الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينكتاب البيع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهو مبادلةُ مالٍ ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممر في دار، بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب البيع، ذكره -أعني: كتاب البيع- بعد أن أنهى الكلام على العبادات، وذكرنا أن ترتيب الفقهاء رحمهم الله بدؤوا أولًا بماذا؟ بالعبادات، وأشرفها الصلاة، ومفتاحها الطهارة، فبدأوا بالطهارة، ثم بالبيع؛ لأن البيع يتوقف عليه أيش؟ مصالح البدن، وثم بعد ذلك بالنكاح؛ لأنه بعد أن يأكل الإنسان ويشرب ويتغذى يحتاج إلى نكاح، ثم بعد ذلك بالقصاص والدماء وغيرها.
المهم أن البيع جعلوه بعد العبادات؛ لأنه من ضروريات الحياة.
والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح؛ يعني: أدلته أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والنظر الصحيح.
أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].

الجزء: 2 - الصفحة: 626

وأما بالسنة فمثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا» (1)، والأحاديث في هذا كثيرة، مثل قوله: «لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (2). وأما الإجماع فمعلوم بالضرورة من دين الإسلام.
وأما النظر الصحيح فلأن الإنسان يحتاج إلى ما في يد غيره من متاع الدنيا، ولا وسيلة إلى ذلك إلا إما بالظلم وأخذه منه قهرًا، وإما بالبيع؛ فلهذا كان من الضروري أن يَحِلَّ البيع، فأحله الله عز وجل.
وفي حِلِّ البيع دليل على شمول الشريعة الإسلامية، وأنها ليست -كما قال أعداؤها- لا تُنَظِّم إلا المعاملات التي بين الخالق والمخلوق؛ بل هي تنظم المعاملات بين الخالق والمخلوق، وبين المخلوقين بعضهم مع بعض.
وتنظيمها للمعاملة بين المخلوقين بعضهم مع بعض من أهم الأمور؛ لأنه لولا ذلك لأكل الناس بعضهم بعضًا، واعتدى الناس بعضهم على بعض؛ فكان من الحكمة ومن مقتضى عدل الله عز وجل أن تُنظَّم المعاملات بين الخلق لئلَّا ترجع إلى أهوائهم وعدوانهم، ثم إن أطول آية في كتاب الله آية الدين، وهي في المعاملات بين الخلق، فكيف يقال: إن الشريعة الإسلامية هي تنظيم المعاملة بين الخالق والمخلوق؟ ولهذا قال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: عَلَّمَكُمْ نبيُّكم حتى الخِرَاءة؟ قال: أجل (3)، الخِراءة يعني: آداب قضاء الحاجة.
في السنة آداب قضاء الحاجة، في القرآن آداب الجلوس: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة: 11].
آداب الاستئذان، آداب الدخول: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61].
فالشريعة والحمد لله شاملة لكل شيء، لكن من الأشياء ما تنص عليه الشريعة بعينه، ومن الأشياء ما يكون داخلًا تحت قاعدة عامة من قواعد الشريعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 627

ولقد أخطأ من قال: إن النصوص لا تَفِي بعُشْر ما يحتاج الناس إليه، بل نقول: إن النصوص وافية بكل ما يحتاج الناس إليه، ولكن منه أشياء منصوص عليها، ومنه أشياء تدخل تحت القواعد العامة.
إذن حكم البيع الجواز بالكتاب والسنة والإجماع.
طلبة: والنظر الصحيح.
الشيخ: والنظر الصحيح.
عندي يقول في الشرح -نشوف كلام المؤلف في الشرح-: (جائز بالإجماع لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275])، بعضهم يقول: إن هذا التعبير فيه نظر، والصواب أن يقال: جائز بالكتاب والسنة والإجماع، لكن المؤلف له وجهة نظر، أراد أن يبدأ بالإجماع، ثم يذكر مستنده؛ لأن الإجماع قاطع للنزاع، بخلاف النص، النص قد يكون فيه مدخل لمُؤَوِّل فلا يوافقك مَنِ استدللت عليه به على ما استدللت به عليه، لكن الإجماع قاطع للنزاع، ولكلٍّ وجهة؛ مَنْ قال: ابدأ بالكتاب والسنة والإجماع فله نظر؛ لأن الكتاب أقوى الأدلة ثم السنة ثم الإجماع، والإجماع لا بد أن يكون له مستند من الكتاب السنة، إما معلوم وإما خَفِيٌّ على بعض الناس، وإلا فلا يمكن أبدًا أن يوجد إجماع بلا مستند من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم قال: (وهو مبادلة مال ولو في الذمة) إلى آخره، (هو) الضمير يعود على البيع، وقوله: (مبادلة) إلى آخره هذا تعريف له بالاصطلاح، وله تعريف في اللغة، تعريفه في اللغة أعم من تعريفه في الاصطلاح، وهكذا جميع الكلمات والحقائق التي لها حقائق لغوية وحقائق شرعية، تجد أن الحقائق اللغوية أوسع من الحقائق الشرعية إلا في بعض الكلمات؛ مثلًا الإيمان في اللغة محله القلب؛ لأنه إقرار القلب بالشيء، لكن في الشرع أعم؛ يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، بالإضافة إلى إقرار القلب، وهذا نادر، لكن فالأكثر أن تكون المعاني اللغوية أوسع من المعاني الشرعية.

الجزء: 2 - الصفحة: 628

إذن البيع في اللغة أعم من البيع شرعًا، فهو أَخْذ شيءٍ وإعطاء شيء، حتى ولو كان على سبيل العارية أو الوديعة، فإذا مددت إليك شيئًا أُعِيرُك إياه فهو بيع في اللغة؛ لأنه مأخوذ من الباع، إذ إن كل واحد من المتعاطيَيْنِ يمد باعه إلى الآخر.
لكن في الاصطلاح يقول: (مُبادَلَةُ مالٍ ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممرِّ دار بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض).
انتبه للشروط، نعم، أولًا: (مُبَادَلَةُ مَالٍ) ما المراد بالمال هنا؟ المال: كل عين مباحة النفع بلا حاجة؛ هي المال، فيدخل في ذلك الذهب، والفضة، والبُرُّ، والشعير، والتمر، والملح، والسيارات، والأواني، والعَقارات، وغيرها؛ كل عَيْنٍ مباحة النفع بلا حاجة.
انتبه، فقولنا: (مباحَة النفع) معناه أنه لا بد أن يكون فيها نفع؛ فالعين التي لا نفع فيها لا تدخل في هذا التعريف، الأعيان التي ليست فيها نفع لا تدخل في هذا التعريف، وقولنا: (مباحَة النفع) خرج به محرمة النفع؛ كآلات الزمر، والمعازف، فهذه لا تسمى مالًا، أو لا تدخل في اسم المال هنا.
وقولنا: (بلا حاجة) احترازًا مما يباح نفعه للحاجة أو للضرورة، فمثلًا الميتة تباح لكن متى؟ للضرورة، جلد الميتة إذا دبغ يباح للحاجة، وأيضًا مقيد؛ ما يباح استعماله إلا في اليابسات على المشهور من المذهب.
إذن لا بد من هذا القيد: (عين مباحة النفع بلا حاجة).
كلب الصيد؟ عين مباحة النفع لكن لحاجة، ولهذا قُيِّدَت منفعته بقيد معين، فتبين الآن ما هو المال هنا؟ كل عين مباحة النفع بلا حاجة.
وقوله: (ولو في الذمة)، (لو) تدل على أن هناك شيئًا مقابلًا، قوله: (ولو في الذمة) تدل على أن هناك شيئًا مقابلًا لما في الذمة، وهو كذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 629

والذي يقابل ما في الذمة هو المعيَّن؛ يعني المعين أو في الذمة؛ يعني: قد يقع العقد على شيء معين، وقد يقع العقد على شيء في الذمة، ويظهر هذا بالمثال؛ فإذا قلت: بعتك هذا الكتاب بهذا الكتاب، الكتاب الثاني أمامي، هذا أيش؟ طلبة: معين.
الشيخ: معين بمعين ليس في الذمة.
وإذا قلت: بعتك هذا الكتاب بعشرة ريالات، هذا معين بأيش؟ طلبة: بما في الذمة.
الشيخ: بما في الذمة، حتى وإن كنت قلت: عشرة ريالات؛ لأن ما عينتها، في ذمتي.
إذن قوله: (ولو في الذمة) أفادنا أن المال الذي يقع العقد عليه يكون معينًا ويكون في الذمة؛ مثال المعين: هذا الكتاب بهذا الكتاب، في الذمة: هذا الكتاب بعشرة دراهم، واضح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: ما هو بواضح.
الشيخ: كيف ما هو بواضح؟ الطالب: معيَّن.
الشيخ: معين بما في الذمة.
الطالب: غير واضح.
الشيخ: بعتك هذا الكتاب بعشرة ريالات، أين العشرة؟ الطالب: موجودة أمامي.
الشيخ: لا، لا ما هي أمامك، بعتك هذا الكتاب بعشرة ريالات فقلت: آتي بالعصر عشرة ريالات مثلًا، أو هي في مخباتي أيضًا ولكن ما أخرجتها من مخباتي وقلت: هذه الدراهم، هذا معين بأيش؟ بما في الذمة.
وقوله: (ولو في الذمة) ربما يشمل ما في الذمة بما في الذمة، وهو كذلك أيضًا، فأقول مثلًا: اشتريت منك كيلو من السكر بعشرة ريالات، ثم ذهب البائع يزن لي السكر، وأنا أخرجت الدراهم من جيبي وأعطيتها إياه، هنا العقد وقع على أيش؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لا.
الطلبة: على معين.
الشيخ: لا، ما فيه معين.
الطلبة: على ما في الذمة بالذمة.
الشيخ: هذا، وقع العقد على شيء في الذمة بشيء في الذمة، ما فيه إشكال -سيارة؛ جملة معترضة يا إخوان- واضح يا جماعة؟ ما هو بواضح، اللهم بَيِّن، اشتريت منك كيلو سكر بعشرة ريالات، فذهبت أنت تزن لي السكر، وأنا ذهبت أبغي أخرج الدراهم من جيبي، العقد أول ما وقع على أيش؟ طلبة: على شيء في الذمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 630

الشيخ: شيء في الذمة بشيء في الذمة، لكن لو أخرجت الدراهم العشرة وضعتها هنا على الماصة وأتيت أنت بالكيلو من السكر ووضعته على الماصة، وقلت: اشتريت منك هذا الكيلو بهذه الدراهم، صار معينًا بمعين، أما الأول نحن ما عيَنَّا الدراهم، ما قلت: هات هذه الدراهم، ولا قلت أنت: هذا الكيلو.
فصار الآن: معين بمعين، ومعين بما في الذمة، وبما في الذمة بما في الذمة، تمام؟ قال المؤلف: (أو منفعة مباحة كممرٍّ في دار)، (منفعة مباحة) يعني: مبادلة مال بمنفعة مباحة، مثاله: ممر في دار، كيف ممر في دار؟ هذا رجل له دار وله جار، دار وجار، الجار بينه وبين الشارع، فقال الآخر: أشتري منك ممرًّا في دارك إلى الشارع، قال: ما فيه مانع، اشترى منه الممر إلى الشارع بدراهم، فهذه يقال: إنها مبادلة مال بأيش؟ بمنفعة، فليس للجار الذي اشترى من جاره المنفعة ليس له إلا الاستطراق من داره عبر بيت جاره إلى الشارع، فلا يتصرف في هذا الممر، يعني: لو قال: أبغي أبلط الممر -يقول الذي يريد أن يعبر إلى الشارع- فلصاحب الدار أن يمنعه، ما هو ملكك، أنت لك الاستطراق فقط، والاستطراق هو منفعة، لك المنفعة، لك عليَّ ألا أحول بينك وبين الانتفاع، لا آتي يومًا من الأيام وأضع العراقيل أمامك، لا؛ لأنك تملك المنفعة، فهذه إذن مبادلة مال بمنفعة.
تبين الآن أن الذي يقع عليه العقد إما أعيان وإما منافع، والأعيان إما مشار إليها وإما في الذمة، أليس كذلك؟ وقول المؤلف: (منفعة مباحة) احترازًا من المنفعة غير المباحة؛ مثل لو اشترى منه الانتفاع بآلة عزف، قال: بع عليَّ الانتفاع بهذه الآلة، مثلًا الآلة تساوي مئة ريال، قال: أبغي أشتري بها الانتفاع فقط خمسين ريالًا.
قال: بعت عليك، يجوز أو لا؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ لأن المنفعة هنا محرمة، وكل عقد على محرم فهو باطل؛ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (4).

الجزء: 2 - الصفحة: 631

قال: (بمثل أحدهما) متعلق بـ (مبادلة)؛ يعني: أنْ يبادل المال ولو في الذمة أو المنفعة بمثل أحدهما.
طيب (بمثل أحدهما) تعطينا الآن صورًا متعددة؛ معين بمعين، معين بما في الذمة، ما في الذمة بما في الذمة.
وتأتي المنفعة الآن؛ منفعة بمال معين، منفعة بمالٍ في الذمة، منفعة بمنفعة.
ولهذا ذكر في الشرح أن هذا يشمل تِسْعَ صور، ولا نحب أن نطيل عليكم بها أخشى أن تتلخبطوا بعد، لكن على كل حال هذا الضابط، يعني: يقع العقد على ثلاثة أشياء: مال معين، مال في الذمة، منفعة، أنت إذا ضربت بعضها ببعض، ثلاثة في ثلاثة: تسعة؛ لأن التبادل بين هذه الأشياء، فتأتي مثلًا الأول: بالمال المعين، يكون بمالٍ معين، بمال في الذمة، بمنفعة.
ثم نأتي بمال في الذمة يكون بمال معين، بمال في الذمة، بمنفعة.
ثم نأتي بالمنفعة ويكون منفعة بمال معين، بمال في الذمة، بمنفعة.
فالجميع الآن تسع صور، ونسأل الله ألا يلخبط رؤوسكم.
قد تقولون: ما دام فيه مبادلة، لماذا لا نجعلها ست صور؟ نقول: لأن ما دخلت عليه الباء فهو الثمن، وما وقع عليه الفعل فهو المثمَن؛ فإذا قلت: بعتك كتابًا بدرهم، الفعل وقع على كتاب، إذن هو المثمَن، بدرهم: الباء دخلت على (درهم) فهو الثمن، هذه القاعدة، فما وقع عليه الفعل فهو المثمَن، وما دخلت عليه الباء فهو الثمن.
يقول: (على التأبيد) انتبه، إلى الآن نحن الآن في شروط التعريف، لا بد أن يكون هذا التبادل على التأبيد احترازًا من الإجارة، الإجارة فيها مبادلة لا شك، استأجرت منك هذا البيت بمئة ريال، فأنا الآن استأجرت معينًا بما في الذمة، كذا ولَّا لا؟ ما يخالف، منفعة، أليس يجوز عقد البيع على المنفعة؟ طالب: بلى.
الشيخ: طيب، هذا لا نقول: إنه بيع، لماذا؟ طلبة: ليس على التأبيد.
الشيخ: لأنه ليس على التأبيد، فالبيع إذن لا بد أن يكون على التأبيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 632

ولهذا لو قال قائل: بعتك هذه الدار لمدة سنة بألف ريال لم يصح هذا العقد على أنه بيع، لماذا؟ لأنه ليس على التأبيد.
وهل يصح على أنه إجارة؟ هذا ينبني على قاعدة معروفة عند الفقهاء: هل إذا وُصِف العقد بوصف على خلاف ما اتفق عليه، هل يُنزَّل على الوجه الصحيح؟ أو يلغى كله؟ فيه خلاف.
(غير ربا وقرض) الربا لا يُسَمَّى بيعًا وإن وُجِد فيه التبادل، فإذا أعطيتك درهمًا بدرهمين، قلت: هذا الدرهم بهذين الدرهمين، فهو أيش؟ مبادلة عين بعين، لكنه ليس ببيع، ما الذي أخرجه؟ أخرجه أن الله جعله قسيمًا للبيع.
وقسيم الشيء ليس هو الشيء، ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وأيش؟ ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، إذن ليس الربا ببيع، وإلا لما صح التقسيم.
(وقرض) يعني: وغير قرض فلا يسمى بيعًا وإن وجدت فيه المبادلة.
يأتي الإنسان الغني لمن طلب منه القرض ويقول: خذ هذه الدراهم، أقرضتك إياها، الآن الدراهم معينة ولَّا غير معينة؟ طلبة: معينة.
الشيخ: والقرض؛ يعني: قدر القرض؟ طلبة: معين.
الشيخ: لا.
طالب: في الذمة.
الشيخ: في الذمة، فهو يشبه مبادلة عين بما في الذمة، لكنه لا يسمى بيعًا؛ لأنه لو كان بيعًا لبطل القرض في الأموال الربوية، لو كان القرض بيعًا لبطل القرض في الأموال الربوية، ظاهر ولَّا غير ظاهر؟ طلبة: ظاهر.
طلبة آخرون: غير ظاهر.
الشيخ: اللهم أَلْهِمَنا، لو بعت عليك درهمًا بدرهم لا أقبضه منك إلا بعد يومين، ربا ولا غير ربا؟ طلبة: ربا.
الشيخ: أقرضتك درهمًا قرضًا تبغي تعطيني إياه بعد يومين.
جائز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، إذن لو قلنا: إن القرض بيع ما صح القرض في الأموال الربوية؛ لأنه يؤدي إلى تأخير القبض بإقراض الشيء بجنسه، ومعلوم أن تأخير القبض في بيع الشيء بجنسه حرام، ربا.
إذا قال قائل: ما الذي أخرج القرض عن البيع، وهو مبادلة مال بمال؟

الجزء: 2 - الصفحة: 633

قلنا: أخرجه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، هذا اللي أخرجه، فما الذي نواه المقرض لما أقرض طالبَ القرض، هل نوى المعاوضة والاتجار؟ أو نوى الإرفاق؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: نعم، الثاني لا شك، هو نوى الإرفاق، ومن أجل أنه نوى الإحسان صار مقابلًا لنية المرابي؛ لأن الأصل في الربا هو الظلم كما قال تعالى: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]، فصار القرض على نقيض مقصود أيش؟ الربا؛ إذ إن المقصود منه الإرفاق، فلذلك خرج عن كونه بيعًا.
إذن ما الدليل على خروج القرض من البيع؟ قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (5)، وذلك أن المقرِض والمستقرض لم ينو أحد منهما المعاوضة، إنما قصدُ المقرِض الإرفاق، وقصدُ المستقرضِ سدُّ حاجته؛ ولهذا صار القرض ليس بيعًا، وقلت لكم: إننا لو جعلنا القرض بيعًا لبطل القرض في جميع الربويات بجنسها.
طالب: قلت: إن الفرق بين الإجارة و .. ؟ الشيخ: لا، ( ... ) وقع عليها العقد.
طالب: أموال يا شيخ ( ... ). الشيخ: هذه عاد مسألة سيأتينا إن شاء الله تعالى، هل تتعين النقود بالتعيين بالعقد أو لا؟ المذهب أنها تتعين بالعقد، عرفت؟ فإذا قلنا بالقول الثاني: لا تتعين جئنا بشيء أخر؛ أنه كتاب بكتاب، وهذا يتعين بالاتفاق، عرفت ولَّا لا؟ طالب: شيخ -بارك الله فيك- ما ذنب الذي جعل في ذمته شيئًا؛ قال: سأعطيك هذا البيت، أو هذا الدكان بإيجار سنة أو البيت، ولكن في ذمته، يعني: أخذ قال: المال في ذمتي، يلزمه ( ... ) يكاتبه؟ يلزمه الكتابة؟ ولَّا ممكن في الذمة؟ الشيخ: لا، لا بد من الكتابة بينهما؛ لئلا ينسى أحدهما أو يموت.
الطالب: يعني: يكون فيه شيء إذا قال له.
الشيخ: لا بد من شهود أو كتابة.

الجزء: 2 - الصفحة: 634

الطالب: إذا لم يجد؛ يعني: إذا لم يفعل ذلك؟ الشيخ: يأخذ رهنًا، عَجَل يسلطه على بيته أو على دكانه ثم غدًا ينكر أو ينسى! الأخ البارح قال: إن في قول الرسول: «ثُمَّ أنْطَلِقَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الْجَمَاعَةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (6)، قال: يُسْتَدَلُّ بهذا على جواز مداهمة المجرمين، وإحراق بيوتهم، فما رأيكم بهذا الاستدلال أو هذا الاستنباط؟ طلبة: ما يُسْتَدل به؟ طالب: يستدل على جواز الهمِّ.
طالب آخر: يرد من الحديث بوجوه.
الشيخ: إي.
الطالب: منها أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الحاكم والسلطة العليا، هذا وجه.
الوجه الثاني .. الشيخ: إي ما يخالف، هو يقول: أنا أريد مداهمة السلطة العليا أو نائب السلطة العليا، ما هو يبغي الناس يهجم بعضهم على بعض.
الطالب: النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل.
الشيخ: هذا واحد.
طالب: شيخ، الهم هو وسط بين التردد والفعل؛ قال الشاعر: هَمَمْتُ وَلَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلائِلُه

وهو لم يفعل؛ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «همَمْتُ»، ولكنه لم يفعل.
الشيخ: أنت عندك عينًا.
الطالب: همَّ يا شيخ مو ( ... ). الشيخ: يعني -كما قال الأخوان- يعني: همَّ ولم يفعل.
ولقائل يقول: ربما منعه من ذلك عدم المداهمة، ألا يداهم، وألا يحرق، فليس فيه دليل، لكن الدليل أنه إذا قويت القرائن في تهمة بيت ما فلولي الأمر أن يبحث ويتحقق ولو بمداهمته، لكن لا نجعل كل إنسان يتهم شخصًا يداهم، هذه ما يمكن، تكون المسألة فوضى.
طالب: ( ... ) الثانية أو الثالثة؟ الشيخ: الثانية هي؟ الطالب: وهي إحراق محل المنكر مثل ( ... )، إحراقها؛ يعني: يجوز حرقها ( ... ) قول.
الشيخ: الإخوان يقولون: هَمَّ ولم يفعل.
الطالب: ( ... ) قول.
الشيخ: إي نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 635

الطالب: هل يمكن أن تعيد لنا الدرس الماضي من البيوع؟ كثير من الطلبة، كلمتهم يعني، أنا عن نفسي لم أفهم، وبعضهم كذلك.
الشيخ: ما فهمت شيء أبدًا؟ الطالب: لا؛ يعني: لم تتضح لنا الأمور كما في الأول؛ كالدروس الماضية.
الشيخ: إي؛ لأن المعاملات أصلًا ما هي مثل العبادات، العبادات يمارسها الإنسان دائمًا.
الطالب: ربما لأجل هذا.
الشيخ: فهو فاهم من قبل.
طالب: ( ... ). الشيخ: أيوه، إي صحيح، نشوف اللي عندك.
طالب: إلى الفصل يا شيخ.
الشيخ: إلى: (فصل: ومَنْ جامع).
أولًا: هل فهمتم البيع؟ لغة واصطلاحًا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: فهمتموه؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: هذه واحدة.
ثانيًا: هل فهمتم أنه جائز بالكتاب والسنة والإجماع والنظر؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، ثالثًا: هل فهمتم أن له صورًا متعددة؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: ويش بقي؟ طالب: القرض يا شيخ قلت: إنه ليس ببيع.
الشيخ: هذا التعريف الآن؛ تقول: عرفت التعريف؛ (مُبادَلَة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة كممرٍّ في دار بمثل أحدهما على التأبيد غيرَ ربًا وقرض)، تقول: عرفنا التعريف، واضح؟ طالب: إي، مسألة القرض.
الشيخ: زين، هل عرفتم من قوله: (على التأبيد) أنه يخرج الإجارة؟ لأنها ليست على التأبيد، مؤجلة بأجل معين.
هل فهمتم (غَيْرَ رِبًا) أن الربا ليس من البيع، وإن كان صورته صورة بيع؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأن الله جعله قسيمًا للبيع.
وقسيم الشيء غير الشيء.
هل فهمتم أن القرض ليس ببيع؟ طلبة: لا، هذا يا شيخ أنا ما فهمته.
الشيخ: لا إله إلا الله، القرض غير بيع؛ ليس ببيع.
طالب: لكن كيف يا شيخ؟ الشيخ: أقرضتك درهمًا، وأعطيتني بعد شهر درهمًا وفاءً، ما هو هذا القرض؟ طلبة: بلى.
الشيخ: هذا القرض، هذا حقيقة القرض، تجيء للإنسان تقول: سلفني ريالًا قال: خذ، وتوفيه بعد شهر، هذا القرض.
لو كان هذا بيعًا ما صحَّ، لماذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 636

لأنه لا يجوز بيع درهم بدرهم مع تأخير القبض، ولولا إخراج القرض من تعريف البيع ما صحَّ قرض أبدًا، واضح؟ طلبة: واضح.
الشيخ: إلا إذا كان القرض في غير الربويات، إذا كان في غير الربويات لا بأس؛ يعني: لو قلنا: إن القرض بيعٌ ما صحَّ قرض أبدًا في الربويات؛ لأنه يستلزم تأخير التقابض من الطرفين، واضح؟ إذا قيل: ما الذي أخرجه عن البيع؟ قلنا: لأن المقصود به الإرفاق، ما قصْده المعاوضة أبدًا؛ قصده الإحسان إلى أخيه الذي جاء يسأله القرض، أو يعرف حاله وأقرضه.
فيه إشكال الآن؟ طالب: لا.
هذا الأخير هذا.
الشيخ: هل فيه إشكال الآن ولَّا لا؟ الطالب: لا.
الشيخ: الحمد لله.
طالب: لو أنه في غير الضروريات ممكن نسميه بيعًا؟ الشيخ: يمكن قرضًا.
الطالب: المحروز عن القرض.
الشيخ: قرض؛ الرسول اسْتَقْرَضَ بَكْرًا وردَّ خيرًا منه (7). أما مسألة الصور فأنا قلت لكم أمس في الدرس الماضي: لا أحب أن نشرحها ونتكلف شرحها؛ لأن فائدتها قليلة من جهة، ولأنها ربما تمسح جميع ما فهمتم من الدرس، والفائدة فيها قليلة.
والإنسان إذا عرف عندنا ثلاثة أشياء مال معين، ومال في الذمة، ومنفعة، وأن البيع التبادل بين هذه الأشياء، إذا عرف ذلك عرف أن الصور لا بد أن تكون تسع صور؛ من ضرب ثلاثة في ثلاثة.


قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وينعقد بإيجاب وقَبول)، (ينعقد) أي: البيع، والانعقاد ضد الانحلال، والعقد بمعنى الإحكام وربط الشيء بعضه ببعض؛ تقول: عقدت الحبل أي: ربطت بعضه ببعض، وكلمة: (ينعقد) وصف لجميع العقود؛ سواء: البيع، الإجارة، الرهن، الوقف، كلها يقال فيها: (ينعقد)؛ لأنها ربط وإحكام وشدٍّ.

الجزء: 2 - الصفحة: 637

(ينعقد بإيجاب وقَبول)، الإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع، والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري؛ فالإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع أو مَنْ يقوم مقامه، والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه، والحقيقة أني قلت: (أو مَنْ يقوم مقامه) من باب التوضيح فقط، وإلا فمن يقوم مقام البائع يسمى بائعًا، فالوكيل مثلًا بائع، وكذلك مَنْ يقوم مقام المشتري.
(بإيجاب وقَبول) لكن اشترط المؤلف أن يكون القبول بعده؛ لأنه فرعٌ عنه بحيث يقول: بِعتُك هذا، فيقول: قَبِلْتُ، فلو تقدم وقال: قبلت ثم قال الثاني: بعت، فإنه لا يصح؛ لأن القبول فرع الإيجاب، (وقبول بعده)، ولم يذكر المؤلف صيغة معينة للبيع، يعني ما قال: لا بد أن يكون بلفظ البيع، فدلَّ هذا على أنه ينعقد بما دل عليه، مثل أن يقول: بعتك هذا الشيء، أعطيتك هذا الشيء، ملكتك هذا الشيء، فالمهم أنه ليس هناك لفظ معين للبيع، أي لفظ يدل عليه فإنه ينعقد به.
وهل هذا شامل لجميع العقود؟ فيه خلاف؛ فمن العلماء مَنِ اشترط لبعض العقود ألفاظًا معينة وقال: لا بد من الإتيان بها، كالنكاح مثلًا قال: لا بد أن يقول: زوجتك وبعدها يقول: قبلت.
ومنهم من قال: جميع العقود تنعقد بما دل عليها عُرْفًا، وهذا القول هو الراجح، وهو المتعين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن المعاملات ليست عبادات يتقيَّد الإنسان فيها بما وَرَد، بل هي معاملات بين الناس، فما عدَّه الناس بيعًا فهو بيع، وما عدُّوه رهنًا فهو رهن، وما عدُّوه وقفًا فهو وقف، وما عدُّوه نكاحًا فهو نكاح.
فالصواب أن جميع العقود ليس لها صيغ معينة، بل تنعقد بماذا؟ بما دلَّ عليها، ولا يمكن لإنسان أن يأتي بفارق بين البيع وبين غيره، أبدًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 638

إذا قالوا مثلًا: النكاح ذكره الله بلفظ النكاح، قلنا: والبيع ذكره الله بأيش؟ بلفظ البيع، فهل تقولون: إنه لا بد أن تقول: بعت؟ يقولون: لا، ما هو شرطًا، إذن (ينعقد) بكل لفظ دل عليه عرفًا (بإيجاب وقبول بعده).
قال: (وقبلَه)، (قبلَه): يعني: ويصح أيضًا بقبولٍ قبلَه، لكن في صور معينة، هذه الصور لا بد أن تكون دالة على العقد؛ مثل: يقول: بعني كذا بعشرة، فيقول البائع: بعتك، انتهى الآن، مع أن القَبول أو ما يدل على القبول قد سبق الإيجاب، لكننا قعَّدنا قاعدة أنه ينعقد بما دلَّ عليه.
لو قال: أتبيعني كذا بكذا؟ فقال: بعتك، هل ينعقد؟ لا، يستفهم الآن، هو يستفهم الآن؛ أتبيعني؟ فإذا قال: بعتك، يقول: قبلت؛ ولهذا عندنا: (بلفظ أمرٍ أو ماضٍ مجرد عن استفهام ونحوه؛ لأن المعنى حاصل به).
لو قال: اشتريت منك كذا بكذا، فقال: بعتك.
طلبة: ينعقد.
الشيخ: لماذا؟ لأنه دلَّ عليه، القبول الآن -وإن سبق- فهو دالٌّ على أن الرجل قابل، فصار الآن ينعقد إذا تقدَّم القبول على الإيجاب بشرط أن يكون دالًا عليه؛ على القبول.
أما إذا كان لم يدل كمضارع يستفهم هل تبيعني كذا؟ أو: أتبيعني كذا؟ أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يعتبر قبولًا مرضيًّا.
قال: (مُتَرَاخِيًا عنه في مجلِسه)، (مُتَراخِيًا) هذا حال من القبول؛ يعني أن القبول يجوز أن يكون عقِيب الإيجاب، ويجوز أن يكون متراخيًا عنه؛ أما كونه جائزًا عقِيب الإيجاب فالأمر واضح، قال: بعتك هذا بعشرة، قال: قبلت، القبول هنا أعقب الإيجاب، وهذا لا إشكال فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 639

يجوز أن يتراخى عن الإيجاب؛ فيقول: بعتك هذا بعشرة، ثم يسكت المشتري، يفكر؛ لأن الإنسان قَبْلَ أن يُباع عليه الشيء يجد في نفسه رغبة فيه؛ فإذا قال: بعتك، ربما يتريَّث وتزول هذه الرغبة، وأحب شيء إلى الإنسان ما مُنِعَ، ولهذا تجد الصيادين الذين يصيدون الطيور قبل أن يَرْمِي الطير ومعه شفقة عظيمة على هذا الطير، فإذا رماه وسقط على الأرض صار لا يساوي شيئًا عنده.
وهذه السلع في يد البائع؛ إذا قال: هل تبيع عليَّ هذا بعشرة؟ قال: نعم، أبيعه عليك بعشرة، فهنا لو تأخَّر القبول فلا بأس.
لكن يقول: إذا تراخى عنه لا بد من شروط؛ أنْ يكون في مجلسه، وألا يتشاغلا بما يقطعه؛ أما كونه في المجلس فهو احتراز مما لو كان في غير المجلس، بأن قال: بعتك هذه السلعة بعشرة ثم تفرقا ثم رجع، وقال: قبلت فهذا لا يصح هذا القبول، لماذا؟ لتغير المجلس، كذلك لو تشاغلا بما يقطعه، قال: بعتك هذه السيارة بثلاثين ألفًا -ما يخالف، ننوع- فقال: مررت اليوم بالكلية، ووجدت فلانًا ناجحًا، وفلانًا مكمِّلًا، وفلانًا حاملًا، وفلانًا راسبًا، ويش تقول؟ والله أنا ساءني هذه النتيجة، قال: هذه النتيجة ما هي طيبة، ثم قال: قبلت، يصحُّ ولَّا ما يصح؟ طلبة: ما يصح.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: تشاغلا.
الشيخ: تشاغلا بما يقطعه، إذن لا بد لصحة هذا العقد من أن يعيد البائع الإيجاب حتى يكون القبول عقبه.
يشترط أيضًا في القبول، الآن فهمنا أنه يشترط في القبول أن يكون بعد الإيجاب إلا ما استُثني؛ يشترط أن يكون عَقِبَ الإيجاب أو متراخيًا عنه بشرط أيش؟ أن يكون في المجلس، وألا يتشاغلا بما يقطعه.
الشرط الثالث: أن يطابق القبول الإيجاب؛ فلو قال: بعتك شرح ابن عقيل بعشرة، فقال: قبلت الروض المرْبع بعشرة يصح؟ الطلبة: لا، ما يصح.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه اختلف.
الشيخ: اختلف.
قال: بعتك شرح ابن عقيل بعشرة، فقال: قَبِلْته بتسعة؟ الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 640

الطالب: لعدم المطابقة.
الشيخ: لعدم المطابقة.
لو قال: قبلته بأحد عشر.
انتبهوا إلى هذا، قال: بعتك شرح ابن عقيل بعشرة.
قال: قبلته بأحد عشر.
طلبة: يصح.
الشيخ: هو لا شك أنه اختلف، لكن هل هذا من مصلحة البائع؟ من مصلحته؛ إذن يقول البائع: خلاص، آخذ العشرة والباقي لك، إذا كان لا يريد أن يمنَّ عليه بالزيادة فالظاهر أن هذا يصح، وأن الذي لا يصح إذا نقص الثمن عما أوجبه البائع.
الشرط الثالث للقبول؟ طلبة: أن يطابق.
الشيخ: أن يكون مطابقًا للإيجاب كمية، وجنسًا، ونوعًا؛ يعني: قدرًا وجنسًا ونوعًا، إلا أن القدر نقول: إذا زاد فقد زاده خيرًا، وعادة أن البائع لا يَرُدُّ الزيادة، هذا هو العادة والغالب.
ثم قال المؤلف: (وهي الصيغة القولية)، (هي) يعني: صورة الإيجاب والقبول (الصيغة القولية)، وهذا يشعر بأن هناك صيغة غير قولية، وهو كذلك وقد ذكرها بقوله: (وبمُعاطاة وهي الفعلية)، (معاطاة) يعني: كل واحد يعطي الثاني بدون قول، وهذه الصيغة الفعلية.
إذن للعقد صيغتان: قولية وفعلية؛ القولية: هي الإيجاب والقبول، والفعلية؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ما هي؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إي آني ما ( ... )، الفعلية هي أيش؟ طلبة: المعاطاة.
الشيخ: المعاطاة عاد لها ثلاث صور: أن تكون معاطاة من الجانبين، وأن تكون معاطاة من البائع، وأن تكون معاطاة من المشتري.
مثالها من الجانبين أن يكون هنا أدوية مثلًا قد كُتِبَ سعرُها، ووضِع إلى جانبها وعاء للثمن، فيأتي المشتري، ويضع ثمن هذا الدواء بوعاء الثمن ويأخذ الدواء، هذه أيش؟ طلبة: معاطاة من الجانبين.
الشيخ: معاطاة من الجانبين، كل واحد منهم ما تكلم، وضع الثمن في مكانه وأخذ المبيع.
هذه معاطاة من الجانبين.
معاطاة من البائع: قال: أعطني بهذا الدرهم خبزًا، فأخذ البائع كيس الخبز اللي بالدرهم كم عددها؟ طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة؛ أخذ الكيس فيه أربعة وأعطاه، هذه معاطاة ممن؟ طلبة: من البائع.

الجزء: 2 - الصفحة: 641

الشيخ: من البائع، المشتري قال: أعطني بهذا الدرهم خبزًا، بالعكس، يكون معاطاة من المشتري.
قال البائع: خذ هذا الكتاب بعشرة فأخذه المشتري، ولم يقل: قبلت، ولكن أعطاه عشرة؛ فالمعاطاة هنا ممن؟ من المشتري، البائع قدَّر الثمن وأوجب، قال: بعتك هذا الكتاب بعشرة، أو خذ هذا الكتاب بعشرة، فأخذه، ولم يتكلم وأعطاه العشرة، وهذا يدلنا على أن مسألة المعاملات أمرها سهل، يرجع فيه إلى ما تعارفه الناس، والناس كلهم قد تعارفوا بأن هذه المعاطاة عقد ولَّا غير عقد؟ طلبة: عقد.
الشيخ: عقد، يرونها عقدًا واضحًا.
خلاصة الدرس: أن لعقد البيع صيغتين: قولية وفعلية؛ القولية: هي الإيجاب والقبول، والإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع أو مَنْ يقوم مقامه، والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه، وعرفتم شروط القبول.
وأما الصيغة الثانية فهي الصيغة الفعلية، وهي المعاطاة.
علَّل الشارح بعلة ينبغي أن نفهمها قال: (لعدم التعبد فيه)؛ لأنه ما فيه تعبُّد بالصيغة، كل ما دل على العقد فهو عقد.
طالب: (لعدم التعبد فيه).
الشيخ: فكل ما دلَّ على العقد فهو عقد.
شيخ بارك الله فيك، هل يجب أو يُشْتَرط من البائع والمشتري أن يكون عاقلًا؟ الشيخ: ما جاءت الشروط بارك الله فيك، الشروط سبعة، تأتي إن شاء الله.
طالب: (مُتَراخِيًا عَنْهُ)، ظاهر الكلام أنه يعود إلى .. الشيخ: القبول.
الطالب: لا، القبض.
الشيخ: لا، ما هو هذا، صحيح، العبارة فيها شيء من القلق.
الطالب: (مُتَراخِيًا) يعني: بعده؟ الشيخ: إي نعم؛ لأن إذا صار قبله ما يصير متراخيًا عنه، سابقًا عليه.
الطالب: ( ... ) يكون في مجلسه تراخ ( ... ) في مجلس العقد.
الشيخ: القبول؟ الطالب: القبول.
الشيخ: نعم.
طالب: لو أن إنسانًا إذا قال: ( ... ) بعتك هذه السيارة، ثم قال: أستشير فلانًا، وذهب من المجلس وقال: ( ... ). الشيخ: ( ... ) لازم يعطي الإيجاب.
الطالب: ( ... ) تعارض ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 642

الشيخ: إذا تعارض ( ... ) هذا، رجعنا إلى الأصل، وأن ما عَدَّه الناس بيعًا فهو بيعٌ.
طالب: الآن صيغة القبول قلنا: لا بد أن تتأخر عن الإيجاب إلا ما استُثني، عندما مثَّلنا إذا كان على صيغة الاستفهام الماضي؛ تبيعني كذا، هذه صيغة القبول الآن، لا بد أن نعيد القبول مرة أخرى بعد الإيجاب؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: ما يُكتفى بقول .. الشيخ: ما يُكتفى، أتبيعني؟ الطالب: أتبيعني؟ لا بد أن يقول بعد ذلك: قبلت.
الشيخ: نعم.
طالب: المعاطاة يا شيخ، ممكن نقول: هي نوع من أنواع الإيجاب والقبول؟ الشيخ: لا، قسم، أحسن.
الطالب: غير الإيجاب والقبول؟ الشيخ: ليست نوعًا من الصيغة القولية، بل هي قسم من صيغة العقد، صيغة العقد قسمان.
الطالب: نقول: يا شيخ، إن الإيجاب والقبول قوليٌّ وفعليٌّ.
الشيخ: لا ما يصح.
نقول: الصيغة.

طالب: بارك الله فيك يا شيخ، من صور البيع بيع ما في الذمة بما في الذمة، هذه صورة.
الشيخ: أيش؟ الطالب: من صور البيع ( ... ). الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) يشترط التقابض.
الشيخ: يشترط الحلول والتقابض.
الطالب: كيف صورته؛ يشترط التقابض؟ الشيخ: إي نعم، إذا بعت مثلًا، اشتريت منك كتابًا لشرح ابن عقيل بعشرة ريالات، هذا بيع ما في الذمة بما في الذمة، لا بد ألا نقول: عشرة ريالات تحل بعد أسبوع مثلًا، ما تكون مؤجلة، تكون حالَّة، ولا بد من قبض أحد العوضين: إما الدراهم؛ يعني إما الثمن، وإما المثمَن، إما الدراهم وإما الشرح؛ لأنهم يرون أنه لا يصح بيع ما في الذمة بما في الذمة مع التفرق؛ لأنه يكون بيع دين بدين.
طالب: كيف يحصل التقابض، ما عنده ذا، وهذا ما عنده ذا؟ الشيخ: إي إذن ما صحَّ البيع، ونقول: لا تتعاطون البيع إلى أن تحضِّرون حدا.
الطالب: ( ... ) صورة ( ... ). الشيخ: لا، صورة مشروطة، وفائدته الآن إذا قلت: اشتريت منك شرح ابن عقيل بعشرة ريالات، هل هذا معين؛ الشرح؟ الطالب: لا، شرح ( ... ). الشيخ: غير معين، والريال؟

الجزء: 2 - الصفحة: 643

الطالب: لا.
الشيخ: إذن هذه، بس نقول الآن: حضروا الريال ولَّا حضروا الكتاب؛ فالشرط هنا ليس شرطًا للتصوير، الصورة حاصلة بدون هذا، لكن شرط للصحة؛ لأنه إذا تفرق قبل قبض أحد العوضين بطل البيع.
طالب: بيع جلد الميتة بعد الدبغ ما يصح؟ الشيخ: بيجينا -إن شاء الله- يجينا من الشروط.
الطالب: في الدرس الماضي.
الشيخ: استطرادًا، على سبيل التمثيل، ما هو على سبيل الشرط والبسط.
طالب: ( ... ) الإيجاب أو القبول يصح قبل ( ... ). الشيخ: متراخٍ، هذا إذا صار بعده.
الطالب: إذا صار بعده لكن يكون في المجلس ( ... ) القبول يا شيخ، هذا فيه إشكال ( ... ). الشيخ: إي، ما هو لما الإيجاب، بعت عليك هذا فقلت: قبلت، هذا العقد الآن، هذا العقد، القبول صار بالعقد، مع العقد مباشرة، بعتك هذا الشيء بعشرة، سكتَّ أنت، ثم قلت: قبلت، يقول: حالة المجلس كحال العقد، هو الآن غير متصل بالإيجاب، لو اتصل لكان العقد واحد، متصل بعضه البعض.
طالب: ما فهمت.
الشيخ: كيف ما فهمت، يعني: إذا قلت: بعت عليك هذا الكتاب بعشرة فقلت: قَبِلْت، هذا عقد ولَّا لا؟ بعتك هذا الكتاب بعشرة وسكتَّ، الآن ما صار عقد، فإذا قلت أنت بعد مدة: قبلت.
فأنت الآن يقال: إنك قبلت لا حال العقد الذي هو الإيجاب ولكنك قبلت في حال المجلس، يقول: فحال المجلس كحال العقد.


باب شروط البيع

طالب: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، قال المصنف رحمه الله في كتاب البيع: فإن تشاغلا بما يقطعه بطل، وهي الصيغة القولية وبمعاطاة وهي الفعلية، ويُشْتَرط التراضي منهما، فلا يَصِحُّ من مُكْرَهٍ بلا حق، وأن يكون العاقد جائز التصرف، فلا يصحُّ تصرفُّ صبيٍّ وسفيه بغير إذن وليٍّ، وأن تكون العينُ مباحةَ النفع من غير حاجة كالبغل والحِمار ودود القز وبِزْرِه والفيلِ وسِباعِ البهائم التي تصلح للصيد إلا الكلب والحشرات والمصحف والميتة والسِّرْجين النجس والأدهان النجسة.

الجزء: 2 - الصفحة: 644

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لما ذكر المؤلف رحمه الله تعريف البيع ذكر شروط البيع، وكان الأولى أن يذكر حكم البيع؛ لأن التعريف يستلزم التصور؛ تصور الشيء، وبعد التصور يكون الحكم، ولهذا من الكلمات السائرة عند العلماء: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقال ابن القيم في النونية: إِنَّ الْبِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لَمْ تُحِطْ عِلْمًا بِهِ سَبَبٌ إِلَى الْحِرْمَانِ

البيع جائز، وقد سبق لنا أنه جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وأيش؟ طلبة: والنظر الصحيح.
الشيخ: والنظر الصحيح، لكن لا بد فيه من شروط، ومن حكمة هذه الشريعة أنها جَعَلت للعبادات شروطًا، وللعقود شروطًا، وللتبرعات شروطًا؛ لأن هذه الشروط هي التي تضبط ما كانت شرطًا فيه، وإلا صارت المسألة فوضى، فالشروط من ضرورات انتظام الأحكام؛ ولهذا كان البيع له شروط، والإجارة لها شروط، والوقف له شروط، والرهن له شروط، وهلمَّ جرًّا حتى تنضبط الأحكام وتنضبط العقود.
البيع له شروط سبعة، فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا الحصر؟ فالجواب التتبع، أن العلماء تتبعوا فوجدوا أنه لا بد من شروط يصحُّ بها البيع، وهي سبعة، وربما تدور على -إن شاء الله تعالى سنبين أن هذه السبعة- تدور على ثلاثة أمور: الظلم والغرر والربا، لكن التفصيل حسن.

الجزء: 2 - الصفحة: 645

الأول: (التراضي منهما) أي: من البائع والمشتري، يُشْتَرط التراضي من البائع والمشتري، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، ومعنى ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾: أي: تجارة صادرة عن تراضٍ منكم، هذا من القرآن، وفي السنة قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (8)، والنظر يقتضي ذلك أيضًا؛ لأننا لو لم نشترط التراضي لأصبح الناس يأكل بعضهم بعضًا، كل إنسان يرغب سلعة عند شخص يذهب إليه ويقول: اشتريتها منك بكذا قهرًا عليك، وهذا يؤدي إلى الفوضى والشغب والعداوة والبغضاء، فإذن الدليل على اشتراط التراضي من الكتاب والسنة والنظر الصحيح، فلا بد من التراضي.
قال: (فلا يصحُّ من مُكْرَهٍ بِلا حَقٍّ) والمُكْرَه هو الملجَأ إلى البيع، المغصوب على البيع، فلا يصح من المكره إلا بحق، فلو أن سلطانًا جائرًا أرغم شخصًا على أن يبيع هذه السلعة لفلان فباعها فإن البيع لا يصح؛ لأنها صدرت عن غير تراضٍ.
ومثل ذلك ما لو علمت أن هذا البائع باع عليك حياءً وخجلًا فإنه لا يجوز لك أن تشتري منه ما دمت تعلم أنه لولا الحياء والخجل لم يبع عليك، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: يحرم قبول هدية إذا علم أن الرجل أهداها له على سبيل الحياء والخجل؛ لأن هذا وإن لم يصرِّح بأنه غير راضٍ لكن دلالة الحال على أنه غير راضٍ.

الجزء: 2 - الصفحة: 646

وقوله: (فلا يصحُّ من مكره بلا حقٍّ) أفادنا رحمه الله أنه إذا كان مكرهًا بحق فلا بأس؛ لأن هذا إثبات للحق، يعني: إذا أكرهنا الإنسان على البيع بحق فإن هذا إثبات للحق وليس ظلمًا ولا عدوانًا؛ مثال ذلك: شخص رهن بيته لإنسان في دين عليه، وحلَّ الدين، فطالب الدائن بدينه، ولكن الراهن الذي عليه الدين أَبَى، في هذه الحال يُجْبَر الراهن على بيع بيته، لماذا؟ لأجل أن يستوفي صاحبُ الحق حقه فيُرغَم على ذلك.
ومثال آخر: أرض مشتركة بين شخصين وهي أرض صغيرة لا تمكن قسمتها، فطلب أحد الشريكين أن تُباعَ، فأبى الشريك الآخر، فهنا تباع الأرض قهرًا على من امتنع، لماذا؟ لأن هذا بحق، من أجل دفع الضرر عن شريكه.
فالضابط إذن: أنه إذا كان الإكراه بحق فإن البيع يَصِحُّ ولو كان البائع غير راضٍ بذلك؛ لأننا هنا لم نرتكب إثمًا لا بظلم ولا بغيره فيكون ذلك جائزًا.
عندي مسألة ذكرها في الشرح: إذا أُكْرِه على شيء فباع ملكه من أجل دفع ما أكره عليه؛ يعني: جاء إنسان ظالم وأكرهه، قال له: لا بد أن تدفع لي الآن مئة ألف ريال وإلَّا حبستك، الرجل ليس عنده شيء فباع بيته ليسدد مئة ألف ريال، فما حكم بيعه لبيته؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: أنتم فاهمين السؤال زين؟ أُكْرِه على أن يدفع مئة ألف ريال وليس عنده شيء، فباع بيته من أجل أن يدفع الذي أكره عليه، صحيح؟ هو بغير حق، معلوم، قال: لازم الآن تدبر لي مئة ألف، وإلا فالحبس، أو هدده بالقتل بعد، فباع بيته هل يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: طيب، إذن في المسألة قولان لأهل العلم -وأريد بأهل العلم أنتم- إذا طبقناها على هذا الشرط فهل هذا الرجل أُكْرِهَ على بيع البيت، أو أكره على دفع المال؟ طلبة: على دفع المال.
الشيخ: على دفع المال، جائز أن يذهب إلى شخص ويتسلف منه، يستقرض، يجمع من الزكاة، وما أشبه ذلك؛ إذن هو لم يُكْرَه على بيع البيت، فيكون البيع صحيحًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 647

بقي أن يقال: هل يكره أن يُشْتَرى منه بيتُه؛ لأنه مُكْرَه على بيعه ولا يرغب أن يخرج عن ملكه، فهل يكره أن يشترى منه؟ أو لا؟ طلبة: لا، فيه تفصيل.
الشيخ: قال الفقهاء: إنه يُكْرَه أن يُشْتَرى منه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يُكْرَه؛ لأننا إذا اشترينا منه فقد أحسنَّا إليه، ليش؟ لدفع ضرورته.
والصحيح أن في ذلك تفصيلًا: إن كان الناس كلهم سيضربون عن شرائه ويؤدي ذلك إلى أن يتراجع المكرِه، فهنا لا نقول: يكرَه الشراء منه، نقول: يحرُم الشراء منه، ويجب علينا ألا نشتري إذا علمنا أن في ذلك رفعًا للإكراه.
أما إذا كان المكره لن يمكن أن يتراجع عن إكراهه، فلا وجه لكراهة الشراء منه، بل إن الشراء منه في الواقع إحسان إليه، فالصواب التفصيل في هذه المسألة.
الشرط الثاني: (أن يكون العاقدُ جائزَ التصرف) مَنِ العاقد؟ البائع والمشتري، وهنا قال: (جائز التصرف) ولم يقل: جائز التبرع؛ وذلك لأنه لا يشترط أن يكون البائع أو المشتري جائز التبرع، يشترط أن يكون جائز التصرف، فالتبرع أضيق من التصرف، من جاز تبرعه جاز تصرفه، وليس كل من جاز تصرفه جاز تبرعه.
(أن يكون جائز التصرف)، فمَنْ هو (جائز التصرف)؟ من جمع أربعة أوصاف: أن يكون حرًّا، بالغًا، عاقلًا، رشيدًا، هذا جائز التصرف، من جمع أربعة أوصاف: أن يكون حرًّا، الثاني بالغًا، عاقلًا، رشيدًا.
الحر ضده: العبد، فالعبد لا يصحُّ بيعه ولا شراؤه إلا بإذن سيده؛ ووجه ذلك أن العبد لا يملك، ما في يد العبد ملكٌ لسيده، والدليل على هذا، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِبَائِعِهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (9)، فهنا نقول: العبد لا يصح بيعه إلا بإذن سيده.

الجزء: 2 - الصفحة: 648

أن يكون بالغًا، ضد البالغ: الصبي؛ ولهذا قال المؤلف: (فلا يصح تصرفُ صبيٍّ وسفيه بغير إذن وليٍّ) حتى وإن كان مراهقًا، لو كان له أربع عشرة سنة، وكان حاذقًا جيدًا في البيع والشراء، فإنه لا يصح بيعه؛ لأنه لم يبلغ، صغير، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، فاشترط الله لدفع أموالهم شرطين؛ أولًا: بلوغ النكاح وذلك بالبلوغ، والثاني: الرشد.
والعاقل ضده المجنون، فالمجنون لا يصح تصرفه، ومن ذلك المهذرم لا يصح بيعه، فلو أن رجلًا أصيب بالهذرام؛ هرم، كبر، وجاء إلى إنسان، وقال: فلان أنا أبيع عليك بيتي وأبيع عليك سيارتي، وأبيع عليك عيالي، وأبيع عليك كذا، يصح بيته لبيته وسيارته دون أولاده؛ لأن الأولاد أحرار لا يجوز بيعهم، أليس كذلك؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: نعم؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ لفقد العقل، ومن شرط جواز التصرف أن يكون الإنسان عاقلًا.
قلنا: رشيدًا، من الرشيد؟ الرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، بحيث لا يبذله في شيء محرم، ولا في شيء لا فائدة منه، ولا يبيع الشيء الذي يساوي مئة بعشرة، أو يشتري ما يساوي عشرة بمئة، المهم أنه يحسن التصرف، ضده: السفيه؛ ولهذا قال المؤلف: (وسفيه) أي: ولا يصح تصرف السفيه (بغير إذن وليٍّ)، فإن أذن فإنه لا بأس.
وهنا نسأل: مَنِ الولي؟

الجزء: 2 - الصفحة: 649

الولي هو من يتولى ماله، وسيأتي -إن شاء الله- في باب الحجر من الذي يتولى مال السفيه، ولكن ظاهر كلام المؤلف أنه يصح إذن الولي للسفيه بالتصرف المطلق والمعين؛ المطلق بأن يقول: خذ هذا المال اتَّجِرْ به، والمعين، أن يقول: خذ هذا المال اتَّجِرْ به في شيء معين كبيع الدجاج، بيع البيض، بيع الأشياء الخفيفة، هذا ظاهر كلام المؤلف، ولكن هذا الظاهر غير مراد، بل يقال: (بغير إذن وليٍّ) في الشيء المعين بأن يأتي إليه، ويقول: أنا أريد أن أشتري مثلًا دبابة، فيقول: اشتر، أو يأتي إليه ويقول: أنا أريد أن أبيع دبابي مثلًا فيقول: بعه، إلا في الشيء اليسير الذي جرت العادة بإعطاء الصغار إياه فلا بأس.
ولكن هل يجوز أن يأذن للسفيه أو الصبي إرضاءً لهما من غير مراعاة المصلحة المالية؟ الجواب: لا؛ ولهذا نقول: يَحْرُم على الولي أن يأذن بدون مصلحة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]. هذا الشرط الثاني؛ أن يكون العاقد جائز التصرف، وجائز التصرف هو الذي جمع أربعة أوصاف؛ الحرية والبلوغ والعقل والرشد.
قال: الشرط الثالث (أن تكون العين مباحةَ النفع من غير حاجة)، (أن تكون العين) يعني التي وقع العقد عليها بالشراء (مباحةَ النفع من غير حاجة)، هذه تقتضي ثلاثة شروط؛ أن يكون فيها نفع، وأن يكون النفع مباحًا، وأن تكون الإباحة بلا حاجة.
انتبهوا، الشروط ثلاثة، فخرج بقولنا: (مباحة النفع) محرمة النفع، مثل آلات اللهو، فإنه لا يجوز بيع آلات اللهو؛ لأن منفعتها محرمة، وكذلك الخمر؛ لأن منفعته محرمة.
وخرج بقولنا: (أن يكون فيها نفع) ما لا نفع فيه، كالحشرات؛ فالحشرات لا يصح بيعها؛ فلو أن شخصًا جمع صراصر في إناء، وقال لإنسان: أبيع عليك الصراصر، تعرفون الصراصر، هل يجوز بيعها؟ طلبة: لا، لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 650

الشيخ: لماذا؟ ما فيها نفع، لكن لو جَمَع جرادًا في إناء، وقال: أبيع عليك هذه الجراد.
الطلبة: يصح.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: فيها نفع.
الشيخ: لأن فيها نفعًا مباحًا.
إذن الحشرات لا يجوز بيعها؛ لأنه ليس فيها نفع.
وقولنا: (من غير حاجة) احترازًا مما إذا كانت مباحة النفع لحاجة كالكلب، الكلب يباح نفعه لكن لا مطلقًا بل لحاجة، ما هي الحاجة؟ الصيد والحرث والماشية، فلا يصح بيع الكلب، حتى وإن كان كلب صيد.
الهر، يجوز بيعه؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: طيب، ما فيه نفع.
طالب: فيه نفع.
الشيخ: فيه نفع، ما هو؟ نعم، الواقع إن الهر فيه نفع، يأكل الفأر، ويأكل الحشرات، يأكل الأوزاغ، يأكل الصراصر، بعض الهررة يدور على الإنسان إذا نام، وتجد لصدره صوت، وإذا قرب من الإنسان النائم أيُّ حشرة خبطها بيده، ثم إن اشتهاها أكلها وإلا تركها، هذا نفع ولَّا غير نفع؟ هذا نفع؛ ولهذا قال الفقهاء: إنه يجوز بيع الهر، لكن قد ورد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الهر (10)؛ ولهذا اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من أجازه وحمل الحديث الذي فيه النهي على هرٍّ لا فائدة منه؛ لأن أكثر الهررة معتدٍ لا فائدة منه، ويعتدي أيضًا، لكن إذا وجدنا هرًّا مربى ويُنتفع به فالقول بجواز بيعه ظاهر؛ لأنه فيه نفع.
بيع الميتة؛ الميتة فيها نفع مباح، لكنه للضرورة، ما هو للحاجة، للضرورة؛ ولهذا حرم بيعها.
إذن أن يكون مباحًا (من غير حاجة) ونقول: من غير ضرورة، أو نكتفي بذكر الحاجة؟ بذكر الحاجة؛ لأننا إذا قلنا: من غير حاجة فمن غير ضرورة من باب أولى.
إذا كان في العين نفع لكنه نفع مقيد ليس نفعًا مطلقًا، مثل جلد الميتة إذا دُبِغَ؛ فالمشهور من المذهب أنه لا يُنْتَفَع به في كل شيء، وإنما ينتفع به في اليابسات، وبناءً على هذا يقولون: لا يصحُّ بيعه؛ لأن نفعه ليس مطلقًا بل هو نفع مقيد، ويشترط أن يكون النفع مطلقًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 651

وحينئذ تكون الشروط: أن يكون في العين نفع، وأن يكون نفعُها مباحًا، وألا يكون إباحته لحاجة، وألا يكون النفع مقيدًا، فإن كان مقيدًا فإنه لا يصح بيعه؛ لأن المشتري لا يملك به عموم الانتفاع.
طالب: ذكرنا أن الصبي يكون تصرفه بإذن وليه.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل يفرق بين الصبي المميز وغير المميز؟ الشيخ: لا، المراد المميز.
الطالب: المميز يصح؟ الشيخ: إي، هذا المراد، غير المميز كالمجنون.
الطالب: إذا جرى العرف بأن الصبي الصغير يأخذ المال ويشتري به الحلوى؟ الشيخ: الذي لم يميز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما أدري، الذي لم يميز يمكن يجيء واحد يقول: تعال أعطني إياه ويعطيه الحلاوة اللي بقرش بريال.
طالب: شيخ، بارك الله فيك ( ... ). الشيخ: ومعنى لغوي ومعنى اصطلاحي: أيهما أعم؟ طالب: المعنى اللغوي.
الشيخ: المعنى اللغوي، وهل هذا ثابت في جميع التعريفات؟ أو في بعض الأحيان يكون المعنى الاصطلاحي أعم؟ طالب: في بعض الأحيان يكون المعنى الاصطلاحي أعم.
الشيخ: مثل.
الطالب: الإيمان مثلًا.
الشيخ: كالإيمان؛ في اللغة التصديق، وفي الاصطلاح أو في الشرع أعم من ذلك؛ لأنه يشمل التصديق والقول والعمل، فما هو البيع في اللغة؟ طالب: أخذ شيء وإعطاء شيء.
الشيخ: وفي الشرع؟ الطالب: (مُبادَلَةُ مالٍ ولو في الذمة أو منفعة مباحة كممر في دار بِمِثْلِ أحدهما على التأبيد غير ربا وقَرْضٍ).
الشيخ: طيب، ما الذي أخرج الربا من البيع شرعًا مع أنه مبادلة مال بمال على التأبيد.
الطالب: لا أعرف.
الشيخ: ما حضرت؟ الطالب: حضرت.
طالب آخر: أنه قسيم البيع في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقسيم الشيء ليس مثله.
الشيخ: أحسنت، قسيم الشيء ليس مثله.
ذكروا أن هذا التعريف يشمل تسع صور، فما وجهه؟ التعريف هذا يشمل تسع صور، فما وجهه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 652

طالب: المبادلة تكون على عين، أو مال في الذمة، أو منفعة مباحة ( ... ) بين البائع والمشتري، فيكون حاصل ضرب ثلاثة بثلاثة تكون الصور تسعة.
الشيخ: إما عين، أو دين أو منفعة، بمثل أحدها تكون تسعة؛ وجه ذلك أن نقول: عين بدين، عين بعين، عين بمنفعة، شوف الآن، الأساس هو العين؛ الغصن مثلًا -خَلِّ الأصل الآن العين- الغصن عين، أيش؟ دين، منفعة.
نجعل الأساس الدين؛ الفرع عين، دين، منفعة.
نجعل الأساس المنفعة، فالفرع: عين، دين، منفعة.
فصار الجميع الآن تسع صور.
ما الذي أخرج القرض عن البيع؟ طالب: لأن المقصود من القرض الإرفاق.
الشيخ: الإرفاق، كذا؟ لو جعلنا القرض من البيع لزم من ذلك إبطال القرض؛ يعني: ما سددنا باب القرض، كذا؟ توافقون على هذا يا جماعة، نسد باب القرض فيما يجري فيه الربا؛ لأنه إذا جعلناه بيعًا لزم من ذلك تأخير القبض فيما يشترط فيه القبض.
البيع له أدلة؛ أربعة أنواع؟ طالب: الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح.
الشيخ: الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح، تفسير النظر الصحيح؟ الدليل من النظر الصحيح ما هو على جواز البيع؟ طالب: النظر الصحيح أن الإنسان .. الشيخ: أن الحاجة أو الضرورة داعية إلى ذلك، مثاله؟ الطالب: إن الإنسان في حاجة إلى ما في يد أخيه؛ فلا سبيل إلى هذا الشيء إلا عن طريق الغصب أو القهر أو بيع، ( ... ). الشيخ: أو عن طريق البيع، الحاجة داعية لذلك؛ لأن الإنسان يحتاج مثلًا، لنقل: يحتاج إلى طعام، وليس عنده طعام، وعنده دراهم، كيف يصل إلى الطعام؟ بماذا؟ إما بالبيع، وإما بالسرقة أو الغصب، فكانت الضرورة داعية إلى جوازه، وهذا هو النظر الصحيح.
ومن السنة؟ طالب: من السنة؛ سنة قولية وفعلية؛ أما السنة القولية فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (1). الشيخ: نعم، والفعلية؟ الطالب: الفعلية؛ النبي صلى الله عليه وسلم اشترى جملًا من جارٍ له ..

الجزء: 2 - الصفحة: 653

الشيخ: نعم، كشرائه جمل جاره، أحسنت، بارك الله فيك.
هل ينعقد البيع بالمعاطاة؟ طالب: نعم، ينعقد البيع بالمعاطاة.
الشيخ: إي معلوم، ينعقد البيع بالمعاطاة، كيف ينعقد بالمعاطاة بدون لفظ؟ الطالب: بدون لفظ؟ الشيخ: نعم.
الطالب: إذا جرى العرف على ذلك.
كالبَغْلِ والْحِمارِ، ودُودِ الْقَزِّ وبِزْرِه , والفيلِ وسِباعِ البهائمِ التي تَصْلُحُ للصيْدِ، إلا الكلبَ والحشراتِ والمصْحَفَ والْمَيْتَةَ والسِّرْجِينَ النَّجِسَ والأَدْهَانَ النَّجِسَةَ، لا الْمُتَنَجِّسَةَ، ويَجوزُ الاستصباحُ بها في غيرِ مَسْجِدٍ، وأن يكونَ من مالِكٍ أو مَن يَقومُ مَقامَه، فإن باعَ مِلْكَ غيرِه أو اشترى بعين ماله بلا إذنه لم يصح فكانت الضرورة داعية إلى جوازه، وهذا هو النظر الصحيح، ومن السنة؟ طالب: من السنة، سنة قولية وفعلية، أما السنة القولية فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (1). الشيخ: نعم، والفعلية؟ الطالب: أما الفعلية: النبي صلى الله عليه وسلم اشترى جملًا من جابر رضي الله عنه (2). الشيخ: نعم، كشرائه جمل جابر، أحسنت، بارك الله فيك.
هل ينعقد البيع بالمعاطاة؟ طالب: نعم، ينعقد البيع بالمعاطاة.
الشيخ: كيف ينعقد؟ إي، معلوم ينعقد البيع بالمعاطاة، كيف ينعقد بالمعاطاة بدون لفظ؟ الطالب: بدون لفظ إذا جرى العُرْف على ذلك، فأي عرف يدل على المعاطاة أنها بيع فإنها ( ... ). الشيخ: طيب، المعاطاة ذكروا أن لها ثلاث صور.
الطالب: صورة من الجانبين، أو من البائع.
الشيخ: من الجانبين.
الطالب: أو من البائع.
الشيخ: أو من البائع.
الطالب: أو من المشتري.
الشيخ: أو من المشتري، طيب، من الجانبين؟ الطالب: مثال، يتضح بالمثال.
الشيخ: بالمثال.
الطالب: مثلًا خبز تمييز مثلًا.
الشيخ: خبز تمييز؟ الطالب: خبز تميز، فيضع الريال ويأخذ ..

الجزء: 2 - الصفحة: 654

الشيخ: يعني مكتوب السعر، فيضع الريال في مُحصِّلة الدراهم، ويأخذ الخبزة، طيب، صح، هذه معاطاة من الجانبين.
من جانب البائع؟ طالب: من جانب البائع يقول، البائع يقول له: رجل يشتري كتابًا؟ فقال: أعطِه بعشرة ريالات.
الشيخ: يقول: أعطني هذا الكتاب بعشرة ريالات، فيأخذ الكتاب ويعطيه إياه، زين، ويعطي ذاك العشرة، صحيح.
لماذا جعل للبيوع شروطًا، وكذلك للعبادات شروطًا، وكذلك لبقية المعاملات شروطًا؟ طالب: جعل لها شروطًا ليسهل ضبطها وليكون الناس على بينة؛ لأنه لو كانت الأمور بغير خطاب كان قليل من يفهمها.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن إذا توضع لها ضوابط وشروط وواجبات يسهل ( ... ) مع الناس.
الشيخ: وهذا داخل في اسم الله الحكيم، المحكم للأشياء المتقن لها، هذا من مقتضى اسمه الحكيم أن جميع ما شرعه أو أحله لعباده كله مضبوط بشروط، الشرط الأول من شروط البيع: التراضي، فما هو الدليل عليه؟ الدليل على أنه لا بد من الرضا في البيع؟ طالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم ابتاع جمل جابر، وشرط عليه جابر أنه يصل عليه إلى المدينة (3). الشيخ: طيب، صحيح، الحديث فيه دليل، بس ما أتى بما فيه الدلالة؛ أن الرسول كان يماكسه بشراء الجمل، ويقول: «بِعْنِيهِ، بِعْنِيهِ» (3) حتى رضِي، لكن نريد أيضًا من القرآن ما هو أصرح من هذا.
طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: 29].
الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ أحسنت، يمكن أن نكره إنسانًا على البيع ويصح البيع.
طالب: إذا كان بحق.
الشيخ: إذا كان الإكراه بحق، مثاله؟ الطالب: مثال: أنه يكون رجل عليه دَيْن، وعنده مالٌ، ولا يمكنه الوفاء فيجبره الحاكم على أن يبيع ماله ويؤدي دَيْنه، ويوفي دينه.

الجزء: 2 - الصفحة: 655

الشيخ: ما صح.
الطالب: ويكون رهن، عنده رهن.
الشيخ: إنسان رهن شيئًا من ماله بدَيْن، وحل الدين، ولم يوفِ، فيلزم.
الطالب: يبيع الرهن.
الشيخ: يبيع الحاكم الرهن، ويُوفي، صحيح، هذا بحق، وذكرنا أيضًا مسألة في القسمة لكم، مو لازم نستوعب كل الأمثلة.
الشرط الثاني، يلَّا.
طالب: جواز التصرف.
الشيخ: ويش معنى جواز التصرف؟ الطالب: التصرف في البيع.
الشيخ: أن يكون العاقد؟ الطالب: يكون عاقلًا بالغًا.
الشيخ: نعم.
طالب: أن يكون العاقد جائز التصرف.
الشيخ: أن يكون العاقد جائز التصرف، فمن هو جائز التصرف؟ الطالب: هو البالغ العاقل الحر.
الشيخ: البالغ العاقل الحر، باقي واحدة.
الطالب: الرشيد.
الشيخ: الرشيد، تمام.
الشرط الثالث؟ طالب: أن تكون العَيْن مباحة النفع بلا حاجة.
الشيخ: طيب، هل يجوز بيع الحشرات؟ طالب: الحشرات؟ الشيخ: نعم.
الطالب: نقول: فيه تفصيل؛ إذا كان مثلًا داخلًا في حشرات الجراد يجوز.
الشيخ: لا، الجراد، ما هي حشرات.
الطالب: أمَّا غيرُها ما يجوز.
الشيخ: لا، الجراد ما نوافقك على أنها حشرات.
الطالب: ( ... ) لا يجوز.
الشيخ: لماذا لا يجوز؟ الطالب: لأنه ليس فيها المنفعة.
الشيخ: لأنه ليس فيها منفعة.
الدليل على أن ما لا منفعة فيه لا يجوز بيعه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال.
(4) إذا كانت مباحة النفع، لكن لا تُباح إلا عند الحاجة؟ الطالب: أعد السؤال.
الشيخ: إذا كانت مُباحة النفع للحاجة فقط، ليس إباحةً مطلقة، هل يصح عقد البيع عليها؟ الطالب: إي نعم، يصح العقد عليها عند الحاجة.
الشيخ: يصح العقد عليها عند الحاجة، إذن كلام المؤلف قوله: (أن تكون مباحة النفع من غير حاجة) غير صحيح؟ الطالب: نخرجها، لا تصح.
الشيخ: تراجعت الآن؟ الطالب: إي نعم، تراجعت.
الشيخ: طيب، مثال ما يباح عند الحاجة فقط؟ الطالب: عند الحاجة فقط؟ الشيخ: إي.
الطالب: هذا مثل الكلب.
الشيخ: كلب أيش؟ الطالب: الكلب.

الجزء: 2 - الصفحة: 656

الشيخ: الكلب، لا يُباح إلا عند الحاجة، لا يباح نفعه عند الحاجة، ما هي الحاجة؟ الطالب: الحاجة: الكلب الذي يباع للصيد، أو الماشية، أو الزراعة.
الشيخ: صح، تمام؛ ولهذا لا يصح بيع الكلب -على الصحيح- ولو كان معلمًا، مع أن فيه نفعًا مُباحًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكلب أو عن ثمن الكلب.
طيب رجل باع طبولًا.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه غير مباح.
الشيخ: لماذا لا يجوز؟ الطالب: لأنه لا يوجد فيه نفع.
الشيخ: فيه نفع، فيه طرب.
الطالب: محرم محرم.
الشيخ: لأن المنفعة هذه مُحرَّمة، صح، طيب، ونحن نقول: (مباحة النفع).
طالب: شيخ، ( ... ) قول: (مباحة النفع من غير حاجة)، ما معنى (من غير حاجة)؟ الشيخ: يعني خرج بذلك ما كان مباح النفع لحاجة، كلب الصيد، الكلب عمومًا لا يجوز بيعه، ليش؟ لأنه لا يُباح الانتفاع به إلا لحاجة، لو واحد مثلًا اقتنى كلبًا، أعجبه هذا الكلب في عدوه أو في قفزه أو ما أشبه ذلك، أو في لونه، أو في جسمه فاقتناه لهذا الغرض، يصح ولا ما يصح؟ يجوز ولَّا ما يجوز؟ طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يجوز، إذن لا يُباح اقتناء الكلب إلا لحاجة: حرث، أو صيد، أو ماشية، فنقول هنا: لا يجوز بيعه؛ لأنه لا يُباح إلا لحاجة، فيه ما يباح للحاجة.
طالب: المحجور عليه.
الشيخ: إي.
الطالب: ( ... ). الشيخ: المحجور عليه في أعيان ماله غير جائز التصرف، في ذمته جائز التصرف.
الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم؟ لا؛ لأن هذا يصح تصرفه في ذمته، كما لا يصح تصرف الراهن في الرهن، يعني العلة الآن ما هو لشيء في نفسه، أو لخلل في وصف العاقد، بل إنه لا يصح تصرفه في عين المال لحق الغير.
طالب: شيخ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 184]، وقلنا: إن المرض الذي لا يشق على الإنسان لا يجوز أن يفطر فيه، ومريضًا نكرة في سياق الشرط، فتعم، ما الذي أخرجها عن العموم، ﴿مَرِيضًا﴾؟

الجزء: 2 - الصفحة: 657

الشيخ: نعم، أخرجها عن ذلك المعنى؛ لأن هذا الصوم فريضة، ولا يمكن تسقط الفريضة إلا لسبب، ومجرد المرض ليس سببًا للتخيير.
الطالب: وإذا قال قائل: هذا الله -عز وجل- علَّق على المرض ووجد المرض؟ الشيخ: المرض الذي يمنع من الصيام، أو يشق به الصيام.
الطالب: ما الدليل على أنه .. ؟ الشيخ: الدليل هو هذا، قلت لك: المعنى؛ لأن إسقاط الفرض لا يمكن إلا لسبب، ومجرد المرض وصف طردي ما يثبت الحكم ولا عِلَّة.
الطالب: شيخ، علَّلتم في الموضع الآخر، يقول: إذا كان الإفطار أرفق به، وهذا.
الشيخ: لا، ما هذا، هذا في السفر، نروح للأيمنين؛ لأنه .. طالب: شيخ، هل يجوز للأخ أن يغشش أخاه حينما تسأله؟ الشيخ: لا.
الطالب: ما يجوز.
الشيخ: إذا وجهت سؤالًا لشخص ما يغششه الآخر، هل سعد غششك؟ ! الطالب: لا، أتناقش يعني معاه.
( ... ) طالب آخر: أشياء كثيرة يشتريها الناس ما فيها منفعة، كالآثار القديمة والطوابع .. الشيخ: إي، فيها منفعة تجارية.
الطالب: لا، هو يحتفظ بها فقط.
الشيخ: إي، يحتفظ بها، لكن لو باعها لحصل فيها مكسب؛ يعني فهنا قيمتها اعتبارية، لا ذاتية.
الطالب: تداولها بين الناس، ( ... ). الشيخ: والله على كل حال فيها.
الطالب: ( ... ) حتى ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: يعني حتى المصلحة التجارية حاصلة في ( ... ). الشيخ: أيش؟ أحد يحتفظ بالحشرات؟ ! الطالب: إي نعم.
الشيخ: يحتفظ بالحشرات؟ الطالب: فراشات.
الشيخ: إي.
الطالب: أقول: كما قلت لكم ( ... ) ذكرت.
الشيخ: على كل حال العلماء يقولون: إذا كان فيه منفعة مباحة فلا بأس، وإذا لم يكن فيه منفعة، والطوابع حسب ما نسمع أن فيها تجارة الآن، يتجر بها، يمكن يبلغ الطابع عشرة آلاف أو أكثر.
طالب: أحسن الله إليكم، هذا مدِين، كتب على بيع أراضٍ كانت له للدائن، فقال: أمهلوني حتى أحرج عليه، يعني يحرج عليه إذا ارتفع الثمن، ( ... ) فألزموه على البيع، وباعها بغير إحراج، بيع مثل هذا يصح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 658

الشيخ: هذا ينبني على أنه إذا وجد الإنسان عين ماله عند رجل أفلس فهو أحق بها، يعني مثلًا لو بعتُ بعيرًا على شخص أو سيارة، ثم أفلس، فأنا آخذ سيارتي.
الطالب: يعني لا يحق له ( ... ). الشيخ: ولكن هذه المسألة لو أنهم حرجوا عليها لكان فيه مصلحة للجميع.
الطالب: صحيح.
الشيخ: غلط هذا، نعم.
طالب: الإكراه، إذا كان الإكراه للمصلحة العامة، ولو بحق ( ... ). الشيخ: إذا دعت الضرورة، وعلمنا أن الرجل هذا إنما امتنع اعتراضًا على المصلحة العامة، فإنه يؤخذ منه، يجبر ويؤخذ منه، ويقال: هذا ثمنه.
طالب: شيخ، الدليل على عدم صحة بيع الصبي، قلنا: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6]، كذا يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، وقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5].
الطالب: لكن قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ ما مفهوم الآية؟ اختبرهم إذا كانوا يعني ممكن يبيعون ويشترون، ممكن؟ الشيخ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
الطالب: يعني مو بيختبر قبل؟ الشيخ: اشترط إلا، يختبر قبيل البلوغ.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذا الاختبار ما هو تصرف مطلق، مقيد بما يراه الولي.
طالب: ( ... ) مثل واحد صلى وعنده غنم، وتعادى عليها السبع، يقطع صلاته يفكها ولا يخليه؟ الشيخ: إلا يقطع صلاته يفكها.
الطالب: إي، فيه واحد يا شيخ جاء جابله غنم ( ... ) وعدا عليهن الذئب، وتم صلاته ( ... ) والذئب ميت.
الشيخ: كيف؟ الطالب: وتم صلاته.
الشيخ: الحبل؟ الطالب: نعم، واحدة راحت ( ... )، وواحدة راحت ( ... )، معروف رجال ( ... ). الشيخ: يعني سلمًا هن؟ الطالب: سلمًا.
الشيخ: والذئب مات؟ ! الطالب: والذئب مات.
الشيخ: سبحان الله! الطالب: هو أتم صلاته.
الشيخ: الله أكبر! الطالب: والله ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: إي، سبحان الله، يمكن.
( ... ).


الجزء: 2 - الصفحة: 659

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: كالبغل والحمار، ودود القز وبزره، والفيل، وسباع البهائم التي تصلح للصيد، إلا الكلب والحشرات والمصحف والميتة والسرجين النجس، والأدهان النجسة لا المتنجِّسة، ويجوز الاستصباح بها في غير مسجد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن من شروط صحة البيع أن تكون العين ذات نفع مُباح لغير حاجة في كل حال، أو لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: أن تكون العين ذات نفع مباح لغير حاجة في كل حال، وهذه مأخوذة من قول المؤلف: (أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة)؛ لأن قوله: (مباحة النفع) يعني في كل حال.
إذا باع حشرات لا يُنتفع بها؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ طالب: لأنه ما يُنتفع به.
الشيخ: طيب، وإذا كان لا يُنتفع بها؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه فقد شرطًا.
الشيخ: وما هو داعي الشرطية على هذا الشرط؟ أليس في الحديث الصحيح: أن الرسول نهى عن إضاعة المال (4)؟ كذا؟ قلنا: حشرات لا نفع فيها، هل يمكن أن يكون في الحشرات نفع؟ طلبة: نعم.
طالب آخر: الطبيب يا شيخ إذا أراد تشريح، وكذا ( ... ). الشيخ: إي، ويش منفعتهم أنه يشرح البعوض؟ الطالب: الأمراض تنقل عن طريق هالحشرات.
الشيخ: إي، طيب، على كل حال إذا أمكن يمكن؛ يعني يصح البيع، ومن أمثلته الواضحة العلقة لمص الدم؛ لأن فيه علق معروف، أنواع من العلق تُباع لمص الدم، تكون مثل الحجامة، في منزلة الحجامة، قال: ومن ذلك الديدان لصيد السمك، هذه يُنتفع بها، أحد منكم سماك؟ طالب: نعم.
الشيخ: مَنْ؟ معروف؟ الطالب: نعم، يُصاد بها السمك.
الشيخ: يُصاد بها السمك، هذه في حد ذاتها ما فيها نفع، لكنها تُلقى في البحر فيأتي السمك ليأكلها فيُمسَك.
بَيْع جِلْد الميتة إذا كان يطهر بالدباغ، هل يحل بيعه؟ هل يحل بيع جلد الميتة إذا كان يُباح بعد الدبغ، هل يحل بيعه؟ طالب: نعم.
الشيخ: جلد الميتة إذا دُبغ جاز أن يُنتفع به، فهل يحل بيعه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 660

طالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ الطالب: لأنه عين لا يجوز الانتفاع بها.
الشيخ: لا، يُنتفع به في اليابس.
الطالب: ما يجوز بيعه.
الشيخ: لماذا وهو ينتفع به في اليابس؟ الطالب: لأنه عين الميتة.
الشيخ: طيب، نعم.
طالب: المذهب أنه لا يجوز بيعها.
الشيخ: لماذا؟ طبِّقها على القاعدة.
الطالب: لأنه يجوز للحاجة في اليابسات.
الشيخ: لا، ما هو لحاجة؛ لأنه لا يُباح الانتفاع بها على سبيل الإطلاق، هو يُباح في الانتفاع في اليابسات بلا حاجة، لكنه لما كان الانتفاع به مقيدًا بحال دون حال، قالوا: إنه لا يصح، لكن الراجح أنه إذا كان يطهر بالدباغ فإنه يصح بيعه.
طالب: قبل الدبغ ولَّا بعده يصح بيعه؟ ( ... ). الشيخ: لا.
طالب: ( ... ). الشيخ: على القول ما ينتقض، صحيح هذا.
الطالب: وهو الإطلاق ما موجود.
الشيخ: لا؛ لأننا إذا قلنا بطهارته صار يُباح على الإطلاق، حتى لو تجعل فيه لبنًا وتشربه ما فيه بأس.
يقول المؤلف: (كالبغل والحمار) إلى آخره، (البغل) هو حيوان متولِّد بين الحمار والفرس، وهو أن ينزو الحمار على الفرس فتلد ما يُسمى بالبغل، وفيه من طبائع الحمير ومن طبائع الخيل، وحكمه أنه حرام؛ لأنه مُتولِّد من حلال وحرام على وجه لا يتميز، فغُلِّب جانب التحريم، أعرفتم هذا؟ مُتولِّد من حلال وحرام على وجه لا يتميز، فيُغلَّب جانب التحريم.
فإذا قال قائل: كيف نُغلِّب جانب التحريم؟ لماذا لا نُغلِّب جانب الحل؟ نقول: لأن اجتناب الحرام واجب، ولا يمكن اجتنابه إلا باجتناب الحلال، واجتناب الحلال حلال ولَّا حرام؟ طلبة: حلال.
الشيخ: اجتناب الحلال؟ طلبة: حلال، حرام.
الشيخ: اجتناب الحلال يا جماعة؟ طلبة: مُباح.
الشيخ: مُباح، حلال، اجتناب الحلال حلال، أفهمتم التعليل؟ العلماء يقولون: إذا اجتمع موجب التحليل والتحريم على وجه لا تمييز بينهما غُلِّب جانب التحريم، لماذا؟ لأن اجتناب الحرام، كمِّل.
طلبة: واجب.

الجزء: 2 - الصفحة: 661

الشيخ: ولا يمكن اجتنابه إلا باجتناب الحلال، واجتناب الحلال حلال، فأنا إذا اجتنبت الحلال لا حرج عليَّ، لكن لو فعلت الحرام فعلي الإثم؛ لهذا غُلِّب جانب التحريم وقيل: إن البغل حرام، لكن يجوز بيعه؛ لأنه ما زال المسلمون يتبايعون البغال من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، كذلك الحمار يجوز بيعه، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز بيعه، الدليل: الإجماع، الدليل أن المسلمين مجمعون على ذلك؛ يتبايعون الحمير من عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى يومنا هذا.
فإن قال قائل: يُشكل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (5)، والبغل حرام، والحمار حرام.
فنقول: «حَرَّمَ ثَمَنَهُ» أي ثمن ذلك المحرم، ولهذا لو اشترى شخص بغلًا ليأكله، حرُم ولَّا حَلَّ؟ طلبة: حرم.
الشيخ: نعم؛ لأنه حرام عليه، فلا يجوز أن يأخذ على شيء محرم عوضًا، وهو يشتريه لا لأكله، ولكن لركوبه، وركوبه والانتفاع به حلال، فلا يعارض الحديث.
قال: (ودود القز)، (القز) نوع من الحرير، من أفخر الحرير، وله دود، تعرفون الدود؟ طالب: نعم.
الشيخ: أيش هو؟ طلبة: حشرة، دود، حشرة.
الشيخ: الدود مثل الذي يكون في التمرة، هذه الدودة -بإذن الله- يظهر منها هذا القز، وينطوي عليها، هي بنفسها تطوى على نفسها، حتى إذا غمها ماتت ويبست، ثم أُخِذ هذا القز، لكنه بكميات كبيرة هائلة، دود القز يجوز بيعه مع أنه حشرة، لكن ينتفع به، كذلك بزر هذا الدود الذي لم يصل إلى حد أن يتولد منه القز، يجوز؛ لأنه ينتفع به متى؟ في الحال ولَّا في المآل؟ طلبة: في المآل.
الشيخ: لأنه يُنتفع به في المآل، فيجوز بيعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 662

كذلك أيضًا يجوز بيع (الفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد)، الفيل معروف، يجوز بيعه؛ لأنه يُحمل عليه الأثقال، ففيه منفعة، كذلك سِباع البهائم التي تصلح للصيد؛ كالنمور، والفهود، والآساد -إن كانت تصلح- وكذلك الصقور وغيرها، كل سباع البهائم من طائر وماشٍ إذا كان يصلح للصيد فإنه يجوز بيعه؛ لأنه يباع لمنفعة مباحة فجاز، كالحمار، إلا واحدًا، قال: (إلا الكلب)؛ فإنه لا يجوز بيعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيعه (6). مع أن الكلب يصلح للصيد، أليس قد أباح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اقتناءه لثلاثة أمور: الحرْث، والماشية، والصيد؟ ومع ذلك لا يجوز بيعه، حتى لو باعه لهذا الغرض -أي للصيد- فإنه لا يجوز.
فإن قال قائل: كيف مُنع الكلب -مع ما فيه من المنافع- ولم تُمنع سباع البهائم التي تصلح للصيد؟ قلنا: التفريق بالنص، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ولا يصح أن تُقاس سباع البهائم التي تصلح للصيد عليه؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]؛ ولأنها أخف ضررًا من الكلب؛ إذ إن الكلب إذا ولغ في الإناء يجب أن يُغسل سبعًا إحداها بالتراب، وغيره من السباع لا يجب التسبيع فيه ولا التراب، فظهر الفرق وامتنع القياس.
فإن قال قائل: أليس قد ورد فيما رواه النسائي وغيره من استثناء كلب الصيد؟ قلنا: بلى، ولكن المحققين من أهل الحديث والفقه قالوا: إن هذا الاستثناء شاذ؛ فلا يُعوَّل عليه، وأيضًا لو صح هذا الاستثناء لكان نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب من باب اللغو؛ لأن كلبًا لا يُصاد عليه، ولا يُنتفع به في الحرث، ولا في الماشية لا يُمكن أن يُباع؛ فلذلك تعيَّن أن يكون النهي عن ثمن الكلب، إنما هو الكلب الذي يُنتفع به، ويُباح اقتناؤه.

الجزء: 2 - الصفحة: 663

يقول: (إلا الكلب والحشرات)، الحشرات لا يصح بيعها، والعلة أنه ليس فيها نفع، فبذْل المال فيها إضاعة له، وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن إضاعة المال (4)، وعلم من هذا التعليل أنه لو كان فيها نفع جاز بيعها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا كان فيها نفْع فلا بأس، قال: ومن النفع العلق لمص الدم، والديدان لصيد السمك.
يقول: (والمصحف) رحمة الله على المؤلف في سياق هذه الصيغة، يعني عطف المصحف على الحشرات أسلوب ليس بجيد، لكن -عفا الله عنه- لو أنه أفرده بجملة واحدة لكان أوْلى، لكن يريد المؤلف -رحمه الله- أن المصحف لا يصح بيعه؛ ووجه ذلك أن الواجب على من استغنى عنه أن يبذله للمحتاج إليه، فإذا كان هذا هو الواجب فيُقال: من لم يستغنِ عنه لا يحل له أن يبيعه؛ لأنه محتاج إليه، ومن استغنى عنه وجب عليه بذله بلا عِوض؛ لأن الواجب لا يؤخذ عليه عوض، ولهذا قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ودِدْت أن الأيدي تقطع ببيعه (7). شوف إلى هذا الحد، فجعل آخذَ ثمنِهِ بمنزلة السارق تُقطع يده، وعلَّلوا ذلك أيضًا بتعليل آخر، قالوا: لأن بيعه ابتذال له؛ حيث يُجعل كالسِّلع العادية، تبيع المصحف، مَنْ يشتري المصحف، ابتذال لكلام الله عز وجل، فلا يجوز أن يُباع.
فصار عندنا الدليل على هذا أثر ونظر؛ الأثر أثر ابن عمر رضي الله عنه، وأما النظر فيقال: إن كان الإنسان مستغنيًا عنه فبذْلُه واجب، والواجب لا يجوز أخذ العِوَض عنه، وإن كان غير مستغنٍ عنه، فإن بيعه حرام عليه؛ لأنه محتاج له، فلا يصح.
وتعليل آخر -دليل نظري-: هو أن في بيعه ابتذالًا له، والمصحف يجب أن يُحترم ويُعظَّم.

الجزء: 2 - الصفحة: 664

وقال بعض العلماء: إنه يحرُم بيعه ويصح، وفي هذا نظر؛ لأنه مخالِف للقواعد؛ إذ إن القاعدة أن ما حرُم فإنه لا يصح، كل عقد مُحرَّم فإنه لا يصح، فالقول بأنه يحرم ويصح فيه نظر، فإما أن نقول: يحرم ولا يصح، وإما أن نقول بما عليه جمهور العلماء وعمل المسلمين من أزمنة متطاولة أنه يجوز.
ويصح بيع المصحف، وهذا هوالصحيح أنه يجوز بيع المصحف ويصح، وهذا عمل المسلمين عليه ما زال إلى اليوم، ولو أننا حرمنا بيعه لكان في ذلك منع للانتفاع به؛ لأن أكثر الناس يشح أن يبذله لغيره، وإذا كان عنده شيء من الورع وبذله يبذله على إغماض، هل كل أحد نقول له: إذا كنت مستغنيًا عن المصحف يجب أن تبذله لغيرك؟ يشق على الناس، على كثير منهم.
فالصواب أن بيع المصحف حلال وصحيح، وهذا هو الأصل، وأما ما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فلعله كان في وقت يحتاج الناس فيه إلى المصاحف، ويعني أن المصاحف قليلة، فيحتاجون إليها، فلو أُبِيح البيع -في ذلك الوقت- لكان الناس يطلبون أثمانًا كثيرة لِقلَّته؛ فلهذا رأى -رضي الله عنه- ألا يباع.
طالب: بيع الخمر يا شيخ لغير الشرب، للاستعمال في الإحراق؟ الشيخ: إحراق؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: يحرق أيش؟ الطالب: فيه أشياء ( ... ). الشيخ: الخمر مادة محرقة؟ ! الطالب: يشتعل يا شيخ.
الشيخ: محرقة؟ الطالب: يشتعل.
الشيخ: ما سمعنا بهذا.
الطالب: فيه نسبة الكحول.
الشيخ: هل سمعتم بهذا؟ طالب: نعم.
الطالب: الكحول، السبرتو.
الشيخ: إي طيب، هذا نص الشارع على النهي عن بيعه: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ» (8) كما أن الميتة قد يُنتفع بها، قد أشتري الميتة وأطعمها الكلاب اللي عندي، ما نص عليه الشرع لا يمكن أن يُجتهد فيه.
طالب: أحسن الله إليكم، استدللتم على تحريم بيع الحشرات في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، والجهة منفكة.
الشيخ: وهي؟

الجزء: 2 - الصفحة: 665

الطالب: يعني لو النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الحشرات لقلنا: ما يجوز، لكن نهى نهيا مطلقًا.
الشيخ: إي طيب، وهذا يدخل في العموم.
الطالب: كالنهي عن الغصب، أجزنا الصلاة في الأرض المغصوبة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغصب.
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ إضاعة المال بذله في غير فائدة، هذا إضاعته، ليس إضاعة المال أني ألقيه في الأرض.
طالب: ذكرنا أن الصحيح المصحف، أنه يجوز بيعه، وردينا على أثر ابن عمر، ولكن بالنظر، وهو إذا كان الإنسان مستغنيًا عنه فبذله واجب.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: هذا كغيره من الأشياء التي يكون الوجوب طارئًا عليها، أليس يجب عليَّ أن أبذل ما فضل من الفراش لمن احتاج لدفع البرد، وما فضل من الطعام للجائع، ومع ذلك يجوز بيعه؟ الطالب: والثاني يا شيخ؟ الشيخ: نعم، وكذلك بالنسبة للثاني، نقول: إذا كنت محتاجًا إليه -إلى المصحف- ويفوتك إذا بعته أن تنتفع به حرم عليك البيع، هذا تحريم طارئ لعلة طارئة.
طالب: شيخ -حفظك الله- بالنسبة للخمر، الحين يحرم للعموم، لورود النص في ذلك، إذا كان هناك مادة تحتوي على شيء يسكر ( ... )، الكولونيا، مادة الكولونيا التي تسكر؛ هل ينطبق عليها حُكم الخمر، وأنه لا يجوز بيعها؟ الشيخ: إي نعم، الكولونيا إن اشتراها الإنسان لما تُشترى له الخمر -يعني ليشربها ويسكر- هذا حرام، وإن اشتراها للتطيُّب بها بقي النظر: هل يجوز التطيب بما يشتمل على الخمر أو لا؟ لأن بعض العلماء يقول: إنما حُرِّم من الخمر شُرْبها، كما أن الميتة إنما حرم أكلها، ولكنا رأْيُنا فيها أن هذا يكره، استعمال هذه المواد -الكحول وما أشبه ذلك- في غير الشرب مكروه تورعًا واحتياطًا؛ لقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].
طالب: المواد يا شيخ، الآلات التي تحرم على المسلمين مثل المعازف؛ هل يجوز بيعها؟ الشيخ: بيجينا إن شاء الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 666

طالب: شيخ، حديث جابر في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن استخدام شحوم الميتة للاستصباح بها.
(8) مع أنه غير محرم.
الشيخ: نهاهم عن الاستصباح بها؟ الطالب: هم سألوه قالوا: إنا نستصبح بها ( ... ). الشيخ: إي، أوردوا عليه ذلك ليعدل لهم في البيع، فقال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ».
يعني البيع، وليس الاستصباح.
الطالب: إي نعم، البيع يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: مثل ما قلنا: إذا البغل اشتري للركوب ليس للأكل يجوز بيعه؟ الشيخ: إي نعم، هذا تعليل لما أجمع المسلمون عليه.
الطالب: والخمر أيضًا؟ الشيخ: الخمر أجمع المسلمون على تحريمه؛ لأنه ورد به النص.


إذن نأخذ أمثلة، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال: (والميتة)، هذا عطف على قوله: (إلا الكلب) يعني يريد -رحمه الله- أن يُبيِّن ما يحرم بيعه من الأعيان، فذكر الكلب، والحشرات، والمصحف، والميتة، طيب الحشرات استثنينا منها ما.
طلبة: ينتفع به.
الشيخ: ما يمكن الانتفاع به، ومثَّلنا لذلك بماذا؟ بالعلق لمص الدم، والديدان لصيد السمك، طيب يقول: (والميتة)، الميتة لا يصح بيعها؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْمَيْتَةِ» (9)، «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ»، وأضاف التحريم إلى الله تأكيدًا له؛ لأن إضافة الشيء إلى ملك الملوك معناه قطع النزاع فيه، وأنه لا يمكن لأحد أن ينازع، فالله عز وجل حرَّم بيع الميتة.

الجزء: 2 - الصفحة: 667

أورد الصحابة رضي الله عنهم -وهم الحريصون على العِلْم- على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إيرادًا، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه تُطلَى بها السفن، وتُدْهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس.
السفن من خشب، وتُطلى بالشحوم ليكون بها الدهن الذي يَزِلُّ عنه الماء، ولا يدخل في الخشب؛ لأنه لو دخل في الخشب لأثقلها، وتُدهن به الجلود، -ظاهر- لتلين؛ لأن الجلد إذا دُهن لان، ويستصبح بها الناس، كيف؟ يجعلونها مصابيح، كان الناس في الأول يجعلون الدهن بمنزلة أيش؟ طلبة: الشمع.
الشيخ: البتروميل.
طلبة: الشمع، الجاز.
الشيخ: الجاز، طيب، يضعونه في إناء، ويضعون فيه فتيلًا، ويوقدون في رأس الفتيل، ثم يكون مضيئًا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» (8)، فاختلف العلماء في قوله: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» ما هو؟ فقيل: إنه البيع؛ لأنه موضِع الحديث، وهو المتحدَّث عنه: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ»، والصحابة إنما أوردوا الانتفاع بها ليبرروا جواز بيعها، ويبينوا أن هذه المنافع لا تذهب هدرًا، فينبغي أن تُباع، فقال: «لَا، هُوَ -أَي البيع- حَرَامٌ».
وهذا القول هو الصحيح، أن الضمير في قوله: «هُوَ حَرَامٌ» يعود على البيع حتى مع هذه الانتفاعات التي عدها الصحابة رضي الله عنهم؛ وذلك لأن المقام عن الحديث في البيع.
وقيل: «هُوَ حَرَامٌ»، يعني الانتفاع بها في هذه الوجوه حرام، فلا يجوز أن تُطْلَى بها السفن، ولا أن تُدهن بها الجلود، ولا أن يستصبح بها الناس، ولكن هذا القول ضعيف، والصحيح أنه يجوز أن تُطْلى بها السفن، وتُدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس.
الميتة حرام، ونسأل الآن: هل يُستثنى من الميتات شيء؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وهل يُستثنى من الميتة شيء؟ يعني جزء؟ نشوف، أما الميتات فيُستثنى منها الميتة الطاهرة، كذا نقول؟ الميتة الطاهرة.
كذا نقول؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: أيش نقول؟

الجزء: 2 - الصفحة: 668

الطلبة: ( ... ) الميتة.
الشيخ: طيب التي كانت طاهرة.
طلبة: ( ... ). الشيخ: الميتة الطاهرة، اللي الآن بعد موتها طاهرة.
طالب: نعم.
الشيخ: نستثني هذا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما يصح؛ لأنه يرد علينا الآدمي ميتته طاهرة، إذن الميتة الطاهرة أيضًا.
طلبة: المأكولة.
الشيخ: إلا الآدمي، يصح؟ الميتة الطاهرة إلا الآدمي، يصح؟ طلبة: يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن عندنا ميتة طاهرة غير الآدمي وهو ما ليس له نفس سائلة، هذا طاهر، ومع ذلك فإن بيعه حرام، لو يجد الإنسان -مثلًا- ذبابات كثيرة ماتت بمبيد، وأراد أن يبيعها، هي طاهرة، يصح؟ مع أنها طاهرة، إذن نزيد شرطًا: الميتة التي تُؤكل، يُستثنى من الميتة الميتات التي تُؤكل، فإن بيعها حلال؛ لأنها حلال، والله تعالى لا يُحرِّم بيع شيء أحله لعباده، مثل السمك؛ لو جاء إنسان بسمك ميت فإنه يحل بيعه، كذلك الجراد يحل بيعه ولو ميتًا، لو وجد الإنسان جرادًا ميتًا على ظهر الأرض، فجَرَدَهُ، ثم باعه فلا بأس، لماذا؟ لأن ميتته تُؤْكَل، لا تُعلَّل بعِلَّة أوسع من الحكم، فعلى هذا نقول: إذا باع الإنسان جرادًا ميتًا على ظهر الأرض بعد أن حازه، فإن البيع صحيح.
ويُذكر أن رجلًا جاء بعدل من جراد لامرأته وقال: خذي هذا فاطبخيه، فجعلت هذه المرأة كلما أخرجت جرادةً ذبحتها، وكلما أخرجت جرادة لتذبحها طار عشر، فلم يحصل من هذا الكيس الكبير إلا على جزء صغير، فأنا قلت هذا لأجل أن تعرفوا رحمة الله بنا، لو اشترطت الذكاة للجراد لكان مشقة شديدة، أيش؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: يعني إذا اشترينا سلعة مما يتداول بين الناس الآن قلنا: مقيدة ( ... ). الشيخ: مقيدة بأيش؟ الطالب: فيما تستخدم فيه، يعني لو اشترينا ( ... ) هو مقيد باستخدامه ( ... ). الشيخ: سبحان الله! الطالب: وذكرتم شرطًا.
الشيخ: ما فهمت الشرط أنت؟ الطالب: إي نعم، ما فهمت.

الجزء: 2 - الصفحة: 669

الشيخ: ما فهمت الشرط، إن شاء الله تفهمه بعدين، ويش تقول أنت؟ إي هذا، لا، ما هو أنت، هذا الأخ، أنت إي، ما أنت كلمتني قبل، ويش تبغي؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: طيب، خذ منها عشرين.
الشيخ: بيعه حرام.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا.
الطالب: ( ... ). الشيخ: الرسول قال: «الْبَيْعُ حَرَامٌ» (8)، وأما الادِّهان بها، دهن الجلود والاستصباح بها وطلي السفن فلا بأس.
طالب: قلنا بالأمس عن المصحف: ويحرم بيعه ويصح، هذه عبارة قلت: إن فيها نظرًا، لو أورد قائل وقال: إنه صحيح يحرم بيعه إلى الكفار، ويصح بيعه للمسلمين.
الشيخ: العلماء قالوا هذا، يحرم بيعه للمسلم.
الطالب: لا، غيره، لما قلتم: القول الصحيح.
الشيخ: القول الصحيح أنه يجوز بيعه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويصح بيعه، وأما مسألة أنه يُباع على الكافر، الكافر ما يجوز نعطيه إياه ولا عارية، إلا رجاء إسلامه مع ثقتنا بأنه لا يهينه.
طالب: شيخ، الميتة المأكولة، أن الميتة لا يصح بيعها أصلًا، شيخ، وقلنا: إنهإذا دُبغ الجلد فعلى القول الراجح أنه يطهر، وإذا كان طاهرًا فإنه ( ... ) البيع، ويجوز بيعه ( ... ). الشيخ: لم نصل حتى الآن إلى أجزاء الميتة، إحنا قلنا: ما الذي يُسْتثنى من الميتات، وما الذي يُستثنى من الميتة نفسها، الآن، كلامنا الآن على الذي يُستثنى منين؟ الطالب: من الميتات.
الشيخ: من الميتات.


أما الأجزاء، نعود إلى كتاب البيوع، أظن ما يحتاج إلى قراءته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
السؤال: يقول المؤلف: إن الميتة لا يصح بيعها، فهل يُستثنى من هذا شيء؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: ما الذي يُستثنى؟ الطالب: ميتته طاهرة.
الشيخ: ما ميتته طاهرة، كالآدمي؟ الطالب: ( ... ) من بحري ولَّا .. ! الشيخ: كالآدمي، نحن نبهنا على هذا، جاءنا هذا نفس الجواب اللي قلت، ونبهنا عليه أنه لا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 670

الطالب: ميتة البحر عامة.
الشيخ: إذن يجوز بيع الآدمي؛ لأن ميتته طاهرة.
الطالب: لا، هذا .. الشيخ: سبحان الله، كيف نسيتم هذه، مع أنه نبهنا عليها تنبيهًا؛ يعني ما جاءت بالشرح هكذا مرسلة.
طالب: الميتة المأكولة.
الشيخ: صح، ما ميتته مأكولة، لأجل أن يخرج ميتة الآدمي، وتخرج ميتة ما لا نفس له سائلة من الحشرات فإنها طاهرة، ومع ذلك لا يجوز بيعها.
وهل يُسْتثنى شيء آخر من الميتة نفسها؛ يعني من أجزاء الميتة؟ طالب: مثل الجلد ( ... ) يُستثنى ( ... ). الشيخ: يُستثنى من ذلك على القول الراجح الجلد إذا دُبِغ، هذه واحدة.
ما الذي يستثنى أيضًا، من الميتة؟ طالب: جلد الميتة يا شيخ؟ الشيخ: لا، الميتة، الآن الميتة عندي شاة ميتة ما يجوز أني أبيعها، ما الذي يُستثنى من أجزاء الميتة؟ قال الأخ: الجلد إذا دُبغ، وهذا على القول الراجح، ليس على المذهب أيضًا.
طالب: الأجزاء ( ... ) يا شيخ، الأجزاء التي تنفصل كالشعر والسن.
الشيخ: أحسنت، الأجزاء التي تنفصل مثل الشعر والريش، والظفر إذا أمكن بيعها، فيجوز بعد جَزِّها أن تُباع.
طيب ما تقول في بيع الجراد وهو ميت؟ طالب: يجوز يا شيخ.
الشيخ: لماذا يجوز وهو ميت؟ الطالب: لأنه مما يؤكل.
الشيخ: لأنه مما يؤكل، طيب.
ثم قال المؤلف: (والسرجين النجس) يعني ولا يصح بيع السرجين النجس، السرجين: هو ما يعرف بالسماد الذي تسمد به الأشجار والزروع، هذا السماد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: سماد نجس، وسماد طاهر، وسماد متنجِّس، السماد النجس لا يصح بيعه، كروث الحمير، والعذرة؛ عذِرة الإنسان، وما أشبه ذلك، والعِلَّة في هذا أن هذا النوع من السماد لا يجوز أن يُسمَد به، انتبه، ما هو السرجين؟ طلبة: سماد.
الشيخ: السماد الذي تُسمد به الزروع والأشجار، لا يصح بيع النجس منه، مثل روث الحمير.
طالب: الآدمي.

الجزء: 2 - الصفحة: 671

الشيخ: عذرة الإنسان، لا يصح بيعها، لماذا؟ لأنه لا يصح أن يسمد به؛ يعني لو أن الإنسان سمد بنجس كان حرامًا، لكن أكثر أهل العلم يُجيزون السماد بالنجس، وأن تسمد الأشجار والزروع بأرواث الحمير، وعذرات الإنسان، فهل نقول -على هذا القول-: إنه يجوز بيعها؛ لأنه يُنتفع بها؟ الظاهر: لا يجوز، وإن كان يُنتفع بها، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ» (8). قالوا: أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه تُطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس -يعني يتخذون منها المصابيح- قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، يعني البيع، مع أن فيه انتفاعًا، لكن منع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بيعه؛ لأنه نجس، فعلى هذا نقول: السرجين النجس لا يصح بيعه، حتى لو قلنا بجواز السماد به، أفهمتم الآن؟ الثاني من أقسام السماد: المتنجس، هل يجوز بيعه؟ الجواب: نعم، يجوز بيعه؛ لأنه يمكن تطهيره.
ومثال المتنجِّس: تراب بال عليه حيوان من الحيوانات التي بولها نجس، هذا التراب أصله طاهِر، ووردت عليه النجاسة فيكون متنجِّسًا، هل يجوز بيع هذا التراب المتنجِّس قبل أن نُطهِّره؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه يمكن إزالة نجاسته، كما لو باع الإنسان ثوبًا متنجسًا، أليس الإنسان لو كان عنده ثوب متنجِّس، وباعه على أحد من الناس فالبيع جائز، لكن يجب أن يُخبر المشتري بأنه متنجس؛ لئلا يغتر به.
إذن، السرجين النجس بيعه حرام، المتنجس؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: بيعه حلال، الطاهر؟ طالب: من باب أولى.
الشيخ: جائز بيعه؟ طلبة: نعم، جائز.

الجزء: 2 - الصفحة: 672

الشيخ: نعم، بيعه حلال من باب أولى.
يقول: (والسرجين النجس، ولا الأدهان النجسة ولا المتنجسة)، الأدهان النجسة لا يجوز بيعها، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ» (8). فقالوا له: أرأيت شحوم الميتة فإنه يُطلى بها السفن، وتُدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» أي: بيعها، مع أنهم ذكروا أن الناس ينتفعون بها، إذن الأدهان النجسة لا يجوز بيعها، وهل يجوز الانتفاع بها؟ الجواب: نعم، يجوز الانتفاع بها على وجه لا تتعدى، كأن تُدهن بها الجلود، وتُطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس.
(ولا المتنجِّسة) يعني ولا يصح بيع الأدهان المتنجسة، مثال الأدهان النجسة: الأدهان التي تكون من شحْم الميتة، هذه أدهان نجسة؛ لأن الميتة نجسة، والأدهان الخارجة من شحمها نجسة.
الأدهان المتنجِّسة: هي الأدهان الطاهرة التي وردت عليها النجاسة، كإنسان عنده جالون من الدهن -ولنقُل من الزيت- وقعَتْ فيه نجاسة، يجوز بيعها أو لا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ طلبة: ( ... ) لا يجوز.
الشيخ: قلنا: يجوز على القول الراجح، لكن على المذهب يقول: لا يجوز، لا يجوز بيْع الأدْهان المتنجِّسة، لماذا؟ قالوا: لأنه لا يمكن تطهيرُها، وإذا لم يمكن تطهيرها صارت كالنجسة، والصحيح أن بيْع الأدهان المتنجِّسة جائز؛ لأنه يمكن تطهيرُها، فتكون كبيع الثوب المتنجِّس.

الجزء: 2 - الصفحة: 673

إذن كلام المؤلف في قوله: (الأدهان النجسة) لا يجوز بيعُها صحيح، ودليله حديث: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ» (8). حديث جابر، المتنجِّسة، يقول المؤلف: إنه لا يجوز بيعُها، والصحيح أن بيعها جائز؛ لأن منع بيعها بناءً على أنه لا يمكن تطهيرها، ولكن الصحيح أن تطهيرها ممكن، ولكن كيف يمكن تطهيرها، وهي أدهان؟ يمكن هذا بإضافة مواد إليها تُطهِّرها، أو بإضافة ماء إليها وغليانها، المهم أنه متى أمكن تطهيرها فإنه يجوز بيعها.
قال المؤلف رحمه الله: (والأدهان النجسة)، عندك أنت (لا المتنجِّسة) هذه غلط، (ولا المتنجِّسة).
قال: (ويجوز الاستصباح بها في غير مسجد)، (بها) الضمير يعود على أقرب مذكور، وهو الأدهان المتنجسة، يجوز الاستصباح بها، أي: اتخاذ المصابيح منها، وكيف ذلك؟ كانوا فيما سبق ليس عندهم الكيروسين -يعني الجاز- ولا الغاز ولا الكهرباء، فبماذا يُوقِدون؟ يوقدون بالأدهان، يأتون بالدهن يضعونه في إناء صغير، ويضعون فيه فتيلة، ويُوقدون فيها النار، وما دام هذا الدهن باقيًا فإنها تشتعل.
فيقول المؤلف: (يجوز الاستصباح بها في غير مسجد)، وهذه الجملة جملة استطرادية؛ لأن الكلام هنا ليس في جواز الاستعمال وعدمه، ولكنه في جواز البيع وعدمه، ولكنه ذكرها -رحمه الله- استطرادًا، والاستطراد في مسائل العلم -إذا دعت الحاجة إليه أو اقتضته المصلحة- من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومثاله من السُّنَّة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام سُئل عن الوضوء بماء البحر، فقال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (10)، «الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
لم يرد عنها سؤال؛ لكن لاقتضاء المصلحة ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 674

إذن الاستصباح بالمتنجِّسة جائز، لكن اشترط المؤلف ألا يكون ذلك في المسجد، فإن كان في المسجد، فإنه لا يجوز الاستصباح بها، مثال ذلك: رجل عنده إناء من دُهن وقعَتْ فيه نجاسة، صار نجسًا، فماذا يصنع به؟ اتخذ منه مصابيح في بيته، الحكم جائز.
اتخذ من هذا الدهن مصابيح في المسجد؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: فإنه لا يجوز، لماذا لا يجوز؟ قالوا: لأن هذا يؤدي إلى تنجيس المسجد، وتنجيس المسجد حرام، بماذا يكون تنجِيس المسجد؟ هل معناه أنه إذا انصبَّ الدهن في المسجد تنجَّس أم ماذا؟ طلبة: من الدخان.
الشيخ: يكون من الدخان، إذن هذا ينبني على أن النجاسة لا تطهُر بالاستحالة، فأما على القول بأن النجاسة تطهر بالاستحالة فإنه يجوز، وللعلماء في ذلك قولان سَبَقَا في باب النجاسات.
أتدرون ما الاستحالة؟ تَحوُّل العين من عين إلى أخرى، مثال ذلك: كلْب وقع في مملحة فصار مِلحًا، يمكن هذا ولَّا لا؟ طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، الحديد إذا وقع في المملحة صار مِلحًا، وهو الحديد، الكلب إذا وقع في المملحة صار جثة مِلْح، هل هو باقٍ على نجاسته أو لا؟ على الخلاف، إن قلنا: بأن الاستحالة لا تُطهر النجس، فإن هذه الكتلة من المِلْح نجسة، وإن قلنا: بأن النجاسة تطهر بالاستحالة؛ لأنها انتقلت من عين إلى أخرى، قلنا: هذه الكتلة من الملح طاهرة.
الدخان -دخان النجاسة- مستحيل ولَّا غير مستحيل؟ طلبة: مستحيل.
الشيخ: مستحيل، من عينٍ إلى دخان، فإذا قلنا بطهارة النجس إذا استحال قلنا: يجوز الاستصباح في الأدهان النجسة والمتنجسة، في المسجد وغير المسجد.
إذن، وفهم من قول المؤلف: (يجوز الاستصباح بها) أي بالمتنجِّسة أنه لا يجوز الاستصباح بالنجسة، كدهن الميتة، لا يجوز الاستصباح به مطلقًا، لا في المسجد ولا غيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 675

وهذا محل خلاف -الله يعينكم على الخلاف- محل خلاف: هل يجوز الاستصباح بالنجس -بالدهن النجس- أو لا يجوز؟ في ذلك خلاف بين العلماء مبني على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هُوَ حَرَامٌ»، هل الضمير يعود على الانتفاع الذي ذكره الصحابة؟ أو هو يعود على البيع الذي تحدث عنه الرسول عليه الصلاة والسلام؟ طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني على رأي، والأول على رأي آخر، والله أعلم.


كيف يُمكن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] على أن الاعتكاف مشروع؟ يسأل.
طالب: مشروع ولَّا استحباب؟ الشيخ: مشروع يعني مستحب.
طالب: أجيب؟ الشيخ: أجب، أنا أجبت من قبل.
الطالب: أيوه.
الشيخ: لكن الأخ يمكن .. طالب: يقال: إن الله عز وجل ما دام ذكره ورتَّب عليه أحكامه فهو مستحب.
الشيخ: فقد رضيه.
الطالب: فقد رضيه.
الشيخ: وهو عبادة، فيكون مستحبًّا.
طالب: قلنا في المرة الماضية: إن بيع الفيل وشبهه من الحيوانات المستخدمة في الصيد يجوز، وإن كان بيع الكلب لا يجوز للصيد، طيب بالنسبة يا شيخ لمسألة البيع شيء آخر، وهو لحوم الميتة هي ينتفع بها، يعني مثلما يُنتفع بالفيل وهكذا، فهنا كيف نخرج؟ فإننا أخرجنا الكلب.
الشيخ: بالنص.
الطالب: بالنص، ولا تعليله هو أنه أكثر غلظة، نجاسته.
الشيخ: نجاسته مُغلَّظة.
الطالب: فهذه -شحوم الميتة ومثلًا الجلد المدبوغ- يعني لا تتعلق بها العلة هذه، يعني هي ليست مُغلَّظة مثله.
الشيخ: ما الجواب عن هذا الإيراد؟ طالب: النص، الحديث.
الشيخ: النص، لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ».
قالوا: أرأيت شحوم الميتة؟ يعني هل يجوز أو لا يجوز بيعه؟ قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» (8) النص ورد بهذا.
طالب: بعض الناس يكون عنده كلب صيد؟ الشيخ: كلب صيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 676

الطالب: إي نعم، فيرمي عليها الطير وهو حي يا شيخ عشان يأخذه ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: يرمي عليها الطير.
الشيخ: يُعلِّمه يعني؟ الطالب: لا، بيطعمه.
الشيخ: لا، ما يجوز.
الطالب: بدون ما يذبحه.
الشيخ: ما يجوز.
الطالب: يعني يُنهى عن ذلك؟ الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا تعذيب للحيوان.
طالب: لا بد أنهم يحظرونها عن طريق الشراء، شراء هذه الجثث.
الشيخ: سمعتم كلامه؟ طلبة: لا، ما سمعنا.
الشيخ: يقول: شراء جثث الأموات لتشريحها، هل يجوز؟ الجواب: لا، لا يجوز، لكن.
طالب: ولو كفار يا شيخ؟ الشيخ: نعم، ولو كفار.
طالب: شيخ، قلنا: إن الجِماع دون الفرج للمعتكف لا يفسد اعتكافه، إلا إذا أنزل، مثل .. الشيخ: كيف؟ الطالب: إلا بالإنزال.
الشيخ: الدليل أن المباشرة يقولون: إنه عبر بها عن الجِماع.
الطالب: هذا ليس بجِماع.
الشيخ: أيهم؟ الطالب: الذي أنزل دون الفرج.
الشيخ: إي نعم؛ لأن الغالب القاعدة أن الإنزال يُوجِب ما يوجبه الجماع في العبادات، وإن كان هذا غير مطرد، لكن قالوا، هذا تعليلهم، ليس عندي شيء بَيِّن في هذه المسألة.
الطالب: وإذا وقعت يعني نقول: فسد؟ الشيخ: نعم، نقول: فسد.
طالب: تطهير السرجين النجس، كيف تطهيره؟ إذا كان يا شيخ مثلًا.
الشيخ: السرجين النجس؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما يمكن نُطهِّره.
الطالب: المتنجِّس.
الشيخ: المتنجِّس؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يُصب عليه ماء.
الطالب: يُصب، يُكاثر ولَّا؟ الشيخ: يُكاثر، مثل المكان اللي بال عليه الأعرابي قال: «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ» (11).


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في كتاب البيع: وأن يكون من مالك أو من يقوم مقامه، فإن باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله بلا إذنه لم يصح، وإن اشترى له في ذمته بلا إذْنه، ولم يسمه في العقد صحَّ له بالإجازة، ولزم المشتري بعدهما ملكًا، ولا يُباع غير المساكِن مما فتح عنوةً كأرض الشام ومصر والعراق، بل تُؤجر.

الجزء: 2 - الصفحة: 677

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ماذا نقول في بيع الأدهان النجسة؟ طالب: بيع الأدهان النجسة حرام.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن لحوم الميتة: قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» (8). ولأن «الله إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (5). الشيخ: نعم، الأدْهان المتنجِّسة.
طالب: المذهب أنه يحرم؛ لأنه لا يمكن تطهيرها.
الشيخ: المذهب أنه يحرم؛ لأنه لا يمكن تطهيرها فتكون كالنجسة، القول الثاني؟ طالب: الراجح أنه يجوز بيعها؛ لأنه يمكن تطهيرها.
الشيخ: لأنه يمكن تطهيرها، فيكون بيعها كبيع الثوب المتنجِّس.
ما حكم الاستصباح بها؟ طالب: الاستصباح بها إن كان في غير مسجد فيجوز.
الشيخ: طيب، أسأل (بها)، الضمير يعود على أيش؟ الطالب: الاستصباح بالأدهان النجسة.
الشيخ: النجسة.
الطالب: أو المتنجِّسة، لا فرْق.
الشيخ: هذا، ولذلك سألنا: هل يعود الضمير على النجسة أو على المتنجِّسة؟ الطالب: لا، يعود على المتنجِّسة.
الشيخ: المتنجِّسة؟ الطالب: لأنه أقرب مذكور.
الشيخ: طيب، يجوز الاستصباح بها في غير مسجد.
لماذا لا يجوز في المسجد؟ الطالب: لأنه في الاستصباح بها في المسجد يعلق في المسجد من دخانها ما هو نجس.
الشيخ: نعم، ما يكون سببًا لتنجيس المسجد، تمام، هل هناك قول آخر؟ طالب: نعم.
الشيخ: قل.
الطالب: القول الآخر هو أن الدخان ليس نجسًا.
الشيخ: كيف؟ الطالب: أن الاستصباح بالأدهان المتنجِّسة جائز في المسجد وغيره، طيب، ما علة هذا القول؟ الطالب: هو أنه مبني على الخلاف، على خلاف الاستحالة، هل هي طاهرة أم نجسة؟ الشيخ: طيب.
الطالب: هذا الدخان مستحيل من الدهن.
الشيخ: يعني إذن هذا على القول بأن الاستحالة تطهر النجس.

الجزء: 2 - الصفحة: 678

الشيخ: طيب، صح، الاستصباح بالأدْهان النجسة، ماذا تقول في الاستصباح بالأدهان النجسة؛ كإنسان أخذ من ميتة دهنًا فاستصبح به، ماذا تقول فيه؟ طالب: ما راجعت يا شيخ.
الشيخ: ما راجعت، لماذا؟ طالب: محل خلاف، المذهب: لا يجوز الاستصباح بها.
الشيخ: المذهب: لا يجوز، من أين نأخذه من كلام المؤلف؟ طالب: من قوله: (ويجوز الاستصباح بها) لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور وهو المتنجسة.
الشيخ: نعم، أحسنت، والقول الثاني؟ الطالب: والقول الثاني أنه يجوز الاستصباح بها.
الشيخ: طيب، يلَّا، ما هو دليل من منع الاستصباح بالأدهان النجسة؟ طالب: هو عِلَّة من قال: إن الاستصباح .. الشيخ: لا، دليل؟ الطالب: أنها تنجس المسجد.
الشيخ: لا، ما هو المسجد، الاستصباح بالأدهان النجسة ممنوع في المسجد وغير المسجد على كلام المؤلف، فما هو دليل هؤلاء؟ طالب: حديث جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما حرم بيع الميتة سُئل عن شحومها فقالوا: إنها يستصبح بها الناس، إنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس، فقال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» (8). فقالوا: إن عود الضمير هنا على الانتفاع.
الشيخ: طيب، على الذي سألوا عنه.
الطالب: على المنافع، فقالوا: هذا دليل على أنه ما يجوز الانتفاع بها.
الشيخ: طيب، فيه قول ثاني؟ طالب: نعم، هناك قول ثانٍ، أن الضمير يعود إلى البيع.
الشيخ: لا، أولًا: اذكر الحكم، ثم اذكر الدليل، الدليل الثاني أنه يجوز الاستصباح بها.
الطالب: وعللوا لذلك بأن الضمير يعود في الحديث، العِلَّة تعود إلى البيع.
الشيخ: الضمير «هُوَ حَرَامٌ» يعود إلى؟ الطالب: البيع.
الطالب: وقالوا بذلك: إنه يجوز الاستصباح بها، ولكن بيعها يحرم.
الشيخ: طيب، ما الذي يقوي هذا الرأي؟ طالب: إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الأصل تكلم عن البيع، وعندما ورد عليه السؤال كلام الأصل يعود صلى الله عليه وسلم كلامه الأصل يعود على البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 679

الشيخ: لأن الكلام كله في البيع، ثم الصحابة لما أوردوا هذا ليسوا يريدون من الرسول أن يسألوه عن حكم الانتفاع، لكن أرادوا أن يجعلوا هذا الانتفاع سببًا لجواز البيع، تمام، هذا القول هو الراجح.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله في شرح الأربعين النووية على هذا الحديث كلامًا جيدًا تحسن مراجعته.
قال المؤلف: (وأن يكون من مالِك أو مَنْ يقوم مقامه)، هذا الشرط؟ طالب: الرابع.
الشيخ: الرابع؟ طالب: بالنسبة للميتة قلنا: إن لها مستثنيات ( ... ). الشيخ: سبحان الله! طالب: أجزاء الميتة.
الشيخ: لا إله إلا الله.
الطالب: ( ... ) نناقش.
الشيخ: كيف؟ الطالب: نناقش الدرس ( ... ) ثاني درس.
الشيخ: ما ذكرنا هذا؟ أجزاء الميتة قلنا، تكلمنا على الشعر، والريش، والوبر، والصوف، وقلنا: إن هذا يجوز بيعه إذا جُزَّ.
الطالب: نناقش.
الشيخ: طيب.
الطالب: الشرح ( ... ). الشيخ: يعني لازم الشرح؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: طيب، الميتة أولًا: يُستثنى من جنس الميتات كل ميتة يحل أكلها، أو كل ميتة طاهرة؟ كل ميتة يحل أكلها، يُستثنى من أجزاء الميتة: أولًا: ما هو في حكم المنفصل، مثل: الشعر، والوَبر، والصوف، والريش، وما أشبه ذلك، هذا يجوز بيعه؛ لأنه طاهِر، فلو ماتت شاة لإنسان وفيها صوف، وجزَّهُ وباعه فلا حرج.
ثانيًا: يُستثنى من ذلك -على القول الراجح- الجلد؛ لأن الجلد يُمكن تطهيره، فهو كالثوب المتنجِّس، وقيل: لا يُستثنى؛ لأنه جزء من أجزاء الميتة، فهو نجس، ثم لا نعلم هذا الذي اشتراه، أيدبغه فيطهر أم لا؟ وهذا القول أحوط، والأول أقعد؛ أنه ما دام يُمكن أن يُطهَّر ويُنتفع به فإنه يجوز بيعه، وقد علمتم أن المذهب أن جلد الميتة لا يطهر بالدبغ، وأنه لا يجوز بيعه -أيضًا- ولو دُبغ؛ لأنه لا يُستعمل إلا في اليابسات.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وأن يكون من مالك) هذا الشرط الرابع: (أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه)، فما هو الدليل على هذا الشرط؟

الجزء: 2 - الصفحة: 680

الدليل على هذا الشرط من القرآن والسنة: أما من القرآن: فقوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، ومعلوم أن مَنْ باع ملك غيره فإن الغير لا يرضى بذلك، لا يرضى أن أحدًا يتصرف بماله ويبيعه.
وأما من السنة، فقول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (12)، فنهاه أن يبيع ما ليس عنده، والمراد ما ليس في حوزته، أو ما ليس قادرًا عليه، كما سيأتي إن شاء الله في الشرح.
وأما من النظر فلأنه لو جاز أن يبيع الإنسان ما لا يملك لكان في ذلك من العدوان والفوضى ما لا تستقيم معه حياة البشر، فصار الدليل على ذلك من القرآن والسنة والنظر الصحيح، ولا يمكن أن يسلط الناس بعضهم على بعض في بيع أموالهم.
قال المؤلف: (أو من يقوم مقامه) يعني: أو من يقوم مقام المالك، وهم أربعة أصناف: الوكيل، والوصي، والولي، والناظِر، هؤلاء هم الذين يقومون مقام المالك؛ أربعة أصناف: الوكيل، الثاني؟ طلبة: الوصي.
الشيخ: الوصي، والثالث؟ طلبة: الولي.
الشيخ: الناظر، والرابع الولي.
فالوكيل هو من أُذِن له بالتصرف في حال الحياة، كرجل أعطى شخصًا سيارته، وقال: بِعْها، هذا وكيل، يصح أن يبيعها؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه قائم مقام المالِك بالتوكيل؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وكَّل في البيع والشراء، وهذا دليل من السنة.
الثاني: الوصي: وهو من أُمِر بالتصرف بعد الموت، مثل أن يُوصي شخص بشيء من ماله إلى زيد، فهذا الموصى إليه يجوز أن يتصرف فيما وُصِّي فيه بما يراه أصلح، وهو ليس بمالك، لكنه قائم مقام المالك.

الجزء: 2 - الصفحة: 681

الثالث: الناظر: هو الذي جُعل على الوَقْف، يعني وُكِّل في الوَقْف، مثل أن يقول: هذا البيت وقْف على الفقراء والمساكين، والناظر عليه فلان بن فلان، هذا أيضًا يصح تصرفه مع أنه ليس بمالك، لكنه قائم مقام المالك، ونسمي هذا أيش؟ نسميه ناظرًا، وقد وقف عمر رضي الله عنه ما ملكه في خيبر، وقال: تليه حفصة، ثم ذوو الرأي من آله، فحفصة جعلها عمر ناظرة على وقفه.
الرابع؟ طالب: الولي.
الشيخ: الولي، والولاية نوعان: عامة وخاصة؛ فالعامة: ولاية الحكام، كالقضاة مثلًا لهم ولاية عامة على الأموال المجهول مالكها، وعلى أموال اليتامى إذا لم يكن لهم ولي خاص، وعلى غير ذلك، هذه ولاية عامة، والولاية الخاصة هي الولاية على اليتيم من شخص خاص، كولاية العم على ابن أخيه اليتيم، هذه ولاية خاصة أو عامة؟ طلبة: خاصة.
الشيخ: خاصة، لماذا جعلنا هذا وليًّا ولم نجعله وكيلًا؟ لأنه استفاد تصرفه عن طريق الشرع، والوكيل والولي والناظر عن الطريق الخاص، الوكيل والوصي والناظر عن الطريق الخاص بالمالك، أما الولي فولايته مستفادة من الشرع.
وعلى هذا فإذا وَكَّل إنسانًا في بيع شيء فباعه صح، مع أن الوكيل ليس بمالك، ولكنه قائم مقام المالك، لكن يجب على الوكيل أن يتصرف بما يراه أصلح، فإذا كانت السلعة تزيد فإنه لا يبيعها حتى تنتهي الزيادة، بخلاف الذي يتصرف لنفسه فإنه يجوز أن يبيع السلعة بما هو دون، والفرق بينهما أن المتصرِّف لغيره يجب أن يتصرف بـ ( ... )، والمتصرف لنفسه يتصرف بأيش؟ بما شاء، فمثلًا لو أعطيت هذا الرجل، أعطيته مسجلًا يبيعه، فصار الناس يزيدون في المسجِّل حتى بلغ مئة أو مئتين، فلا يجوز له أن يبيعه والناس يزيدون فيه حتى يقف السعر، لكن لو باعه مالكه بمئة ريال وهو يساوي مئتين؟ طلبة: جاز.
الشيخ: جاز، لماذا؟ طالب: لأنه يتصرف.
الشيخ: لأن هذا يتصرف لنفسه -المالك- وذاك يتصرف لغيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 682

وانظر إلى هذه المسألة -وهي التصرُّف للغير- كيف كانت حتى في العبادات، الإمام يجب أن يُصلِّي بالناس حسب السنة، وغيره يصلي ما شاء، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (13)، يُطوِّل أو يُقصِّر.
يقول رحمه الله: (أو من يقوم مقامه)، (فإن باع ملك غيره لم يصح) لماذا؟ طالب: ليس مالكًا.
الشيخ: لأنه ليس مالكًا؛ لفوات الشرط، وهو الملك.
طيب، لو باع ملك أبيه، يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، مُلك ابنه؟ طلبة: يصح.
الشيخ: لا يصح.
طالب: على قول يصح.
الشيخ: إذا أشكل على الإنسان مسألة قال: فيها قولان، لا يصح.
فإن قال قائل: أليس الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (14)؟ قلنا: بلى، لكن إذا أراد الأب أن يبيع ملك ابنه فليتملكه أولًا، ثم يبيعه ثانيًا؛ لأنه قبل تملكه مُلك لمن؟ للابن، فنحن نقول: لا مانع، تملك هذا المال، ثم بِعْه، أما أن تبيعه وهو على ملك ابنك بدون إذنه فلا تملك ذلك.
يقول: (أو اشترى بعين ماله بلا إذنِهِ؛ لم يصح)، اشترى، ما عندكم: (له)؟ يعني اشترى بعين مال الشخص بدون إذنه لم يصح، كيف بعين ماله؟ بعين ماله مثل: إنسان أعطاك دراهم، قال: خُذْ هذه الدراهم، أوصلها إلى فلان، أنت الآن أمين، مرسل، فمررتَ بالسوق، وهي معك -هذه الدراهم- فاشتريت سلعة بهذه الدراهم؛ يعني قلت للبائع: اشتريتُ منك هذا الثوب بهذه الدراهم، إذن اشترى بعين المال ولَّا لا؟ طلبة: بعين المال.
الشيخ: اشترى بعين المال، فالبيع لا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 683

أو اشْتَرَى بعينِ مالِه بلا إِذْنٍ لم يَصِحَّ ,وإن اشْتَرَى له في ذِمَّتِه بلا إِذْنِه ولم يُسَمِّه في الْعَقْدِ صَحَّ له بالإجازةِ ولَزِمَ الْمُشْتَرَى بعَدَمِها مِلْكًا، ولا يُباعُ غيرُ الْمَساكِنِ مِمَّا فُتِحَ عَنوةً كأَرْضِ الشامِ ومِصرَ والعراقِ , بل تُؤَجَّرُ، ولا يَصِحُّ بيعُ نَقْعِ البئرِ، ولا ما يَنْبُتُ في أرضِه من كَلَأٍ وشَوْكٍ، ويَمْلِكُه آخِذُه، وأن يكونَ مَقدورًا على تَسليمِه , فلا يَصِحُّ بيعُ آبِقٍ وشارِدٍ وطيرٍ في هواءٍ وسَمَكٍ في ماءٍ , ولا مَغصوبٍ من غيرِ غاصِبِه أو قادرٍ على أَخْذِه، طيب، يقول: (أو اشترى بعين ماله بلا إذنه لم يصح)، اشترى، ما عندكم: (له)؟ طالب: لا.
الشيخ: يعني: اشترى بعين مال الشخص بدون إذنه لم يصح، كيف (بعين ماله)؟ (بعين ماله) مثل: إنسان أعطاك دراهم، قال: خذ هذه الدراهم أَوْصِلْها إلى فلان، أنت الآن أمين، مرسَل، فمررتَ بالسوق وهي معك هذه الدراهم فاشتريت سلعة بهذه الدراهم؛ يعني: قلت للبائع: اشتريت منك هذا الثوب بهذه الدراهم، إذن اشترى بعين المال ولَّا لا؟ اشترى بعين المال، فالبيع لا يصح؛ لأن اشتراءه بعين المال كبيعه عين المال.
فكما أنه لا يجوز أن آخذ كتاب زيد وأبيعه، كذلك لا يجوز أن أبيع عين ماله، والشراء بعين المال هو بيع لعين المال في الواقع، وعلى هذا فلا يصح.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا لا يصح وإن كان فيه مصلحة، وظاهر كلامه أيضًا أنه لا يصح وإن أجازه المالك، لماذا؟ لفوات الشرط، والصحيح أنه إذا أجازه المالك صح البيع، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وكَّل الجعد بن عروة أن يشتري له أضحية وأعطاه دينارًا، فاشترى أضحيتين بدينار واحد، ثم باع إحداهما بدينار، شوف الآن، وُكِّل أن يشتري أضحية فاشترى أضحيتين، وهذا فيه مصلحة ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: فيه مصلحة لا شك، ثم باع واحدة من الأضحيتين بدينار، وهذا فيه مصلحة ولَّا لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 684

طلبة: نعم.
الشيخ: فيه مصلحة، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بديناره وشاة، فقال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي بَيْعِهِ»، فكان لا يشتري ترابًا إلا ربح فيه (1)، ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وعلى كلام المؤلف: يكون هذا التصرف غير صحيح، ولكن الصحيح أنه جائز ونافذ إذا أجازه المالك.
فإن قال قائل: هل يجوز للإنسان أن يُقدِم على بيع ملك غيره بدون إذنه؟ قلنا: يجوز بقرينة، ما هي القرينة؟ أنا أعرف أن صاحبي يريد أن يبيع بيته أو سيارته، ولنَقُلْ بيته، فجاء إنسان واشترى البيت بمئة ألف، وهو يساوي تسعين، وأنا أعرف أن صاحب البيت يريد بيعه، يجوز لي أن أبيعه بمئة، لماذا؟ لأن فيه مصلحة، الرجل يريد أن يبيع بيته بثمانين، فإذا جاء إنسان يشتريه بمئة فهذا مصلحة، يجوز أن أُقدِم على التصرف، وإلا فالأصل منع الإقدام على التصرف؛ لأنه ملك غيرك، لكن إذا رأيت المصلحة في ذلك فلا بأس.
وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (اشترى بعين ماله) وهذه أقل شأنًا من الأولى؛ لأن الدراهم لا يهم الإنسان أن يأخذ هذا الدرهم أو هذا الدرهم، فإذا اشترى بعين ماله فالمذهب: لا يصح؛ لأنه كبيع عين ماله، ولكن قد يقال بالفرق؛ لأن المشتري بعين ماله إذا أعطى صاحب الدراهم دراهم لا يهمه أن يعطيه دراهمه الأولى أو دراهم بدلها.


طالب: ( ... ) قلنا: يملكه أولًا ثم يبيعه.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل يحتاج في ملكه إلى إذن الابن؟ الشيخ: لا.
الطالب: إذن هو مجرد نية عند الأب في الملك، وإلا فلا يتغير شيء.
الشيخ: إذا باعه دون التملك فقد باع ملك ابنه.
الطالب: نعم، أقصد أقول: هل له أن يعلن ذلك؟ الشيخ: ما هو بشرط.
الطالب: قال: اليوم ملكتُ مال ابني.
الشيخ: إذا قال له ابنه: لماذا تبيع مالي؟ قال: لأني رأيت فيه مصلحة لك.
الطالب: هين.
الشيخ: ما هو بهين، هذه المسألة.
الطالب: هذه ما تجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 685

الشيخ: فنقول: لا يصح البيع، إذا قال ابنه: لماذا تبيع مالي؟ قال: لأني تملكته؛ تملكته وبعته، صار ملكي.
الطالب: إذن عليه أن يُطْلِع الابن على تملكه لملكه؛ لأنه يكون ماله.
الشيخ: هو على كل حال، حسب نيته.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إذا باعه بعد التملك وإن لم يعلم الابن بالتملك، ما هو شرط.
الطالب: هذا الصحيح.
طالب: المسألة الأخيرة -بيع عين المال- كتبنا القول الثاني ( ... ). الشيخ: الراجح -بارك الله فيك- أن كل إنسان يجيز التصرف في ملكه فالتصرف نافذ، لكنا ذكرنا أن مسألة الشراء بعين ماله أهون من بيع عين ماله؛ لأن بيع عين المال تتفاوت فيها الأغراض؛ يعني قد أريد أنا هذا العين ولا أريد سواه، لكن الدراهم هل تتفاوت الأغراض والرغبات؟ الطالب: لا تتفاوت.
الشيخ: أبدًا، لا تتفاوت.
الطالب: يعني: يفرق بينها.
الشيخ: أقول: إنها أهون؛ يعني: الشراء بعين المال ينبغي أن يصح قولًا واحدًا؛ لأنه أهون ولا ضرر فيه.
طالب: إن كان عنده وديعة لشخص دراهم، واشترى شيئًا وليكن بدراهم في الذمة، ولكن نوى أن يكون هذا لصاحب الدراهم؟ الشيخ: يجيئنا.
طالب: إذا شرع في الركعة الثانية يا شيخ.
الشيخ: إنا لله وإنا إليه راجعون.
الطالب: معلش، سؤال في الموضوع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدَّينُ النَّصِيحَةُ» (2). الشيخ: نعم.
طالب آخر: على المذهب يا شيخ: إنها تتعين بالتعيين.
الشيخ: أيش؟ الطالب: الدراهم تتعين بالتعيين.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل عليَّ يا شيخ مال ربوي؛ إذا أقول: إن عين هذا المال ربا، فنقول: لا يجوز البيع منه والشراء؟ الشيخ: لا، مو بهذا، مرادهم: إذا اشتريت منك مثلًا سلعة بهذه الدراهم، صار العقد وقع على عين هذه الدراهم، فلا أستطيع أن أبدلها له، لو أني بعدُ قلت: بهذه الدراهم أردت أني آخذها وأعطيك من جيبي.
ما أملك هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 686

طالب: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»؛ قلتم يا شيخ: إذا باع بيتًا ورأى أنه مثلًا بثمانين دينارًا، ورأى أنه يبيعه بمئة خير له، والبيت لا يساوي إلا ثمانين، فيبيعه بمئة؟ يعني: يكون فرضًا عليه أو واجبًا عليه أن يطبق هذا الحديث: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» يا شيخ؟ الشيخ: إي واجب.
الطالب: واجب عليه؟ الشيخ: واجب.
الطالب: يبيعه بثمانين، يعني: لو باعه بمئة يكون ( ... )؟ الشيخ: لا، أحيانًا يكون الإنسان له رغبة خاصة في هذا البيت.
الطالب: نعم.
الشيخ: أنا أعرف أن جنسه يباع بثمانين، لكن أنا لي رغبة خاصة في هذا البيت، أشتريه بمئة، ما يهمني؛ يعني أنت تقول: إنه يجب أن ننصح المشتري؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ولَّا نقول: ما نبيعه عليه بمئة؟ نقول: لا بأس أن نبيعه بمئة؛ لأنه قد يكون له رغبة خاصة في هذا البيت؛ المشتري.
الطالب: لكن، أنا البائع -مش «الدَّينُ النَّصِيحَةُ» - لا بد أنصحه لو البيع ( ... )؟ الشيخ: إذا قال: أنا أريده بمئة أقول: لا، ما نبغي إلا ثمانين؟ الطالب: لا، لو كان ( ... ) هذا البيت نقول: والله البيت هذا ثمنوه ثمنه ( ... )، وأنا أرى .. الشيخ: مو كذب؟ الطالب: لا، مو كذب، ( ... ) وأنا أرى أن بيتي فيه شقوق وفيه بعض ال .. الشيخ: أعلمه، أقول: ترى به شقوق.
الطالب: يساوي ثمانين.
الشيخ: أعلمه، أقول: ترى به شقوق.
الطالب: أعلمه.
الشيخ: إي.
الطالب: وأقول له: والله ما يساوي إلا ثمانين.
الشيخ: لا، ما تقول: ما يساوي إلا ثمانين.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وإن اشترى له في ذمَّتِه بلا إذنه ولم يُسَمِّه في العقد صح له بالإجازة، ولزم المشتريَ بعدمها ملكًا.
ولا يباع غيرُ المساكن مما فُتِحَ عنوة كأرض الشام ومصر والعراق بل تؤجر، ولا يصح بيع نقع البئر، ولا ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك، ويملكه آخذه.

الجزء: 2 - الصفحة: 687

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن من شروط البيع أن يكون من مالك أو مَنْ يقوم مقامه، فما هو الدليل على هذا الاشتراط؟ طالب: الدليل على ذلك آية وسنة؛ فأما الآية فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [البقرة: 188]. الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
الطالب: لا، ليس هذا ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: 29].
الشيخ: هذه ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
الطالب: نعم هذه، وأما السنة.
الشيخ: وجه الدلالة؟ الطالب: أن المالك لا يرضى أن يبيع غيره ما يملكه هو.
الشيخ: طيب.
الشيخ: وأما من السنة، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (3). الشيخ: نعم، مَنِ الذي يقوم مقامه؟ طالب: أربعة.
الشيخ: أربعة، وهم؟ الطالب: الوكيل، والوصي، والناظر، والولي.
الشيخ: والولي.
من هو الولي؟ طالب: الولي نوعان: ولاية عامة.
الشيخ: لا، من هو؟ قبل التقسيم.
الطالب: الولي هو مَنْ يتولى مال اليتيم أو مال غيره.
الشيخ: لا، مَنْ تصرفه بإذن.
الطالب: هو الذي يتصرف في مال غيره بإذن .. الشيخ: بإذن من الشارع.
الطالب: بإذن من الشارع، وينقسم إلى قسمينِ.
الشيخ: اصبر، هذا الولي: مَنْ كان تصرُّفه في مال غيره بإذن من الشارع، وهو؟ الولي، كم أقسامه؟ طالب: قسمان، خاص وعام؛ العامة ولاية الحكام، والخاصة ولاية الولي على اليتيم.
الشيخ: كولي اليتيم على مال اليتيم، أحسنت.
الوكيل؟ طالب: الوكيل هو مَنْ يتصرف في مال غيره بإذنه في حياته.
الشيخ: بإذن من مالكه.
الطالب: في حياته.
الشيخ: في حياته.
الوصي؟ طالب: الوصي هو من يتولى مال غيره، أو يتولى عن غيره بعد الموت.
الشيخ: من يتصرف .. الطالب: لغيره بعد الموت.

الجزء: 2 - الصفحة: 688

الشيخ: في مال غيره بعد موته.
الطالب: بوصية من الميت.
الشيخ: والناظر؟ الطالب: الناظر هو الذي يقيمه الموصي.
الشيخ: خطأ، الذي يتصرف في الوقف بإذن .. الطالب: من الواقف.
الشيخ: من الواقف، تمام.
رجل باع ملك غيره بغبطة؛ يعني أنه كان يعرف أن فلانًا سيبيع سيارته، وجاء شخص يشتريها بأكثر من قيمتها فباعها.
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: نعم.
طلبة: الصحيح.
الشيخ: ويش الفائدة من الشرط، هل هذا من مالك؟ الطالب: لا، ليس من مالك.
الشيخ: هل هو ممن يقوم مقامه؟ الطالب: لا.
الشيخ: إذن.
الطالب: يجوز إن رضي.
الشيخ: دعنا، الكلام على الشرط اللي إحنا فهمنا الآن.
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: يجوز أو لا يجوز؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، نعم.
طالب: نعم يجوز.
الشيخ: لا، اصبر ما وصلنا ( ... )، على هذا الشرط اللي شرطناه: لا يصح، حتى لو كان فيه مصلحة للمالك فإنه لا يصح البيع.
هل هناك قول آخر؟ طالب: الصحيح أنه .. الشيخ: هل هناك قول آخر، قبل أن نصحح؟ الطالب: نعم فيه.
الشيخ: فيه قول آخر، وهو؟ الطالب: أن هذا التصرف جائز.
الشيخ: بإذن؟ الطالب: بإذن من مالكه.
الشيخ: يعني: إذا أجازه المالك فهو جائز، أيهما أصح؟ الطالب: القول الثاني.
الشيخ: الثاني أصح، علل أو دلل.
الطالب: لأن مَبْنَى البيع على مصلحة البائع؛ لأن هذا البيع تم في مصلحة البائع.
الشيخ: قد لا يكون في مصلحته.
الطالب: لا بد أن يكون فيه مصلحته وإلا ما صح.
الشيخ: إذن معناه أنت تصحح هذا القول بشرط أن يكون فيه مصلحة للمالك.
الطالب: إن أجاز، وأنه لم يجز إذا كان فيه مصلحة.
الشيخ: هو على كل حال قد يجيز بلا مصلحة، لكن يراعي صاحبه، يقول: ما راح أفسد تصرفه.
طالب: حديث عروة بن الجعد أن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هذا الدليل.
الطالب: إي نعم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله ليشتري شاةً بدينار.
الشيخ: ليشتري أضحية بدينار ..

الجزء: 2 - الصفحة: 689

الطالب: فاشترى شاتين بدينار، وباعها إحداهما بدينار، ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودينار، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في البيع (1). الشيخ: وجه الدلالة؟ الطالب: النبي صلى الله عليه وسلم أجازه، وأقره، ودعا له.
الشيخ: تمام، هذا دليل أثري، التعليل؟ طالب: التعليل: قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: 29].
الشيخ: التعليل؟ الطالب: أن هذا البيع فيه منفعة للبائع، هو يعود على رضاه، فوجد منه التراضي، المالك.
الشيخ: أيش؟ الطالب: إن هذا البيع فيه منفعة للبائع، هو أصلًا كان يريد أن .. الشيخ: قد لا يكون فيه منفعة يا إخوان.
الطالب: البائع أصلًا قرر بيعه ابتداءً؛ إقرار موجود منه.
الشيخ: أن منع التصرف في مال الغير مراعاة لحق الغير، فإذا إذن بذلك زالت العلة.
طيب، ممكن أيضًا أن يقال: يستدل أيضًا بالآية: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، فإن عموم قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ يشمل الرضا قبل العقد والرضا بعد العقد.
نبدأ الآن بالدرس الجديد، أو أنا نسيت أين وقفنا.
طالب: (أو اشترى).
الشيخ: (أو اشترى بعين ماله بلا إذنه لم يصح) شرحناها؟ طالب: نعم.
الشيخ: (أو اشترى بعين ماله بلا إذنه لم يصح) مثال ذلك؟ طالب: مثاله: رجل أعطيته مالًا فاشترى به حاجة، وأنا لم آذن أن يشتري.
الشيخ: لكن (بعين ماله)، ويش معنى: (بعينه)؟ الطالب: بنفس ماله.
الشيخ: ويش لونه؟ صوِّر لي المسألة.
الطالب: رجل أعطيته خمسين.
الشيخ: خمسين ريالًا.
الطالب: وعنده خمسين، وادَّخر ماله واشترى بمالي.
الشيخ: ما حاجة أنك تقول: عنده خمسين؟ الطالب: فاشترى بمالي.
الشيخ: أعطيته خمسين ريالًا وديعة.
الطالب: اشترى بها شيئًا.
الشيخ: اشترى بها شيئًا بنفس الدراهم؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لكن ويش معنى قوله: (بعين ماله)؟ الطالب: بنفس ماله.

الجزء: 2 - الصفحة: 690

الشيخ: يعني مثلُا أنا اشتريت هذا الراديو بخمسين ريالًا، ثم أخذت الخمسين التي أعطيتها وأعطيتها الرجَّال، هذه هي؟ الطالب: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: وهو مثاله أن يعطي رجلًا مالًا فيقول له: اذهب بهذا المال إلى فلان بعينه، فيشتري هذا الرجل الذي أُعطي هذا المال بهذا المال مثلًا متاعًا أو شيئًا، فهذا لا يجوز.
الشيخ: يعني: هذا الرجل وقف على صاحب الطعام، وقال: أعطني بخمسين ريالًا خمسين كيلو رزًا مثلًا، ثم أخرج الدراهم من جيبه وأعطاها إياه.
الطالب: وهذه بعينه، لا يجوز.
الشيخ: هذه هي؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: بأن يأخذ الخمسين ويعطيها البائع يقول: أعطني بها.
الشيخ: أعطني بهذه الخمسين.
الطالب: متاعًا.
الشيخ: إي، صحيح يا جماعة؟ طالب: صحيح.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه اشترى الآن بعين ماله، وقع العقد على عين المال، وهو ثمن، فكأنه باع عين ماله، عرفتم يا جماعة؟ طالب: لا، ما هي فرق يا شيخ؟ الشيخ: أولًا: جملة معترضة يقول: الآن وقفت على صاحب دكان قلت: أعطني بخمسين ريالًا رزًا، فأعطاني، فأخرجت الدراهم التي لزيد من جيبي وأعطيتها إياه، هنا البيع صحيح.
المثال الثاني: قلت لصاحب الدكان بعد أن أخرجت الدراهم من جيبي: أعطني بهذه الدراهم رزًّا، هذا لا يصح.
الفرق أن العقد وقع على عين الدراهم المملوكة لغيري، أما في الصورة الأولى فالعقد وقع على ثمن في ذمتي، ثم نقدت الثمن من دراهم غيري، مفهوم يا جماعة؟ طالب: لا، ما فهمت.
طالب آخر: يعني: هذا التصور في النقدين؛ الذهب والفضة، ولكن على العموم.
الشيخ: حتى هذا، إذا وقع العقد على عين الثمن الذي لغيري فالعقد باطل كما لو بعت ماله، وإذا وقع العقد على غير معين ثم نقدته الثمن من ملك غيري فهذا لا بأس به، يعني بمعنى أن البيع يصح.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 691

الشيخ: الفرق هو التعيين؛ إن وقع البيع على عين الدراهم التي للغير فالعقد فاسد، ووجه ذلك أنه باع مُلْكَ غيره حقيقة، وإذا وقع في ذمته ثم نقده من دراهم غيره فالعقد صحيح، ولهذا اشترط المؤلف قال: (اشترى بعين ماله)، واضح ياجماعة.
طلبة: نعم.
الشيخ: والفرق ظاهر جدًّا، الفرق هو أنه إذا عيَّن مال الغير وقع العقد على عينه؛ فتصَرَّف في ملك غيره، وإذا وقع العقد على ما في الذمة ثم نقده من مال غيره فإن العقد صحيح، ثم عاد، كونه يأخذ من مال غيره أو لا يأخذ هذا هو، هل هو حرام ولا حلال؟ وعُلِم من قوله: (بلا إذنه) أنه لو أذن له صح.


(وإن اشترى له في ذمتِه ولم يسمه في العقد صحَّ له بالإجازة، ولزِم المشتري بعدمها ملكًا).
(إن اشترى له) أي: للغير، (في ذمته)؛ يعني: لا بعين ماله، (بلا إذنه ولم يسمه في العقد صح) للغير (بالإجازة ولزم المشتري بعدمها) أي: بعدم الإجازة (ملكًا) لمن؟ للمشتري.
(اشترى له في ذمته بلا إذنه)؛ صورة المسألة: أعلم أن فلانًا يريد أن يشتري ساعة، فوقفتُ على صاحب الساعات، واشتريت لفلان في ذمته، وهو لم يوكلني، ولم يأذن لي، ولم أقل: اشتريت لفلان، اشتريتها ولم أقل: لفلان، ثم قلت للرجل الذي اشتريت له: إني اشتريت لك ساعة، فإن أجاز فالملك له، وإن لم يُجِز فالملك لي، فهمتم الصورة الآن؟ مثال آخر: أعرف أن فلانًا يريد أن يشتري شاة للدَّرِّ؛ يعني: يريد أن يشتري شاة ليحلبها، فاشتريت له شاة ممن يبيع الغنم، ولم أقل: إنها لفلان، ما سميته في العقد، ثم قلت لصاحبي الذي اشتريت له: اشتريت لك الشاة، فقال: قَبِلْت ذلك، فهي لمن؟ طلبة: للمشترَى له.
الشيخ: طيب، للمشترَى له، تَصير لمن اشتراها له، واللبن الذي حصل بعد العقد لمن؟ للذي اشتراها له؛ لأنه نماء ملكه، فإن قال: لا أريد، أنا اشتريت شاة ولا أريدها، فهي لمن؟ طلبة: للمشترِي.

الجزء: 2 - الصفحة: 692

الشيخ: للمشتري، تلزمه؛ ولهذا قال: (وَلَزِمَ المشتري بعدمِها) أي: بعدم الإجازة (ملكًا له) أي: للمشتري.
ومِنْ متى يتملكها؟ أمِنْ رَدِّ المشتراة له؟ أم من العقد؟ طلبة: من العقد.
الشيخ: من العقد، وعلى هذا فيكون اللبن لمن؟ للمشتري ولَّا للمشترَى له؟ طلبة: للمشترِي.
الشيخ: للمشتري، فهمتم الصورة التي يصحُّ فيها التصرف الفضولي؛ لا يصح على المذهب إلَّا على هذه الصورة، فيما إذا اشترى لشخص في ذمته ولم يسمِّه في العقد ووافق المشترى له فإن العقد يصح، لماذا؟ قالوا: لأنه لما اشتراه في ذمته ولم يسمه في العقد صار العقد بالنسبة للبائع لازمًا، لازمًا للمشتري، سواء أعطاه ما اشترى له أم لم يعطه.
إن اشترى له بعين ماله، لا في ذمته، إن اشترى له بعين ماله فإنه لا يصح البيع؛ بأن قال للذي يبيع الغنم: أعطني بهذه الدراهم شاة ونواها لفلان فإن العقد لا يصح؛ لأنه اشترى له بعين ماله، لا بذمته، كذلك لو سمَّاه فقال لصاحب الغنم: اشتريت منك هذه الشاة بمئة لفلان، ثم اقتادَ الشاة وأوصلها إلى فلان، فقال فلان: لا بأس، قبول، هل يصح البيع؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح البيع؛ لأنه سماه في العقد، وهو إذا سماه في العقد صار شراؤه له بالوكالة، ولَّا لا؟ وهل وكَّله؟ لم يوكله، ولهذا قالوا: إذا سماه في العقد لا يصح البيع؛ لأنه إذا سماه في العقد فقد نزَّل نفسه منزلة الوكيل، والواقع أنه لم يوكله.
طالب: وإذا ما سمَّى؟ الشيخ: إذا ما سماه إلا في قلبه يَصِحُّ؛ فصار الآن مفهوم قوله: (في ذمته) أنه لو اشترى له بعين المال فإنه لا يصح.
مفهوم (ولم يسمه في العقد) أنه لو سماه لم يصح حتى لو أجاز؛ لأن هذه الشروط بعد أن يجيز، فإن لم يجز فلا يصح.
والقول الثاني في المسألة أنه يصح، كما ذكرناه في الدرس السابق أن تَصَرُّفَ الفضولي إذا أجازه مَنْ تُصِرِّفَ له فهو صحيح، وقد ذكرنا الدليل والتعليل.
إذا لم يُجِزْ يلزم من؟ طلبة: المشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 693

الشيخ: يلزم المشتري، فلا يملك المشتري أن يَرُدَّه على البائع ويقول: أنا اشتريته لفلان ولكنه لم يقبل؛ لأن البائع يقول: ما عليَّ منك، أنت اشتريت أمامي على أنك أنت المشتري فيلزمك.
فإن قال قائل: من الناحية الأدبية هل الأَولى أن يقبل المشترى له ذلك العقد؟ أو الأَولى ألا يقبل؟ قلنا: الأَولى أن يقبل من الناحية الأدبية، لا سيما إذا علمنا أن هذا المشتري إنما اشتراها اجتهادًا، لا تغريمًا وإخسارًا، فإنه لا ينبغي أن يُجازَى المحسن بالإساءة؛ لأنه ربما تكون المسألة ثمنها ثمن باهظ جدًّا، وهذا المشتري ليس عنده مال، فينبغي من الناحية الأدبية أن المشتَرَى له يقبل ولو كان عليه بعض الغضاضة.
ثم قال المؤلف تفريعًا على اشتراط أن يكون البائع مالكًا: (ولا يباع غيرُ المساكن مما فُتح عَنوة كأرض الشام ومصر والعراق).
قوله: (ولا يباعُ غيرُ المساكن)، الدور تشمل بناءً وأرضًا، تشمل البناء والأرض، البناء مساكن، والأرض هي الأرض البيضاء التي ليس عليها بناءً، أو أرض البناء التي بُنِيَ عليها، هذه الأرض أو هذه المساكن إذا باعها بأرضها فالبيع غير صحيح، وإن باع المساكن فالبيع صحيح في الأراضي التي فُتحت عَنوة، ومعنى عَنوة أي: قهرًا وقوة كأرض الشام.
إذا قيل: (الشام) عند العلماء فإنه يشمل سوريا وفلسطين والأردن وكل ما كان شمال الجزيرة العربية، أرض الشام لا يباع فيها إلَّا المساكن، وأما الأرض نفسها فإنها لا تُبَاع؛ انتبهوا ولا تستغربوا، لماذا لا تباع الأراضي في الشام ومصر والعراق؟ لأن عمر رضي الله عنه وقَّفها، والوقف لا يباع، عمر رضي الله عنه لما فتح هذه الأمصار رأى أن قَسْمها بين الغانمين يحرم الأجيال المستقبلة من أجيال المسلمين، فقال: أنا أُوقفها، وأضرب عليها خراجًا يعني: كالأجرة يؤخذ منها كل سنة، فكان رضي الله عنه هذا رأيه، وصارت وقفًا، والوقف لا يجوز بيعه، وهذا الذي مشى عليه المؤلف سنقرره إن شاء الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 694

المهم أننا فهمنا الآن مصر والشام والعراق لا تُباع فيها الأراضي، وإنما تباع فيها المساكن فقط، لماذا؟ لأن المساكن مُلْكٌ للساكن، هو الذي أقام البناء وبناه حتى استقام، فله ثمن هذا البناء الذي أقامه فيصح العقد عليه، أما الأرض فلا.
قال: (بل تُؤَجَّر)، الآن الحمد لله لم ينسد الباب، نقول: لا تبعها ولكن أجِّرْها، والأجرة لك؛ لأن الأجرة في مقابل المنفعة، لا في مقابل العين؛ فلهذا جاز تأجيرها، ولم يجز بيعها، وهذا القول ضعيف جدًّا.
والصواب أن بيعها حلال جائز وصحيح، سواءٌ المساكن أو الأراضي، ويَنْزِل المشتري منزلة البائع في أداء الخراج المضروب على الأرض، والآن الخراج موجود ولَّا غير موجود؟ طلبة: غير موجود.
الشيخ: غير موجود، الآن لا خراج ولا وقف ولا شيء، لكن لا بد أن نفهم الحكم الشرعي، أما الأمر الواقع فالناس يتبايعون الأراضي والمساكن والبساتين من غير نكير، بل هو شبه إجماع؛ ولهذا يعتبر هذا القول ضعيفًا جدًّا، والصواب: جواز بيع المساكن والأرض، وينزل المشتري الجديد في منزلة البائع في أداء الخراج.
ثم هذا الوقف ليس وقفًا خاصًّا حتى نقول: إن الأوقاف الخاصة لا تباع إلا أن تتعطل منافعها، فهذا وقف عام على المسلمين عمومًا، فليس له مستحق خاص، وإذا كان كذلك كان مَنْع المسلمين من تداوله بالبيع من أشقِّ ما يكون على الناس، ورفع الحرج معلوم في الشريعة الإسلامية.
لم يذكر الماتن بُيوت مكة، لكن ذكرها الشارح؛ بيوت مكة لا يجوز بيعها ولا إجارتها، فهي أضيق مما فتح عَنوة، فلا يجوز بَيْعُها -بيع البيوت- ولا الإجارة، وهذا لو عمل الناس به لكان فيه إشكال كثير، لكن فَرَّج الفقهاء الذين يقولون بالتحريم فرجوا للناس قالوا: فإن لم يجد ما يسكنه إلا بأجرة لم يأثم بدفعها، والإثم على مَنْ؟ على الآخذ، المؤجِّر؛ لأنه لا يستحق ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 695

هذا في مكة، فما بالك بالمشاعر التي يَتَحَتَّم على الإنسان أن يبقى فيها، يكون بيعها من باب أولى بالتحريم؛ ولهذا لا شك أن الذين بنوا في منى أو في مزدلفة أو في عرفة، لا شك أنهم غاصبون وآثمون؛ لأن هذا مشعر، لا بد للمسلمين من المكوث فيه، فهو كالمساجد؛ لو جاء إنسان إلى مسجد جامع كبير وبنى له غرفة في المسجد، وصار يؤجِّرها، ماذا يكون؟ يكون حرامًا، الآن منى مشعر، يجب على المسلمين أن يَبْقَوا فيها، والمبيت فيها واجب من واجبات الحج، فإذا جاء إنسان وبنى فيها وصار يؤجرها على الناس فهو لا شك غاصب آثم ظالم، ولا يحل له ذلك، وهو أشد إثمًا ممن يبيع المساكن في مكة؛ لأن المساكن في مكة لا يلزم الإنسان أن يبقى في مكة؛ إذ يجوز أن يخرج بره وينزل.
قول المؤلف: (ولا يُباع غير المساكن مما فتح عَنوة)، يؤخذ منه أنه يجوز بيع المساكن مما فُتِحَ صلحًا.
طالب: بيع الأرض.
الشيخ: بيع الأرض والمساكن مما فتح صلحًا، وهو كذلك، وذلك أن أرض العدو إما أن تُفْتَح عَنوة، وإما أن تفتح صلحًا على أنها لهم ونقرها معهم بالخراج، وإما أن تفتح صلحًا على أنها لنا، فإن كانت لهم فهي ملكهم، يتصرفون فيها، وإن كانت لنا فهي ملكنا نتصرف فيها، هذا إذا كانت صلحًا، أما العَنوة فقد عرفتم حكمها.
قال: (ولا يصح بيع نقع البئر) هذا أيضًا لا يصحُّ بيعه؛ بيع نقع البئر، ما هو نقع البئر؟ هو الماء الذي في البئر الذي نبع من الأرض، فلا يجوز بيع هذا الماء، لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ، وَالْكَلَأِ، وَالنَّارِ» (4)؛ ولأن هذا الماء لم يخرج بقدرة الإنسان، بل بقدرة الله عز وجل، قد يحفر الإنسان بئرًا عميقًا ولا يخرج الماء، فليس من كَدِّه ولا فعله، هو سبب، فلذلك لا يملكه، وإذا كان لا يملكه فإنه لا يصح بيعه، عرفتم؟ أما إذا ملكه وحازه وأخرجه ووضعه في البِركة، فإنه يجوز بيعه؛ لأنه صار ملكًا له بالحيازة.

الجزء: 2 - الصفحة: 696

في المسألة الأولى إذا قلنا: لا يصح بيع نقع البئر، لو جاء إنسان وركَّب على بئري ما يستخرج به الماء، فهل لي أن أمنعه؟ نقول: إذا لم يكن عليَّ في ذلك ضرر فليس لي أن أمنعه، وإن كان عليَّ ضرر فإنَّ لي أن أمنعه.
الضرر مثل أن أتضرر بكونه يتخطى ملكي إلى البئر، أو بكونه يطلع على عورات النساء، أو بكونه يقلل الماء عليَّ، فالمهم أنه إذا لم يكن عليَّ ضرر فإن الواجب عليَّ أن أمكنه من أن يضع على بئري ما يستقي به الماء.
كذلك لا يصح بيعُ ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك، الكلأ: هو العشب، والشوك: الشجر، فما ينبت في الأرض بفعل الله عز وجل فإنه لا يجوز لي أن أبيعه، لماذا؟ لقوله صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ، وَالْكَلَأِ، وَالنَّارِ»، فلا يصح بيع ما أنبته الله تعالى في ملكي من كلأ أو شوك.
فإن كنت أحتاجه لرعي إبلي أو غنمي أو بقري فأنا أحق به، ولي أن أمنع منه؛ لأني أحق به، أما إذا كنتُ لا أحتاجه فليس لي أن أمنع من يريد أَخْذه، إلا إذا كان يلحقني في ذلك ضرر فلي أن أمنعه؛ لأنه لا يمكن أن يُرتكب الضرر لمصلحة الغير، وصاحب الأرض أحق به.
وقوله: (ولا ما ينبت في أرضه) عُلِمَ منه أن ما أنبته الإنسان في أرضه فله بيعه، كما لو غرس نخلًا أو شجرًا، أو زرع زرعًا فإنه ملكه، له أن يبيعه.
قال: (ويملكه آخذه)، (يملكه) الضمير يعود على أيش؟ على نقع البئر، وعلى ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك، فلو أن رجلًا دخل على بستان شخص، وحَشَّ الحشيش، وقطع الشجر فإنه يكون ملكًا له؛ لأنه حازه.
فإذا قال صاحب الأرض: لماذا اعتديت على أرضي وأخذته؟ قلنا له: هو أخطأ في اعتدائه، ولكنه مَلَكه بحوزته، ولهذا قال: (يملكه آخذه).

الجزء: 2 - الصفحة: 697

ثم قال المؤلف: (وأن يكون مقدورًا على تسليمه) يعني: يشترط أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه؛ يعني أن يقدر على تسليمه، ودليل هذا الشرط أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع الغرر (5)، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، والذي لا يُقْدَر على تسليمه غرر لا شك، إذ قد يبذل المشتري الثمن ولا يستفيد، وربما نستدل لذلك أيضًا بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90]، والذي لا يُقدَر على تسليم بيعه من الميسر؛ ووجه ذلك أن بيع ما لا يقدر على تسليمه سيكون بأقل من ثمنه الحقيقي، صح ولَّا لا؟ لأن المشتري مخاطر، قد يحصل عليه وقد لا يحصل، فإذا قُدِّر أن هذا الذي لا يقدر على تسليمه يساوي مئة لو كان مقدورًا على تسليمه فسيباع إذا كان لا يقدر على تسليمه بكم؟ بخمسين، يبقى المشتري الآن إما غانم وإما غارم، إن قدر عليه فهو غانم، وإن فاته فهو غارم، وهذه هي قاعدة المَيْسِر.
إذن لنا أن نستدل على اشتراط هذا الشرط بدليل من القرآن والسنة؛ من القرآن لدخوله في الميسر، ومن السنة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع الغرر.
ونستدل أيضًا عليه بالنظر الصحيح، وهو أن المسلمين يجب أن يكونوا قلبًا واحدًا متآلفين متحابين، وهذا البيع يوجب أيش؟ البغضاء والتنافر؛ وذلك أن المشتري لو حصل عليه لكان في قلب البائع شيء؛ يغبطه ويحسده، ولو لم يقدر عليه لكان في قلب المشتري شيء؛ يغبط البائع ويحسده، وكل ما أدى إلى البغضاء والعداوة فإن الشرع يمنعه منعًا باتًّا؛ لأن الدين الإسلامي مبني على الألفة والمحبة والموالاة بين المسلمين.
فصار الدليل على اشتراط هذا الشرط القرآن، والسنة، والنظر الصحيح.

الجزء: 2 - الصفحة: 698

ثم فرَّع على ذلك بقوله: (فلا يَصِحُّ بيعُ آبقٍ، وشاردٍ، وطيرٍ في هواء، وسمكٍ في ماء، ومغصوبٍ مِنْ غَيْرِ غاصبه أو قادرٍ على أخذه).
طالب: النظر ( ... ). الشيخ: النظر أن هذا الذي فيه الغرر يكون سببًا للعداوة والبغضاء؛ لأن المشتري في هذه الصورة إذا حصل عليه حصل في قلب البائع شيء، وإن لم يحصل حصل في قلب المشتري شيء.
فرَّع المؤلف على ذلك أربع مسائل أو أربع صور يأتي ذكرها.


طالب: شيخ بارك الله فيكم، قلتم: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ» (4) ( ... ) نقع البئر، ماء البئر.
الشيخ: الماء.
الطالب: الماء، ماء البئر.
الشيخ: لا، الماء.
الطالب: يعني: يمكن يكون ماء بِركة أو ( ... ). الشيخ: لا، البِركة هذه قد حازها صاحبها.
الطالب: الثاني يا شيخ اللي هو الكلأ والشجر إذا كان هناك ( ... )، والثالث: الماء .. الشيخ: الماء والكلأ والنار.
الطالب: ويش ( ... )؟ الشيخ: النار؛ النار الناس فيها شركاء، قيل: المراد به الحطب، الحطب الذي في البر؛ لأنه وقود النار، وقيل: المراد بها النار نفسها، وهذا الصحيح، ويعني ذلك أنني لو كنت أوقدت نارًا لأطبخ عليها فجاء إنسان يريد أن يطبخ عليها أيضًا يحمِّي قِدْرَه عليها، أو أن يأخذ منها قبسًا فليس لي أن أمنعه؛ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ» فهمت؟ أو جاء إنسان يبغي يتدفأ في الشتاء فليس لي أن أمنعه.
طالب: الأراضي التي فُتِحَت عَنوة ولا يخرج خراجها فهل يا شيخ يهتم الذي يملكها أن يخرج كل سنة خراجًا لها؟ الشيخ: قد يقال هذا، قد يقال: إنه ينبغي للإنسان أن يخرج الخراج؛ لأنه إذا كانت الولاة قد غفلوا عن هذا الشيء فأدِّه أنت، واجعل ما تخرجه للمسلمين، في مصالح المسلمين، يعني مثلًا: مساجد، طرق، وما أشبه ذلك.
طالب: شيخ، قررنا أن الأوقاف لا يجوز بيعها.
الشيخ: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 699

الطالب: فإذا كان لمصلحة؛ يعني: أراد ( ... ) مثلًا أرض موقوفة أو بيت موقوف ثم أراد بناء مسجد أو توسيع مسجد، فكيف نشتريها منه؟ الشيخ: هذه المسألة؛ الأوقاف إذا أراد الإنسان أن يحوِّلها إلى ما هو أنفع فهل يملك ذلك؟ فيه خلاف بين العلماء: منهم من يقول: لا يملك ذلك إلا إذا تعطلت منافع الوقف فيباع ويشترى بدله.
ومنهم من قال: يجوز أن يُغَيَّر لما هو أنفع، وهذا هو الصحيح؛ واستدلوا لذلك بحديث الرجل الذي قد جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام عام الفتح وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلِّي ركعتين في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَاهُنَا» (6)، والوفاء بالنذر أوكد من تنفيذ الوقف، فإذا جاز العدول عن المفضول إلى الفاضل في النذر فالوقف من باب أولى.
طالب: لو قال قائل: الآن كل ما يحدث في مِنَى هو ما بين بيع ( ... ) ونحن لو أردنا أن نستأجر ونستطيع أن ( ... ). الشيخ: والله مسألة أنك تستأجر ولا تعطيه هذا ما نفتي به، وإن كان لا يصلح.
الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، لكن هذا يفتح باب شرٍّ، ثم إنك عقدت معه عقدًا، فالأحرى بك أن توفي بالعقد، خلِّ الإثم عليه، خلِّ هذا من جملة نفقات الحج ويكون الإثم عليه، مثلما يفعل الناس بالأول في الخفارة، تعرفون الخفارة؟ طالب: لا.
الشيخ: الخفارة كان في الأول هناك قطاع طرق في الأسفار، فيأتي الأعرابي من هذه القبيلة التي تمر بها الجادة ويقول: أنا أكفيكم قومي، لكن أعطوني فلوسًا، فيعطونه فلوسًا، فإذا هجم قومه على هذه القافلة، قال: دونكم، معها فلان بن فلان، الذي منهم، فإذا قال هكذا خلاص ردوا، هذه يستعملونها الناس فيما سبق؛ يعني: إلى عهد قريب ما يمشي أحد مثلًا من القصيم إلى مكة إلا يأخذ معه ثلاثة أو أربعة، حسب القبائل التي يمر بها، الحمد لله الآن، نسأل الله أن يديم الأمن.
الطالب: الآن يا شيخ الآن تفتون بعدم جواز الأجرة إذا ..

الجزء: 2 - الصفحة: 700

الشيخ: أنا أفتي، سألني بعض الأخوان وقلت أنا: أعطوهم، والإثم عليهم، لا تفتحوا باب شرٍّ، نعم لو فرضنا أن الإنسان لو امتنع أنه سيصل إلى نتيجة مرضية، لكن سيصل إلى نزاع وتعب.
طالب: لا يجوز -يا شيخ- الإيجار؛ إيجار الخيام والبنايات لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز للمؤجِر.
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، أما الخيام فيجوز أن يؤجِّرَها؛ لأنها ملكه، وليست بناء؛ لأن البناء يثبت، ويؤجِّر الخيمة.
الطالب: الدليل على ( ... ). الشيخ: الدليل من القرآن والسنة؛ أما القرآن فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25]، نعم ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يشمل كلَّ الحرم، وفيه أيضًا حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَكَّةُ حَرَامٌ بَيْعُهَا وَحَرَامٌ إِجَارَتُهَا» (7) لكنه ضعيف، ثم كانت في خلافة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كانت بيوت أهل مكة مفتوحة للحجاج، يسكن صاحب البيت في ربْعَة منها، والباقي مفتوح للحجاج.
طالب: يعني هذه لو تتجاوز ما تتجاوز الأرض الألف ( ... ) يعود على هذا لا تتجاوز إجارته الألف؛ لأن الخيمة لا تتجاوز الواحدة منها أكثر من ألف، لا تتجاوز الألف وهو يؤجرها بخمسة آلاف ستة آلاف.
الشيخ: اللي هو؟ الطالب: ( ... ) على هذه الفتوى.
الشيخ: اللي هو؟ الطالب: اللي هو المؤجِّر.
الشيخ: يعني: مؤجِّر الخيام.
الطالب: ويقول: أنا أؤجر الخيام، والخيمة أصلًا ما تسوى ألف ريال، وهو يؤجرها بخمسة آلاف.
الشيخ: صحيح، هو يتضاربون بالناس، لكن أنا أرى أنهم يعطون، والإثم عليهم، ويسلم من المشاكل.
طالب: ( ... ) هذه الآية؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: ( ... ) هذه الآية الذين يرون الحرم المكي حرمًا فقط، يبيحون البيع خارج المسجد الحرام، الذين يقولون: إن الحرم ( ... ) الكعبة ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 701

الشيخ: إي، ما فيه شيء، الذين استدلوا بهذه يقولون: المسجد الحرام كل الحرم.
طالب: أحسن الله إليكم، بمناسبة ذكر اشتراك الناس في الماء والكلأ والنار، في الطرقات الآن بعض الناس إذا استأجر محلًا من المحلات وضع لوحة أمام المحل فقال: الموقف خاص بالمحل، يرجى عدم الوقوف، مثل هذا يجوز لهم؟ الشيخ: هذا هو أحق، هو أحق بما يقابل دكانه.
الطالب: كل مستأجر أحق؟ الشيخ: إي أحق، ما فيه شك، والعمل عليه.
الطالب: لكن أحيانًا يبقى فاضيًا المحل.
الشيخ: إذا بقي فاضيًا وصاحبه مغلق الدكان ما له حق.
الطالب: لا، فاتح الدكان والمكان فاضي، هل يجوز لي أن أوقف في المحل.
الشيخ: نعم، لكن لو قال: لك اذهب أنا أحتاجه فاذهب، بشرط أنه يحتاجه، أما إذا كان ( ... ). الطالب: شيخنا من القواعد أن البيع الذي فيه غرر أو جهالة يكون محرمًا، أيش معنى ( ... ) أن هذا البيع الذي فيه غرر أو جهالة؟ الشيخ: ما تعرف؟ الطالب: هذه صورة من الصور؛ مثلًا أن هذا فيه غرر؛ بيع ثان ما ( ... ). الشيخ: بيجينا إن شاء الله، الصور الأربعة التي ذكرها المؤلف يجينا.
طالب: شيخ بارك الله فيك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ».
الطالب: ألا ينصرف هذا فقط إلى مياه الأمطار والعيون التي تخرج هكذا، ولا يكون في الآبار التي حفرها الإنسان؛ لأن هذا بفعله وهذا هو سبب، فتسبب فيه، وإلا قلنا: كل شيء يعني الإنسان مثلًا الزراعة والغنم يكونون شركاء فيه؛ لأن هذا بسببه، ولو الله سبحانه وتعالى ( ... ) هذا؟ الشيخ: هذا بارك الله فيك، نقول لك: أن تأخذ على صنيعك أجرة الدلو الذي يرسله في هذه البئر؛ لأن هواءها لك ملك، فهمت؟ أما مسألة الماء فليس ملكًا لك؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي جاء به إلى هذا المكان، فهو ينابيع في الأرض، كالأنهار، لكن لو قلت: أنا ما أريد أن تنتفع بهذا الهواء الذي أنا حفرت إلا بأجرة فلك ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 702

طالب: الآية التي قال الله تعالى فيها: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25] عامة تشمل المحلات ( ... ). الشيخ: نحن نرى أن المراد بالمسجد الحرام هنا المسجد الذي يصلى فيه، مسجد الكعبة، فإذا قال قائل: وجميع المساجد كذلك.
قلنا: نعم، لكن لا مانع أن يُذْكَر هذا ويُنَص عليه تأكيدًا.
طالب: شيخ ( ... ) أرض الشام والعراق، هل هذا على سبيل التمثيل؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني: لو فُتِحت عَنوة ( ... ) غيرها.
الشيخ: فالحكم هذا إن رأى الإمام أن يُوقِفها كما فعل عمر.
الطالب: وإلَّا؟ الشيخ: وأما إذا قسمها بين الغانمين فهي ملكهم.
طالب: ( ... ) محل واسع ( ... ) حمى عنها، يقول: هذا ( ... ) الناس ( ... ) يجوز ( ... ) ينزلون وسط.
الشيخ: إي نعم، ما في شك، لهم أن ينزلوا من داخل.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لكن إذا كان فيه شبك؟ الطالب: إذا كان فيه شبك ( ... ). الشيخ: ويش يسوون؟ الطالب: لكن إذا كان فيه شبك وهو مغتصبه عن الناس ما ( ... ). الشيخ: هو ما يجوز ( ... ) لكن نحن الآن وقفنا عند هذا، وشفنا بالوسط مكان واسع يسع خيامنا.
الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، تمام، صحيح.
طالب: الشارح ذكر ( ... ) قال: (وكذا معادن جارية كنفط).
الشيخ: نعم.
الطالب: النفط هو المراد ( ... ) الآن؟ الشيخ: إي.
الطالب: ولَّا كان قليل عندهم؟ الشيخ: لا.
الطالب: مو النفط هو القطران عندهم؟ الشيخ: نعم؟ هو قليل، لكن لما تطور في الآلات وصلوا إلى مقره.
الطالب: أقول: مو هو بالقطران فقط عندهم كان أول؟ الشيخ: إي.
الطالب: الموجود غير .. الشيخ: لا، هو مثله، نفس الشيء، هذا الموجود الآن أشبه ما له الماء.
طالب: ( ... ) المذهب: لو اشترى لغيره بعين ماله فهو ( ... ) في ذمته، لماذا أوجب عليهم بأن العبرة في العقود بالمقاصد والنيات، هو قصد أن يشتري للمالك حتى ولو شيئًا في ذمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 703

الشيخ: لكن يقولون: إن العقد هنا إذا كان في الذمة لم يقع على ملك غيره، والممنوع أن يتصرف في ملك غيره، وأما الذمة فهي أوسع.
الطالب: لكن ( ... ) أن يشتري شيئًا حتى يكون ( ... ) يتملكه.
الشيخ: إي، لكن عارف إذا لم يقبل صاحبه فسيلزمه.
طالب: قلنا: الناظر هو الذي جُعِلَ على الوقف، فهل له أن يتصرف في الأرض التي جعل الواقف ناظرًا عليها في البيع مع أنه .. ؟ الشيخ: سيأتينا إن شاء الله أحكام الوقف، وبيع الوقف والتصرف فيه يأتينا إن شاء الله، الكلام على أنه بس نعرف أن الناظر من جُعِلَ للتصرف على الوقف.


الطالب: وأن يكون مقدورًا على تسليمه فلا يصح بيعُ آبق وشاردٍ وطيرٍ في هواء وسمك في ماء، ولا مغصوب من غير غاصبه، أو قادر على أخذه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في رجل عنده أرض زراعية في الشام، هل يجوز أن يبيعها أو لا؟ طالب: على المذهب: لا يبيعها.
الشيخ: المذهب: لا يجوز، لماذا؟ الطالب: لأنها فتحت عَنوة؛ لأنها فتحت عَنوة، وأرض العَنوة وقَّفها عمر رضي الله عنه.
الشيخ: لأنها فتحت عَنوة، ووقَّفها عمر على المسلمين.
القول الثاني في المسألة أنه يصح، وعليه العمل، وهذا عليه العمل من زمن، حتى صاحب الإنصاف يقول: (إنه عليه العمل في زمننا)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصواب.
رجل عنده بيت في مكة هل يجوز بيعه أو لا؟ طالب: لا يجوز بيعه.
الشيخ: لا يجوز بيعه، إذن ماذا يصنع به؟ الطالب: يكون للسابق.
الشيخ: للسابق.
الطالب: لمن سبق.
الشيخ: هو الآن عنده، هو الذي عَمَره وبناه.
الطالب: إذا استغنى عنه يتركه.
الشيخ: يتركه.
القول الثاني؟ طالب: القول الثاني: يجوز إجارتها دون بيعها.
الشيخ: يجوز إجارتها دون بيعها.
طالب: يجوز البيع دون الإجارة.
الشيخ: يعني: عكس ما قال؟ الطالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 704

الشيخ: وهو الصحيح، ما أحد قال: إنها تجوز إجارتها دون البيع، هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والمسألة فيها خلاف طويل عريض، وعمل الناس اليوم من أزمنة بعيدة على أنه يجوز بيعها وإجارتها، لكن من تَوَرَّع واحتاط وقال: أنا لا أتملك في مكة، إن احتجت إلى أُجْرَة دفعت الأجرة، وإن لم أحتج فأنا في سلامة.
اشترى شخص شيئًا بعين ماله ونواه لشخص آخر.
طالب: بعين ماله؟ الشيخ: نعم، بعين مال المشتري، ونواه لشخص آخر.
الطالب: ( ... ). الشيخ: هل يصح البيع أو ما يصح؟ الطالب: ما يصح، بالنسبة ( ... )؟ الشيخ: له وللمشتري نفسه، لا يصح مطلقًا.
الطالب: ( ... ). الشيخ: من أين تأخذها من كلام المؤلف؟ ولا عاد الدليل ما عليه دليل، لكننا نأخذها من كلام المؤلف.
الطالب: (في ذمته).
الشيخ: من قوله: (وإن اشترى له في ذمته)، إذن ما هو شرط صحة التصرف الفضولي؟ طالب: على المذهب أنه يشتري له في ذمته وأنه لا يسميه في العقد.
الشيخ: أن يشتري له في ذمته، وألا يسميه في العقد.
الطالب: وأن يجيزه.
الشيخ: لا، هذه الإجازة شرط الصحة، يعني: معناه لا يكون تصرف الفضولي المجاز إلا بشرطين: أن يشتري له في ذمته، وألا يسميه في العقد.
ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ طالب: القول الراجح أنه إذا اشترى له في ذمته.
الشيخ: اشترى أو باع.
الطالب: أو باع؛ إذا اشترى له في ذمته .. الشيخ: أنه متى تصرف له في ذمته أو بعين ماله أو بأي شيء وأجازه فهو صحيح، ما هو دليل هذا القول الصحيح؟ طالب: الدليل حديث رواه ( ... ) أعطى له دينار فاشترى شاتين ( ... ). الشيخ: ليشتري واحدة.
الطالب: نعم.
الشيخ: فاشترى شاتين، ثم باع إحداهما بدينار، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدينار وكبش، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لا يبيع شيئًا إلا ربح فيه حتى التراب (1). إذا لم يجز مَنِ اشتُرِيَ له، فهل يبطل البيع أم ماذا؟ طالب: تكون لمن هو له.

الجزء: 2 - الصفحة: 705

الشيخ: السؤال: هل يبطل البيع أو لا؟ الطالب: قيل: يبطل.
الشيخ: قيل: يبطل.
الطالب: وقيل: يكون لمن اشتراه.
الشيخ: وقيل: لا، أبى.
الطالب: إي لمن اشتراه، يكون للمشتري، لا لمن اشترى له.
الشيخ: وقيل: يبطل، من قال بالبطلان؟ الطالب: ما أدري.
الشيخ: لعله ما قيل، ويش تقولون يا جماعة؟ فيها قول؟ فإذن نقول: إذا رَدَّه من اشتري له فإنه يلزم المشتري ملكًا.
إذا قبله من اشتُرِيَ له هل يثبت البيع من القبول يعني: من الإجازة أم ماذا؟ طالب: نعم، يثبت له ذلك من القبول.
الشيخ: من القبول، لمن الملك قبل ذلك؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لمن الملك قبل ذلك؟ طالب: الملك قبل ذلك للشاري.
الشيخ: للمشتري؟ الطالب: للمشتري.
الشيخ: نعم.
طالب: لا، يكون البيع من العقد.
الشيخ: يكون ثبوت الملك من العقد، وما بين القبول والعقد موقوف على الإجازة، إن أجيز فهو لمن اشتري له، وإن لم يجز.
الطالب: فهو للمشتري.
الشيخ: فهو للمشتري، صح.
رجل حوَّض حياضًا ووجه إليها شعابًا، أودية مياه أمطار، فاجتمعت الأمطار في هذه الحياض، فهل يجوز بيعها؟ طالب: نعم، يجوز بيعها.
الشيخ: من السماء نزلت.
الطالب: لأنه حازها؛ بعد حيازتها تكون ملكه.
الشيخ: لأنه حازها، فتكون ملكًا له فيصح بيعها.
آخر اجتمعت مياه الأمطار عنده بدون أن يتحجر لها، فصارت غديرًا، فهل يجوز بيع هذا الماء؟ طالب: لا يجوز بيعه.
الشيخ: لا يجوز، في أرضه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: في أرضه؟ الطالب: نعم، لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن نزول المطر ينزل من الله عز وجل، ليس منه، فهو .. الشيخ: ليست ملكًا له.
الطالب: ليست ملكا له.
الشيخ: الماء عام ليس ملكًا له، وهل هناك حديث يدل على ذلك؟ طالب: نعم؛ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ».
الشيخ: نعم.
ما نبت في أرضه من الحشيش والأشجار، هل يجوز بيعه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 706

طالب: لا يجوز بيعه ( ... ). الشيخ: ( ... ) أيش؟ الطالب: ( ... ) حازه.
الشيخ: إي: يعني: إذا حصده مثلًا.
الطالب: إذا حصده.
الشيخ: قبل حصده؟ الطالب: لا يجوز بيعه.
الشيخ: لا يجوز؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إي ما يخالف، فاهم السؤال الآن؛ ما نبت في أرضه من الزرع والشجر هل يجوز بيعه؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز بيعه.
طالب: نعم، يجوز بيعه بعد حوزه.
الشيخ: هذا كلام الأخ.
الطالب: قبل، لا يجوز.
الشيخ: قبل، لا يجوز.
طالب: فيه تفصيل؛ إن كان له فيه سبب؛ له فيه زراعة أو غير ذلك فإنه لا يجوز؛ لأنه ملكه، وإن كان نبت من دون ( ... ) له من الله عز وجل فإنه لا يجوز بيعه.
الشيخ: هكذا؟ الطالب: إي نعم؛ لأنه ( ... ) إن كان عليه ضرر.
الشيخ: ما هو ضرر، ما فيه ضرر ولا شيء، صار إذا أنبته هو فهو ملكه، ويجوز بيعه، لكن عادة الزروع لا بد أن تشتد.
والثاني: إذا كان من عند الله، ليس له فيه سبب فإنه لا يجوز؛ لأن الناس شركاء فيه.
وقال بعض العلماء: إنه إن استنبته فهو له، يملكه، وإلَّا فلا، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومعنى استنباته أن يحرث الأرض حتى تكون قابلة للنبات إذا نزل المطر، هذه واحد، أو أن يدع الأرض لا يحرثها ترقبًا لما ينبت عليها من الكلأ والحشيش؛ لأنه الآن باختياره أن يحرث الأرض ولا تنبت إلا ما زرعه هو.
وفيه قول ثالث: إن له بيعه، وإن قوله: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ» في غير الأرض المملوكة، أما الأرض المملوكة فإن ما نبت عليها يتبعها فيكون ملكًا، فالأقوال إذن ثلاثة؛ القول الأول: إنه لا يملكه ولا يجوز بيعه، والثاني: إنه يملكه ويجوز بيعه، والثالث: التفصيل، وهو أنه إن استنبته يعني: هيأ له الأرض لينبت أو ترك الأرض لم يحرثها لزرع خاص لينبت فإنه يملكه ويجوز بيعه وإلا فلا، وهذا أشبه ما يكون بالصواب؛ أن أفصِّل، كما قلنا في أحواض الماء التي يعدها لاستقبال الماء فإذا جاء الماء ونزل فيها صار ملكه.


الجزء: 2 - الصفحة: 707

ثم قال رحمه الله: الشرط الخامس: (أن يكون مقدورًا على تسليمه)؛ الضمير في قوله: (يكون) يعود على المعقود عليه، سواء كان الثمن أم المثمَن، (أن يكون مقدورا على تسليمه) أي: أن يكون كل من المتعاقدين قادرًا على تسلُّم أو تسليم ما انتقل من ملكه أو إلى ملكه؛ ودليل هذا: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، ووجه الدلالة أن ما يُعْجَز عن تسليمه لا يرضى به الإنسان غالبًا، ولا يُقْدِم عليه إلا رجل مخاطر، قد يحصل له ذلك، وقد لا يحصل، ومن السنة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع الغرر (5)، وهذا غرر، ووجه كونه غررًا أن المعجوز عن تسليمه لا بد أن تنقص قيمته، وحينئذ إن تمكن المشتري من تسلُّمِه صار غانمًا، وإن لم يتمكن صار غارمًا، وهذا هو الغرر.
ومن المعنى -يعني التعليل- أن هذا يؤدي إلى الخلاف والنزاع والعداوة والبغضاء والحيل، فكان من الحكمة أن يُسَدَّ هذا الباب.
ضد المقدور عليه هو: المعجوز عنه، وفرَّع المؤلف على ذلك قوله: (فلا يصح بيعُ آبق وشارد) الآبق: هو العبد الهارب من سيده، والشارد: هو الجمل الشارد من صاحبه، فبيع الآبق لا يصح، سواءٌ عُلِمَ خبره أم لم يعلم؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، البائع لا يستطيع أن يسلمه للمشتري، حتى لو علمنا خبره وأنه أَبَق إلى البلد الفلاني؛ لأن العثور عليه يصعب، لا سيما مع ضعف السلطان وعدم استتباب الأمن وعدم الضبط فإنه لا شك يصعب جدًّا أن يناله المشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 708

وقوله: (فلا يصح بيع آبق) ظاهره سواءٌ كان المشتري قادرًا على ردِّه أم لم يقدر، وقيل: إن كان قادرًا على رده فإن البيع صحيح؛ لأن الحكم يثبت بعلته ويزول بزوال العلة، فإذا كان هذا الرجل يعلم مكان الآبق، وهو قادر على أخذه بكل سهولة؛ فما المانع من صحة البيع، لكن بشرط ألا يَغُرَّ البائع، يعني: ألا يوهمه أنه لا يقدر على العثور عليه؛ وذلك لأنه إذا أعلمه أنه قادر عليه فسوف يرفع السعر؛ يعني: ثمنه، وإذا لم يعلم فسوف يخفض السعر، فلا بد من أن يعلمه.
(ولا شارد) الشارد ما هو؟ الجمل الشارد، وهذا مثال، وإلا فلو أن بقرة هربت أو شاة أو ما أشبه ذلك وعُجِزَ عنها فهي داخلة في هذا.
(ولا طير في هواء)، الطير في الهواء لا يصح بيعه، مثل أن يكون عند الإنسان حمام وليس الآن في مكانه فيبيعه صاحبه، فإن بيعه لا يصح؛ لأنه غير مقدور عليه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح بيعه ولو أَلِف الرجوع، حتى لو كان من عادته -أي هذا الحمام- أن يأتي في الليل ويبيت في مكانه فإنه لا يصحُّ بيعه؛ وذلك لأنه وإن كان آلفًا للرجوع فقد يُرْمَى، وقد يهلك؛ لأنه ليس بين أيدينا الآن، وقيل: إن أَلِف الرجوع صح البيع، ثم إن رجع وإلَّا فللمشتري الفسخ، وهذا القول أصح، أنه يصح العقد عليه، فإذا حضر وأراد البائع أن يقول: لا، لا أسلمك إياه أجبرناه على تسليمه إياه؛ لأن البيع وقع صحيحًا، وإن لم يحضر فإن للمشتري الفسخ؛ لأن المشتري لم يشترِ شيئًا لا ينتفع به، ولا يعود عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 709

قال: (ولا سمك في ماء) يعني: ولا بيع سمك في ماء، ولو كان مرئيًّا فإنه لا يجوز بيعه، وظاهر كلام المؤلف ولو كان مرئيًّا بمكان يمكن أخذه منه؛ لأنه أطلق، قال: (سمك في ماء)، ولكن الصحيح الذي مشى عليه الشارح، أنه إذا كان بمرئي يسهل أخذه فإنه يجوز بيعه، كالسمك الذي يكون في البِرك الآن، في بِرك بعض البساتين يكون فيها سمك لكنها في مكان محوز، وهي مرئية، يسهل أخذها، فهذه يصح بيعها، لكن سمك في بحر أو في نهر لا يصح بيعه، أو في مكان ليس بحرًا ولا نهرًا لكن يصعب أخذه فإنه لا يصح بيعه؛ وذلك لأن هذا السمك ربما ينغرز في الطين ولا يقدر عليه.
(ولا مغصوب من غير غاصبه أو قادر على أخذه)، لا يصح بيع مغصوب من الغاصب أو من المالك؟ طلبة: من الغاصب.
طلبة آخرون: من المالك.
الشيخ: من المالك، يعني: لو أن مالك المغصوب باعه على طرف ثالث فإنه لا يصح؛ لأنه المؤلف استثنى قال: (من غير غاصبه أو قادر على أخذه) فإن كان من غاصبه بأن قال المالك للغاصب: اشتر مني ما غصبتني، فاشتراه فهذا صحيح؛ لأن العلة وهي القدرة على التسليم، أعني علة الصحة موجودة؛ إذ إن هذا المغصوب عنده، فيصح البيع، لكن بشرط ألا يمنعه إياه بدون البيع، فإن منعه إياه إلا بالبيع فالبيع غير صحيح؛ لأنه بغير رضا، ومن شرط البيع الرضا؛ يعني: بأن قال الغاصب: أنا لا أرده عليك، وأريد أن تبيعه عليَّ، فالمالك باعه عليه اضطرارًا؛ لأنه يقول كما قال العامة: العوض ولا القطيعة، يعني: آخذ العوض ولا يروح مالي وعوض مالي.
فإذا قال الغاصب: أنا لا أعطيك إياه ولكن أريدك أن تبيعه عليَّ، أعطيك الثمن، وباعه عليه فإن البيع لا يصح.
فإن بذل الغاصب ثمنًا أكثر من قيمته أضعافًا مضاعفة، وباعه المالك عليه فهل يصحُّ أو لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 710

لا يصح، ما دام لم يرضَ حتى لو أعطي أضعافًا مضاعفة؛ لأن المالك ربما لا يرضى أن يبيعه على الغاصب ولو أعطاه أضعاف أضعاف قيمته؛ لأنه يريد أن يتشفى منه، هو يعرف -المالك- أنه لو أخذ هذه القيمة اشترى عشرة من جنس ما أخذ منه، لكن يريد أن يحول بين الغاصب وبين جشعه وطمعه، فيقول: أنا لا أبيعه أبدًا، فهذا نقول: لا يصح البيع ولو كان بأضعاف مضاعفة.
وقول المؤلف: (أو قادر على أخذه) على أخذ أيش؟ طالب: أخذه من الغاصب.
الشيخ: على أخذه من الغاصب، مثل أن يغصبه شخص، فيبيعه المالك على عمِّ هذا الشخص القادر على أخذه منه، أو على أبيه فإنه يصح؛ لأن العلة -أعني علة صحة البيع وهي القدرة على أخذه- موجودة.
فإن كان المشتري اشتراه بناء على أنه قادر على أخذه ولكنه عجز فيما بعد فله الفسخ؛ لأنه تعذَّر الحصول على مقصوده.
إذن هذا الشرط مأخوذ من القرآن والسنة والاعتبار.
من القرآن؟ طالب: قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
الطالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
الشيخ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾.
الطالب: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
الشيخ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾.
الطالب: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
الشيخ: وجه الدلالة؟ الطالب: أن ( ... ) غير مقدور عليه فهو ( ... ) تراض.
الشيخ: أنه لو حصل الغبن على أحدهما لم يكن راضيًا به.
ومن السنة؟ طالب: نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر (5). الشيخ: نعم، وهذا غرر؛ لأنه قد يحصل وقد لا يحصل.
ومن الاعتبار؟ طالب: أن المسلمين ( ... ) قلبًا واحدًا، وهذا .. الشيخ: أنها سبب .. الطالب: للبغضاء والعداوة.
الشيخ: للعداوة والبغضاء والتنازع والخلاف؛ لأن كل إنسان لا يريد أن يُغْبَن، مَثِّل ( ... ). أنت تسأل ولَّا نسأل؟ طالب: اسأل ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 711

الشيخ: نريد أمثلة لما لا يُقْدَر على تسليمه.
الطالب: مثل عبد أبق ولا يستطيع أن يحصل عليه، أو كجمل شرد ( ... ) لا يستطيع أن يحصل عليه، أو كطير طائر في الهواء، طير يطير في الهواء ولا يألف الرجوع، أو أَلِف على المذهب.
الشيخ: المذهب: ولو أَلِف الرجوع.
الطالب: أو سمك في الماء ولا يمكن حيازته.
الشيخ: إلا بمحوز يسهل أخذه منه.
طالب: (وإن اشترى له في ذمته)؛ (في ذمته) أي: ذمة المشتري أو المشترى له؟ الشيخ: لا، ذمة المشتري؛ لأن ذاك ما وَكَّله.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- قررنا في الدرس الماضي أنه لا يجوز بيع الماء في البئر.
الشيخ: بيع نقعه، نقع الماء في البئر.
الطالب: نقع الماء في البئر، لكن لو أنفق رجل على بئر مثلًا مئة ألف أو مئتين ألف، فخرج الماء أشكل علينا يا شيخ، هل يجوز بيعه أو لا؟ الشيخ: المذهب ما يجوز.
الطالب: التكلفة هذه التي دفعها كلها.
الشيخ: جعلته أحق به من غيره.
الطالب: لكن ما يجوز بيعه.
الشيخ: على المذهب، المسألة فيها خلاف.
طالب: بارك الله فيكم، إذا وقع العقد على عين ( ... )، فقلنا له: الترجيع ( ... ) فإذا أجاز المالك جاز، ( ... ) أليس يا شيخ أصلًا يعني غير صحيح لأنه وقع على عين المال، فرضًا حتى لو أجازه فالبيع غير صحيح لأن ما صح بالأول.
الشيخ: هو صحيح، ما صحَّ بالأول، موقوف على الإجازة، حتى لو باع ملك غيره بلا إذن ثم أجازه صح البيع.
طالب: قلنا يا شيخ: ( ... )، إذا قلت: إذا كان البائع قادرًا على ( ... )، قلنا: إنه ( ... ) ذلك أنه مقدور عليه، هذا يا شيخ ( ... )؟ الشيخ: لا، أصل الحكم لعدم القدرة، الحكم لا يصح، حكمه عدم الصحة، التعليل عدم القدرة.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ( ... ) حظيرة ( ... ) بالنسبة لو باعه، ( ... ) رجع الحمام إلى حظيرته، فيعني يجوز بيعه ( ... ) في القول الآخر، فإذا باعه للرجل وطار منه، ذهب ( ... ). الشيخ: طار منه بعد القبض ولَّا لا؟ الطالب: بعد القبض.

الجزء: 2 - الصفحة: 712

الشيخ: إي، يكون على نصيب المشتري.
الطالب: نعم، ( ... ) ليس له أن ( ... ). الشيخ: بعد ما قبضه.
الطالب: له؟ الشيخ: بعد ما قبضه ( ... ). الطالب: ( ... ). الشيخ: طيب، هذا ( ... ). قال المؤلف: (من شروط البيع أن تكون العين مباحة النفع بلا حاجة)، اشرح هذا: (وأن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة)، ما الذي يستفاد من هذا الشرط؟ طالب: أنه لا يجوز.
الشيخ: أن يكون في العين نفع.
الطالب: نعم ( ... ). الشيخ: منين أخذته؟ الطالب: (وأن تكون العين مباحة النفع).
الشيخ: هذه واحدة.
الطالب: وأن تكون تلك المنفعة مباحة.
الشيخ: تكون مباحة، أخذها من قوله؟ الطالب: (وأن تكون العين مباحة)، وأن تكون (من غير حاجة) ( ... ). الشيخ: أن تكون (من غير حاجة)، خرج به؟ الطالب: ما كان لحاجة.
الشيخ: ما كان مباح النفع للحاجة؛ مثل الكلب.
ما مثال الذي لا نفع فيه؟ طالب: آلات اللهو.
الشيخ: لا، الذي لا نفع فيه؟ الطالب: الحشرات.
الشيخ: كالحشرات، أحسنت، وما فيه نفع غير مباح؟ طالب: آلات اللهو.
الشيخ: كآلات اللهو، هل يجوز أن يبيع آلة اللهو ليكسِّرَها ويحولها إلى آلة مباحة؟ الطالب: نعم، يجوز له إذا اشتراها بنية أن يحولها إلى آلات مباحة.
الشيخ: يجوز حال كونها آلة لهو؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه قد يحولها وقد لا يحولها، فنقول للبائع: حولها ثم بعها.
اشترى غرابًا ليصيد عليه؟ الطالب: الغراب ما يصاد به.
الشيخ: لا يصاد به، من أين تأخذ من كلام المؤلف؟ الطالب: من غير حاجة.
الشيخ: لا، ما تدخل في هذا.
الطالب: (أن تكون العين مباحة النفع)، وهذا لا يباح نفعه.
الشيخ: لا ( ... ). طالب: ( ... ). الشيخ: من قوله: (التي تصلح للصيد)، والغراب لا يصلح للصيد.
لماذا خرج الكلب من هذا مع أنه يُصطاد عليه؟ طالب: ورد النص في الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ» (8). الشيخ: نعم، صحيح الجواب؟

الجزء: 2 - الصفحة: 713

لورود النص به، والنص حاكم لا محكوم عليه.
اشترى فِيلًا، يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ويش الفايدة منه؟ الطالب: يصلح للصيد.
الشيخ: الفيل يصلح للصيد؟ الطالب: ( ... ) الشيخ: كيف؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: ( ... ) يلَّا يمشي الفيل، ما عمرك شفت الفيل؟ الطالب: بلى.
الشيخ: طيب.
الطالب: إذا كان الناس يستخدمونه في المباح فيجوز.
الشيخ: مثل أيش؟ الطالب: مثل الحمل.
الشيخ: صح.
وأن يكونَ مَعلومًا برؤيةٍ أو صِفةٍ، فإن اشْتَرَى ما لم يَرَه أو رآه وجَهِلَه , أو وُصِفَ بما لا يَكْفِي سَلَمًا لم يَصِحَّ، ولا يُباعُ حَمْلٌ في بطْنٍ , ولَبَنٌ في ضَرْعٍ مُنفرِدَيْنِ , ولا مِسْكٌ في فَأْرَتِه ولا نَوًى في تَمْر , وصوفٌ على ظَهْرٍ , وفُجْلٌ ونحوُه قبلَ قَلْعِه.
ولا يَصِحُّ بيعُ الْمُلامَسَةِ والْمُنابَذَةِ، ولا عبدٌ من عبيده ونحوُه، ولا استثناؤُه إلا مُعَيَّنًا، وإن اسْتَثْنَى من حيوانٍ يُؤْكَلُ رأسُه وجِلْدُه وأطرافُه صَحَّ، وعكسُه الشحْمُ والحَمْلُ، ويَصِحُّ بيعُ ما مَأكولُه في جَوْفِه لماذا خرج الكلب من هذا مع أنه يُصْطَاد عليه؟ طالب: ورد النص في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ» (1). الشيخ: نعم، صحيح الجواب؟ لورود النص به، والنص حاكم لا محكوم عليه.
اشترى فِيلًا؟ طالب: نعم.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ويش الفائدة منه؟ الطالب: يصلح للصيد.
الشيخ: الفيل يصلح للصيد؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: إذا كان .. الشيخ: ما أدري والله ( ... ) يمشي الفيل! الطالب: يكاد.
الشيخ: ما عمرك شفت الفيل؟ الطالب: بلى.
الشيخ: إي، طيب.
الطالب: إذا كان يستخدمه في مباح فيجوز.
الشيخ: مثل أيش؟ الطالب: مثل الحمل.
الشيخ: صحيح، صح؛ لأنه يستخدم لحمل الأثقال.
اشترى ثعلبًا مُصَبَّرًا؟ الطالب: ما يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: تصبير البهائم ما يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: ( ... ) نفع، يستخدم في ..

الجزء: 2 - الصفحة: 714

الشيخ: هو يقول: فيه نفع، أخليه عندي يشاهده الناس، بدل ما يبحث عن الثعلب ويروح ويشوف صورته في المنجد هذا غير مصور، هو من خلق الله عز وجل، فليس بصورة.
الطالب: مُصَبَّر ( ... ) هذا الصيد.
الشيخ: مُصَبَّر، تعرف المُصَبَّر؟ مُحَنَّط.
الطالب: ما يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه يجوز إذا كان للصيد.
الشيخ: هو ما هو بصايد، هو محنط الآن.
الطالب: لكن وليس مباح النفع.
الشيخ: الآن محنط، ميت، ما فيه إلا الجلد والهيكل فقط.
الطالب: ما فيه منفعة.
الشيخ: لا، فيه منفعة؛ يشاهده الناس بدل ما يروح يبحث عنه في المنجد على طول يطالعه.
الطالب: ليست مباحة المنفعة.
الشيخ: ما فيه نص؟ يعني غير التعليل؟ طالب: هو ميتة -يا شيخ- ما دام محنطًا.
الشيخ: هو ميتة، المحنط ميتة، والميتة؟ الطالب: منهي عن بيعها.
الشيخ: نهى النبي عن بيع الخمر والميتة (2)، وعلى هذا فالذي يوجد الآن في الأسواق يحرم شراؤه ويحرم بيعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الخمر والميتة.
فإن كان أرنبًا محنطًا؟ طالب: نفس الشيء.
الشيخ: تأمل.
الطالب: هو يباح أكله؟ الشيخ: إي، هو يباح أكله.
الطالب: بس هذا محنط، ما فيه فائدة.
الشيخ: لا، فيه فائدة؛ يشوفونه الناس، بدل ما أروح أدور أرنب أجيبه لولدي يعرف الأرنب قلت: شوفه يا بني.
الطالب: فيه تبذير للمال.
الشيخ: طيب.
الطالب: أقول: أيضًا ميتة.
الشيخ: طيب، إذا حُنِّط من دون تذكية؛ بأن ضرب بإبرة أماتته وبقي هكذا فهو حرام؛ لأنه ميتة، وإن ذُكِّي ذكاة شرعية ولكنه لم يسلخ جلده وبقي، فينظر: هل فيه فائدة أو لا؟ إن كان فيه فائدة جاز شراؤه وبيعه، وإلا فلا، أما إذا حُنِّط بدون ذكاة شرعية فهو حرام؛ لأنه ميتة.
رجل عنده مصحف بخط اليد على المصحف العثماني، أيجوز بيعه؟ طالب: على المذهب لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ الطالب: لأنه بخس لقيمة المصحف.
الشيخ: ها؟ الطالب: أقول: تنقص قيمة المصحف.

الجزء: 2 - الصفحة: 715

الشيخ: لا، أبدًا، غَالٍ هذا، مخطوط باليد.
الطالب: معنوية ( ... ). الشيخ: يعني: ابتذال له؟ الطالب: ابتذال له.
الشيخ: لأنه ابتذال له، ويُرْوَى عن ابن عمر أنه قال: وددت أن الأيدي تقطع في بيعه (3)، ففيه أثر ونظر.
وهل هناك رأي آخر؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: بيعه جائز.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا هو الصحيح، وهذا عليه عمل المسلمين.
الشيخ: وعليه عمل المسلمين من غير نكير.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، ما جوابك عن التعليل والأثر؟ طالب: التعليل؟ الشيخ: إي نعم، الذين قالوا: إن بيعه فيه ابتذال له، وكأن البائع رغب عنه ولا يريده ولا .. الطالب: هو لا .. ، يعني لا يمكن للناس الحصول عليه إلا بالبيع والشراء.
الشيخ: إي؛ يعني كأنك تقول: إنه يجوز للضرورة؟ الطالب: لا، ليس كذلك.
الشيخ: مقتضى التعليل الذي عللت أنه لا يمكن الحصول عليه إلا بالشراء.
طالب: عفا الله عنك، ( ... ). الشيخ: نعم؟ طالب: أما إن كان بائع المصحف رغبة عنه واستغناءً فهذا لا يجوز.
الشيخ: طيب، إذا كان رغبة عنه -بارك الله فيك- حتى لو وهبه؟ الطالب: نعم، لا يجوز.
الشيخ: إي، هو باعه رغبان، لكنه يريد ثمنه.
الطالب: نعم، هذا المذهب: لا يجوز.
الشيخ: هو على كل حال الصحيح أنه جائز؛ لأن المسلمين ما زالوا يتبايعون ذلك من غير نكير، لكن الكلام على الجواب من يقول: إن هذا ابتذال له.
الطالب: لا، نقول: ليس ابتذالًا؛ لأن البائع لا يقصد من ذلك العوض؛ أن هذه القيمة مقابلة لما في المصحف، وإنما لطباعته ولأوراقه.
الشيخ: يعني: لا نسلم أن بيعه؟ الطالب: ابتذال.
الشيخ: ابتذال له، بل قد يبيعه الإنسان وهو من أغلى الأشياء عنده، ولا شك أن الإنسان إذا باع المصحف لا يعني أنه نقص قدره عنده، وأما أثر ابن عمر رضي الله عنه فلعله في وقت كانت المصاحف فيه قليلة، وكان يجب على الإنسان إذا استغنى عن المصحف أن يعيره، فإذا باعه تقطع يده؛ يعني يكون كالسارق.

الجزء: 2 - الصفحة: 716

رجل عنده دهن أذابه من ميتة، هل يجوز أن يبيعه؟ طالب: لا يجوز أن يبيعه.
الشيخ: لا يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: أن الله عز وجل حرم بيع الميتة، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى .. الشيخ: لكن هذا أذاب الشحم؟ الطالب: النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ( ... )، «لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُحُومَ الْمَيْتَةِ جَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» (4). الشيخ: ما فيه شيء بيِّن ونص في الموضوع؟ الطالب: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (5). طالب آخر: قوله صلى الله عليه وسلم عندما سألوه عن شحوم الميتة قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» (2). الشيخ: لما قالوا: إن شحوم الميتة؟ الطالب: عن بيع شحوم الميتة.
الشيخ: أرأيت شحوم الميتة فإنه .. الطالب: يُسْتَصْبَح بها.
الشيخ: تُطْلَى بها السفن .. الطالب: ويُدْهَن بها الجلود -قَبْلَ الجلودِ- يستصبح بها الناس؟ قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ».
الشيخ: نعم، فمنع منه مع أنهم ذكروا له فائدته.
يقول المؤلف: إنه (يجوز الاستصباح بها في غير مسجد) (بها) الضمير يعود على؟ طالب: الأدهان.
الشيخ: أي الأدهان؛ النجسة أو المتنجسة؟ الطالب: الأدهان النجسة.
الشيخ: النجسة؟ الطالب: المتنجسة.
الشيخ: إي، ستعرف ما دام الجماعة رفعوا أيديهم لما قلت.
أيهما؛ النجسة أو المتنجسة؟ الطالب: المتنجسة.
الشيخ: المتنجسة.
طيب، ما الفرق بينها وبين النجسة؟ الطالب: المتنجسة ( ... ). الشيخ: ها؟ الطالب: النجسة طبعًا .. المتنجسة هي .. الشيخ: هو ما دام فرقت بينهما في الحكم لازم أن تفرق بينهما في العلة.
الطالب: القاذورات؛ بقايا .. المتنجسة.
الشيخ: ما هو بواضح.
طالب: النجسة التي أصلها نجس.
الشيخ: إي.
الطالب: الميتة .. الشيخ: طيب.
الطالب: المتنجسة ( ... ) ما دهنت بشيء غير جائز.
طالب آخر: التي طرأ عليها النجس.

الجزء: 2 - الصفحة: 717

الشيخ: طرأت عليها النجاسة، الفرق أن النجسة نجسة ذاتية؛ من الأصل، والمتنجسة أصلها طاهر، فطرأت عليها النجاسة، هذا هو الفرق.
إذن يجوز الاستصباح بالمتنجسة دون النجسة، فما هو القول الراجح؟ طالب: الراجح أنه يجوز الاستصباح بالنجس والمتنجس.
الشيخ: النجس؟ الطالب: إي نعم، ( ... ). الشيخ: الاستصباح بالنجس يجوز؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: لأن حديث جابر: لما سأل الصحابة: أرأيت شحوم الميتة يا رسول الله؟ فقال .. الشيخ: لما سئل: أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها تُطْلَى بها السفن .. الطالب: وتطلى بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ».
الراجح أن النفي يعود على البيع لا على الانتفاع.
الشيخ: إي.
الطالب: المذهب يحملونه على الانتفاع ( ... ). الشيخ: توافقون على هذا يا جماعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، إذا قلنا بجواز الاستصباح بها -أي بالنجسة- كالمتنجسة، فهل يجوز أن نستصبح بها في المسجد؟ طالب: على المذهب: لا.
الشيخ: ما يجوز، وعلى القول الثاني، كأنك يعني فيه قول؟ الطالب: على القول الثاني: يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنا إذا قلنا بالاستحالة فإنه يجوز.
الشيخ: إذا قلنا بأن النجس إذا استحال طهر فإنه يجوز؛ لأنه حتى الدخان هذا يكون طاهرًا، تمام، بارك الله فيك.
يقول المؤلف: من شروط البيع أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه، فما هو الدليل على اشتراط أن يكون من مالك؟ طالب: قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
الشيخ: طيب.
ما وجه الدلالة؟ الطالب: وجه الدلالة: أنه لا يرضى أحد أن يبيع ملكه لآخر.
الشيخ: أن يبيع ملكه رجل آخر.
الطالب: أن يبيع ملكه رجل آخر، حتى لا تشاع الفوضى ويحدث .. الشيخ: طيب، صحيح، هذا من القرآن.
من السنة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 718

الطالب: من السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (6). الشيخ: أحسنت.
من النظر؟ الطالب: من النظر كما قلنا: إنه لا .. الشيخ: لو جاز للإنسان أن .. الطالب: لو جاز للإنسان أن يبيع ملك غيره لانتشر الفساد وانتشرت الفوضى والحيل، ولحصل .. الشيخ: والعدوان، بارك الله فيك.
(أو من يقوم مقامه) من الذي يقوم مقام المالك؟ طالب: الوصي والناظر.
الشيخ: الناظر والوصي.
الطالب: والولي.
الشيخ: والولي.
والرابع؟ طالب: الوكيل.
الشيخ: الوكيل، طيب.
فرِّقْ لي بين هؤلاء الأربعة؟ طالب: الوكيل هو: من أذن له في التصرف في حال الحياة.
وأما الوصي فهو: من أذن له في التصرف بعد الموت.
والناظر: من جعل ناظرًا ووكيلًا على وقف.
الشيخ: طيب.
الطالب: والولي: هو من جُعِلَ .. الشيخ: من استفاد التصرف بإذن من الشرع، طيب.
الولاية تنقسم إلى؟ طالب: إلى قسمين: ولاية عامة، وولاية خاصة.
الشيخ: الولاية العامة ما هي؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، كولاية القاضي.
الطالب: القاضي؟ الشيخ: نعم.
الطالب: الولاية الخاصة كولاية القائم على اليتيم.
الشيخ: أحسنت، كولاية القائم على اليتيم، طيب.
هل يجوز أن يبيع الإنسان ما يساوي مئة بخمسين؟ طالب: وهي ملكه؟ الشيخ: ما أدري.
الطالب: نعم، من ملكه يجوز أن يبيع بما شاء.
الشيخ: من ملكه يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: وإن كان ملك غيره؟ الطالب: ملك غيره لا يجوز أن يبيعه حتى بقيمته على المذهب.
الشيخ: إذا صار يقوم مقام المالك.
الطالب: لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يكون التصرف لصالح المالك.

الجزء: 2 - الصفحة: 719

الشيخ: سمعتم يا جماعة؟ يعني إذا باع ملك نفسه فله أن يبيعه بأقل من ثمنه، إذا باع ما له ولاية عليه أو وكالة أو نَظارة أو ولاية فإنه لا يجوز أن يبيعه بأقل، وهذه القاعدة حتى في العبادات: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، وَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (7)، وهذه قاعدة مفيدة؛ وهي التفريق بين تصرف الإنسان لنفسه وتصرفه لغيره؛ ولهذا يجب على الإمام أن يؤم الناس بأقرب ما يكون إلى السنة؛ تطويلًا وتخفيفًا، أما إذا صلَّى لنفسه فله أن يخفف بأقل من السنة، وله أن يطول بأكثر من السنة.
رجل صديق لآخر، فرأى شخصًا يريد أن يشتري سيارة صديقه بأضعاف ثمنها، فباعها عليه، فهل يجوز؟ طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: أنت فاهم السؤال؟ إنسان يريد أن يشتري سيارة صديقه بأضعاف ثمنها، فباعها عليه -أي: الصديق- بدون إذن مالكها.
الطالب: يجوز إن علم أن مالكها سيوافق.
الشيخ: يجوز إن علم أنه سيوافق؟ الطالب: إي نعم.
طالب آخر: إن كان يعلم أنه يريد بيعها جاز.
الشيخ: هذا كلام الأخ.
الطالب: هو قال: إذا كان يرضى.
الشيخ: طيب.
طالب: على المذهب: لا يجوز.
الشيخ: على المذهب: لا يجوز؛ إن باع ملك غيره فهو ما يصح مطلقًا، ولو كان يعلم أنه يحب أن يبيعها، وأن بيعها غبطة ومصلحة له فإنه لا يجوز، وقولك: (على المذهب) يعني: أن هناك قولًا؟ الطالب: آخر.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: الصحيح: أنه يجوز إذا علم أن صاحبه يرضى أن فيه له مصلحة، والدليل حديث عروة بن الجعد: أنه اشترى للنبي صلى الله عليه وسلم .. ، النبي صلى الله عليه وسلم أذن له بشراء شاة، اشترى شاتين، ثم باع أخرى بدينار، وعاد بشاة ودينار (8). الشيخ: أحسنت، فهنا باع ملك غيره، ولَّا لا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، باع ملك غيره، وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم تصرفه، وهذا القول هو الراجح.

الجزء: 2 - الصفحة: 720

ما معنى قول المؤلف: (أو اشترى له في ذمته بلا إذنه ولم يسمه في العقد)، صورة هذه المسألة؟ صورة المسألة: إن اشترى له في ذمته بلا إذنه ولم يسمه في العقد صح له بالإجازة، ويش معنى العبارة؟ طالب: إذا أجازه واشترى له ورضي.
الشيخ: إي، فيه شروط ها الحين، ما هي المسألة (اشترى له في ذمته)؟ الطالب: أي في ذمة المشتري.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ولم يسمه في العقد.
الطالب: يشترط أنه ما يسميه، إن سماه لا يصح البيع.
الشيخ: صح له، لمن؟ الطالب: للمشتري نفسه.
الشيخ: صح للمشتري ولَّا للمشترى له؟ الطالب: لو ما سمَّاه صح للمشترى له.
الشيخ: للمشترى له.
الطالب: وإن سمَّاه ما يصح.
الشيخ: لا، هو ما سماه، اشترى له في ذمته ولم يسمه في العقد بلا إذنه صحَّ له بالإجازة، (له) لمن؛ للمشترى له ولَّا للمشتري؟ الطالب: للمشترى له.
الشيخ: طيب، قوله: (بلا إذنه) هل هذا شرط؟ طالب: ليس بشرط.
الشيخ: ليس بشرط، إذن ما هو؟ الطالب: بأن يكون .. الشيخ: نعم؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إي، هذا بيان للواقع؛ لأنه لو كان بإذنه ما فيه إشكال، صار وكيلًا.
اشتريت لشخص حاجةً أعرف أنه يريدها، فقلت للبائع: إني اشتريتها لزيدٍ، وأخذتها وذهبت بها إلى زيد ووافق؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: كيف؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه سماه.
الشيخ: لأنه سماه في العقد، ما الفرق بين أن يسميه أو لا يسميه؟ الطالب: إذا ما سماه يجوز، إذا -مثلًا- قَبِل هذه المشترى له قَبِل هذه السلعة فهذا يجوز، فأما إذا .. الشيخ: لماذا إذا سماه لا يصح، وإذا لم يسمه صح؟ الطالب: إذا سماه صح؛ لأن .. الشيخ: لا، إذا سماه لم يصح.
الطالب: أقول: إذا لم يسمه صح؛ لأن حديث عروة بن الجعد، النبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا سمى .. طالب آخر: لأنه إذا سماه جعل نفسه كالوكيل وهو لم يوكله.

الجزء: 2 - الصفحة: 721

الشيخ: أحسنت، إذا سماه جعل نفسه كالوكيل وهو لم يوكله، أما إذا لم يسمه فإنه جعل نفسه كأنه هو الذي اشترى لنفسه.
ما معنى قول المؤلف: (ولزم المشتريَ بعدمها ملكًا)؟ طالب: ( ... ). الشيخ: (لزم المشتريَ بعدمها ملكًا).
الطالب: يعني: بعدم الإجازة .. الشيخ: (لزم) ( ... ) الأول.
الطالب: لزم المشتري بعدم الإجازة من المشترى له أن يتملكه المشتري.
الشيخ: (لزم) الضمير يعود على أيش؟ الطالب: على المشتري.
الشيخ: (لزم المشتري) (لزم) يعني: أي المشتري، المشتري يلزم غيره؟ (لزم) الضمير يعود على أيش؟ الطالب: هذه السلعة التي ( ... ). الشيخ: لزمت.
الطالب: لزمت المشتري تملكًا، يتملكها المشتري.
الشيخ: إي، لكن الضمير، اشرح (لزم)، على أي شيء يرجع الضمير؟ الطالب: لزم هذا البيعُ المشتريَ.
الشيخ: إي، أو العقد، طيب، (بعدمها)، (ها) يعود على إيش؟ الطالب: بعدم الإجازة.
الشيخ: طيب، (ملكًا)؟ الطالب: ملكًا للمشتري.
الشيخ: للمشتري، طيب.
هل يملكه من حين الرد ولَّا من حين العقد؟ الطالب: من حين العقد.
الشيخ: من حين العقد، طيب، أحسنت.
نناقش في الدرس الأخير وهو أن يكون مقدورًا على تسليمه؟ طالب: أن يبيع البائع ما يملك، ولا .. الشيخ: أن يكون أيش؟ الطالب: أن يكون له؛ يعني: يملكه.
الشيخ: لا، الضمير في (أن يكون) يعود على أيش؟ الطالب: يعني: السلعة نفسها يكون مقدورًا .. الشيخ: المبيع يعني؟ الطالب: المبيع نفسه.
الشيخ: طيب.
الطالب: يكون مقدورًا على تسليمه.
الشيخ: طيب، الدليل على اشتراط هذا الشرط؟ طالب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ [المائدة: 90]، فمدلول الآية: أن الميسر من الغرر؛ فلهذا حُرِّم، فهو بمثابة الغرر؛ الميسر.
الشيخ: ما فهمنا جيدًا.
الطالب: فيه دليل ثانٍ.
الشيخ: هات دليلًا ثانيًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 722

الطالب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
الشيخ: وهؤلاء متراضون؟ الطالب: لا، فيه غرر هنا.
الشيخ: طيب، هات الدليل.
الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر (9). الشيخ: أحسنت، الدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، وهذا الحديث من أعظم الأحاديث وأكثرها فائدة وقواعد؛ قواعد عظيمة في المعاملات.
هل يصح بيع الآبق؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: ومن هو الآبق؟ الطالب: هو العبد الذي أبق من سيده.
الشيخ: الذي هرب من سيده، العبد إذا هرب من سيده فهو آبق، هل يصح بيعه؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: حتى يتمكن من تسليمه.
الشيخ: لا، هو ما تمكن إلى الآن، ما نعلم.
الطالب: لا يجوز بيعه.
الشيخ: ما فيه قول ثانٍ؟ الطالب: يجوز بيعه إذا تمكن .. الشيخ: إذا كان يتمكن من؟ الطالب: من رده.
الشيخ: من رده، طيب إذا اشتراه المشتري على أنه يتمكن من رده، ولكن لم يتمكن، المذهب -كما قلت أولًا- لا يصح أصلًا، لكن إذا قلنا بالقول الثاني: إنه يصح أن يشتري الآبق إذا كان يغلب على ظنه القدرة على حصوله، ولكنه لم يحصل؟ طالب: يُفْسَخ العقد بين أن يأخذ .. الشيخ: له.
الطالب: له أن يفسخ العقد ويأخذ ثمنه.
الشيخ: تمام، صح.
هل يصح بيع المغصوب؟ طالب: لا، ما يصح.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: مطلقًا؟ طالب: ( ... ). طالب آخر: ( ... ) للغاصب.
الشيخ: بس للغاصب فقط؟ الطالب: أو من يقدر على الأخذ منه.
الشيخ: أو قادر على أخذه منه، طيب.
الغاصب هل يصح بيع المغصوب عليه مطلقًا أو فيه تفصيل؟ طالب: يعني: من يُرْجَى فائدة من مطالبته.
الشيخ: ويش لون؟ ما فهمت.
الطالب: يعني: إما أن يبيعه، وإما لا يصح البيع.
الشيخ: إي، يعني -مثلًا- إذا قال الغاصب: أبغيك تبيعه عليَّ ولَّا أنكر.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 723

الشيخ: قال: إما أن تبيع عليَّ، وإلَّا أنكرت، وأنت ما عندك بينة أني غاصب، يصح البيع ولَّا ما يصح؟ طالب: نعم.
الشيخ: يصح؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؟ الطالب: لأنه فقد شرطًا.
الشيخ: ما هو الشرط؟ الطالب: التراضي بين .. الشيخ: إي، التراضي، أحسنت، تمام؛ يعني لو قال الغاصب: أنا ما أعطيك، أبغيك تبيعه عليَّ، وإلَّا أنكرت وليس عندك بينة، فقال المالك: إذن ما لا يُدْرَك كله لا يُتْرك كله، أبيعه عليك، ففي هذه الحالة لا يصح البيع؛ لأنه فقد شرطًا من شروط البيع وهو الرضا.
طالب: بالنسبة للعبد الآبق هل يجوز بيعه على من أراد عتقه؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: فقط، ولا يهمه أن يرجع أو لا يرجع؟ الشيخ: نعم.
الطالب: إذا ( ... ) أنه حرٌّ.
الشيخ: المذهب: ولو أراد ذلك.
الطالب: ويش العلة يا شيخ؟ الشيخ: العلة أنه يقول: لا يصح العتق إلا إذا صح الملك، والآبق لا يصح ملكه.
الطالب: بس المالك الأول ( ... ). الشيخ: إي، ما يصح، على المذهب ما يصح، لكن على القول الثاني يمكن أن يكون صحيحًا.
طالب: الحقيقة -يا شيخ- أسأل عن الكفارة ( ... ). الشيخ: لا يا أخي، أنا بسألك: هل يجوز بيع السمك في الماء؟ الطالب: فيه تفصيل؛ إذا كان في غير محوز ولا يمكن ( ... ) فلا يجوز.
الشيخ: إذا كان في غير محوز فإنه لا يجوز، مثل؟ الطالب: السمك في البحر.
الشيخ: السمك في البحر، وإن كان بمحوز يمكن أخذه؛ جاز، مثل؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، مثل السمك في بركة يسهل أخذه، طيب، لكن السمك إذا خرج سيموت، فيكون ميتة؟ طالب: ميتة السمك حلال.
الشيخ: حلال، وبيعها؟ الطالب: حلال.
الشيخ: بيعها حلال؟ الطالب: نعم.
الشيخ: متأكد؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ويش تقولون؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، إي نعم.
ما هو الشارد؟ طالب: ( ... ) من صاحبه كالجمل.
الشيخ: الجمل الذي هرب من صاحبه، هل يصح بيعه؟ الطالب: لا، ما يصح بيعه.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 724

الشيخ: إي نعم، على المذهب مطلقًا، والقول الثاني؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: أن من استطاع رده جاز بيعه عليه.
هذا صبي عنده حمام يطير في الهواء، هل يصح بيعه؟ قل.
طالب: إذا استطاع أن يمسكه.
الشيخ: كيف؟ الطالب: إذا كان في يده.
الشيخ: يطير في الهواء، في الجو .. هذا حمام في الهواء باعه الصبي؟ طالب: المذهب -يا شيخ- أنه ( ... ) لو ألف الرجوع.
الشيخ: نعم، طيب فإن كان عنده وفي يده؟ الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ تأمل.
الطالب: لأنه -يا شيخ- ما هو بيع غرر.
الشيخ: ما فيه غرر.
طالب: الصبي لا يصح تملكه فلا يصح بيعه.
الشيخ: إي، إذن لا يصح البيع، ما هو لأنه غرر، لكن لأن الصبي لا يتصرف إلَّا بإذن وليه.
طالب: شيخ، ( ... ) إنسان في البيع في الذمة إذا سمى المشترى له قلنا: إنه يبطل البيع، طيب -شيخ- ما ذنب البائع؟ الشيخ: إي، إحنا قلنا: إنه باع بيعًا غير صحيح.
الطالب: هو باع على أساس أنه بيع صحيح، ( ... ). الشيخ: إي.
الطالب: والحكم بالظاهر.
الشيخ: هو سماه.
الطالب: إي، هو سماه.
الشيخ: سماه، لماذا لم يحتط بنفسه؟ يقول: هات إثباتًا أنك وكيل له.
طالب: شيخ، هنا البائع ما فيه ضرر عليه، عليه ضرر؟ الشيخ: إي، هو يمكن عليه ضرر.
الطالب: ( ... ) يلزمه البيع المشتري؟ الشيخ: لا، ما يصح أصلًا.
طالب: بالنسبة للعبد الآبق هو سيده عليه كفارة قتل ( ... )؟ الشيخ: لا.
الطالب: لماذا؟ الشيخ: لأن كفارة القتل واجبة، وهذا ملكه لم يسيطر عليه.
الطالب: ولكن يا شيخ .. الشيخ: وهذه هي مسألة عبدُ ابنِ غنام إن كنت تعرفه، ما تعرف عبدُ ابنِ غنام؟ الطالب: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 725

الشيخ: إي، ما تعرف، إذن ما تعرف أنت أهل البلد، هذا عبدٌ لرجل يسمى ابن غنام، كان سيده يؤذيه ويشق عليه بالأمر والنهي، ويمكن يجوعه أيضًا، في يوم من الأيام وقف على البئر وقال: قعر، أو قال: الركية، تسمى ركية، ولد ابن غنام ألقى نفسه في البئر، فلما رآه سيده صاح: أنت حرٌّ لوجه الله، أنت حرٌّ لوجه الله، بعدما هلك الرجل، إي نعم، هذا لا يصح؛ لأنه يشترط أن يكون المحرَّر ينتفع بحريته.
طالب: شيخ، جرى بين الناس الآن أن الأطفال يشترون الحمام ويبيعونه، هل نقول: هذا العقد غير صحيح؟ الشيخ: لا، هذا مما أجيز عرفًا، والعرف كالشرط، إذا كان مطردًا فهو كالشرط.
الطالب: إذن القاعدة يُسْتَثنى منها ما كان .. الشيخ: إي، معروف، ( ... ) قالوا: بلا إذن، هذا إذن عرفي.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأن يكون معلومًا برؤية أو صفة، فإن اشترى ما لم يره، أو رآه وجهله، أو وصف له بما لا يكفي سَلَما؛ لم يصح، ولا يُبَاع حملٌ في بطن ولبنٌ في ضرع منفردين، ولا مسكٍ في فأرته، ولا نوًى في تمره، وصوفٌ على ظهرٍ، وفجلٌ ونحوه قبل قلعه.
ولا يصح بيع الملامسة والمنابذة، ولا عبد من عبيده ونحوه، ولا استثناؤه إلا معينًا، وإن استثنى من حيوانٍ يُؤْكَل رأسَه وجلدَه وأطرافَه صح.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإننا نعود -بإذن الله وحوله وقوته وتيسيره- إلى قراءة الفقه، ونسأل الله أن يجعله عودًا حميدًا مباركًا نافعًا.
ما تقول في رجل باع مغصوبًا، أيصح البيع أو لا؟ طالب: لا يصح البيع؛ بيع المغصوب؛ لأنه ليس يملكه.
الشيخ: لا يصح بيع المغصوب؛ يعني: لو أن مالكه باعه، مالكه، ما هو الغاصب، لو أن مالكه باعه؟ الطالب: الأرض المغصوبة؟ الشيخ: أرض أو غير أرض، المغصوب؛ أرض، سيارة، قلم، ساعة، كتاب.

الجزء: 2 - الصفحة: 726

الطالب: مغصوب من غير غاصبه.
الشيخ: المالك باع ملكه المغصوب، هل يصح أو لا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم؟ طالب: إن باعه، على كلام المؤلف .. الشيخ: دعني من كلام المؤلف، أعطني اللي عندك بس، زبدة.
الطالب: إن كان باعه لغاصبه فيصح بشرط ألَّا يمنعه إذا أراده.
الشيخ: نعم، هذا واحد.
الطالب: أن يبيعه إلى من يستطيع أخذه من الغاصب.
الشيخ: تمام، يعني إذن لا يصح إلا في حالين؛ إذا باعه على الغاصب بشرط ألَّا يمنعه الغاصب إلا بالبيع، والثاني: إذا باعه على قادر على أخذه.
لماذا لا يصح؟ طالب: لأنه إذا باعه على غير قادر على أخذه أو باعه .. ، إذا باعه سيكون غررًا، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر.
الشيخ: يعني: داخل في الغرر، ما تقولون؟ صحيح؟ نعم؛ لدخوله في الغرر؛ لأنه قد يحصل عليه وقد لا يحصل؛ ولهذا ستجد أن ثمنه أقل مما لو كان حاضرًا بين يديه، وبهذا نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُعْطِي جوامع الكلم؛ حيث نهى عن بيع الغرر، وهذا يشمل مسائل عظيمة كثيرة.
متى يصح البيع الفضولي؟ طالب: إذا كان يعلم صاحب .. ، إذا كان ( ... ). الشيخ: متى يصح بيع الفضولي؟ طالب: إذا قَبِلَ الرجل الذي اشتُرِيَ له.
الشيخ: مطلقًا أو بشروط؟ أجب، قل: مطلقًا أو بشروط، ثم بينها، أو قل: لا أدري؛ عشان ما نبقى.
طالب: على المذهب يا شيخ؟ الشيخ: نعم.
الطالب: ألَّا يسميه في العقد.
الشيخ: بس قل: بشروط، أو بغير شروط؟ الطالب: بشروط، نعم.
الشيخ: طيب، على المذهب بشروط.
الطالب: نعم.
الشيخ: وكأن قولك: (على المذهب) يشير إلى رأي آخر.
الطالب: نعم.
الشيخ: فما هو؟ الطالب: فما رأيكم؟ الشيخ: طيب، رأيي ما سبق ( ... )، ما هو؟ الطالب: أنه إذا قبلها صح.
الشيخ: يعني: إذا أجازه.
الطالب: صح البيع.
الشيخ: صح البيع.
الطالب: ولو سماه في العقد.
الشيخ: صح، طيب، المذهب: بشرط أن يشتري له في ذمته وألَّا يسميه في العقد.
ما الذي يدخل في قول المؤلف: (أو من يقوم مقامه)؟

الجزء: 2 - الصفحة: 727

طالب: يدخل فيه أربعة أصناف.
الشيخ: من هم؟ الطالب: يدخل الوكيل.
الشيخ: الوكيل.
الطالب: والوصي.
الشيخ: والوصي.
الطالب: والولي.
الشيخ: والولي.
الطالب: والناظر.
الشيخ: والناظر، طيب.
ما الفرق بين هؤلاء الأربعة؟ أولًا: الوكيل؟ طالب: الوكيل هو: الذي يوكله صاحب العين، أو صاحب الأرض؛ يعني: رجل صاحب أرض .. الشيخ: الوكيل: من أذن له بالتصرف في حال الحياة.
الطالب: نعم.
الشيخ: كذا؟ طيب.
والوصي؟ طالب: هو من أُذِن .. الشيخ: أُذِنَ له.
الطالب: أُذِنَ له في التصرف بعد الموت.
الشيخ: طيب.
وسليم يبين لنا من هو الناظر؟ طالب: الناظر الذي ينظر على الوقف.
الشيخ: أحسنت، المتصرف في الوقف؛ سواء بعد الموت ولا قبله.
بقي عندنا الولي؟ طالب: هو من يتصرف في ملك غيره بإذن الشارع.
الشيخ: صح، من يتصرف لغيره بإذن الشارع، بارك الله فيك.
هل لنا دليل على صحة تصرف الوكيل؟ فيه دليل؟ طالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث عروة بن الجعد ليشتري له شاة بدينار، فاشترى .. الشيخ: وكَّل عروة بن الجعد بالشراء، انتهى، بارك الله فيك.
يقول المؤلف: إنه لا يصح بيع نقع البئر؟ طالب: ما أعرف.
الشيخ: ما تعرف، نعم؟ طالب: إذا .. الشيخ: لا، ما معناه، ما معنى هذا؟ الطالب: يعني: الماء الذي في البئر.
الشيخ: لا يصح بيعها.
الطالب: لا يصح بيعها.
الشيخ: طيب.
الطالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم .. الشيخ: دقيقة، كلمة (نقع البئر) هل يفهم منها أن هذا الماء لو أنه غُرِفَ بساقية أو غيرها جاز بيعه؟ الطالب: إي نعم، إذا حازه يجوز.
الشيخ: أحسنت، تمام.
ما هو الدليل على عدم الجواز؟ طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ، وَالنَّارُ» (10). الشيخ: طيب، تمام.
هل مثل ذلك الأنهار؟ طالب: نعم.
الشيخ: مثلها الأنهار، طيب، لو جلب بساقية من النهر إلى بركة عنده هل يبيعه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه احتازه.

الجزء: 2 - الصفحة: 728

الشيخ: طيب؛ لأنه حازه.


قال المؤلف رحمه الله تعالى: الشرط السادس: (أن يكون المبيع معلومًا برؤية أو صفة) هذه الشروط التي يذكرها العلماء أو الأركان أو الواجبات ادَّعى بعض الأدعياء أنها بدعة، وأنه لا يجوز التصنيف على هذا الوجه، فيقال لهم: إنْ تعبَّدْنَا لله تعالى بذلك التصنيف فهذا بدعة، وإن أردنا بذلك تقريب العلوم إلى طالبها فهذا ليس ببدعة، وما زال الناس يؤلفون بالأبواب والفصول والكتب، كل هذا هو الموجود، فهل نقول: إنه بدعة؟ لا؛ لأن هذا وسيلة لتقريب العلم، نعم، إذا وُضِعَ شرط لا دليل عليه فحينئذٍ يُرَد، أما مع الدليل فليس في ذلك إشكال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانًا يذكر ما يدل على ذلك، أحيانًا يقول: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ» مع أن هناك آخرين يظلهم الله في ظله غير هؤلاء السبعة، «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ»، وما أشبه ذلك.
المهم الشرط السادس: (أن يكون معلومًا) عند من؟ عند البائع والمشتري، فلا يكفي علم أحدهما، والجهل؛ إما أن يكون منهما جميعًا، أو من البائع وحده، أو من المشتري وحده، وفي كلا الصور الثلاث لا يصح البيع، لا بد أن يكون معلومًا عند المتعاقدَيْن.
ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع الغرر (9)، والمجهول بيعه غرر لا شك.
فإن قيل: لماذا نُهِيَ عن الغرر؟ قلنا: لما يحصل به من العداوة والبغضاء والكراهية؛ لأن المغلوب منهما سوف يكره الغالب؛ فلذلك نُهِيَ عن بيع الغرر.
العلم، المؤلف رحمه الله قال: (أن يكون معلومًا برؤية أو صفة) يعني: أن طرق العلم؛ إما الرؤية، وإما الصفة، ولكن هذا فيه قصور، طرق العلم متعددة: الرؤية، والسمع، والشم، والذوق، واللمس، والوصف، كم هذه؟ طالب: ستة.
الشيخ: الرؤية، والسمع، والشم، والذوق، واللمس، هذه ما تخفى على أحد، حواس خمس، والسادس؟ طالب: الوصف.

الجزء: 2 - الصفحة: 729

الشيخ: الوصف، الرؤية فيما يكون الغرض منه رؤيته، والسمع فيما يكون الغرض منه سماعه، والشم فيما يكون الغرض منه ريحه، والذوق فيما يكون الغرض منه طعمه، واللمس فيما يكون الغرض منه ملمسه؛ هل هو لين أو خشن؟ أو ما أشبه ذلك، والوصف سيأتي إن شاء الله.
وقوله: (أن يكون معلومًا برؤية) لم يشترط أن تكون الرؤية للجميع، وعلى هذا فإذا كان رؤية بعضه دالة على الجميع اكْتُفِيَ بها، ولا بد من هذا؛ لأن فومة الطعام -مثلًا- التمر أو البُر هل نحن نرى كل حبة منها؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن نرى بعضها الدال على بقيتها، إذن المؤلف أطلق، ما قال: برؤية جميعه، فيشمل رؤية الجميع ورؤية البعض الدال على الكل.
يقول: (برؤية) هذه الرؤية متى تكون؟ تكون حين العقد؛ يعني: لا بد أن يراه حين العقد، أو يراه بزمن لا يتغير فيه المبيع تغيرًا ظاهرًا بعد الرؤية، انتبه، فمثلًا لو رأى رطبًا قبل يومين وعقد عليه البيع الآن، فهل تكفي الرؤية السابقة قبل يومين؟ طالب: لا، الرطب لا.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه يتغير.
الشيخ: لأنه يتغير، لو رأى بطيخة قبل يومين، ثم عقد عليها البيع اليوم، فكذلك لا يصح؛ لأنه في خلال هذه المدة يتغير.
إذن الرؤية محلها عند العقد، أو قبله بزمن لا يتغير فيه المبيع.
الثاني يقول: (أو صفة) وهذا الوصف؛ لا بد أن يكون معلومًا بالوصف، ودليل الاكتفاء بالوصف، حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (11). فالعلم بالمسلم فيه هنا بالرؤية أو بالوصف؟ طلبة: بالوصف.
الشيخ: انتبهوا يا إخوان، لا تستعجلوا بالإجابة، بالوصف ولَّا بالرؤية؟ طلبة: بالوصف.
الشيخ: ليش؟ طالب: لأنه ( ... ) السنة والسنتين.

الجزء: 2 - الصفحة: 730

الشيخ: لأنه السنة والسنتين، وفي الثمار، الثمار كيف يراها وهي لم تخلق الآن؟ إذن يكون العلم بالوصف، ولكن لا بد أن يكون الموصوف مما يمكن انضباطه بالصفة، هذا شرط، ولا بد أن يضبط بالصفة، هذا الشرط الثاني؛ يعني: البيع بالصفة أضيق من البيع بالرؤية أو ما يشبهها، لا بد أن يكون مما يمكن انضباطه بالصفة، ولا بد أن يضبط بالصفة أيضًا.
أما ما لا يمكن انضباطه بالصفة -كالجواهر واللآلئ وما أشبه ذلك- فإنه لا يجوز أن يُبَاع بالوصف؛ لأنه يختلف اختلافًا عظيمًا، ربَّ خرزةٍ من اللؤلؤ تساوي -مثلًا- ألف ريال، وأخرى لا تساوي عشرة ريالات، ولا يمكن ضبطها، فلا بد أن يمكن انضباطه بالصفة، ولا بد أن يضبط أيضًا بالصفة؛ بحيث تحرر الصفة تحريرًا بالغًا، حتى لا يحصل اختلاف عند التسليم.
هل يمكن انضباط المصنوعات؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن، ومن أضبط ما يكون؛ كالأباريق والفناجيل والأقلام، وما أشبهها، هذا يمكن انضباطه، وقد يكون انضباط المصنوعات أكبر بكثير من انضباط البُر والتمر، كما هو ظاهر.
لكن إذا قال قائل: الناس يسلمون في الثمار في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن انضباطه بالصفة على وجه دقيق جدًّا أمر لا يمكن؛ إما متعسر، وإما متعذر؟ قلنا: ما يغتفر فيه الجهالة اليسيرة فإنه لا يضر.
بيع الأنموذج، تعرفون الأنموذج؟ طلبة: نعم.
الشيخ: آتي -مثلًا- بصاع أو ربع الصاع أو فنجال من البُر، وأقول: أبيع عليك مثل هذا الصاع بكذا وكذا، هل يصح؟ يعني هذا ضبط بالصفة عن طريق الرؤية، أنا ما رأيت الكل، لكن رأيت فنجالًا، قال: عندي من الطعام مثل الذي في هذا الفنجال؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من يرى أنه لا يصح، والصحيح أنه صحيح؛ أن البيع صحيح؛ لأن العلم مدرك بهذا، وما زال الناس يتعاملون به، العمل عليه عند الناس الآن، ويسمى في لغتنا العامية أيش؟ طالب: النمونة.

الجزء: 2 - الصفحة: 731

الشيخ: النمونة، هذه نمونة الشيء الفلاني، والظاهر أن هذه لغة تركية، الله أعلم.
إذن المهم أننا نشترط فيما بيع بالوصف شرطين؛ أولهما: أن يمكن انضباطه بالصفة، والثاني: أن يُضْبَط بالصفة.
قال: (فإن اشترى ما لم يره، أو رآه وجهله، أو وُصِفَ له بما لا يكفي سلمًا؛ لم يصح) لعدم العلم بالبيع، (إن اشترى ما لم يره) قال: بعت عليك السيارة الفلانية، بعت عليك سيارة بكذا وكذا، وهو لم يرها، بعت عليك كتابًا بكذا وكذا، وهو لم يره، فإنه لا يصح البيع.
طيب، لو وصفه؟ طالب: صح.
الشيخ: صح إذا كان مما يمكن انضباطه بالصفة؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله في الشرح: (ما لم يره بلا وصف)، وقد يقال: إن المؤلف -الماتن- قصَّر، وقد يقال: إنه لم يقصر بناءً على أن العلم يكون بالرؤية وبالصفة.
(أو رآه وجهله) بأن قال: بعت عليك ما في هذا الكيس، وهو لا يدري: هل هو رمل أو سكر، أيصح البيع؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا؛ لأنه ما يدري.
فإن كان يجهل منفعته ولا يجهله هو؛ بأن باع عليه آلة ميكانيكية، لكن لا يدري ماذا يصنع بها، فهل يقال: إن هذا علم فيصح، أو يقال: إنه ليس بعلم فلا يصح؟ هذه يحتمل فيها هذا وهذا، قد يقال: إنها معلومة، لكن جهل المشتري بكيفية استعمالها -مثلًا- هذا ليس في ذات المبيع، بل هو نقص في المشتري؛ في العاقد، لا في المعقود عليه.
وقد يقال: بل لا بد من العلم بهذا؛ لأنه يأتي إنسان غرير ويشوف الآلات هذه، ولا يشغله أمامه قامت الآلة هذه تتحرك، يقول: هذا شيء يصنع القنابل ولَّا الطيارات، فيشتريه بغالي الثمن، وإذا هو لا يصنع ولا الإبرة، فيكون هذا جهلًا عظيمًا؛ فلذلك نرى أنه لا بد أن يعلم الإنسان كيف ينتفع بهذا الشيء، وإلا حصل غرر كبير.

الجزء: 2 - الصفحة: 732

قال: (أو وُصِفَ له بما لا يكفي سلمًا لم يصح) ويأتينا -إن شاء الله- السَّلَم ما الذي يمكن انضباطه والذي لا يمكن، إذا وُصِفَ بما لا يكفي سلما فإنه لا يصح البيع، وقيل: إنه يصح أن يبيع ما لم يره ولم يُوصَف له، وله الخيار إذا رآه، فيقول -مثلًا-: بعت عليك سيارتي، قال: ويش السيارة هذه؟ قال: إن شاء الله تشوفها وتعرفها، بكم؟ بخمسة آلاف، طيب، اشتريت.
على المذهب: لا يصح؛ لأنه لم يرها ولم تُوصَف له، ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه يصح البيع، ويكون للمشتري الخيار إذا رآه، وهذا هو الصحيح، وهو شبيه ببيع الفضولي.
فإذا كان له الخيار إذا رآه فهل عليه نقص؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليس عليه نقص.
إذا قيل: كيف الطريق إلى تصحيح البيع على القول الأول؟ نقول: الطريق أنه إذا رآه عقد عليه من جديد، وهذا هو الذي تظهر به ثمرة الخلاف بين القولين؛ فعلى القول بالصحة يكون نماء هذا المبيع ما بين عقد البيع ورؤيته لمن؟ طالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري، وعلى الرأي الثاني؟ الطالب: للبائع.
الشيخ: يكون النماء للبائع؛ لأن البيع لم يصح.
يقول: (ولا يصح بيع حمل في بطن، ولبنٌ في ضرع منفردَيْن) الحمل في البطن لا يصح بيعه إذا بِيعَ منفردًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع الغرر، وهذا غرر؛ فإن الحمل قد يكون واحدًا أو أكثر، وقد يكون ذكرًا أو أنثى، وقد يخرج حيًّا وقد يخرج ميتًا، فالجهالة فيه كبيرة؛ ولهذا نقول: إنه داخل في العموم، وهو قول أن النبي؟ طالب: نهى عن بيع الغرر.
الشيخ: طيب، وورد النهي عنه بخصوصه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحامل أو الحوامل (12).

الجزء: 2 - الصفحة: 733

وكذلك لا يصح بيع اللبن في الضرع، لماذا؟ لأنه مجهول، أولًا: قد تدرُّ الدابة وتوافق على أن تحلب، وقد لا تدرُّ ولا توافق على أنها تحلب، فيه بعض البقر إذا أرادوا أن يحلبوها منعت؛ إما برفسها برجلها، وإما بأن تنطح بقرنها، وإما أن تمنع اللبن، يسمونه الرفض، ما تحلب أبدًا؛ فلذلك يكون مجهولًا، ثم إذا قُدِّرَ أنه انتفت هذه الموانع فكم مقداره؟ حلبناه، كم مقداره؟ يكون مجهولًا.
والمسألة بسيطة، نقول: بدل أن تشتريه في الضرع انتظر حتى يُحْلَب، أحسن وأسلم.
وقول المؤلف: (منفردين) مفهومه أنهما إذا بيعا مع الأم في الحمل ومع ذات اللبن في اللبن فالبيع صحيح بشرط ألَّا يُفْرَد بعقد، فيقول: بعتك هذه الشاة الحامل وما في بطنها؛ لأن المؤلف اشترط أن يكونا منفردين، فمفهومه: إذا كانا تبعًا جاز.
وهل إذا قال: بعتك هذه الحامل وما في بطنها، هل هذا بيع انفراد؟ نقول: نعم؛ لأنه نص عليه، وهو إنما يجوز إذا كان تبعًا للأم، وكذلك يُقَال في اللبن، وقد أخذ الفقهاء من هذا قاعدة، وهي: يَثْبُتُ تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
قال: (ولا يُبَاع مسك في فأرته) المسك لا يُبَاع في فأرته، ويش الفارة هاذي؟ الفأرة: الوعاء، وعاء المسك يسمى فأرة؛ وذلك أنه مجهول، والمسك غالٍ، إن قدرته بالوزن فهو قد تكون الفأرة سميكة، إن قدرته بالحجم فكذلك، فلا يُبَاع المسك في فأرته، والفأرة غير الزجاجة، الفأرة وعاؤها وعاء المسك المنفصل من غزال المسك؛ وذلك أن من الغزلان ما يُسَمَّى بغزال المسك، وكيفية ذلك -على ما حدثنا به شيخنا رحمه الله عبد الرحمن السعدي- أن هذه الغزال تركض، ومع شدة ركضها وشدة تعبها ينزل من بطنها صرة من الدم، ثم تربط هذه الصرة برباط قوي جدًّا بحيث لا يصل إليها الدم –الدم اللي هو دم الغذاء- وإذا مضى عدة أيام انفصلت من الجلد فأخذوها، فإذا هذا الدم الذي احتقن بهذه الصرة هو المسك، وفي ذلك يقول المتنبي:

الجزء: 2 - الصفحة: 734

فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ

هذا ما قاله المؤلف: إنه لا يصح بيع المسك في فأرته، والقول الثاني في هذه المسألة: إنه يصح بيعه في فأرته؛ لأن هذه الفأرة وعاءٌ طبيعيٌّ، فهي كقشرة الرمانة، ومن المعلوم أن الرمانة يصح بيعها، ووعاؤها قشر، هذا القشر قد يكون فيه -مثلًا- شيء من الشحم كثير، وقد يكون فيه شيء قليل.
ثم إن أهل الصنف وأهل الخبرة في هذا يعرفون؛ إما باللمس والضغط عليه، أو بأي سبب، المهم أن القول الثاني صحة بيع المسك في فأرته، وهذا هو الصحيح.
ما هو المسك والفأرة؟ طالب: المسك هو الذي يخرج من دم الغزال.
الشيخ: إي، وفأرته؟ الطالب: هو الغطاء الذي يكون حول.
الشيخ: وعاؤه.
الطالب: وعاؤه.
الشيخ: طيب، يقول: (وكذلك لا يصح بيع نوى في تمر)، تعرفون النوى؟ طلبة: نعم.
الشيخ: معروف، طيب، لو أن إنسانًا عنده إناء فيه تمر وقال له آخر: بعني نوى هذا التمر، أنت ستأكله فبعني نواه، قال: نعم، أبيعك النوى، فإن البيع لا يصح؛ لأنه كالحمل في البطن، ويصح بيع التمر بنواه، كما يصح بيع الحامل بحملها.
لماذا لا يصح بيع النوى في التمر؟ لأنه مجهول، فيكون داخلًا في بيع الغرر، وتعرفون النوى أنه يختلف، حتى في النوع الواحد؛ ربما تأكل تمرة فتجد فيها نواة كبيرة، وربما تأكل تمرة من هذا النوع، بل من الإناء نفسه فتجد فيها نوى صغيرة؛ لذلك لا يصح بيع النوى في التمر.
وفُهِمَ من قوله: (بيع النوى في التمر) أنه لو أخرج النوى من التمر وباعه فالبيع صحيح؛ لأنه معلوم.
(ولا صوف على ظهر) الصوف على الظهر لا يجوز بيعه؛ لحديث ورد في النهي عنه (13)، ولأنه جزء من الحيوان أو متصل بالحيوان فلم يجز بيعه كبيع الجزء من الحيوان، فإذن عندنا دليل وعندنا تعليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 735

الصوف على الظهر: إنسان -مثلًا- عنده شاة، فجاءه شخص يغزل الصوف، فقال: بعني ما على شاتك من الصوف، فباعه عليه، نقول: لا يجوز، ويش فيه؟ فيه يقول: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز بيعه كالجزء من أجزائه؛ كما لو باع اليد، أو باع الرجل، أو ما أشبه هذا.
والقول الثاني أنه يصح بيع الصوف على الظهر؛ لأنه مشاهَد معلوم، ولا مانع من بيعه، لا يشتمل بيعه على محظور.
وهذا القول هو الصحيح.
فإن قال قائل: ما الجواب على الحديث الذي استدل به، وهو حديث ابن عباس؟ قلنا الجواب: إن صح الحديث فإنما نُهِيَ عنه؛ لأنه قد يتأذى الحيوان بجزِّه، ولا سيما إذا جز في أيام الشتاء، فيكون النهي ليس لعلة الجهالة، ولكن لعلة الأذى.
هذا إن صح الحديث.
وأما القياس -وهو أنه متصل بالحيوان فهو كجزء من أجزائه- فجوابنا على ذلك من وجهين: الوجه الأول: أننا لا نسلم منع بيع الجزء المعلوم المشاهد، كبيع الرأس -مثلًا-، وبيع الرقبة، وبيع اليد من العضد؛ يعني: لا نسلم أن بيع هذا حرام؛ لأنه أيش؟ طالب: مشاهد.
طالب آخر: معلوم.
الشيخ: مشاهد ومعلوم، وليس فيه غرر ولا جهالة.
الشيء الثاني أنه لا يصح القياس؛ لأن الشعر أو الصوف في حكم المنفصل، فكيف يجعل الآن في حكم الجزء؟ والعجب أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إن مس المرأة لشهوة ناقض للوضوء، ومس شعرها لا ينقض الوضوء، قالوا: لأنه في حكم المنفصل، ما هذا التناقض؟ ! فالقول الراجح في هذه المسألة: أن بيع الصوف على الظهر جائز، لكن نشترط ألَّا يلحق الحيوان أذى، فإن لحق الحيوان أذًى مُنِعَ، لا لأنه مجهول ولكن لأذى الحيوان.
يقول رحمه الله: (ولا فجل ونحوه قبل قلعه) الفجل معروف، كذا؟ طالب: إي نعم، معروف.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 736

الشيخ: فهمتم الفجل؟ طيب، لا يصح بيع الفجل حتى يُقْلَع من الأرض ويشاهد؛ لأنه مدفون في الأرض، فلا يصح، قد يكون كبيرًا، وقد يكون متوسطًا، وقد يكون صغيرًا.
وقوله: (ونحوه) مثل أيش؟ طلبة: البصل.
الشيخ: البصل.
طالب: والجزر.
الشيخ: والجزر، وأمثال هذا كثير.
طالب: البطاطس.
الشيخ: البطاطس؟ ! عجيب، البطاطس مدفون؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي، على كل حال، كل ما المقصود منه في الأرض فإنه مجهول لا يصح بيعه حتى يُقْلَع، إذا قُلِعَ وصار بارزًا ظاهرًا على الأرض فإنه يُبَاع، وهذا أيضًا فيه خلاف بين العلماء.
والقول الثاني في هذه المسألة أنه يصح بيعه؛ لأنه وإن كان المقصود منه مستترًا فإنه يكون معلومًا عند ذوي الخبرة، يعرفونه، وهذا هو الذي عليه العمل، فيمكن أن تأتي للفلاح وتقول: بعْ عليَّ هذه القطعة من الأرض التي فيها البصل أو الثوم أو الفجل بكذا وكذا، وذلك بعد تكامل نمائه، بعد تكامل النماء يصح بيعه.
وهذا القول أصح، وهو الذي عليه العمل من زمان قديم، ونحن أدركنا الناس يأتون إلى الفلاحين ويقول: بعْ عليَّ -مثلًا- هذه الأحواض من البصل، فيبيعها عليه، ولا يرون في هذا جهالة، ثم إذا قُدِّر أن هناك جهالة فهي جهالة يسيرة لا تكون غررًا.


قال: (ولا يصح بيع الملامسة) الملامسة: مفاعلة، والمفاعلة تكون غالبًا من طرفين، والملامسة أن يقول: أي ثوب تلمسه فهو عليك بكذا، يقوله البائع للمشتري، فلا يصح البيع، لماذا؟ لأن المشتري قد يلمس ثوبًا يساوي مئة أو ثوبًا لا يساوي إلا عشرة، فهو مجهول وغرر، وهو يشبه القمار بلا شك إن لم يكن منه.
فيه أيضًا ملامسة أخرى: أي ثوب تلمسه فهو عليك بعشرة، ولو كانت الثياب من نوع واحد وعلى تفصيل واحد، وهذا الوجه مبني على عدم صحة تعليق البيع بالشرط؛ لأن (أي ثوب تلمسه) هذه جملة شرطية.

الجزء: 2 - الصفحة: 737

ولكن هذا المثال الأخير إنما يصح على قول من يقول: إن تعليق البيع بالشرط لا يصح، وهي مسألة خلافية، والصحيح أنه يصح تعليق العقد بالشرط.
وكذلك لا يصح بيع المنابذة؛ مثل أن يقول المشتري للبائع: أي ثوب تنبذه علي فهو بعشرة، ما الذي يختاره البائع في هذه الحال؟ أقل ما يمكن، فيكون مجهولًا، ربما إذا نبذ إليه ثوبًا يساوي عشرة وهو ظن أنه ينبذ إليه ثوبًا يساوي مئة قال: ما أريد ذلك، قال: أنبذ ثانيًا، خذْ عشرين، قال: ما يكفي، يبقى دائمًا معه في دوامة؛ فلهذا لا يصح بيع المنابذة.
إذا قال قائل: ما هو الدليل؟ قلنا: الدليل عام وخاص؛ أما العام فحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر (9)، وهذا الحديث -سبحان الله- قاعدة عظيمة، وفيه أيضًا نهي خاص أن الرسول نهى عن بيع الملامسة والمنابذة (14). بيع الحصاة مثله، بيع الحصاة لا يصح، وله صورتان: الصورة الأولى: أن يقول: احذف حصاة فعلى أي شيء تقع فهو بعشرة، فحذف الحصاة، فوقعت على علبة كبريت فارغة، بكم تكون؟ طلبة: بعشرة.
الشيخ: بعشرة، وحذف حصاة أخرى فوقعت على حلي مرصع بالجواهر يساوي آلافًا، إذن فيه جهالة ولَّا لا؟ فيه جهالة، هذه صورة.
الصورة الثانية: أن يقول: احذفْ هذه الحصاة فأيَّ مدًى بلغته من الأرض فهو لك بكذا، هذا أيضًا مجهول؛ لأنه يختلف الحال؛ رجل نشيط وقوي وإذا رمى أبعد، ورجل آخر دونه، فتختلف الحال، ثم تختلف الأحوال باعتبار الريح؛ قد تكون مقابلة، قد تكون على جنب، وقد تكون مدابرة، فتختلف.
إذن بيع الحصاة منهي عنه ولا يصح؛ لأنه غرر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر.
أجد في بعض الدكاكين: كل شيء بخمسة، كل شيء بعشرة، هل هذا من هذا النوع؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ طالب: سعر واحد.
الشيخ: لأنه لن يشتري إلا وهو قد علم ما أراد، يقول: أخذت الحقيبة، أخذت الكتاب، أخذت القلم، أخذت الساعة، شيء معلوم.

الجزء: 2 - الصفحة: 738

إنسان عنده .. ، أتى -مثلًا- بكرتون فيه ثياب وفنايل وطواقي وغتر ومشالح ونعال، كلها مخلوطة، فقال: كل فرد منها بدرهم، يصح ولَّا ما يصح؟ طلبة: يصح.
الشيخ: قلت لك: هذا كرتون فيه كل الأنواع اللي قلت لكم.
طالب: جملة؟ الشيخ: جملة، يقول: بعت عليك هذا الكرتون؛ كل حبة منه بعشرة.
الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنه مجهول، لكن لو قال: فيه عشرة من النعال، عشرة من الأثواب، عشرة من الطواقي، عشرة من الغتر، عشرة من المشالح، وكل واحد بكذا؟ طلبة: يصح.
الشيخ: هذا يصح، لماذا؟ لأنه معلوم، لكن بس يحتاج إلى حساب، فهو معلوم، أما إذا كان لا يُعْلَم قدر كل شيء فهذا لا يصح.


قال: (ولا عبد من عبيده ونحوه) لا يصح أن يبيع عبدًا من عبيده، إنسان عنده مئة عبدٍ، يمكن يصير عند الإنسان مئة عبدٍ؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، فيما مضى كان الزبير عنده ألف عبد، قرية كاملة، وكان يخارجهم أن يعطيه كل واحد منهم كل يوم درهمًا، فكانوا يأتون كل يوم بألف درهم، ويقول: الباقي لكم (15)، هذه تسمى مخارجة؛ يخارج السيد عبده فيقول: ائتني كل يوم بدرهم وما زاد فهو لك، لكن إذا لم يحصل الدرهم لا يلزمه به؛ لأنه لو ألزمه به لكان غير جائز، أما إذا قال: ائتني بدرهم وما زاد فهو لك، فهذا جائز.
(عبد من عبيده) لا يصح، ( ... ). فيه سؤال؟ طالب: شيخ، لو قال: بعتك كذا، وإذا رميت هذه الحصاة وجب البيع، أَلَا ( ... ) في بيع الحصاة المنهي عنه؟ الشيخ: يعني -مثلًا- يقول: بعتك هذه السيارة إذا حذفت الحصاة.
الطالب: وجب البيع.
الشيخ: هذا ينبني على جواز تعليق العقد من عدمه.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بيع الحصاة بأن يحذف، فما وصلت الحصاة فهو له بكذا، إذا كان -مثلًا- هذا الرجل حصاة معلومة بالثقل والجو الريح معلومة فيه ويعلم قوة حذفه، والغرر يسير جدًّا؟ الشيخ: أنت الآن بنفسك تحذف حصاة وتبلغ ما بلغت والهواء ساكن، وتحذف مثلها بالضبط حجمًا وثقلًا وتختلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 739

الطالب: شيخ، يعني شيء نادر؟ الشيخ: ما هو نادر.
الطالب: يكون مقاربًا جدًّا.
الشيخ: واللهِ ما هو بنادر، ما هو بنادر أبدًا، هو نادر يا جماعة؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما هو نادر.
طالب: كلامك صحيح.
الشيخ: بس انتهينا خلاص، نفي وإثبات.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- فيه بعض الناس إذا أراد أن يشتري تمرًا، فيلزم الذي يبيع من هذا التمر يلزمه أن يبرئه في التمر أو ( ... )، فهل له ذلك؟ إحنا قلنا: يكفي أن ( ... ). الشيخ: إي نعم.
الطالب: فهل له ( ... )؟ الشيخ: إذا اتفقوا على هذا ما يمنعون، لو قال: أنا أشك بأنه من نوع واحد، أريد أن تفرغه في الأرض حتى يتبين، ما فيه، بشرط ألَّا يكون فيه إفساد له، إن كان فيه إفساد له فالرسول نهى عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال (16). طالب: شيخ، القول بأن بيع الشيء المستتر إذا كان يعلمه ذوو الخبرة ( ... ) فهذه العلة موجودة؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: يعني هذه العلة.
الشيخ: إي.
الطالب: موجودة عند ( ... ) يعلم.
الشيخ: لا، سبحان الله! يعلم هو ذكر ولَّا أنثى؟ الطالب: مثلًا يعلم حجم النواة أو غير ذلك.
الشيخ: أنت الآن عندك إناء فيه سكري، تعرف السكري؟ تمر سكري، أحيانًا تكون النواة في هذه التمرة كبيرة، وأحيانًا تكون صغيرة، بل بعض الأحيان نجد فيه نواتين، إي نعم، هذا توأمين يعني! طالب: شيخ، المنابذة هل يشترط أن يكون النابذ هو البائع؟ الشيخ: لا، ما هو شرط، قد ينبذ المشتري الثمن.
الطالب: والملامسة أيضًا؟ الشيخ: كلها، ما هو بشرط، المثال لا يقتضي الحصر.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- هل اشتراطكم بالنسبة لبيع صوف الحيوان ألَّا يتأذى الحيوان نفسه، هل هو احتياطًا للحديث إذا صح، أم لشيء آخر؟ الشيخ: أولًا أنا أريد أن تصحح السؤال، إذا قلت: هل اشتراطكم؛ يعني: أنك قمت مقام المناظر لأستاذك.
الطالب: لا، يعني قصدي هل اشتراط من اشترط؟ الشيخ: لماذا لا تقول: اشتراطنا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 740

الطالب: طيب، هل اشتراطنا بيع صوف الحيوان إذا كان لا نخشى عليه الأذية؛ لأجل الاحتياط من حديث النبي صلى الله عليه وسلم إذا صح؛ حديث ابن عباس، أم لأجل شيء آخر؟ الشيخ: لا، من استدل بعموم الحديث قد يقول: هذا يدخل العموم إذا صح، لكن نحن نقول: إذا صح فالمراد مع أذية الحيوان.
طالب: بيع الحمل حتى مع الخيار لا يصح؟ الشيخ: ما يصح.
الطالب: ولا مع الخيار؟ الشيخ: نقول: اصبر ما دام أنك الآن لك الخيار إذا نزل اصبر؛ لأنه ما يترتب على هذا شيء، حمل نماؤه بيصير مستمرًا، ولا هو الإنسان كاسب منه شيئًا.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ولا يصح بيع الملامسة والمنابذة، ولا عبد من عبيده ونحوه، ولا استثناؤه إلا معينًا، وإن استثنى بائع من حيوان يُؤْكَل رأسُه وجلده وأطرافه صح.
الشيخ: كيف؟ ويش هذا الكلام؟ (يُؤْكَل رأسُه) عندنا شيء يُؤْكَل رأسه ولا يؤكل بقيته؟ ! الطالب: وإن استثنى بائع من حيوان يَأْكُل رَأْسَه وجلده وأطرافه.
الشيخ: وهذا أردأ، الحيوان ما يأكل رأسه! الطالب: مكتوب.
الشيخ: لا، ما يصلح مكتوب، أعد.
الطالب: وإن استثنى بائع من حيوان يُؤْكَل.
الشيخ: طيب، ما يخالف، (يُؤْكَل)، امشِ.
الطالب: رأسُه وجلدُه.
الشيخ: خطأ، هنا شيء ما يؤكل إلا رأسه وجلده؟ لأنك إذا قلت: (رأسُه) صار نائب فاعل، معناه: أنه يؤكل رأسُه، وغير رأسه وجلده؟ مثلًا إذا قلت: يُؤْكَل رأسُه، معناه: اللي غيره ما يؤكل.
الطالب: يمكن (رأسَه).
الشيخ: (رأسَه) صح، ما الذي نصبه؟ الطالب: مفعول به.
الشيخ: ليش؟ الطالب: (يُؤْكَل).
الشيخ: لا يا أخي، (يؤكل) مبني للمفعول، أو لما لم يسمى فاعله.
الطالب: لـ (استثنى).
الشيخ: أحسنت، مفعول به لـ (استثنى).
الطالب: وإن استثنى بائع من حيوانٍ يؤكل رأسَه وجلدَه وأطرافَه صح.
طالب آخر: ما عندنا (بائع) يا شيخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 741

الشيخ: شرح، الظاهر أنه جاء بها لعلها تصح العبارة.
الطالب: لا يا شيخ ( ... ). الشيخ: متن؟ الطالب: إي نعم ( ... ). الشيخ: متن؟ الطالب: وإن استثنى بائع من حيوان يؤكل رأسَه وجلدَه وأطرافَه.
الشيخ: لكن كلمة (بائع) داخلة المتن عندك؟ الطالب: عندي.
الشيخ: هي صحيح، الشرح عندي مدخله.
الطالب: وعكسه الشحم والحمل، ويصح بيع ما مأكوله في جوفه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو بيع الأنموذج، وهل هو صحيح؟ طالب: بيع الأنموذج أن يأتي بصاع من البُر ( ... ) من البُر، فيقول: أبيع عليك صاعًا من هذا البُر.
الشيخ: نعم، أن يأتي بشيء من المبيع ويقول: أبيع عليك ما هذا بعضه، مثلًا، زين.
الطالب: والمذهب: لا يصح هذا البيع.
الشيخ: المذهب: أنه لا يصح، والصحيح.
الطالب: أنه يصح.
الشيخ: أنه يصح، كما أنه لو رأى أعلى الكومة أجزأ عن بقيتها، فهذا مثله.
يُشْتَرط أن يكون المبيع معلومًا وكذلك الثمن -كما سيأتي-، فما هو الدليل على هذا الشرط؟ طالب: حديث الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر.
الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، والجهالة -جهالة المبيع- غرر ولَّا غير واضح؟ طالب: غرر.
الشيخ: غرر، تمام.
باع صوفًا على ظهر؟ طالب: المذهب أنه لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لحديث عن ابن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُبَاع الصوف على الظهر.
الشيخ: لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع الصوف على الظهر (13)، والتعليل أيضًا؛ لأن فيه دليل وتعليل؟ الطالب: التعليل لأنه ( ... ). طالب آخر: لأنه متصل بالحيوان فهو كجزء من أجزائه.
الشيخ: أحسنت، أنه متصل بالحيوان فهو كجزء من أجزائه.
هل هناك خلاف؟ طالب: نعم، هناك قول آخر أنه يجوز بيعه.
الشيخ: يجوز بيع الصوف على الظهر.

الجزء: 2 - الصفحة: 742

الطالب: وعلل القائلون بالجواز .. الشيخ: لو قال قائل: ما الدليل على الجواز؟ الطالب: الدليل على الجواز عدم الدليل.
الشيخ: الدليل عدم الدليل، طيب، هل عدم الدليل يكون دليلًا؟ طالب: لا، يعتبر هنا منفصلًا .. الشيخ: لا اصبر، أسألك: هل عدم الدليل يسمى دليلًا؟ الطالب: إذا عدم الدليل يعتبر دليلًا.
الشيخ: كيف؟ عدمه، الدليل عدم الدليل، كيف؟ طالب: ( ... ) الدليل هو على الأصل.
الشيخ: أحسنت، نعم، يعني: الدليل عدم الدليل على المنع.
على هذا القول يقولون: إنه معلوم يُشَاهد، فهو كالزرع -مثلًا- يُبَاع فيحصد ولا فرق.
ولا عبدٌ من عبيده ونحوُه، ولا استثناؤُه إلا مُعَيَّنًا، وإن اسْتَثْنَى من حيوانٍ يُؤْكَلُ رأسُه وجِلْدُه وأطرافُه صَحَّ، وعكسُه الشحْمُ والحَمْلُ، ويَصِحُّ بيعُ ما مَأكولُه في جَوْفِه كرُمَّانٍ وبِطِّيخٍ وبيعُ الباقِلَّاءِ ونحوِه في قِشْرِه, والحبِّ الْمُشْتَدِّ في سُنْبُلِه، وأن يكونَ الثمَنُ مَعلومًا , فإن باعَه برَقْمِه أو بألْفِ درهمٍ ذهبًا وفِضَّةً , أو بما يَنقطِعُ به السعْرُ أو بما باعَ زيدٌ - وجَهِلَاهُ أو أَحَدُهما - لم يَصِحَّ.
وإن باعَ ثوبًا أو صُبْرَةً أو قَطيعًا كلَّ ذراعٍ أو قَفِيزٍ أو شاةٍ بدِرهمٍ صَحَّ، وإن باعَ من الصبرةِ كلَّ قَفيزٍ بدِرهمٍ أو بمئةِ دِرْهَمٍ إلا دينارًا، وعَكْسُه، أو باعَ معلومًا ومَجهولًا يَتَعَذَّرُ عِلْمُه ولم يَقُلْ كلٌّ منهما بكذا لم يَصِحَّ , فإن لم يَتَعَذَّرْ صَحَّ في المعلومِ بقِسْطِه , ولو باعَ مَشاعًا بينَه وبينَ غيرِه كعبدٍ أو ما يَنْقَسِمُ عليه الثمَنُ بالإجزاءِ صحَّ في نَصيبِه بقِسْطِه، وإن باعَ عَبْدَه وعبدَ غيرِه بغيرِ إِذْنِه , أو عبدًا وحُرًّا أو خَلًّا وخَمْرًا، صَفْقةً واحدةً , صَحَّ في عَبدِه وفي الْخَلِّ بقِسْطِه، ولِمُشْتَرٍ الخيارُ إن جَهِلَ الحالَ.
أنه متصل بالحيوان فهو كجزء من أجزائه.
هل هناك خلاف؟

الجزء: 2 - الصفحة: 743

طالب: نعم، هناك قول آخر أنه يجوز بيعه.
الشيخ: يجوز بيع الصوف على الظهر.
الطالب: وعلل القائلون بالجواز .. الشيخ: طيب لو قال قائل: ما الدليل على الجواز؟ الطالب: الدليل على الجواز عدم الدليل.
الشيخ: الدليل عدم الدليل، هل عدم الدليل يكون دليلًا؟ طالب: لا، هنا يعتبر منفصلًا.
الشيخ: لا اصبر، أسألك: هل عدم الدليل يسمى دليلًا؟ الطالب: إذا لم يوجد دليل يعتبر دليلًا.
الشيخ: كيف؟ عدم الدليل عدم ( ... ) الدليل، كيف؟ طالب: إذا لم يوجد دليل فهو على الأصل.
الشيخ: أحسنت، نعم، يعني: عدم الدليل على المنع، الدليل: عدم الدليل على المنع، على هذا القول يعني يقولون: إنه معلوم يُشاهد، فهو كالزرع -مثلًا- يباع فيحصد، ولا فرق.
كيف نجيب عن أدلة القائلين بالتحريم؟ طالب: أما الحديث فإنه على ( ... )، ويحمل على تأذي الحيوان.
الشيخ: نعم، أحسنت، والتعليل؟ الطالب: والتعليل نقول: إنه ليس كجزء من الحيوان؛ لأن هذا من حكم المنفصل، وأما ( ... ) متصل.
الشيخ: طيب، جيد.
عنده عشرة أَعْبُدٍ قِيَمُهم واحدة، صفاتهم واحدة، أجسامهم واحدة، ألوانهم واحدة، سِنُّهم واحدة، وكأنهم أولاد توم، فباع واحدًا منهم غير معين.
طالب: على المذهب يقول: لا يصح إلا معينًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: وفيه قول آخر أنه إذا كان نفس الصفات فيجوز ولو ( ... ). الشيخ: إذا كان نفس الصفات والقيمة فيجوز، طيب، وهنا نطبق الحديث: نَهَى عنْ بَيْعِ الغَرَرِ (1). هل فيه غرر إذا كان قِيَمُهم متساوية وصفاتهم وأحوالهم؟ عنده عشرون سيارة، كلها موديل واحد، ولون واحد، فباع واحدة منها، قال: بعتك إحدى هذه السيارات بعشرين ألفًا، ما تقول؟ طالب: لا يصح؛ لوجود الغرر.
الشيخ: وين الغرر؟ كلها موديل واحد، كلها اسم واحد.
الطالب: ( ... ). الشيخ: وين الغرر؟ طالب: على المذهب: لا يصح؛ للجهالة.
الشيخ: طيب؛ لأنه لا بد من التعيين.
وعلى القول الصحيح؟ الطالب: أنه يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 744

الشيخ: أنه يصح، واحد، ولو مثلًا عشرة فناجين الآن في كرتون، كلها واحدة الفناجين، قلت: بعت عليك فنجانًا من هذه الفناجين بريال، يصح؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: يصح؟ الطالب: وعلى السيارة؟ الشيخ: السيارة نفس الشيء.
الطالب: يمكن ما تشتغل يا شيخ.
الشيخ: ها؟ الطالب: يمكن ما تشتغل.
الشيخ: عيب هذا، هذا يُرد.
طالب: ( ... ). الشيخ: ها؟ طالب: مستعملة؟ الشيخ: لا، كلها جديدة قرطاس، ما فيها.
المهم أنه إذا لم يكن فرق فالصواب الصحيح أن التعيين ليس بشرط، المقصود العلم، والمنهي عنه هو بيع؟ طالب: الغرر.
الشيخ: الغرر.
باع عليه عشرين عبدًا واستثنى واحدًا منهم.
طالب: يصح البيع.
الشيخ: استثنى واحدًا، لكن ما عيَّن، ما قال: العبد الفلاني.
الطالب: لا يصح البيع، بدون تعيين لا يصح.
الشيخ: والقول الثاني؟ أنت إذا قلت: المذهب، لا بد أن فيه قولًا آخر.
طلبة: ما شُرِح هذا.
الشيخ: ما شُرِح؟ لا، شرحناه.
الطلبة: ( ... ). الشيخ: ما يخالف.


بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى في جملة ما لا يصح لعدم العلم: (ولا عبدٍ من عبيده)؛ يعني: ولا يصح بيع عبد من عبيده؛ وذلك لعدم التعيين؛ إذ لا بد أن يكون المبيع معينًا فإذا لم يُعيَّن فإن البيع لا يصح.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنه لا يصح البيع ولو تساوت القيم؛ يعني لو كانت القيمة واحدة، وهذا فيه خلاف بين أهل العلم؛ فإن منهم من يقول: إذا تساوت القيم صح البيع.
وفي هذا القول أيضًا شيء من النظر؛ لأنها قد تتساوى القيم مع اختلاف الصفات، فمثلًا هذا قيمته مئة لأنه سمين، والثاني قيمته مئة لأنه حامل، والثالث قيمته مئة لأنه كبير الجسم، أليس كذلك؟ إذن تساوي القيم في الواقع لا يرفع الجهالة إذا كان المقصود عين المبيع، أما إذا كان المقصود التجارة فإنه إذا تساوت القيم فلا جهالة؛ لأن التجارة يراد بها أيش؟ طلبة: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 745

الشيخ: الثمن أو القيمة، فإذا تساوت القيم فنعم، لا بأس أن نقول: إنه يصح البيع إذا كان المقصود التجارة، أما إذا كان المقصود عين المبيع فإنه لا بد أن يُعيَّن، وتساوي القيم قد يحصل مع اختلاف الأغراض.
وأنا ضربت لكم مَثَلًا شمل ثلاث صور: هذه شاة حامل لكنها هزيلة، وهذه شاة سمينة لكنها صغيرة الجسم، وهذه شاة كبيرة الجسم ولكنها هزيلة، القيم واحدة: الحامل رفع قيمتها الحمل، والصغيرة السمينة رفع قيمتها السِّمَن، والكبيرة الجسم القليلة اللحم رفع قيمتها كبر الجسم، لكن قد يكون الإنسان له غرض، قد يكون له غرض في الحامل دون السمينة، أو بالسمينة دون الحامل، أو بالسمينة دون الكبيرة الجسم.
فالعبرة إذن بما يمكن أن نقول: يجوز أن يبيع عبدًا من عبيده إذا لم يفُتِ الغرض، وأما إذا فات الغرض فلا بد من التعيين.
قال: (ولا استثناؤه إلا مُعَيَّنًا): يوجد الآن بيع يتبايعه الناس، يكون عنده كومة من الحبحب، أتعرفونه؟ ويسمى باللغة العامية: الجِحّ.
لو قال لك: بعت عليك واحدة من هذه الكومة بريالين، تخيَّرْ.
عادة الناس الآن أن البيع صحيح نافذ، وأن المشتري إذا أخذ الحبة التي يريدها أجازها البائع أو منع، لكن البائع قد عرف أن أعلى ما يكون من ثمن هذه المجموعة أن يبلغ إلى؟ طالب: ريالين.
الشيخ: إلى ريالين، عارف أنه غير مغبون، فمثل هذا ينبغي أنه يقال بالصحة؛ لأن الناس تعارفوا على هذا البيع، ولا يرون فيه جهالة ولا غررًا، والأصل في المبايعات والعقود، الأصل فيها أيش؟ طالب: الصحة.
الشيخ: الحِلُّ والصحة، وكل واحد من الناس لا يرى في هذا شيئًا.
وكذلك أيضًا شاة من قطيع، يأتي مثلًا إلى قطيع من الغنم ويقول له: اختر ما شئت بمئة ريال من هذه الغنم.
هذا أيضًا جرى به العرف، ولكنه إذا اختار فإن البائع قد علم أن أعلى ما يكون أن يبلغ؟ طالب: مئة ريال.
الشيخ: مئة ريال، إي نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 746

قال: (ولا استثناؤه إلا مُعَيَّنًا) يعني: لا يصح استثناء عبد من العبيد إلا معينًا، فلو قال: بعتك هؤلاء العبيد إلا واحدًا، فالبيع؟ طالب: صحيح.
الشيخ: البيع؟ طالب: غير صحيح.
الشيخ: ليش؟ إي نعم، لماذا؟ طلبة: للجهالة.
الشيخ: للجهالة، كيف كان هناك جهالة؟ قالوا: لأن جهالة المستثنى تستلزم جهالة المستثنى منه، المستثنى منه الآن معلوم، أمامي، عبيد عشرة، لكن إذا استثنيت إلا واحدًا أصبح المبيع أيش؟ مجهولًا؛ لأن هذا الواحد ربما تكون قيمته نصف قيمة هذا المجموع، وعلى هذا فلا يصح هذا الاستثناء.
كيف الخلاص إذا أردنا أن نستثني واحدًا؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: أُعَيِّن، أقول: إلا العبد المسمَّى محمدًا، أو العبد المسمى عبد الله، أو ما أشبه ذلك، وبهذا يرتفع المحذور.
لو قال: بعتك هؤلاء العبيد إلا هذا، وأشار إليه؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: كيف؟ هذا معين؟ الطلبة: معين.
الشيخ: بماذا؟ الطلبة: بالإشارة.
الشيخ: بالإشارة، تمام طيب.
(وإن استثنى من حيوان يُؤكَل رأسُه وجلدُه وأطرافُه صح)، يصح؟ طلبة: ما يصح.
الشيخ: إي، (وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسَه)، (رأسَه): مفعول لاستثنى؛ ولهذا لو قال المؤلف رحمه الله: (وإن استثنى رأس حيوان مأكول) لكان أحسن للعبارة وأوضح؛ ولهذا غلط بها جهبذٌ من جهابذة الطلبة.
فنقول: (وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسَه)، رأسَ: مفعول استثنى، (وجلدَه وأطرافَه) يعني: الأكارع مثلًا، فإنه يصح هذا الاستثناء، لماذا؟ لأنه معلوم، الرأس أمامنا كأنه كومة من لحم، والأطراف كذلك، والجلد كذلك، الجلد وإن كان يختلف أحيانًا بالرقة واللين، أو الثخانة والشفافة، لكنه اختلاف يسير، مغتفر.
فإذا قال: بعتك هذه الشاة إلا رأسَها؛ فالبيع؟ طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، ولكن المشكل إذا طالب البائع بالرأس وأبى المشتري أن يذبحها، فماذا نعمل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 747

نقول: إن كان اشترط ذبْحَها أُجبِر عليه، وإن كان لم يشترط ذبْحَها فإنه يبقى له، وإذا أراد المشتري أن يبيعها يقول: مَن يَسُومُ الشاةَ إلا رأسَها؟ لماذا؟ لأن رأسها ليس له.
في هذه الحال لو قيل: إذا أبى أن يذبحها فإن إبقاء الشراكة ضرر، يبقى النزاع دائمًا، فهل نقول: إننا في هذه الحال نُقَوِّمُه ونُجبِر البائع على قبول التقويم؟ نعم أو لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: نُقَوِّمُه، نقول: يا جماعة هذه الرأس لو انفرد كم يساوي؟ قالوا: يساوي ريالين، وقيمة الشاة مئة ريال، في هذه الحال نجبر البائع، المشتري هو اللي يطالب الآن، يريد أن تبقى الشاة خالصة، ويقول: لا أريد أن أذبح الشاة، وهو لم يشترط عليه ذبحها، نقول للبائع: لا، خذ هذه قيمة الرأس وتبقى الشاة كلها لمن؟ طلبة: للمشتري.
الشيخ: للمشتري.
وكذلك يقال في الأكارع والجلد.
لو استثنى من حيوان يؤكل أليته، والألية تكون في الضأن، هل يجوز أو لا؟ على قياس الرأس.
طلبة: يجوز.
الشيخ: أنه يجوز؛ لأن هذا عضو مستقل، معلوم بالمشاهدة فيصح.
ولو استثنى من العنز ذيلها.
طالب: يصح الاستثناء.
الشيخ: هل له قيمة؟ طلبة: ما له قيمة.
الشيخ: نعم؟ الطلبة: ( ... ). الشيخ: الآن ليس له قيمة، فعلى كل حال إذا استثنى صح، لكن ليس له قيمة.
وقوله: (إن استثنى من حيوان يؤكل)، (يؤكل): صفة للحيوان، لو أنه استثنى من حيوان لا يؤكل، مثل أن يقول: بعت عليك هذا الحمار إلا رأسه.
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؟ الطلبة: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطلبة: لأنه غير مأكول.
الشيخ: لأنه لا يستفيد من الرأس شيئًا، لا يستفيد من الرأس إلا الأكل، والأكل محرم، والمحرم لا قيمة له، وعلى هذا فلا بد أن يكون الذي استثنى منه رأسه وجلده وأطرافه مما يؤكل.
المشتري اشترى الشاة إلا رأسها استثناه البائع؛ الرأس، فلما ذهب المشتري بالشاة وجد أن الشاة عوراء، والعَوَر عيب ولَّا لا؟ طلبة: عيب.
الشيخ: تنقص به القيمة؟ الطلبة: تنقص.

الجزء: 2 - الصفحة: 748

الشيخ: قال: أنا بفسخ البيع، يقول المشتري: أنا أريد أن أفسخ البيع؛ لأنها عوراء.
فقال البائع: العَوَر في الرأس، والرأس لي، وليس لك الفسخ.
فماذا نقول؟ هل له الفسخ أو لا؟ طلبة: لا، ليس له الفسخ.
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما فيه تفصيل، أبدًا، له الفسخ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» (2). فلا بد أن يكون هذا العيب مؤثرًا في بقية البدن، وإذا قُدِّر أنه لم يؤثر لكونه برأ وانتهى -كالعور مثلًا- فإنه يؤثر في القيمة، وأنا اشتريتها منك بمئة على أنها سليمة، وإذا كانت عوراء فستكون بثمانين، فتنقص القيمة.
وعلى هذا نقول: للمشتري الفسخ بعيب يختص بالمستثنَى، ولا يمكن للبائع أن يقول: هذا فيما استثنيت، ولا يمكن أن ترجع؛ لأن الدليل -كما قلت لكم- من جهة الحديث، وإذا قُدِّر أنه قد زال أثر هذا العيب فنرجع إلى أيش؟ التعليل بإيه؟ طالب: بالقيمة.
الشيخ: إلى التعليل بالقيمة.
(وعكسه): يعني عكس استثناء الأطراف، الآن الرأس يصح استثناؤه، الألية، الأكارع.
طلبة: يصح.
الشيخ: الشحم يقول المؤلف: (عكسه الشحمُ والْحَمْلُ): فلا يصح استثناء الشحم إذا باع الحيوان؛ وذلك لعدم العلم به؛ لأنه مجهول، مهما كان فهو مجهول، الشحم مختلط باللحم، ولا يمكن العلم به إلا بعد أن تُذبح ويُكشط ويُميَّز، أما وهي كذلك فإنه لا يمكن العلم به.
ولهذا إذا قال: بعت عليك هذه الشاة إلا شحمها، فالاستثناء غير صحيح، وإذا لم يصح الاستثناء أيش؟ طلبة: لم يصح البيع.
الشيخ: لم يصح البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 749

(والحملُ) يعني: يقصد أيضًا استثناء الحمل، استثناء الحمل لا يصح، مثل أن يبيع عليه شاةً حاملًا، وقال: بعتك هذه الشاة الحامل إلا حملها؛ لأن البائع يعرف أنها شاة طيبة، وسيكون نتاجها طيبًا، فقال: بعتك الشاة إلا حملها.
فالاستثناء لا يصح، لماذا؟ لأن الحمل مجهول، فلا يصح استثناؤه، وهذا هو المذهب، وهو أحد القولين في المسألة.
والقول الثاني: صحة استثناء الحمل؛ لأن الحمل جزء منفصل، وإذا استثنيت الحمل فكأنني بعت عليك شاة حائلًا ليس فيها حمل.
فإن قال قائل: هذا يضاد نهي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن بيع الحمل، قلنا: لا يضاد، وحاشا لله أن نقول قولًا يضاد قول الرسول عليه الصلاة والسلام مع علمنا بذلك.
ولكن الفرق: أن بيع الحمل بيع معاوضة، كل يشاح الآخر.
أما الاستثناء فهو استبقاء؛ لأن البائع لم يبع شيئًا، والمشتري لم يشتر شيئًا، غاية ما فيه أن البائع أيش؟ استبقى الحمل، والاستبقاء معناه: عدم نقل الملك في الحمل، وهذا لا يضر المشتري شيئًا.
فالصواب: جواز استثناء الحمل.
فإن قال قائل: يمكن أن يكون الحمل اثنين أو ثلاثة.
قلنا: ولا يضر؛ لأن ما فيه معاوضة، غاية ما هنالك كأنما باع عليه أيش؟ حيوانًا حائلًا، وهذا -أعني استثناء الحمل- يقع كثيرًا في الخيل، ويقع أيضًا في البقر، ويقع في الإبل، وربما يقع في الغنم، تكون هذه الأم كثيرة الإنتاج، كثيرة اللبن.
في الخيل: سريعة العدو، فيريد أن يأخذ من نتاجها.
فالصواب أن استثناء الحمل جائز.
إذا استثنى شيئًا معينًا منه، قال: بعتك هذه الشاة إلا رطلًا من لحمها، فهل يجوز؟ طالب: لا.
الشيخ: الفقهاء يقولون: لا يجوز؛ لأن الرطل معلوم واللحم مجهول، واستثناء المعلوم من المجهول يُصَيِّرُه؟ طلبة: مجهولًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 750

الشيخ: مجهولًا، ولكن الصحيح أنه إذا كان قد عُلِم أن هذا المستثنَى قليل بالنسبة لبقية الحيوان فإن البيع يصح؛ لأن رطلًا من اللحم والحيوان يكون مئة رطل، ما فيه ضرر، ولا فيه غرر.
لكن لو قال: بعت عليك هذه الشاة إلا ثلاثين رطلًا من اللحم، واللحم قد يكون ثلاثين رطلًا وقد يكون أقل، فهنا الاستثناء غير صحيح؛ لعدم التمكن من استيفائه.
أما إذا كان يمكن استيفاؤه، رطل اللحم يمكن قطعة من الفخذ أو قطعة من العضد ويحصل المقصود؛ ولهذا نقول: إذا استثنى شيئًا معينًا يمكن إدراكُه وتحصيلُه فلا بأس به.
لو استثنى الكبد: بعتك هذه الشاة إلا كبدها.
طلبة: يصح.
طالب: لا يصح.
الشيخ: المذهب: لا يصح، والصحيح: أنه يصح؛ لأن هذا الاستثناء؟ طالب: معلوم.
الشيخ: استبقاء، فإذا قال: ربما تكون الكبد كبيرة أو صغيرة، قلنا: هذا نعم وارد، لكن هذا استبقاء، وهو جزء منفصل منفرد معلوم.
يقول: (ويصح بيعُ ما مأكولُه في جوفه كرمانٍ وبِطِّيخٍ، وبيعُ الباقِلَّاءِ ونحوِه في قِشره)، (يصح بيعُ ما مأكولُه في جوفه كالرمان)، فيه غير الرمان؟ طالب: نعم، البطيخ.
الشيخ: البطيخ، فيه غير البطيخ.
طالب: البرتقال.
الشيخ: ها؟ الطلبة: البرتقال.
الشيخ: البرتقال، فواكه، فيه غير ذلك؟ طالب: البيض.
الشيخ: البيض، نعم.
طالب: جوز الهند.
الشيخ: وجوز الهند، بس خلاص انتهى، (يصح بيعُ ما مأكولُه في جوفِه)؛ لأنه جرت العادة بذلك، وتعامل الناس به من غير نكير، ولأن في فتحه إفسادًا له، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال وإفساده.
فلو قيل: لا تبع البيض إلا إذا بقشته، ويش يكون؟ طلبة: خرب.
الشيخ: خرب، ولو قيل: لا تبع البرتقال إلا إذا بقشته، أيضًا يخرب.
لكن ماذا تقولون لو قال المشتري: أنا لا أشتري حتى تفتح البطيخة؟ وهو ما يسمى عندهم بالعرف: طلبة: السكين.
الشيخ: على السكين.
فهل يصح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 751

نقول: نعم يصح؛ لأن هذه صفقة معينة.
يوجد بعض الباعة الآن –ولا سيما باعة الحبحب- يفتح واحدة منها، وينشرها أمام الناس، وإذا رآها الناس وإذا هي؟ طالب: حمراء.
الشيخ: حمراء، يعني: جيدة، هذا يشبه بيع الأنموذج، أليس كذلك؟ طالب: نعم.
الشيخ: يشبه بيع الأنموذج، فإذا باع عليَّ واحدة، ثم ذهبت بها إلى البيت ففتحها وإذا هي؟ طالب: بيضاء.
الشيخ: أبيض من الغترة، هل لي أن أرجع عليه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؟ طلبة: نعم.
طالب: لا، ما يرجع، اشترط عليه.
الشيخ: إي.
طالب: شيخ ولكن الأنموذج يشترط أن يكون كسائر ( ... ) الأنموذج، يعني.
الشيخ: هذا مثله، هذا مثل هذه.
الطالب: هو لا يدري ( ... ). الشيخ: المهم له أن يرجع؟ طلبة: نعم.
طالب: لا.
الشيخ: الظاهر له أن يرجع، وهذا وإن لم يكن شرطًا لفظيًّا فهو شرط فعلي، كأن هذا البائع يقول: أيها الناس، إن هذا الحبحب على هذا الشكل.
فالظاهر أن له الرجوع.
(كرمان) وكذلك أيضًا (بيع الباقلاءِ ونحوِه): عندك الْحُمَّص، والْجَوْز، واللَّوْز.
الباقِلَّاء ما أعرفه، لكن الحمص معروف، والجوز معروف، واللوز معروف، كله مأكوله؟ طالب: في جوفه.
الشيخ: في جوفه، وحكى لي بعض الناس قصة غريبة، قال: إنه قُدِّمَ الموز لرجل عامي ابن حلال ما يعرف، فصار يأخذ القشور ويأكلها ويدع اللب، ويقول: هذا اللب عبس، ما يؤكل.
إذن مأكوله في جوفه ولَّا خارج؟ طلبة: في جوفه.
الشيخ: لا، على رأي هذا الرجل.
طلبة: خارج.
الشيخ: مأكوله خارج، والصواب أن مأكوله؟ طالب: في جوفه.
الشيخ: في جوفه، فيصح.
(وبيع الباقلاء ونحوه في قشره) ودليل هذا: أنه يصح بيع هذه الأشياء في قشرها -كما ذكرنا قبل قليل- دعاء الحاجة إلى ذلك، وتعامل الناس بذلك من غير نكير؛ ولأن فتحها يكون.
طالب: إفسادًا لها.
الشيخ: سببًا لفسادها.
هناك أيضًا دليل من السنة؛ وهو أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلم نَهَى عنْ بيعِ الْحَبِّ حتى يشتدَّ (3).

الجزء: 2 - الصفحة: 752

الْحَبُّ: البُر، الشعير، حتى يشتدَّ: ومعلوم أنه بمفهوم الحديث إذا اشتد، أيش؟ طالب: جاز بيعه.
الشيخ: جاز بيعه، ومأكول السنبل في جوفه ولَّا خارج؟ طلبة: في جوفه.
الشيخ: في جوفه.
إذن يمكن أن نضيف هذا الحديث إلى التعليلات الثلاثة التي ذكرناها في جواز بيع ما مأكوله في جوفه: بيع (الْحَبِّ الْمُشْتَدِّ في سنبله)، ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نَهَى عنْ بيعِ الْحَبِّ حتى يشتدَّ.
ثم قال: (وأن يكون الثمن معلومًا)، وهذا هو الشرط السابع: (أن يكون الثمن معلومًا)، فما هو الفرق بين المبيع وبين الثمن؟ قيل: الثمن ما كان من النقدَيْنِ، فإذا قلت: بعت عليك هذا الثوب بدرهم، فما الثمن؟ طلبة: درهم.
الشيخ: طيب، وإذا قال: بعت عليك الدرهم بثوب؟ طالب: الثمن ثوب.
الشيخ: لا، الثمن الدرهم.
طالب: الثوب هو الثمن.
الشيخ: يا إخواننا، قلنا: يقول بعض العلماء: الثمن هو الدراهم والدنانير، إذا قلت: بعت عليك هذا الدرهم بثوب، فما هو الثمن؟ طلبة: الدرهم.
الشيخ: الدرهم.
وقال بعض العلماء: الثمن ما دخلت عليه الباء.
فإذا قلت: بعت عليك ثوبًا بدرهم، فما هو الثمن؟ طلبة: درهم.
الشيخ: بعت عليك درهما بثوب؟ الطلبة: ثوب.
الشيخ: طيب، بعت عليك قلما بساعة؟ الطلبة: الساعة.
الشيخ: بعت ساعة بقلم؟ الطلبة: القلم.
الشيخ: تمام، وهذا هو الأظهر، حتى في عرف الناس أن الثمن ما دخلت عليه الباء.
يشترط أن يكون الثمن معلومًا كما يُشترط أن يكون المبيع معلومًا، الدليل: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ -صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلم- نَهَى عنْ بيعِ الْغَرَرِ (1). هذا دليل، ولأنه أحد العِوَضَيْنِ فاشتُرِط فيه العلم كالعِوَضِ الآخر، وإنما قلت بهذا القياس؛ لأن العوض الآخر قد وردت أحاديث في عين المبيع المجهول، كبيع الحوامل مثلًا، إذن لا بد أن يكون الثمن معلومًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 753

(فإن باعه برقمه): كما يفعل الناس في الصيدلية، الصيدليات الآن تبيع بالرقم، قال: أعطني الدواء الفلاني.
مده إليه، كم القيمة؟ قال: برقمه.
فالمؤلف يقول: إنه لا يصح، إن باعه برقمه لم يصح.
لماذا؟ لأنه مجهول، إما للبائع، وإما للمشتري، أو لهما جميعًا، فكِّروا، مجهول: إما للبائع، وإما للمشتري، وإما لهما جميعًا.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، أنا أقول: هذه أقسام، ما أسأل هل هذا أو هذا؟ هل يمكن أن يكون مجهولًا للجميع؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن، تكون هذه البضاعة واردة مكتوبًا عليها من قِبَل المسؤولين القيمة، والبائع لا يدري، والمشتري لا يدري، يمكن.
يمكن أن يكون معلومًا للبائع مجهولًا للمشتري؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن.
يمكن أن يكون معلومًا للمشتري مجهولًا للبائع؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن.
طالب: لا يمكن.
الشيخ: لا.
يمكن بارك الله فيكم، أنتم الآن قلتم: يمكن أن يكون مجهولًا للجميع؛ للبائع والمشتري، فإذا كان يمكن أن يكون مجهولًا للجميع أمكن أن يكون مجهولًا لواحد منهما، فإذن لا بد أن يكون معلومًا، فإذا باع بالرقم فإنه لا يصح البيع، هذا المذهب.
والقول الثاني: أنه يصح البيع بالرقم إذا كان من قِبَل الدولة، بل هذا ربما يكون أشد اطمئنانًا للبائع والمشتري، أليس كذلك؟ أما إذا كان الرقم من البائع نفسه -هو اللي بيرقم ما شاء على سلعته- فهذا لا بد أن يكون معلومًا، فالرقم لا يصح، مثل إنسان -مثلًا- مسعر الساعات، كاتب ورقة صغيرة على الساعة: خمس مئة ريال.
قال المشتري: كم تبيعها؟ قال: برقمها، يصح أو لا؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش ما يصح؟ لأن هذا البائع ربما يرقُم عليها أضعاف أضعاف القيمة، لكن إذا علمنا أن هذا مُقَدَّر ومرقوم من جهة مسؤولة، فإنه لا شك في جواز البيع بالرقم.
لو قال البائع لما سأله المشتري: كم القيمة؟ قال: مكتوب عليها رقم، برقمها.
فنظر المشتري وإذا الرقم كثير، فأبى أن يشتريها بذلك، يصح؟ طالب: يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 754

الشيخ: يصح.
نظر إلى رقمها وإذا هو مناسب، فقال: قَبِلْت.
يصح أو لا؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه الآن عُلِم الرقم، وكلام المؤلف في قوله: (إن باعه برقمه): برقم لا يُعرَف حين العقد.
كذلك إذا باعه (بألف درهمٍ ذهبًا وفضة)، انتبهوا، قال: بعتك بألفِ درهم ذهبًا وفضة، ما يصح.
قال: بعتك بألفٍ ذهبًا وفضة.
طالب: لا يصح.
الشيخ: يصح.
الطالب: ما يصح.
الشيخ: يصح، بعتك بألفِ درهم ذهبًا وفضة، لا يصح.
بعتك بألفٍ ذهبًا وفضة، يصح.
آدم كأنه مشكل عليه هذا، أيش تقول؟ طالب: لا، ما اتضح لي.
الشيخ: ما اتضح لك.
الطالب: إي.
الشيخ: إي، إذا قال: بألفٍ ذهبًا وفضة، صح، وحُمِل على المناصفة، كم تكون القيمة الآن؟ طلبة: خمس مئة.
الشيخ: خمس مئة درهم، وأيش؟ طالب: خمس مئة دينار.
الشيخ: وخمس مئة دينار، واضحة، لكن بألفِ درهم ذهبًا وفضة لا ندري كم سيعطينا؟ ربما يعطينا أكثرها ذهبًا والباقي فضة، أو أكثرها فضة والباقي ذهبًا، ما ندري.
لكن لو قال قائل: إذا كانت الدراهم والدنانير مقررة، كل اثني عشر درهَمًا دينار، فإذا قال: بعتك بألفِ درهم ذهبًا وفضة، صار معلومًا، سواء من الدنانير أو الدراهم.
قلنا: هذا صحيح، لكن قد يكون له غرض في أن يكون أكثر الثمن دنانير أو أكثر الثمن؟ طالب: دراهم.
الشيخ: دراهم، فيكون له غرض صحيح، وعلى هذا فقول المؤلف: إنه لا يصح، قول صحيح، حتى لو فُرِض أن قيمة الدراهم من قيمة الدنانير لا تتغير فإنه قد يكون له غرض في أيش؟ في تعيينها، في أعيانها.
والخلاصة: أنه إذا قال: بعتك بألفٍ ذهبًا وفضة، فالبيع؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: فالبيع صحيح، ويُحمَل على أيش؟ الطلبة: المناصفة.
الشيخ: على المناصفة.
بألفِ درهم ذهبًا وفضة لا يصح؛ لأنه ربما يجعل الأكثر ذهبًا والأقل فضة، أو بالعكس.
وكذلك لو قال: بمئة دينار ذهبًا وفضة لا يصح؛ للجهالة.

الجزء: 2 - الصفحة: 755

كذلك لو باعه (بما ينقطع به السعر) لم يصح أيضًا؛ يعني قال: أبيعك إياه بما يقف عليه في المساومة، فإنه لا يصح، لماذا؟ طالب: مجهول.
الشيخ: لأننا لا ندري هل يقف على ثمن كثير، أو على ثمن قليل؟ وربما يأتي شخص يناجش فيرتفع الثمن، وربما يكون الحضور قليلين فأيش؟ طالب: يقل.
الشيخ: فينقص الثمن؛ ولهذا لا يصح أن يبيعه بما ينقطع به السعر.
وقيل: إنه يصح، وأن بيعه بما ينقطع به السعر أشد طمأنينة من بيعه بالمساومة؛ لأن الإنسان يطمئن يقول: ما دام الناس وقفوا على هذا السعر فهذا يدل على أن القيمة مطابقة.
ولكن في النفس من هذا شيئًا، والأقرب: أنه لا يصح بما ينقطع به السعر؛ وذلك لأن ما ينقطع به السعر مجهول، لو حصل مناجشة؟ أنت.
طالب: نعم.
الشيخ: إذا حصل مناجشة؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: أقول: هل يزيد ولَّا ينقص؟ الطالب: يزيد طبعًا.
الشيخ: ولو قل الحاضرون؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: أقول: ينقص ولَّا يزيد؟ الطالب: يزيد طبعًا.
الشيخ: لا.
ينقص، يعني مثلًا أنا مُقَدِّر أنه ينقطع السعر بهذه السلعة بألف، فجاء جماعة يتناجشون، ربما تصل إلى؟ طالب: أضعاف.
الشيخ: إلى ألفين، كذلك أنا مُقَدِّرها بألف لكن ضَعُفَ حضورُ الناس، قلَّ حضورُ الناس، ربما لا تصل الألف، فالجهالة إذن موجودة ولَّا غير موجودة؟ طلبة: موجودة.
الشيخ: موجودة؛ ولهذا ينبغي أن يُقطَع بِمنعِ ما ينقطع به السعرُ.
يقول: (أو بما باع به زيد) إذا قال: بعتك بما باع به زيد، ونحن لا ندري: كم باع؟ ولهذا قال: (وجهلاه أو أحدُهما لم يصح) البيعُ، لماذا؟ طالب: لأنه مجهول.
الشيخ: لأن بيع زيد مجهول، وهذا هو المذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 756

وقيل: إن كان زيد ممن يُعتبَر بتقديره الثمن، فإن البيع بما يبيع به صحيح، يعني مثلًا إنسان مشهور بالبلد معروف أنه هو الذي يعرف الأسعار، فقلت: أبيعك كما يبيع زيد.
فالقول الثاني: أن ذلك صحيح، لماذا؟ لأن هذا أوثق ما يكون؛ يعني: اعتبار الناس بالرجل المشهور الذي قد نصب نفسه لبيع البضائع، اعتبارهم به أكثر من اعتبارهم ببيع المساومة، فالصحيح في هذه المسألة أنه يصح.
أما إذا كان زيد من عامة الناس الذين لا يعرفون التجارة، فنَعَمْ لا يصح أن نقول: بعتك بما باع به زيد؛ لأن زيدًا قد يُغبَن فيشترى بأقل أو بالعكس ( ... ). طالب: إذا باع بما ينقطع به السعر عن طريق الوكالة.
الشيخ: عن أيش؟ الطالب: عن طريق الوكالة، إذا قال: وكلتك.
الشيخ: إي.
الطالب: تبيع لي السلعة بما ينقطع به السعر.
الشيخ: ترى (باعه) يعني: (باع عليه)، ما هو (باع له).
الطالب: أقصد شيخ ( ... ). الشيخ: نعم وكَّله، قال له: إذا وَقَفَتْ فاشترها لي.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيها شيء، هذه وكالة.
الطالب: والبيع؟ الشيخ: هذه وكالة، والوكيل الآن قام مقام الموكِّل، فلما بلغت القيمة إلى الحد الذي وقف عليه السعر صار معلومًا للوكيل، نعم.
طالب: شيخ، ما فهمت هذا: (أو باعه بما ينقطع به السعر).
الشيخ: نعم، (باعه بما ينقطع به السعر)، قال: أنا أبيع عليك هذه الحقيبة، بَحَرِّج عليها، أنادي عليها في السوق، فإذا وقفتْ فقد بعتها عليك به، أي بما وقفتْ عليه، عرفته؟ الطالب: خلاص.
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، ما علمتَ كيف يكون معلومًا للمشتري غير معلوم للبائع؟ الشيخ: لا، فاهم، أنت تقول: ما علمتَ.
الطالب: ما فهمتَ.
الشيخ: تقول: ما فهمتَ؛ أنا! تخاطبني؛ لأن التاء مفتوحة.
الطالب: ما فهمتَ أنا.
الشيخ: ما فهمتَ أنا! ! ما يصح.
حرِّك التاء -بيِّنْ- بالضمِّ.

الجزء: 2 - الصفحة: 757

يعني بعض الناس -الله يوفقنا وإياهم- يريدون أن يتكلموا باللغة العربية، فيفسدون اللغة العربية ويتركون لغتهم.
طالب: اجتهد، يقول: ( ... ) اجتهد أن تتكلم العربية ( ... ). الشيخ: اجتهد، لكن خل يصير عندك علم.
طالب: هو نجتهد مع العلم؟ الشيخ: لا، هذا ما هو باجتهاد، طيب .. طالب: كيف يكون معلومًا للمشتري غير معلوم للبائع؟ الشيخ: إي نعم، البائع رجل أعمى، ولا يدري ويش الرقم، والمشتري رجل بصير، يقرأ الرقم، فقال: بعتك برقمه، صار معلومًا للمشتري غير معلوم للبائع.
طالب: قلنا: إن استثنى رطلًا من اللحم من الشاة ( ... ) المستثنى منه، فلو قال قائل: أهل الخبرة يعرفون ( ... ) اللحم من الشاة، يكون معلومًا عندهم، فهل يصح؟ الشيخ: نحن قلنا: إنه يصح بشرط أن يكون المستثنَى قليلًا، بحيث نعلم أنه سيكون الاستثناء صحيحًا.
الطالب: لكن ما يمكن الجزار يعلم ( ... ). الشيخ: صحيح، ما فيه شك، ما هو بواضح، يعني كلام الفقهاء ما هو بواضح، نعم.
طالب: إذا كان الحمل يضر بالشاة واستثنى الحمل، ولكن الحمل بيضر ( ... ). الشيخ: المشتري عارف أنه غالبًا أن الحامل يكون معها فتور، يكون معها مرض.
الطالب: وإذا تلفت ( ... )؟ الشيخ: إذا تلفت فإنه لا يضمن البائع للمشتري شيئًا؛ لأنها في ملكه، ولا يضمن المشتري للبائع شيئًا؛ لأنه لم يملكها البائع من جهته.
طالب: ( ... ) لا يعلمون البطيخ إذا كان فتح إحداها ما اتفق، ولكن البطيخ يختلف، إذا كان لونه أحمر أو لا؟ معروف هذا أنه إذا كان فتح حمراء فقد تجد من .. الشيخ: هو كأنَّه لما فتح الحمراء كأنه قال لك: أبغي أبيع عليك من جنس هذا.
الطالب: لكن معلوم بالضرورة أنه لا يمكن التساوي.
الشيخ: إذا صار مستويًا في الغالب يكون كله على أحمر.
طالب: شيخ، إذا استثنَى من حيوان يؤكل استثنَى منه رأسه، ولكن مات الحيوان بعد العقد.
الشيخ: إي، يموت على المشتري وعلى البائع.
الطالب: على الجميع؟ الشيخ: على الجميع.

الجزء: 2 - الصفحة: 758

الطالب: والثمن الذي قبضه؟ البائع؟ الشيخ: له.
الطالب: يعني كله في ملكه؟ الشيخ: إي؛ لأن الثمن الذي قبضه بينزل منه قيمة الرأس.
نعم.
طالب: البيع بالرقم من قِبَل الدولة، أليس هو ( ... ) تسعير؟ الشيخ: إلَّا.
الطالب: وما هو حكم التسعير؟ الشيخ: لا بأس به، إذا كان المقصود به دفع جشع الناس.
الطالب: وكيف نقول أو نرد على شبهة من قال بأن الحديث يدل على النهي، أو أن النهي مفهوم من الحديث: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ» (4)؟ الشيخ: نعم؛ لأنه غلا السعر لقلة الموجود، ما هو لاحتكار الناس.
فالتسعير ينقسم إلى قسمين: ممنوع، وهو ما كان سببه قلة الموجود أو كثرة الآخِذ مثلًا، هذا لا يجوز أن نُسَعِّر؛ لأن هذا من الله.
لكن إذا كان السبب هو احتكار الناس، لو اجتمع الصيادلة وقالوا: تعالوا؛ هذا الدواء نشتريه من الخارج بريال، والناس محتاجون إليه، سنجعله بخمسة ريالات، أيُضرَب على أيديهم أو يُترَكون يلعبون؟ الطالب: يُضرَب على أيديهم.
الشيخ: هذا هو.
الطالب: والذي وقع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل؟ الشيخ: لا، اللِّي وقع ما هو من هذا القبيل، اللي وقع لقلة المحصول، نعم.
طالب: لو أسقط المشتري حقه في بيع .. الشيخ: كيف؟ الطالب: البيع الممنوع لو أسقط المشتري حقه، مثل بيع ما ينتهي به السعر، قَبِل هو ذلك من أول البيع، أسقط حقه في معرفة المبيع.
الشيخ: كيف أسقط حقه؟ الطالب: يصح البيع؟ الشيخ: شلون، ما فهمت؟ الطالب: يعني قَبِل أن يشتري مبيعًا مجهولًا، هو قَبِل بهذا.
الشيخ: ما ينقطع به السعر هذا يعود على الثمن ما هو على المبيع.
الطالب: لا، عمومًا في جميع البيوع الممنوعة، إذا هو قَبِل بهذا.
الشيخ: ما يجوز، ( ... ) لو قَبِل بالربا نقول: لا بأس؟ ! الطالب: يعني ما من حقه يا شيخ؟ الشيخ: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، من حقه إذا عُلِم النقص أو الزيادة ورضي، أما والأمر غير معلوم ما يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 759

طالب: بارك الله فيكم، الآن السائر العُرف الآن أن البائع والمشتري يتبايعان، ثم إذا نظر المشتري السلعة إن شاء أخذها وإن شاء تركها، مثل الآن السوبر ماركت ( ... ). الشيخ: هذا -بارك الله فيكم- من باب خيار المجلس، والإنسان له خيار المجلس، لكن أصل العقد على شيء مجهول لا يجوز، نعم.
طالب: بالنسبة لما ينقطع به السعر، إذا قال: إذا كان السعر في السوق فأنا إذن بالخيار، فأنا إذن بالخيار، إن ( ... ) آخذ معك، والعقد بيع.
الشيخ: إي.
الطالب: قال: أنا بالخيار، إذا كان السعر.
الشيخ: ما صار عقدًا، هذا لم يكن عقدًا، الكلام إذا باعه بما ينقطع به السعر.
انتهى الوقت.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن باع ثوبًا أو صُبْرَة أو قطيعًا، كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم صح، وإن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم أو بمئة درهم إلا دينارًا وعكسه).
الشيخ: ليش تقول: درهم؟ الطالب: درهم.
الشيخ: إي، الراء الساكنة إذا كان ما قبلها مكسورًا.
الطالب: تُرَقَّق.
الشيخ: نعم.
الطالب: (أو بمئة درهم إلا دينارًا وعكسه، أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه ولم يقل: كل منهما بكذا) أو ما ينقسم.
الشيخ: لا، لا، (لم يصح، فإن لم يتعذر صح في المعلوم بقسطه، ولو باع مُشاعًا بينه وبين غيره كعبد أو ما ينقسم) عندك سقط الظاهر.
الطالب: إي نعم.
(أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه ولم يقل: كل واحد منهما بكذا، لم يصح، فإن لم يتعذر صح في المعلوم بقسطه، ولو باع مُشاعًا بينه وبين غيره كعبد أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء صح في نصيبه بقسطه).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما تقول فيما لو باع هذا الشيء بألف درهمٍ ذهبًا وفضة؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح.
الطالب: لأنه قد يكون ( ... ). الشيخ: بألفِ درهمٍ ذهبًا وفضة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 760

الطالب: إي نعم، لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ الطالب: لأنه فيه جهالة.
الشيخ: ما هي الجهالة؟ الطالب: قد يكون أكثرُه ذهبًا، وقد يكون أكثرُه فضة.
الشيخ: قد يعطيه من الذهب نسبة أكبر، أو بالعكس، طيب.
بألفٍ ذهبًا وفضة -ما قال: بألفِ درهم- بألفٍ ذهبًا وفضة؟ طالب: يصح، ويُبنَي على المناصفة.
الشيخ: يصح ويكون مناصفة، طيب، صحيح.
إذا باع الْحَبَّ الْمُشْتَدَّ في سنبله، أو في غير سنبله ولكنه في السنبل، يصح ولَّا ما يصح؟ طالب: إذا باع الْحَبَّ المشتد؟ الشيخ: إي نعم، زرْعٌ قائم، حَبٌّ مُشتد، فباعه في سنبله.
الطالب: نعم.
الشيخ: أو باعه مُفردًا بدون السنبل.
الطالب: وهو قد اشتد؟ الشيخ: إي وهو مُشتد، واقف.
الطالب: لا حرج، يجوز.
الشيخ: في الصورتين؟ الطالب: نعم، في الصورتين.
الشيخ: يصح أو لا يصح؟ طالب: يصح.
الشيخ: في الصورتين؟ الطالب: في الصورتين.
الشيخ: طيب.
طالب: يجوز في الأولى، الثانية لا تصح كالنَّوَى في التمر.
الشيخ: إي، الثاني لا يصح، إذا باع الحب دون السنبل.
الطالب: مثل النوى في التمر.
الشيخ: فإنه لا يصح كالنوى في التمر، وإن باع الحب في سنبله صح كالتمر في نواه، صحيح؟ الطالب: إي.
الشيخ: نعم هو هذا؛ ولهذا كلام المؤلف: (الحب المشتد في سنبله) لا بد من هذا القيد، طيب.
باعه برَقْمِه، باع الشيء برقمه.
طالب: يصح.
الشيخ: يصح؟ كذا؟ طالب: إن كان -يعني- معلومًا عند الناس فإنه يصح.
الشيخ: هو معلوم عند الناس، لكن عند المتبايعين ما ندري.
الطالب: يعني عند الذي يبيع.
الشيخ: نعم، يعني هو جاء للصيدلية قال: أريد الدواء الفلاني، قال: كم فيه؟ قال: على حسب المكتوب فيه، أنا ما أدري، وزارة الصحة.
الطالب: يعني يكون سعرها لا يزيد على يعني .. الشيخ: وزارة الصحة هي التي كتبت رقم القيمة.
الطالب: هذا يصح.
الشيخ: يصح؟ طالب: على المذهب أنه لا يصح، وإن القول الصحيح أنه يصح.
الشيخ: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 761

الطالب: قلنا: فيه تفصيل: إن كان من جهة الدولة -لجنة التموين- فإنه يصح، وإن كان من جهة البائع فإنه لا يصح.
الشيخ: لأنه قد يضع عليه رقمًا كبيرًا، طيب، صحيح، أسمعتم الجواب؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: إذا كان هذا الرقم مكتوبًا من قِبَل المسؤولين فلا بأس؛ يعني هذا هو الثمن، إن كان من قبل البائع فلا يصح؛ لأنه قد يضع عليه رقمًا كبيرًا، أما إذا علماه فالأمر واضح.
طيب نبدأ الدرس الجديد الآن:


قال المؤلف رحمه الله: (وإن باع ثوبًا أو صُبْرة أو قطيعًا): الثوب يراد به: المخيط وغير المخيط، والغالب أنه في غير المخيط، (ثوبًا أو) باع (صُبْرة) الصبرة: هي الكومة من الطعام، (أو) باع (قطيعًا) وهو: الطائفة من الغنم.
(كل ذراع أو قفيز أو شاة)، (كل ذراع) يعود على أيش؟ طالب: الثوب.
الشيخ: الثوب.
(أو قَفِيز).
طلبة: على الصبرة.
الشيخ: على الصبرة.
وهو -القفيز-: نوع من المكاييل.
(أو شاة): يعود على القطيع، ففي الكلام إذن لَفٌّ ونَشْرٌ إيه؟ طلبة: مُرَتَّبٌ.
الشيخ: لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ؛ لأنه أجملَ بالأول ثم فصَّل على الترتيب.
إذا باع هذه: (كلَّ ذراع أو قفيز أو صبرة أو شاة بدرهم صح) وإن لم يعلما القدر؛ لأنه باع الجملة، وجعل هذا التحديد تقديرًا للثمن، أما المبيع فمعلوم، أفهمتم؟ هذا إنسان عنده قطيع من الغنم، قال: بعتك هذا القطيع كله، كل شاة بدرهم، يصح؛ لأن المبيع الآن معلوم، وتقديره بالشاة -أي بالواحدة- من أجل معرفة قدر الثمن، فيصح.
القطيع هذا ربما يجي مئة رأس أو مئتين، نقول: لا يضر هذا، لا يضر؛ لأنه معلوم بالمشاهدة، وكوني أُحدد الثمن على كل رأس إنما هو لتقدير الثمن فقط.
ومثل ذلك أيضًا إذا باعه الصُّبْرة كلها، كل قفيز -وإن شئت فقل: كل صاع- بدرهم فلا بأس.
كذلك لو باعه الثوب، هذه قطعة قماش، قال: أبيع عليك المتر بكذا وكذا، أبيع عليك هذا الثوب المتر بكذا وكذا، فهذا جائز.

الجزء: 2 - الصفحة: 762

لكن (إن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم) أو: من الثوب كل ذراع بدرهم، أو من القطيع كل شاة بدرهم، فهنا لا يصح البيع.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: بارك الله فيك انتظر، عرفتم الحكم الآن؟ باع عليه القطيع كله كل شاة بدرهم، ما الحكم؟ طلبة: يصح هذا.
الشيخ: يصح.
باع عليه من القطيع كل شاة بدرهم؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ لأن (من) للتبعيض، فلا ندري هل يأخذ من هذا القطيع شيئًا كثيرًا، أو يأخذ شيئًا قليلًا، فعاد الأمر إلى جهالة المبيع؛ لأنه قد يأخذ من القطيع -مثلًا- خمسين رأسًا أو عشرين رأسًا أو كل القطيع، فهو مجهول، فلهذا لا يصح.
طالب: شيخ ما الفرق في الحكم؟ الشيخ: أعلمك الفرق، الفرق أنه في الأولى وقَع البيعُ؟ طالب: على القطيع.
الشيخ: على الجميع، وكون كل واحد بكذا إنما هو لمعرفة قدر الثمن، فالمبيع الآن معلوم ولَّا غير معلوم؟ طلبة: معلوم.
الشيخ: طيب، هنا يقول: من القطيع كل شاة بدرهم، (من) هذه للتبعيض، لو أخذ من القطيع اللي عدده ألف أخذ ثلاثًا، لا نلزمه بأكثر من ثلاث؛ لأنه يقول: (من)، و (من) تأتي لأيش؟ طلبة: للتبعيض.
الشيخ: للتبعيض.
أخذ ثلاثين، ما هو نفس الشيء؟ أنا ما أدري ماذا يأخذ من القطيع؟ فهو مجهول لي، هذا هو الفرق، وكأنه لا يدخل فكركم الظاهر، كأنه ما هو بداخل أفكاركم.
فنقول: القول الثاني: صحة ذلك، القول الثاني في المسألة: أن هذا صحيح؛ وذلك لأن البائع قد طمأن نفسه على أنه ربما يأخذ المشتري جميع أيش؟ طالب: القطيع.
الشيخ: جميع القطيع، وأنه أتى بـ (من) للتبعيض؛ لأجل أن يكون المشتري بالخيار: إن شاء أخذ كثيرًا، وإن شاء أخذ قليلًا، ثم إن المسألة ستُعلم، إذا قال: أنا أبغي عشرة من القطيع، عُلِم ولَّا لا؟ طلبة: عُلِم.

