًا في مشروعيَّة السعي؛ حيث جعلهما من شعائر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، والطواف بهما تعظيمٌ لهما، وأمَّا قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فهذا رفْعُ توهُّمٍ وَقَع مِن بعض الناس حين نزولِ الآية؛ وذلك أنه كان على الصفا والمروةِ صَنَمانِ يُعبدانِ من دون الله، فتحرَّجَ المسلمون مِن أنْ يطوفوا بالصفا والمروةِ وعليهما صَنَمانِ قبل أنْ يدخُل الإسلام، فنفى اللهُ سبحانه وتعالى ذلك الْجُناح ليرتفع الحرَجُ عن صدورهم، فكان الغرض من نَفْي الْجُناح أيش؟ رفْع الحرج عن صدورهم حتى لا يبقى فيهم قَلَقٌ.
وأما أن يقال إنه رفْعُ الْجُناح، إنه رفعٌ للإثم فقط.
لا، رفْعُ الحرَجِ عمَّا في صدورهم، وإلَّا فبمجرَّد قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يكون ذلك دليلًا على أنه لا جُناح على مَن طاف بهما، بلْ مَن طاف بهما فقد عظَّمَ شعائرَ الله.
هذه أربعة أركان.
الجزء: 1 - الصفحة: 4038
زاد بعض العلماء المبيتَ بمزدلفة، واستدلُّوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ إلى آخره ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 198، 199]، وبقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عروة بن الْمُضَرِّس: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يعني الفجر- وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (7)، ففُهِم منه أنَّ مَن لم يقِفْ بمزدلفة لم يَتِمَّ حجُّه، وإلى هذا ذهبَ بعضُ السَّلَف والخلَفِ، وهو لا شك قَوِيٌّ؛ القولُ بأنَّ المبيتَ بمزدلفة ركنٌ من أركان الحج قويٌّ.
لكن الذين قالوا بأنه ليس بركنٍ قالوا: إنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ -يعني يوم عرفة- فَقَدْ أَدْرَكَ» (4).
وأجابوا عن حديث عُروة بأنَّ الإتمامَ يكون على وجوهٍ: تارةً يكون إتمامَ ما لا يصِحُّ الشيءُ إلا به، وتارةً يكون إتمامًا يصِحُّ الشيءُ بدونه مع التحريم، وتارةً يكون إتمامًا يصِحُّ الشيءُ بدونه مع نفْي التحريم.
والمرادُ بالإتمام في حديث عروة بالنسبة لمزدلفة: إتمامُ الواجبِ الذي تصِحُّ العبادةُ بدونه، وهذا هو رأيُ الجمهور.
ومِن العلماء مَن قال: إنَّ الوقوفَ بمزدلفة سُنَّةٌ وليس بركنٍ ولا واجبٍ؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (4).
لكن أَعْدل الأقوالِ وأَصْوبها أنه واجبٌ وليس بركنٍ، والإنسانُ يتحرَّجُ أنْ يقول لشخصٍ وقفَ بعرفة وطاف وسَعَى ولكنه لم يقِفْ بمزدلفةَ، يتحرَّج أنْ يقول: إنه لا حجَّ لك.
ولكن يقول: لك الحجُّ وعليك دمٌ.
كما سيأتي في الواجبات.
الجزء: 1 - الصفحة: 4039
ثم قال المؤلف: (وواجباتُهُ) يعني واجبات الحجِّ (الإحرامُ من الميقاتِ المعتبَرِ له).
القيدُ المعتبر هنا قوله: (من الميقاتِ المعتبَرِ له)، أمَّا أصل الإحرامِ فهو رُكن، ولو قال المؤلف: كونُ الإحرامِ من الميقات.
لو قال هكذا لكان أوضح.
الأول: أنْ يكون الإحرامُ من الميقاتِ المعتبَرِ له، وقد عرفتم فيما سبق أنَّ المواقيت خمسةٌ، وأنَّ مَن مَرَّ بها يريد النُّسُكَ وجبَ عليه الإحرامُ، ومَن كان دونها فمِن حيث أنشأَ، حتى أهلُ مكة يُحرِمون من مكة، إلَّا في العمرة فيُحرِمون من أدنى الحلِّ، وقد سبق.
طيب إذَن ما هو الميقات المعتبَر؟
نقول: الميقاتُ المعتبَر هو المواقيت الخمسة، وأهلُ مَن كان أيش؟
طالب: دونها.
الشيخ: دونها، ومكة لأهل مكة، إلَّا في العمرة فلا بدَّ أنْ تكون من الحِلِّ.
الثاني: (الوقوف بعرفة إلى الغروب) يعني: أنْ يستمِرَّ في عرفة إذا وقفَ نهارًا إلى أنْ تغرب الشمس، وعلى هذا فلا يحِلُّ أنْ يخرج الإنسانُ من عرفة قبل غروب الشمسِ لأنه واجبٌ؛ لأن البقاء فيها حتى تغيب الشمسُ أمرٌ واجبٌ.
وزعم بعض العلماء أنه لا يجب الوقوفُ إلى الغروب؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس حين قال عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ» أيش؟
طلبة: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا».
الشيخ: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (7)، فمَنْ وقف نهارًا ودَفَع قبل الغروب صَدَق عليه هذا الحكْم الذي نَطَقَ به النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه قد؟
طالب: وقفَ.
الشيخ: لا، قد تمَّ حجُّه، الوقوفُ فِعْلٌ، الحكْم: تَمَّ حجُّه وقَضَى تَفَثَهُ.
ولكن الصحيح أنَّ الوقوفَ بعرفة إلى الغروب واجبٌ بأدلةٍ:
الجزء: 1 - الصفحة: 4040
أولًا: مُكْثُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فيها إلى الغروبِ، مع أنه لو دَفَع في النهار لكانَ أَرْفقَ بالناس؛ فإنه إذا دَفَع في النهار كان ضوءُ النهارِ مُعِينًا للناس على السير، وإذا دَفَع بعد الغروب حلَّ الظلامُ، ولا سِيَّما في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام والناسُ يمشون على الإبلِ والأقدامِ، فينتشر الظلام قبل الوصول إلى مزدلفة.
فإنْ قال قائل: في تلك الليلة يكون القمرُ مضيئًا، فلا يحصُل بالسير بعد الغروبِ مشقَّةٌ.
فالجواب أنْ نقول: أفلا يمكن أنْ يكون في تلك الليلة سحابٌ؟ أجيبوا.
الطلبة: بلى.
الشيخ: بلى، يمكن أنْ يكون هناك سحابٌ؛ إمَّا في السَّنة التي حجَّ فيها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإمَّا في غيرها، والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنَّ مفاتيح السماءِ بيد الله عز وجل، هو الذي يُنْشِئُ السحابَ، وإذا لم يكنْ سحابٌ في تلك السَّنة فيمكن أنْ يكون في السنوات الأخرى.
إذَنْ فتأخيرُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام الدفعَ مِن عرفة إلي ما بعد الغروبِ وتَرْكُهُ للأَيْسَرِ يدلُّ على أنَّ الأَيْسر ممتنعٌ، ودليل ذلك أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام ما خُيِّرَ بين أمْرينِ إلَّا اختارَ أَيْسَرَهما مَا لَمْ يكنْ إثمًا (8).
ثانيًا: أنَّ الدفعَ قبل الغروبِ يكون فيه مشابهةٌ لأهل الجاهليةِ؛ لأن أهل الجاهلية يدفعون قبل غروب الشمس؛ إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كعمائمِ الرِّجالِ على رؤوسِ الرِّجال دفعوا، فلوْ دَفَع إنسانٌ في مِثْل هذا الوقتِ لَشابَهَهُم، ومُشابهة الكفارِ في عباداتهم مُحَرَّمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4041
ثالثًا: أنَّ تأخيرَ الرسولِ عليه الصلاة والسلام الدفعَ إلى ما بعد غروبِ الشمسِ ثم مُبَادرتُهُ به قبل أنْ يُصلِّي المغربَ مع أنَّ وقتَ المغربِ قد دخلَ يدلُّ على أنَّه لا بدَّ من البقاء إلى هذا الوقتِ، وكأنَّه عليه الصلاة والسلام ممنوعٌ حتى تغرب الشمسُ، ولذلك بادَرَ، فلو كان الدفعُ قبل غروب الشمس جائزًا لدَفَع قبل غروب الشمس ووصلَ إلى مزدلفة في وقت المغربِ وصلَّى فيها المغربَ مطْمئنًّا، لكن كَوْنه يرتقبُ غروبَ الشمسِ ومِن حين أنْ غربتْ يدفع قبلَ أنْ يُصَلِّي المغربَ يدلُّ على أنه؟
طالب: ممنوع.
الشيخ: نعم، أنه ممنوعٌ من الدفْعِ قبل الغروب، وعلى هذا فيُقال: إنَّ القولَ الراجحَ وجوبُ البقاءِ في عرفةَ حتى تغربَ الشمسُ.
فإنْ قيل: ما الجواب عن حديث عروة؟
قلنا: الجواب عن حديث عروة رضي الله عنه ما أَسْلَفْنا؛ أنَّ تمامَ الشيءِ قد يكون تمامَ واجب أو رُكْن أو سُنَّة.
الثالث: (المبيتُ لغيرِ أهلِ السِّقايةِ والرِّعايةِ بِمِنًى وبمزدلفة إلى بعد نصفِ اللَّيل).
قوله: (المبيت بمنى) يعني به المبيتَ في ليالي أيامِ التشريقِ دون المبيتِ في ليلة التاسع؛ فإنَّ المبيتَ في ليلة التاسع ليس بواجبٍ بلْ هو سُنَّة، لكن مبيت ليالي أيامِ التشريقِ بِمِنًى واجبٌ، فما هو الدليل؟
الدليل ما ثبتَ في الصحيحينِ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخَّصَ لعمِّه العباسِ أنْ يبيتَ في مكة لياليَ أيامِ التشريقِ من أجْل السِّقاية (9)؛ لأن السقاية كانتْ بيَدِ العباسِ، أيُّ سِقَايةٍ هي؟
طلبة: سِقاية الحجَّاج.
الشيخ: سِقايةُ الْحُجَّاج، فكان رضي الله عنه يَسْقي الحجَّاجَ ماءَ زمزم مَجَّانًا؛ تعبُّدًا لله عز وجل، وكَرَمًا، وإظهارًا لكَرَم الضيافة، وفي الجاهليةِ استجلابًا للناس أنْ يحجُّوا؛ لأنَّ أهل مكة ينتفعون اقتصاديًّا من الحجاج، فيُسهلون لهم الأمورَ ويخدمونهم من أجْل تشجيعهم على الحجِّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 4042
المهمُّ أنَّ قوله: رخَّصَ لعمِّه العباسِ، يدلُّ على أنَّ البقاءَ في مِنًى عزيمةٌ؛ لأنها هي التي تكون في مقابلةِ الرُّخْصةِ، ويُرشِّح هذا -يعني يُقَوِّيه- قولُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (10)، وقد بات في منى.
وقول المؤلف: (لغيرِ أهْلِ السِّقايةِ والرِّعايةِ) هذا مستثنى، (أهل السقاية) أيُّ السقاية؟ سقاية الحجاج مِن زمزم.
(والرِّعاية) رعايةُ إبلِ الحجاج؛ وذلك أنَّ الناسَ فيما سبق يحجُّون على الإبل، فإذا نزلوا يوم العيد في مِنًى احتاجوا إلى مَن يرعى إبِلَهم؛ لأن بقاءها في مِنًى فيه تضييقٌ، وربما لا يكون لها العلف الكافي، لهذا يذهبُ بها الرُّعاةُ إلى محلَّاتٍ أُخرى من أجْل الرَّعْي، وقد رخَّصَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم للرُّعاةِ أنْ يَدَعُوا المبيتَ في مِنًى لياليَ مِنًى، لماذا؟ لاشتغالهم برعاية الإبل.
طيب، هلْ يَلْحق بهؤلاء مَن يُماثلهم مِمَّن يشتغلون بمصالح الحجيجِ العامَّةِ كرجال المرور مَثَلًا وصيانةِ الأنابيب؛ أنابيبِ المياهِ وغيرِها والمستشفيات أو لا؟
الجواب: بلى، يَلْحقون بهؤلاء؛ لتمامِ أركانِ القياسِ؛ فإن القياس إلحاقُ فَرْعٍ بأصْلٍ في حُكْمٍ .. أَتِمُّوا.
طلبة: لِعِلَّةٍ
الشيخ: لِعِلَّةٍ جامعةٍ.
وهذا موجودٌ تمامًا فيمَن يشتغلون بمصالح الحجيج، وعليه فيُقاس على الرُّعاةِ والسُّقاةِ مَنْ يشتغلون بمصالح الناس في هذه الأيام ويُرخَّص لهم أن يبيتوا خارجَ مِنًى.
طيب، ومَنْ له عُذرٌ خاصٌّ كمريضٍ يُنقَل للمستشفى خارجَ مِنًى هلْ يُقاس على هؤلاء أو لا يُقاس؟
قال بعض أهل العلم: إنه يُقاس بجامعِ العُذرِ في كلٍّ منهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 4043
وقال بعض العلماء: إنه لا يُقاس على هؤلاء؛ لأنَّ هذا عُذره خاصٌّ، والسُّقاةُ والرُّعاةُ عُذرهم عامٌّ للمصلحة العامةِ، فهو يُشبه الرعاية والولاية، وأمَّا الذي عُذره خاصٌّ فهذا يُنظَر في أمْرِهِ هلْ يُرخَّص له في تَرْكِ المبيت، ويُقال: إنَّ عليك فِديةً لِتَرْك المبيت.
أو يُقال: لا فِديةَ عليك.
لكن قياسه على الرُّعاةِ والسُّقاةِ قياسٌ مع الفارق.
ولكنْ لِيُعلَمْ أنَّ المبيت في مِنًى ليس بذاك المؤكَّد كالرمي مَثَلًا، والدليلُ على هذا أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُسقِط الرميَ عن الرُّعاةِ وأَسْقَطَ المبيتَ عنهم، فدلَّ هذا على أنَّ المبيتَ في منًى وإنْ عدَدْناه من الواجباتِ أهونُ مِن الرمي.
ولهذا يُخطئ بعضُ الناس فيما نرى أنَّه إذا قيل له: رجُلٌ لم يَبِتْ بمنًى ليلةً واحدةً؟ قال: عليه دمٌ.
مَن يقول هذا! عليه دمٌ بليلةٍ واحدة! هو لو قال: عليه دمٌ إذا تَرَك الليلتينِ، لَكان له شيءٌ من الوجْهِ؛ لأنه تَرَك جنسًا من الواجبات، أمَّا إذا تَرَك ليلةً من الليالي نقول: عليك دمٌ، مع أنَّ الوجوب فيه نَظَر!
ثم الوجوبُ إنما يكون إذا تَرَك هذا الجنسَ من الواجب، أمَّا إذا تَرَك جزءًا منه فإيجابُ الدم عليه فيه نَظَرٌ واضحٌ، ولهذا كان الإمام أحمد -رحمه الله- أحيانًا يقول: عليه قبضةٌ مِن طعامٍ.
قبضة يعني مِلء اليدِ، بعضُ العلماء يقول: دِرهمٌ أو درهمانِ أو ما أشْبَهَ ذلك.
طالب: أقلُّ المبيت؟
الشيخ: هو يقول: إلى نصفِ الليل؛ المؤلف.
طالب: ( ... ) المؤلف قصة الفضل بن العباس أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام معروف أنه كان في ذهابه إلى مزدلفة هذه يا شيخ ..
الشيخ: في ذهابه إلى مزدلفة، الفضل؟ ! أُسامة اللِّي في ذهابه إلى المزدلفة (11).
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، أسامة كان في مجيء الرسول من عرفة إلى مزدلفة، والفضل من مزدلفة إلى مِنى.
الجزء: 1 - الصفحة: 4044
طالب: طيب يا شيخ أشكلَ علينا قصة المرأة أنها لما أتتْ قالت: إنها ( ... )، مع أن الحج انتهى يوم عرفة، سألته عن ..
الشيخ: هل تحجُّ عنه؟ إي نعم.
الطالب: طيب يا شيخ، هل المقصود القادم.
الشيخ: إي معلوم، ما فيه شك أنَّ المقصود القادم، أمَّا الآن ما يمكن يُجعَل للأب.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، أن رجال الشرطة والمستشفيات يقاسون على أهل السِّقاية والرعاية لتمام القياس، ولكن من المعروف أن المستشفيات موجودة بكثرة في مِنى، وأن رجال الشرطة ( ... ) يتواجدون في مِنى وغيرها من المناسك، فما هو وجه القياس طالما أنه يعني استُعين ..
الشيخ: لا، أحيانًا ما يمكنهم هذا، أحيانًا يكون المصاب يحتاج إلى إسعاف لا يوجد في المستشفيات المؤقتة هذه، فيحتاج الطبيب إلى أنه يذهب معه، وكذلك بالنسبة للشرطة، رجال المرور، رجال الإطفاء.
طالب: شيخ، ( ... ) الراجح فيمَنْ له عُذرٌ خاصٌّ، هل يُلْحق بـ .. ؟
الشيخ: واللهِ أنا أتوقف فيه، لكن لو قيل بأنَّ مَن له عُذر خاص أنَّه يسقط عنه الدم مع بقاء المبيت واجبًا، لو قيل بذلك لكان له وجهٌ؛ لأنه كالمحصور، ويلتحق بهذا -بالعُذر الخاص- ما يَحصُل لكثيرٍ من الناس الآن؛ يذهب في أول الليل أو بعد العصر إلى مكة ليطوف، فيتأخر في مكة لشدة الزحام في المطاف وفي المسعى ولشدة الزحام في السيارات حتى يأتي في آخِر الليل، فهل نقول: إنه يُجزِئ، أو نقول: إن هذا لم يَبِتْ في الواقع؟
نحن نتسامح في هذه المسألة ونقول: إذا كان الإنسان قد بَذَل الجهد ولكنه لم يتيسَّر له فإنه إذا وصلَ قبل الفجر كفى، وإلا فالواجبُ أن يكون مُعْظم الليل في مِنًى، ولذلك نختار ألَّا ينزل إلى مكة ليطوف في أول الليل أو فيما بعد العصر، بل نقول: إمَّا أن تنزل مبكرًا إلى مكة، وإمَّا أن تجعل نزولك بعد منتصف الليل لتكون قد بِتَّ في مِنى أيش؟
طلبة: مُعْظم الليل.
الشيخ: مُعْظم الليل.
طالب: الرمي قبل الزوال؟
الشيخ: أظن ما وصلناها يا أخي.
الجزء: 1 - الصفحة: 4045
طالب: شيخ صرفنا رُكنيَّة المبيت في المزدلفة والأمر بقوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، ولم نصرفْ رُكنيَّة الطواف بالبيت؟
الشيخ: نعم، صحيح، هذا وارد إيرادًا تامًّا، أفهمتم ما قال؟ يقول إننا صرفنا القولَ برُكنية المبيت في مزدلفة بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، ولم ندفع القولَ برُكنية طواف الإفاضة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وهذا إيرادُ فحلٍ جيِّدٍ.
لكنْ يجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قيل له: إنَّ صفية قد حاضت.
قال أيش؟
طلبة: «أَحَابِسَتُنَا».
الشيخ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» (12)، فدلَّ ذلك على أنه لا بدَّ منه؛ مِن طواف الإفاضة، وأنه رُكن بكل حال.
طالب: والسعي يا شيخ؟
الشيخ: والسعي كذلك.
طالب: أحسن الله إليك، الذين يقولون: إنَّ المبيت في مِنى سُنَّة، قالوا: إنَّ النبي صلى الله عليه ..
الشيخ: سُنَّة، ولَّا في مزدلفة؟
الطالب: لا، المبيت في مِنى يقولون: إنه سُنَّة.
قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّصَ للعباس (9)، وقالوا: لو كان واجبًا لم يرخِّص له ذلك، كيف الجواب عليه؟
الشيخ: فهمتم كلامه؟ يقول: الذين قالوا بأن المبيت في مِنى سُنَّة، وقد قيل به كما قال؛ قالوا: إنَّ الرسول رخَّص للعباس، ولو كان واجبًا لم يرخِّص له.
والذين قالوا بالوجوب استدلُّوا بكلمة (رخَّصَ) وقالوا: إن المستحبَّ مُرخَّصٌ فيه في الواقع؛ لأن الإنسان في سَعَةٍ منه إنْ شاء فَعَل وإن شاء لم يفعل، فالتعبير بـ (رخَّصَ) يدلُّ على الوجوب؛ لأن المستحبَّ الإنسانُ في سعةٍ سواءٌ فَعَله أو لم يفعله، هذا وجْه الدلالة.
وأمَّا كَوْنه رخَّص له ولو كان واجبًا لم يرخِّص له، فيقال: إنَّ المصلحة العامة مقدَّمة على المصلحة الخاصة وهي مصلحة المبيت ( ... )
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد.
الجزء: 1 - الصفحة: 4046
قال رحمه الله تعالى: والمبيتُ لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى وبمُزدلفةَ إلى بَعْدِ نصفِ اللَّيلِ، والرَّمْيُ، والحِلاقُ، والوداعُ.
والباقي سُنَنٌ.
وأركان العُمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسَعْيٌ.
وواجباتُها: الحلاقُ، والإحرامُ مِن ميقاتِها.
فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لم ينعقِدْ نُسُكُهُ، ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه أو نيَّتَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به، ومَنْ تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلي يوم الدين.
ما الجواب عمَّنْ قال: إن تقسيم الماهيَّة في العبادة إلى أركانٍ وشروطٍ وواجباتٍ من البدع؛ لأنها لم تكن معروفةً في عهد الرسول؟
طالب: أحسن الله إليك، الجواب عن هذا أن نقول: إن هذا تقريبٌ للعلم، وقد جاءت السُّنة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يأتي بأحاديث يقول: «ثَلَاثَةٌ»، ويقول: «سَبْعَةٌ»، وما أشبهَ ذلك للتقريب الذهني ( ... ).
الشيخ: نعم، الجواب أنَّ هذا ليس من باب التعبُّد بذلك، ولكن من باب تقريب العلم، وقد جاء نظيره في السُّنة.
طيب، أركان الحجِّ كم؟
طالب: أربعة.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة؛ طواف الإفاضة.
الشيخ: نعم، والسعي.
الطالب: والسعي.
الشيخ: طيب، أربعة.
ما هو الإحرام؟
طالب: نيَّة الدخول في النُّسُك.
الشيخ: نيَّة الدخول في النُّسُك، أو نيَّة النُّسُك؟
الطالب: نيَّة الدخول في النُّسُك.
الشيخ: أو نيَّة النُّسُك؟ أجِبْ، نعم ولَّا لا؟
طالب: هو نيَّة النُّسُك.
طلبة: نيَّة النُّسُك.
طالب: (نيَّة النُّسُك) لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ ما الفرق بين نيَّة الدخول ونيَّة النُّسُك؟
الطالب: الإنسان ينوي أن يؤدي النُّسُك منذ سنوات، ولكن الإحرام الذي ينوي ..
الشيخ: ينوي الدخولَ فيه فِعْلًا.
الطالب: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 4047
الشيخ: طيب، كما نحن الآن ننوي إنْ شاء الله أن نُصَلِّي العِشاء الآخِرة، لكن هل نيَّتُنا هذه نيَّةُ الدخول في الصلاة؟ لا.
ما هو الدليل على أن الإحرام رُكن؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (3).
الشيخ: وعلى أن الوقوف ركن؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الشيخ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الطالب: وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
الشيخ: نعم، وعلى أن الطواف ركن؟
طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
الشيخ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
طيب، فيه دليل من السُّنة؟
طالب: فِعْل النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (10).
الشيخ: ما يكفي.
الطالب: في الطواف؟
الشيخ: نعم، أن طوافَ الإفاضةِ ركنٌ لا يتمُّ الحجُّ إلا به؟
الطالب: نعم، لحديث صفية.
الشيخ: صفية.
الطالب: عندما حاضتْ.
الشيخ: حين حاضتْ.
الطالب: فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ».
الشيخ: فقال «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» (12)، تمام.
السعي، الدليل على أنه رُكن؟
طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158].
الشيخ: بس هذا يقول: ﴿مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾.
طالب: مِن باب رفْعِ الحرج عنهم؛ لأنهم كانوا يتحرَّجون من أُناسٍ بين الصفا والمروة؛ لأنه كان في الجاهلية صنمانِ على الصفا والمروة، ونزلت الآية للإباحةِ لهم بالخارج وأنه لا حرجَ عليهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 4048
الشيخ: نعم، أحسنت، صار نَفْي الحرجِ ليزول تَحَرُّجهم من الطواف بهما من أجْل أنه كان فيهما صنمانِ في الجاهلية، طيب.
طالب: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ».
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» (5)، تمام.
طيب، انتهينا من الكلام عن الأركان أظن.
طالب: نعم.
الشيخ: الواجبات، أخذْنا كلمةً واحدةً منها.
طالب: اثنتين.
طالب آخر: ثلاث.
الشيخ: نعم، طيب، أولًا: ما هو الدليل على أن الإحرامَ من الميقات المعتبَر واجبٌ؟
طالب: توقيف الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه المواقيت، وقوله: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ» (13).
الشيخ: لكن هذا يدلُّ على الوجوب! أظن ما ذكرناها لكم، نبدأ من الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم
(واجباتُه: الإحرام من الميقات).
(واجباتُه) أي: واجبات الحج (الإحرامُ من الميقات المعتبر له).
قلنا: لو عبَّر المؤلف فقال: أن يكون الإحرامُ من الميقات.
لأنه إذا قال: الإحرامُ من الميقات، فقد يظنَّ الظانُّ أن الإحرامَ أيضًا من الواجبات، وليس كذلك، الإحرامُ من الأركان، لكن الواجب أنْ يكون الإحرامُ من الميقات المعتبَر له.
والمواقيت كما عرفتم سابقًا خمسةٌ؛ المعيَّنة، وما دون ذلك فمِن حيثُ أَنْشأ، دليل ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» (14)، وهذا خبرٌ بمعنى الأمر، والدليلُ على أنه بمعنى الأمر لفظٌ آخَرُ عن ابن عمر في هذا؛ قال: فَرَضهُنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، لأهل المدينةِ ذو الحليفة.
(فَرَضَهُنَّ)، والفرض يقتضي الوجوب، صار الدليل على هذا حديث ابن عمر؛ حيث وردَ بلفظ «يُهِلُّ» وهو خبرٌ بمعنى الأمر، وبلفظ (فَرَضَهُنَّ) والفرضُ بمعنى الوجوب.
الجزء: 1 - الصفحة: 4049
الثاني: (الوقوفُ بعرفة إلى الغروب)، وذكرنا دليله بالأمس في الدرس الماضي؛ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم وَقَفَ بعرفةَ ولم يدفع حتى غاب القُرص (15)، وكَوْنه يختار هذا الوقتَ الذي هو أشدُّ وأشقُّ على الناس مما لو كان الدفعُ قبل الغروب يدلُّ على أيش؟ وجوبه، هذا واحد.
ثانيًا: كونه بادَرَ بالدفع قبل أن يصلِّي المغربَ يدلُّ على أنه ينتظر غروب الشمسِ بفارغ الصبر، ولهذا من حين غربتْ دَفَع.
فيه ثالث: أنه لو تقدَّم ودَفَع قبل الغروب لشابَهَ أهلَ الجاهلية، والتشبُّه بالكفار -ولا سِيَّما في الشعائر الدينية- مُحَرَّمٌ.
طيب (الوقوف بعرفة إلى الغروب).
وبهذا نُجيب عن حديث عروة بن مُضَرِّس: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» (7)، فيقال: قوله: «أَوْ نَهَارًا» مُطْلَق، فيُحمل على أنه إذا وقف نهارًا يجب أن ينتظر حتى تغرب الشمسُ؛ لأن المطلق يحكم عليه المقيَّد.
الثالث من الواجبات قال: (والمبيتُ لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى وبِمزدلفةَ إلى نصف الليل).
مزدلفة تكلَّمنا عليها أيضًا، وبيَّنَّا أن للعلماء فيه ثلاثة أقوال: الرُّكنيَّةُ والوجوبُ والسُّنيَّة، وأنَّ أَعْدلَ الأقوالِ وأقربَها أنه واجبٌ وليس برُكن، وبيَّنَّا الدليلَ لذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
وأَوْرد علينا بعضُ الإخوة أننا إذا أخذْنا بهذا الاستدلال لَزِمَ من ذلك ألَّا يكون الطوافُ رُكْنًا؛ لأنه بعد عرفة، وأجبْنا عن ذلك بأيش؟
طلبة: حديث صفية.
الشيخ: بحديث صفية؛ فإنه يدلُّ على أن الطواف ركنٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 4050
وقول المؤلف: (لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ) يُفهم منه أنَّ أهل السِّقايةِ والرعايةِ يجوز لهم تَرْك المبيت بمزدلفة، ولا أعلمُ لهذا دليلًا من السُّنة أنَّ الناس يسقون ليلة المزدلفة، ولا أنَّ الرُّعاة يذهبون بالإبل ليلة المزدلفة؛ أولًا: الرُّعاة لا حاجةَ لهم إلى الرَّعي في ليلة المزدلفة، بل الرواحلُ عند مَن؟ عند الناس؛ لأنهم سيرتحلون، فكيف تذهب ترعى في الليل، هُم جاءوا بها من عرفة وأناخُوها في مزدلفة، وستبقى تنتظر ارتحالَهم في صباح تلك الليلة، هل في هذا حاجةٌ للرُّعاة؟ لا.
السُّقاة أيضًا؛ أليس الناس يذهبون إلى مكة يشربون ماء زمزم قبل أنْ يستوطنوا في مِنى؟ ! فاستثناء السُّقاةِ والرعاةِ من المبيت أو من وجوب المبيتِ في مزدلفة فيه نَظَرٌ ظاهرٌ؛ أولًا: لعدم ورود السُّنة به، والثاني: أنه لا حاجةَ لذلك.
لكنْ قد يقول قائل: ما رأيكم في جنود المرور، جنود الإطفاء، الأطباء، الممرضين، هل ترخِّصون لهم؟
نقول: لا، لا نُرخِّص؛ لأن المبيت في مزدلفة أَوْكد من المبيت في مِنًى بكثير؛ فإن مِنًى لم يقُل أحدٌ من العلماء: إن المبيت بها ركنٌ من أركان الحج، ومزدلفة قال به بعض العلماء، وهو قولٌ قويٌّ كما عرفتم، إلَّا أنَّ أقوى منه أنه واجبٌ وليس برُكن، وعلى هذا فلا بدَّ من المبيت في مزدلفة.
ثم يُفرَّق بينه وبين ليالي مِنًى أنه ليلةٌ واحدةٌ، أو بعضُ ليلةٍ للإنسان الذي يحتاج إلى الدفع مبكرًا في آخِر الليل؛ يعني لا يقضي ليلَه كلَّه، فلا يصح قياسُه على ليالي مِنًى.
قال المؤلف: (بِمِنًى).
هذا الرابع ولَّا الخامس؟
طلبة: الرابع.
الشيخ: كَوْن الإحرام من الميقات، استمرارُ الوقوف إلى الغروب بعرفة، المبيتُ بمزدلفة، الرابع: المبيت بِمِنى.
الجزء: 1 - الصفحة: 4051
وهُنا يُشكِل على بعض الإخوة يقول: المبيت بِمِنى، لازم أَبِيت وأضطجع.
وقد بيَّنَّا فيما سبق أنَّ ذلك ليس بلازم وأنَّ المراد بالمبيت الْمُكْثُ في مزدلفة ليلةَ العيدِ سواءٌ باتَ أو صارَ يقظانًا، لكن المبيت كما سبق .. يعني النوم أفضل من إحيائها بقراءةٍ أو بحثٍ في علمٍ أو تهجُّدٍ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أَثَرْنا -وكنا نتكلم على صفة الحج- مسألةَ الوتر في تلك الليلة وقُلنا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان لا يَدَعُ الوتر حَضَرًا ولا سَفَرًا، وهذا عامٌّ يشمل حتى ليلة العيد في مزدلفة.
وأَوْرد علينا بعض الناس أو أوردْناه نحن على أنفسنا حديث جابر: ثم اضْطَجَعَ حتى طَلَعَ الفَجْر (15)، وقُلنا: إن هذا مَبْلغ علم جابر، هذا مَبْلغ علمِه، وإلَّا فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعثَ أهْلَه من مزدلفة بِلَيْلٍ (16)، وهذا يقتضي أن يكون في آخِر الليل مستيقظًا، بعثَ أهْلَه، فعلى هذا نقول: إن الوتر في تلك الليلة كغيرها من الليالي مشروعٌ، لكن التهجُّد وإحياء الليلة غير مشروع.
(المبيتُ لغير أهلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى).
المبيت في مِنى -وهو الواجب الرابع- ذكرْنا دليلَه في الدرس الماضي، ما هو؟
أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخَّصَ لعمِّه العباسِ بن عبد المطلب أنْ يبيتَ في مكة من أجْلِ سِقايتهم (9)، قالوا: والترخيص لا يكون إلا في مقابل العزيمة، نعم، ولأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام باتَ في مِنى لياليَ أيامِ التشريقِ وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
طيب في هذه العصور الأخيرة صار إشكالٌ بالنسبة للمبيت بِمِنى، وهو أن الناس لا يجدون مكانًا، فماذا يصنعون؟
نقول: ينزلون عند آخِر خيمةٍ من خيام أهل مِنى؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
الجزء: 1 - الصفحة: 4052
فإن قال قائل: لماذا لا تجعلون هذا من جنس الحصْرِ، والحصْرُ عن الواجب فيه دمٌ كما قاله الفقهاء؟
قلنا: لأن المكان هنا ممتلئٌ، فلا مكانَ أصلًا، أمَّا الحصْرُ فالمكانُ باقٍ لكنْ يُمنع منه، أمَّا هُنا فلا مكانَ، وهو مِثْل قطعِ اليدِ، يسقطُ غسلُها في الوضوء أو تُغسَل العضدُ بدلَ الذراع؟ أجيبوا.
طلبة: يسقط.
الشيخ: يسقط، فلهذا نرى أنه يسقط المبيتُ في هذه الحال، وأنَّ الإنسان يجب أن يكون عند آخِر خيمةٍ.
أمَّا فِعْل بعض الناس؛ كَوْنه إذا لم يجد مكانًا في مِنى ذهبَ إلى مكة أو إلى الطائف أو ما أشبه ذلك وقال: ما دام سقطَ أو لم نجدْ مكانًا في مِنى فلْنَبِتْ حيث شِئنا.
فإنَّ هذا ليس بصحيح، هذا غير صحيح؛ لأننا نقول: إنَّ المسجد إذا امتلأ وجبَ اتصال الصفوفِ، وجبَ أنْ يكون الناس صفوفًا متَّصلة، ولا تصِحُّ الصلاةُ من بعيدٍ، فهذا كذلك، نقول: يجب عليك أن تكون عند آخِر خيمةٍ في مِنى.
وإذا سألَنا سائلٌ: هل يجب أنْ أكون عند آخِر خيمةٍ في الجهة البُعدى من مكة أو في أي جهة؟
الجواب: في أيِّ جهةٍ، وعلى هذا فيصِحُّ أن تكون في الجهة التي تلي مكة من وراء جمرة العقبة، ولا حرجَ عليه ما دامت الخيام متَّصلة.
وقول المؤلف: (إلى بعد نصفِ الليل) هذا منتهى وجوب المبيت على المشهور من المذهب؛ (إلى بعد نصفِ الليل)، فإذا انتصفَ الليلُ في مزدلفة انتهى الوجوب فلَكَ أن تدفع، ولا فرقَ بين العاجز والقادر، فمنتهى الواجبِ انتصافُ الليل مِن متى؟ مِن غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أو إلى طلوع الشمس؟ أيُّهما أحوط؟
طالب: الفجر.
طالب آخر: الشمس.
الشيخ: الأحوط الشمس؛ لأنه أطول، أليس كذلك؟ يزيد ساعة ونصف تقريبًا، فنقول: انتظِر زيادة ساعة إلا ربع على انتصاف الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فالأحوط إذَن اعتباره بطلوع الشمس، وبعد ذلك لك الدفع.
الجزء: 1 - الصفحة: 4053
ولكن القول الصحيح أنَّ الدفع إنما يكون في آخِر الليل كما سبق، وكانتْ أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنها تنتظر غروب القمر، فإذا غاب دفعَتْ، ثم ذهبَتْ إلى مِنًى ورَمَتْ، ثم عادتْ إلى مكانها في مِنًى وصلَّت الفجر (17).
والمعتبر في ليالي مِني خاصَّة؛ لأنه ما فيها نص، المعتبر أنْ تبقى فيها مُعْظم الليل من أوله أو وسطه أو آخِره، فإذا قدَّرْنا أن الليل اثنتا عشرة ساعة، كمْ مُعْظمه؟
طلبة: سبع.
الشيخ: سبع ساعات من أوله أو وسطه أو آخِره، المهمُّ أنْ تبقى مُعْظم الليل.
الخامس: (الرَّمْي) أي: رَمْي الجِمار؛ في يوم العيد جمرة واحدة، وفي الأيام الثلاثة التي بعد العيد ثلاث جمرات، ولا بدَّ أن تكون مرتَّبةً، وسبق شروط ذلك في صفة الحج، لكن الرمي من الواجبات.
الدليل على أنَّ الرمي من واجبات الحج أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرمي: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (18)، وقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» (19)، وقوله: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ولأنه عَمَلٌ يترتَّب عليه الحِلُّ، فكان واجبًا ليكون فاصلًا بين الحِلِّ والإحرام.
ولا بدَّ في الرمي أن يكون مرتَّبًا، ولا بدَّ أن يكون بحجرٍ، ولا بدَّ أن يكون بسبعِ حصياتٍ، وسبق الكلام على هذا مُفَصَّلًا في صفة الحجِّ فلا حاجة لإعادته.
(والحِلاق) الحِلاق يعني الحلْق، وينوب عنه التقصير، ولهذا قال المؤلف في الشرح: (أو التقصير)، فهذه سبعة واجبات.
طالب: ستة.
الشيخ: ستة ولا سبعة؟
طلبة: ستة.
الشيخ: لا، نعُدُّ، ما فيه مانع؛ الإحرام من الميقات، الوقوف بعرفة، المبيت بمزدلفة، المبيت في مِنى، الرمي، الحِلاق، هذه ستة.
السابع: قال المؤلف: (والوداع) يعني طواف الوداع.
طالب: دليلُ الحلق.
الجزء: 1 - الصفحة: 4054
الشيخ: نعم، دليل الحلْق فِعْل النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وأن الله تعالى جعله وصفًا في الحج والعُمرة فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: 27]
قال العلماء: وإذا عبِّرَ بِجُزءٍ من العبادة عن العبادة كان دليلًا على وجوبه فيها.
إذا عبر عن العبادة بجزءٍ مما فيها كان ذلك دليلًا على أنه واجب.
(الوداع) وهو الطواف بالبيت فقط بدون سعيٍ وبدون إحرام، وهو من واجبات الحج، هكذا عدَّهُ المؤلف وكثيرٌ من العلماء.
والصحيح أنه ليس من واجبات الحج؛ لأنه لو كان من واجبات الحج لَوجبَ على المقيم والمسافر، وهو لا يجب على المقيم في مكة، وإنما يجب على مَن؟ على مَن سافر، وعلى هذا فلا يتوجَّه عَدُّهُ من واجبات الحج، إذْ إنَّ واجبات الحج لا بدَّ أن تكون واجبةً على كلِّ مَن حجَّ.
لكن قد يقول قائل: إنه واجبٌ مقيَّدٌ بالخروج، ولا مانع من أن نُقيِّد بعض الواجبات بقيدٍ فيكون واجبًا على مَن أراد الخروج من مكة، ودليل هذا حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أُمِرَ الناسُ أنْ يكون آخِرُ عهدهم بالبيت، إلَّا أنه خُفِّفَ عن الحائض (20). وهذا الأمر للوجوب، ودليل كَوْنه للوجوب قوله: إلَّا أنه خُفِّفَ عن الحائض.
لأنه لو كان للاستحباب لَكان؟ أجيبوا.
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: لَكان مُخَفَّفًا على كلِّ أحد؛ لأن المستحبَّ يجوز تَرْكه، ولقوله أيضًا في اللفظ الآخَر: «لَا يَنْصَرِفْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (21).