الجزء: 2 - الصفحة: 763

الشيخ: عُلِم، إذن يصح، وهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة؛ أنه إذا باعه من القطيع كلَّ شاة بدرهم، أو من الثوب كلَّ ذراع بدرهم، أو من الصُّبْرة كلَّ قفيز بدرهم؛ فإن البيع صحيح كما لو باعه الكل.
وقد ذكرنا بالدرس السابق أن الناس جرت عادتهم أن المشتري إذا جاء إلى القطيع وقال له صاحب القطيع: خذ ما شئت -مثلًا- شاتين، ثلاثًا، أربعًا، تَخَيَّرْ.
فيأخذ واحدة، اثنتين، ثلاثًا، أربعًا ويمشي، والناس يتبايعون بهذا، وعليه العمل، فالصواب إذن؟ طلبة: صحة ( ... ). الشيخ: صحة ذلك، في هذا وفي هذا.
يقول رحمه الله: (وإن باع من الصُّبْرة كلَّ قفيز) شوف (من الصبرة)، (من) لأيش؟ طلبة: للتبعيض.
الشيخ: للتبعيض، (كلَّ قفيز بدرهم) فإنه لا يصح.
قال: (أو) باعه (بمئة درهم إلا دينارًا) لم يصح، قال: (وعكْسه): بأن باعه بدينار إلا درهمًا لم يصح، هاتان مسألتان: المسألة الأولى: إذا باعه بمئة درهم إلا دينارًا فإنه لا يصح؛ لأن المستثنَى من غير جنس المستثنى منه، صح ولَّا لا؟ طالب: صحيح.
الشيخ: طيب، بمئة درهم إلا درهمًا؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صح؛ لأن المستثنَى من جنس المستثنى منه.
بمئة درهم إلا دينارًا؟ إذا قال: نُقَدِّر الدينار نُقَدِّر قيمته ونُسقِطه من الدراهم، مثلًا بعد ما يتم البيع نقول: كم يساوي الدينار؟ قالوا: يساوي عشرة دراهم، يكون البيع كم؟ طالب: بتسعين.
الشيخ: بتسعين، فلماذا لم يصح؟ قالوا: لأننا قد نُقَدِّر قيمته فيكون أكثر أو أقل.
وبناءً على هذا نقول: إذا كانت الدراهم والدنانير معلومة القيمة؛ بمعنى: أنها مقررة من قِبَل الدولة بأن عشرة الدراهم دينار، فقلت: بعت بمئة درهم إلا دينارًا، فإن البيع؟ طالب: صحيح.
الشيخ: يكون صحيحًا لزوال الجهالة، وربما يكون هذا مراد الأصحاب رحمهم الله؛ أن مرادهم إذا كانت قيمة الدينار أيش؟ طلبة: غير معلومة.
الشيخ: غير معلومة، أما إذا كانت معلومة فإن الثمن سيكون معلومًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 764

بعتك هذا الشيء بدينار إلا درهمًا، يصح ولَّا لا؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح على كلام المؤلف؛ لأن قيمة الدرهم المستثنَى غير معلومة بالنسبة للدينار، والمستثنى من غير جنس المستثنى منه فلا يصح.
وبناءً على ما قررنا نقول: إذا كانت نسبة الدراهم إلى الدنانير لا تختلف فالبيع؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: فالبيع صحيح، لكن كيف نعمل الآن؟ دينار إلا درهمًا، كيف نأخذ الثمن من المشتري؟ نقول: إذا كان الدينار يساوي عشرة يكون البيع؟ طالب: بتسعة.
الشيخ: بتسعة، والأمر واضح.
فعلى هذا نقول: إذا استثنى أحد النقدين من الآخر فالبيع؟ طالب: صحيح.
طالب آخر: لا.
الشيخ: على المذهب: غير صحيح، ونُقَيِّد ذلك بما إذا كانت القيمة قابلة للزيادة والنقص، أما إذا كانت القيمة مقررة بحيث يكون كل عشرة دراهم دينارًا فالاستثناء صحيح.
يقول رحمه الله: (أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمُه ولم يقل: كل منهما بكذا، لم يصح)، فإن قال: كل منهما بكذا، صح.
(معلومًا ومجهولًا يتعذر علمُه) نحتاج إلى المثال: بأن قال: بعتك هذه الناقة وما في بطن هذه الناقة.
الذي في بطن الناقة الأخرى معلوم ولا مجهول؟ طلبة: مجهول.
الشيخ: يتعذر علمُه ولَّا لا يتعذر؟ الطلبة: يتعذر.
الشيخ: يتعذر علمُه حين العقد، فهنا يقول المؤلف رحمه الله: إن قال: كل منهما بكذا، صح، وإلا فلا.
المثال مرة ثانية: قال: بعتك هذه الناقة وما في بطن هذه الناقة بألف درهم.
فالثمن الآن معلوم، أو لا؟ طالب: نعم، الثمن معلوم.
الشيخ: والمبيع؟ طالب: بعضه معلوم.
الشيخ: بعضه معلوم، وبعضه غير معلوم، هذا البعض الغير معلوم هل يتعذر علمُه الآن أو لا يتعذر؟ طلبة: يتعذر.
الشيخ: يتعذر؛ لأنه حمل، إذن نقول: إن قال: كل منهما بكذا، صح؛ بأن قال: بعتك هذه الناقة وما في بطن هذه الناقة بألف درهم؛ هذه الناقة بثمان مئة، والحمل بمئتين، أيش الحكم؟ طلبة: يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 765

الشيخ: يصح؛ لأن هذا ما فيه جهالة، لكن الناقة وما في بطن الأخرى بألف، لا يمكن أن نقسم الثمن عليهما؛ لأن قيمة الحمل أيش؟ طالب: مجهولة.
الشيخ: مجهولة، قيمة الحمل مجهولة، ولا يمكن أن نصل إلى قيمتها، فيبقى الثمن الآن.
طالب: مجهولًا.
الشيخ: مجهولًا، وهذا واضح.
فإن قال: بعتك هذه الناقة وحملها بمئة، هي بثمانين، والحمل بعشرين؟ طلبة: صح.
طلبة آخرون: ( ... ). الشيخ: يا إخواني أين العقول؟ إذا قلنا: هذه الناقة وما في بطن الأخرى بمئة؛ الناقة بثمانين، والتي في بطن الأخرى بعشرين؟ قلتم: يصح.
هذه المسألة: بعتك هذه الناقة وما في بطنها بمئة؛ الناقة بثمانين، والحمل بعشرين؟ طلبة: لا يصح.
طالب: يصح.
الشيخ: طيب، لماذا لا يصح؟ وفي المسألة الأولى: يصح؟ طالب: لا يصح هنا؛ لأن الحمل صار مقصودًا، معينًا بقيمة.
الشيخ: نعم.
الطالب: وتَعَلَّقَ البيعُ به.
الشيخ: لكن بيَّنَّا -سلمك الله- قيمته، ما فيه جهالة، قلنا عشرين، قيمته من المئة عشرين.
الطالب: ما يصح؛ لأنه قُصِد بقيمة.
الشيخ: قل: (وَلَوْ) وخلاص، كلمة: (ولو) هذه معناها: ما عند الإنسان تعليل.
طالب: لأنه أفرد بعقد يا شيخ؛ لأنه يفترض أن يكون معلومًا برؤية أو صفة، وهذا ليس معلومًا.
الشيخ: لكن يا أخي الثمن معلوم، ما الفرق بين هذه الناقة وما في بطن الأخرى؟ بمئة: الناقة بثمانين، والذي في بطن الأخرى بعشرين.
هذه نفس الشيء، هذه الناقة وحملها بمئة: الناقة بثمانين، والحمل بعشرين.
هي في الواقع يقولون: لا يصح.
لكن انتبهوا للتعليل؛ لأن الحمل لا يصح بيعه إلا أيش؟ طلبة: تبعًا.
الشيخ: إلا تبعًا، فإذا قلت: هذه الناقة بثمانين والحمل بعشرين، صار الآن مستقلًّا، فلا يصح بيعه، كما لا يصح بيع حمل الناقة الأخرى في المثال الأول، وتبقى الأم بثمانين.

الجزء: 2 - الصفحة: 766

قالوا: إذا صححنا البيع في الأم دون الحمل صار كاستثناء الحمل، صار كبيع الحامل مع استثناء حملها، وقد سبق أن بيع الحامل مع استثناء حملها يصح ولَّا ما يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: على المذهب: لا يصح.
وبناءً على ما رجحناه؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، بناءً على ما رجحناه من أن الإنسان إذا باع حاملًا واستثنى الحمل فالبيع صحيح، يصح، انتبهوا للفرق، ترى الفروق عند أهل العلم دقيقة.
(ومجهولًا يتعذر علمُه ... لم يصح، فإن لم يتعذر صح في المعلوم بقسطه): إن لم يتعذر عِلْمُ المجهولِ صح في المعلوم بقسطه؛ وذلك لأنه يمكن أن يُقَسَّط الثمن على المعلوم وعلى المجهول، ويُعْرَف ثمن المعلوم.
مثال ذلك: باع عليه السيارة الموجودة الآن هنا، وسيارة أخرى في الكراج، السيارة الأخرى اللي في الكراج مجهولة ولَّا لا؟ مجهولة، بعت عليك السيارة اللي هنا واللي في الكراج بعشرة آلاف.
يقول: البيع يصح، في الحاضرة ولَّا في الكراج؟ طالب: الحاضرة.
الشيخ: في الحاضرة، اللي في الكراج ما يصح فيها البيع، لا يصح فيها البيع؛ لأنها مجهولة، كيف نُقَسِّط الثمن؟ نقول: نُقَدِّر الآن كم قيمة الموجودة بين أيدينا؟ قالوا: قيمتها عشرة.
كم قيمة الأخرى؟ قالوا: قيمتها خمسة.
كيف نوزع الثمن؟ نوزعه أثلاثًا؛ ثلثاه للحاضرة، وثلثه؟ طالب: للغائبة.
الشيخ: للغائبة، أفهمتم؟ فصار يُقَسَّط الثمن على المعلوم الحاضر وعلى المجهول الغائب، ويؤخذ الثمن الذي للمعلوم الحاضر وذاك يسقط؛ يسقط لأنه ما صح فيه البيع.
فصار بيع المعلوم مع المجهول ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يتعذر علم المجهول.
والثاني: ألا يتعذر.
إن تعذر علمه فالبيع؟ طالب: صح في المعلوم دون المجهول.
الشيخ: لا، إن تعذر علمه فإنه لا يصح البيع ما لم يُقَدِّر لكل منهما ثمنًا، وأما إذا لم يتعذر علمه فإنه -وهو القسم الثاني- فإنه يصح في المعلوم بقسطه، وننظر قيمة المجهول تسقط من الثمن.
واضح لكم الآن؟ طلبة: واضح.

الجزء: 2 - الصفحة: 767

الشيخ: طيب، واضح.
طالب: يا شيخ قُدِّرَ مرتين القيمة، مو بواضح، قلنا بعشرة آلاف ثم بخمسة عشر ألف؟ الشيخ: إي هذا التقدير؛ لأن الثمن قد يكون أقل من القيمة، وقد يكون أكثر.
نعيد مرة ثانية، أقول: إذا باع معلومًا ومجهولًا فهو على قسمين: القسم الأول: أن يكون المجهول يتعذر علمُه، فما الحكم؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح البيع إلا أن يُقَدِّر لكل واحد منهما ثمنًا، فيقول: المعلوم بعشرة، والثاني بدرهمين -مثلًا- أو بخمسة.
القسم الثاني: أن يكون المجهول أيش؟ طلبة: لا يتعذر علمه.
الشيخ: لا يتعذر علمه، فهنا يصح البيع في المعلوم بقسطه من الثمن، أما المجهول فلا يصح، واضح يا جماعة؟ أعيد مثالًا، باعه هذه الناقة وما في بطن الناقة الأخرى بألف درهم، جميعًا، ولم يقدر لكل واحد ثمنًا؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: البيع لا يصح.
باعه هذه الناقة وما في بطن الأخرى بألف درهم، على أن للحمل مئتين، وللموجودة ثمان مئة، يصح أو لا؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه قدَّر الثمن.
الذي لا يتعذر علمه: باعه هذه الناقة عنده بين يديه والناقة التي في المعطن، باع الناقتين بألف درهم، يصح أو لا؟ طلبة: يصح.
طالب: لا يصح.
طالب آخر: يصح في المعلوم.
الشيخ: يصح في المعلوم بقسطه من الثمن؛ لأن المجهول لا يتعذر علمه، يمكننا الآن نذهب ونشوف قيمته ونُسقِطه من الثمن، فهمتم؟ المؤلف يقول: (بقسطه من الثمن) ومعنى ذلك: أننا نُقدِّر الثمن لهما جميعًا، ثم ننظر قيمة هذا وقيمة هذا ونُسقِطه من الثمن.
قالوا -مثلًا-: الناقة الموجودة تساوي عشرة، والناقة التي في المعطن تساوي خمسة، كم النسبة؟ خمسة إلى عشرة: الثُّلُث، فيكون يُسْقَط من الثمن الثُّلُث عن الناقة التي في المعطن، ويصح البيع في المعلوم بثُلُثَيِ الثمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 768

هذه تُسمى إحدى الصفقات الثلاثة؛ لأن عندهم ثلاث صفقات يصح البيع فيها بما يصح عقدُ البيع عليه ولا يصح في الباقي، فهذه المسألة: (إذا لم يتعذر صح في المعلوم بقسطه) هي إحدى مسائل تفريق الصفقة.
الصفقة ما معناها؟ أيش معنى الصفقة؟ طالب: عقد البيع.
طالب آخر: البيع.
الشيخ: العقد؛ لأن المتعاقدَيْن -ولا سيما في الزمن الأول- إذا باع: كم بعت عَليَّ؟ بِعْتُ عليك بكذا -يصفق بيده- فالصفقة هي العقد.
تفريقُها: يعني تصحيح بعضها وإبطال البعض.
المسألة التي معنا الآن: إذا باع معلومًا ومجهولًا لا يتعذر علمه، فرَّقْنا الصفقة ولَّا لا؟ طالب: فرَّقْنا.
الشيخ: صحَّحْنَاها فيما يصح، وأبطلناها فيما يبطل.
المسألة الثانية قال: (ولو باع مُشاعًا بينه وبين غيره كعبد، أو ما ينقسم عليه الثمنُ بالأجزاء صح في نصيبه بقسطه) انتبهوا يا إخوان، والبيع سهلٌ صعبٌ، لكنه إن شاء الله سيكون سهلًا.
إذا (باع مُشاعًا بينه وبين غيره)، (مُشاعًا) أي: مشتركًا (بينه وبين غيره): كعَبْدٍ، يمكن نجيب مثالًا غير عبْد؟ طالب: سيارة.
الشيخ: سيارة، أرض، أي شيء مشترك مُشاع، باعه جميعًا، فمثلًا هذه السيارة بيني وبين أخي، فبعتها على إنسان كلها، الآن بعت مشاعًا بيني وبين غيري، بَيْعِي لِملْكِي؟ طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأنه من مالك، بَيْعِي لملك أخي؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأني لست وكيلًا، يصح في نصيبي ولا يصح في نصيب أخي شريكي؛ لأني لست وكيلًا عليه.
إذن فرَّقْنا الصفقة أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: فرقناها، الرجل الذي اشترى السيارة مني فرح، وقال: جاب الله هذه السيارة، سيارة ممتازة من أحسن ما يكون، وغدًا -إن شاء الله- أسافر عليها إلى مكة والمدينة.
فبينما هو كذلك إذ أتاه أخي وقال: السيارة لي نصفهُا، وهذا عقد الشركة بيني وبين أخي.
ماذا نصنع الآن؟ نقول للمشتري: لك الآن، كم؟ طلبة: نصف السيارة.

الجزء: 2 - الصفحة: 769

الشيخ: نصف السيارة؛ لأنه صح فيها البيع، أما بيع نصيب أخي فلا يصح، قال: ويش الفايدة من نصفها؟ هذا الرجل الذي جاء يقول: لي نصف السيارة.
لو قلت: أبغي أسافر عليها إلى مكة والمدينة، قال: أبدًا، سافِرْ عليها بنصف الأجرة.
لو ذهبت -مثلًا- من عنيزة إلى مكة الأجرة بكم؟ طالب: مئة وخمس وثلاثين.
الشيخ: مئة وخمسين، سَلِّم نصف مئة وخمسين، والنصف الثاني -على كل حال- ملكك، وكذلك إذا طُفْتَ على المدينة ورجعتَ.
فهل يكون للمشتري الخيار في هذه الحال لتفريق الصفقة عليه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لو قال: أنا اشتريت السيارة كاملة، ولو فيها شراكة الآن ما أريدها.
نقول: نعم، لك الخيار؛ لأن تفريق الصفقة يضره.
هذا واحد.
الثاني: (أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء): هذا ليس مُشاعًا، لكن ينقسم عليه الثمن بالأجزاء، كصاعين من بُر؛ أحدهما لي، والثاني للآخر، خلطتهما ثم بعتهما، هل يصح البيع في الصاعين، أو في الصاع الذي لي فقط؟ طلبة: الصاع الذي لي فقط.
الشيخ: في الصاع الذي لي فقط، ولا يصح في الصاع الآخر.
والفرق بين هذه المسألة والأولى: أن الأولى الشركة فيها مُشاعة، والثانية الشركة فيها بالأجزاء؛ لأن الْحَب الآن، حَبَّة لي وحَبَّة؟ طالب: للآخر.
الشيخ: للآخر، لكن الْمُشاع أي ذرة في المملوك فهي مشتركة، واضح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
إذا باع ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء؛ بعضه له وبعضه للآخر، صح البيعُ فيما هو له، ولم يصح البيع للآخر؛ لأن الآخر لا يملكه ولم يُوَكَّل فيه.
وهذه المسألة الثانية من مسائل تفريق الصفقة.
قال: (وإن باع عبده وعبد غيره، أو عبدًا وحرًّا، أو خلًّا وخمرًا صفقة واحدة: صح في عبده وفي الخل بقسطه).
طالب: عندنا: (بغير إذنه) يا شيخ.
الشيخ: كيف؟ الطالب: (بغير إذنه) عندنا.
الشيخ: بغير إذنه (وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبدًا وحرًّا، أو خلًّا وخمرًا صفقة واحدة: صح في عبده وفي الخل بقسطه):

الجزء: 2 - الصفحة: 770

هذا باع شيئين، عينين قائمتين، كل واحدة قائمة بنفسها، عبْدَه وعبدَ غيره، أخذ عبد غيره من بيته وراح به إلى السوق مع عبده، ونادى عليهما جميعًا، وباعهما جميعًا، الآن وقع العقد على ما يملك بيعه وما لا يملك.
نقول: يصح في عبْدِه، ولا يصح في عبْدِ غيرِه، وأظن الفرق بين هذه والتي قبلها واضح، هذا ما فيه اختلاط، كل عين متميزة.
باع سيارته وسيارة غيره، ها؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: يصح في سيارته، ولا يصح في سيارة غيره.
(أو باع عبدًا وحرًّا): الحر غير مملوك، فباع عبْدَه وحُرًّا، بثمن واحد صفقة واحدة: يصح في عبده ولا يصح في الحر؛ لأن الحر لا يصح عقد البيع عليه.
(أو باع خلًّا وخمرًا): الخل؟ طالب: يصح.
الشيخ: يصح بيعه، والخمر: لا يصح.
فعنده الآن جرتان، إحداهما: خل، والثانية: خمر، باعهما جميعًا: يصح في الخل، ولا يصح في الخمر.
ماذا نصنع الآن؟ كيف نُقَسِّط الثمن؟ يقول: (صح في عبده وفي الخل بقسطه): عبْدُه وعبْدُ غيرِه، نقول: لو نُودِي على هذين العبدين: كم يساوي كل واحد؟ قالوا: أحدهما يساوي ألفًا، والثاني يساوي ألفين.
كم نُسقِط إذا كان عبْدُ الغيرِ يساوي ألفين؟ كم نُسقِط من الثمن؟ طلبة: الثلثين.
الشيخ: الثلثين.
وإن كان عبْدُ الغيرِ يساوي ألفًا أسقطنا؟ طالب: الثلث.
الشيخ: الثلث.
الْحُرُّ -إذا باع عبْدًا وحُرًّا- كيف نُقَوِّم الحر؟ هو الحر يباع؟ طلبة: لا.
الشيخ: لكن يُقَدَّر أنه عبْدٌ، فيقال: قَدِّرْ أن هذا الحر عبْدٌ مع عبدك الذي بعته.
قال: أُقَدِّر لو كان الحر عبدًا لكان يساوي ألفين، وعبدي يساوي ألفًا، كم نُسقِط من الثمن؟ طلبة: الثلثين.
الشيخ: الثلثين.
الخل والخمر، الخمر ما له قيمة شرعًا، فماذا نصنع؟ طالب: يُقَدَّر.
الشيخ: قالوا: يُقَدَّر الخمرُ خلًّا؛ يعني: يُقَدَّر شرابًا لم يتخمر، لو كان خلًّا قالوا: يساوي عشرة، والخل الذي معه يساوي خمسة.
كم نُسقِط من الثمن؟ طالب: الثلثين.
الشيخ: الثلثين، واضح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 771

إذن الآن عرفنا كيف نُفَرِّق بين تفريق الصفقة في المسائل الثلاثة.
قال المؤلف: (ولِمُشْتَرٍ الخيارُ إنْ جَهِلَ الحالَ) (ولِمُشْتَرٍ الخيارُ) يعني: في مسائل تفريق الصفقة: له الخيارُ إن جهل، فإن علم فلا خيار له.
مثالُه: باع الرجل عبْدَه وعبْدَ غيره على رجل، والرجل يعلم أن هذا العبد ما هو له، فالعبد الذي ليس له لا يصح بيعُه، فهل للمشتري الخيار؟ طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه دخل على بصيرة، فلا خيار له، واضح؟ إذن للمشتري الخيار إن جهل الحال، وإلا فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة.
انتهينا الآن من الشروط -شروط البيع- وتبيَّنَ أن الشروط تدور على ثلاثة أشياء: الظلم، والربا، والغرر، ثلاثة أشياء، تدور على ثلاثة أشياء: الظلم، والثاني؟ طلبة: الربا.
الشيخ: الربا، والغرر.
فمن باع ما لا يملك فهذا من باب الظلم، ومن تعامل بالربا فهذا من باب الربا، ومن باع بالمجهول فهذا من باب الغرر ( ... ). طالب: بارك الله فيكم، لماذا قلنا -يعني- صحة المعلوم بقسطه، وما قلنا: نُقَوِّمُه ثم نُسقِطه من الثمن؟ الشيخ: لا؛ لأنه قد يكون الثمن أكثر من القيمة.
الطالب: لكن شيخ أليس ( ... ) على أن بالقسط لهذين الاثنين -مثلًا- في هذه القيمة؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: فنُقَوِّمها ونُسقِطها.
الشيخ: إي، حنا، ما حنا ماخدين بأكثر من القيمة، لكن بالقسط التقويم من أجل تحديد ما يسقط من الثمن، يعني حنا ما حنا مسقطين أكثر من النسبة.
الطالب: شيخ ( ... ). الشيخ: الآن -مثلًا- اشتريت بخمسة عشر، الاثنين، لكن قيمتهما تسوى ثلاثين، حنا نُقَدِّر القيمة أولًا ثلاثين، ثم نقول: هذا يساوي عشرة، وهذا يساوي عشرين، كم نسقط من الثمن؟ خمسة أو عشرة.
طالب: الراجح ( ... ) الناقة وحملها أن نُعَيِّن ثمن كل منهما؟ الشيخ: كيف؟ الناقة وحملها، الراجح الصحيح، أنه صحيح.
(فصلٌ)

الجزء: 2 - الصفحة: 772

ولا يَصِحُّ البيعُ مِمَّنْ تَلْزَمُه الْجُمُعَةُ بعدَ ندائِها الثاني، ويَصِحُّ النكاحُ وسائِرُ العُقودِ، ولا يَصِحُّ بَيْعُ عَصيرٍ مِمَّنْ يَتَّخِذُه خَمْرًا، ولا سلاحٌ في فِتنةٍ، ولا عبدٍ مُسلمٍ لكافرٍ إذا لم يُعْتَقْ عليه، وإن أَسْلَمَ في يَدِه أُجْبِرَ على إزالةِ مُلْكِه، ولا تَكفِي مُكاتَبَتُه، وإن جَمَعَ بينَ بَيْعٍ وكِتابةٍ، أو بَيعٍ وصَرْفٍ صَحَّ في غيرِ الكتابةِ , ويُقَسَّطُ العِوَضُ عليهما، ويَحْرُمُ بيعُه على بيعِ أَخِيهِ , كأنْ يَقولَ لِمَن اشْتَرَى سلعةً بعَشرةٍ: أنا أُعطيكَ مِثْلَها بتسعةٍ، وشِرَاؤُه على شِرائِه , كأن يَقولَ لِمَنْ باعَ سِلعةً بتِسعةٍ: عِندِي فيها عَشرةٌ ليَفْسَخَ ويَعْقِدَ معَه، ويَبْطُلُ العَقْدُ فيهما، ومَن باعَ رِبَوِيًّا بنَسِيئَةٍ واعْتاضَ عن ثَمَنِه ما لا يُباعُ به نَسيئةً، طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لماذا قلنا يعني صحة المعلوم بقسطه، وما قلنا: نقومه، ثم نسقطه من الثمن؟ الشيخ: لا؛ لأنه قد يكون الثمن أكثر من القيمة.
الطالب: لكن شيخ أليس ( ... ) على أن بالقسط لهذين الاثنين مثلًا في هذه القيمة، فنقومها ونسقطها؟ الشيخ: إي، إحنا، ما إحنا بآخذين بأكثر من القيمة، لكن بالقسط التقويم من أجل تحديد ما يسقط من الثمن، ويعني إحنا ما مسقطين أكثر من النسبة.
الطالب: شيخ، أليس ( ... )؟ الشيخ: الآن مثلًا اشتريت بخمسة عشر، الاثنين، لكن قيمتهم تسوى ثلاثين، إحنا نقدر القيمة أولًا ثلاثين، ثم نقول: هذا يساوي عشرة، وهذا يساوي عشرين، كم نسقط من الثمن؟ خمسة وعشرة.
طالب: الراجح مع الناقة وحملها أن نُعيِّن ثمن كل منهما؟ الشيخ: كيف؟ الناقة وحملها، الراجح الصحيح، أنه صحيح.
الطالب: الرد على الحديث.
الشيخ: الرد، نقول: لأن استثناء الحمل صحيح، حيث إننا نقدر أن استثناء الحمل كأنه باعه ناقة حائلة، ولا فيها شيء.
الطالب: كيف صححنا بيعه؟ الشيخ: ما بعناه، نحن ما صححنا بيعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 773

طالب: شيخ، يقول: (ولمشترٍ الخيار إن جهل الحال)، وهل للبائع الخيار إن جهل الحال؟ الشيخ: لا، ما له اختيار؛ لأن البائع قادر على هذا، قادر على أنه ملكه.
الطالب: ولكن يعني يقول البائع: بعتُك هذه الناقة، وما في بطن هذه الناقة، فعند الحكم على المسألة نقول: البيع ( ... ) الناقة ( ... )، وهذا الحمل الذي في الناقة الأخرى بمئتين.
الشيخ: إي، إذا قدَّر الثمن صح.
الطالب: لكن هو يقول: عندما صححنا في الناقة، هل نُصحح في الحمل؟ الشيخ: ما صح في الحمل؟ الطالب: يقول: أنا أبيع جميعًا أو ( ... ). الشيخ: ما حصل.
الطالب: ينفذ البيع في الناقة؟ الشيخ: ينفذ البيع في الناقة المنفردة.
الطالب: ( ... ) البائع.
الشيخ: لأنه البائع راضٍ بأن يخضع ملكه هذا.
الطالب: يخرج مع الحمل؟ الشيخ: لأن هذا استبقاء بالنسبة للبائع، لكن بالنسبة للمشتري تجدد ملك، ولو يحصل له ما ( ... ). الطالب: ولو قال: أنا لا أبيعهم إلَّا جميعًا؟ الشيخ: ما حصل، إذا قال المشتري: أنا أبغي آخذ؛ ما صح فيه البيع.
طالب: شيخ، إحنا قلنا: إن الراجح أن البيع بما ينقطع به السعر يجوز؟ الشيخ: نعم.
الطالب: طيب، شيخ الآن فيه أسواق تسمى أسواق المستقبل.
الشيخ: المستقبل؟ الطالب: إي نعم، وهي، يقولون: إن المبيع مثلًا بما ينقطع به السعر بعد مثلًا شهرين، أو بعد ثلاثة أشهر، أو بعد أربعة أشهر، يعني هل ( ... )؟ الشيخ: لا، هذا ما يجوز.
الطالب: طيب هذا ( ... ) بما ينقطع به السعر الآن؟ الشيخ: إي، ما فيه شك أن هذا قصدنا الآن، أما المستقبل ما ندري، قد تتغير الأشياء تغيرًا كبيرًا.


بإحسان إلى يوم الدين.
ما معنى قول المؤلف: (ولا يباع غير المساكن مما فتح عَنوة)؟ طالب: الأرض التي فُتحت بالقوة من أرض غير المسلمين، فلا تباع إلَّا المساكن، أما الأراضي فلا تباع.
الشيخ: لا يباع إلَّا المساكن؟ الطالب: المساكن، أما الأرض تؤجر.
الشيخ: لا يُباع إلَّا المساكن.
الطالب: إلَّا المساكن.

الجزء: 2 - الصفحة: 774

الشيخ: إي، طيب، لماذا؟ الطالب: لأن عمر بن الخطاب لما فتحها رأى أن تقسيمها بين الغانمين يحرم الأجيال القادمة، فرأى أن يوقفها ويضرب عليها خراجًا ( ... ). الشيخ: طيب، هل هذا محل إجماع؟ طالب: ليس محل إجماع.
الشيخ: نعم، ما هو القول الراجح في هذا؟ الطالب: القول الراجح أنها تُباع.
الشيخ: أنها تُباع، وهذا هو اللي عليه العمل من غير نكير، يعني ما زال المسلمون يتبايعون الأراضي في الشام ومصر والعراق من غير نكير.
هل يجوز بيع المغصوب؟ نعم، مطلقًا؟ الطالب: إلا على غاصبه.
الشيخ: نعم، على غاصبه بشرط.
الطالب: بشرط أنه يرد بالبيع، يرغب بالبيع.
الشيخ: إي، بشرط ألا يمنعه صاحبه إلَّا بالبيع، كذا؟ طيب إن منعه قال: ما أنا معطيك إياه، لكن باعطيك قيمته عشر مرات، وأبى صاحب الأرض؟ الطالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؟ إي، فإن فَعَلَ؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: هل يصح البيع أو لا؟ لو قال: أنا لا أعطيك البيت اللي أنا غصبت، لكن أعطيك قيمته عشر مرات، قال: لا، أنا لا أريد إلَّا بيتي، فأجبره على ذلك، لا يصح البيع من أجل عدم القدرة على التسليم أو من أجل شيء آخر؟ الطالب: عدم الرضا.
الشيخ: عدم الرضا، أحسنت بارك الله فيك، الموضع الثاني مما يصح فيه بيع المغصوب.
طالب: قادر على أخذه.
الشيخ: قادر على أخذه، أحسنت، تمام.
على أي شرط، أو على أي نص يدور هذا الشرط؟ كونه مقدورًا على تسليمه، ما هو الدليل؟ الطالب: الدليل لا يجوز يعني ( ... ). الشيخ: الدليل لا يجوز؟ هذا حكم، ما تعرف الفرق بين الحكم والدليل؟ الطالب: الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا حق لعرق لظالم.
الشيخ: إي، «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1)، لكن هذا ليس بدليل.
طالب: روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغرر (2).

الجزء: 2 - الصفحة: 775

الشيخ: ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن بيع الغرر، شوف الآن، هذا الحديث أكثر شروط البيع تدور عليه، العلم بالثمن والمثمن يدور عليه، القدرة على التسليم يدور عليه.
ما تقولون فيمن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه؟ طالب: يصح في عبده، ولا يصح في عبد غيره، ويقسط العِوض عليه.
الشيخ: يعني يصح في عبده دون عبد غيره؟ كيف نعمل؟ الطالب: ننظر النسبة، فإذا كان عبده مثلًا .. الشيخ: يعني يُقسط الثمن عليه؟ الطالب: إذا كان عبده يساوي عشرة وعبد غيره يساوي خمسة فيكون أثلاث، ثلثا القيمة لعبده، والثلث.
الشيخ: يعني إذا باع عبده وعبد غيره؛ صح في عبده دون الآخر، ويقسط العوض عليهم.
هل للمشتري خيار؟ طالب: إن جهل الحال نعم، وإلا فلا.
الشيخ: إن جهل الحال؛ يعني ظن أن العبدين ملك للبائع.
الطالب: فله الخيار في ذلك.
الشيخ: وإلَّا؟ الطالب: وإلَّا فليس له الخيار.
الشيخ: لماذا ليس له الخيار؟ الطالب: لأنه عالم أن هذا ليس ملكه.
الشيخ: يعني دخل على بصيرة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ولأنه لا يصح بيع، لو قال: أنا ظننت أنه وكيل؟ الطالب: ما يصح.
الشيخ: ما جهل الحال الآن؟ من يعرف؟ طالب: الوكيل يا شيخ يتصرف كالمالك.
الشيخ: لكن هل له الخيار أو لا؟ الطالب: ليس له الخيار، إذا عرف أنه، إذا قال: ظننته وكيلًا؟ الشيخ: نعم، فليس له الخيار؟ الطالب: إذا قال: ظننته وكيلًا، فله الخيار يا شيخ؛ لأنه جهل؛ لأنه ظن يعتبر.
الشيخ: يعني يعتبر جاهلًا، إذا قال: أنا أعرف أن هذا العبد ملك فلان، لكن ظننت أن الذي باعه عليَّ كان وكيلًا، فنقول: لك الخيار؛ لأن هذا جهل.
الصفقة أو تفريق الصفقة له ثلاث صور، الأولى؟ الطالب: الصورة الأولى أن يتعذر معرفة المجهول من المعلوم.
الشيخ: خطأ.
الطالب: ألا يتعذر.
الشيخ: ألا يتعذر؟ الصورة الأولى باع.
الطالب: الصورة يا شيخ؟ الشيخ: إي، الصورة الأولى، باع أيش؟ الطالب: باع سيارة.

الجزء: 2 - الصفحة: 776

الشيخ: لا، يا إخوان اللي خلف.
طالب: إذا باع معلومًا ومجهولًا ويتعذر معرفة المجهول ( ... ). الشيخ: هذا إذا باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه، هذه إحدى صور تفريق الصفقة؟ هل توافقونه؟ طلبة: لا.
الشيخ: إي، خالفوك، فخرقت إجماعهم.
طالب: باع مشاعًا بينه وبين آخر.
الشيخ: الصورة الأولى ما هي هذه.
طالب: إن باع لم يتعذر علمه.
الشيخ: إن باع أيش؟ الطالب: إن باع مجهول.
الشيخ: إن باع مجهولًا.
الطالب: مجهول ومعلوم، لكن لم ( ... ). الشيخ: إن باع مجهولًا وأيش؟ الطالب: ومعلومًا.
الشيخ: إن باع مجهولًا ومعلومًا يتعذر علمه.
الطالب: لم يتعذر علمه.
الشيخ: إن باع مجهولًا ومعلومًا لم يتعذر علمه، كذا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يخالفك بعض الناس.
طالب: إن باع معلومًا ومجهولًا لم يتعذر علمه.
الشيخ: إي، ويش تقولون؟ صح؟ طالب: صحيح.
الشيخ: إن باع معلومًا ومجهولًا لا يتعذر علمه، صح في المعلوم.
الطالب: ولم يصح في المجهول.
الشيخ: ولم يصح في المجهول، ويُقسَّط الثمن عليهما، المثال؟ طالب: ( ... ). الشيخ: بعتك.
الطالب: بعتُك هذه السيارة.
الشيخ: هذه السيارة.
الطالب: ومثلها في الجراج.
الشيخ: مثلها صفة، أبيع بصفة.
الطالب: لا، والسيارة الثانية في الجراج.
الشيخ: تمام، بعتُهما جميعًا بألف، تمام، بارك الله فيك.
إذا قال: بعتُك هذه الشاة وما في بطن الأخرى؟ طالب: إي نعم، في هذه الحالة يتعذر.
الشيخ: تفريق صفقة.
الطالب: نعم.
الشيخ: فيه تفريق صفقة؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه يتعذر ( ... ). الشيخ: فماذا يكون؟ الطالب: في هذه له حالتان: إما أن.
الشيخ: هذه ما فيها حالتان، بعتُك هذه الشاة، وما في بطن الأخرى.
الطالب: بما أنه لم يُبيِّن ثمن كل واحدة منهما فإن البيع لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه لم يُبيِّن ثمن كل واحدة.
الشيخ: وإذا لم يُبيِّن؟ الطالب: إذا لم يُبيِّن، ويتعذَّر علم المجهول في هذه الحال لا يصح التقسيط.

الجزء: 2 - الصفحة: 777

الشيخ: لا يمكن التقسيط.
صحيح يا جماعة؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: إي نعم، نقول: لا يصح في الجميع، أما الحمل فظاهِر، وأما المعلوم فلأنه لا يمكن تقسيط الثمن عليه وعلى المجهول؛ لتعذر علمه، بارك الله فيك.
المسألة الثانية من تفريق الصفقة؟ طالب: أن البيع مشاع بينه وبين غيره، أو نبيع ما ينقسم عليه بالأجزاء.
الشيخ: الثمن بالأجزاء، ينقسم الثمن بالأجزاء، فحينئذٍ؟ الطالب: يصح في نصيبه بقسطه.
الشيخ: تمام، يصح في نصيبه، ولا يصح في نصيب غيره، ويُقسط الثمن عليهما.
باع شيئين أحدهما ملك غيره، والثاني ملكه؟ يعني باع عبدَه وعبد غيره.
طالب: يصح في عبده وغيره.
الشيخ: كيف نعمل بالثمن؟ الطالب: نُقدِّر.
الشيخ: يُقسَّط عليهما.
طيب ما الفرق بين هذا وبين قولنا: باع مشاعًا بينه وبين غيره؟ الطالب: شنو الفرق؟ الشيخ: ما الفرق؟ ما الفرق تصويرًا لا حكمًا؟ الحكم واحد.
الطالب: أن هذا المشاع يكون غير معلوم.
الشيخ: معلوم؟ أنا النصف ولك النصف.
الطالب: ( ... ) صبرة من القمح، يكون يعني .. الشيخ: لا، ما هي صبرة، بعت سيارة لي نصفها ولك نصفها، أيش الفرق؟ الطالب: ( ... ) شراكة، ( ... ). الشيخ: إي، وهذه؟ هذه تميز ملك كل واحد منهم عن الآخر، لكن وقعت الصفقة عليهما جميعًا، والأول المشاع مشترك؛ يعني لأحدهما نصفه وللثاني نصفه، أو لأحدهما الربع، وللثاني ثلاثة أرباع، وما أشبه ذلك.
رجل باع ولده وولد غيره، ما تقول؟ طالب: ( ... ) يباع.
الشيخ: أيهما الذي يصح؟ الطالب: يُباع ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: ما يباع؟ الشيخ: ما يباع؟ ليش؟ باع ولده وولد غيره، ويش تقول؟ كيف؟ طالب: ولده حر.
الشيخ: ولده حر؟ وإن كان ابن رقيقة؟ لأن ولد الرقيقة من الحر عبد.
الطالب: وإن كان ابن رقيقة؟ الشيخ: إي.
الطالب: يعتق عليه الولد.
الشيخ: ما يعتق؛ لأنه ملك لسيد الأم، ليس ملكًا لأبيه.
الطالب: أليس ولده وولد غيره؟ الشيخ: إي، ولد غيره.
الطالب: ولد غيره أيضًا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 778

الشيخ: ولده باعه، نشوف.
الطالب: ما يصح.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: إلَّا.
الشيخ: باع ولده وولد غيره؟ طالب: إذا وكله السيد يعني جاز لولده.
الشيخ: وولد غيره؟ الطالب: إذا وكله السيد في ولده جاز، وولد غيره إذا كان وكيلًا وإلَّا فإذا عُرفت قيمته يُقسَّط، كالمسألة التي سبقت.
الشيخ: طيب، ولد غيره وإن كان ملكًا له؟ الطالب: كيف يا شيخ؟ الشيخ: وإن كان ملكًا له؟ الطالب: كيف يمكن أن يكون ولد غيره ملكًا له، يعني عبده؟ الشيخ: إي، الأَمَة ملك لهذا الرجل، متزوجة واحد أجنبي، وجاءت بولد؟ الطالب: إي، يجوز له؛ لأنه من حقه.
الشيخ: إي، طيب صحيح، هذه تُوهم أنه كيف ولده وولد غيره؟ ولده يكون حرًّا مثله، نقول: لا، ما هو لازم، إي نعم، على كل حال، هذه ممكن نجعلها من باب.
طالب: المعاياة يا شيخ.
الشيخ: من باب المعاياة.
باعه بألف درهم ذهبًا وفضة؟ باعه سلعة بألف درهم ذهبًا وفضة.
الطالب: ما يجوز.
الشيخ: ويش، اصبر تأمل يا أخي، أيش تقول؟ الطالب: باعه بألف درهم.
الشيخ: نعم، ذهبًا وفضة.
الطالب: لا يجوز، لماذا؟ لأن.
الشيخ: اصبر، لا يجوز ولَّا يجوز؟ الطالب: السؤال أيش؟ ! الشيخ: لا إله إلا الله، السؤال: باعه بألفِ درهم ذهبًا وفضة، قال: بعتُ عليك هذه السيارة بألفِ درهم ذهبًا وفضة، هل يصح البيع ولَّا ما يصح؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه غير معلوم أيهما أكثر الذهب أم الفضة.
الشيخ: هو على كل حال لا يتجاوز ألف درهم، لاحظ أنه لن يتجاوز ألف درهم.
الطالب: الذهب والفضة لم يحدد كم ذهب، كم فضة.
الشيخ: إي، صحيح يا جماعة؟ طالب: صحيح.
الشيخ: لأنه ربما يعطيني مثلًا قيمة تسع مئة درهم من الذهب، ومئة درهم من الفضة، أو بالعكس.
باعه بألفٍ ذهبًا وفضة؟ يلَّا.
صحيح ولَّا غير صحيح؟ الطالب: صحيح.
الشيخ: كيف نعلم؟ بألفٍ ذهبًا وفضة، يصح؟ الطالب: يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 779

الشيخ: كيف يصح؟ نحن ما ندري أيهم، هذه خمس مئة وخمس مئة، أو ثمان مئة ومئتان، أو سبع مئة وثلاث مئة؟ ! طالب: فإنه يصح.
الشيخ: ليش؟ الطالب: وتُحمل على المناصَفة.
الشيخ: صحيح، إذا قال بألفٍ ذهبًا وفضة قلنا: صحيح، ويكون الثمن.
الطالب: مناصفة.
الشيخ: خمس مئة درهم، وخمس مئة دينار.
إذا باعه برقمه؟ الأخ.
طالب: إذا كان من جهة الدولة، إن كان باع برقمه من جهة الدولة، فإنه ما يصح.
الشيخ: فإنه لا يصح؛ لأن الدولة ربما تُجبره على هذا الثمن، كذا؟ طالب: هناك قول أنه لا يصح.
الشيخ: مُطلقًا؟ الطالب: نعم، مُطلقًا.
الشيخ: إذا كان البائع والمشتري لا يعلمانه.
الطالب: والثاني يصح إذا كان من قبل الدولة، أما إذا كان من قِبل البائع؛ فإنه لا يصح.
الشيخ: صحيح، وهذا القول هو الصحيح.
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، يلَّا، باعه حاملًا، واستثنى حمله؟ طالب: على المذهب لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ الطالب: لأن ( ... ) بيع الحمل.
الشيخ: لا، ما بعته، هذا استبقاء وليس بيعًا، البيع نقل الملك، وهذا استبقاء ملك.
طالب: على المذهب لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه ( ... ) يكون مجهولًا.
الشيخ: مجهول.
الطالب: والصحيح أنه يجوز.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: على الصحيح.
الشيخ: طيب، ما هو تعليل الفقهاء الذين قالوا: إنه لا يصح بيعه؟ طالب: الجهالة.
الشيخ: كيف ذلك؟ الطالب: لأنه قد يكون الحمل ذكرًا، وقد يكون أنثى.
الشيخ: قد يكون الحمل ذكرًا أو أنثى، أو ذكرين، أو أنثيين، أو مختلفًا، أو يموت.
وهنا ما فيه جهالة؛ لأن ما أخذنا عنه عوضًا.
طالب: لكن قد يكون يا شيخ ( ... ) ذكر واحد، فله قيمة معينة، وقد يكون اثنين.
الشيخ: معلوم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ما يخالف، أنا ما بعته على المشتري، أنا بايع عليه حاملًا كأنها حائل.
الطالب: وإذا كان لم يفرده بعقد؟ الاستبقاء يا شيخ، السؤال عن الاستبقاء، وعن بيع الحمل ( ... )؟ الشيخ: السؤال عن استثناء الحمل.

الجزء: 2 - الصفحة: 780

الطالب: على الصحيح: يجوز .. الشيخ: أحسنت، على الصحيح يجوز؛ يعني يجوز أن تبيع شاة حاملًا وتستثني حملها؛ لأن هذا استبقاء، ما أخذت عليه عوضًا، البائع الذي استثنى الحمل لم يأخذ عليه عوضًا.
إذن هل القاعدة: ما لا يصح بيعه منفردًا لا يصح استثناؤه، هل هي صحيحة؟ طالب: لا.
الشيخ: ويش تقول؟ طالب: عيد السؤال.
الشيخ: انتهى الموضوع، القاعدة: ما لا يصح بيعه منفردًا لا يصح استثناؤه، غير صحيحة، لا طردًا ولا عكسًا؛ لأن سيأتينا إن شاء الله تعالى في بيع الأصول والثمار أن بيع الثمار قبل بدو صلاحه لا يجوز، واستثناؤه -استثناء البائع إياه- جائز؛ لأن الاستبقاء أقوى من الإنشاء، يعني مثلًا عندي نخل، النخل تام، بس إنه لم يُلون، فهل يجوز أن أبيع الثمر قبل أن يُلوِّن؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، لو بعت النخل، واستثنيت الثمر يجوز، مع أن هذا الثمر لا يصح بيعه، فتبين أن هذه القاعدة لا تصح؛ أن ما لا يصح بيعه مُفردًا لا يصح استثناؤه غير صحيحة؛ لهذا السبب.
إذا باعه بما في هذا الكيس من الدراهم؟ كيس، صرة.
طالب: هذا جهل حال، ( ... ). الشيخ: يجوز ولَّا لا؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، وعلى القول الصحيح؟ الطالب: كذلك.
الشيخ: كذلك، إذن ويش الفائدة من كلمة على المذهب؟ الطالب: تعريف المذهب ( ... ) الفائدة منه فقط ( ... ). الشيخ: يعني تراجعت الآن؟ ! الطالب: ( ... ). الشيخ: ويش القول الثاني؟ الطالب: ما فيه قول ثان.
الشيخ: ليش تقول: المذهب؟ ! ما تقول؟ بعتُ بهذه الصرة من الدراهم ولا عدِّيناها.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: المذهب يجوز، والصحيح أنه لا يجوز.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: فصل

الجزء: 2 - الصفحة: 781

ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني، ويصح النكاح وسائرُ العقود، ويصح النكاح وسائرُ العقود، ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرًا، ولا سلاحٍ في فتنة، ولا عبدٍ مسلم لكافر إذا لم يَعتِق عليه، وإن أسلم في يده أُجبِر على إزالة ملكه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن المؤلف رحمه الله لما ذكر شروط صحة البيع ذكر موانع البيع، وإنما صنع ذلك؛ لأن الأشياء لا تتم إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع؛ لأنه إذا تمت الشروط، ولم تنتفِ الموانع لم تصح العبادة ولا المعاملة، وكذلك لو عُدمت الموانع ولم تتم الشروط لا تصح.
أرأيت الرجل يكون أبًا للإنسان أو ابنًا له فإنه يرث؛ ولكن إذا كان فيه مانع من موانع الإرث لم يرث؛ لأنه لا يتم الشيء إلا بوجود شروطه، وانتفاء موانعه.
فذكر المؤلف في هذا الفصل ما يمنع صحة البيع مع تمام الشروط، فقال: (ولا يصح البيع)؛ يعني ولا الشراء (ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني)، قوله: لا يصح البيع ولا الشراء (ممن تلزمه الجمعة) احترازًا ممن لا تلزمه، لأن من لا تلزمه الجمعة لا يلزمه السعي إليها، وإذا لم يلزمه السعي إليها صار البيع والشراء في حقه حلالًا؛ إذ إن الذي لا يصح البيع منه هو الذي يوجه إليه الخطاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، فأمر بالسعي إلى ذكر الله، وهي الخطبة والصلاة، والمراد بالسعي هنا مجرد الانطلاق، وليس المراد به السعي الذي هو الرَّكْض؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الإسراع فيمن أتى إلى الصلاة، قال: «لَا تُسْرِعُوا» (3). ونحن قلنا: لا يصح البيع ولا الشراء، أفلا يقول قائل: إن البيع والشراء متلازمان؟

الجزء: 2 - الصفحة: 782

قلنا: مرادُه بالشراء هنا: الإيجاب؛ لأنه قد يُوجِب البائع البيع، فيقول: بعتُ عليك هذا بعشرة، وبعد ذلك يقول المؤذِّن: الله أكبر، فيقول الثاني: قبلت، ما الذي وقع بعد النداء الآن؟ طلبة: الشراء.
الشيخ: الشراء، وإلَّا من المعلوم أنه لا بيع إلَّا بشراء ولا شراء إلَّا ببيع، لكن قد يقع القبول بعد النداء، والإيجاب قبل النداء، فنقول: إن البيع لا يصح.
وقوله: (ممن تلزمه الجمعة) يُوجِب لنا أن نرجع إلى شروط وجوب الجمعة، وهو مذكور في أي مكان؟ طلبة: في الصلاة.
الشيخ: في باب العبادات في كتاب الصلاة.
وقوله: (بعد ندائها الثاني) أفادنا المؤلف رحمه الله أن للجمعة نداءين؛ أولًا وثانيًا، فأما الثاني فهو الموجود على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين يجيء الإمام فيُؤذِّن المؤذن، أما ما قبل ذلك، فإنما حدث هذا في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، حين اتسعت المدينة وبعُد الناس جعل للجمعة نداءين؛ من أجل أن يتهيَّأ الناس إلى الحضور، فيمكنهم الحضور حين حُضور الإمام.
فإن قال قائل: إحداث ذلك بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يشرع إلا أذانًا واحدًا، والأذان عبادة، لا يمكن شرعها إلَّا بإذن من الشارع؟ فالجواب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن هذا من سُنَّة الخلفاء الراشدين؛ لأن عثمان رضي الله عنه منهم، وللخلفاء الراشدين سُنَّة متبعة بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام فقد قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي» (4)، هذه واحدة.
ثانيًا: أن عثمان رضي الله عنه لم يسُنَّه إلَّا لسبب لم يكن موجودًا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وهو سعة المدينة، وتباعد الناس، فلا يقال: إن الرسول لم يشرعه مع وجود الأذان الثاني، نقول: لأنه في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن هناك سعة يحتاج الناس معها إلى أن ينادَوْن للصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 783

وقد عُلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم شرع أذانًا في آخر الليل ليس لصلاة الفجر، بل من أجل إيقاظ النائم وإرجاع القائم، فقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيُوقِظَ نَائِمَكُمْ ويُرْجِعَ قَائِمَكُمْ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (5). إذن السبب الذي شرع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُؤذَّن في آخر الليل، لا من أجل وقت صلاة، ولكن من أجل أن يستعد الناس للسحور قد يكون أقل سببًا لمشروعية الأذان من أذان يوم الجمعة، فعلى هذا تكون هذه السُّنَّة التي سنها أمير المؤمنين عثمان بن عفان تكون سُنَّة شرعية نحن مأمورون باتباعها.
وبهذا يُعرف غرور بعض الأغرار الصغار من طلاب العلم الذين ينتسبون إلى علم الحديث، فيُضلِّلون أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ويقولون: إنه مبتدِع، نسأل الله العافية.
وهم إذا قالوا: إن عثمان مبتدع، لزم من ذلك أن يكون جميع الصحابة الذين أدركوا عهده مبتدعة؛ لأنهم أقروا البدعة، وهذا مبدأ خطير، ينبئ عن غرور وإعجاب بالنفس، والعياذ بالله، وعدم اكتراث بما كان عليه السلف الصالح.
ووالله، ثم والله، ثم والله، إن علم السلف الصالح أقرب إلى الصواب من علم المتأخِّرين، وأهدى سبيلًا، وهذا شيء معلوم، حتى ابن مسعود رضي الله عنه كان يأمر باتباع هدي الصحابة رضي الله عنهم ويقول: إنهم أعمق علومًا، وأبر قلوبًا، فإذا اجتمع بر القلب وعمق العلم تبين أن من بعدهم فهم خلف وليسوا أمامًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 784

وإني أحذِّر إخواني طلبة العِلْم من ارتكاب مثل هذا الصعب، وأقول: لا ترتقوا مرتقى صعبًا، عليكم بسنة الخلفاء الراشدين كما أمركم نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإياكم أن تُطلقوا ألسنتكم عليهم بمثل هذا الكلام السخيف، أيقال لأمير المؤمنين عثمان بن عفان ثالث خلفاء المسلمين إنه مبتدع؟ ! أو يقال لمن أدرك زمنه من الصحابة إنهم مقرون للبدعة؟ من أنت أيها الصبي؟ من أنت أيها الغِر؟ اعرف قدْر نفسك حتى تعرف قدر الناس! ! نسأل الله السلامة.
إذن نرجع إلى موضوع الدرس، النداء الأول للجمعة إذا وقع البيع والشراء بعده، أيش؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: فلا بأس؛ لأنه لا نهي فيه.
وقول المؤلف: (لا يصح البيع).
إذا قال قائل: ما الدليل على الفساد؟ قلنا: الدليل نهي الله عز وجل؛ لأن قوله: ﴿ذَرُوا الْبَيْعَ﴾ يعني لا تبيعوا، والنهي يقتضي الفساد، هذه القاعدة التي دل عليها سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكلام أهل العلم، دل عليها سنة الرسول؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (6)، وقال: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (7). ولأننا لو صححنا ما نهى عنه الله ورسوله لكان في ذلك مضادة لله ورسوله، إذ إن النهي يقتضي البعد عنه، وعدم ممارسته، والتصحيح يقتضي خلاف ذلك، فكان في هذا دليل وتعليل، دليل على البطلان وتعليل، الدليل ما هو؟ طالب: الآية.
الشيخ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ».
والتعليل: أن التصحيح يستلزم ممارسة هذا الشيء، ونفاذ هذا الشيء، وهذا مضادة لله ورسوله.

الجزء: 2 - الصفحة: 785

قال المؤلف رحمه الله: (ويصح النكاح وسائر العقود)، (يصح النكاح)؛ يعني عقد النكاح يصح بعد أذان الجمعة الثاني؛ لأن الله إنما نهى عن البيع، وأما النكاح فلم يُنهَ عنه؛ ولأن البيع عقد معاوضة يكثر تناوله بين الناس بخلاف النكاح.
وقوله: (وسائر العقود) ظاهر كلامه أنه يصح الرهن، والضمان، والقرض، والإجارة، وإمضاء بيع الخيار، والإقالة وغير ذلك، كل العقود تصح، ولكن الصحيح خلاف كلام المؤلف رحمه الله، وأن سائر العقود منهي عنها كالبيع.
وإنما ذكر الله البيع بحسب الواقع؛ لأن هذا هو الذي حصل؛ أن الصحابة لما وردت العير من الشام خرجوا وبدؤوا يتبايعون فيها، فتقييد الحكم بالبيع إنما هو باعتبار الواقع فقط، وإلَّا فكل ما ألهى عن حضور الجمعة فهو كالبيع ولا فرق.
فالصواب أن جميع العقود لا تصح، وأنها حرام، لا النكاح، ولا القرض، ولا الرهن، ولا غيرها.
نعم، ربما يقول قائل: إن عقود التبرعات كالهبة لا تضر؛ لأنها لا تُلهي، ولا تشغل، مثل لو أن رجلين أقبلا على المسجد، وفي حال إقبالهما أذن لصلاة الجمعة، فوهب أحدهما الآخر شيئًا، فهنا قد يُقال: إنه يصح؛ لأنه لم يحصل بذلك إشغال ولا إلهاء، لكن شيء يحتاج إلى معالجة، ونقول: إنه يصح مع أن الله نهى عن البيع، هذا فيه نظر.
عندي جملة معترضة، قال: (ويصح النكاح وسائر العقود)، نقول: الصحيح عدم الصحة، اللَّهم إلَّا في عقود التبرعات التي لا يحصل بها إشغال، فقد يقول قائل بأن ذلك صحيح ولا بأس به بشرط ألا يشغل.
قال: (ولا يصح بيع عصير ممن يَتخذه خمرًا)، قوله: (ممن) أي: على مَنْ، لا يصح بيع العصير على إنسان يريد أن يتخذه خمرًا، العصير معروف؛ عصير عنب، أو عصير تين، أو برتقال، أو غيره، اشتراه إنسان، وهو عصير -كما يقولون- طازج لأجل أن يخمره، ويتخذه خمرًا، فإن البيع لا يصح، الدليل: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

الجزء: 2 - الصفحة: 786

فإن قال قائل: أنا ما الذي يدريني أن هذا الرجل اشترى العصير ليتخذه خمرًا أو ليشربه في الوقت الحاضر؟ نقول: إذا غلب على ظنك أن هذا من القوم الذين يشترون العصير ليتخذوه خمرًا كفى، إذا غلب على ظنك أنه من هؤلاء كفى، وإلا فالأصل الصِّحة، وعدم المنع، لكن إذا غلب على ظنك أنه اشتراه من أجل ذلك صار هذا حرامًا؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله سبحانه وتعالى قد نهى عن ذلك.
كذلك لا يصح بيع سلاح في فتنة بين المسلمين؛ يعني لو حصل فتنة وقتال بين المسلمين، وجاء رجل يشتري منك سلاحًا، وغلب على ظنك أنه اشترى السلاح ليقاتِل المسلمين، فإنه يحرُم عليك أن تبيعه إياه، فإن قال صاحب السلاح: لعله اشتراه من أجل أن يصطاد به صيدًا مباحًا، فما الجواب؟ طالب: القرينة.
الشيخ: نقول: لا، نحن لا نمنع إلا إذا غلب على ظنك أنه اشتراه من أجل أن يقاتِل به المسلمين.
وكذلك لو اشترى رجل سلاحًا ليصطاد به صيدًا في الحرم، تعرف أن هذا الرجل من أهل الصيد، وهو الآن في الحرم، واشترى منك السلاح لأجل أن يصطاد به صيدًا في الحرم، فهذا حرام ولا يصح البيع؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، وتأمل القرآن الكريم، كلمة: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يدخل فيها آلاف المسائل؛ لأنها كلمة عامة، تشمل التعاون على الإثم والعدوان في العقود، التبرعات، والمعاوضات، والأمتعة، وغير ذلك، كل ما فيه التعاون على الإثم والعدوان فإنه حرام.
كذلك لا يصح بيع أوانٍ لمن يسقي بها الخمر، أنا أعرف أن صاحب هذا المطعم يأتيه الناس يشربون الخمر عنده، وأتى إلَيَّ ليشتري أواني يسقي بها الخمر، فهل هذا جائز؟ لا؛ لأن هذا من باب التعاون على الإثم والعدوان.
طيب، اشترى مني رجل أمواسًا لحلق اللحى؟ أعرف أنه اشتراها لذلك، هل يجوز بيعها عليه؟ طلبة: لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 787

الشيخ: لماذا؟ تعاون على الإثم والعدوان، نعم، وكثير من العامة يظنون أن حلق اللحية لا بأس به، حتى إن بعض الناس يسألنا في الحج يقول: إنني لبست ثيابي قبل أن أحلق؟ ! سبحان الله يشير إلى، يعني يمسح لحيته ويقول: قبل أن يحلق، قلنا لهذا: لا تحلق، لا بعد الحل، ولا قبل الحل، حرام عليك.
اشترى رجل مني بيضًا من أجل أن يقامِر عليه، هل يجوز أن أبيع عليه؟ طالب: لا.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، ولكن كيف القمار على البيض؟ يلَّا، كيف القمار على البيض؟ البيض يُتخذ للقمار؟ طالب: ( ... ) يا شيخ، إنه إذا حطه بيد واليد الثانية ( ... ). الشيخ: حطيت البيض في يده.
الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، نشوف الأخ.
طالب: مثلًا يعني يقول: هذه البيضة إن كسرتها فلك مثلها، أو مثليها، وإن لم تكسرها تعطني اثنين، فهذا قمار.
الشيخ: كيف يكسر؟ بالحجر يعني؟ الطالب: لا، يقول له مثلًا: استعمل قوتك بأن تكسرها وهي طولًا، هكذا.
الشيخ: إي، هذا مما يُقامر عليه، يقول: إنك إذا ضغطت على البيضة طولًا ما تكسرها أبدًا، وعرضًا تكسرها، فالناس يقامرون عليه بهذه الصفة، فإن علمنا أن هذا الرجل اشترى البيضة من أجل القمار عليها قلنا: هذا لا يجوز؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان.
طالب: عندنا صفة أخرى.
الشيخ: عندكم صفة أخرى في؟ الطالب: كسر البيض.
الشيخ: في أفغانستان.
الطالب: في أفغانستان وباكستان، هم يجلبون البيض مع بعض، أي واحد كسرت الثاني الذي كسرها، يعني اثنان ( ... ). الشيخ: اثنان كل واحد معه بيضة.
الطالب: إذا كسرها ( ... ). طالب آخر: كذلك عند ( ... ). الشيخ: كذا؟ الطالب: إي، ( ... ) والثاني ( ... ) إذا كسرها ( ... ). الشيخ: هذه بعد غريبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 788

قال: (ولا عبدٍ مسلم لكافر إذا لم يعتِق عليه) العبد المسلم لا يجوز أن تبيعه على كافر؛ لأنك إذا بعت المسلم على الكافر سلطت الكافر على المسلم، إذ من المعلوم أن السيد له سلطة وإمرة على عبده، فإذا بعت العبد المسلم على الكافر سلطت الكافر عليه، وأذللت المسلم أمام الكافر، وإذلال المسلم حرام، ولا يحل، فلا يحل للإنسان أن يبيع عبده المسلم على كافر.
وبيع العبد الكافر على الكافر، لو كان عند إنسان عبد كافر، وباعه على كافر، يصح؟ طالب: يصح.
الشيخ: طيب، قوله: إذا كان لا يصح بيعه على الكافر، اشترط قال: (إذا لم يعتق عليه) إذا لم يعتِق العبد على الكافر، فإن عتق على الكافر بالشراء؛ صحَّ بيعه عليه، ومنِ الذي يعتق على مشتريه هو؟ طالب: ذو الرحم.
الشيخ: ذو الرحم المحرَّم؛ يعني أخاه، عمه، خاله، ابن أخيه، وما أشبه ذلك، كل من بينهما رحم مُحرَّم إذا ملك أحدهما الآخر عتق عليه، ابنه؟ طلبة: يعتق.
الشيخ: يعتق؟ ابن بنته؟ طلبة: يعتق.
الشيخ: يعتق.
طيب، فإذا كان هذا العبد ابن أخٍ للكافر، وبعته على الكافر.
طالب: يصح.
الشيخ: يصح؟ لماذا؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لأنه بمجرد ما يقول: قبلت، يكون العبد حرًّا، ينطلق، يكون حرًّا، وهذا في الحقيقة فيه مصلحة للعبد، إذ إن فيه تعجيلًا لحريته، ولا يمكن أن يبقى ملك الكافر عليه ولا لحظة؛ لأنه بمجرد ما يقول: قبلت؛ يعتق، فإذا كان يعتق عليه فإنه يصح بيعه.
كذلك أيضًا لو كان يعتق عليه بتعليق، كيف بتعليق؟ يعني بأن يكون هذا الكافر قال: إذا ملكت هذا العبد فهو حُرّ، فإنه بمجرد ما يملكه يكون حُرًّا.
والمؤلف عمم قال: (إذا لم يعتق عليه)، فإذا عتق عليه إما لرحم مُحرَّم، وإما لتعليق، فإنه يصح بيعه عليه؛ لأن في ذلك استعجالًا لحريته.
طيب، هل يصح بيع العبد الكافر لمسلم؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يصح.
إذن بيع العبد المسلم لمسلم صحيح.
طلبة: نعم.
الشيخ: الكافر للكافر؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: المسلم للكافر؟

الجزء: 2 - الصفحة: 789

طلبة: غير صحيح.
الشيخ: الكافر للمسلم؟ الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح.
ثم قال: (وإن أسلم في يده أجبر على إزالة ملكه) إن أسلم في يد الكافر أجبر -أي الكافر- على إزالة ملكه؛ لأنه لا يمكن أن يكون للكافر ولاية وسلطة على مسلم، مثال ذلك: رجل كافر عنده عبد كافر، ثم إن العبد الكافر أسلم، مَنَّ الله عليه بالإسلام فأسلم.
نقول للكافر: لا يمكن أن يبقى على ملكك، لا بد أن تخرجه من ملكك، ولكن بماذا يخرجه من ملكه؟ بالعتق، هذه واحد، أو بالبيع، لكن بشرط ألا يبيعه على كافر، فإن باعه على كافر فالبيع حرام ولا يصح.
فقول المؤلف: (أُجبر على إزالة ملكه) عام، إزالة ملكه ببيع، أو هبة، أو عتق، أو غير ذلك، لكنه إذا كان ببيع أو هبة فإنه لا يبيعه، ولا يهبه على إنسان كافر.
ثم قال: (ولا تكفي مكاتبته) يعني: لو أن الرجل الكافر الذي أسلم عبدُه قال: أنا أكاتبه، والمكاتبة: أن يبيع السيد عبده على نفسه، هذه المكاتبة، أشار الله إليها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33].
فهذا الرجل الكافر، قال: أنا ما عندي مانع، ليس عندي مانع أن أزيل ملك عبدي، لكني أريد أن أزيله بالمكاتبة، أبيع نفسه عليه، نقول: هذا لا يكفي؛ لأن المكاتبة لا تُخرج ملك السيد عن العبد حتى يوفي تمامًا، وقبل الوفاء هو في رق السيد، فلهذا لا تكفي المكاتبة.
لو قال: أنا أبيعه، لكن أريد أن أشترط الخيار لي لمدة شهر، أيجزئ هذا أو لا؟ لا؛ لأنها لم تنقطع عُلَقُه عنه، فربما يقول: أنا فسخت البيع، إذن لو كاتبه لم يصح، ولو باعه بخيار لم يصح أيضًا، لا يكفي.

الجزء: 2 - الصفحة: 790

ثم قال المؤلف: (وإن جمع بين بيع وكتابة، أو بيع وصرْف؛ صح في غير الكتابة) هذا الجمع بين عقْدين، إذا جمع بين عقدين فإن كان بشرط فالعقد غير صحيح، وإن كان بغير شرط فالعقد صحيح، مثال ذلك: قال: بعتُ عليكَ بيتي هذا بمئة ألف بشرط أن تؤجرني بيتك بعشرة آلاف، قال: قبلت، ما عندي مانع، فالعقد غير صحيح، لا البيع ولا الإجارة؛ لأنه شَرْط عقد في عقد فلا يصح، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» (8). هذا هو المذهب، والصحيح أنه جائز إذا لم يتضمن محظورًا شرعيًّا، والحاجة داعية لذلك، قد يقول: أنا لا أحب أن أبيع عليك بيتي حتى أضمن أنني ساكن في بيت آخر، فأقول: بعتُ عليك البيت بمئة ألف، بشرط أن تؤجرني بيتك بعشرة آلاف، أو بألف، ما المانع من هذا؟ ليس هناك مانع.
وأما قول الرسول: «شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» فالعبارة مطلقة، فتُحمل على المقيد، وهما الشرطان اللذان يلزم منهما الوقوع في محظور شرعي.
لكن إذا كان بغير شرط، جمع بين بيْع وكتابة، أو بيْع وصرف، أو بيع وإجارة، أو بيْع ومهر، فإن العقد يصح، لكن قال: (في غير الكتابة) يعني: في غير ما إذا جمع بين بيع وكتابة، فإن البيع لا يصح، يحتاج نمثل ولَّا؟ طالب: لا.
إذا جمع بين بيع وإجارة، قال: بعتُك بيتي هذا بمئة ألف، وآجرتك البيت الثاني بعشرة آلاف، قال: قبلت، هذا صحيح.
أو قال: بعتُك بيتي هذا، وآجرتك بيتي هذا بمئة ألف؟ أيضًا صحيح، ويُقسط العِوض عليهما عند الحاجة.
(بين بيْع وكِتابة) قال لعبده: بعتُك هذه السيارة، وكاتبتُك بعشرة آلاف، الثمن واحد ولا متعدِّد؟ طلبة: واحد.
الشيخ: والصفقة؟ طلبة: متعددة.
الشيخ: واحدة، بعتُك هذه السيارة، وكاتبتُك بعشرة آلاف.
يقول المؤلف: لا يصح البيع في هذه الحال، ليش لا يصح؟ لأنه باع ملكه على ملكه، هذا العبد الذي كاتبه، هل خرج عن ملكه؟ طلبة: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 791

الشيخ: لا يخرج حتى يُؤدِّي، فإذا باع ملكه على ملكه لم يصح، والمسألة فيها خلاف لكن هذا المذهب، والتعليل -كما سمعتم- أن من شرْط البيع أن يبيع على من يملك ملكًا تامًّا، وهذا لا يملك ملكًا تامًّا؛ إذ إنه ما زال على ملك سيده.
(البيع والصرف) الواقع أن الصرْف بيع، لكن هو يختص بأنه مبادَلة نقد بنقد، هذا الفرْق، وله أحكام معروفة، لكن الكلام على أنه مبادَلة، دنانير بدراهم: صرف، ودنانير بثياب: بيع، غير صرْف، والصرف بيع لا شك، لكن لما كان الصرف له أحكام خاصة صاروا يفردونه بالقول.
(بيع وصرْف) قال مثلًا: بعتُك هذه الدنانير وهذه السيارة بعشرة آلاف درهم، الصفقة.
طلبة: واحدة.
الشيخ: والثمن واحد، يصح، يصح البيع، فإذا قُبض الثمن فلا إشكال، وإن لم يُقبض صح في السيارة دون الصرف؛ لأنه لا بد إذا بعت دراهم بدنانير لا بد أن تقبض وتُقبِّض، لا بد من التقابض قبل التفرق.
قال المؤلف: (صح في غير الكتابة) ظاهر كلامه -رحمه الله- في غير الكتابة أن الكتابة لا تصح، وليس الأمر كذلك، بل المراد أن البيع لا يصح، وأما الكتابة فتصح.
فإن قال قائل: ما دليلك على هذا، هذا خلاف ظاهر كلام المؤلف؟ نقول: لأن الكلام الآن في البيع ولَّا في الكتابة؟ في البيع، يعني فإذا جمع بين البيع والكتابة، قلنا: الكتابة صحيحة، والبيع غير صحيح.
قال: (ويُقسَّط العِوَض عليهما) (يُقسَّط) يعني يوزع العِوض عليهما، وذلك عند الحاجة، مثال ذلك: بعتُك هذه السيارة، وآجرتك هذا البيت بمئة ألف، الثمن واحد، والعقد واحد.

الجزء: 2 - الصفحة: 792

قُدِّر أن البيت انهدم، جاءته أمطار فهدمته، فالإجارة تنفسخ، تنفسخ الإجارة؛ لأن العين المعقود عليها تلفت، كيف نوزع الثمن الآن؟ أو كيف نوزع العوض؟ أحسن؛ لأن هذا العوض فيه أُجرة وفيه ثمن، فكيف نوزع هذا العوض؟ يوزع بالقيمة، يقال: كم يؤجر البيت به؟ قالوا: يؤجر بعشرين ألفًا، كم قيمة السيارة؟ كم تكون قيمة السيارة؟ الثمن مئة، تكون قيمة السيارة ثمانين.
إذن ينزل من العِوض كم؟ عشرون، فإن قُدِّر أنه عند التقويم صار يُساوي مئتي ألف، وقالوا: إن الإجارة قيمتها عشرون ألفًا، ونحن الآن العقد كم؟ بمئة، نقول: عشرون ألفًا من مئتين تقابل عشرة بالمئة؛ يعني عشرون ألفًا من مئتين: عشرة في المئة، نقول: إذن نرجع للثمن الذي هو مئة، فنخصم منه عشرة في المئة، هذا معنى قول المؤلف: (يُقسَّط العوض عليهما) يعني: لو احتجنا إلى توزيع العِوض فإنه يقسط على قيمة المبيع وعلى الأجرة.

طالب: يا شيخ، لو كان فيه جامعان، إذا كان عندي جامعان فأذَّن الأول، ولم يؤذن الثاني، وكان مثلًا الرجل الذي يبيع ويشتري أن يدخل أحد الجامعين؟ الشيخ: نعم، هذا يقول: إذا كان هناك جمعتان، فأذَّن في إحداهما دون الأخرى، فهل المعتَبر الأولى أو الأخيرة؟ المعتَبر ما يريد الصلاة فيه، ولهذا لو أن أحد المسجدين يخطُب وأنت لا تريد الصلاة فيه، فهل يلزمك الإنصات؟ الطالب: لا.
الشيخ: لا، لكن لو كان المسجد الذي تريده هو الذي يخطب لزمك الإنصات، ولو كنت خارج المسجد.

طالب: شيخ -بارك الله فيك- هل يُعذر الكافر بجهله؟ مثلًا لو قال لنا الكافر: أنا ما أعرف أحكام الشريعة في مسألة ما إذا اشتريت عبدًا، وكان ( ... ) يعتق عليَّ بمجرد قولي: قبلت؟ الشيخ: إي نعم، يقول العلماء: العِبرة في المعاملات بما في نفس الأمر، وفي العبادات بغلبة الظن، فنقول لهذا الرجل: لا يهمنا، علمت أم لم تعلم، العبد يعتق عليك، وتُجبر على إزالة ملكه.
الطالب: هذا في كل المعاملات يا شيخ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 793

الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني ( ... ) البيع؟ الشيخ: إي نعم، العبرة بما في نفس الأمر.
طالب: شيخ، النداء الثاني للجمعة الذين قالوا: بدعة.
الشيخ: الأول.
الطالب: الذين قالوا .. الشيخ: إي الأول.
الطالب: أنه بِدعة، استدلوا بأثر ابن عمر، وقالوا: إنه معلول.
الشيخ: نعم، أولًا: نحن نطالبهم بصحة الدليل، هذه واحد، الشيء الثاني: إذا صح ذلك، فإن قول عثمان أَوْلى بالقبول من قول ابن عمر؛ لأن عثمان من الخلفاء الراشدين.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن أسلم في يده أُجبر على إزالة ملكه، ولا تكفي مكاتبته، وإن جمع بين بيع وكتابة، أو بيع وصرف صح في غير الكتابة، ويُقسَّط العوض عليهما، ويحرم بيعه على بيع أخيه كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، وشراؤه على شرائه كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة ليفسخ ويعقد معه، ويبطل العقد فيهما، ومن باع ربويًّا بنسيئة، واعتاض عن ثمنه ما لا يُباع به نسيئة، أو اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة لا بالعكس لم يجُز، وإن اشتراه بغير.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما مناسبة ذِكْر هذا الفصل بعد ذكر الشروط؟ طالب: إنه لما ذكر الشروط ذكر موانع البيع؛ لأن الأشياء لا تتم إلَّا بذِكْر شروطها وموانعها.
الشيخ: بذكر، إلَّا.
الطالب: بذكر شروطها وانتفاء موانعها.
الشيخ: بذكر شروطها؟ الأشياء لا تتم إلَّا بذكر شروطها؟ يعني إذا قلت: شروط الصلاة تسعة صحت الصلاة؟ ! الطالب: بوجود.
الشيخ: إي، باجتماع شروطها وانتفاء موانعها، إذن هذه مناسبة الفصل لما سبقه؛ لأن الشيء لا يتم إلَّا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه.
تبايعت امرأتان بعد نداء الجمعة الثاني، فما حكم بيعهما؟ طالب: صحيح.
الشيخ: جائز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 794

الطالب: لأن المرأتين لا تلزمهما الجمعة.
الشيخ: صحيح؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: نعم، البيع صحيح وجائز؛ لأنهما غير مدعوتين بهذا النداء.
طيب مريضان، رجلان تبايعا بعد نداء الجمعة الثاني؟ طالب: إذا كانا لا يقدران على ( ... ). الشيخ: إي نعم، لا يقدران على الذهاب.
الطالب: يصح البيع.
الشيخ: يصح البيع؟ لماذا؟ لأن الجمعة لا تلزمهما.
طيب أوجب عقد البيع قبل الأذان وقبِل المشتري بعد الأذان؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، البيع وقع قبل.
الطالب: لكن القبول كان بعد الأذان.
الشيخ: إي، والبيع لا يتم العقد فيه إلَّا بإيجاب وقبول.
لماذا قيَّد المؤلف نداء الجمعة بالثاني؟ طالب: لأنه هو الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المقصود بالآية ( ... ). الشيخ: لأنه المقصود بالآية، والموجود في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
عقد رجل النكاح على امرأة بعد نداء الجمعة الثاني؟ طالب: ( ... ) المذهب ( ... ). الشيخ: نعم، على ما ذهب إليه المؤلف: يصح، وهو المذهب، والقول الصحيح أنه لا يصح؛ لأن العلة.
طالب: لأن العقد ( ... ) إشغال.
الشيخ: أحسنت، العلة واحدة، الإشغال، وربما يكون انشغال الإنسان بعقد الأزواج أكثر من انشغاله بعقد البيع، أليس كذلك؟ الطالب: بلى.
الشيخ: إي نعم، رجل باع عصيرًا على آخر؟ طالب: إذا باع، المسألة فيها تفصيل، من باع العصير على من يتخذه خمرًا فنقول: إنه لا يجوز؛ لأن الله ( ... )، وإن بعناه على شخص نعلم أنه لا يشتري الخمر، فإن البيع صحيح.
الشيخ: وإن شككنا؟ الطالب: وإن شككنا رجعنا للأصل.
الشيخ: ما هو الأصل؟ الطالب: إنه عدم المنع من البَيْع.
الشيخ: حِل البيع.
الطالب: حِل البيع عدم المنع.
الشيخ: إي، سمعتم يا جماعة؟ إذا غلب على الظن أنه اشترى هذا العصير ليتخذه خمرًا فإننا لا نبيع، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

الجزء: 2 - الصفحة: 795

باع بيضًا على آخر، هل يصح البيع؟ البيض باعه على آخر، يصح؟ مشكلة إذا قلنا: ما يصح، معناه كل فطورنا كل يوم ما هو صحيح.
الطالب: ما أدري.
الشيخ: ما تدري.
طالب: ( ... ) فيها تفصيل.
الشيخ: فيها تفصيل، ما هي؟ الطالب: إذا باع البيض على أنه ( ... ) فالبيع جائز، أما إذا باعه على أنه يلعب به القمار فالبيع يقع باطلًا.
الشيخ: طيب، وإن باعه على أن يتخذه فراخًا؟ الطالب: صحيح، ( ... ). الشيخ: إذن ليش؟ نقول: إن باعه على من يتخذه للقمار فهو حرام ولا يصح، وإلَّا فهو صحيح.
ما هو الدليل على تحريمه إذا كان لمن يتخذه للقمار؟ طالب: لأنه تعاون على الإثم والعدوان؛ لقوله: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
الشيخ: نعم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
أسلم قِنٌّ عند كافر؟ طالب: وجب أن يعفو عنه يا شيخ، العبد يجب أن يتحرر من الكافر، إذا أسلم على يد سيده الكافر يجب أن ينتقل عنه، أو يبيعه على مسلم.
الشيخ: يعني تجب إزالة ملكه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: بأي سبب من الأسباب؟ الطالب: لأنه لا يصح أن يكون السيد الكافر تحته عبد مسلم.
الشيخ: إي، طيب، الدليل؟ الطالب: الدليل أنه لا تصح أن يكون المسلم ذليلًا.
الشيخ: لا، هذا حكم ما هو دليل.
طالب: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]. الشيخ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، طيب، هذه الآية قد يُنازع فيها؛ لأن الله قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ يعني في ذلك الوقت، في ذلك اليوم، لكن هنا تعليل قوي.
طالب: فيه إذلال للمسلم.
الشيخ: نعم، لما في ذلك من إذلال المسلم، وربما يحمله على أن يرتد عن الإسلام.

الجزء: 2 - الصفحة: 796

يقول المؤلف: (إن جمع بين بيع وكتابة صح في غير الكتابة)، معناه؟ طالب: إذا جمع بين عقدي بيع.
الشيخ: جمع بين عقدين ولَّا بعقد واحد؟ الطالب: بعقد واحد.
الشيخ: بين؟ الطالب: بين البيع والكتابة.
الشيخ: نعم.
الطالب: فإنه يصح، إذا جمع بين البيع والكتابة لا يصح.
الشيخ: لا يصح؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: ويش اللي لا يصح؟ البيع أو الكتابة؟ الطالب: لا، البيع لا يصح.
الشيخ: البيع لا يصح.
الطالب: ( ... ). الشيخ: والكتابة؟ الطالب: تصح.
الشيخ: مثاله؟ الطالب: كأن يبيع على عبده شيئًا ويُكاتبه.
الشيخ: لا، أن يبيعه ويكاتبه؟ الطالب: عقدين يا شيخ.
الشيخ: لا، هو عقد واحد، جمع في عقد واحد بين بيع وكتابة.
الطالب: ( ... ) أن يكاتب عبده ( ... ). الشيخ: الكتابة أن يبيع عبده على نفسه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: المثال؟ الطالب: مثل أن يقول لعبده: ( ... ). الشيخ: بعتُ عليك هذه السيارة وكاتبتك.
الطالب: سنة .. الشيخ: لا، ما تقول: سنة ولا شيء، وكاتبتك بعشرة آلاف.
الطالب: لا يصح.
الشيخ: ما الذي لا يصح؟ الطالب: البيع.
الشيخ: والكتابة تصح، لماذا لا يصح البيع؟ الطالب: لا يصح البيع؛ لأنه باع ماله لماله؛ لأن المال ماله.
الشيخ: لأن المكاتب عبدٌ حتى يُوفي، فيكون باع ماله.
تمام، طيب، وإن كاتبه، ثم باع عليه سيارة؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: المكاتب له حرية.
الشيخ: في أيش؟ الطالب: في التصرف.
الشيخ: في التصرف، فإذا اشترى من سيده فلا بأس، كما لو اشترى من غيره.
ما هي صورة قولهم: جمع بين بيع وصرف؟ ويش مثاله؟ طالب: كأن يقول مثلًا: بعتُك هذا البيت، وأجرتك هذا البيت.
الشيخ: لا، بيع وصرف؟ طالب: كأن يقول بعتك هذه السيارة، وهذه المئة درهم بألف جنيه.
الشيخ: بألف جنيه.
الطالب: بألف جنيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 797

الشيخ: طيب، صحيح؟ هذا جمع بين بيع وصرف؛ وذلك لأن بيع النقد بالنقد يُسمى عندهم صرْفًا؛ يعني بيع الدنانير بدراهم يسمى صرفًا، مع أنه بيع هو في الأصل، لكن هذا بيع خاص؛ لأن له أحكامًا خاصة.
يقول رحمه الله: (ويحرم بيعه على بيع أخيه)، (يحرم بيعه) أي: بيع الإنسان على بيع أخيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (9). ولأن ذلك عدوان على أخيه، ولأنه يُوجب العداوة والبغضاء والتقاطع.
فعندنا الآن دليل أثري، ودليل نظري؛ الدليل الأثري: هو نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع على بيع أخيه، والدليل النظري: أنه عدوان على أخيه، عدوان على حقه.
وثانيًا: أنه يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين، وكل ما أوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين فإنه مُحرَّم، قاعدة عامة؛ لقوله تعالى في تعليل تحريم الخمر والميسر: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: 91]، فكل ما أوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين فإنه حرام؛ لأن هذا الدين دِين التأليف، ودِين الأخوة والمحبة، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (10)، فكيف تعتدي على أخيك؟ كذلك أيضًا يحرم الشراء على شرائه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ»، والشراء نوع من البيع، ولما فيه من العدوان على أخيه، ولما فيه من إحداث العداوة والبغضاء.
وقوله: (على بيع أخيه)، هل المراد أخوه من النسب؟ لا، أخوه من الرضاع؟ طلبة: لا.
الشيخ: أخوه في الدين؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 798

الشيخ: نعم، أخوه في الدين، وعُلِم من كلامه أنه يجوز أن يبيع على بيع الكافر، ولو كان له عهد وذمة؛ لأنه ليس أخًا له، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ»، والكافر ليس بأخ، وإلى هذا ذهب أهل الظاهر، وقالوا: لنا ظاهِر اللفظ، لا يحرم البيع إلَّا على بيع المسلم.
ولكن القول الثاني في المسألة: أنه يحرم البيع على بيع المعصوم، سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا ذميًّا؛ لأن العدوان على الكافر الذمي حرام لا يحل؛ إذ إنه معصوم الدم والعرض والمال، وتقييد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك بالأخ بناءً على الأغلب، أو من أجل العطف على أخيك، وعدم التعرض له.
المثال: قال: (كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة) هذا بيع على البيع، ولَّا شراء على الشراء؟ طالب: بيع على البيع.
الشيخ: (لمن اشترى) يقول: (لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة).
طلبة: بيع على البيع.
الشيخ: هذا بيع على البيع؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، صح، المثال: اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد، وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم، لا يحل.
فإن قال: أنا أعطيك مِثلَها بعشرة، فهل هذا بيع على بيع المسلم؟ طلبة: لا.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف لا؛ لأنه لم يزده كميةً ولا كيفية، لكن قد يُقال: إنه بيع على بيع المسلم؛ لعموم الحديث، الحديث عام؛ ولأن هذا المشترِي قد يترك البيع الأول؛ لأن هذا يكون قريبًا له، أو صاحبًا له، أو محابيًا له، أو ما أشبه ذلك.
والصحيح العموم، يعني سواءٌ زاده كمية أو كيفية، أو لم يزده، حتى بالثمن المساوي لا يجوز؛ لعموم الحديث، ولأنه قد يترك البيع محاباةً لهذا الذي عرض عليه، أو غير ذلك.
صورة الشراء: (كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة).

الجزء: 2 - الصفحة: 799

مثاله: باع زيد على عمرو سلعة بتسعة، فجاء آخر، وقال للبائع: بِعْتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم، قال: أنا أعطيك عشرة، هاك، هذا يسمى أيش؟ طلبة: شراء على شراء.
الشيخ: شراء على شرائه، فلا يحل، وعرفتم الدليل الأثري والنظري، فلا يحل.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا حرام سواء كان ذلك في زمن الخيارين أم بعد انتهاء زمن الخيار، مثاله في زمن الخيارين: لو أننا كنا في مجلس، فباع زيد على عمرو سلعة بتسعة، فقال أحد الحاضرين: أنا أعطيك عشرة بعد أن أوجب البيع عليه، فهذا شراء على شرائه صار في زمن الخيار، وهنا يتمكن البائع من الفسخ.
وكذلك لو كان في زمن خيار الشرط؛ بأن باعه سلعة بعشرة، وجعل لنفسه الخيار يومين، فجاء إنسان في اليوم الثاني، وقال: أنا أعطيك فيها أحد عشر فلا يحل، لماذا؟ لأنه في هذه الحال يتمكن من فسْخ البيع والعقد مع الثاني.
أما إذا لم يكن خيار فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، هل يجوز البيع والشراء أو لا يجوز؟ وأضرب مثلًا بهذا يتبين به الحكم: باع زيد على عمرو سلعة بعشرة، واستلم الثمن وذاك استلم السلعة، وتفرقا، وانتهى كل شيء، فجاء إنسان إلى المشترِي، وقال: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو خيرًا منها بعشرة، هذا ماذا يُسمى؟ طالب: بيع على بيع.
الشيخ: هذا بيع على بيع، فهل يجوز أو لا يجوز؟ في هذا خلاف بين العلماء: منهم من قال: إنه لا يجوز، ومنهم من قال: إنه يجوز، أما من قال: إنه يجوز، فقال: إن الخيار قد انتهى، والآن لا يمكن لأي واحد منهما أن يفسخ العقد، فوجوب البيع على بيعه أو الشراء على شرائه كعدمه؛ لأنه لو أراد يهون يفسخ ما تمكن.

الجزء: 2 - الصفحة: 800

والقول الثاني في المسألة: أن ما بعد زمن الخيار كالذي في زمن الخيار؛ يعني أنه يحرم ولو بعد زمن الخيار، وعللوا ذلك؛ أولًا: عموم الحديث: «لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» (11)، هذا عام ما فيه تقييد، وثانيًا: أنه ربما تحيل على الفسخ بأي سبب من الأسباب، كأن يدعي عيبًا، أو ما أشبه ذلك مما يمكنه من الفسخ، وثالثًا: أنه يؤدي إلى العداوة بين البائع الأول والمشتري؛ لأنه سيقول: إنه غبنني، ويكون في قلبه شيء عليه، وهذا القول هو الراجح، أي أن البيع على بيع أخيه حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيارين، أو بعد ذلك، لكن إذا كان في مدة طويلة فإن ذلك لا بأس به؛ يعني لو كان حصل هذا قبل أسبوع أو شهر أو ما أشبه ذلك، وجاء وقال: أنا أعطيك مثل هذه السلعة بتسعة، وهو قد اشتراها بعشرة، فهنا لا بأس؛ لأن محاولة الرد في مثل هذه الصورة بعيدة.
يقول: (ليفسخ ويعقد معه) كلمة (ليفسخ) هذه تعليل للتحريم، (ليفسخ ويعقد معه)، وعُلِم منه أنه لو كان على غير هذا الوجه بأن كان المشتري يريد سلعًا كثيرة، واشترى من فلان عشر سلع من عشر، ولكنه ما زال يطلب، هذا المشتري ما زال يطلب من الناس، فقال له الإنسان: أنا أعطيك بتسعة، وهو يعلم أنه لن يفسخ العقد الأول؛ لأنه يريد سلعًا كثيرة، فهذا لا بأس به؛ لأنه في هذه الحال ليس فيه إغرار على ما مشى عليه المؤلف، لكن هنا قد نقول: إنه لن يفسخ العقد، لكن ربما يجد في نفسه شيئًا على البائع الأول؛ لكونه غبَنه، فالتحرُّز عن هذا مطلقًا هو الموافق لظاهر الحديث، وهو الأبعد عن حلول العداوة والبغضاء بين المسلمين.
ما فيه سؤال الآن، صوِّر لي المسألة.
طالب: البيع على بيعه؟ الشيخ: البيع على بيعه.
الطالب: أن يبيع شخص على بيع.
الشيخ: صورة، صوِّرها، مو مثال؟ الطالب: بيع على بيعه.
الشيخ: إي، الصورة ذكرها المؤلف في المتن.
طالب: يقول مثلًا ( ... ) هذه السلعة ( ... ). الشيخ: لمن اشترى، كأن يقول: لمن اشترى.

الجزء: 2 - الصفحة: 801

الطالب: لمن اشترى هذه السلعة.
الشيخ: سلعة.
الطالب: بعشرة أنا آتيك بها بتسعة.
الشيخ: نعم، أنا أعطيك مثلها بتسعة، كذا؟ هذا بيع.
صورة الشراء على شرائه؟ طالب: كأن يقول ( ... ). الشيخ: الشراء على شرائه.
الطالب: كأن يقول لمن باع بتسعة أعطيك بعشرة.
الشيخ: أنا أعطيك فيها عشرة.
طيب، صح، هل فهمت يا أخ؟ طالب: شيخ، النقطة اللي بعد هذي النقطتين ( ... ). الشيخ: عرفت هذا ولَّا لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، يفعل ذلك من أجل أن يفسخ العقد، ويعقد مع الثاني، قلنا: إن هذا التعليل يدل على أنه لو كان البائع أو المشتري يريد سلعًا كثيرة فإنه لا بأس بذلك، مثاله: اشترى رجل من زيد عشر قطع، من عشرة ريالات، ثم جاء إنسان، ثم جعل يلتمس في السوق من هذه القطع، فجاءه رجل، فقال: أنا أبيع عليك بتسعة، فهذا بيع على بيعه، لكن نعلم أن المشتري الأول لن يفسخ العقد، لماذا؟ طالب: لأنه يريد.
الشيخ: لأنه يحتاج سلعًا، هو يريد سلعًا كثيرة، سواء زاد الثمن أم نقص، فنقول: هذا لا يحرم، ولكن على ظاهِر كلام المؤلف، ولكنا ذكرنا أنه يمكن أن يُقال بالتحريم؛ لأنه يحدث أيش؟ طلبة: العداوة والبغضاء.
الشيخ: العداوة والبغضاء بين المشتري والبائع.
ثم قال رحمه الله: (ويبطل العقد فيهما)؛ يعني في البيع على بيعه، والشراء على شرائه، يبطل، العلة؟ طالب: للنهي.
الشيخ: للنهي عن ذلك، والنهي عن الشيء بعينه يقتضي الفساد؛ لأننا لو صحَّحناه لكان في ذلك مضادة لحكم الله ورسوله، فالنهي عن الشيء بعينه يقتضي فساده، ولهذا لو صام الإنسان يوم العيد فصومه حرام باطل؛ لأنه منهي عنه، كذلك إذا باع على بيع أخيه فالبيع حرام وباطل.
طيب غير البيع على بيع أخيه؛ مثل لو استأجر على استئجار أخيه، فما الحكم؟ طالب: يأخذ الحكم.
الشيخ: واحد، الحكم واحد؛ لأن الإجارة بيع منافع.
طيب لو خطب على خِطبة أخيه؟ طالب: لا يجوز أيضًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 802

الشيخ: لا يجوز أيضا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك؛ ولأن العلة واحدة.
ثم قال: (ومن باع ربويًّا بنسيئة، واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة لم يجز).
(باع ربويًّا بنسيئة) أي: بثمن مؤجل، (واعتاض عن ثمنه ما لا يُباع به نسيئة) أي: شيئًا لا يُباع به؛ أي بالذي باعه نسيئة، فإنه لا يصح.
ومَن باعَ رِبَوِيًّا بنَسِيئَةٍ واعْتاضَ عن ثَمَنِه ما لا يُباعُ به نَسيئةً، أو اشْتَرَى شيئًا نَقْدًا بدونِ ما باعَ به نَسيئةً , لا بالعكْسِ , لم يَجُزْ، وإن اشتراهُ بغيرِ جِنسِه أو بعدَ قَبْضِ ثَمَنِه , أو بعدَ تَغَيُّرِ صِفَتِه , أو من غيرِ مُشتَرِيهِ , أو اشْتَرَاهُ أبوه , أو ابنُه -جازَ.
(باب الشروط في البيع) منها (صحيحٌ) كالرَّهْنِ، وتأجيلِ الثَمَنٍ، ولأن العلة واحدة.
ثم قال: (ومن باع ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة لم يجز)، (باع ربويًّا بنسيئة) أي: بثمن مؤجل، (واعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة) أي: شيئًا لا يُبَاع به؛ أي: بالذي باعه نسيئة فإنه لا يصح، واضح؟ طلبة: لا، غير واضح.
الشيخ: إي، طيب، يوضحه المثال إن شاء الله: باع مئة صاع بُر، البُر ربوي ولَّا غير ربوي؟ طلبة: ربوي.
الشيخ: ربوي، باعه بثمن مؤجل إلى شهر، قال: بعت عليك مئة صاع بُر بمئتي درهم إلى أجل؛ إلى شهر، الآن ثبت في ذمة المشتري مئتا درهم، جاء البائع الذي ثبت له مئتا درهم وقال له: أنا أريد أن تعطيني بدل مئتي درهم مئة صاع رز، فهل يجوز؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن البُر لا يُبَاع نسيئة بالأرز، لو أنك أردت أن تبيع مئة صاع من البُر بمئة صاع من الرز بدون تقابض فإنه لا يجوز، فهذا الذي باع البُر بدراهم مؤجلة، ثم اعتاض عن هذه الدراهم المؤجلة شيئًا لا يُبَاع بالبُر نسيئة، نقول: هذا حرام، لماذا؟ لأنه حيلة على أن يبيع الربوي بما لا يُبَاع به نسيئة يبيعه به نسيئة، واضح؟ طلبة: نعم، واضح.

الجزء: 2 - الصفحة: 803

الشيخ: طيب، وبعض الناس يقول: غير واضح.
الآن لو بعت مئة صاع بُر بمئة صاع رز تسلمني إياها بعد عشرة أيام؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، فهذا ربما يقول: أبيع عليه مئة صاع البُر بمئتي ريال، ثم بعد عشرة أيام أشتري منه رزًا بمئتي ريال، فيكون هذا أيش؟ طالب: حيلة.
الشيخ: حيلة، بدل من أن يقول: بُرٌّ بِرُزٍّ تقبضني إياه بعد عشرة أيام، يقول: بُرٌّ بدراهم، ثم يرجع ويقول: بعني رزًّا، واضح أن هذا ذريعة للربا، فهنا نقول: يحرم أن يعتاض عن ثمن الربوي الذي باعه نسيئة ما لا يُبَاع به نسيئة؛ لأن ذلك ذريعة واضحة إلى بيع الربوي بربوي لا يُبَاع به نسيئة مع التأجيل، ربنا افتح علينا، واضح يا إخوان؟ طلبة: واضح.
الشيخ: طيب، هذا رجل باع تمرًا بمئتي درهم بثمن مؤجل إلى شهر، بعد أن مضى عشرة أيام قال البائع للمشتري: أريد أن أعتاض عن مئتي درهم عشرين دينارًا، ووافق على ذلك وقَبَّضه إياها، يجوز أو ما يجوز؟ طلبة: يجوز.
طالب: ما يجوز.
الشيخ: يجوز، بشرط أن يكون بسعر وقتها، وألَّا يتفرقا وبينهما شيء.
لماذا جاز في هذه الصورة دون الأولى؟ لأن بيع التمر بالدراهم والدنانير يجوز نسيئة، فليس فيه محظور.
باع تمرًا بمئتي درهم إلى شهر، وبعد مضي عشرة أيام قال البائع للمشتري: أريد أن أعتاض عن مئتي الدرهم هذه البعير، وهي تساوي مئتي درهم، يجوز؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأن التمر يُبَاع بالبعير نسيئة، والمحظور أن يعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة، هذا هو المحظور.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة ( ... ) برفع السعر، هل يُلْزَم الذي رفع السعر أو له خيار الفسخ؟ الشيخ: هذا يأتي في الخيار، هذا خيار النجش يأتي -إن شاء الله- في الخيار.

الجزء: 2 - الصفحة: 804

طالب: بارك الله فيك، قلنا في المسألة اللي قبل السابقة: إنه باع بدراهم مؤجلة، ثم اعتاض عنها بعد عشرة أيام بدنانير، ( ... ) الحديث: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (1) ( ... ) يدًا بيد؟ الشيخ: ما هو الذي ليس يدًا بيد؟ الطالب: الدراهم والدنانير اختلفت، وليست يدًا بيد.
الشيخ: بلى، يدًا بيد.
الطالب: أليس باع بُرًّا قبل عشرة أيام؟ الشيخ: بلى.
الطالب: ثم .. الشيخ: بدراهم.
الطالب: ثم أخذ دنانير وليست حاضرة.
الشيخ: بدلًا عن الدراهم؟ الطالب: نعم.
الشيخ: وسلَّمه الدنانير؟ الطالب: نعم.
الشيخ: فهو يد بيد.
الطالب: ما الفرق بينه وبين المسألة السابقة؟ الشيخ: السابقة؛ لأن الرز لا يُبَاع بالبُر نسيئة.
الطالب: أليس البُر والرز كلها ربوية؟ الشيخ: بلى.
الطالب: والدراهم والدنانير ربوية؟ الشيخ: بلى.
الطالب: طيب، ما الفرق بين هذه وهذه؟ الشيخ: هو باع التمر بدراهم، وبيع التمر بالدراهم لا يمتنع فيه النَّساء؛ يعني التأخير.
الطالب: وباع البُر بدراهم.
الشيخ: زين، واعتاض أيش؟ الطالب: دنانير.
الشيخ: ما فيه بأس، لكن بشرط أن تكون بسعر يومها، وألَّا يتفرقا وبينهما شيء، قال ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ عنها الدنانير، وبالدنانير ونأخذ عنها الدراهم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (2). الطالب: يا شيخ، هو باع في نفس اللحظة باع بدراهم أخذ دنانير في الحال؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: باع بدراهم، ثم أخذ دنانير في الحال.
الشيخ: طيب، ما فيه مانع.
الطالب: وهذه هي المسألة؟ الشيخ: هذه المسألة، أو بعد ذلك اعتاض عن الدراهم دنانير.
طالب: إذا قصد من اشترى على شراء أخيه الإحسان إلى البائع؛ لأن ( ... ) غُبِن في البيع الأول، قال: أنا أعطيك ثمنها وأزيد من الأول؟

الجزء: 2 - الصفحة: 805

الشيخ: نعم، لا يجوز؛ يعني لو أراد أن يرفع الغبن نقول: ما يجوز، لكن يقول له: إنك مغبون، ولك الخيار.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، هل يجوز لرجل إذا رأى أخاه اشترى سلعة أن يقول له قد غبنت فيها ( ... )؟ الشيخ: إي نعم، إذا كان الغبن مما لا يتغابن به الناس عادة فلا بد أن يبين.
الطالب: وإلَّا إذا كانت الأمور عادية لا .. الشيخ: لا، الأمور عادية؛ مثل الريال في عشرة ما يضر.
طالب: ( ... ) أنه إذا أراد أن يشتري سلعًا كثيرة، ثم عرض عليه بأقل من السعر الذي باع عليه البائع الأول، فهل نفترض أنه في هذه الحال يستحسن للبائع الثاني أن يزيد السعر ليكون موافقًا لسعر أخيه؟ الشيخ: لا، ما يصير.
الطالب: والعمل؟ الشيخ: العمل، يقال: ما دام تبغي تبيع بتسعة ما فيه مانع.
الطالب: لا، هو اشترى -مثلًا- عشرة على عشرة ريالات القطعة.
الشيخ: طيب.
الطالب: يريد -أيضًا- عشرة أخرى، ثم ذهب إلى بائع آخر فقال: أعطيك.
الشيخ: بتسعة.
الطالب: بتسعة.
الشيخ: طيب.
الطالب: قلنا: إنه لا يجوز في هذه الحال.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف العمل؟ الشيخ: كيف العمل؟ ويش لون؟ الطالب: المشتري نفسه كيف يشتري؟ يعني يكمل العشرين؟ الشيخ: إي، نحن قلنا: إذا عرض البائع على المشتري، أما لو جاء المشتري وقال: كم تبيع؟ ما فيه مانع.
طالب: بيع الرجل على بيع أخيه برضاه يصح ولَّا لا؟ الشيخ: برضاه؟ الطالب: نعم، أن يقول: فلان اشترى منك هذه بكذا، فأنا أريد أن أبيع عليه هذه السلعة، ولكن برضاك، فيرضى ويقول .. الشيخ: بأقل مما بعت به؟ الطالب: بأقل.
الشيخ: ورضي؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ماذا تقولون؟ طلبة: يصح.
الشيخ: ما فيه شيء، لا بأس به؛ لأن الحق لأخيه وقد سمح به.
طالب: إذا باع تسعة ريالات معدنًا بعشرة ريالات ورقًا؟ الشيخ: لا بأس به.

الجزء: 2 - الصفحة: 806

طالب: شيخ، بارك الله فيك، بعض الأخوة يأتي بورقة عند شراء سلعة، ثم يذهب إلى المعرض الفلاني يأخذ السلعة منه -مثلًا- بألف ريال، ويروح إلى المعرض الثاني ويقول -مثلًا-: لقيتها عند المعرض الأول بألف ريال تنقصني عنها، يفعل هكذا، هل فعله هذا .. ؟ الشيخ: ما فيه بأس، هذا من جنس المساومة.
الطالب: ما يكون فيه بيع؟ الشيخ: ما تم العقد.
طالب: شيخ، إذا باع -مثلًا- عليه عشرة أصواع رز -مثلًا- بمئة مؤجلة، ثم عند الوفاء لم يستقر الدفع، ثم قال: عليك بعشرين صاعًا شعيرًا بعد سنة؟ الشيخ: يعني باع.
الطالب: باع عشرة أصواع بُر -مثلًا- بعشرين .. ، تقريبًا مئة درهم إلى سنة، ثم لم الوفاء بعد سنة، ثم قال: إذن عليك .. الشيخ: إذا قال: أعتاض عن المئة -مثلًا- مئة صاع شعير.
الطالب: إلى سنة.
الشيخ: المذهب: ما يجوز، المذهب: لا بد .. ، ( ... ) عندك شعير بعه وأعطني ثمنه، لكن فيه قول ثانٍ نذكره -إن شاء الله- فيما بعد.
طالب: ( ... ) أو نسيئة أنه إذا حل الأجل ولم يكن عند المشتري حنطة -مثلًا- وكان إعطاؤها للبائع أرفق به من بيعها؛ يعني أعطاه ثمنها فيجوز، بشرط ألَّا يكون هناك تواطؤ.
الشيخ: سنذكر -إن شاء الله- الخلاف في هذه المسألة.
طالب: رجل باع على آخر سيارة بعشرة آلاف، وقابله رجل آخر وقال له: عندي سيارة مختلفة الصفات والنوع ( ... ) بخمسة آلاف ( ... )، فهل هذا يعتبر؟ الشيخ: ما يجوز.
الطالب: ما يجوز؟ الشيخ: إي، الحديث عام، وربما يفسخ العقد.
طالب: شيخ، إذا لم يبع عليه لكنه منعه، اشتراها بعشرة، فقال: هي في مكان كذا بتسعة، لا تشتر.
الشيخ: نعم؟ الطالب: إذا منعه، هو لم يبع عليه.
الشيخ: كيف منعه؟ ويش لون؟ الطالب: يعني: المرء اشترى السيارة بعشرة، فجاء شخص وقال: هي بتسعة، لا تشترها.
الشيخ: قال: إنها غالية؟ الطالب: إي نعم، ثمنها غالٍ.
الشيخ: إذا كان قصده النصيحة لا بأس.

الجزء: 2 - الصفحة: 807

طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- بيع الرجل على بيع أخيه إذا كان علم أنه لا يريد الفسخ، ما هو الراجح فيها؟ ذكرنا ( ... ) الراجح؛ لأنه قد يعني عمل .. الشيخ: لا، قلنا: إن القول بعلة المنع أولى.
طالب: شيخ، لو باعه ربويًّا بمئة درهم، ثم اشترى البائع من المشتري سلعة بنفس الثمن.
الشيخ: لكن سلعة .. الطالب: سلعة ليست ربوية.
الشيخ: يجوز فيها النساء بين المبيع الأول.
الطالب: نعم، فتساقط.
الشيخ: ما يخالف، ما فيه بأس، لكن بشرط أن تكون بسعر يومها.


طالب: ( ... ) لا بالعكس لم يجز، وإن اشتراه بغير جنسه، أو بعد قبض ثمنه، أو بعد تغير صفته أو من غير مشتريه، أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
ما حكم البيع على بيع المسلم؟ طالب: لا يجوز، يحرم.
الشيخ: حرام؟ الطالب: إي نعم، إذا .. الشيخ: ما الدليل؟ الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (3) .. الشيخ: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ».
ما التعليل؟ طالب: التعليل: لأنه يورث التباغض بين المسلمين.
الشيخ: العداوة والبغضاء، طيب.
هل يشترط في هذا أن يكون في زمن الخيار ليتمكن من الفسخ -من فسخ العقد- والعقد مع الثاني، أو لا؟ طالب: على المذهب: أنه في زمن الخيار.
الشيخ: المذهب أنه لا يحرم إلَّا إذا كان في زمن الخيار؛ لأنه هو الزمن الذي يمكنه أن يفسخ البيع الأول ويعقد مع الثاني.
الطالب: القول الثاني.
الشيخ: طيب، القول الثاني؟ طالب: يحرم.
الشيخ: إي نعم.
طالب: إي نعم، ويحرم مطلقًا.
الشيخ: حتى بعد زمن الخيار؟ الطالب: حتى بعد زمن الخيار.
الشيخ: وهل يتمكن من الفسخ بعد انتهاء زمن الخيار؟ الطالب: لا يتمكن من الفسخ.
الشيخ: إذن كيف يحرم؟ الطالب: قد يوقع في نفس البائع الأول البغضاء والعداوة.

الجزء: 2 - الصفحة: 808

الشيخ: الندم والعداوة والبغضاء، طيب، وربما يتحيل على وجود سبب يكون به الفسخ.
أيهما أصح؟ طالب: أيش؟ الشيخ: لا إله إلَّا الله! الآن عندنا قولان.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: قول: إنه لا يحرم إلَّا في زمن الخيارين، والقول الثاني: يحرم مطلقًا.
الطالب: هذا الراجح.
الشيخ: هذا الراجح.
ما الذي يرجحه؟ الطالب: العلة أنه ( ... ) الثاني الأول؛ البيع الأول.
الشيخ: عموم الحديث: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ»، وكما قلت: والعلة توجد هنا وهنا.
لو فعل وباع على بيع أخيه وأُلْغِيَ العقد الأول فهل يصح العقد الثاني؟ طالب: إذا باع على بيع أخيه وألغي العقد الأول لا يصح البيع الثاني.
الشيخ: لا يصح؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: ليه؟ الطالب: لأن النهي يقتضي الفساد.
الشيخ: لا يصح العقد الثاني؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد.
لماذا كان النهي يقتضي الفساد؟ طالب: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن هذا البيع أراد من ذلك لا حث الناس فقط وإنما الإقلاع عنه؛ لأنه .. الشيخ: نحن نريد دليلًا وتعليلًا.
الطالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ».
الشيخ: لا، الدليل على أنه يكون باطلًا.
الطالب: الدليل على أن البيع هذا يكون باطلًا؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: نهي الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ».
الشيخ: طيب، يقول: هو بيرتكب المعصية ولا هو ( ... ). الطالب: النهي يُصْرَف على هذا.
الشيخ: إي، ما هو الدليل على أن النهي يقتضي البطلان؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (4). الشيخ: نعم.
الطالب: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ».

الجزء: 2 - الصفحة: 809

الشيخ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (5)، وفي لفظ البخاري (6): «مِئَةَ مَرَّةٍ»، طيب، هذا دليل.
التعليل؟ طالب: التعليل: إذا كان النهي في قول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ما الذي يفيد أنه صلى الله عليه وسلم نهى، ثم بعد ذلك ( ... ) إلا أنه يقتضي الفساد.
طالب آخر: لو صححنا هذا البيع لحكمنا بجواز شيء نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ( ... ). الشيخ: قلْ ما في قلبك، عبِّر.
الطالب: حكمنا .. الشيخ: كان في هذا مضادة لحكم الله ورسوله؛ لأن النهي يريد منا أن نبتعد عنه، فإذا صححناه فهذا يقتضي أن نمارسه ولا نبالي، طيب، انتبهوا لهذه النقطة؛ لأنها مهمة.
(ومن باع ربويًّا بنسيئة) الواقع أني أنا أظن أنكم لم تفهموا هذه العبارة، عسى أن يكون ظني خطأً، لكن ما أدري، واحد اثنان ثلاثة أربعة فهموها، لكن عالَم، طيب نَمُرُّ عليها مرًّا مفيدًا إن شاء الله.
(ومن باع ربويًّا بنسيئة) نحن نقول الآن: الربويات ستة؛ الذهب، والفضة، والبُر، والتمر، والشعير، ويش بعد؟ طالب: والملح.
الشيخ: والملح، هذه ستة، الذهب والفضة ندعها، لا نمثِّل بها، نمثل بالأربعة الباقية؛ باع ربويًّا، البُر ربوي ولَّا غير ربوي؟ طلبة: ربوي.
الشيخ: باع مئة صاع بمئة ريال مؤجلة إلى سنة، الثمن الآن حال ولَّا مؤجل؟ طلبة: مؤجل.
الشيخ: مؤجل، طيب، في أثناء العام جاء البائع إلى المشتري، أو حين انتهى الأجل جاء البائع إلى المشتري وقال له: أعطني الدراهم، لما حل الأجل قال: أعطي الدراهم، قال: ليس عندي إلا تمر، هل التمر يُبَاع بالبُر نسيئة أو لا؟ طلبة: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 810

الشيخ: يعني هل يباع التمر بالبُر بدون قبض؛ أي: بدون تقابض؟ لا، إذن لا يجوز أن يأخذ بدل الدراهم تمرًا، ليش؟ لأن التمر لا يُبَاع بالبُر نسيئة، فإن فعل فقد اعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة، فيكون حرامًا، انتبهوا الآن، لماذا؟ قال: لأنه قد يُتَّخَذ حيلة على بيع البُر بالتمر مع عدم التقابض، فيقول -مثلًا-: بعتك بُرًّا بمئتي ريال إلى أجل، ثم يشتري تمرًا، فيتحيل على أيش؟ على بيع البُر بالتمر مع تأخر قبض الثمن، واضح يا جماعة؟ طالب: واضح.
الشيخ: نعم، ربما يكون هذا، ربما يُتَّخَذ حيلة، والحيل ممنوعة شرعًا؛ لأنها خداع لله ورسوله، ولأنها من دأب اليهود، طيب، صارت العبارة مفهومة الآن: (من باع ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة) ومعنى قوله: (بنسيئة) أي: بثمن مؤجل، (واعتاض عن ثمنه) عن ثمن الربوي، (ما) أي: شيئًا، (لا يباع به) أي: بالربوي السابق نسيئة.
إذا اعتاض عن ثمنه؛ يعني: باع بدراهم، واعتاض عن الدراهم دنانير، أخذ عنها دنانير، يجوز أو لا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأن بيع البُر بالدنانير.
طلبة: يجوز نسيئة.
الشيخ: يجوز نسيئة، فهذا الرجل -مثلًا- باع مئة صاع بُر بمئتي درهم، وعند حلول الأجل قال المشتري: ليس عندي شيء من الدراهم، لكن عندي ذهب، أعطيك الذهب، هل يجوز هذا أو لا؟ يجوز، ليش؟ لأن الذهب يجوز أن يُبَاع بالبُر نسيئة، ولكن اشترط النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شرطين: أن يكون بسعر يومها، وأن يتقابضا قبل التفرق؛ لأن ابن عمر استفتاه، قال: يا رسول الله، نحن نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ بدل الدراهم دنانير، ونبيعها بالدنانير ونأخذ بدلها دراهم، فهل يجوز ذلك؟ قال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (2)، أفهمتم الآن؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 811

الشيخ: طيب، نعود إلى مسألتنا السابقة: (من باع ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة) المؤلف يقول: إن هذا حرام ولا يجوز؛ لأنه حيلة أو قد يُتَّخذ حيلة، وقال الموفق صاحب المغني: إنه يجوز؛ لأن الحيلة هنا بعيدة، كيف يبغي يبيع -مثلًا- بُرًّا بتمر بعد سنة، هذا بعيد، فالحيلة بعيدة، وما كان بعيدًا فلا عبرة به، أعرفتم الآن؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إذن يقول الموفق رحمه الله: إنه لا بأس بذلك؛ لأن محظور الربا؟ طالب: بعيد.
الشيخ: بعيد، والتحيل على الربا بهذه الصورة بعد سنة بعيد هذا جدًّا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجوز للحاجة، فتوسَّطَ بين القولين.
كيف يجوز للحاجة؟ يعني يقول لما حل الأجل وجاء للمشتري قال: واللهِ، ما عندي إلا تمر، المثال ترى مازلنا باقين على المثال الأول: باع عليه بُرًّا بدراهم إلى سنة، حلت السنة، فجاء إلى المشتري، قال: أعطني الدراهم، قال: واللهِ، أنا ما عندي، أنا رجل .. ، لنفرض أنه فلاح، ما عنده دراهم، ويسمونها الناس بالعرف التجاري سيولة، ما عندي دراهم، لكن عندي تمر، هذا فيه حاجة، فقال: أنا آخذ التمر بدل الدراهم، نقول: على رأي شيخ الإسلام يجوز.
فالمسألة فيها إذن ثلاثة أقوال؛ القول الأول: المنع مطلقًا، والثاني: الجواز مطلقًا، والثالث: الجواز للحاجة، وهذا عندي أنه أحسن الأقوال؛ دفعًا للشبهة، ولئلا ينفتح الباب لغيرنا، نحن قد لا نفعل هذا حيلة، لكن غيرنا يتحيل.
بقي علينا شرط لا بد منه، على القول بالجواز لا بد من شرط؛ وهو ألَّا يربح المستوفي، نأخذ هذا الشرط من قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث ابن عمر: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا»، ونأخذه أيضًا من نهي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ربح ما لم يُضْمَن (7)، يعني: نهى أن تربح في شيء لم يدخل في ضمانك.

الجزء: 2 - الصفحة: 812

فمثلًا: باع عليه بُرًّا بمئتي ريال إلى سنة، وحلت السنة وقال: ليس عندي إلا تمر، قال: طيب، أنا آخذ التمر، أخذ منه أربع مئة كيلو تمر تساوي مئتين وخمسين درهمًا.
طالب: ما يجوز.
الشيخ: يجوز أو لا؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: يجوز.
الطالب: ما يجوز.
الشيخ: يجوز، واللهِ إنكم جبناء! كيف أذكر لكم الشرط وبعدين .. ، طيب، إذن يجوز أو لا يجوز؟ الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ لأن الآن ربحت في شيء لم يدخل في ضماني، هذا التمر يساوي مئتين وخمسين، والذي في ذمة الرجل كم؟ طالب: مئتين.
الشيخ: مئتين، الآن كسبت، جاءني بدل مئتين مئتان وخمسون في شيء لم يدخل في ضماني، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن.
أتدرون لماذا؟ لأنه لو جاز ذلك لأمكن كل إنسان يطلب شخصًا دراهم -مثلًا- فتحل، يقول: أعطني بدلها طعامًا، الدراهم مئتان وأعطني طعامًا يساوي مئتين وخمسين، ربح.
ثم ربما كلما حل الدين أخذ عوضًا أكثر من الدين، فتتكرر المضاعفة -مضاعفة الربح- على هذا الفقير، فيحصل بذلك ضرر؛ لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يُضْمَن.
فصارت المسألة الآن فيها كم قولًا؟ طلبة: ثلاثة أقوال.
الشيخ: ثلاثة أقوال؛ القول بالمنع: ما يحتاج نقول: شرط، ولا غير، ما نقول: شرط؛ لأنه ما هو بواقع، القول بالجواز: إما للحاجة، أو مطلقًا نضيف إليه شرطًا؛ وهو ألَّا يربح؛ يعني: ألَّا يأخذ عوضًا أكثر مما في ذمة المطلوب؛ لأنه لو أخذ عوضًا أكثر مما في ذمة المطلوب لكان ربح فيما لم يضمن؛ أي: فيما لم يدخل في ضمانه، وهذا قد نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أرجو -إن شاء الله- أنه واضح الآن.
طلبة: واضح.
الشيخ: طيب.
طالب: شيخ، (يدخل في ضمانه) ما وضحت.
الشيخ: الدراهم اللي لي في ذمة الرجل هل هي في ضماني الآن ولَّا في ضمانه؟ الطالب: في ضمانه هو.
الشيخ: الآن ربحت فيها، أخذت عنها عوضًا يساوي مئتين وخمسين، وهي مئتان، فربحت فيها.

الجزء: 2 - الصفحة: 813

المسألة الثانية اللي جعلها في حكم الأولى قال: (أو اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة) فهو حرام؛ لأنه أيضًا يُتَّخَذ حيلة، (اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة)، أنا بعت على زيد سيارة بعشرين ألفًا إلى سنة، بعتها بنسيئة ولَّا لا؟ طلبة: بنسيئة.
الشيخ: بعتها بنسيئة؛ يعني: بثمن مؤجل، ثم إني اشتريتها من هذا الرجل بكم؟ أنا بعتها بعشرين ألفًا، اشتريتها بثمانية عشر ألفًا، هذا حرام، لا يجوز، لماذا؟ لأنه يُتَّخَذ حيلة إلى أن أبيع السيارة بيعًا صوريًّا بعشرين ألفًا، ثم أعود فأشتريها بثمانية عشر ألفًا أنقدها له، فيكون هو أخذ مني كم؟ يكون أخذ مني ثمانية عشر ألفًا، وسيوفيني كم؟ طالب: عشرين ألفًا.
الشيخ: عشرين ألفًا، هذا لا يجوز، حيلة واضحة، فاهم؟ طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: لا، طيب، بعت عليك سيارة بعشرين ألفًا إلى سنة، ثم في أثناء المدة قلت: بعْ عليَّ السيارة اللي اشتريتها منك بثمانية عشر ألفًا نقدًا، أعطيتك ثمانية عشر ألفًا وأعطيتك السيارة، يجوز؟ طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، لماذا؟ لأنه ربما يكون حيلة إلى أن أبيع السيارة بيعًا صوريًّا إلى سنة، ثم أرجع فأشتريها نقدًا بثمانية عشر، فكأني أعطيتك الآن ثمانية عشر ألفًا بعشرين ألفًا، وهذا ربًا ولَّا حلال؟ ربًا، مفهوم الآن ولَّا لا؟ طيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 814

هذه تسمى مسألة العينة، لماذا؟ لأن الرجل أعطى عينًا وأخذ عينًا، والعين: النقد الذهب والفضة، وهي محرمة؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ بِأَذْنَابِ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (8)، إذن هو محرم، بل من كبائر الذنوب، أو قد نقول: ليس من الكبائر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جعله كبيرة إذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة، وهذا واحد من أربعة، فعلى كل حال هذا الحديث يدل على التحذير من التبايع بالعينة، واضح يا إخوان؟ طلبة: واضح.
الشيخ: طيب، ومن مسائل العينة أو من التحيل على الربا ما يفعله بعض الناس اليوم؛ يحتاج إلى سيارة، ويذهب إلى تاجر ويقول: أنا أحتاج السيارة الفلانية في المعرض الفلاني، فيذهب التاجر ويشتريها من المعرض بثمن، ثم يبيعها بأكثر من الثمن على هذا الذي احتاج السيارة إلى أجل، هذا حيلة ظاهرة على الربا؛ لأن حقيقة الأمر أنه أقرضه ثمن السيارة الحاضر بزيادة؛ لأنه لولا طلب هذا الرجل ما اشتراها، ولا قرب إليها، وهذه حيلة واضحة، وإن كان -مع الأسف- أن كثيرًا من الناس انغمس فيها، ولكن لا عبرة بعمل الناس، العبرة بتطبيق الأحكام على النصوص الشرعية.

الجزء: 2 - الصفحة: 815

وكما هي هذه الحيلة الآن منتشرة بين الناس فقد انتشرت بين الناس أيضًا حيلة سابقة، تدرون ما هي؟ يأتي الفقير إلى شخص يقول: أنا أحتاج ألف ريال، فيذهب التاجر إلى صاحب دكان عنده أكياس؛ أكياس رز أو أي شيء، فيشتري التاجر الأكياس من صاحب الدكان -مثلًا- ولنقل: بألف ريال، ثم يبيعها على المحتاج بألف ومئتين، وكيفية القبض، لا يجوز أنه يُبَاع قبل قبضه، كيفية القبض: يمسح عليه؛ واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، عشرة، عشرة أكياس، هذا القبض، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن تُبَاع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (9)، وين القبض هذا؟ هذا قبض؟ هذا يسمى عدًّا، ما يسمى قبضًا، لكن كانوا يفعلون هذا، بعدئذٍ يأتي الفقير إلى صاحب الدكان اللي عنده الأكياس هذه ويبيعها على صاحب الدكان؛ لأن الفقير يبغي دراهم، ما هو يبغي أكياس طعام، يبيعها على صاحب الدكان بأقل مما اشتراها منه التاجر، التاجر اشتراها بكم قلنا؟ طلبة: بألف.
الشيخ: بألف، صار الفقير يبيعها على صاحب الدكان بألف إلا خمسين ريالًا، أو إلا مئة ريال، فيؤكل المسكين الفقير من الجانبين: من جانب التاجر الأول، ومن جانب صاحب الدكان، صاحب الدكان كم أخذ منه؟ طلبة: خمسين.
الشيخ: خمسين أو مئة، نعم، وذاك أخذ مئتين بالألف، زائد على الألف، فيؤكل من الجهتين، هذه سماها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الحيلة الثلاثية؛ لأنها مكونة من كم؟ طلبة: ثلاثة أشخاص.
الشيخ: من ثلاثة أشخاص، ومسائل الربا ما تحِل بالحيل.
واعلم أنه كلما احتال الإنسان على محرَّم لم يزدد إلا خبثًا، المحرم خبيث، فإذا احتلت عليه صار أخبث؛ لأنك جمعت بين حقيقة المحرم وبين خداع الرب عز وجل، والله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه خافية، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (10)، لولا الزيادة الربوية ما عرفت هذا الرجل.

الجزء: 2 - الصفحة: 816

والعجيب -يا إخوان- الشيطان يغر ابن آدم، يقول: نحن نفعل هذا رحمة بالفقير، نمشي حاله، لولا هذا ما مشت حاله، نمشي حاله، ولكن أقول لكم: كلما كان أفقر صارت الزيادة عليه أكثر، هذه رحمة ولَّا نقمة؟ طلبة: نقمة.
الشيخ: نقمة؛ يعني يجي واحد متوسط الحال يستدين من هذا الرجل، يبيع عليه ما يساوي ألفًا بألف ومئتين، يجيه إنسان فقير يستدين ليأكل هو وأهله، يبيع عليه ما يساوي ألفًا بألف وخمس مئة، ليش؟ قال: ما هو موفيني هذا، متى يوفيني؟ أين الرحمة؟ ! لو كان غرضه الرحمة بالفقير لكان هذا الثاني أولى بالرحمة من الأول متوسط الحال، لكن الشيطان يلعب على بني آدم.
على كل حال الآن نعرف ما هي مسألة العينة؟ مسألة العينة أن يبيع شيئًا بثمن مؤجل، ثم يشتريه بأقل مما باعه به نقدًا، هذه مسألة العينة.
صورتها: باع رجل سيارة على إنسان بعشرين ألفًا إلى سنة، ثم اشترى السيارة نفسها منه بثمانية عشر ألفًا نقدًا، هذه صورة العينة، وهي حرام، بل هي من كبائر الذنوب، ولا تحل.
يقول رحمه الله: (أو اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة لم يجز).
طالب: ( ... ). الشيخ: اصبروا يا جماعة، نحن نفهم حكم هذه المسألة أنه حرام.
إذا كان بالعكس، وكلمة (لا بالعكس) من كلام الماتن يحتمل المعنى: أنها عكس مسألة العينة، ويحتمل أن المعنى (لا بالعكس): الذي هو أكثر مما باع نسيئة، أو مثل ما باع به نسيئة؛ لأن المؤلف صور المسألة بقوله: (بدون ما باع به نسيئة)، فقوله: (لا بالعكس) يحتمل أن المعنى: عكس مسألة العينة بأن يبيع شيئًا نقدًا بثمن، ثم يشتريه مؤجلًا بأكثر، وخلوا هذه تركن نائمة حتى نعرف المعنى الثاني لقوله: (لا بالعكس)؛ يعني: (لا بالعكس) لا مثل الثمن ولا أكثر من الثمن؛ لأن عندنا إما أن يشتريها بأقل -وهي مسألة المؤلف- أو بمثل، أو بأكثر، فيكون قوله: (لا بالعكس) يعني؟ طالب: بالمثل أو بالأكثر.
الشيخ: بالمثل أو بالأكثر.

الجزء: 2 - الصفحة: 817

مثال ذلك: بعت على هذا الرجل سيارة بعشرين ألفًا إلى سنة، ثم عدت واشتريتها منه بعشرين ألفًا نقدًا، يجوز ولَّا لا؟ طالب: على كلام المؤلف: يجوز.
الشيخ: إي، يجوز، ما فيه ربا الآن، بعتها بعشرين، وأعطيته عشرين، بعتها عليه بعشرين، واشتريتها بعشرين، ما فيه ربا، فهذا جائز.
فإن قال قائل: كيف يمكن هذا؟ كيف تبيع عليه بعشرين مؤجل، ثم تشتريها بعشرين نقدًا؟ هذا معقول؟ نقول: نعم، معقول، تختلف الأسعار، ترتفع قيمة السيارات، فأشتريها بأكثر، وكذلك لو اشتريتها بالمثل -أي: بمثل ما بعتها به- فهو جائز، معلوم يا جماعة؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: أو بمثله؛ يعني: بعت عشرين بعشرين، بعتها بعشرين، واشتريتها بعشرين، هذا مثل.
بعتها بعشرين، واشتريتها بخمسة وعشرين؟ طالب: هذا أكثر.
الشيخ: يجوز ولَّا لا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنه ليس في هذا ربًا، وأما أني أعطيه أكثر مما بعت فهذا من مصلحته، والربا الأصل فيه الظلم، وهذا ما فيه ظلم، هذا فيه فضل.
عكس مسألة العينة: أن أبيع عليه شيئًا نقدًا بثمن، ثم اشتريه منه مؤجلًا بأكثر؛ كأن أبيع عليه السيارة بعشرين ألفًا نقدًا وينقدني إياها، ثم أشتريها منه بخمسة وعشرين إلى سنة، أفهمتم؟ هذا عكس مسألة العينة.
طالب: نعم.
الشيخ: أو لا؟ الطالب: ما فهمت.
الشيخ: ما فهمت، هذا هو الظاهر.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، ما هي العينة، العينة أن يبيعه بثمن مؤجل، ثم يشتريه نقدًا بأقل، هذه باعها نقدًا بثمن، ثم اشتراها بأكثر مؤجلة، عكسها تمامًا، هي عكسها ولَّا لا؟ طلبة: نعم، عكسها.
الشيخ: عكس مسألة العينة، هل تجوز أو لا؟ ظاهر كلام المؤلف: (لا بالعكس) أنه يجوز.
طالب: لا تجوز.
الشيخ: أنه يجوز، يقول: (لا بالعكس لم يجز)، معناه بالعكس؟ طلبة: يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 818

الشيخ: يجوز؛ لأن محظور الربا فيها بعيد، لكن فيها عن أحمد روايتان: رواية أنها كمسألة العينة، والرواية الثانية: أنه يجوز بلا حيلة، ففيها عن الإمام أحمد روايتان: الجواز بلا حيلة، والثاني: أنها كمسألة العينة؛ يعني: لا تجوز.
ما معنى قوله: (لا بالعكس)؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
الطالب: إما أن تكون عكس العينة.
الشيخ: عكس الدون يعني؟ الطالب: نعم، يعني كأن يبيع له سيارة بعشرين، ثم اشتريها بنفس السعر.
الشيخ: نقدًا.
الطالب: نقدًا أو .. الشيخ: أو بأكثر من السعر، طيب، هذه واحدة، الاحتمال الثاني؟ الطالب: الاحتمال الثاني أن تكون عكس العينة.
الشيخ: نعم.
الطالب: أن أبيع له سيارة بعشرين.
الشيخ: نقدًا.
الطالب: نقدًا، وأشتريها منه بأكثر من ذلك مؤجلًا.
الشيخ: مؤجلًا، صح، هذه المسألة فيها عن أحمد روايتان، والمؤلف يقول: إنها لا بأس بها.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، فيها روايتان عن أحمد، والصحيح: الجواز إلا إذا علمنا أنها حيلة.
يقول رحمه الله: (وإن اشتراه بغير جنسه) المؤلف قال: (أو اشترى شيئًا نقدًا بغير ما باع به نسيئة)، (وإن اشتراه) أي: الشيء الذي باعه نقدًا، (بدون ما باع به نسيئة)، (إن اشتراه بغير جنسه) فلا بأس.
لكن ما معنى قوله: (بغير جنسه)؟ هل المراد بنقد غير جنسه، أو المراد بجنسه بمتاع آخر غير النقد؟ ظاهر كلامه العموم.
مثال ذلك: باع هذه السيارة بمئتي درهم إلى أجل، ثم اشتراها نقدًا بعشرة جنيهات، عشرة جنيهات ما تساوي مئتي درهم، الثمن أقل ولَّا لا؟ طالب: أقل.
الشيخ: أقل، يا جماعة، باعها بمئتي درهم، ثم اشتراها نقدًا بعشرة دنانير، العشرة لا تساوي مئتي درهم.
طلبة: أقل.
الشيخ: أقل، طيب، هل يجوز أو لا؟ يقول المؤلف: إن هذا جائز؛ لأن الجنس مختلف، فقد باعها بفضة واشتراها الآن.

الجزء: 2 - الصفحة: 819

نعيدها مرة ثانية: مسألة العينة عرفتموها تمامًا، هذا الرجل باع هذه السيارة بعشرين ألف ريال إلى سنة -نقول: الريال يعني دراهم- ثم اشتراها نقدًا بمئة دينار مثلًا، مئة الدينار أقل من عشرين ألف درهم، هل يجوز؟ كلام المؤلف يدل على الجواز؛ لأنه اشتراها بغير جنسه، وظاهر كلامه أنه إذا اشتراها بغير الجنس جاز، سواء أقل أو أكثر.
لكن بعض العلماء يقول: إن النقدين حكمهما واحد؛ يعني: الدنانير والدراهم حكمهما واحد، فإذا كان لا يجوز بأقل من الدراهم فإنه لا يجوز بأقل من الدنانير، وهذا القول قوي لا شك فيه؛ لا شك أنه قوي، وخصوصًا عندنا الآن أصبح الدرهم والدينار ما هو معروف، أصبح بدل ذلك الريال الورقي، فعلى هذا تكون الصورة التي ذكرها المؤلف غير موجودة عندنا؛ يعني أننا نأخذ بدل الذهب فضة أو بالعكس غير موجودة.
(أو بعد قبض ثمنه) إذا اشتراه بعد قبض ثمنه بأقل فلا بأس، واضح؛ يعني أنه باع السيارة بعشرين ألفًا إلى سنة، ولما تمت السنة قبض عشرين ألفًا، ثم اشتراها من المشتري بخمسة عشر ألفًا، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الحيلة منتفية هنا، فإذا اشتراها بأقل مما باعها به بعد قبض الثمن فلا بأس.
قال: (أو بعد تغير صفته) مثل أن أبيع عليه بقرة سمينة بمئة درهم إلى ستة أشهر، المدة كم؟ طلبة: ستة أشهر.
الشيخ: ستة أشهر، بعد مضي ثلاثة أشهر هزلت البقرة؛ صارت هزيلة لا تساوي إلا نصف القيمة، فاشتراها البائع -أي: بائع البقرة- بنصف قيمتها، أي بأقل مما باع ولَّا بأكثر؟ طلبة: بأقل.
الشيخ: بأقل مما باع نقدًا، يقول المؤلف: لا بأس بذلك؛ لأن النقص هنا ليس في مقابل الأجل، ولكن في مقابل تغير الصفة، إذن يجوز بعد تغير صفته، إذا اشتراه بأقل بعد تغير صفته جاز.
لكن ينبغي أن يقيد هذا بما إذا كان الفرق بين الثمنين هو ما نقصت به العين بسبب التغير، لا من أجل التأجيل والنقد، واضح؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 820

الشيخ: واضح، طيب، القيد هذا لا بد أن يكون نقص الثمن بمقدار نقص الصفة، فمثلًا: إذا قدرنا هذه البقرة هُزِلت، وصارت بعد أن تساوي مئتين إلى أجل لو بعناها الآن لكانت تساوي مئة وثمانين، فاشتراها بمئة وثمانين، يجوز هذا ولَّا لا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: لأن النقص في مقابل نقص الصفة، لكن لو كانت لم تنقص إلا عشرين باعتبار الصفة، وهو اشتراها بمئة وستين، فرق العشرين هذه من أجل الفرق بين التأجيل وبين النقد، فهذا حرام؛ لأن الفرق اللي حصل الآن بين الثمنين من أجل تغير الصفة ومن أجل التأجيل؛ فلذلك كان حرامًا، فكلام المؤلف في قوله: (أو بعد تغير صفته) يجب أن يُقَيَّد بشرط أن يكون الفرق بين الثمنين بمقدار نقص الصفة فقط، أما لو كان من أجل الفرق بين النقد والمؤجل فإن ذلك حرام؛ لأن هذا هو مسألة أيش؟ طلبة: العينة.
الشيخ: هو مسألة العينة، فصار لا بد من.
طالب: قيد.
الشيخ: لا بد من قيد.
طيب، الآن باع السيارة هذه بعشرين ألفًا إلى سنة، وبعد مضي ثلاثة أشهر جاء يشتريها بثمانية عشر ألفًا، السيارة الآن تغيرت، وصار فيها صدمات، مشت مسافة أكثر، فاشتراها بثمانية عشر، نقول: إذا كان نقص الألفين بمقدار نقص الصفة فهذا جائز، إن كان أقل ولكن نقص من أجل النقد فهذا لا يجوز، والله أعلم.
طالب: شيخ، في مسألة إذا باع ربويًّا نسيئة مثلًا باع عشرين صاع بُر بمئتين ريال، ثم لما أتى الوفاء لم يجد إلا تمرًا بدون ( ... )، هل يجوز أن يحيله على من عليه الدين له بعشرين؟ الشيخ: الحوالة إذا كانت على دين مستقر فلا بأس.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ننظر الدين اللي على الثالث.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا بأس.
طالب: يكون الوفاء بلا زيادة؟ الشيخ: لا، بدون زيادة، الحوالة لا بد أن تكون بقدر المحال عليه.
طالب: إذا وقعت مسألة العينة بدون تواطؤ بين البائع والمشتري، فهل يجوز؟ الشيخ: ما تجوز؛ سدًّا للباب.

الجزء: 2 - الصفحة: 821

طالب: يقول المؤلف: (أو بعد قبضه ما يجوز) ألَّا يدخل في هذه المسألة التورق؟ الشيخ: ما وصلناها يا ابن الحلال، اصبر شوي.
الطالب: ( ... ) (أو بعد قبضه)؟ الشيخ: اصبر شوي ما وصلناها.
الطالب: قلنا: (أو بعد قبضه ثمنه).
الشيخ: إي.
الطالب: مرينا عليها.
الشيخ: نعم.
الطالب: وقلنا: إنه جائز الشيخ: نعم .. الطالب: ( ... )؟ الشيخ: لا، ما ( ... ). الطالب: مسألة التورق ( ... )؟ الشيخ: لا، التورق غير، التورق باع السلعة بثمن مؤجل وهو قصده الدراهم.
طالب: شيخ، في مسألة عكس مسألة العينة، قول الإمام أحمد: الجواز بلا حيلة، ما المقصود بالحيلة؟ الشيخ: الحيلة؛ يعني: يتحيل على الربا.
الطالب: العكس ليس فيه ربًا؟ الشيخ: إي، ربما يتحيل.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيكم، بيع الرجل السلعة بأكثر مما اشتراها وهو ليس تاجر، وهذا يحصل كثير عند الميكانيكيين ( ... ). الشيخ: عند أيش؟ الطالب: عند أهل الحرف والمهن؛ يأتي الزبون إلى الميكانيكي ويريد قطعة في السيارة، فالميكانيكي هذا يشتري القطعة بأقل من سعر السوق، متفق هو والتاجر، يشتريها بأقل من سعر السوق، ثم يبيعها على صاحب السيارة بسعر السوق، وهنا السؤال: هل هذا جائز، أم هل يلزمه أن يبيع بالسعر الذي اشتراها به؟ الشيخ: إذا كان اشتراها على أنه وكيله فإنه لا تجوز الزيادة، أما إذا اشتراها على أنه يصنعها له ..


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: أو من غير مشتريه، أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز.
باب الشروط في البيع .. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا بيان ما هي العينة؟ طالب: هي أن يشتري سلعة قد كان باعها بثمن هو أكبر مما اشتراها به نسيئة.
الشيخ: أعد ورتب.
الطالب: هو أن يبيع سلعة، ثم يشتريها.
الشيخ: يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم.
الطالب: ثم يشتريها حالَّة.
الشيخ: نعم، بأقل.

الجزء: 2 - الصفحة: 822

الطالب: بأقل مما باعها به.
الشيخ: بأقل مما باعها به نقدًا، المسألة؟ طالب: المسألة كأن يبيع سيارة نسيئة بخمسين -مثلًا- ثم يشتريها نقدًا بأربعين.
الشيخ: أن يبيع عليه سيارة بخمسين ألفًا إلى سنة.
الطالب: نعم.
الشيخ: إلى سنة، حدِّدْ؛ لأن المسألة لازم تكون محددة، ثم يشتريها نقدًا.
الطالب: يشتريها نقدًا بأقل مما باعها به.
الشيخ: حدد يا شيخ.
الطالب: ثم يشتريها نقدًا بأربعين مثلًا.
الشيخ: بأربعين ألفًا، هذه مسألة العينة، طيب.
ما حكمها؟ طالب: حكمها أنها تحرم، وهي من الكبائر إن اجتمعت مع الأربعة التي في حديث ابن عمر.
الشيخ: طيب، إذن هي حرام.
الطالب: نعم.
الشيخ: العقد فيها؟ الطالب: العقد فيها؟ الشيخ: صحيح ولَّا غير صحيح؟ الطالب: باطل.
الشيخ: باطل.
الطالب: لأنه عقد محرَّم.
الشيخ: لأنه عقد محرم، أحسنت.
إذا اشتراها بغير جنس ما باعها به، هل يجوز أو لا؟ طالب: يجوز.
الشيخ: مثاله؟ الطالب: مثاله: أن يبيع بمئة صاع بُر.
الشيخ: يبيع السيارة بمئة صاع بُر؟ الطالب: إلى سنة.
الشيخ: إلى سنة.
الطالب: ثم يشتريها حالَّة.
الشيخ: بكم؟ الطالب: بثمانين صاعًا ( ... ). الشيخ: هذا ما يجوز.
الطالب: بثمانين دينارًا.
الشيخ: زين، بثمانين دينارًا، صحيح؛ لأنه اشتراها بغير جنس ما باعها به.
إذا اشتراها بعد قبض الثمن؟ طالب: يجوز.
الشيخ: مثاله؟ الطالب: مثلًا يبيع سلعة بثمانين .. الشيخ: باع السيارة.
الطالب: بثمانين مؤجلة.
الشيخ: بثمانين أيش؟ الطالب: ألفًا.
الشيخ: ثمانين ألفًا.
الطالب: مؤجلة.
الشيخ: درهمًا أو دينارًا أو قرشًا؟ الطالب: ريالًا.
الشيخ: ريالًا، طيب.
الطالب: ثم بعد أن تنتهي المدة يأخذ الثمن، ثم بعد ذلك ( ... ). الشيخ: يعني بعد أن تنتهي المدة ويستلم الثمن يعود فيشتريها.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، جائز هذا ولَّا لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: زين، إذا اشتراها بعد تغير الصفة؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: مثاله؟

الجزء: 2 - الصفحة: 823

الطالب: إذا اشترى سيارة بمئة دينار إلى سنة.
الشيخ: نعم، اشترى سيارة .. ، باع سيارة.
الطالب: باع سيارة بمئة دينار إلى سنة.
الشيخ: نعم، بمئة دينار إلى سنة.
الطالب: وبعد ستة أشهر اشتراها بثمانين دينارًا أو بمئتي دينار.
الشيخ: كيف؟ الطالب: ( ... ) من صاحب السيارة.
الشيخ: أقل، إحنا نقول: أقل.
الطالب: بعد تغير صفته.
الشيخ: تغير صفته.
الطالب: يعني ثمانين دينارًا.
الشيخ: طيب، يجوز أو لا؟ الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ الطالب: لأن السيارة مع كثرة المشي ( ... ). الشيخ: لكن لماذا يجوز أن تنزل من القيمة الأصلية؟ الطالب: قلنا: تغير في الصفة.
الشيخ: لتغير الصفة، بناء على ذلك يشترط أن يكون النقص بقدر؟ الطالب: تغير الصفة.
الشيخ: بقدر ما تغير من الصفة، فلو قُدِّر أنها بتغير الصفة نقصت عشرة فإنه لا يجوز أن يشتريها بثمانين.
باع السيارة بمئة ألف إلى سنة، وبعد مضي ستة شهور أراد أن يشتريها بثمانين، وقد تغيرت صفتها، ونقصت بسبب التغير عشرين ألفًا، فهذا جائز أو غير جائز؟ طلبة: جائز.
الشيخ: جائز؛ لأن هذا النقص ليس هو النقص الذي من أجل الأجل، بل من أجل تغير الصفة.
طيب، فإن اشتراها بخمسة وسبعين، ونَقْص تغير الصفة عشرون؟ الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: فهذا لا يجوز؛ لأنه جعل هناك خمسة آلاف للفرق بين المؤجل والمنقود.
طيب، جملة معترضة يقول: إذا اشتراها أيضًا من غير مشتريها، مثاله؟ طلبة: ما أخذناها.
الشيخ: زين، ما يخالف، إذا اشتراها من غير مشتريها؛ يعني: إذا باع السلعة بثمن مؤجل، ثم إن الذي اشتراها باعها على آخر، ثم اشتراها البائع الأول من الآخر بثمن منقود أقل، فهذا جائز؛ لأن محظور الربا هنا بعيد؛ إذ إن التعامل صار مع طرف ثالث.

الجزء: 2 - الصفحة: 824

مثاله: بعت هذه السيارة بمئة ألف إلى سنة، ثم إن صاحبها باعها على شخص آخر بما شاء؛ قليل أو كثير، أو وهبها له، ما يهم، ثم اشتريتها أنا من الثاني بثمانين نقدًا، فهذا جائز؛ لأن المعاملة هذه مع طرف ثالث، ليست مع الطرف الذي بعت السيارة عليه، فإذن يكون محظور الربا بعيدًا، فيصح.
بعت هذه السيارة بمئة ألف إلى سنة، ثم مات المشتري، وانتقلت السيارة إلى وارثه، فاشتريتها من وارثه بثمانين ألفًا نقدًا، يجوز أو لا؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأني اشتريتها.
طالب: من غير مشتريها.
الشيخ: لأني اشتريتها من غير مشتريها، فمحظور الربا بعيد.
يقول: (أو اشتراه أبوه) أي: أبو البائع، (أو ابنه جاز) يعني: باع زيد سيارته بمئة ألف على شخص إلى سنة، ثم إن أبا زيدٍ اشترى هذه السيارة ممن اشتراها من ابنه بثمانين نقدًا، فهذا لا بأس به؛ لأن المعاملة الآن مع طرف ثالث، إلا إذا كان للأب شركة في هذه السيارة فإنه لا يجوز؛ لأنها ستعود إلى الطرف البائع أولًا.
وكذلك يُقَال في الابن: إذا اشتراها ابنه؛ بأن باع زيد هذه السيارة على شخص بمئة ألف إلى سنة، ثم إن ابنه اشتراها من الذي باع عليه أبوه بثمانين نقدًا، فإن هذا لا بأس به؛ لأن المعاملة صارت مع طرف ثالث؛ ولهذا قال: (جاز).
عندي مسألة يقول: (ومن احتاج إلى نقد)، استمع هذا بالشرح، (ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مئة بأكثر ليتوسع بثمنه فلا بأس، وتسمى مسألة التورق)، انتبه، (ومن احتاج إلى نقد) إنسان يريد أن يتزوج وليس عنده فلوس، (فاشترى ما يساوي مئة بأكثر) يعني: اشترى سيارة تساوي مئة اشتراها، (بأكثر) يعني: مؤجلة، (ليتوسع بثمنه فلا بأس)، وتسمى عندي في الشرح تُسَمى مسألة التورق.

الجزء: 2 - الصفحة: 825

وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، وفيها أيضًا روايتان عن الإمام أحمد؛ فمن العلماء من يقول: هي جائزة؛ لأن شراء هذه السلعة قد يشتريها الإنسان لغرض مقصود بعين السلعة؛ كرجل اشترى سيارة يبغي يستعملها، أو يكون الغرض قيمة السيارة؛ اشتراها لأجل أن يبيعها ويتوسع بالثمن، فيكون هذا الغرض كالغرض الأول، لكن الغرض الأول أراد الانتفاع بعينها، وهذا أراد الانتفاع بقيمتها، فلا فرق؛ ولهذا قالوا: إنها جائزة.
والقول الثاني: أنها حرام، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المروي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
ووجه ذلك: أن مقصود الذي اشترى السيارة هو الدراهم، فكأنه أخذ دراهم قدرها ثمانون بدراهم قدرها مئة إلى أجل، فيكون حيلة، وقد نص الإمام أحمد أن هذه من مسائل العينة؛ مسألة التورق.
إذن للعلماء فيها قولان؛ القول الأول: أنها حرام، والقول الثاني: أنها حلال.
وذلك لأنها حيلة.
ولكن على القول بأنها حلال لا بد أن يكون الباعث لها الحاجة؛ لقوله: (ومن احتاج)، فلو كان الباعث لها الزيادة والتكاثر فإن ذلك حرام لا يجوز؛ لأن قولهم: (ومن احتاج) ليست لبيان الواقع، ولكنها شرط؛ لأنه إذا لم يكن حاجة فلا وجه لجوازها؛ إذ إنها حيلة قريبة على الربا.
يقول ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: إن شيخنا رحمه الله كان يُرَاجَع فيها كثيرًا -يعني: لعله يحللها- ولكنه رحمه الله يأبى، يقول: هي حرام، والحيل لا تزد المحرمات إلا خبثًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 826

لكن أنا أرى أنها حلال بشروط؛ الشرط الأول: أن يتعذر القرض أو السَّلَم؛ يعني: أن يتعذر الحصول على المال بطريق مباح، القرض في وقتنا الحاضر الغالب أنه متعذر، ولا سيما عند التجار، إلا من شاء الله، السَّلَم أيضًا قليل ولا يعرفه الناس كثيرًا، والسَّلَم هو تعجيل الثمن وتأخير المبيع، كيف تعجيل الثمن وتأخير المبيع؟ يعني: آتي لواحد وأقول: أنا محتاج عشرين ألف ريال، أعطني عشرين ألف ريال أعطيك بدلها بعد سنة سيارة صفتها كذا وكذا، أو أعطيك بدلها بُرًّا أو رزًّا ويصفه، هذا يسمى أيش؟ يسمى السَّلَم، ويسمى السلف، وهو جائز، كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك السنة والسنتين في الثمار، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (11). هذا شرط.
الشرط الثاني: أن يكون محتاجًا لذلك؛ محتاجًا حاجة بينة.
الشرط الثالث: أن تكون السلعة عند البائع، فإن لم تكن عند البائع فقد باع ما لم يدخل في ضمانه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع السلع في مكان شرائها حتى ينقلها التاجر إلى رحله فهذا من باب أولى؛ لأنها ما هي عنده، فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة، فأرجو ألَّا يكون بها بأس؛ لأن الإنسان قد يُضطر أحيانًا إلى هذه المعاملات.
طالب: الشرط الثالث؟ الشيخ: أن تكون عند البائع.


(باب الشروط في البيع) الشروط جمع (شرط)، وهو في اللغة: العلامة، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18]، أما في الاصطلاح فهو بحسب ما يكون شرطًا فيه؛ فقد يراد به ما يتوقف عليه الصحة؛ يعني: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود، فالوضوء شرط لصحة الصلاة يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة، وهل يلزم من وجوده الوجود؟ طلبة: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 827

الشيخ: لا؛ لأن الإنسان يتوضأ ولا يصلي.
الشروط في البيع غير شروط البيع؛ الشروط في البيع: إلزام أحد المتعاقدَيْن الآخر ما لا يلزمه بمقتضى العقد، هذه الشروط في البيع، وكذلك في غيره، وأما ما يلزمه بمقتضى العقد فإنه إن شُرِط فهو من باب التوكيد، تقول من باب أيش؟ التوكيد دون التأكيد، التوكيد أفصح من التأكيد؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91]، ولم يقل: بعد تأكيدها، هذه فائدة لغوية على الهامش.
إذن الشروط في البيع: إلزام أحد المتعاقدَيْن الآخر ما لا يلزمه بمقتضى العقد.
والفرق بينها -أي: بين الشروط في البيع وبين شروط البيع- من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن شروط البيع من وضع الشارع، والشروط في البيع من وضع أحد المتعاقدَيْن.
ثانيًا: شروط البيع يتوقف عليها صحة البيع، والشروط في البيع يتوقف عليها لزوم البيع، هو صحيح، لكن ليس بلازم؛ لأن من له الشرط إذا لم يُوفَ له به فله الخيار.
الفرق الثالث: أن شروط البيع لا يمكن إسقاطها، والشروط في البيع يمكن إسقاطها، من يسقطها؟ من له الشرط، ما هو من عليه الشرط، من له الشرط.
الفرق الرابع: أن شروط البيع كلها صحيحة معتبرة؛ لأنها من وضع الشرع، والشروط في البيع منها ما هو صحيح معتبر، ومنها ما ليس بصحيح ولا معتبر؛ لأنه من وضع البشر، والبشر قد يخطئ وقد يصيب.
فهذه أربعة فروق بين الشروط في البيع وشروط البيع.
وهل تكون هذه الفروق بين شروط النكاح والشروط في النكاح؟ نعم، تكون كذلك، هذه الفروق سواء في البيع أو في غيره من العقود.
قال المؤلف رحمه الله: (منها صحيح)، قبل أن نذكر (منها صحيح) هل المعتبر بالشروط في البيع صلب العقد، أو ما بعد العقد، أو ما قبل العقد؟ المذهب: أن المعتبر ما كان في صلب العقد، أو في زمن الخيارين؛ خيار المجلس، وخيار الشرط، أنتم معنا؟ طالب: غير واضح.

الجزء: 2 - الصفحة: 828

الشيخ: غير واضح، طيب، بعتك هذه السيارة واشترطت أن أسافر عليها إلى مكة في نفس العقد، هذا صحيح، هذا في محله.
بعتك هذه السيارة، وبعد أن تم العقد بالإيجاب والقبول قلت: أنا أشترط عليك أن أسافر بها إلى مكة، يصح؟ طالب: ما يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه في زمن الخيار؛ لأنك لو قلت: لا، قلت: فسخت، الآن بيدي الخيار، ما دمنا لم نتفرق فلنا أن نزيد الشرط.
بعتك هذه السيارة ولي الخيار ثلاثة أيام، في اليوم الثاني جئت إليك وقلت: أشترط أن أسافر بها إلى مكة، يصح أو لا؟ الطلبة: يصح.
الشيخ: لماذا؟ طالب: في زمن .. الشيخ: لأنه في زمن الخيارين، إذن المعتبر ما كان في صلب العقد أو في زمن الخيارين، ما كان قبل ذلك ما اتُفِق عليه قبل العقد؛ يعني: تفاهمت أنا وإياك على أني أبيع عليك السيارة، وأشترط أن أسافر عليها إلى مكة، عند العقد لم نذكر هذا الشرط؛ إما نسيانًا، وإما اعتمادًا على ما تقدم، فهل يعتبر هذا أو لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: إي نعم، المذهب يقولون: لا، والصحيح: أنه يعتبر؛ أولًا: لعموم الحديث: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (12)، وأنا لم أدخل معك في العقد إلا على هذا الأساس.
وثانيًا: أنهم جَوَّزوا في النكاح تقدم الشرط على العقد، فيقال: أي فرق بين هذا وهذا؟ وإذا كان النكاح يجوز فيه تقدم الشرط على العقد فالبيع مثله، ولا فرق.
إذن الشروط في البيع معتبرة؛ سواء قارنت العقد، أو كانت بعده في زمن الخيارين، أو كانت قبله متفق عليها من قبل.
يقول رحمه الله: (منها صحيح؛ كالرهن وتأجيل الثمن وكون العبد كاتبًا، أو خصيًّا، أو مسلمًا، والأَمَة بِكرًا).
قوله: (منها صحيح) (من) هنا للتبعيض، ويقابل ذلك: ومنها فاسد، ويأتي -إن شاء الله- تفصيله، (منها صحيح) مثل الرهن: إذا اشترط البائع على المشتري رهنًا بالثمن فالشرط صحيح، قال: أبيعك هذه السيارة بمئة ألف إلى سنة بشرط أن ترهنني بيتك، يجوز أو لا؟ طالب: يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 829

الشيخ: يجوز؛ لأن في هذا مصلحة لا شك، لمن؟ طلبة: للبائع.
الشيخ: للبائع، وللمشتري أيضًا؛ لأن البائع إذا لم يلتزم المشتري بهذا الشرط فإنه لا يبيع عليه، وحينئذٍ يُحْرَم مما يريد من هذه السلعة.
ثانيًا يقول: (وتأجيل الثمن) لكن لا بد إلى مدة معينة، تأجيل الثمن إلى مدة معينة؛ بأن يقول: اشتريت منك هذه السلعة بثمن مؤجل، أنا ما عندي فلوس الآن، اشتريتها منك بمئة ألف إلى سنة، يجوز؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنه ما فيه ضرر، هذا من مصلحة من؟ طلبة: المشتري.
طلبة آخرون: البائع.
الشيخ: المشتري أو البائع؟ طالب: لا، المشتري.
الشيخ: المشتري أو البائع.
الطالب: المشتري.
الشيخ: واللهِ اصبر، المشتري أو البائع.
طالب: المشتري.
الشيخ: أنا ما بسأل، أنا بأقرر، المشتري أو البائع، المشتري واضح؛ تأجيل الثمن عليه لأجل أن يتوسع، البائع؛ ربما يكون المصلحة بتأجيل الثمن عند المشتري يخشى من أحد يَنِمُّ عليه أن عنده فلوسًا، ثم تُجْعَل عليه ضرائب من الحكومة، أو يعتدي السراق عليه، إذن صار من مصلحة من؟ طلبة: البائع والمشتري.
الشيخ: من مصلحة البائع ومصلحة المشتري أيضًا، وقد لا يكون من مصلحة المشتري؛ المشتري يمكن يود أن يسلم الثمن ويستريح.
لو قال: بعتك هذه السيارة حتى يوسر الله عليك؟ طلبة: هذا لا يجوز.
طالب: غير معلوم.
الشيخ: لا يجوز؟ طالب: غير معلوم.
طالب آخر: غير معين.
الشيخ: إي، غير معلوم، ونقول: بل يجوز؛ بالدليل الأثري والنظري.
نقول: إنه جائز أن يشتري منه السلعة بثمن مؤجل إلى الميسرة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: أن رجلًا قدم له بَزٌّ من الشام، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلانًا قدم له بَزٌّ من الشام، فلو بعثت إليه أن يبيعك ثوبين نسيئة إلى ميسرة، فأرسل إليه فامتنع (13)، لعله يريد أن يصفي بضاعته ويذهب ويأتي ببضاعة أخرى، ولا بأس أن يمتنع من البيعة إذا كانت لا تناسبه، كما امتنع مَنْ؟ طالب: جابر.

الجزء: 2 - الصفحة: 830

الشيخ: جابر بن عبد الله، وليس في هذا بأس.
المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام بعث إليه ليشتري منه ثوبين نسيئة إلى ميسرة.
ثم نقول: هناك أيضًا دليل آخر عقلي؛ وهو أنه يجب إنظار المعسر حتى يوسر؛ يعني هذا: وإن لم يشترط المشتري ذلك -يعني: وإن لم يشترط أنه لا يطالبه إلا إذا أيسر- فإن هذا هو مقتضى العقد، ما دام البائع يدري أن هذا معسر فإنه يعلم أنه لا يتمكن من مطالبته حتى؟ طالب: يوسر.
الشيخ: حتى يوسر، إذن هذا هو موافق لمقتضى العقد؛ ولهذا كان القول الصحيح في هذه المسألة، القول الصحيح -انتبهوا لهذا؛ عشان يكون لكم عذر بعض الشيء في إجابتكم السابقة- القول الصحيح أنه جائز، أما القول المرجوح فإنه غير جائز، وهو الذي قفزتم إليه قبل قليل، وقلتم: إن هذا حرام؛ لأن الميسرة مجهولة، غير معلومة، ما ندري، ربما يموت لم يوسر الله عليه، والله أعلم.
طالب: في قول المؤلف: (وإن اشتراه بغير جنسه) قلنا: هل المراد بغير جنسه، أو المراد بجنسه ( ... ) الثاني ( ... )؟ الشيخ: الثاني؟ الطالب: وهو المراد بجنسه ( ... ). الشيخ: بغير جنسه، المراد بالجنس الذي قال: (بغير جنسه).
الطالب: يعني الثاني المراد بغير جنسه ( ... )؟ الشيخ: إي نعم؛ يعني: باعه بدراهم إلى أجل، ثم اشتراهم بطعام، إي نعم.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلنا: إذا تغيرت صفته واشتراه بأقل ( ... ) أقل فلا بد أن يكون الفرق واقعيًّا.
الشيخ: الفرق من أجل تغير الصفة.
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، من أجل الحلول والتأجيل.
الطالب: لكن -شيخ- إذا علمنا أنه لا اتفاق بينهم، وأن هذا أخذ ( ... ) نقدًا ( ... )؟ الشيخ: طيب، لو علمنا أنها ما تغيرت .. ، لو لم تغير الصفة، وعلمنا أن لا اتفاق بينهما ولا مواطأة، يجوز أو لا؟ الطالب: قلنا: لا يجوز.
الشيخ: أسألك.
الطالب: سدًّا للذريعة لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 831

الشيخ: لا يجوز، هذه مثلها، ليش يكون النازل من تغير الصفة عشرين، وتنزل خمسة وعشرين، إلا في مقابلة الحلول والتأجيل.
الطالب: شيخ، هل هناك ضابط لهذا؟ الشيخ: يُعْرَف بالقيمة، أهل الخبرة يعرفون.
طالب: شيخ، الذين قالوا بجواز مسألة التورق اشترطوا أنه لا بد أن يكون الباعث الحاجة للمال، الآن يا شيخ يشتري إنسان؛ يريد إنسان الدخول في مساهمة وليس لديه نقد، فيذهب إلى الذين يبيعون بالتقسيط فيشتري، فهل هذا يعتبر؟ الشيخ: إي نعم، هذا من باب المكاثرة.
الطالب: يعني لا يجوز؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، على من قال بمنع مسألة التورق، هل الإثم على البائع والمشتري سواء إذا علم البائع، أو أنه على .. ؟ الشيخ: عليهما سواء؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن آكل الربا وموكله (14). الطالب: الآن بعض الناس اتخذها تجارة وهو يعلم أنه ما يشتري منه إلا ( ... )؟ الشيخ: يكفي، إذا علم أنه لا يشتري منه إلا لأجل الثمن -يبيعها ويأخذ ثمنها- يكفي، أو غلب على ظنه؛ يعني: يكفي العلم أو غلبة الظن.
طالب: التورق -يا شيخ- الشرط الثالث: أن تكون السلع عند البائع.
الشيخ: نعم.
الطالب: طيب، هل إذا البائع أوقف السلعة هذه لهذا العمل لمن أتاه محتاجًا، وأيضًا أتاه الشرط الثاني المحتاج وليس هناك قرض ولا سلف، هل يقال: أبقِ السيارات عندك في البيت أو بهذا؟ الشيخ: إي، بعض الناس يفعل هذا.
الطالب: إذن هو قصد التورق الآن بدون حاجة؟ الشيخ: لا، أصل الحاجة حاجة المشتري، ما هو حاجة البائع.
الطالب: إذن يبقيها عنده السيارة؟ الشيخ: لا بأس، إي، لكن أنا أقول: هذا عند الضرورة.
الطالب: إي نعم.
طالب آخر: شيخ، قلنا: (أو اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة لا بالعكس)، على أحد الاحتمالين: لا بعكس صورة العينة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) الصورة؛ لأن صورة العينة أصلها أن يبيع شيئًا نقدًا.
الشيخ: لا.
الطالب: أن يبيع شيئًا نسيئة.
الشيخ: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 832

الطالب: ثم يشتريه بنقدٍ بأقل مما باعه.
الشيخ: نعم.
الطالب: قلنا: (لا بعكسه) أي: بعكس الصورة هذه.
الشيخ: بالأكثر يعني، لها احتمالين: عكس الصورة، أو عكس الأقل.
الطالب: لا، عكس الصورة أنا أقصد يا شيخ.
الشيخ: طيب، ما يخالف.
الطالب: عكس الصورة؛ يعني: أنه يشتري شيئًا نقدًا بأقل.
الشيخ: كيف؟ الطالب: يشتري سلعة؛ سيارة بعشرين ألفًا.
الشيخ: وباعها نقدًا.
الطالب: أن يبيعها نقدًا بعشرين ألفًا، ثم يشتريها نسيئة بأكثر، هذه صورة.
(بابُ الشروطِ في البَيْعِ) منها (صحيحٌ) كالرَّهْنِ، وتأجيلِ ثَمَنٍ، وكونِ العبدِ كاتبًا أو خَصِيًّا أو مُسْلِمًا، والأَمَةِ بِكْرًا، ونحوِ أن يَشْتَرِطَ البائعُ سُكْنَى الدارِ شَهْرًا، وحُمْلانَ البعيرِ إلى مَوضعٍ مُعَيَّنٍ، أو شَرَطَ الْمُشْتَرِي على البائعِ حَمْلَ الْحَطَبِ أو تكسيرَه، أو خياطةَ الثوبِ أو تَفصيلَه، وإن جَمَعَ بينَ شَرطينِ بَطَلَ البيعُ.
ومنها (فاسدٌ) يُبْطِلُ العَقْدَ , كاشتراطِ أحدِهما على الآخَرِ عَقْدًا آخَرَ , كسَلَفٍ وقَرْضٍ , وبيعٍ وإجارةٍ وصَرْفٍ، طالب: شيخ، قلنا: (أو اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة لا بالعكس)، على أحد الاحتمالين: لا بعكس صورة العينة.
الشيخ: نعم.
الطالب: أنا ( ... ) الصورة؛ لأن صورة العينة أصلها أن يبيع شيئًا نقدًا.
الشيخ: لا.
الطالب: أن يبيع شيئًا نسيئة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم يشتريه بنقد بأقل مما باعه.
الشيخ: نعم.
الطالب: قلنا: (لا بعكسه) أي بعكس الصورة هذه.
الشيخ: بالأكثر يعني، لها احتمالان: عكس الصورة، أو عكس الأقل.
الطالب: لا، عكس الصورة، أنا أقصد يا شيخ.
الشيخ: طيب، ما يخالف.
الطالب: عكس الصورة؛ يعني أنه يشتري شيئًا نقدًا بأقل.
الشيخ: كيف؟ الطالب: يشتري سلعة -سيارة- بعشرين ألفًا.
الشيخ: وباعها نقدًا.
الطالب: أن يبيعها نقدًا بعشرين ألفًا، ثم يشتريها نسيئة بأكثر، هذه نفس الصورة الأولى، لكن هذه صورة المشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 833

الشيخ: هذه عكس الصورة الأولى، الصورة الأولى باع مؤجلًا، ثم اشترى بنقد.
الطالب: نعم.
الشيخ: وهذه باع بنقد، ثم اشترى بمؤجل.
الطالب: هذا هو نفس الطرف الثاني.
الشيخ: هذا، هذا المهم عكسه.
الطالب: هي نفس المسألة يا شيخ، لكن طرفين.
الشيخ: لا، يا شيخ ما هي نفس المسألة، فكِّر بها وأنت -إن شاء الله- مضطجع على فراشك مستريح ومسترخٍ ( ... ). طالب: للحين ما سألنا ( ... )، إي والله يا شيخ ( ... ). الشيخ: طيب.
طالب: قول الإمام أحمد ( ... ) عكس مسألة العينة كما ذكرنا رواية عنه ( ... ). الشيخ: إي.
الطالب: أين الحيلة؟ الشيخ: الحيلة أنه يأخذ دراهم نقد بأقل من الدراهم المؤجلة.
الطالب: إذا هو باعها بعشرين مثلًا، ثم اشتراها بأكثر نسيئة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: اشترى بخمس وعشرين.
الشيخ: يعني هو قصده، ما هو براحم الرجل، يقول: أعطاني عشرين بخمسة وعشرين إلى أجل، لكن تحيل.
الطالب: ( ... ) بعكس المسألة ( ... ) بعكسها.
الشيخ: إي، كلها هي كلها حيلة، حتى هذه ممكن يتحيل، إذا باع بمئة نقدًا، ثم اشتراه بمئة وعشرين نسيئة ما يمكن تحيل؟ الطالب: إي بلا.
الشيخ: ( ... )؟ طيب.
طالب: شيخ، بالنسبة لقولنا في بيع العينة أنه يبطل العقد.
يبطل، بيع العينة يبطل.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) الآن البيع الذي باع السيارة نسيئة بعشرة آلاف نسيئة، فهل نقول: أن البيع الأول يبطل؟ الشيخ: إذا كان وسيلة للثاني.
الطالب: نعم.
الشيخ: إذا كان الغرض منه من الأصل هو هذا يبطل، أما إذا كان لا، اشتراها على أنها مؤجلة ولا علم بهذا أبدًا.
الطالب: تُعاد إلى صاحبها؟ الشيخ: إي، تُعاد إلى صاحبها إذا بطل الأول.
طالب: ( ... ) رجل احتاج إلى مال، فذهب إلى آخر قال: أعطني ألف ريال على أن أوفيك بعد ستة أشهر طن قمح أو بُر، واتفقا على السعر، هل هذه صورة من صور السَّلَم؟ الشيخ: ويش تقولون فيها؟ طالب: نعم، سَلَم.
الشيخ: هذا السَّلم.
الطالب: هما اتفقا على السعر.

الجزء: 2 - الصفحة: 834

الشيخ: إي، من الآن.
الطالب: ربما في الموسم.
الشيخ: إي، ربما في موسم تكون أكثر أو أقل، وهذا هو السبب؛ أنها جازت؛ لأن الربا المرابي رابح بكل حال.
الطالب: يعني ربما يزيد وينقص.
الشيخ: أما هذا ربما يزيد وينقص، ولهذا الناس الآن يأبون أن يعملوا بهذا العمل، يقول: ما أدري، أخاف أخسر.
الطالب: هذا موجود عندنا.
الشيخ: طيب هذا، ما فيه مانع.
طالب: السَّلَم ( ... )، السَّلَم يعني لو كان السعر بغير سعر اليوم.
الشيخ: إي، لا، هو لا بد مثلًا الآن، طبعًا هو لا بد أن ينقص السعر، لا بد، ضروري.
الطالب: لكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان ( ... ). الشيخ: ما يحتاج، هذا معلوم بالضرورة، هل بيع النقد مثل المؤجل؟ الطالب: ألا يُقال: إن ( ... ) الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: لا، ما يقال، الأصل أن الفطرة واحدة؛ يعني أن فرقًا بين أن يقول إنسان: أبغي أعطيك الآن العوض الآن المبيع، وبين إنسان يقول: بعد عقب سنة، ما فيه إشكال، ولَّا لا؟ الطالب: مو كانت السلع نادرة في عهد الرسول؟ يصعب الحصول عليها؛ ولذلك يعني ( ... ) المسألة.
الشيخ: طيب، لا، ما يستدعي، النادر النقود، النقود قليلة، ولهذا يستعملون السَّلَم، لكن كلٌّ يعرف فرق بين بيع المؤجل وبيع الحاضر، إذا قدرنا أن الصاع بدرهم الآن، لا بد المؤجل يكون الصاعان بدرهم، لا بد، مثل الثمن تمامًا.
طالب: ما الحكم بما تعمله بعض الجهات اليوم بأن يذهب أحدهم مثلًا للبنك فيشير عليه بشراء سيارة من ( ... ) ما، فيشتريها بثمن نقدًا بنفس السعر، ويُقسطوا عليه، هذا المبلغ عن هذا الرجل الذي اشترى منه.
الشيخ: سمعتم كلامه؟ طالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 835

الشيخ: يذهب إلى تاجر -بنك أو غير بنك- يقول: أنا أبغي السيارة الفلانية اللي في المعرض الفلاني، فيتفق التاجر مع المعرض على شراء السيارة هذه بثمن، ثم يبيعها التاجر على المشتري بثمن أكثر مؤجلًا، هذه أخبث من مسألة العينة؛ لأن هذه صريحة بأنه أقرضه ثمنها بفائدة، بدل ما يقول: اذهب اشترها وأنا أعطيك الثمن قرضًا- وأزيده بالتأجيل فعل هذه الحيلة ( ... )، المريض باع على مِثله ثوبًا بعد نداء الجمعة الثاني.
ما تقول في هذا البيع؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، أنت فاهم السؤال؟ الطالب: بعد النداء الثاني؟ الشيخ: إي نعم، بعد النداء الثاني، فاهم السؤال؟ الطالب: أعِد السؤال مرة أخرى.
الشيخ: كيف تقول: ما يجوز وأنت ما فهمت السؤال؟ ! مريض باع ثوبًا على مريض بعد نداء الجمعة الثاني.
الطالب: المريض يجوز؛ لأنه ليس عليه جمعة ( ... ). الشيخ: كيف يجوز والله يقول: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]؟ الطالب: بس مرضى، مريض.
الشيخ: إي.
الطالب: لا يحضر الجمعة.
الشيخ: لا تلزمه الجمعة، توافقونه على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، صح، امرأة باعت على رجل إبريقًا بعد نداء الجمعة الثاني؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: امرأة؟ الطالب: لأن أحد المتبايعَيْن ممن تلزمه.
الشيخ: ما تقولون؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، لا يجوز البيع؛ لأن أحد المتبايعَيْن ممن تلزمه الجمعة، والعقد لا يتبعض.
هل يصح هذا البيع أم لا؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] فالنهي يقتضي الفساد.
الشيخ: اصبر ما بعد جاء النهي إلى الآن.
الطالب: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
الشيخ: طيب.
الطالب: وهذا نهي، والنهي يقتضي الفساد.

الجزء: 2 - الصفحة: 836

الشيخ: ما دليلك على أن النهي يقتضي الفساد؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (1)، وقوله: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (2). الشيخ: أحسنت، الدليل على بُطلان العقود المحرمة قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، وقوله: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ».
صوِّر هذه المسألة التي ذكرها المؤلف: (من باع رِبويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يُباع به نسيئة) فإنه لا يصح.
طالب: إذا باع تمرًا بثمن مؤجل.
الشيخ: باع أيش؟ الطالب: باع تمرًا.
الشيخ: تمرًا.
الطالب: بثمن مؤجل.
الشيخ: بمئة.
الطالب: بمئة.
الشيخ: إلى أجل.
الطالب: إلى أجل، ثم اعتاض عن ثمن المئة بتمر.
الشيخ: بتمر؟ الطالب: بتمور أو نوع من الأنواع الربوية، تمر أو غيره.
الشيخ: تمر؟ غيره أيش؟ الطالب: تمر أو ملح.
الشيخ: زين.
الطالب: اعتاضَ عن هذا التمر.
الشيخ: نعم، فإنه؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، المثال صحيح، لماذا لا يصح؟ الطالب: لا يصح؛ لأنه لا يجوز بيع ربوي مؤجل.
الشيخ: أنا ما بعت، لم أبع تمرًا بملح إلى أجل، أنا بعت تمرًا بدراهم، ثم اعتضت عن الدراهم ملحًا.
الطالب: إي، عندما اعتضت على الدراهم بالملح كأنك بعت تمرًا بثمن مؤجل.
الشيخ: أو لأنه ذريعة إلى بيع الربوي بما لا يُباع به نسيئة، ذريعة، وسد الذرائع مما جاءت به الشريعة، فهمت؟ ما هي مسألة العينة؟ الطالب: مسألة العينة هو أن يبيع سلعة لشخص إلى أجل، ثم يشتريه.
الشيخ: بكم؟ الطالب: بمئة درهم، ثم يشتري بأجل، ستة أشهر.
الشيخ: نعم، باعها بمئة إلى ستة أشهر.
الطالب: نعم.
الشيخ: ثم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 837

الطالب: ثم يشتريه بعد مُضِيِّ أربعة أشهر، بعد ما مضى أربعة أشهر، يشتريه بأقل منه يدًا، يعني بتسعين.
الشيخ: ويش معنى يدًا؟ الطالب: يشتريه نقدًا.
الشيخ: نقدًا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: أحسنت، واضح يا جماعة؟ هذه مسألة العينة؛ أن يبيع سلعة بمئة إلى مدة ستة أشهر، ثم يشتريها نقدًا بأقل، هذه مسألة العينة، هل هي جائزة؟ أو حرام؟ طالب: محرمة.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ» إلى أن قال: «سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (3). الشيخ: أحسنت، توعَّد من باع بذلك.
علِّل أيضًا، فيها دليل وتعليل.
الطالب: إنها حيلة على الربا.
الشيخ: نعم، قد تُتخذ حيلة على الربا.
إذا اشتراه -هذا الذي باعه بمئة إلى أجل- بمئتين نقدًا؛ لأن الأسعار زادت.
طالب: نعم، يجوز في هذه الحالة.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: نعم؛ لأنه اشتراه بأكثر مما باعه.
الشيخ: طيب بمئة اشتراه، بمثل ما باعه به.
الطالب: به أو بأكثر منه.
الشيخ: يجوز؛ لأنه ما فيه تحايل على الربا.
في المسألة الأولى: (إذا اعتاض عن ثمنه ما لا يُباع به نسيئة) قلتم: إنه لا يجوز، فهل هناك قول آخر؟ الطالب: عيد السؤال يا شيخ.
الشيخ: المسألة الأولى: باع ربويًّا بنسيئة، واعتاض عن ثمنه ما لا يُباع به نسيئة، قلتم إنه لا يجوز -كما قال المؤلف- هل هناك قول آخر؟ طالب: فيه قول آخر، إنه ( ... ) الجواز مطلقًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: وقول ابن تيمية ( ... ) يصح بشرط.
الشيخ: وهو؟ الطالب: ألا يتخذ حيلة.
طالب آخر: بشرط.
الشيخ: ما هو؟ ما هو شرط ابن تيمية؟ الطالب: شرط ابن تيمية إذا عند الحاجة.
الشيخ: عند الحاجة، أحسنت، واضح الآن؟ الأقوال كم صارت؟ طلبة: ثلاثة.

الجزء: 2 - الصفحة: 838

الشيخ: ثلاثة.
باع سيارة بمئة ألف إلى سنة، ثم اشتراها نقدًا بثمانين، لكن السيارة قد حصل عليها حادث، ونقصت قيمتها، أيجوز أم لا؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: مطلقًا؟ كأن الناس لهم معارضة.
الطالب: ( ... ) ظهر بها عجز.
الشيخ: صحيح، لكن تقول: يجوز مُطلقًا.
طالب: صحيح يا شيخ؟ الشيخ: صحيح، على كل حال، أجبت أنت ( ... ). طالب: إذا كان مقدار ما نقص من ثمنها بمقدار ما حصل لها من .. الشيخ: من الحادث.
الطالب: نعم.
الشيخ: فهذا صحيح، وإن كان أُضيف إليه ما نقص بالتأجيل والنقد، فهذا غير صحيح؛ لأن هذه مسألة العِينة.
باع على شخص سيارة بمئة ألف إلى أجل، ثم اشتراها ابن البائع بثمانين نقدًا، يجوز؟ طالب: يصح ( ... ). الشيخ: يجوز؟ الطالب: يجوز نعم؛ لأن.
الشيخ: ابنه.
الطالب: نعم، ( ... ) لنفس البائع.
الشيخ: الرسول قال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (4). الطالب: نعم، هو له أن يتملكها بعد أن يشتريها، يكون أصل الشراء جائز؛ لأن الحيلة على الربا بعيدة.
الشيخ: يعني إذن شراء الابن جائز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لأنه يملك ملكا تامًّا، وهو ليس شريكًا لأبيه.
ثم بعد أن يتملكها إذا شاء أبوه أن يتملكها فلا بأس.

باب الشروط في البيع

الشروط في البيع، وشروط البيع بينهما فروق.
طالب: إن شروط البيع من وضع الشارع، أما الشروط في البيع من وضع العاقدَيْن أو أحدهما.
الشيخ: أحسنت، إن شروط البيع من وضع الشارع، يعني هو الذي قال: يشترط كذا وكذا وكذا، والشروط في البيع من وضع المتعاقدَيْن أو أحدهما، الفرق الثاني؟ طالب: الفرق الثاني أن الشروط في البيع يترتب عليها صحة البيع.
الشيخ: أن الشروط في البيع.
الطالب: أما شروط البيع يترتب عليها صحة البيع.
الشيخ: نعم.
الطالب: والشروط في البيع يترتب عليها لزوم البيع.
الشيخ: دون صحته، يعني هو صحيح، ولكنه لا يلزم إلا بالوفاء بها، هذان فرقان.
طالب: شروط البيع لا يمكن إسقاطها.

الجزء: 2 - الصفحة: 839

الشيخ: شروط البيع لا يمكن إسقاطها.
الطالب: والشروط في البيع يمكن إسقاطها.
الشيخ: والشروط في البيع يمكن إسقاطها، من الذي يملك إسقاط الشروط في البيع؟ الطالب: من له الشرط.
الشيخ: من له الشرط، بارك الله فيك، الرابع؟ طالب: شروط البيع جميعها صحيحة.
الشيخ: معتبرة.
الطالب: الشروط في البيع فهي قد تكون ليست صحيحة ( ... ). الشيخ: منها صحيح ومنها فاسد، طيب بارك الله فيك.


يقول رحمه الله: (منها صحيح)، وضابط الصحيح ما لا يُنافي مُقتضَى العقد، فإن نافى مقتضى العقد فليس بصحيح، هذا الضابط، أو نقول: انتبه، ما لا يُنافِي مُطلق العقد؟ طالب: الأول.
الشيخ: أيهما الصحيح؟ طلبة: الأول.
الشيخ: ليش ما يصح الثاني؟ الطالب: كل الشروط تنافي مطلق العقد.
الشيخ: لأن كل شرط في البيع ينافي مطلق العقد، أفهمتم؟ طالب: لا، ما فهمنا.
الشيخ: ما فهمتم، لا إله إلا الله! طالب: صحيح، ما فهمنا.
الشيخ: طيب، ما يُنافي مقتضى العقد، مثلًا: إذا بعتُ عليك شيئًا، فمقتضى العقد أنني أتصرف فيه بالبيع والرهن والتأجير والتوقيف، كل التصرفات التي أملكها شرعًا، فإذا شرط عليَّ البائع ألا أبيعه مثلًا، قال: شرط أنك ما تبيعه على أحد، فهذا ينافي أيش؟ طلبة: مقتضى العقد.
الشيخ: مقتضى العقد، يعني العقد أني أتصرف، كيف تحبسني؟ هذا لا يصح الشرط، أما مطلق العقد فأنا مثلًا إذا بعتك هذا الشيء، واشترطتَ عليَّ أن يكون الثمن مؤجلًا، من الذي يشترط؟ طلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري، هذا ينافي مُطلق العقد، لكن لا ينافي مقتضى العقد؛ لأن العقد تم الآن، وكلٌّ مَلَك ما آل إليه، لكن يخالف مطلق العقد؛ لأن مطلق العقد أن تسلم الثمن نقدًا، وأسلم المبيع كذلك حاضرًا، ففرق بين قولنا: ما ينافي مقتضى العقد، وما يُنافي مطلق العقد؛ لأننا نقول: كل شروط في عقد فإنها تنافي مُطلقه؛ لأن مطلقه ألا يكون هناك شروط.
إذن ما هو الصحيح؟ طلبة: ما لا ينافي مقتضى العقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 840

الشيخ: ما لا ينافي مقتضى العقد.
قال المؤلف: (كالرهن) الرهن من الشروط الصحيحة، ومن الذي يشترطه؟ الذي يشترطه غالبًا البائع، بأن يقول المشتري: اشتريتُ منك هذا الشيء بمئة؟ فيقول: نعم، بعتُ عليك، لكن أريد أن تعطيني رهنًا، فأعطاه رهنًا، هذا شرط صحيح؛ لأنه لا يُنافي مقتضى العقد، بل يزيد العقد قوة وتوثقة؛ لأن البائع الآن يطمئن، إذا علم أن الثمن الذي باعه به فيه رهن، إذ إن فائدة الرهن أنه إذا لم يوفِ فإنه يُباع ويُستوفى الثمن منه.
الثاني يقول: (تأجيل الثمن)، تأجيل الثمن من يشترطه؟ طلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري، عكس الأول، الرهن يشترطه البائع، تأجيل الثمن يشترطه المشتري، باع عليه متاعًا بمئة، فقال: أنا ليس بيدي شيء الآن، ولكن أريد أن يكون الثمن مؤجلًا إلى شهر، فتم البيع على ذلك، فهذا البيع صحيح، والشرط صحيح؛ لأن هذا لا يُنافي مقتضى العقد؛ بل يزيده قوة وإحكامًا.
وقول المؤلف: (تأجيل الثمن) لم يُبيِّن أنه يُشترط في الأجل أن يكون معلومًا، ولكنه شرط، يُشترط أن يكون الأجل معلومًا، بأن يقول: إلى رمضان، إلى ذي الحجة، وما أشبه ذلك، لا بد أن يكون معلومًا.
فإن قال: بثمن مؤجل إلى أن يقدم زيد؛ لأن المشتري يطلب زيدًا دراهم، وإذا حضر سوف يوفي منها، فهل يجوز؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا؛ لأنه مجهول، لا يُدرى متى يقدم، ولا يُدرى هل يقدم أم لا يقدم أيضًا؟ فهو مجهول، فلا يصح هذا الشرط.
اشترط المشتري أن يكون الثمن مؤجلًا إلى ميسرة؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: إلى أن يوسر الله عليه؟ الطلبة: يجوز.
الشيخ: المذهب: لا يجوز؛ لأن الأجل مجهول، إذ لا يُدرى متى يوسر الله عليه، قد يوسر الله عليه بساعة، يموت له قريب غني ويرثه، وقد يبقى سنين لم يوسِر، فالمذهب أن هذا الشرط لا يصح، ويكون الثمن حالًّا غير مؤجل، والعلة في ذلك؟ طلبة: الجهالة.

الجزء: 2 - الصفحة: 841

الشيخ: الجهالة، ولكن الصحيح أنه يصح؛ لأن هذا مقتضى العقد، ما دام البائع يعلم أن المشتري معسر فإنه لا يحق له مطالبته شرعًا إلا بعد الإيسار؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، فما زاد هذا الشرط إلا تأكيد الإنظار فقط، والإنظار واجب، فإذا كان البائع يعلم أن المشتري معسر لزمه أن ينظره إلى أن يوسِر سواء شرط ذلك أم لم يشترطه، وعلى هذا فشرطه يعتبر توكيدًا، فيكون صحيحًا.
الثاني يقول: (وكون العبد كاتبًا) العبد الذي عُرِض للبيع، اشتراه إنسان وقال: بشرط أن يكون كاتبًا، يصح الشرط؛ لأنها صفة مقصودة في المبِيع، فصح شرطها، ولكن كلمة (كاتب) هل هي مجهولة أو معلومة؟ لأن الكتابة تختلف؛ من الناس من يكتب ولكن لا يقرأ كتابه إلا هو، هل هذا يُغني إذا كان كاتبًا؟ طلبة: لا، ما يغني.
الشيخ: ومن الناس من يكتب ويقول: لا أعرف أقرأ كتابتي إلا في المكان الذي كتبتها فيه، إي نعم، ككتب رجل بين رجلين بيع جمل على أحدهما في فلاة من الأرض بين الشام وعنيزة، وكتب بينهما وثيقة، ولما قدما البلد تخاصما، فأنكر البائع البيع، فقال المشتري: بيني وبينك وثيقة كتبها فلان، فطلب القاضي فلانًا، وقال: كتبت بينهما وثيقة؟ قال: نعم، هذه الوثيقة، قال: اقرأها، قال: لا أعرف أقرؤها إلا في المكان الذي كتبتها فيه؛ وذلك لأنه لا يعرف يكتب، هو لا يعرف أن يكتب، لكن قال: تريدون أن أشهد بلساني شهدت، أما بالقلم فلا أعرف أن أقرأه إلا في المكان الذي كتبته فيه، فقال القاضي: يكفينا لسانك.
فالحاصل أن كلمة (كاتب) فيها شيء من الجهالة، فلا بد أن يُقال: كاتبٌ تكون كتابته متوسطة، يعني يقرؤها الإنسان بدون تهجٍّ وبدون ترتيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 842

(أو خصيًّا) اشترط المشتري أن العبد خصي، يعني: قد قُطِّعَت خصيتاه، وهذا مقصود للمشتري؛ لأنه إذا قُطعت خصيتاه فإنه يسلَم الناس من شره، إذ إن شهوته تبطل أو تضعف جدًّا حتى لا يكون له نظر في النساء، وهذا مقصود للمشترين، ولكن يبقى النظر كيف يكون خصيًّا؟ لأنه إن قطع خصيتيه مالِكه عتق عليه؛ لأنه سيأتينا -إن شاء الله- أو مر علينا في العِتق أنه إذا مَثَّلَ بعبده، ولو بقطع أنملة من أصابعه فإنه يعتق، فيقال: ربما يكون هذا خصيًّا قبل أن يُسترق، أو أنه خصاه غير مالكِه فلا يعتق، المهم أن شرط الخِصاء شرط صحيح إذا اشترطه من؟ طالب: المشتري.
الشيخ: المشتري.
(أو مسلمًا)، أيضًا إذا اشترط المشتري أن العبد مسلم فله شرطه، فهو شرط صحيح، أو كافرًا؟ طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذا شرط صفة مكروهة لله عز وجل، حتى لو قال المشتري: أنا أريد أن يكون كافرًا حتى لا يتعبني، إذا أذَّن قال: أذهب أُصلِّي، وإذا جاء رمضان قال: أصوم، وإذا جاءت العمرة قال: أعتمر، وإذا جاء الحج قال: أحج، أنا أريد واحدًا كافرًا.
نقول: هذا مُراد باطِل، تشجيع للكافرين على أن يكونوا عمالًا أو عبيدًا عند المسلمين.
(والأَمَة بِكرًا) إذا اشترط في الأمة أن تكون بكرًا، فهو شرط صحيح؛ لأن البكارة صفة مقصودة، فيكون الشرط صحيحًا.
إلى أن قال -لا إله إلا الله-: (ونحو أن يشترط).
ما حكم هذه الشروط إذا كانت صحيحة وفُقِدت؟ حكمها أن من له الشرط، ولم يُوفَ له أن يفسخ العقد؛ لأنه فاته شيء مقصود، ولكن لو قال: أنا لا أريد الفسْخ، ولكني أريد أرش فَقْد الصفة، يعني: فرق ما بين قيمته متصفًا بهذه الصفة وخاليًا منها، ولا أريد أن أرُدَّ المبيع، أنا راغب فيه، مثل: اشترط في العبد أن يكون كاتبًا، فتبيَّن أنه لا يكتب، ولكنه عبد جيد في العمل، وحسن الخلق، وقال: أنا لا يهمني أن يكتب أو لا يكتب، لكن أنا أريد فقد الصفة، فهل له ذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 843

في هذا خلاف؛ منهم من يقول: إن له أرشَ فقد الصفة؛ فيُقَوَّم هذا العبد كاتبًا ويُقَوَّم غير كاتب، وما بين القيمتين يُدفع للمشتري، يُخصم من الثمن ويُدفع للمشتري.
وقال آخرون: بل له أرش فقد الصفة؛ لأن البائع غرَّه.
طالب: ما الفرق بين القولين؟ الشيخ: لا، قول: إن له أرش فقد الصفة، والقول الثاني: ليس له أرش، فإما أن يقبله مفقود الصفة التي اشترط، وإما أن يرده.
وجملة معترضة يقول: هذا بَيَّن أن البائع مُدلِّس، وأنه غَرَّ المشتري، فله -أي المشتري- أرش فقد الصفة، وإلا فلا؛ لأن البائع أيضًا قد يكون مغترًّا، ويقول: أنا ما رضيت ببيعه إلا بهذا الثمن، ولا أرضى أن ينزل من الثمن شيء.
فالقول الصحيح في هذه المسألة أن يُقال: إن كان البائع مُدلِّسًا، وشرط للمشتري ما يعلم أنه ليس في المبيع فللمشتري أن يطالبه بأرْش فَقْد الصفة، وهو الفرق بين قيمته متصفًا بهذه الصفة وغير متصف، وإن لم يكن مُدلِّسًا فللمشتري الخيار بين الرد والإمساك بلا أرْش.
طالب: إذا شرطه خصيًّا، ثم ( ... ) عنين.
الشيخ: ثم.
الطالب: ثم عنين.
الشيخ: ثم أيش؟ الطالب: ثم مثلًا شرط المشتري على البائع أن يكون عبدًا خصيًّا، ثم باع عليه عبدًا عنينًا.
الشيخ: يعني تبين أنه عنين، لكن له خِصَى.
الطالب: يعني ما عنده شهوة.
الشيخ: لكن الخصى موجودة؟ الطالب: ( ... ) موجودة أو ( ... ) موجودة.
الشيخ: لا؛ لأنه ربما تزول العُنَّة، العُنَّة قد تزول، قد يكون لها أسباب معينة ويبرأ منها، يلَّا أجب.
الطالب: لا، شيخ ما أدري، بس أنا أعرف العنين.
الشيخ: طيب العنين يمكن يكون عنينًا في وقت من الأوقات.
الطالب: يعني من حين وُلِد، يعني ما فيه قوة.
الشيخ: إي، لكن ما يمكن يتداوى؟ الطالب: ما فيه؛ لأنه ( ... ). الشيخ: المسألة ما هي بواقعة الظاهر.
طالب: قلنا: تأجيل الثمن يشترط أن يكون الأجل معلومًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما دليل هذا الشرط؟

الجزء: 2 - الصفحة: 844

الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (5). وهذا من الغرر.
الطالب: ( ... ) الديون؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: الديون ( ... ) للناس ( ... ) شرط؟ الشيخ: كل الديون إذا أُجِّلت لا بد من العِلْم بالأجل.
طالب: شيخ، قلنا: من مَثَّل بعبده فإنه يعتق.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن متى يفعل هذا، متى مثلًا؟ الشيخ: زعل عليه وقطع أصبعه.
الطالب: لا، بالنسبة للعبد الخصي.
الشيخ: كيف؟ الطالب: متى يخصيه؟ الشيخ: ذكرنا مثالين أو ثلاثة، ارجع للشريط.
طالب: بالنسبة للديون المعمول به الآن أن يأتي للبائع صاحب ( ... ) أو صاحب البقالة ( ... ). الشيخ: هذا ما هو مؤجَّل هذا، هذا ليس بمؤجَّل، هذا حال، لكنه تسامح فيه.
الطالب: حتى لو تأجل؛ يعني قد يصل إلى شهر.
الشيخ: ربما لسنة أو سنتين، لكن هذا ما أجل، ما حدد له أجل.
الطالب: ( ... ). الشيخ: هذا حال هذا؛ يعني يستطيع صاحب البقالة يطالبه بعد خمس دقائق.
طالب: شيخ، إذا باع زيد لعمرو مثلًا متاعًا ما، ثم اشترط على ألا يبيع هذا المتاع إلا عليه إذا أراد أن يبيعه.
الشيخ: ما وصلناها هذه، بيجينا هذه.
طالب: اشتراط البكارة.
الشيخ: في الأَمَة.
الطالب: في الأَمَة، فيه جهالة.
الشيخ: ما فيه جهالة؟ الطالب: لا، فيه جهالة.
الشيخ: فيه جهالة؟ الطالب: يعني ربما يكون ما يدري إزالة البكارة بشيء لا يدري ( ... ). الشيخ: معلوم، هو إذا اشتراها، ثم تبين أنها غير بكر فله الخيار ( ... ). طالب: شيخ -بارك الله فيكم- قلنا: إذا يجوز للسيد أن يؤدب عبده، فإذا كان.
الشيخ: نحن قلناه؟ الطالب: نعم ( ... ). الشيخ: هل قلناها؟ طالب: ما قلنا.
الشيخ: ما ذكرناها.
طالب: ( ... ) الدرس.
الشيخ: إي خلِّ إذا جاء الدرس ( ... ). الطالب: ( ... ) الدرس ( ... ). الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، قلنا: إن المشتري إذا قال: أعطيك الثمن إذا قدم زيد، قلنا: لا يصح.
الشيخ: نعم.
الطالب: وإذا قال: أعطيك الثمن إلى ميسرة، قلنا: يصح.
الشيخ: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 845

الطالب: فهل ترفع عنه الجهالة ( ... )؟ الشيخ: الفرْق يا جماعة ما ذكرناه؟ طلبة: ذكرت.
الشيخ: قلنا: إذا كان مُعسرًا والبائع يعلم أنه معسر فإنه لا يملك مطالبته إلا بعد إيساره، فيكون هذا الشرط مؤكدًا فقط؛ لأن مقتضى العقد إذا كان معسرًا ألَّا يُطالَب حتى يُوسر.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: أبدًا، مقدم زيد ما عليه منه، أي ارتباط بينه وبين مقدم زيد؟ الطالب: الشرط.
الشيخ: إي، لكن شرط مجهول، وهذا الرجل المشتري غني، ما هو معدم، وليست دراهمه مع زيد، لو كانت بعد دراهمه مع زيد ربما نقول مثل إذا اشترط الأجل إلى الإيسار، نعم الأخ يلَّا.
طالب: شيخ، بعض الناس يضع سيارته عند شركة تأمين السيارات، يبيعونها بمئة ألف مثلًا، ويأتي رجل ويرغب بهذه السيارة، لكن ليس عنده مئة ألف فيقبل أن يشتريها بمئة وعشرين ألفًا.
الشيخ: فيقول أيش؟ الطالب: يريد أن أشتريها بأكثر من هذا السعر مؤجلًا، إذا كان الشركة يا شيخ يقولون: لا نلزمك بشراء السيارة.
الشيخ: كيف لا نلزمك؟ ويش لون يعني؟ الطالب: يعني معناه يا شيخ أراد الأول -البائع- وضح أن البيع أمانة.
الشيخ: قال: خذها، بع هذه السيارة بمئة ألف، فجاء مشترٍ، وقال: ليس عندي مئة ألف، لكني أريد أن أشتريها منك بمئة وعشرين ألفًا.
الطالب: من الشركة يا شيخ.
الشيخ: ويش الشركة؟ الطالب: الشركة.
الشيخ: ما هو الدلَّال هو؟ الطالب: لا السيارة يا شيخ.
الشيخ: أقول: الشركة ما هي بمنزلة الدلَّال؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، الشركة ترجع إلى صاحب السيارة، وتقول له: هذا الرجل يريد أن يشتريها إلى أجل بمئة وعشرين، إذا وافق صاحب السيارة ما فيه مانع، هو هذا اللي فهمنا هو اللي تريد؟ الطالب: لا، يا شيخ، المسألة يا شيخ -الآن- مسألة بيع العينة يا شيخ، ذكرتم -يا شيخ- اشتراطنا أن الشركة ليس لها غرض في شراء السيارة، لكن لو قالت الشركة -يا شيخ-: نحن نشتري السيارة، لكن لا يلزمنا أن نبيعك إياها؟

الجزء: 2 - الصفحة: 846

الشيخ: يعني يريدون أن يشتروا السيارة من صاحبها؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما يجوز هذا؛ لأن العلماء يقولون: إن الوكيل لا يجوز أن يشتري ما وُكِّل في بيعه إلا بعد مراجعة صاحب المال.
طالب: ( ... ) تسلف مني، اشترى مني إنسان سلعة إلى أجل، إلى سنة، وبعد مضي ستة شهور قال: ( ... ) الثمن كامل، وقال: خذ الدراهم، قلت له: أنا بيني وبينك سنة، قال: أنا أسامح ( ... ). الشيخ: طيب، نقول -إن شاء الله- هذا داخل في دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» (6). الطالب: ولكن البائع ما عليه حرج يعني.
الشيخ: أبدًا ما عليه حرج، أليس بطيب نفس منه؟ الطالب: إي.
الشيخ: طيب، الحمد لله.
طالب: اشتراط الكتابة في البيع في العبد المبيع، أوليس الأصل فيه أنه يعرف أن يقرأ الخط في كل مكان، وأن يعرف كيف يقرأ؟ الشيخ: بلى، هو لا بد من كتابة تُعرف، لكن فيه بعض الكتابات تقرؤها، لكن بعد تهجٍّ، تجده يكتب (مَنْ) يخلي الميم هالسعة، والنون صغيرة، هذه تبطئ ما قرأته، (محمد) يحط الميم أكبر من الحاء مرتين، موجود هذا، ومع الأسف موجود عندنا في المستوى الرابع بالجامعة، ولذلك لو تكتب لي كتابًا الآن، اكتب توجيهًا من فلان إلى فلان، أشوف الخط.
الطالب: مثل يا شيخ هل يشترط أن يقال؟ الشيخ: وافقت على هذا؟ الطالب: ( ... ) يعني هل يشترط وصف الكتابة عند العقد؟ أن يقال: لا بد أن يقرأ الخط ( ... )؟ الشيخ: لا، هو عند الإطلاق لا بد أن يُقرأ، لكن -كما قلت لكم- القراءة تكون مرة بمشقة ومرة بغير مشقة، والظاهر إنه إذا أُطلق أنه لا بد أن يُقرأ بسهولة.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ذكرنا أن اشتراط كون العبد كافرًا هذا مراد باطل، فلا يصح.
الشيخ: فأيش؟ الطالب: يكون لا يصح؛ لأنه مراد باطل، فيه تشجيع للكفار.
الشيخ: كافر نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 847

الطالب: إذا اشترطه كافر، شيخ -بارك الله فيكم- هل يُشكل على هذا أن الأصل في العبد أن يكون كافرًا.
الشيخ: هذا اشترط، هو ما اشترى وأطلق، اشترط شرطًا أن يكون كافرًا.
الطالب: هناك يعني فرق بارك الله فيكم يا شيخ؟ يعني إذا كان هو أصله كافرًا، ثم أسلم فيما بعد وهو أصله كافر، ما يُشترط ذلك.
الشيخ: لكن هذا اشترط أن يكون كافرًا.
طالب: إذا باعه -يا شيخ- عشرة أصواع من البُر بمئتي درهم إلى سنة، كيف يجوز يا شيخ وقد روى النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (7)، جنسان وليس يدًا بيد؟ الشيخ: يعني تقول: كيف يجوز هذا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: يجوز.
الطالب: شيخ، لم يكن يدًا بيد يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: سمعتم السؤال؟ طالب: لا، كيف يا شيخ؟ الشيخ: يقول: إذا باع مئة صاع بمئتي درهم إلى سنة، كيف يجوز هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين عدَّد أجناس الأموال الربوية، قال: «إِذَا اخْتَلَفَتِ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (7)، فهذا يقتضي أنني إذا بعت مئة صاع بُر بمئتي درهم ألا نتفرق حتى نتقابض، صح؟ الطالب: صح.
الشيخ: فهذا إيراد صحيح، إذا أخذنا بظاهر الحديث، ولكن قد ثبت ثبوتًا لا شك فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجاز السَّلَم؛ وهو تقديم الثمن وتأخير المثْمَن، وكانوا يُسْلِمون بالدراهم السنة والسنتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (8). وقد صرح بعض الفقهاء بالاستثناء، فقال: ليس أحدهما نقدًا، فإن كان أحدهما نقدًا فلا بأس.

الجزء: 2 - الصفحة: 848

طالب: إذا كان في المسألة اشتراط؛ فالمشتري إذا اشترط على البائع أن يكون العبد مثلًا كاتبًا، ثم وجده أنه غير كاتب، في مثل هذا قلنا: فيه خلاف، يعني إذا كان البائع، إذا كان مدلسًا يعني يرد الأرش الناقص، وإذا كان، نحن قلنا: إذا لم يكن مدلسًا في هذه الحال كيف يكون أنه غير مدلس؟ الشيخ: إي نعم، غير مدلس.
الطالب: غير مدلس، الرجل اشترط عليه؟ الشيخ: أن يكون كاتبًا، فشرط أنه كاتب.
الطالب: نعم، وهو غير مدلس -البائع- يكون اشترى هذا العبد على أنه كاتب، قال له البائع الأول -اللي باعه عليه- إنه كاتب، فاشتراه البائع على أنه كاتب، ثم باعه على أنه كاتب، مُدلِّس ولَّا غير مُدلِّس؟ طالب: غير مُدلِّس، ( ... ) على الأول، هو ( ... ). الشيخ: يمكن ذاك ما هو راح يطلب الأول، يمكن قريب له ولَّا صديق له يقول: ما أروح أطالبه.
طالب: ( ... ) أن يشتري بعشرين نقدًا ثم.
الشيخ: أن يبيع بعشرين نقدًا، ثم يشتري بخمس وعشرين نسيئة.
الطالب: شيخ، إذا قلنا: إن هذا ( ... )، وهذا ربا واضح.
الشيخ: ليس ربًا واضحًا.
الطالب: يعني يا شيخ هو الآن باع بعشرين، ثم ( ... ) بخمس وعشرين ( ... ) واضح.
الشيخ: ما هو بواضح؛ لأن كثيرًا ما أن الإنسان يبيع الشيء، ثم يندم عليه ويشتريه.


الطالب: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المصنف رحمه الله في باب الشروط في البيع: ونحو أن يشترط البائع سكنى الدار شهرًا وحُملانَ البعير وحُملانَ البعير إلى موضع معين.
الشيخ: الظاهر أنه (حُملان) بالضم، مثل: غُفران وشُكران.
الطالب: وحُملانَ البعير إلى موضع معين، أو شرط المشتري على البائع حمل الحطب أو تكسيرَه أو خياطةَ الثوب أو تفصيلَه، وإن جمع بين شرطين بطل البيع.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الشروط في البيع تنقسم.
طالب: قسمين: صحيح، وفاسد.

الجزء: 2 - الصفحة: 849

الشيخ: نعم، صحيح وفاسد، وأن الفاسد ينقسم؟ طالب: الفاسد ينقسم إلى قسمين: فاسد مفسِد للعقد، وفاسد غير مفسِد.
الشيخ: فاسد مفسد، وفاسد غير مفسد، مَثِّل للصحيح.
طالب: مثال الصحيح، اشترط أن يكون العبد كافرًا أو خصيًّا أو مسلمًا.
الشيخ: نعم، الرهن؟ الرهن، اشتراط الرهن.
الطالب: اشتراط الرهن؟ الشيخ: نعم.
الطالب: اشتراط الرهن يعني أن يشترط مثلًا.
الشيخ: أقول: هل هو صحيح أو غير صحيح؟ الطالب: اشتراط الرهن؟ لا، من الصحيح.
الشيخ: من الصحيح، مثاله؟ الطالب: مثاله: أن يشتري زيد من خالد شيئًا أو يشتري منه مثلًا سلعة فيقول: مؤجلة، يعني يريد أن تكون القيمة مؤجلة، يقول: أبيعك، ولكن أريد أن ترهنني شيئًا يؤدَّى به مثلًا حقي لو عجزت.
الشيخ: الذي يقوله مَنْ؟ الطالب: يقوله البائع الذي.
الشيخ: البائع.
الطالب: لا، يقوله، نعم الذي سيبيع.
الشيخ: الذي سيبيع؟ الطالب: الذي سيبيع السلعة هو الذي يقول الكلام هذا.
الشيخ: إذن الرهن من مصلحة مَنْ؟ الطالب: من مصلحة البائع.
الشيخ: من مصلحة البائع.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، كون العبد كاتبًا، مَنِ الذي يشترطه؟ الأخ.
الطالب: يشترطه المشتري.
الشيخ: إذن هو من مصلحة.
الطالب: المشتري.
الشيخ: المشتري، طيب، تأجيل الثمن.
طالب: شرط صحيح.
الشيخ: شرط صحيح، من الذي يشترطه؟ الطالب: تأجيل الثمن يشترطه البائع، المشتري، المشتري يشترط على البائع تأجيل الثمن.
الشيخ: إذن هو من مصلحة مَنْ؟ طالب: من مصلحة المشتري، ومن مصلحة البائع.
الشيخ: من مصلحة المشتري، هذا هو الأصل، نعم، وقد يكون من مصلحة البائع، ولكنه خلاف الأصل.
إذا لم يفِ بالشرط، فهل يثبت الخيار لمن له الشرط؟ طالب: إذا لم يفِ؟ الشيخ: نعم، اشترط أن يكون العبد كاتبًا، ولم يكن، فتبين أنه لا يكتب، هل للمشتري الخيار؟ الطالب: نعم.
الشيخ: له الخيار؛ لأنه فات غرضه.
إذن متى لم يفِ مَنْ شُرِط عليه، فلمن له الشرط الخيار.

الجزء: 2 - الصفحة: 850

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ونحو أن يشترط البائع سكنى الدار شهرًا) فإن هذا شرط صحيح.
وقوله: (الدار) (أل) فيها للعهد الذهني، أي: الدار المبِيعة (شهرًا)، فيقول مثاله: أن يقول: بعتُك داري هذه بمئة ألف درهم، على أن أسكنها لمدة شهر، فيصح البيع، ويصح الشرط، والدليل على ذلك عام وخاص: أما العام فقوله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (2)، وقوله: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (9). أما الخاص، فدليله: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من جابر بن عبد الله جملًا، واشترط جابرٌ حُملانه إلى المدينة، فوافقه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك (10). وهذا نفع معلوم في المبيع، فهو كسُكنى الدار شهرًا؛ لأنه نفع معلوم في أيش؟ طالب: المبيع.
الشيخ: في المبيع.
وقول المؤلف: (سُكنى الدار شهرًا) فُهِم منه، أنه لو شرط سكنى دار غير المبيعة فإنه لا يصح، لو قال: بعتُك هذا البيت بمئة ألف درهم على أن تسكنني دارك لمدة سنة أو شهر، لمدة شهر -كما قال المؤلف- فهنا لا يصح البيع ولا الشرط؛ بناءً على ما سيأتي من أن شرط عقدين في عقد مُبطِل للعقد، إذن لا بد أن يكون نفس أيش؟ طالب: في نفس المبيع.
الشيخ: في نفس المبيع الذي تم عليه العقد، فإن كان في غيره فهو جَمْع بين بيع وإجارة، وهو لا يصح.
قال: (وحُملان البعِير إلى موضع معين) يعني أن يشترط (حُملان البعير إلى موضع معين) هذا تعيين بالمكان، والأول (سكنى الدار) تعيين بالزمان.
(حُملان البعير إلى موضع معين) مثل أن يقول: بعتُك هذه البعير على أن أسافر عليها إلى مكة وأرجع، فالبيع صحيح، والشرط صحيح، في غير البعير، السيارة: بعتُك هذه السيارة بخمسين ألفًا بشرط أن أحج عليها وأرجع، فهنا البيع صحيح، والشرط صحيح؛ لأنه نفع معلوم في مبيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 851

فإن قال قائل: لو قال: بعتُك هذه السيارة بخمسين ألفًا على أن أطلب عليها ضالتي، فهنا لا يصح الشرط، لماذا؟ طلبة: لأنه مجهول.
الشيخ: لأنه مجهول، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر (5)، وإذا جُهِل الشرط جُهِل الثمن؛ لأن مقابل الشرط المجهول من الثمن غير معلوم، وجهالة الثمن تؤدي إلى بطلان البيع؛ لأنه من شروط البيع العلم بالثمن، واضح؟ ويش بعده؟ أنا عندي الشرح ممزوج.
طلبة: (أو شرَط المشتري).
الشيخ: قوله: (أو شرَط المشتري)؛ لأن الذي قبله شرْط من مصلحة البائع، وهنا شرْط من مصلحة المشتري، (أو شرَط المشتري على البائع حمل الحطب)، و (أل) هنا في (الحطب) للعهد، أي العهود؟ طالب: الذهني.
الشيخ: الذهني، يعني الحطب الذي تم عليه البيع، اشترى منه حطبًا، فقال: بشرط أن تحمله إلى بيتي، وبيته معلوم، في المكان الفلاني فيصح.
فإن قال قائل: ما الدليل؟ قلنا: لدينا أدلة عامة وهي؟ طالب: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (9). الشيخ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وقياسًا على ما إذا شرَط البائع على المشتري نفعًا معلومًا في المبيع.
قال: (حمل الحطب أو تكسيره)، اشترط عليه أن يكسره، والحمل على مَنْ؟ الحمل على المشتري، وهنا يُكسِّره فقط.
(أو خياطة الثوب) اشترط على الذي اشترى منه القماش أن يخيط الثوب، فالشرط هنا صحيح؛ لأنه نفع معلوم في المبيع.
(أو تفصيله) تفصيل الثوب، والتفصيل غير الخياطة، فلو شرَط الخياطة والتفصيل، فسيأتي في كلام المؤلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 852

ثم قال: (وإن جمع بين شرطين بطل البيع) إن جمع بين شرطين من قوله: (يشترط البائع سكنى الدار)، إذا جمع بين شرطين فإنه يفسد العقد، فلو شرط البائع سكنى الدار شهرًا، وشرط شرطًا آخر سكنى الدكان أيضًا سنة، فالشرط غير صحيح، ويبطل البيع، وكذلك لو شرط المشتري على البائع حمل الحطب وتكسيره جميعًا، فإنه لا يصح، يبطل البيع؛ لأن الشرط باطل، فإذا بطل الشرط فإن ما يقابله من الثمن مجهول، فيؤدي ذلك إلى جهالة الثمن، والعلم بالثمن شرْط لصحة البيع فلا يصح، ودليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (11)، نعم، الشاهد قوله: «وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ».
وإذا شرط المشتري حمل الحطب وتكسيره فهما شرْطان في بيع، أو شرط البائع سكنى الدار والدكان لمدة شهر فإنه لا يصح، ولكن هذا الاستدلال بهذا الدليل غير صحيح.
والصحيح جواز الجمع بين الشرطين، بل بين ثلاثة شروط، وأربعة شروط، حسب ما يتفقان عليه، والحديث لا يدل على هذا بوجه من الوجوه، وإنما المراد بالشرطين في بيع الشرطان اللذان يلزم منهما محظور شرعي، وهذا -أعني الجمع بين شرطين فيما ذُكِر- لا يلزم منه محظور شرعي، ويقال: ألستم تجيزون أن يشترط المشتري على البائع كون العبد مسلمًا وكاتبًا؟ فسيقولون: بلى، نقول: هذان شرطان في بيع، وأنتم تقولون: إن هذا جائز، فأي فرق؟ وأنتم تقولون: إن هذا جائز إذا شرط أن يكون مسلمًا كاتبًا فإنه جائز عندهم، وهما شرطانِ في بيع، ومع ذلك تُصحِّحون هذين الشرطين.

الجزء: 2 - الصفحة: 853

فالصواب جواز أن يجمع بين شرطين، أو ثلاثة، أو أربعة، فلو شرط حمل الحطب، وتكسيره، وتدخيله في المكان المعد له في البيت لكان هذا الشرط صحيحًا، ولو كانت ثلاثة شروط؛ لأنها شروط معلومة، ولا تستلزم محظورًا شرعيًّا، والأصل في المعاملات الحِل والإباحة، والحديث -كما عرفتم- يُقصد به الشرطان اللذان يلزم منهما محظور شرعي؛ كالجهل والربا والظلم وما أشبه ذلك.
هنا جملة معترضة يقول.
الآن تبين لنا أن الشروط الصحيحة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ثابت، سواء شُرط أم لم يشترط، مثل: تسليم البائع المبيع والمشتري الثمن، كون الثمن حالًّا، وما أشبه ذلك مما لا يحتاج إلى شرط، فهذا إذا شُرِط فهو توكيد.
والثاني: ما يتعلق بمصلحة المبيع، وليس نفعًا مستقلًّا؛ يعني: ليس نفعًا ينتفع به البائع أو المشتري، ولكنه من مصلحة العقد، مثل: الرهن، وكون العبد كاتبًا، والأمة بكرًا، والدابة هِملاجة، وما أشبه ذلك.
والثالث: شرْط نفع، إما للبائع، وإما للمشتري، الذي للبائع: مثل أن يشترط إذا باع داره سكناها شهرًا، والذي للمشتري: مثل أن يشترط على البائع أن يحمل الحطب وما أشبه ذلك، هذان النوعان إذا جمع فيهما بين شرطين كان البيع على ما ذهب إليه المؤلف -وهو المذهب- فاسدًا، والصواب أنه صحيح ولا بأس به.
القسم الثاني من أقسام الشروط ما أشار إليه بقوله: (ومنها فاسِد يبطل العقد)، يعني: وفاسِد لا يبطل العقد، مثال الفاسد الذي لا يبطل العقد ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في كلام المؤلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 854

يقول: (ومنها فاسد يبطل العقد كاشتراط أحدهما على الآخر عقدًا آخر كسلف، وقرْض، وبيْع، وإجارة، وصَرْف) هذا فاسد، يفسد العقد، إذا شرط أحدهما على الآخر عقدًا آخر (كسلف) يعني بذلك: السَّلَمَ، والسَّلَم تقديم الثمن، وتأخير الْمُثْمَن، فيقول المشتري للبائع: هذه مئة درهم بمئة صاع من البُر تعطيني إياها بعد سنة، هذا سَلَم، فإذا باع أحدهما على الآخر شيئًا، كدار مثلًا، وقال: بشرط أن تُسْلِمَني مئة درهم بمئة صاع من البُرِّ، فالشرط هنا فاسد مفسد للعقد.
فإن قال قائل: لماذا فصل هذا عما سبق؟ قلنا: لأن ما سبق يكون صحيحًا ويكون فاسدًا، إذا شرط شرطًا واحدًا كان الشرط صحيحًا، وإن جمع بين شرطين صار فاسدًا، أما هنا فهو فاسد من أصله، ما فيه تقسيم، ولذلك فصَلَهُ عما سبق.
كذلك اشترط (قرض)، قال له: بِعْ عليَّ بيتك هذا.
قال: نعم، بشرط أن تُقرضني مئة ألف، يقوله مَنْ؟ البائع، البائع قد احتاج إلى مئتي ألف مثلًا، فقال له المشتري: أنا أشتري منك هذا البيت بمئة ألف، قال: أبيعه عليك بشرط أن تُقرضني مئة ألف، فهنا الشرط فاسد ومُفسِد للعقد، فلا يصح القرْض، ولا يصح البيع.
كذلك (بيع) لو اشترط عليه بيعًا، فطلب منه أن يبيعَه سيارته، قال: نعم، أبيعك إياها بخمسين ألفًا بشرط أن تبيع عليَّ سيارتك بخمسين ألفًا، أو بأقل، أو بأكثر، فهنا لا يصح البيع، لا الأصل ولا المشروط.
(وإجارة) الإجارة يقول: بعتُك هذا البيت بكذا وكذا، وليكن بمئة ألف، بشرط أن تؤجرني بيتك لمدة سنة، فالعقد لا يصح؛ لأنه جمَع بين عقدين، وكذلك أيضًا إذا شرط عليه صرفًا، مثل أن يقول: بِعْني بيتك بمئة ألف فيقول: نعم، بشرط أن تصرف لي هذه الدنانير بدراهم، فهنا يبطل البيع والصرْف.

الجزء: 2 - الصفحة: 855

الدليل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيعتين في بيعة، وقال: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا» (12). هذا هو الدليل، وهذا الاستدلال بهذا الدليل غير صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيعتين في بيعة، وقال: «لَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا»، وهذا لا ينطبق على ما ذُكر، إنما ينطبق على مسألة العِينة التي سبقت، وهي أن يبيع شيئًا بثمن مؤجل، ثم يشتريه نقدًا بأقل، فهنا نقول: هذه بيعتان في بيعة؛ لأن المبيع واحد والعقد؟ طالب: واحد.
الشيخ: لا.
طالب: اثنان.
الشيخ: العقد اثنان، بيعتان، ولهذا قال: «لَهُ أَوْكَسُهُمَا» يعني أقلهما «أَوِ الرِّبَا»، فهنا إذا باعه بمئة مُؤجلًا، واشتراه بثمانين نقدًا، فنقول: إما ألا تأخذ من المشتري شيئًا -وهو الزائد- وخذ بالأقل، وهو كم؟ طالب: الثمانون.
الشيخ: الثمانون، فإن أخذت الزائد فقد وقعت في الربا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا»، واضح يا إخوان؟ طلبة: غير واضح.
الشيخ: غير واضح، بعت هذه السيارة بمئة ألف إلى سنة، هذه بيعة، اشتريتها من المشتري بثمانين نقدًا، هذه بيعة، أيهما أوكس؟ طلبة: الثمانين.
الشيخ: الثمانين، أنا -أيها البائع- إما أن أقتصر على الثمانين ولا أطالبه بالزائد -وهو عشرون- فإن طالبته بالزائد فهذا هو الربا؛ ولهذا قال: «لَهُ أَوْكَسُهُمَا» بمعنى أن نقول للبائع: ليس لك إلا الثمانون، ولا تطالب المشتري بشيء، أو له أيش؟ طلبة: الربا.
الشيخ: الربا؛ لأن هذا لا شك أنه حيلة على الربا، واضح الآن ولَّا غير واضح؟ طلبة: واضح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 856

الشيخ: واضح.
إذن البيعتان في بيعة لا تصدق إلا على مسألة العِينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا» (12)، وهذا -الذي ذكر المؤلف- لا يصدق عليه «أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا».
وعلى هذا فالقول الصحيح أنه إذا شرط عقدًا في البيع، فإن الشرط صحيح، والبيع صحيح، إلا في مسألتين: المسألة الأولى: إذا شرط قرضًا ينتفع به، فهنا لا يحل؛ لأنه قرض جرَّ نفعًا فيكون ربًا.
والمسألة الثانية: أن يكون حيلة على الربا، أن يشترط بيعًا آخر يكون حيلة على الربا، فإنه لا يصح، ويدل لذلك أن الأصل في المعاملات الحِل، وأنه لو جمع بين عقدين بلا شرط فهو جائز ولَّا غير جائز؟ طلبة: جائز.
الشيخ: جائز كما سبق، سبق أنه إذا جمع بين عقدين، فلا بأس إذا لم يكن شرط، فنقول: إذا كان هذا يُباح بلا شرط، فما الذي يجعله ممنوعًا مع الشرط، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الشَّرْطُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (13)؟ وهذا الشرط لا يُحِل حرامًا، ولا يحرم حلالًا؟ وعلى هذا، فالصواب جواز ذلك إلا في مسألتين: المسألة الأولى: القرض حيث جَرَّ نفعًا للمقرِض.
والمسألة الثانية: أن يكون حيلة على الربا.
مثال القرض: إذا جاء الرجل ليستقرض من شخص، قال: أنا أقرضك، لكن بشرط أن تبيع عليَّ بيتك بمئة ألف -وهو يساوي مئة وعشرين- فهنا شرَط القرض مع البيع على وجه ينتفع به؛ لأنه يقول للمحتاج الذي جاء يستقرض: أنا أقرضك، لا مانع، لكن بشرط أن تبيع علي بيتك بمئة ألف وهو يساوي.
طالب: مئة وعشرين.
الشيخ: مئة وعشرين، نقول: الآن البائع انتفع من قرضه، ما الذي انتفعه؟ طالب: عشرين ألفًا.
الشيخ: أنه نزل له من قيمة البيت عشرون ألفًا، وهذا ربا، فلا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 857

المسألة الثانية: أن يكون حيلة على الربا، مثل أن يكون عند شخص مئة صاع بُرٍّ جيد، وعند الثاني مئتا صاع بُر رديء، فيأتي صاحب البُر الرديء ويقول لصاحب البُر الجيد: بِعْني إياه، قلنا: كم هو؟ طلبة: مئة صاع جيد.
الشيخ: مئة صاع، قال: بِعْني مئة صاع، الجيد بمئتي درهم، قال: لا بأس بشرط أن تبيع عليَّ مئتي الصاع الرديئة بمئتي درهم، انتبهوا، هذا لا يجوز؛ لأنه حيلة على أيش؟ طلبة: الربا.
الشيخ: على أن يبيع مئة صاع جيد.
طلبة: بمئتي صاع رديء.
الشيخ: بمئتي صاع رديئة من البُر، وهذا ربا، إذا باع مئة صاع جيد من البُر بمئتي صاع رديء من البُر فهذا حرام، ربا؛ لأن البُر بالبُر لا بد أن يكون سواء.
فالصواب: جواز اشتراط عقد آخر إلا في حالين: الأولى: القرض إذا جَرَّ نفعًا.
والثانية: أن يكون حيلة على الربا، وهذا هو الذي ينطبق على القواعد الشرعية، وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله، ومذهب الإمام مالك في المعاملات هو أقرْب المذاهب إلى السُّنَّة.
ولا تكاد تجد قولًا للإمام مالك في المعاملات إلا وعن الإمام أحمد نفسه رواية توافق مذهب مالك، لكن تعلمون أن أصحاب المذاهب كلما ازدادوا عددًا جُعِل المذهب ما كان الأكثر عددًا، هذا الغالب؛ لذلك لا يمكن أن نقول: إن مذهب الإمام أحمد -مثلًا- هو تحريم هذا البيع، وأنه عنه رواية واحدة، بل لا بد أن يكون له رواية توافق ما يدل عليه الدليل الصحيح، ومذهب مالك في هذه المسألة هو أحسن المذاهب وأقواها، ولدينا قاعدة مُطَّرِدة: الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على التحريم.
إذن إذا اشترط أحدهما على الآخر عقدًا آخر فالمذهب بُطلان العقدين، والصحيح صحة العقدين إلا في حالين: الأولى: إذا كان قرضًا يجر نفعًا.
والثانية: إذا كان حيلة على المحرَّم.
هذا من الشروط الفاسِدة المفسدة.
طالب: شيخ، وإذا كان باع بيتًا مثلًا، واشترط قرضًا، لكن لا على أساس أنه يعني ..

الجزء: 2 - الصفحة: 858

الشيخ: يقول رحمه الله: (وإن شرط ألَّا خسارة عليه، أو متى نفِق المبيع وإلا رده، أو لا يبيع، ولا يهبه، ولا يعتقه، أو إن أعتق فالولاء له، أو أن يفعل ذلك بطل الشرط وحده).
ذكر المؤلف رحمه الله هذا القسم الثاني وهو الفاسِد، الشرط الفاسد غير المفسد، فيفسد الشرط، ويصح العقد، وضابطه أن يكون الفساد مختصًّا بالشرط لمنافاته مقتضى الشرع، ويكون الشرط من أصله موافِقًا لمقتضى الشرع؛ لأنه لا يُخالف مقتضى العقد، مثاله: شرَط ألا خسارة عليه، مَنِ الشارِط؟ طلبة: البائع، المشتري.
الشيخ: البائع، المشتري، واحد ثالث؟ طالب: المشتري.
الشيخ: من الذي يشترط ألَّا خسارة عليه؟ طلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري يا أخي، المشتري، واضح؟ قال المشتري: أشتريه منك بمئة ألف أو أكثر أو أقل بشرط ألا يكون عليَّ خسارة؛ يعني لو نزل السوق وبعته بأقل فلا خسارة عليَّ، الخسارة على البائع، هذا الشرط لا يصح؛ لأنه مخالف لمقتضى العقد؛ لأن مقتضى العقد أن المشتري يملك المبيع، فله غُنمه وعليه غُرمه، هو مالك، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (14)، يعني مَنْ له رِبْح شيء فعليه خسارته، ومعلوم أنه لو ربِح هذا المبيع فالرِّبح لمن؟ طالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري، لا شك، إذن إذا كان الربح له -للمشتري- فلا يصح أن يشترط الخسارة على البائع.
فإذا قال قائل: هل العقد صحيح؟ قلنا: نعم؛ لأن العقد قد تمت فيه الشروط، وانتفت الموانع، والخلل هنا إنما هو بالشرط.
كذلك شرَط (متى نفِق المبيع وإلا رده) (متى نفِق)، (نفِق) يعني صار منافقًا؟ أيش معناها؟ يعني زاد.
(متى نفِق المبيع) أي: زاد وصار له سوق يُشترى، وإلا رده على البائع، هذا أيضًا شرط فاسد؛ لأنه يخالف مقتضى العقد، إذ إن مقتضى العقد أن المبيع للمشترِي، سواء نفِق أو لا.
الثالث قال: (أو لا يبيع ولا يهبه) شرَط ألا يبيع، مَنِ الشارط؟ طلبة: البائع.

الجزء: 2 - الصفحة: 859

الشيخ: البائع، نعم، شرَط البائع على المشترِي ألا يبيعه، يقول المؤلف: إن الشرط فاسِد، وظاهر كلامه ولو كان للبائع غرْض صحيح في هذا الشرط، ولكن الصحيح أنه إذا كان للبائع غرض صحيح في هذا الشرط فإن الشرط صحيح، أما إذا كان قصدُه أن يحجر على المشتري فالشرْط غير صحيح، مثال الذي له غرَض: أن يبيع مملوكًا له -هو في نفسه غالٍ- على شخص يثِق به، ويعلم أنه لا يزداد عند هذا المشترِي إلا خيرًا، فقال: أبيع عليك غلامي هذا وإن كان عندي غاليًا، لكن أنا أعلم أنه عندك سيستفيد أكثر مما إذا كان عندي، ولهذا أشترط عليك ألا تبيعه، هذا غرض مقصود ولَّا غير مقصود؟ طلبة: مقصود.
الشيخ: مقصود، لا شك، فيصح الشرط؛ لأن فيه غرضًا مقصودًا للبائع، وكذلك لو قال: بشرط ألا تبيعه على فلان الذي يشتري العبيد ويؤذيهم، فهنا له غرض، يصح الشرط أو لا يصح؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، فإذا قال المشتري: أنا حر، قلنا: نعم، أنت حُرٌّ، أنت إذا شئتَ قبلت الشرط الآن، وإن شئتَ لم تقبل، فإذا قبِلته فأنت حر، هذه من حريتك؛ أنك تقبل الشرط أو ترد الشرط.
شرَط أيضًا ألا يهبه؛ فإنه لا يصح الشرط، قال: بشرط أنك ألا تهبه لأحد، أو لا تتصدق به على أحد، فلا يصح، لماذا؟ طالب: شرط غير مقصود.
الشيخ: لأن هذا ليس فيه مصلحة للبائع، وإنما هو مجرد تحجير على المشتري، وهذا يخالف العَقْد، أو يخالف مقتضى العقد فلا يصح؛ لأنه يخالف مقتضى العقد فلا يصح.
فإن قيل: ما الفرْق بين الهبة وبين البيع؟ إذا شرط ألا يبيعه فهو صحيح، وإذا شرَط ألا يهبه فهو غير صحيح؟ قلنا: لا فرْق، ولهذا نقول: القول الصحيح أنه إذا شرَط عليه ألا يهبه فإنه يصح أو لا يصح؟ طلبة: يصح، فيه تفصيل.
الشيخ: أيش التفصيل؟ طلبة: إذا كان له غرض مقصود.
الشيخ: إذا كان له غرض مقصود فلا بأس، وإن لم يكن له غرض مقصود فإنه لا يصح هذا الشرط؛ لأنه تحجِير على المشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 860

فإن قال قائل: هو تحجير على المشترِي بكل حال؛ لأنه إذا لم يهبْه والتزم بالشرط أمكنه أن يُخرجه عن ملكه بماذا؟ بالبيع مثلًا.
قلنا: وكذلك نقول بالبيع، ما دمنا نعرف أن البائع قصده باشتراط ألا يهبه ألا يخرجه من ملكه، فسواء جاء بلفظ الهبة، أو جاء بلفظ البيع، أو بغير ذلك؛ لأن الأمور بمقاصدها.
كذلك أيضًا إذا اشترط ألَّا يعتقه، فالشرط فاسد، والعقد صحيح؛ لأنه يُنافي مُقتضى العقْد؛ إذ مُقتضى العقد أن يتصرف المشتري تصرفًا تامًّا.
فإن قال قائل: هل يُمكن أن يكون للبائع غرض في اشتراط عدم العتق؟ طالب: نعم.
الشيخ: أيش هو؟ الطالب: أن يكون العبد -مثلًا- فيه عاهة أو يخاف أنه لو أعتقه ما يستطيع أن يطعم نفسه ( ... ). الشيخ: نقول: ربما يكون فيه غرض، منها ما أشار الأخ، أن يكون هذا العبد لا يتمكن من الكسب، فيشترط ألا يعتقه؛ لئلا يهمله، وربما يشترط ألَّا يعتقه؛ لأنه لو عتق صار حُرًّا، وتصرَّف كيف شاء، وربما يؤدي تصرُّفه هذا إلى الفسوق والفجور، أو الذهاب إلى الكفار أيضًا إذا كان أسيرًا من قبل فيذهب إلى أهله عند الكفار، وما أشبه ذلك.
فالمهم أن الذي يترجح أنه إذا كان له غرَض صحيح فإن الشرط صحيح، وغاية ما فيه أنه يمنع المشتري من بعض التصرف الذي جعله الشارع له، وهو -أي المشتري- يُسقطه باختياره، فكان الأمر إليه.
طالب: على حسب التصريف، فإذا صرفته فيتم، إذا لم يُصَرَّف فسد، أو يعني أو لم ينفق ( ... ). الشيخ: هذا لا يجوز.
الطالب: لكن الآن ماشي ( ... ). الشيخ: لكن هو ما فيه جهالة؟ الطالب: والله ( ... ) يا شيخ ما فيه جهالة؛ يعني لأنه البائع هو المشترط، وليس المشتري.
الشيخ: إذن ما فيه جهالة.
الطالب: البائع هو .. الشيخ: ما يخالف، باعه مثلًا مئة حبة بمئة ريال، وقال له: ما تَصرَّف فهو تام بيعه، وما لم يَتصرَّف فبيعه غير تام، أو لا، ( ... )؟ طيب كم يبغي يتصرف؟ طالب: على حسب السوق.

الجزء: 2 - الصفحة: 861

الشيخ: طيب، ما ندري؟ يمكن يتصرف كل المئة، ويمكن ما يتصرف إلا عشرة.
الطالب: له فائدة البائع من هذا الشيء؟ الشيخ: لا، دعنا من له فائدة ولَّا لا، الآن المبيع مجهول ولَّا غير مجهول؟ الطالب: فيه بعض الشيء.
الشيخ: مجهول، ما فيه شك أنه مجهول.
الطالب: لكن ما يُقال للمصلحة؛ إذ إن البائع؟ الشيخ: دعنا من المصلحة، حتى المرابين ترى لهم مصلحة الآن، الربا الاستثماري هذا فيه مصلحة عظيمة للبنك، ومصلحة عظيمة للمستفيد الذي ينشئ صناعة عظيمة أو زراعة عظيمة، الكلام نُطبِّقه على ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، هل الآن مجهول ولَّا معلوم؟ طالب: مجهول.
الشيخ: أسأل أنا الأخ.
الطالب: والله يا شيخ، يعني فيه بعض الجهالة، ولكن جهالة يسيرة.
الشيخ: كيف ما فيه جهالة، إذا صار مئة ولا باع إلا عشرة؟ الطالب: لا، هو يُقدِّر يا شيخ، البائع يُقدِّر أني سوف أبيع، يعني في المتوسط.
الشيخ: التقدير هل هو بيده ولَّا مستقبل؟ الطالب: مستقبل، بس حسب الدراسات يعني، يعمل دراسة.
الشيخ: لا، ما يصلح هذا، هذا لا يجوز.
طالب: طيب يا شيخ.
الشيخ: لأن فيه جهالة في المبيع وجهالة في الثمن؛ إذ إن الثمن في مقابل المبيع، والمبيع مجهول، لكن هناك طريقة يقول: خُذْ هذا، بِعْه بالوكالة.
الطالب: هو الحاصل يا شيخ.
طلبة: هذا الحاصل.
الشيخ: يا جماعة، مو هذا الحاصل، هذا يُباع، افرض أنه لما باعه ونقله بالسيارة، ثم انقلبت السيارة وذهب كله، إذا كان وكيلًا فلا ضمان عليه، وإذا كان مشتريًا فالضمان عليه.
فرق بين الوكالة والبيع؛ البيع ينتقل ملك هذه الأشياء إلى ملك المشتري، والوكالة ما له دخل، افرض إنه جابه للدكان واحترق الدكان، إذا كان بيعًا؟ طلبة: يضمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 862

الشيخ: نعم، فعلى المشتري، إذا كان بيعًا فعلى المشتري، راحت عليه، خسارة، إذا كان وكالة لا يضمن، فالطريقة الصحيحة أن يقول: خذ هذه مثلًا مئة علبة بِعْها، ولك على كل علبة كذا وكذا من، أو يقول: نُقدِّرها -مثلًا- مئة العلبة بثمانين والربح بيني وبينك، إذا باع -مثلًا- بمئة صار الربح بينهما أنصافًا.
طالب: إذا اشترط البائع على المشتري ألا يعتق العبد، قصده أن يبقى بملكه، ولكن في نيته ألا يخرج عنه، فيعني المشتري وهب العبد، هل يلزم ما في نيته يلزم؟ الشيخ: إذا علمنا أن نيته أنه لا يريد إخراجه عن ملكه فلا تجوز الهبة، لكن مع ذلك حتى لو وهبه يجب على الواهب أن يقول للموهوب له: لا تُعتقه، حتى لا يخالف مقصود البائع الأول.
الطالب: لكن الشرط هذا ما يلزم المشتري فقط؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: ( ... ) المشتري العبد يلزمه الشرط السابق؟ الشيخ: إي؛ لأن البائع الأول قصد هذا لغرض.
طالب: أنا يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: بارك الله فيكم، قلنا في قوله صلى الله عليه وسلم: «وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» (15). المقصود الشرط الذي فيه محظور شرعي، لو قيل -يا شيخ-: إن هذا أصلًا -المحظور الشرعي- ممنوع بأدلة أخرى من المحظور الشرعي حتى لو شرط واحد إنه يُبطل.
الشيخ: فيحمل الْمُطْلق على الْمُقَيَّد.
الطالب: وهو؟ الشيخ: وهو شرطان أي: منهيٌّ عنهما.
الطالب: النبي عليه الصلاة والسلام قد ( ... )، يعني الحديث جاء بلفظ.
الشيخ: لأن فيه بعض الأشياء لا تكون منهيًّا عنها إلا إذا اجتمعت، وإذا انفردت صحَّت، فمثلًا ما ذكرناه من شرط بيْع وسلَف.
الطالب: يصح ( ... ). الشيخ: إي، فالمهم أن الرسول قال: «لَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» (15) يعني معناه أنهما يقعان في النهي عند انضمامهما.


الجزء: 2 - الصفحة: 863

طالب: قال رحمه الله تعالى: وإن شرط ألَّا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع وإلا رده، أو لا يبيع ولا يهبه ولا يعتقه، أو إن أعتق فالولاء له، أو أن يفعل ذلك بطل الشرط وحده إلا إذا شرط العتق.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن من الشروط ما هو فاسد مُفسِد، فمِنْ ذلك، الأخ.
طالب: أنا يا شيخ؟ الشيخ: الشروط الفاسدة التي تفسد العقد.
الطالب: كأن يشترط يا شيخ.
الشيخ: اللي جنبك.
الطالب: فاسد مفسد كاشتراط أحدهم على الآخر شرطًا آخر.
الشيخ: شرطًا آخر؟ الطالب: نعم.
الشيخ: شرطًا آخر؟ ! الطالب: عقدًا آخر.
الشيخ: عقدًا آخر؟ ! الطالب: يجمع بين شرطين في عقد واحد.
الشيخ: يجمع بين شرطين في عقد واحد؟ الطالب: كبيعٍ، كسَلَم وقرض.
الشيخ: ما صح.
طالب: أن يشترط أحدهما على الآخر عقدًا آخر في نفس العقد.
الشيخ: أن يشترط أحدهما على الآخر عقدًا آخر في نفس العقد، مثاله؟ الطالب: مثال يا شيخ؟ الشيخ: إي مثال.
الطالب: إن اشترط أن يبيع عليه سلعة ( ... ). الشيخ: بعتك داري عليك بشرط.
الطالب: أن تسكنني.
الشيخ: أن تؤجرني دارك.
الطالب: أن أؤجرك إياها.
الشيخ: أن تؤجرني بيتك.
الطالب: ( ... ). الشيخ: بعتك داري هذه بشرط أن تؤجرني بيتك سنة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه هي، جمع بين بيع وإجارة، فلا يصح.
يلَّا، بعتك هذا البيت بشرط أن ترهنني بثمنه بيتك.
طالب: السؤال مرة ثانية.
الشيخ: بعتك بيتي بمئة ألف بشرط.

الجزء: 2 - الصفحة: 864

وإن شَرَطَ أن لا خَسارةَ عليه، أو متى نَفَقَ الْمَبيعُ وإلا رَدَّه، أو لا يَبيعُه ولا يَهَبُه ولا يُعْتِقُه , وإن أعْتَقَ فالولاءُ له، أو أن يَفعلَ ذلك بَطَلَ الشرْطُ وَحدَه , إلا إذا شَرَطَ الْعِتْقَ، وبِعْتُكَ على أن تُنْقِدَنِي الثمَنَ إلى ثلاثٍ , وإلا فلا بَيْعَ بينَنا - صَحَّ، وبِعْتُك إن جِئْتَنِي بكذا أو رَضِيَ زيدٌ، أو يَقولُ للمُرْتَهِنِ: إن جِئْتُكَ بِحَقِّكَ وإلا فالرَّهْنُ لك لا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وإن باعَه وشَرَطَ البَراءَةَ من كلِّ عيبٍ مجهولٍ لم يَبْرَأْ , وإن باعَه دارًا على أنها عَشرةُ أَذْرُعٍ فبَانَتْ أكثرَ أو أقلَّ -صَحَّ، ولِمَن جَهِلَه وفاتَ غَرَضُه الْخِيارُ.
(بابُ الْخِيارِ) وهو أَقسامٌ: الأَوَّلُ: (خِيارُ الْمَجْلِسِ) يَثْبُتُ في البيعِ، طالب: وإن شرط أن لا خسارة عليه، أو متى نَفَقَ المبيعُ وإلا رده، أو لا يبيعه ولا يهبه ولا يُعتِقه، أو إن أعتق فالولاءُ له، أو أن يفعل ذلك بطل الشرط وحده إلا إذا شرط العتق.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن من الشروط ما هو فاسد مفسد، فمِن ذلك؟ الشروط الفاسدة التي تفسد العقد؟ طالب: سَم يا شيخ.
الشيخ: ها.
الطالب: منها فاسد مفسد.
الشيخ: نعم.
الطالب: كاشتراط أحدهما على الآخر شرطًا آخر .. الشيخ: شرطًا آخر؟ الطالب: نعم.
الشيخ: شرطًا آخر؟ ! الطالب: عقدًا آخر.
الشيخ: عقدًا آخر؟ ! الطالب: يجمع بين شرطين في عقد واحد.
الشيخ: يجمع بين شرطين في عقد واحد؟ ! الطالب: كبيعٍ، كسَلَم وقرض.
الشيخ: ما يصح.
طالب: أن يشترط أحدهما على الآخر عقدًا آخر في نفس العقد.
الشيخ: أن يشترط أحدهما على الآخر عقدًا آخر في نفس العقد، مثاله؟ الطالب: إن اشترط أن يبيع سلعة ( ... ). الشيخ: بعتك داري عليك بشرط؟ الطالب: أن تسكنني.
الشيخ: أن تؤجرني دارك.
الطالب: أن أؤجرك إياها.
الشيخ: أن تؤجرني بيتك.
الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 865

الشيخ: ها؟ بعتك داري هذه بشرط أن تؤجرني بيتك سنة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه هي، جَمَع بين بيع؟ الطالب: وإجارة.
الشيخ: وإجارة، فلا يصح.
بعتك هذا البيت بشرط أن تُرهنني بثمنه بيتَك؟ طالب: السؤال مرة ثانية.
الشيخ: بعتك بيتي بمئة ألف بشرط أن ترهنني بثمنه بيتك؟ الطالب: صحيح يا شيخ.
الشيخ: عقد آخر.
الطالب: صحيح.
الشيخ: لكن هذا شرْط عقد آخر ولَّا لا؟ الطالب: إي، شرْط عقد آخر.
الشيخ: طيب، ذكرنا أنَّ شرْطَ عقد آخر يبطل البيع.
الطالب: لكن هذا من مصلحة البائع.
الشيخ: هذا من مصلحة العقد، صح؛ لأنه من مصلحته فصح.
ما هو القول الراجح في الجمع بين عقدين؟ طالب: الصحيح أنه يجوز، ويصح البيع إلا في مسألتين.
الشيخ: الصحيح أنه يجوز إلا في مسألتين، هما؟ الطالب: مسألة القرض المنتفع فيه.
الشيخ: إذا شرط عليه قرضًا ينتفع به.
الطالب: أو تَحَيَّل على الربا.
الشيخ: أو تَحَيَّل على الربا، طيب.
ويش مثال التحيُّل على الربا؟ طالب: التحيُّل على الربا مَثَلًا مِثْل أني أشتري منك سيارة، ( ... ) وأبغي أشتريها بثمن مؤجل، وآخذ ( ... ) بعتها بستين ريالًا ( ... ) نقدًا ( ... ) ثلاثين ريالًا مثلًا.
الشيخ: لا، ما هو هذا.
طالب: ( ... ) شخص مئة صاع بُرًّا جيدًا، وشخص آخر مئتا صاع بُرًّا رديئًا، يأتي إلى صاحب البُر الجيد فيقول: بعني هذا، فيقول: أبيعك بشرط أن تبيعني الرديء بلا ثَمَنٍ.
هنا تَحيَّل على مئة الصاع الجيد بمئتين.
الشيخ: نعم.
الطالب: فهو تحيل على الربا.
الشيخ: يكون عنده مئة صاع بُرًّا جيدًّا ومئتا صاع بُرًّا رديئًا، لو باع أحدهما بالآخر فإنه لا يجوز؛ لوجود التفاضل، فيقول: بعني مئتي صاع بُرًّا بمئة درهم على شرط أن أبيعك مئة صاع بُرًّا جيدًا بمئة درهم، هذا لا يجوز؛ لأنه حيلة على أن يبيع مئة صاع جيدة بمئتي صاع رديئة، هذا القول هو الصحيح.

الجزء: 2 - الصفحة: 866

إذا قيل: كيف تصححون هذا وقد نهى النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن بيعتَيْنِ في بَيْعَةٍ؟ طالب: نقول: إن هذا الحديث -وهو بيعتان في بيعة- لا يصدق على الصورة التي معنا، إنما يصدق على صورة واحدة ألا وهي العينة.
الشيخ: نعم.
الطالب: فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا» (1). الشيخ: لأنه الحديث هذا مُجْمَل بيَّنه حديث العِينة، وهذا هو الصحيح؛ أنه يُحمَل على مسألة العينة، وهي أيش؟ ويش هي مسألة العينة؟ طالب: مسألة العينة، أنا أبغي أشتري منك يعني سيارة بمئة ألف مؤجلة إلى سنة أو ستة أشهر، ثم تشتريها مني بأقل من قيمتها، بتسعين أو ( ... ). الشيخ: نقدًا.
الطالب: نقدًا.
الشيخ: طيب، هذا صحيح، ولكني أحذركم عند التمثيل أن تأتوا بحالَيْن؛ لأنه يرتبك ( ... )، ما تقول: مثلًا بتسعين أو مئة، خلاص بتسعين انتهى؛ لأنها مسألة تمثيل، ما هي مسألة واقعة حتى نقول: لا بد من تحريرها.
يقول: (إن شرط أن لا خسارة عليه)، ما حكم هذا الشرط؟ طالب: هذا الشرط فاسد.
الشيخ: مُفسِد؟ الطالب: إي نعم، مفسد.
الشيخ: فاسدٌ مُفسِد؟ الطالب: لا، ليس فاسدًا مفسدًا.
الشيخ: ها؟ الطالب: العقد صحيح ولكن الشرط فاسد.
الشيخ: طيب، لماذا صح العقد أولًا؟ ولماذا فسد الشرط؟ الطالب: لأن هذا الشرط راجع ليس لذات العقد.
الشيخ: نعم.
الطالب: والعقد قد تم صوابُه.
الشيخ: يعني لا يعود إلى صلب العقد.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، الثاني: لماذا فَسَدَ؟ طالب: لأن إذا اشترط المشتري أنه لا خسارة عليه، هو في الحالة الأولى إذا تم له الربح فلا يكون للبائع نصيب في ذلك الربح، وإنما يكون في الحالتين، إذا كان له -يعني- ضمان هذا الربح استفاد منه فله الفائدة.
الشيخ: توًّا ما تعبنا شوي من الطريق هذا، ها؟ الطالب: طيب، يعني هو في الحالة هذه المشتري .. الشيخ: المشتري قال: الشرط: ما عليه خسارة.
الطالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 867

الشيخ: نقول: لا يصح هذا الشرط.
الطالب: نقول له: أنت إذا ربحت ليس للبائع شيء، وإذا خسرت اشترطت على البائع .. الشيخ: يعني قياس العكس؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو، لا فيه شيء أفضل من هذا وأوضح.
طالب: لأنه يخالف مقتضى العقد؛ إذ إن مقتضى العقد أن المشتري إذا اشترى السلعة له غُنمه وله غُرمه.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (2). الشيخ: نعم، هذا هو؛ لأنه إذا دخلت ملكَه فله غُنمها وعليه غُرمها.
(متى نَفَقَ المبيعُ وإلا ردَّه)، حكم هذا الشرط؟ طالب: لا يصح هذا الشرط، ويصح العقد.
الشيخ: لماذا لا يصح هذا الشرط؟ الطالب: لأنه يخالف مقتضى العقد؛ لأن مقتضاه أن المشتري يتملك السلعة.
الشيخ: يخالف مقتضى العقد؛ لأن مقتضاه أن المشتري يملك السلعة.
الطالب: سواء نَفَقَت أم لا.
الشيخ: فله غُنمها وعليه غُرمها، طيب.
هل مثل ذلك ما يفعله بعض الناس -الآن- يبيع عليه السلعة ويقول: ما تَصَرَّفَ منها فقد تم فيه البيع، وما لم يتصرف فَرُدَّه؟ الطالب: لا ينطبق عليه هذه الصورة.
الشيخ: ها.
الطالب: لأن -هنا- البيع لم يتم، يعني المبيع مجهول، مقدار المبيع مجهول.
الشيخ: هذا الشرط فاسد مفسد.
الطالب: نعم.
الشيخ: لأنه يعود إلى جهالة؟ الطالب: جهالة المبيع.
الشيخ: المبيع، وجهالة الثمن.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب.
لو قال: بعتك هذا، وما وجدته فاسدًا فاردُدْه.
الطالب: هذا شرط صحيح.
الشيخ: صحيح؟ الطالب: لأنه يوافق مقتضى العقد.
الشيخ: شلون يا جماعة؟ الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ الطلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا مقتضى العقد؛ أن الفاسد يُرَدُّ.
إذا شرَطَ ألَّا يبيعَ المبيع؟ طالب: على المذهب: لا يصح، لكن الصحيح أنه يصح.
الشيخ: طيب.
الطالب: إن كان للبائع غرض صحيح.
الشيخ: على المذهب لا يصح، لماذا؟ الطالب: لأنه اشترط؛ لأن هذا شرط فاسد.
الشيخ: إي، لماذا؟ الطالب: فاسد غير مفسد.

الجزء: 2 - الصفحة: 868

الشيخ: إي، لماذا؟ الطالب: لأن مقتضى العقد أن البائع .. طالب آخر: لأن مقتضى العقد أن المشتري يتصرف في المبيع.
الشيخ: نعم، مقتضى العقد أن المشتري له التصرف المطلق.
إذا قال قائل: هذا مقتضى العقد، لكنه رضي بالتزام هذا الشرط؛ ألَّا يبيعه؟ طالب: على المذهب: ما يصح مطلقًا.
الشيخ: إي، لكن إذا هم قالوا بأن هذا يخالف مقتضى العقد؛ إذ مقتضى العقد أن المشتري يتصرف كما شاء.
الطالب: نقول: هذا الحق أعطاه الله عز وجل، وليس بوضع المتعاقدَيْن، إنما بوضع الشارع.
الشيخ: ويش ( ... )؟ الطالب: فليس له أن يثبته.
الشيخ: يعني خالف كتاب الله؟ الطالب: ليس له أن يثبت هذا الشرط.
الشيخ: طيب.
طالب: شيخ.
الشيخ: إيه.
الطالب: ( ... ) تأتي بالمضرة يا شيخ.
الشيخ: على مَن؟ الطالب: يجعلونها على البائع اللي بايع عليه البضاعة المبيوعة عليه ( ... ). الشيخ: على المشتري يعني؟ الطالب: على المشتري.
الشيخ: طيب، رَضِيَ.
الطالب: قال: بعتك الآن مثلًا يا شيخ؟ الشيخ: بعتك هذه السيارة بشرط أنك ما تبيعها.
الطالب: ها؟ الشيخ: قال: بعت عليك هذه السيارة بشرط أنك ما تبيعها.
الطالب: ده فيها اضطراب يا شيخ.
الشيخ: ها؟ الطالب: بعتك العبد على ألا تبيعه على فلان، ما يبيع، يضرب العبد، مثاله.
الشيخ: لا، هذا مثال لما فيه غَرَض، لكن إذا لم يكن فيه غرض؟ الطالب: جائز.
الشيخ: جائز؟ الطالب: إذا قَبِل المشتري.
الشيخ: إذا قبل المشتري فهو جائز؟ طالب: لا أثر لهذا الشرط.
الشيخ: ليش؟ الطالب: والبيع صحيح؛ لأنه شرط فاسد.
الشيخ: لماذا؟ ما الذي أفسده؟ الطالب: نعم؟ الشيخ: الأصل في الشروط الصحة.
الطالب: لأنه مخالف لمقتضى العقد.
الشيخ: إذ مقتضى العقد أن الإنسان حر في تصرفه.
الطالب: تصرفه في ماله.
الشيخ: طيب.
ذكرنا أن القول الراجح في هذه المسألة خلافُ ما قرره المؤلف.
طالب: إي نعم، في هذه المسألة: يجوز إذا كان فيه غَرَض؛ يعني البائع إذا كان له غَرَض صحيح يجوز أن ..

الجزء: 2 - الصفحة: 869

الشيخ: يجوز إذا كان للبائع غرض صحيح.
الطالب: نعم.
الشيخ: يتعلق بمصلحة المبيع.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: مثل؟ الطالب: مثل ألا يُعتق .. الشيخ: ألا يبيع، هذا المثال على ألا يبيع.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش مثال الغرض الصحيح؟ الطالب: مثال الغرض الصحيح: يعني شرَط عليه ألا تبيعه لِئَلَّا يُفَوِّت مصلحة المبيع.
الشيخ: أيش المصلحة؟ الطالب: مثل يخاف على العبد -مثلًا- بالتحرير.
الشيخ: بالتحرير؟ ! طيب: العتق.
طالب: مثلًا: إذا باعه عبدًا كسيحًا فخَشِيَ البائع أن يبيعه المشتري ثانية حتى يكون عالة على غيره، فاشترط ألا يبيعه حتى لا يكون .. الشيخ: لا.
طالب: مثل قال: بعتك .. الشيخ: أقول: ما هو الغرض؟ إنَّا فهمنا الآن أن هذا الشرط فاسد، وأن الصحيح أنه إذا كان للبائع غَرَض فلا بأس، فما هو الغرض؟ الطالب: عدم ضرر هذا المبيع.
الشيخ: طيب، كيف الغرض؟ يعني مثلًا يكون عَبْدَ هذا؟ ! الطالب: يتضرر بالمشتري بأن يضربه.
الشيخ: غالٍ عند البائع، كذا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ولم يُخرِجه من ملكه إلا من أجل مراعاة المشتري.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فيخشى أن المشتري يبيعه على شخص يعني .. الطالب: يضربه.
الشيخ: يضربه، أو يُؤْلِمه، أو يُحَمِّلُه ما لا يطيق، فاشترط ألا يبيعه، سواء على شخص معين أو مطلق.
فالصحيح أنه متى كان فيه غرَض فلا بأس.
يقول: (أو) شَرَطَ (إن أُعْتِقَ) أو انعتق (فالولاء له) أي للبائع؛ فإن الشرط لا يصح، يعني: أن البائع باع العبد على إنسان، واشترط عليه أن الولاء له -أي: للبائع- فهنا العقد صحيح، والشرط؟ الطلبة: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح.

الجزء: 2 - الصفحة: 870

والدليل على ذلك: حديث عائشة -رضي الله عنها- في قصة بَريِرة، أنَّ بَرِيرةَ كاتبها أهلُها، فجاءت تستعينُ بعائشةَ، فقالت: إِنْ أَحَبُّوا أنْ أَنْقُدَهَا لهم ويكونُ ولاؤُكِ لي فعلْتُ.
فذهبَتْ بَريِرةُ إلى أهلِها، وقالوا: لا، الولاءُ لنا.
فقال النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ».
ففعلَتْ، ثم قام خطيبًا في الناسِ، فقال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ شُرِطَ مِئَةَ مَرَّةٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (3). فأجاز البيع، ولم يُجِزِ الشرط.
فما هو الولاء؟ الولاء معناه: أن الإنسان إذا أعتق عبدًا صار كأنه من أقاربه، كما يُرْوَى عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (4)، يعني: التحام بين السيد والعتيق كالتحام النسب، فيرثه المعتِقُ إذا لم يكن له وارثٌ من النسب، حتى إنه لو هلك هالك عن بنت أخ شقيق، وعن معتِق، فالمال لمن؟ طلبة: للمعتِق.
الشيخ: المال للمعتِق، مع أن الميت عمها، لكنها هي ليست بذي فرض ولا عَصَبة، فيكون المال للسيد المعتِق، فالولاء -في الواقع- لُحْمة كلحمة النسب، يثبُت به ما يثبت بالنسب من جهة الميراث والولاية، وما أشبه ذلك عند عدم عاصب النسب، لكنه ليس كالنسب في ثبوت المحرمية؛ ولهذا أَعْتَقَ النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صفيَّةَ وَجَعل عِتْقَها صَدَاقَها وتَزوَّجها (5). طالب: ( ... ) هنا عَتَقَ أو أُعْتِقَ؟ الشيخ: يصلح هذا وهذا.
قال: (أو أن يفعل ذلك) ويش معنى (ذلك) المشار إليه؟ طالب: يعني أن يبيع.
الشيخ: أن يبيع، أو يهب، أو يُعتِق؛ (أن يفعل ذلك):

الجزء: 2 - الصفحة: 871

قال: بعتك هذا العبد بكذا وكذا بشرط أن تبيعه على فلان، فهنا لا يصح الشرط؛ لأن مقتضى العقد أن المشتري حر، يتصرف، إن شاء باع، وإن شاء لم يبع، فهل يمكن أن نقول -كما قلنا في الأول- إذا كان هناك غرض صحيح للبائع فلا بأس؟ نقول: إذا أمكن أن يوجد غرض صحيح فلا بأس؛ لأن الحق في التصرف لمن؟ طالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري، فإذا أسقطه فهو حقه.
لكن يبقى النظر: هل هناك غرض صحيح يقابل إسقاط المشتري للتصرف؟ ربما يكون ذلك، مثل أن يكون عندي عبد وأعرف أن فلانًا لا يشتريه مني أبدًا، إما رأفة بي، أو لغير ذلك، فبعته على آخر، وقلت: بشرط أن تبيعه على فلان، فهذا غرض صحيح؛ لأني أنا أحب أن أبَرَّ فلانًا به، لكني أعلم أنه لو جاءه من طريقي فإنه لا يقبل، فإذا جاء من طريق آخر فربما يقبل.
فإذا كان هناك غرض صحيح فالصواب أنه لا بأس أن يشترط البائع على المشتري أن يبيعه، لكن الغرض الصحيح -هنا- لا يكون إلا لشخص معين، لا في البيع مطلقًا.
كذلك شرَط أن يهبه، نقول: هذا الشرط فاسد.
شرَط أن يُعْتِقه، يقول المؤلف: (إلا إذا شرط العِتق) فيُستثنَى، فإذا باع العبد على شخص وقال: بشرط أن تُعتِقه، فوافق؛ فإن البيع والشرط صحيح، لماذا؟ يقول: لأن الشارع له تَشَوُّف إلى العِتق.
فإن قال إنسان: لماذالم يُعتقه البائع؟ يعني: لماذا يشترط على المشتري العتق ولا يُعتقه هو بنفسه؟ قلنا: إن البائع محتاج للدراهم، محتاج إلى دراهم، ومعلوم أنه إذا باعه بشرط العتق فسوف ينقص الثمن إذا التزم بهذا الشرط، فيكون في هذا مصلحة للبائع وهو: قضاء حاجته بالدراهم، ومصلحة للمشتري وهو: نقص الثمن؛ لأنه سوف ينقص بلا شك، فيه أيضًا مصلحة: أن له الولاء؛ لأن المشتري هو الذي يباشر العِتق، فيكون الولاء له، قال: (إلا إذا شرَط العِتق).

الجزء: 2 - الصفحة: 872

إذا اشتراه المشتري وقد شُرِط عليه العِتقُ، ولكنه صار يماطل وفي النهاية أَبَى، يقول المؤلف (الشارح): إنه يُجبَر على العِتق، يُجبَر المشتري على أن يُعتِق؛ لأنه مشروط عليه.
ثم قال المؤلف: (وبعتك على أن تَنْقُدَني الثمنَ إلى ثلاثٍ وإلا فلا بيعَ بيننا: صح، وبعتك إن جئتني بكذا أو رضي زيد): لم يصح.
(بعتك على أن تَنْقُدني الثمنَ إلى ثلاث) يعني: على أن تعطيني الثمن قبل ثلاثة أيام، (وإلا فلا بيعَ بيننا)، فالشرط صحيح، لماذا؟ لأن التعليق -هنا- تعليق للفسخ، وليس تعليقًا للعقد، فجاز التعليق؛ لأن الفُسوخ أوسع من العقود؛ فلهذا جاز تعليقُها بخلاف العقد.
المسألة الثانية: (بعتك إن جئتني بكذا أو رضي زيد): فلا يصح.
قال: بِعْ عليَّ هذا البيت، فقلت: بعتُك إن أحضرْتَ لي كذا وكذا -غير الثمن- فهنا لا يصح؛ لأنه بيع مُعَلَّق، ومن شرْط البيع: التَّنْجِيزُ، فالبيع الْمُعَلَّق لا يصح.
كذلك إذا قال: إنْ رضِيَ زيد، فإنه لا يصح.
مثل أن قال: بعتك هذه السيارة إن رضي أبي، فقال: اشتريْتُ.
فالبيع هنا ليس بصحيح؛ لأنه بيع مُعَلَّق، والبيع من شرطه أن يكون مُنَجَّزًا، إذن ماذا نصنع لو وقع العقد على هذه الصفة؟ نقول: إذا وقع على هذه الصفة فإنه يُعاد بعد رضا زيد، إذا رضي زيد يرجع ويقول: رضي، فنقول: أعد العقد.
لكن هل يترتب على هذا شيء؟ نعم يترتب، لو قلنا بصحة العقد الأول لكان النماء والكسب فيما بين العقد والرضا لمن؟ طالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري، وإذا قلنا: لا بد من عقد جديد فالنماء فيما بين العقد والرضا.
طلبة: للبائع.
الشيخ: للبائع، إذن فبينهما فرق.

الجزء: 2 - الصفحة: 873

والصحيح: أن البيع المعلق جائز، وأنه لا بأس أن يقول: بعتك إن جئتني بكذا.
لكن يَحْسُن أن يُحَدَّد أجلٌ أعلى، فيقول: إن جئتني بكذا في خلال ثلاثة أيام -مثلًا- أو يومين، أو عشرة أيام؛ لئلا يبقى البيع معلقًا دائمًا؛ إذ قد لا يتيسر أن يأتي بذلك في يوم أو يومين، مع أنه كان يظن أنه يتمكن من ذلك، ولكن لا يتمكن، فصار القول الصحيح: جواز ذلك بشرط؟ طالب: بشرط أن يُحَدَّد بزمن أعلى.
الشيخ: نعم.
الطالب: مثلًا عشرة أيام أو كذا؛ لأن المشتري ما يتمكن من جلب ( ... ). الشيخ: يعني إذا بقي معلقًا هكذا، إن جئتني بكذا؛ ربما لا يأتيه إلا بعد مدة طويلة لا يتوقعانها، فإذا حُدد أجل فالصحيح أن البيع جائز؛ لأنه قد تمت فيه الشروط، وانتفت الموانع.
إن رضي أبي، الصحيح -أيضًا- أنه جائز، لكن -أيضًا- لا بد من تحديد المدة؛ لئلا يماطل المشتري في ذلك فيحصل الضرر على البائع.
على القول بأن هذا صحيح، متى ينتقل الملك؟ هل هو بالعقد؟ أو بوجود الشرط؟ طالب: بوجود الشرط.
طالب آخر: بالعقد.
الشيخ: يحتمل وجهين: الوجه الأول: أنه بالعقد؛ لأنه يقول: إن رضي زيد، يعني: فالعقد هذا صحيح.
ويحتمل: إن رضي زيد فقد تم العقد.
والظاهر الأول: أن الملك يثبت بالعقد الأول؛ لأن هذا عقد تام، لكن لزومه معلق على شرط، فإذا حصل الشرط تبين صحة العقد.
فنقول: يحتمل وجهين وأظهرهما أنه أيش؟ يثبت الملك من حين العقد.
قال: (أو يقول) الراهن (للمُرتَهِن: إن جئتك بحقك) في محله -أي في وقت حلوله- (وإلا فالرهن لك) فإنه (لا يصح البيع).
(إن جئتك بحقك) في مَحِله -أي وقت الحلول- (وإلا فالرهن لك) فإنه (لا يصح البيع)، هل عندنا بيع؟ نعم، وهو قوله: (فالرهن لك) هذا بيع؛ لأنه لا يُشترط صيغة معينة للإيجاب، بل ما دل على الإيجاب تم به البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 874

مثال ذلك: شخص اشترى من آخر مئة صاع بُرًّا، وأعطاه ساعة تساوي مئة ريال، قال: إن جئتك بحقك في محله -يعني في الوقت الذي حددناه- وإلا فالساعة لك، أو إن جئتك بحقك في خلال يومين وإلا فالساعة لك.
ولم يأتِ بحقه في هذه المدة تكون الساعة له، لمن؟ للبائع، هذا -في الواقع -بيع معلق.
يقول: فلا يصح؛ لأنه بيع معلق، والبيع المعلق لا يصح.
لو قال قائل: أليس الأصل في المعاملات الْحِل؟ قلنا: بلى.
إذن لماذا لا يصح هذا؟ ! ولهذا كان القول الراجح أنه يصح أن يعطي البائع رهنًا، ويقول: إن جئتك بحقك -يعني بالثمن- في خلال ثلاثة أيام، وإلا فالرهن لك، نقول: الصحيح أنه يصح.
لكن لو فُرض أن المشتري حُبِس بأمر قهري، لم يستطع، وكان ثمن الرهن أضعاف أضعاف الثمن الذي رهنه به، فهل نقول -في هذه الحال- بالصحة مع وجود الغَبن الكثير، أو نقول -في هذه الحال-: لا يصح العقد؟ طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، الثاني هو الصحيح.
إذن القول الصحيح في هذه المسألة: أن العقد يصح، لكن إذا تأخر عن وقت الحلول بأمر قهري وكان ثمن الرهن أضعاف أضعاف ما رهنه به فهنا نقول: بأنه لا يصح العقد، أو نقول بالصحة لكن للمشتري الخيار؛ لأنه مغبون.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، فإنه قد اشترى من بقَّال حاجة ورهنه نعليه -الإمام أحمد- وقال له: إن جئتك بحقك بوقت كذا وإلا فهما لك.
فتكون رواية ثانية عن الإمام أحمد -رحمه الله-: أن هذه المسألة تجوز، وهو القول الراجح كما عرفتم.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن هذا لا يصح؟ قلنا: لأنه بيع معلق؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (6)، (لا يَغلَق) يعني: لا يؤخذ على سبيل الغَلَبة من صاحبه.
فيقال: أما هذا الحديث فلا دليل فيه؛ لأن الرهن هنا هل أُخِذ على سبيل الغلبة؟ طالب: نعم.
طلبة: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 875

الشيخ: لا، هذا على سبيل أيش؟ الاختيار، والمشتري هو الذي اختار هذا، وأما «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» فمعناه: أنه لا يحل للمرتهن -إذا حل الأجل- أن يأخذ الرهن قهرًا على الراهن، أما إذا كان باختياره فلا فيه إغلاق.
إذن القاعدة: أن كل بيع معلق على شرط فإنه أيش؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح على المذهب، على المذهب لا يصح، والصحيح أنه يصح.
إلا أنهم استثنوا من هذه القاعدة مسألتين: المسألة الأولى: أن يعلقه بالمشيئة -مشيئة الله- فيقول: بعتك هذا بكذا إن شاء الله.
فالبيع صحيح؛ وذلك لأن تعليقه بالمشيئة ثم وقوعه يدل على أن الله شاءه؛ لأن الله لو لم يشأه لم يقع، وعلى هذا فإذا علَّقه بالمشيئة –أي بمشيئة الله- فإن البيع يصح.
كذلك بيع العَرَبون، وهو معروف عندنا، ويسمى العُربْون، وفيه لغات، العَرَبون أن يُعطي المشتري البائعَ شيئًا من الثمن، ويقول: إن تم البيع فهذا أولُ الثمن، وإن لم يتم فالعَرَبون لك والبيع لم يتم، واضح، كيف؟ اشتريت من عبد المنان حاجة.
طالب: ( ... ) مثلًا يقول: هذا عربون، فإن تم البيع فبها ونعمت، وإن لم يتم ( ... ). الشيخ: إي نعم، صح، هذا يصح.
فإن قيل: كيف تصححون هذا والبائع أخذ شيئًا بغير مقابل؟ فالجواب أن نقول: أخذ هذا باختيار المشتري، هذه واحدة.
الثاني: أن فيه مقابلًا؛ لأن السلعة إذا رُدَّتْ نقصَتْ قيمتُها في أعين الناس، فمثلًا إذا قيل: هذا الرجل اشترى هذه السيارة بخمسين ألفًا وأعطاه خمس مئة ريال عَرَبونًا، ثم جاء للبائع وقال: والله أنا هوَّنْتُ، ما أريدها.
فإن الناس سيقولون: لولا أن فيها عيبًا.
طلبة: ما ردها.
الشيخ: ما ردها، إذن ستنقص القيمة، فيكون أخْذُ العربون؛ يعني وجه جوازه أولًا: أنه برضا المشتري، والمشتري ربما يقول: لا، ما يهمني، ما دام حصل لي التخلص من هذا فلا يهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 876

الشيء الثاني: أنه له مقابل، وهو نقص قيمة السلعة المردودة؛ لأن هذا هو الغالب؛ ولهذا رُوي عن عمر -رضي الله عنه- أنه صحيح، وإن كان بعض العلماء خالفه في ذلك.
(وإن باعه) -انتبه للمسألة الآتية، إن كنت من أصحاب المعارض معارض السيارات- قال: (إن باعه وشرَطَ البراءةَ من كل عيب مجهول لم يبرأ): إذا باعه: أي باع عليه شيئًا وقال: بشرط أن أبرأ من كل عيب مجهول.
فقال المشتري: نعم، أنت بريء.
فإن هذا الشرط لا يصح، إذا وجد المشتري بها عيبًا فله الرد، قال له البائع: أنا شارطٌ عليك، تصبر بكل العيب اللي فيها.
نقول: لا، هذا شرط غير صحيح، لماذا؟ قالوا: لأن الرد بالعيب لا يثبت إلا بعد العقد، وهذا شرَطه مع العقد، فلا يصح.
وإن شرَط البراءةَ بعد العقد -يعني بعد أن باعه- قال: أنا أبرأتك من كل عيب؛ فالبراءة صحيحة، فاهم.
طالب: لا، هذه غير واضحة.
الشيخ: طيب، باع عليه السيارة بشرط أن يبرئه من كل عيب، من الذي اشترط ذلك؟ الطلبة: البائع.
الشيخ: البائع، قال: أبرأتك.
فالشرط هنا غير صحيح، فإذا وجد المشتري بها عيبًا ردها، طيب أليس قد أبرأه؟ نقول: أبرأه قبل أن يثبت له حق الرد؛ لأن حق الرد إنما يثبت بعد العقد، إلى الآن ما دخلَتْ ملك المشتري، فإذا اشتراها ثم أبرأه -أي يُبْرِئَ البائعَ من كل عيب- صحت البراءة؛ لأنه -الآن- مَلَكها ومَلَك ردها.
فإن باعها، وبعد البيع قال: والله أنا –يقول البائع-: أنا أخشى أن يكون فيها عيوب.
قال: أبرأتك من كل عيب.
فالإبراء؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: الإبراء صحيح؛ لأنه الآن ملكها وملك الرد بالعيب إن كان فيها عيب، وقد أسقطه، هذا هو التفصيل في هذه المسألة على المشهور من المذهب.
وعلى هذا فالذين يبيعون في معارض السيارات ويُصَوِّت يقول: ترى لا أبيع عليك إلا الكبوت ما فيه، بيبيعه بكم من ألف؟ بعشرين ألف، الكبوت يسوى عشرين ألف؟ طالب: ما يسوى.

الجزء: 2 - الصفحة: 877

الشيخ: ما يسوى، لكن هذا علشان يبرأ يقول: ما تطالبني بشيء.
فاشترى على هذا الشرط، فالشرط؟ طالب: صحيح.
الشيخ: لا، غير صحيح، إذا وجد بها عيبًا فليردها، عرفتم؟ أما لو كان بعد أن تمت البيعة قال: تعال، أنا أخشى بكرة تجد فيها عيبًا، ثم تأتيني تقول: السيارة معيبة، فقال: أبرأتك، يقوله المشتري؛ لأن المشتري -الآن- مقبل، ما يهمه، قال: أبرأتك من كل عيب.
ثم ذهب بها وإذا فيها الشاصي مُجَبَّر، والماكينة مكسورة، والكفرات منسمة، وهكذا، هل يردها ولَّا لا؟ طلبة: لا، ما يردها.
الشيخ: ما يردها؛ لأنه أبرأه بعد العقد.
ولكن الصحيح في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه إن كان البائع عالِمًا بالعيب فللمشتري الرد بكل حال، سواء شُرِط مع العقد، أو قبل العقد، أو بعد العقد.
وإن كان غير عالم فالشرط صحيح، سواء شُرِط قبل العقد، أو مع العقد، أو بعد العقد.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الصحيح، وهو المروي عن الصحابة رضي الله عنهم، وهو الذي يمكن أن تمشي أحوال الناس عليه؛ لأنه إذا كان عالِمًا بالعيب فهو غاش خادع، فيُعامَل بنقيض أيش؟ طالب: قَصْدِه.
الشيخ: بنقيض قصده، بخلاف ما إذا كان جاهلًا، كما لو كان مَلَك السيارة قريبًا، ولا يدري عن العيوب اللي فيها، فباعها واشترط البراءة فالشرط صحيح ( ... ). طالب: شيخ، البيع المعلق، إذا قال: بعتك إن رضي زيد.
الشيخ: نعم.
الطالب: قلنا بصحته.
الشيخ: ها؟ الطالب: قلنا -مثلًا- بصحته.
الشيخ: لكن يحدد أجلًا.
الطالب: نعم، يحدد أجلًا يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن إن تلف هذا المبيع قبل أن يصل إلى زيد، طالما وصل إلى زيد رفض، لم يرضَ.
الشيخ: طيب.
الطالب: فيكون على مَن؟ الشيخ: على البائع؛ لأن ما تم البيع.
طالب: شرط زيد ( ... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: العقد إذا قال: إن رضي زيد، إن رضي تحديد المدة ( ... ) فيها، هل هو مستوعب ( ... )؟ الشيخ: هل أيش؟ الطالب: يعني تحديد المدة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 878

الشيخ: لا بد، يشترط، يُحدِّد؛ لِئَلَّا يبقى المسألة عائمة.
الطالب: شيخ، هذا مسافر تاجر، مسافر إلى منطقة وقال للتاجر: أعطني السلع لأجل أن أبيعها لأهل المنطقة بسعر ( ... ). قال: خذها بعشرة وبعها بما شئت والزيادة لك، والسلعة التي لا تنفد ردها.
الشيخ: إي نعم، ما يجوز.
الطالب: وإن حصل يا شيخ؟ الشيخ: إن حصل فعلى المذهب يكون كل ما حصل من خسارة على المشتري؛ لأنه قبض بعقد فاسد.
الطالب: وإذا رد السلعة المردودة وباعها البائع ( ... )؟ الشيخ: ما ( ... ) نقول: رد السلعة كلها إذا أمكن.
الطالب: لا، رد بعضها.
الشيخ: إذا رد بعضها فهي للبائع، كسْبُها للبائع؛ لأن العقد ما صح.
الطالب: والعمل على شو؟ ( ... ). الشيخ: هذا العمل مثل ما قلت، الباقي يرده على البائع.
الطالب: نعم.
الشيخ: وهذاك يتصرف هو ويَّاه، يصطلحون.
الطالب: ( ... ) ما دام هم متفقين، وأيضًا ( ... ). الشيخ: ما هو مجهول هذا، نهى عن بيع الغرر، ها؟ الطالب: كالوكيل.
الشيخ: لا، يوكله، إذا صار كالوكيل يحذف الكاف، لا يقول: كاف، كالوكيل، يقول: وكلتك تبيع وتصرِّف، وما لم يُبَع هاته.
الطالب: لكن يقال: بِعْهُ بعشرة، لك بعشرة، واللي يزيد.
الشيخ: لا بأس، إذا قال: خذ هذا بعه بعشرة وما زاد فهو لك فهو وكيل.
نعم.
طالب: قلنا -شيخ- إذا قال: إذا أتيتك بحقك في يومين وإلا فالرهن لك، قلنا: إنه يصح.
الشيخ: لا، المذهب: لا يصح.
الطالب: نعم على الراجح.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أنه يصح.
الشيخ: نعم.
الطالب: هنا الثمن مجهول؛ لأنه يعني يحتمل يأتي بالثمن، ويحتمل لا يأتي .. الشيخ: لا، الثمن معلوم، قاطعين الثمن، بعشرة ريالات.

الطالب: أو الرهن.
الشيخ: أيش؟ الطالب: إما بعشرة ريالات أو الرهن.
الشيخ: إي.
الطالب: هو لا يدري يأخذ أيهما.
الشيخ: لكنه راضٍ، المشتري إذا عرف أن الثمن أقل من الرهن بيبادر على طول، يأتي به.
الطالب: والبائع لا يدري.
الشيخ: البائع يدري؛ لأن الثمن مقطوع الآن.

الجزء: 2 - الصفحة: 879

الطالب: لكن قد يدري وقد لا يدري.
الشيخ: لا، يدري، الثمن مقطوع، لكن قد يأتي به وقد لا يأتي، ولهذا قلنا: لا بد من ضرْبِ المدة.
نعم.
طالب: إذا يُرَدُّ المبيع إلى البائع، هل لهذا زمان محدد أم ماذا؟ الشيخ: إي، سيأتينا -إن شاء الله- في باب الخيار.
طالب: شيخنا.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مثلًا لو قال: بع هذا العبد؛ يعني: بع هذا العبد على فلان.
واتفقوا على هذا العقد، فذهب هذا المشتري لأنْ يبيع العبد لذلك الشخص فلم يرضَ ذلك لعلمه أن الأول ما باعه لهذا إلا لأنه -مثلًا- سبَّب له إحراجًا .. الشيخ: الظاهر انتهى الوقت.
( ... ). يقول: ذكرنا أن شرط الشيء هو الذي يلزم من عدمه عدم، ولا يلزم من وجوده وجود، فالشرط الباطل في البيع يلزم من عدمه وجود؛ لأن ( ... ) أيضًا من أقسام الشروط في البيع، مع أن الشرط وحده باطل والبيع صحيح، فما الجواب؟ التبس على أخينا الفرق بين الشرط في البيع وشرط البيع، والشرط الذي يلزم من وجوده وجود هو شرط البيع، وقد ذكرنا أن الفرق بين شروط البيع والشروط في البيع ( ... ). طالب: ذكرنا أن ما، يعني ما .. الشيخ: مثلًا: يُشترَط لصحة الصلاة الطهارة.
الطالب: نعم.
الشيخ: يلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة، لكن هل يلزم من الطهارة وجود الصلاة؟ الطالب: لا.
الشيخ: هذه هي، طيب.
يقول: ما حكم إذا صرفت ريالات سعودية بدولارات أمريكية، وبدل استلام الدولار أُعطيتُ سندًا على أن أستلم المبلغ من دولة أخرى؟ الجواب: لا يجوز؛ لأن إبدال العملة بالعملة لا بد فيه من التقابض، والسند هذا تحويل وليس قبضًا، بدليل أن هذا السند لو ضاع لبقي حقك، ولو كان قبضًا لم ترجع على أحد بشيء.
وهذا يقول: شخص حدث له حادث قبل ما يقارب ست سنوات، وفي الحادث توفيت امرأة في السيارة الثانية، وكان الخطأ على صاحب السيارة الثانية بنسبة خمس وسبعين بالمئة، ولم يقرر المرور عليه شيء؛ أي صاحب السيارة الأولى.
من هو صاحب السيارة الأولى؟ !

الجزء: 2 - الصفحة: 880

طالب: صاحب السيارة الثانية قال ( ... ). الشيخ: طيب، لو صار عليه خمس وعشرون بالمئة ما قرروا عليه شيء؟ الطالب: نعم.
الشيخ: كيف؟ لعله يتصل بي ويصف الحادث؛ عشان نشوف.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وإن باعه دارًا على أنها عشرة أذرع فبانت أكثر أو أقل: صح، ولمن جهله وفات غرضُه: الخيارُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل باع سيارته وأجَّر بيته بمئة ألف ريال، فما تقول؟ طالب: يصح العقد.
الشيخ: عقدان.
الطالب: مشترك، إن جمع بين عقدين ما فيه شيء حتى على المذهب.
الشيخ: يصح؟ توافقونه على هذا؟ طالب: على المذهب: لا.
الشيخ: نعم، قال: بعتك سيارتي وآجرتك بيتي بمئة ألف ريال، هل يصح أو لا؟ خالد يقول: يصح حتى على المذهب.
وعبد الله يقول: لا يصح على المذهب.
ما تقولون؟ طالب: المذهب: لا يصح.
الشيخ: المذهب: لا يصح، يعني توافق عبد الله؟ طالب: المذهب: يصح.
الشيخ: المذهب: يصح، توافق خالدًا.
طالب: جمع بين بيع.
الشيخ: اصبر، يصح ولَّا ما يصح؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح.
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، الظاهر ( ... )، واحد يصح وواحد .. لعلنا نقطع الكلام.
المذهب: يصح، إذا جمع بين عقدَيْن بدون شرط فصحيح، إلا في الكتابة، وهذا مما يؤيد القول بصحة اشتراط العقد الآخر؛ لأنه إذا كان هذا مباحًا -أعني الجمع بين العقدَيْن- إذا كان مباحًا واشترطنا الجمع بين عقدين فقد اشترطنا أيش؟ حلالًا، يعني لم نشترط شرطًا يحلل الحرام أو يحرم الحلال.
قال: زوجتك بنتي وبعتك السيارة بمئة ألف؟ طالب: يصح ( ... ). الشيخ: ها؟ الطالب: يصح.
الشيخ: يصح؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما تقولون؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: زوجتك بنتي وبعتك السيارة، جمع بين بيع ونكاح.
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ الطالب: صحيح.
الشيخ: لأنه بغير شرط؟ طالب: باطل، لا يرضاه الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 881

الشيخ: لا.
أقول: لأنه بغير شرط؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: فإن شَرَط؟ طالب: إذا اشترط -على المذهب- لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنه جمع بين شرطين.
رجل اشترط عند بيع العبد أنه إن أُعْتِقَ فالولاء له، فما حكم البيع والشرط؟ طالب: لا يصح هذا الشرط، ويصح البيع.
الشيخ: يصح البيع دون الشرط، أعندك دليل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟ الطالب: ما روته السيدة عائشة من قصة بَرِيرة: أنها أرادت أن تشتريَها وتُعتقَها، واشترط أهلُها أن يكونَ الولاءُ لهم، وأمَرَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تشتريَها وتُعتِقَها حتى وإنِ اشترطَتْ لهمُ الولاءَ، ثم قام النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطيبًا وقال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ .. ». الشيخ: بس، قصة بَرِيرة حيث اشترط أهلُها أن يكونَ الولاءُ لهم، وباعوها على هذا الشرطِ (3)، فأبطل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الشرط دون؟ طالب: العقد.
الشيخ: دون العقد.
شرَط على المشتري ألا يبيعه؟ طالب: شرط على المشتري ألا يبيعه، لا يصح البيع.
الشيخ: لا يصح البيع؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ولا الشرط؟ الطالب: ولا الشرط.
الشيخ: ولا الشرط، نعم، المعارضون كثيرون.
الطالب: يصح البيع ولا يصح الشرط.
الشيخ: لا تخضع لكثرة الناس، هل يصح البيع والشرط؟ أو يصح البيع دون الشرط؟ الطالب: يصح البيع، ويبطل الشرط.
الشيخ: طيب، لماذا؟ الطالب: لأن تحجر على المشتري.
الشيخ: إي رضي بهذا، رضي بذلك.
الطالب: يناقض معنى البيع؛ لأن البيع معناه ينتقل الشيء إلى ملك المشتري وهو ( ... )، وهذا يناقض.
الشيخ: يعني يخالف مقتضى؟ الطالب: مقتضى العقد.
الشيخ: مقتضى العقد، طيب، هل هناك رأي آخر؟ فيه رأي آخر؟ طالب: نعم، إنه يصح الشرط إذا كان للبائع غرض صحيح.
الشيخ: مثاله؟ الطالب: مثاله: كأن يكون العبد غاليًا عند البائع، فاشترط عليه ألا يبيعه.
الشيخ: اشترط على المشتري.
الطالب: على المشتري.
الشيخ: ألا يبيعه.
الطالب: ألا يبيعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 882

الشيخ: خوفًا من أن يبيعه على شخص.
الطالب: على شخص لا يُقَدِّرُه.
الشيخ: نعم.
الطالب: أو يهينه.
الشيخ: يؤذيه أو ما أشبه ذلك، وهذا هو الصحيح.
قال: بعتك إن رضي زيد؟ طالب: على المذهب: لا يصح، فيه قولان يا شيخ.
الشيخ: فيه قولان، كما قال؟ طلبة: ابن جِنِّي.
الشيخ: هل يصح البيع أو لا يصح؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: على المذهب: لا يصح، لماذا؟ الطالب: لأن فيه مجهولًا.
الشيخ: ها؟ الطالب: فيه ( ... ). الشيخ: لا، ما هو مجهول، معروف، سيد صاحب الدكان، لكني قلت: إن رضي زيد؛ لأني أعرف أنه رجل يعرف السلع ويعرف أَقْيامَها.
الطالب: ( ... ). الشيخ: كيف؟ بعتك إن رضي زيد، وافرض أنه قال: بعتك إن رضي أبي، دعنا من زيد، إن رضي أبي.
الطالب: هذا ( ... ). الشيخ: سؤال، والجواب تقول: لا يصح البيع، لماذا؟ اعلموا يا طلبة أنكم مطالبون -إذا قلتم: لا يصح البيع- مطالبون بإقامة الدليل على عدم الصحة؛ لأن الله قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] فالأصل أن جميع البيوعات حلال، ها.
طالب: لأنه بيع معلق.
الشيخ: بيع معلق على أيش؟ الطالب: على شرط.
الشيخ: مجهول ولا معلوم؟ الطالب: مجهول.
الشيخ: مجهول؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب لكن سيُعلم قريبًا.
الطالب: ولو، حالُ العقدِ مجهولٌ.
الشيخ: إي، هل عندك دليل على أن مثل هذا الشرط يكون مجهولًا ويبطل البيع به؟ الطالب: لأن الشرط مجهول يا شيخ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن بيعِ الغَرَرِ (7). الشيخ: وهذا؟ الطالب: وهذا غرر.
الشيخ: وهذا من الغرر.
هل يكون هذا من الغرر إذا حُدِّدَ لمدة وقلت: إن رضي زيد في خلال يومين؟ طالب: لا.
الشيخ: لا يكون.
الطالب: لا يكون من الغرر.
الشيخ: وعلى هذا؟ الطالب: يصح صيغة البيع والشرط.
الشيخ: إذا؟ الطالب: حَدَّد المدة.
الشيخ: إذا حَدَّد المدة، كالخيار، كما لو قال: لي الخيار ليومين مثلًا.
هذا القول هو الصحيح، والمذهب: لا يصح مطلقًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 883

إذا قال: بعتك على أن تَنْقُدني الثمن إلى ثلاث وإلا فلا بيع؟ طالب: على أن تنقدني؟ الشيخ: بعتك على أن تنقدني الثمن -يعني تعطيني الثمن- في خلال ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع بيننا.
الطالب: صحيح.
الشيخ: يصح؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: كيف يصح؟ وشلون يصح؟ الطالب: يصح؛ لأنه اشترط عليه.
الشيخ: طيب، لكن يقول: وإلا فلا بيع بيننا.
الطالب: لا بيع؛ لأن له الفسخ.
الشيخ: إي، ما الفرق بين هذه وبين بعتك إن رضي زيد؟ الطالب: هذا معلق.
الشيخ: ودا؟ الطالب: هذا له الفسخ في العقد.
الشيخ: ودا معلق، لكن يعني هذا يمكن .. هذا معلق: إن نقدتك إلى ثلاث وإلا فلا بيع.
الطالب: لأنه حدد المدة.
الشيخ: طيب: إن رضي زيد إلى ثلاث.
الطالب: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ الطالب: نعم.
طالب آخر: شيخ الفرق بينهما؛ الصورة الأولى: بيع معلق على الفسخ.
الشيخ: ما هي الصورة الأولى؟ الطالب: الصورة الأولى التي ذكرناها الآن: أن تنقدني الثمن خلال ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع بيننا.
الشيخ: هذا بيع أيش؟ الطالب: معلق على الفسخ.
الشيخ: بيع معلق على الفسخ؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فهمنا هذا، كيف يصير بيعًا معلقًا على الفسخ وهو ما صار بيعًا؟ الطالب: ( ... ) يا شيخ.
طالب آخر: الأخير يا شيخ تعليق الفسخ.
الشيخ: اذكرها يا شيخ، ما فهمنا الأخير من الأول! الطالب: نعم يا شيخ، بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث وإلا فلا بيع بيننا.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا تعليق الفسخ.
الشيخ: تعليق فسخ؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: وبعتك إن رضي زيد؟ الطالب: هذا تعليق .. الشيخ: عقد.
الطالب: نعم.
الشيخ: تعليق عقد، هذا هو الفرق، فتعليق العقد لا يصح، وتعليق الفسخ يصح، هذا هو الفرق، وعرفتم تعليق العقد أن فيه خلافًا.
رهنه شيئًا وقال له: إن جئتك بالثمن في وقت حلوله وإلا فالرهن لك؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؟ الطالب: على المذهب: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 884

الطالب: لحديث: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (6). الشيخ: طيب، وهل في هذا إغلاق وهو قال ذلك باختياره؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: وعلى هذا فيصح.
الطالب: يصح ( ... ). الشيخ: يصح، يقول: أرهنه شيئًا وقال: إن جئتك بحقك في الوقت الفلاني وإلا فالرهن لك.
هل يفرق بين ما إذا كان الرهن كثيرًا -أكثر من القيمة- أو قليلًا؟ طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: هل يفرق؟ الطالب: نعم يفرق، إذا كان الرهن أضعاف أضعاف السلعة ( ... ) بالقهر فإنه لا يصح البيع.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن هذا يا شيخ إغلاق.
طالب آخر: فيه غُبْن.
الشيخ: فيه أيش؟ الطالب: غُبْن كثير.
الشيخ: غُرْم كثير.
الطالب: غَبْن كثير.
الشيخ: غَبْن كثير، لكن هو راضٍ؛ صاحب الرهن الذي رهن هذا الشيء، هذا هو الذي يمكن أن نفسر به: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (6). إذا علمنا أن الرجل تأخر لسبب قهري، وثمن الرهن كثير فهذا -لا شك- أنه لا يصح، أما إذا كان مساويًا -ثمن الرهن مساويًا للدَّيْنِ أو أقل- فالصحيح أنه جائز.
قال: بعتك بيتي بمئة ألف ريال إن شاء الله؟ طالب: يصح.
الشيخ: ها؟ الطالب: إن قال تبركًا بالمشيئة يصح.
الشيخ: يصح ولَّا ما يصح؟ الطالب: إن قال تبركًا بالمشيئة يصح على المذهب وغير المذهب.
الشيخ: طيب، كأنك تبغي تفصل، إن قاله تبركًا بذكر المشيئة صح البيع، وإنْ؟ الطالب: وإلَّا فعلى المذهب: لا يصح، والصحيح الصحة.
الشيخ: وإلا فعلى المذهب: لا يصح.
الطالب: والصحيح أنه يصح.
الشيخ: والصحيح أنه يصح، يعني كأن عندكم قاعدة كلما صار أشد فهو المذهب.
الطالب: لا، لكن المذهب تعليق أي بيع تعليق العقود لا يصح إلا في مسألتين.
الشيخ: وهما؟ الطالب: المشيئة والعربون.
الشيخ: طيب، هذه مشيئة.
الطالب: إن شاء الله.
الشيخ: إي، بعتك هذا بمئة ألف ريال إن شاء الله.
قال: قبلت.
الطالب: يصح، على المذهب وغير المذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 885

الشيخ: طيب، يصح على المذهب وغير المذهب؛ لأن التعليق بإن شاء الله إما تبرك وإما تعليل، ثم لْنعلمْ أنه إذا وقع العقد على مقتضى الشرع فقد شاءه الله؛ لأنه لا يفعل الإنسان فعلًا إلا بمشيئة الله، وعلى هذا فإذا قال: بعتك هذا الشيء إن شاء الله؛ فالعقد؟ طالب: غير صحيح.
الشيخ: العقد؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: من الذي قال: غير صحيح؟ طالب: يصح يا شيخ.
الشيخ: العقد صحيح.
استثنى المؤلف -رحمه الله- العَرْبون أو العَرَبون؟ طالب: نعم، العربون مثلًا: اتفقنا على شراء سلعة فيعطيني مقدمًا جزءًا من المبلغ ويقول: إن أخذت جاز لي البيع -مثلًا- أنقدك الثمن، وإلا فهو لك.
الشيخ: سمعتم العربون؟ يعطيه جزءًا من الثمن ويقول: إن تم البيع فهو أول الثمن، وإن لم يتم فهو لك، هذا يصح مع أنه معلق، وهو شبيه بتعليق الرهن الذي سبق، لماذا جاز وهو معلق؟ طالب: شيخ لأمرين.
الشيخ: ها.
الطالب: الأول: رضا المشتري، والثاني: أنَّ له مقابلًا، وهو نقص ثمن السلعة.
الشيخ: نعم.
الطالب: في حال الرد.
الشيخ: والدليل أيضًا: فِعْلُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هذا دليل، وما ذكرتَه هو تعليل.
ثم قرأنا: (إن باعه وشرَط البراءة)؟ طلبة: نعم قرأناها.
الشيخ: قرأناها.
إذا باعه وشرَط البراءة من كل عيب ولم يُعَيِّنه، هل يبرأ أم لا؟ طالب: إن شرط البراءة؟ الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان مثل سيارة يا شيخ.
الشيخ: ما نقول: إن كان مثل سيارة، نبغي نقول: إن كان مثل بعير بعد.
الطالب: له حالتان يا شيخ.
الشيخ: ها.
الطالب: إن كان المشتري ما يعلم بهذه السلعة، البائع لا يعلم بهذه السلعة: يجوز على الصحيح.
إن كان يعلم بحالها ما يجوز.
الشيخ: إي، وعلى ما قال المؤلف؟ هل يبرأ؟ الطالب: لا، ما يبرأ.
الشيخ: لا يبرأ؟ أنت فاهم الصورة؟ قال: بعتك هذا الشيء بشرط البراءة من كل عيب، فقال: قبلت.
هل يبرأ أو لا؟ نعم.
طالب: يبرأ إذا قال له بعد البيع، بعد العقد ..

الجزء: 2 - الصفحة: 886

الشيخ: هذه واحدة؛ إذا أبرأه بعد العقد برئ.
الطالب: إذا كان قبْل العقد لم يبرأ.
الشيخ: طيب، تفصيله، عبد الرحمن.
طالب: ما هو السؤال يا شيخ، لم أسمعه.
الشيخ: توافقه على هذا؟ إذا أبرأه بعد العقد فإنه يبرأ وإلا فلا.
الطالب: يُبرِئه المشتري.
الشيخ: إي المشتري يبرئه.
الطالب: يسقط ( ... ) عن نفسه.
الشيخ: ما تقولون؟ طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، طيب.
إذا عيَّن العيب، قال: بعتك هذه على أن فيها العيب الفلاني، وسماه، تصح البراءة ويبرأ؟ طالب: نعم يبرأ.
الشيخ: لأنه معلوم، طيب.
هل هناك قول آخر في المسألة؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو القول الآخر؟ الطالب: قول شيخ الإسلام.
الشيخ: وهو؟ الطالب: هو إن كان البائع عالِمًا فالبيع صحيح، سواء كان الشرط قبل العقد أو أثناء العقد أو بعد العقد.
الشيخ: ها.
الطالب: وإذا كان البائع غير عالم فهو لا يصح، سواء قبل العقد أو في العقد أو بعد العقد.
طالب آخر: ( ... ) يصير العكس.
الشيخ: نعم، أَعِدْ، ماذا يقول شيخ الإسلام؟ الطالب: إذا كان البائع جاهلًا في هذه المسألة.
الشيخ: جاهلًا بالعيب.
الطالب: نعم.
الشيخ: فالشرط؟ الطالب: فالشرط غير صحيح سواء قبل أو بعد أو أثناء العقد.
الشيخ: إي.
الطالب: وإن كان عالِمًا فالشرط صحيح ( ... ). الشيخ: اعكس تُصِب.
الطالب: شلون يا شيخ؟ الشيخ: أقول: اعكس تُصِب، إن كان البائع عالِمًا بالعيب فإنه لا يبرأ.
الطالب: ( ... ). الشيخ: خير إن شاء الله، على كل حال نقبل منك التراجع، إن كان عالِمًا فإنه لا يبرأ؛ لأنه غَش المشتري فيعامل بنقيض قصده، وإن كان جاهلًا؟ الطالب: فإنه يبرأ؛ لأنه لا يعلم.
الشيخ: فالبراءة صحيحة سواء أبرأه قبل العقد أو مع العقد أو بعد العقد، وهذا القول هو الذي رُوي عن الصحابة، وهو الصحيح، هذا هو القول الراجح؛ لأن الناس محتاجون إليه كثيرًا، كثيرًا ما يشتري الإنسان سيارة، وتبقى عنده يومًا أو يومين ثم يبيعها وهو لا يعرف ما فيها من عيب داخلي.

الجزء: 2 - الصفحة: 887


ثم قال المؤلف: (وإن باعه دارًا على أنها عشرة أذرع فبانت أكثر أو أقل: صح).
(باعه دارًا) يعني: أو أرضًا، أو نحوها مما يُزرع (على أنها عشرة أذرع فبانت أكثر): فالبيع صحيح، وإن بانت أقل فالبيع -أيضًا- صحيح، لكن إذا بانت أكثر فلِمَنْ تكون الزيادة؟ طالب: للمشتري.
الشيخ: تكون الزيادة للبائع؛ لأنه باعها على صفة معينة، وهي أنها عشرة أذرع، فبانت خمسة عشر ذراعًا، نقول: الزيادة للبائع، خذ من الخمسة عشر ذراعًا عشرة، وأعط البائع خمسة.
كذلك إذا بانت أقل؛ باعها على أنها عشرون ذراعًا فبانت خمسة عشر ذراعًا: فالبيع صحيح، والنقص على مَن؟ طالب: على المشتري.
الشيخ: على البائع، فيُسقَط من الثمن بمقدار ما نقص من الأذرع، والذي نقص من الأذرع؛ يعني إذا باعها على أنها عشرون فبانت خمسة عشر.
طالب: ينقص الخمس.
الشيخ: لا، الربع.
طالب: نعم.
الشيخ: الربع، فيُنقص ربع القيمة.
يقول: (صح) يعني والزيادة للبائع، والنقص على البائع.
(ولِمَنْ جهله وفاتَ غرضُه الخيارُ)، (لمن جهله): جهل المقدارَ، (وفاتَ غرضُه) له (الخيارُ).
فاشترط المؤلف شرطين لثبوت الخيار للمغبون: مثال ذلك: اشترى إنسان هذه الأرض على أنها مئة متر، فتبين أنها تسعون مترًا، نقول: البيع صحيح؛ لأن البيع وقع على شيء معين معلوم بالمشاهدة، والتقدير اختلف، فيكون البيع صحيحًا، والتقدير: يُحاسَب مَن عليه النقصُ بقَدْرِه.
هذه باعها على أنها مئة متر فتبين أنها تسعون مترًا، نقول: البيع صحيح، وإذا كان باعها بمئة ألف ينقص من الثمن؟ طالب: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف، واحد من مئة.
طلبة: عشرة من مئة.
الشيخ: عشرة من مئة، نعم.
لكن إذا قال المشتري: أنا كنت أظن أن هذا التقدير صحيح، وأنا كنت قد خطَّطْتُ أن أَعْمُرَها عمارة أو فِلَّة على هذه المساحة، والآن لما نقصت لا أريدها، فهل له الخيار؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم له الخيار؛ لأنه فات غرضه، فلما فات غرضه قلنا: لك الخيار.

الجزء: 2 - الصفحة: 888

فإن كان المشتري يعلم أنها تسعون مترًا فإنه لا خيار له؛ لأنه دخل على؟ طالب: علم.
الشيخ: بصيرة، وكان عليه أن يقول للبائع -حين قال: إنها مئة متر- أن يقول له؟ طالب: لا.
الشيخ: هذا غلط، بل هي تسعون مترًا.
فإذن الشرط؛ شرط ملْك الفسخ اثنان: الأول؟ طالب: الجهالة.
الشيخ: الجهل، والثاني؟ طلبة: فوات الغرض.
الشيخ: فوات الغرض، طيب.
فإن قال المشتري -الذي اشتراها على أنها مئة متر، فبانت تسعين مترًا- إذا قال: أنا أسمح بالعشرة.
وقال البائع: أنا أريد أن أفسخ؛ لأنه تبين أن التقدير خطأ، فأريد أن أفسخ.
فقال المشتري: أنا أسمح عنك.
فهل يملك البائع الفسخ؟ الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ الطلبة: ليس له غرض.
الشيخ: لأنه ما له غرض الآن، الآن هو باعها كلها على أنها مئة متر، وتبين أنها أقل، وسُومِح بالناقص، فليس له غرض، إلا أحيانًا ربما تكون الأراضي قد زادت في هذه المدة، وأنها تساوي أكثر من مئة ألف، على أنها تسعون تساوي أكثر من مئة ألف، فيطالب البائعُ بالفسخ، ويقول: أنا ما دامَتْ نقصَتْ عمَّا قدَّرْنا حين العقد فأنا أريد أن أفسخ.
نقول: ليس لك أن تفسخ؛ لأنه ما عليك ضرر الآن، أنت بائع لي الأرض، نعم لو بعت عليَّ مئة متر من الأرض هذا شيء آخر، لكن بعت عليَّ الأرض على أنها أيش؟ طلبة: مئة.
الشيخ: مئة متر.
اشتراها على أنها مئة متر فتبين أنها مئة وعشرون، فقال المشتري: أنا أريد أن أفسخ؛ لأنها تغيرت عما قُدِّرَتْ به.
فقال البائع: لك العشرون مجانًا، لا تعطني إلا الثمن الذي اتفقنا عليه، والعشرون لك مجانًا.
فقال: لا، ما دام اختلف التقدير فلي الخيار.
فهل له الخيار؟ طلبة: لا ( ... ). الشيخ: لماذا؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لأنه لا ضرر عليه، قد تنازل البائع عن الزيادة، فلا ضرر عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 889

فإذا قال المشتري: أنا قد قدَّرْتُ أن أبني فِلَّة قدْرُها مئة متر، والآن صارت مئة وعشرين، تزيد عليَّ المواد؛ لأنه يلزم أن أوسع الْحُجَر والغرف، فتزيد عليَّ قيمةُ البناء.
طلبة: ( ... ). الشيخ: نقول له: اجعلها فُسحة.
فإذا قال: حتى لو جعلتها فسحة ( ... ) يزيد عليَّ الجدار (السور)، نقول: طَلَّع الزيادة؛ خلِّه للناس مواقفَ ولَّا شارعًا.
فإذن ليس عليه ضررٌ إطلاقًا، والمؤلف اشترط أن يفوت غرضُه، وهنا لا يفوت الغرضُ.
لو تراضيا على النقص أو الزيادة، تصالحا، هل يجوز أو لا؟ طلبة: نعم يجوز.
الشيخ: نعم يجوز؛ لأن الحق لهما، فإذا تصالحا على إسقاطه مثل أن قال: هي بعتُها على أنها مئة متر فتبينَتْ أنها تسعون مترًا، وتصالحا، قال: يسقط من الثمن كذا وكذا.
واتفقا على ذلك فلا بأس.
عندي بالشرح صورة قد تكون مشابهة لها، ولكنها مخالفة لها في الحكم، قال: وإن كان المبيع نحو صُبْرة -يعني كومة طعام- على أنها عشرة أقفزة فبانت أقل أو أكثر صح البيع ولا خيار، والزيادة للبائع والنقص عليه.
سمعتم؟ عنده كومة طعام، قال: بعتك هذه الصُّبْرة على أنها مئة كيلو، فتبينَتْ أقل من مئة، تبينَتْ تسعين كيلو، يقول: البيع صحيح.
وهذا كالأرض، لكن لا خيار للمشتري، ويُجبَر البائع على التكميل.
وإن بانت أكثر، قال: بعتك هذه الكومة من الطعام على أنها مئة كيلو، فتبينَتْ مئة وعشرين كيلو، فالبيع صحيح والزيادة لمن؟ طلبة: للبائع.
الشيخ: للبائع، فإذا قال المشتري -إذا أخذ الزيادة-: فأنا لي الخيار.
يقول المؤلف: إنه لا خيار له.
والآن مَن الذي له الخيار في هذه المسألة؟ هل هو البائع ولَّا المشتري؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: البائع؛ لأن هو الذي عليه النقص، تبين أنها مئة وعشرون كيلو، فيقول البائع: أنا بآخذ الزيادة، فلي الخيار بين أخْذِ الزيادة وبين فسْخِ البيع.
نقول: ليس لك الخيار أصلًا، الزيادة لك فخذها.

الجزء: 2 - الصفحة: 890

لكن ما هو الفرق؟ يقول: الفرق أن الأرض لا يمكن الزيادة فيها ولا النقص؛ يعني: لو باعه على أنها مئة متر وتبينَتْ تسعين مترًا، هل يمكن أن يأتي بمتر يضيفه إلى هذه التسعين؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن، لكن الصبرة من الطعام يمكن يأتي بطعام آخر من جنس هذا الطعام ويكمل، وكذلك فيما إذا زاد: لكن ينبغي أن يقال: إذا تبين أنها زائدة عن المقدَّر، وكان للمشتري غرَضٌ في نفس الصُّبْرة؛ يعني: هو مُقَدِّر أن هذه الصُّبْرة تكفي الضيوف اللي عنده، فإذا كان البائع يريد أن يأخذ الزيادة، فهي في نظر المشتري لا تكفي الضيوف، فهل نقول: إن هذا قد فات غرضُه فله الخيار؟ نقول: مقتضى القاعدة السابقة: أن هذا قد فات غرضُه، فيكون له الخيار؛ لأنها نقصَتْ، إلا إذا قال للمشتري: أنا أُكَمِّل لك من الجنس، فهنا لا خيار له.
طالب: إذا قال للبقال؟ الشيخ: إذا قال البائع للمشتري: أنا أُكَمِّل لك مئة الكيلو من جنس هذا الطعام.
فهنا لا خيار للمشتري؛ لأن غرضه أيش؟ لا يفوت؛ لأن غرضه لم يفت.
طالب: شيخ، يبيع ( ... ). الشيخ: اشتريت منه هذه الصُّبْرة على أنها مئة، وأنا في نظري تكفي الضيفان اللي عندي، فتبينَتْ مئة وعشرين، فقال البائع: أنا بآخذ الزيادة.
فقد فات غرضُ المشتري الآن، فله الخيار.
أما المذهب يقول: لا خيار له.
لا، المثال: إذا بانت أنقص؛ اشتراها على أنها مئة كيلو وأنها تكفي الضيوف اللي عنده، فبانت تسعين كيلو، المذهب يقولون: لا خيار للمشتري، ليش؟ لأنه إذا أتى البائع بجنس الطعام وكمَّل به المئة لم يفت.
طلبة: غرضه.
الشيخ: غرضه، لكن إن قُدِّر أنه فات غرضه بأن تأخر البائع عن التكميل، أو أتى بطعام دون الطعام الذي وقع عليه العقد فهنا يكون للمشتري الخيار.
طالب: شيخ، هذه مسألة الصُّبْرة، إذا كان المشتري ظن أنها مئة، والبائع وجدها مئة وعشرين.
الشيخ: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 891

الطالب: قلنا شيخ: إنه كان يظن أن هذا يكفي الضيوف، ثم ذهب إلى مكان آخر ( ... ) لا بد أن يكون زيادة، ممكن له الخيار يا شيخ؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: إذا ذهب إلى مكان آخر .. الشيخ: لا، نحن ذكرنا إذا بانت ناقصة.
الطالب: والزايد؟ الشيخ: إذا بانت ناقصة.
طالب: يعني يا شيخ بالنسبة للفرق بين المسألتين، نقول يا شيخ: إن العقارات يدخل فيها الخيار، والمأكولات لا يدخل؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف يا شيخ؟ الشيخ: لأنه ما يمكن زيادتها ولا نقصها العقارات.
طالب: شيخ، إذا باع رجل على آخر أرضًا وقال له: هذه الأرض -وحدَّدَها، ثم قال: - مساحتها كذا.
فبعد أن اشتراها قاس المساحة فوجدها أكثر.
الشيخ: أكثر؟ الطالب: نعم، هل نقول: إنه باعها بِحَدِّها، ثم تحديدها بالمساحة هذا زائد ولا يثبت العقد؟ الشيخ: العقد صحيح.
الطالب: نعم، هل نقول: إنه لا خيار له؟ لأنه .. الشيخ: مَن الذي لا خيار له؟ الطالب: لا خيار للبائع، لا يأخذ الزائد.
الشيخ: لا.
يأخذ الزائد.
الطالب: باعه أرضًا وقدَّرها؛ قدَّر .. الشيخ: يأخذ الزائد، ويكون للمشتري الخيار، نعم.
طالب: إذا باعه دارًا يا شيخ -مثلًا- بمئة، فبانت أكثر أو أقل .. الشيخ: باعها بمئة على أنها؟ الطالب: أكثر أو أقل، يعني -مثلًا- عشرة.
الشيخ: باعها بمئة ريال، على أنها؟ الطالب: على أنها عشرة أذرع.
الشيخ: عشرة أذرع، طيب.
الطالب: طلعت أقل من عشرة أذرع.
الشيخ: نعم.
الطالب: وكان غرضه التجارة، أقصد البائع.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ثم انخفض السعر.
الشيخ: نعم.
الطالب: فهل له الخيار؟ غرضه الآن التجارة.
الشيخ: نعم، إذا علمنا أنه إنما يريد التجارة بها، وأنها إذا نقصت عن العشرة تنقص قيمتها؛ لأن الناس لا يريدون إلا شيئًا من عشرة فأكثر: فله الخيار؛ لأن هذا فات غرضُه.
طالب: يعني إن شرط البائع، إن قال: أبيع عليك هذه السيارة.
الشيخ: نعم.
الطالب: بمئة ألف ريال، على أن أشتريها منك بمئة وعشرين ألف ريال بعد شهر؟

الجزء: 2 - الصفحة: 892

الشيخ: ما يجوز، هذا ربا.
الطالب: ليش؟ وجه الربا؟ الشيخ: لأنه بيأخذه بمئة وبعدين بيقول: بمئة وعشرين.
الطالب: يعني هو يقول: إني أريد أنتفع بهذا المال.
الشيخ: إي.
الطالب: وأعطي هذا السيارة ينتفع بها، ثم أنفعه بالعشرين ألف.
الشيخ: ما يصلح، ما يجوز.
الطالب: يعني نقول: وجه الربا يا شيخ؟ الشيخ: وجه الربا لأنه هو باعها بمئة، وقال: أبغي أشتري منك بمئة وعشرين.
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا، هو يجوز يبيع مئة بمئة وعشرين؟ الطالب: يعني هذه تنطبق عليها الربا.
الشيخ: إي، حيلة.
طالب: شيخ، اشترى رجل صُبْرة من الطعام، وقال المشتري: هذه مئة كيلو، والرجل المشتري هذا عامي لا يعرف الكيلو، لكن الصُّبْرة هذه قدَّرها تكفيه للضيوف، فقال: اشتريت هذه الصُّبْرة، قال المشتري: هذه مئة كيلو.
فلما اشتراها تبينت أنها مئة وعشرين كيلو، فقال البائع: أنا أريد أن آخذ العشرين.
قال إن أخذت العشرين لم تكفِ للضيوف، فهل للمشتري الخيار؟ الشيخ: المذهب: ما له خيار.
الطالب: هو اشتراها على الصُّبْرة هذه، ولا يعرف الكيلو.
الشيخ: إي، ليش إنه يقبل؟ الطالب: يقبل على أنْ وقَّعَ العقدَ على هذه الصُّبْرة.
الشيخ: إي، أنا فاهم، لكن على أنها مئة كيلو.
الطالب: ما له خيار يا شيخ؟ الشيخ: ما له خيار.
الطالب: والعشرين .. الشيخ: لكن ذكرنا نحن أن القول الصحيح أن له الخيار ما دام فات غرضُه، يعني العلة واحدة هي والأرض.
الطالب: ولكن هل يعذر بجهله؟ الشيخ: مَن؟ الطالب: المشتري.
الشيخ: لا، مسألة المعاملات ما يُعذر بالجهل، نعم.
طالب: قلنا: إن البائع إذا اشترط البراءة من كل عيب أنه إذا لم يعلم بالعيوب صحت البراءة، لكن لا يكون فيه غرر؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: ألا يكون فيه غرر على المشتري؟ الشيخ: إي، المشتري يرضى بهذا، المشتري يبغي يُقَدِّر أنها كلها معيبة؛ لأن ما دام اشتُرِط عليه كل عيب مجهول يبغي يُقَدِّر أنها كلها معيبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 893

الطالب: ممكن يضاف على ذلك كل البيوع التي فيها غرر كبيع السمك في الماء مثلًا؟ الشيخ: لا، هذا ما هو في ذات المبيع، هذا في وصف المبيع.
رجل باع شخصًا أرضًا على أنها ألف متر، فتبينت خمس مئة، فما حكم البيع؟ طالب: يصح البيع، إذا كان باعه عموم الأرض؟ الشيخ: إي، قال: هذه الأرض بعتك على أنها ألف متر، تبين أنها خمس مئة.
الطالب: للمشتري أن يأخذ النقص، الخيار للمشتري أن يأخذ النقص.
الشيخ: الآن البيع صحيح ولَّا غير صحيح؟ الطالب: صحيح.
الشيخ: يصح البيع، طيب هل له الخيار؟ الطالب: نعم.
الشيخ: للمشتري؟ مطلقًا؟ الطالب: لا، إذا كان ما يفوته غرضُه فليس له الخيار.
الشيخ: كيف يفوته غرضه؟ الطالب: مثلًا إذا كانت هذه الأرض تكفي للبيت الذي يريد أن يبنيه أو الشيء الذي يريده؛ فإن للبائع أن يعطيه النقص.
الشيخ: ما يقدر البائع، محدود بأراضي.
الطالب: البائع يعطيه من الثمن.
الشيخ: يعني يَسقط من الثمن، إذا قال: أنا قدَّرْت على أنها ألف لأبني عليها بناءً معينًا، والآن هي خمس مئة، لا أريدها إطلاقًا.
الطالب: له الخيار.
الشيخ: له الخيار، ماذا تقولون؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، نعم.
إذا كان عالِمًا، قال: بعتك هذه الأرض على أنها ألف متر، وهو يعلم -أي المشتري- أنها خمس مئة متر.
طالب: نعم.
الشيخ: هل له الخيار؟ طالب: ليس له الخيار.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: دخل على بصيرة.
الشيخ: لأنه دخل على بصيرة، ويؤخذ من قول المؤلف.
الطالب: (ولمن جهِل).
الشيخ: (ولمن جهِله وفات غرضُه الخيار).


باب الخيار

بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله: (باب الخيار) الخيار: اسم مصدر، وفعله: اختار، ولا نقول: إنه مصدر؛ لأن مصدر اختار: اختيارٌ، وكل كلمة تدل على معنى المصدر ولكنها لا تتضمن حروف الفعل فإنها تسمى؟ طالب: اسم مصدر.

الجزء: 2 - الصفحة: 894

الشيخ: اسم مصدر، مثل: (كلام) اسم مصدر للتكليم، (سلام) اسم مصدر للتسليم، (سبحان) اسم مصدر للتسبيح، وهَلُمَّ جَرًّا.
فما هو الخيار؟ الخيار هو: الأخذ بخير الأمرين، يقال: اختار، أي: أخذ بخير الأمرين فيما يرى.
والخيار -هنا-: الأخذ بخير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ، سواء كان للبائع أو للمشتري.
قال: (وهو أقسام): أقسام ثمانية، وحُصِرَتِ الأقسام بثمانية بناءً على التتبع والاستقراء، أي: أن أهل العلم تتبعوا النصوص الواردة في الخيار، فوجدوا أنها لا تخرج عن ثمانية، أو أنهم حصروها في هذا الباب بثمانية وإن كان هناك أشياء فيها الخيار لم تُذكَر في هذا الباب، ومنها آخر مسألة في الفصل الذي قبل هذا، فإنها لم تُذكَر في باب الخيار.
يقول: (الأول: خيار المجلس) المجلس: موضع الجلوس، والمراد به -هنا-: مكان التبايع، حتى لو وقع العقد وهما قائمان، أو وقع العقد وهما مضطجعان، فإن الخيار يكون لهما، ويسمى: خيار مجلس؛ لأن المراد بالمجلس أيش؟ طلبة: مكان التبايع.
الشيخ: مكان التبايع، لا خصوص الجلوس.
قال: (يثبت في البيع)، لمن؟ للبائع والمشتري، ودليل ذلك قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (8)، وقوله: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (9)، هذا واحد.
قال المؤلف: (والصلح بمعناه) يعني: يثبت الخيار في الصلح الذي بمعنى البيع، فالضمير في قوله: (بمعناه) يعود على البيع، يعني الصلح الذي بمعنى البيع.
وذلك أن الصلح قسمان -كما سيأتي في بابه- أحد القسمين: ما كان بمعنى البيع، مثل: أن يُقِرَّ الإنسان لشخص بمئة صاع من البُر، ثم يصالحه -أي الْمُقَرُّ له- على هذه الأصواع بمئة درهم.
هذه مصالحة بمعنى البيع؛ لأنها معاوضة واضحة، فالصلح بمعنى البيع يثبت به الخيار قياسًا على أيش؟ قياسًا على البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 895

كذلك يثبت في الإجارة، (وإجارة)؛ لأن الإجارة بيع منافع.
وهو أَقسامٌ: الأَوَّلُ: (خِيارُ الْمَجْلِسِ) يَثْبُتُ في البيعِ، والصلْحِ بمعناه، وإجارةٍ، والصرْفِ والسَّلَمِ دونَ سائرِ العقودِ، ولكلٍّ من الْمُتبايعينِ الخيارُ ما لم يَتَفَرَّقَا عُرْفًا بأَبْدَانِهما , وإن نَفَيَاهُ أو أَسقطاهُ سَقَطَ، وإن أَسْقَطَه أحدُهما بَقِيَ خيارُ الآخَرِ، وإذا مَضَتْ مُدَّتُه لَزِمَ الْبَيْعُ.
الثاني: أن يَشترطاهُ في الْعَقْدِ مُدَّةً مَعلومةً , ولو طويلةً وابتداؤُها من العَقْدِ، وإذا مَضَتْ مُدَّتُه أو قَطَعَاهُ بَطَلَ ويَثْبُتُ في البيعِ، والصلْحُ بمعناه، والإجارةُ في الذِّمَّةِ أو على مُدَّةٍ لا تَلِي الْعَقْدَ، وإن شَرَطَاهُ لأَحَدِهما دونَ صاحبِه صَحَّ، وإلى الغَدِ أو الليلِ يَسْقُطُ بأَوَّلِه، ولِمَنْ له الْخِيارُ الْفَسْخُ ولو مع غَيْبَةِ الآخَرِ وسَخَطِه، والْمِلْكُ مُدَّةُ الخيارَيْنِ للمُشْتَرِي، بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله: (باب الخيار).
(الخيار) اسم مصدر، وفعله (اختار)، ولا نقول: إنه مصدر؛ لأن مصدر (اختار): اختيار، وكل كلمة تدل على معنى المصدر ولكنها لا تتضمن حروف الفعل فإنها تُسَمَّى اسم مصدر، مثل: (كلام) اسم مصدر لتكليم، (سلام) اسم مصدر لتسليم، (سبحان) اسم مصدر لتسبيح، وهلم جرًّا.
فما هو الخيار؟ الخيار هو الأخذ بخير الأمرين، يقال: اختار، أي: أخذ بخير الأمرين فيما يرى.
والخيار هنا: الأخذ بخير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ، سواء كان للبائع أو للمشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 896

قال: (وهو أقسام) أقسام ثمانية، وحُصِرَت الأقسام بثمانية بناءً على التتبع والاستقراء، أي أن أهل العلم تتبعوا النصوص الواردة في الخيار، فوجدوا أنها لا تخرج عن ثمانية، أو أنهم حصروها في هذا الباب بثمانية، وإن كان هناك أشياء فيها الخيار لم تُذكَر في هذا الباب، ومنها آخر مسألة في الفصل الذي قبل هذا، فإنها لم تُذكر في باب الخيار.
يقول: (الأول: خيار المجلس) (المجلس) موضع الجلوس، والمراد به هنا: مكان التبايع، حتى لو وقع العقد وهما قائمان، أو وقع العقد وهما مضطجعان، فإن الخيار يكون لهما ويسمى خيار مجلس؛ لأن المراد بالمجلس أيش؟ مكان التبايع، لا خصوص الجلوس.
قال: (يثبُت في البيع) لمن؟ للبائع والمشتري.
ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (1)، وقوله: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (2). هذا واحد.
قال المؤلف: (والصلح بمعناه)، يعني: يثبت الخيار في الصلح الذي بمعنى البيع، فالضمير في قوله: (بمعناه) يعود على البيع، يعني: الصلح الذي بمعنى البيع.
وذلك أن الصلح قسمان كما سيأتي في بابه، أحد القسمين: ما كان بمعنى البيع، مثل: أن يُقِرَّ الإنسان لشخص بمئة صاع من البُر، ثم يصالحه -أي المقَرُّ له- على هذه الأصواع بمئة درهم، هذه مصالحة بمعنى البيع؛ لأنها معاوضة واضحة، فالصلح بمعنى البيع يثبت به الخيار قياسًا على أيش؟ قياسًا على البيع.
وكذلك يثبت في الإجارة (وإجارةٍ)؛ لأن الإجارة بيع منافع، فالرجل إذا آجَرَ آخَرَ بيتًا سنة بمئة فقد باع عليه منافع هذا البيت.
يثبت أيضًا في الصرف؛ لأن الصرف بيع، لكنه بيع خاص بالنقود؛ يعني: بيع ذهب بفضة هذا صرف، بيع ذهب بحديد ليس بصرف.

الجزء: 2 - الصفحة: 897

والعلماء رحمهم الله خصوا الصرف بباب وبأحكام؛ لأنه يختلف عن غيره من أنواع المبيعات، فلذلك نصوا عليه بخصوصه، وإلا فهو من البيع.
السلَم يثبُت به خيار المجلس.
فما هو السلم؟ السلم أن يُسلِم الإنسان إلى البائع دراهم مع تأجيل السلعة، مثل أن يقول الرجل للفلَّاح: أريد أن أشتري منك ثمرًا بعد سنة أو سنتين بألف درهم، وهذه الألف درهم.
هذا يُسمى سلمًا، ويسمى سلفًا، وكلاهما صحيح.
أما تسميته سلمًا؛ فلأن المشتري أسلم الثمن، وأما تسميته سلفًا؛ فلأنه قدَّم، والسلف بمعنى المقدَّم، ومنه قولنا: السلف الصالح؛ لأنهم متقدِّمون.
قال المؤلف: (دون سائر العقود)، مثل: الرهن، الوقف، الهبة، المساقاة، الحوالة، العتق، وما أشبه ذلك، هذه ليس فيها خيار؛ وذلك لأن هذه العقود لا تخلو من حالين: إما أن تكون من العقود الجائزة، فهذه جوازها يغني عن قولنا: إن فيها الخيار؛ لأن العقد الجائز يجوز فسخه حتى بعد التفرق.
هذه العقود اللي ما فيها خيار لا تخلو من حالين: إما أنها من العقود الجائزة، والعقود الجائزة لا تحتاج إلى خيار؛ لأن العقد الجائز متى شاء العاقدُ فَسَخَه، سواء في مجلس العقد أو بعده.
وإما أن تكون من العقود النافذة التي لقوة نفوذها لا يمكن أن يكون فيها خيار، مثل العتق والوقف.
طيب، نأخذ أمثلة هذا: المساقاة: قيل: إنها عقد جائز، وعلى هذا لا خيار فيها؛ لأن المساقِي والمساقَى كلٌّ منهما له أن يفسخ.
أتعرفون المساقاة؟ المساقاة: أن يدفع الإنسان بستانه لشخص فلَّاح عامل، يقول: خذ هذا اعمل عليه ولك نصف ثمره.
هذه يقول العلماء على المشهور من المذهب: إنها عقد جائز، فللعامل أن يفسخ، ولصاحب البستان أن يفسخ.
إذن لا حاجة أن نقول: له خيار مجلس؛ لأن الخيار ثابت، سواء كانوا في مجلس العقد أو بعده.
الرهن: عقدٌ لازم من أحد الطرفين، وجائز من أحد الطرفين، فمَنْ له الحق فهو في حقه جائز، ومن عليه الحق فهو في حقه لازم.

الجزء: 2 - الصفحة: 898

مثاله: استقرضتُ من شخص مالًا، فطلب مني رهنًا، فأعطيته كتابًا.
هذا الرهن من قِبَلي أنا لازم، ومن قِبَل صاحب الحق جائز؛ لأن له أن يفسخ الرهن، ويقول: خذ كتابك، ويبقى الدين في ذمتي دينًا مرسلًا.
العتق: لو أعتق الإنسان عبده، ثم في مجلس العتق هَوَّن، فسخ، ما تقولون؟ لا يصح؛ لقوة نفوذه.
ومثله الوقف؛ لأن الوقف أخرجه الإنسان لله فلا خيار فيه، ومنه الهبة إذا قُبضت لا خيار فيها؛ لأنها ليست عقد معاوضة.
إذن يثبت خيار المجلس لكلٍّ من البائع والمشتري.
يقول المؤلف رحمه الله: (ولكل من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا عُرْفًا بأبدانهما).
لكل منهما الخيار ما لم يتفرَّقا، والدليل حديث ابن عمر: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (2)، فإن تفرَّقا فلا خيار، ولكن بماذا يكون التفرق؟ هل هو محدود شرعًا؟ يقول العلماء: إنه محدود عُرفًا؛ لأن الشرع لم يحدِّدْه، وكل شيء يأتي به الشرع من غير تحديد فإنه يُرجع فيه إلى العرف، كما قال الناظم: وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ

ولهذا قال المؤلف: (ما لم يتفرقا عرفًا بأبدانهما).

الجزء: 2 - الصفحة: 899

وإنما قال رحمه الله: (بأبدانهما) دفعًا لقول من قال: إن المراد بالتفرق التفرق بأقوالهما، وأن معنى الحديث: لكل واحد من المتبايعين الخيار ما لم يقع القبول من المشتري، فإن وقع القبول من المشتري فقد تفرقا بأقوالهما ولا خيار.
لكن هذا القول ضعيف؛ لأنه لا يمكن يتم البيع إلا بالتفرق بالأقوال، فالبيع لا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول، ومتى تم القبول قلنا: الآن وقع العقد، والحديث يقول: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ»، ولا حقيقة لتبايعهما حتى يحصل أيش؟ الإيجاب والقبول.
فهذا القول ضعيف، لكننا أشرنا إليه؛ لأن المؤلف نص عليه، نص على قوله: (بأبدانهما) احترازًا من القول بأن المراد بالتفرق التفرق بالأقوال، وهذا ضعيف.
كيف التفرق عرفًا؟ ننظر، إذا كانا يمشيان من الجامع إلى المعهد العلمي، فباعه عند الجامع، وجعلا يمشيان إلى المعهد العلمي، وهذا المشي يستغرق كم؟ طالب: نصف ساعة.
الشيخ: لا، ما يستغرق نصف ساعة.
طالب: ثلث ساعة.
الشيخ: ثلث ساعة يمكن، على الأكثر، والناس يختلفون في المشي.
هذان الرجلان إذا كانا يمشيان ويتحدثان، إي نعم، يمكن يكون نصف ساعة، وإن كانا يسرعان فأقل.
فهل لهما الخيار حتى يتفرقا عند المعهد؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لهما ذلك، ما داما يمشيان جميعًا مصطحبين فلهما الخيار.
فإذا دخلا أحدهما المعهد والآخر راح في شغله حصل التفرق.
إذا كانا في حجرة تبايعا، ثم خرج أحدهما من الحجرة إلى الحمام لقضاء الحاجة، فهل تفرقا؟ طالب: لا.
طالب آخر: نعم.
طالب آخر: ينظر.
الشيخ: تفرقا، كيف ما تفرقا؟ تفرقا.
طالب: ( ... ). الشيخ: لو رجع، إذا رجع المجلس الأول انتهى، فهذان قد تفرقا.

الجزء: 2 - الصفحة: 900

إذا كانا في الطيارة متجهَينِ إلى محل بعيد مقداره ثلاث عشرة ساعة، في الطائرة، وتبايعا عند إقلاعها، ولا تهبط إلا بعد ثلاث عشرة ساعة.
كم تكون مدة الخيار؟ ثلاث عشرة ساعة، له الخيار، ما داما لم يتفرقا.
لكن حل هذه المشكلة: أن يتبايعا على أن لا خيار، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (2)، ومعنى ذلك أن يُسْقِطَا الخيار، يتبايعان على أن لا خيار.
شوف، والله الآن المدة ستطول، وأنت إلى جنبي في الكرسي، ولكن ترى لا خيار بيننا؟ قال: لا بأس.
إذن بمجرد الإيجاب والقبول أيش؟ يلزم البيع ولا خيار.
فإن لم يَنفياه في العقد، بعد مُضي عشر دقائق، قال: يا فلان، خلينا نقطع الخيار؛ لأنه خاف أن صاحبه يفسخ، قال: لعلنا نقطع الخيار، فقطعاه، يصح؟ يصح؛ لأن الحق لهما وقد أسقطاه، فإن أبى أحدهما لم يصح، لكن هل يسقط خيار الآخر الذي قال: سنسقط الخيار؟ الحديث: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ»، فإن خيَّر أحدهما الآخر، يعني: جعل الخيار له وحده، سقط خيار الذي أسقط خياره.
والظاهر أن طلب إسقاط الخيار ليس إسقاطًا للخيار.
أليس كذلك؟ هذا هو الظاهر.
وهنا مسألة: لو أنه خاف أن يفسخ البيع، فهل يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله؟ طالب: نعم، يجوز.
طالب آخر: لا.
الشيخ: اختلفتما على قولين، في مفارقته المكان إسقاط لحق أخيه الذي جعله الشرع له، فيكون هذا كالتحيُّل على إسقاط الشفعة بوقف الشقص المبيع أو ما أشبه ذلك.
على كل حال هو تحيُّل على إسقاط حق أخيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 901

فإن قال قائل: الحديث عام «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» ولا فيه التفصيل، قلنا: المراد التفرق الذي لم يقصد به إسقاط حق الآخر، فإن قصد به إسقاط حق الآخر فالأعمال بالنيات، ولهذا جاء في الحديث: «وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» (3). وتعليلها واضح، ففيها دليل وفيها تعليل.
قال المؤلف: (وإن نفياه)، كيف قال: (نفياه) من حيث التصريف، ولم يقل: نَفَواهُ؟ طالب: يائي.
الشيخ: يائي؟ أليس يقال: نفَوْا، كذا؟ طالب: واوي.
طالب آخر: نَفَوْا، واو الجماعة.
طالب: يائي، يا شيخ.
الشيخ: طيب، الآن السؤال عام: أليس يقال: (نَفَوْا كذا) بالواو؟ طالب: بلى.
الشيخ: كيف تقول: يائي؟ الطالب: ويقال: (يَنْفي).
الشيخ: ويقال: (يَنْفِي)، ويقال: (نَفَوْا).
الطالب: أصله (نَفَى).
الشيخ: أصله (نَفَى)، و (نَفَوا)؟ الطالب: (نَفَوا) اتصاله بواو الجماعة.
الشيخ: أحسنت، الواو هنا ليست واو الفعل، ولكنها واو الجماعة، ضمير.
على كل حال (إن نفياه) التعبير صحيح.
(إن نفياه) أي: نفيا الخيار.
وكيفية النفي أن يتبايعا على أن لا خيار بينهما، قال: شوف أنا بأبيع عليك لكن ترى ما بيننا خيار، قال: لا بأس، أقبل.
فالخيار يسقط ويقع العقد لازمًا بمجرد الإيجاب والقبول، أي: بمجرد أن يقول: بعتك.
فيقول: قبلت، ما فيه الخيار.
(أو أسقطاه سقط) أسقطاه متى؟ بعد العقد، يعني بعد أن تم العقد ومضى دقيقة أو دقيقتان أو عشر دقائق اتفقا على إسقاط الخيار، فإنه يسقط؛ التعليل؟ لأن الحق لهما، فإذا رضيا بإسقاطه سقط.
فإن قال قائل: إن هذا الشرط يُحرِّم ما أحلَّ الله؛ لأن الله أحلَّ لكل منهما الفسخ، فإذا شرطا أن لا خيار أو أسقطاه فهذا تحريم ما أحل الله.
قلنا: هذا التحريم ليس لحق الله، بل لحق الآدمي.
وحق الآدمي الأمرُ فيه إليه، فإذا أسقطاه أو نفياه مع العقد، إن أسقطاه بعد العقد أو نفياه مع العقد فلا بأس.

الجزء: 2 - الصفحة: 902

طالب: بعض المحلات يكتب ورقة أن البضاعة المباعة لا تُرد، فإذا كان المشتري لا يعرف أن يقرأ، أو يعرف ولكنه غفل عنها واشترى، فهل يثبت له الخيار؟ الشيخ: هو -بارك الله فيك- لا يرد؛ هم يقولون: لا يرد بعد استلامه.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو وأنت بالمكان.
الطالب: نعم، يعني هو اشتراها وخرج من المحل.
الشيخ: إي نعم، هذه تنبني على مسألة سبقت، وهي؟ طالب: ( ... ). الشيخ: شرط البراءة من العيب.
طالب: إن كان عالمًا.
الشيخ: هذه إذا وجد فيها العيب على المذهب ما له رد، على المذهب ليس له رد، والصحيح أنه إذا كان البائع عالمًا فله الرد.
طالب: وإن كانت سليمة من العيوب؟ الشيخ: إن كانت سليمة ما له يرد.
هو بعد التفرق ليس له أن يردها سواء شرط أو لم يُشرط.
طالب: كان فيه صورة لا يوجد فيها مجلس عقد؛ البيع بالكمبيوتر، وهو أن يكون يعني مثلًا يعطيه السهم ببيعه بالكمبيوتر، فيتم الشراء عبر جهاز الكمبيوتر لشخص آخر لا يعرفه يكون حدد نفس السعر فيتفقا، خصوصًا أن هذا السعر مع هذا السعر مضروب مع السعر المعروف لبيع هذا السهم ويتم هذا بدون أي علم.
الشيخ: ويش هو يتم؟ الطالب: بدون أن يعلم.
الشيخ: بدون علم؟ الطالب: نعم.
الشيخ: كيف؟ ويش لونه؟ الطالب: يعني: ما فيه مجلس عقد لهذه الصورة، يعني مثلًا يكون فيه سهم يباع في الكمبيوتر.
الشيخ: سهم يعني؟ الطالب: سهم من الأسهم.
الشيخ: طيب، زين.
الطالب: فهذا السهم يدخل إلى الكمبيوتر على أساس أنه يرغب البائع ببيعه مثلًا بمئة ريال.
الشيخ: وليكن أنت.
الطالب: طيب، وليكن أنا وشخص آخر يكون موجود في .. الشيخ: أنا بأشتريه منك.
الطالب: نعم، تكون موجودًا مثلًا في القصيم وأنا موجود في الرياض.
الشيخ: زين.
الطالب: فأُدخِل اسمك في الكمبيوتر أنك تريد يعني نفس هذا السهم بمئة ريال.
الشيخ: بدون علمي؟ الطالب: لا، أنت تعرف ( ... ). الشيخ: يعني مثلًا قلت لصاحب الكمبيوتر: ضع اسمي بدل يوسف؟

الجزء: 2 - الصفحة: 903

الطالب: لا، أنت تقول: أريد أن أشتري سهمًا من الشركة الفلانية بملغ مئة ريال، وأنا صدفة أكون قلت: إني أريد أن أبيعه بمئة ريال، فتلتقيا هاتان الرغبتان في الكمبيوتر وتتم فورًا.
الشيخ: والكمبيوتر يدلي عن رغبتنا؟ ! ! الطالب: يعني: يسمون البيع، يعني: فيه ناس سياسيين على الشاشات.
الشيخ: إي، أحسنت، يعني فيه مدبرين له، إي.
الطالب: لكن هنا ما فيه مجلس عقد يا شيخ.
الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟ طالب: صحيح.
الشيخ: هذه ذكرها العلماء، قالوا: إذا تَوَلَّى طرفَي العقد فمتى يكون الخيار؟ يقولون: ليس فيه خيار إذا تَوَلَّى طرفي العقد؛ لأنا لو قلنا: إنه له الخيار بقي البيع جائزًا؛ لأنه هو ما يمكن يفارق نفسه.
مثال تولي طرفي العقد: وكلتك أن تشتري لي الروض المربع ووكلك آخرُ أن تبيعه له، فقلت: اشتريت الروض المربع من فلان لفلان.
فهنا تولَّى طرفي العقد، ولهذا عندنا في الشرح المفيد قال: (يستثنى من البيع الكتابة وتولي طرفي العقد).
ولكن يظهر أنه لا يُسْتَثنى، وأن طرفي العقد فيه الخيار، ويكون المدار على مفارقة هذا الرجل للمكان الذي أمضى فيه البيع، يعني: مثلًا هو بنفسه –الوكيل- قال: اشتريت هذا الكتاب لفلان من فلان، ثم قام مشى راح، الآن لزم البيع، فالكمبيوتر مثله، الكمبيوتر يجعل مثل ذلك.
طالب: إذا فارق الكمبيوتر؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني الكمبيوتر هو ( ... ). الشيخ: لا، إذا فارق اللي أمضى، اللي يدبر الكمبيوتر هذا واللي أمضى العقد.
طالب: فارق من؟ الشيخ: إذا فارق المكان.
الطالب: من الذي فارق؟ الشيخ: هذا الوكيل؛ لأن القائم على الكمبيوتر وكيل للبائع وللمشتري.
الطالب: إذا فارق مكانه.
الشيخ: مكانه ( ... ).


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الجزء: 2 - الصفحة: 904

قال رحمه الله تعالى: وإن نَفَياه أو أَسْقطاه سَقَط، وإن أسقطَهُ أحدُهما بقي خيارُ الآخر، وإذا مضتْ مدتُه لَزم البيعُ.
الثاني: أن يشترطاه في العَقْد مُدةً معلومةً ولو طويلةً، وابتداؤُها من العقد، وإذا مضت مدتُه، أو قَطَعاه بَطَلَ، ويَثبتُ في البيع -والصلحُ بمعناه- والإجارةُ في الذمة، أو على مدةٍ لا تلي العَقْدَ، وإن شَرَطاه لأحدِهما دون صاحِبه صحَّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا ثبوت خيار المجلس للمتبايعين ودليله وبيان الحكمة منه، فما هو دليله؟ طالب: دليله حديث ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ تَفَرَّقَا فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (4). الشيخ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ»؟ طالب: «فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ».
الشيخ: احفظ المتن.
طالب: حديث ابن عمر رضي الله عنه: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا».
الشيخ: نعم، «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ»؟ الطالب: نعم، «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
الشيخ: «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
الطالب: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
الشيخ: «وَإِنْ تَفَرَّقَا».
الطالب: باقٍ؟ الشيخ: أو إلى آخره، ما فيه مانع.
طالب: «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
الشيخ: ما الحكمة من خيار المجلس؟ طالب: إعطاء كل واحد من البائع والمشتري فرصة للتفكير ليَنظر هل الأصلح له الإقدام على .. الشيخ: الإمضاء أو الفسخ.
الطالب: الإمضاء أو الفسخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 905

الشيخ: نعم؛ لأن الإنسان قد يُقدم على السلعة شفقة أول ما يقدم، ثم بعد أن تباع تزول رغبته عنها، وهذا شيء مجرب؛ أن الشيء الذي ليس بيد الإنسان يجد الإنسان عليه شفقة وحبًّا له، فإذا أدركه وتمكن منه ربما تزول الرغبة.


قوله: (وإن نَفياه أو أَسْقطاه سَقَط، وإن أسقطَهُ أحدُهما بقي خيارُ الآخر) يعني: إذا تم العقد وقال أحدهما: أسقطتُ خياري، أو طلب منه الآخر أن يسقط خياره فأسقطه بقي خيار صاحبه.
ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر: «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (4)، فدل ذلك على أنه يصح أن يسقط أحدهما الخيار عنه لصاحبه.
(وإذا مضت مدته لزم البيع) لو قال المؤلف رحمه الله: (وإذا تفرَّقا لزم البيع) لكان أولى؛ لموافقة الحديث لقوله: «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ»، فالأولى في التعبير أن يقول: وإذا تفرقا لزم البيع.
وقوله: (لزم البيع)، أي: وقع لازمًا، ليس لأحدهما فسخه إلا بسبب.
وهذه المسألة مجمع عليها، ومستند الإجماع قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ»، واللزوم هنا من الطرفين؛ يعني: يلزم من جهة المشتري ومن جهة البائع، وبهذا عرفنا أن البيع من العقود اللازمة؛ لأن العقود ثلاثة أقسام: لازمة من الطرفين، وجائزة منهما، ولازمة من أحدهما دون الآخر.
فاللازمة من الطرفين مثل البيع والإجارة، والجائزة من الطرفين كالوكالة، والجائزة من طرف واحد كالرهن، هو جائز من قبل المرتهِن لازم من قبل الراهن؛ لأن الراهن لا يمكنه أن يفسخ الرهن، أما المرتهن فله أن يفسخه.
ثم قال: (الثاني) أي: من أقسام الخيار (أن يشترطاه)، وليعرب لنا العقيلي هذه الجملة (الثاني أن يشترطاه)؟ طالب: (الثاني) مبتدأ ( ... ) صفة لموصوف محذوف.

الجزء: 2 - الصفحة: 906

الشيخ: ويش التقدير؟ الطالب: اسم الفاعل.
الشيخ: لا يحتاج أن نقول: صفة لموصوف محذوف؛ لأنه يحذف الموصوف وتقوم الصفة مقامه، فنقول كما قلت أولًا: (الثاني) مبتدأ .. الطالب: جملة (أن يشترطاه) في محل خبر.
الشيخ: في محل خبر.
الطالب: خبر لأنها ( ... ). الشيخ: جملة (أن يشترطاه) في محل أيش؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إذن (أن يشترطاه) (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر المبتدأ، فنفهم من هذا، من قول المؤلف: (والثاني أن يشترطاه) أن هذا القسم خيار شرط، أي: الأصل عدمه إلا إذا اشتُرط؛ لأن إضافته إلى الشرط من باب إضافة الشيء إلى سببه، فهذا خيار الشرط.
(أن يشترطاه) الفاعل (المتبايعان)، والمفعول به الهاء، يعني: تعود على الخيار.
(أن يشترطاه في العَقْد مُدةً معلومةً) وقوله: (في العقد) في للظرفية، فيقتضي أن يكون هذا الشرط في نفس العقد، أي: في صلب العقد، وليس قبله وليس بعده.
لكن تقييد ذلك في صلب العقد فيه نظر، وهو قول من الأقوال.
والقول الثاني: أنه يصح في صلب العقد وفي زمن الخيارين.
والثالث: أنه يصح قبل العقد وفي صلب العقد وفي زمن الخيارين؛ لأن الحق لمن؟ لهما، فإذا اشترطاه ورضي كل واحد منهما بذلك فلا بأس، لو قال: أنا أشتري منك البيت لكن اجعل لي الخيار مدة شهر، فقال: لا بأس، ما فيه مانع، ثم قال: بعتك البيت بمئة ألف، فقال: قبلت.
فهنا يصح الشرط؛ لأنه حقٌّ لهما وقد اتفقا عليه.
وهذا مثل ما سبق لنا في الشروط في البيع.
إذن قول المؤلف: (في العقد)، يقتضي أنه لا يصح شرطه قبل العقد ولا بعد العقد، وظاهره ولو في زمن خيار المجلس أو الشرط.

الجزء: 2 - الصفحة: 907

ولكن الصحيح ما سمعتم؛ أنه يصح قبل العقد ومع العقد وبعد العقد، لكن في زمن الخيار، إما خيار الشرط وإما خيار المجلس.
لكن كيف خيار الشرط؟ خيار الشرط يُدخِل شرطًا على آخر، مثل أن يقول: اشتريت منك هذا البيت ولي الخيار ثلاثة أيام، قال: نعم، فلما صار اليوم الثالث قال: أريد أن أمدِّد الخيار إلى ستة أيام، فقال: لا بأس، له ذلك؛ لأن العقد لم يلزم الآن، لأنه لا يلزم إلا بعد انتهاء مدة الخيار.
قال: (مدة معلومة ولو طويلة) قوله: (مدة معلومة)، علم من هذا أنه لا بد أن تكون المدة معلومة، بأن يقول: إلى دخول شهر رجب، هذه معلومة إلى وقت الحصاد، إذا كان حصاد معلومَ المدة يصح على القول الراجح، والمذهب أنه لا يصح؛ لأن الحصاد يختلف، من الناس من يحصد مبكرًا، ومنهم من يحصد متأخرًا، والصواب أنه يصح، إلى قدوم زيد؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ الطلبة: مجهول.
الشيخ: لأنه مجهول، فإن كان زيد قد قرر القدوم في يوم الجمعة التالي، فإنه لا يصح؛ وذلك لأنه قد يعتريه مانع ولا يقدم في هذا اليوم.
وقوله: (مدة معلومة ولو طويلة)، يعني: لو فرض أنه جعل خيار الشرط لمدة شهر أو سنة أو سنتين فلا بأس.
وظاهر كلام المؤلف: حتى فيما يفسد قبل تمام المدة، مثل أن يشتري منه بطيخًا وقال: لي الخيار لمدة أسبوع، كيف هذا؟ طالب: ما يصح.
الشيخ: يبقى البطيخ؟ طالب: ( ... ). الشيخ: يصح، فإذا خيف فساده بيع، ثم إن أُمْضِي البيع فالقيمة للمشتري، وإن فسخ البيع فالقيمة للبائع ويرجع المشتري بثمنه.
هكذا قالوا.
ولكن لو قيل: إنه إذا شُرط الخيار في شيء يفسد قبل تمام المدة، لو قيل: إنه لا يصح لكان له وجه، لماذا؟ لأنه إذا بيع فإن كانت القيمة أكثر فسوف يختار؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: فسوف يختار المشتري الإمضاء، وإن كانت أقل فسوف يختار الفسخ، وحينئذ يكون ضررًا على أحد الطرفين.

الجزء: 2 - الصفحة: 908

ثم قال المؤلف: (وابتداؤها من العقد) (ابتداؤها) يعني: ابتداء مدة الخيار (من العقد)؛ لأنها شُرِطت في العقد فيكون ابتداؤها من العقد، فإذا عُقد في تمام الساعة الثانية عشرة عند زوال الشمس، وجُعل الخيار يومًا، انتهاؤه متى؟ إذا جاءت الساعة الثانية عشرة من اليوم التالي.
ألا يقال: ابتداؤها من التفرق؛ لأن ما قبل التفرق ثابت بالشرع لا بالشرط؟ الخيار الذي قبل التفرق ثابت بالشرع لا بالشرط؟ فيقال: بل من العقد؛ لأنه لا يمنع أن يتوارد سببان على شيء واحد، فيكون هذا -أي ما بين العقد والتفرق يكون- ثابتًا بالشرع وأيش؟ والشرط، ولا مانع.
نعم إن قال: لي الخيار ثلاثة أيام بعد التفرق فحينئذٍ يكون ابتداؤه من التفرق.
على أنه لو قال قائل: إنه إذا قال لي ثلاثة أيام من التفرق لم يصح، لو قال قائل: إنه لا يصح؛ لأن التفرق أمده مجهول، فيكون الأمد الذي قُيِّد ابتداؤه به مجهولًا، لكن مثل هذا يُتسامح فيه؛ لأن الغالب أن التفرق يكون قريبًا.
يقول: (ابتداؤها من العقد).
أرأيتم لو شُرِطَ الخيار بعد العقد بساعة وهما في مكان البيع، فهل تبتدئ المدة من العقد أو من حين اشتُرط؟ نقول: من حين اشتُرط، لكن المؤلف قال: (من العقد)؛ لأنه يرى أن خيار الشرط إنما يكون في صلب العقد، ولهذا قال: (ابتداؤها من العقد).
(وابتداؤها من العقد، وَإِذَا مَضَتْ مُدَّتُهُ) أي: مدة الخيار خيار الشرط، (أو قطعاه بطل).
قوله: (إذا مضت مدته .. بطل)؛ لأن (بطل) هذه جواب الشرط للمسألتين كلتيهما؛ يعني: المسألة الأولى (إذا تمت مدته)، والثانية (إذا قطعاه)، ولا يصح أن نقول فيما إذا مضت مدته: إنه بطل؛ لأنه تمت المدة ومضت على أنها صحيحة، ولو قال: إذا مضت مدته لزم البيع وإن قطعاه بطل، لكان أحسن؛ لأن بطلانه بعد تمامه لا وجه له، لكن قد يُعتذر عن المؤلف رحمه الله بأنه أراد بذلك الاختصار.

الجزء: 2 - الصفحة: 909

كذلك أيضًا لو قطعاه؛ يعني: في أثناء المدة اتفقا على إلغاء الشرط، يعني إلغاء الخيار، فإن ذلك صحيح؛ لأن الحق لهما، مثل أن يقول: اشتريت منك هذا الشيء ولي الخيار لمدة شهر، وفي أثناء الشهر قالا: نريد إلغاء هذا الشرط، حتى يكون لنا التصرف تصرفًا كاملًا فلا بأس.
والمثال واضح، يعني: بعت هذا البيت على رجل بمئة ألف والخيار لمدة شهر، بعد مضي نصف الشهر جاء إليَّ المشتري، وقال: نريد أن نقطع الخيار حتى أتصرف، -يقول المشتري: بما شئت- وأنت أيضًا تتصرف بالثمن، فوافق البائع؛ فإنه يلغو ويبطل، ووجه ذلك أن الحق لهما، فإذا أسقطاه سقط ولا محذور في إسقاطه.
قال: (ويثبت في البيع) وسبق أن خيار المجلس يثبت أيضًا في البيع، ويثبت أيضًا في (الصلح بمعناه).
وقد سبق أيضًا معنى (الصلح بمعناه)، وهو الصلح على إقرار، مثل أن يُقِر له بعين أو بدَين، ثم يصالحه على بعضه أو على عين أخرى، أو ما أشبه ذلك؛ فهذا صلح بمعنى البيع.
قال: (والإجارة في الذمة أو على مدة لا تلي العقد).
(الإجارة في الذمة) بأن يؤجره على خياطة ثوب، يقول: خُطْ لي هذا الثوب بعشرة ريالات.
هذه إجارة في الذمة، على عمل في الذمة.
فقال: نعم، لكن لي الخيار لمدة يومين.
فالشرط صحيح؛ لأنه لا محظور فيه؛ إذ إن هذا إجارة على أيش؟ على عمل، والعمل يثبت في الذمة.
أما إذا كان (على مدة) بأن قال: أجَّرتك هذا البيت بمئة ريال سنةً من الآن.
فها المدة نقول: فيها تفصيل؛ إن كانت تلي العقد فإن خيار الشرط فيها لا يصح، وإن كانت لا تلي العقد فإنه يصح.
إذا كانت الإجارة على عمل جاز فيها خيار الشرط؛ مثاله: استأجره على أن يخيط له ثوبًا، استأجره على أن يحمل له متاعًا إلى مكان معين، له الخيار، يجوز أن يشترط فيه الخيار-يعني خيار شرط- لمدة يوم أو يومين ولا ضرر في ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 910

إذا كان على مدة ففيه تفصيل؛ إن كانت المدة تلي العقد لم يصح فيها خيار الشرط، وإن كانت لا تلي العقد صح فيها خيار الشرط.
مفهوم؟ ما هو مفهوم، الإجارة على عمل فهمتموها ولَّا ما فهمتموها؟ قال: أريد أن تبني لي هذا البيت، أريد أن تحمل لي هذا المتاع، أريد أن تخيط لي هذا الثوب، أريد أن تغسل لي هذا الثوب، مثلًا.
طالب: ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: هذا جائز، يقول: اتفقنا على هذا على أنه لي الخيار لمدة يوم أو يومين.
ما فيه مانع؛ لأنه ليس فيها ضرر ولا تفوت المنفعة ولا فيها محذور إطلاقًا.
إذا كان على مدة نظرنا؛ إن كانت المدة تلي العقد؛ يعني: من العقد، فخيار الشرط فيها لا يصح، وإن كانت لا تلي العقد جاز خيار الشرط بشرط أن ينتهي أمده قبل ابتداء المدة.
قال: أجَّرتك هذا البيت مدة سنة بمئة ريال.
ابتداء المدة من العقد، ما دامت لم تُحَدَّد فابتداء المدة من العقد.
قال: لا بأس لكن لي الخيار لمدة عشرة أيام.
ما تقولون في هذا؟ طلبة: لا يصح الشرط.
الشيخ: هذا لا يصح فيه الشرط، لا يصح الشرط، وسيأتي التعليل، بس المهم نفهم الحكم أولًا.
مثال آخر: قال: أجَّرتك بيتي هذا لمدة سنة بمئة ريال، على أن تبتدئ المدة في أول يوم من رجب، والخيار بيننا إلى خمسٍ وعشرين من شهر جمادى الثانية، ونحن الآن الليلة الثانية عشرة، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: لماذا؟ لأن ابتداء مدة الإجارة بعد انتهاء مدة الخيار، بعد انتهاء مدة خيار الشرط، وليس فيها ضرر.
عندنا الآن ثلاثة أمثلة: المثال الأول على عمل، والمثال الثاني على مدة من العقد، والمثال الثالث على مدة لا تلي العقد.
المثال الأول على عمل، مثاله؟ طالب: مثل أن يقول له: أجَّرتك، أو بيني وبينك إجارة بأن تحمل لي حطبًا.
الشيخ: تحمل لي الحطب إلى بيتي، أجَّرتك أن تحمل لي الحطب إلى بيتي، قال: لا بأس، وتم العقد على أن له الخيار لمدة يوم أو يومين، يصح ولّا ما يصح؟ الطالب: يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 911

الشيخ: يصح، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يصح؛ لأن هذا على عمل.
على مدة تلي العقد؛ يعني: ابتداؤها من العقد؟ إن كان قال له: أجَّرتك بيتي بمئة ريال من اليوم، وقال: ولي الخيار لمدة عشرة أيام.
هذا لا يجوز.
لا يجوز.
تمام.
إذن لأن المدة -مدة الإجارة- من العقد.
المثال الثالث على مدة لا تلي العقد؟ طالب: أجَّرتك هذا البيت ( ... ). الشيخ: أجَّرتك هذا البيت سنة.
الطالب: من مبتدأ الشهر وأن يكون ( ... ). الشيخ: يصح؟ سمعتم كلامه؟ يقول: أجَّرتك هذا البيت سنة تبتدئ بعد شهر، على أن لي الخيار لمدة عشرة أيام.
يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن المدة ما تبدأ إلا بعد انتهاء مدة الخيار.
إن قال: أجَّرتك سنة تبتدئ بعد عشرة أيام ولي الخيار لمدة خمسة عشر يومًا، يصح أو لا؟ الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، صح؛ لأن خيار الشرط لا ينتهي إلا بعد ابتداء المدة، فماذا نصنع إذا دخل وقت الإجارة أو مدة الإجارة وهو في الخيار.
إذا قال قائل: ما هو السبب؟ لماذا لا يصح خيار الشرط في إجارة تبتدئ من العقد؟ قلنا: لأن هذا المستأجَر إما أن ينتفع به المستأجِر، وإذا انتفع به فما فائدة خيار الشرط؟ وإما ألَّا ينتفع فيبقى معطلًا، فيكون في هذا إضاعة مال، لا ينتفع به المستأجِر ولا المُؤْجِر، هذا هو التعليل؛ ولهذا لما كان هذا التعليل عليلًا، صار الصحيح أنه يجوز اشتراط الخيار، ولو على مدة تلي العقد، أو ولو في خيار لا ينتهي إلا بعد بدء المدة التي لا تلي العقد -اللهم افتح- معلوم ولَّا غير معلوم؟ الطلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 912

الشيخ: أجَّرتك مدة سنة بمئة ريال، ابتداؤها من اليوم، قال: نعم، لكن لي الخيار لمدة شهر.
على كلام المؤلف لا يصح؛ لأنه مدة تلي العقد، لكن على القول الراجح يصح.
المستأجر يسكن، يقول: اسكن، توكل على الله، العقد تم، اسكن.
سكن، بعد مضي عشرين يومًا فَسَخَ الإجارة، نقول: لا بأس، افسخ الإجارة.
طيب المدة عشرون يومًا؟ نقول: عليك أجرة المثل.
طيب، الآن لم يفت شيء لا على المستأجر ولا على المؤجر، وهذه قد تدعو الحاجة إليها، قد تدعو الحاجة إلى أن يستأجر هذا البيت لمدة سنة بكذا وكذا ويقول لي: أخرها لمدة شهر، يعني فيه احتمال البيت الآن يُعمر، ربما ( ... ) قبل الشهر، فما المانع؟ فالصواب أنه يصح خيار الشرط ولو على مدة تلي العقد أو على مدة تبتدئ قبل انتهاء وقت خيار الشرط، وإذا فسخ مَنْ له الخيار فإن المدة التي سكنها تقدَّر عليه بأجرة المثل.
إذن هل يثبت خيار الشرط في الإجارة؟ نقول: هذه لها أقسام أو أصناف: الأول: أن تكون الإجارة على عمل، فماذا تقول؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز.
الثاني: أن تكون على مدة تلي العقد، يعني: ابتداؤها من العقد، يجوز؟ طالب: ابتداء العقد لا يجوز.
طالب آخر: على المذهب لا يجوز، والقول الراجح أنه يجوز.
الشيخ: خلونا نجيب على المذهب قبله علشان نعرف اللي مشى عليه المؤلف ثم ننظر.
على مدة لا تلي العقد وتنتهي مدة الخيار قبل ابتداء مدة الإجارة؟ طالب: جائز.
الشيخ: جائز، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: على مدة لا تلي العقد، لكن فيها خيار شرط لا ينتهي إلَّا بعد دخول مدة الإجارة؟ طالب: لا ينتهي إلى بعد دخول مدة الإجارة؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: هذا على المذهب لا يجوز.
الشيخ: لا يصح، تمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 913

طيب، إذن الآن نرجع إلى القول الراجح: القول الراجح أنه يجوز شرط الخيار في الإجارة على عمل أو على مدة تلي العقد أو على مدة لا تلي العقد، فإن كان على عمل فالأمر واضح، إذا كان على مدة لا تلي العقد وأمد الخيار ينتهي قبل دخول مدة الإجارة فالأمر أيضًا واضح ولا فيه إشكال، إذا كان على مدة تلي العقد أو على مدة تبتدئ قبل انتهاء مدة الخيار فهنا على المذهب لا يصح، والصحيح أنه يصح، ونقول: إن استمرا في العقد بدون فسخ ثبت في ذمته ما تم العقد عليه من الأجرة، وإن فسخ في مدة الخيار أُلْزِم بأجرة المثل في المدة التي سكن.
يقول رحمه الله: (أو على مدة لا تلي العقد).
سكت المؤلف عن أشياء مرت في خيار المجلس ولم يذكرها، مثل؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا.
طالب: الصرف.
الشيخ: الصرف، ذكر أنها تثبت في البيع ولم يذكر أنها تثبت في الصرف هنا.
لماذا؟ قالوا: لأنه يُشترط في الصرف التقابض قبل التفرق، فشرط الخيار ينافي ذلك، ولكن الصحيح ثبوته في الصرف، ونقول: اقبضا قبل التفرق ويبقى بأيديكما على حسب ما اشترطتما، فإما أن تُمضيا البيع وإما أن تفسخاه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (5)، وقوله: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (6).


طالب: عندي إشكال في مسألة العربون؟ الشيخ: العربون راح وخليناه من زمان.
الطالب: بارك الله فيك، قلنا يا شيخ بأنه ( ... ) ثم قال: إنما أعطيته لما رجع في البيع أو في الشراء إنما أعطيته العربون هذا لربط كلام فقط.
الشيخ: ويش ربط كلام؟ الطالب: يعني: تكلمت معه حتى يمسك علي البضاعة هذه أو السيارة هذه لا يبيعها لغيري، ثم السيارة ( ... ). الشيخ: ماذا تقولون في هذا؟ طالب: ما سمعنا يا شيخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 914

الشيخ: يقول: هو أشكل عليه مسألة العربون، يقول: اشتريت سيارة وأعطيت إنسانًا عربون ألف ريال، ثم إن السيارة ما جادت لي فرددتها عليه، أقول: أعطني ألف الريال اللي أعطيتك، ليش يبقى له؟ ونحن نقول: إن هذا صحيح، وعندنا في ذلك أثر ونظر، لكن أخونا لعله فاته الأثر وفاته النظر.
ما هو الأثر؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، الأثر عن عمر (7)، أنه فعل ذلك أو أجازه.
النظر؟ طالب: وكذلك برضاه يا شيخ.
الشيخ: هه؟ الطالب: الرضا ( ... ). الشيخ: لا يكفي الرضا بارك الله فيك؛ لأن الرضا حتى الربا يتراضون.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... ) تأخير بيع السلعة؛ لأنه قد يدخل في تأخير بيعها؛ يعني: رفض المشتري لاشترائها ( ... ). الشيخ: نعم، أن هذا من مصلحة الطرفين، هو من مصلحة الطرفين؛ أولًا: المشتري إذا تيسر له أن يفسخ البيع، هو لو كان إمضاء البيع خيرًا له لأمضاه، لكن يرى أن فسخ البيع خير له، فهو يرى أنه خير له، وكذلك البائع خير له أن يأخذ العربون لأن السلعة سوف تنقص، إذا تحدث الناس قالوا: والله هذا فلان اشتراها وردها، وردها مع أنه أعطى فيها عربونًا كثيرًا.
قالوا: إذن معناه أنها غير صالحة إطلاقًا، ففيه أثر ونظر.
طالب: شيخ، نحن عرفنا فيما مضى أنهما إذا تبايعا مثلًا في الأرض وكانا في المجلس وقام أحدهما إلى دورة المياه فإن الخيار يعتبر خيار مجلس، انقطع، وأنهما إذا كانا في طائرة وطالت المدة فإنه لا ينقطع الخيار؛ خيار المجلس، لكن يقال: في الطائرة مثلًا دورة مياه، فلو دخل أحدهما إلى دورة المياه الموجودة في الطائرة ألا يكون هذا قطعًا للـ .. ؟ الشيخ: بلى، مثل دورة المياه في البيت.
طالب: صورة خيار الشرط في الصلح.
الشيخ: الصلح بمعنى البيع.
الطالب: نعم، لكن كيف مثاله؟ مثال ذلك يا شيخ؟ الشيخ: يقول مثلًا: صالحتك على ما في ذمتك من المال بكذا وكذا ولي الخيار لمدة يومين ثلاثة.
الطالب: الخيار على ماذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 915

الشيخ: على أني أمضي الصلح أو أُبقي حقي على ما هو عليه.
الطالب: أو قال بالسابق.
الشيخ: إي نعم، أقول: حقي السابق على ما هو عليه.
طالب: لماذا نقول هنا ( ... )؟ الشيخ: لأنه لما فسخ العقد ارتفع العقد من أصله، فلما ارتفع يعود إلى ( ... ). الطالب: والتقسيط ما ( ... ). الشيخ: ( ... )؛ لأنه لو قسطت معناه أني ألزمته بالعقد.
طالب: يا شيخ –بارك الله فيك- إذا علق -فيما قلتم- إذا علقها على الصوامع مثلما يفعلون الآن، أكثر المتبايعين يعلقه يقول: إذا صرفت الصوامع أعطيك.
البيع جائز أو لا؟ الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ طالب: ما فيه صوامع اليوم.
الشيخ: يقول: إذا أجل الثمن، ما هو خيار الشرط، هو يتكلم عن تأجيل الثمن، إذا أجَّله إلى أن يقبض من الصوامع.
طالب: مجهول.
طالب آخر: القبض معلوم ولّا؟ طالب آخر: مجهول، يا شيخ.
طالب آخر: صحيح.
الشيخ: هذا مجهول.
طالب: مجهول؟ الشيخ: أقول: هذا مجهول، فهمت؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: لكن إذا كان فقيرًا ليس عنده ما يوفي به وأجَّله إلى الصوامع فهذا صحيح؛ وذلك لأن الفقير لا يمكن مطالبته حتى يجد؛ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، فإذا كان البائع يعلم أن هذا الرجل فقير وأنه أجَّل إلى أن يستلم من الصوامع لفقره وعدم قدرته على الوفاء، صار ذلك جائزًا على القول الراجح الذي بيناه لكم فيما سبق.
طالب: ما تكون المسألة هذه يا شيخ مثل مسألة تأجيل السلم أو ضرب وقت السلم بحصاده أو الجذاذ؟ الشيخ: أيهما؟ مسألة القبض؟ الطالب: إي.
الشيخ: لا، الحصاد والجذاذ معلوم، بمعنى أنه يعرفون مثلًا في الشهر الفلاني يكون، لكن القبض من الحكومة يمكن يبقى سنتين ثلاثة أربعة.
( ... ) طالب: يا شيخ –بارك الله فيك- مسألة البيع من الصوامع أشكلت علينا؛ لأنه يا شيخ المزارع الآن معه سند بالقيمة وصرفِها من قبل الحكومة، فهو يؤجل إلى حين الصرف، مع أن الصرف شبه مؤكد.
الشيخ: شبه مؤكد؟

الجزء: 2 - الصفحة: 916

الطالب: نعم يا شيخ؛ لأنه معه يا شيخ ورقة مصروفة وموقعة من المالية، فما الذي يعني ... ؟ الشيخ: يا أخي فيه ناس الآن لهم سنتان ثلاثة ما صرف لهم.
الطالب: لكن يا شيخ المال له إلى الآن؟ الشيخ: لا، ما يصح، إلا مثل ما قلت: إذا كان فقيرًا فهو على أساس أنه معسر ويجب إنظاره.
طالب: لو أنيطت مدة الإجارة نهايتُها بحصاد زرع معلوم ( ... ) فتعطل هذا الحصاد لسبب أو لآخر، فما نهاية هذا الأجر، المدة ... ؟ الشيخ: هو أصله لو تعطل هذا الحصاد عند هذا الرجل ما تعطل عند غيره، ثم الحصاد ليس يُقيَّد بحصاد فلان؛ وقت الحصاد.
طالب: لو استأجره على أن يخيط له ثوبه وله الخيار لمدة يومين، الخياطة تكون خلال يومين أو بعد نهاية اليومين؟ الشيخ: لا، بعده، أصلًا ما يمكن يخيط حتى تتم المدة أو يفسخ.
طالب: ندفع ريالات في البنك ثم نأخذ شيكًا ونصرفه دولارات.
الشيخ: ما يصلح.
طالب: أموال كثيرة مثلًا، ( ... ). الشيخ: ما يخالف، يُحَوَّل على أنه دراهم سعودية.
الطالب: يمنع.
الشيخ: يمنع! إذا كان ممنوعًا، فحينئذ ربما يتسامح فيه لأن الناس ما يمكنهم.
طالب: ما وضحت الصورة، أيش لون يا شيخ ما يجوز؟ ما وضحت هذه؟ الشيخ: ما هو بواضح الجواب؟ طالب: ( ... ). طالب: يا شيخ، نحن قلنا على أساس أنه يعني جواز البيع فيما ينقطع به السعر ماذا لو قال شخص: بعت عليك شيئًا ثانيًا إذا وصل سعره إلى كذا، وهذا السعر يمكن ما يصل إلا بعد ستة أشهر ولّا كذا أو ربما ما يصل ( ... ) مزايدة؟ الشيخ: لا، ما يصلح، البيع يصلح في الحاضر الآن، أما لو قال: بما ينقطع به السعر بعد ستة أشهر، ما هو معلوم.
الطالب: أو ستة أيام.
الشيخ: المهم إذا كان بعد مدة يمكن أن يتغير بها السعر تغيرًا ظاهرًا ما يصح.


جزاه الله خيرًا، هذا جاء بالحديث.
طالب: لكن الحديث مش من الجريدة، الحديث مأخوذ، مصور تصويرًا.
الشيخ: كيف؟ الطالب: الحديث مش من الجريدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 917

الشيخ: هذا يقول: ابن الحباب الجمحي والغلابي والمازني والزريقي قالوا: حدثنا القعني عن شعبة عن منصور عن ربعي عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (8). قيل: به معنيان.
المعنى الأول: إذا لم تفعل شيئًا يُستحيى منه فاصنع ما شئت، وأما ما يُستحيى منه فلا تصنعه.
والقول الثاني: إذا كنتَ منزوعَ الحياء فاصنع ما شئت.
والمعنى أن الذي يصنع ما شاء بدون أن يرجع إلى عقل أو شرع؛ هذا ليس عنده حياء.
طالب: ( ... ) الأمرين؟ الشيخ: كلاهما صحيح، ألَّا تفعل شيئًا يُستحيى منه، والإنسان الذي كل ما شاء ليس عنده حياء.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الخيار

ويَثبتُ في البيع -والصلحُ بمعناه- والإجارةُ في الذمة، أو على مدةٍ لا تلي العَقْدَ، وإن شَرَطاه لأحدِهما دون صاحِبه صحَّ، وإلى الغدِ أو الليلِ يَسقطُ بأَوَّلِهِ، ولمن له الخيارُ الفسخُ، ولو مع غَيْبةِ الآخَر وسخطِه، والْمُلْك مدَّةَ الخيارَيْنِ للمشتري، وله نماؤُه المنفصلُ وكَسْبُه، ويَحْرُم ولا يصحُّ تصرفُ أحدِهما في المبيع وعوضِه المعيَّن فيها بغير إذْنِ الآخَرِ بغير تَجْرِبة المبيع، إلا عَتْق المشتري.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل خيار الشرط صحيح أو لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» (4) نص الحديث، حديث ابن عمر.
الشيخ: طيب، هذا خيار المجلس.
الطالب: إي نعم، «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ».
الشيخ: كيف وجه الدلالة من هذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 918

الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ» دليل على جواز اشتراط الخيار، وعندها يكون هو ثابت بالنص ( ... ). الشيخ: لما قال: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ» دلَّ على أنه إذا خَيَّر أحدهما الآخر بعد التفرق يصح، وهذا هو خيار الشرط.
دليل آخر؟ طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (6). الشيخ: وجه الدلالة؟ الطالب: وجه الدلالة أن هذا الشرط لا يعارض ( ... ). الشيخ: ما الدليل أنه لا يعارض؟ الطالب: حديث عمرو بن عوف المزني: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (5). الشيخ: هل في القرآن ما يدل على ذلك؟ طالب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
الشيخ: نعم، والأمر بالوفاء بالعقود يشمل الوفاء بأصلها وبوصفها وهو ما شُرط فيها.
هل يجوز شرط الخيار إلى مدة طويلة؟ طالب: نعم، إذا جددا العقد قبل انتهاء ( ... ). الشيخ: كيف جددا العقد؟ اشترطا الخيار إلى مدة طويلة.
الطالب: إي نعم، يعني قبل الانتهاء إذا قال يعني: خيرتك ثلاثة أيام، قبل انتهاء الثلاثة أيام ... الشيخ: مدة طويلة، ثلاثة أشهر.
الطالب: نعم، قبل انتهاء مدة التخيير أو الخيار ممكن يجددون.
الشيخ: أجب، قل: نعم أو لا، بس.
الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: يصح إلى مدة طويلة.
إذا كان الشيء لا يبقى هذه المدة كالبطيخ.
الطالب: ما يصح، يفسد.
طالب: يصح يا شيخ، لكن ينباع ويدفع القيمة.
الشيخ: صحيح، يباع وتحفظ القيمة ثم إن اختار فسخ البيع رجع بما دفع من الثمن، وإن اختار الإبقاء أخذ القيمة.
ما معنى قوله: (أو على مدة لا تلي العقد)؛ أنه يثبت في الإجارة على مدة لا تلي العقد؟ طالب: أي أنه إذا جعل الخيار في المدة ...

الجزء: 2 - الصفحة: 919

الشيخ: ويش معناها؟ (أو على مدة لا تلي العقد).
الطالب: إذا جعل الخيار.
الشيخ: لا.
الطالب: مثلًا إذا باع سلعة.
الشيخ: ما هي بيع، إجارة.
الطالب: نعم، إذا أجَّر مثلًا بيتًا واشترط أن له الخيار مثلًا مدة معينة، فيقول: تصح إذا كانت المدة التي تنفد فيها الإجارة لا في العقد.
الشيخ: طيب، مثاله؟ الطالب: مثاله إذا قال مثلًا له: أجَّرتك بيتي ولي الخيار ثلاثة أشهر على أن تنفد مدة الإجارة.
الشيخ: أجَّرتك بيتي سنة، ابتداؤها من دخول رمضان عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، على أن لي الخيار إلى شعبان.
يجوز؟ الطالب: إذا كانت قبل ( ... ). الشيخ: أجَّرتك بيتي سنة ابتداء من أول يوم من رمضان على أن لي الخيار إلى أول يوم من شعبان.
أيش تقول؟ الطالب: نعم، صحيح.
الشيخ: هذه المسألة تصح؟ الطالب: إي نعم يا شيخ، مدة لا تلي العقد.
الشيخ: لأنه على مدة لا تلي العقد.
توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، إذا كان على مدة تلي العقد؟ طالب: على المذهب لا يجوز، والقول الراجح ... الشيخ: مثاله؟ الطالب: قال مثلًا: أجَّرتك بيتي لمدة سنة كاملة بمئة ريال .. الشيخ: ابتداؤها من الآن.
الطالب: ابتداؤها من الآن، ولكن لي الخيار ( ... )، فعلى المذهب لا يجوز، والصحيح أنه جائز.
الشيخ: طيب، ما العلة أنه لا يجوز؟ الطالب: أنها تلي العقد.
الشيخ: إي، هذا الحكم.
العلة؟ ليش ما تصح؟ طالب: ( ... ). الشيخ: تفويت المنفعة في هذه المدة.
الطالب: نعم، تعطيل المنفعة.
الشيخ: أو تعطيلها؛ لأنه إما أن تُعطل حيث إن الإجارة لم تتم وفيها الخيار، وإما أن يستوفيها قبل تمام الإجارة ولزومها.
كأن أخانا الذي أجاب أولًا يشير إلى خلاف في المسألة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إي، هو قال على المذهب، وعلى القول الراجح يقول: إنه يجوز.
الطالب: أي مثال؟ أنا ما فهمت بعد، المثال الذي هو قال، أي مثال؟ ما هي المسألة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 920

الشيخ: الإجارة على مدة تلي العقد قال: إن الصحيح أنه يجوز فيها خلاف الشرط.
الطالب: إي نعم، هذا اللي رجحناه.
الشيخ: أنا ما أسأل مَن رجح.
الطالب: نعم فيه ( ... ). الشيخ: على هذا التقدير إذا اختار فسخ الإجارة وقد مضى مدة الشهر مثلًا.
الطالب: عليه أجرة المثل.
الشيخ: ينفسخ العقد؟ الطالب: ينفسخ العقد، وعليه أجرة المثل.
الشيخ: ألا يمكن أن نقول: عليه من الأجرة في قسط الشهر؟ الطالب: على حسب يا شيخ العقد.
الشيخ: العقد قلنا: متى أجره ستة أشهر كل شهر بمئة، وله الخيار لمدة شهر.
الطالب: على حسب ما ( ... ). الشيخ: طيب، لما مضى النصف شهر قال: هونت، فهل يُعطى عن نصف الشهر أجرة المثل أو يعطى نسبته من الأجرة؟ يعني: جزء من اثني عشر جزءًا.
الطالب: يعطى حصته.
الشيخ: يعطى حصته؟ الطالب: إي نعم.
طالب: يا شيخ، في هذه المسألة نقول: إنه إذا ( ... ). الشيخ: هذا رأيك الذي أنت قلته البارحة، الدرس الأول.
الطالب: أنه إذا قلنا: إنه يُقَسط عليه العوض ففي هذه الحال نحن اعتبرنا العقد وأنفذناه، إذا قَسَّطنا عليه العوض من قيمة الإجارة.
الشيخ: يعني يكون فسخ العقد من حين اختيار الفسخ؟ الطالب: نعم.
الشيخ: وإذا قلنا: إن الفسخ يرفع العقد من أصله؟ الطالب: فلا يُقسَّط العوض.
الشيخ: فلا يقسط وله أجرة المثل.
والمسألة خلافية.
هل يصح خيار الشرط فيما يُشترط فيه التقابض قبل التفرق؟ طالب: ( ... ). طالب: الصحيح أنه يصح ويتقابضا، ثم بعد ذلك ( ... ) يتقابضا قبل التفرق.
الشيخ: الصحيح والصحة، بل اختار شيخ الإسلام رحمه الله أن الخيار جارٍ في جميع العقود حتى النكاح، يرى أنه يجوز فيه الخيار.


قال: (وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه صحَّ).
(إن شرطاه) أي: المتبايعان (لأحدهما) أي: للبائع أو المشتري، (دون صاحبه صح)، وسقط خيار الآخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 921

ويدل لذلك ما سبق من أدلة جواز خيار الشرط مثل قوله: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (5)، ويدل عليه أيضًا حديث ابن عمر: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ» (2)، فما دام الحق لهما، وشرطاه لأحدهما دون الآخر فهو صحيح، وإن لم يشترطاه لأحدهما، ولا لهما، فما الحكم؟ ينفذ البيع، فلا خيار.
ثم قال: (وإلى الغد أو الليل يسقُط بأوله) يعني قال: لي الخيار إلى الغد، لي الخيار إلى الليل، (يسقط بأوله)؛ لماذا؟ لأن الغاية ابتداؤها داخل وانتهاؤها غير داخل، فإذا قال: (إلى الغد) لم يدخل الغد، ينتهي الخيار بطلوع الفجر.
(إلى الليل) لا يدخل الليل، ينتهي الخيار بغروب الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. وقال بعض العلماء: يُرجع في ذلك إلى العرف، فإذا قال: إلى الغد، فيمكن أن يحمل على ابتداء السوق، وابتداء الأسواق في الغالب لا يكون من أذان الفجر؛ يكون من ارتفاع الشمس وخروج الناس إلى الأسواق.
وهذا هو الصحيح، الصحيح أنه يُرجع إلى العرف، فإذا كان عُرف التجار أنهم إذا قالوا: (إلى الغد)، يعني: إلى افتتاح السوق، فالأمد إلى افتتاح السوق، نعم إذا لم يكن هناك عرف أو كان العرف غير مطَّرد نرجع إلى اللغة، واللغة: الغد يبتدئ مِن؟ طالب: من أول الليل؟ الشيخ: من طلوع الفجر، ما هو من أول الليل، من طلوع الفجر.
(إلى الليل) إلى غروب الشمس، فإن قُدِّر أن هناك عرفًا يجتمع التجار فيه بعد العشاء، ويرون أن الآجال المؤجلة بالليل، يعني: جلسة ما بعد العشاء فإنه يتقيَّد به، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها: أن المرجع فيما يتداوله الناس من الكلام والأفعال إلى العُرف، فإن لم يكن عُرفٌ أو كان العرف مضطربًا، رجعنا إلى اللغة، ما لم يكن للشيء حقيقة شرعية، فإن كان للشيء حقيقة شرعية، فهي مقدمة على كل الحقائق.
(ولمن له الخيار الفسخ ولو مع غيبة الآخر وسخطه).

الجزء: 2 - الصفحة: 922

يعني: الذي له الخيار سواء كان البائع أو المشتري أو هما، له الفسخ، سواء كان بحضور الآخر أو غيبته أو رضاه أو كراهته؛ لأن الحق له، فإذا تبايعا هذه الدار وجعلا الخيار لهما لمدة عشرة أيام، ثم إن أحدهما فسَخ، قال الآخر: أنا ما أرضى، أنا لي الخيار أيضًا، قال: وأنا لي الخيار، وفسخت.
قال الثاني: أنا لم أفسخ ولا أرضى بذلك.
فما الحكم؟ ينفسخ، ولو لم يرض الثاني.
هل يشترط علم الآخر بالفسخ؟ لا؛ لأن القاعدة الفقهية: أن مَن لا يُشترط رضاه لا يشترط علمه، وهذه قاعدة: كل من لا يشترط رضاه لا يشترط علمه.
ولهذا يجوز للرجل أن يطلق زوجته وإن لم تعلم؛ لأنه لا يُشترَط رضاها، وإذا لم يشترط رضاها، فلا فائدة من اشتراط العلم.
يقول رحمه الله: (ولو مع غيبة الآخر وسخطه).
التعليل؟ تعليلان؛ لأن الحق له، والتعليل الثاني: لأنه لا يشترط علم صاحبه فلا يشترط رضاه.
ولهذا يجوز أن يفسخ ولو مع غيبة صاحبه.
لكن هنا ينبغي أن يقال: يُشهِد على الفسخ، لئلا يقع النزاع بينهما، بين البائع والمشتري، فيحصل في ذلك فتنة وعداوة وبغضاء.
ثم قال رحمه الله: (والملك مدة الخيارين للمشتري).
(الملك)، ملك أيش؟ ملك المبيع، و (مدة الخيارين)، (الخيارين) يعني بهما: خيار المجلس، وخيار الشرط، (للمشتري)، وإن لم تتم مدة الخيار، هو للمشتري، له غنمه وعليه غرمه؛ ولهذا لو تلف ولو بدون تعدٍّ أو تفريط، فالضمان عليه، على من؟ على المشتري؛ لأنه ملكه، والدليل على هذا أمران: أثري ونظري.

الجزء: 2 - الصفحة: 923

أما الأثري: فقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (9)، فقوله: «مَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»، يعني: من حين العقد؛ لأن البيع يتم بمجرد الإيجاب والقبول، «إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» فيكون لمن؟ للمبتاع الذي هو المشتري؛ لأن أصله، أي: أصل هذا المال -وهو العبد- ملك للمشتري بمجرد العقد.
هذا هو الدليل، وعرفتم أن الدلالة فيه خفية جدًّا، ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة: هل الملك مدة الخيارين للبائع أو للمشتري أو في ذلك تفصيل؟ فقيل: إنه للبائع؛ لأن البيع لم يلزم بعد؛ إذ إنه لا يلزم حتى أيش؟ تتم المدة قبل الفسخ، وعلى هذا فيكون الملك للبائع.
وقيل: إنه منتظَر، فإن تبين الإمضاء فهو للمشتري، وإن فُسخ فهو للبائع.
وهذا القول من حيث النظر قويٌّ، لكن قد يقال: إن الحديث مقدَّم على النظر، وهو أن الملك يثبت بمجرد البيع والشراء؛ يعني: بمجرد الإيجاب والقبول، فهذا هو الدليل الأثري.
أما الدليل النظري: فلأن هذا المبيع لو تلف لكان مِن ضمان من؟ من ضمان المشتري، وإذا كان من ضمانه فكيف نجعل عليه الغرم، ولا نجعل له الغنم؟ ! فالصحيح ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أن الملك من حين تمام القبول بعد الإيجاب يكون للمشتري.
بقي علينا أن نقول: لمن النماء؟ النماء ينقسم إلى قسمين: متصل ومنفصل؛ فالنماء المنفصل للمشتري، والنماء المتصل للبائع؛ مثال ذلك: اشترى شاة بمئة درهم.
وله نَماؤُه الْمُنْفَصِلُ وكَسْبُه، ويَحْرُمُ ولا يَصِحُّ تَصَرُّفُ أحَدِهما في الْمَبيعِ وعِوَضِه الْمُعَيَّنِ فيها بغيرِ إذْنِ الآخَرِ بغيرِ تَجرِبَةِ الْمَبيعِ إلا عِتْقُ الْمُشْتَرِي، وتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فَسْخٌ لخِيارِه، ومَن ماتَ منهما بَطَلَ خِيارُه.
الثالثُ: إذا غُبِنَ في الْمَبيعِ غَبْنًا يَخْرُجُ عن العادةِ،

الجزء: 2 - الصفحة: 924

الملك من حين تمام القبول بعد الإيجاب يكون للمشتري.
بقي علينا أن نقول: لمن النماء؟ النماء ينقسم إلى قسمين: متصل، ومنفصل، فالنماء المنفصل للمشتري، والنماء المتصل للبائع.
مثال ذلك: اشترى شاةً بمئة درهم، واشترط الخيار لمدة شهر، هذه الشاة فيها لبن، يأخذ منها كل ليلة ما شاء الله من اللبن، فلمن اللبن؛ أللبائع أم للمشتري؟ اللبن للمشتري؛ لأنه نماء منفصل.
هذه الشاة سمنت وصار فيها لحم وشحم، فلمن هذا الشحم واللحم؟ للبائع؛ لأنه نماء متصل لا يمكن تخليصه من الأصل، فيكون تبعًا له، ويثبت في التابع ما لا يثبت في المستقل.
وقوله: (المنفصل وكسبه) (كسبه) كيف كسبه؟ إذا قُدِّر أن المبيع عَبْدٌ واشترط المشتري الخيار لمدة أسبوع، وفي هذا الأسبوع كسب العبدُ؛ صار حركيًّا يبيع ويشتري ويعمل، يكدح فكسب، كسب في مدة الأسبوع -مثلًا- ألف درهم، فلمن الألف؟ للمشتري؛ لأن الكسب نماء منفصل.
هذا العبد اشتراه وهو هزيل؛ لأنه يأكل وجبةً ويُحْرَم من وجبة عند بائعه، فلم يكن عليه لحم ولا وجه منير، جاء عند المشتري ووجد الرغد؛ ثريدًا وفاكهة وما شاء الله من الأكل وراحة بال، فانتفخ في خلال أسبوع، لمن هذا النماء؟ طلبة: للبائع.
الشيخ: يا إخواني، منين جاء يا جماعة؟ طالب: للمشتري.
الشيخ: من كد المشتري -بارك الله فيكم- هذا يقول: للمشتري، أنت فاهم؟ لمن؟ طالب: للبائع.
الشيخ: للبائع؛ لأنه تابع ولا يمكن فصله عن الأصل، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وعن الإمام أحمد رواية أن النماء المتصل لمن حصل في ملكه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: هذا حصل من عمل المشتري الذي هو في ملكه، والخراج بالضمان؛ يعني: مَن عليه ضمان شيء فله خراجه، والنماء المتصل قد يكون أهم من المنفصل، فيكون للمشتري.
وإذا كان للمشتري فكيف العمل إذا فسخ البيع؟ طلبة: يُقَوَّم.

الجزء: 2 - الصفحة: 925

الشيخ: يُقوَّم حين العقد وهو هزيل مصفر الوجه، يمشي خطوة ويقف خطوة، وحين فُسخ البيع وهو نشيط أحمر أزهر سمين، الفرق نصف القيمة، تكون نصف القيمة لمن؟ للمشتري، لكن مشكلتنا إذا قال البائع: أنا لا أقبل أن تحملني شيئًا، خذ نماءك، نفعل كما فعل سليمان نقول: هات السكين، ولَّا ماذا نعمل؟ نقول: لا بد، يلزمه، إي نعم.
طالب: أحسن الله إليكم، في مسألة: من باع عبدًا له مال، قلنا بأن المال نماء منفصل، فيكون للمشتري، لكن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (1)، والبيع لم يتم حتى الآن، فما كسبه العبد قبل انتهاء مدة الخيار وفسخ البيع فهو للذي باعه دون المشتري؟ الشيخ: هذا ما فيه الخيار، هذا ليس فيه الخيار، الحديث ليس في الذي فيه خيار، وهذا المال قد كسبه العبد قبل أن يبيعه البائع.
الطالب: صحيح -يا شيخ- أحسن الله إليك، لكن ما يمكن الصورة الثانية تدخل؟ الشيخ: لا.
الطالب: ما ينفع.
الشيخ: لأن هذا الكسب كسبه بعد عقد البيع.
طالب: إذا علل الشرط -يا شيخ- مثلًا قال: أبيعك هذه السلعة، ولي الخيار عشرة أيام؛ لأني قد أحتاجها، ثم ما احتاج السلعة، ولكن ارتفع سعرها؛ يعني بدلًا من مئة صارت ألفًا، هل يجوز له الرجوع؟ الشيخ: إي نعم، ما لم يعلم أن البائع وافقه على ذلك من أجل الحاجة، فهنا يحتاج إلى إذنه.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- قلنا: إن الإجارة التي تلي العقد أنها تجوز، وإذا اختار الفسخ فإنه ( ... )؟ الشيخ: لا، عليه أجرة المثل.
الطالب: عليه أجرة المثل.
الشيخ: نعم.
الطالب: طيب يا شيخ، لو كان هذا القول مصلحة ( ... ) فلو جلس -مثلًا- شهرًا في مدة الخيار ( ... ). الشيخ: طيب، إذا قلنا بأجرة المثل، أجرتها في هذا الموسم ممكن تقابل أجرتها كل السنة.
الطالب: نعم يا شيخ، لكن -مثلًا- ما .. الشيخ: أنت فهمت الحين كلامي؟ الطالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 926

الشيخ: يعني -مثلًا- قدرنا أنها بيت في مكة، وأنا لا أرى جواز الإيجار في مكة، لكن على رأي من يرى جوازها أجَّره سنة على أن له الخيار لمدة شهرين، ثم إنه عند دخول شهر المحرم اختار الفسخ، نقول له: اجعل عليه أجرة المثل، أجرة المثل للشهرين هذه تقابل أجرة السنة كلها، كما هو معروف في مكة.
طالب: عفا الله عنك، في مسألة العبد اللي مرت علينا ( ... )؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: الثمن الذي ( ... )؟ الشيخ: إي نعم، يجي في الإبل وفي البقر وفي الغنم.
الطالب: ولكن يا شيخ ( ... ) اللي فاسخ المشتري يقول: هذا ما ارتضاه ( ... ) عند المشتري واللي فسخ العقد البائع؟ الشيخ: كله واحد، سواء هذا أو هذا.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: اللي تعب المشتري.
الطالب: المشتري.
الشيخ: طيب؛ ولهذا نقول: النماء له، يثمنه على البايع.
الطالب: ولكن ( ... ). الشيخ: لا، نقول: يسامحه، ما يمكن.
طالب: ( ... ) إذا علل بأنه محتاج ( ... ) للحاجة.
الشيخ: أخاف أن أحتاجه.
الطالب: نعم، ولكن الحاجة منتفية، انتفت الحاجة مدة الخيار، ولكنه فسخ لغلاء السعر أو لعلة غير العلة .. ؟ الشيخ: لا، هو الغالب أن المشتري يفسخ إذا رخص السعر.
الطالب: أو رخص السعر، لكن لعلة غير العلة اللي ذكرت.
الشيخ: طيب.
الطالب: قلنا: إنه يصح .. الشيخ: ما لم نعلم أن البائع إنما وافقه لأجل سد حاجته.
الطالب: وإذا وافقه لأجل سد حاجته؟ الشيخ: ما يفسخ إلا لها.
الطالب: إلا؟ الشيخ: إلا لها، نقول: إذا انتفت الحاجة فلا خيار لك.
ياسر المولد: لم يتضح لي وجه دلالة حديث ابن عمر: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ» (2) على ما قاله المؤلف: إن الملك مدة الخيار للمشتري، ما ظهر له، من الذي ظهر له؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ما نقول: خفية ولَّا بينة، بس من الذي ظهر له؟ طالب: أن الملك يتم بمجرد العقد.
الشيخ: إي، لكن ما وجه دلالته من الحديث؟ الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 927

طالب آخر: لأنه دخل ماله في ملكه بالشرط ( ... )، وبهذا تبين أن العقد داخل بملكه المجرد.
الشيخ: تمام، واضح؟ طالب: ما سمعنا يا شيخ.
الشيخ: يقول: إن الرسول قال: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (2)، كونه ما يدخل المال للمشتري إلا بشرطه يدل على أن العبد قد دخل ملكه بدون شرط بمجرد العقد.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وله نماؤُه المنفصلُ وكَسْبُه، ويَحْرُم ولا يصحُّ تصرفِ أحدِهما.
الشيخ: (تصرفُ).
الطالب: (تصرفُ أحدِهما).
الشيخ: لماذا قلنا (تصرفُ)؟ الطالب: فاعل.
الشيخ: فاعل، والفاعل يكون مرفوعًا.
طالب: تصرفُ أحدِهما في المبيع وعوضِه المعيَّن فيها بغير إذْن.
الشيخ: حَرِّك النون، بارك الله فيك.
الطالب: وعوضِه المعيَّنِ فيها بغير إذْنِ الآخَرِ بغير تجربة المبيع، إلا عَتْقَ المشتري.
وتصرفُ المشتري فسخٌ لخيارِه.
ومن مات منهما بَطَلَ خيارُه.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا جُعِلَت مدة الخيار إلى الغد فمتى تنتهي؟ طالب: عند طلوع الفجر.
الشيخ: بدون استثناء؟ الطالب: بدون استثناء، على كلام المؤلف: إذا طلع الفجر تنتهي المدة، ولكن قلنا: القول الراجح أنه يرجع إلى عرف الناس.
الشيخ: نعم، فإذا كان عرف الناس أن الغد معناه فتح السوق والبيع والشراء جُعل إلى ذلك، تمام.
رجل له الخيار ففسخ بغير رضا صاحبه؟ طالب: يصح.
الشيخ: يفسخ بغير رضا صاحبه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: بيِّن التعليل في هذا والقياس؟ الطالب: التعليل: لأنه ما لا يُشْتَرط رضاه لا يشترط علمه.
الشيخ: والحق؟ الطالب: والحق له.
الشيخ: والقياس؟ طالب: القياس هو ما لا يُشْتَرط علمه لا يُشْتَرط .. الشيخ: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 928

الطالب: أما من حيث التعليل فهو أن الحق له.
طالب آخر: قياسًا على الطلاق.
الشيخ: قياسًا على الطلاق؛ فطلاق المرأة بيد الزوج، فإذا طلقها وقالت: أنا ما أرضى، تطلق رضيت أم لم ترضَ.
يقول العلماء: من لا يُشْتَرط رضاه لا يُشْتَرط علمه، ويش معنى هذه؟ طالب: أي أن من لا يشترط رضاه لا يشترط علمه، واضح.
الشيخ: عجيب! طالب: الطرف الآخر إذا كان لا يُشْتَرط رضاه فلا يُشْتَرط علمه بالطرف الأول.
الشيخ: إي نعم، كل إنسان لا يُشْتَرط رضاه لا يشترط علمه؛ يعني: إذ إن علمه وعدمه سواء.
طالب: لأنه لا يُشْتَرط رضاه.
الشيخ: لأنه لا يُشْتَرط رضاه، سواء علم أم لم يعلم، حتى لو علم ماذا نستفيد؟ ما نستفيد شيئًا؛ لأنه سوف ينفَّذ العقد أو الفسخ رضي أم لم يرض.
ما الفرق بين النماء المتصل والمنفصل؟ طالب: النماء المتصل ( ... ) للبائع.
الشيخ: لا، ما الفرق بينهما؟ وأيش النماء المتصل وأيش النماء المنفصل؟ الطالب: النماء المتصل هو ما ينفصل عن .. الشيخ: النماء المتصل هو ما ينفصل! ما يستقيم.
طالب: النماء المتصل هو ما ( ... ) المبيع، والنماء المنفصل هو ما ينفصل عن المبيع.
الشيخ: إذن المتصل ما لا يمكن انفصاله؟ الطالب: نعم.
الشيخ: والمنفصل؟ الطالب: والمنفصل ممكن انفصاله مثل اللبن، والثاني مثل الشحم واللحم.
الشيخ: طيب، صحيح كلامه؟ طالب: نعم، صحيح.
الشيخ: لمن النماء المنفصل في زمن الخيارين؟ طالب: للمشتري.
الشيخ: طيب.
لو اشترى شاة حاملًا وفي أثناء الخيار وضعت؟ الطالب: ( ... ) النماء المنفصل.
الشيخ: منفصل؟ معناه أنه يكون له؛ يكون للمشتري؟ الطالب: ألَّا أن يشترطه المبتاع.
الشيخ: بدون شرط.
الطالب: إي نعم، يكون له.
الشيخ: طيب.
طالب: نعم -يا شيخ- يكون للمشتري لكن فيه .. ، وهذا -يا شيخ- تمثيل: إن كان الولد كبر حتى يبعد عن أمه فيكون هذا نماء منفصل؛ لأنه وإن كان ما زال صغيرًا لا يستطيع ( ... ) فهذا يُعْتَبر ركنًا منفصلًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 929

الشيخ: طيب أسألكم: هل وقع العقد عليه؟ طالب: لا.
الشيخ: كيف؟ هي حامل، حين باعها حامل؟ طالب: نعم، وقع .. الشيخ: وقع العقد عليه.
إذن هل كان على ملك البايع ولَّا على ملك المشتري؟ طالب: المشتري.
الشيخ: لا، على ملك البائع؛ ولهذا لو ردها يرد الولد معها؛ لأن الولد قد وقع عليه العقد، وعلى هذا فيكون الحمل إن نشأ في زمن الخيار فهو نماء منفصل للمشتري، وأما إذا كان قد وقع عليه العقد فهو أحد المبيعين؛ ولهذا سيأتينا -إن شاء الله- في المصراة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوجب رد عوض اللبن الموجود حين البيع صاعًا من تمر (3)، وسيأتينا إن شاء الله.
اشترى رجل عبدًا فكسب في أثناء مدة الخيار فلمن الكسب؟ طالب: في أثناء مدة الخيار؟ الشيخ: إي نعم، هو اشترى العبد وجعل الخيار له مدة أسبوع، في هذه المدة كسب العبد؟ الطالب: نعم، للمشتري.
الشيخ: للمشتري؛ لأنه نماءُ؟ الطالب: لأنه نماء ملكه.
الشيخ: نماءُ ملكه، طيب.


بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويحرم ولا يصح تصرف أحدهما في البيع وعوض .. في المبيع) عندكم (في البيع) ولَّا (في المبيع)؟ طلبة: (في المبيع).
الشيخ: الصواب (في المبيع)، أنا عندي (في البيع)، والصواب (في المبيع).
(في المبيع وعوضه المعين فيها بغير إذن الآخر).
قال: (ويحرم ولا يصح) فرتب على التصرف حكمين: التحريم والفساد؛ الأول يسمى عند الأصوليين حكمًا تكليفيًّا، والثاني يسمى حكمًا وضعيًّا؛ لأن عندهم ما ترتب عليه الثواب والعقاب أو انتفى عنه الثواب والعقاب فهو تكليفي، وما كان صحةً أو فسادًا أو شرطًا أو مانعًا فهو وضعي.
فقوله: (ويحرم ولا يصح تصرف) هل يعني ذلك أنه ربما يحرم الشيء ويصح؟ طالب: نعم.
الشيخ: مثل؟ طالب: تلقي الركبان يا شيخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 930

الشيخ: نعم، تلقي الركبان والشراء منهم حرام، لكن البيع صحيح، فإذا أتى سيده السوق -أي البائع- فهو بالخيار؛ وذلك لأنه إنما حُرِّم من أجل مصلحة القادم؛ الراكب، فإذا كان بالخيار زال المحظور الذي يُخْشَى وهو غبنه.
قوله: (ويحرم ولا يصح تصرف أحدهما) إلى آخره، فيه تنازع بين (يحرم) و (يصح) فأيهما يعمل؟ هنا يجوز هذا وهذا؛ لأن الضمير مهما كان ليس ضميرًا ظاهرًا وإنما هو مستتر.
وقوله: (تصرف أحدهما) يعني: البائع والمشتري، (في المبيع) المنتقل من .. أتم.
طالب: البائعين إلى المشترين.
الشيخ: من البائع إلى المشتري، (وعوضِه المعيَّن) المنتقل من؟ من المشتري إلى البائع.
المؤلف قيد العوض -الذي هو الثمن- بكونه معينًا؛ لأن الثمن الذي في الذمة يتصرف فيه المشتري كما شاء، فلو قال مثلًا: اشتريت منك هذه الساعة بعشرة ريالات، فالمبيع هنا معين ولَّا غير معين؟ طالب: معين.
طالب آخر: غير معين.
الشيخ: المبيع معين ولَّا لا؟ طلبة: معين.
طلبة آخرون: غير معين.
طالب: في الذمة يا شيخ.
الشيخ: بعت عليك هذه الساعة بعشرة ريالات؟ طلبة: معين.
طالب: في الذمة.
الشيخ: معين.
طيب الثمن؟ طلبة: معين.
الشيخ: لا.
طالب: في الذمة.
الشيخ: الثمن مُقَدَّر لكن غير معين، ما قلت لك: بهذه العشرة، قلت: بعشرة ريالات، فأين تثبت العشرة الآن؟ تثبت في ذمة المشتري؛ لأنها غير معينة، أليس كذلك؟ فلو كان المشتري في جيبه عشرة ريالات وكان من نيته أن يدفع هذه العشرة قيمةً للساعة، ثم إن العشرة سُرقت، هل ينفسخ البيع؟ لا؛ لأن الثمن ليس العشرة اللي في الجيب، بل هي في الذمة.
مثال المعين مثل أن يقول: اشتريت منك هذه الساعة بهذه العشرة، فوقع العقد الآن على عين العشرة كما وقع على عين الساعة، وعلى هذا فيكون الثمن إما في الذمة وإما معينًا.
الذي يحرم هو أيش؟ الثمن المعين، أما الذي في الذمة فإن المشتري حرٌّ حتى يسلمه للبايع.

الجزء: 2 - الصفحة: 931

في المثال اللي ذكرت؛ اشتريت منك هذه الساعة بعشرة ريالات، وهو ينوي أن ينقد العشرة التي في جيبه ثمنًا للساعة، هل يمكن أن يتصرف في هذه العشرة؟ نعم، لكن لو قال: بهذه العشرة، ثم وضعها في جيبه فإنه لا يمكن أن يتصرف؛ لأنه لما وقع العقد على عين الثمن صار ملكًا لمن؟ للبائع بمجرد العقد كما يكون المبيع الذي وقع العقد على عينه ملكًا للمشتري بمجرد العقد.
هل يمكن أن يكون المبيع في الذمة؟ نعم يمكن، السَّلم كان الصحابة رضي الله عنهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين (4)، والثمار معلوم أنها في الذمة، إذن كلٌّ من الثمن والمثمَن يمكن أن يكون في الذمة، فما كان في الذمة فإن صاحبه يتصرف فيه كما شاء، وما كان معينًا فإنه لا يتصرف فيه من انتقل ملكه عنه، فالمشتري لا يتصرف في الثمن، والبائع لا يتصرف في المبيع.
(وعوضِه المعيَّنِ فيها بغير إذْنِ الآخَرِ) فإن أذن الآخر فلا بأس، لو أذن أحدهما أن يتصرف الآخر في هذا بإجارة أو بإعارة أو بمنفعة فلا حرج، لكن بغير إذن لا، وسيأتي الاستثناء.
قال المؤلف: (بغير تجربة المبيع) إذا كان تصرف المشتري لتجربة المبيع، كيف تجربة المبيع؟ يجرِّب؛ إذا كان فرسًا يجرب عَدْوه وامتثاله للأمر، إذا كان سيارة يجرب ماكينتها -مثلًا- هل تطقطق ولَّا ما تطقطق ولَّا تمشي زين، المهم يجربها.
تصرف المشتري في المبيع من أجل التجربة ويش الحكم؟ جائز، يجوز.
هل من التجربة أن يحلب الشاة أو البقرة؟ نعم؛ لأن بعض البقر إذا أردت أن تحلبها فإنها تضربك؛ تنفحك برِجلها، ما تتمكن، وكذلك بعض الغنم، وكذلك بعض الإبل، فإذا حلبها يجرب فلا بأس.
وهل يبطل خياره إذا كان بالتجربة؟ لا؛ لأن هذا قد يكون من أسباب اشتراط الخيار هو أن يجرِّب المبيع.
قال: (إلا عَتْق المشتري) (عَتْق المشتري) يعني: إذا اشترى عبدًا واشترط البائع الخيار أو المشتري فإنه يجوز للمشتري أن يعتق العبد.
وهل يحرم أو لا؟ طالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 932

الشيخ: ظاهر قول المؤلف: (ويحرم ولا يصح) أنه لا يحرم وأنه يصح، وقيل: إنه يحرم ويصح، وهذا المذهب، وقيل: يحرم ولا يصح، والكلام الآن في أيش؟ في عتق المشتري للعبد الذي اشتراه واشترط فيه الخيار، فكلام المؤلف يدل على أنه يجوز أن تعتق العبد الذي فيه الخيار وينفذ العتق.
ما هو التعليل أو الدليل؟ أما الدليل فليس فيه دليل، وأما التعليل فيقولون: إن للعتق نفوذًا قويًّا، ينفذ؛ ولذلك لو أن الرجل أعتق نصيبه من عبد؛ يعني الصورة: عبدٌ بين اثنين، فأعتق أحدهما نصيبه من العبد، فإن العبد يعتق كله، ويُلزم هذا المعتِق بدفع قيمة نصيب صاحبه إليه، لماذا؟ لقوة نفوذ العتق، ولأن الشارع يتشوف إلى العتق تشوفًا كبيرًا.
ولكن الصحيح أنه يحرم ولا يصح؛ أما كونه يحرم فلأنه اعتداء على حق صاحبه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (5)، وهذا من الاعتداء على أيش؟ على الأموال.
وأما كونه لا يصح فلقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (6)، وليس أمر الله ورسوله على العدوان على الناس، بل العكس، وعلى هذا فلا يصح.
وهناك أيضًا تعليل يقال: إن العتق يقع قربة إلى الله عز وجل، وهل يمكن أن يتقرب إلى الله بمعصيته؟ لا يمكن، هذا تضاد ونوعٌ من الاستهزاء بشريعة الله.
وعلى هذا فالقول الراجح أنه يحرم ولا يصح، وأنه لا يُسْتَثْنى العتق، العتق في كغيره من التصرفات.
ثم قال: (وتصرفُ المشتري فسخٌ لخيارِه) (تصرفُ المشتري) يعني: إذا تصرَّف المشتري في المبيع الذي اشْتُرِط فيه الخيار له وحده، فإن تصرُّفه فسخٌ لخياره.
مثال ذلك: اشترى الرجل بيتًا من شخص، واشترط الخيار لمدة شهر، وفي أثناء الشهر أجَّره مَن يسكنه، فهل يبطل خياره؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 933

الشيخ: قال: أنا ما أبطلت الخيار، نقول: تصرفك دليل على رضاك به وأنك أسقطت الخيار.
وكذلك لو باعه؛ لو أنه اشترط الخيار لنفسه في هذا البيت لمدة شهر وقد اشتراه بمئة ألف، ثم جاءه إنسان وقال: بعنيه بمئة وعشرة، فباعه بمئة وعشرة، فهل يبطل خياره؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يبطل؟ الطلبة: يبطل.
الشيخ: لماذا؟ لتصرفه فيه، وتصرفُه فيه دليل على رضاه به وأنه لا يريد ردَّه.
يستثنى من هذا ما سبق من تجربة المبيع؛ فإن تصرف المشتري بتجربة المبيع لا يَفسخ خياره ولو كان الخيار له وحده، السبب: لأن هذا هو المقصود من الشرط؛ أن ينظر هل يصلح له أو لا.
وقول المؤلف: (تصرفُ المشتري فسخٌ لخيارِه) ظاهر كلامه أن تصرف البائع ليس فسخًا للخيار؛ أي: ليس فسخًا لخيار المشتري، لماذا؟ لأن المشتري حقه، أما لو كان الخيار له وحده -أي: للبائع وحده- وتصرف، فالصحيح أنه فسخ لخياره.
مثال ذلك: باع هذا البيتَ زيدٌ على عمرٍو بمئة ألف، وقال البائع زيدٌ: لي الخيار لمدة شهر، ثم إن زيدًا باعه على رجل آخر، فهل هذا فسخٌ لخياره؟ نعم، فسخ لخياره؛ لأن بيعه إياه يدل على أنه أَلغى البيع الأول.
وهذا الفسخ دلالته فعلية لا قولية.
أما لو قال البائع: اشهدوا أني فسخت، فهذا دلالته قولية ولا إشكال فيها، لكن إذا كان فسخُ خياره من أجل تصرفه فهو فسخٌ فعلي.
ثم قال: (ومن مات منهما بطل خيارُه) (من مات منهما) ممن؟ من البائع أو المشتري، (بطل خياره) سواء شُرِطَ الخيار له وحده أو له ولصاحبه فإنه يبطل الخيار.
مثاله: اشترى رجل من آخر بيتًا بمئة ألف لمدة شهر، وجعل الخيار إلى مدة شهر، ثم مات، فإن الخيار يبطل، وعلى هذا فلا خيار للورثة في هذا المبيع.
فإذا قال الورثة: لماذا لم يكن لنا خيار؟ أليس قد انتقل إلينا من مورثنا بحقوقه ومنها الخيار؟

الجزء: 2 - الصفحة: 934

نقول: لا -على كلام المؤلف- لأن اختيار الإمضاء أو الفسخ لا يكون إلا مِن قبَل مَن؟ مِن قبَل المشتري اللي مات، فلا ندري الآن هل يريد الإمضاء أو يريد الفسخ، فيبطل، فإن علمنا أنه يريد الفسخ؛ بحيث يكون قد طالب به؛ يعني قد قال: إني أريد الفسخ فإنه يُورَث مِن بعده؛ لأن مطالبته به دليل على أنه اختار الفسخ، أما إذا لم يطالب فإننا لا ندري.
هذا هو التعليل عند الأصحاب رحمهم الله الذي مشى المؤلف على قاعدتهم، مفهوم الكلام ولَّا لا؟ واضح؟ طالب: لا، غير واضح.
الشيخ: طيب، إذا باع بيتًا وشرط الخيار لمدة شهر، ثم مات البائع، يقول المؤلف: إن خياره يبطل؛ لأن الاختيار يرجع إليه نفسِه وهو قد مات ولا ندري هل يختار الفسخ أو يختار الإمضاء، والأصل بقاء العقد وأنه ليس فيه الخيار، هذا هو الأصل.
هذا واضح ولَّا غير واضح؟ طلبة: واضح.
الشيخ: طيب، إلا إذا علمنا -نمشي على ما مشى عليه المؤلف- إلا إذا علمنا أن الرجل قد اختار الفسخ؛ بحيث يكون قد طالب به قبل موته وقال للمشتري: أنا قد فسخت البيع؛ لأن الخيار لي، ولكن المشتري تلكأ، ثم مات الرجل البايع قبل أن يوافق المشتري، فهنا يُورَث أو لا يُورَث؟ يُورَث؛ لأننا علمنا أن الرجل اختار الفسخ.
القول الثاني: إنه يُورَث سواء طالب به أم لم يطالب، وعللوا ذلك بأن المُلك ينتقل إلى الورثة بحقوقه، وهذا الذي اشْتُرِي بشرط الخيار انتقل إلى الورثة بأيش؟ بحقوقه، فيثبت لهم ذلك، وإذا كان الخيار للبائع فكذلك أيضًا انتقل من البائع وثبت له الحق بالخيار، فيُورَث عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 935

وهذا القول هو الراجح، هذا القول هو الصحيح؛ لقول الله تعالى في المواريث: ﴿لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12]، وكلمة ﴿تَرَكَ﴾ تشمل كل متروكاته؛ من أعيان أو منافع أو حقوق.
هذا هو الصحيح؛ أنه ينتقل الحق إلى الورثة، ولهم الخيار بين الإمضاء أو الفسخ؛ لأنهم ورِثوه من مُورِّثهم على هذا الوجه.
وأما قولهم: لا بد أن يطالِب، فيقال: إذا طالب لا حاجة أن نقول: إن خيار الشرط باقٍ؛ لأنه إذا طَالَب به فقد انتهى الخيار، اختار أن يفسخ، ما فيه خيار شرط الآن، طالَب وأثبت الحق.
فالصواب إذن أن من مات منهما فخياره باقٍ ويأخذ به مَن؟ الورثة.
طيب، الورثة إذا اختلفوا، مشكلة، هاتجينا مشكلة ثانية إذا اختلف الورثة؛ بعضهم قال: أريد الإمضاء، وبعضهم قال: أريد الفسخ؟ نقول: من أراد الفسخ يُعْطَى نصيبه من الدراهم التي قبضها البايع، ومن أراد الإبقاء بقي، ما يُمنع.
فإن كان الوارثُ واحدًا لم يتصور الاختلاف؛ إما أن يترك أو يُمضي.
أقول: إذا اختلف الورثة؛ مثل أن يكون الرجل مات عن ابنين وقد اشترى شيئًا بشرط الخيار، فقال أحد الابنين: أنا أريد إمضاء البيع، وقال الآخر: أنا لا أريد، فماذا نعمل؟ نُقَسِّط، قال: أنت الذي أراد الفسخ ينفسخ بنصيبه ويرجع على البائع بنصف الثمن إن كان قد استلم الثمن، ومن اختار الإمضاء يبقى مالكًا لهذا الشيء.
لو مات أحدُهما في خيار المجلس، هل يبطل الخيار أو لا؟ طالب: ما يبطل.
طالب آخر: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ .. » (7). طلبة: يبطل.
الشيخ: هل يبطل الخيار أو لا؟ طالب: نعم، يبطل.
طالب آخر: إلا لو تفرقا، ما تفرقا، لزم البيع.
الشيخ: إي نعم، يبطل الخيار، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن من أعظم التفرقِ التفرقُ بالموت.

الجزء: 2 - الصفحة: 936

لو نام أحدهما في خيار المجلس؛ كان تعبان جدًّا وفيه نوم، فقال البائع: بعتك هذا الشيء، قال: قبِلت وإذا رأسه على صدره؛ ينعس، نام، يبطل ولَّا ما يبطل؟ طالب: ما يبطل.
الشيخ: لا يبطل، هذا لا يبطل.
طالب: مطلقًا يا شيخ؟ الشيخ: إي، مطلقًا.
الطالب: لو طال نومه؟ الشيخ: نعم ولو طال، ما دام هو في المجلس ولو طال نومه؛ لأنه لم يفارق الحياة، بخلاف من مات، يقول: (ومن مات منهما بطل خيارُه).


ثم قال: (الثالث: إذا غُبِنَ في المبيع غَبْنًا يَخْرُج عن العادةِ بزيادة النجش والمسترسل) (الثالث) يعني: من أقسام الخيار خيار الغبن، وأشار إليه بقوله: (إذا غُبِنَ في المبيع)، وكذلك إذا غُبن في الثمن؛ لو كان الثمن غير نقود أو كان نقودًا مغشوشة أو ما أشبه ذلك، المهم الغبن.
(إذا غُبِنَ في المبيع غَبْنًا يَخْرُج عن العادةِ) والغبن معناه: الغلبة؛ يعني: إذا غُلِبَ غلبةً تخرج عن العادة فله الخيار.
لكن هل كل من غُبِنَ له الخيار؟ المذهب يُحصر هذا في ثلاث صور فقط، ليس كل من غبن فله الخيار، لكن المؤلف قيد الغبن بأن يخرج عن العادة، فمثلًا: إذا غُبِنَ بريال واحد من مليون؛ اشترى أرضًا بمليون وهي تسوى مليونًا إلا ريال؟ طالب: ليس غبن.
الشيخ: واحد من مليون، هذا مما يتغابن به الناس.
طيب، واحد من ألف؟ طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك؛ لأنك تأتي السوق تجد هذا بكذا وهذا .. طيب، واحد من مئة؟ طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك، يعني لا يخرج عن العادة؟ طالب: يخرج يا شيخ.
طلبة: لا، ما يخرج.
الشيخ: واللهِ الظاهر أنه لا يخرج.
واحد من عشرة؟ طالب: نعم، ممكن.
طالب آخر: يخرج.
الشيخ: نعم، واحد من عشرة، هو العشر، يمثل العشر؟ طالب: لا يخرج.
الشيخ: لا يخرج عن العادة؟ طالب: يخرج، يعني بعشرة آلاف أو بتسعة آلاف.
طالب آخر: يخرج.
طالب آخر: فيه تفصيل.

الجزء: 2 - الصفحة: 937

الشيخ: الواقع أنه ما نقدر نقول: فيه تفصيل، أنت بتقول مثلًا: عشرة آلاف من مئة ألف، هذا غبن، لكن انظر للنسبة، حتى الذي يساوي عشرة ريالات إذا غُبن بريال منه غُبن بالعُشر، فهل العُشر يعتبر غبنًا أو لا؟ طالب: لا يعتبر.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: واللهِ أنا أظن .. ، الظاهر لي أنه يعتبر غبنًا، ولا سيما إذا كانت السيولة بأيدي الناس عزيزة؛ لأن واحدًا من عشرة ربما يكون صعبًا على كثير من الناس إذا كانت السيولة قليلة، أما مع وفرة المال فقد يقال: إن واحدًا من عشرة ليس بشيء.
ولهذا بعض العلماء يقول: إن الغبن الذي يخرج عن العادة هو واحد من خمسة، كم نسبة واحد من خمسة إلى المئة؟ عشرون في المئة.
ولكن هذا في القلب منه شيء، بل يقال: إنه إذا جعلنا الأمر مرتبطًا بالعادة فهو أحسن، فإن اختلفنا نرجع إلى مَن؟ إلى أهل الخبرة؛ إلى الدَّلالين المعتبَرين في البلد، وقال: ما تقولون إذا غبن واحد من عشرة؟ وقد يقال أيضًا: إنه يختلف حتى باختلاف الأموال؛ بعضها الواحد من عشرة غبن، وبعضها غير غبن.
طالب: إذا مات أحد المتعاقدين في المجلس وكانت ورثته .. ؟ الشيخ: وكان الورثة.
الطالب: حاضرين في المجلس، فلماذا لا ينتقل الحق إليهم؟ الشيخ: ما ينتقل؛ لأن العقد مع الميت.
الطالب: نعم، كما قلنا: إنه .. الشيخ: الآن لو أن هذا البايع خرج، وحينما خرج مات، هل يثبت لورثته الذين في المجلس؟ الطالب: لا.
الشيخ: ما يثبت.
الطالب: لأن حق الميت سقط أصلًا.
الشيخ: كيف؟ الطالب: حق الميت سقط بالخروج.
الشيخ: بالخروج، هذا أيضًا الموت أشد من الخروج، أشد المفارقة.
طالب: لو أن البائع بعدما نام المشتري خرج وفارقه، هل .. ؟ الشيخ: ينقطع الخيار.
الطالب: ينقطع؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: بغير ( ... ) النائم.
الشيخ: ينقطع، أصله حتى لو كان يقظًا ما يقدر يمنعه.
طالب: يا شيخ، قلنا: إن –مثلًا- المشتري لو كان عنده خيار شرط في بيت مثلًا، وقلنا: إنه إذا استأجرها ..

الجزء: 2 - الصفحة: 938

الشيخ: أجَّرها.
الطالب: استأجر، المشتري استأجر.
الشيخ: كيف استأجر؟ هو مشترٍ كيف يستأجر؟ الطالب: يعني: اشتراها من صاحبها، ثم بعد ذلك له خيار شرط شهر، ثم بعد ذلك أجرها، قلنا: فعله هذا يبطل .. الشيخ: الخيار.
الطالب: لكن لو حدث عندما أجرتها -مثلًا- ليعرف ( ... )؟ الشيخ: لا، ما هو تجربة، هذا عقد بارك الله فيك، عقد لازم ما يمكن ينفسخ.
طالب: لو اشترط البائع الخيار له، ثم ( ... )، قلنا: يكون للمشتري ( ... )؟ الشيخ: لا، صحيح، وقع العقد على غير الملك، لكن كونه باع يدل على أنه فَسْخ.
الطالب: ما هو بشرط؟ الشيخ: فهي دلالة فعلية.
الطالب: يفسخ ثم يبيع؟ الشيخ: ما هو لازم، وإلا صحيح ربما نقول: القواعد أنه يفسخ ثم يبيع، نقول: ما هو بلازم.
طالب: عفا الله عنك، قياسًا على منع البائع عند التصرف في مدة الخيار، مثلًا لو أن إنسانًا أعطاني مالًا ( ... )؟ الشيخ: أبدًا، إذا كان عند الإنسان مال لغيره فإنه لا يتصرف فيه أبدًا إلا بإذن صاحبه.
الطالب: يعني بعينه ( ... ). الشيخ: أبدًا، لو ( ... ) أحسن منه.
طالب: شيخ، إذا قلنا: إن الورثة يرثون الخيار؛ خيار الشرط، واختلفوا؛ بعضهم أمضى وبعضهم فسخ، ولكن إذا كان المبيع لا يتبعض؛ كأن يكون شاة، فبعضهم أمضى وبعضهم فسخ؟ الشيخ: يكون هذا إذا صار الورثة اثنين، نقول: نصف الشاة يكون للوارث والنصف الثاني للبائع.
الطالب: كيف ( ... )؟ الشيخ: مشاركة.
الطالب: يكونون شركاء؟ الشيخ: إي نعم، مشاركة في الشاة.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- إذا استأجر رجل بيتًا مثلًا .. الشيخ: أيش؟ الطالب: ( ... ) استأجر رجل بيتًا من رجل آخر، استأجره ووضع قال: الخيار شهرًا، وقبل أن يتم الشهر قال: افسخ العقد بيني وبينك وقد استعمله هذا الرجل ( ... ) أيلزم بدفع الأجرة؟ الشيخ: هل قلنا بهذا؟ الطالب: قلنا يا شيخ.
الشيخ: هل قلنا بهذا يا جماعة؟ ما قلنا: إذا استأجر، قلنا: إذا باع.
طالب: لا، غير البيع -يا شيخ- استأجر.

الجزء: 2 - الصفحة: 939

الشيخ: كيف إذا استأجر؟ ما قلنا.
الطالب: لا، ما يلزم بأجرة له؟ طالب آخر: إذا أجره، إذا تصرف فيه؛ أجره يعني.
طالب: استأجر بيتًا، ثم هذا الرجل أتى استعمل بيتًا -بيته ضيق- فاستأجر هذا البيت الواسع من أجل أن هناك ضيوف سوف يأتون، وأتوا الضيوف وذهبوا وانتهت مصلحته، ثم قال: ما أريد هذا البيت.
الشيخ: يعني استأجر البيت؟ الطالب: إي، استأجره، ولكن مضى على الخيار شهر، وبعد أن تنتهي مدة الشهر قال: بأفسخ.
الشيخ: ما سبق لنا أنه إذا شرط الخيار في إجارة تلي العقد أنه ما يصح، ما سبق لنا هذا؟ الطالب: سبق يا شيخ، لكن ( ... ) البيع.
الشيخ: البيع ( ... )، البيع إذا اشتراها واشترط الخيار لمدة شهر ثم أجرها ينفسخ خياره.
طالب: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (2)، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»، ألا يثبت أن الأصل ( ... ) للبائع الشرط وأن .. ؟ الشيخ: ماله منفصل عنه، مال العبد منفصل عنه، فقوله: «مَالُهُ» معناه أنه هو نفسه لمن؟ الطالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري، إي نعم.
طالب: عفا الله عنك، قلنا: إنه إذا تصرف المشتري يؤدي إلى فسخ الخيار.
الشيخ: طيب.
الطالب: يشكل -يا شيخ- ذكرتم في درس سابق أنه إذا كان –مثلًا- عين المبيع ثمرًا.
الشيخ: ثمر؟ الطالب: إي نعم، وهذه الثمار تفسد ( ... ) الخيار.
الشيخ: تُبَاع، لا بد من بيعها.
الطالب: لكن إذا باعها وتصرف ( ... )؟ الشيخ: ما يسقط، له الخيار ويأخذ القيمة إن أمضى، أو يأخذ ثمنها إذا لم يمض.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ذكرنا هذا.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- في الشرح ذكرنا أن المذهب في مسألة الغبن فيه ثلاث صور.
الشيخ: ما وصلنا.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: منفك عن الجهة.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، ما تبطل؛ لأن العتق هذا نفس العتق حرام، فلا يكون طاعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 940

طالب: الشاة الحامل إذا وضعت في وقت الخيار ( ... )، ولكن فصلنا في آخر الجواب قلنا: إن نشأ في زمن الخيار فهو للمشتري؟ الشيخ: إذا وضعته.
الطالب: إذا وضعته في زمن الخيار لمن؟ الشيخ: للمشتري؛ لأنه نشأ على ملكه.
الطالب: إذا بدأ الحمل في زمن الخيار ووضعت .. الشيخ: بعد البيع حملت.
الطالب: نعم.
الشيخ: ووضعته.
الطالب: وإذا وضعته بعد الخيار؟ الشيخ: هذا يكون من النماء المنفصل أو المتصل، إن قلنا: الحمل منفصل فهو له، وإذا قلنا: الحمل متصل -وهو الصحيح- فهو للبائع.
الطالب: إن وضعت بعد .. ؟ الشيخ: ولكن لاحظ أنا صححنا أن النماء حتى المتصل للمشتري.
الطالب: يعني على هذا إذا حملت في زمن الخيار، ثم وضعت في زمن الخيار فهو للمشتري؟ الشيخ: فهو للمشتري، هذا لا إشكال فيه؛ لأنه منفصل.
الطالب: نعم.
الشيخ: فإن لم تضع؟ الطالب: إن لم تضع إلا بعد انتهاء مدة الخيار.
الشيخ: فإن لم تضع إلا بعد أن فُسِخ.
الطالب: بعدما فسخ.
الشيخ: طيب، فهي للبائع على القول بأن النماء المتصل يتبع، وعلى القول الراجح يكون للمشتري.
طالب: ذكرنا في الدرس اللي فات نماء المنفصل للمشتري، ومثلنا باللبن، فذكرنا في الدرس هذا ( ... ) فلا يجوز واللبن ما يجمع في الكأس ( ... ). الشيخ: ما فيه شك.
الطالب: ( ... ) مثلنا باللبن.
الشيخ: هذا أبلغ من تجربة المبيع، ما هو بالتجربة جائزة ولا تبطل الخيار.
الطالب: إذا كان ( ... ). الشيخ: هذا للأكل، لو يبقى في ضرع البهيمة كلفها؛ شق عليها.
الطالب: يعني: جميع المنفعات المنفصلة ( ... ). الشيخ: ما يخالف، لا بأس.
قال المؤلف: (وتصرفُ المشتري فسخٌ لخيارِه) فلو أن مدة الخيار كانت شهرًا لمن اشترى بيتًا، ثم أجَّره لغيره نصف شهر، فهل له الفسخ قبل الشهر بيوم؟ الجواب: ليس له أن يتصرف، إذا أجره فقد انفسخ خياره.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الجزء: 2 - الصفحة: 941

قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالث: إذا غُبِنَ في البيع غَبْنًا يَخْرُج عن العادةِ .. الشيخ: (في المبيع)، عندي أنا: (في المبيع).
الطالب: إذا غُبِنَ في المبيع غَبْنًا يَخْرُج عن العادةِ بزيادة الناجِشِ والمُسْترِسل.
الرابع: خيارُ التَّدْليس؛ كتَسْويد شعرِ الجاريةِ وتَجْعيدهٍ وجَمْعِ ماء الرَّحَى وإرسالِه عند عَرْضِها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا خياران من خيار البيع؛ أحدهما ثابت بالشرع، والثاني ثابت بالشرط، فما هو الثابت بالشرع؟ طالب: الخيار الثابت بالشرع هو خيار المجلس.
الشيخ: أحسنت.
والثابت بالشرط؟ طالب: خيار الشرط.
الشيخ: خيار الشرط.
هل خيار الشرط جائز؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما الدليل عليه؟ الطالب: جائز إذا كان جائزًا .. الشيخ: جائز إذا كان جائزًا؟ ! كَأَنَّنَا وَالْمَاءُ مِنْ حَوْلِنَا قَوْمٌ جُلُوسٌ حَوْلَهُمْ مَاءُ

الطالب: نعم يا شيخ، هناك دليل على صحة ( ... ) حديث: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (8)، وعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
الشيخ: لكن ما فيه نص في الموضوع؟ الطالب: فيه.
الشيخ: خيار الشرط.
الطالب: خيار الشرط.
الشيخ: نعم.
الطالب: حديث عبد الله بن عمر.
الشيخ: نعم، اقرأه.
الطالب: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعَ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعَ» (9). الشيخ: وأيش وجهه؟ الطالب: وجهه أنهما إذا اشترطا شرطًا ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 942

الشيخ: يدخل في قوله: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ»؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب.
خيار الشرط هل له مدة معينة لا يُزَاد عليها أو لا؟ طالب: ليس له مدة معينة.
الشيخ: ليس له مدة؛ يعني: لو جعله شهرًا أو سنة فلا بأس؟ الطالب: ما لم ( ... ). الشيخ: شرط؟ أيش تقول؟ توافقه على هذا الاستثناء؟ طالب: ظاهر المذهب ( ... ). الشيخ: طيب، وإذا كان مما يُخْشَى فساده قبل تمام المدة؟ الطالب: يصح أيضًا.
الشيخ: يصح، ويُبَاع ويُجعل الثمن وينتقل الخيار إلى الثمن.
تمام، صح.
أفهمت؟ طالب: بلى.
الشيخ: بلى! كيف (بلى)؟ الطالب: لغة يا شيخ.
الشيخ: لغة من؟ الطالب: تصح، يجوز (بلى) ( ... ). الشيخ: إي، الجواب الصواب: نعم؛ إن كنت فهمت، أو: لا؛ إن كنت لم تفهم.
قال: الخيار بيني وبينك إلى الغد، متى ينتهي؟ طالب: إلى طلوع الفجر.
الشيخ: إلى طلوع الفجر، ولَّا فيه قول ثانٍ؟ الطالب: فيه أقوال، لكن هذا هو ( ... ). الشيخ: معناه أن القول الثاني يرجع في ذلك إلى العرف.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فإذا كان معنى قوله: إلى الغد؛ أي: إلى أن يفتح الناس الأسواق فهو إليه.
وهذا هو الصحيح.
ما هو الدليل على أن ملك مدة الخيارين للمشتري؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (1). الشيخ: وما وجه الدلالة؟ الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المال للمبتاع بشرط، أما العبد فلم يشترط ( ... ) بمجرد البيع.
الشيخ: فدل ذلك على أن العبد ملك للمشتري بمجرد البيع ولا يحتاج إلى شرط، أحسنت.
اشترى شيئًا بشرط الخيار وأجَّره والخيار له؛ للمشتري وحده؟ طالب: ( ... ). الشيخ: وأيش اللي يبقى؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: سمعتم كلامه، يقول: إذا اشترط الخيار مدة معينة، ثم أجر المبيع -أعني المشتري- فإن ذلك فسخ لخياره.
إذا مات من له الشرط؟ طالب: بطل خياره.
الشيخ: بطل خياره؟

الجزء: 2 - الصفحة: 943

الطالب: إي نعم.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: إي، على المذهب.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: على المذهب.
الشيخ: إلَّا على المذهب، مطلقًا؟ الطالب: مطلقًا على المذهب.
الشيخ: مطلقًا، أحسنت.
توافقون على هذا؟ طالب: إن علم منه أنه أراد أن يفسخ أو صرح بالفسخ فإن .. الشيخ: يعني: إن طالب به.
الطالب: إن طالب به قبل موته.
الشيخ: فإنه لا يسقط.
الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
هل هناك قول ثانٍ؟ طالب: نعم، القول الثاني في المسألة ( ... ). الشيخ: يعني لا يبطل؟ الطالب: لا يبطل.
الشيخ: لا يبطل بموته.
الطالب: لا يبطل بموته، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12].
الشيخ: يعني: ومما تركه الميت الأعيان والمنافع والحقوق.


قال: (الثالث: إذا غُبِنَ في المبيع غَبْنًا يَخْرُج عن العادة) وقد شرحنا هذه الجملة، وقلنا: إن قوله: (يخرج عن العادة) يعني: أنه أحالنا إلى العرف، فما عدَّه الناس غبنًا فهو غبن، وما لم يعدوه غبنًا فليس بغبن، وإن بعض العلماء قدَّره بالثلث، بعضهم بالربع، بعضهم بالخمس، ولكن ما ذهب إليه المؤلف أولى؛ أن يُرْجَع في ذلك إلى العادة.
فإذا قيل: من المحكَّم في العادة؟ هل كل أحد أو أصحاب الخبرة؟ أصحاب الخبرة هم المحكمون في العادة، إذا قالوا: واللهِ هذا غُبن غبنًا يخرج على العادة، قلنا: يثبت الخيار.
ولكن هل الخيار -أعني: خيار الغبن- مقيد بشيء معين أو متى حصل الغبن حصل الخيار؟ هذه المسألة فيها خلاف؛ أما المذهب فإن خيار الغبن مخصص بثلاث صور:

الجزء: 2 - الصفحة: 944

الصورة الأولى: تلقي الركبان؛ يعني: أن يخرج عن البلد ليتلقى الجالبين إليه فيشتري منهم.
ومن المعلوم أن هذا المتلقي سوف يشتري بأقل من الثمن، أليس كذلك؟ هذا هو، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَلَقُّوُا الَجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى فَاشْتَرَى مِنْهُ» أي: من الجلب، «فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ» وهو البائع، «فَهُوَ بِالْخِياَرِ» (10)، هذا خيار غبن.
وقوله: «فَهُوَ بِالْخِيَارِ» إذا قال قائل: الحديث مطلق «فَهُوَ بِالْخِيَارِ»، ولم يقل: إذا غُبِن؟ فالجواب: أنه يحمل على الغالب المعتاد؛ لأن الجالب إذا قَدِم للسوق ولم يجد أنه غُبِن فإنه لن يختار الفسخ؛ إذ لا فائدة من الفسخ ثم البيع مرة أخرى، فيُحْمل على أن قوله: «إِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِياَرِ» يعني: إذا غُبن، وإن كان ظاهر الحديث الخيارَ مطلقًا.
الصورة الثانية قال: (بزيادة الناجش) شوف هذا المتن قال: (بزيادة الناجش) (الناجش) اسم فاعل من: نَجَش يَنْجُش، وأصل النَّجْش: الإثارة؛ إثارة الشيء، هذا نجشه.
والناجِش: هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد الإضرار بالمشتري، أو نفع البائع، أو الأمرين جميعًا.
مثال ذلك: يُسَام على هذه السلعة، فصار الناس يتزايدون فيها، وكان أحد هؤلاء يزيد في الثمن وهو لا يريد الشراء، ولكن من أجل منفعة البائع؛ لأنه صاحبه، وإلا هو لا يريد السلعة، أو أنه يريد إضرار المشتري؛ لأنه أيش؟ عدوه، أو يريد الأمرين جميعًا؛ نفع البائع لأنه صاحبه، وإضرار المشتري لأنه عدوه، أو لا يريد شيئًا، وإنما يريد أن يقول الناس: فلان -ما شاء الله- يزيد في هذه السلعة الكبيرة معناه أنه عنده فلوس وتاجر.
ممكن ولَّا غير ممكن؟ طلبة: ممكن.

الجزء: 2 - الصفحة: 945

الشيخ: ممكن، المهم الضابط هو أن هذا الناجش يزيد وهو لا يريد الشراء، إنما يريد غرضًا آخر، فإذا غُبِنَ المشتري بسبب هذه الزيادة فإن له الخيار.
لكن غُبن أيش؟ غبنًا يخرج عن العادة؛ يعني: أن المشتري بعد أن بيعت عليه السلعة فكَّر وإذا ثمنها زائد بسبب النجش، فهنا له الخيار.
والنَّجْش محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عنه قال: «لَا تَنَاجَشُوا» (11)، ولأنه يورث العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأنه إذا عُلم أن هذا يَنجُش من أجل الإضرار بالمشترين كرهوه وأبغضوه.
ثم عند الفسخ في الغبن ربما لا يرضى البائع بالفسخ، فيحصل بينه وبين المشتري عداوة أيضًا؛ فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن النجش.
والحاصل: أن النجش حرام، وأن المنجوش إذا غبن غبنًا يخرج عن العادة فله الخيار.
الصورة الثالثة قال: (والمسترسل) المسترسل هو: المنقاد مع غيره المطمئِن إلى قوله، هذا في اللغة.
المسترسل في اللغة: استرسل مع فلان؛ يعني: انقاد معه ووثق به واطمئن إلى قوله، ولكنه في الاصطلاح: مَن جهل القيمة ولم يحسن المماكسة.
(من جهل القيمة) موجودة في الشرح: من جهل القيمة ولم يحسن المماكسة.
والمماكسة هي: المُحاطَّة في الثمن، وهي التي تُعرف عندنا بالمكاسرة، كاسر لأجل ينِّزل.
فهذا الرجل مسترسل، أتى إلى صاحب الدكان وقال: بكم هذه الحاجة؟ قال: هذه الحاجة بعشرة ريالات، وهو رجل يجهل القيمة ولا يحسن أن يماكس، فأخذها بعشرة، فلما عرضها على الناس قال: اشتريتها بعشرة، قالوا: هذه بخمسة ريالات، قال: ما علمتُ.
نسمي هذا مسترسلًا، له الخيار أو لا؟ له الخيار؛ لأنه إذا كانت قيمته خمسة واشتراها بعشرة هذا غَبن يخرج عن العادة، فله الخيار.

الجزء: 2 - الصفحة: 946

فإن كان يعلم القيمة ويدري أن قيمتها خمسة، لكنه أخذها بعشرة تطييبًا لقلب البائع، كما يوجد بعض الناس -مثلًا- إذا رأى هذا الرجل الفقير عنده بسطة يسيرة صغيرة، قال: كم ( ... ) يا فلان؟ قال: بعشرة، وهو يعرف أنها بخمسة، فأخذها بعشرة، فهل يكون مسترسلًا؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأنه يعلم القيمة.
وكذلك لو رأى مع صبي رأى معه دجاجة تساوي عشرة، قال: كم يا بني هذه؟ قال: هذه يا عم بعشرين، وهو يدري أنها تساوي عشرة، لكن جبرًا لقلب هذا الصبي وإدخالًا للسرور عليه قال: خذ، هذه عشرين، ثم بعدئذٍ ندم، قال: كيف أبذل عشرين بما يساوي عشرة؟ فرجع إلى الصبي وقال: يا بني غبنتني، هل له الخيار؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأنه يعلم القيمة ودخل على بصيرة، فلا خيار له.
وقوله: (ولم يحسن المماكسة) ظاهره أنه إذا كان يحسن المماكسة فإنه لا خيار له ولو غُبِنَ؛ يعني: رجل يجهل قيمة الأشياء لكنه جيد في المماكسة، فأتى إلى صاحب الدكان، وقال له: كم قيمة هذا المسجِّل؟ قال: قيمته مئتا ريال، وصاحب الدكان وضع ورقة عليه صغيرة: القيمة مئتا ريال.
الرجل هذا جيد في المماكسة، لكن ظن أن هذه قيمته في الأسواق، فأخذ المسجِّل، ثم لما عرضه على إخوانه قالوا: هذا يُبَاع في السوق بثمانين ريالًا.
كم غُبن؟ مئة وعشرين، فرجع إلى الرجل وقال له: هذا بثمانين ريالًا.
هل له الخيار أو لا؟ طالب: المذهب: لا.
الشيخ: على كلام المؤلف لا خيار له، لماذا؟ لأنه يحسن المماكسة، يقدر يُحاطه في الثمن حتى يصل إلى الثمانين.
ولكن الصحيح أن له الخيار، لماذا؟ لجهله بالقيمة ولتغرير البائع له، فلا ينبغي إلا أن نعامل البائع بنقيض قصده، لمَّا غرَّه نعامله بنقيض قصده ونقول: له الخيار.
إذا قال: هذا الرجل يعرف البيع والشراء، ليش ما ماكسني؟ نقول: لا، هذا -جزاه الله خيرًا- وثق بك ولست أهلًا للثقة، والآن له الخيار.

الجزء: 2 - الصفحة: 947

ومِن المناجشة -وهي أيضًا نوع من الاسترسال- أن يقول البائع للمشتري: أُعْطِيت في السلعة كذا -وهو يكذب- قال: أعطيت فيها مئتان وهو كذاب، المشتري سوف يقول: إذا كانت سِيمَت بمئتين أنا أطلع السوم وأقول مئتان وعشرة، وفعلًا اشتراها بمئتين وعشرة، وتبين أن قيمتها مئة وخمسون.
له الخيار؟ نعم، له الخيار؛ وذلك لأنه غُبن على وجه يشبه النجْش.
ومن ذلك أيضًا إذا قال: اشتريتها بمئة وهو كاذب، اشتراها بخمسين، لكنه قال: اشتريتها بمئة، فأخذها المشتري بمئة وخمسة؛ ليربح ذاك خمسة ريالات، وتبين أنه اشتراها بخمسين.
له الخيار؟ نعم، له الخيار؛ لأن هذا من النجش؛ فإنه استثار المشتري حتى اشتراها بأكثر من ثمنها.
فإن قيل: ما حكم النجْش؟ وما حكم أن يفعل ما يسترسل معه المشتري؟ فالجواب: كله حرام؛ لأنه خلاف ما يجب أن يكون عليه المؤمن لأخيه؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (12). فإن قيل: يوجد بعض الباعة إذا سُئِلَ عن قيمة السلعة، قال: قيمتها مئة، وهو يبيعها بثمانين، لكنه يخشى أن يكون المشتري ممن يماكسون، فقال: إنها بمئة على تقدير أنه سيماكِس حتى تنزل إلى ثمانين، فهل يجوز له ذلك؟ الجواب: فيه تفصيل؛ إن كان حين يطمئن المشتري ويأخذها بما قدَّره فهذا حرام؛ لأنه من الغِش، وإن كان إذا رأى المشتري عازمًا على الأخذ قال له: اصبر يا أخي، أنا قلتُ لك: بمئة؛ لأن بعض الناس يماكسني ويضطرني إلى أن أنزِّل، ولكن قيمتها الحقيقية ثمانون، فهذا أيش؟ هذا جائز، وإن كان فيه شيء بالنسبة للبائع، لكن هو الذي جنى على نفسه؛ لأنه إذا قال: يا أخي اصبر، القيمة ثمانون، لكني قلت لك: بمئة خوفًا من المماكسة، فإن المشتري سوف لا يطمئن أيضًا إلى أن القيمة ثمانون.

الجزء: 2 - الصفحة: 948

لكن نقول: أنت الذي جنيت على نفسك، ولهذا تجد بعض المشترين إذا قال له البائع هذا الكلام يأنف ويستنكف ويذهب إلى غيره، لكن نقول: أنت الذي فعلت، قل: الثمن ثمانون ولا مماكسة؛ مثلما يقول: كلام واحد ما فيه؛ إن أخذ فهذا المطلوب، وإن لم يأخذ فالسلعة باقية.
يوجد بعض الناس إذا جاءه الرجل المحنَّك الجيد في المماكسة على طول أعلمه بالثمن، وإذا جاءه الرجل الذي يكون سليم الصدر ولا يعرف أو امرأة أو فتًى شابٌّ لا يعرف الأمور زاد عليه في الثمن، ما الحكم؟ يجوز ولَّا لا؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: إي، هذا حرام لا يجوز؛ أن يأخذ الناسَ بالغِرَّات، الإنسان الغَرير له ثمن، والإنسان الذكي الجيد له ثمن، هذا حرام، الواجب أن يكون مخلصًا ناصحًا للعباد؛ لأن هذا من الدِّين.
فتبين الآن أن الغبن له تعريف، وله محل، وله حكم.
تعريفه: أن يُغبَن المشتري غبنًا يخرج عن العادة.
حكمه حرام.
محله: ثلاثة، وإن شئتم قولوا: صوره ثلاث؛ الأول: تلقي الركبان، والثاني: النجش، والثالث: الاسترسال.
فإن قال قائل: هل الغبن يكون للبائع أيضًا؟ بمعنى أن البائع يكون هو المغبون؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لا تستعجلوا.
طالب: نعم.
طالب آخر: نعم يكون.
الشيخ: كيف يكون؟ طالب: يكون بأن يأتي -مثلًا- رجل يشتري سلعة وهو يعرضها للبيع فيقول: هذه في السوق لا تباع إلا بثمانين، وهي تباع في الحقيقة بمئة وخمسين، فيقول البائع: بعتك إياها بثمانين، ظنًّا منه أن هذا هو الحق، فهذا المغبون عندما يرى أنا السلعة تباع .. الشيخ: طيب.
طالب: كذلك في الثمن أن يُعْطَى دراهم مغشوشة.
الشيخ: لا، هذا عيب، وسيأتي.
طالب: تلقي الركبان أليس من هذه الصور؟ الشيخ: ويش؟ الطالب: الراكب يأتي ومعه بضاعة ليبيعها في السوق بثمن على أساس أنها بهذا الثمن، فإذا .. الشيخ: الغبن لمن؟ الطالب: للبائع هذا.
الشيخ: طيب.
طالب: الصحيح أنه لا يغبن، والصورة التي ذكرها الأخ تفريط من البائع؛ لأنه هو ما يعرف السوق.

الجزء: 2 - الصفحة: 949

طالب آخر: كأن يرتفع ثمن السلعة ولا يعلم البائع بذلك.
الشيخ: إي، هذه هي نفس اللي قاله الإخوان، فيأتي إنسان جيد ويشتريها، وهذه تقع كثيرًا، لا سيما فيما سبق من الزمان، مثلًا يأتي التاجر المعروف يأتيه خبر بأن السُّكَّر ارتفعت قيمته، فيذهب إلى من عندهم السكر ويشتري كل ما عندهم بالقيمة الحاضرة، وهم لا يعلمون أن قيمته ارتفعت، فيكون غبنًا أو لا؟ غبن لا شك، هذا غبن وهم لم يفرطوا في الواقع، البائع في الواقع لم يفرط في مثل الصورة التي ذكرت الآن؛ لأنه باع على أن هذه هي القيمة وأن الأسعار مستقرة.
والحاصل أنه كما أن للمشتري الحق إذا غُبِن في فسخ البيع فللبائع الحق إذا غُبِن في فسخ البيع ولا فرق.
طالب: البائع له بضائع مختلفة يبيع بعضها بالجملة؛ يعني بسعر خاص ( ... ) أرخص من السعر ( ... )، وإذا جاء الشارين، يعني إذا أتوا إليه مثلًا ... الشيخ: الشارين أو المشترون؟ الطالب: المشترون.
الشيخ: نعم؛ لأن الشاري هو البائع.
الطالب: صحيح، يبيعه بسعر آخر أغلى من الإجمالي، هل هذا يمكن فيه ( ... )؟ الشيخ: هل هذا يخرج عن العادة؟ هذه عادة الناس؛ يفرقون بين الجملة وبين؟ طالب: المفرَّق.
الشيخ: الإفراد.
طالب: إذا اشترى السلعة ( ... ) بمئة وخمسة، قال: أنا أشتريها منك بمئة وخمسة، فإذا وجدتها في السوق بمئة أرد لك السلعة.
الشيخ: إذا وافق لا بأس، وهذا من باب تعليق الفسخ، لكن كما قلنا سابقًا: ينبغي أن يحدد، يقول: أنا بأدور في السوق إن وجدتها بأرخص في خلال يوم أو يومين؛ لأجل ألَّا يقع نزاع.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كيف يضر الناجش البائع؟ الشيخ: إي نعم، ما يتصور أن الناجش يضر البائع، المقصود: الناجش ينفع البائع، أو يضر المشتري، أو يريد نفع البائع وضرر المشتري جميعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 950

طالب: بالنسبة -يا شيخ- عندما قلنا: إنه يبيع بمئة ويخلي فرقًا عشرين ريالًا علشان المماكسة، لو قلنا: إن السلعة أصلًا هي بثمانين -مثلًا- ولكنه من جاء يماكسه نزَّل له -مثلًا- خمسة أو عشرة، سبعين يعني، والذي لا يماكسه باعه بثمانين، فهل هذه تدخل في الصورة هذه؟ الشيخ: لا، إذا كان هذا هو الثمن المعتاد يعني؟ الطالب: المعتاد الثمن.
الشيخ: إذا كان هذا هو الثمن المعتاد بين الناس، لكن هذا الرجل إنسان صلب مماكس ونزَّل له لمماكسته دفعًا لأذاه، أو كان صديقًا له -مثلًا- وباع عليه بأنزل، هذا لا بأس به.
طالب: بعض التجار ينقلون بضاعة من منطقة إلى منطقة بعيدة، وإذا وصل المنطقة البعيدة يرفع السعر، ربما ( ... ) يعني: الضعف، ويقول: هذه من أجل المسافة، هل هذا غبن؟ الشيخ: لكن هل قيمتها في البلد الثاني هي القيمة التي حددها أو أقل؟ الطالب: ربما لا توجد هذه في .. الشيخ: يعني يكون محتكرًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إذن ما يجوز.
الطالب: وإذا وقع هذا العقد؟ الشيخ: إذا وقع فله الخيار.
الطالب: لمن؟ الشيخ: للمشتري.
الطالب: المشتري لا يعرف .. الشيخ: إذا علم.
الطالب: وإذا لم يعلم هل .. ؟ الشيخ: إذا لم يعلم فهذا آثم.
الطالب: هل يذهب إليه ويرجع عليه بالثمن؟ الشيخ: إذا علم.
الطالب: من؟ الشيخ: إذا علم المشتري بالغبن له الخيار.
الطالب: وإذا لم يعلم -يا شيخ- قال: هذا .. الشيخ: ( ... ) كيف يرده؟ الطالب: لا، بعض البائعين يتوب إلى الله عز وجل يقول: ( ... ) أرد .. الشيخ: طيب، إذا كان يريد أن يتوب يذهب إلى المشتري ويقول: يا أخي ترى أنا في الواقع احتكرت السلعة ورفعت قيمتها بأكثر مما تسوى؛ لأن هذا يحسب أجرة النقل ويحسب أجرة الكسب، لا بد له من شيئين.

الجزء: 2 - الصفحة: 951

لكن فيه مسألة ثانية قالها لي بعض الباعة غريبة، يقول: أنا أشتري ثيابًا، وليكن من جدة بعشرين ريالًا الثوب، ثم آتي به مثلًا إلى هنا في القصيم وأقول: بثمانين؛ لأني إذا قلت للمرأة: القيمة عشرين، قالت: هذا ما نبغي شيئًا؛ لأن المرأة عاقلة بعيونها، إذا قال لها: بعشرين، وهو قيمته عشرون حقيقةً، قالت: لا، هذا ما هو بزين، وإذا قال لها: بمئتين، قالت: هذا الثوب الطيب، يلَّا خذ.
هل يجوز أن يفعل هذا أو لا؟ طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: يقول: ما يشترون مني.
طالب: ولو ما اشتروا.
طالب آخر: لا عبرة.
الشيخ: أيش تقول؟ طالب: أقول: لا يجوز.
الشيخ: لكن إذا قال: ما يُشترى مني، وأيش يسوي؟ طالب: يُشْتَرى بالحلال، لا يسوي الحرام.
الشيخ: طيب، ما نقول: قل لها: إنه عليَّ بعشرين، ولا أبيعه إلا بثمانين؟ طالب: ما أحد يشتري.
طالب آخر: نفس المسألة.
الشيخ: ما أحد يشتري.
طالب: يجيبه زين -يا شيخ- ويبيعه بثمانين.
الشيخ: لا هو ( ... ) هو يدور المكسب، هو يمكن يكون ما عنده دراهم تتحمل الشيء الزين.
طالب: ما لا يدرك كله لا يترك كله.
الشيخ: ما هو على كل حال.
المهم أن هذه يستعملونها بعض الناس، ولو قلنا لهم: هذا ما يجوز، قالوا: ما يُشْتَرى منا، وأيش نسوي؟ الأخ اقترح أنه يشتريه طيبًا بقيمة -مثلًا- مئتين ثلاث مئة، ثم يبيعه بالقيمة المرتفعة.
طالب: الواقع -يا شيخ- أن الباعة اللي يجلبون البضائع من جدة ويبيعونها هنا بسعر رخيص أن الناس يزدحمون عليهم حتى إلى الثانية ليلًا، أحيانًا بعد منتصف الليل وهم يفرغون من هذه البضايع .. الشيخ: هذا هو المتوقع، لكن السؤال يرد عليَّ كثيرًا، يقولون: إذا فعلنا هذا، قالوا: هذا ما هو بزين ما نبغي.
الطالب: لا يبيعه، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3]، فالرزق معلق بالتقوى.
الشيخ: على كل حال نقول: ما يجوز، نفتيهم بأنه ما يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 952

وبزيادةِ الناجِشِ، والمستَرْسِلِ.
الرابعُ: (خيارُ التدليسِ) كتَسويدِ شَعْرِ الجاريةِ وتَجعيدِه، وَجَمْعِ ماءِ الرَّحَى وإرسالِه عندَ عَرْضِها.
الخامسُ: (خِيارُ الْعَيْبِ) وهو ما يَنْقُصُ قِيمةَ الْمَبيعِ كمَرَضِه وفَقْدِ عُضْوٍ أو سِنٍّ أو زِيادتِهما، وزِنَا الرقيقِ، وسَرِقَتِه وإباقِه وبَوْلِه في الفِراشِ، فإذا عَلِمَ الْمُشْتَرِي العَيْبَ بعدُ بالخمس، ولكن ما ذهب إليه المؤلف أولى، أن يرجع في ذلك إلى العادة، فإذا قيل: من المُحَكَّم في العادة؟ هل كل أحد أو أصحاب الخبرة؟ طلبة: أصحاب الخبرة.
الشيخ: أصحاب الخبرة هم المحكمون في العادة، إذا قالوا: والله هذا غبن يخرج عن العادة، قلنا: يثبت الخيار، ولكن هل الخيار؛ أعني خيار الغبن، مقيد بشيء معين، أو متى حصل الغبن حصل الخيار؟ هذه المسألة فيها خلاف، أما المذهب فإن خيار الغبن مقيد أو مخصص بثلاث صور: الصورة الأولى: تلقي الركبان؛ يعني: أن يخرج عن البلد ليتلقى الجالبين إليه فيشتري منهم، ومن المعلوم أن هذا المتلقي سوف يشتري بأقل من الثمن، أليس كذلك؟ طالب: بلى.
الشيخ: هذا هو، قال النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى فَاشْتَرَى مِنْهُ -أي: من الجلب- فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ -وهو البائع- فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (1)، هذا خيار غبن.
وقوله: «فَهُوَ بِالْخِيَارِ» إذا قال قائل: الحديث مطلق «فَهُوَ بِالْخِيَارِ»، ولم يقل: إذا غُبِن؟ فالجواب: أنه يحمل على الغالب المعتاد؛ لأن الجالب إذا قَدِم للسوق، ولم يجد أنه غُبِن فإنه لن يختار الفسخ، إذ لا فائدة من الفسخ ثم البيع مرة أخرى، فيحمل أن قوله: «إِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» يعني: إذا غُبِن، وإن كان ظاهر الحديث الخيار مطلقًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 953

الصورة الثانية، قال: (بزيادة الناجش)، في هذا المتن قالوا: (بزيادة الناجش)، (الناجش) اسم فاعل من نَجَش يَنْجُش، وأصل النَّجْش الإثارة، إثارة الشيء؛ هذا نجشه، والناجِش: هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد الإضرار بالمشتري، أو نفع البائع، أو الأمرين جميعًا، تصورتم هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: مثال ذلك: يُسام على هذه السلعة، فصار الناس يتزايدون فيها، وكان أحد هؤلاء يزيد في الثمن وهو لا يريد الشراء، ولكن من أجل منفعة البائع؛ لأنه صاحبه، وإلا هو لا يريد السلعة، أو أنه يريد إضرار المشتري؛ لأنه أيش؟ عدوه، أو يريد الأمرين جميعًا: نفع البائع؛ لأنه صاحبه والإضرار بالمشتري؛ لأنه عدوه، أو لا يريد شيئًا، وإنما يريد أن يقول الناس: فلان -ما شاء الله- يزيد في هذه السلعة الكبيرة؛ معناه أنه عنده فلوس وتاجر، ممكن ولّا غير ممكن؟ طلبة: ممكن.
الشيخ: ممكن، المهم، الضابط هو أن هذا الناجش يزيد وهو لا يريد الشراء، إنما يريد غرضًا آخر، فإذا غُبِن المشتري بسبب هذه الزيادة فإن له الخيار، لكن غُبِن غبنًا يخرج عن العادة، ويعني أن المشتري بعد أن بيعت عليه السلعة فكَّر، وإذا ثمنها زائد بسبب النجش، فهنا له الخيار.
والنَّجْش مُحَرَّم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم نهى عنه، قال: «لَا تَنَاجَشُوا» (2)؛ ولأنه يورث العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأنه إذا عُلم أن هذا يَنجُش من أجل الإضرار بالمشترين كرهوه وأبغضوه، ثم عند الفسخ في الغبن ربما لا يرضى البائع بالفسخ، فيحصل بينه وبين المشتري عداوة، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن النجش، والحاصل: أن النجش حرام، وأن المنجوش إذا غُبِن غبنًا يخرج عن العادة فله الخيار.
الصورة الثالثة، قال: (والمسترسل)، المسترسل: هو المنقاد مع غيره، المطمئِن إلى قوله، هذا في اللغة.

الجزء: 2 - الصفحة: 954

المسترسل في اللغة: مسترسل مع فلان؛ يعني: انقاد معه، ووثق به، واطمئن إلى قوله، ولكنه في الاصطلاح: من جهل القيمة، ولم يُحْسِن المماكَسة، موجودة في الشرح: (من جهل القيمة، ولم يُحْسِن المماكَسة).
والمماكَسة: هي المحاطَّة في الثمن، وهي التي تُعرف عندنا بالمكاسرة ( ... )، فهذا الرجل مُسْتَرسل، أتى إلى صاحب الدكان قال: بكم هذه الحاجة؟ قال: هذه الحاجة بعشرة ريالات، وهو رجل يجهل القيمة، ولا يحسن أن يماكِس، فأخذها بعشرة، فلما عرضها على الناس، قال: اشتريتها بعشرة، قالوا: هذه بخمسة ريالات، قال: ما علمت، نسمي هذا مسترسلًا، له الخيار أو لا؟ له الخيار؛ لأنه إذا كانت قيمته خمسة واشتراها بعشرة، هذا غَبن يخرج عن العادة، فله الخيار.
فإن كان يعلم القيمة ويدري أن قيمتها خمسة، لكنه أخذها بعشرة تطييبًا لقلب البائع، كما يوجد بعض الناس مثلًا إذا رأى هذا الرجل الفقير عنده بسطة يسيرة صغيرة، قال: كم ( ... )؟ قال: بعشرة، ويعرف أنها بخمسة، فأخذها بعشرة، فهل يكون مسترسلًا.
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ طالب: لأنه فقد شرطًا.
طالب آخر: عَلِمَ.
الشيخ: لأنه يعلم القيمة، وكذلك لو رأى مع صبي، رأى معه دجاجة تساوي عشرة، قال: كم يا بني هذه؟ قال: هذه يا عم بعشرين، وإنها تساوي عشرة، لكن جبرًا لقلب هذا الصبي وإدخالًا للسرور عليه قال: خذ، هذه عشرين، ثم بعدئذٍ ندم، قال: كيف آخذ بعشرين ما يساوي عشرة؟ فرجع إلى الصبي، وقال: يا بني غبنتني، هل له الخيار؟ طلبة: لا، ما له الخيار.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: لأنه عالم بالقيمة.
الشيخ: لأنه يعلم القيمة، ودخل على بصيرة، فلا خيار له.

الجزء: 2 - الصفحة: 955

وقوله: (ولم يحسن المماكسة) ظاهره أنه إذا كان يحسن المماكسة فإنه لا خيار له ولو غُبِن؛ يعني: رجل يجهل قيمة الأشياء لكنه جيد في المماكسة، فأتى إلى صاحب الدكان، وقال له: كم قيمة هذا المسجِّل؟ قال: قيمته مئتا ريال، وصاحب الدكان وضع ورقة عليه صغيرة: القيمة مئتا ريال، الرجل هذا جيد في المماكسة، لكن ظن أن هذه قيمته في الأسواق، فأخذ المسجِّل ثم لما عرضه على إخوانه، قالوا: هذا يباع في السوق بثمانين ريالًا، كم غُبِن؟ مئة وعشرين، فرجع إلى الرجل، وقال له: هذا بثمانين ريالًا، هل له الخيار أو لا؟ طالب: المذهب لا.
الشيخ: على كلام المؤلف لا خيار له، لماذا؟ لأنه يحسن المماكسة، يقدر يحاطّه في الثمن حتى يصل إلى ثمانين، ولكن الصحيح أن له الخيار، لماذا؟ لجهله بالقيمة ولتغرير البائع له، فلا ينبغي إلا أن نعامل البائع بنقيض قصده، لمَّا غرَّه نعامله بنقيض قصده، ونقول: له الخيار.
إذا كان هذا الرجل يعرف البيع والشراء، ليش ما ماكسني؟ نقول: لا، هذا -جزاه الله خيرًا- وثِق بك، ولستَ أهلًا للثقة، والآن له الخيار.
ومن المناجشة -وهي أيضًا نوع من الاسترسال- أن يقول البائع للمشتري: أُعطيت في السلعة كذا -وهو يكذب- قال: أعطيت فيها مئتان، وهو كذاب، المشتري سوف يقول: إذا كانت سِيمَت بمئتين أنا أطلَّع السوق وأقول: مئتان وعشرة، وفعلًا اشتراها بمئتين وعشرة، وتبين أن قيمتها مئة وخمسون، له الخيار؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم له الخيار؛ وذلك لأنه غُبن على وجه يشبه النجش.
ومن ذلك أيضًا إذا قال: اشتريتها بمئة، وهو كاذب، اشتراها بخمسين، لكنه قال: اشتريتها بمئة فأخذها المشتري بمئة وخمسة ليربح بذاك الخمسة ريالات، وتبين أنه اشتراها بخمسين، له الخيار؟ طالب: له الخيار.
الشيخ: نعم، له الخيار؛ لأن هذا من النجش؛ فإنه استثار المشتري حتى اشتراها بأكثر من ثمنها.
فإن قيل: ما حكم النجْش، وما حكم أن يفعل ما يَسترسل معه المشتري؟

الجزء: 2 - الصفحة: 956

الجواب: كله حرام؛ لأنه خلاف ما يجب أن يكون عليه المؤمن لأخيه، فقد قال النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (3). فإن قيل: يوجد بعض الباعة إذا سُئل عن قيمة السلعة، قال: قيمتها مئة، وهو يبيعها بثمانين، لكنه يخشى أن يكون المشتري ممن يماكسون، فقال: إنها بمئة، على تقدير أنه سيماكس حتى تنزل إلى ثمانين، فهل يجوز له ذلك؟ الجواب: فيه تفصيل؛ إن كان حين يطمئن المشتري ويأخذها بما قدَّره فهذا حرام؛ لأنه من الغِش.
وإن كان إذا رأى المشتري عازمًا على الأخذ، قال له: اصبر يا أخي، أنا قلتُ لك: بمئة؛ لأن بعض الناس يماكسني ويضطرني إلى أن أنزِّل، ولكن قيمتَها الحقيقية ثمانون؛ فهذا جائز، وإن كان فيه شيء بالنسبة للبائع، لكن هو الذي جنى على نفسه؛ لأنه إذا قال: يا أخي القيمة ثمانون، لكني أنا قلت لك: بمئة خوفًا من المماكسة، فإن المشتري سوف لا يطمئن أيضًا إلى أن القيمة ثمانون، لكن نقول: أنت الذي جنيت على نفسك.
ولهذا تجد بعض المشترين إذا قال له البائع هذا الكلام يأنف ويستنكف ويذهب إلى غيره، لكن نقول: أنت الذي فعلت، قل: الثمن ثمانون ولا مماكسة، مثل ما يقول: كلام واحد، كلام واحد ما فيه؛ إن أخذ فهذا المطلوب، وإن لم يأخذ فالسلعة باقية.
يوجد بعض الناس إذا جاءه الرجل المحنك الجيد في المماكسة، على طول ( ... ) بالثمن، وإذا جاءه الرجل الذي يكون سليم الصدر ولا يعرف، أو امرأة، أو فتًى شابّ لا يعرف الأمور زاد عليه في الثمن، ما الحكم؟ يجوز ولّا لا؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: هذا حرام، لا يجوز أن يأخذ الناسَ بالغِرَّات، الإنسان الغَرير له ثمن، والإنسان الذكي الجيد له ثمن، هذا حرام، الواجب أن يكون مخلصًا ناصحًا للعباد؛ لأن هذا من الدِّين.
فتبين الآن أن الغبن له تعريف، وله محل، وله حكم.
تعريفه أيش؟ أن يُغبَن المشتري غبنًا يخرج عن العادة.
حكمه: حرام.

الجزء: 2 - الصفحة: 957

محله: ثلاثة، وإن شئتم صوره ثلاثة.
الأول: تلقي الركبان، والثاني: النجش، والثالث: الاسترسال.
فإن قال قائل: هل الغبن يكون للبائع أيضًا؟ بمعنى أن البائع يكون هو المغبون؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ( ... ). طلبة: نعم يكون.
الشيخ: كيف يكون؟ طالب: بالثمن.
طالب آخر: يكون بأن يأتي مثلًا رجل يشتري سلعة، وهو يعرضها للبيع، فيقول: هذه في السوق لا تباع إلا بثمانين، وهي تباع في الحقيقة بمئة وخمسين، فيقول البائع: بعتك إياها بثمانين؛ ظنًّا منه أن هذا هو الحق، فهذا المغبون عندما يرى أنا السلعة تُباع أكثر من هذا.
طالب آخر: كذلك في الثمن أن يُعطى دراهم مغشوشة.
الشيخ: لا، هذا عيب، وسيأتي.
طالب: تلقي الركبان، أليس من هذه الصورة؟ الشيخ: ويش؟ الطالب: الراكب يأتي معه بضاعة يبيعها في السوق بثمن على أساس أنها بهذا الثمن، فإذا .. الشيخ: الغبن لمن؟ الطالب: للبائع هذا.
طالب آخر: يا شيخ، الصحيح أنه لا يغبن، والصورة التي ذكرها الأخ تفريط من البائع؛ لأنه هو ما يعرف السوق.
الشيخ: نعم.
طالب: كأن يرتفع ثمن السلعة ولا يعلم البائع بذلك.
الشيخ: إي، هذه نفس اللي قالها الإخوان، فيأتي إنسان جيد ويشتريها، وهذه تقع كثيرًا، لا سيما فيما سبق من الزمان، مثلًا يأتي التاجر المعروف، يأتيه خبر بأن السُّكَّر ارتفعت قيمته، فيذهب إلى من عندهم السكر ويشتري كل ما عندهم بالقيمة الحاضرة، وهم لا يعلمون أن قيمته ارتفعت، فيكون غبنًا أو لا؟ غبن لا شك، هذا غبن، وهم لم يفرطوا في الواقع، البائع في الواقع لم يفرط في مثل الصورة التي ذكرت الآن؛ لأنه باع على أن هذه هي القيمة، وأن الأسعار مستقرة.
والحاصل أنه كما أن للمشتري الحق إذا غُبن في فسخ البيع، فللبائع الحق إذا غُبن في فسخ البيع، ولا فرق.
طالب: البائع إذا كان له سلع مختلفة، بعضها يبيعه بالجملة وبعضها .. الشيخ: أَعِد.

الجزء: 2 - الصفحة: 958

الطالب: البائع له بضائع مختلفة، يبيع بعضها بالجملة؛ يعني: بسعر خاص، بويع أرخص من السعر الثاني، وإذا جاء الشارون؛ يعني إذا أتوا إليه ( ... ). الشيخ: الشارون أو المشترون؟ الطالب: المشترون.
الشيخ: نعم؛ لأن الشاري هو البائع.
الطالب: صحيح، يبيعه بسعر آخر أردأ من الإجمالي، هل هذا يمكن فيه الغبن؟ الشيخ: هل هذا يخرج عن العادة؟ هذه عادة الناس، يفرقون بين الجملة وبين المفرَّق.
طالب: إذا اشترى السلعة وكان يقول: بمئة وخمسين، قال: أنا أشتريها منك بمئة وخمسين، فإذا وجدتها في السوق بمئة فأرجع فلك السلعة.
الشيخ: فإذا؟ الطالب: إذا وجدتها في السوق بمئة أرد لك السلعة.
الشيخ: إذا وافق فلا بأس، وهذا من باب تحقيق الفسخ، لكن كما قلنا سابقًا: ينبغي أن يحدَّد، يقول: أنا بدوَّر في السوق إن وجدتها أرخص في خلال يوم أو يومين ( ... ). طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كيف يضر الناجش البائع؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: الناجش كيف يضر البائع؟ الشيخ: إي نعم، ما يتصور أن الناجش يضر البائع، يضر بالبائع؟ ! الناجش ينفع البائع، أو يضر المشتري، أو يريد نفع البائع وضرر المشتري جميعًا.
طالب: بالنسبة يا شيخ عندما قلنا: إنه يبيع بمئة ويخلي فرقًا عشرين ريالًا عشان المماكسة.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو قلنا: إن السلعة أصلًا هي بثمانين مثلًا، ولكنه من جاء يماكسه نزَّل له بالخمسة أو عشرة؛ سبعين يعني، والذي لا يماكسه باعه بثمانين، فهل هذه تدخل في الصورة هذه أم .. الشيخ: لا، إذا كان هذا بالثمن المعتاد يعني؟ الطالب: المعتاد الثمن هذا.
الشيخ: إذا كان هذا هو الثمن المعتاد بين الناس، لكن هذا الرجل إنسان صلب مماكس ونزَّل له للمماكسة فيه دفعًا لأذاه، أو كان صديقًا له مثلًا وباع عليه بأنزل؛ هذا لا بأس به.

الجزء: 2 - الصفحة: 959

طالب: بعض التجار ينقلون البضاعة من منطقة إلى منطقة بعيدة، وإذا وصل المنطقة البعيدة يرفع السعر، ربما ( ... )؛ يعني الضعف، ويقول: هذه من أجل المسافة، هل هذا غبن؟ الشيخ: لكن هل قيمتها في البلد الثاني هي القيمة التي حددها أو أقل؟ الطالب: ربما لا توجد هذه الـ .. الشيخ: يعني يكون محتكرًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إذن ما يجوز.
الطالب: وإذا وقع هذا العقد؟ الشيخ: إذا وقع فله الخيار.
الطالب: لمن؟ الشيخ: للمشتري.
الطالب: المشتري لا يعرف الحد ( ... ). الشيخ: إذا علم.
الطالب: وإذا لم يعلم هل يبقى .. الشيخ: إذا لم يعلم هذا آثم.
الطالب: هل يذهب إليه ويرد عليه الثمن الزائد؟ الشيخ: إذا علم.
الطالب: من؟ الشيخ: إذا علم المشتري بالغبن له الخيار.
الطالب: وإذا لم يعلم يا شيخ؟ قال: هذا وقع.
الشيخ: ( ... ). الطالب: لا، بعض البائعين يتوب إلى الله عز وجل يقول: ( ... ). الشيخ: إذا كان يريد أن يتوب يذهب إلى المشتري، ويقول: يا أخ، ترى أنا في الواقع احتكرت السلعة ورفعت قيمتها بأكثر مما تسوى؛ لأن هذا يحسب أجرة النقل ويحسب أجرة الكسب، لا بد من شيئين.
لكن فيه مسألة ثانية قالها لي بعض الباعة غريبة، يقول: أنا أشتري ثيابًا -وليكن من جدة- بعشرين ريالًا الثوب، ثم آتي به -مثلًا إلى هنا في القصيم- وأقول: بثمانين؛ لأني إذا قلت للمرأة: القيمة عشرين، قالت: هذا ما نبغي الشين؛ لأن المرأة ( ... )، إذا قال لها: بعشرين فهو قيمته عشرون حقيقة، قالت: لا، هذا ما هو بزين، ولو قال لها: بمئتين، قالت: هذا الثوب الطيب، يلّا خذ.
هل يجوز أن يفعل هذا أو لا؟ طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: ولا يشترى منك.
طالب: ولو ما اشترى.
الشيخ: إيش تقول؟ طالب: أقول: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لكن إذا قال: ما يشترى مني وأيش أسوي؟ طالب: لا يشترى.
طالب آخر: يشترى بالحلال.
طالب آخر: لا يسوي الحرام.
الشيخ: ما نقول له: قل لها: إنه عليَّ بعشرين ولا أبيعه إلا بثمانين؟

الجزء: 2 - الصفحة: 960

طلبة: لا، ما تشترى.
طالب: نفس المسألة.
طالب آخر: يجيب ( ... ). الشيخ: لا، ( ... ) يدور المكسب، ويمكن يكون ما عنده دراهم تتحمل ( ... ). طالب: ما لا يدرك كله لا يترك كله.
الشيخ: ( ... ) على كل حال، المهم أن هذه يستعملونها بعض الناس، ولو قلنا لهم: هذا ما يجوز، قالوا: ما يشترى منا، ويش نسوي؟ الأخ اقترح أنه يشتريه طيبًا بقيمة -مثلًا- مئتين، ثلاث مئة، ثم يبيعه بالقيمة المرتفعة.
طالب: الواقع يا شيخ أن الباعة اللي يجلبون البضائع من جدة ويبيعونها هنا بسعر رخيص أن الناس يزدحمون عليهم حتى إلى الثانية ليلًا أحيانًا بعد منتصف الليل، وهم يفرغون من هذه البضايع وكذا، والناس .. الشيخ: هذا هو المتوقع، لكن السؤال يرد عليَّ كثيرًا، يقولون: إذا فعلنا هذا ترى هذا ( ... ). الطالب: إذن لا يبيعه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3]، فالرزق معلق التقوى.
الشيخ: يعني على كل حال نقول: ما يجوز؟ ( ... ) طالب: شيخ، لو ( ... ) ثم اشترى منه؟ الشيخ: فله الخيار، لصاحبه الخيار؛ لأن هذا حق له، لكن هذا لا، قد نقول: إنه لا يعلم، وقد نقول بالإثم؛ لأنه ما دام اشترى منه قبل أن ينزل إلى السوق فهذا ممنوع.
طالب: هذا الرجل الذي جاء بالبضاعة مباعة ( ... ). الشيخ: ما كان يعلم.
الطالب: إي، وكانوا ( ... ). الشيخ: ويش اللي وقع له؟ طالب: تصدق بها.
طالب آخر: ويش السؤال؟ الشيخ: يتصدق بالزائد، يقول السؤال: إن هذا يشتري بعشرين ويبيع بثمانين ويقول: ما دريت أن هذا لا يجوز؟ هو على كل حال إذا كان هذا سعره في سوق البلد فلا عليه شيء، لكن أحيانًا يحتكر ما فيه أحد يورد إلا .. طالب: يا شيخ، هذا ما ذكره البائع ليس قاعدة مضطردة.
الشيخ: اللي هو؟ الطالب: يعني أنه لا يُشترى منه إلا بثمانين؛ لأنه يوجد من الناس من هو فقير ومسكين ومتوسط الحال.
الشيخ: إي، لكن أنا قلت لك: النساء ما ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 961

الطالب: ( ... ). الشيخ: هو الغالب هذا في النساء، لكن الرجال الظاهر أنه ما يجد ( ... )، لا بد يُشترى.
طالب: إذا علم يا شيخ البائع أن المشتري سوف يضطر إلى شراء سلعة حتى لو كانت غالية، فقال له: هذه بعشرين ولن أبيعها ( ... )، يعلم أن المشتري سوف يغبنه.
الشيخ: الإمام أحمد كره ذلك، كرهه، وهو جدير بأن يُكره؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (3)، إذن مثل هذا ما يجوز، يتحين ضرورته، ويقول: ما أبيع عليك إلا بكذا.
طالب: يا شيخ، المسألة التي ذكرها أليست من باب الغبن؟ الشيخ: إذا ظهر أنه باع فله الخيار، لكن يسأل هل يجوز أو لا؟ الطالب: يعلم يا شيخ.
الشيخ: من اللي يعلم؟ الطالب: يقول: هذه بعشرين ولن أبيعها إلا بأزيد.
الشيخ: إي، خلاص ما فيها غبن.
الطالب: بدون ( ... ). الشيخ: لا، ما فيها غبن، لكن ما يجوز أن هذا يتحين ضرورته.
طالب: شيخ، بالنسبة فيه بعض المحلات معروفة بأنها محلات غالية، ولا يأتيها إلا الأثرياء، فقد تكون السلعة عندهم بخمسين وفي المحلات الأخرى بعشرة ريالات، ألا نقول: إنه يجوز لهم أن يبيعوها؛ لأنه معروف الطبقة التي تأتي إلى هذه المحلات لم تأتِ .. الشيخ: ( ... )، إذا كان يفرق بين أهل البلد وعارف أن هذه محلات كبيرة وأجورها كبيرة وخدمها اللي فيها ( ... ) ويحتاج إلى ربح بيِّن ( ... )، وإلا صحيح ربما تجد السلعة عند صاحب الدكان مثلًا بمئتين، تجدها مرصوصة مع البساطين .. طلبة: بخمسين ريالا أو عشرين.
الشيخ: إي نعم، بعشرين ريالًا، ولهذا صار التجار يتسلطون على أصحاب ( ... ) يمنعونهم؛ لأنهم يفسدون عليهم.
طالب: شيخ، قلنا: إن الناجش هو الذي يريد زيادة سلعة مع مضرة الـ .. الشيخ: لا، قلنا: الناجش من يزيد في السلعة وهو لا يريد الشراء.

الجزء: 2 - الصفحة: 962

الطالب: هو لا يريد الشراء، وقد يترتب عليه مضرة المشتري، إذا كان له غرض صحيح كأن يزيد في سلعة هي مِن منافع المسلمين، تدخل مالها المبيع به الثمن .. الشيخ: ما يجوز، حتى ولو كان كذلك.
الطالب: ولو كان لأجل رفع قيمتها في السوق.
الشيخ: إي، ولو كان لذلك؛ لأنه ما ( ... ) حق خاص؛ يعني بعض الناس يقول مثلًا: هذه الأموال تصرف في الإغاثة مثلًا أو في تسليح المجاهدين أو ما أشبه ذلك، يقول: أنا أزود لأجل تكون زيادة لهؤلاء، هذا حرام ما يجوز، إذا عرضت تباع بما عليه ( ... ). لكن فيه مسألة: لو كان هو لا يريد الشراء في الأصل، لكنه رأى أن الثمن الذي بذل فيها قليل، أن الثمن قليل، فصار يزوِّد وهو في الأصل ما يريدها، لكن صار يزود بناء على أن الثمن قليل، وأنها سوف تُرَبِّحه، حتى ارتفع الثمن ثم تركها، هل هذا جائز؟ طلبة: لا.
الشيخ: هذا جائز؛ لأن الإنسان غرضه إما أن يكون في نفس السلعة وإما أن يكون بربحها، فهو يقول: أنا زودت فيها ما دمت أعتقد أنني سوف أربح، فإذا ارتفعت قيمتها تركتها.
نقول: لك ذلك.
طالب: إذا كان إنسان ما يعرف قيمة السلعة، وهو لا يعرف المماكسة، وبضاعته ستؤخذ بدون قيمتها، الإنسان اللي يرفعها يرفعها ما يريد شراءها حتى تصل قيمتها .. الشيخ: أيش لون؟ الطالب: يعني: إنسان غر، ما يعرف .. الشيخ: البائع يعني؟ الطالب: إي، البائع.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مثل بضاعة تسوى مئة ريال وقد تؤخذ بخمسين ريالًا ( ... ) سأله حتى يستفيد رأيه، ويش لون ( ... )؟ الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ ينطبق عليه النجش ولّا لا؟ طلبة: لا.
طالب: ينطبق النجش.
الشيخ: ينطبق.
طالب: ظاهرًا يا شيخ.
الشيخ: ينطبق عليه النجش؛ لأن هذا أراد بزيادة الثمن .. طالب: لكن لمصلحة .. الشيخ: لمصلحة البائع.
طالب: ولو كان ( ... ). الشيخ: ما يخالف ( ... ) لا يبيعها البائع، إلا إذا وافقت على الخمسين، وقال: السعر خمسون، ( ... ). طالب: نفس المسألة التي ذكرناها قبل قليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 963

الشيخ: وهي؟ الطالب: ( ... ) أنه إذا كان الثوب أقل من القيمة، فيرفع الثوب ( ... ). الشيخ: لا، ما هي، اللي ذكرنا هو نفسه ما يريده، لكن يريد أن يشتريها ليربح فيها، فكان يزيد، لَمَّا وصلت إلى الثمن الذي يرده وما فيه ربح تركها، عرفت؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: هذا ما يجوز؛ لأنه الآن ينفع البائع على حساب؟ طالب: المشتري.
الشيخ: المشتري، لكن إن قلنا: إذا باعها بخمسين وهي تسوى مئة ( ... ) لعلك تعطيه مع الثمن خمسين ريالًا.
طالب: جزاك الله خيرًا ( ... ).


الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هي الحكمة من إثبات خيار المجلس للمتبايعين؟ طالب: أن الإنسان قد يتصرف التصرف الأول ثم يجبره فيما بعد ( ... ). الشيخ: الحكمة أن الإنسان يعطى مهلة حتى يتروَّى في العقد فيمضيه أو لا؛ لأن الإنسان أول وهلة يرغب في الشيء، ثم تزول رغبته، فجعل الشارع له أمدًا إلى التفرق.
هل يعتبر هذا من محاسن الشريعة؟ طالب: نعم، من محاسن الشريعة، حيث أعطت البائع والمشتري أيضًا .. الشيخ: البائع والمشتري، أعطت كل واحد منهما فرصة في الرجوع عن العقد.
تبايعا على أن لا خيار بينهما؟ طالب: تم البيع عند العقد.
الشيخ: تم؟ الطالب: نعم، إذا تفرقا.
الشيخ: تبايعا على أن لا خيار بينهما؟ الطالب: نعم، تم البيع.
الشيخ: إذا تفرقا؟ الطالب: سواء تفرقا أو لم يتفرقا.
الشيخ: يعني يلزم بمجرد؟ الطالب: العقد.
الشيخ: العقد، عندك دليل على هذا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (4).

الجزء: 2 - الصفحة: 964

الشيخ: أحسنت، هل هناك دليل على ثبوت خيار الشرط؟ طالب: يُستدل له من قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ»، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم إلغاء خيار المجلس، وهذا فيه تنقيص للمدة، والزيادة مثل النقصان إن لم تتناول ( ... ). الشيخ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يشمل الشروط المباحة فيها؛ لأن الشروط في العقود من أوصاف العقود، فتدخل ضمن قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
الملك مدة الخيارين لمن؟ طالب: ( ... ). الشيخ: كلام المؤلف قبل كل شيء.
الطالب: كلام المؤلف أنه ( ... ). الشيخ: الملك مدة الخيارين؟ الطالب: نعم.
الشيخ: للمشتري؟ الطالب: إي.
الشيخ: سواء الثمن أو المثمن؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: حتى ملك الثمن للمشتري؟ الطالب: لا، ملك الثمن للبائع، ولكن ( ... ). الشيخ: نعم، وملك الثمن المعين؟ الطالب: للبائع.
الشيخ: للبائع، الدليل؟ الطالب: لأنه لو تلف عنده .. الشيخ: الدليل، ما هو التعليل.
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (5)، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ( ... ). الشيخ: لما جعل ماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع علم أن العبد انتقل للمشتري، واضح يا جماعة؟ واضح الدليل؟ طلبة: واضح.
طالب: أقول: ما دام أنه جعل المبيع طبقًا للمشتري ( ... ). الشيخ: ما دام جعل المال للبائع عُلم أن العبد لمن؟ طالب: للمشتري، وبالتالي صار الثمن ملكًا أيضًا للبائع.
الشيخ: نعم.
رجل اشترى بيتًا وشرط الخيار لمدة عشرة أيام، يجوز؟ طالب: إي نعم.
طالب: ابتداؤه ( ... ). الشيخ: من العقد.
الطالب: من العقد لا يجوز، ( ... )، إلا مدة تلي العقد.
الشيخ: اشترى بيتًا وشرط الخيار لنفسه عشرة أيام؟ الطالب: إي، صح.
الشيخ: ابتداؤه منين؟ الطالب: ابتداؤه من العقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 965

الشيخ: من العقد.
هل يجوز أن يتصرف المشتري في هذه المدة في المبيع؟ الطالب: نعم، يتصرف على الصحيح.
الشيخ: وعلى غير الصحيح؟ الطالب: على غير الصحيح على مدة ( ... ). الشيخ: هل يتصرف أو لا؟ الطالب: لا يتصرف.
الشيخ: لا يتصرف.
الطالب: وعلى الصحيح يتصرف، وعليه أجر المثل، إذا تصرف فعليه أجر المثل.
الشيخ: ما عندنا أجر، كيف أجر؟ في الإجارة هذا، ما تقوله في الإجارة، لكن هذا بيع، باع عليه هذا البيت واشترط الخيار لمدة عشرة أيام.
الطالب: نعم، يتصرف ( ... ). الشيخ: يتصرف؟ الطالب: نعم، يتصرف.
الشيخ: تصرف، هل يبطل خياره؟ الطالب: يبطل خيار المشتري، لا خيار البائع.
الشيخ: البائع ما له خيار أصلًا.
الطالب: قصدي تم البيع.
الشيخ: تم البيع، قال المؤلف: (تصرف المشتري)؟ الطالب: (فسخ لخياره).
الشيخ: الثالث من أقسام الخيار ما هو؟ طالب: خيار الغبن.
الشيخ: خيار الغبن؟ ما هو الغبن؟ الطالب: أن يبيع السلعة على من يجهلها.
الشيخ: لا، الغبن ما هو أصلًا؟ ويش الغبن؟ إذا قال: فلان غبنني.
ويش معناه؟ الطالب: خدعني.
الشيخ: خدعني، ما تقولون في هذا؟ طالب: الغلبة.
الشيخ: الغلبة؛ يعني: غلبني فلان.
هل يثبت خيار الغبن في كل شيء أو في أشياء معينة؟ طالب: يثبت في كل شيء إلا في ثلاث حالات: في تلقي الركبان، وزيادة الناجش، والمسترسل.
الشيخ: صح.
طلبة: العكس يا شيخ.
الشيخ: كيف؟ طالب: يقول: يثبت إلا في ثلاث حالات.
الشيخ: لا، يثبت في ثلاث حالات.
طالب: قال: إلا.
الشيخ: يقول: لا يثبت إلا.
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، لا يثبت إلا في ثلاث حالات.
طالب: لا، قال: يثبت إلا في ثلاث حالات.
الشيخ: يثبت إلا؟ الطالب: هو قالها هكذا.
الشيخ: إي، أنا انشغلت في الورقة اللي جاتني، المهم، الصواب الآن: يثبت في ثلاث صور: تلقي الركبان، والنجش، والمسترسل، والصحيح العموم.
هذا يقول: مهم جدًّا.
والصواب مهم ولّا هام؟ طالب: هام.

الجزء: 2 - الصفحة: 966

الشيخ: هام جدًّا، الفرق بينهما: المهم الذي يُلحِق الإنسان الهم، والهام الذي هو هام في نفسه، هذا الفرق، وكثير من المعبرين لا يعرفون هذا الفرق، يجعلون (هام) بدل (مهم) و (مهم) بدل (هام).


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول رحمه الله: (الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيْسِ).
(التدليس) مأخوذ من الدُّلسة وهي الظلمة، ومعناه: خيار الإخفاء؛ لأن الذي يُخفي الشيء مدلِّس.
خيار التدليس ضابطه: أن يُظهر البائعُ السلعة بمظهر مرغوب وهي خالية منه، هذا سببه، فالتدليس إذن: أن يظهر البائع السلعة بمظهر مرغوب وهي خالية منه، هذا التدليس، ومعلوم أنه إذا أظهرها بمظهر طيب مرغوب سوف يزيد ثمنُها، أليس كذلك؟ ومنه فعل الصحابي -عفا الله عنه- حين وضع التمر السليم فوق التمر الذي أصابته السماء (6)، فإن هذا تدليس، ومنه أن يكون عند الإنسان بيت قديم فيُلَيِّسُه حتى يُظهره وكأنه جديد، ومنه أن يكون عنده سيارة مخدَّشة، فيضربها صبغًا حتى يظن الظانُّ أنه ليس فيها شيء، المهم أن التدليس: أن يُظهر الشيء بمظهر مرغوب وهو خالٍ منه.
مثاله -المؤلف رحمه الله وضَّحه بالمثال-: (كتسويد شعر الجارية) يعني: عند بيعها، عنده جارية يريد أن يبيعها، وشعرها أبيض؛ إما لآفة أو كِبَر، فيسوِّده؛ ليظن الظان أنها شابة صغيرة، هذا حرام، وفيه الخيار كما سيأتي.
(وتجعيده)، تجعيد أيش؟ شعر الجارية، (وتجعيده) معناه: أن يدهنه بدهن يجعله متجعدًا؛ يعني متعكرشًا؛ يعني كـ .. طالب: مموج يا شيخ.
الشيخ: كما يكون في جبال الرمل، النِّفْت.
طالب: مموج.
الشيخ: مموج؟ الطالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 967

الشيخ: يمكن هذا أقرب شيء؛ لأنه إذا ظهر مجعدًا دلَّ ذلك على أنه قوي، وضده السَّبِط اللَّين الذي لا يكون له تجعيد، فأيهما أرغب عند الناس الأول أو الثاني؟ الأول أرغب عند الناس، إذا كان الشعر قويًّا متجعدًا فهو أرغب من أن يكون لينًا سهلًا مسترسلًا، هذا الرجل لما أراد أن يبيع الجارية جعَّد رأسها من أجل أن يزيد الثمن، فنقول: هذا حرام لا يجوز؛ لأنه غش.
(وجَمْعِ ماء الرَّحَى وإرسالِه عند عَرْضِها)، هذا شيئان، لكنهما شيء واحد في الواقع، يجمع ماء الرحى ثم يرسله عند عرضها للبيع، الرحى كيف يكون لها ماء؟ فيه أَرْحِيَة تدور على حسب جريان الماء، فيجعل صاحبُ الرحى سدًّا ينحبس به الماء، فإذا أراد بيعها فتح هذا السد، ثم اندفع الماء بشدة وسرعة، فتدور الرحى دورانًا سريعًا، فيظن المشتري أن هذا هو وصفها، وأنها جيدة، وأن الماء يندفع بسرعة، فيزيد الثمن، هذا أيضًا من التدليس؛ لأنه أظهر المبيع بمظهر مرغوب فيه، وهو خالٍ منه.
فإذا قال قائل: كيف يكون للرحى ماء وهي ستطحن الدقيق؟ وهذا يقتضي أن يكون الدقيق عجينًا؟ نقول: لا، يُجعل عجلة -يعني: بكرة لها رِيَشٌ- يضرب بها الماء فتدور، ثم في هذه البكرة سَيْر متصل بالرحى البعيدة عن الماء، وهذا السير هو الذي يُدير الرحى البعيدة، ويشبه من بعض الوجوه جنزير السيكل، تعرفونه؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، يكون الذي يدير هذا بعيدًا عن الرحى، فيظن الظان أن هذا هو ماؤها، وأن هذه قوتها فيزيد في ثمنها.
إذن جمع الرحى وحده ولّا جمعه وإرساله؟ طلبة: جمعه وإرساله.
الشيخ: نعم، جمعه وإرساله عند عرضها.

الجزء: 2 - الصفحة: 968

اقتصار المؤلف -رحمه الله- على هذه الأمثلة الثلاثة: تسويد شعر الجارية، تجعيده، جمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها، لا يعني أنه لا يثبت إلا في هذا، بل هذه أمثلة، والضابط ما ذكرناه لكم: وهو إظهار المبيع بصفة مرغوب فيها وهو خالٍ منها، من ذلك: تصرية اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، تصرية؛ يعني: جمع اللبن في ضرع البهيمة، وهو مُحَرَّم، قال النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ» (7)، فيربط ضرع البهيمة، ويجتمع اللبن في الضرع، فإذا جلبها في السوق ورآها المشتري ظن أن هذا عادتها، وأن لبنها كثير، فيزيد في ثمنها، إذا وقع هذا من البائع -أعني التدليس- فماذا يصنع؟ نقول: أما التصرية فإن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم حكم فيها بحكم الله -عزّ وجل- قال: «وَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ -أي: بعد التصرية- فَهُوَ بِالْخِيَارِ؛ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ»، وفي رواية: «هُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» (8)؛ يعني: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل له الخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسك وإن شاء رَدَّ، وجعل له الثلاثة؛ لأجل أن يستقر اللبن؛ لأنه ربما يستقر على هذه الكثرة، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر، إن شاء أمسكها، وربما يمسكها ولو كان لبنها قليلًا؛ لأنه يريد عين هذه البهيمة أو يمكن يرتفع السعر في أثناء هذه المدة، فيختارها ولو كان لبنها قليلًا، لكن إذا قال: أنا أريد أن أردها.
نقول: لا بأس، رُدَّها ورُدَّ معها صاعًا من تمر.
وحينئذٍ يرد إشكال: أولًا: كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو حكم بأن يُرد معها صاع من تمر، والإشكال هنا: هذا الصاع من التمر هل هو عوض عن اللبن الحادث بعد العقد، أو هو عوض عن اللبن الموجود حين العقد؟ طلبة: الثاني.

الجزء: 2 - الصفحة: 969

الشيخ: الثاني، هذا الصاع عوض عن اللبن الموجود حين العقد؛ لأن اللبن الموجود حين العقد مُلك لمن؟ للبائع، أما ما حدث بعد العقد فهو ملك للمشتري، وقد سبق أن نماء المبيع لمن؟ للمشتري، له نماؤه المنفصل.
ثانيًا: لماذا قدره بصاع، وهو قد يساوي أكثر من صاع، وقد يساوي أقل؟ نقول: قدره النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم بصاع قطعًا للنزاع؛ لأنه ربما يتنازع المشتري والبائع، فيقول البائع: اللبن فيها كثير، والمشتري يقول: فيها اللبن قليل، فقطعًا للنزاع قدره النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم وقوَّمه للأمة إلى يوم القيامة قطعًا للنزاع.
ثالثًا: لماذا لم يقل: صاعًا من طعام، وجعله كالفطرة؛ من البُر، من الشعير، من الأقِط، من الزبيب، بل قال: صاعًا من تمر؟ نقول: لأن التمر أقرب ما يكون إلى اللبن، ففي اللبن حلاوة، وفي اللبن غذاء، والتمر كذلك، فهو أقرب ما يكون شبهًا بالتمر، لو أنك أردت أن تشبه بين اللبن والخبز لوجدت الفرق أكثر، لكن اللبن والتمر متقارب، وكله يؤكل طريًّا بدون كلفة وبدون طبخ؛ يعني يؤكل ويشرب.
رابعًا: لو أراد المشتري أن يرد اللبن الذي حَلَبه، وقال للبائع: أنا حلبتُ صاعًا من اللبن أو نصف صاع من اللبن، وهو موجود الآن أرده عليك بعينه.
فهل نقول: إنه يجب على البائع أن يقبله؛ لأنه رد عليه عين ملكه، أو نقول: إن الشرع ورد بتقديره من التمر، فلا نعدل عما جاء به الشرع؟ طالب: الثاني.
طالب آخر: الأول.
الشيخ: اختلفتم كما اختلف العلماء من قبلكم، بعض العلماء يقول: إذا رده بحاله لزم البائع أن يقبل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل هذا عوضًا عنه؛ لأنه في الغالب أن المشتري إذا حلبه استهلكه؛ هذا الغالب.
وبعض العلماء يقول: إنه لا يُجبَر على قبول اللبن؛ لأنه باع اللبن متصلًا بالبهيمة، وفصَله المشتري، فكان عُرضة للحموضة والفساد، والتمر جنسٌ عيَّنه الرسول عليه الصلاة والسلام فلا نتعداه.

الجزء: 2 - الصفحة: 970

وعندي أن هذا أقرب إلى الصواب، لو لم يكن فيه إلا اتباع السنة لكان كافيًا، فيقال للمشتري إذا أراد أن يرد اللبن نقول: لا، رد صاعًا من تمر، كما أن البائع لو قال: أعطني الحليب الذي حلبته، وهو عندك الآن لَمْ تشربه ولم تتصرف فيه، أعطني الحليب، وقال المشتري: أبدًا، أعطيك صاعًا من التمر، أيهما يُقبل؟ يُقبل الصاع ولّا المشتري؟ طلبة: الصاع.
الشيخ: لا يا أخي، يُقبل المشتري أن يرد الصاع، الصاع ما هو بيُقبل ولا يُرد، اللي يُقبل صاحبه، أنا قصدي بهذا تحديد عبارتكم، إذن يُقبل من قال: أرد الصاع؛ لأن البائع ربما يقول للمشتري: أعطني اللبن الذي حلبت، وهو عندك الآن، واللبن يساوي ثلاثة آصع من التمر.
فيقول المشتري: لا أعطيك إلا ما قدره النبي صلّى الله عليه وسلّم.
إذن كل من طلب ما قدَّره الرسول صلّى الله عليه وسلّم وعيَّنه فهو .. أتموا.
طالب: فهو الأولى.
الشيخ: فهو المقبول، هو الذي يُقبل.
إذا كان اللبن لا قيمة له شرعًا، كما لو اشترى حمارة مُصَرَّاة، هل يرد صاعًا من تمر؟ طلبة: لا.
الشيخ: إذا قال المشتري: أنا عندي أتان صغيرة، واللبن هذا ما له قيمة بالنسبة للآدمي؛ لأنه حرام، لكن بالنسبة للأتان الصغيرة له قيمة ولّا ما له قيمة؟ له قيمة، فيقال: إن هذا ليس له قيمة شرعًا فليس له عوض، لكن لك الرد، ما دام قد دُلِّس عليك واشتريت حمارة مُصَرّاة فلك الرد.
فيما إذا دُلس عليه بغير التصرية؛ يعني: سُوِّد شعر الجارية، وأراد الرد، فهل نقول: لو اختار الإبقاء -الإمساك- مع الأرش هل له ذلك؟ لو قال المشتري: أنا أريد الجارية، لكن أريد الفرق بين قيمتها شابةً وقيمتها عجوزًا؟ نقول: لا، إما أن تردها، وإما أن تمسكها بدون أرش.
( ... )


طالب: قلنا فيمن اشترى أتانًا وكانت مصراة: إن له الرد، أما الذي يشتري الإبل والغنم فواضح أن له الرد؛ لأن كثرة اللبن في الضرع مقصودة، لكن كيف يكون لهذا الرد مع أن اللبن في الأتان لا يجوز؟

الجزء: 2 - الصفحة: 971

الشيخ: أنسيت أم غفلت؟ الطالب: لا، ما غفلت.
الشيخ: ولّا نسيت؟ الطالب: ولّا نسيت.
الشيخ: ويش قلنا يا جماعة؟ قلنا: يمكن عندها أولاد؛ جحوش صغيرات.
الطالب: ( ... ) الأتان الصغيرة، قلنا: يأخذ هذه الأتان، لكن اللبن عادي، في الإبل والغنم إنما يشتريه الإنسان ليشربه لا ليعطيه الأتان أو .. الشيخ: حتى الحمير، ما اشتراه ليشربه، معروفة.
طالب: ما ترضعه يا شيخ، إن صار لها ولد ما ترضعه.
الشيخ: أصبت لو كانت بعيرًا، أما أنت فلست من أهل الحمير، تَشْرَبْ.
طالب: ( ... ) فليس له الأرش.
الشيخ: نعم.
الطالب: أليس هذا يفتح باب التدليس ( ... )؛ لأنه يقول: أنا سوف أدلس، فإن اكتشفت فسوف ترد عليَّ بالأرش، ( ... ). الشيخ: هل التدليس معصية أو لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: معصية؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يقول العلماء: التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، يرفع الأمر إلى القضاء ويعزر.
الطالب: ( ... ) بالأرش أو بالرد أو بالإنظار.
الشيخ: هو على كل حال لو قيل بأن فوات الصفة المطلوبة كوجود العيب، لو قيل بهذا، لكن الفقهاء يقولون: لا، ما فيه أرش.
طالب: شيخ، لو ( ... ). الشيخ: يقول: لو أنه سلط أنوارًا قوية على الملابس والأجهزة اللي في الدكان، فظنها الإنسان مثلًا .. طالب: جديدة.
الشيخ: لا، جديدة أو عتيقة ما هي مشكلة.
طالب: جميلة.
الشيخ: لكن ظنها أجمل مما لو كانت الأنوار خفية، ما تقول؟ لو أكثر الفُرَج في الدكان -الفرج: الإضاءة- هل يكون تدليسًا؟ طالب: لا.
الشيخ: وهذه؟ الطالب: وهذا الرجل إذا فهم هذا مثل ( ... ). الشيخ: لا، ما أظن هذا تدليسًا؛ لأن هذا لا يعود إلى نفس السلعة، السلعة ما غُيرت.
طالب: ( ... ). الشيخ: بعد أن يحلبها.
الطالب: إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعًا من تمر.
الشيخ: صح.
الطالب: ( ... ). الشيخ: قبل حلبها؟ ويش يدريه أن التصرية قبل الحلب؟ ما يعلم التصرية إلا بعد حلبها.

الجزء: 2 - الصفحة: 972

طالب: لو اشترى شيئًا مصراة، بقرًا سواء أو إبلًا، ثم أراد أن يرجع لما تبين أنه ليس كما ظنه بالأول، وليس معه التمر، في بعض البلاد ما يوجد تمر.
الشيخ: صحيح، ماذا تقولون في هذا؟ يقول: في بعض البلاد ما فيه التمر؟ طالب: القيمة يا شيخ.
الشيخ: كيف؟ التمر ما له قيمة، ما فيه تمر، هل عندهم تين؟ طالب: لا، ما عندهم.
الشيخ: ويش أقرب شيء للتمر عندهم؟ الطالب: يعني قد يوجد بالسوق تمر ولكنه أغلى يا شيخ؛ لأنه لكثرة الندرة يكون .. الشيخ: الحديث «صَاعًا مِنْ تَمْرٍ» (7)، ولو كان بألف ريال، هو على كل حال، إذا رأى أن قيمة صاع التمر أكثر من قيمة البهيمة ما ( ... )، خليها.
طالب: ( ... ) العنب.
الشيخ: نعم.
طالب: الزبيب يا شيخ.
الشيخ: عندكم عنب؟ طالب: لا، الطعام اللي على الحبوب، اللي على الذرة ( ... )، الحبوب وغيرها.
الشيخ: الجواب الصحيح أنه إذا فُقِد التمر فما يقوم مقامه يجزئ عنه ( ... ). إظهار السلعة بوصف مرغوب وهي خالية منه، مثاله؟ طالب: مثاله تسويد شعر الجارية، وتصرية .. الشيخ: حتى تظهر وكأنها؟ الطالب: وكأنها شابة.
الشيخ: نعم، ما معنى قول المؤلف: (وجَمْعِ ماء الرَّحَى وإرسالِه عند عَرْضِها)؟ طالب: أن تكون الرحى تدور ببكرة، تدور هذه البكرة عن طريق الماء، فيجمع الماء ويحبسه، فإذا أراد أن يبيعها يطلق الماء دفعة واحدة؛ فتضخ وكأنها تدور سريعة ( ... )، فيظن المشتري أن هذا دورانها الطبيعي.
الشيخ: نعم، إذن (جَمْع ماء الرَّحَى وإرساله) ليس مسألتين.
الطالب: نعم، نفس المسألة.
الشيخ: بل هي مسألة واحدة.
هل التدليس حرام؟ طالب: نعم، التدليس حرام.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (9). الشيخ: أحسنت، إذن هو من الكبائر؛ لأنه رُتب عليه عقوبة، بارك الله فيك.
عَلم بالتدليس فماذا يصنع؟ طالب: إذا علم بالتدليس فهو مخيَّر -على المذهب- مخير بين الإمساك مع الأرش وبين الردِّ.

الجزء: 2 - الصفحة: 973

الشيخ: بين الإمساك مع الأرش -على المذهب- أو الرد.
الطالب: في غير التصرية.
الشيخ: في غير التصرية، الظاهر أنه فيه من يخالف، توافقون على هذا: أنه يمسك مع الأرش أو يرد إلا في التصرية؟ طالب: الإمساك صحيح بلا أرش.
الشيخ: كيف؟ الطالب: إما أن يمسك بلا أرش أو يَرُدَّ.
الشيخ: تمام، هذا هو الصحيح، هذا المذهب: يمسك بلا أرش وإلا يرُدَّ، إلا في مسألة واحدة، ما هي؟ طالب: التصرية.
الشيخ: التصرية؛ فإنه يردها؟ الطالب: إن انتفع باللبن يردها وصاعًا من تمر.
الشيخ: نعم، وهل خيار التدليس على التراخي أو على الفور أو مقيد بمدة؟ طالب: في التصرية مقيد بثلاثة أيام.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: وفي غير التصرية.
الشيخ: في التصرية يقيد بثلاثة أيام بعد الحلب، وغير التصرية؟ الطالب: على التراخي.
الشيخ: يرى بعض العلماء أنه إذا تبين التدليس فله الإمساك مع الأرش.
طالب: نعم يرى هذا بعض العلماء.
الشيخ: يرى هذا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: وجهه؟ الطالب: وجهه يقول: ما دام أنها ما تساوي هذه السلعة ما تساوي هذه القيمة فهو بالخيار؛ لأنه هو المخطئ.
الشيخ: اشتراها على أنها موصوفة بهذه الصفة، وتبين أنها خالية منها، فهو كالعيب، ولكن ظاهر حديث المصراة أنه؟ طالب: ظاهر حديث المصراة أنه ليس له أرش.
الشيخ: ليس له أرش؛ لأنه قال: «إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا» (7)، ولم يقل: أمسكها بأرش.
نعم، وهذا هو المذهب: أنه لا أرش له، يقال: إما أن تقبل على ما هي عليه وإما أن ترد، والمسألة فيها خلاف في غير المصراة، أما المصراة فالحديث ظاهر أنه ليس له أرش.


قال المؤلف رحمه الله: (الخَامِسُ) يعني: من أقسام الخيار.
(الخَامِس: خِيَارُ العَيْبِ).
(خيار) مضاف، و (العيب) مضاف إليه، وهو من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ يعني: الخيار الذي سببه العيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 974

والعيب ضد السلامة، فيقال: هذا مَعيب، وهذا سليم، يُقال في البهيمة التي لا تجزئ في الأضحية يقال: هذا عيب، والسالمة يقال: سليمة، فالعيب ضد السلامة، والمعيب ضد السليم.
لكنه هنا يقول المؤلف رحمه الله: (وهو ما يُنَقِّصُ قيمةَ المبيع).
فإذا كان هذا المبيع لولا هذا العيب لكان يساوي ألفًا، وبالعيب يساوي ثمان مئة مثلًا، هنا نقَّص قيمة المبيع، وظاهر كلام المؤلف أنه ولو كان النقص مما يُتغابن به عادة؛ يعني: لو كان النقص يسيرًا، كاثنين في المئة، فظاهر كلامه أن هذا عيب؛ لأنه أطلق فقال: (ما ينقص)، وكلمة (ما) اسم موصول تفيد العموم.
وقوله: (ما ينقص قيمة المبيع)، هذا هو الضابط، وما بعده فأمثِلة.
مثاله: (كمرضه)، ولو كان المرض يسيرًا؛ لأنه من الجائز أن هذا المرض يتطور حتى يتدهور، فإذا وَجد في المبيع مرضًا فله الخيار ولو يسيرًا، حتى وإن كان لا ينقص القيمة إلا شيئًا يسيرًا.
قال: (كمرضه وفقد عضو) يعني: وكفقد عضو، مثل: أن وجد أحد أصابعه مقطوعًا، فهذا فَقْد عضو، وظاهر كلامه -رحمه الله-: ولو كان خِصاءً، فإذا اشتراه على أنه فَحْل فتبين أنه خَصِي، فظاهر كلام المؤلف أنه عَيب؛ لأن هذا فَقْد عضو، حتى وإن زادت القيمة، ربما تزيد القيمة.
أما في الرقيق فظاهر أن الخَصي أرغب عند الناس من الفحل؛ لأنه أقل فتنة وشرًّا، وأما في البهائم فقد يكون الخَصي أرفع قيمة من الفحل، وقد يكون الفحل أرفع قيمة من الخصي، قد يشتري هذا الذكر من الضأن على أنه فحل من أجل أن يُنْزِيَه على الشِّياه، فإذا كان خصيًّا لم ينفع، فتنقص قيمته، وقد يشتريه للأكل على أنه فحل فيتبين أنه خصي، والخصي في الأكل أرغب عند الناس من الفحل؛ لأنه أطيب لحمًا وأكثر قيمة.
فعلى كل حال، الخِصَاء، الصحيح أنه ليس بعيب مطلقًا، وليس سلامة مطلقًا، بل على حسب مقاصِد المشترين: إذا قصدوا فحلًا فتبين خصيًّا فهو عيب، وإن كان الأمر بالعكس فليس بعيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 975

فإذا قال مشتري الرقيق: أنا أريد أن يكون فحلًا لعله في يوم من الأيام يتزوج ويأتيه أولاد، نقول: وإذا تزوج وأتاه أولاد ما فائدتك منه؟ ! لأنه إن تزوج بحرة فأولادها أحرار، وإن تزوج بمملوكة فأولادها لسيدها، ولن تستفيد من ذلك شيئًا، قال: لعلي إذا أعتقته تزوج وأنجب، نقول: وإذا تزوج وأنجب بعد إعتاقه فلا فائدة لك منه، والخصاء في الرقيق لا شك أنه رفعة لقيمته، وهذا أمر معروف.
إذن فَقْد عضو عيب، إلا في الخصاء ففيه التفصيل الذي سمعتم.
وفقد سِن، السن أليس عضوًا؟ لا، ليس عضوًا؛ لأنه في حكم المنفصل، ولهذا لو مسه الإنسان بشهوة؛ يعني: لو مس سن امرأته بشهوة، وقلنا: إنه إذا مس امرأته بشهوة انتقض وضوؤه، فمس سنَّها، وحدث منه أعلى شهوة إلا أنه لم يخرج منه شيء فإن وضوءه لا ينتقض؛ لأنه ليس عضوًا، في حكم المنفصل؛ فلهذا قال: (فقْد عضوٍ أو سن).
ولا يقال: هذا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن السن ليس من جنس الأعضاء حتى يقال إنه من باب عطف الخاص على العام، بل هو من عطف المغايِر على مغايِرِه.
إذا قال قائل: (فقْد عضوٍ أو سن) إذا كانا زائدين وفقدهما، هل هو عيب؟ طالب: عيب.
طالب آخر: ليس عيبًا.
الشيخ: ليش؟ لأن هذا زيادة خير، الأصبع الزائد يحاول الناس أن يقطعوه، وكذلك السن الزائدة، بعض الناس يكون عنده أسنان مترادفة زيادة، فإذا فُقد الزائد فليس بعيب.
ولهذا قال: (أو زيادتهما)، زيادة العضو عيب، زيادة السن عيب أيضًا؛ لأن ذلك يُنقِّص القيمة، فإذا كان له يدانِ من المرفق متساويتين، وقال المشتري: هذا عيب، وقال البائع: بل هذا زيادة خير، بدلًا ما يكون له يد واحدة تعمل صار له الآن اثنتان، يقال: يرجع إلى عرف الناس، إذا قالوا: إن قيمته تزيد بزيادة هذا العضو فلا بأس، فليس بعيب، لكن الغالب أنها عيب تَنقص قيمتها، حتى وإن كان يعمل بهما سويًّا.

الجزء: 2 - الصفحة: 976

يقول: (وَزنَا الرَّقِيقِ) أي: إذا زنى الرقيق فزناه عيب، وظاهر كلامه: ولو مرة واحدة؛ لأن ذلك ينقِّص قيمته، إذا تبين أن هذا الرقيق الذي اشتراه قد زنى، فإنه ستنقص قيمته كثيرًا، إن كان ذكرًا فالأمر واضح، وإن كان أنثى فكذلك، ولم يُفصح المؤلف سِنَّ الزاني، زنى الرقيق متى؟ حتى الصغير اللي له سبع سنوات ولّا والبالغ ولّا من بلغ عشرًا ولّا من؟ ما بيَّن، ولهذا اختلف الفقهاء -رحمهم الله- فقالوا: إن زنا الرقيق يُشترط أن يكون الرقيقُ قد بلغ عشرًا وأطلقوا.
ويحتمل أن يقال: إذا بلغ عشرًا في الرجال؛ في الذكور يعني، وإذا بلغ تسعًا من الإناث؛ لأن بنت التسع قد تحمل، وابن العشر قد يُحمَل له، وما دون ذلك لا حَمْل.
وقال بعض أهل العلم، بعض الفقهاء: العبرة بالبلوغ، زنا الرقيق إذا كان بالغًا؛ لأنه قبل ذلك ليس بمكلَّف.
ولكن الأقرب أن يحدَّد بعشر سنين في الذكور وبتسع سنوات في النساء، أما ما دون ذلك فيُنظر إن استمر به هذا الأمر فهو عيب، وإن كان وقع منه مرة واحدة فليس بعيب؛ لأن هذا يكثر فيما بين الصبيان الصغار.
(وسرقته) (سرقته) يعني أن يكون مسروقًا أو سارقًا؟ طلبة: سارقا.
الشيخ: أن يكون سارقًا، إذن فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله؛ يعني كذلك أيضًا إذا تبين أنه يسرق فإنه يعتبر عيبًا.
وظاهر كلامهم: ولو مرة واحدة؛ لأنه لا بد أن يخدشه، حتى لو تاب من السرقة ومن الزنا، فإن الناس لا يزال في نفوسهم شيء من ذلك، وليست المسألة مبنية على عدالته في دينه حتى يقال: إنه إذا تاب فقد زال فسقه، بل المسألة راجعة إلى عرف الناس، فإذا قالوا: إن زناه أو سرقته يوجبان أن تنقُُص قيمته فهذا عيب.
(وإباقه) (إباقه) يعني: هربه، إذا كان هذا الرقيق قد عُرف بالإباق، فهو عيب، كيف يكون عيبًا؟ لأنه يهرب، فيفوت على سيده، والإباق -لا شك- أنه ينقص قيمة المبيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 977

(وبوله في الفراش)، إذا كان يبول في الفراش فهو عيب، كيف؟ ويش علينا منه؟ إذا بال في الفراش يطهر الفراش وينتهي؟ طالب: ( ... ) فراش السيد.
الشيخ: لا، السيد يمكن يعطيه فراشًا له، لكن يقولون: إن هذا عيب، ولكن يجب أن يقيَّد إذا كان في سن لا يبول مثلُه في فراشه؛ لأن الصبيان الصغار، لو اشترى رقيقًا طفلًا، الطفل لا بد أن يبول في الفراش، فيكون المراد بقوله: (وبوله في الفراش) إذا بلغ سنًّا لا يبول في مثلها في الفراش.
وإذا كان به سَلَس، هل هو عيب؟ طلبة: عيب.
طالب: مرض.
الشيخ: إي نعم، هذا عيب، ومرض أيضًا.
عندي بالشرح: (وكونه أعسَر لا يعمل بيمينه عملها المعتاد) تعرفون الأعسر؟ الذي لا يعمل باليمين عملها المعتاد، ويعمل باليسار، يوجد بعض الناس الآن يعمل بيساره أكثر مما يعمل بيمينه، يكتب بيساره، ويرمي بيساره، ويضرب بيساره، ويسارُه هي التي فيها القوة، واليمين ما يعرف يصلح فيها شيئًا إلا الأكل، ولولا أنه نُهي عن الأكل بالشمال لأكل بشماله، هذا يسمى أعسر، فإذا اشترى عبدًا وتبين أنه أعسر فهو عيب، وقال بعض العلماء: إنه ليس بعيب، إذا كان يعمل بيساره عمل يمينه لو كان غيرَ أعسر فإن ذلك لا ينقص قيمته، بل ربما يكون عملُه باليسار أقوى.
ولهذا يقول بعض الناس: هذه ضربة أشدف.
تعرفون الأشدف؟ هو الأعسر، ما يضرب إلا باليسار، يقولون: إن ضرب الأعسر أشد، فإذا كان عمله بيساره أشد من عمله بيمينه فكيف يكون عيبًا؟ ! فيقال: نحن لا نجادل في مثل هذه الأمور، لدينا قاعدة نبني عليها: هل تنقص قيمته إذا كان أعسر؟ إذا قال أهل البيع في الرقيق: إنها لا تنقص فليس بعيب، وإن قالوا: تنقص فهو عيب.
طيب، أعسر يَسر؟ طالب: ليس عيبًا.
الشيخ: ليش؟ طالب: زيادة.

الجزء: 2 - الصفحة: 978

الشيخ: لأن هذا زيادة خير، والأعسر اليَسر الذي يعمل بيديه جميعًا على حد سواء، يوجد بعض الناس يعمل باليد اليمنى واليسرى سواءً، يكتب باليمنى ويكتب باليسرى، هذا نقول: إذا وُجد أعسر يسر فهو زيادة خير.
اقتصر الماتن على أمثلة، وزاد في الشرح عدة أمثلة كثيرة لا حاجة لقراءتها؛ لأن لدينا ضابطًا، وهو أن العيب كلُّ ما يُنقص قيمة المبيع.


(فَإذَا عَلِمَ العَيبَ بَعْدُ أمْسَكَهُ بَأرْشِهِ، وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصّحَةِ والعَيْبِ، أَوْ رَدَّه وَأخَذَ الثَّمَنَ).
(إذا علم) الفاعل من؟ المشتري، هذا إذا كان العيب في المبيع، أو البائع إذا كان العيب في الثمن المعين، يمكن هذا؟ نعم، بعت عليك شاة بمعز، الشاة مبيع والمعز ثمن، (فإذا علم) سواء المشتري أو البائع في ثمن معين.
وقوله: (بعدُ)؛ يعني: بعد العقد، وفيها إشكال، حيث كانت مرفوعة مع أنها ظرف زمان، ويجيب عن الإشكال .. طالب: قد يكون مضافًا إليه ونُوِي معناه.
الشيخ: فصارت؟ الطالب: مبنية على الضم.
الشيخ: إذن الحركة هنا حركة بناء أو إعراب؟ طلبة: بناء.
الشيخ: بناء، وأصلها: بعدَ العقد، إذا علم العيب بعد العقد، لكن حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه، وذكروا أن (قبل) و (بعد) لهما أربع حالات في هذه المسألة: إما أن يُذكر المضاف إليه، أو يُنوى لفظه، أو يُحذف ويُنوى معناه، أو يُحذف ولا يُنوى معناه.
الأقسام؟ طالب: أربعة.
الشيخ: عدَّها.
الطالب: أن يُذكر المضاف إليه، أن يُحذف ويُنوى معناه، أن يُحذف وينُوى لفظه، أن يُحذف ولا يُنوى لفظه ولا معناه.
الشيخ: إذا حُذف ولم يُنوَ لفظه ولا معناه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 979

أَمْسَكَه بأَرْشِه , وهو قِسْطُ ما بينَ قِيمةِ الصِّحَّةِ والْعَيْبِ، أو رَدَّهَ وأَخَذَ الثَّمَنَ، وإن تَلِفَ الْمَبيعُ أو عَتَقَ العبدُ تَعَيَّنَ الأَرْشُ، وإن اشْتَرَى ما لم يَعْلَمْ عَيْبَه بدونِ كَسْرِه كجَوْزِ هِنْدٍ وبَيْضِ نَعامٍ فكَسَرَه فوَجَدَه فاسدًا فأَمْسَكَه فله أَرْشُه , وإن رَدَّه رَدَّ أَرْشَ كَسْرِه، وإن كان كبيضِ دَجاجٍ رَجَعَ بكلِّ الثَّمَنِ، وخيارُ عيبٍ مُتَرَاخٍ ما لم يُوجَدْ دليلُ الرِّضَا، ولا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمٍ ولا رِضًا ولا حُضورِ صاحبِه، وإن اخْتَلِفَا عندَ مَن حَدَثَ العيبُ، فقولُ مُشْتَرٍ معَ يمينِه، وإن لم يَحْتَمِلْ إلا قولَ أحدِهما قُبِلَ بلا يَمينٍ.
السادسُ: خِيارٌ في البيعِ بتَخبيرِ الثَّمَنِ متى بانَ أَقَلَّ أو أَكْثَرَ، ويَثْبُتُ في التوليةِ والشَّرِكَةِ والْمُرَابَحَةِ والْمُواضَعَةِ، ولا بدَّ في جميعِها من مَعرفةِ الْمُشْتَرِي رأسَ المالِ، وإن اشْتَرَى بثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لكن حُذِف المضاف إليه ونُوِيَ معناه، وذكروا أن (قَبْل) و (بَعْد) لهما أربع حالات في هذه المسألة: إما أن يُذكر المضاف إليه، أو يُنوى لفظه، أو يُحذف ويُنوى معناه، أو يُحذف ولا يُنوى معناه.
الأقسام؟ طالب: أربعة.
الشيخ: عدَّها؟ الطالب: أن يُذكر المضاف إليه، أن يُحذف ويُنوى معناه، أن يُحذف ويُنوى لفظه، أن يُحذف ولا يُنوى لفظه ولا معناه.
الشيخ: طيب، إذا حُذف ولم يُنوَ لفظه ولا معناه فهو مُعرب مُنوَّن، ومنه قول الشاعر:

فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا أَكَادُ أَغَصُّ بِالْمَاءِ الْفُرَاتِ

الشاهد قوله: وَكُنْتُ قَبْلًا.
طيب، إذا حُذف المضاف ونُوِي لفظه فهو مُعرَب غير مُنوَّن، فتقول: أتيت من قَبْلِي فوجدت صاحبي، هنا مُعرب غير مُنوَّن؛ لأنه نوي لفظ المضاف إليه.
إذا حُذف لفظه ونوي معناه فحينئذٍ يُبنى على الضم، فتقول: أتيت من قَبْلُ -يعني من قبل هذا الزمن- فوجدت صاحبي.

الجزء: 2 - الصفحة: 980

الرابع: أن يُذكر المضاف إليه، فحينئذٍ يعرب، وبالطبع لا يُنوَّن؛ لأن الشاعر يقول لمخاطَبِه:

كَأَنِّيَ تَنْوِينٌ وَأَنْتَ إِضَافَةٌ فَأَيْنَ تَرَانِي لَا تَحِلُّ مَكَانِي

طيب هنا نقول: حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه.
وهل يمكن أن يقرأها من قبل: (فإذا علم المشتري العيب بعدَ)؟ طالب: (بعدُ).
الشيخ: ما يمكن (بعدَ)؟ الطالب: ما يمكن، إلا إذا .. في العبارة هذه ما ينفع.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن المضاف إليه ليس مذكورًا.
الشيخ: طيب نُوِي لفظه.
الطالب: هنا القرينة تقتضي أنه نَوَى معناه.
الشيخ: ويش القرينة؟ الطالب: قوله: (بعد).
الشيخ: قوله: (بعد) ما هي بقرينة، الإشكال عند (بعد) الآن.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ويش تقولون؟ طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، يجوز؛ لأن هذا على نية المتكلم، فإذا قال مثلًا: (فإذا علم المشتري العيب بعدَ) عرفنا أنه حذف المضاف إليه ونوى لفظه.
طيب، يقول: (أمسكه بأرْشه، وهو قِسْط ما بين قيمة الصحة والعيب).
(أمسكه) أي: أمسك المبيع الْمَعِيب.
(بأرْشه)، والأرش فسَّره المؤلف، (وهو قِسْط) أي فرْق (ما بين قيمة الصحة والعيب).
وقال: (قيمة)، ولم يقل: ثمن، والفرْق بين القيمة والثمن أن القيمة هي ثمنه عند عامة الناس، والثمن هو الثمن الذي وقع عليه العقْد، فإذا اشتريتُ ما يساوي ثمانية بستة، فالقيمة الثمانية، والثمن الستة.
ولهذا انتبهوا عند كتابة العُقود، لا تقل: باعه عليه بقيمة قدرها كذا وكذا، قل: بثمنٍ قدره كذا وكذا.
وما أكثر الكتاب الذين يخطئون في هذا، أو يقول: باعه بثمن قدره كذا وكذا والقيمة واصلة، بدلًا من أن تقول: القيمة، قل: الثمن، الثمن واصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 981

طيب، ولهذا قال: (قِسْط ما بين قيمة الصحة والعيب)، وكيف ذلك؟ يُقوَّم هذا الشيء صحيحًا، ثُمَّ يُقوَّم معيبًا، وتؤخذ النسبة التي بين قيمته صحيحًا وقيمته معيبًا، وتكون هي الأرْش، فيُسقط نظيرها من الثمن، مثال ذلك: باع سيارة قيمتها مئة، باعها بخمسين ألفًا وقيمتها مئة، ثم تبيَّن بها عيب، وقلنا لأهل الخبرة: قدِّروا العيب، قالوا: هي معيبة تساوي ثمانين وسليمة تساوي مئة.
كم الأرش الآن؟ طلبة: عشرون.
الشيخ: خطأ.
الطلبة: الخُمس.
الشيخ: إي، قُل: الخمس، ولهذا (قِسْط ما بين).
طالب: العشر يا شيخ.
طالب آخر: عشر ريالات.
الشيخ: يا ناس، الأرش الْخُمس، أضف هذا إلى الثمن، الثمن كان خمسين ألفًا، كم ينقص؟ عشرة آلاف، شوف الآن لو قلنا: ينقص ما بين القيمتين كان ينقص من الثمن عشرون، وتبقى بثلاثين ألفًا، وهذا غلط.
فالحاصل أنه يُقدَّر بالقيمة، ثم يُنظر الفرق بين القيمتين المعيب والسليم، ويُسقَط من الثمن بمثل تلك النسبة؛ ولهذا قولكم في الأول: إن القسط عشرون نعتبره خطأ؛ لأنه لو قلنا: القسط عشرون لنزَّلنا من الثمن عشرين، لكن نقول: القسط بالنسبة هو الْخُمس، فنُسقط من الثمن الْخُمس.
طيب، ولو باعها بمئتين وتبين بها عيب، فقُوِّمت السيارة، وقيل: إن السيارة سليمة بمئة ومعيبة بثمانين، كم القسط؟ طالب: الخمس.
الشيخ: كم ننقص من الثمن؟ طلبة: أربعين.
الشيخ: أربعون ألفًا، طيب، إذن انتبهوا لهذا.
وقول المؤلف رحمه الله: (إن علم المشتري العيب بعدُ)، كلمة (بعدُ) تدل على أنه لو علم به قبل فإنه لا خيار له، لماذا؟ لدخوله على بصيرة.
طيب، فإن باعه بشرط البراءة من العيب، فقد سبق أنه إن أبرأه بعد العقد فالإبراء صحيح، وقبل العقد لا يصح؛ هذا المذهب، وتقدم أن القول الصحيح: إن أبرأه وهو مدلس -أي البائع- فإنه لا يبرأ سواء كان قبل العقد أو بعده، وإن كان غير مدلس صح؛ سواء كان قبل العقد أو بعد العقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 982

طالب: لو تعيَّبت سلعة قبل أن يكون .. فهل .. ؟ الشيخ: ما كان من ضمان المشتري فعليه ولا يرد، وما كان من ضمان البائع فهي كما لو تعيَّبت قبل العقد.
الطالب: ( ... ) يا شيخ؟ الشيخ: ما مر علينا هذا؟ أظنه مر علينا.
الطالب: قبل أن يخبره يا شيخ.
الشيخ: سبعة من ضمان البائع: ما بِيع بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو رؤية سابقة للعقد، أو صِفة، أو الثمر على رؤوس الشجر، فهذه من ضمان البائع، وما عدا ذلك فهي من ضمان المشتري.
طالب: ما بعد جت.
الشيخ: إذن نُؤجِّلها.
على كل حال القاعدة: إذا حدث العيب بعد العقد فما كان من ضمان البائع فهو كما لو حدث قبل العقد، وما كان من ضمان المشتري فلا خيار له.
طالب: شيخ، شخص تسلَّم سيارة جديدة، لما وداها للصيانة ( ... ) بالمعارض، السيارة تكلفت ثمان مئة ريال، جديدة السيارة، وبعد المعيب اللي حصل لها .. الشيخ: اتكلف ولا قيمتها؟ الطالب: قيمتها .. الشيخ: آه.
الطالب: وبعد المعيب أربعين ألفًا أو ثلاثين ألفًا، ما الفرق يا شيخ بالنسبة لـ .. ؟ الشيخ: النصف.
الطالب: النصف.
الشيخ: إي، صحيح؟ طالب: إذا ظهر الغرر في المبيع مثلًا في الغنم، وكل واحد يقول: هذا مرضه عرضًا بالغنم عنده لا .. الشيخ: سيأتينا، إذا اختلفا عندما حدث العيب.

طالب: شيخ، إن اشتراها بخمسين وإذا فيها عيب، وقبل أن يعلم بالعيب باع السلعة بمئة مثلًا قبل خمسين، ثم لما باعها أخبره المشتري الثاني أن فيها عيبًا، فهل يجوز له أن يرجع للأول مع أنه ( ... )؟ الشيخ: هل ردها؟ الطالب: ما ردها، بقيت عنده.
الشيخ: طيب، إن تصرف بها عالِمًا بالعيب فلا خيار له؛ لأن تصرفه يدل على رضاه بها، وإن لم يعلم فله الأرْش.
الطالب: حتى لو كان باعها بأكثر يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، حق له.

طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 983

الشيخ: ما شاء الله! الأرش ما هو؟ هو الفرْق بين قيمته معيبًا وقيمته سليمًا؛ هذا الأرْش، الفرق بين القيمتين هو الأرْش، لكنه يُقدَّر بالقسط، يعني مُشاعًا، إذا كان سليمًا بمئة ومعيبًا بثمانين، كم الأرْش؟ الطالب: الأرْش؟ الشيخ: إي، معيبًا بثمانين وسليمًا بمئة كم الأرْش؟ الطالب: عشرة.
الشيخ: سبحان الله! الطالب: عشرين.
الشيخ: عشرين؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا تقل عشرين، اذكُره بالنسبة مشاعًا، قل: الأرش خُمُس، حينئذٍ عُدْ إلى الثمن، فإذا كان الثمن خمسين فأسقِط عشرة؛ هذا المعنى.
طالب: مسألة زِنا الرقيق، الزِّنا نفسه ينقص قيمة المبيع؛ لأنه يدل على قُبح الرقيق، فما حاجة يا شيخ ( ... ). الشيخ: ويش تقولون في ها الكلام هذا؟ يقول: زِنا الرقيق لو ما له إلا خمس سنين، صبي يعبث بصبية كُبرى ما يعرف؟ ! ! كذا؟ طالب: نعم، ما يعرف شيئًا.
الشيخ: أبد ما يعرف.
طالب: لو سن التمييز؟ الشيخ: حتى سن التمييز ما أظنه يعرف.
طالب: اشترى شخص سيارة، ثم إنه جرَّبها وتفرَّقا وتبايعا على هذا وتقابضا، ثم بعد أن انصرف المشتري وجد بها عيبًا كبيرًا يُخِل بثمنها تمامًا، وينقص من ثمنها تمامًا، ويقول البائع: أنا لا أعلم هذا العيب مطلقًا.
الشيخ: إذا كان أبرأه فلا خيار له.
الطالب: ولا يردها عليه، ولا يرجع بها؟ الشيخ: إذا كان أبرأها معلوم، ما يرد.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ذكرنا القاعدة في نقصان القيمة في خيار بالعيب، كيف نُنزِّل مسألة العبد الخصي أو الفحل على هذه القاعدة؟ الشيخ: لا، على قاعدة الماتِن ما ننزل؛ لأنه ما ينقص قيمة المبيع أو عينه، المؤلف اختصره.
طالب: شيخ، لو اشترى رجل مسلم عبدًا من رجل كافر، والكافر لا يرى حُرمة الزنا؟ الشيخ: هو على حد سواء، ما هي بنفسها من جهة التكليف، من جهة هذا الخُلق الذميم.


الجزء: 2 - الصفحة: 984

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن تلف المبيع أو عَتَقَ العبد؛ تعين الأرش، وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره، كجوز هند، وبيض نعام، فكسرَه فوجده فاسدًا فأمسكه؛ فله أرشه، وإن رده رد أرش كسره، وإن كان كبيض دجاج؛ رجع بكل الثمن، وخيار عيب متراخٍ ما لم يوجد دليل الرضا، ولا يَفتقر إلى حُكم ولا رضًا، ولا حضور صاحبه، وإن اختلفا عند من حدث العيب؟ فقول مشترٍ مع يمينه، وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما قُبل بلا يمين.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
بَيِّن لنا العيب الذي يَثبت به الخيار؟ طالب: هو ما ينقص قيمة المبيع.
الشيخ: ما ينقص قيمة المبيع.
مثاله؟ الطالب: كزِنَا الرقيق.
الشيخ: كزنا الرقيق الذي له سبع سنوات.
طالب: الذي بلغ، الذي ( ... ) منه.
الشيخ: وهو من بلغ عشرًا.
ما هو الدليل على أن العيب فيه خيار؟ طالب: لأنه من التدليس والغش.
الشيخ: هذا يدل على التحريم.
الطالب: لأنه ثبت الخيار في التدليس.
الشيخ: في أي شيء؟ الطالب: كما في حديث الْمُصرَّاة، فإذا حَلَبَهَا فَهُو بِالخيار، إن شَاءَ أَمْسَكَها أو رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
الشيخ: إذن حديث المصرَّاة يُستدل به على ثبوت الخيار في العيب.
طيب، هل بوْل الرقيق في الفراش عيب؟ طالب: نعم، عيب.
الشيخ: عيب، ولو كان طفلًا؟ ! الطالب: لا، إذا كان الرقيق في السن الذي في مثله يعتبر بوله عيبًا على الفراش، فلا .. الشيخ: هل حدده الفقهاء؟ طالب: لم يحدده الفقهاء، لكن ينبغي أن يقيد بهذا القيد.
الشيخ: نعم.
طالب: ما حددوها يا شيخ، لكن قالوا .. الشيخ: ما وصلنا له.
طالب: قلنا: ينبغي أن يقيم.
طالب آخر: ذكرناها.
الشيخ: ذكرناها، طيب.
طالب: لا يبول من ( ... ). طالب آخر: قلنا يا شيخ: إن الراجح أن البالغ هو الذي يكون بوله عيبًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 985

طالب: اللي مثلهم لا يبول.
الشيخ: هذا اللي قاله أخونا هذا.
طلبة: لم يحددوه يا شيخ.
طالب: قول الفقهاء عشر سنين.
الشيخ: نعم، ذكرنا أن قول الفقهاء عشر سنوات، بول؟ طالب: هذا في الزنا يا شيخ.
الشيخ: يا إخواننا.
طالب: ما ذكرناه.
الشيخ: ذكرناه.
طالب: ( ... ) بصوت لازب.
الشيخ: إي، هذا جمع بين القولين! ! على كل حال هم يقولون: من بلغ عشرًا، وقلنا: إن الصحيح بوْل من لم تجرِ العادة ببوله في فراشه؛ هذا العيب.
طيب، حكم خيار العيب؛ يعني إذا اطَّلع المشتري على العيب، فماذا يكون؟ طالب: له أن يمسكه بأرْشه أو يرده.
الشيخ: له رده أو إمساكه بالأرش.
طيب، ما معنى إمساكه بالأرش؟ الطالب: أن يقوم المبيع معيبًا.
الشيخ: يُقوَّم المبيع معيبًا، أو يُقوَّم سليمًا؟ الطالب: يُنظر إلى قيمته سليمًا، ثم يُقوَّم معيبًا، وتُؤخذ النسبة وتُخصم من السعر.
الشيخ: نعم، إذن يُقوَّم سليمًا، ثم معيبًا، وما بين القيمتين فهو الأرْش، يُؤخذ بقسطه من الثمن.
إذا قُوِّم بمئة سليمًا وبثمانين معيبًا، وقيمته مئتان، كم من الأرش؟ طالب: يقال يا شيخ: النسبة الخمس.
الشيخ: كم من الأرش؟ الطالب: أن نُقومه أول شيء.
الشيخ: قوَّمناه سليمًا بمئة ومعيبًا بثمانين، والثمن مئتان؟ الطالب: تكون النسبة الخمس.
الشيخ: الخمس؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: كم يلزمه، كم من الأرش الذي يلزم البائع؟ هو باع بمئتين.
الطالب: عشرين يا شيخ.
الشيخ: عشرين؟ أنت تأبى، أنت قلت: إن الأرش الخمس، فهل خمس المئتين عشرون؟ الطالب: لا.
الشيخ: طيب، كم خُمس المئتين؟ طالب: أربعون.
الشيخ: طيب، إذن يكون الأرْش إذا كانت القيمة مئتين يكون الأرش أربعين.
طيب، إذا قُوِّم سليمًا بمئتين ومعيبًا بمئة وستين، وكان الثمن مئة، كم من الأرْش؟ طالب: يُقوَّم بمئتين.
الشيخ: قُوِّم بمئتين سليمًا، وبمئة وستين معيبًا، وكان الثمن مئة، كم من الأرْش؟ الطالب: الثمن مئة، والتقويم .. الشيخ: أيش الثمن مئة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 986

الطالب: الثمن مئة، والتقويم مئتان، ومع العيب مئة وستون.
الشيخ: كم من الأرش؟ الطالب: أربعون.
الشيخ: أربعون، انسبها للمئتين؟ الطالب: خمس؟ الشيخ: كيف خمس؟ أربعين إلى مئتين خمس؟ الطالب: أربعين إلى مئتين؟ الشيخ: إلى مئتين خمس؟ كل أحد يعرف هذه النسبة.
الطالب: يبقى مئة وستين يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، معيبًا بمئة وستين وسليمًا بمئتين، كم من النسبة؟ الطالب: خمس.
طالب آخر: شيخ، الثمن مع العيب مئة وستون، بدون العيب مئتان.
الشيخ: نعم.
الطالب: يكون الباقي أربعين.
الشيخ: إي، كم النسبة؟ الطالب: خمس، قلت لك.
الشيخ: متأكد؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيه إشكال؟ طيب، كم تُسقط من الثمن الذي هو مئة؟ الطالب: أربعين.
الشيخ: كم تسقط من الثمن الذي هو مئة؟ الطالب: عشرين.
الشيخ: عشرين؛ لأنه الخمس.
الآن عرفنا الأرش: هو قِسْط ما بين قيمته صحيحًا ومعيبًا، ويكون ذلك بالنسبة.
الخيار في ذلك لمن؟ طالب: الخيار للمشتري إن كان المعيب في المبيع، وللبائع إن كان المعيب في الثمن المعين.
الشيخ: أحسنت، الخيار للمشتري إذا كان العيب في المبيع وللبائع إذا كان العيب في الثمن المعين.
يقول رحمه الله: (أو رده وأخذ الثمن) واضح.
(وإن تلف المبيع أو عتق العبد تعين الأرش)، الآن المشتري بين خيارين؛ إما أن يرد وإما أن يأخذ الأرش، لكن يتعين الأرْش إذا تعذَّر الرد؛ هذه القاعدة: إذا تعذّر الرد تعيَّن الأرش.
بماذا يتعذَّر الرد؟ إذا تلِف المبيع المعِيب يتعين الأرش؛ رجل اشترى ناقة فوجد فيها عيبًا، ولكن الناقة ماتت قبل أن يردها، فيتعين الأرش.
اشترى عبدًا فأعتقه، ثم وجد فيه عيبًا؛ يتعين الأرش؛ لأنه تعذَّر الرد.
فإذا قال قائل: العبد موجود، كيف يتعذر الرد؟ قلنا: لكن عبوديته الآن زالت، فهو بمنزلة التلف المالي؛ يعني ماليته تلفت في الواقع.

الجزء: 2 - الصفحة: 987

طيب ويتعين الرد إذا لزم من الأرْش الربا، مثل: أن يبيع ذهبًا -حليًّا من الذهب- بوزنه دنانير، ثم يجد في الحلي عيبًا، فهنا لا يمكن أن يأخذ الأرش.
لماذا؟ لأنه يلزم منه الوقوع في الربا؛ إذ سيكون للمشتري ذهب بوزن الذهب الذي دفع، ثم يُزاد على ذلك الأرش.
وحينئذٍ نقول: القاعدة أو الضابط: إذا تعذَّر الرد تعين الأرش، وإذا لزم منه الوقوع في الربا تعين الرد.
فيُقال لهذا الذي وجد في الحلي عيبًا يقال: إما أن ترده، وإما أن تمسكه بدون أرش؛ لأنك لو أخذت الأرش لزم من هذا الربا، فلا يجوز.
طيب، صار عندنا الآن ضابطان، ما هما؟ طالب: أنه يتعين الأرْش إذا تعذر الرد.
الشيخ: نعم، أنه يتعين الأرْش إذا تعذر الرد.
والثاني؟ الطالب: أنه يتعين الرد إذا.
الشيخ: أفضى الأرْش إلى ربا، والمثال عرفتموه.
ثم قال: (وإن اشترى ما لم يُعلم عيبه بدون كسره كجوز هند، وبيض نعام فكسره فوجده فاسدًا فأمسكه؛ فله أرشه، وإن رده رد أرْش كسره).
(إذا اشترى ما لم يُعلم عيبه بدون كسره كجوز هند)، وجوز الهند كبير كبيض النعام أو نحوه، والمقصود منه فيما كان داخل القشر، كسره فوجده فاسدًا، أي وجد ما كان داخل القشر فاسدًا؛ هذا عيب.
فإذا كسره نقول: أنت الآن بالخيار، إن شئت أخذتَ الثمن، وإن شئت أخذتَ الأرش، لكن إن رددته وأخذتَ الأرش لزمك رد أرش الكسر.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا لم يكن هناك فساد في الكسر فإنه لا يرد أرْش الكسر، كما لو شذبه شذبًا متساويًا فصار قطعتين يمكن أن يُنتفع بهما على أنهما إناءان، فحينئذٍ نقول: لا أرْش لهذا الكسر، لماذا؟ لأنه لم يتأثر.
ثم نقول: إذا كسره كسرًا لا يبقى بعده قيمة، يعني لا قيمة له بعد هذا الكسر، مثل إن كسَّره، رضَّه رضًّا، فإنه حينئذٍ يتعين الأرْش؛ لأنه تعذَّر الرد.
فصارت هذه المسألة لها ثلاث حالات:

الجزء: 2 - الصفحة: 988

الحال الأولى: أن يكسره كسرًا متوازيًا بحيث يصلح أن يكون إناءً، ولا تنقص به القيمة؛ فهذا لا أرْش له؛ لأنه ما نقص.
والثانية: أن يكسره كسرًا لا تبقى معه قيمة؛ فيتعين الأرش؛ لأنه تعذر الرد.
والحال الثالثة: أن يكسره كسرًا تبقى معه القيمة، لكنها تنقص؛ فهذا يأخذ الأرش، أرْش الكسر، إذا رده رد أرش كسره، وإن أبقاه وأخذ الأرْش فهو حُرٌّ، يعني أنه على الخيار الأول.
فصار الذي يشتري ما لا يُعلم عيبه إلا بكسره، نقول له: أنتَ الآن بالخيار، إن شئت رددته وأرش كسره وأخذت الثمن، وإن شئت أبقيته وأخذت أرش العيب.
لكن في مسألة الرد له ثلاث حالات كما قلنا: إن بقي له قيمةٌ بعد الكسر رده ورد أرْش الكسر، وإن لم يبقَ له قيمة تعيَّن الأرش للمشتري، وإن لم تنقص قيمته بكونه كسره كسرًا مُحكمًا يصح أن يكون أواني فإنه يرُده بلا أرش؛ لأنه لم ينقص، يرده ويأخذ الثمن ولا أرش عليه.
(وإن كان كبيض دجاجٍ رجع بكل الثمن) لماذا؟ لأنه تبين أن البيع فاسد؛ لأن بيض الدجاج لا ينتفع الناس بقشره، بل يُرمى في الزبالة، فإذا كسر بيض الدجاج فوجده فاسدًا لا يصلح للأكل؛ فإنه يرجع بكل الثمن، من الذي يرجع بكل الثمن؟ المشترِي، لماذا؟ لأنه تبين أن العقد عليه فاسد؛ إذ من شرط العقد أن يكون على عين يُنتفع بها، وهذا لا نفْع فيه.
طيب، إذا كان كبطيخ، اشترى بطيخة؛ حبحبة، تعرفون الحبحبة؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب، فلما شجها وجدها فاسدة.
طالب: ( ... ). طالب آخر: ( ... ). الشيخ: يا إخواننا! ما يرجع بكل الثمن؛ لأن هذه البطيخة يمكن أن تكون علفًا للدواب، أليس كذلك؟ إذن لا يرجع بكل الثمن.
يُقال له: لكَ أن تردها، ولكن ترد أرش الشق الذي حصل منك، والفرق بينها وبين البيض أن البيض لا ينتفع بقشره بخلاف البطيخة.
في مسألة بيض الدجاج، لو قال البائع: أعطني القشور، إذا كنت الآن تقول: إن العقد فاسد أعطني القشور؟ يلزمه أو لا؟ طلبة: لا يلزمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 989

الشيخ: لماذا؟ لأنه لا قيمة لها عادة، وتُرمى في الزبالة.
ثم قال: (وخيار عيب متراخٍ ما لم يوجد دليل الرضا) خيار العيب متراخٍ؛ يعني أنه لا يلزم المشتري أن يُطالِب بالعيب من حين أن علِم به، بل له أن يُؤخِّر الطلب، فإذا علِم بالعيب في أول النهار، ولم يطالِب بالرد إلا في آخر النهار فله ذلك، لكن لو قلنا: إنه على الفور لكان إذا علم في أول النهار ولم يُطالِب بالرد إلا في آخره ليس له خيار.
ولكن نقول: إنه على التراخي؛ لأنه حق للمشتري، ولا يسقط إلا بما يدل على إسقاطه، ولهذا قال: (ما لم يُوجد دليل الرضا).
دليل الرضا له صور: الصورة الأولى: أن يُصرِّح بذلك؛ بأن يقول لصاحبه: باع فلانٌ عليَّ حاجة فوجدتها معِيبة، ولكن نظرًا لحقه عليَّ فأنا راضٍ بذلك ولن أطالبه بالرد.
هذا صريح، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: إذن لا يمكن أن يرُد بعد هذا القول.
الصورة الثانية: أن يتصرف فيه، بعد أن علم بالعيب باعه، أو أوقفه، أو رهنه، أو ما أشبه ذلك.
فهذا على المذهب يسقط خياره؛ لأن تصرفه به دليل على رضاه به، ولكن الصحيح أن في ذلك تفصيلًا؛ فإن قال: إني تصرفت فيه راضيًا بالأرْش وعدم الرد فله الأرْش، وإن قال: تصرفتُ فيه مُسقِطًا للخيار سقط خياره؛ لأن هذا الأمر يعود إلى نيته، فإن قال البائع: أنا أريد أن أُحلِّفه أنه إنما تصرف فيه راضيًا بالأرْش لا بالعيب، فإنه يُحلَّف، ويقال: احلف أنك إنما تصرَّفت فيه إمضاءً للعقد ورضًا بالأرش، فإذا حلف فالأمر موكول إلى ذمته.
قال: (ولا يفتقر).
وخلاصة الكلام هذا: أن خيار العيب على التراخي، لا يلزم المشتري أن يطالب به فورًا إلا إذا وجد دليل الرضا فإنه يسقط.
ودليل الرضا إما أن يكون صريحًا كما لو قال: أنا راضٍ به ولن أطالبه؛ لأنني أحترمه، أو لأنه صاحبي أو ما أشبه ذلك، وإما بتصرف يدل على الرضا بالعيب؛ ببيع، أو إجارة، أو غير ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 990

ولكني قلت لكم: إن الصحيح في المسألة الثانية التفصيل؛ إن تصرف فيه راضيًا بالعيب فإنه لا أرْش له، وإن تصرف فيه إمضاءً للعقد واختيارًا للأرش فإن له ذلك.
وإذا تنازع البائع والمشتري في هذا حُلِّف المشتري.
قال: (ولا يفتقر إلى حكم ولا رضا، ولا حضور صاحبه) (لا يفتقر) يعني الفسخ بالعيب، (إلى حكم) أي: إلى حكم حاكم، يعني لا يلزم المشتري إذا أراد أن يفسخ أن يذهب إلى القاضي ويقول: إنني أريد أن أفسخ البيع الذي حدث مع فلان؛ لأن المبيع معيب؛ لأن الحق له.
كذلك لا يفتقر إلى (رضا وحضور صاحبه)، (رضا) هنا غير مُنوَّنة؛ لأنها بنية المضاف إليه، فلا يفتقر إلى (رضا صاحبه ولا حضور صاحبه).
من صاحبه؟ البائع، يعني لا يفتقر إلى رضا صاحب المشتري -وهو البائع- ولا إلى حضوره.
ووجه ذلك أن الحق فيه لمن؟ للمشتري، فهو الذي له حق الفسخ، فلن يُشترط رضا المفسوخ عليه كالطلاق بيد الزوج، ولا يُشترط أن ترضى الزوجة، ولا أن تحضر الزوجة، ولهذا لو طلق زوجته وهي غير حاضرة طلقت، وإن لم تعلم إلا بعد يومين أو ثلاثة؛ لأنه لا يُشترط رضاها.
كذلك أيضًا البائع لا يُشترط رضاه ولا حُضوره.
فإن ادَّعى المشتري أنه قد فَسَخَ وأنكر البائع، فمن القول قوله؟ القول قول المشتري؛ لأن هذا لا يُعلم إلا من جهته.
قد يقول قائل: إن الأصل عدم الفسخ، فيلزم أن يكون القول قول البائع، فيقال: هذا الأصل معارض بأصل آخر.
ما هو الأصل الآخر؟ أنه لا يُعلم إلا من جهته، فإذا قال: إني فسخت، أخذنا بقوله.
(وإن اختلفا عند من حدث العيب) (اختلفا) الفاعل: البائع والمشتري.
(عند من حدث العيب) فقال البائع: حدث عندك، يقول للمشتري؛ يعني فلا خيار له، وقال المشتري: بل هو سابِغ للعقد فلي الخيار.
يقول: (فقول مشترٍ مع يمينه، وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما قُبِل بلا يمين)

الجزء: 2 - الصفحة: 991

فهذه المسألة أفادنا المؤلف رحمه الله أنها لا تخلو من حالين؛ الحال الأولى: ألا يحتمل قول الآخر، فقوله لاغٍ إذا كان لا يحتمل قوله.
والحال الثانية: أن يكون هناك احتمال، فهنا يكون القول قول المشتري.
مثال ما لا يحتمل قول البائع: الإصبع الزائدة، اشترى عبدًا فوجد فيه أصبعًا زائدة، فأراد رده، فقال البائع: حدث هذا العيب عندك، قال المشتري: أبدًا.
مَنِ القول قوله؟ طلبة: قول المشتري.
الشيخ: ما يمكن يحدث الأصبع الزائد؟ طالب: لا.
الشيخ: معلوم ما يمكن يحدث، ولو أمكن أن يحدث لكان كل يوم الإنسان توقع أن يكون له مئة أصبع، لكنه لا يمكن يقع.
طيب، إذا قبلنا قول المشتري هل يُشترط أن يحلف؟ لا؛ لأنه لا حاجة للحلف.
مثال آخر: اختلف البائع والمشتري في جرح؛ يعني اشترى بهيمة فوجد فيها جرحًا، اشترى بهيمة، ثم ردها والعيب الذي فيها جرح، الذي ادعاه المشتري، فنظرنا إلى الجرح، وإذا هو يثعب دمًا، جرْح طري، والبيع له مدة أسبوع، فمَنِ القوْل قوله؟ طلبة: البائع.
الشيخ: قول البائع، القول قوْل البائع، لماذا؟ لأنه لا يحتمل أن يكون هذا الجرح قبل العقد، والعقد له أسبوع والجرح طري الآن يثعب دمًا.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: لا، قلنا: طري يثعب دمًا، فعلى هذا يكون القول قول البائع بلا يمين.
طيب، إذا كان يحتمل هذا وهذا، كعَرَج وفَسَاد في طعام وما أشبه ذلك، فالمؤلف يقول: إن القول قول المشتري.
عِلَّة ذلك: أن العيب فوات جُزْء في المبيع -وهو الكمال- فالمعيب قد فاته الكمال، والأصل عدم قبْض هذا الجزء الفائت، ومن الذي يدعي عدم قبضه؟ المشتري، فيكون القول قول المشترِي؛ هذا وجهه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».

الجزء: 2 - الصفحة: 992

البائع الآن يقول: إني بعتُ عليك هذا الشيء سليمًا، وهو يقول: بعته عليَّ معيبًا، والمسألة محتملة.
نقول: القول قول المشتري.
لماذا؟ لأن الأصل عدم قبض هذا الجزء الفائت بالعيب، فيكون المشتري مُدَّعى عليه والبائع مُدَّعٍ.
وهذه الرواية من مفردات المذهب؛ مذهب الإمام أحمد.
والقول الثاني: أن القول قول البائع؛ وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهو القول الراجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ»، وهذا نص صريح؛ ولأن المشتري مُدَّعٍ أن العيب سابق، والأصل عدم وجود العيب، الأصل عدم العيب، وهذا المشتري يدعي أنه سابق أنه منذ ثلاثة أيام، والبائع يقول: أبدًا.
فالأصل السلامة، ودعوى أن العيب سابق على العقد خلاف الأصل، وعلى هذا فالقول الراجح أن القول قوْل البائع.
ولكن يجب أن نعلم أن كل من قلنا: القول قوله فإنه لا بد مِن اليمين؛ هذه قاعدة عامة: كل من قلنا: القول قوله فلا بد من اليمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»، وفي لفظ: «عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»؛ إذ «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ».
فإن قال قائل: المدعي يسهل عليه أن يحلف؛ أولًا: لأجل أن يصر على قوله، وثانيًا: طمعًا؟ قلنا: «إِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».
ولا يمكن لمؤمن أن يقدم على هذا العمل.
ثم إن الإمام أحمد رحمه الله قال: اليمين الفاجرة تدع البلاد بلاقع، يعني أنها مُتلِفة، وهذا هو الواقع.

الجزء: 2 - الصفحة: 993

ولقد حدثني أحد الأشخاص الموثوقين أنه صار له دعوى على شخص بدراهم، وليس له بها بينة وهي ثابتة، فتحاكموا إلى القاضي، وحكم ببراءة المدَّعى عليه باليمين، وحلف أنه بريء منها، فدعا عليه المحكوم عليه، فخرج هو وعائلته من البلد التي جرى فيها التحاكم إلى بلد قريبة منها فأُصِيب بحادث ومات هو وعائلته! ! هذا الذي حلف وهو كاذِب، وهذا شاهد لقول الإمام أحمد: إنها تدع الديار بلاقع؛ أي خالية ليس فيها أحد.
ففائدة اليمين إذن أن فيها خطرًا عظيمًا دنيويًّا وأخرويًّا، ولا يقدم عليها إنسان إلا رأى النتيجة سيئة قريبًا أو بعيدًا.
طالب: قلنا: إذا اشترى جوز هند أو بيض نعام، أن هذه الأشياء إذا ردها رد الأرش معها، فالآن في زمننا هذا ما يُنتفع بقشر جوز الهند والأشياء هذه؟ الشيخ: طيب، إذن إذا كان لا يُنتفع بها فإنها تكون كبيض الدجاج.
طالب: يا شيخ، أنا ما فهمت موضوع البيض، أنه إذا بِيع البيض، ثم انكسر عند المشتري يكون .. الشيخ: ما هي انكسر؛ كسرها المشتري.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طالب: شيخ -بارك الله فيك- مدة خيار المشتري في خيار العيب، كم مدته؟ يحدده العرف أم .. ؟ إي نعم، المذهب ما له حد إلا إذا وُجِد دليل الرضا، ودليل الرضا عرفتم أنه يصرح أو يتصرف، ولكن بعض أهل العلم يقول: إنه على التراخي ما لم يُؤخِّر تأخيرًا يضر البائع.
الطالب: والثاني أرجح.
الشيخ: وهذا أرجح لا شك.
طالب: شيخ، ذكرنا أنه لا أرْش في خيار التدليس إلا في التصرية، وذكرنا فيه أرش خيار العيب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الفرْق يا شيخ؟ الشيخ: هل ذكرنا إلا في التصرية؟ هل استثنينا التصرية في خيار التدليس؟ الطالب: لا.
الشيخ: خلاص، خيار التصرية هو الذي بنى عليه الفقهاء أنه لا أرْش في التدليس.
الطالب: الفرق بين العيب والتدليس؟ الشيخ: فوات جزء ( ... ) طالب: ما عرفت أنا جوز الهند.
الشيخ: إن شاء الله تسافر الهند وتشوفه! الطالب: يعني هي ثمرة من الثمار ولَّا .. ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 994

الشيخ: إي، ثمرة من الثمار، لكنها كبيرة، ولها قِشْر صلب.
الطالب: ( ... ). الشيخ: هل عرفت بيض النعام؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه مثلها.

طالب: هل يدخل تحت الوعيد من اقتطع مال امرئ كافر وليس بمسلم؟ وهل عليه يمين إن أنكر؟ الشيخ: الكافر إذا كان له عهْد فإنه لا يجوز الخيانة.
الطالب: طيب، وإن كان منكرًا هذا الكافر وطلب منه اليمين، فهل ( ... )؟ يعني هل يقبل من هذا الكافر اليمين إن أنكر، وطلبه المسلم؟ الشيخ: يُقبل منه اليمين.
طالب: قوله: إنه إذا اشترى الذهب بالدنانير، وتبين أن الذهب الذي اشتراه عيبًا فإنه يتعين الرد ولا يتعين الأرش؛ لأنه .. الشيخ: ولا يجوز.
الطالب: ولا يجوز الأرْش؛ لأنه يترتب على ذلك ربا.
نقول: إن هذا الذهب قيمته ليست القيمة التي أخذها، قيمته مع الأرش هذه قيمته، فإذا اشترى الذهب بثلاثة آلاف مثلًا، وتبين أنه معيب ولا يسوى إلا ألفين وخمس مئة، لو قلنا: إن الزيادة الخمس مئة هذه ليست ربًا، وإنما هي نقص من قيمته.
الشيخ: هل قرأت حديث عبادة بن الصامت؟ الطالب: نعم.
الشيخ: «الذَّهَبُ»؟ الطالب: «بِالذَّهَبِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ».
الشيخ: «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ»، هنا نقول: كان على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: الذهب بالذهب قيمة بقيمة، ولكن الرسول قال: «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ».
طالب: المقصود يا شيخ القيمة الورقية الآن؛ يعني الذهب المعيب قيمته تختلف عن قيمته إذا كان صحيحًا.
الشيخ: سبحان الله، ما فهمت ما أقول؟ ! الآن الأخ يقول: كان على الرسول أن يقول: الذهب بالذهب قيمة بقيمة، فأَعْطِه عشرة مثاقيل من الذهب بمثقال من الذهب يساويها في القيمة، كذا؟ طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: هذا كلامك.
الطالب: ما أردت هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 995

الشيخ: وإن لم تُرِد فهذا معنى كلامك، إذا بعتُ عليه حُليًّا من الذهب بوزنه ذهبًا، نقود، وافق الحديث أو لا؟ وافق الحديث، فوجدنا فيه العَيْب، نقول: الآن لو أعطينا الأرْش لحصل التفاضل، فيتعيَّن الرد.
الطالب: طيب، الأوراق النقدية يا شيخ هي موزونة.
الشيخ: ما تكلمنا عن الأوراق النقدية بارك الله فيك.
الطالب: لا، أنا سؤالي في الأوراق النقدية.
الشيخ: إحنا كلامنا في الذهب، مثالنا في الذهب الحلي، حلي ذهب بذهب؛ هذا المثال، أما مسألة الأوراق خليها جانبًا؛ لأنها ( ... ) فيها ألف إشكال.
طالب: عفا الله عنك، ( ... ) صغير وواحد حلف ومات، وحلف على ( ... )، ومات هو وأبوه وأخوه؟ الشيخ: الله أكبر! صحيح.
الطالب: ولو كان يا شيخ ها الحين توقف، واشهدوا على الناس، ناس من ( ... ) أن العقوبة تنزل ما قال أسبوع ( ... )، وها الحين يا شيخ نشاهد الناس يحلفون على الكذب، وما يدرون شيئًا.
الشيخ: هذا من الابتلاء والاستدراج، يستدرج الله الناس بأن يفعلوا أسباب الهلاك ولا يهلكون: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]. الطالب: ( ... ) سبحان الله العظيم! الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، إذا أراد الرد لا لأجل العيب، ولكن لأجل شيء آخر مع وجود العيب، مثلًا لو اشترى شاة فنزلت القيمة، فوجد فيها عيبًا، فقال: أردها لأنها نزلت القيمة لا؛ لأن العيب موجود.
الشيخ: إي، له الحق.
الطالب: ولكن ما أراد الـ ( ... ). الشيخ: هو الآن العيب يقول: ما به، أرأيت لو زادت القيمة أليس نقول: لك أن تمسكه؟ الطالب: بلى.
الشيخ: نفس الشيء.


الجزء: 2 - الصفحة: 996

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: السادس: خيارٌ في البيع بِتَخْبِير الثمن متى بان أقل أو أكثر، ويثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة، ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال، وإن اشترى بثمن مؤجل، أو ممن لا تُقبَل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلة، أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن، فللمشتري الخيار بين الإمساك والرد.
الشيخ: (ولم يبين ذلك في تخبيره بالثمن).
الطالب: (وللمشتري الخيار).
الشيخ: لا، قبلها: (أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن).
الطالب: (وللمشتري الخيار).
الشيخ: لا، (ولم يبين ذلك) اكتبها: (ولم يبين ذلك في تخبيره بالثمن).
الطالب: أكمل يا شيخ؟ الشيخ: اقرأ من الأول.
الطالب: وإن اشترى بثمن مؤجل، أو ممن لا تقبل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلة أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن، ولم يُبيِّن ذلك في تخبيره بالثمن، فللمشتري الخيار بين الإمساك والرد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اختلف البائع والمشتري عند مَنْ حَدَثَ العيب؟ طالب: فقول مشترٍ مع يمينه.
الشيخ: بدون تفصيل.
الطالب: لا، فيه التفصيل.
الشيخ: فَصِّل.
الطالب: الأول: ألا يكون هناك احتمال يُقوِّي جانب أحدهما، فالقول قول مشترٍ مع يمينه، وأما إذا كان لا يحتمل إلا قول أحدهما، فقول الذي يُحمَل عليه بِلا يمين.
الشيخ: إي، أحسنت، هذا التفصيل.
مثال ما لا يحتمل إلا قول أحدهما؟ طالب: مثال: اشترى شيئًا ومر عليه قدرٌ من الزمن، ثم ادعى أنه اشتراه مجروحًا، فإذا .. الشيخ: فنظرنا إلى الجرح.
الطالب: فنظرنا إلى الجرح، فإذا هو طري.
الشيخ: فإذا هو طري.
الطالب: فعلى هذا يُحمل على أنه حدث من عنده، يعني تأكد أنه حدث من عنده.
الشيخ: هذا لا يحتمل إلا قول مَنْ؟ الطالب: لا يحتمل إلا قول البائع.
الشيخ: البائع، أحسنت.

الجزء: 2 - الصفحة: 997

طيب، مثال ما لا يحتمل إلا قول المشتري؟ طالب: مثاله أن يشتري مثلًا عبدًا وفيه أصبع زائد، فيقول: إن الأصبع الزائدة ردت بعد البيع، فلا يحتمل إلا قول البائع.
الشيخ: لا يحتمل إلا قول البائع؟ الطالب: المشتري.
الشيخ: إلا قول المشتري، صحيح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه لا يمكن ينبت الأصبع الزائد.
ومثله لو كان أثر الجرح قديمًا، لو كان أثر الجرح قديمًا لا يحتمل أنه جُرِح وبرئ، فالقول قول المشتري.
طيب، في أصل المسألة يقول المؤلف: إن القول قوْل المشتري، فما هو الدليل أو التعليل؟ طالب: التعليل ( ... ) التعليل يا شيخ.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: التعليل أن البيع على هذه الصورة فيه فوات جزء من المبيع وهو الكمال، والأصل عدم قبْض هذا الجزء الفائت، فيكون المشتري مُدَّعى عليه.
الشيخ: صح، الأصل أن الأشياء على الكمال، والعيب فوات، والأصل عدم قبض هذا الفائت، فيكون القوْل قول المشتري.
هل هناك قول آخر؟ طالب: هذا القول قول البائع.
الشيخ: القول قول البائع.
طيب، ما التعليل؟ الطالب: استدلوا بدليل، وعللوا المسألة .. الشيخ: دليل وتعليل؟ الطالب: استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ».
الشيخ: «فَالْقَوْلُ مَا قَالَ البَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ».
الطالب: وعلَّلوا بأن الأصل السلامة وعدم وجود العيب.
الشيخ: أحسنت.
بماذا يدفعون تعليل الآخرين؟ بماذا يدفعون قول الآخرين؟ طالب: والله بالحديث يا شيخ الذي ذكروه.
الشيخ: الحديث على العين والرأس، لكن التعليل؟ الطالب: قلنا: الأصل ليس فوات، الأصل أنه لا يكون فيه عيب.
الشيخ: الأصل أنه قبضه سليمًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: صح، إذن الصواب أن القول قول البائع إلا إذا كان لا يحتمل إلا قول المشتري، فعرفتم أن القول قول المشتري.
لماذا لا نُلزمه باليمين إذا كان لا يحتمل إلا قول أحدهما؟ لماذا لا نلزمه باليمين؟

الجزء: 2 - الصفحة: 998

طالب: لأن الحق له.
الشيخ: والحق له، ما يحتاج إلى يمين؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: ليش؟ الآن لو ادعيت على زيد أني أطلبه عشرة ريالات، وأنكر، لا بد من اللي يحلف؟ الطالب: هو يحلف، لكن أنت؟ الشيخ: لا، أنا الآن مُدَّعى عليَّ، الآن البائع يقول: أبدًا، أنا ما عاب عندي، لم يعب عنده، فعلى ( ... ). الطالب: نقول له: احلف و .. الشيخ: نقول: احلف؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إذا لم يحتمل إلا قول أحدهما؟ الطالب: القول قوله إذا لم يحتمل إلا قول أحدهما.
الشيخ: بلا يمين؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا لا نلزمه باليمين؟ طالب: لأن البينة موجودة.
الشيخ: ولا فائدة من ذلك؛ لأن اليمين لتوكيد الشيء، وهنا ما حاجة، أصبع زائدة معروف أنها حادثة عند البائع، جرح طري والبيع له عشرة أيام معروف أنه عنده مشكلة، ما حاجة ( ... )، واضح؟ قال رحمه الله تعالى: (السادس) يعني من أقسام الخيار، (خيارٌ في البيع بتخبير الثمن).
قوله: (بتخبير الثمن) متعلق بالبيع، يعني فيما إذا باع بتخبير الثمن، وتخبير بمعنى إخبار، أي فيما إذا باع الشيء بما أخبر به من الثمن؛ هذا معنى العبارة.
والظاهر -والله أعلم- أن الفقهاء رحمهم الله تناقلوها، عبر بها الأول، ثم تبعه الآخر، وإلا فلو قيل: خيار يثبت فيما إذا أخبره بالثمن، كان أوضح، وهذا هو المعنى؛ يعني إذا باع الشيء وقال المشتري: كم الثمن؟ قال: الثمن مئة ريال، وهو باعه برأس ماله، الآن أخبره بالثمن بأن رأس المال مئة ريال، فإذا تبين أن رأس المال تسعون ريالًا، فحينئذٍ يثبت له الخيار، بسبب إخباره بالثمن، بسبب إخبار البائع إياه بالثمن، فتبين أن إخباره بالثمن صحيح ولَّا غير صحيح؟ غير صحيح؛ لأنه قال: بمئة، ثم ثبت أنه اشتراه بثمانين.

الجزء: 2 - الصفحة: 999

أعود مرة ثانية: جاءني رجل، قال: أنا قد اشتريت سيارة بثمانين ألفًا، فجاءني رجل وقال: بعنيها برأس مالها.
قلت: طيب بعتُها عليك برأس المال.
كم رأس المال؟ قلت: مئة ألف.
قال: قبلت، ثم تبين بعد ذلك أن الثمن ثمانون ألفًا، تبين بالاستمارة ولَّا بالشهود؟ المهم تبين أنه ثمانون ألفًا، فالبائع حينئذٍ كذب على المشتري حيث أخبره بما لا صحة له، هذه المسألة.
واضح؟ إذن (خيار) يثبت (في البيع بتخبير الثمن)، وقلت لكم: (بتخبير) متعلق بـ (البيع)، وليس متعلقًا بـ (خيار)، بل متعلق ب ـ (البيع)، يعني يثبت فيما إذا باعه بتخبيره بالثمن.
والتخبير هنا بمعنى الإخبار؛ لأنه مصدر خبَّر يُخبِّر تخبيرًا، ويماثله: أخْبَرَ يُخبر إخبارًا.
قال المؤلف: (بتخبير الثمن متى بان، أقل أو أكثر).
(متى بان أقل) واضح، يعني متى بان الثمن أقل مما أخبر به؛ هذا واضح.
لكن (أو أكثر) تصويرها صعب، ولهذا لا توجد هذه العبارة (أكثر) لا في الإقناع ولا في المنتهى ولا في المقنع اللي هو أصل الكتاب هذا ولا غيرها، فإما أن تكون سبقة قلم من المؤلف، وإلا فتصويرها صعب.
أما (متى بان أقل) واضحة؛ لأنه إذا بان أقل صار المشتري مغبونًا، أما إذا بان أكثر فليس بالمغبون، اللهم إلا أن يقول المشتري: أنا لا أريد أن يمن عليَّ، أنا أريد الثمن الحقيقي بلا زيادة؛ فهذه ربما تكون هذه الصورة، وأما من الناحية المالية، فمتى بان أكثر فالواقع أن الحظ في جانب المشتري، فكيف يثبت له الخيار؟ يقول: (متى بان أقل أو أكثر، ويثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة).
وجه حصره في هذه الأربع: أن هذه هي الصور الممكنة عقلًا، البيع بالتخبير يمكن بصور أربع فقط.

الجزء: 2 - الصفحة: 1000

(التولية): هي أن يبيعه برأس ماله، وسميت تولية؛ لأن المشتري صار بدلًا عن البائع، وكأنما يسير وليًّا له، أي متابِعًا له، وكأنه يقول -أي البائع-: وليتُك ما توليتُ؛ ولهذا تسمى تولية؛ وهي أن يبيعه برأس المال، يشتريه بمئة، ويأتيه واحد يبغي يشتريه منه، يقول: بعتُه عليك برأس المال، هذه تولية.
(والشركة): أن يبيع عليه بعضه بقسطه من الثمن.
مثلًا إذا باع عليه النصف يكون على المشتري الثاني نصف الثمن، الثلث عليه الثلث، الربع عليه الربع، التولية باعه كله أو باع بعضه؟ طلبة: كله.
الشيخ: طيب، الشركة باع بعضه؛ النصف أو الربع أو أكثر أو أقل.
(والمرابحة والمواضعة)، المرابحة يبيع كله أو بعضه، وكذلك المواضعة، المرابحة أن يبيعه برأس ماله وربح معلوم؛ هذه المرابحة، فيقول: بعتُكَ برأس مالِه وربح عشرة ريالات؛ هذه المرابحة، أو: بعتك برأس ماله مع ربح العُشر؛ يعني سواء عين الربح أو نسبه؛ هذه المرابحة.
الرابعة: (المواضعة) أن يضع من الثمن، فيقول: بعتُك إياه بخسارة عشرة ريالات، أو العُشر، أو الخمس، أو ما أشبه ذلك.
هذه معاني هذه الأربعة.
الأمثلة: (التولية): اشتريت سيارة بمئة ألف، فجاءني رجل فقال: بعنيها برأس مالها، فقلتُ: بِعْتُكها برأس مالها.
هذه تولية.
(الشركة): اشتريت أرضًا بمئة ألف، فجاءني رجل فقال: اجعل لي بعض الأرض، أنا أريد أن أعمر مُستراحًا لي، اجعل لي نصف الأرض، فقلت: نعم، أشركتُك بنصف الأرض على حسب رأس المال.
هذه تولية ولَّا لا؟ طلبة: شركة.
الشيخ: شركة، لكنها بحسب الثمن تولية؛ لأنه ما ربح عليه ولا نزَّل له.
(المرابحة): اشترى سيارة بمئة ألف، فجاءه إنسان وقال: أنا أريد أن أربحك، بعنيها بربح عشرة آلاف، فيقول: بعتُك.
هذه مرابحة.
أو يقول: بِعنيها برِبْح العُشر، كم تكون؟ عشرة آلاف، نفس الشيء، مئة وعشرة آلاف.
فالمرابحة تكون بالنسبة وتكون بالتعيين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1001

(المواضعة) عكس المرابحة، يقول: إني اشتريتها بمئة، وأنا أضع لك عشرة في المئة، أو يقول: العُشر، فتكون بكم؟ بتسعين.
طيب هذه أنواع أو صور مع ما ذكر المؤلف.
قال: (ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال) يعني: إذا بعتها تولية لا بد أن يعرف المشتري رأس المال؛ لأنه إن لم يعرفه صار مجهولًا، ومن شرط صحة البيع العلم بالثمن.
وظاهر كلام المؤلف: حتى ولو كان البائع ممن عُرف بالمتاجرة، ووُثِق من شرائه، فإنه لا بد أن يعرف المشتري رأس المال، فلو جاءني وقال: اشتريتُ منك هذه الأرض برأس مالها، فقال: بعتُك إياها، والمشتري لا يعلم كم رأس المال، فإن البيع لا يصح؛ لماذا؟ لأن الثمن مجهول، ومن شروط البيع أن يكون الثمن معلومًا.
ويتخرَّج على القول بأنه يجوز أن يبيعه كما باع فلان أو بمثل ما باع به فلان، يتخرَّج من هذا القول جواز ذلك، إذا كان المشتري معروفًا بالحذق في البيع والشراء، المشتري اللي هو البائع في المسألة الثانية، فاهمين؟ طلبة: نعم.
طالب: ما فهمنا.
الشيخ: لا إله إلا الله! اشتريت أنا أرضًا بمئة ألف ريال، وأنا ممن يتجر بالأراضي ولا يُغْبن فيها، فجاءني رجل وقال: بِعْني الأرض التي اشتريت برأس مالها، قلت: بعتها عليك، وهو لا يدري كم اشتريتها، لكنه يعرف أنني رجل مُتاجِر حاذق، لا أُغْبن في الشراء، فالمذهب لا يجوز، لكن قلت لكم: يتخرج على القول بجواز البيع كما يبيع الناس أو كما يبيع فلان أنه يجوز، وهو الصحيح؛ لأن كثيرًا من الناس إذا عرف أن هذا الرجل ممن يتاجرون مثلًا بهذه السلعة، وأنه حاذق فيها يثق به، بل ربما لو أراد أن يشتريها لجاء إليه يستشيره.
ولكن لا شك أن الأولى والأحسن أن يَعْلم الثمن؛ لأن الإنسان قد يُقدِّر ثمن هذه السلعة قليلًا ويكون كثيرًا، وهذا يقع بكثرة، أن الإنسان يظن أن الأرض مثلًا هذه لا تبلغ هذه القيمة، فإذا كان قد عقد البيع ولزم البيع فإنه ربما يستحيي أن يقول: هوَّنت.

الجزء: 2 - الصفحة: 1002

فمن ثم نقول: لا شك أن الأولى بيان الثمن للمشتري؛ أولًا: للخروج من الخلاف، وثانيًا: لأنه أطيب للقلب، لكن كون هذا شرطًا هذا فيه نظر، بل نقول: إذا كان البائع الذي باع برأس المال ممن عُرف بالحذق في التجارة فإنه يكفي الاعتماد على حذقه واتجاره.
طيب، عندي بالشرح يقول: لا بد من معرفة المشتري والبائع رأس المال.
الماتن حذف كلمة (البائع)، والشارح قال: (والبائع)، وإنما حذفها الماتن؛ لأن الغالب أن البائع يعلم رأس المال، لكن قد يكون لا يعلم كثيرًا، يعني كثيرًا ما يقع وهو لا يعلم، مثل أن يكون البائع تاجرًا له وكلاء، فاشترى وكيله له أرضًا، ثم جاء رجل وقال له -أي للتاجر-: بعني الأرض المذكورة برأس المال، قال: أبرك ساعة، أبيعها عليك.
البائع حينئذٍ يعلم ولَّا ما يعلم؟ طلبة: يعلم.
الشيخ: من اللي يعلم؟ وكيله، وهو لا يعلم، إذن لا بد أن يعلم البائع برأس المال، واشتراط علم البائع برأس المال أوكد من اشتراط علم المشتري برأس المال؛ لأن البائع ربما يُغبن غبنًا كثيرًا، يكون وكيله قد اشتراها في زمن الرخص مثلًا، اشتراها بمئة ألف وهي تساوي مئتين، أو ارتفع السعر طفرة، وبلغت ضعف قيمتها، وهذا التاجر لا يعلم، فإذا باعها عليه برأس المال، وقال الوكيل: إن رأس مالها مئة ألف، وهي تساوي مئتين ألف أو أكثر، سيقول البائع: إن هذا المشتري غبنني وخدعني ويكون في قلبه حسْرة لا سيما إن كان ممن هم حريصون على الدنيا، ويُمَثِّلون قول المتنبي: بَلِيتُ بِلَى الْأَطْلَالِ إِنْ لَمْ أَقِفْ بِهَا وُقُوفَ شَحِيحٍ ضَاعَ فِي التُّرْبِ خَاتَمُهُ

تشبيه عجيب، بَلِيتُ بِلَى الأطلال، الأطلال هي بقايا الديار.
............... إِنْ لَمْ أَقِفْ بِهَا وُقُوفَ شَحِيحٍ ضَاعَ فِي التُّرْبِ خَاتَمُهُ

هذا رجل شحيح ضاع خاتمه بالتراب، متى يروح؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، يبقى بها التراب، يحرثه ويدفنه حتى يجد الخاتم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1003

فالحاصل أن نقول: إنه إذا كان البائع لا يعلم بالثمن لكونه وكل الأمر إلى وكلائه فجاءه إنسان واشترى منه شيئًا برأس المال، ثم تبين لهذا التاجر أن رأس المال أقل مما يتصور، فحينئذٍ سيقول: إن المشتري خدعني وغبنني، فيقع في نفسه شيء.
إذن لا بد في الخيار بتخبير الثمن، لا بد من عِلْم البائع والمشتري برأس المال.
انتبه الآن: باع عليَّ الرجل برأس مال، باع عليَّ سلعة برأس المال، فقلت له: كم رأس المال؟ قال: رأس المال مئة، ثم تبين أن رأس المال ثمانون، لي الخيار أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لي الخيار، إن شئتُ أمسكتها، وإن شئت رددتها، ولكن المذهب ألَّا خيار، أن يُقال له: نضع عنك الزائد وتلزمك؛ لأن هذا من مصلحته، فكيف نثبت له الخيار؟ هو اشتراها برأس المال، وقيل له: إن رأس المال مئة، ورضيها بمئة، وتبين أن رأس المال كم؟ ثمانون، كيف نجعل له الخيار؟ لا نجعل له الخيار، الخيار لدفع الضرر، وهذا الذي اشترى برأس المال على أنه مئة، ثم تبين أنه ثمانون، هل عليه ضرر؟ طالب: لا.
الشيخ: إذا قيل: أعطِنا ثمانين وامشِ، ما فيه ضرر.
فالمذهب في هذه المسألة أن يُقال: متى بان أن الثمن أقل فلا عليك ضرر، خُذْه بالثمن الحقيقي ولا خيار لك.
نعم، لو رأى القاضي، إذا ترافعوا للقاضي، ورأى القاضي أن من المصلحة إثبات الخيار له لكونه يعلم أن البائع مُدلِّس، فحينئذٍ يتوجه القول بإثبات الخيار تأديبًا لمن؟ للبائع عن التدليس والكذب، وأما إذا لم يكن هناك شيء فلا يمكن؛ لأن المشتري قد يجعل هذا وسيلة -يعني المشتري إذا قلنا: له الخيار- قد يجعله وسيلة لترْك المبيع؛ لأن قيمته في السوق نقصت، فنفتح باب الحيل على الناس.
طيب لو أن البائع قال: بِعتُك برأس المال، قال: كم رأس المال؟ قال: مئة، ثم تبين أنه ثمانون؟ ما مشى عليه المؤلف: له الخيار، والمذهب: لا خيار، ولكن ينزل الزائد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1004

لو قال البائع: أنا والله غلطت، قلت: إن الثمن مئة، ظننت أنها السلعة الفلانية، أو أن قيمة هذه السلعة مئة غلطًا؛ فإنه لا يُقبل قوله إلا ببينة؛ لأنه مُدَّعٍ.
إذا لم يكن عنده بينة، فهل القول قول المشتري؟ نعم، القول قول المشتري، فيحلف أنه لا يعلم أن البائع غلط، ويثبت له الخيار على القول بالخيار.
خلاصة الأمر الآن: أن هذا القسم من الخيار مُختلَف فيه، هل يثبت أو لا؟ فالمذهب لا يثبت، إذا بان أن رأس المال أقل مما اشترى به، ووجه عدم ثبوت الخيار له أنه لا ضرر عليه؛ لأن من قبِل الشيء بمئة لا ضرر عليه أن يكون عليه بثمانين، والخيار إنما هو لدفْع الضرر.
أما المؤلف فيرى الخيار، وقلت لكم: إنه لو قيل بقول وسط في هذه المسألة، وهو أنه إذا ثبت أن البائع كاذب متعمدًا فإنه ينبغي أن نُمكِّن المشتري من الخيار، لماذا؟ تأديبًا للبائع وعقوبة له.
ثم قال: (وإن اشترى بثمن مُؤجَّل، أو ممن لا تُقبل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلة، أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن) هذه أربع مسائل: (ولم يُبيِّن ذلك في تخبيره بالثمن، فلمشترٍ الخيار بين الإمساك والرد).
(إذا اشترى بثمن مؤجل)، ومعلوم أن الثمن المؤجَّل أكثر من الثمن الحال، اشترى هذه السلعة بثمن مؤجل بمئة ألف، ثم جاءه إنسان وقال: بعنيها برأس المال، قال: بعتك برأس المال.
كم رأس المال؟ قال: مئة ألف، ثم تبين أن الثمن بالصفقة الأولى مُؤجَّل؛ يثبت للمشتري الخيار؛ لأنه من المعلوم أن الثمن المؤجل أكثر من الثمن الحال، وهو قد باعه على المشتري؛ المشتري الأول باعه على المشتري الثاني بثمنه الحال، لم يقل: إني اشتريته بثمن مؤجل، فاشتراه على أنه الثمن حال وسلَّمه مئة ألف، ثم تبين أنه اشتراه بثمن مؤجل.
يثبت له الخيار، لِمَنْ؟ للمشتري الثاني، له أن يفسخ البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1005

المذهب لا خيار له في هذا، ويبقى الثمن عليه مؤجلًا، لكن المذهب في هذه المسألة ضعيف، والصواب ما مشى عليه الماتِن؛ أنه يثبت له الخيار؛ لأن المشتري الثاني يقول: أنا عندي دراهم ما حاجة أني ألتزم بثمن مؤجل زائد على الثمن الحاضر، فعليه ضرر.
فلذلك انتبهوا، يعني الآن ما مشى عليه المؤلف الماتن من ثبوت الخيار هو الصحيح، والفرق بينه وبين المسائل الأربع أن المسائل الأربع السابقة ما عليه ضرر، أما هذه عليه ضرر؟ مفهوم ولَّا غير مفهوم؟ غير مفهوم.
طلبة: غير واضح.
الشيخ: اللَّهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا.
الآن إن شاء الله نعيدها: رجل اشترى أرضًا بمئة ألف تحل بعد سنة، الثمن الآن مُؤجَّل.
جاء رجل قال: بعها عليَّ برأس مالها، قال: بعتُها عليك، قال: تفضَّل، هذه مئة ألف، ثم تبين أن البائع الذي باع عليه -وهو المشتري الأول- قد اشتراها بثمن مُؤجَّل، نقول: للمشتري الثاني الخيار.
لماذا؟ لأن الثمن المؤجل يكون أكثر من الحال.
لو قال البائع: خُذْ دراهمك، أنا أؤجلها عليك، نقول: لا يصح، لا يلزمه؛ لأنه قد يقول: أنا الدراهم حاضرة عندي، وآخذها بثمانين نقدًا، فلي الخيار.
ثم إن بعض الناس لا يرضى بالتأجيل، يبقى الشيء دينًا في ذمته، اتضح الآن ولَّا ما اتضح؟ اتضح.
المذهب يقولون: إنه يأخذه بتأجيله ولا خيارَ له؛ لأنه لا ضرر.
ونقول: بل له الخيار، وقولهم: (لا ضرر) غير صحيح، بل عليه ضرر.
ما هو الضرر؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1006

وإن اشْتَرَى بثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ أو مِمَّنْ لا تُقْبَلُ شَهادتُه له , أو بأَكْثَرَ من ثَمَنِه حيلةً أو , باعَ بعضَ الصَّفْقَةِ بقِسْطِها مِن الثمَنِ ولم يُبَيِّنْ ذلك في تَخْبِيرِه بالثمَنِ , فللمُشْتَرِي الخيارُ بينَ الإمساكِ والرَّدِّ، وما يُزادُ في ثَمَنٍ أو يُحَطُّ منه في مُدَّةِ خِيارٍ، أو يُؤْخَذُ أَرْشًا لعَيْبٍ أو جِنايةٍ عليه يَلْحَقُ برأسِ مالِه ويُخْبَرُ به، وإن كان ذلك بعدَ لُزومِ البيعِ لم يَلْحَقْ به، وان أُخْبِرَ بالحالِ فحَسَنٌ.
السابعُ: خِيارٌ لاختلافِ الْمُتبايِعَيْنِ , فإذا اخْتَلَفا في قَدْرِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا، نقول: لا يصح، لا يلزمه؛ لأنه قد يقول: أنا الدراهم حاضرة عندي وآخذها بثمانين نقدًا، فلي الخيار.
ثم إن بعض الناس لا يأبه بالتأجيل؛ يبقى الشيء دينًا في ذمته، اتضح الآن ولَّا ما اتضح؟ طلبة: اتضح.
الشيخ: اتضح طيب.
المذهب يقولون: إنه يأخذه بتأجيله ولا خيار له؛ لأنه لا ضرر، ونقول: بل له الخيار، وقولهم: لا ضرر غير صحيح، بل عليه ضرر.
ما هو الضرر؟ زيادة الثمن بالتأجيل، وقد يكون الضرر بالتأجيل وإن لم يزد الثمن؛ لأن بعض الناس لو صارت الدراهم عنده يحب أن يقضي لزومه، يخشى أنها لو تبقى بيده لذهبت؛ ضاعت ما يستفيد منها.
إذن هذه المسألة نقول: الصحيح ما مشى عليه الماتن؛ وهو أن له الخيار.
طالب: لو أن -يا شيخ- اشترى أرضًا في الرخص -مثلًا- بمئة، وجاءت الطفرة وصار سعرها ثلاث مئة -مثلًا- فجاء له قال له المشتري: بعنيها بسعر ما اشتريتها .. الشيخ: برأس مالها.
الطالب: برأس مالها.
الشيخ: طيب.
الطالب: هل نقول: إنه يبيعه برأس المال السابق أم يعمل .. ؟ الشيخ: هو رأس مالها الثمن الذي وقع عليه العقد، هذا رأس المال.
الطالب: نعم، طيب الآن صارت زيادة الآن .. ؟ الشيخ: ما يخالف، هو رضي؛ البائع رضي أن يبيع بالثمن الأول.
الطالب: طيب لو كان المشتري .. ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1007

الشيخ: ولم يقل: بعنيها بالقيمة، يقول: بعنيها بالثمن؛ رأس ماله، وهو مئة فقط.
طالب: شيخ، التخبير بالثمن هل ( ... ) فقط ولَّا على قيمتها بالسوق؟ الشيخ: يا جماعة الخير، يا طلبة العلم، قلنا لكم: الثمن ما وقع عليه العقد، والقيمة ما تساويه في السوق، الثمن: ما وقع عليه العقد قلَّ أو كثر، قد أشتري هذا الشيء بمئة وهو سعره خمسون في السوق، ما هو الثمن؟ طالب: ما وقع عليه.
الشيخ: طيب، قد يساوي مئة في السوق واشتريته بخمسين، ما هو الثمن؟ طالب: هو الذي وقع عليه العقد.
الشيخ: اللي وقع عليه العقد، اللي هو الخمسين.
الطالب: لكن -يا شيخ- اللي أشكل عليَّ أننا ( ... ) -يا شيخ- إذا كان المشتري حذقًا في البيع والشراء وعالمًا فهو جائز، والأولى إخباره بالثمن.
الشيخ: كيف؟ الطالب: قلنا: إذا كان المشتري يعرف البيع والشراء؛ حاذق في هذه المسائل، الأولى أن نخبره، ولو لم نخبره فالبيع جائز.
الشيخ: إي نعم، لكن البائع باع بالثمن، ما باع بالقيمة.
الطالب: إذا كان الثمن -يا شيخ، حفظكم الله- قديمًا.
الشيخ: ما يخالف، الثمن قديم أو حديث، هو رضي أن يبيعه بالثمن والمشتري رضي أن يشتريه بالثمن.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ما هو الفرق بين بيع الشركة وبين أن يبيع نصف أرضه بمال مثلًا، الآن ملك الأرض وباع نصفها ( ... ) تجعل هذا قسمًا وهو لأنه ملك الأرض وباعها؟ الشيخ: إذا باع -بارك الله فيك- نصف الأرض فهو مُعيَّن، للمشتري الشرقي ولذاك الغربي.
الطالب: طيب، كأنه باع أرضًا؛ يعني: ملكها؟ الشيخ: إذا قال: أنت شريكي فيها صار كل حبة من ترابها فهما فيها شريكان.
الطالب: هذا فيما ( ... ) على ثمن الأجزاء؟ الشيخ: كيف؟ الآن الشركة معناها أن يكون شريكًا له مشاركة مشاع، ما عُيِّن لكل واحد.
الطالب: هذا المراد ( ... ) هذا؟ الشيخ: هذا المراد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1008

طالب: ( ... ) مثلًا البائع اشترى وكيله أرضًا ولم يعلم البائع، على قول أنه يصح أن يبيعها البائع قبل أن يعرف الثمن، فقال للمشتري الثاني: أبيعك برأس مالها على ألَّا خيار.
الشيخ: ما يجوز هذا، ربما يخدعه في هذا.
الطالب: لكن ما يعرفه؟ الشيخ: ما يجوز، البائع لا بد من علمه؛ يعني: تأكيد علم البائع أشد من تأكيد علم المشتري.
الطالب: إسقاط الخيار ليس ( ... )؟ الشيخ: إسقاط الخيار بعد أن يثبت.
الطالب: لو علم؟ الشيخ: إذا ثبت ( ... ). طالب: لو كان -مثلًا- صاحب أحد المحلات يشتري وعنده الأسعار التي اشترى بالحبة أو بالقطعة الواحدة، فأتى أحد اشترى منه جملةً، فقال: أبيعك بثمنها؛ برأس مالها، فهل يلزمه يبيع برأس المال .. ؟ الشيخ: لا بد أن يخبر، سيأتينا هذا، لا بد أن يخبر؛ البائع لا بد أن يخبر يقول: لقد اشتريتها أفرادًا.

طالب: بارك الله فيكم، فيه بعض الأراضي -يا شيخ- تباع بوضع اليد؛ يعني: رجل يأخذ قطعة أرض كبيرة بوضع اليد، لا عقد ولا شيء، ويبيع منها قطعة، ثم تأتي الدولة تأخذ من نفس اللي اشترى هذا أموال ( ... )؟ الشيخ: ضرائب يعني؟ الطالب: لا، ما هو ضرائب، عقد آخر؛ يعني: يقول له: خلاص، أنت اشتريت هذه بوضع اليد منذ فترة كبيرة، فالآن نكتب لك عقدًا، ونأخذ منك ثمن الأرض؛ لأن الأرض هذه حق الدولة.
الشيخ: ما يصير هذا.
الطالب: ( ... ) حصل.
الشيخ: لا، ما يصير، الدولة ما تفعل هذا، الدولة تمنح الأراضي، ومن أحياها فهي له.
الطالب: لا، ما هو هنا يا شيخ، دولة أخرى.
الشيخ: دول أخرى؟ الطالب: إي.
الشيخ: وين؟ الطالب: أمريكا.
الشيخ: أمريكا؟ ! أمريكا ما يحكمون بالشرع، ما علينا منهم.
الطالب: لا، أتكلم الآن في مسألة جايه الآن ما .. اشترى بالأول بثلاث مئة .. الشيخ: خبرني ويش هذه الدولة؟ طالب: في مصر يسمونها أرض الخفية.
الشيخ: في مصر، أرض خفية؟ الطالب: بمعنى .. ، أوضح المسألة يا شيخ؟ طالب آخر: يا شيخ، الأرض هذه بوضع اليد، اشتراها ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1009

الشيخ: ما يشتري بوضع اليد -بارك الله فيك- أصلًا ما يمكن بيعها حتى يثبت ملكها.
الطالب: يا شيخ، أراضي وضع اليد مباعة ( ... )، الصحراء كلها تباع الآن.
الشيخ: من يأخذ قيمته بوضع اليد هذا؟ الطالب: الرجل الذي وضع يده من أول منذ أن كان .. الشيخ: طيب، مثلًا افرض أني أنا جئت على أرض بور ما فيها شيء وأخذت -مثلًا- ألف كيلو؟ الطالب: ثم تبيع فدانًا فدانًا مثلًا.
الشيخ: زين.
الطالب: طيب، اللي تبيع له بس لا ورقة ولا شيء؛ يعني: تكتب أنك بعت له وخلاص، لكن المسؤولون يأتون ويقولون: هذه الأرض أنتم أخذتموها بوضع اليد، ولكن نأخذ عليكم مثل عقد حتى ندخل الماء والكهرباء والأشياء هذه، لا بد من مداولة عقد آخر، فيدفع ثمنًا آخر، السؤال: إذا أراد أن يبيعها هل يضيف الثمن الأول مع الثمن الآخر ولَّا يبيعها بنفس الثمن اللي اشتراها به؟ الشيخ: يبين، هو إذا بين .. ، لا بد أن يبين، يأتينا -إن شاء الله- في كلام المؤلف.


( ... ) وأصحابه أجمعين.
السادس من أقسام الخيار؟ طالب: الخيار في البيع بتخبير الثمن.
الشيخ: أحسنت.
ما معنى هذه الجملة؟ الطالب: أي: أن يخبر البائع المشتري بثمن السلعة، فيتبين خلاف ذلك بأقل مما أخبره به فالمشتري بالخيار.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
ما تقول في تلييس البيت القديم وعرضه للبيع؟ طالب: هذا تدليس.
الشيخ: من التدليس.
الطالب: لأنه أظهره بالمظهر المرغوب وهو ( ... ). الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
حكمه؟ الطالب: حكمه غش.
الشيخ: غش، لكن حرام ولَّا جائز؟ الطالب: الغش حرام.
الشيخ: حرام.
الطالب: إي.
الشيخ: طيب.
هل يعتبر من الصغائر أو من الكبائر؟ الطالب: لا، من الكبائر.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن من غش فهو ليس منا.
الشيخ: لتبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم من فاعله، طيب، بارك الله فيك.
ما معنى قول المؤلف: (جَمْعِ ماء الرَّحَى وإرسالِه عند عَرْضِها)؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1010

طالب: أن يجمع الماء في منطقة حيث قلنا: الجريان بحاجز أو بغيره، ثم إذا أتى يريد أن يبيع .. الشيخ: يبيع أيش؟ الطالب: يبيع .. الشيخ: الماء.
الطالب: لا، اسمها؟ الشيخ: الرحى.
الطالب: الرحى نعم، يبيع الرحى، أطلق الماء فتجري الرحى بسرعة، فيظن المشتري أن هذه عادتها.
الشيخ: طيب، يعني يصب الماء في حلقوم الرحى؟ الطالب: لا، يطلق الماء.
الشيخ: طيب، ما علاقة الماء بالرحى؟ الطالب: إذا أطلق الماء اندفع الماء نحو الرحى.
الشيخ: يعني يمر من عندها؟ الطالب: لا يا شيخ، هو الرحى يكون ملامسًا للماء.
الشيخ: طيب، إن لامس الماء جاء الماء فأفسد الدقيق.
الطالب: لا، رحًى للماء ورحًى للدقيق.
الشيخ: ما يصلح.
الظاهر أنك ما حضرت ولَّا لا؟ الطالب: لا، حضرت.
طالب آخر: يقول المؤلف: (وجَمْعِ ماء الرَّحَى وإرسالِه عند عَرْضِها) الرحى عبارة عن .. الشيخ: الرحى اللي تطحن الحب.
الطالب: تطحن الحب اللي هي عبارة عن حجر يدور -يا شيخ- بالماء، أولًا ما كان فيه مواتير قديمًا.
الشيخ: أيش؟ الطالب: في القديم ما كان فيه مواتير.
الشيخ: صحيح.
الطالب: في القديم كانوا يأتون بالماء حتى تلف هذه الرحى بقوة، فيجمع ماء .. الشيخ: لكن هل هو يباشر الرحى؟ الطالب: لا، البكرة، هو الماء يباشر البكرة ( ... ) الرحى اللي بتدور الرحى، فإذا جاء يبيعها جمع الماء؛ ماء الرحى جمعه، ثم إذا أتى المشتري فتح الماء، فأتى الماء بسرعة واندفع فدوَّر الرحى أمامه تصير كأنها ممتازة.
الشيخ: يعني: الماء يباشر العجلة التي تُدير الرحى.
الطالب: تدير الرحى.
الشيخ: إي.
ما وجه كون هذا من التدليس؟ طالب: حيث أظهرها بمظهر مرغوب وهي خالية منه.
الشيخ: إي نعم، أظهرها بالمظهر المرغوب وأنها قوية؛ دورانها قوي، وهي ليست كذلك.
رجل اشترى بيض دجاج فكسره فوجده فاسدًا، فما الحكم؟ طالب: يرجع بكل الثمن.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: له الخيار ويرجع بكل الثمن.
الشيخ: طيب، لماذا؟ يرجع بكل الثمن؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1011

الطالب: لا يمكن الفائدة من قشر البيض.
الشيخ: من قشره، صح، وقشره غير مقصود أصلًا، إذن يرجع بكل الثمن لتبيُّن فساد العقد؛ لأنه وقع على ما لا منفعة فيه.
رجل اشترى شيئًا فوجد فيه عيبًا فكيف يكون خياره؟ طالب: يأخذ أرش.
الشيخ: يأخذ أرش؟ لازم؟ الطالب: إذا كان ما يستفاد منه .. الشيخ: لا، يستفاد منه، اشترى شاة فوجدها فيها جرح مثلًا؟ طالب: له الخيار أن يمسكه بأرشه أو يرده ويأخذ الثمن.
الشيخ: طيب، يُخير بين رده وأخذ الثمن أو إمساكه مع الأرش.
ما هو الأرش؟ طالب: هو فرق ما بين ( ... ). الشيخ: فرق ما بين قيمته سليمًا ومعيبًا، صح.
هل يُؤْخَذ بنفس الفرق أو بالقسط؟ طالب: يؤخذ بنفس الفرق.
الشيخ: بنفس الفرق؟ الطالب: يُقَوَّم.
الشيخ: السؤال هل يأخذ بنفس الفرق أو بالقسط؟ الطالب: القسط.
الشيخ: بالقسط؟ الطالب: بالقسط.
الشيخ: طيب، مثِّل؟ الطالب: يعني مثلًا اشترى سلعةً بثمانين وقيمتها صحيحة مئة.
الشيخ: لا، اشتراها بثمانين معناه عرف العيب ونزلت قيمتها.
الطالب: يعني: قيمتها معيبة .. الشيخ: اشتراها بمئة فوجد بها عيبًا، قومناها.
الطالب: قومناها معيبًا فطلعت .. الشيخ: بثمانين.
الطالب: بثمانين.
الشيخ: وسليمة؟ الطالب: بمئة.
الشيخ: بمئة، طيب.
الطالب: ( ... ). الشيخ: نقول: إما أن ترد السلعة، وإما أن يعطيك البائع.
الطالب: الخمس.
الشيخ: الخمس.
طيب، إذا كان قد اشتراها بخمسين وقُوِّمَت بمئة، وكان الأرش عشرين من المئة، فكم يكون الأرش بالنسبة للثمن الذي هو الخمسون؟ الطالب: الأرش عشرون.
الشيخ: عشرون.
الطالب: يكون الخمس يا شيخ.
الشيخ: الأرش عشرون، فتكون عليه بثلاثين.
الطالب: نعم.
الشيخ: كذا؟ الطالب: لا، تكون بأربعين.
الشيخ: كيف تقول: الأرش عشرون؟ ما هو بالأرش عشرون؟ الطالب: لا، الأرش يكون الخمس مقدار ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1012

الشيخ: إي، هذا هو الفرق بين قولنا: إنه هو الفرق بين قيمته سليمًا ومعيبًا بالكم أو بالقسط، قلنا: إنه بالقسط، قل: الفرق خمس مثلًا، عشان ينقص من الثمن الخمس؛ وهو عشرة من خمسين.
متى يتعين الأرش؟ طالب: يتعين الأرش إذا تعذر الرد.
الشيخ: تعذر الرد؟ الطالب: إي.
الشيخ: كيف تعذر الرد؟ الطالب: مثلًا أن يأخذ سلعة معيبة ثم تتلف.
الشيخ: إذا تلفت.
الطالب: إي نعم، يتعين الأرش.
الشيخ: إذا تلفت يتعين الأرش؛ لأنه لا يمكن الرد الآن بعد تلفها.
ومتى يتعين الإمساك مجانًا أو الرد؟ طالب: إذا كان يلزم من الأرش الوقوع في الربا.
الشيخ: إذا كان يلزم من الأرش الوقوع في الربا.
مثاله؟ الطالب: مثاله إذا اشترى حليًّا ذهبًا، ثم تبين له أن الحلي معيب، فإن أخذ الأرش وقع في الربا ( ... )، فهنا يتعين؛ إما الإمساك، أو الرد بلا أرش.
الشيخ: سمعتم؟ اشترى حليًّا من الذهب بذهب، فهنا يشترط الموازنة؛ وزنًا بوزن، فإذا ظهر في الحلي عيب، قيل له: إما أن تمسك مجانًا، وإما أن ترد.
أما الأرش فلا؛ لأننا لو أعطيناه أرشًا صار ربًا؛ صار في الطرف الآخر زيادة.
ادَّعى المشتري أن في المبيع أصبعًا زائدة، وفعلًا نشاهد الأصبع الزائدة، فقال البائع: حدثت عندك، وقال المشتري: حدثت عندك؟ طالب: القول قول المشتري.
الشيخ: ويش الأصل؟ عدم العيب ولَّا وجود العيب؟ الطالب: الأصل عدم العيب، ولكن هذه الحالة .. الشيخ: هذا العيب.
الطالب: هذا العيب هو لا يكون إلا قول المشتري.
الشيخ: إي، يعني لا يمكن أن يحدث؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، إذن فالقول هنا قول؟ طالب: المشتري.
الشيخ: زين.
هل يحلفه أو لا؟ الطالب: لا يحلفه.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن الحلف لا داعي له، لغوًا يكون.
الشيخ: توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
قال المشتري: إن في الجمل الذي اشتريت دبرة، تعرف الدبرة؟ طالب: إي، دبارة.
الشيخ: إي! الطالب: يُنْظر إذا كانت الدبرة بأثر جديد ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1013

الشيخ: إذا كانت جديدة.
الطالب: جديدة، فهو .. الشيخ: فالقول قول؟ الطالب: فالقول قول البائع.
الشيخ: صح، وإن كانت .. الطالب: إن كانت قديمة .. الشيخ: فالقول قول؟ الطالب: البائع.
الشيخ: كلها القول قول البائع؟ ! الطالب: إذا كانت قديمة فالقول قول المشتري.
الشيخ: نعم.
الطالب: وإذا كانت جديدة فلا عبرة بقول المشتري؛ لأن هذا حدث .. الشيخ: طيب، إذا احتمل الأمران فمن القول قوله؟ الطالب: قُبِلَ بلا يمين.
الشيخ: لا، من القول قوله؟ الطالب: القول قول البائع.
الشيخ: ولا فيه قول ثانٍ؟ الطالب: القول قول المشتري.
الشيخ: ولا فيه قول ثالث؟ ! ما فيه قول ثالث؟ ! الطالب: لأنه لا بد أن يستلمها صحيحة.
الشيخ: إذا كان هذا خفيًّا، ما هو شيء ظاهر؟ الطالب: هو في قولٍ يُحلَّف.
الشيخ: لا، دعنا من التحليف، هذا إذا قلنا: إن القول قول فلان لا بد من اليمين، لكن لمن القول قوله؟ الآن ذكرت أن في المسألة قولين، ولكنني لا أدري هل هذا الذكر عن علم أو لما أنت سُئلت عن القول الأول أردفت بقول ثانٍ؟ الطالب: عن علم.
الشيخ: عن علم، أيهما المذهب؛ قول المشتري ولَّا البائع؟ الطالب: القول قول المشتري.
الشيخ: المذهب أن القول قول المشتري، صح.
والقول الراجح؟ الطالب: القول الراجح أنه للبائع.
الشيخ: أن القول قول البائع.
الطالب: لأن المشتري لا بد أن يستلم .. الشيخ: اصبر، لا تعلل المسألة، القول قول البائع؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: بارك الله فيك، صحيح يا جماعة.
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، التعليل للقول بأنه قول البائع؟ طالب: أن القول قول البائع لهم دليل حديث وتعليل.
الشيخ: ما هو الحديث؟ الطالب: أما الحديث فهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ» (1). وأما التعليل: لأن معه الأصل؛ وهو أن الأصل أن المشتري استلم السلعة كاملة بلا عيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1014

الشيخ: إي، الأصل السلامة حتى يقوم دليل على أن العيب سابق.
ما هو تعليل القول الثاني؟ طالب: القول قول المشتري على المذهب، تعليله: أن الأصل السلامة في السلعة إذا باعها البائع أو أن العقد وقع على كل جزء في السلعة.
الشيخ: نعم.
الطالب: وإذا كان ... الشيخ: أن العقد يتم على كل جزء من السلعة، والأصل عدم؟ الطالب: عدم فوات .. الشيخ: عدم قبض الجزء؟ الطالب: الجزء المعيب.
الشيخ: إي نعم، الذي فات بالعيب، لكنه كما ترى تعليل عليل، وأيضًا هو تعليل في مقابلة النص فلا عبرة به.


تخبير الثمن عرفناه قبل قليل ونمشي الآن فيه، ونقرأ بعض الشيء حتى لا يفوت شيء من الدرس.
يقول رحمه الله تعالى: (وإن اشترى بثمنٍ مؤجَّلٍ) (إن اشترى) أي: البائع توليةً، (اشترى) الفاعل يعود على البائع توليةً، (اشترى بثمن مؤجل) ولم يبين، مثل أن يقول: بعتك هذا الكتاب برأس ماله، إذا قال: بعتك برأس ماله، وأيش نوع البيع هذا؟ تولية، قال: كم رأس ماله؟ قال: رأس ماله عشرون درهمًا، قال: أخذته، وكان هذا الذي باعه قد اشتراه بعشرين درهمًا مؤجلًا ولم يخبر، ومعلوم أن الثمن المؤجل يكون أكثر ولَّا أقل؟ أكثر، فاشتراه المشتري، صدَّقه وأخذه بعشرين، ثم تبين أن هذا الثمن كان ثمنًا مؤجلًا، هو صادق؛ لأنه اشتراه بعشرين لكنه ثمن مؤجل.
فنقول: للمشتري الخيار؛ إن شاء أمسكه، وإن شاء رده؛ لأن البائع غرَّه وخدعه، فجزاؤه أن يُفسَد عليه أمره وأن يقال للمشتري: أنت بالخيار.
هذا هو الذي مشى عليه المؤلف، وهو وجيه جدًّا إذا كان البائع الذي باع برأس ماله قد خدعه، فنعامله بنقيض قصده.
والمذهب أنه ليس له حق الفسخ، ولكنه يأخذه بأجله؛ لأنه في هذه الحال لا ضرر عليه؛ إذ إنه زاده خيرًا، كان بالأول قد رضي أن يشتريه نقدًا بعشرين، والآن صار عليه مؤجلًا بعشرين، والتأجيل أرفَقُ به فيكون قد زاده خيرًا وليس له الخيار؛ لأن الخيار إنما هو لدفع الضرر وهنا لا ضرر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1015

فصارت المسألة: إذا باعه بثمنه وتبين أنه ثمن مؤجل فللمشتري الخيار بين أن يرده وبين أن يمسكه.
هذا رأي من؟ المؤلف؛ الماتن، والمذهب لا خيار له، بل يبقى البيع لازمًا مؤجلًا.
ما هو تعليل كلٍّ من القولين؟ أما القول الأول الذي يقول: له الخيار فتعليله أنه خدعه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (2)، فخدعه، فهذا جزاؤه؛ أن يُفْسَد عليه الأمر.
وأما تعليل الثاني فيقولون: إنه ليس عليه ضرر في هذه الحال؛ لأنه رضي بالثمن نقدًا، فإذا أُجِّل عليه صار ذلك أيسر له، ينتفع بالثمن الآن نقدًا يبيع به ويشتري، فإذا حل الأجل سلَّمه للذي باع عليه فقد زاده خيرًا.
ولكن مع ذلك يقال: قد يكون زاده خيرًا وقد يكون زاده شرًّا، ربما يقول المشتري: أنا أحَبُّ إلي أن أشتري بنقد؛ لأن الدراهم الآن معي، فإن بقيت معي إلى الأجل فربما أصرفها في أشياء غير مفيدة لي، وربما يكون أيضًا في بلد ظالمٌ والِيها، فيَخشى إن بقي عنده شيء من المال أن يؤخذ منه مصادَرة ويقول: أنا التعجيل أحَب إليَّ من التأجيل.
ولكن الجواب على هذا أن يقال: هذه حال نادرة، والأصل عند جميع الناس من حيث العموم أن المؤجَّل أيسر على باذله من الحالِّ.
ولكني -كما قلت لكم-: إذا علمنا أن البائع قد خدعه يقينًا فإنه في هذه الحال نقطع عليه الطريق ونقول للمشتري: أنت بالخيار؛ إن شئت افسخ، وإن شئت خذه بأجله.
إذا قلنا: يأخذ بأجله فهل يكمِّل الأجل أو يبتدئ الأجل من جديد؟ طالب: يكمل من الأول.
الشيخ: يكمل من الأول! كيف يكمل! تناقض.
طالب: يبتدئ من الأول.
الشيخ: هل يأخذه بأجله من جديد أو يكمِّل الأجل؟ طالب: من جديد.
طالب آخر: يكمل الأجل.
الشيخ: لا، يأخذه من جديد؛ لأن الثمن من أوصافه أن يكون مؤجلًا، فالتأجيل من أوصافه، فيأخذه بأجله ابتداءً.

الجزء: 2 - الصفحة: 1016

فإذا قُدِّر أنه باعه بعد أن اشتراه بثلاثة أشهر والأجل ستة أشهر، هل يبقى على المشتري ثلاثة أشهر ولَّا يستأنف ستة؟ طلبة: يستأنف ستة.
الشيخ: يستأنف ستة؛ لأن هذا هو الثمن.


طالب: ( ... ) ولم يُبَيِّنْ ذلك في تخبيره بالثمن فللمشتري الخيارُ بين الإمساكِ والرَّدِّ، وما يُزَاد في ثمنٍ أو يُحَطُّ منه في مدة الخِيار أو يُؤخَذ أَرْشًا لعيبٍ أو جنايةٍ عليه يُلْحَقُ برأس ماله ويُخْبَرُ به، وإن كان ذلك بعد لزوم البيع لم يُلْحَقْ به، وإن أخْبر بالحال فَحَسَنٌ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نحن الآن في القسم؟ طالب: السادس.
الشيخ: السادس من أقسام الخيار؛ وهو الخيار الذي يثبت بتخبير المشتري بالثمن متى بان أقل.
وسبق لنا أن هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فالمذهب أنه لا خيار، ويأخذه المشتري بالأقل؛ لأنه إذا أخذه بالأقل لم ينقصه شيء؛ إذ إنه راضٍ أن يأخذه بمئة -مثلًا- فإذا بان أن الثمن ثمانون فقد زاده خيرًا، فلا خيار له.
وذكرنا أن القول الراجح في هذه المسألة هو أيش؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، هو التفصيل؛ أنه إذا تبين أن البائع خدعه فله الخيار، وإلا فلا خيار له؛ لأننا نقول للمشتري: أنت لا ضرر عليك، خذه بما قال.
ثم ذكر المؤلف صورًا منها (إذا اشترى بثمنٍ مؤجَّلٍ)، الفاعل في قوله (اشترى) يعود على مَن؟ طالب: يعود على البائع.
الشيخ: البائع بالتخبير؟ الطالب: يكون البائع اشتراه بثمن مؤجل .. الشيخ: أقول: (إن اشترى) يعود على من؟ الطالب: البائع.
الشيخ: البائع؛ يعني: البائع بتخبير الثمن.
الطالب: البائع على المشتري ( ... ). الشيخ: إي، البائع بتخبير الثمن.
ويش تقولون يا جماعة هو هو؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1017

الشيخ: طيب، البائع بتخبير الثمن إذا اشترى بثمن مؤجل فالمؤلف يرى أن له الخيار؛ لأنه إذا اشتراه بثمن مؤجل بمئة، فثمنه في الحال غالبًا أقل؛ ثمانون.
فإذا اشتراه بثمن مؤجل ثم جاء إنسان وباعه عليه برأس ماله وتبين أنه اشتراه بثمن مؤجل فالمؤلف يرى أنه له الخيار، والمذهب لا خيار له ويأخذه بأجله.
ويقال في هذا ما قلنا فيما سبق: إنه ليس على المشتري ضرر؛ لأنه مطالب بالثمن نقدًا في الأول، والآن سوف يؤجَّل عليه.
هذه واحدة.
(أو ممن لا تُقْبَلُ شهادتُه له) يعني: أو اشترى البائع بتخبير الثمن ممن لا تُقْبَل شهادته له، ثم باعه على آخر ولم يخبِره، فللثاني الخيار؛ لأن الغالب أن الإنسان مع مَن لا تُقْبَل شهادته له لا يستقصي في الثمن؛ يعني: لا يماكس، الغالب.
من الذي لا تُقْبَل شهادته له؟ الأصول والفروع.
مثال: رجل اشترى من أبيه سلعةً بمئة، ثم باعها على آخر برأس مالها، كم رأس المال؟ مئة، ثم تبين للمشتري أن الذي باع عليه قد اشترى من والده.
يقول المؤلف: له الخيار، وظاهر كلامه: سواء غُبِن أم لم يغبن، بناءً على أيش؟ طالب: الأصل.
الشيخ: على أن العادة أن الإنسان لا يستقصي فيما إذا اشترى ممن لا تُقْبَل شهادته له.
ما وجه الخيار للمشتري؟ يقول المشتري: أنت اشتريت من أبيك، لو اشتريته من أجنبي لكاسرته -ماكسته- حتى ينزِّل، وأبوك تستحي، وكذلك يُقَال في الابن.
فإذن يَثبت له الخيار.
والصحيح في هذه المسألة أنه لا يثبت له الخيار إلا إذا ظهر في ذلك غبن، إذا ظهر في ذلك غبن فله الخيار، ويكون من باب الخيار الغبن، أما إذا لم يكن هناك غبن فإنه كثيرًا ما يشتري الإنسان من أصوله أو فروعه ويستقصي في الثمن.
هذه واحدة.
الآن أسألكم: من الذي لا تُقْبَل شهادته له؟ طلبة: الفروع والأصول.

الجزء: 2 - الصفحة: 1018

الشيخ: الأصول والفروع: الآباء والأبناء، والبنات والأمهات، والجدات والأجداد، وأبناء الأبناء وأبناء البنات، وكذلك الزوجان لا تُقْبَل شهادة أحدهما للآخر.
(أو بأكثر من ثمنه حيلةً) اشترى بأكثر من ثمنه حيلة؛ يعني: البائع الذي باع بتخبير الثمن كان قد اشتراه بأكثر من الثمن حيلة، ويش مثال الحيلة؟ المثال: رجل يطلب آخر مئة ريال، والمطلوب يُمَاطل؛ كلما جاء قال: انتظر، في يوم من الأيام اشترى منه سلعةً تساوي ثمانين بمئة، فلما اشتراها قال: إذن مقاصة، ما لك شيء، يقوله من؟ المشتري اللي هو الطالب، البائع الآن مطلوب ويماطل المشتري، فاشترى منه سلعةً تساوي مئة بثمانين، وكان الدين مئة، هذا الشراء هل هو لرغبة في السلعة أو حيلةً على استخلاص حقه؟ الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ حيلة على استخلاص حقه، انتهى البيع، جاء رجل آخر وقال له: بعني هذه السلعة، كم اشتريتها؟ قال: بمئة ريال، أبيع عليك برأس المال؛ مئة، ثم تبين بعد ذلك أنه اشتراها بمئة حيلةً ليخلِّص دَيْنَه من هذا المماطل، فللمشتري الخيار.
كذلك إذا كان بأكثر من ثمنه محاباةً، نذكر صورًا في الشرح لأنها مفيدة، محاباةً.
كيف محاباة؟ يعني أن الذي باع بالتخبير اشترى هذه السلعة من شخص صديق له، هي لا تساوي مئة لكن اشتراها بمئة لأنه صديقه، أو اشتراها بمئة لأنه رأى هذا الرجل فقيرًا قال: أزيد الثمن محاباةً له وجبرًا لخاطره، ثم إن هذا المشتري باعها بالتخبير بالثمن وقال: إن ثمنها كم؟ مئة، فنقول للمشتري الذي اشترى بالتخبير بالثمن: لك الخيار إذا تبين أنها أكثر من ثمنها من أجل المحاباة، والمحاباة تعرفون أن الإنسان إذا حابى أحدًا ما يهمه أن يزيد عليه ريالين أو ثلاثة أو عشرة، وأنه إذا باع عليه ما يهمه أن ينقص ريالين أو ثلاثة أو عشرة.
(أو لرغبة تخصه) الذي باع بتخبير الثمن اشترى هذه السلعة لرغبة تخصه، ما هو لأنها زائدة في السوق، لا، لرغبة تخصه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1019

مثاله: رجل اشترى بيتًا إلى جنب بيته، البيت يساوي مئة ألف، اشتراه بمئة وعشرين لأنه جنب بيته ويداخل البيت، هذه رغبة تخص من؟ تخص المشتري؛ لأنه لو كان ليس جارًا له ما اشتراه بمئة وعشرين، ثم إنه طابت نفسه من البيت وباعه على إنسان بالتخبير بالثمن، قال: بكم اشتريته؟ قال: بمئة وعشرين، قال: أخذته برأس ماله، وتبين أن المئة والعشرين أكثر من الثمن وأن ثمنه مئة، طيب لماذا زاد عشرين؟ لرغبة تخص المشتري؛ وهو كونه إلى جنبه ومداخلًا بيته، فهذه رغبة تخصه.
الصورة الرابعة: (أو موسم فات) كيف موسم فات؟ يعني: اشتراه أيام الموسم في عيد الأضحى، اشترى شاةً في عيد الأضحى، عادةً أن الغنم في عيد الأضحى ترتفع قيمتُها، فاشترى هذه الشاة بمئة، في غير الموسم تساوي ثمانين، ثم إنه بعدما فات الموسم باعها برأس ماله كم؟ مئة، وهو أكثر من الثمن، لولا أنه اشتراها في موسم، والموسم قد فات، أما لو باعها في نفس الموسم فهذا لا بأس، لكن هو الآن قد فات، فنقول: للمشتري الخيار.
اشترى شاةً حلوبًا بمئة وعشرين؛ لأن عنده طفلًا من الغنم يحتاج إلى لبن، فاشتراها بمئة وعشرين من أجل أن ترضع هذا الطفل، ثم انتهى رضاع الطفل وجاء إنسان قال: أشتريها منك برأس المال؟ قال: نعم، كم رأس المال؟ قال: مئة وعشرون، تبين أنه اشتراها بمئة وعشرين علشان إرضاع الطفل، هذا من أي الأقسام الأربعة؟ رغبة تخصه.
إذن متى بان الثمن أكثر لسبب من الأسباب يتعلق بالمشتري أو يتعلق بالمبيع فإن للمشتري الخيار.
قال: (أو باع بعضَ الصَّفْقةِ بقِسْطِها من الثمنِ ولم يُبَيِّنْ ذلك في تخبيره بالثمن فللمشتري الخيارُ بين الإمساكِ والرَّد).
إذا باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبين ذلك للمشتري فإن للمشتري الخيار.

الجزء: 2 - الصفحة: 1020

اشترى كيسًا من الرز بمئة ريال، ثم باع نصفه بخمسين، بقي النصف، كم؟ خمسون، جاء شخص يريد أن يشتري منه، قال: أبغي أشتري منك هذا برأس ماله، قال: لا بأس، رأس ماله خمسون، اشتراه، فتبين أن هذا بعضُ ما اشترى وأنه باع بعضه بقسط من الثمن، فللمشتري الخيار، إلا إذا بَيَّن، قال: أنا اشتريت كيسًا من الرز بمئة وبعتُ نصفه بخمسين وهذا بخمسين، إن بيَّن فالأمر واضح، لكن إذا لم يبيِّن فللمشتري الخيار.
فإذا قال قائل: كيف يكون له الخيار؟ نقول: نعم؛ لأن الناس يفرقون بين بعض التجزئة وبعض الجملة، وقد يكون الإنسان يزيد الثمن في الجملة أو في التجزئة حسب الرغبات، وبهذا نعرف حِرْص العلماء رحمة الله عليهم على الصِّدق في البيع والشراء، وإلا كان بعض الناس يقول: ما دام أنه باع النصف بنصف الثمن لماذا لا يقول هذا: حصل عليه بخمسين، يقولون: يجب أن يصدق، هو لم يحصل عليه بخمسين، حصل عليه مع البقية بكم؟ بمئة، وهذا يساوي خمسين، فالواجب أن يبين.


ثم قال: (وما يُزاد في ثمنٍ أو يُحَطُّ منه في مدة الخيار أو يُؤخذُ أَرْشًا لعيبٍ أو جنايةٍ عليه يَلْحَقُ برأس ماله ويُخْبَر به).
ما يزاد في الثمن في مدة الخيار فإنه يجب أن يخبَر به.
مثاله: اشترى شيئًا بمئة، أطلق المالك عليه البيع قال: بعتك إياه بمئة، قال: قبلت، تم البيع ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب، في أثناء المجلس قال البائع: أنا الآن مغبون، ما أبيعه إلا بمئة وعشرين، تبيع، وإلا أنا بالخيار، نحن الآن في المجلس، قال: قبلت بمئة وعشرين، جاء رجل آخر يريد أن يشتري من المشتري برأس المال، هل يقول: رأس ماله مئة وعشرين أو يقول: مئة؟ هو لن يقول: مئة؛ لأن هذا خسارة عليه، لكن هل يقول: مئة وعشرين؟ لا، لا بد أن يُخْبَر به، يقال: اشتريته بمئة، ثم في زمن الخيار زاد عليَّ، لماذا؟ لأن العقد الأول كان على مئة، فيجب أن يصدق، حتى في هذه الصورة يجب أن يُلحَق برأس المال ويُخْبَر به.

الجزء: 2 - الصفحة: 1021

كذلك أيضًا يقول: (أو يُحَطُّ منه) يحط منه في مدة الخيار كذلك يجب أن يُخْبَر به، لما تم البيع بين البائع والمشتري وهما في المجلس قال المشتري: أنا مغبون، اشتريته منك بمئة وهو لا يساوي إلا ثمانين، واتفقا على ثمانين، فباعه بثمانين، إذا اشتراه أحد منه برأس ماله لا بد أن يقول: اشتريته بمئة، ثم حَاططتُه إلى ثمانين، مراعاةً لأيش؟ للعقد الأول؛ لئلا يلغى العقد الأول، يعني شوف تحري العلماء -رحمهم الله- تحريهم للصدق إلى هذا الحال! كذلك ما (يُؤخذُ أَرْشًا لعيبٍ) اشترى رجل شاةً بمئة ريال، ثم وجد بها عيبًا قُوِّم بعشرين، من الذي يدفع العشرين؟ البائع يدفع عشرين، المشتري الذي اشترى الشاة باعها برأس مالها، ماذا يقول؟ هل يقول: إني اشتريتها بثمانين، أو بمئة ثم نزَّلت للعيب عشرين؟ الثاني، لا بد أن يقول هكذا، حتى يكون صادقًا في أنه اشتراها بمئة، ثم رُدَّ عليه عشرون من أجل العيب.
كذلك ما يُؤْخَذ أرشًا لـ (جنايةٍ عليه)؛ اشترى عبدًا بمئة -لو كثرنا التمثيل بمئة ما يضر- اشترى عبدًا بمئة، ثم إن العبد جُنِيَ عليه، اعتدى عليه إنسانٌ بقطع بعض أطرافه أو ما أشبه ذلك، كانت الجناية خمسين؛ أرش الجناية التي جُنِيَ على العبد خمسون، فباعه برأس ماله، هل يقول: إن رأس ماله مئة أو خمسون؟ لأنه لما ( ... ) بخمسين صار العبد الآن معيبًا بخمسين، أليس كذلك؟ فإذا باعه برأس ماله وهو معيب، هل يقول: إن رأس ماله خمسون، لا، يجب أن يقول: إني اشتريته بمئة فجُنِيَ عليه بخمسين؛ يبين بالواقع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1022

قال المؤلف: (يُلْحَقُ برأس ماله ويُخْبَرُ به، وإن كان ذلك بعد لزوم البيع) (إن كان ذلك) المشار إليه الزيادة والنقص وليست الجناية، إنما الزيادة والنقص، (إن كان ذلك بعد لزوم البيع لم يُلْحَق به) لماذا؟ لأن البيع استقر على الثمن الأول، وأما ما أُخِذ أرشًا لعيب أو أُخِذَ أرشًا لجناية فيُخبَر به وإن كان بعد لزوم البيع، لكن الزيادة والنقص في الثمن هو الذي يُشْتَرط أن يكون ذلك قبل لزوم البيع، أما بعد لزوم البيع فإنه لا يَجب، ولذلك لو أن البائع الأول الذي باعه بمئة وتم البيع وتفرقا أبرأ المشتري من الثمن، ثم إن المشتري باعه برأس ماله، هل يلزمه أن يقول: إني اشتريته بمئة وأبرأني منها؟ لا يلزمه؛ لأن هذا بعد لزوم البيع؛ ولهذا قال: (إن كان هذا بعد لزوم البيع لم يُلْحَقْ به).
إنسان اشترى ثوبًا متسخًا بعشرة دراهم، ثم أعطاه القَصَّار بدرهمين، من القصار؟ الغسال اللي يغسل يسمى القصار، أعطاه إياه فغسله بريالين، كم تحصل عليه؟ باثني عشر درهمًا.
طيب، جاءه إنسان قال: أريد أن تبيعني إياه برأس المال، قال: رأس المال اثنا عشر درهمًا، هل يجوز؟ لا يجوز مع أنه الآن ما تحصل عليه إلا باثني عشر درهمًا، نقول: لا يجوز، لا بد أن يقول: اشتريته بعشرة، وغسَّلته بدرهمين.
كل هذا تحريًا للصدق في المعاملات؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في المتبايعين: «إِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (3). (وإن أخبر بالحال) يعني: حتى ولو بعد لزوم العقد، (فحسن)، وعلل ذلك بالشرح يقول: لأنه أبلغ في الصدق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1023

هل يلزمه أن يخبر بكسب العبد ونماء البهيمة المنفصل فيسقطه من الثمن أو لا يلزم؟ لا يلزم؛ يعني: لو اشترى عبدًا بعشرة آلاف، وبقي عنده شهرًا أو شهرين وكسب في هذه المدة ألفين، ثم باعه برأس ماله وقال: رأس ماله عشرة آلاف، هل يخصم منها الألفين الذي كسب؟ لا؛ لأن هذا نماء منفصل، وهو للمشتري؛ لأنه في ملكه.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (السابع: خيارٌ لاختلافِ المتبايعَيْن) والخلاف بين المتبايعين من قديم الزمان؛ يختلفان في الجنس، أو في القَدْر، أو في الصفة، أو في العين، الاختلافات لا حصر لها، والعلماء رحمهم الله ذكروا ما يُشبِه القواعد في هذا الباب؛ إذ إن جزئيات المسائل لا تمكِن الإحاطة بها، وليس كل اختلاف يوجب الخيار، بل الاختلاف الذي دلت السنة على ثبوت الخيار في مثله؛ ولهذا عندي في الشرح يقول: في الجملة، والفقهاء إذا قالوا: في الجملة، فالمعنى: أكثر الصور، وإذا قالوا: بالجملة، فالمعنى: جميع الصور، هذا مصطلح عندهم، إذا كانت (في) فهي أكثر الصور، بالباء جميعها.
والفرق أن (في) للظرفية والباء للاستيعاب، هذا هو الفرق.
يقول: (فإذا اختلفا في قَدْر الثمن) بأن قال البائع: بعته بعشرة، وقال المشتري: اشتريته باثني عشر، ( ... ) صحيح؟ طالب: غير صحيح.
الشيخ: البائع قال: بعته بعشرة، والمشتري قال: اشتريته باثني عشر، يمكن هذا؟ طلبة: يمكن.
الشيخ: لا، بس هذا بعيد، إذن قال البائع: بعته بعشرة، وقال المشتري: اشتريته بثمانية، صحيح؟ اختلفا في قدر الثمن ولم يوجد بينة، إن وُجِدَ بينة تشهد بقول أحدهما فالأمر ظاهر.
وهل القرينة هنا تنفع؟ يعني لو قيل: إن ما ادعاه المشتري أقرب إلى الثمن في السوق مما ادعاه البائع؟ نقول: في هذا تفصيل؛ إذا كان ما ادعاه أحدهما بعيدًا لا يمكن فهذا لا يُقبَل ولا يُلْتَفت له ولا تُسْمَع دعواه، وإن كان محتمِلًا فعلى ما قال المؤلف، وسيُذكر إن شاء الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1024

مثال هذا: باع واحد سيارةً على شخص؛ سيارة فخمة تساوي في السوق ستين ألفًا، ثم اختلفا في الثمن، فقال البائع: بعتها بستين ألفًا، وقال المشتري: اشتريتها بعشرة آلاف، ممكن هذا؟ لا يمكن هذا، إلا لسبب من الأسباب، والأصل عدم السبب، هذا لا يمكن.
ولذلك لو أن أحدًا عرض هذه السيارة التي تساوي ستين ألفًا بعشرة آلاف لقيل: إن هذا سارقها أو فيه بلاء.
إذن نحن نقول: إذا ادعيا قدرًا محتمِلًا؛ كما قلنا في العيب فيما سبق: (إن لم يحتمل إلا قول أحدِهِما قُبِلَ بلا يمين)، هنا اختلفا في القدر في الثمن؛ البائع يقول: مئة، والمشتري يقول: ثمانين، فماذا نصنع؟ يقول المؤلف: (تحالفا) كل واحد يحلف.
فإذا قال قائل: كيف نلزمهما بالحلف والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (4)؟ قلنا: حقيقة الأمر أن كل واحد منهما مدعٍ ومنكِر، فتلزم اليمينُ كلَّ واحد منهما، فالبائع مدعٍ أن الثمن مئة ومنكِر أنه ثمانون، والمشتري مدعٍ أنه ثمانون ومنكِر أنه مئة.
إذن كلٌّ منهما مدعٍ ومنكِر؛ ولهذا ألزمنا كلَّ واحد منهما بالحلف، فيتحالفان.
من الذي يبدأ؟ يقول المؤلف: (فيحلِفُ بائعٌ أولًا، ثم يحلف مشترٍ) يحلف البائع أولًا؛ لأنه هو الذي انتقل الملك عنه، فكان جانبه أقوى؛ لأن الأصل عدمُ خروج الملك من يد صاحبه، فيُقدَّم البائع؛ يحلف البائع أولًا، ويجب أن يجمع بين النفي والإثبات؛ بين نفي ما ادَّعاه خصمُه، مَن خصمُه؟ المشتري، وإثبات ما ادَّعاه هو، فيقول: واللهِ ما بِعتُه بكذا وإنما بعته بكذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1025

مثالنا: واللهِ ما بعته بثمانين وإنما بعته بمئة، فيبدأ بالنفي أولًا، كما هي العادة أن التخلية قبل التحلية، ولدفع دعوى المشتري فيقول: واللهِ ما بعته بثمانين وإنما بعته بمئة، فيجمع بين النفي والإثبات، والمشتري كذلك؛ يحلف المشتري: واللهِ ما اشتريته بكذا بكم؟ بمئة وإنما اشتريته بثمانين.
فإذا تمت المحالَفة ولم يرضَ أحدهما بقول الآخر فلكلِّ واحد منهما الفسخ.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من تقدُّم حَلِف البائع، فلو بدأ المشتري أولًا لم يصح، قلنا للبائع: احلف، ثم يحلف المشتري، فيلزم المشتريَ في هذه الحال أن يَحلف ثانيةً؛ لأن المؤلف يقول: (فيحلِفُ البائعُ أولًا).
ثانيًا: ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من الجمع بين النفي والإثبات؛ نفي ما ادَّعاه خصمُه وإثبات ما ادَّعاه هو، فلو نفى ما ادَّعاه خصمه فقط وقال: واللهِ ما بعته بثمانين -يقول البائع- يكفي ولَّا لا؟ لا يكفي، حتى يُثبِت ما ادعاه؛ يحلف على ما ادعاه.
لو اقتصر على الإثبات فقط قال: واللهِ لقد بعتُه بمئة، وإن هذا المشتري كاذب؟ ما يكفي، لا بد أن يقول بالنفي: ما بعته بثمانين وإنما بعته بمئة.
لو قَدَّم الإثبات على النفي، قال: واللهِ لقد بعته بمئة وما بعته بثمانين؟ على كلام المؤلف لا يصح.
فلا بد من أمور ثلاثة: أن يحلف البائع أولًا.
الثاني: أن يجمع بين النفي والإثبات.
الثالث: أن يقدم النفي.
وكذلك يقال بالنسبة لحلف المشتري: أن يكون ثانيًا؛ أي: أن يكون هو الثاني في اليمين، وأن يبدأ بالنفي قبل الإثبات، وأن يجمع بين النفي والإثبات.
وقال بعض أهل العلم: إن القول قول البائع؛ لأن المُلك خرج من يده، ولا يمكن أن يخرج إلا بما يرضى به هو، ما لم توجد بينة، هذا من جهة التعليل.
من جهة الدليل: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ» (1).

الجزء: 2 - الصفحة: 1026

وهذا القول أقوى؛ لأنه يؤيده ظاهر الحديث ويؤيده المعنى أيضًا؛ أن القول قول البائع، ويقال للمشتري: إن رضيت بما قال البائع، ولَّا ملكه باقٍ.
إلا إذا ادعى البائع ثمنًا خارجًا عن العادة فحينئذٍ لا يُقبَل؛ بأن قال: بعتها بمئة وهي لا تساوي خمسين في السوق، فهنا لا نقبل.
فإن قال قائل: لماذا لا تقبلون؛ لأنه ليس على المشتري ضرر؛ إذ إنه سيفسخ، إذا لم يرض المشتري بما ادعاه سوف يفسخ العقد؟ فالجواب: أن في ذلك ضررًا على المشتري؛ لأن المشتري قد تكون حاجته متعلقةً بهذه السلعة وقد اشتراها، أو يكون السوق ارتفعت أسعارُه أو ما أشبه ذلك، فحينئذٍ نقول: إذا ادَّعى ثمنًا أكثر مما جرت به العادة فإننا لا نقبل قوله؛ لبُعده.
وعلى القول بأنهما يتحالفان فالصحيح أنه لا يحتاج إلى الجمع بين النفي والإثبات، والمقصود هو نفي ما ادَّعاه صاحبه فقط أو إثبات ما ادعاه هو، وهذا يحصل، يحصل بأيش؟ بإفراد النفي أو إفراد الإثبات، والجمع بينهما ليس بلازم، وهذا أيضًا أقوى من وجوب الجمع بينهما.
هذه واحدة.
وإذا قلنا بالجمع فالقول الراجح أيضًا أنه لا يُشْتَرط تقديم النفي، وأنه لو قال: واللهِ لقد بعتُه بمئة وما بعته بثمانين، كفى؛ لأن المقصود حَصَل.
بقي عندي توقُّف: هل يُشْتَرط تقديم يمين البائع أو يمين المشتري؟ المؤلف يرى أنه يُقَدَّم يمين البائع، وهذا قد يكون له وجه كما ذكرنا في تعليله، وقد يقال: لو أن المشتري تعجَّل وحلف قبل، فما المانع من أن يكون حَلِفه مقبولًا؟ فهذه مسألة نتوقف فيها.
طالب: بالنسبة إذا باع سلعة بقسطها من الثمن ولم يخبر المشتري، فالمؤلف يقول: له الخيار، لكن إذا كانت -يا شيخ- السلعة متبادلة؟ الشيخ: كلام المؤلف مطلقًا سواء ينقسم عليه الثمن بالأجزاء أو بالقيمة.
الطالب: ويش العلة في الخيار؟ الشيخ: العلة أنه قد يكون بعض الناس له رغبة إذا كان العقد على شيء كثير.
الطالب: هو يريد هذا الشيء.

الجزء: 2 - الصفحة: 1027

الشيخ: لا، بس بالنسبة للبائع قد تكون الرغبة بالكثير أكثر من القليل، ونحن أشرنا إلى هذا، لكن فيه -الرأي الذي أشرت إليه- أنه إذا صار ينقسم عليه الثمن بالأجزاء فلا بأس.
طالب: قلنا: الخيار ( ... ) المشتري في الصورة التي ذكرها المؤلف ( ... ) على المشتري؟ الشيخ: اللي هي؟ الطالب: الزيادة.
الشيخ: كيف الزيادة؟ الطالب: اشترى بمئة وزاد عشرين في خيار المجلس، قال: أنا اشتريت بمئة وعشرين، مع أنه لا ينقص ( ... ) الضرر على المشتري.
الشيخ: الضرر؛ لأنه ربما أن هذه من جنس المحاباة؛ أن قيمته الحقيقة مئة، لكن المشتري له رغبة أكيدة في هذا الذي اشتراه فزاده العشرين.
الطالب: ( ... ). الشيخ: هو هذا السبب، السبب أنه قد يكون هكذا.
طالب: بارك الله فيكم، قلنا في البيع بتخبير الثمن: إن تبين للمشتري أن البائع خدعه، وإلا فلا خيار، فكيف نتصور -يا شيخ- أن يبيعه ويزيد عليه بدون خداع، لا بد أن يخدع في كل حال؟ الشيخ: لا، ما هو على كل حال، قد يكون ناسيًا أو ما أشبه ذلك، ما هو على كل حال.
( ... ) تخبير.
طلبة: المساومة.
الشيخ: تعرفون المساومة؟ الطلبة: إي نعم.
الشيخ: يعني: أبيعه وأقول: من يشتري؟ طالب: أريح.
الشيخ: نعم، المساومة أسهل، لكن أيهما أشد طمأنينة بالنسبة للمشتري؟ الطلبة: التخبير.
الشيخ: التخبير؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: إي، إذن كل واحدة منها تمتاز بمزية، لكن الإمام أحمد أحب إليه المساومة؛ لأنها أبرأ للذمة لا شك ( ... ) أنا شاريه بعشرة والآن يسوى مئة ما يهم.
طالب: في بعض البلاد -يا شيخ- هناك غصب في القوانين، بمعنى مثلًا ( ... ) تؤخذ منه البضاعة، ثم إذا اجتمعت بضائع كثيرة بيعت في المزاد العلني، ما يسمى بالمزاد العلني، فهل يجوز للناس أن يشتروا مثل هذه السلع؟ وهل يجوز لمن أخذت منه هذه السلعة أن يذهب فيشتري؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1028

الشيخ: يقول: في بعض البلاد -ولا سيما على المواني- يتأخر بعض الناس عن التحميل أو عن دفع الأُجرة، وقد حُدِّد له أجل معلوم معروف، ولكنه لا يأتي، فيباع بالمزاد العلني، فهل يجوز أن نشتريه؟ الجواب: نعم، ولك أجر.
الطالب: عفوًا يا شيخ، صورة سؤالي ( ... ) يعني أقصد في بعض البلاد .. الشيخ: خليني أكمل، أقول: نعم؛ لأن أهل هذه الأموال قد علموا أنها ستؤخذ إلى أجل معلوم، وثانيًا: أنك إذا اشتريت ستزيد في الثمن ويزيد غيرُك عليه، فيكون في ذلك مصلحة لبيت المال، ولو قلنا للناس: لا تشتروا، لفسدت هذه البضائع، نعم هذا هو، وكذلك لو أن صاحبها اشترى منها ما فيه بأس.
الطالب: جائز.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذه الصورة فهمتها.
التي أقصد بعض البلاد ليس -مثلًا- يقولون: إذا لم تأتِ في كذا وكذا، يأتي -مثلًا- سائح أو كذا أو راجع إلى بلده فيأخذ معه أشياء فيجمركونها، وإذا لم يدفع أخذوها منه، أو يأخذوها منه لأنه زاد على العدد، مسموح له أن يأتي مثلًا .. ؟ الشيخ: ( ... ) كل عقوبة معلومة فهي حلال.
طالب: في مسألة إذا دخل شخص ما البستان، ( ... ) حيازة، فأصبح الآن معتديًا على البتسان، لأنه فيه سور البستان؟ الشيخ: لا، البستان المسور ما يؤخذ منه شيء.
الطالب: ما يؤخذ منه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لو أن رجلًا دخل على بستان شخص فحشه وقطع الشجر فإنه يكون ملكًا له.
الشيخ: لمن؟ الطالب: يكون ملكًا له؛ لأنه حازه.
الشيخ: هذا ما لم يكن صاحب البستان هو الذي أنبته، أما إذا كان هو اللي زرعه فهو يضمنه، لكن إذا كان هذا من الكلأ فإنه يملكه ويأخذه مع الإثم.
طالب: في بعض البلاد بعض الناس يستوردون بضائع ( ... ) الدول الخارجية.
الشيخ: يسرقونها؟ الطالب: لا، يستوردونها بالشراء.
الشيخ: نعم.
الطالب: والحكومة تفرض عليهم الضرائب والجمارك ( ... )، وفي مثل هذا على كل حال بعض الناس يهربون ( ... ) نقاط التفتيش والضرائب، يهربونها ( ... )، فهل عليهم إثم في هذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1029

الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول: إن بعض البلاد فيها جمارك، فهل يجوز لصاحب المال أن يفر من ذلك مع طريق آخر؟ الجواب: نعم، يجوز بشرط ألَّا يكون في ذلك منابذة منه للحكومة؛ يعني أنه يتسلل خُفية، أما إذا كان فيه منابذة فلا تجوز المنابذة، بل الواجب الصبر.
طالب: وكذلك الضرائب يا شيخ؟ الشيخ: والضرائب، كلها، كل من أخفى شيئًا لدفع الظلم عن نفسه فلا بأس، لكن أما أن يكذب ويضع شيئًا آخر تحيلًا فهذا لا يجوز.
( ... ) يقول: رجل اشترى سلعتين ودفع الثمن واستلم واحدةً منهما، والأخرى يستلمها بعد عشرة أيام ( ... ) الأسعار، فما الواجب أن يفعله البائع والمشتري في هذه الحال؟ الواجب أن يسلم البائع المبيع والثمن قد اسْتُلِم.
طالب: ما يطالبه بالزيادة؟ الشيخ: لا، ما يطالبه؛ لأنها ملكه، أرأيت لو هلكت السلعة هل يضمنها؟ الطالب: لا.
الشيخ: من له غنم الشيء فله غرمه، من عليه الغرم فله الغنم.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: السابع: خيارٌ لاختلافِ المتبايعَيْن، فإذا اختلفا في قَدْر الثمن تَحَالَفَا، فيحلِفُ البائعُ أولًا: ما بعْتُه بكذا وإنما بِعْتُه بكذا، ثم يَحْلِفُ المُشتري ما اشتريتُه بكذا وإنما اشتريتُه بكذا، ولِكُلٍّ الفسخُ إذا لم يَرْضَ أحدُهما بقول الآخَر، فإن كانت السلعةُ تالفةً رجعَا إلى قيمةِ مثلِها، فإن اختلفا في صِفَتِها فقولُ مُشْترٍ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(السابع) يعني: من أقسام الخيار، وقد مضى ستة أقسام، والذي مضى منه ما يثبت بالشرط ومنه ما يثبت بالشرع، فخيار المجلس ثابت؟ طالب: ثابت بالشرع.
الشيخ: بالشرع، طيب.
وهل لهما إسقاطه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل أولًا، ثم التعليل ثانيًا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1030

الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن تبايعا على ذلك».
الشيخ: لفظ الحديث من يعرفه؟ طالب: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ».
الشيخ: «إِذَا تَبَايَعَ رَجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا» .. الطالب: «فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعَ».
الشيخ: نعم، «وَإِنْ تَفَرَّقَا»؟ الطالب: «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعَ» (3). الشيخ: التعليل؟ الطالب: التعليل: لأن هذا حقهما، فإذا أسقطاه ( ... ). الشيخ: تمام.
وفيه خيار يثبت بالشرط؟ طالب: وهو خيار الشرط؛ أن يشترط أحد المتبايعين الخيار لمدة معينة.
الشيخ: طيب.
وهل يُشْتَرط بقاء المبيع في هذه المدة أو يجوز حتى فيما لا يُظَن بقاؤه في هذه المدة؟ الطالب: فيه خلاف، ( ... ) يُشْتَرط بدون المبيع.
الشيخ: كيف يُشْتَرط بدون المبيع؟ الطالب: يعني يُشْتَرط أن يكون في مدة ( ... ). الشيخ: في مدة يبقى فيها المبيع؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي، هذا المذهب؟ الطالب: لا أذكر -يا شيخ- هذا المذهب أو لا، ذكرنا أن فيها خلافًا، فيها قولان، وهذا أحد القولين.
الشيخ: والقول الثاني؟ الطالب: القول الثاني أنه لا يُشْتَرط.
الشيخ: طيب، على هذا القول كيف نعمل إذا اختار الفسخ؟ الطالب: القول الثاني؟ الشيخ: هذا القول كيف نعمل إذا اختار الفسخ؟ الطالب: إذا اختار الفسخ يُرْجَع بمثل المبيع أو بقيمته.
الشيخ: يُرْجَع بمثل المبيع أو بقيمته.
طيب، وحينئذٍ قد تكون القيمة أكثر أو أقل.
خيار يثبت لخلل أو نقص في المبيع؟ طالب: يسمى خيار العيب.
الشيخ: وهو خيار العيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1031

ما هو العيب الذي يثبت به الخيار؛ الضابط فيه؟ الطالب: هو كل ما ينقص من قيمة المبيع.
الشيخ: كل ما ينقص قيمة المبيع.
طيب، حتى لو زادت عينه؟ يعني: عين المبيع زادت ولكن نقصت القيمة؟ الطالب: حتى لو زادت.
الشيخ: مثل؟ الطالب: مثل الأصبع الزائد.
الشيخ: مثل الأصبع الزائد.
إذا ثبت العيب فكيف يكون الخيار؟ يعني: اشترى إنسان سلعة فبان بها عيب فكيف يكون الخيار؟ طالب: يكون الخيار للمشتري.
الشيخ: للمشتري، بَيْن؟ الطالب: إن أراد أن يشتريها أو ردها.
الشيخ: إن شاء أمسكها.
الطالب: أو ردها.
الشيخ: طيب، وإذا أمسكها فهل له النقص الذي حصل بهذا العيب أو لا؟ الطالب: نعم له.
الشيخ: له ذلك؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إذن يخير بين؟ الطالب: بين الإمساك.
الشيخ: بين الإمساك مع الأرش وبين الرد، طيب.
هل في هذا خلاف؟ طالب: نعم، فيه خلاف.
الشيخ: ما هو الخلاف؟ الطالب: المذهب يقول: إنه إذا أمسكه فليس له أرش العيب، أما إذا رده.
الشيخ: معناه أنك ما حضرت زاد المستقنع، سبحان الله! طالب: ذكرنا أنه لو أمسكه له الإمساك مع الأرش أو له الرد بأخذ الثمن.
الشيخ: طيب، معلوم له الرد ويأخذ الثمن، أو له الأرش، لكن هل في المسألة خلاف؟ طالب: نعم، مع الإمساك أخذ الأرش أو الرد بالثمن.
طالب آخر: إن كان العيب مما يمكن رده ( ... )، وإلا فله ثمن .. الشيخ: خليه إذا تعذر الرد تعين الأرش، لكن ذكرنا لكم فيما سبق أن شيخ الإسلام يقول: إما أن يأخذه مجانًا، وإما أن يرده، وأما الأرش فلا بد من رضا البائع؛ لأنه معاوضة، فالبائع يقول: أنا بعت عليك هذا الشيء؛ فإما أن تأخذه، وإما أن ترده، أما الأرش فهذا يعتبر عقدًا جديدًا، إلا إذا كان مدلسًا البائع؛ يعني علمنا أنه عالم بالعيب ولكن دلس فهنا يكون الخيار بين الإمساك مع الأرش وبين الرد.
هناك خيار يكون بالغش ما هو؟ طالب: هذا مثاله الذي .. الشيخ: لا، ماذا يُسَمى عند الفقهاء؟ الطالب: خيار تدليس.

الجزء: 2 - الصفحة: 1032

الشيخ: خيار تدليس، طيب.
وما هو التدليس؟ الطالب: التدليس مثاله يا شيخ .. الشيخ: لا، عَرِّفه أولًا، ثم مثِّل ثانيًا؟ الطالب: أن يُظْهِر البضاعة خلاف ما هي عليه.
الشيخ: من أيش؟ من زين أو من شين؟ الطالب: لا، من زين، يُظْهِر خلاف ما هي عليه من شين؛ من عيب، يعني يغطي .. الشيخ: يعني معناه أن تكون السلعة جيدة فيظهرها بالمظهر السيئ؟ الطالب: لا، بالعكس.
الشيخ: بالعكس، إذن أن يظهر السلعة على وجه مرغوب فيه وهي خالية منه.
ما هو الأصل في هذا؟ الطالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا».
الشيخ: نعم، حين مر بطعام.
الطالب: فوجد رجلًا يبيع تمرًا وكان .. الشيخ: قد أصابته السماء، وكان البائع قد جعل الذي أصيب في الأسفل، والسليم؟ الطالب: الذي أصيب من أسفل والسليم من فوق، فقال: يا رسول الله، أصابته السماء.
فقال: «هَلَّا أَظْهَرْتَهُ لِلنَّاسِ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا».
الشيخ: قال: «مَا هَذَا؟ » قال: أصابته السماء، فقال: «هَلَّا جَعَلْتَهُ فَوْقَ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (5). ما الفرق بينه وبين خيار العيب؟ الطالب: أن التدليس بفعل البائع وبقصده، وأما العيب فقد يكون بخلاف قصد البائع، ليس بقصد البائع.
الشيخ: قد يكون بقصده.
الطالب: لكن التدليس متعين أنه بقصد من البائع.
الشيخ: ما هو هذا الفرق، ما الفرق بين التدليس والعيب؟ طالب: العيب بأن يغطي عيبًا وقع في هذه السلعة فيظهرها بأنها خالية منه، وخيار التدليس بأن يصفها بصفة مرغوبة فيها وهي خالية منها.
طالب آخر: التدليس أن يخفي العيب حين البيع، والعيب أن يكون سابقًا في البيع.
طالب آخر: العيب أن يكون في أصل السلعة، والتدليس أن يكون في وقت الشراء.

الجزء: 2 - الصفحة: 1033

الشيخ: العيب فوات كمال، وأما التدليس فهو إظهار محاسن وهي خالية منها، هذا الفرق؛ فالمدلس يُظهِر السلعة بمظهر حسن مرغوب وهي ليست كذلك، والعيب فوات كمال في السلعة؛ يعني السلعة الأصل خلوها منه.
هذا هو الفرق.
إذا أَعتَق المبيع الذي ظهر فيه العيب فما الذي يتعين هنا؟ طالب: يتعين الأرش.
الشيخ: يتعين الأرش؟ لماذا؟ الطالب: لتعذر الرد.
الشيخ: لتعذر الرد؛ حيث إن العبد تحرر ولا يمكن أن يعود رقيقًا.
فيه خيار يكون بكذب البائع ويُسَمى؟ طالب: الخيار بتخبير الثمن.
الشيخ: الخيار بتخبير الثمن، وأيش معنى تخبير الثمن؟ الطالب: أن يخبره بثمنه؛ برأس ماله.
الشيخ: يعني: يخبر المشتري بخلاف الواقع.
مثاله؟ الطالب: مثل أن يشتري شيئًا ما، ثم يبيعه ولا يخبر المشتري برأس المال.
الشيخ: لا.
طالب: مثل يشتري -مثلًا- سيارة بثمانين ألفًا، ثم يأتيه رجل فيقول: بعنيها برأس مالها، فيقول: رأس مالها مئة ألف.
الشيخ: إي نعم، صحيح، أن يبيع السلعة برأس مالها ويدَّعي أن رأس مالها مئة ورأس مالها في الحقيقة ثمانون، هذا البيع بتخبير الثمن.
هل له أصل يُرجَع إليه في هذا؟ يعني من السنة أو من القرآن بحيث نقول: لك الخيار؛ لأنه أخبرك بخلاف الواقع؟ طالب: ( ... ) قول الرسول: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (5). الشيخ: كيف؟ الطالب: أنه غش ( ... ). الشيخ: ( ... ) الغش أو من التدليس؟ هو أقرب للتدليس أقرب منه إلى العيب، هو داخل في الحديث؛ لأن الغش تدليس، هذا أقرب ما يُلحق به في الأصول.
إذا اشترى ثوبًا بعشرة، ثم غسله ونظَّفه بخمسة، وباعه بالتخبير بالثمن وقال: إنه بخمسة عشر، ماذا تقول؟ طالب: لا، يجب عليه أن يقول: إنه أصله بعشرة، ثم غسله .. الشيخ: هل يجوز هذا أو لا؟ الطالب: لا.
الشيخ: لا يجوز؛ يعني: لا يجمع بين أصل الثمن وبين أجرة التغسيل، بل يقول: اشتريته بعشرة، وغسلته بخمسة.


الجزء: 2 - الصفحة: 1034

السابع من أقسام الخيار وهو الأخير، يقول: (السابع: خيارٌ يثبت لاختلافِ المتبايعَيْن).
(فإذا اختلفا في قَدْر الثمن) (اختلفا) الفاعل البائع والمشتري، (في قدر الثمن) فالبائع يقول: مئة، والمشتري يقول: ثمانون، (تحالفا) أي: كل واحد منهما يحلف؛ لأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعًى عليه، فالبائع مدعٍ والمشتري مدعًى عليه، والمشتري أيضًا مدعٍ والبائع مدعًى عليه؛ البائع يدعي الأكثر، والمشتري يدعي الأقل؛ فلهذا كان الحلف بجانب الطرفين، ولا ينافي هذا قولَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (4)؛ لأن كلًّا منهما مدعٍ ومنكِر؛ فلهذا نقول: إذا اختلفا في قدر الثمن تحالفا.
ولكن هذا مشروط بما إذا لم يكن هناك بينة، ومشروط بما إذا لم تقم قرينة تكذِّب قول أحدهما، فإن كان هناك بينة فالثمن ما شهدتْ به البينة، وإن كان هناك قرينة تكذِّب قول أحدهما فإنه لا يُلتفت إليه.
مثال الأول: تخالف البائع والمشتري في قدر الثمن؛ فقال البائع: قدره مئة، وقال المشتري: قدره ثمانون، وأقام المشتري بينة أنه بثمانين، فمنِ القول قوله؟ قول المشتري؛ لوجود البينة.
وكذلك لو أقام البائع بينةً أنه مئة فالقول قول البائع؛ لأنه معه البينة.
وإذا ادعى أحدهما ما لا يمكن أو ما كان بعيدًا؛ مثل أن يقول: بعت عليك حزمة هذا البصل بمئة ريال، وهي في السوق بعشرة، فقال المشتري: اشتريتها بعشرة، فهل نقول في هذه الحال: إذا لم يكن هناك بينة يتحالفان؟ لا، لماذا؟ لأن دعوى البائع تكذبها القرينة، فلا عبرة بها، فيقال الآن ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1035

فيَحْلِفُ البائعُ أوَّلًا: ما بِعْتُه بكذا وإنما بِعْتُه بكذا، ثم يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي: ما اشْتَرَيْتُه بكذا وإنما اشْتَرَيْتُه بكذا.
ولكلٍّ الفسخُ إذا لم يَرْضَ أحدُهما بقَولِ الآخَرِ، فإن كانت السلعةُ تالِفَةً رَجَعَا إلى قِيمةِ مِثلِها، فإن اخْتَلِفَا في صِفتِها فقَوْلُ مُشْتَرٍ، وإذا فُسِخَ العقدُ انْفَسَخَ ظاهرًا وباطِنًا، وإن اخْتَلَفا في أَجَلٍ أو شَرْطٍ فقَوْلُ مَن يَنْفِيهِ، وإن اخْتَلِفَا في عَينِ الْمَبيعِ تَحَالَفَا وبَطَلَ الْبَيْعُ، وإن أَبَى كلٌّ منهما تَسليمَ ما بيدِه حتى يَقْبِضَ الْعِوَضَ - والثمَنُ عينٌ - نُصِّبَ عَدْلٌ يَقْبِضُ منهما ويُسَلِّمُ الْمَبِيعَ ثم الثَّمَنَ، وإن كان دَيْنًا حالًّا أُجْبِرَ بائعٌ ثم مُشْتَرٍ إن كان الثمَنُ في الْمَجْلِسِ، وإن كان غائبًا في البلَدِ حُجِرَ عليه في الْمَبيعِ وبَقِيَّةِ مالِه حتى يَحْضُرَه، وإن كان غائبًا بعيدًا عنها والْمُشْتَرِي مُعْسِرٌ فللبائعِ الفَسْخُ، ويَثْبُتُ الخيارُ للخُلْفِ في الصفةِ ولتغييرِ ما تَقَدَّمَتْ رؤيتُه.
(فصلٌ) ومَن اشْتَرَى مَكيلاً ونَحْوَه صَحَّ ولَزِمَ بالْعَقْدِ ولم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيه حتى يَقْبِضَه، وإن تَلِفَ قبل قَبضه فمِن ضَمانِ البائِعِ، وإن تَلِفَ بآفَةٍ سَماوِيَّةٍ بَطَلَ البيعُ، وإن أَتْلَفَه آدميٌّ خُيِّرَ مُشْتَرٍ بينَ فَسْخٍ وإمضاءٍ ومُطالبَةِ مُتْلِفِه ببَدَلِه البائع والمشتري في قدْر الثمن، فقال البائع: قدره مئة، وقال المشتري: قدره ثمانون، وأقام المشتري بينة أنه بثمانين، فمَن القول قوله؟ قول المشتري لوجود البينة.
وكذلك لو أقام البائع بينةً أنه مئة، فالقول قول البائع؛ لأنه معه البينة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1036

وإذا ادعى أحدهما ما لا يمكن أو ما كان بعيدًا، مثل أن يقول: بعتُ عليكَ حزمة هذا البصل بمئة ريال، وهي في السوق بعشرة، فقال المشتري: اشتريتها بعشرة.
فهل نقول في هذه الحال: إذا لم يكن هناك بينة يتحالفان؟ لا، لماذا؟ لأن دعوى البائع تكذبها القرينة، فلا عبرة بها، فيقال الآن: قول البائع غير مسموع إطلاقًا، والقول هنا قول المشتري؛ لأن العرف يؤيده، فإذا حلف أن هذا الثمن قبض.
فعليه يكون قول المؤلف: (تحالفا) مشروط بما إذا يكن بينة، ولم تكن قرينة تكذب قول أحدهما.
كيفية التحالف، قال: (فيحلف البائع أولًا ما بعتُه بكذا وإنما بعته بكذا)، فيُقدَّم البائع؛ لأن البائع قد انتقل ملكه إلى المشتري، فهو الذي يُقدَّم من حيث إنه هو الذي انتقل من يده الملك.
ثم يبدأ بالنفي، ثم بالإثبات؛ لأن الأصل دفع المدَّعَى، ثم إثبات ما يدعيه النافي، فيحلف أولًا: ما بعتُه بكذا، وإنما بعته بكذا، هو قال: بمئة، والمشتري قال بثمانين، فكيف يقول؟ والله ما بعته بثمانين، وإنما بعته بمئة.
والمراد هذا اللفظ أو معناه، فلو قال: والله لستُ بائعًا له بثمانين، بل أنا بائع إياه بمئة، فإن ذلك كافٍ، فالعبارة التي ذكرها المؤلف لا يُشترط لفظها، المقصود المعنى، لكن يبدأ أولًا بالنفي، ثم بالإثبات.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من الجمْع بين النفي والإثبات، وهذا أحد القولين، وإنما اشتُرط ذلك ليكون دافعًا لما ادعاه خصمه بالنفي مثبِتًا لما ادعاه هو بالإثبات.
وقيل: يكفي الإثبات، فيقول: والله ما بعتُه إلا بمئة، وهذا القول هو الصحيح، وذلك لأن المقصود من الألفاظ هو المعاني، فإذا ظهر المعنى اكتفينا به بأي صيغة كانت، فلا يُشترط على القول الراجح البداءة بالنفي، بل نقول: إذا أثبت كفى، سواء جاء بطريق الحصر: والله ما بعته إلا بكذا، أو قال: والله لقد بعته بمئة، يكفي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1037

وكذلك يقال بالنسبة لمن؟ للمشتري، المشتري يحلف أولًا: ما اشتريته بكذا؛ يعني به ما قاله البائع، وإنما اشتريته بكذا؛ يعني ما ادعاه، فيقول: والله ما اشتريته بمئة، وإنما اشتريته بثمانين، ويُقال فيه كما قيل في البائع، بأن القول الراجح أنه إذا حلف على إثبات ما ادعاه كفى.
فإن عكسا في الترتيب فبدأ المشتري أولًا، ثم البائع، فماذا نصنع؟ نقول: يعيد المشتري؛ لأنه لا بد من الترتيب كما قال المؤلف: (يحلف البائع أولًا)، وقد قيل: إنه لا يشترط الترتيب، وأن المشتري لو أنه بدأ أولًا لاعتُبرت يمينه؛ لأن المقصود حاصل، وقيل: يُبدأ بالمدعي، فمثلًا إذا كان المشتري هو الذي قال: اشتريته بكذا قبل أن يدعي عليه البائع أنه باعه بكذا؛ قُدِّم المشتري.
والظاهر بناءً على القاعدة العامة أن العبرة في الألفاظ، العبرة بمعانيها، فإذا حصل المقصود فإنه يصح ويُحكم به سواء بالتقديم أو التأخير، وبتقديم النفي على الإثبات أو بالاقتصار على الإثبات.
قال: (ولكل واحد منهما الفسْخ إذا لم يرضَ أحدهما بقول الآخر).
يعني بعد التحالف نقول: الآن كل واحد منكما بالخيار، فإن رضي أحدهما بقول الآخر فلا فسخ، إذا رضي أحدهما بقول الآخر فلا فسْخ، مثلًا المشتري لما رأى أن البائع حلف وهَّم نفسَه، وقال: إن هذا الرجل لن يحلف هذا الحلف البات إلا عن يقين، ثم رضي، فالقول ما قال البائع، وكذلك لو أن البائع لما رأى أن المشتري قد حلف وأكد فقال: أنا أصدقه وأوهم نفسي، فإنه يبقى المبيع على ما هو عليه، ولهذا قال: (إذا لم يرضَ أحدهما بقول الآخر).