(والباقي) الباقي منين؟ الباقي من أقوال الحج وأفعاله (سُنَنٌ).
وسيأتي حُكم كلًّ من الركن والواجب والسُّنة.
ثم قال: (وأركان العُمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسَعْيٌ).
والإحرام: نيَّة الدخولِ في العُمرة، والطواف معروف، والسعي معروف.
(وواجباتُها: الحِلاق، والإحرام من ميقاتها).
الجزء: 1 - الصفحة: 4055
فصار أركان العُمرة ثلاثة، وواجباتها اثنان.
( ... )
طالب: المعروف أن حدود مِنى سَفْح الجبال من جهة مِنى.
الشيخ: إي، سفوح الجبال من جهة مِنى، من مِنى.
الطالب: شيخ بعض الناس يكون مثلا ( ... )؟
الشيخ: لا، ما يجوز هذا، إلا إذا كان معه نساء، يمكن اللي معه نساء يَصْعب عليه أنْ يسكن في الجبل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، لكن يصعب عليه سُكنى الجبل، يجيء بحريم وأطفال ويُصعِّدهم الجبل! صَعْب.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: يجب عليه أنْ يبيت فيها، يضرب خيمته هناك.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) الآية ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 198].
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، أجبنا عنها؛ قلنا لكم: أن يكون المراد بها لا تَقِفوا في هذا، لا تَقِفوا في المشعر الحرام كما كنتم تقفون في الجاهلية، ولكنْ إذا أفضتم من عرفات فقِفُوا به، فيكون في الآية بيانُ وقتِ الوقوف في مزدلفة أنَّه بعد الإفاضة من عرفة؛ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 198، 199].
كانت قريش في الجاهلية لا يقفون في عرفة؛ يوم عرفة ما يقفون في عرفة، لماذا؟ يقولون: نحن أهلُ الحرم فلا نقف في الحِلِّ، وعرفة من الحِلِّ، فقال الله تعالى: ﴿إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾؛ يعني اجعلوا وقوفكم عند المشعر الحرام بعد أن تُفيضوا من عرفة، فيكون في الآية الكريمة بيانُ ترتيب وقت الوقوف في مزدلفة.
طالب: شيخ، قُلنا: إن الراجح يا شيخ جواز الدفع من مزدلفة في آخِر الليل.
لو أن إنسانًا أتى قبل آخِر الليل بقليل؛ بدقائق، هل يجوز الانتهاء أو يستمر حتى طلوع الفجر؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4056
الشيخ: لا بأس إذا جاء، لكن ينبغي أن يستقر قليلًا، وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا كان في آخِر الليل بعثَ أهْلَه فوقفوا عند المشعر الحرام وذكروا الله ثم انصرفوا (22).
طالب: في مِنى يكون إذَن الشوارع يكون فيها فراغ.
الشيخ: إيش؟
الطالب: يكون في ( ... ) الشوارع في مِنى يكون فيها فراغ، فهل لإنسانٍ ليس معه نساء ويستطيع أن ( ... ) بأن يأتي بفِراشه وينام على الرصيف؟
الشيخ: أين متاعه؟
الطالب: خارج مِنى.
الشيخ: لا، يبقى في متاعه، لا بأس؛ لأنه مشقَّة عليه أنه يجيء بـ ( ... ) في فراشه وينام في الشوارع، مشقَّة عليه، ولا ينام نومًا هادئًا.
طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لم ينعقِدْ نُسُكُهُ، ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه أو نيَّتَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به، ومَنْ تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق لنا ذِكْر الواجبات في الحج، فلْنُعِدها الآن.
طالب: الإحرام من الميقات.
الشيخ: نعم.
الطالب: الوقوف بعرفة إلى الغروب.
الشيخ: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الغروب.
الطالب: والمبيت بمزدلفة.
الشيخ: والمبيت بمزدلفة إلى ما بعد نصف الليل.
الطالب: المبيت في مِنى.
الشيخ: المبيت بِمِنى إلى ما بعد نصف الليل.
الطالب: وطواف الزيارة.
الشيخ: طواف الزيارة!
الطالب: وطواف الوداع.
الشيخ: وطواف الوداع.
وغيره؟
الطالب: والحِلاق.
الشيخ: الحلق أو التقصير.
الطالب: والرمي.
الشيخ: ورمي الجمرات، سبعة.
طيب، أركان العمرة؟
طالب: أركان العمرة ثلاثة.
الشيخ: وهي؟
الطالب: الإحرام، والطواف، والسعي.
الشيخ: نعم، وواجباتها؟
طالب: اثنان: الإحرام من ميقاتها، والحِلاق؛ والحلق أو التقصير.
الشيخ: والحلق أو التقصير.
طيب وأظن وقفْنا على هذا.
طالب: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 4057
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
ذَكَر المؤلف رحمه الله أنَّ واجبات العمرة اثنان: كَوْن الإحرام من الميقات، والثاني: الحلق أو التقصير.
ولم يذكر طوافَ الوداعِ، فظاهر كلامه أنه لا يجب لها طوافُ وداعٍ؛ لأن عدم الذِّكْر في سياق البيان يدلُّ على أنه لا عبرة به، وعلى هذا فيكون طواف الوداع في العمرة ليس بواجبٍ على المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
وهذه المسألة فيها خلافٌ؛ فمِن أهل العلم من يقول: إن العمرة يجب لها طوافُ وداعٍ.
ومنهم مَن يقول: لا يجب، ولكنه سُنَّة.
ولم نعلم أن أحدًا من الناس قال: إن طواف الوداع للعُمرة بدعة.
فالأقوال فيها منحصرة في قولينِ: إمَّا أنه واجبٌ وإمَّا أنه سُنَّة، والراجح عندي أنه واجبٌ؛ أنه يجب على المعتمر أنْ يطوف للوداع كما يجب على الحاجِّ؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْفِرْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (21).
فإنْ قال قائل: هذا القول قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجَّة الوداع في الحجِّ، ولم يقُلْه في العُمرة.
قُلنا: نعم، نُسَلِّم ذلك، ولكن لأنه لم يوجبه الله إلا في ذلك الوقت، وما قبل ذلك فهو لم يجبْ أصلًا، والشرع كما نعلم يتجدَّد، تجبُ الشرائع متجدِّدة؛ فقد يجب في هذا الوقتِ ما لم يكنْ واجبًا مِن قَبْل.
الجزء: 1 - الصفحة: 4058
ونقول أيضًا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ليعلى بن أُمَيَّة: «اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ» (23)، وهذا العموم يشمل؛ كل ما يُفعل في الحجِّ يُفعل في العمرة إلا ما قام النصُّ أو الإجماعُ على أنه مستثنى؛ كالوقوف بعرفة، والمبيتِ بمزدلفة أو بِمِنى، ورمْيِ الجمار، هذا مستثنى بالإجماع، وإلَّا فالأصل مشاركة العمرةِ للحجِّ في أفعاله، ويؤيد ذلك -أنَّ هذا هو الأصل- أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم سَمَّاها في حديث عمرو بن حزمٍ الذي تلقَّته الأُمَّة بالقبول، سَمَّاها: الحج الأصغر؛ قال: «الْعُمْرَةُ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ» (24)، فسمَّاها حجًّا، وإذا سُمِّيت باسمه فالأصل موافقتُها له في الأحكام إلا ما استُثنِي.
ولكنْ لو أنَّ أحدًا قدمَ مكة وطافَ وسعى وقصَّرَ وانصرفَ، خرج؛ فإنَّ هذا يُجزئه عن طواف الوداع كما ذَكَر ذلك البخاري في صحيحه بأنَّ المعتمِر إذا طافَ وسعى فإنه يكفيه عن طواف الوداع، لا يُقال: إن هذا لم يكنْ آخر عهده بالبيت.
نقول في الجواب: لأن السعي تابعٌ للطواف، ولهذا ذكر الفقهاء أنه لو أخَّر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع وسَعَى فإنه يُجزِئه، ولم يعتبروا هذا السعي فاصلًا؛ لأنه يَثْبت في الأتباع ما لا يَثْبت في الاستقلال، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام طافَ للوداع في حجَّة الوداع، وبعد أنْ طافَ صلَّى الفجر ثم انصرف؛ لأن الفصل يسيرٌ، وإنْ كانت هذه الصلاة فيما يَظهر ليستْ تابعةً للطواف؛ بمعنى أنَّ الرسول لم يَنْوِ بها أنها عن صلاة الركعتينِ بعد الطواف، فهذا هو الذي نراه.
وعلى كلِّ حالٍ إذا طافَ الإنسانُ فإنه مُثَابٌ على القولينِ جميعًا، لكن إذا تَرَك فهلْ يأثم أو لا؟ ينبني على القول بالوجوب أو عَدَمه؛ إنْ قُلنا بالوجوب فهو آثِمٌ، وإلَّا فليس بآثِم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لَمْ ينعقِدْ نُسُكُهُ).
الجزء: 1 - الصفحة: 4059
ما معنى (تَرَك الإحرام)؟ يعني مَن لم يلبس الثياب؛ مَن لم يلبس الإزار والرداء؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، (مَن تَرَكَ الإحرامَ) يعني النيَّة؛ أي: نيَّة الدخول في النُّسُك، فإنَّه لا ينعقد نُسُكه، حتى لو طافَ وسعى فإنَّ هذا العمل لاغٍ؛ كما لو تَرَك تكبيرةَ الإحرام في الصلاة، لو تَرَكها وأتمَّ الصلاة بالقراءة والركوع والسجود والقيام والقعود لكنَّه لم يُكَبِّر للإحرام فصلاتُه لاغية لم تنعقِدْ أصلًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (3) وهذا الرجل لم يَنْوِ الدخولَ في النُّسُك فلا يكون داخلًا فيه.
ولكن تصوير هذه المسألة قد يكون صعبًا يا جماعة؛ كيف نقول لرجلٍ اغتسَلَ عند الميقات في الميقات، ولبس ثيابَ الإحرامِ، وصلَّى ركعتينِ، ولَبَّى، ونقول: إنه لم يَنْوِ؟ ! هذا من أَبْعَدِ البعيدِ، لكن المسألة فرضية؛ إذا قُدِّر أنَّ شخصًا فَعَلَ جميع ما يتعلَّق بالنُّسُك إلَّا أنَّه لم يَنْوِ فإنَّه لا ينعقد نُسُكه، وكلُّ أفعاله ذهبتْ هَدَرًا، وإلَّا من المعلوم أنَّ الإنسان إذا فَعَلَ أفعالَ العبادةِ لا بُدَّ أنْ يكون قد نواها.
وذكروا عن ابن عَقيل -عليِّ بن عَقيل، مِن أصحاب الإمام أحمد؛ يعني مِن أتباعه- أنَّ رجُلًا جاءه وقال له: يا سيدي، تُصيبني الجنابةُ، فأذهبُ إلى دِجلة فأغتسل؛ أنغمِسُ فيها ثم أخرج، وأرى أني لم أكنْ يرتفع حَدَثي.
فقال له ابن عقيل: لا تُصَلِّ.
قال: لا أُصلي! سبحان الله! أنا ما اغتسلتُ إلا للصلاة.
قال: لا تُصَلِّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (25)، وأنت مجنون؛ تذهب وتخلع ثيابك وتنغمس في الماء ثم تقول: ما نويتُ.
هذا معقول؟ ! ليس بمعقول.
الجزء: 1 - الصفحة: 4060
فالظاهر أن الرجُل انتقد نفْسَه، عرف أنه أخطأ خِطْئًا كبيرًا، ولهذا قال الموفَّق رحمه الله في كتابه ذم الموسوسين أو الرد على الموسوسين قال: إن بعض العلماء قال: لو كَلَّفَنا اللهُ عملًا بلا نيَّةٍ لكان مِن تكليف ما لا يُطاق.
صحيح هذا؟
طالب: ما هو صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لو قيل لك: تَوَضَّأ، لكن ( ... ) تنوي الوضوء، صلِّ ولكنْ لا تَنْوِ الصلاة.
ما يُمْكن.
صحيحٌ أنَّ الإنسان قد يغيب عنه التعيين، ما هو نيَّة الفِعل، هو ينوي الفِعل، لكنْ يغيب عنه التعيين؛ يجيء يصلي، يدخل المسجد مَثَلًا لصلاة الظهر ثم يُكَبِّر ويصلِّي، لكنْ يغيب عن ذهنه أنه نوى الظهر مَثَلًا، لكنْ في نيَّته أنه نوى فَرْض الوقت، ما فيه إشكال، ما نوى صلاة الضحى، نوى فَرْض الوقتِ، إلا أنه غاب عن قَلْبه تعيينُ الصلاة، فهل يُجزِئ أو لا؟
قال بعض العلماء: لا تُجزئه الصلاةُ؛ لأنه لا بدَّ من التعيين.
وقال أحد أصحاب الإمام أحمد وهو ابن شاقِلَّا -رحمه الله- قال: إنه يكفيه أن ينوي فَرْضَ الوقتِ.
وهذا -والحمد لله- فيه سَعَةٌ للناس؛ لأنه كثيرًا ما يأتي الإنسان ويصلِّي -لا سِيَّما إذا كان الإمامُ راكعًا- فإنه يأتي بسرعةٍ وقد لا ينوي التعيين، لكنْ لو سألتَهُ: ماذا نويتَ؟ قال: نويتُ أؤدِّي الفرض.
ما فيه إشكال.
يقول: (ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به).
(مَنْ تَرَك رُكنًا غيرَه) أي: غير الإحرام (لم يتمَّ نُسُكه إلا به) لو تَرَك الطواف؛ نسي ولم يطُفْ طوافَ الإفاضة، نقول: إلى الآن لم يتمَّ حجُّك، لا بدَّ أن تطوف.
فإنْ كان الركن مما يفوت فالحجُّ لاغٍ؛ كما لو تَرَك الوقوفَ بعرفة حتى خرج فجر يوم العيد، فإنَّ الحجَّ انتهى، ما عاد يُمْكنه الآن.
الجزء: 1 - الصفحة: 4061
لو قال: أقِفُ يوم العيد أقضي، وأنا أسعدُ بالدليل منكم؛ أنا ناسٍ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (26)، وأيُّما أَوْكَد الصلاة أو الحج؟ نقول له.
طلبة: الصلاة.
الشيخ: الصلاة.
قال: إذَنْ نسيت أن اليوم تسعة، فأقف يوم عشرة.
قلنا: لا يُجزئ.
قال: هذا قياسٌ صحيحٌ، أنتم الآن أقررتم بأن الصلاة أَوْكد، فإذا كان يصح قضاءُ الصلاة فلْيصِحَّ قضاءُ الوقوف بعرفة.
ماذا نقول له؟
نقول: هذا قياسٌ فاسدُ الاعتبارِ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ أَتَى لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ» (4)، مفهومه: مَن أتى بعد الصبح فإنه لم يُدركْ.
وهذا نصٌّ، فلا يُقاس مع وجود النص، إذنْ (مَنْ تَرَك رُكنًا لم يتمَّ نُسُكُهُ إلا به)، لكن إنْ كان الركن يفوت، ولا يصح التمثيل إلَّا بالوقوف فقط، فإنه في هذه الحال أيش؟ يفوته الحجُّ، وسيأتينا إن شاء الله باب الفوات والإحصار.
طيب، وقوله: (أو نِيَّتَهُ)، ما هو الركن الذي يُشترط له نيَّة؟ هو الطواف والسعي، أمَّا الوقوف عند الفقهاء فإنه لا يُشترط له النية، والطوافُ والسعيُ تشترط له النية.
والصحيح أن الطواف والسعي لا تُشترط له النية؛ لأن الطواف والسعي جزءٌ من عبادةٍ مكوَّنةٍ من أجزاء، فتكفي النية في أولها كالصلاة؛ بدليل أنَّ المصلِّي هل يُشترط أن ينوي الركوع؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: ولا السجود، ولا القيام، ولا القعود، فليس الطوافُ شيئًا مستقلًّا، الطواف رُكنٌ في عبادةٍ فلا تُشترط له النية كأيش؟ كالركوع في الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4062
ويقال أيضًا: إذا كنتم لا تشترطون النيةَ في الوقوف وهو أعظم أركانِ الحجِّ، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، فما مِثْلُه أو دونه مِن باب أَوْلى.
وهذا القول هو الذي رجَّحه الشنقيطي في تفسيره، وهو الصواب، وفيه مصلحةٌ للناس؛ لأن كثيرًا من الناس عند الطواف لو سألتَهُ: ماذا نويتَ بالطواف؟ قال: نويتُ الطواف، ولا على بالي أنه للحج أو للعمرة، لكنْ أنا متلبِّس بالحج.
علي رأي مَن يشترط النية يقول: طوافُه غير صحيح.
وعلى هذا القول الثاني طوافه صحيح، وهو الصحيح.
طيب، إذَنْ نحذف كلمة: (أو نِيَّتَهُ)، لأنه ليس فيه ركن تُشترط فيه النية إلا أيش؟ الطواف والسعي.
الإحرام هو نيَّة النُّسُك، وسبق أنه لا ينعقد النُّسُك بفواته، والوقوف يقول: لا يُشترط له نيَّة.
بقي الطوافُ والسعيُ، والصحيح أنه لا تُشترط لهما نيَّة؛ أي: نيَّة التعيين، وإلَّا ( ... ) ما جاء يطوف إلا ينوي.
نعم (لم يتمَّ نُسُكُه إلا به).
يعني إذَن الذي لا يُشترط نيَّة التعيينِ أنَّه طوافٌ للحج، أمَّا نيَّة الطواف فلا بدَّ منها؛ لأنه لا بدَّ من أن ينوي الطواف، لكنْ كَوْنه للحج ما هو شرط؛ لو طافَ ولا على قلبه نيَّة أنه للحج أو للعمرة فطوافه صحيح، أمَّا لو أنه حُمِل غصبًا عليه وطِيفَ به وهو لا ينوي، هل يصِحُّ طوافه؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: هذا لا يصح، معلوم؛ لأنه ما نوى.
يقول: (لم يتمَّ نُسُكُهُ إلا به.
ومَنْ تَرَكَ واجبًا) عندي بالشرح: (ولو سهوًا)، (فعليه دمٌ).
(ومَنْ تَرَك واجبًا فعليه دمٌ) والواجباتُ ذَكَرْنا أنها سبعةٌ، ما هو الدليل؟
وقَبْلًا نذهبُ إلى الأركان؛ ما هو الدليل على أنَّ تارك الركن لا يصِحُّ حَجُّه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4063
لأنَّ الركن هو الماهيَّة التي تنبني عليها العبادة، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الوقوف: «مَنْ أَتَى لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ»؛ يدلُّ على أنه إذا فاته فاته الحجُّ، أمَّا مَن تَرَك واجبًا فعليه دمٌ.
(دمٌ) إذا أُطْلِقَ الدمُ في لسان الفقهاء فهو: سُبع بَدَنة، أو سُبع بقرة، أو واحدة من الضأن أو المعز، ولا بدَّ فيها من شروط الأُضحية وأنْ تكون قد بلغت السِّنَّ المعتبَر؛ وهو في الإبل خمس سنين، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة، وفي الضأن نصف سنةٍ؛ ستَّة أشهر، ولا بدَّ أيضًا أنْ تكون سليمةً من العيوب المانعة من الإجزاء كالعَوَرِ البيِّنِ ونحوه.
وهذا الدمُ دمُ جُبْرانٍ لا دمُ شُكرانٍ، وعليه فيجب أنْ يتصدَّق به جميعه على الفقراء؛ فقراء الحرم، ويُذبح في الحرم، ويُوزَّع في الحرم.
فإنْ ذبحه خارجَ الحرمِ لم يُجزِئ.
لو ذبحَ هَدْيَ المتعةِ أو القِران في عرفة، يُجزئ أو لا؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: ذبحه فى عرفة وفرَّقه في مكة؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يُجزِئ؛ لأنه في غير المكان المعتبَر شرعًا.
ولهذا سأل سائل قال: ها السَّنة وجدنا راحة، ذَبَحنا في عرفة بسَعَة، ووزَّعنا اللحم على ما نبغي.
قلنا ليش؟ قال: هذا فِعْلنا كلَّ سَنَة.
إذَن الدليل أنَّه فِعْلُه كلَّ سَنَة، مُشْكِل، أوقَعَنا في حيرة، يعني لا بدَّ أنْ نقول: يَلْزمكم أن تقضوا جميعَ ما فات؛ لأنكم ذبحتموه في مكانٍ لا يحلُّ فيه الذبح، فإذا ذبحتموه في عرفة فكأنما ذبحتموه في الصين.
نعم لو ذبح في الصين وجاء به إلى الحرم لا يُجزِئ، فالحِلُّ واحدٌ من عرفة إلى أبعدِ الدُّنيا فلا يُجزئ.
لكنْ فيه قول لبعض الشافعية أنَّه إذا ذبحه في الحِلِّ وفرَّقه في الحرم فلا بأس؛ لأنه أدَّاه إلى أهْله؛ لأن أهْله هم أهل الحرم وقد أدَّاه إليهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 4064
ولكنْ قد يُقال: إن هذا غير صحيح؛ لأنه يفرق بين ذَبْحه في الحرم وذَبْحه في الحِلِّ؛ حيث إنه عبادة، والعبادة في الحرم أفضل منها في الحِلِّ، فإذا ذَبَح في الحِلِّ فاته الأفضلية، وحينئذٍ لا يصِح، وإنْ كان المقصود من التصدُّق على فقراء الحرم أنْ يَصِل إليهم، لكنْ أيضًا الذبح نفسه عبادة، فكَوْنه يُنقل من محلٍّ فاضلٍ إلى محلٍّ مفضولٍ يقتضي عدم الإجزاء، كما لو نَذَر أن يصلِّي ركعتين في المسجد الحرام فإنه لا يصح أنْ يصلي الركعتين في المسجد النبويِّ؛ لأن المسجد الحرام أفضل، فالقول بعدم الإجزاء هو الراجح نَظَرًا.
لكنْ إذا سألَنا أناسٌ مِثْل هؤلاء وليس في المسألة دليلٌ واضحٌ ينهى عن ذبح هذا في الحِلِّ فينبغي أن يقال: لا تُعيدوا ولا تعودوا.
المعنى واضح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ويش معنى (لا تُعيدوا)؟
طلبة: لا تذبحوا مرَّةً ثانيةً.
الشيخ: لا تذبحوا مرَّةً ثانيةً.
و (لا تعودوا) يعني لا تعودوا لِمِثْلها، خصوصًا إذا كان أُناسٌ يَغْلِب عليهم الجهلُ وسلامةُ القلب وأنَّهم ما تعمَّدوا المخالفة، والمقصود حَصَل بإعطاء اللحم إلى أهله.
ومِثل هذه الأمور التي ليس فيها نصٌّ والأمر قد انقضى وانتهى؛ لا حَرَجَ على الإنسان أنْ يُراعيَ أحوالَ المستفتي فلا يشقَّ عليه في أمرٍ لم يجدْ فيه نصًّا.
يقول: (عليه دمٌ).
ما هو الدليل على أنَّ تارك الواجب يجب عليه دمٌ؟ وهذا أيضًا محتاجٌ إلى دليلٍ مهمٍّ، دليلٍ واضحٍ يستطيع أنْ يواجه الإنسانُ ربَّه به إذا أوجبَ على عباد الله ما لم يوجبْه الله عليهم؛ لأن إيجابَ ما لم يجب كإسقاط أيش؟
طلبة: ما وجب.
الشيخ: ما وجب أو أشدُّ؛ لأنَّ إسقاط ما يجب تخفيفٌ، وإيجاب ما لم يجب تشديدٌ، وأيُّهما الموافق للإسلام أو لروح الدين الإسلامي؟
طلبة: التخفيف.
الجزء: 1 - الصفحة: 4065
الشيخ: الأول؛ التخفيف.
فإيجابُ ما لم يجب بلا دليلٍ أشدُّ من إسقاطِ ما يجب؛ لأنه أعظم؛ فيه قولٌ على الله بلا عِلْم، وفيه إشقاقٌ على العباد، وإسقاطُ ما وجبَ -والمراد ليس إسقاطًا عن عَمْد، لكنْ إسقاط ما وجبَ بمقتضى الاجتهاد، ليس فيه إلَّا شيءٌ واحدٌ وهو إسقاطُ ما عسى أن يكون واجبًا، لكنْ هل فيه التكليف على العباد؟
طالب: ما فيه.
الشيخ: ما فيه.
فأقول مرَّةً ثانيةً: إيجابُ ما لم يجب أشدُّ من إسقاط ما وجبَ؛ يعني إذا لم يكنْ هناك نصٌّ يدلُّ على الوجوب بحيث يواجه الإنسانُ به ربَّه، فإنَّ إسقاطَ ما وجبَ -أي: ما يُمكن أنْ يكون واجبًا- أهونُ.
وكذلك نقول في التحريم والتحليل.
(بابُ الفَواتِ والإحصار)
مَن فَاتَه الوُقوفُ فاتَه الْحَجُّ، وتَحَلَّلَ بعُمرةٍ ويَقْضِي، ويَهْدِي إن لم يكنْ اشْتَرَطَ، ومَنْ صَدَّه عَدُوٌّ عن البيتِ أَهْدَى ثم حَلَّ، فإن فَقَدَه صامَ عَشرةَ أَيَّامٍ ثم حَلَّ، وإن صُدَّ عن عَرفةَ تَحَلَّلَ بعُمرةٍ، وإن حَصَرَه مَرَضٌ أو ذَهابُ نَفَقَةٍ بَقِيَ مُحْرِمًا إن لم يَكُنْ اشْتَرَطَ.
(بابُ الهديِ والأُضْحِيَةِ)
أَفْضَلُها إِبِلٌ، ثم بَقَرٌ، ثم غَنَمٌ، ولا يُجْزِئُ فيها إلا جَذَعُ ضَأْنٍ، وثَنِيٌّ سِوَاهُ، فالإِبِلُ خَمْسٌ، والبَقَرُ سَنَتَانِ، والْمَعْزُ سَنَةٌ، والضأْنُ نِصْفُها، وتُجْزِئُ الشاةُ عن واحدٍ، والبَدَنَةُ والبقرةُ عن سبعةٍ، ولا تُجْزِئُ العَوراءُ والعَجْفاءُ والعَرجاءُ للإسلام أو لروح الدين الإسلامي؟ الأول التخفيف، فإيجاب ما لم يجب بلا دليل أشد من إسقاط ما يجب؛ لأنه أعظم؛ فيه قول على الله بلا علم، وفيه إشقاق على العباد، وإسقاط ما وجب، والمراد ليس إسقاط عن عمد، لكن إسقاط ما وجب بمقتضى الاجتهاد ليس فيه إلا شيء واحد وهو إسقاط ما عسى أن يكون واجبًا، لكن هل فيه التكليف على العباد؟ طالب: ما فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 4066
الشيخ: ما فيه، فأقول مرة ثانية: إيجاب ما لم يجب أشد من إسقاط ما وجب؛ يعني: إذا لم يكن هناك نص يدل على الوجوب بحيث يواجه الإنسان به ربه فإن إسقاط ما وجب -أي: ما يمكن أن يكون واجبًا- أهون.
وكذلك نقول في التحريم والتحليل: تحريم ما كان مباحًا أشد من إباحة ما عسى أن يكون حرامًا.
نقول: ما هو الدليل على وجوب الدم لمن ترك واجبًا؟
نقول: الدليل على هذا قول صحابيٍ جليل وهو ابن عباس رضي الله عنهما؛ حيث قال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (1)، ومبنى هذا الاستدلال على أن مثل هذا القول لا يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع؛ لأن الصحابي إذا قال قولًا أو فعل فعلًا لا يقال بالرأي ولا يفعل بالرأي حُمِلَ على أنه مرفوع حكمًا.
ولا يَرِدُ على هذا القول الشبهة التي أثيرت حول ما يخبر به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن بني إسرائيل، وأنه ممن عرف في التساهل بالنقل عنهم، مع أن الأمر ليس بصحيح، بل هو يشدد في النقل عنهم، كما مر علينا في البخاري في عدة مواضع.
لماذا لا يَرِد؟ لأن هذا حكم وليس خبرًا، فعليه نقول: هذا الحكم صدر من عبد الله بن عباس وأيش؟
طلبة: له حكم الرفع.
الشيخ: وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يُقَال بالرأي.
ثانيًا: على فرض أن مثله يقال بالرأي، وأن ابن عباس رضي الله عنهما اجتهد، فأداه اجتهاده إلى وجوب الدم، فإنه قول صحابي لم يظهر له مخالف، فكان أولى بالقبول من قول غيره، وهذا الاحتمال على تقدير أنه لم يثبت له حكم الرفع وأنه قاله بالاجتهاد.
كيف يكون بالاجتهاد؟ لأنه رضي الله عنه قال: إن ترك ما يجب كفعل ما يحرم؛ كلاهما انتهاك لنسك، وفعل ما يحرم ثبت بالنص القرآني أن فيه نسكًا، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
الجزء: 1 - الصفحة: 4067
وابن عباس رضي الله عنهما اختار أكمل الثلاثة فقال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا، فيكون هذا الرأي مبني على أيش؟ على اجتهاد؛ وهو قياس انتهاك النسك بترك الواجب على انتهاكه بفعل أيش؟
طالب: محرم.
الشيخ: بفعل محظور، فوجب الدم.
ونحن نقول: إن ثبت هذا من جهة النظر؛ يعني: إن سلم الدليل من جهة النظر وأن في ترك الواجب دمًا فذاك، وإن لم يسلم وقيل: الأصل براءة الذمة وقول الصحابي المبني على الاجتهاد كقول غيره من الناس فإننا نقول في إيجاب الدم بترك الواجب مصلحة؛ وهي حفظ الناس عن التلاعب.
أنت لو قلت: ليس في ترك الواجب دم أكثر الناس لا يهتمون به بأنه واجب وأن في تركه الاستغفار والتوبة ما يهمه، يقول: إذا شئت أن أملأ لك أجواء مكة كلها وإلى المدينة استغفارًا وتوبة فأنا ما عندي مانع، لكن لا تجعلني أخسر ولا خمسين ريالًا، تقول له: تُبْ إلى الله، قال: ما يخالف، كم مرة؟ ! ما عندي مانع، لكن لا تلزمني بشاة؛ يعني: كثير من الناس -ما نقول: إن أكثرهم، إن شاء الله- كثير من الناس لا يهمه، يهمه المال أكثر مما يهمه انتهاك النسك.
لو قيل: إن هذا واجب ومن تركه فهو آثم وعليه التوبة والاستغفار، فهل يحترم الناس هذا النسك كما لو قلنا: إن فيه الدم تذبحه ولو كنت في بلدك، وكل من يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء؟
الجواب: لا يكون نظر الناس إلى الواجب سواءً؛ لهذا نرى إلزام الناس بذلك، وإن كان ثبوته من حيث النظر والاستدلال فيه مناقشة وفيه اعتراض، فنقول: إن هذا من باب التربية؛ تربية المسلمين على التزامهم بالواجب، وما دمنا مستندين إلى قول صحابي جليل دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل فإننا نرجو أن نكون أبرأنا ذمتنا بذلك، والله يعلم المفسد من المصلح.
لهذا نحن نفتي بأنه يجب على من ترك واجبًا أن يذبح فدية يوزعها على الفقراء في مكة؛ لهذا النظر الذي ذكرناه.
الجزء: 1 - الصفحة: 4068
لكن إذا لم يجد هديًا إذا لم يجد دمًا فما الواجب؟
المذهب الواجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يتمكن من صيامها في الحج صامها ببلده، ولكن هذا القول لا دليل عليه؛ لا من أقوال الصحابة، ولا من القياس، ليس هناك دليل على أن من عدم الدم في ترك الواجب يجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ لا من أقوال الصحابة، ولا من القياس؛ لأن قياس ذلك على دم المتعة قياس مع الفارق؛ لأن دم المتعة دم أيش؟
طالب: شكران.
الشيخ: شكران، وأما دم الواجب فدم جبران؛ لذلك نرى أن القياس غير صحيح، وحينئذٍ نقول لمن ترك واجبًا: اذبح فدية في مكة ووزعها على الفقراء بنفسك أو بمن تثق به من الوكلاء، فإن كنت غير قادر فتوبتك تجزئ عن الصيام، تُبْ إلى الله يكفي، هذا هو الذي نراه في هذه المسألة.
طالب: أحسن الله اليك، الفرق بين ( ... )؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) يمكن فيه احتمال الاجتهاد؟
الشيخ: كيف الاجتهاد؟
الطالب: ممكن يجتهد الصحابي.
الشيخ: كيف يجتهد؟ على أي شيء نقيسه؟
الطالب: بالعموم.
الشيخ: أي عموم؟
الطالب: عموم ..
الشيخ: هل هناك عموم أن الإنسان كلما كبَّر يرفع يديه؟
الطالب: في كل ( ... ).
الشيخ: ما فيه عموم؛ ولهذا رفع ابن عمر يديه في كل تكبيرة في صلاة الجنازة ثابت عنه موقوفًا (2)، بل ومرفوعًا، كما رجحه الشيخ عبد العزيز بن باز في حاشيته على الفتح قال: إنه صحيح؛ لأن السبب في تضعيفه مرفوعًا الاختلاف في أحد الرواة؛ لأن اسمه مشترك بين ضعيف وثقة؛ فمنهم من حمله على الضعيف فقال: الحديث مرفوعًا ضعيف، ومنهم من حمله على الثقة وقال: الحديث مرفوعًا صحيح، وهذا هو الظاهر؛ لأن ابن عمر ما كان ليرفع يديه في كل تكبيرة إلا مستند إلى مرفوع.
طالب: بالنسبة للطواف يا شيخ، المحمول الذي يطاف به أحيانًا أنه يعني لا يؤشر عند الحجر وأحيانًا يكون نائمًا، هل نقول: لا يصح طوافه أم ماذا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4069
الشيخ: ما تقولون في هذا؟ يقول: بعض الناس الذين يُحملون في الطواف والذين يركبون العربية في السعي يجد الراحة والهز، فينام ( ... ) فينام هل يجزئه الطواف؟
نقول على القول بأن النية شرط: إذا نوى في ابتداء الطواف، ثم نام، فطوافه صحيح، وإن نام قبل أن يبتدئ -وهذا في الظاهر لا يكون- فإن طوافه ليس بصحيح.
طالب: شيخ، بالنسبة لمن ذبح في عرفة أَلَا يشكل عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما عذر الصحابي الذي ذبح قبل الوقت يوم العيد وهذا مجتهد وسليم القلب حينما ذبح؟
الشيخ: هذا يقول: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لم يعذر الصحابي الذي ذبح الأضحية في غير الوقت، أفلا نقول: إن من ذبحها في المكان الذي لا يذبح فيه ولو كان معذورًا بجهل تلزمه الإعادة، وهذا لا شك أنه إيراد قوي؛ لأن المخالفة في المكان كالمخالفة في الزمان، لكن الذي يمنع من إلحاق هذه بهذه أنه ليس هناك نص على أن الذبح لا بد أن يكون في الحرم إذا كان المقصود نفع الفقراء، لو كان هناك نص ما في المسألة إشكال.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، صحيح، هذا يدل على أن فجاج مكة كلها منحر، وفجاج مكة طريق ومنحر، لكن لا يدل إلا بالمفهوم على أن غيرها ليس بمنحر.
على كل حال نحن نقول: هذه المسألة ما دامت وقعت وفيها خلاف فإننا لا نلزمه، لكن نقول: لا تعودوا ولا تعيدوا، ثم يجب على طلبة العلم أيضًا أن ينبهوا الناس على هذه المسألة.
كان الناس في الأول مِنَى ما فيها زحمة، ولا أحد يفكر أن يذبح في عرفة أو يذبح في الشرايع مثلًا، لكن الآن من أجل الزحمة صار الناس قد يضطرون إلى ذلك؛ فلهذا أنا أرى أن الواجب على طلبة العلم أن ينبهوا على هذا؛ لأنها مهمة.
طالب: شيخ، لو قال قائل: ندرك القاعدة على قول ابن عباس ونقول: من ترك واجبًا فعليه دم في غير الحج؟
الشيخ: في غير الحج؟
الطالب: إيوه، يعني لو ترك واجبًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 4070
الشيخ: يعني حتى مثلًا لو ترك التشهد الأول في الصلاة قلنا: عليك دم، مشكل، لا، هذا لم يقل به أحد.
طالب: شيخ، دم التمتع هل هو دم شكران أم دم جبران ( ... ) فيه أم غيره؟
الشيخ: دم التمتع دم شكران، وإذا قلنا: دم جبران فإنه لا يأكل منه؛ لأن دم الجبران يجبر ما فات، وإذا أكل منه لم يجبر، إي نعم.
طالب: قلنا القول الراجح في العمرة: إن طواف الوداع فيها واجب، وقلنا أيضًا ( ... ) إن طواف الوداع في الحج ليس بواجب؟
الشيخ: لا.
الطالب: في الحج.
الشيخ: كلا، لكن قلنا: ليس من واجبات الحج، إي، فرق بين قلنا: ليس بواجب، وليس من واجبات الحج، فالإنسان لو حج وبقى في مكة ما عليه طواف وداع، لكن لو قلنا: إنه واجب للحج لقلنا: يجب، على أننا اعترضنا هذا الرأي ويش قلنا؟ قلنا: قد يكون واجبًا في الحج بشرط أن يغادر مكة، وحينئذٍ يصح أن يُعَد من واجبات الحج.
طالب: بارك الله فيكم، على ما رجحنا لو أتانا آتٍ وهو ترك واجب، ولكن لو عرف أنه أذنب لكان أكبر عليه أن يفدي بشاة، هل نقول بالتوبة فقط؟ وهل يجزئ بالهدي؟
الشيخ: نقول بالتوبة والفدية.
الطالب: شيخ، المسألة ليس فيها دليل صريح والتعليل منتهٍ؟
الشيخ: لا، نأخذ القاعدة؛ لأن أيضًا هذا يوجب التشويه على العامة؛ فلان أوجبتم عليه وفلان ما أوجبتم، ويش الفرق؟ وربما يكون الذين قلنا: لا يجب عليك ربما يكون غنيًّا فيحصل مشكلة.
الطالب: القول في مزدلفة أنه يكفي فرض الوقت في الصلاة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: أنه يكفي نية فرض الوقت المسافر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لكن -يا شيخ- إذا قصر الصلاة وأتى المسجد تصح الصلاة في كل حال؟
الشيخ: في كل أيش؟
الطالب: في كل حال نوى الصلاة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ولكن يا شيخ ..
الشيخ: لا، نوى الفريضة.
الطالب: نوى الفريضة، ولكن يا شيخ ( ... ) وهو مسافر جمعوا بين الظهر والعصر ودخل معهم ولم ينوِ التعيين.
الشيخ: نعم، على نيته هو.
الطالب: هو لم ينوِ التعيين.
الجزء: 1 - الصفحة: 4071
الشيخ: على نيته، لو سألناه بعدما سلم ويش نيتك؟ ويش قال؟ ما نوى شيئًا؟
الطالب: نوى الصلاة، نوى الفريضة.
الشيخ: إي، لكن هو جامع، هو ربما ينسى، قد يكون نسي أنه جامع؛ يعني: تقصد؟
الطالب: أو ( ... ).
الشيخ: إذا قصد أنه جامع، ففي نيته التي في قلبه أنه سيبدأ بالأولى.
الطالب: وأين المقبول نية فيها؟
الشيخ: أما إذا قال: واللهِ لا ما أدري، واللهِ ويش نويت ونسيت أني ما جمعت، نقول له: أعد هذا؛ لأنه ما نوى.
طالب: شيخ.
الشيخ: سألت يا شيخ ما أكملت؟
الطالب: لا ما أكملت.
الشيخ: ليش ما سألت.
طالب: يا شيخ، ما هو القول الراجح في ( ... ) ليس بواجب في الميقات ( ... )؟
الشيخ: وهو.
الطالب: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت.
الشيخ: نجيب عنها باللفظ الثاني؛ كان الناس ينصرفون من كل وجه فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْفِرْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (3).
الطالب: النية المعينة التفريق، لو قال قائل: إن التفريق بين الصلاة والحج بأن الحج تتجزأ بعض أفراده والصلاة لا تتجزأ بعض أفرادها؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني الحج ممكن يطوف الإنسان كطواف مستقل، لكن الصلاة لا يمكن أن ..
الشيخ: لا، لا بد أن ينوي الطواف لهذا النسك؛ يعني: لو فرضنا أنه نواه عن طواف مطلق ما أجزأه.
طالب: لا بد من التعيين.
الشيخ: لا بد على الأقل ينوي الطواف بدون أن يقول: هذا طواف نافلة مثلًا، لو نوى أنه طواف نافلة ما صح.
[باب الفوات والإحصار] طالب: بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله تعالى: باب الفوات والإحصار
من فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة ويقضي، ويُهدي إن لم يكن اشترط، ومن صده عدو عن البيت أهدى، ثم حَلَّ، فإن فقده صام عشرة أيام، ثم حَلَّ، وإن صُدَّ عن عرفة تحلل بعمرة، وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا إن لم يكن اشترط.
الجزء: 1 - الصفحة: 4072
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد سبق الكلام على الأركان والواجبات والسنن وبيان حكم كل منها، وأن من ترك الإحرام لم ينعقد نسكه، ومن ترك ركنًا غيره لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه، وسبق بيان الأدلة على ذلك.
وقد توهم بعض الناس في مسألة الواجبات فظن أن الإنسان مخير بين أن يأتي بالواجب أو يأتي بالدم، حتى سمعنا أن بعض الناس إذا وقف بعرفة وبات بمزدلفة إلى نصف الليل نزل، ثم طاف وسعى وحل التحلل كله، ثم بقي في بيته وقال: أذبح فدية عن المبيت بمنى وعن رمي الجمرات، فيظن أن المسألة على التخيير وليس كذلك، ولكن من ترك الواجب لعذر أو نحو ذلك فإنه يجب عليه أن يفدي، أما أن الإنسان مخير بين هذا وهذا فإن هذا لا شك إخلال بهذه النسك العظيم.
يعني لو قال إنسان: أنا أقف بعرفة إلى غروب الشمس وبمزدلفة إلى منتصف الليل، ثم أنزل إلى مكة وأطوف وأسعى، ثم أرجع إلى أهلي، متى يرجع إلى أهله؟ في ليلة العيد، ويوكل من يرمي عنه، ومن يذبح عنه، عن طواف الوداع، وعن المبيت، هذا تلاعب بأحكام الله.
فقول الفقهاء رحمهم الله: (من ترك واجبًا فعليه دم) يعني أن ذلك جبرٌ لما ترك، وليس المراد به التخيير، وإلا لقالوا: يخير بين هذا وبين الدم.
أما السنة فمن تركها فلا شيء عليه؛ لأن السنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فلو ترك الإنسان الوقوف بعد الجمرة الأولى أو بعد الجمرة الوسطى فلا شيء عليه، وكذلك لو ترك الاضطباع في الطواف أو الرمل فلا شيء عليه، فالقاعدة أن من ترك سنة فلا شيء عليه.
ثم قال المؤلف: (باب الفوات والإحصار) هذا الباب يتضمن مسألتين؛ المسألة الأولى الفوات، والمسألة الثانية الإحصار.
الجزء: 1 - الصفحة: 4073
أما الفوات فهو مصدر (فَاتَ يَفُوتُ فَوْتًا وفَوَاتًا)، ومعناه: أن يُسبق فلا يدرك، يقال: فاتني الشيء؛ أي: سبقني فلم أدركه، هذا هو الفوات سبقٌ لا يدرك.
أما الإحصار فهو من: حصره؛ إذا منعه، فالإحصار بمعنى المنع؛ يعني: أن يحصل للإنسان مانع يمنعه من إتمام النسك، والفوات: أن يفوت الإنسان شيء من النسك.
وسيأتي في هذا الباب أن من الأركان ما له وقت محدد، ومنها ما ليس له وقت محدد، فالوقوف -الذي هو الحج كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (4) - له وقت محدد، حده متى؟
طلبة: طلوع الفجر.
الشيخ: طلوع الفجر يوم النحر، فيقول المؤلف في حكم ذلك: (من فاته الوقوف فاته الحج)، وإذا فاته الحج فماذا يصنع؟
يُنظر؛ إن كان الإنسان قد اشترط عند إحرامه أن محله حيث حبس فإنه يحل ولا شيء عليه؛ يعني: يخلع ثياب الإحرام ويلبس الثياب ويرجع إلى أهله؛ لأنه قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهذا حابس.
وقد سبق هل الأولى أن يشترط أو الأولى ألَّا يشترط؛ إما مطلقًا، أو بتفصيل، وذكرنا أن الصواب ألَّا يشترط إلا إذا كان يخاف من عدم إتمام النسك.
قال: (فاته الحج وتحلل بعمرة) يعني: إذا فاته الوقوف وطلع الفجر قبل أن يصل إلى عرفة تحلل بعمرة؛ ذهب وطاف وسعى وحلق أو قصر، وإن شاء أن يبقى على إحرامه إلى الحج القادم فله ذلك، ولكن أيهما الذي يختار؟
طلبة: الأول.
الشيخ: سيختار الأول بلا شك، لكن الفقهاء يقولون: إن اختار أن يبقى على إحرامه إلى أن يأتي الحج الثاني فلا بأس، ولكن يقال: الأولى أن يتحلل؛ لأن ذلك أيسر وأسهل، وكيف يمكن للإنسان أن يدع محظورات الإحرام لمدة سنة كاملة؟ ! هذا بعيد، ومشقة شديدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4074
قال: (ويقضي ويُهدى إن لم يكن اشترط) (ويقضي) يعني: يقضي هذا الحج الفائت، وظاهر كلام المؤلف أنه يقضي؛ سواء كان الحج واجبًا، أم تطوعًا؛ لأنه إن كان واجبًا فوجوب القضاء ظاهر؛ سواءٌ كان واجبًا بأصل الشرع بأن يكون هذا فريضة الإسلام، أو واجبًا بالنذر فإن قضاءه أمر واضح أنه يجب عليه القضاء، ولكن إذا كان تطوعًا فهل يجب القضاء؟
نقول: نعم، يجب القضاء؛ وذلك لأن الإنسان إذا شرع في النسك صار واجبًا، وهذا من خصائص الحج والعمرة؛ أن نفلهما يجب المضي فيه بخلاف غيرهما، فهو لما شرع وأحرم بالحج أو بالعمرة صار ذلك واجبًا في حقه كأنما نذره نذرًا، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وعلى هذا فيجب القضاء؛ سواء كان ذلك تطوعًا، أو واجبًا بأصل الشرع وهو الفريضة، أو بالنذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (5).
وقول المؤلف: (إن لم يكن اشترط) فإن كان اشترط فلا قضاء عليه ولا هدي عليه، إلا إذا كان الحج واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر فإنه يلزمه القضاء ولو كان اشترط.
وعلى هذا فيكون قوله: (إن لم يكن اشترط) فيما إذا كان الحج نفلًا، أما إذا كان واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر فيلزمه القضاء، وعلى كل حال لأنه قد وجب عليه قبل أن يشرع فيه.
تعرَّض المؤلف رحمه الله إلى مسألة إذا أخطأ الناس في يوم الوقوف؛ بأن وقفوا، ثم ثبت ثبوتًا شرعيًّا أن وقوفهم كان في غير يوم عرفة فهل حجهم صحيح أو حجهم باطل؟ أنتم فاهمين؟ وعلى كل حال في الوقت الحاضر هذا شيء قد يكون متعذرًا، لكن فيما سبق ربما يكون وقف الناس، ثم ثبت ببينة أن وقوفهم كان في اليوم العاشر، وأن الهلال هلَّ قبل أن يراه الناس في مكة، فهل يلزمهم القضاء؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4075
الجواب: لا يلزمهم القضاء؛ لأن الهلال اسم لما اشتهر عند الناس، ولأنهم فعلوا ما أُمروا به؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (6)، فهؤلاء غم عليهم هلال ذو الحجة، فيلزمهم أن يتموا ذا القعدة ثلاثين يومًا، ومن فعل ما أمر به على وجه أمر به فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه العبادة مرتين.
وإن وقف يسير منه فأخطؤوا فإن حجهم غير صحيح، بل نقول: إنهم إذا وقف اليسير منهم فهم مخطئون بكل حال؛ لأن الواجب عليهم الرجوع إلى ما كان عليه الجماعة، فلو تعنت أناس وقالوا: ما يمكن أن يكون الهلال هلَّ البارحة، منازل الهلال ضعيفة ولا نقبل أن يكون اليوم التاسع عند هؤلاء هو اليوم التاسع، بل هو اليوم الثامن، وسنقف في اليوم العاشر، العاشر عند الناس التاسع على زعمهم.
فإننا نقول لهؤلاء: إن حجهم غير صحيح، يقول: إن أخطأ الناس فوقفوا في الثامن أو العاشر أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فاته الحج.
قال: (ومن أحرم فصده عدو) انتقل المؤلف الآن إلى الإحصار، فصار الفوات حكمه سهلًا، نقول: إذا فات الوقوف فات الحج، وأنت الآن بالخيار بين أن تبقى على إحرامك إلى العام القادم وبين أن أيش؟
طلبة: تتحلل بعمرة.
الشيخ: تتحلل بعمرة، هذه واحدة، ثانيًا: هل عليه القضاء؟
نقول: إن كان نفلًا وقد اشترط عند ابتداء الإحرام أن محله حيث حبس فلا شيء عليه؛ لا هدي، ولا قضاء، وإن كان واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر أو تطوعًا ولم يشترط فعليه القضاء من العام القادم.
(ويهدي) والهدي يكون وقته في القضاء؛ لأنه الآن فاته الحج، فيكون الهدي في القضاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 4076
ثم تكلم المؤلف عن الإحصار فقال: (ومن صده عدو عن البيت أهدى، ثم حل) من صده عدو عن البيت؛ يعني: عن الوصول إلى البيت سواءٌ في عمرة أو في حج فإنه يهدي؛ يعني: يذبح الهدي، ثم يحل؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] أي: فعليكم ما استيسر من الهدي، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه في الحديبية أن ينحروا ويحلوا (7)، (أهدى ثم حل).
وقوله: (من صده عدو) (مَنْ) اسم شرط أو اسم موصول؟
طالب: اسم موصول.
الشيخ: يجوز أن تكون موصولة وأن تكون شرطية، وعلى كل تقدير فهي للعموم، فيعم ما إذا كان الصد عامًّا أو كان خاصًّا؛ العام أن يُصد كل الحجيج، لا قدَّر الله ذلك، والخاص أن يُصد واحدٌ من الناس أو جماعة من الناس، فماذا يصنعون؟
لنفرض أن أناسًا تسللوا وجاؤوا بلا جواز فمنعوا هؤلاء، نقول: أُحصروا، لكن لا ينطبق على قول المؤلف هنا؛ لأن المؤلف يقول: (من حصره عدوٌّ) فيرى أن الحصر خاص بالعدو، وأن الحصر بغير العدو ليس له حكم الحصر بالعدو، وسنتكلم على هذا إن شاء الله.
يقول: (أهدى ثم حل، فإن فقده صام عشرة أيام ثم حل) إن فقد أيش؟
طلبة: الهدي.
الشيخ: الهدي، (صام عشرة أيام ثم حل)، ما هو الدليل؟
الدليل القياس على هدي التمتع، وهذا القياس فيه نظرٌ من وجهين:
الوجه الأول: أن ظاهر حال الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم ألف وأربع مئة نفر أن فيهم الفقراء، ولم يرد أن الرسول قال لهم: من لم يجد الهدي فليصم عشرة أيام، والأصل براءة الذمة.
وأما الوجه الثاني: فلأن الهدي الواجب في التمتع هدي شكران للجمع بين النسكين، أما هذا فهو عكس التمتع؛ لأن هذا حرم من نسكٍ واحد، فكيف يقاس هذا على هذا؟ فلذلك لا يصح القياس ونقول: من لم يجد هديًا إذا أُحصر فإنه يحل ولا شيء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 4077
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله هنا أنه لا يجب الحلق ولا التقصير؛ لأنه لم يذكره، بل قال: (أهدى ثم حل)، ولكن الصحيح أنه يجب الحلق أو التقصير؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بذلك، بل إنه غضب لما توانى الصحابة في عدم الحلق (7)، والصحيح أن الحلق واجب على من؟ على من أحصر، بدلالة القرآن أو بدلالة السنة؟
طلبة: السنة.
الشيخ: بدلالة السنة، القرآن ليس فيه إلا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فيه إشارة إلى أنه لا بد من حلق؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، لكن السنة صرَّحت بذلك؛ بأنه لا بد من الحلق أو التقصير.
إذن الإحصار: منع الإنسان من إتمام النسك، ولكنه على المشهور من المذهب خاص بمنع العدو، وأما غير العدو فإنه لا إحصار فيه؛ كضياع النفقة والمرض ونحو ذلك.
ولكن من حبس بغير حق فهل هو كمن حصر بعدو؟ يقولون: إنه كَمَنْ حُصِرَ بالعدو؛ وذلك لأن هذا الذي حبسه بغير حق اعتدى عليه، فيكون كالذي منعه العدو.
قال: (وإن صُد عن عرفة تحلل بعمرة) إن صُدَّ عن عرفة من أحرم بالحج تحلل بعمرة، والكلام في الأول من صُد عن أيش؟
طلبة: عن البيت.
الشيخ: عن البيت؛ لأن من صد عن البيت لا يمكن أن يتحلل بعمرة؛ لأن العمرة لا بد فيها من طواف، لكن من صُدَّ عن عرفة فقط؛ بأن يكون في عرفة عدوٌّ يمنع الناس من الوصول إليها فهنا يتحلل، يقول: (تحلل بعمرة) يتحلل بعمرة، ولا شيء عليه؟
نقول: إن كان قبل فوات وقت الوقوف فلا شيء عليه، وإن كان بعده -بعد فوات الوقوف- فإنه يقضي؛ لأنه فاته الحج، والأول الذي حصر عن عرفة، ثم لما رأى أنه لا يمكن أن يقف جعلها عمرة لا شيء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 4078
وعللوا ذلك بأنه يجوز لمن أحرم بالحج أن يجعله عمرة ولو بلا حصر ما لم يقف بعرفة أو يسق الهدي، كما مر علينا في التمتع، هكذا قالوا رحمهم الله بأنه إذا صد عن عرفة تحلل بعمرة قبل فوت الوقوف، فإن لم يتحلل إلا بعده صار كمن فاته الوقوف يتحلل بعمرة ويقضي من العام القادم.
(وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا إن لم يكن اشترط) إن حصره مرض، أحرم وهو صحيح يستطيع أن يكمل النسك، فمرض ولم يستطع إكمال النسك، نقول: تبقى محرمًا إلى أن تبرأ من المرض، ثم تكمل، لكن إن فاتك الوقوف فتحلل بعمرة.
وكذلك إذا حصره ذهاب نفقة؛ رجل سرقت نفقته ولم يتمكن من إتمام النسك فإنه يبقى على إحرامه حتى يجد نفقة، ويتمم النسك إذا كان يمكن إتمامه، وإن كان حجًّا وفاته الوقوف فقد فاته الحج.
وكذلك لو ضل الطريق -ضل الطريق؛ يعني: ضاع- فلم يهتد إلى عرفة فإنه يكون كما قال المؤلف: يبقى، أو لا يكون محصرًا إذا فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة.
والصحيح في هذه المسألة أنه إذا حُصِرَ بغير عدو فكما لو حصر بعدو؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يعني عن أيش؟ عن إتمامهما ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو.
وأما قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فهذا ذكر حكم بعض أفراد العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، وهذه القاعدة أظن مرت علينا: إذا ذُكِرَ حكم عام، ثم عُطِفَ عليه حكمٌ يختص ببعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص؛ ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] هل هذا الحكم يشمل كل المطلقات أو بعضًا منهن؟
طلبة: بعضًا.
الشيخ: من هي؟
طلبة: الرجعية.
الجزء: 1 - الصفحة: 4079
الشيخ: الرجعية، مع أن المطلقة طلاقًا رجعيًّا أو غير رجعي تتربص ثلاثة قروء، فذِكْرُ حكمٍ لبعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص.
لكن هذه القاعدة تنتقض على المذهب بمثال آخر؛ وهو قول جابر رضي الله عنه: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة (8)، الحديث أوله عام ولَّا لا؟
طلبة: عام.
الشيخ: في كل ما لم يقسم؛ كل مشترك لم يقسم ففيه الشفعة، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، هذا حكم لا يتعلق بكل شيء وإنما يتعلق بالعقار، الفقهاء رحمهم الله خصوا الشفعة بالعقار ولم ينظروا إلى عموم أول الحديث، وهذا ينتقض عليهم في مسألة المطلقات.
في الحصر خصوا الحصر بالعدو؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، فهذا إشارة إلى أن الحصر في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يراد به الحصر؛ حصر العدو، ولكن الصحيح أنه يشمل الحصر عن إتمام النسك بعدوٍ أو بغير عدو فإنه كما سمعتم.
إذا حُصِرَ عن واجب -ما هو عن ركن- كأن يُمْنَع من الوقوف في مزدلفة فهل يتحلل؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأنه يمكن جبره بالدم، فلا حاجة إلى التحلل، نقول: تبقى على إحرامك وتجبر الواجب بدمٍ.
ثم قال: (بقي محرمًا إن لم يكن اشترط) فإن اشترط بأن قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، يحل بدون شيء.
طالب: في مسألة العدو لو قالوا: إن المراد لأن العدو لا يتمكن الإنسان من الوصول إلى البيت بينما غير ذلك، فإذا انكشف الضلال عن مكة أو وجد نفقة يمكن الوصول إلى البيت؟
الشيخ: إي، لكن إذا فاته الحج؟
الطالب: يتحلل بعمرة، على أساس أن هذا سيتحلل بعمرة.
الشيخ: هو إذا حُصِرَ عن شيء لا يفوت ما يهم.
الطالب: لا يفوت، لا بعد ..
الشيخ: مثل الطواف والسعي لو حُصِرَ عنهما أمكنه أن يقضيهما بعد فوات الحصر.
الطالب: أنا أقصد فاته الوقوف بعرفة، فالآن العدو حصره فلا يمكن أن يصل ..
الجزء: 1 - الصفحة: 4080
الشيخ: حصره أيش؟
الطالب: عن الدخول إلى مكة، فلا يمكن أن يأتي إلى البيت ليطوف للعمرة، بينما لو كان ضالًّا أو ضاعت النفقة، ثم وجدها بعد الوقوف ..
الشيخ: لا، هو على كل حال اللي ما له وقت مسألة الضلال أو المرض الخفيف، هذا يمكن تداركه، لكن إذا كان المرض ثقيلًا.
الطالب: بعمرة يعني؟
الشيخ: بعمرة أو لطواف وسعي الحج، نعم ( ... ).
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي، بس هذا غير صحيح.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: أقول: لأن الرسول عليه الصلاة والسلام حُصِرَ في الحديبية وذبح في الحديبية (7).
الطالب: لكن يقول هو ما ( ... ) استطاع.
الشيخ: من؟
الطالب: ما استطاع بمثل ذلك.
الشيخ: إي، يعني ما أنه يرى أنه إذا استطاع فإنه يجب أن يوصله هذا له وجه؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، وهذا فيمن ساق الهدي فحصر فلا بد أن يصل الهدي إلى محله؛ لأنه ساقه للحرم.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، هو الآن -الحمد لله- يعني الحصر هذا قليل.
طالب: الحصر ( ... )؟
الشيخ: إن حصر إذا أمكن في الحرم ما فيه شك أنه أفضل.
طالب: الذي فاته حج التطوع لماذا لا يقاس على الحصر ولا يقضي؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ما يقضي.
الشيخ: لا، هذا قد يكون بتفريطٍ منه.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: حتى بدون تفريط! كيف يكون بدون تفريط؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إذن هذا ينبني على أنه هل هناك حصر بغير العدو؟
طالب: السؤال يا شيخ.
الشيخ: يقول: الإمام فاته الوقوف بعرفة وهو في تطوع لماذا لا نجعله حصرًا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يتحلل بعمرة أو ( ... ).
الطالب: ( ... ) الحاج إذا حصر يبرأ قبل يوم النحر.
الشيخ: قبل يوم النحر ولَّا قبل عرفة؟
الطالب: لا، قبل يوم عرفة وقبل يوم النحر.
الشيخ: يعني بعدما انصرف من عرفة حُصِر؟
الطالب: لا، قبل ما حُصِرَ ما وصل مكة ( ... ) حال.
الشيخ: إي.
الطالب: أرجح ( ... ).
الشيخ: في مكان حصره.
الطالب: لو قبل يوم عرفة وقبل ..
الجزء: 1 - الصفحة: 4081
الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا الهدي عن الإحصار، حتى لو لم يكن معه هدي فإنه لا بد من هدي.
الطالب: ولو قبله، بس أنا اللي يشكل عليَّ الوقت؛ يعني: يوم النحر ويوم عرفة.
الشيخ: لا، هذا دم الإحصار حيث وجد سببه؛ من زمان، أو مكان.
طالب: إذا بدأ في طوافه من المروة.
الشيخ: في طوافه من المروة أو في سعيه؟
الطالب: في السعي.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: من المروة.
الشيخ: يلغى الشوط الأول.
الطالب: ( ... ) جاهل ما يدري إلا بعدما وصل.
الشيخ: معناه ما طاف إلا ستة أشواط فقط.
الطالب: لا بد أن يتم؟
الشيخ: إي، يلزمه أن يرجع فيتم السعي من أوله.
طالب: شيخ، ( ... ) من أحرم لحج أن يحرم لعمرة ما لم يقف بعرفة؟
الشيخ: لا، أن يجعله عمرة ما لم يقف بعرفة.
الطالب: طيب إذا كان ( ... ) وهو محرم ( ... ) يذهب إلى مكة ويطوف ويسعى.
الشيخ: لا، هذا ما يجوز إلا إذا أراد أن يحج؛ يعني: إن فسخ الحج إلى العمرة جائز بشرط أن يحج.
الطالب: أن يحج، كيف هذا؟
الشيخ: إي، أن يكون متمتعًا؛ يعني: لا يجوز لإنسان أن يفسخ نية الحج إلى عمرة وقد أحرم به إلا إذا كان يريد التمتع.
طالب: ( ... ) والإبل خمسة، والبقر سنتان، والمعز سنة، والضأن نصفها، وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما هو الإحصار؟
طالب: الإحصار: أن يُحْصَر عن دخول مكة؛ يمنع من دخول مكة.
الشيخ: لا.
طالب: الإحصار هو: مانع صاحبه أن يتعرض للحج ..
الشيخ: لا.
طالب: المنع من إتمام النسك.
الشيخ: نعم، منع الإنسان من إتمام النسك، هذا الإحصار، سواء بعدو.
طالب: أو بغيره.
الشيخ: أو بغير عدو، ولا فرق بين أَحْصَرَه وحَصَرَه.
إذا حصل إحصارٌ فما العمل؟
طالب: في الحج إذا حصل إحصار إن اشترط تحلل.
الشيخ: تحلل مجانًا بلا شيء.
الطالب: وليس عليه هدي، أما إذا كان لم يشترط فعليه الهدي.
الجزء: 1 - الصفحة: 4082
الشيخ: نعم، إذا لم يشترط فعليه الهدي.
وهل عليه الحلق؟
الطالب: لا، ليس عليه.
الشيخ: ليس عليه الحلق، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به وغضبه على تأخر الصحابة (7) لا يدل على الوجوب؟
الطالب: لا، غضب النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة؛ لأنهم لم يحلقوا يدل على الوجوب.
الشيخ: طيب، إذن يجب الهدي، ويجب أيضًا الحلق أو التقصير.
هل إذا أُحْصِر وتحلل هل يجب عليه القضاء أو لا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أُحْصِر ما هو فات، أُحْصِر وتحلل هل يلزمه قضاء النسك الذي أُحْصِر فيه وتحلل منه؟
طالب: لا، ما يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه.
الطالب: إن كان فاته.
الشيخ: ما فاته، بارك الله فيك، افرض أنه أحرم بعمرة الآن في هذا الشهر وأُحْصِر وتحلل هل يلزمه القضاء؟ لا يلزمه، ولا فيه خلاف؟ ولا فيه دليل؟
طالب: ( ... ) في حال الصحابة ( ... ) عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم أحصروا ولم يقضوا (7).
الشيخ: أليس الرسول قضى من العام القادم؟
الطالب: ولكن الصحابة لم يقضوا.
الشيخ: كلهم ما قضوا؟
الطالب: بعضهم، ولو كان وجوبًا لقضوا كلهم.
الشيخ: إي، طيب هذا القول الذي ذهب إليه، ويش تقول؟ يقول: إنه لا يجب القضاء، والدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر من كانوا معه في الحديبية أن يقضوا.
الطالب: هذا قول يا شيخ.
الشيخ: هذا قول.
الطالب: وهو الراجح.
الشيخ: وهو الراجح.
الطالب: وهناك قول يقول: إنه يجب القضاء.
الشيخ: يجب القضاء.
الطالب: نعم؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فإن حُصِرَ يهدي ويستكمل القادم ( ... ).
الشيخ: القول الثاني وجوب القضاء؛ لأنه لما تلبس به صار كالنذر؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] فيجب عليه القضاء.
طالب: التفصيل، الحج أو العمرة واجب بأصل الشرع أو بإلزام نفس النذر يجب عليه القضاء إن كان.
الجزء: 1 - الصفحة: 4083
الشيخ: لكن هل يسمى هذا قضاءً، أو يسمى هذا أداءً بالخطاب الأول؟
الطالب: لا، هو يسمى أداء بالخطاب الأول.
الشيخ: طيب، وإن لم يكن واجبًا؛ إن كان تطوعًا ففيه الخلاف الذي سمعتم، والصحيح أنه لا يجب القضاء كما قلنا، الصحيح أن القضاء ليس بواجب، وأن عمرة القضاء ليس معناها العمرة المقضية، وإنما معنى القضاء: المقاضاة؛ وهي المصالحة التي حصلت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، هذا دليل.
الدليل الثاني ولم نذكره أثناء الشرح، وهذا من الإضافات الذي أشار بعضكم تو إلى أنها تفيد، الدليل الثاني: أن الله لم يفرض الحج والعمرة إلا مرة في العمر، فلو أوجبنا عليه القضاء لأوجبنا عليه العمرة أو الحج مرتين أو ثلاثًا أو أكثر.
بماذا يكون الفوات فوات الحج؟
طالب: العمرة لا يتصادف فيها فوات، أما الحج يفوت.
الشيخ: أنا سألتُ: متى يفوت الحج؟
الطالب: بطلوع فجر يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة.
الشيخ: إذا طلع فجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة.
ما هو الدليل على أن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الشيخ: كمِّل.
طالب: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الشيخ: إي، «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وقف يوم عاشر صار الحج عرفة، «مَنْ وَقَفَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ» (4)، هذا هو الشاهد.
إذا فاته الوقوف ماذا يصنع؟
طالب: ( ... ) اليوم ( ... ) الليلة.
الشيخ: طلع الفجر وهو ما وصل عرفة وهو محرم بالحج ماذا يصنع؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ماذا يصنع الآن؟
الطالب: يتم الحج.
الشيخ: يتم الحج؛ يعني: يمشي مع الناس؛ يعني: يذهب إلى منى، ويرمي الجمرات، ويبيت في منى؟ !
طالب: يتحلل بعمرة.
الشيخ: نعم، يتحلل بعمرة يعني؟
الطالب: يحجب الحج بعمرة
الشيخ: إي، وماذا يصنع؟
الطالب: يعمل عمل العمرة.
الشيخ: يعمل عمل العمرة فيطوف.
طالب: ويسعى.
الجزء: 1 - الصفحة: 4084
الشيخ: يطوف ويسعى، ويحلق أو يقصر، طيب وهل يلزمه القضاء؟
طالب: تفصيل؛ إن كان واجبًا فعليه القضاء، وإن كان ..
الشيخ: إن كان واجبًا فعليه القضاء بالخطاب الأول أو قضاء ما فات؟
الطالب: بالخطاب الأول.
الشيخ: طيب، صحيح، كالإحصار.
وإن لم يكن واجبًا؟
الطالب: إن لم يكن واجبًا فليس عليه قضاء، على القول الراجح.
الشيخ: فليس عليه القضاء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: على القول الراجح، ولا فيه تفصيل قبل هذا الكلام؟
طالب: قيل: إنه يبقى على إحرامه.
الشيخ: لا، قبل هذا.
الطالب: القول الثاني: أنه يبقى على إحرامه للعام القادم.
الشيخ: لا، إن اختار، لكن هو ما اختاره.
طالب: إن كان الحج واجبًا.
الشيخ: انتهينا منه، إن كان واجبًا فعليه القضاء بالخطاب الأول.
إن كان تطوعًا؟
الطالب: ليس يجب عليه القضاء.
طالب آخر: إن كان واجبًا يجب عليه.
الشيخ: قضينا من هذه لا تجيبونها.
الطالب: وإن كان نفلًا؛ فإن لم يكن اشترط لزمه أن يقضي ..
الشيخ: فإن كان قد اشترط؟
الطالب: لزمه القضاء.
الشيخ: فإن كان قد اشترط؟
الطالب: لا يلزمه القضاء.
الشيخ: نعم، تحلل، ولا شيء عليه.
وإن لم يشترط؟
الطالب: فعليه.
الشيخ: فعليه القضاء.
طالب: نعم، صحيح، عليه القضاء.
الشيخ: إذن لا فائدة من الشرح، اتفقتم على هذا؟ إذا كان لم يشترط فقلنا: إن فيه قولين؛ المذهب: وجوب القضاء، والقول الثاني: لا قضاء عليه، ويقال في تعليله ما قيل في تعليل الإحصار؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يلزم الناس بقضاء العمرة، ولأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه الحج أكثر من مرة.
وبناءً على هذا التعليل ينبغي أن يقال: إن فاته بتفريطٍ منه فعليه القضاء، وإن فاته بغير تفريط منه -كما لو أخطأ في دخول الشهر فظن أن اليوم الثامن وهو التاسع ولم يعلم بثبوته- فإنه لا قضاء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 4085
وهذا القول الذي الآن فصلنا فيه قولٌ وسط بين قول من يقول: يلزمه القضاء ومن يقول: لا يلزمه القضاء، إذن المذهب وجوب القضاء، والقول الثاني: لا قضاء، وهو الذي قدمه الموفق في المقنع، والقول الثالث الوسط الذي ذكرناه؛ وهو إن كان الفوات بتفريطٍ منه فعليه القضاء، وإن كان بغير تفريط فلا قضاء عليه، وهذا هو القياس التام مع الإحصار، هذا هو القياس التام على الإحصار؛ لأن المحصر مُنع من إتمام النسك بدون اختياره.
هل يكون الحصر بغير العدو؟
طالب: نعم، يكون بضياع النفقة.
الشيخ: يعني بمعنى أنه إذا حُصِرَ بغير العدو يتحلل.
الطالب: نعم.
الشيخ: يتحلل، فإذا حُصِرَ بغير العدو هل يتحلل؟
الطالب: لا.
الشيخ: إلى متى؟
الطالب: متى يزول الرجوع ( ... ).
الشيخ: يعني يقف بعرفة في تاسع محرم.
الطالب: لا، إذا كان في فترة الطواف يكون له الرجوع، أما إذا لم يطف فإذا زال عذره أتمه.
الشيخ: إذا زال عذره وأمكنه إتمام الحج أتمه، وإلا صار حكمه حكم ما فاته الحج، أما العمرة فليس لها وقت يبقى محرمًا حتى يجد النفقة أو ما أشبه ذلك، ثم يتم.
القول الصحيح أنه كالإحصار بالعدو؛ إذا حصر بمرض أو ذهاب نفقة فإنه كالإحصار بالعدو يتحلل ويذبح الهدي.
[باب الهدي والأضحية]
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الهدي والأضحية) الهدي: كل ما يهدى إلى الحرم من نَعَمٍ أو غيرها؛ يعني: قد يهدي الإنسان نعمًا إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، وقد يهدي غيرها كالطعام، وقد يهدي اللباس.
فالهدي أعم من الأضحية؛ لأن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام كما سيأتي، وأما الهدي فيكون من بهيمة الأنعام ومن غيرها فهو كل ما يهدى إلى الحرم.
والأضحية: ما يذبح في أيام النحر تقربًا إلى الله عز وجل، هذه الأضحية، وسميت بذلك؛ لأنها تذبح ضُحًى حيث تذبح بعد صلاة العيد.
الجزء: 1 - الصفحة: 4086
ثم قال المؤلف: (أفضلها إبل) ولم يبين رحمه الله حكم الأضحية، ولكن الأضحية سنة، أجمع المسلمون على مشروعيتها، وهي في كل ملة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34].
فهي مشروعة في جميع الملل، وهي سنة بإجماع المسلمين، لكن هل هي واجب، أو سنة يكره تركها، أو سنة لا يكره تركها؟
في هذه أقوال للعلماء؛ المذهب أنها سنة ويكره للقادر أن يدعها، والقول الثاني: أن الأضحية واجبة، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ حيث قال: إن الظاهر وجوبها، وإن من قدر عليها فلم يفعل فهو آثم؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكرها مقرونة بالصلاة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، وأبدى فيها وأعاد في ذكر أحكامها وفوائدها ومنافعها في سورة الحج، وشيء هذا شأنه ينبغي أن يكون واجبًا، وأن يُلزم به كل من قدر عليه، ويكون التارك آثمًا بذلك.
وهو في نفس الوقت أيضًا مع كونه واجبًا -على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- هي أيضًا من نعمة الله على الإنسان أن يشرِّع الله له ما يشارك به أهل موسم الحج؛ لأن أهل موسم الحج لهم الحج والهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية.
ولهذا نجد من فضل الله ورحمته أنه جعل لأهل الأمصار نصيبًا مما لأهل المناسك، مثل اجتناب الشعور؛ الأخذ من الشعر، والأخذ من الظفر في أيام العشر؛ من أجل أن يشارك أهل الأمصار أهل الإحرام بالتعبد لله تعالى بترك الأخذ من هذه الفضلات، ولأجل أن يشاركوا أهل الحج بالتقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي؛ لأنه لولا هذه المشروعية لكان ذبحها أيش؟
طلبة: بدعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4087
الشيخ: بدعة، ولنُهِيَ الإنسان عنه، لكن الله شرعها لهذه المصالح العظيمة، فالقول بالوجوب أظهر من القول بعدم الوجوب، لكن بشرط القدرة، أما العاجز الذي ليس عنده إلا مؤونة أهله أو المدين فإنه لا تلزمه الأضحية، بل إن من عليه الدين ينبغي له أن يبدأ بالدين قبل الأضحية.
ثم هل الأضحية مشروعة عن الأموات أو عن الأحياء؟
الجواب: الثاني؛ مشروعة عن الأحياء؛ إذ لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة -فيما أعلم- أنهم ضحوا عن الأموات استقلالًا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات له أولاد من بنين وبنات في حياته ومات له زوجات ومات له أقارب يحبهم ولم يضحِّ عن واحدٍ منهم، فلم يضحِّ عن عمه حمزة، ولا عن زوجته خديجة، ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة، ولا عن بناته الثلاث، ولا عن أبنائه، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام في سنته قولًا أو فعلًا، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته.
أما إدخال الميت تبعًا فهذا قد يستدل عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عنه وعن أهل بيته (9)، و (أهل بيته) يشمل زوجاته اللاتي متن واللاتي في قيد الحياة، وكذلك ضحى عن أمته (10)، وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد، لكن استقلالًا لا أعلم لذلك أصلًا في السنة؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الأضحية عن الميت استقلالًا بدعة يُنْهَى عنها.
ولكن القول بالبدعة قولٌ صعب؛ لأن أدنى ما نقول فيها: إنها من جنس الصدقة، وقد ثبت جواز الصدقة عن الميت، وإن كان الأضحية في الواقع لا يراد بها مجرد الصدقة بلحمها أو الانتفاع بلحمها؛ ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: 37]، ولكن أهم شيء فيها التقرب إلى الله بالذبح، هذا أهم شيء، وذكر اسم الله على هذا الذبح.
ثم قال المؤلف في بيان ما تكون به الأضحية؛ يعني: بأي شيء يضحي، هل بكل شيء أو بأشياء خاصة؟ نقول: الأضحية لا بد فيها من شروط.
الجزء: 1 - الصفحة: 4088
الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]، فلا بد أن تكون من بهيمة الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم، فلو ضحَّى الإنسان بحيوانٍ آخر أغلى منها لم يجزئ، لو ضحَّى بفرسٍ تساوي عشرة آلاف ريال عن شاة تساوي ثلاث مئة ريال لم يجزئه؛ لأنه لا بد أن تكون من بهيمة الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم.
ثم أيها أفضل الإبل أو البقر أو الغنم؟ أما الهدي فالأفضل فيه الإبل بلا شك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إبلًا.
كم أهدى؟ أهدى مئة بعير، وأشرك عليًّا رضي الله عنه في هديه (11).
وأما الأضاحي فقال المؤلف: إن الأفضل الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ومراده إن أخرج كاملًا فالبعير أفضل من الشاة، أما لو أخرج بعيرًا عن سبع شياه، فسبع شياه أفضل من البعير، لكن إذا أخرج كاملًا فالبعير أفضل، وعللوا ذلك بأنها أكثر نفعًا، إلا في العقيقة فالشاة أفضل من البعير؛ لأنها التي وردت بها السنة، فتكون أفضل من الإبل.
وعلى هذا فالدماء التي يُتقرب بها إلى الله الهدي والأضحية والعقيقة، أما الهدي فأفضله الإبل بلا شك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أهدى إبلًا كما أهدى غنمًا (12)، أيضًا وأهدى غنمًا بعث بها من المدينة، لكن في حجة الوداع أهدى إبلًا.
الأضحية نقول: الأفضل فيها الإبل إن أخرج؟
طلبة: كاملًا.
الشيخ: كاملًا؛ لأنها أكثر نفعًا، أما إذا ضحى بسبع بدنة أو بقرة فالشاة أفضل، أما في العقيقة فالأفضل الشاة، حتى لو ذبح بعيرًا كاملة فالأفضل الشاة؛ لأنها هي التي جاءت بها السنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4089
(أفضلها إبل، ثم بقر، ثم غنم) والغنم يشمل الضأن والمعز، ثم قال (ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن) وهذا الشرط الثاني من شروط الأضحية؛ أن تكون قد بلغت السن المعتبر شرعًا، فإن كانت دونه لم تجزئ؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» (13)، فقوله: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً» أي: مثنية ثنية، «إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ»، هذا شرط أن تبلغ أيش؟ السن المعتبر شرعًا.
فإن كان دون ذلك فإنها لا تجزئ؛ ولهذا لما قال أبو بردة بن نيار رضي الله عنه: يا رسول الله، إن عندي عناقًا هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني؟ قال: «نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (14)، والعناق هي: الصغيرة من المعز التي لها نحو أربعة أشهر، قال: «نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»، وهذا يدل على أنه لا بد من بلوغ السن المعتبر شرعًا.
وهذا يدلنا –يعني: اشتراط أن تكون من بهيمة الأنعام وأن تبلغ السن المعتبر شرعًا- على أنه ليس المقصود من الأضحية مجرد اللحم/ وإلا لأجزأت للصغير والكبير، فما هو السن في الإبل؟
قال المؤلف: (ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن وثني سواه) ودليله ما ذكرته آنفًا حديث جابر أخرجه مسلم: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ».
فالإبل يعني السن المعتبر لإجزاء الإبل خمس سنين، فما دون الخمس لا يجزئ؛ لأن الإبل لا تثني إلا إذا تم لها خمس سنين.
(ولبقر سنتان ولمعز سنة ولضأنٍ نصفها) يعني: نصف سنة؛ ستة أشهر، فهل يجزئ لو سألك سائل: هل يجزئ من الغنم ما له ثمانية أشهر؟
طلبة: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل، ما هو؟
طالب: إن كان من الضأن.
الشيخ: إن كان من الضأن فنَعَمْ.
الطالب: ( ... ) من المعز.
الجزء: 1 - الصفحة: 4090
الشيخ: وإن كان من المعز؟
طلبة: فلا.
الشيخ: فلا؛ لأنه لا بد أن تكون ثنية.
وذكر بعض العلماء أن من علامات إجزاء الضأن أن ينام الشعر على الظهر؛ لأن الخروف الصغير يكون شعره واقفًا، فإذا بدأ ينام فهذا علامة على أنه صار جذعًا.
فإذا قال قائل: إذا كان الإنسان هو الذي ولَّد هذه البهائم فسيعلم المدة، لكن إذا كان الذي ولَّدها غيره واشتراها من السوق، فهل يكتفي بقول البائع أو لا بد أن يقول للبائع: ائتِ بشهود؟
طلبة: الأول.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إن كان البائع ثقة فإن قوله مقبول؛ لأن هذا خبرٌ ديني، كالخبر بدخول وقت الصلاة أو غروب الشمس في الفطر، وما أشبه ذلك.