الجزء: 2 - الصفحة: 1038

(فإن كانت السلعة تالفةً رجعا إلى قيمة مثلها) إن كانت السلعة تالفة رجع إلى قيمة مثلها، مثل أن اشترى شاةً، ثم ذبحها وأكلها، ولما أراد أن يُسلِّم الثمن للبائع قال البائع: الثمن مئة، وقال الذي اشترى الشاة وذبحها إنها -أي القيمة- ثمانون، الآن لو فسخنا العقد فأين المبيع؟ المبيع تالِف، نرجع إلى قيمة الْمِثل.
وصريح كلام المؤلف أننا لا نرجع إلى مِثل المثل، بل إلى القيمة، وذلك لأن البائع أقر بأنها خرجت من ملكه بالقيمة، فهي مضمونة بماذا؟ طالب: بقيمتها.
الشيخ: بالقيمة، وليست كضمان الْمُتلف يرجع فيه إلى الْمِثل، ثم إلى القيمة، بل هذه البائع اعترف الآن بأنها خرجت منه بأيش؟ طالب: بالثمن.
الشيخ: بالقيمة، خرجت منه بالقيمة، فإذا كان اعترف بأنها خرجت من ملكه بالقيمة بقي النظر الآن اختلافها في القيمة فيُرجع إلى قيمة المثل.
وظاهر كلام المؤلف أنه يُرجع إلى قيمة الْمِثل ولو كانت أقل مما قال المشتري أو أكثر مما قال البائع.
يعني مثلًا البائع قال: إنها بمئة، والمشتري قال: بثمانين، والسلعة تالفة، وقلنا: نرجع إلى القيمة؛ قيمة الْمِثل، فقالوا: إن قيمة الْمِثل تساوي هذه الشاة مئة وخمسين، فصارت القيمة أكثر مما قال البائع، أو قالوا: إن القيمة بستين، أنقص مما قال المشتري، فالآن المشتري مُقِرٌّ، قد أقر بأن في ذمته لهذا الرجل ثمانين، والبائع قد أقر أنه لا يُطالِب المشتري بأكثر من مئة، والآن سيأتي البائع مئة وخمسون، وسيدفع المشتري كم؟ ستين، أقل مما ادعى، وهذا مراد، يعني هذا ظاهر كلام المؤلف، وهو مُراد، وعلَّلوا ذلك بأنه لما انفسخ العقد رجعنا إلى القيمة، إلى قيمة الْمِثل، فلغى قول البائع، ولغى قول المشتري، ورجعنا إلى الأصل وهو القيمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1039

وقال بعض أهل العلم: إنه إذا صارت القيمة أكثر مما قال البائع فإنه لا يستحق أكثر مما ادعى، وإذا بانت القِيمة أقل مما قال المشتري أُلزِم بما أقر به، ولا شك أن هذا هو الورَع؛ أن يقول البائع: أنا لا آخذ أكثر مما ادعيت أنني بعتُ به، والمشتري يقول: أنا سأدفع ما أقررت بأنني اشتريت به، هذا لا شك أنه هو طريق الورع، لكن هل يُلزم حُكمًا؟ هذا محل خلاف، المذهب أنه يُلزم بالقيمة سواء كانت أكثر مما ادعاه البائع أو أقل مما ادعى المشتري، ولهذا قال: (اختلفا)، أي رجعا إلى قيمة مثلها، وحينئذٍ لا بد أن نعرف تعليلين: التعليل الأول: لماذا نرجع إلى قيمة الْمِثل دون الْمِثل؟ طالب: لأن البائع أقر بالخروج عن ملكه بهذه القيمة.
الشيخ: بالقيمة.
الطالب: بالقيمة، نعم.
الشيخ: طيب، فهو لا يستحق المثل.
طيب، والمسألة الثانية: لماذا نرجع إلى القيمة دون ما ادعياه؟ طالب: لأنه لما انفسخ البيع.
الشيخ: العقد.
الطالب: لأنه لما انفسخ العقد سقط قول البائع للمشتري فيرجع للقيمة وهي ( ... ). الشيخ: طيب، لأنه بفسخ العقد صار لا عبرة به، لا عبرة بالعقد إطلاقًا، فيُرجع إلى قيمة الْمِثل.
قال المؤلف رحمه الله: (فإن اختلفا في صفتها فقول مشترٍ) (اختلفا في صفتها) أي صفة السلعة التالفة، فالقول قول المشتري، مثل أن يقول البائع: إن العبد الذي هلك كان كاتبًا، وقال المشتري: بل كان غير كاتب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1040

فهنا إذا رجعنا إلى القيمة فبينهما فرْق عظيم، أيهما أغلى؟ الكاتب، والبائع الآن يدعي أنه كاتب، والمشتري يقول: غير كاتب، فالقول قوْل المشتري، وذلك بناءً على القاعدة: أن كل غارم فالقول قوله، الغارم القول قوله، كل غارم فالقول قوله؛ لأن ما زاد على غرمه دعوى فيحتاج إلى بينة، فمثلًا إذا قال البائع: إن العبد الذي تلف كان كاتبًا، وقال المشتري: بل كان غير كاتب، فالقول قول المشتري، فتُقدَّر قيمته غير كاتب، والعلة أيش هي؟ أنه غارِم، والغارم لا يُلزم بأكثر مما ادعى أو مما أقرَّ به؛ لأن الأكثر مما أقر به دعوى تحتاج إلى بينة.
يقول رحمه الله: (فإن اختلفا في صفتها فقول مشترٍ).
طيب، هل مثل ذلك إذا اختلفا في قدرها بأن قال البائع: إني قد بعت عليك شاتين، وقال المشتري: بل واحدة، وقد تلفت الشاتان، هل نقول: إن القول قول المشتري بناءً على القاعدة أو القول قول البائع؟ الأول، بناءً على القاعدة، القول قول المشتري؛ لأن البائع الآن يدَّعي أن المبيع اثنان والمشتري لم يقر باثنين، أقر بواحد وأنكر الثاني، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر.
إذن إذا اختلفا في قدر المبيع أو في صفته فالقول قول المشتري.
يقول: (وإذا فسخ العقد انفسخ ظاهرًا وباطنًا) إذا فُسِخ العقد انفسخ ظاهرًا وباطنًا ورُدَّت السلعة إلى البائع، يتصرف فيها تصرُّف الملاك في أملاكهم، ورجع الثمن إلى المشتري، يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، سواء كان أحدهما صادقًا أم كاذبًا، حتى الكاذب ينفسخ العقد في حقه باطنًا وظاهرًا.
طيب، اختلفا البائع والمشتري في قدْر الثمن، فقال البائع: بعت عليك هذه الشاة بمئة، وقال المشتري: بثمانين، ولا بيِّنة، فتحالفا وتفاسخا.
ترجع الشاة إلى مَنْ؟ إلى البائِع، والقيمة المدفوعة للمشتري.
انفسخ العقد الآن ظاهرًا وباطنًا؛ أما ظاهرًا فواضح، لو ترافعا إلى الحاكم لحكم برد السلعة إلى البائع ورد الثمن إلى المشتري، ظاهرًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1041

باطنًا؛ لو فرضنا أن البائع كاذب، وأن البيع بثمانين، السلعة رُدَّت إليه الآن، أليس كذلك؟ نقول: تصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم، فإذا بعتها، أو أجرتها، أو وهبتها، فكل العقود التي تكون بعد فسْخ العقد الأول تكون نافذة وصحيحة، حتى وإن كنت كاذبًا.
وهذا ما مشى عليه المؤلف رحمه الله، ولكن هذا قوْل ضعيف جدًّا، والصواب أن الكاذب منهما لا ينفسخ العقد في حقه باطنًا، وأنه لا يحل له أن يتصرف فيه فيما رجع إليه من ثمن إن كان مشتريًا أو من سلعة إن كان بائعًا، كما قالوا ذلك في الصلح فيمن ادُّعي عليه بدَيْن وأنكر وهو كاذِب، وجرى الصُّلح بينه وبين المدَّعِي، فإنهم قالوا هناك: من كذب لم يصح الصلح في حقه باطنًا، فيقال: أي فرْق بين هذا وهذا؟

فالصواب أن الكاذِب منهما ينفسخ العقد في حقه ظاهرًا فقط، أما باطنًا فلا، ويظهر لك ذلك بالمثال: هذا الرجل البائع الذي حلف أنه لم يبِع بما قال المشتري، وإنما باع بما ادعاه وفسخنا العقد، فرجعت السلعة إلى البائع، ثم باعها لشخص آخر، البيع هذا صحيح أو غير صحيح؟ صحيح ظاهرًا وباطنًا، حتى لو ترافع إلى القاضي فيما بعد، لو حصل خلاف بين المشتري الثاني وبين البائع، فإن الحاكم يحكم بأنها ملكه، أما إذا كان كاذبًا فهنا محل الخلاف: المذهب أن البيع الثاني صحيح حتى عند الحاكم، والقول الثاني أنه ليس بصحيح، وأن هذا البائع يُعْتبر كالغاصِب تصرَّف في مُلك غيره؛ لأن أصل انفساخ العقد ظُلْم، إذ إن القول هنا ما قال من؟ المشتري، لكن البائع ظَلَمه فادَّعى أكثر من الثمن من أجل أن يسترد المبيع، لكن المؤلف يقول: إنه ينفسخ العقد ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه لا علاقة للمشتري به الآن، وقد انفسخ العقد، وكل واحد منهما ذهب إلى وُجْهة نظره.
(وإن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه) (اختلفا في أجل)، بأن قال البائع: بعتُك هذا الشيء نقدًا غير مُؤجَّل، فقال المشتري: بل بعتنيه مؤجلًا.
فالقول قول مَنْ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1042

طالب: البائع.
طالب آخر: المشتري.
الشيخ: من اللي نفى؟ طالب: المشتري.
الشيخ: يا إخواننا! ! طالب: البائع يا شيخ.
الشيخ: البائع قال: إني بعتُ عليك هذا الشيء نقدًا، فقال المشتري: بل مؤجلًا إلى سنة، فمن القول قوله؟ طالب: البائع.
طالب آخر: المشتري.
طلبة: ( ... ). الشيخ: يا جماعة الخير، أنتم ما شاء الله على مستوى .. (فقول من ينفيه) من الذي نفاه؟ طالب: البائع.
الشيخ: البائع، إذن القول قول البائع، فيُلزم المشتري بدفعه نقدًا، لماذا كان القول قول من ينفيه؟ لأن الأصل عدمه، الأصل عدم التأجيل، فلهذا صار القول قول من ينفيه.
كذلك لو اختلفا في مقدار الأجل، فالقول قول من ينفي الزيادة، يعني اتفقا على أن الثمن مؤجل، لكن قال البائع: مؤجَّل إلى ستة أشهر، وقال المشتري: مؤجَّل إلى سنة، من القول قوله؟ طلبة: البائع.
طالب آخر: من يقول يا شيخ.
الشيخ: تأملوا، من الذي قال: ستة أشهر؟ طلبة: البائع.
الشيخ: البائع، اتفقا على الأجل، يعني لم يختلفا في أصله؛ بل اتفقا على أن الثمن مؤجل، لكن قال البائع: إنه مُؤجَّل إلى ستة أشهر، وقال المشتري: إنه مُؤجَّل إلى سنة، فالقول قول مَنْ؟ قول البائع؛ لأن الأصل عدم الزيادة، فهما قد اتفقا على ستة أشهر، واختلفا فيما زاد، والأصل عدم الزيادة، فإذن القول قول من ينفي أصل التأجيل إذا اختلفا في أصله، وقول من ينفي الزيادة إن اختلفا في قدْر الأجل، فالقول قول مَنْ ينفي الزيادة.
فإن قال قائل: هل يُمكن أن نرجع إلى القرائن في هذه الحال؟ يعني بمعنى أننا نعلم أن هذه السلعة لو كانت نقدًا لكانت بمئة، ولو كانت مُؤجَّلة إلى سنتين أو أكثر لكانت بمئتين، والثمن الآن مئتان، والمشتري يقول: إنه مُؤجَّل إلى سنتين، والبائع يقول: غير مؤجَّل، فهنا القرينة مع مَنْ؟ طالب: مع المشتري.
طلبة: مع المشتري.
طالب: مع البائع.
الشيخ: مع من؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، لا تختلف.
طالب: مع المشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 1043

الشيخ: طيب الآن، نُعيد المسألة من أصلها: إذا اختلفا في أجل، يعني بأن قال البائع: بعتُك هذا الشيء بمئة نقدًا، فقال المشتري: بل بعتَنيه بمئة مُؤجَّلة، من القول قولُه؟ قول البائع؛ لأن القول قوْل من ينفي.
الصورة الثانية: اتفقا على الأجل، قال: بعتُك إياه مؤجلًا إلى ستة أشهر، فقال: بل إلى سنة، من القول قوله؟ البائع؛ لأنهما اتفقا على ستة أشهر، واختلفا في الزيادة، والأصل عدم الزيادة.
لكني أقول: لو فُرِض أن القرينة تؤيد قول أحدهما، هذه السلعة نعرف أن قيمتها في السوق الآن مئة، وأنه إذا كان الثمن مُؤجلًا ستكون بمئتين، والثمن الآن مئتان، الثمن مئتان، فالبائع يقول: إنه نقد، والمشتري يقول: مُؤجَّل، فالقرينة مع مَنْ؟ القرينة مع المشتري، لو سألنا أهل السوق قلنا: يا جماعة، كم تسوى هذه نقدًا؟ قالوا: ما تسوى إلا مئة، كم تسوى مؤجَّلة إلى سنتين؟ قالوا: تسوى مئتين.
فهنا القرينة مع المشتري، وعلى هذا فيترجح جانبه، ويقال: يحلف على أن الثمن مؤجل إلى سنتين، ويُحكم بذلك، وعلى هذا فيكون إطلاق المؤلف إن كان مرادًا ففيه نظر، وإن كان غير المراد، وأن هذه الصورة تخرج منه فالأمر ظاهِر.
إذن إذا اختلفا في الأجل فالقول قوْل من ينفيه ما لم تقم قرينة على أن القول قوْل من يُثبته فيُحكم بهذه القرينة.
فإذا قال قائل: القرينة أمْر ظاهر، فكيف تُغلِّبونه على الأصل؟ ما هو الأصل؟ عدم الأجل، هذا الأصل، والقرينة أمر ظاهِر، فكيف يُغلَّب على الأصل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1044

قلنا: هذه القاعدة في كل الدعاوى، ما الذي جعل المدعِي إذا كان عنده بينة فالقول قوله إلا القرينة بالشهادة؟ ثم ما الذي جعل سليمان عليه الصلاة والسلام يحكم بأن الولد للصغرى حين تنازعت مع الكبرى؟ القرينة، وما الذي جعل حاكم يوسف يقول: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: 26، 27]، أيش؟ إلا القرينة، وما الذي جعل الأصحاب يقولون: إذا ادَّعت المرأة المطلقة بأن دلال المجلس ومبخرة المجلس لها، وقال الزوج: بل هي لي، من القول قوله؟ قول الزوج، إلا القرينة.
فالمهم أن القرائن دلائل ما فيها إشكال، فإذا ادَّعى الإنسان ما يخالف الظاهر فإن القول مع خصمه؛ لأن مخالفة الظاهر قرينة على كذبه.
يقول رحمه الله: (إذا اختلفا في أجل أو شرط) (أو شرط)، إذا اختلفا أيضًا في شرط فالأصل عدمه، مثال ذلك: باع رجل بيته على آخر بثمن، ثم ادَّعى البائع أنه قد اشترط سُكناه لمدة سنة، فمن القوْل قوله؟ طالب: قول المشتري إذا نفاه.
الشيخ: يا إخوان! طالب: ( ... ) ينفيه.
الشيخ: الآن باع البيت، ثم ادعى أنه اشترط سُكناه سنة، وقال المشتري: لا.
طلبة: قول المشتري.
الشيخ: قول المشتري، لماذا؟ لأنه ينفي الشرط، والأصل عدم وجود الشرط.
طيب، باع عليه عبدًا، فقال المشتري: إنك اشترطت عليَّ أنه كاتِب، وقال البائع: لم أشترط أنه كاتب.
مَنِ القول قوله؟ طلبة: البائع.
الشيخ: قول البائع؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: مُطلقًا.
الطلبة: نعم.
الشيخ: لا.
طالب: ما لم يوجد قرينة.
الشيخ: ما لم يوجد قرينة، وهنا نضرب مثلًا: إذا قُدِّر أن هذا العبد بِيع بعشرة آلاف ريال، الثمن عشرة آلاف مُتفق عليه، وهو غير كاتب يساوي ألفي ريال، فهل القول هنا قول البائع ولَّا قول المشتري؟ طالب: قول المشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 1045

الشيخ: ليش؟ القرينة، إذا كان غير كاتب ما يُباع بعشرة آلاف، يُباع بألفين، فالقول هنا قول المشتري.
طيب الصورة الثانية: إذا كان الذي اشتراه صاحب تجارة، ويغلب على ظننا أنه إنما اشتراه ليكون كاتبًا عنده في المحل، فقال المشتري: إني قد اشترطت عليك أنه كاتب، وقال البائع: لا، فهل هذه قرينة؟ أو نقول: هذه قرينة خاصة بالطالب الذي هو المشتري، ما هي قرينة ظاهرة في العموم، ومن المعلوم أن المشتري ولو كان تاجرًا يمكن يشتريه للخدمة، ما هو للكتابة، فهذه ليست قرينة، وبهذا نعرف أن القرائن قد تقوى وقد تضعف، لكن إذا كانت القرينة قوية فحينئذٍ تُرجِّح جانب المدعي.
(وإن اختلفا في شرط فقول من ينفيه) طيب، باع عليه سيارته بثمن قليل أو كثير، فادعى البائع أنه رهنها، قال للمشتري: أنت راهن السيارة، وقال المشتري: أبدًا، ما راهنتك إياها، البيع ما فيه رهن.
من القول قوله؟ طلبة: المشتري.
الشيخ: لماذا؟ لأن الأصل عدمه، فيدخل في قوله: (شرط)، (إن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه).
طيب، والعلة؟ أن الأصل العدم.
( ... ) طالب: ( ... ). الشيخ: يعني في قدْر الثَّمن؟ الطالب: واحد يقول مثلًا: بعتُك عليه بأجَل معلوم ستة أشهر، والآخر يقول: لا، لسنة.
المشتري يقول: لسنة، والبائع يقول: لستة أشهر، هذا ( ... )؟ الشيخ: لا، ليس كالاختلاف في قدْر الثمن، لا يكفي النفي.
الطالب: ( ... ) مثل الآخر.
الشيخ: إي، لكن ما يشترط، ما هو مثل قدر الثمن، قدر الثمن لا بد من الجمع بين النفي والإثبات، وهنا ما هو بشرط.
طالب: إذا كان الاثنان تحالفا وأخذ البائع السلعة ورد الثمن على المشتري، وكان البائع كاذبًا، نقول: إن المال في حقه أو السعر في حقه كالغصْب، وذكرنا الخلاف، هل الخلاف هذا يجري في كل معاملة؟ يعني إذا أخذ حقًّا أكثر من حقه؟ الشيخ: إي، في كل معاملة، «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1). الطالب: يوجد خلاف في هذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1046

الشيخ: لا، ما يُوجد فيها خلاف، الآن بينا لكم -قبل قليل- أن الصُّلح يقولون: من كذب فالصلح في حقه باطل باطل، ما هي مطردة على المذهب، على القول الراجح مطردة.
الطالب: نعم، والمذهب؟ الشيخ: المذهب لا.
الطالب: نفس المسألة هذه؟ الشيخ: ما هي مطردة، ما داعي، المسألة هذه أو غيرها، لكن ما هي مطردة.
طالب: حديث: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي».
الشيخ: «الْقَوْلُ مَا قَالَ البَائِعُ».
الطالب: «الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ» (2). ما يدل على أن القول قول البائع مطلقًا بكل الصور؟ الشيخ: هذا خلاف المذهب، ولا هو في كل شيء، في الثمن فقط، والقول قول البائع في الثمن، هذا جيد؛ لأن البائع لم يُقِر أنها خرجت من ملكه إلا بهذا القدر، فالقول بأن القول قول البائع أقوى من القول بأنهما يتحالفان، لكن المذهب يتحالفان.
الطالب: يُخصص الحديث باختلاف الثمن؟ الشيخ: إي نعم، بما يتضمن أن البائع لم يقر بخروج السلعة عن ملكه إلا على هذا الوجه.
( ... )


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول المصنف رحمه الله: وإن اختلفا في عين المبيع تحالفا وبطل البيع، وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض -والثمن عين- نُصِب عدْل يقبض منهما، ويُسلِّم المبيع، ثم الثمن، وإن كان دينًا حالًّا أُجبر بائعٌ، ثم مشترٍ إن كان الثمن في المجلس، وإن كان غائبًا في البلد حُجر عليه في المبيع وبقية ماله حتى يحضره، وإن كان غائبًا بعيدًا عنها، والمشتري معسر فللبائع الفسْخ، ويثبت الخيار للخلف في الصفة ولتغيُّر ما تقدمت رؤيته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1047

ما هو القول الراجح فيما إذا فُسِخ العقد بعد التحالف، هل ينفسخ ظاهرًا وباطنًا، أو باطنًا أو ظاهرًا؟ طالب: القول الراجح أنه ينفسخ ظاهرًا.
الشيخ: فقط؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لا باطنًا في كل الصور.
الطالب: إلا إذا ( ... ). طالب آخر: ينفسخ ظاهرًا في حق الكاذب، وينفسخ ظاهرًا وباطنًا في حق ( ... ). الشيخ: طيب، هذا القول الراجح، والمذهب؟ الطالب: أنه ينفسخ ظاهرًا وباطنًا في حق الـ .. الشيخ: في حق الجميع.
طيب، اشترى من شخص شيئًا، وادعى أن الثمن مؤجل، ولكن البائع أنكر الأجل.
من القول قوله؟ طالب: القول قول البائع.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن الأصل .. الشيخ: أولًا: بَيِّن الدليل والتعليل؟ الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ» (2). الشيخ: لا، «الْبَيِّنَةُ عَلَى ... »؟ الطالب: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3). الشيخ: نعم، وهنا المدعي مَنْ؟ الطالب: المدَّعي البائع.
الشيخ: المدعي؟ ! الطالب: المدعي المشتري.
الشيخ: المشتري، هو الذي ادَّعى أن الثمن مؤجل فأنكر البائع، نقول للمشتري: هاتِ البينة لأنك مُدَّعٍ.
طيب، إذا اختلفا في شرط؟ طالب: فالقول قول من ينفيه.
الشيخ: قول من ينفيه، لماذا؟ الطالب: لأن الأصل عدم الشرط.
الشيخ: الأصل عدمه، وهل يدخل في الحديث الذي ذكرناه قبل قليل، «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (4)، مثاله؟ الطالب: مثاله أن يشتري رجل سلعةً من آخر، ثم يردها عليه ويقول، أو يشترط في الذي اشتراه في العبد مثلًا الذي اشتراه أنه .. الشيخ: أضربت عن الجواب الأول؟ أنت قلت: أن يشتري سلعة، أضربت عنه؟ الطالب: سلعة أو عبدًا.
الشيخ: طيب.
الطالب: ثم يقول: أنا اشترطت فيه أن يكون كاتبًا، ويقول البائع: لم أشترط هذا الشرط.
الشيخ: نعم، فالقول؟ الطالب: قول البائع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1048

الشيخ: البائع.
يقول: اشترى عبدًا، ثم ادَّعى -أي المشتري- أنه اشترط على البائع أن يكون كاتبًا، وقال البائع: لم تشترط ذلك، فالقول قول البائع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (5)، ولأن الأصل عدم الشرْط.
ثم قال: (وإن اختلفا في عين المبيع)، قال: (وإن اختلفا) أي البائع والمشتري (في عين المبيع)، بأن قال البائع: بِعتُك هذه السيارة، وقال المشتري: بل هذه السيارة، سيارة أخرى؛ فهنا اختلفا في عين المبيع.
أو قال: بعتُك هذا الجمل، فقال: بل بعتني هذه الناقة.
فيقول المؤلف: إنهما يتحالفان ويُفسَخ البيع، والتحالف هنا كالتحالف فيما سبق في قدْر الثمن، فيقول البائع: والله ما بعتُك هذه، وإنما بعتُك هذه، ويقول المشتري: والله ما اشتريت هذه، وإنما اشتريت هذه، فإذا تحالفا ولم يرضَ أحدهما بقول الآخر فُسِخ البيع، ورجع المشتري بالثمن إن كان قد سلَّمه وإلا فالثمن عنده، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله.
والقول الثاني في المسألة أن القول قول البائع، وهذا هو الراجح وهو المذهب أيضًا، وهذه المسألة مما خالف فيها الزاد للمشهور من المذهب، فالصحيح أن القول قول البائع؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ» (2). وعلى هذا فنقول للمشتري: إما أن تأخذ السلعة التي عينها البائع، وإما أن يُترك البيع؛ ولأن البائع غارم، هو الذي ستُؤخذ منه السلعة، فلا يُغرَّم غير ما أقر به، فيكون في هذه المسألة دليل وتعليل، وعلى هذا فنقول: القول الراجح أن القول قول البائع فإن رضيه المشتري فذاك، وإن لم يرضه فُسِخ البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1049

ومثل ذلك الاختلاف في قدْر الثمن على ما سبق، وأظننا لم نُرجِّح هذا القول هناك، لكن الآن نرجح أن القول قول البائع للحديث؛ ولأنه غارِم، فلا يمكن أن تُخرج السلعة من ملكه إلا بثمن يرتضيه، فإما أن يقبل المشتري بذلك، وإما أن يُفسخ البيع ولا حاجة للتحالف، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في قدْر الثمن، وكذلك في عين المبيع من باب أولى.
قال: (وإن اختلفا تحالفا وبطل البيع).
قوله: (وبطل البيع)، في هذا التعبير نظر عند أهل العلم حسب المصطلح بينهم؛ لأن البيع لم يبطل، ولكن فُسِخ، وفرْق بين البطلان وبين الفسخ، فصواب العبارة أن يُقال: وانفسخ البيع.
(وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض .. ) إلى آخره.
هذه أيضًا من مسائل الخلاف بين المتبايعين، إذا اختلفا أيهما يسلم أولًا، فقال البائع: لا أسلمك حتى تسلمني الثمن، وقال المشتري: لا أُسلِّمك حتى تُسلِّمني المبيع، فماذا نعمل؟ فسرها المؤلف، قال: (والثمن عين) أي معين (نُصِب عدل يقبض منهما ويسلم المبيع، ثم الثمن).
قوله: (نُصِب) مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والناصب هو الحاكم الشرعي؛ يعني أن هذين المتبايعين يختصمان إلى الحاكم، ثم ينصب الحاكم رجلًا يستلم منهما، ثم يسلم المبيع أولًا، ثم الثمن ثانيًا.
مثاله: اشترى رجل من آخر ساعة، فقال المشتري: أعطني الساعة وأعطيك الثمن، فقال البائع: أعطني الثمن وأعطيك الساعة، تنازعا، فبقي كل واحد يقول: أعطني العِوض.
نقول: اذهبا إلى من؟ إلى الحاكم في المحكمة الشرعية، ثم الحاكم يجب عليه أن ينصب رجلًا عدلًا موثوقًا فيأخذ الساعة من البائع، ويأخذ الثمن من المشتري، ثم يُسلِّم الساعة للمشتري، ويُسلِّم الثمن للبائع.
هذا هو الذي .. نمشي على كلام المؤلف وبعدين نشوف الراجح.
قال: (وإن كان دينًا) يعني غير معين، (وإن كان دينًا حالًّا أُجبر بائع ثم مشترٍ) (إن كان) الضمير يعود على الثمن؛ لأنه قال بالأول: (والثمن عين).

الجزء: 2 - الصفحة: 1050

(إن كان دينًا حالًّا أجبر بائع، ثم مشترٍ إن كان الثمن في المجلس).
إذا كان الثمن دينًا، أي لم يقع العقد على عينه؛ لأنكم تعرفون الفرْق بين الثمن المعين الذي وقع العقد على عينه وبين الثمن الذي لا يقع العقد على عينه، فهذا الثاني يُسمَّى دينًا.
فإذا قلت: بِعني هذه الساعة بهذه الدراهم، فالثمن مُعيَّن، وهو المسألة الأولى، وإذا قلت: بِعنيها بعشرة، فقال: بعتُكها بعشرة، فالثمن هنا دَيْن؛ لأنه غير مُعيَّن، والدَّيْن عند الفقهاء ليس هو الدَّيْن الذي يعرفه العامة، كل ما لم يُعيَّن من ثمن فهو دَيْن.
(إذا كان دينًا حالًّا أُجبِر بائع، ثم مُشترٍ)، (أجبر) مبني لما لم يُسمَّ فاعله، فمن الْمُجبِر؟ المجبر القاضي الحاكم، وعلى هذا نقول: إذا أبى كل واحد منهما أن يُسلِّم ما بيده والثمن غير مُعيَّن، يذهبان إلى الحاكم، ثم يقول للبائع: سلِّم المبيع، ويقال للمشتري: سلِّم الثمن، ولا حاجة إلى نصْب عدل يقبض منهما.
وهذا هو الفرْق بين هذه المسألة وبين المسألة الأولى، ووجه الفرق بينهما أن الثمن في الثانية تعلَّق بذمة المشتري، وأما في الأولى فحقُّ البائع تعلق بعين الثمن؛ لأنه قد عُيِّن له، فهذا هو الفرْق، واضح الفرق؟ طالب: ما هو بواضح.
الشيخ: ما هو بواضح.
في المسألة الأولى قال: اشتريت منك هذه الساعة بهذه الدراهم، الآن هذه الدراهم ملك لِمَنْ؟ للبائع، أما الثانية فقال: اشتريتُ منك ساعة بعشرة، فالثمن الآن في ذمة المشتري، لم يملكه البائع بعد، فهذا هو الفرق بينهما، ولهذا قلنا في الأولى: ينصب عدل يقبض منهما، ثم يسلم المبيع، ثم الثمن، أما هنا فقلنا: يجبر البائع، فإذا قال: كيف تجبروني؟ انصبوا عدلًا، أنا الآن لو سلمته المبيع أخشى أن يهرب المشتري، فلماذا تجبروني؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1051

لماذا لا تنصبون عدلًا يقبض مني ومنه، ثم يسلم المشتري ويسلمني؟ قلنا: لأن حقك في المسألة الأولى تعلق بعين العِوض، أما الآن فحقك تعلق بذمته، فلا حاجة أن ننصب عدلًا، سلمه المبيع الآن وهو يسلمك الثمن، فإن قال: أخشى إذا سلمناه المبيع هرب؟ قلنا: إذا هرب فهو مُدرَك إن شاء الله.
نعم، المسألة الثالثة، قال: (وإن كان غائبًا في البلد حُجِر عليه في المبيع وبقية ماله حتى يحضره).
(إن كان) الضمير يعود على الثمن.
(غائبًا في البلد) فإنه يحجر عليه، أي على المشتري.
يقول: (حجر عليه) أي على المشتري (في المبيع وبقية ماله حتى يحضره).
مثال ذلك، قال: اشتريت منكَ هذه الساعة بعشرة ريالات، وهي في بيتي مثلًا، فإننا نحجر عليه، نعطيه المبيع، لكن نحجر عليه في المبيع على مَنْ؟ على المشتري في المبيع، لا يتصرف فيه، وفي بقية مال، لو كان عنده من الأموال عقارات وسيارات وأدوات حراثة، وغير ذلك حجرنا عليه.
قلنا: الآن خلاص غلِّق الدكان، ما يمكن تتصرف في أي شيء من مالك حتى تُحضر الثمن، الساعة بكم؟ بعشرة ريالات، والدكاكين والعقارات بملايين، نقول: الآن وقِّف التصرف حتى تُحضر عشرة ريالات، لماذا؟ قالوا: لأنه يُخشى أن يتصرف في ماله تصرفًا يضر البائع، وهذا التعليل يقتضي أنه لا يُحجر عليه إلا إذا كان الثمن كثيرًا، أما لو كان عنده من الملايين ما عنده والثمن عشرة ريالات، نقول: نحجر عليك في الساعة هذه ما تتصرف فيها، ولا تتصرف في أي شيء مالك حتى تحضر الثمن؟ ! لكن هذا ظاهر كلام المؤلف، والتعليل ظاهره أنه يُفرَّق بين الثمن الكثير والثمن القليل.
الصورة الرابعة: إن كان غائبًا بعيدًا عنها فإن للبائع الفسخ، إذا قال: اشتريتُ منك هذه الساعة بعشرة ريالات.
طيب سلِّم، قال: والله العشرة ريالات في منزلي في الرياض، ونحن الآن في عنيزة، بعيد الرياض ولَّا قريب؟ بعيد، إذن نقول للبائع: لك الفسْخ، فسْخ البيع، وترجع السلعة لك، وهذاك ثمنه عنده.

الجزء: 2 - الصفحة: 1052

فصارت المسألة لها أربع صور: الصورة الأولى: إذا كان الثمن معينًا، فالحكم أننا ننصب عدلًا يقبض من البائع والمشتري، ثم يُسلِّم المبيع، ثم الثمن.
الثانية: إذا كان دَيْنًا حالًّا، يعني غير مُعيَّن، وهو في البلد، فماذا نعمل؟ يُجبر البائع أولًا، ثم المشتري ثانيًا.
الثالث: إذا كان غائبًا عن البلد، لكن قريب، فإنه يُحجَر عليه في المبيع وبقية ماله حتى يحضره.
الرابع: إذا كان بعيدًا عنها فإن للبائع الفسخ.
هذا هو التفصيل فيما إذا أبى كل واحد منهما أن يُسلِّم ما بيده.
والقول الراجح في هذه المسألة: أن للبائع حبْس المبيع على ثمنه، فيقول: نعم، أنا بعتُ عليك، لكني لا آمن أن تهرب ولا تُوفيني أو تُماطل أو ما أشبه ذلك، فأنا أبقيه عندي محبوسًا حتى تُسلِّمني.
وهذا القول هو الذي لا يتأتى العمل إلا به، ولا تستقيم أحوال الناس إلا به؛ لأن هذه المسائل التي ذكرها المؤلف وهذه الصور فيها مشقة على الناس، افرض أن المحكمة عندها مئة معاملة، وهذه المعاملات كل يوم معاملتان، كم يبقى بالانتظار؟ خمسين يومًا حتى يُقال للحاكم: انصب عدلًا يقبض منهما، وهذا لا تستقيم به أحوال الناس.
فالصواب أن يُقال: إذا أبى كل واحد منهما أن يُسلِّم ما بيده فللبائع أن يحبس المبيع، يقول: ما أُسلِّم حتى تُسلِّم، فإذا سلَّمه أعطاه، وإذا كان كل منهما لا يثق بالآخر فهما بأنفسهما ينصبان عدلًا، يقال: أنت ما تثق مني، وأنا ما أثق منك، نذهب إلى فلان ونعطيه الثمن والسلعة ويُسلِّم؛ هذا هو القول الراجح.
يقول المؤلف رحمه الله: (والمشتري مُعسِر)، العبارة هذه فيها قلق؛ لأن ظاهر قوله: (والمشتري مُعسِر) أنها قيد فيما إذا كان غائبًا بعيدًا عنها، وأن الواو للحال، ولكن الواقع خلاف ذلك، فالواو هنا بمعنى (أو)، يعني وكذلك إذا ظهر أن المشتري مُعسِر فللبائع الفسخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1053

وقوله: (أو المشتري معسر) أو ظهر أن المشتري معسر، يدل على أنه لو كان البائع يعلم بعسرة المشتري فإنه لا خيار له، وهو كذلك، فالرجل مثلًا إذا باع على إنسان سِلْعة يظن أنه غني، ثم تبين أنه معسِر، فله الفسخ؛ لأن في إنظاره ضررًا عليه، أما إذا باع هذه السلعة على شخص وهو يعلم أنه معسِر فإنه لا خيارَ له؛ لأنه دخل على بصيرة.
فإن ظهر أنه مماطِل ليس مُعسرًا، بل هو مماطل، فهل له الفسخ؟ الصواب: نعم، والمذهب لا، إذا ظهر أنه مماطِل فإنه يُحاكَم عند القاضي حتى يُجرى عليه أحكام المماطلين، لكن الصحيح أنه إذا ظهر أنه مماطِل فإن للبائع الفسخ؛ لأن بعض المماطلين أسوأ حالًا من الفقراء، فإن الفقير ربما يرزقه الله المال ويوفي، والمماطل إذا كان هذا من عادته فإنه يصعب جدًّا أن يوفي.
فالصواب أنه إذا ظهر أن المشتري مماطل فإن للبائع الفسخ حفاظًا على ماله.
وفيه أيضًا -مع كونه حفاظًا على مال البائع فيه- ردع للمماطل، لأنه -أي المماطل- إذا علم أنه إذا ماطل فُسِخ البيع فسوف يتأدَّب، ولا يماطل في المستقبل.
الآن عندنا في الحقيقة ثمانية أقسام في الخيار، ولَّا لا؟ وهو إذا ظهر أن المشترِي مُعسِر أو مماطل على القول الراجح.
فيه أيضًا خِيار تاسِع، قال: (ويثبت الخيار للخُلف في الصفة ولتغيُّر ما تقدمت رؤيته).
الْخُلف في الصفة غير الْخُلف في الشرط السابق الذي قلنا: إنه يشترط أنه كاتب أو غير كاتب، الْخُلف في الصفة يعني أنه باعه شيئًا موصوفًا، مثل أن يقول: بعتُكَ سيارة صفتها كذا وكذا وكذا، ثم اختلفا في الصفة، فقال المشتري: وصفتَها -يخاطب البائع- على كذا، وقال البائع: وصفتُها على كذا، فهنا لا مُرجِّح لأحدهما، فيثبُت لهما الخيار.
والقول الراجح ما سبق: أن القول قول البائع أو يترادان، فيُقال: إما أن تقتنع بقول البائع وإلا فالملك ملكه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1054

قال: (ولتغير ما تقدمت رؤيته) كيف تغير ما تقدمت رؤيته؟ يعني لو باعه شيئًا معينًا، ثم تغير بعد ذلك قبل العقد، فإنه يثبت الخيار للمشتري.
وهذا فيما إذا كان المبيع مما يمكن تغيُّره في مدة وجيزة، مثل: بعض الألبان مثلًا التي يكون لها وقت مُعيَّن، أو غير ذلك من الأشياء التي تتغير قبل العقد، مثاله: باع عليه مثلًا لبنًا بالأمس وقد شاهده المشتري، ثم .. أنا قلت باع، ولكن أقول: نظر إليه المشتري بالأمس، وفي اليوم عقد عليه البيع، ففيما بين الأمس واليوم تغيرت صفته، فتنازعا في ذلك، فإذا تنازعا في ذلك فللمشتري الفسْخ؛ لأن المبيع تغيَّر عن رؤيته السابقة، وبذلك تمت أقسام الخِيار.
هناك سبق في الشروط في البيع أنه إذا لم يفِ أحدهما بالشرط فللآخر الفسْخ، وعلى هذا فحصر الخيار في خمسة أو عشرة أو سبعة لا يستقيم؛ لأنه قد يكون الخِيار فيما يفوت به مقصود أحد المتعاقِدَيْن، وإن لم يكن من هذه الأقسام التي عدها المؤلف رحمه الله.
ثم قال: (فصْل: ومن اشترى مكيلًا ونحوه).
هذا فصل عقده المؤلف لمسألتين؛ المسألة الأولى: التصرُّف في المبيع، والمسألة الثانية: في ضمان المبيع، هل ضمان المبيع يكون على المشتري من حين العقد، أو هو مضمون على البائع؟ وهل للمشتري أن يتصرف في المبيع بمجرد العقد، أو يحتاج إلى تقدم شيء على هذا التصرف؟ هذا خلاصة أو ما يجتمع فيه البحث في هذا الفصل.
فقال المؤلف: (ومن اشترى مكيلًا ونحوه).
(مَنْ) اسم شرط جازم، وجواب الشرط قوله: (صح ولزم بالعقد .. ) إلى آخره.
قوله: (مكيلًا ونحوه)، نحو المكيل الموزون والمعدود والمذروع، هذه ثلاثة أشياء، بالإضافة إلى المكيل تكون أربعة، إذا اشترى شيئًا من ذلك (صح) الفاعل يعود على أيش؟ طالب: البيع.
الشيخ: لا، ما هو على البيع.
طالب: العقد أو على الشراء.
الشيخ: على الشراء، لأنه قال: (من اشترى شيئًا)، ومعلوم أنه إذا صح الاشتراء صح الشراء، صحيح؟ نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1055

(ولزم بالعقد) (ولزم) أي لزم الاشتراء بالعقد، أي بمجرده ولكن حيثُ لا خيار، أما إذا كان هناك خيار، فمعلوم أن هناك خيار مجلس لا يلزم العقد إلا بالتفرق بعده، لكن يلزم بالعقد إلا أن يكون فيه خيار.
(ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه) الآن رتب المؤلف على هذا الشراء ثلاثة أشياء: أولًا: الصحة، وهل تقيد هذه أو لا؟ تُقيَّد بما إذا تمت شروط الصحة وانتفت الموانع، وهذا أمر قد يقال: إنه معلوم من قوله: (ومن اشترى)؛ لأن الاشتراء الشرعي لا يكون إلا إذا تمت الشروط وانتفت الموانع.
المسألة الثانية: لزم بالعقد، ويقيد هذا أو لا؟ يقيد حيث لا خيار.
الثالث، الحكم الثالث: ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه، هل يُقيَّد أو لا؟ ظاهر كلام المؤلف أن أي تصرف فيه فإنه لا يصح حتى يقبضه، سواء تصرف فيه ببيع أو هبة أو جعلِه صداقًا، أو عِوَض خلع، أو أجرة إجارة، أو غير ذلك؛ لعموم قوله: (تصرفه)؛ لأن (تصرف) مفرد مضاف فيكون عامًّا (حتى يقبضه).
ولكن هذا العموم المستفاد من قوله: (تصرفه) عموم أُريد به الخاص، أو أريد به الخصوص، فالمراد التصرف العوضي، يعني تصرفه بعِوض، مثل: البيع والهِبة بعِوض، وجعله أجرة إجارة، وأما تصرفه فيه بهبة، أو صدقة، أو هدية، أو ما أشبه ذلك فلا بأس؛ هذا هو المراد.
وقوله: (لم يصح تصرفه حتى يقبضه)، ظاهر كلامه ولو مع البائع، يعني ولو كان مع البائع، كيف مع البائع؟ نعم، اشتريت مئة صاع من هذا الرجل وهي عندي الآن بيدي، ثم بعتها عليه بثمنها أو أكثر، فهل يصح؟ نقول: ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح، فلا يصح التصرف حتى مع البائع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1056

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يصح تصرفه مع البائع، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» (6). يعني لا يبيعه بيعًا على غير بائعه، واختار أيضًا أنه إذا باعه تولية فلا بأس، ومعنى تولية؟ برأس المال، وقال: إن العِلَّة في النهي أنه إذا باعه بربح فقد ربح فيما لم يضمن، أي فيما لم يدخل في ضمانه.
وأيضًا فإن العلة من النهي خوف العداوة والبغضاء أو محاولة البائع فسخ العقد؛ لأن البائع إذا رأى أن المشتري ربح فيه قبل أن ينقله إلى بيته، فربما يحاول فسْخ العقد بأي طريق، فيحصل بذلك النزاع والخلاف.
ولكن الأولى أن يُقال: إن الحديث على ظاهره، النهي على ظاهره، وأنه يشمل حتى ما إذا باعه على بائعه، أو باعه تولية أو مشاركة، أو مُواضَعة، أي شيء، هذا هو ظاهر النص، ثم هو ظاهر تعليل ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن ابن عباس علل هذا بأنه دراهم بدراهم والقبض مُرْجَأ (7)، لما سأله طاوس: ليش يعني النهي هذا؟ قال: لأنه دراهم بدراهم والقبض مرجأ، أي مُؤخَّر، وجه ذلك: أنني إذا اشتريته من هذا الرجل سلعةً بمئة دينار، وأبقيتها عنده، ثم بعتها بمئة دينار وعشرة دنانير، صار كأنني بعت مئة دينار بمئة وعشرة فقط، وهذه السلعة ممر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1057

وهذا الاستنباط من ابن عباس قريب جدًّا؛ لأنها في هذه الحال تُشبه العِينة من بعض الوجوه، وإذا كان ابن عباس رحمه الله ورضي الله عنه يرى هذا التعليل -وهو صحابي جليل فقيه: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (8) - فإنه يدلك على قبح المعاملات المشهورة الآن، والتي يسمونها التقسيط؛ بأن يختار المشتري سلعة معينة، ثم يذهب إلى تاجر من التجار، ويقول: اشترها لي، ثم بِعْها عليَّ بربح، هذا واضح أنه ربا، ولا يخفى إلا على إنسان لم يتأمل؛ لأن حقيقته أنه أقرضه الثمن بزائد، فبدلًا من أن يقول: أعطني مثلًا قيمة هذه السلعة وأعطيك فيها ربحًا، قال: اشترها لي، ثم بِعْها عليَّ، والتاجر لم يُرِد الشراء إطلاقًا، ولولا هذا ما اشتراها ولا بفلس واحد، فواضح أن المقصود هو الربا، واضح جدًّا، ولا يُشكل على إنسان إذا تأمل.
وإذا كان ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن العِلَّة في النهي عن بيْع الشيء قبل قبضه هو أنه يُشبه بيع الدراهم بالدراهم مع تأخير القبض، فهذه من باب أولى وأعظم وهي واضحة جدًّا، لكن مع الأسف أن الناس الآن انكبوا عليها انكبابًا عظيمًا.
ثم إن هؤلاء ينكرون إنكارًا عظيمًا على الذين يتبايعون بالربا الصريح، مثل البنوك، البنك يقول: خُذْها هذا الألف بألف ومئة صراحةً، وهذا يقول: خذ هذا الألف بألف ومئة، لكن مع اللف والدوران، ومعلوم أن من يأتي الشيء صريحًا أهون مما يأتيه مخادعةً، لأن المخادعة يكون الإنسان قد وقع في مفسدة الربا مع مفسدة الخداع، ثم إن الذي يأتي الشيء بخداع يأتيه وكأنه أمر حلال، لا يكن عنده خشية لله عز وجل أو يرى أنه مذنب فيخجل من الله، أو أنه مذنب، فيحاول أن يستعتب، لا، يرى أن هذا مباح، وأنه سيستمر عليه، لكن من أذنب ذنبًا صريحًا فسيكون في قلبه شيء من خشية الله عز وجل، وخوف العقوبة والإنابة إلى الله عز وجل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1058

على كل حال الآن نرجع إلى مسألتنا، قول المؤلف: (لم يصح تصرفه)، ظاهره أنه لا يصح تصرفه تصرفًا عِوضيًّا أو غير عوضي؛ هذه واحدة.
ثانيًا: لا يصح تصرفه لا مع البائع ولا مع غيره.
أما الثاني، فنعم، لا يصح تصرفه مع البائع ولا غيره، وأما الأول فالصحيح -وهو المذهب أيضًا- أنه إذا تصرف تصرفًا لا عِوض فيه فإنه لا بأسَ به، ولهذا جاء الحديث: «فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» (6)، «فَلَا يَبِعْهُ»، ومعلوم أن البيع مُعاوَضة، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ذكر البيع وحده، فهو دليل على أن ما شابهه كالأجرة وهبة الثواب -يعني الهِبة على عِوض- فهي مثله، أما ما لم يوافق في العلة، ولم يُقصد به المعاوضة، وإنما قُصد به وجه الله إن كان صدقة أو التودُّد والتحبب إن كان هديةً وهبة، فإنه لا يساويه في الحكم، وقياس الهبة والهدية على البيع قياس مع الفارق.
طالب: تعليل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عندما قال: دراهم بدراهم والقبض مؤجل.
الشيخ: مرجأ.
الطالب: مرجأ (7)، هو واضح يا شيخ إذا كان مرابحة أنه قد يكون فيه شبه من العينة.
طيب يا شيخ إذا كان فيه تولية؟ الشيخ: إي، يعني بثمنه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: فيه أيضًا؛ لأن الإنسان قد لا يكون عنده شيء الآن يُسلمه للبائع، ما عندي دراهم، اشتريت هذه السلعة مثلًا بمئة ريال وأنا ما عندي مئة ريال.
أقول: ربما يكون ما عنده فلوس الآن، وهو محتاج للفلوس يبيعها برأس مالها عشان يأخذ الفلوس.
الطالب: هذه يكون فيها ربا يا شيخ؟ الشيخ: إي، فيها ربا؛ لأني الآن أنا كأني بعت شيئًا في ذمتي للبائع على هذا الرجل الذي أعطاني نقدًا.
الطالب: بدون رِبْح.
الشيخ: إي، بدون ربح، ربا نسيئة.
طالب: اختلف البائع والمشتري في كوْن البائع يقول: بأني اشترطت أن أبيعك عبدًا كاتبًا، ويقول المشتري: بل اشترطت أن يكون العبد قارئًا مثلًا، فالقول قول مَنْ وماذا ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1059

الشيخ: الصحيح أن القول قول البائع في جميع الصور كما دل عليه الحديث (9)؛ ولأنه غارم، كيف يُطالَب بشيء لم يقر بالتزامه؟ ! طالب: الآن معارض السيارات، الوكالة يشتري السيارة وكالة ( ... )، ثم يريد أن يبيع، ولكن إذا أخرجها من حوش الوكالة نزلت القيمة، فيبيعها قبل أن يركب اللوحات، وقبل أن يخلص أوراقها .. الشيخ: وقبل يطلعها.
الطالب: وقبل يطلعها، يقول: إذا طلعت رخصة القيادة وهي السيارة تسير، فيقول له: أبقها في الحوش أو في المعرض وبِعْها في المعرض.
الشيخ: يعني تريد أن أقول: لا بأس؟ الطالب: لا! ! الشيخ: واضحة المسألة، ولكن نحن نقول: الناس ما عندهم يقين في الواقع، وإلا فالله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3]، وطاعة الله ورسوله هي الربح، ما هي بالربح دراهم يأخذها الإنسان ولو الخسارة فوات دراهم عليه.
الخسارة معصية الله ورسوله، فنحن نقول: أنت إذا اتقيت الله عز وجل، وقمت بما يجب فأبشر بالخير وأبشر بالرزق، وانصقال القلب بطاعة الله ما يُعادله شيء أبدًا، هو النعيم، إذا أردت النعيم حقيقة فعليك بطاعة الله؛ لأن نعيم القلب فوق نعيم الجسم.
طالب: بعضهم أفتى يقول: يركب السيارة، ويمشي بها إلى المعرض ويرجعها، فهذا نقل السبب.
الشيخ: بس من المفتي؟ لعله صاحب المعرض! طالب: ربما الذي ينقل الوكالة يا شيخ.
طالب آخر: شيخ، في المسألة اللي ذكرناها أنه إذا اختلفا في سلعة تلفت هذه السلعة، قلنا: يرد قيمة الْمِثل، قيمة مِثل هذه السلعة، ما صورة هذه يا شيخ؟ يعني كيف الصورة هذه؟ الشيخ: اشتريت من الأخ هذا كتابًا وأخذته، ثم سُرق الكتاب أو احترق، ثم جئت بالثمن توفيه أعطيته عشرة ريالات، قال: لا، الثمن اثنا عشر ريالًا، تحالفتما على المذهب والسلعة تالفة، نقول: نذهب نسأل المكاتب: كم قيمة الكتاب الفلاني؟ قالوا: القيمة خمسة عشر ريالًا، هذه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1060

الطالب: نفرض أنه حصل القبض من قبل؟ الشيخ: كيف؟ قبض أيش؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: الغالب أنه ما يصير اختلاف هنا، ما دام قبض الثمن فالغالب أنه ما يصير اختلاف، لكن ربما يصير أيضًا، ربما يجيئك بكرة ويقول: تراك أنت أعطيتني عشرة ريالات وهو باثني عشر ريالًا؟ الطالب: طيب، كيف نترفع عن هذا؟ الشيخ: نعم.
الطالب: يعني الكتاب سرق، ثم إن بعض الناس .. الشيخ: الآن لو أنك استلمت عشرة وأخذت الكتاب، ثم جاءك من غد وقال: أعطني بقية الثمن، أعطني ريالين، قلت أنت: الثمن عشرة، اختلفتم الآن، الكتاب سُرق ولَّا تلف؟ هذه نفس الصورة.
طالب: بالنسبة الآن بعد ترجيح قول: إن القوْل قوْل البائع، فهل يكون هناك تحالُف؟ الشيخ: إي، يحلف، كل من قُلنا: القول قوله في حق الآدمي فلا بد من اليمين.
الطالب: لا، التحالف؟ الشيخ: لا، ما فيه تحالف.
طالب: إذا باع على رجل يا شيخ، ثم بان بعد شهرين أنه مماطل لا يأتي بالثمن، فالملك ( ... )؟ الشيخ: للمشتري، الملك للمشتري إلى حد الفسخ.
طالب: عفا الله عنك ( ... )، فتوى ابن تيمية رحمه الله، فالبيع على البائع، بيْع المشتري على البائع، لعله يا شيخ يكون على ( ... ) اللي بايع السلعة.
الشيخ: لا، الشيخ عنده رحمه الله أنه يخشى، يقول: إن العلة ألا يربح المشتري، فإذا ربح المشتري حاول البائع أن يفسخ البيع، وصار في قلبه شيء أيضًا، لكن كلام ابن عباس غير كلام شيخ الإسلام رحمه الله، كلام ابن عباس هو أن هذا كأنه ربا.
طالب: قول المصنف: (ومن اشترى مكيلًا ونحوه صح، ولزم بالعقد)، شيخ، لماذا قيد المكيل ونحوه بالصحة ولزوم العقد؟ الشيخ: سيأتينا إن شاء الله.
طالب: شيخ، ما الفرق بين مسألة الصرافة ومسألة الذهاب إلى تاجر لكي يشتري سلعة من المعرض؟ الشيخ: التورُّق -بارك الله فيك- السلعة مملوكة للبائع، ويبيعها على هذا المتورِّق، ويبيعها على آخر يريد عين السلعة، أما هذه ما ملكها أصلًا.
الطالب: المشتري لا يريد عين المال؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1061

الشيخ: إي، لكن البائع ما يملك السلعة قبل أن يأتي هذا الرجل، يعني فمن حرم التورَّق لا شك أن هذا حرام عنده مسألة التقسيط، ومن لم يحرمه فهذه حرام، حتى من لم يحرمه، واضح.
( ... )


طالب: قال رحمه الله تعالى: فصل

وإن تلف قبل قبضه، فمن ضمان البائع، وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع، وإن أتلفه آدمي خُيِّر مُشترٍ بين فسخ وإمضاء، ومطالبة متلفه ببدله.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا الفصل الذي ذكره المؤلف فيه بيان حُكم التصرف في المبيع قبل القبض، وحكم ضمانه قبل القبض، فالتصرف فيه تفصيل، يقول رحمه الله: (من اشترى مكيلًا ونحوه صح ولزم بالعقد، ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه).
قوله: (صحَّ) أي العقد، و (لزِم) أي ثبت ولم يكن خيار.
وقوله: (لم يصح تصرفه) ظاهر كلامه أنه لا يتصرف فيه بأي نوع من التصرف، وذكرنا أن القول الراجح أنه لا يتصرف فيه تصرف معاوضة، وأما تصرف غير المعاوضة فلا بأس، وذكرنا أيضًا أن ظاهر كلام المؤلف أن المكِيل ونحوه لا يجوز التصرف فيه ولو بيع جُزافًا، (جزافًا) بضم الجيم، وفتحها، وكسرها.
وقيل: إذا بِيع جزافًا فلا بأس من التصرف فيه قبل القبض، ولكن ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز ولو كان جزافًا، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الذي دلَّ عليه حديث عبد الله بن عمر أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافًا، فنهاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبيعوه حتى يحولوه أو ينقضوه (10)، وما دام الحديث صريحًا فيه فإنه يكون هو الراجح.
ثم انتقل المؤلف إلى الضمان قبل قبضه، هل يكون على البائع أو يكون على المشتري؟ فقال: (وإن تلف قبل قبضه فمن ضمان البائع).

الجزء: 2 - الصفحة: 1062

(إن تلف) الضمير يعود على المكِيل ونحوه مما بِيع إما جزافًا أو بتقدير، وإما بتقدير فقط، المذهب أنه إذا كان بتقدير، يعني بِيع المكيل كيلًا، والموزون وزنًا، والمعدود عدًّا، والمذروع ذرعًا، فهذا إذا تلف قبل القبض فمن ضمان البائع، وبعد القبض يكون من ضمان المشتري.
مثال ذلك: بعتُ عليك هذا الكيس من الحنطة، كل صاع بعشرة دراهم، وقبل أن نكيله تلف إما بسرقة، أو بأمطار حملته، أو ما أشبه ذلك، فالضمان على مَنْ؟ الضمان على البائع، فإن بعته جُزافًا هكذا، بعت عليك كيس هذه الحنطة بكذا، فعلى كلام المؤلف، على ظاهره أنه لا فرْق بين أن أبيعه مُكايلة أو جُزافًا، وعلى القول الثاني أنه إذا بِيع جزافًا فهو من ضمان المشتري، ويصح تصرُّفه فيه.
يقول: (إن تلف قبل قبضه، فمن ضمان البائع)، ثم فسَّر رحمه الله فقال: (وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع).
قوله: (بطل) بمعنى انفسخ، وذلك لأن هذا التلف حصل به الانفساخ دون البطلان، البطلان يكون لفوات الشرط أو وجود مانع، وهنا لا فوات شرط ولا وجود مانع، فيجب أن يُفسَّر البُطلان بأنه الانفساخ، وهذا كقوله فيما سبق: (تحالفا وبطل البيع)، وقلنا: إن الصواب انفسخ البيع.
(إن تلف بآفة سماوية بطل البيع)، والآفة السماوية: كل ما لا صُنع للآدمي فيه، مثل أمطار أتلفته، صاعقة أحرقته، رياح حملته، إلى غير ذلك، فالآفة السماوية هي التي ليس للآدمي فيها صنع، والمثال: رجل باع على شخص كيس حنطة كل صاع بكذا، ثم أتى السيل فحمله وأفسده وذهب به، فالتلف هنا بآفة سماوية، أو نزلت صاعقة فأحرقته، أو هبَّت رياح فحملته، فالضمان على البائع، فإن كان قد استلم الثمن ردَّه على المشتري، وإن كان لم يستلمه فهو عند المشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 1063

ثم يُشبه الآفة السماوية من لا يمكن تضمينه، كما لو تلف بأكل حيوان له، أو تلف بأكل الجند له، يعني مرَّت جنود السلطان فأكلته؛ فهذا يُلحق بالآفة السماوية؛ لأنه لا يُمكن تضمينه، فالحيوان الذي أكله لا يمكن أن يُضمَّن، والجيش الذي مر به فأخذه لا يمكن أن يضمن، وحينئذٍ نقول: إذا أتلفه ما لا يمكن تضمينه أُلْحِق بالآفة السماوية، وإن أتلفه آدمي مُعيَّن يمكن تضمينه فإنه يُخيَّر المشتري بين فسخ وإمضاء ومطالبة متلفه، هذه ثلاثة أشياء: بين فسخ وإمضاء، هذا الخيار، بين الفسخ والإمضاء.
وإذا أمضى طالب مُتلِفه، وعلى هذا فقوله: (ومطالبة مُتلِفه) ليست داخلة في التخيير، لكنها مفرعة على الإمضاء، يعني فإذا أمضى طالب متلفه ببدله.
إذن إذا تلف المبيع المكيل ونحوه فعلى أربعة أنواع: أولًا: أن يتلفه البائع.
ثانيًا: أن يتلف بآفة سماوية.
ثالثًا: أن يتلفه ما لم يمكن تضمينه.
رابعًا: أن يتلفه آدمي يمكن تضمينه.
وكل واحدة من هذه الأقسام لها حكمها: إذا أتلفه البائع انفسخ البيع، وقيل: إن أتلفه البائع ضمنه؛ وهذا هو الراجِح، والفرق بين القولين أننا إذا قلنا: انفسخ البيع لم يرجع عليه المشتري بشيء، انفسخ البيع إن كان المشتري قد سلَّم الثمن ليأخذ الثمن، وإن كان ما سلَّمه فهو عنده، وإذا قلنا: إنه يضمنه فإنه ربما تكون القيمة قد زادت بين الشراء والإتلاف، فإذا قلنا: يضمنه فإن المشتري يرجع على البائع بما زاد على الثمن إن زادت القيمة، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأن البائع الآن أصبح ظالمًا غاصبًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1064

الحال الثانية: أن يتلف بآفة سماوية، فما الحكم؟ نقول: ينفسخ البيع، فيرجع المشتري بالثمن إن كان قد سلَّمه، وإن لم يُسلِّمه فالثمن عنده، ويُستدل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ » (11). فجعل ضمانه على مَنْ؟ على البائع ولا يرجع بشيء.
الصورة الثالثة: أن يتلفه ما لا يمكن تضمينه من آدمي أو غيره، فحكمه حكم ما تلف بآفة سماوية، يعني أنه ينفسخ البيع.
الرابع: أن يتلفه آدمي يمكن تضمينه، فهنا نُخيِّر المشتري بين أمرين؛ بين أن يفسخ البيع ويرجع على البائع بالثمن، أو يمضي البيع ويرجع على المتلف بالبدل، ولاحظوا الفرق بين قولنا: بالبدل، وبين قولنا: بالثمن، فإذا فسخ البيع فليس له إلا الثمن، وإذا لم يفسخه رجع بالبدل.
مثال ذلك: اشترى شخص كيسًا من الحنطة كل صاع بكذا، فجاء آدمي فأتلفه بإحراق أو أكل أو غير ذلك، نقول للمشتري الآن: أنت بالخيار، إن شئت فسخت البيع، ورجعت على المشتري بالثمن.
وما عداه يَجوزُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فيه قبلَ قَبْضِه، وإن تَلِفَ ما عدا الْمَبيعَ بكيلٍ ونحوِه , فمِن ضَمانِه ما لم يَمْنَعْه بائعٌ من قَبْضِه، ويَحْصُلُ قبضُ ما بِيعَ بكيلٍ أو وَزْنٍ أو عَدٍّ أو ذَرْعٍ بذلك، وفي صُبْرَةٍ وما يُنْقَلُ بنقلِه وما يُتناولُ بتناوُلِه، وغيرُه بتَخليتِه.
و(الإقالةُ) فَسْخٌ.
تَجوزُ قبلَ قَبْضِ الْمَبيعِ بِمِثْلِ الثمنِ، ولا خِيارَ فيها ولا شُفْعَةَ.
فإذا فسخ البيع فليس له إلا الثمن، وإذا لم يفسخه رجع بالبدل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1065

مثال ذلك: اشترى شخص كيسًا من الحنطة، كل صاع بكذا، فجاء آدمي فأتلفه؛ بإحراق أو أكل أو غير ذلك، نقول للمشتري الآن: أنت بالخيار؛ إن شئت فسخت البيع ورجعت على البائع بالثمن، هو قال: اشتراه بمئة ريال، فإذا قال: أنا فسخت البيع، كم يعطيه البائع؟ مئة ريال، أو نقول: أبق البيع على ما هو عليه، وارجع على المتلف بالبدل، فإذا كان الآن عند إتلافه يساوي مئةً وعشرين، فالمشتري في هذه الحال سوف يختار الإمضاء أو الفسخ؟ الإمضاء، ويرجع على المتلف بالبدل؛ أي: بمثله إن كان مثليًّا، وقيمته إن كان متقوَّمًا.
الحنطة من المثليات أو من المتقومات؟ من المثليات، فيرجع عليه بمثل الحنطة التي أتلفها.
طيب، الساعة؟ طلبة: متقومة.
الشيخ: متقومة على المذهب، فيرجع عليه بقيمتها، انتبهوا للمثال هل هو صحيح أو لا؟ هل الساعة من المكيل ونحوه؟ الطلبة: لا.
الشيخ: إذن لا يصح بها التمثيل، وعلى هذا فلا يمكن أن يكون إلا مثليًّا ما لم ينتقل هذا الطعام إلى صنعة؛ يصنع خبزًا أو طبيخًا، فحينئذٍ يكون غير مثلي.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه ما لم يمنعه بائع من قبضه.
ويحصل قبض ما بِيعَ بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع بذلك وفي صبرة، وما يُنْقَل بنقله، وما يُتَنَاول بتناوله، وغيره بتخليته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هي الأشياء التي لا يصح تصرف المشتري فيها قبل قبضها؟ طالب: ( ... ) كيل ونحوه.
الشيخ: لا تقل: ونحوه، عدها.
الطالب: كيله أو وزنه أو ذرعه أو عده.
الشيخ: لا.
الطالب: كيل أو وزن أو ذرع أو عد.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: جزافًا.
الشيخ: لا.
طالب: ما بيع برؤية ( ... ) لا يتغير فيها البيع أو صفة ( ... ). الشيخ: سابقة للعقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1066

الطالب: ( ... ). الشيخ: لا.
الطالب: ما بيع برؤية ( ... ) سابقة على العقد.
الشيخ: ستة.
الطالب: برؤية.
الشيخ: هي ستة؛ ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع أو رؤية سابقة أو صفة، هذه لا يجوز التصرف فيها قبل قبضها.
وهل جميع التصرفات ممنوعة أو بعضها؟ طالب: ظاهر كلام المصنف أنها كلها ممنوعة، ولكن الصواب التفصيل؛ التصرف بعوض لا يجوز، التصرف من غير عوض جائز.
الشيخ: جائز، أحسنت.
ما هو الدليل على هذا القول أن الممنوع هو التصرف بمعاوضة؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» (1). الشيخ: «فَلَا يَبِعْهُ»، ولم يقل: فلا يتصرف فيه.
المكيل إذا بيع جزافًا فهل يصح فيه التصرف؟ طالب: نعم، يصح فيه التصرف؛ لأنه صار للمشتري ( ... ). الشيخ: هل هذا ظاهر كلام المؤلف؟ الطالب: لا، ليس ظاهر كلام المؤلف.
الشيخ: ما هو ظاهر كلام المؤلف؟ الطالب: ظاهر كلام المؤلف أنه إذا كيل كيلًا أو وزن وزنًا.
الشيخ: لا يا أخي، اقرأ: (ومن اشترى مكيلًا ونحوه صح ولزم بالعقد، ولم يصح تصرفه).
طالب: لا يصح تصرفه.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح التصرف.
الطالب: ( ... ). الشيخ: اصبر، ما بعد، أنا أريدك تتكلم عن ظاهر كلام المؤلف؛ أنه لا يصح.
هل هذا الظاهر هو المذهب عند المتأخرين؟ طالب: المذهب أنه يصح التصرف فيه.
الشيخ: إذا اشْتُرِي جزافًا، طيب، وهو كذلك.
أيهما أرجح؟ طالب: أنه لا يصح التصرف.
الشيخ: أنه لا يصح التصرف.
ما هو الدليل على رجحانه؟ الطالب: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أنهم كانوا يبيعون الطعام جزافًا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ( ... ) (2). الشيخ: نعم، أحسنت، هذا هو الصحيح؛ أنه عام، سواء بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع أو جزافًا.
ما معنى قول المؤلف: (صح ولزم بالعقد)؟ وهل شيء يصح ولا يلزم بالعقد؟ طالب: إذا كان هناك خيار.

الجزء: 2 - الصفحة: 1067

الشيخ: نعم، إذا كان هناك خيار فالبيع صحيح وينتقل فيه الملك إلى المشتري، ولا يلزمه إلا بانتهاء الخيار.
أما قوله: (حتى يقبضه) فسيأتي إن شاء الله.
طالب: ما فهمت.
الشيخ: يعني مثلًا: إذا بعت شيئًا وتمت الشروط وانتفت الموانع صح البيع، وهل يقع لازمًا أو جائزًا؟ إن كان في الخيار يقع جائزًا؛ لأن لكل من المتخيرين أن يفسخ، وإن لم يكن خيار فهو لازم بالعقد.
إذا تلف المبيع فهل هو من ضمان المشتري أو من ضمان البائع؟ طالب: الأصل أنه من ضمان البائع إلا إذا كان ذات المبيع يتلف يعني.
الشيخ: وغير الأصل؟ الطالب: إذا كان ذات المبيع يتلف بكثرة المدة.
الشيخ: كل شيء يتلف، ما يبقى إلا وجه الله.
الطالب: لا، إذا كان يعلم أنه يتلف بكثرة .. الشيخ: أنا أعلم أن جميع الأشياء تتلف إلا الله عز وجل؛ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26].
ما تقول: إذا تلف المبيع فهل هو من ضمان المشتري أو من ضمان البائع بعد أن يتم العقد ويصح؟ طالب: على الحالات المذكورة.
الشيخ: ما نعرف الحالات المذكورة، أنت قُلْ لي، قل: نعم، أو: لا، أو: فيه التفصيل.
الطالب: فيه التفصيل.
الشيخ: فيه التفصيل، فصل.
الطالب: إذا كان التلف بفعل البائع فمن ضمانه.
الشيخ: لا.
طالب: إن كان التلف قبل القبض .. الشيخ: هو قبل القبض، بعد القبض ما فيه إشكال.
الطالب: قبل القبض على البائع.
الشيخ: البائع مطلقًا؟ الطالب: إلا إن كان تلف بآفة سماوية فإنه ينفسخ.
الشيخ: توافق على التفصيل، ولَّا الجواب بالنفي والإثبات؟ الطالب: التفصيل إلا إن كان ( ... ) على البائع.
الشيخ: يا رجال ما أجبت جيدًا.
الطالب: على البائع.
الشيخ: لا حول ولا قوة! طالب: في المسألة التفصيل؛ إن تلف بآفة سماوية .. الشيخ: أنا أسأل ترى ما هو عن المبيع بكيل أو وزن، مطلقًا، هل إذا تلف المبيع هل هو من ضمان المشتري أو ضمان البائع؟ مطلقًا، فأريد التفصيل اللي إحنا قرأنا وفي المتن أيضًا؛ في نفس المتن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1068

طالب: إن كان قبل القبض من ضمان البائع، وإذا كان بعد القبض .. طالب آخر: في فصل ذكرنا إن تلف بتفريط من المشتري .. الشيخ: لا، يا شيخ، غير المكيل والموزون والأشياء اللي ذكرها المؤلف يكون من ضمان المشتري؛ ولهذا قال: (إن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه) أي: من ضمان المشتري الموجود بالمتن، إلا إن كان ما شرحناه، ما أدري.
طلبة: ما شرحناه.
الشيخ: ما شرحناه؟ طالب: ما شرحناه.
الشيخ: طيب، يقولون: إن الشركاء لا تُقْبَل شهادة بعضهم لبعض، وأنتم الآن شركاء! الآن فهمنا -يا إخوان- أن الذي يكون من ضمان البائع كم؟ ستة أشياء: ما بيع بكيل، أو وزن، أو عدٍّ أو ذرع، أو صفة، أو رؤية سابقة.
هذه من ضمان البائع.
وكذلك أيضًا -سيأتينا إن شاء الله- الثمر على رؤوس النخل يكون من ضمان البائع، الثمر على رؤوس النخل؛ يعني مثلًا: لو اشتريت ثمرة نخلة بعد بدو صلاحها ثم تلفت، فهي من ضمان البائع؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ » (3). إذا أضفناه إلى الستة كانت سبعة.
بعد أن عرفنا أن هذه السبعة تكون من ضمان البائع نعود إلى مسألة أخرى، وقبل أن نعود أود أن أحصر لكم المسألة أكثر: وما منعه البائع من قبضه؛ يعني أنه باع عليه -مثلًا- سيارة ما فيها لا كيل ولا وزن، ولكن أبى أن يسلمه السيارة بدون سبب، المشتري نقد الثمن، ولكن البائع قال: ما أعطيك السيارة، اصبر، ثم تلفت السيارة، فعلى من؟ على البائع، لكن ضمانها هنا ضمان غصب؛ بمعنى أنه يضمن السيارة ويضمن أجرتها ما دامت في قبضته.
وعليه فتكون الأشياء التي من ضمان البائع ثمانية؛ ما بيع بكيل، أو وزن، أو عَدٍّ، أو ذرع، أو رؤية سابقة، أو صفة، والثمر على روؤس النخل، وما منعه البائع من قبضه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1069

إذا تلف وهو من ضمان البائع فقد ذكر المؤلف له ثلاث حالات، ما هي الحالات الثلاث؟ طالب: إذا تلف عند البائع فمن ضمانه.
الشيخ: فمن ضمانه، طيب.
الطالب: وإذا تلف بآفة سماوية ينفسخ البيع، وإذا تلف بشبه الآفة السماوية؛ وهي إذا أتلفه من ذا يمكن ضمانه فينفسخ البيع، وهنالك حالة رابعة وهي إذا أتلفه من يمكن ضمانه.
الشيخ: يعني من يمكن تضمينه؟ الطالب: نعم، فيخير المشتري.
الشيخ: بين؟ الطالب: بين أن يفسخ ويرجع على المشتري ماله، وإما أن يمضي في العقد ويرجع على الذي أتلف شيئًا ببدله.
الشيخ: بارك الله فيك.
طيب، إذن أربع حالات، أعدها.
طالب: من قبل البائع ( ... ) بآفة سماوية ينفسخ البيع، أن يتلفه ما لا يمكن تضمينه فينفسخ البيع، وأن يتلفه ما يمكن تضمينه للمشتري الخيار بين الفسخ أو الإمضاء مع أخذ البدل.
الشيخ: بين الفسخ والبائع يرجع للذي أتلفه.
الطالب: نعم.
الشيخ: أو الإمضاء وهو ما يرجع على من أتلفه المشتري، بارك الله فيك.
طالب: المبيع بصفة أو؟ الشيخ: برؤية.
الطالب: سابقة الشيخ: المبيع برؤية سابقة هو أن يكون المشتري قد رأى المبيع قبل يومين، فيبيعه عليه بعد أن مضى على رؤيته يومان، هذا المبيع برؤية سابقة، ومعلوم أنه لا بد ألَّا يمكن تغيره في هذه المدة؛ لأنه إن أمكن تغيره في هذه المدة لم يصح عقد البيع عليه؛ لاحتمال أن يكون تغير.
المبيع بصفة أن يقول: بعتك سيارتي التي في جراجي وصفتها كذا وكذا، هذا مبيع معين موصوف، فهذا مبيع بصفة.
بخلاف الموصوف في الذمة فهذا شيء آخر؛ لأنه لم يقع العقد على عينه، مثل أن أبيع عليك مئة صاع بر بمئة ريال، هذا لا يقال: إنه مبيع موصوف، بل يقال: هذا موصوف في الذمة؛ لأنه غير معين.
إذن المبيع برؤية سابقة: أن يكون المشتري قد رأى المبيع قبل يومين أو ثلاثة أو شهر أو أكثر، ثم يعقد عليه البيع بدون أن يراه رؤية متجددة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1070

المبيع بصفة: أن يقع العقد على شيء معين موصوف؛ مثل أن يبيعه سيارته التي عنده في الجراج ويصفها؛ صفتها كذا وكذا، هذا يسمى مبيع بصفة.
أما الموصوف في الذمة فذاك لم يقع العقد على عينه، فهو من الأصل لم يدخل في ضمان المشتري إطلاقًا؛ مثل أن يبيعه مئة صاع بر بمئة ريال، هذا ما يقال: معين وموصوف، هذا يقال: موصوف في الذمة.
أما إذا منعه البائع من قبضه فالمسألة واضحة، لكن إذا منعه البائع من قبضه هل يضمنه ضمان غصب أو ينفسخ البيع؟ الجواب: الأول؛ يضمنه ضمان غصب، وعلى هذا فإذا كان المبيع مما يؤجر لزم البائع أجرته مدة منعه، وإذا كان غير مثلي لزم قيمته، وقد تكون قيمته أكثر مما وقع عليه العقد وقد تكون أقل.
بقي علينا إذا أتلفه آدمي يمكن تضمينه، قلنا: إن الخيار للمشتري بين أمرين، وهي فسخ البيع، والإمضاء مع مطالبة المتلف، أيهما يختار؟ طلبة: الأنفع له.
الشيخ: سيختار الأنفع له؛ إذا كان المبيع قد نزلت قيمته فسيختار الفسخ؛ ليرجع على البائع بالقيمة، وإذا كانت قد زادت فسيختار الإمضاء؛ ليطالب المتلف بأكثر من الثمن.
ثم قال: (وما عداه) أي: ما عدا ما اشْتُرِيَ بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع أو رؤية سابقة أو صفة، يقول: (يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه) ما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل القبض.
مثاله: باع عبدًا، باع بعيرًا، باع دارًا، باع سيارة معينة ولم يقبضها، فيجوز أن يتصرف فيها قبل القبض، لماذا؟ لأنه لا يحتاج إلى حق توفية؛ يعني: ليس مبيعًا بكيل حتى يحتاج إلى كيل، وربما يزيد أو ينقص، أو وزن ربما يزيد أو ينقص، هذا شيء معين يجوز أن تبيعه قبل قبضه ولو في مكان بيعه.
مثاله: باع عليَّ رجل سيارته وهي في بيته، وأنا شاهدتها أو كنت أعلمها من قبل، فهي مرئية لي، فظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن أتصرف فيها قبل القبض، وهذا هو المشهور من المذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1071

والقول الثاني: إنه لا يجوز أن يتصرف في المبيع قبل قبضه مطلقًا في كل شيء.
وهذا ما ذهب إليه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال: ولا أحسب كل شيء إلا مثله (4)، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: إن المبيع لا يباع قبل القبض مهما كان، سواء بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع أو رؤية سابقة أو صفة، لا يمكن أن يباع حتى يقبض، وهذا هو الذي يؤيده الحديث؛ حديث ابن عمر: أنهم كانوا يبيعون الطعام جزافًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فنهاهم أن يبيعوه حتى ينقلوه (2)؛ يعني: إلى مكان آخر.
واستدل المؤلف أو الشارح لهذه المسألة بحديث ابن عمر قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم -وفي لفظ: بالنقيع بالدراهم- فنأخذ منها الدنانير وبالعكس -يعني: بالدنانير فنأخذ الدراهم- فسألنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تُؤْخَذَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ يَفْتَرِقَا وَبَيْنَهُمَا شَيْءٌ» (5). والحديث دليل، وهو لا يطابق المدلول، وجه ذلك: أن الحديث إنما هو بيع ما في الذمة وليس بيع شيء معين؛ كانوا يبيعون الإبل بالدراهم، الدراهم أين هي؟ معينة ولَّا ثابتة في ذمة المشتري؟ ثابتة في ذمة المشتري.
ويبيعونها بالدنانير؛ ثابتة في ذمة المشتري، فيأخذون عن الدراهم دنانير، وعن الدنانير دراهم.
وكلامنا نحن في الشيء المعين هل يجوز أن يُبَاع قبل أن يقبض أو لا؟ وعليه فلا دلالة في الحديث لما استدل به المؤلف عليه؛ الشارح، وأنا سقت هذا الحديث لفائدة غير مسألة أنه دليل أو غير دليل؛ وهي أنه يجوز بيع الدين على من هو عليه، بشرطين: الشرط الأول: أن يكون بسعر يومه.
والثاني: أن يتقابضا قبل التفرق، لكن هذا فيما يُشْتَرط فيه التقابض؛ كالدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم، والبر بالشعير والشعير بالبر، وما أشبهها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1072

أما شرط التقابض بين الدراهم والدنانير ونحوها فظاهر، ما وجه ظهوره؟ وجه ظهوره أنه لا يباع الشيء بالشيء في مثل هذه الصورة إلا بالتقابض؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذهب والفضة والبر والتمر والشعير والملح: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (6). وأما كونها بسعر يومها -وهو الشرط الثاني- فلئلا يربح فيما لا يدخل في ضمانه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ربح ما لم يُضْمَن (7). كلام عربي مفهوم؟ طالب: غير مفهوم الشيخ: غير مفهوم.
في ذمة الرجل لي دنانير، فبعتها عليه بدراهم، بيع الدنانير بالدراهم يُشْتَرط فيه القبض أو لا؟ يُشْتَرط فيه القبض، إذن لا بد أن نتقابض، الدنانير عنده في ذمته، إذن يعطيني الدراهم فقط، وليس بلازم أن يحضر الدنانير، ما هو لازم، يعطيني الدراهم، والدنانير عنده في ذمته، مفهوم هذا ولَّا غير مفهوم؟ طالب: غير مفهوم.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! في ذمة الرجل لي دنانير، أردت أن أبيعها عليه بدراهم، ووافق، اتفقنا على بيعها بدراهم، بيع الدراهم بالدنانير يُشْتَرط فيه أيش؟ التقابض، يُشْتَرط التساوي؟ لا «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (6). التقابض هنا: أن يعطيني دراهم، أعطاني دراهم هل تقابضنا أو لا؟ تقابضنا؛ لأن الدنانير عنده، تقابضنا، ولا فرق بين أن يحضرها على طاولة العقد أو لا يحضرها؛ لأن الدراهم في ذمته قد قبضها، هذا واضح ولَّا غير واضح؟ طلبة: واضح.
الشيخ: طيب، بقينا بالنقطة الثانية -وعسى الله أن يعيننا على تفهيمكم إياها- أن تكون بسعر يومها، فإذا قدَّرنا أن عشرة دنانير قيمتها في السوق مئة درهم، أبيعها عليه بأيش؟ بمئة درهم لا أزيد ولا أنقص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بِسِعْرِ يَوْمِهَا» (5). لو بعت الدنانير بمئة وعشرة، يجوز أو لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1073

طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأني ربحت عشرة في شيء لم يدخل في ضماني، إلى الآن في ذمة البائع.
لو بعت الدنانير العشرة التي تساوي مئة بتسعين، لو نظرنا إلى ظاهر الحديث لقلنا: لا يجوز، ولو نظرنا إلى العلة والحكمة قلنا: يجوز؛ لأن هذا الرجل إذا باع العشرة التي تساوي مئة بتسعين فإنه لم يربح، بل إنه أبرأ البائع أيش؟ أبرأه من عشرة، لكن لم يُذْكر هذا في الحديث؛ لأنه أمر نادر، إنما الذي يكون غالبًا هو الربح؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «بِسِعْرِ يَوْمِهَا»، لئلا يقع في المسألة تفصيل فيرتبك، فإذا قلنا: بسعر اليوم ما حصل اشتباه، لكن عندما أن نحقق ونحرر المسألة نقول: إذا باعها بأقل فقد زاد المدين خيرًا، وإن باعها بأكثر فقد ربح فيما يُضْمَن؛ أي: فيما لم يدخل في ضمانه، وهذا حرام ولَّا يجوز، واضح يا جماعة؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: زين، الحمد لله، مع أنه ليس في المتن، لكن الحمد لله الزيادة خير؛ هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
يقول: (وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه) ظاهر كلام المؤلف أنه يشمل حتى المبيع برؤية سابقة أو بصفة، الآن قوله: (وما عداه) ولم يتكلم على المبيع برؤية أو صفة، إنما تكلم على أيش؟ على المكيل، والموزون، والمعدود، والمذروع، فظاهر كلامه أن ما عدا ذلك يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، ولكن المذهب لا، المذهب يلحقون ما بيع بصفة أو رؤية سابقة بالمكيل ونحوه؛ لأنه يحتاج إلى حق توفية؛ ولهذا إذا تغير المبيع عن الرؤية السابقة أو الصفة فله الخيار كما سبق، وهذا لا شك أنه أحوط، ونحن نرجِّح أن كل مبيع لا يجوز بيعه إلا بعد القبض.
هل يجوز بيع ثمر النخل على رؤوس النخل؟ يعني: اشتريت ثمرًا ثم بعتها، يجوز أو لا؟ يجوز، وهي من ضمان من؟ من ضمان البائع، فلو تلفت بآفة سماوية بعد أن بعتها رجع المشتري عليَّ، وأنا أرجع على البائع الأول.
إذن ليس كل شيء يكون من ضمان البائع لا يصح التصرف فيه، أو لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1074

طالب: ( ... ). الشيخ: لا، صحيح، ليس كل شيء يكون من ضمان البائع لا يصح التصرف فيه، بل قد يكون من ضمان البائع، والتصرف فيه صحيح؛ كالثمر على رؤوس النخل.
وينبغي أن يُقَال فيما إذا كان من ضمان البائع: ما لم يسلمه البائع فيمتنع، وهذه أيضًا مهمة، وقد أشار إليها بعض الأصحاب رحمهم الله؛ قالوا: لو أن البائع قال: تعال يا أخي، خذ، توكل مالك، وأبى، فهنا يكون الضمان على من؟ على المشتري، كما أنه إذا منعه البائع صار على البائع، وهذا لا شك أنه قياس جلي واضح، وإلا لكان مشكلة؛ لأن بعض الناس تجده إذا نزل السعر تباطأ في القبض، يرجو؟ طلبة: الزيادة.
الشيخ: لا، ما هو يرجو الزيادة، لعله يتلف ويكون من ضمان البائع، فإذا كان البائع يقول: خذ ما اشتريت، وهو يقول: انتظر، معك خير، فهنا إذا تلف فإنه يكون من ضمان المشتري؛ لأنه هو الذي فرَّط في قبضه، وله قياس صحيح.
الثمرة الآن، ذكرنا أن الثمرة على رأس النخل من ضمان من؟ طلبة: البائع.
الشيخ: طيب، لو أن المشتري تأخَّر في جنيها وجذِّها حتى جاءت الأمطار وأفسدتها، فعلى من الضمان؟ على المشتري؛ لأنه هو الذي تأخر وفرَّط.
وكذلك ما إذا بذل البائع السلعة، ولكن المشتري تباطأ وتأخر فإنها في هذه الحال تكون من ضمان البائع.
طلبة: المشتري.
الشيخ: من ضمان من؟ الطلبة: المشتري.
الشيخ: بارك الله فيكم، من ضمان المشتري.


يقول رحمه الله: (وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه) طيب، نقف على هذا.
طالب: لو تلف المبيع بفعل البائع فإن البائع يضمنه.
الشيخ: يضمنه ضمان غصب.
الطالب: نعم، لماذا لا نقول: إنه يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء، ويكون للبائع ( ... )؟ الشيخ: لا؛ لأن هذا البائع كان في يده وله سلطة عليه.
الطالب: ربما يكون أنفع للمشتري؛ الفسخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1075

الشيخ: لكن هذا له نوع ولاية عليه؛ لأنه منتقل من عنده، فهو في يده في الأصل أمانة، وما قلتَه وجيه؛ يعني لا بد أن يراجع إذا كان أحد من العلماء يقول بقولك فهو وجيه.
طالب: الذي قلنا: إنه بصفة أو رؤية سابقة، هل يكون من الأربعة؟ الشيخ: إي نعم، ربما يكون من الأربعة.
الطالب: وقد يكون غيرها؟ الشيخ: وقد يكون غيرها كثير.
الطالب: لا، على كلام المؤلف؛ يعني على حسب تصرف الأربعة.
الشيخ: المؤلف الماتن ما جاب أنه يبيع برؤية أو بصفة، أصلًا ما جاء بها.
الطالب: على افتراض إذا كان برؤية سابقة أو صفة، وكان معدودًا أو مذروعًا ونحوه هل يكون من ( ... )؟ الشيخ: من ضمان البائع، علشان مكيل أو موزون أو معدود أو مذروع.
طالب: قلنا: إن القول الراجح إنه لا يجوز أن يتصرف بمبيع .. الشيخ: قبل قبضه.
طالب: إي نعم.
الشيخ: قبل قبضه في جميع الأشياء، إي نعم.
الطالب: على هذا القول هل نقول: إنه إذا تلف قبل القبض أن يكون من ضمان البائع مطلقًا؟ الشيخ: لا، ما هو من ضمان البائع مطلقًا، يكون من ضمان المشتري؛ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (8). سيأتينا إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف.
طالب: ما معنى الضمان بالأصل؟ الشيخ: إي، إذا قلنا: ينفسخ البيع فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن فقط.
عرفت؟ الطالب: ليس بعد.
الشيخ: طيب، اشتريت منك هذه السيارة بخمسين ألفًا، فكسَّرها البائع أو أحرقها، إذا قلنا: إنه ينفسخ البيع، كم يرد على المشتري؟ طلبة: نفس السعر.
الشيخ: طيب، إذا قلنا: ضمان غصب وكانت الأسعار قد ارتفعت، أيش يضمنها؟ طالب: بسعرها.
الشيخ: بسعرها؛ يعني هي قد تكون بمئة ألف، أو نقصت بسعرها أيضًا، قد تكون خمسة وعشرين ألفًا.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- إذا كان ( ... ) هل يضمن البائع، أو ليس له دخل؟ الشيخ: الثمر على رؤوس النخل من ضمان البائع.
الطالب: لا، الثمار غير النخل، غير التمر يا شيخ.
الشيخ: غير التمر؟ ! الثمر غير التمر.
الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1076

الشيخ: نعم، ما كان مثله فله حكمه.
الطالب: على البائع؟ الشيخ: ما كان مثله فله حكمه، والله أعلم.
( ... )

اشترى رجل شاةً من آخر واتفقا على أن تكون الشاة عند البائع يعلفها شهرين، فماتت الشاة في هذه المدة، فهل تكون من ضمان البائع أو من ضمان المشتري؟ ما تقولون؟ طالب: ( ... ). الشيخ: من ضمان المشتري، لا إشكال، ينتقل الملك بمجرد العقد، وليس شيئًا يكون على ضمان البائع إلا ما علمتم؛ الأصناف السبعة، والباقي كلها على المشتري.
( ... )


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه ما لم يمنعه بائع من قبضه، ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع بذلك، وفي صبرة وما ينقل بنقله، وما يُتَناول بتناوله، وغيره بتخليته.
والإقالة: فسخ تجوز قبل قبض المبيع بمثل الثمن، ولا خيار فيها ولا شفعة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هي الأشياء التي تكون من ضمان البائع؟ طالب: سبعة؛ ما بيع بكيل أو عَدٍّ أو وزن أو ذرع أو رؤية سابقة أو وصف والثمر على رؤوس النخل.
الشيخ: ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع أو رؤية سابقة أو صفة والثمر على رؤوس النخل، كم هذه؟ سبعة.
طالب: ثمانية.
الشيخ: والثامن؟ طالب: الثامن إذا منع البائع من القبض.
الشيخ: نعم، لكن هذه لشيء خارج ما هو بمقتضاها؛ ولهذا لم نذكرها فيما سبق، ثم عقبنا وذكرناها.
ما هي الأشياء التي لا يصح فيها التصرف قبل القبض؟ طالب: المكيل والموزون والمعدود والمذروع.
الشيخ: ما بيع بكيل.
الطالب: ما بيع بكيل وما بيع بوزن أو بذرعٍ أو بِعَدٍّ أو برؤية سابقة أو بصفة.
الشيخ: كم هي؟ الطالب: ستة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1077

الشيخ: ستة، طيب، أنت قلت: المكيل والموزون والمعدود والمذروع، وأنا قلت لك: ما بيع بكيل أو وزن، فما الذي يوافق كلام المؤلف؟ طالب: ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع.
الشيخ: ماذا تقولون؟ أيهما الذي يوافق كلام المؤلف؟ طالب: الثاني هذا كلام الأخ.
الشيخ: أيهما اللي يوافق؛ أن نقول: ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع، أو أن نقول: المكيل والمعدود والمذروع ونحوه؟ طالب: المكيل ونحوه.
الشيخ: المكيل ونحوه، طيب، ما الفرق بين العبارتين؟ الطالب: العبارة الأولى لم ينص .. الشيخ: ما الفرق؟ الطالب: الأول يعني؟ الشيخ: يعني ما الفرق بين أن أقول: ما بيع بكيل أو وزن ونحوه، أو أقول: إذا بيع المكيل ونحوه؟ طالب: إذا قلنا -يا شيخ- أن أبيع بكيل أو وزن فإنه يكون بيع بكيل أو وزن، أما المكيل والموزون فإنه قد يُبَاع جزافًا.
الشيخ: يعني يتناول ما بيع بالكيل ونحوه والجزاف.
طيب، صحيح ولَّا لا؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: أيهما ظاهر كلام المؤلف؟ طالب: ما بيع بكيل أو وزن أو ذرعٍ.
الشيخ: ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع.
الطالب: (من اشترى مكيلًا ونحوه) ظاهره الأول.
الشيخ: أيهما الأول؟ الطالب: يعني: سواء جزافًا أو لا.
الشيخ: أن المعتبر نوع المبيع هل هو مكيل أو لا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، وما هو الراجح من القولين؟ طالب: الراجح أنه لا يجوز بيع شيء قبل قبضه.
الشيخ: سواء بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع أو بغير ذلك، انتبهوا يا جماعة، إذا بعت برًّا جزافًا، هذا الكيس بعته عليك بكذا وكذا، فهل يجوز أن أبيعه قبل قبضه؟ طالب: على الصحيح لا.
الشيخ: وعلى كلام المؤلف؟ الطالب: السؤال؟ الشيخ: السؤال: بعت عليك كيسًا من برٍّ فهل يجوز لك أن تتصرف فيه قبل قبضه؟ الطالب: على الصحيح لا.
الشيخ: وعلى كلام المؤلف؟ طالب: على الصحيح يجوز؛ لأنه هو اختيار ابن عباس.
الشيخ: كيف؟ الطالب: على الصحيح لا يجوز التصرف فيه.
الشيخ: وعلى كلام المؤلف؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1078

الطالب: وعلى كلام المؤلف يجوز التصرف فيه قبل قبضه.
الشيخ: طيب.
طالب آخر: الصحيح .. على القولين أنه لا يجوز.
الشيخ: يعني: لا يجوز على الصحيح، وعلى كلام المؤلف؟ الطالب: كذلك أنه لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه يقول: (من اشترى مكيلًا) ولم يقل: من اشترى مكيلًا بكيل أو موزونًا بوزن.
قوله: (لم يصح تصرفه)، هل لو وهبه أو آجره أو ما أشبه ذلك يجوز؟ طالب: لا يصح تصرفه مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا، سواء تصرف معاوضة أو لا.
الطالب: هذا على قول المؤلف، لكن الصحيح إذا كان تصرفه بغير معاوضة -كهبة أو نحوها- فإن تصرفه يصح.
الشيخ: طيب، توافقون على هذا؟ يقول: على كلام المؤلف لا يصح التصرف فيه مطلقًا، وعلى القول الراجح لا يتصرف فيه تصرف معاوضة، وأما إذا لم يكن كذلك -مثل الهبة، أو جعله صداقًا، أو عوضًا عن خلع، أو ما أشبه ذلك- فلا بأس به، صح.
اشترى رجل مبيعًا بكيل، فبقي عند البائع فأصابته آفة سماوية فتلف، فما الحكم؟ طالب: ينفسخ البيع.
الشيخ: وماذا يكون المشتري؟ الطالب: يرجع على البائع بالثمن.
الشيخ: يرجع على أيش؟ الطالب: على البائع؛ يعني يأخذ الثمن من البائع، وينفسخ.
الشيخ: نعم، لماذا؟ لأنه من ضمانه.
إذا أتلفه آدمي؟ طالب: إن كان يمكن الرجوع إليه فالمشتري بالخيار؛ إما أن يرجع على المتلف الرجل الآدمي، أو يرجع على البائع.
الشيخ: كيف ويش لون أن يرجع أو يرجع؟ الطالب: مخير أن يرجع على البائع، أو يرجع على الذي يمكن تضمينه.
الشيخ: كيف يرجع على البائع؟ يعني يفسخ البيع ولا ويش لون؟ الطالب: يخير بين إمضاء البيع والفسخ.
الشيخ: بين إمضاء البيع والفسخ.
الطالب: نعم، إن أمضى البيع يرجع المتلف على الآدمي، وإن كان اختار الفسخ فيرجع على البائع.
طالب آخر: مثلًا أحوال؛ إما أن يكون البائع هو المتلف يمضي البيع ويضمن البائع، وإما أن يتلفه من لا يصح تضمينه كآفة سماوية .. الشيخ: لا.
الطالب: كالآدمي المجنون.

الجزء: 2 - الصفحة: 1079

الشيخ: لا، المجنون يمكن تضمينه.
الطالب: مثل الصاعقة.
الشيخ: الصاعقة آفة سماوية.
طالب: مثل البهائم؟ الشيخ: البهائم يمكن تضمينها بالرجوع على صاحبها.
طالب: على الأخيرة.
طالب آخر: إن كان ممن يمكن تضمينه.
الشيخ: الذي لا يمكن تضمينه مثاله، نريد المثال الآن.
الطالب: الذي يمكن تضمينه أو لا يمكن؟ الشيخ: لا يمكن.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، صحيح.
ما الحكم؟ طالب: فإنه يخير بين إما أن يفسخ، وإما أن يمضي البيع ويرجع على المتلف.
الشيخ: ما هو ممكن؛ لأنه ما يمكن تضمينه.
الطالب: يفسخ البيع.
الشيخ: يعني ينفسخ البيع، كالآفة السماوية.
الطالب: والحالة الرابعة: أن يتلفه من يمكن تضمينه، فيخير بين عدة أمور: إما يفسخ البيع، وإما أن يمضيه ويرجع على البائع، والبائع يرجع على المتلف.
الشيخ: إذن أمرين، طيب، صحيح.


بسم الله الرحمن الرحيم، يقول المؤلف رحمه الله: (وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه) أي: ضمان المشتري، (إن تلف ما عدا المبيع) (ما) هنا اسم موصول بمعنى (الذي)، و (عدا) بمعنى: جاوز، أو بمعنى: سوى؛ يعني: إن تلف ما سوى المبيع بكيل ونحوه؛ وهو الوزن والعد والذرع، (فمن ضمانه) أي: من ضمان المشتري.
ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (9)، فجعل الملك ينتقل بمجرد العقد، والأصل أن الضمان على من انتقل الملك إليه؛ لحديث: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (8)؛ يعني: من له غنم شيء فعليه غرمه، فكما أن الملك للمشتري وله غنم المملوك فعليه أيضًا غرمه، فإذا تلف ما عدا المبيع السابق -وقد عددناهم سبعة أصناف، أليس كذلك؟ - فهو من ضمان المشتري.
قال المؤلف: (ما لم يمنعه بائع من قبضه) (يمنعه) الهاء تعود على المشتري؛ يعني: إلا إذا منعه المشتري من قبضه، فإنه يكون من ضمان البائع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1080

مثال ذلك: باع عليه سيارة؛ السيارة ليست بكيل، ولا وزن، ولا عدٍّ، ولا ذرع، ولا رؤية سابقة، ولا صفة، باعه عليه في المكان، فأراد المشتري أن يأخذها فقال البائع: لا؛ منعه، فهنا الضمان على البائع، لكنه يضمنها ضمان غصب، ومعنى ضمان غصب: أن عليه أجرتها مدة منعه إياها، وأنها لو تلفت ضمنها بقيمتها وقت التلف لا بما وقع عليه العقد، وإذا ضمنها ضمان غصب بما تساوي وقت التلف فإنه يضمنها بقيمتها، سواء زادت على ثمنها أم نقصت، فإن زادت فالأمر ظاهر؛ لأن الغنم لمن؟ الغنم للمشتري، فزيادة سعرها من مصلحته، فإذا قدَّرنا أنه اشتراها بخمسين ألفًا ومنعه البائع من قبضها، واحترقت وكانت تساوي حين الاحتراق ستين ألفًا، كم يضمن البائع؟ ستين ألفًا، وهذا واضح؛ وذلك لأن المشتري له غنمها وعليه غرمها، وهذا الرجل يضمنها ضمان غصب.
فإن كانت حين احتراقها لا تساوي إلا أربعين، فهل يضمنها بأربعين أو بخمسين؟ طالب: بأربعين.
الشيخ: إذا قلنا: ضمان غصب فإنه قد اختلف العلماء هل نقص السعر مضمون على الغاصب أو لا؟ فإن قلنا: إنه مضمون على الغاصب فإنه يضمنها بخمسين، وإن قلنا: ليس بمضمون فإنه لا يضمنها إلا بأربعين، لكن ينبغي أن يقال: إنه يضمنها بخمسين على كل حال؛ لأنه معتدٍّ بمنعها.
وقوله: (ما لم يمنعه بائع من قبضه) يُفْهَم منه أن من كان ضمانه على شخص فمُنِعَ منه عاد الضمان على المانع؛ لأن الضمان فيما عدا ما بيع بكيل ونحوه من ضمان من؟ المشتري، إلا إذا منعه البائع.
والعكس كذلك؛ يعني: فيما سبق أنه من ضمان البائع إذا سلَّمه البائع للمشتري ولكن المشتري أبى؛ قال: ما أستلم، انتظر، اصبر، ثم تلف، فإن الضمان حينئذٍ يكون على المشتري؛ لأن البائع قد بذله، ولكن هذا امتنع، والبائع يقول: ما لي ولك؟ أنت الآن وضعته عندي على سبيل الوديعة، فضمانه عليك، وأنا قد بذلته.

الجزء: 2 - الصفحة: 1081

وهذه تجري كثيرًا، ربما يكون المشتري لم يهيئ مكانًا للسلع، أو أراد أن يضار البائع بشغل مكانه بسلَعِهِ التي باعها، فحينئذٍ نقول: إنه من ضمان المشتري؛ لأنه هو الذي امتنع من قبضه الواجب عليه.
فصار البائع إذا منع المشتري من قبض ما يجب عليه إقباضه فالضمان عليه، وكذلك إذا امتنع المشتري من قبض ما يجب عليه قبضه فإن الضمان ينتفي عن البائع حتى في الأمور التي ضمانها على البائع.
فإذا باع عليه برًّا وكال له، ثم قال له البائع: ياللا امشِ كل، ولكنه امتنع قال: انتظر، انتظر، ثم تلف، فالضمان على المشتري وليس على البائع؛ لأن البائع بذل ما يجب عليه والمشتري هو الذي تأخر وفرَّط، ولأنه ربما يؤدي ذلك إلى المضارة بالبائع؛ بحيث يحبس المبيع عنده حتى يتضرر بشغل مكانه.
يقول: (ما لم يمنعه بائع من قبضه) وسبق لنا أن المبيع برؤية أو صفة من ضمان من؟ من ضمان البائع، وأن الثمر على رؤوس النخل كذلك من ضمان البائع.
ثم قال المؤلف مبينًا ما يحصل به القبض فقال: (ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع بذلك) المشار إليه ما سبق، فما بيع بكيل يحصل قبضه بكيله، ووزن بوزنه، وعَدٍّ بعده، وذرع بذرعه، ولا يكفي أن تستولي يد المشتري عليه، فلو فُرِضَ أن المشتري قبضه وهو مبيع مكايلة، ولكنه لم يكله، فإنه لم يقبضه حقيقة؛ لأنه لا يُقْبَض إلا بالاستيفاء؛ بكيل ما يكال، ووزن ما يوزن، وعدِّ ما يعد، وذرع ما يُذْرَع.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا حصل الكيل والوزن والعد والذرع جاز التصرف فيه وإن لم ينقله عن مكانه؛ لأنه حصل القبض، ولكن سبق لنا أن القول الراجح أن السلع لا تُبَاع حيث تُبْتَاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، وعلى هذا فلا يكفي الكيل حتى يقبضه، فيكون ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع بذلك لا يتم قبضه إلا بأمرين؛ الأول: حيازته، والثاني: استيفاؤه بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع.
هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1082

أما على كلام المؤلف -وهو المذهب- فيقولون: متى حصل الكيل ولو في مكانه فهذا قبض، والوزن ولو في مكانه فهذا قبض، والعد ولو في مكانه فهذا قبض، والذرع ولو في مكانه فهذا قبض.
قال: (وفي صُبْرة وما ينقل بنقله) الصبرة: هي الكومة من الطعام، (وما يُنْقَل) مثل: الثياب والحيوان والسيارات وما أشبه ذلك، يحصل قبضها بنقلها؛ لأن هذا هو العرف.
(وما يُتَنَاول بتناوله) يعني: ما يتناول بالأيدي فإنه يحصل القبض بتناوله؛ مثل: الدراهم، الجواهر، الساعات، الأقلام، هذه نقلها بماذا؟ باليد؛ يناولها صاحبها.
(وغيره بتخليته) يعني: ويحصل قبض غير هذه الأشياء بالتخلية، ومعنى التخلية: أن يخلي بين المبيع وبين المشتري، فيسلمه المفتاح -مثلًا- في البيت، وينتقل عن الأرض في الأرض، وما أشبه ذلك.
المهم أنه يخلي المبيع للمشتري.
وإذا قال قائل: لو يُرْجَع في ذلك إلى العرف لكان صحيحًا ما دام لا يحتاج إلى حق استيفاء؛ أي: لا يحتاج إلى كيل أو وزن أو عد أو ذرع، ونرجع إلى العرف، فما عدَّه الناس قبضًا فهو قبض، وما لم يعدوه قبضًا فليس بقبض، لكن المؤلف رحمه الله عيَّن ما ذكره بناءً على أن هذا هو العرف في هذه الأشياء.


ثم قال رحمه الله: (والإقالة فسخ) الإقالة: هي أن يُقِيل البائع المشتري أو يُقِيل المشتري البائع.
ومعنى الإقالة: ألَّا يلزمه بالعقد فيفسخه.
وحكمها التكليفي أنها سنة، وحكمها الوضعي أنها فسخ؛ لأنكم قرأتم في أصول الفقه أن الأحكام نوعان: تكليفية ووضعية، فحكمها التكليفي أنها سنة، ولكن هي سنة في حق المُقِيل، ومباحة في حق المستقيل؛ يعني: فلا بأس أن تطلب من صاحبك أن يُقِيلك، سواء كنت البائع أم المشتري.
أما في حق المقيل فهي سنة؛ لما فيها من الإحسان إلى الغير، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (10).

الجزء: 2 - الصفحة: 1083

فعليه إذا جاءك أخوك نادمًا وقال: أنا اشتريت منك هذا الشيء وليس بيننا خيار، والعقد لازم، لكني ندمت، فأرجو منك أن تفسخ العقد، فإننا نقول: يُسَن لك أن تفسخ رجاء هذا الثواب؛ أن الله تعالى يقيل عثرتك يوم القيامة.
ثم إن من المشاهد المحسوس أن الغالب أن الإنسان إذا أقال أخاه فإن الله تعالى يبارك له في المبيع وتزداد قيمته، وكم من أناس أقالوا بيعاتهم، ثم ارتفعت الأسعار فباعوها بأكثر من ثمنها الأول، وهذا جزاء دنيوي مقدم.
أما بالنسبة للمستقيل فهي مباحة لا حرج فيها، وليست من السؤال المذموم، ونظيرها العارية مباحةٌ للمستعير سنةٌ للمعير، والعلة في هذا أنها إحسان.
قال: (هي فسخ) هذا حكمها الوضعي؛ يعني: أنها فسخ لا بيع، فليست ابتداء عقد، وإنما هي فسخ؛ يعني: إلغاءً للعقد السابق.
هذا معنى قوله: إنها فسخ، وليست تجديد عقد؛ ولهذا لا يُشْتَرط فيها ما يُشْترط في البيع، فتجوز -كما سيذكر المؤلف رحمه الله- (تجوز قبل قبض المبيع) ولو كان المبيع مكيلًا أو موزونًا.
فلو باع شخص على آخر كيسًا من البر؛ كل صاع بدرهم، فإنه لا يجوز أن يبيعه على أحد ولا على بائعه نفسه حتى يقبضه بالكيل، لكن لو استقال من البيعة وأقاله البائع صح، لماذا؟ لأنها ليست بيعًا، بل هي فسخ؛ أي: إلغاء للعقد الأول، فيُرَد ما كان على ما كان عليه، ولو قلنا: هي بيع ما جاز أن يقيله حتى يقبضه ويستوفيه؛ ولهذا قال: (تجوز قبل قبض المبيع).
(بمثل الثمن) أي: أنها لا تجوز إلا بمثل الثمن، فلا تجوز بزيادة ولا نقص، ولا اختلاف نوع أو اختلاف جنس.
مثال ذلك: اشترى هذا هذه السيارة بمئة دينار، ثم ندم المشتري وقال للبائع: أقلني، فقال: أقيلك بشرط أن تعطيني بدل الدنانير دراهم، فالإقالة هنا لا تصح، لماذا؟ لأنه أقاله بغير مثل الثمن -أقاله بنوع آخر- فلا يصح؛ إذ إنها انتقلت من الفسخ إلى المعاوضة والمصارفة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1084

إذا اشترى هذه السيارة بخمسين ألفًا، ثم عاد إلى البائع وقال: أقلني، فقال: أقيلك بشرط أن تعطيني خمسة آلاف ريال، أتجوز؟ لا تجوز؛ لأنها زادت على الثمن، الآن ستكون القيمة خمسة وخمسين ألفًا، فلا تصح، قال الإمام أحمد رحمه الله: لأنها تشبه العينة؛ حيث ربح البائع على المشتري.
وكذلك أيضًا لو أن البائع طلب من المشتري الإقالة، فقال: أقيلك على أن تعطيني كذا وكذا -زيادة على الثمن- فإنه لا يجوز؛ لأنها تشبه العينة؛ حيث زِيدَ على الثمن.
ولكن القول الراجح أنها تجوز بأقل وأكثر؛ وذلك لأن محظور الربا في هذا بعيد، ليست كمسألة العينة؛ فإن مسألة العينة محظور الربا فيها قريب، أما هذه فبعيد، وقد قال ابن رجب رحمه الله في القواعد: إن عن أحمد رواية تدل على جواز ذلك؛ حيث استدل ببيع العربون الوارد عن عمر رضي الله عنه، وقال: هذا مثله، قال: الإقالة بعوض مثله.
وعليه فيكون هناك رواية أومأ إليها الإمام أحمد بجواز الزيادة على الثمن والنقص منه، وهذا هو القول الراجح، وهو الذي عليه العمل؛ عمل الناس، وهو من مصلحة الجميع؛ وذلك لأن البائع إذا أقال المشتري فإن الناس سوف يتكلمون ويقولون: لولا أن السلعة فيها عيب ما ردها المشتري، فيأخذ البائع عوضًا زائدًا على الثمن من أجل جبر هذا النقص.


وقع في درس الزاد المطبوع خطأ؛ حيث أبدلت كلمة (المشتري) ووضع مكانها (البائع) صفحة ثمانية وعشرون.
طالب: إذا باع عليه برًّا، ثم قال للبائع خذه، ولكن قال له (البائع) انتظر.
الشيخ: (المشتري)، ولكن قال المشتري.
الطالب: وقبلها يا شيخ: أو أراد أن يضاد باعها على سعرها، ( ... ) أن يضار.
الشيخ: هذه أيضًا تصلح، أن يضار.
بارك الله فيكم، هكذا ينبغي التعاون على البر والتقوى؛ لأنكم تعرفون اللي يطبع يمكن يستعجل ويخطئ، لكن إذا حصل تنبيه طيب.
فيه شيء بعد؟ طالب: من الفسخ إلى المعارضة، وهي المعاوضة؟ الشيخ: المعاوضة، آخر سطر؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1085

الطالب: الصفحة ثلاثين، السطر ثلاثة عشر.
الشيخ: الصفحة ثلاثين، السطر ثلاثة عشر، من فوق ولَّا من أسفل؟ الطالب: لو عددت من فوق أو من أسفل كله واحد.
الشيخ: ستة وعشرون هي؟ إي، طيب.
يقول: المعارضة، والصواب: المعاوضة.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: والإقالة فسخ، تجوز قبل قبض المبيع بمثل الثمن، ولا خيار فيها ولا شفعة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا معنى الإقالة، ما هي؟ ما معنى الإقالة؟ طالب: هي أن يرجع المشتري فيما اشتراه، أو يرجع البائع فيما باعه.
الشيخ: يرجع المشتري فيما اشتراه؟ ! الطالب: المشتري يطلب من البائع أن يرجع فيما اشتراه.
الشيخ: يعني: فسخ العقد، الإقالة: فسخ العقد.
الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
ما حكمها؟ طالب: جائزة.
الشيخ: جائزة؟ ! طالب: سنة.
الشيخ: سنة؟ ! خطأ.
طالب: تفصيل.
طالب آخر: هي بالنسبة للمستقيل جائزة، وبالنسبة للمقيل مستحبة.
الشيخ: طيب، يعني: بالنسبة لطالب الإقالة جائزة، وبالنسبة للمقيل سنة؛ لما فيها من الإحسان إليه.
هل هي فسخ أو بيع؟ طالب: هي فسخ.
الشيخ: فسخ.
هل يترتب على قولنا: فسخ أو بيع أحكام؟ طالب: يترتب عليها، مثلًا تجوز أنها تكون بعد أذان الجمعة الثاني، أما أن يكون بيع فلا يجوز.
الشيخ: هذا واحد، وهذا لم يذكره المؤلف وأنت ذكرته، وتركت ما ذكره المؤلف.
طالب: الإقالة يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، هل هناك فرق بين قولنا: بيع أو فسخ؛ يعني هل يترتب هناك أحكام على ذلك؟ الطالب: تترتب عليه أحكام.
الشيخ: ما هي؟ الطالب: الفسخ يُشْتَرط فيه .. ، البيع يُشْتَرط فيه ( ... ). الشيخ: إي، وهذه يجبر على الإقالة.
هل تعرف أن الإقالة فسخ ولَّا بيع؟ طالب: لا أعرف.
الشيخ: لا تعرف، طيب، لا بأس.
طالب: تجوز قبل القبض.
الشيخ: قبل أيش؟ الطالب: قبض المدين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1086

الشيخ: تجوز قبل قبض المدين، ولو كانت بيعًا؟ ما جازت فيما يُشْتَرط للتصرف فيه القبض ولَّا لا؟ طالب: على الراجح أنه .. الشيخ: خلي على الراجح، اللي على كلام المؤلف.
طيب، يعني باع عليه برًّا بكيل ثم أقاله، إن قلنا: إنها بيع لا يجوز حتى يكيله، وإذا قلنا: إنها فسخ جاز، والصواب أنها فسخ؛ لأنها رجوع؛ رجوع في العقد.
هل تجوز بأقل من الثمن؟ طالب: نعم تجوز، ( ... ). الشيخ: لا، نبغي كلام المؤلف.
الطالب: على كلام المؤلف لا يجوز.
الشيخ: لا تجوز؟ الطالب: إي نعم، ( ... ). الشيخ: بثمن المثل.
الطالب: أن يكون بثمن المثل.
الشيخ: أيش بثمن المثل؟ الطالب: بالثمن الذي تعاقدا عليه .. الشيخ: بالثمن الذي وقع عليه العقد.
ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ طالب: الراجح أنها تجوز بأقل من الثمن أو أكثر.
الشيخ: تجوز بأقل من الثمن وأكثر.
ألا يكون هذا نقلًا لها من الفسخ إلى المعاوضة؟ الطالب: بعيدة عن مسألة العينة ( ... ). الشيخ: الجواب أن نقول: وإن كانت معاوضة فهي عوض عن تنازله عن حقه، ولأنه إذا أقيل ربما يكون ذلك سببًا لنقص قيمة السلعة.


يقول: (ولا خيار فيها ولا شفعة) (ولا خيار فيها) أي: ليس في الإقالة خيار، و (خيار) نكرة في سياق النفي فتشمل خيار العيب وخيار الشرط وغير ذلك؛ لأنها ليست بيعًا، وإنما هي استرجاع للعقد أو رجوع في العقد، فلو أقاله وبعد أن أقاله في مجلس الإقالة رجع، فهل له ذلك؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأنها ليست بيعًا، فليس فيها خيار، يقال: أنت الآن أقلته، وانفسخ العقد، ولا يمكن أن ترجع فيها؛ لأنه ليس فيها خيار.
(ولا شفعة) يعني: ليس فيها شفعة، والشفعة معناها: انتزاع حصة الشريك إذا باعها على آخر.
مثال ذلك: رجلان بينهما أرض، فباع أحدهما نصيبه منها، فلشريكه أن يشفع؛ أي: أن يضم هذا السهم إلى نصيبه فيأخذه من المشتري قهرًا.
تصورتم المسألة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1087

رجلان بينهما أرض هما شريكان فيها؛ زيد له نصفها وعمرو له نصفها، فباع عمرو نصيبه على بكر، فلزيدٍ أن يأخذ هذا النصيب من بكرٍ، وهذه شفعة.
وسميت شفعة؛ لأنه ضم هذا النصيب إلى نصيبه، فشفعه إليه.
هذه هي الشفعة.
فلو أن زيدًا باع على عمرو، ثم بعد أن باع على عمرو جاء شريك زيدٍ ليأخذها من عمرو، له الحق في ذلك أو لا؟ له الحق، لكنه قال: لا آخذها بالشفعة؛ لأن عمرًا رجل حبيب إليَّ ولا آخذها منه، وأبقاها مع عمرو، ثم إن عمرًا جاء إلى الذي باعها عليه وقال: إني نادم وأريد أن تقيلني، فأقاله البائع، فهل لشريكه أن يأخذ بالشفعة؟ طالب: لا، على كلام المؤلف ( ... ). الشيخ: أنتم فاهمون السؤال جيدًا؟ طيب، نعيده مرة ثانية: زيدٌ وعمرٌو شريكان في أرض، فباع عمرٌو نصيبه على بكرٍ، من الذي له حق الشفعة؟ زيد، لكن زيدًا قال: إن بكرًا حبيبٌ إليَّ ولا أريد أن آخذها بالشفعة، فأسقط حقه من الشفعة، ثم إن بكرًا جاء إلى عمرو وقال له: إني نادم وأحب أن تقيلني، فأقاله، أقاله من؟ أقال عمرٌو بكرًا، فهل لزيدٍ أن يأخذها من عمرو بالشفعة؟ لا، لماذا؟ لأن الإقالة فسخ.
لو أن بكرًا باعها على عمرٍو؛ يعني أن زيدًا لم يأخذها بالشفعة من بكرٍ، ثم إن بكرًا باعها على عمرو بيعًا جديدًا، فهل لزيدٍ أن يأخذها بالشفعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
إذن قول المؤلف: (لا شفعة) يعني: أنه لو أقيل المشتري الذي أسقط الشريك شفعته عنه فإنه لا يرجع بالشفعة؛ لأنها ليست بيعًا، واضح؟ طالب: ما هو واضح.
الشيخ: ما وضحت، طيب، الآن يا حامد بينك وبين سعد أرض أنصافًا، فباع سعدٌ على سامح نصيبه، هل لك أن تأخذ النصيب من سامح بالشفعة؟ لك ذلك؟ طالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1088

الشيخ: طيب، لكنك أنت لم تأخذ النصيب من سامح؛ لأنك تقول: هذا رجل فاضل وحبيبٌ إليَّ ما آخذ منه الشفعة، خلوه، ما دام اشتراه اشتراه، ولكن سامحًا رجع إلى سعدٍ وقال: أقلني، أنا هونت، فقال سعد: مرحبًا، خذ هذه الدراهم وأعطني نصيبي، هل لك أن تأخذ من سعدٍ هذا النصيب بالشفعة؟ طالب: على قول المؤلف .. الشيخ: اترك قول المؤلف، على حسب ما قررنا، ما بعد وصلنا للترجيح، أنت ما فهمت المسألة حتى ترجح، الآن هل تأخذها ولَّا لا؟ طالب: آخذها.
الشيخ: إي، أنت فاهم الآن؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: زين، أنت الآن فهمت أن سعدًا اللي هو شريكك إذا باع على سامح تأخذ النصيب ويكون كل الملك لك، فهمت هذا ولَّا لا؟ طيب، لكن سامح وسعد تسامحا ورجعت إلى سامح، هل تأخذها من سعدٍ أنت بالشفعة ولَّا لا؟ لا تأخذها.
لو أن سامحًا باع على سعدٍ من جديد؛ يعني أن سعدًا قال لسامح: أنا واللهِ الحقيقة أرغب أن تبيع عليَّ، وباع عليه، باع سامح على سعد، هل تأخذها بالشفعة أو لا؟ تأخذها.
إذن تبين أن الإقالة ليس فيها شفعة، لماذا؟ لأنها ليست بيعًا.
المهم الآن نرجع إلى البحث نقول: الإقالة في حق الطالب حكمها؟ طلبة: جائزة.
الشيخ: وفي حق المقيل سنة؛ لما فيها من الإحسان؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (10). هل هي بيع؛ يعني: تجديد عقد أو هي رجوع في عقد سابق؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إنها فسخ، فلا يترتب عليها أحكام البيع، فليس فيها خيار، وليس فيها شفعة، وتجوز قبل قبض المبيع فيما يشترط لصحة بيعه قبضه.


باب الربا والصرف

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الربا والصرف).

الجزء: 2 - الصفحة: 1089

الربا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] أي: زادت، إذا أنزلنا على الأرض الماء اهتزت وربت؛ يعني: اهتزت بأشجارها وعشبها، ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: زادت، وليس المراد الأرض نفسها، بل المراد ما ينبت فيها، فمعنى ربت؛ أي: زادت.
وأما شرعًا فهو: الزيادة في بيع شيئين يجري فيهما الربا.
إذن ليس كل زيادة ربًا في الشرع، وليس كل زيادة في بيع ربًا إذا كان المبيعان مما تجوز فيه الزيادة، فلو بعت سيارة بسيارتين فلا بأس، وكتابًا بكتابين فلا بأس؛ لأنه ليس كل زيادة تكون ربًا، بل الزيادة التي تكون ربا هي ما إذا وقع العقد بين شيئين يحرم بينهما التفاضل، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.
حكم الربا أنه محرم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين، ومرتبته أنه من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه (11)، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]. فهو من أعظم الكبائر، والإجماع على تحريمه؛ ولهذا من أنكر تحريمه ممن عاش في بيئة مسلمة فإنه مرتد.
(بابُ الرِّبَا والصرْفِ)

الجزء: 2 - الصفحة: 1090

يَحْرُمُ رِبَا الفَضْلِ في مَكيلٍ ومَوزونٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ، ويَجِبُ فيه الْحُلولُ والقَبْضُ، ولا يُباعُ مَكيلٌ بجِنْسِه إلا كَيْلًا، ولا موزونٌ بجِنْسِه إلا وَزْنًا، ولا بعضُه ببعضٍ جُزَافًا، فإن اخْتَلِفَ الجنْسُ جَازَت الثلاثةُ.
والجِنْسُ ما لَه اسمٌ خاصٌّ يَشْمَلُ أنواعًا كَبُرٍّ ونحوِه، وفروعِ الأجناسِ، كالأَدِقَّةِ والأخبازِ والأَدْهَانِ، واللحمُ أَجناسٌ باختلافِ أُصولِه، وكذا اللَّبَنُ، واللحم والشحْمُ والكبِدُ أَجناسٌ، ولا يَصِحُّ بَيْعُ لحمٍ بحيوانٍ من جِنْسِه، ويَصِحُّ بغَيرِ جِنْسِه، ولا يَجوزُ بيعُ حبٍّ بدَقيقِه ولا سَوِيقِه ولا نِيئِه بِمَطْبُوخِه وأَصْلِه بعصيرِه وخالِصِه بِمَشوبِه ورَطْبِه بيَابِسِه، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.
حكم الربا أنه مُحَرَّم بالقرآن والسُّنَّة وإجماع المسلمين، ومرتبته أنه من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا ومُوكِلَه وشاهِدَيْه وكاتبه (1)، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]. فهو من أعظم الكبائرِ، والإجماعُ على تحريمه، ولهذا مَن أنكر تحريمه ممن عاش في بيئة مسلمة فإنه مرتد؛ لأن هذا من المحرَّمات الظاهرة الْمُجْمَع عليها.
ولكن إذا قلنا هذا، هل معناه أن العلماء أجمعوا على كُلِّ صورة؟ لا، يقع خلاف في بعض الصور، مثل ما قلنا: الزكاة واجبة بالإجماع، ومع ذلك ليس الإجماع على كُلِّ صورة، اختلفوا في الإبل والبقر العوامل، اختلفوا في الحُلِيّ، وما أشبه ذلك.
لكن في الجملة العلماء مُجْمِعُون على أن الربا حرام، بل من كبائر الذنوب، فما هي الأشياء الربوية؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1091

الأشياء الربوية حددها النبي صلى الله عليه وسلم بالعدّ، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2). فعَدَّهَا ستة، أعيدها: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، هذه ستة أشياء، وهذه الأشياء الستة مُجْمَعٌ عليها على حسب ما جاء في الحديث، أي: مُجْمَع على أنها هي الأموال الربوية، وأن الربا يجري فيها على حسب ما جاء في الحديث.
واختلف العلماء فيما سواها، هل يُلْحَق بها بالقياس أو لا يُلْحَق؟ فأما أهل الظاهر فقالوا: لا يُلْحَق بها شيء، والربا خاصٌّ بهذه الأشياء الستة؛ لأن أهل الظاهر يمنعون القياس.
وقال أهل المعاني: بل يقاس عليها ما يماثلها.
وقال بعض أهل المعاني -أعني القياسيين-: إنه لا يجري الربا إلا في هذه الستة فقط، وعلَّل ما ذهب إليه بأن العلماء اختلفوا في العلة، فلما اختلفوا في العلة صار الواجب التوقف، وألَّا نزيد على ما جاءت به السُّنَّة.
ولكن الراجح أن الشريعة عمومًا لا يمكن أن تفرق بين متماثِلَيْن؛ لأن الشريعة مُحْكَمَة من لدن حكيم خبير، والقياس فيها ثابت.
ولكن ما هو مناط الحكم؟ أي: ما هي العلة الدقيقة التي يمكن أن نُلْحِقَ بها ما سوى هذه الأصناف الستة؟ هذا أيضًا محل نزاع.
فقال بعض العلماء: العلة الكيل في الأصناف الأربعة، والوزن في الذهب والفضة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1092

وبناءً على هذا نقول: يجري الربا في كُلِّ مَكِيل قياسًا على الأصناف الأربعة، وفي كُلِّ موزون قياسًا على الصنفَيْن الآخرَيْنِ الذهب والفضة، ولا يجري الربا في غير الْمَكِيل والموزون.
وعلى هذا القول لو أَبدَل برتقالةً ببرتقالَتَيْنِ، يجوز أو لا؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز يا جماعة، هذا ليس مَكِيلًا ولا موزونًا.
طالب: ( ... ) معدود.
الشيخ: لا، هذا عُرفٌ طارئ، ويعتبر من المعدود.
وقال بعض العلماء: العلة الطعم في الأصناف الأربعة، والثمنيَّة في الذهب والفضة.
وبناءً على هذا نقول: إذا أَبدَل برتقالة ببرتقالتين فإنه لا يجوز؛ لأنها كُلّها مطعومة، وأيضًا إذا أبدل طنًّا من الحديد بطنَّين من الحديد يجوز، وعلى القول الأول لا يجوز.
فالمهم أن العلماء اختلفوا في العلة، وأقرب شيء أن يقال: إن العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، سواءٌ كانَا نقْدَيْنِ أو غير نقْدَيْنِ.
والدليل على أن الربا يجري في الذهب والفضة وإن كانَا غير نَقْدَيْن حديثُ القلادة الذي رواه فضالة بن عبيد أنه اشترى قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا، ففصلها فوجد فيها أكثر، فنهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تُبَاع حتى تُفْصَل (3). ومعلومٌ أن القلادة خرجت عن كونها نقدًا، وعلى هذا فيجري الربا في الذهب والفضة مطلقًا، سواءٌ كانتا نقدًا أم تِبرًا أم حُليًّا، على أيِّ حالٍ كانت، ولا يجري الربا في الحديد والرصاص والصُّفر والماس وغيرها من أنواع المعادن.
أما العلة في الأربعة فالعلة في الأربعة كونها مَكِيلة مطعومة، يعني أن العلة مُرَكَّبة من شيئين: الكيل والطَّعم، ويظهر أثر الخلاف في الأمثلة: إذا باع صاعًا من الأشنان.
طالب: ما هو الأشنان؟ الشيخ: دقيق يا أخي.
إذا باع صاعًا من الأشنان بصاعين منه، إن قلنا: العلة الكيل، لا يجوز، إن قلنا: العلة الطعم، جاز، إن قلنا: العلة الكيل مع الطعم، جاز أيضًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1093

وإذا باع فاكهة بجنسها متفاضِلة، إذا قلنا: العلة الطعم، لا يجوز، إن قلنا: العلة الكيل، يجوز، إذا قلنا: العلة الكيل مع الطعم، يجوز، فالأمثلة تُبْنَى على الخلاف في هذا.
ولكن أقرب شيء فيما أرى أن العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، وأن الربا يجري فيهما على كُلِّ حال، والعلة في الأربعة أنها مطعومة مكيلة؛ لأن هذا هو الواقع.
فإن قال قائل: سَلَّمنا أنها مطعومة في الْبُرّ والشعير والتمر، لكن الملح؟ أجاب عنه شيخ الإسلام بأن الملح يُصْلَحُ به الطعام فهو تابعٌ له، ولهذا يقال: النحو في الكلام كالملح في الطعام، فالملح من توابع الطعام، وبناءً على هذا التعليل يجري الربا في التوابل ولّا لا؟ التي يُصْلَحُ بها الطعام؛ لأنها تابعةٌ له.


يقول المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ: (ويَحْرُمُ رِبَا الفَضْلِ فِي كُلِّ مَكِيْلٍ وَمَوْزُونٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ)، بناءً على أن العلة أيش؟ الكيل والوزن، الكيل في الأربعة، والوزن في الذهب والفضة، فيحرم في كُلِّ مكيل وموزون بِيعَ بجنسه.
وقوله: (ربا الفضل) أي: ربا الزيادة.
(في كُلِّ مكيلٍ بيع بجنسه)، بُرٌّ ببُر يحرُم فيهما ربا الفضل، شعيرٌ بشعير يحرُم، تمر بتمر يحرُم، ملح بملح يحرُم، ذهب بذهب يحرُم، فضة بفضة يحرُم، حديد بحديد؟ طالب: لا يحرم.
الشيخ: يحرُم على كلام المؤلف؛ لأنه موزون، (في كل مكيل بيع بجنسه).
بُرٌّ بشعير لا يحرُم ربا الفضل؛ لأن المؤلف قيَّده، قال: (بجنسه)، والشعير ليس جنسًا من البُرّ.
وكُلُّ شيءٍ حرُم فيه ربا الفضل فإنه يحرُم فيه ربا النسيئة، كل ما حرُم فيه ربا الفضل حرُم فيه ربا النسيئة، ولهذا لم يقل المؤلف: ربا الفضل والنسيئة؛ لأن هذا معلوم أنه متى حرُم ربا الفضل حرُم ربا النسيئة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1094

(ويجب فيه) أي: في بيع مَكِيل أو موزون بجنسه، يجب فيه (الحلول والقبض)، يعني أن يكون البيع حالًّا، وأن يقبض، فلو باع ذهبًا بذهبٍ مؤجَّلًا حرُم أو لا؟ يحرُم؛ لأنه يجب فيه الحلول، وإنما وجب فيه الحلول لئلا يدخله ربا النسيئة.
وقوله: (والقبض)، إذا قال قائل: أليس القبض مُغْنِيًا عن الحلول؟ يعني لو قال: يُشْتَرَط فيه القبض، كما جاء في الحديث؛ لقوله: «يَدًا بِيَدٍ» (2)؟ طالب: ( ... ). الشيخ: هو الواقع يُغْنِي، لكن قد تأتي صورة يكون فيها القبض، ولا يكون فيها الحلول، مثل: أن يبيع عليه ذهبًا بذهب مؤجَّل إلى شهر، ويقول: خذ هذا عندك وديعةً، وإذا جاء الشهر فاقبضه، يمكن أو لا يمكن؟ يمكن، فهذا فيه قبضٌ وليس فيه الحلول، ولهذا بيَّن المؤلف -رحمه الله- أنه يُشْتَرَط الحلول والقبض.
فإذا قال إنسان: أليس الحديث ليس فيه إلا القبض؟ وكلام الرسول -عليه الصلاة والسلام- لا شك أنه أبلغ من كلام المؤلف.
قلنا: ليس في كلام المؤلف إلا زيادة الإيضاح فقط، فهو للحديث بمنزلة الشرح، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما يُحْمَل على المعهود، والمعهود أنه إذا تقابض الرجلان في البيع فالبيع حالٌّ؛ لأنه ويش معنى أن يقول: اشتريت منك كيلو من الذهب بكيلو من الذهب، وخذ هذا الكيلو عندك وديعة لمدة شهر، ثم بعد ذلك اقبضه لنفسك؟ صورة نادرة أو لا توجد أيضًا، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما يتكلم في الأمور الدائمة المعروفة والغالبة.
فهمنا الآن أنه إذا بِيعَ مَكِيلٌ بجنسه وجب فيه شيئان: التساوي والتقابض؛ لأن المؤلف يقول: (يَحْرُمُ رِبَا الفَضْلِ)، قال: (ويجب فيه الحلول والقبض)، وإذا قال: يجب الحلول والقبض، معناه: يحرم تأخير القبض.
فالقاعدة -علشان ما تذهب أفكاركم بعيدًا- القاعدة: أنه إذا بِيعَ مَكِيلٌ بجنسه وجب شيئان، هما: التساوي والقبض قبل التفرق.
طالب: العلة هي الكيل والطعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1095

الشيخ: نعم، الكيل والطعم في الأربعة، فما ساواها في هذه العلة جرى فيه الربا.
الطالب: والقول بعلة الادِّخَار؟ الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأن التمر قد لا يُدَّخَر.
طالب: شيخ، بارك الله فيك وأحسن الله إليك، كنا قرأت قبل مدة أحاديث كثيرة في هذه الستة فيها الزيادة على هذه الستة، مثل الأقط ومثل الشعير.
الشيخ: الشعير موجود.
الطالب: مثل الأقط؟ الشيخ: هو مطعوم في الواقع، فإن صح الحديث به فقد ثبت بالنص، وإن لم يصح فقد ثبت بالقياس.
طالب: لو باع عليه شيئًا ربويًّا ثم قال ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: لو باع عليك شيئًا، جنيهات مثلًا، ثم قال ( ... ) هل يصح فيه هذا؟ الشيخ: لكن بيمشي معه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، هذا ما يصح، نقول: إذا رجع من بيته وجاء بالعِوَض فاعقد عقدًا جديدًا، وفي هذه الحال يمكن أن يتغير السعر.
الطالب: ينفسخ العقد؟ الشيخ: يبطل العقد.
طالب: فإن قال: الاقتيات في البيع.
الشيخ: إذا قلنا: الكيل والطعم، أعم، إي نعم، ما هو شرط الاقتيات.
( ... )


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الربا والصرف

يَحرُم ربا الفَضْلِ في مَكِيلٍ وموزونٍ بِيعَ بجنسِه، ويجب فيه الحُلولُ والقبضُ، ولا يُباع مكيلٌ بجنسه إلا كيلًا، ولا موزونٌ بجنسه إلا وزنًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف: (ولا يُبَاع مَكِيلٌ بجنسه إلا كيلًا ولا موزون بجنسه إلا وزنًا).
لما بيَّن المؤلف رحمه الله الضابط فيما يحرُم فيه الربا بيَّن بأيِّ طريقٍ نصل إلى المساواة؛ لأن بيع الشيء بجنسه من الأموال الربوية يُشْتَرَط فيه الحلول والقبض، فبأي شيء يكون القبض؟ وبأي شيء نعرف المساواة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1096

إذا بِيعَ الربوي بجنسه وجب فيه الحلول والقبض والتساوي، فما هو الطريق إلى العلم بالتساوي؟ بيَّنه بقوله: (ولا يُبَاع مكيل بجنسه إلا كيلًا، ولا موزونٌ بجنسه إلا وزنًا)، وعلى هذا فالتساوي في الْمَكِيل عن طريق أيش؟ الكيل، وفي الموزون عن طريق الوزن، والفرق بينهما أن المكيل تقدير الشيء بالحجم، والوزن تقديره بالثِّقَل والخِفَّة، هذا هو الفرق، فالمكيل يُقَدَّر بحجم الشيء، والوزن بماذا؟ بالخِفَّة والثِّقَل؛ هذا هو الفرق بينهما.
فالبُرُّ مكيل، إذا بيع بِبُرٍّ فلا بد من أن يكون طريقه للتساوي هو الكيل، فلو وُزِن، يعني بِيعَ بجنسه وزنًا فإنه لا يصح، ولا يُعْتَبَر ذلك تساويًا، حتى فيما لا يختلف بالوزن والكيل، كالأدهان والألبان، فإن الأدهان والألبان من قسم المكيل؛ لأن كُلَّ مائع مكيل، كُلُّ مائعٍ يجري فيه الربا فهو مكيل، فعلى هذا تكون الألبان من المكيلات، ولا يختلف بها الوزن والكيل، ومع ذلك لو بِيعَت وزنًا فإنها -على كلام المؤلف- لا يصح، يعني لو بيع لبنٌ بلبن من جنسه وزنًا فإنه لا يصح، مع أنه لو كِيلَ لكان متساويًا.
واختار شيخ الإسلام -رحمه الله- أنه إذا كان الكيل والوزن يتساويان فلا بأس أن يُبَاع المكيل بجنسه كيلًا أو وزنًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مِثْلًا بِمِثْلٍ» (2)، والمثلية هنا متحققة، أما ما يختلف بالكيل والوزن فلا بد أن يكون المكيل يباع كيلًا، والموزون يباع وزنًا.
(ولا موزون بجنسه إلا وزنًا)، مثل اللحم، لو باع الإنسان لحمًا من خروف بلحم من خروف آخر فهذا موزون، فلو أراد أن يقطع اللحم قطعًا صغيرة ويضعه في إناء ويبيعه بجنسه كيلًا فإنه لا يصح؛ لأن معيار اللحم هو الوزن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1097

وقال بعض العلماء: إنه يجوز أن يباع المكيل وزنًا، فيُعْتَبَر بالوزن، ولا العكس، يعني فلا يباع الموزون كيلًا، بخلاف المكيل فإنه يجوز أن يباع وزنًا، لكن الاحتياط ألَّا يباع المكيل إلا كيلًا، ولا يباع الموزون بمثله إلَّا وزنًا، إلا ما يتساوى فيه الكيل والوزن، فلا شك في أن بيعه كيلًا أو وزنًا جائز.
وقول المؤلف: (ولا يباع مكيلٌ).
كلمة (مكيل) نكرة في سياق النفي تشمل القليل والكثير، والمساوي في الجودة والمخالِف، فلو باع الإنسان تمرة بتمرة فالتساوي بماذا؛ بالكيل ولَّا بالوزن؟ بالكيل، تمرة بتمرة، لا بد من أن يتساويَا كيلًا.
لكن كيف تُكَال التمرة؟ يؤتى بإناءٍ صغير كملعقة مثلًا، توضع التمرة في هذه الملعقة وتوضع التمرة الأخرى فيها.
وقال بعض أهل العلم: ما لا يوزن لقِلَّتِه وحقارته فإنه لا يُعْتَبَر فيه التماثل، كتمرة بتمرتين مثلًا فلا بأس، فمن أخذ بعموم الحديث: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (2)، قال: هذا يشمل التمر القليل والكثير، ومَن أخذ بما تعارف به الناس وقال: إنه لا يمكن أن تُكَال التمرة، قال: هذا محمول على ما يعرفه الناس مما يمكن فيه الكيل، لكن ظاهر كلام المؤلف: (ولا يُبَاع مكيلٌ) أنه يشمل القليل والكثير، (ولا موزون بجنسه إلا وزنًا).
قال: (ولا بعضه ببعض جزافًا)، يعني: ولا يُبَاع بعض المكيل بالمكيل جزافًا، ولا بعض الموزون بالموزون جزافًا؛ لأنه لا بد فيه من العلم بأيش؟ بالتساوي، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، يعني حتى لو فُرِض أننا أتينا بخارص حاذق، وقال: هذه الكومة من البُرِّ تساوي هذه الكومة من البُرِّ، فإنه لا يجوز تبايعهما؛ لأنه لا بد من أيش؟ العلم بالتساوي عن طريق الكيل، إلا أنه يُسْتَثْنَى مسألة واحدة تأتينا إن شاء الله، وهي العرايا، فإن العرايا يجوز أن تباع خَرْصًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1098

والعرايا أن يكون هناك رجل فقير لا يجد مالًا ويحتاج إلى الرطب، وليس عنده إلا تمر، فيأتي إلى صاحب البستان ويقول: أنا أريد أن أشتري منك رطبًا بهذا التمر، فهذا يجوز على أن يُخرَص الرطب بمثل التمر بعد جفافه وتَحوُّلِه إلى التمر، وهذه مسألة مُسْتَثْنَاة مما يُشْتَرَط فيه العلم بالكيل.
(ولا بعضه ببعض جزافًا).
لو باع بعضه ببعض جزافًا، وقَبْل التقابض كال كل منهما ما آل إليه، فوجده مساويًا للآخر، فهل يصح العقد؟ الجواب: نعم، يصح العقد؛ لأن المحظور قد زال، وليس هناك جهل، الْمَبِيع معلوم من الطرفين، وإنما العلة هو معياره، وقد علمنا الآن أنهما سواء في المعيار الشرعي.
(ولا بعضه ببعض جزافًا، فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة).
(إن اختلف الجنس) أي: بين المبيعين، بأن يباع بُرٌّ بشعير، فإنها تجوز الثلاثة، وهي: أن يباع كيلًا، أو يباع وزنًا، أو يباع جزافًا.
ووجه الجواز أنه إذا بِيعَ الربوي بغير جنسه جاز فيه التفاضل.
مثال ذلك: اشترى شعيرًا بِبُرٍّ، ووزنَاهُمَا فكانَا سواء، يعني: اشترى كيلو بُرّ بكيلو شعير، فهذا جائز أو غير جائز؟ طالب: جائز.
الشيخ: جائز، لماذا؟ طالب: اختلف الجنس.
الشيخ: لا، اختلاف الجنس هذا تعليل الحكم، لكن لماذا جاز؟ لأنه من غير جنسه، وإذا اختلف الجنس فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2). باع شعيرًا بتمر وزنًا، كيلو من هذا بكيلو من هذا، جائز أو غير جائز؟ طالب: جائز.
الشيخ: جائز، لماذا؟ لاختلاف الجنس، وإذا اختلف الجنس لم يُشْتَرَط التساوي.
باع تمرًا بِبُرٍّ من غير تقدير لا بالوزن ولا بالكيل، يجوز أيضًا، وذلك لأنه لا يُشْتَرَط فيه التساوي.
وخلاصة الكلام الآن أنه إذا بِيعَ الربوي بجنسه اشتُرِط فيه شرطان: الأول: التقابض من الطرفين.
والثاني: التساوي بالمعيار الشرعي، الْمَكِيل بالكيل، والموزون بالوزن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1099

وإذا بِيعَ الربوي بربوي من غير جنسه اشتُرِط شرطٌ واحد، وهو التقابض قبل التفرق، أما التساوي فليس بشرط، ولهذا يجوز بيعهما مكايَلَة وموازنة وجُزافًا.
وإذا بِيعَ ربوي بغير ربوي جاز، يعني جاز التفرق قبل القبض وجاز التفاضل، مثل أن يبيع شعيرًا بشاة، أو يبيع شعيرًا بثياب، أو ما أشبه ذلك، فهذا يجوز فيه التفرق قبل القبض والتفاضل، هذا هو خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى.


ثم قال: (وَالجِنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أنْوَاعًا؛ كَبُرٍّ وَنَحْوِهِ).
(الجنس) ضابطه: هو الشيء الذي يشمل أشياء مختلفة بأنواعها، هذا هو الجنس.
والنوع: ما يشمل أشياء مختلفة بأشخاصها.
هذا الفرق، فمثلًا البُرّ جنس أو نوع؟ جنس؛ لأنه يشمل أشياء مختلفة بأنواعها، البُرّ الآن كما تعلمون فيه ما يسمى بالحنطة، وما يسمى بالْمَعِيَّة، وأنا أكلمكم عن لغة أهل القصيم، أما لغتكم ما أعرف عنها، وما يسمى بالجُرَيْبَاء، وما يسمى بالقِيمِي؛ هذه أربعة أنواع، إذن فالبر جنس شمل أنواعًا.
النوع شيءٌ يشمل أشياء مختلفة بأشخاصها، كالحنطة مثلًا، الحنطة تشمل أشياء مختلفة بماذا؟ بأشخاصها، تشمل الحنطة اللي عندي واللي عندك، وما أشبه ذلك.
الإنسان جنس أو نوع؟ جنس، يشمل أشياء مختلفة بأنواعها، ويش أنواع الإنسان؟ ذكر وأنثى.
الحيوان جنس، لكنه أعم من الإنسان؛ لأنه يشمل الإنسان وغير الإنسان، يشمل الإنسان والإبل والبقر والغنم وغير ذلك، فهو أعم.
الجسم جنس، أعم مما سبق؟ أعم مما سبق، يشمل الجماد والحيوان، وكما عرفتم أن الحيوان يشمل أنواعًا.
فتبيَّن بهذا أن الشيء قد يكون جنسًا باعتبار ما تحته، ونوعًا باعتبار ما فوقه، يعني قد يكون الجنس نوعًا باعتبار ما فوقه، وجنسًا باعتبار ما تحته.

الجزء: 2 - الصفحة: 1100

والمراد هنا الجنس الأعم أو الجنس الأخص؟ الجنس الأخص، لا الجنس الأعم، ولهذا لو بِعْنَا بقرة ببعير فقد اتفقا في الجنس الأعم؛ وهو الحيوانية، لكن يجوز التفاضل، ويجوز التفرق قبل القبض، لكن المراد هنا الجنس الأخص، يعني: أخص الأجناس.
وإذا أردنا أن نبتعد عن أهل الكلام واصطلاحاتهم نقول: البُرّ، والتمر، والشعير، والملح، والذهب، والفضة، ما نحتاج جنسًا أعم وجنسًا أخص، قد يُشْكَل على الإنسان هذا الشيء.
وعلى هذا فإذا قلنا: لا يُبَاع الربوي بجنسه، فمعناه: لا يُبَاع البُرُّ بأيش؟ بالبُرّ، أما الشعير فإنه جنس مستقل، إذا أردت أن تبيع بُرًّا بِبُرّ، فالواجب شيئان: الأول: التقابض قبل التفرق.
والثاني: التساوي بالمعيار الشرعي.
وإذا أردت أن تبيع بُرًّا بشعير فالواجب شيء واحد، وهو التقابض قبل التفرق.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (وفروع الأجناس كالأدِقَّة والأخباز والأدهان واللحم أجناس باختلاف أصوله).
فروع الأجناس أجناس، لكن هل هي أجناس مستقلة، أو هي أجناس تابعة لأصولها؟ أفادنا المؤلف -رحمه الله- في كلامه هذا أنها أجناس تابعة لأصولها، وعلى هذا فإذا بِيعَ بُرٌّ حَبًّا بِبُرٍّ دقيقًا فإنه لا يجوز، لماذا؟ لتعذُّر التساوي؛ لأن الحب إذا طُحِن انتشر، ولا يمكن تقديره بالكيل، ولا يمكن أيضًا تقديره بأيش؟ بالوزن؛ لأن البُرَّ لا يباع بالبُرِّ إلا كيلًا.
بُرٌّ حَبًّا بشعير دقيقًا يجوز بدون كيل ولا وزن؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأن بيع البُرِّ بالشعير لا بأس فيه بالتفاضل، والدقيق جنس باعتبار الأصل.
كذلك أيضًا الأخباز؛ الأخباز إذا أردت أن أبيع خبزًا من البُرِّ بجَرِيش، أتعرفون الْجَرِيش؟ الجريش عبارة عن حب مطحون، لكنه ليس طحنًا دقيقًا، يُطبخ، فأردت أن أبيع خبزًا بجريش كُلّها بُرّ، أيجوز هذا أو لا؟ طلبة: لا يجوز.
طلبة آخرون: يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1101

الشيخ: يا جماعة الخير، يحتاج توقف هذا؟ ! لا يجوز يا جماعة؛ لتعذُّر التساوي؛ لأن الجريش قد تَرَطَّب بالماء ولا يمكن كَيْله، حتى لو أمكن كيله فالخبز لا يمكن كيله.
فإذا قال قائل: يمكن نملأ إناءً من الْجَريش، ونفتت الخبز ونضع عليه ماء ونبدل هذا بهذا.
قلنا: لا يمكن التساوي، والجنس واحد أو مختلف؟ طالب: واحد.
الشيخ: خبز شعير بجَريش من البُرّ، يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لعدم اشتراط التساوي، هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله؛ أن فروع الأجناس تُعْتَبَر أيش؟ أجناسًا بحسب أصولها.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: ما صُنِع من هذه الأجناس فإن خرج عن القوت بسبب هذا الصنع خرج عن كونه رِبَوِيًّا، بناءً على أن العلة في جريان الربا هي أيش؟ هي القوت، كونه قوتًا، وإلَّا يخرج فهو جنسٌ مستقل لا يتبعه أصلًا.
وعلى هذا فيجوز أن أبيع خبزًا من البُرّ بأيش؟ بجَريش من البُرّ؛ لأن كل واحد منهما اختلف اختلافًا بَيِّنًا، لا بالنسبة لأكله ولا بالنسبة للقصد منه، فيكون جنسًا مستقلًّا، ولكن الاحتياط ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ لعموم قوله: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (2)، وهذا يعم البُرّ على أي حال كان، «وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ»، كذلك، يعم الشعير على أي حال.
فإذا قال: أنا ما عندي إلا خبز، وأنا أريد جريشًا، ماذا نقول له؟ نقول: بِع الخبز واشترِ جَرِيشًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في التمر الجيد والتمر الرديء (4). وقول المؤلف رحمه الله: (كالأَدِقَّة والأخباز)، الأدقة جمع دقيق، والأخباز جمع خبز.
(والأدهان)، الأدهان هذا بناءً على أن الربا يجري في الدهن، أما إذا قلنا: إنه لا يجري في الدهن، فلا بأس ببيع بعضه ببعض متفاضِلًا أو متساويًا.
(واللحم)، اللحم أيضًا أجناس، لحم الإبل جنس، ولحم الضأن جنس آخر، لحم البقر جنس آخر، لحم المعز جنس آخر، لحم الأرانب جنس، لحم الظباء جنس، واللحم موزون.

الجزء: 2 - الصفحة: 1102

إذن هل يجوز أن أبيع كيلو من لحم الغنم بكيلوين من لحم الغنم أيضًا؟ طلبة: لا، ما يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطلبة: لعدم التساوي.
الشيخ: لعدم التساوي، والجنس واحد، والأصح أن نقدِّم فنقول: لأن الجنس واحد لا يجوز فيه التفاضل.
كيلو من لحم البقر بكيلوين من لحم الخروف.
طلبة: يجوز.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: لاختلاف الجنس.
الشيخ: لاختلاف الجنس، وهذا أيضًا بناءً على أن اللحم يجري فيه الربا، وهو وجيه إذا كنا في بلاد قُوتُهم اللحم، أما إذا كنا في بلاد لا يُعْتَبر اللحم قوتًا فإنه لا يجري فيه الربا؛ لأنه ليس بقوت.
والمذهب أنه يجري فيه الربا؛ لأنه مما يوزَن ويُؤْكَل، بل العلة على المذهب؛ لأنه مما يوزَن، وكُلُّ موزون فإنه مكيل.
بعتُ عليك خروفًا بخروفين؟ طالب: يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: خروف بخروفين؟ طالب: يجوز.
طالب آخر: هذا ليس بموزون.
الشيخ: هذا ليس موزونًا ولا مكيلًا، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقرض على إبل الصدقة، فيأخذ البعير بالبعيرَيْنِ، والبعيرَيْنِ بالثلاثة (5)، وعلى هذا فلا ربا في الحيوان ما دام حيًّا، أما إذا ذُبِح فإنه يكون لحمًا فيجري فيه الربا، فإذا بِيعَ بجنسه فإنه لا بد من التساوي، وإلا فلا يصح.


قال: (وَكَذَا اللَّبَنُ).
اللبن أجناس باختلاف أصوله؛ لبن الإبل جنس، ولبن البقر جنس آخر، فلو بعتُ صاعًا من لبن الإبل بصاعَيْنِ من لبن البقر جائز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأن الجنس مختلف، ولو بعتُ صاعًا من لبنِ بقرةٍ بِكْر وصاعَيْن من لبنِ عجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: لأن الجنس واحد.
الشيخ: لأن الجنس واحد، بارك الله فيكم.
(وكذا اللبن) أجناس باختلاف أصوله.
(واللحم والشحم والكبد أجناس).

الجزء: 2 - الصفحة: 1103

المؤلف انتقل من الجنس باعتبار استقلال البهيمة إلى الجنس باعتبار وَحْدة البهيمة، البهيمة فيها لحم مُنَوَّع، فيها يقول: لحم، وشحم، وكبد، قلب، أَلْيَة، طحال، رئة، كُراع، عين، رأس، هذه أجناس، كُلُّ واحد جنس، وعلى هذا فيجوز أن يبيع عليك رطلًا من الكبد برطلين من الرئة، ولو من الضأن، ليش؟ لاختلاف الجنس.
رطلًا من الرئة برطلين من اللحم من الشاة نفسها يجوز؛ لاختلاف الجنس.
إذن نفس البهيمة هي بأجزائها أجناس، كُلُّ جزء يُعْتَبَر جنسًا مستقلًّا، وعلى هذا فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلًا.
ولكن هل يجب التقابض؟ نعم، لماذا؟ لاتفاقهما في المعيار الشرعي، اللحم كله موزون، فلما اتفقا في المعيار الشرعي كان لا بد من أن يتقابضَا قبل التفرق، أما التساوي فليس بشرط.
( ... ) إذن أجزاء الجسم تُعْتَبَر أيش؟ أجناسًا، فإذا بِيعَ بعضها ببعض متفاضلًا فلا بأس، لكن لا بد من التقابض.
قال: (ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، ويصح من غير جنسه).
بيع اللحم بحيوان من جنسه لا يصح، ويصح من غير جنسه.
مثال ذلك: عندي كومة من لحم الضأن، فأردت أن أبيعها بشاة فلا يجوز، لماذا؟ لأنه من جنسه.
فإذا قال قائل: الذي عندي لحم، والشاة أو الخروف فيها لحم، فيها كبد، فيها رئة، فيها قلب، وأنتم ذكرتم أن هذه الأشياء كُلُّ واحد منها جنس مستقل؟ قلنا: إذا كان الذي عندك لحم، وفي الشاة لحم، فقد بعتَ لحمًا بلحم ومعه من غير الجنس، فيكون هذا من باب ما يسمى عند الفقهاء بِمُدّ عجوة ودرهم، أفهمتم؟ فلا يجوز.
طالب: غير مفهوم.
الشيخ: غير مفهوم؟ إذا بعت عليك عشرة أصواع من التمر بصاعين من التمر ومعهما ثمانية أصواع من الشعير، أيجوز هذا أو لا؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ لماذا؟ لأنك بعت جنسًا بجنسه، ومع الثاني من غير جنسه، فهذا مُدّ عجوة ودرهم بمد عجوة، أو بمُدَّيْ عجوة، أو بمد عجوة ودرهم، يعني حسب ما سيأتينا إن شاء الله تعالى فيما بعد إن لم يكن سبق قبل ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1104

إذن بيع اللحم بحيوان من جنسه جائز أو غير جائز؟ يقول المؤلف: لا يجوز.
واستدل بعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان (6). وهذا الحديث لو أخذنا بظاهره لقلنا: إنه عام يشمل ما إذا كان الحيوان من جنس اللحم أو من غير جنسه، وهذا كما تعلمون لا ينطبق على كلام المؤلف، ولكن أنا أريد أن نَفهم أولًا كلام المؤلف، فالمؤلف -رحمه الله- يقول: إنه لا يُبَاع اللحمُ بحيوان من جنسه.
مثاله: خمسون كيلو من لحم الضأن بخروف، فهذا لا يجوز، لماذا؟ أولًا: لهذا الحديث؛ النهي عن بيع اللحم بالحيوان، وهذا في تصحيحه مقال بين أهل العلم، وفيه اختلاف.
وثانيًا: لأنه إذا باع هذا اللحم بهذا الحيوان فكأنه باع طعامًا بجنسه ومع الآخر من غير الجنس؛ لأننا إذا قدَّرْنَا أن هذه الكومة لحم، أي: هَبْر، فالحيوان الذي بِيعَ فيه لحم وشحم وكبد ورئة وقلب وطحال وكَرش وأمعاء، إلى آخره، فيكون كالذي باع ربويًّا بمثله ومع الآخر من غير جنسه، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بمُد عجوة ودرهم، هذا هو حكم المسألة على كلام المؤلف.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا بأس به، أي: لا بأس ببيع اللحم بالحيوان مطلقًا، سواء من جنسه أو من غير جنسه، وذلك لاختلاف المقاصد بين الحيوان وبين اللحم، الحيوان يُرَاد للأكل ويُرَاد للتنمية ويُرَاد للتجارة، ولغير ذلك، واللحم يُرَاد غالبًا لأيش؟ للأكل، فلما اختلفت المنافع والمقاصد صار كُلُّ واحدٍ منهما لا صلة له بالآخر.
وفصَّل بعض أهل العلم وقال: إن أراد بالحيوان اللحمَ فإنه لا يصح بيعه من جنسه، وإن أراد بذلك الانتفاع بالحيوان بركوبٍ، أو تأجير، أو حرث، أو غير ذلك فلا بأس؛ لأنه إذا أراد به اللحم اتفقت المقاصد، فصار المراد بهذا الحيوان هو اللحم، والأعمال بالنيات، وإذا أراد انتفاعات أخرى فإنه يختلف المقصود.

الجزء: 2 - الصفحة: 1105

وهذا القول أصح الأقوال الثلاثة؛ أنه إن أراد بالحيوان اللحم فإنه لا يجوز؛ لأنه صار كأنه باع لحمًا بلحمٍ من غير تساوٍ، وإن أراد بالحيوان الانتفاع بغير الأكل فهذا لا بأس به، وهذا القول لا يعارض حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان (6)؛ لأنه يمكن أن يُحْمَل الحديث على ما إذا أراد الإنسان بالحيوان أيش؟ اللحم.
وهل يمكن أن يريد باللحم الحيوان؟ طالب: لا.
طالب آخر: مستحيل.
الشيخ: أن يريد باللحم الحيوان، ممكن؟ طلبة: لا.
الشيخ: لأن هذا اللحم لا يمكن أن يعود حيوانًا، لكن أن يريد بالحيوان اللحم ممكن، يذبحه ويأكل اللحم، فهذا الحديث إذا صح فإنه يُحمَل عما إذا أراد الإنسان بالحيوان اللحم.
وهذا القول هو أعدل الأقوال وأصح الأقوال.
قال المؤلف: (ويصح بغير جنسه) مثل: أن يبيع لحم ضأنٍ ببقرة؛ لأن اختلاف الجنس يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (7). إذا باع لحمًا مأكولًا بحمار، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: لماذا؟ لاختلاف الجنس، واختلاف المقاصد أيضًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ) ولو تساويَا وزنًا.
إنسان عنده صاع من البُرِّ باعه بصاع من دقيق البُرّ فإنه لا يجوز، لماذا؟ لعدم التساوي.
فإذا قال: أنا أزيد على الدقيق بمقدار ما يبلغ وزن الحب؟ قلنا: لا يجوز أيضًا؛ لأن المعتبَر فيه معيار أيش؟ الكيل؛ الحب والدقيق المعتبَر فيه في المعيار هو الكيل، فلا يصح.
لو باع شعيرًا حَبًّا بدقيقٍ بُرًّا، يجوز ولَّا لا؟ الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لاختلاف الجنس، ولهذا يجوز أن يبيع صاعًا من البُرِّ بصاعين من الشعير.
قال رحمه الله: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ ولا سَوِيقِه).

الجزء: 2 - الصفحة: 1106

الفرق بين الدقيق والسَّوِيق أن الدقيق يُطْحَن الحبُّ بدون أن يُحَمَّص، أي: بدون أن يُحْمَس على النار، والسَّوِيق يُحَمَّص، يعني يُشْوَى على النار ثم يُطْحَن، فإذا امتنع أن يُبَاع الحَبّ بالدقيق غير المحمَّص فامتناع بيعه بالدقيق المحمّص من باب أولى.
(ولا نَيِّه بمطبوخه)، أيضًا لا يجوز أن يباع النَّي بالمطبوخ، فإنسان عنده كيلو من اللحم النَّي أراد أن يبيعه بكيلو من اللحم المطبوخ، أيجوز؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ ما الذي قلتُ؟ الطالب: أن الإنسان عنده لحم مطبوخ لا يجوز أن يبيعه بالنَّيئ.
الشيخ: بالنَّيّ إذا كان من جنسه طبعًا؛ لأن الطبخ يؤثِّر في الوزن؛ إذ إنه يدخله أشياء من الماء فيؤثِّر، فلذلك لا يصح النَّيّ بالمطبوخ.
(وأصله بعصيره)، لا يُبَاع الأصل بالعصير، مثاله: زيتون وزيت زيتون، لا يجوز أن يباع الأصل بالعصير؛ لتعذر أيش؟ لتعذُّر التساوي.
(وخالصه بمشُوبه)، أيضًا لا يُبَاع الجنس الرِّبَوِيّ بجنسه إذا كان مخلوطًا.
مثال ذلك: باع صاعًا من البُرّ بصاعٍ من البُرّ لكن فيه شعير، فهل يجوز؟ لا، لماذا؟ لعدم التساوي؛ لأن المشوب ليس كالمخلوط، إلا إذا كان الخِلْط يسيرًا غير مقصود، كما لو كان مِلْحًا في طعامٍ، فإن ذلك لا يضر ولا يؤثر؛ لأن هذا الخِلْط يسيرٌ تابع يُقْصَد به إصلاح المخلوط به.
( ... ) طالب: شيخ، ذكرتم قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا خرج فرع الجنس عن كونه قوتًا ثم .. ما فهمت؟ الشيخ: مثل لو فُرِضَ أن هذا الطعم الربوي، لو فُرِض أنه اعتُصِر وصار هذا العصير لا يقتاته الناس، لكن هم يأتون به مع الأكل من باب التكميل، فهذا ليس بقوت.
الطالب: ولا يكون ربويًّا؟ الشيخ: ولا يكون ربويًّا على ما اختاره رحمه الله، أما إذا كان يُقتات فإنه يكون جنسًا مستقلًّا.
طالب: لكن ضربتم المثال بالخبز يا شيخ.
الشيخ: الخبز ربما يكون قوتًا في بعض الجهات، يُيَبَّس.
الطالب: عندنا قوت.

الجزء: 2 - الصفحة: 1107

الشيخ: لكن يُيَبَّس ويبقى؟ طالب: لا.
طالب آخر: إي نعم.
الشيخ: إي، في بعض البلاد، نعم يمكن يكون، لكن مثل الشوربة، الشوربة إن لم تأت بوقتها راحت عليها.
طالب: الأصل في هذه الأشياء، الأصل في المبيعات ومعاملات الناس ( ... ). الشيخ: نعم؟ الطالب: أقول: ما الدليل على هذا القياس على الأشياء الستة التي هي حكم الربا؟ الشيخ: يعني أنت ترى أنه لا يجري البيع إلا في الستة فقط؟ طالب: ما نُص عليه.
الشيخ: إي، ما نُصَّ عليه، هو على كُلِّ حال سبق لنا أن بعض العلماء قال بذلك، حتى الذين يأخذون بالقياس قالوا بذلك، الظاهرية واضح أنهم لا يرون أن الربا يجري في غير هذه الأشياء الستة، لكن حتى القياسيون بعضهم قال: لا يجري الربا إلا في هذه الأشياء الستة، لكن الاحتياط ما ذكره، يعني ما مشى عليه المؤلف وأمثاله.
طالب: حياك الله، الواقع الآن في الصوامع اللي ( ... ) فيها التمر والبُرّ والشعير، الواقع أنه يوزن وزنًا.
الشيخ: أيش؟ طالب: أقول: الواقع الآن في الصوامع أنها توزن وزنًا البُرُّ والشعير.
الشيخ: إي، ما فيه بأس.
الطالب: وكذلك التمر.
الشيخ: لا بأس؛ لأنها تباع الدراهم، ليست تباع بمثلها.
الطالب: لكن لو وزن البائعان غير نظام التعامل مع الصوامع؟ الشيخ: لو تبايعَا يعني تمرًا بتمر وزنًا فإنه لا يجوز، على المذهب لا بد أن يُكَال.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ما فائدة البيع بالأموال الربوية إذا تساوت وما اختلفت ( ... ) ما فائدة البيع؟ الشيخ: قد تكون تختلف باللون مثلًا، أو باللِّين بالملمس، أو بالرائحة، وإلا من المعلوم أنه ليس من المعقول أن نبيع صاعًا من البُرّ بصاع من البُرّ يتفقان في كُلِّ شيء.
الطالب: بالنسبة للذهب قيمته؟ الشيخ: الذهب أيضًا يختلف، تعرف أنه عندهم بعضه عيار كذا، وبعضه عيار كذا، فمن الناس من يرغب الخفيف، ومنهم من يرغب الثقيل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1108

على كُلِّ حال الحديث فيما إذا بِيعَ الشيء بجنسه، أما كيف يُبَاع فهذا يرجع إلى رغبات الناس.

طالب: بارك الله فيكم، الضأن والماعز هل جنس واحد، أو الماعز جنس والضأن جنس؟ الشيخ: ما تقول في رجل ضَحَّى بخروف له ستة أشهر، وآخر بعَنْزٍ لها ستة أشهر، أيهما يجزئ في الأضحية؟ الطالب: الخروف لا شك الذي له ستة أشهر.
الشيخ: الأول؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إذن هل هما جنس أو جنسان؟ الطالب: لا، جنسان.
الشيخ: هذا هو.
الطالب: ما ذكرتموه أشكل عليَّ يا شيخ.
الشيخ: ما مثَّلْنَا بالمعز.
طالب: شيخ، تكلمنا عن مشوب تساوى في الجنس مع غيره، فهل نقول: إن الذهب يختلف بهذا الاختلاف؛ لأن عيار 18 مثلًا فيه زيادة من هذا المشوب أكثر من عيار 21.
الشيخ: هذه من الأشياء اليسيرة التي للمصلحة، لا بأس بها.
طالب: بالنسبة لبيع اللحم بالحيوان.
( ... ) الشيخ: أهل البحرين، الآن يبدأ الدرس إن شاء الله.
على اقتراح السؤال منك على ها الحال، أنت قلت: هذا السؤال محل اقتراح، يعني ظننت أنه منك.
طالب: ما اتضح ( ... ). الشيخ: أما قلت لك: إن أكل نِيًّا ذكر العلماء أنه مكروه إلا لمن اعتاده.
الطالب: هذا فيما إذا كان ( ... ). الشيخ: كيف؟ الكبد من أحسن ما يكون، ولو نِيَّة حتى بعد إذا أَكَلْتَها نِيَّة لها طعم طيب، ولا سيما البعير البِكْر.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لأنها قطعة دم، ومثلها أيضًا كلُّ ما يبقى في اللحم والعروق فإنه طاهر وحلال.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1109

قال رحمه الله تعالى: وَيَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّعُومَةِ، ومَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَخُبْزِهِ بِخُبزِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النّشَافِ، وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ، وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ، وَلَا يُبَاعُ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ وَمَعَهُ أوْ مَعَهُمَا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمَا، ولا تمرٌ بلا نَوى بما فيه نوى، ويباعُ النَّوى بتمرٍ فيه نَوى، ولبنٌ وَصُوفٌ بشاةٍ ذاتِ لبنٍ وصوفٍ، ومَرَدُّ الكيلِ لعُرْفِ المدينةِ، والوزنِ لعُرْفِ مكةَ زَمَنَ النبي صلى الله عليه وسلم، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِر عُرْفُه في موضعه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإننا نسأل عن القواعد في الربا؛ لأن القواعد هي التي ترسخ في الذهن، وأما المسائل الفردية فهي عبارة عن تطبيق، فنقول: ما هي القاعدة فيما إذا بِيعَ الربوي بجنسه؟ طالب: إذا بِيعَ ربوي بجنسه اشتُرِطَ فيه شرطان.
الشيخ: اشترط فيه شرطان، الشرط الأول؟ الطالب: التساوي بالمعيار الشرعي.
الشيخ: نعم، والشرط الثاني الحلول والتقابُض.
لو تساوى المكيلان وزنًا، هل يصح البيع؟ طالب: ما يصح البيع، لا بد أن ( ... ) كيلًا بكيل.
الشيخ: هذا معنى قولنا: بالمعيار الشرعي، إذن لا يُبَاع مكيل بجنسه وزنًا، بل لا بد أن يكون كيلًا.
لو تساوى الموزون بجنسه كيلًا؟ طالب: لا يصح البيع.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: ( ... ) المعيار الشرعي.
الشيخ: لا بد أن يكون التساوي بالمعيار الشرعي.
إذا بِيعَ جملٌ بثَوْر؟ طالب: ليس ربويًّا؛ لأنه ليس من جنسه.
الشيخ: شاةٌ بشاة؟ الطالب: يجوز بشرط التقابض.
الشيخ: والتساوي.
الطالب: التساوي غير ( ... ). الشيخ: ليش؟ وزن.
طالب: يجوز يا شيخ، لا يُشْتَرَط فيه التساوي.
الشيخ: والتقابض؟ الطالب: ولا التقابض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1110

الشيخ: ولا التقابض؟ الجنس واحد، شاة بشاة.
الطالب: لا يجري فيه الربا يا شيخ.
الشيخ: لا يجري فيه الربا، نريد دليلًا وتعليلًا على هذه المسألة؟ طالب: الدليل حديث ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يُجَهِّز جيشًا، قال: فَنَفدت الْإِبِلُ، فأمرني آخذ على ( ... ) صَدَقَة.
قال: فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إِبِلِ الصَّدَقَةِ (8). الشيخ: نعم، والبعيرين بالثلاثة إذا أُرِيدَ الصدقة، هذا الدليل، التعليل؟ طالب: التعليل أنه ليس بمطعومٍ ولا .. الشيخ: ليس بربوي.
الطالب: نعم، ليس بربوي.
الشيخ: تمام، إذن بِيعَ شيءٌ بشيء وليس بربويٍّ فإنه لا يُشْتَرَط فيه لا تقابُض ولا تساوٍ.
حديدٌ برصاص، ويش اللي يجوز متفاضلًا أو متساويًا أو قبْض أو غير قبْض؟ طالب: يجوز متفاضلًا ويجوز ( ... ). الشيخ: يجوز متفاضلًا، يعني رطلًا برطلين، ويجوز التفرق قبل القبض، لماذا؟ يعني أنت الآن نفيت عنه الربا؛ ربا الفضل وربا النسيئة، فلماذا؟ الطالب: لأنه ( ... ). الشيخ: يعني لا يجري في الربا.
طالب: يجوز فيه التفاضل ولا يجوز التفرق.
الشيخ: يجوز فيه التفاضل ولا يجوز فيه التفرق قبل القبض، لماذا؟ الطالب: أما التفاضل فلاختلاف الجنس.
الشيخ: نعم، أما جواز التفاضل فلاختلاف الجنس.
الطالب: وأما عدم جواز التفرق لوجود العلة علة الربا.
الشيخ: فلاتفاقهما في الوزن، وهي علة الربا، هل بنيت كلامك أو جوابك الأول على أصل، أو هي رمية من غير رامٍ؟ الطالب: على أصل.
الشيخ: ما هو الأصل عندك؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: يعني ولا رأيت أحدًا من العلماء يقول كما قال الأخ؟ من؟ طالب: ( ... ). الشيخ: مَن الذين قالوا بأنه يجري الربا في الحديد والرصاص والصُّفر وما أشبه ذلك؟ الطالب: بعض الذين يقيسون من أهل القياس، لكن الذين يقولون بعدمه .. الشيخ: إي نعم، بعدم الربا في هذه الأشياء، واللي يقولون بالربا؟ الطالب: بعض الجمهور، وبعضهم يقول: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1111

الشيخ: بعض الجمهور! ! العبارة هذه غريبة، ما هو رأي صاحب متن الزاد.
الطالب: ربا.
الشيخ: أنه يجري فيها الربا، أحسنت، إذن صار الجواب مبنيًّا على أصل.
على كُلِّ حال الجواب: إذا بِيعَ حديد برصاص فإن قلنا بأن الربا لا يجري فيه، جاز فيه أيش؟ التفاضل والتفرق بالقبض، وإن قلنا: يجري فيه الربا، جاز فيه التفاضل لاختلاف الجنس، ولم يَجْرِ التفرق قبل القبض؛ لاتحادهما في علة الربا وهي الوزن، والصحيح -كما قلنا لكم- أنه لا يجري فيه الربا؛ إذ لا يجري الربا إلا في الذهب والفضة فقط، وأما بقية الموزونات من حديد ورصاص وغيرها فلا يجري فيها الربا.


الآن نأخذ مسائل تعتبر فرعًا على ما سبق، يقول رحمه الله تعالى: (ولا يجوز بيع حَبٍّ بدقيقه).
يعني حَب بُرّ بدقيق بُرّ لا يجوز؛ لتعذُّر التساوي؛ لأن الحب بالطَّحن تنتشر أجزاؤه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز ولو وزنًا.
وقال بعض العلماء: إنه يجوز وزنًا؛ لأن الحب وإن انتشر بالطحن فإنه يمكن التساوي، بماذا؟ بالوزن، وهذا كما قالوا فيما إذا جُبِّن التمر، يعني صار تمرًا مرصوصًا يتعذر كيلُه فإنه يُعْتَبَر بالوزن، وإن كان لا ينتقل عن كونه مكيلًا في الأصل لكنه يُعْتَبَر بالوزن.
كذلك لا يباع حبٌّ بسَوِيقه، الحب بالسَّوِيق، والسَّوِيق هو الحَب المحمَّص، يعني المحموس، ثم يُطْحَن، فلا يجوز بيع الحب بالسَّوِيق؛ لأن فيه شيئين: الأول: تفرُّق الأجزاء بالطحن.
والثاني: اختلافها بالتحميص، فهي أشد من بيع الحب بالدقيق.
ولا يُبَاع أيضًا نِيُّه بمطبوخه، مثل حنطة بهريسة، تعرفون الهريسة؟ معروفة، فلا يجوز أن يباع الْحَبّ بالهريسة.
طالب: غير معروفة.
الشيخ: الهريسة، هل تعرفون الْجَرِيش؟ معروف، ما بقي إلا أن يؤتَى به هنا وتأكلونه! ! طالب: غير معروف.
الشيخ: غير معروف أيضًا؟ لا هريسة ولا جريش؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1112

نقوله باللفظ: هو عبارة عن الحَب يُطْحَن طحنًا ليس دقيقًا بحيث يتكَسَّر ويكون أجزاء، ثم بعد ذلك يُطْبَخ على مَرَق من لحم أو غيره فيسمى جَرِيشًا، ويسمى هريسة، أحيانًا يُجْعَل فيه شيءٌ من الحلوى سكر أو نحوه حتى يكون له حلاوة.
المهم أن النِّيّ بالمطبوخ لا يجوز، لماذا؟ لتعذُّر التساوي.
لو بعنا حب شعير بهريسة الحنطة؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ الطلبة: لاختلاف الجنس.
الشيخ: لاختلاف الجنس، بارك الله فيكم.
ولا يباع (أصلُه بعصيره)، الأصل لا يباع بالعصير، كما لو كان إنسان عنده زيتون وزيت، الزيت من الزيتون، فباع زيتونًا، رطلًا من زيتون أو أكثر أو أقل برطلٍ من زيت، فإنه لا يصح، ومثله أن يبيع تمرًا بدِبْس، تعرفون الدِّبْس؟ الماء الذي يخرج من التمر، فإنه لا يجوز، وذلك لتعذُّر أيش؟ لتعذُّر التساوي.
(وأصله بعصيره وخالصه بمشوبه)، الخالص هو الذي ليس معه خِلْط، والمشوب هو الذي خُلِط معه غيره، لماذا؟ لتعذر التساوي.
رجل عنده صاعٌ من البُرِّ الخالص، وآخر عنده صاع من البُرّ المخلوط بشعير، فلا يجوز أن يُبَاع هذا بهذا لتعذُّر التساوي، إلا أنه يُسْتَثْنَى من ذلك الخِلْط اليسير، أو ما كان لإصلاح المخلوط.
الخِلْط اليسير لا تكاد تجد بُرًّا خالصًا ليس فيه حبة شعير، قد يكون فيه حبة أو حبتان أو أكثر فهذا لا يضر؛ لأنه يسير تابع.
وكذلك ما يكون لإصلاحه كما لو بعنا خبزًا من البُرّ بخبزٍ من البُرّ أحدهما قد جُعِل فيه حلوى، ولكن بِعناهما متساويين فلا بأس، أو أحدهما فيه ملح فلا بأس، فصار يُسْتَثْنَى من ذلك الشيء اليسير، والشيء الذي خُلِط للإصلاح فإنه يُسْتَثْنَى من قوله: (خالصه بمشوبه).
ولا يباع (رطبه بيابسه).
(رطبه) الضمير يعود على؟ طالب: الدقيق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1113

الشيخ: لا، على الربوي، يعني: ولا يُبَاع رطبُ الربوي بيابسه، مثل أن يبيع رُطَبًا بتمر، التمر يابس والرُّطَبُ رَطْبٌ، فلا يجوز، حتى وإن تساويَا وزنًا؛ لأن الرُّطب أثقل من التمر، والذي أثقله من غير جنسه، فيكون مُحَرَّمًا، لكنه يُسْتَثْنَى من ذلك العرايَا.
والعرايا هي أن يكون عند إنسان تمر من العام الماضي، وجاء الرُّطب هذا العام، وأراد أن يَتَفَكَّه بالرُّطب، لكنه ليس عنده دراهم، ليس عنده إلا أيش؟ تمر يابس من العام الماضي، فهنا رَخَّص الشرع بجواز شراء الرُّطَب بالتمر، وسُمِّيَت عرايا لعُرُوِّها عن الثمن، فيأتي هذا الرجل الفقير الذي عنده تمر من العام الماضي إلى صاحب البستان، ويقول: بِعني ثمر هذه النخلة الذي هو الآن رُطَب بالتمر، فهذا جائز؛ لدعاء الحاجة إليه، فإن هذا الفقير يريد أن يتفكه كما يتفكه الناس، وليس عنده دراهم، فيجوز أن يشتري الرُّطب على رؤوس النخل بماذا؟ بالتمر، لكن بشروط: الشرط الأول: ألَّا يجد ما يشتري به سوى هذا التمر، فإن وَجد ما يشتري به سوى التمر، كالدراهم والثياب والحيوان، وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز أن يشتري رُطَبًا بتَمر.
هذا الفقير عنده الآن تمر وعنده ثياب للبيع، فهل يجوز أن يشتري الرُّطب بالتمر مع إمكان شرائه بالثياب؟ لا؛ لأنه لا حاجة.
الشرط الثاني: أن تكون من خمسة أوسُق فأقل، والوَسق ستون صاعًا، فتكون خمسة الأوسق ثلاث مئة صاع.
والشرط الثالث: أن يكون مآل هذا الرُّطَب بقدر التمر، يعني أن يأتي الخَرَّاص الماهر العارف ويقول: هذا الرُّطَب إذا جَفَّ يكون مساويًا للتمر الذي اشتُرِيَ به.
فإن قال: إن الرُّطَب إذا جف سيكون أكثر من هذا التمر أو أقل، فإنه لا يجوز، لا بد أن يكون مساويًا، وهنا اكتُفِيَ بالمساواة خَرْصًا من أجل دفع حاجة الفقير.

الجزء: 2 - الصفحة: 1114

الشرط الرابع: أن يكون محتاجًا للرُّطَب، بمعنى أنه يريد أن يأكله، لا يريد أن يُبقيه إلى أن يُتْمِر؛ لأنه قد يقول: أنا أريد أن أشتري الرُّطَب وأبقيه حتى يكون تمرًا؛ ليكون هذا التمر تمر هذا العام وهو أجَدُّ من تمر العام الماضي، يعني أنه جديد، فنقول: لا، لا بد أن تكون محتاجًا للرطب فتأكله.
ولهذا قال العلماء: لو أنه اشترى عَرِيَّة رُطبًا ثم أتمرت بطل البيع؛ لأن الشرط الذي من أجله جاز هذا فُقِدَ.
كم هذه الشروط؟ أربعة شروط.
الخامس: أن يكون الرُّطَب على رؤوس النخل، فإن كانت في أوانٍ، بمعنى أن صاحب البستان خَرَف النخل، وجعله في أوانٍ وعرضه للبيع، فجاء إنسان فقير، قال: أنا ليس معي دراهم، لكن عندي تمر، اخْرِص هذا الإناء من الرُّطَب وأعطيك بمثل خَرْصِه تمرًا، فهذا لا يجوز؛ لأنه يفوت التَّفَكُّه؛ لأن كونه على رؤوس النخل يَتفكه به الإنسان شيئًا فشيئًا.
فهذه خمسة شروط للعرايا.
فإن قال قائل: كيف جازت العرايا وهي حرام من أجل الحاجة دون الضرورة، والقاعدة أن الْمُحَرَّم لا يجوز إلا للضرورة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]؟ فهذا إيراد جيد لا شك فيه.
الجواب: أن نرُده بالقاعدة المعروفة عند العلماء، وهو أن ما حُرِّم تحريم الوسائل جاز للحاجة؛ لأن المحرَّمات نوعان: محرَّمات تحريمَ غاية لذاتها، ومحرَّمات تحريم وسيلة.
ربا الفضل، هل تحريمه تحريم غاية أو تحريم وسيلة؟ يقول العلماء: إنه تحريم وسيلة، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (9)، وهذه الجملة جملة حصر، كأنه قال: لا ربا إلا في النسيئة، فيقال: المراد بهذا الربا الربا الذي هو الغاية، أما ربا الوسيلة فموجود في التفاضل إذا بِيعَ الشيء الربوي بجنسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1115

إذن اندفع هذا الإيراد بأن تحريم ربا الفضل تحريمُ وسائل، وما كان تحريم وسائل فإنه يجوز للحاجة، هذا مثال.
مثال آخر: الحرير، الحرير حرام على الذكور، ويجوز أن يلبسه الإنسان للحِكَّة، إذا كان في الإنسان حِكَّة؛ التهاب في جسده، جاز أن يلبسه ليخفف هذه الحِكَّة، مع أن هذه ما هي ضرورة، لكن جاز؛ لأن أصل تحريم الحرير على الذكور أنه غير لائق بهم، وأنه وسيلة إلى أن يكون الإنسان الذكر الذي فضَّله الله بالرجولة بمنزلة مَنْ؟ بمنزلة الأنثى التي تُنَشَّأ في الحِلْيَة، ولهذا حُرِّمَ الذهب والحرير على الذكور.
مثال ثالث: آنية الفضة حرام، فإذا كان عند إنسان إناء من غير الفضة وانكسر، وأراد أن يلمّ بعضه إلى بعض بسلسلة من فضة فهذا جائز، مع أنه سوف يستعمل هذا الإناء وفيه شيء من الفضة، لكن يقال: يجوز للحاجة مع أنه في الأصل حرام؛ لأنه حُرِّم تحريم الوسائل؛ إذ إن الذهب والفضة استعمالهما في الأواني يؤدي إلى الفخر والخيلاء والاستكبار والتعاظم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» (10). والخلاصة الآن: إن قول المؤلف: (لا يجوز بيع رطبه بيابسه) تُسْتَثْنَى منه العرايا، وهي بيع الرُّطَب على رؤوس النخل بالتمر بالشروط التي سمعتموها.
فإن قال قائل: حاجة المشتري واضحة، يعني مُشْتَرٍ محتاج إلى رُطب فيشتري، لكن لو كان البائع محتاجًا لتمر وليس عنده مال إلا ما في رؤوس النخل من الرُّطَب، فهل يجوز أو لا؟ فاهمين الفرق بين الصورتين أو لا؟ الفرق بين الصورتين واضح، في العرايا التي ورد بها الحديث يكون المشتري هو المحتاج، محتاج لأيش؟ للرُّطَب.
أقول: الآن إذا كان صاحب الرُّطَب هو المحتاج للتمر، فهل يجوز أن ندفع حاجته إذا لم يكن عنده دراهم، ونقول: لا بأس أن تشتري تمرًا برُطَب بالشروط التي ذكرناها؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1116

قال بعض العلماء: لا يجوز؛ لأن هذه الصورة مُسْتَثْنَاة، والمستثنى لا يُقَاس عليه غيره.
وقال بعض أهل العلم: إنه يصح القياس؛ لأن المقصود دفع الحاجة.
والأقرب عندي صحة ذلك، أنه لو كانت الحاجة لصاحب الرُّطَب فلا بأس؛ إذ إن المقصود دفع حاجة الإنسان فلا فرق بين كونه هو البائع أو المشتري.
فإن قال قائل: وهل تجوز العرايا في غير النخل؟ كإنسان عنده زبيب وأراد أن يشتري به عنبًا يَتَفَكَّه به، فهل يجوز أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه يجوز، قياسًا على التمر، والزبيب طعام كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال في زكاة الفطر: وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط (11). فهو طعام.
فإذا احتاج الإنسان إلى عنب وليس عنده إلا زبيب فلا بأس بالشروط التي ذكرنا في العَرِيَّة، وهذا أيضًا أقرب إلى الصواب من المنع؛ لأن العلة التي من أجلها رُخِّص في عرايا النخل موجودة في عرايا أيش؟ العنب، وهكذا ما كان مثله مما يحتاج الناس إلى التفكه به وليس عندهم مال.
الدليل على منع بيع الرُّطَب بالتمر .. ويَجوزُ بَيعُ دَقيقِه بدَقيقِه إذا اسْتَوَيَا في النُّعومةِ ومَطبوخِه بِمَطبوخِه وخُبْزِه بخُبْزِه إذا اسْتَوَيَا في النشافِ، وعصيرِه بعصيرِه ورَطْبِه برَطْبِه، ولا يُباعُ ربَوِيٌّ بجِنْسِه ومعَه أو معَهما من غيرِ جِنْسِهما، ولا تَمْرٌ بلا نَوًى بما فيه نَوًى، ويُباعُ النَّوَى بتَمْرٍ فيه نَوًى، ولَبَنٌ وصُوفٌ بشَاةٍ ذاتِ لَبَنٍ وصُوفٍ، ومَرَدُّ الكَيْلِ لعُرْفِ المدينةِ والوزْنِ لعُرْفِ مَكَّةَ زَمَنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وما لا عُرْفَ له هناك اعْتُبِرَ عُرْفُه في مَوْضِعِه.
(فصلٌ)

الجزء: 2 - الصفحة: 1117

ويَحْرُمُ رِبا النَّسِيئَةِ في بيعِ كلِّ جِنسينِ اتَّفَقا في عِلَّةِ رِبَا الفضلِ ليس أحدُهما نَقْدًا كالْمَكِيلَيْنِ والْمَوْزونَيْنِ، وإن تَفَرَّقَا قبلَ القبْضِ بَطَلَ، وإن باعَ مَكيلًا بِمَوزونٍ جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، والنَّسَاء وما لا كَيلَ فيه ولا وَزنَ كالثيابِ والحيوانِ يَجوزُ فيه النَّسَاء، ولا يَجوزُ بيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ.
التي من أجلها رُخِّصَ في عرايا النخل موجودة في عرايا أيش؟ العنب، وهكذا ما كان مثله مما يحتاج الناس للتَّفَكُّه به وليس عندهم مال.
الدليل على منع بيع الرطب بالتمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن بيع الرطب بالتمر فقال: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ »، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (1)، سُئِلَ عن بيع الرطب بالتمر، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يكون السائل مقتنعًا تمامًا، فقال: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ »، ما هو الذي ينقص؟ الرطب، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك؛ عن بيع الرطب بالتمر.
أما التعليل فلأن بيع الرطب بالتمر يفقد شرطًا من الشروط؛ وهو التساوي.


قال: (ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويَا في النعومة)، مثل أن يكون الطاحون الذي طحن الحب طاحونًا واحدًا، ووزنه وزن واحد، فأبيع عليك دقيقًا من الحنطة بدقيق مِن؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، من الحنطة هذا غالبًا ما يكون هذا، لكن بدقيق من القيمي.
طالب: ( ... ). الشيخ: معناه لازم نجيب كل الدنيا عندنا هنا، القيمي نوع من حب البُرّ، نوع ما هو جنس، فيجوز بشرط أن يستويَا في النعومة.
وإن اختلفَا في النعومة بأن كان أحدهما ناعمًا جدًّا، والثاني دون ذلك؟ الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه كُلَّما كان أنعم كان انتشار الحب أكثر، فلا يمكن التساوي، لكن كما قلنا أولًا: لو وُزِنَا فكانَا سواءً فلا بأس.
قال المؤلف: (ولا مطبوخِه بمطبوخه).
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1118

الشيخ: لا، هو معطوف على ما سبق، يعني: وكذلك لا يجوز بيع مطبوخه بمطبوخه؛ لأن الطبخ يختلف.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، سبحان الله! ويجوز إني أنا ذهبت إلى معنى آخر.
(ويجوز بيع مطبوخه بمطبوخه وخبزه بخبزه إذا استويَا في النَّشَاف).
(مطبوخه بمطبوخه) كسمن بقر بسمن بقر طُبخَا، فيجوز بيع هذا بهذا؛ لأنه لا اختلاف بينهما.
وكذلك يقال في الخبز بالخبز إذا استويَا في النَّشَاف، لكن الخبز بالخبز كيف نَكِيله؟ طالب: ( ... ). الشيخ: بأن نطوي الخبز ونحطه في الإناء؟ يقولون: إن اعتبار المساواة في الخبز بالوزن؛ لتعذُّر الكيل، ولكن هل إذا قلنا: إنه يعتبر بالوزن، هل يخرج عن كونه مكيلًا؟ لا، انتبهوا لهذا؛ لأن هنا عدَلنا عن المعيار الأصلي وهو الكيل إلى الوزن للضرورة، لكن ليس معنى ذلك أن هذا الخبز ينتقل إلى كونه موزونًا.
لو قلنا: ينتقل إلى كونه من الموزونات، نقول: لو قلنا بذلك لجاز أن يُبَاع الخبز بحَبِّه مع التفاضل، ولجاز بيعُه –أيضًا- بِحَبِّه مع التفرق؛ لأن بيع المكيل بالموزون لا يُشْتَرَط فيه التساوي، ولا يُشْتَرَط فيه التقابض، ولهذا يغلط بعض الناس إذا رأى الفقهاء -رحمهم الله- قالوا: إنه يعتبر بالوزن في هذا، أو بالتمر إذا جُبِّن، يظنون أنه ينتقل من كونه مكيلًا إلى كونه موزونًا، ولكن هذا غلط؛ هو باقٍ على كونه مكيلًا، لكن يُعْتَبَر بالوزن للضرورة؛ لعدم إمكان كيله.
إذا بِعنا مكيلًا بموزون هل يُشْتَرَط فيه التساوي؟ طلبة: لا، ما يشترط.
الشيخ: هل يُشْتَرط فيه التقابض؟ الطلبة: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1119

الشيخ: إذا قلنا: إن الخبز يُعْتَبَر التساوي فيه بالوزن، وقلنا: إنه انتقل من كونه مكيلًا إلى كونه موزونًا، أي: جنس الموزون، لزم من ذلك أنه يجوز أن أبيع مئة خبزة بعشرة أصواع من البُرّ ولو لم نعلم التساوي، أليس كذلك؟ لأن بيع المكيل بالموزون لا يُشْتَرَط فيه التماثل، وكذلك يجوز أن أبيع هذا الخبز بالبُرّ وإن لم يحصل القبض، وهذا غلط، بل نقول: لا بد من التقابض في مجلس العقد، ولا يجوز بيع الخبز بالحَب؛ لعدم إمكان التساوي.
تعرفون التمر إذا جُبِّن؟ فيه تمر الآن من العام الماضي يوجد في التَّنَك.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي، الكنيز، بعد يقولون: ما نعرف ويش معنى كنيز؟ لكن تمر في التَّنَك، هذا يسمى مُجَبَّنًا، تمر آخر مُفْرَد، كُلُّ تمرة وحدها، هذا الأخير يمكن كيله أو لا يمكن؟ يمكن كيله؛ لأنه حَبّ متناثر يمكن كيله، الذي في التنك لا يمكن كيله، فهل نقول في هذه الحال: لما كان لا يمكن كيلُه انتقل من كونه مكيلًا إلى كونه موزونًا، وبناءً على ذلك يجوز أن أبيع تمرًا مكنوزًا بتمر غير مكنوز وإن اختلفا، ويجوز أيضًا أن أبيعه به وإن تفرق قبل القبض؟ الجواب: لا، لا نقول بهذا؛ لأن معنى قولهم: إنه ينتقل للوزن، إنما يقصدون به أيش؟ تقديره بالوزن فقط، لا أنه ينتقل إلى كونه موزونًا، فهذه مسألة يجب التنبه لها لئلا يحصل خطأ.
طالب: يا شيخ، لو صارت حاجة لبيع الرطب، هل يشترط كونها على رؤوس النخل؟ الشيخ: إلَّا.
الطالب: إذا كان محتاجًا لبيع الرطب.
الشيخ: يعني المحتاج لبيع التمر.
الطالب: بيع الرطب.
الشيخ: صاحب الرطب يبغي تمرًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي.
الطالب: جائز ولَّا غير جائز؟ الشيخ: لا، نقول: بِعْها على رؤوس النخل.
الطالب: ( ... ) يتفكه ويقول: لازم على رؤوس النخل، ولكن هذا حاجته في ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1120

الشيخ: إي نعم، قد يقال: إنه قياس على الأول لئلا نتعدى ما جاء به النص؛ أنه لا بد أن يكون على رؤوس النخل لأجل أن يبقى لبائع التمر، خصوصًا إذا طلب شيئًا كثيرًا يمكن يتضرر به، وقد يقال: إنه ليس بشرط، إذا كان الشيء قليلًا مثلًا يساوي مثلًا ثلاثة كيلو يعني ما هو محتاج ( ... ) فقد يقال بالجواز؛ لأن فيه سعة للناس.
طالب: إذا قلنا بأن الْمُجَبَّن يقبل الوزن، وأردنا أن نبيع سطلًا بسطل، وعند الوزن لا يتحقق التساوي؛ لأن السطل يكون موزونًا مع التمر، هل يجب إخراج التمر من السطل؟ الشيخ: إي نعم، لا بد من هذا.
الطالب: ولو شرط؟ الشيخ: ولو شرط، وإلا يبيعه بدراهم ويشتري تمرًا آخر.
الطالب: يتفرق التمر.
الشيخ: يبيعه بدراهم، ويأخذ الدراهم ويشتريه.
طالب: شيخ، إذا احتاج صاحب الرطب تمرًا، هل نقول: إن حاجته غير معتبرة؛ لأنه يمكن أن يحوِّل هذا الرطب إلى تمر بالعرايا؟ الشيخ: لا، صحيح، لكن نقول: إن هذا صاحب الرطب اللي يحتاج إلى التمر ما هو منتظر، يريد التمر الآن، وهذه تقع أحيانًا فيما إذا كان عند الإنسان عمال، العمال إذا كان التمر مجبَّنًا فإنه أقل أكل، أما إذا كان رطبًا فالعامل كما تعرف عامل يمكن يأكل الرطب والإناء الذي معك، لكن إذا كان مُجَبَّنًا يمنعه بعض الشيء.
طالب: لو أن صاحب التمر عنده ما يشتري الرطب بغير التمر، ولكن البائع صاحب الرطب على النخل قال: لا أريد، يعني غير محتاج لهذا الشيء أصلًا.
الشيخ: معناه أن ذاك محتاج، إذا قال صاحب الرطب: أنا لا أقبل إلا تمرًا، ولا أريد الثياب ولا أريد شيئًا آخر صار محتاجًا.
طالب: ماذا يستفيد صاحب الرطب بالعرايا؟ الشيخ: صاحب الرطب؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إذا كان المحتاج هو المشتري.
الطالب: إذا كان المحتاج هو المشتري، باع التمر ثم احتاجه، وصاحب الرطب هو البائع، ما يستفيد لو باع بنفس الوزن؟ الشيخ: يستفيد أنه يَتَفَكَّه مثل الناس، المشتري يريد أن يتفكه كما يتفكه الناس.

الجزء: 2 - الصفحة: 1121

الطالب: البائع يا شيخ؟ الشيخ: البائع قد لا يستفيد شيئًا، لكن تكفي حاجة المشتري.
الطالب: البائع لا بد أن يستفيد وإلا لا يبيع.
الشيخ: مَنْ؟ الطالب: البائع.
الشيخ: المهم ربما أنه يريد قضاء حاجة صاحبه.
طالب: شيخ، إذا قلنا بأن القياس على الأربعة.
الشيخ: أي أربعة؟ الطالب: التمر والشعير والملح ( ... ) بالكيل والطعم، فلماذا خصصنا الحكم الراجح على الذهب والفضة ولم نقسها على ( ... )؟ الشيخ: لأن الذهب والفضة يُقْصَدان أكثر مما يُقْصَد غيرهما؛ حيث إنها هي النقد التي هي قيم الأشياء.
الطالب: ولا يقال: الماس أيضًا يا شيخ.
الشيخ: لا، لا، ما هو نقد، ليس بنقد، الناس يتبايعون ويجعلون الذهب والفضة قيم الأشياء.
الطالب: إذا كان في مجتمع نقد غير الذهب والفضة؟ الشيخ: لو فرضنا أنه غير الذهب والفضة فله حكمه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إذا تعذَّر وزن العجين، اللي هو الخبز المعجون، فإنه يتعذر ( ... )، بعض المخابز ما توزن يا شيخ، يعني يبيعونها هكذا.
الشيخ: لكن يبيعونها بدراهم! الطالب: إي بدراهم يا شيخ، لكن ما .. الشيخ: ما يضر، الكلام إذا باع خبزة بخبزة.
الطالب: لكن هناك الوزن يختلف.
الشيخ: أقول: الكلام الآن إذا بِيعَت خبزة بخبزة.
الطالب: نعم، هذا معلوم يا شيخ.
الشيخ: أما لو بِعْتَ خبزة بدراهم، أو خبز شعير بخبز بُرّ ما فيه بأس.
الطالب: أنا ما أتكلم عن خبزة بخبزة، وزن الدقيق نفسه يختلف عن نوع وزن آخر.
الشيخ: هذا عاد يرجع إلى المسؤولين، المسؤولون يقدِّرون الأرغفة بقدر معلوم، يمكن بعض الخبازين أنه يغش أو ينقص.
طالب: هل يجوز بيع رطب برطب على رؤوس النخل خَرْصًا؟ الشيخ: لا، لا يجوز.
الطالب: جُبَاة الزكاة يخرصونه الآن على رؤوس النخل.
الشيخ: لا؛ لأنهم بيأخذون دراهم، الكلام على بيع الرطب بجنسه، أما إذا بالدراهم ما فيه إشكال.
الطالب: ولكن أليس أدق يا شيخ؟ الشيخ: نعم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1122

الطالب: ( ... ) بالنسبة للزكاة أدق من بيعه بالنقد رطب إلى رطب؟ الشيخ: أصل الجباة ما هم بيروحوا يعطونكم تمرًا، بيأخذون دراهم، ما دام لوَّن النخل جاز بيعه؛ بالدراهم، بالثياب، بالحيوان، بالسيارات.
طالب: قلنا: إذا صار مُجَبَّنًا يجوز بيع تمر مجبن وزنًا، وإذا كان هناك مجبن وآخر غير مجبن، كيف يباع؟ الشيخ: ما يباع؛ لأن التمر غير المجبن معياره الكيل، وذاك معياره الوزن، فلا يمكن الاتفاق.
طالب: شيخ ( ... ) أقول فيه من جنس آخر ( ... ) من غير الجنس.
الشيخ: أصلًا التمر كله جنس واحد.
الطالب: الجنس يا شيخ ما له اعتبار؟ الشيخ: ما له اعتبار؛ لأنه ( ... ) ما هو مستقر.
طالب: بارك الله فيك، قلنا: إن الكبد والشحم والرئة ( ... ) أجناس، فيجوز فيها البيع، قلنا: إنها أجناس، وقد سبق معنا قول شيخ الإسلام: إنه ليس في الشريعة حيوان اختلفت أجناسه في الحكم.
الشيخ: هذه ما هي مختلفة في الحكم، كُلُّها حلال، كُلُّها يجري فيها الربا، لكن من جهة المبادلة اعتبروها أجناسًا.
طالب: ( ... ) ومعه عشرة أصواع من البُرّ، فقال له صاحب .. الشيخ: أنت تعرف المطحن عندنا؟ ما هو الطاحون، المطحن الزنبيل يُخْرَف به النخل.
الطالب: معه عشرة أصواع من البُرّ، فقال له صاحب المحل: عندي عشرة أصواع من الخبز، عندي عشرة أصواع مطحونة أحاسبك على حساب الطحن، وأعطيك إياها بالعشرة الأصواع هذه مع حساب الطحن.
الشيخ: ما يجوز، أصلًا إذا كان من جنسٍ واحد ما يجوز، أما إذا كان شعيرًا وبرًّا لا بأس.
الطالب: هذه من نفس الجنس .. الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأن الحب ينتشر إذا طُحِن.
الطالب: لا، عشرة أصواع قبل الطحن، يعني عشرة أصواع بُرّ طحنها وهو على ( ... ) أنها عشرة أصواع، هذا الدقيق عشرة أصواع، فهل يجوز؟ الشيخ: لا، ذكرنا أنه يجوز إذا توازن، في الوزن فلا بأس.
طالب: في درس سابق قوله: (وخالصه بمشوبه) والخالص هو الذي معه خلط.
الشيخ: ليس معه خلط.
الطالب: إذن عندنا خطأ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1123

الشيخ: هذه من المطبوع؟ الطالب: إي نعم، صفحة 45 السطر الأول.
الشيخ: الذي ليس معه خلط.
طالب: خطأ أيضًا في صفحة 45 آخر الصفحة.
الشيخ: 45 آخر الصفحة، ما هو؟ الطالب: تكون خمسة الأوسق ثلاث من الصاع.
الشيخ: ثلاث مئة صاع، تكون خمسة الأوسق ثلاث مئة صاع.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يُبَاع رِبَويٌّ بجنسِه ومعه أو معهما من غير جنسِهما، ولا تمرٌ بلا نَوًى بما فيه نوًى، ويباعُ النَّوى بتمرٍ فيه نَوًى، ولبنٌ وصوفٌ بشاةٍ ذاتِ لبنٍ وصوفٍ، ومَرَدُّ الكيلِ لعُرْفِ المدينةِ، والوزنِ لعُرْفِ مكةَ زَمَنَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِر عُرْفُه في موضعه).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا ذكر القواعد في باب الربويات، وأنه إذا بِيعَ الربوي بجنسه لزم فيه؟ طالب: التقابض والتساوي.
الشيخ: التساوي بالمعيار الشرعي، والثاني؟ الطالب: التقابض.
الشيخ: الحلول والتقابض.
وأنه إذا بِيعَ بغير جنسه فيما يساويه في علة الربا؟ طالب: لزم فيه التقابض.
الشيخ: التقابض دون التساوي.
وأنه إذا بِيعَ بما لا يوافقه في علة الربا؟ الطالب: جاز فيه كُلُّ شيء، أي: لا يُشْتَرَط فيه التساوي ولا التقابض ولا الحلول.
الشيخ: نعم، صحيح، هذه هي القواعد، فجميع المسائل تُبْنَى على هذه القواعد، وبقي: ما هو الدليل على أنه إذا اختلف الجنس واتفق المبيعان في أصل المعيار فلا بد من القبض؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الأصناف الربوية: «فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2).

الجزء: 2 - الصفحة: 1124

الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، أما ما ليس بربويٍّ فإنه يجوز فيه التماثل والتفاضل والتفرق قبل القبض، ودليل ذلك؟ طالب: دليله أنه ليس من الربويات خرج من حديث عبادة، هذا السؤال يا شيخ؟ الشيخ: كيف تجيب على ما لم تفهم؟ الطالب: أتأكد.
الشيخ: يا هذا، هذا السؤال.
طالب: نعم، الرسول صلى الله عليه وسلم خص هذه الأصناف بهذه الشروط، فما ( ... ) منها أو ما يقاس عليها فإنه خارج عن هذا الحكم.
طالب آخر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ البعير بالبعيرين من إبل صدقة، والبعيرين بثلاثة (3). الشيخ: أحسنت، هذا هو الدليل.
نستمر الآن في مسائل متفرعة على القواعد التي ذكرنا لكم.
قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (ويُبَاع عصيرُه بعصيره)، عصير الربوي بعصيره، كعصير عنب بعصير عنب؛ لأنهما متساويان، ولكن بأيِّ معيارٍ يكون هذا التساوي؟ طالب: بالكيل.
الشيخ: يكون بالكيل؛ لأن العصير مائع، وكُلُّ مائع فهو مكيل.
(ورَطْبه برَطْبه)، كرُطَبٍ برُطَبٍ بشرط أن يتساويَا في الرطوبة، فإن اختلفا في الرطوبة فإنه لا يجوز؛ لأن الجاف ناقص عن الرُّطَب.
ثم قال: (ولا يباع ربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما)، وهذه المسألة يُعَبِّر عنها الفقهاء بِمُدّ عجوة ودرهم.
لا يباع رِبَويٌّ بجنسِه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسِهما.
مثال ذلك: باع تمرًا بتمر، ومع كُلِّ واحد منهما دراهم، يعني باع صاعًا من تمر ودرهم بصاعٍ من تمر ودرهم، فلا يجوز، هذا معنى قوله: (ومعهما من غير جنسهما)، فهنا مع المبيعين من غير جنسهما.
(أو مع أحدهما من غير جنسه) مثل أن يبيع صاعًا من التمر ودرهمًا بصاعين من التمر، فلا يجوز أيضًا؛ لأن مع أحدهما من غير الجنس.

الجزء: 2 - الصفحة: 1125

وهذا مبني على أن الصفقة إذا جمعت بين شيئين وُزِّع الثمن على الشيئين على وجه الشيوع، وحينئذٍ نجهل التساوي بين الرِّبَوِيَّيْنِ.
نأخذ أمثلة أيضًا: باع صاعين من التمر بصاعٍ ودرهم من التمر، يجوز أو لا؟ لا يجوز؛ لعدم التماثل بين التمر.
باع درهمين بدرهم وتمر؟ لا يجوز؛ لأن مع أحدهما من غير جنسه.
فما هو الدليل، وما هو التعليل؟ الدليل: هو حديث فضالة بن عبيد أنه اشترى قلادة فيها خرز وذهب باثني عشر دينارًا، ثم فَصَل الذهب من الخرز فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع حتى تُفْصَل، أي: حتى يُفْصَل بعضها من بعض، ويُعْرَف قدر الذهب من الخرز (4)، ووجه النهي أنه تبين الآن أنه اشترى ذهبًا بذهب أكثر منه؛ لأنه لما فَصَلَ أو فصَّل هذه القلادة وجد فيها أكثر من اثني عشر درهمًا، فلما كان الاحتمال واردًا في مثل هذا فإنه يُمْنَع منه؛ سدًّا للباب، حتى لا يتجرأ أحد على أن يبيع شيئًا ربويًّا بجنسه ويضيف إلى أحدهما شيئًا يسيرًا، مثل أن يقول: أنا أبيع مثلًا كيلو من الذهب بكيلو إلا يسيرًا، وأجعل مع الثاني منديلًا مثلًا؛ مع الذي نقص أجعل معه منديلًا، وهذه حيلة لا شك، فَسُدَّ الباب.
وهذه هي القاعدة، أعني قاعدة المذهب: (أنه لا يباع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير الجنس).
على أي حال من الأحوال، حتى لو قال القائل: إذا باع صاعًا من تمر ودرهمًا بدرهمين، والصاع يساوي درهمًا، أفلا نجعل الصاع في مقابلة أيش؟ الدرهم، والدرهم في مقابلة الدرهم، وليس فيه ربا؟ ولهذا لو قال: بعتك هذا الصاع بدرهم، وصارَفتك هذا الدرهم بدرهم، لو قال هكذا جاز، فأي فرق بين أن أقول: بعتك صاعًا ودرهمًا بدرهمين، ما دام أن الصاع لا يساوي أكثر من درهم ولا أقل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1126

يقول العلماء رحمهم الله: هذا سدًّا للباب؛ لأن باب الربا أمره عظيم، فيجب أن يُسَد كُلُّ طريق يمكن أن يوصِل إليه، ولهذا حرَّم النبي عليه الصلاة والسلام بيع العِينة مع أنه قد يكون الربا فيها بعيدًا، أتدرون بيع العِينة ما هو؟ أن يبيع شيئًا بثمن مؤجَّل، ثم يشتريه نقدًا بأقل مما باعه به، فصورة المسألة ما فيها شيء، لكن لئلا يكون وسيلة إلى التحيُّل على أيش؟ على الربا، بأن يعطيه ثمانين درهمًا، وتكون مئة درهم في ذمته، فمن أجل هذا نَسُدّ كُلَّ بابٍ يوصِل إلى الربا.
ولكن شيخ الإسلام -رحمه الله- نازع في هذا، وقال: إذا كان المفرَد أكثر من الذي معه غيرُه، وكانت هذه الزيادة تقابل الشيءَ الآخر، فإن ذلك جائز، ولا بأس به، والحاجة قد تدعو إليه.
مثاله: باع صاعين من التمر بصاعٍ ودرهم، والصاع الزائد في الطرف الذي ليس فيه إلا التمر يساوي درهمًا، قال: هذا لا بأس به؛ لأننا نجعل الصاع الزائد في مقابلة الدرهم، والصاع الثاني الذي مع الدرهم في مقابلة الصاع الآخر، وليس في هذا حيلة إطلاقًا، والحاجة قد تدعو إلى ذلك، قد يكون هذا الإنسان عنده تمر من السُّكَّري صاعين، وهذا عنده تمر من نوع آخر، لكن ليس عنده صاعان، عنده صاع واحد وعنده دراهم، فقال: أنا أعطيك هذا الصاع ودرهمًا، والصاع الثاني يساوي الصاع الآخر لا يزيد ولا ينقص.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام -رحمه الله- أصح؛ أننا إذا تَيَقَّنَّا أنه لا ربا، وأن القيمة واحدة، فإنه لا بأس به ولا حرج، والشارع الحكيم لا يحرِّم شيئًا يتبيَّن فيه أنه لا ربا إطلاقًا، مع أن الحاجة قد تدعو إليه.
إذا اشترى كيسًا من البُرِّ بنصف كيس من البُرّ ومع الثاني سيارة مثلًا، يجوز أو لا؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن البُرّ لا يساوي الـ ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1127

الشيخ: لأن البُرّ لا يقابل السيارة، فلا يصح، حتى على رأي شيخ الإسلام لا يصح، بل لا بد أن يكون المفرَدُ يساوي أكثر من الصاع الذي معه غيره، بحيث يقابل الزائد ما مع الآخر ولا يزيد عليه.
فإن قال: أنا أريد أن أبيع صاعًا ودرهمًا بصاعٍ ودرهم، أيجوز أو لا؟ طالب: ( ... ) على قول شيخ الإسلام.
الشيخ: لا، على المذهب؛ المذهب لا يجوز، وعلى رأي الشيخ يجوز إذا كانت القيمة واحدة، أو قال: صاع ودرهم بصاع ودرهم، لكن هذا الدرهم مقابل الصاع، فَصّل يعني، وهذا الدرهم الثاني مقابل الصاع، فهذا واضح؛ لأن هذه الصفقة وإن كانت واحدة لكن كأنها صفقتان.


ثم قال المؤلف: (وَلَا تَمْرٌ بِلا نَوًى بِما فِيهِ نَوًى).
فيه تمر يُعْجَن، ويسمى عندنا: العَبِيط، يُعجَن ويُنْزَع نواه، فجاء إنسان وقال: أريد أن أبيع عليك تمرًا فيه نوى بتمر لا نوى فيه؛ بعَبِيط، أفيجوز هذا؟ لا، حتى لو تساويَا كيلًا أو وزنًا فإنه لا يصح؛ وذلك لأن النوى زائد على التمر، فإذا وزنَّاهما جميعًا؛ التمر المنزوع النوى، والتمر اللي فيه النوى، إذا وزَنَّاهُما جميعًا فإن النوى سوف يكون لا مقابل له، فلا يصح.
فإن قال قائل: إذا كان هذا الذي اشترى التمر لا يهمه النوى ولا يطرأ على باله، لكنه رجل نزل به ضيف، وقال: إن قدَّمت له العبيط فإنه لا يليق، ولا يُعد هذا إكرامًا -حسب العادة يعني- وأنا أريد أن أشتري تمرًا، فذهبت إلى صاحب التمر واشتريت منه تمرًا بالعبيط، نقول: هذا أيضًا لا يجوز؛ لأن النوى حجمه كبير، يعني يسع مساحة بالنسبة للكيل، وبالنسبة للوزن أيضًا يَزِن، فلا يمكن التساوي.
لو اشترى تمرًا بلا نوى بتمر بلا نوى مع التساوي؟ فهو جائز.
تمر بنوى بتمر بنوى؟ مع التساوي يجوز، كما جاء في الحديث.
قال: (ولا يباع تَمْرٌ بِلا نَوى بِما فِيهِ نَوى، ويُبَاع النوى بتمر فيه نوى).
هذا غريب، النوى يُبَاع بتمر فيه نوى، والتمر لا يباع بتمر ليس فيه نوى.

الجزء: 2 - الصفحة: 1128

ووجه ذلك أن هذا غير مقصود؛ لأن الذي باع النوى بتمر فيه نوى ويش قصده؟ قصده التمر، ما قصده النوى؛ لأنه لو كان قصده النوى لعرف أن النوى سوف ينقص عما اشتراه به، فتبيَّن بهذا أن القصد له أثر في الحِلِّ والتحريم.
قال: (ويباع النوى بتمر فيه نوى، ولبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف).
اللبن والصوف على المشهور من المذهب فيه ربا؛ اللبن مكيل، والصوف موزون، لماذا كان اللبن مكيلًا؟ لأنه مائع، والصوف كان موزونًا؛ لأنه لا يمكن كيله، فإذا باع لبنًا وصوفًا بشاة ذات لبن وصوف فإن ذلك جائز، ولا يقال: إن هذا من مسألة مد عجوة ودرهم؛ لأنه باع ربويًّا بربوي، ومع أحدهما أيش؟ من غير الجنس، أقول: لا يقول أحد هذا القول؛ لأن الآن لبن وصوف وشاة فيها لبن وصوف، أيهما الزائد على الآخر؟ الشاة؛ لأنه زاد اللحم والعظم والشحم، وغير ذلك، فلا يقول قائل: إن هذا من باب مسألة مد عجوة ودرهم فلا يصح، لماذا؟ لأن اللبن والصوف غير مقصود فيما إذا اشترى إنسان شاة ذات لبن وصوف بلبن وصوف.
والدليل أنه غير مقصود أنه سوف يُقَوِّم الشاة نفسها باللبن والصوف الذي معها، ولا يعير اهتمامًا لصوفها الذي على ظهرها، ولا للبنها الذي في ضرعها، فلما لم يكن مقصودًا لم يكن من باب مسألة مُد عجوة ودرهم.
فهذه عدة مسائل نرجع إليها لنَعُدَّها حتى لا تلتبس؛ المسألة الأولى: تمر بلا نوى بما فيه نوى، يجوز أو لا؟ طالب: لا، لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ لأنه لا يمكن التساوي أبدًا؛ إذ إن التمر الذي فيه نوى فيه شيء زائد، فإن ماثَلْتَه بالكيل فهو أنقص من التمر الذي بلا نوى، وإن واسَيْتَه بالوزن فهو كذلك، إذن التساوي لا يمكن.
إذا باع نوى بتمر فيه نوى.
طالب: يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1129

الشيخ: لماذا؟ لأن قصده التمر، ما قصد النوى، ولا يهمه، لو كان قصده النوى ما ذهب يبيع مثلًا عشرة كيلو من النوى بخمسة كيلو من التمر؛ لأنكم تعرفون أنه إذا اشترى تمرًا بنوى سوف يكون النوى أكثر وزنًا من التمر؛ لأن هذا هو الواقع، ولا يمكن لأحد أن يقول: أنا أشتري النوى الذي في هذا التمر الذي هو خمس كيلو بنوى عشرة كيلو، هذا سفه لا يمكن، فلما لم يكن النوى مقصودًا صار بيع التمر الذي فيه نوى بنوى خالص جائز أو غير جائز؟ طلبة: جائز.
الشيخ: طيب، المسألة الثالثة: هل يجوز بيع التمر بتمر بنواه؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم جائز، هذا جائز للتساوي، وإذا قُدِّر اختلاف أن بعض النوى أكبر من بعض فهذا شيء مُغْتَفَر، وإلا من المعلوم أحيانًا بعض التمر يكون النوى فيه كبيرًا، لكن الشرع لم يلتفت إلى هذا؛ لأنه أمرٌ يشق اعتباره، وليس مقصودًا في الغالب.
باع شاة ذات لبن وصوف بلبنٍ وصوف؟ جائز، لماذا؟ لأن اللبن والصوف الذي على الشاة غير مقصود، القصد هو الشاة، هذا بناءً على أن اللبن ربوي، وأن الصوف ربوي.
والصحيح أن الصوف ليس بربوي ولا إشكال فيه، أما اللبن فيُنظَر؛ إن كان أهل هذا البلد قد اعتادوا أن يكون قُوتُهم اللبن فإننا نُلْحِقه بماذا؟ بالبُرّ، والتمر، والشعير، وأما إذا كانوا لا يرونه قُوتًا كما هو الغالب عندنا هنا في النجد فإنه ليس بربوي؛ لأنه لم يُنَصّ عليه، ولا هو في معنى الموصوف، بل هو من جنس الشراب الذي يُشْرَب من غير اللبن.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَمَردُّ الكَيْلِ لعُرفِ الْمَدِينَةِ، والوَزْنِ لعُرْفِ مَكَّةَ في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وَما لَا عُرْفَ لَهُ هُناك اعتُبِرَ عُرْفُهُ فِي مَوْضِعِهِ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1130

يقول: (مرد الكَيْلِ) أي: مرد كون الشيء مكيلًا، أو كون الشيء موزونًا إلى عُرْفِ مكة والمدينة.
الكيل نرجع فيه إلى عُرْف المدينة، فلو كان هذا الشيء مكيلًا في المدينة موزونًا في مكة أيهما نعتبر؟ المكيل في المدينة، ولو كان هذا الشيء موزونًا في مكة مكيلًا في المدينة رجعنا إلى مكة.
فعليه يختلف الحكم فيما إذا كان الإنسان في مكة، أو إذا كان في المدينة؛ إذا كان في المدينة فالمكيال مكيال المدينة، إذا كان في مكة فالميزان ميزان مكة.
فإن اتفق البلدان على كون الشيء مكيلًا أو موزونًا صار هذا الشيء مكيلًا أو موزونًا، سواءٌ كان في مكة أو في المدينة.
هناك أشياء لا يُعْرَف لها وزنٌ ولا كيلٌ في مكة والمدينة، فإلى أيِّ شيء نرجع؟ يقول المؤلف: نرجع إلى العُرْف في موضعه، فإن كان الناس يتبايعونه بالوزن فهو موزون، أو بالكيل فهو مكيل، أو بالعدد فهو معدود؛ لأنه ليس هناك ضابط نرجع إليه بالنسبة لمكة والمدينة.
وقال بعض العلماء: نرده إلى أقرب الأشياء شبهًا به في مكة والمدينة، فإذا كان أقرب الأشياء إليه الكيل بالمدينة فهو مكيل، أو الوزن في مكة فهو موزون.
وهذا القول من جهة أقرب إلى النظر؛ لأن ما لا يمكن فيه اليقين يُرجَع فيه إلى غلبة الظن، وقد يُقال: بل إنه إذا لم يكن له عُرْف في مكة والمدينة فإننا نطرح الشَّبَهَ ونقول: يُرجَع في ذلك إلى ما تعارفه الناس.
وهذا القولُ الثاني -من جهة السهولة على المسلمين والتيسير- أقربُ إلى الصواب؛ لئلا يحصل النزاع، فيقول مثلًا: هذا يشبه المكيل في المدينة، وهذا يشبه الموزون في مكة، فيقال: ما دام ليس له عرف في مكة والمدينة وإنما طرأ حديثًا فإننا نعتبر عُرْفَه في موضعه، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف -رحمه الله- وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» (5).

الجزء: 2 - الصفحة: 1131

ولكن بعض العلماء يقول: ما نص الشرع على أنه مكيل فهو مكيل، وما لم ينص عليه الشرع فالمرجع فيه إلى العُرْف؛ لأنه يُضعِّف هذا الحديث: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ»، ويقول: ما نص الشرع عليه -مثل التمر- مكيل، البُرّ مكيل، الشعير مكيل، الزبيب مكيل، الملح مكيل، ما هو الدليل؟ الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قَدَّرَ زكاة الفطر بأيش؟ بالكيل، قال: «صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ» (6)، وكذلك قال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: كنا نخرجها صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط (7). فما نص الشرع على أنه مكيل فهو مكيل، وليس لنا أن نتعدى، أما ما لم ينص عليه فإنه يُعْتَبَر عُرْفُه في موضعه؛ إن كانوا يبيعونه بالوزن فهو موزون، وإن كانوا يبيعونه بالكيل فهو مكيل، وإن كانوا يبيعونه بالعد فهو معدود.
لنطبق هذا القول على حالنا اليوم: الآن الناس يتبايعون الرز والبُرّ بماذا؟ بالوزن، هل نعتبر الوزن فيه، أو نقول: هذا منصوص على أنه مكيل؟ الثاني، نقول: إذا أردنا أن نبيع بُرًّا ببُرّ ما نعتبر الوزن، نعتبر الكيل؛ لأن هذا مكيل بالنص، فلا نتعدى النص.
لو فرضنا أن هناك ذُرَة يتبايعها الناس بالوزن، فهل نقول: هي موزونة، بِنَاءً على العُرْف، أو هي مكيلة؛ لأنها كالبُرّ؟ نرجع للعرف؛ لأنه ليس هناك نص على أن الذُّرَة من المكيل.
وهذا القول يُريح الإنسان أكثر؛ لأننا إذا قلنا: الْمَرَدّ مرد المدينة أو مكة قد يحصل اشتباه عند كثير من الناس، ثم هل الْمُعْتَبَر عرف مكة بوقتك الحاضر أو بوقت الرسول عليه الصلاة والسلام؟ المؤلف يقول: على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا قد يجهله كثير من الناس فلا يعرِف.
طالب: في مسألة العرايا حينما استثنيت يا شيخ بيع رُطب مخروف بتمر، أن هذا لا يجوز؛ لأن النص على أنه يكون في النخل.
الشيخ: في روؤس النخل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1132

الطالب: ليتفكه به الإنسان شيئًا فشيئًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو قيل يا شيخ: إنه الآن سيشتري قليلًا، قوت يومه، ليَتَفَكَّه به، ربما أضبط له في التَّفَكُّه من كونه بنخلته ( ... ). الشيخ: نعم، هو قال بعض أهل العلم هكذا، قال بعض العلماء: إنه ما دام رُخِّص للإنسان في رؤوس النخل فلماذا لا يُرَخَّص إذا كان في الأوانِي، وربما يكون أقرب للتفكه وأسلم من الخطأ، وهذا ليس ببعيد؛ لأن كونه في عهد الرسول يكون على رؤوس النخل قد يقال: إن هذا شيء حسب الواقع، وقع اتفاقًا، وأنهم ليسوا يعرفون أن الإنسان يخرف النخل ويبيعه.
طالب: بيع الذهب الخام بالذهب المصوغ هل يعتبر زيادة؟ الشيخ: إي، لا بد من التساوي في الوزن.
الطالب: ولا ينظر لصناعته؟ الشيخ: لا، لا، الصحيح أنه لا ينظر، وهذه مسألة مهمة، وهي أنه إذا كان الذهب مصوغًا، وأراد أن يعطيه ذهبًا غير مصوغ، هل يُشْتَرَط التساوي؟ جمهور العلماء على أنه يُشْتَرَط التساوي، وأن الصنعة لا تؤثر شيئًا.
وقال بعض أهل العلم -كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم-: يجوز أن يعطيه بمقدار الصنعة، مثلًا: إذا كان هذا الذهب وزنًا بوزن، الوزن واحد، لكن أعطاه زيادة؛ لأنه مصنوع، فعند شيخ الإسلام رحمه الله جائز، وتُجْعَل هذه الزيادة في مقابلة الصنعة.
لكن الجمهور على المنع، واستدلوا بحديث التمر الطيب بالرديء، لكن يُجَاب عن هذا الاستدلال بأن التمر الطيب والرديء ليس من صناعة الإنسان، وهذا من صنعة الإنسان، والإنسان يريد أن يأخذ لنفسه أجرًا، إلا أن سَدَّ الباب أوْلى؛ لأن تقدير قيمة الصنعة قد يحصل فيه اختلاف، وقد يطمع صاحب الذهب المصنوع ويُحمِّل الثاني أكثر من قيمة الصنعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1133

مثال ذلك: لو كان ذهب يسمونه (ذهب مكسَّر)، يعني مصنوع مضى عليه زمن، فجاء صاحب الذهب إلى الصائغ وقال: أبدِل هذا الذهب بحُليٍّ آخر وأعطيك مقابل الصنعة، ربما يكون صاحب الدكان يزيد أكثر من قيمة الصنعة، نظرًا لرغبة هذا، فسَدُّ الباب فيه أوْلى وأحسن.
طالب: بارك الله فيكم ( ... ) قولهم يا شيخ: باع تمرًا فيه نوى بنوى، يعني: رجل باع تمرًا بنوى؟ الشيخ: يعني ( ... ) ما يأكل النوى؟ الطالب: أيش يسوي بالنوى؟ الشيخ: ما يأكل النوى؟ الطالب: ما يأكله.
الشيخ: ما عندهم بقرة تأكل النوى.
الطالب: بس ( ... ) فيه نوى يا شيخ ( ... ) شديد جدًّا.
الشيخ: لا، يُطْبَخ.
طالب: أحسن الله إليكم، قلنا: لو تبايع الرجلان مكيلًا بمكيل جزافًا بأنه في الأصل لا يجوز، إن فعلَا ثم كالَاه فَوَجَدَاه متساوِيَيْن فإنه يجوز ويمضي البيع صحيحًا، فهل نقول: لو أننا ذهبنا إلى بائع وعنده مطحن أو عنده طاحون فوجدنا عنده صاعًا معينًا ( ... ) مطحون، فأعطيناه البُرَّ صاعًا وأخذنا منه هذا المطحون صاعًا أيضًا، يصح هذا يا شيخ؟ الشيخ: هل نحن قلنا: إذا باع مكيلًا بمكيل فإنه لا يجوز التفاضل؟ الطالب: جزافًا.
الشيخ: جزافًا إي، هل قلنا: لا يجوز؟ الطالب: على حسب المتن يا شيخ.
الشيخ: إي على حسب المتن، هل قلنا: إنه إذا باع مكيلًا بمكيل فإنه لا يجوز جزافًا؟ الطالب: إن كان بنفس جِنْسِه.
الشيخ: أحسنت، لا بد أن نقيِّد.
إذا باع مكيلًا بجنسه فإنه لا بد فيه من التساوي والتقابض، والحَبّ بالدقيق لا يتساوى.
الطالب: لكنه قبل أن يطحنه تيقن يقينًا أنه .. الشيخ: إي متساوي، أصله مع الطحن لا تظن أن كُلَّ حباته قد تخرج، قد يبقى في الطاحون شيء منه ما يخرج.
الطالب: لا يلزم أن يكون الطاحون كبيرًا يا شيخ كالذي في المصانع ونحوها.
الشيخ: حتى في غير المصانع، حتى لما كان الرحى التي تدار باليد يبقى فيها شيء ما يخرج.
الطالب: وإن كان هذا يسيرًا جدًّا يُتَسَامح فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1134

الشيخ: على كل حال يشتري الدقيق ويروح يببع البُرّ، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» (8). طالب: شيخ، إذا كان رجل في ذمته صاع بُرّ، ثم قال لرجل: أبيع عليك صاعين التي في ذمتك بصاع ودرهم ( ... )، هل يجوز هذا ويحصل التقابض؟ الشيخ: صاع من جنسه ولَّا من غير جنسه؟ الطالب: لا، من جنسه، صاع بُرّ ودرهم بصاعين بُرّ.
الشيخ: ما يجوز، نفس الشيء.
الطالب: وكان الدرهم يساوي الصاع.
الشيخ: إي، على المذهب ما يجوز.
الطالب: وعلى القول الثاني؟ الشيخ: على القول الثاني يجوز.
الطالب: ولم يحصل القبض؟ الشيخ: اللي في ذمة البائع كالمقبوض، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر لما قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم، قال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (9). طالب: الذهب في بعض الصور اليوم، الذهب فيه خَرَز يُشْتَرى.
الشيخ: يُشْتَرَى بِذَهب؟ الطالب: لا، ريالات.
الشيخ: طيب.
الطالب: الآن اختلف الجنس؟ الشيخ: إي، اختلف الجنس.
الطالب: وإذا اشترى ذهبًا مكسرًا بذهب به خرز؟ الشيخ: هذا ما يجوز.
الطالب: يا شيخ الآن الصناعة كيف يعطيه أجرَها.
الشيخ: كما قال الرسول (8)، بِع الذَّهَب المكسَّر واشترِ بثمنه.
الطالب: هل يجوز أن يبيع الذهب المكسَّر بالذهب المصنوع سواءً بسواء ويعطيه زيادة ريالات؟ الشيخ: على الصنعة يعني؟ الطالب: نعم.
الشيخ: هذه المسألة التي ذكرنا فيها الخلاف، المذهب لا يجوز، وهو اللي عليه رأي جمهور العلماء، والثاني يجوز جعل الزائد في مقابلة الصنعة.
الطالب: من غير جنسه، الريالات.
الشيخ: إي من غير جنسه، بالريالات أو بالثياب أو غيرها.
الطالب: ولو كان من جنسه ذهب؟ الشيخ: لو كان من جنسه ما يجوز.
الطالب: حتى على قول شيخ الإسلام.

الجزء: 2 - الصفحة: 1135

الشيخ: الظاهر حتى على قول الشيخ، وقد يقال: إنه على قول الشيخ يُجْعَل الذهب الزائد في مقابل الصنعة.
طالب: بارك الله فيكم، مسألة شراء الذهب الجديد بالذهب القديم: لو باع الذهب القديم بمال، ولكن أبقى المال عند البائع، ثم حسب البائع الذهب الجديد وأعطاه الفرق، وأعطى المشتري البائع الفرق، ثم أخذ الجديد وأعطاه القديم، فهل يجوز أم يجب التقابض أولًا؟ الشيخ: المذهب لا يجوز، لا بد أن يقبض ثم يشتري من جديد، والإمام أحمد -رحمه الله- قال: إذا ذهب إلى السوق ولم يجد فلا بأس.
طالب: قلنا: إنه لا يجوز بيع الخبز بالدقيق، فلماذا لم نقل: إن الخبز صار جنسًا مستقلًّا؟ الشيخ: هذا على المذهب، الذي قلنا هذا المذهب، أما شيخ الإسلام يقول: إذا خرج عن الكيل بسبب الصنعة فهو جنس مستقل، ولهذا جَوَّزَ -رحمه الله- أن يُبَاع الخبز بالهريسة ولو من جنسها.
طالب: لو عندي مكيل من لبن البودرة، وهذا المكيل قد يكون مثلًا بعشرة ريالات، وهناك نوع جيد بخمسة عشر ريالًا، فأردت أن ( ... ) البائع هذا الذي عندي وأستبدل الآخر، وأخذت الفرق مثلًا كيلو من التفاح أو ما أشبه ذلك، فهل هذه الصورة جائزة؟ الشيخ: ما هي مُدّ عجوة؟ الطالب: نعم، هو على قول شيخ الإسلام، لكن هل .. الشيخ: نعم، على رأي الشيخ إذا كان الزائد في مقابل الذي معه فلا بأس، لكن نحن نقول: أصلًا الحليب ما فيه ربا.
الطالب: ولو كان قوتًا مثلًا.
الشيخ: نعم، لو كان حال هو قوت فصحيح يجري فيه الربا.
الطالب: لكن ( ... )؟ الشيخ: أبدًا بلغة الحاضر عندنا ما هو بقوت.
( ... )


طالب: قال المؤلف -رحمه الله- تعالى: فَصْلٌ

الجزء: 2 - الصفحة: 1136

وَيَحْرُمُ رِبَا النَّسِيئَةِ فِي بَيْعِ كُلِّ جِنْسَيْنِ اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ رِبا الفَضْلِ لَيْسَ أحَدُهُما نَقْدًا، كالْمَكيلين والمَوْزونَيْنِ، وإن تفرَّقَا قبل القبضِ بَطَلَ، وإن باع مَكيلًا بموزونٍ جاز التفرُّقُ قبل القبضِ والنَّسَاء، وما لا كَيْلَ فيه ولا وزن، كالثياب والحيوان يجوز فيه النَّسَاءُ، ولا يجوز بيعُ الدَّيْن بالدَّيْن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عقد المؤلف -رحمه الله- فصلًا لربا النسيئة، وما سبق فكُلُّه في ربا الفضل، وأهم شيء عندنا أن نعرف أيش؟ القواعد، وما ذُكر من التفريعات فهي أمثلة فقط، اعرف القاعدة، وأما جزئياتها فإنه لا حصر لها.
قال: (يَحْرُمُ رِبا النَّسِيئَةِ).
والنسيئة معناها الْمُؤَخَّر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 37]، يعني: التأخير، فرِبَا النَّسِيئَةِ يعني تأخير القبض.
(فِي بَيْعِ كُلِّ جِنْسَيْنِ) اتفقَا في علة ربا الفضل، وذلك أن البيع إما أن يقع في جنسٍ واحد ربوي، أو في جنسين رِبَوِيَّيْن اتفقَا في علة ربا الفضل، أو في جنسين ربويين لم يتفقَا في العلة.
فالأقسام أربعة: إذا كان البيع في جنسٍ واحد ربوي، حرُم فيه أيش؟ التفاضل والنَّسَاء.
وإذا كان في جنسين اتفقَا في علة ربا الفضل، يقول المؤلف: حرُم بينهما النَّسَاء، النَّسَاء فقط دون الفضل.
وإذا كان بين جِنْسَيْنِ لم يتفقَا في العلة جاز الفضل وجاز النَّسَاء.
وإذا كان في شيئين ليسَا ربويين أيضًا جاز كُلُّ شيء؛ الفضل والنسيئة.
هذه أربعة أنواع: أن يكون البيع بين شيئين غير ربويين، فهذه يجوز أيش؟ الفضل والنَّسَاء.
بين شيئين ربويين من جنسٍ واحد، يجب التساوي والقبض قبل التفرق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1137

بين جنسين ربويين اتفقَا في علة ربا الفضل يحرُم النَّسَاء ويجوز التفاضل.
بين جنسين ربويين لم يتفقا في علة ربا الفضل يجوز التفاضل والنَّسَاء.
هذه الضوابط.
يقول: (يحرُم ربا الفضل في بيع كل جنسين اتفقَا في علة ربا الفضل)، فما هي العلة؟ سبق لنا أن العلماء اختلفوا في العلة، وأن المذهب أن العلة هي الكيل والوزن، فكل مكيل فهو ربوي، سواءٌ كان مطعومًا أم غير مطعوم، وكُلُّ موزون فهو ربوي، سواءٌ كان مطعومًا أم غير مطعوم.
إلا أن المؤلف استثنى فقال: (ليس أحدهما نقدًا)، فإن كان أحدهما نقدًا فإنه لا يحرُم النَّسَاء، كما لا يحرُم التفاضل.
مثال ذلك: إذا باع حديدًا بدنانير، فالعلة -علة ربا الفضل- موجودة فيهما، كلاهما موزون، فمقتضى القاعدة لولا الاستثناء: أنه يحرُم النَّسَاء، ولكن المؤلف -رحمه الله- استثنى فقال: (ليس أحدهما نقدًا).
ودليل هذا الاستثناء حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَدِمَ المدينة وهم يُسْلِفُون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (10). ومعلوم أن الإسلاف يكون في الدراهم، وهي موزونة، أو في الدنانير، وهي موزونة، ومع هذا قال: (أو وزن معلوم)، فدل هذا على أنه إذا كان أحدهما نقدًا فإنه يصح النَّسَاء؛ لئلا يَنْسَدّ باب السَّلَم في الموزونات؛ لأننا لو لم نقل بهذا الاستثناء ما صح السَّلَمُ في الموزونات إذا كان الثمن دراهم أو دنانير.
إذن القاعدة في تحريم ربا النَّسَاء ما هي؟ أن يبيع جنسين ربويين اتفقَا في علة ربا الفضل، ويُسْتَثْنَى من ذلك إذا كان أحدهما نقدًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1138

ومعلوم أنه إذا كان أحدهما نقدًا واشتُرِيَ به مكيل أنه ليس فيه نساء؛ لأنهما اختلفَا في علة ربا الفضل، لكن المشكل الذي يَرِد عليه هذا الاستثناء هو إذا أسلم في شيء أيش؟ موزون، لولا هذا الاستثناء لقلنا: لا يجوز الإسلام في الموزون إلا إذا أسلم غير الذهب والفضة.
نأخذ أمثلة على هذا.


أمثلة: باع شعيرًا بِبُرّ، هل يجوز النَّسَاء أو لا؟ طالب: ما يجوز النَّسَاء.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنهما اتفقَا في العلة.
الشيخ: في علة ربا، وهي؟ الطالب: الكيل.
الشيخ: وهي الكيل، تمام.
باع بُرًّا بحديد؟ طالب: هنا لا يحرُم ربا النَّسَاء.
الشيخ: هل يجوز النَّسَاء؟ الطالب: نعم يجوز النَّسَاء.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنهما على الرغم من أنهما ربويين لكن اختلفا في علة ربا الفضل.
الشيخ: كلمة (على الرغم من أنهما ربويين) هذه احذفها، ما الفائدة؟ الطالب: لأنهما اختلفا في علة ربا الفضل.
الشيخ: لأنهما اختلفا في علة ربا الفضل، باع طنًّا من الرصاص بطنٍّ من النحاس، هل يجوز النَّسَاء؟ طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: يجوز النَّسَاء، تأكد.
الطالب: لا، هم ما هم جنسين، ما يجوز.
الشيخ: جنسان، نحاس ورصاص.
الطالب: لكن بينهما فرق.
الشيخ: إي، بينهما فرق، لولا الفرق ما صارَا جنسين.
الطالب: ما يجوز يا شيخ.
الشيخ: لماذا لا يجوز؟ الطالب: جنسان يا شيخ، الرصاص ما يوافق النحاس.
الشيخ: معلوم الجنسين، لكن هل يجوز مثلًا أني اشتريت منك طنًّا من النحاس بطن من الرصاص، وأعطيك الطن الرصاص وآخذ طن النحاس بعدين، يجوز أو لا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن كلاهما موزون.
الشيخ: كلاهما موزون، صحيح يا جماعة؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، اتفقَا في علة ربا الفضل، كلاهما موزون.
إذا باع صاعًا من التمر بصاع من البُرّ، هل يجوز النَّسَاء أو لا؟ طالب: صاعًا من التمر بصاع من البُرّ لا يجوز النَّسَاء؛ لأنهما اتفقَا في علة ربا الكيل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1139

الشيخ: لا يجوز النَّسَاء؛ لأنهما اتفقا في علة ربا الفضل وهي الكيل، بارك الله فيك.
اشترى صاعًا من البُرّ بدرهم، هل يجوز النَّسَاء؟ طالب: نعم يجوز؛ لأنه استُثْنِيَ .. طالب آخر: أيضًا هما أحدهما مكيل والآخر موزون.
الشيخ: اختلفَا في علة؟ الطالب: علة ربا الفضل، وكذلك حتى لو كان .. الشيخ: اصبر، يجوز لأنهما لم يتفقَا في علة ربا الفضل.
اشترى طنًّا من الرصاص بمئة درهم، هل يجوز النَّسَاء؟ طالب: يجوز يا شيخ.
الشيخ: أتدري ما تقول؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: وأيش تقول؟ الطالب: طن الرصاص بأحد النقدين.
الشيخ: يجوز النَّسَاء؟ الطالب: يجوز النَّسَاء يا شيخ.
الشيخ: أليسَا اتفقَا في علة ربا الفضل وهي الوزن؟ الطالب: نعم، لكن استُثْنِيَ أن يكون أحدهما .. الشيخ: استثني إذا كان أحدهما نقدًا.
ما هو الدليل على استثنائه؟ طالب: حديث ابن عباس في الصحيحين.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد الناس يَستسلفون.
الشيخ: يُسلفون.
الطالب: فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
(10) الشيخ: وجه الدلالة من الحديث؟ الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لهم باب السَّلَم، فلو قلنا بعدم وجود النقد في أحدهما لسُدَّ هذا الباب.
الشيخ: أجاز السَّلَم في الموزون.
الطالب: أجاز السَّلَم في الموزون، نعم.
الشيخ: والسَّلم لا بد أن يكون مؤجَّلًا.
هناك أيضًا تعليل مع الدليل؟ طالب: تعليل يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: أنه لو لم يُجَوِّز النبي صلى الله عليه وسلم هذا .. الشيخ: لو لم يُجوِّز النَّسَاء في بيع النقد في الموزون لانسَدَّ؟ الطالب: لانسَدَّ انتفاع الناس.
الشيخ: لا، ما يكفي، لانسدَّ؟ طالب: لانسدَّ باب السَّلَم في الموزونات.
الشيخ: لانسَدَّ باب السَّلَم في الموزونات، غالبًا ولّا دائمًا؟ الطالب: غالبًا.
الشيخ: غالبًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1140

ما معنى قولنا: (غالبًا)؟ معنى ذلك أنه ربما نقول: إن السَّلم في الموزونات لا ينسد، ونجعل الثمن مكيلًا، أليس كذلك؟ فيقول مثلًا: أسلمتُ إليك مئة صاعٍ من البُرِّ بطنٍّ من الحديد، فهنا يجوز النَّسَاء؛ لأن العلة أيش؟ مختلفة، لم يتفقَا بعلة ربا الفضل، ولهذا نقول: لانسَدَّ باب السَّلَم في الموزونات غالبًا، ولا نقول: دائمًا؛ لأنه ممكن السَّلَم في غير الموزون.


يقول: (ليس أحدهما نقدًا كالمَكِيلَيْن والمَوْزونَيْن).
(كالمكيلين)، يعني: بِيعَ بعضهما ببعض، ولّا بِيعَ بموزونين؟ طلبة: لا، بِيعَ بعضهما ببعض.
الشيخ: (كالمكيلين والموزونين) هل المعنى بِيع أحدهما بالآخر، أي مكيل بموزون، أو مكيلين بِيعَ بعضهما ببعض؟ الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، كالمكيلين إذا بِيعَ بعضهما ببعض، والموزونان إذا بِيعَ بعضهما ببعض فإنه يحرُم فيهما النَّسَاء، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2)، فأوجب القبض، وإيجابُ القبض يعني تحريم النَّسَاء.
(كالمكيلين والموزونين).
(وإن تفرَّقَا قبل القبض بطل)، إذن القبض شرط لصحة العقد، أو لاستمرار صحة العقد؟ طالب: لاستمرار .. الشيخ: لاستمرار صحة العقد؛ لأن العقد تم وصحَّ، لكن يُشترط لاستمرار صحته القبض، ولهذا قال: (إن تفرَّقَا قبل القبض بطل)، والدليل الحديث (2) الذي ذكرنا.
لو أنه باعه في دكانه؛ باع عليه بُرًّا بشعير في الدكان، لكن الشعير في المخزن، وقال: ائتني بعد ساعة في المخزن أعطيك الشعير، أيجوز؟ طلبة: لا، ما يجوز.
الشيخ: ليه؟ الطلبة: لأنهما تفرَّقَا.
الشيخ: لأنهما تفرَّقَا قبل القبض، فإن قال: امشِ، أعطني يدك، ومَشَيَا إلى المستودع وسلَّمه؟ طالب: جاز.
الشيخ: جاز؛ لأنهما لم يتفرَّقَا، بارك الله فيكم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1141

(وإنْ باعَ مَكِيلًا بِمَوْزُونٍ جاز التّفَرُّقُ قَبْلَ القَبضِ والنَّسَاء)، حَرِّك الهمزة، بالرفع، ولّا بالجر عطفًا على (القبضِ)؟ طالب: بالرفع.
طالب آخر: (النَّسَاءُ).
الشيخ: بالرفع عطفًا على أيش؟ على (التفرقُ).
إذا باع مكيلًا بموزون مثل أن يبيع بُرًّا بنُحاس، يقول المؤلف: (جاز التفرق قبل القبض)، لماذا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: باع مئة صاع من البُرِّ بمئة كيلو من النُّحاس، يجوز التفرق؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن النحاس موزون والبُرُّ كيل.
الشيخ: مكيل، فلم يتفقَا في علة ربا الفضل.
(والنَّسَاء) أي: التأخير، لماذا؟ نفس العلة؛ لأنهما لم يتفقَا في علة ربا الفضل، فيجوز التفرق ويجوز النَّسَاء.
ثم قال المؤلف -أعطانا ضابطًا استمع له-: (وما لا كيل فيه ولا وزن كالثياب والحيوان يجوز فيه النَّسَاء).
الذي ليس فيه كيل ولا وزن يجوز فيه النَّسَاء، لماذا؟ لأنه ليس بربوي؛ إذ إن الربوي إما مكيل وإما موزون، فما لا كيل فيه ولا وزن فإنه يجوز فيه النَّسَاء.
ولم يقل: والفضل؛ لأنه إذا جاز النَّسَاء جاز الفضل، ولا عكس، قد يجوز الفضل ولا يجوز النَّسَاء، كالبر بالشعير -مثلًا- يجوز فيه الفضل ولا يجوز النَّسَاء.
إذن لو بعتُ عليك ثوبًا بثوبين، الثوب حاضر والثوبان بعد ستة أشهر، ما تقول، يجوز؟ طالب: ( ... ). الشيخ: أنت الآن محتاج إلى ثياب، تريد تتجمل ولا عندك فلوس، فقلت: أنا أعطيك هذا الثوب الجديد بثوبين بعد ستة أشهر تعطيني إياها، يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ليه؟ الطالب: الثياب ما يقع فيها الربا.
الشيخ: الثياب لا يقع فيها الربا، صحيح؛ لأنها ليست مكيلًا ولا موزونًا.
إنسان احتاج إلى بعير وليس عنده دراهم، فجاء إلى شخص وقال: أعطني بعيرًا الآن وأُعطيك بعيرين بعد سنة؟ طالب: يجوز يا شيخ.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنها ليست ربوية.
الشيخ: صح.
الطالب: وأيضًا الرسول عليه الصلاة والسلام.

الجزء: 2 - الصفحة: 1142

الشيخ: اصبر، ما بعد وصلنا، إحنا قلنا: لماذا، ما قلنا: ما الدليل.
الطالب: ليست ربوية.
الشيخ: ليست ربوية، ليس فيها كيل ولا وزن، هل فيها دليل على هذا؟ الطالب: إي نعم، الرسول عليه الصلاة والسلام كان يُسلف على الصدقة البعير بالبعيرين (3). الشيخ: يأخذ على إبل الصدقة البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة، تمام.
إذن فيه دليل، وهو منطبق على القواعد؛ حيث إنه جارٍ على التعليل الذي ذكرنا.


ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (ولا يجوز بيع الدَّيْن بالدَّيْن).
لا يجوز بيع الدَّيْن بالدَّيْن، هذا ليس على إطلاقه لا شك، ولكنه له صور: أولًا: بَيْع الدَّيْن على الغير، لا يجوز أن يُبَاع بالدين، بل ولا بالعين.
مثال ذلك: إنسان في ذمته لشخص مئة صاع بُرّ، فجَعل هذا الرجل يطلبه: يا فلان أعطني، أعطني، وهو يماطل به، فقيل للرجل الذي له الحق: مئة صاع بُرّ نعطيك عنها مئة درهم، ونحن نأخذها من المطلوب، هل يجوز هذا أو لا؟ لا يجوز، حتى وإن كان بعين فإنه لا يجوز، حتى لو قلنا مثلًا لهذا الرجل: مئة الصاع اللي في ذمة فلان نحن نعطيك عنها مئة ريال خذها نقدًا، فإنه لا يجوز، لماذا؟ لأنه يشبه أن يكون غيرَ مقدورٍ على تسليمه، وإذا كان كذلك فإنه يكون غَرَرًا؛ إذ إن المطلوب قد يُوفِي كاملًا وقد لا يوفي، وقد يوفي ناقصًا، فلا يصح.
لكن ما تقولون فيما لو كان الذي اشترى دَيْن فلان قادرًا على أخذه منه، كرجل له سلطة يستطيع أن يأخذ هذا المال الذي في ذمة الرجل بساعة، أيجوز أم لا؟ الصحيح أنه يجوز؛ لأن العلة عن نهي بيع ما في الذِّمَم إنما هو خوفًا من الغرر، وعدم الاستلام، فإذا زالت العلة زال المعلول وزال الحكم.
المسألة الثانية: بيع الدَّيْن على مَنْ هو في ذمته، بمعنى: أنا أطلب شخصًا مئةَ صاع بُرّ، فجاء إليَّ وقال: أنا ليس عندي بُرّ، لكن أنا أعطيك عن مئة الصاع مئتي ريال، فهنا بيع دَيْن بدَيْن، فهل يجوز أو لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1143

هذا ففيه تفصيل: إن كان باعه بسعر وقته فلا بأس، وإن باعه بأكثر فإنه لا يجوز.
الدليل: حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير، ونبيع بالدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (9)، اشترط النبي صلى الله عليه وسلم شرطين: الشرط الأول: أن تأخذها بسعر يومها.
والشرط الثاني: ألَّا يتفرقَا وبينهما شيء.
فما وجه ذلك؟ يعني: هذا الحكم لا بد أن نرده إلى القواعد العامة، ما وجهه؟ لأنه إذا أخذها بأكثر فقد ربح فيما لم يدخل في ضمانه، يعني مَثَلًا: الدينار يسوى عشرة، وقال: أنا آخذ منك أحد عشر، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن الذي أخذ أحد عشر بدل الدينار ربح، ويش اللي ربح؟ درهمًا، فربح في شيء لم يدخل في ضمانه؛ لأن الدنانير الآن في ضمان مَنْ؟ الدينار في ضمان مَنْ؟ في ضمان مَن هو في ذمته، ما دخل عليه إلى الآن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ربح ما لم يُضْمَن.
(11) إذن اشتراط النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يأخذها بسعر يومها لماذا؟ لئلا يأخذها بأكثر فيربح فيما لم يضمن.
نحن قلنا فيما سبق وفي وقت قريب: المفهوم لا عموم له؛ إذ يصدق المفهوم بالمخالفة ولو في صورة واحدة.
إذا أخذها بأقل من سعر يومها، ما هو بسعر يومها، إذا أخذها بأقل، يعني: الدينار يسوى عشرة، فأخذه الطالب بتسعة، فهل أخذه بسعر يومه؟ لا، مفهوم الحديث: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا» أن هذه الصورة لا تجوز، لكنها في الواقع تجوز، ليش؟ لأنه لم يربح فيما لم يدخل في ضمانه، بل نزَّل بعض حقه، أبرأه من بعض حقه، وإبراؤه من بعض حقه لا بأس به.

الجزء: 2 - الصفحة: 1144

فصار المفهوم الآن له عموم ولّا لا؟ لا، وهذه مسألة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها؛ أن المفهوم لا عموم له، بل يصدُق بصورة واحدة مخالِفَة، فما هي الصورة الواحدة المخالفة في المثال؟ إذا أخذها بأكثر، الدينار يسوى عشرة وقال: ما يخالف، أعطنا بدلها أحد عشر، هذا لا يجوز؛ لأنه يدخل في ربح ما لم يضمن.
فهمنا العلة في قول الرسول -عليه الصلاة والسلام-: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا»، فما هي العلة في قوله: «مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ»؟ العلة ظاهرة أيضًا؛ لأنه سيأخذ عن الدينار دراهم، وبيع الدنانير بالدراهم لا بد فيها من القبض في مجلس العقد، وحينئذ لو لم يَقبض بطل العقد، كما لو باع دينارًا بدراهم ولم يقبض فإنه يبطل العقد، فتبيَّن أن حديث عبد الله بن عمر مُتَمَشٍّ مع القواعد العامة في الشريعة والمعروفة في أبواب الربا.
إذن بيع الدَّيْن بالدَّيْن هنا: إذا باع ما في ذمة الغير له -لنفسه- وهو مما يُشْتَرَط فيه التقابض وجب القبض، وإذا كان لا يجب فيه التقابض فلا بأس أن يتأخر القبض لكن بشرط ألَّا تزيد القيمة لتأخُّر القبض، معلوم؟ ما هو معلوم.
الآن مثلًا: هذا الرجل في ذمته لفلان مئة ريال، فجاء المطلوب قال: ما عندي مئة ريال، ويش عندك؟ قال: عندي عشرة دنانير، والدينار يساوي عشرة، قال: أعطني عشرة دنانير عن المئة، يجوز أو لا يجوز؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز بشرط التقابض؛ لأنه بيع دراهم بدنانير.
قال: ليس عندي مئة ريال، وليس عندي دنانير، لكن عندي بُرّ، قال: عندك بُرّ، كم يساوي الصاع؟ قال: الصاع يساوي درهمًا، فإذا أراد أن يأخذ العِوَض كم يكون عِوَض مئة الدرهم؟ مئة صاع، قال: أنا أعطيك مئة صاع عن مئة درهم، قال: ما فيه مانع، هل يُشْتَرَط التقابض هنا أو لا يُشْتَرَط؟ طلبة: لا يشترط.
الشيخ: ليش؟ لأن بيع البُرّ بالدراهم لا يُشْتَرَط فيه القبض؛ لعدم اتفاقهما في علة ربا الفضل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1145

لو قال: أنا أقبل البُرّ، لكن أعطني مئة صاع وعشرة أصواع، أيجوز أو لا يجوز؟ طالب: الصورة مرة ثانية.
الشيخ: الصورة: إنسان مطلوب مئة درهم، فجاء للطالب وقال: والله ما عندي مئة درهم، لكن عندي بُرّ، وهذه تقع كثيرًا فيما سبق، كان الفلاحون فيما سبق ليس عندهم نقود، لكن عندهم عيوش -بُرّ يعني، حبوب- قال: والله ما عندي فلوس لكن عندي بُرّ، قال: أنا أقبل البُرّ، كان الصاع يساوي درهمًا، فكم يكون عِوَض مئة درهم؟ مئة صاع، أعطاه مئة صاع وانتهى الموضوع، حلال ولّا حرام؟ الطلبة: حلال.
الشيخ: حلال، قال الدائن: أنا لا أقبل صاع بُرّ عن درهم؛ لأن البُرّ يحتاج إلى مؤونة، يحتاج إلى أن يبيعه، وما أشبه ذلك، لكن أريد أن تعطيني عن مئة الدرهم مئة صاع وعشرة أصواع، يجوز ولّا لا؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأنه ربح فيما لم يضمن، ربح في شيء لم يدخل في ضمانه، فلا يجوز.
قال: أنا أرحمك، أنت فقير، أعطني بدل مئة درهم ثمانين صاعًا، يجوز؟ الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: ليس في سعر يومها؟ لكنه أنزَل، وهذا يعتبر إحسانًا منه، حيث اقتصر على بعض حقه؛ إذ إن حقه أن يكون مئة صاع، لكنه اختار ثمانين صاعًا.
فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه: لا يصح بيع الدَّيْن بالدَّيْن، بل لا بد فيه من التفصيل.
(فصلٌ) ومتى افْتَرَقَ المتصارِفانِ قَبلَ قَبْضِ الكلِّ أو البعضِ بَطَلَ العَقْدُ فيما لم يُقْبَضْ، والدراهمُ والدنانيرُ تَتعيَّنُ بالتعيينِ في العَقْدِ , فلا تُبْدَلُ وإن وَجَدَها مَغصوبةً بَطَلَ، ومَعيبةً من جِنْسِها أَمْسَكَ أو رَدَّ، ويَحْرُمُ الربا بينَ المسلِمِ والحربيِّ , وبينَ المسلِمَيْنِ مُطْلَقًا بدَارِ إسلامٍ وحَرْبٍ.
(بابُ بيعِ الأصولِ والثمارِ)

الجزء: 2 - الصفحة: 1146

إذا باعَ دَارًا شَمِلَ أَرْضَها وبِناءَها وسَقْفَها والبابَ المنصوبَ , والسُّلَّمَ والرَّفَّ الْمُسَمَّرَيْنِ , والخابيةَ المدفونةَ، دونَ ما هو مُودَعٌ فيها من كَنْزٍ وحَجَرٍ، ومُنفصِلٍ منها كحَبْلٍ ودَلْوٍ وبَكَرَةٍ وقُفْلٍ وفَرْشٍ ومِفتاحٍ، قال: أنا بأرحمك، أنت فقير، أعطني بدل مئة درهم ثمانين صاعًا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: ليس في سعر يومها، لكنه أنزل، وهذا يعتبر إحسانًا منه؛ حيث اقتصر على بعض حقه، إذ إن حقه أن يكون مئة صاع، لكنه اختار ثمانين صاعًا.
فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه (لا يصح بيع الدين بالدين)، بل لا بد فيه من التفصيل، وصار حديث ابن عمر رضي الله عنهما (1) ميزانًا في هذا الأمر؛ أي: في بيع الدين على مَنْ هو عليه.
أما بيع الدين على غير مَنْ هو عليه فقلنا: إنه لا يجوز إلا على قادر على أخذه، فهذا ربما يقال: إنه جائز، ولكن لاحظوا أننا إذا قلنا: يجوز إذا كان قادرًا على أخذه، لا بد أن يكون المدين قد أقر بالدين، أما إذا كان منكرًا، وجاء إنسان وقال: أنا بأشتري دين فلان الذي لك، ومنكر ما أقر، ولكن قال: أنا بخاطر، أنا بأشتريه وبأطالب الرجل عند القاضي ونشوف، فهذا لا يجوز؛ لأنه مخاطرة.
لكن كلامنا فيما إذا باع دينًا في ذمة مقِرٍّ على شخصٍ قادر على استخراجه فالصواب أنه جائز؛ لأنه لا دليل على منعه، والأصل حِلُّ البيع: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. طالب: ( ... ) فيأتي شخص آخر ويقول: أشتري منك التقاعد بخمسين ألفًا، هل يجوز بيع التقاعد وهو دين ( ... ) غير محدد وغير محسوب؟ الشيخ: تسألني عن هذا بعد هذا التقرير الطويل العريض، وأنت من أحسن الناس في فهمك وفي علمك؟ ! أسألك: هل تسألني عن هذا؟ الطالب: ولكن نقول: يا شيخ بأنه الغرر ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1147

الشيخ: أولًا الغرر والمخاطرة، والثاني أن هذا ما هو دين على شخص ممكن مطالبته، هذا دين على جهة مسؤولة، لا يمكن مطالبتها، ثم هو أيضًا بيع دراهم بدراهم، فيه محاذير متعددة.
الطالب: وبيعه على جهة؟ الشيخ: ما تشتريه الجهة.
الطالب: بعض الجهات تشتريه.
الشيخ: لا ما تشتريه، الجهات التي تشتريه معناه أنها فعلت ما لا يسوغ لها.
طالب: شيخ، حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بحيوان نسيئة (2)، هل هو ضعيف؟ الشيخ: ضعيف.
الطالب: وقول المؤلف في الباب السابق: (ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه)، اقتضى هذا أن الحيوان يجري فيه الربا؟ والآن قلنا: الحيوان .. الشيخ: أما قلنا: القول الراجح أنه إن قصد بالحيوان اللحم هو حَرُم وإلا فلا؟ طالب: بلى.
الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: ما بعد جاء الكلام عليه، سيأتي إن شاء الله في الفصل اللي بعده.
طالب: هل يمكن نأخذ قاعدة على أنه لا خيار في الربا؟ الشيخ: ويش معنى لا خيار في الربا؟ الطالب: يعني: لا يدخل الخيار في بيع الربويات.
الشيخ: ويش معنى: لا يدخل الخيار؟ الطالب: يعني: حين يشتري سهمًا من آخر ويطلب الخيار.
الشيخ: يعني: خيار الشرط قصدك؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، خيار الشرط لا يدخل في الربويات؛ لأنه يستلزم أن نتفرق قبل لزوم العقد، فلا يصح، لكن المسألة فيها خلاف؛ من العلماء من يقول: يجوز، وإذا تم العقد تم العقد؛ لأن كل واحد منهما قبض ما آل إليه؛ المشتري قبض السلعة والبائع قبض الثمن.

الطالب: ( ... ) تأخذ المرأة مثلًا ذهبًا ثم تقول: سأذهب به مثلًا إلى البيت فإن أعجبني وإلَّا أعدته؟ الشيخ: لا بأس؛ الصحيح أنه لا بأس به.
طالب: بالنسبة للحيوان ( ... ) وما جرى مجراه، لا يدخل في بيع الربا؟ الشيخ: نعم.
الطالب: لكن هناك عبارة لشيخ الإسلام يقول: إنه إذا بيع بجنسه ... الشيخ: أنا فاهم لكلام شيخ الإسلام، لكنه قولٌ ضعيف؛ ولهذا لم أتعرض له.

الجزء: 2 - الصفحة: 1148

الطالب: ما معنى قول شيخ الإسلام؟ الشيخ: معناه يقول: إن النَّساء جائز في غير الربويات بشرط التساوي، أن لا يزيد أحدهما على الآخر، يعني ما يكون هذا قيمته مئة وهذا قيمته مئتين، لكنه قوله ضعيف، الأصل الحل.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا بأس، يعني: يأخذ من البقالة ويأتي بالثمن بعد؟ الطالب: ما قبض ( ... ). الشيخ: ما فيه شيء، إذا كان على فهمي الآن؛ أخذت منه هذه الحقيبة وقلت: أجيب لك الثمن بعد، ما فيه شيء.
( ... ) طالب: ( ... ) نَساء؟ الشيخ: نَساء، لكن يلزم من التقابض قبل التفرق.
طالب: فإذا غادرا.
الشيخ: فلا يشترط التقابض؛ لأنه لا يجري ربا النسيئة بين البُرِّ والدراهم.
طالب: بالنسبة لمسألة البيع في المحل ويكون عنده البضاعة في المستودع ناقصة، معه عامل، هل يذهب مع العامل إن اشترى برًّا وشعيرًا، ثمن البر ... الشيخ: لا بأس؛ يعني: وكيله يقوم مقامه.
الطالب: ( ... ) الوكيل؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: الموظف انقطع له من راتبه مقدار من ماله، وبعد مدة إذا مرض أو مات أو نحو ذلك ( ... )، فهل هذا يُعد من ربا النسيئة؟ الشيخ: لا، هذا ليس ربا، هذا أصل، الدولة -جزاهم الله خيرًا ووفقهم- يجعلون الإنسان إذا انقطع لا بد أن يقوموا بحاجات أهله، أو بحاجته إن كان لم يمت، فهو من بيت المال، ما هو على سبيل المعاوضة.
الطالب: يأخذون من مرتبه كل شهر.
الشيخ: يأخذون تسعة في المئة.
الطالب: تقريبًا.
الشيخ: إي نعم، هذا لا يضر.
الطالب: أليس من باب التأمينات المحرمة.
الشيخ: لا؛ لأن هذا في بيت المال، ولهذا ربما إن الرجل هذا يبقى سنة موظفًا ويموت، فيُجرون لأهله التقاعد، يمكن يكون تقاعده خلال أربع سنوات يقابل كل راتبه.
الطالب: لكن ( ... ). الشيخ: المهم أنه لا بأس به، هذا ما هو من باب المعاوضة، هذا من باب قيام الدولة بحاجات الشعب.

الطالب: إنما أيش هي المعاوضة التي تحرم؟ الشيخ: المعاوضة بيني وبينك مثلًا، بين زيد وعمرو.

الجزء: 2 - الصفحة: 1149

الطالب: ولا تحصل بين الدولة وبين الموظفين.
الشيخ: لا، بهذه الطريقة ما تحصل، تحصل في مقاولات بين الدولة وبين الشعب لا بأس، شراء، أما هذا فهو يعتبر رزقًا من بيت المال وليس معاوضة، وإلا لما جاز لنا أن نأخذ راتبًا على الصلاة، ولا المؤذن على الأذان، ولا المدرس على التدريس؛ تدريس القرآن مثلًا.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (3)، يعتبر -يا شيخ- أن ربا النسيئة أشد من ربا الفضل، مع أنه يا شيخ مؤدَّى ربا النسيئة يؤدي إلى التقابض، غايته ( ... ) التقابض، ذكرنا أن ربا الفضل وسيلة إلى ... الشيخ: نحن تكلمنا على هذا، وبيَّنا السبب، وأنه في الجاهلية إذا تم الأجل ولم يوفِ قال: نزيد في الأجر ونزيد في الربا.
الطالب: الهدف، الغاية.
الشيخ: الغاية ظلم المدين.
الطالب: بالزيادة.
الشيخ: بالزيادة.
الطالب: التفاضل يا شيخ أشد من النسيئة.
الشيخ: لا، التفاضل اللي يدًا بيد ما هو بأشد، لكن التفاضل اللي يجمع بين النسيئة والتفاضل معلوم أنه أشد، والصورة التي تقول هي هذه، الصورة التي ذكرتها الآن فيها ربا فضل ونسيئة، واضح؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، إذن لا فرق.
طالب: الجواب الذي هو عن سؤالي ما فهمته.
الشيخ: أقول: جواب سؤالك -بارك الله فيك- هذا التقاعد ليس معاوضة عما أخذت الدولة من الموظف، بل هو التزام من الدولة أن تقوم بحاجات الورثة.
الطالب: والمال الذي اقتطعوه على أي أساس أخذوه؟ الشيخ: نظام عندهم، هم قدَّروا هذا.
طالب: شيخ، ما هو المذروع؟ الشيخ: المزروع حب يدفن في الأرض ويخرج.
الطالب: لا ما قصدي هذا، بالذال.
الشيخ: بالذال، إي، المذروع اللي ما يباع بالذرع.
الطالب: مثل؟ الشيخ: مثل: أتعرف ما تُرْبط به السفن؟ الطالب: نعم، حبال يعني.
الشيخ: حبال، هذه تباع بالذرع.
الطالب: والثياب أيضًا؟ الشيخ: وكذلك الثياب تباع بالذرع أحيانًا وأحيانًا تكون مخيطة معروفة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1150

الطالب: غالبًا ما تباع بالذرع.
الشيخ: والله الآن ما أدري، كان فيما سبق تباع بالذرع.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، الآن تباع الظاهر جزافًا، لكن المذروع ما فيه ربا، يجوز أبيع عليك غترتين بغترة واحدة.
( ... )


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل

ومتى افترق المتصارفان قبلَ قبضِ الكل أو البعض بطل العقد فيما لم يقبضَ، والدراهم والدنانير تتعيَّن بالتعيين في العقد فلا تُبدَّل، وإن وجدها مغصوبة بطل، ومعيبة من جنسها أمسك أو ردَّ، ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين مطلقًا بدار إسلام وحرب.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: (فصل، ومتى افترق المتصارفان).
هذا الفصل ذكر فيه المؤلف حكم الصرف، وهو بيع النقد بالنقد، وهذا لا يخرج عما سبق من القواعد في الربا، لكن خصُّوه بفصلٍ لطول فروعه والكلام عليه.
يقول: (متى افترق المتصارفان قبلَ قبضِ الكلِّ أو البعض بطل العقد فيما لم يقبضَ).
(المتصارفان) هما المتبايعان بالصرف، والصرف بيع نقد بآخر، وسُمِّي صرفًا؛ لأن النقدين عند وزنهما أو عدِّهما يُسمع لهما صوت، وهذا لما كان النقد ذهبًا وفضة.
(إذا افترقا قبل قبض البعض أو الكل بطل العقد فيما لم يقبضْ) يعني: وصح فيما قبض، مثال ذلك: اشترى مئة درهم بعشرة دنانير؛ هذا صرف، إذا استلم كل واحد منهما ما آل إليه صح العقد؛ يعني: تبين أن العقد صحيح، وإذا سلمه خمسين درهمًا فقط وتفرقا صح العقد في خمسين درهمًا ويقابلها خمسة دنانير والباقي لا يصح، وهذا بناءً على تفريق الصفقة وأنه يمكن أن يصحَّ بعضها دون بعض؛ لأن الحكم يدور مع علته، فما وُجد فيه شرط الصحة فهو صحيح، وما لم يوجد فيه شرط الصحة فليس بصحيح.
مثالٌ آخر: أعطاه دينارًا يصرفه بعشرة دراهم فلم يجد إلا خمسة دراهم، فهل يصح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1151

نقول: يصح العقد فيما قُبض، ولا يصح فيما لم يقبض، فكم الذي يصح العقد فيه من الدينار؟ نصف الدينار، وماذا يفعل بنصفه؟ يبقى نصفه أمانةً عند البائع؛ فيكون هذا الدينار مشتركًا بين البائع وبين المشتري.
وفائدة ذلك أنه لو زاد سعر الذهب فيما بين هذه الصفقة، وبين استلام حقه إذا وجد بقية الدراهم عند الآخر، إذا تغيَّر السعر فهو على حساب مَنْ؟ على حساب صاحبه، فمثلًا لو كان حين صَرْف الدينار بالدراهم يساوي الدينار عشرة دراهم، ثم صار يساوي عشرين درهمًا، فإنه يبقى نصفُ الدينار بكم؟ بعشرة دراهم؛ لأن ما بقي من الدينار بقي عند الآخَر وديعة، ولا يصح العقد فيه.
(بطل العقد فيما لم يقبض) وجه ذلك أن القبض شرط لصحة العقد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» متى؟ «إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (4). ثم قال: (والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد).
وهذه مسألة خلافية، ويترتب على الخلاف فيها عدة فروع، بل عدة مسائل، ذكرها ابن رجب رحمه الله في آخر كتاب القواعد، هل الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين بالعقد أو لا؟ في ذلك خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنها لا تتعين لأن المقصود واحد، المقصود بالدينار هذا والدينار هذا واحد، إنما اختلفا في عينهما فقط، وهذا لا يدل على أن الدراهم تتعين بالتعيين بالعقد، ومنهم من قال: بل تتعين.
مثال ذلك: اشتريت منك هذا الثوب بهذا الدرهم، الثوب الآن متعين ولا إشكال فيه، ولهذا لو أراد البائع أن يبدِّل الثوب لم يستطع ذلك إلا بموافقة المشتري، لكن المشتري عيَّن بهذا الدرهم، فهل يتعين هذا الدرهم؟ على الخلاف؛ منهم من قال: إنه يتعين، ومنهم من قال: إنه لا يتعين، فتنعكس الأحكام.

الجزء: 2 - الصفحة: 1152

فإذا قلنا بالتعيين فإن المشتري لا يمكنه أن يبدِّلها؛ لأنه لما عيَّنَها ووقع العقد على عينها وتم العقد صارت ملكًا لِمَنْ؟ للبائع، فلا يمكن أن يبدِّلها المشتري، كما أن البائع لا يمكن أن يبدل الثوب.
أما إذا قلنا بأنها لا تتعين فله أن يبدلها، ويأخذ من جيبه درهمًا غير الذي عيَّنه ويسلمه للبائع.
هذا مما يترتب على الخلاف؛ إن قلنا: إنها تتعين بالتعيين بالعقد فإنها لا تُبدَّل، وإن قلنا: إنها لا تتعين فإنها تُبدَّل؛ لأنه لا فرق بين هذا الدرهم وهذا الدرهم.
في الأوراق النقدية كذلك؛ لو قال: اشتريت منك هذا الثوب بهذه العشرة، العشرة رقمها مليون وخمس مئة وسبعون، ثم أراد أن يعطيه بدلًا عنها ما رقمه مليون وخمس مئة وستين مثلًا، هل له أن يبدل؟ على الخلاف؛ إن قلنا: إنها تتعيَّن بالتعيين لم يملك أن يبدل، وإن قلنا: لا تتعين مَلَك، أيهما أقرب إلى مقصود الناس؟ الثاني؛ عدم التعيين؛ إذ إن البائع لا يهمه أن يكون رقم هذه الورقة كذا وكذا أو الرقم الثاني، لا يهمه، ثم إنه -أيضًا- يمكن أن يختلف.
لو أنه اختلف بأن أخرج العشرة فإذا هي ورقة جديدة فأراد أن يغيِّرها إلى ورقة أخرى قديمة قد تكون آيلة إلى التلف عن قرب، فهل له أن يغيِّر؟ هو على الخلاف، لكن حتى إذا قلنا: إنها لا تتعين، فإنه في هذه الحال للبائع أن يقول: لا أريد هذا، فرق بين ورقة قديمة آيلة للتلف عن قرب، وورقة جديدة، فهنا الغرض يختلف، فالظاهر أنه حتى لو قلنا: إنها لا تتعين، فإنها في هذه الصورة تتعين؛ لأن الرغبة عند الناس تختلف بين هذا وهذا.
قال: (وإن وجدها مغصوبة بطل) (إن وجدها) الضمير يعود على الدراهم أو الدنانير التي عيَّنها في العقد (مغصوبة بطل).
ومعنى (وجدها مغصوبة) أي: تبين أنها مغصوبة، فإن العقد يبطل، لماذا؟ لأنه وقع العقد على عينٍ مغصوبة لا يملك الغاصب أن يتصرف فيها، وتصرُّفُه فيها باطل، فيبطل العقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1153

مثال ذلك: إنسان سرق درهمًا من شخص، ثم جاء إلى صاحب الدكان وقال: اشتريت منك هذا الثوب بهذا الدرهم، فتبين أن الدرهم مغصوب، أما كيف يتبين؟ هذا ليس إلينا، المهم أنه تبيَّن أنه مغصوب، فمَنْ مَالِكُ هذا الدرهمِ؟ المشتري أو صاحبه؟ صاحبه.
إذن نقول: هذا المشتري أجرى العقد على ما لا يملكه، والعقد على ما لا يملكه باطل، فيكون العقد باطلًا؛ كما لو كان الأمر بالعكس؛ اشترى ثوبًا بدرهم فتبين أن الثوب مغصوب فهل يصح العقد؟ لا؛ لأن المبيع يتعيَّن بالتعيين، ما فيه إشكال.
على القول بأن الدراهم لا تتعين بالتعيين؛ إذا تبين أن الدراهم التي عيَّنها مغصوبة أو مسروقة أو ما أشبه ذلك، هل يبطل العقد؟ لا يبطل، ويُرد المغصوب إلى مالكه ويُلزَم المشتري ببدله.
إذا قال البائع: أنا بِعْتُ عليك بثمن معيَّن وقبضتُه، والآن لما تبين أنه مُلك للغير ورُدَّ إليه فإني أريد أن أفسخ العقد؛ لأني أخشى أن تماطل بي، فما الجواب؟ على الخلاف أيضًا؛ هل يَفسخ لإعسار المشتري أو لا؟ لكن في هذه الصورة ينبغي أن يقال بأن له الفسخ قولًا واحدًا؛ وذلك لأن هذا الرجل خدَعَه وغرَّه وخانه، ولا ينبغي أن يُعامَل الخائن إلا بما يردعه عن خيانته.
إذن إذا وجدها مغصوبة بطل، أو مسروقة بطل، أو منهوبة، المهم إذا تبين أنها ليست ملكًا للمشتري فإن العقد يبطل.
قال: (ومعيبة من جنسها أمسك أو رَدَّ) (معيبة من جنسها أمسك) يعني: بلا أرش، (أو رَدَّ) أي بأرش.

الجزء: 2 - الصفحة: 1154

مثال ذلك: اشترى دينارًا بدينار آخر، ثم وجد أن الدينار مَعِيب من جنسه، يعني: مخلوط معه ذهب رديء، فالآن البيع واقع على دينار بدينارٍ، ويُشترط في بيع الدينار بالدينار التساوي، هذا الرجل وجد أن الدينار الذي عينه معيبًا من جنسه، فماذا نقول؟ نقول: أنت الآن بالخيار، إن شئت أمسك بلا أرش، وإن شئت فرُدَّ؛ أما كونه يرد فواضح لأنه معيب، وله أن يرد، هو لم يشترِ إلا شيئًا سالمًا.
وأما كونه بلا أرش؛ فلأن الأرش يستلزم زيادة في بيع الجنس بجنسه.
ومعلوم -حسب ما مر علينا من القواعد- أن بيع الجنس بجنسه يُشترط فيه التماثل، ولهذا قال: (أمسك) أي: بلا أرش (أو رَدَّ).
وعُلم من قول المؤلف رحمه الله: (من جنسه) أنه إذا كان من غير الجنس فإنه لا يصح العقد، إذا وجدها معيبةً من غير الجنس فإنه لا يصح العقد أصلًا، ما فيه خيار؟ نقول: ليس فيه خيار، بل هو باطل.
مثال ذلك: باع درهمًا بدرهم ووجد أن أحد الدرهمين معيب بنحاس، فهنا يبطل العقد، ليش؟ لأن العيب من غير الجنس، فيكون من باب (مد عجوة ودرهم)؛ لأنه باع جنسًا بجنسه ومع أحدهما من غير الجنس، فلا يصح.
هذا كله بناءً على أن الدراهم والدنانير تتعيَّن بالتعيين بالعقد، أما إذا قلنا: إنها لا تتعين، فإنه إذا وجدها معيبة يبقى العقد على ما هو عليه، ويطالِب ببدله سليمًا.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويحرُم الربا بين المسلم والحربي، وبين المسلمين مطلقًا بدار إسلامٍ وحربٍ).
(يحرُم الربا)، وتحريم الربا ثابت بالكتاب والسُّنَّة وإجماع المسلمين، وهذا من حيث الجملة؛ إذ إن العلماء يختلفون في بعض المسائل اختلافًا كثيرًا، لكن من حيث الجملة الربا محرم بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
أما الكتاب فنصٌّ صريح في قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].

الجزء: 2 - الصفحة: 1155

وأما السُّنَّة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه (5)، وهذا يقتضي أن يكون الربا من كبائر الذنوب.
وأما الإجماع فلم يختلف المسلمون في أن الربا محرم وإن اختلفوا في بعض المسائل؛ مثل اختلافهم في علة الربا وهل يتعدى الحكم إلى غير المنصوص عليه أو لا؟ وكما مر علينا فيما سبق أن هناك اختلافًا، لكن في الجملة هم مجمعون على تحريم الربا، كما نقول مثلًا: إن العلماء مجمعون على وجوب الزكاة وإن كانوا يختلفون في بعض الأشياء هل فيها زكاة أو ليس فيها زكاة؟ وقول المؤلف: (يحرُم الربا بين المسلم والحربي) كما يحرم بين المسلمين؛ الحربي مباح الدم والمال بالنسبة لنا، فماله حلال، لو أخذناه قهرًا فهو لنا، لكن عند المعاملة تُجرى المعاملة على ما تقتضيه الشريعة، والربا في الشريعة محرم، والنصوص عامة، فيحرم الربا بين المسلم والحربي، فلو أن إنسانًا وجد حربيًّا ومعه مال وليس بقادر على أخذه منه قهرًا، فقال: أنا أريد أن أشتري منك مئة دينار بخمسين دينارًا؛ فإن ذلك لا يجوز، أو مئة صاع برٍّ جيد بخمسين صاعًا رديئًا مثلًا أو بالعكس فإنه حرام؛ لأنه متى جرى الأمر بصورة العقد وجب أن يطبَّق على ما تقتضيه الشريعة.
(بين المسلم والحربي)، طيب، بين المسلم والذمي من باب أوْلى أن يكون الربا جاريًا؛ لأن مال الذمي محترم.
(وبين المسلمين مطلقًا) يحرم أيضًا الربا بين المسلمين مطلقًا، وهذا الإطلاق فسَّره بقوله: (بدار إسلام وحرب)؛ (بدار إسلام) كالبلاد الإسلامية، ودار (حرب) كالبلاد الحربية إذا دخلها المسلم بأمان وتبايع مع حربي أو مع مسلم فإنه يحرم الربا؛ وذلك لعموم الأدلة.
ومن العلماء من اعتبر الدار وقال: إن الدار إذا كانت دار حرب فلا ربا فيها بين المسلمين وأهل الحرب، ولكن لا دليل على هذا، النصوص عامة، والعقود يجب أن تجرى على ما تقتضيه الشريعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1156

انتهى الباب، لكن عندي بالشرح مسائل مهمة: يقول: (لا ربا بين السيد ورقيقه) فيجوز للإنسان أن يشتري ثلاثة دراهم بدرهمين من رقيقه، لماذا؟ لأن المال ماله؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» (6). وهل يجري بين الأب وابنه؟ نعم يجري بين الأب وابنه؛ لأن مال الابن مستقل، ومال الأب مستقل، وكون الأب يملك أن يتملك من مال ولده ما شاء لا يعني أن مال ولده ملكٌ له، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (7)، فمراده أن لأبيك أن يتصرف في مالك، وليس معناه أنك ملكٌ لأبيك، أو أن مالك ملكٌ له، فإن هذا يمنعه الإجماع، فالابن ليس ملكًا لأبيه.
إذا كان ليس ملكًا لأبيه إذن ماله ليس ملكًا له؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، فجعل الله الميراث جاريًا بين الآباء والأبناء، ولو كان ملك الأبناء للآباء لم يكن هناك جريان للإرث.
هل يجري الربا بين الزوج وزوجته؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، بين الأختين في الحليِّ؟ تشتري الأختان حليًّا، ثم إذا وصلتا إلى البيت قالت إحداهما: هذا الحلي لا أريده، فقالت الأخرى: أنا أريده، فقالت: نتبادل، هل يجري الربا بينهما؟ طالب: ( ... ). الشيخ: يا إخوان! هذه مبادلة وتنازل عن الزائد، أين الفقه؟ ! طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: أين الفقه؟ ! الآن هذه أخذت أُسورة وهذه أخذت أسورة، بعد الرجوع إلى البيت رغبت إحداهما أسورة الأخرى وبينهما تفاضل، يعني هذه أسورتها واسعة وثقيلة وهذه بالعكس، فقالت: ليس بيننا حساب، خذي الأسورة التي لي، وآخذ الأسورة التي لكِ، تنازُل، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
طلبة آخرون: لا يجوز.
الشيخ: اختلف العلماء على قولين.
طالب: ( ... ) الوزن.
الشيخ: لا، الوزن بينهما فرق، هذا أكثر، واحدة أكثر من الثانية.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1157

الشيخ: كيف مخلوطة؟ هذه أسورتها مثلًا كم نقول؟ عشر أواقٍ، وهذه خمس عشرة أوقية، لكن ما هو على سبيل البيع على سبيل التنازل.
طالب: لو كان على سبيل ( ... )؟ الشيخ: طيب، على سبيل المبادلة؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: إي صحيح، تمام، علمكم راسخ والحمد لله، لا يجوز البيع؛ لأن التبادل بيع، الفقهاء يقولون: البيع مبادلة مال بمال، فهذا تبادل، فإن قالوا: تنازل، قلنا: التنازل لا يجوز إذا أدى إلى فعلٍ محرم، وهذا يؤدي إلى فعل محرم، تريدين أن تتنازلي عن الحلي لأختك مجانًا لا مانع، لكن بعوَض والتفاضل بينهما ممنوع لا ينفع كلمة (تنازل)، والحقائق إذا سُميت بغير اسمها لا تتغير، وإلا لكن الكفار يُسمُّون الخمر الشراب الروحي، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك إلى قوم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها (8)، فالأسماء لا تغيِّر حقائق المسميات.
إذن يجري الربا بين الأقارب كلهم، وليس أحد يعامل أحدًا بربا، وليس بينهما ربًا إلا السيد مع رقيقه، وحقيقة الأمر أن تعامل السيد والرقيق ليس معاملة حقيقية؛ وإنما هي صورة معاملة؛ إذ إن مال الرقيق للسيد.


ثم قال الشارح رحمه الله: (وإذا كان له على آخر دنانير فقضاها دراهم شيئًا فشيئًا فهل يصح؟ ). إنسان في ذمته عشرة دنانير لشخص فقضاها دراهم شيئًا فشيئًا، ولنقل: إن هذه العشرة دنانير تساوي مئة درهم، فصار كل يوم يجيب له عشرة دراهم، حتى أتمت المئة، عشرة أيام تمت المئة، هل يصح هذا؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: إن قلتم: يصح، فخطأ، وإن قلتم: لا يصح، فخطأ.
نقول: هل إنه إذا جاء بالدراهم يقول: هذه عشرة ريالات في مقابل دينار، إن كان يقول هكذا فصحيح، وإن كان لا يقول هكذا ففيه تفصيل، فهذا ليس بصحيح لكن إذا انتهت مئة الدراهم يصارفه من جديد.
ولهذا يقول رحمه الله: (فإن كان يعطيه كُلَّ درهم بحسابه من الدينار صح)، واضح هذا؟ طالب: ما هو بواضح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1158

الشيخ: قلنا: الدنانير كم؟ عشرة، تساوي مئة، فصار هذا المطلوب كلما جاء بعشرة دراهم قال: هذه مقابل دينار، يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأن صاحب الدنانير قد قبضها في الواقع، أليس كذلك؟ لأنه قبضها في الواقع إذ هي عنده، وإن كان لا يقول هكذا، بس يأتي كل يوم بعشرة دراهم حتى انتهى وسلمه مئة فإنه لا يصح.
(وإن لم يفعل ذلك ثم تحاسبا بعدُ فصارفه بها وقت المحاسبة لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين، وإن قبض أحدهما من الآخر ما له عليه، ثم صارفه بعين وذمة صحَّ).
(إن لم يفعل) ويش معنى (يفعل)؟ يعني: إن لم يعطه كل درهم بحسابه يقول: هذا في مقابل كذا، (ثم تحاسبا بعد) يعني: بعد أن تمت الدراهم تحاسبا، وصارفه بها وقت المحاسبة لم يَجُز؛ لأنه بيع دين بدين.
كيف بيع دين بدين؟ ! نعم بيع دين بدين، صار يأتي الآن كل يوم بعشرة دراهم، انتهت المئة، قال: الآن نصارف، فما عندك من المئة مقابل ما عليَّ من الدنانير، نقول: ما حضر لا دنانير ولا دراهم، إذن هو بيع دين بدين، بيع ما في ذمة المطلوب دنانير بما استلمه صاحب الطلب الذي يطلب الدنانير، فهو بيع دين بدين، فلا يصح.
إذن ما هو الطريق؟ الطريق أنك تحضر ( ... )؛ ولهذا قال: (وإن قبض أحدهما من الآخر ما له عليه، ثم صارفه بعين وذمة صحَّ).
نقول: حضِّر ( ... )، حضر عشرة دنانير ثم بعد ذلك قل: هذه الدنانير هي مقابل ما عندك من الدراهم، كم اللي عنده من الدراهم؟ مئة، فيكون الصرف الآن؟ طالب: يجوز؟ الشيخ: إي نعم، هو صحيح، لكن يكون بأيش؟ عين بذمة.
وإن أحضر كل واحد ما عنده يصح أو لا يصح؟ يصح من باب أوْلى؛ لأنه الآن صرْف عينٍ بعين.
هذه الصورة، عندك لزيد عشرة دنانير، واتفقتما على أنك تعطيه بدلها دراهم، فصرت كل يوم تأتي بعشرة دراهم حتى انتهت، كم تكون؟ طالب: مئة.
الشيخ: حضَّرت مئة درهم لكنك تحضر كل يوم عشرة أو خمسة المهم انتهت، وقلت: هذه الدراهم اللي أنا حضرتها لك عن الدنانير التي لك في ذمتي، يصح ولّا ما يصح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1159

الطالب: ما يصح.
الشيخ: كنت كلما أحضرت عشرة دراهم قلت: هذه مقابل دينار؟ أيش تقول؟ طالب: يصح.
الشيخ: أيش؟ الطالب: يجوز البيع لأنه .. الشيخ: أنت تفقه ما تقول الآن ولّا لا؟ كل ما جئت بعشرة دراهم قلت: هذه عشرة في مقابل الدينار، يصح؟ الطالب: يصح.
الشيخ: كيف المصادفة هذه ويش نوعها؟ ذمة بذمة ولَّا عين بعين؟ طالب: عين بذمة.
الشيخ: عين بذمة.
توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، انتهت الدراهم ثم صارفه بما في ذمته من الدنانير، أيش تقول؟ طالب: إن أحضر أحدهما .. الشيخ: لا، ما أحضر شيئًا أبدًا.
الطالب: إذا صارف دينًا بدين، ما يجوز.
الشيخ: قال: الآن أنت أخذت مني مئة درهم وأنا في ذمتي عشرة دنانير، خلاص اللي الآن استملتَ مني عِوض عن العشرة دنانير اللي في ذمتي؟ الطالب: هذا لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز! كل واحد استلم اللي وقع عليه العقد! الطالب: ولكن البيع حدث بعد الاستلام.
الشيخ: إي نعم، بعد الاستلام.
الطالب: ما يجوز هذا.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه بيع دين بدين.
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، أحضر أحدهما ما عنده، يعني: صاحب الدنانير اللي عليه عشرة دنانير جاب عشرة دنانير، وقال: هذه العشرة عن الدراهم التي عندك لي، يصح؟ طالب: يصح؛ لأنه بيع دين بعين.
الشيخ: بيع دين بعين، طيب، صحيح هذا ولَّا غير صحيح؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: إي.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1160

الشيخ: والصحيح أنه يصح في هذه المسألة وفيما إذا تصارفا في الذمة؛ لأن ظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم (9)، أنه لا تُحضر الدراهم ويقع العقد على عينها؛ هذا ظاهر الحديث؛ ولأن المقصود من التقابض قبل التفرق قد حصل، الدراهم الآن في ذمتك والدنانير في ذمتي، نتفرق وليس بيننا شيء، فالصحيح أنه يصح، وأنه ليس من باب بيع الدين بدين، وإنما المنهي عنه -أي بيع الدين بالدين- ما سبق تصويره ومر علينا.
إذا إنسان يشتري حاجات من بقالة، ويحاسبه كُلَّ شهر، إذا انتهى الشهر قال: كم عليَّ؟ قال: كذا وكذا، فسَلَّمَه دون أن يعيِّن الدراهم حين تسليمها، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، وهذا مما يؤيِّد القول بأنهما إذا تصارفا في الذمة، وكان كل واحد منهما قد قبض ما يؤول إليه فإنه صحيح.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب بيع الأصول والثمار).


طالب: بالنسبة للدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد، مو بالأقرب أنها فعلًا لا بد أن تتعين بالتعيين.
الشيخ: أيش؟ الطالب: أقول: ما هو بالمذهب هنا هو الأقرب إلى الصحة؟ الشيخ: لا.
الطالب: يا شيخ، يعني السؤال يا شيخ ... الشيخ: إذا كان لا يختلف المراد؟ الطالب: هذا هو السؤال، الدراهم والدنانير عادة كانت عندهم تختلف، ليست كعملتنا الآن، عملتنا الآن مئة الريال معروفة لا تزيد ولا تنقص؟ الشيخ: هم مرادهم أيضًا الدراهم والدنانير التي لا تختلف.
الطالب: فإن كان فيه ( ... )؟ الشيخ: حتى التي تختلف أيضًا، هل تتعين أو يجوز أن يعطيه من جنسها من مكان آخر؟ الطالب: لو أعطاه من مكانٍ آخر لا بد أن يحدث فرق بين ( ... ). الشيخ: لا، ما يحدث فرق، الدراهم معروفة، والدنانير معروفة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1161

طالب: بالنسبة لمسألة التعامل بين الأختين في الذَّهب، المبادلة، هل نقول: إن العرف جار أن الذهب يكون في ملك الأب وإنما يكون يعني ينتقل الملك إليهم، يعني انتقال صوري مثلًا، يعني ليس انتقالًا مقصودًا؟ الشيخ: هذا يقول: إن الحلي الذي في يد الأختين ملك للأب، مَنْ قال هذا؟ الطالب: عُرف الناس.
الشيخ: أبدًا، ولا عُرف الناس، هذا الذي تقول: إنما يكون بالنسبة للبنات الصغار، البنات الصغار ربما أنه يكون الوالد قد أعطاهم هذا على سبيل العارية، ما هو على سبيل التمليك، فإذا كان على سبيل العارية فإنه لا ربا؛ لأن لباس هِند ولباس سلمى كله للأب.
الطالب: مثلًا نقول يا شيخ: إذا أعطاها الأبُ فقال: أعطيها لأختك ونشتري لكِ بدلها، فهل يكون ( ... )؟ الشيخ: لا هذا غيره، ما هو بمبادلة، هذا وعد من أبيها أنه يشتري بدلها، ما هو مبادلة.
طالب: قلنا: إن المسدد يعني بكل عشرة عن دينار لا بد أن يصرح كل مرة أن هذه العشرة عن دينار.
الشيخ: نعم.
الطالب: يا شيخ إذا كان في أوَّل مرة يقول: أنا سأعطيك كل مرة عشرة عن دينار، وأتت كل المرات ولم يصرِّح له أن هذه العشرة عن دينار، كان بسابق علم؟ الشيخ: إي، لا بد، ليش؟ لأن الذهب والفضة قد يزيد وينقص.
طالب: التحويل بالعملة الأخرى إلى البلاد الأخرى.
الشيخ: أفهمتم السؤال؟ يقول: هل يجوز أن أحول عملة إلى بلدٍ آخر، مثلًا أسلِّم البنك هنا دراهم سعودية وأقول: سلمني إياها في بلدي من نقد البلد، هل يجوز أو لا؟ طالب: التقابض.
الشيخ: نقول: يجوز إذا قال: تُحوَّل هذه الدراهم السعودية على أنها دراهم سعودية هناك، ثم يحصل المصارفة هناك بما يساوي الريال السعودي، واضح؟ طالب: كيف يا شيخ؟ الشيخ: مثلًا حولتُ ألف ريال سعودي إلى بلدٍ آخر، نقول: الذي يتحول كم؟ ألف ريال سعودي إلى هناك، ثم إذا جاء القابض لها نقول: إن شئت أن تأخذها ريالًا سعوديًّا خذها، وإن شئت أن تصرفها فإنك تصرفها بسعر يومها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1162

طالب: ما يحصل.
الشيخ: اصبروا يا جماعة، عرفتم ولّا لا؟ إذن ( ... ) لنفرض أنه مثلًا حول من بنك في السعودية إلى بنك القاهرة في القاهرة، نقول: تتحول الآن الدراهم إلى أيش؟ إلى بنك القاهرة سعودية، ثم عند قبض عوضها يقال: كم تساوي هذه الدراهم السعودية بالجنيه المصري؟ ويتم العقد على هذا الوجه، واضح؟ طلبة: ما يحصل.
الشيخ: لماذا؟ طالب: لأن السعوديين في البنك ولهم نائب هناك آخر يتعاملون معه بحيث يرسلون الرقم، رقم ألف ريال عندنا استلمناه أعطه المقابل، وهات ما يعادله.
الشيخ: ما يخالف، إذا جاء التحويل مقابله هناك ما هو هنا، يعني: لنفرض ألف ريال سعودي يساوي مثلًا ألف جنيه مصري هنا، لكن في مصر يساوي ثمان مئة جنيه، يأخذ بثمان مئة جنيه، ما هو بألف؛ لأنها تؤخذ بسعرها هناك، لكن مع ذلك سمعت أن هذا أيضًا لا يمكن، يقولون: إن هذا لا يمكن.
طالب: ( ... ) الريال السعودي بالعملة الأخرى هنا، يعني الألف ريال تحول إلى عملة أخرى وتعطى الشيك، ثم ترسل أنت إلى هناك فتستلم المبلغ.
الشيخ: هذا غير صحيح.
الطالب: هذا هو الحادث.
الشيخ: ليش؟ لأن الشيك ليس قبضًا، الشيك تحويل، لكني أقول: إنه إذا صُرفت بشيك بما تساوي هنا، وصُرفت بشيك مصدق، واتُّصِل بالبنك الذي هناك وقال: نعم الرصيد المطلوب موجود عندي ولن أصرفه، فهذه ربما نقول: للضرورة إذا لم يمكن إلا هذه الحال فلا بأس بها؛ لأن الناس لا يمكن أن تتعطل مصالحهم، وكونه يحول دراهم سعودية إلى هناك ثم يجري التصارف هناك، ما يطيعوه، الحكومات ما تطيع.
إذن ما فيها الآن إلا للضرورة؛ انتبهوا: للضرورة يأخذ شيكًا مصدقًا ويتصل بالبنك الآخر ويقول: هل عندك رصيد لهذا الرقم، إذا قال: نعم، يقول: احبسه أو احبس منه المقدار المعين، حينئذٍ نقول: للضرورة لا بأس، جائز، فهمتم ولّا لا؟ وهذا ممكن ولّا غير ممكن؟ طالب: غير ممكن.
الشيخ: لا، ممكن.
طالب: هذا ممكن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1163

طالب: ( ... ) نأخذ الشيك ونذهب إلى البنك المحول عليه ويقول الموظف مثلًا: الرصيد غير موجود، تعالَ بعد أسبوع أو عشرة أيام ( ... ). الشيخ: أحسنت، ولهذا قلنا: لا بد أن يكون مصدقًا، ولا بد يتصل على البنك المحوَّل عليه.
طالب: هذا غير منطقي أني أقول للموظف مثلًا: اتصل لي بالبنك في القاهرة لأعرف الرصيد موجودًا ولَّا غير موجود.
الشيخ: لا، ممكن، هذا ما فيه مانع.
الطالب: ما يطيعه يا شيخ.
الشيخ: إذا ما أطاعه ندور غيره، ندور على بنك ثان، هم يطيعون، ما يحتاج.
طالب: ما يطيعون يا شيخ.
طالب آخر: المكالمة الواحدة يا شيخ تتكلف خمسين ريالًا.
الشيخ: أقول: عليَّ أنا، تكلم.
طالب: ما يقبل هو.
طالب آخر: ما يمكن.
الشيخ: والله ما أعرف إلا ... طالب: البنك لا يفعل هذا إلا إذا كان عنده الرصيد في البنك الآخر اللي هو في مصر، هذا أمر مرتب يا شيخ، لا يحتاج أني أنا مثلًا أتصل عليهم من هناك.
الشيخ: يعني: أنه ما يصدقه إلا بعد أن يتيقن أن هناك رصيد؟ الطالب: ما يصدر الشيك إلا بعد أن يكون هناك مقابل.
الشيخ: أنا قلت هذا: إنه لا بد من الاتصال بالبنك؛ لأن أحيانًا تُحال الشيكات ولا يصرف رصيد، وهذا كثير.
( ... ) طالب: ( ... ). الشيخ: أقول: لم أفهم سؤالك.
ما هو سؤالك؟ الطالب: إذا كان جنسان ربويَّان .. الشيخ: نعم، اتفقا في علة ربا الفضل.
الطالب: لم يتفقا في علة ربا الفضل.
الشيخ: نعم.
الطالب: قلنا: يجوز أنه ( ... ). الشيخ: لا، إذا لم يتفقا.
الطالب: نعم إذا لم يتفقا ( ... ). الشيخ: إي نعم، صح.
الطالب: وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِه الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (4)؟ الشيخ: أجبنا عنه، ما أجبنا عنه يا جماعة؟ «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ»، أجبنا عنه.
الطالب: أقول يا شيخ: إذا كان ( ... ) وهذا ربا.
الشيخ: ما ذكرنا هذا؟ ذكرنا هذا، وقلنا: السَّلَم يدل على ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1164

الطالب: في غير النقد يا شيخ.
الشيخ: حتى في غير النقد؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه إذا باع مكيلًا بموزون جاز كُلُّ شيء.
طالب: يقول: إن العلة في جريان الربا في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، ليس كونهما نقدين، فما هي العلة في الأوراق نقدية؟ الشيخ: إي، هذه مشكلة، هذه لا تنطبق إلا إذا قلنا: إن العلةَ الثَّمَنيَّةُ، فقد أصبحت الأوراق النقدية الآن ثمنًا، تُشترى به الأشياء، وتدفع به الأجور وما أشبه ذلك، ويبقى علينا إذا قلنا: العلة الثمنِيَّة يُشكِل علينا حديث القلادة (10)، فإنها ليست ثمنًا، بل ذهبًا، ويُشكل علينا أيضًا عموم قوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (11) هو عام، سواء كان نقدًا أو غير نقد، فلهذا ( ... ) الأوراق النقدية بالذهب والفضة في النفس منه شيء، لكن الإنسان يستعظم أن يقول للناس: هذه الأوراق النقدية عروض مطلقًا؛ لأننا لو قلنا بهذا لأصبحت البنوك الآن التي تتعامل بالربا أيش؟ حلالًا لا ربا فيها، هذه واحدة.
الشيء الثاني: لو قلنا بهذا قلنا: لا زكاة في هذه الأوراق ولو بلغت الملايين إلا إذا عدَّها للتجارة، تكون عروض تجارة، وقد قال بهذا بعض العلماء، حتى الفقهاء قالوا: لا زكاة في فلوسٍ مطلقًا؛ لأن الفلوس عروض، حتى لو كان الإنسان عنده ملايين من الفلوس اللي هي النقود المعدنية فليس عليه زكاة.
لكن هذا ما يستطيع الإنسان يتجاسر فيه.
كل الناس اللي عندها ملايين من هذه الأوراق يقولون: ما أردنا التجارة فلا زكاة علينا، وكل البنوك تقول: خلاص الحمد لله أن ( ... ) ويقول: أنتم تحاربون الله ورسوله، الآن لسنا نحارب الله ورسوله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1165

فالحقيقة إن القول بأن العلة الثمنية قول قوي جدًّا؛ لأنه لا فرق بين أن تدفع مثلًا دينارًا أو أن تدفع ورقة فئة خمس مئة ريال بالنسبة لقيم الأشياء، لا فرق، لكن حديث فضالة هو الذي يُشكِل على هذا، إلا أن يقال: إذا كان أحدهما نقدًا، وهو من جنسه جرى الربا، حينئذٍ ننفك من هذا الإشكال.
( ... ) هذا يقول: استدللنا بحديث ابن عمر (9) على جواز بيع ما في الذمة بما في الذمة فلم أفهم هذا، بارك الله فيكم، وفهمت أن أحد النقدين حاضر؟ مثلًا باع الإبل بدراهم، فقال: أعطني بدل الدراهم دنانير.
ليس في الحديث دليل على أنه أحضر الدنانير، بل قال: أعطني بدلها دنانير، ثم ذهب وجاء إليه بالدنانير، فيكون هنا بيع دين بدين.
( ... ) ما معنى قوله: (يحرُم ربا النسيئة)؟ طالب: النسيء معناه التأخير؛ يعني: يحرم التأخير.
الشيخ: تأخير القبض؟ الطالب: تأخير القبض نعم.
الشيخ: إذا باع؟ الطالب: إذا باع جنسين اتفقا في علة ربا الفضل.
الشيخ: أحسنت، إذا باع الإنسان جنسين اتفقا في علة ربا الفضل حرُم النسيئة، وهو أن يتفرقا قبل القبض.
المثال؟ طالب: مثل: باع البر بشعير.
الشيخ: مثل أن يبيع بُرًّا بشعير أو؟ الطالب: أو ذهبًا بفضة.
الشيخ: أو ذهبًا بفضة.
هل يستثنى من هذا شيء؟ طالب: نعم، يستثنى ( ... ). الشيخ: وهي؟ الطالب: وهي إذا كان بينهما نقد.
الشيخ: كيف إذا كان بينهما نقد؟ الطالب: يستثنى إذا كان أحدهما نقدًا.
الشيخ: يستثنى ما إذا كان أحدهما نقدًا.
هل هناك دليل على هذا الاستثناء؟ طالب: نعم، حديث القلادة (10). الشيخ: لا.
طالب: حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنِ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (12). الشيخ: وجه الدلالة؟ الطالب: وجه الدلالة أن السَّلَم هو تقديم الثمن ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1166

الشيخ: لكن هذا يقول: «فِي كَيْلٍ»، يقول: كيلٌ لا يتفق مع النقدين في علة ربا الفضل؟ الطالب: في رواية: «فِي شَيْءٍ».
الشيخ: و «فِي شَيْءٍ»، وفي بعض الروايات «فِي ثَمَرٍ» (13). الطالب: هذا وجه استدلال؟ الشيخ: إي ما هو؟ من دليلك، الآن أنت أتيت بالدليل، لكن لا ندري هل أتيت به تقليدًا أو أنك تعرف وجه الدلالة، والمطلوب الآن أن تبين لنا وجه الدلالة؟ الطالب: وجه الدلالة أن السَّلم في كل الثمن غير مثمن، هو قدم ثمن أحد النقدين.
الشيخ: الثمن أحد النقدين، وإذا كان المثمَن - وهو المسلم فيه - مكيلًا لم يتفقا في علة ربا الفضل.
الطالب: قد يكون ليس ذهبًا وفضة.
الشيخ: ويش يكون؟ الطالب: قد يكون بُرًّا أو تمرًا.
الشيخ: ما يصلح.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ».
الشيخ: قوله: «أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ»، والدنانير والدراهم موزونة.
هذا الدليل، فيه تعليل أيضًا.
هذا الاستثناء له دليل وله تعليل؟ طالب: الدليل ما ذكره الأخ، أما التعليل فلئلا يسد باب السلم.
الشيخ: في؟ الطالب: في الموزونات.
الشيخ: دائمًا؟ الطالب: لا، غالبًا.
الشيخ: غالبًا.
طيب، ما الذي أخرجه قوله (غالبًا)؟ الطالب: لأنه في المكيلات قد يكون في غير النقد.
الشيخ: صحيح؛ لأنه إذا جعل الثمن مكيلًا في الموزون لم يسدَّ باب السلم، وهذا كما تعرفون على الخلاف اللي مر.
هل يجوز للإنسان أن يتعامل بالربا مع رجلٍ حربي؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز! حربي يا رجال! حربي؟ الطالب: ما يجوز.
الشيخ: حربي مباح المال؟ الطالب: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟ أجب.
الطالب: الربا حرام سواء مع حربي أو مع غيره.
الشيخ: سؤالي هل يجوز الربا في معاملة الحربي أو لا؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز.
إذا قال لك قائل: أليس ماله حلالًا؟ الطالب: بلى.
الشيخ: إذن ليش ما آخذ ماله بأيِّ وسيلة؟ طالب: لأن الربا محرم لذاته، الله تعالى حرَّمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1167

طالب آخر: لأن المعاملات خلاف ذلك ( ... ) البيع، خلاف غيرها.
الشيخ: إي، معناه إذا كان خلاف غيرها يجوز الربا معه.
الطالب: الحربي أو غير الحربي لا تعامل إلا بوفق الشرع.
الشيخ: يعني: المعاملات يجب أن تكون على وفق الشريعة ولو كان مع الحربيين؛ لأنه لما جرى البيع بينك وبين هذا الحربي فقد أعطيته أمانًا، لاحظوا هذه المسألة، ما دمت عقدت عقدًا بينك وبين الحربي فقد أعطيته أمانًا، وإذا أعطيته أمانًا صار ماله معصومًا.


باب بيع الأصول والثمار

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب بيع الأصول والثمار).
أفرد المؤلف رحمه الله بيع الأصول والثمار ببابٍ مستقل لكثرة فروعه، وإلا فهو داخل في ضمن باب البيوع.
فالأصول جمع أصل، والثمار جمع ثمرة.
فما هي الأصول؟ الأصول هي الأشياء الثابتة من العقار والأشجار والدور والأرض، وهذا هو مرادنا بقولنا: العقار، هذه هي الأصول: الشيء الثابت من أرضٍ أو دارٍ أو أشجار، والثمار ما ينتج من الأشجار، فالنخلة تعتبر أصلًا، وثمرها ثمر؛ لأنه نامٍ منها.
والمقصود بهذا الباب، ليس المقصود الكلام على شروط البيع؛ لأن شروط البيع قد سبقت، ولا على موانع البيع؛ لأن موانع البيع أيضًا سبقت، ولكن المقصود بيان ما يدخل في البيع وما لا يدخل.
فيقول المؤلف رحمه الله: (إذا باع دارًا شمل أرضها، وبناءها، وسقفها، والباب المنصوب، والسلم والرف المسمرين، والخابية المدفونة) إلى آخره.
(إذا باع دارًا) فقال: بعت عليك هذه الدار بكذا، فلا بد أن يكون الثمن معلومًا كما هو ظاهر، ولا بد أن تكون الدار ملكًا للبائع أو له ولاية عليها أو وكالة، لكن المهم إذا باع دارًا فما الذي يدخل في الدار؟ يقول: (يشمل الأرض)، إلى أين؟ إلى الأرض السابعة، ويشمل أيضًا الهواء؛ هواءها إلى أين؟ إلى السماء الدنيا، أما ما وراء السماء الدنيا فلا يملك ذلك؛ لأن السماء الدنيا سقف فليست ملكًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1168

كذلك أيضًا يشمل (بناءها)، (بناءها) أي: ما بُني فيها من الحُجَر والسور وما أشبه ذلك، ويشمل (سقفها)؛ لأنه تابِع لما بُني فيها، ويشمل أيضًا (الباب المنصوب)، الباب المنصوب يعني المركب، فإذا باع عليَّ دارًا ثم أراد أن يأخذ أبوابها، قلنا: لا؛ لأن الباب داخل في الدار، هذا إذا كان منصوبًا، إما مسمَّرًا إن كان مما يُنصب بالتسمير أو مبنيًّا عليه، المهم إذا كان منصوبًا، فإن لم يكن منصوبًا؛ بأن كان هذا الباب على فوهة الحجرة، يأخذه بيديه إذا أراد يدخل، وإذا دخل الحجرة وأراد يغلقه رده إلى مكانه، فالباب هنا منصوب أو غير منصوب؟ غير منصوب، هل يدخل في البيع؟ يقول المؤلف: إنه لا يدخل، فللبائع أن يأخذه؛ لأنه ليس منصوبًا؛ إذ لو أراد البائع أن يكون هذا تابعًا للدار لنَصَبَه، فهو كالخِرقة مثلًا إذا كانت الخرقة أيضًا غير مسمرة يأخذها البائع.
(والباب المنصوب والسلم والرف المسمرين) السُّلَّم الذي يُصعد به إلى السَّقف إذا كان مسمَّرًا يدخل، فإن لم يكن مسمَّرًا فإنه لا يدخل، وكذلك الرف إن كان مسمَّرًا دخل وإلا فلا.
إذا كانت أيدي الرف مُسمَّرة والخشبة التي هي الرف موضوعة على هذه العضائد، فهل يدخل في البيع؟ نقول: أما العضائد فتدخل؛ لأنها مسمرة، وأما الخشب الموضوع فإنه لا يدخل؛ لأنه غير مُسمَّر.
ومثل ذلك الرَّحَى، البيت فيه رحى أسفلها يدخل في البيع؛ لأنه مبنيٌّ ثابِت، والرحى الفوقاني لا يدخل في البيع؛ لأنه يُنزع.
(والخابية المدفونة) الخابية مجمع الماء وشبهها، إذا كانت مدفونة دخلت، وإن كانت موضوعة على سطح الأرض فإنها لا تدخل كسائر الأواني.
وما ذكره المؤلف رحمه الله ليس له دلالة شرعية، وإنما له دلالة عُرفية، فهذه الأمور في أعرافهم لا تدخل، فلا يكون البيع شاملًا لها، لكن لو اختلف العُرف وصار الباب داخلًا في المبيع سواءٌ كان منصوبًا أو غير منصوب، فهل يدخل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1169

نعم، كذلك أيضًا مسألة الرف الذي مثَّلنا به، عضائد الرف مسمَّرة وثابتة، ولكن الخشب الذي يوضع على هذه العضائد غير مسمَّر، جرت العادة أنه تَبَع، العرف أنه تبع فيدخل.
أيضًا الرَّحى الطبقة السفلى منها مسمرة بالأرض أو مبنية، والعليا غير مسمَّرة.
يقول المؤلف: إن العليا لا تدخل، ولكن لا شك أن الطبقة العليا تدخل؛ لأنه هل يمكن أن تكون رحى بدون طبقٍ أعلى؟ لا يمكن، ثم هو إذا أخذ هذه العليا لن ينتفع بها إلا بسفلى.
فالصواب أيضًا في مسألة الرَّحى أنها داخلة إذا كانت منصوبة بالأرض؛ يعني: مثبتة يدخل الأعلى كما يدخل الأسفل.
قال: (دون ما هو مودع فيها من كنز وحجر) الكَنْز مُودَع في الأرض، فلا يدخل في البيع؛ لأنه منفصل، فإذا وَجد المشتري في هذه الأرض كَنْزًا فإنه لا يدخل في البيع، بل يكون لصاحبه، إذا كان مكتوبًا عليه أو ما أشبه ذلك يُردُّ إلى صاحبه، وإن لم يكن مكتوبًا عليه فإنه لمن وجده؛ لأنه ليس داخلًا في البيع؛ وعلى هذا فلو وجد المشتري كنزًا مدفونًا، فليس للبائع أن يطالبه وأن يقول: إن الكنز لي، حتى يثبت ببينة أنه له؛ لأن الكنز لا يتبع الأرض، سواء جاءت من البائع أو وجدها المشتري أو باع الدار بعد ذلك، المهم أن الكنز لا يدخل.
وقوله: (وحجر)، كيف (حَجر)؟ ربما بعض الأحجار يكون لها قيمة، فتدفن في الأرض، فيجدها هذا الرجل، فنقول: إن هذا الحَجر لا يدخل في الدار، لماذا؟ لأنه مودَع فيها، فإذا كان مودعًا فيها فإنه لا يدخل.
أما الحَجر الذي من طبيعة الأرض، فهل يدخل أو لا؟ نعم يدخل؛ لأنه من طبيعة الأرض.
كذلك لا يدخل فيها ما هو منفصل، المنفصل عن البيت لا يدخل؛ مثاله: (كحبل ودَلْوٍ وبَكْرة وقُفل وفُرش ومفتاح) لا يدخل في البيع، لماذا؟ لأنه منفصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1170

الأمثلة؛ يقول رحمه الله: الحبل والدلو والبَكْرة، كل هذا تتعلق بالبئر، فإذا باع دارًا فيها بئر وهذا البئر فيه بَكْرة، وفيه حبل؛ الرِّشا، وفيه دلو؛ فإن البكرة لا تدخل، أتدرون ما هي البكرة؟ المَحَّالة، أتدرون ما المَحَّالة؟ التي يدور عليها الرِّشا -بالكسر-.
الرِّشا أيضًا لا يدخل، الدلو لا يدخل.
وظاهر كلام المؤلف أن البكرة لا تدخل ولو كانت مسمَّرة، وفي هذا نظر؛ لأنها إذا كانت مسمرة فقد أُعدِّت أيش؟ للبقاء فهي كالرفِّ المسمَّر ولا فرق، أمَّا الرِّشا والدَّلو فنعم منفصل لا يدخل البيع.
كذلك القفل ليس داخلًا في بيع الدار، لماذا؟ لأنه منفصل، وأما الكالون الذي في نفس الأبواب فهو تبعٌ للأبواب، إن دخلت دخل وإن لم تدخل لم يدخل.
الفُرُش أيضًا لا تدخل؛ لأنها منفصلة، وظاهر كلام المؤلف: حتى وإن كانت ملصقة كما يوجد في الفرش الآن، فيه فرش ملصقات بالأرض، وفرش تُحمَل، منفصلة.
لكن قد يقال: إن الفرش الملصقة كالرَّف المسمَّر، تدخل في البيع ولا تُنزع.
المفتاح لا يدخل في البيع، وعلى هذا فإذا بعت عليك دارًا أخذت المفاتيح، وهذا يقولون: لأنه منفصل، ولكن هذا خلاف العادة والعرف، ولا شك أن المفاتيح داخلة، وأن الفرش فيها تفصيل؛ ما كان ملصقًا ثابتًا فهو داخل وما كان منفصلًا ينقل فهو غير داخل.
( ... )


طالب: اشترى رجل من صائغ مجوهرات، ثم بدا له أن يرجعها ويأخذ ثمنها، فأرجعها ويريد أن يأخذ بثمنها غيرها، فهل يأخذ النقود من البائع أو يشتري ( ... ). الشيخ: قال الإمام أحمد رحمه الله: يبيعها على هذا الصائغ ثم يأخذ الثمن ثم يبحث في السوق فإن وجد شيئًا وإلا رجع واشترى منه.
الطالب: وإذا اشترى منه مباشرة؟ الشيخ: فلا بأس، لكن الأحسن ألا يكون.
الطالب: وإذا اشترى منه مباشرة؟ الشيخ: هذا إذا باعها عليه بيعًا، أما إذا فُسخ البيع الأول وهو ما اتفقا عليه ولا قُصد به الحيلة، فليشترِ فورًا منه ولا بأس.

الجزء: 2 - الصفحة: 1171

الطالب: ولكن المشتري يقول: لا أفسخ العقد حتى تشتري؟ الشيخ: إي، إذن معناه أنه لا بد من هذا، يقال: والله أنا ما يصلح؛ لأنه إذا اشترط أن يشتري منه لزم أن يأخذ عوضًا عن هذه الدراهم ذهبًا يحرُم فيه التفاضل بينه وبين الذهب الأول.
الطالب: ولكن يا شيخ ( ... ) ويأخذ ذهبًا جديدًا يرجع الأفضل.
الشيخ: لكن مشروط عليه، حيلة.
الطالب: وإذا لم يشترط؟ الشيخ: كما قلت لك: إذا لم يشترط وأعطاه الدراهم ثم يذهب ويبحث في السوق إن وجد وإلا رجع إليه.
الطالب: ولكن الآن ( ... )؟ الشيخ: هو على كُلِّ حال الأحوط ما قاله الإمام أحمد، لكن إذا لم يكن مواطأة ولا اتفاق ولا شرط، فلا بأس، إلا أنه لا بد من إحضار الدراهم.
الطالب: ويقبضها يا شيخ؟ الشيخ: إذا أحضرها فهذا قبض، ما يحتاج.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: يعني: يقرضه علشان يكمل؟ الطالب: إي نعم، ولكن مثلًا يعيدها بضاعة؟ الشيخ: ما يصلح هذا، لكن يعطيه الدراهم اللي هي ورق، ويأخذ الموزون ويقول الباقي ما عليه عقد، الباقي يبقى عندك أمانة.
الطالب: يأخذ يا شيخ الخمسين ورقة يا شيخ ثم يبيعها مثلًا؟ الشيخ: الآن هو أعطانا خمسين يريد أن يأخذ عشرة، يعني: عشرة معناه خمس أفراد من العشرات ولّا لا؟ ما وجد إلا ثلاثًا، نقول: خذ ثلاثة الآن وما زاد يبقى أمانة عند البائع.
طالب: ( ... ) من الذهب ونحوه وليس عنده مال، فيذهب إلى الصائغ ويأخذ منه كقرض أو ذهب ثم يقول له بعد أن تأتي القوائد بعد الزواج.
الشيخ: بعد أيش؟ الطالب: بعد الزواج تأتي القوائد.
الشيخ: تأتي أيش؟ الطالب: القوائد؛ التي تسمى بالقوائد.
الشيخ: ويش القوائد؟ الطالب: ظروف تأتي فيها أموال كهدايا أو مساعدات لهذا المتزوج من قِبل الناس، فيأخذ هذا المال ... الشيخ: لا، الأحسن يأخذ ذهبًا بسيارة.
الطالب: كيف ذهبًا بسيارة؟ الشيخ: إي نعم، يشتري ذهبًا بسيارة، يعني: يأخذ ذهبًا عوضه خمسون ألفًا، بسيارة تساوي ستين ألفًا.
الطالب: ما فهمت؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1172

الشيخ: ما تفهم هذا؟ الطالب: لا.
الشيخ: أفهمتم يا جماعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: أنا جئت للصائغ وقلت: أريد ذهبًا قيمته خمسون ألفًا، لكن ما معي فلوس إلا أني أبغي أشتريه منك بسيارة، أحضرها لك بعد ستة أشهر أو بعد سنة، صفتها كذا وكذا، واضح؟ ليش؟ لأن السيارة مع الذهب ليس بينهما ربا.
طالب: إذا باع سيارة ما الذي يدخل في البيع وما الذي لا يدخل؟ الشيخ: إذا باع السيارة؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: كل السيارة تدخل.
الطالب: يكون فيها أشياء منفصلة.
الشيخ: مثل؟ الطالب: الكَفَر ( ... ) السبير.
الشيخ: السبير، على كلام الفقهاء ما يدخل؛ لأنه منفصل.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصاحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هي الأشياء التي إذا تلفت فهي من ضمان البائع؟ طالب: سبعة يا شيخ، المكيل، والموزون، والمذروع، والمعدود، وما بيع برؤية سابقة، والثمر على رؤوس النخل، وما منع المشتري البائع من ( ... ). الشيخ: إذا تلف المبيع بكيل أو نحوه بآفة سماوية، الحكم؟ طالب: هنا ( ... ). الشيخ: ماذا يكون؟ الطالب: إن كان قبل القبض فيكون بضمان الـ .. الشيخ: إي ما قبضه، معلوم، بعد القبض دخل في ضمانه.
الطالب: يرجع المشتري على البائع.
الشيخ: يعني: انفسخ البيع ولّا إيه؟ الطالب: ينفسخ البيع.
الشيخ: ينفسخ البيع؛ لأنه على ضمان البائع فتلِف فينفسخ البيع.
إذا أتلفه آدمي؟ طالب: هذا من باب الربا ( ... ). الشيخ: عجيب! طالب: ( ... ). الشيخ: يعني: قل لي كلامًا من عندك.
الطالب: ( ... ). الشيخ: إذا فسخ العقد يرجع على البائع بالثمن.
الطالب: ( ... ). الشيخ: يُمضي العقد ويطالب ببدله.
المؤلف قال: (ببدله)، ولم يقل: بقيمته؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لأنه.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ضمنه بمثله.
الطالب: إذا كان مقومًا فبقيمته.
الشيخ: فبقيمته.
إذن تكون كلمة بدل أعم من كلمة قيمة مثلًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1173

ضمان البائع لِما منع قبضه، ما نوعه؟ من أي أنواع الضمانات؟ طالب: ضمان غصب.
الشيخ: ضمان غصب، صح؛ لأنه غاصب حيث منع صاحبه من قبضه.
ما حكم الإقالة بالنسبة لطالبها، وبالنسبة لمجيزها؟ طالب: بالنسبة لطالبها مباحة، وبالنسبة لمجيزها سُنَّة.
الشيخ: بالنسبة لطالبها مباحة، يعني: يجوز للإنسان أن يقول للبائع: أقلني البيعة، أو البائع يقول للمشتري: أقلني البيعة، وبالنسبة لمجيزها سُنَّة.
ما هو الدليل على سُنِّيَتها؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ» (14). الشيخ: طيب هذا الدليل، التعليل؟ طالب: لأن المشتري الذي اشترى سلعةً لم يتغير رأيه .. الشيخ: ما يحتاج، تعليل؟ الطالب: ( ... ). طالب: لأنها إحسان.
الشيخ: أحسنت؛ لأنها من الإحسان، والإحسان أمرٌ مطلوب، أما ما أردت أن تتحدث عنه يا فؤاد، فأنت الآن تتحدث عن سبب الإقالة أو سبب طلبها، نحن لا نسأل عن ذلك، نسأل أنها من الإحسان.
يقول المؤلف: (إنه لا خيار فيها ولا شفعة)، فما معنى هذا الكلام؟ طالب: لأنها ليست من البيع وكذا.
الشيخ: لكن ما معناه؟ أنا ما أريد تعليله.
ما معناه؟ (لا خيار فيها ولا شفعة).
الطالب: أي ليس فيها خيار؛ لا خيار شرط.
الشيخ: وخيار مجلس؟ الطالب: وخيار مجلس.
الشيخ: ولا شفعة؟ الطالب: ولا شفعة.
الشيخ: طيب.
هات مثلًا لهذا؟ الطالب: لو أقال البائع المشتري أو العكس.
الشيخ: ما يحتاج (أو العكس).
الطالب: لو أقال أحدهما الآخر قبل أن ينفصل .. الشيخ: هما في مكان واحد الآن.
الطالب: قبل أن ينفسخ المجلس، فيرجع عليه بالثمن.
الشيخ: فهل له الخيار بعد أن أقاله؟ الطالب: ليس له الخيار.
الشيخ: ليش؟ لأنها ليست بيعًا بل هي فسخ.
الطالب: فسخ، وليست بيعًا.
الشيخ: ولا شفعة؟ صورة المسألة؟ طالب: مثل: زيد وعمرو شريكان في أرض، فجاء بكر واشترى من زيد هذه القطعة.
الشيخ: نصيبه من الأرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1174

الطالب: نصيبه من الأرض، ثم قال بكر لزيد: أقلني الأرض، ما أريد أن أشتريها، فأقاله، فلا يجوز لعمرو أن يُشَفِّع نصيبه من عمرٍو بعد أن أقال البائع المشتري.
الشيخ: إي، فهمتم الصورة؟ وإن باعَ أَرْضًا - ولو لم يَقُلْ بحقوقِها - شَمِلَ غَرْسَها وبِناءَها، وإن كان فيها زَرْعٌ كَبُرٍّ وشَعِيرٍ فلبائعٍ مُبْقًى، وإن كان يُجَزُّ أو يُلْقَطُ مِرارًا فأُصولُه للمُشْتَرِي , والْجِزَّةُ واللُّقَطَةُ الظاهرتان عندَ البيعِ للبائعِ، وإن اشْتَرَطَ المشتَرِي ذلك صَحَّ.
(فصلٌ) ومَن باعَ نَخْلًا تَشَقَّقَ طَلْعُه فلبائعٍ مُبْقًى إلى الجِذاذِ إلا أن يَشترِطَه مُشْتَرٍ، وكذلك شجرُ العِنَبِ والتوتِ والرُّمَّانِ وغيرِه، وما ظَهَرَ من نَوْرِه كالْمِشْمِشِ والتُّفَّاحِ وما خَرَجَ من أَكمامِه كالْوَرْدِ والْقُطْنِ وما قَبلَ ذلك والوَرَقُ فلِمُشْتَرٍ، ولا يُباعُ ثَمَرٌ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه ولا زَرْعٌ قبلَ اشتدادِ حَبِّه ولا رَطْبَةٌ وبَقْلٌ ولا قِثَّاءٌ ونحوُه كباذنجانٍ دونَ الأصْلِ إلا بشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ أو جزَّةً جزَّةً، أو لُقْطَةً لُقْطَةً، والحصادُ والجِذاذُ واللُّقاطُ على الْمُشْتَرِي، وإن باعَه مُطْلَقًا أو بشَرْطِ البقاءِ الشيخ: خيار مجلس.
الطالب: خيار مجلس؛ لأنها فسخ.
الشيخ: ولا شفعة.
الطالب: ولا شفعة.
الشيخ: هات مثلًا لهذا؟ الطالب: لو أقال البائع المشتري أو العكس.
الشيخ: ما يحتاج (أو العكس).
الطالب: يعني لو أقال أحدهما الآخر قبل أن ينفصل .. الشيخ: هما في مكان واحد الآن.
الطالب: قبل أن ينفسخ المجلس، فيرجع عليه بالثمن.
الشيخ: فهل له الخيار بعد أن أقاله؟ الطالب: ليس له الخيار.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه فسخ.
الشيخ: لأنها ليست بيعًا، بل هي فسخ.
الطالب: فسخ، وليست بيعًا.
الشيخ: طيب، ولا شفعة؟ صورة المسألة؟ طالب: مثل: زيد وعمرو شريكان في أرض، فجاء بكر واشترى من زيد هذه القطعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1175

الشيخ: نصيبه من الأرض.
الطالب: نصيبه من الأرض، ثم قال بكر لزيد: أقلني الأرض، ما أريد أن أشتريها.
فأقاله، فلا يجوز لعمرو أن يُشَفِّع نصيبه من عمرٍو بعد أن أقال البائع المشتري.
الشيخ: إي، فهمتم الصورة؟ الصورة ثلاثية: باع زيدٌ على عمرٍو نصيبًا من أرض يشاركه فيها بكر، فالأصل أن زيدًا وبكرًا شريكان، فباع زيدٌ على عمرو نصيبه، ولم يُشَفِّع بكرٌ، أجاز البيع وملكها المشتري، ثم بعد ذلك رغب أن يقيله، فأقاله، فهل لشريكه الأول أن يُشَفِّع أو لا؟ لا؛ لأن هذا ليس ببيع، لكن لو باعها المشتري على الذي باعها عليه أولًا، فهل لشريكه أن يُشَفِّع؟ نعم؛ لأنه انتقل في بيع.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في باب بيع الأصول والثمار: وَإِنْ بَاعَ أرْضًا وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا شَمِلَ غَرْسَهَا وَبِنَاءَها، وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ كَبُرٍّ وشَعِيرٍ فَلِبَائِعٍ مُبَقًّى، وإن كان يُجَزُّ أو يُلْقَطُ مِرارًا فأصولُه للمشتري، والجَزَّةُ واللَّقْطَةُ الظاهرتان عند البيع للبائع، وإن اشترطَ المُشتري ذلك صحَّ.
الشيخ: بسم الرحمن الرحيم، قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ: (باب بيع الأصول والثمار).
ما الفرق بين الأصول والثمار؟ طالب: الأصول جمع أصل، والمقصود بها الأراضي والأشجار والدور.
الشيخ: والدور، وسميت أصلًا؛ لأنها تبقى.
الثمار؟ الطالب: ما ينتجه الشجر.
الشيخ: نعم، نتاج الشجر والزرع، إذن الفرق أن الأصول هي الشيء الثابت كالأراضي والدور والعقارات وما أشبهها، وأما الثمار فهو نتائج الأشجار والزروع.
إذا باع دارًا وأراد البائعُ أن يأخذ الباب؛ أحد أبواب الحُجَر، هل يملك ذلك أو يشمل البيع؟ طالب: إن كان الباب منصوبا فلا يملك.
الشيخ: معنى منصوب؟ الطالب: يعني مُركَّب.
الشيخ: إن كان الباب مركَّبًا فإنه يدخل في البيع فلا يأخذه البائع، وإن كان .. الطالب: غير مركب فللبائع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1176

الشيخ: لو قدرنا أن الباب مسنَّد الآن، سيُركب غدًا وباعها في الليل.
الطالب: يأخذه البائع.
الشيخ: يأخذه البائع، ما لم يشترط؟ الطالب: المشتري.
الشيخ: المشتري، تمام.
هل الكنز يدخل في بيع الدار؟ طالب: لا يدخل في بيع الدار.
الشيخ: لا يدخل في البيع.
الطالب: فإن كان عليه اسم فأعطي لمن عليه .. الشيخ: لا، بس، السؤال محدد، إذن الكنز في الأرض لا يدخل، لماذا؟ الطالب: لأنه غير مقصود بيعه ( ... ). الشيخ: لا.
الطالب: غير متصل.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه منفصل، بائن عن الأرض وليس عن الدار، وليس جزءًا من أجزاء الأرض.
إذا باع دارًا وفيها رحًى فأراد البائع أن يأخذ الحَجر الفوقاني.
طالب: على المذهب أنه له ذلك؛ لأنه منفصل، وعلى الراجح والصحيح -إن شاء الله- أنه ما يأخذه؛ لأنه لا يمكن أن يستفيد بهذه الرحى إلا بالذي فوقها.
الشيخ: إلا بالحجر الفوقاني، صحيح، المذهب يقول: الحجر الفوقاني من الرحى لا يدخل في البيع؛ لأنه منفصل، والصحيح أنه يدخل في البيع؛ لأنه تابع لأصله، وهو الحجر المثبَّت، أما إذا كانت رحى موضوعة على الأرض ولم تُبْنَ فإنها لا تدخل في البيع؛ لأنها منفصلة.