وإن كان غير ثقة وهو من البدو الجفاة الذي يقول: أُقسم بالله أن لها سنة وشهر المعز، وأتى بالشهر؛ للدلالة على الضبط وليكون أقرب للتصديق، لكننا لا نثق به فإنه لا يُصَدَّق، لا سيما إذا وجدت القرينة تدل على كذبه؛ كصغر البهيمة.
فصار إخبار البائع عن بلوغ السن المعتبر شرعًا إن كان البائع ثقة قَبِلْنَاه؛ لأنه خبر ديني يقبل فيه خبر الواحد، وإن لم يكن ثقة فإننا لا نقبل، ولكن لو كان الإنسان نفسه يعرف السن بفر أسنانها والاطلاع على أسنانها أو ما أشبه ذلك فإنه كافٍ، كم شرطًا ذكرنا؟
طلبة: اثنان.
الشيخ: شرطين؛ الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، والثاني: بلوغ السن المعتبر شرعًا.
والشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء.
والشرط الرابع في الأضحية: أن تكون في وقت الذبح.
الشروط في الأضحية أربعة.
أما الهدي فإنه لا يشترط له وقت معين إلا من ساق الهدي في الحج فإنه لا يذبحه قبل يوم النحر، وأما من ساق الهدي في العمرة فيذبحه حين وصوله.
قال المؤلف: (وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة) (تجزئ الشاة عن واحد) يعني: يضحي الإنسان بالشاة عن نفسه، وتجزئ عنه وعن أهل بيته أيضًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته.
الجزء: 1 - الصفحة: 4091
وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة، ما هو الدليل للأول؟
الدليل للأول: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته (15).
والدليل للثاني: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: نحرنا في عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (16).
وقول المؤلف: (عن سبعة) أي: سبعة رجال، فإذا كان الإنسان يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فإنه يضحي بالسُّبع عنه وعن أهل بيته؛ لأن هذا تشريك في الثواب، والتشريك في الثواب لا حصر له، فها هو النبي عليه الصلاة والسلام ضحَّى عن كل أمته، وها هو الرجل يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته ولو كانوا مئة، أما التشريك في المُلك فلا تزيد على سبعة؛ يعني: لو اشترك ثمانية في بعير قلنا: لا يجوز، لا بد أن يخرج واحد منكم، ولكن بماذا يخرج؟
إن رضي أحد منهم أن يخرج فهذا هو المطلوب، وإلا فالأخير هو الخارج، فإن لم يُعلم الأخير فالقرعة، لكن لو ذبحوها فبانوا ثمانية فماذا يصنعون؟ قيل: يذبحون شاة واحدة لتكمل للثامن.
ويحتمل أن يقال: يقترعون، فمن خرج بالقرعة خرج وذبح شاة وحده.
البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة رجال أو تجزئ عن سبع شياه؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، وإذا قلنا بالثاني قلنا: إذا كانت الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته في الثواب فكذلك يجزئ سبع البدنة وسبع البقرة عنه وعن أهل بيته.
وقوله: (البدنة والبقرة عن سبعة) يستثنى من ذلك العقيقة، فإن البدنة لا تجزئ فيها إلا عن واحد فقط، ومع ذلك فالشاة أفضل، لماذا؟ قالوا: لأن العقيقة فداء نفس، والفداء لا بد فيه من التقابل والتكافؤ، فتفدى نفس بنفس.
ولو قلنا: إن البدنة عن سبعة لفديت النفس بسبع نفس؛ ولهذا قالوا: لا بد من العقيقة بها كاملة، وإلا فلا تجزئ.
وإذا كان عند الإنسان سبع بنات وكلهن يحتجن إلى عقيقة فذبح بدنة عن السبع؟
طلبة: لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لا تجزئ، ولكن هل تجزئ عن واحدة؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4092
طلبة: نعم.
الشيخ: أو نقول: هذه عبادة غير مشروعة لهذا الوجه، فتكون بعير لحم، ويذبح عقيقة لكل واحدة؟
الثاني هذا أقرب؛ أن نقول: إنها لا تجزئ عن الواحدة منهن؛ لأنها على غير ما وردت به الشريعة، فيذبح عن كل واحدة شاة، وهذه البعير التي ذبحها تكون ملكًا له؛ له أن يبيع لحمها؛ لأنه تبين أنها لم تصح على أنها عقيقة.
ذكرنا الشرط الثالث السلامة من العيوب المانعة في الإجزاء، فما هذه العيوب؟
قال: (ولا تجزيء العوراء ولا العجفاء ولا العرجاء ولا الهتماء ولا الجداء ولا المريضة ولا العضباء) كم هذه؟ سبع، ومعلوم أن رفع الإجزاء عن البهيمة يحتاج إلى دليل؛ لأن البهيمة إذا توافرت فيها أوصاف القبول فإننا لا نرفع حكم هذه الأوصاف -وهو القبول- إلا بوجود مانع من الشارع صحيح، فلننظر قوله: (لا تجزيء العوراء ولا العجفاء ولا العرجاء ولا المريضة) أسقطنا الهتماء، هذه الأربع عيوبها نص عليها النبي عليه الصلاة والسلام؛ فقد سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فقال: أربع، وأشار بأصابعه؛ العوراء (17)، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيدها بأنها بينة العور العوراء البين عورها، وهل هناك عورة غير بين عورها؟ نعم، لو فرضنا أنها لا تبصر بإحدى عينيها، ولكن إذا نظرت إلى العين ظننتها سليمة.
ولا تُجْزِئُ العَوراءُ والعَجْفاءُ والعَرجاءُ والْهَتْمَاءُ والْجَدَّاءُ والمريضةُ والعَضْبَاءُ بل الْبَتْرَاءُ خِلْقَةً والْجَمَّاءُ وخَصِيٌّ غيرُ مَجبوبٍ وما بأُذُنِه أو قَرْنِه قَطْعٌ أَقَلُّ من النِّصْفِ.
و(السُّنَّةُ) نَحْرُ الإبِلِ قائمةً مَعْقُودَةً يَدُها الْيُسْرَى فيَطْعَنُها بالْحَرْبَةِ في الْوَهْدَةِ التي بينَ أَصْلِ العُنُقِ والصدْرِ، ويَذْبَحُ غَيْرَها، ويَجوزُ عَكْسُها، ويقولُ " باسمِ اللهِ واللهُ أَكْبَرُ،
الجزء: 1 - الصفحة: 4093
فلننظر قوله: (لا تجزئ العوراء، ولا العجفاء، ولا العرجاء، ولا المريضة) أسقطنا الهتماء، هذه الأربع عيوبها نص عليها النبي عليه الصلاة والسلام، فقد سُئل ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فقال: «أَرْبَعٌ»، وأشار بأصابعه (1).
(العوراء) لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيَّدها بأنها بَيِّنة العور، «الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا».
وهل هناك عوراء غير بَيِّن عورها؟ نعم، لو فرضنا أنها لا تبصر بإحدى عينيها، ولكن إذا نظرت إلى العين ظننتها سليمة، فهذه عوراء ولم يتبيَّن عورها.
(فتجزئ) لكن السلامة من هذا العور أولى، وهل يقاس عليها العمياء؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، لأنه إذا كان فقد العين الواحدة مانعًا ففقد العينين الاثنتين من باب أولى.
وقال بعض العلماء -أهل الاستحسان بالعقول- قالوا: إن العمياء تجزئ، وإن كانت العوراء لا تجزئ؛ لأن العوراء إنما مُنع منها لكون رعيها ناقصًا ترعى من جانب واحد، أليس كذلك؟ وأما العمياء فإن صاحبها سوف يُغدق عليها العلف فلا يلحقها نقص فتكون كالبصيرة.
وهذا قياس غريب، ومعنى عجيب، يقال: هل هذه الشاة مثلًا؟ هل هي معيبة أو غير معيبة؟
طلبة: معيبة.
الشيخ: كل الناس يقولون: معيبة، بعيب أقبح من العور أو دون العور؟
الطلبة: أقبح.
الشيخ: أقبح، انتهى هذا قياس أوْلى؛ يعني تامًّا فيه أركان القياس.
فالصواب: أن العمياء لا تجزئ.
(ولا العجفاء) وهذه جاء بها النص، العجفاء هي الهزيلة التي لا مُخَّ فيها، عرفتم؟ المخ مع الهزال يذوب، ويبقى داخل العظم أحمر ما فيه مخ، هذه لا تجزئ؛ لأنها ضعيفة البنية كريهة المنظر؛ فلا تجزئ.
الهزيلة التي فيها مخ؛ يعني إلى الآن لم يصل الهزال إلى ما داخل العظم، هزيلة، لكن فيها مخ، تجزئ أو لا؟ نعم، تجزئ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (1)، قال العلماء: معنى (لا تنقي) أي ليس فيها نِقيٌ، والنِّقْي المخ.
الجزء: 1 - الصفحة: 4094
يقول أهل الخبرة: إنه إذا جاء الربيع بسرعة، وكانت الغنم هزالًا ورَعَت من الربيع فإنها تبني شحمًا قبل أن يتكون فيها المخ، فهل هذه التي بنى الشحم عليها دون أن يكون لها مخ، هل تجزئ؟
طالب: لا، ما تجزئ.
الشيخ: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي».
وهذه الآن ليست عجفاء، هي سمينة الآن، لكن لم يدخل السمن إلى داخل العظم حتى يتكون المخ، فنقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام وصفها بوصفين: عجفاء، وليس فيها مخ، وهذه ليست بعجفاء فتجزئ.
(ولا العرجاء) ( ... ).
هذا أعطاني السؤال يقول بالنسبة للصدقة هكذا؟
طالب: الصدقة عن الأموات ..
الشيخ: عن الأموات عندنا في السودان تخصيص يوم كذلك.
الطالب: يخصص لها يوم.
الشيخ: إي نعم، يخصص لها يوم كذلك آخر جمعة من رمضان، فهل يشرع هذا؟
لا، هذا غير مشروع؛ لأنك لا تخصص يومًا أو مكانًا لعبادة إلا بدليل.
طالب: شيخ، السن في الضأن.
الشيخ: أيش؟
الطالب: السن المجزئ في الضأن لحديث المغيبة للعذر، وهنا أطلق هنا ..
الشيخ: إي، هذا إشكال جيد، لكن قال العلماء: إنها تقيدها بعسر من جهة الأفضل، أن الثنية أفضل، ولو كانت الجذعة ليست محلًّا قابلًا للأضحية، ما أجزأت عند العسر، ولهذا لو كان عند الإنسان أقل من الجذع وهو مُعسِر لم يجزئه، فقالوا: إن تقييدها بالإعسار هو من باب الأفضلية فقط.
الطالب: إذا كان غير معسر يجزئه؟
الشيخ: يجزئه، لكن الأفضل الثنية.
طالب: في الحج والعمرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا مجرد ( ... ).
الشيخ: لا، إذا اشترط ما فيها شيء يتحلل مجانًا في الإحصار، وفي الفوات.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- ذكرنا لو شخص يريد أن يشتري ضأن غنم، لا بد أن ننظر للبائع، ولكن في هذا الزمان مستحيل، هذا الشرط يكون في مشقة على الناس.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أقول: قلما نجد الآن ثقة في البائع، يعني يكون فيه مشقة على الناس؟
الشيخ: يعني الإخبار بالسن؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4095
الطالب: إي نعم، يكون فيه مشقة في هذا الزمان.
الشيخ: ليش؟
الطالب: أقول: يكون فيه مشقة.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: إلا من رحم الله نجد الآن ثقة.
الشيخ: يعني مشقة الثقة بس؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، إذا كان شككت في ثقته، فإن كان عندك خبرة أنت فافتح فمها وتعرفها.
الطالب: ولكن لو كان الشخص ما عنده خبرة؟
الشيخ: لا يمكن أن تعتمد على قول ليس بثقة أبدًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: هذا قول أن يراد به سنة، إذا اجتمع ( ... ) في بدنة.
الشيخ: في أيش؟
الطالب: في بدنة، هل يشرع ( ... )؟
الشيخ: لا.
الطالب: إذا أخذه على أنه سُنة.
الشيخ: أيوه، الأضحية سُنة؛ لأن الأضحية لها شروط، من شرطها أن تكون في العدد المحدد.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ذكرت هزيلة، ولو ما خرجت، قلت: تجزئ؟
الشيخ: ما تجزئ.
الطالب: ما تجزئ؟
الشيخ: لا.
الطالب: ذكرت ( ... )، لكن تجزئ الهزيلة؟
الشيخ: تجزئ.
الطالب: أليس عيبًا الهزل؟
الشيخ: لا، الهزال عيب في البيع والشراء، وليس عيبًا في الشرع في التضحية، ولذلك تجد العور عيب في الشراء، العور اللي غير بين عيب في الشراء، وليس عيبًا في الأضحية.
طالب: في بعض البلدان الإسلامية قبل أداء الأضحية يزينون الشاة كجعل الحناء على رأسها، وكذا.
الشيخ: يزينون أيش؟
الطالب: الشاة مثلًا يزينونها بالحناء وبعض اللون.
الشيخ: سبحان الله!
الطالب: هل يجوز هذا يا شيخ؟
الشيخ: ويلبسونها الحلي؟
طالب آخر: الحناء فقط.
الطالب: ما حكم هذا يا شيخ؟
الشيخ: هذه -بارك الله فيك- تُفعل عندنا على أنها للتمييز، إذا اجتمعت أضاحٍ لزيد وعمرو وبكر وخالد، وضعوا الحناء للتمييز فقط، هذا ما فيه بأس، أما للتجميل لا، ما هو مشروع.
الطالب: يزينون الأضحية لهذا يعني؟
الشيخ: لا، غير مشروع.
طالب: شيخ، إذا وصَّى الميت؟
الشيخ: إذا وصى الميت بها فإنه يُضحى له.
الطالب: ولم يترك مالًا؟
الشيخ: لا، ما يلزمهم شيء.
طالب: إذا ( ... ) فلا بأس.
الجزء: 1 - الصفحة: 4096
الشيخ: لا، كما قلت لك، يُضحي عن نفسه وأهل بيته ومنهم الميت هذا.
طالب: العوراء -يا شيخ- ذهاب الرؤية هنا بالعين؟
الشيخ: البين عورها؟ البين عورها هي التي تكون عينها ناتئة أو غائرة.
الطالب: إن كانت موجودة يا شيخ، لكن لا ترى.
الشيخ: هذه عوراء، لكن ليس عورها بينًا.
طالب: الأضحية هي الناتئة، والتي لا مخ لها، كيف يتبين لنا؟
الشيخ: الناتئة، كيف الناتئة؟
الطالب: التي لا مخ لها.
الشيخ: إي، العجفاء، اللي ما فيها مخ، يتبين، لا يمكن أن تتبين إلا بعد الذبح، لكن الغالب أن التي لا مُخَّ فيها وهي هزيلة، الغالب أنك تجدها ضعيفة مشيها رديء وكأنها مريضة.
الطالب: ممكن يظن أن هي هزيلة.
الشيخ: هي هزيلة، ما فيها لحم، ما فيها إلا جلد على عظم، لكن هي اللي ما فيها مخ، تكون نفسها أيضًا، ما تمشي وتعبانة دائمًا.
طالب: وهو شكلها شكل المريض ( ... ).
الشيخ: ويش تقولون فيها؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: يقول: هل الحولاء كالعوراء؟
طالب: الحولاء؟
الشيخ: إي، الحولاء.
الطالب: ليست كالعوراء.
الشيخ: لا، ما هي كالعوراء.
طالب: لو كان الاثنتين.
الشيخ: لو الاثنتان نعم، إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أولًا: ما أظن بتثبت لي أن شاةً حولاء!
طالب: شيخ -بارك الله فيك- حتى لو انخسفت، لكنها ترى؟
الشيخ: ترى وانخفست؟
الطالب: لا، ناتئة أو منخسفة؟
الشيخ: هذه ليست عوراء؛ لأنها ترى بعينيها.
الطالب: ألسنا نميز بعدم الرؤية؟
الشيخ: لكن الحديث قيدها: «الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا» (1).
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
الجزء: 1 - الصفحة: 4097
ولا تجزئ العوراء، والعجفاء، والعرجاء، والهتماء، والجداء، والمريضة والعضباء، بل البتراء خِلقة والجماء، وخصي غير مجبوب، وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف، والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، ويذبح غيرها، ويجوز عكسها ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، ويتولاها صاحبها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فقد سبق أن للأضحية شروطًا: الأول؟
طالب: الأول تكون من بهيمة الأنعام.
الشيخ: وهي؟
الطالب: وهي الإبل، والبقر، والغنم، وتشمل الماعز والضأن.
الشيخ: نعم، هل تجزئ الأضحية بالفرس؟
طالب: لا، ما تجزئ.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنها ليست من بهيمة الأنعام.
الشيخ: هل هناك دليل على أنها إذا لم تكن من بهيمة الأنعام لا تجزئ؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: ولكلٍّ جعلنا.
الشيخ: حديث عائشة أصل من أصول الدين: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا».
الطالب: «لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا».
الشيخ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (2)، الشرط الثاني؟
طالب: السلامة من المرض، وما أشبه ذلك.
الشيخ: السلامة من المرض، وما أشبه ذلك، ما يكفي هذا.
الطالب: أقول: ما ثبت فيها عن السن المحدد لها شرعًا.
الشيخ: عدلت عن الشرط هذا؟ عن السلامة، نحن نريد أن نأخذها شرطًا شرطًا.
الطالب: نقول: السن المحدد لها شرعًا.
الشيخ: أيش ما؟
الطالب: يعني.
الشيخ: الشرط الثاني أن تبلغ.
الطالب: السن المحدد لها شرعًا.
الشيخ: نعم، ما هي؟
الطالب: أربعة، لها ستة أشهر.
الشيخ: كمِّل.
الطالب: والمسنة.
الشيخ: لها سبعة شهور.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، والثَّنيَّة لها تسعة شهور.
الطالب: لا.
الشيخ: كم؟ سنة.
الطالب: سنة.
الشيخ: أن تبلغ السن المعتبر شرعًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 4098
طالب: وهو ما كان للظأن ما بلغ ستة أشهر؛ يعني الجذع من الضأن، وفي البقر.
الشيخ: والثني مما سواه.
الطالب: إي نعم، والبقر.
الشيخ: طيب الإبل؟
الطالب: الإبل ما كان له أو ما تم له خمس سنين.
الشيخ: والبقر؟
الطالب: سنتان.
الشيخ: والمعز؟
الطالب: سنة.
الشيخ: تمام، والضأن نصف سنة، ما هو الدليل على هذا؟
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن ( ... ).
الشيخ: لا، نريد أمر الرسول، أول الحديث.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ويش هو الحديث؟ وأين المستثنى منه: «إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ»، هذا استثناء، أين المستثنى منه؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً» (3).
الشيخ: «جَذَعَة» منين؟
الطالب: «مِنَ الضَّأْنِ».
الشيخ: نعم، الشرط الثالث؟
طالب: تكون خالية.
الشيخ: أن تكون سالمةً.
الطالب: سالمةً من العيوب المانعة.
الشيخ: أن تكون سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء شرعًا.
هل هناك ارتباط بين العيب العرفي والشرعي في هذه المسألة؟
طالب: لا، ليس هناك ارتباط.
الشيخ: لا ارتباط؟
الطالب: نعم.
الشيخ: مَثِّل بمثال يتضح به الافتراق.
الطالب: مثل العور قد تكون الشاة عوراء عرفًا التي يكون في عينها بياض قليل، ولكنها ليست عوراء شرعًا، لكنها ترى.
الشيخ: العوَر الذي ليس بِبيِّن عيب عرفي تُرد به البهيمة، وليس عيبًا.
الطالب: شرعيًّا.
الشيخ: شرعيًّا، فتقبل فيه البهيمة، تمام.
العيوب المانعة من الإجزاء هو الشرط الثالث، الشرط الرابع؟
طالب: أن تكون في الوقت المحدد.
الشيخ: أن تكون في الوقت المحدد للأضحية، وما هو؟
الطالب: للأضحية، الوقت المحدد شرعًا.
الشيخ: إي، ما هو الوقت؟
الطالب: تكون بعد الصلاة.
الشيخ: من بعد صلاة عيد الفطر.
الطالب: عيد الأضحى.
الشيخ: عيد الأضحى، طيب إلى؟
الطالب: أيام التشريق.
الشيخ: إلى آخر أيام التشريق، هذا الصحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 4099
نرجع الآن إلى العيوب التي تَمنع من الإجزاء: العوراء البَيِّن عورها، متى يكون العور بيِّنًا؟
طالب: إذا كانت العين، إما ناتئة أو غائرة.
الشيخ: طيب، فإن كانت قائمة، لكن لا تُبصر بها.
الطالب: ليس بيِّنًا.
الشيخ: فتجزئ؟
الطالب: تجزئ في الأضحية.
الشيخ: نعم، لكن غيرها أكمل منها.
(العجفاء) ما معناها؟
طالب: الكبيرة.
الشيخ: الكبيرة؟
الطالب: هرمة.
الشيخ: الهرمة؟
الطالب: التي لا مخ فيها، الهزيلة!
الشيخ: الهزيلة.
الطالب: التي لا مخ فيها.
الشيخ: التي لا مخ فيها، طيب أحسنت، هل المراد لا مخ في رأسها أو في قوائمها؟
طالب: في عظمها.
الشيخ: القائمة، والرأس؟
الطالب: إن لم يكن في قوامها، ففي رأسها من باب أولى!
الشيخ: لا، ما يصح، ما تقولون أنتم؟ في القوائم ولا في الرأس؟
طلبة: في القوائم.
الشيخ: في القوائم؛ لأنه لا يمكن أن يخلو الرأس من المخ، لو خلا من المخ لهلكت.
إذا كانت سمينة ولا مخ فيها، وهذا يحدث -كما يقول أهل الخبرة- فيما إذا أجدبت الأرض، ثم جاء الربيع بسرعة؛ فإنها إذا أكلت الربيع بنت الشحم، ولكن يبقى عظمها خاليًا من المخ، هل تجزئ أو لا؟
طالب: تجزئ.
الشيخ: تجزئ، الدليل من الحديث.
الطالب: من اشترى شاة عجفاء، لكن لا مخ فيها، هذه ليست عجفاء، ليس ( ... ).
الشيخ: قال التي: «الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (1) طيب، وهذه؟
الطالب: هذه ليست عجفاء.
الشيخ: ليست عجفاء، هي لا تُنقي صحيحة، لكنها ليست عجفاء، أحسنت.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولا العرجاء)، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترط أن يكون عرجها بينًا، وما هو الضابط للعرج البين؟
قال العلماء: إذا كانت لا تطيق المشي مع الصحيحة، فهذه عرجها بَيِّن، أما إذا كانت تهمز، لكنها تمشي مع الصحيحة، فهذه ليس عرجها بينًا، لكن كلما كملت فهو أحسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 4100
إذن العرجاء ليس على إطلاقها كما قال المؤلف، المراد: العرجاء البَيِّن ظلعها بحيث لا تطيق المشي مع الصحيحة.
والحكمة من ذلك أن البهيمة إذا كانت على هذه الصفة فإنها قد تتخلف عن البهائم في المرعى، ولا تأكل ما يكفيها، ويلزم من ذلك أن تكون هزيلة في الغالب.
قال: (ولا الهتماء) (الهتماء) هي التي ذهبت ثناياها من أصلها، أسنانها ذهبت من أصلها الثنايا فقط؛ وذلك لأنها إذا ذهبت ثناياها من أصلها تشوهت خلقتها من وجه، وصارت غير مستطيعة لخرط الورق من الشجر؛ لأنها ليس لها ثنايا فلا تكاد تأخذ حظها من الرعي، وما ذهب إليه المؤلف في الهتماء قول مرجوح.
والصواب أنها تجزئ، لكن كلما كانت أكمل فهو أفضل، ووجه إجزائها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل: ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فقال: «أَرْبَعٌ».
وأشار بيده أربع (1)، وليست هذه -أعني الهتماء- من الأربع، ولا بمعنى واحدة منها، وعليه فالصواب الإجزاء، لكن كلما كانت أكمل فهي أفضل، وقبل أن نذهب بعيدًا ننظر إلى أن نُفرِّع على العرجاء، العرجاء لا تجزئ، لكن مقطوعة إحدى القوائم، أتجزئ؟
طلبة: لا تجزئ من باب أولى.
الشيخ: نعم، لا تجزئ من باب أولى، الزمنى تجزئ؟
طلبة: لا تجزئ.
الشيخ: الزمنى؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: الزمنى التي لا تستطيع المشي إطلاقًا.
طالب: لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ، لكن يقال فيها ما يقال في العمياء، فالذين قالوا بإجزاء العمياء -وقولهم ضعيف جدًّا- يقولون بإجزاء الزمنى؛ لأن الزمنى يؤتي إليها بعلفها، فلا يكون عليها قاصر، لكن هذا قول ضعيف، وخلاف القياس الصحيح؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ينبه بالأدنى على ما هو أعلى منه، فإذا كانت العرجاء لا تجزئ، إذا كان عرجها بينًا، فمقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين، أو الزمنى التي لا تمشي إطلاقًا من باب أولى، أما كون السهل تجزئ معه الأضحية فلأن هذا لا يسلم منه غالبًا شيء فسُمح فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 4101
قال المؤلف: (ولا الجداء) الجداء لا تجزئ أيضًا، والجداء: هي التي نشف ضرعها، يعني مع الكبر صار لا يُدر، فضرعها ناشف فلا تجزئ، وإن كان الضرع باقيًا بحجمه لم يضمر فإنها لا تجزئ.
ولكن هذا القول مرجوح أيضًا؛ لأنه لا دليل على منع التضحية بها، وإذا لم يكن على ذلك دليل فالأصل الإجزاء، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أنها تُجزئ.
(ولا المريضة) (المريضة) لا تُجزئ، ولكن هذا الإطلاق مقيد بما إذا كان المرض بيِّنًا، وبيان المرض إما بآثاره وإما بحاله؛ أما آثاره فأن تظهر على البهيمة آثار المرض من الخمول، والتعب السريع، وقلة شهوة الأكل، وما أشبه ذلك، هذا مرض بَيِّن، هذه آثار، وأما الحال فأن يكون المرض من الأمراض البينة كالطاعون وشبهه، وإن كانت نشيطة فإنها لا تُجزئ.
ولهذا قال العلماء -علماء الحنابلة-: إن الجرب مرض، مع أن الجرب لا يؤثر تأثيرًا بَيِّنًا على البهيمة، ولا سيما إذا كان يسيرًا، لكنهم قالوا: إنه مرض بَيِّن، ثم إنه مفسد للحم فلا يجزئ.
وعدم إجزاء المريضة بالنص والمعنى؛ النص: قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا» (1)، والمعنى: لأن اللحم لحم المريضة يُخشى على الإنسان من أكله أن يتأثر به.
المبشومة، هل تجزئ أو لا؟ المبشومة تجزئ؟
طلبة: نعم، تجزئ.
الشيخ: هل تعرفون المبشومة، ما هي؟
طالب: التي تأثرت بالأكل.
الشيخ: صحيح، بعض الغنم إذا أكل التمر انبشم، انتفخ بطنه، ولم تخرج منه الريح، ولا يُعلم أنه سلم من الموت إلا إذا ثلط؛ يعني إذا تبرز، ولهذا نقول: المبشومة مرضها بَيِّن ما لم تثلط.
من أخذها الطلق، هل مرضها بَيِّن؟
الظاهر أنها ليست ببين؛ لأن هذا الشيء معتاد، اللهم إلا أن تصل إلى حالة خطِرة كأن تتعسر الولادة، ويُخشى من موتها، فحينئذٍ تُلحق بذات المرض البَيِّن.
المغمى عليها، سقطت من أعلى فأُغمي عليها؟
طالب: لو أفاقت تجزئ.
الجزء: 1 - الصفحة: 4102
الشيخ: إذا أفاقت لم تكن مغمى عليها، لكن ما دامت في إغمائها فإنها لا تجزئ؛ لأن مرضها بَيِّن.
قال المؤلف: (ولا العضباء) العضباء: هى التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها، هذه هي العضباء؛ يعني: ما ذهب أكثر أذنها طولًا أو عرضًا أو قرنها كذلك فإنها لا تجزئ؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن أعضَب الأُذُن والقَرْن (4)، والنهي يقتضي الفساد وعدم الإجزاء، فإذا ضحى بعضباء -عضباء الأذن أو عضباء القرن- فإنها لا تجزئ.
وقال بعض العلماء: إنها تجزئ، لكنها مكروهة، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن في صحة الحديث نظرًا، والأصل عدم المنع حتى يقوم دليل على ذلك، إلا أنها تكره؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بالمقابلة، ولا المدابرة، ولا الخرقاء (5).
يقول: (ولا العضباء، بل تجزئ البتراء خِلقة) أو مقطوعًا أنا عندي (خلقة) بالمتن، أو مقطوعًا بالشرح.
تجزئ البتراء التي ليس لها ذنب، لكن الماتن قيدها بأن يكون ذلك خلقة؛ يعني خُلقت بلا ذَنب فإنها تجزئ، ومفهوم كلام الماتِن أنه لو قطع فإنها لا تجزئ قياسًا على مقطوعة الأذن، بل أوْلى من قطع الأُذن؛ لأنها تستفيد من الذيل أكثر مما تستفيد من الأذن، وإن كان لكل منهما مصلحة ومنفعة، لكن الذيل له منفعة كبيرة، فلهذا فرق بعض العلماء بين ألا يكون لها ذنب خلقة أو مقطوعًا.
وقال: أما ما ليس لها ذنب خلقة فإنها تجزئ كما تجزئ الصمعاء -وهى صغيرة الأذن- والجماء وهي التي ليس لها قرن، فكذلك البتراء خلقة، وأما ما قطع ذنبها فلا تجزئ.
ولكن الصحيح أنها تجزئ البتراء التي لا ذنب لها خلقةً أو مقطوعًا كالأذن تمامًا.
فأما مقطوع الأَلْية فإنه لا يجزئ؛ لأن الألية ذات قيمة ومرادة مقصودة، وعلى هذا، فالضأن إذا قطعت أليته لا يجزئ، والمعز إذا قطع ذنبه يجزئ.
الجزء: 1 - الصفحة: 4103
ولكن هنا إشكال؛ وهو أن بعض أهل الخبرة يقولون: إن قطع الألية من مصلحة البهيمة؛ لأن الشحم التي يتكدس في الألية إذا لم يكن لها ألية عاد إلى الظهر، وانتفعت البهيمة به مع الخفة؛ خفة البهيمة وعدم تعرضها للتعب؛ لأن بعض البهائم -الضأن تكبر أليتها كبيرة جدًّا حتى تنفعص -كما يقول أهل الخبرة- تدمر رجلاها من ثقل هذا الشحم، ولكن ظاهر كلام الفقهاء أنها لا تجزئ مطلقًا، أعني مقطوعة الألية، وبناءً عليه نسأل عن الأسترالي، الأسترالي تعرفونه ليس له ألية مقطوعة، هل يجزئ أو لا؟
طالب: يجزئ.
الشيخ: كيف يجزئ؟ قررنا الآن أن مقطوع الألية لا يجزئ.
طلبة: هذا خلقته.
الشيخ: لا، ما هو خلقه.
طالب: الذيل يا شيخ.
الشيخ: هذا هو الواقع، الواقع أن الأسترالي ليس له ألية، له ذيل كذيل البقرة، ليس به يعني شيء مراد فيشبه ما قاله الفقهاء من البتراء؛ أنها تجزئ خلقة كانت أو مقطوعة، وقد شاهدنا ذلك، شاهدناه من وجهين:
الوجه الأول: إنه أحيانًا يرد فيما يرد ما لم يُقطع ذيلها من الأستراليات، وأحيانًا يكون فيه أنثى أسترالية فينزو عليها الذكر من الضأن هنا، وتلد ولدًا ليس له ألية، وإنما له ذيل فقط، وهذا يدل على أنه ليس لها ألية خلقة، وإنما لها ذيل.
يقول: (والجماء) أيضًا تجزئ، الجماء: هي التي لم يخلق لها قرن، لكن أيهما أفضل ذات القرن أو الجماء؟
طالب: ذات قرن.
الشيخ: ذات القرن، ولهذا جاء في الحديث فيمن تقدم إلى الجمعة: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ» (6)، ولولا أن وصف القرَن مطلوب لكان الأقرن وغيره سواء.
قال: (والجماء) التي لم يُخلق لها قرن.
الجزء: 1 - الصفحة: 4104
(وخَصِيّ غير مجبوب)، الخصي: ما قُطعت خصيتاه فيجزئ مع أنه ناقص الخلقة، وحينئذٍ يُطلب الفرق بين الخصي وبين مقطوع الأذن، فإن مقطوع الأذن -كما عرفتم- على المذهب لا يجزئ، فلماذا أجزأ الخصي مع أن الخصيتين فيهما منافع كثيرة، وهو الإنجاب والفحولة في البهيمة، ولهذا تجد الفرق بين الفحل والخصي؟
قالوا: لأن ذهاب الخصيتين من مصلحة البهيمة؛ لأنه أطيب للحم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضحَّى بكبشين موجوءين (7) أي: مقطوعي الخصيتين.
فإن قُطع الذكر مع الخصيتين، فقد قال المؤلف رحمه الله: (غير مجبوب) خصي غير مجبوب؛ أي: غير مقطوع الذكر، وذلك أن قطع الذَّكَر لا يفيد في زيادة اللحم وطيبه، وهو قطع عضو فيشبه قطع الأذن.
والخصي بواحدة يجزئ أو لا؟
طلبة: يجزئ من باب أولى.
الشيخ: يجزئ من باب أولى، وعلى هذا فما قُطعت خصية واحدة منه أجزأ، وخصيتان أجزأ، ومع الذكر لا يُجزئ؛ لأنه قال: (خصي غير مجبوب).
فإذا قال قائل: هل يمكن أن تحيا البهيمة مع الخصاء؟
فالجواب: نعم، يمكن، وهذا كثير، لكن بشرط أن يكون المباشر لذلك من أهل الخبرة؛ لأنه قد يُباشر الخصاء من ليس من أهل الخبرة فتهلك البهيمة، لكن إذا كان من أهل الخبرة فإنها لا تموت، وسبحان الله هذا الأمر موجود من قبل أن تظهر وسائل الراحة الحديثة؛ كالبنج وشبهه، لكن بالتجارب، أما الآن فالأمر أسهل، يمكن أن تخصى البهيمة بدون أن تشعر بألم إطلاقًا.
قال: (وخصي غير مجبوب، وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف) ما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف فإنه يجزئ، لكن مع الكراهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابلة، أو مدابرة، أو شرقاء، أو خرقاء (4).
وقول المؤلف: (أقل من النصف) مفهوم كلامه أنه لو كان النصف فإنه لا يُجزئ.
الجزء: 1 - الصفحة: 4105
فإذا قال إنسان: أليس في كلامه تناقض؛ لأنه قال بالأول: (ولا العضباء) وهنا قال: (وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف)؟
فنقول: لا تناقض في كلامه؛ لأن العضباء في كلامه الأول؛ تعني: التي قطع منها النصف فأكثر -على كلام المؤلف- وما دون النصف فإنه مجزئ، ولكن المذهب لا يرون ذلك، يرون أن النصف مجزئ، وأن الذي لا يجزئ هو إذا ذهب أكثر الأذن وأكثر القرن.
لننظر الآن أي القولين أرجح؟ نقول: نحن رجحنا في الأول أن العضباء مجزئة، لكن على القول بأنها لا تجزئ، أيما أرجح قول من يقول: إن ما ذهب نصف قرنها أو نصف أذنها غير مجزئة، أو قول من قال: إنها مجزئة؟
نقول: ننظر للأصل، ما الأصل هل هو الإجزاء أو عدمه؟ الإجزاء، وما هو الحكم؟ هل هو للأغلب أو للأقل؟
طلبة: للأغلب.
الشيخ: للأغلب، فإذا كان أكثر الأذن موجودًا فإنه لا يمنع من الإجزاء، وإذا كان أكثر الأُذن معدومًا فإنه يمنع من الإجزاء، وهذا لا إشكال فيه.
بقينا إذا كان النصف ذاهبًا والنصف الثاني باقيًا، فهنا تعارض أمران؛ إن نظرنا إلى وصفها بالعضباء قلنا: لا يصح؛ لأنه لم يذهب أكثر الأذن أو القرن، وإن نظرنا إلى السلامة قلنا: لن تسلم؛ لأن السلامة لا بد أن يكون الأكثر هو السليم، فتعارض أصلان، لكن نقول: أحد الأصلين مؤيد بأصل، وهو أن الأصل الإجزاء حتى يقوم دليل على عدم الإجزاء، فيكون الصحيح خلاف ما ذهب إليه المؤلف في هذه المسألة.
وتبين الآن أن المؤلف -رحمه الله- خالف المذهب في مسألتين: المسألة الأولى: البتراء التي قُطع ذنبها، فالمذهب تجزئ، وعلى رأي المؤلف: لا تجزئ، المسألة الثانية: العضباء بالنصف على المذهب تجزئ، وعلى كلام المؤلف: لا تُجزئ.
(وما بأذنها أو قرنها قطع أقل من النصف) ثم قال: (والسنة نحر الإبل) وعلى كل حال الآن ينبغي أن نقسم العيوب إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما دلت السنة على عدم إجزائها، وهي أيش؟
طالب: أربعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4106
الشيخ: أربعة: العوراء البَيِّن عورها، والمريضة البَيِّن مرضها، والعرجاء البَيِّن ظلعها، والعجفاء التي لا تُنقِي.
هذه أربع منصوص على عدم إجزائها، ويُقاس عليها ما كان مثلها أو أوْلَى منها، أما ما كان مثلها فإنه يقاس عليها قياس مساواة، وأما ما كان أوْلى منها فيقاس عليها قياس أولوية.
القسم الثاني: ما ورد النهي عنه دون عدم الإجزاء؛ وهو ما في أذنه أو قرنه، بل ما في أذنه أخص ما يكون الأذن عيب من خرق، أو شق طولًا، أو شق عرضًا، أو قطع يسير دون النصف، هذه ورد النهي عنها في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن هذا النهي يُحمل على أيش؟
طلبة: الكراهة.
الشيخ: يُحمل على الكراهة لوجود الحديث الحاصر لعدم المجزئ بأربعة.
القسم الثالث: عيوب لم يرد النهي عنها، لكنها تنافي كمال السلامة، فهذه لا أثر لها، ولا تكره التضحية بها ولا تحرم، وإن كانت قد تُعد عند الناس عيبًا، مثل: العوراء التي عورها غير بَيِّن، ومثل مكسورة السِّن في غير الثنايا، وما أشبه ذلك، ومثل العرجاء عرجًا يسيرًا، كل هذه عيوب، لكنها لا تمنع الإجزاء، ولا تُوجب الكراهة لعدم وجود الدليل والأصل البراءة.
ولكن ما رأيكم فيما لو فُقدت جميع أسنانها العليا، أتجزئ أم لا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: جميع الأسنان العليا مفقودة، ما هو بس الثنايا فقط، ما تقول؟ الأخ سؤال خاص.
طالب: تجزئ مع الكراهة.
الشيخ: أقول: جميع أسنانها العليا مفقودة، طبعًا إلا الأضراس، لكن الثنايا والرباعيات كلها مفقودة، تجزئ؟ الثنايا من الأسفل لا تجزئ، ومن أعلى تجزئ؟ ما تقول؟
طالب: تجزئ.
الشيخ: لماذا تجزئ؟
الطالب: لأن طحن الطعام يكون أشد بالأسفل.
الشيخ: لأن طحن الطعام في الأسفل أكثر، الظاهر أن هذا تعليل عليل يعني!
طالب: ما لها أسنان.
الشيخ: ما لها أسنان، لها أضراس وليس لها.
الطالب: أسنان.
الشيخ: ولا أضراس.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: اللي فوق.
الطالب: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 4107
الشيخ: معروف أنها ما لها أضراس فوق.
طالب: لها أضراس بس ما لها ثنايا.
الشيخ: لها أضراس وليس لها ثنايا ولا رباعيات، وهذه مسألة يمكن يلغز بها، أما الأخ فعلَّل تعليلًا جيدًا لو كان مصيبًا، يقول: لأن طحن الطعام في الأسفل أقوى، لكن أصلًا ما لها شيء.
وأنا قد أجبت بجواب الأخ أنها لا تجزئ حينما سألنا شيخنا -رحمه الله- عبد الرحمن السعدي فقلت له: إنها لا تجزئ بناءً على أن ما سقطت ثناياه فإنه لا يجزئ، فقلت: لا فرق بين الثنايا العليا والسفلى، لكني أخطأت في أن لها ثنايا، لو كان لها ثنايا لكان لها فرق، لكن ليس لها ثنايا.
طالب: ما وضحت.
الشيخ: ما وضحت؟
الطالب: ما وضحت.
الشيخ: ليس لها أسنان، لها أضراس، وليس لها أسنان، كيف تقول: ما وضحت؟
الطالب: شيخ، تقول: أسنان والأضراس والثنايا، ما هي الأسنان، وما هي الأضراس، وما هي الثنايا؟
الشيخ: إي: قل ما تعرفه.
الطالب: الثنايا هي المقدمة.
الشيخ: السنتان المتجانبتان هذه ثنايا.
الطالب: في المقدمة هذه.
الشيخ: وما وراءها رباعيات، أربعة وأربعة، البهائم ما لها رباعيات؛ يعني بهيمة الأنعام؛ الإبل، والبقر، والغنم ما لها رباعيات، ولا لها ثنايا إلا من أسفل، أما من أعلى فلها أضراس، وكذلك من أسفل، الآن لو فريت فم البعير أو البقرة أو الضأن والمعز لم تجد ثنايا، ولا رباعيات فوق، لكن تجد في شفة البعير شقًّا في الشفة العليا، لماذا؟ لأنها تمسك الشجرة وتدخلها بهذا الشق، ثم تجلب الورق تسرد السرد في هذا الشق.
طالب: قلنا في تعليلنا عن عدم الإجزاء في مقطوعة اليد إنها مرغوبة، وأنها تطلب.
الشيخ: أنها أيش؟
الطالب: أنها مرغوبة في البهيمة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: قلنا: إن المذهب ما تجزئ، ذكرنا أن المذهب لا تجزئ.
الطالب: والراجح؟
الشيخ: والله أنا أتوقف فيها.
الجزء: 1 - الصفحة: 4108
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، ذكرتم أن الأصل الإجزاء؛ ولذلك كانت، فلما كان ذهب نصف أذنها أو أقل لما يعني كان الأصل الإجزاء، لما ما يقال مثلًا: أن الأصل في كل عيب يعني صغيرًا أو كبيرًا عدم الإجزاء؟
الشيخ: ما دام الرسول قال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ» (1)، وسئل: ماذا يتقى؟ قال: «أَرْبَعٌ» (8)، صار ما عدا ذلك؛ فالأصل فيه الإجزاء.
طالب: قلنا: يا شيخ الراجح في قطع الأذن ( ... )، والمجبوب لا يجزئه هذا، قطع الأذن يجزئ ( ... ) للحديث، والمجبوب ليس أيضًا، ولا يصلح.
الشيخ: المجبوب يقولون: لأن هذا قطع عضو مهم جدًّا؛ لأنه هو آلة التناسل، الذَّكَر آلة التناسل، فكان قطعه مؤثرًا في البهيمة بخلاف الأذن.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: صحيح، ما تجزئ، لكن يقال: إذا كانت العرجاء البين ضلعها، والمريضة، وما أشبه ذلك هذه من جنسها، أو العوراء البين عورها.
الطالب: يعني تقاس ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لا، هو ما ذكر في الحديث.
طالب: يحدث تناسل إذا كان مجبوبًا يحدث تناسق إذا كان في الخصي.
الشيخ: أحيانًا وهو نادر، لكن الخصى يفتر، ويقلل الرغبة في النكاح.
طالب: أحسن الله إليك، ذكرتم فيما سبق في أن الأضحية في الإبل أفضل؛ لأنها أكثر نفعًا للإنسان.
الشيخ: إذا أخرج كاملة.
الطالب: إذا أخرج كاملة، ما الجواب عن أضحية النبي عليه الصلاة والسلام بكبشين؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: النبي عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين (9) ولم يضحِّ بالإبل، أقول: ما الجواب عن هذا مع أننا في العقيقة قلنا: إن الشاة أفضل من الإبل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4109
الشيخ: لا، الفرق بينهما ظاهر؛ ضحى بكبشين النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يضحِّ ببعير، وهذه قضية عين، ما ندري ويش السبب، وأما العقيقة فقال: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ» (10)، نص على ذلك، على أن في النفس شيئًا في كون البعير أفضل من الشاة حتى في الأضحية، في الهدي ثبت أن الرسول أهدى إبلًا وأهدى غنمًا، والإبل أفضل يعني أنفع للفقراء، ولهذا أمر علي بن أبي طالب أن يتصدق بلحمها (11)، لكن في الأضحية متردد، يعني قد يكون الإنسان مترددًا في ذلك؛ لأن يحتمل أن الرسول ترك الأضحية بالبعير؛ يعني لعدم كثرة المال في يده، ولهذا مات ودرعه مرهونة (12)، ويحتمل أنه ترك ذلك تشريعًا للأمة، أما العقيقة فواضح لأنه أَمَر: عن الغلام شاتان.
طالب: ذكرنا أن من بها قطع يسير في الأذن تجزئ مع الكراهة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ما بها قطع يسير في الأذن أقل من النصف تجزئ مع الكراهة، وأن النهي للكراهة بدليل الحصر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ» (1)، وكنا ذكرنا قبل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يذكر الحصر، ولا يراد به حصر.
الشيخ: لا، هذا يُراد به الحصر؛ لأنه قال: سئل ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فقال: «أَرْبَعٌ».
طالب: بالنسبة في الإبل والبقر هذا يراعى فيه -يا شيخ- الذكر والأنثى؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: هل يراعى الذكر والأنثى يجب أن يكون الإبل ذكرًا، أو ماذا يسن فيه؟
الشيخ: قال العلماء: الأفضل في الأضحية، كلما كان أكبر وأسمن وأبهى وأحسن لونًا وجمالًا فهو أفضل ( ... ).
طالب: وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، ويذبح غيرها، ويجوز عكسها، ويقول: باسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، ويتولاها صاحبها أو يوكل مسلمًا ويشهدها.
الجزء: 1 - الصفحة: 4110
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تقدم لنا أن من شروط الأضاحي: أن تكون البهيمة سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء، وأن العيوب التي تمنع من الإجزاء هي التي جاءت في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وهي أربعة فقط، وما كان مثلها أو أولى منها فإنه يحكم له بحكمها، كالعمياء مثلًَا؛ فإنها أوْلى بعدم الإجزاء من العوراء، وكمقطوعة اليد أو الرجل فإنها أوْلى بعدم الإجزاء من العرجاء البَيِّن ظلعها، وكذلك العجفاء التي لا تُنقِي، وكذلك المريضة البين المرض، وما عدا ذلك فإنه إن كان عيبًا نُص على النهي عنه فهو مكروه، وإن كان فوات كمال فغيره أفضل منه، ولا كراهة فيه.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى)
هذه السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 36] وجبت يعني سقطت على الأرض، وتكون اليسرى هي المعقولة؛ لأن الذابح سوف يأتيها من الجهة اليمنى، وسيمسك الحربة بيده اليمنى، ولو عقلت اليد اليمنى لضربت الناحر بركبتها إذا أحست تضربه بركبتها، ويكون عليه خطر، لكن إذا كان المعقول هو اليسرى واليمنى قائمة فإنها لا تستطيع أن تتحرك باليد اليمنى، ولذلك نقول: يأتيها من الجانب الأيمن، وتكون اليد اليسرى معقولة، فإذا نحرها فهي سوف تسقط على أي الجنبين؟
طلبة: الأيسر.
الشيخ: على الجنب الأيسر الذي به اليد معقولة، هذا هو السنة، ولكن إذا كان الإنسان لا يستطيع ذلك كما هو المعروف عندنا الآن في بلادنا هذه لا يعرفون هذه الطريقة، ولو أنهم فعلوا هذه الطريقة ما استطاعوا، ولكنهم يبركونها ويعقلون يديها ورجليها، ويلوون رقبتها، ويشدونها بحبل على ظهرها، ثم ينحرونها.
الجزء: 1 - الصفحة: 4111
فنقول: إذا لم يستطع الإنسان أن يفعل السنة، وخاف على نفسه أو على البهيمة أن تموت حرجًا فإنه لا حرج أن يعقلها، وأن ينحرها باركةً.
فيقول المؤلف في كيفية النحر: (فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر).
(يطعنها بالحربة) يعني على سبيل التمثيل، وإلا بالحربة، بالسكين، بالسيف، بأي شيء، المهم أن ينهر الدم، يجرح وينهر الدم.
ويقول: (في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر) وهي قريبة أن تكون بين يديها، وهي معروفة، فإذا طعنها جرَّها من أجل أن يقطع الحلقوم والمريء، وفي هذه الحال ..
قال: (والسنة أن يذبح غيرها) أي: غير الإبل، والذبح يكون في أعلى الرقبة لا في أسفلها، والنحر يكون في أسفلها، ولهذا تموت الإبل أسرع من موت الضأن والماعز والبقر؛ وذلك لأن النحر قريب من القلب فيتفجر الدم من القلب بسرعة، ولو أنها ذُبحت الإبل من عند الرأس لكان يعني تتألم من الذبح؛ لأن الدم سيكون مجراه ما بين القلب إلى محل الذبح سيكون بعيدًا، فيتأخر موتها، فكان من الحكمة أن تنحر، ويخرج الدم بسرعة، ثم تموت بسرعة، أما غيرها فإنها تُذبح من عند الرأس.
(ويجوز عكسها) طيب (يذبح غيرها) يعني والسنة أن يذبح غيرها.
هنا نقول: يذبحُ أو يذبحَ؟
طلبة: يذبحَ.
الشيخ: يذبحَ، ليش؟
طالب: معطوفة.
الشيخ: على أيش؟
الطالب: ينحر.
الشيخ: ما فيها ينحر.
طالب: على ما يذبح.
الشيخ: ما عندنا نحر؟
الطالب: تكون ( ... ).
الشيخ: على النحر؟
الطالب: على نحر.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه ليس مستعملًا.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه مصدر، فإذا عُطف عليه الفعل المضارع فإنه ينصب بـ (أن) مضمرة ليكون عطف مصدر على مصدر.
(فالسنة نحر الإبل ويذبح غيرها)؛ يعني وذبح غيرها، ومنه:
وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
وتقرَّ عيني.
الجزء: 1 - الصفحة: 4112
إذن نقول في كلام المؤلف: (ويذبحَ غيرها) ويكون على الجنب الأيسر؛ لأنه أيسر للذابح؛ إذ إن الذابح سوف يذبح باليد اليمنى، فيضجعها على الجنب الأيسر، ثم يضع رجله على رقبتها، ثم يمسك برأسها، ويذبح، هذا هو السُّنة.
ولكن إذا كان الرجل لا يعمل باليد اليمنى، وهو الذي يسمى أعسر؛ فإنه يضجعها على الجنب الأيمن؛ لأن ذلك أسهل له، ثم إن الأفضل أن تبقى قوائمها مطلقة؛ يعني اليدين والرجلين الأفضل أن تبقى مطلقة، لا تقيد ولا يمسك بها؛ وذلك لوجهين:
الوجه الأول: أنه أريح للبهيمة؛ أن تكون طليقة تتحرك، والثاني: أنه أشد في إفراط الدم من البدن؛ لأنه مع الحركة يخرج الدم كله، ومعلوم أن تفريغ الدم أطيب للحم، ومن ثم صارت الميتة حرامًا؛ لأن الدم يحتقن بها فيفسد اللحم، وكلما تفرَّغ اللحم من الدم فهو أحسن وأكمل.
ويقول المؤلف: (ويقول: باسم الله) وجوبًا (والله أكبر) استحبابًا.
يقول: (باسم الله) وجوبًا؛ لأن من شرط حِلّ الذبيحة أو النحيرة التسمية، وأما (الله أكبر) فهي تُقال: استحبابًا، وكان أحد الخطباء يخطب يوم العيد ويقول: السُّنة أن يقول عند الذبح باسم الله وجوبًا، والله أكبر استحبابًا، فذهب العامة، وصار الواحد منهم إذا ذبح يقول: باسم الله وجوبًا، والله أكبر استحبابًا، ظن أن هذا هو المشروع، ولهذا ينبغي للخطيب أن يكون عنده انتباه؛ لأن العامة ليسوا كطلبة العلم، يقول: باسم الله والله أكبر، أما باسم الله فواجبة، وأما الله أكبر فمستحبة حتى لا يختلط الأمر على الناس.
الجزء: 1 - الصفحة: 4113
يقول: (باسم الله) وجوبًا، والتسمية على الذبيحة شرْط من شروط صحة التذكية، ولا تسقط لا عمدًا ولا سهوًا ولا جهلًا، وذلك؛ لأنها من الشروط، والشروط لا تسقط عمدًا ولا سهوًا ولا جهلًا؛ ولأن الله قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، فقال: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ولم يُقيِّد ذلك بما إذا ترك اسم الله عليه عمدًا.
وهنا يلتبس على بعض الناس فيقول: أليس الله قد قال: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]؟ فنقول: بلى، قال الله ذلك، وعلى العين والرأس، ولكن هنا فعلان: الفعل الأول: فعل الذابِح، والثاني: فعل الأكل، وكل واحدٍ منهما يتميز عن الآخر، ولا يلحق هذا حكم هذا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن سألوه عن قوم حديثي عهد بكفر يأتون باللحم ولا يُدرى أُذكر اسم الله عليه أم لا، قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» (13). لأن الإنسان مطالب بتصحيح فعله لا بتصحيح فعل غيره، فإن الفعل إذا وقع من أهله فالأصل السلامة والصحة.
نقول: على العين والرأس ﴿لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
فإذا أكلنا نسيانًا أو جهلًا، فليس علينا شيء ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، لكن عمدًا ونحن نعرف أن هذه الذبيحة لم يُسمَّ عليها لا يجوز.
بقينا في فعل الذابح، إذا نسي التسمية، فقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
فإذا قال قائل: كيف تؤاخذونه وقد نسي؟
قلنا: لا نؤاخذه، نقول: الآن ليس عليك إثم في عدم التسمية، ولو تعمدت ترْك التسمية لكنت آثمًا لما في ذلك من إضاعة المال وإفساده، أما الآن فلا شيء عليك؛ لأنك ناسٍ.
ويظهر ذلك بالمثال الْمُناظِر تمامًا لهذا، أو النظير لهذا تمامًا، لو صلى الإنسان وهو محدِث ناسيًا، فهل عليه إثم؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4114
طلبة: لا، ليس عليه.
الشيخ: وصلاته؟
الطلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، يجب أن تعاد؛ لأن الطهارة من الحدث شرط، وإذا كان من الحدث شرط، فإنها لا تسقط بالنسيان، ولكن يُعذر الفاعل بعدم الإثم، وهذا واضح.
وهذه المسألة -أعني التسمية على الذبيحة أو على الصيد- اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من يرى أن التسمية لا تجب لا على الصيد ولا على الذبيحة، وإنما هي سنة، واستدلوا بحديث موضوع: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا» (14) وهذا حديث لا يصح.
وقال بعض العلماء: التسمية واجبة، وتسقط بالنسيان والجهل في الذبيحة والصيد؛ هذان قولان.
والقول الثالث: التسمية شرْط في الذبيحة والصيد، وتسقط سهوًا في الذبيحة، ولا تسقط في الصيد، وهذا هو المشهور عند فقهاء الحنابلة؛ أنه إذا ترك التسمية في الصيد ولو سهوًا فالصيد حرام، وإن ترك التسمية سهوًا في الذبيحة فهي حلال، أيش الدليل؟
قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعدي بن حاتم وأبي ثعلبة الخشني، قال في إرسال السهم: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (15) فجعل لحل الأكل شرطين: القصد، وهو إرسال السهم، والثاني: التسمية، فنقول: وقد قال أيضًا في الذبيحة: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» (16). فاشترط شرطين: إنهار الدم، والثاني: التسمية، ولا فرق.
ثم نقول: إذا كنا نعذره بالنسيان على الذبيحة، فعلى الصيد من باب أوْلى؛ لأن الصيد يأتي بغتة، ويأتي بعجلة وسرعة، وأهل الصيود يذهلون إذا رأوا الصيد، يذهل حتى إنه أحيانًا يركب وراه ربما يسقط في حفرة أو يضربه يعني نخلة أو شجرة، وهو لا يشعر يمشي وكأنه يعني سكران من شدة شفقته على الصيد، مثل هذا أحق بالعُذر من إنسان أتى بالبهيمة بتأنٍّ، وأضجعها ونسي أن يقول: باسم الله.
الجزء: 1 - الصفحة: 4115
القول الرابع: أن التسمية شرط في الذبيحة، وفي الصيد، ولا تسقط بالنسيان والجهل، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الذي تدل عليه الأدلة.
فإن قال قائل: أرأيتم لو نسي أن يسمي على بعير قيمتها خمسة آلاف ريال، وقلنا: لا تحل، كم ضاع عليه؟
الطلبة: خمسة آلاف.
الشيخ: نعم، خمسة آلاف ريال، وهذا من جملة ما يقدر عن الإنسان أن يضيع عليه.
فإن قال قائل: وبهذا تتلفون أموال الناس؟
قلنا: هذا التقدير كقول من قال: إذا قطعتم يد السارق أصبح نصف الشعب أشل ما عنده يد، مع أننا إذا قطعنا يد السارق قَلَّت السرقة، لم يسرق أحد، كذلك إذا قلنا لهذا الرجل الذي نسي أن يسمي على الذبيحة: ذبيحتك حرام، إذا جاء يذبح مرة ثانية يمكن يسمي عشر مرات، ما ينسى أبدًا؛ لأنه قد اكتوى بنار النسيان، فلن ينسى أبدًا، وبهذا نحمي هذه الشعيرة، وأنه لا بد من ذِكر اسم الله على المذبوح.
بقي علينا لا بأس أن نعرض لشروط الذكاة.
الذكاة من شرطها التسمية، التسمية متى؟ عند إرادة الفعل التسمية، وليس عند شحذ الشفرة -يعني السكين- وليس عند وضع السهم في القوس، وليس عند وضع السطن في البندق، لا، عند الفعل ولهذا جاءت (على) ﴿اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4] إشارة إلى أن هذا الفعل هو الذي لا بد أن تكون التسمية عليه.
الثاني: إنهار الدم؛ يعني تفجيره حتى يكون كالنهر؛ يعني يندفع بشدة، وهذا لا يتحقق إلا بقطع الودجين، وهو الذي يعرف عند الناس بأيش؟ بالشرايين أو بالشريان، بعضهم يسميها الأوراد، أوراد الشاة، وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم، معروفان، لا يمكن إنهار تام إلا بهذا، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ» (16)، ولم يتعرض لذكر الحلقوم والمريء.
الجزء: 1 - الصفحة: 4116
ولهذا كانالقول الصحيح أنه إذا قطع الودجان حلَّت الذبيحة، وإن لم يقطع الحلقوم والمريء؛ لأنه لا دليل على اشتراط قطع الحلقوم والمريء، بينما قطع الودجين فيه، الدليل: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»، وفي حديث أخرجه أبو داود لكن في سنده مقال أن الرسول نهى عن شريطة الشيطان (17)، وهي التي تُذبح ولا تُفرى أوداجها، وهذا نص في الموضوع.
وفي الرقبة أربعة أشياء إذا قُطعت كلها، فهذا تمام الذبح؛ الودجان، والحلقوم: وهو مجرى النفس، والمريء: وهو مجرى الطعام والشراب؛ الحلقوم: مجرى النفس، ولهذا يكون دائمًا مفتوحًا لتسهيل النفس، وجعله الله عز وجل عظامًا لينة لتسهل الحركة؛ حركة الرقبة، وجعلها سبحانه وتعالى أشقطة مثل: الياي، كذلك لتسهل، ولهذا ترفع رأسك وتنزله، ولا تجد كلفًا، هذا الحلقوم هو مجرى النفس.
المريء: مِن ورائه؛ يعني بينه وبين الرقبة، هذا مجرى الطعام والشراب، وليس كالحلقوم مفتوحًا، بل إن استأذن أحد فتح الباب له، وإن لم يستأذن فالباب مغلق، هذا المريء.
قطْع الأربعة، هذا هو الأكمل، فإن قطع واحدًا لم يُجزئه، وإن قطع اثنين الحلقوم، والمريء أجزأ على ما ذهب إليه الفقهاء والحنابلة -رحمهم الله- قالوا: يُجزئ إذا قطع الحلقوم والمريء، وإن لم يقطع الودجين ولا واحدًا منهما يجزئ، ومن المعلوم أنه لو قطع الحلقوم والمرئ ولم يقطع الودجين فإن الدم سوف يكون باقيًا ما يخرج؛ لأن الدم اللي يخرج من الحلقوم والمريء سيكون ضعيفًا جدًّا كما يخرج من أي عرق يكون في اليد أو في الرجل أو ما أشبه ذلك.
والقول الثالث: لا بد من قطع ثلاثة من أربعة.
والقول الرابع: لا بد من قطع الودجين، هما أهم شيء، وهذا القول هو الذي تدل عليه الأدلة.
لا بد أيضًا أن يكون الذابح عاقلًا، فإن كان مجنونًا فإنه لا تصح تذكيته، ولو سمى؛ لأنه لا قصد له، ليس له قصد.
الجزء: 1 - الصفحة: 4117
ومن شروطها: أن يكون مسلمًا أو كتابيًّا، المسلم ظاهر، والكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5]، قال ابن عباس رضي الله عنهما طعامهم: ذبائحهم (18)، وهذا متواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يأكل مما ذبحه اليهود.
واختلف العلماء: هل يشترط في هذا أن يكون كذبح المسلمين؟ أو نقول: ما عدوه ذبحًا وتذكية فهو ذكاة، وإن لم يكن على طريق المسلمين؟
في هذا قولان؛ أحدهما -وهو قول الجمهور-: أنه لا بد أن ينهر الدم -أعني ذبح الكتابي- كما أنه لا بد أن ينهر الدم في ذبح المسلم، وهذا قول جمهور العلماء.
وذهب بعض العلماء -وهو وجه في مذهب مالك- إلى أن ما عدوه ذكاة فهو ذكاة، وإن كان بالخنق؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وهذا طعامٌ عندهم فيكون حلالًا.
ولكنا نقول: في الرد على هذا كلمة ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مطلق يقيد بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» (16). فإذا كان إنهار الدم شرطًا في ذبيحة المسلم، وهو خير من اليهودي والنصراني فكونه شرطًا في ذبيحة اليهودي والنصراني من باب أوْلى، وهذا هو الحق.
ولكن هل يجب علينا أن نعلم أن الكتابي ذبحه على هذا الوجه؟ لا، لا يُشترط.
هل يجب أن نعلم أنه سمَّى عليه؟ لا، والدليل على هذا ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قومًا سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم الله؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا».
قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر (13)، وحديث العهد بالكفر يُشك في كونه يسمي؛ لأنه لم يعرف أحكام الاسلام، ومع ذلك قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا».
سموا على الذبح ولا على الأكل؟
طلبة: على الأكل.
الجزء: 1 - الصفحة: 4118
الشيخ: أو على الذبح؟ الذبح لا يمكن، انتهى كأنه قال: الإنسان لا يُسأل إلا عن فعل نفسه، وفعلكم أنتم هو الأكل؛ فسمُّوا عليه، أما فعل غيركم، فليس عليكم منه شيء.
وقد ترجم المجد بن تيمية -رحمه الله- على هذا الحديث بأن الفعل إذا صدر من أهله فالأصل فيه الصحة والسلامة، ولو أننا كُلفنا أن نبحث عن كيفية الذبح، وهل سمى الذابح أم لا؟ للحقنا في ذلك حرج شديد لا يحتمل حتى المسلم يمكن أنه لم يسمِّ، حتى المسلم يمكن أنه خنق، كل شيء محتمل، لكن الأصل في الفعل الواقع من أهله أنه على السلامة، وبهذا يستريح الإنسان، ويَسلم من القلق الذي يحصل فيما لو ذبح الكتابي اليهودي أو النصراني ذبيحة وأهدى له، نقول: الحمد لله على التيسير ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.
وقد أخبرني بعض الإخوة اللي في أمريكا أنهم الآن رجعوا إلى الشرط الاسلامي؛ وهو إنهار الدم، لكن كيف؟ يقول: إنهم يشقون الودج، ثم يدخلون آلة مع الودج الثاني، وينفخونها بشدة من أجل أن يخرج الدم مندفعًا بشدة من الودج الأول الذي فروه؛ يعني أنهم أشد منا، يتعجلون أن يخرج الدم؛ لأنه إذا جاءه ما يدفعه من أحد الودجين اندفع من الآخر، لكن نحن -ولله الحمد- لا يكلفنا الله عز وجل مثل هذا، ذبحنا يسير، أمر السكين على الودجين وهذا كافٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 4119
ومن الشروط أيضًا -شروط الذكاة-: ألا يكون الحيوان محرمًا لحق الله، كالصيد في الحرم، أو الصيد في الإحرام، فلو ذبح الإنسان صيدًا، أو صاد صيدًا في الحرم فإنه حرام حتى لو سمى وأنهر الدم؛ لأنه محرمٌ لحق الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للصعب بن جثامة قال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (19)، وهذا يتبين بالتعبير القرآني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]، ولم يقل: لا تصيدوا الصيد، فدل هذا على أن صيد الصيد والإنسان مُحرِم، ويش يعتبر؟ يعتبر قتلًا لا صيدًا، والقتل لا تحل به المقتولة.
فإن كان مُحرَّمًا لحق الغير كالمغصوب مثلًا، فهل يكون كالمحرَّم لحق الله ويحرم أو لا يحرم؟
الصحيح أنه لا يحرم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله، وفرقوا بينهما بأن الغير حقه يمكن ضمانه، ويمكن إرضاؤه، ويمكن أن يسمح بخلاف حق الله عز وجل، هكذا فرقوا بينهما.
وفيه وجه آخر أو رواية أخرى في المذهب: على أن المحرَّم لحق الغير كالمحرم لحق الله، لا تصح تذكيته، فلو رأينا مثلًا من بعد التعديل والتوجيه أن نقول لمن غصب شاة وذبحها: إن الشاة لا يحل لك أكلها ولا غيرك، وعليك ضمانها، لو رأينا أن هذا من باب التعذير لحرمانه هذا المال الذي تعجله على وجه محرم لكان هذا متوجهًا.
هل يشترط أن يكون الذبح في وقت يحل فيه الذبح بالنسبة للأضاحي؟
طلبة: لا يشترط.
الشيخ: تأنوا.
طالب: ما تكون فيه ( ... ).
الشيخ: لا، هو لا يشترط لحل الذبيحة، لكن اللي يشترط لوقوعها أضحية أما لحل الذبيحة فتحل، ولو كانت كذلك.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف يقول: (باسم الله) وجوبًا (والله أكبر) استحبابًا.
لو قال باسم الرحمن، باسم فاطر السماوات والأرض، باسم الخلاق العليم، هل يقوم مقام باسم الله؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4120
قال بعض أهل العلم: يقوم إذا أضاف الاسم إلى ما لا يصح إلا لله، فهو كما لو أضافه إلى لفظ الجلالة، ولا فرق؛ لأنه يصدق عليه أنه ذكر اسم الله، لو قال: باسم الرؤوف الرحيم، يجزئ أو لا؟
طلبة: لا يُجزئ.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه ( ... ).
الشيخ: لأن هذا الوصف يصدق لغير الله، قال الله تعالى في وصف النبي: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، لو قال: باسمك اللَّهُم أذبح هذه الذبيحة، يجزئ ولَّا لا؟ يجزئ نعم؛ لأن هذا مثل قوله: باسم الله.
لم يذكر المؤلف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ( ... ).
طالب: لكن من المعروف الآن يا شيخ أن النصارى -لعنهم الله- لا يذكرون اسم الله، بل يذكرون اسم غير الله، يقولون باسم الصليب القوي أو باسم الآب، فهل يعني ( ... )؟
الشيخ: لا، الأصل يحل حتى نعلم أنهم ذكروا اسم غير الله.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لو ذكر قال: باسم الرؤوف الرحيم، لكن نيته الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: نعم، فالأعمال بالنيات، لكن ذِكر الرأفة والرحمة هنا لا تناسب، ولهذا قالوا: لا ينبغي أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم في هذا المقام.
هل يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام؟
طالب: لا، بدعة.
الشيخ: لا يصلي على النبي، أولًا: لأنه لم يرد، والتعبد لله بما لم يرد بدعة، والثاني: أنه قد يتخذ وسيلة فيما بعد إلى أن يذكر اسم الرسول على الذبيحة؛ فلهذا كره العلماء أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم على الذبيحة.
طالب: هل يمكن أكل الذبيحة التي تصعق أولًا بالكهرباء، ثم تذبح؟ هذا يعني نحن نقصد إذا لا يشترون بعض الناس لا يستطيعون أن يكون عندهم لحم، لا يستطيع أن يشتري لحمًا من السوق مثلًا، ماذا يمكن أن نفعل؟
الشيخ: فهمتم السؤال؟ يقول: لو كانت تصعق البهيمة أولًا، ثم تنحر، أوتذبح ثانيًا، هل يجزئ أو لا؟
الطالب: يصعق بالكهرباء؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4121
الشيخ: نعم، بالكهرباء، إذا أدركها وفيها حياة حلَّت، وعلامة الحياة أنه إذا ذبح انبعث منها الدم، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ في النهاية ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].
ويقولُ " باسمِ اللهِ واللهُ أَكْبَرُ، اللهمَّ هذا منكَ ولكَ " يَتَوَلَّاهَا صاحبُها أو يُوَكِّلُ مُسْلِمًا ويَشْهَدُها، ووَقْتُ الذبحِ بعدَ صلاةِ العيدِ أو قَدْرُه إلى يومينِ بعدَه، ويُكْرَهُ في ليلتِهما، فإنْ فاتَ قَضَى واجِبَه.
(فصلٌ) ويَتَعَيَّنَانِ بقَولِه: " هذا هَدْيٌ أو أُضْحِيَةٌ " لا بالنِّيَّةِ، وإذا تَعَيَّنَتْ لم يَجُزْ بَيْعُها ولا هِبَتُها إلا أن يُبْدِلَها بِخَيْرٍ منها، ويَجُزُّ صُوفَها ونحوَه إن كان أَنْفَعَ لها ويَتَصَدَّقُ به، ولا يُعْطِي جَازِرَها أُجْرَتَه منها، ولا يَبيعُ جِلْدَها ولا شيئًا منها بل يَنْتَفِعُ به، وإن تَعَيَّبَت ذَبَحَها وأَجْزَأَتْه إلا أن تكونَ واجبةً في ذِمَّتِه قبلَ التعيينِ.
و(الْأُضْحِيَةُ) سُنَّةٌ، وذَبْحُها أَفضلُ من الصدَقَةِ بثَمَنِها، وسُنَّ أن يَأْكُلَ ويُهْدِيَ ويَتَصَدَّقَ أَثلاثًا
الشيخ: يقول: لو كانت تُصْعَق البهيمة أولًا، ثم تُنْحَر أو تُذْبَح ثانيًا هل يجزئ أو لا؟
طالب: تُصْعَق بالكهرباء؟
الشيخ: نعم بالكهرباء، إذا أدركها وفيها حياة حَلَّت.
الجزء: 1 - الصفحة: 4122
وعلامة الحياة أنه إذا ذبح انبعث منها الدم؛ ودليل هذا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ في النهاية ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] وهذه كالمنخنقة تمامًا؛ فإذا ذُكِّيَت وفيها حياة حَلَّت، لكن هل يشترط أن ترفس برجلها أو يدها أو تمصع بذنبها أو لا يُشْتَرط؟
قال بعض العلماء: يشترط؛ لأننا لا نعلم حياتها إلا بذلك، ولكن الصحيح ما اختاره شيخ الإسلام في هذه المسألة أنه لا يشترط إلا أن يخرج الدم الأحمر المعروف الذي يجري بخلاف الدم الأسود الذي يَخْرُج من الميتة فهذا لا عبرة به.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- إذا رأيتُ شخصًا يذبح ذبيحة في مسمط مثلًا، إذا رأيته لم يسمِّ؟
الشيخ: رأيته لم يسم؟ !
الطالب: ما سمعته يسمي.
الشيخ: ما سمعته، وهل من شرط التسمية الإسماع؟
الطالب: لا، يا شيخ، بس كنت بجواره.
الشيخ: إي، ولو كان، ما هو شرط.
الطالب: كيف ما يسمي؟
الشيخ: نعم، ما هو شرط، لكن لو أنه لم يسمِّ فسميت أنت بدلًا عنه هل يجزئ وأنت صاحب البهيمة؟
الطالب: لا ما يجزيه.
الشيخ: ما يجزيه.
طلبة: ما يجزيه.
الشيخ: ما هو أنت صاحب البهيمة؟ ! وهذا الجزار لا يعرف فلما أَمَرَّ السكين وانفجر الدم قلت أنت: بسم الله.
طلبة: ما يجزيه.
الشيخ: صحيح، لا يجزيه؛ لأنه لا بد أن تكون التسمية من الذابح.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- ذكر صاحب المبدع رواية عن الإمام أحمد بأن الإبل لو ذبحت فإنه يوقف فيها.
الشيخ: نعم.
الطالب: رأيكم؟ أحسن الله إليكم.
الشيخ: لا، رَأْيُنا أنها تحل.
الطالب: تحل.
الشيخ: كما قال المؤلف: (يجوز عكسها)؛ لعموم قوله: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» (1).
الجزء: 1 - الصفحة: 4123
طالب: شيخ، إذا كان الغالب فيمن يتولى الذبح لا يُصَلِّي، وأهل البلد يقولون بأن ترك الصلاة ليس بكفر؛ فالإنسان يأكل أم .. ؟
الشيخ: يأكل؛ لأن مسائل الاجتهاد ما يُنْكَر فيها، والعامة على دين علمائهم؛ ولهذا لو أن إنسانًا أكل لحم إبل أمام أعيننا، ونحن نرى أنه ينقض الوضوء فقام هذا الرجل وصلى بنا فإننا نصلي خلفه، ولا نقول: والله هذا صلاته باطلة لأن صلاته في نظرنا باطلة، لكن صلاته في نظره صحيحة.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- مسألة الصلاة المحرمة في البيت المغصوب على المذهب أنها تصح فكيف هم يقولون في مسألة إن صلى في أرض مغصوبة: فصلاته لا تصح، ومن توضأ في إناء من ذهب أو من فضة فإنها تصح؟ فهنا يتناقض مع هذه القاعدة التي ( ... ).
الشيخ: لا، هذه ربما يفرض بأن أصل الفعل إذا سمح فيه صاحبه فإنه يجوز، لكن لو قالوا: هذا ما ينفكون عن الإيراد، الإيراد الذي ذكرت وارد.
الطالب: لو كان صاحب الأرض المغصوبة رضي، على قول المذهب هل .. ؟
الشيخ: ما يصح إلا بعد أن يأذن.
الطالب: لو أذن نفسه.
الشيخ: لو أذن بعد ذلك ما يصح، لا بد أن يعيد الصلاة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: وهنا يكون صحيح أصلًا صحيح.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هل ذكرنا أنه يشترط أن يكون باليد اليمنى؟
الطالب: لا، ( ... ).
الشيخ: قلنا: إذا كان الإنسان لا يعرف إلا باليد اليسرى فليضجعها على الجنب الأيمن.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ذكرت أنا هذا؛ قلت: إذا كان الإنسان أعسر ما يعمل باليد اليمنى فإنه يضجعها على الجنب الأيمن لأنه أسهل له.
طالب: عفا الله عنكم، يا شيخ، ذكرتم أنه نحن غير مطالبين بأن نسأل هل سَمَّى أو لا، أو حتى هل ذبح أو لا؛ لأن الأصل الحل .. ؟
الشيخ: لأن الأصل أن الفعل الصادر من أهله صادر على وجه الصحة.
الطالب: فلو أن إنسانًا اجتهد من عنده، وذهب وتحرى وسافر وأتى بالخبر اليقين بأنها ما ذبحت، فهل نحن ملزمون بقوله؟
الشيخ: بأنها ما ذبحت، ويش لونه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4124
الطالب: بأنهم لا يُسَمُّون، وأنها تُقْتَل، وأتى باليقين وأتى بالبراهين.
الشيخ: إي، ما يخالف إذا شهد على هذه بعينها فإنها لا تحل.
الطالب: مثلًا، لو ذهب إلى هذه الشركة المعينة للدجاج؛ قال: هذه الشركة أنا ذهبت إليها ورأيت أنهم يصعقونها، تُدْخَل في ماء ويُدْخَل الكهرباء في الماء ويموت، فهل نحن ملزمون به ولَّا نقول: نحن الأصل الحل؟
الشيخ: لا، هذا عبث، ثبت عندنا أنها بطريقة محرمة، لكن لسنا مُلْزَمين بأن نسأل، والسؤال في هذا من باب التنطع والتشديد على الناس، لكن إذا علمنا أن هذه الدجاجة أو هذه الشاة بعينها لم تُذْبَح ذبحًا شرعيًّا فهي حرام ما فيها شك.
طالب: شيخ، قلنا: إن الذبح الأكبر هو قطع الأربعة، وقلنا: إن القول الذي يقول بأن قطع الودجين هو الأسهل في الدليل، ولكن إذا قطع ودجًا واحدًا من الودجين يسقط عليه ( ... )، فهل نقول بصحة ذبحه؟
الشيخ: هذه ( ... ) يرى بعض العلماء إذا قطع ودجًا واحدًا مع الحلقوم والمريء حلت، لكن قول رسول الله: «تُفْرَى الْأَوْدَاجُ» (2)
يدل على وجوب فريها كلها، ثم إنه أيضًا إذا قطع أحد الودجين ما يحصل إنهار الدم الكامل فيما إذا قطع الودج الثاني.
الطالب: السؤال عن الحل يا شيخ؛ لو قطع ودجًا واحدًا؟
الشيخ: ما تحل.
الطالب: ما تحل؟
الشيخ: ما تحل.
الطالب: حديث أبي داود ( ... ).
الشيخ: إي ما يخالف، لكن ما أنهر الدم، نقول: لا يمكن إنهار الدم على وجه الكمال إلا بهذا.
طالب: هناك بعض النصارى يهدون إلى الناس من اللحم، وهم يُسَمُّون باسم المسيح والشيء الثاني أنهم لا ( ... )، وإنا نعلم هذا، نأكله أو لا؟
الشيخ: لا، لا تأكل إذا علمت أنه لم يذكر اسم الله عليها لا تأكل سواء ذكروا اسم المسيح أو ذكروا اسم المسيح مع اسم الله أو لم يذكروا شيئًا.
الطالب: طيب، إن هم ذبحوا وهم نصارى، وذبحوا بسم الله، وقالوا: بسم الله.
الجزء: 1 - الصفحة: 4125
الشيخ: لكن شوف، لاحظ إنه لا بد تشهد أن هذه الذبيحة بعينها سموا عليها اسم المسيح أو لم يسموا الله عليها.
الطالب: يسموا اسم المسيح أقول.
الشيخ: تشهد أن الشاة هذه ما ..
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا تأكل، حرام عليك.
الطالب: وإذا سموا للمسلمين يقولون: إذا ذبحنا للمسلم نقول: بسم الله.
الشيخ: تحل.
الطالب: بارك الله فيك، أما تكون هذه شبهة؟
الشيخ: وهي؟
طالب: يعني: أتى بعض الناس كما قال الأخ -جزاه الله خير- أن هناك تصعق بالكهرباء، والبعض يقول: لا يُذْكر اسم الله عليها وأتوا وهم شهود عيان، رأوا هذا الأمر، أصبح لنا يلتبس الأمر؛ يعني أصبح فيه شبهة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» (3). فما رأيكم؟
الشيخ: الذين كانوا حديثي عهدٍ بالكفر وأتوا لنا بلحم ذبحوه، هل فيه شبهة؟
الطالب: كانوا حديثي عهد بالكفر، وأسلموا؟
الشيخ: أسلموا.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي لكن ..
الطالب: هؤلاء غير مسلمين.
الشيخ: أنا فاهم.
الطالب: نعم.
الشيخ: لكن هؤلاء كالمسلمين في حل الذبيحة، كلهم تحل ذبيحته، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يكلف نفسه بالسؤال، سَمِّ الله وكُل.