قال المؤلف: (وإن باع أرضًا ولو لم يقل بحقوقها شمل غرسها وبناءها).
إذا باع الأرض وفيها غرس فإن الغرس يتبع الأرض؛ لأن الغرس بالنسبة للأرض يعتبر فرعًا تابعًا لأصله، وكذلك البناء، إذا باع أرضًا وفيها بناء فإنه يدخل في بيع الأرض؛ لأن البناء بالنسبة للأرض فرع، فيتبع الأصل.
وقوله: (ولو لم يقل بحقوقها) إشارة إلى خلاف في هذه المسألة، وأنه إذا لم يقل بحقوقها فإن البناء والغِراس لا يدخل في الأرض، وعلى هذا فيُقدَّر له قيمة من جديد، وإلا فللبائع أخذُه، والصواب: أنه داخل في الأرض تبعًا لها.
وإن باع غرسًا فهل تدخل الأرض؟ إذا باع نخلًا –مثلًا- قال: بِعتُ عليك هذا النخل، فهل تدخل الأرض؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1177

لا، لماذا؟ لأن النخل فرع فلا يتبعه الأصل، الأرض أصل والنخل فرع، ولا يمكن أن يتبع الأصلُ الفرعَ، ولكن في عرفنا نحن وإلى عهد قريب، إذا قال: باع عليه نخله، أو باع عليه أثله، أو ما أشبه ذلك، فإنه يشمل الأرض، ولا يعرف الناس إلا هذا، وعليه فيجب أن تنزل الألفاظ على الحقائق العرفية، ما لم يُنص على أن المراد بها الحقائق اللغوية، فيتبع ما نصَّ عليه، وأما عند الإطلاق فالواجب حمل الألفاظ على لسان أهل العرف.
وهذه قاعدة مطردة: أن الواجب حمل الألفاظ على لسان أهل العرف، فما اقتضاه لسان أهل العرف وجب حمل اللفظ عليه، وما لا فلا.
(وإن كان فيها زرع كَبُرٍّ وشعير فلبائع مبقًّى، وَإِنْ كَانَ يُجَزُّ أَوْ يُلْقَطُ مِرَارًا فَأَصُولُهُ لِلْمُشْتَري، وَالجَزَّةُ وَاللَّقْطَةُ الظَّاهِرتَانِ عِنْدَ البيعِ للبائِعِ).
إذا كان في الأرض زرع فهو على نوعين: إما أن يؤخذ مرةً واحدة كالبرِّ والشعير، فهذا يبقى للبائع؛ أي: لا يشمله البيع، كلامنا الآن فيما إذا باع أرضًا، فإن الزرع الذي لا يؤخذ إلا مرة واحدة؛ هذا يكون للبائع ما لم يشترطه المشتري، ويبقى –أيضًا- للبائع إلى الحصاد، فلو طلب المشتري أن يُخْلِيَ الأرض منه فليس له الحق في هذا، بل يقال: أنت اشتريتها وفيها الزرع، ومعلومٌ أن الزرع يبقى إلى الحصاد والجذاذ.
فإذا قال المشتري للبائع: احصده علفًا؛ لأن الزرع يصلح أن يكون علفًا للبهائم، وقال البائع: لا، أنا أريد أن أبقيه حتى يكون سنبلًا وحبًّا، فمَنْ نتبع؟ نتبع قول البائع؛ لأن البائع يملك إبقاء هذا الزرع إلى الحصاد.
القسم الثاني من الزرع: (إِذا كَانَ يُجَزُّ أَوْ يُلْقَطُ مِرَارًا فَالأصُولُ لِلْمُشْتَري، وَالجَزَّةُ وَاللَّقْطَةُ الظَّاهِرتَانِ عِنْدَ البيعِ للبائِعِ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1178

إذا كان هذا الزرع الذي في الأرض يُجز مرارًا، مثل البرسيم -القت- هذا يُجز مرارًا، يحصد اليوم ثم ينمو فيما بعد، ويحصد مرة ثانية وثالثة، ويبقى سنة أو سنتين على هذه الحال، وربما يبقى أكثر من ذلك حسب طيب الأرض ورداءتها، فهذا يقال: الأصول للمشتري، الأصول -يعني: العروق والجذوع- للمشتري، والجَزَّة الظاهرة تكون للبائع مبقَّاةً إلى أوانِ جزِّها عادة.
اللقطة كذلك: إذا كان هذا الزرع مما يلقط مرارًا مثل الباذنجان، واللوبيا، والملوخية والطماطم، وما أشبهها، فهذا الأصول للمشتري تبعًا للأرض، واللقطة الموجودة تكون للبائع مبقَّاةً إلى أوان أخذها.
فتبين بهذا أن الأرض إذا بيعت وفيها غراس؛ أي: غراس شجر، فهو تابع للأرض، تابعٌ لأصله، وإذا بيعت وفيها زرع لا يُحصد إلا مرة فإنه لا يتبع الأرض، بل يكون لِمَنْ؟ للبائع، وإذا كان فيها زرعٌ أو شجر صغير يُلقط مرارًا أو يُجز مرارًا، فالأصول للمشتري، والجَزة الظاهرة واللقطة الظاهرة تكون للبائع، هذا هو التفصيل.
كُلُّ هذا ما لم يشترط أحدهما على الآخر شرطًا يخالف ذلك، فعلى ما شُرط، ولهذا قال المؤلف: (وإن اشترط المشتري ذلك صح)، (إن اشترط ذلك) المشار إليه اللقطة الظاهرة والجزة الحاضرة، إذا قال المشتري: أنا لا أريد أن تدخل عليَّ كل يوم تلقط الثمرة الظاهرة أو تجز الحَصْدة الظاهرة، أنا أشترط عليك أن يكون لي، فقَبِل البائع فلا بأس، ودليل هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (1) أي: المشتري، وكذلك قوله: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (2).

الجزء: 2 - الصفحة: 1179

كذلك نقول: من باع أرضًا وفيها زرعٌ يُجز مرارًا، واشترط المشتري أن تكون الجزة الظاهرة له فله ذلك؛ لأن المسألة حق لآدميِّ، وحق الآدميِّ له إسقاطه إذا لم يتضمن شيئًا محرمًا.
اتضح المقام الآن؟ فصارت الأشجار والزروع التي على الأرض المبيعة تنقسم إلى؟ طالب: إلى قسمين.
الشيخ: خطأ.
طالب: إلى ثلاثة.
الشيخ: إلى ثلاثة أقسام، الأول؟ الطالب: الأشجار ( ... ). الشيخ: الأول الأشجار، فما حكمها إذا بيعت الأرض وفيها أشجار؟ الطالب: حكمها: للبائع.
الشيخ: الأشجار للبائع؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: أشجار، نخيل، عنب.
الطالب: تبعًا للأرض.
الشيخ: تبعًا للأرض؟ لِمَنْ تكون؟ الطالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري.
إذا كان فيها زرعٌ يُجز مرارًا؟ طالب: هناك فرق، الجزة الأولى للبائع.
الشيخ: الجزة الموجودة تكون للبائع.
الطالب: وما بقي للمشتري.
الشيخ: والأصول للمشتري.
لو أن المشتري اشترط الجزة الظاهرة أن تكون له؟ الطالب: يصح.
الشيخ: يصح.
إذا باع أرضًا وفيها زرعٌ لا يحصد إلا مرة، كالبُرِّ والشعير.
طالب: فهو للبائع.
الشيخ: للبائع، إلى متى؟ الطالب: إلى حصاده.
الشيخ: نعم، إلى حين حصاده، بارك الله فيك.
وهل يلزم البائع في هذه الحال أجرةٌ للمشتري أو لا؟ طالب: لا يلزم.
الشيخ: لا يلزم، صحيح، لا يلزم؛ لأن له حقًّا ثابتًا.
الطالب: لأنه ظاهر.
الشيخ: نعم، ظاهر يعني: موجود.
الطالب: الناضجة.
الشيخ: لا، ليس الناضجة.


يقول: (فصلٌ: وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا تَشَقَّقَ طَلْعُهُ فَلِبَائِعٍ مُبَقًّى إِلَى الْجذَاذِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ مَشْتَرٍ).
هذا بيعُ النخل وليس بيعَ الأرض، إذا (باع نخلًا) النخلة نفسها باعها، (تشقق طلعه) يعني: انفرج؛ وذلك لأن النخلة أول ما تظهر ثمرتها تكون مغطاة بماذا؟ طالب: بالكافور.
الشيخ: نعم، بالكُفُرَّى، اسمها الكُفُرَّى، وعندنا نسميه باللغة العامية: الكافور.

الجزء: 2 - الصفحة: 1180

مغطى، ثم إذا نما هذا العذق داخله انشق وانفرج، فإذا باع نخلًا تشقق طلعه فالطلع هنا يكون للبائع، إلا إذا اشترطه المبتاع، وإن لم يَتشقق فهو لِمَنْ؟ للمشتري؛ لأنه تبعٌ للشجرة.
الدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (1)، هذا هو الدليل، ولننظر هل الدليل مطابق للمدلول أو لا؟ الجواب: لا؛ لأن المؤلف -رحمه الله- علَّق الحكم بالتشقق سواء أبَّره البائع أو لا، والتَّأبير التلقيح، وما هو التلقيح؟ أن يؤخذ من طلع الفحل شيء يوضَع في طلع النخلة، فإذا وُضع صلحت الثمرة وإن لم يُوضع فسدت.
ولهذا لما قدم النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم المدينة وجدهم يؤبِّرون، فيرقى الفلاح إلى الفحل ويأخذ العِذْقَ ويجعل منه على ثمرة النخلة، فيصعد مرة وينزل ويصعد مرة وينزل مع التعب، فقال عليه الصلاة والسلام كلمةً معناها: لا أرى ذلك يغني شيئًا، فلما قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم هذا الكلام تركوه، لم يؤبروا النخل، فصارت النتيجة أن النخل فسد، ثم قال النبي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بعد ذلك: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» (3)، وتركهم يؤبِّرون، ومراده «أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» ليس بالأحكام الشرعية فيها، ولكن بتصريفها والتصرف فيها، فنحن أعلم بالدنيا من حيث الصناعة، أما من جهة الأحكام فهي إلى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1181

ولهذا أخطأ من قال: إن الدين الإسلامي لا ينظِّم المعاملات، واستدل بهذا الحديث، فنقول: هذا غلطٌ عظيم، الحديث ينظِّم حتى الثمر، أليس الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى أن تُباع الثمار قبل بدوِّ صلاحها؟ ! (4) أليس قال: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا»؟ ! (1) هذا حكم، أحكام شرعية، لكن مسألة التأبير وعدم التأبير داخل في الصناعة، وهذا يرجع إلى التجارب، والناس يعرفون إذا كانوا مجربين أكثر ممن لم يكن مجربًا.
إذن ننظر، كلام المؤلف علق الحكم بماذا؟ طالب: بالتشقق.
الشيخ: بالتشقق، فمتى باع البائع نخلًا متشققًا طَلْعُه، فالطلع له، سواءٌ أبَّره أم لم يُؤبّره، لكن الحديث قال فيه الرسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ» (1)، ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث على ما حكم به المؤلف رحمه الله، والصواب أن الحكم معلق بماذا؟ بالتأبير، هذا هو الصواب.
أولًا: لأن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم علقه به، وليس لنا أن نتجاوز ما حده الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
ثانيًا: أن البائع إذا أبَّره فقد عمِل فيه عملًا يُصلحه وتعلقت نفسه به، بخلاف ما إذا لم يؤبره، لم يصنع شيئًا فيه، وعلى هذا فالصواب: أنه إذا باع نخلًا تشقق طلعه قبل أن يؤبره فالثمر للمشتري، وإن أبَّره فهو للبائع.
إذا أبر نخلة ولم يؤبر الأخرى فلكُلٍّ حكمه، تكون ثمرة النخلة المؤبَّرة للبائع، وثمرة النخلة غير المؤبرة للمشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 1182

إن أبر بعض النخل؛ لأن الطلع قد لا يكون متساويًا كما هو الواقع، إن أبَّر البعض دون البعض فلِمَنْ؟ فللبائع، تغليبًا للتأبير؛ ولأنه من المعلوم أنه لا يمكن أن يؤبَّر النخلُ جميعًا إلا في هذه السنوات الأخيرة بالنسبة لبلادنا، فإنهم كانوا يؤبرونها جميعًا، ينتظرون قليلًا بعد أن تتشقق الأولى، ويشقون الصغار قبل أن تتشقق؛ ليوفر عليهم الطلوع والنزول للنخلة، كانوا في الزمن السابق -لما كان الناس نشطاء ومتفرغين- كان يمكن يصعد للثمرة -ثمرة النخلة- عدة مرات، يلقح أول الثمر ووسطه وآخره، أما الآن يقول: خلي، فاصبر شوي، الطلع المبكر، والطلع المتأخر يشقونه، ويلقحونها مرة واحدة.
على كُلِّ حال إذا كانت نخلة قد أُبِّر بعضها ولم يُؤبَّر الآخر فإنها تتبع المؤبَّر، وتكون لِمَنْ؟ وتكون للبائع.
إذا قال قائل: لماذا عدل الفقهاء -رَحِمَهُم اللَّهُ- أو من عدل من الفقهاء عن التأبير إلى التشقق؟ قالوا: لأن التشقق هو سبب التأبير، فعلق النبي صلّى الله عليه وسلّم الحكم بالتأبير والمراد سببه.
فيقال: من أين الدليل على أن هذا هو مراد الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ وكلامه صريح واضح، فكيف يجوز لنا أن نحرِّفه إلى معنى آخر خلاف ظاهر اللفظ؟ ثم إن العلة في كون الثمر للبائع بعد التأبير واضحة، ولا تنطبق على ما إذا تشقق بدون تأبير، وحينئذ لا يصح القياس، ولا تحريف الحديث إلى معنى آخر.
قال: (إلا أن يشترطه مشترٍ)، فإن اشترطه المشتري؟ طالب: يكون له.
الشيخ: يكون له، الدليل عموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والأمر بالوفاء بالعقد أمرٌ به وبأوصافه وشروطه التي تُشترط فيه؛ هذا دليل.
دليل آخر: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، والشرط الذي التزمه الإنسان هو عهدٌ على نفسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1183

الدليل الثالث: ما جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (5)، وهذا لا يُحرِّم حلالًا، ولا يُحلِّلُ حرامًا.
فإذا قال قائل: أيُّها أوْلى للمشتري؛ أن يشترط أن تكون الثمرة المؤبرة أو التي تشقق طلعها -على الخلاف- له أو أن يبقيها للبائع؟ أيُّها أحسن؟ طالب: أن يشترط المؤبرة.
الشيخ: إي، أن يشترط أنها له؛ لأنه يسلَم من تردد هذا البائع على الثمرة، نلاحظ أن البائع إذا باع النخلة صارت ملكًا للمشتري ما له عليها سبيل إطلاقًا، فإذا كان فيها ثمرة مؤبرة، ولم يشترطها المشتري، صار البائع يتكرر على هذه الثمرة.
ويقال: إن جحا -ما أدري أسطورة أو حقيقة- إنه باع بيتًا على شخص، واشترط منفعة الوتد، تعرفون الوتد؟ الوتد عود يُضرَب بالجدار تعلَّق به الأشياء، اشترط على المشتري -مشتري الدار- الوتد، قال: بشرط، هذا الوتد لي، أنا أنتفع به.
المشتري قال: ويش يضرني إذا صار الوتد له؟ ! فوافق على الشرط، فبدأ هذا الرجل كُلَّ يوم يجيب أشياء معلقات يعلقها على هذا الوتد، يجيب اللحم، يجيب الثياب؛ يعني يُكثِر، فسأم المشتري، وقال: أنا لا أوافق على هذا، حتى فسخ.
فهذا الذي اشترط، الذي كانت الثمرة له -أعني البائع بعد التأبير- ربما يتضرر المشتري -أو على الأقل يتأذى- بتردده، فنَرى أن الأوْلى في هذه الحال أن يشترط الثمرة أن تكون له؛ إبعادًا عن النزاع وعن العداوات والمشاكل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1184

وهذه مسألة ينبغي لطالب العلم –أيضًا- أن يفهمها؛ الحقوق التي يذكرها الفقهاء -رحمهم الله- أنها حقٌّ للإنسان أو ليست حقًّا؟ هم يذكرونها على أنها حق أو غير حق على سبيل البيان، لكن ينبغي للإنسان تربيةً للعالَم أن يقول: الأفضل كذا، إذا رأى أن هذا الشرط يُبعدهم عن الخصومة وعن النزاع، فلا تكن فقيهًا كالقاضي، بل كن فقيهًا مُربيًا، فإذا جاء إنسان يستشيرك، يقول: هل ترى أن الأفضل أن أشترط أن تكون الثمرة لي وقد أبرها البائع أو أن أدعها له؟ نقول: الأفضل أن تكون لك، تسلم من التردد والتأذي، وربما تكون النخلة هذه في بيت، إنسان يتردد على البيت؛ مشكلة.


ثم قال رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وكذلك شجر العنبِ والتوت والرمان وغيرِه) يعني: وشجر غيره (وَمَا ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ كَالمِشْمِشِ وَالتُّفَّاحِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ كَالْوَرْدِ وَالقُطْنِ).
كل هذا يكون لِمَنْ؟ للبائع إذا كان قد ظهر، إذا كان قد ظهر فهو للبائع؛ لأنه يشبه النخل المؤبَّر على القول الراجح، أو النخل الذي تشقق طلعه.
يقول: (وما قبل ذلك والورق فلمشتر).
قوله: (وما قبل ذلك)، (ما): اسم موصول مبتدأ، وقوله: (فلمشتر) خبر المبتدأ، وقوله: (والورق) معطوف على (ما)؛ يعني: والذي قبل ذلك والورق للمشتري، ولكن حَسُنَ أن يقرن الخبر بالفاء لفائدتين: الفائدة الأولى: أن (ما) الموصولة تفيد العموم فهي كالشرط، ومن المعلوم أن الشرط إذا كان جوابه جملة اسمية فإنه تُقرَن بالفاء، واسم الموصول يشبه الشرط في العموم، فلذلك تقترن الفاء في خبره دائمًا.
الفائدة الثانية: أنه أوضح في المعنى؛ لأنه لو قال: وما قبل ذلك، والورق لمشترٍ، لربما يتطلع الإنسان، فيظن أن قوله: (لمشترٍ) متعلق بمحذوف حالًا من الورق؛ يعني: والورق حال كونه لمشترٍ، فإذا جاءت الفاء قطعت هذا الاحتمال.
على كل حال ما كان قبل التشقق -على ما مشى عليه المؤلف- أو قبل أيش؟ طالب: قبل ظهوره في ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1185

الشيخ: لا، نحن الآن في ثمر النخل، أو قبل التأبير -على القول الراجح- ولو تشقق، وكذلك ما ظهر من العنب، وما ظهر من نَوره، وما أشبه ذلك، نَوره؛ يعني: الزهر، فإنه للمشتري.


ثم قال المؤلف: (ولا يُباع ثمر قبل بدو صلاحه، وَلاَ زَرْعٌ قَبْلَ اشْتدَادِ حَبِّه) إلى آخره.
لا يباع الثمر قبل بدو صلاحه، أيُّ ثمرٍ لا يباع حتى يصلح، فلنمثِّل بالنخل: لا يجوز أن تبيع ثمرة النخلة حتى يبدو صلاحها، ويجوز أن تبيع النخلة قبل بدو صلاحها، صح؟ طالب: صح.
طالب آخر: كلام صحيح.
الشيخ: كلكم على هذا؟ طالب: صحيح.
الشيخ: لا يجوز بيع ثمرة النخلة قبل بدو صلاحها، ويجوز بيع النخلة قبل بدو صلاح ثمرها.
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ نعم، إذن كلامه الأخير في الثمر لا يجوز أن يُباع قبل بدو صلاحه، فما هو صلاحه؟ صلاحه أن يَحمرَّ أو يصفرَّ، الدليل؟ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى أن تُباع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري (6)، وسئل أنس -رضي الله عنه-: ما بُدُوّ الصلاح؟ قال: أن تحمارَّ أو تصفارَّ (7). فلو أن إنسانًا باع ثمرة نخلة خضراء، ثمرة خضراء حتى الآن ما فيها تلوين، فالبيع فاسد؛ لأن النهي وقع على عقد البيع، وكل نهي وقع على عمل -سواء عبادة أو معاملة- فإنه يقتضي الفساد، إذن نقول في هذه الحال: البيع فاسد، والثمر للبائع، والثمن لِمَنْ؟ للمشتري.
فإن بدا فيها حبة واحدة بدا صلاحها، فهل يجوز بيعها؟ طالب: نعم.
الشيخ: واحدة.
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه بدا الصلاح.
فإن أخذها، أخذ الحبة التي بدا صلاحُها فهل يجوز بيعها بعد أخذها؟ طالب: يجوز.
طالب آخر: ما يجوز.
طالب آخر: لا رؤية.
الشيخ: في ظني أنكم ستختلفون، هذا رجل عنده نخلة فيها لونة واحدة فقط، فصعد ثم أخذها، فهل يجوز بيعها بعد أخذها؟ طالب: نعم يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
طالب آخر: فيها تفصيل.
طلبة: ( ... ). الشيخ: نسألكم هل بدا صلاحها أو لا؟ طلبة: بدا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1186

الشيخ: نعم، إذا بدا صلاحها يجوز، أما لو أخذ اللونة بعد البيع، فهل يجوز أو لا؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: سبحان الله! أيش التوقف هذا؟ اشتراها وفيها لونة واحدة ثم أخذ اللونة المشتري؟ طالب: جائز.
الشيخ: يجوز؟ ما فيه إشكال؟ الظاهر أن عنده فيه إشكال.
طالب: ما فيه إشكال.
الشيخ: ما فيه إشكال، بالجواز أو عدمه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، الصورة الأولى الظاهر أنها تجوز أيضًا؛ يعني لو أنه كان فيها حبة واحدة بدا صلاحها، ثم إنها أُخذت وبيعت بعد ذلك فالظاهر الجواز، الظاهر أنه جائز؛ لأنه بدا صلاحها.
طالب: إن كان لا يعلم أنها قد بدا صلاحها؟ الشيخ: لا، متيقنون، أما مسألة أنها الآن خضراء ونقول: لعل فيها حبة بدا صلاحها ثم سقطت أو أخذت.
هذا لا يجوز، الكلام أننا تيقنَّا أن هذه الحبة التي بدا صلاحها أُخذت، فنقول: هذه بدا صلاحها، فتدخل في الحديث.
إذا بدا صلاح النخلة فبيعت، فهل تباع جارتُها التي لم يبدُ صلاحها؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: نخلة بدا صلاحها فبيعت، وجارتها لم يبدُ صلاحها، هل تباع الجارة؟ طالب: من نوعها نعم.
الشيخ: هي من نوعها.
الطالب: نعم يباح.
الشيخ: كم عقدًا الآن صار في هذه الصفقة؟ عقد واحد أو اثنان؟ طالب: واحد.
الشيخ: باع نخلة بدا صلاحها على فلان، ثم باع جارتها عليه أو على غيره بعقدٍ آخر جديد، أيجوز أو لا؟ هذا لا يجوز، معلوم؛ لأن العقد عقدان في هذه الصورة، أما لو باعهما جميعًا وهما من نوع واحد فالبيع صحيح.
وإذا كان من نوع آخر فالبيع غير صحيح، فمثلًا عندنا نخل يسمى السكري، وأظنه معروفا لكم، وإلى جانبه بَرْحِيَّة، فباع سكرية بدا صلاحها وبرحية لم يبدُ صلاحها أيجوز أم لا؟ لا يجوز؛ لأنهما من نوعين مختلفين.
باع سكرية بدا صلاحها وسكرية أخرى لم يبدُ صلاحها صفقة واحدة، جاز؟ طلبة: جاز.
الشيخ: الآن تعدد المبيع، فيقال: هو من جنسٍ واحد، فكأنهما نخلة واحدة، فلهذا يجوز، هذا هو تحرير المسألة فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1187

وقال بعض أهل العلم: إذا بدا الصلاح في البستان في نخلةٍ واحدة منه جاز بيع جميعه، سواءٌ كان جملة أم تفريدًا؛ لأن هذا النخل الآن بدا صلاحه.
وتوسَّع آخرون فقالوا: إذا بدا صلاح ثمرة القرية جاز بيع جميع النخل فيها.
لكن القول الأول أصحُّ: أننا نعتبر كل واحدة بنفسها، فإن بِيع جميعًا فإننا نرجع إلى الجنس، ما كان من نوعٍ واحد فصلاح الواحدة منه صلاح للجميع، وإذا اختلفت الأنواع فلكل نوع حكمه.
طالب: شيخ، لو باع نخلة، لو سقط طلع ثم أبَّره، ثم انتقل التأبير من نخلة إلى النخلة الأخرى ( ... )؟ الشيخ: هذا لا يمكن أن نعرفه إلا بعد أن تنتهي الثمرة، لا يمكن أن نعرف ذلك إلا بعد أن تنتهي، فإذا انتهت وصلحت عرفنا أنه انتقل التأبير إليها.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: الظاهر أن هذا يكون للمشتري؛ لأنه لم يحصل من البائع فعلٌ يؤثر عليه، وإنما كان تأبيره للنخلة المجاورة.
طالب: ألم يكن للبائع يا شيخ أن يأخذه؟ الشيخ: إذا أبَّر فللبائع، لكن هل البائع حينما أبَّر هذه النخلة أراد تأبيرها وما حولها؟ ما أرادها.
طالب: من القواعد ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، إذا صعد البائع بعد البيع بالثمر وانكسرت النخلة، هل يضمن؟ الشيخ: ويش لون انكسرت؟ ! يعني جاءت الريح وكسرتها؟ الطالب: بسبب.
الشيخ: ما أظن، ما تنكسر.
الطالب: إذا كان يعني ساقطة .. الشيخ: لا، الفرض المحال ما له من جواب أبدًا.
الطالب: أو أفسد منها شيئًا بسبب الصعود.
الشيخ: إذا كان بتعدٍّ منه أو تفريط فهو ضامن، وإلا فلا؛ لأن الصعود الذي ليس فيه تعدٍّ ولا تفريط مأذونٌ فيه.
طالب: رجل اشترى نخلة حتى بدأ باللون، في العام القادم للسنة الماضية قال: أريد نفس النخلة، ( ... )؟ الشيخ: الثمرة الجديدة ما تلحق بالقديمة.
طالب: إي، بس هو يقول: العقد صحيح، وكل سنة أشتري هذه النخلة.
الشيخ: ما يخالف، العقد الذي كان بعد أن ظهر بها الصلاح صحيح، والعقد الذي قبل أن يظهر بها الصلاح ليس بصحيح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1188

طالب: مسألة اشتراط المشتري الثمر للبائع، لو قال مثلًا للبائع: أنا لا أعطيك إياها إلا أن تدفع لي مقابلًا، هل يجوز أن يبيع بهذه الحالة؟ الشيخ: هذا سؤال جيد، يقول: إذا قلنا بجواز اشتراط المشتري الثمر الذي ثبت للبائع، فهل يجوز أن يأخذ عنه عوضًا أو لا؟ يعني: باع هذا النخل بعشرة آلاف، وظهر أن نصفه قد أُبِّر، فقال للبائع: هو لي، قال المشتري: أنا أعطيك عوضًا عنه، فهل يصح هذا أو لا؟ طالب: إذا وافق يصح.
الشيخ: هو وافق لا شك، يرى بعض العلماء أن هذا لا يصح؛ لأنه داخل في بيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها، ويرى آخرون -وهو المذهب- أنه صحيح؛ لأنهم يقولون: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها على صاحب الأصل لا بأس به.
( ... )


طالب: الشجرة فرع تابع للأصل؟ الشيخ: بلى.
الطالب: وإذا حضرت الشجرة في أرضه ( ... ). الشيخ: أغصانها -يعني- على أرضه.
الطالب: لا، أصلها في ( ... ). الشيخ: أصلها في أرضك، وأغصانها على أرض الآخر.
الطالب: إي، الثمرة لمن؟ الشيخ: الثمرة تبع الأصل لصاحبها، لكن السؤال الذي يمكن أن يَرِد: لو تصالح الجار مع جاره، وقال: إن الأغصان المتدلية على أرضي إما أن تقطعها؛ لأن الإنسان يملك إلى الثُّريا، يملك الهواء إلى السماء، إما أن تقطعها وإلا فاجعل لي نصف ثمرتها المتدلية على أرضي، هل يجوز ولّا لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: أنتم فاهمين يا جماعة؟ هذا إنسان عنده شجرة برتقال، في حافة أرضه أغصانها تمددت وتدلت على أرض جاره، الجار قال لصاحب الشجرة: اقطع أغصانها، الهواء لي، هل يملك هذا أو لا؟ طلبة: يملك.
الشيخ: يملك أن تُقطع الأغصان ولَّا تُلوى حتى تكون في أرض صاحب الشجرة، لكن صاحب الأرض قال لصحاب الشجرة: لا بأس أن تبقى الأغصان، ولكن لي نصف الثمرة التي في الأغصان المتدلية عليَّ ولك نصفها، واتفقا على ذلك، أيجوز هذا أو لا؟ يجوز، كما نص على هذا أهل العلم.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1189

الشيخ: ( ... ) يحتاج إلى التأبير، هذا الفرق، فعلق الحكم بظهوره، ومعلومٌ أنه إذا ظهر سوف تتعلق نفس البائع بذلك.
الطالب: الدليل يا شيخ، من أي وجه يشمله؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: الدليل، كيف يشمل .. الشيخ: الدليل أن الثمرة الآن ظهرت على ملك مَنْ؟ الطالب: ملك البائع.
الشيخ: البائع، إذن هي له، كالزرع؛ إذا باع الأرض وفيها زرع ما هو يبقى للبائع مبقًّى إلى الحصاد؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم.
طالب: قول المؤلف: (من باع نخلًا قبل أن يتشقق طلعه)، وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ» (8)، هل يمكن أن تؤبر ثمر النخل قبل أن تشقق؟ الشيخ: يقولون: إن فيه شيخًا جاهلًا، لكنه شيخ مظهرًا، وكان عند أبي حنيفة وهو يقرر وقت النهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فقال له الرجل هذا: يا أبا النعمان أرأيت إن طلعت الشمس قبل طلوع الفجر، يقال: إنه كان بالأول مادًّا رجله، فكفَّ رجله لما جاء هذا الشيخ الصوري، ثم مدَّ رجله وقال: إذن أبو حنيفة يمدُّ رجله ولا يبالي.
كيف يا أخي؟ ! ويش ها السؤال هذا؟ الطالب: الآن نحن قلنا: إن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن فيه خلافًا بين قول المؤلف وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمؤلف اشترط التشقق.
الشيخ: تشققت النخلة، الثمرة، وبقي الرجل لم يؤبرها يومين أو ثلاثة، فلِمَنْ تكون هذه الثمرة؟ الطالب: بقيت كم؟ الشيخ: يومين.
الطالب: وبعدها تشققت؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: للبائع.
الشيخ: تكون للبائع؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: على كلام المؤلف.
الطالب: على كلام المؤلف.
الشيخ: لكن على ما دلَّ عليه الحديث أنها للمشتري، إي نعم، هذا الفرق.
الطالب: إي، لكن نحن قلنا الآن: قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ» (8).

الجزء: 2 - الصفحة: 1190

الشيخ: إي نعم، معروف أنها ما هي مؤبَّرة إلا بعد التشقق، حتى لو فُرض أن الإنسان شققها قبل أوان تشققها، فإنه لن يؤبِّرها حتى يشققها.
( ... )


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
قال رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: فَصْلٌ

ولا يُباع ثمرٌ قبل بُدُوِّ صلاحِه، ولا زرعٌ قبل اشتدادِ حَبِّه، ولا رَطْبةٌ وبَقْلٌ ولا قِثَّاءٌ ونحوه كباذنجان دون الأصل إلا بشرط القَطْعِ في الحال، أو جَزَّةً جَزَّةً، أو لَقْطةً لقطةً، والحصادُ والجذاذ واللِّقاطُ على المشتري.
وإن باعه مطلقًا أو بشرط البقاء، أو اشترى ثمرًا لم يَبْدُ صلاحُه بشرط القَطْعِ وتَركَهُ حتى بدا، أو جَزَّةً أو لقطةً فَنَمَتا، أو اشترى ما بدا صلاحُه وحصل آخَر واشتبها، أو عريَّة فأثمرتْ بَطَلَ، والكلُّ للبائع.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصاحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا باع الإنسانُ أرضًا وفيها نخل؟ طالب: النخل على ثلاثة أحوال.
الشيخ: نخل، باع أرضًا وفيها نخل.
طالب: يصح البيع.
الشيخ: والنخل؟ طالب: كذلك النخل؛ لأنها فرعٌ تابعٌ للأصل.
الشيخ: النخل لِمَنْ يكون، للبائع ولّا المشتري؟ الطالب: للمشتري.
الشيخ: يكون للمشتري، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وإذا باع أرضًا وفيها زرع؟ طالب: الزرع للبائع إلى حصاده، إلى وقت الحصاد.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: كيف يا شيخ؟ الشيخ: مطلقًا؛ يعني فيها زرع ونحوه؛ يعني ليس بشجر، فيها ما ليس بشجر؟ الطالب: إذا لم يشترطه المشتري.
الشيخ: فهو لِمَنْ؟ الطالب: فهو للبائع إلى حين حصاده.
الشيخ: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1191

طالب: نقول الزرع قسمان: قسم لا يُحصد إلا مرة أو لا يُلقط إلا مرة، وقسم يُلقط أو يُحصد مرارًا، الأول للبائع مبقًّى إلى الحصاد، والثاني اللقطة والجزة الظاهرة للبائع والأصول للمشتري إلا أن يشترط.
الشيخ: تمام، أسمعتم؟ إذن إذا باع أرضًا فيها نخل فالنخل تابع، فيها نباتٌ غير النخل؛ فعلى قسمين: الأول: أن يكون هذا النبات لا يؤخذ إلا مرة، فيكون للبائع إلى حصاده.
والثاني: ما يؤخذ مراتٍ متعددة، فالأصول للمشتري والشيء الحاضر يكون للبائع.
وإذا باع نخلًا فهل تتبعها الأرض؟ طالب: لا تتبعها؛ لأن النخل فرعٌ والأرض أصل، والأصل لا يتبع الفرع.
الشيخ: توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يقول: إذا باع نخلًا فإن أرضه لا تتبعه، يكون للمشتري حتى يفنى، ثم تعود الأرض إلى البائع.
ذكرنا على هذا ملاحظة، ما هي؟ طالب: هذا يبيَّن بالعرف، ( ... ) فمراده .. الشيخ: باع نخله، أو وقَّف نخله، أو ما أشبه ذلك.
الطالب: نعم، هذا يشمله.
الشيخ: مرادهم البستان كله.
وإذا باع نخلًا وعليها ثمر، فلِمَنْ يكون الثمر؟ طالب: للبائع.
الشيخ: للبائع؟ خطأ.
طالب: على المذهب إن كان الثمر .. الشيخ: يعني فيه تفصيل؟ الطالب: فيه تفصيل، نعم.
الشيخ: ما هو التفصيل؟ الطالب: على المذهب؛ إن كان النخل قد تشقق طلعه فيكون للبائع.
الشيخ: وإن لم يتشقق؟ الطالب: يكون للمشتري.
الشيخ: إن كان قد تشقق طلعه فهو للمشتري.
الطالب: لا، إذا تشقق طلعه فيكون للبائع، وإذا لم يتشقق فهو للمشتري.
الشيخ: فهو للمشتري.
كأنك قلت: المذهب، فهل هناك قول آخر؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: القول الآخر أن الحكم منوطٌ بالتأبير.
الشيخ: أن الحكم منوطٌ بالتأبير، فإذا باعها قبل أن تؤبَّر؟ الطالب: فهي للمشتري.
الشيخ: وبعده؟ الطالب: وبعده للبائع.
الشيخ: للبائع.
إذا كان قبل أن تؤبَّر ولو تشققت؟ الطالب: ولو تشققت.
الشيخ: أيُّهما أرجح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1192

طالب: الراجح هو القول الثاني؛ لأنه هو الموافق للحديث؛ لأن الحديث علق على .. الشيخ: يعني فيه دليل أثري ونظري.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الأثري؟ الطالب: الأثري هو صريح الحديث، وهو قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلَهُ قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ».
الشيخ: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤبَّرَ».
الطالب: «بَعْدَ أَنْ تُؤبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (8)، هذا الأثر، والنظر؛ لأن نفس البائع قد تشوفت لهذا الثمر حيث قد عَمِلَ فيه، فيكون له إلا إذا اشترط.
الشيخ: أحسنت، قد عمل فيه ما فيه إصلاحه فتعلقت نفسه به.
هذا القول هو الراجح، وهو المعتمد.
إذا كان بعض الشجرة مؤبَّرًا وبعضها لم يؤبَّر؟ طالب: ( ... ) يأخذ المؤبر.
الشيخ: والباقي، يعني يكون الثمر بعضه للبائع وبعضه للمشتري؟ الطالب: ( ... ) نخلة؟ الشيخ: إي، نخلة واحدة.
الطالب: يكون للبائع.
الشيخ: المؤبَّر والذي لم يؤبَّر.
وإذا كان التأبير في واحدة وعدمه في أخرى؟ الطالب: إذا كان من جنسه فتكون للبائع.
الشيخ: ما هو صحيح.
طالب: للبائع المؤبَّرة، المؤبرة للبائع وغير المؤبَّرة للمشتري.
الشيخ: كذا؟ توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إذن إذا كان التأبير في نخلة بعضها مؤبَّر وبعضها غير مؤبَّر حُكِم بها للبائع، وإذا كان في نخلتين؛ فما أُبِّرَ فللبائع، وما لم يُؤبَّر فللمشتري.
إذا بيعت الثمرة دون النخلة، فهل تكون النخلة تبعًا للثمرة؟ طالب: لا تكون.
الشيخ: لا تكون، لماذا؟ الطالب: لأنها منفصلة.
الشيخ: لا، ما انفصلت، الآن الثمرة في النخلة، فباع إنسان عليك ثمرة النخلة، هل تتبعها النخلة؟ تتبع الثمرة أو لا؟ الطالب: لا.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن الأصل لا يتبع الفرع.
الشيخ: أحسنت؛ لأن الأصل لا يتبع الفرع، ولو باع النخلة تبعتها الثمرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1193

بارك الله فيك، ما الذي يُشترط في بيع الثمرة؟ طالب: يشترط بدو صلاحها.
الشيخ: بدو الصلاح، الدليل؟ الطالب: الدليل أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها (9). الشيخ: نعم، وهذا دليل أثري، هناك دليل نظري: وهو أنها إذا بيعت قبل بدو صلاحها فإنها لا تصلح للأكل، وتكون عُرضة للآفات والفساد، وإذا حصل هذا صار نزاعٌ بين البائع والمشتري، والشريعة تقطع كُلَّ شيء يكون سببًا للنزاع والبغضاء والفرقة.


قبل أن نبدأ الدرس الجديد، (وما قبل ذلك والورق فلمشترٍ) الإعراب، أعرب الجملة؟ طالب: (ما) اسم موصول.
الشيخ: (ما) اسم موصول، محله؟ الطالب: في محل الابتداء.
الشيخ: مبنية على السكون في محل رفع على الابتداء، كمِّل.
الطالب: و (الورق) معطوفة على (ما) الموصولة، و (فلمشتر) هو الخبر.
الشيخ: (فلمشتر) هو الخبر، توافقون على هذا الإعراب؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، لماذا اقترن الخبر بالفاء؟ طالب: لأن الاسم الموصول صار في عمومه.
الشيخ: يشبه اسم الشرط في العموم، فأعطي حكمه، هذه واحدة، وأيضًا في هذه العبارة بالذات.
الطالب: إي نعم؛ لأنه إذا قُرن بالفاء يدل على .. الشيخ: تعيَّن أن يكون خبرًا، ولو حُذفت؟ الطالب: لم يتعيَّن.
الشيخ: لم يتعين لاحتمال أن يكون حالًا من الورق.
بقي علينا (لمشترٍ) في الإعراب، لا بأس نمدد شوية، أعرب (فلمشترٍ)؟ طالب: (الفاء) رابطة، (اللام) حرف جر، (مشتر) اسم مجرور، ( ... ). الشيخ: وعلامة جَرِّه كسرة ظاهرة في آخره.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ما ندري، أو شك ولّا تنويع ولّا أيش؟ الطالب: شك.
الشيخ: شك؛ إذن لم تُجب.
طالب: لمشترٍ ( ... ). الشيخ: مجرور باللام.
الطالب: وعلامة جره الكسرة المحذوفة على الياء المقدرة.
الشيخ: الكسرة المحذوفة على الياء! هي الكسرة تحذف؟ ! الطالب: وعلامة جره الكسرة.
الشيخ: أين هي، الكسرة اللي في الراء؟ الطالب: لا، المقدرة على الياء المحذوفة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1194

الشيخ: إي.
الطالب: وحذفت وعوض عنها بالتنوين.
الشيخ: إي، الياء المحذوفة، والتنوين الموجود هذا؟ الطالب: تنوين عوض.
الشيخ: يسمى تنوين العوض.


بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ: (ولا يُباع ثمر قبل بدُوِّ صلاحه).
(لا) نافية، والنفي هنا للتحريم، وإن كان يحتمل الكراهة، لكن الاستدلال بالحديث يدل على أن الفقهاء -رحمهم الله- أرادوا التحريم، لا يُبَاع ثمر قبل بدوِّ صلاحه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري (10). وكذلك (لا يباع) زرعٌ (قبل اشتدادِ حَبِّه)، الزرع يُشترى لأجل الحبّ الذي في السنبل، والحبّ الذي في السنبل يكون لينًا -ماءً- حتى يتم نموه، وحينئذٍ يشتد ويقوى، ويكون جوف الحبة أبيض، جوف الحبة من السنبلة يكون أبيض، فلا يُباع الزرع قبل أن يشتد حبُّه؛ لماذا؟ لما ذكرنا سابقًا، أنه ربما يحصل فيه الفساد؛ لأن المشتري سوف يبقيه حتى ينضَج ويصلح للأكل، فربما يعتريه الفساد في أوان نموه هذا، وحينئذ يقع النزاع والخصومة، وربما أيضًا يُقَصِّر البائع في سَقْيه، فيحصل نزاع بينه وبين المشتري، فقطعًا لهذا النزاع نهى النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه (9)، وعن بيع الحب حتى يشتد (11). ثم قال: (ولا رَطْبَةٌ وبقلٌ ولا قثاءٌ ونحوُه كباذنجان دون الأصل إلا بشرط).
كذلك أيضًا لا تباع الرطبة، الرطبة هي المعروفة عندنا بالبرسيم أو القَتِّ، لا يباع دون أصله إلا بشرط القطع في الحال، لماذ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1195

لأنه لو بيع دون أصله بدون شرط القطع في الحال، فإنه إذا تأخر ولو يومًا واحدًا سوف ينمو، هذا النماء الذي حصل بعد بيعه يكون لِمَنْ؟ يكون للبائع، وهو مجهول، فيؤدي إلى أن تكون الصفقة مجهولة؛ لأننا لا ندري مقدار نموه فيما بين البيع وجذه؛ ولهذا نقول: لا تبع هذا القت إلا بشرط أن تشترط على المشتري أن يقطعه في الحال، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
ولكن الصحيح أنه لا يشترط ذلك، إذا كان قطَعَه في وقت يُقطع مثلُه؛ لأن تأخير الحصاد لمدة يوم أو يومين أو أسبوع عند الناس لا يعتبر جهالة ولا يوجِب نزاعًا، والأصل في البيع الحل والصحة حتى يقوم دليل على المنع، وهذا هو الذي عليه العمل.
وكان الناس فيما سبق -ولعلهم إلى الآن- إذا تم تنامي الرطبة -يعني: القت- إذا تم تناميها باعوها، مع أنه ربما يتأخر الحصاد إلى عشرة أيام، إذ إن هذه الأرض الواسعة التي كلها مملوءة قتًّا لا يمكن أن يحصدها في يوم أو يومين.
فالصواب: أنه إذا كان ذلك بعد تناهي نمائها، فإنها إذا بِيعَت لا يُشْترط القطع في الحال، بل يجزُّها المشتري حسب ما تجري به العادة.
وقوله: (ونحوه كباذنجان)، ما هو الباذنجان؟ طالب: هو الباذنجان.
الشيخ: هو الباذنجان! عندنا باللغة العامية يسمونه: بَيْدَجان، وهذا تحريف لا بأس به؛ لأنه عرف، ويذكر أن بائع باذنجان عرضه للبيع في السوق، ولكن الناس لم يشتروا منه، فقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن فلان إلى أن بلغ النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: الباذنجان لما أكل له.
قصده بذلك ترغيب الناس فيه، فتساقط الناس يشترون منه، وهذا مما مثل به العلماء في المصطلح للموضوع لغرض الدنيا؛ لأن أغراض الوَضَّاعين كثيرة، منها إفساد الدين، ومنها الدنيا، وغير ذلك، أشياء كثيرة.
فهذا لا شك أنه لا يجوز للإنسان أن يرويه للناس إلا مقرونًا ببيان وضعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1196

وقوله: (دون الأصل)، خرج به ما لو باعه مع أصله فإن البيع صحيح، ولهذا لو باع ثمرة النخلة قبل بدو الصلاح لم يجز، ولو باع النخلة وعليها ثمرة جاز، فإذا باع هذه الأشياء البقول والقثاء وما أشبه ذلك مع الأصل فهو جائز، فلو أن إنسانًا عنده مَبْطخة –يعني أرضًا كلها بطيخ- فجاء إنسان يريد أن يشتري هذا البطيخ، واشتراه بأصله كان ذلك جائزًا، وما حدث بعد البيع فهو للمشتري، وما نما بعد البيع فهو أيضًا للمشتري؛ لأن الفرع يتبع الأصل، ولا عكس.
(إلا بشرط القطع في الحال)، فإذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها واشترط المشتري أن يجزها في الحال، كان ذلك جائزًا؛ لأن المشتري لا يريد أن يبقيها حتى يبدو صلاحها، ولكن يُشترط في هذه الحال أن تكون الثمرة مما يُنتفع به إذا قُطعت في الحال، فإن لم تكن مما يُنتفع به فإن البيع باطل؛ لأنه سبق لنا من شروط البيع أن يقع على عين مباحة النفع، فيها نفع مباح، أن يقع على عين فيها نفع مباح.
فإذا قال: أنا أريد أن أشتري هذا الثمر الأخضر في النخلة وأقطعه الآن.
قلنا: البيع صحيح بشرط أن يكون ينتفع بهذا البلح، كيف ينتفع به؟ للبهائم مثلًا، ينتفع به للدواب، ينتفع به لأشياء أخرى ربما يجري عليه تجارب أو ما أشبه ذلك.
المهم أنه إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فالبيع جائز بشرط أن يكون فيه نفع، وإلا فلا يجوز.
طيب، الزرع؛ باع زرعًا فيه سنبل، ولكنه لم يشتد، واشترط البائع على المشتري حصاده في الحال، فالبيع جائز بشرط أن يكون منتفعًا به، ما الذي ينتفع به من الزرع إذا جُذَّ قبل أن يشتد؟ أن يكون علفًا، وهذا أمر قد يكون مصلحة للبائع ومصلحة للمشتري؛ أما مصلحة المشتري فهو يحتاجه إلى العلف؛ علف الدواب، وأما البائع فربما يكون محتاجًا إلى الأرض ليبني عليها أو يزرعها زرعًا آخر، فيكون في هذا مصلحة للمشتري ومصلحة للبائع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1197

استثنى العلماء رَحِمَهُم اللَّهُ –الفقهاء- ما إذا باع الثمرة أو الزرع لمالك الأصل، فإنهم يقولون: لا بأس بذلك.
مثل: لو أن الثمرة كانت للبائع؛ يعني: باع نخلةً قد أُبِّرت، فالثمر لِمَنْ؟ للبائع، بعد مدة جاء البائع إلى المشتري الذي اشترى النخل، وقال له: أنا لا أريدها، أريد أن أبيعها عليك، فهنا باع ثمرًا قبل بدو صلاحه، لكنه باعه على مالك الأصل، فالفقهاء -رَحِمَهُم اللَّهُ- قالوا: يجوز أن يبيع الثمرة قبل بدو صلاحها على مالك الأصل، وكذلك يجوز أن يبيع الزرع قبل اشتداد حبِّه على مالك الأرض.
أصل الزرع هو الأرض، ولكن عموم الحديث يردُّ هذا القول، فإن قال قائل: أليس لو باع النخلة وعليها ثمرة مؤبرة واشترط المشتري أن تكون له، أليس هذا جائزًا؟ بلى، بنص الحديث (8)، لكن البيع الآن صفقة واحدة، فجاز اشتراط الثمرة تبعًا للأصل؛ لأن الصفقة واحدة، أما بعد أن تتم الصفقة الأولى ثم يأتي البائع الذي كانت الثمرة له فيبيع الثمرة على المشتري فهذا لا يجوز، في ظاهر الحديث، أما الفقهاء فقالوا: إنه يجوز كما لو اشترط الثمرة عند البيع، فإن ذلك صحيح.
الآن فهمنا أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولا الزرع قبل اشتداد حبها إلا بشرط القطع في الحال، ما معنى شرط القطع في الحال؟ يعني: باع صاحب النخلة ثمرتها قبل أن يبدو صلاحها، لكن قال للمشتري لا تقطعها في الحال، باع صاحب الزرع قبل اشتداد حبه، وقال للمشتري: بشرط أن تحصده الآن، البيع صحيح ولّا غير صحيح؟ هذا صحيح، لكن زدنا نحن شرطًا آخر وهو أن يُنتفع به.
لو أن إنسانًا باع الزرع قبل اشتداد حَبِّه أو الثمرة قبل بدو صلاحها بدون شرط القطع؛ فالبيع غير صحيح، قال الفقهاء: إلا إذا باع ذلك على مالك الأصل فلا بأس، كيف يبيع على مالك الأصل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1198

يعني صورة القضية أن الفلاح زرع هذه الأرض، زرعها لمالكها، الأرض للمالك والزارع زرع الزرع، فأراد الزارع أن يبيع على صاحب الأرض الزرع قبل اشتداد حبِّهِ، أيجوز هذا أو لا؟ على كلام الفقهاء يجوز؛ لأنه باع الفرع لمالك الأصل.
كذلك في الثمرة، الثمرة للبائع؛ لأنه باع النخلة بعد أن أبَّرها، فالثمرة له، لكن بعد أن تمت الصفقة طلب المشتري من البائع الذي كانت الثمرة له أن يبيع عليه الثمرة، فرغِب أن يبيعها عليه، هل يصحّ أو لا يصحّ؟ على كلام الفقهاء يصح؛ لأنه باع الفرع على مالك الأصل فجاز.
ولهم استدلال في الحديث، قالوا: إذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أجاز أن يَشترط المشتري الثمرة التي يستحقها البائع؛ لأنه ملك الأصل، فكذلك أيضًا إذا باعها البائع عليه بعد تمام الصفقة فقد باعها على مالك الأصل.
أليس لو أن البائع باع النخلة وفيها ثمر مؤبَّر، واشترط المشتري أن يكون الثمر له، أليس هذا جائزًا؟ بلى بنص الحديث، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (12). هم يقولون: إذا كان يجوز اشتراط الثمرة التي للبائع لتكون للمشتري، فكذلك إذا باع البائع الثمرة على مشتري الشجرة لتكون الثمرة له.
فنقول: لا، هذا ليس بصحيح، ولا يصح القياس؛ لأن اشتراط الثمرة التي للبائع إنما كان في صفقة واحدة، فكانت الثمرة تبعًا، وأما إذا انتهت الصفقة الأولى ثم أراد المتبايعان أن يعقدا صفقة جديدة على الثمرة وهي لم يبدُ صلاحها، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى أن تُباع الثمار حتى يبدو صلاحها (9). إذن القول الراجح في هذه المسألة: أن الثمرة لا تُباع قبل بدوِّ صلاحها ولا على مالك الأصل، وأن الزرع لا يُباع قبل اشتداد حبِّه ولا على مالك الأصل.


يقول: (وإلا إذا باع الرطبة والبقول جَزَّة جَزَّة، فيصح).
(الرطبة) ذكرنا أنها برسيم أو القَتّ؛ لغتان معروفتان.

الجزء: 2 - الصفحة: 1199

قال: أبيع عليك هذا البرسيم جزة جزة؛ يعني تجزه الآن، فقال: نعم، اشتراه جزة جزة، فيجوز؛ لأنه هنا سوف يُجَز قبل أن ينمو ولا جهالة فيه؛ لأنه مشاهَد ومعلوم، ولكن الجزة لا بد أن تكون في الحال كما سبق، والصحيح أنه يُتبع في ذلك العرف، قد يجزها في الحال، وقد يتأخر عشرة أيام؛ لأن المساحة واسعة، وهو يجزها يومًا بعد يوم.
وكذلك (لقطة لقطة)، اللقطة غير الجَزة، ما الذي يُلقط؟ الباذنجان، والقِثاء، والكوسة، والباميا، واللوبا، وهكذا، وعند الفلاحين من العلم في هذا ما ليس عندنا، هذا يباع لقطة لقطة؛ يعني: اللقطة الحاصلة الآن موجودة يبيعها، أما ما لم يوجد فإنه مجهول، وينطبق عليه نهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر (13). ثم قال المؤلف: (الحصاد والجذاذ واللِّقاط على المشتري).
(الحصاد) في أيش؟ للزرع، (واللقاط) للقثاء ونحوها، (والجذاذ) للنخل ونحوه، هذا على المشتري؛ لأنه تفريغ ملكه من ملك غيره، فهو المسؤول عنه، لكن لو اشترط المشتري على البائع أن يكون ذلك عليه فصحيح، لو اشترط ذلك فإنه صحيح، لو قال المشتري: أنا اشتريت منك ثمر النخل، ولكني أنا ليس عندي من يجذه، فأنت أيها الفلاح جُذه لي وائتِ به.
وقال: لا بأس؛ فيكون الجذاذ عليه بالشرط، وهذا شرط لا يستلزم جهالة ولا غررًا ولا ظلمًا ولا ربًا، والأصل في الشروط الحل والصحة، إلا ما قام الدليل على منعه.
(واللقاط على المشتري، وإن باعه)، الضمير يعود على ما سبق تحريم بيعه، (إن باعه مطلقًا) يعني: من غير شرط القطع؛ يعني باع الثمرة قبل بدو صلاحها ولم يشترط القطع، (مطلقًا) يعني: من غير ذكر للقطع ولا التبقية.
(أو بشرط البقاء)، فإنه لا يصح البيع؛ وذلك لأن الأمر الممكن لا يخلو من أحوال ثلاثة: إما أن يبيعه بشرط القطع في الحال.
أو بشرط التبقية.
أو يسكت.

الجزء: 2 - الصفحة: 1200

ففي الحال الأولى يصح البيع، في الحال الثانية والثالثة لا يصح، مثال ذلك: إنسان أتى إلى فلاح وعنده نخلة فيها ثمر لم يَبْدُ صلاحها، فقال: بعني هذا الثمر، قال: أبيعك إياه، فباعه واشترط المشتري على البائع أن يبقى إلى الصلاح، يصح أو لا؟ لا يصح؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ذلك (9). اشترط البائع على المشتري أن يقطعه في الحال، يصح بشرط أن يكون يُنتفع به.
سكت؟ لا يصح؛ لأن هذه الصورة الثالثة أو الحال الثالثة تدخل في عموم نهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولهذا قال: (إن باعه مطلقًا) أي: بدون شرط (أو بشرط التبقية لم يصح).


طالب: شيخ، إذا باع سنبلًا واشتد حبه، ثم حصد، فالتبن لِمَنْ للبائع أم لـ .. ؟ الشيخ: ما تقولون في هذا؟ إذا اشترى زرعًا بعد اشتداد حبِّهِ فلِمَنْ يكون التبن؟ التبن للمشتري، إلا إذا جرى العرف بأنه ليس له إلا السنبل فيُتبع، وقال بعض الفقهاء: إن التبن يكون للبائع؛ لأن المشتري إنما اشترى الثمر وهو السنبل، كما أن عِزق النخلة إذا اشترى إنسان ثمرتها يكون لِمَنْ؟ يكون للبائع عندهم، عند هؤلاء، والصحيح أنه يتبع في ذلك العرف وأن العرف يقتضي أن يكون تابعًا للمقصود يعني، يكون للمشتري.
( ... ) طالب: هل يجوز حجز الثمار؟ الشيخ: كيف حجز؟ ويش .. الطالب: يعني رجل ذهب إلى .. الشيخ: فلاح.
الطالب: علم أن البستان يأتي بثمار طيبة، فذهب لصاحبه قال: ( ... )؟ الشيخ: يعني اشتراها قبل أن توجد؟ الطالب: لا ما اشتراها، بس هو ربط كلام زي ما يقولون ( ... ). الشيخ: أليس عقد معه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، لكن ما تم العقد.
الطالب: ما تم.
الشيخ: وهذا العربون اللي أعطاه إياه ليش؟ الطالب: حتى لا يشك، لا يقول: إنه هو ممكن يحجزني أحد ويشتري من غيري.
الشيخ: الظاهر أنه لا بأس؛ يعني وعد فقط.
الطالب: ( ... ). الشيخ: المهم وعد، ما عقد البيع.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما فيها إشكال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1201

طالب: لكن له أن يأخذ العربون؟ الشيخ: إي، له ذلك.
طالب: قوله: (إلا بشرط القطع في الحال أو جزة جزة)، نفس المعنى؟ الشيخ: لا، هذا كالثمر والزرع، أما الجزة الجزة فهذا للذي يبقى أصله مثل ( ... ) وشبهها.
الطالب: والجزتان؟ الشيخ: لا، الجزة اللي لما ظهرت؟ الطالب: إي.
الشيخ: ما تصلح، فقوله: (جزة جزة) يعني معناه: أن كل ما حلَّ جزه أو جاء أوان جزه باعه.
طالب: ( ... ). الشيخ: الآن مثلًا الزت، كلما حصدوه نبت من جديد، نقول: هنا إذا حصلت الجزة وانتهى وصار ما بقي إلا أن يُجَز يجوز بيعه، الجزة الثانية إذا بلغت أن تُجَزَّ كذلك.
طالب: إن باع زرعًا قبل أن يشتد حبه، واشترطنا الجز في الحال، أو على القول الراجح فلا يُشترط ذلك؟ الشيخ: كيف لا يُشترط؟ الطالب: لا نشترط ذلك إذا كان يشترى للبهائم.
الشيخ: يُشترط.
الطالب: يُجَزّ في الحال؟ الشيخ: إي، يُجَزّ في الحال، لكن قلنا: إنه ما هو لازم أنه بشرط أن لا يمضي وقت ينمو فيه.
الطالب: وإذا مضى وقت في العرف حتى بدا أو اشتد الحب، ما حكمه؟ الشيخ: بيجينا إن شاء الله.
طالب: شيخ، غفر الله لكم، إن باع ثمرًا بعد بدو صلاحه، ثم إنه بعدُ بدا لهذا المشتري أن هذا الثمر فيه عيب، هل يثبت له خيار العيب؟ الشيخ: قبل بدوِّ صلاحه؟ الطالب: بعد بدو صلاحه.
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، الذي هو الجوائح.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا باعه مطلقًا ولم يشترط ( ... ) أو القطع ولكنه قصد ذلك.
الشيخ: ولكنه؟ الطالب: قصده.
الشيخ: أيش؟ الطالب: قصد القطع في الحال.
الشيخ: إي نعم، لا، ما يصح، الشروط لا بد أن تُذكر لفظًا.
طالب: معروف عند المزارعين أنهم بمجرد أن يُحصد هذا الثمر ( ... ) بمجرد أن تُباع الجزة الموجودة بداية النمو يشتريه إنسان آخر، بناء على أن هناك عادات معروفة من الـ .. الشيخ: إي، هذا لم يقع العقد على نفس الزت، وقع العقد على برسيم قد حُصد.
الطالب: على ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1202

الشيخ: إي على ( ... )، هذا يكون كبيع الموثوق في الذمة، وكالسَّلَم الذي كان الصحابة يفعلونه (14). الطالب: يعني ما هو يشتري مثلًا خمسة آلاف ( ... )، لكن بمجرد أن يحصد الحصدة الأولى يقول مثلًا: أنا أشتري منك الحصدة المقبلة بكذا.
الشيخ: على أنها خمسة آلاف؟ الطالب: إي نعم، على أنها خمسة آلاف.
الشيخ: لا، ما يصح هذا.
الطالب: ويعطيه المبلغ.
الشيخ: لا، يبيع عليه خمسة آلاف لبنة، ما يبيع عليه الشيء المعين.
طالب: يكثر بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه في بعض البلاد، ويأخذه المشتري ويعالجه بطريقة معينة فيصبح طيبًا ويكون مقبولًا عند الناس.
الشيخ: لكن يعني يجزه في الحال؟ الطالب: على فترات، يعني يجزه على فترات حسب البيع الذي يبيع به، أو يسويه بطريقة معينة، فيكون مرغوبًا عند الناس، بل ربما يكون ثمنه أعلى بعد ذلك.
الشيخ: لكن ما يعتريه آفات؟ الطالب: لا، ما يعتريه، هو يسويه حسب ما يبيع، سواء استخدمه في موسم معين في وقت .. الشيخ: الظاهر إذا جرى العرف بهذا بأنه ما فيه ضرر ولا فيه عُرضة لفساد الثمر فلا بأس؛ لأن هذا قد يقال: إن هذا بدو صلاحه، عند بعض الناس.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي، قَتّ.
الطالب: لا، جت، البرسيم: الجت.
الشيخ: لا، هذا بلغتنا العامية المحضة: زت، قل بدلها: برسيم، وانتهى الموضوع.
( ... )


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في بابِ بيع الأصول والثمار: وإن باعه مطلقًا أو بشرط البقاء، أو اشترى ثمرًا لم يَبْدُ صلاحُه بشرط القَطْعِ وتَركَهُ حتى بدا، أو جَزَّةً أو لقطةً فَنَمَتا، أو اشترى ما بدا صلاحُه وحصل آخر واشتبها، أو عرية فأثمرتْ بَطَلَ، والكلُّ للبائع، وإذا بدا ما له صلاحٌ في الثمرةِ واشتدَّ الحَبُّ جاز بيعه مطلقًا، وبشرط التَّبقيةِ، وللمشتري تَبْقِيةٌ إلى الحصاد والجذاذ، ويلزم البائع سَقْيُه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرَّر الأصلُ، وإن تلفتْ بآفةٍ سماويةٍ رجع ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1203

وإن باعَه مُطْلَقًا أو بشَرْطِ البقاءِ أو اشْتَرَى ثَمَرًا لم يَبْدُ صَلاحُه , بشَرْطِ الْقَطْعِ وتَرَكَه حتى بَدَا أو جَزَّةً أو لُقَطَةً فنَمَتَا أو اشْتَرَى ما بدا صَلاحُه وحَصَلَ آخَرُ واشْتَبَها أو عَرِيَّةٌ فأَثْمَرَتْ بَطَلَ والكلُّ للبائعِ، وإذا بدا ما لَه صلاحٌ في الثمرةِ واشْتَدَّ الحبُّ جازَ بيعُه مُطْلَقًا , وبِشَرْطِ التبقِيَةِ , ولِلْمُشْتَرِي تَبقيةٌ إلى الْحَصادِ والجِذاذِ، ويَلْزَمُ البائعَ سَقْيُه، إن احتاجَ إلى ذلك وإن تَضَرَّرَ الأصلُ، وإن تَلِفَتْ بآفةٍ سَماوِيَّةٍ رَجَعَ على البائعِ، وإن أَتْلَفَه آدَمِيٌّ خُيِّرَ مُشْتَرٍ بينَ الفَسْخِ والإمضاءِ ومطالَبَةِ الْمُتْلِفِ، وصلاحُ بعضِ الشجرةِ صلاحٌ لها , ولسائرِ النوعِ الذي في الْبُستانِ، وبُدُوُّ الصلاحِ في ثَمَرِ النخْلِ أن تَحْمَرَّ أو تَصْفَرَّ، وفي الْعِنَبِ أن يَتَمَوَّهَ حُلْوًا، وفي بَقِيَّةِ الثمراتِ أن يَبْدُوَ فيه النضْجُ ويَطيبَ أَكْلُه، ومَن باعَ عبدًا له مالٌ فمالُه لبائعِه إلا أن يَشترِطَه المشتَرِي، فإن كان قَصْدُه المالَ اشْتَرَط عِلْمَه وسائرَ شروطِ البيعِ وإلا فلا، وثِيابُ الْجَمَّالِ للبائعِ، والعادةُ للمُشْتَرِي.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب بيع الأصول والثمار:

الجزء: 2 - الصفحة: 1204

وإن باعه مطلَقًا أو بشرط البقاء، أو اشترى ثمرًا لم يَبْدُ صلاحُه بشرط القَطْعِ وتَركَهُ حتى بَدَا، أو جَزَّةً أو لقطةً فَنَمَتَا، أو اشترى ما بَدَا صلاحُه وحصل آخر واشتَبَهَا، أو عريَّة فأثمرتْ بَطَلَ، والكلُّ للبائع، وإذا بَدَا ما له صلاحٌ في الثمرة واشتدَّ الحَبُّ جاز بيعه مطلقًا، وبشرط التَّبقية، وللمشتري تَبْقِيَةٌ إلى الحصاد والجذاذ، ويلزم البائعَ سَقْيُه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرَّر الأصلُ، وإن تلفتْ بآفةٍ سماويةٍ رجع على البائع، وإن أتلفه آدميٌّ خُيِّر مُشترٍ بَيْنَ الفسخ والإمضاء ومطالبةِ المُتْلِفِ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق أنه إذا باع ثمرًا لم يبدُ صلاحه فله حالات، ما هي الحالات؟ طالب: الحال الأول ( ... ) مما يُجَذ مرة واحدة أو .. الشيخ: لا، ثمر ما هو زرع، ثمر نخلة.
الطالب: إن تشقق أو ( ... ). الشيخ: قبل بُدُوّ صلاحه، تشقق وصار أخضر.
الطالب: ( ... ). الشيخ: أقصد هذا، إذا باع الثمر قبل بُدُوّ صلاحه فله ثلاث حالات.
طالب: الحال الأولى بشرط القطع في الحال، فهذا يصح إن كان يُنْتَفَع به.
الشيخ: هذا جائز إن انتُفِع به، الحال الأولى: أن يشترط قطعَه في الحال، فهذا جائز إن انْتُفِع به، الثانية؟ طالب: أن يبيعه ( ... ) بالأصل.
الشيخ: لا، ما نريد ( ... ). الطالب: الذي يبيعه مع أصله.
الشيخ: لا، الثمر.
طالب: أن يبيع النخلة وقد تشقق .. الشيخ: لا، إحنا نقول: يبيع الثمرة من أجل النخلة.
طالب: أن يبيعه بشرط التبقية.
الشيخ: أن يبيعه بشرط البقاء، فما الحكم؟ الطالب: باطل.
الشيخ: هه؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح.
طالب: ( ... ). الشيخ: لكن توافق على قوله: إذا باعه بشرط التبقية أنه يبطل؟ الطالب: نعم، يبطل البيع.
الشيخ: يبطل البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1205

الطالب: لنَهْي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار قبل بُدُو صلاحها.
(1) الشيخ: أحسنت، الثالث؟ طالب: أن يكون مُدَّخَرًا .. الشيخ: يبيعه ولا نشترط البقاء ولا القطع في الحال، فهنا؟ الطالب: باطل أيضًا.
الشيخ: باطل.
الطالب: لأنه في النهي.
الشيخ: فهمنا الآن؟ إذا باع الثمر قبل بدو صلاحه فله ثلاث حالات: أن يبيعه بشرط القطع في الحال فهذا جائز، لكن يُشْتَرَط فيه أن يُنْتَفَع به، فإن لم يُنْتَفَع به صار البيع حرامًا من جهة أنه إضاعةٌ للمال.
الثاني: أن يبيعه بشرط البقاء، فهذا لا يجوز؛ لأنه مصادِمٌ للنص تمامًا.
والثالث: أن يبيعه ويسكت، لا يقول: القطع في الحال ولا البقاء، فهذا أيضًا لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تُبَاع الثمار حتى يبدو صلاحها.
(1)


قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن باعه مطلقًا) أي: مِن غير ذكر قطعٍ ولا تبقية فهو لا يصح، وكذلك يقال في الزرع قبل اشتداد حبه.
والثالثة قال: (أو بشرط البقاء) فهو أيضًا لا يصح؛ لأنه مخالف لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لنهيه عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها.
ثم قال: (أو اشترى ثمرًا لم يَبْدُ صلاحُه بشرط القطع وتركه حتى بَدَا) فإنه يبطل البيع.
اشترى ثمرًا قبل أن يبدو صلاحه بشرط القطع، لكنه تهاوَن وتركه حتى بَدَا صلاحه فإن البيع يبطل، لماذا؟ هل هو لأجل ما حصل من النماء الزائد؟ أو لأنه يُتَّخَذ ذريعة إلى بيع الثمر قبل بُدُوّ صلاحه؟ الجواب: الثاني؛ لأننا لو قلنا بصحة البيع في هذه الصورة لزم من هذا أن يتحيَّل الناس، فيبيع الثمر بشرط القطع، ثم يتركه حتى يبدو صلاحه، وحينئذ يقع فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيبطل.
إذا بطل البيع فأين يكون الثمن؟ الثمن يرجع به المشتري على مَنْ؟ على البائع إن كان قد أقبضه إياه، ويسقط عنه إن كان لم يُقْبِضه إياه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1206

يقول رحمه الله: (أو اشترى جَزَّةً أو لَقْطَة فنَمَتَا) يعني: فإنه يبطل البيع.
(اشترى جزَّةً أو لَقْطَة)، الْجَزّة فيما يحصد ويُجَزّ، واللَّقطة فيما يُلْقَط، فالأول كالرَّطْبة، يعني الزَّتّ، أو ما يسمى بالبرسيم، والثاني: اللَّقطة، مثل الباذنجان والقِثَّاء، وما أشبه ذلك.
هذا رجل اشترى جَزَّة أو لَقْطَة بشرط القطع، ولكنه تركها حتى نَمَت، يقول المؤلف: إن البيع يبطل، لماذا يبطل؟ قال: لأن هذا الذي نما لا يمكن تخليصه من الأصل، فيبقى البيع مجهولًا؛ لأن مَن الذي يُحصِي نُمُوّ هذه الباذنجانة، أو نمو هذه الجزة؟ فيبقى حينئذٍ أيش؟ مجهولًا.
ولكن المسألة فيها خلاف، والصواب: أنه إذا نمت الْجَزّة أو اللَّقْطَة برضا البائع فإن البيع لا يبطل، إذا استأذن المشتري البائع وقال: أنا أريد أن تمهلني عشرة أيام، عشرين يومًا، حتى أُصرِّف ما عندي مثلًا، أو حتى يرتفع السعر، قال: لا بأس، فنمت في هذه المدة، فالنماء لِمَن الآن؟ طالب: للمشتري.
الشيخ: لا، الأصل أن النماء للبائع، لكن البائع سمَح وقال: لا بأس، فالبيع حينئذٍ صحيح.
أضرِب مثلًا لذلك بإنسان اشترى لَقْطَة حَبْحَب، أتعرفون الحبحب؟ هو البطيخ الأحمر، وهو معروف بأنه حبحب، على كُلِّ حال اشترى لقطة، ثم قال للبائع: أريد أن تمهلني عشرة أيام حتى يرتفع السعر؛ لأن السعر ناقص.
قال: لا بأس.
هذه الحبحبة الصغيرة نمت وكانت كبيرة فيما بين العقد عليها ولَقْطِها، لِمَنِ الزيادة في الأصل؟ للبائع، الزيادة في الأصل للبائع؛ لأن المشتري اشتراها على قدرٍ معلوم، فالزيادة للبائع، لكن البائع قد سمح وقال: لا بأس، فما دام البائع سمح وأسقط حقه فإننا نقول له: أنت مشكور على ذلك، وأما إذا كان بغير رضاه فله الخيار؛ إن شاء أمضى البيع، وإن شاء فسخ؛ لأن ملكه الآن اختلط بمُلك غيره على وجهٍ يصعب التمييز بينهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 1207

وهذا القول هو الراجح؛ لأن هذا ليس كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها وتُترك حتى يبدو الصلاح؛ إذ إن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وتُتْرَك حتى يبدو الصلاح مخالفٌ لأيش؟ للنص، أما هذا ما فيه مخالفة للنص.
وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح في هذه المسألة إذا اشترى جَزَّة فنمت أو لَقْطَة فنمت، فإن كان برضا البائع فلا خيار له، وإن كان بغير رضاه بأن تهاون المشتري حتى نمت وكبرت فإن له أيش؟ الخيار، إن شاء أمضى البيع؛ لأن الزيادة له، فإذا رضي أن تكون للمشتري فلا حرج عليه، وإن شاء فسخ البيع؛ لأن ملكه اختلط بملك غيره على وجهٍ لا تمييز فيه، والمفرِّط في ذلك مَن؟ المشتري، فيقال: الخيار للبائع، هذا القول هو الراجح.
يقول: (أو اشترى ما بَدَا صلاحه وحصل آخر واشتَبَهَا) فإن البيع يبطل.
كيف هذا؟ نعم يمكن، في الزرع يمكن يتلاحق، يكون أول الزرع قد اشتد، في النخل أيضًا في بعض النخيل تُخرِج بالسنة مرتين، فبِيعَ الطلع الأول لأنه بَدَا صلاحه، ثم نما الثاني واشتبهنا الأول من الثاني، يقول المؤلف: إن البيع يبطل؛ لتعذُّر تمييز ما لكل واحد منهما، هذه هي العلة.
ولكنك إذا تأملت هذه العلة وجدتَ أنها لا تقتضي البطلان؛ وذلك لأن الحق بينهما الآن، فإذا اصطلحَا على شيء، أو قال من كانت له الثمرة الثانية: هي لك، لا أريدها، فما المانع من الصحة؟ ! ربما يقول قائل: المانع من الصحة أن هذه الثمرة الأخيرة وقع عليها العقد قبل أن توجَد، أو وقع العقد عليها إن كانت قد وُجِدت قبل بُدُوّ صلاحها، قد يقول قائل هكذا، يعني: ليست العلة الاختلاط والاشتباه، العلة أن هذه الثمرة الجديدة إما أن تكون مخلوقة عند بيع الأولى فيكون بيعها قبل بُدُوّ الصلاح، وإما أن تكون معدومة فيكون ذلك بيعَ معدوم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1208

لكن يمكن أن يجاب عن ذلك فيقال: إنَّ هذا ليس ببيع، تَنازُل مَن له الثمرة الثانية ليس بيعًا، ولكنه هبة وتبرُّع، ومعلوم أنه يجوز أن يتبرع الإنسان بثمر النخل قبل بدو صلاحه؛ لأن المنهي عنه إنما هو البيع، وأما الهبة والتبرع فإن الموهوب له والمتبرَّع له إما كاسب وإما سالِم؛ إما غانم إن بقي الثمر وصلح، وإلا سالم، ما فيه غرر ولا جهالة ولا مَيْسِر.
وهذا القول الثاني أصح؛ أنه إذا حصلت ثمرة واشتبهت بالأولى فنقول: اصطَلِحَا، فإن تَنازَل مَن له الثمرة الثانية قال: الكل عندي سواء، والثمرة التي حصلت بعد البيع هي له، فحينئذٍ نقول: البيع يبقى ولا نزاع ولا خصومة.
لكن يبقى المسألة الثالثة: إذا أَبَيَا أن يصطلحَا، وأبى مَن له الثمرة الثانية أن يهبها للأول، فماذا نصنع؟ يقول الفقهاء الذين قالوا بعدم بطلان البيع: يُجبَرون على الصلح، يُجبَر المشتري ومَن له الثمرة الجديدة على الصلح؛ لأنه لا يمكن الانفكاك إلا بهذا، وكوننا نبطل البيع قد يكون فيه ضرر على البائع أو المشتري، إن كانت الأمور قد رَخصت فالضرر على مَنْ؟ طالب: على البائع.
طالب آخر: المشتري.
الشيخ: أصلًا لا بد من الخلاف حتى وإن كان الأمر واضحًا، إذا كان البيع قد نزل؟ طالب: على البائع.
طالب آخر: على المشتري.
الشيخ: على البائع، واضح ما فيه إشكال، وإن كانت الثمرة قد زادت قيمتها فالضرر على المشتري، ولهذا نقول لهم: إذا حكمنا ببطلان البيع صار ضرر، فلا بد أن تصطلحَا، فإن أَبَيَا إلا بثالث يُصلِح بينهما قلنا: لا بأس، نقيم ثالثًا يصلح بينهما وتنتهي المشكلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1209

يقول رحمه الله: (وحصل آخر واشتبها، أو عَرِيَّة فأتمرت)، (عرية فأتمرت) ما هي العريَّة؟ العريَّة هي شراء الرُّطب على رؤوس النخل بتمرٍ قديم لمن احتاج إلى الرُّطب وليس عنده ثمن يشتري به، فإنها تُخلَص الرطب حتى تكون مساويةً للتمر القديم في الكيل، ثم يَشتريها صاحب التمر القديم، وبشرط أن تكون خمسة أوسق أو أقل، ومرَّت علينا أظن.
هذا الفقير الذي ليس عنده مال وعنده تمر قديم جاء للفلاح فقال له: أنا محتاج للرطب، بِعني ثمرة هذه النخلة التي تأتي بعد يُبْسها خمسين صاعًا بخمسين صاعًا من التمر اللي عندي، يجوز أو لا؟ يجوز؛ لأن خمسين صاعًا أقل من خمسة أوسق، وهذا محتاج وليس عنده مال، يجوز.
أعطاه التمر، وهاذاك تخلَّى عن النخلة، قبْضُ التمر بماذا؟ بالكيل، وقبض النخلة بالتخلية، صاحب النخلة الفلاح خلَّاها له، وذاك أعطاه التمر بالكيل، ثم إن المشتري تركها حتى أتمرت، يقول المؤلف: إن البيع يبطل؛ لأن الشرع إنما أجاز بيع الرطب بالتمر مع أن الأصل أنه محرَّم من أجل دفع حاجة هذا الفقير الذي هو محتاجٌ لأيش؟ للرطب، والآن لما أهمل وتركها حتى أتمرت زالت العلة التي من أجلها أجاز الشرعُ بيعَ الرطب بالتمر.
إذن ما هي علة بطلان البيع؟ هي أن الحكمة التي من أجلها أُبِيحَ بيع الرطب بالتمر أيش؟ قد زالت، ولا يمكن أن نفتح للناس باب الخداع، نقول: لو أننا صححنا البيع وألزمنا بائع النخلة ببقاء العقد تَحيَّل الناس على هذا، فلذلك يقول المؤلف: إذا اشترى عريَّة فأتمرت بطل البيع.
ثم قال: (والكل للبائع)، الكل في هذه المسائل كلها إذا بطل البيع رجع لِمَن؟ رجع للبائع؛ لأنه ملكه، ويأخذ المشتري الثمن من البائع إن كان قد أقبضه إياه، وإن كان لم يُقبِضه إياه سقط عن ذمته.
ثم قال: (وإذا بَدَا ما له صلاح في الثمرة واشتد الحَبّ جاز بيعه مطلقًا وبشرط التَّبْقية).
(إذا بَدَا ما له صلاح في الثمرة واشتد الحَب جاز بيعه).

الجزء: 2 - الصفحة: 1210

ما يعني بالثمرة؟ ثمرة النخل، ثمرة العنب، كل ما يسمى ثمرًا، وهو ما تُخرِجه الأشجار، هذا الثمر، ما يخرج من الشجر ثمر، وما يخرج من الأرض زرع.
يقول: (واشتد الحب) حَبّ أيش؟ حبّ الزرع، (جاز بيعه مطلقًا) يعني بدون شرط، ودليل الجواز أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه (1)، وجه الدلالة أن (حتى) للغاية، وما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها، فإذا كان ما قبل بدو الصلاح محرَّمًا، كان ما بعده أيش؟ جائزًا، ونهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن بيع الْحَب حتى يشتد (2)، فإذا كان نُهِيَ عنه قبل اشتداده و (حتى) للغاية، فما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها، فيكون جائزًا.
وقوله: (جاز بيعه مطلقًا) يبين إطلاق قوله: (وبشرط التبقية).
وبشرط القطع من باب أوْلى.
وعلى هذا فنقول في بيع الثمار بعد بدو صلاحها والحَب قبل اشتداد حَبِّه، نقول: أيضًا له ثلاث حالات، كما قلنا فيما كان قبل ذلك، نقول: ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يبيعه بشرط القطع، فماذا يصنع؟ يصح البيع ويقطعه.
والثانية: أن يبيعه بشرط التبقية، جائز ولّا غير جائز؟ طالب: على المذهب.
الشيخ: جائز، نعم وهو كذلك، على المذهب وغير المذهب فيما أظن.
والثالث: أن يبيعه ويسكت، فهو أيضًا جائز، والدليل ما سمعتم من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وعن بيع الْحَبّ حتى يشتد.
أما مسألة الضمان وعدم الضمان فسيأتينا إن شاء الله تعالى فيما بعد.
(وبشرط التبقية، وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ).
للمشتري أن يُبَقِّيه (إلى الحصاد) وهذا في الزرع، (والجذاذ) وهذا في الثمر، له أن يُبْقِيه إلى الحصاد والجذاذ، وله أن يَجُذَّه قبلُ؟ طالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1211

الشيخ: لماذا؟ لأنه ملكه، المشتري الآن ملك الثمرة، له أن يَجذَّها قبل أن يأتي أوان جَذِّها، وله أن يُبْقِيَها حتى يأتي أوان جذها، وكذلك في الزرع؛ له أن يحصده قبل وقت الحصاد، وله أن يُبْقِيَه إلى وقت الحصاد؛ لأنه مُلكه.
لكن هذا ليس على إطلاقه، بل يقال: بشرط ألَّا يتضرر الأصل بعد تأخيره عن وقت الحصاد والجذاذ، فإن تضرر فليس له ذلك، ويقال: إن ثمرة النخل إذا لم تُجَذّ في أوان جذها ضرَّ النخلة، فإذا ثبت قلنا للمشتري: إذا جاء وقت الجذاذ لا بد أن تَجُذّ، ولا يمكن أن تؤخِّر؛ لما في ذلك من الضرر.
كذلك بالحصاد، جاء وقت الحصاد وقال: ما عندي الآن ماكينة تحصد، ولا عندي آلة، نقول: لا بد أن تحصد، الرجل يقول: فَرِّغ الأرض، أنا أريد أن أزرع الأرض بزرع آخر، نقول: نعم، له ذلك.
إذن قول المؤلف: (تبقيته إلى الحصاد والجذاذ) يُفْهَم منه أنه ليس له أن يُبْقِيَه إلى ما بعد ذلك إلا برضا البائع، وهو كذلك.
(ويلزم البائعَ سَقْيُه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرَّر أصله).
(يلزم البائعَ سقيُه)؛ سقي أيش؟ سقي الزرع، وسقي الثمر، والمراد سقي الشجر، لكنه قَيَّد ذلك بقوله: (إن احتاج إلى ذلك) بأن يكون الوقت حارًّا وتَيْبَس أصولُه فيضمر الثمر ويتغير، فنقول: يلزم البائعَ أيش؟ طالب: يلزمه أن يسقيه.
الشيخ: أن يسقيه، حتى وإن تضرر الأصل؟ يقول: (وإن تضرَّر الأصل).
فإن قال قائل: كيف نقول: إنه يلزمه سَقيُه وإن تضرر الأصل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (3)؟ قلنا: ما في هذا ضرر، ما فيه مضارة هنا، البائع باعه، والعادة جرت أنه يلزمه حفْظُه والقيام عليه إلى متى؟ إلى الجذاذ، فهو الذي ألزم نفسه بذلك، وهو الذي رضي لنفسه بالضرر، فيلزمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1212

وقول المؤلف: (إن احتاج إلى ذلك)، مفهومه: إن لم يحتج فإنه لا يلزمه، وهذا هو الصحيح، خلافًا للمذهب في هذه المسألة، حيث قالوا: يلزمه سقيه سواءٌ احتاج أم لم يحتج، والصواب أنه لا يلزمه إلا إذا احتاج.
(ويلزم البائعَ سقيُه إذا احتاج إلى ذلك وإن تضرر الأصل، وإن تلفت بآفة سماوية رجع على البائع، وإن أتلفه آدمي) إلى آخره.
(إن تلفت) الضمير يعود على الثمرة، إذا تلفت بعد أن بِيعَت بعد بُدُوّ الصلاح تلفت، (بآفة سماوية) مثل: حَرّ شديد أفسد الثمر، بَرَد أسقط الثمر، جُنْدٌ لا يمكن تضمينه كذلك أفسد، مثل الآفة السماوية؛ لأنه لا يمكن تضمين هذا الجند، جَراد أكلها.
المهم أن الآفة السماوية أعم مما يظهر من لفظها، إذ إن المراد بها ما لا يمكن المشتريَ تضمينُها، سواءٌ كان بآفة سماوية لا صنع للآدمي فيه، أو بصنع آدمي لا يمكن أن يُضمَّن.
إذا تلفت بآفة سماوية، لنضرب مثلًا بأن الله تعالى أنزل بَرَدًا حتى أسقط جميع الثمر، التلف هنا بآفة سماوية، يقول المؤلف رحمه الله: (رجع على البائع).
مَنِ اللي يَرجع؟ طلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري، يرجع على البائع، الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ » (4)، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بوضع الجوائح (5)، اللفظ الأول مفصَّل: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ». فإن قال البائع: كيف أضمن وهو في ملك المشتري الآن؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1213

قلنا: لأن بيعَك إياه التزامٌ منك إلى حفظه والقيام عليه حتى يأتي وقت الجذاذ، فهي الآن في حفظك وإن كان المشتري قد ملكها وله أن يجذها وله أن يبيعها، لكنها مضمونة عليك؛ لكونك أنت المطالَب بحفظها إلى وقت الجذاذ.
إذا قُدِّر أن المشتري تهاوَن في جَذِّهَا في وقت الجذاذ حتى جاء المطر فأفسدها، فهل يرجع على البائع؟ لا يرجع، لماذا؟ لأنه هو الذي فرَّط، والبائع يقول: خُذ، جُذّ النخل، يقول: انتظر انتظر.
فإذا قال المشتري: أنا لي سيارات، أَجُذّ النخل وأحملها، ولم تأتِ السيارات بعد، وتركها حتى فات وقت الجذاذ وتلفت بآفة سماوية، هل يرجع أو لا؟ طلبة: لا يرجع.
الشيخ: لا يرجع؛ لأن هذا التفريط من نفس المشتري، فلا يرجع على البائع بشيء.
إذا كان الذي حصل على الثمر ليس تلفًا ولكنه نقص، بمعنى أن بعض القِنوان تغيَّر، حَشَّف؛ صار حَشَفًا، فهل يضمن البائع النقص؟ طلبة: نعم.
الشيخ: بعض الناس يقول: لا، وبعض الناس يقول: نعم، والصواب أن نقول: نعم يضمن النقص؛ لأنه إذا ضمن الكل ضمن البعض، هذا التمر الذي حَشَّف وصار لا يأكله إلا البهائم هو كالتالف في الواقع، فضمانُ النقص على مَن؟ على البائع.
فإن كان النقص بسبب المشتري، المشتري لا يعرف يجني ويَخرِف، فكان يمسك التمرة ويَعُرُّها، حتى الشَّماريخ تتشقق، ففسد الثمر، فهل يضمنه البائع؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأنه مِن فعل المشتري، ولهذا يراقب الفلاحون؛ يراقبون الذين يَخرِفون الثمرة، إذا كانوا لا يعرفون واختلت الثمرة قالوا: نحن لا ضمان علينا، التفريط من المشتري، هو الذي أفسدها.
طالب: قلنا: إنه ( ... ) جاز بيعه مطلقًا، ما يشمل ما يلقط؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: مثل البطيخ، هل يجوز بيعه مطلقًا إذا بَدَا صلاحه؟ الشيخ: نعم.
الطالب: وقلنا: إنه إذا نما في الوقت المذهب يقولون .. الشيخ: المذهب أنها تبطل، والصحيح أنه لا يبطل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1214

الطالب: ألم يقل يا شيخ: (إذا بدا ما له صلاحٌ في الثمرةِ جاز بيعه مطلقًا)؟ الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ويش معنى (مطلقًا)؟ يعني بشرط التبقية أو بشرط القطع أو بالسكوت.
الطالب: قد يكون شَرَط يا شيخ ( ... ) على المذهب يصح أو لا يصح؟ الشيخ: بعد أن بَدَا صلاحه؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: صلاح الثمر؟ الطالب: البطيخ .. الشيخ: إي نعم.
الطالب: بَدَا صلاحها ثم شَرَط ( ... ). الشيخ: لا ما يصح؛ لأنه إذا شرط عشرة أيام صار البيع ينعقد بعد عشرة أيام، وما نما في هذه المدة مجهول.
الطالب: ما بدا صلاحه يا شيخ؟ الشيخ: بَدَا، لكن هذا ينمو ويزداد، أما ثمر النخل فهو قليل جدًّا إذا نما بعد بدو الصلاح إن نما فهو نماءٌ قليل.
طالب: شيخ، إذا اشترط البائع على المشتري بأن صلاح النخل على المشتري.
الشيخ: بأن؟ الطالب: بأن حفظ النخل مِن سُقْيَا أو غيرها على المشتري، ووافق المشتري، ثم أصابته آفة سماوية، فهل الجائحة على البائع؟ الشيخ: الجائحة على البائع تكون، حتى هذا الشرط في صحته نظر؛ لأنه إذا اشترط عليه أن يسقيه فهذا السقي ما ندري، قد يحتاج إلى كثير وقد يحتاج إلى قليل؛ لأنه تبع الجو، إذا اشتد الحر معناه يحتاج إلى ماء كثير، فيكون هذا مجهولًا، ويعود بالثاني إلى جهالة الثمن.
طالب: وهل الشرط هذا باطل؟ الشيخ: والله هو للبطلان أقرب.
طالب: شيخ، إذا تلف الثمر وكان المشتري قد اشترى الثمرة مع أصلها، هل يكون على البائع ضمان؟ الشيخ: إذا اشتراها مع أصلها، يعني مثلًا اشترى النخل وفيه ثمر؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: فليس على البائع ضمان.
الطالب: أصابته آفة سماوية.
الشيخ: إي، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا» (4)، وهذا لم يَبْتَع ثمرًا، هذا باع أصلًا والثمرة له، ولهذا لا أحد يفكر يضمِّن البائع؛ لأنه انتقلت الشجرة بثمرتها.
طالب: شيخ، إذا باع الزرع بشرط البقاء إلى الحصاد، فتأخر المشتري ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1215

الشيخ: يعني بعد اشتداد حَبِّه؟ الطالب: اشتد حَبِّه، تأخر المشتري عن الحصاد، والبائع يريد أن يخلي الأرض لمحصول آخر، فهل له أن يبيعه على آخر في هذه الحال؟ الشيخ: البائع ما يبيع، لكن يجبر المشتري على أن يحصده.
الطالب: هل للبائع أن يحصده وتكون الأجرة على المشتري؟ الشيخ: ما يصير، تكون فوضى، لكن البائع يرفع الأمر إلى الجهة المسؤولة وهم يجبرونه.
طالب: شيخ، إذا اشترى مُشْتَرٍ الثمرة ثم عند جذاذها انكسرت شجرة البائع، هل عليه الضمان؟ الشيخ: كسر الشجرة؟ ! الطالب: يعني قطعها، عند جذاذ الثمر كسر شجرة النخيل.
الشيخ: النخلة ما تنكسر من هذا! الطالب: بعض الأحيان يعني هو ما يعرف الجذاذ جيدًا ومسكها هكذا .. طالب آخر: الشجر بعضه يُكْسَر يا شيخ.
الشيخ: الشجر يمكن، فعليه الضمان.
طالب: ضمان الشجرة؟ الشيخ: ضمان ما انكسر.
طالب: إذا نمت الثمار بالتراضي بين البائع والمشتري، هل للبائع أن يشترط أن يجعل له شيئًا من ثماره، يقول: أنا موافق وراضٍ ولكن اجعل لي شيئًا؟ الشيخ: إذا اصطلحَا على شيء ما فيه بأس.
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، إذا اشترى مشترٍ ثمارًا واحتاج الأصل إلى السُّقْيَا، فسقاها ولكن تأخر المشتري بتهاون إلى ما بعد الجذاذ، هل يضمن المشتري أم لا وتضرر الأصل؟ الشيخ: إذا تأخر المشتري في الجذاذ عن وقته فما حصل من تلف فهو على المشتري؛ لأنه هو الذي فرَّط.
( ... ) رجل اشترى فرَاخة؛ فراخة النخل، وطلب من البائع أن يبقيه إلى آخر السنة، فهل يصح هذا أو لا يصح؟ على مقتضى قواعد المذهب أنه لا يصح؛ لأن الذي ينمو مجهول، فيعود إلى جهالة المبيع، لكن الصحيح أنه لا بأس به؛ لأن هذا النماء نماءٌ يسير، ومعلوم، يعني يكاد يكون معلومًا، ولا يعد الناسُ هذا جهالة، فالصواب أن هذا لا بأس به.

الجزء: 2 - الصفحة: 1216

طالب: الذي عليه الجذاذ يتضرر بسُقْيَا الأصل لا تضرُّر ثمر وإنما فوات كمال، كما يقول القشر ونحوه بسبب الماء، فهل يُلزم صاحب الأصل ألّا يسقي في هذا الوقت؟ الشيخ: إي نعم، إذا عُلِم أن سقي الأصل يضر الثمرة فإنه يُمْنَع.
الطالب: فوات كمال، ما هو بضرر وتلف، كمال.
الشيخ: إي ما يخالف، المهم أنه يضره.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فهذا إذا كان ضمانه على البائع فمعلوم أنه لا يجوز أن يمكَّن مما يضر.
طالب: يا شيخ حفظك الله، لو أن إنسانًا اشترى تمرًا، يعني اشترى ثمرة، وقال للبائع: إن أذنت أن تُبْقِيَه إلى وقت الجذاذ، فأَذِن البائع، وقال له المشتري .. الشيخ: يعني بعد بدو الصلاح؟ الطالب: بعد بدو الصلاح، وقال له المشتري على الإطلاق: سواء أصابها جائحة أو لم تصبها جائحة فالمال لك؟ الشيخ: هذا لا يصح الشرط؛ لأنه خلاف ما ثبت في الشرع؛ ولأن هذا يؤدي إلى الجهالة العظيمة؛ لأنه إذا شرط البائع على المشتري ألَّا يردها بالجائحة فالثمن سوف ينقص أو يزيد؟ طلبة: ينقص.
طالب آخر: إن اشترط الجائحة؟ الشيخ: إذا قال البائع للمشتري: أشترط عليك أنها إذا أُصيبت بجائحة فإنك لا ترجع عليّ، الثمن يزيد أو ينقص؟ الطالب: يزيد.
الشيخ: يزيد! أيش تقولون؟ طلبة: ينقص.
الشيخ: هذا ينقص، ما فيه شك، إذا نقص، مثلًا إذا قدَّرنا أنه لو رجع على البائع تساوي مئة، وإذا اشتُرِطَ عليه ألّا يرجع تساوي ثمانين، فهنا قد تصيبها الجائحة بأكثر من عشرين؛ لأن الفرق الآن عشرين في المئة، قد تصيبها جائحة بأكثر من عشرين، وقد لا تصيبها جائحة، فإن أصيبت بجائحة أكثر من عشرين فالمتضرر مَن؟ المشتري، وإن لم يصبها فالمتضرر البائع، وحينئذٍ يكون هذا شبيهًا بالميسر، والميسر حرام.
طالب: تعليل النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون يعني قيدًا، قال: «بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ » (4)، هل يشترط مرضاة المشتري؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1217

الشيخ: هذا بعد أن يقع، بعد أن تقع الجائحة لا بأس أن يتسامحَا.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى في باب بيع الأصول والثمار: وإن أتلفه آدميٌّ خُيِّرَ مشترٍ بين الفسخ وإمضاءِ ومطالبةِ المُتْلِف.
الشيخ: (بين الفسخ والإمضاء ومطالبةِ المُتْلِفِ)، يعني الإمضاء تابعة لما بعدها.
الطالب: وإن أتلفه آدميٌّ خُيِّرَ مُشْتَرٍ بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المُتْلِف، وصلاحُ بعض الشجرة صلاحٌ لها ولسائر النوع الذي في البستان، وبَدُوُّ الصلاح في ثمر النخل أن تَحمرَّ أو تَصْفرّ، وفي العنب أن يَتَمَوَّه حُلْوًا، وفي بقية الثمرات أن يبدو فيه النضج، ويطيب أَكْلُه.
الشيخ: عندي أنا (الثمر).
طلبة: (الثمرات).
الشيخ: الثمرات؟ لا، اللي عندي أصح؛ لأنه لو كانت (الثمرات) لقال: أن يبدو فيها النضج.
الطالب: وفي بقيَّةِ الثمر أن يبدوَ فيه النُّضْجُ، ويطيب أكلُه، ومن باع عبدًا له مالٌ فمالُه لبائِعه، إلا أن يشترطَه المشتري، فإن كان قصدُه المالَ اشتُرِطَ عِلْمه، وسائرُ شروطِ البيعِ وإلا فلا، وثيابُ الجَمَال للبائع والعادةِ للمُشتري.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا بَدَا الصلاح في الثمر كم صورةً لبيعه؟ طالب: ثلاث صور.
الشيخ: نعم، الأولى.
الطالب: الأولى أن يكون ( ... ). الشيخ: قطعًا.
طالب: له ثلاث صور: يجوز بيعه مطلقًا.
الشيخ: أن يبيعه مطلقًا، ما معنى مطلقًا؟ الطالب: ( ... ) البقاء.
الشيخ: يعني لا يشترط بقاءً ولا قطعًا، هذه واحدة.
الطالب: الثاني: أن يبيعه بشرط التبقية، والثالث: أن يبيعه بشرط القطع.
الشيخ: في الحال، ما هو الجائز من هذه الصور الثلاثة؟ طالب: أن يبيعه ب .. الشيخ: أنت فاهم السؤال؟ باعه بعد بُدُوّ صلاحه، فله ثلاث صور، فما هو الجائز من هذه الصور الثلاثة؟ الطالب: أن يبيعه بشرط القطع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1218

الشيخ: والصورتان الباقيتان؟ الطالب: يرجع كله.
طالب آخر: كُلُّها جائزة يا شيخ.
الشيخ: كُلُّها جائزة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: شرط القطع، والتبقية، والإطلاق؟ الطالب: والإطلاق، كلها جائزة.
الشيخ: إي، ما هي الحال التي يُفَرَّق فيها بين هذه الصور الثلاث؟ طالب: إذا كان قبل بُدُوّ صلاحه.
الشيخ: إذا كان قبل بُدُوّ صلاحه، فصِّل؟ إذا باع الثمر، ما هو العين، ما هي النخلة أو الشجرة، باع الثمر قبل بدو الصلاح؟ الطالب: إن باعه قبل بدو صلاحه، فإذا باعه مطلقًا فإنها لا تجوز.
الشيخ: الصورة الأولى أن يبيعه مطلقًا.
الطالب: لا تجوز.
الشيخ: والثانية؟ الطالب: الثانية أن يبيعه بشرط التبيقة.
الشيخ: والثالثة؟ الطالب: أن يبيعه بشرط القطع.
الشيخ: بشرط القطع، ما هي الصورة التي يجوز فيها البيع؟ الطالب: بشرط القطع.
الشيخ: إذا باعه بشرط القطع، أما بشرط التبقية أو على الإطلاق فإنه لا يصح.
الدليل على أنه لا يصح؟ طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع الثمر حتى يبدو صلاحه.
(1) الشيخ: تمام، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، ما الذي خصص صورة القطع أنها جائزة والحديث عام؟ طالب: أن يأمن .. يعني الحكمة من النهي العاهة والانتفاع، فإذا قطع أَمِن العاهة.
الشيخ: فإذا شُرط القطع أمن العاهة، تمام، يعني إذن هذا التخصيص يسمى التخصيص بالعلة، كذا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: توافقون على هذا يا جماعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: باعه بشرط القطع ولكنه تركه حتى نَمَا، أيش الحكم؟ باعه بشرط القطع وصح البيع كما سمعتم، لكنه تركه حتى نَمَا.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ما الذي لا يجوز؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لكن تركه.
الطالب: هذا ما يجوز، ( ... ). الشيخ: السؤال الآن: باع هذا الثمر، ثمر النخل وهو لم يلوِّن بشرط القطع، ولكن المشتري تركه حتى نما وبدَا صلاحه؟ الطالب: لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1219

الشيخ: ويش اللي ما يجوز؟ يعني يبطل البيع قصدك؟ يبطل البيع، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: تمام، يوافقون على هذا؛ لأنه يُتَّخَذ حيلة إلى بيع الثمر قبل بدو صلاحه بهذا الشرط ثم يتركه.
باع جَزَّةً حاضرة –معروف- بشرط القطع، وتركها حتى نمت؟ طالب: ( ... ) بطل البيع.
الشيخ: بطل البيع، ليش؟ الطالب: لأن النماء مجهول.
الشيخ: لأن ما حصل بالنماء مجهول، واختلط بمعلوم فصار الكل مجهولًا، أفهمتم يا جماعة؟ إذا اشترى جزة برسيم حاضرة ثم تركها لم يجزها في الحال بقيت حتى نمت، فالأخ يقول: بطل البيع؛ لأن هذا النماء الذي حصل مجهول ولّا غير مجهول؟ الطلبة: مجهول.
الشيخ: مجهول، ما ندري ويش قدره؛ لأن النمو يكون بالطول، ويكون بالتضخم، ولا ندري أيش مقداره، فيبقى مجهولًا، فالسؤال: هل هناك قول آخر في المسألة؟ طالب: نعم هناك قول آخر.
الشيخ: وهو؟ الطالب: إذا اصطلحَا، إذا اصطلح البائع والمشتري؛ لأن ال .. الشيخ: إذا اصطلحَا فلا بأس.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وإذا أسقط البائعُ حقَّه من النماء؟ الطالب: إن أسقط البائع حقه من النماء جاز.
الشيخ: جاز أيضًا، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وهذا هو الراجح؛ لأنه ليس هناك نهي كالثمر قبل بدو صلاحه، إنما هو لحق البائع، والبائع إذا أسقط حقه أو صالَح المشتري فلا بأس.
إذا باع ثمرًا بعد بدو صلاحه فمن الذي يلزمه ضمانه ومراعاته بسَقْي أو غيره من مصالحه؟ طالب: يلزم البائع.
الشيخ: وضمانه عليه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ضمانه عليه.
الطالب: إذا تلف بآفة سماوية.
الشيخ: لا، أسألك: هل ضمانه عليه ولّا لا؟ الطالب: نعم ضمانه عليه.
الشيخ: ضمانه عليه.
إذا تلف هذا الثمر بفعل من المشتري، فهل على البائع ضمان؟ طالب: ليس على البائع ضمان.
الشيخ: توافقون؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح؛ لأن الضمان لو ضمنه البائع فهو للمشتري، والمشتري الآن هو الذي أضاع ماله وفرَّط.
لو تلف بآفة سماوية؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1220

طالب: إذا تلف بآفة سماوية فإن الضمان على البائع.
الشيخ: الضمان على البائع، الدليل؟ الطالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح.
الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، وقال: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ » (4) إذا أتلفه آدمي لا يمكن تضمينه كالجنود واللصوص وما أشبه ذلك؟ طالب: يُخَيَّر المشتري.
الشيخ: بارك الله فيك، ما يمكن تضمين الْمُتْلِف! جنود عظيمة، نزلت جنود السلطان بهذا الحائط وأكلته، ولا يمكن تضمينها، فعلى مَن يكون الضمان؟ الطالب: الضمان على المشتري.
الشيخ: لا إله إلا الله، غلط.
طالب: ما يضمنون هم.
الشيخ: الجنود ما يضمنون! لو حصل ضَمَّنَّاهم.
الطالب: لا ضمان على البائع.
الشيخ: لا ضمان على البائع ولّا على المشتري؟ الطالب: لا ضمان على البائع.
الشيخ: لا ضمان على البائع؟ ! سبحان الله! طالب: الضمان على البائع؛ لأنه يدخل في الآفة السماوية.
الشيخ: لأنه كالآفة السماوية، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، إذا أتلفه مَن لا يمكن ضمانه كاللصوص الذين لا نعرفهم، أو جنود السلطان الذين لا يمكن أن نُضَمِّنهم، فيكون هذا كالآفة السماوية بجامع أنه لا يمكن للمشتري أن يضمنهم، هذا الجامع وهو واضح.
إذا أتلفه آدمي معيَّن يمكن تضمينه فاستمع إليه، وهو بدء درس الليلة.
يقول رحمه الله: (وإن أتلفه آدمي خُيِّرَ مُشْتَرٍ بين الفسخ) هذا واحد، (والإمضاء ومطالبة المُتْلِف).
إذا أتلفه آدمي معيَّن يمكن تضمينه قيل للمشتري: أنت بالخيار، إن شئت فافسخ البيع، وحينئذ يكون الضمان على البائع، صح؟ طالب: الضمان على البائع.
طالب آخر: لا ضمان.
طالب آخر: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1221

الشيخ: لا إله إلا الله، يا إخواني، أتلفه آدمي معين يمكن تضمينه، قلنا للمشتري الذي اشترى الثمرة: أنت بالخيار، إن شئت فافسخ البيع، وإذا فسخ البيع على مَنْ يرجع؟ طلبة: على البائع.
الشيخ: على البائع، تمام، يرجع على البائع، وإن شئت أمضِ البيع وطالِب الْمُتْلِف؛ ولهذا قال: (والإمضاء ومطالبة المُتْلِف)، يُخَيَّر.
من المعلوم أنه إذا كان الخيار له فسوف يختار ما هو أنفع له، فإذا قُدِّر أن الثمن -ثمن الثمرة- زاد، فما هو الذي يختاره؟ طالب: يختار الإمضاء.
الشيخ: يختار الإمضاء، إذا قُدِّر أن ثمن الثمرة قد زاد يختار الإمضاء.
إذن إذا كان الثمن قد زاد فإنه سوف يختار الإمضاء ومطالبة المتلِف، فمثلًا إذا قُدِّر أنه اشترى الثمرة بمئة، ثم جاء إنسان وأتلفها، وصارت تساوي مئتين، أيهما أحسن؛ أن يفسخ البيع ويأخذ مئة من البائع، والبائع يرجع على الْمُتْلِف بمئتين، أو أن يأخذ من الْمُتْلِف مئتين؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني لا شك، والعكس بالعكس، إذا كانت الثمرة قد نقصت فسيختار الفسخ ويرجع على البائع، وكذلك لو كان الْمُتْلِف مماطلًا أو فقيرًا والبائع غنيًّا فسيختار أيش؟ الفسخ، والعكس بالعكس؛ يختار الإمضاء.
على كُلِّ حال هذه الحكمة.
فإذا قال قائل: كيف تخيِّرونه بين الفسخ والإمضاء، والثمرة ملكه، وقد تلفت على ملكه؟ ! انتبهوا لهذا السؤال مهم، يعني لو قال قائل: إذا تلفت بآفة سماوية فمن المعلوم أنه لا يحل للبائع أن يأخذ من المشتري شيئًا بنص الحديث والمعنى المعقول، لكن إذا أتلفه آدمي معيَّن فلماذا لا نقول: إنه لا يُخيَّر في الفسخ؟ لأن الثمرة تلفت على ملك مَن؟ على ملك المشتري، وإذا تلفت فلْيُطالِب مَن أتلفها؛ لأنها ملكه.
قلنا: هذا سؤال وجيه ووارد، لكن لما كانت الثمرة في ضمان البائع صح أن نقول للمشتري: إن شئت أيش؟ فافسخ البيع؛ لأنها وإن كانت في ملكك أيها المشتري لكنها في ضمان مَن؟ في ضمان البائع، فهذا وجهه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1222

لكن لو قيل: بأنه لا يستحق الفسخ، لكان له وجه؛ لأن حقيقة الأمر أن الثمرة تلفت في ملكه، ومطالبة المتلِف ممكنة، فلا يرجع على البائع، نعم لو فرضنا أن البائع مفرِّط ورأى الرجل قد صعد الشجرة ليجذ الثمرة، فحينئذ نقول: القول بأنه يُخَيَّر بين الفسخ وبين الإمضاء ومطالبة الْمُتْلِف قول وجيه.
يقول رحمه الله: (وصلاح بعض الشجرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان).
(صلاح بعض الشجرة صلاح لها) كُلِّها، (ولسائر النوع الذي في البستان).
مثال ذلك: البستان فيه أنواع من التمر نعد ثلاثة أنواع: النوع الأول؟ طلبة: سكري.
الشيخ: سكري، والثاني؟ طلبة: بَرْحِي.
الشيخ: بَرْحِي، والثالث: أم حمام.
بَدَا الصلاح في واحدة من البَرْحِي، يقول المؤلف: إن هذا بدو الصلاح في الشجرة صلاحٌ لها ولسائر النوع، ما هو النوع الذي .. ؟ البرحي، السكري وأم الْحَمام هل يكون صلاح البرحية صلاحًا لهما؟ الجواب: لا؛ لأن النوع مختلف.
وظاهر كلام المؤلف أنه سواء بِيعَ النوع جميعًا، أو بِيعَ تفريدًا، يعني بأن بِعْنَا التي بَدَا صلاحها وانتقل ملكها إلى المشتري، ثم بعنا البقية من نوعها على آخرين، ظاهر كلام المؤلف أيش؟ أن هذا صحيح، حيث ذكر أن صلاح بعض الثمرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان، وهذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد؛ أنه إذا بَدَا صلاح في شجرة فهو صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان.
أما المذهب فيقولون: إنْ بِيعَ النوع جميعًا فصلاح بعض الشجرة صلاحٌ للنوع؛ لأنه لما بِيعَ جميعًا صار كأنه نخلة واحدة، وصلاح بعض النخلة صلاح لجميعها، أما إذا أُفْرِد فإنك إذا بعت ما بدا صلاحه ثم جَدَّدْتَ عقدًا لِمَا لم يَبْدُ صلاحه صدَق عليك أنك بعت ثمرة قبل بدو صلاحها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها.
(1) وعلى هذا فيكون المذهب أصح مما هو ظاهر كلام المؤلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1223

من العلماء من يقول: إن صلاح بعض الشجرة صلاح لها ولنوعها ولجنسها، فمثلًا إذا كان عند إنسان بستان فيه عشرة أنواع من النخل، وبَدَا الصلاح في نوع منها جاز بيع الجميع، الذي من نوعه والذي ليس من نوعه، لكن هل يجوز بيع العنب لأنه بَدَا صلاح ثمر النخل؟ لا؛ لأنه ليس من جنسه، وهؤلاء يقولون: التمر جنس واحد، كلٌّ بجميع أنواعه، فإذا بَدَا الصلاح في شجرة منه فهو صلاح للجميع، ولكن لا شك أن المذهب أدق، وهو أننا نعتبر كُلَّ نوعٍ على حدة، ثم إنْ بِيعَ النوعُ جميعًا فصلاح بعض الشجرة صلاح للجميع، وإن أُفرِد فلكل واحدة حكم نفسها.
ثم قال: (وبُدُّوّ الصلاح في ثَمَرِ النخل أن تَحمرَّ أو تَصفرَّ).
يعني أن تُلوِّن، ولونُ النخل إما أحمر وإما أصفر، ولا نعلم لونًا غير الأحمر والأصفر، أتعرفون نوعًا يلوِّن بغير الأحمر والأصفر؟ طالب: أسود.
الشيخ: أسود؟ فيه نخل يصير لونه أسود؟ طالب: فيه رطب ( ... ). الشيخ: لا، الرطب غير، هذا الذي يُلوِّن هو البلح قبل أن يكون رطبًا، وقبل أن يكون تمرًا.
على كُلِّ حال لو فُرِضَ أنه وُجِدَ بعض النخل أخضر، ثم إذا قارب النضوج صار أسود مثلًا، فالحكم يدور مع العلة، وتقييد ذلك بالاحمرار والاصفرار بناءً على الغالب، وما جرى بناءً على الغالب فليس له مفهوم.
(وفي العنب أن يتموَّه حُلْوًا)، شَرَطَ شرطين: أن يتموَّه، وأن تظهر فيه الحلاوة، ما معنى يتموَّه؟ معناه يلين، يصير ماءً؛ لأن العنب ما دام حِصْرِمًا فهو قاسٍ، فإذا لَانَ فهذا هو التموُّه، لكن لا بد مع ذلك أن يكون حلوًا، احترازًا مما لو تموَّه بآفة، كقلة الماء مثلًا، فإنه لا يكون ذلك صلاحًا، بل لا بد أن يتموه حلوًا.
عَبَّر بعض العلماء بقولهم: العنب أن يَسْوَدَّ، بدو الصلاح في العنب أن يَسْوَدّ، قياسًا على أيش؟ تلوين النخل، وهذا صحيح بالنسبة لما صلاحه باسوداده، لكن هناك عنب لا يَسْوَدّ، ولو بلغ الغاية في النضوج فإنه لا يَسْوَدّ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1224

ربما يوجد عنب أيضًا لا يتموه، عنب قاسٍ يتهرَّش، ولو كان قد بدا صلاحه، ولهذا عبر بعض أهل العلم بعبارة جامعة، قال: أن يطيب أكله، كما ذكره المؤلف في بقية الثمار، أن يطيب أكله، ولذلك يوجد الآن موجود في الأسواق، هل هو مُتَمَوِّه؟ لا، مُسْوَدّ؟ لا، أخضر قاسٍ ومع ذلك هو حلو، يطيب أكله.
(وفي بقية الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله).
هذا بقية الثمر، وكلها تدور، حتى ثمار النخيل وثمار العنب وغيرها، كلها تدور على إمكان أكله واستساغته؛ لأنه إذا وصل إلى هذا الحد أمكن الانتفاع به، وقبل ذلك لا يمكن الانتفاع به إلا على كُرْه، وهو أيضًا إذا وصل إلى هذه الحال من النضج قلّتْ الآفات فيه والعاهات.
ثم قال: (ومن باع عبدًا له مال فماله لبائعه إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُشْتَري).
(من باع عبدًا) كلمة (عبدًا) هنا تشمل العبيد والإماء، يعني مَن باع مملوكًا، (له مالٌ فماله لبائعه)، قد يبدو للإنسان أن هناك تناقضًا في العبارة؛ (له مال)، ثم قال: (فماله لبائعه)، فعلى هذا يرد على المال الواحد كم؟ مالكان، وهذا غير ممكن، أن يرد على مالٍ واحد مالكان من جهة واحدة، لكن قوله: (ومن باع عبدًا له مال) اللام هنا ليست للملك ولكنها للاختصاص، كما تقول: للفرس لجام وللدابة مِقْوَد، وما أشبه ذلك، فاللام هنا أيش؟ للاختصاص.
إذن ما هو المال الذي يكون للعبد؟ هو المال الذي اختصه سيده به، وقال: خذ أيها العبد هذا المال اتجر به، سُكَّرًا أو أرزًا أو سيارات أو غيرها، أعطاه إياه، قال: هذا بيدك، أنت بعه واتجر به، نقول: هذا المال لِمَنْ؟ المال للسيد ملكًا، وللعبد اختصاصًا.
إذن (عبدًا له مال) إضافة (مال) إلى العبد هنا إضافة اختصاص.

الجزء: 2 - الصفحة: 1225

(فماله لبائعه)، هذه اللام في (لبائعه) لام المُلك أو المِلك، يعني التملك، المال للبائع، الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».
(6) وهنا نسأل: هل العبد يملك بالتمليك أو لا؟ يعني لو أن إنسانًا رأى عبدًا عليه ثياب رَثَّة ويحتاج إلى ثياب تقيه البَرْد، فملَّكه ثوبًا، قال: خذ هات ثوبًا لك، هل يملك هذا الثوب؟ عموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» يشمل ما كان بيده اختصاصًا أو تملُّكًا، وأنه لا يملك.
وقال بعض أهل العلم: إنه يملك بالتمليك، وفصَّل آخرون فقال: يملك بالتمليك من سيده دون غيره؛ لأن تمليك سيده إياه يعني رفع ملكه عن هذا الذي ملَّكه إياه، والحق للسيد، وعلى هذا يكون ما ملَّكه سيده ملكًا له، ليس لسيده فيما بعد أن يرجع فيه على سبيل الأخذ، يعني الرجوع في الهبة، وللعبد أن يتصرف فيه كما شاء بدون إذن السيد؛ لأنه مُلكه.
وظاهر الحديث العموم «فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»، حتى لو قلنا: يملك بالتملك، ما ملكه مالٌ له ولّا غير مال؟ يعني لو قلنا: العبد يملك بالتملك من السيد، صار الذي ملَّكه السيد له، إذا كان له دخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ».
إذا مات العبد وبيده مالٌ أعطاه السيد إياه يتجر به، وللعبد ابن حُرّ، فمَنِ الذي يرث هذا المال؟ طالب: السيد.
طالب آخر: المال للسيد.
الشيخ: إي، السيد أعطاه إياه، قال: هذا لك يا ولدي، ملك، أنت رجل وفيت وأديت، هذا ملكك، وكان لهذا العبد ابنٌ حر.
طالب: على التفصيل للأقوال الثلاثة.
الشيخ: إي، إن قلنا بأنه يملك بالتمليك، فماله لابنه، وإن قلنا: لا، فماله للسيد.
قال: (إلا أن يشترطه المشتري)، (يشترطه) الهاء في (يشترطه) تعود على المال؛ لأن المشتري ما يشترط السيد اللي باع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1226

إذن الضمير في قوله: (يشترطه) الهاء تعود على المال، فإذا اشترط المشتري المال فهو له؛ للحديث، وهو نصٌّ فيه: «إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ»، هو نص في ذلك، وحتى لو لم يرد النص على هذا فإن عموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] يشمل هذا؛ لأن الوفاء بالعقود يشمل الوفاء بأصل العقد ووصف العقد، والشروط المشروطة في العقد أيش؟ أوصاف له، ولحديث: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (7). إذا اشترطه المشتري فهو له، لكن هنا يُشْكِل؛ إذا قدَّرْنا أن هذا العبد عنده عشرة آلاف ريال نقدًا، واشتراه المشتري بمئة ألف، واشترط أن المال الذي معه تبعه، فهنا يَرِد علينا إشكال؛ وهو أن تكون هذه المسألة من مسألة (مُدّ عجوة)؛ لأن فيه دراهم بدراهم، ومع أحد العِوَضَيْنِ من غير الجنس، فهل تُصَحِّحُون هذا أو لا؟ يقول المؤلف: فيه تفصيل (فإن كان قصدُه المال اشتُرِطَ علمه وسائر شروط البيع وإلا فلا)، إذا كان المشتري الذي اشترط أن مال العبد له إذا كان قصده المال فلا بد من شروط البيع، كل شروط البيع الثمانية، ولا بد أن يكون خاليًا من الربا، وإلا فلا.
كيف نعلم أن قصده المال أو أن قصده العبد؟ نعلم ذلك بالقرائن، إذا كان هذا الرجل محتاجًا إلى خادم -أعني المشتري- ويبحث عن رقيق يملكه ويجعله خادمًا له، لكنه اشترط أن يكون ماله تبعًا له؛ لأنه لا يحب أن يصرف هذا العبد عن تصرُّفِه الذي كان عليه من قبل؛ لأن المال لو أخذه السيد الأول اللي هو البائع ربما ينصدم العبد، فهو اشترط أن يكون ماله تبعًا له من أجل راحة العبد.
لكن قصده الأول ما هو؟ العبد، هذا نقول: لا يُشْتَرَط علم المال، ولا يشترط ألَّا يكون بينه وبين عِوَضه ربا، ولا يشترط أي شيء من الشروط.

الجزء: 2 - الصفحة: 1227

لو قيل له -أي: للمشتري-: أنت اشترطت أن يكون ماله تبعًا له، هل تعلم ماله؟ قال: لا والله ما أعلمه، لكن أنا ما يهمني المال، يهمني مَن .. أيش؟ العبد، قلنا: لا يضر أن تجهل المال؛ لأنك قَصْدُك العبد.
لكن لو قال: أنا قصدي المال، أنا رأيت هذا العبد يَتَّجِر في محل تجارة وناجح، والمحل فيه أنواع من التجارة، أنا قصدي المال، لكن قلت: العبد، من أجل أن يندرج البيع، وأما العبد سأبيعه بضفيرة من شَعر، أنا قصدي المال، ماذا نقول له؟ نقول: إنما الأعمال بالنيات، لكن ما دام قصدك المال لا بد أن تجرد المال كله، حتى علبة الكبريت، ولا بد أن يكون هذا المال لا يجري فيه الربا بينه وبين الثمن، ولا بد أن يكون المبيع مشاهَدًا معلومًا، المهم أنه يُشْتَرَط جميع شروط البيع.
إذا قال قائل: ما هو الدليل؟ قلنا: عندنا حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هذا الحديث العظيم الذي تنبني عليه كل مسائل الدين، ما هو؟ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
(8) قال: (اشتُرِط علمُه وسائر شروط البيع وإلا فلا).
بقينا في الثياب، الفقهاء دقيقون، العبد عليه ثياب، له مال أو ما له مال، المهم عليه ثياب، هل ثيابه تبعه، ولّا نقول: إن البائع يُجَرِّدُه من ثيابه ويبيعه عليه عاريًا، حافيًا عاريًا؟ أيش نقول؟ فصَّل المؤلف قال: أما (ثياب الجمال فهي للبائع)؛ لأنها خارجة عن حاجة العبد، وأما ثياب غير الجمال، ثياب (العادة) فهي للمشتري، صح؟ طالب: نعم.
الشيخ: ثياب العادة التي جرت العادة أن الناس يلبسونها هذه للمشتري تابعة للعبد، ثياب الجمال للبائع.
هل تختلف الأعراف في هذا؟ طالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1228

الشيخ: لا تتعجلوا في الجواب، هل تختلف الأعراف في هذا، بمعنى أن ثياب جمال في عُرف ثياب عادة في عرفٍ آخر وبالعكس؟ نعم، لا شك أنها تختلف، وعلى هذا يُتْبَع العادة في ذلك، فيقال: إن عُدَّ هذا ثياب جمال فهو للبائع، إن عُدَّ ثياب عادة فهو للمشتري، والله أعلم.
طالب: إذا باع العبدَ البائعُ وصنع له عينًا صناعية، وإذا باع على المشتري وقال: هذه عين؟ الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويش هذه الصورة؟ الطالب: هذا ليس من الثياب ( ... ). الشيخ: هذه أشد من ثياب العادة، نقول: اقلع العين وأعطها للبائع؟ ! الطالب: إي نعم.
الشيخ: حتى البائع ويش يستفيد منها؟ طالب: لو هو أسنانه ذهب يا شيخ.
طالب آخر: هو يمكن ذهب.
الشيخ: العين ذهب؟ ! الطالب: يمكن فيه يا شيخ.
الشيخ: لا، ما فيه، على كل حال هذه معروفة أنها تتبع العبد ولا إشكال في هذا، هي أبلغ من ثياب العادة، فإن خاف المشتري أن يَغْشِمَه البائع ويقول: اقلع عينه، يشترط العين، يقول: ترى عينه معه، لكن لعلك تقلب المسألة وتقول: مرايات، العبد عليه مرايات يعني نظارات في العين، هل تتبعه في البيع ولّا لا؟ طالب: نعم.
طالب آخر: لا.
طالب آخر: إن كانت جمالًا لا تتبع.
طالب آخر: هذه من حاجات العبد.
الشيخ: مَن يحط نظارات جمال؟ ! طالب: نظارات شمسية.
الشيخ: على كل حال إذن حكمها حكم الثياب، ما احتاج إليه العبد منها فهي تبع له، وما لا فلا.
إذا كان عنده مرايات للنظر، ومرايات للقراءة؟ طالب: حاجة كلها.
الشيخ: تتبع كلها؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه محتاج إليها.
طالب: ( ... ) ثياب الآدمي من ثياب الجمال.
الشيخ: إي نعم، يتبع العرف في هذا؛ لأنه ربما عبيد الأغنياء ليسوا كعبيد الفقراء.
الطالب: الأغنياء فيما بينهم ( ... ). الشيخ: الكلام على العبيد.
الطالب: أين هو؟ الشيخ: أقول: عبد غني، الإنسان اللي سيده غني لباس العادة عنده ثياب جمال عند مَن سيده فقير.

الجزء: 2 - الصفحة: 1229

طالب: المذهب يقولون: إذا بَدَا الصلاح ( ... ) إن باعه كله جاز وإن باعه تفريدًا لم يَجُز.
الشيخ: إن باعه كله.
الطالب: إن باعه كله نعم، هذا القول متناقض.
الشيخ: متناقض، سبحان الله! الطالب: إما أن نقول بجواز بيعه مطلقًا جميعًا أو تفريدًا ( ... )؛ لأن ما الفرق بين أن يبيع حبة واحدة من نخلته ثم يبيعه جميعًا فيصح، أو أنه يبيعه تفريدًا لم يبد صلاحه ويحرم؛ لأنه إن قلنا بجواز بيع .. ؟ الشيخ: إحنا ما بَيَّنَّا وجه الفرق؟ بَيَّنَّا وجه الفرق، وقلنا: إذا باع النوى كله كأنه نخلة واحدة لأنها صفقة واحدة.
الطالب: ( ... ). الشيخ: إذا باع التي بَدَا صلاحها بقي الآخر له صفقة مستقلة، فإذا باعه؛ باع الباقي، فقد باع ما لم يَبْدُ صلاحه.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ما فيها تناقض، تأمَّلْهَا.
( ... ) طالب: بالنسبة لنفس المسألة السابقة.
الشيخ: وهي؟ الطالب: مسألة بيع بعض البستان، باع ربع البستان، لم يبع البستان كله لكن باع ربعه وبدت في ربعه صلاح نخله، فهل نقول في هذه الحال: نلحقها بال .. الشيخ: لكن هذا الربع اللي باعه، هل هو نوع واحد ولّا أنواع؟ الطالب: نوع واحد.
الشيخ: وباعه جميعه؟ الطالب: ربع البستان جميعه.
الشيخ: ربع البستان جميعه، وهو من نوعٍ واحد، وبَدَا الصلاح في واحدة منه، يصح.
طالب: عفا الله عنك، الزيتون، بماذا يُعْرَف بدو صلاحه؟ الشيخ: والله يعرفه أهل الصنف.
الطالب: الآن هو ما يتغير طعمه إلا إذا قُطِع وخُلِّل؟ الشيخ: إذن يقال: إنه يباع جَزَّة جَزَّة مثل البطيخ، لَقْطَة لَقْطَة، يلقَّط، إذا بلغ الغاية اللي يعرفونها يباع.
طالب: شيخ، إذا باع الأرض وفيها ( ... ). الشيخ: يتبع، يعني ليس للبائع إذا باع الأرض إلا اللقطة الظاهرة الحاصلة.
الطالب: ولكن يُجْبَر ( ... ). الشيخ: هذا ينبني على الخلاف في المسألة إذا نما، ولَّا الأصل أنه يُجْبَر عليه في الحال، وإلا يتفق مع المشتري بأن يبقى بسهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1230

طالب: ما فهمت لماذا جاز بيع النخلة التي بَدَا صلاحها بمثل النوع الذي لم يَبْدُ صلاحه ( ... ). الشيخ: سمعتم إشكاله؟ من يجيب عنه؟ طالب: السؤال؟ الشيخ: يقول: لماذا لا يجوز بيع النخل الذي لم يَبْدُ صلاحه منفردًا، ويجوز مع الأخرى؟ طالب: لماذا جاز بيع النوع الذي ( ... ). الشيخ: نعم، هذا سؤالك.
طالب: أقول: إنه إذا باعه صفقة واحدة فهو كالنخلة الواحدة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وأما إذا باعه وفرَّقه فإن الذي ( ... ) الصلاح يكون يعني كأنه نوع مختلف.
الشيخ: نعم.
طالب: العلة نهي النهي صلى الله عليه وسلم عن بيع ال .. الشيخ: الآن مثلًا إذا بعت النوع جميعًا فقد بعت ثمرًا بَدَا صلاحه.
الطالب: نخلة واحدة.
الشيخ: لا، بس الجميع صفقة واحدة.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لكن الصفقة واحدة، البيعة واحدة، ولهذا النخلة الواحدة لو كان مثلًا فيها أربعة قنوان، وبَدَا الصلاح في قنوٍ واحد، هل نقول: لا يصح بيع الأربعة الثانية؟ يصح، فالمهم أنه إذا كان صفقة واحدة فالنوع الواحد كنخلة واحدة، ولهذا نقول: البيع إما أن يبيعه تفريقًا وتفريدًا فلكل واحدة حكم نفسها، أو يبيع نوعًا منه صفقة واحدة فيكفي بُدُوّ الصلاح في واحدة، أو يبيع البستان كله بجميع أنواعه، فلا بد أن يكون من كل نوع نخلة واحدة قد بَدَا صلاحها.
( ... ) فما الذي يدخل وما الذي لا يدخل؟ طالب: إذا باع الشجرة فإن كان الثمر قد أُبِّرَ فإنه يكون .. الشيخ: إذا باع نخلًا ما الذي يدخل؟ نخل غير وقت الثمر، إذا باع نخلة فهل تدخل الأرض؟ وإذا باع أرضًا فهل تدخل النخلة؟ الطالب: إذا باع نخلًا فلا تدخل الأرض.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن العرف الآن .. الشيخ: اصبر ما وصلنا، وإن باع أرضًا؟ الطالب: دخلت النخلة.
الشيخ: دخلت النخلة، ما هي العلة؟ لماذا إذا باع أرضًا دخلت الشجرة، وإذا باع شجرة نخلة لم تدخل الأرض؟ الطالب: لأن النخلة فرع، والفرع يتبع الأصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1231

الشيخ: والفرع يتبع الأصل؟ ! الأصل ما فيه بيع.
الطالب: الأصل الأرض، فإذا بيعت النخلة تتبع ال .. الشيخ: لا تتبع الأرض.
الطالب: إذا بيعت الأرض.
الشيخ: لا، بيعت النخلة فهل تدخل الأرض؟ الطالب: لا تدخل الأرض.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن الفرع لا يتبع الأصل.
الشيخ: الفرع لا يتبع الأصل! الطالب: يعني لا يدخل في الأصل.
الشيخ: كيف الفرع لا يدخل الأصل؟ ! الفرع يتبع الأصل، اعكس تُصِب.
الطالب: لأن الأصل لا يتبع الفرع.
الشيخ: لأن الأصل لا يتبع الفرع.
وإذا باع أرضًا وفيها نخلة؟ الطالب: فإن النخلة تدخل.
الشيخ: تدخل في البيع؛ لأن الفرع يتبع الأصل، تمام، هذه القاعدة.
أشار الأخ إلى عُرْف يقتضي خلاف ما ذُكِر.
طالب: العُرْف أنه الآن إذا باع النخل أنهم يقصدون به النخل أي والأرض معها.
الشيخ: نعم، إذا قالوا: فلان باع نخله على فلان.
الطالب: فيقصدون به الأرض والنخل.
الشيخ: الأرض والنخل، هذا العُرف، إذا تعارض العُرْف واللغة، أو العُرْف والقاعدة الفقهية، فما الذي يقدَّم؟ الطالب: إذا تعارض العُرف والقاعدة الفقهية يقدَّم العرف؛ لأن الناس هنا يتبايعون بأعرافهم.
الشيخ: أحسنت، يقدَّم العُرْف، تمام، وعلى هذا فإذا وجدنا وثيقة أن فلانًا ابن فلان باع نخله على فلان ابن فلان، نقول: هذا يشمل كل الحائط، أرضه وشجره.
إذا باع أرضًا ما الذي يدخل في البيع؟ طالب: يدخل كل ما تشمله الأرض ( ... ) البناء.
الشيخ: والبناء، ويش بعد؟ الطالب: والزرع.
الشيخ: الزرع مطلقًا؟ الطالب: الزرع إلى ( ... ). الشيخ: إلى الآن ما وصلنا، إلى الحصاد للبائع، وبعد الحصاد يكون للمشتري.
الطالب: لا، أصوله للبائع.
الشيخ: فصِّل تفصيلًا بيِّنًا.
الطالب: إذا باع الأرض شمل البناء.
الشيخ: شمل البناء واضحة، البناء ليس شجرةً ولا زرعًا، يشمل البناء.
الطالب: والنخل.
الشيخ: والنخل.
الطالب: والنخل ليس مطلقًا، ولكن إذا كان قد أُبِّرَ ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1232

الشيخ: لا، ما هي الثمرة هذه، نحن نتكلم عن الأصول، شوف كل اللي في الباب أصول، الفصل تكلم على الثمار.
(باب السلم) وهو عَقْدٌ على مَوصوفٍ في الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ بثَمَنٍ مقبوضٍ بمَجْلِسِ الْعَقْدِ، ويَصِحُّ بألفاظِ البيعِ والسَّلَمِ والسلَفِ بشُروطٍ سَبعةٍ: (أحدُها): انضباطُ صِفاتِه بِمَكِيلٍ ومَوزونٍ ومَذروعٍ، وأمَّا المعدودُ الْمُخْتَلِفُ كالفواكِهِ والبقولِ والْجُلودِ والرؤوسِ والأوانِي الْمُختَلِفَةِ الرؤوسِ , والأوساطِ كالقَمَاقِمِ والأسطالِ الضَّيِّقَةِ الرؤوسِ , والجواهِرِ والحاملِ من الحيوانِ , وكلِّ مَغشوشٍ وما يَجْمَعُ أَخْلَاطًا غيرَ مُتَمَيِّزَةٍ كالغالِيَةِ والْمَعَاجينِ فلا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه، ويَصِحُّ في الحيوانِ والثيابِ المنسوجةِ من نَوعينِ , وما خَلَطَه غيرَ مَقصودٍ كالْجُبْنِ وخَلِّ التمْرِ والسَّكنْجَبِينَ ونحوِها.
(الثاني): ذِكْرُ الجنْسِ والنوعِ وكلِّ وَصْفٍ يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ ظاهرًا إذا وجدنا وثيقة أن فلانًا ابن فلان باعه نخله على فلان ابن فلان، نقول: هذا يشمل كل الحائط أرضه وشجره، إذا باع أرضه، ما الذي يدخل في البيع؟ طالب: يدخل كل ما تشمله القيمة ( ... ) البناء .. الشيخ: البناء، ويش بعد؟ الطالب: الزرع.
الشيخ: الزرع مطلقًا؟ الطالب: الزرع إلى الحصاد يكون للبائع.
الشيخ: إلى الآن ما وصل، إلى الحصاد للبائع، وبعد الحصاد يكون للمشتري.
الطالب: لا، ( ... ) للمشتري.
الشيخ: فصِّل تفصيلًا بيِّنًا.
طالب: إذا باع الأرض يشمل البناء.
الشيخ: شمل البناء، واضح، البناء ليس شجرةً ولا زرعًا، يشمل البناء.
الطالب: والنخل.
الشيخ: والنخل.
الطالب: والنخل ليس مطلقًا، ولكن إذا كان قد أُبِّر ( ... ). الشيخ: لا، ما هي الثمرة هذه، الأصول الآن، نحن نتكلم عن الأصول، شوف كل اللي في الباب أصول، الفصل تكلم على الثمار.
طالب: إذا باع أرضه.
الشيخ: نعم، شمل بناءها، وشمل غرسها مطلقًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1233

الطالب: شمل الغرس.
الشيخ: مطلقًا.
طالب: إذا باعها شمله مطلقًا.
الشيخ: طيب، وغير، الزرع.
الطالب: الزرع والأصول، أصول الثمار.
الشيخ: إذا باع أرضًا، فما حكم زرعها، هل يدخل في البيع أو لا يدخل؟ الطالب: نعم، يدخل في البيع.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: ليس مطلقًا.
الشيخ: فصِّل.
الطالب: إذا باع الزرع فأصوله .. الشيخ: إذا باع الأرض.
الطالب: إذا كان الزرع يُجزُّ أو يلقط فالجزة واللقطة ظاهرة فتكون للبائع، إلا أن يشترطه المشتري.
الشيخ: نعم، والأصول؟ الطالب: والأصول تكون للبائع.
الشيخ: تكون للبائع؟ ! الطالب: نعم.
الشيخ: كيف تقول: الجزة الظاهرة للبائع، ثم تقول: والأصول للبائع؟ الطالب: لا، الجزة واللقطة.
الشيخ: إي نعم، الظاهرة.
الطالب: الظاهرة للبائع.
الشيخ: للبائع، والأصول؟ الطالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري، هذه إذا كان يُجَزُّ ويلقط مرارًا، إذا كان لا يجز إلا مرة؟ الطالب: إذا كان لا يجز إلا مرة فيضحى إلى الحصاد ويكون للبائع إلا أن يشترطه المشتري، إذا اشترط ذلك .. الشيخ: إذن الآن حصرًا لذلك نقول: إذا باع أرضًا شمل بناءها، يحتاج إلى تفصيل؟ طلبة: لا.
الشيخ: شمل غرسها.
طالب: ما يحتاج إلى تفصيل.
الشيخ: ما يحتاج إلى تفصيل.
شمل زرعها؟ طلبة: يحتاج إلى تفصيل.
الشيخ: يحتاج إلى تفصيل، إذا كان الزرع لا يُلقط إلا مرة فإنه يكون مبقًّى للبائع إلى الحصاد، وإن كان يُجز ويلقط مرارًا فالأصول للمشتري، والجزة الموجودة حين البيع تكون للبائع.
هذا حاصل بيع الأرض وما يدخل في بيعها.
يقول: (إذا اشترطَ المُشتري ذلك صحَّ)، ما هو الدليل؟ طالب: الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا» (1)، طيب يا شيخ المسألة؟ الشيخ: المسألة يقول: إنه إذا اشترط المشتري ذلك صحَّ، اللقطة الظاهرة تكون للبائع، الجزة الظاهرة للبائع، إذا اشترطها المشتري يقول: يصح.
الطالب: نعم، مفهوم الحديث.

الجزء: 2 - الصفحة: 1234

الشيخ: أي حديث؟ الطالب: حديث: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ».
الشيخ: لا يا أخي، هذه أرض، كلامنا على الأرض، باع أرضًا وفيها زرعٌ يُلقط مرارًا وفيها الآن جزة جاهزة.
الطالب: إذا اشترطها المشتري صحَّ.
الشيخ: إذا اشترطها المشتري صح، ما هو الدليل؟ الطالب: أشياء كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والأمر بالوفاء بالعقد أمر به وبوصفه.
الشيخ: وبوصفه.
إذا باع عبدًا واشترط الولاء له، البائع؟ الطالب: هذا لا يجوز.
الشيخ: ما هو ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؟ الطالب: نعم، لكن يأتي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (2). الشيخ: طيب، إذن هذا الدليل، إذا اشترط المشتري هذا صحَّ، فيه دليل أولًا: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (3)، والجزة الظاهرة أو اللقطة الظاهرة عند البيع تكون للبائع كمال العبد إلا إذا اشترطه المشتري، فهو قياسًا على مال العبد، يجوز.
رجل باع نخلة فيها سِتَّة قنوان؛ اثنان مؤبَّران وأربعة غير مؤبرة؟ طالب: قلنا: إن ما لم يُؤَبَّر يتبع ( ... ) ويصبح للبائع.
الشيخ: كل الستة للبائع؟ الطالب: جميع ما في النخل.
الشيخ: يعني: كل الستة، ما ذكرنا إلا الستة، بعد توهمنا بشيء ثان.
الطالب: ما لم يؤبَّر، يتبعها.
الشيخ: ما لم يؤبر.
الطالب: تبع لما ( ... ). الشيخ: فتكون لمن؟ الطالب: تكون للبائع.
الشيخ: تكون للبائع، الدليل؟ الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ».
الشيخ: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا» (1) إي نعم.
وهل الحكم معلَّق بالتأبير أو معلق بالتشقق؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1235

الطالب: على المذهب علَّقه بالتشقق، على كلام المؤلف، وذكرتم أن الراجح أنه ( ... ) قبل التأبير .. الشيخ: وفيما رجحناه نظر! الطالب: متأخر.
الشيخ: نعم؟ الطالب: النظر الآن.
الشيخ: لا، أنت قلت: ذكرتم، يعني إذا قلتَ: ذكرتم، معناها أنك غير مرتضيه.
الطالب: وهم في العبارة يا شيخ.
الشيخ: إذن الصحيح أنه معلق بأيش؟ الطالب: معلق بالتأبير.
الشيخ: بالتأبير؛ لأن هذا هو لفظ الحديث، ولأنه بعد التأبير تكون نفس البائع متعلقة به؛ لأنه عمل فيه عملًا بخلاف ما قبل ذلك.
رجل باع نخله، وفيها عُسُب يابسة، فلمن تكون العسب اليابسة؟ طالب: العسب اليابسة ما أعرفها، يا شيخ.
الشيخ: تعرف عسيب النخل؟ أغصانها؛ هذا العسيب.
الطالب: والورق ( ... ). الشيخ: أسألك الآن: هل العسيب اليابس يتبع النخلة ولّا لا؟ الطالب: ثمر ولّا ما هو بثمر؛ العسيب؟ الشيخ: لا، العسيب ما فيه ثمر.
الطالب: للمشتري، إذا كان ما هو ثمر، فهو للمشتري.
الشيخ: لكن يابس؟ الطالب: ولو كان يابسًا.
الشيخ: ولو كان يابسًا، توافقونه؟ طالب: لا.
الشيخ: لا توافقه.
الطالب: الأَولى الآن يقتضي أنه لا يتبع النخل؛ لأنه منفصل هذا.
الشيخ: لأنه منفصل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم.
طالب: المعلق هذا غير مقطوع.
الشيخ: لا ما قُطع، هو لو قطع ما فيه إشكال، لكن اليابس يعتبر للبائع كالثمر المؤبَّر؛ لأنه انتهى، الشجرة لا تنتفع به ولا ينمو، فهو كالثمرة المؤبَّرة.
باع نخلة وفيها ودي؟ طالب: ودي؟ ! الشيخ: إي نعم.
الطالب: ودي، ما أعرفه؟ الشيخ: ما تعرفه، الولد الصغير في النخلة.
الطالب: هذا للمشتري؛ لأنه تابع لها، لأنه ما يملك بغير شجرة كبيرة، تابع للشجرة، فهو للمشتري.
الشيخ: مَن عنده جواب آخر؟ هل أولاد النخلة الصغار تتبع النخل أو هي كالثمرة منفصلة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1236

الجواب أنها منفصلة ما لم يُنص عليها أو ما لم يكن الجذع واحدًا، إن كان الجذع واحدًا فهو يدخل؛ لأنه فيه أحيانًا تكون النخلة يطلع جذع واحد ثم يتفرع، وأحيانًا تكون الغريسة عروقها في الأرض، ما لها دخل في الأم.
على كل حال أتينا بشيء لم نقله في الدرس، متى يصح بيع الثمر -ما هو الشجر- متى يصح بيع الثمر قبل صلاحه؟ طالب: يصح مع بيع الأرض، إذا باع الأرض شمل .. الشيخ: لا، الثمر، متى يصح بيع الثمر قبل بدو صلاحه؟ الطالب: إذا باع أصل الثمر.
الشيخ: يعني: ويش لونه؟ الطالب: يعني: باع نخلة كاملة.
الشيخ: يعني: إذا باعه مع أصله؟ الطالب: مع الأصل.
الشيخ: دليلك على أنه يصح قبل بدو صلاحه إذا باعه مع أصله؟ الطالب: أنه باع الأصل.
الشيخ: دليل؟ إذا قلت: دليل؛ معناه قوله تعالى أو قول الرسول، أما (لأن) هذا تعليل.
الطالب: ( ... ) بيع الثمر قبل بدو صلاحه، مفهوم الحديث إذا باع الأصل ( ... ). الشيخ: ما هو ظاهر.
طالب: الدليل هو نفسه حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه (4)، فإذا أراد أن ( ... ) منعًا للنزاع.
الشيخ: لا، ما هو بواضح.
طالب: مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَ فَثَمَرُهُ لِلْبَائِعِ»، وهذا لم يُؤبَّر، وما دام أنه لم يُؤبَّر مفهوم ( ... ). الشيخ: كيف؟ مُؤبَّر؛ ما بقي إلا قليل ثم يلون.
الطالب: كما قال الأخ: لأن الفرع يتبع الأصل، إذا باع النخلة يعني: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]. الشيخ: خطأ.
طالب: شيخ، يجوز بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها بشرط القبض في الحال.
الشيخ: إي، هذه واحدة، وغير؟ طالب: بشرط أن يُنتفع منها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1237

الشيخ: لا، هذا بشرط ( ... ) في الحال إذا انتفع به، لكن نبغي المسألة الثانية، ما قلتم: إذا باعها مع أصلها؟ هذا صحيح، لكننا نريد الدليل، الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» (1)، فقوله: «إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا» دليل على أنه يصح بيعها مع أصلها وإن لم يَبْدُ صلاحها، وهذا واضح، يعني توًّا أُبِّرت الآن، بعتها مع أصلها؛ يعني: بعت النخلة، فقال المشتري: أنا أريد الثمرة.
قلت: نعم، هذا يصح ( ... ). الشيخ: إي نعم، ( ... ) طيب، فيه مسألة ثالثة أيضًا استثناها الفقهاء لكن فيها نظر.
طالب: أن يبيع الثمرة على مالك الأصل.
الشيخ: على مالك الأصل، إذا باع الثمرة على مالك الأصل أجازوا ذلك والصحيح عدم الجواز، فنطلب الآن مثالًا لبيع الثمرة على مالك الأصل.
طالب: رجل وعد شخصًا نخلًا ( ... ). طالب آخر: مثاله: أن رجلًا باع نخلًا لرجل آخر .. الشيخ: قد أُبِّر.
الطالب: بعد التأبير، ولكن باعه قبل بُدوِّ صلاحه لهذا البائع الأول.
الشيخ: الآن مثاله: رجل باع نخلًا قد أُبِّر، فالثمرة لمن؟ الطالب: بعد أن أُبِّرَت الثمرة للبائع.
الشيخ: أحسنت، الآن الثمرة للبائع والأصل للمشتري، قبل أن يبدو صلاحها، هذا الثمر الذي للبائع باعه على المشتري، هذه المسألة، المذهب: أنه يصح؛ لأنه باعه لمالك الأصل، والصواب أنه لا يصح؛ لعموم الحديث.
فإن قال قائل: أليس المشتري لو اشترط الثمر في هذه الحال لكان له؟ فالجواب: بلى، إذن لماذا لا يصح؟ الجواب: الفرق أن هذا صار عقدين والأول عقد واحد، فهذا بعد أن ملكه البائع ذهب يبيعه على المشتري فصار عقدين، أما إذا اشتراه وقد أُبِّر، ثم اشترط أن الثمرة له فهذا عقد واحد، ودخول الثمرة هنا تبعًا للأصل، دخلت بشرط لا بعقد، هذا هو الفرق بينهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 1238

طالب: إن باع أرضًا تشمل الميراث، وقلنا -يا شيخ-: إن لها تقسيمًا، التأبير -يا شيخ- ما يُفَصَّل بأنها إن كانت مؤبرة أو غير مؤبرة؟ الشيخ: سامحك الله ورزقك فهمًا، التأبير وعدمه هذا في مسألة إذا باع النخلة فقط دون الأصل.
طالب: مثلها بقية ( ... ) إلا بالتأبير.
الشيخ: إي نعم، مثلها مثل النخلة ( ... ). المناقشة ابتداءً من (إن باعه مطلقًا)، كذا؟ طالب: نعم.
الشيخ: رجل باع ثمرًا قبل بدو صلاحه ولم يشترط القطع.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: يجوز ولَّا ما يجوز؟ الطالب: ما يجوز البيع، يبطل البيع.
الشيخ: لا يجوز.
الطالب: يبطل البيع.
الشيخ: لا، ما هو يبطل البيع، لا يجوز؛ لأن هذا البيع لم ينعقد، والبطلان فرع عن الانعقاد، إذن البيع غير صحيح، الدليل؟ الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يُؤَبَّرَ» (5). الشيخ: لا، هذا في النخل، إذا كان نخلًا.
الطالب: قبل بدو صلاحه.
الشيخ: لكن، ويش الحديث؟ طالب: نهى عن بيع النخل حتى تزهو.
الشيخ: أن الرسول نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، قيل لأنس: ما تزهو؟ قال: تحمر أو تصفر (6). إذا باعه بشرط القطع؟ طالب: إذا باعه بشرط القطع فله أن يقطعه ويصح البيع.
الشيخ: يصح البيع؟ الطالب: نعم.
الشيخ: كيف يصح مع أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه (4)؟ الطالب: لأنه اشترط عليه أنه يقطعه في الحال، فإذا قطعه في الحال فإن البيع يصح؛ لأنه لن يقع في النهي الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم.
طالب آخر: شيخ، يقال: إن النهي العلة من ذلك حتى لا يكون نزاع بينهما، فإذا اشترط القطع في الحال وقطعه فلن يكون نزاع بينهما.
الشيخ: نعم، هكذا كان؛ لأن سبب الحديث هو أنه كانوا يبيعون الثمر قبل بُدُوِّ صلاحه فيحصل فيه اختلاف، فنهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام.
رجل اشترى جزة من البرسيم وتركها لمدة عشرة أيام عشرين يومًا، فنَمَت؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1239

طالب: المذهب يقولون: إن البيع يبطل.
الشيخ: يبطل البيع؟ الطالب: نعم.
الشيخ: العلة؟ الطالب: يقولون: لأنه زاد شيئًا ولم يتميز، اختلط حق البائع والمشتري بشكل لا يتميز أيضًا.
الشيخ: فيكون هناك جهالة، أنت قلت: المذهب، هل معنى ذلك أن هناك قولًا آخر؟ الطالب: نعم، هناك قول آخر.
الشيخ: وهو؟ الطالب: وهو أنها تصح إن كان برضا البائع؛ لأن هذا حق للبائع لأن الزائد .. الشيخ: هي ستنمو برضاه أو بغير رضاه.
الطالب: لا، إن كانت تبقيته برضا البائع فإنه في هذا الحال نقول: إنها تصح؛ لأن الزائد حق للبائع.
الشيخ: يعني: لا يبطل البيع؟ الطالب: لا يبطل البيع ( ... ). الشيخ: لأنها حق للبائع وقد تنازل عنه، فلا يبقى إشكال في المسألة.
ما معنى قول المؤلف: (اشترى عريةً فأثمرت)؟ طالب: (اشترى عريةً)؟ الشيخ: (فأثمرت).
الطالب: أي: اشترى نخلًا ( ... ). طالب آخر: العرايا وهي أن يشتري رُطبًا فوق رؤوس النخل بتمر عنده بشروط، ومن الشروط أنه يشتريه فإذا أتمر زال ( ... ). الشيخ: العَرِيَّة معناها أن يشتري رُطبًا على رؤوس النخل بتمر قديم، فهذا رُخِّص له في ذلك لأجل أن يتفكه مع الناس بالرطب، فإذا ترك الرطب حتى أتمرت فات المقصود من هذا البيع فيبطل، كذا؟ على مَن يكون الحصاد واللقاط والجزاز؟ طالب: على المشتري.
الشيخ: على المشتري، لماذا؟ الطالب: لأنه انتقل ( ... ) للبائع فهو هذا .. الشيخ: فيلزمه تفريغ ملكه عن ملك البائع.
رجل باع ثمرة نخل، وقد بدا صلاحها؟ طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، إذا كان مع هذه النخلة نخلة أخرى لم يبدُ صلاحها؟ الطالب: من نوع واحد أم ماذا؟ الشيخ: فصِّلْ.
الطالب: هو إن كان من نوع واحد يجوز يعني يصح البيع، وإن كان من ( ... ) متفرقة فلا يجوز، وكذلك فيه تفصيل، مثلًا إذا كان ( ... ) واحد على المذهب ( ... ) يصح، وعلى المذهب لا يصح إذا كان بعقدين، والصحيح هو القول الثاني.

الجزء: 2 - الصفحة: 1240

الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، جيد.
يعني: إذن إذا باع تمرًا بثمرة نخلة بدا صلاحها وضم إليها نخلة أخرى لم يبد صلاحها من غير جنسها فالبيع لا يصح، من جنسها يعني: من نوعها، وإلا الجنس التمر كله جنس واحد، من نوعها، فإن باعهما صفقةً واحدة صح البيع، يعني: معناه بعقد واحد، وإن باعهما بعقدين لم يصح.
هذا التفصيل هو المذهب وهو الصحيح، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يصح أن يبيع أختها من نوعها وإن كانا بعقدين.
إنسان اشترى ثمرة نخلة فأتتها آفة من السماء فأفسدت الثمرة، أتلفتها؟ طالب: الضمان على البائع.
الشيخ: البائع؟ الطالب: على البائع.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح.
الشيخ: نعم، وقال: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ .. ». الطالب: «ثَمَرًا فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا».
الشيخ: «فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ».
الطالب: «فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا».
الشيخ: «فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ » (7). لو اشتُرط على المشتري أنها إن تعيَّبت أو تلفت، فلا ضمان على البائع؟ الطالب: لا يصح الشرط.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ الطالب: لحديث: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (2). الشيخ: نعم؛ لأن هذا خلاف ما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام فيكون شرطًا باطلًا لا يلزم الوفاء به.
لو كان العيب قد بدا فيها، وقال البائع للمشتري: أريد أن تبرئني من عيبها.
فأبرأه؟ طالب: يصح.
الشيخ: يصح؟ طالب آخر: السؤال مرة أخرى يا شيخ.
الشيخ: أقول: لو كانت هذه الثمرة قد بدا فيها العيب واشتَرط البائع على المشتري ألا يُرَدَّها؟ الطالب: يصح يا شيخ.
الشيخ: يصح، لماذا؟ الطالب: لأن المشتري قد تنازل عن حقه.
الشيخ: لأن العيب موجود الآن ورضي به، بخلاف ما لو قال: إن تعيَّبت فلا رجوع؛ لأن هذا مجهول.

الجزء: 2 - الصفحة: 1241

اشترى عبدًا ليس له مال؟ طالب: نعم، إذا اشترى عبدًا ليس له مال يصح البيع.
الشيخ: نعم، يصح البيع؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما له مال؟ الطالب: حتى وإن كان.
الشيخ: طيب، له مال؟ الطالب: مالُه لسيده.
الشيخ: أيهما؟ الشيخ: البائع.
الطالب: إلا أن يشترطه.
الشيخ: إلا أن يشترط المشتري، الدليل؟ الطالب: من باع عبدًا فماله للبائع.
الشيخ: قاله محمد.
الطالب: ما هو بحديث؟ الشيخ: ما أدري، أنت جبت الدليل.
الطالب: هذا الحديث يا شيخ: «مَنْ بَاعَ .. ». الشيخ: إذن قول مَن؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم، كمل: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا».
الطالب: «فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ».
الشيخ: «لَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (3)، كذا؟ هل يشترط علم المال الذي معه؟ طالب: على حسب قصد المشتري، إن قصد العبد فلا يشترط، وإن قصد المال الذي مع العبد فإنه يشترط.
الشيخ: إذا قصد المال اشتُرط جميع شروط البيع.
أحسنت، اشترى عبدًا عنده مال من فضة بألف درهم، والدراهم من الفضة، هل يجوز هذا أو لا؟ الطالب: اشتراه بكم؟ الشيخ: اشتراه بما تيسر، بعشرين، ثلاثين، أكثر، أقل.
الطالب: لا بد فيه من التساوي.
الشيخ: التساوي بأيش؟ الطالب: الدنانير مع مال العبد.
الشيخ: لا ما هي دنانير، دراهم.
الطالب: الدراهم.
الشيخ: دراهم، العبد معه دراهم وهذا اشتراه بدراهم.
الطالب: لا بد أن يكون المال اللي يشتري فيه مساويًا لمال العبد حتى لا يقع في الربا إن كان أراد المال.
الشيخ: إذا كان مساويًا وقع في الربا؛ لأنه بيجيئه ماله وزيادة العبد.
الطالب: يحسب قدر العبد.
الشيخ: كيف؟ الطالب: يعني: يشتريه بثمن أقل.
الشيخ: العبد مثلًا يسوى مئتي درهم، ومعه ثمان مئة درهم، واشتراه بألف درهم؟ الطالب: يصح.
الشيخ: يصح، إي.
الطالب: لأنه مبني على مسألة مد عجوة ودرهم.
الشيخ: السؤال، هل يصح أو لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1242

الطالب: على المذهب لا يصح.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن مسألة مد عجوة.
الشيخ: ما قصد المال.
الطالب: لأنه إن كان يقصد فهو مطلقًا، يصح.
الشيخ: يصح؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: وإن لم يقصد المال، لكن لاحظ أن المثال اللي ذكرنا، العبد يساوي مئتين ومعه ثمان مئة درهم واشتراه بألف درهم، هنا نقول: لا بد أن المشتري يقصد المال، يعني: ثمان مئة درهم، يعني: لا شك أن المال له فيه قصد.
إذن الخلاصة نقول: إذا اشترى العبدَ ومالَه بمال من جنس الذي معه وهو مما يجري فيه الربا، نظرنا إن كان قصده المال فإنه لا يصح البيع؛ لأنه يشبه مسألة مد عجوة ودرهم، وإن كان المال الذي عنده من غير جنسه فلا بأس، لكن إن كان ذهبًا أو فضة وهو يريد المال، إن كان ذهبًا وهو يريد المال فلا بد من التقابض قبل التفرق.
اشترى إنسان ثمرةَ نخلٍ وأصابتها آفة من السماء فتلفت، ما الحكم؟ طالب: الضمان على البائع.
الشيخ: على من؟ الطالب: على البائع.
الشيخ: ما فيه التفصيل؟ الرجل قبَّض النخلة للمشتري، قال: خذ، هذه النخلة، ما علمت ( ... ). الطالب: تلفت بعد أن قبض أو قبل القبض؟ الشيخ: لا، بعد القبض.
الطالب: إن كان بعد القبض فالضمان على المشتري؛ لأنها صارت في ملكه في ضمانه.
الشيخ: فعليه ضمانها، الدليل؟ الطالب: انتقلت.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح (8). الشيخ: إذا أمر بوضع الجوائح معناها ما عليه شيء، الضمان على البائع يكون.
الطالب: صارت الآن انتقلت من ملك البائع.
الشيخ: أنا الحين أقول لك: ما الدليل؟ الطالب: لأنه لا ضمان على البائع، والضمان على المشتري.
الشيخ: أنت تقول الآن: لا ضمان على البائع؛ لأنها دخلت في ملك المشتري وقبضها.
طالب: الضمان على البائع.
الشيخ: قبَّضها المشتري.
الطالب: ولو.
الشيخ: ولو؟ الدليل؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ لِأَخِيهِ ثَمَرًا».

الجزء: 2 - الصفحة: 1243

الشيخ: «إِذَا بِعْتَ لِأَخِيكَ».
الطالب: «إِذَا بِعْتَ لِأَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بَأَيِّ شَيْءٍ؟ ». الشيخ: «بِمَ تَأْخُذُ».
الطالب: «مَالَ أَخِيكَ بَغَيْرِ حَقٍّ؟ » (7). الشيخ: أعرفت؟ طالب: انتقل الآن يا شيخ.
الشيخ: انتقل وقبضها أيضًا.
الطالب: إذا قبضها وبعد القبض تلفت عنده، كيف الحال؟ الشيخ: تكون على البائع.
الطالب: يعني: ما فهمناه، ما فهمت معناه أنه إذا كانت .. الشيخ: المثال: بعت عليك ثمرة هذه النخلة بعد بدو صلاحها وقبَّضتها ثم جاءتها آفة من السماء أتلفتها، فالضمان عليَّ أنا، لأنها في ضماني حتى يأتي وقت الجزاز ( ... ).


باب السلم

الطالب: باب السلم

وهو عقد على موصوفٍ في الذمَّة مؤجلٌ بثمنٍ مقبوضٍ بمجلسِ العقد، ويصح بألفاظِ البيعِ والسَّلَمِ والسَّلَفِ بشروطٍ سبعةٍ؛ أحدها: انضباطُ صفاتِه بمَكيلٍ وموزونٍ ومزروعٍ، وأما المعدودُ المختلفُ كالفواكه، والبُقولِ، والجُلودِ، والرُّؤوسِ، والأواني المختلفةِ الرؤوسِ والأوساطِ كالقَماقمِ، والأَسْطالِ الضيقةِ الرؤوسِ، والجواهرِ، والحاملِ من الحيوانِ، وكل مغشوشٍ، وما يَجمعُ أخلاطًا غير متميزة كالغاليةِ والمعاجينِ، فلا يصح السَّلَمُ فيه، ويصح في الحيوانِ، والثيابِ المنسوجةِ من نوعين، وما خِلْطُه غيرُ مقصودٍ كالجُبْنِ وخَلِّ التمرِ والسَّكنجبين ونحوها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1244

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب السلم) السلم مأخوذ من التسليم والإسلام، ويقال: السلف، فزعم بعض العلماء أن السلف لغةُ الحجاز وأن السلم لغةُ العراق، وقال آخرون: بل هما بمعنًى واحد، ويستعمل هذا هنا وهناك، وهذا هو الصحيح؛ والدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم من الحجازيين بُعث في مكة وأتى للمدينة وكلاهما من الحجاز، ومع ذلك يقول: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِمْ»، فالصواب والذي عليه المحققون من أهل اللغة أنه لا فرق بينهما، وأن أسلم وأسلف بمعنًى واحد في لغة الحجاز والعراق.
فهو إذن مأخوذ من التسليم؛ وذلك لأن المسلِم يقدم الثمن إلى المسلَم إليه؛ وصورة ذلك أن تأتي لرجل -لنقول: إنه فلاح- وتقول: يا فلان، خذ هذه عشرة آلاف ريال بمئة كيلو من التمر تحِلُّ بعد سنة.
فهذا هو السلم؛ لأن المشتري قدَّم الثمن، والمثمَن مؤخَّر.
والسلم جائز بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، وقد استدل ابن عباس رضي الله عنهما بهذه الآية على جوازه؛ لأن قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ يعمُّ ما إذا كان الدين هو الثمن أو المثمَن، فإن كان الدين هو المثمن فهذا هو السلم.
أما السنة ففي الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (9)، أو «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»، كلاهما صحيح.
وأما الإجماع، فقد انعقد الإجماع على ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1245

وهذا -أعني جواز السلم- هو القياس الصحيح الموافق للأصول، خلافًا لمن قال: إن السلم على خلاف الأصول؛ لأنه بيع موصوف مجهول.
فيقال: هذا غلط؛ فإن السلم ينضبط بالصفات، ولهذا لا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفات، فكيف يصح أن يكون مخالفًا للأصول وعلى خلاف القياس، بل هو القياس والأصول؛ وذلك لأن الشريعة الإسلامية واسعة سهلة ميسَّرة، والعقود فيها من هذه الجهة أربعة أنواع، العقود أربعة أنواع: حالٌّ بحالٍّ، ومؤجَّل بمؤجل، ومؤجل ثمنُه معجَّل مُثمنُه، ومعجل مُثمنه مؤجل ثمنُه؛ هذه أربعة أنواع.
أما الحالُّ بالحال كأن تقول: اشتريت منك هذا الكتاب بعشرة ريالات، هذا حالٌّ بحال ولا إشكال فيه.
المؤجل بمؤجل أن تقول: اشتريت منك كتابًا صفته كذا وكذا تُسَلِّمنيهِ بعد سنة بعشرة ريالات مؤجلة إلى ستة أشهر، هذا لا يصح؛ لأنه بيع الكالئ بالكالئ أي المؤخَّر بالمؤخر.
الثالث: أن يُعجَّل الثمن ويؤخر المثمن وهذا هو السلم.
والرابع: أن يُعجَّل المثمن ويؤخر الثمن وهذا كثير في المعاملات.
فإذن ذكرنا الصورة الثانية أن يكون كلٌّ من الثمن والمثمن مؤجلًا وقلنا: هذا لا يصح، وهذا يقع كثيرًا بين الناس اليوم، لكنهم لا يعلمون عن حُكمه، يشتري منه الشيء مؤجَّلًا إلى مثلًا إلى سنة، ثم يعطيه الشيك مؤجَّلًا بستة أشهر، يعني: لا يقبضه إلا بعد ستة أشهر، إذن الثمن مؤجل والمثمن مؤجل، هذا لا يصح؛ لأن كلًّا منهما مؤجل، ولا بد أن يكون أحدهما مقبوضًا أو كلاهما مقبوضًا، أما مع تأجيل أحدهما فلا يصح.
فإن تأخَّر القبض بدون تأجيل، مثل أن يقول: اشتريت منك مئة صاع بُرٍّ بمئة ريال، ولم يسلمه، على أنه سيأتيه بها العصر أو غدًا أو بعد غد لكن الثمن غير مؤجل، هل يصح أو لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1246

المذهب: لا يصح؛ قالوا: لأن هذا بيع دين بدين، إذ إنه ليس واحد منهما معينًا، لا عُيِّن الثمن، وقيل: هذا -يعني- سُلِّم وانتهى، ولا عُيِّن المثمن، ولكن الصحيح أن هذا صحيح، المحذور أن يكون كل منهما مؤجلًا، أما إذا كان ليس فيه تأجيل فإنه لا يُشْرَع فيه القبض، إلا شيئًا واحدًا مر علينا أنه لا بد فيه من القبض؛ وهو بيع الربا وبجنسه، هذا أمر معلوم.
إذن السلم دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح والقياس الصحيح، وأما القول بأنه على خلاف القياس فلا يصح.
فما هو السلم؟ هل هو بيع مستقل أو نوع من البيع؟ الصحيح أنه نوع من البيع لا يخرج عن كونه بيعًا.
يقول: (هو عَقْد على موصوفٍ في الذمَّة مؤجل بثمنٍ مقبوضٍ بمجلسِ العقد) انتبه إذا قلت التعريف، التعريف لا بد أن يكون جامعًا مانعًا وهو الحد، يعني يقال: تعريف ويقال: حد، فهنا يصح أن نقول: عرِّف السلم، ويصح أن نقول: حُدَّ السلم، ويصح أن نقول: تعريف السلم كذا، وحَد السلم كذا، والتعريف لا بد أن يكون جامعًا مانعًا؛ جامعًا لجميع أفراد المحدود، مانعًا لدخول غيره، فإن لم يكن مانعًا أو لم يكن جامعًا فإنه لا يصح.
فلننظر الآن إلى حدِّ السلم؛ يقول: (عَقْد على موصوفٍ) إذن لا يصح السلم في معين؛ لأنه لا حاجة إلى الإسلام فيه، ما دام حاضرًا يباع بيعًا بدون أن يكون سلمًا؛ مثال ذلك: رجل عنده مئة صاع بر في أكياس، فقال له آخر: أسلمتُ إليك مئة ريال بهذا البر.
هذا لا يصح، ليش؟ لأنه ليس على موصوف، هذا على معين لا يصح، حتى وإن كانا قد اتفقا على أن البائع لا يسلِّم هذا البر إلا بعد سنة فإنه لا يصح ولا يكون سلمًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1247

الثاني يقول: (في الذمَّة) احترازًا من الموصوف المعين؛ لأن هناك شيئًا موصوفًا معينًا ليس في الذمة، مثل أن يقول: أسلمت إليك أربعين ألفًا بسيارتك التي في الجراج صفتها كذا وكذا.
هذا موصوف معين فلا يصح، لا يصح السلم فيه؛ لأن هذا كالمعين الحاضر، فالمؤلف اشترط أن يكون موصوفًا في أيش؟ في الذمة.
أسلمت إليك أربعين ألفًا بسيارة بعد سنة، بسيارة، ما هي بسيارتك التي في الجراج؛ بسيارة بعد سنة؟ يصح، ليش؟ لأنه موصوف في الذمة ما عيَّنها، وليست موصوفةً معينةً في مكان معين.
يقول المؤلف: (مؤجلٌ).
أيضًا لا بد فيه من التأجيل، فإن لم يكن مؤجلًا فإنه لا يصح سلمًا، مثال ذلك: أن يقول أسلمت إليك مئة الريال التي بيدي الآن بمئة صاع بُر.
حكم هذا العقد؟ لا يصح سلمًا؛ لأن السلم لا بد أن يكون مؤجَّلًا، الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَلْيُسْلِفْ فِي شَيْءٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (9)، فهل قوله: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» الشرط في الأمرين جميعًا أن يكون أجلًا وأن يكون معلومًا، أو الشرط عائد إلى المعلوم فقط؟ إن قلنا بالأول صار لا بد أن يكون مؤجَّلًا، إن قلنا بالثاني صار لا يُشترط التأجيل، ولكنه إن أجَّلت فليكن الأجل معلومًا، ومن ثَم اختلف العلماء رحمهم الله فمنهم من قال: لا بد أن يكون له أجل، ومنهم من قال: لا بأس أن يكون بدون أجل.
والذي يظهر لي أنه يصح بدون أجل، ونقول: سمِّه ما شئت سلمًا أو بيعًا؛ لأن هذا ليس فيه غرر وليس فيه ربا وليس فيه ظلم، ومدار المعاملات المحرمة معاملات المعاوضة يدور على هذه الثلاثة: الربا والظلم والغرر، وهذا ليس فيه غرر، وليس فيه ظلم، وليس فيه ربا.
أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع بر بعد سنة يصح ولّا لا؟ يصح؛ لأنه أُجِّل بأجل معلوم، صحيح ما فيه شيء.

الجزء: 2 - الصفحة: 1248

أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع بر، ولم يذكر أجلًا؟ المذهب: لا يصح؛ لأنه لا بد أن يكون إلى أجل، وهذا غير مؤجَّل، الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَلْيُسْلِفْ فِي شَيْءٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»، فقال: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
وقيل: يصحُّ ولو كان غير مؤجل، وأن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» يعود إلى علم الأجل، يعني: لا إلى أجل مجهول.
فما هو الراجح؟ الراجح أنه يجوز، يقول: أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع بر، ولا يذكر التأجيل، ونقول لهذا: له أن يقبضه متى شاء، المشتري له أن يقبضه متى شاء، ونقول: سمِّه سلمًا أو سمِّه بيعًا، المهم أن هذه الصورة ليس فيها غرر وليس فيها ربا وليس فيها ظلم، وإذا انتفت الثلاثة ففساد العقد في البيع يدور على هذه الثلاثة.
يقول: (مؤجَّلٌ بثمنٍ مقبوضٍ) يعني: لا بد أن يكون الثمن مقبوضًا، فإن لم يُقبض بطل ولم يصح، وإن أُجِّل فمن باب أولى أنه يبطل.
وقوله: (بمجلسِ العقد) يعني: لا بد أن يقبضه المسلَم إليه؛ أن يقبض الثمن بمجلس العقد، فإن قبضه بعد التفرق لا يصح وإن كان حالًّا، لا بد تقبضه في مجلس العقد.
وهل يُشترط أن يكون في المجلس الذي وقع فيه العقد، أو المراد ألا يتفرقا قبل القبض؟ الثاني، المراد ألا يتفرقا قبل القبض، فلو اتفقا على السلم في السوق، ثم اصطحبا إلى بيت المسلِم، وأعطاه الثمن من بيته وهما لم يتفرقا، فالسلم صحيح؛ لأنه حَصَل القبض قبل التفرق.
فمراد المؤلف (بمجلسِ العقد) أي: ما لم يتفرقا، كما قلنا في خيار المجلس: يمتد إلى متى؟ إلى أن يتفرقا، ولو فارقا مجلس العقد، المهم ألا يتفرقا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1249

التعريف؛ (عقد على موصوف) احترازًا من أيش؟ من معين، (في الذمة) احترازًا من الموصوف المعين، (مؤجل) احترازًا من الحالِّ، (بثمن مقبوض) احترازًا مما لو لم يقبض الثمن، (بمجلس العقد) احترازًا مما لو قبضه بعد التفرق؛ هذا هو السلم، وكما قلنا لكم قبل قليل: إن جوازه من محاسن الإسلام؛ ويدلك لهذا أن الفلاحين فيما سبق يحتاجون إلى دراهم، فيأتون إلى التجار ويقول: أعطني مثلًا مئة ريال، يقول: ما عندي ما أعطيك، يقول: أعطيك بعد تمام ستة أشهر أو سنة بمئة الريال مائة صاع بر، فينتفع هذا وهذا، المسلَم إليه منتفع بماذا؟ بالثمن الذي قُدم له، المسلَم إليه هو البائع منتفع بالثمن الذي قدم له، المسلِم بماذا انتفع؟ انتفع بأنه سوف يكون الثمن أقل من بيع الحاضر؛ يعني: مثلًا إذا كان مئة صاع البر تساوي خمسين سيسلم إليه أربعين، يعني: لا بد أن ينتفع، لو أراد أن يسلم إليه بالثمن العادي ما أطاعه؛ لأنه لو أسلم إليه بالثمن الحاضر صار كأنه قرض، فيقول: بدل من أعقد السلم وأتعب معك خذ قرضك، فصار كل من المسلِم والمسلَم إليه مستفيدًا منتفعًا، أما المسلم إليه فينتفع بالدراهم التي حصل عليها، وأما المسلِم فينتفع بأيش؟ بنقص الثمن؛ لأنه سيأخذها بثمن أقل، فهو من محاسن الشريعة في الحقيقة.
طالب: ( ... ) إذا كان غير مؤجل يكون من السلم؟ الشيخ: نقول: إنه صحيح سواء سُمِّي سلمًا أو لا، المذهب: لا يصح، يقول: لا بد، يُعقد عقد جديد بلفظ البيع.
الطالب: ما يكون سلمًا.
الشيخ: ما يكون سلمًا ولا يصح، ما يصح العقد.
الطالب: لا على ( ... ). الشيخ: إي نعم، يكون سلمًا أو بيعًا كله واحد، نقول: لأن الحديث لا يدل دلالةً واضحة على اشتراط أن يكون مؤجلًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1250

قال: (ويصح بألفاظِ البيعِ والسَّلَمِ والسَّلَفِ بشروطٍ) يصح السلم بألفاظ البيع، بأن يقول: اشتريت منك مئة صاع بر بعد سنة بهذه الدراهم، ويقول الثاني المسلم إليه إذا أراد المسلم إليه يقدمه يقول: بعت عليك مئة صاع بر تحل بعد سنة بمئة ريال، فيصح بألفاظ البيع.
إذا قال قائل: كيف يصح بألفاظ البيع؟ نقول: نعم؛ لأنه نوع من البيع، فالبيع أعم منه.
يصح بألفاظ السلم والسلف، مع أن السلف يطلق أحيانًا على القرض، لكن لما كان العقد على هذا الوجه تعين أن يكون أيش؟ أن يكون سلمًا لا قرضًا بشروط سبعة، شروط سبعة؟ ! هذه الشروط زائدة على الشروط التي للبيع، لأنه يُشترط هذه الشروط السبعة مع شروط البيع السابقة، فتكون زائدةً على ذلك.
(أحدها انضباطُ صفاتِه)، والمراد بقوله: (انضباط صفاته) يعني: إمكان انضباط صفاته، يعني: أن يكون انضباط صفاته ممكنًا، وبماذا يحصل الانضباط؟ قال: (بمَكيلٍ وموزونٍ ومذروعٍ)، فقوله: (بمكيل) إما أن نجعل الباء بمعنى الكاف، يعني: كمكيل (وموزون ومذروع)، وإما أن نجعل (بمكيل) أي: بكيل مكيل؛ لأن انضباط صفاته بكيل ما هو بمكيل، المكيل هو الذي وقع عليه العقد، وانضباط الصفات يكون بالكيل والوزن والذرع.
والظاهر أن المعنى الأول أحسن، أن الباء بمعنى الكاف؛ لأنه سيأتينا أن الصفات يمكن تنضبط بغير ذلك.
(بمكيل) مثل البر، (موزون) كاللحم والسكر وما أشبه ذلك، (مذروع) كالأقمشة والفُرُش والحبال وما أشبهها.
(وأما المعدودُ) اللي عندي بقي المعدود وهو الرابع، المعدود فيه التفصيل، المكيل عرفنا يمكن الانضباط بالكيل وبالوزن وبالذرع؛ لأن المكيال معروف، والصنجة التي يوزن بها معروفة، والذراع الذي يذرع به معروف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1251

لكن المعدود، هل يصح في المعدود؟ فيه التفصيل؛ نقول: إن أمكن انضباطه صح، وإن لم يمكن فلا، البرتقال لا يمكن انضباطه، ليش؟ بعضه صغار وبعضه كبار فلا ينضبط.
البطيخ لا ينضبط، وهلم جرًّا، المهم المعدود لا بد فيه من تقييم.
قال: (وأما المعدودُ المختلِفُ كالفواكه) فلا يصح السلم فيه؛ لأنه مختلف، يختلف اختلافًا عظيمًا، بعض البرتقال على قَدِّ الأترج وبعضه على قد اليوسفي، فتختلف اختلافًا عظيمًا، فإذا قلت: أسلمت إليك مئة ريال بألف برتقالة، لا يصح، برتقالة كيف نضبطها؟ لذلك لا يصح.
يقول: (كالفواكه والبُقولِ)، أيش البقول؟ البقول هي الزرع الذي يؤكل مثل البصل، الكراث، وما أشبه ذلك، هذه أيضًا لا تصح؛ لأنه لا يمكن انضباطها، تقول: أسلمت إليك مئة ريال بمئة حزمة من البصل، يصح ولَّا ما يصح؟ لا يصح؛ لأنه ما يمكن انضباطه.
قال: (والبُقولِ والجُلودِ) الجلود أيضًا لا يمكن انضباطها، إذا قلت: أسلمت إليك ألف ريال بمئة جلد شاة، يصح؟ لا، ليش؟ تختلف اختلافًا عظيمًا، بالكِبَر والصغر والقوة وحسن السَّلْخ، لأن بعض الذين يسلخون يأتي الجلد وكأنه منخل، لأنه ما يعرف يسلخ، وبعضهم يكون جيدًا، وبعضهم يكون يلحقه لحم الجلد، فالمهم أنه لا يصح بالجلود.
كذلك الرؤوس؛ لو أسلمت إليك مثلًا ألف ريال بمئة رأس شاة بعد سنة، تختلف؟ تختلف، لماذا؟ لأن الشاة الذكية رأسها كبير وغير الذكية رأسها صغير! توافقون على هذا؟ ! لا يصح، لكن لأن الرؤوس تختلف لا شك، حتى لو قلت: مئة رأس شاة رباعية مثلًا لا يصح؛ لأنه يختلف؛ بعض الضأن إذا رأيت رأسه تقول: هذا رأس بقرة تقريبًا، وبعضهم يكون صغيرًا جدًّا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1252

(الرُّؤوسِ والأواني المختلفةِ الرؤوسِ والأوساطِ) الأواني قسمان: قسم مختلفة الرؤوس والأوساط، وهي التي تكون منتفخة في الوسط ورأسها مضموم؛ هذه لا يصح، ليش؟ لأن الصناعة فيما سبق صناعة باليد، وقَلَّ أن تنضبط الصفة، أما الآن فالصناعة بالآلات، فإذا قلت: أسلمت إليك بأوانٍ من طراز كذا وكذا، يمكن ضبطه ولّا ما يمكن؟ يمكن، الآن يمكن بالضبط، وأشد ضبطًا من المكيل والموزون.
أما فيما سبق لما كانت الأواني تُصنع باليد صار ضبطها صعبًا.
وفُهم من قوله رحمه الله: (المختلفة الرؤوس والأوساط) أنه لو كانت رؤوسها وأوساطها سواء لجاز عقد السلم عليها؛ لأنه يمكن ضبطها، كيف تنضبط؟ قدِّر أنها مثل الماسورة يمكن ضبطها بالسَّن، فإذا ضبطنا أعلاها انضبط أسفلها؛ لأنها لا تختلف، أما التي تختلف فلا يجوز السلم فيها لما سبق، هذا فيما كان في زمانهم، وأما في زماننا فإنه يمكن، لكن تحدِّد من أي شيء هي.
يقول: (والأَسْطالِ الضيقةِ الرؤوسِ) الأسطال جمع سَطل وهو معروف، الأسطال بعضها ضيق الرأس، يعني: بمعنى أن أسفلها أوسع، وبعضها بالعكس أعلاها أوسع، وبعضها متساوٍ أعلاها وأسفلها؛ أما التي تساوى أعلاها وأسفلها فالسَّلم فيها جائز وصحيح؛ لأنه يعني: تنضبط بالصفة ولا فيها غرر، وأما ضيقة الرؤوس فلا يصح السلم فيها لعدم انضباطها لأنه قد يكون رأسها ضيقًا، والنسبة بينه وبين أسفلها العُشر مثلًا، وقد يكون الخمس وقد يكون أكثر، فهي مختلفة.
إذا كانت الأسطال متساوية أعلاها وأسفلها فالسلم فيها جائز، وكل هذا -كما قلت لكم- فيما كانت الصناعة فيه باليد، أما إذا كانت الصناعة بالآلات كما هو الموجود الآن فإنه يمكن انضباطها ولو كانت ضيقة الرؤوس، ولهذا الأباريق الآن، الأباريق المعروفة يمكن أن تحكم عليها بالدقة، إذا قلت: من نوع كذا، حجم كذا تنضبط تمامًا.
يقول: (والجواهرِ) الجواهر لا يمكن أن يُسلَّم فيها، لماذا؟ طالب: الجواهر؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1253

الشيخ: اللي أنا قلت، ويش قلت أنا؟ الطالب: الجواهر كذلك مختلفة؛ لأنه بعض الواحد يشبه ببعض ( ... ). الشيخ: لا، هذا الذهب، جزاك الله خيرًا.
الطالب: يسمون الجوهر الذهب.
الشيخ: عندكم الجوهر هو الذهب؟ الطالب: سواء.
الشيخ: لا، الجواهر غير، الجواهر هو الذي يُلقط من البحر، جوهرة، هذه الجواهر أيضًا لا يمكن انضباطها؛ لأن من الجواهر ما يسوى الآلاف، ومنها ما لا يساوي عشرات، فلا يمكن انضباطها، ولذلك لا تباع بالصفة، لا يمكن أن تباع الجواهر إلا بالمعاينة؛ لأن انضباطها بالصفة غير ممكن.
(والجواهرِ والحاملِ من الحيوانِ) الحامل من الحيوان لا يمكن السلم فيه، لماذا؟ لأنه يندر جدًّا أن تجد حاملًا يمكن ضبط صفاتها مع حملها، هذا نادر، وإن أطلقت قلت: حامل فقط فلا صفة؛ لأن الحامل إن أردت أن تصفها وتصف حملها فهذا متعذر، وإن أطلقت فهذا فيه غرر؛ لأن هناك فرقًا بين الحامل الكبير حملها والحامل الصغير حملها.
وعُلم من قوله: (والحامل من الحيوان) أنه يصح السلم في الحيوان، كذلك؟ نعم، يصح السلم في الحيوان؛ لأنه يمكن انضباط صفاته؛ ولهذا أمَر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص أن يأخذ على إبل الصدقة البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة (10)، وهذا سلم في الواقع؛ لأنه ما هو سلم، عكس السلم لكن يدل على جواز البيع بالصفة بالنسبة للحيوان.
هل يشمل الحامل من الحيوان الرقيقة إذا كانت حاملًا؟ طالب: نعم.
الشيخ: يشمل؟ طالب: نعم.
طالب آخر: لا يشمل.
طالب: ما يمكن ( ... ). الشيخ: كيف؟ يشمل الحامل من الحيوان الأنثى من بني آدم؟ نعم، يشمل؛ لأن الإنسان يسمى حيوانًا، لكنه حيوان ناطق؛ إذ إن الحيوان ما فيه الروح، لكن لا بد أن تقيده بالنسبة للآدمي بقولك: ناطق؛ ولهذا يُعتبر قول القائل: يا حيوان لواحد من البشر يعتبر سبًّا يُعذَّر عليه؛ لأن الإنسان ما هو حيوانًا مطلقًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1254

على كل حال قول المؤلف: (الحامل من الحيوان) يشمل الحامل من بني آدم ومن البهائم، لا يصح السلم فيه.
(وكل مغشوش) كل مغشوش لا يصح السلم فيه، وهذا أيضًا يقال فيه ما سبق؛ فيما سبق كان يوجد فضة مغشوشة، ذهب مغشوش، ولا يُعلم قدر الغش، أما الآن فإن قدر الغش معلوم يُحكم عليه بأدق ما يكون، يقال: هذا الذهب من عيار كذا أو عيار كذا، وهذه الفضة فيها غش ونسبتها كذا، لكن إذا وُجد مغشوشة أخرى لا يمكن انضباطها فلا يصح السلم فيها.
(وما يَجمعُ أخلاطًا غير متميزة كالغاليةِ) (وما يَجمعُ أخلاطًا غير متميزة) مثل الغالية، الغالية أنواع من الطيب تُخلَط وتجمع، وكذلك ما يجمع من الأدوية أخلاط غير متميزة، هذا قالوا: إنه لا يصح السلم فيه؛ لأن الخِلْط غير المتميز مجهول، فإذا كان مجهولًا فإنه لا يصح، وعُلم من كلامه أنه إذا كانت متميزة فلا بأس، مثل أن يقال: هذه الأخلاط عشرة في المئة من كذا، وعشرة في المئة من كذا، وعشرة في المئة من كذا، فهنا تكون متميزة.
وكذلك لو تميزت بالرؤية، ما هو بالنسبة؛ بحيث يكون أخلاط لكن معروف أنها متميزة، تظهر حبات أو قرصان أو ما أشبه ذلك، وكل هذا يعود إلى ما سبق من إمكان انضباط الصفات.
وكذلك (المعاجين) لا يصح السلم فيها، ليش؟ العلة الجهل؛ لأننا لا ندري هذه المعاجين ما قَدْر المخلوط من هذا النوع أو من هذا النوع، فلا يصح السلم فيه؛ لأنه لا يمكن انضباط صفاته.
قال: (ويصح في الحيوانِ والثيابِ المنسوجةِ من نوعين) (يصح في الحيوان) هذا مطلق، أيُّ حيوان من إبل أو بقر أو غنم أو حُمُر أو ظباء أو أرانب، أي حيوان، لكن لا بد من ضبطه، فيقال: ثني، رُباع، جَذَع، سمين، ضعيف، متوسط، لا بد أن يضبط.
وهل يستثنى من الحيوان شيء؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: الحامل.
الشيخ: الحامل، كما سبق، فعليه يصح في الحيوان بشرط ألا يكون حاملًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1255

(والثياب المنسوجة من نوعين) الثياب المنسوجة من نوعين يصح السلم فيها، مثل الخز منسوج من الحرير ومن القطن أو من الصوف يصح؛ لأن هذه معلومة وتنضبط بالصفة، فيصح السلم فيها.
يصح أيضًا في (ما خِلْطُه غيرُ مقصودٍ؛ كالجُبْنِ).
الجبن فيه خلط، ويش الخلط؟ الإنفحَّة؛ لأن هذه الإنفحَّة توضع في اللبن فيكون جبنًا، والإنفحة هي التي تكون في معدة الرضيع الذي رَضع أول مرة ثم ذُبح، فهذا الذي في معدته جُبن يُجبِّن الأشياء، لو تضع شيئًا بسيطًا في ماء وجدته يجمد، فهذا الجبن نقول: لا بأس به؛ لأن خلطه -أي ما خُلط فيه من الإنفحة- غير مقصود.
كذلك أيضًا (خل التَّمر) يعني: الماء الذي يوضع فيه التمر ليكون خلًّا يصح، مع أن التمر أيش؟ معلوم ولَّا لا؟ غير معلوم، لكنه غير مقصود، أصلًا الذي اشترى الخل -أي خل التمر- إنما أراد الشراب الخل، ما أراد التمر، لكن قد يكون هناك فرق، بينما إذا كان التمر كثيرًا فيزاد حلاوة أو قليلًا فتنقص حلاوته.
(السكنجبين) هذه الظاهر لغة غير عربية.
طالب: إسكنجبيل.
الشيخ: إي، ويش هو؟ الطالب: السكنجبين يسمونه الإسكنجبيل! ! الشيخ: فما هو؟ أنت تسمونه سكنجبيل؟ الطالب: لا، إسكنجبيل.
الشيخ: إسكنجبيل، إي نعم لكن ما هو؟ الطالب: الإسكنجبيل هو كالعصير.
الشيخ: مين يُعصَر؟ ! خوخ؟ ! رمان؟ ! الطالب: لا، غير هذا، من عروق ( ... ). الشيخ: عروق بعض الشجر.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: شجرة معينة.
الطالب: نعم.
الشيخ: على كل حال، الظاهر أنه مثل ما قال؛ أنه نوع من الشراب.
طالب: ( ... ) ليس من كلام العرب، وأما السكنجبيل فليس هو من كلام العرب وهو معروف مركب من السكر والخل.
طالب آخر: هذا تقريبًا.
الشيخ: هذا هو؟ الطالب: إي، وهذا كذلك.
الشيخ: ما صار من العروق، من السكر والخل، على كل حال.
طالب: في الشرح، قال: فيه الخل.
الشيخ: كيف؟ الطالب: في الشرح قال: والسكنجبيل فيه الخل.
الشيخ: فيه الخل، إي؛ لأن الخل غير مقصود.

الجزء: 2 - الصفحة: 1256

على كل حال، الضابط ما خِلطه غير مقصود؛ كذلك مثلًا الخبز فيه الملح غير مقصود، فالضابط نأخذ بالضابط، وأما الأمثلة فلا عبرة بها.
قال: (ونحوها) يعني: فهذه السلم فيها صحيح؛ لأن خلطها غير مقصود.


طالب: بيع الدين بالدين، مو فصلنا وقلنا: بيع الدين بالدين إذا كان على من هو عليه فإنه يصح بشروط؟ الشيخ: إي؛ لأن اللي هو عليه قد قبضه، مقبوض أحد الطرفين.
الطالب: كيف الصورة؟ ( ... ). الشيخ: لا، ما هي بعلامة أنه عليه، عقد جديد.
طالب: قال في الشرح: السلم لغة أهل الحجاز.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما يدل على أنها لغة أهل الحجاز؟ الشيخ: إحنا ذكرنا أن الصحيح عند أهل اللغة المحققين أنه لا فرق بين السلم والسلف.
طالب: عندنا في مصر بعض الناس يستطيعون أن يحددوا عمر الحبل بالتقريب، يعني: هذا الحبل له ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، وعلى أساسه يُحدد ثمن ( ... )، فهل يصح السلم على ضوء ذلك التحديد؟ الشيخ: لا، يعني: بيع الأجنة يعني؟ الطالب: أيش؟ الشيخ: بيع الأجنة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لا يجوز، حتى في الحاضر ما يجوز بيع الجنين.
الطالب: هو يبيع البهيمة نفسها، لكن يُحدد سعرها أو يرتفع أو يقل على ضوء عدد أشهر الحمل.
الشيخ: صحيح هذا واقع، لكن إذا باع الحامل صحَّ، أما إذا باع حملها بدونها فلا يصح.
الطالب: لأنه ( ... ).


طالب: يا شيخ (ولو آدميًّا)، (لو) هذه خلاف ولَّا ( ... )؟ الشيخ: ما أدري والله.
طالب: لو قال: أسلمتك مئة ريال على أن تعطيني مئة صاع بر مثلًا بسعر يومها، يجوز؟ الشيخ: لا، ما يجوز، لا بد أن يعين؛ لأنه إذا قال: مئة صاع بسعر يومها عند القبض لم يكن للسلم فائدة.
طالب: الدليل على عدم جواز بيع الدين بالدين مع أن العلم والغرر والجهالة والربا منتف؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1257

الشيخ: لا، الغرر ما هو منتف غاية الانتفاء؛ لأنه ربما لا يقدر أحدهما على التقبيض، ولأنه يؤدي إلى بيع الشيء بالشيء متفاضلًا مع أنه مؤخر؛ ولهذا بعض العلماء يقول: إنه لا يجوز أن يبيع الشيء بالشيء متفاضلًا وإن كان لا يجري فيه الربا إذا تأخر القبض.
طالب: بالنسبة لفائدة المتعاملين بالنسبة للسلم، بالنسبة للي هيأخذ الدراهم هيستفيد ويقدر يصرف ويعمل يعني يشتغل، إنما بالنسبة للي هو أعطى الدراهم السعر ممكن يقل في المستقبل عن السعر اللي هو ( ... ). الشيخ: إي نعم، وكل شيء على خطر هذا، هذه كل إنسان حتى اللي يشتري السلعة الآن بمئة نقدًا ربما بعد عشرة أيام ما تسوى خمسينًا، وهذا هو الفرق بين هذا وبين الربا؛ أن المرابي رابح على كل حال، إذا أعطاك مئة بمئة وعشرين رابح على كل حال، لكن المسلِم يعطيك مئة بما يساوي مئة وعشرين بالوقت الحاضر، لكنه مخاطر ما هو برابح على كل حال.
طالب: ( ... ) يمكن تحديد حجمها بأرقام معينة عند أصحابها؛ يعني: ممكن تجار البرتقال يعرفون الأحجام من واحد إلى ثلاثين، فيقول: أسلمتك هذه المئة ريال بأن تعطيني ثمانين حبة من البرتقال مقاس ستة وعشرين، معروف عندهم.
الشيخ: إذا كان معروفًا زال الإشكال؛ يعني: هو اللي يوجد الآن، أهل الصنف يمكن يحددون حجم البرتقالة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: فإذا ثبت هذا فلا مانع، المهم أن يمكن انضباطه بالصفات ( ... ).


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: الثاني: ذِكْرُ الجِنسِ والنَّوعِ، وكل وصفٍ يَختلف به الثمنُ ظاهرًا، وحداثتُه وقِدَمُه.
الشيخ: (وحداثتِه).
طالب: عندنا (أو حداثته).
الشيخ: لا، (وحداثتِه) الصواب بالواو.
الطالب: تصحيح.
الشيخ: إي نعم، صحِّح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1258

طالب: وحداثتِه وقدمِه، ولا يصح شرطُ الأَرْدأ أو الأجْودِ، بل جيدٌ ورديءٌ، فإن جاء بما شَرَط أو أجودَ منه من نوعه ولو قبلَ محلِّه، ولا ضررَ في قبضه لزمه أخذُه.
الثالث: ذكرُ قدرِه بكيل أو وزن أو ذَرْعٍ يُعلم، وإن أسلم في المكيل وزنًا، أو في الموزون كيلًا لم يصحَّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل أسلم في عين موصوفة على أن يُسلِّمها بعد سنة؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: ليست موصوفة.
الشيخ: لأنها ليست موصوفة في الذمة، ومن شرط السلم أن تكون موصوفة في الذمة.
هل السلم جائز؟ طالب: نعم، بالكتاب والسنة والإجماع.
الشيخ: زدْ.
الطالب: والقياس.
الشيخ: القياس.
دليله من الكتاب؟ الطالب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]. الشيخ: أحسنت، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
السنة؟ طالب: السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (9). الشيخ: أحسنت.
الإجماع؟ طالب: أجمع أهل العلم على جواز السلم.
الشيخ: نعم، أجمعوا عليه لكن اختلفوا في شروطه.
الطالب: نعم.
الشيخ: القياس الصحيح؟ طالب: لأن الناس تحتاج إليه، المسلم والمسلم إليه يرتفق في الثمن، وهذا يرتفق بالمثمن.
الشيخ: حاجة كل من المسلم والمسلم إليه، المسلم إليه ينتفع بأيش؟ الطالب: المسلم إليه بالثمن.
الشيخ: والمسلِم؟ الطالب: ينتفع بالمثمن.
الشيخ: يعني: بزيادة المثمن.
قال بعض الناس: إن السلم على خلاف القياس؛ لأنه بيع معدوم، فبماذا نجيبه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1259

طالب: نقول: إنه موافق للقياس؛ لأنه لا يخرج عن بيع موصوف وبيع الموصوف جائز.
الشيخ: أيش؟ الطالب: يقال: إن بيع السلم موافق القياس؛ لأنه يشبه بيع الموصوف، وبيع الموصوف جائز حتى وإن لم يكن موجودًا وقت العقد.
الشيخ: ما هو بواضح.
طالب: يصح بيع السلم؛ لأن السلم لا يجوز بما لا ينضبط، لا يجوز.
الشيخ: لا.
طالب: أنه إن ( ... ) في الشرع فإنه على وفق القياس، ولأنه يشبه الأجرة وهي بيع معدوم.
الشيخ: يعني: يشبه الإجارة والمنافع معدومة، إن قال أيضًا: الإجارة تخالف القياس؟ الطالب: يحتمل يا شيخ.
الشيخ: لا، هو الواقع أن نقول: ليس بيعًا معدومًا في الحقيقة؛ لأنه بيع موصوف في الذمة، أنا لم أبع عليك شيئًا معدومًا ليس في ملكي حتى يدخل في الجهالة والغرر، هذا موصوف في الذمة، وأيضًا كما قال الأخ؛ قاعدة مفيدة: كل ما ثبت بالشرع فليس مخالفًا للقياس، بل كل قياس يخالف ما جاء به الشرع فهو قياس باطل لا شك، وهذا يغنينا عن كل شيء، نقول: القياس الذي يخالف النص هذا قياس باطل ولا عبرة به.
ثم نقول ثانيًا: إن السلم لم يخالف القياس؛ لأنه ليس بيع شيء معين، ولكنه بيع شيء موصوف في الذمة، إي نعم.
السلم له شروط كم؟ طالب: سبعة شروط.
الشيخ: بالإضافة إلى شروط البيع؟ الطالب: نعم بالإضافة إلى شروط البيع.
الشيخ: إي، صحيح.
هل يصح بيع الجواهر؟ طالب: نعم، يا شيخ.
الشيخ: بيع الجواهر؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح.
هل يصح السلم فيها؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: إذن لا يصح البيع، ولا السلم فيها! الطالب: يصح البيع دون السلم.
الشيخ: إي، يصح البيع دون السلم؛ لأن غررها يزول بالمشاهدة، وإذا بعتها تُشاهد فيصح فيها البيع ولا يصح فيها السلم؛ لأنها لا يمكن انضباطها.
هل يصح السلم في الحيوان؟ طالب: نعم، يصح.
الشيخ: خطأ.
طالب: يصح إلا في الحامل.
الشيخ: يصح إلا في الحامل، إذن فيه التفصيل؛ الحيوان الحامل لا يصح، وغير الحامل يصح؛ لماذا لا يصح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1260

طالب: غالٍ يا شيخ.
الشيخ: غالٍ.
طالب: لأنه لا يمكن ضبطه.
الشيخ: لا يمكن ضبطه، صحيح.


يقول المؤلف رحمه الله: (الثاني -أي: من شروط السلم- ذِكْرُ الجِنسِ والنَّوعِ وكل وصفٍ يختلف به الثمنُ ظاهرًا).
(ذكر الجنس والنوع) لا بد أن نعرف الفرق بين هذه الأمور الثلاثة: الجنس، والنوع، والواحد بالعيَّن.
الجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعًا، والنوع واحد الجنس، والواحد بالعين واحد النوع.
الحب؟ جنس.
البر؟ نوع.
هذه الزِّنبيل من البر؟ واحد بالعين.
في السلم لا بد من أن نذكر الجنس والنوع، فإذا أسلمت إليك في بر، وقلت: هذه مئة ريال بمئة صاع بُر توفيني إياه بعد السنة، فإن ذلك لا يكفي؛ لأنك لم تذكر الجنس، بل لا بد أن تقول: أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع حب بُرٍّ.
حب هذا بُر: نوع، لا بد أن تقول هكذا، فإن قلت: بمئة صاع بر لا يصح.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول ضعيف.
والصواب أنه لا يشترط ذكر الجنس؛ لأن ذكر النوع كافٍ؛ إذ إن مَن ذكر النوع فقد ذكر الجنس؛ لأن النوع أخص، والأخص يدخل في الأعم.
وعلى هذا فإذا قلت: أسلمتُ إليك مئة ريال بمئة صاع بر فلا بأس، لكن هذا البر يحتاج إلى ذِكر نوع أخص؛ لأن البر في الواقع أنواع، ولّا لا؟ كما أن التمر أنواع، فنذكر النوع فنقول: بُر حنطة، معية، لقيمي، كما هو معروف أنواعه عندنا.
وبناءً على ذلك نقول: هل لا بد من ذكر الجنس الأعلى ثم الأوسط ثم النوع، أو نكتفي بالجنس الأوسط؟ الثاني، وعلى هذا فلا يحتاج أن نقول: حَب؛ لأن هذا هو الجنس الأعلى، نقول: بُر حنطة، وما زلنا على أننا نقول: القول الراجح أنه لا يشترط ذكر الجنس، وعلى هذا فإذا قال: أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع حنطة يكفي أو لا يكفي؟ يكفي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1261

بهذا نعرف أن الجنس قد يكون نوعًا باعتبار ما فوق، الجنس يكون نوعًا باعتبار ما فوقه، وفي المثال اللي ذكرناه حب هذا جنس أعلى، بر جنس أدنى، حنطة نوع، المقصود ذكر الجنس الأدنى، يعني: أقرب جنس للنوع هو الذي يُذكر، هو الواجب ذكره، وأما الأعلى فلا حاجة لذكره.
أسلمت إليك في بهيمة الأنعام؟ بهيمة الأنعام، كم أنواعها؟ ثلاثة، إبل وبقر وغنم، بهيمة الأنعام جنس، ثم الإبل جنس أدنى، ثم كونها بخاتي أو ذات سنمينِ أو ذات سنام أو ما أشبه ذلك هذا نوع.
الغنم جنس، كونها ضأنًا ومعزًا نوع، ولَّا لا؟ قد يقال بعدُ: ربما ينشأ من هذه الأنواع أنواع أخرى، قد يكون المعز أيضًا أنواعًا، والمهم أنه لا بد أن تَذكر الجنس الأدنى والنوع الذي يليه وهو أخص شيء.
والصواب الذي لا شك فيه أنه يُكتفى بذكر أخص شيء، فمثلًا عندما نريد أن نسلم في تمر، نقول: تمر أيش؟ سكري، على كلام المؤلف: لا بد أن تقول: تمر سكري، أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع تمر سكري، والصحيح أنه يكفي أن تقول: أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع سكري، ولا حاجة؛ لأنك إذا ذكرت النوع لزم فيه ذكر الجنس.
فهمنا الآن المؤلف يُضيِّق في الواقع عندما نطلق البيع لا بد أن نذكر الجنس وأيش؟ والنوع.
وأي الأجناس؟ أعلى جنس يكون أو أدنى جنس؟ أدنى جنس يكون.
كذلك (وكل وصف يختلف به الثمن ظاهرًا) (كل وصف يختلف به الثمن) يعني: مثلًا أبيض إذا كان ذا ألوان تقول: أبيض، أسود، أحمر، إذا كان ذا ألوان، كذلك أيضًا إذا كان النسج في الثياب مختلفًا تذكر الوصف الذي يختلف به الثمن اختلافًا ظاهرًا، أما الاختلاف اليسير فإنه يُعفى عنه؛ لأنه قلَّ أن ينضبط الموصوف على وجه لا اختلاف فيه إطلاقًا؛ ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: كل سلم يختلف، لا بد؛ لأنه مهما كان الإنسان في دِقَّة الوصف لا يمكن أن يدرك كل الأوصاف، مثلًا: نسلم في سيارة، نذكر اللون أو ما يحتاج؟ طالب: يحتاج.

الجزء: 2 - الصفحة: 1262

الشيخ: يحتاج؛ لأن الثمن يختلف به.
نذكر موديلها، أو ما يحتاج؟ طلبة: يحتاج.
الشيخ: يحتاج؛ لأن الثمن يختلف به.
نذكر مثلًا اللي هي ( ... )؟ طالب: يحتاج.
الشيخ: يحتاج.
ويش فيه بقي مما لا يختلف فيه الثمن؟ مثلًا الراديو، الراديو تختلف السيارات فيه.
طالب: مكيفة أو غير مكيفة؟ الشيخ: لا يختلف مكيفة ولّا غير مكيفة، لكن بعض السيارات يكون الراديو بالوسط، وبعضها يكون إلى جانب السائق، الساعة أيضًا بعض السيارات تكون الساعة مثلًا فوق، بعضها تكون أسفل، بعضها تكون بالوسط، وبعضها تكون مائلة إلى الجانب الأيمن، ومائلة إلى الجانب الأيسر، هل نذكر هذه الأوصاف؟ طلبة: لا نذكرها.
الشيخ: لماذا؟ لأنها ليست ذات أهمية.
وحَدَاثَتُه وقِدَمُه، ولا يَصِحُّ شَرْطُ الْأَرْدَأِ أو الأَجْوَدِ, بل جَيِّدٌ ورَديءٌ , فإنْ جاءَ بما شَرَطَ أو أَجْوَدَ منه من نوعِه ولو قُبِلَ مَحَلُّه ولا ضَرَرَ في قَبْضِه -لَزِمَه أَخْذُه.
(الثالثُ): ذِكْرُ قَدْرِه بكيلٍ أو وَزنٍ أو ذَرْعٍ يُعْلَمُ، وإن أَسْلَمَ في الْمَكيلِ وَزْنًا أو في الموزونِ كَيْلًا لم يَصِحَّ.
(الرابعُ) ذِكْرُ أَجَلٍ معلومٍ له وَقَعَ في الثَّمَنِ، فلا يَصِحُّ حالًا ولا إلى الْحَصادِ والْجِذاذِ ولا إلى يَوْمٍ، إلا في شيءٍ يَأْخُذُه منه كلَّ يومٍ كخُبْزٍ ولَحْمٍ ونحوِهما.
(الخامسُ): أن يُوجَدَ غالبًا في مَحَلِّه , ومكانِ الوَفاءِ , لا وقتَ الْعَقْدِ، فإن تَعَذَّرَ أو بعضُه فله الصبْرُ أو فَسْخُ الكُلِّ أو البعضِ , ويَأْخُذُ الثمَنَ الْمَوجودَ أو عِوَضَه.
(السادسُ): أن يَقْبِضَ الثمنَ تامًّا , معلومًا قَدْرُه ووَصْفُه قبلَ التَّفَرُّقِ، وإن قَبَضَ البعضَ ثم افْتَرَقَا بَطَلَ فيما عَداهُ، وإن أَسْلَمَ في جِنْسٍ إلى أَجَلَيْنِ أو عَكْسَه صَحَّ إن بَيَّنَ كلَّ جِنْسٍ وثَمَنَه وقِسْطَ كلِّ أَجَلٍ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1263

(السابعُ): أن يُسْلَمَ في الذِّمَّةِ فلا يَصِحُّ في عينٍ، ويَجِبُ الوَفاءُ مَوْضِعَ العَقْدِ، ويَصِحُّ شَرْطُه في غيرِه، وإن عُقِدَ بِبَرٍّ أو بَحْرٍ شَرَطَاهُ، ولا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، ولا هِبَتُه، ولا الْحَوَالةُ به، ولا عَلَيْهِ، ولا أَخْذُ عِوَضِه، ولا يَصِحُّ الرَّهْنُ والكَفيلُ به.
الشيخ: ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: كل سلَم يختلف لا بد؛ لأنه مهما كان الإنسان في دقة الوصف لا يمكن أن يدرك كل الأوصاف.
مثلًا: نُسْلِم في سيارة، نذكر اللون، أو ما يحتاج؟ طالب: يحتاج.
الشيخ: يحتاج؛ لأن الثمن يختلف به، نذكر موديلها، أو ما يحتاج؟ طلبة: يحتاج.
الشيخ: يحتاج؛ لأن الثمن يختلف به، نذكر مثلها اللي هي ( ... )؟ طالب: يحتاج.
الشيخ: يحتاج.
ويش بقي مما لا يختلف فيه الثمن؟ مثلًا الراديو، الراديو تختلف السيارات فيه.
طالب: مكيفة أو غير مكيفة.
الشيخ: لا، يختلف مكيفة ولّا غير .. لكن الراديو بعض السيارات يكون الراديو بالوسط، وبعضها يكون إلى جانب السائق، الساعة أيضًا بعض السيارات تكون الساعة مثلًا فوق، بعضها تكون أسفل، بعضها تكون بالوسط، وبعضها تكون مائلة للجنب الأيمن، مائلة للجنب الأيسر، هل نذكر هذه الأوصاف؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنها ليست ذات أهمية، ولا يرفع الإنسان بها رأسًا، فهذه لا تُذْكَر.
وكذلك بقية الأوصاف التي لا يختلف بها الثمن اختلافًا ظاهرًا فإنه لا يجب ذكرها؛ لأن الإحاطة بها متعسرة.
يقول: (وحداثته وقِدَمِه)، يعني لا بد أن يُذْكَر أنه جديد أو أنه قديم، وهذا حق لا بد منه؛ لأن الثمن يختلف اختلافًا ظاهرًا بين الجديد والقديم، فلا بد أن نقول في التمر: من تمر هذا العام، أو من تمر العام الماضي، لا بد أن نقول هذا؛ لأنه يختلف اختلافًا ظاهرًا، لكن كيف يكون من تمر العام الماضي؟ !

الجزء: 2 - الصفحة: 1264

يمكن، يكون عنده مُجَبَّنًا، يعني مثلًا مكنوزًا في التَّنَك، يكون عنده من قديم من العام الماضي، إذن لا بد أن يُذْكَر أنه جديد أو قديم.
جودته ورداءته؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم، لا بد أن تُذْكَر؛ لأن الجودة والرداءة يختلف بها الثمن اختلافًا ظاهرًا، لكن لو قال: أَجْوَد ما يكون، أو أردأ ما يكون، يقولون: إنه لا يصح.
أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع بُرّ، فلنقول: بمئة صاع حنطة أجود ما يكون، هنا يقول المؤلف: لا يصح، السبب؟ لأنه ما من جيد إلا وفيه أجود منه، أجود ما يكون في هذا البلد قد يكون أردأ ما يكون في البلد الآخر، فماذا نعمل وهو يقول: أجود ما يكون؟ ! ثم حتى أجود ما يكون في البلد قد يكون في السوق، قد يكون ما عُرِضَ في السوق جيدًا، وأجود ما يكون في السوق، لكن في البيوت ما هو أجود منه، فالأجود لا يصح.
الأردأ كذلك؛ لأنه ما من رديء إلا وفيه أردأ منه، هذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: ما قاله المؤلف؛ لا يصح شرط الأردأ ولا الأجود، والعلة ما سمعتم، الأجود يقال فيه أيش في التعليل؟ ما من جيد هو أجود إلا وفيه أجود منه، الأردأ نفس الشيء، ما من رديء أردأ ما يكون عندنا إلا وفيه أردأ منه.
إذن فهذه الصفة لا يمكن تحقيقها، فلما لم يمكن تحقيقها صار كالذي لا يمكن انضباط صفاته، كالجواهر وغيرها.
القول الثاني: يصح شرط الأردأ، مَن اللي يشترطه؟ الْمُسْلَم إليه ولّا المسلِم؟ طالب: المسلم إليه.
طالب آخر: المسلم.
طالب آخر: يحتمل يا شيخ.
الشيخ: لا إله إلا الله، وإلى الآن على الخلاف، أيهما اللي يبغي الأردأ.
طالب: الْمُسْلِم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1265

الشيخ: لا، الْمُسْلِم يبغي الأردأ؟ ! الْمُسْلِم اللي أعطى الدراهم، اللي يشترط الأردأ البائع اللي هو المسلَم إليه، فإذا اشترط البائع اللي هو المسلَم إليه إذا اشترط أنه أردأ ما يكون، وقال: ما يخالف، نجري العقد على أردأ ما يكون، يقول المؤلف: إنه لا يصحّ؛ لأنه ما من رديء إلا وفيه أردأ منه، لكن الصحيح أنه يصح، كيف يصح؟ لأنه إذا قال: أردأ، وقال: هذا أردأ ما يكون، وقبِل المسلِم فالحق له؛ إذ إن المسلِم لا يمكن أن يقول للمسلَم إليه: اذهب دوِّر أردأ من هذا وإلا ما أقبل، هل يمكن يقول هكذا؟ لا يمكن، حتى لو أمكن أن يقول هكذا فقد قال العلماء رحمهم الله -نفس الفقهاء- قالوا: لو جاء إليه بأجود من حقه لزمه القبول، ولهذا هذا الوجه الثاني قوي جدًّا؛ أن شرط الأردأ جائز ويصح فيه السلَم؛ لأنه إذا جاء المسلَم إليه بالأردأ فقال له المسلِم: هذا ما هو أردأ ما يكون، روح دوِّر، قال: لا، يلزمك أن تقبل، هل يلزمه أن يقبل؟ طالب: على قول الفقهاء.
الشيخ: إي، حتى على قول الفقهاء يلزمه، وإذا كان كذلك فأي مانع يمنع من صحة هذا الشرط؟ مع أن هذا الشرط -في نظري- حسب الواقع لا يقع؛ لأن حتى المسلَم إليه ليس يذهب يقول: أردأ ما يكون، سيقول: أنت تُسْلِم إليَّ بطعام ليس أجود شيء.
القول الثالث في المسألة: أنه يصح شرط الأردأ أو الأجود، ويُحْمَل على ما يكون في السوق، في سوق البلد، أجود ما يكون في السوق، أردأ ما يكون في السوق، هذا معروف عند أهل العرف، والاختلاف الذي يمكن أن يقع فيه اختلاف لا يضر؛ لأنه ما من سَلَم إلا يختلف كما قال الإمام أحمد رحمه الله.
فالمسألة فيها ثلاثة أقوال أقطعُها للنزاع وأقربها للصواب هو الثاني؛ الذي هو شرط الأردأ دون شرط الأجود؛ لأن شرط الأردأ لو أراد المسلِم أن يُلْزِم المسلَم إليه بطلب ما هو أردأ فإنه لا يلزمه حتى على المذهب، وإذا كان لا يلزمه فما المانع؟ !

الجزء: 2 - الصفحة: 1266

يقول رحمه الله: (ولا يصح شرطُ الأردأ أو الأجود، بل جيدٍ ورديءٍ).
ويش معنى (جيد ورديء)؟ يعني يصلح أن يقول: جيد، أو يقول: رديء.
ولو قال قائل: إن كلمة (جيد ورديء) قد تكون أشد جهالة من الأجود والأردأ؛ لأن المسلِم إذا جاء المسلَم إليه بما عُقد عليه البيع قال المسلِم: هذا ما هو جيد، هذا رديء، وذاك يقول: جيد، فيحصل النزاع، لكن مع ذلك قالوا: إن هذا يصح، وإذا اختلفا في كونه جيدًا أو رديئًا يُرْجَع إلى أهل الخبرة في ذلك.
ثم قال: (فإن جاء بما شَرَط)، يعني من جيد أو رديء، (أو بأجود منه من نوعه ولو قبل مَحِلّه ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه).
(إن جاء) الفاعل يعود على المسلَم إليه، (بما شَرَط) أي: المسلِم، (لزمه أخذه).
(ولو قبل مَحِلّه) يعني: ولو قبل حلوله، فإذا قدَّرْنَا أنه يحل في رمضان وجاء إليه في رجب لزمه قبوله، لكن اشترط المؤلف شرطًا وهو: ألَّا يكون عليه ضرر في قبضه، مَن الذي عليه الضرر؟ المسلِم، فإن كان عليه ضرر مثل أن يُسْلِم إليه بتمر، أعطاه دراهم على أنه يأتي إليه بتمر في رمضان، وجاء بالتمر في رجب، هنا جاء به قبل مَحِلّه ولّا بعده؟ قبل محله، وقال المسلِم: لا أقبله، فقال المسلَم إليه: تقبله؛ لأن هذا ثبت في ذمتي، والتأجيل إرفاق بي، وأنا مُسْقِط هذا الإرفاق، لازم تأخذه، قال: والله التمر الآن ما له سوق، سوق التمر يكون في رمضان حيث يحتاج الناس إلى التمر في الإفطار، الآن السعر نازل، فعليّ ضرر، في هذه الحال له -أي للمسلم- أن يمتنع عن قبضه؛ لأن عليه ضررًا.
أو حدث خوف في البلد قبل حلول أجله، يعني مثلًا الأجل قلنا: في رمضان، حدث خوف في البلد في رجب، فجاء المسلَم إليه بما أَسْلَم فيه، فقال المسلِم: أنا لا أقبله، البلد الآن مَخُوف ويُخْشَى أن يُسطَى عليه ويؤخَذ، أنا لا أقبله إلا في رمضان، هل يلزم بقبضه؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن عليه ضررًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1267

إذن إذا جاء المسلَم إليه بما وقع عليه العقد قبل حلوله لزم، هاتوا المفعول؟ لزم المُسلِمَ قبولُه، إلا أن يكون عليه ضرر في قبضه فلا يلزمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (1). ما هي العلة في وجوب القبول؟ العلة أن التأجيل إرفاق بِمَن؟ بالمسلَم إليه، فإذا أَسْقَط حَقَّه من الإرفاق وقال: أنتم جعلتم الأجل إلى رمضان رفقًا بي، والآن أنا حصلت ما أُسلِم فيه، خُذْه، فهنا يلزم ذاك قبولُه إذا لم يكن هناك ضرر.
هذه المسألة الثانية في كلام المؤلف: إذا جاءه بأجود من نوعه، يعني كان المشروطُ عليه تمرًا وسطًا، فحل الأجل وجاء المسلَم إليه بتمر جيد، فقال المسلِم: لا أقبل الجيد، بيني وبينك تمر .. طالب: معين.
الشيخ: ما هو معين، وسط، والآن جئتني بجيد، لا أقبل، يلزمه القبول أو لا؟ يقول المؤلف: يلزمه القبول، إذا قال المسلِم: كيف تُلْزِمُونَنِي أن أقبل هبة بدون رضاي؟ قلنا: إن هذا المسلَم إليه لم يأتِ إليك بعين زائدة، يعني ليس الذي عليه مئة صاع وجاء بمئتين، إنما جاء بزيادة وصفية، المشروط عليه وسط فجاء بجيد، ما أتاك بأكثر مما طلبت، مما وجب عليه، وهذا عبارة عن هبة وصف، فيلزمك قبوله كما قلنا بأن الْمُبْرَأ لا يُشْتَرَط رضاه.
إذن يلزمه، لكن قال المؤلف: (بأجودَ منه من نوعه)، فلو كان الإسلام في سُكَّرِي، تعرفون السكري؟ سكري عُنَيْزَة، معروف، وأتى إليه بِبَرْحِي، والبَرْحِي أكثر قيمة من السكري، فهل يلزمه قبوله؟ طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: ليش؟ طلبة: ليس من نوعه.
الشيخ: ليس من نوعه، فهنا ليس الاختلاف اختلاف صفة، اختلاف ذات؛ لأنه أتى بنوع آخر، لا يلزمه.
إذا أتى بغير جنسه؟ يعني مثلًا كان الإسلام في بُرٍّ، ثم أتى إليه بتمر، يجوز ولّا ما يجوز؟ الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1268

إذن الأقسام ثلاثة: إذا أتى بأجود من نوعه لزمه القبول، إذا أتى بأجود من جنسه لم يلزمه القبول، لكن يجوز له القبول، لو قَبِلَ فلا بأس، إذا أتى بغير جنسه حرُم القبول، انتبهوا للأقسام الثلاثة الآن.
أَسْلَم إليه في سكري، فجاء بسكري أجود؟ الطلبة: يلزمه القبول.
الشيخ: يلزمه القبول، أسلم إليه في سكري فجاء إليه ببرحي؟ الطلبة: لا يلزمه القبول.
الشيخ: لا يلزمه القبول، ولكن يجوز القبول، إذا أسلم إليه في تمر سكري وجاء إليه بِبُرّ؟ لا يجوز القبول، حتى لو رضي، لماذا؟ قالوا: لأنه إذا أتى إليه بغير الجنس فهذا بَيْع، وبيع السلَم -يعني المسلم فيه- لا يصح، وسيأتينا إن شاء الله تعالى دليلهم في هذا، وأنه دليل لا يصح، لكن الكلام على قاعدة المذهب، يقول: لأنه إذا أخذ عنه بدلًا من غير الجنس صار ذلك بيعًا، وبيع المسْلَم فيه لا يصح قبل قبضه.
ونحن نناقش هذه المسألة من وجهين: الوجه الأول: أننا نرى أنه لا يلزمه قبوله إذا جاء بأجود من نوعه؛ لأن ذلك قد يُفضِي إلى منَّة عليه في المستقبل، فيقول: أنا لا أريد أن أتحمل قبول الطيب عن الرَّديء؛ لأني أعرف هذا الرجل، غدًا يقطع رقبتي في المجالس، يقول: أنا أوفيته أحسن من حقه وهذا جزائي، لو أفعل فيه أدنى شيء قال: هذا جزائي أني أُحْسِن إليه وأعطيه أطيب من حقه ثم هو يسيء إليّ! وهذا واقع؛ لأن كثيرًا من الناس الآن يُبْطِلُون صدقاتهم بالمن والأذى، فهو يقول: أنا لا أريد، يعطيني حقي ولا أبغي غيره، أو ولا أريد غيره، فنرى أنه لا يلزمه، إلا إذا علم أن هذا الرجل لا يمكن أن يَمُنّ عليه في المستقبل بذلك فهذا ربما نقول: يلزمه؛ لأن هذا من باب التيسير على أخيه؛ لأنه إذا قال: أنا لا أقبل هذا، ماذا سيعمل؟ سيذهب يبيعه في السوق، ثم يشتري له حسب شرطه، وقد يحصل في هذا تعب، وقد يحصل فيه أيضًا أجور تربو على الفرق بين الجيد والوسط.

الجزء: 2 - الصفحة: 1269

ونرى أيضًا أنه إذا جاء بشيء من غير جنسه ورضي الآخر فإنه لا بأس به، إذا أحضر شيئًا من غير جنسه، قال: هذه مثلًا مئة صاع بُرّ عن مئة صاع تمر سكري، وقال: لا بأس، نرى أنه لا بأس بهذا؛ لأن البُرّ والتمر ليس بينهما ربا فضل، وهنا إذا حضَّره وسلَّمه إياه انتفى ربا النسيئة، فأي محذور في هذا؟ هذا ليس فيه ربا، وليس فيه ظلم ولا غرر، فأي محظور في هذا؟ فصار الآن نحن نخالف المؤلف في مسألتين: المسألة الأولى: وجوب قبول الجيد عن الوسط من النوع.
والمسألة الثانية: جواز أخذ غير الجنس إذا أحضره وصار القبض قبل التفرق، وذلك لأنه لا يتضمن ربًا ولا ظلمًا ولا غَرَرًا.
طالب: خالَفَ النصَّ أحسن الله إليكم.
الشيخ: ما هو النص؟ الطالب: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِمْ فِي شَيْءٍ» .. (2) الشيخ: هذا لا يصح، هذا النص لا يصح، وسيأتي، نحن ذكرنا أنه سيأتي إن شاء الله وهذا لا يصح.
( ... )


طالب: وجه تسميتنا للبائع مسلَمًا إليه، والمشتري مسلِمًا، هذا أنا أقول العكس؛ لأن المشتري .. الشيخ: مَن الذي أسلم الثمن؟ الطالب: لا، السلعة أنا أقول.
الشيخ: لا، السلَم هو تقديم الثمن.
الطالب: هذا البائع.
الشيخ: لا، اللي قدم الثمن المشتري.
الطالب: اللي قدم الثمن المشتري، اللي أخذ البائع.
الشيخ: والمسلَم إليه مَن؟ الطالب: البائع.
الشيخ: هذه هي.
الطالب: أنا كنت أقول .. الشيخ: والآن؟ الطالب: ظهر.
طالب آخر: أحسن الله إليك، ( ... ) المؤلف في ذكر النوع الأعلى لكلامه هذا وجاهة.
الشيخ: الجنس؟ الطالب: شرطه الجنس الأعلى.
الشيخ: لا، الجنس الأعلى ما يرى وجوب ذكره.
الطالب: أحسن الله إليكم، في بعض البلدان يتَّحِد الجنس ويتحد النوع، لا إن يختلف الجنس ويتحد النوع، مثل البرتقال مثلًا يقال في بعض البلدان: هذا سكري وهذا بلدي وهذا كذا، وفي نفس البلد مثلًا يقال: هذا .. الشيخ: البرتقال على رأي المؤلف ما يصح السلَم فيه.
الطالب: ذكرنا أنه يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1270

الشيخ: لا، هذا رأي المؤلف، وسيأتي إن شاء الله ذكره.
طالب: ذكر جنس الْحَبّ، ربما يأتي سنبلة؟ الشيخ: لا، إذا قيل: حَبّ، يعني مُصَفًّى.
الطالب: إحنا ما ذكرنا الحب.
الشيخ: لا إذا قلنا: الْحَبّ، يعني مُصَفًّى.
( ... ) طالب: ذكرنا أنه لا يجوز السلَم في الحيوان الحامل، لأنه لا ينضبط.
الشيخ: نعم.
الطالب: وجواز السلَم في الحيوان غير الحامل، مع أنه أيضًا لا ينضبط؟ الشيخ: لا، ينضبط بالوصف، لكن قَلَّ أن تجد بهيمة على الوصف الموصوف وحملها على الوصف الموصوف أيضًا؛ لأنه لا بد أن يكون الحمل له أربعة أشهر خمسة أشهر وما أشبه ذلك.
طالب: شيخ، قلنا في باب السلَم: إن المسلَم ينتفع بالزيادة.
الشيخ: نعم.
الطالب: وإذا مثلًا أقبضه المُسَلِّم إليه المُسَلَّم فيه مثلًا أقبضه قبل أن يحل وقت الأجل، وكان مثلًا في تأجيل تلك السلعة منفعة للمسلِم، كأن يزيد مثلًا سعر السلعة؟ الشيخ: هذا يعتبر من حقه؛ لأنه حتى المسلَم إليه إذا حَلّ الأجل وقد باع على المسلِم مئة صاع بُرّ بمئة ريال، ربما يكون عند حلول الأجل مئة الصاع البُرّ تساوي ألفًا، أو لا تساوي إلا خمسين، هذا حظ.
( ... ) ما هو الراجح في المسألة التي تكلم فيها الأصوليون وهي: إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ نرجو من فضيلتكم التفصيل؟ الصحيح أنه يجوز؛ لأن الإجماع لم يحصل، وإذا لم يحصل لم يكن حجة.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب السَّلَم: الثالث: ذكرُ قَدْرِه بكيلٍ أو وَزْنٍ أو ذَرْعٍ يُعلَم، وإن أَسْلَم في المكيل وزنًا، أو في الموزون كيلًا لم يصحَّ.
الرابع: ذكرُ أجلٍ معلوم له وَقْعٌ في الثَّمَن، فلا يصحُّ حالًّا ولا إلى الحصاد والجذاذ، ولا إلى يوم، إلا في شيء يأخذه منه كلَّ يوم، كخبز ولحم ونحوهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 1271

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب السلم في بقية الشروط، قال: (الثالث: ذِكْرُ قَدْرِه بكيل أو وزن أو ذَرْع يُعْلَم).
يعني لا بد أن يُذكَر قدره بكيلٍ في المكيل، ووزنٍ في الموزون، وذَرْعٍ في المذروع.
وقوله: (يُعْلَم) احترازًا مما لو قُيِّدَ بشيء لا يُعْلَم، مثل أن يقول: ملء هذا الإناء عشر مرات مثلًا؛ لأن هذا الإناء ربما يضيع، وحينئذ لا يبقى لنا شيء نرجع إليه، يعني فلو قال مثلًا المسلِم إلى المسلَم إليه: أَسْلَمت إليك بمئةٍ ملءَ هذا الإناء، فإنه لا يصح، لماذا؟ لأنه ليس معهودًا، وقد يضيع، وحينئذ يحصل النزاع، والشرع جاء لسد كل ما يوجب النزاع.
قال: (وإن أسلَم في المكيل وزنًا، أو في الموزون كيلًا لم يصح)؛ لأنه يجب أن يُقَدَّر بالمعيار الشرعي، فالبُرّ ونحوه يقدَّر بالكيل، والسكر واللحم وما أشبه ذلك يقدَّر بالوزن، فلو أسلَم في المكيل وزنًا، أو في الموزون كيلًا لم يصح، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
والصواب أنه يصح أن يُسْلِم في المكيل وزنًا، وفي الموزون كيلًا؛ لأنه معلوم، وإنما وجب في بيع الربوي بجنسه أن يُقَدَّر بالمعيار الشرعي؛ لأنه يُشْتَرَط فيه المساواة، فلهذا لا يصح أن أبيع عليك وزنَ عشرة كيلوات من البُرّ بعشرة كيلوات من البُرّ؛ وذلك لأنه لا بد من التساوي في المعيار الشرعي، والمعيار الشرعي للحبوب ونحوها هو الكيل، أما مسألة السَّلَم فالمقصود انضباط الصفات والقَدْر، وهذا يحصل فيما إذا أَسْلَم في المكيل وزنًا، أو في الموزون كيلًا.


يقول رحمه الله: (الرابع: ذِكْرُ أجل معلوم له وَقْعٌ في الثَّمَن).
هذه ثلاثة قيود: (ذِكْرُ أجل) (معلوم) (له وقع في الثمن).

الجزء: 2 - الصفحة: 1272

ومعنى (له وقع في الثمن)، أي: له تأثير في الثمن بالزيادة أو النقص، وعلى هذا فإذا أَسْلَم في شيء حالٍّ فإنه لا يصح السَّلَم؛ لأنه لا بد من ذِكْر أجل، لا بد أيضًا أن يكون الأجل معلومًا، بأن يقال: أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع بُرّ تحل في أول يوم من رمضان، لا بد أن يكون هكذا.
(له وقع في الثمن) يعني: له تأثير، فإن لم يكن له تأثير فإنه لا يصح الأجل؛ لأنه لا فائدة منه، وقد صرَّح المؤلف رحمه الله بمفهوم ذلك، فقال: (فلا يصح حالًّا) هذا مفهوم قوله: (إلى أجل).
(ولا إلى الحصاد والجذاذ)، هذا من قوله: (معلوم).
(ولا إلى يوم)؛ لأنه ليس له وَقْع في الثمن.
(إلا في شيء يأخذه منه كلَّ يوم، كخبزٍ ولحمٍ ونحوِهما).
لا بد من أن يكون (أجل)، والثاني: (معلوم)، والثالث: (له وَقْع في الثمن).
مثال ذلك: أَسْلَم إليه مئة ريال بمئة صاع بُرّ تحِل في أول يوم من رمضان، هذا أجل معلوم له وَقْع في الثمن، فيصح.
إذا كان حالًّا فإنه لا يصح السَّلَم في الحالِّ؛ وذلك لأننا نستغني ببيعه عن السَّلَم فيه، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله اختار جواز السَّلَم الحالِّ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله؛ لأنه إذا لم يصح أن يكون سَلَمًا صار بيعًا، ومتى أمكن تصحيح العقود فإنه يجب.
(إلى الحصاد والجذاذ) لا يصح؛ لأن الحصاد والجذاذ غير معلومين، فالناس منهم مَن يحصد مبكرًا، ومنهم من يتأخر، ومنهم من يجذُّ النخل مبكرًا، ومنهم مَن يتأخر، وحينئذ يبقى الأجل مجهولًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1273

ولكن الصحيح أنه يصح إلى الحصاد والجذاذ، والمراد: إلى زمن الحصاد والجذاذ، وليس إلى الجذاذ نفسه أو الحصاد، بل إلى زمنه، فإذا قال المسْلَم إليه: الآن بدأ الناس يحصدون أو يجذُّون، فحينئذ يكون قد حَلّ، وهذا القول هو الصحيح، وكأنك ترى أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم يُسْلِفُون في الثمار السنة والسنتين كأنك ترى أنهم إنما يُوفُون من النخل في الجذاذ، أو البُرّ في الحصاد (2). (ولا إلى يوم)، لماذا؟ لأنه ليس له وَقْع في الثمن، إلا ما يؤخَذ شيئًا فشيئًا، كما لو أَسْلَم إليه في خبز أو لحم يعطيه إياه تبدأ من الغد، فهذا لا بأس به؛ لأن غايته ستكون متأخِّرة إلى وقت يكون فيه وَقْع في السَّلَم.
(الخامس: أن يُوجَد غالبًا في مَحِلِّه ومكانِ الوفاء لا وقتَ العقد).
هذا أيضًا لا بد أن يكون المسْلَم فيه (يوجد غالبًا في مَحِلّه)، أي: في وقت حلوله، (ومكان العقد)، فإن جعله إلى وقت لا يوجَد فيه المسْلَم فيه فإنه لا يصح، مثل: أن يُسْلِم إليه في عنب تحل في الشتاء فهذا لا يصح؛ لأن العنب في الشتاء لا يوجَد، لكن في وقتنا الحاضر يمكن أن يوجَد بواسطة الثلاجات، فيكون كلام الفقهاء رحمهم الله مقيَّدًا بهذا، فمتى وُجِدَ في محله ومكان الوفاء فإنه يصح.
يقول: (لا وقتَ العقد)، يعني: لا يُشْتَرَط أن يكون المسْلَم فيه موجودًا وقت العقد؛ وذلك لأنه -أي المسْلَم فيه- متعلق بالذمة لا بشيء معين، فإذا حدده بأجل يوجَد فيه، فإنه لا يُشْتَرَط أن يكون موجودًا وقت العقد.
قال: (فإن تعذر أو بعضه فله الصبرُ، أو فسخُ الكل) إن تعذر كله (أو البعض) إن تعذر بعضه، (ويأخذ الثمن الموجود أو عِوَضَه).

الجزء: 2 - الصفحة: 1274

يعني: لو أنه جَعَل السَّلَم ينتهي إلى وقت يوجد فيه المسلَم فيه لكن تعذَّر؛ إما بأن تكون الثمار أصابها جوائح ولم يتمكن من الوفاء، أو عَدَا عليها جُند وأخذوها، ففي هذه الحال نقول للمسلِم: أنت بالخيار؛ إن شئت فسختَ العقد ورجعت بالثمن، وإن شئتَ أبقيت العقد حتى يَقدِر المسلَم إليه على تسليمه إليك، ولهذا يقول رحمه الله: (أو فسخُ الكل أو البعض، ويأخذ الثمن الموجود أو عِوَضَه).
(الثمن الموجود) مثل أن يكون دراهم أَسْلَم فيها إلى المسلَم إليه.
(أو عِوَضَه) إذا كانت الدراهم قد نفدت وتصرَّف فيها المسلَم إليه، فإنه يأخذ العِوَض.
(السادس: أن يقبض الثَّمَنَ تامًّا معلومًا قَدْرُه ووصفُه قبل التفرق).
هذا مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ» (3)، فإن هذا يقتضي أنه لا بد من أن يقبض الثمن تامًّا.
وقوله: (معلومًا قَدْرُه) هذا في الكمية.
(ووصفه) هذا في الكيفية، يعني لا بد أن يقبض الثمن تامًّا معلومًا قَدْرُه، ومعلومًا وصفُه، وذلك من أجل الرجوع -إذا تعذر الوفاء- إلى هذا الثمن المعلوم قَدْرُه ووصفُه.
(وإن قبض البعض ثم افترقَا بطل فيما عداه).
مثاله: أَسْلَم عشرة آلاف ريال إلى شخص في عشرة آلاف كيلو تمر، ثم إنه لم يُوفِه كلَّه، بل أوفى بعضه، يقول المؤلف: (إذا قبض البعض ثم افترقَا بطل فيما عداه)، لماذا؟ لعدم تحقُّق الشرط، وهو أن يقبضه -أي العوض- في مجلس العقد.
(وإن أَسْلَم في جنس إلى أجلَيْنِ أو عكسه صح إن بَيَّنَا كل جنس وثمنَه وقسطَ كل أجل).
(إذا أسلم في جنس إلى أجلين)، مثل: أسلَم بألف ريال إلى شخص في بُرّ، ولكنه جعل بعضه يحل في رجب، والبعض الثاني يحل في شوال، الآن أسلَم في جنس إلى أجلين.
(أو عكسه): أسلم في جنسين إلى أجل واحد، بأن أَسْلَم في بُرّ وشعير، وإلى أجل واحد، يقول المؤلف: (صح إن بيَّنَا كل جنس وثمنَه وقسطَ كل أجل).

الجزء: 2 - الصفحة: 1275

(إن بَيَّنَا كل جنس)، يعني بُرّ وشعير، هذا أسلَم في جنسين إلى أجل.
(وثمنَه)، أي: ما يَخُصّ البُرّ أو الشعير؛ لأنه لا بد من ذلك، حتى إذا تعذر الوفاء نرجع إلى الثمن الذي قُدِّر واستُلِم.
(وقِسْطَ كلِّ أجل)، ويش معناه؟ يعني بأن يقول: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع بُرّ إلى أجلين، لا بد أن يُبَيِّن قسط كل أجل، الأجل الأول مثلًا يقول: الأجل الأول خمسون، والثاني خمسون، وذلك لأجل أنه إذا حصل اختلاف أو تعذَّر وفاء نرجع إلى ما عُيِّنَ.
(السابع: أن يُسْلِمَ في الذمة فلا يصح في عَيْن).
(أن يُسلِم في الذمة) بأن يقول: أعطيتك مئة درهم بمئة كيلو بُرّ، فإن أَسلَم في عين بأن قال: أسلمتُ إليك مئة درهم بهذه العين، فإنه لا يصح؛ لأن مِن شَرْطِه أن يكون في الذمة، وأن يكون مؤجَّلًا بأجل له وَقْع في الثمن.
ولكن هذا الشرط فيه نظر، بل إنه يصح أن يُسْلِم في عَيْن وتبقى هذه العين عند المسلَم إليه حتى يحل أجلُها؛ لأن عموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، يشمل هذا، والأصل الصحة حتى يقوم دليل على الفساد.
قال: (ويجب الوفاء موضعَ العقد، ويصح شرطُه في غيره).
يعني: لو أسلم إلى شخص في عنيزة أسلم إليه مئة درهم بمئة صاع بُرّ، ولم يذكر محل الوفاء، فإن الوفاء يكون في مكان العقد، فلو قال المُسلِمُ: أنا أريد أن تعطيني إياه في بُرَيْدَة، لم يلزمه؛ لأن الواجب أن يكون في موضع العقد.
قال: (ويصح شرطه في غيره) في غير موضع العقد، لو عقد السَّلَم في عُنَيْزَة، وقال: أريد أن يكون الوفاء في بُرَيْدَة مثلًا، فإنه يجب الوفاء بالشرط ما لم يتسامَحَا، فإن تسامَحَا فالحق لهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 1276

(وإن عُقِدَ بِبَرٍّ أو بحر شرَطَاه) أي: شَرَطَا مكان الوفاء، وذلك لأنه لا يمكن أن يُوفِي في البحر أو في البَرّ، فمثلًا: لو أن شخصًا أسلَم إلى آخَرَ مئة درهم بمئة صاع بُرّ في البَرِّ وهو قادم من مكة مثلًا، نقول: لا بد في هذه الحال أن يُذكَر مكان الوفاء، وكذلك لو كانَا في سفينة في البحر وتم العقد بينهما في السفينة فإنه لا بد أن يُذكَر محل الوفاء، وذلك لتعذُّر الوفاء في البَرّ والبحر.
قال: (ولا يصح بيع المُسْلَمِ فيه قبل قبضه، ولا هِبَتُه، ولا الحوالةُ به ولا عليه، ولا أَخْذُ عِوَضِه، ولا يصح الرهن والكفيلُ به).
هذه مسائل: أولًا: أنه (لا يصح بيع المُسْلَم فيه قبل قبضه)، سواء بِيعَ على الْمُسْلَم إليه أو على رجل أجنبي، لماذا؟ لأنه بَيْعُ دَيْن في ذمة الغير، والمشتري قد يتمكن من القبض وقد لا يتمكن، ولحديث: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ» (4)، لكن هذا الحديث ضعيف لا يُحتج به.
فإن قال قائل: إذن هل يجوز بيع الْمُسْلَم فيه قبل قبضه؟ فالجواب: نعم يجوز، لكن إن باعه على الْمُسْلَم إليه فإنه يُشْتَرَط ألَّا يربح، بأن يبيعه بسعر يومه؛ لأنه لو باعه بأكثر من سعر يومه لربح فيما لم يَضمن.
قال: (ولا يصح أيضًا هِبَتُه) سواء وَهَبَهُ للمُسْلَم إليه أو لغيره، ودليل ذلك: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ»، لكن هذا الحديث ضعيف.
وعلى هذا فيجوز أن يَهَبَ المسْلَم فيه إلى المسْلَم إليه وإلى غيره، ولا بأس بذلك؛ لأنه ما فيه جهالة، والهبة ليست عقد معاوضة، بل هي عقد تبرُّع محض، فإذا وهب المسلَم فيه إلى أحد فلا بأس.
(ولا الحوالةُ به ولا عليه).

الجزء: 2 - الصفحة: 1277

(الحوالة به) أن يقول الْمُسْلَم إليه للمُسْلِم: أَحَلْتُك بدَيْنِك على فلان؛ لأني أطلبه، هنا هذه حوالة به، يعني لما حل الأجل جاء المسلِم إلى المسلَم إليه وقال: أعطني السَّلَم، قال: إن فلانًا عنده لي مئة صاع بُرّ على قَدْر ما أنت تطلبني، وإني أُحيلك به عليه.
يقول المؤلف: إنه لا يصح؛ لأنه ربما يؤدي إلى أَخْذ شيء من غير جنسه، ومَن أسْلَم في شيء فلا يصرفه إلى غيره.
كذلك الحوالة (عليه)، الحوالة عليه بأن يكون الْمُسْلِم في ذمته دَيْنٌ لشخص، فلما جاء يطلبه قال: أُحِيلُك على فلان؛ لأن في ذمته لي مئة صاع بُرّ سَلَمًا، يقول المؤلف: إن هذا لا يصح؛ لأن هذا يقتضي صرف الْمُسْلَم فيه إلى غيره، وقد ورد النهي عنه.
ولكن الصواب أنه يصح، يصح أن يُحَالَ به وأن يُحَالَ عليه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أُحِيلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ».
(5) قال: (ولا أَخْذُ عِوَضِه)، لو أنه لما حَلّ الأجل قال للمُسْلَم إليه: في ذمتك لي الآن مئة صاع بُرّ، أريد أن نتفق على أن تعطيني دراهم أو تعطيني شعيرًا أو أرزًا، فإن هذا لا يصح، لماذا؟ لأنه حَوَّلَه إلى غيره وصرفه إلى غيره، والحديث: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ»، لكن كما قلت لكم: إن هذا غير صحيح، وعليه فإذا أخذ عِوَضَه فلا بأس، لكن بشرط ألَّا يأخذه بربح؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعبد الله بن عمر: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ».
(6)

الجزء: 2 - الصفحة: 1278

قال: (ولا يصح الرهنُ والكفيلُ به) يعني: لو أن المسلِم قال للمسلَم إليه: أنا أريد أن ترهِنني شيئًا أتوثَّق به، فقال: أرهنك نخلي، أو أرهنك سيارتي، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يصح.
لماذا؟ لأنه عند تعذُّر الوفاء يرجع المسلِم إلى هذا الرهن، فيكون قد صرفه إلى غيره، وكذلك الكفيل، لا يصح أخذ الكفيل به؛ لأن الكفيل إذا تعذَّر الوفاء من المكفول أُخِذ منه، وحينئذ يكون المسْلَم فيه قد صُرِف إلى غيره.
وإلى هنا انتهى.
طالب: الراجح؟ الشيخ: الراجح كل هذا صحيح؛ لأنه ليس فيها محظور، ولا ربا، ولا ظلم، ولا غَرَر، ولا جهالة.
طالب: في قوله: (ولا أَخْذُ عِوَضِه)؟ الشيخ: نعم.
الطالب: الصحيح أن يعقد عِوَض البُرّ الدراهم، مثلًا إذا أَسْلَم إليك مئة ريال بمئة صاع بُرّ ثم أخذ مكان البُرّ مئتي ريال.
الشيخ: دراهم.
الطالب: مئتي.
الشيخ: بشرط؟ الطالب: ( ... ) الذريعة إلى الربا.
الشيخ: لا لا؛ لأن المحذور الربا هنا بعيد؛ إذ إنه لم يُعَوِّضْه دراهم إلا لتعذُّر الوفاء.
الطالب: ( ... ) موجود.
الشيخ: حتى لو كان موجودًا ما فيه بأس.
طالب: عَقَدَا في البَر أو البحر ولم يشترطاه ( ... )؟ الشيخ: فلا يصح، لا يصح العقد؛ لأنه لا بد أن يذكر مكان الوفاء إذا عُقِدَا في بَرّ أو بحر.
طالب: إذا كان ثمن السلَم ربويًّا وأمسى به ربويًّا، يصح؟ يعني أسلم بمئة صاع أرز بتمر، يصح؟ الشيخ: ما يصح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».
(7) طالب: بعض الفقهاء يمنع بعض العقود بحجة أنها مخالفة لمقتضى العقد، مع أنها قد تكون داخلة في عقد آخر جائز، فهل تُعرف قاعدة في هذا الموضوع؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1279

الشيخ: لا، هو الصحيح أن كل شرط فإنه مخالف لمطلَق العقد؛ لأن العقد المطلَق ما فيه شروط، واللي شُرِطَ فيه شيء تقيَّد بشرطه، لكن يقولون: إن مخالفة مقتضى العقد أن يكون هذا الشرط يعود على العقد بالإبطال، فهذا يكون مخالفًا لمقتضى العقد.
الطالب: إذا كان عقد سَلَم مثلًا يُشْتَرَط أن يكون بجميع ضوابط عقد السَّلَم ما يخرج عليها، أما إذا كان مطلقًا فلا يضر يا شيخ.
الشيخ: نعم؟ الطالب: يعني إذا كان العقد مطلقًا وليس في ( ... ) عقد معين، عقد سلم عقد .. الشيخ: يكون بيعًا، ما داموا لم يُقَيِّدُوه بأنه سَلَم فهو بيع.
طالب: ذكرنا أنه إذا أُصِيب ثمر المسلِم بجائحة قلنا: إنه يخير المسلَم إليه بين الفسخ .. الشيخ: بين الفسخ وأَخْذ العِوَض أو الصبر حتى يَقْدِر؛ لأن الحق له.
الطالب: كيف الجمع بين هذا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح؟ (8) الشيخ: إي نعم، هذا الآن الجوائح هذه ليست ملكًا للمسلِم؛ لأن السلَم في الذمة وليس في عين.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، بالنسبة للمسلِم هل يجب أن يكون ثمنه مالًا؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: المسلِم، ثمن مَن يدفع للمسلَم إليه يجب أن يكون مالًا؟ يعني لو قال له: هذه مثلًا مئة صاع بُرّ أو أي .. الشيخ: إي، لا بد أن يُدْفَع الثمن.
الطالب: لا، يعني قال له: هذا تمر خذه بمئة صاع بُرّ أسلمك إياها .. الشيخ: هذا لا يجوز؛ لأن بيع التمر بالبُرّ لا بد فيه من التقابض قبل التفرق، وكل شيء يُشْتَرَط فيه القبض فإنه لا يصح فيه السَّلَم.
الطالب: آخر غير التمر، قال: هذه سيارة مثلًا، تُسْلِمني مئة صاع بُرّ بعد سنة؟ الشيخ: إي نعم، وتمت السنة؟ الطالب: وأتاه بالمئة صاع، صحيح؟ الشيخ: إذا تمت السنة يوفيه.
الطالب: يعني لا يجب أن يكون مالًا؟ الشيخ: مالًا؟ ! هو مال، ما دام بُرًّا أو تمرًا فهو مال.
الطالب: السيارة يا شيخ.
طالب آخر: يقول: أسلمه سيارة على أن يعطيه مئة صاع بُرّ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1280

الشيخ: يعني تقول: إنه لا يُشْتَرَط أن يكون الثمن نقدًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، وهو كذلك لا يُشْتَرَط.
الطالب: دليل هذا يا شيخنا؟ الشيخ: عموم: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. طالب: عفا الله عنك، إذا كان يُشْتَرَط لإنسان أربع مئة ريال للمسْلِم بمئة صاع بُرّ إلى رأس السنة، لو كان تعذَّر البُرّ في الوقت المحدد وزاد السعر ولم ( ... ) شيئًا؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: وهذا ( ... ). الشيخ: لا بأس، لكن بسعر يومها.
الطالب: إذا كان السعر الذي أخذه ( ... ) ولا يأخذ بالسعر ( ... )؟ الشيخ: لا، بسعر يومها، يعني وقت الوفاء؛ لأنه قد يزيد وقد ينقص.
طالب: إذا صرفه إلى غيره، كان يجري بينهما ربا النسيئة، يعني كان أسلم مئة صاع مثلًا.
الشيخ: لا بأس، إذا صرفه إلى غيره مما يجري فيه ربا النسيئة وقبضه في المجلس فلا بأس.
الطالب: ولو لم يقبض؟ الشيخ: لا، لا يجوز لو لم يقبض؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ».
(6) الطالب: يعني يجوز أن يقال: يصرفه إلى غيره بشرط أنه .. الشيخ: أصلًا هذا حديث ما هو بصحيح.
الطالب: لا، أيضًا الحديث ( ... ) يصح صرفه إلى غيره بشرط يكون بسعر يومه وإلا .. الشيخ: يصح صرفه إلى غيره بشرطين: أن يتقابضَا قبل التفرق إن كان يجري بينهما ربا النسيئة، وأن يكون بسعر اليوم لئلا يربح فيه ما لم يضمن.
طالب: شيخ، ذكر الشارح قال: (ويصح بيع دين مستقر كقرض أو ثمن مبيع لمن هو عليه بشرط قبض).
الشيخ: صحيح، يعني إذا كان شخص في ذمته لك دراهم ثمن مَبِيع أو غيره، وأردت أن تبيع عليه هذا الثمن وتأخذ عِوَضه فلا بأس، لكن بشرط التقابض قبل التفرق، وأن يكون بسعر اليوم.
الطالب: يعني يا شيخ لو بعت عليه سلعة معينة، وأخذت عوضها ما ذمتي.
الشيخ: أخذت عوضها؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1281

الطالب: عِوَض هذه السيارة ما في ذمته لي، لهذا الأصل.
الشيخ: كيف يعني ويش لون؟ الطالب: يعني لو بعت عليه، هو له في ذمتي.
الشيخ: يعني هو مطلوب لك؟ الطالب: نعم.
الشيخ: مطلوب لك، وبعت عليه السيارة ولّا هو باع عليك سيارة؟ الطالب: لا، أنا بعت عليه سيارة.
الشيخ: معناه أنك أضفت دَيْنًا إلى دَيْنه الأول.
الطالب: لكن لو باع علَيّ ( ... ). الشيخ: هه؟ الطالب: إن كان هو البائع علي سلعة.
الشيخ: المطلوب؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لو كان المطلوب هو البائع فلا بأس بشرط أن يأخذها بسعر يومها، وألَّا يتفرقَا وبينهما شيء، إذا كان من الأشياء التي يجري فيها ربا النسيئة.
طالب: أحسن الله إليك، إذا تكاملت الشروط في السَّلَم، فمات المسلَم إليه ورفض الورثة إجراء هذا العقد، هل يصح لهم ذلك؟ وهل يجوز لهم ذلك؟ الشيخ: لا، يؤخذ من التركة، إذا مات المسلَم إليه فإنه يؤخَذ من تركته؛ لأن هذا حق واجب عليه فيؤخذ من التركة.
طالب: شيخ، إذا طلب المسلِم من المسلَم إليه أن يقدِّم له المسلِم الدَّيْن قبل حلول وقت الأجل، فوافق المسلَم إليه بشرط أن يسدِّد له دَيْنه، فوافق كذلك قال: زِدْ هذا الدَّيْن.
الشيخ: وافق المسلَم إليه على تقديم هذا بشرط أن يضع عنه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: الصحيح أنه جائز لا بأس، يعني إذا كان إنسان عنده دراهم وأردت أن تصالِحَه على بعضها مع التعجيل فإن هذا لا بأس به؛ لأن صاحب الدَّيْن الذي له الطلب يستفيد بتقديم حقه، وذاك يستفيد بالوضع المطلوب؛ لأنه إذا عجَّله فسوف ينزل.
طالب: زيادة توضيح للشرط الرابع في قوله: (إلا في شيء يأخذه منه كلَّ يوم، كخبزٍ)؟ الشيخ: الشيء الذي يأخذه كل يوم هذا ليس له أجل؛ لأنه سوف يأخذه من الغد، لكن لما كان منتهاه إلى أجل له وَقْعٌ في الثمن صَحّ.
الطالب: يعني ( ... ). الشيخ: إنسان مثلًا اتفق مع صاحب البقالة أنه يشتري منه حوائج كل يوم: خبز أو لحم أو شيء.

الجزء: 2 - الصفحة: 1282

طالب: بعض الفقهاء اشترط مثلًا للصرف إلى غيره ألَّا يُجْعَل هذا المصروف له رأس ماله سَلَمًا، ما وجه ذلك؟ الشيخ: إي، معلوم؛ لأنه إذا جُعِلَ رأس مال سَلَمًا آخر فسوف يزيد الثمن، وهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تكاثر الديون على الْمَدِين.
طالب: يقول المؤلف: (ولا يصح الرهنُ والكفيلُ به) هل عدم الصحة من الرهن مع صحة العقد، أو العقد يَفْسُد معه؟ الشيخ: لا، ما يشترط، الذي يفسد الرهن والكفيل فقط.
الطالب: وإذا أبى المسلِم قال: لا أريد إلا مع كفيل.
الشيخ: إلا برهن؟ الطالب: إلا برهن الكفيل؟ الشيخ: إي، يقال: هذا ما يمكن إلا على القول الذي رجَّحناه.
الطالب: على قول المؤلف هذا؟ الشيخ: لا.
طالب: هل له الفسخ؟ الشيخ: مَن؟ الطالب: المسلِم.
الشيخ: المسلِم له الفسخ إذا كان اشترط ذلك وهو لا يعلم أنه شرط فاسد، فإذا تبيَّن له أنه شرط فاسد فله الفسخ.
( ... ) يقول: أقرضت رجلًا مبلغ ألف دولار، على أن يكون السداد إما بالدولار، وإما بما يعادله من الجنيهات، علمًا بأن السعر يتفاوت من وقت الإقراض والسداد بالزيادة؟ يعني: أو بالنقص، هذا لا يجوز؛ لأن القرض يجب أن يُرَدّ مثله، فلو شرطت عليه أن يرد من غير جنسه لم يكن قرضًا، صار معاوَضة، أي بيعًا، ولا يجوز بيع النقود بالنقود إلا يدًا بيدٍ.
( ... ) هذا يقول: درسنا في أصول الفقه أن الأمر يفيد الوجوب ما لم يوجَد صارف يصرفه لغير ذلك، فما الصارف الذي صرف كثيرًا من أوامر المصطفى صلى الله عليه وسلم عن الوجوب، كأمثال: «إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ .. » (9) إلى آخره؟ نحن ذكرنا أن العلماء اختلفوا في هذا على ثلاثة أقوال من المسائل الإجماعية: بعضهم يقول: إن الأصل في الأوامر الاستحباب؛ لأنه لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الشيء ثبتت مشروعيته، والأصل عدم التأثيم بالترك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1283

وبعضهم يقول: الأصل الوجوب، ويستدل بآيات وأحاديث.
وبعضهم يقول: إذا كانت الأوامر من العبادات فهي للوجوب، وإذا كانت من الآداب فهي للاستحباب.
وأنت إذا رأيت العلماء جمهورهم على أن هذا الأمر للاستحباب فاعلم أن هناك دليلًا لكن قد يخفى على كثير من الناس، مثلًا قال بعض العلماء: إن قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (10)، قال: هذا للوجوب؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، لكن لا يتفطن أن هناك صارفًا وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عَلَّم مالك بن الحويرث ومن معه قال: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (11)، ولم يقل: ولْيُجِبْهُ الآخر، مع أن المقام مقام تعليم، وربما لا يرجع هذا الوفد مرة أخرى.
فهناك قرائن، ما هو لازم أن يكون الدليل على الاستحباب مقرونًا بنفس الأمر، قد يكون هناك قرائن وأحوال، وهذا الحديث حديث البراء الذي أشرت إليه قد يقال: إن الرسول عَلَّمَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفاطمة أن يُسَبِّحَا ويُكَبِّرَا ويحمدَا ثلاثًا وثلاثين، والتكبير أربعًا وثلاثين عند النوم (12)، ولم يذكر هذا.
وكذلك عائشة تقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم عند النوم ينفث على نفسه بالمعوِّذات و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (13)، ولم تذكر ما علَّمه للبراء.
فتكون مثل هذه الأمور من الصوارف.
( ... )


طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى ( ... ) الشيخ: .. وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أولًا: عرِّف السَّلَم لغةً واصطلاحًا؟ طالب: السَّلَم لغة، يقال: إنه لغة أهل الحجاز.
الشيخ: لا، ما أقصد لغة مَن، ما معناه في اللغة؟ الطالب: هو الشيء الْمُقَدَّم.
الشيخ: إي، يعني المسلَّم؟ الطالب: المسلَّم، فلذلك سُمِّيَ سَلَمًا لتقديمه.
الشيخ: نعم، والسَّلَف؟ الطالب: أيضًا لتقديمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1284

الشيخ: مِن السلف وهو التقديم، ومنه السلف الصالح لتقدُّمِهم، أما السَّلَم فهو من التسليم؛ لأن المسلِم يُسَلِّم الثمن للمسلَم إليه.
في الاصطلاح؟ طالب: في الاصطلاح: هو عقد على موصوف في الذمة مؤجَّل بثمن مقبوض بمجلس العقد.
الشيخ: عقد على موصوف في الذمة مؤجَّل بثمن مقبوض بمجلس العقد.
اذكر مُحْتَرَزَات التعريف؟ الطالب: (عقد على موصوف) خرج المعيَّن.
الشيخ: خرج المعيَّن، فلا يصح السَّلَم فيه، الثانية؟ الطالب: (في الذمة) خرج ما ليس بالذمة كالحاضر.
الشيخ: كالحاضر، خرج بقوله: (على موصوف).
طالب: خرج الموصوف المعيَّن.
الشيخ: الموصوف المعيَّن، مثل أن يُسْلِم إليه؟ الطالب: مثل أن يُسْلِم إليه سيارته التي صفتها كذا وكذا.
الشيخ: إي، وهي معيَّنة بالجراج موجودة.
(مؤجل)؟ طالب: احترازًا من الحالِّ.
الشيخ: احترازًا من الحالِّ، فلا يصح السَّلَم فيه.
(بثمن مقبوض)؟ طالب: يخرج ما كان ليس بمقبوض ( ... ) ذمته.
الشيخ: فلا يصح.
الطالب: فلا يصح السَّلَم.
الشيخ: مقبوض في مجلس العقد فلا يصح السَّلَم.
بدنا نسأل عن دليله هل هو ثابت أو لا؟ هل هناك دليل على ثبوت السَّلَم؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَمَ .. ». الشيخ: نريد من الكتاب والسنة والقياس الصحيح.
الطالب: قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، فسَّرَه ابن عباس بأنه السَّلَم.
(14) الشيخ: نعم، ومن السنة؟ الطالب: من السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
(3) الشيخ: بارك الله فيك.
القياس؟ طالب: القياس على .. الشيخ: القياس عندهم إذا قال: موافق للقياس أو للنظر الصحيح، يعني أنه موافق للحكمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1285

طالب: يقول: هو على القياس للأصول، فإنه نوع من البيع ينضبط بالصفات.
الشيخ: كيف يعني؟ وجه ذلك؟ الطالب: لأن السَّلَم نوع من البيع يمكن ضبطه بالصفات فلا يكون منافيًا لـ .. طالب آخر: هو عقد ليس فيه ربا، ولا ظلم، ولا غَرَر، وبهذا يصح.
الشيخ: لا، ما يكفي، الموافقة ما يصير فيها نفي، كل اللي جبته نفي.
طالب: لأنه بيع، وتوافرت فيه شروط البيع وانتفت الموانع.
طالب آخر: لأن فيه مصلحة للمُسْلِم والمسلَم إليه.
الشيخ: صحيح، أحسنت، وجه موافقته للقياس اقتضاءُ المصلحة والمنفعة، والأصل في العقود كلها مصالح العباد؛ لأن فيه إرفاقًا بالمسلِم، وفيه إرفاق بالمسلَم إليه، فالمسلَم إليه ينتفع بالدراهم، وهذا ينتفع بزيادة المسلَم فيه.
قال بعض العلماء: إن هذا على خلاف القياس لأنه بيعُ معدومٍ؟ طالب: الجواب عليه من وجهين؛ أولًا: يقال إنه موافق للنصوص فيكون موافقًا للقياس، والوجه الثاني: أنه يقال: إنه .. الشيخ: كيف كان موافقًا للقياس؟ الطالب: لأن النص ورد به.
الشيخ: إي، كل ما ثبت، أعطيناكم قاعدة: كل ما ثبت بالكتاب والسنة فهو على وفق القياس، وأي قياس يخالف ذلك فهو باطل.
الطالب: الوجه الثاني أن يقال: إنه ليس بيعَ معدومٍ، وإنما هو بيعُ موصوفٍ، وبيع الموصوف يصح.
الشيخ: أيش؟ الطالب: هم قالوا: إنه بيع معدوم، ولكن يقال: إنه بيع موصوف بالذمة، وبيع الموصوف يصح.
الشيخ: أحسنت، يقال: إنه ليس بيعَ معينٍ معدوم، بل هو موصوف في الذمة، ولهذا لو قُدِّرَ أن المسلَم إليه كان نوى أن يُوفِيَ المسلَم فيه من مال معيَّن عنده ثم تلف هذا المال بقي في ذمته.
قال بعض العلماء: إن السَّلَم يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (15)، أيش نقول؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1286

طالب: نقول: أولًا: إن هذا ليس من البيع المنهي عنه؛ لأنه ( ... ) على أنه يتوقع أنه سيأتي هذا الشيء، فيكون بَنَى على غلبة ظنه، ففي هذه الحال يجوز البيع، وبَيْع ما ليس عندك في البيع الحاضر.
طالب آخر: أن هذا مخصوص في السَّلَم.
طالب آخر: حديث حكيم بن حزام بيع عين غير موجودة، وأما هذا فلا؛ لأنه بيع موصوفة.
الشيخ: أحسنت، الجواب من وجهين؛ أولًا: أن الذي قال: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» هو الذي قال: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِمْ فِي شَيْءٍ مَعْلُومٍ» (3)، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتناقض كلامه في أحكام الله تعالى؛ لأنها شريعة ثابتة مُثَبَّتَة إلى يوم القيامة، فكيف يتناقض كلامه.
والثاني أن نقول: قوله: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» مراده المعيَّن، مثل أن تبيع ما عند فلان، ثم تذهب وتشتريه منه ثم تعطيه الذي اشتراه منك، هذا هو الذي ينطبق عليه حديث حكيم بن حزام كما هو سؤاله بالذات.
وبالمناسبة يقول أهل التعطيل في إنكارهم الوجه واليد والعين وما أشبه ذلك، يقولون: إن هذا يتناقض مع قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وأنت إذا أثبت هذه الأمور فقد مَثَّلْتَ، فيقال: إن الذي قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]، هو الذي قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وكلامه لا يتناقض، فيقال: نُثْبِتُ وجهًا لكن بدون مماثلة، وهلم جَرّا.
ما معنى قول المؤلف رحمه الله: (أحدها: انضباطُ صفاتِه)، ثم قال في الشرط الثاني: (ذِكْرُ الجِنسِ والنَّوعِ وكل وصفٍ يختلف به الثمنُ ظاهرًا)، هل هما شرط واحد، أو هما شرطان؟ طالب: لا، شرطان؛ الشرط الأول: انضباط صفاته من نوع مثلًا وغيره، صفاته ( ... )، ولا النوع والجنس، النوع والجنس .. الشيخ: وكل وصف، قال: (وكل وصف يختلف به الثمن).
الطالب: لا، هذه .. الشيخ: (كل وصف)، وقال بالأول: (انضباط صفاته).

الجزء: 2 - الصفحة: 1287

الطالب: لا، هذا ثانٍ من الأول.
الشيخ: هو معلوم أن المؤلف عَدَّهُ ثانيًا، لكن هل نقول: إن عَدَّ المؤلف إياه شرطًا واحدًا فيه نظر، أو هناك فرق؟ الطالب: لا، فيه نظر؛ لأن هذا الثاني كالأول.
الشيخ: الآن مضى عليه سبع مئة سنة ما رأينا أحدًا قال: فيه نظر! ! الطالب: لأن هذا من أول، (وكل وصف)، وهذا كالأول.
الشيخ: كالأول، إذن ففيه نظر! ! طالب: الأول انضباط الصفات المراد بها الكيل والوزن والذَّرْع بحيث إنه تنضبط هذه الصفات من حيث الكيل نفسه والوزن نفسه، لا من وصفه هو من جودة ورداءة ونوعه، فهما وصفان مختلفان.
طالب آخر: الأول في إمكان الضبط ( ... ). الشيخ: أحسنت، في إمكان الضبط، ثم إذا أمكن ضبطه لا بد أن يضبط، ولهذا قال: (انضباط صفاته)، ولم يقل: ضبط صفاته، شوف، لو كان هناك تكرار لقال: ضبط صفاته، فلما قال: (انضباط) يعني إمكان انضباط صفاته، ثم إذا أمكن لا بد من الضبط؛ لأنه ربما يمكن ضبط صفاته لكن عند العقد لا يذكرون الضبط.
هل يصح السَّلَم في الحيوان؟ طالب: يصح السَّلَم في الحيوان عدا الحامل.
الشيخ: عدا الحامل.
الطالب: لأنه لا يمكن أن ينضبط.
الشيخ: إي، لأنه لا يمكن انضباطه، أحسنت، يعني تعذَّر أن توجد الأوصاف مع أوصاف الحمل في مدته وما أشبه ذلك.
قال: أَسْلَمت إليك، وشَرَطُوا أردأ ما يكون؟ طالب: بشرط الأردأ؟ الشيخ: سؤال خاص.
الطالب: بشرط الأردأ؟ الشيخ: أردأ ما يكون.
الطالب: المذهب لا يصح.
الشيخ: أردأ ما يكون، العلة؟ الطالب: قالوا: لأن كل رديء هناك أردأ منه.
الشيخ: ما من رديء إلا ودونه ما هو أردأ.
لو قال: رديء، من النوع الرديء؟ الطالب: يصح.
الشيخ: يصح، أنت ذكرت أنه على المذهب، هل هناك قول ثانٍ؟ الطالب: وهناك قول ثان أنه يُرْجَع في ذلك للعُرف، يُعْرَف الأردأ ما المقصود منه، وقول ثالث أنه إذا شَرَطَه المسْلَم البائع فإنه يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1288

الشيخ: يعني قولان؛ القول الأول: يقولون: الأردأ والأجود معروف عند العامة أنه الرديء، ولا يريدون أردأ ما يكون بحيث تموج فجاج الأرض تطلب الأردأ ولا يخطر ببالك، الثاني: أن يقول: يصح، وإذا جاء بأجود فأنتم تقولون: إنه إذا جاءه بأجود من نوعه لزمه القبول، إي نعم.
هل يصح السَّلَم في المعدود؟ طالب: في المعدود يصح السَّلَم فيه مع التفصيل.
الشيخ: هه؟ الطالب: فيه تفصيل؛ إذا كان المعدود مما يختلف قلنا: لا يصح السَّلَم.
الشيخ: مما يختلف.
الطالب: إذا كان ( ... ) مماثلًا فإنه يصح السَّلَم، كما يُصْنَع الآن مثلًا في الصناعات الحديثة، أوانٍ تُصْنَع في الصناعة الحديثة ( ... ). الشيخ: يعني إذا كان لا يختلف إلا اختلافًا يسيرًا فهذا لا بأس به، وإن كان يختلف؟ الطالب: لا يصح السَّلَم.
الشيخ: أَسْلَم إليك بمئة حبة برتقال؟ الطالب: لا يصح السَّلَم.
الشيخ: كيف لا يصح؟ برتقالة يا شيخ؟ الطالب: منه كبير ومنه صغير لا يمكن وصفه.
الشيخ: ولو قيل: وسط؟ الطالب: لو قيل أيضًا.
الشيخ: لو قيل: وسط؟ الطالب: يختلف أيضًا.
الشيخ: يختلف أيضًا، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه يختلف، هناك قول آخر أنه يصح ويُقَدَّر بالوزن، بمعنى أنه يصح أن يُسلِم في المعدود المختلِف وزنًا، وبذلك يزول الاختلاف، لكن بشرط مع ذلك أنه إذا كان فيه صغار جدًّا وكبار جدًّا يُذْكَر الوسط، مثلًا وزن مئة كيلو مثلًا من البرتقال من النوع المتوسط في الكبر والصغر.
طالب: الطعم يا شيخ؟ الشيخ: الطعم كل شيء يختلف، حتى لو يختلف ما يضر، ولا يعتبر العلماء هذا خللًا إلا إذا كان فاسدًا، وإذا كان فاسدًا ينفسخ العقد.
رجل أسلم في ثياب مُعَلَّمة، خط أحمر، وخط أسود، وخط أبيض.
طالب: يصح السَّلَم.
الشيخ: يصح، ما فيه اختلاف؟ الطالب: وإن اختلف.
الشيخ: لكن هل يجب ذكر النوع؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يجب، إي نعم، المسلَم إليه أتى بالمسلَم فيه قبل حلوله؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1289

طالب: المذهب أنه يلزمه قبضه إن لم يكن فيه ضرر على المسلِم.
الشيخ: نعم.
الطالب: والصحيح أنه لا يلزمه القبض؛ لأنه قد يكون في ضرر في المستقبل عليه، فلا يقبله.
الشيخ: بَيِّن لي ما فيه ضرر.
الطالب: المنة يا شيخ، قد يَمُنّ عليه في المجالس، أو يَمُنّ عليه أمام .. الشيخ: هذه واحدة، وغير، إذا قدَّرْنَا رجلًا طيبًا ولا يمكن يَمُنّ عليه ولا شيء؟ طالب: طلب السوق، ربما سَلَّمَه بضاعته في وقت ليس لها رواج، كأن يكون أسلم إليه في تمر إلى رمضان، ثم يأتيه به قبل رمضان وليس هناك سوق رائجة للتمر.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: وربما هناك الضرر ( ... ). الشيخ: مثال ثالث.
طالب: شيخ، مثلًا لو كان في البلاد حين جاء المسلِم إليه خوف، فله أن يَرُدَّه على أنه ليس هناك أمن، فحينئذ له عدم الأخذ إلى أن يحين الأجل الذي اتفقَا عليه.
الشيخ: تمام، أما القول الراجح فإنه لا يلزمه، لكن لا شك أنه يُنْدَب لذلك ويُسْتَحَبّ له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رَحِمَ اللهُ امْرَءًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» (16)، والإنسان يحب أن يتعرَّض لرحمة الله عز وجل، فالذي ينبغي أن يقبل منه ذلك.
لو قال المسلَم إليه: أنا أُقَدِّم لك هذا، لكن أشترط عليك أن تُنَزِّل عني، يعني مئة صاع تحلُّ مثلًا في رمضان أنا بأعطيك تسعين صاعًا اليوم في جمادى؟ طالب: يصح.
الشيخ: يلزمه القبول؟ أنت فاهم الصورة الآن؟ يلزم المسلِم القبول؟ الطالب: لا يلزمه.
الشيخ: أين تدخل في كلام المؤلف؟ طالب: ولا ضرر عليه.
الشيخ: (ولا ضررَ في قبضه)، هذا صحيح؛ لأن فيه ضررًا.
لو طلب المسلِم من المسلَم إليه أن يبادر بالقبض قبل حلوله ويُنَزِّل له؟ طالب: من حيث الرضا بين الطرفين هذا يحق له.
الشيخ: لا، الرضا هذا شيء ثانٍ.
الطالب: ما له حق حتى يتم الأجل.
الشيخ: كيف؟ الطالب: حتى يتم الأجل اللي بينهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1290

الشيخ: لو قال: أنا بأنزِّل لك، أعطني نصف حقي.
الطالب: إن رضي المسلِم اللي عليه الحق.
الشيخ: لا، ما هو براضٍ.
الطالب: ما له حق في ( ... ). الشيخ: ما يُلْزَم يعني؟ الطالب: ما يلزم.
الشيخ: إي.
طالب: قد تكون من «ضَعْ وَتَعَجَّلْ».
الشيخ: نعم، نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغرماء جابر: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» (17)، لكن هذا على سبيل المشورة والإرشاد، فيقال: ينبغي لك أن تضع وتتعجل؛ لأن هذا من حسن القضاء بالنسبة لذاك، ومن حسن الاقتضاء بالنسبة للمسلِم، فيؤمَر بهذا ولكنه لا يُلزم.
رجل أسلم لشخص بألف فنجال شاهي، يعني أعطاه مثلًا مئة ريال بألف فنجال شاهي؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؟ لماذا؟ الطالب: قال المؤلف: ( ... ). الشيخ: معلوم الفناجيل ما هي بتتكال.
الطالب: قال المؤلف: (بقدره بكيل أو وزن).
الشيخ: هذا قدر.
الطالب: إي، لكن غير معدود.
الشيخ: معدود.
الطالب: إذا فُقد فنجان.
الشيخ: لا، ما هو فنجال معيَّن، فنجال يشتريه لكن فيما بعد.
طالب: الصورة مرة ثانية؟ الشيخ: الصورة: أعطيت هذا الرجل ألف ريال لأربعة آلاف فنجال شاهي تحل في رمضان، ترى ما هو بشاهي يشرب، فنجال خالٍ.
الطالب: إن كان بالتساوي وكانت صفتها منضبطة .. الشيخ: فنجال شاهي بَيِّنْه، قال من وارد ( ... ). الطالب: منضبط.
الشيخ: ينضبط.
الطالب: إن ضبطت صفاته فتصح.
الشيخ: تصح؟ ويش تقولون؟ طلبة: نعم.
الشيخ: هل هي داخلة في كلام المؤلف؟ طالب: لا، على الأواني ( ... ) (والأواني المختلفةِ)، المفهوم أنها لو متساوية.
الشيخ: إي نعم، ( ... ). الأواني المختلفة، في الصناعة الجديدة، قال لك مثلًا: أسلمتُ إليك مثلًا مئة ريال بمئة إبريق من الأنواع المعروفة، عيَّن النوع وعيَّن كل شيء؟ طالب: يصح.
الشيخ: أيهما أوسع، باطن الإبريق ولّا أعلاه؟ الطالب: باطنه أوسع، ولكنه منضبط من الأصل.
الشيخ: أسألك بس قل: أعلاه ولّا .. ، أيهما أوسع؟ الطالب: باطنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1291

الشيخ: باطنه أوسع من أعلاه.
طالب: أو وسطه.
الشيخ: وكذلك أيضًا أسفله؟ طالب: أسفله ضيق.
الشيخ: إذن هو ضيق من أعلى ومن أسفل.
(باب القرض) وهو مَندوبٌ، وما يَصِحُّ بيعُه صَحَّ قَرْضُه إلا بَنِي آدَمَ، ويَمْلِكُ بقَبْضِه فلا يَلْزَمُ ردُّ عينِه , بل يَثْبُتُ بدَلُه في ذِمَّتِه حالًا، ولو أَجَّلَه، فإن رَدَّه الْمُقْتَرِضُ لَزِمَ قَبولُه وإن كانت مُكَسَّرَةً أو فُلُوسًا فمَنَعَ السلطانُ المعامَلَةَ بها , فله القِيمةُ وقتَ القَرْضِ، ويُرَدُّ الْمِثْلُ في الْمِثْلِيَّاتِ والْقِيمَةُ في غيرِها، فإن أُعْوِزَ الْمِثْلُ فالقيمةُ إِذَنْ.
و(يَحْرُمُ) كلُّ شَرْطٍ جَرَّ نَفْعًا، أسلمت إليك مثلًا مئة ريال بمئة إبريق من الأنواع المعروفة، عيَّن النوع وعيَّن كل شيء؟ طالب: يصح.
الشيخ: أيهما أوسع، بطن الإبريق ولَّا أعلاه؟ الطالب: بطنه أوسع، ولكنه منضبط من الأصل.
الشيخ: أسألك، قل: أعلاه ولَّا بطنه، أيهما أوسع؟ الطالب: باطنه أوسع من أعلاه.
الشيخ: باطنه أوسع من أعلاه.
طالب: وسطه.
الشيخ: وكذلك أيضًا أسفله.
طالب: أسفله ضيق.
الشيخ: إذن هو ضيق من أعلى ومن أسفل.
الطالب: ولكنه صفته منضبطة؛ يعني: تأتي على واحد ما هو مختلف.
الشيخ: إي، هل يدخل في كلام المؤلف؟ الطالب: يؤخذ من مفهومه.
الشيخ: كيف؟ هو قال: الأسطال (المختلفةِ الرؤوسِ والأوساطِ).
الطالب: نعم، الآن اتحدت الرؤوس والأسطال.
الشيخ: ما اتحدت؛ الرأس ضيق والأسفل ضيق والبطن وسيع.
الطالب: لكن صفاتها منضبطة يا شيخ.
الشيخ: كيف نجيب عن كلام المؤلف؟ لأن مقتضى كلام المؤلف أن هذا لا يجوز؟ الطالب: فيه في الزمن الماضي تختلف، السلعات لما كانوا يبيعون كانت تختلف ( ... ). الشيخ: لا يمكن انضباطها.
الطالب: نعم.
الشيخ: أما الآن؟ الطالب: سهل انضباطها.
الشيخ: انضباطها نعم ممكن، صحيح، أحسنت.

الجزء: 2 - الصفحة: 1292

يقول المؤلف: (ما خِلطُه غير مقصود فإنه لا يضر السلم فيه كالجبن)، ويش اللي في الجبن مخلوط؟ طالب: الحليب وغيره.
الشيخ: وغيره ويش هو؟ الطالب: ما يتكون منه الجبن.
الشيخ: إي؛ لأنه حليب وما يتكون من الجبن! ما يسري هذا مضبوطًا.
الطالب: لا يا شيخ، لأن هذا ما يضر يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، ما يضر، لكن ويش اللي في الجبن من الخِلط؟ طالب: ( ... ). طالب: ينفحها، فهي مخلوطة بالجبن ولكنها غير ( ... ). الشيخ: ويش ينفح هذه؟ الطالب: المنفحة هذه ( ... ) بطن الرضيع الصغير من الغنم، الجدي، هذه ( ... ) حامضة يمكن تدخل في الجبن تحمضه.
الشيخ: لا، ما هو صحيح، ما هي تحمضه.
الطالب: هذه المنفحة أخذت بعد الرضيع إذا رضع أول مرة مباشرة، وجدت معدته يجبن اللبن، هذه لا يضره ( ... ). الشيخ: لأنها يسيرة وغير مقصودة، نعم، يتجبن.
( ... ) يقول المؤلف: (من شروط السلم أن يكون له أجل معلوم له وَقُعٌ في الثمن)، فما هو الدليل على اشتراط الأجل المعلوم؟ طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (1). الشيخ: وما هو التعليل؟ الطالب: التعليل حتى لا يقع غرره ( ... ) منازعة عند البائع.
الشيخ: لأنه إن لم يذكر أجل صار حالًّا، والحالُّ ليس سلمًا، وإن ذُكِرَ أجل مجهول أدى إلى النزاع والغرر.
(له وقع في الثمن)، ما هو الدليل على هذا الشرط؛ لأن معنى (له وقع في الثمن) يعني: له تأثير، بحيث تكون المدة طويلة يتغير بها السعر غالبًا؟ طالب: لأن الحكمة من السلم أن يرتفق أو يستفيد المسلم برخص الثمن، فلولا أن الأجل يكون له إضافة في الثمن لم يستفد هذه الفائدة.
الشيخ: نعم، لأنه يفوت به مقصود السلم؛ إذ إن المقصود من السلم هو ارتفاق كل من المسلِم والمسلَم إليه، فالمسلِم يرتفق بكثرة المسلَم فيه، وذاك يرتفق بتعجيل الثمن، فإذا لم يكن له وقع في الثمن صار عديم الفائدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1293

رجل أسلم في شيء إلى الحصاد؟ طالب: ( ... ) إلى وقت الحصاد.
الشيخ: حتى على ما مشى عليه المؤلف؟ الطالب: لا، المؤلف يقول: إنه لا يصح.
الشيخ: لا يصح ( ... ) الحصاد والجذاذ.
والقول الراجح؟ الطالب: القول الراجح أنه يصح إذا كان يقصد في وقت الحصاد، أي إلى وقت الحصاد.
الشيخ: أليس حصد الناس يختلف، بعضهم يحصد في أول الشهر وبعضهم في آخره؟ الطالب: بلى.
الشيخ: طيب، إذن لم يكن معلومًا.
طالب: إذا حلَّ وقت الحصاد فهو بداية الوقت.
الشيخ: كيف حلَّ؟ الطالب: يعني إذا بدأ.
الشيخ: يعني: نعتبر عامة الناس؟ الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، يُعتبر في هذا عامة الناس، لا المبكِّر ولا المتأخر، فإذا قيل: هذا وقت الحصاد حلَّ، واليوم واليومان أمرهما سهل.
يقول المؤلف: (ولا إلى يومٍ إلا في شيءٍ يَأْخُذُهُ منه كلَّ يوم)، أيش معنى العبارة؟ طالب: يعني: لا يصح إذا كانت هناك مدة.
الشيخ: فيه مدة، لا بد من المدة، أجل معلوم له وقع في الثمن.
الطالب: لكن يقول: في من نفس اليوم.
الشيخ: يعني لو قال: أسلمت لك ألف ريال بمئة صاع اليوم السبت تحلُّ يوم الاثنين؟ يصح ولَّا لا يصح؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: إذن ما معنى قوله: (إلا في شيء يأخذه منه كل يوم)؟ الطالب: يعني: في نفس اليوم، إن كان في يوم السبت يأخذه يوم السبت حيث لا يكون هناك أجل.
الشيخ: لا، إذا لم يكن أجل ما صار سلمًا.
الطالب: يعني: لا يُعتبر يا شيخ الأجل، بل العرف.
طالب: مثلًا إذا قال واحد للآخر أسلمت لك مئة ريال إلى يوم يأخذ منك لحمًا كل يوم إلى الشهور إلى انتهاء سلفه، ويأخذ كل يوم كيلو .. الشيخ: يعني مثلًا أسلمت لك مئة ريال بألف كيلو لحم، كل يوم كيلو، نبدأ من اليوم، يصح ولَّا لا يصح؟ الطالب: يصح.
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟ طلبة: يصح نعم.
الشيخ: هذا معنى قوله: (إلا في شيء يأخذه كلَّ يوم).
هل يسلم الدراهم القيمة ولَّا لا؟ طالب: لا، يسلم ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1294

الشيخ: لو اتفق وإياه على أنه يعطيه ألف كيلو لحم بمئة ريال كل يوم يأخذ كيلو، ولكن ما سلمه فلوسًا.
الطالب: لا، لا بد أن يسلم قبل التفرق.
الشيخ: إي، يعني: لا يصح على هذا.
الطالب: نعم.
الشيخ: حتى يسلم؟ الطالب: نعم.
الشيخ: توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، صحَّ؛ لأن السلم لا بد فيه من أن يقبض الثمن تامًّا.
طالب: لكن يجوز في غير السلم؟ الشيخ: لا، ما يجوز؛ وذلك لأنه إذا لم يكن سلمًا صار بيانًا حاضرًا، وإذا كان بيانًا حاضرًا فلا بد من أن تُقَدَّر قيمته في وقت الأخذ، فمثلًا يقول: ما فيه مانع لكني أقيد عليك الكيلو من اللحم كل يوم بيومه، ما أعطيك ألف كيلو بمئة ريال نقدًا يعني قطعًا، لا، كل يوم تأخذ كيلو نقيده، يساوي اليوم الكيلو ريال واليوم الثاني يساوي مثلًا عشرة، ويختلف.
إذا أسلم إليه مئة ريال بمئة صاع بُر إلى خمسة أشهر لكنه لم يُسَلِّمُه عند العقد إلا خمسين ريالًا؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: كل العقد ما يصح؟ الطالب: لا يصح في الخمسين.
الشيخ: نعم، يصح في الخمسين ولا يصح في الباقي.
لماذا؟ الطالب: لأنه لا بد أن يكون الثمن مقبوضًا قبل التفرق.
الشيخ: لأنه يُشترط أن يكون عوض السلم مقبوضًا قبل التفرق، فإن قبض البعض دون البعض صح في المقبوض دون ما لم يُقبض، وهذا يُسمَّى عند العلماء تفريق الصفقة، صفقة واحدة قلنا: بعضها يصح وبعضها لا يصح؛ لأن الذي صحَّ وُجد فيه شرط الصحة، والثاني لا.
ما معنى قول المؤلف: (أن يوجد غالبًا في محله)؟ طالب: مثاله يعني ... الشيخ: ما أريد المثال، ما معناه؟ الطالب: لأن ( ... ) نفس الوقت، يعني: نفس الأجل الذي ... الشيخ: إي نعم، يعني أيش؟ اشرح لي.
الطالب: يعني أسلم في ثلاثة أشهر ( ... ) لا يصح.
الشيخ: يعني: لو أسلم إليه في عنب يحلُّ وقت الشتاء فإنه لا يصح، لماذا؟ لأن العنب وقت الشتاء لا يوجد، ونحن نشترط أن يوجد غالبًا في محله ومكان الوفاء.
هل يُشترط أن يوجد في وقت العقد؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1295

الطالب: لا يُشترط.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه قد ( ... ). الشيخ: إذا كان يجب، لماذا لا يُشرَط وقت العقد؟ الطالب: لأن هذا سلم.
الشيخ: إي؛ لأنه لا يجب تسليمه الآن، فالمهم أن يوجد عند تسليمه وذلك عند الوفاء عند حلول الأجل.
ما معنى قول المؤلف: (وإن أسلم في جنس إلى أجلين أو عكسه -يعني: فَعلَ عكسه- صح إن بيَّن كل جنس وثمنه وقسط كل أجل)؟ طالب: يعني أنه أسلم ... الشيخ: المسألة الأولى، إذا أسلم في جنس إلى أجلين.
الطالب: أسلم في جنس إلى الأجلين، يعني: أسلم ألف ريال إلى المسلَم إليه في بر تحل .. الشيخ: بمئة صاع بر.
الطالب: بمئة صاع بُر تحل بعد ستة أشهر، ومئة صاع شعير تحل بعد سبعة أشهر.
الشيخ: لا، في جنس.
الطالب: في بُرٍّ إذا كان .. الشيخ: نحن قلنا: المسألة الأولى في جنس إلى الأجلين.
الطالب: إي نعم.
تحل بمئة صاع بر.
الشيخ: أسلم إليه ألف ريال بمئة صاع بر.
الطالب: بمئة صاع بر يحل الأول في رجب والآخر يحل في شعبان.
الشيخ: ويش اللي يحل في رجب؟ الطالب: يعطيه القسط الأول في رجب والثاني في شعبان.
الشيخ: كم؟ الطالب: يعطيه مثلًا خمس مئة في رجب وخمس مئة في شعبان، أو سبع مئة في رجب وثلاث مئة في شعبان.
الشيخ: أو اللي يبغيه؟ الطالب: لا، لا بد يُتفق عليه، لا بد يتفق على أجل الدفع لا بد أن يكون معلومًا.
الشيخ: من أين تأخذ أنه لا بد أن يكون لكل أجل قسط معلوم؟ الطالب: من قوله: (إن أسلم في جنس إلى أجلين)، هذا جنس.
الشيخ: هذه المسألة.
الطالب: أيوه.
الشيخ: لكن اشتراط أنه يبين قسط كل أجل، منين تأخذه؟ الطالب: بشرط أن يبيِّن .. الشيخ: إي، لكن أنا ما أريد دليلًا، الدليل واضح.
لكن من أين نأخذها من كلام المؤلف؟ الطالب: من قوله: (أو عكسه)، من: (إن أسلم في جنسين في ... ). طالب آخر: من قوله: (صحَّ إن بيَّن كل جنس وثمنه وقسط كل أجل).

الجزء: 2 - الصفحة: 1296

الشيخ: نعم، أُلْقِي إلى أحد الطلبة سؤال، فقيل له: ما حكم الالتفات في الصلاة؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف: (فصل، يكره في الصلاة التفاته ورفع بصره إلى السماء وتغميض عينيه وتخصره وإقعاؤه)، وسرد عدة مكروهات، ثم قال للمدرس: خذ ما شئت ودع ما شئت، فهو أنت الآن جئت بكم عبارة.
الطالب: من قوله: (وقسط كل أجل).
الشيخ: نعم، من قوله: (وقسط كل أجل) أحسنت، هذا أسلم في جنس واحد إلى أجلين، نقول: لا مانع، أسلم إليه ألف ريال بمئة صاع بُرٍّ يحل بعضها في شعبان وبعضها في شوال، ما فيه مانع، لكن بيّن البعض، قال: يحل خمسون في شعبان، وخمسون في شوال، الجواب؟ الطالب: يصح.
الشيخ: صحَّ، مأخوذ من قوله: (قسط كل أجل)، ولا بد من التبيين؛ لأنه لو لم يبين صار مجهولًا وأدى إلى النزاع والفوضى.
عكسه ما هو؟ طالب: أن يسلم في جنسين إلى أجل واحد.
الشيخ: نعم، أن يسلم في جنسين إلى أجل واحد.
مثاله؟ الطالب: مثاله: أن يسلم في بُرٍّ وتمر إلى مثلًا إلى شعبان.
الشيخ: نعم.
الطالب: ويحدد جنس القدر والصفة، باقي الشروط.
الشيخ: ما يكفي هذا.
الطالب: فيكون بقدر معلوم ( ... ). الشيخ: يعني: أعطاه مثلًا مئة ريال من مئة صاع تمر وبُر تحل في شعبان، هنا المسلَم فيه جنسان، والأجل واحد.
ما الواجب هنا؟ الطالب: يبيِّن ثمن كل جنس.
الشيخ: يبيِّن أولًا مقدار كل جنس.
الطالب: نعم، المقدار والثمن.
الشيخ: عندنا مئة صاع، يبين المقدار.
الطالب: هو أسلم بكم؟ مئة ريال، خمسون ريالًا في بر وخمسون ريالًا في التمر.
الشيخ: لا، يبين كل جنس.
الطالب: خمسون صاعًا في التمر ومئة صاع في البر.
الشيخ: خمسون صاعًا من التمر وخمسون صاعًا من البر.
الآن بيّن جنس.
الطالب: نعم.
الشيخ: ولا بد يبين ثمنه؟ الطالب: نعم، ثمن ( ... ). الشيخ: فيقول؟ الطالب: يقول مثلًا: خمسة وسبعون للتمر وخمسة وعشرون للبر.
الشيخ: صحيح يا جماعة؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1297

الشيخ: صحيح، وإنما احتجنا إلى بيان قِسْط كل جنس من الثمن لئلَّا يتعذر تسليمه فيما بعد فيقع النزاع.
طالب: قِسط كل أجل ( ... ). الشيخ: هذه في الأولى فقط، قسط كل أجل بأن يقول مثلًا: أسلمت إليك ألف ريال بمئة صاع بر يحل بعضها في شعبان وبعضها في شوال.
الآن لازم يبين البعض اللي يحل في شعبان والبعض الذي يحل في رمضان، قسط كل أجل، الأجل الأول قسطه خمسون والثاني قسطه خمسون.
طالب: خمسون ( ... ) المقدار.
الشيخ: إي، المقدار.
رجلان عقَدا سَلمًا في الطائرة، أين يكون الوفاء؟ طالب: لا بد أن يشترطا موضع الوفاء.
الشيخ: ما هو بالوفاء يقولون: إنه يجب في موضع العقد؟ الطالب: لا، هنا يتعذر التسليم في موضع العقد.
الشيخ: يُتعذر التسليم.
إذن لا بد أن يُذكر موضع التسليم، فيقال: تُسلَّم في المكان الفلاني؛ لتعذر التسليم في موضع العقد.
إذا كان موضع العقد لا يتعذر فيه التسليم وتنازعا، يعني مثلًا رجلان أحدهما من مكة والثاني من المدينة وعقدا السّلم في الرياض وهما زائران في الرياض، ثم رجع كل منهما إلى بلده فقال المسلِم -وهو من أهل مكة- للمسلَم إليه -وهو من أهل المدينة-: أريد أن تقضيني في مكة.
وقال المدني: لا أَقضيك إلا في المدينة؟ الطالب: يكون التسليم في المدينة؛ لأنه عند الإطلاق ننصرف إلى مكان المسلِم.
الشيخ: إي، الآن هما عقدا في الرياض، ليست مدينة المسلِم ولا المسلَم إليه؟ الطالب: القول قول البائع.
الشيخ: اللي هو المسلَم إليه.
الطالب: إي نعم، المسلَم إليه.
الشيخ: يعني معناه نقول للمكي: اذهب إلى المدينة واقبض سلمك؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما الذي يقتضيه ظاهر الحال، أنت لو وقعت عندك هذه ما الذي يقتضيه ظاهر الحال، أن يُسلَّم في بلد المسلِم أو المسلَم إليه.
الطالب: لا، المسلِم يا شيخ.
الشيخ: المسلِم.
إذن يقول المكي للمدني: أحضره إلى مكة.
الطالب: هذا ظاهر الـ ...

الجزء: 2 - الصفحة: 1298

الشيخ: صحيح، هذا هو الظاهر إلا إذا شرط، إذا شرط المدني وقال: لا أنقله إليك، فحينئذ يؤخذ به، وإلا فإن الواجب أن البائع يسلِّم المبيع إلى المشتري.
طالب: شيخ، المسألة هذه، المؤلف يقول: (ويجب الوفاء موضع العقد) العقد عُقد في الرياض؟ الشيخ: نعم، لكن من المعلوم للجميع أنهما لا يريدان هذا، جاءا مثلًا لحضور مؤتمر أو ندوة أو محاضرة، كل جهة لا يريد الوفاء.
طالب: نحن ما قلنا ( ... ). الشيخ: طيب، أسلمت إلى زيد ألف ريال بمئة صاع من البر، وحل الأجل، فجاءني عمرو وقال: بع عليَّ ما أسلمتَ فيه على زيد؟ طالب: على كلام المؤلف: لا يجوز، قال: (ولا يجوز بيع المسلَم فيه قبل قبضه)، وعلى الصحيح قلنا: يجوز.
الشيخ: قلنا: يجوز على الإطلاق؟ الطالب: نعم، يجوز بشرط ألا يزيد في البيع.
الشيخ: هه؟ الطالب: ألا يربح عليه بشيء.
الشيخ: هذا إذا باعه على المسلَم إليه، لكن إذا باعه على واحد آخر، ما هو على المسلَم إليه؟ الطالب: على الآخر يجوز.
الشيخ: أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع بر.
الطالب: يجوز.
الشيخ: لما حلَّ الأجل أردت أن أبيعه على سمير؟ الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: على الصحيح.
الشيخ: وعلى الفاسد؟ الطالب: على قول المؤلف لا يجوز.
الشيخ: طيب، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
طالب: إذا رضي المسلَم إليه يجوز.
الشيخ: نعم، المسلَم إليه ما عليه، سواء بعته أو لم تبعه ما يهم، أنا بأسلم على كل حال.
طالب: على قول المصنف: لا يجوز، وعلى الصحيح: يجوز أن يبيع على المسلَم إليه ولا ( ... ). الشيخ: إي نعم، صحيح؛ لأنه غير مقدور على ( ... ) وليس هذا شيئًا معينًا.
إذن لو باعه على المسلَم إليه بزيادة، يعني: هو اشتراه مئة صاع بألف ريال وباعه على المسلَم إليه بألف ومئة؟ طالب: لا يصح؛ لأنه ربح فيما لم يَضْمن.
الشيخ: صحيح، لا يصح؛ لأنه ربح فيما لم يضمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1299

إنسان لمَّا حل الأجل؛ أجل السلم، قال لصاحبه: إني قد اشتريت من فلان مئة صاع بر سلمًا وأنت في حاجة الآن وقد وهبتُك إياها، وهبتك هذه المئة صاع.
فماذا تقول؛ أيجوز أو لا؟ طالب: على كلام المؤلف: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، واستدل بأيش؟ الطالب: استدل بأنه لا يجوز بيعه.
الشيخ: لا، هذا حكمه.
الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه (2) ( ... ) على تسليمه.
الشيخ: لا، حظه الآن، هذا ليس ببيع أيضًا، هذا هبة.
طالب: احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (3). الشيخ: الدليل ما يُذكر عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ».
هل هناك قول آخر؟ طالب: الهبة تجوز؛ لأنه لا يجب عليه تسليمه.
الشيخ: أيش؟ الطالب: تصح، يعني: الهبة في المسلم.
الشيخ: تصح.
طيب، والحديث الذي ذكره زميلك؟ الطالب: هذا إسناده ضعيف.
الشيخ: طيب، إذن لا حجة فيه، وتبقى الهبة على الأصل ويقال: إنه تجوز هبته؛ لأن الموهوب له إما سالم وإما غانم، ما عليه ضرر؛ إن حصل له ذلك فهذا المطلوب وإن لم يحصل فلا ضرر عليه.
ما معنى قوله: (ولا الحوالة به)؟ طالب: يعني: يجوز له ما يجوز ( ... ). الشيخ: لا تجوز الحوالة به.
الطالب: لا تجوز الحوالة بالمسلَم فيه.
الشيخ: مثاله؟ الطالب: مثاله: مثلًا إذا أسلمت إلي مثلًا مئة ريال بمئة صاع، فلا يصح أن ترسل شخصًا تقول: يعني حولت لك بالمئة صاع التي يحتاجها عبد الله عوض.
الشيخ: لا، خطأ.
الحوالة به؟ الطالب: مثل ما تقول مثلًا: بأني حولت لك بهذا الصاع.
الشيخ: كيف ما تقول؟ هات المثال مرة ثانية.
الطالب: يعني مثلًا إذا أسلمتني مئة ريال بمئة صاع من البر، فمثلًا يعني .. الشيخ: حل الأجل الآن.
الطالب: حل الأجل، فأنت مثلًا ما يصح أنك ترسل شخصًا تقول: .. الشيخ: اقبض من عبد الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1300

الطالب: ما تقول مثلًا: يعني أنا حولت لك بهذا التمر الذي مثلًا عند عبد الله.
الشيخ: أحلتك على عبد الله بالتمر اللي عنده، ما يجوز؟ الطالب: إي.
الشيخ: ما هي هذه الصورة.
الحوالة به؟ طالب: الحوالة به في هذا المثال أن يكون المسلِم، أن يُحيل المسلِم من يطلبه بدين في هذا المسلَم فيه، أن يُحيل المسلِم المسلَم إليه على غيره، يعني بأن يكون المسلَم إليه له دين عند آخر بنفس القيمة؛ مئة صاع، فيحل الأجل فيقول للمسلِم: خذ المئة صاع من فلان الذي أطلبه بنفس المئة صاع.
الشيخ: يعني الأخ اللي ذهب إلى عبد الله بن عوض الآن كيف يقول؟ الطالب: الأخ عبد الله عوض يحيل المسلِم إلى مثلًا الأخ سعد لأنه يطلبه بمئة صاع يأخذها منه.
الشيخ: المهم أن عبد الله بن عوض أنا أسلمت إليه مثلًا ألف ريال مئة صاع، ولما حلَّ الأجل قال: إن الأخ سعدًا عنده لي مئة صاع بُر وأحلتك إلى المسلَم فيه على الأخ سعد؛ هذا معنى قوله: (ولا الحوالة به).
ما معنى قوله: (ولا الحوالة عليه)؟ طالب: أن يكون المسلِم أخذ مئة صاع.
الشيخ: أسلم إلى زيد ألف ريال بمئة صاع بُر تحل بشعبان.
الطالب: فلما حل الأجل أحال إليه إلى المسلِم أن يأخذه إلى المسلَم إليه أن ( ... ). الشيخ: يعني: المسلِم كان مطلوبًا مئة صاع، فقال للطالب: يا فلان، إنه قد حلَّ أجل السلم الذي على فلان، فأنا أحيلك بدينك الذي عليَّ على المسلَم إليه.
هذا أيضًا لا يصح، العلة؟ طالب: الحديث الذي ذكره الأخ قبل قليل: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (3). الشيخ: الحديث المذكور: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ».
وما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ طالب: أنها تصح الحوالة بدين السلم والحوالة على دين السلم.
الشيخ: نعم، الصحيح أن الحوالة به أو عليه صحيحة؛ لأن الحديث غير صحيح ولأنه لا محذور في ذلك، ما فيه محذور لا ظلم ولا ربا، فيبقى على الأصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1301

طيب، (لا يصحُّ الرهن به)؟ طالب: لا يصح أن يأخذ المسلِم رهنًا للمسلَم إليه، بأن يقول لا أُسلم إليك إلا أن ترهنه فلانًا.
الشيخ: يعني: مثلًا يقول: أنا ما عندي مانع أني أُسلم إليك دراهم بطعام إلى أجل، لكن أعطني رهنًا.
يصح ولَّا ما يصح؟ الطالب: المذهب ما يصح.
الشيخ: على كلام المؤلف: لا يصح.
لماذا؟ الطالب: لأنه لو تعذر الوفاء لم تمكن مطالبة الرهن أو ( ... ). الشيخ: يقول: لأنه لو تعذر الوفاء رجع إلى الرهن، وحينئذ يكون صرفه إلى غيره.
وبناء على أن الحديث ضعيف؟ الطالب: فإنه يصح.
الشيخ: يصح الرهن.
(ولا الكفيل به) ما معناه؟ طالب: (ولا الكفيل به)؟ الشيخ: نعم، لا يصح أن يكون فيه الكفيل؛ في السلم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، ما فيه رهن، كفيل.
الطالب: ( ... ) في هذا السلم مثلًا.
الشيخ: لا، ما فيه رهن، كفيل.
طالب: كأن يقول المسلِم للمسلَم إليه: مَن كفيلك؟ فيقول: كفيلي فلان إن عجزت، فيقول المؤلف: لا يصح؛ والعلة لأنه إن عجز تحوَّل المسلَم فيه إلى غيره وهو الكفيل؛ هذا المذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1302

الشيخ: الكفيل معناه جاءني رجل قال: أن أريد أن تُسْلِم إلي دراهم لأني في حاجة.
كم تريد؟ قال: أريد ألف ريال بمئة صاع إلى شعبان.
فقلت له: أنا لا أعرفك، هات كفيلًا يكفلك.
فجاء إليَّ بكفيل، فالمؤلف يقول: إنه لا يصح؛ لأن صاحب الحق إذا لم يوفي المسلَم إليه استوفى من الكفيل فصرفه إلى غيره، وهذا لا يصح.
والصواب: أنه يصح بناء على أن الحديث ضعيف، وأن دين السلم لا يختلف عن غيره في كل شيء، لا يختلف، يجوز أخذ عوضه ويجوز بيعه على مَنْ هو عليه بشرط ألا يربح وبشرط التقابض فيما يشترط فيه التقابض، المهم أن دين السلم كغيره لأنه داخل في عموم الأدلة؛ الديون: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]؛ ولهذا في حديث ابن عباس: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» (3) إلى آخره، ما فيه شروط ولا فيه قيود، والتضييق على الناس في السلم -مع أن السلم إنما شرع للإرفاق والتوسعة- يجعل هذا السلم الذي شُرِع للإرفاق والتوسعة ضيقًا، وهذا لا ينبغي.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، في المسألة التي قرأتموها بالنسبة للرجل الذي أسلم، يعني المسلِم والمسلَم إليه كلاهما كل ( ... )، أسلما في غير بلديهما، يعني: العقد في غير بلديهما، قلتم: قد يكون ليس مراد المكان كأن يأتيا مثلًا للبر أو شيء.
فيا شيخ ما تبين لي، المؤلف يقول: (يُسْلِم في موقع العقد)، فإذا كان تعذر فلا بد أن يشترطاه، يعني: إذا كان مثلًا هذا الموضع -موضع العقد- متعذرًا، كأن يكون في طائرة أو في سفينة.
الشيخ: لا، ما هو متعذر، في طائرة أو في سفينة صحيح.
الطالب: الرياض يُلحق بالمتعذر مع أنه ... الشيخ: لا، غير متعذر.
الطالب: إذن ما دام غير متعذر إذن ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1303

الشيخ: لكن -العادة- الشرط العرفي كاللفظي، وهو إذا شُرط في غير المكان ولو كان ممكنًا جاز، وكل اللي يعرف أن الرجلين ليسا من أهل الرياض عقدا عقدًا في الرياض أنهما لا يريدان أن يكون الوفاء في الرياض، لكن يبقى النظر هل يكون في بلد البائع أو في بلد المشتري.
الطالب: ما هو الدليل -بارك الله فيكم- على أنا نقول: في بلد المسلِم؟ يقول المسلم: لا، في بلد المسلم إليه.
والمسلم إليه يقول: لا، عندي في بلدي أنا.
الشيخ: نعم؛ لأنه من الذي يريد أن يَنتفع بالسَّلم؟ الطالب: المسلِم.
الشيخ: المسلِم، فتكون في بلده.
الطالب: لكن يمكن يقول المسلَم إليه: أنا ما اشترطت عليَّ أن أجيبها لك.
الشيخ: لا، هذا شيء العرف يقتضيه، فإذا أنت شئت فاشترط.
طالب: الحوالة على دين سابق، إذا أحال عليك ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: الصحيح أنه ما هو بشرط، استقرار المحال عليه ما هو بشرط وأن المستحيل ينزل منزلة المحيل، فإذا تعذَّر فله الخيار.
( ... )


باب القرض

طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب القرض

وهو مندوب، وما صح بيعُه صحَّ قرضُه إلا بني آدم، ويُملَك بقَبْضِه، فلا يلزم ردُّ عَينِه، بل يثبُت بَدَلُه في ذمتِه حالًّا ولو أَجَّلَه، فإن ردَّهُ المقترض لزِم قبولُه، وإن كانتْ مكسَّرة أو فلوسًا فمنع السلطانُ المعاملةَ بها فله القيمةُ وقت القرضِ، ويرد المِثْلَ في المِثْليَّاتِ والقيمةَ في غيرها، فإن أَعْوَزَ المِثْلُ فالقيمةُ إذن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب القرض).
القرض من عقود التبرعات؛ لأن العقود تنقسم إلى أقسام: منها عقود معاوضات، ومنها عقود تبرعات، ومنها عقود توثيقات، فالرهن والضمان -مثلًا- عقود توثيقات، والهبة والوصية والصدقة وما أشبهها عقود تبرعات ومنها القرض، وعقود المعاوضات كالبيع والإجارة وشبهها.
القرض في اللغة: القطع، ومنه المِقراض: المقص؛ لأنه يقطع الثوب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1304

وأما في الشرع: فهو إعطاء مالٍ لمن ينتفع به ويرد بدله، فقوله: (يرد بدله) خرج بذلك العارية؛ لأن العارية لا يرد بدلها، وإنما يرد عينها.
أما حكمه فيقول المؤلف: (وَهُوَ مَنْدُوبٌ) وهذا بالنسبة للمقرِض، أما بالنسبة للمستقرض فهو مباح، فهنا طرفان: مقرض ومستقرض، المقرض القرض في حقه مندوب، أي: مستحب؛ وذلك لأنه من الإحسان، فيدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، ومن حيث المعنى: فإن فيه دفعَ حاجة أخيك المسلم، وربما يكون القرض أحيانًا أكثر ثوابًا من الصدقة؛ لأن القرض لا يستقرض إلا محتاجٌ في الغالب.
أما بالنسبة للمستقرض فإنه مباح، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استقرض (4)، فهو مباح للمستقرض.
ولكن إذا قال قائل: الولي على مال اليتيم هل يُندب له أن يقرض؟ فالجواب: لا؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 158]، لكن لو كان إقراضُه من مصلحته، فهنا يكون الإقراض مستحبًّا من وجهين: من جهة الإحسان للمستقرض، ومن جهة الإحسان في حفظ مال اليتيم.
ثم ذكر المؤلف -رحمه الله- قاعدة أو ضابط ما يصح قرضه، فقال: (وما يصح بيعه صح قرضه) (ما) هنا يجوز أن تكون اسمًا موصولًا، أي: والذي يصحُّ بيعه صحَّ قرضه، وأن تكون اسم شرط، ويكون فعل الشرط (يصح) وجوابه (صح).
هذا الضابط: كل ما صح بيعه صح قرضه، وكل ما لا يصح بيعه لا يصح قرضه؛ هذا الضابط.
وعلى هذا فالكلب يصح قرضه؟ لا، لماذا؟ لأنه لا يصح بيعه.
الميتة لا يصح قرضها، حتى لمن حلت له فإنه لا يصح قرضها؛ لأنه لا يصح بيعها.
المرهون لا يصحُّ قرضه؛ لأنه لا يصح بيعه.
الموقوف لا يصح قرضه؛ لأنه لا يصح بيعه ... وهلم جرًّا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1305

وما صح بيعه صحَّ قرضه (إلا بني آدم)؛ فإن بني آدم يصح بيعهم ولا يصح قرضهم، ويعني بذلك المماليك، إذا كان عند الإنسان مملوك فإنه يصح بيعه لا شك، لكن لا يصح قرضه.
لماذا؟ لأنه لم تجر العادة بذلك، ولما في هذا من الإذلال للمسلِم؛ ولأنه يُخشى من الفتنة والفساد، يُخشى أن يقترض الإنسان أمَة ثم يجامعها لمدة أيام ثم يردها؛ لأن الإنسان إذا رد القرض وجب قبول عينه، فيُفضي إلى أن يستقرض الإنسان أمَة، ثم يجامعها مدة أيام، ثم يردها إلى مالكها.
وقال بعض العلماء: يصح قرض الذَّكر للذكر، يعني أن يقرض الإنسان رجلًا مملوكًا لشخص؛ وذلك لأنه مأمون أن يفعل به شيئًا، ويصح أن يُقرِض امرأة لمحارمها، ولكن هذا فيه إشكال؛ لأنه سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في باب العتق أن من ملك ذا رحم محرم عليه فإنه يعتق.
على كل حال، استثناء المؤلف بني آدم له وجه، فيقال: بنو آدم يصح بيعهم ولا يصح قرضهم.
الإبل؟ طالب: يصحُّ قرضها.
الشيخ: البقر، الغنم؟ طالب: يصح.
الشيخ: (إلا بني آدم، ويُملَك بقبضه فلا يلزم ردُّ عينه).
(يُملك بقبضه)، (يملك) الضمير يعود على القرض، أي: على المُقْرَض (يملك بقبضه)، فإذا قبضه المستقرض ملكه، وصار ملكُه عليه تامًّا، يجوز أن يبيعه وأن يؤجِره وأن يوقفه وأن يرهنه وأن يتصرَّف فيه تصرف الملاك في أملاكهم.
(فلا يلزم رد عينه) هذا مما يتفرع على قولنا: إنه يملكه، (فلا يلزم) أي: فلا يلزم المقترضَ ردُّ عينه؛ أي: عين القرض، لا يلزم ردُّ عينه؛ فلو طالب المقرِضُ المستقرضَ بأن يردَّه فله أن يقول: لا، أنا ملكتُه بقبضه، ولك عليَّ بدله، ولا يلزمني أن أرده بعينه، ولهذا قال: (لا يلزم رد عينه)، ولكن لو رد عينه وهي لم تتغير؛ فإنه إن كان مثليًّا لزم قبوله، وإن لم يكن مثليًّا لم يلزم قبوله، كما سيذكر المؤلف إن شاء الله.
قال: (بل يثبُت بدله في ذمته حالًّا ولو أجَّله).

الجزء: 2 - الصفحة: 1306

(بل يثبت بدله)، بدل أيش؟ المُقْرَض، (في ذمته) في ذمة المستقرض، (حالًّا) لا مؤجلًا، حتى وإن أجَّله لا يتأجَّل، فإذا قال إنسان: أقرضني صاعًا من بُر، فأقرضته إياه ملكه وثبت في ذمته بدلُه، فما بدلُ صاع البر؟ صاع بر؛ لأنه مثليٌّ، فيلزمه صاع بر في ذمته، (حالًّا) يعني: للمقرض أن يطالب المستقرض بالوفاء حالًّا ولو بعد نصف ساعة.
(ولو أجَّله) هذه إشارة خلاف، (ولو أجَّله) أي: المستقرِض قال للمقرض: سأوفِيك بعد سنة، فإنه لا يَصِحُّ هذا الشرط ويُلغى ويكون القرض حالًّا، لماذا؟ لأن الإمام أحمد نصَّ على أن القرض حال، قال: كل قرض فهو حال، يعني: لا يقبل التأجيل، فإذا شرط التأجيل كان شرطًا منافيًا لمقتضى العقد.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصحيح: أنه إذا أجَّله ورضي المُقْرِض فإنه يثبُت الأجل ويكون لازمًا، ولا يحل للمقرض أن يُطالِب المستقرض حتى يحل الأجل.
دليل هذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا عقد شُرط فيه التأجيل فيجب أن يُوفى به؛ لأن أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود يشمل الوفاء بأصلها والوفاء بوصفها، وهو الشروط التي تُشترط فيها؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (5)، فعُلِمَ من ذلك أن الشرط الذي لا ينافي كتاب الله فليس بباطل، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (6)، ولأن المطالبة به وهو مؤجل إخلاف للوعد، وإخلاف الوعد من سمات المنافقين.
كل هذه الأدلة تدل على أنه إذا كان مؤجَّلًا وجب أن يبقى مؤجلًا؛ ولأنه ربما يكون في ذلك ضررٌ عظيم على المستقرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1307

افرض أن الرجل أقرضني خمسين ألفًا لشراء سيارة أنتفع بها، فاشتريت السيارة على أنه مؤجَّل إلى سنة -القرض- فعلى كلام المؤلف: لصاحب القرض أن يطالبني الآن ويقول: أوفني، ويُلزمني بأن أبيع السيارة وأوفيه، وفي ذلك ضرر عظيم.
وكذلك لو أني استقرضت من شخص دراهم لأشتري بيتًا للسكنى، فاشتريت وسكنت، وكان هذا القرض مؤجلًا إلى سنة أو أكثر، ثم جاء يطالبني يقول: أعطني قرضي، أليس بهذا ضرر؟ ما فيها شك، فيه ضرر، وهذا يستقبحه العقل والعرف والمروءة فضلًا عن الشرع.
ويقال: إن قول الإمام أحمد رحمه الله: كل قرض فهو حالٌّ؛ يعني: هذا هو الأصل، لكن كم من أشياء خرجت عن أصولها بالشروط التي تُدْخَل فيها.
إذن القول الراجح: إنه يتأجل بالتأجيل؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ويثبت الأجل، وليس للمقرض الحق في أن يطالب؛ لأنه هو الذي رضي بتأجيله، وللأدلة التي ذكرناها من قبل.
(فإن ردَّه المقترض لزم قَبوله) (ردَّه) الهاء تعود على المُقْرَضِ، (إن رده المقترض) على المقرض، (لزمه) أي: لزم المُقْرِض قبوله؛ لأنه عين ماله.
وظاهر كلام المؤلف: حتى وإن كان المستقرض انتفع به في هذه المدة، فإنه يلزم المقرِض قبولُه، مع أنه إذا استعمله لا سيما إن كان قد اقترضه وهو جديد، ثم استعمله ولو لمدة يسيرة، فسوف تنقُص قيمته بلا شك.
ولهذا، القول الثاني في هذه المسألة: أنه لا يلزم المقرِض قبولُه سواء تغيَّر أم لم يتغير، فإذا قال المقترض للمقرِض: هذا مالك أنا رددته عليك، يقول له: أنت ملكته بالقرض وقبضته فملكته، فصار ملكًا لك، فلا يلزمني أن أقبله وأدخله ملكي.
وهذا القول هو الصحيح: أنه إذا رده المقترض فإنه لا يلزم المقرض قبوله، لكن لو قبله فلا بأس؛ لأن الحق له، ولا فرق بين أن يكون مثليًّا أو متقوَّمًا، فإنه لا يلزم القبول على القول الراجح، وعرفتم علته.
(وإن كانت مكسَّرة أو فلوسا فمنع السلطان المعاملَة بها فله القيمة وقتَ القرض).

الجزء: 2 - الصفحة: 1308

(إن كانت) يعني: العين المُقرَضَة (مُكسَّرة أو فلوسًا)، المُكَسَّرة: المجزَّأة؛ لأنهم كانوا فيما سبق يجزِّئون الدراهم، الدرهم له ربع ونصف وأدركنا ذلك، الريال الفضة كان له نصف وكان له ربع، وهذا من زمان، إذا كانت مكسرة (فمنع السلطان المعاملة بها) ألغاها، (أو كانت فلوسًا) والفلوس هي النقد من غير الذهب والفضة، الفلوس: كل نقد من غير الذهب والفضة فإنه فلوس، مثل النقد المعدني الآن عندنا ومن زمان أيضًا؛ هذا يسمى فلوسًا جمع فَلْس.
(فمنع السلطان المعاملة بها فله القيمة وقت القرضِ) فقوله: (فمنع السلطان المعاملة بها) هذه عطف على قوله: (إن كان مكسَّرةً أو فلوسًا).
ربما يفهم من ظاهر كلامه أن السلطان لا يحرِّم إلا المكسَّرة والفلوس، أما أصل الدراهم والدنانير فإن السلاطين لا يُحَرِّمونها، بل يبقونها نقدًا يتعامل به الناس، ومع هذا قال العلماء: يحرم على السلطان أن يحرِّم السكة الجارية بين الناس؛ لما في ذلك من الضرر العظيم؛ لأنه إذا حرمها صارَت سلعة من السلع، ولم تكن نقدًا، وهذا قد يضر المسلمين؛ ولهذا يحرم على الإمام أن يفعل ذلك، لكن ربما تدعو الحاجة إلى هذا بحيث يدخلها الغش والتلفيق وما أشبه ذلك، فيرى السلطان أن من المصلحة أن يُحرِّم التعامل بها.
مثال ذلك: رجل أقرضني أربعين ربعًا، كم أربعون ربعًا؟ عشرة دراهم، أقرضني أربعين ربعًا، ثم إن السلطان حرم المعاملة بها، له القيمة وقت القرض، قيمتها وقت القرض كم؟ عشرة دراهم، لكنها بعد التحريم لا تساوي خمسة، أما قبل التحريم فهي تساوي عشرة؛ إذن له القيمة وقت القرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1309

كذلك الفلوس، حديد، معدن غير الذهب والفضة؛ أقرضني ألف قرش، تعرفون القرش؟ إي نعم، معروف، أقرضني ألف قرش قيمتها مئة درهم، ثم إن السلطان حرَّم هذه الفلوس، فما الواجب للمقرِض؟ مئة درهم، القيمة وقت القرض؛ ووجه ذلك أن هذا المستقرض ملكها من حين القرض، فخرجت بالقرض عن ملك الأول، ودخلت في ملك الثاني، فحينئذٍ يضمنها بقيمتها وقت القرض.
إذن لو استقرض مُكَسَّرة أو فلوسًا ثم حرمت المعاملة بها، فهل له القيمة وقت القرض، أو وقت الوفاء، أو وقت التحريم؟ عندنا ثلاثة أحوال؛ وقت القرض ووقت الوفاء ووقت التحريم؛ كان وقت القرض سنة ثلاثة عشرة، ووقت التحريم سنة خمسة عشرة، ووقت الوفاء سنة ستة عشرة، فبأي القيم نأخذ؟ ثلاثة عشرة، نأخذ أول سنة، يعني اللي هي سنة القرض، فله القيمة وعرفتم وجه ذلك، فله القيمة وقت القرض.
ثم قال: (ويرد المثلَ في المثليات، والقيمة في غيرها) يعني: إذا أراد المستقرضُ الوفاء، فماذا يصنع؟ نقول: الواجب أن يرُد المثل في المثليات، والقيمة في غير المثليات، وتُسمَّى المتقومات، غير المثليات تسمى المتقومات.
فما هو المثلي؟ المثليُّ على كلام الأصحاب رحمهم الله يقولون: كل مكيل أو موزون يصحُّ السلمُ فيه، وليس فيه صناعة مباحة.
فقولنا: (كلُّ مكيل أو موزون) خرج به ما سواه، المعدود مثليٌّ أو غير مثلي غير مثلي، المذروع غير مثلي، الحيوان غير مثلي، الثياب غير مثليَّة، وهلمّ جرًّا؛ (كل مكيل أو موزون).
ثانيًا: (يصح السلم فيه)، فإن كان لا يصحُّ السلم فيه كالغالية والمعاجين وما أشبه ذلك فإنه ليس مثليًّا، بل هو متقوَّم.
الثالث: (ليس فيه صناعة مباحة)، الحديد موزون فإذا صُنع أوانيَ خرج عن كونه موزونًا لأن فيه صناعة مباحة، الذهب موزون فإذا صُنع أوانيَ؟ طالب: خرج.
الشيخ: خطأ.
طالب: هذا فيه الصناعة مباحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1310

الشيخ: لا، الصناعة هنا غير مباحة، فيبقى موزونًا، فإذا استقرضتُ من شخص ذهبًا أواني؛ إذا قلنا: تسعون جرامًا تساوي إذا لم تكن آنية تساوي مثلًا ثمانية آلاف، وإذا كانت آنية تساوي عشرة آلاف، أيهما أكثر؟ الأواني، لكن هذه الزيادة في مقابلة صَنعة محرَّمة فلا تُعتبر؛ ولذلك نقول: هذه تعتبر متقوَّمة ولَّا مثلية؟ مثلية؛ لأن الصناعة غير مباحة، وإذا كانت غير مباحة فلا قيمة لها، ونقول: عليك أن تضمن مقدار هذا الذهب وزنًا؛ لأن الصناعة غير مباحة.
الأقلام مثلية أو متقومة؟ طالب: متقومة.
طالب آخر: مثلية.
الشيخ: الساعات؟ طالب: متقومة.
الشيخ: الساعات موديل واحد وسنة واحدة! متقومة؛ لأن فيها سلعة مباحة، على المذهب طبعًا.
هذا المثليُّ على المذهب: يرد المثل في المثليات والقيمة في غيرها أي: في غير المثليات، ولكن كيف تعرف القيمة؟ القيمة في غيرها، نقول: ماذا يساوي هذا الشيء حين القرض ويثبت في ذمة المستقرض قيمته، هذا هو القول الراجح؛ مثاله: أقرضني شخص بعيرًا، والبعير مثليَّة؟ طالب: متقومة.
الشيخ: مثلية؟ طلبة: متقومة.
الشيخ: متقومة؟ الطلبة: إي نعم.
الشيخ: نقول: كم قيمتها وقت القرض؟ قال: قيمتها خمسة آلاف، إذن يثبت في ذمة المستقرض خمسة آلاف؛ لأن غير المثلي تثبت قيمته، ولهذا قال: (القيمة في غيرها).
لو قال قائل: لماذا لا تجعلون القيمة وقت الوفاء؟ ما هو وقت القرض، وقت القرض تساوي خمسة آلاف ووقت الوفاء ثلاثة آلاف، لماذا لا تجعلون العبرة بوقت الوفاء؟ نقول: لأنها دخلت ملك المستقرض متى؟ طالب: وقت القرض.
الشيخ: من حين قبضها عند القرض، فاعتُبِرَت القيمة في ذلك الوقت.
إذن ما الذي يثبت في ذمة المستقرض؟ المثل في المثليات، والقيمة في غيرها أي: في المتقومات.
ولكن هل نسلم أن المثلي هو كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1311

الصحيح لا، أن المثليَّ ما كان له مثيل مقارِب، وليس بلازم أن يكون مطابقًا؛ ولهذا نعلم أن كل إنسان لو أنه أقرض بعيرًا ثم أراد المستقرض أن يردَّ بعيرًا مثلها في السن واللون والسِّمن والكبر فهو أقرب إلى المماثلة من القيمة، أليس كذلك؟ لأن القيمة مخالفة له في النوع ومقاربة له في التقدير، لكن المماثل من الحيوان أقرب بلا شك.
ولهذا كان القول الصحيح أن المثلي ما كان له مثل أو مقارب، يعني: مثلٌ يماثلة، وهذا من كل وجه قد يكون متعذرًا أو مقاربًا؛ وعلى هذا فالحيوان مثلي، ولهذا استسلف النبي صلى الله عليه وسلم بَكْرًا ورد خيارًا رباعيًّا (4)، فردَّ مثله، جعله مثله.
ولما جاء الرسول إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند إحدى نسائه بطعام، ضربت المرأة التي كان في بيتها ضربت يد الغلام حتى سقط الطعام وانكسرت الصحفة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» (7)، وأخذ طعام التي كان عندها وصحفتها وردهما مع الرسول، فهنا ضمن بماذا؟ بالمثل، مع أن فيه صناعة، فجعله النبي صلى الله عليه وسلم مثليًّا، ولا شك أن هذا القول هو الأقرب.
وعلى هذا فإذا استقرض بعيرًا ثبت في ذمته بعير مثله.
استقرض إناءً ثبت في ذمته إناءٌ مثله، وهذا لا شك أقرب من القيمة.
إذن خالفنا المؤلف في هذه المسألة أو وافقناه؟ طلبة: خالفناه.
الشيخ: خالفناه في أن نرد المثل أو في معنى المثل؟ الطلبة: معنى المثل.
الشيخ: في معنى المثل، لكننا نتفق معه بأنه يردُّ المثل في المثليات والقيمة في غيرها.
ثم قال: (فَإِنْ أعْوَزَ المِثْلُ فَالقِيْمَةُ) أو (فالقيمةَ إذن) يجوز الوجهان.
(فإن أعوز المثل)، (أعوز) أي: أعسر المثلُ، بمعنى أنه عند الوفاء لم يجد المقترضُ مِثْلًا، نرجع الآن إلى القيمة؛ العلة: لأنه إذا تعذَّر الأصل رجعنا إلى البدل، فهذا لم نجد الأصل، تعذر المثلي، نرجع إلى البدل وهو القيمة.
أليس كذلك يا أخ؟ ويش معنى (أعوز)؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1312

طالب: أعجز.
الشيخ: أعسر، ما هي العلة في أنه إذا أعوز المثل رجعنا إلى القيمة؟ الطالب: ما يستطيع ( ... ). الشيخ: ما هو هكذا.
إن أعوز المثل معناه: أعسر، يعني: تعسَّر، فعليه القيمة؛ العلة: لأنه إذا تعذَّر الأصل رجعنا إلى البدل، حتى في العبادات: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196]. لكن بماذا يكون الإعواز؟ الإعواز إما بالعدم؛ انقطع من السوق، لا يوجد، هذا عدم، هذا إعواز لا شك.
ثانيًا: الغلاء الفاحش، كيف الغلاء الفاحش؟ يعني: مثلًا هذا يساوي عشرة ارتفع في السوق حتى صار يساوي مئة، هذا غلاء فاحش، مضر بالمقترض.
ثالثًا: البعد الشاق، هو موجود الآن، لكن نحن الآن هنا في عنيزة وهو موجود في بِكِّين، وين بكين؟ في الصين، عاصمة الصين، من يصل إليها؟ يأكل أضعاف أضعافه قبل أن يصل إليها.
فالحاصل أن الإعواز يكون بواحد من الأمور الثلاثة: وهي العدم، الغلاء الفاحش، البعد الشاق، إذا أعوز فإنه يرد القيمة.
فإذا قال المقرض: أنا أريد المثل؛ لأن هذا هو الواجب.
والله ما هو موجود، موجود في بلاد بعيدة، قال له: روح اشتره، فلا يلزمه؛ لأنه إذا اشتراه سيأتي بأضعاف أضعافه، سيصل إلينا مثلًا إلى بلد المقرض بأضعاف أضعاف القيمة، وهذا إضرار، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (8). (فإن أعوز المثل فالقيمة إذن) نحن قلنا: (القيمةُ) أو (القيمةَ)؟ طالب: (القيمةُ) مرفوعة.
الشيخ: نقول: (القيمةُ) أو (القيمةَ)؟ الطالب: أيش الجملة اللي قبلها؟ الشيخ: ما فيه قبلها، هذه جملة جواب الشرط، ما لها علاقة باللي قبلها من حيث الإعراب إلا أنها جواب الشرط.
الطالب: القيمةُ.
الشيخ: القيمةُ، ولا نقول: القيمةَ؛ لماذا القيمةُ؟ ويش إعرابها؟ طالب: القيمةَ، جواب الشرط.
الشيخ: القيمةَ جواب الشرط؟ ! يبدو أنك ليس بينك وبين سيبويه صحبة، ولا حتى ابن جني الذي يقول: فيها قولان! !