الطالب: يعني: آكل يا شيخ كل .. ؟
الشيخ: أبدًا، كل.
الطالب: كل اللحوم اللي في السوق.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: حتى المعلبة.
الشيخ: حتى المعلبات؛ لأنهم لا يأتون بالشيء إلا وهم عارفون أن الأمة الإسلامية ما تأكل إلا ما ذبح، وحتى نذكر أن وكلاء وزارة التجارة حضروا إلى مجلس هيئة كبار العلماء وناقشهم المجلس وقالوا: أبدًا ما يمكن، وفيه مراقبين لنا، ما يمكن يأتي شيء إلا مذبوح على الطريقة الإسلامية.
طالب: شيخ -جزاك الله خيرًا- إحنا ( ... ) لو إنسان سمى فذبح بهيمة، ولم يقطع الودجين ثم أتى آخر وأكمل الذبح؟
الشيخ: ما تحل.
الطالب: ولكننا نبتدأ الذبح.
الجزء: 1 - الصفحة: 4126
الشيخ: إي، لكن الثاني ما سمى.
الطالب: هو كان ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: ما سمى.
الطالب: يعني المعتبر بالذبح قطع ..
الشيخ: المعتبر قطع الودجين بالتسمية من الفاعل.
الطالب: ولو سمى.
الشيخ: ما يصح من اللي سمى الثاني؟
الطالب: إي.
الشيخ: الثاني لو سمى وأدرك الحياة يجزي.
الطالب: حتى لو لم يسمِّ الأول.
الشيخ: إي نعم، كل ما أصابه سبب الموت خليها عندك قاعدة كل ما أصابه سبب الموت وأدركته حيًّا فإنه يجوز ( ... )؛ لقوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، ويتولاها صاحبها أو يوكَِّل مسلمًا ويشهدها، ووقت الذبح بعد صلاة العيد، أو قدْره إلى يومين بعده ويكره في ليلتيهما، فإن فات قضى واجبه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل ذبح ناقته ذبحًا ولم ينحرها نحرًا، فما الحكم؟
طالب: جائز، إذا تعسر عليه النحر.
الشيخ: لا لم يتعسر عليه، سهل.
الطالب: لكن إذا حصل المقصود من الذبح أو النحر جاز.
الشيخ: سؤال رجل ذبح بعيره ذبحًا ولم ينحرها نحرًا، فما الجواب هل تحل أو لا؟
الطالب: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ».
الشيخ: سؤال؛ هل تجزئ أو لا؟ قبل أن تستدل.
الطالب: تجزئ.
الشيخ: تجزئ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: تمام، ما الدليل؟
الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا».
الشيخ: أحسنت، تمام، رجل نحر شاةً؟
طالب: جائزة.
الشيخ: تحل؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الدليل.
الطالب: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا».
الجزء: 1 - الصفحة: 4127
الشيخ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» تمام.
حكم التسمية على الذبيحة والنحيرة؟
طالب: واجبة ولا تسقط بالنسيان.
الشيخ: واجبة ولَّا شرط؟
الطالب: شرط لأيش؟
الشيخ: شرط للحل.
الطالب: شرط للحل.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أن «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلُوا».
الشيخ: تمام.
طالب: وإذا لم يذكر ( ... ).
الشيخ: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» فدل على أن ما لم ينهر الدم أو ما لم يذكر اسم الله عليه لا يؤكل، فإذا كان لو قتل خنقًا لا يحل ولو جهلًا أو نسيانًا، فكذلك متروك التسمية، طيب ومن القرآن؟
طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121].
الشيخ: نعم، قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 118]
هل التكبير سُنَّة على الذبح والنحر؟
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185].
الشيخ: هذه في عيد الفطر، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ في عيد الفطر،
الطالب: ورد الحديث عند البزار رضي الله عنه.
الشيخ: حديث أنس.
الطالب: قال في حديث عند البزار، أخرجه البزار ( ... ) الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح الذبيحة قال: بسم الله، ثم كبر، قال: الله أكبر.
الشيخ: إي، حديث أنس في الصحيحين: أنه «سَمَّى وَكَبَّرَ» (4)، طيب التكبير واجب أو سنة؟
الطالب: التكبير سنة.
الشيخ: ما هو الدليل؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا».
الجزء: 1 - الصفحة: 4128
الشيخ: قوله: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» ولم يقل: وكبر الله عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقول) أيضًا: (اللهم هذا منك ولك).
قال: (ويقول): (اللهم هذا منك ولك) (هذا) المشار إليه المذبوح أو المنحور، (منك) عطاءً ورزقًا، (ولك) تعبدًا وشرعًا؛ فهو من الله، هو الذي منَّ به، وهو الذي أمرنا أن نتعبد له بنحره أو ذبحه فيكون الفضل لله تعالى قدرًا والفضل لله تعالى شرعًا، إذ لولا أن الله تعالى شرع لنا أن نتقرب إليه بذبح هذا الحيوان أو نحره لكان ذبحه أو نحره بدعة.
ولهذا نقول: إن الله أنعم علينا بنعمتين: نعمة قدرية ونعمة شرعية؛ أما القدرية فكونه يَسَّرَه لنا وذلله لنا حتى إن الرجل يقود هذه البعيرة الكبيرة ليذبحها لينحرها وتنقاد له، قال الله تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 72] ولك إخلاصًا وتعبدًا فيكون الإنسان في هذا الحال متذكرًا لنعمة الله تعالى متقربًا إليه بالتعبد له.
وفي هذه الحال ينبغي أيضًا أن يقول: اللهم تقبل مني، اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، وتكون تسمية المضحي له عند الذبح.
وأما ما يفعله بعض العامة عندنا يسميها في ليلة العيد ويمسح ظهرها من ناصيتها إلى ذنبها وربما يكرر ذلك؛ هذا عني، هذا عني، هذا عني، هذا عن أهل بيتي، هذا عن أمي، هذا عن أبي، وما أشبه ذلك، فهذا من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان يسمي من هي له عند الذبح.
قال: (ويتولاها صاحبها أو يوكل مسلمًا ويشهدها)
الجزء: 1 - الصفحة: 4129
(يتولاها صاحبها) الضمير في (ها) يعود على الأضحية؛ يعني: أن الأفضل أن يتولاها صاحبها، والمهم من ذلك هو نحرها أو ذبحها، أما بقية العمل -عملية الذبح- فهذه ليست مهمة، فإذا ذبحها وأعطى آخر ليكمل سلخها وتوزيعها فقد حصل على السنة، ولكن المهم أن يذبحها أو ينحرها بنفسه وهذا مشروط بما إذا كان قادرًا، أما إذا كان عاجزًا أو جاهلًا لما يجب في الذبح فلا ينبغي أن يخاطر ويذبح بل يُوَكِّل غيره؛ ولهذا قال: (أو يوكل مسلمًا ويشهدها).
(يوكل مسلمًا) يذبح هذه الأضحية، (ويشهدها) أي: صاحبها فيكون حاضرًا عنده، ومن الذي يسمي صاحبها أو الذابح؟
الطلبة: الذابح.
الشيخ: الذابح؛ لأنه فعله فهو يسمي على فعله.
وقول المؤلف: (أو يوكل مسلمًا) عُلِمَ منه أنه لا يصح أن يوكل كتابيًّا مع أن ذبح الكتابي حلال، لكن لما كان ذبح هذه الذبيحة أو نحر هذه النحيرة لما كان عبادة لم يصح أن يوكل فيه كتابيًّا؛ وذلك لأن الكتابي ليس من أهل العبادة والقربة لأنه كافر ولا تقبل عبادتهم، أما لو وَكَّل كتابيًّا يذبح له ذبيحة أو ينحر له نحيرة للأكل فإن ذلك لا بأس به، لكن للتضحية أو الهدي لا يجوز وذلك لأنه ليس أيش؟
طالب: من أهل العبادة.
الشيخ: ليس من أهل القُرْبَة، فإذا كان لا يصح ذلك منه لنفسه فلا يصح منه لغيره، ولهذا اشترط المؤلف أن يوكل مسلمًا.
(ويشهدها)، ثم قال المؤلف: (ووقت الذبح بعد صلاة العيد أو قدره إلى يومين بعده)
(وقت الذبح) يعني الوقت الجائز فيه الذبح يوم العيد بعد الصلاة بعد صلاة العيد، (أو قدره) أي: قدر زمن الصلاة لمن ليس عندهم صلاة عيد، إلى آخر يومين بعده، فتكون أيام الذبح ثلاثة فقط؛ يوم العيد ويومان بعده.
وليس في المسألة دليل على أن الذبح يكون في يومين بعد العيد، لكن إما أن نقول: إن الذبح يوم العيد فقط أو أيام التشريق كلها.
الجزء: 1 - الصفحة: 4130
أما وجه الأول الذي يقول: لا نحر إلا يوم العيد فلأن الذي يسمى من هذه الأيام يوم النحر هو يوم العيد فيختص النحر به، وقد قال بذلك بعض أهل العلم أن يوم الذبح هو يوم العيد فقط.
وأما من قال: إنها أيام التشريق بالإضافة إلى يوم العيد فتكون أيام الذبح أربعة فله دليل سنذكره بعد إن شاء الله تعالى.
وأما تخصيصه بيومين فلا أعلم في ذلك أصلًا من السنة، لكنه ورد عن الصحابة رضي الله عنهم تخصيصه بيومين بعد العيد.
نرجع الآن إلى قوله: (ووقت الذبح بعد صلاة العيد) وعُلِمَ من كلامه رحمه الله أنه لو ذبح قبل الصلاة فإن ذلك لا يجزئ لأنه قبل الوقت، فكما أنه لو صلى الظهر قبل زوال الشمس لم تجزئه عن صلاة الظهر، كذلك لو ضحى قبل الصلاة فإنه لا يجزئه لأنه قبل الوقت، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث العام الذي يعتبر قاعدة عظيمة في الشريعة «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (5)، وثبت في هذه المسألة بخصوصها أن «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ وَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» (6)، ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلنه في خطبة صلاة عيد الأضحى.
الجزء: 1 - الصفحة: 4131
وقد أورد عليه أبو بردة بن نيار رضي الله عنه أورد عليه قصة وقعت له، وهو أنه أحب أن يكون بيته يأكل اللحم قبل أن يصلي في أول النهار فذبح أضحيته قبل أن يصلي، فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال له: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍِ» (7) مع أن الرجل جاهل، لكن الأوامر لا يعذر فيها بالجهل بخلاف النواهي؛ فالنواهي إذا فعلها الإنسان جاهلًا عذر بجهله، أما الأوامر فلا، ولهذا لم يعذره النبي صلى الله عليه وسلم، بل قال: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ»، وقال: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى» (8) فقال أبو بردة: إن عندي عناقًا هي أحب إلي من شاتين - والعناق الصغيرة من المعز - لها نحو أربعة أشهر، يعني فهل أذبحها وتجزئ عني؟ قال: «نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (9) مع أن هذه العناق لا تجزئ في الأضحية، ما الذي فات منها؟
الطلبة: السن.
الشيخ: السن المعتبر شرعًا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له، وقال: «إِنَّهَا لَا تُجْزِئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»، فهذا هو الدليل على أنه لا بد أن يكون الذبح بعد صلاة العيد، فإذا كان في مكان ليس فيه صلاة عيد فليعتبر ذلك بمقدار صلاة العيد ولا يعتبر ما حوله.
يعني: لو فرض أنه في بادية قريبًا من عنيزة مثلًا، فهل نقول: المعتبر صلاة عنيزة؟ لا، المعتبر قدر الصلاة؛ لأنه في مكان لا يُصَلَّى فيه العيد فيعتبر قدر الصلاة.
فإذا كانت صلاة العيد تحل بعد ارتفاع الشمس قِيد رمح، وعيد الأضحى يُسَنُّ فيها التبكير في الصلاة فليقدر بعد ارتفاع الشمس قدر رمح نحو ربع ساعة لأن ربع ساعة تتم فيها الصلاة، وإذا كان ارتفاع الشمس قدر رمح مقداره ثلث ساعة أو ربع ساعة فيكون ابتداء الذبح بعد طلوع الشمس بنحو نصف ساعة أو خمس وثلاثين دقيقة.
يقول: (إلى يومين بعده) يعني: إلى آخر يومين، ودليل ذلك ما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم حددوا الوقت بذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 4132
وقال بعض أهل العلم: إن وقت الذبح يوم العيد فقط؛ لأنه اليوم الذي يُسَمَّى يوم النحر، وقال بعض العلماء: بل أيام التشريق الثلاثة تبعًا ليوم العيد، وقال آخرون: بل شهر ذي الحجة كله وقت للذبح، فالأقوال إذن؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة أو ثلاثة؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: الأول.
الطلبة: يوم العيد.
الشيخ: يوم العيد.
والثاني؟
الطلبة: يومان بعده.
الشيخ: يوم العيد ويومان بعده.
والثالث؟
الطلبة: يوم العيد ..
الشيخ: يوم العيد وثلاثة أيام بعده.
والرابع؟
الطلبة: شهر.
الشيخ: كل شهر ذي الحجة.
ولكن أصح الأقوال أن أيام الذبح أربعة؛ يوم العيد وثلاثة أيام بعده، والدليل على هذا أمور:
أولًا: أنه قد رُوِيَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (10)، وهذا نص في الموضوع، ولولا ما أُعِلَّ فيه من الإرسال والتدليس لكان فصلًا في النزاع.
ثانيًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (11)، فجعل حكمها واحدًا أنها أيام أكل -يعني: مما يذبح فيها- وشرب وذكر لله عز وجل.
ثالثًا: أن هذه الأيام الثلاثة كلها تتساوى في تحريم صيامها لقول عائشة وابن عمر رضي الله عنهم: لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصمْن إلا لمن لم يجد الهدي (12).
رابعًا: أن هذه الأيام كلها أيام للرمي؛ لرمي الجمرات، فلا يختص الرمي بيومين بعده، بل كل الأيام الثلاثة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4133
خامسًا: أنها كلها يُشْرَع فيها التكبير المطلق والمقيد، أو المقيد على قول بعض العلماء، ولم يفرق أحد من العلماء فيما نعلم بين هذه الأيام الثلاثة في التكبير فهي مشتركة في جميع الأحكام، وإذا كانت كذلك فلا يمكن أن نُخْرِج عن هذا الاشتراك وقت الذبح، بل نقول: إن وقت الذبح يستمر من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، وهذا هو القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.
هل يجزئ الذبح من حين الصلاة أو لا بد من الخطبة وذبح الإمام؟
الصحيح أنه يكتفي بالصلاة، ولكن الأفضل أن يكون الذبح بعد الخطبة وبعد ذبح الإمام، وهذا إن فعل الإمام السنة في الذبح؛ وهو أن يخرج بأضحيته إلى مصلى العيد ويذبحها في مصلى العيد؛ لأن هذا هو السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخرج بأضحيته إلى مصلى العيد ويذبحها هناك إظهارًا للشعيرة وتعميمًا للنفع؛ لأنها إذا كانت هناك في مصلى العيد حضرها الفقراء وحضرها الأغنياء أيضًا، فيعطى الفقراء منها صدقة ويعطى الأغنياء منها هدية.
لكن عمل الناس اليوم أن الإمام وغير الإمام لا يذبح في المصلى، وعلى هذا فتكون مراعاة ذبح الإمام مشقة عظيمة يعني: يحتاج إلى أن نزهم على الإمام إذا رجع إلى بيته، ونقول: هل ذبحت؟ إن قال: نعم.
ذبحنا، وإن قال: لا.
انتظرنا استحبابًا لا وجوبًا، لكن هذا في الوقت الحاضر فيه مشقة.
وقد يُنازَع في استحبابه؛ لأن تأخر الذبح عن ذبح الإمام فيما إذا أعلنه الإمام وتبين للناس، ولكن مراعاة انتهاء الخطبة أمر سهل، فيقال للناس: لا تذبحوا حتى تنتهي الصلاة والخطبة؛ لأن هذا هو الأفضل، وكما قد جاء في بعض روايات الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بانتظار الخطبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4134
قال المؤلف: (ويُكْرَه في ليلتهما) أي: ليلتي أيام التشريق، لكن المؤلف يرى أن أيام الذبح يومان؛ ولهذا جاءت بالتثنية (في ليلتهما) أي: ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر يكره أن يذبح، لماذا؟
قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ»، وقال: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، وهذا يدل على أن محل الذبح هو اليوم، وعلى هذا فيُكْرَه الذبح في الليل، ولأن الذبح في الليل ربما يعمد إليه البخلاء من أجل أَلَّا يتصدقوا فلهذا كُرِه.
وقيل في علة الكراهة: خروجًا من الخلاف؛ أي: خلاف من قال من العلماء: إنه لا يجزئ الذبح ليلًا لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].
والتعليل بالخلاف فيه خلاف، والصحيح أنه لا تعليل في الخلاف، ولو أننا أخذنا بهذا القول -أي: بالتعليل بالخلاف- ما بقي مسألة مباحة؛ لأنه لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف.
فإذا قلنا: إن مراعاة الخلاف لازمة، وإنه يجب أن ندع ما فيه الخلاف من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك لم يبق مسألة إلا وهي مكروهة، فالصواب أنه لا تعليل في الخلاف.
ولكن يقال: إن كان الخلاف له حظ من النظر -أي من الدليل- فإننا نراعيه، لا لكونه خلافًا ولكن لما يقترن به من الدليل الموجب للشبهة، وهذا هو الصحيح، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأنكر التعليل بالخلاف، وما ذكره صحيح؛ فإن الخلاف إذا لم يكن له حظ من النظر فإنه لا عبرة به، ولهذا قيل:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرا
إِلَّا خِلَافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ
فما هو الصواب إذن؟ الصواب أنَّ الذبح في ليلتهما لا يُكْرَه إلا أن يُخِلَّ ذلك بما ينبغي في الأضحية، فيُكْرَه من هذه الناحية لا من كونه ذبحًا في الليل.
الجزء: 1 - الصفحة: 4135
(فإن فات) أي: وقت الذبح (قضى واجبه) وفعل به كالأداء، إن فات الذبح؛ وذلك بغروب الشمس من اليوم الثاني من أيام التشريق على ما ذهب إليه المؤلف، أو بغروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق على ما رجحناه.
(قضى واجبه) واجب أيش؟ واجب الهدي والأضحية، والمراد: ما وجب قبل التعيين.
مثال ذلك: رجل قال: لله عليَّ نذر أن أضحي هذا العام، ولكنه لم يضحِّ حتى غابت الشمس، فنقول: اقض هذه الأضحية.
ولكن الصواب في هذه المسألة أنه إذا فات الوقت، فإن كان تأخيره عن عمد فإن القضاء لا ينفعه ولا يؤمر به لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
وأما إذا كان عن نسيان أو جهل أو انفلتت البهيمة وكان يرجو وجودها قبل فوات الذبح حتى انفرط عليه الوقت، ثم وجد البهيمة ففي هذه الحال يذبحها؛ لأنه أَخَّرها عن الوقت لعذر، فيكون ذلك كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» (13).
وإذا كانت وصية ليست له، فهل تدخل في عموم قوله: (قضى واجبه)؟
فالجواب: لا، الوصية تُعْتَبر تطوعًا من الموصي، والواجب على الموصى إليه هو التنفيذ، والآن نقول: إن الموصى إليه قائم مقام الموصي، والموصي لو أَخَّرها إلى ما بعد غروب الشمس إلى ما بعد فوات الوقت فإنه لا يلزمه القضاء لأنها في حقه تطوع وليست بواجبة.
وعلى هذا فإذا قُدِّر أن الوصيَّ لم يضحِّ هذا العام لعذر مثلًا قلنا له: أَخِّرْها إلى العام القادم واذبحها في أيام الذبح؛ فيذبح على هذا أضحيتين: أضحية قضاءً عن العام الماضي، والثانية أداءً لهذا العام.
طالب: شيخ، هل نقول: الأَولى لغير الإمام في الأضحية أن يُضَحِّي في المصلى أو في الأسواق أو في البيوت؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4136
الشيخ: في الوقت الحاضر نقول: لا تضحِّ في المصلى إلا إذا ضحى الإمام، ولا تضحِّ في الأسواق؛ لأنك إذا ضحيت في الأسواق لوَّثتها على الناس وصار في ذلك قذر ونجاسة.
طالب: شيخ، كثير من العلماء يستدلون بقول الله عز وجل: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] على استحباب التكبير.
أيش وجهه؟
الشيخ: ( ... ) هذه الآية في أي عيد؟
طالب: في الحج، ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
طالب: في رمضان.
الشيخ: قلناها: في الأول، أكثر ما تَحَدَّث الله تعالى عن التسمية أو عن ذكر الله على الذبيحة في سورة الحج.
تأملها.
طالب: عفا الله عنك، إذا كان الإنسان غائبًا، وما حضر هذا الذبح إلا بعد أن انقضى أيام التشريق في الليل يجب أن يذبح ولّا لا؟
الشيخ: ما يذبح، فات الوقت.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36] ما فيها دليل على اسم الله؟
الشيخ: إي نعم، ﴿صَوَافَّ﴾، وفي قراءة ﴿صَوَافٍ﴾، وهي التي رفعت إحدى قوائمها.
طالب: شيخ، بعض الناس إذا أراد أن يضحي وهو ليس في الحج؛ يعني: في بلده، ما يقص شيئًا من شعره ولا من أظفاره إلى أن يذبح الذبيحة في الوقت، يعني: بعدما يذبح، هل هذا من السنة؟
الشيخ: صحيح، هذا من الواجب؛ «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُضَحِّيَ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا ظُفْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا» حتى يضحى.
هذا ثبت في صحيح مسلم (14) عن أم سلمة رضي الله عنها.
واختلف العلماء في هذا النهي؛ هل هو للتحريم أو للكراهة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه للتحريم.
طالب: بارك الله فيك، رجل يسكن في مكان بين مسجدين، المسجد هذا يبعد عن المسجد هذا كيلو مترات، وهذا المسجد انتهى من الصلاة وهذا لم ينتهِ، يذبح على هذا ولا ذاك؟
الشيخ: يذبح على الأول.
الطالب: الأول؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بارك الله فيك.
الجزء: 1 - الصفحة: 4137
طالب آخر: إذا كان الإنسان حاجًّا سواء كان متمتعًا أو مفردًا، فهل يضحي عن أهل بيته إذا كانوا في بلدٍ آخر، وأهل بيته في بلدهم؟
الشيخ: في بلدهم، نقول: وَصِّ أهل البيت ليضحوا عن أنفسهم.
طالب: لا، إذا كان عنده هدي، هل يضحي ويهدي ولّا لا؟
الشيخ: لا، الصحيح أنه يُهْدِي فقط.
طالب: فتكون تجزئ كأضحية مع الهدي.
الشيخ: لا، هذه هدي إن كان تمتعًا أو قرانًا فهو هدي واجب، وإن كان إفرادًا فهو هدي تطوع، أما الأضحية فتكون في غير مكة.
طالب: يعني: تسقط في حق الحاج أو حق أهل بيته؟
الشيخ: في حق الحاج نعم، في حق الحاج ما هو في حق أهل مكة.
طالب: لا، أهل بيته.
الشيخ: لا، نقول: مُرْهُم فليضحوا، إذا كان عندهم مال يأمرهم فيضحوا.
طالب: شيخ، دليل مَنْ قال إن ( ... ) وهو في سفر.
الشيخ: الظاهر أن دليلهم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] فجعل الله تعالى كل الأشهر وقتًا للحج، والأضحية من جنس الحج كلها عمل يذكر عليه اسم الله.
طالب: ( ... ) صحيح؟
الشيخ: إي، لأن الرسول أخبر بأنه لا أضحية قبل الصلاة.
طالب: شيخ، هل ذكاة السكران صحيحة؟ وهل يُسأل عن حاله حين الذبح إذا لم تُعلم؟
الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: هل ذكاة السكران حلال تحل الذبيحة؟
الجواب: لا، لأنه لا قصد له.
طالب: وهل يُسأَل عن حاله؟
الشيخ: ولا يُسأَل، الأصل الحل.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- في حديث أبي بردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» بَعْدِيَّة الحالية أم بعدية الشخصية؟
الشيخ: إي، هذا سؤال مهم، هل المراد بقوله: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» يعني: عينًا وشخصًا؟ أم المراد: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» حالًا؟
أكثر العلماء على الأول، والصحيح الثاني، وأن من وقع له مثل ما وقع لأبي بردة فلا حرج أن يذبح
العناق
الجزء: 1 - الصفحة: 4138
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم قبل قليل بأن البعدية بعدية حال، وعلى هذا فمن حصل له مثل ما حصل لأبي بردة فإن له أن يذبح عناقًا، لكن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
أقول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَنْ تُجْزِئَ»، كيف قلنا ( ... ) بأنها تجزي إذا قلنا بأن البعدية بعدية حال؟
الشيخ: إي، يعني: بعدك بعد حالك، مثلما تقول ما بعد ها لحال شيء، وذلك أن القاعدة الشرعية أن التكاليف لا تتعلق بالشخص لشخصيته؛ لأن الله تعالى لا يحابي أحدًا، وإنما تعلق الأحكام بالمعاني والعلل، حتى خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام ليست خصائص له شخصية لكن من أجل أنه رسول ولا يتصف بهذا الوصف سواه.
وهذا الذي نراه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الحق، كيف الله يَخُصُّ هذا الإنسان بخصيصة من بين سائر الناس؟ ! الأحكام الشرعية معلقة بالأوصاف والمعاني لا بالأشخاص.
الطالب: لكن أحسن الله إليكم، الإشكال عندي أن النبي قال لأبي بردة: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
الشيخ: إي، ويش معنى بعدك؟ البعدية قد تكون بعدية حال وبعدية زمن، فهذه بعدية حال، وإنما عَدَلْنا عن ظاهر اللفظ إلى هذا؛ لأن القاعدة الشرعية أن العبادات لا يمكن أن تعلق أو أن تعلل بالشخص، لا بد أن يكون هناك علة أوجبت هذا الحكم فالناس في حكم الله سواء.
الطالب: هو -أحسن الله إليكم- هذا واضح لا غبار عليه، لكن الإشكال عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني تركيبة بعدية الحال هذا مع قوله «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»؟
الشيخ: بعدك؛ يعني: بعد حالك، المعنى لن تجزئ عن أحد.
الطالب: بعد حالك مثلك.
الشيخ: مثلك.
طالب: طيب، كيف نقول: لمن لم يجد عناقًا لمن لم يجد شاةً اذبح.
الشيخ: نقول: إذا كان الإنسان ذبح شاةً قبل صلاة العيد جاهلًا، ثم ليس عنده إلا عناق، ما عنده دراهم يشتري، فنقول: اذبح العناق وتجزئ عنك.
الجزء: 1 - الصفحة: 4139
طالب: شيخ، حتى لو كان ما يكون ( ... ) العناق.
الشيخ: لا، أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا إيراد جيد؛ يقول: حتى لو كانت العناق ليست غالية عنده؛ لأن أبا بردة يقول: عندنا عناق هي أحب إلينا من شاتين، فيقول: إذا كان عنده عناق، لكن ما يحبها، ما يهمه، العناق يعني: العنزة الصغيرة والكبيرة عنده سواء، فهذا قد يقال: إنه محل نظر، هل إننا نقول: إنه لكون هذه العناق قيمتها في قلب أبي بردة تساوي شاتين هو الذي برر أن يذبحها أو نقول: إن محبة الإنسان للشيء لا ترفعه إلى أن يجزئ وهو على وصف لا يجزئ؛ ولهذا لو كان الإنسان عنده عناق ولم تحدث له هذه الحالة وقال: إن هذه العناق أحب إلي من شاتين.
نقول: لا تجزئ، فليس العلة هي كونه يحب، هذا وصف طردي لا يؤثر في الحكم.
طالب: شيخ، إذا كان –مثلًا- رجل يرى أن التسمية بعد الذبيحة ( ... ) فالابن –مثلًا- لا يرى هذا فهل إذا أمر والده ( ... )؟
الشيخ: ما مر علينا هذا! ( ... ) سأله بعض الإخوة، وقلنا: العبرة بما يراه الذابح.
طالب: يعني: يجوز هذا؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: إن نذر أن يضحي هذا العام، ثم ترك الأضحية حتى خرج الوقت متعمدًا، فهل الواجب عليه كفارة يمين أم يقضيها من العام القادم؟
الشيخ: العلماء يقولون: يجب عليه أن يذبح الأضحية التي نذر، لكن مو بهذا العام على القول الراجح، ويجب عليه لتركه الوقت كفارة يمين.
طالب: يجب الأمرين؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- ذكرنا في باب صلاة العيدين إذا أنه صلى العيد في المسجد، وذكرنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإمام يجوز له أن يضحي في المصلى، فلو قال قائل: هل نُجَوِّز للإنسان أن يذبح في المسجد شاة؟
الشيخ: يقول: قوله: إن الرسول نحر بالمصلى، هل يجوز أن ينحر الإنسان بالمصلى فيلوث المسجد؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4140
لا، ومعنى أنه ذبح بالمصلى أي: هناك خارج حدود المسجد، مثلما تقول مثلًا، لو أحد خرج بأضحيته وذبحها أمام مصلى العيد أو عن يمينه أو شماله؛ قيل: ذبح بالمصلى لقربه منه وليس في نفس المصلى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَالْقَذَرِ» (15) وهذا أذى وقذر.
طالب: ( ... ) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَذَبْحٍ».
الشيخ: «وَذِكْرٍ».
طالب: «وَذِكْرٍ»، بالنسبة يا شيخ، هذا التقييد الرسول صلى الله عليه وسلم ( ... ) قيد أيام التشريق بثلاثة أيام.
الشيخ: لا ويش معنى «ذِكْر»، قال: أيش؟
الطالب: ذبح ..
الشيخ: على الذبائح.
الطالب: نعم التي بعد ثلاثة أيام التشريق، فكأن الشيخ يؤيد هذه الأيام، يعني ما في دليل على سوى هذا؟
الشيخ: أصلها الذكر؛ الذكر على الأضحية ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ في أيامٍ معلومات ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الَْانْعَامِ﴾ [الحج: 34].
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يشمل حتى على الأضاحي، ثم الحديث الذي ذكرنا اللي فيه محمد بن إسحاق أُعِلَّ بالتدليس قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ»، ثم إن أيام التشريق متفقة في جميع الأحكام، فما الذي يُخْرِج هذا عنه، ما في دليل يخرج هذا.
الطالب: فصل
ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية لا بالنية، وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها إلا أن يبدلها بخير منها، وَيَجُز صوفَها ونحوه إن كان أنفع لها ويتصدق، وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين والأضحية سنة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها.
الشيخ: (ولا يعطى جازرها) ما قرأتها، (ولا يعطى جازرها أجرته منها ولا يعطى جلدها ولا شيئًا منها بل ينتفع به)، ألحقها بعد.
الجزء: 1 - الصفحة: 4141
الطالب: وسُنَّ أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا، وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف في زاد المستقنع: (ويتعينان) أي: الهدي والأضحية بقوله: هذا هدي بالنسبة للهدي، أو أضحية بالنسبة للأضحية.
يتعينان بالقول ولا يتعينان بالنية ولا بالشراء؛ يتعينان بالقول بقوله: هذا هدي بالنسبة للهدي، أو هذه أضحية بالنسبة للأضحية، ولا يتعينان بالنية، فلو اشترى شاة بنية أن يضحي بها فإنها لا تتعين ما دامت في ملكه، إن شاء باعها وإن شاء فسخ النية، وإن شاء تصدق بها، وإن شاء أهداها، المهم أنها لا تتعين إلا بالقول.
كذلك لو اشترى شاة يريد أن تكون هديًا كهدي متعة مثلًا، اشتراها وفي أثناء الطريق قبل أن يقول: هي هدي، أراد أن يبيعها فلا بأس، وهنا فرق بين أن يقول: هذا هدي أو هذه أضحية على سبيل الإخبار وبين أن يقول: هذا هدي أو أضحية على سبيل الإنشاء، ويظهر الفرق بينهما بالمثال؛
فرجل يجر شاة فقال له مَن رآه: ما هذه؟ قال: هذه شاة للأضحية؛ يعني: أنها شاة يريد أن يضحي بها، هذا خبر وليس بإنشاء.
بخلاف ما إذا قال: هذه أضحية لله، وأنشأ أن تكون أضحية فإنها حينئذ تتعين.
وعُلِمَ من كلام المؤلف أنها لا تتعين بالفعل، أي: لا يتعين الهدي ولا الأضحية بالفعل، ولكن في هذا نظر، فإنهم نصوا على أن الهدي إذا قلده أو أَشْعَره بنية أنه هدي فإنه يكون هديًا وإن لم ينطق به.
والتقليد هو أن يُقَلِّد النعال وقِطَع القرب والثياب الخَلِقة وما أشبه ذلك في عنق البهيمة؛ فإنه إذا عَلَّق هذه الأشياء في عنقها فَهِمَ من رآها أنها لمن؟ أنها للفقراء.
وهذا كان معتادًا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعهد من بعده، حتى تضاءل سَوْق الهدي بين الناس، وصار لا يُعْرَف هذا الشيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 4142
إنما التقليد إذا قال: ما هو التقليد؟
أن يُقَلِّد في عنق البهيمة شيئًا يدل على أنها للفقراء، قالوا: مثل أنها قطع النعال القديمة، أو قطع القرب القديمة، أو الثياب الخلقة حتى يعرف من رآها أنها للفقراء؛ هدي.
وأما الإشعار فإن الإشعار هو أن يشق سنام البعير حتى يخرج الدم ويسيل على الشعر، فإن من رآه يعرف أن هذا مُعَدٌّ للنحر.
فالآن نقول: الهدي يتعين بالقول وبالفعل مع النية؛ القول قوله: هذا هدي، والفعل الإشعار أو التقليد مع النية، يكون هديًا بذلك، ويترتب على التعيين وعدمه مسائل ستذكر فيما بعد.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا اشتراه بنية الأضحية أو بنية الهدي أنه يكون هديًا أو يكون أضحية، وأنه لا يُشْتَرط لذلك لفظ؛ لأن المقصود أن يتعين هذا أضحية أو هديًا وهذا يحصل بالنية لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لُكِلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (16).
ولكن الأظهر ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله المشهور من المذهب أنه لا بد من القول، وأما النية فلا يحصل بها التعيين؛ بدليل أن الإنسان لو اشترى عبدًا ليعتقه في كفارة أو غيرها فهل يعتق؟
لا، أو اشترى بيتًا ليوقفه على الفقراء أو المساكين أو طلبة العلم أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يكون البيت وقفًا بمجرد الشراء حتى يفعل ما يختص بهذا الشيء، ولهذا قلنا في الهدي لما كان يشرع تقليده أو إشعاره قلنا: إن تقليده أو إشعاره بالنية يعتبر تعيينًا.
يقول المؤلف: (لا بالنية)؛ يعني: لا يتعين بالنية، كما لو أخرج الإنسان دراهم ليتصدق بها فهل تتعين صدقة؟
لا، لا تتعين إن شاء أمضاها وإن شاء أبقاها؛ لأنه لم يدفعها للفقراء.
الجزء: 1 - الصفحة: 4143
فالحاصل أننا إذا سئلنا بماذا تتعين الأضحية؟ قلنا: بالقول.
وبماذا يتعين الهدي؟ قلنا: بالقول وبالفعل، وإنما زاد الهدي بالفعل لأن له فعلًا خاصًا وهو التقليد أو الإشعار، أما الأضحية فليس لها فعل خاص، ولهذا لا تكون أضحية إلا بالقول.
ثم قال: (وإذا تعينت لم يجز بيعها) هذه الأحكام التي تترتب على تعينها؛ إذا تعينت لم يجز بيعها لأنها صارت صدقة لله؛ كالوقف لا يجوز بيعه، وكالعبد إذا أعتق لا يجوز بيعه، فلا يجوز بيعها بأي حال من الأحوال، حتى لو ضعفت وهزلت فإنه لا يجوز له بيعها، ولكن لا بد من الشروط السابقة شروط الأضحية.
(ولَا هِبَتُهَا) ولا يجوز أن يهبها لأحد، والفرق بين البيع والهبة أن البيع بعوض، والهبة تبرع بلا عوض.
وهل يجوز أن يتصدق بها؟
لا؛ يعني: ولا يجوز أيضًا أن يتصدق بها، لا بد أن يذبحها، ثم بعد ذبحها إن شاء وهبها وتصدق بما يجب التصدق به، وإن شاء أبقاها، وإن شاء تصدق بها كلها، لكن لا بد أن يتصدق منها بجزء كما سيأتي إن شاء الله ذكره.
المهم إذا تعينت يترتب على ذلك أحكام:
أولًا: تحريم بيعها وهبتها والصدقة بها، وينبني على ذلك وجوب ذبحها ولا بد، وعلى هذا فلو أن الإنسان يقود هَدْيَه فلقي فقراء وقالوا: أعطنا إياه فأعطاهم إياه، فهل يجزئه عن الهدي؟
لا، لا يجزئه، فإن قالوا: نذبحه لك، ووكلهم في ذلك، فهل يجزئ؟
طالب: لا يجزئ.
الشيخ: لا، فيه التفصيل؛ إن كان يثق بهم وأنهم سوف يذبحونه فلا بأس ويكونون وكلاء له، أما إذا لم يثق بهم بحيث يخشى أنهم يأخذونه ثم يذهبون يبيعونه فهذا لا يجزئه.
قال المؤلف: (إلا أن يبدلها بخير منها) فيجوز؛ قال: (إلا أن يبدلها بخير منها)، والإبدال نوع من البيع، لكن الغالب أن البيع يكون بنقد ثم يشتري بدلها أضحية.
الجزء: 1 - الصفحة: 4144
لكن إذا أبدلها بخير منها مثل أن يكون عَيَّن هذه الشاة أضحية، ثم وجد مع شخص آخر شاة خيرًا منها في السمن والكبر والطيب، وأراد أن يبدلها بخير منها، فإن ذلك لا بأس به؛ لأنه زاد خيرًا ولم يتهم برد شيء من ملك هذه الأضحية إلى نفسه؛ وربما يستدل لذلك بحديث الرجل الذي قال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أُصَلِّيَ في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَا هُنَا» فأعاد عليه، قال: «صَلِّ هَا هُنَا» -يعني: في مكة لأن مكة أفضل من بيت المقدس- فأعاد عليه الثالثة، فقال في الثالثة أو الرابعة: «شَأْنَكَ إِذَنْ» (17).
فدل ذلك على أن الإنسان إذا أبدل العبادة بما هو خير منها فإن ذلك جائز ولا بأس به، وعلى هذا فإذا أبدلها بخير منها فلا حرج؛ أولًا: للدليل الأثري والدليل النظري؛ الدليل الأثري: قصة الرجل الذي نذر أن يصلي في بيت المقدس، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلِّ هَاهُنَا».
وأما النظري: فيقال: إنه زاد خيرًا، زاد خيرًا لأن هذه أفضل وأنفع للفقراء وأثمن في الغالب.
وعُلِمَ من قوله: (إلا أن يبدلها بخير منها) أنه لو باعها ليشتري خيرًا منها فإن ذلك لا يجوز؛ لأن المؤلف استثنى مسألة واحدة وهي الإبدال، وعلى هذا فلو قال: أنا أريد أن أبيعها ثم أشتري خيرًا منها، قلنا: لا يجوز.
وقال بعض العلماء: يجوز؛ لأن الأعمال بالنيات، وهذا الرجل باعها بنية أن يبدلها بخير منها فيكون جائزًا، كما لو أبدلها رأسًا بخير منها.
ولكن الأَوْلى سد الباب وأن لا يتصرف فيها ببيع؛ لأنه ربما يتصرف فيها ببيع ليشتري خيرًا منها ثم لا يتيسر له أن يشتري أو يأخذه الطمع أو ما أشبه ذلك، وعليه فلا يُسْتَثْنَى إلا أيش؟
طلبة: الإبدال.
الشيخ: إلا الإبدال فقط.
الجزء: 1 - الصفحة: 4145
ثم قال المؤلف: (ويجز صوفها ونحوه) هذا أيضًا مما يترتب على التعيين؛ أنه لا يأخذ منها شيئًا لا صوفًا ولا لبنًا إذا كان لها ولد يضره أخذ اللبن؛ لأنها الآن أصبحت خارجة عن أيش؟ عن ملكه، فلا يجز الصوف.
لو قال: أنا أريد أن أجز صوفها؛ لأني سأذبحها، فأجز الصوف لأنتفع به.