الجزء: 2 - الصفحة: 1313

طالب: إذا قلنا: فالقيمةُ وكانت ( ... ). الشيخ: يعني: هل يجوز الوجهان أو وجه واحد؟ الطالب: الوجهان، نعم.
الشيخ: القيمةُ والقيمةَ.
الطالب: إذا قلنا: القيمةُ، فالقيمةُ يكون مبتدأ وخبره محذوف.
الشيخ: التقدير؟ الطالب: لازمة.
الشيخ: لازمة أو عليه؟ الطالب: أو عليه.
الشيخ: فعليه القيمة إذن.
وإذا قلنا بالنصب؟ الطالب: بالنصب ( ... ) فعله محذوف، يلزم القيمةَ.
الشيخ: يلزم القيمةُ.
الطالب: يلزم القيمةَ.
الشيخ: كيف يلزم القيمةَ؟ ! تبغي تنصب الفاعل؟ ! ما يحصل.
طالب: فيرد القيمةَ.
الشيخ: فيرد القيمةَ، نعم.
المهم أنه إذا أعوز المثل عليه القيمة.


ثم قال: (ويحرُم كل شرط جرَّ نفعًا) (يحرُم) يعني: في القرض (كل شرط جر نفعًا).
(كل شرطٍ) يشترطه المقرِض يجرُّ إليه (نفعًا)، أما إذا كان يجرُّ نفعًا إلى المستقرض فمحرَّم؟ طالب: لا.
الشيخ: هو الأصل، الأصل أن المستقرض إنما استقرض لينتفع؛ إذن كل شرطٍ جر نفعًا لمن؟ للمقرِض.
وقوله: (كل شرط)، الشرط يقع في هذه الحال ممن؟ من المقرض، وهو حرام على المقترض لموافقته على المحرم، فيكون من باب التعاون على الإثم والعدوان، لكن الأصل أن الشارِط هو المقرِض.
(يحرُم كل شرط جرَّ نفعًا) مثال ذلك: جاء رجل إلى شخص، وقال: أريد أن تقرضني مئة ألف.
قال: ما فيه مانع، لكن أسْكُنُ بيتك لمدة شهر، فهنا القرض جرَّ نفعًا لمن؟ للمقرض، هذا حرام لا يجوز.
لماذا لا يجوز؟ ! أليس المسلمون على شروطهم؟ ! بلى، لكن إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا، هذا أحلَّ حرامًا؛ وذلك أن الأصل في القرض هو الإرفاق والإحسان إلى المقترض، فإذا دخله الشرط صار من باب المعاوَضة، وإذا كان من باب المعاوضة صار مشتملًا على ربا الفضل وربا النسيئة، فاجتمع فيه الربا بنوعيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1314

نقول: يحرُم كل شرطٍ جرَّ نفعًا؛ لأنه إذا شرط شرطًا فيه نفع له وهو المقرض، انتقل القرض عن مقصوده الأصلي وهو الإرفاق إلى المعاوضة، فإذا انتقل إلى المعاوضة صار ربًا؛ لأنه اشتمل على زيادة ونسيئة، فاجتمع فيه الربا بنوعيه.
مثال ذلك: لما استقرض مني مئة ألف واشترطتُ عليه أن أسكن داره شهرًا، صار كأني بعتُ عليه مئة ألف بمئة ألف، بزيادة سُكنى البيت شهرًا، وهذا ربا نسيئة وربا فضل، ربا فضل؛ لأن فيه زيادة، وربا نسيئة؛ لأن فيه تأخيرًا في تسليم العِوَض، ولهذا قال العلماء: كل قرضٍ جرَّ منفعة بشرط فهو ربا.
وعُلِم من قول المؤلف: (كل شرطٍ جرَّ منفعة) أنه لو لم يكن شرطٌ فإنه لا يحرُم، يعني: لو جرَّ منفعة للمقرِض بدون شرط فإنه ليس حرامًا.
مثال ذلك: رجل عنده أرض قد زارع فيها، فجاء المزارع إلى صاحب الأرض، وقال: أنا الآن ليس عندي مواشٍ أحرُث عليها، فقال: أنا أقرضك تشتري مواشيَ تحرث عليها واستمر، فهنا فيه منفعة لمن؟ للمقرِض، فيه منفعة للمقرِض؛ لأن أرضه الآن ستُعمر بالزرع، وسيأتيه سهمه الذي اشترط على العامل، فله في ذلك منفعة، لكن المسألة بدون شرط.
ثم المصلحة هنا ليست متمحِّضة للمقرض بل هي لهما جميعًا، فالمقرض يَنتفع بعمارة أرضِه، والمستقرض ينتفع بما يحصل له من الزرع، فيكون هذا جائزًا؛ أولًا: لأن النفع لم يتمحَّض للمقرض، وثانيًا: أن فيه مصلحة لهما جميعًا، وثالثًا: أنه لم يكن بشرط.
لو أنه جاء شخص إلى آخر استقرض منه دراهم في عنيزة، وقال المقرض: أنا من أهل الرياض، أو أنا أريد أن أسافر إلى الرياض لأشتري بضاعة، أشترط عليك أن توفيَني في الرياض، يجوز أو لا؟ طالب: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1315

الشيخ: سيأتينا -إن شاء الله- الخلاف في هذا، والصحيح أنه جائز؛ وذلك لأن المقرض لم يأته زيادة على ما أقرض، ما أتاه زيادة، هل جاءه زيادة على ما أقرض؟ أبدًا.
استقرض منه مثلًا مئة ألف وأوفاه مئة ألف، لكن اختلف المكان فقط؛ ولهذا بعض العلماء يقول في هذه المسألة: يشترط ألا يكون لحمله مؤونة، والصحيح أن هذا ليس بشرط كما سيأتي -إن شاء الله- تفصيله في كلام المؤلف.


طالب: استقرضت من شخصٍ سيارة من سنة، مثلًا ألف وأربع مئة وأربعة عشر، ثم ( ... ) وهذا خسارة عليه، وهل عليه أن يأخذ منه سيارة الستة عشر ولَّا لا؟ الشيخ: إذا رضي لا بأس.
الطالب: ما يرضى، يقول .. الشيخ: أجل، إذا قلنا: على المذهب؛ له القيمة.
الطالب: وعلى الأصح؟ الشيخ: وعلى الأصح له مثلها سواء زادت أو نقصت.
الطالب: يعني في الموديل أربعة عشر.
الشيخ: الموديل أربعة عشر.
الطالب: وهذا خسارة عليه.
الشيخ: ما هو راضٍ المقرض.
الطالب: لا، ما يرضى.
الشيخ: أصل، ما أقرضه سيارة، وقلنا: يردُّ المثل إلا أنه يعرف أنه عند الحلول بيأخذ مثلها.
طالب: بالنسبة للفلوس المكسرة.
الشيخ: لا، ما هي بالفلوس المكسرة؛ المكسرة الدراهم.
الطالب: ( ... ) هل يجوز بدلها نقدين، أوراق نقدية.
الشيخ: إي، هذه فلوس.
الطالب: تعتبر تأخذ حكمها يعني؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1316

الشيخ: نعم، تأخذ حكم الفلوس، ولاحظوا يا إخواني المسألة -إحنا مجلسنا مجلس علم، ما هو مجلس عوام- إذا ألحقناها بالفلوس فإنه ليس فيها ربا، كما نصَّ على ذلك الفقهاء في كتب الفقه، بل قالوا: إن الفلوس عروض مطلقًا، قالوا: هذا في الزكاة، يعني معناه أنه إذا لم ينوها للتجارة فليس فيها زكاة، لكن نحن لا نوافق على هذا، ولا نوافق أيضًا على أنه ليس فيها ربا.
نقول: فيها ربا، لكن التشديد العظيم الذي يسلكه بعض الناس حتى يرى أنه من أكبر الكبائر؛ هذا هو الذي نحب أن الإنسان يتكلم عن بصيرة، ينظر كلام العلماء في هذا؛ يعني: العلة في تحريم الربا في الذهب الفضة ما هو؟ هل لأنهما نوعَا جنس، يعني: ذهب وفضة فقط، أو لأنهما ثمن؟ طالب: ثمن، سلم.
الشيخ: فيه خلاف كما عرفتم، فإذا قلنا: إنها ثمن معناه الحلي ليس فيه ربا، فيجوز بيع كيلو من الذهب من الحلي بكيلو ونصف مثلًا، لكن هذا يرده حديث فضالة بن عبيد في القلادة (9). فنحن نقول: الأصل في تحريم الربا في الذهب والفضة أنهما نقدان؛ أي: ثمن الأشياء، وخروجهما في الحلي في بعض الأحيان.
هذا خلاف الأصل فيُلحق بالأصل، وحينئذ نستريح ونقول: إنه يجري الربا في الأوراق النقدية الآن وفي الفلوس.
لكننا لا نريد التشديد؛ يعني: يرون أن البلاد اللي فيها هذه البنوك كالبلاد اللي فيها القبور تعبد من دون الله، ويركزون على هذا أشد مما يركزون على القبور التي تعبد من دون الله، فنحن نقول: لا نشك أن الربا محرم في الفلوس هذه الأوراق النقدية، وأنه لا يجوز فيها ربا النسيئة قطعًا، وأما ربا الفضل فلا يجري فيها، ولكن التشديد هو الذي نحب أن الناس يتأنون ويتكلمون عن بصيرة لا عن عاطفة ( ... ). طالب: ولي اليتيم -ما ذكرناه في الإقراض في أول الدرس- قلنا: إنه ليس له أن يقرض مع أنه عليه فعل الأحسن، وذكرنا صورتين مطروحتين أنه يجوز له إن كان من جهتين .. الشيخ: إي، إذا كان فيه مصلحة.
الطالب: كيف؟ ما تكون ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1317

الشيخ: إذا كان يخاف على المال إذا بقي عنده، فخاف عليه من اللصوص، أو يخاف عليه من ضرائب الحكام، يضعون عليه ضرائب أو ما أشبه ذلك، أقرضَها.
طالب: ذكر بعض العلماء أن مِن الصور الربويَّة أن يقرضه مالًا ويشترط عليه أن يوفيه إياه في بلدة أخرى؛ قالوا: لأنه يستفيد أمن الطريق.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فالصورة التي ذكرتموها ما تدخل في هذه؟ الشيخ: هي هي، ما تدخل فيها، هي نفسها.
الطالب: ذكرتم أن الراجح .. الشيخ: ما فيه بأس؛ لأن هذه مصلحة، فيه مصلحة للطرفين.
الطالب: يعني الراجح في هذه المسألة .. الشيخ: هو المحذور أن تكون المصلحة للمقرض وحده.
طالب: لكن -يا شيخ- السلطان يبطل جزءًا من القيمة جزءًا من قيمة النقود وليس ... الشيخ: يعني: ينقِّصها.
الطالب: ينقصها، جزء من قيمتها؛ العشرة بالمئة ( ... ). الشيخ: والله إذا دعت الضرورة إلى هذا؛ لأنه أحيانًا تدعو الضرورة إلى هذا.
الطالب: لكن يا شيخ بالنسبة للمقرض يستحق أن يرجع له ( ... ). الشيخ: نعم، يُرَدُّ إليه بنقصه، ما يرد عليه زيادة.
الطالب: ما يرد عليه زيادة؟ الشيخ: لا.
الطالب: نقصت.
الشيخ: لا، هو نقصت من الناحية الاقتصادية، لكن من ناحية الثمنيَّة يعني: مثلًا يشتري بالدرهم هذا ما يشتريه بالأول.
الطالب: لا، إذا كان يشتريه بالأقل.
الشيخ: ما له غير هذا.
الطالب: عشر دراهم.
الشيخ: ولهذا قال: (إذا حرَّمها السلطان)؛ حرَّمها مرة.
الطالب: إذا كان جزءًا من القيمة.
الشيخ: يبقى له المِثل.
طالب: يا شيخ، نفس السؤال لكنه -وهذه حصلت- عندنا في البلاد كان ما يساوي الألف بات الآن يساوي ممكن يساوي عشرة، فالآن يحصل ضرر على المقرض ضرر كبير جدًّا؛ لأنه بهذه الألف التي أقرضها كان ممكن يشتري أرضًا، والآن لو ردَّه عليه ألفًا لم يستطع أن يشتري قلمًا، يعني: كمثال، وهذه حقيقة واقعة.
الشيخ: نعم، ما فيه شك، لكن هل حرَّمها السلطان؟ الطالب: لم يحرمها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1318

الشيخ: لم يحرمها، لكن لما كانت الآن النقود مربوطة في قوة الدولة ومواردها، صار إذا ضعفت الدولة ضعفت النقود بالضرورة، ولهذا لو تسقط الدولة سقطت هذه ما صارت لها قيمة إطلاقًا، حينئذ إذا سقطت الدولة وصار هذه ما لها قيمة، في تلك الساعة تُقَدَّر قيمتها.
طالب: إذا قدرت بمثلها متقومة ليست مثلية مثل السيارة على المذهب، فلم يقبضها إلى سنة، ونزلت القيمة عُشرًا أو أكثر، فإذا أراد أن يرد، يرد القيمة وقت القرض أو وقت القبض؟ الشيخ: وقت القرض.
الطالب: ولكن ما ( ... ) ما يقدر يبيعها.
الشيخ: هل منعه؟ الطالب: لكن ما قبض.
الشيخ: ما دام ما منعه، فهو الذي أخطأ ( ... ).


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ويحرُم كل شرط جر نفعًا، وإن بدأ به بلا شرط أو أعطاه أجود أو هدية بعد الوفاء جاز، وإن تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجُز إلا أن ينوي مكافأته أو احتسابه من دَيْنِه وإن أقرضه أثمانًا فطالبه ببلد آخر لزمته وفيما لحمله مؤونة قيمته إن لم تكن ببلد القرض أنقص.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول المؤلف: (إن القرض مندوب)، فلمن هذا الحكم؟ طالب: للمستقرض مندوب.
الشيخ: خطأ.
طالب: للمقرض.
الشيخ: للمقرض مندوب.
وللمستقرض؟ طالب: مباح.
الشيخ: مباح.
ما هو الدليل على أنه مندوب في حقِّ المقرض؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّةً إِلَّا كَانَ .. » الشيخ: «كَصَدَقَةٍ مَرَّتَيْنِ» (10). هذا ضعيف.
طالب: هو يدخل في باب الإحسان والله عز وجل يقول: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].

الجزء: 2 - الصفحة: 1319

الشيخ: لأنه من الإحسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وما الدليل على جوازه للمقترض؟ طالب: أنه جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم استقرض بَكرًا (4). الشيخ: وردَّ خيرًا منه.
ما هو الذي يصح بيعه ولا يصح إقراضه؟ طالب: الآدمي.
الشيخ: الآدمي.
لماذا؟ الطالب: لأنه يوجب ( ... )، يعني: إذا استقرض مثلًا أمة ثم يجامعها بعد عشرة أيام ثم يردها إليه، هذا السبب، وكذلك إذلال.
الشيخ: لا، الإذلال، هذا يباع ويشترى، لكن كما قلتَ: لأنه يؤدِّي إلى أن يقترض أمة ثم يستمتع بها ويردها، والمستقرض إذا ردَّ عين المقرَض فإنه يلزم قبوله.
لو طالب المقرِض المقترض برد عينه؟ طالب: لا يلزمه؛ لأنه ( ... ). الشيخ: أنت الآن تبغي توفيني، أعطني الذي أقرضتك.
الطالب: لا؛ لأن الآن خرج من ملكه.
الشيخ: لأن المقترض ملَكَه، تمام.
رجل استقرض من شخص مئة ألف واشترى بها بيتًا وقال للمقرض: إنها مؤجلة أريد أن تقسِّطها عليَّ لمدة سنة، فقال: لا بأس.
فهل له أن يطالبه قبل تمام السنة؟ طالب: نعم، على قول المصنف: له أن يطالبه لأن القرض يكون حالًّا حتى ولو أجَّله، والقول الثاني في المسألة وهو الصحيح: إنه لا يجوز له أن يـ ... الشيخ: القول الثاني: ليس له أن يطالبه.
الطالب: قبل الأجل.
الشيخ: قبل الأجل، قلتَ: إن هذا هو القول الصحيح.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما الذي جعله صحيحًا؟ الطالب: لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وكذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (6)، وكذلك حديث: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (5). الشيخ: نعم، صحيح، بارك الله فيك.
ما معنى قول المؤلف: (إن كانت مُكَسَّرة)؟ ويش المكسَّرة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، هو قال: (مُكَسَّرة أو فلوسًا).

الجزء: 2 - الصفحة: 1320

الطالب: مُكسَّرة ( ... ). الشيخ: يعني: المرضوضة بالحجر؟ الطالب: لا، النقود المعدنية.
طالب آخر: المجزَّأة.
الشيخ: كيف مجزأة؟ الطالب: تكون ربع أو نصف.
الشيخ: إي؛ لأنه كان فيه نقود بالأول مجزأة فيها نصف ريال وربع ريال وريال كامل، وأتينا لكم مرة بها للاطلاع عليها.
طالب: ( ... ). الشيخ: الآن فيه؟ الطالب: نصف الربع.
الشيخ: لا، ما فيه.
طالب: ( ... ). الشيخ: لكن ما هو بفضة، فلوس.
هذا فضة في الأصل، نفس الدرهم مكسر.
القيمة إذا حرَّم السلطان المعاملة بها؟ طالب: إذا حرَّم السلطان المعاملة بها يجب على المستقرِض أن يرجع إلى صاحبها قيمتها يوم قرضه.
الشيخ: ما فهمت.
الطالب: إذا كانت يعني .. الشيخ: إذا حرَّم السلطان المعاملة بها وقال: خلاص، هذه بطلنا المعاملة بها، وجاء المقترِض ليوفي المقرض، نفس الدراهم اللي أعطاها له المكسرة والفلوس.
الطالب: يُرجع إليه قيمته من يومها.
الشيخ: هل يلزم المقرض قبوله؟ الطالب: لا، لا يلزمه.
الشيخ: إذن ماذا يكون؟ الطالب: يحوِّل قيمته ويدفعه.
الشيخ: إي، متى؟ الطالب: يوم القرض.
الشيخ: يوم القرض؛ لأنه اليوم الذي دخلت ملكه فيه.
الطالب: نعم.
الشيخ: بارك الله فيك.
إذا نزلت قيمة النقد؟ طالب: نقول في هذه الحالة: ليس له إلا نفس الفلوس ( ... )، فإذا نقصت القيمة فنقول: إن هذا قدر الله، ونقصت القيمة فليس له ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1321

الشيخ: المهم أنه يُلزَم المقرض بقبولها ولو نقصت القيمة كما يُلْزَم المقترض بتسديدها ولو زادت القيمة، ويظن بعض الناس أنها إذا كَسَدت فإنه يجب قيمتها، وليس كذلك ما دام أنها ماشية وهي نقد لكن رخصت ليس له إلا هذا، وهذا وقع في هذه الأعوام الأخيرة وقع كثيرًا، أناس مثلًا استقرضوا من نقدِ بلد معين وكَسَد النقد -نقد البلد- فلما جاؤوا يوفون قال المقرضون: ليش تعطونا هذا، لازم تعطوننا قيمتها في ذلك الوقت، مثلًا في ذلك الوقت تسوى ألف دولار، والآن ما تساوي إلا مئة دولار، أعطونا ألف دولار، نقول: ليس لكم إلا ذلك، كما أنها لو كانت تساوي وقت القرض ألف دولار ثم عند الوفاء عشرة آلاف دولار، ألا يلزم المقترض بأن يُسَدَّد؟ طالب: بلى.
الشيخ: إي نعم.
وإن بَدَأَ به بلا شَرْطٍ , أو أَعطاهُ أَجودَ أو هَدِيَّةً بعدَ الوفاءِ جازَ، وإن تَبَرَّعَ لِمُقْرِضِه قبلَ وَفائِهِ بشَيْءٍ لم تَجْرِ عادتُه به لم يَجُزْ , إلا أن يَنْوِيَ مُكافأتَه أو احتسابَه من دَيْنِه، وإن أَقْرَضَه أَثمانًا فطَالَبَه بها بَبَلَدٍ آخَرَ لَزِمَتْه، وفيما لِحَمْلِه مَؤُونةُ قِيمتِه إن لم تَكنْ ببَلَدِ الْقَرْضِ أَنْقَصَ.
(باب الرهن) يَصِحُّ في كلِّ عينٍ يَجوزُ بَيْعُها، حتى الْمُكَاتَبِ، مع الْحَقِّ وبَعْدَه بدَيْنٍ ثابتٍ، ويَلْزَمُ في حقِّ الراهنِ فقط، ويَصِحُّ رَهْنُ الْمَشاعِ، ويَجوزُ رَهْنُ الْمَبيعِ غيرِ الْمَكِيلِ والموزونِ على ثَمَنِه وغيرِه، وما لا يَجوزُ بيعُه لا يَصِحُّ رَهْنُه، إلا الثمرةَ والزرعَ الأَخْضَرَ قبلَ بُدُوِّ صلاحِهما بدونِ شَرْطِ الْقَطْعِ، إذا نزلت قيمة النقد؟ طالب: نقول في هذه الحالة: ليس له إلا نفس الفلوس؛ لأنها لم ( ... )، فإذا نقصت القيمة فنقول: إن هذا قدَر الله، نقصت القيمة فليس له .. الشيخ: المهم أنه يُلزم الْمُقرِض بقبولها، ولو نقصت القيمة كما يُلزم المقترِض بتسديدها، ولو زادت القيمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1322

ويظن بعض الناس أنها إذا كسدت فإنه يجب قيمتها، وليس كذلك، ما دام أنها ماشية وهي نقد، لكن رخصت ليس له إلا هذا، وهذا وقع في هذه الأعوام الأخيرة وقع كثيرًا، أناس مثلًا استقرضوا من نقد بلد معين وكسد النقد -نقد البلد- فلما جاؤوا يوفون قال المقرضون: ليش تعطونها؟ لازم تعطوننا قيمتها في ذلك الوقت، مثلًا في ذلك الوقت تسوى ألف دولار والآن ما تساوي إلا مئة دولار، أعطونا ألف دولار.
نقول: ليس لكم إلا ذلك، كما أنها لو كانت تساوي وقت القرْض ألف دولار، ثم عند الوفاء عشرة آلاف دولار، ألا يُلزم المقترِض بأن يُسدِّد؟ طالب: بلى.
الشيخ: إي نعم.
(يرد المثل في المثليات)، ما هو ضابط المثل؟ طالب: ضابط المثل أن يكون يعني بأن يوجد .. الشيخ: ما هو ضابطه عند الفقهاء؟ طالب: ضابطه عند الفقهاء؟ الشيخ: نعم، ننتقل إلى طالب آخر.
طالب: كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، وليس فيه صناعة.
الشيخ: كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة.
هذا المثلي عند الفقهاء، وما هو القول الراجح في المثلي؟ طالب: هو كل ما له مثِيل حسن.
الشيخ: نعم، مثيل أو مقارب.
طيب، الدليل؟ الطالب: الدليل .. الشيخ: من السنة؟ الطالب: أقول: التعليل يا شيخ؟ الشيخ: قل الدليل أولًا.
الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض بكرًا، ورد خيرًا منه.
الشيخ: نعم، خيارًا رباعيًّا، يعني من جنس الناقة.
طيب، دليل آخر؟ الطالب: والتعليل.
الشيخ: دليل آخر؟ ! الطالب: أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم استقرض .. الشيخ: طيب هات التعليل؟ الطالب: التعليل أن المثيل أو الشبيه أقرب من الثمن.
الشيخ: صحيح؛ لأنه أقرب إلى المشابهة من القيمة، القيمة تقدير وتخمين، أما هذا مثله.
الدليل الثاني؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1323

طالب: حديث أنس، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، كان عند عائشة، فأرسلت إليه بعض نسائه بإناء فيه طعام، فضربت عائشة بيدها، فكسرت الإناء، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعطى الرسول إناءً وطعامًا، وقال: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» (1). الشيخ: إي، صح.
ما معنى (إعْواز المثل)؟ طالب: إعواز المثل يعني ألا يمكن يوجد مثلي على المذهب.
الشيخ: إي، ما فيه ( ... ). الطالب: يعني يعزب المثل.
الشيخ: يعوز، لكن أيش المعنى؟ الطالب: يعني يعزب.
الشيخ: يعني يُعدم بالكلية؟ الطالب: إما أن يعدم بـ .. الشيخ: هذه واحدة.
الطالب: ثلاثة أقسام: إما أن يعدم بالكلية أصلًا، أو أن يكون في بلد يشق أن يُؤتى بـ .. الشيخ: نعم، يشق تحصيله.
الطالب: إي، تحصيله.
الشيخ: طيب، الثالث؟ الطالب: الثالث: أن تكون القيمة تزيد.
الشيخ: ترتفع ارتفاعًا غير معتاد، تمام.
كل شرط جَرَّ نفعًا لمن؟ طالب: للْمُقرِض.
الشيخ: للمُقرِض، مثل؟ الطالب: مثل أن يشترط أن يسكنه داره سنة.
الشيخ: يشترط عليه؟ الطالب: سكنى الدار.
الشيخ: أن يسكنه داره شهرًا، أو سنة، أو أقل، أو أكثر.
طيب، أو؟ طالب: إي.
الشيخ: أن يسكنه داره، يعني المقرض قال للمقترض: أنا ما .. أنا أعطيك مليون ريال قرْضًا على أن أسكن بيتك لمدة سنة؛ هذا حرام، مثال آخر غير سُكنى البيت؟ الطالب: مثلًا أقرضك مليون ريال بشرط أن تعطي السيارة لنا لمدة شهر.
الشيخ: صح.
صحيح هذا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، إذا شرط عليه، قال: أنا أعطيك مثلًا ألف ريال بشرط أن توفيني ألفًا وعشرة، هل من هذا النوع؟ الطالب: نعم.
الشيخ: من هذا النوع.
طيب، بشرط أن توفيني أحسن، أقرضه بُرًّا وسطًا، قال: بشرط أن توفيني بُرًّا جيدًا، كذلك.
إذن، الشرط سواء كان في الأوصاف، أو في العدد، أو في أعيان أخرى، في أي شيء إذا اشترطه المقرِض فإنه يكون مُحرَّمًا، لكن ما هو التعليل لهذه المسألة؟ طالب: تعليل جواز ولا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1324

الشيخ: تعليل التحريم.
الطالب: بأن القرض جر نفعًا.
الشيخ: إي، لكن هذا ما يكفي؛ لأن هذا هو الحكم.
لكن لماذا كان حرامًا؟ الطالب: لأن هذا طريق للربا.
الشيخ: لأنه ربا.
الطالب: طريق للربا.
الشيخ: أو طريق للربا، كيف ذلك؟ أصْل عقد القرض معاوضة أو إرفاق؟ الطالب: معاوضة.
الشيخ: القرض معاوضة؟ ! لو كان معاوضة ما جاز أعطيك عشرة ريالات وتعطيني عشرة ريالات بعد أسبوع.
الطالب: إرفاق.
الشيخ: إرفاق، فإذا شُرط فيه نفع مادي صار معاوضة، فجرى فيه الربا من هذه الناحية.
يقول رحمه الله: (وإن بدأ به بلا شرط) (بدأ به) أي بما يجر النفع.
(بلا شرط) بأن أعطاه المقترض ما ينتفع به بلا شرط.
(أو أعطاه أجود) يعني بلا شرط.
(أو هدية بعد الوفاء) يعني بلا شرط (جاز).
هذه هي صور ثلاث، يعني رجل أقرض شخصًا مئة ألف، ثم أوفاه، وأعطاه سيارته يتمتع بها لمدة عشرة أيام، مكافأة على إحسانه.
الذي أعطاه مَنْ؟ المقترض؛ هذا لا بأس به؛ لأن هذا من باب المكافأة، والمسألة ليست مشروطة حتى نقول: إن هذا شرط جر نفعًا.
كذلك إذا أعطاه أجود فإنه لا بأس به، دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رد خيارًا رباعيًّا بدلًا عن بَكْر، وقال: «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» (2). كذلك إذا أعطاه هدية بعد الوفاء، بأن أهدى إليه هدية قليلة أو كثيرة، لكن بعد الوفاء، فإن ذلك جائز؛ لأنه في هذه الحال لم يكن معاوضة، أي: القرْض، بل كان باقيًا على الإرفاق، ولكن المقترِض أراد أن يُكافِئ هذا الْمُقرض بما أعطاه.
وعُلِم من قول المؤلف: (أو أعطاه أجود) أنه لو أعطاه أكثر بلا شرْط فإنه لا يجوز، والفرْق أن الأجود في الصفة، والأكثر في الكمية، فلا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1325

والصحيح أنه جائز بشرط ألا يكون مشروطًا، بأن يقترض منه عشرة، ثم عند الوفاء يعطيه أحد عشر فإنه لا بأس؛ لأنه إذا جازت الزيادة في الصفة جازت الزيادة في العدد؛ إذ لا فرق، بل قد تكون الصفة أحيانًا أكثر من العدد، كما لو كان جيدًا جدًّا فإنه قد يكون أكثر من العدد فائدةً للمُقرِض.
وفهم من قوله: (بعد الوفاء)، أنه لو كان قبل الوفاء فإنه لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى أن يهاديه المقترِض كلما مضى شهران أو ثلاثة، وذاك يزيد في تأخير الطلب، ثم يكون كالربا الزائد لكل شهر أو لكل سنة.
ولهذا قال: (وإن تبرع لِمُقرِضه قبل وفائه بشيء لم تجرِ عادته به؛ لم يجُز).
(إن تبرع)، مَنْ؟ المقترِض (لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجرِ عادته به؛ لم يجز)، سواء كان ذلك قليلًا أو كثيرًا.
وعُلِم من قوله: (لم تجرِ عادته به) أنه لو كان من عادته أن يتبرع له في مثل هذه المناسبة، فإنه لا بأس أن يقبل، وإن لم يحتسبه من دينه.
مثاله: أن يكون الذي أقرضه صاحبًا له، وجرت العادة أنه إذا سافر يعطيه هدية بعد رجوعه من السفر، كما هو معروف فيما سبق، فهذا المقترض سافر ورجع من سفره، وكان من عادته أن يعطي الذي أقرضه هدية السفر، فأعطاه الهدية هدية السفر بعد أن اقترض منه، فهذا لا بأس به؛ لأن الحامِل له ليس هو الاقتراض، بل الحامل له هو المودة والمصاحبة بينه وبين صاحبه.
كذلك يقول: (لم يجز، إلا أن ينوي مكافأته أو احتسابه من دينه).
(إلا أن ينوي) أي: المقرض، (مكافأته) أي: مكافأة المقترض، (أو احتسابه من دينه).
مثال هذا في مسألة المكافأة: إنسان استقرض من شخص ألف ريال، ثم إن المقترض أهدى إلى هذا المقرِض ساعة تساوي مئتي ريال، فله أن يقبلها بشرط أن ينوي المكافأة بمثل قيمتها أو أكثر.
فإن قال قائل: لماذا لا يردها أصلًا، ما دامت المسألة حرامًا، فلماذا لا يردها؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1326

قلنا: إنه قد يمنعه الحياء من الرد؛ لأنه من الصعب أن يقول: لا أريدها، أنا قد أقرضتك، فنقول: خُذْها وانوِ المكافأة، كافئه عليها، أعطه ساعة تساوي مئتين، أو ساعة تساوي ثلاث مئة، ما فيه مانع، أو ساعة تساوي مئة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، ليش؟ لأنه ليست مكافأة، المئة لا تكافئ المئتين.
(أو احتسابه من دَيْنه)، يقبل الهدية ولا يكافئه، المثال: أقرَضه ألف ريال، ثم إن المقترِض أهدى إليه هدية تساوي مئتي ريال فقَبِلها، لكن قيَّدها له، قال: وصل من فلان مئتا ريال، يجوز أو لا؟ يجوز؛ لأنه الآن نوى احتسابها من دَيْنه فسقطت عن ذمة المقترض.
وكما قلت لكم قبل قليل: لو أورد إنسان إيرادًا وقال: لماذا لم يرُدَّها؟ لماذا لم يكن صريحًا ويقول: هدية المقترض لا تُقبل؟ قلنا: لأنه ربما يمنعه الحياء والخجل وكسر قلب صاحبه، فيقبل، لكن يقيدها له ويحتسبها من دَيْنه، وهذا لا بأس به.
ثم قال: (وإن أقرضه أثمانًا فطالَبه بها ببلد آخر لزمته).
(إن أقرضه) أي: أقرض شخصًا (أثمانًا) وهي: الدراهم والدنانير (فطالبه بها ببلد آخر لزمته) مثاله: أقرضه دنانير في مكة، وطالبه بها في المدينة، يلزمه الوفاء أو لا؟ يلزمه الوفاء؛ لأنه لا ضرر عليه، القيمة واحدة في مكة أو في المدينة؛ لأن النقد كله نقد سعودي، ولا يختلف بين بلد وآخر.
أما إذا كان في بلد يختلف عن البلد الذي أقرضه فيه، فهنا قد يلحقه ضرر، قد تكون قيمته أغلى، وحينئذٍ نقول: لا يلزمه الموافقة، إن وافق فذلك المطلوب، وإن لم يوافق فلا يلزمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1327

طيب، إذا قال: أقرضك ألف ريال -هو في مكة- بشرط أن توفيني إياها في المدينة، يجوز؟ ننظر، يقولون: إذا كان لحمله مؤونة -وهذا لا يصح في مسألة النقود- فإنه لا يجوز؛ لأنه في هذه الحال يجر إلى الْمُقرِض نفعًا، وإذا لم يكن لحمله مؤونة كالأثمان فإنه يجوز؛ لأنه ما فيه نفع، لا زاد العدد، ولا زاد النوع، ولا شيء، إنما هو يريد أن يكون وفاؤه في بلده أحب إليه، والْمُقرِض من أهل المدينة.
ثم قال: (وفيما لحمله مؤونة قيمته إن لم تكن ببلد القرض أنقص).
(فيما لحمله) يعني إذا أقرضه شيئًا لحمله مؤونة، فله القيمة في بلد القرض.
مثال ذلك: أقرضه مئة صاع بُرٍّ في مكة، وطالبه بها في المدينة، من المعلوم أن مئة صاع بُرٍّ لحملها مؤونة، أليس كذلك؟ بلى، فيقول المقترِض: لا يلزمني، ومكان الوفاء هو بلد القرض، وهذه لحملها مؤونة يشق عليَّ، فلا يلزمه أن يوفي.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: لا فرْق بين أن يكون المطالَب به قيمته مساوية لبلد القرض أو مخالفة، إلا أنه استثنى وقال: (إن لم تكن ببلد القرْض)، يقول: (أنقص)، والصواب: أكثر؛ لأنه إذا كان الأنقص لم يأته ضرر، إذا كانت أنقص فلا ضرر عليه، ويلزمه أن يوفي.
مثال ذلك، المثال الأول: أقرضه مئة صاع بُرٍّ في مكة، وطالبه بها في المدينة، قيمتها في مكة مئتا ريال، قيمتها في المدينة ثلاث مئة ريال.
يلزمه أن يُوفي بالمدينة أو لا؟ طالب: لا يلزمه.
الشيخ: لا، يلزمه يا أخي، هو الآن لن يوفي بُرًّا، له القيمة في بلد القرض، في بلد القرض كم؟ مئتان، وهنا في المدينة بثلاث مئة، إذن نقول: سلِّم مئتين الآن، ما عليك ضرر، ليس عليك ضرر.
أما إذا كانت في مكة أكثر وقلنا: إن له قيمتها في مكة، فهنا لا يلزمه القيمة، ليش؟ لأنها ستزيد عليه، فماذا يرد الآن؟ يرد الْمِثْل.
والظاهر أنكم ما فهمتم؟ ! طيب، المسألة الأولى: أقرضه مئة صاع بُرٍّ في مكة وطالبه بها في المدينة، ومئة صاع لحملها مؤونة، أليس كذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1328

طيب، نقول: الآن لا يلزم المقترض أن يحملها من مكة إلى المدينة؛ لأن عليه ضررًا.
إذن ماذا يلزمه؟ يلزمه قيمتها في مكة، قيمتها في مكة، سألنا عنها وقالوا: إن قيمتها في مكة مئتا ريال، وقيمتها في المدينة ثلاث مئة، ما الذي يلزمه؟ مئتا ريال، واضح، يعني لا نقول: لازم تشتري لنا بُرًّا بثلاث مئة ريال، يلزمه مئتا ريال.
إذا كانت في مكة بثلاث مئة وفي المدينة بمئتين، ما هو بلد القرض؟ مكة، في مكة بثلاث مئة، في المدينة بلد الطلب، المدينة الآن هي بلد الطلب، ومكة بلد القرض، في المدينة بمئتين، وفي مكة بثلاث مئة؛ هنا لا يلزمه القيمة في مكة، ليش؟ لأن عليه ضررًا، يقول: أنا أشتري لك الآن مئة صاع من المدينة بمئتي ريال، فيرد هنا الْمِثل، حتى وإن كان لحمله مؤونة؛ لأنه الآن كسب، ثلث الثمن ينزل عنه، والمؤونة يمكن عشرة ريالات تأتي بها من مكة إلى المدينة.
فالحاصل الآن: إذا طالب الْمُقرِض المقترض ماله بغير بلد القرض، فإن كان لحمله مؤونة، فإنه لا يلزم المقترض أن يدفع الْمِثل، وإنما يدفع القيمة، إلا إذا كانت القيمة في بلد القرْض أكثر منها في بلد الطلب، فحينئذٍ يدفع المثل؛ لأنه لا ضرر عليه، كل يعرف أنه إذا اشترى مئة صاع من المدينة بمئتين أحسن مما لو اشتراها في مكة بثلاث مئة، وحينئذٍ يُلزَم بدفع المثل.
ولهذا يُعتبر كلام المؤلف رحمه الله فيه سبْقة قلم؛ حيث قال: (إن لم تكن ببلد القرض أنقص)، ولهذا تعقَّبه الشارح بقوله: صوابه: أكثر؛ لأنه إذا كانت ببلد القرض أنقص فليس عليه ضرر أن يرد المثل، أليس كذلك؟ ما عليه ضرر، إذا كانت القيمة في بلد القرض أكثر فلا ضرر عليه في هذه الحال، أن يشتري المثل ويرده، وما قاله الشارح هو الصواب.
طالب: إذا استقرض رجل من مُقرِض في مكة مئة صاع، ثم قال المقرض: ( ... ) في المدينة، ثم إذا جاء الأجل، أجل القرض وقال .. الشيخ: ما له أجل القرض؟ الطالب: شيخ، إذا قال: بعد شهرين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1329

طالب آخر: على القول الثاني يعني.
الشيخ: على المذهب ما له أجل القرض، على القول الصحيح، طيب.
طالب: وإذا ( ... ) طلب منه قال: أعطِني في المدينة، يعني شرط عليه أن تعطني في المدينة، وهنا.
الشيخ: ألسنا قلنا: إذا شرط أن يُوفي في غير بلد القرض ولحمله مؤونة فالشرط لاغٍ غير صحيح؟ الطالب: وهذا ليس فيه مؤونة.
الشيخ: زين، طيب.
الطالب: هذه ليس فيها مؤونة؛ لأن هناك مئة صاع بمئتين وفي المدينة بمئتين، ويأخذ مئتي ريال ( ... ) هذا معه فلوس.
الشيخ: طيب، لا بأس.
الطالب: وهنا يجب عليه أن يوكل في المدينة، هذا هو الصحيح؟ الشيخ: هو الصحيح، ما دام ما عليه ضرر، المقترض ما عليه ضرر الآن.
الطالب: إي، ليس عليه ضرر.
الشيخ: ما عليه ضرر، والقرْض إن كان حالًّا في الحال، وإن كان مؤجلًا وتم أجله فقد حل.
طالب: إذا اشترط -يا شيخ بارك الله فيك- المقرِض على المقترِض أن يكون الوفاء بغير بلد القرض، وكانت نيته، وكان المال خفيف المؤونة، كأن يكون فضة أو ذهبًا، لكن يعني أراد أن يأمن الطريق فينتفع بهذا المال وهو مشترِط أن يكون الوفاء بغير بلد القرض، فهل يجوز؟ الشيخ: إي، ما يضر هذا.
الطالب: لكن انتفع يا شيخ؟ الشيخ: أبدًا، ما ينتفع؛ لأن أمن الطريق قد يكون آمنًا، وقد لا يكون آمنًا.
الطالب: إذا تحققنا .. الشيخ: حتى لو تحققنا ما فيه مانع؛ لأن نفس القرْض ما فيه زيادة ولا نقص.
طالب: شيخ، لو اقترض زيد من عمرو ألف ريال، وزيد أهدى إلى عمرو هدية قبل الوفاء، ولكن الهدية هذه لا يعلم عمرو كم قيمتها، فهل يجب عليه أن يسأل زيدًا كم قيمتها؟ الشيخ: لا، يجب عليه أن يسأل أهل الصنف، أهل الخبرة.
الطالب: الهدية تكون من بلد بعيدة، وليست معروفة في هذه البلد.
الشيخ: يعني مثلًا ما يسأل أهل الخبرة، إذا فرض أنها حلي مثلًا يسأل الصائغ.
الطالب: تكون يعني من الدول الخارجية البعيدة.
الشيخ: في هذه الحال إذا لم يجد من يُقدِّرها يجب يسأل المقترِض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1330

الطالب: ما يفترض العادة.
الشيخ: يحتاط لنفسه، الاحتياط زين.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ( ... ) بعض أهل العلم يقولون: إنها من هذا الباب، أنها من باب القرْض الذي جرَّ نفعًا، فيقولون: النفع في كون المتقدم ينتفع باستخدام الماء، والمتأخر ( ... ) لم ينتفع كانتفاع الأول؟ الشيخ: طيب، ما يضر هذا، يعني حتى المقترض ينتفع مهما كان.
الطالب: معلوم أن الواحد يأخذ مثلًا لو كان ( ... ) خمسين ألفًا، أكثر من الأول ( ... ). الشيخ: من المنتفع الآن؟ الطالب: الأول، أول من ( ... ). الشيخ: لا، الآن اللي أعطيناه، أول واحد أعطيناه خمسين ألفًا ينتفع بها، من المنتفع؟ الطالب: هو.
الشيخ: هو المقرض ولَّا المقترض؟ الطالب: أصلًا ( ... ) يا شيخ، كلهم مقرضون ومقترضون.
الشيخ: لا، هو الآن مقترض؛ لأنه ما أخذ، المال اللي عنده عنده، فهو الآن مقترِض تمامًا، فالنفع للمقترض هنا.
الطالب: بعد ذلك هو مشروط عليه ( ... ). الشيخ: حتى لو اشترط عليه ما جاءه الزيادة على ماله أبدًا.
الطالب: ما جاء زيادة يا شيخ، لكن هو الأول ينتفع.
الشيخ: معلوم أنه ينتفع، المقترض لا بد أن ينتفع.
الطالب: والأخير؟ الشيخ: والأخير كذلك، والأخير اللي بينتفع، وكل واحد مُنتفَع منه ومُنتفَع به، فالنفع مشترك.
طالب: هل يصح التعجيل بشرط ( ... )؟ الشيخ: هو أصله كلمة التعجيل غير واردة بالنسبة لكلام الفقهاء؛ لأن القرْض لا يتأجل، لكن على القول الصحيح: إذا كان أجَّله مثلًا إلى سنة، ثم إن الْمُقرِض احتاجه، وقال للمُقترِض: ليس لي حق عليك، لكن أريد أن أضع وتُعجِّل أنت.
فالصحيح أن هذا جائز، ليس في القرْض وحده، في كل الديون المؤجَّلة إذا طلب من هي له التعجيل مع الإسقاط فلا بأس؛ لأن هذا مصلحة للجميع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لغرماء جابر قال: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» (3).

الجزء: 2 - الصفحة: 1331

طالب: في بعض البلاد قيمة عملتها تقل باستمرار، فإذا اشترط المقرِض أن يعطي المال للمقترض بعملة بلد أخرى قيمتها ثابتة؟ الشيخ: ما يخالف، إذا أعطاه العملة الأخرى، يعطيه العملة الأخرى.
الطالب: على أن يرد ( ... ). الشيخ: ما يخالف، يعني مثلًا أعطاه دولارات.
الطالب: نعم.
الشيخ: طبعًا اللي بيرده الآن دولارات حتى لو ما شرط عليه.
الطالب: لكن تختلف القيمة من يوم القرض ويوم السداد.
الشيخ: ما علينا منه، أنا أقرضته دولارًا لا بد أن يوفيني دولارًا، سواء شرطت عليه أو ما شرطت.
( ... ) طالب: هل يجوز ضد مسألة نزول العملات تقييم قيمة الـ .. ؟ الشيخ: تقييم ولَّا تقويم؟ الطالب: تقويم.
الشيخ: نعم، تقييم هذه لغة فاسدة.
الطالب: تقويم هذه الفلوس بما يساويها من ذهب أو فضة على أن يكون السداد في وقت الأداء ما يساوي هذه التقويم.
الشيخ: إذا فعل هذا لم يكن قرْضًا، صار هذا معاوضة؛ فلا يجوز.
طالب: شيخ، إذا أقرضه نقدًا مئة صاع بُرٍّ، وكانت المئة صاع بُرٍّ تساوي مئة ريال، وفي وقت السداد لم يجد البُر، وقال: عندي شعير، وصالحه على مئتي صاع شعير، وكانت المئة صاع شعير تساوي ألف ريال، هل يصح؟ ( ... ). الشيخ: هذا ميزانه حديث ابن عمر، قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ عنها الدنانير، وبالدنانير ونأخذ عنها الدراهم، نظير البُر والشعير، فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (4)، فيقال مثلًا: هل مئتا الشعير تساوي مئة البر؟ قال: نعم لا بأس، لكن يتقابضون قبل التفرق.
الطالب: لو شرط أكثر؟ الشيخ: ما يجوز، لو شرط أكثر صارت معاوضة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1332

طالب: رجل أخذ من بلد تبرعات لمشروع خيري، ألف ريال مثلًا، فلما ذهب إلى بلده وصرفها بعملة بلده تعطَّل هذا المشروع، فصرفها نفس الشخص الذي أخذ هذه الأموال، وبعد فترة نزلت قيمتها فأصبحت تساوي خمس مئة ريال بالعملة الأخرى، فالآن إذا بدأ هذا المشروع، فهل نقول له: يلزمك قيمة الألف ريال أو يلزمك .. ؟ الشيخ: هل هو مُتصرف في اجتهاد؟ إن كان باجتهاد ويرى أن هذا هو المصلحة فلا عليه شيء؛ لأن كل من تصرف باجتهاد فتبين خطؤه فلا شيء عليه.
الطالب: صرفها لنفسه.
الشيخ: لا، معتديًا يكون، إذا صرفها على نفسه فهذا معتدٍ، متعدٍّ، عليه الضمان، ولهذا نحن نرى أن مثل هذه المسائل كما ترون النقود والعملات، تتغير أنها تُجعل بالعملة الثابتة مثل الدولار، يعني ينبغي على طول أن يُحوِّلها إلى دولارات؛ لأن هذه عملة ثابتة، ويسمونها العملة الصعبة، أما يخليها .. تعرف الآن قالوا: إنه في بعض البلاد صار اللي يساوي بالأول عشرة ريالات صار ما يساوي ولا ريالين، مشكلة ( ... ). محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو القول الراجح فيما إذا أجَّل القرض؟ طالب: الصحيح أنه يتأجل بالتأجيل.
الشيخ: القول الراجح أنه يتأجل بالتأجيل، أعندك دليل على هذا؟ الطالب: نعم، عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] والوفاء بالعقد ( ... ). الشيخ: وقوله؟ الطالب: وقوله صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾.
الطالب: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].
الشيخ: نعم.
في السُّنَّة؟ الطالب: في السُّنَّة قوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (5)، وقوله: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (6). الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
مَنْ ذهب إلى هذا القول؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1333

الطالب: أنه يتأجل بتأجيله؟ الشيخ: نعم.
الطالب: قول شيخ الإسلام.
الشيخ: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
يقول: إذا أعطاه أجوَد، المقترِض أعطى المقرض أجود مما استقرض فلا بأس، فإن أعطاه أكثر؟ طالب: فإن أعطاه أكثر لا يجوز على قول المؤلف.
الشيخ: فعلى كلام المؤلف لا يجوز، الفرق؟ الطالب: الفرق لأنه أجود في الصفة، والأكثر في العدد.
الشيخ: أحسنت؛ لأن الأكثر زاده في الكمية، وذاك زاده في الصفة، والصحيح؟ الطالب: والصحيح الجواز.
الشيخ: الجواز إن لم يكن بشرط.
طيب، رجل كان من عادته أن يُهادِي المقرِض إذا قدِم من سفر أو صار مناسبة، ففعل كذلك.
طالب: ( ... ). الشيخ: كيف؟ قبل أن يُوفي.
الطالب: ( ... ). الشيخ: قبل أن يُوفي.
الطالب: ( ... ). الشيخ: أعطاه هدية قبل أن يُوفي.
الطالب: إن كان قبل وفائه لا يصح.
الشيخ: إي ما يصح.
طيب، أنت فاهم السؤال؟ السؤال: كان من عادته أن يُهاديه في المناسبات كالقدوم من سفر أو ما أشبه ذلك، فأعطاه الهدية قبل الوفاء؟ الطالب: لم يصح.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: لا.
الشيخ: إي.
طالب: يصح لأن المصنف قال .. الشيخ: اصبر، المهم وافقته.
لماذا؟ الطالب: لأنه من عادته، وليس يعني مشروطًا.
الشيخ: لأن هذا ليس سببه القرض، فيكون بعيدًا من الربا، وإذا لم تجرِ العادة به؟ طالب: فلا يجوز.
الشيخ: فلا يجوز، مطلقًا بدون استثناء؟ الطالب: إذا كان بعد الوفاء؟ الشيخ: لا، قبل الوفاء.
الطالب: قبل الوفاء مطلقًا.
الشيخ: بدون استثناء.
الطالب: إلا أن ينوي.
الشيخ: ينوي أيش؟ الطالب: ( ... ) احتسابه من دَيْنه، إلا من هذا.
الشيخ: إلا أن ينوي مكافأته أو احتسابه من دَيْنه، كيف هذا؟ مكافأته يعني؟ الطالب: يعني إذا أهدى ساعة بسعر مئتي ريال وقبل منه، ثم مكافأة عنه بمئتي ريال أو أكثر، هو إن كان أصلًا بمئة فذلك لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1334

الشيخ: طيب، وإن أعطاه ساعة قيمتها ألف ما هي مئتان؛ لأننا حين ذكرنا في الدرس مثَّلنا بساعة قيمتها مئتان، لكن الآن صار قيمتها ألفًا.
الطالب: برئ من ذمته، إذا كان مكافأته ليس عليه .. الشيخ: يعني إذا كافأه بما يساوي ألفًا.
الطالب: ويقول له ( ... ). الشيخ: فلا بأس.
طيب، أو احتسابه من دَيْنه، ويش معناه؟ الطالب: يعني إذا قيد الخسائر، وصل من فلان هذا وبقي عليه كذا؟ الشيخ: تمام، أفهمتم كلامه؟ احتسبه من دينه؛ يعني يُقيِّد له قيمة الهدية.
طيب، هذه ننتقل بها إلى مسألة، وهي ما لو أهدى أحد الطلاب إلى المدرس شيئًا، يجوز أن يقبل ولَّا لا؟ طالب: على التفصيل ( ... )، إذا كان معتادًا .. ؟ الشيخ: لا، أبدًا ولا اعتاد، ولا عرف المدرس إلا في المدرسة.
الطالب: لا يهديه يا شيخ.
الشيخ: أهداه، جاء إليه بساعة، وتفضل يا أستاذ، أنت رجل حريص ومجتهد، وجزاك الله خيرًا، وهذه إكرامًا لك، ساعة! الطالب: لا يقبلها إلا إذا نوى أن يرد ذلك.
الشيخ: إي، أحسنت، يعني في مثل هذا ربما يخجل المدرس أن يردها؛ لأن الطالب إنما جاء بها ليفرح إذا قبلها المدرس، فهنا ربما ما يخجل، نقول: اقبلها ولكن كافئه بمثلها أو أحسن، وهذه تُفرِّج عن الإحراجات في بعض الأحيان.
طيب، إنسان أقرض شخصًا ألف ريال في مكة، وتصادفا في المدينة فقال: أعطني القرض، ما تقول؟ طالب: يلزمه الرد.
الشيخ: يلزمه؟ قال: ما معي شيء، قال: ما معي إلا نفقتي اللي توصلني إلى بلدي، يحبسه؟ الطالب: لا، يؤجل يا شيخ.
الشيخ: طيب، من أين نأخذ أنه يجب عليه إنظاره؟ الطالب: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]. الشيخ: من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، إي نعم، أحسنت.


باب الرهن

الجزء: 2 - الصفحة: 1335

بسم الله الرحمن الرحيم (باب الرهن)، الرهن: مصدر رَهَنَ يَرْهَنُ رَهْنًا.
وهو في اللغة: الحبْس، ويُطلق على الثبوت، فمن الأول قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38]، أي: محبوسة بما كسبت.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21]، أي: محبوس.
وأما الثبوت فمنه قولهم: ماء راهن، أي: راكد ثابت.
هذا في اللغة.
وأما في الاصطلاح: فهو توثِقة ديْن بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها.
أُعيد مرة ثانية: توثِقة ديْن بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه، أي يعني أو استيفاء بعضه، منها أو من بعضها.
هذا تعريفه اصطلاحًا.
فقولنا: توثِقة دَيْن بعين، مثاله: إنسان في ذمته لي ألف ريال، فأعطاني ما قيمته ألفا ريال رهنًا بالدَّيْن، هنا يمكن استيفاء الدَّيْن من بعض الرهن أو من كل الرهن؟ طلبة: من بعض الرهن.
الشيخ: من بعض الرهن، طيب.
مثال آخر: رجل في ذمته لي ألف ريال، وأعطاني رهْنًا يُساوي خمس مئة ريال، هذا يمكن استيفاء بعضه منها.
وكله جائز، يعني سواء كان الرهن أكثر من الدَّيْن أو الدَّيْن أكثر من الرهن؛ لأنه إن كان الرهن أكثر من الدَّيْن فالتوثقة ظاهرة، وإن كان أقل من الدَّيْن فالتوثقة في بعض الدَّيْن خير من لا توثقة.
طيب، وقولنا: (توثقة دَيْن بعين) يُفيد أنه لا بد أن يكون الرهن عينًا، فإن كان دينًا فإنه لا يصح على كلام الفقهاء.
مثال ذلك: أنا أطلب فلانًا عشرة آلاف ريال، فأمسكته وقلت: أعطني عشرة آلاف ريال، قال: ما عندي، قلت: طيب، أنت تطلب فلانًا عشرة آلاف ريال، اجعل دَيْنَه الذي لك رهنًا لي.
فهنا توثقة دَيْن بِدَيْن، فلا يصح؛ وذلك لأن الدَّيْن الذي في ذمة الآخر لا يجوز بيعُه إلا على من هو عليه، فإذا كان كذلك فإنه لا يصح أن يكون رهنًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1336

وقيل: بل يصح أن يُوثَّق الدَّيْن بالدَّيْن، ويكون المدِين الثاني كأنه ضامن، يقول: نعم، أنا مستعد أن أوفيك ما في ذمتي لفلان إذا لم يوفك.
وهذا هو الصحيح؛ لأنه يجب أن نفهم قاعدة مفيدة جدًّا: أن الأصل في المعاملات الحِلُّ والصحة ما لم يُوجد دليل على التحريم والفساد.
وهذه من نعمة الله أن الطريق الموصل إلى الله الأصل فيه المنْع، يعني العبادات الأصل فيها المنع حتى يقوم دليل على أنها مشروعة، وأما المعاملات بين الناس، فمن رحمة الله وتوسعته على عباده أن الأصل فيها الإباحة والحل إلا ما ورد الدليل على منعِه.
وعلى هذا فنقول: ما المانع من أن نوثق الدَّيْن بالدَّيْن؟ أي مانع؟ ما دام ليس فيه مانع لا ظُلم ولا غرر ولا ربا؛ فالأصل الصحة.
طيب، الرهن من عقود التبرعات، المعاوضات، التوثقات؟ طالب: التوثقات.
طالب آخر: الثالث.
الشيخ: الثالث، نعم، من عقود التوثقات.
وعقود التوثقة رهن وضمان وكفالة، ثلاثة أشياء: عقود توثقة رهن، وضمان، وكفالة.
الرهن يقول المؤلف: (يصح في كل عين يجوز بيعها)، الآن بيَّن المؤلف ما الذي يصح رهنه، وربما نأخذ من ذلك أيضًا ما حُكم الرهن؟ الأصل في الرهن الصحة كما قلنا، ودليله من كتاب الله، وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإجماع، والنظر الصحيح، فأدلته كم؟ أربعة: كتاب، سُنَّة، إجماع، نظر صحيح.
أما الكتاب، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. وأما السُّنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (7)، هذا دليل من السنة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1337

الإجماع منعقد على هذا، النظر والقياس يقتضي ذلك؛ لأن الناس محتاجون إلى أن تمشي معاملاتهم، محتاجون إلى ذلك، فيستفيد الراهن والمرتهن؛ لأن المرتهن يقول: أنا لا أقرضك مثلًا إلا برهن، فإذا أعطى الراهن المرتهن رهنًا انتفع، الراهن ينتفع أيضًا حيث يجد من يُقرضه ويقضي حاجته، وكل شيء يتضمن المصلحة بدون مفسدة راجحة فإن القياس يقتضي حِلَّه وجوازه؛ لأن أصل الشريعة الإسلامية أصلها مبني على المصالح؛ المصالح الخالِصة أو الراجحة، هذا مبنى الشريعة الإسلامية.
إذن الرهن جائز بأيش؟ طالب: نعم، يصح.
الشيخ: جائز بأيش؟ دليله؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: اصبر، دليله أيش؟ أنواع الأدلة؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، أنا سألتك؛ لأنك الآن تفكر، أليس كذلك؟ قل: نعم ولَّا لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ولهذا انتبه، إذا فكرت وراح عليك كلمة واحدة ما عاد تبني على شيء.
طالب: جائز بالكتاب، والسُّنة، والإجماع، والنظر الصحيح.
الشيخ: تمام، الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والنظر الصحيح.
لكن ما الذي يصح رهنه؟ يقول: (يصح الرهن في كل عين يجوز بيعها حتى المكاتب).
كل عين يجوز بيعها يصح رهنها، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه إلا ما سيأتي من رهن الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها والزرع قبل اشتداد حبه فإنه يجوز رهنه مع أن بيعه في هذه الحال غير جائز؛ هذه القاعدة: كل عين يجوز بيعها يجوز رهنها، وما لا فلا.
طيب، رهن الولد، إنسان أراد أن يستدين، فقال له الدائن: لا أدينك إلا إذا رهنتني ولدك؟ قال: لا بأس، أرهنك ولدي.
يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأن الولد لا يصح بيعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1338

طيب، إنسان بدوي عنده ماشية وله كلب يحرس هذه الماشية، فجاء إلى إنسان وقال: أريد أن تقرضني كذا وكذا ألف ريال، قال: لا أقرضك إلا برهن، قال: أرهنك كلبي، لا يصح؛ لأن الكلب لا يصح بيعه، فإذا كان لا يصح بيعه فما فائدته؟ ما يكون فيه التوثقة، إذا كانت العين لا يصح بيعها فلا فائدة في رهنها إطلاقًا؛ لأنه إذا حَلَّ الدَّيْن، وأراد صاحب الدَّيْن أن يبيع الرهن ليستوفي حقه صار الرهن ممنوعًا بيعه، فلا يستفيد.
إنسان عنده بيت وقْف موقوف عليه وعلى ذريته، فأراد أن يستدِين من آخر، فقال: لا بد من رهْن، قال: أرهنك هذا البيت، وقفًا، يجوز أو لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليه؟ الطلبة: لا يصح بيعه.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه.
طيب، إنسان آخر قال: أريد منك رهنًا، قال: بيتي رهن، أرهنك بيتي، وكان البيت مرهونًا لإنسان سابق، فلا يصح، ليش؟ لأنه لا يصح بيعه، والمشغول لا يُشغَل.
يقول: (حتى المكاتَب) يصح رهنه، والمكاتَب هو الذي اشترى نفسه من سيده، يعني العبد الذي اشترى نفسه من سيده بثمن مُؤجَّل بأجلين فأكثر؛ هذا المكاتَب.
والكتابة مطلوبة شرعًا، بل قال بعض العلماء: إنها واجبة إذا طلبها العبد، وعلم السيد فيه خيرًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]، أي: صلاحًا في دينهم وكسبًا في دنياهم.
طيب، هذا الرجل له مُكاتَب؛ يعني له عبد اشترى نفسه منه، وأراد أن يرهنه، هل يجوز رهنه؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: مكاتب يا إخوان! طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأن المكاتب يصح بيعه، ثم إن أوفى عتق وبطل الرهن، وإن لم يُوفِ، يعني حل ديْن الكتابة ولم يُوفِ عاد رهنًا هو وكسبه، إذن المكاتَب يصح رهنه.
المدَبَّر؟ طالب: لا يجوز رهنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1339

الشيخ: الْمُدَبَّر، أتعرفون من هو؟ هو الذي عُلِّق عتقه بالموت، فقال سيده: إذا مِتُّ فعبدي حُر، فهل يجوز له أن يرهنه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه يجوز أن يبيعه، فجاز أن يرهنه؛ لأن هذا الْمُدبَّر لم يعتق حتى الآن، متى يعتق؟ إذا مات سيده.
طيب، قال: (مع الحق وبعده) يعني يصح الرهن مع الحق، يعني مع الدَّيْن، (وبعده) أي بعد الحق.
مثاله، قال: بعتُك هذا البيت بمئة ألف، على أن ترهنني بيتك الثاني، فقال: قبلتُ، فهنا الرهن مع الحق ولَّا قبله؟ طالب: مع الحق.
الشيخ: مع الحق.
(ويصح بعده) مثاله: رجل أقرض شخصًا مئة ألف، ثم جاء يطلبه: أعطني مئة الألف؛ لأني أقرضتك بدون تأجيل، قال: ما عندي، قال: إذن أرهنِّي بيتك، قال: رهنتك إياه، يصح، وهذا أيش؟ بعد الحق.
هل يصح قبل الحق؟ كلام المؤلف يدل على أنه لا يصح، لأنه قال: (مع الحق وبعده) أما قبله فلا، مثال هذا: إنسان جاء يطلب مني قرضًا مئة ألف، وقلت أنا: لا بد من أن أتوثَّق، أترهنني بيتك؟ قال: نعم، رهنتك بيتي بالقرْض الذي ستُقرضني إياه.
هنا الرهن؟ طلبة: قبل الحق.
الشيخ: قبل الحق نعم، يقولون: لا يصح؛ لأنه متقدم على سببه، إذ إن الرهن توثقة دَيْن بعين، فإذا وثَّقت قبل الدَّيْن فإنه لا يصح؛ لأنه قبل وجود السبب، وكل شيء يُقدَّم على سببه فهو لاغٍ، ولهذا لو أن إنسانًا أراد أن يحلف يمينًا، ثم قدَّم الكفارة قبل أن يحلف لم تجزئه؛ لأنها قبل وجود السبب.
وما ذهب إليه المؤلف هو المشهور عند فقهائنا رحمهم الله: أن الرهن لا يصح قبل ثبوت الحق.
وعرفتم السبب.
وقيل: إنه يصح قبل الحق، وكونه قبل السبب لا يضر، كما لو أن الإنسان اشترط في المبِيع شرطًا قبل تمام العقد فإنه يصح إذا اتفقا على الشرط قبله، هذا أيضًا إذا اتفقا على الرهن قبل العقد، فما المانع؟ !

الجزء: 2 - الصفحة: 1340

في الحقيقة أنه لا مانع، ولو أننا فتحنا الباب وقلنا: إنه لا يصح لتحيَّل المتحيلون، فجاء المستدِين للدائن وقال: أنا أريد منك مئة ألف، ولكني أعرف أنك لن تُقرضني إلا برهن، وأنا الآن أكتب لك رهن بيتي، رهنتك بيتي بالمئة ألف التي تقرضني، قال: طيب، ما دام رهنتني البيت، هذه مئة ألف، ولما انتهى العقد قال له المستدين: الرَّهْن غير صحيح، ولا لك رهن، فيكون بهذا فتح باب لأهل الحيل.
فالصواب أن الرهن جائز مع الحق، وقبل الحق، وبعد الحق، وأنه لا مانع؛ لأنه عقد توثقة، فيصح.
طالب: هل يجوز رهن الأمة؟ الشيخ: الأمة نعم.
الطالب: وهل يجوز استمتاع المرتهِن؟ الشيخ: المرتهِن بها؟ الطالب: إي.
الشيخ: أسألك: هل هو مالك؟ الطالب: ليس بمالك.
الشيخ: ليس مالكًا.
الطالب: ( ... ). الشيخ: اصبر يا رجَّال! ليس مالكًا.
طيب، ومن الذي يجوز له الاستمتاع؟ الطالب: المالك.
الشيخ: إما الزوج.
الطالب: لا، ليس بزوج.
الشيخ: لا، أقول اللي يجوز له الاستمتاع بالمرأة؛ إما الزوج وإما المالِك: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 5، 6]. الطالب: فيوجد فيه فتنة كما في ( ... )؟ الشيخ: لا، ما فيها فتنة، هذه يأتينا إن شاء الله، هل يُشترط القبْض؛ قبض الرهن أو لا؟ يأتينا إن شاء الله؛ لأن القول الراجح أنه يجوز أن يرهن الشيء ويبقيه عند الراهن، على القول الراجح، وحينئذٍ ( ... ). طالب: شيخ، قلنا: إن القاعدة إن ما لا يجوز بيعه لا يجوز الرهن به، وضربنا مثالًا على ذلك الكلب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فضربنا مثالًا على ذلك الكلب.
الشيخ: أعد.
الطالب: قلنا: ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، مثاله الكلب.
الشيخ: لا، من أمثلته.
الطالب: من أمثلته، فإذا كان المرتهِن مثلًا يقول: ارهن لي كلبًا ( ... ) بحيث لو لم تعطني ديني فأنا آخذ كلبك أستفيد به.
الشيخ: صار فيه عِوض، أليس كذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1341

الطالب: لكن عِوض يأتيه من بعد أن .. الشيخ: أجبني بس، صار فيه عوض ولَّا لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيْع الكلب (8). الطالب: لكن هذا لا .. الشيخ: هذا بيع، الآن أخذ الكلب عوضًا عما في ذمة صاحب الكلب.
الطالب: على أنه لو لم يأتِ به .. الشيخ: هو على كل حال قد لا يأتي.
الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
طالب: لو فرضنا له ( ... )، لكن قال: يشرط ألا يُباع بأقل؟ الشيخ: من يقوله؟ الطالب: الراهن.
الشيخ: ما يحصل، نقول: هذا لا يمكن.
الطالب: لو قال: بما تريد.
الشيخ: لا يمكن، يمكن تنزل الأشياء، هو ( ... )؟ الطالب: ما يحصل.
الشيخ: ما هي حاصلة، هو تحت الطلب والعرْض، ما يصح.
طالب: ( ... ) كلبًا، أو أن يستنفع به إذا ما ( ... )؟ الشيخ: يمكن يقول لصاحبه: أنا محتاج وأنت غير محتاج، وأنت إذا كنت غير محتاج لا يحل لك أن تقتنيه، ففك نفسك من الإثم وأعطني إياه.
الطالب: لا يكون له عليه منة؟ الشيخ: هو ويش يسوي؟ لأنه لو قلنا مثلًا: له أن يتنازل عن اختصاصه بهذا الكلب بِعِوض صار هذا هو بيع الكلب في الواقع؛ فلا يصح.
طالب: أحيانًا تكون عبارات ( ... ) المشهور بالمذهب، وأحيانًا المشهور عند الفقهاء ظاهرًا، هل هي واحدة يا شيخ؟ الشيخ: إي واحدة، المعنى واحد؛ ولأن المراد بالمشهور من المذهب عند المتأخرين، إي نعم.
طالب: أليس قلنا -يا شيخ-: ببيع الكلب إذا كان مضطرًّا.
الشيخ: إذا كان الطالب مضطرًّا فلا يجوز بيعه، يجب عليك إذا كان مضطرًّا وأنت ليس لك به حاجة أن تعطيه إياه ( ... ). طالب: ( ... ) البيوع يا شيخ، أن المضطر يجوز شراء الكلب والإثم على من أخذ الثمن؟ الشيخ: لا لا، قلنا: لأنه يتنازل ذاك عنه بعِوَض ما هو على سبيل البيع، ويكون الإثم على صاحب الكلب.
طالب: من ناحية يا شيخ الهدايا التي يعطيها البنك للمودعين.
الشيخ: نعم، أيش؟ الطالب: هدية يعطيها البنك لمن يودع عنده.

الجزء: 2 - الصفحة: 1342

الشيخ: إي، ما دام بلا شرط، ثم هذه الهدية تُعطى لكل أحد؛ لأن البنك ما هو يعطيها العميل فقط، يُعطيها العميل وغيره.
الطالب: هو يعطيها العميل، وكلما زادت عمالته كلما ( ... ). الشيخ: عجيب! على كل حال، إذا كان كذلك لا يأخذ شيئًا.
الطالب: ما يأخذ شيئًا؟ الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: كل قرض جرَّ منفعة.
الطالب: لكن هناك ما هو شرط، ما فيه لا شرط ولا عقد.
الشيخ: مطلقًا؛ لأن الآن الدراهم، الدراهم تراها عند البنك، ما هي بعد ( ... ). الطالب: إي، لكن ما فيه شرط؟ الشيخ: وإن لم يكن شرط.
الطالب: من باب الإحسان.
الشيخ: لولا أنه أعطاه المال ما أحسن إليه أبدًا.
الطالب: أحسن لأنه قبض.
الشيخ: ولهذا أنا قلت لك في الأول: هل إنه يعطي الهدايا لكل إنسان؟ فهذا لا بأس؛ لأنهم أحيانًا يعطون الهدايا من باب الدعاية.
الطالب: ممكن يرونها يا شيخ من باب الإحسان من المقترض إلى ( ... ). الشيخ: طيب، المكافأة بعد الوفاء، أما قبل لا.
الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يجوز، نعم.
طالب: شيخ، بالنسبة إذا دخل أحد محلًّا يشتري، فقال له: أعطيك الثمن بعد أسبوع ( ... )، فترك عنده بطاقته، ماذا تشتمل على العين، من أي الأقسام بطاقته؟ الشيخ: هذا ليس رهنًا، توثقة لكن لا تسمى رهنًا؛ لأن البطاقة هذه ما تنفع، لكن جرت العادة أن هذه من جنس الرهينة في الفداء، فداء الكفار، نأخذ واحدًا منهم حتى يعطونا ما عندهم من الأسرى.
الطالب: ما تدخل في الضمان.
الشيخ: لا، هذه ما هي من الضمان، هذه توثقة فقط، ما يصدق عليها الرهن.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- لو إنسان دائن دينًا ورهن مملوكه الذي هو مدبَّر، ثم مات صاحب المملوك، فهل يُفكُّ رهنه ولا يبقى مرهونًا؟ الشيخ: إي، يعتق.
الطالب: يعتق؟ الشيخ: نعم، يعتق.
الطالب: كيف إذا كان هذا ضمان توثيق أو كان عقد توثيق، فكيف توثيقه يعني .. ؟ الشيخ: ما دام صاحب الحق عالمًا بأن هذا مدبر فقد دخل على بصيرة.
( ... )


الجزء: 2 - الصفحة: 1343

طالب: ... وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: ويلزم في حق الراهن فقط، ويصح رهن المشاع، ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره.
وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه، إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع.
ولا يلزم الرهن إلا بالقبض.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
الرهن أحد عقود التوثقات، هل هناك عقد آخر للتوثقة؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: وهو؟ الطالب: الضمان والكفالة.
الشيخ: الضمان، والثالث: الكفالة.
طيب، هل الرهن جائز شرعًا؟ طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، ومن السُّنَّة.
الشيخ: لماذا لم تقل: الكِتاب والسُّنة، وما تضيف إليهما أيضًا؟ الطالب: جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
الشيخ: الكتاب، والسنة، والإجماع، والنظر الصحيح.
الكتاب؟ الطالب: يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. الشيخ: السُّنة؟ الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِنْ كَانَ مَرْهُونًا».
الشيخ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا».
الطالب: «ولبن الدُّرِّ».
الشيخ: «الدَّرِّ»، ترى الفرق بين الدَّر والدُّر؟ الطالب: «وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الرَّاكِبِ وَالشَّارِبِ».
الشيخ: «وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (7). الطالب: والإجماع أجمع العلماء بثبوته وجوازه.
الشيخ: نعم.
الطالب: أما القياس فلأن الأصل في العقود الحل.
الشيخ: لا، هذا دليل.
الطالب: ولأن حاجة المسلمين تدعو إلى ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1344

الشيخ: لأن الحاجة داعية إلى ذلك، وفيه مصلحة للطرفين للراهن والمرتهن.
طيب، ما هو الضابط فيما يجوز رهنه؟ طالب: كل ما يصح بيعه.
الشيخ: كل ما يصح بيعه صح رهنه، إلا؟ الطالب: إلا العبد على خلاف.
الشيخ: العبد؟ ! الطالب: المكاتب.
الشيخ: المكاتب؟ ! طالب: إلا الثمر على الكراهة.
الشيخ: لا.
طالب: إلا الآدمي يا شيخ، إلا بني آدم.
الشيخ: أنا أريد هذا، سيذهب وهلكم إلى باب القرْض.
الطالب: ما يصح رهن الأمة، ويصح رهن العبد.
الشيخ: لا، نحن قلنا في القرض: كل ما يصح رهنه يصح بيعه، حتى بني آدم؛ لأنه يجوز بيع العبد، لكن لما كان باب القرض قريبًا من باب الرَّهْن ربما يذهب بذهن الطالب إلى باب القرض.
الطالب: هو ذهب.
الشيخ: فعلًا هو ذهب.
طالب: الثمر يا شيخ؟ الشيخ: ما هي بهذا، ما هي على القاعدة هذه، على قواعد أخرى، ما هي بهذه.
إذن كل عين يصح بيعها يصح رهنها، كل عيْن لا يصح بيعها لا يصح رهنها إلا الثمرة، وسيأتي إن شاء الله، فالقاعدة هذه بالعكس.
هل يصح الرهن قبل الحق أو بعده أو معه؟ طالب: معه.
طلبة: ( ... ). الشيخ: أجمعوا على خلافك.
طالب: فيه خلاف يا شيخ، الصحيح أنه ... الشيخ: لا، هي ثلاثة أقسام: قبله، وبعده، ومعه.
الطالب: قبله وبعده، هذا جائز ومشروع، لكن مع الحق فيه اختلاف، والصحيح ( ... ). الشيخ: سبحانه وتعالى! طالب: بعده ومعه جائز، وأما قبله فظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز قبله، والصحيح أنه يجوز.
الشيخ: والصحيح أنه جائز، تمام.
طيب، مثاله مع الحق؟ طالب: مثاله مع الحق أن يعطيه مثلًا مئة ريال قرْضًا، ويشترط عليه أن يعطيه ساعة رهنًا فيعطيها إياه ( ... ). الشيخ: طيب، هذا مع الحق، وبعده؟ الطالب: بعده أن يعطيه القرض، ثم ( ... ) بعد أن يتفرقا من المجلس ويطلب منه رهنًا.
الشيخ: بعد أن ثبت الحق جاء إليه يطلب حقه وقال: والله ليس عندي شيء، قال: أنا أرهنك، فأعطاه رهنًا.
وقبله؟ طالب: قبله، قبل الحق أن يقول له: أعطيك كذا وكذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1345

الشيخ: رهنتُك بيتي هذا.
الطالب: رهنتك بيتي على القرض.
الشيخ: على القرض الذي ستقرضنيه غدًا.
الطالب: نعم، هذا قبله.
الشيخ: قبله، ودليل صحته قبله عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
ثم قال المؤلف رحمه الله: (بدَيْن ثابت)، هذا متعلق بـ (يصح)، يعني لا بد أن يكون بدَيْن ثابت.
(بدين ثابت) يعني لا بد أن يكون الرهن بدَيْن ثابت على الراهن، الراهن هو الذي يبذل الرهن، وهو الذي عليه الدَّيْن، فلا بد أن يكون دَينه ثابتًا الدين الذي عليه، فإن كان غير ثابت كدَيْن الكتابة مثلًا ليس ثابتًا على المكاتَب؛ إذ بإمكان المكاتب أن يُعجز نفسه، فإنه لا يصح الرهن به، وذلك لأن الرهن عقْد لازم، والدَّيْن غير الثابت ليس بلازم، ولا يمكن أن يُوثَّق غير الثابت بالثابت، فلذلك قالوا: لا يصح أن يرهن إلا بدَيْن ثابت.
ولكن القول الراجح أنه يصح الرهن بالدَّيْن غير الثابت، ويكون الرهن تبعًا للدَّيْن، إن استقر الدَّين وثبت، ثبت الرهن واستقر، وإلا فلا؛ لأن الرهن فرع عن الدَّيْن، فإذا كان الدَّيْن غير ثابت، صار الرهن كذلك غير ثابت حتى يثبت الدَّيْن.
يقول: (ويلزم في حق الراهن فقط).
أفادنا المؤلف رحمه الله أن الرهن عقْد لازم من وجه، جائز من وجه آخر، والمراد باللزوم والجواز هنا ليس الشرعي، بل المراد الحكمي، أو إن شئت قل: الوضعي، هو لازم في حق الراهن، جائز في حق المرتهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1346

مثال ذلك: رجل استدان من شخص مئة ألف وأرهنه سيارته، السيارة الآن بيد المرتهن، الرهن لازم في حق الراهن، لا يمكن للراهن أن يفسخ الرهن ويقول: أعطني السيارة، والمرتهن في حقه جائز، ووجه ذلك أن الرهن حق على الراهن للمرتهِن، وحق للمرتهن على الراهِن، وكل ذي حق فله أن يُسقط حقه؛ لأنه يملك ذلك، فإذا قال المرتهِن: أنا أبرأتك من رهنك، وخذ الرهن، وأنت في حل، بقي الدَّيْن مرسلًا لا رهن فيه.
لكن هل يُؤجر المرتهِن على ذلك أو لا؟ يُنظر، إذا كان هناك مصلحة، بأن كان الراهن محتاجًا للرهن، وكان رجلًا عاقلًا، نعرف أنه يُقدِّر الأمور، وأنه لن يلعب بالمال، فهنا قد نقول: من المصلحة أن يتنازل عن الرهن؛ لأجل أن ينتفع به صاحبه.
أما إذا علمنا أن الراهن رجل مبذر سفيه، لو أطلقنا له الرهن لباعه وتصرف، وأضاع ذمته، وأضاع حق الآخرين، فهنا نقول: الأفضل ألا يتنازل؛ لأن الله تعالى قال في العفو -وهو مما يحبه الله عز وجل- قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، فأما بدون إصلاح فعدم العفو هو الخير وهو الصلاح.
أفادنا المؤلف بهذا أن الرهن عقد لازم من وجه، جائز من وجه آخر.
هناك قِسْم آخر من العقود لازم من الطرفين، مثل عقد البيع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (9)، «وَجَبَ» يعني لزم، من الجانبين أو من جانب واحد؟ من الجانبين، هذا عقد لازم من الجانبين.
هناك عقد جائز من الجانبين، كعقد الوكالة: إنسان وكَّل شخصًا، وكَّله أن يشتري له سيارة، فلكل واحد من الوكيل والموكل أن يفسخ العقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1347

طيب، الآن هذا عقْد جائز من الطرفين، للوكيل أن يفسخ الوكالة، وللموكِّل أن يفسخ الوكالة، لكن لو فُرِض أن ذلك يتضمن ضررًا على أحدهما، فإن عموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (10) يمنع الضرر، وقياس قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]، مع أنها رجعية، يريد إمساكها قبل أن يتم الأجل؛ أجل العدة، يقول الله عز وجل: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، يعني لأن تقعوا في العدوان.
فإذا قدَّرنا أن الوكيل قَبِل الوكالة في موسم الناس فيه نشيطون على البيع والشراء، ثم لما فتر الناس فسخ الوكالة، أو لما رأى أن الوكلاء المعروفين قد انشغلوا فيما وكلوا فيه، فسخ الوكالة؛ من أجل أن يضطر الموكل إلى البحث عن وكيل ولا يجد، ففي هذه الحال نقول: إن فسخَه يتضمن ضررًا على الآخرين، فلا نجيز له ذلك إلا بعذر، أما إذا كان عذر كعجز أو ما أشبه ذلك فهو معذور، لكن بلا عُذر نقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، والقرآن الكريم يُرشد إلى هذا المبدأ العظيم؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
صارت العقود تنقسم إلى كم قسم؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: لازم من الطرفين، جائز من الطرفين، لازم من طرف دون الآخر، وذلك حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية، وعرفتم ما يستدل بها.
قال: (ويصح رهن المشاع)، (المشاع) يعني المشترك، يصح أن يرهن المشاع.
مثال ذلك: بيت بين رجلين، لكل واحد منهما النصف، فرهن أحدهما نصيبه لدائنه، يصح؟ طالب: لا يصح.
طالب آخر: يصح.
الشيخ: مشاع؟ طالب: يصح.
الشيخ: ولو كان؟ طلبة: ولو كان.

الجزء: 2 - الصفحة: 1348

الشيخ: ولو كان؛ لأن هذا الجزء المشاع يجوز بيعه، فإذا حل أجل الدَّيْن ولم يوف بِيع.
والدليل على جواز بيع المشاع قول جابر رضي الله عنه: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شُفعة (11).وهذا يدل على جواز بيع المشاع، فإذا كان بيع المشاع جائزًا كان رهنه جائزًا؛ لأنه إذا حل أجل الدَّيْن ولم يُوفَ بِيع، وبيع المشاع جائز.
إذن يصح رهن المشاع.
يقول: (يصح رهن المشاع، ويجوز رهن المبيع غير المكِيل والموزون على ثمنه وغيره).
يعني أيضًا المبيع يجوز أن يُرهن على ثمنه وغيره.
غير الثمن يعني؟ إي نعم، على ثمنه وغيره.
مثال ذلك: رجل اشترى من شخص بيتًا بمئة ألف، والمشتري عنده للبائع مئة ألف من قبل، فباع عليه، ولكنه رهن البيت بثمن البيت وبالمئة السابقة، مئة الألف السابقة، هنا رهن المبيع على أيش؟ طلبة: على بيته وغيره.
الشيخ: على ثمنه وغيره.
معلوم ولَّا غير معلوم؟ طالب: معلوم.
طالب آخر: غير معلوم.
الشيخ: طيب، رجل اشترى من آخر بيتًا بمئة ألف، وكان في ذمته للبائع -بائع البيت- مئة ألف أخرى، صار في ذمة المشتري مئتا ألف، فقال له البائع: أريد أن ترهنني البيت بثمنه الذي هو مئة ألف وبمئة الألف السابقة التي عندك، أيجوز أو لا؟ المؤلف يقول: يجوز رهن المبيع على ثمنه وغيره، هو على ثمنه رهْن مع الحق أو قبل الحق أو بعد الحق؟ طالب: بعد الحق.
طلبة: مع الحق.
طالب آخر: أو بعده.
الشيخ: مع الحق.
طيب، هو بالنسبة للرهن السابق بعد الحق، تمام.
كل مبِيع يجوز أن يُرهن على ثمنه، وعلى غيره من ديْن سابق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1349

يقول المؤلف: استثنى شيئًا قال: (غير المكِيل والموزون)، المكِيل لا يجوز رهنه على ثمنه ولا على غيره، يعني لو بعتُ عليك مئة صاع بُرٍّ بمئتي ريال، وقلت: أنا بأرهنها لي، مئة الصاع البر أنا أرهنها حتى تجيب لي مئتي ريال، المؤلف يقول: ما يجوز.
ليه؟ لأن ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، والمكِيل قبل أن يُقبض لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه، عرفتم؟ هذا وجه العِلَّة.
طيب، إذن رهن المبيع جائز على ثمنه وغيره، يُستثنى من ذلك المكِيل والموزون لا يجوز رهنه قبل أن يُقبض لا على ثمنه ولا على غيره، والعِلَّة في ذلك أنه لا يصح بيعه؛ هذه العلة.
والقاعدة عندهم: ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، وهذا هو المذهب، والصحيح الجواز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيْع المبيع قبل قبضه على غير بائعه، والحكمة من ذلك لئلا يربح فيما لم يدخل في ضمانه، ولئلا يربح ربحًا يغار منه البائع ويحاول فسخ البيع، أما إذا رهنه على البائع وهو مكِيل أو موزون، فالصحيح أنه جائز، وأنه لو قال البائع الذي باع عليه مئة صاع بمئتي ريال: أنا لا أُسلِّمك الأصواع إلا أن تأتي لي بالثمن، أريد أن تكون عندي رهنًا، يجوز أو لا؟ افرض أنكم ممن يقلد صاحب الكتاب، يجوز ولَّا ما يجوز؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: طيب، لكن القول الراجح أنه جائز؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع المكيل والموزون قبل قبضه على غير بائعه، وهذا رهن على بائعه، فإذا حل الأجل إذا كان الدَّيْن مُؤجلًا ولم يُوفِ، باعه البائع واستوفى حقه.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع.
كل ما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه؛ لأن رهنه حينئذٍ لا فائدة منه، ولهذا نسأل: لو أنكَ رهنت ولدك أيصح؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: كيف؟ الطالب: لأنه لا يصح بيعه.
الشيخ: ولدك؟ الطالب: لا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1350

الشيخ: ما هو يجب عليه الإنفاق عليك إذا كنت فقيرًا، أجبني: هل يجب عليه الإنفاق عليك إذا كنت فقيرًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، أنت احتجت إلى نفقة، ولكنه أبى أن يُنفق، فقلت: أبيعه وآخذ الثمن وأنفق على نفسي؟ الطالب: أرفعه للسلطان، أرفعه للحاكم يعني.
الشيخ: إي، المهم لا يصح.
إذن القاعدة: ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه.
لماذا؟ لأن رهن ما لا يصح بيعه لا فائدة منه، والعقود التي لا فائدة منها كلها لغو، لا يعتبرها الشارع شيئًا، أي فائدة من أن أرهن شيئًا لا يصح بيعه، فإذا حل الأجل ماذا أعمل؟ ! ليس إلا زيادة عناء ومشقة لا فائدة منها، فما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، والعلة: أنه لا فائدة من رهن ما لا يصح بيعه؛ لأنه إذا حل الأجل لم يتمكن المرتهِن من بيعه.
(إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع).
متى يبدو صلاح الثمرة؟ طالب: إما أن تصفر أو تحمر.
الشيخ: إذا اصفرت أو احمرت.
والزرع؟ الطالب: والزرع بُدو صلاحه بأن يشتد حبه.
الشيخ: إذا اشتد حبه.
طيب، (الثمر والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع).
بيعهما قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع لا يصح، لكن رهنهما قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع صحيح، ليش؟ لأنه إذا حل الأجل فإن كان قد بدا صلاحهما أمكن البيع وإلا انتظر حتى يبدو الصلاح، والمرتهن إذا كان يعرف أن الصلاح قد بقي عليه شهران أو ثلاثة قد دخل على بصيرة، ما فيه إشكال، وهذا الاستثناء واضح، أنه يجوز أن ترهن الثمرة قبل بدو صلاحها، وإن لم يُشترط القَطْع؛ بل إن شرْط القطع قد يكون مفسدًا للعقد؛ لأنه لا فائدة منه.
طيب، ورَهْن الثمرة قبل خروجها، والزرع قبل زرعه، أيصح؟ طالب: لا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1351

الشيخ: من أين نأخذه من كلام المؤلف؟ قوله: (إلا الثمرة والزرع)، وقبل خروج الثمرة معدوم، والرهن توثقة دَيْن بعين، وهنا لا عيْن.
وعلى هذا فإذا جاء الفلاح إلى التاجر، وقال: أنا أريد أن أحرث هذه الأرض وأزرعها، أريد أن تُديِّنني، تُقرضني مثلًا، قال: نعم، أنا أقرضك عشرة آلاف ريال، لكن بشرط أن أرهن الزرع الذي سوف تزرعه في هذه الأرض، فإنه لا يصح؛ لأن الزرع الآن ما هو موجود، كيف يرهن شيئًا معدومًا؟ ! لكن عمل الناس على خلاف ذلك، يرهنون ذلك باعتبار المآل.
فإن قال قائل: لماذا لا نعدل عن رهن الثمرة إلى رهن الشجرة والشجرة قائمة، وعن رهن الزرع إلى رهن الأرض، الأرض قائمة؟ نقول: الأرض قد تكون لغير المستدين، يكون المستدين مجرد زارع، وكذلك الشجر ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1352

ولا يَلزَمُ الرهْنُ إلا بالْقَبْضِ، واستدامتُه شَرْطٌ، فإن أَخْرَجَه إلى الراهنِ باختيارِه زالَ لُزومُه، فإن رَدَّهَ إليه عادَ لُزُومُه إليه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ واحدٍ منهما فيه بغيرِ إِذْنِ الآخَرِ، إلا عِتْقُ الراهنِ فإنه يَصِحُّ مع الْإِثْمِ، وتُؤْخَذُ قِيمتُه رَهْنًا مَكانَه، ونَماءُ الرَّهْنِ وكَسبُه وأَرْشُ الْجِنايةِ عليه مُلْحَقٌ به، ومُؤْنَتُه على الراهنِ وكَفَنُه وأُجرةُ مَخْزَنِه، وهو أمانةٌ في يدِ الْمُرْتَهِنِ إن تَلِفَ من غيرِ تَعَدٍّ منه فلا شيءَ عليه، ولا يَسْقُطُ بهَلاكِه شيءٌ من دَيْنِه، وإن تَلِفَ بعضُه فباقِيهِ رَهْنٌ بجميعِ الدَّيْنِ، ولا يَنْفَكُّ بعضُه معَ بقاءِ بعضِ الدَّيْنِ، وتَجُوزُ الزيادةُ فيه دونَ دَيْنِه، وإن رَهَنَ عندَ اثنينِ شيئًا فوَفَّى أحدَهما أو رَهَنَاهُ شيئًا فاسْتَوْفَى مِن أحدِهما انْفَكَّ في نَصيبِه، ومَتَى حَلَّ الدَّيْنُ وامْتَنَعَ من وَفائِه فإنْ كانَ الراهنُ أَذِنَ للمُرْتَهِنِ أو العَدْلِ في بيعِه باعَه وَوَفَّى الدَّيْن، وإلا أَجْبَرَه الحاكِمُ على وَفائِه أو بيعِ الرهنِ , فإن لم يَفْعَلْ باعَه الحاكمُ ووَفَّى دَيْنَه.
(فصلٌ) ويكونُ عندَ مَن اتَّفَقَا عليه، وإن أَذِنَا له في البيعِ لم يَبِعْ إلا بنَقْدِ البلَدِ , وإن قَبَضَ الثمَنَ فتَلِفَ في يدِه فمِن ضَمانِ الراهنِ، نقول: الأرض قد تكون لغير الْمُسْتَدِين، يكون المستدين مجرد زارع، وكذلك الشجر قد تكون لغير المستدين، المستدين فلَّاح ليس له إلا الثمرة، والشجر لِمَنْ؟ لمالك الأرض، فلا يمكن.
نعم لو أمكن بأن يكون المستَدِين هو مالك الأصل والفرع، قلنا: لا بأس، ارهن الشجرة وتدخل فيها الثمرة، أو ارهن الأرض ويدخل فيها الزرع، أما ألَّا يكون له ملك في الأرض، ولا ملك في الشجرة، هذا لا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1353

لكن كما قلت لكم: عمل الناس اليوم على خلاف ذلك، يأتي الفلاح ويقول للتاجر: أنا أريد أن أحرث في هذه الأرض، وأريد أن تُدَيِّنَنِي وأرهنك الزرع، فيعطيه هذا.
وإذا تأملت وجدت أنه ليس في الشرع ما يمنع ذلك؛ لأن المعاملات الممنوعة -كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، وقوله صحيح- مبناها على ثلاثة أشياء: الظلم، والغَرَر، والْمَيْسِر، فإذا وَجَدْتَ معاملة تشتمل على واحد من هذه الأمور الثلاثة فاعلم أن الشرع لا يقرها.
وأما ما عدا ذلك مما ينفع الناس ويُسَيِّرُ أحوالهم فاستَعِن بالله وأَفْتِ بحله، حتى يتبين لك التحريم، وأنت إذا أفتيت بِحِلّ ما لم يتبين تحريمه فأنت على حق، لماذا؟ لأن الأصل في المعاملات الحِلّ، وأنت يوم القيامة سوف يسألك الله -عزّ وجل-: لماذا حَرَّمت على عبادي ما لم أُحَرِّمه؟ أيش جوابك؟ ما عندك جواب.
لكن لو أَحْلَلْت لهم شيئًا لا تعلم أنه حرام قلت: يا رب، مشيت على قاعدة شرعية؛ أن الأصل الإباحة، كُلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وليس في كتاب الله بطلان هذا الشرط، والْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
فالإنسان في هذه المسألة بالذات ينبغي أن يُغَلِّب جانب الحِلّ؛ لأن تحليل المحرَّم أهون من تحريم الحلال؛ لأن تحليل المحرَّم في المعاملات مبني على أيش؟ على أصل، لكن تحريم الحلال مبني على غير أصل، وفيه تضييق على العباد بدون برهان من الله عزّ وجل.
ونحن نقول: هذه القاعدة -إن شاء الله- مفيدة، وتنفعنا وتنفع غيرنا، لكن عسى الناس يمشون على هذا، الناس الآن بدؤوا يتفلَّتون، والحلال ما حلَّ باليد، أو هذا يسمونه تأمينًا تعاونيًّا، وجاءنا في هذه الأيام وقبل خمس سنوات ما يسمى بالصاروخ، بالدولار الصاروخي أظن، ورقة وُزِّعَت على الناس، يقولون ( ... ) ويجيك أربعين ألف دولار، ويش لون خدوا الورقة هذه؟ طالب: منتشر.
الشيخ: منتشر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1354

على كُلِّ حال بدأ الناس الآن يظهرون علينا بمعاملات تحتاج إلى تأملٍ كبير، هل تنطبق على الشريعة الإسلامية، أو هي لعبة من اللعب، أو ماذا؟ ! طالب: القول يا شيخ: (ويجوز رهنُ المبيعِ غيرِ المكيلِ والموزونِ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) لا يجوز مكيل بموزون؟ الشيخ: داخلة في هذا؛ المعدود والمذروع داخل في هذا.
طالب: المبيع ( ... )؟ الشيخ: ما أدري عن هذه، تحتاج إلى تأمل، لكن المعدود والمذروع داخل في هذا.
طالب: إذا أفتى مجتهدٌ -يعني من له حق الاجتهاد- بصحة عقد فبان خلافه، فاحتج المشتري بأن هذا العقد باطل، يريد الإقالة بسبب هذا .. الشيخ: ما حصل.
الطالب: له ذلك يا شيخ.
الشيخ: لا أبدًا، ولا له كذلك، هذا المشتري ينبغي أن يُؤدَّب.
الطالب: يجري العقد صحيحًا.
الشيخ: ما دام من الأول قبله، ليش أول ما تبين له أنه خسران يروح يدَّعِي، مثل بعض الناس الآن يتعاملون مع البنوك، ولما صار عليه مليونان، ثلاثة ملايين قال: أعوذ بالله من الربا، لعن الله آكل الربا ومُوكِلَه، اليوم ملعون وأمس مَرْضِيّ عنه؟ ! سبحان الله، أعوذ بالله! هؤلاء يتلاعبون بدين الله.
رأينا في هذا ألَّا نُمَكِّن البنك من الربا، ولا نُمَكِّن هذا من التلاعب، نقول: سلِّم اللي أنت اتفقت عليه مع البنك، ونأخذه ونحطه في بيت المال، نأخذه ونجعله في بيت المال، نَحْرِم المرابي اللي هو البنك؛ لأنه أخذه بغير حق، ونمنع هذا من التلاعب، ولَّا ويش لون بالأمس حلال ويوم هو انتفع وقضى حاجته وكل شيء جاءنا يتباكى، ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: 16]، يقول: والله هذا حرام، ونبرأ إلى الله ( ... ). طالب: إذا ما فَرَّط؟ الشيخ: أبدًا ما يرجع، ما دام أنه باع أو اشترى بناءً على فتوى هذا المجتهِد أنه صحيح فلا حق له بعد ذلك في الرجوع، لا سيما ما دامت المسألة اجتهادية ما تخالف نصًّا قاطعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1355

طالب: يا شيخ، هل يصح الرهن في الزروع في الثمار المختفية في الأرض، يعني زي البطاطس مثلًا مع أن فيها نوعًا من الغَرَر.
الشيخ: إي، هذا الغَرَر يقول العلماء، على القول الراجح، وإلَّا فيه الخلاف، بعض العلماء يقول: ما نستطيع أن ( ... )، يعني الفجل والبصل والثوم لا يصح بيعه وهو في باطن الأرض، والصحيح بيعه، وأن ما ظهر منه يدل على ما بطن، وأن الغَرَر المترقَّب فيه غَرَرٌ يسير، يعني يعرِفُه أهل الخبرة، فالصواب بيع ذلك، وما زال المسلمون على هذا، وإذا صح بيعه صح؟ طالب: رهنه.
الشيخ: نعم.
الطالب: من رهن زرعًا أو ثمارًا قبل بُدُوّ صلاحها، ثم بَدَا صلاحها، ( ... ). الشيخ: مَن المالك؟ الطالب: المالك الراهن.
الشيخ: الراهن؟ عليه هو.
الطالب: ( ... ). الشيخ: الحصاد على الرهن.
الطالب: إذا أخذ ثمر الراهن.
الشيخ: لا يا أخي، يحصده ( ... ) المرتهن.
الطالب: وليس ( ... ). الشيخ: الْخِرْبِزَّة وغيرها، ويش هي الخربزة؟ ! الطالب: ما عندهم وقت، قليل، حتى .. الشيخ: تُبَاع في الحال، وياخد دراهمه.
الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، هذه.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، رهن ما لا يُتَيَقَّن سلامته، مثل رهن الحمل في البطن، أو رهن التجارة في البحر، هل تصح؟ الشيخ: هو على كل حال، إحنا ذكرنا لكم قاعدة في قواعد الفقه، تستحضرونها؟ طالب: نعم.
الشيخ: قلنا لكم: إن عقود التوثقة والتبرعات أيش؟ أسهل من عقود المعاوضة؛ لأن هذه إن حصلت فمَغْنَم، وإن فاتت فلا مَغْنَم فيها، فإذا رهنه شيئًا في البحر، نقول: يصح الرهن، إن نجا فهذا خير للجميع، وإن هلك فدَيَنْهُ باقٍ، فباب التوثيقات اعلموا أنه أهون وأوسع من باب التبرعات، ولهذا من قرن باب التبرعات والتوثيقات بباب المعاوضات فقد أخطأ.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى:

الجزء: 2 - الصفحة: 1356

وَلا يَلْزَمُ الرَّهنُ إلا بالقبض، واستدامَتُه شَرْطٌ، فإن أخرجه إلى الراهِن باختياره زَال لُزُومُه، فَإِنْ رَدَّه إليه عاد لُزُومُه إليه، ولا يَنْفُذ تصرفُ واحدٍ منهما فيه بغير إذن الآخر، إلا عِتْقَ الراهنِ فإنه يصحُّ مع الإثم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل عقد الرهن لازم أو جائز؟ طالب: جائز.
الشيخ: ما هو معنى جائز، يعني هل هو جائز شرعًا، لكن هل هو من العقود الجائزة أو من العقود اللازمة؟ طالب: لازم من جانب جائزٌ من جانبٍ آخر.
الشيخ: فَسِّر.
الطالب: فهو لازم من جانب الراهن، وجائز من جانب المرتَهِن.
الشيخ: نعم، عَلِّل.
الطالب: لأن الرهن حق المرتَهِن، فله أن يتنازل عن حقه إن تراجع، إن رأى ذلك.
الشيخ: نعم.
الطالب: أما من جانب الراهن فهو توثقةٌ لدَيْنٍ عليه، فهو لازم له حتى يتوثق المرتَهِن من دينه.
الشيخ: تمام، ما معنى قول المؤلف: (يصحُّ رهنُ الْمُشَاعِ)؟ طالب: يعني إذا كان هناك شيء مشاع فإنه يصح رهنه.
الشيخ: ويش معنى مشاع؟ الطالب: أن يكون بين اثنين أو ثلاثة على وجه غير مُمَيّز.
الشيخ: يعني مشترك، المشاع المشترك، يصح رهنه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ولو بغير إذن شريكه؟ الطالب: ولو بغير إذن شريكه.
الشيخ: طيب.
الطالب: لأنه يصح بيعه.
الشيخ: إي نعم، لأنه يصح بيعه، وما صح بيعُه صحَّ رهنه، هل القاعدة أن كل ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه مطلقًا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، لماذا؟ الطالب: لأن للمرتَهِن أن يأخذها، إذا بدا صلاحها باعه، إن لم يَبْدُ صلاحها انتظر حتى يبدو صلاحها ثم باعها.
الشيخ: تمام، بخلاف البيع فإنه ناقل الملك، هل كُلُّ ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه؟ طالب: كل ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه؟ الشيخ: نعم.
الطالب: لا، الْمَكِيل والموزون.
الشيخ: نعم.
الطالب: المكيل والموزون لا يصح رهنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1357

الشيخ: لا يصح رهنه، ويصح؟ الطالب: العكس، يصح رهنه ولا يصح بيعه قبل قبضه.
الشيخ: إي، يصح رهنه ولا يصح بيعه قبل قبضه، حتى لو على ما هو عليه؟ يعني حتى على البائع؟ الطالب: على كلام المؤلف نعم.
الشيخ: نعم.


قال المؤلف: (ولا يلزم الرهنُ إلا بالقبض).
(لا يلزم) أي: في حق مَن هو لازم في حقه وهو الراهن، (لا يلزم الرهن إلا بالقبض)، القبض من المرتَهِن، يعني لا بد أن يقبض المرتهنُ الرهن، فإن لم يقبضه فالعقد صحيح، ولكنه ليس بلازم.
دليل هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، فوصفها بأنها مقبوضة.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (1)، أخرجه البخاري، وهذا يدل على أن المرتَهِن يقبض الرهن، وعلى هذا فإذا رهن شخصٌ بيتًا بدَيْنٍ عليه ولكن المرتهن لم يقبضه فله أن يبيع البيت، أي: للراهن أن يبيع البيت ويتصرف فيه، لماذا؟ لأن الرهن لم يلزم إلا بالقبض، ولا قبض هنا، وهذا أحد القولَيْن في هذه المسألة.
والقول الثاني: أنه يلزم بالعقد في حق مَن هو لازم في حقه، بدون قبض.
ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا يدخل فيه عقد الرهن، سواء قُبِض المرهون أم لم يُقْبَض.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34]، ولأن جميع الناس يستقبحون هذا، أي أن يرهنه ويعطيه الثقة، ثم بعد ذلك يبيع ويفسخ الرهن، وهذا القول هو الراجح؛ للأدلة التي سمعتموها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1358

وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فليقرأ الإنسان ما بعدها، حيث قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283]، يعني بدون قبض، وإنما نص الله على القبض في المسألة الأولى؛ لأنه لا يمكن أن يتمكن من التوثقة حق التمكن إلا إذا قبض، هو على سفر، وليس عندهم كاتب، فبماذا يتوثق من حقه؟ بالرهن المقبوض؛ لأنه إذا لم يقبضه فإنه يجوز للمَدِين أن ينكر الرهن، كما أن الرهن إنما كان من أجل ألا يحصل هناك تناكُر بين البائع والمشتري.
وعلى هذا فنقول: ليس في الآية ما يدل على أن القبض شرط، وإنما يدل على أن القبض من كمال التوثقة؛ لأن الله تعالى ذكره في صورة معينة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283]. أما الحديث وهو: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ» (1)، فهذا نعم، نقول بموجبه، لكن متى؟ إذا قُبِض، ولكن هل هذا يدل على أن القبض شرط للزوم؟ لا، فالصواب الذي عليه عمل الناس من قديم الزمان أنه يلزم بمجرد العقد، ولا يملك الراهن أن يفسخه.


ثم قال المؤلف: (وَلا يَلْزَمُ إِلا بالقبض، واستدامتُه شَرْط).
هذه زيادة على القبض، يعني استدامة القبض شرط في اللزوم، فلو قبضه المرتَهِن لمدة يوم أو يومين ثم رده على الراهن زال اللزوم؛ لأنه لا بد أن يستمر القبض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1359

مثال ذلك: رجل رهن سيارته عند إنسان بدَيْن عليه، فقبضها المرتَهِن صاحب الدَّيْن، وبعد مُضِيّ يومين أتى إليه الراهن وقال: أرجو أن تعطيني السيارة؛ لأني أحتاجها، وهي عندك واقفة لا تستفيد منها، قال: نعم، فردها المرتهن إلى الراهن.
ففي هذه الصورة يزول لزوم الرهن، وللراهن أن يتصرف فيه، هذا على كلام المؤلف.
ولهذا قال: (فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه، فإذا رَدَّه إليه عاد لزومه إليه).
وهذا كُلُّه مبني على أن القبض شرط في لزوم الرهن، وأن استدامته شرط كذلك، والصواب خلاف هذا، فليس القبض شرطًا، ولا استدامته شرطًا.


ثم قال المؤلف: (وَلا ينفُذ تَصَرُّفُ واحدٍ منهما فيه بغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ إلَّا عِتْقَ الرَّاهِنِ).
(لا ينفذ) يعني: لو أن أحدهما -أي: الراهن أو المرتهن- تصرف فيه بأي تصرف فإنه لا ينفذ، لماذا؟ أما كون الراهن لا ينفذ تصرفه فلأن الرهن مشغول بحق غيره، وتصرفه فيه إبطال لحق الغير، وأما كون المرتَهِن لا يملك التصرف فلأن المرتهن ليس مالكًا، الرهن ملك لمن؟ للراهن، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه، فلا يصح أن يتصرف لا الراهن ولا المرتهن في المرهون.
وعلى هذا فيبقى الرهن مُعَطَّلًا، إذا امتنع كُلٌّ منهما أن يأذن للآخر يبقى مُعَطَّلًا، فلو أن الإنسان رهن بيتًا في دَيْن، الدَّيْن خمس مئة ألف، والبيت يساوي أجرةً خمسين ألفًا، فطلب الراهن من المرتهن أن يؤجِّر البيت لينتفع بالأجرة، فأبى المرتهن، أو طلب المرتهن من الراهن أن يؤجِّر البيت فأبى الراهن، فإن البيت يبقى مُعَطَّلًا، لا ينتفع به أحد، وهذا القول كما ترى فيه شيء من إضاعة المال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1360

والصواب: أنه إذا طلب أحدهما عقدًا لا يضر بحق المرتهن فإن الواجب إجابته، فإذا قال الراهن: أنا أريد أن أُوجِرَ البيت وأنتفع بالأجرة، خمسون ألفًا تمثل قسطًا كبيرًا من الدَّيْن الذي عليَّ، وأبى المرتهن، فإنه يُجْبَر أن يرهن، لكن بشرط على وجه لا يضيع به حق مَنْ؟ حق المرتهن.
فإن كان يضيع به حق المرتهن، مثل أن يطلب الراهن تأجيره على مَن يدمر البيت، يكسر الأبواب، يكسر الزجاج، يَلْحَى البويه وما أشبه ذلك فللمرتهن أن يمتنع؛ لأن ذلك يضر به؛ إذ إن هذا المرهون عند بيعه سوف ينقص، فله أن يمتنع، أما إذا لم يكن هناك نقص فإن الممتنع منهما يُجْبَر؛ لأن في تركه وإهماله إضاعةً للمال وضررًا على الراهن.
يقول المؤلف: (بغير إذنِ الآخر)، وعُلِمَ منه أنه إذا أَذِن أحدهما للثاني أن يتصرف فهو جائز، فإذا قال المرتهن للراهن: أَجِّره مَن شئت، فأَجَّرَه، فلا حرج، ولكن ماذا تكون الأجرة؟ تكون تبعًا للرهن، تُحْفَظ في أي مكان يحفظ فيه الدراهم حتى يحِلّ الدَّيْن، وكذلك إذا أذن الراهن للمرتهن وقال: لا بأس أجِّره، فإنه يُؤَجِّره، وإذا قبض الأجرة أسقط قدرها من أيش؟ من دَيْنِه، وهذا هو المتعيِّن، أعني أنه إذا امتنع أحدهما أُجْبِر، ما لم يكن هناك ضرر على المرتهن.


قال: (إلا عتق الراهن فإنه يصح مع الإثم وتؤخَذ قيمتُه رهنًا مكانه).
يعني: (إلا عتق الراهن) فإنه ينفذ، ويعتق العبد المرهون، لكن مع الإثم، ويُضَمَّن الراهن قيمته، تكون رهنًا مكانه.
مثال ذلك: رجل استدان من شخص خمسين ألفًا، وأرهنه عبده، ثم إن الراهن أعتق العبد، يقول المؤلف: إعتاقه العبد حرام، لكن العتق ينفذ، أما كون إعتاقه حرامًا؛ فلأنه تصرُّفٌ يسقط به حق المرتهن فكان حرامًا، وأما كونه نافذًا فلقوة سريان العتق، نفذ مع التحريم.
فماذا يكون حق المرتهن؟ يقول المؤلف: (تؤخذ قيمته رهنًا مكانه).

الجزء: 2 - الصفحة: 1361

تؤخذ القيمة من أين؟ من الراهن الذي أعتقه، تُؤْخَذ وتُجْعَل رهنًا، ولم يقل: يُؤْخَذ ثمنه؛ لأنه لم يبعه.
وعلى هذا فيقوَّم هذا العبد، ثم تُجْعَل القيمة رهنًا مكانه، فإذا كان الراهن ليس عنده شيء، فماذا يصنع؟ يبطل حق المرتهن؛ لأنه ليس عنده شيء، ويبقى الدَّيْن الأصلي في ذِمَّتِه.
وعُلِمَ من قول المؤلف: (إلا عتق الراهن) أن عتق المرتهن لا يصح ولا ينفذ، والعلة: أنه لا يملكه، ليس مالكًا له، فالمرتهن لا ينفذ عتقه مطلقًا.
لو أنك رهنت الأخ هذا المسجِّل ثم بعته بدون رضاه، يصح البيع؟ طالب: هذا يصح.
الشيخ: لا، أنت أخذت دَيْنًا من الأخ وأرهنته هذا المسجل، هل يجوز أن تبيع هذا المسجل؟ لا، لا يجوز؛ لأنه قد تعلق به حق المرتهن، حق الغير، ولو رهنته عبدًا لك فأعتقت العبد ينفذ العتق أو لا ينفذ؟ الطالب: ينفذ.
الشيخ: نعم، هذه، يقول المؤلف: إنه ينفذ.
لو باع هذا العبد، الراهن لم يعتقه لكن باعه؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: يحرُم ولَا يصح.
وعرفتم لماذا نفذ العتق مع التحريم؛ أن العلة قوة سريان العتق، لكن هذا القول ضعيف جدًّا، والصواب أنه لا يصح عتقه؛ أن عتقه حرام ولا يصح.
أما كونه حرامًا فلأن في تنفيذه إسقاطًا لحق المرتَهِن، وأما كونه لا ينفذ؛ فلأنه أمر ليس عليه أمر الله ورسوله، هو حرام، فكيف نقول: حرام، ثم نقول: ينفذ؟ ! تناقض، مُحَادَّة لله ورسوله، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (2). وأما قولهم: إن هذا من أجل قوة سريان العتق، فنقول: قوة سريان العتق ما لم يبطل به حق الغير، وإذا بطل فلا يجوز؛ لأنه يكون حينئذٍ محرَّمًا، والعتق عبادة، فإذا وقع على وجه محرَّم كان باطلًا.
فإن أَذِنَ المرتهن للراهن أن يعتقه؟ طالب: إذا أذن المرتهن للراهن أن يعتقه على كلام المؤلف يجوز.
الشيخ: وعلى كلامك؟ الطالب: أيضًا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1362

الشيخ: أيضًا يجوز، إذن ما حاجة لنقول: المؤلف؟ الطالب: يمكن يكون فيه استقراء .. الشيخ: المهم أيش؟ أنه إذا كان اعتاقه إياه بإذن المرتهن فلا إشكال في جوازه ونفوذه.
الخلاصة الآن: تصرُّف الراهن أو المرتهن في الرهن بغير إذن الآخر؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، النفوذ؟ طالب: أيضًا.
الشيخ: لا ينفذ إلا مسألة واحدة، وهي العتق، والصواب أنه لا ينفذ حتى العتق، وعرفتم تعليل ذلك.


يقول: (وتؤخذ قيمته رهنًا مكانه، ونماء الرهن وكسبه، وأَرْش الجناية عليه مُلْحَق به).
نماء الرهن مُلْحَق به، كَسْبُه مُلْحَق به، أَرْش الجناية عليه مُلْحَق به، يعني أنه يكون رهنًا.
النماء يكون متَّصلًا ويكون منفصلًا، فإذا رهنه شاةً هزيلة، ثم سمِنت، وزاد لحمها، وكبر جسمها، فهذه الزيادة هل رهن أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لا شك أنها تدخل في الرهن، ولو قلنا: إنها لا تدخل، لقال الراهن للمرتهن: ليس لك إلا قيمته هزيلًا، ولكن الأمر كما قال المؤلف؛ الزيادة المتصلة تلحق، ولا إشكال.
الزيادة المنفصلة أيضًا تلحق، مثاله: رهنه شاة، فحملت الشاة بعد الرهن وولدت، وحملت وولدت، وحملت وولدت، وأولادها وَلَدُوا، فهل الأولاد منها أو من أولادها يتبعون الرهن؟ نعم؛ لأنه نماء.
وكذلك يقال فيما لو رهنه نخلًا، فنما النخل وكبر، فإن النماء يتبع الأصل، وكذلك لو أثمر النخل بعد أن رُهِن فإن ثمرته تكون رهنًا؛ لأنها نماء له.
(كَسْبه) أي: ما اكتسبه؛ الرهن، كعبد اتَّجَر، يعني رهن عبدًا واتَّجَر العبد وكسب، فَكَسْبُ العبد رهن تبعًا لأصله، وكذلك لو أذن الراهن للمرتهن أن يؤجِّر البيت المرهون وأُجِّر فأجرته تكون رهنًا؛ لأن الفرع يتبع الأصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1363

الثالثة: (أَرْش الجناية عليه مُلْحَق به)، أيضًا يتبع الرهن، مثال هذا: رَهَنَ شاةً عند إنسان، ثم إن أحدًا من الناس اعتدى عليها وكسر رِجلها ونقصت قيمتها، فإن الراهن صاحب الشاة سوف يأخذ النقص من المعتدي الذي جَنى، هذا النقص الذي أخذه من الجاني يكون رهنًا، وهكذا أيضًا لو كان عبدًا رهنه ثم جَنَى عليه الإنسان فأتلف منه عضوًا فإن دِية هذا العضو تكون رهنًا.
فصار النماء وأيش؟ والكسب وأَرْش الجناية يُلحَق بالرهن، يعني جميع ما يتفرع من الرهن يُلحَق به.
(ومؤونته على الراهن، وكفنه، وأجرة مخزنه).
(مؤونته) يعني طعامه وشرابه، وكسوته إن كان يحتاج إلى كسوة على الراهن؛ لأنه ملكه، فله غُنْمُه وعليه غُرْمه.
مثال ذلك: إذا كان الرهن يحتاج إلى الحراسة، واستأجرنا حارسًا يحرسه، فعلى مَن تكون الأجرة؟ طلبة: على الراهن.
الشيخ: على الراهن؛ لأنه حراسة ملكه، لا يقول قائل: إنه بين الراهن والمرتهن؛ لأن كلًّا منهما سوف يستفيد.
نقول: هذا خطأ؛ لأن الغُرْم بالغُنْم، فمن له غُنْمُ شيء فعليه غُرْمه.
كذلك أيضًا كفنه لو مات، يعني لو كان المرهون عبدًا فمات، إذا مات يحتاج إلى أجرة غاسل، قيمة ماء، قيمة كفن، فعلى مَنْ تكون هذه؟ تكون على الراهن؛ لأنه ملكه، له غُنْمه وعليه غُرْمه.
كذلك (أجرة مخزنه)، يعني لو كان الرهن يحتاج إلى خزن، واستأجرنا مكانًا نخزنه فيه، فأجرة المخزن؟ طالب: على الراهن.
الشيخ: على الراهن، ولا يقال: إن المخزن فيه مصلحة للجميع فينبغي أن تكون أجرة المخزن على الجميع، نقول: لأن عين هذا المال للراهن، وغُنْمه له وغُرْمه عليه.
قال: (وهو أمانة في يد المرْتَهِن إن تلف من غير تَعَدٍّ منه فلا شيء عليه).
(هو) الضمير يعود على المرهون.

الجزء: 2 - الصفحة: 1364

(أمانة في يد المرتَهِن)، فيد المرتهن يد أمانة، وجه ذلك أنه حصل المال في يده بإذن من مالكه، وكُلُّ مال حصل بإذن من المالك، أو إذن من الشارع فهو بِيَد صاحبه أيش؟ أمانة؛ لأنه لم ( ... )، بل قبض بحق، فهو أمانة في يد المرتهن، وإذا كان أمانة فإنه لا يجوز له أن يتصرف فيه، إلا ما استثنى الشرع في قوله: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» (1)، وما عدا ذلك لا يجوز التصرف فيه، وقد سبق.
ولكن يتفرع على قولنا: إنه أمانة، أنه إذا تلف من غير تَعَدٍّ منه فلا شيء عليه، (إن تلف) الضمير يعود على أيش؟ طالب: الشيء المرهون.
الشيخ: الشيء المرهون.
(من غير تعدٍّ منه فلا شيء عليه)، فإن كان تعدٍّ منه فالضمان عليه، أي: على المرتهن.
وكذلك أيضًا لو فَرَّط فإن ضمانه عليه.
وعلى هذا ينبغي أن يُزَاد في كلام المؤلف: من غير تَعَدٍّ ولا تفريط، والفرق بين التعدي والتفريط أن التعدي فعلُ ما لا يجوز، والتفريط تركُ ما يجب.
يظهر بالمثال؛ لو أن شخصًا ارتهن ناقة من آخر، ثم لم يُحِطْها بعناية، فقضى عليها البرد، ماتت من البرد، ماذا نقول لهذا؟ هذا تفريط؛ لأن الواجب عليه أن يجعلها في مكانٍ دافئ لئلَّا تموت.
ومثال آخر: رجل رهن بعيرًا، ثم إن المرتهن صار يُحَمِّل عليها ويكُدّها، فماذا نسمي ذلك؟ نسميه تعديًا.
فالفرق إذن بين التعدي والتفريط أن التعدي فعلُ ما لا يجوز، وأن التفريط تركُ ما يجب.
إن تعدَّى أو فرَّط -الذي هو مرتهن- فهو ضامن، وإن لم يَتَعَدّ ولم يُفَرِّط فليس بضامن، وعلمتم العلة في ذلك؛ أنه قَبَضَه من صاحبه بإذنه.
(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنه).
(لا يسقط بهلاكه) أيش؟ الرهن.
(شيء من دَيْنِه) أي: من الدَّيْن الذي عليه، بل يبقى الدَّيْن على ما هو عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1365

مثال ذلك: رجل استدان من شخص وأرهنه سيارته، ثم إن السيارة جاءها قضاءٌ وقدرٌ من الله عَزَّ وَجَلَّ واحترقت، وكانت مرهونة بخمسين ألف ريال، فهل يسقط شيء من الدَّيْن في مقابلة الاحتراق؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن يجب أن تلاحظ أنه لا يسقط إلا إذا كان بتَعَدٍّ أو تفريط، فإنه إذا كان بتعدٍّ أو تفريط أُلْزِم المرتهن بالضمان، وحينئذٍ لا بد أن يُسقَط من الدَّيْن بمقدار ما لزمه من ضمان، لكن الكلام فيما إذا لم يَتَعَدّ أو يفرِّط فإنه لا يَسقط بهلاكه شيء من الدَّيْن؛ لأن الجهة منفكة، هذا رهنُ توثقة، وهذا دَيْن ثابت في الذمة فلا يتساقطان.
(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنه)، فإن أسقطه المرتهن، يعني: أن المرتهن رَحِمَ الراهن الذي تلف ماله المرهون، فأسقط شيئًا من دَيْنه، أيجوز هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يجوز؛ لأن الحق له، بل يُحْمَد ويُشْكَر على هذا أن جَبَرَ قلب أخيه بإسقاط شيء من الدَّيْن مقابل ما تلف.
(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنِه، وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدَّيْن).
(إن تلف بعضه) أي: بعض المرهون، (فباقيه رهن بجميع الدَّيْن)، وليس بقسط التالف، انتبه.
المثال: رجل رَهَنَ خمس شياه متقاربة الثمن بخمس مئة ريال، فتلفت واحدة، هل يَسقط مقابلها مئة؟ لا؛ لانفكاك الجهة.
تلف اثنتان، يثبت الخمس مئة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، وهلمَّ جرّا.
فما هلك من المرهون فإنه لا يُسقَط من الدَّيْن، إلا إذا كان متعديًا أو مفرِّطًا فهنا ( ... ) ويُسقَط من دَيْنِه إلا إذا أوفاه.
(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنِه، وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدَّيْن).
إن تلف البعض؛ بعض المرهون، (فباقيه رهنٌ)، لكن رهنٌ فيما يقابله من الدَّيْن أو رهن بجميع الدَّيْن؟ طلبة: بجميع الدَّيْن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1366

الشيخ: بجميع الدَّيْن، مثال ذلك: رجل رهن عشر شياهٍ بمئة ريال، وتلف من عشر الشياه خمس، وبقي خمس، هل نقول: إن هذه الْخَمس رهنٌ بجميع الدَّيْن، أو رهنٌ بما يقابلها من الدَّيْن وهو خمسون، ويبقى الرهن الثاني مرسَلًا ليس فيه رهن؟ الجواب: الأول؛ لأن هذا عقد تَوْثِقَة، ليس عقد معاوضة ( ... ) يقابَل بعِوَض، هذا عقد توثقة، والتزاحم فيه تزاحم استحقاق، وعلى هذا فنقول: إنه إذا تلف بعضه فباقيه رهن بكُلِّ الدَّيْن، لا نقول: إن الدَّيْن نصفه له رهن ونصفه ليس له رهن؛ لأن المرهون تلف بعضه، أي نصفه.
يقول: (وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدَّيْن، ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدَّيْن).
هذا أيضًا مهم، لا ينفك بعض الرهن مع بقاء بعض الدَّيْن، ومع بقاء كُلِّ الدَّيْن من باب أولى.
والمثال نرجع إليه، نقول: رجل رهن خمس شياه بخمس مئة درهم، ثم إنه فَكّ، يعني أوفى من الخمس مئة الدرهم؛ أوفى ثلاث مئة درهم، والمرهون كم؟ خمس شياه، هل نقول: إن ما يقابل الوفاء ينفك به الرهن؟ لا، بل نقول: يبقى الرهن بجميع الدَّيْن، ولهذا قال: (لا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدَّيْن)، بل يبقى على ما هو عليه؛ رهن بباقي الدَّيْن.
(وتجوز الزيادة فيه دون دَيْنِه).
تجوز الزيادة في الرهن دون دَين، أما الزيادة في الرهن فلأن فيها مصلحة، وهي زيادة التوثقة، وأما الزيادة في دَيْنِه فلا يجوز؛ لأنه شغْلٌ بمشغول؛ لأنه يريد أن يشغل هذا الرهن بالدَّيْن الثاني، مع أنه مشغول بالدَّيْن الأول، والمشغول -كما قلنا- لا يُشْغَل.
لمثال: رجل استدان من شخص خمسين ألفًا، وقال له الشخص: أريد رهنًا، قال: هذه السيارة، فأخذها، وانتهى العقد على هذا؛ أن الرهن سيارة واحدة، ثم إن صاحب الدَّيْن -وهو المرتهن- شعر بأن السيارة لا تكفي في الدَّيْن، فطلب ممن رهنه السيارة أن يرهنه سيارة أخرى، هل تجوز أو لا تجوز؟ طلبة: تجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1367

الشيخ: تجوز؛ لكن هل يُجْبَر الْمَدِين على أن يرهن الأخرى؟ لا، لا يجوز، لكن لو اتفقا فلا بأس؛ لأنه ليس فيه ظلم ولا ربا، وأما الزيادة في الدَّيْن فلا، الزيادة في الدَّيْن هي صورة المسألة: رجل استدان من شخص وأرهنه البيت، استدان خمسين ألفًا وقال: لك البيت رهنًا، ثم إن الْمَدِين احتاج زيادة الفلوس، فجاء إلى المرتهن وقال: أَقْرِضْنِي، قال: أعطني رهنًا، قال: الرهن الأول، هذه الأخيرة تتبع الرهن الأول، يقول المؤلف: إن هذا أيش؟ لا يجوز؛ لأن الرهن بَقِيَ مشغولًا بالدراهم الأولى.
والصواب الجواز، الصواب أن هذا جائز، وأنه لا بأس بزيادة الدَّيْن؛ لأنه برضا الطرفين، وفيه مصلحة، مصلحة لِمَن؟ الحقيقة أن المصلحة هنا للراهن، وذلك لأن المرتهن قد توثَّق لنفسه، فإذا جاء الراهن وطلب منه أن يُضِيف إلى الدَّيْن الأول شيئًا يدخل في الرهن صار من نصيب الراهن، ولكن نقول: لا مانع، ما المانع أن يكون لأحد الطرفين مصلحة فيما فعل، وهي مصلحة ليس فيها ربا، وإنما هي معاملة مستقلة.
طالب: إذا تلف الرهن بدون تعدٍّ أو تفريط من المرتهن فهل يُلْزَم الراهن بأن يؤدي بدله؟ الشيخ: لا، ما يُلزم؛ لأن الراهن لا يلزم بوضع بدل عنه إلا إذا كان من تصرفه هو، إذا كان من تصرفه هو فلا بأس.
الطالب: قد يقول المرتهن: إن حقه سقط.
الشيخ: لكن ما هو بيده، لكن لو أتلفه آخر فله أن يطالب بالضمان، وإذا ضمن صار رهنًا.
طالب: لو كان الرهن أقل من الدَّيْن، وقد رضي المرتهن ( ... ) واحد، فهل تبرأ ذمته أم يبقى في ذمته ما بقي من الدَّيْن؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1368

الشيخ: الظاهر أنه يبقى، وأن ذمته ما تبرأ براءةً تامة، لكنها لا تتعلق بدَيْنِه.
أقول: لا تبرأ براءةً تامة، يعني ليس معناه أنه إذا مات والرهن أقل من حقه نقول: ما فيه إلا هذا، لا نقول هكذا؛ لأن الدَّيْن متعلق بالذمة، لكن من جهة أنه لا تتعلق به نفسه كما جاء في الحديث نفسه أنه معلَّقٌ بدَيْنِه (3) إن صح، فإنها لا تتعلق نفسُه بذلك؛ لأن صاحب الدَّيْن رضي بهذه الرهينة.
طالب: إذا رهن يا شيخ شيئًا قيمته ألف على دَيْن ألف، وأتلفه المرتهن باختياره متعديًا أو مفرِّطًا، ثم قال: أريد أن يكون الألف هذا مقابل الألف ويسقط الدَّيْن، فقال الراهن: أريد أن تأتي بالرهن بدله، يعني مثله وقيمته، حتى إذا بعته في وقت السداد يكون أكثر؟ الشيخ: إي نعم، له ذلك، يعني إذا قال: أنا أريد أن تضمن بالقيمة؛ لأنه ربما عند السداد تكون قيمة هذا الشيء الذي تلف أعلى.
طالب: إذا كان جرى العرف أن الإنسان إذا رهن عند شخص كتابًا أن له أن يقرأه، فهل نقول: إن هذا العرف يجري مجرى الإذن؟ الشيخ: إذا كان عرفًا مضطردًا معروفًا فلا بأس، وأما إذا كان يفعله بعض الناس دون بعض فلا يجوز إلا بإذن خاص.
الطالب: لا يكون قرضًا جَرَّ نفعًا من نفس هذا التصرف، قراءته يعني.
الشيخ: هذا غير مقصود ولا شرط في العقد، لكن لو فرض أن المراجعة هذه لها قيمة لكان يجب أن يحتسبها من دَيْنِه.
طالب: لو أن رجلًا استدان من رجلٍ مالًا وأرهنه عبدًا ثم عتق ذلك العبد ونحن قلنا: إن العبد لا يعتق.
الشيخ: الصحيح أنه لا يعتق.
الطالب: لو أن الرجل بعد ذلك وَفى به، هل يلزم عتق العبد بـ ( ... ). الشيخ: لا يلزم.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا كان النماء المنفصل مما يتعرض للتلف، فهل يقوِّمه المرتهن ويضاف إلى قيمة الرهن، أم له أن يتصرف فيه؟ الشيخ: لا، يقوَّم وتُجعل القيمة مع الرهن.
طالب: الراهن والمرتهن إذا رهنه خمس مئة ريال بخمسة ( ... ) لا يعني.

الجزء: 2 - الصفحة: 1369

الشيخ: لا ينفق الرهن بالخمس، تبقى الخمس كُلُّها رهنًا.
الطالب: هذا مع الاتفاق الأول، لأنه اتفق قبل أن يسلِّم.
الشيخ: أنه؟ الطالب: يعني إذا سلمه ثلاث مئة ( ... ). الشيخ: يعني على أنه كُلَّما أوفى شيئًا من الدَّيْن انفك ما يقابله من الرهن.
الطالب: علم الراهن أن المرتهن يتحايل عليه، ( ... ). الشيخ: أمامهم القضاة، يذهبون إلى المحكمة.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا كان المرهون سيارة وأوقفها المرتهن في الشارع، هل يعتبر تفريطًا، وسرقت؟ الشيخ: بالنسبة لعرفنا الآن إذا كان الشارع واسعًا فإنه ليس بتفريط، أما إذا كان ضيقًا فهو تفريط ولا شك؛ تفريطٌ من وجه، وتعدٍّ من وجهٍ آخر، تفريطٌ من جهة حفظ السيارة، وتعدٍّ على أهل الشارع.
الطالب: لكن السرقة ويش علاقتها؟ السيارة سُرِقَت.
الشيخ: لا، أنت تقول: صُدِمَت.
الطالب: لا، سُرِقَت.
الشيخ: هذا ينبني على أنه هل السيارات في الأسواق تعتبر مُحْرَزة أو لا، هذا محل خلاف بين القضاة الآن؛ منهم مَن يرى أنها حرز؛ لقوة الأمن واستتبابه، ومنهم من يرى أنها ليست بحرز، والصحيح من حيث الضمان أنها حرز فتُضْمَن، وأما من حيث قطع اليد بالسرقة فدرء الحدود بالشبهات أمرٌ لا بد منه.
طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، إذا كان الرهن سيارة، فهل له أن يركبها بنفقتها كما يركب الظهر؟ الشيخ: لا، والفرق بينهما أن الظهر لا بد له من نفقة؛ لأنه حيوان، مضطر إلى أكل وشرب، بخلاف السيارة، لكن كما قلت لكم قبل قليل: إذا طلب أحدهما أن يُنتفع بالرهن بلا ضرر على الآخر وجبت إجابته.
طالب: حفظك الله، لو استدان منه مالًا فطلب رهنًا، فأرهنه بُرًّا، ثم سافر الراهن وانقطع، فخشي هذا المرتهن أن يفسد البُرّ مع الزمن، فهل له بيعه بدون إذن المرتهن هنا؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: وهل له أن يبيعه يجعل قيمته رهنًا مكانه؟ الشيخ: مَن اللي يبيعه؟ الطالب: المرتهن.
الشيخ: إذا خاف فساده؟ الطالب: إذا خاف فساده.

الجزء: 2 - الصفحة: 1370

الشيخ: إي، ما به شك.
الطالب: أن يحصل إذا سافر الراهن.
الشيخ: إي نعم، هذا يباع وتُجْعَل القيمة رهنًا مكانه.
طالب: بالنسبة لفك الرهن، لو كان الرهن قابلًا للتجزئة، والرهن مثلًا قارب الخمس شياه، وسَدَّد قسطًا من الدَّيْن، ولو إحنا قلنا: الرهن لا ينفك، معناه إنه مفيش تناسب ما بين الرهن وما بين القيمة؟ الشيخ: إي، لا بأس، نحن نقول هذا، وإن لم يكن تناسب، أليس يجوز أن يرهنه بيتًا يساوي مليون ريال بمئة ريال؟ الطالب: نعم.
الشيخ: هكذا.
الطالب: بس هذا الرهن قابل للتجزئة.
الشيخ: لا فرق؛ لأن الرهن ( ... ).


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وَإِنْ رَهَنَ عند اثنين شيئًا فَوَفَّى أَحَدَهُمَا، أَوْ رَهَنَاهُ شيئًا فاستوفى من أحدهما انْفَكَّ في نصيبه، ومتى حَلَّ الدَّيْن وامتنع من وفائه، فإن كان الرَّاهنُ أَذِنَ للمرتهن أو العَدْلِ في بَيْعِه، باعه وَوَفَّى الدَّيْن، وإلَّا أجبره الحاكم على وفائه أَو بَيعِ الرَّهنِ، فَإِن لم يفعل باعه الحاكمُ وَوَفَّى دَيْنه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل رهن عبدًا فجُنِيَ على هذا العبد وأُخِذَ أَرْش الجناية، فهل يكون الأَرْش رهنًا أو لا؟ طالب: نعم، يكون الأرش رهنًا مع العبد.
الشيخ: يكون الأرش رهنًا مع العبد، لماذا؟ الطالب: لأنه مُلْحَق به، يعني يُعْتَبر جُنِيَ على العبد فنقص.
الشيخ: يعني عِوَضًا عن نقيصة الرهن، فيُلْحَق به.
وآخر رهن عبدًا فكسب العبد وحصَّل، هل يُلْحَق كَسْبُه به؟ الطالب: نعم، يُلْحَق به.
الشيخ: نعم، لماذا؟ الطالب: لأنه من كسبه، يعتبر تابعًا له.
الشيخ: لأنه من عمله وكسبه فيكون تابعًا له.
لو مات الرهن فعلى مَن تكون مؤونة تجهيزه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1371

طالب: على مالكه وهو الراهن.
الشيخ: على مالكه وهو الراهن، فيها دليل؟ الطالب: نعم، فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ».
(4) الشيخ: نعم، «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ».
الطالب: «مِنْ صَاحِبِهِ»، له غُنْمه وعليه غُرْمه.
الشيخ: أحسنت.
ما هو الذي ينفذ من تصرف الراهن؟ طالب: لا ينفذ من تصرفه شيء إذا كان مقبوضًا.
الشيخ: لا ينفذ أيش؟ الطالب: لا ينفذ من تصرفه شيء إذا كان الرهن مقبوضًا.
الشيخ: لا ينفذ من تصرفه شيء إذا كان الرهن مقبوضًا.
طالب: ينفذ عتق العبد، إذا أعتق العبد فإنه ينفذ.
الشيخ: تمام، توافقه؟ طالب: أوافقه على المذهب.
الشيخ: إي على المذهب ينفذ العتق، فيضيع حق المرتهن؟ الطالب: لا، يقول: تُؤخَذ قيمته مكانه.
الشيخ: وإذا كان مُعْسِرًا الراهن؟ الطالب: نظره، يصبر.
الشيخ: طيب، المسألة هذه فيها أقوال ذكرناها من قبل.
طالب: شيخ، القول الصحيح أنه لا يعتق.
الشيخ: القول الصحيح أنه لا ينفذ العتق كغيره من التصرفات.
الطالب: نعم.
الشيخ: تعليلهم بماذا نجيبه؟ الطالب: مَنْ؟ الشيخ: تعليل المذهب؛ اللي يقول: ينفذ؛ لأن العتق له سِرَاية وتغليب، مبني على السراية والتغليب.
الطالب: نعم، يقولون: العتق ينفذ؛ لأنه مبني على السراية والتغليب، هذا تعليلهم.
الشيخ: وهل هذا صحيح؟ الطالب: لكن هذا غير صحيح، نقول: نعم، هو فيه سراية، لكن لو كان فيه غير إسقاط حق الغير، أما وفيه إسقاط حق الغير فلا ينفذ.
الشيخ: إي نعم؛ ولأن العتق قُرْبَة، فلا يُتَقَرَّب إلى الله بمعاصيه، والمسألة إذا كان فيها .. الطالب: شيخ، قلتم: لأنه يحرُم، هذا فعل يحرُم، هم يقولون: حتى وإن حَرُم فإنه مع حرمته لجريان أو لسريان العتق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1372

الشيخ: نعم، القول الثاني في المذهب أنه ينفذ، والقول الثالث: أنه إن كان مُعْسِرًا لم ينفذ، وإن كان مُوسِرًا نفذ؛ لأن الْمُعْسِر يتعذر منه أَخْذ القيمة التي تكون رهنًا، وأما الْمُوسِر فتسهل، فلا يضيع حق المرتهن، ولكن الصواب أنه لا ينفذ مطلقًا حتى وإن كان الراهن من أيسر الناس؛ لأنه تعلق به حق الغير.
يقول المؤلف: إن الرهن أمانة في يد المرتهن، فما هو الضابط في الشيء الذي يكون أمانة أو غير أمانة؟ طالب: نقول: لأنه يا شيخ حصل التصرف فيه بإذن المالك.
الشيخ: لا، ما هو الضابط؟ نريد ضابطًا يكون عامًّا في هذا وغيره.
الطالب: ما كان بإذن المالك أو بإذن الشارع فإنه يصح صرفه.
الشيخ: فهو أمانة، لا ما هو يصح صرفه، فهو أمانة، وما كان بغير إذنٍ من الشارع والمالك فليس بأمانة.
ينبني على هذا أن الأول؛ الذي حصل عليه الشيء بيده أمانة لا يضمن إلا إذا تعدَّى أو فرَّط، وأن الثاني ضامن بكلِّ حال، هذه قواعد مفيدة لكم؛ الثاني الذي حصل المال بيده بغير إذن الشارع والمالك هذا مُتَعَدٍّ، فيضمن بكُلِّ حال، والأول الذي حصل المال بيده بإذن من الشارع أو إذن من المالك هذا أمين، فلا يضمن إلا بِتَعَدٍّ أو تفريط.
إذا رهن بيتًا وسلَّمَه إلى المرتَهِن، فهل يُؤَجِّره المرتهن، أو الراهن، أو ماذا؟ طالب: على قول المصنف فإنه لا يجوز لأحدهما أن يتصرف فيه إلا بإذن الآخر، إذا لم يأذن بقي مُعَطَّلًا.
الشيخ: إذا لم يتفقَا بقي معطلًا، ولو كانت أجرته في السنة عشرة آلاف أو أكثر.
الطالب: لكن الصحيح أن مَن طلب منهم عقدًا لا يضر بحق الآخر يجب على الثاني موافقته.
الشيخ: نعم، عرفتم؟ الصحيح أنه إذا طلب أحدهما ما لا يتضرر به الآخر وجبت إجابته؛ لأنه إن طلب الراهن فهو ملكه، له أن يُؤَجِّره وهو لا يضر المرتهن بل ينتفع به؛ لأن الأجرة تكون رهنًا معه، فهو تقوية له.

الجزء: 2 - الصفحة: 1373

وإن طلبه المرتهن وأبى الراهن فهذا محل إشكال؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا طلب المرتهن دون الراهن فإنه لا يُجْبَر الراهن؛ لأن الراهن مالك، فكيف يُجْبَر على تأجير ملكه؟ لكن الصحيح أنه يُجْبَر؛ لأن المرتهن يقول: أنا لي أيش؟ أنا لي حق في هذا، أنا أريد أن يُؤجَّر حتى تكون أجرته رهنًا وزيادة في التوثقة.
فعلى هذا تكون القاعدة ما ذكرناه أولًا، وهي أنه إذا طلب أحدهما من الآخر ما فيه منفعة دون مضرة على صاحبه وجبت إجابته حتى لا يضيع المال ويخسر الجميع.
رجل رهن بيتًا بمليون ريال، كم مليون ريال؟ طالب: مليون ريال يعني عَشر مئة.
الشيخ: عَشر مئة لا، غلط، عَشر مئة ألف.
الطالب: المليون عَشر مئة ألف.
الشيخ: عَشر مئة ألف غلط، المليون كم؟ طالب: عَشر مئة ألف صحيح.
الشيخ: ما هو ألف ألف؟ الطالب: ألف ألف أو عَشر مئة ألف.
طالب آخر: هو نفسه.
الشيخ: طيب، عَشر مئة ألف، ثلاث كلمات، لكن ألف ألف كلمتان، ألف ألف، ثم أوفى نصيبه، الْمَدِين أَوْفَى ما عليه إلا درهمًا من ألف الألف، هل يَنْفَكّ الرهن أو لا؟ طالب: لا؛ لأنه لا يتبعض.
الشيخ: يعني لا ينفك الرهن إلا بقضاء الدَّيْن كُلِّه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: كذا؟ الطالب: هذا ليس عقدًا .. الشيخ: اصبر، اصبر، يعني لا ينفك الرهن إلا بقضاء الدَّيْن كُلِّه ولو بقي واحد من مليون، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الحق باقٍ في الرهن.
رهن عند اثنين شيئًا فوفى أحدهما، هل ينفك الرهن في حق الذي استوفى حقَّه؟ الطلبة: درس اليوم.
الشيخ: صحيح، إذن نبدأ به إن شاء الله.


(وإن رَهَنَ عند اثنين شيئًا فوفَّى أحدَهما، أو رَهَنَاه شيئًا فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه).
رَهَنَ عند اثنين شيئًا فوفَّى أحدهما، هذا الشيء المرهون ملك لواحد، رَهَنَه عند اثنين، فوفَّى أحدهما، فإنه ينفك الرهن في نصيبه دون نصيب صاحبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1374

مثال ذلك: استدان زيد من عمرٍو وبكر مئة ألف، كل واحد أدانه خمسين ألفًا، ثم رهن عندهما، قال: هذا البيت رهن بدَيْنِكما، ثم أوفى أحدَهما؛ أوفى عَمْرًا، فهل ينفك في نصيبه؟ الجواب: نعم، ويبقى هذا البيت مرهونًا نصفه فقط، وباقيه غير مرهون، هذا معنى قوله: (إن رهن عند اثنين شيئًا فوفَّى أحدَهما).
(أو رهناه شيئًا فاستوفى من أحدهما)، الآن المرهون لواحد أو لشركة؟ طلبة: لشركة.
طالب آخر: لواحد.
الشيخ: (أو رَهَنَاه شيئًا)، المرهون الآن لواحد ولّا لشركة؟ طلبة: لشركة.
الشيخ: لشركة، هذا بيت مشترك بين زيد وعمرو، استدان الرجلان من شخص فرَهَنَاه البيت المشترك، فاستوفى من أحدهما، هل ينفك الرهن في نصيبه؟ يقول المؤلف: نعم، ينفك في نصيبه، وذلك لأن الصفقة اشتملت على عقدين، فإذا انفك الرهن في أحد العقدين بقي الرهن الآخر.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومتى حَلَّ الدَّيْن وامتنع من وفائه) .. إلى آخره.
(متى حَلَّ الدَّيْن) على مَنْ؟ على الْمَدِين الذي هو الراهن، (وامتنع) أي: الْمَدِين وهو الراهن (من وفائه).
(فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه).
إن كان الراهن أَذِنَ للمرتَهِن أو للعدل في بيعه، أذن للمرتهن إذا كان الرهن بيد المرتهن، أو العدل إذا كان الرهن عند عدلٍ، يعني عند رجل عدل اتفقَا عليه، فإن كان الراهن أَذِنَ للمرتهن أو للعدل في بيعه باعه ووَفَّى الدَّيْن.
مثاله: رهن سيارته عند شخص استدان منه مئة ألف، ثم حلَّ الدَّيْن، وكان قد أَذِنَ للمرتهن أنه إذا حَلَّ الدَّيْن ولم أُوفِ فبِعْ، فهنا نقول: إذا حَلَّ الدَّيْن، وقال: أوفني، وقال: لا، ما عندي شيء، فهنا يبيعه، يحتاج إلى تجديد الإذن؟ لا، يكفي الإذن الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 1375

(أو العدل) مثل أن تكون السيارة التي رهنها عند الدائن بيد شخصٍ ثالث، يعني أن الراهن الذي استدان لم يَثِق بالمرتهن، وجعل السيارة عند شخصٍ آخر عدل مأمون، وقال له: إذا حَلَّ الدَّيْن ولم أُوفِ فبِع السيارة وأَوْفِ المرتهن، فنقول كالأول، نقول: إذا حَلَّ الدَّيْن وامتنع الراهن من الوفاء فإن العدل يبيعها، ولا يحتاج إلى تجديد إذن للإذن السابق.
ولهذا قال: (فإن كان الراهن أَذِنَ للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفَّى الدَّيْن، وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن).
(وإلَّا) يعني إن لم يكن أَذِن، يعني رهن العين ولم يأذن في بيعها عند حلول الأجل إذا امتنع من الوفاء، هنا يترافع الطرفان إلى الحاكم، ما لم يَرْضَ الدائن ببقاء الدَّيْن بدون أن يُبَاع الرهن، هنا يترافعان إلى الحاكم، فيُجْبِرُه الحاكم على وفائه، وهذا إن كان بيده شيء، إن كان الْمَدِين بيده شيء أجبره الحاكم على وفائه، وإن كان فقيرًا أو ماطَل أجبره على بيع الرهن، قال: بِعْه، أو ائذن للمرتهن أو العدل في البيع، يعني يأمره أن يبيعه مباشرةً، أو أن يأذن للعدل أو للمرتهن في بيعه.
فإن أبى؟ قال: (فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفَّى دَيْنَه)، وإنما احتجنا إلى هذه المراتب مع إمكان الحاكم أن يتولى بنفسه من أول الأمر بَيْعَ الرهن والوفاء، لكن احتجنا إلى هذه المراتب حفاظًا على أموال الناس، وعلى ألَّا نعتدي عليها، حتى الحاكم لا يعتدي على أموال الناس إلا إذا تعذَّر مباشرتهم إياها بأنفسهم، فإن لم يتعذر فإن الواجب أن تكون الأموال محترَمة، فلا نبيع على الراهن ملكه بدون أن نعجز عن وفائه، فإذا عجزنا عن وفائه فحينئذٍ يتولى الحاكم بيع الرهن ووفاء الدَّيْن.
وحينئذٍ إما أن يكون ثمن الرهن أقل من الدَّيْن، أو أكثر، أو مساويًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1376

إن كان مساويًا فهذه بتلك، أعطيناه ثمنه وانتهى الموضوع، وإن كان أقل، يعني الدَّيْن عشرة آلاف ريال، وثمن الرهن ثمانية، أعطيناه ثمن الرهن وبقي له على الراهن ألفان، ولا نقول: إن قيمة الرهن تكفي؛ لأنه - أي: المرتهن- رضي بالرهن، فليس له إلا ما ارتهن، نقول: لأن الدَّيْن متعلق بأيش؟ بالذمة، والذمة الآن لم تبرأ، الذمة فيها عشرة آلاف، وهذا الرهن بِيعَ بثمانية، فبقي ألفان.
وإن كان الرهن بِيعَ بأكثر من الدَّيْن استوفى الْمَدِين حقه، والباقي يُرَدّ إلى مَن؟ إلى الراهن، وهذا واضح.


ثم قال: (فصل.
ويكون عند مَن اتفَقَا عليه).
(يكون) الضمير يعود على الرهن، و (اتفقا) الألف تعود على الراهن والمرتهن.
هذا ما لم يَرْضَ الراهن بكونه بيد المرتهن، فإن رضي فذاك المطلوب، وإن لم يَرْضَ لعدم ثقته به، قيل لهما: اختارَا مَن يكون بيده، إذا اختارَا فلانًا صار بيده، فإن اختلفَا قال أحدهما: أنا أريد فلانًا، وقال الثاني: أنا أريد فلانًا الآخر، فكيف نعمل؟ هل نقدِّم قول الراهن؛ لأنه المالك الذي يخشى على ملكه، أو نقدِّم قول المرتهن؛ لأنه الطالب للحق الذي يريد أن يتوثَّق، أو نقول: لا نأخذ بقولكما ونرجع إلى المحكمة، إلى القاضي، فيُعيَّن؟ طالب: الثالث.
الشيخ: نعم، الثالث أقرب إلى الصواب، لماذا؟ لأنه مُشْكِل؛ إن راعينا قول الراهن لأنه مالك فقد يختار المالكُ رجلًا لا يثق به المرتهن، أليس كذلك؟ وإن قَدَّمْنَا قول المرتهن لأنه صاحب حق ويريد أن يتوثق بحقه فإن الراهن قد لا يثق به، يقول: أنا أخشى على ملكي إذا كان بيد هذا الرجل.
لذلك لا نرى -فكًّا للنزاع وحلًّا للمشكلة- إلَّا أن تُرْفَع إلى القاضي ويُعيِّن مَن شاء، فعلى هذا يقول: (يكون عند مَن اتفقَا عليه) إن اتفقا على أحد، وإن اختلفَا فالمرجع إلى القاضي؛ لأن له الولاية العامة.
(وإن أَذِنَا له في البيع لم يَبِع إلا بنقد البلد).

الجزء: 2 - الصفحة: 1377

(إن أَذِنَا) الضمير يعود على مَنْ؟ الراهن والمرتهن، (له) أي: للعدل.
(في البيع لم يَبِع إلا بنقد البلد)، ولا يبيع بنقد آخر، فمثلًا هنا الآن نقد البلد ما هو؟ الريال السعودي، لا يبيع بدولار مثلًا؛ لأنه إذا أُطْلِق العقد رجع إلى العُرْف المتعارف بين الناس، والمتعارف بين الناس هو النقد المتداول بينهم، فهو لا يبيع إلا بنقد البلد.
لو قال: أنا أريد أن أبيعه بمثل الدَّيْن، يعني أنَّ هذا مرهون بدولارات، وأَذِنَا له في البيع، هل يبيع بالدولارات أو بنقد البلد؟ بنقد البلد، هذا ظاهر كلام المؤلف، يبيع بنقد البلد؛ لأنه ربما ترتفع القيمة؛ قيمة الدولارات، فيخسر الراهن، وربما تنخفض فيكون في هذا ضرر على المرتهن، وعلى هذا فلا عبرة بالدَّيْن أو بجنس النقد الذي هو الدَّيْن، بل العبرة بنقد البلد.
وهل يبيع بفئة خمس مئة، أو فئة مئة، أو فئة خمسين، أو فئة عشرة، أو فئة ريال؟ طالب: ( ... ) الأصلح.
الشيخ: نعم، كله واحد، لكن في ظني أن الدَّيْن إذا كان كثيرًا فالأحسن الخمس مئة، لكن إذا كان مليون بيجيب لهم مليون واحدة من أمهات ريال هذه تحتاج إلى خيشة كبيرة، على كل حال نقول: النقد، لا بد من نقد البلد، أما كونه من فئة كبيرة أو صغيرة هذا يرجع إلى ما تقتضيه المصلحة.
يقول: (إلا بنقد البلد) ويش بعدها عندكم؟ طالب: (وإن قبض الثمن).
الشيخ: (وإن قبض الثمن في يده فمن ضمان الراهن).
طلبة: فتلف.
الشيخ: (فتلف) نعم، (وإن قبض الثمن).
طالب: (باع وقبض) يا شيخ.
الشيخ: أنا (إن باع) مشطوب عليها، ثم هذا ملخلبط عندي.
الطالب: (وإن باع وقبض) يا شيخ.
الشيخ: ما يخالف (وإن باع وقبض) (وإن قبض) كله واحد، ما هو بقابض الثمن إلا بعد البيع، ولهذا كانت هذه شرحًا، الظاهر أنها شرح (إن باع وقبض).
يقول: (وإن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن).
باعه وقبض الثمن.
طالب: عندنا (وإن باع بيديه).
الشيخ: كيف؟ طالب: الشرح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1378

الشيخ: الشرح، (وإن قبض الثمن) هذه النسخة الصحيحة، (إن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن)، وذلك لأن الدَّيْن ثابت في ذمة الراهن حتى يستلمه مَن؟ المرتهن، المرتهن الآن ما استلم الثمن، لم يُوفَ دينَه، فإذا تلف فمن ضمان الراهن، ولكن يشترط في ذلك أن يكون بلا تعدٍّ ولا تفريط، فإن كان بتعدٍّ أو تفريط صار هناك ضامن آخر، وهو العدل الذي وُكِّل مِن قِبَل الطرفين.
وعلى هذا فلننظر: باع العدل الرهنَ وقبض الثمن، ثم أتى حريق، شب في البيت ومنه الثمن وتلف، فهنا المرتهن يرجع على مَنْ؟ على الراهن، لا إشكال، ولا يرجع الراهن على العدل؛ لأنه تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط.
مثال آخر: قبض العدل الثمن، ووضعه على عتبة الدُّكَّان، ثم نسي وذهب يصلي، فأتى وقد سُرِق، الضمان للمرتهن على مَنْ؟ طلبة: على العدل.
الشيخ: يا إخواني.
طالب: على العدل يا شيخ.
طلبة آخرون: على الراهن.
الشيخ: رويدكم، الضمان بالنسبة للمرتهن على الراهن، والراهن يرجع على العدل؛ لأن المرتهن يقول: حقي في ذمتك -يعني الراهن- فيرجع المرتهن على الراهن، ثم الراهن يرجع على العدل، أما رجوع المرتهن على الراهن فظاهر؛ لأن الدَّيْن في ذمته وهو لا يعرف إلا الراهن، وأما رجوع الراهن على العدل فلأنه فَرَّط؛ لأن هذا ليس حفظ المال، الأموال المهمة أن تضعها على طول في الصندوق؛ لأن الإنسان مُعَرَّض للنسيان، وهذه أيضًا مسألة ينبغي للإنسان أن يسير عليها في حياته، وقد نبهنا عليها؛ أن يبدأ الإنسان بالأهم، وذكرنا هذه مرة في أيش؟ في حديث عتبان بن مالك، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء إليه قال: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟ » (5)، وقد صنع له طعامًا، ولكنه لم يبدأ بالطعام؛ لأنه إنما جاء ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى، وذكرنا أيضًا لما بال الصبي في حجره دعا بماءٍ فأتبعه إياه.
(6)

الجزء: 2 - الصفحة: 1379

إن الإنسان لا يفرط، لا يقول: أبغي أخلي هذا إذا قمت حطيته في مكانه، أبدًا، حتى في المراجعة الآن الإنسان يراجع كم كتاب؟ يراجع مثلًا خمسة كتب، كل كتاب في رَفّ، إذا راجعت واحدًا لا تقل: أبغي أحطه عندي وأنتم ما محتاجون له، ضعه أولًا في مكانه؛ لأنك ستضعه ولا بد، فأولًا ليسلم المكان اللي حولك من تكديس الكتب، ولأجل أن يكون منظَّمًا.
فمثلًا نقول: إن الدراهم مثلًا إذا أُعْطِيتَها أمانة، لا تخليها مثلًا عندك أمامك، تقول: إذا قمت دخلتُها في الصندوق، دخَّلها على طول؛ لأن الإنسان بشر، ربما ينسى ويضيع.
كذلك إذا عَنَّ في ذهنك وأنت طالب علم، ما فيه مانع أن ينتقل من المال إلى العلم، إذا عَنَّ في ذهنك مسألة قلت: هيِّنَة أخليها بعد، لا، راجعها على طول ما دام إنك محتاج لها، ولست تراجع مسألة معينة من قبل، أما إذا كنت تراجع مسألة معينة من قبل لا تتلهَّى بغيرها فتضيع، كذلك أيضًا يمر بك فائدة قد لا تراها في أي كتاب، وقد لا تكون هذه الفائدة في الموضع الذي تظن أنها فيه، فيقول الإنسان: خلاص، إن شاء الله ضبطتها في قلبي، خلاص ما أنساها، ولا يذهب يقيِّدها، أو على الأقل يشير إلى صفحتها في جانب الكتاب، ثم بعد ذلك ينساها وتضيع عليه، وهي فائدة دُرَّة تعتبر، ولكن يقول: خلاص هذه ما أنساها أبدًا؛ لأنها مهمة، ولكنه ينسى، الإنسان بشر، على الأقل قيِّد الصفحة، إذا أردتها وجدتها مُسَهَّلة مُيَسَّرة.
فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أن يتفطن لها؛ لأنها مفيدة.


طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، أعطى واحدًا ( ... ) خذ هذا الشيك بعشرة وأَقْرِض لنا دراهم من البنك، ثم أعطى صاحب البنك دراهم وقال ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1380

الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: إذا قبض الدراهم المعدودة وصَدَّق الْمُقْبِض، الدافع، قال الدافع: هذه ألف، أخذها مُصَدِّقًا إياه، ثم لما رجع إلى البيت وعدَّها وجدها تسع مئة، هل يرجع عليه؟ لا، لا يرجع، ما دام صدَّقه؛ لأنه هو الْمُفَرِّط، أليس الغلط واردًا من كُلِّ أحد؟ طالب: بلى.
طالب آخر: وحتى هذه المسألة يا شيخ وقعت.
طالب آخر: شيخ؛ إذا كان الراهن مُعْسِرًا وحلَّ موعد الوفاء، وكان رهنه مما لا يستغني عنه عادةً كبيتٍ ونحوه، فهل يُبَاع عليه، أم يؤمَر الدائن بأن يُنظِره إلى الميسرة؟ الشيخ: هل أُجْبِر على الرهن؟ الطالب: إي، الدائن إن قال له: لا أعطيك إلا أن ترهنني شيئًا.
الشيخ: هل أُجْبِر على الأخذ؟ الطالب: محتاج يا شيخ معسر.
الشيخ: ولو كان محتاجًا، ما أُجْبِر، المهم أنه إذا حلَّ الدَّيْن يباع الرهن ولو كان الإنسان فقيرًا.
الطالب: ولو كان مما لا يستغني عنه.
الشيخ: ولو كان مما لا يُستغنى عنه؛ لأنه رهنه باختياره.
طالب: عفا الله عنكم، شيخ، يقولون في موافقة المؤلف: عدم جواز البيع بالرهن إلا بنقد البلد، وقسنا على الدولار، قلنا: لا يجوز؛ لأن الدولار متفاوت وقابل للارتفاع والنزول، شيخ، حتى عملة البلد تنزل وترتفع؟ الشيخ: إي نعم، هو أصلًا إذا نقصت قيمة الدولار زادت قيمة نقد البلد.
الطالب: شيخ، ما فيه بأس أن يكون بالدولار.
الشيخ: لا يجوز، إلا بنقد البلد.
الطالب: لماذا يا شيخ؟ الشيخ: لأن هذا المتعارَف عليه، أنا ما أروح أتعامل بالدولار بنقد أمريكا وأنا هنا في القصيم.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، إذا امتنع الراهن عن الوفاء ولم يأذَن له بالبيع، واختصمَا، ولكن لا يوجَد هناك حاكم يحكم بينهما، ماذا يصنعان؟ الشيخ: لا بد من أن يتفقَا على شخص يحكم بينهما، يُحَكِّمَان رجلًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1381

وإن ادَّعَى دَفْعَ الثمنِ إلى الْمُرْتَهِنِ فأَنْكَرَه ولا بَيِّنَةَ ولم يكنْ بحُضُورِ الراهنِ ضَمِنَ كوكيلٍ، وإن شَرَطَ إلا يبيعَه إذا حَلَّ الدَّيْنُ، أو إن جاءَه بحَقِّه في وَقتِ كذا , وإلا فالرهنُ له لم يَصِحَّ الشَّرْطُ وحْدَه، ويُقبلُ قولُ الراهنِ في قَدْرِ الدَّيْنِ والرهنِ، ورَدِّه، وفي كونِه عصيرًا لا خَمْرًا، وإن أَقَرَّ أنه مَلَكَ غيرَه , الشيخ: نعم.
طالب: عفا الله عنكم، شيخ يقول: إنه في موافقة المؤلف عدم جواز البيع للرهن إلا بنقد البلد، وقسنا على الدولار قلنا: لا يجوز؛ لأن الدولار متفاوت وقابل للارتفاع والنزول، شيخ حتى عملة البلد تنزل وترتفع؟ الشيخ: إي، هو أصلًا إذا نقصت قيمة الدولار زادت قيمة نقد البلد.
الطالب: شيخ ما في بأس أن يكون بالدولار.
الشيخ: لا يجوز، إلا بنقد البلد.
الطالب: لماذا يا شيخ؟ الشيخ: لأن هذا المتعارف عليه، أنا ما أروح أتعامل بالدولار بنقد أمريكا وأنا هنا في القصيم.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، إذا امتنع الراهن عن الوفاء ولم يأذن له بالبيع، اختصما ولكن لا يوجد هناك حاكم يحكم بينهما، ماذا يصنعان؟ الشيخ: لا بد من أن يتفقا على شخص يحكم بينهما، يُحَكِّمَان رجلًا.
الطالب: ما يمكن أن يبيع يا شيخ لو ما وجدوا أحدًا.
الشيخ: يحصل نزاع، يعني المرتهن في هذه الحال لو باع قهرًا حصل نزاع، وربما أن الراهن يمشي في الناس ويقول: احذروا أن تشتروا هذا فإني لا آذن بذلك، فيحصل النزاع.
طالب: شيخ، حفظك الله، لو استدان شخص من آخر خمسين ألف ريال، ورهنه خمس سيارات، كُلُّ سيارة قيمتها عشرة آلاف، ثم وفَّاه أربعين ألفًا، وقال: أعطني أربع سيارات، والسيارة الخامسة تبقى رهنًا بالعشرة آلاف، هل يجوز؟ الشيخ: ما فهمت السؤال.
الطالب: أخذ منه خمسين ألفًا، وأعطاه رهنًا خمس سيارات، كل سيارة قيمتها عشرة آلاف.
الشيخ: يعني رهن كُلَّ سيارة بعشرة أو رهن السيارات كلها بالخمسين؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1382

الطالب: لا، بالخمسين، إجمالي، ثم أوفاه أربعين ألفًا، قيمة كل سيارة عشرون ألفًا، معروف، ثم قال: أنا أعرض الأربع سيارات ( ... ). الشيخ: لا، ترجع السيارات كلها لهذا، ولهذا سألتك قلت: هل قال: كل سيارة بعشرة ولّا لا؟ فقلت: لا، إنها جميعًا، فيكون هذا رهنًا واحدًا.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، يجوز لو شاء، لكن لا يجب عليه، لو طلب الراهن ذلك ما يلزم ( ... ). ويش تقول إذا قال: حي الصلاة حي على الفلاح؟ طالب: لا حول ولا قوة إلا بالله.
الشيخ: عجيب، فيه مصيبة حتى تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ الطالب: الرسول أمرنا أن نقول هذا.
الشيخ: إي، نعم، لكن ما وجه ذلك؟ الطالب: قالوا: إن بعض الكلام قد يمكن أن يتجه لـ ... الشيخ: أنت ما تعلمنا ( ... ). الطالب: قولنا: لا حول، يعني: لا تَحَوُّل.
الشيخ: إي، هذه معنى الكلمة، لكن ما مناسبتها هنا حين قال: حي على الصلاة حي الفلاح؟ طالب: أي لا يستطيع الإنسان أن يقوم إلى الصلاة بحوله ولا قوته، ولكن بعون الله وتوفيقه، إذا دعا المؤذن وقال له: تعالَ إلى الصلاة تعالَ إلى الفلاح، فبحول الله وقوته يستطيع الإتيان إلى أداء ( ... ). الشيخ: تمام، صحيح؛ لأن الدعوة إذا لم يُعِنْكَ الله عَزَّ وَجَلَّ على التلبية ما تستطيع، هذا هو المناسبة.
طالب: في المصيبة يقول الإنسان: لا حول ولا قوة إلا بالله.
الشيخ: يقولها العامة، ولها وجه، يعني يستعين بذلك على تحمل المصيبة، لكن لفظًا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كما جاء في القرآن.
طالب: شيخ، إذا باع المرتهن رهنًا فتلف الرهن قبل قبضه، فيكون الضمان؟ الشيخ: الرهن ولّا الثمن؟ الطالب: باع الرهن.
الشيخ: إي، باع الرهن لكن تلف الثمن ولّا تلف الرهن؟ الطالب: الثمن قبل قبضه، فيكون ضمانه من الراهن؟ الشيخ: يكون بضمان الراهن.
الطالب: لكن يا شيخ ما هو باعه عليه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1383

الشيخ: لأنه باعه نيابةً عن الراهن، فالثمن هذا من اللي يسلمه له؟ ما هو يأخذه هو، ولا يعتبر نفسه الآن استوفى، الثمن سيعطيه الراهن ثم يسلمه له.
طالب: بارك الله فيكم، إذا كان الدَّيْن من غير جنس نقد البلد، فمن المعلوم بأنه -على ما ذهبنا إليه- ينبغي أن يُبَاع بنقد البلد، ولكن هو سيأخذ نقد البلد ثم يبيعه مرة أخرى بالنقد الآخر.
الشيخ: سيشتريه بالنقد الآخر.
الطالب: فيعني لماذا لم نقل بأنه يجوز أن يُبَاع؟ الشيخ: كما قلنا: قد يزيد وقد ينقص، ما هو بواضح؟ يعني مثلًا مئة دولار، وكان قيمة الدولار أربعة ريالات، كم قيمتها هنا؟ أربع مئة ريال، كذا ولّا لا؟ إذا حلَّ الدَّيْن وكانت قيمة الدولار ثلاثة ريالات، بيعود عليها مئة، وفي مثل هذه الحال إذا كان يرغب ألَّا يوفى إلا دولارًا يشترط، يقول مثلًا: شرط أن تبيعه بالدولارات، لكن حتى هذا الشرط ما ينبغي؛ لأنه تختلف القيمة.
طالب: عفا الله عنك، ما فائدة كون تكسُّب الراهن إن كان عبدًا مثلًا كون الكسب الذي يحصل عليه يوجب أن يكون تبعًا لهذا الرهن، ولا يأخذه الراهن ليستفيد منه؛ أذن المرتهن أو لم يأذن، لا سيما أن الرهن إذا كان أكثر من الدَّيْن، فلماذا قلنا: إنه ( ... )؟ الشيخ: ما هو كسبه؟ الطالب: بلى.
الشيخ: إذا كان كسبه يتبعه.
الطالب: والمرتهن لا.
الشيخ: لا، المرتهن يستفيد؛ لأن الرهن هذا قابل للتلف، وهل لدينا ضمان أنه سيبقى إلى حلول الأجل، وهل لدينا ضمان أيضًا أن قيمته ستبقى على ما هي عليه؟ قد يتغير.


( ... ) على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الرهن أحد عقود التوثقة، فما هي العقود الأخرى؟ طالب: ما في العقود إلا التوثقة.
الشيخ: إي، ما هي العقود، إحنا قلنا: من عقود التوثقة، و (من) للتبعيض، فهل هناك عقود أخرى للتوثقة، ما هي؟ الطالب: الوكالة والضمان.
الشيخ: خطأ، الوكالة ما هي توثقة.
الطالب: بلى.
الشيخ: الوكالة، وكَّلتك تشتري لي شيئًا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1384

طالب: لا، اللي هي ( ... ). الشيخ: الكفالة.
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، الكفالة والضمان، أحسنت.
الرهن ثابت بالقرآن والسُّنَّة.
طالب: أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، وأما السُّنَّة فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (1). الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، هل المصلحة تقتضي الرهن، بمعنى: القواعد العامة في الشريعة تقتضي حِلَّ الرهن؟ طالب: نعم.
الشيخ: كيف؟ الطالب: لأن فيه مصلحة للراهن والمرتهن، فالمرتهن يستوثِق من دَيْنِه، والراهن يجد مَن يُقرضه.
الشيخ: أحسنت، فيه مصلحة للطرفين: المرتهن يستوثق بدَيْنِه، والراهن يجد مَن يُقْرِضه، أو يبيع عليه بالمؤجَّل، أو ما أشبه ذلك.
قول المؤلف: (مع الحقِّ وبعدَه)، هذه (مع) ظرف، وكُلُّ ظرفٍ لا بد له من متعلَّق، فأين متعلَّقُها؟ طالب: (يصح).
الشيخ: متعلَّقُها (يصح)، يعني إذن يصح مع الحق وبعده، صَوِّر لي مع الحق.
الطالب: مع الحق مثل أن يشتري منه شيئًا ويقول: اشتريت مثلًا منك هذا البيت ورهنته سيارتي أو رهنته بيتي.
الشيخ: نعم، هذا مع الحق، يقول مثلًا: اشتريت منك هذا البيت ورهنتك سيارتي، هذا معه.
بعده؟ الطالب: بعده أنه يقترض من شخص ثم عند الوفاء لا يكون عنده ( ... )، فإذا طالبه المقرِض يقول: انتظر لي وأرهنك بيتي.
الشيخ: تمام، (بعد الحق) يعني بعدما ثبت الدين وجاء صاحبه يطلبه، قال له: أنا ليس عندي شيء، ولكن أَنْظِرْنِي حتى أُوسِر، فإن لم تَثِق فهذا بيتي رهنًا لك، هذا يكون بعد الحق، هل يصح قبله؟ طالب: لا، على قول المذهب: لا يصح.
الشيخ: نعم، على ما مشى عليه المؤلف لا يصح، وهو المذهب، والصحيح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1385

الطالب: الصحيح أنه جائز.
الشيخ: الصحيح أنه جائز.
ما معنى قول المؤلف: (يَلزمُ في حقِّ الراهنِ فقط)؟ طالب: نعم يا شيخ، المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ يشير إلى ما كان لازمًا وما كان جائزًا، فأما الرهن .. الشيخ: معنى (يلزم) هنا اللزوم الشرعي أو الوضعي؟ الطالب: اللزوم الوضعي، وليس اللزوم الشرعي.
الشيخ: نعم، أي أنه لو رهن شيئًا؟ الطالب: أي أنه إن رهن شيئًا فليس جائزًا في حقه.
الشيخ: نعم، يعني: فلا يملك فسخ الرهن؟ الطالب: نعم.
الشيخ: والمرتهن؟ الطالب: والمرتهن له ذلك؛ لأنه جائزٌ في حقه.
الشيخ: نعم.
لماذا لا يملك الراهن فسخَ الرهن؟ الطالب: الراهن لا يملكه لأنه تعلق به حق الغير.
الشيخ: أحسنت، والمرتهن ليش يجوز أن .. ؟ الطالب: والمرتهن لأن هذا حقه، وله أن يُسْقِط حقه.
الشيخ: بارك الله فيك.
أشار إلى أن الحقوق أو العقود تنقسم إلى؟ طالب: ثلاثة أقسام.
الشيخ: نعم.
الطالب: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف وجائز من طرف.
الشيخ: نعم، لازم من الطرفين، وجائز منهما، ولازم في حق أحدهما، الرهن لازم في حق أحدهما، والبيع؟ الطالب: لازم من الطرفين.
الشيخ: من الطرفين، الدليل على الأخيرة؟ الطالب: على اللزوم؟ الشيخ: إي، على لزوم البيع؟ الطالب: حديث ابن عمر في الخيار.
الشيخ: حديث ابن عمر في الخيار: «إِنْ تَفَرَّقَا».
الطالب: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (2). الشيخ: نعم، الثالث؟ الطالب: جائز من الطرفين.
الشيخ: مثل؟ الطالب: الوكالة.
الشيخ: الوكالة، جائز من الطرفين.
ما معنى قول المؤلف: (يصح رهن الْمُشَاع)؟ طالب: الْمُشاع أي: المشترك.
الشيخ: المشترَك، صورته؟ الطالب: أن يكون بيت مشتركًا بين اثنين، فأحد الاثنين يقترض من الآخر دَيْنًا، يقول: رهنتك نصيبي في البيت.
الشيخ: أحسنت، كأن يكون بيت مشتركًا بين اثنين، فيستقرض أحدهما من شخص ويقول: رهنتك نصيبي من البيت.

الجزء: 2 - الصفحة: 1386

يقول المؤلف: (ما لا يجوز بيعُه لا يصحُّ رهنُه)، مثِّل؟ طالب: كالكلب مثلًا.
الشيخ: كالكلب.
الطالب: لا يجوز بيعه فلا يصح رهنه.
الشيخ: فلا يصح رهنه، لماذا؟ الطالب: لأنه لا فائدة من رهنه؛ لأن المرتهن إذا لم يف بالوعد فلن يستفيد .. الشيخ: أحسنت، وجه ذلك أنه لا فائدة من هذا الرهن؛ إذ إن المرتهن إذا حلَّ الدين ولم يوفِ الراهن لم يستفد شيئًا؛ لأنه لا يُبَاع.
هل يُسْتَثْنَى من هذا شيء؟ طالب: إلا الثمرة والزرع قبل بُدُوّ صلاحهما.
الشيخ: نعم، إلا الثمرة والزرع قبل بُدُوّ صلاحهما، فيجوز رهنهما، ولا يجوز؟ الطالب: ولا يجوز بيعهما.
الشيخ: بيعهما، لماذا اسْتُثْنِي هذا من القاعدة؟ طالب: اعتبارًا بالمآل.
الشيخ: اعتبارًا بالمآل؛ لأنه لو رهنهما فلا يمكن بيعهما إلا بعد بُدُوِّ الصلاح.
استدان شخص من آخر دَيْنًا وأرهنه حَمْلَ ما في بطن شاته، ما تقول؟ طالب: يصح الرهن يا شيخ.
الشيخ: يصح الرهن؟ لا تستعجل بالجواب، هل يجوز بيع الْحَمْل؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: وما لا يجوز بيعه؟ الطالب: لا يصح رهنه.
الشيخ: إذن تَغَيَّر رأيك ولّا لا؟ الطالب: تغير.
الشيخ: تغير، إذن لا يصح أن يرهن الْحَمْل في البطن؛ لأنه لا يصح بيعه.
استدان مِن شخص شيئًا ورهنه شاة حاملًا، ما تقول؟ يصح الرهن؟ الطالب: نعم، يا شيخ.
الشيخ: يصح؟ الطالب: يصح؛ لأنه يجوز بيعه.
الشيخ: لأنه يجوز بيع الحامل، الحامل مجهول؟ الطالب: لكن الشاة يا شيخ يجوز بيعها.
الشيخ: إي، بس هذه شاة بها حمل؟ الطالب: وإذا كان، ما يمنع هذا من البيع.
الشيخ: ما هي القاعدة التي تنطبق عليها هذه المسألة؟ الطالب: أي شيء يا شيخ؟ الشيخ: القاعدة التي ينبني عليها أن الحمل لا يصح، ولو أنه رهن حاملًا صح الرهن؟ الطالب: يثبت تَبَعًا ما لا يثبت استقلالًا.
الشيخ: يثبت تَبَعًا ما لا يثبت استقلالًا، تمام.
المؤلف يقول: (إن الرهن لازم في حق الراهن، لكنه لا يلزم إلا بشرط)؟ طالب: القبض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1387

الشيخ: القبض، نعم، ما هو الدليل؟ الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. الشيخ: قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فدل هذا على أنه لا بد من قبض الرهن، هل هناك قول آخر خلاف ذلك؟ الطالب: نعم، الصحيح أن الرهن لازم عن الراهن بالعقد.
الشيخ: نعم.
الطالب: والدليل في الآية: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283]. الشيخ: كيف الجواب عن أول الآية: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؟ الطالب: هذا رهان مقبوضة إذا لم يكن هناك أمان بين .. الشيخ: لأن هذا من تمام؟ الطالب: نعم، هذا من تمام الرهن.
الشيخ: التوثقة، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وشرط آخر: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾، ومثل هذا لا بد أن يقبض الرهن، وإلا لضاع حقه؛ لأنه ما فيه أحد يشهد، فصار ذِكر القبض هنا من أجل تمام أيش؟ التوثقة، والدليل على هذا أن الذين قالوا بأنه لازم إلا بالقبض لم يجعلوه في هذه الصورة فقط، ولو أردنا أن نستدل بالآية للزم أن نتمم الاستدلال ونقول: يُشْتَرَط القبض فيما إذا كان على سفر ولم يجد كاتبًا.
رجلٌ رهن سيارته عند شخص، ثم قال الراهن للمرتهن: أَعِرْنِيها سأصل عليها إلى البلد الفلاني، فأعارها إياه، هل يبقى الرهن في هذه الصورة لازمًا أو جائزًا؟ فهمنا الصورة ولّا لا؟ استقرضتَ مني عشرة آلاف ريال، قلت: أريد قرضًا قدره عشرة آلاف ريال، فأعطيتك، لكن قلت: أعطني رهنًا، فأعطيتني سيارتك، أخذت السيارة وحطيتها عندي بالبيت، ثم أتيتَ إليَّ أنت وقلت: أَعِرْنِيها أصل عليها الرياض، فأعرتك إياها، هل يبقى الرهن لازمًا أو لا؟ طالب: ما هو لازم.
الشيخ: ليش؟ الطالب: أخذت السيارة أنا، الرهن اللي أنا أعطيتك إياه ( ... ). الشيخ: ولَّا فيه خلاف؟ طالب: على ما مشى عليه المؤلف أنه رهنٌ زال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1388

الشيخ: زال اللزوم.
الطالب: زال اللزوم.
الشيخ: وعلى القول الراجح؟ الطالب: الراجح أنه لم يَزُل.
الشيخ: أنه لم يَزُل، صح، وما ذهب إليه المؤلف قد يكون حيلة، يتحايل بعض الناس يأخذها ويتصرف فيها ويقول: الرهن غير لازم.
إذا رهن بيتًا وأخذه المرتهِن، فهل يبقى البيت مُعَطَّلًا أو يؤجَّر أو ماذا؟ طالب: حسب المصلحة يا شيخ.
الشيخ: أنا أريد أن تقرِّر، أن يكون الجواب على حسب ما في المتن.
الطالب: إنه ما يؤجَّر.
الشيخ: يعني يبقى مُعَطَّلًا.
الطالب: الراجح.
الشيخ: الراجح؟ ! الطالب: حسب المصلحة، إذا تضرر منه المرتهِن ( ... ). الشيخ: يعني أن مَن طلب تأجيره أُجِيبَ بشرط ألَّا يكون هناك ضررٌ على الآخر.
إذا قال قائل: كيف يُجْبَر الراهن على أن يؤجِّر ملكه؟ طالب: أَعِد أحسن الله إليكم.
الشيخ: السؤال: إذا قال قائل: ذكرتم أن القول الراجح أنه إذا طلب أحد التأجير فإنه يُؤَجَّر إذا لم يكن على الآخر ضرر، فإذا قال قائل: كيف يُجْبَر الراهن على أن تأجير ملكه؟ الطالب: لأنه لا يدخل عليه ضرر.
الشيخ: إي، لكن يقول: ملكي، أليس للإنسان يجوز أنه يُبْقِي بيته مغلقًا ولا يؤجِّره؟ الطالب: بلى.
الشيخ: طيب، وهذا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، تجده إن شاء الله الآن.
الطالب: أَعِدْهَا عَلَيَّ.
الشيخ: أعيدها عليك؛ رهنتني بيتك، ثم إني أنا طلبت أن يؤجَّر البيت، قلت: يؤجَّر، فأنت قلت: لا، فالقول الراجح: نُجْبِرك على أن يؤجَّر، فلماذا نُجْبِرك وهو ملكك؟ الطالب: لأنه في هذه الحالة ليس عليه ضرر والبيت الآن مرتهَن عند المرتهِن، وليس عليه ضرر؛ على الراهِن.
الشيخ: يقول: أنا ما علي، هذا بيتي؟ طالب: فيه مصلحة له، بحيث إنه يسد الدَّيْن اللي عليه.
الشيخ: إي.
طالب: نقول: المرتهن هنا له مصلحة، وهو أنه إذا زاد الرهن يكثر للطمأنينة على حقه الذي هو الدَّيْن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1389

الشيخ: نقول: الآن تعلق به حق الغير وهو المرتهن؛ لأن الأجرة سوف تكون رهنًا، فيستفيد المرتهِن، ولأن في عدمه؟ طالب: تعطيلًا.
طالب آخر: تضييع مال.
الشيخ: تعطيلًا لمصلحة، وإضاعة للمال، فلذلك قلنا: يُجبر على هذا.
لو قال هذا الراهن: أنا أخشى أن المستأجِر يُدَمِّر البيت، كما هو الواقع فيمن استأجر بيتًا وعنده أطفال وسفهاء؟ طالب: هنا يا شيخ لا يُجبر.
الشيخ: هنا لا يُجْبَر، إذن لا يُجْبَر على أن يؤجر شخصًا بعينه خوفًا من الضرر، إي نعم.
كيف يقول المؤلف: (كَفَنُ الرَّهْن على الراهن)؟ طالب: كُلّ ما هو كلفة .. الشيخ: هو الرهن؛ إذا رهنتك بيتًا ( ... ) كفن البيت؟ الطالب: لا، يعني إذا كان عبدًا، يعني في هذه الحالة إن كان عبدًا.
الشيخ: يعني إذا كان آدميًّا عبدًا ثم مات .. الطالب: ثم مات يُكَفَّن على ... الشيخ: فالكفن على الراهن، لماذا؟ الطالب: لأنه له غُنْمُه وعليه غُرْمُه.
الشيخ: إي، لأنه ملكه، فله غُنْمُه وعليه غُرْمُه، صحيح.
أظن وقفنا على (وهو أمانةٌ).
طالب: نعم.
الشيخ: فيه سؤال مهم: لو أن الراهن باع الرهن، هل يصح بيعه؟ طالب: لا يصح بيعه إلا بإذنه.
الشيخ: بإذن المرتهِن؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لكن المرتهن ما أَذِن.
الطالب: ما أَذِنَ لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ الطالب: لأنه تصرَّف في غير حقه.
الشيخ: لا، تصرف في غير حقه وهو ملكه؟ ! الطالب: ليس ملكه يا شيخ.
الشيخ: لماذا ما هو ملكه؟ له غُنْمُه وعليه غُرْمُه؟ طالب: لأنه تعلَّق به حق المرتهِن.
الشيخ: إي، تعلَّق به حق الغير، وإلا ويش الفائدة من الرهن إذا قلنا: يصح؟ هل يُسْتَثْنَى من هذا شيء؟ طالب: من البيع؟ الشيخ: لا، لو قلنا: إنه ما يصح التصرف فيه، فهل يُسْتَثْنَى بذلك شيء؟ الطالب: بالإذن.
الشيخ: الإذن انتهينا منه، لكنه ما أَذِنَ.
الطالب: ما يُسْتَثْنَى.
الشيخ: ما يُسْتَثْنَى شيء، يعني جميع التصرفات لا تصح.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1390

طالب: استثنى المذهب عتق الراهن.
الشيخ: على كلام المؤلف يستثنى عتق الراهن، يعني أن الراهن لو أعتق العبد المرهون نَفَذَ العتق.
العلة؟ الطالب: العلة لقوة سريان العتق.
الشيخ: لقوة سريان العتق، ما فيه غير هذا؟ طالب: ولأن الشارع مُتَشَوِّف للعتق.
الشيخ: نعم، ولقوة تشوُّف الشارع للعتق، وفي هذا الحال إذا قلنا بصحة العتق ماذا نقول؟ طالب: ماذا؟ الشيخ: إذا قلنا بصحة العتق على ما مشى عليه المؤلف هل يضيع حق المرتهن؟ الطالب: لا يضيع حق المرتهن، يرجع إلى نفس .. الشيخ: لا، ما هو بأصل الدَّيْن، لكن هل يضيع حق المرتهِن من الرهن؟ طالب: يقولون: تلزمه قيمته.
الشيخ: إي نعم، تؤخَذ قيمته رهنًا مكانه، إذا كان الراهن مُعْسِرًا ليس عنده شيء؟ الطالب: على قول المذهب؟ الشيخ: إي نعم، نقول: انتظر حتى يغنيه الله ويوفيك، على القول الراجح في هذه المسألة الحكم؟ طالب: أن العتق لا يصح.
الشيخ: إي نعم، أن العتق لا يصح، ونسلَم، نقول: العبد لا زال عبدًا، ولو أعتقته فهو لاغٍ، فيه قول ثالث توسَّط بين القولين؟ طالب: إذا كان مُعْسِرًا يا شيخ.
الشيخ: إذا كان معسرًا نَفَذَ، وإن مُوسِرًا؟ الطالب: لم ينفذ.
الشيخ: لم ينفذ.
الطالب: لا، العكس يا شيخ.
طالب آخر: إذا كان معسرًا لا يصح.
الشيخ: نعم، إذا كان معسرًا لم ينفذ، وإن كان موسرًا نفذ، ولكن القول الراجح أنه لا ينفذ مطلقًا؛ لأن العتق لا يقع إلا قُرْبَة، ولا يُتَقَرَّب إلى الله تعالى بمعصيته، ولأنه تعلَّق به حق الغير.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1391

قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وإن ادَّعى دفعَ الثمنِ إلى المُرْتَهِن فأنكَرَهُ ولا بَيِّنَةَ، ولم يكنْ بحضورِ الراهنِ ضَمِنَ كَوَكِيلٍ، وإن شَرَطَ ألَّا يبيعَه إذا حلَّ الدَّينُ، أو إن جاءه بحقِّه في وقتِ كذا، وإلا فالرَّهْنُ له لم يصحَّ الشرطُ وحدَه).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما معنى قول المؤلف: (ويكون عند مَن اتَّفقا عليه)؟ طالب: المراد به العدل.
الشيخ: إي نعم، العدل الذي يرضيانه.
إن اختلفا فقال أحدهما: أريد فلانًا، والثاني قال: أريد فلانًا؟ الطالب: يُرجع في هذه الحالة إلى الحاكم.
الشيخ: نعم، يُرَدُّ الأمر إلى الحاكم ويُعيِّن، ولا تُسْتَعْمَل القرعة هنا؛ لأنها ليست حقًّا ماليًّا، إنما هي توثقة.
إذا قبض العدل الثمن وتلف في يده، فهل يضمن؟ الطالب: العدل؟ الشيخ: نعم.
الطالب: لا، إذا تلفت بدون تعدٍّ أو تفريط لا يضمن.
الشيخ: نعم، إذا قبض الثمن أو تلف بيده بتعدٍّ أو تفريط فهو ضامن، وإلَّا فليس بضامن.
ثم قال -هذه المسألة الآتية الآن مهمة جدًّا-: (وإن ادَّعى دفعَ الثمنِ إلى المُرْتَهِن فأنكَرَ ولا بَيِّنَةَ، ولم يكنْ بحضورِ الراهنِ، ضَمِنَ) أي: ضمن العدل، (كَوَكِيلٍ) أي: كما يضمن الوكيل في مثل هذه الصورة.
العدل باع الرهن بإذن الراهن؛ لأن الدَّيْن حلَّ والراهن لم يُوفِِ، فباعه، وادعى أنه دفع الثمن إلى مَن؟ إلى المرتهن الذي هو صاحب الحق، فأنكر المرتهن، قال: أبدًا، ما جاءني شيء، فهنا مشكلة: العدل أمين، والمفروض أن يُقْبَل قوله، لكن المؤلف يقول: لا يُقْبَل، إذا أنكر المرتهن الذي له الدَّيْن أن العدل سلَّمه ثمن الرهن فإن العدل يضمن، إذا لم يكن هناك بينة ولم يكن بحضور الراهن، انتبهوا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1392

مثال ذلك أو صورة المسألة: أذِن الراهن للعدل أن يبيع الرهن ويوفي صاحبه، فباعه ثم جاء إلى صاحبه في دكانه وقال: يا فلان، هذا ثمن الرهن الذي ارتهنتَه، قال: بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وما آمنَك من عدل! ثم أخذ الدراهم وأدخلها في الدُّرْج، وفي آخر النهار ذهب المرتهِن إلى الراهن وقال: أَوْفِني، فرجع الراهن إلى العدل وقال: ألستَ تقول: إنك أوفيته؟ قال: بلى.
قال: الرجل يقول: أوفني، فذهبَا إلى المرتهِن فقال: لم يُوفنِي، والعدل ما عنده بينة، والراهن ما حضر، من يضمن؟ العدل؛ لأنه فرَّط، كيف فرَّط؟ فرَّط أنه لم يُشهِد، وكان عليه أن يُشْهِد حتى تبرأ ذمته ويؤدي الأمانة كما أُمِر.
نعم لو أن العدل استأذن من الراهن وقال: يا فلان، إنَّ المرتهِن رجل شريف كريم، وأبغي أجيب واحد أشهده على أني أوفيته، هذه تكون ما هي طيبة في حقه، قال: أوفِه وإن لم تُشهِد، وثبت أن الراهن قال هذا، فهل يضمن أو لا؟ لا، وكذلك لو كان بحضور الراهن الذي عليه الدَّيْن، يعني أوفاه، يَنظر، فلا ضمان على العدل؛ لأن المفرِّط هنا مَنْ؟ الراهن الذي عليه الحق، لماذا لم يطلب شهودًا يشهدون أنه أوفى؟ والخلاصة: أن العدل إذا أوفى المرتهن بدون بينة ولا حضور الراهن وأنكر المرتهِن فعليه الضمان.
قال: (كوكيل) يعني: كما لو فعل الوكيل في قضاء الدَّيْن وقال: إني أوفيتُ، وأنكر الدائن، ولم يكن هناك بينة، ولم يكن بحضور الموكِّل؛ فإنه يضمن، وهذه مسألة تقع كثيرًا، انتبهوا لها؛ واحد مثالًا راعي بَقَّالَة اشتريتُ منه كيس خبز، بكم ريال؟ بريال، ثم أتيت به إلى البيت، وإذا جاري ذهب يشتري خبزًا، فقلت: يا فلان، خذ هذا الريال قيمة الكيس أعطِه البقَّال، فأخذ الريال وأعطاه البقال، قال: هذا عن الرجل الذي أخذ منك كيس الخبز، ولم يكن هناك شهود، والموكِّل دخل بيته وأكل خبزه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1393

ثم إن صاحب البقالة لما مَرَّ به المشتري قال: أعطني قيمة الخبز، فقال: أعطيته رجَّالًا جاري، قال: ما أعطاني شيئًا، أذهب إلى الجار أقول له أو أضمن الريال؟ لأنك لم تُشهِد عليه، صح؟ نعم، هذا مقتضى كلام المؤلف؛ لأنه ما أشهد، كان الواجب عليه أنه راح دوَّر اثنين يشهدون بأنه سلَّم هذا ريال قيمة كيس خبز، هكذا كلام المؤلف.
لكن ينبغي أن يُقَال: لكل مقام مقال، الشيء الخطِر؛ يعني الدراهم الكبيرة الكثيرة، هذه لا بد أن يُشهِد عليها، فإن لم يفعل فهو مفرِّط، أما الشيء اليسير الذي جرت العادة أنه لا يُشهَد عليه فإنه لا يُعَدّ مفرِّطًا، والرجل الْمَدِين قد ائتمنه ورضي بأمانته.
فالصحيح في هذا أنه لا يضمن؛ لأن هذا الوكيل يقول للذي وكَّله: أنت لو ذهبت تُوفِي هذا الريال .. أيش؟ ما أشهدت عليه، كيف تَعدُّني مفرِّطًا وأنت بنفسك تفعل ما أفعل؟ ! فالصواب في هذه المسألة أن فيها تفصيلًا، فالمال الخطِر يجب أن يُشهِد عليه؛ لأنه كثير اللي جرت العادة بأنه يُشهد عليه، والشيء اليسير لا يعد مفرِّطًا إذا لم يشهد؛ لأن العادة لم تَجْرِ به، وأنا أعتقد أنكم كُلّكم ترون أني لو أردت أن أوفي صاحب البقالة ريالًا ثمن كيس خبز وجيبت اثنين يشهدون، تعالوا اشهدوا أني سلَّمته ريالًا، أن هذا أيش؟ قَدْح ونَقْص عقل، تُشْهِد أنك أوفيته ريالًا ثمن كيس خبز؟ ! فهذا القول هو الصحيح؛ الصحيح أنه ليس على إطلاقه، وأن يقال: المال الخطِر الذي لا يُقْضَى مثله إلا ببيِّنة هذا لا بد من البيِّنة، وإذا لم يكن بينة فهو مفرِّط فيضمن، وأما ما جرت العادة بأنه يوفَى بلا إشهاد فإنه لا يعد مفرِّطًا.
الفاتورة، ما تقولون فيها؟ يعني لو أن صاحب الدكان أعطى الوكيل فاتورة بأنه استلم الثمن؟ طالب: بينة.
طالب آخر: قرينة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1394

الشيخ: نشوف، الظاهر أن الفاتورة بمنزلة الإقرار؛ لأن صاحب المحل أقرَّ بأنه استلم الثمن، ووقَّع على ذلك، وإن كان أحيانًا قد يفعل صاحب المحل هذا ثقةً بمن؟ بمن سَلَّم، وهذا وارد، لكننا نقول: الأصل أن الإقرار مقبول، هذا هو الأصل، فيكفي إعطاء الفاتورة عن الإشهاد.
طالب: شيخ، في حال رهن ريال واحد هل الضمان على المشتري أم على صاحب البقالة، فالوكيل قد برئ؟ الشيخ: برئ الوكيل.
الطالب: وفي هذا ( ... ). الشيخ: صاحب البقالة عاد يطالب المشتري.
الطالب: والمشتري ( ... ). الشيخ: لكن هذا الذي أعطاه إياه أمين، وأدَّاه على الوجه المعروف، فيُقَال: أنت يا صاحب البقالة ارجع إلى الذي أخذ منك الخبز وخذ الريال، فيذهب الريال على مَن الآن؟ الطالب: على المشتري.
الشيخ: على المشتري، صح.
الطالب: والمشتري فيه ضرر، راح منه ريالان ( ... ). الشيخ: نعم، لكنه بفعل نفسه، هو الذي ائتمن هذا الرجل، والرجل أدى الأمانة على ما جرى به العُرف.
طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة للشهادة لا بد أن تكون كتابية أم يكفي أن تكون .. ؟ الشيخ: لا ما هو لازم، لكن الأحسن لا سيما في الأمور الْخَطِرة أن يكتب، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]. طالب: إذا أنكر المرتهِن تُقْبَل شهادة الراهن إذا حضر القبض؟ الشيخ: الراهن؟ الطالب: نعم.
الشيخ: هذا لاحَظ بنفسه، يشهد لنفسه الراهن.
الطالب: لا، الذي قد أقبضه؛ العدل.
الشيخ: إي، لكن هو يشهد الآن لنفسه.
الطالب: ما تُقْبَل.
الشيخ: ما تُقْبَل.
طالب: العتق يا شيخ لو قال قائل: إنه يصح العتق مع التحريم؛ لأن الجهة مُنْفَكَّة بين التقرب إلى الله بالعتق وتحريمه، كالصلاة في دار مغصوبة.
الشيخ: لا لا، الصلاة في الدار المغصوبة غيرها؛ لأن الدار المغصوبة يحرم استعمالها بالصلاة أو غيرها.
الطالب: وهذا أيضًا يا شيخ لا يصح التصرف في البيع وغيره، وفي العتق وغيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 1395

الشيخ: لا، لا يصلح البيع؛ لأنه تعلق به حق الغير، وصار فيه إبطال لحق الغير.
طالب: بارك الله فيكم، لماذا لم نذهب إلى يمين الراهن أو العدل في تسليم الثمن؟ الشيخ: ما يحتاج إلى الحَلِف، اللهم إلا بالنسبة لصاحب البقالة، وحتى صاحب البقالة مُدَّعًى عليه فعليه اليمين، يعني اليمين ما تتوجه على أحد الآن.
الطالب: لماذا؟ الشيخ: لأن صاحب البقالة الآن منكِر، يُحَلَّف، إذا وصلت المسألة إلى الحكومة يُحَلَّف لا شك، لكنه سيحلف.
طالب: شيخ، ( ... ) من جواز بيع الرهن في حالة الضرورة إذا خِيفَ التلف مثلًا تلف الرهن؟ الشيخ: هذا من الأصل لا بد منه، يعني مثلًا لو رهنه بطيخة، البطيخة لو بقيت فسدت، هذه تباع وتبقى قيمتها رهنًا.
طالب: هل ينعقد الرهن إذا لم يتفقَا على العدل؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: مش إحنا بنقول: يلزم القبض للرهن؟ الشيخ: الصحيح أنه لا يلزم، إحنا رجَّحْنا أنه لا يلزم، وعمل الناس الآن عليه من قديم، تجد الرجل قد رهن سيارته وهو الذي يستعملها، قد رهن بيته وهو ساكنٌ فيه، فالصحيح أن قابض الرهن ليس بشرط اللزوم وأن الرهن يلزم بالعقد.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، هل يُقْبَل قول الراهن لو ادَّعَى بأن العدل قد غَرَّر به، حينما قال له: إن المرتهن عدلٌ وثقة وأمين، فجاء الراهن وقال: أنا غَرَّرَنِي هذا العدل وأنا ما ظنيت أنه ليس كذلك، فهل يُقْبَل قوله ويُعَادُ على الـ .. الشيخ: لا يُقْبَل، والسبب أنه لماذا لم يَحْتَط لنفسه، الواجب أن يحتاط، إذا شك في الإنسان لازم يعيد النظر فيه ويبحث.
طالب: إذا تَدَيَّنْت المبلغ ورهنته مثلًا فيلا أكثر من المبلغ، هل تُعْتَبَر ربًا؟ الشيخ: لا لا؛ لأن هذا صاحب الدَّيْن إذا باع الرهن لا يأخذ من ثمنه إلا مقدار دَيْنِه فقط.
( ... ) يقول المؤلف: إن الرهن أمانة في يد المرتهن، فما هو الضابط في كون الشيء أمانة؟ طالب: ما صار في يد العدل.
الشيخ: ما حصل في يد الإنسان.

الجزء: 2 - الصفحة: 1396

الطالب: ما حصل في يد الإنسان بإذنٍ من الشارع أو بإذنٍ من المالك فهو أمانة.
الشيخ: مثال ما حصل للإنسان بإذنٍ من مالكه؟ طالب: لو كان يعطيه الشيء فيقول: هو أمانةٌ عندك.
الشيخ: ما هو شرط هذا.
طالب: المستأجر والمضارب والشريك.
الشيخ: والرهن.
الطالب: والرهن.
الشيخ: الرهن بيد المرتهِن أمانة بيد المالك.
ومثال ما كان بيد الشارع أمانة من قِبَل الشارع؟ طالب: كالولي على مال اليتيم.
الشيخ: كالولي على مال اليتيم، فمال اليتيم حصل بيده بإذنٍ من الشارع.
الضابط فيما تلف بيد الأمين من حيث الضمان؟ طالب: إن تلف بتعدٍّ أو تفريط ضمن ( ... ). الشيخ: أنت قلت: (أو تفريط) والمؤلف يقول: (بغَيْرِ تَعَدٍّ).
الطالب: لا بد من الزيادة.
الشيخ: لا بد من الزيادة، كُلُّ مالٍ بيد الغير أمانة، إذا تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان، ما الفرق بين التعدي والتفريط؟ الطالب: التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب.
الشيخ: التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب.
مثال التعدي؟ طالب: لو أقرضه ناقة فذبحها عمدًا فهو متعدٍّ.
الشيخ: لا يا أخي، إذا أقرضه الناقة ملكها، يذبحها ويسوِّي فيها ما يشاء.
الطالب: لا، يعني إن جعلها أمانة عنده حتى يأتي من سفر مثلًا، فذبحها فهو متعدٍّ.
الشيخ: والتفريط؟ الطالب: والتفريط أن يضعها مثلًا في غير مكانها فتنطلق فتصدمها مثلًا شاحنة أو كذا فتموت، فهكذا يكون تفريطًا.
الشيخ: يعني ألَّا يضعها في مكان يُحْرِزها.
الطالب: نعم.
الشيخ: أو يتركها مثلًا في شتاءٍ شديد البرودة، أو في حر شديد الحرارة، المهم ترك ما يجب.
رجل ارتهن سيارتين بمئة ألف، ثم تلفت إحدى السيارتين، فهل ينفك الرهن في خمسين ألفًا مثلًا؟ طالب: لا، إنما يكون الباقي بجميع الدَّيْن رهنًا.
الشيخ: يكون الباقي رهنًا بجميع الدَّيْن، ما الفرق بين قولنا: إنه يبقى خمسون ألفًا بدون رهن، أو أن نقول: إن الرهن رهن بجميع الدَّيْن؟ طالب: كيف يا شيخ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1397

الشيخ: ما الفرق بين أن نقول: إنه إذا تلفت إحدى السيارتين المرهونتين فإنه يبقى خمسون ألفًا لا رهن فيها، أو أن نقول: إن الرهن الباقي رهنٌ بجميع الدَّيْن؟ طالب: شيخ، الرهن ليس في مقابل الدَّيْن، إنما هو توثقة فقط، فمتى نَقَصَ فيبقى هو في مقابل الدَّيْن.
الشيخ: إي، لكن فما الفرق بين هذا وهذا؟ يعني لماذا لا نقول: بقيت خمسون ألفًا الْمُرْسَلة ليس فيها رهن، وخمسون ألفًا رهن بالسيارة الباقية.
الطالب: لأنه أول كان العقد على جميع السيارتين.
الشيخ: يعني مُشَاعٌ، وأنا أريد الآن ما الفرق من حيث الحكم؟ طالب: أنه إذا سَدَّد الخمسين ألفًا في كون خمسين مُرْسَلة انفك الرهن، وإذا كان الرهن للجميع لم ينفك الرهن إلا بسداد جميع الدَّيْن.
الشيخ: إي، يعني مثلًا لو جاب خمسين ألفًا وقال: هذه عن السيارة المرهونة الآن، خذ خمسين ألفًا وأعطني سيارتي، تبقى الخمسون الأخرى مُرْسَلة، فيقول: لا، السيارة رهنٌ بجميع المئة، فلا يمكن أفك رهنها حتى توفي المئة كلها.
حَلَّ الدين وامتنع الْمَدِين من الوفاء والرهن موجود، فماذا نصنع؟ طالب: ننظر في حاله، هل أَذِنَ للمرتهن أو العدل أم لا؟ إن أذن له يكفي إذن الأول، فيبيع العدل الرهن ووَفَّى الدَّيْن، وإلا أَجْبَرَه الحاكم -هذا الرجل- لوفائه ببيع الرهن.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: إن كان عنده شيء بوفاء وإلا فببيع الرهن.
الشيخ: توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، إن امتنع، قال: لا أوفي ولا أبيع الرهن؟ الطالب: الحاكم يبيع هذا الرهن ووفاه الدَّيْن.
الشيخ: إي، الحاكم يتولى البيع ويوفي الدَّيْن، أليس جاء في الحديث: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (3)؟ الطالب: وكذلك وفاء دَيْن الغير، وهذا معسر.
الشيخ: ما هو مُكْرَه الرجل الآن؟ مُكْرَه على بيعه.
الطالب: لا، حق الغير لا يجزئه، فإذا كان هو معه وهو يقول: أنا معي، فالحاكم ما عنده قدرة على ذلك فلا بد أن يُجْبِرَه حتى ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1398

الشيخ: نقول: هو أجبره بأيش؟ بحق، وبيع الْمُكْرَه إذا كان بغير حق، ثم إنه هو الذي رهنه، وهو يعرف أن الرهن توثقة إذا لم يوفِ استوفي من الرهن، فقد دخل على بصيرة، إذن ما فيه إكراه في الواقع.
المؤلف يقول: إن الرهن يكون عند مَن اتفقا عليه، معنى هذا؟ طالب: يعني أنه إذا لم .. مثلًا الراهن قال: أنا ما أضمن على حقي بأن يبقى عندك، وهذا قال له: أنا ما أعطيك شيئًا حتى ترهنني، فاتفقَا على أن يكون عند فلان زيد أو خالد، فيبقى الرهن عنده.
الشيخ: المراد بالعدل هنا من اتفقَا عليه أو لا بد أن يكون عدلًا في دِينه؟ الطالب: الظاهر هنا أنه لا بد أن يكون عدلًا، وإن لم تتوفر به كُلُّ الشروط حتى مثلًا يعطي كلًّا منهما.
الشيخ: يعني إذن معناه أن يكون عند من اتفقَا عليه ولو كان فاسقًا؟ الطالب: إي.
الشيخ: توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، صح، فكلامه هنا -كلمة العدل- يعني مَن اتفقَا عليه حتى وإن كان فاسقًا، لو فُرِضَ أنهما اتفقا على شخصٍ يدخِّن أو شخصٍ يحلق لحيته فالأمر إليهم.
أَذِنَا له في البيع، فهل يبيع بجنس الدَّيْن أو بنقد البلد؟ طالب: بنقد البلد، العدل يبيع بنقد البلد.
الشيخ: بنقد البلد، فإن قال: بِعْه بجنس الدَّيْن؟ الطالب: لا يجوز له أن يبيعه بجنس الدَّيْن.
الشيخ: قالَا جميعًا: بِعه بجنس الدَّيْن؟ يعني رجل استدان دولارات وأرهن سيارته، وعند حلول الأجل قال: بِع، فهو ما دام في السعودية يبيع بالنقد السعودي، لكن إذا قال: بعْ بجنس الدَّيْن، فهل يجوز أن يبيع بجنس الدَّيْن؟ الطالب: إذا أَذِن له الراهن والمرتهن؟ الشيخ: كلاهما.
الطالب: الظاهر يجوز إذا أَذِنَا له.
الشيخ: هذا الظاهر يجوز، والباطن؟ ! طالب: يحتمل الجواز ويحتمل عدم الجواز.
الشيخ: إذن فيها وجهان ( ... )؟ ! طالب: يجوز قطعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1399

الشيخ: يجوز، الحق لهما، والأصل أنه سيوفي من جنس الدَّيْن، هذا حتى لو بعناه بنقد البلد الآن فالوفاء سيكون بجنس الدَّيْن، عرفتم يا جماعة؟ فإن قال: لا بأس أن تعطيني دراهم سعودية بدل الدولارات، قلنا: نطبقه على حديث عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنهُ (2)، لا بأس في ذلك بشرط أن يكون بسعر يومها، وألَّا يتفرقَا حتى يتقابَضَا.


قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وَإِنْ شَرَطَ).
فيه مسألة مهمة؛ مسألة قضاء الدَّيْن بالوكالة بدون إشهاد، ما هو ظاهر كلام المؤلف؟ طالب: ظاهر كلام المؤلف أن الوكيل إذا لم يُشْهِد يُعْتَبَر مُفَرِّطًا.
الشيخ: يعني يضمن بكُلِّ حال.
الطالب: يضمن بكُلِّ حال.
الشيخ: والصحيح؟ الطالب: قلنا: الصحيح أن نفرق بين الشيء الخطِر الذي لا يقضى عادة إلا بالإشهاد، وبين الشيء اليسير الذي يُقْضَى بدون إشهاد، فإذا لم يُشْهِد في الأول كان مُفَرِّطًا، والثاني ليس مُفَرِّطًا.
الشيخ: أحسنت، وهذا هو الصحيح، يعني إذا أعطيتك عشرة ريالات وقلت: أوفي صاحب البقالة عشرة ريالات فأعطيتَه، هل نقول: إنه لا بد من الإشهاد؟ الطالب: لا.
الشيخ: أبدًا، ما جرت به العادة، حتى لو استشهد الوكيل أحدًا عُدَّ ذلك مخالفًا للعادة، لكن إذا قال: خذ مئة ألف أعطها فلانًا قيمة السيارتين، فهذا لا بد من الإشهاد.


ثم قال: (وَإِنْ شَرَطَ ألَّا يَبِيعَهُ إِذَا حَلَّ الدَّيْنُ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ).
(إن شرط) الفاعل هو الراهن، (ألَّا يبيعه) أي: المرتهن، (إذا حَلَّ الدَّيْن) قال: رهنتك هذه السيارة بخمسين ألفًا بشرط ألَّا تبيعها إذا حَلَّ الدَّيْن.
فالرهن صحيح، والشرط فاسد، ولو أن أحدًا قال بعدم صحة الرهن والشرط لكان له وجه؛ لأن هذا الشرط لو صَحَّحْناه لكان منافيًا لمقتضى العقد؛ إذ مقتضى العقد هو التوثقة، وإذا كان إذا حَلَّ الدَّيْن لم يَبِعْه فأين التوثقة؟ !

الجزء: 2 - الصفحة: 1400

لكن المذهب أن العقد صحيح والشرط فاسد، وبناءً على ذلك إذا حلَّ الدَّيْن فهل يجوز للمرتهِن أن يبيعه؟ نعم؛ لأن الشرط غير صحيح.
هذه مسألة، المسألة الثانية يقول: (أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له لم يصح الشرط وحده).
(إن جاءه) الفاعل مَنْ؟ الراهن، والمفعول؟ المرتهِن.
(بحقه) الضمير يعود على مَنْ؟ المرتهن، والحق هو الدَّيْن.
(إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له) فإنه لا يصح الشرط وحده، فإن جاءه بحقه في الوقت انفك الرهن، وإن لم يأتِ بحقه في الوقت المحدد بقي الرهن بحاله، وبقي الدَّيْن بحاله؛ لأن الشرط غير صحيح.
مثال ذلك: رجل أرهن شخصًا سيارة، قال: خذ السيارة رهنًا عندك، فإن جئتُ بحقك في أوَّلِ يومٍ من رمضان وإلا فالسيارةُ لك.
قال: ما فيه مانع.
اتفقا على هذا الشرط، الشرط هذا لا يصح، إذا جاء أول يومٍ من رمضان ولم يَجِئْ بحقه، بقيت السيارة على رهنها، وبقي الدَّيْن في ذمة الراهن، يعني كأن شيئًا لم يكن، ما دمنا ألغينا هذا الشرط صار كأنه لم يكن.
فإن قال قائل: ما وجه بطلان الشرط؟ قالوا: وجه بطلان الشرط أنه بيعٌ معلَّق، إن جاءه بحقه وإلا فالرهن له، وهذا بيع، لكنه بيعٌ معلَّق، ومن شروط البيع أن يكون مُنَجَّزًا، فالبيع المعلَّق غير صحيح، لا بد أن يكون مُنَجَّزًا، هذا وجه المنع.
وفيه أيضًا دليل آخر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (4)، يعني: لا يؤخذ منه قسرًا.
فأما التعليل الأول بأن البيع معلَّق فيحتاج إلى دليل، يعني يُقَال: ما هو الدليل على أن البيع المعلَّق غير صحيح؛ هذه واحدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1401

أما الثاني: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ»، فهنا الرهن لم يَغْلَق من صاحبه، غَلَقُ الرهن من صاحبه أنه إذا حلَّ الدَّيْن ولم يأتِ به أخذه المرتهن قهرًا، سواءٌ يساوي الدَّيْن أو أكثر أو أقل، هذا الذي يقال إنه غُلِقَ من صاحبه، وأما إذا كان باختيار صاحبه فهو باختياره، ما فيه أحد أغلقه عليه، فصار هذا التعليل غير صحيح، والاستدلال غير صحيح.
نرجع إلى الأصل، الأصل في العقود وشروطها الجواز والصحة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا يشمل الوفاء بالعقد أصلِه وشرطِه، ولقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34]، والشرط عهد، ولقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (5). فعُلِمَ منه أن الشرط الذي لا ينافي كتاب الله صحيح، ولقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (6). فهذه أربعة أدلة؛ اثنان من القرآن، واثنان من السُّنَّة، مع بطلان ما استدل به الأصحاب رحمهم الله.
التعليل قلنا: لا دليل عليه، والدليل قلنا: لا دلالة فيه.
وحينئذٍ يكون القول الثاني أن هذا الشرط صحيح، فإذا قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك، وقَبِلَ؛ فهو صحيح، وبهذا أخذ الإمام أحمد رحمه الله في فعله، فإنه اشترى -أظن- من بقال شيئًا ورهنه نعليه، الإمام أحمد، ما عنده فلوس! رهنه نعليه وصار يمشي حافيًا، وقال له: إن جئتك بحقك في الوقت الفلاني وإلا فالنعال لك، فوافق صاحب البقالة، يمكن النعال أكثر من قيمة الدَّيْن، والله أعلم.
على كُلِّ حال هذا عمل من الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ-، فيكون في المسألة عنه روايتان:

الجزء: 2 - الصفحة: 1402

الرواية الأولى: القولية؛ أنه لا يصح؛ لدخوله في الحديث: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ».
والرواية الثانية: الفعلية، وهو أنه فعل ذلك بنفسه، وهذا هو القول الراجح.
بقي علينا أن يُقَالَ: ربما يكون الرهن حين العقد مساويًا للدَّيْن، لكن عند حلول الدَّيْن قد تزيد قيمته وقد تنقص، الإيراد واضح؟ نعم.
رهنه هذه السيارة بخمسين ألفًا، وقال: إن جئتك بحقك في أول يوم من رمضان وإلا فالسيارة لك، هي تساوي في ذلك الوقت خمسين ألفًا، لكن لما دخل رمضان صارت تساوي عشرين ألفًا، أو صارت تساوي ثمانين ألفًا، أفهمتم؟ هذا وارد ولّا غير وارد؟ وارد، فيكون حينئذٍ الثمن مجهولًا، وقد نهى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن بيع الغَرَر (7). يقال: أما إذا نقصت قيمة الرهن فإن المرتهن قد أسقط بعض الدَّيْن باختياره، دخل على بصيرة، وأما لو زادت فإن الراهن لا يمكن أبدًا أن يؤخِّر الوفاء عن وقته؛ لئلا تفوته هذه أيش؟ الزيادة، واضح؟ إذن فلا غَرَر، وذلك بالنسبة للمرتهن أنه يجوز أن يُسْقِط بعض حقه، وحصوله على بعض حقه خير من عدمه بالكلية، أما بالنسبة للراهن فقلت لكم: إنه لا يمكن أبدًا أن يؤخِّر الوفاء عن وقته إذا كان يعلم أن قيمة الرهن أكثر من الدَّيْن؛ لأنه لا أحد يرضى بهذا، لو ذهب يستقرض ويوفِي لفعل؛ لئلا تفوته هذه الزيادة، وعلى هذا يُجَاب عن هذا الإيراد فيزول الإشكال.
إذن الصحيح أنه إذا رهنه شيئًا وقال: إن جئتك بحقك في الوقت الفلاني وإلا فالرهن لك، الصحيح أن هذا جائز، شرطٌ صحيح ولازم.


يقول رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَيُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1403

يعني لما حَلَّ الدَّيْن أتى الراهن بألف ريال، وقال للمرتهن: تفضل هذا دينك، أعطني الرهن، قال: الدَّيْن ما هو ألف ريال، الدَّيْن خمسة آلاف ريال.
فقال الراهن: بل هو ألف ريال.
يقول المؤلف: (يُقْبَل قول الراهن)، وهذا مُقَيَّدٌ بما إذا لم يكن للمرتهن بينة، أما إذا كان للمرتهن بينة فالقول قول مَنْ؟ القول قول ما شَهِدت به البينة، وهي شهدت للمرتهن، فيلزمه كم في المثال؟ خمسة آلاف.
كذلك أيضًا يُقْبَل قول الراهن مع يمينه، لا بد أن يحلف؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (8)، ونحن الآن لدينا طرفان: الطرف الأول الراهن ينكر أنه يلزمه خمسة آلاف، والطرف الثاني المرتهن يدعي أن له خمسة آلاف.
نطبق على الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، فنقول: القول قول الراهن بيمينه، وأما المرتهن فلا نقبل قوله إلا بالبينة.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنه لا فرق بين أن يكون الدَّيْن الذي ادَّعاه الراهن قريبًا من قيمة الرهن أو بعيدًا؛ هذا ظاهر كلامه؛ أنه يُقْبَل قوله في قدر الدَّيْن مطلقًا، سواءٌ كان قريبًا من قيمة الرهن أو لا.
فلو رهنه سيارة مثلًا بِدَيْن، ولما حلَّ الدَّيْن جاء الراهن إلى المرتهن بمئة ريال، فقال المرتهن: الدَّيْن أكثر، الدَّيْن خمسة آلاف ريال، قال: لا، مئة ريال، فهنا عندنا أصل وعندنا ظاهر، ويش الأصل؟ الأصل عدم ثبوت ما ادعاه المرتهن؛ لأن الراهن أيش؟ ينكره، يقول: أبدًا، ما يلزمني إلا مئة ريال، فالأصل عدم لزوم ما ادعى به المرتهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1404

لكن عندنا ظاهر، ما هو الظاهر؟ السيارة، لم تجر العادة أن شخصًا يرهن سيارة تساوي خمسة آلاف بمئة ريال، أو قل: تساوي خمسين ألفًا، قال: والله أنت تطلب المئة ريال، قال: سبحان الله! أنا أطلبك ثلاثين ألفًا، هذا مثال آخر، السيارة تساوي خمسين ألفًا وهو يقول - أعني المرتهن -: إن الدين ثلاثون ألفًا، وذلك يقول: الدين مئة ريال، مئة ريال ما تساوي ولا كفر السيارة، وهو يقول: سيارة بخمسين ألفًا يقول: رهنتها بمئة، فإذا كان هناك ظاهر وأصل، فأيهما نقدم؟ كلام المؤلف ظاهره العموم، لكن إذا أردنا أن نطبقها على قواعد الشريعة فإننا نقدم الأقوى من الظاهر أو الأصل؟ نقدم الأقوى، ولهذا لو ثبت ببينة أَخَذْنَا بما قالت البينة، ولو كان هذا ادعاء أقل، أعني الراهن.
على هذا نقول: إن الظاهر يُكذِّب مَنْ؟ يكذب قول الراهن، فيكون الأصل مع المرتهِن.
ولكن يبقى النظر: إذا ادعى المرتهن أن الدَّيْن خمسون ألفًا، بناءً على أن قيمة السيارة تساوي خمسين ألفًا، ولكن هذا لما رأى أنه غير مقبول قال: إذن الدَّيْن أربعون ألفًا، فهل في هذه الحال نقول: إن رهن سيارة قيمتها خمسون ألفًا قريبٌ من أن يكون الدَّيْن أربعين ألفًا، فهل لما رجع نقبل قوله، أو نقول: إن هذا الرجل كاذب فلا يُقبل قوله؟ الظاهر أن الثاني هو الأَوْلَى، وعليه فنقول: يكون الدَّيْن ما ادَّعَاه المرتهِن.
وعلى هذا لنأخذ قاعدة في هذه المسألة: متى ادعى أحدهما ما يخالف الظاهر مخالفة بينة فإننا لا نقبله.


طالب: في هذا الوقت إذا اتفق الراهن والمرتهن على إن خلى الدَّيْن وما أوفيته إليه والرهن له، ثم نقص قيمة الرهن، ثم نقصها المرتهن من دَيْنِه بنصف مثلًا، والنصف الآخر يطلبه من الراهن و .. الشيخ: إي، لا ما يحصل، لا يحصل هذا، يعني لو أنه قال: إن جئتك بحقك وإلا فالرهن لك، فقال: قبلت، وحَلَّ الدَّيْن ولم يأت بحقه، وصار الرهن يساوي نصف الدَّيْن فقط، نقول للمرتهن: ليس لك إلا هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1405

طالب: فيه غرر.
الشيخ: ما فيه غرر، أرأيت لو حلَّ الدَّيْن وقال: أسقطت نصفه، يجوز أو لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يجوز، هذا هو، هذا يقول: الآن حلَّ الدَّيْن والرجل لم يوفينِي، يكفيني نصفه، وهو قيمة الرهن الذي نقص.
طالب: ونصفه ( ... ). الشيخ: أجبنا عنه، هذا الغرر أجبنا عنه، ولّا لا يا جماعة؟ أجبنا عنه، وقلنا: الحق الآن للمرتهن، والمرتهن إذا حلَّ الدَّيْن وقال المدين: ما عندي إلا هذا، يجوز أن يتنازل.
طالب: شيخ، حفظك الله، ما اتضح الوجه الثاني؟ الشيخ: اللي هو؟ الطالب: تَكَلُّمُنَا عن فيما إذا جعل الوفاء فزادت قيمة الرهن أو نقصت، فذكرنا أنه بالنسبة للمرتهن هو الذي رضي بهذا الشيء، هو الذي أسقط حقه، فبالنسبة للراهن ما اتضح يا شيخ.
الشيخ: بالنسبة للراهن قلنا: إنه لا يمكن للراهن إذا عرف أن قيمة الرهن أكثر من دَيْنِه، لا يمكن أن يتوانى في الوفاء، لا بد أن يَحُثّ نفسه حتى يوفي، إذا كان دَيْنُه ثلاثين ألفًا والسيارة تساوي خمسين ألفًا، وحلَّ الدَّيْن، قَرُب حلول الدَّيْن، لا بد أن يبحث عن ثلاثين ألفًا حتى يوفي.
( ... ) طالب: إذا حَلَّ الدَّيْن ولم يَفِ بالرهن، وقال الراهن للمرتهن: إن حلَّ الدَّيْن أوفيتك ( ... ) إذا غلق الدَّيْن ( ... ) فإنه لن يتضرر هذا الراهن لأنه سوف يوفيه بالنقود.
الشيخ: قلنا: لا بد أن يستقدر.
الطالب: يستقدر من غيره.
الشيخ: إي يستقدر من غيره.
الطالب: من نفسه هو.
الشيخ: من نفسه أو من غيره؛ لأن مصلحته لا يمكن أن يضيعها أبدًا.
طالب: شيخ، إذا قامت الراهن يا شيخ، إذا جاء إنسان للراهن وقال: أريد أن أشتري الرهن، فلا يجوز بيعه، ولكن إذا قال له: إن أوفيت الدَّيْن فالرهن عليك بكذا، يجوز؟ الشيخ: إن أوفيتَ؟ الطالب: يعني إن سددت الدَّيْن فالرهن.
الشيخ: يقوله الطرف الثالث؟ الطالب: إي نعم، يعلِّق بيع الرهن على سداد الدَّيْن.
الشيخ: يعني أنا أسدد عنك والرهن لي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1406

الطالب: لا يا شيخ؛ نفس الراهن يقول: إذا سددت الدَّيْن يعني أوفيت، فإن الرهن الذي رهنتُكَه عليك بكذا.
الشيخ: إي، ما يصح هذا؛ لأنه مجهول.
طالب: علشان ربما معلَّق.
الشيخ: لا، ما هو علشان معلق، علشان مجهول الآن، القيمة قد ترتفع وقد تنقص، والغالب من هذا ما يكون إلا إنسانًا مضطرًّا.
طالب: شيخ، إذا قال الراهن: إذا حال الأجل .. الشيخ: إذا حال ولّا إذا حَلَّ؟ الطالب: إذا حلَّ الأجل فالرهن لك، وحلَّ الأجل، وأخذ المرتهن الرهن، ونقصت القيمة، هل يجب على الراهن إعطاء المرتهن مقدار النقص؟ الشيخ: لا.
الطالب: وفي حال الزيادة، هل يجب على المرتهن إعطاء الرهن .. ؟ الشيخ: لا، هذا بيع تام.
طالب: شيخ، بالنسبة للمرتهن عندما يأخذ الرهن فإنه يأخذه في المقابل بعض دَيْنِه، هل يكون هذا إجحافًا في حق المرتهن أن يأخذ بعض دَيْنِه.
الشيخ: المرتهن راضٍ، أرأيت لو حلَّ الدَّيْن وقال الراهن: ما عندي شيء، فقال: أنا يكفيني نصفه، أعطني نصفه والباقي مُعْفًى عنه، ما هو يجوز هذا؟ الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: هذا يجوز على القول الراجح؛ لأن بعض العلماء ما يُجَوِّزُه، ولكن نحن نرى أنه جائز، فهذا مثله، هذا راضٍ بالنقص؛ لأنه كونه يعطيه بعض ماله ولا يفقد كُلَّ ماله.
الطالب: يا شيخ في حالة عدم رضاه، هل نعطيه هذا الرهن؟ الشيخ: هو راضٍ.
الطالب: أقول: في حالة .. الشيخ: وإذا كان .. شوف، المسألة ما هي إلزامية حتى يَرِد هذا الإشكال عليكم، المسألة إذا قال: لن أقول: إذا حلَّ الدَّيْن ولم أوفِ فالرهن لك، ما أنا بقائل، نبغي الرهن عادي، إذا حَلَّ الدين يباع الرهن ولي غنمه وعليَّ غرمه، يعني لا تظن المسألة ملزِمة، لكن هل يصح الشرط أو لا يصح، هذا محل الخلاف؟ أما أنه هل يلزم أو لا يلزم، هذا ما هو لازم، يعني لو أن الراهن لم يقل هكذا، لم يقل للمرتهن: إن حلَّ الدين وأنا لم أُوفِ فهو لك، فلا عليه، هذا هو الأصل في الرهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1407

الطالب: شيخ، أيضًا في حالة البيع مثلًا يكون الرهن أقل مثلًا من دَيْنِه الذي هو له.
الشيخ: ما يخالف، قلنا: دَيْنُه خمسون ألفًا، حلَّ الدَّيْن ولم يوفِ، والسيارة المرهونة تساوي الآن ثلاثين ألفًا، فقال المرتهن: أنا أقبلها بثلاثين ألفًا، هل يُمْنَع من هذا؟ الطالب: لا.
الشيخ: أيضًا هذه المسألة.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: (أو إن جاءه بحقِّه في وقتِ كذا وإلا فالرَّهْنُ له، لم يصحَّ الشرطُ وحدَه، ويُقبَلُ قولُ الراهنِ في قدر الدَّيْنِ والرَّهْنِ ورَدِّهِ، وفي كونِه عصيرًا لا خمرًا، وإن أَقرَّ أنه مِلْكُ غيرِه أو أنه جَنَى قُبِلَ على نَفْسِه، وحُكِمَ بإقراره بعد فَكِّه، إلا أنْ يُصدِّقَه المُرْتَهِنُ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لماذا لا يصح شرط: إن جاء بحقه وإلا فالرهن له؟ طالب: لماذا لا يصح الشرط؟ قالوا: لأنه يعتبر بيعًا معيَّنًا، والبيع لا بد أن يكون مُنَجَّزًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: كذلك استدلوا بالحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُه، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (9). الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، هل هناك قول آخر؟ طالب: نعم فيه قول آخر.
الشيخ: وهو؟ الطالب: أنه يجوز.
الشيخ: أن الشرط جائز.
الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
ما دليل هؤلاء؟ الطالب: دليل هؤلاء عدم الدليل، وهو أن تعليلهم هذا ليس عليه دليل، والدليل أنه لا يغلق على الراهن أن هذا أغلق وهو موافق عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1408

الشيخ: إي، يعني والحديث مُنَزَّل على ما كانوا يفعلون في الجاهلية إذا حَلَّ الأجل ولم يَقْضِ الدَّيْن أخذه قهرًا، بارك الله فيك، أنت قلت: إن الدليل عدم الدليل، كيف يكون الدليل عدم الدليل؟ لماذا؟ الطالب: لأن الأصل في البيع الحِلّ.
الشيخ: أحسنت، وكل مَن ادعى خلاف الأصل نقول له: الدليل عدم الدليل؛ لأنه لا بد من دليل ينقل على الأصل، وإلا فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
هذه الرواية أو هذا القول هل عمل به الإمام أحمد؟ طالب: نعم.
الشيخ: كيف؟ الطالب: رُوِيَ عنه أنه اشترى من بقال ولم يكن معه ثمن يستوفيه، فرهن عنده نعالًا، فقال: أوفي لك بالثمن في وقت كذا وإلا فالنعال لك.
الشيخ: إي نعم، هكذا فعل الإمام أحمد رحمه الله.
يقول المؤلف: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدَّيْن فمَن نقدِّم؟ طالب: نقدِّم قول الراهن.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه هو الغارم.
الشيخ: لأنه غارم، توافقون على هذا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، هل هذا على إطلاقه أنه يقدِّم قول الراهن؟ طالب: ليس على إطلاقه، إذا وُجِدَت قرينة تصرف عن قبول قوله فلا يُقْبَل، أما إذا لم توجد قرينة فنعم يُقْبَل.
الشيخ: كأنك فهمت أنه ليس على إطلاقه من قولي: هل هذا على إطلاقه، صحيح؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا لم يكن على إطلاقه؟ الطالب: هو في الأصل أنه يبقى القول، لكن لو وُجِدَت قرينة تكذِّب قوله .. الشيخ: مثال؟ الطالب: يقول مثلًا: الرهن هذا صفته كذا، ولَمَّا تأملوا فيه وَجَدُوا أن القرينة لا تؤيد ما .. الشيخ: لا؛ لأن الآن الاختلاف في قَدْر الدَّيْن، يعني قال المرتهن: إن الدَّيْن خمسون ألفًا، وقال الراهن: الدَّيْن ألف ريال.
الطالب: قال الراهن: الدَّيْن ألف ريال؟ الشيخ: إي نعم، وذلك يقول: هو خمسون ألفًا.
الطالب: ننظر في الرهن كم يساوي.
الشيخ: إي، يعني معناه أننا ننظر إلى قيمة الرهن، إذا كانت تُرَجِّح قول المرتهِن فالقول قول .. ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1409

الطالب: قول المرتهن، وإلا فـ .. الشيخ: يعني مثلًا لم تَجْرِ العادة أن الإنسان يرهن سيارة تساوي خمسين ألفًا ويتعطل من منفعتها بألف ريال، هذا ما جرت به العادة.
إذن معناه نرجع إلى قرينة الحال فنُغَلِّب من شهدت له القرينة، وذكرنا أن هذا من باب تعارض أيش؟ طالب: من باب تعارض الظاهر والأصل.
الشيخ: من باب تعارض الظاهر والأصل، وإذا تعارض الأصل والظاهر فأيهما نقدِّم؟ الطالب: نقدم الأقوى منهما.
الشيخ: الأقوى منهما، تمام.


قال: (وَيُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ في رَدِّهِ).
أي: في رد الرهن، يعني: لو ادعى المرتهِن أنه رد الرهن إلى الراهن، وقال: لم ترده، فالقول قول الراهن، كيف يكون القول قول الراهن؟ لأن الأصل عدم الرد، وبقاءُ ما كان على ما كان، والرهن الآن في يد مَنْ؟ في يد المرتهِن.
فإذا قال قائل: ألستم تقولون: إن الوديعة -المودَعة يعني- لو ادَّعَى رد الوديعة إلى المودِعِ قُبِل قوله، فلماذا لا تقبلون قول هذا -أي قول المرتهن في رد الرهن؟ - فاهمون الإشكال الآن؟ يعني: إنسانٌ أعطى شخصًا وديعة قال: خذ هذه الساعة أمانة عندك، وبعد مدة جاء صاحب الساعة يطلبها، فقال المودَع: إني قد أعطيتُكها، فيُقْبَل قول المودَع، وهذا المرتهِن لا نقبل قوله، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة: أن مَن قَبَضَ الشيء لحظ نفسه لم يُقبَل قوله في الرد، هذه القاعدة، ومَن قبضه لحظ مالكه قُبِلَ قوله في الرد.
أما في التلف فيُقبَل قولهما جميعًا، يعني لو ادعى المرتهن أن الرهن تلف قُبِل قوله؛ لأنه أمين، وفي نظم القواعد: كُلُّ أَمِينٍ يَدَّعِي الرَّدَّ قُبِلْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعلى هذا فنقول: إذا ادَّعَى المرتهن أنه رد الرهن إلى الراهن فإننا لا نقبل قوله؛ فالقول قول الراهن.
واعلموا أن كُلَّ من قلنا: القول قوله، فلا بد من اليمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم: «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (8).

الجزء: 2 - الصفحة: 1410

(وفي كونه عصيرًا لا خمرًا) يعني: يُقْبَل قول الراهن في كونه عصيرًا لا خمرًا، ولكن هذا في صورة معينة، يُقْبَل قول الراهن في كون الرهن عصيرًا في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن، ولهذا يحتاج إلى هذا القيد: في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن، بأن قال المرتهن: بعتُك هذه السلعة على أن ترهنني هذا العصير، قال: طيب، فأرهنه العصير.
ثم رجع المرتهن وقال: إن العصير كان خمرًا، يعني فلا يصح الرهن، إذا كان خمرًا لم يصح الرهن، وإذا لم يصح الرهن يقول البائع: فلي الفسخ؛ لأني اشترطت رهنًا، وتبيَّن أن الرهن غير صحيح، فلي الفسخ؛ لأنه صار العقد الآن بلا رهن، وأنا لم أَبِعْهُ إلا برهن، فقال الراهن: إنه كان عصيرًا وليس خمرًا، وإذا كان عصيرًا صار الرهن صحيحًا، وإذا كان صحيحًا فلا خيار للبائع، واضح؟ غير واضح.
مثلًا: رجل اشترى من شخص ساعة وليس معه ثمن، لكن معه كرتون عصير، كرتون العصير معروف ولّا لا؟ واضح، فقال للذي اشترى الساعة: خذ هذا الكرتون رهنًا، فقال: لا بأس، أبيعك هذه الساعة بمئة ريال بشرط أن ترهنني كرتون العصير، فقبضه المرتهن، قبض الكرتون رهنًا، ثم بعد أيام رجع، وقال: وجدت الكرتون خمرًا، يعني قد تخمَّر؛ لأن العصير إذا تأخَّر يكون خمرًا، وجدته خمرًا، ليش يقول هذا الكلام؟ طلبة: ليفسخ العقد.
الشيخ: ليكون العقد على هذا الخمر باطلًا، ما صح الرهن الآن، لما تبيَّن أنه خمر فالخمر لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه لا يجوز رهنه، تبين الآن أن الرهن غير صحيح.
لما تبين أن الرهن غير صحيح والبيع مشروط بالرهن صار الراهن لم يَفِ بالشرط حقيقةً، فيقول البائع الآن: لي الفسخ -فسخ العقد-؛ لأني بعتك بشرط الرهن، وتبيَّن أن الرهن غير صحيح، فلي الفسخ.
فقال الراهن: بل إنه كان عصيرًا وتخمَّر عندك، ليش؟ ليصح الرهن، فلا يكون للبائع فسخ العقد، واضح ولا ما هو بواضح؟ واضح.
إذا قال قائل: لماذا نقبل قول الراهن في هذه المسألة ولا نقبل قول المرتهن؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1411

نقول: لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، هو عصير، والأصل أنه عصير باقٍ، فيكون تَخَمُّرُه في عهدة مَنْ؟ في عهدة المرتهِن، والأصل أن هذا العصير باقٍ لم يتخمَّر، وحينئذٍ لا فسخ للبائع، واضح يا جماعة؟ الحمد لله.
يقول: (في كونه عصيرًا لا خمرًا).
إذن كلام المؤلف -رَحِمَهُ اللَّهُ- يحتاج إلى قيد، ما هو القيد؟ في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن، فرهن عصيرًا ثم ادعى المرتهِن أنه كان خمرًا من أجل أن يفسد الرهن، ثم يكون له الخيار في عقد البيع.
قال: (وإن أقر أنه ملك غيره)، (أقر) الفاعل يعود على الراهن، إن أقر الراهن أنه ملك غيره قُبِل على نفسه، ولم يُقبَل على المرتهِن، وهذا لا شك أنه عين الحكمة.
يعني هذا رجل رهن سيارة شخصًا استدان منه مئة ألف، ثم بعد يومين ثلاثة رجع المرتهن وقال: السيارة ليست لي، السيارة لفلان وهذه استمارتها، هنا ماذا نقول؟ القول قول مَنْ؟ قول الراهن من وجه، لكن لا على حق المرتهن.
نقول: الآن يُقْبَل إقرارك، لكن لا نحكم بمقتضاه حتى ينفك الرهن، تبقى السيارة الآن مرهونة، وإذا انفك الرهن قلنا: رجِّعها لمن أقررت أنها ملكه، أما الآن فلا؛ لأن هذا يؤدي إلى إبطال حق مَنْ؟ حق المرتهن، وحق المرتهن سابق على هذا الإقرار فيقدَّم عليه.
وهذا لا شك أنه عين الحكمة؛ لأننا لو لم نقل بذلك لكان كلُّ راهنٍ مبطِل إذا رهن ادَّعى أنه ملك لفلان، يعني اتفق هو وفلان وقال: تعالَ، أنا أريد أن أُقِرَّ بأن هذا الشيء لك، علشان أيش؟ علشان يقول: أنا رهنت ملك غيري، فنقول: الرهن باقٍ بحاله، وإذا انفك الرهن أخذه المُقَرُّ له، واضح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، إذا قدَّرْنَا أن الرجل لم يُوفِ الدَّيْن فهل يُبَاع؟ نعم يُبَاع، ويرجع المُقَرُّ له على مَنْ؟ على الراهن .. أو أنه جَنَى قبلُ على نفسِه , وحَكَمَ بإقرارِه بعدُ فَكَّه إلا أن يُصَدِّقَه الْمُرْتَهِنُ.
(فصلٌ)

الجزء: 2 - الصفحة: 1412

ولِلْمُرْتَهِنِ أن يَرْكَبَ ما يَركبُ ويَحْلُبُ ما يَحْلُبُ بقَدْرِ نَفَقَتِه بلا إِذْنٍ، وإن أَنْفَقَ على الرَّهْنِ بغيرِ إذنِ الراهنِ معَ إمكانِه لم يَرْجِعْ، وإن تَعَذّرَ رَجَعَ ولو لم يَستأْذِن الحاكمَ، وكذا وَديعةٌ ودَوَابُّ مُستأْجَرَةٌ هَرَبَ رَبُّها، ولو خَرِبَ الرهنُ فعَمَّرَه بلا إذنٍ رَجَعَ بآلَتِه فقطْ.
(باب الضمان) ولا يَصِحُّ إلا من جائزِ التَّصَرُّفِ، ولِرَبِّ الحقِّ مُطالَبَةُ مَن شاءَ منهما في الحياةِ والموتِ، فإن بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضمونِ عنه بَرِئَتْ ذِمَّةُ التضامُنِ، لا عَكْسُه، ولا تُعْتَبَرُ مَعرِفَةُ الضامنِ للمَضمونِ عنه ولا له , بل رِضَا الضامنِ، ويَصِحُّ ضَمانُ المجهولِ إذا آلَ إلى العِلْمِ وإذا انفك الرهن أخذه المُقَرُّ له، واضح؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب، إذا قدرنا أن الرجل لم يوفِ الدَّيْن فهل يباع الرهن؟ نعم يُبْاع، ويرجع المُقَر له على مَنْ؟ على الراهن؛ لأن الراهن هو الذي أتلفه؛ حيث رهنه، هذا إن بقي على إقراره أنه لغيره.
إذن هذا الإقرار قُبِل من وجه، ولم يُقْبَل من وجه آخر.
الشيخ: فسر لي الوجهين؟ طالب: يُقْبَل قوله إذا أقر بأنه ملكٌ لغيره.
الشيخ: نعم، قلنا: يُقْبَل من وجه، ولا يُقْبَل من وجه.
الطالب: يقبل من وجه، بإقراره هذا لا يضيع حق المرتهن بأنه يبقى في .. الشيخ: يعني من قِبَل المرتهن لا يُقْبَل؟ الطالب: من ناحية المرتهن لا يُقْبَل؛ يعني: يبقى الرهن على ما هو عليه حتى يؤدي الدين.
الشيخ: طيب، ومن جهة المقَر له؟ الطالب: ومن جهة المقَر له يقبل أنه ملكه، فإذا حلَّ موعد السداد ولم يسد الدين بيع وأحيل على ( ... ). الشيخ: المهم أنه يقبل في حق المقَر له فيطالبه بمقتضى إقراره.
يقول: (أو أنه جنى) (أو أنه) أي: الرهن، (جنى)، مَنِ المقِر؟ طلبة: الراهن.
الشيخ: الراهن.
(أو أنه جنى) يُقْبَل على نفسه ولا يُقْبَل في حق المرتهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1413

صورة المسألة: رجلٌ رهن عبدًا، وبعد أن تم عقد الرهن قال: إن هذا العبد قد جنى على فلان؛ إما بالنفس، أو بما دونها، أو بالمال، والعبد إذا جنى تتعلق الجناية برقبته، فيقال لسيده: إما أن تُسَلِّم الجناية، وإما أن تُسَلِّم العبد في مقابلة الجناية، وإما أن تبيع العبد وتُسَلِّم ثمنه للمجني عليه، ثلاثة أمور؛ لأنه يتعلق برقبته، المرتهن الآن ادعى أن العبد جنى على فلان .. طالب: الراهن.
الشيخ: نعم، الراهن، أحسنتم.
الراهن ادعى أن هذا العبد جنى على فلان، ومعلوم أن حق المجني عليه متعلق بالرقبة، أقوى من تعلق حق المرتهن، المرتهن متعلق بالرهن تعلُّق توثقة، ما هو ضمان، فهو أراد أن يبطل حق المرتهن بهذا الإقرار، فيقال له: إقرارك مقبولٌ من وجه، غير مقبول من وجه، من جهة المجني عليه الذي أقررت أن العبد جنى عليه: الإقرار مقبول، ومن جهة حق المرتهن: غير مقبول، تمام.
إذن ماذا نعمل بالنسبة للمجني عليه؟ نقول: يبقى العبد الآن رهنًا، ثم إذا انفك الرهن أوفينا المجني عليه حقه.
يقول: (قُبِلَ على نفسه)، (قُبِلَ) الضمير يعود على؟ طلبة: الراهن.
الشيخ: خطأ، يعود على الإقرار؛ أي: إقرار الراهن.
(على نفسه) الضمير هنا يعود على الراهن، يُقْبَل على نفسه؛ يعني: لا على المرتهن.
(وحكم بإقراره بعد فكه)، (حكم بإقراره) أي: بمقتضى إقراره، (بعد فكه)، فإذا كان أقر أنه ملك غيره نقول: إذا انفك الرهن ينتزعه المقَر له؛ يرجع للمقَر له، إذا كان جانيًا ينتزعه المجني عليه، أو يُبَاع ويُعْطَى قيمته؛ يعني: إما أن يفديه سيده ويقول: أنا أدفع الجناية كلها، أو يُسَلِّم العبد للمجني عليه، أو يبيع العبد ويعطيه قيمته؛ يُعْطَى المجني عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1414

قال: (إلا) استثنى المؤلف قال: (إلا أن يصدِّقه المرتهن)، (صدقه) الهاء يعود على مَنْ؟ الراهن، والمرتهن فاعل؛ يعني: إلا إذا صدَّق المرتهنُ الراهنَ في دعوى أنه ملك غيره أو أنه جنى، فإذا قال المرتهن: نعم، هو ملك غيرك، حينئذٍ يبطل الرهن، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: لأن الآن المرتهن أقر بأن الرهن غير صحيح؛ إذ إن الراهن رهن ما لا يملك، فيبطل الرهن ويُسَلَّم لمن أقر له الراهن.
وكذلك إذا قال المرتهن: نعم، العبد جنى.
نقول: خلاص، الآن الجناية مقتضاها تَعَلَّق برقبته، فسلِّمِ العبد لسيده.
لكن هل يمكن أن المرتهن يصدِّق الراهن في أمرٍ يُبطل حقه؟ طالب: يمكن.
طالب آخر: لا.
الشيخ: كيف لا؟ يمكن، إما أن يعرف أن هذا الراهن رجل صدوق ما يمكن أن يكذب، لكن اغتر أو نوى الخداع في أول الأمر ثم تاب، هذه واحدة، وإما أن يثبت ذلك ببينة، لكن إذا ثبت ببينة حكم بمقتضى البينة، سواءٌ صدقه المرتهن أم لم يصدقه، إي نعم؛ لأن كلامنا الآن على مجرد الإقرار.


ثم قال المؤلف: (فصلٌ: وللْمُرتَهِن أن يَرْكب ما يُرْكَب ويَحْلب ما يُحْلَب بقدر نفقته).
(للمرتهن) الذي له الدين، (أن يَرْكب ما يُرْكَب ويَحْلب ما يُحْلَب بقدر نفقته) (بقدر نفقته) متعلقة بـ (يَرْكب) و (يَحْلب) فقد تنازعها عاملان؛ يعني إذا كان الرهن مما يُركب، مثل؟ طالب: الحمار.
طالب آخر: الفرس.
طالب آخر: الحصان.
طالب آخر: السيارة.
الشيخ: لا، السيارة لا.
طالب: ما يركب من الحيوان.
الشيخ: نعم، ما يركب من الحيوان؛ بعير، حمار، بقرة.
طالب: لا، تركب البقرة.
الشيخ: البقرة لا تركب عادةً، لكن مما يُحلب، له أن يركبه بقدر النفقة، سواءٌ ركبه في داخل البلد أو ركبه في سفر، بشرط ألَّا يكون عليه في السفر ضرر؛ أي: على المركوب، فإن كان عليه ضرر فليس له ذلك، لكن إذا لم يكن عليه ضرر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1415

فيقال مثلًا: هذا البعير الذي يركبه المرتهن لو استُؤجر لمدة عشرة أيام لكانت الأجرة مئة، والنفقة بقدر مئة، حينئذٍ تساوت النفقة وتساوت الأجرة، فيكون لا له شيء وليس عليه شيء؛ لأنه ركب بقدر النفقة.
فإن كانت أجرته أكثر من النفقة فلا بد أن يدفع ما زاد على النفقة، إذا قدَّرنا أن نفقته خمسون وأن أجرته مئة، فعليه أن يدفع كم؟ خمسين؛ لأنه لو لم يفعل لكان ظالمًا للراهن، وإذا كان دينه قرضًا صار دينه قرضًا جرَّ نفعًا.
لو كان بالعكس: نفقته مئة وأجرته خمسون، فهل يرجع على الراهن بما زاد؟ نعم، يرجع على الراهن بما زاد.
النفقة مئة، وأجرة مثله خمسون، الآن يطالب الراهن بما زاد على النفقة وهو خمسون.
وكذلك يُقَال فيما يُحْلَب؛ كالشاة والبقرة.
طالب: الناقة.
الشيخ: الناقة في الغالب تُرْكَب؛ ولهذا مثَّلنا في الأول بالناقة.
هذا إنسان رهن بقرة وصار يحلبها، نقول: لك أن تحلبها بقدر النفقة، فإذا كان ثمن حليبها مئة في الأسبوع ونفقتها في الأسبوع مئة، ففي هذه الحال لا له ولا عليه، وإن كان الحليب يساوي مئتين في الأسبوع والنفقة مئة دفع للراهن مئة، لكن هذه المئة تكون رهنًا -انتبهوا- لأنها من نمائه، وإن كان بالعكس: النفقة مئتان، واللبن يساوي مئة، يرجع على مَنْ؟ على الراهن بما زاد على ثمن الحليب.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل، وما هي الحكمة؟ قلنا: الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ».
رواه البخاري (1). فقول الرسول: «بِنَفَقَتِهِ» (الباء) هنا ليست للسببية ولكنها بدليَّة، فيكون الركوب بمقدار النفقة، وكذلك الحليب بمقدار النفقة، فإذا زاد أو نقص فعلى ما شرحنا لكم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1416

أما الحكمة فلأن الحيوان يحتاج إلى نفقة؛ يحتاج إلى طعام وشراب وظلال وتدفئة في أيام الشتاء، ولو قلنا بأن المرتهن يقوم بهذا ثم يرجع على الراهن لحصل في هذا نزاع وشقاق، وكل يوم يأتي للراهن: أعطني نفقة هذا، ويحصل مشقة، فمن الحكمة أن الشرع جعل المركوب يُرْكَب بالنفقة، والمحلوب يُحْلَب بالنفقة.
وبناءً على هذا نقول: إن السيارة ليست كالبعير، لماذا؟ طالب: ما تحتاج نفقة.
الشيخ: ما تحتاج لنفقة.
طالب: بنزين؟ الشيخ: بنزين إذا مشت، لكن ما دامت ساكتة ما تبغي نفقة، لكن البعير؟ طالب: يموت.
الشيخ: يموت نعم، إلا على رأي بعض العامة فإن السيارة تحتاج إلى نفقة، فإن بعض الناس أول ما ظهرت السيارات لما قدم من كان في سيارة ذهبوا يحصدون المزرعة ويقدمون العلف للسيارة! على رأي هؤلاء تحتاج نفقة.
على كُلِّ حال الآن الحكم فيما يحتاج إلى نفقة لسد نفقته، والدليل كما سمعتم.
وقوله: (بلا إذن) ممن؟ بلا إذن من الراهن، اكتفاءً بإذن الشارع؛ بإذن محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُحْلَبُ»، ومعلوم أن إذن الشارع مقدم على كل إذن؛ ولهذا إذا لم يأذن الشارع بشيء وأذن المالك به يُنفَّذ ولَّا لا؟ لا ينفذ، فإذا أذن الشارع بشيء نُفِّذَ ولو لم يأذن به المالك، وهنا صرح المؤلف رحمه الله: (بلا إذن).
طالب: وإذا كان ( ... ) يُقْبل قول الراهن من وجه ولا يُقْبل قوله في حق المرتهن؟ الشيخ: في المسألة الأولى؟ الطالب: في المسألة الأولى، يصدق المرتهن وبعد يقبل قوله ( ... ). الشيخ: إذا صدَّق.
الطالب: إذا صدق، وهنا يجي بعض الناس ( ... ) مثلًا يأخذ من هذه السيارة يقول: هذا ( ... ) ثم بعد يوم يومين يقول: هذا ( ... ) ويصدق المرتهن فكان دينه ( ... ) مع أنه ( ... ) لأن جميع الناس ( ... )؟ الشيخ: إي نعم، أفهمتم سؤاله؟ يقول: إذا صدق المرتهن بأن الرهن ليس ملكًا للراهن طبعًا سيرفع يده عنه، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.

الجزء: 2 - الصفحة: 1417

الشيخ: يقول: هل يبطل حق المرتهن أو يكن له الخيار؟ نقول: إذا كان في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن فله الخيار، وأما إذا كان الرهن بعد انتهاء العقد؛ يعني: بعد أن انتهى العقد وثبت الدين في ذمة الراهن جاء المرتهن وقال: يا أخي أعطني ديني، وإلا فأعطني رهني، فهنا لا ينفسخ العقد؛ لأن الرهن صار غير مشروطٍ في العقد.
طالب: إذا رهن شيئًا، مثلًا رهن بُرًّا في أكياس، ثم بعد مدة أتى الراهن وقال: أعطني الرهن -مثلًا- بعد أن سَدد، فوجد أن الذي بالأكياس ليس بُرًّا، بل تراب، فيقول المرتهن: إن الأصل فيها تراب، والراهن يقول: بُر؟ الشيخ: وأيش الأصل؟ الطالب: ما فيه أصل.
الشيخ: ما فيه أصل؟ طالب: الأصل أنها بر يا شيخ.
الشيخ: وذاك يقول: الأصل أنها تراب.
الطالب: لا، هو عقد على أن الرهن بُر، والأصل تصديق قول الراهن في ذلك.
الشيخ: لا، هذه تحتاج إلى تأمل، هذه ليست كالعصير؛ لأن العصير اختلاف وصف، ويُقْبَل قول الراهن كما عرفتم، لكن هذا اختلف في عين، وربما تأتينا -إن شاء الله- اختلفا في عين هل هو بُر ولَّا تراب، يحتاج إلى تأمل.
طالب: بارك الله فيكم، لو أن المرتهن قال: أنا لا أريد أن أركب ولا أن أحلب؛ لأني ( ... )، هل نلزم الراهن بالنفقة؟ الشيخ: يقول المؤلف: (وللمُرتَهِن أن يَرْكَب) ولم يقل: وعلى المرتهن، (له) واللام لأيش؟ للإباحة؛ لأن الأصل أنه لا يجوز أن يستعمل هذا الرهن، مُلك غيره، لكن الشارع أباح له ذلك، فإذا قال: أنا لا أريد، أنا مستغنٍ، عندي حليب وعندي سيارة وعندي بعير أخرى، فهنا على المذهب تُعَطَّل، ما تُؤجَّر، والنفقة على الراهن.
طالب: إذا ثبت أن الراهن متلاعب في دعواه الإقرار، فهل للحاكم أن يغرمه ذلك الرهن تأديبًا له؟ الشيخ: أنه أيش؟ الطالب: يعني إذا قال: إن هذا الرهن ملك لفلان، وثبت أنه كاذب، فهل للحاكم مثلًا أن ينزع عنه ملكية هذا الرهن تأديبًا له؟ الشيخ: لا، لكن يؤدبه بما شاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 1418

الطالب: طيب، إذا أقر المرتهن أو إذا صدق الراهن وقال: أصدقه، لكن ما أعطيه إلا إذا أعطاني رهنًا مكانه، فهل ذلك له؟ الشيخ: لا، ليس له.
طالب: شيخ، إذا المرتهن حلب من هذه الدابة ثم ما زاد يزود منها باعه، وكان قيمة الدين مئة، فاجتمع له من ثمن هذا الحليب مئة، وجعله مع الرهن، فهل ينفك الرهن؟ الشيخ: خلاص إذا صار مئة يأتي الراهن ويقول: هذه المئة الدين، وأعطني دابتي.
الطالب: ينفك بها الرهن؟ الشيخ: لا، ينفك إذا أوفاه؛ يعني: إذا علم ( ... ) الراهن؛ لأن هذه ملك للراهن ورهن للمرتهن؛ المئة ملكٌ للراهن ورهنٌ للمرتهن.
الطالب: لتبقى مع الراهن؟ الشيخ: الآن ليش تبقى، ما دام الآن أدرك من نمائها مقدار حقه فليخبر الراهن، ثم يجري الاتفاق بينهما.
طالب: مسائل ذكرها الأخ عبد الله يا شيخ.
الشيخ: وهي؟ الطالب: إذا كل واحد ادعى منهما أن هذا يقول: رمل وهذا يقول: إنه بر، ممكن نرجع إلى القيمة -يا شيخ- أيهما أقرب إلى الدين؛ مقدار الدين .. ؟ الشيخ: لا، التراب ما له قيمة.
طالب: إذا رهن -مثلًا- بيتًا عند خمسة؛ يعني كل واحد يستدين منه ويرهن هذا البيت.
الشيخ: نعم؟ الطالب: كل واحد يستدين منه هذا الرجل يرهن هذا البيت؛ نفس البيت.
الشيخ: إي، نعم.
الطالب: كيف؟ وقال بعد فترة .. الشيخ: المعتبر الأول؛ المرتهن الأول.
الطالب: ما يقبل ( ... ) ما يقبل -يا شيخ- الأول.
الشيخ: الأول، العبرة الأول.
الطالب: والباقون؟ الشيخ: الباقون راح حقهم؛ لأنه تبين أنه مرهون، لكن للحاكم في مثل هذه الحال إذا استوفى الأول أن يقول هو رهنٌ للباقين، ويمشِّيهم على الأول فالأول.
إذا شرط ألَّا يبيعه إذا حلَّ الدين، فما حكم الشرط؟ طالب: ألَّا يبيعه إذا حل الدين؟ الشيخ: نعم، شرط الراهن على المرتهن أنه إذا حلَّ الدين ولم يوفه فإنه لا يبيع الرهن، فما حكمه؟ الطالب: يبيعه.
الشيخ: كيف يبيعه؟ ! حكم الشرط.
الطالب: ( ... ). الشيخ: صحيح ولَّا غير صحيح؟ الطالب: غير صحيح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1419

الشيخ: غير صحيح، أليس الرسول يقول: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2)؟ طالب: إي، ولكن يضيع حق الراهن.
الشيخ: يعني هذا معناه أنه يبطل فائدة الرهن؛ لأن فائدة الرهن أنه إذا حلَّ الدين ولم يوفِ باع.
شرط إن جاءه بحقه في وقت كذا، وإلا فالرهن له، قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك أوَّل يومٍ من رمضان، وإلا فالرهن لك؟ طالب: على قول المؤلف الشرط غير صحيح، والصحيح أنه صحيح.
الشيخ: نعم، ما حجة المؤلف؟ طالب: أقول: إنه استدل بدليل وتعليل، أما الدليل فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ عَلَى صَاحِبِهِ».
الشيخ: «مِنْ» «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (3). الطالب: وقالوا: إن هذا نوعٌ من أنواع إغلاق الرهن على الراهن؛ على صاحبه، والتعليل أنهم قالوا: إن هذا أخذه بدون رضا صاحبه .. الشيخ: لا، برضاه.
الطالب: أخذه قهرًا.
الشيخ: أبدًا، هو قهره؟ هو اللي قال؟ الراهن هو اللي قال.
الطالب: ليس قهرًا، لكن .. الشيخ: يشبه القهر.
الطالب: بدون قصد.
الشيخ: حتى يكون جوابك شبيه الصواب! طالب: يقولون: هذا البيع بقي معلقًا.
الشيخ: نعم، والبيع المعلق لا يصح، تمام، والقول الثاني؟ طالب: القول الثاني أنه صحيح.
الشيخ: صحيح.
ما هو الدليل؟ الطالب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا يشمل الوفاء بأصلها وقيل: بوصفها، وقوله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (4). الشيخ: والمسلمون؟ الطالب: و «المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ».

الجزء: 2 - الصفحة: 1420

الشيخ: إذن القول الثاني أن هذا صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والأمر بالوفاء بالعقود يشمل الوفاء بأصلها والوفاء بوصفها؛ وهو ما شُرط فيها، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»، وقوله: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (2)، وهذا لا يُحِل حرامًا ولا يحرم حلالًا.
بماذا يجيبون على أدلة الآخرين؟ طالب: الذين يصححون؟ الشيخ: الذين يصححون.
الطالب: أن ذلك ليس بيعًا معلقًا .. الشيخ: هذا الجواب من كيسك.
الطالب: يجيبون عن أدلة القائلين بجواز بيعه؟ الشيخ: لا، أدلة القائلين بأن الشرط باطل.
طالب: أقول: ما ورد دليل على ( ... ). الشيخ: طيب، أن نقول: أصل التعليل يحتاج إلى دليل، وهو عدم صحة البيع المعلق، هذه واحدة.
طالب: الثاني أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ»، هذا ما ( ... )، بل هو الذي رضي بذلك واتفقا.
الشيخ: أحسنت، وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (5)، فيقال: هذا ما أغلق، بل شرطه باختياره، أحسنت، وهذه قاعدة ينبغي لكم أن تفهموها: كُلُّ إنسان يضعِّف قول غيره فيحتاج إلى أمرين؛ الأول: تقوية قوله، والثاني: الرد على حجة الآخرين، ولا يكفي أن تذكر حجتك فقط، أجب عن حجة الآخرين، وإلا فأنت منقطع.
رجل رهن شيئًا، ثم أقر أن هذا مُلك غيره فما الحكم؟ هل يصدَّق أو لا يصدَّق؟ طالب: قُبِل قوله على نفسه ويحكم بإقراره .. الشيخ: اصبر، قُبِل على نفسه.
الطالب: على نفسه، ولا يُقْبل من جهة المرتهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1421

الشيخ: إي، إذن يُصَدَّق من وجه، ولا يُصَدَّق من وجه آخر؛ يُصَدَّق بإقراره على نفسه، ولا يُصَدَّق بإقراره على المرتهن؛ لأن هذا يضيع حقه، ويطالب به بعد؟ الطالب: ويطالب بعد ( ... ). الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، جيد.
هل تُرْكَب السيارة بنفقتها إذا كانت مضمونة؟ طالب: لا تُرْكَب؛ لأنه ما عليها نفقة.
الشيخ: لا، يقول: أنا بأركبها، أنا أتحمل البنزين والزيت؟ الطالب: لا تُرْكَب.
الشيخ: ألا يقاس على البعير؟ الطالب: ما يقاس؛ لأن البعير لا بد من النفقة عليه.
الشيخ: لا يصح القياس؛ لأن البعير يحتاج إلى نفقة، وإلا هلك، والإنفاق عليه من مصلحة الجميع، والسيارة؟ الطالب: لا تحتاج إلى نفقة.
الشيخ: لا تحتاج، تمام، إذن القياس ممنوع.


يقول رحمه الله: (وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع، وإن تعذر رجع وإن لم يستأذن الحَاكِمَ).
(إن أنفق) الضمير يعود على المرتهن، إذا أنفق على الرهن بغير إذن الراهن.
مثال ذلك: احتاج البيت المرهون إلى تعمير فَعَمَرَه؛ أتى بأناس يُليِّسونه، أو يصلحون بابًا سقط، أو ما أشبه ذلك، فهل يرجع المرتهن على الراهن أو لا يرجع؟ فيه تفصيل؛ إن كان الراهن قد أذن له رجع عليه؛ يعني: إن كان الراهن قد قال له: إن خرب شيء من البيت فأصلحه فإنه يرجع عليه؛ لأنه إذا عمل ذلك صار كالوكيل له، بل هو وكيل، فيرجع عليه، وحينئذٍ يُقْبَل قوله في قَدْرِ ما أنفق بيمينه، إلا أن يدَّعي شيئًا يُكَذِّبه الحس فلا يُقبل.
فلو قال: أذنتَ لي أن أصلح الأبواب إذا تكسرت، قال: نعم، أذنت لك، قال: قد فعلت، وقد أنفقت على كل باب ألف ريال، والنفقة المعتادة مئة ريال في مثل هذا العمل، فهل يُقبل قوله؟ لا؛ لأن هذا يُكَذِّبه الحس.
أما إذا ادعى شيئًا قريبًا فإنه يُقْبَل قوله، لكن بيمينه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1422

ثانيًا: أن يكون بلا إذنه؛ أن ينفِق بلا إذنه على الرهن، فيُنظر أيضًا: هل يمكن أن يستأذن منه لكونه قريبًا، أو بالهاتف، أو بالمكاتبة؛ فإنه لا يرجع إلا إذا استأذنه، لا يمكن؛ لكون الراهن رجلًا مغمورًا دخل هذه المدينة العظيمة الواسعة ولا يُدْرَى أين هو؟ والرهن يحتاج إلى تعميرٍ عاجل، فهنا يُعمِّره ويرجع وإن لم يستأذنه؛ لأنه لا يمكن استئذانه، فصارت المسألة لها أحوال: الحال الأولى: أن يكون الراهن قد أذن له بالتعمير، فهنا يرجع؛ لأنه صار وكيلًا له.
الثانية: ألَّا يأذن له بالتعمير ويتعذر استئذانه، فهنا يرجع أيضًا؛ حفظًا لأصل الرهن؛ لأنه لو لم يعمره ازداد خرابه وانتشر وفسد، وصار في ذلك ضرر على الراهن والمرتهن.
الحال الثالثة: ألَّا يأذن له بالتعمير، ويمكن استئذانه، ولكنه عمَّره بدون استئذان، فهنا لا يرجع؛ لأنه يمكنه أن يستأذن ولم يفعل، مسألة سهلة.
فإن قال المرتهن: أنا عمرته لأجل المصلحة لي وله؟ قلنا: وإذا كانت المصلحة لك وله فليكن التعمير منك ومنه؛ بمعنى أنك تعمِّر بإذنه، وحينئذٍ ترجع، أما إذا لم تستأذن منه مع إمكان إذنه فالنفقة عليك.
قال: (ولو لم يستأذن الحاكمَ) هذه إشارة خلاف؛ بعض العلماء يقول: لا يرجع حتى يستأذن الحاكم؛ بمعنى أنه إذا تعذر على المرتهن أن يستأذن من الراهن، قلنا له: الحاكم ينوب منابه، استأذِن منه، فإن لم تفعل فلا رجوع لك.
وهذا القول يزيد المسألة تعقيدًا؛ لأنه يحتاج أنه إذا تعذر استئذان المالك -وهو الراهن- ذهب إلى المحكمة، المحكمة لن تقبل منه بسهولة، ستقول: هات بينة على أنه يحتاج إلى تعمير، فإذا أتى بالبينة أذنت له، وهذا قد يصعب.
والصحيح ما ذهب إليه المؤلف؛ أنه لا يحتاج إلى إذن الحاكم، وأنه إذا تعذَّر استئذان الراهن -الذي هو المالك- فإن المرتهن يعمره ويرجع بنفقته، سواءٌ استأذن الحاكم أم لم يستأذنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1423

قال: (وكذا وديعة) وديعة هَرَبَ رَبُّهَا واحتاجت إلى تعمير وربُّها موجود، فهنا نقول: إن كان ربُّ الوديعة أَذِن لك في تعميرها فعمِّرْها، وترجع عليه أو لا؟ يرجع عليه؛ لأنه أَذِنَ له فهو وكيل، وإن لم يأذن له فهل يتعذر استئذانه؟ الجواب: إن كان يتعذر فإنه يرجع أيضًا؛ لأن تعميرها مما تدعو الحاجة إليه، وصاحبها الآن بعيد لا يمكن استئذانه، وإن كان يمكن وعمَّرها بلا إذن فعليه الضمان، ولا يرجع على المودِع؛ لأنه تمكن من استئذانه ولم يفعل.
كذلك (دواب مستأجرة) كيف دواب مستأجرة؟ إنسان عنده ناقة أجَّرها شخصًا يسافر عليها إلى مكة، وهرب الرجل، وتعلمون أن الدواب تحتاج إلى أيش؟ تحتاج إلى نفقة؛ تريد علفًا وشرابًا، هذا الرجل الذي استأجر الدواب قد أذن له ربُّها بأن ينفق عليها، فأنفق عليها وصار يشتري لها علفًا وماءً ويقوم برعايتها، أيرجع على ربها؟ طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه أذن له.
الشيخ: لأنه أذن له، فيكون وكيلًا عنه، فيرجع.
لم يأذن له ربُّها وتعذَّر استئذانه؛ لأن الحاجة مُلِحة في الإنفاق عليها عاجلًا وتعذر عليه أن يستأذن، فهنا أيضًا يرجع.
ثالثًا: إذا كان موجودًا وتسهل مراجعته وأنفق عليها بدون إذنه، فما الحكم؟ يضمن؛ بمعنى أنه لا يرجع بما أنفق على صاحب هذه الدواب.
لكن لو فُرِض أن هذا المستأجر ذبحها واحتفظ بلحمها لصاحبها، وادَّعى صاحبها أنها لم تصل إلى حالٍ يضطر فيها إلى ذبحها، وقال: أنت ذبحتها وهي صحيحة معافاة، فقال: إنه ذبحها بعد أن خاف أن تموت، فتفوت، فمن القول قوله؟ القول قول المستأجر؛ لأنه أمين، والقاعدة: أن كل إنسانٍ أمين فإنه يُقْبَل قوله فيما ائتمن فيه، وإلا لحصلت مشاكل كثيرة إذا لم نقل بقبول قوله.
(وكذا وديعةٌ ودواب مُسْتَأجَرَةٌ) دوابُّ ولَّا دوابٌّ؟ طالب: دوابٌّ.
الشيخ: دوابٌّ؛ لأنها ممنوعةٌ من الصرف! طالب: دوابُّ؛ لأنه جمعُ منتهى الجموع.
الشيخ: أسأل بالتنوين أو عدمه، بس.

الجزء: 2 - الصفحة: 1424

الطالب: بغير تنوين.
الشيخ: بغير تنوين، لماذا؟ الطالب: لأنه جمع منتهى الجموع.
الشيخ: لأنه جمعُ منتهى الجموع؟ ! الطالب: لأنه غير ( ... ). الشيخ: وأيش تقولون؟ طالب: صيغة منتهى الجموع.
الشيخ: صيغة منتهى الجموع، أو تقول: لأنه جمعٌ منتهى الجموع؛ بدون إضافة.
إذن نقول: (دوابُّ مُسْتَأجَرَةٌ هرب ربُّها) (ربها) أي: مالكها، والرب يكون بمعنى المالك، قال النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة: «فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» (6)، وفي بعض ألفاظ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا» (7)، بدل «رَبَّتَهَا» (8)، وهذا جائز سائغ شرعًا ولغة.
(ولو خرب الرهن فعمره بلا إذن رجع بآلته فقط) لو خرب الرهن؛ كالدار مثلًا، (فعمره) من؟ المرتهن، (رجع بآلته فقط) أي: بما جعل فيه فقط؛ كاللَّبِن والخشب، أو نقول في الوقت الحاضر: كاللَّبِن والحديد والأبواب وما أشبهها، يرجع بهذه فقط دون أُجرة العمال والماء وما أشبه ذلك؛ يعني: يرجع بما بقي مما أنفقه من ماله فقط.
مثال ذلك: إنسان ارتهن دارًا وسقط جزءٌ منها، فقام بإصلاحه وأحضر اللَّبِن والمواد والأبواب وبناها، مادة البناء بعشرة آلاف ريال، وأجرة العمال وجلب الماء بعشرة آلاف ريال، فبماذا يرجع؟ بعشرة آلاف ريال اللي هي الآلة فقط، وأما الباقي فلا يرجع به، هذا إذا كان لم يستأذن من ربِّ البيت؛ الذي هو الراهن، أما لو استأذن فإنه يرجع بالجميع؛ لأنه وكيل.
وقال بعض العلماء: بل يرجع بالجميع؛ لأنه ليس كالإنفاق على الحيوان، الإنفاق على الحيوان إذا أكله الحيوان ذهب ولم ينتفع به الراهن، لكن هذا ينتفع به الراهن؛ لأن أثر العمل باقٍ والمصلحة لِمَنْ؟ طالب: للراهن.
الشيخ: للجميع في الواقع، للراهن؛ لأن مُلْكُه عُمِّر، وللمرتهن؛ لأن وثيقته بقيت؛ لأنه لو خرب ما بقي له شيء.

الجزء: 2 - الصفحة: 1425

وفَصَّل بعضهم فقالوا: إن عمَره بما يكفي لتوثيق دينه؛ يعني فقط رجع، وإن كان بأزيد لم يرجع؛ لأنه ليس فيه ضرورة إلى أن يعمره بأكثر مما يُوثِّق الدين، فلو فرضنا أن الذي خرب غرفتان؛ لو صلَّح واحدة كفى لتوثقته في دينه، ولكنه هو عَمَر الثنتينِ جميعًا، فهو يرجع بالأولى ولا يرجع بالثانية إلا بالآلة فقط.
وهذا القول قول وسط بين القولين؛ أن يقال: إن المرتهن يرجع بقدر ما يتوثق به دينُه فقط، وأرجو أن يكون المثال واضحًا للجميع، واضح لكم؟ ما هو بواضح، طيب.
هذا رجل ارتهن بيتًا، وهذا البيت سقط جزءٌ منه، فقام بعمارته، مَنْ الذي قام؟ المرتهن قام بعمارته، فهل يرجع على الراهن الذي هو مالك البيت أو لا يرجع؟ نقول: إن كان بإذنه رجع؛ يعني إن كان صاحب البيت -وهو الراهن- قال للمرتهن: إن خرب شيء من البيت فقد أذنتُ لك في إصلاحه، فهنا يرجع بكُلِّ ما أنفق على البيت؛ من المواد وأُجرة العمال وغير ذلك.
إن كان لم يأذن له فإنه يرجع بما أنفق بالآلة فقط، الآلة عند المؤلف -يعني في لغة الفقهاء- الآلة هي المادة؛ مادة الشيء، فمثلًا هذا الرجل خَسِرَ إسمنتًا وحديدًا وأبوابًا، هذه نسميها أيش؟ آلة، يرجع بها؛ يعني: المرتهن يرجع على الراهن، يقول: الآن هذه بقيت لك، وهذه قيمتها، هذه فواتيرها، فيرجع بها، ما أنفق عليها سوى ذلك -كأجرة العمال، وجلب الماء لعجن الأسمنت، وما أشبه ذلك- هذا لا يرجع به؛ لأنه لم يبقَ؛ ذهب فلم يبق للراهن، فلا يرجع به.
في العلماء من يقول: بل يرجع به؛ يرجع بالآلة وبما أنفق على البناء؛ لأن هذا انتفع به المالك، وانتفع به المرتهن، كلاهما انتفع، فهو مصلحة للجميع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1426

وبعضهم يفصِّل يقول: إذا كان ما عمره أكثر مما يوثِّق الدين لم يرجع بما زاد على ما يحصل به توثقة الدين، فإذا قدَّرنا أن الذي خرب حجرتان، إحداهما إذا عُمِرَت اكْتُفِيَ بها في توثقة الدين؛ يعني معناه أنها يحصل بها وفاء الدين أو زيادة، والأخرى زائدة، والمسألة كُلُّها بدون إذن الآن، يقول: يرجع بأيش؟ بواحدة فقط، والثانية لا يرجع إلا بآلتها فقط.
ووجه ذلك أن هذا المرتهن لم يعمره لحفظ حقه، بل زاد على ذلك، فلا يأخذ إلا مقدار حقه.
وفيه أيضًا أقوال أخرى؛ مثلًا بعض العلماء يقول: إذا كان لو تركه -أي التعمير- لتداعى بقية البيت، وهذا وارد ولَّا غير وارد؟ وارد؛ يعني لو ترك عمارة المنهدِم لانهدم البيت كله، فهنا يرجع بالجميع؛ لأن هذا لحفظ البيت كُلِّه، وأما إذا كان ما بقي من البيت لا يتأثر بما انهدم فعلى التفصيل الذي سبق.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- رجحنا قول المؤلف بعدم إلزام المرتهن باستئذان الحاكم إذا لم يوف ( ... ) الراهن، وعللنا بأن هذا يزيد مشقة ويؤخره وكذا، لكن إذا افترضنا أن الحاكم -مثلًا- يجعل سلطات أو مسؤولين لمثل هذا الغرض؛ بحيث تسهل عملية الاستئذان يعني، ألا يمكن أن نقول مع هذا: إنه يجب ويلزم باستئذان الحاكم؟ الشيخ: أبدًا، لا نقول بهذا، إلا إذا خفنا أن يقع نزاع، فحينئذٍ لا بد من استئذان الحاكم.
الطالب: هو مظنة النزاع؟ الشيخ: ما هو على كُلِّ حال، قد نعرف صاحب هذا الرهن رجل طيب ويعرف أن صاحبه ليس على وجه يُتَّهَم فيه.
الطالب: هل يفتى في كُلِّ حالة .. ؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ذكرنا بأن للمرتهن أن يعمر الرهن بما يكفي لتوثقة دينه، وذكرنا أيضًا قولًا آخر بأنه إذا لم يَعمره لانهدم ما بقي، فأي القولين ترجح؟ الشيخ: واللهِ محل نظر؛ محل نظر هذه المسألة، تحتاج إلى .. نحن نذكر لك القولين، وما ترجح عندي شيء.
طالب: ناظر الوقف هل له أن يتصرف فيه حتى لو زاد عن الشيء المتعارف عن عم

الجزء: 2 - الصفحة: 1427

الشيخ: لا، إلا إذا كان هذا مما يزيد أجرته -مثلًا- فلا بأس؛ يعني -مثلًا- لو فرضنا أن هذا الوقف لو جُعل فيه ديكور؛ اللي يسونه الديكور هذا، وأنه تزيد به الأجرة فلا بأس، هذا من مصارته؟ لحته، بشرط ألَّا يؤثر هذا على الشروط التي شرطها الواقف؛ يعني اللي يسمونها ( ... ) في اللغة العامية.
الطالب: شيخ، أحيانًا تكون شروط الواقف وقتية؛ في وقته، ثم تغيرت مع تغير الزمن؟ الشيخ: لا، هذا ما هي سؤالك، سؤالك الأول غيره، سؤالك الأول: هل يجوز للإنسان أن يطور الوقف؛ الأول، أما هذه: أن يغير ما شرطه الواقف، فهذا شيء آخر ينبني على هل يجوز أن ينقل الوقف أو يُغيَّر إلى ما هو أفضل؟ والمسألة فيها خلاف، والصواب جواز ذلك، ودليله حديث الذي نذر أن يصلي في بيت المقدس فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «صَلِّ هَاهُنَا» (9). طالب: إذا كان -يا شيخ- الآلة ( ... ) بأنه يرجع بالآلة فقط ( ... ) الراهن؟ الشيخ: لا، العشرة آلاف هذه على المرتهن.
الطالب: الآن دفعها المرتهن.
الشيخ: إي، خلاص ما يرجع على الراهن بشيء.
الطالب: ولكن الراهن الآن كسب عشرة آلاف؟ الشيخ: إي، فضل الله يؤتيه من يشاء، لماذا يعتدي؟ هل أُذن له؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، الحمد لله، فضل الله واسع.
الطالب: طيب، لو قيل: إنه يُؤجَّر.
الشيخ: حتى لو أُجِّر ( ... ) المسألة أن الراهن ما يجد الوفاء، الراهن يجد الوفاء، لو بعشرين ألفًا، الكلام هل يرجع أو لا يرجع؟ طالب: هدم الخراب بالرهن يُعْمَر؟ الشيخ: هذا هو الأصل، الأصل أن كُلَّ خراب يعمر؛ لأن الخراب إذا لم يعمر ازداد.
الطالب: بعض الخراب لا يؤثر في الإعمار، في الدار يعني، قد يكون جدارًا خارجيًّا أو قد يكون .. ؟ الشيخ: والخارجي ما يؤثر؟ الطالب: لا يؤثر، يعني .. الشيخ: لا، يؤثر، إذا انهدم الجدار الخارجي أثَّر، حتى اللي في داخل الفيلا ما يثقون؛ يعني: ما يأمنون ذاك الأمان.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1428

الشيخ: لا، أنا ظنيت أنك تقول: لو شرخت من الجدار طاحت ( ... ) هذا لا يؤثر ولا يقال: عمِّره، أصله لا يعمَّر هذا.
طالب: إذا رهن الراهن ( ... ) بيتًا ( ... )، ثم قال للمرتهن: إذا سقطت غرفة صلحها، ثم سقطت غرفة، ثم بنى المرتهن هذه الغرفة من الإسمنت والبلاط والديكور وغيره، وقال: أنت أذنت لي، هل يرجع إليه؟ مع أن كل بيته بالطين، هذا الراهن يقول: بارك الله فيك، عندنا بيت كله بالطين، ولماذا صنعت بما هو كان، وأنت صلحته كأنه بيت الأمير وغيره! ! الشيخ: ( ... ) في هذا المثال؟ يقول: لو أن الراهن أذن للمرتهن وقال: إذا سقطت حجرة فابنها، فبناها المرتهن، يقول: كان البيت بيت طين، فبناها المرتهن بالإسمنت والديكور، وجعلها كبيت الأمير حسب كلام الـ .. ، فهل يرجع عليه أو لا؟ ما تقولون؟ طالب: لا، ما يرجع.
الشيخ: عمومًا؟ طلبة: ما يرجع.
الشيخ: ما يرجع.
طالب: يرجع بقدر حق الطين.
الشيخ: ولو بحق الطين، لا يرجع بشيء يا إخوان، ليش؟ لأن حتى هذا لو أراد أن يهدمه ليتناسب مع بقية البيت خسر، إي نعم.


باب الضمان

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الضمان

ولا يصح إلا من جائز التصرف، ولِرَبِّ الحقِّ مطالبةُ مَنْ شاءَ منهما في الحياة والموت، فإن برئتْ ذمةُ المضمون عنه بَرِئتْ ذمَّةُ الضامنِ لا عكسُه، ولا تعتبر معرفةُ الضامنِ للمَضْمونِ عنه ولا له، بل رضا الضامنِ، ويصح ضمانُ المجهولِ إذا آلَ إلى العِلْمِ والعَوَارِي والمَغْصوبِ والمقبوضِ بسَوْمٍ وعُهْدةِ المبيع، لا ضمانُ الأماناتِ، بَلِ التَعدِّي فيها.
فصل: وتصح الكفالةُ بكلِّ عينٍ مضمونةٍ، وبِبَدَنِ من عليه دَيْنٌ، لا حَدٌّ ولا قِصَاصٌ، ويُعتبرُ رضا الكفيلِ لا مكفولٍ به، فإن ماتَ أو تَلِفَتِ العينُ بفعلِ الله تعالى أو سَلَّمَ نَفْسَه برئ الكفيلُ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1429

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: (باب الضمان) الضمان هو النوع الثاني من عقود التوثقة، والأول: الرهن.
والضمان مشتق من: الضِّمْن؛ أي: كون الشيء في ضمن الشيء الآخر؛ أي محتويًا عليه.
وهو التزامُ جائزِ التصرف ما وجب على غيره أو يجب من حقٍّ مالي.
مثال الأول -التزام ما وجب-: أن يكون شخصٌ مدينًا لآخر بدراهم، فيمسكه صاحب الدين ويقول: أعطني ديني الآن، وإلا رفعت أمرك إلى السلطات، فيأتي إنسان من أهل الخير ويقول: أنا أضمنه؛ يعني: أضمن دَينه، هذا التزام ما وجب أو ما يجب؟ ما وجب.
ومنه: ضمان أبي قتادة رضي الله عنه دَين الميت الأنصاري حين قُدِّم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه فقال: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ » قالوا: نعم، فتأخر وقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ، فتقدم النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم فصلى عليه (10). أما التزام ما يجب؛ فمثل أن يكتب شخص لآخر ورقة: أنا ضامنٌ كُلَّ ما يستدينه هذا الرجل من هذا المحل التجاري مثلًا؛ إنسان أراد أن يشتري بضاعة من صاحب دكان وليس معه فلوس، فجاء إلى رجلٍ آخر غنيٍّ فقال له: أنا أريد أن أشتري بضاعة من الدكان الفلاني، ولكن ليس معي فلوس، أعطني ورقة ضمان، فيعطيه ورقة ضمان، يقول: ما استدانه هذا الرجل من هذا المحل فضمانه عليَّ، هذا التزام أيش؟ التزام ما قد يجب، وهو لم يجب بعد.
وإنما توسع الفقهاء في ذلك من أجل التيسير على الناس حتى تسير أمورهم على سهولة؛ ولأن الأصل في المعاملات كُلِّها الحِل، إلا ما قام الدليل على منعه، وهذا مصلحة -أي: ضمان ما يجب مصلحة- فلا ينبغي أن يكون ممنوعًا، وإن كان فيه جهالة؛ لأنه قد يشتري شيئًا كثيرًا، وقد يشتري قليلًا، لكن نظرًا للمصلحة المترتبة على ذلك صار جائزًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1430

وإن شاء الضامن حدَّد؛ قال: أنا أضمن ما اشترى من هذا التاجر في حدود ألف ريال مثلًا، هذا يكون ضمان شيء محدد، وهذا أولى؛ أي: أن الأولى للضامن إذا ضمن ما لم يجب أن يحدد مقدار ما يضمنه؛ لئلا يستدين المضمون شيئًا يُجْحِف بمال الضامن.
أما حكم الضمان فهل هو جائز أو ليس بجائز؟ فنقول: في حق المضمون عنه جائز؛ يعني: لو جاء شخص لآخر وقال: اضمني، فيجوز أن يقول: اضمني، كما يجوز أن يقول: أقرضني.
أما في حق الضامن فهو سُنَّة، مستحب؛ لأنه من الإحسان، والله يحب المحسنين، ولكنه سُنَّة بقيد؛ وهو قدرة الضامن على الوفاء، فإن لم يكن قادرًا فلا ينبغي أن تأخذه العاطفة في مساعدة أخيه لمضرة نفسه، فإن هذا من الغلط؛ ولهذا يوجد الآن أناس يَعرضون أحوالهم في أنهم غارمون، وسبب الغُرْم الضمان، فنقول: هذا غلط، لا تحسِن إلى غيرك وتسيء إلى نفسك؛ فإن هذا ليس من الحكمة.
يقول: (لا يصح إلا من جائز التصرف) (لا يصح) الفاعل يعود على الضمان، و (جائز التصرف) هو البالغ، العاقل، الرشيد؛ أي: من جمع ثلاثة أوصاف: أن يكون بالغًا، عاقلًا، رشيدًا.
فالبالغ ضده الصغير، والصغير لا يُعْطَى ماله، حتى وإن كان يحسن أن يتصرف فإنه لا يُعْطَى ماله؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، فاشترط الله لدفع المال شرطين؛ الأول: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.
والثاني: إذا آنسنا منهم رُشْدًا.
وما الرشد؟ الرشد هو إحسان التصرف في المال، هذا الرشد، والرشد في كُلِّ موضعٍ بحسبه؛ فمثلًا الرشد في الدين أيش؟ استقامة الدين، الرشد في باب الولي في النكاح: معرفة الكفء ومصالح النكاح، الرشد في المال: إحسان التصرف فيه؛ لأن هناك كلمات تُفَسَّر في كل موضع بما يناسبها.
إذن نقول: يُشْتَرط لجواز التصرف أن يكون بالغًا، وضد البالغ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1431

طالب: الصغير يا شيخ.
الشيخ: الصغير.
طيب، ما هو الدليل على اشتراط البلوغ؟ طالب: قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، فاشترط الله شرطين: بلوغ النكاح، والرشد.
الشيخ: طيب.
الثاني: العقل؛ أن يكون عاقلًا، فإن كان مجنونًا؟ طالب: لا يصح أن يكون ضامنًا.
الشيخ: يصح أن يكون ضامنًا وهو مجنون؟ ! الطالب: أقول: لا يصح أن يكون .. الشيخ: إذن نحن نتكلم ما هو عن الضامن، نتكلم عن جائز التصرف الذي قال المؤلف فيه: (جائز التصرف)، فمن ليس بعاقل فليس بجائز التصرف، ودليله ما ذكرناه الآن؛ الآية؛ لأن الله اشترط إيناس الرشد، والرشد لا يمكن مع الجنون أبدًا.
الثالث: أن يكون رشيدًا، والرشيد هو الذي يُحْسِن التصرف في ماله.
قال الفقهاء رحمهم الله: بألَّا يصرفه -أي: المال- في محرم، ولا فيما لا فائدة فيه.
فهل هذا القيد مقبول؟ الجواب: لا؛ لأننا لو قبِلنا هذا لكان جميع المدخنين سفهاء غير مرشدين، ولكان نحجر عليهم كلهم، لكن نقول: من أحسن التصرف في ماله؛ بيعًا وشراء وتأجيرًا وإيجارًا ورهنًا وارتهانًا، وما أشبه ذلك.
أما كونه لا يصرفه في محرم وما أشبه هذا، لا شك أن الذي يصرفه في محرم سفيه، لكنه ليس السفيه الذي يُمنع من التصرف، وإلا لوجب أن نحجر على كل من يتعامل بشيء محرم.
إذن مَنْ جائز التصرف؟ البالغ، العاقل، الرشيد.
فلا يصح من صغير، لو أراد الصغير أن يضمن فإنه لا يصح، حتى وإن كان شيئًا يسيرًا، لو أن صبيانًا يتبايعون في الدجاج، فأحدهم باع على الآخر وقال البائع: لا أقبل حتى تجيب ضامن، قال: هذا صاحبي، وصاحبه مثله صبي، يصح؟ لا يصح، لماذا؟ لأنه ليس جائز التصرف؛ لكونه صغيرًا.
وكذلك يقال في المجنون، ويقال أيضًا في؟ طالب: الراشد والبالغ .. الشيخ: أنا ما سألتك إلا لأنك سارح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1432

الطالب: قلنا: المجنون والراشد، بقي .. الشيخ: الراشد؟ ! تجعل المجنون مع الراشد؟ ! الطالب: الراشد والبالغ والعاقل، قلنا اثنين، وبقي واحد.
طالب آخر: السفيه.
الشيخ: نعم، يقال هكذا أيضًا في المجنون والسفيه: لا يصح ضمانهم.


قال: (ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت) (لرب الحق) مَنْ هو؟ الطالب؛ الدائن، (مطالبة من شاء منهما) أي: من الضامن والمضمون عنه، (في الحياة وفي الموت) أما في الحياة فأن يكون كُلٌّ منهما حيًّا، فيأتي صاحب الحق لزيد اللي هو الضامن، أو لعمرو الذي هو المضمون، يطالب هذا وهذا، وله أن يطالبهما جميعًا؟ نعم، وله أن يطالبهما جميعًا؛ له أن يطالب الاثنين جميعًا بأن يأتي هذا في الصباح وهذا في المساء، أو يطلب واحدًا منهما ويسكت عن الآخر، هذا في الحياة.
(في الموت) لو مات الضامن فله أن يطالب الضامن، كيف يطالب الضامن؛ في قبره؟ في تركته، يطالب الضامن في تركته؛ لأنه صار -أي: الدين المضمون- دينًا على الضامن كأنه أصيل، فكما أن الإنسان إذا مات مدينُه يطالب الورثة بالتركة، فهكذا الضامن.
أما المضمون عنه فواضح، لو مات المضمون عنه فإن له -أي: لصاحب الحق- أن يطالب بعد موت المضمون عنه، يطالب بأيش؟ يطالب بالتركة.
وقول المؤلف: (لرب الحق مطالبة من شاء منهما) ظاهره أنه لا فرق بين أن يتمكن صاحبُ الحق من استيفاء الحق من المضمون عنه أو لا يتمكن؛ يعني أنه لا يُشْتَرط لجواز مطالبة الضامن أن تتعذر مطالبة المضمون عنه، فلو أن صاحب الدين جاء إلى الضامن وقال: أعطني، أنت ضمنت فلانًا بعشرة آلاف ريال، قال: اذهب إليه هو الأصل، هل يملك ذلك؟ لا؛ لأن صاحب الحق له المطالبة مع هذا ومع هذا.
هذا ما ذهب إليه المؤلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1433

وتعليل ذلك: أن الضامن التزم وفاء الحق بدون شرط؛ يعني لم يقل الضامن حين ضمانه: إنْ تعذر استيفاؤك من المضمون عنه فأنا ضامن، ما قال هكذا، لو قال هكذا لكان المسلمون على شروطهم، لكن لم يقل، التزم التزامًا مطلقًا، فلرب الحق أن يطالبه.
وقيل: لا مطالبة لصاحب الحق في الضامن إلا إذا تعذَّر مطالبة المضمون بموتٍ أو غيبة أو مماطلة مع تعذر مطالبته أو فقره، إذا تعذر مطالبة المضمون عنه فله أن يطالب الضامن.
وحجة هؤلاء أنه لا يُرجع للفرع مع تمكُّن الاستيفاء من الأصل، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله؛ أنه لا حق لصاحب الحق أن يطالِب الضامن إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون بأيش؟ بموت أو غَيْبة أو مماطلة مع تعذر المطالبة أو فقر، فإذا تعذرت مطالبته يأتي ويطالب الضامن، سواءٌ في الحياة أو في الموت.
وعُلِمَ من كلام المؤلف أن المضمون عنه لا تبرأ ذمته لو التزم به الضامن، لو قال الضامن: أنا أضمن لك حقك علي، فإن ذمة المضمون عنه لا تبرأ؛ لأنه قال: له مطالبتهما جميعًا.
وقال بعض العلماء: بل إذا ضمن عن الميت برئت ذمة الميت؛ لأن الميت لا ذمة له، فإذا ضمن عنه صارت الذمة كم؟ واحدة ولَّا اثنتين؟ واحدة، وهي ذمة الضامن؛ لأن حيٌّ ذمته عامرة، بخلاف الميت.
واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضمن أبو قتادة الدينارين عن الميت تقدَّم وصلى عليه، حين التزم أبو قتادة قال: «حَقُّ الْغَرِيمِ وَبَرِئَ مِنْهُ الْمَيِّتُ؟ »، قالوا: فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «بَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟ »، فهذا يدل على أنه إذا ضمن ميتًا برئت ذمة الميت، كما قلنا في الرهن: إنه إذا مات الميت وعليه دينٌ برهن يوفي فإن ذمته بريئة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1434

وهذا القول لا شك أن له قوته، حتى وإن صحت الرواية التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام لأبي قتادة: «أَوْفَيْتَ» أو «أَدَّيْتَ عَنْهُ؟ » قال: نعم، قال: «الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَتَهُ» (11)، هذه اللفظة لا نعرف عن صحتها، لكن إن صحت فليس معنى ذلك أن ذمة الميت لم تبرأ؛ لأنه لولا أن ذمة الميت برئت ما صلى عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، بل إنه اشترط قال: «حَقُّ الْغَرِيمِ وَبَرِئَ مِنْهُ الْمَيِّتُ؟ » قال: نعم (11). نأخذ من العبارة هذه: (ولرب الحق مطالبته) أن صاحب الحق يطالب كُلًّا من الضامن والمضمون عنه سواءٌ تعذر الاستيفاء من المضمون عنه أم لم يتعذر.
والقول الثاني: ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر الاستيفاء من المضمون عنه.
هذه واحدة.
ثانيًا: ظاهر كلام المؤلف أن من ضمن دين ميت فإن ذمة الميت لا تبرأ؛ بدليل أنه أجاز للمضمون له أن يطالب في تركة الميت، ولكن الذي يظهر أنه إذا التزم التزامًا كاملًا بغير نية الرجوع فإن ذمة الميت تبرأ، أما إذا التزم مع نية الرجوع فمعلوم أن ذمة الميت وإن برئت من الأول تعلق بها حق الثاني، لكن حق الثاني لا يتعلق بذمة الميت وإنما يتعلق بالتركة.
ثم قال: (فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا عكسه) (إن برئت ذمة المضمون عنه) بماذا تبرأ؟ تبرأ بإيفائه، المضمون عنه أوفى، برئت ذمة الضامن؛ لأن الضامن فرع، فإذا برئ الأصل برئ الفرع.
تبرأ ذمة المضمون عنه بالإبراء، نحن قلنا: إذا برئ المضمون عنه برئت ذمة الضامن، فقلنا: بماذا تبرأ ذمة المضمون عنه؟ تبرأ بشيئين: إما بالإيفاء، وإما بالإبراء، الإبراء ممن؟ من صاحب الحق، صاحب الحق لما عرف أن المضمون عنه فقير وأنه ليس يرجو أن يحصل المال عنده عن قرب قال: قد أبرأتك من دينك، تبرأ ذمة الضامن؛ لأن المضمون عنه أصلٌ والضامن فرع، وإذا برئ الأصل برئ الفرع.
(لا عكسه) يعني: لو برئت ذمة الضامن فإنها لا تبرأ ذمة المضمون عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1435

وبماذا تحصل براءة ذمة الضامن؟ تحصل بأمرين: إما أن يُبرئه صاحب الحق ويقول: يا فلان أسقطت ضمانك، اذهب ما عليك شيء.
وإما أن يوفي الضامن، إذا أوفى برئت ذمته، لكن إذا أوفى بنية الرجوع يرجع على مَنْ؟ عن المضمون عنه، وعلى هذا فإذا برئت ذمة الضامن لا تبرأ ذمة المضمون، سواء برئت ذمة الضامن بإيفاءٍ أو بإبراء.
(ولا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا له) (لا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه) هل يمكن أن يضمن عمن لا يعرفه؟ ممكن، يجد شخصًا -مثلًا- يشتري شيئًا؛ حاجة في السوق، وهو لا يعرفه، لكن رق له وقال: أنا أضمنه، وهو لا يدري مَنْ، لا بأس، لكن لاحِظ أنه في هذه الحال قد عَرَّضَ نفسه لخطر، ما هو؟ ألَّا يوفي المضمون عنه، ويأتيه المضمون له -اللي هو صاحب الحق- يقول: أوفني، فإذا أوفاه أين يجد حقه؟ طالب: راح.
الشيخ: نعم، ربما يروح إلا أن الله يسَّر أن هذا المجهول يأتي.
(ولا المضمون له) ما هو بشرط أنه يعرف المضمون له، وهذا واضح جدًّا؛ لأن المضمون له هو الذي يطلب الضامن ويدوره، فلا يُشْتَرط أن يعرفه.
هل يُشْتَرط معرفة الدَّين المضمون؟ طلبة: لا.
طالب: يُشْتَرط.
الشيخ: لا إله إلا الله! ما قلنا: يصح ضمان ما لم يجب، ألم نقله؟ طلبة: بلى.
الشيخ: إذن لا يُشْتَرط أن يعرف الدين المضمون، لكن على كل حال كلما عرفه فهو أحسن وأبعد عن المشاكل، ولكنه ليس بواجب.
فعندنا الآن: ضامن، ومضمونٌ له، ومضمون عنه، ومضمون، كم هذه؟ طلبة: أربعة.
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ( ... ). طالب: ( ... ). الشيخ: لا.
ما هو الرابع؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: والمضمون، الدين يعني، كذا؟ طيب.
الآن المضمون عنه وله لا يشترط معرفتهما، المضمون اللي هو الدين لا يُشْتَرط، أما الضامن فهل يشترط؟ لا يُشْتَرط أيضًا، لكن من المعلوم أن صاحب الحق لا يمكن أن يقبل ضامنًا بدون معرفة، أيش الفائدة؟ لكن على كل حال المسألة تصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1436

(بل رضا الضامن) بل يعتبر رضا الضامن؛ يعني أننا لا نكره أحدًا على أن يضمن، لا بد أن يرضى، فإن لم يرض فإنه لا يُلْزَم بالحق، حتى لو أراد سلطان جائر أن يُلزم فلانًا بأن يضمن فلانًا فإنه لا يلزمه؛ لقول الله تبارك وتعالى في التجارة: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (12)، وهكذا جميع العقود لا بد فيها من الرضا، إلا من أُكْرِهَ بحق؛ كالمحجور عليه ونحو ذلك.
قال: (ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم) ضمان المجهول إذا آل إلى العِلم جائز، ومنه ما يعرف عند الفقهاء بضمان السوق.
ما معنى ضمان السوق؟ أن يلتزم الإنسان بضمان كل ما يجب على هذا المضمون في معاملته في هذا السوق.
مثلًا: سوق الذهب، قال: كل معاملة تجري في هذا السوق -سوق الذهب- فأنا ضامن هذا الرجل، يجوز أو لا؟ طالب: يجوز.
الشيخ: مع أنه مجهول، لكن يقال: ضمان المجهول لا بأس به، إلا أننا ذكرنا قبل قليل أنه ينبغي أن يحدد مقدار الدين، وأن يحدد الرجل الذي يريد أن يستدين منه؛ لأنه -مثلًا- إذا حدد أنا ضامن في حدود عشرة آلاف، يمكن يقف على واحد من الدكاكين يقول: هذا الضمان عشرة آلاف، فيشتري بعشرة آلاف، ثم يذهب إلى دكان آخر ويعامل بعشرة آلاف ويقول: هذا الضمان.
إلا إذا قال: متى قدمتَ هذه الوثيقة واشتريت بمقدار ما ضمنته لك فليُكْتَب تحتها: انتهى مقدار المضمون، فلا بأس، وإلا يمكن يتلاعب المستدين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1437

وقوله: (إذا آل إلى العلم) عُلِمَ منه أنه إذا لم يَؤُلْ إلى العلم فإنه لا يجوز؛ كضمان متلفاتٍ لشخص لا يدري ما هي، إنسان -مثلًا- أتلف متلفاتٍ عظيمة، فقيل له: ما هي؟ قال: واللهِ أنا الآن ما يحضرني، لا أدري هي تساوي مليونًا أو عشرة ريالات، ولا يمكن أن نعلم بها، فهذا مجهولٌ لا يمكن العلم به، إذن لا يصح ضمانه؛ لأن الضامن ماذا يؤدي؟ حتى لو جاء -مثلًا- من أُتْلِفَت له هذه المتلفات وقال: أنا أطالب، يقول: طيب، حدد، عيِّن، فلا بد من أن يكون هذا المجهول مآله إلى العلم.
وكذلك يصح ضمان (العواري والمغصوب) وأيش بعده؟ (والمقبوض بِسَوْمٍ)، ضمان (العواري) العواري جمع (عارية)، يعني بالعارية: إباحة نفعِ العين لمن ينتفع بها ويردها.
والمثال؟ طالب: يعني -مثلًا- أطلب من شخص أن يعيرني سيارة أذهب بها -مثلًا- إلى بُرَيدة، ثم إذا ذهبت أردها إليه كما أخذتها.
الشيخ: طيب، هذا المثال صحيح، جاء إنسان يستعير سيارة من شخص ليسافر بها إلى بريدة، فقال صاحب السيارة: أنا أريد ضامنًا يضمن السيارة لي، قال: هذا فلان يضمن، هنا يصح.
إنسان أتى يستعير كتابًا من شخص، يقول: واللهِ أنا أريد أن تأتي لي بضامن يضمن الكتاب، فأتى بضامن، يصح، ليش؟ لأن العاريَّة مضمونة، فإذا كانت مضمونة صارت آيلةً إلى الوجوب؛ يعني إلى وجوب الضمان، . وسيأتينا -إن شاء الله- أن الأمانات لا يصح فيها الضمان؛ لأنها لا تؤول إلى الوجوب.
طالب: شيخ ذكرنا إن برئت ذمة الضامن لم تبرئ ذمة ( ... )، وذكرنا شيئين لبراءة ذمة الضامن: إما باستيفاء الحق، وإما بشيء ثان ( ... ). الشيخ: يبرئه؛ صاحب الحق يبرئه، يقول: أبرأتك من ضمانك، مثلًا أنت الآن أنا أطلبك عشرة آلاف ريال، أليس كذلك؟ الطالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1438

الشيخ: تمام، اشهدوا عليه يا جماعة! طيب، فأطلبك عشرة آلاف ريال، فقلت لك: هات ضامن، فأتيت بحامد ضمن، المهم حامد ضمنك بعشرة آلاف ريال، فأنا بعد يومين ثلاثة عشرة أتيت لحامد وقلت: أبرأتك.
الطالب: ( ... ). الشيخ: خلاص.
طالب: شيخ، لو قال الضامن: أنا أضمن ما أستطيع على سداده عنه ولم يحدد مقدار الـ .. الشيخ: ما فيه مانع، لا بأس، لكن بس يجب عليه أن يفي بوعده.
الطالب: لكن المضمون عنه استقرض دَينًا كثيرًا.
الشيخ: إي، ما يخالف، هو يقول: أنا أضمن ما أقدر عليه، كأنه ضمن بعض الدين، ما فيه بأس.
طالب: كلام المؤلف أنه لا تبرأ ذمة الميت بالضمان، وقال بعض العلماء: إنها تبرأ واحتجوا له بحديث أبي قتادة (10)، فهل يقال: إن المسألتين مختلفتان؛ لأن المسألة التي قالها المؤلف: إن ذلك الضامن ضمن رجلًا حيًّا ثم مات بعد ذلك، أما هذا أبو قتادة فقد ضمن هذا الميت أصلًا، فمعلوم أنه بضمانه تحمل الدين عنه، ولم يكن في الحسبان أن الميت .. ؟ الشيخ: لا، هو كلام المؤلف عام، سواءٌ كان المضمون حيًّا أو ميتًا، وسواءٌ ضمن بعد وفاته أو قبلها.
طالب: لو قال: أضمنه على أن تشتري مني كذا، يصح؟ الشيخ: لا يصح؛ لأن مآله إلى قرضٍ جَرَّ نفعًا؛ لأنه إذا ضمنه وسَلَّم -مثلًا- الفلوس اللي عليه، سوف يطالبه بها مع هذا النفع الذي حصل له؛ ولهذا إذا قال: اضمني بعشرة، واضمني ولك عشرة، صحت الأولى ولم تصح الثانية.
طالب: شيخ، لفظ الحديث عندما سأله النبي صلى الله عليه وسلم: قضيت عنه الدينارين؟ قال: نعم، قال: «الْآنَ بَرَّدْتَ جِلْدَتَهُ» (11) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إذا قلنا: إن هذه اللفظة لا تدل على أن ذمة الميت لم تبرأ، علام تدل؟ على أي شيء تدل؟ الشيخ: تدل على أن الميت قد يتأثر ويُعَذَّب بقبره كما يُعَذَّب بنياح أهله وبكائهم عليه.
الطالب: إذا كانت ذمته بريئة من هذا الشيء؟ الشيخ: بريئة من الدين، بمعنى أنه لا يطالب به يوم القيامة مثلًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1439

الطالب: وهل يتأثر بشيء لم ( ... )؟ الشيخ: إي نعم، يمكن أن يتأثر بشيء ليس من عمله؛ كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (13)، مع أنه ما هو من عمله.
طالب: بارك الله فيكم، حكم المال الذي يدفعه الضامن إذا غرم المضمون عنه ولم يدفعه ودفع الضامن له، فهذا يعتبر له صدقة؟ الشيخ: لا، نعرف أنه إذا نوى الرجوع يرجع عليه، يرجع على المضمون عنه.
الطالب: نعم، رجع عليه وأخذ منه المال، أخذ المضمون له المال من الضامن.
الشيخ: إي، الضامن يرجع على المضمون عنه.
الطالب: يرجع عنه؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: وإذا لم يجد عنده مالًا وراح عليه؟ الشيخ: ما يخالف، مثله مثل المدينين.
طالب: عقد الضمان عقدٌ لازم في حق الضامن، إذا قال: أنا أضمن بما يستدين به فلان، هل له حق الفسخ قبل أن يستدين؟ الشيخ: إي نعم، فيه احتمال أن يقال: له الفسخ؛ لأنه إلى الآن لم يستدن، وهو إنما يضمن ما يستدين، نقول بهذا إلا إذا تضمن ذلك ضررًا على المضمون عنه أو المضمون له.
الطالب: مثال -يا شيخ- ضرر على المضمون عنه؟ الشيخ: المضمون عنه أن الرجل هذا ( ... )، وذهب يبحث ويطلب، بناء على أن ذلك ضامنًا عنه.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- عدم جواز مطالبة الفرع مع وجود الأصل وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن رحمه الله، هل هو الذي نمشي عليه يا شيخ؛ لأنه هو اختياره؟ الشيخ: لا، هو على كل حال القول هذا قوي، لكن عمل الناس الآن على خلافه.
الطالب: وهذا المذهب عندنا يا شيخ؟ الشيخ: أنه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: يطالب من شاء.
الطالب: لا، يطالب الفرع مع وجود الأصل.
الشيخ: إي، تمام.
( ... ) أن يتخلى إذا لم يكن ضرر، لكن على قول من يرى وجوب الوفاء بالوعد لا يحل له ذلك؛ لأنه وعده إلا لسببٍ شرعي؛ مثل أن يقال له: أنت ضمنت عن فلان، وفلان مماطل، مكار، لو أديت عنه لم يوفك، فإذا بُلِّغ فله أن يفسخ.
طالب: هل الضمان خاص بالحقوق المالية؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1440

الشيخ: ييأتينا إن شاء الله.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- الضامن إذا أسقط له المضمون له؛ يعني شيئًا منه، كأن يضمن عنه ألف ريال وأسقط له مئة أو مئتين؟ الشيخ: إي نعم، لا بأس.
الطالب: هل يسقط عن الأصل أو لا؟ الشيخ: لا، الأصل يطالب بالدين كاملًا، أما الضامن فيطالب بكله إلا بما أبرأه.
الطالب: الشيء الذي أبرأه يسقط عن الأصل؟ الشيخ: لا، ما يسقط، كيف يسقط؟ ! أجل لو أبرئه عن الدين كله يسقط عن الأصل؟ الطالب: هذا الذي أسأله.
الشيخ: وأنا أسألك الآن: لو أنه أبرأ الضامن من الدين كله هل يسقط عن الأصل؟ الطالب: لا يسقط.
الشيخ: ما الفرق بين البعض والكل؟ الطالب: لا فرق.
الشيخ: لا فرق، طيب.
طالب: أحسن الله إليك، هل هناك فرق بين الضمان بين الأقرباء وغيرهم؟ الشيخ: واللهِ ربما يكون الأقرباء إذا كان يؤدي التخلي عن الضمان؛ يعني: يؤدي إلى قطيعة رحم، قد يقال في هذه الحال يمنع.
ويَصِحُّ ضَمانُ المجهولِ إذا آلَ إلى العِلْمِ والعواري والمغصوبِ والمقبوصِ بسَوْمٍ، وعُهْدَةِ مَبيعٍ، لا ضَمانُ الأماناتِ بل التَّعَدِّي فيها.
(فصلٌ وتَصِحُّ الكفالةُ بكُلِّ عينٍ مَضمونةٍ، وبَبَدَنِ مَن عليه دَيْنٌ، لا حَدَّ ولا قِصاصَ، ويُعْتَبَرُ رِضَا الكَفيلِ لا مَكفولَ به، فإن ماتَ أو تَلِفَت العينُ بفِعْلِ اللهِ تعالى , أو سَلَّمِ نفسَه بَرِئَ الكفيلُ.
(باب الحوالة) لا تَصِحُّ إلا على دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، ولا يُعتبَرُ استقرارُ الْمُحالِ به.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الضامن إذا أسقط له المضمون له شيئًا منه، كأن يضمن عنه ألف ريال وأسقط له مئة أو اثنتين.
الشيخ: إي نعم، لا بأس.
الطالب: هل يسقط عن الأصل أو لا؟ الشيخ: لا، الأصل يُطالَب بالدَّيْن كاملًا، أما الضامن فيُطالب به كله إلا بما أبرأه.
الطالب: الشيء الذي أبرأه يسقط عن الأصل.
الشيخ: لا، ما يسقط، كيف يسقط؟ ! أجل، لو أبرأه عن الدين كله يسقط عن الأصل؟ الطالب: هذا الذي أسأله؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1441

الشيخ: وأنا أسألك الآن، لو أنه أبرأ الضامن من الدَّيْن كله هل يسقط عن الأصل؟ الطالب: لا يسقط.
الشيخ: ما الفرْق بين البعض والكل؟ الطالب: لا فرق.
الشيخ: لا فرق، طيب.
طالب: أحسن الله إليك، هل هناك فرق بين الضمان بين الأقرباء وغيرهم؟ الشيخ: والله ربما لو كان الأقرباء إذا كان يؤدي التخلي عن الضمان، يعني يؤدي إلى قطيعة رحم، قد يقال: إنه في هذه الحال يُمنع، هذا ما لم يثبت الدَّيْن في ذمة المضمون عنه، أما إذا ثبت ما لأحد أن يتخلى سواء قريب أو غير قريب.
الطالب: هل للوالد مثلًا وللابن وللأخ ضمان الآخر؟ الشيخ: إي نعم، له ضمانه، ما فيه إشكال.
طالب: إذا آل الضمان إلى تطبيق عقوبة على المضمون عنه أو استيفاء قصاص، هل يُطبَّق على الضامن؟ الشيخ: ما فيه قصاص، هذا بيجينا إن شاء الله تعالى، مسألة القصاص والحدود، ما فيها ضمانات، حق المال فقط.
طالب: أحسن الله إليك، قوله: (وكذا وديعة ودواب مستأجرة).
الشيخ: ما وصلنا إليها.
طالب: شيخ، عفا الله عنكم، هل لا تشترط الحرية في الضمان؟ وإن كان لا، فكيف يضمن العبد مع أنه لا ( ... )؟ الشيخ: لا، الحرية شرط لجواز التصرف، وما ذكرناها نسيانًا، وإلا هي شرط: البالغ، العاقل، الحُر، الرشيد.
طالب: في الدرس الماضي يا شيخ (وكذا وديعة ودواب مستأجرة هرب ربها).
الشيخ: إي، ما ذُكر في الماضي فهو ماضٍ! الطالب: ما معنى (هرب ربها)؟ الشيخ: ما تعرف الهرب؟ ! الطالب: أعرفه، لكن؟ الشيخ: هذه.
الطالب: إلى أين هرب؟ الشيخ: هرب إلى أرض الله الواسعة، ما يمكن هذا؟ ! يعني أنت ربما تقول: كيف يهرب عن دواب؟ هذا رجل أتعبته الدواب بالعَلَف، وتأكل عليه أكثر من قيمتها، فقال: أؤجِّرها، وإذا قبضها المستأجر ( ... ) رؤوس الجبال، وهرب إلى رؤوس الجبال.
الطالب: ( ... ) يبيعها يا شيخ.
الشيخ: يعني صاحبها؟ الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، إذا أيس منها يبيعها، أو يبيعها بدين قاضٍ.


الجزء: 2 - الصفحة: 1442

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ويصح ضمان المجهول إذا آلَ إلى العلم والعواري والمغصوب والمقبوض بسوم وعهدة المبيع، لا ضمان الأمانات بل التعدي فيها.
فصل: وتصح الكفالة بكل عين مضمونة، وببدن من عليه دَيْن، لا حد ولا قصاص، ويعتبر رضا الكفيل لا مكفول به، فإن مات أو تلفت العين بفعل الله تعالى أو سَلَّم نفسه برئ الكفيل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الضمان لا بد له من شروط، فما هي؟ طالب: الشروط ذكرنا ثلاثة، ثم ذكرنا رابعًا.
الشيخ: ما هي؟ الطالب: الشروط هي العقل والبلوغ .. الشيخ: لا، شروط الضمان؟ الطالب: شروط الضمان: أن يكون على حق ثابت، أو يؤول إلى الثبوت.
الشيخ: طيب، هذا واحد: بحق ثابت أو يؤول إليه.
الطالب: أن يكون من جائز التصرف.
الشيخ: وأن يكون من جائز التصرف.
الطالب: أو ( ... ). الشيخ: دعنا من تفسيره.
الثالث؟ طالب: أن يكون معلومًا، أو يؤول إلى العلم.
الشيخ: ذكره.
الطالب: الشرط الثالث يا شيخ.
الشيخ: نعم، واجب أو يؤول إلى الوجوب، يكون المضمون معلومًا أو يؤول إلى العلم.
والرابع؟ طالب: حق ( ... ). الشيخ: يعني رضا الضامن.
هذه الشروط، فمن هو جائز التصرف؟ طالب: هو من اجتمع فيه شروط أربعة: الحرية، والعقل، والبلوغ، والرشد.
الشيخ: نعم، الحرية، والعقل، والبلوغ، والرشد.
ما معنى الرشد في باب المال؟ طالب: الرشد في باب المال هو حُسْن التصرف فيه.
الشيخ: حسن التصرف فيه، بأن لا يبذله في حرام أو في غير فائدة.
طيب، هل يُشترط لمطالبة الضامن تعذُّر الوفاء من المضمون؟ طالب: في هذا قولان: قول شيخ الإسلام وابن سعدي رحمهما الله أنه .. الشيخ: لا، ما ذكرنا شيخ الإسلام.
الطالب: قول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله أنه يجب إذا تعذر على الـ ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1443

الشيخ: أنه لا يُطالَب الضامن حتى يتعذر الوفاء من المضمون عليه.
طيب، والقول الثاني؟ الطالب: والقول الثاني أنه لا يلزم أن يتعذر المضمون.
الشيخ: لا يلزم، يعني له أن يطالب من شاء؟ الطالب: نعم، ودليل الأول ( ... ) قالوا: إنه لم يشترط، يعني أن الضامن لم يحترز هذا الاحتراز، فلم يقُل: أنا سأدفع إن تعذر المضمون عليه، والدليل الثاني قالوا .. الشيخ: عللوا.
الطالب: نعم، عللوا، قالوا: كيف يُطلَب من الفرع مع إمكان استيفاء للأصل؟ ! الشيخ: طيب، هل يُطالَب الضامن بعد الموت؟ لو مات الضامن، هل للمضمون له أن يُطالِب في تركته؟ طالب: نعم.
الشيخ: وجه ذلك؟ الطالب: أنه التزم حقًّا.
الشيخ: التزم الدَّيْن، فكان كالدَّيْن الأصلي في ذمته، والدين الأصلي في ذمته لا شك أنه يُطالَب به بعد موته.
هل يُشترط أن يعرف الضامن المضمون عنه؟ طالب: لا يُشترط.
الشيخ: لا يشترط.
كيف يرجع عليه فيما لو عفا عنه؟ الطالب: ما عنده قُدرة حتى يمشي إليه، إذا جابها للمحسِن فبها ونعمة وإلا فلا.
الشيخ: يضيع حقه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لكن الناس يقولون: الدنيا والدين؟ الطالب: الأغلب أن يجيبه؛ لأنه أحسن مع المضمون عنه.
الشيخ: لكن بعض الناس إذا أحسنت إليه أساء إليك؟ الطالب: إذا كان كدا ( ... ). الشيخ: يعني تتراجع عن كلامك؟ الطالب: لا، ما يراجع، يعني ( ... ) الزمان عن المضمون.
الشيخ: طيب، إذا أدى الضامن حق المضمون له، كيف يرجع على المضمون وهو لا يعرفه؟ الطالب: ما ( ... ). الشيخ: مَنْ يجيب؟ طالب: إن استطاع أن يعرفه بعد ذلك بالسؤال عنه أو نحو ذلك رجع عليه، وإلا فكان هو المفرط ( ... ). الشيخ: صح؛ لأن كلامه الآن هل يُشترط أو لا؟ نقول: لا يُشترط، فإذا ضاع حقه لكونه لا يعرفه، نقول له: أنت المفرِّط.
لماذا لم تتحقق مَنْ هو المضمون عنه وتعرفه حتى ترجع إليه؟ طالب: ( ... ). الشيخ: على كل حال إن شاء الله تُصيب، إن لم تصبها هذه المرة تصيبها الثانية.

الجزء: 2 - الصفحة: 1444

طيب، هل يُشترط رضا المضمون عنه؟ طالب: لا يُشترط يا شيخ.
الشيخ: رضا المضمون عنه؟ الطالب: لا يشترط.
الشيخ: كيف لا يشترط؟ الطالب: لأنه ( ... ). الشيخ: إذا قال المضمون عنه: أنا مماطل، أنا فقير حتى تضمني، إن قال ضمني، الناس يزعلوا إذا قال: أعطوه وأنا أضمنه، أنا ما احتجت لك حتى تضمني.
الطالب: الغالب أنه لا يشترط.
الشيخ: رجعنا إلى قول ابن جني: فيها قولان! ! لا، لا بد أن ترد هذا التعليل.
طالب: لا يُشترط لقصة أبي قتادة حيث ضمن الميت ( ... ) (1). الشيخ: الميت مُتعذِّر استئذانه.
الطالب: وأيضًا يتعذر رضاه؛ لأن الحق ليس للمضمون عنه، إنما للمضمون له.
الشيخ: يعني الحق للمضمون له وليس للمضمون عنه.
طالب: نقول: لأنها زيادة توثِقة، وليست لازمة في حق المضمون عنه، فيُمكن أن يرده.
الشيخ: يعني معناه على كلامك يُشترط رضا المضمون عنه؟ الطالب: لا يُشترط رضا المضمون عنه.
الشيخ: تقول: لا يرده.
الطالب: ( ... ). الشيخ: هو على كل حال، الصحيح أنه لا يشترط، إلا إذا لزم من الضمان الضرر وسوء السُّمعة، فربما يقال: إنه لا يحل له أن يعتدي على سمعته؛ لأن بعض الناس إذا قيل: أنا أضمنه، يقول الناس: ليش يضمن فلانًا؟ هو مماطِل؟ هو مُعسِر؟ وإلا فالأصل أنه لا يُشترط؛ لأن الحق لمن؟ للمضمون له، فإذا رضي المضمون له فلا بأس.
قال المؤلف: (يصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم)؟ طالب: إذا كان المجهول .. الشيخ: يؤول إلى العلم يصح، مثاله؟ الطالب: مثلًا إنسان ضمن شيئًا خرب ولا يعرف مدى خراب ( ... ). الشيخ: مثاله؟ الطالب: من يضمن مثلًا منزلًا فيكون به خراب ( ... ). الشيخ: يضمن منزلًا؟ طالب: مثاله: مثلًا إذا سُرقت سيارة، فإني أضمن لمن يأتي بها ألف ريال.
الشيخ: لا، هذا جُعْل.
طالب: المثال أن يضمن أحد رجلًا ليشتري أشياء من السوق فيقول: أنا أضمنه على ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1445

الشيخ: يعني يقول .. مثاله: ذهب رجل إلى السوق ومعه صاحب له غير معروف، فجاء رجل آخر فقال: أنا أضمنه.
هذا يصح، لماذا؟ لأن العارية مضمونة بكل حال؛ بمعنى أن الإنسان إذا استعار شيئًا فتلف فالمستعير ضامِن على كل حال، بمعنى أن العارية مضمونة على كل حال، سواء فرط المستعير أو تعدى، أو لم يُفرِّط ولم يتعدَّ، ويأتي إن شاء الله الخلاف في هذه المسألة، لكن المذهب أن العاريَّة مضمونة بكل حال، ولهذا صح ضمانها؛ أي: ضمان العواري؛ لأنها مضمونة على قابضها بكل حال.
فإن قلنا بالقول الآخر أنها -أي العارية- كسائر الأمانات لا تُضمن إلا بالتعدي أو التفريط، صار ضمانها غير صحيح؛ لأنها غير مضمونة على الآخِذ -وهو الأصل- فلا تضمن على الفرع الذي هو الضامن.
كأن هذا ما هو مفهوم؟ طالب: غير واضح.
الشيخ: غير واضح.
نترك السيارة؛ لأنها كبيرة عليكم، الثمن كثير، كتاب، شخص استعار من آخر كتابًا، فقال له صاحب الكتاب: أنا لا أعيرك إلا بضامن، تقدم شخص آخر قال: أنا أضمن الكتاب، أُعره إياه، فاستعاره الرجل.
نقول: الضمان هنا صحيح، ليش؟ لأن العارية مضمونة بكل حال.
هذا الكتاب لو تلف بيد المستعير بلا تعدٍّ ولا تفريط فهو ضامِن له على كل حال، وإن تلف بتعدٍّ وتفريط فهو ضامن أيضًا.
فيه قول آخر في العاريَّة: أن العارية لا تُضمن إلا بالتعدي أو التفريط، كسائر الأمانات.
وبناءً على هذا القول: لو أن أحدًا من الناس ضمنها، فالضمان غير صحيح؛ لأن المستعير، وهو الأصل الذي هو المضمون، لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، فالفرع أيضًا لا يضمن، فإن ضمن التعدي فيها أو التفريط، صح؛ لأنه إذا ضمن التعدي أو التفريط فإن المستعير سيضمن في هذه الحال، فيصح ضمانه في هذه الحال.
أرجو الانتباه الآن: لا بد أن نتكلم عن العارية أولًا، العارية مضمونة بكل حال؛ أي: سواء فرط المستعير أو لم يفرط؛ هذه واحدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1446

ضمان العارية صحيح بناءً على هذا القول؛ لأنها مضمونة على المستعير في كل حال، فصح أن يضمنها ضامِن.
انتهينا من هذا.
هناك قول آخر يقول: إن العاريَّة لا تُضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط؛ بمعنى أن الإنسان لو استعار الكتاب ووضعه في بيته في مكان محرز، وجاء سارق فسرقه، أو نزل عليه مطر فأفسده، أو احترق المكان فاحترق الكتاب، فإنه غير ضامن؛ لأنه ليس متعديًا ولا مفرطًا، وهذا القول هو الراجح.
على هذا القول، هل يصح ضمان العارية في هذه الحال مطلقًا؟ لا، يصح أن يضمن التعدي أو التفريط؛ بمعنى أن يقول: أنا ضامِن إن تعدَّى أو فرَّط.
هذا معنى كلام المؤلف.
يقول: (والعواري والمغصوب) أيضًا ضمان المغصوب صحيح؛ لأن الغاصب ضامن بكل حال.
كيف ضمان المغصوب؟ كيف يتصور؟ إنسان غصبه آخر، غصبه ساعته، أخذ الساعة قهْرًا منه، هذا ويش نسميه؟ نسميه غاصبًا، هو أخذها وهرب، راح، فوجده صاحب الساعة فأمسكه، وقال: أذهب بك إلى السجن، أو أعطني ساعتي، قال: الساعة في البيت ما هي معي، قال: أنا ما أعرف البيت، أنت الآن حصلتك، سوف أرفعك حتى تُسجن، فتقدم رجل آخر وقال: أنا أضمن الساعة.
يصح الضمان ولَّا لا؟ طلبة: يصح.
الشيخ: ليش؟ طالب: لأنه مضمون على كل حال.
الشيخ: لأن المغصُوب مضمون على كل حال، والغاصِب ضامن على كل حال؛ لأنه مُعتدٍ، يده ليست يد أمانة، وعلى هذا ففي هذه الحال يصح للضامن أن يضمن هذه الساعة؛ لأنها مضمونة بكل حال.
يقول: (والمقبوض بسوم) يعني: ويصح أيضًا ضمان المقبوض بسَوْم.
ويش معنى المقبوض بسوم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1447

المقبوض بسوم: أن يقف إنسان على صاحب الدكان، ويقول: هذه السلعة أشتريها منك بمئة ريال، سامها منه الآن، قال صاحب الدكان: نعم، لا بأس، قال: سأذهب إلى أهلي أريهم إياها، إن وافقوا أخذتها وإن لم يوافقوا رددتها، قال: لا بأس، فأخذها.
من الذي أخذها؟ الذي سامها أخذها ليذهب بها إلى أهله، فتلفت السلعة، فهي مضمونة على كل حال على السائم، سواء تعدَّى أو فرَّط، وذلك لأنه قبضها وقطع الثمن؛ يعني حدد الثمن، فصار كأن البيع تم، فهي مضمونة عليه بكل حال، ولهذا صح ضمان هذه السلعة المقبوضة على وجه السوم.
أفهمتم الآن المقبوض على وجه السوم؟ كيف يُضمن؟ هذا الرجل الذي جاء وسام السلعة وقال: أريد أن آخذها أريها أهلي إن وافقوا وإلا رددتها، قال له صاحب الدكان: لا، لا أعرفك، فتقدم رجل وقال: أعطه وأنا ضامن، يصح؟ يصح، فنقول: الآن اذهب وأرها أهلك، وإذا وافقوا فهي لك وإذا لم يوافقوا رُدَّها.
يصح أن يضمن المقبوض على وجه السَّوْم، بناءً على أنه مضمون على القابض بكل حال.
طيب، المقبوض على وجه السوم ليس محل اتفاق أنه مضمون بكل حال.
والقول الثاني -وهو الصحيح-: أنه لا يُضمن إلا بالتعدي أو التفريط؛ لأن هذا المقبوض حصل بيد السائم بإذن مالكه، فيده يد أمين، وكونه سامَهُ وقطع الثمن أو سامَهُ ولم يقطع الثمن، فإنه لا أثر له في الضمان؛ لأن الرجل الذي قبضه أمين، ائتمنه صاحب السلعة، وعلى هذا فيكون المقبوض على وجه السَّوْم ليس مضمونًا على قابضه إلا أن يتعدى أو يفرط، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن هذا المال حصل بيده بإذن مالكه، فيده يد أمانة.
بناءً على هذا القول: هل يصح ضمان المقبوض على وجه السَّوْم؟ لا يصح؛ لأنه ليس مضمونًا على القابض، وإذا لم يكن الأصل ضامنًا، فالفرع لا يصح أن يكون ضامنًا، لكن يصح أن يضمن التعدي أو التفريط، فيقول: أنا أضمن إذا تعدى أو فرَّط؛ لأنه كسائر الأمانات.
إذن عندنا مسألتان:

الجزء: 2 - الصفحة: 1448

المسألة الأولى: هل المقبوض على وجه السوم مضمون بكل حال؟ المذهب: نعم، إذا ساومه وقطع الثمن، والقول الثاني: أنه ليس مضمونًا إلا إذا حصل تعدٍّ أو تفريط.
والفرق بين التعدي والتفريط أن التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب.
(والمقبوض بسوم وعهدة المبيع) أي يصح ضمان عهدة المبيع.
عُهدة بمعنى تَبِعَة، يعني أنه لو أن أحدًا من الناس اشترى سلعة، وقال البائع: أعطني الثمن، فقال: أنا أعطيك الثمن، هذا الثمن موجود، لكن أخشى أن تكون هذه السلعة مسروقة أو مغصوبة أو ما أشبه ذلك، فتقدم رجل وقال: العهدة عليَّ.
يصح أو لا يصح؟ يصح، لدعاء الحاجة إلى ذلك، ولأن البائع إذا ظهر أن المبيع مستَحَق فهو ضامِن بكل حال.
المضمون له هنا هل هو البائع ولَّا المشتري؟ المشتري، سلَّم الثمن، لكن قال: أنا أخشى أن تكون السلعة هذه مسروقة، من يضمن لي ثمني إذا كانت مسروقة؟ لأنه إذا كانت مسروقة فسوف يطالب مالكها بالعِوض، فيقول: من يضمن لي؟ تقدم رجل وقال: أنا أضمن عُهدة المبيع، أنا عليَّ التبعة إن كان مسروقًا، أو مغصوبًا، أو ضائعًا من صاحبه، أنا أضمن.
نقول: هذا الضمان صحيح، وجه الصحة أن البائع إذا ظهر أن هذا الذي باعه ليس ملكًا له فهو ضامن بكل حال؛ لأنه لا يملك أحد أن يبيع ملك غيره.
ما هي بناضجة عندكم.
طالب: غير واضحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1449

الشيخ: أقول -بارك الله فيكم-: عهدة المبيع معناها التَّبِعَة، يعني إن ظهر على البائع تبعة فإن الضامن يضمن للمشتري، ومثال ذلك: رجل باع على شخص، ولنقُل: باع عليه ساعة بخمسين ريالًا، نقد المشتري الثمن، لكنه قال: أنا أخشى أن تكون الساعة مسروقة أو ضائعة ووجدها هذا، ولم يُعرِّفها، أو مغصوبة، المهم أخشى أن تكون الساعة ليست ملكًا لمن؟ للبائع، فتقدم رجل وقال: أنا ضامِن إذا ظهرت ليست للبائع فأنا أضمن لك الثمن.
يصح أو لا يصح؟ يصح.
لماذا؟ لأن البائع إذا ظهر أن السلعة ليست له فهو ضامن بكل حال، ليست كالأمانة، البائع الآن إذا ظهر أنها مستحقة فليس بأمين.
بعد ذلك (لا ضمان الأمانات بل التعدي فيها) يعني لا يصح ضمان الأمانات، والأمانات هنا: كل ما لا يُضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط؛ هذه الأمانات: كل ما لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط فهو أمانة، فلا يصح ضمانها، لماذا لا يصح؟ لأن الأصل غير ضامن، وإذا كان الأصل غير ضامن، فلا يصح أن يُبنى على شيء لم يثبت.
واضح التعليل؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب، لكن (التعدي فيها) يصح؛ لأنه إذا تعدى الأمين انتفت عنه الأمانة، وصار ضامنًا بكل حال، فيصح أن يضمن التعدي.
ومثاله: رجل أودع عند آخر وديعة، ولتكن ألف ريال، ثم بعد أن أودعه صار عنده إشكال، فتقدم رجل آخر، وقال: أنا أضمن الوديعة لك، فالضمان هنا لا يصح؛ لأن الأصل غير ضامن، لكن لو قال: أنا أضمن لك إن تعدَّى أو فرَّط، فهذا صحيح؛ لأنه في حال التعدي أو التفريط يكون ضامنًا، فحينئذٍ يصح الضمان.
وهذا مأخوذ من الشرط الذي اشترطناه، وهو أن يكون الدَّيْن واجبًا أو مآله إلى الوجوب؛ لأن ما ليس مضمونًا بكل حال ليس بواجب ما يستحقه صاحبه.


قال المؤلف رحمه الله: (فصل: تصح الكفالة بكل عين مضمونة) الكفالة هي الثالث من عقود التوثقة؛ لأن عقود التوثقة: رهن وضمان وكفالة.
ما هي الكفالة لأجل أن نعرف الفرْق بينها وبين الضمان؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1450

الكفالة: التزام جائِز التصرف إحضار من عليه دَيْن، وإن شئت فقل: إحضار من يصح ضمانه؛ حتى تدخل الأعيان المضمونة، كالعواري على القول بأنها مضمونة بكل حال، والمغصوب، وعُهدة المبيع، وضمان التعدي في الأمانات، فهي التزام جائز التصرف إحضارَ بدَن من يصح ضمانه؛ هذه هي الكفالة.
وبهذا التعريف نعرف الفرْق بينها وبين الضمان؛ الضمان يلتزم إحضار الدين، وهذا إحضار البدن، فإذا أحضر الكافل المكفول، وسلَّمه لصاحب الحق برِئ منه، سواء أوفى أو لم يُوفِ، وهذا فرْق واضح، وحينئذٍ تكون الكفالة أدنى توثقة من الضمان، لماذا؟ لأن الضمان يضمن الدَّيْن، وهذا يضمن من عليه الدَّيْن، فإذا أحضره برئ منه، وإذا مات المكفول برئ، وهناك إذا مات في الضمان لا يبرأ.
فبينهما فروق ربما نتعرض لها إن شاء الله تعالى، لكن الكلام على أصل التعريف.
الكفالة: إحضار بدن، والضمان: التزام قضاء دَيْن.
ولكن لو كان العُرْف عند الناس أن الكفالة بمعنى الضمان، فهل يُحمل المعنى على العُرْف أو على الشرع؟ على العرف؛ لأن هذه معاملات يُجرى الناس فيها على أعرافهم وعلى ما يريدون، فعندنا الآن إذا قال: أنا أكفل فلانًا، يريدون بذلك أني أضمن ما عليه من الدَّين.
لكن بدؤوا الآن يعرفون بعض الشيء، فصار إذا قال: أنا أكفله، إن أضاف إليها كفالة غرم صار ضامنًا، وإن أطلق فهي كفالة بدن، إحضار بدن، فيُعمل بالعرف سواء في هذا أو في هذا.


طالب: شيخ -حفظك الله- ذكرنا أنه يجوز لصحة الضمان أن يضمن في كل حال، فكيف يا شيخ يضمن؟ ذكرنا أنه يضمن بكل حال ويصح ضمانه، لعلنا يعني جعلنا هذا المضمون عنه ضامنًا في كل حال، فما الفائدة من ضمانه؟ الشيخ: الفائدة من ضمانه أن يتوثق صاحب الحق.
الطالب: هو الآن يا شيخ متوثِّق بضمانه في كل حال.
الشيخ: الآن يمكن يماطل، الذي عليه الدَّيْن ربما يُماطل أو يُعسر.
الطالب: ألا يؤخذ يا شيخ مثلًا بالقوة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1451

الشيخ: ترى معنى ضمان، معناه أنه يضمن على كل أنه يُطالِب بذلك، ليس معناه أنه يُسلِّم ويدفع، قد لا يدفع.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- على القول الراجح بأن العارية ليست مضمونة إلا إذا تعدى القرض ( ... ) عارية مؤداة.
الشيخ: نعم، هذا اشترط على نفسه.

طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، من استقرض قرضًا، ثم ( ... ). الشيخ: أسألك إذا قلت لي: أقرضني ألف ريال، فقلت: تفضل، هذه ألف ريال، واستلمتها أنت، فجاء خاطِف فخطفها من يديك ومشى، هل أنا أطالبك أو لا؟ الطالب: لا.
الشيخ: ما تطالبه! ! ما هو تلف المال تحت يدك؟ الطالب: لا.
الشيخ: جئت تستقرض مني فأقرضتك ألف ريال، قلت: خذ يا هداية الله، هذه ألف ريال وسلَّمتها لك، فجاء حامد وخطفها وهرب، هل أنت ضامن لي أو تقول: والله خُطفت مني؟ الطالب: لا، أنا الضامن.
الشيخ: تضمن؟ الطالب: إي.
الشيخ: هذه.
الطالب: لا، فرْق بين العارية والقرْض، وذكرت قبل شوي؛ لأنه لا يظهر الفرق بين العارية والقرض، وذكرنا في كلام المؤلف.
الشيخ: ذكرنا الراجح، ما هو كلام المؤلف، كلام المؤلف العارية مضمونة، لا فرق بينها وبين القرض، إلا أن العارية يجب رد عينها، والقرض رد بدل، لكننا ذكرنا أن الصحيح أنه لا يضمن العارية إلا بتعدٍّ أو تفريط، أما القرض -بارك الله فيك- فهو بمجرد ما يُسلِّمك إياه المقرض دخل في ضمانك، ملكته.
الطالب: ما الفرق بينهما؟ الشيخ: الفرق ظاهر؛ لأن القرض يملكه المستقرِض، يملكه ملكًا.
الآن لو أعطيتك مثلًا ألف ريال قرضًا وخدتها أنت، ثم بعدين رجعت لك: أعطني الدراهم اللي أقرضت، وهي الآن بيدك، تقدر تقول: لا، ما أعطيك إياها، لكن لو أعيرك قلمًا، ثم يوم كتبت بسم الله الرحمن، قلت: هات أعطني قلمي، باقي عليك تكتب (الرحيم)، يلزمك تعطيني إياه ولَّا لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: هذا الفرق، واضح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1452

طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لعهدة المبيع، المشتري إذا خاف على البضاعة قلنا: يصف ضمانها، وإذا خاف على تلف البضاعة.
الشيخ: تلف المبيع؟ الطالب: إي.
الشيخ: سيتلف في يده.
الطالب: طيب يعني إذا خاف أن .. الشيخ: سيتلف في يد المشتري ( ... ). الطالب: المشتري إذا خاف على تلف المبيع، هل في هذه الحالة يجوز له أن يضمن أحدًا؟ الشيخ: كيف يضمن؟ الطالب: يعني لما اشترى الساعة قال: أنا أخاف يعني الساعة هذه قديمة، أخاف عليها.
الشيخ: أخاف تتلف؟ الطالب: إي نعم، إتلافها عليه.
الشيخ: نقول: لا تشترها.
الطالب: كمثال يعني، أشياء مثل هذه .. الشيخ: مهما بلغت نقول: هكذا، هذا الجواب.
الطالب: هو يعود إلى ( ... ). الشيخ: لا، الصحيح، يعود إلى أنه يخشى أن يظهر المبيع مستحَقًّا للغير، يخشى أن يكون المبيع، وهي الساعة في مثالك، مستحقًّا للغير؛ بمعنى أن البايع سرقه أو غصبه أو وجده ضائعًا ولم ينشده، أو ما أشبه ذلك.
الطالب: شيخ، أما في التلف يعني .. الشيخ: التلف على مُلك المشتري، ما لم يَتبيَّن أن البائع قد غرَّه فيكون على البائع.
طالب: يصح ضمان المحجور عليه يا شيخ؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: إنسان زادت ديونه على ما عنده فحُجر عليه، ألا يصح أن يضمن غيره ( ... )؟ الشيخ: المحجور عليه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: في ذمته لا بأس، ويُطالِب به بعد فك الحجر.
الطالب: كيف يا شيخ يصح ضمانه وهو لا ( ... )؟ الشيخ: يمكن الإنسان المضمون له، يمكن يثق بذمة هذا الضامن، ويعرف أنه رجل صاحب وفاء، لكن أخلفت الأمور.
المهم أنه لا يطالَب به إلا بعد فك الحجر.
طالب: هل يصح ضمان العبد بغير إذن سيده والزوجة بغير إذن زوجها؟ الشيخ: أما الزوج بغير إذن زوجها فنعم يصح أن تضمن؛ لأنها جائزة التصرف، وأما العبد فلا يصح؛ لأنه ليس جائز التصرف.
طالب: عُهدة المبيع، هل تشمل الأمور التي يمكن أن يعلم البائع بها أو حتى يدخل فيها العيب الذي لا يُعلم؟ الشيخ: كل شيء.

الجزء: 2 - الصفحة: 1453

الطالب: يمكن يكون غير أمين في العيب يعلم به، إذا اشترى سيارة ( ... ). الشيخ: لا بد ( ... ) العيب للمشتري أن يردها سواء علم البائع أم لم يعلم، لكن إن علم البائع صار مغررًا، ويضمن على كل حال، ولو لم يتعدَّ المشتري أو يُفرِّط.
الطالب: تدخل في مسمى عُهدة المبيع؟ الشيخ: إي نعم.


طالب: وتصح الكفالة بكل عين مضمونة، وببدن من عليه دَيْن، لا حد ولا قصاص، ويعتبر رضا الكفيل لا مكفول به، فإن مات أو تلفت العين بفعل الله أو سلَّم نفسه برئ الكفيل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ليوم الدين.
هل يصح ضمان العارية؟ طالب: نعم يا شيخ يصح ضمان العارية.
الشيخ: بكل حال؟ الطالب: على المذهب بكل حال؛ لأنها مضمونة.
الشيخ: على ما مشى عليه المؤلف بكل حال؟ الطالب: نعم؛ لأنها مضمونة.
الشيخ: لأنها مضمونة بكل حال.
طالب: ( ... ). الشيخ: الصحيح أنها لا تُضمن إلا إذا تعدى أو فرَّط.
طيب وبناءً على هذا القول هل يصح ضمان العاريَّة أو لا يصح؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: إي، توافقون على هذا؟ هو لا يصح ضمان العاريَّة.
طالب: إلا في التعدي أو التفريط.
الشيخ: نعم، إلا في التعدي أو التفريط.
المقبوض على وجه السَّوْم ما مثاله؟ طالب: مثلًا ( ... ) ثم تلفت وحال الضمان عليه، عليه ضمان، فيصح ضمان .. الشيخ: يعني على القابض.
الطالب: على السائم.
الشيخ: القابض إي.
الطالب: الذي سام.
الشيخ: إلى الآن ما اشترى، على القابض؛ لأنه يقول: المقبوض على وجه السوم.
الطالب: وعلى رأي المصنف يضمن في كل حق.
الشيخ: طيب، فيصح ضمانه الآن؟ الطالب: فيصح الضمان.
الشيخ: طيب.
الطالب: وفيه قول آخر، وهذا قسم من ( ... ) وهو أنه لا يضمن إلا في وقت التعدي والتفريط.
الشيخ: إلا في حال.
الطالب: إلا في حال التعدي والتفريط.
الشيخ: إي نعم، هذا كلام صحيح؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1454

الشيخ: نعم، والصحيح أنه لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط؛ لأن القاعدة: أن كل من قبض مالًا بإذن الشارع أو إذن المالك فيده أمينة.
طيب عُهدة المبيع، ما هي عهدة المبيع؟ طالب: تبِعة المبيع.
الشيخ: تبعة المبيع.
كيف يعني؟ اشرح لي هذا الموضوع؟ الطالب: إنسان اشترى سلعة فخاف أن تكون مسروقة، ( ... ) أنا أضمن.
الشيخ: أضمن لك العهدة.
الطالب: أضمن لك العهدة.
الشيخ: تمام، سمعتم؟ اشترى من شخص حاجة، فخاف أن تكون هذه الحاجة مسروقة، فقال: أنا أريد أحدًا يضمن لي عهدة المبيع، فأتى البائع بشخص وقال: أنا أضمن لك عُهدة المبيع، إذا خرج مستحقًّا أو خرج فيه عيب أو غير ذلك فأنا ضامن، هذا أيضًا يجوز لما في ذلك من المصلحة للجميع.
يقول المؤلف: إن ضمان الأمانات لا يصح؟ ويش معنى ضمان الأمانات؟ طالب: يعني إذا ائتُمنت على شيء ثم تلف هذا الشيء المؤتمن في يدك فإنه لا يصح أن يأتي أحد يضمن عليك.
وأراد إنسان يؤمنك -يعني بعبارة أخرى- فقال: ائتني بضمين يضمنك أنك لا تتلفها ولا يحصل عليها شيء، فيقال في هذه الحالة: الأمانة لا يصح أن تضمن بها، الأمين يعني ما يُضمن.
الشيخ: حتى لو تعدَّى أو فرَّط.
الطالب: إلا إذا تعدى أو فرط فإنه .. الشيخ: إذن الجواب؟ الطالب: الجواب أن الأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرَّط.
الشيخ: طيب، ومتى يصح أن يُضمن؟ الطالب: إذا تعدى أو فرَّط.
الشيخ: لا، ما هو بأن يَضمن، يجي واحد بيضمنه، يقول: أنا أضمن لك فلانًا، أعطِ فلانًا مثلًا الشيء الفلاني وأنا أضمنه.
الطالب: يقول مثلًا: اضمن لي أنه ما يتعدى ولا يفرط.
الشيخ: يعني ضمان التعدي؟ الطالب: في هذه الحال يقول: أريد ضامنًا أنك لا تتعدى ولا تُفرِّط، ففي هذه الحال يصح الضمان.
الشيخ: يعني أن يقول: أعطِ فلانًا هذه السلعة وأنا أضمن لك إن تعدَّى أو فرَّط، كذا؟ هذا هو؟ الطالب: أعطه هذه السلعة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1455

الشيخ: إي، مثلًا إنسان قال: أنا والله بأسافر، من يأخذ هذا المال عنده وديعة؟ فقال رجل: أنا آخذه.
فقال: هات أحدًا يضمنك.
ففي هذه الحال لا يصح أن يضمنه أحد؛ لأنه لا ضمان عليه إلا بتعدٍّ أو تفريط، لكن لو قال الذي أراد يضمنه: أنا أضمن لك إن تعدى أو فرط، يصح؟ الطالب: إي نعم، هذا يصح.
الشيخ: الكفالة تعريفها؟ طالب: الكفالة تعريفها: التزام؛ يعني إحضار الشخص الذي يعلم الدَّيْن.
الشيخ: التزام مَنْ؟ أي واحد يلتزم؟ الطالب: واحد يعني يخبر هذا الشخص.
الشيخ: لكن أي واحد؟ يعني لو جاء صبي يكفل إنسانًا في مئة ألف ريال؟ الطالب: لا، لا بد من أن يكون جائز التصرف.
الشيخ: إذن التزام جائز التصرف، إحضار؟ الطالب: إحضار شخص.
الشيخ: إحضار بدن من عليه الحق.


قال المؤلف: (وتصح الكفالة بكل عين مضمونة) المؤلف رحمه الله تكلم على الكفالة، وكذلك على الضمان فيما سبق من حيث الحُكْم الوضعي، هل هي صحيحة أو غير صحيحة؟ لكن لم يتكلم من حيث الحكم التكليفي، لا في الضمان ولا في الكفالة.
فما حكم الضمان، وما حكم الكفالة؟ سبق أن قلنا في الضمان: إنه سُنَّة للضامن؛ لما فيه من مساعدة أخيه وتفريج كربته وغير ذلك، ولكننا قيَّدنا ذلك بما إذا كان الضامن قادرًا على الوفاء، أما إذا كان فقيرًا، ثم بعد أن يحل الأجل يُطالَب وليس عنده شيء، فهذا غلط وليس بمستحب؛ بل هو أقل الأحوال أن يكون مكروهًا؛ لأنه يُلزِم نفسه ما لا يلزمه.
كذلك يُقال في الكفالة، الكفالة من حيث هي سُنَّة للكفيل، وهذا بشرط أن يعلم أنه قادر على إحضار بدن الكفيل، أو إيفاء الدَّيْن عنه، فإن عرف من نفسه أنه ليس بقادر فلا ينبغي أن يكفل؛ ولهذا نجد الآن أناسًا كثيرين يأتون يشكون ديونًا عظيمة عليهم، سببها الكفالة، أنهم يكفلون الناس، والإنسان إذا عرف أنه مكفول ما يهمه، إلا من عصم الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1456

فنقول: احرص على ألا تكفل؛ لأن الناس في الوقت الحاضر خاصة لا أحد يُوثَق به إلا مَنْ شاء الله.
أما من حيث المكفول والمضمون، فهذا لا يُعتبر له رضا، ولا يُعتبر له عِلْم؛ لأنه ليس عليه ضرر، وقد سبق لنا التفصيل في مسألة الضمان أنه إذا كان عليه ضرر، فإنه لا ينبغي للضامن أن يقدم ويَضمن.
قال: (تصح الكفالة بكل عين مضمونة) (بكل عين) هل الأعيان هي التي تُضمن؟ هي التي تكفل؟ لا، وإنما الذي يُكفل بَدَن من عنده عين مضمونة، ولهذا تعتبر عبارة المؤلف رحمه الله قاصرة؛ يعني اختصر، لكنه اختصار مُخِلٌّ؛ لأن اللي يقرأ هذا يفهم بأن التي تُكفل هي العين، وليس كذلك، الذي يكفل الشخص الذي عنده العين.
كل عين مضمونة يصح كفالة بدن من هي عنده، الأعيان المضمونة هي التي تُضمن بكل حال، سواء بتفريط أو بغير تفريط، مثل: المسروق، عند السارق عين مضمونة، المغصوب عند الغاصب عين مضمونة، المبيع بكيل أو وزن أو ما أشبه ذلك قبل قبضه؛ هذا أيضًا من الأعيان المضمونة على البائع.
المهم كل عين تُضْمن بكل حال فإنه تصح الكفالة ببدَن من هي عنده.
طيب، العارية؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، إن قلنا: لا؛ أخطأنا، إن قلنا: نعم؛ أخطأنا، أما على ما جرى عليه المؤلف فهي عين مضمونة تصح كفالة من هي عنده، وأما على القول الصحيح فليست من الأعيان المضمونة؛ بل هي أمانة، وإذا وُجِد تلف نظرنا هل يَضمن أو لا؟ إذن الكفالة الآن فهمنا أنها في البدن (وببدن من عليه دين)؛ لأن الحقوق الواجبة للغير إما أعيان، واشترط المؤلف أن تكون مضمونة، وإما ديون في الذمم، فالأعيان عرفتم حكمها: أنه يصح الكفالة ببدن كل من عنده عيْن مضمونة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1457

أما الدَّيْن، قال: (وببدن من عليه دَيْن)، تصح الكفالة ببدن من عليه الدَّيْن، كرجل في ذمته لشخص ألف ريال، فطالبه صاحب الحق، أمسك به، قال: أوفني، ولكنه ليس معه شيء، فقال: سوف أرفعك إلى الجهات المسؤولة، فتقدم إنسان محسِن، وقال: أنا أكفل الرجل، أو أكفل الدَّيْن؟ طلبة: الرجل.
الشيخ: الرجل؛ لأنه لو قال: أنا أكفل الدَّيْن صار ضامنًا، لكن: أنا أكفل الرجل، يعني إحضاره، يصح.
ولا فرق في الدَّيْن بين أن يكون عن قرض، أو عن إجارة، أو عن قيمة مُتلَف، أو قيمة مبيع، أو صداق، أو غير ذلك.
المهم أن يكون الدَّيْن ثابتًا، فتجوز الكفالة ببدن من عليه دين.
(لا حد ولا قصاص) يعني لا من عليه حد أو قصاص؛ من عليه حد كرجل سارق أمسكته الجهات المسؤولة لتقطع يده، فقال: ذروني أذهب إلى أهلي، وأخبرهم بهذا الشيء بأني مستحق لقطع اليد، فقالت الجهات المسؤولة: لا نتركه، لا بد من القطع الآن، فقال: لي من يكفلني، فلان، يكفل أن أرجع، فتقدم رجل محسِن وقال: أنا أكفله، فلا يصح أن يكفله؛ لأنه لو تعذَّر الاستيفاء من السارق، لم يمكن الاستيفاء من الكفيل، فأي فائدة إذن؟ أي فائدة في الكفالة؟ لا فائدة في الواقع.
قد يقول قائل: بل في ذلك فائدة؛ لأن هذا الرجل الذي كفله له سلطة، فهو أمير قومه، وهذا الرجل من قومه، ويستطيع أن يحضره، وتعذُّر إحضاره أمر طارئ، وإلا فالأصل أن هذا الكفيل قادر على إحضاره، وبناءً على هذا يمكن أن يُفرَّق بين شخص له القدرة التامة على إحضار بدن من عليه حد، وبين شخص عادي لا يستطيع، فالأول قد يقال بصحة كفالته، والثاني لا تصح لا شك.
لكن المشهور من المذهب الذي مشى عليه المؤلف: أنه لا يصح كفالة مَنْ عليه حد بأي حال من الأحوال؛ والعلة في ذلك ما ذكرنا أولًا: وهي تعذُّر الاستيفاء من الكفيل، لو تعذر الاستيفاء من المكفول.

الجزء: 2 - الصفحة: 1458

كذلك القصاص، من عليه قِصاص، بأن يكون قاتلًا، وطالَب أولياء المقتول بقتله، وثبت ذلك، وأردنا أن نقتُله، فقال: ذروني أذهب إلى أهلي لأكتب وصيتي، وأخبرهم بما عليَّ من الديون أو غيرها، ثم أرجع، فقيل له: من يكفلك؟ قال: يكفلني فلان.
نقول: هذا لا يصح؛ لأنه لو تعذر حضور هذا الذي وجب عليه القصاص لم نتمكن من استيفائه من الكفيل.
لكن لاحظوا أن القصاص أهون؛ لأنه إذا تعذر القصاص رجعنا إلى الدية، والدية يمكن أن يقوم بها الكفيل، ولهذا من صحَّح الكفالة في الحد ممن يستطيع إحضار المكفول، فإنه يُصحِّح الكفالة فيمن عليه قصاص من باب أوْلى؛ وذلك لأنه إذا تعذر القصاص بعدم حضور المكفول فإنه يمكن أن يعاد إلى الدية.
لكن المذهب هو ما سمعتم: أنه لا يمكن الكفالة؛ أي كفالة بدن من عليه قصاص.
وجه ذلك أنه لو تعذَّر حضور المكفول لم نتمكن من استيفاء القصاص من الكفيل، فتكون الكفالة لا فائدة منها.
ما هي القاعدة في هذا؟ القاعدة في هذا تُؤخذ من التعليل، كل شخص لا يمكن الاستيفاء منه لو تغيَّب الكفيل فإنه لا يصح أن يكفل.
مثال آخر: امرأة أمسكت بزوجها وقالت: إنك لا تقسم لي، لها ضَرَّة، وقالت: أنت لا تقسم لي، الليلة المقبلة لي -تقول ها المرأة هذا- وأنت ما تحضر، ما حضرت قبل ليلتين، ولا قبل أربع ليال، ما تحضر، والآن لا بد من المحاكَمة، فقال لها: أمهليني، قالت: لا أمهلك، فقام رجل فقال: أنا أكفل الرجل أن يحضر إليك.
أتصح الكفالة؟ طلبة: لا تصح.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: ( ... ). الشيخ: لأنه لو لم يحضر فإن الكفيل لا يمكن أن يقوم مقام المكفول، فالقاعدة هي هذه، القاعدة: أنه متى تعذر الاستيفاء من الكفيل فإن الكفالة لا تصح، وذلك لعدم الفائدة منها، وأحكام الله لا تُؤخذ باللعب واللغو الذي لا فائدة منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1459

يقول رحمه الله: (ويعتبر رضا الكفيل لا مكفول به) (يعتبر رضا الكفيل) معلوم؛ لأنه سوف يلتزم بحق، وهذا إذا لم يرضَ بذلك فإنه لا يُلزم به.
والمكفول له يُعتبر رضاه؟ طالب: لا.
الشيخ: أصله لا يمكن الكفالة إلا بطلب منه، فإذا تقدم إنسان بيكفل، وقال المكفول له: لا، ما حاجة تكفل فلانًا، أنا أعرفه، فهنا لا كفالة؛ لأن المكفول له يجوز له إسقاط الكفالة بعد ثبوتها، فعدم قبولها من أول الأمر من باب أوْلى.
المكفول؟ المؤلف عبَّر رحمه الله بقوله: (لا مكفول به)، والمكفول به في الواقع هو الدَّيْن أو الحق، والعبارة السليمة: (لا مكفولٍ)، يعني لا يعتبر رضا المكفول، فلو قال إنسان لشخص: أنا أكفل فلانًا، فقال المكفول: أنت تكفلني؟ ! أنا أوثق منك عند الناس وأنا أوْفى منكَ، وأنا أعلى منك نسبًا، وأنا أعلى منك حسبًا، أنت تكفلني؟ ! ويش أنت؟ ! فهُنا يقول: أنا لا أرضى أن تكفلني، فهل يُعتبر؟ ما يُعتبر؛ لأن هنا حقًّا للمكفول له، وحقًّا على الكفيل، فهما صاحبا الحق، أما المكفول فليس له حق، لكن كما قلت لكم في الضمان: إذا كان يترتب على هذا سوء السمعة بالنسبة للمكفول، فإنه لا يجوز أن يتقدم أحد في كفالته؛ لأن ذلك يضر بسُمعته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (2). ثم قال المؤلف: (فإن مات أو تلفت العين بفعل الله أو سلَّم نفسه برئ الكفيل).
(إن مات) الضمير يعود على المكفول: إن مات برئ الكفيل.
حتى من الدَّيْن؟ نعم، حتى من الدَّيْن؛ لأنه لما مات المكفول هل يمكن إحضاره؟ لا يمكن إحضاره.
فإن طالب من له الحق بإحضاره، قال: تفضل، إلى المقبرة، وأوقفك عند داره، واستأذن، وخذ حقك منه.
هكذا يُقال؟ لا، هذا لا يمكن.
ولو قيل هذا القول له، لقال: هذا سخرية بي.
فيُقال: إذا مات المكفول برئ الكفيل، وهذا من الفروق بين الكفالة والضمان، الضمان إذا مات المضمون لم يبرأ الضامن، أما الكفالة فإذا مات المكفول برئ الكفيل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1460

(أو تلفت العين بفعل الله) وهذا يعود على ما إذا كفله بعين مضمونة.
(تلفت العين بفعل الله)، مثل أن يأتي سيل عظيم يجترف هذه العين، هذه تلفت بفعل الله لا بتعدٍّ ولا بتفريط، فيبرأ الكفيل، ولو كان ضمانًا لم يبرأ.
وعُلِم من قول المؤلف: (بفعل الله)، أنها لو تلفت بفعل آدمي فإن الكفيل لا يبرأ؛ لأن الكفيل في هذه الحال يمكنه مطالبة مَنْ؟ مطالبة المتلف، فيقول للمتلف: أحضر بدل ما أتلفت، لكن إذا كانت العين بفعل الله فإنه يبرأ، ولا ضمان عليه.
(أو سلَّم نفسه) (سلَّم) الفاعل مَنْ؟ المكفول، سلَّم نفسه، وجاء في الوقت المحدد؛ فإنه يبرأ الكفيل، وهذا واضح إذا سلَّمه عند حلول الأجل، مثلًا قال: الدَّيْن يحل في أول يوم من رمضان، فجاء هذا الرجل أول يوم من رمضان وسلَّم نفسه، لمن سلَّم نفسه؟ لصاحب الحق، سواء الدَّين أو العين المضمونة، سلَّم نفسه يبرأ الكفيل، سواء قدر على الاستيفاء منه أم لم يقدر؛ لأنه إنما التزم بإحضار بدنه وقد حضر.
فإن سلَّم نفسه قبل حلول الأجل، فهل يبرأ؟ فيه تفصيل، إن سلَّم نفسه قبل حلول الأجل وليس ثمة يد ظالمة تحول بينه وبين استيفاء حقه فلا بأس، وإلا فلا؛ لأنه لو سلَّم نفسه قبل أن يحل الدَّيْن، ربما يكون هذا حيلة ليبرئ مَنْ؟ يبرئ الكفيل، ثم بعد ذلك يهرب، لكن إذا كان ليس هناك يد حائلة ظالمة تمنع من استيفاء الحق فلا بأس، إذا قال: أنا الآن أُسلِّم نفسي وأعطيك الحق الآن.
ونعهد إلى بعضكم ليستخرج الفروق بين الضمان والكفالة.
طالب: إذا سلَّم قبل الحلول ( ... )؟ الشيخ: إذا سلَّم نفسه قبل الحلول وهو قادر على الوفاء، وهو يبغي يُوفي، ولا فيه مثلًا يد حائلة تمنع من استيفاء الحق، برِئ؛ يعني لو كان هذا الذي سلَّم نفسه له اتصال بالسلطان، ويبتدئ يقول: أنا بأسلم نفسي الآن وأنت يا أيها السلطان قل: لا تُوفِ قبل الحلول، مثلًا ويمنعه، فهنا ما يبرأ؛ لأنه لا فائدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1461

طالب: شيخ -أحسن الله إليك- المكفول له إذا جاء إلى صاحب الدَّيْن.
المكفول له إذا جاء قبل الأجل، وسدَّد بعض الدَّيْن، هل عند ذلك تبرأ ذمة الكفيل؟ الشيخ: سلَّم نفسه؟ الطالب: إذا سلَّم نفسه ( ... ) الديون؟ الشيخ: إي، تبرأ؛ لأن صاحب الحق يمسكه، يقوله: تعالَ، أوفِ.
( ... ) طالب: أحسن الله إليك، هل هناك فرق بين المكفول المماطِل وغير المماطل بالنسبة لانتهاء المدة؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: إذا ماطل الكفيل وهو قادِر؟ الشيخ: الكفيل ولَّا المكفول؟ الطالب: الكفيل، وكان مماطلًا وهو واجد، هل يبرأ الكفيل أو يبقى على كفالة ( ... )؟ الشيخ: تقول: إذا كان الكفيل مماطلًا؟ الطالب: لا، المكفول مماطل.
الشيخ: إي نعم، إذا سلَّم نفسه برئ.
الطالب: إذا قال يا شيخ صاحب الحق للكفيل: لا أقبل حتى تحيل ( ... ). الشيخ: يقول: لا تقبل، يقول: الحمد الله اللي فكني منك.
طالب: هل إذا كان الكفيل أو الضامن إذا كان غير قادر، هل تكون الكفالة والضمان في حقه غير جائزة؟ الشيخ: نعم، ذكرناه أنه في هذه الحال لا يجوز؛ لأنه يعرض نفسه لديون قد نجَّاه الله منها.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا قال المعير للمستعير: عارية مؤداة، فهل يصح له هذا الشرط أصلًا؟ الشيخ: هذا ينبني على الخلاف، بعض العلماء .. الطالب: على الراجح.
الشيخ: لا، إذا التزم فهي تلزمه.


طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الحوالة: لا تصح إلا على دَيْن مستقر، ولا يُعتبر استقرار المحال به، ويُشترط اتفاق الدَّيْنين جنسًا ووصفًا ووقتًا وقدرًا، ولا يؤثر الفاضل، وإذا صحت نُقِل الحق إلى ذمة المحال عليه.
الشيخ: (وإذا صحت نقلت)، أنت ما عندك تاء؟ طالب: وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل، ويعتبر رضاه لا رضا المحال عليه، ولا رضا المحتال على مليء، وإن كان مفلسًا، ولم يكن رضي رجع به.

الجزء: 2 - الصفحة: 1462

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما حكم الضمان بالنسبة للضامن والمضمون عنه؟ طالب: حكم الضمان بالنسبة للمضمون عنه جائز، أما بالنسبة للضامن فهو مُستحَبٌّ في حقه بشرطين؛ الشرط الأول: أن يعلم من نفسه القدرة على الوفاء، الشرط الثاني: أن يعلم حصول المصلحة في ضمانه.
الشيخ: إذن هو في حق المضمون عنه جائز، يعني يجوز لأي إنسان يقول: يا فلان، اضمن عني، وأما في حق الضامن فهو سُنَّة؛ لأنه من الإحسان، والله تعالى يحب المحسنين، لكن لا بد أن يكون الإنسان عالِمًا من نفسه أنه قادر على الوفاء لئلا يتورط.
هل يُشترط لمطالبة الضامن تعذُّر مطالبة المضمون عنه؟ طالب: المذهب أنه لا يتعذر مطالبة المضمون له أن يرجع إلى الضامن.
الشيخ: أنه لا يشترط تعذر مطالبة.
الطالب: الضامن أو المضمون له.
الشيخ: لا.
الطالب: الضامن أو المضمون عنه.
الشيخ: انتبه لمعنى الكلام، أنه لا يُشترط تعذر مطالبة.
الطالب: أنه لا يشترط تعذر مطالبة الضامن، أن له مطالبة الضامن والمضمون عنه؛ هذا المذهب.
الشيخ: أجِبْ عن العبارة: هل يُشترط تعذر مطالبة الضامن المضمون عنه أو لا؟ الطالب: هذا هو الصحيح.
الشيخ: يشترط ولَّا لا؟ الطالب: يُشترط.
الشيخ: يُشترط، حتى على ما ذهب إليه المؤلف؟ الطالب: لا، على ما ذهب إليه المؤلف أن له حق مطالبة .. لا يشترط.
الشيخ: لا يشترط، طيب، بناءً على ذلك هل يجوز أن يطالب الضامن مع إمكان مطالبة المضمون عنه؟ طالب: على المذهب؟ الشيخ: على ( ... )، أنا قلت بناءً على ذلك.
الطالب: بناء على الخلاف.
الشيخ: على ما مشى عليه المؤلف.
الطالب: نعم، يجوز له أن يطالبه؛ لأن الحق ثابت في ذمته.
الشيخ: طيب، وهل إذا مات الضامن يرجع في تركته؟ الطالب: يرجع في تركته أو .. الشيخ: بمعنى أنه يطالب ورثة الضامن بالحق المضمون.
الطالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1463

الشيخ: له ذلك.
إذن له أن يطالب الضامن في الحياة وبعد الموت.
هل هناك قول آخر أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه؟ طالب: فيه قول.
الشيخ: فيه قول ثالث؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: وهل علمت القول الثاني؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لكن، من أين علمت القول الثاني؟ الطالب: من المؤلف يا شيخ.
الشيخ: لأني سألت عنه، صار عن غير عِلْم.
طالب: يا شيخ، القول الثاني للمالكية، وهو لا يجوز مطالبة الفرْع مع وجود الأصل.
الشيخ: مطالبة الفرع مع وجود الأصل؛ يعني لا يملك مطالبة الضامِن مع إمكان مطالبة المضمون عنه.
رجل كفل إنسانًا بدَيْن، ثم أحضر المكفول وتعذر الوفاء منه، فهل يرجع المكفول له على الكافل؟ طالب: نعم.
الشيخ: انتبه للسؤال، رجل كفل إنسانًا بدَيْن عليه، ثم أحضره، ولكن هذا المكفول لم يوفِ، فهل المكفول له يملك أن يطالب الكفيل؟ الطالب: إن كان لم يوفِ.
الشيخ: ما أوفاك، سواء معسر ولَّا موسر مماطل، المهم أنه لم يوفِ.
الطالب: نعم يا شيخ، له أن يطالب.
الشيخ: له أن يطالب، طيب.
طالب: لا يا شيخ، الكفيل يبرأ بمجرد تسليم المكفول.
الشيخ: المكفول.
الطالب: لا، بمجرد تسليم المدِين نفسه.
الشيخ: المكفول.
الطالب: الكفيل يبرأ بمجرد تسليم المدِين نفسه.
الشيخ: إي، وهو المكفول، سواء أوفى أو لم يوفِ.
وإذا كان ضمانًا وأحضر الضامن؟ الطالب: لا ما يكون.
الشيخ: إذن هذا من الفروق بين الضمان والكفالة.
طيب، هل للضمان أصل في كتاب الله؟ طالب: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72].
الشيخ: نعم، له أصل؟ الطالب: نعم.
هذا على أساس ( ... ) في الضمان.
الشيخ: هذا الجواب: له أصل، أما ﴿وَلِمَنْ جَاءَ﴾ فهذا يحتاج إلى سؤال ثان.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، إذن له أصل في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.
الضمان والكفالة من حُسْن القضاء أو الاقتضاء؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1464

طالب: الضمان والكفالة من حسن الاقتضاء يا شيخ، من حسن القضاء.
الشيخ: تأكد.
في الحديث: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» (3). الطالب: حُسن الاقتضاء يا شيخ.
الشيخ: الاقتضاء، إي، أيش تقول؟ من أيهما؟ طالب: الضمان قد يكون من حُسْن القضاء، والكفالة من حسن الاقتضاء.
الشيخ: هل هو من حسن القضاء أو الاقتضاء؟ الطالب: الاقتضاء.
الشيخ: الاقتضاء.
الطالب: ألا يقضي عن غيره.
الشيخ: لا، الاقتضاء معناه الاستيفاء.
الطالب: لا، القضاء يا شيخ.
طالب: شيخ، عند القيام بتحمل مسؤولية الضمان أو الكفالة؛ هذا حسن اقتضاء، أما عند إبراء الذمة وعند مطالبته بالقيام بضمانه؛ هذا حُسن قضاء.
الشيخ: يعني يصح أن يكون اقتضاء أو قضاء؛ لأن المكفول من حُسن قضائه أن يُؤمِّن صاحب الدين، أليس كذلك؟ وصاحب الدَّيْن من حسن اقتضائه أن يتساهل مع المدِين ويقبل الضمان أو الكفالة، إذن هي صالحة لهذا وهذا.
ننتقل الآن: لو تلِفت العين، فهل يضمن الكفيل أو لا يضمن؟ طالب: إن تلفت العين إن كانت بفِعل الله تعالى برأت ذمة الكفيل.
الشيخ: إذا تلفت العين بفعل الله، ويش معنى بفعل الله؟ الطالب: كمثل المطر أفسد العين، أو انهدم البيت فسدت.
الشيخ: البيت ما يُضمن ولا يُكفل.
الطالب: لا، إذا كانت هذه العين عند شخص مكفول وتلفت العين.
الشيخ: يعني مثل بعير.
الطالب: مثل بعير في بيت، والكفيل كفل من استدان هذا البعير، ثم مات البعير، فإنه تبرأ ذمة الكفيل.
الشيخ: وإذا كان بفعل آدمي؟ الطالب: يرجع صاحبها على ( ... ). الشيخ: هل يبرأ ولَّا لا؟ الكفيل؟ الطالب: يبرأ.
الشيخ: الكفيل؟ الطالب: نعم، يبرأ يا شيخ.
الشيخ: إذن ما حاجة أن تقول: إن كانت بفِعل الله، الشرطية هذه لاغية.
طالب: لا يبرأ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1465

الشيخ: لا يبرأ، ليش؟ لأن صاحب الحق سوَّى يطالب بالعين التي تلفت، يُطالب المتلِف، أو يطالب من هي بيده كما مر علينا.
طالب: له مطالبة الكفيل يا شيخ؟ الشيخ: إي، والكفيل؛ لأن الأصل أنه ما برئ، مثلًا أنا كفلت هذه الناقة، وجاء إنسان وأتلفها، الآن أنا لي حق أن أُطالِب.


باب الحوالة

ثم قال: (باب الحوالة) الحوالة معناها: التحويل أو التحول، تصح لهذا أو هذا، يعني تحول الحق من ذمة إلى ذمة، هذه الحوالة، وهو عبارة عن انتقال الحق من فلان إلى فلان، وهي من حُسن القضاء والاقتضاء منهما جميعًا؛ لأن المحال إذا قبِل فقد يسَّر الأمر على المحيل، ولأن المحيل أيضًا إذا أحال صاحب الدَّيْن بدينه، هذا أيضًا من التيسير؛ لأن المحيل قد يكون مُعسرًا فيحيله على موسر، وهي من الإحسان والمعروف، إذا كان فيها تيسير وتسهيل على المكلَّف، أما حكمها شرعًا فإنها جائزة، لكن بشروط، والدليل على جوازها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَمَنْ أُحِيلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَحْتَلْ» (4)، فهذا أصل في جواز الحوالة، لكنها لها شروط: الشرط الأول: أنه لا بد من استقرار المحال عليه؛ وذلك أن الحوالة لها خمسة أركان: مُحيل، ومُحال، ومُحال به، ومحال عليه، وصيغة.
خمسة: مُحِيل، والثاني مُحال، ومُحال عليه، ومُحال به، وصيغة، خمسة أركان.
لا بد أن يكون الْمُحال عليه مستقرًّا؛ أي ثابتًا ثبوتًا ليس فيه فسْخ أو عُرْضة لفسخ، كثمن المبيع، والأجرة بعد تمام المدة، والقرْض، وغرم الجنايات، وما أشبهها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1466

المهم أن يكون على دَيْن مستقر، احترازًا من الدين غير المستقر كدَيْن الكتابة مثلًا: إنسان كاتب عبده بعشرة آلاف، العبد الآن صار عليه دين، حيث اشترى نفسه من سيده بكم؟ بعشرة آلاف، لا يملك السيد الآن أن يحيل على الدين الذي في ذمة المكاتب، لماذا؟ لأنه غير مستقر، ولهذا إذا كان هذا السيد عليه عشرة آلاف، وأراد أن يُحيل صاحب الدَّيْن على دَيْن الكتابة، فقد تحصل وقد لا تحصل، فيكون هذا الذي تحول إما سالِمًا وإما غارمًا، يعني المعنى أنه لا يدري هل يغرم أو يحصل على حقه؛ فلهذا لا بد من أن يكون المحال عليه مُستقرًّا.
أما المحال به فلا يُشترط استقراره، المحال به، وهو الدَّيْن الذي على المحيل، والمحال عليه هو الدَّيْن الذي على المحال عليه.
(ولا يعتبر استقرار المحال به) فهذان شرطان يعودان على ركنين من أركان الحوالة.
الشرط الأول يعود على أي ركن؟ المحال عليه، والثاني على المحال به، فلو أن المكاتَب أحال سيده بدَيْنه على من في ذمته دين مستقر للمكاتب فإن الحوالة صحيحة؛ لأنه لا يُشترط استقرار المحال به.
ومن الشروط أيضًا: اتفاق الدَّينين، أي المحال به والمحال عليه، اتفاقهما جنسًا ووصفًا ووقتًا وقدرًا، اتفاقهما في أربعة أمور: الأول: الجنس، بأن يُحيل مئة صاع بُرٍّ في ذمته على مَنْ له في ذمته مئة صاع بُرٍّ، فإن أحال بمئة صاع بر على مئة صاع شعير فإنه لا يصح لاختلاف الجنسين.
أحاله بعشرة دنانير على مئة درهم؟ لا يصح؛ لاختلاف الجنسين، أو القدْر؟ الجنس، قبل كل شيء، الجنسين، والقدر أيضًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1467

يُشترط أيضًا اتفاقهما وصفًا؛ بأن يكون كل منهما جيدًا أو رديئًا أو وسطًا، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح أن يُحيل جيدًا على رديء، ولا رديئًا على جيد، وفي هذا نظر؛ لأنه لا محظور من ذلك، فإذا أحال بجيد على رديء وقبل المحال الرديء عن الجيد فما المانع، ما دام الجنس واحدًا والقدر واحدًا فليس فيه ربا وليس فيه غرر، فهذا المحال الذي أُحِيل بالجيد على الرديء يقول: أنا أحب أن آخذ الرديء ولا يبقى حقي في ذمة هذا الرجل الفقير أو المماطل.
و(يُشْتَرَطُ) اتِّفاقُ الدَّيْنَيْنِ جِنْسًا ووَصْفًا ووَقْتًا وقَدْرًا، ولا يُؤْثَرُ الفاضلُ، وإذا صَحَّتْ نقِلتِ الحقُّ إلى ذِمَّةِ الْمُحالِ عليه وبَرِئَ الْمُحيلُ، ويُعتبَرُ رِضاهُ لا رِضَا الْمُحالِ عليه , ولا رِضَا الْمُحْتَالِ على مَلِيءٍ، وإن كان مُفْلِسًا ولم يكنْ رَضِيَ رَجَعَ به، ومَن أُحيلَ بثَمَنِ مَبيعٍ , أو أُحيلَ به عليه , فَبانَ الْبَيْعُ باطلًا فلا حَوالةَ، وإذا فُسِخَ البيعُ لم تَبْطُلْ، ولهما أن يُحِيلَا.
(باب الصلح).
إذا أَقَرَّ له بدَيْنٍ أو عَينٍ فأَسْقَطَ , أو وَهَبَ البعضَ وتَرَكَ الباقيَ صَحَّ إن لم يكنْ شَرَطَاه، ومِمَّنْ لا يَصِحُّ تَبَرُّعُه، وإن وَضَعَ بعضَ الحالِّ وأَجَّلَ باقِيَه صَحَّ الإسقاطُ فقط، وإن صالَحَ عن الْمُؤَجَّلِ ببعضِه حالًا أو بالعكسِ , أو أَقَرَّ له ببيتٍ فصالَحَه على سُكناهُ , أو يبني له فوقَه غُرْفةً , أو صالَحَ مُكَلَّفًا لِيُقِرَّ له بالعُبودِيَّةِ أو امرأةً لتُقِرَّ له بالزوجيَّةِ بعِوَضٍ لم يَصِحَّ، وإن بَذَلَاهُما له صُلْحًا عن دَعواهُ صَحَّ، وإن قالَ: أُقِرَّ بدَيْنِي وأُعطيكَ منه كذا ففَعَلَ صَحَّ الإقرارُ لا الصلْحُ.
فهذا المحال الذي أُحيل بالجيد على رديء، يقول: أنا أحب أن آخذ الرديء، ولا يبقى حقي في ذمة هذا الرجل الفقير أو المماطل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1468

وكذلك بالعكس: لو أحال بمئة صاع رديء على مئة صاع جيد فليس في ذلك شيء، ما هي محذورة؛ لأن المحيل الآن أحال بأيش؟ باختياره ولّا بإكراه؟ باختياره، كما لو أوفاه جيدًا عن الرديء، فالصواب أن الوصف إذا قُصد به الرداءة والجودة أنه لا بأس به.
وكذلك أيضًا (وقتًا)، وذلك فيما إذا كان الدَّينان مؤجلين، فلا بد من اتفاق الدينين في الأجل، فلا يحيل ما يَحِلُّ بعد شهر على ما يَحِلُّ بعد شهرين، أو ما يَحِلُّ بعد شهرين على ما يَحِلُّ بعد شهر؛ وذلك لعدم الاتفاق في الوقت.
وهذا أيضًا فيه نظر، أيُّ مانع يمنع إذا أحال بعشرة دراهم تحل بعد شهر على عشرة دراهم لا تحل إلا بعد شهرين ورضي المحال؟ ليس في ذلك أي ضرر، قد يقول قائل: إن هذه تشبه بيع الدراهم بالدراهم إلى أجل؟ فيقال: هذا ليس بيعًا، ولكنه استيفاء، ومن المعلوم أنه لو عجل المؤجَّل أو أجل المعجَّل، فإنه لا بأس به، فالصواب إذن أنه لا يشترط اتفاقهما في الوقت.
(وقَدْرًا) يُشترط أيضًا اتفاق الدَّينين قدرًا، فلا يحيل بعشرة على ثمانية، أما بثمانية على عشرة فلا بأس، ولهذا قال المؤلف: (ولا يؤثِّر الفاضل) يعني: الزائد في المحال عليه لا بأس به؛ لأنه كأنه أحاله على ثمانية من عشرة، وهذا لا بأس به.
فإن قال: أحلتك بثمانية على عشرة؛ ليقبض كل العشرة، فهذا لا يجوز؛ لأنه صار معاوضة، والمعاوضة بين جنسين ربويين لا بد أن يكون أحدهما مساويًا للآخر إذا كان الجنس واحدًا، ومعلومٌ أنه إذا اختلف الجنس فهو معاوضة من باب أوْلى.
فصار اتفاقهما في القدر التحويل بالناقص على الزائد، على أساس أنه يأخذ مقدار حقه والباقي يبقى في ذمة المحال عليه، جائز ولّا غير جائز؟ جائز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1469

والتحويل بالزائد على الناقص؛ على كلام المؤلف لا يصح، لكن ما هو الطريق؟ الطريق أن يبرئه من الزائد، ثم يحيله على المساوي؛ يعني مثلًا عنده عشرة آلاف في ذمته لفلان، وأراد أن يُحيله بالعشرة على ثمانية، قلنا: هذا لا يجوز، فإن أحاله بالعشرة على أساس أنه بثمانية من عشرة، أحاله بثمانية من العشرة على الثمانية جائز؛ لأن الدَّينين اتفقا قدرًا.
فإذا قال: أنا أريد أن أبرأ منه نهائيًّا؟ قلنا: الطريق إلى هذا أن يبرئه من الزائد ثم يحيله، وهذه حيلة لا بأس بها؛ لأنها حيلة على مباح، ولو قيل -إذا لم يكن في المسألة إجماع- لو قيل بأنه يصح بدون إبراء لكان له وجه؛ لأن حقيقة استحالة الدائن على ما هو أقل من حقه، حقيقته أيش؟ الإبراء، لكن بدلًا من أن يقول: أبرأتك ثم ذاك يقول: أحلتك، اكتفى بالحوالة.
والخلاصة: أن الحوالة من باب الاستيفاء، فإذا انقلبت إلى معاوضة صار لا بد من مراعاة شروط البيع المعروفة، هذه هي القاعدة، أما هذه الشروط التي ذكرها المؤلف فكما عرفتم أن بعضها فيه نظر.


قال: (وَإِذَا صَحَّتْ نَقَلَتِ الحقَّ إِلَى ذِمَّةِ المُحَالِ عَلَيْهِ وَبَرِئَ المُحِيلُ).
(إذا صحت) ومتى تصح؟ بتمام الشروط وانتفاء الموانع؛ لأن كُلَّ شيء من عبادة أو معاملة لا يَصِح إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، إذا صحت نَقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وبرئ المحيل براءة تامة، وهذا غير الضمان، الضمان سبق أنه لا ينقل الحق؛ يعني الضمان لا ينقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، وكذلك الكفالة، لكن الحوالة تَنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويبقى المحيل بريئًا.
لو فرض أن المحال عليه أعسَر، فهل يرجع المحال على المحيل؟ لا، لماذا؟ لأن الحق انتقل، وبرئ المحيل براءةً تامة، أليس كذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1470

(وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل)، ودليل ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أُحِيلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَحْتَلْ» (1)؛ أي: يتحول من المحيل إلى المحال عليه، فلو كان رجل عليه مئة ألف، وأحال بها على شخص، وتمت الشروط، ثم إن المحال عليه افتقر، ورجع المحال إلى المحيل، فإنه لا يملك ذلك، يقول المحيل: أنا أحلتك والحوالة تمت، وإذا تمت فإنها تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.


قال: (ويعتبر رضاه، لا رضا المحال عليه، ولا المحتال على مليء).
هذه ثلاثة أركان: (رضاه)، أي: المحيل.
(لا رضا المحال عليه)؛ هذا الركن الثاني.
(ولا المحتال على مليء)؛ هذا هو الركن الثالث، ولّا لا؟ يعتبر رضا المحيل، فلا يمكن أن يكرَه على الحوالة، لا بد من رضاه.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على رضاه؟ قلنا: الدليل على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، والرضا لا بد منه في جميع العقود، حتى عقد النكاح -على القول الراجح- فيما إذا كانت البنت بكرًا، لا بد من الرضا.
(لا رضا المحال عليه)، المحال عليه لا يعتبر رضاه، فلو أحال رجل بدينه على آخر، وقال المحال عليه: لا أقبل؛ لأن المحال رجلٌ سيئ الطلب، يُتعب المطلوب، وقال المحال عليه: أنا أريد الأول؛ لأنه أسهل وأيسر، هل يملك ذلك؟ لا، لماذا؟ قال العلماء: لأنه -أي: صاحب الحق- يملك استيفاءه بنفسه وبوكيله، والمحال كأنه وكيل، فكما أن لصاحب الحق أن يوكل رجلًا خَصِمًا لدودًا في استيفاء حقه فله أن يحيله.
إذا امتنع المحيل عن الحوالة لكونه فقيرًا، فهل يملك صاحب الدين أن يجبره على إحالته على دينه في ذمة غني؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1471

على كلام المؤلف لا؛ لأنه يشترط رضاه على كل حال، فلو قال الدائن: أنت الآن ليس عندك شيء، لكن لك في ذمة فلان الغني الباذل كذا وكذا، أحلني عليه، قال: لا أحيلك، فإنه لا يُلْزِمه، لكن لو رأى القاضي أن إحالته لا بد منها فله ذلك.
نظير هذا: لو أن الرجل غيَّبَ ماله؛ الرجل المدين غيَّبَ ماله وقال: ليس عندي شيء، وكان عنده مال لكنه غيبه وكتمه، فإنه يُلزم بأن يُظهر هذا المال ويوفي منه، فالقول بأنه في هذه الحال لا يعتبر رضاه، وأنه يجبَر على الإحالة قولٌ قوي؛ لئلا يضيع حق صاحب الدين.


قال: (لا رضا المحال عليه، ولا المحتال على مليء)، المحتال في رضاه تفصيل؛ إن كان على مليٍّ لم يعتبر رضاه، وإن كان على غير ملي اعتُبر رضاه.
فصار المحيل والمحال والمحال عليه باعتبار الرضا على ثلاثة أقسام: الأول: من يعتبر رضاه بكل حال، مَنْ؟ طلبة: المحيل.
الشيخ: الثاني: من لا يُعتبر رضاه على كل حال؛ المحال عليه.
والثالث: من فيه التفصيل، وهو المحال، وكما عبر المؤلف نقول: المحتال؛ إن كان على ملي لم يشترط رضاه، وإن كان على غير ملي اشترط رضاه.
مَنْ هو الملي؟ الملي، قال العلماء: هو القادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه، هذا الملي.
الملي: هو القادر على الوفاء بقوله، والثاني؟ ماله، وبدنه.
أما (قوله): فألا يكون كاذبًا يَعِدُ ويُخْلِفُ، وهذا هو المماطل، فإذا أحاله على شخصٍ غني لا إشكال فيه، لكنه من عادَته أن يماطل فيَعِد ويكذب، فإنه يعتبر رضاه؛ رضا مَنْ؟ رضا المحتال، يعتبر رضا المحتال.
و(ماله): بأن يكون عنده مال يستطيع الوفاء منه، فإن كان فقيرًا اعتُبر رضا المحتال.
الثالث: (بدنه) وهو أن يمكن إحضاره عند المحاكمة إلى مجلس الحكم، فإن كان لا يمكن شرعًا أو لا يمكن واقعًا فإنه لا يلزمه أن يتحول، لا بد من رضاه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1472

الذي لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم شرعًا الأب، فإن العلماء رحمهم الله يقولون: لا تُمكِن مطالبة الأبِ بالدَّيْن إلا ما كان من النفقة فقط، أما غيره ما يمكن، فلو استقرض أبوك منك مالًا وطالبته به، لا يمكن أن تحضره لمجلس الحكم، ولو طالبته أن يحضر فإن القاضي لا ينظر في ذلك، فإذا أحالك إنسان على أبيك، قال: أنت تطلبني عشرة آلاف، وأنا أطلب والدك عشرة آلاف، أحيلك على أبيك.
لك أن ترفض؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: هذه مشكلة؛ لأنك إذا رَفَضْتَ، صار قدحًا عظيمًا في والدك، وإن قبِلت ربما يضيع حقك، فما هو حل هذه المشكلة؟ يعني واقعيًّا، وإلا حكمها فقهًا واضح.
طالب: توكيل.
الشيخ: يعني يقبل الحوالة على أبيه، ويوكِّل؟ أخشى أن القاضي يقول: الفرع له حكم الأصل، والوكيل فرعٌ عن موكِّله فلا يمكن تحضر والدك، لا بنفسك ولا بوكيلك، على كل حال نحن نعرف المسألة فقهًا الآن، أما واقعًا فينبغي للإنسان أن ينظر إلى ما يترتب على ذلك من مفاسد، قد يكون بِرّه بأبيه ورفع معنوية أبيه خيرًا من أن يحصل على مقصوده.
ومن لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم عادةً، مثل السلطان، إنسان يطلبك عشرة آلاف ريال، وأنت تطلب الأمير عشرة آلاف ريال، فقلت: أحلتك على الأمير، يلزمه القبول؟ لا يلزم، لا بد من رضاه؛ لأن الأمير لا تمكن مطالبته، فإذا ألزمناه بأن يتحول، صار هذا سببًا لضياع حقه، والظلم ظلمات يوم القيامة.
إذن رضا المحتال فيه تفصيل الآن.
طالب: ( ... ). الشيخ: إن كان على مليِّ لم يُعتبر رضاه، وإن كان على غير ملي اعتُبر رضاه، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وعلى هذا فيُجبَر المحتال أن يتحول وتبرأ ذمة المحيل، إذا كان المحال عليه مليئًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1473

وذهب أكثر العلماء إلى اعتبار رضاه حتى وإن أحيل على مليّ، وقالوا: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «فَلْيَحْتَلْ» (1) على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، أفهمتم؟ يقولون: إن هذا على سبيل الاستحباب؛ لأنه من حُسن الاقتضاء، والوجوب لا يجب.
وأنا أميل إلى هذا القول، أميل إلى أنه لا يجب القبول -أي: قبول التحول- لأنه صاحب حق، وأنت ربما تُحيلني على مليٍّ قادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه، لكن له احترام عندي، أنا أستطيع أن أحضره إلى مجلس الحكم، لكن له احترام عندي، إما أنه أخ أو قريب أو صديق أو ذو شرف وجاه، فكيف تجبرني؟ أو بالعكس، فلا أُنَزِّل نفسي بمنزلة هذا السفيه مثلًا، والصواب أنه لا بد من رضاه؛ أي: رضا المحتال سواءٌ كان على مليّ أم على غير مليٍّ.
طالب: الشروط التي ذكرها المؤلف ألا تحمل على حال النزاع والخصومة؟ لأنها لو حملناها على هذا المحمل كُلّها متجهة إلى هذه الشروط، ولو حملناها على مَحْمَل آخر أنها حسب الاتفاق والرضا أنها كلها غير متجهة.
الشيخ: لا، هو المؤلف يقول: يشترط للصحة.
لا للإلزام، للصحة.
طالب: على فرض يا شيخ أن الحوالة ( ... ) تصير قريبة من القرض.
الشيخ: لا، ما هي قريبة من القرض؛ لأن القرض بين اثنين فقط، وهذه بين ثلاثة: محيل، ومحتال، ومحال عليه.
طالب: ( ... ). الشيخ: ما سمعت.


طالب: ( ... ) وهو في الظاهر أنه مليٌّ، ثم تبين بعد .. الشيخ: نجيء به، في كلام المؤلف.
طالب: أحسن الله إليكم، هل تصح إحالة المحال عليه على محالٍ عليه آخر؟ الشيخ: كيف يعني؟ يعني: محال عليه أحالها على آخر؟ ما فيه بأس.
الطالب: ( ... ). الشيخ: يقول لا، إذا تمت شروط الرفض يرفض.
الطالب: إذا اشترى -يا شيخ مثلًا- فقير اشترى شيئًا، ثم أحال البائع على مال الزكاة، يعني مثلًا عادة يأتيه زكاة ( ... ). الشيخ: هذه ما أجيبك عنها، أنت تعرف أن هذا ما فيه دين أصلًا.
الطالب: ولو كان عارفًا نيته؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1474

الشيخ: ولو كان عارفًا، هل للفقير دين على بيت المال مثلًا؟ ! الطالب: لا، ليس بدين.
الشيخ: ليس بدين، إذا كان الدين اللي غير مستغل لا تقبل الحوالة عليه كيف على الدين اللي ما هو دين أصلًا.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الحوالة: ويُعتبرُ رضاهُ لا رِضَا المُحَالِ عليه، ولا رضا المُحْتالِ على مَلِيء، وَإِنْ كَانَ مُفْلِسًا وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ رَجَعَ بِهِ، وَمَنْ أُحِيلَ بِثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ أُحِيلَ بِهِ عَلَيْهِ فَبَانَ البَيْعُ بَاطِلًا فلا حَوَالَةَ، وإذا فُسِخَ البيعُ لم تَبْطُلْ، ولَهُمَا أَنْ يُحِيلا .. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الضمان والكفالة والحوالة كلها من حسن القضاء والاقتضاء، فما هو الذي يعتبر استقراره؛ الدين المحال عليه ولّا المحال به؟ طالب: الدين المحال عليه.
الشيخ: المحال عليه، أما المحال به؟ الطالب: فلا يعتبر استقراره.
الشيخ: فلا يشترط.
ما هو الفرق بين الدين المحال به والمحال عليه؟ الطالب: الدين المحال عليه هو الحق الذي للمحيل على المحتال عليه، أما دين المحال به فهو الحق الذي على المحيل للمحتال.
الشيخ: نعم، صح.
ما معنى قول المؤلف: (ولا يؤثِّر الفاضل)؟ طالب: إذا أحال المحيل على الدين الأكثر، على حدٍّ له أكثر، فلا يؤثر هذا، إذا كان ليس بهم جميعًا.
الشيخ: يعني إذا كان لزيد على عمرو مئة، وأحال شخصًا ثالثًا بثمانين على هذه المئة، فإن كان على كُلِّ المئة حرام، وإن كان على ثمانين منها جاز ذلك، وهذا معنى قوله: (ولا يؤثِّر الفاضل).
ما هو القول الراجح فيما إذا أحال بجيد على رديء؟ طالب: على قول المؤلف لا يجوز.
الشيخ: ما هو القول الراجح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1475

الطالب: القول الراجح يجوز إذا رضي.
الشيخ: إذا رضي بذلك، ما هو الدليل على رجحانه؟ الطالب: لأن الحق له.
الشيخ: لأن الحق له، وقد رضي بالرديء عن الجيد، والأصل في المعاملات الإباحة، ولهذا من أباح شيئًا لا يحتاج إلى أن يقال: ما دليلك؛ لأنه هو الأصل.
أحيل برديءٍ على جيد.
طالب: ( ... ). الشيخ: والأصل في المعاملات الحِلُّ والصحة إلا ما قام عليه الدليل.
أركان الحوالة؟ طالب: خمسة يا شيخ.
الشيخ: خمسة، ما هي؟ الطالب: المحيل والمحال.
الشيخ: المحيل، والمحال؛ يعني: المحتال.
الطالب: والمحال عليه، والمحال به، و ... الشيخ: والخامس؟ طالب: الصيغة.
الشيخ: الصيغة، من الذي يشترط للرهن من هؤلاء؟ طالب: الذي يُشترط للرهن: المحيل.
الشيخ: المحيل، والثاني؟ الطالب: على القول الراجح المحال عليه.
الشيخ: لا، ما رجحنا هذا.
الطالب: لا يا شيخ، المحيل والمحال عليه.
طالب آخر: المحتال، وفيه تفصيل.
الشيخ: لا، أعطني الذي يشترط رضاه.
الطالب: على المذهب أنه المحيل فقط.
الشيخ: المحيل فقط، لا.
طالب: اشترط رضا المحيل والمحتال على مليٍّ.
الشيخ: المحتال على مليٍّ؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: نحن نقول: اللي يشترط رضاه مَنْ؟ طالب: المحيل، والمحتال على غير ملي.
الشيخ: أحسنت، المحيل والمحتال على غير ملي.
وهل يشترط رضا المحال عليه؟ طالب: لا يشترط.


طالب آخر: المحال عليه لا يعتبر رضاه.
الشيخ: المحال عليه لا يعتبر رضاه.
لو فرضنا أن المحيل أحال شخصًا عدوًّا للمحال عليه، بمعنى أن هذا المحتال سوف يُتعب المحال عليه.
طالب: هنا يعتبر رضاه؛ لأنه يترتب عليه عدم أخذ حقه.
الشيخ: لا، بيأخذ حقه بالدبوس بعد.
طالب: لا يُعتَبَر رضاه في كل حال، سواء كان عدوًّا أو غير عدو.
الشيخ: يعني مثلًا لو جاء صاحب الدين المحال عليه، وقال للمحيل: لماذا تحيل عليَّ هذا الرجل وهو عدو لي، سوف يقلقني ويبقى على عتبة بابي حتى أوفيه.
طالب: لا يعتبر رضاه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1476

الشيخ: لا يعتبر؟ ما تقولون؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأنه يقول له: أوفه و ( ... ) من شره.
الظاهر انتهت المناقشة، ونبدأ الآن بالدرس الجديد.


يقول: (وإن كان مفلسًا ولم يكن رضي رجع به).
(إن كان) يعني: المحال عليه (مفلسًا ولم يكن) أي: المحتال (رضي) أي: بالحوالة عليه (رجع به) رجع بأيش؟ أي: بما أحيل به.
مثال ذلك: أحلت فلانًا على زيدٍ، ثم تبين أنه مفلس، فإنه يرجع بذلك؛ لأن صاحبه كان مفلسًا، لكن إن رضي فإنه لا يرجع؛ إن رضي المحتال وتبين أن المحال عليه مفلس، فإنه لا يرجع.
وهذه المسألة لها ثلاث حالات: الحال الأول: ألا يكون رَضِيَ؛ ألا يكون المحتال رَضِيَ، بأن قال المحيل للمحتال: أحلتك على فلان، وهو مفلس ليس عنده دراهم، فقال: لا أقبل، فهنا يرجع قولًا واحدًا، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه يشترط للمحتال على غير مليٍّ أن يكون راضيًا، وهنا لم يرضَ، فيرجع بلا خلاف.
الثانية: أن يَعلم أنه مُفلس ويرضى بذلك، فهنا أيش؟ لا يرجع بلا خلاف؛ لأنه رضي به فلا يرجع.
الحالة الثالثة: أن يرضى وهو لا يعلم بحاله، ثم يتبين أنه مفلس، فعلى كلام المؤلف لا يرجع؛ لأنه قيد ذلك بما إذا لم يكن رَضِيَ، وهذا الرجل رَضِيَ، فإن قال المحتال: أنا رضيت، أحسب أن فلانًا غني، فلما تبين أنه مفلس أنا أريد أرجع إلى الذي أحالني، وآخذ حقي منه؟ قلنا: لا رجوع لك؛ لأنك فَرَّطْتَ، لماذا لم تشترط حين أحالك -وأنت لا تدري عن صاحبك المحال عليه- لماذا لا تشترط الملاءة؟ ما دام لم تشترطها أنت الذي فرطت، فلا رجوع لك.
فالأحوال إذن كم؟ الأحوال ثلاثة: حالان لا خلاف فيهما، وحال فيها تفصيل: إذا كان يعلم أنه مفلس ورضي، فلا رجوع، قولًا واحدًا.
إذا كان لم يرض، والمحال عليه مفلس، فيرجع بكل حال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1477

إذا كان رَضِيَ ولم يعلم عن حال المحال عليه، ثم تبين أنه مفلس، فيقول المؤلف: إنه لا يرجع، لماذا؟ لأنه مفرِّط، لماذا لم يشترط أن يكون المحال عليه مليًّا حين كان يجهل حاله؟ ! وقيل: إنه يرجع في هذه الحال؛ لأن كثيرًا من الناس قد يستحيي أن يستفصل أو يشترط عند الحوالة، ويُحسن الظن بالمحيل والمحال عليه ويسكت، فإذا تبين أنه مفلس فإنه يرجع، ولا سيما إذا غلب على ظننا أن المحيل قد غرَّه، وهو يعلم أنه مفلس ولم يخبره، فهنا يتوجه القول بالرجوع.
كذلك أيضًا: لو كانت حال المحال عليه جيدة، وكان غنيًّا بالأمس، وقَبِلَ المحتال الحوالة دون اشتراط الملاءة، بناءً على حال المحال عليه، وأنه غني، ثم تبين أن المحال عليه قد أصيب بجائحة، وأنه لا يمكن الاستيفاء منه، فحينئذٍ يتوجه القول بأنه يرجع؛ لأن المحتال إنما قبِل بناءً على ما كان من حال المحال عليه.
فتبين الآن أن ما ذهب إليه المؤلف الراجح أن فيه تفصيلًا، وهو أننا إذا علمنا أن المحيل قد غَرّ المحتال بحيث يكون عالمًا بإفلاس المحال عليه ولكن لم يخبره، أو كان المحتال قد بنى على حال المحال عليه من قبل، حيث كان غنيًّا ثم اجتيح ماله؛ فإن له أن يرجع، وإلا فإن ما ذهب إليه المؤلف وجيه؛ لأن المحتَال مفرِّط؛ إذ كان يلزمه أن يسأل ويبحث عن المحال عليه، أو على الأقل يشترط عند التحويل أن يكون مليًّا.


ثم قال: (ومن أحيل بثمن مبيع، أو أحيل به عليه فبان البيع باطلًا فلا حوالة، وإذا فُسِخ البيع لم تَبْطل، ولهما أن يحيلا).
(من أحيل بثمن مبيع) المسألة الآن عندنا بائع ومشترٍ ومحال عليه؛ ثلاثة، فمَنِ الذي يُحال بثمن المبيع؟ طالب: ( ... ). الشيخ: البائع؛ يعني أن المشتري أحال البائع على مدين له، فَقَبِل الحوالة، ولكن تبين أن البيع باطل، فالحوالة باطلة؛ وذلك لأن المبني على باطل يكون باطلًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1478

مثال ذلك: عبد الرحمن اشترى من الطاهر، اشترى كتابًا بعشرة ريالات، فأحال الطاهرَ على سامي؛ لأنه كان مدينًا له، فتبين بطلان البيع؛ لكون الكتاب وقفًا، والوقف لا يُباع، فهنا تبطل الحوالة ولّا لا؟ تبطل الحوالة، والبائع يرجع بالمبيع، والثمن لا ثمن، البائع من هو الآن؟ الطاهر، يرجع ويأخذ الكتاب، وتنتهي المسألة.
لكن إذا فُسِخ البيع فإنها لا تبطل، كيف فُسِخ؟ يعني مثلًا لما اشترى عبد الرحمن من الطاهر الكتاب وجد أن فيه عيبًا، فرده لِعَيبه، فهل هذا بطلان للعقد ولّا فسخ؟ فسخ للعقد، فالحوالة لا تبطل، وللطاهر أن يطالب سامي بالثمن؛ لأنه أُحيل عليه به، فله أن يطالبه، ولكنه إذا قبضه يرده إلى مَنْ؟ إلى المشتري؛ لأن المشتري فسخ العقد، واضح؟ إذن إذا كانت الحوالة مبنية على باطل فهي باطلة، وإن كانت مبنية على صحيح لكن فُسخ هذا الصحيح، فالحوالة صحيحة ولا تبطل.
فإن طالب الطاهر -الذي هو البائع- طالب المحال عليه، -وهو سامي- بالثمن، وقال: ما دام البيع قد انفسخ فلا حق لك أيضًا، أنا أعطي ديني الذي عليَّ لصاحبي، فهل يملك ذلك؟ لا يملك هذا؛ لأن المفروض أن الذي يسلم الثمن بعد الفسخ هو البائع، فالبائع يقول: إنه لما فُسخ البيع فإن المشتري سوف يطالبني، فأعطني الدراهم التي أحلت بها عليك وأنا أسلمها للمشتري.
لكن يقول: (أو أحيل به عليه) الآن الطاهر أحال بثمن المبيع، (أو أحيل به عليه) يعني أن البائع -عكس المسألة الأولى- البائع -وهو الطاهر- أحال شخصًا يطلبه؛ يطلب البائع على المشتري؛ يعني عكس الصورة الأولى، واضحة؟ طالب: غير واضحة.
الشيخ: الآن اشترى منك عبد الرحمن كتابًا بعشرة ريالات، الصورة الأولى الذي أحيل بثمن المبيع كيف هي عندك؟ الطالب: ( ... ) أحالني على سامي الذي ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1479

الشيخ: أحالك على سامي الذي يطلبه هو عشرة ريالات، أفهمت الأولى؟ الثاني بالعكس: أحيل به عليه، أنت الآن مطلوب؛ يطلبك سامي عشرة ريالات، وبِعت الكتاب على عبد الرحمن، فأحلت سامي على عبد الرحمن، مفهومة هذه؟ يعني عكس الأولى.
طالب: ما وضحت.
الشيخ: باع عليك جابر كتابًا بعشرة ريالات، ثبت في ذمتك له عشرة ريالات.
عمران يطلب جابرًا عشرة ريالات، فقال جابر لعمران: أحولك على عبيد الله، جابر الذي باع الكتاب على عبيد الله قال لعمران وهو يطلبه قال: أحيلك على عبيد الله؛ هذا أحيل بالثمن عليه.
فالمسألة صورتان، تارة يحيل المشتري البائعَ على مدين له، وتارة يحيل البائعُ مدينَه على المشتري، الصورة واضحة للجميع ولّا لا؟ ولا كل صف نعطيه مثالًا، واضحة؟ يقول المؤلف: إن الحوالة لم تبطل (ولهما أن يحيلا)، لمَن؟ للمشتري في الأولى، والبائع في الثانية.
مثلًا، الآن في المثال الأول: عبد الرحمن اشترى من الطاهر كتابًا بعشرة ريالات، وأحال الطاهرَ على سامي بالعشرة، كذا ولّا لا؟ الآن العشرة اللي في ذمة سامي ثبتت لمَنْ؟ للطاهر، للطاهر لما فُسخ البيع أن يحيل مَنْ؟ أن يحيل المشتري عبد الرحمن؛ أن يحيله على سامي، أفهمتم هذا ولّا لا؟ نعيد من الأول، المثال الأول: اشترى عبد الرحمن من الطاهر كتابًا بعشرة ريالات، ثبتت في ذمة عبد الرحمن للطاهر عشرة ريالات، وكان سامي مدينًا لعبد الرحمن بعشرة ريالات، فأحال عبد الرحمن الطاهر على سامي بعشرة ريالات، واضح الآن؟ فُسخ البيع، مَنِ الذي يستحق أن يقبض العشرة من سامي، هل هو عبد الرحمن ولّا الطاهر؟ طالب: عبد الرحمن.
الشيخ: لا يا أخي الطاهر، الحوالة باقية، الذي يستحق أن يستلم العشرة من المحال عليه هو البائع، كذا ولّا لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1480

لما فُسخ البيع، عبد الرحمن الآن ما يملك يطالب سامي، لماذا؟ لأن الحق انتقل إلى البائع، لكن للبائع أن يحيل عبد الرحمن على سامي، يعني اعكس القضية، خط رجعي، ولهذا يقال: واحد جاي يستفتي أحد العلماء، يقول: إنه طاف بين الصفا والمروة ثمانية أشواط، والطواف سبعة، قال: لا شيء عليك، الشوط هذا يعتبر لاغيًا ولا شيء عليك، فكأنه ما قنع، كَبُر عليه، قال: إذن ارجع من المروة إلى الصفا على وَرَاك، علشان ينقص.
القضية الآن: للطاهر أن يحيل مَنْ؟ عبد الرحمن على سامي؛ لأن الآن لما فسخ البيع، ثبت في ذمة الطاهر لعبد الرحمن عشرة ريالات، فللطاهر أن يحيل المشتري على من أحاله عليه في هذه المسألة، واضحة هذه ولّا مو بواضحة؟ وهي الحقيقة؛ يعني لو لم يقلها المؤلف هي واضحة في الواقع، واضحة جدًّا؛ لأن الطاهر الآن صار مدينًا للمشتري فأحاله على مدينه، وسامي كان مدينًا بالأول للمشتري ثم صار مدينًا للبائع، فأحال البائع بدينه عليه، واضح؟ المسألة الثانية بالعكس، إذا صار بالعكس الآن: الذي أحال البائع أحال المشتري على مدينه، فهمتم؟ (أو أحيل به عليه) أحال مدينه على المشتري، البائع أحال مدينه على المشتري، أفهمتم الآن؟ لا نزال على هذا المثال ما فيه مانع، اشترى عبد الرحمن من الطاهر كتابًا بعشرة ريالات، ثبت في ذمة عبد الرحمن للطاهر عشرة ريالات، كان سامي يطلب الطاهر عشرة ريالات، فقال له الطاهر: أحلتك على عبد الرحمن الذي هو المشتري، فصارت الصورة الثانية أن البائع يحيل مدينه على المشتري، إذا فُسخ البيع فإن مدين الطاهر سوف يستلم من المشتري، مع أن البيع قد فسخ، يقول: لهما أن يحيلا، من الذي يحيل في هذه الصورة؟ يحيل .. طالب: ( ... ). الشيخ: الآن من الذي ثبت عليه الحق بعد الفسخ؟ البائع، ففي هذه الصورة للبائع -وهو الطاهر- أن يحيل المشتري على مدينه؛ يعني يرده عليه مرة ثانية.

الجزء: 2 - الصفحة: 1481

نعيدها للمرة الثانية: الآن الطاهر باع لعبد الرحمن كتابًا بعشرة، فهمنا الحين، ثم إن الطاهر لم يستلم العشرة، بل أحال دائنًا يطلبه على المشتري، صح ولّا لا؟ طلبة: صح.
الشيخ: لا، الدراهم لم تقبض حتى الآن، فسخ البيع قبل التقابض، في هذه الصورة الآن من الذي يستلم العشرة من المشتري؟ أهو البائع أو دائنه؟ طلبة: دائنه.
الشيخ: دائنه، كذا ولّا لا؟ هو الدائن.
لما فسخ العقد فإن المشتري الذي أُخذ منه الكتاب وأحيل عليه الدائن له أن يحيل على البائع، من أجل فسخ البيع، فهي عكس المسألة الأولى بالضبط، ونجعل فيها إن شاء الله تعالى امتحانًا إلى الدرس القادم.
وبهذا انتهت الحوالة.
طالب: بارك الله فيكم، الصورة الأخيرة ( ... ) ما دام أن البيع فسخ؛ لأنه لم يثبت في حق المشتري شيء، فلماذا .. الشيخ: ألسنا قلنا: إذا صحت الحوالة نقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه؟ الطالب: بلى.
الشيخ: طيب.
الطالب: ولكن لما فسخ، ما ترتبت عليه فسخ .. الشيخ: لا ما يثبت.
طالب: كيف يا شيخ يثبت في ذمته شيء وقد برئت ذمة الآخر؟ الشيخ: سهلة، هذا يُحَوّل، تأتي الحوالة.
الطالب: يا شيخ لن يعطيه شيئًا بكل حال.
الشيخ: يعني لو فرضنا أن المحال عليه امتنع فأمامه الشكوى.
الطالب: ( ... ). الشيخ: أقول: لو فرضنا أن المحال عليه امتنع فأمام المحتال الشكوى.
الطالب: يشتكي من؟ الشيخ: يشتكي المحال عليه، ( ... ) يحول عليه وأَبَى.
الطالب: الصورة الآن المحال عليه الآن لم يثبت في ذمته شيء، فلن يوجد أحد في الدنيا يقبل هذا.
الشيخ: لا، سبحان الله، ثابت في ذمته؛ لأنه لما حوله عليه صار الحق اللي كان على المحيل انتقل إلى ذمة المحال عليه، صار ثابتًا، ولا بد من دينٍ ثابت أولًا، على كل حال صَوِّرْها إن شاء الله أنت وتأتي بها في الدرس القادم.
طالب: الفرق بين الآثار المترتبة على فسخ البيع وعلى بطلان البيع؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1482

الشيخ: الفسخ هو ما أشار إليه الأخ، يعني لو حصل إفلاس أو نحوه سيلاحق المحيل.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم، الحوالة هو أنه إذا بطل العقد لم يترتب عليه أي شيء، وإذا فُسخ فإن ما بين العقد إلى الفسخ تترتب عليه الآثار، مثلًا لو نما أو حمل إذا كان دابة أو ما أشبه ذلك.
طالب: هل يقع الربا في الحوالة؟ الشيخ: يقع، إلا في الإبراء، على القول الراجح كما سبق، يعني لو أحال ثمانية على عشرة، أحال بثمانية على عشرة ما يجوز.
الطالب: ولو أحال بمئة صاع من البُرِّ على ثمانين صاع ( ... ). الشيخ: لا بأس به؛ لأن هذا إبراء، على القول الراجح لا بأس به.
طالب: وعلى ( ... ) الدراهم.
الشيخ: ويش لون؟ الطالب: الدراهم.
الشيخ: كيف يعني؟ الطالب: يعني أحال ثمانين على مئة.
الشيخ: لا، ما هو إبراء؛ لأن المحتال الآن أخذ أكثر من حقه.
طالب: وإذا أحال ( ... ) على ثمانين.
الشيخ: لا بأس، على القول الراجح لا بأس به.
طالب: كيف يحال على ثمن المبيع ( ... ) إذا احتمل الفسخ ( ... )؟ الشيخ: لا يا أخي، هذا فُسخ من جديد، إما عيب، أو تَقَايَلَا، أو ما أشبه ذلك.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، إذا اختلفا فقال أحدهما: أحلتك، وقال الآخر: وكلتني، فالقول قول مَن؟ الشيخ: الأصل عدم الحوالة؛ لأن الحوالة تنقل الحق، والوكالة ما فيها إلا التصرف.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا أحال المحيل على المحال عليه والمحال عليه غائب، هل يجوز هذا؟ الشيخ: الجواز يجوز، لكن هل يُلزم المحتال أن يتحوَّل؟ ما يُلزَم؛ لأن الغائب كالمفلس أو أشد.
طالب: أحسن الله إليك، هل يعتبر سبق الحوالة على الفسخ أو لا يعتبر؟ الشيخ: هي سابقة على الفسخ؛ لأنه بعد الفسخ ما يمكن يكون حوالة، بعد الفسخ انتهى، برئ كُلٌّ منهما من الآخر.
الطالب: بأن فسخ العقد يا شيخ ثم أحاله.
الشيخ: كيف؟ الطالب: انفسخ العقد والمحتال لم يدرِ أن العقد انفسخ، ومع ذلك أحاله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1483

الشيخ: المهم إذا كانت الإحالة بعد الفسخ فلا حوالة أصلًا؛ يعني ما فيه دين.
طالب: يا شيخ، الحوالة مرة أخرى أو إعادة المحيل مرة أخرى ( ... ) بدين ثابت.
الشيخ: إي نعم، بدين ثابت؛ لأنه إذا فُسخ العقد استقر الدين على البائع الذي قبض الثمن.
طالب: الراجح إذا أحال بغير جنس الدين، إذا أحال ببُرٍّ على شعيرٍ أو عكسه؟ الشيخ: ما يجوز.
الطالب: لماذا؟ الشيخ: لأنه صار معاوضة، والمعاوضة إذا بعتَ شعيرًا ببُرٍّ فلا بد من التقابض قبل التفرق، وهنا لا قبض، ولهذا جاء في حديث ابن عمر: كنا نأخذ الدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم، قال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء (2). طالب: إذا كان لرجل على رجلٍ حق فأحاله على ( ... ) حرام.
الشيخ: هذا توكيلٌ في الاقتراض، وهذه تقع كثيرًا، يقول: روح لفلان خذ منه مئة ريال اشتر بها كذا وكذا، والمحال عليه ما عنده شيء للمحيل، نقول: هذا توكيلٌ في الاقتراض، يعني كأنه وكله يقترض له.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب الصلح

بَابُ الصُّلح

إذا أقرَّ له بدَينٍ أو عَيْنٍ فأسقطَ أو وهبَ البعضَ وتركَ الباقي صحَّ إن لم يكن شَرَطاه، وممن لا يصحُّ تبرُّعُه، وإن وضَعَ بعضَ الحالِّ وأجَّلَ باقِيَه صحَّ الإسقاطُ فقط، وإن صالحَ عن المؤجَّلِ ببعضِه حالًّا أو بالعكس، أو أُقِرَّ له ببيتٍ فصالحَه على سُكْناه، أو يبني له فوقَه غُرفةً، أو صالحَ مُكلَّفًا لِيُقرَّ له بالعبوديةِ، أو امرأةً لتُقِرَّ له بالزوجيةِ بعوضٍ لم يصحَّ، وإن بذلاهما له صُلْحًا عن دَعْواه صحَّ، وإن قال: أَقِرَّ بِدَيْني وأُعطيكَ منه كذا، فَفَعَلَ، صحَّ الإقرارُ لا الصُّلحُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: (باب الصلح).

الجزء: 2 - الصفحة: 1484

الصلح مصدر صَالَحَ يصالح صُلْحًا، ويُشتق منه أيضًا: أصلح يُصْلِح إصلاحًا، والصلح عقدٌ يحصل به قطع النزاع بين المتخاصِمين؛ هذا هو الأصل، وله أنواعٌ كثيرة، ويتعلق بجميع الحقوق المالية وغيرها، كلها يمكن أن يقع فيها الصلح، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: 128]، وهذا فيما بين الزوجين من حقوق، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صالح المشركين في غزوة الحديبية، وهذا فيما يقع بين المسلمين والمشركين من العهود.
المهم أن الصلح جارٍ في كل شيء، بين كل متعاقدين، وهو كما جاء في الحديث المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» يعني: في كل شيء، و «جَائِزٌ» بمعنى: نافذ، «إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (3)؛ يعني: فإنه لا ينفذ.
وهو أنواع، منها: الصلح على إقرار، وقد بيَّنه المؤلف رحمه الله بقوله: (إذا أقر له بدين أو عين فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صَحَّ).
(إِذَا أقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ) بأن قال: في ذمتي لك ألف ريال، (أو عين) بأن قال: هذا المسجِّل لك، (فأسقط) يعود على الدين، (أو وهب) يعود على العين، ففيه لفٌّ ونشر مرتَّب؛ لأنه أعاد الأول على الأول والثاني على الثاني، وهناك لفٌّ ونشر غير مرتب، بأن يُذكَر ما بعده، فيبدأ بما يعود على الثاني، ثم بما يعود على الأول، قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 105، 106]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود: 108]، هذا يسمى لفًّا ونشرًا مرتَّبًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1485

ومن ذلك أيضًا: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: 106]، هذا لفٌّ ونشر غير مرتب.
وهذه كلها من أساليب البلاغة، ولا بد لكل ما خالف الأصل من فائدة، وإلا فالأصل أن يكون اللف والنشر مرتَّبَيْن.
(إِذَا أقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أوْ عَيْنٍ فَأسْقَطَ) يعود على أيش؟ على الدين، (أو وهب) على العين، (البَعْضَ وَتَرَكَ البَاقِيَ صَحَّ) بأن قال حينما أقر له بمئة ريال قال: أسقطتُ عنك خمسين ريالًا، يصح؛ لأن هذا إبراء محض، وإحسان، ومطلوب، وكذلك لو أقر له بعين فقال: وهبتُك نصفها أو ربعها أو ما أشبه ذلك فإنه جائز، لكن بشروط.
قال المؤلف: (إن لم يكن شرطاه) هذا شرط؛ يعني: بشرط ألا يكون الْمُقِر أقر للشخص بهذا الشرط؛ يعني: بأن منعه حقه إلا بالشرط، إلا بأن يُسقِط أو يهب، فإن كان كذلك فإنه لا يصِحُّ، ولكن هل هو لا يصح للمُسقِط أو لا يصح للمسقَط عنه؟ أيهما الظالم؟ الظالم هو المسقَط عنه، يعني مثلا إذا .. ، بل الظالم المسقِط، إذا قال: أنا أقِر لك بهذا الدين بشرط أن تُسقِط كذا وكذا، فالظالم المسقَط عنه، إذا كان الدَّين حقيقة ثابتًا، فيشترط ألا يكون شرطاه، فإن شرطاه فإنه لا يصح، لكن في حق مَنْ؟ في حق المعتدي منهما، لا يصح؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر.
قال: (وممن لا يصح تبرعه) يعني: ويشترط أيضًا أن لا يكون ممن لا يصح تبرعه، (تبرعه) يعني بذله المال مجانًا، وهناك فرق بين من يصح تبرعه ومن يصح تصرفه، الذي يصح تصرفه أوسع من الذي يصح تبرعه، فمثلًا ولِي اليتيم يصح تصرفه ولا يصح تبرعه.
إذن يشترط ألا يكون الإسقاط أو الهبة ممن لا يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم يصح الإسقاط ولا الهبة لفوات الشرط.

الجزء: 2 - الصفحة: 1486

عندهم يقولون أيضًا للشرط: ألا يقع بلفظ الصلح، فإن وقع بلفظ الصلح فإنه لا يصح، هكذا قالوا، قالوا: لأنه لا يصح أن يُصالِح بشيءٍ من ماله على ماله؛ يعني: بأن يقول: أقررت لك مئة درهم فصالحني على بعضها، فيقول: صالحتك.
هذا لا يصح، هكذا قالوا رحمهم الله.
ولكن ينبغي أن يقال: إذا فُهم من هذه المصالحة أنها إسقاط في دين أو هبة في عين، فينبغي قَبول ذلك؛ لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ، فإذا علمنا أن مرادهما بالمصالحة الهبة في العين والإسقاط في الدين، فلا مانع، صحيح أن المصالحة لا تكون إلا بعد نزاع، ولا تكون إلا لفض النزاع، وهنا لا نزاع في المسألة؛ لأنه إقرار وهبة، لكن يقال: ما دمنا عرفنا أن المقصود بالمصالحة هنا، الإسقاط في الدين والهبة في العين، فإن الألفاظ قوالب في الواقع، والعبرة بالمعاني.
إذن هذا يسمى الصلح على إقرار، شرطه ألا يكون مشروطًا، والثاني: أن يكون ممن يصح تبرعه، ومن باب أوْلى ألا يمنعه حقه بدونه، فإن منعه حقه بدونه، قال: لا أقر لك إلا أن تُسقط، فإنه لا يصح، وهذا هو بمعنى قولنا: ألا يكون شرطًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1487

ثم قال: (وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الحَالِّ وَأجَّلَ بَاقِيَهُ صَحَّ الإسْقَاطُ فَقَطْ) إن وضع بعض الحال وأجَّل باقيه صح الإسقاط دون التأجيل، مثال ذلك: إنسان عنده لشخص مئة درهم قد أقر بها، ولا إشكال عنده فيها، فقال له: ليس عندي شيء الآن، أريد أن تسقط عني خمسين درهمًا وتؤجل الباقي، أفهمتم؟ رجل في ذمته لشخص مئة درهم، فقال: أرجو منك أن تؤجل عليَّ خمسين درهمًا وتسقط عني خمسين درهمًا، قال: لا بأس أفعل، ففعل، يقول المؤلف: يصح الإسقاط ولا يصح التأجيل، يصح الإسقاط؛ لأنه أسقط عنه، قال: وضعت عنك خمسين درهمًا، وفي ذمتك خمسون درهمًا، لكن التأجيل لا يصح، لماذا؟ لأن عندهم قاعدة -الفقهاء رحمهم الله- وهي أن الحال لا يمكن أن يتأجل، ولا يقبل التأجيل، ولهذا مر علينا في القرض أنه إذا استقرض شيئًا وأجَّل وفاءه، فإنه لا يصح التأجيل ولا يلزم.
ولكن الصحيح في هذه المسألة وفي مسألة القرض أنه يصح، فإذا قال: وضعت عنك خمسين درهمًا وأجَّلتُ الخمسين، فإنه يجب أن يفي بوعده؛ لأن إخلافَ الوعدِ، ولا سيما في مثل هذه الأمور المالية التي قد يترتب عليها ضمان أو نقص محرمٌ؛ أعني: إخلاف الوعد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال محذرًا منه: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ» ومنها: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» (4)، والصواب أنه يصح الوضع ويصح التأجيل، فماذا يلزمه على هذا؟ يلزمه خمسون مؤجلة.
(وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالًّا أو بالعكس أو أقرَّ له) إلى آخره.

الجزء: 2 - الصفحة: 1488

إن صالح عن المؤجل ببعضه حالًّا فإنه لا يَصِحُّ، مثاله: رجل في ذمته لآخر مئة درهم مؤجلة إلى سنة، وفي أثناء السنة جاء الدائن للمدين، وقال: أعطني خمسين منها وأبرئك من الباقي.
يقول المؤلف: لا يصح؛ لأن هذا يشبه الربا، حيث أخذ عن المئة كم؟ خمسين، وإن وقع بلفظ الصلح، فالصلح لا يصح؛ لأنه لا يمكن أن يصالح ببعض ماله عن بعضه، هكذا قال المؤلف رحمه الله تعالى، والصواب أنه جائز، وأن الإنسان إذا أخذ البعض في المؤجل وأسقط الباقي فإن ذلك صحيح؛ لأنه وردت به السُّنَّة في غرماء عبد الله بن حرام أبي جابر رضي الله عنه؛ حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» (5)؛ ولأن فيه مصلحة للطرفين، أما الطالب فمصلحته التعجيل، وأما المطلوب فمصلحته الإسقاط.
ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بمنع عقد فيه مصلحةٌ للطرفين، وليس فيه غرر ولا جهالة، لكن لو أجبَر أحدهما الآخر على هذا الفعل فإنه لا يصح، يعني لو قال الدائن المطلوب للطالب: هذه نصف حقك أُعجِّله لك وأَسقِطْ عني الباقي.
قال: لا، أنا أريد حقي كاملًا متى حلَّ.
فإنه لا يُجْبر.
فإن أعطاه حقه كاملًا عن المؤجَّل فهل يجبره أو لا؟ في هذا خلاف، فالمذهب: لا يُجْبر، والصواب: أنه يجبره ما لم يكن عليه ضرر، مثال ذلك: إنسان في ذمته لشخص مئة درهم تحل بعد سنة، قبل تمام السنة جاء المطلوب إلى الطالب بمئة الدرهم، وقال: خذ، قال: لا، حتى تَحِل، فهل يُجبر الطالب؟ في هذا خلاف، كما سمعتم، فالمشهور من المذهب أنه لا يجبر؛ لأنه حقٌّ مؤجل لا يلزم قبل أجله، والصحيح أنه يجبر، إلا إذا كان في ذلك ضرر عليه، ووجه ذلك أنه إذا عُجل له دينه فهو مصلحة بلا مضرة، وفيه مصلحة للمطلوب؛ لأن المطلوب يقول: الآن توفر عندي المال، المال عندي متوفر، وأخشى إذا جاء أجل الدين ألا يكون عندي مال، فيكون في هذا ضرر عليَّ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1489

فالصواب أنه إذا عَجل المؤجَّل فإنه يلزمه -أي: يلزم الطالب- القبول، ويُجْبَر عليه؛ لأنه زاده خيرًا، إلا إذا كان فيه ضرر، بأن قال الطالب: نحن الآن في وقت خوف، وأخشى أن آخذ المال منك يُسرق، أو أني على سفر، وليس عندي ما أودِعه به، وما أشبه ذلك، فإنه لا يُلزم بالقبول.
(أو بالعكس) ما هو العكس؟ إذا صالح عن الحال بزائد عليه مؤجَّل، فإنه لا يصح، مثال ذلك: رجل في ذمته لشخص مئة درهم حالَّة، فقال المطلوب: أصالِحك على أن تؤجِّل الحق وتكون بمئة وعشرة، فهذا لا يجوز، ووجه ذلك أنه ربا، وهذا هو الربا الذي كانوا يتعاطونه في الجاهلية، والذي قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130]. فإن صالح عن بعضه مؤجَّلًا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: مؤجَّلًا، فهي المسألة الأولى، ولهذا اضطررنا إلى أن نقول: (العكس) أن يصالح عن الحال بأكثر منه مؤجلًا؛ لا ببعضه مؤجلًا، بل بأكثر منه مؤجلًا، فإنه لا يصح، والعلة واضحة.
قال: (أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِبَيْتٍ فَصَالَحَهُ عَلَى سُكْناهُ)، (أَقَرَّ لَهُ) أي: لشخص (ببيت) وصالحه على أن يسكنه، فهذا صلح على إقرار ولّا على الإنكار؟ على إقرار، قال: هذا البيت لك، ولكن صالحني على أن أسكنه لمدة سنة، فإنه لا يصح، كذا؟ نعم لا يصح؛ لأنه صالح عن بعض ماله ببعضه، ولكن يمكن أن نقول في مثل هذا: إذا أقر له بالبيت فللمُقَرِّ له أن يمنحه إياه لسكناه سنة مثلًا أو أقل أو أكثر، أما أن يُجعل ذلك صلحًا فلا يصح.
(أو على أن يبني له فوقه غرفة)، كيف؟ طالب: ( ... ). الشيخ: على أيش؟ طالب: إذا ( ... ). الشيخ: لا.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1490

الشيخ: تمام، هذا لا يصح أيضًا، لماذا؟ لما ذكرنا قبل قليل أنه صالح عن ماله ببعض ماله، والغالب أن مثل هذا لا يتأتى إلا إذا امتنع المُقِر من الإقرار إلا أن يبني له، أما أن يُقر ويقول: البيت بيتك، ثم يقول: صالحني على أن أبنيه، هذا ما يستقيم في الغالب إلا إذا منعه، وسبق لنا أن الصلح على إقرار إذا كان بشرط أو منع حقه بدونه فإنه لا يصح.
(أو صالح مُكلفًا ليقر له بالعبودية)، وهذا يقع، حيلة في الغالب، قال: تعال يا فلان، أريد أن أدعي أنك عبدي، وأَقِر عند القاضي، ففعل، ذهب إلى القاضي وقال: هذا عبدي وأريد أن توثِّق ملكي به، فقال: طيب، كتب وثيقة بأن فلانًا بن فلان عبدٌ لفلان، يصح ولّا لا؟ أجيبوا يا جماعة؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: أجيبوا يا جماعة؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأن الحر لا يمكن أن يكون عبدًا، بل قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتِهِ أَجْرَهُ» (6)، هذا لا يصح، فإن قال قائل: وهل يمكن هذا؟ قلنا: يمكن، يتفق اثنان على أن يُقر أحدهما للآخر بالعبودية، ثم إن المقَرَّ له يبيعه، ويأخذ الثمن ويقول للذي أقر بالعبودية، يقول: الثمن بيني وبينك، ثم يوصيه، ويقول: إذا بعتك على فلان وأخذت الثمن فعليك بالإباق، يمكن هذا، أليس كذلك؟ إذن نقول: هذه المصالحة لا تصح، حرام، وهي من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خصم هؤلاء؛ أخبر عن الله أنه قال: إنه خصمهم، وهذا وعيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1491

(أو امرأة لتقر له بالزوجية) هذا لا يصحّ؛ يعني مثلًا: الدولة فرضت للإنسان الأعزب شيئًا من بيت المال وللمتزوج ضعفه، فطلب إنسان من امرأة أن تقِر بأنها زوجته؛ ليش؟ ليُعْطى مكافأة متزوج، وفَعَلَتْ، فهذا لا يجوز، حرام؛ لأنه يترتب على هذا أمورٌ كثيرة، لو أنه مات لورثته، ولو ماتت لورثها، ثم لو أتت بولد زنا لأُلحق بمن؟ بهذا الرجل الذي أقرَّت له بالزوجية، ويترتب عليه مسائل كثيرة، فلا يحل أن يصالح امرأة لتقر له بالزوجية.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: بعوضٍ لم يصح.
قوله: (أو صالح مكلفًا)، لماذا قال: (مكلفًا)؟ لأن غير المكلف لا يصح إقراره أصلًا، فإذا كان لا يصح إقراره فإنها لا تصلح المصالحة معه.
يصالح امرأة لتقر له بعوض، لو صالحها بغير عوض فالحكم كذلك؟ نعم، الحكم كذلك، لكن في الغالب أنه لا يكون إلا بعوض، إما عين وإما منفعة أو غير ذلك.
يقول: (وَإِنْ بذَلاهُمَا لَهُ صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ صَحَّ).
(بذلاهما له) يعني بذلا المُدَّعى عليه العبودية والمُدَّعى عليها الزوجية، والضمير في (هما) للعوضين، و (له) الضمير يعود على من؟ على المدعي.
(صلحًا عن دعواه صح)؛ لأن المراد بذلك دفع الدعوى فقط، فإنه فيصح، مثال ذلك: رجل قال لآخر: أنت عبدي، وأَلَحَّ عليه، وقال: يلَّا، إلى المحكمة لأثبت أنك عبدي، فهمتم؟ هذا الرجل الذي ادعيت عليه العبودية لا يريد المشاكل، قال: تعال، أنت ويش تبغي؟ قال: إما أن نذهب إلى القاضي أو تعطيني ألف درهم، ففعل، قال: خذ ألف درهم ولا نروح للقاضي، يصح ولّا لا، ما يصح؟ طالب: يصح.
الشيخ: لا، لا يصح، الإقرار غير صحيح ظاهرًا، أما في الآخرة فالظالم منهما لا يصح الإقرار في حقه، ويصح في حق المظلوم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1492

وكذلك بالنسبة للزوجية، رجل أمسك امرأة وقال: تعالي أنت زوجتي، أنكرت، قالت: لست زوجة لك، فأصرَّ إلا أن تُقر أو المحكمة، فقالت: يا رجل ماذا تريد؟ أتريد مالًا؟ خذ؛ قال: نعم، أريد ألف درهم، قالت: هذه ألف درهم، صلحًا عن دعواه، فهنا يصح في حقها هي ظاهرًا وباطنًا، ويصح في حق المدعي ظاهرًا لا باطنًا، ولهذا يحاسب عند الله عزّ وجل على كذبه على هذه المرأة.
(وإن قال: أَقِرَّ بديني وأعطيك منه كذا، ففعل؛ صح الإقرار لا الصلح) هذا إنسان له غريم منكر ( ... ).


طالب: شيخ بارك الله فيكم، في بعض البلاد الأوربية تمنح الإقامة لمن أراد الإقامة فيها -الإقامة النظامية- إذا تزوج الرجل من امرأة منهم، فيعمد بعضهم إلى تزوج هكذا؛ يعني تقر المرأة منهم أنها زوجة هذا الرجل، صوريًّا فقط، فيمنح هذه الإقامة، وغالبًا ما يفعل هذا المضطرون إلى الإقامة في هذه البلاد، يعني كأن يكون مثلًا لا يستطيع الإقامة في بلده الأصلي، فهل هذا يكون .. الشيخ: هذا جائز، لكن بشرط أن يعقد عليها عقدًا صحيحًا.
الطالب: لا، العقد هذا غير صحيح، ولا يُراد منه النكاح.
الشيخ: لا، أقول: هو يعدل عن هذا المحرم؛ لأن هذا حرام لا شك، لكن يعدل عن هذا المحرم إلى أن يعقد عليها عقدًا صحيحًا، ويش المانع؟ الطالب: ولكن لا بد -وإن كان متزوجًا في بلده- لا بد أن يقر بأنه غير منزوج؛ لأنهم لا يسمحون هناك بتعدد الزوجات، يعني لا بد أن يكتب أو يقر أنه غير متزوج ببلده.
الشيخ: يكتب: لا زوجة معي.
الطالب: وهو كذلك، ليس معه زوجته.
الشيخ: إي، وهو كذلك، وينتهي الموضوع.
طالب: شيخ قول المؤلف: (إن لم يكن شرطاه)، وجه اشتراط المسقَط عنه واضح، لكن وجه اشتراط المسقِط، صورته؟ الشيخ: إي نعم، المسقِط؛ لأنه مضطر لهذا.
الطالب: هل يشترط ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1493

الشيخ: إي نعم، لو ترافعوا إلى القاضي وثبت أصل الدين ما صح الصلح، حكم بنقضه، هذا هو الفائدة من أن نقول: صح، أما في الآخرة فالحساب على ما في نفس الآخر.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا أقر لآخر بالعبودية فباعه ولم يستطع الإباق من المشتري، والمشتري اشتراه على أنه عبدٌ حقيقة، ثم بعد ذلك تبين -أو تبين للحاكم- أنه ليس عبدًا إنما كانت حيلة، فماذا يفعل المشتري؟ هل يقال: إن هذا الرجل يعاقب؛ لأنه رضي على نفسه بذلك فيبقى ضمانًا لمال .. الشيخ: لا، ما يمكن؛ هو لا يمكن أن يبقى عبدًا، لا بد أن يكون حرًّا لكن يؤدب هو، وهذا يَكِرُّ من المال الذي أخذه.
الطالب: أين هو؟ هو هرب.
الشيخ: من؟ البائع؟ الطالب: البائع هرب.
الشيخ: هذه من جملة الأشياء التي يقدرها الله على الإنسان بتلف ماله، وإن الله يسر واطلعت عليه، فهذا المطلوب وإلا راح.
طالب: ما المطلوب في أن يصالح البعض مال الفاضل؟ الشيخ: كما قلنا قبل قليل: إن المصالحة ما تأتي في الغالب إلا عن منازعة، وأن الإنسان كيف ينازعني في مالي؟ ! الطالب: ( ... ). الشيخ: وعلى كلِّ حال إذا لم يمكن الوصل إلى حقه إلا بهذا فهو صحيح في حق الثاني، في حق من له الحق، لكن عندما ترفع للقاضي يحكم بالظاهر.
طالب: ( ... ).

الشيخ: (إن بذلا) أي: من ادُّعِيَ عليها الزوجية، ومن ادُّعِيَ عليه الرق، فالفاعل هو من ادُّعِيَ عليه الرق، ومن ادُّعِيَ عليها الزوجية، والهاء في قوله: (هما) للعوضين، العوض من المدَّعَى عليه العبودية، والعوض من المدَّعَى عليها الزوجية، (له) أي: للمدعي.
طالب: الصورة؟ الشيخ: ما صورناها يا جماعة؟ طالب: صورناها.
الشيخ: صورناها، ادعى عليك صالح أنك عبد له، فهمت؟ ولا عنده بينة وأنت أنكرت، وهو مُلِحٌّ أنك عبده، لما رأيت الأمر اشتد وأنه لا بد أن يرافعك إلى القاضي قلت: يا فلان هذه ألف ريال، ودعني من الدعوة، أخذ الألف وأسقط الدعوة، هذه هي، وكذلك بالنسبة للزوجية.
( ... )


الجزء: 2 - الصفحة: 1494

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في باب الصلح: (وإن قال: أقرَّ بديني وأُعطيك منه كذا، ففعل، صَحَّ الإقرار لا الصلح.
فصلٌ

وَمن ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ فَسَكَتَ، أَوْ أَنْكَرَ وَهَوَ يَجْهَلُهُ ثُمَّ صَالَحَ بِمالٍ صَحَّ، وَهُوَ للْمُدَّعِي بَيْعٌ، يَرُدُّ مَعِيبَهُ وَيَفْسَخُ الصُّلْحَ وَيَأْخذُ مِنْهُ بِشُفْعَةٍ، وَللآخَرِ إِبْراءٌ فَلا رَدَّ وَلاَ شُفْعَةَ، وَإِنْ كَذَبَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا وَمَا أَخَذَهُ حَرَامٌ، ولا يصح بعوضٍ عن حدِّ سرقةٍ وقذفٍ ولا حق شُفعةٍ وتركِ شهادةٍ، وتسقطُ الشفعةُ والحدُّ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو الصلح بالمعنى العام؟ طالب: الصلح مصدر صالح يصالح صُلْحًا، وهو التوفيق بين شيئين.
الشيخ: إي، ما في أخص من هذا؟ طالب: هو عقد يُتَوَصَّل به إلى الصلح بين متخاصمين.
الشيخ: إي نعم، إلى التوفيق بين متخاصمين، هذا أخص.
الصلح في الأموال ينقسم إلى قسمين؟ طالب: ينقسم إلى: صلح على إقرار، وصلح على إنكار.
الشيخ: الإقرار تارة يكون؟ الصلح على إقرار تارة يكون؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إيش؟ زين، وتارة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إيش؟ لا.
طالب: تارة يكون عن دين وتارة يكون عن عين.
الشيخ: تمام، إذا كان عن دين فماذا نسميه؟ طالب: يُسَمَّى إقرارًا يا شيخ.
الشيخ: لا، هو إقرار؛ أقر بدينه، ثم صالح عن بعضه.
طالب: يسمى إسقاطًا.
الشيخ: إسقاطًا أو إبراءً، هذا أو هذا.
مثاله؟ طالب: أن يكون لزيد على عمرو دين؛ ألف ريال مثلًا.
الشيخ: أن يقر زيد لعمرو .. الطالب: أن يقر زيد لعمرو بدين ألف ريال مثلًا، فيسقط عمرو عن زيد خمس مئة ريال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1495

الشيخ: زين، خمس مئة ريال، هذا صحيح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: له شروط؟ طالب: الشرط الأول ألا يمنعه حقه بهذا الشرط.
الشيخ: بدونه، ألا يمنعه الحق بدونه؛ يعني: أن لا يقول: لا أعطيك حتى تُسْقط عني، فإن فعل؟ الطالب: لم يصح.
الشيخ: لم يصح، إذا قال صاحب الحق: أنا لا أتوصل، أنا كوني أتوصل إلى بعض مالي أهون من أن يفوتني كله، وصَالَحَ.
الطالب: هو هنا صالح عن بعض ماله ببعض ماله.
الشيخ: إي، لكن يقول: ويش أسوِّي، هذا الرجل أبى أن يقر إلا إذا أعطيته بعضه.
الطالب: يكون ( ... ). الشيخ: هو راضٍ غصبًا عليه.
طالب: يصح في حقه يا شيخ.
الشيخ: حق من؟ الطالب: في حق صاحب الحق.
الشيخ: إي، صاحب الحق؟ الطالب: نعم، يصح.
الشيخ: يصح، وفي حق الآخر إذا كان مبتلى؟ الطالب: يصح ظاهرًا.
الشيخ: هو ظاهر، عند التحاكم يصح، لكن فيما بينه وبين الله ما يصح.
كيف صورة الإقرار بالعين والمصالحة عن بعضها؟ طالب: من يقر له أن عليه .. ؛ يعني أقر زيد لعمرو أن في ذمته سيارة.
الشيخ: خطأ، كيف يقول: في ذمته، والمطلوب عين؟ الطالب: أن عليه سيارة أخذها منه، فيقر له أن هذه السيارة له.
الشيخ: يقول: هذه السيارة لك، وأصالحك على بعضها، أو: هذه الأرض لك، وأصالحك على بعضها، كذا؟ ماذا نسمي هذا الصلح؟ هذا يُسمى هبة؛ يعني: يعطى حكم الهبة، كأنه وهبه بعض العين، ما شرطه؟ طالب: شرطه أن لا يَشْتَرط عليه.
الشيخ: ألا يشترط؛ يعني: أن لا يكون مشروطًا، بأن يقول: لا أقر بأن هذه لك إلا إذا أعطيتني بعضها.
فيه شرط آخر أهمله من تكلم؟ طالب: أن يكون ممن يصح تبرعه.
الشيخ: صحيح، أن يكون هذا الإسقاط في الدين أو الهبة في العين ممن يصح تبرعه.
لو وقع ( ... ) هذا من ولي يتيم، لو وقع من ولي يتيم؟ طالب: لا يَصِحُّ.
الشيخ: يعني مثلًا أقر شخص أن هذا الكتاب لليتيم، فصالحه على بعضه، الولي يجوز ولّا لا؟ الطالب: لا، ما يصح.
الشيخ: لا يصح، ويش يسوي الولي؟ يقول: إن لم أفعل راح الكتاب كله؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1496

الطالب: يصح من جانبه.
الشيخ: هو الآن هذا الولي لا يصح أن يتبرع بشيء من مال اليتيم.
طالب: حينئذٍ يصح، إن لم يزل ذلك الضرر إلا بإذنه.
الشيخ: يعني إن لم يحصل على حقه إلا به فهو جائز؟ وكيف نقول: أن يكون ممن يصح تبرعه؟ الطالب: هذا ما تبرع لمصلحة نفسه وإنما مصلحة المال، الذي هو مصلحة اليتيم، فجاز له التبرع.
طالب آخر: نقول: إن هذا ليس تبرعًا، وإنما التبرع في حال السعة والاختيار.
الشيخ: وهذا إيش هو؟ الطالب: وإنما هو اضطر اضطرارًا فيكون كاستنقاذ بعض ماله في حالة عدم القدرة على استنقاذ جميعه.
الشيخ: إي، يعني من باب الاستنقاذ، استنقذ ماله ببعضه، ونظير ذلك قصة الخضر، خرق السَّفينة لإبقائها، لاستبقائها، وقد نص على هذا شيخ الإسلام رحمه الله بأن ولي اليتيم إذا لم يتمكن إلى الوصول على حقه إلا بالإبراء من بعضه أو بهبة بعضه فإنه لا بأس، وهذا هو الحق، وهو الفقه.
صَالَحَ رجلًا ليقر له بالعبودية؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: كيف لا يصح؟ على طول، بدون تفصيل.
الطالب: أن يقر له بالعبودية .. الشيخ: وهو؟ الطالب: وهو حر.
الشيخ: هذه هي؛ ركِّز على هذه، فإن صالحه على الإقرار؛ لأنه عبده لكنه أنكر العبودية؟ الطالب: فلا يصح.
الشيخ: لكنه لا يكون من باب صلح الإقرار، ولكنه من باب صلح الإنكار، انتبهوا، يعني مثلًا إنسان أمسك شخصًا، وقال: أنت عبدي.
وهو عبده حقيقة، قال: لا، فقال: أقر لي بالعبودية وأعطيك ألف درهم.
(فصلٌ)

الجزء: 2 - الصفحة: 1497

ومَن ادَّعَى عليه بعينٍ أو دَيْنٍ فسَكَتَ أو أَنْكَرَ وهو يَجْهَلُه ثم صالَحَ بمالٍ صَحَّ، وهو للمُدَّعِي بيعٌ يُرَدُّ مَعيبُه , ويُفْسَخُ الصلْحُ , ويُؤْخَذُ منه بشُفْعَةٍ، وللآخَرِ إبْراءٌ , فلا رَدَّ ولا شُفعةَ، وإن كَذَبَ أحدُهما لم يَصِحَّ في حَقِّه باطِنًا , وما أَخَذَه حرامٌ، ولا يَصِحُّ بعِوَضٍ عن سَرِقَةٍ وقَذْفٍ ولا حَقِّ شُفعةٍ وتَرْكِ شَهادةٍ، وتَسْقُطُ الشُّفعةُ والْحَدُّ.
وإن حَصَلَ غُصنُ شَجرتِه في هواءِ غيرِه أو قَرارِه أَزَالَه، فإن أَبَى لَواهُ إن أَمْكَنَ، وإلا فله قَطْعُه، ويَجوزُ في الدَّرْبِ النَّافذِ فتحُ الأبوابِ للاستطراقِ لا إخراجُ رَوْشَنٍ وساباطٍ ودِكَّةٍ ومِيزابٍ، ولا يَفعلُ ذلك في مِلْكِ جارٍ ودَرْبٍ مُشتَرَكٍ بلا إِذْنِ الْمُسْتَحِقِّ، وليس له وَضْعُ خَشَبِه على حائطِ جارِه إلا عندَ الضرورةِ إذا لم يُمْكِنْه التسقيفُ إلا به الشيخ: .. بالعبودية؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: كيف لا يصح؟ ! على طول بدون تفصيل؟ الطالب: لا يصح أن يقر له بالعبودية.
الشيخ: وهو؟ الطالب: وهو حر.
الشيخ: هذه هي، رَكِّز على هذا، فإن صالحه على الإقرار لأنه عبده لكنه أنكر العبودية؟ الطالب: فيصح.
الشيخ: لكنه لا يكون من باب صلح الإقرار، ولكنه من باب صلح الإنكار، انتبهوا، يعني مثلًا: إنسان أمسك شخصًا وقال: أنت عبدي، قال: لا، -وهو عبده حقيقة- فقال: أَقِرّ لي بالعبودية وأعطيك ألف درهم، يصح هذا، لكنه ليس من باب الصلح على إقرار؛ لأن هذا الرجل مُنْكِر أنه العبد، انتبهوا لهذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1498

أما لو أمسك حرًّا وقال: تعال، أَقِرَّ بأنك عبدي؛ لأبيعك والثمن بيننا أنصافًا، أو لأرهنك في دَيْن أستدينه من شخص، قال: ما فيه مانع، قال: أبغي أعطيك ألف ريال وأبغي أرهنك عند هذا الشخص، أبغي آخذ منه مئة ألف ريال، ولو قال: أعطِ الرهن، قلت: هذا العبد، ولو قال لك: أنت عبد فلان، قل: نعم، وأنت إذا قبضك فباب البلدة واسع، هل هذا جائز؟ لا.
طيب، إذا قال: أَقِرَّ بدَيْنِي وأعطيك منه كذا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، شرحناه.
طالب: ( ... ). الشيخ: طيب كل حال ما تبغي شرحًا، هذا واضح؛ رجل قال: أَقِرَّ بِدَيْنِي ولك نصفه، فأَقَرَّ، قال: أنا أطلبك عشرة آلاف ريال، أَقِرَّ بها ولك منها خمسة، قال: نعم، فأَقَرَّ بها عند القاضي بأن في ذمتي لفلان عشرة آلاف ريال، على أنه سيعطيه منها أيش؟ خمسة آلاف، يصح الإقرار ولا يصح الصلح؛ لأنه صالَح عن ماله ببعضه.
ولكن الصحيح أن في هذا تفصيلًا: إذا كان الْمَدِين أبى أن يُقِرّ إلا بهذا فالصلح باطل، والإقرار ثابت يطالَب به ظاهرًا، وأما إذا كان غير ممانع وهو مُقِرّ فإن إسقاط بعضه يكون من باب الوعد، والصحيح: أن الوفاء بالوعد واجب، وأنه لا يجوز للإنسان أن يخلف الوعد؛ لأن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، ما لم يكن هناك ضرر.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصلٌ).
وهذا الفصل فيه الصلح على إنكار، وفيه أيضًا بيان حقوق الجيران بعضهم على بعض، وإنما جعل الفقهاء رحمهم الله حقوق الجيران بعضهم على بعض في هذا الباب؛ لكثرة المصالحة بين الجيران في حقوقهم.
يقول: (فصل، ومن ادُّعِيَ عليه بدَيْن أو عين فسكت أو أنكر وهو يجهله ثم صالَح بمال صحَّ).
إذا ادُّعِيَ عليه بدَيْن أو عين بأن قال شخص لآخر: أنا أطلبك مئة ألف ريال، (فسكت)، لم يُقِرَّ ولم ينكِر، ثم صالح بمال عِوَضًا عن مئة الألف فهو صحيح.
فإن أقر وصالح عنه بمال فهو من أيِّ الأبواب؟ من أيِّ الأقسام؟ من باب الصلح على الإقرار، وسبق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1499

(أو أنكر) أنكر المدَّعَى عليه، قال: ليس في ذمتي لك شيء، ثم صالح بمالٍ، فالمصالحة صحيحة.
وكذلك لو ادُّعِيَ عليه بعين، بأن قال شخصٌ لآخر: هذا المسجِّل لي، فقال لمن بيده المسجل: لا، ليس لك، فهذا إنكار أو لا؟ إنكار.
ثم صالح عنه بمالٍ، تصالَحَا على أنه يعطيه مئة ريال عن هذا المسجل، فهو صحيح، ولكن هل يدخل في باب الإبراء أو في باب البيع؟ يقول المؤلف رحمه الله: (وَهُوَ للْمُدَّعِي بَيْعٌ وَللآخَرِ إِبْراءٌ).
فإذا ادَّعَى عليه بأن هذا المسجِّل ملكه، وقال: ليس ملكك، ثم تصالَحَا على مال، فالمدَّعِي الآن يعتقد أنه أدخل ملكه على هذا الشخص بأيش؟ بعِوَض، ما فهمتم الصورة؟ ادعى أن هذا المسجل له، ثم أنكر المدَّعَى عليه الذي بيده المسجل، وقال: ليس هذا لك، وبعد أخذٍ وردّ اصطلحَا على أن يعطيه عِوَضًا عنه مئة ريال، كذا ولَّا لا؟ هذا الصلح صحيح، لكن هو للمدَّعِي بيع؛ لأنه يعتقد أن ملكه انتقل إلى هذا بأيش؟ بعِوَض، وهذا هو حقيقة البيع، فهو له بيع.
إذا كان له بيع فإنه (يَرُدّ مَعِيبَه ويفسخ الصلح)، يعني إذا رد العيب، (ويُؤْخَذ منه بشفعة)؛ لأنه بيع، فيعامَل المدَّعِي معاملة البائع تمامًا أو المشتري، المهم أنه يكون في حقه بيع.
ولنفرض أن هذا الذي ادعى المسجل، وأنكر مَن هو بيده، صالحه على راديو، ما هو على مئة ريال، صالحه على راديو، قال: أنا بأعطيك عنه الراديو، أخذ الراديو، ثم إنه -أي الذي ادعى أن المسجل له- وجد في الراديو عيبًا، يقول المؤلف: (يرد مَعِيبَه)، له أن يرده، يقول: والله أنا أخذت الراديو، ولكن تبيَّن أن به عيبًا، وأنا قد أخذته منك على أنه عِوَض عن ملكي، فأنا أعتبر نفسي بائعًا، فوجدت هذا العيب في هذا الراديو فلي أن أرده، إذا رده تبقى دعواه على ما هي عليه أولًا قبل الصلح.
قال: (يرد معيبه ويفسخ الصلح ويُؤْخَذ منه بشُفْعَة)، يعني لو أن الذي ادُّعِيَ عليه العين أو الدَّيْن؟ طلبة: العين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1500

الشيخ: إي نعم، كله واحد، ادُّعِي عليه بدَيْن أو بعين.
طالب: المثال العين.
الشيخ: المثال انتهى، لو أنه صالَح بنصيبه من أرض، يعني بأن كان المدَّعَى به ثمنه كثير، ادَّعَى عليه بسيارة بأنها ملكه، قال: هذه ليست ملكك، هذه لي، ثم صالحه -أي مَن بيده السيارة صالَح المدَّعِي- بنصيبه من أرض، فهنا نقول: للشركاء في الأرض أن يأخذوا هذا النصيب بشُفْعَة، ليش؟ لأن المصالِح يعتقد أنه أخذ هذا الشِّقْص عِوَضًا عن ملكه، وهذا هو البيع، فيكون في حقه بيعًا يُؤْخَذ منه بشفعة.
الآخر (إبراء، فلا رَدَّ ولا شفعة)، مَن الآخر؟ المدَّعَى عليه، يعني المنْكِر، هو في حقه إبراء، فلا رد ولا شفعة.
نمثِّل لقوله: (فلا رد)، هذا الذي ادُّعِيَ عليه أن المسجل للمدَّعِي، وأنكر، ثم صالح براديو مثلًا، وبعد ذلك وجد في المسجل عيبًا، فإنه لا يرده على ذاك؛ لأنه لا يعتقد أنه مَلكه من قِبَلِهِ، أليس كذلك؟ هذا المنكِر يعتقد أنه ملكه من الأصل، وأن ذاك ليس له به ملك، ولكنه أبرأه من المطالبة بما صالَحَه عليه من الراديو، فإذا وجد المنكِر أن في المسجل عيبًا فإنه لا رد له.
قال: ليش إذا كان الراديو معيبًا يرده عليّ، وإذا كان المسجل معيبًا فلا أرده عليه؟ نقول: هذا مقتضى الإقرار والإنكار، أنت حينما أنكرت أن هذا المسجل له تعتقد أنه أيش؟ أنه ملكك، وأنك لم تملكه من قِبَلِهِ، فكيف ترده عليه؟ ! فهو في حقك إبراء، فلا رَدَّ لك.
كذلك لا شفعة فيما لو كان المدَّعَى به شِقصًا من أرض، ثم إن المدَّعِي قال له -أي: للذي تولى على هذا الشقص–: أصالحك عنه بعِوَض، أخذ عنه عِوَضًا، عشرة آلاف ريال مثلًا، فلا شفعة، لا شفعة لِمَن؟ لشركاء المنكِر؛ لأن هذا الشِّقْص لم ينتقل إلى المنكِر، وإنما هو باقٍ على ما هو عليه، على ملكه حسب إنكاره، واضح؟ طالب: نعم، واضح.
طالب آخر: غير واضح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1501

الشيخ: توضيح المسألة، قوله: (فلا رد) عرفتم المثال بين مسجل مدَّعًى به وراديو مصالَحًا به، إذا تبين في الراديو عيب هل يُرَدّ أو لا؟ يُرَد، في المسجل؟ لا يُرَدّ.
الشُّفعة؛ ادَّعَى فلان على فلان بأن نصيبه من الأرض له؛ للمدَّعِي، والعقد بين شركاء عشرة مثلًا، ادعى شخص على أحدهم بأن نصيبه له، فأنكر، فصالَحَه، مَن اللي صالَح؟ صالح المدَّعِي المنكِرَ على عِوَض، فأعطاه عشرة آلاف ريال عن النصيب هذا، فهنا لا شفعة؛ لا شفعة لِمَن؟ للشركاء التسعة، ليس لهم أن يأخذوا نصيب هذا الذي صالَح بالشفعة؛ لأنه لم ينتقل إليه بأيش؟ ببيع، أصله ملكه ما انتقل، فلهذا لا يكون هناك شفعة، واضح الآن المسألة؟ الآن فيه أرض بين سامح وبين أحمد، وادَّعَيْتَ أنت على سامح أن نصيبه من الأرض اللي بيده لك، وأنكر سامح، فصالحتَه، أعطاك مئة ألف ريال عن هذه الدعوى، انتهيت أنت، هل لأحمد أن يأخذ نصيب سامح بالشفعة؟ طالب: لا.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن الملك ما انتقل.
الشيخ: إي، لأن ما فيه انتقال للملك الآن، سامح يقول: ما زال الملك باقيًا، واضح؟ هذا معنى قوله: (فلا رد ولا شفعة).
طالب: من صالح يا شيخ، كأن تنازع اثنان مثلًا في سيارة، ثم صالح بماله بسيارة أخرى؟ الشيخ: بمال وسيارة أخرى؟ الطالب: لا، بسيارة أخرى، ثم قبل أن يستلمها المدَّعِي.
الشيخ: المدَّعِي ولّا المدَّعَى عليه؟ الطالب: المدَّعِي الذي يقول: إن هذه السيارة لي، أراد المدَّعَى عليه أن يقبضها، فهي بمنزلة الهبة، إذا لم تُقْبَض فإنه ( ... ). الشيخ: لا لا، إبراء، ما هي هبة، الهبة إنما هي في صلح الإقرار، الإنكار ما فيه شيء يسمى هبة، إما بيع وإما إبراء.


الجزء: 2 - الصفحة: 1502

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن كذبَ أحدُهما لم يصح في حقِّهِ باطنًا، وما أَخَذَه حرامٌ، ولا يصح بعوضٍ عن حدِّ سرقةٍ وقذفٍ ولا حقِّ شُفعةٍ وتركِ شهادةٍ، وتسقطُ الشفعةُ والحدُّ, وإن حصلَ غصنُ شجرتِه في هواءِ غيرِه أو قرارِه أَزالَه، فإن أَبَى لَوَاهُ إنْ أَمْكَنَ وإلا فله قَطْعُه.
ويجوز في الدَّرْبِ النافذِ فتحُ الأبوابِ للاستطراقِ، لا إخراجُ رَوْشَنٍ وساباطٍ ودَكَّةٍ ومِيزابٍ، ولا يَفعلُ ذلك في مُلْكِ جارٍ ودربٍ مُشْتَرَكٍ بلا إذنِ المُستَحِقِّ، وليس له وضعُ خشبه على حائطِ جارِه إلا عند الضرورة إذا لم يُمْكِنْه التَّسْقيفُ إلا به، وكذلك المسجدُ وغيرُه، وإذا انهدمَ جدارُهما أو خِيفَ ضررُه فطلبَ أحدُهما أن يَعْمُرَه الآخرُ معه أُجْبِر عليه، وكذا النهرُ والدُّولابُ والقناةُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو الصلح على إنكار؟ طالب: الصلح على إنكار مثلًا إذا كان رجل ادَّعَى على رجل مئة ألف ريال، وأنكر ذلك الرجل أن يكون عليه مئة ألف ريال، فقال: نذهب إلى المحكمة، فصالحه على أن يدفع ألف ريال على ألَّا يذهبَا، فهذا جائز.
الشيخ: هذا الإنكار، ما الفرق بينه وبين الصلح على إقرار؟ الطالب: الإقرار هو أن يُقِرَّ بأن هذا الدَّيْن عليه فعلًا، فهذا لا يجوز الصلح عليه؛ لأنه صلح ببعض ماله عن بعضه الآخر.
الشيخ: تمام، الصلح على إنكار تارة يكون على عين، وتارة يكون على دَيْن؟ مثِّل لما إذا كان على عين.
طالب: إذا كان على عين: ادعى عينٌ لفلان، يعني بيد فلان.
الشيخ: ادعى عينٌ؟ ! الطالب: الصلح على .. الشيخ: لكن ادعى عينٌ، تشكيلها هكذا؟ الطالب: ادعى على إنسان عينًا وأنكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1503

الشيخ: نعم، المدَّعَى عليه، فحينئذٍ له أن يصالح عن هذا .. الطالب: يسقط.
الشيخ: ما فيه إسقاط يا أخي، عين.
الطالب: على الهبة، على أن يصالحه على بعضه.
الشيخ: صالحه على بعضه.
الطالب: هذا يسمى هبة.
الشيخ: هل يجوز هذا الصلح في حق المدَّعِي والمدَّعَى عليه أو لا يجوز؟ طالب: يجوز في حق المدَّعِي.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ولا يجوز في حق المدَّعَى عليه؟ الطالب: يجوز في حقهما جميعًا.
الشيخ: في حقهما جميعًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: إن كان يجهله جاز في حقهما، وإن كان يعلمه فلا يجوز في حقه، ويجوز في حق المدَّعَى عليه.
الشيخ: يعني يجوز في حق المظلوم؛ القاعدة هذه: يجوز في حق المظلوم دون حق الظالم، هذا باعتبار ما عند الله عز وجل، أما باعتبار الظاهر فإنه يجوز، باعتبار الظاهر يُنَفَّذ الصلح.
لو صالحه عن العين بعينٍ أخرى، يجوز أو لا يجوز؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، مثاله؟ الطالب: أخذ عينًا منه وأبدله بدل هذه العين بصلح.
الشيخ: لا ما يصح، كيف أخذ عينًا؟ ! مثِّل بينك وبين جار.
الطالب: أخذت من صالح .. الشيخ: ادعيتَ على صالح أن الكتاب الذي بيده لك، وهو الكتاب اللي معاه الآن ما هو؟ زاد المستقنع؛ ادعيت أنه لك فأنكر، ثم صالحك على متن الألفية، يصح أو لا يصح؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ماذا يكون حكم هذا الصلح باعتبار المدَّعِي والمدَّعَى عليه؟ الطالب: بالنسبة للمدَّعَى عليه يكون في حقه .. الشيخ: هذا موجود بالمتن، لكن يبدو أنك ما حفظت المتن.
طالب: بالنسبة للمدَّعِي يجوز له ذلك.
الشيخ: لكن ماذا يكون في حقه؟ حكم هذا الصلح في حق المدَّعِي؟ الطالب: عِوَض.
الشيخ: هو عِوَض، حتى عن ذاك عِوَض.
طالب: بالنسبة للمدَّعِي بَيْع.
الشيخ: يكون بيعًا؛ لأن المدَّعِي يعتقد أن هذه العين التي ادَّعَاها مُلكه، وأنه أخذ عنها عِوَضًا، وهذا هو حقيقة البيع.
الطالب: والمدَّعَى عليه إبراء.

الجزء: 2 - الصفحة: 1504

الشيخ: بالنسبة للمدَّعَى عليه إبراء؛ لأن ما فيه إلا أنه أبرأه من الدعوى.
ما الذي يترتب على هذا؟ طالب: يترتب عليه إذا كان فيه عيب فإنه يردها.
الشيخ: إذا كانت العين التي أخذها المدَّعِي معيبة فإنه يردها بالعيب كأنه اشتراها.
والثاني لو وجد عيبًا بما ادُّعِيَ به عليه؟ طالب: لا، ليس له أن يرده.
الشيخ: لأنه يعتقد أن العين له، لم يملكها من قِبَلِه.
يقول المؤلف في إذا كان بيعًا فإنه يؤخَذ بالشفعة بالنسبة للمدَّعِي، ولا يؤخذ بالشفعة بالنسبة للمنكِر، فمَن يصور هذا؟ طالب: بأن يدَّعِي على رجل مثلًا عَيْنًا، ويصالحه الثاني على قطعة من أرض، هذه الأرض شركاء فيها، فيصالحه على قطعةٍ منها .. الشيخ: فللشركاء أن يأخذوها؟ الطالب: بالشفعة.
الشيخ: بالشفعة.
واضح يا جماعة؟ إنسان ادَّعَى على شخص بأن السيارة اللي عنده له، قال: أبدًا ما هي لك، ثم اتفقا على أن المدَّعَى عليه الذي بيده السيارة يعطي المدَّعِي قطعة من أرض مشتركة، أفهمتم الآن؟ انتقلت هذه القطعة من الأرض إلى المدَّعِي بعِوَض، فتكون بيعًا، فللشركاء أن يأخذوها بالشُّفْعة.
بالنسبة للآخر؟ يكون المدَّعِي ادَّعَى أرضًا بيد المدَّعَى عليه وهي مشتركة، فصالحه المدَّعَى عليه بعِوَض، دراهم أو غير دراهم، فهل للشركاء أن يأخذوها من المدَّعَى عليه بالشفعة؟ طالب: ليس لهم ذلك؛ ( ... ) الملك على أصله.
الشيخ: صحيح؛ لأن حقيقة الأمر أنه استبقى ملكه فقط ودفع الدعوى.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (إن كَذَبَ أحدُهما لم يصح في حقه باطنًا وَلَا يَصِحُّ بِعِوَضٍ).
(إن كذب أحدهما) أي: المدَّعَى عليه أو المدَّعِي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1505

(إن كذب أحدهما لم يصح في حقه باطنًا) أي: فيما بينه وبين الله، أما ظاهرًا فإنهما لو ترافعَا إلى القاضي -إلى المحكمة- حكم بالصلح، لكن باطنًا فيما بينه وبين الله الكاذب لا يصح الصلح في حقه، وعلى هذا فلا يصح أن يتصرف في العين التي أخذها وهو يعتقد أنها ليست له في الواقع، لكن ادَّعَاها كذبًا، وما أخذه منين؟ من العِوَض، سواء كان المدَّعِي أو المدَّعَى عليه، ما أخذه حرام لا يحل له؛ لأنه أخذه بغير حق.
مثال ذلك، آخر مثال مثَّلْنَا به، رجل ادَّعَى على أن قطعة هذه الأرض له، وهي أرض مشتركة، فأنكر مَن بيده الأرض، قال: أبدًا، إن هذه ليست لك، ثم اتفقَا على الصلح، فأعطى المدَّعَى عليه للمدَّعِي مئة درهم، عِوَضًا عن أيش؟ عن الأرض، إن كان المدَّعِي صادقًا والمنكِر المدَّعَى عليه كاذبًا فالأرض أيش؟ حرام على المدَّعَى عليه، كالأرض المغصوبة تمامًا، وإن كان بالعكس؛ المدَّعَى عليه هو الْمُحِقّ والمدَّعِي هو المبطِل فالعِوض الذي أخذه عن الأرض والدراهم تكون حرامًا عليه، وهذا واضح وماشٍ على القواعد الشرعية؛ لأن كلَّ من أخذ شيئًا بغير حق فهو حرام عليه.
ثم قال: (وَلَا يَصِحُّ بِعِوَضٍ).
يعني: (ولا يصح) أي: الصلح، (بِعِوَضٍ عَنْ حَدِّ سَرِقَةٍ)؛ لأن حد السرقة لِمَنْ؟ لله عزَّ وجل، فلا يمكن أن يأخذ المخلوق عِوَضًا عنه، وإذا بلغت الحدود السلطان فلا شفعة.
وعُلِم من قوله: (عن حدِّ سرقةٍ) أن الصلح يصح عن المال المسروق، فلو أن شخصًا سرق من آخر حُلِيًّا، فضاع الحلي، واعترف السارق به، ثم صالح عنه بعِوَض، فالصلح جائز لا بأس به، لكن لو صالح عن حد السرقة فإنه لا يصح.
لو أُمسِكَ السارق وقال للذي أَمْسَكَهُ: دعني وأعطيك عشرة آلاف ريال، لا ترفعني للولاة وأعطيك عشرة آلاف ريال، أيصح هذا أو لا؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يا إخواننا! ما يصح.
كيف يصح؟ أبدًا.
طالب: لم يبلغ الولي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1506

الشيخ: إي، لكن هذا ليس له الحق في هذا، نفس الذي أمسكه ليس له الحق؛ فإما أن يرفعه للولي، وإما أن يستر عليه ويدعه إذا كان يرى أن المصلحة في ذلك، أما أن يأخذ عِوَضًا عن هذا فلا يجوز، ثم فيه مَفْسَدة عظيمة؛ يكون كُلُّ واحد يُمْسَكُ على شيء يبذل عِوَضًا ويمشي.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم، وكذلك أيضًا لا يصح بعِوَضٍ عن حد قذف؛ حد القذف لِمَنْ؟ لله وللمخلوق، هو للمخلوق لكنه فيه شائبة حق لله عزَّ وجل، فلو قال المقذوف للقاذف: سأرفعك إلى ولي الأمر، فقال القاذف: لا ترفعني، أنا أعطيك عن حقك في القذف مئة ألف ولا ترفعني، فوافق، فهنا لا يجوز عن حد القذف؛ لأن حد القذف لله عز وجل، فإما أن ترفعه إلى ولي الأمر أو تتركه، لا سيما على القول بأنه لا يُشْتَرَط لإقامة حد القذف مطالبةُ المقذوف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا يُشْتَرَط في إقامة الحد مطالبة المقذوف؛ لأنه حقٌّ لله، حماية لأعراض المسلمين، ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4]، فهو كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2].
لكن على القول بأنه حقٌّ للمقذوف، وأن للمقذوف إسقاطه، قالوا: إنه لا يصح بعِوَض؛ لأن هذا الحق ليس ماليًّا، ولا يُقصَد به المال، فلا يصح بعِوَض.
ولكن هناك قولًا آخر؛ أنه يصح بالعِوَض؛ لأن الذي سوف تَسوَدُّ صحيفته به هو مَنْ؟ المقذوف، فبدلًا من هذا يقول: أعطني مئة ألف ريال، وأنا إن شاء الله سأدافع عن نفسي فيما يتعلق بالقذف.
وهذا القول له وجهة نظر؛ لأنه حقٌّ لآدمي في الواقع، ولهذا لا يقام حد القذف إلا بمطالبة مَنْ؟ المقذوف، أما إذا قلنا: إنه حق لله محض، وأنه لا تُشْتَرَط مطالبة المقذوف، فإنه لا يصح بعِوَض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1507

كذلك أيضًا: (ولا حق شفعة)، حق الشفعة أيش معناه؟ حق الشفعة معناه أن شخصًا له شريك في أرض؛ يعني أن شخصين شريكان في أرض، فباع أحدهما نصيبه على ثالث، مَنِ الذي له الشفعة؟ الشريك الذي لم يَبِع، ذهب المشتري إلى الشريك، وقال: أنت لك حق الشفعة، ولكن أنا سأعطيك عشرة آلاف ريال وأَسْقِط حقك، ففعل، يقول المؤلف: إنه لا يصح إسقاط الشفعة.
وهذه المسألة فيها قول آخر بأنه يصح بعِوَض عن إسقاط حق الشفعة؛ لأن حق الشفعة يتعلق بأيش؟ بالمال، فهو حق آدمي، فإذا قال: أنا أعطيك كذا وتنازَلْ عن المطالبة بالشفعة، فما المانع؟ وهو حقٌّ له، فالصواب في هذه المسألة أنه يصح أن يصالح عن حق الشفعة وتسقط الشفعة.
(وتركِ شهادة) يعني: لو صالح إنسانًا يشهد عليه بحق، وقال له: لا تُقِم الشهادة عليَّ وأعطيك كذا وكذا.
مثاله: إنسان طلَّق زوجته بحضور شاهدَيْنِ، ثم أنكر الطلاق، فقالت المرأة: عندي شهود، رجلان يشهدان، فذهب الزوج إلى الشاهدَيْنِ، وقال: أنا سأعطي كُلَّ واحد منكما ألف ريال واتركَا الشهادة، هل يجوز هذا أو لا؟ هذا لا يجوز، لا إشكال فيه؛ لأن الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]، ولا يصح بأي حال من الأحوال، حتى لو فرضنا أن المسألة حق مالي لا زوجية فإنه لا يجوز.
وهل يجوز أن يصالح إنسانًا يشهد له؟ طالب: لا.
طالب آخر: بحق.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: يشهد له.
طالب: إن كان بحق نعم.
الشيخ: لا يا أخي، بغير حق؛ ادعى على زيد بألف ريال، وليس عنده شهود، فذهب إلى رجلين وقال: اشهدَا لي وأعطيكما كذا وكذا، يجوز؟ لا يجوز، مع أنهم يقولون في بعض البلاد؛ أظن الشهادة مُقنَّنة على حسب الحق؛ إن كان حقًّا كبيرًا فالشهادة بمئة ريال، حقًّا صغيرًا بعشرة ريالات، موجودون عند باب المحكمة يقولون، هكذا سمعت ما أدري هل صحيح ولَّا لا، موجود.

الجزء: 2 - الصفحة: 1508

فهل يجوز أن الإنسان يعطي شخصًا ليشهد له؟ لا يجوز، لا شك فيه؛ لأن هذه شهادة زور، وهي من أكبر الكبائر.
قال المؤلف: (وتسقط الشفعة والحد).
(الحد) يعني حد القذف يسقط؛ لأن الرجل أسقطه، لكن لو قال: أنا أسقطته بعِوَض، فإما أن تعطوني العِوَض، وإلا فأنا أريد إقامة الحد على القاذف، يقولون: لا، لا نعطيك عوضًا، ولا نقيم لك الحد؛ لأنك أنت أسقطته.
وكذلك الشفعة، أنتم فاهمون المثال الأول في الشفعة؟ طالب: نعم.
الشيخ: هذا الذي أسقط حقه من الشفعة بعِوَض نقول: الآن ليس لك شفعة، وليس لك عِوَض، سبحان الله! الرجل اتفق مع المشتري الذي اشترى الشقص على أن يُسقِط شفعته بألف ريال، فالرجل أسقط شفعته، يقول: ليس له شفعة الآن؛ لأنه أسقطها، وليس له عِوَض؛ لأن العِوَض على ترك الشفعة غير صحيح، والصحيح أنه -كما قلنا قبل قليل- يجوز المصالحة بعِوَض عن إسقاط الشفعة.
طالب: ( ... ) حد القذف؟ الشيخ: حد القذف أتوقف فيه.
قال: (وَإِنْ حَصَلَ غُصْنُ شَجَرِهِ فِي هَوَاءِ غَيْرِهِ أَوْ قَرَارِهِ أزَالَهُ).
بدأ المؤلف بذكر شيءٍ من حقوق الجار، وإنما ذكر الفقهاء حقوق الجار في هذا الباب لأن الغالب أن النزاعات التي تكون بين الجيران الغالب أن تكون عن طريق أيش؟ عن طريق المصالحة، فلهذا ذكروا أحكام الجوار في هذا الباب، وله مناسبة أخرى يمكن تكون في آخر الفقه، لكن هنا رأوا أنه أنسب.
من المعلوم أن الجار له حق كما قال الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36]، له حق؛ فإن كان مسلمًا قريبًا كان له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق القرابة، وحق الجوار، وإن كان مسلمًا غير قريب فله حقان: حق الإسلام وحق الجوار، وإن كان كافرًا غير قريب فله حقٌّ واحد وهو حق الجوار.

الجزء: 2 - الصفحة: 1509

المهم أن الجار له حق، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» (1)، وقال: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ»، قالوا: مَن؟ قال: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (2)، يعني: تعديه وظلمه، وحتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (3)، ولننظر في أنفسنا نحن، هل نحن قمنا بحق الجوار؟ هذا استفهام.
والجواب: أكثر الناس في غفلة عن هذا الحق، ولا يرون أن للجار حقًّا، ولكن هذا خطأ، الذي ينبغي للإنسان أن يواصل جاره، بحسب ما تقتضيه الحال والطبيعة؛ طبيعة البلد مثلًا، طبيعة الناس، وأن يكف شره عن الجار، يعطيه من الخير ويكف الشر، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» (4). من الأشياء التي يجب أن يدفعها عن جاره: (إذا حصل غصنُ شجرته في هواء غيره أو قراره).
الهواء: المكان المرتفع، والقرار: الأرض، القرار الأرض، والهواء ما فوق الأرض.
إذا حصل غصن الشجرة في الهواء، بأن يكون الإنسان عنده شجرة في بيته ولها أغصان متدلية على ملك جاره، هذا هواء.
القرار: إنسان عنده شجرة في البيت، لكنها من الشجر الذي يمتد على الأرض، مثل البطيخ يمتد على الأرض، حصل غصن هذه الشجرة في أرض جاره، هذا نقول: حصل في القرار ولّا في الهواء؟ في القرار.
هناك شيء ثالث يمتد أيضًا إلى الجار: وهو العروق، والعروق في باطن الأرض.
فعندنا الآن ثلاثة أشياء: غصن على القرار، وغصن في الهواء، والثالث عروق في باطن الأرض.
أما الغصن في الهواء أو على القرار، فإنه يجب على صاحب الغصن أن يُزيله إذا طالبه صاحب الأرض الذي هو الجار، إذا قال: أَزِلْ عني هذا الغصن، وجب عليه أن يزيله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1510

فإذا قال صاحب الشجرة: هذا الغصن ينفعك، يظلك، تجلس أنت وأهلك في ظلال هذا الغصن، تستأنس، قال: أنا لا أريد هذا، أنا أريد أن تزيل هذا الغصن، هل يُلزم صاحب الشجرة؟ نعم يُلْزَم.
وكذلك لو كان في القرار، يعني تُسَرِّح الأغصان على الأرض، فإنه إذا طالبه الجار يجب عليه إزالته.
وعُلِمَ من هذا الكلام أن الهواء ملك لصاحب الأرض، إلى أين؟ طالب: إلى السماء الدنيا.
الشيخ: إلى السماء الدنيا، أو إلى الغيم؟ الظاهر إلى السماء الدنيا، فلا يمكن لأحد أن يتخذ رَوْشَنًا، أو ما أشبه ذلك على أرضه إلا بإذنه.
بقينا في القسم الثالث، ما هو؟ العروق، إذا امتدت عروق الشجرة إلى أرض الجار، فهل للجار أن يطالب صاحب الشجرة بقطع العروق؟ نقول: في هذا تفصيل؛ إن كانت العروق تؤذيه أو تضره فله أن يطالب، وإن كانت لا تؤذيه ولا تضره فليس له حق المطالبة؛ لأن هذا مما جرت العادة بالتسامح فيه.
تؤذيه بأن كانت تنقل الندى، يعني الرطوبة؛ لأن العروق رطبة تنقل الرطوبة إلى الأرض، أو كانت ربما تبرز على سطح الأرض.
الضرر؛ بعض الأشجار يكون لها عروق قوية تدفع حتى الحصى، وهذا إنسان عنده قَبْو في الأرض، وعروق شجرة الجار تدفع الجدار، ربما تدفعه حتى يَسقط أو ربما تشقه إذا كان من الطين ثم تتدلى بهذا القبو، هذا ضرر، فلصاحب الملك -أي صاحب الأرض- أن يطالب صاحب الشجرة بأيش؟ بقطع هذه العروق، أما إذا كان لا يتأذى ولا يتضرر فلا يُلزِمه بإزالتها؛ لأن هذا مما جرت العادة بالتسامح فيه.
(فإن أبى) إن أبى مَنْ؟ صاحب الشجرة، أبى أن يزيله.
(لواه) الفاعل صاحب الأرض، أي: لوى الغصن.
(إن أمكن) يعني: إن أمكن لَيُّهُ.
(وإلا فله قطعه)، فصار هذا الغصن له مراحل: المرحلة الأولى: أن نطالب مَنْ؟ صاحب الغصن بالإزالة.
الثانية: إذا أبى يُلْوَى الغصن، فإن لم يمكن لَيُّه لكونه قاسيًا، أو لا يمكن أن يلتوي إلا بالكسر فله قطعه دفعًا لأذاه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1511

لو أن صاحب الشجرة قال لصاحب الأرض: أنا أصالحك على أن أدفع لك كُلَّ شهر كذا وكذا، فهل تصح الأجرة؟ طلبة: لا تصح.
طلبة آخرون: لا تصح.
الشيخ: يقول: لا تصح الأجرة؛ لأن الأغصان تمتد وتكبر، فيكون ما تشغله فيما بعد مجهولًا أو معلومًا؟ الطلبة: مجهولًا.
الشيخ: مجهولًا، فلا يمكن أن تكون بأجرة.
نعم لو فُرِضَ أنه آجَره إياه على حسب المساحة، وقال: إذا شَغل الغصن مساحة متر فبكذا، مترين فبكذا، فالظاهر الصحة؛ لأن هذا ليس فيه محظور شرعي ولا جهالة.
إذا صالحه على أن له نصفَ الثمر الذي في هذا الغصن المتدلِّي يصح أو لا؟ طالب: يصح.
الشيخ: هنا يصح؛ لأن الغصن حتى لو كبر وامتد سوف يزيد الثمر، فهذا يصح؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، وليس فيه غرر كثير.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للشهادة إذا كانت بحق، بمعنى أن لي عند رجل مثلًا شهادة، وهو يشهد بحق، وقع الأمر فعلًا، لكن اعتذر بكون الوقت لا يسمح وعدم ذهابه للمحكمة وكذا، فصالحته على أن أعطيه مبلغًا من المال، يعني لقاء وقته الذي ( ... )؟ الشيخ: هذا لا بأس به، يعني هنا المصالحة على إقامة الشهادة، ما هو على ترك الشهادة.
الطالب: على إقامتها.
الشيخ: على إقامتها لا بأس، له أن يطالب بأجرة النقل إذا كان بعيدًا، أو أن يطالب بفوات المنفعة إذا كان يعمل في غزل أو غيره، هذا لا بأس به، أما إذا امتنع وقال: لا أؤدي الشهادة إلا بعِوَض، هذا حرامٌ عليه.
الطالب: عليه هو؟ الشيخ: عليه هو، نعم.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان الهواء تابعًا لملك الأرض فهل من حق الإنسان إذا بنى مسجدًا في أرضه أن ينتفع؛ يعني أن يبني فوق المسجد في هذا الهواء مسكنًا له أو لأهله، أم يقال: إن الهواء الذي فوق المسجد .. الشيخ: الهواء اللي فوق المسجد مسجد، لا يجوز أن يبني عليه شيئًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1512

الطالب: هذا منتشر يا شيخ عندنا مثلًا في كثير من البلاد أنه يبني مثلًا في أسفل العمارة يجعلها مسجدًا، وباقي العمارة كلها أدوار سكنية.
الشيخ: هذا تجده من الأصل، من الأصل ما نوى أن تكون مسجدًا.
الطالب: هو نوى أن يبني مسكنًا كاملًا.
الشيخ: إي، يعني نوى النية الآن مشتركة بين إقامة المسجد والبناء فوقه، هذا ما فيه شيء، الذي فيه الشيء هو أن يكون هذا المسجد قد بُنِيَ أصلًا، ولم يُقْصَد أن يُبْنَى فوقه شيء، ثم بدا لصاحبه أن يبني فوقه شيئًا فهذا لا يجوز.
طالب: ادعى رجل على آخر عينًا، فأنكر المدَّعَى عليه، ثم أقيمت عليه البينة، هل يصح الصلح في هذه الحال؟ الشيخ: بعد المصالحة؟ الطالب: قبل المصالحة قامت عليه البينة.
الشيخ: إذا قامت البينة ما هي مشكلة؛ لأن الصلح يكون بيعًا وشراء، ما هي مشكلة.
طالب: عفا الله عنك، شيخ، إذا كان الإنسان ( ... ) لإنسان الحق بهدف الحيلة، وأنكر صاحب الحق الذي عليه الحق أنه ( ... )، وقال: صالحتك.
أنت صالحت على بعض المال حيلةً، ما نوى منه أن يعطيه ( ... ). الشيخ: هذه مرت علينا.
الطالب: الصورة هذه يا شيخ ما مرت علينا.
الشيخ: لا، مرت علينا، راجع الشريط.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، القول ( ... ) ولا أنكرت الشهادة بحق أو باطل ( ... ). الشيخ: حتى ( ... ) بالحق يجب عليه أن يشهد، كيف يأخذ العِوَض عن طلب الشهادة؟ ! الطالب: ما يجوز المصالحة ( ... )؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف ذلك؟ الشيخ: ما يجوز؛ لأن الشاهد يجب أن يؤدي الشهادة، إنسان بيشهد عليه الشاهد بأن في ذمته لفلان ألف ريال، راح ( ... ) وقال: تعالَ، لا تشهد، إذا شهدت ما أنت بمستفيد، وربما يكون عليه ضرر، أنا بأعطيك ( ... ) هذه ولا تشهد.
الطالب: لا يشهد له هو بحق.
الشيخ: الآن بيشهد عليه بحق، فقال له الذي عليه الحق: لا تشهد وأعطيك كذا، يعني: اترك الشهادة وأعطيك كذا وكذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1513

الطالب: شيخ، ( ... ) فهمتَ أن ذوي إنسان سيشهد له هو، قال: تعال اشهد لي، قلت أنا: لا، قال: سأعطيك من ها الحق وتشهد لي.
الشيخ: لا لا لا، هذا ما يصير عن طلب الشهادة، هذا عن أداء الشهادة أو تحمل الشهادة الذي ذكرت.
طالب: مَن بنى مسجدًا من دورين، هل له أن يجعل في الدور الثاني دورات مياه لهذا المسجد؟ الشيخ: يعني تبع المصلحة، هو إذا كانا المسألة تأسيسًا فليفعل ما شاء، ولينوي ما شاء، أما بعد أن تم الإنشاء وتأسس فيبقى الشيء على ما هو عليه.
الطالب: لا، ليس تأسيسًا، وإنما بُنِيَ على أنه مسجد، ثم ضاقت بهم الأرض، فقالوا: نجعل الدورات لهذا المسجد في الدور الثاني.
الشيخ: ما فيه بأس، المحذور أن تكون الدورات تحت، والصحيح أنه لا بأس بذلك.
طالب: إذا كانت العمارة من أدوار، والدور الأرضي مسجد، ثم تلفت العمارة وهدمها وأراد بناءها من جديد، هل يلزمه أن يجعل الدور الأرض مسجدًا؟ الشيخ: إي نعم، يجب أن يقيم مسجدًا في الدور الأرضي على حسب مساحة المسجد الأول، إلا إذا كان جعله مصلى، يعني يوجد في بعض العمارات الكبار يجعلون مصلى ما هو مسجد، فالمصلى ليس بمسجد، له أن يغيره، ينقله من مكان لمكان، وله أن يرفع الصلاة فيه مطلقًا.
طالب: السكوت ( ... )؟ الشيخ: إي نعم؛ لأن المدَّعَى عليه إما أن يُقِرّ، أو ينكر، أو يسكت، فإذا سكت فهو كالمنكِر.
الطالب: سكت وهو يجهل.
الشيخ: لا، سكت وهو يجهله، نقول: نعم، صالِح عن هذه الدعوى.
الطالب: يكون في حقه؟ الشيخ: يكون في حق المدَّعِي إن كان كاذبًا حرامًا.
طالب: إذا وُجِدَ في العين التي صالح عليها عيب في صلح إنكار، فقال: لا أريد أن أردها، ولكن أريد أَرْشَ الدَّيْن كما سبق لنا تخييره.
الشيخ: إي، له ذلك، إي نعم؛ لأن حكمه حكم البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1514

طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو أن الأغصان امتدت بكثرة في هواء أرضه، وكذلك العروق التي في الأرض، التي على ظهرها كالبطيخ، فأزالها، واحتاج في إزالتها إلى جهدٍ كبير، فهل له أن يأخذ من مالكها أجرة المثل؟ ( ... )


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الصلح: ويجوز في الدَّرْبِ النافذِ فتحُ الأبوابِ للاستطراقِ، لا إخراجُ رَوْشَنٍ وساباطٍ ودَكَّةٍ ومِيزابٍ، ولا يَفعلُ ذلك في ملْكِ جارٍ ودربٍ مُشْتَرَكٍ بلا إذنِ المُستَحِقِّ، وليس له وضعُ خشبه على حائطِ جارِه إلا عند الضرورة إذا لم يُمْكِنْه التَّسْقيفُ إلا به، وكذلك المسجدُ وغيرُه، وإذا انهدمَ جدارُهما أو خِيفَ ضررُه فطلبَ أحدُهما أن يَعْمُرَه الآخرُ معه أُجْبِر عليه، وكذا النهرُ والدُّولابُ والقناةُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما حكم المصالحة عن حق الشفعة؟ طالب: على قول المصنف أنه لا يصح.
الشيخ: المذهب أنه لا يصح، ثم ماذا عن الشفعة؟ الطالب: تبطل الشفعة، يسقط حقه في الشفعة.
الشيخ: يسقط حقه، نعم، هل هناك قول آخر على كلامك، المذهب؟ الطالب: القول الثاني أنه يصح الصلح على الشفعة.
الشيخ: على إسقاط الشفعة؛ لأنها؟ الطالب: لأنها حق مالي وحق آدمي، ليس هناك مانع من أخذ العِوَض عنه.
الشيخ: فيدخل في عموم الحديث «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ».
(5) طيب، هل يصح الصلح عن حد القذف؟ طالب: لا يصح الصلح عن حد القذف.
الشيخ: لا يصح مطلقًا؟ على المذهب.
هل على كلامك المذهب هل هناك قول آخر؟ طالب: نعم، له أن يصالحه.
الشيخ: يصالحه متى؟ إذا وصل إلى الإمام ولّا قبل؟ الطالب: قبل أن يصل إلى الإمام.
الشيخ: قبل أن يصل إلى الإمام، توافقون على هذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1515

نعم، المذهب لا يصح، والقول الثاني: إذا لم يصل إلى حد الإمام فإنه تصح المصالحة، لكن على رأي مَن يرى أن حد القذف حقٌّ لله يقول: لا تصح المصالحة مطلقًا.
طالب: ما رجحنا شيئًا يا شيخ.
الشيخ: هكذا قيل.
يقول المؤلف: (إذا حصلَ غصنُ شجرتِه في هواءِ غيرِه أو قرارِه)، ما معنى العبارة؟ (في هواء غيره أو قراره).
طالب: أي يكون الغصن متدليًا على بئر ( ... ) الجدار.
الشيخ: هذا الهواء ولّا القرار؟ الطالب: الهواء.
الشيخ: القرار؟ الطالب: القرار كأن يكون الجذع .. العروق.
الشيخ: لا.
الطالب: الجذع يا شيخ.
الشيخ: أيش الجذع؟ الجذع لا بد أنه في ملكه، ما هو في ملك جاره.
طالب: ( ... ). الشيخ: يعني تمتد أغصان الشجرة على الأرض، مثل؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إذن هذا الفرق بين الهواء والقرار.
هناك قرارٌ باطني؟ طالب: شيخ، العروق، عروق الشجرة.
الشيخ: ماذا تقول فيها؟ الطالب: هو إذا كان عليه ضرر أو أذية فهذا يُجْبَر على نزعه، وأما إذا لم يتأذَّ به فقد جرت العادة على التسامح في مثل هذه الأمور.
الشيخ: إي نعم، إذا حصل به ضرر أو أذية فإنه له حق المطالبة في إزالته.
ما الفرق بين الضرر والأذية؟ الطالب: الضرر يا شيخ مثل ما يكون مثلًا عنده بيت قبو تحت، فالعروق هذه تدفع الجدار نفسه، هذا الضرر.
الشيخ: الأذية؟ الطالب: الأذية مثلًا يا شيخ تُنْتِج أو شيء من هذا.
طالب آخر: يا شيخ ( ... ) يشتركان في إزالة الضرر إن حصل ضد الآخر، لكن الأذية فقط.
الشيخ: إي، بس مثاله؟ الطالب: مثلًا في بعض الأشجار تخرج عروقها إلى ظاهر الأرض، فيتضرر.
الشيخ: يعني فيتضرر، جاء الضرر.
الطالب: ( ... ) ما يحتاج مثلًا شيئًا من المالك ولا يعني .. الشيخ: ولا يخشى على الجدار أن يسقط.
الطالب: ولا يخشى على الجدار أن يسقط.
الشيخ: لكن يتأذى مثلًا بالرائحة أو تكون الأرض ندية مثلًا.
ماذا يستفاد من كلام المؤلف بالنسبة للهواء والقرار؟ طالب: كيف يا شيخ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1516

الشيخ: ماذا يستفاد من كلام المؤلف بالنسبة للهواء والقرار ما دام نقول: إنه إذا حصل الغصن فله إزالته؟ الطالب: ما فهمت السؤال.
الشيخ: المؤلف يقول: (إن حصل غصنُ شجرتِه في هواءِ غيرِه أو قرارِه أزاله)، ماذا يستفاد من هذا الحكم؟ الطالب: أن له المصالحة عليه بعِوَض.
الشيخ: لا.
طالب: أن الهواء تابع لصاحب الأرض.
الشيخ: أن الهواء تابع للقرار، وأن القرار الأسفل تابع لما فوقه، كذا؟ توافق على هذا؟ لو وُضِعَ مسعًى تحت المسعى الآن في مكة يصح السعي فيه؟ طالب: نعم؛ لأنه تابع لما هو فوقه.
الشيخ: ولو وضع فوقه؟ الطالب: كذلك.
الشيخ: كذلك؛ لأن الهواء تابع للقرار.
إذا أبى مالك الغصن أن يزيله؟ طالب: لواه.
الشيخ: مَن يلويه؟ الطالب: مَن وقع عليه الضرر لوى الغصن.
الشيخ: ما فيه ضرر، الغصن متدلٍّ من فوق.
طالب: يلويه.
الشيخ: من اللي يلويه؟ الطالب: مَن وقع عليه .. الشيخ: مَنْ؟ الجار ولّا صاحب الغصن؟ الطالب: الجار.
الشيخ: الجار؟ كيف يتصرف في ملك غيره؟ الطالب: هذا تصرف في ملكه وليس في ملك غيره.
الشيخ: يعني لدفع أذاه، كالصائل تمامًا، كذا؟ إذا لم يمكن لَيُّه بحيث يكون من الأغصان التي إذا لويتها انكسرت.
طالب: المؤلف يقول: (القطع).
الشيخ: أيش المؤلف يعني؟ وأنت عندك فيها إشكال؟ يعني له أن يقطع الغصن الذي يتدلى على ملكه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: له ذلك، متأكد، عازم؟ طيب.


يقول المؤلف رحمه الله: (ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق).
الدروب يعني الطرق، تنقسم إلى قسمين: قسم نافذ، وقسم مسدود لا ينفذ، الطريق النافذ ملك لأهل البلد كُلِّهم، مُلكٌ للجميع، فيجوز أن يفتح بابًا للاستطراق في الدرب النافذ، سواء من أوَّل الدرب أو من وسطه، أو من آخره، ما دام بيته ممتدًّا من أول الشارع إلى آخره، ما دام هو للاستطراق فهو مُلكٌ عام له أن يفتح الباب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1517

وقوله: (للاستطراق) مفهومه فتح الباب للهواء، وهو ما يعبَّر عنه بالفُرْجَة، أو ما يسمى به في الوقت الحاضر أيش؟ الدَّرِيشَة، هل يجوز أن يفتح الدَّرِيشَة أو الفُرْجة في الجدار أو لا؟ نقول: نعم، يجوز، إذا جاز فتح الباب للاستطراق ففتح الباب للهواء من باب أوْلى؛ لأنه لا يضر أحدًا، ولأنه يجوز أن يرفع جداره، يعني يهدم جداره حتى لا يبقى إلا نحو قامة الرجل.
إذن له أن يفتح المنافذ الهوائية، وله أن يفتح الأبواب للاستطراق.
وظاهر كلام المؤلف: لا فرق بين أن يفتحه في مقابل باب جاره، أو في غير مقابل باب جاره؛ لأن الطريق مُلكٌ للجميع، وهذا كذلك، لا فرق بين أن يكون أمام بيت جاره أو لا، إلا إذا كان الجار يتأذى بفتح باب جاره أمامه، فحينئذٍ لا يحل له أن يفتحه أمام باب بيت جاره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» (1)، وقال: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ».
(2) (لا إخراج رَوْشَن وسَابَاط ودَكَّة ومِيزَاب)، هذه لا يجوز إخراجها في الدروب النافذة.
إخراج الروشن والساباط والدكة والميزاب.
(الرَّوْشَن): هو أن يجعل سقفًا لا يتصل بالجدار الآخر.
و(الساباط): أن يتصل بالجدار الآخر، أو بالعكس.
فلا يجوز أن يُخْرِج على الشارع العام شيئًا زائدًا عن ملكه.
وجه ذلك: أن الهواء تابع للقرار، وهذا الطريق ملك لعامة الناس، فلا يجوز أن تُخْرِجَ شيئًا يكون على هواء هذا الطريق.
وكذلك الساباط: لو كان الإنسان مثلًا له بيتان، يفصل بينهما طريق نافذ، فأراد أن يجعل جسرًا بين البيتين؛ فإنه ليس له ذلك، لماذا؟ لأن الهواء تابع للقرار، والشارع ملك لعامة الناس، لا يختص به أحد دون آخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1518

وظاهر كلام المؤلف رحمه الله سواء كان في ذلك ضرر أم لم يكن، بل ظاهر كلامه حتى ولو كان في ذلك مصلحة لمن طرق هذا الشارع، مثل أن يكون ظلًّا يقي من الشمس ويقي من المطر، فإنه ليس له ذلك.
والصحيح خلاف هذا، الصحيح أنه لا بأس أن يُخْرِجَ ما جرت به العادة، مما لا يضر الناس، فإن كان مما يضرهم فإنه لا يجوز، حتى لو أذن مَن له الولاية على البلد، كرئيس البلدية مثلًا أن يُخْرِج هذا الساباط أو الرَّوْشَن وهو يضر بالناس فإنه ليس له أن يفعل.
فالقول الراجح في هذه المسألة أن يقال: له إخراج ما جرت به العادة بشرط أيش؟ ألَّا يضر الناس، فإن أخرجه وكان نازلًا بحيث يضرب الراكب أو ما أشبه ذلك فإنه ممنوع.
(ودكة)، الدكة: العتبة، يعني ليس له أن يُخرج عتبة، ولو كان بيته أرفع من الشارع، فإنه لا يحل له أن يُخْرِجَ عتبةً في الشارع، لماذا؟ لأن الشارع ملك للجميع؛ هذه واحدة، ولأن العتبة تضيِّق الشارع، ولأنها ربما تكدِم أقدام الناس، لا سيما إذا كان الشارع يتطرق معه أناس كثيرون، فلا يجوز أن يُخْرِجَ دكة - أي: عتبة.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كان الشارع واسعًا، ولو بإذنِ مَن له الإذن في ذلك.
وهذه أيضًا يقال فيها ما قلنا في الرَّوْشَن والساباط، وهو أنه إذا لم يكن في ذلك ضرر، بأن كان الطريق واسعًا والعتبة منخفضة، ولا ضرر فيها على أحد، فله أن يفعل ذلك كما جرت به العادة.
أما ما يفعله بعض الناس الآن؛ يجعل بالشارع الضيق درجًا ربما يصل إلى خمس درجات، أو ست درجات فهذا لا يجوز؛ لأن في ذلك تضييقًا للشارع وضررًا على المسلمين، والشارع ليس ملكًا لأحد، هو ملك عام.
(أو ميزاب)، الميزاب ما هو؟ المَثْعَب، يعني الذي يصب منه الماء من السطوح، فلا يجوز أن يُخْرَج على الدرب النافذ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1519

إذن ماذا نصنع؟ نجعل المطر يصب في داخل البيت ويخرج من أسفل، وهذا ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز مطلقًا، سواء كان في ذلك أذية وضرر أم لا، وسواء كان بإذن ولي الأمر في البلد أم لا.
والصحيح خلاف ذلك، الصحيح أن له إخراج الميازيب بشرط ألَّا يحصل بها ضرر؛ لأن هذا عادة الناس حتى في عهد النبي عليه الصلاة والسلام الميازيب تكون في الشارع على الأسواق.
فالصواب أنه يجوز أن يُخرج الميزاب بشرط ألَّا يكون في ذلك ضرر، الضرر بأن يكون الميزاب نازلًا يضرب رأس الراكب وما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: الضرر لا بد أن يكون في الميزاب؛ لأنه إذا جاء المطر فسوف يصب على المارة؟ فيقال: هذا أولًا: ليس دائمًا.
وثانيًا: الناس في أوقات المطر الشديد الذي تصب الميازيب منه سوف يكونون في البيوت لا يخرجون، وهذا ضرر مغتَفَر في جانب المصلحة التي تكون للناس.


يقول: (ولا يفعل ذلك في ملكِ جارٍ ودربٍ مشترَك إلا بإذن المستحق).
هذا النوع الثاني من الدروب، الدرب المشترك هو الذي ليس بنافذ، فالشارع الذي ليس بنافذ مشترَك للجيران، هم أهل الحق فيه، فلا يجوز أن يُخْرِج هذه الأشياء الأربعة التي هي: الرَّوْشَن، والساباط، والدَّكَّة، والميزاب، إلا بإذن المستحِق.
مَنْ هم المستحِقُّون؟ هم الذين لهم أبواب شارعة على هذا الدَّرْب؛ هؤلاء هم المستحِقُّون، وليس الذين لهم بيوت على الدرب؛ لأن من له بيت على الدرب وليس له باب هذا لا حق له في الدرب، لكن إذا كان له باب فله الحق في الدرب، فلا يجوز إخراج هذه الأربعة إلا بإذنهم، فإذا أذنوا فالحق لهم، وإن لم يأذنوا فإنه لا يحل له ذلك.
لكن يختلف هذا عن الدرب النافذ بأن الواحد منهم لا يُخرِج بابًا أدنى من بابه إلا بإذن الآخرين، يعني: لو كان أحد هؤلاء المشترِكين في الدرب له باب في أوله، فأراد أن يحوِّله إلى آخره، فليس له ذلك؛ لأنه لا يملك من هذا الدرب إلا ما كان محاذيًا لبابه، أو أدنى منه لفَمِ الدرب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1520

أنتم تصورتم هذا؟ طالب: لا.
الشيخ: ما تصورتم.
هذا دربٌ مشترك، ما هو الدرب المشترك؟ الذي ليس بنافذ، المسدود، فيه الجيران أحدهم له باب عند مدخل الدرب، أراد أن ينقل الباب إلى داخل، نقول: ليس لك ذلك، لماذا؟ لأنه ليس لك حقٌّ في هذا الدرب المشترك إلا من حذاء بابك، وما كان أدنى إلى فم الدرب، واضح؟ لكن لو أذنوا له فلا بأس، إذا أذنوا له فالحق لهم.
فصار الآن، لو فرضنا أن هذا الدرب فيه ستة أبواب، بابان في الآخر عند نهاية الدرب، وبابان على اليمين وعلى اليسار، أصحاب الأبواب التي في الآخر، هؤلاء لهم حق؛ يفتحون في أي مكان من هذا الدرب، السبب؟ لأنهم يملكون كل الدرب، لهم حق في كل الدرب.
أصحاب الأبواب اللي على اليمين واليسار، نقول: من كان منهم أدنى إلى فَمِ الدرب فليس له أن ينقل بابه إلى الداخل إلا بإذنهم، وأما مَن أراد نقله إلى فم الدرب له ذلك؟ له ذلك؛ لأنه أسقط حقه، لكن بشرط ألَّا يفتحه أمام باب جاره؛ لأنه ربما يتأذى، إلا بإذنه.
ما هو الدرب المشترك؟ اللي غير نافذ، المسدود يعني، السوق إذا صار مسدودًا يعني، ما هو ينفذ، ما هو الآن الشوارع بعضها مسدود؟ بعضها مسدود، هذا يسمونه الدرب المشترك، هذا الدرب المشترك يشترك فيه مَن كان بابه فيه، مَن له باب في هذا الدرب فهو شريك، وليس من له بيت على هذا الدرب؛ لأنه قد يكون البيت على هذا الدرب وبابه على الشارع العام.
نقول: هذا الدرب المشترك لا يجوز للإنسان أن يفتح فيه بابًا إلا بإذن الجيران، ولا يجوز أن يُخْرِج عتبة للباب إلا بإذن الجيران، ولا أن يُخْرِج رَوْشَنًا ولا ساباطًا إلا بإذنهم، هذه واضحة يا جماعة ولّا غير واضحة؟ الآن مسألة أخرى: لو أراد أحد من هؤلاء أن ينقل بابه إلى الداخل، أيجوز هذا أو لا يجوز؟ طالب: لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1521

الشيخ: إلى الداخل، يعني مثلًا طرف السوق، هو بابه عند طرف السوق، أراد أن يدخل، يدخّله عند منتهى السوق، له ذلك؟ لا، إلا بموافقة الجيران، فإذا قال إنسان: عَلِّل ليش ليس له ذلك، أليس هذا الدرب مشتركًا؟ نقول: لأن الإنسان لا يكون شريكًا إلا فيما يحاذي بابه وما كان دونه مما يلي فم الشارع.
فإن أراد اللي في آخر هذا الدرب أن ينقل بيته إلى فم الشارع، يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه يعتبر تنازل عن حقه، لكنه لا يفتحه أمام باب جاره إلا بإذنه.
طالب: شيخ، ( ... ) إذا كان بيتي هناك كيف أفتح باب .. ما يجوز.
طالب آخر: يدخل في ملك غيري.
الشيخ: الآن إذا قدَّرنا أن الشارع انسد من طرف الزاوية إلى هذا، أنت بابك هو الباب الأول، الحجرة الأولى، وملكك واسع، ممكن تنقل هذا الباب إلى هنا.
طالب: ولكن هذا ليس بيتي.
الشيخ: لا، كله لك.
الطالب: إي.
الشيخ: كله لك، وإلا معلوم أنه ما هو راح يفتح بابًا له في ملك غيره، هذا معروف.
طالب: إذا كان له حق فتح باب في أول الشارع، فلماذا لم يكن له حق باب في هذا الشارع؟ الشيخ: لا، ليس له حق فتح الباب مطلقًا، له حق فتح الباب من حذاء بابه الأول، وما دونه مما يلي فم الشارع.
الطالب: لو جرى عرف الناس أن له حقًّا أن يفتح في هذا الشارع بابًا، يعني مثلًا عندنا يكون مثلًا هذا الشارع المشترك إذا ترك من ملكه مثلًا مترًا أو مترين فيكون له حق فتح باب بسعة كذا، يعني عند أعراف الناس، يفتح في أول البيت، يفتح في آخر البيت، يعني ما يختلفون في هذا.
الشيخ: هذا أول ما يوضع الشارع، يعني مثلًا هؤلاء اشتروا قطعة أرض كبيرة فيها مخطط، هؤلاء اتفقوا من أول الأمر، فله أن يجعل باب البيت من أسفل الشارع أو من أعلاه، لكن بعد أن يستقر ويبنون، ويكون هذا بابه من أول الشارع، وهذا بابه من أسفل الشارع، فالذي من أسفل الشارع له أن ينقله إلى أوله، والذي من أوله ليس له أن ينقله إلى آخره.
طالب: لماذا يا شيخ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1522

الشيخ: العلة علَّلْنَا لكم؛ لأن الإنسان لا يملك من هذا الشارع إلا ما كان محاذيًا لبابه، أو ما دونه من أعلى الشارع.
لكن اشترطنا في مسألة نقل الباب رضا؟ طلبة: الجيران.
الشيخ: لا، يُشْتَرَط في نقله إلى أعلى الطريق ألَّا يكون أمام باب جاره.
هل له أن يفتح بابًا للهواء في الطريق المشترك؟ نعم، له ذلك، ولا يحتاج إلى إذن، والسبب أنه لا ضرر على أهل الشارع؛ ولأنه له الحق في أن يهدم من جداره إلى مقدار قامة الرجل، فإخراج النوافذ للهواء لا بأس به.


يقول: (ولا يَفعلُ ذلك في ملْكِ جارٍ ودربٍ مُشْتَرَكٍ بلا إذنِ المُستَحِقِّ، وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ).
هذه مسألة جديدة: الجيران لا بد أن يكون بينهم جدار، هذا الجدار إما أن يكون لواحد منهم فقط، أو يكون مشتركًا؛ إذا كان لواحد منهم فهو ملكه، وإذا كان مشتركًا فهو مُلك للجميع، وكلام المؤلف الآن فيما إذا كان خاصًّا بأحدهما، أي: بأحد الجارَيْن، فهل للثاني أن يضع خشبه على هذا الجدار؟ يقول المؤلف: إذا كان هناك ضرورة فلا بأس، وإلا فليس له ذلك.
الضرورة ألَّا يمكنه التسقيف إلا به، مثل أن يكون الخشب قصيرًا، لو أنه سَقَّفَهُ على جداره هو لكانت المسافة بعيدة، والخشب قصير.
مثاله: حجرة طولها أربعة أمتار، وعرضها متران، والعرض هو جدار الجار، الخشب الذي عنده طوله متران أو متران ونصف، لو أراد أن يجعل الخشب على أربعة الأمتار يمكن ولّا ما يمكن؟ ما يمكن، إذن لا بد أن يجعله على المترين، والمتران هما الجدار الذي لصاحبه، نقول: لك أن تضع الخشب على جدار جارك، سواء رضي أم لم يَرْضَ.
فإن قال: هل لذلك شرط؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1523

قلنا: نعم، الشرط ألَّا يتضرر الجدار بذلك، مثل أن يكون الجدار رَهيفًا والخشب ثقيلًا، ويتضرر الجدار، يُخْشَى عليه من الانهدام فحينئذٍ لا يحل له أن يضعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (6)، لكن إذا كان لا يضره فإنه لا يمنعه ما دام محتاجًا إلى ذلك.
دليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ» أو قال: «خَشَبَةً - فِي جِدَارِهِ» (7)، لا يمنع، والنهي هنا للتحريم، وإنما حرَّم النبي صلى الله عليه وسلم المنع؛ لأن في وضع الخشب مصلحة لصاحب الجدار ومصلحة للجار.
أما مصلحة الجار فظاهرة؛ لأنه يسلم مِن أن يُقِيم أعمدة، ويقيم سقوفًا قوية تحمل الخشب، وأما مصلحة ذلك لصاحب الجدار؛ فلأن الخشب يشد الجدار ويقويه، ويقيه الشمس، ويقيه المطر، ففيه مصلحة للطرفين، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام الجار أن يمنع جاره من وضع خشبه على جداره.
قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعْرِضِين، والله لأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم، قال ذلك حين كان أميرًا على المدينة، وكلامه رضي الله عنه يحتمل معنيين: المعنى الأول: ما لي أراكم عنها، أي: عن هذه السُّنَّة، مُعْرِضِين، والله لأرمين بها بين أكتافكم، وخص الأكتاف؛ لأنها موضع التحمل.
والمعنى الثاني: ما لي أراكم عنها معرضين، أي: تمنعون من وضع الخشب، والله لأرمين بها، أي: بالخشب، بين أكتافكم، يعني: لو لم أجد ما أضعها عليه إلا أكتافكم لوضعتها على أكتافكم؛ لأنه كان أميرًا، وهذا كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمحمد بن مسلمة: والله لَأُجْرِيَنَّهُ ولو على بطنك.
(8) تعرفون القصة هذه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1524

القصة أن له مُلْكَيْن، وبينهما ملك لجاره، فأراد أن يُجْرِي الماء من ملكه إلى ملكه الثاني مارًّا بملك جاره، فمنعه الجار، قال: ما يمكن أن تجري الماء على أرضي، فألزمه عمر بذلك؛ أن يجري الماء على أرضه، ليش؟ لأن الماء فيه مصلحة؛ صاحب الأرض ينتفع، فيزرع على هذا الماء، على هذا الساقي اللي يمشي، ويغرس عليه، والجار أيضًا ينتفع.
نعم، لو فُرِضَ أن الجار الذي منع من جريان الماء يريد أن يقيم عليها بيتًا، فحينئذٍ له الحق، أما وهي بستان فإن جريان الماء ينفعها.
على كل حال أبو هريرة يقول: والله لأرمين بها بين أكتافكم، ولكن الشرط ما هو؟ ألَّا يكون على الجدار ضرر، والشرط الذي أشار إليه المؤلف: أن يكون الجار محتاجًا إلى وضع الخشب.
طالب: شيخ، لو أن الجار هذا في أثناء بناء هذا البيت أخبر جاره أن يشاركه في بناء هذا الجدار، فرفض هذا الجار، وأثناء ما أراد أن يبني هذا الجار الثاني احتاج إلى هذا، هل يُمَكِّنُه من أن يضع خشبه على .. ؟ الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: لو أن الجار لما بنى داره إلى جنب جاره قال له -الذي بنى أولًا قال -: لا بد أن تدفع نصف النفقة للجدار الذي بنيتُه، وحينئذٍ أُمَكِّنُك، وقال الثاني: لا، الجدار ملكك، ولا تجبرني على أن أشتري نصفه مثلًا.
الجواب: نعم، لا يُجْبِره، فإذا أراد أن يضع الخشب وهو في حاجة فإننا نُلْزِم الجار الذي له الجدار بذلك؛ لأن هذا حق شرعي.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، في بعض البلاد لا يُسمح لصاحب البيت أن يُخْرِج من جدرانه نوافذ إلا إذا كانت أربعة أمتار من كُلِّ جهة، يعني الجهة التي له فيها أربعة أمتار فهذه يجوز له أن يُخْرِج منها نافذة، والجهة التي ليس له أرض يعني أقل من أربعة أمتار فلا يُخْرِج منها نافذة.
الشيخ: وأيش السبب، ليش؟ الطالب: هذا النظام.

الجزء: 2 - الصفحة: 1525

الشيخ: يعني يسأل يقول: في بعض الجهات أو في بعض البلاد يقول: إذا كان جدار الرجل يزيد عن أربعة أمتار فأكثر فله أن يفتح النوافذ، وإن كان دون ذلك فليس له أن يفتح النوافذ.
نقول: هذا لا وجه له في الواقع.
طالب: ستر عورات البيوت.
الشيخ: أبدًا، ويش الفرق بين أربعة أمتار وأقل؟ الطالب: الإنسان يستطيع يرى أكثر من عشرين مترًا.
الشيخ: إي نعم، قصدك النوافذ، يعني إذا صار بينه وبين جاره المقابل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: كذا؟ الطالب: نعم، بيت في وسط مثلًا أرض.
الشيخ: أنا فهمت أنه لا بد أن يكون جدار البيت أربعة أمتار فأكثر.
الطالب: لا، الأرض أربعة أمتار.
الشيخ: يعني اللي بينك وبين جارك؟ الطالب: اللي بينك وبين جارك.
الشيخ: هذا أيضًا لا وجه له، يقال: النافذة إذا كانت تطل على جارك وتكشفه فهذه ممنوعة، سواء كان بينك وبينه أربعة أمتار أو أقل أو أكثر.
الطالب: كيف يفتح للهواء؟ الشيخ: يرفعها.
الطالب: لا، هم يقولون: حتى لو جعلتها .. الشيخ: حتى لو رفعتها؟ الطالب: حتى لو جنب السقف.
الشيخ: لا، غلط، الممنوع والواجب أن يضع سُتْرَة تمنع مشارفة الأسقف، وأما إذا كان يضع جدارًا رفيعًا لا يمكن للإنسان أن ينظر منه إلا إذا كان بيصعد على السلم فهذا لا يُمْنَع، حقه، يعني معنى هذا إذن الجدران القصيرة ممنوعة.
وكذلك المسجِدُ وغيرُه، إذا انْهَدَمَ جِدَارُهما أو خِيفَ ضَرَرُه فطَلَبَ أحدُهما أن يُعَمِّرَه الآخَرُ معَه أُجْبِرَ عليه، وكذا النهْرُ والدُّولَابُ والقَناةُ.
(بابُ الْحَجْرِ)

الجزء: 2 - الصفحة: 1526

ومَن لم يَقْدِرْ على وَفاءِ شيءٍ من دَيْنِه لم يُطالَبْ به وحُرِمَ حَبْسُه، ومَن مالُه قَدْرُ دَيْنِه لم يُحْجَرْ عليه , وأُمِرَ بوَفائِه , فإنْ أَبَى حُبِسَ بطَلَبِ رَبِّه، فإن أَصَرَّ ولم يَبِعْ مالَه باعَه الحاكِمُ وقَضاهُ ولا يَطْلُبُ بِمُؤَجَّلٍ، ومَن مالُه لا يَفِي بما عليه حالًا وَجَبَ الْحَجْرُ عليه بسؤالِ غُرمائِه أو بعضِهم، ويُسْتَحَبُّ إظهارُه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُه في مالِه بعدَ الْحَجْرِ ولا إقرارُه عليه، ومَن باعَه أو أَقْرَضَه شيئًا بعدَه رَجَعَ فيه إن جَهِلَ حَجْرَه وإلا فلا، هذا حق شرعي.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- في بعض البلاد لا يسمح لصاحب البيت أن يخرج من جدرانه نوافذ إلا إذا كانت أربعة أمتار من كل جهة، يعني الجهة التي له فيها أكثر من أربعة أمتار فهذه يجوز له أن يخرج منها نافذة، والجهة التي ليس له أرض أقل من أربعة أمتار فلا يخرج منها نافذة.
الشيخ: ويش السبب؟ ليش؟ الطالب: هذا النظام.
الشيخ: يعني يسأل يقول: في بعض الجهات أو في بعض البلاد يقول: إذا كان جدار الرجل يزيد عن أربعة أمتار فأكثر فله أن يفتح النوافذ، وإن كان دون ذلك فليس له أن يفتح النوافذ؟ نقول: هذا لا وجه له في الواقع.
طالب: ستر عورات البيوت يعني.
الشيخ: أبدًا، ويش الفرْق بين أربعة أمتار وأقل؟ طالب: الإنسان يستطيع أن يرى أكثر من عشرين مترًا.
الشيخ: إي نعم، قصدك النوافذ، يعني إذا صار بينه وبين جاره المقابل؟ الطالب: نعم، بيت في وسط مثلًا أرض.
الشيخ: أنا فهمت أنه لا بد أن يكون جدار البيت أربعة أمتار فأكثر.
الطالب: لا، الأرض أربعة أمتار.
الشيخ: يعني اللي بينك وبين جارك؟ الطالب: اللي بينك وبين جارك.
الشيخ: هذا أيضًا لا وجه له، يقال: النافذة إذا كانت تطل على جارك وتكشفه فهذه ممنوعة، سواء كان بينك وبينه أربعة أمتار أو أقل أو أكثر.
الطالب: طيب، كيف يفتح للهواء؟ الشيخ: يرفعها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1527

الطالب: لا، هم يقولون: حتى لو جعلتها في .. الشيخ: حتى لو رفعتها؟ الطالب: حتى لو جنب السقف.
الشيخ: لا، غلط، الممنوع والواجب أن يضع ستْرة تمنع مشارفة الأسقف، وأما إذا كان يضع جدارًا رفيعًا لا يمكن للإنسان أن ينظر منه إلا إذا كان يبغي يصعد على السُّلَّم فهذا لا يمنع، حق.
يعني معنى هذا إذن أن الجدران القصيرة ممنوعة؟ طالب: كيف الجدران القصيرة؟ الشيخ: القصيرة اللي مثلًا طول هذا الجدار.
طالب: لا، تصب حتى لو ما جعل الجدار ما يقولون لك شيئًا.
الشيخ: ويش الفرق؟ الطالب: سبحان الله العظيم! هذه الأنظمة التي .. الشيخ: أنظمة فاسدة.
طالب: شيخ، يقولون: إن هذا من مصلحة الشارع حتى يلزموا صاحب الملك أن يترك مثلًا مترين حتى ينتظم الشارع، ويكون مستقيمًا؛ لأنه لو تركوا الشارع ( ... ). الشيخ: لا، هذه مسألة ثانية.
الطالب: هذه هي نفس المسألة.
الشيخ: لا، هو يقول: فتح النوافذ.
الطالب: إي، هذا يلزمونه ويقولون له: ما تفتح نوافذ إلا لو خرجت مترين من ملكك حتى يستقيم الشارع ( ... ). الشيخ: لا، مسألة استقامة الشارع هذا يعود إلى التنظيم.
الطالب: لا، ما فيه تنظيم يا شيخ، لا، الأرض متروكة لأصحاب ( ... ). الشيخ: إذا كان ما فيه تنظيم ما أفتح ألف فُرْجة ولا عليه.
لا، هو الواقع التنظيم هذا لا بد منه، لكن التنظيم الظالم بحيث مثلًا يأخذون أمتارًا كثيرة ويقولون: نبغي نوسع الشارع؛ هذا غلط، إنما التنظيم لا بد منه، ما يمكن يكون واحد يدخل مترين وواحد يطلع مترين، يكون الشارع معرجًا.
طالب: المعروف اليوم والمشاهَد أن البيوت تتفاوت بالنسبة للارتفاع، وقد يعمر الإنسان بجانب شخص بيته مثلًا دور واحد، ويعمر بيتًا دورين، فإذا فتح نوافذه سيكشف على السور.

الجزء: 2 - الصفحة: 1528

الشيخ: نحن نقول -بارك الله فيك-: النوافذ تكون رفيعة، لا بد أن تكون رفيعة، يعني حل هذه المشكلة: إما أن يرفع النوافذ بحيث إذا مر الرجل الطويل ما يشاهد إلا إذا أراد أن يصعد على سلم؛ هذا شيء ثانٍ، أو يقال: افتح النوافذ، وضع حاجزًا من برَّه بحيث أنك ما تستطيع تنظر إلى جارك.
الطالب: يا شيخ، لو كان صاحب البيت ( ... )، طلب من الجار أن يضع له حاجزًا، طلب الجار الأول من جاره الأخير، قال: ضعْ حاجزًا حتى لا تكشفني، فهل يطالب الجار الحادث؟ الشيخ: إي، معلوم، يقال: أنت لا بد، إما أحد أمرين: إما أن ترفع النافذة، وإما أن تضع حاجبًا، لا بد.
طالب: شيخ، الآن في نظام الفلل يكون حول البيت حوش، فيأتي الجار ويبني بيته العالي، فيطل ببيته الجديد هذا الذي بناه الجار على جميع الحوش، وعلى جميع السور الذي بناه.
الشيخ: قلنا: الآن، قلنا ونقول ونكرر: لا يمكن أن يضع نافذة إلا مرتفعة أو حاجزًا، كما أنه أيضًا لا يجعل جدار السطح قصيرًا، لا بد أن يرفعه.
الطالب: هو بيت بجانب البيت.
الشيخ: ما يخالف، لا بد يرفض.
أما بيخلي مثلًا الجدار قصيرًا بحيث إذا مشى الإنسان رأى كل اللي حوله، ما يصير هذا.
الطالب: يا شيخ، فيلا وحولها حوْش.
الشيخ: زين.
الطالب: الآخر مثله بالضبط، يبعد عنه قرابة عشرة أمتار.
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: فإذا رفعه، إذا فتح النافذة من أي جهة كانت فسوف يطل على البيوتات التي حوله.
الشيخ: ويش معنى كلمة يطل؟ هل معناه أن الإنسان اللي يمشي مشيًا عاديًّا يطل؟ الطالب: لا، وإنما وهو في بيته، في الدور الثاني.
الشيخ: إي، ما يخالف، الدور الثاني، لكن النافذة إذا كانت رفيعة، لا يطل على جاره إلا إذا كان بيجيب سُلَّمًا يرقى عليه.
الطالب: يعني يلزم بألا يجعل ( ... ). الشيخ: يلْزم بأن يرفع النافذة، أو يجعل حاجبًا من ورائها.
( ... )

الجزء: 2 - الصفحة: 1529

طالب: القول بأن الهواء تابع لقراره، وأن أيضًا باطن الأرض تابع لقراره، فإن قولنا: إن المعدن الذي يجدونه في الأرض لا يدخل في البيت.
الشيخ: لا، المعادن، ما هو بكل معدن؛ المعدن الجامد يدخل.
الطالب: لا، غير جامد؟ الشيخ: هذه قاسوه على الماء، الماء النابع من الأرض ما يدخل في البيع، لكن لصاحبها حق.
ثم مسألة المعادن الآن أصبحت على خلاف ما قال الفقهاء في الواقع، أصبحت الدولة لها فيها تصرف.
طالب: إذا أتى صاحب الأرض بعامل يحفر في أرض، فحفر فوجد معدنًا، هل هو للعامل أو لصاحب الأرض؟ الشيخ: لا، لصاحب الأرض.
الطالب: وإن كان الحفر لأجل الماء.
الشيخ: إذا استؤجر لحفره فهو لصاحب الأرض، وإن استؤجر العامل لحفر بئر فوجد كنزًا فهو له.
الطالب: للعامل؟ الشيخ: للعامل.
طالب: ما قولكم في قول يقول: إن ما دخل عندنا فهو لنا، مثلًا جاران؛ فيه واحد عنده مثلًا شجرة مثمرة فدخل غصنٌ منها إلى الجار الثاني فيقول هذا الجار: ما دخل لنا فهو لنا.
الشيخ: من أين أخذ هذه القاعدة؟ الطالب: قياسه له على أن الهواء تابع لقراره، هواء بيته تابع لقراره.
الشيخ: يقابل هذا القياس بأن الغصن تابع للأصل؛ هذا الغصن للشجرة بمنزلة أعضاء الإنسان.
طالب: إذا أخرج رجل دكة من أمام بيته، وتحقق منه ضرر، ولم يرضَ الجيران، فهل يتحقق عليه الوعيد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ» (1)؟ الشيخ: إي نعم، وقد يكون ( ... )؛ لأن هذا لم يتملكه، لكن يتحقق عليه الوعيد فيما هو أعظم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
طالب: بالنسبة للأخ اللي قال يا شيخ: إن النافذ غير المشترك، النافذ المشترك، الدرب المشترك.
الشيخ: للنافذ المشترك؟ ! تناقض هذا! الطالب: الدرب المشترك، يُقاس عليه الميزاب إذا ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1530

الشيخ: إي نعم، يُقاس عليه، على كلام الفقهاء، والصحيح أن الميزاب ليس كالباب، الميزاب لا يؤثِّر على أحد شيئًا، الباب الاستطراق ربما الإنسان يأتي بأشياء تؤذي الناس، ويحصل بها ضرر.
طالب: بعض الناس يستعملون الميازيب في نظافة البيوت، فيطرد الماء من هذا الميزاب، يعني ليس في زمن الشتاء، نحن اغتفرنا الضرر الذي يترتب على نزول الشتاء على المرء؛ لأنه ضرر يسير، لكنه يستعمله مثلًا كلما نظف بيته أخرج الماء من هذا الميزاب، وليس في زمن شتاء ولا أي شيء.
الشيخ: لا، هذا -بارك الله فيك- يمنع حتى من غير الميزاب، حتى لو كان من أسفل يمنع من إخراج ما يضر.
الطالب: طيب، هل يُقال: إذا استعمل الميزاب في هذا الأمر يسجل ( ... ). الشيخ: الآن تغيرت الأعراف، الآن جرى العرف أن الإنسان يغسِّل بيته السطح والأسفل ويخرج على الشارع، ولا يرون في هذا بأسًا.
طالب: البلدية تمنع يا شيخ، وإذا حصل منه يغرمونه.
الشيخ: ما سمعنا بهذا.
طالب: يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ما لي أراكم عنها مُعرِضين (2)، مما يدل على أن الصحابة أعرضوا عن هذا الأمر، يعني إذا كان واجبًا كان فعلوه.
الشيخ: لا، ما هو على كل حال أن الصحابة .. تعرف أنه بعد الفتوحات دخل ناس ما هم من الصحابة، جاؤوا إلى المدينة وإلى مكة ليسوا من الصحابة، والصحابة رضي الله عنهم ليس كل واحد منهم معصومًا من كل إثم، أو ربما أن بعضهم يتأول أو ما أشبه ذلك.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما الفرق بين الدَّرْب النافذ والدَّرْب المشترك؟ طالب: الدرب النافذ هو المفتوح.
الشيخ: النافذ يعني المفتوح من الجانبين.
الطالب: أما الدرب المشترك فهو المسدود من أحد الجانبين.
الشيخ: صحيح، المغلق من أحد الجانبين.
طيب، هل يجوز إخراج الأبواب للتهوية في النافذ؟ طالب: يجوز.
الشيخ: ويش اللي يجوز؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1531

الطالب: فتْح الأبواب في الدرب النافذ.
الشيخ: لأي شيء؟ الطالب: للتهوية.
الشيخ: وفي المشترك؟ الطالب: لا يجوز.
طالب: يجوز إذا كان في ملكه من بابه إلى فتحة الدرب المشترك.
طالب آخر: الفتح للتهوية يجوز في النافذ وغير النافذ.
الشيخ: للتهوية يجوز في النافذ وغير النافذ، مطلقًا؟ الطالب: مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا، صح.
ووجه ذلك أنه لا ضرر فيه على أحد، وأن الإنسان يجوز أن يهدم جداره كله، ليس جزءًا منه فقط للهواء.
طيب، هل يجوز أن ينقل بابه في المشترك؟ طالب: يجوز للخارج وليس للداخل.
الشيخ: نعم، يجوز إلى الخارج لا إلى الداخل، لماذا؟ يعني علِّل ليش؟ الطالب: لأن له حقًّا في كل حال.
الشيخ: صحيح؛ لأن له حقًّا من بابه إلى فم السوق، لكن ليس له الحق من بابه إلى أسفل السوق.
هل يجوز إخراج الميزاب؟ طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: يجوز مطلقًا على الراجح، أما على المذهب .. الشيخ: يعني في النافذ وغير النافذ؟ الطالب: نعم، في النافذ وغير النافذ، إلا أن يكون في ملك داره فإنه يمنع.
الشيخ: على المذهب؟ الطالب: على المذهب أنه لا يجوز إخراج الميزاب في الدرب النافذ.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: نعم، مطلقًا.
الشيخ: لا يجوز إخراج الميزاب في الدرب المشترك مطلقًا.
الطالب: والنافذ أيضًا.
الشيخ: والنافذ مطلقًا، طيب.
طالب: لا يجوز إلا بإذن الإمام، ولم يكن هناك ضرر.
الشيخ: في الدرب المشترك؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: الظاهر إلى الآن ما عرفت المشترك والنافذ؟ ! الطالب: المشترك هو المسدود يا شيخ.
الشيخ: طيب، الإمام ما له دخل في المشترك.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ما أدري.
الطالب: الميزاب ما يخرج إلا بأن لا ضرر، وكان بإذن الإمام.
الشيخ: هذا في المشترك والنافذ ولَّا في النافذ؟ الطالب: هذا في النافذ.
الشيخ: كيف؟ ! الطالب: في النافذ والمشترك جميعًا.
الشيخ: في النافذ المشترك جميعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1532

طالب: لا يجوز في النافذ إلا بإذن الإمام أو ( ... )؛ لأنه حق للعامة والإمام ينوب مقامه، وأيضًا .. الشيخ: وفي المشترك؟ الطالب: في المشترك، يجوز بإذن صاحبه.
الشيخ: يعني بيد المستحق؟ الطالب: بيد المستحق.
الشيخ: صح، هذا هو.
ما هو القول الذي رجَّحناه بالنسبة لإخراج الميزاب في الدرب النافذ؟ طالب: أنه يجوز مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا! حتى لو شق بطون الناس لو كان نازلًا مرة وصار من مر غافلًا شق بطنه؟ الطالب: لا أن يكون نازلًا يضر بالمارين.
الشيخ: إي، يعني إذن يجوز بإذن الإمام بلا ضرر، على القول الراجح؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: سبحان الله! ناقضت كلامك أوله بآخره.
الطالب: يجوز إذا لم يكن .. الشيخ: على القول الراجح؟ الطالب: القول الراجح أنه يجوز مطلقًا ما لم يكن فيه ضرر، لا يشترط فيه إذن الإمام.
الشيخ: إي، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا هو اللي عليه العمل من عهد الصحابة إلى يومنا هذا.
طيب، هل يجوز إخراج الدكة في الطريق؟ طالب: نعم، ما لم تؤدِّ إلى ضرر.
الشيخ: مطلقًا؟ سواء النافذ أو المشترك؟ الطالب: نعم يا شيخ، ما لم تؤدِّ إلى ضرر.
الشيخ: ما لم تؤدِّ إلى ضرر، طيب.
طالب: المذهب أنه لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، في النافذ ولَّا المشترك؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: والمشترك؟ الطالب: والمشترك إلا بإذن الجار ولم يتحقَّق منه ضرر.
الشيخ: إلا بإذن المستحق، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يعني في النافذ يجوز بإذن الإمام بلا ضرر، في المشترك يجوز بإذن المستحق.
طيب، إذا كان المشترك فيه ستة أبواب؛ بابان في الأسفل وبابان على اليمين واليسار، فهل يستأذن من كان في الأسفل في تقديم بابه غيره أو لا يستأذنه؟ طالب: لا يستأذنه.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن الدرب كله له.
الشيخ: لأن الدرب كله له، أحسنت.
وأما الذي من جهة فم السوق؟ الطالب: فإنه يستأذن لغرض يرجع إلى الأخير.
الشيخ: نعم، ما حُكم وضع الخشب على جدار الجار؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1533

طالب: حُكم وضع الخشب على جدار الجار أنه جائز للضرورة إذا احتاج إليه الجار أن يضع خشبة في الجدار .. الشيخ: يعني جائز للضرورة، وشرط ثانٍ؟ الطالب: وإذا لم يترتب على جدار صاحبه ضرر.
الشيخ: صح، وإذا كان للضرورة بلا ضرر على الجدار، صحيح.
طيب، ما هي الضرورة في هذا الباب؟ طالب: الضرورة في ماذا؟ الشيخ: في وضع الخشب على الجدار.
الطالب: يريد أن يسقف بيته.
الشيخ: لا، ما هي الضرورة؟ الطالب: ليس عنده مكان آخر يضع عليه الخشب إلا جدار جاره.
الشيخ: يعني إذا لم يمكن التسقيف؟ الطالب: إلا بجدار جاره.
الشيخ: إلا به، نعم.
هل يلزم الجار بدفع نصف النفقة إذا أراد أن يضع خشبه؟ طالب: لا يلزم.
الشيخ: ليش؟ إذا قال الجار: أنا ما عندي مانع، لكن أنا خسرت على هذا عشرة آلاف ريال على الجدار، سلِّم خمسة آلاف وضع خشبك.
الطالب: لأن هذا ملك الجار.
الشيخ: لا يلزم؛ لأن هذه معاوضة، يعني كأن الجار يقول: اشترِ نصف الجدار مني، وهذا لا يلزمه، والشارع قد جعل له الحق في أن يضع خشبه عليه.
ما هي الحكمة من إلزامه بوضع الخشب إذا لم ( ... ). طالب: أنها ضرورة.
الشيخ: ضرورة، يقول: ما علمت، ( ... ) تحط سقفًا.
الطالب: شيخ، إذا كانت مصلحة للجار صاحب الجدار وللذي يريد أن يسقف بيته.
الشيخ: لأن فيه مصلحة للطرفين؛ أما صاحب الخشب فواضح، وأما صاحب الجدار فلأنه؟ الطالب: أولًا: يتثبت في الجدار الخشب.
الشيخ: يزداد ثباتًا، ويسلم من الشمس والأمطار وما أشبهها، ففيه مصلحة للطرفين.


بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم قال المؤلف: (وكذلك المسجد وغيره) يعني أن المسجد كالجار، فإذا احتاج جار المسجد إلى أن يضع خشبه على جدار المسجد؛ فلا بأس، بالشرطين المذكورين وهما: الضرورة، وعدم الضرر على الجدار.
لا يقال: إن المسجد ملك عام ووقف عام للمسلمين، يقال: إن العلة هي مصلحة الطرفين، وهذا لا يضر المسجد وهو مصلحة للجار.

الجزء: 2 - الصفحة: 1534

وقوله: (وغيره)، يعني: كالمدارس، والرَّبط، وما أشبه ذلك من الأوقاف العامة، فإنه يضع خشبه عليها كما يضعه على جدار الجار بالشرطين المذكورين، وهما: الضرورة إلى وضع الخشب، والثاني: عدم الضرر.
(وكذلك المسجد وغيره).
وظاهر كلام المؤلف أن للجار أن يعلِّي بناءه على جاره، يعني مثلًا يجعل خمسة طوابق، ستة طوابق، وجاره ليس له إلا طابق واحد؛ لأن الهواء تابع للقرار، وهذا صحيح، له ذلك، حتى لو حجب الشمس والهواء عنه، فإن له ذلك؛ لأن هذا ملكه، لكن إن علمنا أنه قصد الإضرار بجاره فهنا نمنعه؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يضار جاره.
والمضارة ممنوعة شرْعًا، حتى إن الرجل إذا أراد أن يراجع زوجته التي طلقها حرم عليه إذا قصد المضارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]. أما إذا كان لغرض صحيح، قال: أنا رجل أريد أن أستغل ملكي، أجعله شققًا وأوجرها، فله ذلك.


ثم قال: (وإذا انْهدم جدارهما أوْ خيف ضرره فطلب أحدهما أنْ يعمِّره الآخر معه؛ أجْبر عليْه).
(إذا انهدم جدارهما) الضمير يعود على الجارين، يعني هذا جدار مشترك بين أرضيهما، وأُقيم على نفقتيهما، ثم انهدم الجدار فطلب أحدهما من الآخر أن يُعمِّرَه، قال الآخر: لا نعمره؛ لأنه ليس لي حاجة، آه، هذه أرضي لا أريد أن أعمر عليها، وليس لي حاجة لإقامة الجدار، فإنه يُجبر على ذلك؛ لأنه شريك مع صاحبه، فيُجبر على عمارة ما كانا فيه شريكين.
طيب، فإذا أراد أحدهما أن يهدمه ليعمره مسلحًا وهو قد عمر باللبن الطين، فهل يُجبَر؟ الجواب: لا؛ لأن هناك فرْقًا بين إصلاح ما فسد، وبين التجميل والتزويق والنقل إلى أفضل.
إصلاح ما فسد يُجبَر الآخر عليه، كما لو انهدم، أو خِيف ضرره بأن يكون مال أو تشقَّق، فيُجبر الآخر، أما أن يُنقل إلى أفضل فلا يجبر الآخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1535

طيب، لو أراد أحدهما أن ينقله إلى أفضل وأبَى الآخر، فهل يُجبَر الآخر؟ يعني قال: أنا أريد أن أهدم هذا الجدار وأجعله مسلحًا بدل من أن يكون طينًا، هل يُجبر؟ طالب: إذا كان على نفقته لوحده يُجبر.
طلبة: لا يُجبر.
الشيخ: لا يجبر، طيب، إذا قال: أنا أريد أن أقوم به -والجدار مشترك- على نصيبنا منه، فهل يُجبر؟ يُنظر في هذا؛ إذا كان قصده من الامتناع المراغمة لجاره، وقال أهل الخبرة: إن الجدار إذا أُقيم على الطراز الحديث أفضل وأحسن، فهنا يُجبَر؛ لأنه في هذه الحال ليس عليه ضرر.
فإذا قال: اللَّبِن ملكي كيف تأخذونه؟ كيف تعدمونه؟ قلنا: لم نعدمه، وإنما نقلناه إلى أحسن وأنت ليس عليك ضرر، النفقة ليس عليك نفقة، والجدار باقٍ على الشركة، فأي ضرر في ذلك؟ ! إنك إذا امتنعت لا تريد إلَّا المراغمة فقط.
طيب، فإن قال: أنا لا أريد المراغمة، لكن إذا كان طينًا أمكنني أن أضرب الوتد في الجدار، أما الآن فلا يمكنني، أنتم فاهمون هذه؟ هو هذا غرض ولَّا غير غرض؟ طالب: ليس غرضًا.
الشيخ: قد يكون غرضًا، قد يكون الإنسان يغسل الثياب، ويريد أن يضع أوتادًا على الجدار علشان ينشر عليها الثياب.
فالمهم إذا امتنع لغرض صحيح، فهنا لا نجبره، أما إذا امتنع مراغمة لجاره، فإنه لا ضرر ولا ضرار.
قال: (وكذا النهر والدولاب والقناة) لو كان بينهما نهر، وذلك بأن فتح على النهر الأم، فتح عليه ساقية ينطلق منها الماء، فخرَبت الساقية وهي مشترَكة بين الجارين، فهل يُجبِر أحدُهما الآخر على إصلاحها؟ الجواب: نعم، يُجبره؛ لأنه مشترَك، والآن خرب، لا بد من إصلاحه، فإن طلب أحدهما من الآخر أن يُوسِّع النهر، فهل يُجبَر؟ لا يُجبَر؛ لأن هذا كمال وليس إصلاح فاسِد.
طيب، لو كان أحدهما اتسع ملكه واحتاج إلى زيادة ماء، فقال: أنا أريد أن أوسِّع مدخل الماء حتى يكثر، وقال الآخر: لا، فهل يُجبر أو لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1536

لا يُجبر؛ لأنه يقول: أنا لا أحتاج زيادة الماء، ولا يمكن أن ترهقني بالنفقة، فإن قال الجار: أنا أقوم بالنفقة، وأبى، قال: أبدًا، ولا تزده عن حاله، فهل يُجبر؟ فيه تفصيل، إن كان يقول: أخشى إن زاد مدخل الماء أخشى أن يغرقني، أنا لا أتحمل، والنهر -كما تعلمون- يزيد وينقص، فأخشى أن يغرقني، وإذا كان مدخله ضعيفًا أمكننا أن ندرأه، فأنا لا أوافق، والثاني يقول: أنا أرْضي اتسعت، أحتاج إلى زيادة الماء؟ فيُنظر في الحقيقة، نقول: إذا كان الاحتمال الذي أبداه الشريك وهو خوف زيادة الماء ويغرق الزرع، إن كان الاحتمال واردًا فهذا له الحق في الامتناع، ويقول لصاحبه: افتح نهرًا لك، وأما إذا كان غير وارد، وأن النهر مُطَّرد على حال واحدة، ولا يُخشى منه، فإننا نجبره إذا التزم الشريك بالنفقة.
طيب، كذلك (الدولاب)، الدولاب؟ ! أيش الدولاب هذا؟ دولاب الكتب؟ ! لا، دولاب الماء، فهل منكم من يعرف الدولاب؟ طالب: نعم يا شيخ، يسمى الطنبور.
الشيخ: طنبور؟ كذا، طاء، نون؟ الطالب: نعم، طاء، نون، باء، واو، راء.
الشيخ: طيب، معروف عندكم؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: اشرحه؟ الطالب: يكون مصنوعًا من الخشب على شكل دائري، وعلى شكل أسطواني، ويكون الماء إلى أسفل، ويريد إدراجه إلى أعلى، ويكون على هيئة حلزونية مدوَّرة من الداخل، ويلف من الخارج فيدور به الماء يأخذه من الأسفل إلى الأعلى.
الشيخ: بأي طريقة؟ الطالب: باليد، ( ... ). الشيخ: يطلع بأيش؟ الطالب: هذا الدولاب يكون مثقوبًا من الداخل على شكل حلزوني من الأسفل إلى الأعلى.
الشيخ: يعني مدورًا.
الطالب: مدورًا إي نعم، لكن هو مفتوح، ولكن الخشب في الداخل مدوَّر من الأسفل إلى الأعلى، فحينما يدور الدولاب هذا يُخرج الماء، يمتص الماء من الأسفل، ويأخذه من الأعلى.
الشيخ: يعني بقناة؟ الطالب: بقناة نعم.
طالب: مع الدوران.
الشيخ: إي، لا، هذا ما هو هذا الدولاب.
طالب: الساقية يا شيخ.
الشيخ: ويش الساقية؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1537

الطالب: دابة يا شيخ يربطون بها الخشب على شكل دائري، تُخرج الماء.
الشيخ: يعني بفمها؟ الطالب: لا لا، ( ... ). الشيخ: أنا رأيته قديمًا لما كانوا يستسقون من الآبار: هو عبارة أن يُوضع على البئر شيء مثل الرحى، وله شرفات، أسنان، ثم فيه ( ... ) كبيرة أيضًا لها أسنان، تدخل في أسنان هذا الموضوع على فم البئر، هذه الثانية التي على البئر والتي لها أسنان تدخل في أسنان هذه الموضوعة على البئر، لها شيء مثلما قال الأخ عبارة عن جنزير، أو سيف.
المهم اللي رأيته جنزير هذا مثل حد السيف، وفي كل حلقة منه سطل، غرَّاف ماء، طبعًا إذا دارت العليا دارت السفلى، السفلى فيها هذا الجنزير يدور، ثم يغرف من الماء، ويطلع ويصب في ساقها.
طالب: مثل الساقية يا شيخ.
طالب آخر: هي نفس الساقية.
الشيخ: تسمى عندكم ساقية؟ طالب: ( ... ) والناعورة.
الشيخ: والناعورة، إي.
طالب: طنبوشة.
الشيخ: أيش الطربوش؟ الطالب: الطنبوشة.
الشيخ: طنبوشة؟ ! لا إله إلا الله! ( ... ). وقوله: (والقناة)، القناة هي الماسورة، يعني إذا كان هؤلاء لهم ماسورة تنطلق من نهْر أو من بئر، وخربت، وطلب أحدهما من الآخر أن يعمرها وجب عليه.
والخلاصة الآن: أن إصلاح الفاسِد يُجبَر عليه الممتنع.
الأكمل لا يُجبر عليه، إلا إذا التزم من أراد إصلاحه بالنفقة، ولم يكن على الآخر ضرر؛ فإنه يُجبَر.
الثالث: إذا أراد نقله لمساوٍ، فإنه لا يُجبر مطلقًا، حتى ولو التزم بالنفقة، مثل أن ينقل الجدار بمواد هي المواد الأولى، لكن أراد أن يجعله أبيض بدل الأسود أو أحمر بدل الأبيض، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يُجبر.
فالأقسام إذن كم؟ ثلاثة: إصلاح الفاسد واجب، والكمال غير واجب إلا إذا التزم من أراد الإصلاح بالنفقة وليس على الآخر ضرر فيُجبر.
الثالث: إذا كان لمساوٍ فلا يُجبَر مطلقًا حتى لو التزم به الآخر؛ لأن ذلك ليس به مصلحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1538

طالب: لو علَّى أحدهما جداره، وكان على الآخر ضرر بحيث إذا نزلت أمطار أنزلت من هذا الجدار وتسبَّبت في توسيخ منزل جاره، فهل نُلزمه بأن يقضيه بشيء؟ الشيخ: إي، لا بد، يعني لو كان جدارًا منحدرًا بحيث يتساقط المطر على جاره فله أن يمنعه.
طالب: هناك مسجد، وأراد جماعته عمل دورة مياه في جانب منه، فنقل بابه إلى باب جار للمسجد، لكن أبى جار المسجد، فهل يُجبر على ( ... )؟ وهل له .. ؟ الشيخ: الطريق مشترك ولَّا نافذ؟ الطالب: الطريق نافذ.
الشيخ: إن كان نافذًا فلا يملك منعه إلا إذا كان عليه ضرر بأن يكون باب المسجد سيكون مقابل بابه، ويتضرر بذلك فله أن يمنعه.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا بنى الجار بجوار جدار صاحبه بيتًا؛ يعني مثلًا بجوار الجدار بنى حجرة ولم يبنِ لها إلا ثلاثة جدران، واستفاد من جدار صاحبه، فهل يُجبر على تحمُّل نصف النفقة؟ الشيخ: لا، ما يُجبر.
الطالب: هو استفاد.
الشيخ: إي، ما يخالف، كما يُستفاد بظل الجدار؛ لأن الجدار هنا خاص ما هو مشترَك، أما إذا كان مشتركًا فنعم.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ذكرنا بأنه لا يضع الخشب إلا للضرورة، والشرط الثاني: ألا يتضرر الجدار.
الشيخ: نعم.
الطالب: الضرورة هي ألَّا يمكن التسقيف إلا به، فهل مثلًا يمكنه هذا الجار أن يبني جدارًا بدلًا من أن يضع خشبه على جدار صاحبه.
الشيخ: إي، ما يلزمه، ويمكنه أن يبني جدارًا أو أن يقيم أعمدة، ويجعل جصًّا بينهما، لكن لا يلزمه ذلك.
الطالب: لا يلزمه؟ الشيخ: ما يلزمه.
طالب: شيخ، هل يملك الجار أن يمنع جاره من الانتفاع بظل الجدار؟ الشيخ: لا.
الطالب: طيب، لو وضع شجرة حتى تظلل، ثم أتى جار ووضع سيارته تحت الشجرة.
الشيخ: لكن في ملكه.
الطالب: لا، الشارع.
الشيخ: بالشارع ما فيه بأس.
الطالب: لكن الجار يا شيخ قال: لا تضع ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1539

الشيخ: هو الآن العرف أنه إذا كانت الشجرة بحذاء منزل الإنسان، ومعروف أنه يُوقِّف سيارته بها المكان، أنه ما يملك الجار أن يوقف في هذا المكان، حسب العرف.
طالب: شيخ، أخذنا سابقًا أن الجار إذا كانت له مثلًا شجرة ودخل عرف منها إلى داخل ملك جاره، وطلع فإن الجار إذا لم يكن يريد ذلك يُلزم صاحب الشجرة بإزالة العرف، ولو لم يكن ضرر على الجار من قبل، ولكن لم نقل هذا بالنسبة للقرار أنه مثلًا إذا كان ممتدًّا، وليس عليه ضرر فإنه ليس عليه أن ينزعه.
الشيخ: لا، قلنا: إذا كان به ضرر أو أذية فله ذلك.
الطالب: الآن الفرْق أنه لم يجعل هذا القيد وهو الأذية إلا لتعليل، مثال للعرف ومثال ( ... ). الشيخ: الغصن في الغالب ما فيه ضرر، لكن العرق الغالب أنه فيه ضرر أو أذى.
الطالب: قلنا: رغم أنه لم يكن فيه ضرر الغصن، فإنه إذا لم يرده الجار الذي دخل في ملكه يُلزم صاحب الشجرة بإزالته، لم نقل هذا في ( ... )، أما إذا كان ليس هناك ضرر لا يُلزم به.
الشيخ: لأن هذا غير بَيِّن، الفرق أن هذا ظاهر، وهذا غير بَيِّن؛ العرق.
( ... )


طالب: وأمر بوفائه، فإن أبى حبس بطلب ربه، فإن أصرَّ ولم يبع ماله باعه الحاكم وقضاه، ولا يطلب بمؤجّل، ومن ماله لا يفي بما عليه حالًا وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم، ويستحبُّ إظهاره، ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر، ولا إقراره عليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا كان للاثنين جدار مشترَك فطلب أحدهما أن يُحوِّل مادة بنيانه إلى حجر وأبى الآخر؟ طالب: حسب الحال، يُنظَر.
الشيخ: ويش حسب الحال؟ الطالب: إذا أراد أن يدخل .. الشيخ: ما هو حسب الحال؟ الطالب: يعني يوافق أو لا.
الشيخ: سبحان الله! السؤال الآن: أحدهما يطلب والثاني يقول: لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1540

الطالب: إذا كان يقر شرعًا أنه له ذلك، فإنه -يعني المنْع- أنه يمنع، فيمنع.
الشيخ: يبدو أنك لم تفهم السؤال أو الجواب؟ ! الطالب: أول سؤال يا شيخ! ! طالب آخر: يا شيخ، يُنظر فإن كان لـ ... الشيخ: اسمع السؤال، السؤال: طلب أحدهما أن يُغيِّر مواد البناء من لَبِن إلى طوب؟ الطالب: هذا لا يجبر.
الشيخ: لا يجبر؟ لماذا؟ الطالب: لأنه ليس إصلاح فاسد، وإنما نقل لأفضل.
الشيخ: طيب، لو أن الجدار انشق، وخِيف أن ينهدم، فطلب أحدهما إعادة بنائه؟ طالب: يُجبَر عليه.
الشيخ: ما الفرق؟ الطالب: لأنه هنا الجدار ينهدم، فيه ضرر على الطرفين؛ الأول ( ... )؟ الشيخ: يعني الأول طلب تحسين؛ يعني شيء زائد على الأصل، وهذا طلب إعادة إلى الأصل.
طيب، بينهما بئر، فطلب أحدهما أن تُحفر البئر ليزداد ماؤها، وقال الثاني: لا؟ طالب: لا يُجبَر على ذلك.
الشيخ: إذا كان أحدهما قد اتسعت رُقْعة مزرعته، وطلب الحفْر ليزداد الماء فيُسقي جميع الرقعة؟ الطالب: لا يُجبر الثاني على ذلك إلا إذا ( ... ) النفقة كاملة ولم يكن في ذلك ضرر على الثاني فإنه يجبر.
الشيخ: يعني لا يجبر الثاني على موافقة صاحبه، فإن كان الطالب محتاجًا إلى ذات الماء فعليه النفقة، ولا يجوز لصاحبه أن يمنعَه من ذلك إذا لم يكن عليه ضرر.
يقول المؤلف: (كذا النهر والدولاب والقناة) هذه ثلاثة أشياء، فما هو النهر؟ طالب: النهر هو ما كان جاريًا دون صنع أحد.
الشيخ: نعم، ويش معنى (النهر)؟ يعني لو كان أيش؟ الطالب: كما لو أن ماءً يجري.
الشيخ: لو كان بينهما نهر.
الطالب: لو كان بينهما نهر يسقي منه كل واحد منهما ويمر، وينتفعان به، كل من نفس النهر، فإنه في هذه الحال نقول: إنه إذا احتاج هذا النهر إلى إصلاح أو إلى إزالة ما فسد أو إزالة ما يمنع وصول الماء إليه، فإن في هذه الحال إذا طلب أحدهما من الآخر ذلك أُجبِر عليه، وإن كان طلبه أن يوسِّع فإن في هذه الحال ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1541

الشيخ: يعني إذا كان نهر بينهما؛ يعني شق نهرًا من النهر الكبير، وفسد هذا النهر فاحتاج إلى إصلاح فإن الثاني يجبر، أما إذا احتاج أحدهما إلى توسعة فإن الآخر لا يُجبر على ذلك.
طيب، ما الفرْق بين النهر والقناة؟ طالب: القناة هي الماسورة.
الشيخ: نعم، القناة هي الماسورة تُسحب من النهر، وأما النهر فهو يجري على الأرض.


باب الحجر

ثم قال المؤلف: (باب الْحَجْر) الحجر في اللغة: المنْع والتضييق، ومنه سُمِّي العقل حِجْرًا، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ﴾ [الفجر: 5]، أي: لذي عقل، وسُمِّي العقل حِجْرًا؛ لأنه يمنع صاحبه من فِعْل ما لا يليق شرعًا أو عرفًا.
أما في الاصطلاح: فهو منْع الإنسان من التصرف في ماله، إما لمصلحته أو لمصلحة غيره؛ يعني أن الحجر قد يكون لمصلحة المحجور عليه، وقد يكون لمصلحة غيره.
فمثلًا: إذا قلنا للموصِي: لا تُوصِ بأكثر من الثلث؛ يعني: حجرنا عليه فيما زاد على الثلث.
فهذا لمصلحة مَنْ؟ لمصلحة الغير.
وإذا حجرنا على السفيه ألا يتصرف في ماله؛ فهذا لمصلحة نفسه.
فالمهم أن الحجر تارة يكون لمصلحة الغير، وتارة يكون لمصلحة نفس المحجور عليه.
وله أسباب تتبين -إن شاء الله- في الشرح.
قال: (ومن لم يقدر على وفاء شيء من دَيْنه؛ لم يُطالَب به وحرم حبسه، ومن ماله قدْر دَينه لم يُحْجَر عليه وأُمر بوفائه، ومن ماله لا يفي بما عليه حالًّا؛ وجب الحجر عليه).
قسم المؤلف رحمه الله هنا المدِين إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: (من لم يقدر على وفاء شيء من دَيْنه)، يعني ليس عنده شيء يوفي به، كرجل عليه مئة درهم، لكن ليس عنده شيء، هذا لم يقدر على وفاء شيء من دينه، فما الحكم؟ كيف نعامل هذا؟ يقول المؤلف: (لم يُطالَب به وحرُم حبسه).

الجزء: 2 - الصفحة: 1542

(لم يُطالَب به) يعني لا يحل لغريمه أن يُطالِبه، بل ولا أن يطلبه؛ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]. وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، لما قال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7].
إذن هذا لا يُتعرض له، ويُترك حتى يرزقه الله ويوفي دينه، هذا مَنْ؟ الذي لا يستطيع وفاء شيء من دَيْنه، ما عنده شيء أبدًا.
وبهذا نعرف أن أولئك الظلمة، الذين يُطالِبون الغرماء الذين ليس عندهم شيء، لا يخافون الله، ولا يرحمون عباد الله، لا يخافون الله؛ لأنهم عصوا الله، فالله يقول: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وهؤلاء لم يُنظِروه، ولم يرحموا عباد الله؛ لأنهم يُكلِّفون العبد ما لا يطيق، وربما أدى ذلك إلى حبسه؛ لأن بعض القضاة قد لا يتصرف تصرفًا حسنًا، فيحبس هذا الغريم مع أنه لا يستطيع الوفاء، وما أحسن أن نقرأ -إن شاء الله- في حاشية العنقري كلامًا لابن هبيرة.
يقول: (لم يُطالَب به، وحرُم حبسُه).
حرُم على مَنْ؟ على ولي الأمر أن يحبسه، سواء حبسه في السجن العام، أو حبسه في بيته؛ لأن الحبس لا يعني أن يكون في السجن العام، بل حتى يُحبس الإنسان في بيته ويُرسَّم عليه، ويُقال: لا تخرج من البيت، لماذا؟ لما سبق من الآيات التي ذكرناها.
قال: (ومن ماله قدْر دينه لم يُحجَر عليه).
قوله: (ومن ماله قدْر دينه) لا يعني بذلك أن يكون المال قدر الدين سواء بسواء، بل المراد: من ماله قدر دينه أو أكثر، فإنه لا يُحْجر عليه، كرجل عليه مئة درهم وبيده مئة درهم، هذا مالُه قدْر دينه، هذا لا يحجر عليه؛ لأنه لا حاجة للحجر.
رجل عليه مئة درهم وبيده مئتا درهم، يحجر عليه؟ لا يحجر عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1543

إذن مراد المؤلف بقوله: (من ماله قدر دينه) هذا الحد الأدنى، يعني قدْر الدين أو أعلى فإنه لا يُحجر عليه، ولا يُمنع من التصرف في ماله، ولكن ماذا نفعل؟ يقول: (وأُمِرَ بوفائه).
(أُمِرَ) مبني لما لم يُسمَّ فاعله، فمن الفاعل الآمِر؟ ولي الأمر من قاضٍ، أو أمير، أو غيرهما، (أمر بوفائه).
(فإن أبى حُبِس بطلب ربه) أي رب الدَّيْن، أي صاحب الدَّيْن.
(حُبِس) يحبسه ولي الأمر إما في السجن العام، وإما في بيته، وإما في بيتٍ آخر، المهم أنه يُمنع من التصرُّف، ومن التجوُّل.
وقوله: (بطلب ربه)، رب مَنْ؟ رب الدَّيْن، والربُّ هنا بمعنى الصاحب، فهو يُطلَق على عدة معانٍ منها الصاحب، يعني إذا طلب صاحب الدَّيْن أن يُحبس حُبِس؛ فإن لم يطلب وقال للقاضي مثلًا لما رأى أنه مُتوجِّه إلى حبسه قال: لا تحبسه، إذا آل الأمر للحبس فأنا أصبر، فهنا لا يُحبس.
لماذا؟ لأن الحق لصاحب الدَّيْن، ولو شاء أن يُبرئه لأبرأه، فإذا كان الحق حقه، ولو شاء أن يُبرئه لأبرأه فهنا يبرئه من الحبس، يقول: لا يُحبس، اتركوه، متى أراد أوفى.
(فإن أصرَّ) حبس ولكن أصر، وهذه الصورة قد تكون نادرة، لكن ربما تقع من بعض السفهاء أو بعض من يريد الإضرار بالدائن.
المهم حُبِس يومين ثلاثة أكثر أبد.
يقول: (فإن أصرَّ ولم يَبِعْ ماله باعه الحاكم)، ولم يذكر المؤلف الضرب، يعني أنه يحبس ولا يضرب، إذا أبى فإن الحاكم يتولى بيع ماله، ويقول: متى شئت اخرج من الحبس، يتولَّى بيع ماله، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُضرب.
وقال بعض أهل العلم: بل يُضرب، يُعزَّر كل يوم، لكن لا يُزاد على عدد الجلدات التعزيرية، وهي على المشهور عشر جلدات.
كل يوم، كل صباح نجلده عشر جلدات، يحبس ليلًا ونهارًا، ويجلد صباحًا، ويقال: أوفِ ما عليك وعنده قدْر دينِه ويَعْلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1544

طيب، إذا لم ينفع فيه لا حبْس ولا ضرْب حينئذٍ يبيع الحاكم ماله، ويقضي دينَه، لكن المؤلف رحمه الله مشى على أنه لا ضرب؛ لأنه لا فائدة، رجل صبر على الحبس ولم يوفِ، ما الفائدة من ضربه؟ لكن لو رأى ولي الأمر من قاضٍ أو أمير أن ضربه قد يفيد فله أن يضربه ضربًا غير مُبرِّح، وعلى هذا فنجعل الضرب ليس لازمًا، بل هو راجع إلى المصلحة، راجع إلى رأي الإمام.
وظاهر كلام المؤلف أن الحاكم لا يبيع ماله فورًا، يعني بمعنى أنه إذا قيل له: أوفِ الدَّيْن، قال: لا، قلنا: نحبسك.
قال: احبسوني.
فظاهر كلام المؤلف أنه لا يباع، وإنما يستعمل معه الحبس.
طيب، وإلى متى؟ يومين، ثلاثة، أربعة، ما حددها، إلى أن يوفي وإلا فيبقى في الحبس دائمًا، ولا شك أن هذا فيه إضرار بلا مصلحة.
إضرار بمن؟ إضرار بصاحب الدَّيْن من وجه، وإضرار بالغريم المدِين؛ إذ لا فائدة.
ولهذا لو قيل: إن كان أحد من العلماء يقول: بأنه لا يُحبس ولا يُضرَب، وإنما يتولَّى الحاكم الوفاء مباشرةً مما عنده، لو قيل بهذا لكان له وجه؛ لأن في ذلك مصلحة للطرفين، أما صاحب الحق فمصلحته ظاهرة أنه يُسلَّم إليه الحق، وأما المدِين -وهو الغريم- فالمصلحة في حقه انتفاء الضرر عليه بالسجن أو الضرب.
وحينئذٍ نقول: إذا استوفى صاحب الحق حقه، فلا حرج على القاضي أو ولي الأمر أن يؤدِّب هذا المماطل بحبس أو ضرب، فيكون هنا التأديب فيه مصلحة، ألَّا يعود مثل هذا إلى المماطلة، وأما المبادرة بتولي قضاء الدَّيْن ففيه مصلحة لصاحب الدين.
يقول: (فإن أصر ولم يبِع ماله باعه الحاكم وقضاه).
(باعه) الهاء تعود على المال.
(الحاكم) القاضي.
وكلما مر عليكم كلمة (الحاكم) فالمراد به القاضي، لكن لو أنه جُعِل هيئة مُكوَّنة من السلطان للنظر في الديون، صارت هذه الهيئة تتولى شؤون الديون، ولا يتولاها الحاكم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1545

طيب، قوله: (باعه الحاكم) هذا مقيد بما إذا لم يكن المال الذي عنده من جنس الدَّيْن، فإن كان من جنس الدَّيْن فلا حاجة لبيعه، مثاله: رجل يُطلب مئة صاع بُرٍّ، وعنده مئة صاع بُرِّ، إذن ماله الآن قدْر دينه؛ فلا يُحجَر عليه، ومن جنس دينه فلا يُباع.
اللهم إلا أن يكون ما في ذمته موصوفًا بصفات لا توجد في هذا البر الذي عنده، فحينئذٍ لا بد من بيعه، سواء كان الذي عنده أطيب أو أردأ؛ إن كان أردأ فإن صاحب الحق لا يرضى، وإن رضي فلا حرج، وإن كان أطيب فإن المدِين لا يرضى وإن رضي فلا حرج.
انتهينا الآن من كم قسم؟ انتهينا من قسمين: من ليس عنده شيء، والثاني: من ماله قدْر دينه أو أكثر.
قال: (وقضاه، ولا يُطالب)، عندكم (يطالَب) ولَّا (يطلب)؟ طالب: (يطالب).
الشيخ: (ولا يطالب بمؤجل) نعم هو كلها، نعم.
(لا يُطلب بمؤجل)، يعني أن المدِين لا يُطلَب، ولا يُطالَب أيضًا بمؤجَّل حتى يحل أجله.
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (3)، وصاحب الدَّيْن قد رضي بتأجيله، فيجب عليه الانتظار حتى يحل الأجل، فإذا حل الأجل عملنا ما سبق، يعني صار كالحال.


القسم الثالث: (من ماله لا يفي بما عليه حالًّا)، فهذا يجب الحجر عليه بسؤال الغرماء أو بعضهم، مثاله: رجل عليه ألف ريال وهو مطلوب بألفين، المال هنا اللي عنده لا يفي بما عليه حالًّا، فماذا نصنع؟ يقول المؤلف: (وجب الحجْر عليه)، وجب على مَنْ؟ الحاكم الذي يتولى هذه الأمور، (الحجْر عليه)، أي على من ماله لا يفي بما عليه.
(بسؤال غرمائه أو بعضهم) يعني إذا سأل الغرماء الحجر عليه، أو سأل بعضهم الحجر عليه وجَبَت إجابته، دليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ، وباع ماله في دَيْن عليه (4)، هذا من جهة الأثر، وإن كان فيه مقال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1546

من جهة النظر؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل مطل الغني ظُلْمًا (5)، وهذا وإن لم يكن غنيًّا الغناء التام الذي يوفي، فعنده بعض الشيء، فيكون ظالِمًا بمنع الحقوق، والظلم يجب رفعه، ولا سبيل لنا إلى رفعه في هذه الحال إلا بأيش؟ إلا بالحجْر عليه؛ لأنه لو قال قائل: احبسوه كما في القسم الثاني، قلنا: لو حبسناه ما فيه فائدة؛ لأن المال الذي عنده لا يفي، بخلاف الأول؛ القسم الثاني المال يفي، لكن أما هنا فلا حاجة، والظلم تجب إزالته، فلهذا وجب الحجر.
الحجر، معنى الحجر أن نمنعه من التصرف في ماله، لا ببيع، ولا شراء، ولا هِبة، ولا غير ذلك، نمنعه من التصرف.
إذا كان صاحب متجر قفَّلنا المتجر بحيث لا يتصرف فيه بشيء، صاحب زراعة، منعناه من التصرف في زراعته، المهم أن نمنعه من التصرف في أعيان ماله حفظًا لذمته ولحقِّ الغرماء.
قال المؤلف: (ويُستحب إظهاره)، إظهار أيش؟ إظهار الحَجْر، بوسائل الإعلام: فلان محجور عليه؛ لئلا يغتر الناس فيعاملوه بعد الحجْر.
ومعلوم أن معاملته بعد الحجر باطلة، يعني لو أن أحدًا اشترى منه شيئًا بعد الحجر، فإن الشراء لا يصح ولا ينفذ، فيُعلم الناس حتى لا يغتروا بمعاملته؛ لأنه إذا لم يُعلم فإنه ربما يغتر الناس ويعاملونه، (يستحب إظهاره).
ثم قال: (ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر ولا إقراره عليه)، يعني بعد أن نحجر عليه لا ينفذ تصرفه في ماله، لا ببيع ولا شراء، ولا تأجير، ولا هبة، ولا رهن، ولا وقف، أي تصرف في المال لا ينفذ؛ لأن هذا فائدة الحجر، فائدة الحجر أن نمنعه من التصرف في ماله، لحق مَنْ؟ لحق الغرماء، فهذا محجور عليه لحق غيره.
مثال ذلك: رجل حجرنا عليه وعنده سيارة في المعرض، قد وضعها في المعرض قبل الحجر عليه، هل يمكن أن يبيعها؟ لا يمكن أن يبيعها؛ لأنه إذا حُجِر عليه لا يمكن يتصرف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1547

طيب، وظاهر كلام المؤلف أنه يصح تصرفه في ذمته، بأن يشتري شيئًا بثمن مؤجل، وهو كذلك، لو اشترى المحجور عليه بذمته ما نمنعه، ولكن البائع لا يدخل مع الغرماء فيما حُجِر عليه فيه.
طيب، هذا رجل حجرنا عليه، قلنا: لا تتصرف في مالك الآن، لكنه اشترى من شخص سيارة.
نقول: الشراء الآن صحيح، لكن لا ينقد ثمنها من المال الذي عنده، وتكون السيارة له، أي للمحجور عليه.
وصاحب السيارة هل يدخل مع الغرماء في ماله السابق؟ لا يدخل مع الغرماء في ماله السابق؛ وذلك لأنه حُجِر عليه قبل هذا التصرف.
طيب، لو كان عنده هو سيارة بعد الحجر عليه وباعها، فإن البيع لا يصح.
وظاهر كلام المؤلف: أن تصرفه قبل الحجر صحيح، ولو أضر بالغرماء، فلو كان عليه دَيْن وماله أقل من دَيْنه، وتصرَّف فيه بالهبة، صار من وجد من الناس تبرع، أهدى عليه، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك صحيح، مع أنه سوف يضر بغرمائه، إنسان عليه عشرة آلاف ولا عنده إلا ثمانية آلاف، فذهب يتبرع للناس، كل من وجد تبرع له، نقول: هذا لا يصح التبرع، مع أنه بالغ عاقل رشيد؛ لأن المال الآن تعلَّق به حق مَنْ؟ حق الغرماء، فلا يصح.
نحن ذكرنا الآن العكس، هذا قبل الحجْر: فظاهر كلام المؤلف أن تصرفه صحيح ولو أضر بالغرماء، والصواب أنه ليس بصحيح، وأنه حرام وباطل، ولهذا سئل الإمام أحمد رحمه الله عن المدِين هل يتصدق أو لا؟ قال: بالشيء اليسير كالخبز وشبهها، وأما ما يُضر بالغرماء فلا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1548

على أننا نرى أنه لا يجوز أن يتصدق ولو بالقليل، ما دام عليه دَيْن أكثر مما عنده من المال فإنه لا يجوز أن يتصدق ولو بالقليل؛ لأن القليل مع القليل كثير، إذا قلنا: تصدَّقْ مثلًا بدرهم على هذا الفقير، جاء فقير آخر تصدَّق بدرهم، وهلُمَّ جرًّا، صار القليل كثيرًا، فالمنع أولى؛ ولأننا إذا منعناه من الصدقة وقلنا: لا يمكن أن تتصدق، صار ذلك أشحذ لهمته في وفاء دينه؛ لأن الإنسان قد لا يتحمل أو قد لا يحتمل أن يبقى لا يتصدق.
طيب، لو قال: إنه يريد أن يعتمر، وعليه دَيْن أكثر من ماله، هو معه مال الآن يستطيع أن يعتمر به، وعليه دَيْن أكثر من ماله.
نقول: لا تعتمِر، هذا حرام عليك، قال: ما أفرضت، ما أدَّيت الفريضة، قلنا: لا فريضة عليك؛ لأن من شرط وجوب الحج ألا يكون على الإنسان دين، فليس عليك فريضة الآن، قال: زملائي يحجون، قلنا: ولو كان، ما يمكن حتى توفي الدَّيْن، ولو كان فريضة؟ ليست فريضة، أصلًا نقول: هذا غير فريضة، أنت الآن ليس عليك حج، إذا كان الفقير ليس عليه زكاة أنت ليس عليك حج، فلا تحج.
إذا قال: يريدون أن أذهب معهم مجانًا، نمنعه؟ فيه تفصيل: إن كان يمنعه من عمل يكسب به فلا يجوز، وإن كان لا يمنعه وهو إنسان عاطل ما عنده شغل، أو جاءت الإجازة مثلًا فلا حرج؛ لأنه هنا لا يضر بالغريم شيئًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1549

والعجب أن بعض الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- تكون عليهم الديون، ويفعلون بإكرام الناس ودعوتهم فعل الغني، يتعرض للناس، كل ما جاء إنسان: تفضَّل، حيَّاك الله، ومع ذلك يذبح له خروفًا، كل يوم يذبح خروفًا للناس وهو ما عنده شيء! هذا غلط، وهو آثِم بذلك؛ لأن قضاء الدَّيْن واجب، ومثل هذه الأمور مستحبَّة ليست بواجبة، لكن أكثر الناس لا يعقلون هذا الأمر، ويستهينون بأمور الدَّيْن، مع أن أمر الدَّيْن عظيم جدًّا، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يفتح الله عليه كان إذا قُدِّمت إليه الجنازة، وعليها دَيْن يمتنع من الصلاة عليه، يقول: ما أصلي عليه (6)، وهذا أمر عظيم، الرسول عليه الصلاة والسلام ما يشفع له؟ الجواب: نعم، ما يشفع له.
كذلك أيضًا الرجل يُقتل في سبيل الله، تُكفِّر الشهادة كل شيء إلا الدَّيْن، ولهذا لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الشهادة قال: «إِنَّهَا تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ»، فانصرف الرجل فناداه فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ جِبْرِيلُ آنِفًا» (7). فالتهاون بالدَّيْن ليس من العقل ولا من الشرع أيضًا.
أوفِ دَيْنَك ثُمَّ نَمْ، ولهذا قال في المثل العامي: مَنْ قضى دَيْنَه نامت عينُه.
المثل هذا صحيح، الإنسان الحي العاقل لا شك أنه لا يطمئن في النوم وعليه دَيْن.
الخلاصة الآن: متى يكون الحجر على المدِين؟ إذا كان ماله أقل من دينه، فإنه يُحجَر عليه، لكن بشرط: سؤال الغرماء أو بعضهم، فإن لم يسألوا فلا حرج.

الجزء: 2 - الصفحة: 1550

طيب، إذا لم يحجر عليه، لكن ماله أقل من دَيْنه، فالصحيح أنه محجُور عليه شرعًا، لا حكمًا، إذا حُجر عليه حكمًا ما فيه منة، لكن إذا لم يُحجَر عليه حُكمًا من قِبل القاضي فهو محجور عليه شرعًا، الدليل: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (5). والتبرع بماله يؤدي إلى عدم الوفاء، إلى المطل، فيكون ذلك ظُلمًا، لكن يفترق عن المحجور عليه حُكمًا بأن هذا يصح أن يتصرف في ماله بغير تبرع، يعني يجوز أن يتصرف، لكن لا يتبرع، يعني يجوز يبيع ويشتري مثلًا ولا حرج، فهذا هو الفرق.
فالمحجور عليه شرْعًا هو الممنوع من التبرع، أما التصرف فلا بأس، ولهذا نقول للمدِين الذي ماله أقل من دينه ولم يُحجَر عليه، نقول: بِعْ واشترِ ما فيه مانع، لكن لا تتصدق ولا تتبرع.
طيب، إذا جاءه صاحب له وأراد أن يبيع عليه ما يساوي عشرة بثمانية، يجوز أو لا؟ على قولنا: لا يجوز؛ لأن هذا تبرع في الواقع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا إقراره عليه) أيش معناها؟ يعني لا يصح بعد الحجر أن يُقِرَّ على شيء من ماله الذي بيده.
ويصح إقراره في ذمته؟ نعم.
مثال ذلك: الإقرار عليه لَمَّا حجرنا عليه، قال: يا جماعة، اصبروا، ترى هذه السيارة لفلان.
يُقبل إقراره؟ لا يُقبل إقراره على المال، لكن يُقبل في ذمته.
كيف ذلك؟ نقول: أما السيارة الآن فإنها تُباع ويُوفَى منها الدَّيْن، وأما الذي أقر له بالسيارة فيُطالبُه بعد فك الحجْر عنه، ويقول: أعطني قيمة السيارة، إقراره على عيْن ماله لا يُقبل، وفي ذمته يُقبل.
والحكمة من أنه لا يُقبل: لئلا يتواطأ الغريم وآخر على الإقرار بأن هذا الشيء للآخر من أجل ألا يباع في دَيْنه.
واضح، هذا قريب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1551

مثلًا: إنسان حجرنا عليه وعنده سيارة تساوي خمسين ألفًا، فجاءه صاحب له، قال له: يا فلان، أقر بأن السيارة لي؛ من أجل أن آخذها، وهي ليست له.
هذا وارد ولَّا غير وارد؟ وارد لا شك، ولهذا يُسدُّ الباب، يقال: الآن إذا أقررت بأن السيارة لفلان، إقرارك بالذمة لازم، وأما السيارة فإنها داخلة في المال فتُباع ويُقضى منها الدَّيْن.
كذلك لو قال لشخص: إن له عليَّ ألف درهم بعد أن حجرنا عليه.
هنا لم يُقر بعين، إنما أقر بدَيْن، بعد ما حجرنا عليه قال: في ذمتي لفلان ألف درهم.
يقول: لا يُقبل.
لا يُقبل بمعنى لا يدخل مع الغرماء، ولكن يُطالِب متى؟ بعد فك الحجر عنه؛ لأن التهمة حاصلة، قد يأتي إنسان صاحب له ويقول: تعالَ، أنت الآن عليك دراهم للناس، أقرَّ لي بشيء حتى أشاركهم، وإذا أخذته أعطيتك إياه.
هذا وارد، فنقول: لا يُقبل إقراره بالنسبة لمشاركة الغرماء، أما بالنسبة لبقاء الدَّيْن في ذمته فهو باقٍ؛ ولهذا قال: (ولا إقراره عليه) أي على ماله، يعني على أعيان ماله لا يُقبل.
قال: (ومَنْ باعه أو أقرضه شيئًا بعده) أي: بعد الحجْر، (رجع فيه) أي: فيما باعه أو أقرضه، (إن جهل حجْره وإلا فلا).
يعني: إنسان باع على المحجور عليه شيئًا وهو لا يعلم، ثم علم أنه محجور عليه، ماذا يصنع الآن؟ مشكلة! لأن التصرف معه بعد الحجر غير نافذ.
نقول: ارجع بمالك ولا ضرر؛ حتى لو فُرض أن هذا المحجور عليه استعمله يومين أو ثلاثة أو أكثر، فيكفيك أن ترجع إليك عين مالك.
مثال هذا: رجل باع على هذا المحجور عليه سيارة بخمسين ألفًا، وهو لا يدري أنه محجور عليه، فعلِم، فماذا يصنع؟ سيارته الآن سقطت في الهوة، فماذا يصنع؟ نقول: خذ السيارة، ما دمت لم تعلم فخُذ السيارة، فإن كان عالِمًا، فإنه لا يرجع وتُدْخل السيارة في دَيْنه، تُباع وتُوزَّع على الغرماء.
طالب: إذا هلك المبيع قبل أن يعلم ( ... )؟ الشيخ: يبقى في ذمته.
الطالب: لا يدخل مع الشركاء؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1552

الشيخ: لا، ما يدخل مع الشركاء.
هذا يسأل يقول: إذا قدَّرْنا أن هذا الشيء الذي اشتراه هلك، فهل يدخل مع الغرماء؟ نقول: لا، يبقى في ذمته.
طالب: إذا هذا الرجل المحجور عليه له بيت ( ... )، وله سيارة للعائلة، له.
الشيخ: بيجينا إن شاء الله.
طالب: قلنا: إنه لا يجوز من كان عليه دَيْن أن يتصدق، حتى إذا لم يكن مطالبًا ( ... )؟ الشيخ: أما لو قال له صاحب الدَّيْن: كلما تصدقت به فأنا مُسقِطه عنك، فلا بأس؛ لأنه ما يضره الآن.
الطالب: لازم الشرط.
الشيخ: أما إذا لم يقل هذا فقد يكون سكوته حياءً أو خجلًا أو ما أشبه ذلك.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، ما يُخالف، هذا صحيح.
مرادهم فيما سبق أن الدَّيْن الحال لا يمكن تأجيله، لكن هذا مُؤجَّل من الأصل.
طالب: المؤلف رحمه الله يقول: (من لم يقدر على وفاء شيء من دَيْنه لم يطالب به وحرم حبسه)، فإن كان يعلم أن صاحب ( ... ). الشيخ: سمعتم كلامه؟ يقول: لو فرضنا أنه إذا حُبس عطف عليه أقاربه وأصحابه وأوفوا عنه، هل نحبسه؟ طالب: لا.
الشيخ: إن رضي فلا بأس، إذا رضي هذا المدِين وقال: احبسوني لعل الله يسهل أحدًا يعطف عليَّ! إي نعم، هذا شيء واقع وكثير، فلا بأس يُحبس؛ لأن حبسه الآن من مصلحة الغرماء.
طالب: برضاهم.
الشيخ: برضاهم إي نعم.
الطالب: بإلزام ( ... ). الشيخ: لا، ما فيه إلزام، لكن لا شك أني إذا رأيت هذا الرجل محبوسًا عن أهله وعائلته سوف أرق له أكثر مما إذا كان يمشي في السوق.
طالب: شخص لا يقدر على الوفاء، هل هناك فرق بين أن يكون ضامنًا أو يكون هو صاحب ( ... )؟ الشيخ: إي نعم، لا فرْق بين أن يكون فرعًا أو أصلًا؛ يعني كالضامن والكفيل إذا لم يحضر البدن سواء.
الطالب: يا شيخ، ما ( ... ) كفالة غرامية ويوقِّع عليها، فهل يطالَب؟ الشيخ: إي، يطالب، ويش الفائدة من هذا؟ الطالب: يقول: ما عندي شيء.
الشيخ: مَنْ؟ الطالب: هو ( ... ). الشيخ: نقول: إذا ما عندك شيء ادخل بالحبس، وسهَّل الله أمرك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1553

الطالب: يقول يا شيخ: أعرف أنه ما يجوز.
الشيخ: لا، أقول: إذا كان ما عنده شيء عرفت أنه ما يطالَب ولا يحبس، لكن إذا صار عنده شيء وقال: يا جماعة، أنا ما موف، يقول: روحوا للأول، للمضمون.
نقول: ويش الفائدة من الضمان؟ إذا كنت تحيلني على المضمون الفائدة من الضمان فُقِدت الآن، نحبسه ونقول: أنج نفسك.
أما إذا كان ما عنده شيء معلوم لا يُطالب، لا الأصيل ولا الضمين.
الطالب: إن كان قد وقع ( ... ). الشيخ: إي، ما عنده شيء، لو كان أصيلًا هل يُحبس ويطالَب؟ الطالب: لا.
الشيخ: طيب.
طالب: يا شيخ، لو وكَّل يا شيخ، المدِين، وكَّل شخصًا ليبيع السيارة، ثم حُجِر عليه وباع الوكيل بعد الحجر؟ الشيخ: هذا ينبني على انعزال الوكيل قبل العلم، إن قلنا بأنه ينعزل قبل العلم لم يصح البيع، وإن قلنا: لا ينعزل إلا بعلمه؛ صح البيع، فالصحيح أن فيه التفصيل: إن طالت المدة بين عزله وتصرفه لم نقبل منه أنه لم يعلم، وإن قصرت أو كان متباعدًا يعني في المكان ولا فيها هاتف يتصل به فيصح.
طالب: ما حجة المذهب في قول أن الدَّيْن الحال لا يُؤجَّل؟ الشيخ: نعم، حُجَّتهم أن التأجيل وصْف زائد على الأصل، والأوصاف الزائدة على الأصل لا بد أن تكون في نفس العقد.
الطالب: ولو قبِل الدائن؟ الشيخ: ولو قبِل، لكن الصحيح أنه يتأجل، الصحيح أن القرْض يتأجل، والدَّيْن إذا حل وطلب تأجيله بدون زيادة فلا بأس؛ لأن المذهب مشكلة، يعني لو تقرض هذا الرجل مئة ألف ليشتري بيتًا، واشترى بيتًا بمئة ألف، وجئت إليه من الغد وقلت: يلَّا أوفني وإلا الحبس، هذا خلاف المشروع والمعقول.
الطالب: إذا وقعت هذه الحالة، ماذا يقولون؟ الشيخ: من اللي ماذا يقولون؟ الطالب: إذا قال يعني أوفِني، قال: ليس معي الآن شيء، ويؤجَّل.
الشيخ: يُباع، يُحجر عليه إذا كان ما عنده إلا البيت هذا.
طالب: الأصل يا شيخ أن يكون جاهلًا أو عالِمًا؟ الشيخ: ما هو؟ الطالب: الذي باعه، ثم قيل: إنه محجور عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1554

الشيخ: لا، فيه التفصيل؛ إذا كان عالِمًا بأنه محجور عليه ما له حق يرجع في ماله، وإن كان جاهلًا فله أن يرجع بماله.
هذا كلام المؤلف صريح.
الطالب: الأصل يا شيخ أنه عالم وجاهل؛ يعني يُطالَب بإيفاء الدَّيْن على ( ... ). الشيخ: ويش الأصل العلم ولَّا الجهل؟ أسألك أنت؟ الطالب: الجهل.
الشيخ: أنت؟ طالب: ذكرنا أنه لا يصح إقراره على ماله، فإذا قال لشخص أنا لن .. الشيخ: لا يصح إقراره على ماله، لكن يكون في ذمته.
الطالب: نعم، يكون في ذمته، لكن قال لشخص: أنا لن أقر لك بدَيْن من مالي، ولكن تعالَ أنت، فقل: إني غريم لم أعلم بأنه قد حُجر عليَّ إلا بعد الحجر لكي يشارك ( ... ). الشيخ: ما يُقْبل.
الطالب: ما الفرْق بينه وبين الغريم الذي ( ... )؟ الشيخ: هذا في بينة ما هو بإقرار، هذا بإقرار، المحجُور عليه لا يُقبَل إقراره بأي شيء، لا بِدَيْن سابق ولا لاحق، إلا إذا صدَّقه الغرماء.
الطالب: كيف تكون البينة يا شيخ؟ الشيخ: يشهد عليه أنه معاه من قبل الإحجار عليه.
طالب: رجل عليه ديْن لشخصين غني وفقير ( ... ) كل واحد يوفي في نفس الموعد، فهل نقول؟ الشيخ: يعني رجل عليه دَيْن مؤجَّل لغني وفقير والأجل واحد.
الطالب: فهل نقول: ليس للغني ( ... ) كلاهما .. ؟ الشيخ: كُلٌّ له حق، ما دام عنده مال، أما إن كان ما عنده مال أبدًا فهو لا يُطالَب، سواء كان صاحب الطلب غنيًّا أو فقيرًا.
الطالب: لكن من أحق يا شيخ؟ الشيخ: كل واحد، كلهم حق ثابت.
ما هو بالغني والفقير، هو الطالب ولَّا المطلوب؟ الطالب: هو الطالب.
الشيخ: إي، لا فرْق.
طالب: إنسان لو باع على أحد سيارة ( ... )، ثم صار عليه حادث فانعدمت السيارة، فماذا؟ الشيخ: تبقى في ذمة المحجور عليه، إذا كان مفرطًا، وإن كان غير مفرط تجلب على صاحبها، إلا على المشهور من المذهب الذين يقولون: إن العقد الفاسد كالغصب، فيقولون: إن عليه الضمان مطلقًا، على المحجور عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1555

طالب: إذا كان أحد الغرماء موجودًا في البلد ساعة إشهار الحجر على شخص، وبعدين رجع بعد الإشهار، هل من حقه أنه يرجع على المحجور عليه؟ الشيخ: ظاهر كلام العلماء أنه ما يرجع؛ لأنه مفرط؛ لأن الواجب ( ... ) أو وكَّل إنسانًا، قال: شوف فلان الآن مدِين، وماله أقل من دينه وأخشى أن يكون يحجر عليه فأنت إن حجر عليه فأخبرني.
( ... ) طالب: إنسان يا شيخ عليه مئة ألف، وله عند رجل ثمانون ألفًا مؤجَّلة ( ... ). الشيخ: ما هو ماله أقل من دَيْنه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: ما يخالف، أو يقال: هذا ما دام ما حل الأجل فهو كالمعدم، ما يُحجب عليه حتى يحل ويقبض.
طالب: ( ... ). الشيخ: كيف حال؟ الطالب: يعني حال، ولكن داعٍ للذي يطلبه المحجور عليه لم ( ... ). الشيخ: طيب، ولا ينظر؟ الطالب: لا، ما ينظر.
الشيخ: خلاص، هذا كالمعدوم.
طالب: الذي ليس عنده مال يستطيع يمشي به، ولكن ( ... )، لكن إن علم من حال هذا الرجل أنه يقترض المال ويُوعد بالسداد وهو مستأمن.
الشيخ: هذا عادةً يرجع إلى ولي الأمر، وهو ما يُسمى عند الناس بالمدعي العام، إذا رأى مثل هذا اللي يلعب بالناس أنه يجب تأديبه يؤدبه.
الطالب: لكن تجوز مطالبته على هذه الحال، ولو لم يكن عنده شيء؟ الشيخ: لا، إذا علمت ما عنده شيء، أن الرجل أخرق، استقرض منك مثلًا مئة ريال، ولكن أخرق، إذا لقي أناسًا بالسوق نازلين توًّا مسافرين وجايين، قال: تفضلوا الله يحييكم.
فهذا ما .. الطالب: لكن حاله يا شيخ، إذا ( ... ) جميع الناس ( ... ). الشيخ: ما يخالف، بس نعلم ما عنده شيء، لكن إذا رأى ولي الأمر، ولهذا يُذكر ( ... ) ولو تأكد، الحق للغرماء.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1556

قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الحجر: وإن تصرَّف في ذمته أو أقرَّ بديْن أو جناية توجب قودًا أو مالًا صحَّ، ويطالب به بعد فكِّ الحجْر عنه، ويبيع الحاكم ماله.
ويقسم ثمنه بقدْر ديون غرمائه، ولا يحلُّ مؤجَّل بفلس ولا بموت إن وثق الورثة برهن أو كفيل مليء، وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه، ولا يفك حجره إلا حاكم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا الكلام على أول باب الحجر، وبيَّنا أن الحجر هو منْع الإنسان من التصرف في ماله، ويكون لحظ نفسه، ويكون لحظ غيره، فالحجْر على السفيه والصغير والمجنون لحظِّ نفسه، أي لحظ المحجور عليه، والحجْر على الْمُفَلَّس الذي عليه ديْن لا يستطيع وفاءه حجْر لحق الغير.
ونحن الآن في هذا القسم من الحجْر.
قال المؤلف فيما يترتب على هذا الحجْر: (ولا ينفذ تصرُّفه في ماله بعد الحجْر ولا إقراره عليه).
طالب: (وإن تصرَّف في ذمته).
الشيخ: نعم، قال: (وإن تصرَّف في ذمته) المحجور عليه لا يصح تصرفه في عين ماله، فإذا حجرنا على الرجل لوجود ديْن عليه أكثر مما معه، فإنه لا يُمكن أن يبيع شيئًا من ماله ولو قلَّ، لا يمكن أن يبيع قلمًا ولا ساعة ولا غيرهما؛ لأن أعيان ماله تعلق بها حق الغرماء، لكن إن تصرف في ذمته فلا بأس.
ومعنى (تصرَّف في ذمته) يعني استقرض من شخص شيئًا، فلا حرج، فهذا الرجل الذي حجرنا عليه لو احتاج إلى شيء، مال، واستقرض من غيره فلا حرج.
لعل الصورة واضحة لكم إن شاء الله، أو ما هي واضحة؟ طيب، هذا رجل عليه ديَنْ يبلغ عشرة آلاف، والمال الذي عنده يساوي ثمانية آلاف، الآن نحجر عليه أو لا؟ نحجر عليه؛ حجرنا عليه وقلنا: الآن لا تتصرف في مالك، الرجل استقرض من شخص مالًا، فالقرض هنا صحيح؛ لأنه لم يتصرف في المال الذي حجرنا عليه فيه، وإنما تصرف في ذمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 1557

كذلك أيضًا لو اشترى شيئًا، لكن لم يشترِ بعين ماله، اشترى من شخص بيتًا أو سيارة فلا بأس؛ لأن الحجر عليه إنما هو في أعيان المال فقط، أما الذمة فليس عليها حجر.
ولهذا قال: (إن تصرَّف في ذمَّته أو أقرَّ بدين) حال الحجر أقرَّ بدَيْن؛ يعني أن هذا الرجل الذي كان الدَّيْن الذي عليه عشرة آلاف، والذي عنده ثمانية، حجرنا عليه، بعد الحجر قال: في ذمتي لفلان أربعة آلاف ريال، فإننا لا نقبله على المال الموجود، لكن نقبله في ذمته، نقول: الآن ثبت في ذمتك للذي أقررت له كم؟ أربعة آلاف، لكن لا تؤخذ الأربعة من المال؛ لأن هذا التصرف بعد الحجر.
وإن تَصَرَّفَ في ذِمَّتِه أو أَقَرَّ بدَيْنٍ أو جِنايةٍ تُوجِبُ قَوَدًا أو مالًا صَحَّ ويُطالَبُ به بعدَ فكِّ الْحَجْرِ عنه، ويَبيعُ الحاكمُ مالَه ويَقْسِمُ ثَمَنَه بقَدْرِ دُيونِ غُرمائِه، ولا يَحِلُّ مُؤَجَّلٌ بفَلَسٍ ولا بموتٍ إن وَثِقَ وَرَثَتُه برَهْنٍ أو كَفيلٍ مَلِيءٍ، وإن ظَهَرَ غَريمٌ بعدَ القِسمةِ رَجَعَ على الغُرماءِ بقِسطِه، ولا يَفُكُّ حَجْرَه إلا حاكمٌ.
(فصلٌ)

الجزء: 2 - الصفحة: 1558

ويُحْجَرُ على السفيهِ والصغيرِ والمجنونِ لِحَظِّهم، ومَن أعطاهم مالَه بَيْعًا أو قَرْضًا رَجَعَ بعينِه وإن أَتْلَفُوه لم يَضْمَنُوا، ويَلْزَمُهم أَرْشُ الجِنايةِ وضَمانُ مالِ مَن لم يَدْفَعْهُ إليهم، وإن تَمَّ لصغيرٍ خمسَ عشرةَ سنةً أو نَبَتَ حولَ قُبُلِه شَعْرٌ خَشِنٌ أو أَنْزَلَ، أو عَقَلَ مجنونٌ ورَشَدَا، أو رَشَدَ سفيهٌ، زالَ حَجْرُهم بلا قَضاءٍ، وتَزيدُ الجاريةُ في البلوغَ بالحيضِ، وإن حَمَلَتْ حُكِمَ ببُلُوغِها، ولا يَنْفَكُّ الحجْرُ قبلَ شُروطِه، والرُّشْدُ الصلاحُ في المالِ بأن يَتَصَرَّفَ مِرارًا فَلا يُغْبَنُ غالبًا , ولا يَبْذُلُ مالَه في حرامٍ أو في غيرِ فائدةٍ، ولا يُدْفَعُ إليه حتى يُختَبَرَ قبلَ بُلوغِه بما يَليقُ به، ووَلِيُّهُم حالَ الْحَجْرِ الأبُ ثم وَصِيُّه ثم الحاكمُ، ولا يَتَصَرَّفُ لأحدِهم وَلِيُّه إلا بالأَحَظِ , هذا رجل عليه دين يبلغ عشرة آلاف، والمال الذي عنده يساوي ثمانية آلاف، الآن نحجر عليه أو لا؟ نحجر عليه، حجرنا عليه وقلنا: الآن لا تتصرف في مالك.
لرجل استقرض من شخص مالًا، فالقرض هنا صحيح؛ لأنه لم يتصرف في المال الذي حجرنا عليه فيه، وإنما تصرف في ذمته.
كذلك أيضًا لو اشترى شيئًا لكن لم يشترِ بعين ماله، اشترى من شخص بيتًا أو سيارةً فلا بأس؛ لأن الحجر عليه إنما هو في أيش؟ في أعيان المال فقط، أما الذمة فليس عليها حجر، ولهذا قال: (إن تصرف في ذمته).
(أو أقر بدين) حال الحَجْر أقر بدَين؛ يعني أن هذا الرجل الذي كان الدين الذي عليه عشرة آلاف، والذي عنده ثمانية، حجرنا عليه، بعد الحجر قال: في ذمتي لفلان أربعة آلاف ريال، فإننا لا نقبله على المال الموجود، لكن نقبله في ذمته، نقول: الآن ثبت في ذمتك للذي أقررت له كم؟ أربعة آلاف، لكن لا تؤخذ الأربعة من المال؛ لأن هذا التصرف بعد الحجر، فيبقى في ذمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 1559

(أو أقر بدين أو جناية توجب قودًا أو مالًا؛ صَحَّ) أقر بجناية توجب قودًا، فقال: إنه قطع يد إنسان، أو إن عبده قطع يد إنسان، وهذا هو الأقرب؛ لأن كونه يُقِرُّ بجناية عليه توجب قودًا ليس فيها فائدة، إلا إذا قيل: ربما يختار من له القود الدية.
فكلمة (توجب قودًا) نقول: تشمل ما إذا أقر على نفسه بجناية توجب قودًا فإنه يصح، لكن لا يُطَالَب به إلا بعد فك الحجر.
كيف الجناية التي توجب قودًا؟ أقرَّ بأنه قطع يد إنسانٍ عمدًا، هذه جناية توجب القصاص، والقود هو القصاص.
نقول: الإقرار صحيح، لكن المُقَرَّ له لا يطالبه إلا بعد فك الحجر ما لم يُطالِب بالقود، فإن طالب بالقود فلا بأس أن يُقَاد؛ يعني إن قال المقر له: أنا أريد أن يقتص منه وتقطع يده، قلنا: لا بأس؛ لأن هذا لا يتعلق أيش؟ لا يتعلق بماله، لكن لو قال المقَرُّ له: أنا أريد دية اليد التي أقر بقطعها، قلنا: لا يمكن؛ لأن الدية تتعلق بالمال.
وكذلك لو كان له عبد وأقر بأن عبده جنى -والعبد من جملة المال يُبَاع في الدين- فإننا لا نقبله إلا بعد فك الحجر، أما الآن فلا.
يقول: (ويُطَالَب به بعد فك الحجر عنه) (يُطَالَب به) أي: بما أقر به، (بعد فك الحجر) ومتى يُفَك الحجر؟ يُفَك إذا أعطينا الغرماء ما وجدوه من ماله، انتهى الحجر، فإذا قُسِمَ ما وجدنا من ماله على الغرماء فقد انتهى الحجر، فيطالب بما أَقَرَّ به، ويُطَالَب بما ثبت في ذمته، فإن حجرنا عليه مرة ثانية شارك من أقر لهم غرماءه الأولين.
طيب، كم حكمًا ترتب على الحجر؟ الحكم الأول: لا ينفذ تصرفه في ماله.
الحكم الثاني: أن إقراره حال الحجر لا يصح على ماله، ولكن يصح في ذمته ويُطَالَب به بعد فك الحجر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1560

الثالث قال: (ويبيع الحاكمُ مالَه) (الحاكم) أي: القاضي، (ماله) وهل المراد أن الحاكم نفسه يتولى بيعه فيقف في السوق ويقول: من يشتري هذا، أو يأمر من يبيع؟ الثاني؛ لأن الحاكم عادة -الذي هو القاضي- لا يقف في الأسواق يقول: من يشتري هذا المال؟ لكن يأمر من يبيع ماله؛ أي: مال المحجور عليه.
(ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه) ثمن المبيع يُقْسَم بقدر أيش؟ ديون الغرماء، بالتساوي أو بقدر الدين؟ الثاني؛ يعني: بقدر الدين، وكُلُّ إنسان يُعْطَى بقسطه.
وكيفية ذلك أن تَنْسِبَ الموجود للدين، فما حصل من النسبة فهو لكُلِّ واحدٍ من دينه.
مثال ذلك: قلنا: إن دَيْنه عشرة آلاف ريال، والموجود ثمانية، انْسُب الثمانية إلى العشرة تكن أربعة أخماس، فلكُلِّ واحد من الغرماء أربعةُ أخماس ماله، مَنْ له ألف كم نعطيه؟ ثمان مئة، ومن له مئة؟ ثمانين، وهلم جرًّا.
فالمهم أن كيفية التقدير أن تنسب الموجود للدين، فتعطي كُلَّ مدين بمثل تلك النسبة، فإذا كان الموجود أربعة أخماس أعطِ كُلَّ واحد أربعة أخماس من نصيبه.
إذا كان دين أحدهم خمسة ريالات، كم نعطيه؟ أربعة ريالات.
شوف واحد منهم أعطيناه ثمان مئة وهذا أعطيناه أربعة ريالات؛ لأن النسبة هكذا تكون.


قال: (ولا يحل مؤجل بِفَلَسٍ) يعني: إذا كان على الإنسان دين وحُجِرَ عليه، فهل يحل الدين أو يبقى على أجله؟ يقول المؤلف: إنه لا يحل، فيبقى على أجله ويُطَالَب إذا حلَّ الأجل.
مثال هذا: إنسان استدان من شخص دينًا لمدة سنة، في أثناء السنة حُجِرَ على المدين، فجاء صاحب الدين ليطالب مع الغرماء، فنقول: لا حق لك، ليش؟ لأنه لم يحل دينه؛ مؤجل.
إذا قال صاحب الدين المؤجل: أنتم لما حجرتم عليه سوف تبيعون ماله ولا يبقى لي شيء، نقول: لأنه لا حق لك، فإذا حل دينك شاركت الغرماء إن وُجِدَ له مال، وإلا فلا يحل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1561

كذلك لا يحل المؤجل بموت؛ موت المدين إلا أن المؤلف استثنى فقال: (إن وَثَّق ورثته برهن أو كفيل ملي) فإن لم يوثقوا حلَّ.
مثال هذا: رجل عليه عشرة آلاف ريال تحل بعد سنة، ثم مات الرجل، فهل يحل الدين؟ الجواب: لا يحل؛ لأن المال انتقل إلى الورثة بأعيانه وأوصافه، ومن أوصافه أنه مؤجل، فالحق للورثة الآن، إذا قالوا: لن نوفيك؛ لأن دينك لم يحل، فالقول قولهم.
ولكن اشترط المؤلف: (إن وَثَّق ورثته برهن أو كفيل ملي) يعني مثلًا إذا قالوا: حقك الآن لم يحل ولا تطالبنا بشيء، فإذا قال: أخشى أن تقتسموا المال ويضيع حقي، قالوا: لك هذا البيت رهنًا، البيت يساوي عشرين ألفًا، والدين كم؟ عشرة آلاف، الآن هذا الرهن يكفي للدين، إذا لم يرهنوه شيئًا، وقال: قدموا لي كفيلًا، قالوا: هذا فلان يكفل دينك، نظرنا: إذا كان مليئًا لم يحل الدين، وإن كان غير ملي حلَّ الدين.
فمن هو الملي؟ الملي هو القادر على الوفاء؛ بماله وقوله وبدنه، هذا هو الملي: القادر على الوفاء بماله، والثاني: قوله، والثالث: بدنه.
فالملي بماله: أن يكون عنده أموال تكفي لهذا الدين، والقادر ببدنه: أن يكون ممن يمكن إحضاره لمجلس الحكم عند التحاكم، والقادر بقوله: ألَّا يكون مماطلًا، فيقول: غدًا ائت، بعد غد، ويماطل، فإذا أتوا بكفيل غني وَفيٍّ لو أبى أن يُوفِي حُوكِمَ، فالدين لا يحل.
وعلم من قوله: (أو كفيل ملي) أنهم لو جاؤوا بكفيل غير ملي فإن الدين يحل؛ لئلا يضيع حق الدائن، جاؤوا إليه بكفيل، الكفيل لا يملك إلا ألف ريال، والدين كم قلنا في المثال؟ عشرة، هل يكفي؟ لا؛ لأنه ليس مليًّا بماله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1562

أتوا بكفيل عنده أموال كثيرة، لكنه مماطل لا يكاد يخرج الحق منه؛ كل من جاء وقال: أبغي حقي، قال: طيب بكره إن شاء الله، ائت وعلى العين والرأس، فإذا جاء من بكرة قال: واللهِ ما تيسر اليوم، ائتني بعد أسبوع، أجَّل أمس بيوم واليوم بأسبوع، جاء بعد أسبوع قال: واللهِ أموالي تعرف أنها متبددة في البلاد رايحه يمينًا ويسارًا ولا أظني أقدر على هذا إلا بعد شهر، هل يكفي في إحرازه أو لا يكفي؟ لا يكفي، معلوم أنه مماطل.
أتوا بإنسان غني عنده مال وليس معروفًا بالمماطلة، لكن لو ماطل لم نتمكن من إحضاره إلى القضاء؛ إما لأنه ذو سلطان لا يمكن أن يُؤْتَى به إلى القضاء، وإما لأنه قريب من الإنسان يخجل أن يجر قريبه إلى القضاء؛ كأبيه مثلًا، فهنا نقول: هذا الكفيل لا يكفي، فيحل الدين أو لا يحل؟ يحل الدين؛ لئلا يضيع حق الدائن.
وعلى هذا: فإذا توفي رجل وعليه دين لآخر يحل بعد سنة، وجاء صاحب الدين يُطَالَب الورثة فلهم أن يدفعوه، كذا، أو فيه التفصيل؟ ففيه تفصيل: إن أعطوه رهنًا فلهم الدفع، لكن رهنًا يكفي، إن أقاموا كفيلًا مليئًا فلهم أن يدفعوه، وإلا فإن الدين يحل ويطالب صاحبُ الدين الورثةَ بدينه.
بقي أن يقال: إذا كان هذا الدين ثمن مبيع، فالغالب أن الدين إذا كان ثمن مبيع سوف يزيد عن الثمن الحاضر، إذا كنت أبيع هذه السيارة بعشرة آلاف اليوم سأبيعها إذا كان مؤجل الثمن بكم؟ باثني عشر ألفًا مثلًا.
هذا الرجل استدان من الدائن ومات في أسبوعه مثلًا، رجل اشترى سيارة من شخص باثني عشر إلى سنة، ثم مات اليوم؛ يوم شرائه، ولم يكن عند الورثة رهن يحرز ولم يأتوا بكفيل حلَّ الدين.
هل للدائن أن يأخذ جميع الدين، أو لا يأخذ إلا ثمنه الحاضر؟ طالب: ثمنه الحاضر.
طالب آخر: الثاني.

الجزء: 2 - الصفحة: 1563

الشيخ: انتبهوا، الحق واجب الآن اثنا عشر ألفًا، المذهب أنه يحل بقدره ولا ينزل منه شيء؛ لأنه ثبت في ذمة الميت كم؟ اثنا عشر ألفًا، والميت لو كان حيًّا لم يوف إلا بعد سنة.
لكن لو قيل: بأنه إذا مات في مثل هذه السرعة في يومه، فينبغي أن يثبت له قيمة السيارة في اليوم الحاضر؛ لأن السعر لم يتغير، أو يقال له: خذ سيارتك ما ( ... ) شيء، لكن المذهب يقولون: إنه إذا حل المؤجل فإنه يحل بكامله ولا يُنْقَص منه شيء.
الخلاصة الآن: إذا أفلس الرجل المدين هل يحل دينه؟ يعني: الدين اللي عليه هل يحل أو لا؟ طالب: إذا لم يكن هناك رهن.
الشيخ: لا ما فيه رهن، الرجل ما مات حُجِرَ عليه، هل يحل الدين المؤجل أو لا يحل؟ طالب: لا يحل.
الشيخ: لا يحل، يبقى مؤجلًا، طيب.
إذا مات المدين هل يحل الدين المؤجل الذي عليه؟ طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: فيه تفصيل، ما هو؟ الطالب: هو إذا كان عندهم رهن الورثة محرز أو عندهم كفيل ملي فحينئذٍ لا يحل الدين، وإذا لم يكن لهم رهن محرز أو لم يكن لهم كفيل ملي فحينئذٍ يحل الدين.
الشيخ: تمام، إذن إذا مات المدين هو الذي فيه التفصيل الذي أردت، إذا مات المدين؛ فإن وثَّق الورثة من له الدين برهنٍ يكفي أو أتوا بكفيل ملي فالدين باقٍ لا يحل؛ لأنه لا ضرر على صاحب الدين، وأما إذا لم يأتوا برهن أو لم يأتوا بكفيل ملي فإنه يحل الدين؛ لئلا يضيع حقه.
بقي علينا الإشكال الذي أوردناه: هل يحل الدين بكامله أو يُخْصَم منه ما كان زائدًا على الثمن الحاضر؟ قلنا: المذهب أنه يحل الدين بكامله؛ لأنه دينٌ ثبت في ذمة الميت فيبقى على ما هو عليه، والذي ينبغي أن يقال: إنه لا يحل الدين بكامله؛ لئلا نظلم الورثة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1564

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه) (إن ظهر غريم بعد القسمة) أي: بعد قسمة ماله؛ يعني: حجرنا على الرجل وقسمنا ماله، لم يبق عنده شيء، ظهر بعد ذلك غريم لم يعلموا به من قبل، يقول: (رجع على الغرماء بقسطه).
وكيف قسطه؟ ننظر نسبة دينه إلى ما أخذه الغرماء، فإذا نظرنا إليه ووجدناه نصف ما أخذه الغرماء؛ يرجع على كل واحد بنصف ما أخذ، ربعه؛ يرجع على كُلِّ واحد بربع ما أخذ.
مثال ذلك -المثال الأول-: الدين عشرة آلاف، والموجود ثمانية آلاف، قسمنا الثمانية بين الغرماء، ظهر غريم دينُه أربعة آلاف، أربعة آلاف نسبةً إلى الثمانية النصف، يرجع على كل واحد بنصف نصيبه.
إذا رجع بنصف نصيبه كم يكون له من الموجود؟ طالب: أربعة.
الشيخ: أربعة، لا.
طالب: الثلث.
الشيخ: الثلث، يرجع على كل واحد بثلث نصيبه؛ لأنك تضيف نصيبه إلى الموجود -وهي ثمانية- يبلغ اثني عشر، ونسبة الثمانية إلى اثني عشر كم؟ الثلثان، فيرجع على كل واحد بثلث نصيبه.
ثم قال المؤلف: (ولا يفك حجره إلا حاكم) (لا يفك حجره) أي: حجر المحجور عليه لفلس لا يفكه إلا حاكم، التعليل: لأنه ثبت بحكم الحاكم، وما ثبت بحكم الحاكم لا يرتفع إلا بحكمه؛ يعني لا نقول: إننا إذا قسمنا ماله بين غرمائه انفك الحجر، لا، لا بد من أن يفكه الحاكم، وعلى الحاكم أن يبادر بفك الحجر عنه، لا يماطل.
مثلًا نحن قسمنا ماله الموجود بين الغرماء اليوم؛ السبت، لا يجوز للقاضي أن يؤخر فك الحجر إلى يوم الجمعة مثلًا؛ لأن في ذلك ضررًا عليه، بل نقول: يجب أن يفكه فور قسمته.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصلٌ ويُحْجَر على السفيه والصغير والمجنون لحظهم).

الجزء: 2 - الصفحة: 1565

هؤلاء ثلاثة؛ السفيه وهو الذي لا يحسن التصرف في المال، هو بالغ عاقل لكن لا يحسن التصرف في المال؛ يذهب يشتري به حلويات ومفرقعات وما أشبه ذلك، هذا أيش يكون؟ سفيهًا.
الصغير: هو الذي لم يبلغ.
المجنون: فاقد العقل.
هؤلاء الثلاثة يُحْجَر عليهم، فلا يُمَكَّنون من التصرف في مالهم، لكن (لحظهم) لا لحظ غيرهم، فإذا كان السفيه مراهقًا حجرنا عليه من وجهين؛ هما: السفه، والصغر.
ولكن لا بأس أن نعطيه ما يتصرف به مما جرت به العادة لنختبره؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، هذا مَنْ؟ السفيه الذي لم يبلغ؛ يعني بمعنى أننا لا نحجر عليه حجرًا تامًّا، بل نعطيه ما يتصرف به بقدره حتى نعرف أنه يحسن التصرف، فإذا بلغ أعطيناه ماله.
ويش قلنا في السفيه؟ قلنا: السفيه يُحْجَر عليه إذا كان مراهقًا، فهل نمنعه من التصرف في ماله مطلقًا أم ماذا؟ طالب: يُعْطَى بعض شيء ( ... ). الشيخ: نعم، يُعْطَى الشيء اليسير حتى يُعْرَف حسنُ تصرفه، فإذا بلغ أعطيناه ماله كُلَّه.
المجنون هل نعطيه شيئًا للاختبار؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ طلبة: لأنه لا يحسن التصرف.
الشيخ: لأنه لا يمكن، المجنون مجنون، لو أعطيناه أيَّ شيء سوف يخربه.
السفيه البالغ كالمراهق؛ بمعنى أننا لا نمكنه من التصرف في ماله كما يريد، ولكن نعطيه شيئًا مما جرت به العادة؛ يعني نعطيه -مثلًا- البيض يبيعه، دجاجة، وما أشبه ذلك من الأشياء اليسيرة.
ثم قال المؤلف: (ومن أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا رجع بعينه، وإن أتلفوه لم يضمنوا).
قوله: (من أعطاهم) (من) هذه اسم شرط، واسم الشرط يدل على العموم؛ يعني: أيُّ إنسان أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا رجع بعينه، وإن أتلفوه لم يضمنوا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1566

مثال ذلك: رجل باع على السفيه ساعة، ثم إن السفيه أتلفها، فهل يصح البيع؟ وهل يضمن السفيه؟ الجواب: البيع لا يصح، فإن كان أخذ ثمنها من السفيه وجب عليه رده، وهل يضمنها هذا السفيه؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا يضمنها؛ لأن الرجل هو الذي سلطه على ماله فلا يضمن، لا يضمن السفيه الذي أتلف هذه الساعة.
كذلك (قرضًا) هذا إنسان سفيه جاء لشخص قال: أقرضني -جزاك الله خيرًا- مئة ريال، وهو يعرفه من بني فلان، من أهل الشرف والسؤدد، فقال: أبرك ساعة، هذه مئة ريال.
فهل لو أتلفها هذا السفيه -أتلف المئة- هل يضمنها؟ لا، لكن إن بقيت المئة في يده فلمن أقرضه إياها أن يأخذها منه؛ لأن هذا التصرف غير صحيح.
إذا قُدِّر أن هذا السفيه اشترى بها حاجة، هل يرجع عليه بها؟ الجواب: نعم يرجع؛ لأن البدل له حكم المبدَل، فإذا جاء هذا السفيه إلى شخص وقال: أقرضني مئة ريال، قال: طيب، اتفضل، فذهب واشترى بها ساعة، فهل يرجع الذي أعطاه مئة ريال بالساعة أو لا؟ يرجع؛ لأنها بدل ماله، وهو لو وجد ماله عند السفيه لأخذه، فكذلك إذا وجد بدله.
أما لو اشترى هذا السفيه بالمئة ريال؛ اشترى بها حلويات وأكلها، بطيخًا وأكله، صلح بها وليمة وعزم عليها أصحابه وأكلها، هل يضمن؟ لا يضمن، ليش؟ لأنه هو الذي سلطه على ماله، وهذا سفيه، كيف تعطي مالك للسفهاء؟ ! ومثل ذلك الصغير؛ لو جاء الصغير وقال لشخص صاحب لأبيه يعرفه، قال: سلفني عشرة ريالات، اللي يقوله مَنْ؟ الصغير، والرجل صاحب لأبيه يعرفه، قال: خذ، فأخذها الصغير واشترى بها أشياء وأتلفها، هل يضمن الصغير؟ لا، لكن لو وجد عشرة بيده أخذها منه؛ لأنها عينُ ماله.
لو جاء الصغير وقال: إن أبي يقول: من فضلك سلفني مئة ريال، لا يريدها لنفسه، لكن ادعى أن أباه أوصاه، قال للصبي: روح إلى فلان وقل له: يقول أبي أقرضني مئة ريال، فأقرضه، ثم إن الصبي أتلفها، هل يضمن؟ طلبة: لا يضمن.
طلبة آخرون: يضمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1567

الشيخ: لا، فيه تفصيل؛ إن صَدَّق الوالد ابنه يضمن؛ يضمن الأب؛ لأن الولد قبضها وكيلًا عن أبيه، فإذا تلفت بيد الولد كأنما تلفت بيد أبيه، وإن قال: لم أرسله ولا علمت بذلك فلا ضمان عليه، لا ضمان على مَنْ؟ على الصبي.
طيب، لماذا؟ نقول: لأن هذا الرجل هو الذي سلَّط الصغير على ماله.
لكن هذه المسألة فيها إشكال في الواقع، يعني الذي قررنا الآن هو مقتضى كلام الفقهاء رحمهم الله، لكن فيه إشكال؛ لأنها جرت العادة في مثل هذا أن الإنسان يقول لابنه الذي لم يبلغ، مثلًا مراهق أو له اثنا عشرة سنة أو ما أشبه ذلك: يا بني روح لجارنا -مثلًا- قل له: يقول الوالد: سلفني مئة ريال مثلًا، جرت به العادة، أليس كذلك؟ فهنا لا شك أن الرجل لم يعطه مئة ريال إلا وهو واثقٌ من أن أباه قد أوصاه، وإلا لم يعطه.
فهذه المسألة عندي فيها توقف، وهو أنه إذا كان جرت العادة بأن صاحبه يرسل إليه ولده ليستقرض منه، فينبغي أن يقال: إنه يضمن، لكن في هذه الحال مَنِ الذي يضمن؟ الذي يضمن الوالد؛ لأن الرجل إنما أقرضه بناءً على أن أباه أرسله.
هذا إذا كانت العادة بينهما جارية مطردة، أما إذا لم تكن العادة جارية مطردة فإن هذا الصغير لا يضمن، ووالده أيضًا لا يضمن إذا كذَّبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1568

كلمة (من أعطاهم) ذكرنا أنها عامة، فإذا كان الذي أعطاهم مثلهم، انتبهوا يا جماعة: إذا كان الذي أعطاهم مثلهم؛ يعني صغيرًا أعطى صغيرًا، وتلف المال عند الصغير، فهل يضمن أو لا؟ انتبهوا الآن، إحنا قلنا بالأول: إذا أعطاهم الكبير ماله فلا ضمان؛ لأنه هو الذي سلَّطهم، لكن هذا الذي أعطاهم المال صغير، وتصرف الصغير غير صحيح، فهل نقول: عليهم الضمان؛ لأن عطية الصغير هنا غير معتبرة، فكأن الصغير الذي أُعْطِيَ المال كأنه أتلفه بدون إعطاء؛ لأن هذا الإعطاء غير معتبر لكونه ممن لا يصح تصرفه؟ أو نقول: إن هذا الصغير لما سلَّط الصغير على المال فإنه لا ضمان؟ نقول: الأقرب الضمان؛ لأن حق الآدمي مضمونٌ بكل حال، وإعطاء الصغار لمثلهم لا عبرة به.
أنت فاهم زين؟ قل لي.
طالب: إذا أقرض الصغير صغيرًا مالًا ( ... ). الشيخ: فأتلفه الصغير المعطى، هل يضمنه أو لا؟ الطالب: لا يضمنه؛ لأن الصغير كأنه أتلف مالًا لم يعطه.
الشيخ: هذا الذي قلنا: إنه أقرب؟ طالب: أن الأقرب أنه يضمنه.
الشيخ: أنه يضمنه؛ لأن إعطاء الصغير غير معتبر، فكأن الصغير الذي أتلفه كأنه هو الذي جنى على المال فأتلفه.
طيب، إذا أعطاه كبيرٌ؛ أعطى الكبير صغيرًا مالًا فأتلفه، هل يضمن؟ طالب: المذهب على أنه إن صدَّقه؛ الوالد إن صدَّقه.
الشيخ: لا، شوف السؤال: رجل كبير أعطى هذا الصغير مالًا فأتلفه.
الطالب: لا يضمن؛ لأن الصغير .. ، دون أن يرسله والده؟ الشيخ: إي، دون أن يرسله.
الطالب: لا يضمن الصغير.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن الصغير لا تصرف له.
الشيخ: قال: هذا مالي أتلفه، لازم يضمنه.
الطالب: لكنه صغير.
الشيخ: هو الصغير ما يضمن؟ أرأيت لو أن الصغير –مثلًا- دخل على بيت إنسان وأكل الخبز والفطور، يضمن أو لا يضمن؟ طالب: لا يضمن؛ لأنه هو الذي سلَّطه على ماله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1569

الشيخ: صحيح لا يضمن؛ لأنه هو الذي سلَّط الصغير على ماله، وقال: أنت الذي فرطت، ليش تبيع على هذا الصغير؟ ليش تقرض هذا الصغير؟ طالب: شيخ -بارك الله فيكم- قد قررنا أن المذهب أن الدين لا يتأجل؟ الشيخ: لا، الدين الحال لا يتأجل.
الطالب: لا، الدين أصلًا لا يتأجل، دين حال.
الشيخ: الدين الحال لا يتأجل، أما الدين المؤجل من أصل العقد فلا مانع منه.
الطالب: شيخ، نحن كنا قد قررنا أن الدين أصلًا لا يتأجل على مذهب الحنابلة.
الشيخ: لا ما قررنا هذا، قررنا أن الدين الحال لا يتأجل.
الطالب: إذا أجله صاحبه بالاتفاق؟ الشيخ: من حين العقد ولَّا بعد العقد؟ الطالب: سواء.
الشيخ: لا، ليس سواء، إذا بعت عليك هذه السيارة بعشرة آلاف إلى سنة، هذا يصح، وهذا دينٌ مؤجل بأصل العقد، وإذا بعت عليك هذه السيارة بعشرة آلاف نقدًا لم نذكر الأجل، ثم أجلناه، لا يتأجل.
الطالب: شيخ، لو أنا اقترضت من رجل عشرة آلاف على ألَّا يسددها بعد ستة أشهر، يقولون في المذهب: لي الحق أن أطالبه من الغد.
الشيخ: إي نعم، ليش؟ لأن القرض لا يصح إلا حالًّا، القرض عندهم لا يثبت في الذمة إلا حالًّا.
الطالب: طيب، والدين أليس هو قرضًا؟ الشيخ: بلى، لكن ما يصلح أن نقول: كُلُّ دينٍ لا يتأجل، ما يصح هذا.
الطالب: إنما الدين الذي أصله في .. الشيخ: الدين الحال أو الذي لا يمكن فيه التأجيل لا يمكن تأجيله، والصواب أنه جائز، هذا وهذا.
الطالب: هذا الصواب الذي .. الشيخ: نعم.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- الصغير والسفيه والمجنون هل لا بد من حجر أم أنهم يعني مجرد .. ؟ الشيخ: لا، ما يحتاج إلى الحجر، ما يحتاج إلى الحجر إلا من سفِه بعد رشد فلا بد من حجره.
الطالب: طيب يا شيخ، على هذا كُلُّ واحد يتصرف مع الصغير أو السفيه حتى لو ما علم إن ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1570

الشيخ: فهو على خطر في الواقع، إلا إذا كان مما جرت به العادة -كما أشرنا إليه- في الأشياء اليسيرة، هذا جرت به العادة؛ ولهذا ذكر العلماء في البيع، ولا بد أنه مر عليك.
الطالب: شيخ، لكن السفيه فيه إشكال، قد يكون رجلًا كبيرًا لكن ما يعرف أنه محجور عليه، يتكلم كلامًا طيبًا -مثلًا- ويتصرف معه ثم لا يعلم أنه محجور عليه؟ الشيخ: ولو لم يعلم.
الطالب: أقول: لا بد أن يسأل ويتحرى؟ الشيخ: إي يتحرى، نعم.
طالب: أثابك الله يا شيخ، رجل عنده دكان فجاءه مجموعة من الصبيان واشترى كل منهم لعبة، فأخذ الصبيان الألعاب وأتلفوها، لا يكون يعني البائع .. ، هل لهم أن يردوا هذه المتلفات على صاحب الدكان أم لا؟ الشيخ: هذه المتلفات تالفات، لكن هل تؤخذ قيمتها من صاحب الدكان أو لا؟ وإلا التالفات تالفات؛ يعني هل تؤخذ قيمتها من صاحب الدكان إذا كانوا قد سلموا القيمة أو لا؟ هذا السؤال؟ الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: نقول: أما ما جرت به العادة فإن تصرفهم صحيح، وهذا جرت به العادة الآن؛ يعني اللعب الصغيرة بنصف ريال بريال هذه جرت به العادة، لكن لو يأخذ لعبة بخمسين ريالًا -مثلًا-ما جرت به العادة.
الطالب: يا شيخ، تكون مصيبة على صاحب الدكان لا سيما في أيام العيد، لو كل واحد قال: أنا لا أريد لعبتي وأريد مالي؛ يعني خلاص يغلق دكانه؟ الشيخ: إحنا ما قلنا: اليسير لا بأس به؟ الطالب: لا، لعبة كبيرة يا شيخ.
الشيخ: ( ... ) إذا قال: أبغي اللعبة الكبيرة بخمسين ريالًا، أقول: ( ... ) اذهب إلى أبيك وائت به.
طالب: ( ... ) لأنه أكثر ما يأتيه أطفال.
الشيخ: لكن ما هي بخمسين، ما فيه لعبة بخمسين ريالًا.
طالب: فيه بخمس مئة وبألف! الشيخ: اللهم اهدنا فيمن هديت! أنا ما أظن الألعاب هذه السيارات الصغيرة هذه أنها بخمسين ريالًا.
طالب: بخمسة وعشرين ريالًا.
الشيخ: الصغيرة يا ناس اللي كفرها زي الزرار، هذه بخمسين ريالًا؟ ! طالب: يمكن بريالين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1571

طالب آخر: الآن العرف الصغير عشر سنوات يتصرف بمئتين وثلاث مئة.
الشيخ: خلاص، إذن إذا جرى العرف، أنا قلت لكم من قبل: ما جرى به العرف فهو تصرف صحيح؛ بمعنى أنها لو تلفت هذه بأيديهم ما نرجع على صاحب الدكان الذي أخذ قيمتها؛ لأن هذا مما جرى به العرف.
طالب: إقرار المدين بدين وظهور غريم .. الشيخ: إقرار المفلس.
الطالب: إقرار المفلس بدين وظهور غريم آخر، هذا الآخر من مال الغرماء؟ الشيخ: إقرار المفلس بدين الطالب: نعم.
الشيخ: بعد الحجر ولَّا قبل؟ الطالب: بعد الحجر.
الشيخ: بعد الحجر، لا يُقْبَل إقراره على ما في يده من المال.
الطالب: وظهور غريم جديد.
الشيخ: وظهور غريم جديد قبل القسمة يشارك.
الطالب: ( ... ) بعد القسمة ( ... )؟ الشيخ: يرجع على الغرماء بقسطه.
الطالب: مفيش تشابه بين الحالتين يعني؟ الشيخ: لا، بينهما فرق عظيم.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الحَجْر: ويلزمهم أرش الجناية، وضمان مال من لم يدفعه إليهم، وإن تم لصغيرٍ خمس عشرة سنة، أو نبت حولَ قُبُله شعرٌ خشنٌ أو أنزل، أو عَقَلَ مجنونٌ ورشدا، أو رَشَدَ سفيهٌ زال حجرهم بلا قضاء.
وتزيد الجاريةُ في البلوغ بالحيض، وإن حملت حُكِمَ ببلوغها.
ولا ينفك الحجرُ قبل شروطه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق أن الحجر قسمان: حجر لحظ الغير، وحجر لحظ النفس.
فمتى يكون الحجر لحظ الغير؟ طالب: يكون الحجر لحظ الغير إذا كان الرجل مفلسًا -مثلًا- وعليه ديون للناس.
الشيخ: ومتى يثبت؟ الطالب: ويثبت إذا قال به الحاكم .. الشيخ: لا، يعني ما سببه؟ الطالب: سببه عدم ( ... ). الشيخ: إذا كانت الديون أكثر من ماله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1572

هل من الحجر لحظ الغير أن يُحْجَر على المريض مرض الموت فيما زاد على الثلث؟ طالب: نعم، من الحجر لحظ الغير، والحظ هنا للورثة.
الشيخ: نعم، المريض مرض الموت لا يتبرع بأكثر من الثلث، لكن لحظ الورثة.
مَنِ الذي يُحْجَر عليه لحظ نفسه؟ كم؟ طالب: السفيه.
الشيخ: السفيه.
الطالب: والمجنون.
الشيخ: والمجنون.
الطالب: والصغير.
الشيخ: والصغير.
الشيخ: ما الفرق بين الثلاثة؟ الطالب: المجنون هو الذي زال عقله.
الشيخ: الذي زال عقله أو من لا عقل له؟ الطالب: لا عقل له.
الشيخ: أو الذي زال عقله؟ الطالب: الذي زال عقله.
الشيخ: أو الذي لا عقل له؟ الطالب: كله واحد.
الشيخ: لا، ما هو كله واحد.
الطالب: زال عقله، كان عنده عقل في الأول.
طالب آخر: إذا زال عقله من لا عقل له.
الشيخ: لا، فرق بين هو من زال عقله، أو من لا عقل له.
الطالب: الذي لا عقل له هو الذي ( ... ) وهو لا عقل له.
الشيخ: إي، طيب، أحسنت.
الطالب: ولكن من زال عقله ( ... ) إذا زال عقله خلاص، انتهى الحال.
الشيخ: إذن نقول: العبارة المحررة: هو من لا عقل له؛ لأنه لو قلنا: من زال عقله معناه أنه كان عاقلًا ثم زال، أليس كذلك يا جماعة؟ طلبة: بلى.
الشيخ: أما إذا قلنا: من لا عقل له، شمل من كان له عقل فزال ومن لم يكن له عقل من الأصل.
من السفيه هنا؟ طالب: السفيه هو غير كامل الأهلية.
الشيخ: ما تبين؟ الطالب: لا يحسن التصرف في أمواله.
الشيخ: لا يحسن التصرف في ماله، أحسنت، بارك الله فيك.
رجلٌ بالِغٌ عاقل أعطى ماله صغيرًا فأتلفه الصغير؟ طالب: لا ضمان على الصغير.
الشيخ: لا ضمان، أليس هو المتلِف؟ الطالب: بلى، لكن الصغير لا عقل له، ( ... ) لم يُكَلَّف، فلا يُطَالب .. الشيخ: أليس الصغير إذا أتلف شيئًا يضمنه؟ الطالب: لكن هذا الرجل هو الذي سلط الصغير على ماله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1573

الشيخ: أحسنت، نقول: لا يضمن؛ لأن هذا البالغ الرجل هو اللي سلط ماله عليه؛ ولهذا لو أن الصغير -وإن لم يميز- دَبَّ إلى مال شخص وأتلفه لضمنه، تمام.
جنى صغير على إنسان، ما تقول؛ هل يضمن أو لا؟ طالب: يضمن.
الشيخ: وأيش معنى جنى عليه؟ الطالب: جنى عليه؛ يعني: اعتدى عليه.
الشيخ: يعني؟ الطالب: أضره في نفسه أو ماله.
الشيخ: إي، يضمن؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب؛ لأن حق الآدمي لا فرق فيه بين المكلف وغير المكلف.


قال المؤلف رحمه الله: (ويلزمهم) أي: هؤلاء الثلاثة، (أرش الجناية) يعني: إذا جنوا فإن أرش الجناية -أي: ما تُقَدَّر به الجناية- لازمٌ لهم، سواءٌ كانت الجناية على النفس أو على المال، فلو أن هؤلاء الثلاثة اعتدوا على شاة إنسان وكسروها يلزمهم أرش الجناية، ولو اعتدوا عليه نفسه وكسروا يده لزمهم أرش الجناية؛ لأن حق الآدمي لا يُفَرَّق فيه بين المكلف وغير المكلف؛ إذ إنه مبني على المُشاحة، ولا يمكن أن يضيع حق مكلف بعمل مكلف أو غير مكلف أيضًا، لا بد أن يُضْمَن.
ويلزمهم أيضًا (ضمان مال من لم يدفعه إليهم) حتى وإن كان ليس لهم تمييز؟ نعم؛ فلو أن المجنون اعتدى على مال إنسان وأحرقه فإنه يضمنه.
فإذا قال قائل: أليس قد رفع القلم عن ثلاثة؟ قلنا: نعم، رفع القلم عن ثلاثة باعتبار حق الله؛ ولهذا لا يأثم هذا المجنون، ولا يأثم هذا السفيه، ولا يأثم هذا الصغير.
لا، السفيه يأثم إذا كان بالغًا، لكن الصغير لا يأثم، والمجنون لا يأثم، ولكن الضمان لازمٌ لهم؛ لأن هذا حق للآدمي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1574

ثم قال: (وإن تَمَّ لصغيرٍ خمسَ عشرة سنةً) قارؤنا تلكَّأ بعض الشيء في (خَمْس) وأراد أن يقول: (خمسُ عشرة)؛ لأنها فاعل، ثم عدل وقال: (خمسَ عشرة)، فهل الصواب بالضم أو بالفتح؟ الصواب بالفتح؛ لأنها مبنية على الفتح، وكُلُّ الأعداد المركبة ما عدا اثني عشر كلها مبنية على الفتح، كُلُّ الأعداد المركبة: ثلاثَ عشرةَ، أربعَ عشرةَ، خمسَ عشرةَ، ستَّ عشرةَ، سبعَ عشرةَ، ثمانيَ عشرةَ، تسعَ عشرةَ، وأحدَ عشرَ أيضًا، أو إحدى عشرةَ، أما اثنا عشر فإنها بحسب العوامل؛ فتقول: جاءني اثنا عشر رجلًا، وأكرمت اثني عشر رجلًا، حسب العوامل.
(إن تمَّ لصغيرٍ خَمْسَ عَشْرةَ سنةً، أو نبت حَولَ قُبُلِهِ شعرٌ خشنٌ، أو أنزل).
هذه ثلاثة أشياء بها يحصل البلوغ، فيحصل البلوغ بواحد من الأشياء الثلاثة: إذا تم له خمسَ عشرة سنة فقد بلغ، والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: عُرِضْت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد وأنا ابن ثلاثَ عشرةَ سنة فلم يجزني (1)، أخرجه البخاري.
وفي رواية للدارقطني والحاكم صحيحة: ولم يرنِي بلغت (2). طالب: أربعَ عشرة سنة.
الشيخ: وأنا ابن؟ الطالب: أربع عشرة.
الشيخ: إي، ثلاث عشرة.
الطالب: أربع عشرة.
الشيخ: لا، ثلاث عشرة، راجعها.
طالب: ( ... ) أربع عشرة.
الشيخ: أربع عشرة؟ لا، ثلاث عشرة.
ولم يرنِي بلغت، وعُرِضْت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنة فأجازني ورآني بلغت (1)، الشاهد قوله: ورآني بلغتُ؛ لأننا لو اقتصرنا على الرواية الأولى -رواية البخاري- لو اقتصرنا عليها لنازع منازع وقال: إنه أجازه ولم يجزه لا لأنه لم يبلغ أو قد بلغ، ولكن لأنه ليس أهلًا للقتال؛ إما لضعف جسمه، أو لغير ذلك من الأسباب، لكن رواية الحاكم والدارقطني تدل على أنه لعدم البلوغ لم يجزه، وللبلوغ أجازه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1575

قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته بهذا الحديث، فقال: هذا هو حد البلوغ، وكتب إلى عماله بذلك.
وعلى هذا فنقول: إذا تم للإنسان خمسَ عشرةَ سنة فهو بالغ، وإن كان صغيرًا في جسمه، وإن كان لم يحتلم، وإن كان لم تنبت عانته، حدٌّ فاصل، فيمكن أن يكون الإنسان في أول النهار غير مكلف وفي آخر النهار مكلفًا، إذا وُلِدَ عند أذان الظهر؛ عند زوال الشمس، وتم له خمس عشرة سنة عند زوال الشمس، ماذا يقال؟ بلغ.
فإذا قال قائل: كيف يمكن البلوغ بين دقيقة ودقيقة؟ قلنا: لا بد من حدٍّ، إذا اعتبرنا البلوغ بالسنين فلا بد من حد، حتى لو جعلناها ثماني عشرة سنة سوف يبلغ في آخر النهار وفي أول النهار ليس ببالغ، حتى -مثلًا- في الإنزال إذا احتلم في نصف النهار صار أول النهار غير بالغ وآخره بالغًا، لا بد من حد، هذه (خمسَ عشرةَ سنةً).
الثاني: (أو نبت حَوْلَ قُبُلِهِ شعرٌ خشنٌ) (نبت حول قُبُله) سواءٌ كان ذكرًا أم أنثى، (شعرٌ خشنٌ) أي: قويٌّ صلب، احترازًا من الشعر الخفيف، فهذا يحصل حتى لابن عشر أو أقل، لكن الشعر الخشن القوي الصلب هذا علامة البلوغ.
وقوله: (نبت) ظاهره أنه نبت بدون علاج، أما لو كان هناك علاج بأن ادَّهن هذا الصبي بدهنٍ ينبت به الشعر فإنه لا يحصل البلوغ بذلك؛ لأن هذه معالجة، لكن إذا نبت بالطبيعة فهذا يحصل به البلوغ.
الثالث: (أو أنزل) أي: أنزل منيًّا سواءٌ في اليقظة أو في المنام فإنه يحكم ببلوغه.
فهذه علامات البلوغ.
دليل المسألة الثانية والثالثة حديث عطية القرظي: أنهم عُرِضُوا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة؛ فكان من أنبت أو احتلم قُتِلَ، ومن لا فلا (3)، وهذا يكون قرينة على أن هذا هو البلوغ.
ولقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 59].

الجزء: 2 - الصفحة: 1576

(أو عَقَلَ مجنونٌ) مجنون بالغ أو غير بالغ؟ مجنون بالغ؛ لأن البلوغ الذي سبق يكون للعاقل والمجنون، لكن لو عَقَلَ مجنونٌ كان بالغًا وهو على جنونه أو حدث له جنون بعد ذلك.
(ورَشُدَا) الفاعل يعود على الصغير والمجنون، فعلى هذا يكون قوله: (ورَشُدَا) شاملًا للصغير والمجنون، (إن تمَّ لصغيرٍ .. أو عَقَلَ مجنونٌ ورَشُدَا) معطوف على ما سبق.
ومعنى الرشد في كُلِّ موضع بحسبه، وهنا الرشد هو الصلاح في المال وإحسان التصرف فيه، بينما نجعل الرشد -مثلًا- في باب النكاح في ولاية النكاح هو الذي يعرف الكفء ومصالح النكاح، فالرشد في كُلِّ موضع بحسبه.
(أو رَشَدَ سفيهٌ) بالغ ولَّا غير بالغ؟ بالغ، عاقل ولَّا غير عاقل؟ عاقل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل في العطف المغايَرة، فيكون السفيه هنا من كان عاقلًا بالغًا، لكنه لا يُحسن التصرف في ماله، ثم رشد.
(زال حجرهم بلا قضاء) أي: بلا قضاء حاكم، بمجرد ما يحصل البلوغ مع الرشد أو العقل مع الرشد أو الرشد بعد السفه ينفك الحجر عنه، ولا حاجة نروح للقاضي.
فلو أن يتيمًا بلغ بالسن مع رشده في نصف النهار فله أن يطالب وليَّهُ بماله الذي عند وليِّهِ في آخر النهار، فلو قال الولي: لا أعطيك حتى نذهب إلى القاضي ويحكم بأن الحجر زال فإنه لا يطاع؛ لأن الحجر يزول بزوال سببه، ودائمًا يمر علينا الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
فإن قال قائل: ما الفرق بين هذا وبين من حُجِرَ عليه لفلس؛ لأنه هناك قال: لا بد من قضاء (لا يفك حجره إلا حاكم)؟ قلنا: لأن ذاك حجر لحظ الغير، فلا يمكن أن نطلق سراحه ونقول: تصرف في مالك كما شئت إلا بحكم الحاكم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1577

وإن كان بعض العلماء يقول هناك: إنه إذا وُزع ماله وقُسِم انفك الحجر.
لكن المذهب أقرب إلى الصواب؛ أنه من حُجِرَ عليه لحظِّ الغير فلا بد من حاكمٍ ينقض الحجر، أما من حُجِرَ عليه لحظِّ نفسه -وهم هؤلاء الثلاثة: الصغير والمجنون والسفيه- فإنه بمجرد زوال العلة التي أوجبت الحجر ينفك الحجر.
قال: (وتزيد الجارية في البلوغ بالحيض) (الجارية) يعني: الأنثى، تزيد في البلوغ بالحيض، فيكون علامات البلوغ عندها أربعة: تمام خمس عشرة سنة، إنبات الشعر الخشن حول القُبُل، الإنزال، الحيض.
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» (4)، والمراد بالحائض التي أصابها الحيض أو التي قد حاضت؟ التي أصابها الحيض؛ لأن الحائض التي هي حائض بالفعل لا يمكن أن تصلي، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ».
(وإن حملت حُكِمَ ببلوغها) إن حملت الجارية حُكِمَ ببلوغها، كيف تحمل الجارية قبل أن يتم لها خمس عشرة سنة؟ يمكن؟ نعم يمكن، قال أهل العلم: يمكن لبنت تسع سنين أن تحمل، ويمكن لابن عشر أن يُولَد له، فهذه -مثلًا- جارية لها اثنتا عشرة سنة تزوجت وليس لها عانة، ثم ولدت، فهل حصل البلوغ بالحمل أو حُكِمَ ببلوغها بالحمل؟ قال العلماء: يُحْكَم ببلوغها بالحمل عن طريق اللزوم؛ لأنه لا حمل بلا إنزال، وإذا أنزلت بلغت بإنزالها؛ ولهذا قال المؤلف: (حُكِمَ ببلوغها) ولم يقل: وإن حملت بلغت، قال: (حُكِمَ ببلوغها).
والحكم بالبلوغ هل هو بالحمل أو بالإنزال السابق له؟ الجواب: الثاني؛ بالإنزال السابق له، وعلى هذا فإذا ولدت امرأة ولها اثنتا عشرة سنة، ولم ترَ الحيض ولم ترَ الإنبات، وهي لم يتم لها خمس عشرة سنة، نقول: إنها الآن بالغة، بماذا؟ بالإنزال السابق للحمل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1578

قال: (ولا ينفك قبل شروطه) يعني: لا ينفك الحجر على هؤلاء الثلاثة قبل شروطه، فما شرطه في الصغير؟ البلوغ والرشد، في المجنون: العقل والرشد، في السفيه: الرشد، فلا بد إذن من تمام الشروط، فإذا تمت الشروط انفك ولا حاجة للحاكم.


ثم قال: (والرشد: الصلاح في المال بأن يتصرف مرارًا فلا يُغْبَن غالبًا ولا يبذل ماله في حرامٍ أو في غير فائدةٍ) هذا الرشد؛ والرشد في كُلِّ موضعٍ بحسبه.
(الصلاح في المال) يقول: (بأن يتصرف مرارًا فلا يُغْبَن)، فإن كان كُلَّما باع أو اشترى غُبن؛ يشتري ما يساوي عشرة بعشرين، ويبيع ما يساوي عشرين بعشرة، فهل هذا رشيد؟ الطلبة: لا.
الشيخ: ويعطي بلا شيء تبرعًا؛ إذا صادفه أحد قال: يا فلان والله هذه طيبة أعطني إياها، قال: تفضل، هذا سفيه.
وكذلك أيضًا لو كان يبذل ماله في غير فائدة فإنه لا يجوز؛ كإنسان معه أوراق من الدراهم، فوضع ورقة بيده وطار بها الهواء فأعجبه هذا، وجعل يخرج من الكيس وينصبها في الهواء وتطير، هذا سفيه ولَّا رشيد؟ سفيه لا شك؛ لأنه بذل ماله في غير فائدة.
إذا بذل ماله في حرام، صار إنسانًا -والعياذ بالله- ينفق ماله بالسكر فإنه سفيه، لكن هل يُحْجَر عليه؟ ظاهر كلام المؤلف أنه يُحْجَر عليه؛ لأنه يبذل أمواله فيما يضره، وفي هذا نظر؛ وذلك لأن الناس يعتبرون هذا رشيدًا في ماله، ولو كان يشتري به الدخان ويشرب، يشتري به الخمر ويشرب، يشتري به المخدرات ويأكلها، يرون أنه رشيد، لكن لنا أن نحجر عليه بطريقٍ آخر؛ يعني بأن نحبسه ونجلده، وإذا كان يشرب الخمر جلدناه ثلاث مرات، ففي الرابعة نقتله؛ يعني: إذا لم ينته بغير ذلك، وكذلك في المخدرات نجري عليه العقوبة.
أما أن نقول: إنه محجور عليه، ويأتي هذا الرجل الجيد في البيع والشراء، لكنه يشرب الدخان، نقول: هذا لا يصح أن يبيع بيته! لا يصح أن يبيع سيارته! لا يصح أن يشتري خبزة لأولاده! لا أحد يقول بهذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1579

ولذلك نجد الناس كثيرًا منهم الآن يشرب الدخان، فيصرف ماله في حرام، ومع ذلك لم يقل أحدٌ من القضاة: إن بيعه لبيته أو سيارته أو ما أشبه ذلك إنه بيعٌ باطل؛ لأن هذا في الواقع يحسن التصرف في المال، لكنه ضلَّ في دينه وصار لا يبالي أن يبذله فيما حرم الله عليه.
إذن الأوْلى أن نقول: السفيه هو الذي لا يحسن التصرف في ماله؛ بأن يُغْبَن ويُغَر ويُخْدَع، أو يبذله في غير شيء ينتفع به، كما ذكرنا في مسألة الذي يُطَيِّرُ أوراق النقود ويتفرج عليها.
مثل ذلك لو فرضنا أنه رجل له عشرون سنة، وابْتُلِي بشراء المفرقعات، صار يشتري مفرقعات ويفرقعها، هذا سفيه أو غير سفيه؟ هذا سفيه لا شك؛ يُحْجَر عليه.
قال: (ولا يُدْفَع إليه حتى يُخْتَبر قبل بلوغه بما يليق به) إذا كان ولدَ تاجرٍ، فالذي يليق به ما هو؟ البيع والشراء، إذا كان ولدَ فلاحٍ فالذي يليق به إحسان التصرف في الزرع، إذا كانت امرأة فالذي يليق بها أن تحسن ما يتعلق بشؤون البيت، المهم أنه يُخْتَبر كُلُّ إنسان بما يليق به.
وينبغي أن يُقَال: إنه لا يتعين هذا الذي قاله المؤلف؛ لأنه ربما تكون المرأة جيدة في شؤون البيت، لكنها خرقاء في مسألة المال، فهل نقول: هذه رشيدة؟ لا.
ولو قيل: (حتى يُخْتَبر بما يدل على رشده في ماله) لكان أحسن؛ لأننا الآن نتكلم عن أيش؟ عن المال، ما هو عن الأعمال، فيكون الصواب أن يُقَال: ولا يُدْفَع إليه حتى يُخْتَبر قبل بلوغه فيما يتعلق بتصرف المال، هل يكون رشيدًا فيه أو لا؟ أو فيما يُعْلَم به رشده في التصرف بماله.
ثم قال: (ووليهم حال الحجر الأبُ، ثم وصيُّه، ثم الحاكم) تنحصر ولاية هؤلاء في ثلاثة؛ الأب، والمراد به الأب الأدنى الذين خرجوا من صلبه، ثم وصي الأب؛ وهو من أوصى إليه بعد الموت في النظر على هؤلاء الأولاد الصغار، ثم الحاكم؛ أي: القاضي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1580

وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا ولاية للجد ولو مع فَقْدِ الأب، فأبناء الابن يتولى مالَهم والنظرَ فيه إذا لم يكن لأبيهم وصي يتولاه الحاكمُ، مع وجود الجد، حتى لو كان الجد حانيًا عليهم قد ضمَّهم إلى عياله، وهو من أنصح الناس لهم، وأحسن الناس تصرفًا في مالهم، فالمؤلف يقول: إن الجد ليس وليًّا.
والأخ الكبير ليس وليًّا، والعم ليس وليًّا، والأم ليست وليًّا، تنتقل الولاية من الأب مباشرة إذا لم يكن له وصي إلى الحاكم، وهذا لا شك أن فيه نظرًا؛ لأن أوْلى الناس بهم جدُّهم، أخوهم الكبير، عمهم، وهو أرفق الناس بهم، كيف نجعل الولاية لإنسانٍ بعيد؟ ! ولكن طريق هذا على المذهب أن يذهب الجد إلى الحاكم ويطلب أن يكون وليًّا عليهم، والحاكم إذا رأى أن هذا أهلٌ للولاية ولَّاه، حتى الحاكم يتمنى أن يأتي أحد يكفيه مؤونتهم.
قال: (أو وصيه) مَن وصيه؟ وصي مَنْ؟ الأب، وهو الذي أحال النظر إليه بعد موته؛ بأن أوصى قال: أوصي إلى فلانٍ بالنظر في مال أولادي الصغار.
طيب، لهم جد أيهما أوْلى الوصي أو الجد؟ الوصي.
لهم أخ شقيق كبير، الوصي، وهذا قد يكون مُسلَّمًا؛ لأن الأب يبعد جدًّا أن يوصي إلى أحدٍ أجنبيٍّ من أولاده مع وجود أهلٍ من أقاربه، هذا بعيد جدًّا؛ فلذلك نرى أن كلام المؤلف هذا صواب، حتى لو قال الجد للوصي: أنا جدهم وهو أبناء ابني، يقول الوصي: أنا وصي أبيهم.
طيب، وكيل الأب؟ وكيل الأب من باب أوْلى؛ لأن الوكالة أمرٌ بالتصرف في الحياة، والوصية أمرٌ بالتصرف بعد الموت، وإذا كان حيًّا ينظر ما يصنع الوكيل فهو من باب أوْلى أن تُسْتَفاد بالوكالة.
قال: (ولا يتصرف لأحدهم وليُّه إلا بالأحظ) لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]. وقوله: (بالأحظ) يُخْرِج ما لا حظَّ فيه إطلاقًا وما فيه حظٌّ لكن غيره أحظ.
فالأقسام إذن ثلاثة: الأول: أن يكون فيه حظ، لكن غيره أحظ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1581

والثاني: ألَّا يكون فيه حظ إطلاقًا.
والثالث: أن يكون التصرف هو الأحظ.
والذي يجب اتباعه هو الأحظ؛ لما ذكرناه من الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]. ولنضرب لكُلِّ واحد منهم مثالًا: ما لا حظ فيه؛ اشترى لهم أرضًا يعلم أنها لن تزيد قيمتها، وليس في شرائه فائدة، لكن عُرِضَت عليه واستحيا من الذي عرضها أن يرده، واشتراها لليتيم من مال اليتيم، هذا فيه حظ أو لا؟ ما فيه حظ، وربما يكون فيه خسران.
ثانيًا: الحظ دون الأحظ؛ عُرِضَ عليه سلعتان، إحداهما يُؤمِّل أن تربح عشرين في المئة، والثانية يُؤمِّل أن تربح أربعين في المئة، هل له أن يشتري السلعة التي تربح عشرين في المئة؟ طالب: ليس له.
الشيخ: لماذا؟ لأنها ليست أحظ، فيشتري السلعة التي يُؤمِّل أن تربح أربعين في المئة.
كذلك أيضًا لو دار الأمر بين أن يتَّجِرَ بمالٍ آفاتُهُ كثيرةٌ ومالٍ قليل الآفات، فالواجب أن يتَّجر بالمال القليل الآفات.
هل له أن يتبرع من ماله؟ لا.
هل له أن يتصدق؟ لا؛ لأن هذا ليس من حظ الصغير.
هل له أن يكسوه ثوبًا جديدًا في العيد أو نقول: يُغْسَل ثوبه القديم؟ أيهما أحظ؟ الطلبة: الأول.
الشيخ: الأول أحظ؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: يشتري ثوبًا بمئتي ريال وهو يمكن أن يغسل القديم بعشرين ريالًا، نقول: نعم، الأول أحظ؛ لأنه من مصلحة الصبي أن يفرح مع الناس ويكون عليه ثوب جديد.
جاء عيد الأضحى، هل يشتري من ماله أضحية له أو لا؟ أما في عُرفنا: لا؛ لأن اليتيم لا يهمه سواء ضُحِيَ له أم لا، لكن شيخ الإسلام رحمه الله ذكر أنه يُضَحَّى لليتيم من ماله؛ لأن هذا هو الذي جرت به العادة، وهذا عندهم فيما سبق أن اليتيم يفتخر إذا ضحى، فيكون هذا من باب الإنفاق عليه بالمعروف، أما في عهدنا الآن فنرى أن اليتيم لا يهمه أن يُضَحَّى له أو لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1582

طالب: شيخ -بارك الله فيك- بالنسبة لاختبار ( ... ) السفيه أو المجنون أو الصبي بمجرد أن يبلغ أو يرشد أو يعقل يُدْفَع إليهم مالهم ويزول الحجر؟ الشيخ: نعم، بشرط الرشد.
الطالب: نعم، لكن كيف نعلم الرشد؟ الشيخ: الرشيد مثلما قال الله عز وجل: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6].
الطالب: شيخ، هؤلاء اليتامى، فما حال السفيه؛ كيف نعرف رشده؟ ( ... ) يدعي أنه راشد؟ الشيخ: لا ما نقبل، نعطيه شيئًا يسيرًا وننظر، مثلًا نعطيه شيئًا -مثلًا- عشرة ريالات على أن يشتري -مثلًا- شيئًا يفيد، فذهب واشترى شيئًا لا يفيد، أعرف أنه ما رشد.
الطالب: مَنِ الذي يعطيه يا شيخ؟ الشيخ: وليه، إذا كان الأب موجودًا فهو الولي، إذا لم يكن موجودًا فوصيه، إذا لم يكن وصيٌّ فالحاكم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- ما فهمت مسألة تَحْمِلُ المرأة قبل البلوغ، كيف هذا؟ الشيخ: لا، ما تحمل قبل البلوغ، لكن حملها دليلٌ على بلوغها.
الطالب: بدون حيض ولا .. ؟ الشيخ: بدون حيض نعم، يمكن تحمل قبل أن تحيض، لكن هل نقول: إذا حملت بلغت بالحيض أو بالإنزال؟ الطالب: بالإنزال.
الشيخ: بالإنزال، نعم.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة للبلوغ بخمسة عشر عامًا، لكن هنالك من يبلغ الرشد أكثر مما .. يعني في سن العشرين ولم يبلغ، فهل هذا يعني .. ؟ الشيخ: إي، هو إذا بلغ خمس عشرة سنة سواء بلغ أو لم يبلغ بالإنبات أو بالإنزال ما علينا منه، يُحْكَم عليه بالبلوغ بواحدٍ من هذه الثلاثة.
الطالب: أنا سؤالي: من له -مثلًا- عشر سنين أو نحوه .. الشيخ: أيش؟ الطالب: إنسان أقل من خمسة عشر عامًا مع أنه رشيد، فهل هذا إذا فعل ذنبًا أو هكذا يعني .. الشيخ: إذا فعل أيش؟ الطالب: إذا فعل شيئًا يوجب الحكم أو أي ذنب آخر، يعني هل يعاقبه الله أو يُكْتَب عليه .. ؟ الشيخ: هل أنبت أو لم ينبت؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1583

الطالب: لم ينبت ولم .. الشيخ: ولم يحتلم.
الطالب: ولم يحتلم ولم يظهر فيه من علامات البلوغ أي شيء.
الشيخ: زين طيب.
الطالب: لكنه رشيد ويعلم المنكرات فهل يكتب عليه؟ الشيخ: لا يأثم، لا يُكْتَب عليه، لكن يجب على وليه أن يمنعه من المعاصي.
طالب: إذا أنبت صبي وهو ابن سبع سنين ( ... ) هل يعتبر هذا بلوغًا؟ الشيخ: لا، يعني الإنبات لا بد أن يكون بمقتضى الطبيعة، لا بسبب.
طالب: قلنا: إذا البنت حملت وهي .. ، حُكِمَ ببلوغها، طيب إذا كانت على القول الراجح -مثلًا- لا تميز، التمييز ليس له حد، حملت وهي لا تميز؟ الشيخ: ما يصير، يعني حملت ولها خمس سنين؟ ! الطالب: بتحصل.
الشيخ: تحمل وهي لها خمس سنين؟ الطالب: حصلت.
الشيخ: ما تحمل إلا الزلع كأن تشيلها على رأسها.
الطالب: حصلت يا شيخ.
الشيخ: لا، ما تحصل.
الطالب: سجلت في الوقائع.
الشيخ: عجيب! سمعتم بهذا؟ الطالب: قرأتها يا شيخ.
الشيخ: أخبار الصحف ما هي مضبوطة.
طالب: توسعات علمية.
الشيخ: لا، أبدًا.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم، لا ما يمكن يا رجال، ما يمكن أبدًا، إذا حصل جاب الله حكمها.
طالب: إذا تصرف بغير حظ هل نقول: لا ينفذ تصرفه أو ينفذ مع الإثم؟ الشيخ: ينفذ مع الإثم والضمان.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بعض الناس ( ... ) والأعمام وبعض الإخوة منزوعين البركة ومنزوعين الرحمة من قلوبهم، هل يمكن للقاضي ( ... ) وولاهم، لكن ما شاف لهم ( ... ) بعض الناس غير الأعمام والجد ( ... )؟ الشيخ: ما فيها شك؛ ولهذا العلماء رحمهم الله قالوا: إن وصي الأب مقدم على القاضي؛ لأن الأب لا يمكن أن يوصي على أولاده إلا من يرى أنه خير، والقاضي إذا لم يكن وصيًّا قلنا في الشرح: ينبغي للقاضي أن يولي من فيه الكفاية من الأقارب؛ لأن القريب لا شك أنه أشد عطفًا على قريبه من الأجنبي.
طالب: عفا الله عنك، الرجل الذي اشترى شيئًا بغير فائدة هل يُحْجَر عليه من أول مرة أو لا بد من تكرار ذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1584

الشيخ: الظاهر أنه لا بد من التكرار، كما أننا لا نحكم برشده إلا إذا تكرر التصرف ولم يُغْبَن.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- الأم هل تكون وصية لهؤلاء؟ الشيخ: إي نعم، نعم الأم تكون وصية بوصاية الزوج.
الطالب: لا يا شيخ، قصدي ولية.
الشيخ: لا، ما تكون ولية.
الطالب: لماذا؟ الشيخ: ( ... )، لكن فيه قولٌ ثانٍ أن جميع العصبات لهم ولاية، أما الأم فليس لها ولاية، لكن كما قلنا قبل قليل: المسألة حلها ما فيه إشكال؛ تذهب إلى القاضي وتثبت أنها جديرة بالتصرف بمالهم وتأخذ الأولاد.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- إذا كان الإنسان يحسن التعامل مع الغير كالبيع وغيره، ولكن مع نفسه لا يحسن التصرف في ماله؛ بحيث يصرفه فيما لا فائدة فيه، هل يعتبر هذا .. الشيخ: يحسن التصرف مع الغير؟ الطالب: نعم.
الشيخ: في أيش؟ الطالب: في البيع.
الشيخ: في البيع والشراء، إي.
الطالب: أما مع نفسه فلا يحسن.
الشيخ: هذا لا يكون رشيدًا، إلا كما قلت لكم في مسألة الذين يبذلون أموالهم في محرم يرون أنهم ينتفعون به؛ بالنشوة والسَّكَر، وكما يزعمون في الدخان أنه يوجب إزالة الهم والغم وهم كاذبون في ذلك.
طالب: يا شيخ، أثبت الطب الحديث الآن أنه لا علاقة بإنزال المرأة في الحمل؛ يعني ما يختلف طبيبان الآن في هذه المسألة، كيف -يا شيخ- نعلق المسألة بهذا .. ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1585

الشيخ: هذا كلام الفقهاء كما علمت، وهو مقتضى من فسَّر قول الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 7] أي: صلب الرجل وترائب المرأة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 6، 7]، فإذا فُسِّرت الآية بأن المراد بالماء ماء الرجل والمرأة فهذا هو المني، ولا بد أن يُنْظَر هل هذا الذي قرر الأطباء هل هو حقيقة أو لا؟ قد يكون أن المرأة تُنْزِل ويختلط ماؤها بماء الرجل كما جاء في الحديث، وكما في حديث أم سليم قال: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ» (5)، فينظر في كلام الأطباء، ويمكن أن يجمع بينه وبين الأدلة بوجه غير مستقر.
الطالب: ما يحمل على الغالب يا شيخ؟ الشيخ: لا، على كل حال يُنْظَر فيه.
طالب: لو قال ولي الصغير: أنا أتصدق بماله لما يلحق -مثلًا- هذا الصغير أو اليتيم من الأجر، وما في الآخرة خير مما في الدنيا، فهل يضمن؟ الشيخ: يضمن نعم، ليس له الحق أن يتصدق به؛ لأنه إلى الآن لم يتم عقله، صغير، أو لم يتم التصرف إذا كان بالغًا لكنه سفيه، فيُحْفَظ له ماله.
الطالب: شيخ، هذا تأويله يعني .. الشيخ: أبدًا، إلا في الواجب، في الواجب نعم، لو لزمه كفارة؛ مثل لو قتل خطأً وقلنا بوجوب الكفارة عليه، فحينئذٍ يشتري رقبة من ماله.
طالب: في مسألة الراشد؛ أعطيناه مالًا لنختبره، فوجدناه يحسن التصرف في البيع والشراء، لكنه يستحيي أن يطالب بحقه؟ الشيخ: لكن هل إذا استحيا أن يطالب بحقه هل يأتي لوليه ويقول: إن فلانًا في ذمته لي كذا وكذا؟ الطالب: لا، ما يقول يا شيخ، يسكت.
الشيخ: ما يحسن التصرف، هذا لا يحسن التصرف، ما طالب بحقه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1586

الطالب: وقع عندي إشكال -يا شيخ- في الحديث في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ برجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (6)، فلو كان يقرض الناس ويستحيي أن يطلب ماله، فكيف الجواب على هذا الإشكال؟ الشيخ: ما أدري، يعظ أخاه في الحياء ما بُيِّن، إلا إذا كانت فيه روايات أخرى تبينه.
الطالب: في الشروح يا شيخ.
الشيخ: رواية أخرى تبين أنه يبيع على الناس ولا يأخذ منهم، لازم نشوفه.


في الدرس الماضي ذكرنا أن حديث ابن عمر عُرِضَ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ولكن تبين أن الصواب أربع عشرة سنة (1)، وفيه إشكال.
وكذلك أيضًا: ولم يرني بلغت، وفي الثاني يقول: ورأني بلغت، ذكرنا أنه أخرجه الدارقطني والحاكم، والصواب أن الذي أخرجه البيهقي وابن حبان بإسنادٍ صحيح (2)، فتُعَدَّل هذه في الأوراق وكذلك في أشرطة التسجيل، لا بد من هذا.
الإشكال في حديث ابن عمر يقول: إنه عُرِضَ على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وعُرِضَ عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، فالفرق سنة، ومن المعلوم أنَّ أُحُدًا في السنة الثالثة والخندق في السنة الخامسة، فكيف يُخرَّج هذا الحديث؟ يمكن أن يخرَّج على وجهين: الوجه الأول: أنه كان في أحد في أول السنة الرابعة عشرة، وفي الخندق في آخرها؛ يعني في أول هذا وآخر هذا.
أو يقال: إن ابن خمس عشرة سنة؛ يعني: قد بلغها ولا يمنع أن يكون قد تجاوزها، كما تقول للرجل الذي له ست عشرة سنة: هذا له خمس عشرة سنة؛ يعني: فأكثر.
فالجواب من أحد الوحهين: إما أن يكون في أول الرابعة عشرة يوم أحد، وفي آخر الخامسة عشرة في غزوة الخندق، وهذا يمكن أن يكون بينهما سنتان، قد تكون هذه في أول شوال وهذه في آخر شوال، وإلا فالغزوتان كلتاهما في شوال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1587

والثاني أن يقال: ابن خمس عشرة سنة؛ يعني: أنه قد بلغها، ولا يلزم أن يكون لم يتجاوزها بشيء يسير.
طالب: على اعتبار الثاني فيه دليل على تحديد .. ؟ الشيخ: إي نعم، يكون فيه دليل؛ لأن اعتبار الخمسة عشرة يدل على أنه دليل ولو زاد بعض الشيء.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسَلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الحَجْر: ولا يتصرف لأحدهم وليُّه إلا بالأحوط، ويَتَّجِر له مجانًا، وله دفع ماله مُضاربةً بجُزءٍ من الربح، ويأكل الوليُّ الفقيرُ من مال مَوْلِيِّه الأقل من كفايته أو أجرته مجانًا، ويُقْبَل قولُ الوليِّ والحاكمِ بعد فكِّ الحجر في النفقة والضرورة والغبطة والتلف ودفع المال.
وما استدان العبدُ لزمَ سيِّدَه إن أذن له، وإلا ففي رقبته كاستيداعه وأَرْش جنايتِه وقيمة متلفه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسَلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نسأل: بماذا يحصل البلوغ؟ طالب: إذا بلغ خمس عشرة سنة، والثاني: إذا أنبت.
الشيخ: تمام خمس عشرة سنة، والثاني؟ الطالب: إذا أنبت شعر العانة وكان خشنًا.
الشيخ: إذا أنبت شعر العانة؛ وهو الشعر الخشن اللي يكون حول القبل.
الطالب: والشرط الثالث: الإنزال.
الشيخ: لا، ما هو شرط ثالث، الأمر الثالث.
الطالب: الأمر الثالث: الإنزال؛ أن ينزل، والمرأة يُشْتَرط شرط رابع.
الشيخ: ما هو شرط يا أخي! الطالب: عفوًا، أمر رابع وهو الحيض.
الشيخ: طيب، صحيح.
هل يحصل البلوغ بنبات اللحية؟ طالب: نعم يا شيخ، إذا كان الشعر خشنًا.
الشيخ: اللحية؟ الطالب: إلا إذا كان نباته معالجًا.
الشيخ: لا، نبات طبيعي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1588

ويَتَّجِرُ له مَجَّانًا، وله دَفْعُ مالِه مُضارَبَةً بجُزْءٍ من الربْحِ، ويَأكلُ الوَلِيُّ الفقيرُ من مالِ مُوَلِّيهِ الأقلَّ من كِفايتِه أو أُجْرَتِه مَجَّانًا , ويُقبلُ قولُ الوليِّ والحاكمِ بعدَ فكِّ الحَجْرِ في النفَقَةِ والضرورةِ والغِبطةِ والتلَفِ ودَفعِ المالِ، وما استدانَ العبدُ لَزِمَ سَيِّدَه إن أَذِنَ له، وإلا ففي رَقبتِه كاستيداعِه وأَرْشِ جِنايتِه وقِيمةِ مُتْلَفِه.
(باب الوكالة): تَصِحُّ بكلِّ قولٍ يَدُلُّ على الإِذْنِ، ويَصِحُّ القَبولُ على الفَوْرِ والتراخِي بكلِّ قولٍ أو فِعْلٍ دال عليه، ومَن له التَّصَرُّفُ في شيءٍ فله التَّوكيلُ والتوكُّلُ فيه، ويَصِحُّ التوكيلُ في كلِّ حقِّ آدَمِيٍّ من العُقودِ والفُسوخِ، والعِتْقِ والطلاقِ، والرَّجعةِ وتَمَلُّكِ الْمُباحاتِ من الصيدِ والحشيشِ ونحوِه، لا الظِّهارِ واللعانِ والأَيْمَانِ نسأل: بماذا يحصل البلوغ؟ طالب: إذا بلغ خمس عشرة سنة، والثاني: إذا أنبت.
الشيخ: تمام خمس عشرة سنة، والثاني؟ الطالب: إذا أنبت شعر العانة وكان خشنًا.
الشيخ: إذا أنبت شعر العانة، وهو الشعر الخشن اللي يكون حول القُبُل.
الطالب: الشرط الثالث: الإنزال.
الشيخ: لا، ما هو شرط ثالث، الأمر الثالث.
الطالب: الأمر الثالث: الإنزال، أن يُنزل، وفي المرأة يُشترط شرط رابع.
الشيخ: ما هو شرط يا أخي! الطالب: أمر رابع، وهو الحيض.
الشيخ: طيب، صحيح؟ هل يحصل البلوغ بنبات اللحية؟ طالب: نعم يا شيخ، إذا كان الشعر خشنًا.
الشيخ: اللحية؟ الطالب: إلا إذا كان يعني نباته معالجًا.
الشيخ: لا، نبات طبيعي، إنسان نبتت لحيته ولم يحصل به علامة من العلامات الثلاثة.
الطالب: لا، إذا ما حصل العلامة ما يحصل البلوغ.
الشيخ: يعني ولو كان له لحية؟ الطالب: إي نعم.
طالب آخر: شيخ، هذا من باب أوْلى؛ لأنه لا يمكن أن تنبت اللحية حتى يبلغ.
الشيخ: الآن اختلف الشيخان!

الجزء: 2 - الصفحة: 1589

طالب: شيخ، إذا كان حمل، المرأة إذا حملت ( ... ). الشيخ: لا، ما يلزم، يعني لا يلزم من نبات اللحية نبات العانة مثلًا.
طالب: لا يحصل البلوغ بنبات اللحية.
الشيخ: إي، الصحيح نعم، لا يحصل؛ لأن العلماء لم يقولوا إلا هذا: ثلاث علامات فقط، حتى لو نبت له لحية وشارب فإنه لا يكون بالغًا، لا يبلغ إلا بإنبات العانة فقط.
طيب، مَنْ وَلِيُّ هؤلاء حال الحجر؟ طالب: الأب.
الشيخ: الأب؛ هذا واحد.
الطالب: ثم وصي الأب.
الشيخ: ثم وصي الأب.
الطالب: ثم الحاكم.
الشيخ: ثم الحاكم.
طيب، هل هناك أولياء سواهم؛ سوى هؤلاء الثلاثة: الأب، ثم وصيه، ثم الحاكم؟ طالب: لو كان ( ... ). الشيخ: يعني ما الذي تفهمه من كلام المؤلف أن هناك أولياء سواهم أو لا؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، كذا؟ طالب: وكيله.
الشيخ: الوكيل يُعتبر من الأب؛ لأنه وكيل في حال حياته، فهو داخل في قوله: الأب.
على كل حال المذهب: ليس هناك إلا هؤلاء الثلاثة.
والقول الثاني: أن أولياءه هم أقاربه؛ العصَبة: كالجد، والأخ الشقيق، والعم وما أشبه ذلك، وهذا هو الأقرب.
طيب، تصرُّف الولي في مال موليه له ثلاث حالات؟ طالب: له أن يكون الأحظ له.
الشيخ: أن يكون بالأحظ، والثاني؟ الطالب: وعدم الأحظ ( ... ). الشيخ: لا، قبل علشان نخليه.
الطالب: أحظ آخر يعني.
الشيخ: الأضر.
الطالب: نعم.
الشيخ: بالأضر، والثالث؟ ألا يكون أحظ ولا أضر.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، ما هو الواجب؟ طالب: الواجب أن يقدم الأحظ.
الشيخ: الواجب أن يتصرف بالأحظ، ما الدليل؟ الطالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]. الشيخ: طيب، إذا قدرنا أنه يتصرف يظن أنه أحظ وأحسن، ثم أخلفت الأمور؟ طالب: يظن أنه هو الأحظ، فالواجب أن ( ... )، وإذا استقبل أمرًا خلاف ما توقع فلا يمنع هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1590

الشيخ: هل يضمن أو لا؟ يعني رجل اشترى مثلًا أراضي بمئة ألف ظنًّا منه أنها سوف تزداد القيمة، ولكن صار الأمر بالعكس؟ الطالب: إذا كان يظن أنه يعرف أحوال السوق وكذا أنه هو الأحظ له، ثم تبين خلافه؛ هذا لا يضمن.
الشيخ: كذا؟ ما تقولون؟ طلبة: نعم، لا يضمن.
الشيخ: صحيح، هذا ربما نأخذه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (1)، هذا مثل الحاكم مُتصرِّف في غيره بما يرى أنه أنفع، لكن حصل شيء بغير اختياره.
طيب، لو تصرف في شيء يظنه الأحظ، وتبين أنه ليس الأحظ، وهذا غير المسألة التي ذكرناها أولًا، إحنا ذكرنا: تصرَّف يظنه الأحظ، وهو الأحظ، لكن نزلت القِيم، لكن تصرف يظن أنه الأحظ، وتبين أنه ليس الأحظ؟ طالب: إن كان مُفرِّطًا ضمن، ومع عدم التفريط لا يضمن.
الشيخ: سمعتم؟ يقول: إن كان مُفرطًا في عدم البحث والتحري والنظر فهذا يضمن؛ لأن الواجب ألا يقدم على شيء حتى يتحرى وينظر، وإن لم يكن مُفرِّطًا فهو أمين ولا شيء عليه.
قال المؤلف رحمه الله: (ويتَّجِر له مجانًا) يعني أن ولي الصغير والمجنون والسفيه (يتجر له)، أي: لمولِيِّه، (مجانًا)؛ يعني لا يأخذ شيئًا، فيبيع ويشتري بماله، ولكن لا يأخذ شيئًا؛ لأنه أمين يتصرف لحظ هذا الذي ولَّاه الله عليه، ولكن إذا قال: أنا لن أشغل نفسي بالاتِّجار له، إلا أن يُجعل لي سهم من الربح كالمضارب؟ فيقال: نعم؛ إذا كان يصده عن أشغاله لو اتجر له ويقول: أنا لن أشتغل به عن أشغالي الخاصة إلا إذا كان لي سهم من الربح، فحينئذٍ نقول: لا بد أن نرجع إلى المحكمة، إلى القاضي، وهو الذي يفرض له ما يراه مناسبًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1591

وعلى هذا فقول المؤلف: (يتجر له مجانًا)، ظاهره مطلق سواء شغله عن أشغاله الخاصة أو لا، ولكن ينبغي أن يُقيَّد؛ ما يشغله عن أشغاله الخاصة، ويأبى أن يتجر إلا بسهم، فحينئذٍ نقول: لا بأس، لكن تُرفع المسألة إلى القاضي ليقرر ما يراه مناسبًا.
(وله دفع ماله مضاربة بجزء من الربح) (له) أي: لولي المحجور عليه.
(دفع ماله) أي: مال المحجور.
(مضاربة بجزء من الربح)، (مضاربة) مأخوذة من الضرب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20]؛ لأن الغالب أن التجار يسافرون إلى البلاد ويأتون بالأموال ويبيعونها، ويسافرون إلى البلدان بأموالهم ليبيعوها هناك.
ومعنى المضارَبة: أن يدفع مالًا إلى شخص عامل معروف بالحذق والجودة، ويقول: هذه عشرة آلاف اتَّجر به، ولك نصف الربح مثلًا.
نقول: هذه مضارَبة اشتملت على عقْد بين شخصين من أحدهما مال ومن أحدهما عمل.
وهذه من سعة الشريعة الإسلامية؛ لأنه يوجد من الناس من عنده مال، لكنه لا يُحسِن التصرف، ومن الناس من هو قادر على التصرف، لكن ليس عنده مال، فيُكمَّل هذا بهذا بأن يعطي صاحب المال من يحسن التصرف المال مضارَبًا.
(بجزء من الربح) وهنا يجب على الولي أن يختار أقل العروض في الربح، إذا تساووا في الحذق والأمانة.
يعني مثلًا: عرض عشرة آلاف، قال: هذه عشرة آلاف أريد أن أجعلها مضاربة، تقدم إليه رجلان؛ أحدهما قال: يكفيني السدس من الربح، والثاني قال: لا يكفيني إلا الربع، من يعطي؟ الذي طلب السدس، لكن بشرط أن يتساوى الشخصان في الأمانة والحذق، فإن كان من طلب الربع أقوى أمانة وأشد حذقًا، فإنه يُقدَّم؛ لأن هذا أقرب إلى أن يحصل على ربح كثير، وإن كان الله تعالى قد يسوق الربح لرجل أبله ما يعرف، لكن الإنسان ليس له إلا الظاهر.
هل له أن يأخذ هو بنفسه المال مضاربة؟ يعني يعمل بمال المحجور عليه مضاربة؛ يعني يفرض لنفسه سهمًا ويتجر؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1592

الجواب: لا؛ لأنه قال: (يتجر له مجانًا، ويدفعه لغيره مضاربة)، أما هو بنفسه لو قال: أنا أريد أن أتجر بمال المحجور عليه ولي نصف الربح، ربع الربح، حسب ما يرى في السوق، فإنه ليس له ذلك؛ لأنه متهم، فلا يجوز أن يفعل.
لكن -كما قلت لكم قبل قليل- إذا كان يقول: أنا لن أتجر؛ لأنه يصدني عن اتجاري بمالي إلا بسهم، نقول: حينئذٍ تُحوَّل المسألة إلى مَنْ؟ إلى القاضي ليفرض له من السهم ما يرى أنه مناسب.
(بجزء من الربح)، جزء مُشاع ولَّا مُعين؟ طلبة: مشاع.
الشيخ: مشاع ولَّا معين؟ طالب: لا، معين.
طالب آخر: مضاربة.
طالب آخر: مشاع.
الشيخ: مضاربة بجزء من الربح.
طالب: مشاع يا شيخ.
الشيخ: مُعيَّن ولا مشاع؟ طلبة: مشاع.
الشيخ: مشاع.
طالب: معين.
طالب آخر: مضاربة.
الشيخ: لا تصح المضاربة مع سهم معين أبدًا، لا بد أن يكون مشاعًا.
ويكون معلومًا ولَّا يقول: بجزء من الربح؟ طلبة: لا، معلوم.
الشيخ: لا بد أن يكون معلومًا، فقول المؤلف: (بجزء من الربح) يعني معناه أنه يُعطيه مضاربة بجزء، لكن نرجع إلى شروط المضارَبة وهو لا بد أن يكون الجزء معلومًا، مشاعًا معلومًا.
طيب، إنسان أعطى ماله مضاربة لشخص، وقال: لك ربح شهر محرم ولي ربح شهر صفر، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: هذا مُعيَّن، ما يجوز.
لو قال: لك ربح المال الفلاني كالسكر مثلًا، ولي ربح المال الفلاني كالأرز، يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز؛ لأن هذا معين.
لو قال: لك من الربح مئة ريال والباقي لي؛ لا يجوز أيضًا؛ لأنه معين، لا بد أن يكون مشاعًا، النصف، الربع، الثلث، السدس.
لو قال: خذ هذا المال مضاربة بسهم، يجوز؟ لا يجوز؛ لأنه غير معلوم، فلا بد أن يكون معلومًا.
قال: (ويأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته أو أجرته مجانًا).

الجزء: 2 - الصفحة: 1593

لما ذكر أن الولي يتجر مجانًا، وأن له أن يُعطي غيره المال مضاربة، ذكر مسألة أخرى: هل يجوز للوكيل أن يفرض لنفسه أجرة على النظر في مال المحجور عليه؟ الجواب: لا.
هل له أن يأكل؟ فيه تفصيل، قال: (يأكل الولي الفقير) وهو الذي ليس عنده ما يكفيه من كسب يده، أو غلَّة، أو راتب، أو مكافأة، إنسان فقير ما عنده شيء، ليس عنده إلا مال هذا اليتيم يتَّجر به.
يقول: (يأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته أو أجرته مجانًا).
إذا قدرنا أن أجرته -يعني أُجرة مثله- ألف ريال في الشهر، وأن كفايته خمس مئة ريال، يكفيه خمس مئة ريال، ما نعطيه؟ خمس مئة ريال؛ لأننا إذا أعطيناه خمس مئة ريال صار غنيًّا؛ إذ إنها هي كفايته، وإذا كان غنيًّا فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6].
طيب، إذا كانت كفايته ألفًا وأجرته خمس مئة، ما الذي نعطيه؟ طالب: نعطيه خمس مئة.
طالب آخر: الألف يا شيخ ما يكفيه.
طالب: خمس مئة وزيادة.
الشيخ: اسمع، يقول: (الأقل من كفايته أو أجرته مجانًا).
طلبة: خمس مئة يا شيخ.
الشيخ: الأقل منه، نعطيه خمس مئة.
المثال مرة ثانية: كفايته ألف وأُجرته خمس مئة، ماذا نعطيه؟ خمس مئة؛ لأنها الأقل.
قال: يا ناس، ما تكفيني، أنا إلى الآن فقير، نقول: ليس لك إلا الأجرة فقط.
بالعكس: أجرته ألف ريال وكفايته خمس مئة، كم نعطيه؟ خمس مئة، وهذه ما فيها إشكال، الإشكال في المسألة الأولى: إذا كانت الأجرة أقل من الكفاية، فإنه سوف يبقى فقيرًا، وظاهر الآية الكريمة أنه يأكل بالمعروف، وأنه إذا كانت الأجرة أقل تُكمَّل له الكفاية.
وعلى هذا فنقول: يأكل كفايته سواء صار بقدْر الأجرة أو أقل أو أكثر؛ لأن هذا هو ظاهِر القرآن: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6].

الجزء: 2 - الصفحة: 1594

إذا قال هذا الولي: أنا إذا أكلت من مال اليتيم أو المحجور عليه، هل يعتبر أكل أغنياء الناس أو أكل فقراء الناس أو أكل متوسطي الناس؟ طالب: فقراء الناس.
الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وإذا كان بالمعروف فإننا نعرف أن الفقراء لهم أكل، والأغنياء لهم أكل، والمتوسطون لهم أكل.
هذا هو المعروف منذ خلقت الدنيا.

جَارِيَةٌ لَمْ تَأْكُلْ الْمُرَقَّقَا وَلَمْ تَذُقْ مِنَ الْبُقُولِ الْفُسْتُقَا

لماذا؟ لأنها فقيرة، ما تأكل إلا خبزًا مكسرًا يابسًا، فلكل مقام مقال، فالذي يظهر أنه يُعطى المعروف، وإذا كان هو عديم المال فإنه يُعطَى كفاية مَنْ؟ الفقير.
يقول: (ويُقبَل قول الولي والحاكم بعد فك الحجَر في النفقة والضرورة والغِبطة والتلف ودفع المال).
مسائل هذه.
أولًا: يُقبَل قول الولي، ويُقبل قول الحاكم، لكنهم فرَّقوا في قبول قول الولي وقول الحاكم، بأن الولي يُقبَل بيمين، والحاكم بلا يمين؛ لأن الحاكم يقول بمقتضى السلطة، فقوله كأنه حُكم لا يحتاج إلى يمين، وأما الولي فإنه لا يقول قوله على أنه محل سلطة، ولكن على أنه محل مدعي.
إذن يُقبل قول الولي، قيِّد؟ طلبة: باليمين.
الشيخ: بيمينه، والحاكم؟ بغير يمين، في هذه الأمور الآتية: (بعد فك الحجر)؛ لأنه قبل فك الحجر لن يُخاصمه أحد، لكن بعد فك الحجر سيخاصمه المحجور عليه.
(في النفقة) قدرها أو أصْلها؟ قدرِها وأصلها، فإذا فُكَّ الحجر، وقال المحجور عليه: أنا مالي عشرة آلاف، والآن ما فيه إلا ثمانية آلاف، وين الألفين؟ قال: أنفقتها عليك، وقوله محتمل؛ يعني محتمل أنه أنفق في هذه المدة ألفي ريال، يقبل أو لا يقبل؟ يُقبَل بيمينه.
كذلك إذا قال: إني أنفقتُ، وقال المحجور عليه: لم تُنفق إطلاقًا، أنا تأتيني النفقة من زيد وعبيد، وأنت لم تُنفِق عليَّ، من يقبل قوله؟ الولي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1595

إذن يُقبَل قول الولي في أصل النفقة، وفي قدرها؛ في قدر النفقة.
الْحُجَّة أنه أمين، والأمين يُقبَل قوله فيما أنفقه على ما اؤتمن فيه.
الثاني: (الضرورة والغبطة) وهذه تتعلق فيما إذا باع عقاره، إذا كان المحجور عليه عقارًا من حيطان أو بيوت، فإنها لا تُباع إلا للضرورة أو الغِبطة.
الضرورة بألا يكون لديه -للمحجور عليه- دراهم إطلاقًا، والمحجور عليه يحتاج إلى أكْل وشُرب، فيبيع البستان مثلًا للضرورة.
الغبطة: أن يُبذل فيه مال كثير أكثر من قيمته المعتادة، فيأتي إنسان يقول: أنا أريد أن أشتري هذا البستان، أو هذا البيت بمئة ألف، وهو لا يساوي في السوق إلا خمسين ألفًا؛ هذه غبطة.
إذن الضرورة أيش معناها؟ أن يضطر المحجور عليه إلى نفقة مِنْ أَكْل وشُرْب وكِساء وما أشبه ذلك، الغبطة: أن يُبذل فيه مال كثير خارج عن العادة.
فإذا قال قائل: كيف يُبذل مالٌ كثير خارج عن العادة؟ نقول: نعم؛ لأنه ربما يكون واحد جار له محتاج إلى هذه الفيلا مثلًا أو هذا البستان، ولضرورته إليه بذل فيه مالًا كثيرًا، فهذا يُقبَل قوله.
فإذا قال المحجور عليه: ليش تبيع عقاري؟ تقول: والله؛ بعتُه لأنك اضطررت للإنفاق، فبعته لأنفق عليك، قال: أبدًا ما عندي ضرورة.
مَنْ يُقْبل قوله؟ طالب: الولي بيمينه.
الشيخ: الولي بيمينه.
طيب، الغِبْطة، قال له: ليش تبيع عقاري؟ قال: لأنه أُعطيت فيه غبطة، مال كثير.
قال: أبدًا، عقاري في ذلك الوقت يسوى ما بعت به عند عامة الناس.
فالقول قول مَنْ؟ قول الولي؛ لأنه مؤتمن.
كذلك (التلف)، لو ادعى الولي أن مال اليتيم تلف، وقال اليتيم، قال المحجور عليه -نقول: المحجور عليه أحسن- قال المحجور عليه: إنه لم يتلف.
مَنِ القول قوله؟ القول قول الولي؛ لأنه مؤتمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1596

لكن لو ادعى الولي أنه تلف بأمر ظاهر، ما يخفى على الناس بأن قال: تلف في أمطار أتتنا كثيرة وتلف.
يحتاج أولًا إلى إثبات هذا الشيء الظاهر، ثم يُقبل قول الولي بأن المال تلف به.
أيضًا لو قال: المال تلف بالحريق الذي شب في بيته.
الحريق ظاهر ولَّا غير ظاهر؟ ظاهر، نقول: أثبِتْ الحريق أولًا، ثم نقبل قولك بأنه تلف به، وهكذا كل أمين إذا ادَّعى التلف، فإنه يُقبَل قوله بيمينه ما لم يدعه بأمر ظاهر، فإذا ادعاه بأمر ظاهر كالحريق والغرق والجنود التي احتلت البلاد، وما أشبه ذلك، فلا بد من أن يقيم البينة على وجود هذا الحادث الظاهر، ثم يُقبل قوله في التلف، وهذه قاعدة أظن ذكرناها في القواعد .. يقول: (التلف، ودفع المال).
انتبه (دفْع المال) لما بلغ الصبي ورشد قال للولي: أعطني المال، قال: دفعته إليك، قال: ما دفعت.
فلدينا الآن دعوى وإنكار؛ من المنكِر؟ المنكر المحجور عليه، والمدَّعِي الرد مَن؟ الولي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (2). على كلام المؤلف: يُقبَل قوْل الولي في دفع المال، وحينئذٍ يحتاج إلى إخراجه من الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنه لا يُقبل قول الولي في دفع المال إلى المحجور عليه إلا ببيِّنة.
المثال مرة ثانية: قال المحجور عليه بعد أن بلغ ورشد، قال لوليه: أعطني مالي.
قال: رددته عليك.
يقول المؤلف: إنه يُقبل قول الولي في رَدِّه إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1597

الدليل أنه أمين وأنه مُحسِن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
ولو قلنا: إن قوله لا يقبل لكان عليه سبيل، نضمنه ما ذمته بريئة منه؛ لأنه الآن يدَّعي أنه رده، وأن ذمته برئت، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله: يُقبل قوله في الرد ما لم يكن له أُجرة، بأن كان فقيرًا وأعطيناه أجرة أو نفقة فإنه لا يُقبل قوله؛ لأن المال بيده لحظ نفسه، وكل إنسان المال بيده لحظ نفسه فإنه لا يُقبل قوله في الرد.
القول الثاني: أن الولي لا يُقبل قوله في الرد؛ لأنه مُدَّعٍ، والمحجور عليه منكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»؛ هذا دليل.
الدليل الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6]، فأمر بالإشهاد، وأنت إذا لم تُشْهِد فقد خالفت أمر الله، فتكون بين معتدٍ أو مُفرَّط، والمعتدي أو المفرط ليس بأمين، نقول: لماذا لم تُشهِد؟ إن ربك أمرك بأن تُشهِد؛ لماذا لم تُشهِد؟ ! هذه أدلة من يرى أنه لا يُقبَل قوله في الرد، وكما أسلفنا لكم كثيرًا: أن من رجَّح قولًا على قول فلا بد من أمرين، وهما: بيان دليل الرجحان، والإجابة عن أدلة الخصوم.
ولا يكفي أن تذكر أدلتك حتى ترد عن أدلة الخصوم.
أجابوا عن قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ بأن هذا الرجل لم يُحسِن؛ لأنه فرَّط أو تعدى حيث لم يُشهد.
ولماذا لم يُشهِد؟ ! ولو قال قائل: أنا أريد أن أتوسَّط بين القولين؛ فإذا كان الولي معروفًا بالورع والتقوى والصدق فالقول قوله، وإن كان الأمر بالعكس فلا يُقبل قوله، مع أننا لا نقبل قوله إلا بيمين، لا بد من يمين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1598

أقول: لو قال قائل بهذا القول الوسط لكان وسطًا، ولأخذ بقول بعض هؤلاء وقول بعض هؤلاء، ودائمًا العلماء يسلكون هذا المسلك: إذا اختلف الناس على قولين جاء إنسان بقول ثالث يأخذ بأحد القولين في حال، وبأحد القولين في حال أخرى.
ومن ذلك تقعيدًا للقاعدة: أن العلماء اختلفوا في وجوب الوِتْر، منهم من قال: إنه واجب، ومنهم من قال: إنه ليس بواجب، ونحن نذكر الخلاف بقطع النظر عن الدليل، وإلا فالدليل يدل على أنه ليس بواجب، لكن مِن العلماء من قال: يجب على مَنْ له وِرْد من الليل دون من ليس له ورد، يعني من كان من عادته أن يقوم يتهجَّد وجب عليه أن يوتر، ومن لا فلا.
هذا القول الآن أخذ بقول البعض في حال والبعض في حال أخرى، ولهذا يقول قائله: وهو بعض قول من يُوجِبه مطلقًا، وهذه العبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا يعد هذا خروجًا عن الإجماع، ما خرج عن الإجماع، ولكنه جعله بدلًا من أن يقول: واجب بكل حال، إنه واجب في حال دون حال.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- إذا كان الولي هو وصي الأب ولي المحجور عليه هو وصي الأب، ثم عُرِف بعد الممارسة والتجارة، وكذا عُرِف في السوق بكذبه مثلًا وقلة يعني بفسقه مثلًا، فهل نقول: كذلك يقبل قوله و .. ؟ الشيخ: لا، إذا عُرف الوصي بأنه فاسِق وجب أن يُضم إليه أمين.
الطالب: معه؟ الشيخ: معه.
الطالب: لكن لا يؤخذ منه الولاية؟ الشيخ: هذا كلام الفقهاء أنه يُضم إليه أمين؛ لأن الأب عيَّنه، ولكن لو قال للحاكم: أنا لا أريد أن يتولَّى إطلاقًا، هذا أوصى إليه الأب؛ لأنه في حياته مستقيم، والآن صار غير مستقيم، فلسان حال الأب: ألا وصية لهذا.
طالب: بارك الله فيك، إذا كان المحجور عليه له قطعة أرض، وانتقلت إلى عمه بعد موت أبيه، ولما بلغ .. الشيخ: إذا كان المحجور عليه؟ الطالب: له قطعة أرض.
الشيخ: كيف تنتقل إلى عمه بعد موت أبيه؟ أبوه ما له حق فيها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1599

الطالب: بالميراث، يعني هو تلقائيًّا انتقلت قطعة الأرض لـ .. الشيخ: يعني إذا كان للمحجور عليه قطعة أرض ورثها من أبيه؟ الطالب: ورثها من أبيه، وانتقلت إلى العم.
الشيخ: ليش تنتقل إلى العم؟ الطالب: العرف أن الأرض تنتقل إلى العم بعد موت الأب.
الشيخ: تنتقل إلى العم ميراثًا ولا أيش؟ الطالب: هذا العرف يا شيخ.
الشيخ: ويش العرف هذا؟ ( ... ) الطالب: ورث من أبيه قطعة أرض، وعرف هذه البلد أن المال ينتقل إلى العم دون تدخُّل قضاء؛ يعني هذا الميراث الذي للمحجور عليه ينتقل مع ميراث العم، الذي يقوم عليه هو العم مباشرةً.
الشيخ: يعني معناه أن العم يكون وليًّا عليه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: والملك لـ .. ؟ الطالب: والملك للمحجور عليه.
الشيخ: زين.
الطالب: فكانت قيمة الأرض حين تولَّى عليها العم عشرة آلاف ريال، وبعد بُلوغ المحجور عليه كانت قيمتها مثلًا ثلاثين ألفًا، فحينما بلغ طلب الأرض من عمه قال له: أعطِني الفرق بين يوم أن توليت عليها إلى هذا اليوم، هذا يحصل يا شيخ يعني مشهور جدًّا في البلاد عندنا.
الشيخ: أي بلاد؟ الطالب: عندنا في مصر.
الشيخ: سبحان الله! الطالب: ولا يتدخل القضاء، ولا أحد ( ... ). الشيخ: يعني معناه ما يعطيه إلا عشرة آلاف فقط؟ الطالب: إما أن يأخذ عشرة آلاف وإما يدفع له عشرين ألفًا، وتظل الأرض تحت يده لا يأخذ منها أي شيء، حتى لو تدخل القضاء؛ القضاء لا يحكم له.
الشيخ: لا، أعوذ بالله، حرام هذا، يجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس أن هذا حرام، ما دامت الأرض لليتيم فله غنمها وغرمها.
طالب: جزاك الله خيرًا، ثم إن العم يستنفع بهذه الأرض يعني فلاحة باستمرار، يعني يكاد اليتيم لا يأخذ منها إلا شيئًا قليلًا.
الشيخ: وهذا أيضًا من البلاء.
الطالب: حتى إن اليتيم هذا يعمل عند العم كالأجير في الأرض، ولا ينفق عليه إلا أقل القليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1600

الشيخ: لا حول ولا قوة إله بالله! وهذا يحتاج أن يصحح، أقول: يجب أن يُصحِّح هذا الوضع، يعني لو يتصل بالعلماء هناك الذين لهم شأن.
طالب: ما عندنا علماء يا شيخ! ! طالب آخر: لا يا شيخ، فيه علماء، بس ما حد يتصل بهم.
الشيخ: نُوكِّلك أنت! طالب: شيخ، مسألة إذا ادعى الولي رد المال وأنكر المحجور عليه، قلنا: من أدلة من قال: إنه لا يُقبل قوْل الولي لحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، والولي هنا مُدَّعٍ، فلماذا لا نجعل هذه القاعدة مطردة ونقول: إن قول الولي لا يُقبل أيضًا في التلف أو في النفقة؟ الشيخ: لا؛ لأن هذا لمصلحة الْمُولَّى عليه.
الطالب: أيهما؟ الشيخ: الإنفاق، من مصلحته، من ضرورته، لا بد أن يصرف عليه.
الطالب: أليس مدعيًا يا شيخ؟ الشيخ: لا، مدعيًا فيما اؤتمن عليه؛ لأننا لو نقول: لا يُقبل قوله في الإنفاق ما أحد يتولى ( ... )، الإنفاق هنا لمصلحة المحجور عليه.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وما استدان العبد لزم سيده إن أذن له، وإلا ففي رقبته كاستيداعه وأرْش جنايته وقيمة متلفه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا ما ذكره المؤلف رحمه الله من اختلاف الولي ومَوْلِيه في التلف، ورد المال وما أشبه ذلك، فهل يُقبَل قول الولي في التلف إذا ادَّعاه بحادث ظاهر؟ طالب: لا بد أن يُقيم بَيِّنة على هذا الحادث الظاهر، ثم يُقبل قوله بيمينه.
الشيخ: أحسنت، يعني يُقيم بينة على الأمر الظاهر، ثم يُقبل قوله في أن المال تلف بهذا الحادث.
هل يُقبَل قوله في الرد؟ طالب: نعم، يا شيخ، على كلام المؤلف يُقبل قوله.
الشيخ: يُقبل قوله في الرد، لماذا؟ الطالب: لأنه أمين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1601

الشيخ: لأنه أمين مُحسِن؟ الطالب: نعم.
الشيخ: وقولك: على رأي المؤلف، كأن هناك قولًا آخر؟ الطالب: نعم، القول الثاني: لا يقبل قوله إلا ببينة .. في مسألة الرد لا يُقبل قوله إلا ببينة في حديث ابن عباس.
الشيخ: وهو؟ الطالب: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
الشيخ: لكن هذا ليس على عمومه في أشياء كثيرة.
طالب: يا شيخ، قالوا: إنه لا يُقبل إلا ببينة؛ لأن هذا الولي أصلًا قد خالف النص الشرعي بعدم إشهاده على الرد؛ لقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6]، واليمين هنا واجبة في هذه الحال.
الشيخ: طيب؛ لأنه خالَف قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
هل يُقبل قول الولي في الإنفاق إذا قال: أنفقتُ عليك ألفَ ريال، وقال: بل مئة؟ طالب: يقبل قوله.
الشيخ: قول مَنْ؟ الطالب: قول الولي.
الشيخ: قول الولي، مُطلقًا؟ الطالب: إلا إذا ادَّعى نفقة خرجت عن العادة.
الشيخ: يعني ما لم يدَّعِ ما يخالف العُرف، فإن ادعى ما يخالف العرف فإنه لا يُقبل، لو كان العادة أن ينفق في مثل شهر الواحد خمس مئة، وادَّعى ألفًا فإننا لا نقبله إلا إذا أقام بينة على سبب الزيادة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وما استدان العبد لزم سيده إن أذِنَ له).

الجزء: 2 - الصفحة: 1602

(ما استدانَ العبد) من قرْض أو ثمن مبيع أو غير ذلك، فإن كان بإذن سيده لزمه، أي: لزم السيد؛ بأن قال له سيده: اذهب إلى فلان، واستَقْرِض منه ألف ريال مثلًا، فذهب واستقرض فهنا يلزم سيده؛ لأنه استدان بإذنه، وسواء استدان بإذنه لمصلحة السيد أو لمصلحة العبد، قد يأتي العبد ويقول مثلًا: أنا أريد أن أتزوج وأحتاج إلى ألف ريال أو أكثر أو أقل، فيقول: اذهب إلى فلان واستدِنْ منه، فيلزم السيد، وقد يكون السيد عليه حاجة، فيقول: اذهب يا فلان إلى الرجل الفلاني واستقرِض منه كذا وكذا.
فالمهم أن ما استدانه بإذن سيده فهو على سيده.
(وإلا) يعني وإن لم يأذن له، (ففي رقبته) يتعلَّق برقبته، أي: رقبة العبد.
وإذا تعلق برقبته، فماذا يكون الحكم؟ نقول: يُخيَّر السيد بين أمور ثلاثة: إما أن يبيع، ويعطي ثمنه من استدان منه العبد، وإما أن يعطيه من استدان منه عِوضًا عن الدَّيْن، وإما أن يفديه السيد بما استدانَ.
مثال ذلك: استدان العبد دَيْنًا بغير إذْن السيد؛ استدان ألف ريال بغير إذْن سيده، أين يتعلق؟ برقبته، نقول للسيد: الآن أنت مُخيَّر؛ إن شئت فأعطِ صاحب الدَّيْن العبد، وقل: لك العبد بالدَّيْن الذي استدان منك؛ هذه واحدة.
أو يبيع العبد ويأخذ قيمته ويعطيها صاحب الدَّيْن.
أو يفديه بقدْر دَيْنِه، فيقول: الدَّيْن كذا وكذا، وأنا لا أريد أن أبيع العبد ولا أريد أن أعطيك إياه، ولكن هذا دَيْنك الذي دينتني.
أيهما الذي يختار؟ سوف يختار الأقل بلا شك؛ السيد سيختار الأقل؛ لأنه من مصلحته.
فإذا قال صاحب الدَّيْن: أنت الآن لك الخيار بين أن تعطيني إياه أو تبيعه، أو تفديه، ويكون عندك العبد، لكن ما دُمت الآن قد طابت نفسك بأن يخرج عن ملكك فأنا أريده، فقال سيد العبد: أنا أريد أن أبيعه وأعطيك ثمنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1603

فالآن عندنا نزاع بين من؟ بين السيد وصاحب الدَّيْن، صاحب الدَّيْن يقول: ما دمت ستخرج العبد من ملكك فأعطني إياه؛ لأنه هو الذي استدان مني، والسيد يقول: لا، أبيعه وأعطيك ثمنه، فمن القول قوله؟ القول قول السيد، ولكن قد يقول قائل: لماذا يُنازِع السيد في هذا؟ أليس كله سواء؛ لأنه سيخرج من ملكه؟ قلنا: قد يرى السيد أن صاحب الدَّيْن ليس أهلًا أن يكون عنده هذا العبد، إما لسوء أخلاقه، وإما لاتهامه في خُلقه، أو لغير ذلك؛ يعني يقول: هذا العبد غالٍ عندي، لا أملكه صاحب الدَّيْن؛ لأن صاحب الدين أعرف أنه سيئ المعاملة، أو أعرف أنه رجل سفلة، أخشى على العبد منه، خصوصًا إذا كان العبد شابًّا مثلًا، فأنا أريد أن أبيعه وأعطيه الثمن.
طيب، لو قال مَنْ له الدَّيْن: إذا بعته فأنا قد ديَّنْته عشرة آلاف ريال، وإذا بعته لا يساوي إلا خمسة آلاف ريال فيكون عليَّ نقص.
نقول: أنت الْمُفرِّط ولو حصل عليك النقص، لماذا تعطيه دينًا يبلغ عشرة آلاف ريال وأنت تعرف أنه عبد؟ لماذا لم تمتنع حتى تستأذن السيد؟ طيب، قال: (كاستيداعه وأرْش جنايته وقيمة متلفه) هذه ثلاث مسائل: (استيداعه) يعني أن يأخذ وديعة فيتلفها، فيتعلق برقبته.
و(أرْش جنايته) يعني إذا جنى على أحد فإنه يُخيَّر سيده بما ذكرنا.
والثالثة: (قيمة مُتلَفِه) أي قيمة ما أتلف.
فعندنا الآن أربع مسائل: إذا استدان، أو استوْدع، أو جنى، أو أتلف.
كل هذه تتعلق برقبته، وكل شيء يتعلق برقبته فإن سيده يُخيَّر بين الأمور الثلاثة التي سمعتم: الأمر الأول: أن يعطيه صاحب الحق، ويقول: هو لك بدينك أو بجنايتك أو قيمة متلفك.
الثاني: أن يبيعه ويعطي صاحب الحق قيمته؛ أي: قيمة العبد.
والثالث: أن يفديه بجنايته ويبقى العبد عنده.

باب الوكالة

ثم قال المؤلف: (باب الوكالة).

الجزء: 2 - الصفحة: 1604

(الوكالة) هي التفويض، يُقال: وَكلت الأمر إليه، أي: فَوَّضْته إليه، وهي في الاصطلاح: استِنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
استنابة جائز التصرف مثله -أي: جائز التصرف- فيما تدخله النيابة، هذه الوكالة.
طيب، جائز التصرف مَنْ هو؟ الْحُرُّ، البالغ، العاقل، الرشيد.
يعني مَنْ جمع أربعة أوصاف، يستنيب مثله -أي: جائز التصرف- فيما تدخله النيابة، أي: يستنيب حُرًّا بالغًا عاقلًا رشيدًا.
وقولنا: (فيما تدخله النيابة) احترازًا مما لا تدخله النيابة، فلو وكَّل إنسانًا أن يتوضأ عنه وقال: وكَّلتك تتوضأ عني وأنا أصلي، يجوز؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لا تدخله النيابة، ولو وكَّله أن يصوم عنه، كان عليه قضاء من رمضان، فقال: وكَّلتك أن تقضي عني؛ لا يصح، لا بد أن تدخله النيابة، وسيأتي إن شاء الله بيان ما تدخله وما لا تدخله.
حكمها التكليفي: أنها جائزة بالنسبة للمُوكِّل، سُنَّة بالنسبة للوكيل؛ لما فيها من الإحسان إلى أخيه وقضاء حاجته، أما بالنسبة للمُوكِّل فهي جائزة؛ لأنها من التصرف الذي أباحه الله.
ويدل على جوازها كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما كتاب الله فقد قال الله تعالى عن أصحاب الكهف لما استيقظوا من نومهم، قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 19]، هذا توكيل، وكلوا واحدًا منهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي بطعام، ويكون في ذهابه متلطفًا؛ يعني مستترًا ما أمكنه، ولا يخبر عنهم؛ لأنهم قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19].

الجزء: 2 - الصفحة: 1605

وكانوا قد أووا إلى الغار خوفًا من ظُلم رجل مشرك هربوا منه، لكن تغيَّرت الأحوال؛ لأنهم بقوا ثلاث مئة سنين وتسع سنين، فتغيرت الأحوال، هم أوصوه بهذه الوصايا بناءً على بقاء الملك الأول؛ هذا دليل من الكتاب.
أما من السنة: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وكَّل في العبادات، ووكَّل في المعاملات، فوكَّل علي بن أبي طالب أن ينحر ما تبقى من هديه وأن يقسم جلودها ولحومها (3)، ووكل رجلًا على أن يشتري له أضحية بدينار، فاشترى الرجل اثنتين بدينار، وباع واحدة بدينار، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي بَيْعِكَ»، فكان لا يبيع شيئًا أو يشتريه إلا ربح فيه حتى ولو كان ترابًا؛ ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (4). كذلك أيضًا النظر يدل على جواز الوكالة؛ لأنها من مصلحة العباد، فكم من إنسان لا يستطيع أن يعمل أعماله بنفسه، فمن رحمة الله عز وجل وحكمته أن أباح لهم الوكالة، أليس كذلك؟ إذا كان الإنسان مثلًا مشتغلًا بطلب العلم أو بغير ذلك من الأعمال، وهو يريد أن يشتري لأهله خبزًا، ولا يستطيع أن يترك عمله ليشتري الخبز، ماذا يصنع؟ يُوكِّل.
إذن المصلحة تقتضي أن تكون الوكالة جائزة، هذا من حيث الشرع.
إذن دل عليها الكتاب والسنة والنظر الصحيح، والمصالح العامة.
أما حكمها الوضعي فيقول رحمه الله: (تصح بكل قوْل يدل على الإذن).
(تصح) الصحة، والفساد، والبطلان، والسبب، والشرط، والمانع، كل هذه أحكام وضعية.
(تصح بكل قول يدل على الإذن)، كل قول يدل على الإذن فإن الوكالة تصح به، فلو قال رجل: يا فلان، خُذ هذه السيارة بِعْها مثلًا، تصح الوكالة، وإن لم يقل: وكَّلتك في بيعها؛ لأن قوله: خُذْها بِعْها؛ يدل على هذا، وإن لم يكن فيه لفظ الوكالة.
أما القبول فهو أوسع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1606

يقول: (يصح بكل قول أو فعل يدل على الإذن)، الإيجاب وهو التوكيل لا بد فيه من قول.
طيب، فإذا قال: هل يصح أن يكون بالفعل؟ وهل يصح أن يكون بالكتابة؟ قلنا: ظاهر كلام المؤلف لا، والصحيح أنه يصح؛ يصح التوكيل بالفعل، ويصح التوكيل بالكتابة.
فلو كتب إلى آخر وقال: وكَّلتك في بيع بيتي، وهو في بلد آخر؛ يصح، ما المانع؟ ولو كان إنسان معروفًا بأنه يبيع الأطعمة، فجاء إنسان بكيس من الطعام من مزرعته ووضعه في دكان هذا الذي يبيع، ماذا يكون هذا؟ هذا توكيل، لكن بأيش؟ بالفعل، ما دام قد عُرف أن هذا الرجل أعد نفسه للبيع، وأتيت إليه بشيء ووضعته في مكان المبيعات، فهذا يعني أنك وكلته في بيعه، وهذه وكالة بالفعل.
لا يقول قائل: ربما وضع الكيس على أنه وديعة، أو على أنه هدية، أو ما أشبه ذلك.
هذا فيه احتمال، لكن ظاهر الحال أنه وضعه للبيع.
إذن القول الراجح أن الوكالة تصح بالقول والكتابة والفعل.
طيب (ويصح القبول) يعني قَبول الوَكالة (على الفور والتراخي بكل قوْل أو فِعْل دال عليه).
القبول هو اللفظ الصادر من الوكيل، والإيجاب هو اللفظ الصادر من الموَكِّل.
يعني الوكيل يصح أن يقبل الوكالة.
(على الفور) بمعنى أنه من حين أن يقول له الموكِّل: وكَّلتك في بيع بيتي، يقول: طيب، الآن أعطِني المفتاح ونمشي، يبيعه.
(وعلى التراخي) بأن يقول: وكَّلتك، ثم يسكت، وبعد ساعة أو ساعتين، أو يوم أو يومين يقول: قبلت، أو يبيع البيت مثلًا؛ يصح.
لكن لو وكَّله وقال: لا والله، أنا ما أستطيع، أنا مشغول، ثم ذهب الموكِّل، وبعد ذلك ندم الوكيل وقال: كيف أرُدُّه؟ ! رجل طيب وحبيب وله فضل عليَّ، ثم قبل وتصرف، أيصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ طالب: لأنه رفض.
الشيخ: لأنه ردها، وإذا ردها معناه بطل الإيجاب الأول الصادر من الموكل، فلا بد من توكيل ثانٍ.
طيب، (بكل قول أو فعل دال عليه).
كل قول، أن يقول: قبلت، لكن لو قال: أبشِر، يصح؟ طالب: يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1607

الشيخ: هذا قول ولَّا لا؟ طالب: قول.
الشيخ: قول.
لو أخذها منه -السلعة اللي قال له: خُذْ وكَّلتك في بيع هذه، أخذها منه- ولم ينطق بكلمة، ثم باعها؛ يصح، وهذا قبول بالفعل.
هذه القاعدة في الوكالة ليست مطردة عند الفقهاء رحمهم الله؛ فإن بعض العقود يشددون فيها، ولكن الصحيح أن العقود بابها واحد، وأن كل عقد يصح بكل قوْل أو فعل يدل عليه، وأما ما شدد فيه بعض الفقهاء رحمهم الله في بعض العقود فلا دليل عليه، الأصل أن هذا يرجع إلى العُرْف، فما عرفه الناس عقدًا فهو عقد، ولو كان بقول أو فِعْل.
إلا أنه يُستثنى من هذا ما لا بد من الإشهاد عليه، فهذا لا بد أن يكون بقول واضح مثل النكاح، لو أن رجلًا قال لشخص: زوَّجتك بنتي هذه، فأخذ البنت ومشى، ينعقد النكاح؟ الظاهر أنه لا ينعقد هذا، ليش؟ لأن هذا يحتاج إلى إشْهاد، ومجرد الفعل لا يدل على القبول.
لو قال: وهبتك هذه الساعة، فأخذها وسكت، قبول هذا ولا غير قبول؟ هذا قبول.
نقول: الوكالة ليس لها صيغة معينة، تنعقد بكل قول أو فعل يدل عليها، وقلنا: إن هذا ينبغي أن يكون عامًّا لجميع العقود.
(ومن له التصرف في شيء فله التوكيل، والتوكل فيه) هذه القاعدة: كل من له التصرف في شيء فله أن يوكل وله أن يتوكل، ومن ليس له التصرف فيه فليس له أن يُوكِّل، وليس له أن يتوكَّل.
مثال ذلك: رجل بالغ عاقل حُر رشيد، وكَّل مثله في شراء سيارة؛ يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز.
لماذا؟ لأن من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه.
ومفهومه: من ليس له التصرف في الشيء فليس له أن يوكل فيه، فلو أن صبيًّا لم يبلغ قال لشخص: وكلتك في بيع بيتي.
أيصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه هو نفسه لا يصلح التصرف، لا يصلح أن يتصرف فيه، فكيف يُوكِّل؟ !

الجزء: 2 - الصفحة: 1608

طيب، لو كان الأمر بالعكس: رجل بالغ عاقل حر رشيد وَكَّل صبيًّا في بيع بيته؟ لا يصح أيضًا؛ لأن الوكيل الآن لا يتصرف في مثل هذا التصرف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5].
وَكَّل شخصًا أن يعقد له النكاح، قال: وكَّلتك أن تقبل النكاح لي من فلان، وهذا الوكيل بالِغ عاقل حُر رشيد.
يصح؟ يصح؛ لأن الوكالة في عقد النكاح جائزة.
يقول: (ويصح التوكيل في كل حق آدمي) كل حق آدمي يصح أن يُوكِّل فيه.
(من العقود والفسوخ والعِتق، والطلاق، والرجعة، وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظهار واللعان والأيمان .. ) إلى آخره.
حق الآدمي من العقود؛ نبدأ بالبيع، هل يجوز أن يُوكِّل في بيع أو شراء؟ نعم.
الإجارة، هل يجوز أن يُوكِّل شخصًا يستأجر له بيتًا؟ نعم، أو يؤجر بيته؟ نعم.
الرهن، يصح أن يُوكِّل شخصًا يرتهن له شيئًا أو يرهن له شيئًا.
الوقْف؟ يصح؛ يقول: وكَّلتك أن تُوقف بيتي الفلاني وتثبته عند المحكمة.
(الفسوخ) أيضًا في كل عقد، الفسخ يرد على كل عقد.
فسوخ البيع: إنسان اشترى شيئًا معيبًا، ووكَّل إنسانًا أن يفسخ البيع مع البائع، قال: أنا اشتريت السيارة الفلانية من فلان ووجدت بها عيبًا، وأنا ما أنا برايح أنازعه؛ لأنه رجل صاحب قوة وبيان، وأنا وكَّلتك أن تفسخ البيع معه، يجوز؟ يجوز، هذا فسْخ.
وَكَّلَ زوجٌ رجلًا أن يخالع زوجته، يجوز؟ ما معنى المخالعة؟ طلبة: الطلاق على عِوض.
الشيخ: الفراق، ما هو الطلاق، الفراق على عِوض؛ لأن الطلاق على عِوض شيء، والخلع شيء آخر؛ يعني الطلاق على عِوض يعتبر يحسب من الطلاق، فلو كانت هذه آخر طلقة على عِوض حرمت عليه، لكن إذا كان خلعًا وقد طلَّق قبل ذلك مرتين فإنها لا تحرم عليه؛ لأن الخلع فسخ وليس طلاقًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1609

على كل حال؛ وكَّل إنسانًا في مخالعة زوجته، يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز، لكن لا بد مثلًا من أن يذكر مقدار الخلع؛ يعني العِوض؛ لأنه ربما يُوكِّله في خلع زوجته، ثم تكون غالية في قلْب الزوج، ولا يمكن أن يخلعها بأقل من عشرة آلاف، فيأتي هذا الوكيل ويخلعها بألف ريال.
فلا بد من التعيين، هذا شيء آخر.
(العتق) يصح أن يُوكِّل شخْصًا في إعتاق العبد أو لا؟ يصح؛ لأن هذا يصح التوكيل في عقده، فيصح التوكيل في عتقه والتخلي منه.
(والطلاق) الطلاق يصح أن يُوكِّل فيه، يقول: يا فلان، وكَّلتك أن تطلق زوجتي.
يجوز هذا، ويكون الفائدة مثلًا أنه يثبت طلاقها عند المحكمة.
هل يصح أن يُوكِّل زوجته في طلاق نفسها؟ طالب: نعم.
الشيخ: يصح؟ طالب: لا يا شيخ لا يصح.
طالب آخر: يصح.
الشيخ: ألسنا قلنا: من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكُّل فيه؟ طلبة: بلى.
الشيخ: طيب، هل للزوجة أن تتصرف في الطلاق وتُطلِّق زوجها؟ ! طالب: لا، ليس لها.
الشيخ: لا، لكن هذه مستثناة؛ يعني يجوز أن يُوكِّل زوجته في طلاق نفسها.
ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خيَّر نساءه بين أن يُردْن الله ورسوله أو يُردن الحياة الدنيا (5). وهذا مثل الطلاق؛ فعلى هذا تكون هذه المسألة مستثناة، كما يستثنى مسائل أخرى نعرض لها إن شاء الله فيما بعد.
(الرجعة) أيضًا يصح التوكيل فيها، بأن يقول لشخص حين طلق زوجته قال لشخص آخر: وكَّلتك في مراجعتها، يصح.
فإذا قال قائل: ليش إنه يوكل في مراجعتها؟ لماذا لم يُراجِع هو بنفسه؟ نقول: قد يكون غائبًا ويقول للزوج: راقِبها، لا تنقضي عدتها حتى تراجعها، وهو -أي: الزوج- لا يريد أن يراجعها بنفسه، ربما يريد أن يهينها بعض الشيء حتى تستقيم، وربما لا يخبرها بأنه راجعها حتى تستقيم أيضًا، فالمهم أنه يجوز التوكيل في الرجعة.
هل يجوز أن يُوكِّل أبا الزوجة في رجعتها؟ طالب: نعم.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: جائز التصرف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1610

الشيخ: يقول: وكَّلتك في مراجعة ابنتك؟ طالب: نعم.
الشيخ: يجوز نعم، ما فيه مانع، ويش المانع؟ ! لكن لو خاف ألا يراجع، إذا كان أبو الزوجة لا يحب أن يرجع الزوج إلى زوجته ربما لا يراجع، ففي هذه الحال يجب أن يحتاط لنفسه وألا يُوكِّله؛ لئلا يُفوِّت عليه الرجعة.
وقوله: (وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه).
يعني له أن يُوكِّله في تملك المباحات، فيقول: وكَّلتك تصيد لي طيرًا وأرنبًا وغزالًا، فيقول: قبلتُ، ويأخذ البندقية ويذهب ويصيد، يجوز؟ على كلام المؤلف يجوز.
وقيل: إنه لا يجوز في تملُّك المباحات؛ لأن الموكِّل حين التوكيل لا يملكها، فلا يملك التصرف فيها.
وبناءً على هذا القول: لو أن الوكيل تصرف وأتى بالصيد، فلمن يكون الصيد؟ يكون للوكيل؛ لأن الوكالة لم تصح، ويكون الوكيل إذا أراد أن يُعطِيه الموكل، يكون هذا هبة؛ لأنه حين صاده صار في ملكه، فإذا أعطاه الموكل فهو هِبة، وليس عن طريق الوكالة.
وكذلك أيضًا (الحشيش)، إذا وكَّله قال: يا فلان، وكَّلتك تحش لي هذه المنطقة، قال: نعم، لا بأس، فحشها، فهل يصح هذا التوكيل؟ المؤلف يرى أنه يصح، وأنه إذا حشَّها فإنما تكون على ملك الموكِّل.
والقول الثاني لا يصح؛ لأن الموَكِّل لم يملك هذا الحشيش حتى يملك التصرف فيه.
وعلى هذا فإذا حشَّه الوكيل وأتى به إلى الموكِّل وقال: خُذ الحشيش؛ لأنك وكلتني بحشيشه، فيكون على سبيل الهبة، يعني يُخبر فيُقال له: إن الوكالة لم تصح، وأن هذا هبة.
ويُقال: إن امرأة جاءت إلى شخص وقالت: إن الأمير حبس ابني في حشيش، وأنا ما يمكن أبقى بدونه، اشفع لي.
فذهب الرجل إلى الأمير وقال له: جزاك خيرًا، هذا ( ... ) يحش، يترزق الله وأمه، أطلقه، هذا ظلم، ظنًّا منه أن الحشيش هو ما يؤخذ من الأرض.
فقال له الأمير، قال: الحشيش هذا شيء مُسكِر مثل الخمر أو أشد، قال: عليك به، عليك به! !

الجزء: 2 - الصفحة: 1611

مثل هذه المسائل يعني يجب؛ أنا قصدي أن الإنسان يجب أن يُبيِّن ما يريد في الألفاظ المشتركة، الآن الحشيش مُشترَك بين ما تنبته الأرض كما في الحديث: «لَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (6)، وبين ما يُستعمل في التخدير، فيجب في مثل هذه المسائل المشتركة -لا سيما إذا كان يتبادر إلى أذهان العامة الشيء المباح- أن تُبين الأمور وتوضح حتى يكون الإنسان على بصيرة.
فقول المؤلف رحمه الله: (من الصيد والحشيش)، أي الحشيشات؟ طبعًا المباح، ما تُنبته الأرض.
وقوله: (ونحوه) أي: من الأشياء المباحة كأخذ الكمأة، فإن الكمأة لا تُعد من الحشيش؛ ولهذا يجوز أن يَستخرج الإنسان الكمأة ولو في أرض مكة؛ لأنها ليست من الحشيش.
(لا الظهار واللعان والأيْمان) هذا لا تجوز فيها الوكالة؛ لأنها متعلقة بنفس الفاعل، فلو وَكَّل شخصًا في الظهار من امرأته وذهب الرجل إلى المرأة، وقال لها: أنتِ على زوجك كظهْر أُمِّه عليه، يثبت الظهار ولَّا لا؟ طلبة: لا، لا يثبت.
الشيخ: ليش؟ لماذا لا يثبت؟ لأن هذا عقد يتعلق بالفاعل نفسه، فلا يصح.
طيب، إذا وكَّله في الطلاق، وقال: أنتِ طالق بناءً على الوكالة، يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأنه فسْخ، لكن الظِّهار يتعلق بهذا، ولذلك لو فرضنا أنه صح التوكيل في الظهار، وأراد الزوج الرجوع، مَنِ الذي يتحمل الكفارة، الزوج ولَّا الوكيل؟ الزوج؛ إذن ما دام الكفارة تتعلق بالموكِّل فإنه لا يصح التوكيل فيه.
(اللعان) أيضًا لا يصح، اللعان: مُشتق من الملَاعنة، وهي ما يكون بين الزوج وزوجته إذا رماها بالزنا، إذا رماها بالزنا -والعياذ بالله- قال: إن امرأته زنت، فهنا نطالبه أولًا: إن أقرت الزوجة بذلك ارتفعت عنه العقوبة، ووجبت العقوبة على مَنْ؟ على الزوجة.
إن أنكرت وأتى ببينة ارتفعت عنه العقوبة، ووجب الحد على الزوجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1612

إن أنكرت ولم يجد بينة، فحينئذٍ نجري اللعان، فيشهد الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
فإن رَدَّت عليه اللعان فله حكم، وإن لم تَرُدَّ اللعان فهل يثبت عليها الحد أو لا؟ من العلماء من يقول: إن الزوج إذا لاعن، ثم نكلت الزوجة وجب عليها الحد.
ومنهم من يقول: إذا لاعن الزوج ونكلت الزوجة، فإنها تُحبس حتى تقر أو تُلاعِن أو تموت.
والقول الأول هو الصحيح، وهو المتعيِّن: أن الزوج إذا شهِد أربع مرات ودعا على نفسه باللعنة إن كان من الكاذبين فإن الحد يثبت عليها، يكون كإقامة البينة، فقول الله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: 8]، العذاب يعني؟ طالب: الرجم.
الشيخ: الحد، ليس الرجم، الحد، بدليل أن الله تعالى قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]، فسمى الله الحد عذابًا.
إذن ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يعني الحد، ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ فإن لم تشهد وجب الحد عليها، هذا القول الراجح وهو المتعين.
المهم اللعان: أراد الزوج أن يُلاعِن الزوجة؛ لإثبات ما ادعاه عليها، ولكنه قال: يا فلان، أنا لا أريد الذهاب إلى الحاكم، ولا أريد أن ألعن زوجتي مواجهة، لكن وكَّلتك أن تُلاعِن عني، قال: أهلًا وسهلًا، اللي يريحك كله خير، فذهب إلى القاضي وقال: أنا وكيل فلان في اللعان، هل يُقبل هذا أو لا؟ لا؛ لأن اللعان يتعلق بنفس الزوج، إذ إنه إذا لم يلاعن وجب عليه الحد؛ حد القذف، وإن لاعن ونكلت هي وجب عليها حد الزنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1613

طيب، وكذلك المرأة لا تُوكَّل.
الثالث: (الأيمان) لا تدخل فيها النيابة؛ فلا تصح فيها الوكالة.
لو أن شخصًا ادَّعى على زيد بمئة ريال، وليس عنده بينة، فما الحكم؟ أن يحلف زيد المدعى عليه يمينًا بأنه لا حق لفلان عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (2). فلما توجهت اليمين على المنكِر قال: أُوكل فلانًا يحلف عني، يصح أو لا؟ لا يصح؛ لأن هذه مما تتعلق بنفس الإنسان، وهو الذي يكون آثمًا أو بارًّا، فلا يصح فيها الوكالة.
طالب: شيخ -عفا الله عنك- ما ذكرنا الراجح في التوكيل بالصيد والحشيش؛ يعني الصحيح في توكيل الصيد والحشيش؟ الشيخ: الراجح أنه لا تصح الوكالة فيه.
طالب: قلنا: في الصيد والحشيش لا تصح، ما وجه ذلك إذا كان الإنسان يعني الموكل يقول للوكيل: وكَّلتك أن تصيد لي؛ يعني مثلًا يقول: أعطيتُك البندقية لكي تصيد لي، وهذا يذهب ويصيد.
الظاهر أنه للمُوكِّل، ونحن ذكرنا أنه يكون ( ... ). الشيخ: إي نعم؛ لأن الموكِّل لم يملك هذا الشيء، هذا الشيء ما يملك إلا بعد أخذه.
الطالب: لكن هو لم يوكله على اعتبار أنه إذا ملك شيئًا فيكون على ( ... ) على ملكه.
الشيخ: على ملك مَنْ؟ الطالب: الموكِّل.
الشيخ: هو على ملك الآخِذ الذي ملكه، ثم له أن يهبه لذلك، ( ... ) لكن جرى العرف الآن عندنا أنه إذا كان الإنسان مثلًا أتى بعمال وأعطاهم الآلة وقال: حشوا هذا الحشيش الذي في مزرعتي، وليس هو الزرع الذي هو أنبته، لكنه من عند الله، نبت من عند الله، جرت العادة عندنا أن كُلًّا من الطرفين يعرف أنه لمن؟ للمُوكِّل، فإذا كان اطَّرد العرف بذلك فعلى ما يطَّرد عليه العرف.
طالب: مسألة الصيد والحشيش أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الموكل لم يملك بعد ( ... ). الشيخ: نعم، هذا تعليل القول بأنه لا يصح.
الطالب: نعم، في قضية البيع وكذا، هل الأمور دخلت في ملكه؟ الشيخ: أيش؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1614

الطالب: في قضية البيع مثلًا والشراء الأمور التي يشتريها لم تدخل في ملكه بعد الموكِّل؟ الشيخ: لا، دخل في ملكه الثمن.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في مسألة الفصل الذي قبله يا شيخ، قال: (وما استدان العبد لزم سيده)، يعني لزم الغُرم، كذلك يا شيخ قال: (وإلا ففي رقبته إذا استدان بغير إذن سيده) إذا جعلنا في الأحوال الثلاثة التي ذكرتم يا شيخ، كذلك لزم السيد الغرم؟ الشيخ: لا، بينهما فرْق؛ لأنه إذا كان بإذنه لزمه أن يوفي الدَّيْن بالغًا ما بلغ، لو استدان مثلًا خمس مئة ألف، والعبد ما يساوي إلا مئتي ريال، يلزم السيد خمس مئة ألف مهما كان.
الطالب: إن كان بإذنه.
الشيخ: إذا كان بإذنه، أما أن نقول: لزم السيد، يلزمه مهما كان، إذا قلنا: يتعلق برقبته لا يلزم السيد أكثر من ثمنه.
طالب: شيخ، ( ... ). الشيخ: ما يمكن، لو يتواطأ، ما يمكن؛ لأن من جملة ما يعمله السيد أن يفديه، أن يقول للمجني عليه مثلًا أو لمن دَيَّنه، يقول: خذ ها الدَّيْن والعبد لي.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، هذا ينظر الأول فالأول.
طالب: شيخ، إذا ( ... ) وكَّله أن يشتري بُرًّا مثلًا في جزء منه، أيصح؟ الشيخ: يعني معناه أنه كان بأجره.
الطالب: إي.
الشيخ: ما فيه شيء إذا كان معلومًا، يعني مثلًا مئة صاع، مئتين صاع، ما فيه مانع.
طالب: بارك الله فيك، قلنا: إن السيد يخير بين بيع العبد ( ... )، طيب لو باعه السيد، وكان ثمن العبد أكثر من الدَّيْن، هل يعطيه ( ... )؟ الشيخ: لا، ليس لصاحب الدَّيْن إلا الدَّيْن فقط.
الطالب: لو كانت المسألة بالعكس لو كانت أقل، أليس له إلا ( ... ). الشيخ: إي معلوم؛ لأنه ما له إلا رقبة العبد.
الطالب: لماذا ما نعطيه ( ... )؟ الشيخ: ما نعطيه إياه، الخيار للسيد؛ والسيد إذا كان الخيار له سيختار ما في مصلحته، فإذا عرف أن قيمة العبد أكثر من الدَّيْن سوف يبيعه ويأخذ الزيادة.
( ... ) الفقهاء الصلح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1615

طالب: إي، نوعين، صلح على إقرار، وصلح على إنكار.
الشيخ: طيب، مَثِّل لكل واحد؟ الطالب: الصلح على إقرار: أن يقر زيد لعمرو بهذه العين أنها له؛ هذه السيارة، هذه العين أنها له، فيهب له بعضها.
الشيخ: فيُصالحه على بعضها إما بيعًا أو هبة.
الطالب: نعم، فهذا الصلح على إقرار، أما الصلح على الإنكار.
الشيخ: هل هذا صحيح أو له شروط؟ الطالب: نعم، صحيح ولكن بشروط: أن يكون ممن يصح تبرعه، وألا يكونا شَرَطَا هذا الأمر هذا الصلح.
الشيخ: ألا يكون الصلح مشروطًا، وأن يكون ممن يصح تبرعه.
الطالب: نعم، وهناك شرْط ثالث فيه خلاف: وهو ألا يكون بلفظ الصلح، والصحيح أنه لا يُشترط.
الشيخ: والصحيح أنه ليس بشرط.
طيب الصلح على إنكار؟ طالب: مثل أن يقول أن يدعي رجل على آخر أن هذه السيارة له فيُنكر أو يسكت.
الشيخ: يدَّعي على شخص يقول: هذه السيارة لي، فيقول: ليست لك، أو يقول: لي عليك مئة ريال فيُنكر، كيف يكون الصُّلح؟ الطالب: يصالحه على بعض المال، ويكون من جهته المدعي ( ... ). الشيخ: لا، كيف؟ خلينا بالسيارة، قال: هذه السيارة لي، قال: ليست لك، تنازعوا فقال: إذن نصالحك على هذه الدعوة.
الطالب: على ألف ريال ( ... ). الشيخ: من الذي يُسلِّمه ألف ريال؟ الطالب: الذي يُسلِّمه ألف ريال المدعى عليه.
الشيخ: طيب، وتكون السيارة له؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، هذا الصلح، هل هو بَيْع أو إبراء أو ماذا؟ الطالب: من جهة المدعي بيع؛ لأنه يعتقد أنه باعها، ومن جهة المدعى عليه إبراء.
الشيخ: هو إبْراء من أحدهما، وبيْع من الآخر.
يُجبر الجار على أن يضع جاره خشبَهُ على جداره أو لا؟ طالب: يجبر.
الشيخ: يُجبر، بشرط؟ الطالب: بشرط إذا كان لضرورة، وليس هناك ضرر على الجار الآخر.
الشيخ: أحسنت، ألَّا يكون ضرر على الجدار، وأن يكون مُضطرًّا إلى وضعها على الجدار.

الجزء: 2 - الصفحة: 1616

وهل يلزم أن يُسلِّم صاحب الجدار نصف ما قام به الجدار أو لا؟ يعني هل يقول صاحب الجدار أنا بنيته بألف ريال أعطني خمس مئة، وحط خشبك عليه؟ طالب: لا يلزم.
الشيخ: لا يُوافِق على هذا؟ الطالب: لا يوافق.
الشيخ: ما تقولون؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، رجل له جار، وكان نخله على أرض جاره؛ النخل له عسفان، عسفانه على أرض جاره؟ طالب: يُلزَم الجار هذا بأن يكف العسفان لئلا تؤذي الجار.
الشيخ: يلوي العسفان.
طيب، فإن أبى؟ الطالب: لواها.
الشيخ: فإن أبى؟ قال: والله ما أنا ملوِّي العسفان، أيش نعمل؟ الطالب: يقوم نفس الجار المتضرر بقص هذا العسفان أو ليِّه.
الشيخ: يلويه إن أمكن وإلا قطعه، علل؟ طالب: لأن الهواء تابع للقرار.
الشيخ: لأن الهواء تابع للقرار؛ فالإنسان إذا ملك شيئًا من الأرض ملك ما فوقها إلى السماء، وملك ما تحتها إلى تخوم الأرض.
طيب، ما الفرق بين الدرب المشترك والنافذ؟ طالب: أولًا: من جهة الشكل فإن الدرب النافذ ينفذ بحيث يمر معه من أوله إلى آخره.
الشيخ: يعني ليس مسدودًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: والمشترك؟ الطالب: والمشترك فإنه مسدود من طرف.
الشيخ: إذن الفرق بينهما أن النافذ مفتوح والمشترَك مسدود.
طيب، هل يجوز في المشترك فتح أبواب؟ طالب: لو كان من جهة السد فنعم.
الشيخ: السد؟ ! من أسفل السور يعني، فله ذلك، وإن كان من أعلى فليس له ذلك.
الطالب: إلا أن يأذن له الجار.
الشيخ: إلا أن يأذن الجار.
طالب: له مطلقًا.
الشيخ: له مطلقًا طيب، هذان قولان.
طالب: عكس ما قاله.
الشيخ: عكس ما قاله.
الطالب: إن كان من جهة بابه إلى فم السوق فله ذلك، وأما من جهة السد فلا، إلا إذا أذن الجار.
الشيخ: إذن ثلاثة أقوال: قول أنه إذا أراد نقل الباب، أو فتح باب آخر من أسفل فله ذلك بدون إذْن شريك، وإذا كان من فم السوق فلا، والثاني بالعكس، وأيهما الصواب العكس ولَّا الأول؟ طالب: الأول، بآخر الدرب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1617

الشيخ: لا، العكس، يعني مثلًا إذا كان بابه في أعلى السوق فليس له أن ينقله إلى أسفل السوق، ولا أن يفتح بابًا آخر أسفل منه؛ لأنه لا يملك من السوق إلا إلى بابه فقط، وأما إذا كان من وراء الباب مما يلي فم السوق فلا بأس.
طالب: النافذ ( ... ). الشيخ: هذا المشترك، نحن سألنا عن المشترك.
طيب، النافذ له أن يفتح ما شاء، إلا أنه لا يفتح أمام باب جاره للإيذاء.
قال رجل لآخر: أقر بديني وأعطيك منه مئة، يجوز؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب، أقر، هل يلزمه كل الدين أو يُسقط منه المئة؟ الطالب: لا، إن أقر المدَّعَى عليه بالدَّيْن لزمه كل الدَّيْن، لكن إن صالحه.
الشيخ: إي، هو كان يماطل يقول: ما عندي لك شيء مرة، ومرة يقول: اصبر عليَّ، ومرة .. قال: تعالَ، أقر بدَيْني وأعطيك منه مئة، قال: أقْررت؟ طالب: يصح الإقرار ولا يصح الصلح.
الشيخ: يصح الإقرار ولا يصح الصُّلح؛ لأنه مكره عليه، صحيح.
وفي كلِّ حقٍّ للهِ تَدْخُلُه النيابةُ من العِباداتِ والحدودِ في إثباتِها واستيفائِها، وليس للوَكيلِ أن يُوَكَّلِ فيما وُكِّلَ فيه إلا أن يُجْعَلَ إليه.
والوَكالةُ عَقْدٌ جائزٌ، وتَبْطُلُ بفَسْخِ أحدِهما ومَوْتِه وعَزْلِ الوَكيلِ وحَجْرِ السفيهِ، منه مئة، يجوز؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب، أقر هل يلزمه كل الدَّيْن أو يسقط منه المئة؟ طالب: لا، إن أقر المدَّعَى عليه بالدَّيْن لزمه كل الدَّيْن، لكن إن صالحه .. الشيخ: إي، هو كان يماطل يقول: ما عندي لك شيء مرة، ومرة يقول: اصبر عليَّ، ومرة .. قال: تعالَ، أقر بديني وأعطيك منه مئة، قال: أقررت؟ طالب: يصح الإقرار، ولا يصح الصلح.
الشيخ: يصح الإقرار، ولا يصح الصلح؛ لأنه مُكرَه عليه ( ... ).


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الوكالة:

الجزء: 2 - الصفحة: 1618

ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعِتْق والطلاق والرجعة، وتملك المُباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظِّهار واللعان والأيمان، وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها، وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يجعل إليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
ما معنى الوكالة في اللغة وفي الاصطلاح؟ طالب: في اللغة: التفويض.
الشيخ: في اللغة: التفويض، نعم.
الطالب: في الاصطلاح: استنابة جائز التصرف مِثلَه فيما تدخله النيابة.
الشيخ: أحسنت، في الاصطلاح استنابة جائز التصرف مثله -أي: جائز التصرف- فيما تدخله النيابة.
مَثِّل لما تدخله النيابة؟ طالب: تدخل في النيابة البيع والنكاح .. الشيخ: البيع والنكاح والطلاق والعتق والرجعة وغير ذلك .. أشياء كثيرة.
طيب، لو وَكَّله أن يصلي له ركعتين؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنه؟ الطالب: حق لله، لا تدخله النيابة.
الشيخ: حق لله لا تدخله النيابة.
طيب، لو وَكَّله أن يحج عنه؟ طالب: لا يصح.
طالب آخر: فيه تفصيل، إن كان قادرًا وحج فريضة فهو لا يصح.
الشيخ: لأنه مُطالَب به ببدنه، وإن كان نفلًا؟ الطالب: ففيه خلاف.
الشيخ: ففيه خلاف، إذن المسألة ما فيها جواب قاطع.
الوكالة يدل على جوازها الأثر والنظر؛ الأثر من القرآن والسنة، والنظر من المعنى المعقود.
من القرآن؟ طالب: قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 19].
الشيخ: تمام، وقال يعقوب لأبنائه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 87]، فوكلهم في البحث عن أخيهم يوسف.
طيب، من السُّنَّة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1619

طالب: أمر النبي صلى الله عليه وسلم للرجل أن يشتري له شاة بدينار.
الشيخ: أحسنت، الرسول وكَّل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية بدينار (1)، أحسنت.
ونمتلك كثيرًا من السُّنَّة.
طيب، من النظر؟ طالب: بالنظر أن هذا مما تقوم عليه مصالح الناس ويحتاجون إليه، قد يكون الإنسان إلى شيء ولا يستطيع .. الشيخ: أن هذا مما تكون الحاجة إليه، وتقوم به مصالح الناس؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى شيء، ولا يستطيع أن يباشره بنفسه، فكان من حِكمة الله ورحمته أن أذن لهم بالتوكيل.
أحسنت، ما هي القاعدة أو الضابط في مَنْ له التوكيل والتوكُّل، الذي ذكره المؤلف؟ طالب: كل من له التصرُّف في شيء بنفسه فله التوكُّل والتوكيل فيه.
الشيخ: أحسنت، هذا ضابط: كل من له التصرف في شيء فله أن يَتوكَّل ويُوكِّل فيه.
طيب، وَكَّل شخصًا أن يصطاد له صيدًا، فقال له: انظر إلى الأرنب الرابض في ظل تلك الشجرة وقد وكَّلتك أن تصيدها لي، يصح؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إي، هذا من باب تملك المباحات، ومثله لو وكَّله أن يحش له حشيشًا في مكان فإنه يكون وكيلًا له.
طيب، إذا صادها، فلمن تكون؟ الطالب: تكون للمُوكِّل.
الشيخ: تكون للمُوكِّل؛ لأن ذلك صادها نيابة عنه.
هل يصح التوكيل في إثبات الحدود أو لا؟ طالب: لا يصح يا شيخ.
الشيخ: اصبر يا شيخ، لا تستعجل، تعرف بعد الحدود؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وفي كل حق) يعني وتصح الوكالة في كل حق لله لا تدخله النيابة.
اعلم أولًا أن الأصل في حقوق الله أنه لا يجوز فيها الوكالة، هذا الأصل؛ لأن حقوق الله المقصود بها إقامة التعبُّد لله عز وجل، وهذه لا تصح إلا من الإنسان نفسه؛ لأنك لو وَكَّلت غيرك، فهل فعله تحس بأن إيمانك زاد به؟ لا؛ ولذلك كان الأصل في حقوق الله ألا تصح الوكالة فيها.
خذوا هذا الضابط: الأصل في حقوق الله ألا تصح الوكالة فيها، وذلك لأن المقصود بها التعبد لله، وهذا لا يصح فيما إذا قام به غير المكلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1620

إذن، لا نجيز الوكالة في شيء من العبادات إلا فيما ورد به الشرع؛ هذا هو الأصل، ولننظر أولًا: الصلاة؛ هل ورد التوكيل فيها؟ لا، أبدًا، لا فرضها ولا نفلها.
هل ورد قضاؤها عمن مات وعليه صلاة؟ لا، لم يرد، لا في الفرض ولا في النفل.
إذن الصلاة لا تصح الوكالة فيها، لا في حال العجز، ولا في حال القدْرة، ولا في الفرض، ولا في النفل.
الزكاة، تصح الوكالة فيها؟ نعم، تصح الوكالة فيها للعاجز والقادر، يعني يصح أن يُوكِّل القادر شخصًا يؤدي زكاته إلى الفقراء، حتى لو قال له: خُذ زكاتي من مالي وهو لا يعلم عنها، قال: أحصِ مالي، وخُذْ زكاته، وتصدَّق به على الفقراء، فإن ذلك جائز؛ لأن الوكالة في الزكاة لها صورتان: الصورة الأولى: أن يُحصي الإنسان مالَه ويعرف زكاته، ويأخذها، ثم يُسلِّمها إلى الوكيل، وهذا لا إشكال فيه، والثمرة التي تحصل بأداء الزكاة تحصل في هذه الحال أو لا؟ تحصل؛ لأن الإنسان يشعر الآن بأنه أخرج من محبوباته ما يكره أن يخرج منها، لكن الله يحب ذلك، فأخرجها لله.
الصورة الثانية: أن يُوكِّل شخصًا في إحصاء ماله ويقول: أحصِ مالي وأخرِجْ زكاته.
هذا لا شك أنه لن يكون في قلبه ما كان في قلب الأول؛ لأنه لا يحس بأنه أخرج شيئًا معينًا تتعلق به النفس من ماله المحبوب إليه، لكن مع ذلك تصح الوكالة أو لا؟ تصح الوكالة.
وهذا ثابت بالسُّنَّة، وإذا ثبت بالسُّنَّة فهي الفاصل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُوكِّل في إخراج الزكاة، ويُوكِّل في حفظها، ويُوكِّل في قبضها صلوات الله وسلامه عليه.
طيب، وإذا صحت الوكالة في الزكاة فلا فرْق بين أن يُعيِّن المدفوع له أو لا يُعيِّن، بأن يقول: ادفعْ زكاتي لفلان، أو يقول: ادفعها لمستحق.
لا فرق، لكنه إذا عيَّن الجهة فإن الوكيل لا يصرف الزكاة في غيرها إلا بعد مراجعة الموكِّل، لو قال: أعطها فلانًا، لا يمكن أن يصرفها لغيره إلا بإذن موكله؛ لأن الوكيل محدود تصرفه بما وُكِّل فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1621

لو فُرض أن صاحب المال قال: أعطِ زكاتي فلانًا، وهو يعلم أن فلانًا لا يستحق، لكنه لم يعلم إلا بعد أن فارقه الموكِّل؛ لأنه إذا قال: أعطِ زكاتي فلانًا وهو يعلم أنه ليس بأهل، سيقول له فورًا: إنه لا يستحق، ولا حرج عليه أن يقول ذلك، بل يجب عليه أن يقول؛ لأن بعض العوام المساكين يقولون: لا تقطع رزقه، قال لك: أعطِ زكاتي فلانًا أعطه إياها سواء يستحق أو لا، وهذا غلط، هذه خيانة ولا تجوز، إذا كنت تعلم أنه لا يستحق قل: يا أخي، هذا ما يستحق، فإذا قال: أعطها إياه وإن لم يستحق، أنا المسؤول، ماذا تقول؟ أقول: لا؛ لأني لو فعلت لأعنته على الإثم، حيث وضع الزكاة في غير محلها.
أما إذا كنت لم أعلم إلا بعد أن فارقني الموكِّل، يعني: أعطاني مثلًا مئة ريال، قال: خُذْ هذه الزكاة أعطها فلانًا، وبعد أن فارقني عرفت أن فلانًا لا يستحق، فهنا أُوقِف العطاء حتى أُراجعه وأقول: إن فلانًا لا يستحق، فإذا قال: أعطه ولو كان لا يستحق، أقول: لا، لا أعينك على الإثم، فإن قال: أعطه إياه تطوعًا، يصح؟ ويعطيها إياه؟ إذن الزكاة يجوز التوكيل في قبْضها وإخراجها للعاجز والقادر؛ لأن السنة وردت به؛ ولأنها في الحقيقة يتعلق بها حق ثالث: وهو المستحِق، فمتى وصلت إلى مستحقها من أي جهة كانت فهي في محلها.
نأتي إلى الصوم، الصوم هل يجوز أن يُوكِّل أحدًا يصوم عنه؟ لا، لا فرض ولا نفل، حتى لو كان عاجزًا، عليه كفارة مثلًا وهو شيخ كبير وله أولاد، وعليه كفارة صيام ثلاثة أيام.
كفارة ويش صيام ثلاثة أيام؟ كفارة أيش؟ كفارة يمين، فيه أيضًا كفارة أخرى: فدية الأذى.
على كل حال هو عليه ثلاثة أيام، فقال لأبنائه: صوموا عني ثلاثة أيام، أيُجزئ ذلك؟ لا يجزئ، هو عاجز ما يقدر.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا يجزئ؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يرد فقد قلنا: إن الأصل في العبادات؟ طالب: التوقيف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1622

الشيخ: لا، الأصل في العبادات أنه لا يجوز التوكيل فيها، ما هو التوقيف، التوقيف معروف، لكن الأصل أنه لا يجوز التوكيل فيها؛ لأنه -أي التوكيل- يُفوِّت المقصود من التعبُّد لله عز وجل.
إذن لو أن العاجز وَكَّل في الصوم ما أجزأ.
إذا كان عجزه لا يُرجى زواله، ووكَّل في الإطعام عنه، يُجزئ أو لا؟ يُجزئ؛ لأن الإطعام يُشبه الزكاة، فيجزئ.
طيب، إذا مات فهل يُقضى عنه أو لا يقضى؟ أما النفل فلا يُقضى؛ لأنه لم يرد؛ وما دام لم يرد فالأصل عدم القضاء، فلو أن إنسانًا كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيام البيض، ولكنه لم يصمها، ثم تُوفِّي قبل استكمال الشهر فإنه لا يُصام عنه.
إذا كان واجبًا، فمن العلماء من قال: إنه لا يُصام عنه؛ لأنه إذا مات وهو لم يصُمْ صار كالشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه، فيُطعم من تركته عن كل يوم مسكين، ولا يُصام عنه.
وقال بعض العلماء: يُصام عنه صيام الفرض، سواء كان واجبًا بأصل الشرع كرمضان والفدية والكفارة، أو كان واجبًا بالنذر.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة في الصحيحين: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ؛ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (2)، فقوله: «وَعَلَيْهِ صِيَامٌ»، يشمل الفرض بأصل الشرع أو الفرض بالنذر، هو عام.
وفصَّل بعض العلماء فقال: إن كان واجبًا بالنذر قُضِيَ عنه، وإن كان واجبًا بأصل الشرع فإنه لا يُقضَى عنه.
واستدلوا بأن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمها نذرت أن تصوم شهرًا فلم تصم، فقال: «صُومِي عَنْهَا» (3)، فأذن لها أن تصوم عنها، والصيام نذر.
ولا يقاس عليه الواجب بأصل الشرع؛ لأن الأصل في العبادات عدم جواز الوكالة، لكن هذا القول ضعيف، والصواب القول الثاني: أنه يجوز أن يُصام عن الميت ما وجب عليه من فرْض بأصل الشرع أو فرض بالنذر، الدليل عموم حديث عائشة: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ؛ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».

الجزء: 2 - الصفحة: 1623

وما قصة المرأة التي سألت عن النذر إلا فرد من أفراد هذا العموم، لا يخالفه ولا يقيده، هي قضية عيْن وقع فيها أن الميت مات وعليه صوم مفروض، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أو أذِن بالصيام عنها، فهو فرْد من أفراد العموم، ولا يمكن أن نُخصِّصه.
ثم نقول أيضًا: أيهما أكثر أن يموت الإنسان وعليه صيام من رمضان أو عليه صيام نذر؟ الأول لا شك.
متى يأتي إنسان نذر أن يصوم ومات قبل أن يصوم؟ ! فكيف يمكن أن نحمل الحديث العام على الصورة النادرة دون الصورة الشائعة؟ هذا في الحقيقة خلل في الاستدلال.
فالصواب إذن أنه يُصام عنه، إذا مات وعليه صيام فإنه يُصام عنه.
لكن متى يكون عليه الصيام؟ يكون عليه الصيام إذا أمكنه أن يصوم، ولكنه فرَّط، ثم مات، وأما من لم يُفرِّط فإنه لا صيام عليه، لا عليه هو ولا على نفسه؛ لأنه إن كان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه ففرضه الإطعام، وإن كان مرضًا يُرجى برؤه واستمر به المرض حتى مات فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يُدرِك أن يقضي.
ومثل ذلك: إذا حصل حادث ومات الإنسان المخطئ في نفس الحادث في الحال، المخطئ إذا قتل نفسًا خطأ ماذا عليه؟ إما عِتق رقبة، وإما صيام شهرين متتابعين، فإن ذا مال يتسع لعتق الرقبة، أُعتق من ماله؛ لأنه دَيْن عليه، وإن كان لا يستطيع، ليس عنده مال أو لا تُوجد الرقبة فلا صِيام عليه، لماذا؟ لعدم التمكُّن من الأداء، الرجل ما تمكن من الأداء، مات في الحال، كيف نُلزمه أن يصوم أيامًا لم يعشها؟ ! ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وهذا أبلغ، هذا غير ممكن إطلاقًا.
ففهمنا الآن الصيام، ماذا حُكمه؟ التوكيل في الصيام في حال الحياة لا يصح مُطلقًا، لا فرضه ولا نفله، لا عاجز ولا قادر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1624

فإن صام الوكيل؛ الأبناء رقوا لأبيهم الشيخ الكبير فصاموا عنه، صاموا عنه، قالوا: هذا من البر، خلوه يستريح الوالد يأكل ويشرب ويستأنس، وإحنا نقوم بهذا، من يكون الصيام له؟ لمن صام؛ لأنه لا يصح التوكل فيه.
بقينا في الحج، الحج كغيره من العبادات؛ الأصل فيه عدم جواز التوكيل، الأصل في الحج عدم جواز التوكيل؛ لأنه عبادة، والأصل في العبادة أنها مطلوبة من العابِد، ولا يقوم غيره مقامه فيها، وحينئذٍ نقول: الحج وردت النيابة فيه عن صنفين من الناس؛ عن من مات قبل الفريضة، ومن كان عاجزًا عن الفريضة عجزًا لا يُرجى زواله، فهذا جاءت السنة بالحج عنه.
وعليه، فإذا عجز الإنسان عن الحج بعد وجوبه عليه لقدرته عليه ماليًّا، والعجز لا يُرجى زواله كالكِبْر، والمرض الذي لا يُرجى بُرؤه، قلنا: ينوب عنه مَنْ؟ من يحج عنه، يُوكِّل إنسانًا يحج عنه؛ لأن ذلك ثبت بالسُّنَّة.
أو مات فإنه أيضًا يُقضَى عنه؛ لأنه ثبت ذلك بالسنة.
بقينا؛ لو وَكَّلَ في حج الفريضة وهو قادر، أيصح؟ لا يصح.
طيب، إذا حج الوكيل، فلِمن الحج؟ الحج له، للوكيل؛ لأن هذه الوكالة فاسِدة، والفاسد وجوده كالعدم.
النافلة إذا وَكَّل فيها شخص مريض بمرض لا يرجى برؤه، فحج عنه هذا الوكيل، أيجزئ أو لا؟ لا إله إلا الله! والله ما أظنكم طلبة علم، أيش اللي قلنا بالقاعدة؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: ويش الأصل في العبادات؟ عدم جواز التوكيد يا إخواني، القواعد هي المهمة.
نقول: لا يجوز أن يُوكِّل بحج النافلة؛ لأن ذلك إنما ورد في حج الفريضة، وما دمنا قلنا: إن الأصل في العبادات عدم جواز التوكيل فإنه لا يُوكِّل؛ لأن النافلة لم يرد فيها التوكيل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1625

فنقول لهذا: إن كنت قادرًا فحُج بنفسك، وإن كنت عاجزًا فلم يُوجِب الله عليك الحج؛ لا تحج، هكذا نقول لمن حجه نفل وأراد أن يُوكِّل، نقول له: إن كنت قادرًا فحج بنفسك، ولا تجلس نائمًا على الفراش، وغاية ما عندك أن عندك الملايين أعطيت من هذه الملايين خمسة آلاف مثلًا لواحد يحج عنك، أيش الفائدة؟ الصدقة بهذه الخمسة آلاف أفضل بكثير من أن تُقيم من يحج عنك، وإعانة حاج لفرضه بهذه الخمسة أفضل من أن يحج عنك نفلًا.
بقينا فيما إذا كان عاجزًا عجزًا لا يرجى زواله، وأراد أن يُعطي شخصًا يحج عنه نافلة، هل يجوز أو لا؟ لا يجوز، بناءً على القاعدة؛ لأن ذلك إنما ورد في الفريضة، والفريضة لا بد منها، إن فعلها الإنسان بنفسه فهذا المطلوب، وإن لم يفعلها فبنائبه، النافلة ما هي فريضة حتى نقول: إنك مُلزم بأن تقيم من يحج عنك، وحينئذٍ نقول: حتى لو كان الإنسان عاجزًا عجزًا لا يُرجَى زواله فإنه لا يُقيم من يحج عنه نافلة.
لكن بعض العلماء رحمهم الله توسع في هذا، وقال: إذا كان يجوز له أن يستنيب في الفريضة جاز أن يستنيب في النافلة، وعلى هذا فإذا كان عاجزًا عجزًا لا يُرجى زواله، فله أن يُوكِّل من يحج عنه، قالوا: لأن طلب الفريضة من الإنسان بدنيًّا أقوى وأشد من طلب النافلة، فإذا جاز التوكيل في الأشد؛ جاز التوكيل في الأخف، لكن هذا التعليل معارض بالتعليل الأول، وهو أن المطالب بالفريضة لا بد أن يأتي بها، إما بنفسه أو بنائبه.
وبعضهم أيضًا توسَّع وقال: النفل يجوز التوكيل فيه ولو كان قادرًا، وهذا من غرائب العِلم؛ لأن هذا لا يصح أثرًا ولا نظرًا، لا يصح أثرًا؛ لأنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن أحدًا حج عن أحد نافلة، وأما نظرًا، فلأننا إن قلنا بالقياس على الفريضة، فالفريضة لم ترِد إلا في حال العجز عجزًا لا يُرجَى زواله.
وبعضهم أيضًا توسَّع توسعًا ثالثًا، وقال: يجوز أن يُوكِّل الإنسان في حج النفل ولو في أثنائه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1626

وعلى هذا: إذا ذهب إنسان للعمرة وطاف ووجد مشقة وهي نافلة، وقال لإنسان: يا فلان، وكَّلتك تسعى عني، وتحلق عني، على هذا القول يجوز.
وهذا في الحقيقة من أضْعف الأقوال: أن يجوز أن يستنيب شخصًا في إكمال النافلة؛ لأن الحج إذا شرع فيه الإنسان صار فرضًا واجبًا عليه، لا يمكن أن يتحلل منه إلا بإتمامه أو الإحصار عنه، أو بالعُذْر إن اشترط؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. فالحج من بين سائر الأعمال، إذا شرعت فيه وهو نفل يلزمك أن تتم ما فيه، قال الله تبارك وتعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197]، فجعل الإحرام بالحج فرضًا، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ يعني الحجاج ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29].
فالمهم؛ فهمتم الآن الأقوال في المسألة؟ أن بعض الناس توسع في النفل توسعًا فاحشًا ضعيفًا، فأقرب الأقوال أن التوكيل في النفل للقادر لا يصح أبدًا، يقال للقادر: إما أن تحج بنفسك وإما ألا تحج، والعاجز في إلحاق النفل بالفرض فيه ثِقل على الإنسان، الإنسان لا يجزم بأنه يلحق بالفرض؛ لأن الفرض لازم يُطالَب به الإنسان، والنفل تطوع ليس بلازم، فإذا أجازت الشريعة التوكيل في الفرض فإنه لا يلزم أن يجوز ذلك في النفل؛ لأن النفل الإنسان فيه منه في سعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1627

والقول بأنه إذا جاز في الفرض جاز في النفل من باب أوْلى ضعيف، وكون الفرض أشد مطالبة أن يقوم الإنسان فيه ببدنه، نقول: هذا صحيح، لكن العبادات الأصل فيها منع التوكيل، فيُقْتصر على ما ورد؛ ولذلك الآن بعض الناس يُوكِّل في حجج كثيرة، نافلة لأبيه، وأمه، وعمه، وخاله، وما أشبه ذلك، ولكنه جالس على فراشه، على كرسيه، أين الحج الذي جعله الرسول عليه الصلاة والسلام جهادًا حين سألته عائشة قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (4). إذن هذه الأركان الأربعة، فهمتم حكم التوكيل فيها؟ الشهادتان؟ طالب: لا يصح التوكيل فيها مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا.
لو قال واحد غير مسلم: يا فلان، أنا أريد الإسلام، لكن تشهد أني أنت؛ وكَّلتك، ما يصح؟ طلبة: ما يصح.
الشيخ: ولو كانت من كاتب عدل، وثيقة.
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: طيب صح، هذا لا يمكن.
وعلى كل حال اعرفوا هذه القاعدة: الأصل في العبادات منْع التوكيل فيها؛ لأن التوكيل فيها يُفوِّت المقصود من العبادة وهو التذلل لله عز وجل، والتعبد له، ويُقتصر فيها على ما ورد.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بقينا في من مات وأوصى مثلًا بأن يحج عنه حج النافلة، هل .. ؟ الشيخ: ومن مات، ومن كان عاجزًا عجزًا لا يُرجى برؤه كما قلت لكم واحد، ثقيلة على النفس.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: إي نعم، المخصِّص هو الذي يأتي بحكم مخالِف للعام؛ هذا المخصِّص، وأما إذا أتى الدليل بحُكم مطابِق للعام فهو من بعض أفراده فلا يُخصِّصه، لو قلت لك مثلًا: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم ساميًا، معناه الطلبة الباقين ما نكرمهم؟ تخلينا نكرم الباقين ولا تقول هذا تخصيص؟ لأن حُكم الخاص مُطابِق لحكم العام، فنُصَّ عليه للعناية به مثلًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1628

﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: 4]، لما قال: ﴿وَالرُّوحُ﴾، الآن نقول على الملائكة: ما تنزل؟ طيب، إذا قلت: أكرِم الطلبة، ثم قلت: لا تُكرم ساميًا، تخصيص ولَّا لا؟ هو تخصيص؟ طالب: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأن الحكم الثاني مخالِف، هذا إن كان سامي من الطلبة، فهو تخصيص من تعميم، وإن كان من غيرهم فليس تخصيصًا، يكون المعطوف حكمه مستقل ( ... ). طالب: القول بجواز النيابة في التنفُّل للعاجز، هل يجوز لمن جاز له ذلك أن يستنيب عنه أكثر من واحد في حج واحد؟ الشيخ: لا بأس؛ يعني يعطي اثنين أو ثلاثة يحجون عنه في عام واحد، لا بأس.
طالب: بالنسبة للتوكيل في الصيام، أشكل عليَّ حديث عائشة قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (2). لم يذكر الحديث أنه قبل أن يموت يوكل؟ الشيخ: هذا ما فيه توكيل، الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي وَكَّل.
طالب: بارك الله فيك، إذا حج الوكيل وكان بوكالة فاسدة بمال الموكِّل، مال الذي وكله، لكن كانت الوكالة فاسدة كأن يكون قادرًا على الحج فوكَّل غيره، لكن حج بمال الموكِّل، فهل يرجع عليه بمال .. ؟ الشيخ: الموكِّل؟ الطالب: الموكَّل حج بمال الموكِّل، لكن الوكالة فاسدة.
الشيخ: إذا كان الوكيل يعلم أنه لا يصح التوكيل، والموكِّل يعلم أنه لا يصح؛ أُخِذ المال وجُعِل في بيت المال؛ لأن كُلًّا منهما أقدم على مُحرَّم، فلا يمكن أن نجعل الوكيل ينتفع ولا الموكِّل.
وأما إذا كان لا يعلم، والموكِّل يعلم، فإن الموكِّل لا يرجع على الوكيل بشيء؛ لأنه هو الذي غرَّه، وأما إذا كان كل منهما لا يعلم فالذي يتوجه أنه يُؤخذ من الوكيل؛ لأنه يجب عليه أن يتحرَّى، ويحتمل أن يُقال: إنه على من غَرَّه، المسألة هذه تحتمل قولين.
طالب: من مات وعليه صيام عشرة أيام؟ الشيخ: منين؟ الطالب: نذر.
الشيخ: طيب.
الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1629

الشيخ: يعني يقول: من مات وعليه صيام عشرة أيام، نذر أو صيام رمضان على القول بأنه يصح، وله عشرة من الأولاد، فصاموا يومًا واحدًا، نقول: يجزئ ذلك، إلا إذا كان يُشترط التتابع في الأيام فلا يصومه إلا واحد؛ لأنه لو صاموا جميعًا صار فيه التتابع يومًا واحدًا.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها، وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه، إلا أن يجعل إليه.
والوكالة عقد جائز، وتبطل بفسخ أحدهما وموته وعزل الوكيل وحجر السفيه، ومن وُكِّل في بيْع أو شراء لم يبع، ولم يشترِ من نفسه وولده، ولا يبيع بعرَض ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح، وضمن النقص والزيادة، وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا، أو اشترِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا ولا ضرر فيهما صح، وإلا فلا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا قاعدة مهمة في التوكيل في حقوق الله؛ حيث قُلنا: إن الأصل المنْع؛ وذلك لأن التوكيل في العبادات يُفوِّت المقصود من التعبد والتذلل لله عز وجل، إلا ما دل الدليل على جوازه؛ فالدليل حاكِم وليس محكومًا عليه، وإلا فالأصل المنع.
في حقوق الآدميين الأصل فيه الجواز؛ لأنه من المعاملات، والأصل في المعاملات الحِل إلا ما قام الدليل على منعه.
واستعرضنا العبادات الخمس عبادة عبادة، وبينا ما لا يصح فيه التوكيل، وما يصح مطلقًا، وما يصح بتفصيل.
ثم ننتقل الآن إلى ما بقي مما يمكن التوكيل فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1630

قال: (والحدود في إثباتها واستيفائها) الحدود: جمع حَدٍّ، والمراد به هنا: كل عقوبة مُقدَّرة من الشرع على معصية، هذه هي الحدود.
لنستعرضها: الزنا حد، القذف حد، السرقة حد، قُطَّاع الطريق حد، كم هذه؟ أربعة.
الزنا، بنص القرآن: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، وجاءت السُّنَّة بزيادة على ذلك، وهو أن يُغرَّب الزاني والزانية عن البلد الذي حصل فيه الزنا لمدة عام (5). وإن كان مُحصنًا، وهو الذي قد تزوج بنكاح صحيح وجامَع زوجته؛ فإن حده الرجم، حتى وإن كان قد فارق الزوجة.
هذا الزنا.
القذف، حدُّه ثمانون جلدة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] إلى آخره.
السرقة، حدها قطْع اليد اليمنى من مفصل الكف؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38].
قُطَّاع الطريق حدهم ما ذكره الله في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33].
هذه أربعة أنواع من الحد، وهل ﴿أَوْ﴾ فيها للتخيير أو للتنويع؟ في ذلك للعلماء قولان؛ قول: إنه للتنويع، وقول آخر: للتخيير.

الجزء: 2 - الصفحة: 1631

فعلى القول بالتنويع، يقول: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾، هؤلاء إذا قتلوا وأخذوا المال، إن قتلوا فقط بدون أخذ المال قُتلوا، إن قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، إن أخذوا المال فقط تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، بأن تُقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، إذا أخافوا الطريق دون أن يعتدوا على مال أو نفس فإنهم يُنفون من الأرض.
والنفي من الأرض، هل معناه أن يطردوا من هذا المكان أو أن يحبسوا؟ في هذا قولان أيضًا للعلماء؛ منهم من قال: إن النفي من الأرض أن يُحبسوا لا أن يُطردوا إلى بلاد أخرى؛ لأنهم ربما إذا طُردوا إلى بلاد أخرى عادوا مرة أخرى فلم نستفد من نفيهم، أما حبسهم فإنهم يُحبسون عن الناس فلا يتعدى شرهم إليهم.
والأرجح في هذا أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي؛ إن رأى أن ينفيهم من الأرض إلى بلاد أخرى، أو أن يُحبسوا على حسب ما يرى.
كم هذه الحدود؟ الزنا، السرقة، القذْف، قُطَّاع الطريق.
الخمر، شُرْب الخمر، اختلف العلماء، هل هو حد أو تعزير؟ فأكثر أهل العلم على أنه حد، ثم اختلفوا: هل هو أربعون، أو ثمانون، أو يُخيَّر الإمام بينهما؟ ولكن من تدبر عقوبة شارب الخمر عرف أنها تعزير لا حد، لكنه لا يُنقَص عن أربعين جلدة، والدليل لذلك أنهم كانوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يُؤتى بالشارب، فيقوم الناس إليه يضربونه، منهم من يضرب بيده، ومنهم من يضرب بالنعل، ومنهم من يضرب بالرداء أو بالجريد أو ما أشبه ذلك، ولهذا جاء في بعض ألفاظ الحديث: نحوًا من أربعين (6). ثم إن أبا بكر جلد أربعين، ثم جلد عمر أربعين، ولما كثر شرب الخمر جمع الصحابة رضي الله عنهم يستشيرهم، وهذا من دأبه رضي الله عنه، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، أخفُّ الحدود ثمانون، يعني فاجلد شارب الخمر ثمانين، فأقر ذلك عمر (7).

الجزء: 2 - الصفحة: 1632

فأكثر العلماء أخذوا بهذا، وقالوا: إن الحد ثمانون؛ لأن عمر استشار الصحابة وقدَّروه بهذا، وعمر له سُنَّة متبوعة، فلا يُزاد على ذلك ولا يُنقص منه، وسموا ذلك حدًّا.
لكن من تدبر النص الوارد في ذلك أو النصوص الواردة في ذلك عرف أنه ليس بحد، وأنه تعزير لا ينقص عن أربعين جلدة؛ لأنه لو كان حدًّا ما استطاع عمر ولا غيره أن يزيد فيه، ولهذا لو كثر الزنا في الناس -نسأل الله العافية- هل يمكن أن نزيد على مئة جلدة؟ لا يمكن حتى لو زاد؛ لو كثروا يعني، فإنه لا يمكن أن يزاد على مئة جلدة، فكون أمير المؤمنين عمر ومعه الصحابة يزيدون على ذلك، يدل على أن المقصود التعزير الذي يردع الناس عن هذا الخبيث، هذا واحد.
دليل آخر: أن عبد الرحمن بن عوف قال: أخف الحدود ثمانون، أو قال: ثمانين.
أقره الصحابة على أنها أخف الحدود.
إذن ما فيه حد يكون أربعين، ما فيه حد، وهذا يُشبه أن يكون إجماعًا؛ لأن عمر ما قال: لا، فيه حد، فالصواب أنه تعزير.
وبناءً على ذلك لو كثر الناس وكثروا وكثروا، فلولي الأمر أن يزيد على ثمانين بالكم أو بالنوع أو بالكيفية، حتى لو مثلًا رأى أن يُعزَّر شارب الخمر بغير ذلك فلا بأس إلا أنه لا يقطع عضوًا من أعضائه؛ لأن بدن الإنسان مُحْترم، وليس فيه قَطْع، اللهم إلا في السرقة وقُطَّاع الطريق، هذه الحدود.
يرى بعض الناس أن من الحدود الرِّدَّة، ويكتبون هذا في مؤلفاتهم، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الردة إذا تاب المرتد ولو بعد القدرة عليه فإنه يُرفع عنه القتل ولا يُقتل، ولو كانت حدًّا ما ارتفع بعد القدرة عليه؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34].

الجزء: 2 - الصفحة: 1633

فالصواب أن القتل بالرِّدَّة ليس حدًّا، حتى على قوْل من يقول: إن من أنواع الردة ما لا تُقبل فيه التوبة، مع أن الصحيح أن جميع أنواع الرِّدَّة تُقبل فيها التوبة، حتى لو سب الإنسان رب العالمين أو الرسل أو الملائكة، ثم تاب، فإن توبته مقبولة؛ لأن من المشركين من سبوا الله عز وجل، ومع ذلك قُبِلت توبتهم، ثم إن عموم الأدلة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]، يدل على أن أي ذنب تاب الإنسان منه فإن الله يتوب عليه، حتى لو سب الله جهارًا نهارًا، ثم تاب وحسنت حاله، قلنا: الحمد لله، باب التوبة مفتوح.
لكن من سب الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم تاب، فإننا نقبل توبته، ولكننا نقتله؛ لأن سبه للرسول حق آدمي، ولا نعلم أعفى عنه الرسول أم لا؟ لأن الرسول قد مات، فالقتل لا بد منه، لكنه إذا تاب يُقتل على أنه مُسلم، يُغسَّل، ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدعى له بالرحمة، ويُدفن مع المسلمين.
على كل حال، الحدود الآن يجوز التوكيل في إثباتها واستيفائها، ومن الموكِّل؟ الموكِّل من له إقامة الحد، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، الأمير هو القاضي، والرسول هو القائد، وهو الإمام عليه الصلاة والسلام، فلا إشكال في الموضوع.
وكذلك إذا كان الأمراء هم القضاة فلا إشكال أيضًا؛ لأنهم سوف يحكمون أولًا، ثم ينفذون ثانيًا، فالأمراء هم الذين يُوكِّلون في إقامة الحدود، لكن في وقتنا الحاضر الآن تفرقت المسؤولية، صار القاضي عليه مسؤولية والأمير عليه مسؤولية، فمن الذي يملك تنفيذ الحدود؟ الأمير، وعلى هذا القاضي يرفع الحكم، ثم الأمير يُوكِّل إن شاء من يُنفِّذ الحكم.
ما هو الدليل على التوكيل في الحدود في إثباتها أو استيفائها؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1634

الدليل: قصة المرأة التي زنا بها أجير عند زوجها، أجير عند الزوج زنا بامرأته، مستأجِره، وقيل له -أي: لهذا الأجير-: إن عليك الرجمَ، فذهب أبوه وافتداه بمئة شاة ووليدة، يعني جارية؛ لئلا يُرجم، وهذه طبعًا فتْوَى جهل وخطأ، فسأل أهل العلم، فقالوا: لا، على ابنك الجلد، وعلى امرأة الرجل الرجم؛ لأن الابن غير مُحصَن، بكر، وزوجة المستأجِر ثيِّب، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَهِيَ رَدٌّ عَلَيْكَ» (8)، مردودة، يعني لا يملكها الزوج ولا الزوجة؛ وذلك لأن هذا الحكم مخالِف لحكم الله ورسوله، وبه نعرف أن ما قُبِض بغير حق يجب أن يُرد إلى صاحبه، وأن على زوجة هذا الرجم، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام.
المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لرجل من الأنصار: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، فهذا توكيل في إثبات الحد واستيفائه، في إثباته حين قال: «إِنِ اعْتَرَفَتْ»، وفي استيفائه حين قال: «فَارْجُمْهَا».
وعلى هذا فيجوز لولي الأمر أن يُوكِّل في إثبات الحدود؛ أي فيما تثبت به، وفي تنفيذها.
ولكن الأفضل أن يُباشِر ذلك بنفسه ولا سيما في عصرنا الآن، أن يُباشر ذلك بنفسه؛ لئلا يحصل خطأ في الإثبات أو خطأ في التنفيذ، لكن الكلام على أن هذا جائز، والدليل هذه القصة التي سمعتموها، الحدود في إثباتها واستيفائها.
ثم قال: (وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجعل إليه).
الوكيل يتصرف بالإذن ممن؟ من الْمُوكِّل، وإذا كان يتصرف بالإذن من الموكِّل فإنه يجب ألا يتعدى ما وُكِّل فيه، لا بصفة العقد، ولَّا بالمعقود له، فإذا قال: وكَّلتك أن تبيع هذا العبد على فلان، فعندنا الآن تعيين في المبِيع وتعيين في المشتري.
هل يملك الوكيل أن يبيع عبدًا آخر من عبيد الموكِّل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1635

لا؛ لأنه خُصَّ بمعين.
وهل يملك أن يبيع العبد المعين على شخص غير زيد؟ لا؛ لأنه يتصرف بالإذن فوجب أن يكون تصرفه بحسب ما أُذن له فيه.
خذ هذه القاعدة: أن الوكيل يتصرف بالإذن، فوجب أن يكون تصرفه بحسب ما أُذِن له فيه، لا يتعداه، إما لفظًا وإما عرفًا.
طيب، هل له أن يُوكِّل؟ لا، ليس له أن يُوكِّل، فإذا وكلت فلانًا أن يبيع هذه السيارة، فليس له أن يُوكِّل غيره، لماذا؟ لأنني وكَّلته هو بنفسه، فليس له أن يُوكِّل غيره؛ لأني قد أثق به، ولا أثق بغيره، ولا سيما في الأمور التي يختلف فيها القصد اختلافًا كبيرًا، كما لو وكلت شخصًا يفرق زكاتي، وأراد أن يوكل غيره، هذا لا يمكن؛ لأن الزكاة أمرها عظيم، وربما أثق بفلان، ولا أثق بغيره.
فلا يجوز إذن أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا في أحوال ثلاث: الحال الأولى: قال: (إلا أن يُجعل إليه)، (يُجعل) هذا مبني لما لم يُسمَّ فاعله، فمن الفاعل؟ الموكِّل، يعني إلا أن يجعل الموكِّل ذلك للوكيل، فيقول: وكَّلتك في كذا، ولك أن تُوكِّل من شئت، أو من تثق به، أو أن تُوكِّل فلانًا جارك أو فلانًا قريبك، أو ما أشبه ذلك، هذه واحدة.
إذا جُعِل إليه، ووكَّل حسب ما جُعل إليه، يكون قد تصرف بحسب الوكالة ولَّا لا؟ نعم، يكون قد تصرف بحسب الوكالة؛ لأن الأمر جُعل إليه.
المسألة الثانية أو الحال الثانية: إذا كان مثله لا يتولاه عادة.
فلو قلت لجارك وهو رجل شريف: يا فلان، من فضلك أنا سوف أسافر، اشترِ للبقرة؛ اشتر لها العلف كل يوم، وهو رجل شريف إما وزير، ولا قاضٍ، ولا أمير؛ الرجل الآن بيشتري علفًا كل يوم من المبيع، هل له أن يُوكِّل من يشتري العلف، ولا نقول: أنت تروح بنفسك؟ ما قال له: لك أن تُوكِّل؛ لأن هذا مما جرت العادة ألا يتولاه بنفسه، فله أن يُوكِّل من يشتري، وإن لم يؤذن له في ذلك، لكن عليه أن يتحرى الرجل الأمين أكثر مما يتحراه لماله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1636

المسألة الثالثة أو الحال الثالثة: إذا كان يعجز عن مثله عادة، إذا كان الوكيل يعجز أن يقوم بمثل هذا العمل عادة.
مثال ذلك: وكَّلت رجلًا أن يصعد بحجر كبير إلى السطح؛ لأني أريد أن أبني به السطح، وهو رجل ضعيف ما يتحمل، هل له أن يُوكِّل من يحمل الحجر إلى فوق؟ طلبة: نعم.
الشيخ: أنا موكله هو، لكن لأن مثله يعجز عنه، وكذلك لو وكَّلته في بيع أموال كثيرة، وقلت: بِعْ هذه الأموال في الموسم هذا، لا تتعدَّ الموسم، وهي أموال كثيرة لو أنه باشرها بنفسه لانتهى الموسم قبل التصريف، فهنا له أن يُوكِّل.
فصار الوكيل ليس له أن يُوكِّل إلا في ثلاث حالات: الأولى: أن يجعل إليه.
والثانية: ألا يكون مثله يتولاه بنفسه.
والثالثة: أن يكون عاجزًا عنه، ففي هذه الحال له أن يُوكِّل.
فإذا قال قائل: كيف أجزتم أن يُوكِّل في الحالين الأخريين؟ نقول: لأن هذا وإن لم يأذن فيه الموكِّل لفظًا فهو كالمأذون فيه عُرْفًا، كل أحد يعرف أني إذا قلت لجاري الشريف: يا فلان، اشترِ العلف للبقرة كل يوم، ( ... ) أني ما أردت أن يشتري بنفسه، أليس كذلك؟ كل يعرف إذا قلت لهذا الرجل: صرِّف هذه البضاعة في هذا الموسم، وهو عشرة أيام وهي بضاعة كثيرة، كل يعرف أن المراد أن يصرفها بنفسه أو بوكيله.
ففي الحقيقة أن هاتين الحالين المستثنيين هي في الحقيقة داخلة في قوله: (إلا أن يُجعل إليه)، لكن لما ذكرها العلماء نقول: إلا أن يُجعل إليه لفظًا، وأما الثانية والثالثة فقد جُعِل ذلك إليه عرفًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (والوكالة عقد جائز)، الوكالة عقد وليست فسْخًا، (جائز) من الناحية التكليفية، أو من الناحية الوضعية؟ من الناحية الوضعية؛ لأنه من الناحية التكليفية ذُكِر من قبل، تصح بكل قوْل يدل على الإذن، ويصح التوكيل بكل حق آدمي.
لكن من الناحية الوضعية، هل هي من العقود الجائزة أو من العقود اللازمة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1637

يقول المؤلف: إنها عقد جائز.
والعقد الجائز هو الذي يملك كل واحد من المتعاقدين فسْخه بدون رضا الآخر، هذا العقد الجائز؛ كل واحد من المتعاقِدين فسخه بدون رضا الآخر، ولا إذنه أيضًا.
وجه ذلك ظاهر: أن الْمُوكِّل الأمر إليه، وأن الوكيل يتصرَّف بإذنه، فللوكيل أن يرجع، وللموكِّل أن يرجع أيضًا.
ثم إن قوله: (والوكالة عقْد جائز) يفيد أن العقود منها جائز، ومنها لازم، وهو كذلك، فعقْد البيع بعد التفرق من المجلس إذا لم يكن شرط الخيار عقد لازم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (9). الرهن عقد جائز من جانب المرتهن، عقد لازم من جانب الراهن، ووجههما ظاهر؛ لأن الحق لمن في الرهن؟ للمرتهِن، فإذا رضي بإطلاق الرهن وإزالته فالحق له، لكنه حق على الراهن، فلا يملك أن يتخلص منه.
طيب، الوكالة جائز من الطرفين، وبهذا تمت الأقسام؛ العقود ثلاثة أقسام: عقد لازم من الطرفين، وعقد جائز من الطرفين، وعقد لازم من طرف جائز من طرف.
الوكالة عقْد جائز، قال: (تبطل بفسخ أحدهما) أنا عندي بإسقاط الواو، وهو الأصح؛ لأنك إذا قلت: (وتبطل) لم تكن هذه الجملة تفسيرًا لقوله: (جائز)، والجملة في الواقع؛ الجملة استئنافية تفسير لمعنى الجائز.
(تبطل بفسخ أحدهما) من أحدهما؟ الوكيل والموكِّل، تبطل بفسخه.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنها تبطل بفسخ أحدهما مطلقًا، ولو مع ضرر، ولكن يجب أن نقيد هذا ما لم تتضمن ضررًا، فإن تضمنت ضررًا فإنه ليس لأحدهما أن يضر صاحبه.
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (10). وفي القرآن كثير أيضًا يقول عز وجل: ﴿أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ [النساء: 12]، ويقول عز وجل: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].

الجزء: 2 - الصفحة: 1638

فعلمنا بذلك أن ما كان فيه الضرر فإنه ممنوع شرعًا، فلو أن الوكيل قبِل الوكالة على أنه سوف يُصرِّفها في الموسم، ثم انصرف من عند الموكِّل وفسَخَه، قال: يا فلان، اشهدوا أني فسخت الوكالة، والموكِّل ما علِم، ففات الموسم والموكِّل لم يعلم، هنا الفسخ فيه ضرر ولَّا لا؟ طالب: فيه ضرر.
الشيخ: على مَنْ؟ على الموَكِّل.
إذن لا يحل للوكيل هنا أن يفسخ إلا إذا استأذن من الموكِّل؛ من أجل أن يعرف الإنسان، أعني الموكل، كيف يتصرف؟ ( ... ) طالب: ( ... ) هل ثبت قتل من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالإجماع؟ الشيخ: لا، ما هو بالإجماع، ليس بإجماع.
الطالب: أم هو تعزير؟ الشيخ: لا، ليس بإجماع.
لا، حد يجب أن يُقتل على كل حال.
طالب: بارك الله فيكم، جاء في الحديث وإن كان موقوفًا: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (11)، وثبت ذلك عن الصحابة قتل الساحر، ثم إن المتعارف عليه يكاد يكون مشهورًا أن الساحر لا يتم سحره لا سيما إذا كان ممن يتعامل مع الجن، لماذا لا نقول بأن الحد أن يقتل؟ الشيخ: كيف حد؟ الطالب: يعني الساحر يُقتل بكل حال، حتى لو تاب؛ لأنه سوف يظهر التوبة، لكن فيما بينه وبين.
الشيخ: هذا قد يقال: إنه يُقتل على كل حال؛ لأننا لا نعلم صحة توبته، أما لو علمنا ذلك، فما الذي يخرجه من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].
الطالب: ( ... ) على البيوت يا شيخ فيقتل.
الشيخ: يُقتل تعزيرًا، الظاهر الأقرب ( ... ) أنه تعزير لدفع شره.
طالب: ما رأيكم في قول بأنه ليس هناك عمل من الأعمال ( ... ). الشيخ: هذا غير صحيح؛ لأن إبليس كفر بالاستكبار لا بالجهل، هو مُقِر بالله عز وجل، ومقر بالأوامر، لكنه استكبر، فالصواب أن الردة تعود إلى شيئين: إما الجحود، وإما الاستكبار.

الجزء: 2 - الصفحة: 1639

طالب: بارك الله فيكم، إذا فسخ الوكيل عقد الوكالة فتضرر الموكل، فهل للموكِّل أن يرجع عليه بمقدار الضرر؟ الشيخ: إي، معلوم، يجب أن تعلم أن كل غار ثبت بغروره شيء فإنه عليه، هذا مقتضى العدل.
الطالب: بارك الله فيكم، إذا تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم بالتعريض، ما هو سب صريح، بالتعريض يا شيخ في الصحف ( ... ). الشيخ: يقولون: إن التعريض بالسب أشد من التصريح؛ لأنه ينطلي على كثير من الناس، فمثلًا الذين قالوا لمريم: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28]، هذا أشد من لو قالوا: أنت زانية.
طالب: بالنسبة ( ... )؟ الشيخ: الآية ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]، ومعلوم أن الله لا يريد أن ينفوا من الأرض يطيره إلى السماء؛ لأن هذا شيء مستحيل، لكن من الأرض التي حصل فيها الإفساد، لكن القول بأنه يرجع إلى اجتهاد القاضي جيد، إن رأى المصلحة مثلًا أن ينفيه إلى أرض يكون فيها الحكم شديدًا ولا يستطيعون، أو إلى جزيرة من جُزُر البحر ما عندهم إلا السمك والحوت، فلا بأس.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: والوكالة عقْد جائز تبطل بفسخ أحدهما أو موته، وعزل الوكيل وحجر السفيه، ومن وُكِّل في بيع أو شراء لم يبِع ولم يشترِ من نفسه وولده، ولا يبيع بعَرَض ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح، وضمن النقص والزيادة، وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا، أو اشترِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا ولا ضرر فيهما؛ صح وإلا فلا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الوكالة عقد جائز من الطرفين، أي: من طرف الوكيل، ومن طرف الموكِّل.
ذكرنا على هذا الكلام أن العقود تنقسم إلى أقسام ثلاثة؟ طالب: جائز من الطرفين.
الشيخ: عقد جائز من الطرفين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1640

الطالب: وعقد لازم من الطرفين.
الشيخ: عقد لازم من الطرفين.
الطالب: وعقد جائز من طرف، ولازم من طرف آخر.
الشيخ: طيب مثال الأول؟ طالب: البيع.
الشيخ: البيع بعد الخيار، ما الدليل على أنه واجب من الطرفين؟ طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
الشيخ: «وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (9) أي: لازم، وثبت.
طيب، الجائز من الطرفين، مثاله؟ طالب: الوكالة.
الشيخ: الوكالة، لماذا قلنا: إنها عقد جائز من الطرفين؟ الطالب: لأن للوكيل أن يفسخ الوكالة.
الشيخ: لا، هذا الحكم؛ لأنها من الموكِّل إذْن ومن الوكيل تبرُّع، والإنسان له أن يرجع فيما أذن فيه، والمتبرِّع له أن يرجع أيضًا في تبرعه.
طيب، مثال الجائز من الطرف، اللازم من طرف؟ طالب: الرهن، جائز في حق المرتهن، ولازم في حق الراهن.
الشيخ: أحسنت.
طيب، الدليل؟ أو التعليل؟ الطالب: التعليل؛ لأن المرتهن له الحق أن يسقط حقه.
الشيخ: نعم؛ لأن الرهن حق للمرتهن هو الذي توثق به بدَيْنِه، فله أن يسقطه، وأما الراهن فهو حق واجب عليه فلزمه الوفاء به؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].
الوكالة عقد جائز، ذكرنا أنها تكون عقدًا لازمًا؟ طالب: إن كان هناك ضرر.
الشيخ: إذا تضمنت ضررًا على أحد الطرفين فإنها تكون عقدًا لازمًا، طيب، هذا موضع.
موضع آخر نذكره الآن: إذا كانت بأجرة، مثل أن أقول: وكَّلتك بكذا وكذا بأجرة قدرها كذا، فإنها تكون حينئذٍ عقدًا لازمًا؛ لأن الإجارة نوع من البيع، فصارت لازمة كالبيع.
قال المؤلف رحمه الله مُفرِّعًا على قوله: (والوكالة عقد جائز) وقبل أن أبدأ، الجائز هنا في مقابل الحرام أو في مقابل اللازم؟ طالب: في مقابل اللازم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1641

الشيخ: في مقابل اللازم، وبه نعرف أن كلمة جائز لها تفسيرات بحسب الموضوع والقرينة، الجائز عند المناطِقة وأهل الكلام غير الجائز هنا؛ الجائز ما أمكن وجوده وعدمه، في كتب أهل الكلام والمنطق إذا قال: جائز يعني ما أمكن وجوده وعدمه، والمستحيل ما امتنع وجوده أو عدمه، والواجب ما وجب وجوده أو عدمه.
(الوكالة عقد جائز تبطل بفسخ أحدهما) هذه واحدة، وسبق أن هذا مُقيَّد بما إذا لم يكن هناك ضرر، أو كانت جارية مجرى الإجارة.
الثاني قال: (وموته)، إذا مات الوكيل بطلت الوكالة، وإذا مات الموكِّل بطلت الوكالة.
وجه ذلك: إذا مات الموكِّل انتقل المال إلى ورثته، فلا بد من تجديد الوكالة إذا شاؤوا أن يستمروا على الوكيل.
أما الوكيل فتبطل بموته؛ لأن الموكِّل إنما رضيه بعينه، فإذا مات فإن المعقود عليه قد اضمحل، وزال وفات، فتبطل بذلك الوكالة.
مثال ذلك: رجل وكَّل شخصًا أن يبيع بيته، قال: وكَّلتك أن تبيع بيتي، ثم قدَّر الله على الموكِّل أن يموت، فحينئذٍ لا يحل للوكيل أن يبيع البيت، ولا أن يتصرف فيه، بل يجب أن يُبلِّغ الورثة أنه قد انتهت الوكالة؛ لأن الملك الآن انتقل إلى الورثة.
مثال آخر: وكَّل شخصًا في بيع بيته، ثم قدَّر الله أن يموت الوكيل فتنفسخ الوكالة، ولا يحل للوكيل أن يُوكِّل شخصًا بعد موته يتولى البيع؛ لأن الوكالة انفسخت بموته، انتهت.
وهنا يجب أن ننبه إلى مسألة يكتبها إخواننا الكتاب الذين يكتبون وصايا الناس، إذا كتب الوصية وقال: أوصيتُ بثلث مالي يُتصدق به على الفقراء، كثير من الكتاب يكتب: والوكيل على ذلك فلان.

الجزء: 2 - الصفحة: 1642

والصواب أن يقول: الوصي على ذلك فلان؛ لأن الفرْق بين الوكيل والوصي: الوصي ما أُذِن له بالتصرف بعد الموت، والوكيل ما أُذن له بالتصرف في حال الحياة، وإذا قال: الوكيل على ثلثي فلان، فلو أخذنا باللفظ لقلنا: إذا مات هذا الرجل انفسخت الوكالة، لكن الحكام -يعني: القضاة- يفتون بأن هذا اللفظ من العامة بمعنى الوصية، وإن كان بلفظ الوكالة، ولكننا نقول للكُتَّاب: ينبغي أن تُحرِّروا الكتابة، وإذا ذكرت وصية فلان بشيء لا تقل: والوكيل فلان، قل: الوصي.
لو قال: الوكيل بعد موتي، ارتفع الإشكال؛ لأنه إذا قيد الوكالة بعد الموت فإننا نعلم علم اليقين أنه أراد الوصية.
(تبطُل بفسخ أحدهما أو موته وعزل الوكيل).
قوله: (وعزل الوكيل) هذه العبارة لم نرها في كتب المنتهى، ولا في الإقناع، ولا في المقنع أيضًا الذي هو أصل الكتاب، وهي في الحقيقة زائدة؛ لأن عزْل الوكيل يُغني عنه قوله: (بفسخ أحدهما)؛ لأن فسْخ أحدهما أي: الوكيل أو الموكِّل، إذا فسخ الموكل فهذا يعني عزْل الوكيل، إذن ما حاجة أن يُقال: (عزل الوكيل)، لكن لعل المؤلف رحمه الله؛ لعل هذا من المؤلف سبقة قلم.
على كل حال تبطل بعزْل الوكيل، وعزْل الوكيل هو فسْخ الموكِّل للوكالة، وظاهر كلامه أنها تبطل بعزل الوكيل سواء علم أم لم يعلم، وظاهر كلامه أيضًا أنها تبطل بعزْل الوكيل بالقول أو بالفعل.
مثال ذلك: رجل وكَّل شخصًا في طلاق زوجته، للوكيل أن يُطلِّق.
طالب: يفسخ.
الشيخ: كيف يفسخ؟ ! ما عندنا فسْخ، وكَّله في طلاق زوجته، فللوكيل أن يُطلِّق بناءً على وكالة الزوج، لكن بعد أن انصرف الزوج أشهد أنه عزل الوكيل عن الوكالة، أشهد أنه عزله.
الوكيل ذهب إلى الزوجة وطلَّق، فما الحُكم على ما ذكره المؤلف، هل تطلق الزوجة أو لا؟ لا تطلق، لماذا؟ لأنه عزله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1643

ونحن نقول: إن طلَّق بعد علمه أنه عُزِل فلا شك أن الطلاق لا يقع؛ لأنه رُفعت عنه الوكالة، وإن طلَّق ولم يعلم فظاهر كلام المؤلف أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه عُزل، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء في مذهب الإمام أحمد؛ فمنهم من يقول: لا ينعزل إلا بعد العلم، ومنهم من يقول: ينعزل ولو قبل العلم.
والذي يظهر أنه إن تعلق به حق ثالث فإنه لا ينعزل، وإلا انعزل، مثال هذا: وكَّل إنسانًا أن يبيع بيته، وكَّل شخصًا، قال: بِعْ بيتي، وبعد انصراف الوكيل قال الموكِّل: اشهدوا أني عزلته وفسخْت الوكالة، والرجل ذهب وباع البيت، وتم البيع، وقُبِض الثمن، وتمت الكتابة، فعلى رأي المؤلف: البيع غير صحيح.
والقول الثاني، وهو رواية عن أحمد: أن البيع يكون صحيحًا؛ لأن المسألة الآن تعلق به حق ثالث، من هو الثالث؟ المشتري، وإذا قلنا ببطلان الوكالة لزم بطلان البيع وضياع حق المشتري، وهذا القول أصح: أنه إذا تعلق به حق ثالث فإنه يبطل البيع، وأما إذا لم يتعلق به حق أحد قد يقال: إن القول بانعزاله قبل علمه يتم، ولا يصح التصرف.
ذكرنا أن العزْل يكون بالقول ويكون أيضًا بالفعل، يكون بالقول واضحة، يقول: اشهدوا أني عزلتُ فلانًا، أو أني فسختُ وكالته، أو أبطلتُ وكالته، أو غير ذلك من العبارات الدالة على أنه فسخ الوكالة.
بالفعل لو أنه وَكَّلَ إنسانًا أن يبيع بيته، وبعد انصراف الوكيل باع الموكِّل البيت نفسه؛ باع الموكِّل نفسه البيت، ثم إن الوكيل باعه، الموكِّل باعه على زيد، والوكيل باعه على عمرو، فماذا نصنع؟ هل نقول: إن الوكيل انعزل أو لا؟ نعم، انعزل؛ لأن بيْع الموَكِّل للذي وكَّل شخصًا في بيعه يعني أنه عزله، وهذا عزْل بالفعل.
حينئذٍ -انتبهوا لهذه المسألة- الوكيل باع على عمرو، والموكِّل باع على زيد، إن أبطلنا بيع الوكيل فقد تعلق به حق مَنْ؟ طالب: المشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 1644

الشيخ: من هو؟ عمرو، وإن أبطلنا تصرف الموكِّل، وهو لا يمكن إبطاله، لكن إذا صححنا تصرف الوكيل لزم من ذلك إبطال تصرُّف المؤكل، أبطلنا حق مَنْ؟ زيد، فمن الآن، مَنْ نُقدِّم؟ نقول: نقدم صاحب الأصل، المالك، نقدم المالك، وحينئذٍ نقول: إن بيع الوكيل وقع على شيء انتقل ملكه عن مَنْ؟ عن صاحبه، حتى صاحبه الآن ما يمكن أن يتصرف فيه، فنقول لبيع الوكيل: إنه باطل؛ لأن هذه المسألة تعلق بها حق ثالث، ثم إن الموكَّل فيه انتقل عن مُلك الموكِّل إلى مُلك آخر، فلا يمكن أن يُبطل هذا الانتقال.
الخلاصة: انعزال الوكيل يكون بالقول ويكون بالفعل، القول؟ طالب: القول أن يقول: أشهدكم أني عزلت فلانًا.
الشيخ: أن يقول: عزلت فلانًا، فسختُ وكالته، أبطلتُ وكالته، ألغيتُ وكالته أو ما أشبه ذلك، الفعل؟ الطالب: الفعل أن يبيع الوكيل على شخص ( ... ). الشيخ: طيب، إذا تصرف الموكِّل تصرفًا لا يمنع تصرف الوكيل، مثل: أن يقول: وكَّلتك في بيع بيتي، ثم بعْد ذهاب الوكيل أجَّره؛ أجَّره من؟ الموكِّل، أجره الموكِّل، فهل تبطُل الوكالة ونقول: إن هذا عزل؟ طلبة: لا.
الشيخ: والله الظاهر أنتم تقولون: لا، ولو سألتكم: لماذا؟ قلتم: لا ندري! نعيد السؤال؟ وكَّل شخصًا في بيْع بيته، وبعد أن انصرف الوكيل أجَّر الموكِّل البيت، فهل تنفسخ الوكالة؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا؟ طالب: تنفسخ.
الشيخ: طيب، لماذا؟ الطالب: لأن الأصل بقاء الوكالة ( ... ). الشيخ: صحيح، وذلك لأن التأجير لا ينافي البيع؛ إذ يجوز بيع المؤجَّر، أليس كذلك؟ يجوز بيع المؤجر، فإذا كان يجوز بيع المؤجَّر، فإن تصرف الموكِّل الآن لا يعتبر فسخًا للوكالة؛ لأنه لا منافاة بين ما وكَّل فيه وتصرفه.
إذن إذا تصرف تصرفًا ينافي الوكالة فهو عزْل، وإذا تصرف تصرفًا لا ينافي الوكالة فليس بعزْل.
(وحجر السفه) إذا حُجِر على الوكيل أو الموكِّل حجر سفه انفسخت الوكالة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1645

وفي قول المؤلف: (حجر السفه) منطوق وله مفهوم، ما مفهومه؟ حجر الفَلَس، أنتم تعرفونه مر علينا بالحجر، أنه حجر سفه وحجر فلس.
من كان لا يُحسن التصرف فالحجر عليه حجر سفه، ومن كان يُحسن التصرف لكنه غريم مدين، دينه أكثر من ماله، فالحجر عليه حجر فلس.
طيب، الوكالة تبطل بحجر السفه.
مثال هذا: الرجل قال لشخص: بِعْ بيتي، تكرار المثال ما يضر، المقصود الإيضاح، قال: بِعْ بيتي، ثم إن الرجل الذي وكَّله في البيع، يعني قصدي مالك البيت، أُصِيب بخلل في عقله، أفسد تصرفه، هل تستمر الوكالة أو تنفسخ؟ تنفسخ؛ لأن الوكيل الآن لو أراد أن يتصرف بنفسه ما تمكن، فبوكيله من باب أوْلى؛ هذه واحدة.
ويمكن تقع أو ما تقع؟ يمكن تقع، يحصل للإنسان حادث يختل فكره، نقول: الآن انفسخت الوكالة، ونقول للذي وُكِّل في البيع: لا تبع؛ لأن الوكالة انفسخت، نفس الموكل لو أراد يتصرف الآن ما يمكن، فكيف بفرعه وهو الوكيل؟ طيب، الوكيل وَكَّل شخصًا في بيع بيته، ثم إن الوكيل أُصِيب بخلل في عقله وتصرفه.
ومَن وُكِّلَ في بيعٍ أو شِراءٍ لم يَبِعْ ولم يَشْتَرِ من نفسِه ووَلَدِه، ولا يَبيعُ بعَرَضٍ ولا نَسَاء ولا بغيرِ نقْدِ البَلَدِ، وإن باعَ بدونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أو دونِ ما قَدَّرَه له أو اشترى له بأكثرَ من ثَمَنِ الْمِثْلِ أو مما قَدَّرَه له صَحَّ , وضَمِنَ النقصَ والزيادةَ، وإن باعَ بأَزيدَ، أو قالَ: بِعْ بكذا مُؤَجَّلًا, فباعَ به حالاً، أو: اشْتَرِ بكذا حالًا , فاشْتَرَى به مُؤَجَّلًا ولا ضَررَ فيهما صَحَّ وإلا فلا.
(فصلٌ)

الجزء: 2 - الصفحة: 1646

وإن اشْتَرَى ما يُعْلَمُ عيبُه لَزِمَه إن لم يَرْضَ مُوَكِّلُه، فإن جَهِلَ رَدَّه، ووَكيلُ البيعِ يُسْلِمُه ولا يَقْبِضُ الثمَنَ بغيرِ قَرينةٍ، ويُسَلِّمُ وَكيلُ الْمُشترِي الثمَنَ , فلو أَخَّرَه بلا عُذْرٍ وتَلِفَ ضَمِنَه، وإن وَكَّلَه في بيعٍ فاسدٍ فباعَ صَحيحًا , أو وَكَّلَه في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ أو شِراءٍ ما شاءَ أو عَيْنًا بما شاءَ يُحجَر عليه.
طالب: ( ... ) القاعدة.
الشيخ: أيصح أن يتصرف؟ لا؛ لأنه لا يصح تصرُّفُه لنفسه فلغيره من باب أولى.
حُجِر على الوكيل لسَفَهٍ لصغرٍ، يستقيم المثال؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لصغر يا إخوان.
طلبة: لا يستقيم.
الشيخ: ما يستقيم؟ ليش؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، وكَّله وهو كبير، يمكن؟ طلبة: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن، وذا إذن كلمة: لسفه.
إنما تعود إلى العقل، يعني بحيث يكون له جنون أو سوء التصرف، بحيث يختل مثلًا فِكْرُه وعقْلُه يكون لا يعرف.
الْحَجْر لِفَلَسٍ هل تبطل به الوكالة أو لا؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، فيه تفصيل، إن كانت في أعيان مال الموكل انفسخت، وإن كانت في ذمته لم تنفسخ، أما الوكيل فإنه إذا حُجِر عليه لفلس لا تنفسخ الوكالة بذلك؛ لصحة تصرفه في مال غيره، أفهمتم الآن؟ إذن إذا حُجِر عليه لِفَلَس فبالنسبة للوكيل أيش يكون؟ لا تتأثر الوكالة ولا تنفسخ، بالنسبة للمُوَكِّل فيه تفصيل.
نبدأ بالوكيل: وكَّل إنسانًا يبيع بيته قال: بِعْ بيتي.
ثم إن هذا الوكيل صار مدينًا، دَيْنُه أكثرُ من ماله فحُجِر عليه، الآن الوكيل لا يمكن أن يبيع شيئًا من ماله لأيش؟ لأنه محجور عليه، لكن هل يبيع بيت مَن وكَّله؟ نعم؛ لأن من حُجِر عليه لفلس إنما يُحْجَر عليه في أعيان ماله، لا في أعيان مال غيره، فتبقى الوكالة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1647

بالنسبة للمُوَكِّل قال: وكلتك تبيع بيتي.
ثم إن الموكل لَحِقَه الدَّيْن وصار دينُه أكثر من ماله فحَجَرْنا عليه، هل يملك الوكيل أن يبيع البيت؟ لا، تنفسخ الوكالة، لماذا؟ لأن الموكِّل الآن لا يملك بيع بيته، فإذا كان الأصل لا يملك البيع فالفرع من باب أولى، اتضح المقال يا جماعة؟ صار الْحَجْر لفلس فيه تفصيل.
الْحَجْر لسفه أيش هو؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: ما فيه تفصيل، تبطل الوكالة سواء حُجِر على الوكيل أو على الموكل.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومن وُكِّلَ في بيع أو شراء لم يبع) في مسألة البيع، (ولم يشترِ من نفسه وولده) إلى آخره.
(مَنْ وُكِّلَ في بيع): فإنه لا يبيع على نفسه، ولا يبيع على ولده، ولا على والده، ولا على مَن لا تُقْبَل شهادتُه له؛ لأنه متهم، متهم في ذلك.
مثال هذا: إنسان وكلته أن يبيع البيت، قلت: وكلتك في بيع بيتي.
فباعه على ابنه، فإنه لا يصح البيع، لأيش؟ لأنه متهم، إذا كان لا تُقبَل شهادتُه لولده بالمال لاتهامه بذلك، فكذلك بيعُه ما وُكِّل فيه لولده هو متهم.
طيب الرجل ثقة –الوكيل اللي باع على ابنه- ثقةٌ وعدْل ومَرْضِيٌّ.
نقول: ولو كان؛ طردًا للباب، ولئلا يقول قائل: لماذا صححتم بيع فلان على ولده ولم تصححوا بيع فلان؟ فنسد الباب، والأمر في هذا سهل، وهو أن يستأذن من الموكل فيقول له: إن ابني يريد البيت، أتأذن أن أبيعه؟ إذا قال: نعم.
انتهى الإشكال.
أعرفتم؟ استثنى بعض العلماء من ذلك مسألتين -في البيع على ولده-: المسألة الأولى: إذا كان البيع في المزايدة، وانتهى الثمن على ولده، فإن البيع يصح؛ لأنه ما فيه محاباة، أعطاه يبيع السيارة مثلًا، حرَّج عليها بالحراج علنًا، زادت زادت زادت، آخر السعر صار على ولده وباعها عليه، هل في هذا اتهام؟ لا؛ ولهذا استثنى بعض العلماء هذه المسألة، قال: في المناداة إذا انتهى على ولده فلا بأس أن يبيع؛ وذلك لأنه لا تهمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1648

المسألة الثانية: إذا حدَّد له الثمن، إذا حدد الموكل الثمن للوكيل، وقال: بعها.
قال: بكم أبيعها؟ قال: بِعْها بعشرة آلاف.
وباعها على ولده بعشرة آلاف، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: لماذا؟ لأن الموكل حدد الثمن، فهو لا يريد أكثر من ذلك، فيصح أن يبيعها على ولده لانتفاء التهمة حينئذ.
ولكن لو أن الموكل قال للوكيل: بعها بعشرة آلاف، بناء على أن هذا أعلى سعر، وكانت السلع قد زادت لكن الموكل لم يعلم، فهل يجوز في هذه الحال أن يبيعها على ولده -أعني الوكيل-؟ ما تصورتوها إلى الآن؟ قال الموكل لهذا الرجل: بع هذه السيارة بعشرة آلاف، بناء على أنها لا تساوي أكثر، لكن الموكل جاهل بالأسعار، والوكيل يعلم أنها تساوي عشرين مثلًا، فهل يجوز أن يبيعها بعشرة على ولده؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش يا إخوان؟ طالب: هذا غش.
الشيخ: هذا غش، الواجب أن يخبره، إذا كان الوكيل يعلم أن قيمة الأشياء قد زادت، والموكل رجل جاهل بالأسعار، فعليه أن يبين ويقول له: يا فلان السلعة تساوي أكثر.
وجوبًا؛ لأنه لو كتم وخلَّاها تمشي بعشرة آلاف لكان غاشًّا، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (1). انتبهوا لهذه؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- يستغل سذاجة الموكل ولا يخبره بالواقع، وهذا حرام، هذا غش، عامِلِ الناس بما تحب أن يعاملوك به، لا تغشهم ولا تخدعهم.
يقول المؤلف: ولا على ولده.
طيب إذا باع على بنته؟ طالب: هي من الولد.
طلبة آخرون: ( ... ). الشيخ: بنت يا إخوان، هي ولد؟ البنت ولد؟ طلبة: نعم.
الشيخ: متأكدون؟ طلبة: نعم.
الشيخ: أين دليلكم؟ طلبة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، فجعل الله الأنثى من الولد، وهو كذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1649

(لم يبع) (من نفسه): إذا كان لا يبيع من نفسه، فهل يجوز أن يوكل شخصًا يشتريها لنفسه؟ طالب: لا.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: انتبه الصورة، أعطاه هذه السيارة ليبيعها، قلنا: لا يبيعها على نفسه -واضح- لكن قال: يا فلان، أنا ما يجوز أشتريها لنفسي، لكن وكلتك تشتريها لي.
وصار الذي يزيد وكيله، حتى انتهت عليه واشتراها، أيجوز هذا أو لا؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ حيلة هذه حيلة، ووكيله قائم مقام نفسه.
وبناء على أنه لا يجوز للوكيل أن يشتري السلعة لنفسه فإنه لا يجوز أن يزيد في ثمنها، كيف؟ يعني مثلًا نشَرَها أمام الناس أو أخرجها أمام الناس وقال: يلَّا مَن يسوم؟ بعشرة آلاف، باثني عشر ألفًا.
فأراد هو يزيد، لما قال واحد: باثني عشر ألفًا؛ قال: بثلاثة عشر ألفًا.
يقول هو، الذي يقول هو الوكيل، وهو الذي تسمونه: الدلال، هل يجوز أن يزيد ولَّا لا؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه لو زاد لا يمكن أن يشتريها، فيكون في زيادته هنا إضرار بمن؟ بالمشترين وتضييق عليهم، ما دمت تعرف أنه لا يمكن أن تشتريها فإنه لا يجوز أن تزيد.
فإن أذن الموكلُ للوكيل أن يشتري، هل يجوز أن يزيد؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه إذا أذن الموكل للوكيل أن يشتري فلا بأس، وحينئذ إذا زاد في الثمن فقد زاد زيادة مأذونًا فيها، فصار ذلك صحيحًا.
قال: (ولا يبيعُ بعَرَضٍ، ولا نَسَاء، ولا بغير نقدِ البلد) انتبهوا للثلاثة.
(لا يبيعُ بعَرَضٍ): وكلتُك أن تبيع السيارة فبعتها بعمارة، السيارة تساوي عشرة آلاف، والعمارة تسوى خمسة عشر ألفًا، يجوز أو لا؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، لا يجوز؛ لأني إذا قلت: بعها؛ يعني بدراهم، ما أقول: بِعها ببيت.
قال: بع هذه السيارة –وهي نيسان- فذهب وباعها بكراسيدا، يجوز أو لا؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأني إذا قلت: بعها؛ يعني بعها بدراهم، ما هو بعَرَض، وهَلُمَّ جرًّا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1650

الفلوس من العَرَضِ عند الفقهاء، والأوراق النقدية من العَرَضِ؛ لأن النقد عندهم هو الدرهم والدينار فقط، يعني الذهب والفضة، وعلى هذا فالأوراق النقدية عند الفقهاء عَرَض، فهل نقول: كلام المؤلف يدل على أني إذا قلت: بع هذا البيت -مثلًًا- وبعته أنت بعشرة آلاف من الأوراق لم ينعقد البيع؛ لأنه لا يبيع بعَرَض؟ نقول: هذا مقتضى كلام المؤلف؛ لأنهم صرحوا قالوا: إنه لا يبيعها بالفلوس.
ولكنا نقول: أصبحت النقود الآن الورقية أصبحت عند الناس نائبة مناب الدينار والدرهم، فإذا باعها بالفلوس الأوراق صح البيع.
لو قال الموكل: والله أنا قلت لك: بعها، والدراهم والدنانير هي النقود، أما هالأوراق هذه تجبها عندي، تجيها الضو تحرقها تأكلها الأَرَضة، ما أريد هذا، لازم تجيب ذهبًا ولَّا فضة.
يملك هذا أو لا يملك؟ طلبة: لا يملك.
الشيخ: لا يملك هذا؛ لأن العرف الآن مطرد أن هذه الأوراق قائمة مقام -يا إخوان-؟ طلبة: الذهب والفضة.
الشيخ: الذهب والفضة بدل الدينار والدرهم.
ولا يبيع أيضًا (نَسَاء) أيش (نَساء)؟ يعني مؤجلًا، لا يبيع مؤجلًا، لازم نقْد يدًا بيد.
الآن على كلام المؤلف إذا باع شيئًا أذنت له في بيعه، ولم ينقد الثمن فإنه يكون ضامنًا، لكن كلام المؤلف هنا ينبغي أن يُقيَّد بما إذا لم يدل العرف على التأخير، الآن عند الناس لو أبيع عليك شيئًا اليوم، يمكن أن تذهب به ولا آخذ الثمن منك إلا بعد أيش؟ إلا بعد يوم أو يومين، حسب كثرة الثمن وقلته، وحسب حال المشتري مثلًا، إلا إذا كان المشتري لا يُعرَف، فإنه إذا لم يبعه نقدًا يدًا بيد فهو ضامن؛ لأنه مُفرِّط.
إنسان مثلًا حرَّج على السيارة جاءه واحد أجنبي ما يعرفه، قال: هذه السيارة ثمنها عشرة، أنا بآخذها منك بأحد عشر ألفًا.
أخذها وراح، هنا ما يمكن للوكيل أن يدَعه يذهب بدون نقد، لو فعل لكان ضامنًا؛ لأنه مفرط.

الجزء: 2 - الصفحة: 1651

إذن لا يبيع (نساء)، هل يبيع مؤجلًا؟ ترى المؤجل غير النَّساء، النَّساء هو تأخير القبض ولو كان غير مؤجل، والمؤجل تأخير الوفاء.
يعني مثلًا إذا قلت: بعتك هذا الشيء بثمن يحل بعد شهر، هذا ويش نسميه؟ مؤجلًا.
بعتك هذا الشيء ولم أقبض الثمن؟ هذا نَساء فيه تأخير.
بعتك هذا الشيء بعشرة وأعطتني إياه وأخذته؟ هذا يدًا بيد.
(ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد): نقد البلد عندنا الآن الريال السعودي الورق السعودي، هذا الرجل أخذ السلعة وراح وباعها بدولار، يصح البيع أو لا؟ طالب: على كلام المؤلف لا يصح.
الشيخ: إيه، لا يصح، وهو حقيقة؛ لأنني إذا أذنت لك في البيع فإنما أذنت لك ببيع معروف، الدولار عندنا ليس نقدًا ولكنه سلعة، يزيد وينقص، فإذا باع بالدولار ما صح.
إن باع بجنيه مصري -مثلًًا- يصح؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: طيب، إذا وكله في مصر، وباع بجنيه مصري، يصح؟ طالب: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه نقد البلد.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يبيع بغير نقد البلد ولو باع بنقد أغلى، ومعروف الآن أن الدولار الأمريكي هو الذي أخذ الامتياز؛ ولهذا يسمَّى عند الاقتصاديين العملة الصعبة، مَن يقدر عليه؟ ! فإذا كان واحد مثلًا في بلد نقودهم تالفة، تأخذ بالريال السعودي ألف واحدة، وباعها بدولار، قال: وكلتك تبيع هذه السيارة، السيارة هذه تسوى بنقد البلد مئة مليون، وبالدولار ألف دولار، وباعها بألف دولار، يصح البيع ولَّا ما يصح؟ طالب: يصح.
الشيخ: لا، كلام المؤلف ما يصح؛ لأنه غير نقد البلد، مع أن بلدًا كهذه -يعني رُخْص نقدِها- يفرحون إذا جاءهم الدولار، فهل نقول: إن كلام المؤلف مقيد بما إذا لم يكن النقد الذي باع به أغلى من النقد البلدي؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1652

ربما يقال هذا، يعني ربما يقال: إن الرجل إذا باعه بنقد أغلى فإننا نقول: هذا صح؛ لأنه زاده خيرًا، وكما لو قلتُ: بِعها بدراهم، فبعتَها بدنانير.
أليس عروةُ بنُ الجعد وكَّله الرسولُ عليه الصلاة والسلام يشتري له أضحية، أعطاه دينارًا، اشترى أضحيتين، وباع واحدة بدينار، فماذا صار؟ رجع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بأيش؟ بأضحية ودينار، ما خسر شيئًا، فأقره النبيُّ عليه الصلاة والسلام على ذلك (2)؟ فهذا يدل على أنه إذا كان تصرف الوكيل فيه خير للموكل فينبغي أن ينفَّذ؛ لأن مطالبة الموكل بنقد البلد مع أن ما باع به أغلى، ما هو إلا إضرار، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (3). طالب: إذا باع الوكيل بأقل من نقد أهل البلد، هل نقول: إن البيع لا يصح؟ الشيخ: لا يصح.
الطالب: أو نقول: يصح ويضمن النقص؟ الشيخ: لا، ما يصح؛ لأنه غيَّرَ الجنس أو النوع، بخلاف الزيادة والنقص ففيها خلاف كما سيأتي.
الطالب: هل يمكن الآن نُلزِمه أن يُغَيِّر هذا النقص في عقد البيع؟ الشيخ: يروح، يفسخ البيع ويقول: تعال أيها المشتري، البيع بطل، وأعطنا نقد البلد.
يمكن ذاك يفرح المشتري.
طالب: شيخ بارك الله فيك ( ... ) وكَّله ثم عزله، ولكن الوكيل باع قبل أن يعزله، يعني علمنا بالتوكيد أنه باع قبل العزل، والموكل باع بعده.
الشيخ: باع بعده؟ الحكم للأول بالاتفاق، هذا قولًا واحدًا.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، بعض الناس يصاب بحادث يسبب له إغماء فترة غيبوبة، فهل يقال: تُعَلَّق الوكالة إلى أن يفيق؟ الشيخ: لا، هذا لا بطل به الوكالة.
الطالب: طيب صار يفيق أحيانًا .. الشيخ: لا تبطل به الوكالة، في الوقت الذي يفيق فيه يصح التصرف.
طالب: شيخ، التوكيل والعزل هل يشترط له الشهادة؟ الشيخ: لا يشترط له الشهادة، لكن الشهادة أولى؛ لأنه يترتب عليها أشياء، ربما ينكر الوكيل أو الموكل فيترتب عليها أشياء.

الجزء: 2 - الصفحة: 1653

طالب: حفظك الله، لو كانت السلعة تباع مزايدة، فوَكَّلَ الوكيلُ رجلًا آخر يُزايِد في السلعة له لحظ الوكيل، فأين التهمة يا شيخ هنا؟ الشيخ: المذهب لا تصح؛ لكن بناء على القول الثاني الذي قلنا؛ أنه إذا باع على ابنه بما انتهى إليه السعر فلا بأس به، على هذا القول يصح، أما على المذهب ما يصح.
طالب: بارك الله فيك، إذا وكل رجلٌ آخرَ لبيع سيارة، هذه السيارة لا تساوي إلا عشرة آلاف، ولما ذهب إلى السوق باعها باثني عشر، الذي اشتراها اشتراها لرغبته في السيارة، فهل يرجع الوكيل على الموكل بالمبلغ كله أم بالعشرة آلاف اللي اتفق عليها؟ الشيخ: سمعتم؟ يقول: أعطاه السيارة وقال: بعها بعشرة آلاف.
لما بلغ السوق صارت تساوي اثني عشر، باعها باثني عشر، فالألفان هل هي للوكيل ولَّا للموكل؟ طلبة: للموكِّل.
الشيخ: للموكِّل، إلا إذا قال: بعها بعشرة، وما زاد فهو لك.
فيكون ما زاد له.
طالب: إذا باع لصديقه هل يدخل فيما إذا باع لنفسه؟ الشيخ: لا، الصديق تصح الشهادة له فيصح البيع له، إلا على رأيِ مَن يرى أن الصداقة القوية القوية جدًّا جدًّا كمثل صداقة كُثَيِّر عَزَّة لِعَزَّة، فهذه يمكن ما يصح البيع.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدَّره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدَّره له: صح وضمِنَ النقصَ والزيادةَ.
وإن باع بأزيدَ، أو قال: بع بكذا مؤجلًا؛ فباع به حالًّا، أو اشتَرِ بكذا حالًّا؛ فاشترى به مؤجلًا، ولا ضرر فيهما: صح، وإلا فلا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الوكيل مُقيَّد بما دل عليه لفظ الموكِّل نطقًا أو عرفًا، هذه القاعدة: الوكيل مقيد بما أيش؟ طالب: دل عليه ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1654

الشيخ: بما دل عليه لفظُ الموكِّلِ نطقًا أو عرفًا، هذا هو الأصل، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (4)، هذا هو الأصل.
وإذا تصرف الوكيل على وجه لم يأذن به الموكل فقد تصرف في مال غيره بغير طيب نفس منه، انتبهوا لهذه القاعدة؛ لأن جميع ما يأتينا من التصرفات التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله غالبها يذكرون التعليل دون الدليل الأثري.
لكن الدليل الأثري الذي يُعتمد عليه في هذه الأمور هو هذا الحديث: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»، وكذلك الآية: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، فعلى هذا تكون العمدة في تصرفات الوكيل، وقد ذكرنا فيما سبق أنه لو وُكِّل في بيع فهل يبيع على ولده؟ طالب: لا يبيع على ولده.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه متهم.
الشيخ: متهم؟ الطالب: بمحاباته.
الشيخ: بمحاباته؛ لأنه ربما تساوي عشرة ويبيعها على ولده بتسعة، هل يُستثنَى من ذلك شيء؟ طالب: إذا حدَّد له الثمن.
الشيخ: إذا حدد له الثمن.
الطالب: أو بالمزايدة.
الشيخ: أو وقف السعر على الولد في المزايدة، فهنا لا بأس؛ لأنه لا تهمة حينئذ.
ذكرنا أن الموكل إذا حدد للوكيل ثمنًا، والوكيل يعلم أن هذا الثمن أنقصُ من ثمنها في السوق، فهل يجوز أن يبيع بما حدد أو لا؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ الطالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (1). الشيخ: طيب؛ لأن هذا خلاف النصيحة، كذا؟ النصيحة الواجب أن يبين له: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (5). والسلعة قد يكون قيمتها بالأمس أرخص من قيمتها اليوم.
هل يجوز إذا وُكِّل في بيع شيء أنه يبيعه على صديقه الحميم؟ طالب: لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1655

الشيخ: لا يجوز؟ صديق؟ الطالب: إذا كانت المودة قوية جدًّا بينهما؛ لأنه قد يدخلها المحاباة.
الشيخ: يقول المجيب: إنه لا يجوز أن يبيعها على صديقه إذا كانت الصداقة قوية؛ لأن العلة في المنع على بيع الولد موجودة في هذا، بل قد تكون أشد، بعض الناس يُحابِي صديقه أكثر مما يُحابِي قريبه.
هل يجوز أن يبيع على أخيه؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: أن يبيع على أخيه، نعم صح؛ لأنه ليس أصله ولا فرعه، الممنوع أن يبيع على أصله أو فرعه، أي: على آبائه وأجداده وإن علَوْا، أو على أبنائه وبناته وإن نزلوا.
لو كان الأخ شريكًا له، أيجوز أن يبيع عليه؟ طالب: لو شريك له؟ الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: شريك، هما شركاء، شركاء في المال، في البيع والشراء، ووُكِّل هذا الرجل أن يبيع هذه السلعة، وباعها على أخيه.
الطالب: ( ... ). طالب آخر: فيه تفصيل يا شيخ، إن كان أخوه سيشتري السيارة خاصة له فلا شيء فيه، أما إذا كانت السلعة لحساب الشركة فيُمنع؛ لأنه بائع لنفسه.
الشيخ: أسمعتم منه التفصيل؟ يقول: إذا كان الأخ اشتراه لشيء خاص به، كما لو كان مثلًا بِشْتَل -يعني مِشْلَحًا- أو كان عِقالًا أو غُترة يريد أن يلبسها فهذا لا بأس به، أما إذا كان يشتري لمال الشركة فهذا لا يجوز؛ لأنه بالحقيقة باع على نفسه.
إذا قال: بِعْ هذه السيارة.
فباعها بسيارة أخرى أحسن منها.
طالب: لا يصح بيعُه.
الشيخ: لا يصح البيع؟ أحسن منها؟ الطالب: لأنه ليس له أن يبيعها بعَرَضٍ، لا بد أن يبيع بنقد.
الشيخ: نعم، لا يصح لأنه ليس له أن يبيعها إلا بنقد البلد.
لو علم الوكيلُ أن الموكِّل يريد أن يشتري هذه السيارة؟ الطالب: ينبني على خلاف ( ... ) والصحيح أنه .. الشيخ: نقول: الأصل أنه لا يجوز؛ لأنه ربما يكون قد عدل عن هذه النظرة.
نبدأ درس اليوم:

الجزء: 2 - الصفحة: 1656

قال: (وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له: صح وضمن النقص والزيادة).
هذا تصرُّفٌ مخالف، لكنه ليس مخالفًا في أصل العقد، بل في وصف العقد؛ ولهذا يصح ويضمن.
المثال الأول: إذا (باع بدونِ ثمن المثل): قال له: بع سيارتي، وكانت هذه السيارة يباع مثلها بأربعين ألفًا، فباعها بخمسة وثلاثين ألفًا، الوكيل باعها بخمسة وثلاثين ألفًا، فهل البيع صحيح أو لا؟ المؤلف يقول: إن البيع صحيح، لماذا؟ لأن الوكالة لم تتعدَّ البيع، يعني ما ذهب -مثلًا- ليهبها لأحد أو يعطيه إياها مضاربة أو يُوقِفُها، لا، باعها لكن خالف في أيش؟ في الوصف؛ لأنني حين أقول: بع السيارة، إنما أريد أن تبيعها بثمن المثل، فعلى هذا يصح البيع ويضمن الوكيل النقص، هو كم باعها به؟ قلنا: بخمسة وثلاثين، وقيمتها في السوق أربعون ألف.
إذن المشتري تبقى السيارة معه؛ لأن البيع صحيح، وعلى الوكيل أن يضمن لصاحب السيارة خمسة آلاف ريال، الذي هو النقص، فإن عفا عنه فالحق له، ما فيه مانع، هذا إذا باع بدون ثمن المثل.
(أو دونِ ما قدَّره له) بأن قال: بع هذه السيارة بأربعين، ومثلها في السوق بخمسة وثلاثين، فباعها بخمسة وثلاثين كما هو سعرها في السوق، يقول المؤلف: إن البيع أيش؟ صحيح، وعليه ضمان النقص، ما الذي نقص؟ خمسة آلاف؛ لأن صاحب السيارة حدَّد الثمن قال: بأربعين، وهذا باع بخمسة وثلاثين، فإذا قال الوكيل: أنا بعت بثمن المثل ولا تساوي أكثر من هذا.
قلنا: لكن الموكِّل حدد لك، واضح؟ إذا قال قائل: لماذا لا يبطل العقد من أصله؟ قلنا: لأن هذا الرجل لم يخالف أيش؟ في أصل العقد؛ لأن الرجل الذي وكله أراد أن يبيعها فباعها، ولا ضرر عليه إلا في النقص وسوف يُضمن.
(أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدَّره له: صح).

الجزء: 2 - الصفحة: 1657

قال له: اشتر لي -مثلًا- ساعة، الساعة عيَّنَها طبعًا، الموكِّل عيَّن نوع الساعة، وهي تباع بأربعين، لكن صاحب الساعات صاحب للوكيل، الذي يبيع الساعات صاحب للوكيل، فاشتراها بخمسة وأربعين، كم ثمن المثل؟ طلبة: أربعون.
الشيخ: هو اشتراها بخمسة وأربعين، نقول: الشراء صحيح؛ لأنه حصل مقصود الموكل، والنقص الذي يكون على الموكِّل هو خمسة ريالات التي هي الزيادة عن ثمن المثل نُضَمِّنها مَن؟ نُضَمِّنها الوكيل.
واضح؟ كذلك لو قال: اشتر لي ساعة بأربعين درهمًا أي ريالًا، فذهب واشترى له بخمسة وأربعين، فالشراء صحيح، وعلى الوكيل النقص.
لو قال الوكيل: هو قدَّر لي أربعين، لكن السعر زاد، واشتريتها بما تساوي، اسألوا كل الذين يبيعون الساعات؛ أن قيمتها خمسة وأربعون.
ماذا نقول؟ نقول: لكن الرجل حدَّد لك، لماذا لم ترجع إليه وتقول: إن القيمة زادت، ثم تنظر، هل يستمر في التوكيل أو لا؟ وقول المؤلف: (ضمِن النقصَ) في أي مسألة؟ فيما إذا باع بدونِ ثمن المثل، أو دون ما قدَّره له: ضمن النقصَ.
(والزيادة): فيما إذا اشترى بأكثرَ من ثمن المثل، أو مما قدَّره له، وهذا يُسمَّى عند البلاغيين: اللَّفُّ والنَّشْرُ الْمُرَتَّب، لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب، أحيانًا يكون اللفُّ والنَّشْر غيرَ مرتب، فيبدأ بالثاني ثم الأول.
مثاله: قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: 106]، هذا لفٌّ ونَشْرٌ أيش؟ طلبة: غير مرتب.
الشيخ: غير مرتب.
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ [هود: 105، 106]، ثم قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود: 108]، هذا أيش؟ طلبة: لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب.
الشيخ: لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1658

فإذا قال قائل: ما هو الأصل: أن يكون اللف والنشر مرتبًا أو أن يكون غير مرتب؟ قلنا: الأصل أن يكون مرتبًا، لكنه يأتي أحيانًا غير مرتب لنكتة بلاغية تظهر عند التأمل.
المؤلف الآن ماشٍ على أي النوعين؟ طلبة: على الأصل.
الشيخ: على اللفِّ والنشرِ المرتب.
(وإن باع بأزيد) (باع بأزيد): أزيد من ثمن المثل، يصح ولَّا لا يصح؟ يصح، إذا باع بأزيد صح، كما لو عيَّن واحدًا واشترى اثنين، والثاني قد جاءت به السنة، إذا عيَّن واحدًا واشترى اثنين جاءت به السنة، قُلْها لنا؟ طالب: عُروة عندما أمره الرسول عليه الصلاة والسلام لشراء الشاة، فذهب .. الشيخ: الجعد بن عروة.
الطالب: عاد إلى النبي بشاة ودرهم.
الشيخ: أوصاه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يشتري أضحية بدينار، فاشترى شاتين، ثم باع واحدة بدينار، وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم (2). وقد يقال: إن هذا يمكن به المنازعة؛ لأن هذا أقره الرسول عليه الصلاة والسلام.
فنقول: إقرار الرسول له وعدم قوله: لا تَعُد، يدل على أن مثل ذلك جائز.
إذا باع بأزْيَدَ، قال: يا فلان، خذ بِعْ هذه الساعة بأربعين درهمًا، فذهب وباعها بخمسة وأربعين، وجاء له: اتفضل خمسة وأربعين.
يصح ولَّا ما يصح؟ طلبة: يصح.
الشيخ: وإن عيَّن؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إن أَبَى يقول الوكيل: هات الخمسة، سهلة المسألة، حل المشكلة واضح، إذا قال: لا، ما أسمح.
يقول الوكيل بكل بساطة أيش؟ أعطني الخمسة، وقدِّرْ أني بعتها بأربعين.
لكن لو عيَّن مَن يبيعها عليه، قال: بِعْها على فلان بأربعين.
ثم باعها عليه بخمسة وأربعين، فهنا لا يصح، لماذا؟ لأن تعيين الموكِّل للشخص يدل على أنه أراد بذلك محاباة الشخص، وهذا لما باعها بأزيد فوَّت على الموكِّل غرضَه، وحينئذ نقول: لا، ما يصح، ارجع إليه ورُدَّ عليه الخمسة، أو نقول بأسوأ الأمرين: إن البيع غير صحيح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1659

(وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا؛ فباع به حالًّا، أو اشتَرِ بكذا حالًّا؛ فاشترى به مؤجلًا، ولا ضرر فيهما: صح، وإلا فلا).
هذه مسألتان: المسألة الأولى: (بع بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا): قال: يا فلان، خذ هذه الساعة بِعْها بأربعين درهمًا، لكن مؤجَّلة إلى سنة.
فذهب الرجلُ -الوكيلُ- وباعها بأربعين نقدًا وجاء بالأربعين، فقال له الموكل: أنا قلت لك: بعها بأربعين مؤجلة إلى سنة.
قال: هذا أحسن لك، أنا أتيت لك بالأربعين، وبدلًا من أن تنتظر الوفاء لمدة سنة، الآن حصل الوفاء.
هل يصح ولَّا لا؟ يقول المؤلف: يصح بشرط ألَّا يكون هناك ضرر.
وعُلِم من كلامه: أنه إذا كان هناك ضرر فالبيع غير صحيح، لكن صورة الضرر؟ صورة الضرر أن يكون هذا الموكِّل يريد أن يسافر، وليس راجعًا إلى البلد إلا بعد سنة، ويعلم أنه لو أخذ الدراهم الآن ضاعت منه، فله غرَضٌ في التأجيل، الغرض هو ألَّا يضيع ماله.
فنقول: في هذه الحال لا يصح البيع؛ لأن الموكل له أيش؟ طالب: غرضٌ.
الشيخ: غرضٌ في التأجيل، وأنت فوَّتَّ عليه غرضَه.
هذه صورة.
صورة ثانية فيها ضرر: يمكن أن هذا الموكل الْجَوُّ الذي هو فيه أو البلد فيه ولاة ظلمة يَسْطُون على الناس، ومَن وجدوا عنده مالًا ضربوا عليه ضرائب، أو أخذوا ماله، وهو يقول: لو أخذت الثمن حالًّا، وضعته عندي فجاءت أعينُ الظلمة وقالوا: هذا الرجل عنده مال، تسلطوا عليه.
هذا غرض صحيح ولَّا غير صحيح؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: هذا غرض صحيح، تصورتم هذه ولَّا لا؟ قال: أنا قلت لك: مُؤَجَّل؛ لأن الآن الولاة الظلمة قد نشروا أعينهم في البلد، ومَن رأوا عنده مالًا أخذوه أو جعلوا عليه ضريبة، وأنا ما أريد ذلك.
نقول: هذا فيه ضرر، بَيْعُه نقدًا فيه ضرر على مَن؟ طلبة: على الموكِّل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1660

الشيخ: على الموكِّل.
هذا قولُه: (بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا).
صار إذا قال: بِعْه بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا: فالبيع صحيح، ويُلزَم الموكِّلُ بقبض الثمن، إلا إذا كان في ذلك ضرر فالبيع غير صحيح، ولا يُلزَم الموكِّلُ بقبض الثمن، وضربنا للضرر كم صورة؟ طلبة: صورتين.
الشيخ: صورتين.
كذلك إذا قال: (اشتَرِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا): قال: يا فلان، هذه أربعون درهمًا.
أنتم تعرفون الدرهم ولَّا ما تعرفون؟ ما هو الدرهم؟ طالب: النقد.
الشيخ: النقد من الفضة، إذن خلِّيها درهمًا.
قال: اشتر لي ساعة بأربعين درهمًا، خذ أربعين درهمًا اشتر بها ساعة.
وعيَّن الساعة والمسألة واضحة وبيَّنَ للوكيل، فذهب الوكيل واشترى ساعة مؤجَّلة إلى سنة بأربعين درهمًا.
يعني صاحب الساعات قال: أنا أؤجل لك الثمن إلى سنة ولا أزيدك، أربعون درهمًا يكفي.
فجاء به ردَّ الأربعين درهمًا إلى الموكِّل، وقال: الحمد الله الآن جاك ساعة بأربعين درهمًا مؤجَّلة، انتفع بدراهمك الآن، وإذا جاءت السنة فأوفِ.
يصح ولَّا ما يصح؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح بشرط ألا يكون هناك ضرر، أيش الضرر؟ أيهما أحسن للناس: التعجيل أم التأجيل؟ أيش؟ طلبة: التعجيل.
الشيخ: التعجيل لكل من له حق، حتى إنه لو كان لك حق على شخص مؤجَّل، وقلت: يا فلان، أنت عنديك العشرة آلاف إلى سنة، يكفيني منك ثمانية آلاف نقدًا.
وأعطاه ثمانية آلاف، يجوز؟ يجوز، مع أنه أخذ بدل العشرة المؤجَّلة ثمانية مُعجَّلة.
فكل مَن لديه حق يرغب التعجيل.
أما مَن عليه الحق فيرغب في التأجيل، كالمشتري في سداده لثمن السلعة.
فهذا رأى الوكيل قال: الحمد لله، الآن أنا زدتك خيرًا، اشتريت لك بالثمن الذي عيَّنْتَ مع التأجيل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1661

نقول: هذا صحيح، لكن إذا كان في ذلك ضرر على الموكل -وليس الضرر الزيادة؛ لأن الزيادة تقدم الكلام عليها- الضرر أن هذا الموكل قال: إذا جاءت الفلوس عندي فأنا رجل يدي خرقاء ما تمسك الدراهم، إذا أعطيتني أربعين ريالًا -اللي أعطاك إياك- عشرين ساعة، يمكن أعزم ( ... ) اليوم وأجعل لهم وليمة بأربعين ريالًا تروح عليَّ، هذا ضرر عليَّ.
واضح هذا ولَّا لا؟ هل يصح ولَّا ما يصح؟ لا يصح لأن هذا غرض صحيح، وكثير من الناس إذا كانت الدراهم عنده راحت تطير.
الخلاصة: إذا باع بأقل من ثمن المثل أو مما قُدِّر له فالبيع صحيح، وعليه ضمان النقص.
إذا اشترى بأكثر مما قُدِّر له أو بأكثر من ثمن المثل فالشراء صحيح، وعليه ضمان الزيادة.
إذا كانت المخالفة في الكيفية لا في الكمية -لأن ما ذكرنا الآن مخالفة في أيش؟ في الكمية- إذا كان في الكيفية قال: بع بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا.
أو: اشتر بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا.
هل يصح أو لا؟ نقول: يصح؛ لأن هنا ما في زيادة ولا نقص، إلا إذا كان في ذلك ضرر على الموكل فإنه لا يصح.
مَن يُقَدِّر الضرر؟ يُقَدِّر الضررَ أيُّ واحد يُقَدِّره أهل الخبرة، إذا قالوا: إن هذا الغرض الذي ذكره الموكل صحيح، وأن في التعجيل ضررًا أو في التأخير ضررًا عُمِل به.


ثم قال المؤلف: (فصْل: وإن اشترى ما يعلم عيبَه لزمه إن لم يرضَ موكلُه): (إن اشترى) الفاعل.
الفاعل مَن؟ الوكيل، (اشترى ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرضَ موكلُه): وذلك أن الموكل إنما وكله في شراء شيء سليم، لا في شراء شيء معيب، وكل يعرف أنه لا أحد يقول: اشتر لي شيئًا معيبًا.
المهم وكله في شراء سيارة، واشترى سيارة معيبة بثمن المثل ما فيه زيادة ولا نقص.
فنقول: يلزمك أنت أيها الوكيل، وتضمن للموكل الدراهم الذي أعطاك.
فإن رضي الموكِّل وقال: والله هذا رجل محسن إليَّ وتعب في تحصيل السيارة، وأنا راضٍ وإن كان فيها عيب.
أيش يكون؟ طالب: يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1662

الشيخ: يصح، وهل يلزم الوكيلَ شيءٌ؟ لا يلزمه؛ لأنه الحق له وقد رضي به.
لكن يبقى النظر إذا قلنا: إنه يلزم الوكيل هذا المبيع المعيب، وأن الموكل ليس له إلا مبيع سالم، هل يملك الوكيل أن يرد السلعة على من اشتراها منه؟ الجواب: لا، لا يملك؛ لأن المؤلف يقول: (إن اشترى ما يعلم عيبه): فالوكيل الآن عالِمٌ بالعيب داخِلٌ على بصيرة، ما له حق الرد، إلا أنه يُستثنَى من ذلك -أعني في حق الرد- إذا قال الوكيل: أنا مشتريها لفلان بالوكالة، وأنا راض بالعيب، لكن إن لم يرض موكلي فهو على خياره.
فماذا نقول؟ هل له الرد؟ له الرد؛ وذلك لأن البائع دخل على بصيرة وقَبِل هذا الشرط.
قال: (فإن جهل رده) (إن جهل): الفاعل يعود على الوكيل، (إن جهل) يعني: إن جهل العيب ولم يدْرِ بالعيب (رده).
انتبه لكلمة (رده)، لم يقل هنا: إنه يُخيَّر بين الرد وبين الأرش، والذي فهم منكم من قرأ في باب الخيار أنه يُخيَّر إذا وجد العيب، يُخيَّر بين إمضاء البيع مجانًا، أو إمضائِه بالأرش، أو ردِّه.
أليس كذلك؟ هنا يقول المؤلف: (رده) فقط (إن جهل رده)، ولا يملك أخذ الأرش، لماذا؟ لأن أخْذ الأرش معاوَضة جديدة؛ إذ إن الأرش عِوَضٌ عن الجزء الفائت بالعيب.
واضح؟ إذن إذا اشترى وكيله معيبًا وهو لا يعلم بعيبه ثم وجد العيب، نقول الآن: لك الخيار بين أيش؟ بين الردِّ والإمضاءِ، لكن الإمضاء لا بد أن يرضى الموكِّل، لماذا لا نقول: لك الخيار بين الرد والإمضاء مع الأرش؟ لماذا لا نقول هذا؟ لأن الأرش معاوضة عن جزء فائت بالعيب، ولا يملك أن يعاوِض هو؛ لأنه ليس أصيلًا، بل هو وكيل فرْع، إلا إذا قال الموكل: لا بأس أن تأخذ الأرش.
مفهوم هذا يا جماعة؟ ولعلنا نمثل بالأرش والرد: هذا إنسان اشترى سيارة على أنها سليمة، اشتراها بأربعين ألفًا على أنها سليمة؛ ولما ذهب بها وجد أن بها عيبًا ينقص من قيمتها عشرة آلاف، كم تكون قيمتها في الواقع؟ طالب: ثلاثين ألفًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1663

الشيخ: تكون ثلاثين ألفًا، نقول: أنت الآن بالخيار، إما أن ترد السيارة على البائع وتأخذ الأربعين، وإما أن تبقيها وتأخذ كم؟ طالب: عشرة.
الشيخ: عشرة عن العيب، هذا إذا كان الإنسان هو الذي اشترى بنفسه، أما الوكيل فقد عرفتم أنه لا يملك الأرش.
ومن ثم تبين لنا أن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن لا أرش وأنه يقال لمن اشترى المبيع المعيب: إما أن ترد، وإما أن تأخذه معيبًا، ولا أرش إلا برضا البائع.
انتوا فاهمين؟ ما فهمتم.
الآن رجل اشترى سيارة بأربعين ألفًا على أنها سليمة، وجد بها عيبًا ينقصها عشرة آلاف، نقول للذي اشترى السيارة: إن شئت رُدَّ السيارة وخذ دراهمك، وإن شئت خذها بلا أرش، يعني خذها بأربعين ولو كانت معيبة، الحق لك.
المذهب نقول شيئًا ثالثًا وهو: وإن شئت أبقيتها وأخذت الفرق، وهذا الفرق يسمى عند العلماء أرشًا.
واضح؟ شيخ الإسلام يقول: لا، الخيار الثالث هذا ليس لك؛ لأن الخيار الثالث في الحقيقة معاوضة، إذ إنك أنت الآن أخذت عوضًا عن الجزء الفائت، والبائع يقول: ما لك إلا هالسلعة، ما يمكن أنك تلزمني أن أخصم من ثمنها عشرة.
فشيخ الإسلام رحمه الله يرى أن الأرش لا يثبت للمشتري إلا إذا وافق على ذلك البائع، والبائع يقول للمشتري: إما خذ السلعة بعيبها وإلا ردها وخذ دراهمك، أما أن تلزمني بأن تخصم من الثمن، هذا لا يلزمني.
على كل حال -الآن فهمنا- إذا اشترى الوكيل ما يعلم عيبه، فإن رضي الموكل أيش؟ طالب: فلا شيء عليه.
الشيخ: فلا شيء عليه، وإن لم يرضَ لزم الوكيل، إذا اشترى ما لا يعلم عيبه فإن رضي الموكل بعد العلم صح ولا شيء عليه، وإن لم يرضَ أو علم الوكيل بالعيب قبل أن يُبَلِّغ الموكل فله الخيار بين الرد وبين الإمساك، ويضمن ولا أرش؛ لأن الأرش عبارة عن معاوضة عما فات بالعيب، والوكيل لا يملك ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1664

طالب: شيخ بارك الله فيك، قلنا: إنه يضمن النقص إذا تصرف بغير إذن الموكل، فهل إذا تصرف فربح يعني كما لو كان باع بأكثر من ثمن المثل أو أكثر مما حُدد له، فلما لا ينتفع هو بالزيادة؟ الشيخ: لأن السلعة ما هي ملكه، السلعة ليست ملكًا له.
الطالب: هو اجتهد فباع بأكثر من .. الشيخ: ما يخالف، مَن هو له السلعة؟ الطالب: لصاحبها.
الشيخ: إذن هل بينه وبينك عقد مرابحة مضاربة؟ ! طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا كان الإذن بالوكالة عامًّا كمن يكون مثلًا أميرًا أو ذا تجارة في بلد أخرى، فيوكل موكله في جميع التصرفات، فهل له أن يأخذ بالأرش؟ نحن قلنا أن .. الشيخ: هذا سيأتينا إن شاء الله.
طالب: شيخ، (إن اشترى ما يعلم عيبه لزمه) ( ... ) من هذه الصورة إلى أن من اشترى بعين دراهم الموكل ما يصح البيع مطلقًا؟ الشيخ: على المذهب ما يصح البيع بشرط أن يقع العقد على عين النقود، وهذا شيء قليل الوقوع.
الطالب: ( ... ) النقد ( ... ). الشيخ: لا ما يصير ( ... )، إذا قال: اشتريته منك بعشرة.
قال: طيب ( ... ) على العشر ما يصير هذا تعيينًا، التعيين أن يقول: اشتريتها منك بهذه العشرة التي بيدك، هذه ما تقع، ولا الناس يلقون لها بالًا.
طالب: قول المؤلف: (ولا ضرر) يشير إلى شراء ( ... ). الشيخ: يشير إلى المسألتين الأخيرتين: إذا قال: بع بكذا مؤجلًا، أو اشتَرِ بكذا حالًّا.
الطالب: ( ... ). الشيخ: أما المسألة الأولى إذا باع بأزيد لا ما يتضمن هذا.
الطالب: ما يتصور فيها ( ... )؟ الشيخ: لا.
الطالب: يأخذ الزيادة فقط ( ... )؟ الشيخ: إي، يأخذ الزيادة نعم.
الطالب: ولا يتصور فيها نقص.
الشيخ: أبدًا ما يتصور فيها نقص، وكما قلت لكم، إذا قال: أنا بعتك بعشرة ( ... ) بخمسة عشر، ويش يقول له؟ طالب: إن عيَّن شخصًا؟ الشيخ: لا، إذا عيَّن استثنينا هذا؛ لأنه إذا عيَّن الشخص قال: بعها لفلان بعشرة.
فله غرض في تنزيل الثمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1665

طالب: إذا وُكِّل الوكيلُ بشراء سيارة، ثم وجد فيها عيبًا فأراد أن يردها على البائع، فوجد البائع قد سافر ليس من أهل البلد، فهل يضمن في هذه الحالة؟ الشيخ: يضمن إي نعم.
الطالب: وإذا لم يعرف بالعيب؟ الوكيل لم يعرف العيب، فلما شراها وجد فيها عيبًا.
الشيخ: إذا اشتراها في هذه الحال ربما يقال: يُنظر في أمرهما، فلا يُضَمَّن الوكيل لأنه في الحقيقة ما فرط ولا تعدى، ما دام لم يعلم فهنا ينبغي أن يقال: لا ضمان عليه؛ لأنه لم يفرط ولم يتعدَّ.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إن الوكيل له بيع ما وُكِّل في بيعه على أخيه، كيف لأنه ليس أصلًا له ولا فرعًا؟ هذا مع قاعدة: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ لأن التهمة موجودة يا شيخ.
الشيخ: ما هي العلة؟ الطالب: التهمة.
الشيخ: إذا قلنا لكم: إذا كانت التهمة حتى في الصديق، إذا وُجِدت التهمة حتى في الصديق، لكن ألم تعلم أن بعض الأخوة -يعني- يُشَدد في محاسبة أخيه؟ الطالب: الغالب يا شيخ أنه ( ... ). الشيخ: على كل حال إذا وُجِدت العلة ثبت الحكم، متى وُجِدت التهمة فإنه لا يصح.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، أحيانًا يوكل الإنسان ( ... )، فهل يجوز له أن يتصرف في الدراهم التي أخذها على أن عنده في البيت دراهم مثلها بالضبط ومتيقن ( ... )؟ الشيخ: العلماء يقولون: لا يجوز، من وُكِّل في شيء ما يمكن أن يتصرف فيه إطلاقًا، ولا يجوز أن يستقرض الدراهم التي وُكِّل أن يشتري بها حاجة، لكن جرت العادة والعرف أنه لا بأس به لا سيما إذا كان الإنسان غنيًّا والدراهم موجودة في البيت، أما أن يستقرضها ويقول: أبغي أشتري سلعة بثمن غير منقود، فهذا ما يجوز إذا صار ما عنده شيء.
طالب: أحسن الله إليكم، الصحيح في مسألة الأرش؛ إلزام البائع بالأرش، الصحيح ما هو؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1666

الشيخ: إي نعم، والله اللي يظهر لي أن كلام الشيخ رحمه الله أقرب للصواب، وأن البائع إذا لم يرضَ فإنه لا يُجبَر، إلا إذا علمنا أنه مُغَرِّر، بمعنى أنه عالم بالعيب ولكن كتمه، فهنا يُلزم بالأرش؛ لأنه مُتَعَدٍّ.
طالب: إن قال: بعتك ( ... )، وكان الوكيل محتاجًا للمال، وقال: اشتَرِ كذا حالًّا.
واشتراه مؤجلًا وأخذ النقود له؟ الشيخ: ما يجوز إلا باستئذان، خذوا القاعدة: الأصل في أموال الغير أنها محترمة، لا يجوز أن يتصرف فيها الإنسان إطلاقًا، فإذا وُجِد مخالفة فعليه الضمان، إلا على رأي مَن يرى بجواز التصرف الفضولي إذا أذن فيه مَن له الحق.
طالب: إذا وقع منه ذلك؟ الشيخ: إذا وقع منه ذلك فأنا أرى أن التصرف الفضولي جائز؛ لأن الرسول أجازه أجاز تصرف عروة بن الجعد، أجاز ذلك وأشياء كثيرة تدل على جواز التصرف الفضولي.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: ووكيلُ البيع يسلمه ولا يقبض الثمن بغير قرينة، ويسلم وكيلُ المشتري الثمن، ولو أخَّره بلا عذر وتلف ضمنه.
وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحًا، أو وكله في كل قليل وكثير أو شراء ما شاء أو عينًا بما شاء ولم يُعيِّن لم يصح.
والوكيل في الخصومة لا يقبض، والعكس بالعكس، واقبِضْ حقي من زيد لا يقبض من ورثته إلا أن يقول الذي قِبَلَه، ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يشهد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، وقبل أن نشرح الدرس الجديد نسأل عما مضى: هل يجوز للإنسان إذا وُكِّل في بيع أن يبيع بأكثر من ثمن المثل ويأخذ الزيادة؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لا يجوز له أن يأخذ الزيادة، إنما يرجع بالزيادة على موكِّله.
الشيخ: يعني إن باعه بأزيد؟ الطالب: إن باعه بأزيد من ثمن المثل صح البيع ورجع بالزيادة على موكله.
الشيخ: وصارت الزيادة لصاحب السلعة.
الطالب: نعم.
الشيخ: ولا يمكن يأخذها هو.
الطالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1667

الشيخ: لو قال: بعها بعشرة وما زاد فلك.
فباعها باثني عشر؟ طالب: ساعتها هو يأخذ الزيادة.
طالب آخر: يأخذ الزيادة يا شيخ؛ لأنه فوضه.
الشيخ: له ذلك؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، هو له ذلك، لكن لو كان يعلم أن السلعة قد زادت؟ لو كان الوكيل يعلم أن السلعة قد زادت، وصاحب السلعة قال له: بعها بعشرة وما زاد فلك، ظانًّا أنها أكثر ما تساوي عشرة.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: فهل يجب عليه أن يخبره بأن السلعة قد زادت؟ طالب: نعم يجب عليه.
الشيخ: ما الدليل؟ الطالب: لكي لا يكون غاشًّا له.
الشيخ: لكن ويش الدليل، إذا قلنا: لأن، ولم نقل: لأن الله يقول، أو: لأن الرسول يقول؛ فهذا تعليل، أما إذا كنت تجيب دليلًا تقول: الدليل قولُه تعالى أو قولُ الرسول: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ .. ». الطالب: «حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (5). الشيخ: إي نعم.
يقول المؤلف رحمه الله: إذا (قال: بِع بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا) صح إن لم يكن في ذلك ضرر، كيف الضرر؟ طالب: الضرر يتحقق في صورتين: الأولى: ( ... ) كأن يكون مسافرًا، ويحب ألا يأخذ معه هذه الأموال، فلو أخذها ( ... ). الحالة الثانية: إذا خشي أن يكون إن كان في بلد ( ... )، وإذا علموا أن عنده مالًا يبعثون الجنود يأخذون منه هذا المال.
وفي كلتا الحالتين لا يحل له أن يقبض إلا بعد أن يرجع على الموكل.
الشيخ: أحسنت، سمعتم يقول: إذا (قال: بِع بكذا مؤجلًا): بع هذه السلعة بمئة ريال إلى سنة.
فباعها نقدًا بمئة ريال.
نقول: البيع صحيح لأنه زاده خيرًا؛ إذ إن الثمن المنقود أحب إلى الناس من الثمن الموعود، إلا إذا كان على الموكل ضرر، والضرر لا ينحصر في صورتين، لكن ذكرنا صورتين: الصورة الأولى: إذا كان الموكل يريد أن يسافر ويخشى إذا حمل معه الثمن أن يضيع، أو يُسرق، أو ما أشبه ذلك، فهنا نقول: هذا عليه ضرر، فالبيع لا يصح، له أن يقول: ارجع بالدراهم إلى صاحبها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1668

والثانية: إذا كان في البلد والٍ ظالم، وإذا علم أن فلانًا دخل عليه هذا الثمن صار يجعل عليه الضرائب، وربما يجبره على تسليمه وما أشبه ذلك.
إذا اشترى الوكيل شيئًا معيبًا وهو لا يدري؟ طالب: إذا شرى معيبًا؟ الشيخ: وهو لا يدري أن به عيبًا، فهل له أن يرده أو لا؟ الطالب: مُخيَّر؛ إن شاء أخذه، وإن شاء رده.
الشيخ: مُخيَّر؟ ! كيف مخير وهو وكيل؟ الطالب: إذا رضي الموكل.
الشيخ: لا، الموكل ما هو عنده.
الطالب: إذن لا يحق له.
الشيخ: ويش ما يحق؟ الطالب: لأن الموكل وكَّله أن يشتري له صالحًا غير معيب.
الشيخ: إذن يجب أن يرده، من أين تأخذه من كلام المؤلف؟ الطالب: أن لا يكون معيبًا.
الشيخ: من أين تأخذه من كلام المؤلف؟ طالب: من قول المؤلف: (وإن اشترى ما يعلم عيبه .. ). الشيخ: اصبر، نحن نقول: ما يدري عن العيب.
الطالب: منطوق كلام المؤلف: إذا كان يعلم بالعيب، فله مفهوم، مفهومه: إذا كان ( ... ). الشيخ: لا.
طالب: (فإن جهل رده).
الشيخ: نعم، من قوله: (فإن جهل رده)، ما قال: له الخيار، (إن جهل رده)؛ لأنه ما يملك الخيار.
إذا اشترى ما يعلم عيبه؟ طالب: يلزمه البيع، إن رضي به الموكل فهو له، وإن لم يرض فهو لوكيله.
الشيخ: يعني؟ يلزم مَن؟ الطالب: يلزم الوكيل البيع.
الشيخ: يلزم الوكيل معيبًا؛ لأنه دخل على بصيرة، ثم إن رضيه الموكل؟ الطالب: فهو له.
الشيخ: فهو له، وإن لم يرضَه؟ الطالب: يكون للوكيل.
الشيخ: فهو على الوكيل، تمام.
ثم قال المؤلف في درس الليلة: (ووكيلُ البيعِ يُسَلِّمه) أي: يُسَلِّم المبيعَ، (وكيل البيع) يعني: الذي وُكِّل في بيع يُسَلِّم المبيع؛ لأن هذا من مقتضى العقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1669

مثاله: أعطيت رجلًا يبيع لك ساعة فباعها؛ يسلمها إلى المشتري مع أنك أنت لم تقل: بعها وسَلِّمْها.
مع أن الموكِّل لم يقل: بعها وسلِّمها.
إنما أمرك بالبيع، فنقول: التسليم من مقتضى العقد؛ لأنه إذا تم البيع مَلَكَ المشتري السلعةَ، ووجب أن تُسَلِّمها له.
وهل يقبض الثمن؟ لا، لا يقبض الثمن؛ لأنه إنما وُكِّل في البيع، فيبيع ويقول: خلاص، يا موكلي بعت على فلان، روح خذ الثمن منه.
لا يقبض الثمن، وجه ذلك أمران: الأمر الأول: أنه وُكِّل في البيع دون قبْضِ الثمن، وقَبْضُ الثمن ليس من مقتضى البيع.
الثاني: أنه قد يرضى مَن يبيع له، ولا يرضى أن يقبض الثمن؛ لأنه غير أمين عليه عند الموكل، فلهذا قالوا: إنه يملك تسليم المبيع، ولا يملك تسلُّم الثمن؛ لهذين الوجهين.
لكن المؤلف يقول: (بغير قرينة) يعني: فإن وُجد قرينة فإنه يقبض الثمن وجوبًا.
القرينة: مثل أن يبيعه على رجل لا يُعرف، رجل في البلد غريب باع عليه السلعة، إذا لم يقبض الثمن منه فإنه سوف أيش؟ سوف يضيع، فهنا القرينة تدل على أنه يقبضه.
وكذلك أيضًا: لو باعه على من عُرِف بالمماطلة، فهنا يقبض الثمن أو لا يقبض؟ طالب: يقبضه.
الشيخ: يقبضه؛ لأنه من مصلحة الموكل.
فإن قال قائل: لماذا لا تمنعونه -من الأصل- أن يبيع على غريب، أو على مماطل؟ قلنا: لأنه قد تقتضي المصلحة أو زيادة الثمن أن يبيع على أيش؟ الغريب والمماطل، وإذا كان سيُسلَّم له الثمن فلا ضرر.
وإذا أَذِن له، أي: أذن الموكلُ للوكيل أن يقبض الثمن، فهل يقبضه؟ طالب: نعم.
الشيخ: أي معلوم من باب أولى.
وإذا قال: لا تقبض الثمن.
فهل يقبضه ولو وُجِد قرينة؟ لا؛ لأنه نهاه قال: لا تقبض الثمن.
لكن إذا قال قائل: إذا نهاه أن يقبض الثمن، فمن المعلوم أن الموكِّل ليس غبيًّا، بحيث لا يأذن له إذا دلت القرينة على أنه يقبضه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1670

فيقال: إذا كنا نعلم هذا من حال الموكل، أنه لو باعه على من يُخشى ألا يُسَلِّم الثمن، فحينئذ نقول: هذه قرينة، فليقبضه.
يقول: (ويُسَلِّم وكيلُ المشتري الثمنَ) (وكيل المشتري): إذا كان الموكلُ قد أعطاه الثمن وقال: خذ هذه -أربعون درهمًا- اشترِ لي بها ساعة.
اشترى الساعة، يجب أن يُسَلِّم الثمنَ فورًا.
بقي لنا فيما سبق: قلنا: لا يقبض الثمن بغير قرينة وذكرنا للقرينة كم؟ طالب: صورتين.
الشيخ: صورتين، فيه أيضًا صورة ثالثة القرينة الشرعية، وهي: ما إذا كان البيع يشترَط فيه التقابض، فإنه لا بد أن يقبض الثمن.
مثاله: أعطاه حُلِيًّا من الذهب وقال: بعه.
فهنا لا يمكن أن يبيع الذهب بدراهم دون قبض؛ بل لا بد من القبض، وحينئذ نقول: هذه قرينة، نصفها بأنها قرينة شرعية.
والصورتان السابقتان قرينة عُرْفِية.
قال: (ويسلم وكيل المشتري الثمن): إذا أعطاه دراهم، قال: اشترِ لي بها سلعة.
اشترى السلعة، نقول: يجب أن يسلم الثمن، حتى وإن لم يقل له: سلِّمْه للبائع؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم وإن لم يقل: سلِّمْه؛ لأن هذا من مقتضى العقد، كما أن وكيل البيع يُسَلِّم المبيع، فوكيل الشراء يُسَلِّم الثمن، هذا مقتضى العقد، كيف يشتري له بلا ثمن؟ ! ولكن يقول: (فلو أخَّره بلا عُذرٍ وتلف ضمنه) (لو أخره) أي: الوكيل، أي: أخَّر تسليم الثمن (بلا عذر) (ضمنه) إذا تلف.
مثاله: أعطيته أربعين درهمًا يشتري فيها سلعة، واشترى السلعة في أول النهار، وقال للبائع: آتي لك بالثمن في آخر النهار، أو سكت ولم يأت به إلا في آخر النهار، لكنه فيما بين الشراء وآخر النهار تلف الثمن، فإن المشتري يضمنه، لماذا؟ لأنه مُفَرِّط؛ إذ إن الواجب عليه أن يُسَلِّم الثمن مباشرة، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ولكن الصواب أن يقال: الحكم يدور مع علته، والناس إذا اشترى منهم الإنسان السلعة في أول النهار وأتى بالثمن في آخره، لا يعدُّونه مفرطًا؛ لأن هذا مما جرت به العادة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1671

فالصواب أن يقال: إن أخر تسليم الثمن تأخيرًا يُعَدُّ به مفرِّطًا فهو ضامن، وإلا فلا.
وتعليل الفقهاء رحمهم الله تعليلهم يدل على هذا، وليس يكون من المتيسر أن الدراهم في جيبه، بل ربما يمر بالشارع ويجد السلعة التي وُكِّل بشرائها ويشتريها، ثم إذا صار في آخر النهار أتى بالثمن، وهذا أمر شائع ومعروف.
قال: (ويسلِّم وكيل المشتري الثمن، فلو أخَّره بلا عذر وتلِف ضمِنه): لو أخره بإذن البائع وتلف، هل يكون من ضمان البائع، أو من ضمان الموكل؟ طالب: الأول.
طالب آخر: الثاني.
الشيخ: من ضمان البائع؛ لأن الموكل بمجرد الشراء صار الثمن مستحقًّا لمن؟ طالب: للموكِّل.
طلبة آخرون: للبائع.
الشيخ: الموكل بمجرد الشراء، بشراء الوكيل، لما اشترى الوكيل صار الثمن مستحقًّا لمن؟ طلبة: للبائع.
الشيخ: للبائع، البائع قال للوكيل: ما يخالف، تبقى الدراهم عندك اليوم أو بكرة أو بعد بكرة، ما فيه مانع.
في هذه الأثناء تلِف الثمن بدون تعدٍّ ولا تفريط من الوكيل، فضمانه على مَن؟ طلبة: على البائع.
الشيخ: على البائع؛ لأن الوكيل إنما أبقاه بإذن مستحقه، وهو البائع.
(فلو أخَّره بلا عُذرٍ وتَلِف ضَمِنه.
وإن وكَّله في بيع فاسد فباع صحيحًا، أو وكله في كل قليل وكثير، أو شراء ما شاء، أو عينًا بما شاء ولم يُعَيِّنْ: لم يصح).
هذه أربع مسائل: المسألة الأولى: إذا (وكَّله في بيع فاسد فباع صحيحًا): مثل أن يوكله في بيع جمل شارد، هذا البيع فاسد، أو يوكله في بيع خمر فباع صحيحًا، أو يوكله في بيع مجهول فباعه صحيحًا.
مثاله: أخذنا الآن، وكَّله في بيع جمل شارد، الجمل حضر، هل يملك بيْعَه بعد حضوره؟ لا، لماذا؟ لأن أصل الوكالة فاسد؛ إذ إن الموكل لا يملك بيع الجمل الشارد حتى يحضر، وهو قد وكَّل على بيعه في حال شروده، فإن قال الموكل للوكيل: إذا وجدْتَ الجمل فأنت وكيل في بيعه.
يصح ولَّا لا؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن الوكالة تصح معلقة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1672

المثال الثاني: خمر، كان عنده جَرَّة خمر، وإن شئت قل: كان عنده قُلَّة خمر، فقال له: بِعْها.
بيع الخمر فاسد، لكن الخمرة تخلَّلت بنفسها، وإذا تخللت بنفسها صارت حلالًا، فهل يملك الوكيل بعد أن تخللت بنفسها يملك أن يبيعها؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ طالب: لأنها غير صحيحة.
الشيخ: لأن أصل الوكالة غير صحيح، فلا يبيعها بعد ذلك.
المثال الثالث: مجهول، باع شيئًا مجهولًا، بأن قال: وكلتك في بيع ما في بيتي من المتاع.
وهو مجهول، حتى الموكل لا يعلمه، لكن الوكيل باعه قبل أن يعلم، فالوكالة تكون غير صحيحة، والبيع غير صحيح، لكن لو ذهب ورآه، فهذا سيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه في كلام المؤلف إذا وكله في شيء مجهول.
(أو وكله في كل قليل وكثير): هذا أيضًا لا يصح، إذا وكله في كل قليل وكثير، على أنه يشمل جميع الأجناس، وجميع الأنواع، وجميع الأفراد، فهذا لا يصح.
قال: رُوح للسوق أنت وكيلي في كل شيء، في كل قليل وكثير.
وجد سيارات اشترى له سيارات، وجد إبلًا اشترى إبلًا، وجد بقرًا اشترى بقرًا، وجد حميرًا اشترى حميرًا، كل شيء، يصح هذا ولَّا ما يصح؟ طلبة: ما يصح.
الشيخ: معلوم ما يصح؛ لأن هذا يعظم الضرر، وفيه جهالة عظيمة فلا يصح، العلة كما قلت لكم: لأن هذا الموكِّل لو أن الوكيل أخذ بهذا اللفظ العام الشامل وأتى بكل ما في الدنيا من شيء، ما موقف الموكل؟ ما صار في خيالي ولا دار في فكري أنك بتجيب لي الدنيا كلها.
إذن نقول: الوكالة غير صحيحة، حتى نستريح من المشاكل؛ لأن إذا قلنا: الوكالة غير صحيحة، قلنا للوكيل: لا تتصرف، وَقِّفْ لا تتصرف؛ لأن هذه وكالة غير صحيحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1673

أما لو قال؛ عيَّن نوعًا وقال: اشتر لي -مثلًا- أرزًا قليلًا أو كثيرًا، لو تأتي لي كل اللي بالسوق ما عندي مانع.
فهنا الخطر قليل، وسيأتينا إن شاء الله في كلام المؤلف.
فهذا الصحيح أنه جائز؛ لأن الموكل أراد أن يشتري جميع ما في السوق؛ ربما من أجل أن يفرقه على الفقراء في وقت الحاجة، والمثال في الأرز أو ما أشبه ذلك.
(أو وكله) (شراء ما شاء) قال: اشتر ما شئت، أنت وكيل عني اشتر ما شئت.
سبحان الله! هل يصح هذا؟ ! لأنه لو أتى له بقلم بخمسة ريالات قال: أنت وكلتني أن اشتري ما شئت، وأنا شئت أن اشتريلك قلمًا بخمسة ريالات.
وهذا الرجل ممن يقتني الأقلام التي بمتين ريال.
اشترِ ما شئت.
راح واشترى له سيارة شبح كم قيمتها؟ مليون أو نصف مليون، المهم هو قال: اشترِ ما شئت.
قال: هذا اللي شئت.
خطر ولَّا غير خطر؟ هذا خطر، ما يصح.
أما لو عيَّن النوع وقال له -مثلًًا-: أنا وكلتك تشتري شاة -مثلًا- لوليمة، قال: وِش صغيرة كبيرة، سمينة هزيلة؟ قال: ما شئت.
هذا الخطر فيه قليل، يعني يتسامح فيه؛ لأنه مما جرت به العادة، لكن اشتر ما شئت، بدون أن يذكر نوعًا، هذا خطرُه عظيم فلا تصح الوكالة فيه.
(أو عينًا بما شاء): هذه الصورة الرابعة، وكلام المؤلف فيه نظر.
(عينًا بما شاء) قال: اشتر لي الساعة الفلانية موديل كذا رقم كذا صفتها كذا وكذا.
قال: بكم؟ قال: باللي تبغي.
يقول: هذا لا يصح؛ لأنها ربما لا تساوي إلا عشرة.
ويقول للبائع: أخذتها بخمسين.
فإذا جاء بها إلى الموكل قال: خذ هذه الساعة بخمسين.
قال: هذه ما تساوي إلا عشرة.
قال: أنت قلت لي: اشتر بما شئت، وأنا شئت أن أشتريها بخمسين.
المؤلف يقول: لا يصح، لكن نحن نعلم علم اليقين أن الموكل لما قال للوكيل: بما شئت.
فإنما وَكَلَهُ إلى أمانته، أليس كذلك؟ وليس من الأمانة أن يشتري ما يساوي عشرة بخمسين.
لو عيَّن له عينًا، وقال: اشترها.
قال: بكم؟ قال: بما ترى أنه مناسب.
يصح أو لا يصح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1674

طالب: يصح.
الشيخ: نعم هذا يصح، وقد يقال: إنها داخلة في كلام المؤلف، وأنها لا تصح.
وقد يقال: إنها غير داخلة؛ لأن هنا لم يقيده بالمشيئة المطلقة، وإنما قيده بما يراه مناسبًا، وهذا نوع من التخصيص، فلا يكون كالمشيئة المطلقة.
إذا عيَّن له شيئًا، عيَّن له عينًا قال: اشترِ للوفد الذين سيحضرون إليَّ أو الضيوف، اشترِ -مثلًا- لهم شاة.
قال: بكم؟ قال: بما شئت، أو: بما تراه أنه مناسب.
يجوز؟ طالب: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا وإن كان فيه شيء من الجهالة وربما يشتريها بثمن لم يخطر على بال الموكل، لكن مثل هذا يكون قليلًا، ومما يتسامح الناس فيه عادة، وحقيقة الأمر أن هذه مسائل فردية لكن ينبغي أن نعرف لها ضابطًا.
الضابط في ذلك: أنه كل ما دل عليه العُرف أو القرينة مما يحتمله كلام الموكل، وليس فيه محظور شرعي فإنه صحيح، إذا كان يدل عليه العرف أو القرينة ويحتمله كلام الموكل وليس فيه مانع شرعي فإنه صحيح؛ وذلك لأن الأصل في المعاملات الحل، فإذا لم تخالف الشرع، ولم تخالف العُرف، ولم تخالف لفظ المتعامِلَيْنِ فإن الأصل فيها الصحة.
طالب: شيخ، هل يفهم الضابط -بارك الله فيك- الضابط الأخير هذا اللي ذكرناه، يعني ألا يتمشى مع ما نعرفه عن الناس اليوم الذي تكثُر أموالُه مثلًا وتجارتُه يوكل مثلًا إنسانًا في كل قليل وكثير، لا يمكن أن يرجع إليه وكلاؤه في كل شيء في .. الشيخ: القاعدة اللي ذكرناها أو الضابط هي التي ينبغي أن يتمشَّى عليه، وما ذكره الفقهاء رحمهم الله لا ينافي ذلك؛ لأنهم يعللون كل مسألة بما يقتضيه هذا الضابط.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا نهى الموكلُ الوكيلَ عن قبض الثمن، ولم يجد إلا ذلك المماطل أو الغريب مشتريًا فلم يقبض هل يضمن؟ الشيخ: مجمل اللفظ لا يضمن، مقتضى اللفظ أنه لا يضمن، لكن من النصيحة بلا شك أنه إذا لم يجد إلا المماطل أو المعسر فإنه يجب عليه أن يتوقف ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1675

ولم يُعَيِّنْ لم يَصِحَّ، والوكيلُ في الْخُصومةِ لا يَقْبِضُ والعكسُ بالعكسِ، واقْبِضْ حَقِّي من زَيْدٍ لا يَقْبِضُ من وَرَثَتِه , إلا أن يَقولَ الذي قِبَلَه , ولا يَضْمَنُ وكيلٌ الإيداعَ إذا لم يُشْهَدْ.
(فصلٌ) والوَكيلُ أَمينٌ لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بيدِه بلا تَفريطٍ، ويُقْبَلُ قولُه في نفيِه والهلاكِ مع يَمِينِه، ومَن ادَّعَى وَكالةَ زيدٍ في قَبْضِ حَقِّه مِن عمرٍو لم يَلْزَمْه دَفْعُه إن صَدَّقَه ولا اليمينُ إن كَذَّبَه، فإن دَفَعَه فأَنْكَرَ زيدٌ الوَكالةَ حَلَفَ وضَمِنَه عمرٌو، وإن كان المدفوعُ وَديعةً أَخَذَها، فإن تَلِفَتْ ضَمِنَ أيَّهما شاءَ.
(باب الشركة) وهي أنواعٌ: فشَركةُ (عَنانٍ) أن يَشترِكَ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِما طالب: بارك الله فيك، الضابط الأخير هذا اللي ذكرناه، ألَّا يتمشى مع ما نعرفه عن الناس اليوم الذي تكثر أمواله -مثلًا- وتجارته، يوكل إنسانًا في كل قليل وكثير، لا يمكن أن يرجع إليه في البلاء وفي كل شيء؟ الشيخ: هو القاعدة اللي ذكرناها أو الضابط هي التي ينبغي أن يتمشى عليها، وما ذكره الفقهاء رحمهم الله لا ينافي ذلك؛ لأنهم يعللون كل مسألة بما يقتضيه هذا الضابط.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- إذا نهى الموكِّل الوكيل عن قبض الثمن، ولم يجد إلا ذلك المماطل أو الغريب مشتريًا فلم يقبض، هل يضمن؟ الشيخ: موجب اللفظ لا يضمن، مقتضى اللفظ أنه لا يضمن، لكن من النصيحة بلا شك أنه إذا لم يجد إلا المماطل أو المعسر فإنه يجب عليه أن يتوقف ويرجع إلى الموكل؛ إما أن يقول: امضِ في ذلك، أو يمنعه.
طالب: (ولا يقبض الثمن) هل النهي موجه للمشتري أو لوكيل البائع؟ الشيخ: كيف؟ طالب: هل نقول للمشتري .. ؟ الشيخ: الوكيل في البيع لا يقبض الثمن، إذا وكله في بيع ما يقبض الثمن؛ لأنه قد يرضى في البيع من لا يرضاه لقبض الثمن.
الطالب: ولكن النهي عن قبض الثمن هل نوجهه للمشتري؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1676

الشيخ: لا، لو كان للمشتري قلنا: ولا يسلم الثمن، هذا موجه للوكيل، الوكيل في البيع لا يقبض الثمن.
الطالب: وإذا قبضه؟ الشيخ: إذا قبضه فهو ضامن، أما المشتري فلا يضمن؛ لأن المشتري ما يدري.
طالب: ما هو الدليل على هذه المسألة أن الوكيل في البيع لا يقبض الثمن ما دام أن الموكل ناب عنه ذلك، فلماذا لا يقبض؟ لأنه مادام وكله إذن فإنه واثق منه؟ الشيخ: مثلما قلت قالوا: لأنه إنما وكله في البيع وليس قبض الثمن من مقتضاه تعليل؛ ولهذا المؤلف رحمه الله قال: (إلا بقرينة) مع أنه خالف المذهب؛ مؤلف زاد المستقنع في هذا خالف المذهب، المذهب: لا يقبضه إلا بإذنه، حتى في القرينة ما يقبض، والصواب: أنه يقبضه بالقرينة، وذكرنا لكم أن القرينة عرفية وشرعية.
طالب: بارك الله فيكم، سبق بأنه إن وكَّله أن يشتري هذا القلم، وهذا القلم سعره معروف؛ أنه سعره مئة ريال، فذهب الوكيل واشتراه بأقل، قلنا: إن الزيادة من حق الموكل، وهذه مسألة يكثر جدًّا السؤال عنها ومنتشرة كثيرًا، فيقول الوكيل: إنما أنا أتيت بأقل باجتهادي ومعرفتي بالسوق، فهذا حقي، وإنما هو وكلني بمئة ريال، فزيادته عن السعر دليل على إسقاطه ما قل منه، فكيف الجواب؟ الشيخ: معلوم أن التسعين -مثلًا- لو اشتراه بتسعين، ما يقبض من الموكل إلا تسعين.
الطالب: هو أعطاه مئة.
الشيخ: يرد عشرة.
الطالب: نعم، هذا ما دار، لكن أنا أسأل: الدليل؟ الشيخ: الدليل: لأني وكلته يشتري قلمًا، وكنت أظن أنه يساوي مئة وصار يساوي تسعين، أما لو قلت: اشتره بمئة، فإن نقص عن ذلك فالزائد لك، هذا واضح.
طالب: بعضهم يقول بأن تحديد الثمن من الموكل دليل على إسقاطه لهذه الزيادة، فهل هذا سائغ؟ الشيخ: ما هو بصحيح أبدًا، الغالب أن تحديده للثمن الجهل، الغالب أنه ما حدد الثمن إلا جاهلًا به.
طالب: فإن انتفى الجهل ويقدم انتفاء الجهل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1677

الشيخ: على كل حال المسألة ما هي مشكلة، إذا اشتراه بتسعين قال: واللهِ، أنا اشتريته بتسعين، وأنت أعطيتني مئة، هذه عشرة، فإذا قال الموكل: هي لك، ما هي بإشكال.
طالب: الذين يرون أن الخمرة نجسة، هل يرون أن النجاسة تذهب إذا تخللت من جنسها؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف -يا شيخ- وهي في الأول نجسة؟ الشيخ: وهل هي في الأول طاهرة أيضًا؟ هي قبل النجاسة طاهرة لما كانت خلًّا، الحكم يدور مع علته.
طالب: بالنسبة إذا كان وكَّل في المجلس لشراء، وكله شخص في البيع ووصف له شيئًا بصفة معينة، ووكله الآخر بشراء شيء بصفة معينة، فهل تكفي نيته؟ نويت .. الشيخ: إي نعم، هذا يسمى تولي طرفي العقد.
الطالب: ( ... ) بمجرد بالنية؟ الشيخ: إي نعم، ينتقل الملك من هذا إلى هذا بمجرد النية، ولكن في مثل هذا ينبغي أن يشهد؛ لأنه لا يدري، ربما يفجؤه الموت أو يحصل له حادث ولا يدري، فمثل هذا يُشْهِد؛ اشهدوا بأني بعت ملك فلان على فلان، إذا كان زوج المرأة وليها وأراد يعقد النكاح لنفسه، يجوز؟ طالب: نعم.
الشيخ: يزوج نفسه؟ طالب: نعم.
الشيخ: عندكم معارضة ولَّا موافقة؟ خلاص موافقة، السكوت يكفي، هو وليها وأراد أن يتزوجها فهل يجوز؟ طالب: نعم.
طالب آخر: يتولى هو يا شيخ.
الشيخ: إي، هو.
طالب: وليها.
الشيخ: إي نعم.
طالب: الرسول.
الشيخ: ابن عمها أقرب الناس إليها، يجوز، لكن كيف يكون يجيب اثنين ويشهدوا يقول: أشهدكم أني تزوجت فلانة؟ وهنا صار الإيجاب هو القبول، إي نعم.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: والوكيل في الخصومة لا يقبض، والعكس بالعكس، واقبض حقي من زيدٍ لا يقبض من ورثته، إلا أن يقول: الذي قبله، ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يُشْهِد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1678

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل وكل شخصًا أن يبيع جملًا شاردًا؟ طالب: الوكالة هنا فاسدة.
الشيخ: فهل تصح الوكالة؟ طالب: لا.
الشيخ: حضر الجمل هل يبيعه بالوكالة الأولى أو لا؟ طالب: لا يبيعه بالوكالة الأولى.
الشيخ: لا يبيعه بالوكالة الأولى، لماذا؟ الطالب: لأنه كان نقص الثمن.
الشيخ: لو قال: إذا حضر جملي الشارد فبعه؟ طالب: يصح؛ لأن الوكالة تصح معلقة.
الشيخ: يصح؛ لأن الوكالة تصح معلقة.
إذا وكله أن يشتري عينًا بما شاء؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ طالب: لأن فيه مفسدة، فيها جهالة عظيمة.
الشيخ: فيها جهالة عظيمة؛ قد يشتري ما يساوي عشرة بألف، لو علمنا أن مراده بقوله: بما شئت؛ أي: بما تراه صالحًا ولو زاد الثمن؟ طالب: نعم، يصح.
الشيخ: نعم، يصح.
طالب: لأن الوكالة تنصرف إلى العرف أو لفظ الموكل.
الشيخ: إذا كان هذا قصده؛ معناها إن ما أحدد لك الثمن، وليس مراد الموكل (بما شئت) يعني: بكل ثمن قليل أو كثير، هذا ما أحد يقوله، لكن معنى (بما شئت) أي: بما تراه صالحًا فلا بأس به.
قال المؤلف رحمه الله: (والوكيل في الخصومة لا يقبض، والعكس بالعكس) أفادنا المؤلف أولًا: أنه يجوز التوكيل في الخصومة؛ يعني: يجوز أن توكل شخصًا يخاصم عنك، وحينئذٍ نسأل هل يجوز قبول هذه الوكالة أو لا؟ في ذلك تفصيل؛ لأنه لا يخلو من إحدى أحوال ثلاث: إما أن تعلم أنه محق، أو تعلم أنه مبطل، أو تتردد، فإن علمت أن الموكل محق لكن خصمه خصم جدل فهنا يجوز لك أن تقبل الوكالة في الخصومة، بل قد نقول: إنه يشرع أو يجب؛ لأن في هذا استنقاذًا لحق أخيك ونصرة له، وللظالم أيضًا؛ أما نصرته فواضح؛ لأنك سبب لوصول الحق إليه، وأما نصرة الظالم فلمنعه من الظلم، هذا متى؟ إذا علمنا أن الموكل محق في خصومته.

الجزء: 2 - الصفحة: 1679

إذا علمنا أنه مبطل لكنه اختار هذا الوكيل؛ لأنه وكيل جدلي يستطيع أن يقلب الباطل حقًّا والحق باطلًا، فهل يجوز أن تُقْبَل هذه الوكالة؟ لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
إذا ترددت فالإمام أحمد رحمه الله لا يعدل بالسلامة شيئًا، لا سيما في أوقاتنا هذه عند تغير الزمان واختلاف الذمم، فإذا ترددت هل الذي أراد أن يوكلك تخاصم عنه محق أو غير محق فالسلامة أولى؛ أي: ألَّا تقبل الوكالة.
من هذا الآن هؤلاء الذين يتوكلون ويسمونهم أيش؟ طلبة: المحامون.
الشيخ: المحامون، يسمونهم المحامين، فالمحامي إذا قال: هل يجوز أن أشتغل بالمحاماة؟ نقول: في هذا تفصيل؛ إن كنت تحامي عن شخص عاجز عن دفع الظلم عن نفسه فهذا خير وصحيح، وهو دائر بين الوجوب أو الاستحباب وإن كنت تحامي لأجل أن تحصل على فلوس سواء كان صاحبك محقًّا أو مبطلًا فهذا لا يجوز، وإن علمت أنه مبطل صار ذلك أشد تحريمًا.
نرجع الآن ونقول: هل يجوز أن يوكل من يخاصم عنه؟ الجواب: نعم، يجوز.
فإذا قيل: ما الدليل؟ قلنا: لا حاجة لطلب الدليل، لماذا؟ لأن الأصل في المعاملات الحل، فأي واحد يطالبك بدليل أي معاملة فقل: الدليل عليك أنت، هاتِ الدليل على التحريم، وعلى العين والرأس.
وكَّله بالخصومة هل يملك القبض أو لا يملك؟ يقول المؤلف: إنه لا يملك القبض، فإذا وكَّل زيدٌ عمرًا أن يخاصم عنه خصمه فخاصمه وحكم القاضي للموكل، فهل للوكيل أن يقبض ما حصلت فيه الخصومة؟ يقول المؤلف: لا، لماذا؟ لأنه ربما يرضى في وكالة الخصومة من لا يرضاه في وكالة القبض، قد يكون؛ لأنه ربما يكون هذا الرجل قويًّا في الخصومة، لكنه غير أمين، ربما لو يقبض مالي ذهب يفسده، أو يدعي التلف، أو يؤذيني في تخليصه منه، فقد أوكل في الخصومة من لا أرضاه في القبض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1680

وقال بعض أهل العلم: ينظر في ذلك إلى القرائن؛ قرائن الأحوال، فإذا كان الوكيل بالخصومة في بلد غير الموكل فهنا القرينة تقتضي أن يقبض؛ لأن الموكل ليس حاضرًا حتى يقال: إن الموكل هو الذي يقبض، وقد جرت العادة أن مثل هذا؛ يعني: أن الوكيل في الخصومة يقبض إلا إذا نهاه قال: أنت وكيلي في الخصومة، ولكن لا تقبض شيئًا، فهنا لا يقبضه على كل حال.
وحينئذٍ نقول على القول الراجح: لا تخلو المسألة أيضًا من ثلاث حالات؛ إما أن يقول: أنت وكيلي في الخصومة والقبض، فالأمر واضح؛ يعني: يملك الخصومة والقبض، وإما أن يقول: أنت وكيلي في الخصومة لا في القبض، فهذا أيضًا واضح، يكون وكيلًا في الخصومة ولا يقبض، وإما أن يسكت، فالمؤلف يرى أنه لا يقبض، والراجح أنه يرجع في ذلك إلى القرائن؛ إلى قرائن الأحوال، فإن دلت القرينة على أنه يقبض قبض، وإلا فلا.
وإذا قلنا بهذا القول ولم يقبض صار مفرطًا، فيكون عليه الضمان.
(العكس بالعكس) الوكيل في القبض له أن يخاصم؛ يعني: لو قلت: يا فلان، أنت وكيلي، اقبض حقي من زيدٍ، له أن يخاصم إذا طلب الحق من زيد، وقال زيد: ليس عندي له شيء؛ أنكر، هنا نحتاج إلى الخصومة.
هل يملك الوكيل في القبض أن يخاصم؟ يقول المؤلف: نعم، التعليل: لأنه قد لا يتأتى القبض إلا بخصومة، فالخصومة قد تكون أحيانًا هي التي يتمكن بها من القبض؛ فلهذا إذا وكله في القبض فله أن يخاصم، هكذا قال المؤلف رحمه الله وأطلق.
ولكن في الإطلاق نظر؛ لأني قد أثق به في القبض، لكنني لا أعتمد عليه في الخصومة؛ لكونه رجلًا ضعيفًا لا يعرف أن يحاج ولا يعرف أن يخاصم، وصاحبي الذي أنا أطلب منه رجل قوي في الخصومة، فيقول له: اذهب، ما عندي لك شيء، ولا عندي لموكلك شيء، وإذا خاصمه غلبه؛ إذا خاصم وكيلي في القبض يغلبه، فهذا الذي قال المؤلف فيه نظر، بل نقول: إذا وكله في القبض فإنه لا يملك الخصومة، إلا إذا قال: وإن احتجت إلى خصومة فخاصم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1681

ماذا يصنع إذا وكله في القبض، ثم ذهب إلى الغريم وقال: ليس عندي شيء؟ يرجع إلى الموكل يقول: الرجل أنكر، فهل توكلني أن أخاصم، أو وكل غيري؛ يعني: الإنسان ما هو ملزم إذا وُكِّل في شيء أن يتمه، الوكالة -كما عرفتم- عقد جائز، فإذا طلب الحق وقال المحقوق: ليس عندي لموكلك شيء، يجب أن يتوقف ولا يخاصم؛ لأنه قد يخاصم، فيغلب والحق معه، يغلب؛ لأن صاحبه ألد خصم، وهو ضعيف، فنقول: الوكيل في القبض لا يملك الخصومة إلا بإذن خاص.
(والعكس بالعكس، واقبض حقي من زيد لا يقبض من ورثته إلا أن يقول: الذي قبله) إذا وكَّله في قبض حقه من زيد قال: يا فلان، لي عند زيدٍ عشرة آلاف ريال، أنت وكيلي في قبضها، ذهب الوكيل إلى زيد ووجده قد توفي، إلى من ينتقل المال؟ طلبة: إلى ورثته.
الشيخ: ينتقل إلى ورثته، هل يقبض من الورثة؟ يقول المؤلف: لا يقبض من الورثة؛ لأن الوكالة تتقيد بما قيدها به الموكل، والموكل -يا جماعة- قال: اقبض حقي من زيد، هذا الوكيل وصل إلى زيد فوجده قد توفي، نقول: لا تقبض من الورثة، حتى لو قال الورثة: يا فلان، أنت وكيل فلان؟ قال: نعم، قال: عند أبينا لك كذا وكذا، اتفضل خذ، لا يستلمه؛ لأن الموكل قال: اقبض حقي من زيد، وقد تتغير حال الموكل إذا علم أن غريمه قد توفي ويكون قد ترك صغارًا وأيتامًا وعجائز، فيريد أن يهبه، أو أن يبرئهم منه.
وعلى هذا فماذا يصنع إذا كان لا يقبض من ورثته؟ يخبر الموكل يقول: إني وجدته قد توفي، فهل توكلني في أن أقبض من ورثته أو لا؟ هو عاد بالخيار، إلا إذا قال: اقبض حقي الذي عند زيد، أو اقبض حقي الذي قِبَل زيد -انتبه للفرق بين العبارات، كن فقيهًا- اقبض حقي من زيد؛ هذا لا يقبض من الورثة، اقبض حقي الذي عند زيد؛ يقبض من الورثة؛ لأنه وكله في قبض حقه دون تعيين من يقبضه منه.
اقبض حقي الذي عند زيد، اقبض حقي الذي قِبَل زيد؛ أي: من جهة زيد، يقبض من الورثة؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1682

الشيخ: يقبض من الورثة، واضح.
اقبض حقي من زيد؟ طلبة: لا يقبض.
الشيخ: هي المسألة الأولى، ففرق بين العبارات، مع أن أكثر الناس لا يميز الفرق بين: اقبض حقي من زيد، واقبض حقي الذي عند زيد، واقبض حقي الذي من قِبَل زيد، وما أشبه ذلك، لكن الواقع أن بينهما فرقًا واضحًا؛ لأن (اقبض حقي من زيد) عيَّن المقبوض منه، و (اقبض حقي الذي عند زيد) ما عين المقبوض منه، اقبض الحق، لكن عين الجهة صحيح، لكن (الذي عند زيد) هذا تعيين جهة، ليس تعيين من يقبض منه، لكن هذه المسائل الدقيقة أتظنون أن العوام يفرقون بينها؟ طلبة: لا.
الشيخ: في ظني -والله أعلم- أن العامي إذا قال: اقبض حقي من زيد فهو بمنزلة قوله: اقبض حقي الذي عند زيد، فإذا علمنا -يقينًا- أن هذا هو المراد فإن الوكيل يقبض منين؟ طلبة: من الورثة.
الشيخ: من الورثة، وإذا شككنا فالسلامة، انتبهوا لهذا، متى شككنا في ملك الشيء فخذوه بالسلامة، كان الإمام أحمد رحمه الله لا يعدل بالسلامة شيئًا، وأنت الآن إذا قبضت من الورثة وأنت شاك فقد أخذت ما ترددت فيه، لكن إذا لم تقبض فليس عليك لوم، فأنت سالم، وعليه فمتى -هذه خذوها قاعدة- متى تردد الإنسان في الإمضاء أو التوقف فما السلامة؟ طلبة: التوقف.
الشيخ: التوقف.
ثم قال رحمه الله: (ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يُشْهِد) (وكيل الإيداع) معناه: وكلتك أن تودع شيئًا عند شخص، قلت: يا فلان، هذه -مثلًا- عشرة آلاف ريال، اذهب بها إلى فلان وديعة عنده، ويش معنى وديعة؟ طالب: أمانة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1683

الشيخ: يعني ويش معنى أمانة؟ وديعة؛ معناه: أستودعها عنده، ويكون حافظا لها، خذ عشرة آلاف أعطها فلانًا وديعة، أخذها الوكيل وذهب بها إلى فلان وأعطاها إياه بدون شهود، يقول المؤلف: إنه لا يضمن الوكيل، لماذا لا يضمن؟ لو فُرِضَ أن المودع أنكر قال: ما أعطيتني وديعة، قال: يا رجل، أعطيتك، جئت إليك في البيت وأعطيتك عشرة آلاف ريال وقلت: هذه وديعة من فلان، احفظها له حتى يرجع من سفره -مثلًا- قال: أبدًا، أنكر، فهل يضمن الوكيل بالإيداع الذي وكَّلته أن يودعها عند زيد؟ يقول المؤلف: لا يضمن؛ لأن المودع يقبل قوله في نفي الوديعة.
لو أن إنسانًا ادَّعى أنه أودع شخصًا مالًا وأنكر المودع، هل يلزمه شيء؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: جواب بارد هذا، لا! طالب: لا يلزمه.
الشيخ: لا، نعم، لا يلزمه؛ لأنه الأصل براءة ذمته، يقولون: إن هذا الوكيل لما لم يشهد لم يكن مفرطًا؛ إذ لو قُدِّرَ أنه أشهد وثبتت الوديعة عند المودع، ثم ادعى ردها؛ ثبتت الوديعة عند المودَع -بفتح الدال- ثم ادعى ردها قال: صحيح، أنت أودعتني لفلان عشرة آلاف ريال، لكنني رددتها عليك، يُقْبَل قوله أو لا؟ طلبة: يُقْبَل.
الشيخ: يُقْبَل قوله، فيكون إذن الإشهاد لا فائدة منه، حتى لو أشهد أو لم يُشْهِد فإن المودع يُقْبَل قوله في رد الوديعة، هكذا قال المؤلف رحمه الله، ولكن في كلامه نظر، والصواب: أنه يضمن إذا لم يشهد، إلا فيما جرت العادة بأنه لا يشهد فيه؛ لقلته وحقارته، أو لكون المودع ممن جرت العادة ألَّا يُشْهَدَ عليه؛ من أجل أنه مبرز في العدالة.
أقول: إذا قلت لفلان: خذ، أنت وكيلي، أودع هذه عشرة آلاف ريال عند شخص، فأودعها بدون إشهاد، ثم إن المودع أنكر هل يضمن؟ لا يضمن، ليش؟ على كلام المؤلف لا يضمن؛ لأن المودع لو ثبتت الوديعة عليه وادعى أنه ردها قُبِلَ قوله، إذن لا فائدة من الإشهاد، هذا كلام المؤلف رحمه الله، ولكن نقول: الصحيح أنه يضمن إلا في حالين:

الجزء: 2 - الصفحة: 1684

الحال الأولى: إذا كان المُودَعُ شيئًا زهيدًا لم تجر العادة بالإشهاد عليه، هذه واحدة.
والثانية: إذا كان المُودَعُ رجلًا مبرِّزًا في العدالة، جرت العادة ألَّا يُشْهَدَ عليه إذا أودع؛ لأنه مؤتمن، أمين عند الناس كلهم، فهنا نقول: إن المودِع الذي وُكِّل في الإيداع لا يضمن؛ لأن الناس كلهم لا يقولون: هذا مفرط.
رجل أعطى شخصًا عشرة ريالات، قال: واللهِ، أنا بسافر، وهذه عشرة ريالات حطها عند فلان أمانة، أعطاها إياه قال: هذه أمانة لفلان، هل يضمن إذا لم يُشْهِد؟ طلبة: لا يضمن.
الشيخ: ليش يا جماعة؟ زهيدة، لو أن هذا الوكيل راح يجيب اثنين يشهدون، قال: اشهدوا أني أعطيت هذا عشرة ريالات وديعة لفلان، ويش يقولون الناس؟ يستخفون بي لا شك، ولا يعدون هذا مناسبًا.
مثال آخر: رجل أعطى شخصًا دراهم قال: حطها أمانة عند شخص يحفظها لي، فذهب الرجل إلى رجل مبرز في العدالة؛ أمين عالم عابد حافظ، ما هو كثير النسيان حتى نقول: هرف ونسي، ثم أودعها، هل جرت العادة أن يُشْهَد على مثل هذا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما جرت.
فالصواب إذن أن يقال: إن الموكل في الإيداع إذا لم يُشْهِد؛ إن عُدَّ مفرطًا فهو ضامن، وإلا فلا.
ولكن كيف يُعَد مفرطًا؟ نقول: هو مفرط إذا لم يشهد مطلقًا، إلا في حالين: إما لزهادة الوديعة، وإما لاعتبار المودَع.
الفائدة من الإشهاد، إذا قال قائل: ما الفائدة من الإشهاد إذا كان قول المُودَع مقبولًا في الرد؟ الفائدة هو أنه قد لا يدعي الرد، قد يكون عنده من الإيمان ما يمنعه أن يدعي الرد، وهو لم يرد، لكن ينسى فينكر الوديعة، يقول: ما ودعتني، حينئذٍ إذا لم يكن شهود تضيع أو لا تضيع؟ تضيع الوديعة، وإذا كان شهود لا تضيع؛ لأن الشهود سيثبتونها، وحينئذٍ فيكون عدم الإشهاد تفريطًا من الوكيل، فيضمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1685

قال: (ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يُشْهِد) ما هو تعليل كلام المؤلف؟ أن الوديعة يُقْبَل فيها قول المودَع إذا ادَّعى الرد، فلا فائدة من الإشهاد، حتى لو أقر قال: نعم، أنت أودعتني، ولكن رددتها، هذا هو التعليل.
فنقول: هذا التعليل صحيح من جهة، لكنه عليل من جهة أخرى، نحن نقول: يُشْهِد خوفًا من النسيان؛ يعني: إذا قدَّرنا أن المودع رجل ثقة لا يمكن أن يدعي الرد، لكن قد ينسى وينكر، فيكون الإشهاد فيه فائدة.


ثم قال: (فصل: والوكيل أمينٌ لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريطٍ) (الوكيل أمين) أفادنا المؤلف رحمه الله أن الناس الذين بأيديهم أموال الناس منهم أمناء ومنهم غير أمناء، فما هو الضابط للأمين من غير الأمين؟ لما قال: (الوكيل أمين) علمنا أن هناك طرفًا آخر ليس بأمين، فما هو الضابط؟ نقول الضابط: كل من كان المال بيده بإذن من الشارع أو بإذن من المالك فهو أمين، هذا الضابط، ومن كان في يده بغير إذن من الشارع أو من المالك فليس بأمين، فلننظر: ولي اليتيم من أذن له؟ طلبة: الشرع.
الشيخ: الشرع، هذا أمين من قبل الشرع.
ناظر الوقف؟ طلبة: أمين.
الشيخ: من أذنَ له؟ الواقف.
الوصي -يعني المُوصَى إليه- أمين، من أذن له؟ طلبة: الموصي.
الشيخ: الموصِي.
المستأجر تحتَ يده العين المؤجرة أمين ولَّا غير أمين؟ من أذن له؟ المُؤجر، وهلم جَرًّا.
إذن الضابط للأمين: كل من كانت العين بيده بإذن من الشارع أو إذن من المالك فهو أمين.
نأتي للوكيل؛ الوكيل أمين؛ لأن العين حصلت بيده بإذن من الموكِّل، متى ترتفع الأمانة؟ ترتفع الأمانة إذا تعدَّى أو فرَّط ارتفعت الأمانة وصارت يده غير أمينة.
مثال ذلك: المودع؛ أودعت شخصًا عشرة آلاف ريال في ربطتها وجعلها أمام عينه في الصندوق، بقيت في الصندوق لم يتصرف فيها، هو الآن أيش؟ طلبة: أمين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1686

الشيخ: أمين؛ لأن الدراهم تحت يده بإذن من المالك، الرجل احتاج يومًا من الأيام واستقرض هذه الدراهم، واشترى بها حاجة، ثم ردها في يومها إلى الصندوق، هل تزول أمانته؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، تزول أمانته، الآن صارت يده غير أمينة، لماذا؟ لأنه تصرف في المال بغير إذن مالكه، وهذا تعدٍّ.
إذا قال قائل: هو أخذ عشرة آلاف ورد عشرة آلاف بيومه وفي الصندوق نفسه؟ نقول: لكن ليس له حق أن يتصرف في عين مال الغير إلا بإذنه، وهذا لم يُؤْذَن له.
لو فُرِضَ أن هذا الصندوق احترق وتلفت الأموال اللي فيه ومن جملتها عشرة الآلاف هذه، يضمن؟ طلبة: لا يضمن.
طالب: بلى.
الشيخ: بعد أن تصرف فيها وردها؟ طلبة: نعم، يضمن.
الشيخ: تمام، يضمنها؛ لأنه صار غير أمين بتصرفه فيها، أما لو أبقاها ولم يتصرف فيها ثم احترق الصندوق فليس عليه ضمان، لماذا؟ لأنه أمين، انتبهوا للقواعد هذه؛ لأنها مفيدة جدًّا.
(الوكيل أمين) ثم بيَّن الحكم الذي يترتب على كونه أمينًا فقال: (لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط) لا يضمن ما تلف بيده من المال الذي اؤتمن عليه، (بلا تفريط) يعني: شرط عدم الضمان ألَّا يفرط، ونحن نزيد شرطًا آخر من باب أولى: وألَّا يتعدى؛ يعني: بلا تفريط ولا تعدٍّ.
وهنا نسأل ما الفرق بين التفريط وبين التعدي؟ الفرق؛ التعدي: أن يفعل ما لا يجوز، والتفريط: أن يترك ما يجب، فما طُلِبَ فعلُه فتركه يُسَمَّى تفريطًا، وما طُلِبَ الامتناع منه ففعله يُسَمَّى تعديًا.
في المثال اللي ذكرنا من قبل في مسألة الوديعة: إذا أخذ الدراهم التي أودعَها وتصرف فيها، هذا تعدٍّ، إذا وضع الدراهم فوق سطح الصندوق وغفل، ثم سُرِقَت، فهذا تفريط؛ لأنه ترك ما يجب؛ إذ إن الواجب عليه أن يحفظها فورًا بما تحفظ به عادةً.

الجزء: 2 - الصفحة: 1687

الوكيل الآن وكَّله في شراء حاجة من الحوائج، ولنقل: إنه وكَّله في شراء ساعة، اشترى الساعة، ثم وضعها في بيته على رفٍّ يتناوله الصبيان، فأتت الصبيان فأخذت الساعة وخرَّبتها، ما تقول؟ طالب: يضمن يا شيخ.
الشيخ: لماذا يضمن؟ طالب: لأنه فرَّط.
الشيخ: لأنه فرَّط، صحيح كلامه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يضمن؛ لأنه فرَّط.
مثال آخر: وكلته أن يشتري لي ساعة فاشتراها، اشترى ساعة، ثم إنه نسي ساعته في البيت، فوضع الساعة التي اشتراها لي في يده -يعني استعملها- فجاءها شيء وكسرها، يضمن أو لا؟ طلبة: يضمن.
الشيخ: ليش؟ طلبة: للتعدي.
الشيخ: لأن هذا تعدٍّ.
الصورة الثالثة نشوف ما فيها من تعدٍّ ولا تفريط؛ اشترى الساعة ووضعها في رف رفيع لا يتناوله الصبيان، ولكن أحد الصبيان كان بذيًّا، أتى بسلم من الجيران وصعد على الرف وأخذ الساعة وكسرها؟ طلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لأنه بدون تعدٍّ ولا تفريط.
الشيخ: لأن هذا ليس تعديًا ولا تفريطًا؛ إذ إنه جرت العادة أن الناس يحفظون مثل الساعة وشبهها في الرفوف العالية عن الصبيان، وهذا الصبي خرج عن العادة، من يُقَدِّر أن صبيًّا يذهب ليأتي بسلم ويصعد عليه ليجد هذه الساعة؟ فعلى كل حال القاعدة عرفناها؛ إذا تلف الشيء تحت يده بتعدٍّ أو تفريط فهو ضامن، وبلا تعدٍّ ولا تفريط فهو غير ضامن.
طالب: إذا كان لي عند زيد -مثلًا- مبلغ من المال، فوكلت أحدًا أن يُحْضِر لي هذا المال؟ الشيخ: يحفظه؟ طالب: يحضره، ولكن زيد مماطل، فقال لي الوكيل: أنا أعطيك نصف المبلغ، واتركني أنا أتصرف مع زيد؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1688

الشيخ: إي، سمعتم السؤال؟ يقول: إن شخصًا وكَّل آخر أن يقبض حقه من زيد، ولنجعله عشرة آلاف ريال، فقال الوكيل: إن زيدًا رجل مماطل، ولكن أنا أعطيك الآن ثمانية آلاف ريال، وآخذ من هذا المماطل عشرة آلاف ريال، نقول: هذا حرام ولا يجوز؛ لسببين: السبب الأول: أنه ربًا، والسبب الثاني: أنه باع دينًا في ذمة الغير على غير من هو عليه، وبيع الدين على غير من هو عليه لا يجوز؛ لأنه لم يقبض، وإذا كان مماطلًا ففيه بعد علة أخرى؛ أنه قد يكون غير مقدور على تسليمه.
المهم أن هذه حرام.
طالب: يا شيخ، بالنسبة لما ذكرنا الآن التصرف في الأموال؛ الأوراق النقدية جرت العادة أن الإنسان إذا أودع شيئًا فإنه يتصرف؛ يمكن له أن يتصرف فيها ويردها، كما لو كان في سفر فأخذ مالًا يوصله إلى آخر في بلد آخر عشرة آلاف، وجرت العادة أنه يمكن أن يتصرف فيها، ثم يرد؟ الشيخ: واللهِ، ما تعرف العادة هذه، ما عرفت العادة.
الطالب: ليست عينية.
الشيخ: إي، دراهم.
الطالب: ليس المراد إيصالها بعينها؟ الشيخ: هو الواجب إيصالها بعينها وألَّا يتصرف فيها.
طالب: ذكرنا من قبل أن الدراهم ليست كالـ .. الشيخ: لا، الدراهم بالتعيين، هذا شيء ثانٍ، هذا في البيع والشراء، لكن مسألة الأمانة تتعين، ما يمكن يتصرف فيها أي تصرف إلا بإذن، لو قال له -مثلًا-: خذ هذه أعطها أهلي في البلد الفلاني، قال: تأذن لي أني أستقرضها، إذا أذن له لا بأس.
طالب: ما شأن المحامين الذين يدافعون عمن له حق، لكنهم يستخدمون وسائل غير شرعية؟ الشيخ: مثل؟ الطالب: يستخدمون قوانين ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1689

الشيخ: هذه مسألة في الحقيقة مهمة جدًّا؛ يعني -مثلًا- هل يجوز أن نتحاكم إلى من يحكمون بالقانون إذا كنا محقين، أو نضيع حقوقنا؟ ذكر ابن القيم رحمه الله في أول كتاب الطرق الحكمية أن من الفقهاء من قال: لا تتحاكم إليهم، وليضيع كل حقك، وقال: هذا لا يمكن أن تصلح به أحوال الناس، لا سيما مع كثرة الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، لك أن تحاكم، ولكن إذا حكم لك بغير ما أنزل الله فردها، أما أن تضيع حقوق الناس، ربما تكون أملاك وفيها وراث كثيرون، نضيعها لأن هذا يحكم بالقانون؟ ! أنت تحاكم إليه، وإذا حكم بالحق فالحق مقبول من أي إنسان.
طالب: شخص إذا كان محامي نفسه؟ الشيخ: نفس المحامي، الوكيل قائم مقام الموكل، فإذا كان الموكل محقًّا فلا بأس أن يتوكل عنه.
طالب: أحسن الله إليك، قولنا: وكل يُقْبَل قوله ( ... ) هل هو على إطلاقه فيمن قبض؟ الشيخ: لا، كل يُقْبَل في الأمور المالية، لكن فيه أشياء ما يحتاج إلى الحلف.
طالب: في الأمور المالية هل مرتبطة بحظ نفسه أم بغيره؟ الشيخ: كل الدعاوي هذا الضابط فيها.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا كان فيها مانع؛ مثل عشرة آلاف ريال جت ضرورة لي ولَّا لأحد من الناس، ضرورة لازمة، ونويت أتصرف فيها .. الشيخ: وتستأذن صاحبها؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي.
الطالب: أو لا استأذن صاحبها، ( ... ) الحقيقة هذه تيجي فجأة.
الشيخ: إي، إذا كان ضرورة بمعنى الموت إن لم تفعل؟ الطالب: لا، يا شيخ، هم غالبًا ما يسجنون الإنسان.
الشيخ: هذا ( ... ) معناه: أن ما عندك فلوس توفيه.
الطالب: بيسجن الإنسان، ولًّا بيسجني أنا، ولَّا بيسجنك، وأنا نويت أني آخدها أتصرف فيها وأخبره بعد ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1690

الشيخ: ما يكفي النية، لا بد أن تستأذن من صاحبها، نعم لو فُرِضَ أن الذي أعطاك إياها رجل من أقاربك وتعلم علم اليقين أن من أحلى ما يكون على قلبه أن تزيل ضرورتك باستعمالها فلا بأس، أو إنسان صديق لك صداقة تعلم أن من أحلى ما يكون على قلبه أن تتصرف بدراهمه تفك حاجتك فلا بأس، وهذا يُسَمَّى عند العلماء تصرف الفضولي.
طالب: بارك الله فيك، المحامون الذين يدافعون عن حقوق الناس بالحق، ولكن يتحاكمون بحكم بغير ما أنزل الله، فهل يجوز له أن يزوِّر؛ لأن بعض الناس يجي بأوراق مزورة لكي يصل لما فيه من حق، فهل يجوز له تزوير أوراق؟ الشيخ: أبدًا، ما يجوز، التزوير هذا حرام.
الطالب: يقول: لو لم أفعل ذلك ما جاب حقًّا؟ الشيخ: لا يجيب حقًّا، التزوير محرم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قلنا: تجوز الخصومة، هل يجوز التوكيل في الخصومة بدون رضا الخصم؟ الشيخ: إي، أسمعتم ما قال؟ يقول: هل يجوز أن أوكل شخصًا يخاصم عني بدون رضا خصمي؟ الجواب: نعم؛ لأن الإنسان له أن يأخذ الحق بنفسه أو بوكيله.
الطالب: حتى لو قال الوكيل: أنا لا .. الشيخ: لو قال الخصم: أنا ما أبغي هذا، ليش توكل هذا؟ هذا رجل لدود، هذا رجل خصوم، أنا ودي أنت؛ رجل طيب القلب، حبيب؛ علشان أركبك! طالب: وكَّل الموكل الوكيل على أن يبيع له سلعة بعشر، قال له: والزائد على العشرة لك إجارة؟ الشيخ: ما فيه بأس، إذا قال: بعْ هذا بعشرة وما زاد فهو لك فلا بأس به.
طالب: أحسن الله إليك، إذا كان -مثلًا- الوكيل في بلاد ليس للموكل أن يأتي إليها وغريمه هناك، ولا يجد من يوكله إلا ذاك الوكيل، فهل يجوز للوكيل أن يقول: أنا لا أسعى لك في قضيتك إلا بأخذ مالي، أم نظرًا لضرورة ذلك يقال: إنه لا يجوز له ذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1691

الشيخ: لا، له أن يأخذ المال، لكن بقدر العادة؛ لا يزيد ويتغلب عليه عشان هو مضطر، سمعتم كلامه؟ يقول: إذا كان الإنسان في مكان آخر وله خصم في بلد آخر، ووكل شخصًا لقبض حقه، وقال الوكيل: أنا لا أقبضه إلا بكذا وكذا؛ إما بدراهم مقطوعة؛ كألف ريال مثلًا، أو بالعشر، لي عشر ما قبضت أو ما أشبه ذلك، نقول: لا بأس، لكن بشرط ألَّا يستغل ضرورته فيطلب عليه أكثر من العادة.
طالب: قلنا في تعريف الأمين: كل من أخذ المال بإذن الشارع وبإذن .. الشيخ: كل من كان المال في يده بإذن من الشارع أو إذن من المالك.
الطالب: يدخل في هذا التعريف المستعير يا شيخ؟ الشيخ: نعم، هو أمين.
طالب: ماذا تقولون في ( ... )؟ الشيخ: هذه مسألة غير الأمانة، القول الراجح أنه ما يضمن ( ... )، هذا القول الراجح، لكن المذهب يقولون: لأنه قبضه لحظ نفسه المحض؛ فلذلك ضمَّناه على كل حال، وهو أمين.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- من المعلوم أن الجهل والنسيان عذر، فهل يكون عذرًا للوكيل بأن جهل بأنه -مثلًا- لو وضع الساعة تحت الشمس خربت؟ الشيخ: بأنه أيش؟ الطالب: فهل يكون العذر والجهل بالنسبة للوكيل أيضًا مخرجًا له من التفريط أو التعدي؛ بأن يجهل بأنه -على مثال الساعة- أن يجهل بأنه لو وضع الساعة تحت الشمس أنها تتلف، أو ينسى فيضعها في مكان يناله الأولاد، أو -أيضًا صورة ثالثة- ممكن أن تدخل هنا ألَّا يقصد أن يتلفها؛ بأن يضعها في جيبه فيجلس عليها فتنكسر، هذه الصور الثلاثة هل يخرج منها شبهة التعدي أو التفريط؟ الشيخ: أما الأخيرة فلا ضمان عليه؛ لأنه جرت العادة أن الساعة وأشباهها توضع في الجيب فليس عليه شيء، وأما الأولى والثانية فعليه.
واعلم أن الجهل والنسيان بالنسبة لحقوق الإنسان لا يسقط بهما الضمان، يسقط بهما الإثم فقط، أما الضمان فلا بد منه.
طالب: إذا قال الموكل للوكيل: بعِ السيارة واقبض الثمن، فوجد الوكيل سيارة بخمسين ألفًا؟ الشيخ: هو قال: بع السيارة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1692

الطالب: هو قال: بع السيارة واقبض الثمن، فوجد الوكيل سيارة بخمسين ألفًا.
الشيخ: وجد السيارة؟ هو ما وكله بالشراء! الطالب: نعم، هو يريد أن يشتري له، والوكيل يريد أن يشتري لنفسه، ذهب إلى .. الشيخ: يعني باع السيارة؟ الطالب: ما باعها، يريد أن يبيع السيارة، فوجد السيارة بخمسين ألفًا، فقال لصاحب السيارة: أعطيك هذه السيارة -سيارة موكلي- بثلاثين، وهي تسوى ثلاثين، وأزيدك عليها عشرين ألفًا، فوافق صاحب السيارة، فأعطاه السيارة، وأعطاه عشرين ألفًا ورجع إلى الموكل ( ... )؟ الشيخ: كيف؟ يعني رجع بثلاثين ألفًا والسيارة؟ الطالب: الموكل قال: بع سيارتي هذه.
الشيخ: بثلاثين ألفًا.
الطالب: بثلاثين ألفًا.
الشيخ: فوجد سيارة بخمسين ألفًا.
الطالب: فوجد سيارة بخمسين ألفًا.
الشيخ: وقال لصاحبها: خذ هذه السيارة بثلاثين ألفًا.
الطالب: وعليها عشرين ألفًا.
الشيخ: وأعطيك عشرين ألفًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، فعل.
الطالب: فعل، ثم أخذ السيارة التي قيمتها خمسون ألفًا له، ورجع إلى الموكل وأعطاه ثلاثين ألفًا من جيبه.
الشيخ: إذن هو في الواقع باعها، لكن يبقى النظر على ما سبق أن الوكيل في البيع لا يبيع على نفسه.
الطالب: هل هذا بيع على نفسه؟ الشيخ: شبيه بالبيع على نفسه؛ لأنه ربما .. ، لكن ذكرنا فيما سبق أنه إذا عيَّن الثمن فلا بأس أن يشتري من نفسه وأن يبيع من نفسه.
الطالب: لم يعين في هذه الصورة؟ الشيخ: هنا عيَّن قال: بعْها بثلاثين، هذا الكلام تقول: عيَّن.
الطالب: إذا لم يعين.
الشيخ: إذا لم يعين ما يجوز ( ... ).


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: فصل

الجزء: 2 - الصفحة: 1693

والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط، ويُقْبَل قولُه في نفيه والهلاك مع يمينه، ومن ادَّعى وكالة زيدٍ في قبض حقه من عمرٍو لم يلزمه دفعه إن صدَّقه، ولا اليمين إن كذَّبه، فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة حَلِفَ وضمنه عمرو، وإن كان المدفوع وديعة أخذها، فإن تلفت ضمن أيهما شاء.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا في كلام المؤلف ما يُفْهَم منه جواز التوكيل في الخصومة.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا ما يُفْهَم من كلام المؤلف، ما يُفْهَم منه جواز التوكيل في الخصومة، من أين تؤخذ من كلامه؟ طالب: من قوله: (والوكيل في الخصومة لا يقبض).
الشيخ: من قوله: (والوكيل في الخصومة لا يقبض)، هل هذا على إطلاقه؛ أي: أنه يجوز أن يتوكل شخص في الخصومة أو لا؟ طالب: هذا به ثلاثة أحوال.
الشيخ: لا، سؤالي هل هذا على إطلاقه أو لا؟ طالب: على المشاع؛ يعني نعتبره على إطلاقه.
الشيخ: معناه: يجوز أن أتوكل لشخص في الخصومة الباطلة.
طالب: ثلاثة أحوال في قبول الخصومة.
الشيخ: أحوال ولَّا أقوال؟ الطالب: ثلاث حالات؛ إما أن يعلم أن هذا على باطل، وإما أن يعلم أنه محق، وإما أن يتردد، فإن علم أنه على باطل فلا يجوز له قبول الخصومة، وإن علم أنه محق فهذا من التعاون على البر والتقوى، وإن تردد فالسلامة هي أولى وألَّا يقبل.
الشيخ: أحسنت، إذن له ثلاث حالات؛ إن علم أنه محق جاز، بل قد يسن أو يجب، وإذا علم أنه مبطل حرم، وإذا تردد فالسلامة أولى، لو علم أنه مبطل، ولكن يوكل له في الخصومة من أجل أن يمنعه؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، الدليل؟ طالب: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
الشيخ: ما تعاون.
طالب: من أجل أن يمنعه من الظلم.
الشيخ: ائتنا بالدليل؟ طالب: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» (1).

الجزء: 2 - الصفحة: 1694

الشيخ: أحسنت، «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، تمام، الوكيل في القبض هل يملك الخصومة أو لا؟ الوكيل في القبض؛ وكلتك تقبض حقي من زيد، فهل إذا أنكر زيد يمكنك أن تخاصمه أو لا؟ طالب: إذا وكله في خصومة .. الشيخ: لا، وكله في القبض قال: فلان عنده لي عشرة آلاف روح جيبها منه.
طالب: إذا وكله في القبض فإنه لا يملك الخصومة.
الشيخ: لا يملك الخصومة، وإن وكله في الخصومة؟ طالب: وإن وكله في الخصومة فيجوز له أن يخاصم.
الشيخ: يملك القبض، إذن إذا وكله في الخصومة ملك القبض، وإن وكله في القبض لم يملك الخصومة.
طالب: إن وكله في القبض فلا يملك الخصومة.
الشيخ: فلا يملك الخصومة، صح، وإن وكله في الخصومة؟ الطالب: وإن وكله في الخصومة لا يملك القبض.
الشيخ: لا يملك القبض، إي.
طالب: قول المصنف: إذا وكله في القبض ملك الخصومة.
الشيخ: ملك الخصومة، وإن وكله في الخصومة؟ الطالب: لا يملك القبض.
الشيخ: أحسنت، هذا هو، أسمعت، انتبه، لماذا لا يملك القبض إذا وكله في الخصومة؟ طالب: لأنه قد يرتضيه في الخصومة، ولا يرتضيه في الأمور المالية أو في القبض.
الشيخ: في القبض، صحيح قد لا يأتمنه على المال، لكن يرتضيه في الخصومة؛ لأنه جيد إذا وكله في القبض، يقول المؤلف: إنه يملك الخصومة؛ لأنه قد لا يتوصل إلى القبض إلا بالخصومة، هل هناك رأي آخر؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ طالب: قال الشيخ: لا يملك الخصومة.
الشيخ: الرأي الثاني: أنه لا يملك الخصومة، لماذا؟ طالب: لأنه يوهته.
الشيخ: يوهته، ويش معنى يوهته؟ يعني يسقيه ماء؟ الطالب: لا، يماطل يا شيخ.
الشيخ: لا، إذا خاصمه على طول؛ لأنه قد يرضى للقبض من لا يرضاه للخصومة، قد يكون على درجة ضعيفة والخصم قويًّا لسنًا فيغلبه، اقبض حقي الذي عند زيد، ومات زيد، فهل يقبض من ورثته أو لا؟ طالب: يقبض من ورثته.
الشيخ: يقبض من ورثته.
واقبض حقي من زيد؟ طالب: إذا قال: اقبض حقي من زيد، لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1695

الشيخ: فجاء فوجده ميتًا؟ طالب: يقبض من ورثته.
الشيخ: يقبض من ورثته، واقبض حقي الذي قِبَل زيد؟ طالب: من زيد؟ الشيخ: اقبض حقي من زيد، فجاء فوجده ميتًا، هل يقبض من ورثته أو لا؟ طالب: لا يقبض منهم.
الشيخ: لا يقبض، هذه واحدة.
اقبض حقي الذي عند زيد، فجاء فوجده ميتًا؟ لك السؤال.
طالب: يقبض.
الشيخ: اقبض حقي الذي قِبَل زيد؟ طالب: يقبض.
الشيخ: يقبض، تمام.
اقبض حقي من زيد غدًا هل يملكه بعد غد؟ طالب: لا.
الشيخ: يملكه؟ طالب: إن قصد فيما بعد، ما تحدد اليوم.
الشيخ: إي، قال: اقبض حقي من زيد غدًا يوم الثلاثاء، هل يقبضه يوم الأربعاء؟ طالب: ينظر إلى قصد الموكل؛ إن قصد -مثلًا- بغد هو ما بعد اليوم فإنه يقبضه، أما إن قصد يوم معينًا .. الشيخ: وإن قصد به يوم القيامة؟ طالب: لأنه قد يكون المقصود بهذا، قد يكون هذا تاجر يشتري -مثلًا- يكون يربح يوم الثلاثاء ويشتري الأربعاء، فإن قبض الثلاثاء لم يكن ( ... ). الشيخ: إذا قلنا: يأخذ بظاهر اللفظ؟ طالب: فإنه يقبض غدًا فقط.
الشيخ: ولا يقبضه يوم الأربعاء.
إذا قال: اقبض يوم الأربعاء هل يملك يوم الثلاثاء؟ طالب: لا.
الشيخ: ما يملك.
علل؟ طالب: لأنه يكون القصد .. الشيخ: اترك المقصود، علل بشيء؛ لفظ واضح، التصرف في مال الغير مقيد بما أذن فيه الغير، فهو قال: اقبض يوم الأربعاء، ما أقبض يوم الثلاثاء ولا يوم الخميس، اقبض يوم الثلاثاء، ما أقبضه يوم الأربعاء، كذا ولَّا لا؟ لكن إذا علمنا أنه قال: اقبض حقي من زيد غدًا أنه يريد المبادرة في القبض، ما أراد تعيين اليوم، هل يقبضه بعد غد؟ طالب: يقبض.
الشيخ: يقبض، زين، المهم -يا إخواني- هل الأصل أن نعتمد على مجرد اللفظ ولَّا نقول: لعله أراد كذا، لعله أراد كذا؟ طلبة: مجرد اللفظ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1696

الشيخ: الأول؛ نعتمد على مجرد اللفظ، إلا إذا علمنا المراد هذا شيء آخر؛ ولهذا الصحابة الذين علموا مراد الرسول بقوله: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» (2) صلوا قبل بني قريظة.
يقول المؤلف: إن الإنسان إذا وكَّل شخصًا أن يودع له دراهم عند آخر ولم يشهد الوكيل فإنه لا ضمان عليه، علل؟ طالب: لأنه لا فائدة من الإشهاد؛ لأنه يقبل قول المودع في الرد.
الشيخ: في الرد؛ يعني حتى لو ثبت أنه أودعه وقال: رددت؟ طالب: يُقْبَل قوله.
الشيخ: هل هناك قول آخر؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: أنه إذا لم يشهد فإنه يضمن، إلا إذا كان الأمر مما جرت العادة أنه لا يشهد عليه؛ إما لحقارته، أو لكون المودع مبرزًا في العدالة.
الشيخ: أحسنت، الصحيح أنه يضمن إذا أودع ولم يشهد؛ لأننا نستفيد من الإشهاد أنه ربما ينكر نسيانًا، فإذا أشهد حفظنا الحق، إلا إذا كان الشيء مما جرت العادة ألَّا يشهد عليه؛ إما لكونه حقيرًا يسيرًا، وإما لكون المودع مبرزًا في العدالة، لو أنك طلبت أحدًا يشهد عليه لعد الناس ذلك سوء أدب منك مثلًا.
ما ضابط الأمين في قول المؤلف: (الوكيل أمين) الضابط؟ طالب: الأمين: هو كل من كان المال في يده بإذن من الشارع أو بإذن من المالك.
الشيخ: أحسنت، حكم الأمين يقول المؤلف: لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط؛ يعني: وبلا تعد أيضًا، والفرق بين التفريط والتعدي أن التفريط: ترك ما يجب، والتعدي: فعل ما لا يجوز.
رجل أمين على جمعية تحفيظ قرآن، جمعية خيرية وما أشبه ذلك، احتاج يومًا من الدهر مئة ألف ريال، واستقرض من دراهم الجمعية التي هو أمين عليها، هل يكون أمينًا أو لا؟ أجب.
طالب: لا، أخذه هذا بدون إذن منه، لا يُعْتَبر أمينًا.
الشيخ: يعني: فيما أخذ فقط ولَّا في الكل؟ طالب: لا يعتبر أمينًا في الكل.
الشيخ: في الكل؟ طالب: أو فيما أخذ.
الشيخ: فيما أخذ؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: والباقي يكون أمينًا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1697

طالب: نعم، الأصل الأمانة.
الشيخ: هل تعدى أو لم يتعد؟ طالب: تعدى يا شيخ.
الشيخ: تعدى، كل أمين يتعدى تبطل أمانته، خذ هذا قاعدة، كل أمين يتعدى فإن أمانته تبطل، وعلى هذا فيكون ضامنًا ( ... ) بيده بلا إذن، فيكون ضامنًا، وهذه مسألة يتساهل فيها بعض الناس إذا أودع وديعة أو كان ناظرًا على الوقف أو كان وصيًّا في وصية واحتاج ذهبًا يستقرض، هذا لا يجوز، ولا سيما في المسألة الكبيرة.
طالب: يا شيخ، أمانته فيما أخذ ولَّا في الجميع الآن؟ الشيخ: في كلها؛ يعني: يجب عليه الآن أن يرفع يده ويذهب إلى القاضي أو إلى الجهة المسؤولة ويقول: واللهِ، أنا أطلب العفو عن هذا.


ثم قال المؤلف: (ويُقبَل قوله في نفيه والهلاك مع يمينه) (يقبل قوله) أي: الوكيل، (في نفيه) أي: نفي التفريط، ويُقْبَل قوله في الهلاك؛ أي: التلف، لكن مع يمينه، (يُقْبَل قوله في نفيه) يعني: لو قال الموكل: إنك قد فرَّطت، فقال: لم أفرط، فالقول قول الوكيل؛ لوجهين: الوجه الأول: أن الأصل عدم التفريط.
والوجه الثاني: أن الموكل قد ائتمنه على ذلك، وإذا ائتمنه فإنه لا يصح أن يعود فيُخَوِّنه بدون سبب أو بدون ثبوت شرعي.
وكذلك أيضًا يُقْبَل قوله في الهلاك؛ أي: تلف المال؛ مثل أن يقول: واللهِ، أنا أخذت منك هذه السلعة لأبيعها لك، لكن تلفت؛ يُقْبَل قوله.
وهل يقبل قول الموكل في طلب التفصيل؛ بمعنى أن يقول الموكل: بأي شيء تلفت؟ الجواب: لا؛ يعني: لا يلزم الوكيل أن يبين بماذا تلفت، يقول: تلفت، وإذا قال: تلفت فهو أمين، لكن لا بد من اليمين، كما سيأتي.
لكن لو ادعى هو -أعني: الوكيل- ادعى الهلاك بسبب ظاهر؛ مثل أن يقول: واللهِ، المال تلف؛ لأن دكاني احترق، السبب الآن؟ طلبة: ظاهر.
الشيخ: ظاهر، يقال: هاتِ بينة على أنه احترق، لا بد، فإذا أتى ببينة قُبِلَ قوله؛ أن المال الذي وُكِّلَ فيه مع المال الذي تلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1698

كذلك أيضًا لو قال: إنه انهدم عليه الدكان، نقول: هاتِ بينة؛ لأن انهدام الدكان سبب ظاهر، فإذا أتى ببينة وقال: إن المال مع المال الذي تلف بانهدام الدكان؛ يُقْبَل قوله.
الخلاصة الآن يُقْبَل قوله في التلف؛ وهو الهلاك الذي ذكر المؤلف بلفظ الهلاك ولا يُلزم بالتفصيل؛ يعني: لا يلزم بأن يُقَال له: بماذا تلف؟ وكيف تلف؟ ومتى تلف؟ لا يلزمه، لكن لو أنه ادعاه بسبب ظاهر قال: واللهِ، الدكان احترق أو الأمطار هطلت وهدمت البناء، أو ما أشبه ذلك، فماذا نصنع؟ نقول: أقم بينة أنه حصل الحريق، أقم بينة أنه حصل الهدم.
فإذا ادعى الموكِّل أن المال لم يكن مع ما احترق، فالقول قول من؟ الوكيل؛ لأنه مؤتمن.


ثم قال: (ومن ادَّعى وكالة زيدٍ في قبض حقه من عمروٍ لم يلزمه دفعُه إن صدَّقه، ولا اليمينُ إن كذَّبه).
انتبه لهذه المسألة، مسألة تبدو غريبة، ادَّعى وكالة زيدٍ في قبض حقه من عمرٍو، (وكالة زيدٍ) هنا (وكالة) مصدر مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول؟ طالب: الفاعل.
طالب آخر: المفعول.
الشيخ: يا أيها النحاة، هل هو مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول؟ طلبة: الفاعل.
طالب: إلى المفعول.
الشيخ: متفق عليه، فيه خلاف، الآن فيه قولان، لكن هو مضاف إلى الفاعل؛ يعني: ادَّعى أن زيدًا وكَّله في قبض حقه؛ أي: حق زيدٍ من عمرٍو، فصورة المسألة: شخص اسمه عبد الله أتى إلى عمرٍو وقال: إن زيدًا وكَّلني في قبض حقه منك، واضحة الصورة الآن؟ أركانها كم؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاث؛ زيد طالب، عمرو مطلوب، عبد الله وكيل، جاء عبد الله إلى عمرٍو وقال: إن زيدًا وكَّلني في قبض حقه منك، قال: واللهِ، أنت رجل صدوق، رجل دين، رجل ورع، ولكن ما أنا معطيك، له الحق؟ طالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1699

الشيخ: يقول المؤلف: (لم يلزمه دفعه إن صدَّقه) لم يلزم من؟ لم يلزم عمرًا، (دفعه) أي: الحق، (إن صدَّقَه) أي: إن صدَّق مدعي الوكالة، والذي سميناه في هذا المجلس عبد الله، فعمرٌو قال لعبدِ الله: أنا لا أقول لك: إنك كاذب، أنت رجل صدوق، وكأني أسمعه وهو يوكلك من أمانتك عندي وصدقك، لكن ما أنا معطيك، لن أسلمك، نقول: ما يلزمه.
كيف ما يلزمه وهو مصدِّقه؟ لاحتمال أن زيدًا ينكر التوكيل، ما فيه احتمال هذا؟ نعم، ربما يقول زيدٌ: أنا ما وكلته، حتى لو كان صادقًا أنه موكله، فزيدٌ قد يكون ظالمًا، ويقول: أبدًا، ما وكلته، إذا قال: ما وكلته؛ يضيع حق عمرو، يؤخذ الحق من عمرو مرتين؛ لأن زيدًا الذي هو صاحب الحق سيقول لعمرو: حقي ما وصلني؛ لأني ما وكلت عبد الله، له الحق ولَّا لا؟ له الحق.
قدَّرنا أن زيدًا أخذ الحق من عمرٍو، أين يكون حق عمرٍو في الذي قبضه عبد الله؟ يرجع إلى عبد الله، يرجع للذي ادعى الوكالة؛ لأنه أخذه منه.
لو ادعى قبض حقه من عمرٍو وأتى ببينة؛ جاب شهودًا أو وثيقة من المحكمة، يلزمه الدفع؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يلزمه الدفع؛ لأن زيدًا صاحب الحق له أن يقبضه بنفسه وبوكيله، فإذا أتى ببينة قلنا: يلزمك أن تدفع.
(ولا اليمين إن كذَّبه) يعني: ولا يلزم عَمْرًا اليمينُ، (إن كذَّبه) أي: كذب مدعي الوكالة؛ لما جاء عبد الله إلى عمرو وقال: إن زيدًا وكَّلني في قبض حقه منك، قال: أبدًا، أنت كذاب، فإنه لا يلزمه أن يحلف على كذب مدعي الوكالة، قال: احلف أنه ما وكَّلك، قال: ما أحلف، لكن أنت كاذب ولا مسلمك، لماذا؟ لأنه لو نكل لم يُقْضَ عليه بالنكول، لو أن عَمْرًا نكل وقال: ما أحلف، فإن القاضي لا يقول له: إذن يلزمك الحق؛ لأنه سبق لنا أنه لا يلزمه التسليم ولو صدَّقه.
إذن لدينا مسألتان الآن: المسألة الأولى: ادَّعى عبد الله أن زيدًا وَكَّلَه في قبض حقه من عمرو، فقال عمرو: صدقت، ولكن لا أسلمك، يصح ولَّا ما يصح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1700

طلبة: يصح.
الشيخ: يصح.
ادَّعى عبد الله أن زيدًا وَكَّلَه في قبض حقه من عمرو، فقال عمرو: كذبت، أبدًا، ولا أصدقك، هاتِ بينة، وإلا غير صادق، يلزمه أن يسلم الحق أو لا يلزمه؟ طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: هل يلزمه اليمين إذا قال عبد الله: احلف أنه ما وكلني؟ لا يلزمه، لماذا؟ لأنه لا يُقْضَى عليه بالنكول، حتى لو صدقه؛ لو قال: إنه صادق فإنه لا يُلْزَم بالدفع على ما سبق.
ثم قال (فإن دفعه) أي: الحق، الفاعل من؟ طلبة: عمرو.
الشيخ: عمرو، والمدفوع إليه؟ طلبة: عبد الله.
الشيخ: عبد الله.
(إن دفعه) أي: عمرو إلى عبد الله، (فأنكر زيد الوكالة) قال: ما وكَّلته، فهنا نقول لزيد: احلف؛ ولهذا قال: (حلف وضمنه عمرو) حلف من؟ زيد الذي له الحق، إذا قال: ما وكَّلت عبد الله، نقول: احلف، إذا حلف فإن عَمْرًا يضمنه لزيد، وماذا عن الحق الذي دفعه يرجع به على من؟ على عبد الله الذي ادعى الوكالة بلا بينة؛ ولهذا قال: (ضمنه عمرو) يعني: ويرجع عمرو على مدعي الوكالة بما أقبضه إياه.
وإن لم يحلف زيد، إذا قال: ما أحلف، احلف أنك ما وكلته، قال: ما أحلف؛ يُقْضَى عليه بالنكول، ويقال: حقك وصل إلى وكيلك ولا شيء لك.
فإذا قال: واللهِ، ما أنا بحالف أخشى من الإثم، ماذا نقول؟ نقول: إن كنت صادقًا فلا إثم عليك، وإن كنت كاذبًا فالإثم عليك؛ تتحمل.
يقول: (وإن كان المدفوع وديعة) يعني: ليس حقًّا ثابتًا في ذمة الآخر، (أخذها) من يأخذها؟ طلبة: الوكيل.
الشيخ: يا إخوانا.
طالب: صاحبها.
الشيخ: صاحبها الذي هو زيد، زيد قال لعبد الله: إن عند عمرو لي وديعة، اذهب وائت بها إليَّ، فذهب إلى عمرو وصدَّقه، قال: أعطني الوديعة التي عندك لفلان، قد وكَّلني في قبضها، قال: اتفضل، ثم إن زيدًا أنكر الوكالة، نقول: الحمد لله، إذا أنكرت الوكالة، فالوديعة موجودة الآن، خذها ممن؟ ممن يا إخوان؟ طلبة: من عبد الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1701

الشيخ: من عبد الله اللي هو مدعي الوكالة، مالك الآن موجود، تفضل، فإن تلفت يقول: (إن تلفت ضَمَّنَ أيهما شاء) (ضَمَّنَ) الفاعل من؟ طلبة: زيد.
الشيخ: زيد، (أيهما) أي: عمرو، أو عبد الله مدعي الوكالة، (أيهما شاء) إذا تلفت نقول الآن: أنت ضَمِّن من شئت، لننظر كيف يضمن مدعي الوكالة؟ نقول: يضمنه؛ لأنه أنكر الوكالة، فيكون مدعي الوكالة أخذ المال بغير حق، فيضمنه.
كيف يضمن المودَع الذي كان محسنًا؟ من هو؟ عمرو.
نقول: لأنه فرَّط؛ حيث دفعها إلى هذا بدون بينة، فصار الآن يخير؛ إن شاء ضمَّن هذا، وإن شاء ضمَّن هذا.
(إن تلفت ضمن أيهما شاء) والمسألة الأولى إذن ما هي في الوديعة المسألة الأولى دين، زيد له حق على عمرو، فادعى عبد الله أنه موكل في قبضها، أما هذه فهي وديعة، إن تلفت ضمن أيهما شاء.
وهذه المسائل في الحقيقة تنبني على ضابط سبق ودلت عليه السنة؛ أن الأصل في أموال المحترمين العصمة، وأنك لا تتصرف فيها إلا حسب ما أُذِنَ لك فيها، «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (3). هذه هي القاعدة الأساسية، ثم التفريعات هذه تكون على حسب القواعد، وقد يصح التفريع، وقد لا يصح.


قال: (باب الشركة) الشَّرِكَة، ويقال: الشِّرْكَة، ويقال: الشَّرَكَة.
الشِّرِكَة، والثاني الشِّرْكة، والثالث الشَّرَكة، كلها جائزة، وهي في الأصل: الاختلاط، الاختلاط يُسَمَّى شركة.
لكنها في تعريف الفقهاء يقول: (اجتماع في استحقاق أو تصرف)، هذه الشركة.
الاجتماع في الاستحقاق؛ كورثة ورثوا عقارًا من أبيهم، هؤلاء اجتمعوا في أيش؟ في استحقاق، ما بينهم عقد، كذلك أيضًا اشتراك المجاهدين في الغنيمة، هذا اجتماع في استحقاق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1702

(أو تصرف) وتُسَمَّى شركة العقود، وهذه هي التي تحتاج إلى عقد بين المتشاركين، فصار التعريف للشركة هي: اجتماع في استحقاق أو تصرف.
والثانية تسمى شركة العقود؛ وهي التي لا تثبت إلا باتفاق بين الشريكين.
الأولى تثبت بدون أن يكون اتفاق بين الشريكين؛ لأنها من الأصل ثابتة، وأما العقود فلا بد من اتفاق.
وهنا نسأل هل الأولى المشاركة أو الأولى الانفراد؟ يعني هل الأولى أن الإنسان يتصرف في ماله بنفسه ولا يجعل معه شريكًا أو الأولى أن يشارك؟ الواقع أنه ما تستطيع تقول: هذا أولى، وهذا أولى، لكن إذا تردد الإنسان فالانفراد أولى؛ لأن الإنسان يكون حرًّا في ماله لا أحد يحاسبه، وهو إن شاء تبرع، وإن شاء منع، وإن شاء تصدق، وإن شاء جمع.
المهم أنه إذا كان منفردًا صار أكثر حرية من المشاركة، وأسلم أيضًا، أسلم في الغالب، لكن قد يكون الإنسان لا يستطيع أن يتصرف في ماله بنفسه، فيحتاج إلى المشاركة.
وعلى هذا فتجويز المشاركة من نعمة الله عز وجل ومن رحمته بالخلق، وإلا لو قيل: لا أحد يتصرف إلا في ماله الخاص صار في هذا تضييق؛ قد يكون الإنسان عنده مال كثير، لكن ما يحسن التصرف؛ إما لعجزه في بدنه، أو لعجزه في فكره، أو لانشغاله في علمه، أو ما أشبه ذلك، لكن المال كثير فهنا لا بد من المشاركة؛ يعطيه إنسان حاذق في البيع والشراء يقول: خذ، بعْ واشتر بهذا المال ولك نصف الربح أو ربع الربح، أو ما أشبه ذلك، ولَّا لا؟ الناس في حاجة لهذا؛ لذلك كان من نعمة الله عز وجل جواز الشركة.
قال: (وهي أنواع؛ الأول: شركة عنان) وهو من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن الشركات أجناس، وأفرادها أنواع.
شركة العنان مشتقة من: عنان الفرس، وتعرفون عنان الفرس، ما هو اللجام المقود؛ لأن هذين المشتركين كأنهما فرسا رهان.

الجزء: 2 - الصفحة: 1703

قال: وهي (أن يشترك بدنان بماليهما) هذه شركة عنان، أنا -مثلًا- عندي عشرة آلاف ريال، وأنت عندك عشرة آلاف ريال، اتفقنا على أننا نجمعهما -أي: العشرة والعشرة- ونبيع ونشتري فيهم، هذه تُسَمَّى شركة عنان؛ لأن كل واحد منا قد أطلق فرسه للتجارة، ولكن لا بد من شروط سنذكرها فيما بعد، إن شاء الله.
طالب: أحسن الله إليك، إذا أقام عبد الله البينة وأخذ المال من عمرو، ثم تبين أنه قد جاء ببينة باطلة؛ بورقة مزورة، ماذا على عمرو؟ الشيخ: فلا ضمان عليه، إذا أتى ببينة ودفع عمرو ذلك فلا ضمان عليه.
طالب: بارك الله فيك، لو وكله بأن يشتري له شيئًا، فذهب إلى المتجر واشترى هذا الشيء، لكن صاحب المتجر حتى يعود هذا الوكيل أن يأتيه دائمًا أعطاه منة وقال: هذه لك، وباعه بسعر المثل، وما نقص له شيئًا، فما حكم المال الذي يأخذه هذا من المتجر؟ الشيخ: لا بأس به؛ يعني: لا بأس أن الإنسان -مثلًا- إذا جاءه الزبون أن يعطيه، لكن بشرط ألَّا يكون ذلك سببًا في قصد هذا التاجر مع كون بضاعته رديئة أو مع كونه يزيد الثمن، فإن كان لذلك فلا يجوز.
طالب: نعم، إن كان لقصده، لكن ليس من ذلك في شيء.
الشيخ: أيش؟ طالب: إن كان قصده أن يقصده ذلك الوكيل، ولكن هو كسعر غيره وبضاعته جيدة؟ الشيخ: لا بأس، ما فيه مانع.
طالب: إذا وكَّله في حفظ مال معين لكي يشتري له به، ثم وضعه الوكيل فيما يوضع فيه عادة في الخزنة، ثم قال الوكيل: إنه سرق المال، وسرق مال دون ماله، أخذت ألفك من المال الذي له، فهل يُقْبَل قوله؟ الشيخ: يقول: إذا أعطاه مالًا يشتري به سلعة، ووضعه الوكيل في خزانة المال، ثم إنه ادَّعى أنه سُرِقَ من بين ماله، فيُقْبَل قوله؟ إي نعم؛ لأن هذا أمر ممكن.
طالب: أحسن الله إليك، الوكيل بدفع الديون ذهب ليدفع بعض الديون وأعطاه لصاحب الحق، فلما أعطاه أرجع له شيئًا منها، فهل يعطيه عشرة آلاف ليدفع، فلما أعطاه أرجع له مئتين أو ثلاث مئة ريال؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1704

الشيخ: أو ألف ريال.
الطالب: إي، ماذا يصنع لمن تكون؟ الشيخ: إذا كان الدافع الذي -مثلًا- يطلب زيدًا عشرة آلاف ريال، ثم جاء وكيله بالعشرة وأسقط ألفين، إذا كان قصده الإسقاط من أصل الدين فهو للموكل، وإذا كان قصده مكافأة هذا الآتي فهو له، ويتبين ذلك بكثرة الذي أسقط، إذا كان -مثلًا- ألفين علمنا أن قصده بذلك مصلحة من؟ مصلحة الموكل، أما إذا كان عشرة ريالات فمعروف أن قصده مكافأة هذا.
طالب: شيخ سؤال الأخ فيما إذا كان .. الشيخ: أي الأخ؟ ما هو السؤال حتى نعرف؟ الطالب: فيما إذا كانت البينة مزورة قلنا: إنه .. الشيخ: لا ضمان على عمرو.
الطالب: نعم، فهل يضيع حق الموكل؟ الشيخ: لا، حق الموكل يضمنه مدعي الوكالة، ما يضيع.
الطالب: ما وجد يا شيخ؟ الشيخ: كيف ما وجد؟ هرب هذا كثيرًا من الأموال تضيع على الإنسان.
طالب: بارك الله فيك، إذا وكل الإنسان شخصًا آخر لا يعرفه بناء على تزكية شخص آخر له، فأتلف المال، وكان معروفًا بالتفريط، فهل يضمن المزكي ولَّا لا؟ الشيخ: إي نعم، يضمن المزكي؛ يعني: لو زُكِّي هذا الرجل، زكاه فلان، وهذا أعطاه بناء على تزكيته فإنه يضمن.
طالب: لو أُعْطِي مالًا أمانة وخلطها مع ماله، فهل يجوز له؟ الشيخ: ما يجوز.
يقول: إنسان أُعْطِي مالًا وديعة، فخلطه مع ماله، هذا لا يجوز، إلا إذا استأذن من صاحبه، وحينئذٍ يكون قرضًا.
طالب: يضع ( ... )؟ الشيخ: لا بد أن يستأذن من صاحبه.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- قلنا: إن عمرًا إذا قبل قول الوكيل في ادعائه؟ الشيخ: مدعي الوكالة؟ الطالب: في مدعي الوكالة قُبِلَ قوله وأعطاه المال في الدين، فإن الموكل يضمن الوكيل.
الشيخ: لو أنكر؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لو أنكر الموكل؟ الطالب: فإنه حينئذٍ المدين يضمن هو وحده يضمن.
الشيخ: لكن المدين يضمن لزيد؛ يعني: يضمن للدائن، ثم يرجع على مدعي الوكالة.
الطالب: وفي الوديعة قلنا بأنه يضمن أيهما شاء.
الشيخ: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1705

الطالب: ما وجه ذلك؟ الشيخ: وجه ذلك لأن الدين ثابت على عمرو.
وهي اجتماعٌ في استحقاقٍ وتَصَرُّفٍ، وهي أنواعٌ: فشَركةُ (عَنانٍ) أن يَشترِكَ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِما أن يَشترِكَ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِما المعلومِ ولو مُتَفَاوِتًا ليَعْمَلَا فيه ببَدَنَيْهِما، فيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كلٍّ منهما فيهما بحُكْمِ الْمِلْكِ في نصيبِه , وبالوكالةِ في نَصيبِ شَرِيكِه، ويُشْتَرَطُ أن يكونَ رأسُ المالِ من النقدينِ الْمَضروبينِ ولو مَغشوشينِ يَسيرًا، وأن يَشْتَرِطَا لكلٍّ منهما جُزءًا من الرِّبْحِ مَشاعًا مَعلومًا، فإن لم يَذْكُرَا الرِّبْحَ أو شَرَطَا لأَحَدِهما جُزءًا مَجهولًا أو دَراهِمَ معلومةً أو رِبحَ أَحَدِ الثوبينِ لم تَصِحَّ , وكذا مُساقاةٌ ومُزارعةٌ ومُضاربةٌ، والوَضِيعَةُ على قَدْرِ المالِ.
ولا يُشْتَرَطُ خَلْطُ المالَيْنِ ولا كونُهما من جِنْسٍ واحدٍ.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، قلنا: إن عَمْرًا إذا قَبِلَ قول الوكيل في ادعائه .. الشيخ: مُدَّعِي الوكالة.
الطالب: إي نعم، في مُدَّعِي الوكالة قَبِل قوله وأعطاه المال في الدَّيْن، فإن الْمُوَكِّل يُضَمِّن الوكيل .. الشيخ: لو أنكر الموكِّل.
الطالب: فإنه حينئذ الْمَدِين هو وحده يُضَمَّن.
الشيخ: لكن الْمَدِين يضمن لزيد، يعني يضمن للدائن، ثم يرجع على مُدَّعِي الوكالة.
الطالب: وفي الوديعة قلنا: إنه يُضَمِّن أيهما شاء.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما وجه ذلك؟ الشيخ: وجه ذلك لأن الدَّيْن ثابت على عمرو، والوديعة هي عين قائمة بنفسها نقول: خذها الآن.
الطالب: لكنه يُضَمِّن أيهما شاء.
الشيخ: نعم، يُضَمِّن أيهما شاء؛ لأن كُلًّا منهما مُفَرِّط، هذا معتدٍ مُدَّعِي الوكالة، وده مُفَرِّط حيث أعطاها بدون بينة.
الطالب: وفي الدَّيْن أيضًا كذلك.
الشيخ: الدَّيْن أصلًا ثابت على عمرو من الأصل؛ لأن عمرًا في الوديعة لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط.

الجزء: 2 - الصفحة: 1706

طالب: حفظكم الله، قلتم في جواب سؤال سابق .. الشيخ: متى؟ الطالب: في باب الوكالة.
الشيخ: متى؟ الليلة ولَّا البارحة؟ الطالب: لا، قبل البارحة.
الشيخ: أَجِّل، خليه معنا لقول البارحة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا استلف شخصًا سيارة.
الشيخ: إذا استلف شخصًا سيارة! ! الطالب: يعني استلفها من أحد الإخوة.
الشيخ: المهم إذا استلف شخصًا سيارة! ! الطالب: نعم.
الشيخ: هكذا نقول اللفظ؟ الطالب: المعنى هذا أو ذاك.
الشيخ: يا إما أن تتكلم باللغة العربية وتجيدها، ولا خَلِّها بالعامية وكل شيء يُقْبَل منك.
الطالب: إذن هذه عامية يا شيخ.
الشيخ: عامية يلَّا.
الطالب: فخربت عليه، وكان مُؤْتَمَنًا عند مَن أسلفه إياها، ثم قال له: قد تلفت ولم أُفَرِّط، هل يُعْمَل كذلك .. الشيخ: لكن هو استقرضها منه، استقرض منه السيارة.
الطالب: نعم.
الشيخ: خلاص دخلت ملكه، دخلت ملك المستقرِض، إذا تلفت فهي عليه، سواء بِتَعَدٍّ أو تفريط؛ لأن الْمُقْرِض ثبت له في ذمته سيارة.
الطالب: غير الوكالة هذه؟ الشيخ: الاستقراض يدخل ملك المستقرِض، ما فيه ضمان.
الطالب: أحسن الله إليك، أحيانًا يكون هذا العطل الذي في السيارة يكون من قديم، ما يخرب يعني لأجل هذه الإعارة فقط.
الشيخ: سؤالك مبني على أيش؟ الطالب: على إلزام هذا الرجل بإصلاح السيارة، أنه ضامن هذا الخراب يا شيخ.
الشيخ: سؤالك على الأخ مُفَرَّع عليه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لا، أصل الضمان على المستقرِض على كل حال؛ لأن السيارة ملكه.
الطالب: ( ... ) يا شيخ ( ... ). الشيخ: الآن إذا استقرض السيارة صارت ملكه، يبيعها ويستطيع يفعل بها ما شاء.
( ... ) طالب: لماذا ينكر زيد الوكالة؟ الشيخ: لأنه أنكرها، يعني تقول: السبب يعني؟ الطالب: إي نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1707

الشيخ: السبب ضعف الإيمان، إذا كان مُوَكّل حقيقةً وأنكر ضعف الإيمان، وربما يكون أنكرها؛ لأن وكيله أتلفها، ولو راح يطالب الوكيل، فيقول: ينكر علشان يكون حيلة، كما قال بعض أهل العلم: إذا أرادت امرأة أن تفسخ نكاحها من زوجها فإنها تزني بأبيه، ليش؟ لتكون موطوءة أبيه، وموطوءة الأب تَحْرُم على الابن، هذا موجود في كتب الحِيَل، وهذا -سبحان الله العظيم! ! - تتحيل على هذا بفعلها الزنا؟ ! لكن نقول: إذا زنت بأبيه وهي ثَيِّب الرجم، يفوتها هذا وهذا، لكن قصدي إن هذا من الحِيَل، ولهذا في كتاب يسمى كتاب الْحِيَل، لكن ما رأيناه، كان الإمام أحمد –رحمه الله- يُنْكِرُه إنكارًا شديدًا ويغضب منه إذا ذُكِرَ عنده، فهذا الذي أنكره الأخ أنكره علشان الأخ أتلف المال.
( ... ) هل هي جائزة باعتبار الحكم التكليفي؟ طالب: نعم.
الشيخ: جائزة.
الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: الدليل أن فيها مصلحة .. الشيخ: لا، هذا تعليل.
الطالب: الدليل قول الله تبارك وتعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: 19].
وأما السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم وَكَّل في العبادات وفي المعاملات، ففي العبادات وَكَّلَ عَلِيًّا أن ينحر باقي البُدْن في الحج، وأن يقطعها ويوزعها على المحتاجين (1)، ووكَّل الجعد بن عروة في أن يشتري له شاة بدينار، فاشترى شاتين، باع إحداهما بدينار ورجع بدينار.
(2) الشيخ: وَكَّل في الحدود.
الطالب: ووَكَّل في إقامة الحدود واستيفائها.
الشيخ: إثباتها واستيفائها.
الطالب: نعم، فأرسل إلى المرأة صاحبة العَسِيف أرسل إليها فقال له: «إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا».
(3) الشيخ: وهو أُنَيْس.
الطالب: ذهب إلى ( ... ) «إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا».

الجزء: 2 - الصفحة: 1708

الشيخ: بارك الله فيك، جيد، هل الوكالة عقد جائز أو لازم من حيث الحكم الوضعي؟ طالب: عقد جائز بين الطرفين.
الشيخ: جائز بين الطرفين.
الطالب: نعم.
الشيخ: بالمناسبة تنقسم العقود من حيث الحكم الوضعي إلى كم؟ الطالب: إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: نعم.
الطالب: عقد لازم للطرفين وهو البيع.
الشيخ: لا تُمَثِّل.
الطالب: وعقد جائز من طرف ولازم من طرف آخر، وعقد جائز من الطرفين، هذه ثلاثة.
الشيخ: أحسنت، العقد اللازم من الطرفين مثل؟ طالب: مثل البائع إذا قام عن مجلس البيع.
الشيخ: إذا انتهت مدة الخيار.
الطالب: مدة الخيار.
الشيخ: أحسنت، الجائز من طرف دون آخر؟ الطالب: الجائز من طرف دون آخر مثل الوكالة إذا كان فيها ضرر على الْمُوَكِّل، إذا كان فيها فسخ.
الشيخ: إذا كان في فسخها ضرر .. الطالب: على الموكِّل.
الشيخ: صارت جائزة في حق الموكِّل المتضرر.
الطالب: وغير جائزة في حق الوكيل.
الشيخ: لكن هذا في الحقيقة شيء طارئ على العقد، لكن نريد اللي من أصل العقد وجائز من طرف لازم من طرف آخر مثل؟ طالب: الرهن يا شيخ.
الشيخ: الرهن.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الرهن جائز من أي طرف؟ الطالب: جائز من طرف الْمُرْهِن.
الشيخ: نعم، ولازم من طرف؟ الطالب: الراهن.
الشيخ: من طرف الراهن، تمام، الجائز من الطرفين؟ طالب: الوكالة.
الشيخ: مثل الوكالة، تمام.
ما هو الحق التي تجوز فيه الوكالة من حقوق الله عز وجل؟ الطالب: إذا كان كبيرًا في السن وكان يتضرر بالصيام، إذا كان الحج .. الشيخ: إذا كان كبيرًا في السن ويتضرر يقول لواحد: يا فلان صُمْ عني رمضان! ! الطالب: لا.
الشيخ: هذا كلامك.
الطالب: إذا -مثلًا- مات قبل الصوم.
الشيخ: إذا مات ما صار وكالة.
الطالب: إذا كان صيام نذر.
الشيخ: ولو كان صيام نذر، نذر أو واجب نفس الشيء ما يصير وكالة بعد الموت.
طالب: الحج.
الشيخ: الحج.
الطالب: إذا مرض مرضًا لا يُرْجَى برؤه يجوز أن يُوَكِّل.
الشيخ: أو كان كبيرًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1709

الطالب: أو كان كبيرًا في السن لا يستطيع أن يحج.
الشيخ: فله أن يُوَكِّل، دليله؟ الطالب: المرأة اللي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فريضة الحج أدركت أبي كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ (4) الشيخ: قال: «نعم».
الطالب: قال: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهُ».
الشيخ: بارك الله فيك، ذكرنا قاعدة أن الأصل في العبادات منع التوكيل فيها، فما هو التعليل؟ طالب: التعليل: لأن القصد منها هو التعبد، وهو لا يحصل بالتوكيل.
الشيخ: نعم، المقصود من العبادات هو التعبد لله والتذلل له، ولا يحصل بالتوكيل، لكن ما ورد به الشرع فليس لنا منه بُدّ، لا بد أن نقول به، فهمتم يا جماعة؟ الأصل في العبادات أنها حق لله على العبد لا يجوز التوكيل فيها، إلا ما ورد به النص، فما ورد به النص فليس لنا منه بُدّ.
متى يجوز للوكيل أن يوكِّل فيما وُكِّل فيه؟ طالب: في ثلاث حالات.
الشيخ: في ثلاث حالات، نعم.
الطالب: الحال الأولى: إذا كان مثله لا يُوَكِّل فيه.
الشيخ: لا، إذا كان مثله لا يتولاه.
الطالب: أو كان يعجز عن القيام به.
الشيخ: نعم، الثالث؟ طالب: إذا دُعِيَ إليها.
الشيخ: يعني إذا أَذِنَ له الْمُوَكِّل، حقيقة الأمر أن ما لا يتولاه بنفسه وما يعجز عنه حقيقة الأمر أن فيه إذنًا، لكنه إِذْن عرفي، ولكن من أجل إيضاح المسألة نقول: ثلاث حالات.
ما هو التعليل لمنع التوكيل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجْعَل إليه، ما هو التعليل لكون الوكيل لا يُوَكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجْعَل إليه.
الطالب: أن يكون الْمُوَكِّل لا يَقْبَل به، مثلًا أن يكون غير عادل أو .. الشيخ: لا، نبغي قاعدة عامة أحسن عشان القواعد أنا أَحُثُّكم عليها دائمًا، عليكم بالقواعد.
طالب: لأن الْمُوَكِّل استأمن هذا الوكيل ولا يستأمن غيره.
الشيخ: نبغي بعد زيادة.
طالب: لأن الوكيل لا يصح له أن يتصرف إلا بتصرف أجاز له الْمُوَكِّل ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1710

الشيخ: الأصل مَنْع التصرف في مال الغير، هذا الأصل، وهذا اللي أُرِيد، القاعدة العامة، الأصل منع تصرف الإنسان في ملك غيره إلا بإذن من الشارع، أو إذن من المالك، خذ ها القاعدة وامشِ على كل ما قلنا: يجوز للوكيل أن يفعل أو لا يفعل.
الأصل أيش؟ منع أو تحريم تصرُّف الإنسان في ملك غيره إلا بِإِذْن من الشارع، أو إِذْن من المالك، وعلى هذا نقول: ليس للوكيل أن يُوَكِّل فيما وُكِّل فيه لأنه لم يُؤْذَن له.
وَكَّل إنسان شخصًا أن يشتري له سلعة، فعرض ابنُه هذه السلعة في السوق.
طالب: ابن الْمُوَكِّل؟ الشيخ: ابن الوكيل.
الطالب: عرضها؟ الشيخ: في السوق.
الطالب: لا ينبغي له ذلك.
الشيخ: لا ينبغي له ذلك، ويجوز؟ الطالب: ولا يجوز.
الشيخ: ولا يجوز، إذن ليش تجيب لا ينبغي؟ الطالب: تخفيف؛ لأني ما أني متأكد منها.
الشيخ: إي، لا، ما أحسن أن تقول: لا أعلم.
وَكَّلَ رجل شخصًا قال: اشْتَرِ لي سيارة وصِفَتُها كذا وكذا، فعرضها ابن الوكيل على أبيه.
الطالب: لا يجوز له.
الشيخ: لا يجوز؟ الطالب: نعم، إلا في حالة .. الشيخ: لا يجوز.
الطالب: لا يجوز للابن أن يشتري ما .. الشيخ: لا، ما هو ابن هذا، الذي عرضها الابن، والوكيل هو الأب.
الطالب: كذلك كل مَن .. الشيخ: اترك كله، بس أجبني عن هذا السؤال.
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ الطالب: لأنه مَظِنَّة التهمة.
الشيخ: إي، صحيح، نقول: لا يجوز؛ لأنه مظنة التهمة، إذا قلنا: هذه هي العلة، فهل يمكن أن نعلم زوال هذه العلة؟ طالب: نعلم مبتدأ العلة.
الشيخ: بماذا؟ طالب: مثل أن ينتهي إليه الثمن في المزايدة.
الشيخ: نعم، مثل أن ينتهي .. الطالب: إليه الثمن في المزايدة.
الشيخ: هذه واحدة.
الطالب: الثانية: أن يُحَدِّد الْمُوَكِّل سعر هذه السلعة.
الشيخ: أن يحدد الْمُوَكِّل السعر ويعرضها الابن بهذا السعر، ما فيه شيء؟ الطالب: أن يأذن له.

الجزء: 2 - الصفحة: 1711

الشيخ: أن يأذن له، إذا أَذِنَ وقال لَمَّا عرضها ابنه ذهب إلى الْمُوَكِّل قال: السيارة وجدتها عند ابني، قال: ما يخالف اشترها.
يقول المؤلف: إنه -أي الوكيل- لا يبيع بغير نقد البلد، فإذا وُكِّل في السعودية أن يبيع بيتًا، وباعه بدولارات نقد أمريكي، أيجوز؟ طالب: لا يجوز؛ لأن المعروف هو عملة البلد.
الشيخ: لكن هذا دولار عملة صعبة عالمية.
الطالب: ولو دولار؛ لأن العرف الجاري .. الشيخ: ولو كان عملة صعبة عالمية؟ الطالب: إلا إذا فَوَّضَ إليه الأمر .. الشيخ: لا، تصريح مُطْلَق قال: بِعْ هذه السيارة هذا الشيء.
الطالب: لا بد من نقد البلد.
الشيخ: ما يجوز غير نقد البلد؟ الطالب: نعم.
الشيخ: افرض إنه باعها بغير نقد البلد، باعها على رجل بدولارات وأخذ الدولارات، نُمْضِيها ولَّا نقول للمشتري: أعطنا دراهم سعودية؟ الطالب: بعدما يبيع يُخَيَّر الْمُوَكِّل، إذا رَضِيَ يقبل وإذا لم يَرْضَ .. الشيخ: إذا رضي هل يجوز؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إذن ماذا نصنع؟ الطالب: يضمن.
الشيخ: أنتم فاهمون السؤال الآن؟ الطالب: يضمن نقد البلد.
الشيخ: من اللي يضمن؟ الطالب: الوكيل.
الشيخ: إي، لكن بس الآن البيع هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟ الطالب: غير صحيح.
الشيخ: إذن يجب أن تُسْتَرَدّ السلعة، ويُعْطَى المشتري دولاراته، ثم نبيع.
أما قولك: إذا رضي الْمُوَكِّل، فهذا ينبني على جواز تصرف الفضولي، وجواز تصرف الفضولي هو الصحيح، بمعنى أن مَن له الحق إذا أَذِن ولو بعد إمضاء العقد فإنه يصح، ويمضي العقد، أفهمت؟ الرسول وَكَّلَ عروة بن الجعد أن يشتري له شاة بدينار، اشترى شاتين وباع واحدة، هذا تصرف فضولي.
إذن نقول: إذا باع بغير نقد البلد فالبيع غير صحيح، ويجب رد البيع، إلا على القول الراجح إذا قلنا بجواز تصرف الفضولي، فهذا لا بأس به.
قال له: بِع هذا بمئة مؤجَّلة، فباعه بمئة حالَّة؟ طالب: يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1712

الشيخ: كيف يصح؟ أنا قلت: بِعْهَا مؤجَّلة، يصح؟ الطالب: نعم يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن في الحالّ قد يكون له فائدة أكثر من المؤجَّل.
الشيخ: يعني زاده خيرًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: ولا يُسْتَثْنَى شيء.
الطالب: يُسْتَثْنَى، إلا إذا كان فيه ضرر.
الشيخ: إلا إذا كان فيه ضرر، تمام.
لو عَيَّن مَن يبيع عليه، قال: بِع هذا على فلان بثمن مؤجَّل، بِع هذا على فلان إلى رمضان؛ لأني أعرف أن هذا الرجل فقير، وأنه في رمضان تكثر الزَّكَوَات، فباعه حالًّا؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن له غرضًا صحيحًا في التأجيل.
الشيخ: لأن له غرضًا صحيحًا، وهو التيسير على المشتري الذي عَيَّنَه، واضح؟ فيكون هذا تَصَرَّف في مال غيره بغير إذنه، فينبني على القاعدة اللي ذكرناها قبل قليل.
قال له: اشْتَرِ لي سيارة نقدًا بخمسين ألف ريال، فاشترى له سيارة مؤجَّلَة بخمسين ألف ريال، أيصح هذا أو لا؟ طالب: يصح يا شيخ البيع، ولكن إذا كان في ضرر على الموكِّل .. الشيخ: يصح ما لم يكن فيه ضرر، كيف يتصور الضرر منه؟ الطالب: بأن -مثلًا- إذا رجع عليه بالمال قال الموكِّل: فإني -مثلًا- رجل مسافر، ولا أستطيع -مثلًا- أن أحفظ المال حال السفر، وأخشى من قُطَّاع الطرق، إذا خاف على المال يعني.
الشيخ: صحيح، يعني يمكن أن يكون المؤجَّل خيرًا للموكِّل في مثل هذه الصورة، أو يقول: أنا رجل يدي ما تمسك، لو أعطيتني إياه الآن أخلصه بشهر.


[مدخل]

﴿باب الشركة﴾ الشركة لفظها بوزن عَرَفَة، ونَمِرَة، وحِكْمَة، إذا كان بوزن عَرَفَة نقول؟ طلبة: شَرَكَةَ.
الشيخ: شَرَكَة، بوزن نَمِرَة؟ طلبة: شَرِكَة.
الشيخ: شَرِكَة، بوزن حِكْمَة شِرْكَة.
تعريفها يقول المؤلف: (هي اجتماع في استحقاق أو تَصَرُّف) (اجتماع في استحقاق) بمعنى أن يكون شيء بين شخصين فأكثر اشتركَا فيه باستحقاق، وهذه تسمى شركة الأملاك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1713

دليلها: قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12]، هذا اجتماع في استحقاق، والاجتماع في الاستحقاق يسمى شركة أملاك.
(أو تَصَرُّف) ويسمى شركة عقود، بمعنى أن يتعاقد شخصان في شيء يشتركان فيه، هذه تسمى شركة عقود، هذا تعريفها.
أما حكمها فإنها جائزة ليست حرامًا، وهنا نسأل: هل نحتاج إلى دليل على الجواز أو لا؟ لا نحتاج إلى دليل على الجواز.
لو قال لنا قائل: ما دليلكم على جواز الشركة؟ قلنا: لا حاجة لنا؛ لأن الأصل في المعاملات الحِلّ، فنقول: دليلنا عدم الدليل، عدم الدليل على أيش؟ على المنع، ما هو على الجواز؛ لأن الأصل في المعاملات هو الحِلّ، وقد قال الله تعالى: ﴿ابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف: 19]، فأضاف الوَرِق إليهم جميعًا، وهذا لا شك أنه اشتراك في تصرُّف؛ لأن الظاهر أنهم ليسوا ورثة ورثوا هذه الدراهم.
إذن هي اجتماع في استحقاق أو تَصَرُّف، وهي جائزة حكمًا تكليفيًّا، الدليل؟ ذكرنا أولًا قلنا: الدليل عدم الدليل.
ثم لنا دليل من الشرع، أما شركة الاستحقاق فقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12]، وأما شركة العقود فكما ذكرنا في قصة أصحاب الكهف، وأيضًا قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: 28]، ما لكم شركاء، فدَلَّ هذا على أن الشركة ممكنة.
أما حكمها من حيث الحكم الوضعي فإنها جائزة، يعني من العقود الجائزة، وليست من العقود اللازمة، بمعنى أنه يجوز لكل واحد من المشترِكَيْنِ أن يفسخ الشركة، فهي من العقود الجائزة.
[شركة العنان]

الجزء: 2 - الصفحة: 1714

أما أنواعها فذكر الفقهاء رحمهم الله أنها أنواع، وكأن الدليل على هذا التنويع هو التتبع والاستقراء، والتتبع والاستقراء طريق من طرق الأدلة، على أنه ربما تحدث أنواع من الشركات يصعب تنزيلها على ما قال الفقهاء، فهل إذا وجدنا نوعًا من الشركات حدث كما يحدث الآن في المعاملات الأخيرة، هل نقول: إنه حرام؛ لأنه خارج عما قال الفقهاء؟ طالب: لا.
الشيخ: لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ليش؟ الطالب: الأصل الحِلّ.
الشيخ: لأن الأصل الحِلّ، نقول: هي أنواع؛ الأولى شركة عنَان، قيل: إنها مشتقة من أَعِنَّة الخيل، كأن المشتَرِكَيْنِ فَرَسَا رِهَان يتباريان ويتجاريان، وقيل: إنها مشتقة من عَنَّ له، إذا طرأ عليه، كأن كل واحد منهما طرأ عليه أن يشارك الآخر، لكن الاشتقاق الثاني لا يمنع دخولَ بقية الأنواع؛ لأن بقية الأنواع كلها إنما تحدث بأيش؟ بما عَنَّ لكل واحد، أي: بما طرأ، فاشتقاقها من المعنى الأول أقرب إلى الصواب، فما هي شركة العنان؟ يقول: (أن يشترك بدنان -يعني شخصين- بمالَيْهِما المعلوم ولو متفاوتًا لِيَعْمَلَا فيه ببدنيهما)، إذن فيه مال وفيه بدن.
شخصان ومالان، زيد وعمرو، أرادَا أن يشتركَا في المال والتصرف، كل واحد جاء بماله وقالَا: نحن شركاء، هذه نسميها شركة عنان؛ لأنها جامعة بين أيش؟ بين المال والبدن، وفائدتها إذا قال قائل: ما الفائدة؟ فائدتها أن كلًّا من الشريكين يُنَشِّط الآخر، هذه من جهة، من جهة أخرى ربما يكون مال كل واحد منهما ليس بالمال الكثير الذي يمكنهما أن يستوردَا البضائع الكثيرة التي فيها الفائدة الكثيرة، وهذا واقع ولَّا غير واقع؟ واقع، يعني –مثلًا- واحد عنده مليون والثاني عنده مليون، لكن مليون ما يستطيعون أن يأتوا ببضائع كبيرة فائدتها كثيرة، فيجتمعان ويشتريان البضائع، هذه هي فائدتها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1715

إذن العنان جامعة بين أيش؟ بين المال والبدن، فائدتها تنشيط بعضهما بعضًا، والثاني: أنه قد لا يتمكن كل واحد منهما أن يتجر بماله، فيحتاج إلى ضمِّ مالٍ آخر إليه حتى تتسع التجارة، لكن اشترط شروطًا، أولًا: بمالَيْهِمَا، وهذا يدل على أنه لا بد أن يكون مملوكًا لهما، ولكن هل هذا شرط؟ أو نقول: بمالَيْهِمَا أو مال مَن لهما حق التصرف فيه، الأول ولَّا الثاني؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، يعني إما أن يكون مالًا لهما، أو يكون مال هما فيه وكلاء، أو فيه أولياء، أو ما أشبه ذلك، لكن تعلمون أن الوكلاء لا بد فيه من الإذن.
اشترط (المعلوم) ضده المجهول، وذلك لأنه لا بد أن نرجع عند فسخ الشركة إلى المال، كل واحد منا بماله، فإذا كان لا بد من الرجوع إلى المال فإنه لا يمكن الرجوع إلا إذا كان كل منهما معلومًا حتى يُعْرَف عند تنضيد المال مال كل واحد منهما.
قال: (ولو متفاوتًا)، متفاوتًا يعني بعضه أكثر من بعض، مثلًا إنسان شارك بمليون والثاني بخمس مئة ما فيه مانع، يجوز، يعني ليس بشرط أن يكون المالان سواء، بل يجوز أن يتفاوَتَا، ويأتي إن شاء الله عن كيفية توزيع الربح.
قال: (لِيَعْمَلَا فيه ببدنيهما)، أي: بأبدانهما، أو بأبدان مَن يُنِيبَانِه، كما لو كان أحدهما عنده عَبْد، عنده خادم، وما أشبه ذلك، يتصرف في ماله، فهذا كأنه هو الذي يتصرف.
فقوله: (ببدنيهما) بناء على الغالب، وإلَّا يجوز أن يكون أحدهما يشترك في المال، وفي بدن خادمه، أو بدن عمه، أو بدن ابن عمه، أو ما أشبه ذلك، ما الذي يتفرَّع؟ قال: (فينْفُذُ تصرُّف كلٍّ منهما فيهما بحكم الملك في نصيبه، وبالوكالة في نصيب شريكه).
الآن لما اشتركنا كل واحد منا ينفذ تصرُّفه في المالَيْنِ جميعًا، بالنسبة لملكه يتصرف بالأصالة بحكم الملك، بالنسبة لشريكه يتصرف بالوكالة؛ لأنه فرع عنه.
مثال ذلك: اشترك اثنان شركة عنان أحدهما يبيع أقمشة، والآخر يبيع أطعمة، يجوز أو لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1716

طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز لبائع الأطعمة أن يبيع شيئًا من الأقمشة ولو كانت عند صاحبه، ويجوز لصاحب الأقمشة أن يبيع شيئًا من الأطعمة ولو كانت عند صاحبه، كيف يبيع شيئًا ليس في دكانه، ولكنه في الدكان الآخر، أو قد يكون في بلد آخر أيضًا؟ نقول: لأن الشركة تقتضي هكذا، تقتضي أن كل واحد يتصرف بالمال كله مجموعًا؛ لأنه لما عقدنا الشركة صار نصف مالك لي، ونصف مالي لك، إذا تصرفتَ فيه يكون بالملك لنصيبك وبالوكالة في نصيب شريكك، وإن لم يُخْلَط المالان نقول: وإن لم يُخْلَطَا كما سيأتي إن شاء الله الكلام في المتن.
يقول: (بحكم الملك في نصيبه، وبالوكالة في نصيب شريكه)، إذا تصرَّف في نصيب شريكه، وتبيَّن أن شريكه قد باعه مثلًا، فما الحكم؟ نقول: هذا كما ذكرنا فيما سبق في الوكالة أنه ينعزل الوكيل في مثل هذه الحال؛ لأن الْمُوَكِّل تصرف تصرفًا يمنع الوكيل من أن ينفذ تصرفه فيه.
مثاله: إنسان شارك آخر، لأحدهما معرض سيارات وللآخر أطعمة، صاحب الأطعمة باع سيارة من المعرض عند صاحبه، ثم تبين أن صاحبه قد باع السيارة، فما الحكم؟ الحكم يبطل بيع الأخير؛ لأن بَيْع أخيه للسيارة صحيح ولَّا غير صحيح؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، فإن قلتم: ألست تقول: إنهم شركاء في ماليهما؟ أقول: بلى، لكن لما باع صاحب المعرض السيارة باع السيارة بحكم ملكه في نصيبه، كمِّلوا، وبالوكالة في نصيب شريكه، انتهى البيع، تم العقد، لما جاء الشريك الآخر وباعها بعد بيع الأول لم يصح البيع؛ لأنه وكيل في بيعها، لكن تصرف فيها الشريك قبل أن يبيع هذا، هذا معنى قوله: (بِحُكْم الملك في نصيبه، وبالوكالة في نصيب شريكه).
يقول: (ويُشْتَرَط) يشترط يعني مع الشروط السابقة، وهي أن يكونَا مالِكَيْنِ، أو لهما حق التصرف، أن يكون المال معلومًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1717

يقول: (ويُشْتَرَط -بالإضافة إلى ذلك- أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين)، أن يكون رأس المال اللي به الشركة من النقدين، وهما الذهب والفضة، (المضروبين) وهما الدراهم والدنانير.
المضروب ما معناه يا جماعة؟ معناه المضروب اللي يضرب باليد؟ أيش معناه؟ طلبة: المصكوك؟ الشيخ: الذي جُعِلَ نقدًا، جُعِل دراهم وجُعِل دنانير، لو أن كل واحد منهما أتى بصُرَّة من ذهب واشتركَا، يصح؟ طلبة: لا يصح؟ الشيخ: لا يصح، لماذا؟ لأنه غير مضروب، كل واحد أتى بمئة ربطة فئة عشرة، أوراق، يصح أو لا يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ طلبة: ليسَا نَقْدَيْن.
الشيخ: لأنهما لَيْسَا نَقْدَيْن، كل واحد أتى بعشرين سيارة، يعني هما أصحاب معرض، كل واحد أتى بعشرين سيارة، يصح أو لا يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: رأس المال أربعون سيارة الآن؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأن ذلك ليس من النقدين.
وقول المؤلف: (من النقدين) يشمل ما إذا كان أحدهما أتى بدنانير والآخر أتى بدراهم، فمثلًا واحد أتى بعشرة دنانير، والثاني أتى بمئة درهم، يصح.
لكن هذا فيما سبق في زمان العلماء السابقين، الدراهم والدنانير ما تتغير، يعني عشرة دراهم بدينار ما تتغير، في وقتنا الآن هل تتفاوت أو لا؟ تتفاوت، أحيانًا يزيد الذهب وأحيانًا ينقص، وبناءً على ذلك نقول: لا بد أن يكون النقد واحدًا من جنس واحد، إما ذهب وإما فضة.
هذا هو الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله أنه لا بد أن يكون رأس المال من النقدين، كمِّل.
طلبة: المضرُوبَيْنِ.
الشيخ: المضرُوبَيْنِ.
وقيل: يصح أن يكون رأس المال عَرَضًا، أي: من عروض التجارة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1718

فأحدهما يأتي بأطعمة، والثاني يأتي بأقمشة، ويختلطان، كيف نعمل الآن؟ عند فسخ الشركة نقول لأحدهما: اشترِ طعامًا لأخيك، ونقول للثاني: اشترِ أقمشة لأخيك؟ ! ! هذه مشكلة، قد ترتفع الأقمشة، وقد ترتفع الأطعمة، نقول: هنا نعرف كيف نتخلص، عند عقد الشركة نقول: ماذا تساوي الأطعمة، وماذا تساوي الأقمشة؟ فإذا قالوا: الأطعمة عشرة آلاف، والأقمشة عشرة آلاف، عند الفسخ نرجع إلى الأصل، إلى القيمة، نعطي كل واحد عشرة آلاف، والربح يُقْسَم حسب الشرع.
أقول مرة ثانية: القول الثاني في المسألة أنه يصح أن يكون رأس المال من غير النقدين المضروبين، ولكن تُقَدَّر قيمته بالنقدين عند عقد الشركة ليَرْجِعَ كل واحد منهما إلى قيمة ملكه عند فسخ الشركة، وهذا القول هو الراجح، وعليه العمل.
طالب: لو أن صاحب الأطعمة يا شيخ باع سيارة عند صاحب معرض السيارات.
الشيخ: اشترك صاحب طعام وصاحب سيارات.
الطالب: فباع صاحب الأطعمة سيارة من المعرض، ثم بعد ذلك صاحب السيارات باع نفس السيارة.
الشيخ: الأول منهما هو الذي ينفذ، سواء صاحب المعرض أو صاحب الطعام.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يُشْتَرَط أن يكون المال حاضرًا؟ الشيخ: لا بد أن يكون حاضرًا، إلا إذا كان في ذمة أحدهما، يعني –مثلًا- واحد عنده عشرة آلاف أحضرها، وفي ذمته للآخر عشرة آلاف، فهذا كالحاضر.
الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، في الوكالة هل تختلف الوكالة على نفس الشركة؟ لأنه إذا باع الوكيل السيارة ( ... ) وقد باعها الْمُوَكِّل قلنا: إن عقد الْمُوَكِّل هو الذي ينفذ لأنه تصرف في ملكه، فعقده أقوى من عقد البيوع، ولَّا ماذا يا شيخ؟ الشيخ: أبدًا، إذا وَكَّلَ شخصًا في بيع شيء، ثم باعه الوكيل نفذ، وإذا ورد عقد الْمُوَكِّل بعد بيع الوكيل فإنه لا أَثَر له.

الجزء: 2 - الصفحة: 1719

طالب: بارك الله فيك، إذا اشتركَا في تجارتين، فمثلًا اشتركَا في المال وفتحَا دكانين، وكان كل واحد منهما يحسن نوعًا من التجارة، فتصرف الآخر فيما لا يحسنه، فهل ينفذ تصرفه؟ الشيخ: إذا تصرَّف فيما لا يحسنه فلا ينفذ تصرفه؛ لأن لا بد –إن شاء الله يأتينا أنه لا بد يتصرف لمصلحة الشركة.
طالب: الدخول بشركة الأعيان هل صحيح أن بعضهم حكى الإجماع على عدم جواز هذا الشيء؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: هل صحيح أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أنه لا يجوز الشركة في الأعيان أو في العروض؟ الشيخ: يعني في غير النقدين يعني؟ الطالب: نعم، في العروض، هل يدخل مثل هذا في عقد شيء وهذا .. ؟ الشيخ: لا، ليس فيه إجماع.
طالب: إذا اشترك صاحب أطعمة وصاحب سيارات، وصاحب الأطعمة باع سيارة، وتَبَيَّن أن صاحب السيارات باعها.
الشيخ: قبلَه ولَّا بعده؟ الطالب: قبله، ولكنهم ما زالوا في وقت الخيار، فهل ينفذ الأول أو الثاني؟ الشيخ: لا، ينفذ الأول.
الطالب: إلى متى؟ إلى أن ينتهي وقت الخيار؟ الشيخ: إذا انتهى وقت الخيار فهو يجدد العقد.
طالب: أحسن الله إليك، ما سبب قول هؤلاء العلماء أنه لا يجوز شراء بغير النقدين المضروبين.
الشيخ: لا، هم يقولون: أحضروا النقدين، أحضروا الدراهم وبعدين بيعوا واشتروا، ما هو معناه: ( ... ) الدراهم، ويش الفائدة من الدراهم؟ علشان أيش يا جماعة؟ علشان عند فسخ الشركة نرجع إلى الدراهم.
طالب: إذا اشترك شريكان كان أحدهما يبيع ملابس، والآخر يبيع طعامًا، وحُدِّدَت القيمة بعشرين ألفًا، وأصبحت القيمة مشاعة بينهما، فعند الانفصال هل يُلْزَم صاحب الطعام إذا تبقى طعام بأخذ طعامه، وأخذ الملابس بأخذ ملابسه؟ الشيخ: يُقَوَّم عليه بدراهم، وكل واحد يرجع إلى دراهمه، والربح يكون بينهما على ما شرطاه.
طالب: يبذلان الآن جميع المال المشترَك فيه ويعمل فيه واحد فقط، هل يصح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1720

الشيخ: يصح، لكن بشرط أن يُجْعَل له من الربح أكثر من ربح ماله، مثلًا إذا جاء واحد بألف واحد بألف، ولَّا إذا ما واحد يعمل نقول: الربح يكون بينكما أثلاثًا، لئلا يعمل الثاني بدون عِوَض.
طالب: إذا تلف الطعام بعدما تعاقدوا هل يُمْضَى العقد أو يُفْسَخ؟ الشيخ: يقول: إذا تلف الطعام بعد أن تعاقدوا، هل بتفريط، أو بتعدٍّ، أو بدون تَعَدٍّ ولا تفريط؟ الطالب: بلا تفريط.
الشيخ: يعني –مثلًا- أمر جاءه مثلًا مطر ولَّا غيره، أو حريق؟ الطالب: على كل تقدير.
الشيخ: لا ما هو على كل .. إذا كان متعديًا أو تفريطًا فالضمان عليه هو، وليس على شريكه شيء، وإذا كان بغير تَعَدٍّ ولا تفريط فهو من ضمان الجميع، يعني يكون المال السالم بينهما جميعًا.
( ... ) وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، يقول المؤلف: إنه لا يقبض الثمن إلا بقرينة، فمثل القرينة ده أيش؟ ما مثالها؟ طالب: القرينة تنقسم إلى قسمين: قرينة شرعية، وقرينة عُرفية؛ أما القرينة الشرعية فهي التي يُشْتَرَط التقابض فيها، كالذهب، والعرفية إذا باع على رجل مماطل أو على رجل غريب له .. الشيخ: قرينة شرعية وقرينة عرفية، القرينة الشرعية أن يُوَكِّلَه في بيع ذهب بفضة، فهنا لا بد أن يقبض؛ لأن مقتضى التوكيل هذا أن يقبض، والعرفية أن يبيعها على شخص مجهول يخشى ألَّا يُعْرَف فيما بعد، أو على شخص مماطل، فهنا قَبْض الثمن مأذون فيه عرفًا.
إذا قال: اشْتَرِ لي ما شئت بما شئت؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ الطالب: لأنه ممكن يشتري له شيئًا وهو يريد شيئًا آخر، أو ممكن يشتري له أشياء هو لا يريدها.
الشيخ: نعم؟ الطالب: ممكن يتصرف في المال يشتري له كل شيء.
الشيخ: كل شيء.
الطالب: فإذا اشترى له كل شيء .. الشيخ: بأي ثمن.
الطالب: بأي ثمن.
الشيخ: لأنه قال: بما شئت.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، فلا بد من التعيين حتى لا يحصل النزاع والخصومة.
إذا قَيَّدَ ذلك بالأصلح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1721

الطالب: يصح يا شيخ.
الشيخ: يصح، مثل أن يقول؟ الطالب: اشتر لي بما تراه مناسبًا مثلًا.
الشيخ: اشتر ما تراه مناسبًا، مثل: وردت بضائع ووَكَّلَه أن يشتري منها، وقال: اشترِ ما تراه مناسبًا بأي ثمن تراه.
اقبض حقي من زيد، هل يقبض من ورثته؟ طالب: لا يقبض من ورثته.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه هنا عَيَّنَ الجهة التي يقبض منها، وهي زيد، أما إذا قال: اقبض حقي الذي عند زيد فإنه لا يقبض .. الشيخ: أنا أسألك: اقبض حقي من زيد.
الطالب: لا يقبض.
الشيخ: فوجده ميتًا.
الطالب: لا يقبض؛ لأنه عَيَّن الجهة التي يقبض منها.
الشيخ: نعم، وهو قوله: من زيد.
إذا قال: اقبض حقي الذي عند زيد فوجده ميتًا.
طالب: يقبض من ورثته.
الشيخ: يقبض من ورثته.
الطالب: نعم؛ لأنه عَيَّن الجهة.
الشيخ: لأنه لم يُعَيِّن المقبوض منه، وإنما عَيَّن؟ الطالب: الجهة.
طالب: المقبوض.
الشيخ: الجهة أو المقبوض.
ادَّعَى شخص أن زيدًا وَكَّلَه في قَبْض حقه من عمرو؟ جاءك رجل قال لك: إن فلانًا وَكَّلَنِي أن أقبض الدَّيْن الذي له عليك، فأعطني إياه، فهل يلزمك الدفع؟ طالب: ما يلزمني.
الشيخ: لا يلزمك، حتى لو صَدَّقته؟ الطالب: نعم.
الشيخ: حتى لو صدقته، إذا كَذَّبْتَه واضح، إذا قلت: أبدًا ما وَكَّلك، واضح إنه لا يلزمك، لكن إذا صَدَّقْتَه لماذا لا يلزمك؟ الطالب: لأنه قد يكون الْمُوَكِّل ينكر على .. الشيخ: وكالته، تمام؛ لأنه قد يُنْكِر الْمُوَكِّل فيقول: أنا ما وَكَّلْتُه، لكن لو صَدَّقَه فدفع إليه، ثم أنكر الْمُوَكِّل الوكالة؟ طالب: يُضَمِّن الْمُوَكِّل أيهما شاء.
الشيخ: لا.
الطالب: إذا أنكر.
الشيخ: ما هي وديعة هذه، دَيْن.
الطالب: الدَّيْن؟ الشيخ: نعم.
الطالب: يُضَمَّن الذي عنده الدَّيْن.
الشيخ: أحسنت، يضمن الذي عليه الدَّيْن للمُوَكِّل، واضح؟ ثم يرجع على الذي ادَّعَى الوكالة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1722

المؤلف يقول: إذا كان المدفوع وديعة أخذها، فإن تلفت ضمن أيهما شاء، ما معنى العبارة؟ طالب: كأن يقول مثلًا للوكيل مُدَّعِي الوكالة هذا إذا أخذ الوديعة .. الشيخ: يعني نفرض إنها كتاب عند خالد.
الطالب: أخذها لي من اللي ادَّعَى توكيلي إذا أخذها منه هذه الوديعة فأنا لي الحق أن أطلبه من مُدَّعِي الوكيل، أو من المستودَع الكتاب؛ لأنها وديعة وأخذها بدون وكالة.
الشيخ: فمن هذا أو هذا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني لك أن تُضَمِّن خالدًا.
الطالب: أُضَمِّن خالدًا أو زيدًا.
الشيخ: كذا؟ طالب: له ذلك يا شيخ.
الشيخ: له ذلك؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يعني على الوديعة التي عندك.
الطالب: على سبيل الفرض.
الشيخ: على سبيل الفرض؟ صحيح، إذا كانت الوديعة، لأن الوكيل الآن ما هو راح يتصرف فيها، سيحملها لصاحبها الذي هي له، فإذا تلفت بيد مُدَّعِي الوكالة ضَمَّن أيهما شاء، إلا إذا صَدَّقَه، قال: نعم، أنا وَكَّلْتُه يأخذه، فهو لا يرجع على أحد إذا تلفت بغير تَعَدٍّ ولا تفريط.
يقول المؤلف في باب شركة العنان، أولًا: شركة العنان ما معناها؟ طالب: إذا اشترك اثنان فأكثر بمالهما ويعملَان فيه ببدنهما.
الشيخ: إذا اشترك اثنان فأكثر بماليهما وبدنيهما.
إذا اشتركَا هل يكون المال الذي كان لزيد، والمال الذي كان لعمرو، هل يكون بينهما؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يكون بينهما.
الطالب: إذا اتفقا أن يكون مشاعًا فهو مشاع.
الشيخ: كيف مشاع؟ اشتركَا شركة عنان؟ الطالب: لا يكون معهما.
الشيخ: لا يكون لهما؟ الطالب: لا يكون لهما.
الشيخ: كل واحد له ماله؟ الطالب: كل واحد له ماله.
طالب: يكون المال بينهما يا شيخ.
الشيخ: يكون المال بينهما، كذا؟ ما تقولون؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ نعم صحيح، ويكون المال بينهما، هل ينفذ تصرُّف كل واحد منهما؟ طالب: ( ... ) في نصيبه.
الشيخ: ينفد تصرُّف كل واحد منهما بحكم الملك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب شريكه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1723

لو تلف مال أحدهما فقط هل هو من بين الجميع ولَّا على صاحبه.
طالب: نعم، إلا إذا لم يكن بتعَدٍّ أو تفريط.
الشيخ: بلا تَعَدٍّ ولا تفريط، جاءه أمطار وأفسدته ولَّا حرق.
الطالب: الضمان عليهما.
الشيخ: يعني أن المال يتلف عليهما جميعًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: كيف مالك عندك أنت الآن دكانك؟ الطالب: نعم، لكن الآن صار مشاركة.
الشيخ: ماذا تقولون؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ يعني لو تلف مال أحدهما صار المال الباقي لهما جميعًا.
( ... ) أنصافًا إذا كان المالان متساويين، أو أثلاثًا حسب المال، فإذا كان هذا الإنسان ماله ألفان، وهذا ماله ألف، ثم تلف المال الذي لصاحب الألفين، يرجِع على المال الذي هو لصاحب الألف بماذا؟ بثُلُثَيِ الألف؛ لأن المال المشترك على حسب الملك.
شركة المال لها شروط، هل يُشْتَرَط فيها أن يكون المالان متساوِيَيْنِ؟ طالب: لا يُشْتَرَط.
الشيخ: لا يُشْتَرَط، يعني: يجوز واحد يجيب عشرة آلاف، وواحد مئة ألف؟ الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ كيف عشرة آلاف مع مئة ألف؟ الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: إي، بس يُشْتَرَط أن يكون من النقدين.
الشيخ: لا، ما بعد وصلنا لهذه، المهم هل يُشْتَرَط التساوي أو لا؟ الطالب: لا، لا يُشْتَرَط.
الشيخ: لا يُشْتَرَط، توافقونه على ذلك؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لا يُشْتَرَط.
يُشْتَرَط أن يكون المال معلومًا أو لا يُشْتَرَط؟ طالب: يا شيخ يشترط أن المال معلوم، لازم معلوم.
الشيخ: نعم، يُشْتَرَط أن يكون معلومًا، وذلك لأنهما عند فسخ الشركة سوف يرجع كل واحد منهما إلى ماله، فإذا لم يكن معلومًا حصل النزاع والعداء والبغضاء والخصومة.
يُشْتَرَط أن يكون من النقدين المضروبين، فما هما؟ طالب: الدراهم والدنانير.
الشيخ: الدراهم والدنانير، ما معنى قوله: (المضروبين) احترازًا من أيش؟ طالب: الذهب والفضة.
الشيخ: كيف؟ طالب: غير النقدين، غير الذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1724

الشيخ: لا، نقدين لكن يقول: مضروبين، معناه: يشترط شرطين؛ نقدين ومضروبين، مضروبين احترازًا من أيش؟ ما حضرت؟ طالب: حضرت.
الشيخ: إذا حضرت فنحن شرحناها شرحًا جيدًا، ما حضرت؟ طالب: حضرت.
الشيخ: حضرت؟