قلنا: لا يجوز إلا إذا كان أنفع لها، إذا كان أنفع لها فلا بأس، وكيف يمكن أن يكون أنفع لها؟
يمكن إذا كان عليها صوف كثير يؤذيها، وكان في جزه راحة لها، أو نبت فيها جرح وجز الشعر من أجل إبراز الجرح للهواء حتى ينشف ويبرد، المهم إذا كان جز الصوف أنفع فإنه يجزه، وإن كان أضر؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: وإن لم يكن فيه نفع ولا ضرر؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: فلا يجوز؛ لأن المؤلف استثنى، ذَكَر إذا كان أنفع.
وقوله: (صوفها ونحوه) ما الذي نحو الصوف؟
طلبة: الشعر.
الشيخ: الشعر والوبر؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: 80] الشعر يكون للبقر وللإبل وأيش؟
طالب: الغنم.
الشيخ: الإبل لها الأوبار، والضأن لها الأصواف، والماعز والبقر الشعر.
(ويتصدق به) يتصدق بهذا الذي جزه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا ينتفع به، وأنه يجب أن يتصدق به، فلو قال: أريد أن أجعله ثيابًا أو أجعله حبالًا.
قلنا: لا يجوز، بل يجب أن تتصدق به.
وقال بعض العلماء: لا يجوز أن ينتفع به؛ لأنه إذا كان له أن ينتفع بالجلد كاملًا فالشعر من باب أولى، وهذا هو الصحيح أنه لا يجب عليه أن يتصدق به، لكن يجب أن نلاحظ الشرط الأول وهو أنه لا يجزه إلا إذا كان ذلك أنفع لها، فإذا كان أنفع لها وجزه فنقول: إن شئت تصدق به، وإن شئت فهبه، وإن شئت فانتفع به؛ لأن انتفاعك بالجلد والصوف بل وبالشحم واللحم والعظام جائز ولا يلزمك أن تخرج إلا ما يصدق عليه اسم اللحم كما سيأتي.
قال: (ولا يعطي جازرها أجرته منها، ولا يبيع جلدها ولا شيئًا منها)
الجزء: 1 - الصفحة: 4146
لا يعطي الجازر أجرته منها، من الجازر؟
طلبة: الذي يذبح.
الشيخ: الذابح والناحر، الناحر للإبل والذابح لغيرها لا يعطيه أجرته منها؛ لأن هذا الجازر نائب عنه، وهو ملزم بأن يذبحها هو بنفسه، فإذا كان ملزمًا بأن يذبحها من أجل أن تكون قربة فإنه لا يمكن أن يعطي الجازر منها أجرته وهو وكيل عنه.
قد يقول قائل: ألستم تجيزون أن يُعْطَى العامل على الزكاة من الزكاة، فلماذا لا يجوز أن نعطي الجازر؛ جازر الأضحية والهدي من الهدي كما نعطي العامل على الزكاة؟
قلنا: الفرق ظاهر؛ لأن هذا الجازر وكيل عمن؟ عن المالك، ولهذا لو وكل الإنسان شخصًا يفرق زكاته، لو وكل شخصًا يفرق زكاته فإنه لا يجوز أن يعطيه من سهم العاملين عليها.
يعني: إنسان أرسل لشخص عشرة آلاف ريال، قال: خذ هذه وزعها زكاة، فهذا الذي أخذ العشرة آلاف لا يجوز أن يأخذ لنفسه منها شيئًا؛ لأن العامل عليها هو الذي يتولاها من قبل وليِّ الأمر، إذن لا يعطي الجازر أجرته منها.
وهل يجوز أن يعطيه شيئًا من الأجرة؟
الجواب: لا، يعني: لو قال: اذبحها لي وكانت تذبح بعشرة ريالات، وقال: أعطيك خمسة من لحمها وخمسة نقدًا، أيجوز؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه في ذلك يكون قد باع ما تَقَرَّب به إلى الله، قد باع اللحم؛ لأن عوض الأجرة بمنزلة عوض المبيع، فيكون قد باع لحمًا أخرجه لله، وهذا لا يجوز.
وهل يجوز أن يعطي الجازر هدية أو صدقة؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم.
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: يجوز كغيره، يجوز أن يعطيه صدقة، يجوز أن يعطيه هدية؛ إن كان فقيرًا أعطاه صدقة، وإن كان غنيًّا أعطاه هدية.
قال: (ولا يبيع جلدها ولا شيئًا منها) كما سبق أنه لا يبيعها إذا تعينت، فكذلك إذا ذبحت فإنها تتعين بالذبح، هي ذبحت انتهى الأمر تعينت بالذبح، ويحسن أن نضيف هذا أيضًا إلى ما سبق من أنها تتعين بالقول وبالفعل الدال عليه -على التعيين- وبالذبح؛ لأنها إذا ذبحت ما عاد يتصرف فيها، انتهت.
الجزء: 1 - الصفحة: 4147
(لا يبيع جلدها) بعد الذبح لماذا؟ لأنها تعينت لله بجميع أجزائها، وما تعين لله فإنه لا يجوز أخذ العوض عليه، ودليل ذلك حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حمل على فرس له في سبيل الله -ويش معنى حمل؟ يعني: أعطى شخصًا فرسًا يجاهد عليه- ولكن الرجل الذي أخذه أضاعه، أضاع الفرس ولم يهتم به، فجاء عمر يستأذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شرائه؛ حيث ظن أن صاحبه يبيعه برخص، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» (18).
والعلة في ذلك أنه أيش؟ أخرجه لله، وما أخرجه الإنسان لله فلا يجوز أن يرجع فيه، ولهذا كان الذي يهاجر من بلد الشرك لا يجوز أن يرجع إلى هذه البلد التي هاجر منها ليسكن فيها؛ لأنه أيش؟ خرج لله من بلد يحبها فلا يرجع فيما يحب إذا كان قد تركه لله عز وجل.
قال: (ولا شيئًا منها) يعني: لا يبيع شيئًا منها؛ من أجزائها؛ كيد، أو رجل، أو رأس، أو كرش، أو كبد أو ما أشبه ذلك، والعلة ما سمعتم.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يبيع شيئًا من ذلك ولو صرفه فيما ينتفع به، وعلى هذا يمكن أن يُلْغَز بهذه المسألة يقال: شيء يجوز الانتفاع به، ولا يجوز بيعه ليشتري ما ينتفع به بدله.
الجلد لو أراد المضحي أن يدبغه، ويجعله قِربَة للماء، أيجوز؟
نعم، يجوز، لكن لو أراد أن يبيعه ويشتري بدلًا من القربة وعاءً للماء كالترمس مثلًا فهل يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، كل هذا حماية لما أخرجه لله أن يرجع فيه ولا شيئًا منها، وكذلك أيضًا نعم.
ثم قال: (وإن تعينت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة)، عندكم تعينت ولَّا تعيبت؟
الطلبة: تعيبت.
الشيخ: بالباء ولا بالنون؟
الطلبة: بالباء.
الشيخ: بالباء، إي نعم.
طالب: أيهما صحيح.
الشيخ: لا، الظاهر أن الصواب بالباء.
(وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين)
الجزء: 1 - الصفحة: 4148
(إن تعيبت) الفاعل يعود على المتعيِّن من هدي أو أضحية، وهذا مما يترتب على قولنا: إنها تتعين، أنها لو تعيبت بعيب يمنع من الإجزاء فإنه يذبحها وتجزئ.
مثال ذلك: اشترى شاة للأضحية ثم انكسرت رجلها، وصارت لا تستطيع المشي مع الصحاح بعد أن عينها، فإنه في هذا الحال يذبحها وتجزئه؛ لأنها لما تعينت صارت أمانة عنده فإذا تعيبت بغير فعله أو تفريطه لم يلزمه الضمان وأجزأه أن يذبحها، أفهمتم يا جماعة؟ هذا هو تعليل الحكم؛ لأنها لما تعينت صارت عنده أيش؟
طلبة: أمانة.
الشيخ: أمانة كالوديعة، وإذا كانت أمانة ولم يحصل تعيبها بفعله أو تفريطه فإنه لا ضمان عليه فيذبحها وتجزئه.
وربما يستدل لذلك بقصة الرجل الذي اشترى أضحية فعدا الذئب على أليتها فأكلها فأذن له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يضحي بها (19)؛ وذلك لأن فقد الألية عيب يمنع الإجزاء، لكنه لما كان هذا العيب بعد التعيين وليس بتفريط منه ولا بفعله فإنه يكون أمينًا ولا ضمان عليه.
إذن قوله: (وإن تعيبت ذبحها وأجزأته) يستثنى من ذلك إذا تعيبت بفعله أو تفريطه بفعله بأن تكون بعيرًا حمل عليها ما لا تستطيع أن تحمله ثم عثرت وانكسرت، ففي هذه الحال يضمنها بمثلها أو خير منها، وكذلك لو كان بتفريطه كأن كانت في ليلة شاتية باردة وتركها أي ترك الأضحية في مكان بارد فتأثرت من البرد، ففي هذه الحال يجب عليه ضمانها بمثلها أو خير منها، لماذا؟
طلبة: للتفريط.
الشيخ: لأنه فرط، فلتفريطه يجب عليه الضمان.
قال: (إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) فهنا يجب عليه البدل.
مثال ذلك: رجل عليه هدي تمتع، هدي التمتع واجب في ذمته أو واجب بالتعيين؟ واجب في ذمته، لكن هدي التطوع لا يجب عليه إلا إذا عينه وجب عليه ذبحه؛ الواجب في الذمة قبل التعيين يطالب به الإنسان كاملًا، والواجب بالتعيين وأصله تطوع فيه هذا التفصيل الذي سمعتم وهو أنه لا ضمان عليه إلا أن يكون ذلك بفعله أو أو تفريطه.
الجزء: 1 - الصفحة: 4149
المثال الواجب قبل التعيين؛ قلت لكم: مثاله هدي التمتع؛ اشترى رجل هدي تمتع وعيَّنه، ثم بعد ذلك عثر هذا الهدي وانكسر، فهل يجزئه أن يذبحه ولو كان منكسرًا؟ لا؛ لأنه قد وجب في ذمته قبل التعيين أن يذبح هديًا لا عيب فيه، وهذا الهدي فيه عيب فليزمه أن يبدله بمثله.
لو أنه عين هذه الأضحية ثم هربت ولم يحصل عليها، فهل يلزمه بدلها؟ إن كانت واجبة قبل التعيين لزمه البدل، وإن لم تكن واجبة قبل التعيين نظرنا؛ إن فرط فعليه ضمان، وإن لم يفرط فلا ضمان عليه.
الهدي؛ اشترى هديًا، ثم هرب الهدي ولم يمسكه وعجز عنه بعد أن عينه، فهل يلزمه الضمان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؟ !
الطلبة: نعم.
الشيخ: هدي، أنا أقول هدي واجب، هدي تمتع؟
الطلبة: يلزمه.
الشيخ: يلزمه بدله، لماذا؟
الطلبة: واجب عليه.
الشيخ: لأنه واجب في ذمته قبل التعيين، أما إن كان هدي تطوع فإنه لا يلزمه.
وإذا قلنا: يجب عليه بدله، فاشترى البدل وذبحه، وبعد ذبحه وجد الضال الذي هرب، فهل يلزمه أن يذبحه، أو يُكتفَى بالبدل؟
الطلبة: يكتفى بالبدل.
الشيخ: يكتفى بالبدل، هذا القول هو الراجح أنه في هذه الحال يكتفى بالبدل؛ لأن الرجل ضمن ما هرب وأدى الواجب عليه بدلًا عن الذي هرب، وإذا كان يجوز أن يبدلها بخير منها وهي حاضرة، فكذلك إذا كانت هاربة من باب أولى، ولكن المذهب أنه لا يسترجع الضال إذا وجده بل يذبحه؛ قالوا: لأن هذا الضال تعين بالتعيين فيجب عليه أن يذبحه لأنه عينه، لكن هذا التعليل كما سمعتم عليل، هو تَعَيَّن بالتعيين، ولكن أقام مقامه البدل فبرئت ذمته، فإذا عاد هذا الذي ضل فإنه يعود على ملك صاحبه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (والأضحية سُنَّة) الأضحية هي: ما يذبح من النعم في أيام الأضحى تقربًا إلى الله عز وجل.
هذه هي الأضحية.
الجزء: 1 - الصفحة: 4150
فقولنا: (ما يذبح في أيام الأضحى) خرج به ما يذبح في غير أيام الأضحى، فإنه ليس بأضحية حتى ولو ذبح ضحى، فالعقيقة مثلًا إذا ذبحناها في الضحى في غير أيام الأضاحي لا تُسَمَّى أضحية؛ لأن الأضحية إنما تكون في أيام الأضحى.
وقولنا: (تقربًا إلى الله) خرج به ما لو ذبح وليمة عرس في أيام الأضحى فإنها ليست بأضحية، لا بد أن ينوي بذلك التقرب إلى الله عز وجل بهذا الذبح.
قال: (سُنَّة) سنة مؤكدة جدًّا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم داوم عليها وضحى عشر سنوات، وحثَّ عليها صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى قال: «مَنْ وَجَدَ سِعَةً وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (20)، وكان يظهرها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام، حتى إنه يخرج بأضحيته إلى المصلى ويضحي بالمصلى، ولهذا اختلف العلماء هل هي سنة أو واجبة؟
فذهب أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه إلى أنها واجبة، وأن القادر يأثم إذا لم يضحِّ، ومال شيخ الإسلام رحمه الله إلى هذا، وأن القادر إذا لم يضح فهو آثم؛ لأنها شعيرة ظاهرة قرنها الله تعالى بالصلاة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
والقول بالوجوب قوي للقادر؛ لكثرة الأدلة الدالة على عناية الشارع بها، واهتمامه بها، ولكن على من تُسَنُّ؟ أعلى الأحياء أم على الأموات؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4151
الجواب: أنها على الأحياء، سنة للأحياء وليست سنة للأموات؛ ولهذا لم يضحِّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أحد ممن مات له، لا ضحى عن زوجته خديجة وهي من أحب النساء إليه، ولا عن عمه حمزة وهو من أحب أعمامه إليه، ولا عن أحد من أولاده الذين ماتوا في حياته وأولاده بضعة منه، وإنما ضحى عنه وعن أهل بيته، ومن أراد أن يدخل الأموات في العموم فإن قوله قد يكون وجيهًا، ولكن تكون التضحية عن الأموات هنا تبعًا لا استقلالًا؛ ولهذا لا يشرع أن يضحى للإنسان الميت استقلالًا لعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن ضُحِّي عنه فقيل: تكون أضحية، وقيل: تكون صدقة، والفرق بينهما ظاهر، فإن الأضحية لها أجر أكثر من أجر الصدقة، المهم أن الأضحية سنة لمن؟
طلبة: للأحياء.
الشيخ: سنة للأحياء، أما الأموات فإن أوصوا بأن يُضحى عنهم نفذت الوصية لأنهم أوصوا بمباح، وإذا لم يوصوا بذلك فإنهم إن أراد الإنسان إدخالهم في لفظ أهل البيت فذلك وجيه، وإلا فإنه لا يضحى إلا عن الأحياء.
قال: (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها) ذَبْحُ الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها.
فلو قال شخص: أنا عندي خمس مئة ريال، هل الأفضل أن أَتَصَدَّق بها أو أن أضحي بها؟
قلنا: الأفضل أن تضحي بها.
فإن قال: لو اشتريت بها لحمًا كثيرًا أكثر من قيمة الشاة أكثر من الشاة أربع مرات أو خمس مرات، فهل هذا أفضل أو أن أضحي؟
قلنا: الأفضل أن تضحي؛ فذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وأفضل من شراء لحم بقدرها أو أكثر يتصدق به؛ وذلك لأن المقصود الأهم في الأضحية هو التقرب إلى الله تعالى بذبحها.
هذا هو الأهم قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37]
الجزء: 1 - الصفحة: 4152
فإن قال قائل: لو كان في المسلمين مَسْغَبة، وكانت الصدقة بالدراهم أنفع تَسُد ضرورة المسلمين، ففي هذه الحال نقول: دفع ضرورة المسلمين أولى؛ لأن فيها إنقاذًا للأرواح، وأما الأضحية فهي إحياء للسنة، لكن قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.
ثم قال المؤلف: (سُنَّ أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا) يعني: كيفية توزيع الأضحية.
طالب: قلنا بقول: (إن كان أنفع لها ويتصدق بها).
قلنا: القول الراجح.
الشيخ: يتصدق بها؛ أي: بالصوف.
الطالب: قلنا: القول الراجح هو مخير إما يتصدق بها أو يأخذها، لو باعها.
الشيخ: لو باع هذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيه بأس.
الطالب: يجوز ذلك؟
الشيخ: يجوز.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ضُحِّيَ عن الميت استقلالًا ألا يقال: إنها بدعة؛ لأنه لم يرد عن الشرع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، فالتقيد بالحديث أولى يا شيخ.
الشيخ: بعض العلماء قال: إنها بدعة، وبعضهم قاسها على الصدقة، فالصدقة قد جاءت بها السنة.
الطالب: هو نوى أضحية يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، هو نوى أضحية، فيكون الأضحية من جملة المقصود بها نفع الفقراء.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- ذكركم باليوم بأنه لا بأس أن يبيع الإنسان صوفها، الفقهاء منعوا بيع الجلد؛ أي: الفرق بين الصوف والجلد.
الشيخ: نعم.
وسُنَّ أن يَأْكُلَ ويُهْدِيَ ويَتَصَدَّقَ أَثلاثًا وإن أَكَلَها إلا أُوقِيَّةً تَصَدَّقَ بها جازَ وإلا ضَمِنَها ويَحْرُمُ على مَن يُضَحِّي أن يَأْخُذَ في العَشْرِ من شَعَرِه أو بَشَرَتِه شَيْئًا.
(فصلٌ)
تُسَنُّ العَقيقةُ: عن الغلامِ شاتان وعن الجارِيَةِ شاةٌ تُذْبَحُ يومَ سابعِهِ.
فإن فاتَ ففي أربعةَ عَشَرَ، فإن فاتَ ففي أَحَدٍ وعشرينَ، تُنْزَعُ جُدُولًا ولا يُكْسَرُ عَظْمُها, وحُكْمُها كالأُضْحِيَةِ إلا أنه لا يُجْزِئُ فيها شِرْكٌ في دَمٍ، ولا تُسَنُّ الفَرَعَةُ ولا العَتيرةُ.
(كتاب الجهاد)
الجزء: 1 - الصفحة: 4153
وهو فَرْضُ كِفايةٍ، و (يَجِبُ) إذا حَضَرَه، أو حَصَرَ بلدَه عَدُوٌّ، أو اسْتَنْفَرَه الإمامُ، وتَمامُ الرِّباطِ أربعون يَوْمًا، وإذا كان أبواه مُسلِمَيْنِ لم يُجاهِدْ تَطَوُّعًا إلا بإذْنِهِما،
هذا هو الأهم، قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].
فإن قال قائل: لو كان في المسلمين مسغبة، وكانت الصدقة بالدراهم أنفع، تسد ضرورة المسلمين، ففي هذه الحال نقول: دفع ضرورة المسلمين أوْلى؛ لأن فيها إنقاذًا للأرواح، وأما الأضحية فهي إحياء للسنة، لكن قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.
ثم قال المؤلف: (وسن أن يأكل ويُهدي ويتصدق أثلاثًا) يعني كيفية توزيع الأضحية، أفاد المؤلف بقوله.
الطالب: قلنا في قوله: إن كان أنفع لها ويتصدق بها.
الشيخ: نعم.
الطالب: قلنا: القول الراجح.
الشيخ: (يتصدق به) أي بالصوف.
الطالب: إي نعم، قلنا القول الراجح: هو مخير إما يتصدق بها أو يأخذها.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو باعها.
الشيخ: لو باع هذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيه بأس.
الطالب: يجوز ذلك؟
الشيخ: يجوز نعم.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ضُحي عن الميت استقلالًا، ألا يقال إنها بدعة، فإنه لم يرد عن الشرع النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعلها، نتقيد بالحديث أو لا يجوز؟
الشيخ: بعض العلماء قال: إنها بدعة، وبعضهم قاسها على الصدقة، فالصدقة قد جاءت بها السنة.
الطالب: وهو نوى أضحية يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، هو نوى أضحية، فيكون الأضحية من جملة المقصود بها نفع الفقراء.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ذكرتم في اليوم بأنه لا بأس بأن يبيع الإنسان صوفها، الفقهاء منعوا بيع الجلد، أي فرق بين الصوف والجلد؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4154
الشيخ: تعرف أن الفقهاء يقولون: حتى الصوف ما يجوز بيعه.
يقول: إذا جز صوفها؛ لأنه أنفع، فهل يجوز أن يبيعه؟ المذهب لا يجوز، يتصدق به، ولا يجوز بيعه، لكن القول الراجح أنه يجوز أن يتصدق به.
طالب: والجلد؟
الشيخ: الجلد جزء من اللحم، تدخله الحياة، وليس في حكم المنفصل بخلاف الصوف فهو يشبه اللبن، لو كان فيها لبن وحلبه فله أن يبيعه، وله أن يتصدق به، وله أن يشربه.
طالب: بارك الله فيكم، قول المؤلف: (ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية)، يخرج منه الهدي الواجب؟ هدي التمتع الواجب؟
الشيخ: لا، يدخل في هذا.
الطالب: لا بد من تعيينه.
الشيخ: كيف لا بد؟ لا، ما هو لا بد، قلنا: كل أضحية أو هدي إذا ذبحها بالنية تعيَّنت.
الطالب: بمجرد الشراء يا شيخ قلنا قبل ..
الشيخ: لا، بمجرد الشراء ما يكون، لا بد أن يعين.
الطالب: قبل التعيين يا شيخ ( ... ) (وإن تعيبت بعد تعينها ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) مثلنا بالهدي.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
الطالب: مثلنا بالهدي.
الشيخ: هذا صحيح، هذه واجبة في ذمته؛ يعني معناها أنه في ذمته يجب أن يذبح شاة.
الطالب: بمجرد الشراء؟
الشيخ: لا، ما هي بالشراء، ما هي بالشاة المعينة، أن يذبح شاة غير معينة.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: قد يدفع، وقد لا يدفع.
الطالب: يدفع ( ... ).
الشيخ: إذا دفع، لا بأس طيب.
الطالب: هذا يعتبر بيع؟
الشيخ: لا، ما باعك، هو دفع للذي أعطاه خيرًا منها.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: إي، لكن ما دخل عليه الآن، ما هو بيع، هذا شراء، اشتراط زائد.
طالب: قلنا: يا شيخ القول الراجح أنه يجوز لصاحب الأضحية أن يبيع صوفها، فهل يعطيه الجزار؟
الشيخ: الجزار؟
الطالب: الجازر.
الشيخ: منين؟
الطالب: من الصوف؟
الشيخ: إي، إذا قلنا: بجواز بيعه ملكه، يعطي الجازر، ويشتري بها خبز زي ما هو ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 4155
طالب: قلنا: يا شيخ، يجوز الانتفاع بالصوف، إذا جاز الانتفاع بالجلد، فبالصوف أوْلى، لكن هذا يا شيخ بعد الموت ما هو قبل الموت.
الشيخ: أيوه.
طالب: والانتفاع بالصوف ..
الشيخ: الصوف أصله ما يُجَز، لا يمكن جزه إلا إذا كان أنفع لها.
الطالب: فإذا كان أنفع لها؟
الشيخ: إذا كان أنفع لها وجزه، وأراد أن يبيعه أو يتصدق به أو ينتفع به فله ذلك.
طالب: الدليل على جواز الانتفاع به؟
الشيخ: أنه جزء منفصل كاللبن كما أنه إذا حلبها بعد التعيين، فإن اللبن له، يتصرف فيه كما شاء.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين، والأضحية سنة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وسُن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا، وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وإلا ضمنها، ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره وبشرته شيئًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قل لنا بماذا يتعين الهدي؟
طالب: يتعين الهدي أولًا: بالقول، بأن يقول: هذا هدي، ثانيًا: يتعين بالفعل المختص به كالإشعار والتقليد.
الشيخ: إذن يتعين بالقول، وبالفعل الدال عليه، الدال على التعيين، والأضحية، الأخ؟
طالب: الأضحية ..
الشيخ: بماذا تتعين؟ قل بارك الله فيك بماذا تتعين؟
طالب: من الأنعام.
الشيخ: لا، لست أسأل ما الذي يُضحَّى به، أسأل بماذا تتعين الأضحية؟ إنسان عنده شاة متى تكون أضحية لازمة؟
طالب: تتعين بقوله: هذه أضحية.
الشيخ: بقوله: هذه أضحية؛ يعني بالقول، تتعين بالقول، وهل تتعين بالفعل؟
طالب: لا تتعين.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لا إشعار ولا تقليد.
الجزء: 1 - الصفحة: 4156
الشيخ: لأنه لا يسن لها إشعار ولا تقليد، لكن لو فُرض أن هناك علامة خاصة في الأضحية يضعها الناس، ويرون أن ما حصل له هذه العلامة فهو أضحية تعيَّنت؛ يعني معناه كل فعل يدل على التعيين فإن التعيين به.
هل يجوز بيع الأضحية؟
طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: إن باعها للانتفاع بثمنها فلا يجوز، أما إن باعها ليشتري خيرًا منها، فهذا جائز.
الشيخ: إي؟
طالب: لا يجوز بكل حال يا شيخ.
الشيخ: لا يجوز بكل حال، على القول الصحيح.
هل يجوز إبدالها؟
طالب: يجوز إبدالها بخير منها.
الشيخ: يجوز إبدالها بخير منها.
ما هو الدليل على منع البيع؟
طالب: الدليل من الأثر والنظر، فأما النظر بأنه زاد ( ... )، وأما الأثر ..
الشيخ: هذا الدليل على إبدالها بخير منها.
ما الدليل على تحريم بيعها؟
الطالب: الدليل على تحريم بيعها بأنها تعينت لله عز وجل.
الشيخ: أخرجها لله فلا يجوز له الرجوع فيها.
الطالب: كمن هاجر لله من مكان من بلاد كفر، فلا يجوز له أن يرجع إلى هذا البلد ..
الشيخ: ولا فيه دليل؟
الطالب: نعم، يوجد دليل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر لا، عندما ..
الشيخ: حين حمل على فرس ..
الطالب: حين حمل على فرس في سبيل الله فقال له: «لَا تَشْتَرِهْ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ ( ... )» (1).
الشيخ: والبيع نوع؟
الطالب: من العود.
الشيخ: نوع من الرجوع في الصدقة، إبدالها بخير منها، ما هو الدليل على جوازه؟
طالب: عندما قال أحد الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم: لئن فتح الله على يديك بيت المقدس.
الشيخ: لا، فتح الله عليك؟
الطالب: أيوه، بيت المقدس.
الشيخ: الرسول ما فتح له بيت المقدس.
الطالب: بلاد الشام.
الشيخ: ولا بلاد الشام.
طالب: لأصلين في بيت المقدس.
الجزء: 1 - الصفحة: 4157
الشيخ: قال: إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس إن فتح الله عليك مكة، فماذا قال له؟
الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا».
الشيخ: «صَلِّ هَاهُنَا».
كمل.
الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا».
الشيخ: فأعاد فقال؟
الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا».
الشيخ: فأعاد ثلاثًا فقال: «شَأْنكَ» (2). هل يجوز أن يعطي الجازر شطره منها؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، كيف؟ ! ما هو الدليل أو التعليل؟
طالب: التعليل بأنها معاوضة؛ ولأنها لله خالصة.
الشيخ: وإعطاؤه أجرته منها نوع من البيع؛ لأنه كأنه باعها في الواقع، باعها بالمنفعة التي انتفعها من هذا الجزار.
هل يجوز أن يُهدي له؟
طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: يجوز الهدية إن كان غنيًّا يهدي، وإن كان فقيرًا فلا يجوز، استحق عليه الإثم.
الشيخ: بشرط ألا ينقص ذلك من الأجرة شيئًا، كذا؛ لأنه اشترط ألا ينقص من الأجرة من أجل هديته أو صدقته.
يترتب على قولنا: إنها تتعين بالتعيين ما سمعتم أنه لا يجوز بيعها، ولا إبدالها إلا بخير منها، ولا يجز صوفها إلا إذا كان أنفع لها، ومما يترتب عليه لو تعيبت؟
طالب: التعيب فيها فيه تفصيل، إذا كان التعيب بإهمال منه فإنه يضمنها.
الشيخ: إذا كان بفعله أو تفريطه.
الطالب: بفعله أو تفريطه يضمنها؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان تركها في يوم بارد بدون مأوى يقيها من البرد، والثاني: تعيبت بغير فعله.
الشيخ: ولا تفريطه.
الطالب: ولا تفريطه، فإنه لا يضمنها، وتجزئه حتى لو اختل شرط من شروط الأضحية.
الشيخ: لماذا يكون بالأول يضمنها، وفي الثاني لا يضمنها؟
طالب: لأن الأول يضمنها؛ لأنها بتفريطه وبفعله واختياره، والثاني لا يضمنها؛ لأنها بغير إرادته.
الشيخ: وهي عنده أمانة، هي عنده بمنزلة الأمانة.
لو كانت واجبة في ذمته قبل التعيين، هل تجزئ إذا تعيبت؟
طالب: لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ، لماذا؟
الطالب: لأنها واجبة من الأصل.
الجزء: 1 - الصفحة: 4158
الشيخ: لأنها واجبة في ذمته سليمة، فيجب أن يذبحها سليمة، إذا ذبح بدلها، فهل له أن يسترجعها هي؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: وما هو الصحيح؟
الطالب: الصحيح أن له أن يستفيد منها.
الشيخ: أن له أن يسترجعها، صحيح، وكذلك لو ضاعت فإنه يذبح بدلها إذا كانت واجبة في ذمته قبل التعيين، فإن رجعت فهي ملكه على القول الراجح.
يقول المؤلف: إن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها، فلماذا؟
طالب: لأن في ذبح الأضحية تقرب إلى الله عز وجل بإظهار شعيرته.
الشيخ: بالذبح.
وإذا تصدق بثمنها هل يجزئ عن الأضحية؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا يجزئ، أحسنت؛ لأن ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].
قال: (وسُنَّ أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا)
(سُنَّ) أي شرع، لا على وجه الوجوب، بل على وجه الاستحباب، أن يقسمها -أي الأضحية- أثلاثًا، فيأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، والفرق بين الهدية والصدقة، أن ما قُصد به التودد والألفة فهو هدية، لما جاء في الحديث: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (3)، وما قُصد به القربة إلى الله فهو صدقة، وعلى هذا فتكون الصدقة للمحتاج، والهدية للغني.
وقوله: (أثلاثًا) أي ثلث للأكل، وثلث للهدية، وثلث للصدقة؛ لأجل أن يكون انتفاع الناس على اختلاف طبقاتهم في هذه الأضحية، يعني يكون الانتفاع بهذه الأضحية شاملًا لجميع الطبقات، وقدَّم الأكل؛ لأن الله قدمه، فقال: ﴿كُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28].
الجزء: 1 - الصفحة: 4159
وقول المؤلف: (يُسن أن يأكل)، ظاهره أنه لو تصدق بها كلها فلا شيء عليه، ولا إثم عليه، وهذا بناء على أن الأكل من الأضحية سُنَّة كما هو قول جمهور العلماء، وقال بعض أهل العلم: بل الأكل منها واجب يأثم بتركه؛ لأن الله أمر به، وقدمه على الصدقة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة، فجعلت في قدر فطُبخت، فأكل من لحمها، وشَرب من مرقها (4). قالوا: وتكلف هذا الأمر أن يأخذ من مئة بعير مئة قطعة، تطبخ في قدر، ويأكل منها تدل على أن الأمر في الآية الكريمة للوجوب؛ ولأن هذا من باب التمتع بنعم الله عز وجل، فيدخل في قوله: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (5). وعلى كل حال لا ينبغي للإنسان أن يدع الأكل من أضحيته، واستحب بعض العلماء أن يأكل من كبدها، وعلل ذلك بأن الكبد أسرع نضوجًا؛ لأنها لا تحتاج إلى طبخ كبير، فإذا اختار أن يأكل منها وطبخها، صار من الذين يبادرون بالأكل من أضاحيه، والمبادرة بالمأمور به أفضل من التأخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 4160
وقول المؤلف: إنه يُهدي ويتصدق ويأكل أثلاثًا، هو ما اختاره أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله، وقيل: بل يأكل ويتصدق أنصافًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36]، ولم يذكر الله تعالى الهدية، والهدية من باب جلب المودة، وتحصل بهذا أو بغيرها، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن والسنة، لكن مع ذلك إذا اعتاد الناس أن يتهادوا في الأضاحي، فإن هذا من الأمور المستحبة لدخولها في عموم الأمر بما يجلب المودة والمحبة بين الناس، ولا شك أنك إذا أهديت من لحم الأضاحي في أيام الأضحية إلى غني أنها تقع في نفسه موقعًا أعظم مما لو أعطيته ما يقابلها من الطعام كالتمر والبر وما أشبه ذلك، وإذا كان في هذه المصلحة فهي مطلوبة، لكن تحديدها بالثلث يحتاج إلى دليل من السنة، وقد عرفتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتصدق، بل تصدق بكل لحم الإبل في الهدي إلا القطع التي اختارها صلى الله عليه وسلم أن تجمع في قدر وتطبخ.
وقوله: (يسن أن يأكل ويهدي ويتصدق) ظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم في كل أضحية، حتى الواجبة بالنذر، فإنه يأكل منها ويُهدي ويتصدق، وهو صحيح بخلاف الواجب في الهدي فإنه لا يأكل منه إذا كان جبرانًا، ويأكل منه إذا كان شكرانًا، فدم الهدي التمتع والقِران يأكل منه، والدم الواجب لترك الواجب أو فعل المحظور لا يأكل منه، والفرق أن الثاني كفَّارة، والأول شكر؛ فلذلك أكل النبي عليه الصلاة والسلام من هديه وهو واجِب بالقِران، إذن الأضحية يأكل منها سواء كانت واجبة بالنذر، أو غير واجبة، وأما الهدي ففيه التفصيل.
ما وجب لفعل محظور أو ترك واجب فإنه أيش؟
طلبة: لا يأكل ..
الجزء: 1 - الصفحة: 4161
الشيخ: لا يأكل منه؛ لأنه يقع موقع الكفارة، وما وجب لشكر النعمة كهدي التمتع والقران فإنه يأكل منه كما جاءت بذلك السنة، أما التطوع فلا شك، ولا إشكال فيه؛ أنه يأكل منه، ويتصدق ويهدي.
ظاهر كلام المؤلف أيضًا أنه لو كانت الأضحية ليتيم فإنه يأكل منها ويهدي ويتصدق.
وقال بعض العلماء: إذا كانت ليتيم فإنه لا يأكل منها، ولا يهدي، ولا يتصدق إلا مقدار الواجب فقط، وهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع به، ولكن الصحيح أنه متى قلنا بجواز الأضحية في حق اليتيم فإنه يُعمل فيها ما جاءت به الشريعة فيُؤكل منها ويُهدى ويُتصدق، ولكن هل يُشرع أن نُضحي من مال اليتيم؟
في هذا تفصيل: إن جرت العادة بأنه يُضحَّى من أموال اليتامى، وأنه لو لم يُضَحَّ من أموالهم لانكسرت قلوبهم، فهنا ينبغي أيش؟ أن يُضحَّى من ماله كما أننا نشتري له للعيد ثوبًا جديدًا مع أن عنده ثوبًا يكفيه، لكن نشتري له الثوب الجديد من أجل أن يواسي غيره من الناس؛ فهي إذن -أعني الأضحية- من باب النفقة بالمعروف، فإذا كان من المعروف عند الناس أنه يضحى للأيتام فليضحِّ ولو من ماله، وهذا يقع في الصورة التالية؛ مثلًا إذا قلنا: هذا البيت أيتام، ليس عندهم إلا أمهم، وأمهم فقيرة، ولكن الأيتام لهم أموال ورثوها من إخوانهم، أو من أعمامهم، أو من أي إنسان، المهم عندهم مال، فهل نضحي من أموالهم لهم وندفع إليهم الأضحية ليضحوا بها، ويفرحوا بها مع الناس أو نقول: هذه أموال يتامى لا يجوز أن نتبرع منها بشيء؟ أيهما؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ لأن المال يخدم الإنسان، فإذا كان هؤلاء اليتامى، لو لم تدخل عليهم شاة الأضحية، ولم يأكلوا اللحم مع الناس لانكسرت قلوبهم؛ فإنه يُضحَّى عنهم من مالهم.
ثم قال المؤلف: (وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز) (إن أكلها): الضمير يعود على الأضحية؛ يعني أكلها كلها، ولم يتصدق بمقدار أوقية.
الجزء: 1 - الصفحة: 4162
فإنه يضمن الأوقية، والأوقية معيار معروف من الكيلو أو نحو ذلك، المهم أنه معيار؛ يعني صنجة يُوزن بها، وهي أقل ما يكون من التقدير في الموزونات، وعبَّر بعض العلماء بقوله: وإن تصدق بها إلا أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ فإنه لا حرج عليه، لكن لو أكلها جميعًا فإنه يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم، مثال ذلك: رجل ضحى بشاة، وجعلها في الثلاجة كلها، وأكلها، ماذا نقول له؟ نقول: يجب عليك الآن أن تتصدق بأقل ما يقع عليه اسم اللحم، اشترِ اللحم من السوق، وتصدَّق به من أجل حق مَنْ؟
طلبة: الفقراء.
الشيخ: الفقراء (فإن أكلها إلا عضدها أجزأه ذلك)؛ لأن العضد يقع عليه اسم اللحم.
يقول رحمه الله: (ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئًا) قال المؤلف: (يحرم على من يضحي).
طالب: وإلا ضمنها.
الشيخ: إي نعم، ذكرناها (وإلا ضمنها) ومثَّلنا بها، قلنا: (وإلا ضمنها) أي ضمن الأوقية على تقدير المؤلف أو أقل ما يقع عليه اسم اللحم، على ما ذكرنا.
قال: (ويحرُم على من يضحي أو يضحى عنه) إلى آخره.
الحرام: هو الذي يُثاب تاركه لله، من تركه لله أُثيب، وإن فعله أيش؟
طالب: عُوقب.
الشيخ: استحق العقاب على فعله.
وقوله: (يحرم على من يضحي)، إذا قال: ما هو الدليل؟ نقول: الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ بَشَرِهِ، وَلَا مِنْ ظُفُرِهِ شَيْئًا» (6).
فقال: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ».
والأصل في النهي التحريم، هذا الدليل.
الجزء: 1 - الصفحة: 4163
لكن ما هي الحكمة؟ الحكمة أن الله سبحانه وتعالى برحمته لما خص الحجاج بالهدي، وجعل لهذا النسك -أعني نسك الحج- محرمات ومحظورات، وهذه المحظورات إذا تركها الإنسان لله أُثيب عليها، الذين لم يحرموا بحج ولا عمرة شُرع لهم أن يضحوا في مقابل أيش؟
طالب: الهدي.
الشيخ: في مقابل.
طلبة: الهدي.
الشيخ: الهدي، وشُرع لهم أن يتجنبوا الأخذ من الشعور والأظفار والبشرة؛ لأن المحرم لا يأخذ من شعره شيئًا؛ يعني لا يترفه.
فهؤلاء أيضًا مثله، وهذه من عدل الله عز وجل وحكمته، كما أن المؤذن يُثاب على الأذان، وغير المؤذن يثاب على المتابعة، شرع له أن يتابع.
إذن الدليل الحديث: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ»، والتعليل أن يعطى أهل الأمصار شيئًا مما يعطاه أهل المشاعر.
وقول المؤلف: (يحرم) هذا أحد القولين في المسألة، والقول الثاني أنه يكره، وليس بحرام، ولكن الذي يظهر أن التحريم أقرب؛ لأنه الأصل في النهي؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكد النهي بقوله: «فَلَا يَأْخُذَنَّ» والنون هذه للتوكيد؟
وقول المؤلف: (على من يُضحِّي)، يفهم منه أن من يُضحَّى عنه، فلا حرج عليه أن يأخذ من ذلك، وهذا هو ظاهر الحديث أن التحريم خاص بمن؟
طالب: بمن يضحي؟
الشيخ: بمن يضحي، وعلى هذا فيكون التحريم مختصًّا برب البيت، وأما أهل البيت فلا يحرم عليهم ذلك، وهذا القول هو الراجح، ودليله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علق الحكم بمن؟
طلبة: بمن يضحي؟
الشيخ: بمن يضحي؟ فمفهومه أن من يضحى عنه لا يثبت له هذا الحكم، ودليل آخر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يضحي عن أهل بيته، ولم ينقل أنه كان يقول لهم: لا تأخذوا من شعوركم وأظافركم وأبشاركم شيئًا، ولو كان حرام عليهم ذلك لنهاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه.
فإن قال قائل: ما وجه قول من يقول: إنه يحرم على من يُضحي أن يضحى عنه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 4164
قلنا: وجهه أنهم قاسوا الْمُضحَّى عنه على المضَحِّي لاشتراكهم في الأجر، قالوا: كما أن المضحي يؤجر فالْمُضَحَّى عنه يؤجر أيضًا، فلما اشتركا في الأجر اشتركا في الحكم، فيقال: هذا القياس لا يصح؛ لأنه في مقابلة؟
طلبة: النص.
الشيخ: النص، وكل قياس في مقابلة النص فإنه فاسد الاعتبار؛ يعني غير معتبر ولا يُرجع إليه، ثم إن التساوي ممنوع؛ فإنهما وإن أُجِرا على هذه الأضحية فإن أجر من بذل المال، وتعب في ذبحها لا يساويه أجر من ضُحِّي عنه فقط، بل من بذل المال أكثر أجرًا ممن لم يبذله.
وقول المؤلف: أن يأخذ في العشر، ما المراد بالعشر؟ عشر ذي الحجة، إلى متى؟ إلى أن يضحي، فإن ضحى يوم العيد انفك ذلك عنه يوم العيد، وإن تأخر إلى اليوم الثاني أو الثالث لم ينفك عنه ذلك إلا في اليوم الثاني أو الثالث، المهم حتى يضحي.
وقول المؤلف: «مِنْ شَعْرِهِ أَوْ بَشْرَتِهِ».
الشعر معروف، وهو شامل للشعر المستحب إزالته والمباح إزالته، فلا يأخذ منه شيئًا.
مثال المستحب إزالته أيش؟
طلبة: الشارب.
الشيخ: الشارب، الإبط، العانة، لا يأخذ منها شيئًا في هذه الأيام، والمباح إزالته؟
طالب: الرأس.
الشيخ: كالرأس، فلا يحلق رأسه، ولا يقص منه شيئًا حتى يضحي.
وقوله: (أو بشرته) يعني جلده، لا يأخذ منه شيئًا، وهل يمكن للإنسان أن يأخذ من جلده شيئًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف يأخذ؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نقول: يمكن يأخذ إذا كان لم يختن، وأراد الختان في هذه الأيام، ماذا نقول له؟
طالب: لا ( ... ).
الشيخ: نقول: لا تختتن؛ لأنك ستأخذ من بشرتك شيئًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 4165
ثانيًا: بعض الناس يكون عنده غفلة، فتجده يأخذ من جلده، يقطع من جلده من عقب الرجل، هذا كثيرًا ما يكون، والإنسان الذي يعتاد هذا الشيء لا بد أن يصاب بتشقق العقب، فإن تركه سكن، وإن حارشه فتن عليه؛ يعني إن حركت هذا الجلد -جلد العقب- فثق بأنه سيتشقق، وإن تركته حتى ولو كان فيه جلد ميت، اتركه حتى لا يتشقق ويزيد.
سكت المؤلف عن شيء جاء به الحديث؛ وهو الظفر، ولا أعلم أن أحدًا من العلماء أهمل حكمه، ولعل المؤلف -رحمه الله- تركه اختصارًا؛ يعني ذكر شيئين مما جاء به الحديث وأسقط الثالث، ولكن الحكم واحد، فلا يأخذن من ظفره شيء، لو أنه انكسر الظفر وتأذى به، فهل يجوز أن يزيله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كل الظفر، أو ما يحصل به الأذية؟
طلبة: ما يحصل به الأذية.
الشيخ: ما يحصل به الأذية، ولا شيء عليه، وكذلك لو سقط في عينه شعرة، بعض الناس ينبت في داخل الجفن شعر، وتتأذى به العين، فيؤخذ بالمنقاش، فهل هذا حرام أو جائز؟
طالب: جائز.
الشيخ: لأنه لدفع أذاه، وعلم من كلام المؤلف أنه إذا أخذ شيئًا من ذلك، فلا فدية عليه، وهو كذلك، ولا يصح أن يُقاس على المحرم؛ لأن الاختلاف ظاهر، فالمحرم لا يحرُم عليه إلا أخذ الرأس، وما سواه فإنهم بالقياس، وهذا الحديث عام الرأس وغير الرأس.
ثانيًا: المحرِم، لا يحرم عليه أخذ شيء من بشرته، وهذا يأخذ.
ثالثًا: المحرِم عليه محظورات أخرى غير هذا؛ فالإحرام أشد وأوكد؛ فلذلك وجبت الفدية فيه، أما هذا فإنه لا فدية فيه، وهل لو أخذ الإنسان وتجاوز، هل تقبل أضحيته؟
طالب: نعم، تقبل.
الشيخ: نعم، تقبل، لكنه يكون عاصيًا، وأما ما اشتهر عند العوام أنه إذا أخذ الإنسان من شعره أو ظفره أو بشرته في أيام العشر فإنه لا أضحية له، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا علاقة بين صحة التضحية، والأخذ من هذه الثلاثة.
وإذا قُدِّر أن الرجل لم ينوِ الأضحية إلا في أثناء العشر، وقد أخذ من شعره وبشرته وظفره، فهل يصح؟
طلبة: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 4166
الشيخ: نعم، يصح، ويبتدئ تحريم الأخذ من حين نوى الأضحية.
باب العقيقة
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل تسن العقيقة) إلى آخره.
العقيقة (فَعِيلة) بمعنى (مَفْعُولة)، فهي عقيقة بمعنى معقوقة، والعَقُّ في اللغة: القطع، ومنه عق الوالدين أي: قطع صلتهما، والمراد بالعقيقة هنا الذبيحة التي تُذبح عن المولود سواء كان ذكرًا أم أنثى، وسميت عقيقة؛ لأنها تقطع عروقها عند الذبح، وهذه التسمية لا تشمل كل شيء؟
لأنه لو قال قائل: والذبيحة العادية تقطع عروقها، فهل يصح أن تسمى عقيقة؟
نقول: لا، لكن مناسبة التسمية، لا تنسحب على جميع ما وجد فيه هذا المعنى، ولهذا نسمي مزدلفة أيش؟
طالب: جمعًا.
الشيخ: جمعًا، ولا نسمي عرفة جمعًا، ولا نسمي منى جمعًا، فما سمي لمعنى من المعاني فإنه لا يقاس عليه ما شاركه في هذا المعنى، فيسمى بهذه التسمية، ولهذا لا نقول: مثلًا الأضحية عقيقة، ولا الهدي عقيقة، ولا ذبيحة الأكل عقيقة مع أن سبب تسمية العقيقة بذلك موجود في هذه.
وعندنا في لغتنا هنا في القصيم -وأظن في كل المملكة فيما أعلم- يسمون العقيقة تميمة، يقولون: لأنها تتمم أخلاق المولود، وأخذوا هذا من قوله في الحديث: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» (7)، فإن المعنى أنه محبوس ما هو عن شفاعة والديه كما ذكره الإمام أحمد رحمه الله، ولكن محبوس عن الانطلاق والانشراح، وكذلك عن الحماية من الشيطان.
إذن العقيقة ما تعريفها شرعًا؟ الذبيحة عن؟
طلبة: المولود.
الشيخ: عن المولود ذكر أو أنثى.
وقوله: (تُسن) تُسن لمن؟ للأب للأم، لمن؟ هي سنة في حق الأب، فإن لم يكن الأب موجودًا، فهل تسن في بقية العصبة أو في حق الأم؟
الظاهر أنها إذا لم يكن الأب موجودًا كما لو مات وهو حمل؛ يعني مات وابنه حمل، فإن الأم تقوم مقام الأب في هذه المسألة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4167
وقول المؤلف: (تسن العقيقة) هل يشترط في ذلك القدرة أو حتى للفقير؟ نقول: إذا كانت الواجبات الشرعية -وهي واجبات- يشترط فيها القدرة فالمستحبات من باب أولى، فالفقير لا نلزمه ونقول: اذهب واقترض، لكن إذا كان الإنسان لا يجد الآن إلا أنه في أمل الوجود كموظف ولد له ولد في نصف الشهر، وراتبه على قدر حاجته فهو الآن ليس عنده دراهم، لكن في آخر الشهر يجد الدراهم، هل نقول: اشترِ العقيقة أو اقترض ثمنها واشترِ به؟ يعني اشترها دينًا، أو اقترض ثمنها، واشترِ به حتى يأتيك الراتب، أو نقول: انتظر حتى يأتي الراتب؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني أحسن؛ لأنه يحصل به إبراء الذمة، ولا يدري الإنسان ربما فيما بين ولادة الشخص وبين حلول الراتب ربما يحصل أشياء تستلزم الأموال، يجي مرض، يجي لأهله مرض ينكسر عليه السيارة، وما أشبه ذلك، فالأولى أن يقال: لا تقترض حتى وإن رجوت الوفاء عن قرب انتظر في العقيقة ما هو لازم في اليوم السابع أو الرابع عشر أو الحادي والعشرين ما هو لازم.
ثم قال: (عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة) الغلام الذكر شاتان، وعن الجارية شاة، هكذا جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بين الذكر والأنثى، وهذا أحد المواضع التي يفضل فيها الذكر على الأنثى بالضعف.
وقوله: (عن الغلام شاتان) ينبغي أن تكون الشاتان متقاربتين سِنًّا وحجمًا وشبهًا وسِمنًا، كلما كانتا متقاربتين فهو أفضل، فإن لم يجد الإنسان إلا شاة واحدة أجزأته، وحصل بها المقصود، لكن إذا كان الله قدرنا فالثنتان أفضل.
(وعن الجارية شاة) الأنثى، وهذا أحد المواضع التي يكون الرجل فيها ضعف المرأة، فيه موضع آخر؟
طلبة: الفرائض.
الشيخ: الفرائض.
طالب: الدية.
الشيخ: الدية.
طالب: الشهادة.
الشيخ: الشهادة، الصلاة.
طلبة: ( ... ).
الجزء: 1 - الصفحة: 4168
الشيخ: ذكرنا ( ... ) الصلاة؛ لأن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، هذا المشهور عند أكثر العلماء، فإذا كانت امرأة تحيض أكثر الحيض كم لها من الصلاة؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: في كل شهر نصف شهر، يزيد الإنسان عليها بنصف شهر.
كذلك أيضًا في العطية، إذا أعطى الإنسان أولاده فإنه يُعطي الذكر مثل حظ الأنثيين.
طالب: العتق.
الشيخ: العتق أيضًا ورد به الحديث، أن عتق الذكر عن عتق جاريتين (8)، ثم قال: (تُذبح يوم سابعه) يعني يسن أن تذبح في اليوم السابع، فإذا وُلد يوم السبت فتذبح.
طالب: يوم الأحد.
الشيخ: لا، يوم الأحد كيف؟ هذا التاسع؟ !
طلبة: الجمعة.
الشيخ: تُذبح يوم الجمعة؛ يعني قبل يوم الولادة بيوم، هذه القاعدة، إذا ولد في الخميس فهي يوم.
طلبة: يوم الأربعاء.
الشيخ: الأربعاء، وهلم جرًّا.
والحكمة من أنها تكون في اليوم السابع؛ لأن اليوم السابع تختم به أيام السنة كلها، أليس كذلك؟ إذا وُلد يوم الخميس مر عليه الخميس والجمعة والسبت والأحد والإثنين والثلاثاء أيش؟ والأربعاء، فبمرور هذه الأيام أيام السنة يتفاءل هذا الطفل ويطول عمره.
فلهذا كانت في اليوم السابع، وبناءً على هذا التعليل إن صح والعلة الشرعية لو مات الطفل قبل اليوم السابع فإنها تسقط العقيقة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ» (7)، ولكن هذا التعليل قد يكون الإنسان في شك منه، ويقول: إن الرسول اختار اليوم السابع؛ لأن فيه أشياء كثيرة معلقة بالسبعة، ولنا بهذه الحكمة أولى، ولهذا تُسنُّ العقيقة ولو مات قبل اليوم السابع.
ولكن هل يُشترط أن يخرج حيًّا، أو يشترط أن تُنفخ فيه الروح فقط؟
من العلماء من قال بالأول، وقال: إذا نفخت فيه الروح، ثم خرج من بطن أمه ميتًا فإنه لا عقيقة له.
الجزء: 1 - الصفحة: 4169
ومنهم من قال: بل يعق عنه وإن خرج ميتًا إذا خرج بعد نفخ الروح؛ لأنه بعد نفخ الروح سوف يبعث؛ فهو إنسان، ترجى شفاعته يوم القيامة بخلاف من كان قبل نفخ الروح، فإنه لا يُعق عنه؛ لأنه ليس بإنسان، ولهذا لا يُبعث يوم القيامة، الجنين إذا سقط قبل نفخ الروح فيه فإنه لا يبعث؛ لأنه ليس فيه روح حتى تعاد إليه يوم القيامة.
إذن عندنا الآن ثلاث مراتب، بل أربع: خرج قبل نفخ الروح فيه؟
طلبة: لا عقيقة له.
الشيخ: فلا عقيقة له، خرج ميتًا بعد نفخ الروح؟
طلبة: فيه قولان.
الشيخ: فيه قولان للعلماء.
خرج حيًّا ومات قبل اليوم السابع، فيه أيضًا قولان، لكن القول بالعق أقوى من القول بالعق في المسألة التي قبلها.
بقي إلى اليوم السابع ومات في اليوم الثامن.
طلبة: يُعق عنه.
الشيخ: يُعقُّ عنه قولًا واحدًا.
ذكر المؤلف الشارح أنه يسمى في هذا اليوم، يوم السابع، ومحل ذلك ما لم يكن الاسم قد هُيِّئ قبل الولادة، فإن كان قد هيئ قبل الولادة فإنه يُسمى في يوم الولادة، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل ذات يوم على أهله فقال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» (9)، فسماه من حين ولادته؛ لأنه قد هيأ الاسم.
طالب: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ» (6) والأمر قلنا: إذا كان من باب الآداب فهو للاستحباب إلا بقرينة، ما هي القرينة التي جعلت الأمر للتحريم؟
الشيخ: النهي، ذكرنا أن التأكيد: «لَا يَأْخُذَنَّ» يدل على ذلك، ثم إن هذا من باب التعبد؛ لأن تركك إياها امتثالًا لأمر الله تعبد بخلاف الآداب التي تكون بين الناس من أجل احترام الناس بعضهم لبعض وما أشبه ذلك، فالأقرب التحريم، وإن كان الكراهة محتملة.
طالب: هل يسن أن يذبح الإنسان عقيقة عن نفسه إذا ما عق عنه والداه؟
الشيخ: إي، تأتي إن شاء الله تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 4170
طالب: شعر المسلم الأصل فيه جواز إزالته أو لا؟
الشيخ: الشعور ثلاثة أقسام: ما يحرم إزالته، وما يُشرع إزالته، وما سُكت عنه، فالذي يشرع إزالته الشارب، ويش بعد؟
طالب: والإبط.
الشيخ: والإبط.
طالب: والعانة.
الشيخ: والعانة.
والذي تحرم إزالته اللحية.
طالب: والحاجبين.
الشيخ: لا، ما تحرم، اللي يحرم النمص الذي هو النتف، وما سُكت عنه فهو ما سوى ذلك، فقال بعض العلماء: إنه لا تجوز إزالته؛ لأنه من تغيير خلق الله، والأصل في تغيير خلق الله، أيش؟
طلبة: التحريم.
الشيخ: التحريم؛ لأنه من أوامر الشيطان ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119]. وقال بعض العلماء: إن هذا مما سُكت عنه، وإنه لا يدخل في الآية، والدليل على أنه لا يدخل في الآية أن الشارع قسَّم أخذ الشعر إلى أقسام، أمر بأخذ الشارب والعانة والإبط، مع أنه من تغيير خلق الله، وأباح حلق الرأس، النص: احْلقه كله أو اتركه كله (10). ونهى عن حلق اللحية، فدل ذلك على أن أخذ الشعر لا يُعد من تغيير خلق الله، وعلى هذا فيقال: الأولى ألا يُزال، وأن يبقى على ما هو عليه إلا أن يكون في ذلك تشويه؛ لأنه يوجد مثلًا بعض النساء يكثر معها الشعر في الذراعين أو في الساقين، ولا ترغب ذلك، هذه نقول: لا بأس تأخذ، ما فيها شيء.
طالب: إذا وكل شخصًا ليذبح الهدي أو الأضحية، فهل هذا الموكل يلزمه ألَّا يأخذ من شعره؟
الشيخ: الوكيل عنه؟
الطالب: إي الوكيل.
الشيخ: لا، ما يلزمه، إذا وكَّل شخصًا يذبح له الأضحية، أو يشتريها ويذبحها أيضًا فلا يتعلق به الحكم؛ لأنه وكيل محض.
طالب: بارك الله فيكم، بالنسبة للترديد خلف المؤذن.
الشيخ: متابعة المؤذن.
الطالب: متابعة المؤذن، هل الأفضل أن يسمع الإنسان جميع الأذان أم يكفي أن يسمع البعض؟
الشيخ: الظاهر أنه إذا سمع البعض، قال ما سبق، ثم تابع.
الطالب: يا شيخ، والحديث يقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ» (11).
الجزء: 1 - الصفحة: 4171
الشيخ: نعم، هذا سمع المؤذن، سمع آخر الأذان.
طالب: هل يجزئ يا شيخ غير الشاة في العقيقة؟
الشيخ: يعني يقول: هل يجوز أن أعق ببعير؟ نقول: نعم، يجوز، لكن الشاة أفضل، لكنها البعير لا تجزئ إلا عن واحد، ما تجزئ عن سبع عقائق.
( ... )
يسأل، يقول: رجل قتل الآخر، وكانت زوجة المقتول من أقرباء القاتل، فطلب أولياء المقتول القصاص، وطلبت هي الدية، فهل يُنفَّذ به القصاص أم الدية؟ إحنا ما ذكرنا هذه؟
طلبة: نعم، ذكرناها.
الشيخ: ذكرناها وقلنا لكم: إن الله يقول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء﴾ [البقرة: 178] وشيء نكرة في سياق الشرط، وقلنا لكم: لو أنه لا يستحق من الميراث إلا واحدًا من ألف، وعفا سقط القصاص.
طالب: هي متهمة يا شيخ؛ لأنها من أولياء القاتل.
الشيخ: ولو اتهمت ما علينا، حتى لو صرحت قالت: عفوت ليسقط عنه القصاص ما فيه بأس.
أيش تسأل يقول: التكبير في الصلاة، هل يكون فعل التكبير أولًا أو النطق بالتكبير، وأيش الفرق بين فعل التكبير والنطق بالتكبير؟
طالب: هل يكون قبل النطق أم بعده؟
الشيخ: التكبير قبل النطق! ! التكبير هو النطق.
طلبة: رفع اليدين يا شيخ.
الشيخ: إي، رفع اليدين، رفع اليدين هذا له ثلاث صفات: تكبر ثم ترفع، أو ترفع ثم تكبر، أو يكون الرفع مع التكبير، كلها جاءت بها السنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 4172
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا ومحمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا بيان حكم العقيقة، وأنها سُنَّة مؤكدة، حتى إن الإمام أحمد رحمه الله قال: يقترض إذا لم يكن عنده مال، وأرجو أن يخلف الله عليه؛ لأنه أحيا سُنَّة، ولكن الصحيح -كما سبق- أنه إذا كان يرجو الوفاء عن قرب فلا بأس كموظف ليس عنده في الوقت الحاضر دراهم يقترض حتى يأتي الراتب، هذا لا بأس، وأما رجل لا يرجو الوفاء عن قُرب، وليس له مورد فلا ينبغي أن يقترض، وسبق لنا أنها عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، وسبق أن وقت ذبحها هو اليوم السابع، فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي واحد وعشرين، ثم لا تعتبر الأسابيع بعد ذلك، وسبق لنا أنها تطبخ أفضل منها نية بخلاف الأضحية، وذلك أنها طعام، فإذا أعطي صاحبه وهو جاهز مطبوخ كان أحسن، وسبق لنا أنه لا يُكسر لها عظم، وقد ورد فيه حديث، لكنه من مراسيل أبي داود ضعيف إلا أنه وردت آثار عن الصحابة أنه لا يُكسر لها عظم، وسبق لنا أنها كالأضحية في الأكل، والشرب، وغير ذلك؛ ولهذا قال المؤلف: وحكمها كالأضحية.
الجزء: 1 - الصفحة: 4173
إذا كانت كالأضحية فإنها لا تُجزئ إلا من بهيمة الأنعام، فلو عق بفرس لم يجزئ، ولا تجزئ حتى تبلغ السن المعتبر شرعًا، هذا الشرط الثاني، وهو في الضأن ستة أشهر، وفي الماعز سنة، وفي البقر سنتان، وفي الإبل خمس سنين، ولا تجزئ إلا سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء، مثل: العور البين، والمرض البين، والعرج البين والهزال، ولكن في الأضحية سبق أن الإبل أفضل إذا أخرجها كاملة، أما في العقيقة فإن الأفضل شاة أو شاتان؛ شاة للأنثى، وشاتان للذكر أفضل من البعير أو البعيرين؛ لأن ذلك هو الذي وردت به السنة، وفي هذا الحكم تخالف الأضحية، وسبق أيضًا أنها تخالفها في أنها تُوزع بعد الطبخ، وتنزع جدولًا، كذلك أيضًا تخالف الأضحية في قولهم (إلا أنه لا يجزئ فيها شِرْك في دم)، (إلا أنها) -أي العقيقة- (لا يجزئ فيها شرك في دم)، يعني فلا تجزئ البعير عن اثنين، ولا البقرة عن اثنين، وإذا لم تجزئ عن اثنين لا تجزئ عن ثلاثة، ولا عن أربعة من باب أولى.
قال العلماء: ووجه ذلك، أولًا: أنه لم يرد التشريك فيها، والعبادات مبنية على التوقيف.
ثانيًا: أنها فداء، والفداء لا يتبعض؛ لأنها فداء عن النفس، فإذا كانت فداء عن النفس، فلا بد أن تكون نفسًا، والتعليل الأول لا شك أنه هو الأصوب؛ لأنه لو ورد التشريك فيها بطل التعليل الثاني، فيكون مبنى الحكم على أيش؟
طالب: على النص.
الشيخ: على عدم ورود ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 4174
قال: (ولا تُسنُّ الفرَعة ولا العتيرة)، هاتان ذبيحتان معروفتان في الجاهلية، وقد اختلفت الأحاديث في إثباتهما أو نفيهما، ومن ثم قال المؤلف: (لا تسن الفرعة) الفرعة هي ذبح أول ولد للناقة، إذا ولدت الناقة أول ولد، فإنهم يذبحونه لآلهتهم تقربًا إليها، ومعلوم أن الإنسان لو ذبح على هذا الوجه لكان شِرْكًا أكبر، ما فيه إشكال، لكن لو ذبحها شكرًا لله على نعمته لكون هذه الناقة ولدت، فيذبح أول نتاج لها شكرًا لله عز وجل من أجل أن يبارك الله له في النتاج المستقبل، فهنا لا شك أن النية تُخالف ما كان أهل الجاهلية يفعلونه تمامًا، ولكنها توافق ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في الفعل، وإن اختلفت النية، فهل يقال: إنها من أجل ذلك ينهى عنها كما نهي عن الذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله، لكن هذا هو التعليل الصحيح؛ أنها مكروهة لولا أنه ورد في السنة ما يدل على الجواز.
وعلى هذا فنقول: إن ذبح الإنسان الفرَعة بقصد كقصد أهل الجاهلية فهو شرك محرم لا إشكال فيه، وإن ذبحها من أجل أن يكون ذلك شكرًا لله على هذا النتاج الذي هذا أوله، ولتحصل البركة في المستقبل، فهذا لا بأس به، ولكن هل هو سُنَّة؟ يقول المؤلف: (لا تُسنُّ الفرعة).
كذلك: (ولا العتيرة) (العَتِيرة) (فعِيلة) بمعنى (مفْعُولة) من العَتْر، وهي ذبيحة تُذبح في أول شهر رجب، وكانوا في الجاهلية يعظمون رجبًا؛ لأن رجبًا أحد الأشهر الأربعة الحرم التي هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكانوا يُعظِّمون هذا الشهر، وكانوا يخصونه بالعمرة أيضًا؛ فلذلك لهم عبادات في هذا الشهر؛ منها العتيرة، يذبحونها في أول رجب.
والمؤلف يقول: (لا تُسنُّ)، واستدل بالحديث المتفق عليه (12) وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» وفي رواية للنسائي: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ فِي الْإِسْلَامِ» (13). وتخصيص ذلك بالإسلام يوحي بأنها من خصال.
طلبة: الجاهلية.
الجزء: 1 - الصفحة: 4175
الشيخ: الجاهلية، ولهذا كره بعض العلماء، كره العتيرة بخلاف الفرعة؛ لأنه وردت بها السنة، أما العتيرة فكرهها وهي جديرة بأن تكون مكروهة.
لا، يعني الذبيحة في أول رجب لا سيما وأنه إذا ذُبح في أول رجب وقيل للناس: إن هذا لا بأس به، فإن النفوس ميَّالة إلى مثل هذه الأفعال، فربما يكون شهر رجب كشهر الأضحية، كشهر ذي الحجة، ويتكاثر الناس على ذلك، ويبقى مظهرًا ومشعرًا من مشاعر المناسك، وهذا لا شك أنه محظور، فالذي يترجح عندي أن الفرعة لا بأس بها لورود السنة بها، وأما العتيرة فإنها أقل أحوالها الكراهة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نفى ذلك وقال: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ».
وبهذا انتهى باب الأضاحي، وباب الهدي، وبه يتبين لنا أن الدماء المشروعة ثلاثة أقسام: هدي، وأضحية، وعقيقة.
هذه هي الدماء المشروعة، وأما وليمة العرس كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (14)؛ فإنها لا تختص ببهيمة الأنعام، تكون وليمة بهذا، وتكون وليمة بغير ذلك.
الذبائح المسنونة هي الهدي والأضاحي والعقيقة، وأما الوليمة التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، فهذا ليس خاصًّا ببهيمة الأنعام تكون وليمة بهذا، وتكون بالطعام، وتكون بالتمر، وبالحيس الذي يُخلط التمر وأقط وسمن، فهي لا تختص بهذا، لكن إذا أولم بشاة فلا بأس.
ما يفعله بعض الناس إذا نزل بيتًا جديدًا ذبح ودعا الجيران والأقارب، هذا لا بأس به ما لم يكن مصحوبًا بعقيدة فاسدة كما يُفعل في بعض الأماكن إذا نزل أول ما ينزل البيت يأتي بشاة، ويذبحها على العتبة -عتبة الباب- حتى يسيل الدم على العتبة، ويقول: إن هذا يمنع الجن دخول البيت، هذه عقيدة فاسدة، ليس لها أصل، لكن من ذبح من أجل الفرح والسرور، فهذا لا بأس به.
الجزء: 1 - الصفحة: 4176
أيضًا ما يفعله بعض الناس الآن إذا كان في رمضان، ذبحوا ذبائح، وقالوا: هذا عشان الأب، عشان الجد، عشان الأم، عشان الخالة، عشاء الوالدين جميعًا، هذا أيضًا ليس بمشروع إلا إذا ذبح الإنسان هذا من أجل اللحم، لا من أجل أن يتقرب إلى الله بالذبح، فإن كان هذا الثاني فإنه لا بأس به، قد يقول: أنا لا أريد أن أذهب إلى المجزرة، أريد أن أذبح الشاة عندي، وآكل لحمها فقط، لا تقربًا إلى الله بالذبح، ولا افتخارًا فيقال: ذبح عن أبيه شاة أو ما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به.
الهدي منه واجب، ومنه تطوُّع، الواجب هدي المتعة والقران، والتطوع أن يتقرب الإنسان إلى الله عز وجل بذبح شاة أو بقرة أو بعير في مكة ليتصدق بها على الفقراء بدون سبب، وأما الدم الواجب لفعل محظور أو ترْك واجب، فهذا يسمى فدية، ولا يأكل منه صاحبه شيئًا.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
[مدخل]
(كتاب الجهاد)
(الجهاد) مصدر (جَاهَد) الرباعي، وهو بذل الجهد في قتال العدو، هذا الجهاد، وينقسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام: جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المبارزين المعاندين، أما الأول -وهو جهاد النفس- فهو إرغامها، ومخالفتها في معصية الله؛ أي: إرغامها على طاعة الله ومخالفتها في الدعوة إلى معصية الله، وهذا الجهاد يكون شاقًّا على الإنسان مشقة شديدة لا سيما إذا كان في بيئة فاسقة؛ فإن البيئة قد تعصف به حتى ينتهك حرمات الله، وحتى يدع ما أوجب الله عليه، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه حينما رجع من غزوة تبوك قال: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» يعني جهاد النفس، لكن هذا الحديث غير صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 4177
أما النوع الثاني فهو جهاد المنافقين، وجهاد المنافقين يكون بالعلم لا بالسلاح؛ لأن المنافقين لا يُقاتَلون؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استؤذن أن يقتل المنافقون الذين عُلم نفاقهم، فقال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَضْحَابَهُ» (15) وهم لهم جهاد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: 73]، ولكن جهادهم بالعلم، ولهذا يجب علينا أن نتسلح بالعلم أمام المنافقين الذين يوردون الشبهات على دين الله ليصدوا عن سبيل الله، فإذا لم يكن لدى الإنسان علم فإنه ربما تكثر الشبهات والشهوات والبدع، ولا يستطيع أحد أن يردعها.
الثالث: جهاد المبارزين المعاندين المحاربين وهم الكفار الذين أعلنوا، وصرحوا بالكفر، وهذا يكون بماذا؟
يكون بالسلاح، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].
قد يقال: إنه يشمل النوعين؛ جهاد المنافقين بالعلم، وجهاد الكفار بالسلاح، ولكن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (16) يؤيد أن المراد بذلك؟
طالب: السلاح.
الشيخ: السلاح في المقاتلة، الجهاد يقول المؤلف: (فرض كفاية)، وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وصار في حقهم سنة، وهذا حكمه، أما مرتبته في الإسلام فقد سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ذُرْوَة سَنَامِ الْإِسْلَامِ» (17)، ذروة سنامه، والسَّنام: هو الشحم النابت فوق ظهر الجمل، وذروته أعلاها، وإنما جعله النبي عليه الصلاة والسلام ذروة سنام الإسلام؛ لأنه يعلو به الإسلام، ويرتفع به الإسلام، كما أن سنام البعير كان فوق مرتفعًا فهو له مرتبة، وله حكم، حكمه؟
طلبة: فرض كفاية.
الشيخ: ومرتبته؟
طلبة: ذروة سنام ..
الشيخ: أنه ذروة سنام الإسلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 4178
وقوله: (هو فرض كفاية) لا بد فيه من شرط؛ وهو الكفاية؛ أي بأن يكون عند الإنسان أو عند المسلمين قدرة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة، فإن إقحام أنفسهم بالقتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة؛ ولهذا لم يُوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة؛ لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة، وكونوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط أن يكون عند المسلمين قوة يستطيعون بها الجهاد وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات؛ لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] إذن لا بد من القدرة.
قال: (ويجب) يعني يجب الجهاد (إذا حضره) يعني يكون فرض عين إذا حضر الإنسان القتال؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15، 16].
وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن التولي يوم الزحف من الموبقات، حيث قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» (18) وذكر منها التولي يوم الزحف إلا أن الله تعالى استثنى حالين:
الأولى: أن يكون متحرفًا لقتال؛ بمعنى أن يذهب لأجل أن يأتي بقوة أكثر.
والثاني: أن يكون منحازًا إلى فئة؛ بحيث يُذكر له أن فئة من المسلمين من الجانب الآخر تكاد تنهزم، فيذهب من أجل أن يتحيز إليها تقويةً لها، وهذا الأخير يشترط فيه ألا يخاف على الفئة التي هو فيها، فإن خاف على الفئة التي هو فيها فإنه لا يجوز أن يذهب إلى الفئة الأخرى.
الجزء: 1 - الصفحة: 4179
إذن يكون في هذه الحال إذا حضر أيش؟
طالب: واجبًا.
الشيخ: واجبًا فرض عين، لا يجوز عنه الانصراف.
الثاني: إذا حصر بلده العدو يجب عليه القتال دفعًا عن البلد، وهذا يشبه من حضر الصف في القتال؛ لأن العدو إذا حصر البلد فلا بد من الدفاع؛ إذ إن العدو سيمنع الخروج من هذا البلد، وسيمنع الدخول إلى هذا البلد، وسيمنع ما يأتي لهم من الأرزاق، وغير ذلك مما هو معروف، ففي هذا الحال يجب أن يُقاتل أهل البلد دفاعًا عن بلدهم.
الثالث: قال: (أو استنفره الإمام) استنفر؛ أي: قال: انفروا، والإمام هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يُشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت منذ أزمان متطاولة، والنبي عليه الصلاة والسلام، قال: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ تَأَمَّرْ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» (19). فإذا تأمر إنسان على جهة ما صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، وأنتم تعلمون أنه مِنْ عَهْد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابن الزبير في الحجاز، وبنو مرْوان في الشام، والمختار بن عبيد وغيرهم في العراق، تفرَّقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يَدِينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة، وبهذا نعرف ضلال مَنْ؟
ضلال ناشئة نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد، نسأل الله العافية، وهؤلاء لا أدري هل يريدون أن تكون الأمور فوضى، ليس للناس قائد يقودهم؟ ! هل يريدون أن يقال: كل إنسان أمير نفسه؟ !
الجزء: 1 - الصفحة: 4180
هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية والعياذ بالله؛ لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن من استولى على ناحية من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها فهو إمام؛ إمام فيها، وقد نص على ذلك العلماء، مثل صاحب سبل السلام وقال: إن هذا لا يمكن الآن تحقيقه، وهذا هو الواقع الآن في البلاد التي في ناحية واحدة تجدهم يجعلون انتخابات، ويحصل صراع على السلطة، ويحصل رشاوى، وبيع ذمم، وإلى غير ذلك، فإذا كان البلد الواحد لا يستطيعون أن يولوا عليهم واحدًا إلا بمثل هذه الانتخابات المزيفة، فكيف بالمسلمين عمومًا؟ ! هذا لا يمكن.
إذن نقول: (إذا استنفره الإمام) وإمام كل ناحية من كان واليًا عليها الذي له السلطة العليا في هذه الناحية، إذا استنفره الإمام وجب عليه الخروج؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 38، 39] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (20). هذا من ناحية أدلة سمعية.
دليل عقلي: لأن الناس لو تمردوا في هذا الحال على الإمام لحصل الخلل الكبير على الإسلام؛ إذ إن العدو سوف يقدم، ويتقدم إذا لم يجد من يقاومهم ويدافع.
الجزء: 1 - الصفحة: 4181
بقي مسألة رابعة أو صورة رابعة: إذا احتيج إليه صار فرض عين عليه، كيف يحتاج إليه؟ يعني مثلًا هذا الرجل عندنا دبابات أو طائرات لا يعرف قيادتها إلا هذا الرجل، حينئذٍ يجب عليه أن يقاتل؛ لأن الناس محتاجون إليه، وهذا ربما نقول: إن هذه الصورة الرابعة أو المسألة الرابعة تُؤخذ من قولنا: إنه فرض كفاية؛ لأنه إذا لم يقم به أحد واحتيج إلى هذا الرجل، فهذا هو فرض الكفاية، يكون فرض عين عليه، والحاصل أن الجهاد يجب في أربع مسائل، يجب وجوب عين في أربع مسائل:
المسألة الأولى: إذا حضر القتال.
والثاني: إذا حصر بلده العدو.
والثالث: إذا استنفره الإمام.
والرابع: إذا احتيج إليه.
وما عدا ذلك فهو فرض كفاية.
ثم هل الجهاد يكون بالنفس أو بالمال أو بهما؟
طالب: بهما.
الشيخ: يكون بهما؛ تارة يجب بالمال في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه، وتارة يجب على البدن في حال من لا مال له، وتارة يجب بالمال والبدن في حال القادر ماليًّا وبدنيًّا، وكما تقرؤون القرآن، يذكر الله عز وجل الجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، وربما يقدم الجهاد بالمال في الآيات كلها، أو أكثرها يقدم الجهاد بالمال؛ لأن الجهاد بالمال أهون على النفوس من الجهاد بالنفس، وربما يحتاج الجند إلى المال أكثر مما يحتاجون إلى الرجال.
يقول: (وتمام الرباط أربعون يومًا) أفاد المؤلف أن هناك رباطًا، فما هو الرباط؟
الرباط مصدر رابط والرباط هو لزوم الثغر، الثغر: هو المكان الذي يُخشى دخول العدو منه إلى أرض المسلمين، وأقرب ما يقال فيه بالنسبة إلى واقعنا أنه الحدود، هذه الثغور، الثغور هي الحدود التي بين الأراضي الإسلامية والأراضي الكفرية.
الجزء: 1 - الصفحة: 4182
يُسن للإنسان أن يرابط؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [آل عمران: 200]، وأول ما يدخل في الآية الرباط على الثغور، يرابط الإنسان ليحمي بلاد المسلمين من دخول الأعداء، ويجب على المسلمين أن يحفظوا حدودهم من الكفار؛ إما بعهد وأمان، وإما بسلاح ورجال حسب ما تقتضيه الحال.
الرباط أقله ساعة؛ يعني لو ذهب الإنسان بالتناوب مع زملائه ساعة واحدة، حصل له أجره وتمامه أربعون يومًا، هكذا جاء في الحديث الذي يقول: رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب، لكن لو زاد على الأربعين، هل له أجر؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، له أجر لا شك، ثم هل يذهب بأهله إلى هذه الثغور ليسكنوا معه أو الأوْلى ألا يذهب بهم خوفًا عليهم؟
طالب: الثاني.
طالب آخر: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إذا كان الثغر مخوفًا، فلا ينبغي أن يذهب بأهله، وإذا كان غير مخوف؛ فالأولى أن يذهب بهم ليزداد طمأنينة؛ لأن الإنسان إذا كان بعيدًا عن أهله فإنه سوف يكون مشوش البال بالنسبة لحال أهله.
وتمام الرباط أربعون يومًا، إذن ما هو الرباط؟
طلبة: لزوم الثغور.
الشيخ: لزوم الثغور؛ أي الحدود بين المسلمين والكفار.
(وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعًا إلا بإذنهما) (إذا كان أبواه) أي أبوا الشخص؛ يعني أمه وأباه، وأطلق عليهما الأبوان من باب؟
طلبة: التغليب.
الشيخ: التغليب كما يقال: القمرانِ للشمس والقمر، ويقال: العمران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهم، فإذا كان الإنسان له أبوان مسلمان، وأراد الجهاد تطوعًا فإنه لا بد من إذنهما، فإن أذِنا له وإلَّا حرم عليه الجهاد.
الجزء: 1 - الصفحة: 4183
(كتابُ الْجِهادِ)
وهو فَرْضُ كِفايةٍ، و (يَجِبُ) إذا حَضَرَه، أو حَصَرَ بلدَه عَدُوٌّ، أو اسْتَنْفَرَه الإمامُ، وتَمامُ الرِّباطِ أربعون يَوْمًا، وإذا كان أبواه مُسلِمَيْنِ لم يُجاهِدْ تَطَوُّعًا إلا بإذْنِهِما، ويَتَفَقَّدُ الإمامُ جَيْشَه عندَ الْمَسيرِ، ويَمْنَعُ الْمُخَذِّلَ والْمُرْجِفَ، وله أن يُنَفِّلَ في بِدايتِه الربُعَ بعدَ الْخُمُسِ، وفي الرَّجْعَةِ الثلُثَ بعدَه، ويَلْزَمُ الجيشَ طاعتُه والصبرُ معَه , ولا يَجوزُ الغزوُ إلا بإذنِه - إلا أن يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخافونَ كَلَبَه.
وتُمْلَكُ الغَنيمةُ بالاستيلاءِ عليها في دارِ الحربِ، وهي لِمَنْ شَهِدَ الوَقعةَ من أَهْلِ القِتالِ،
مدخل
الطالب: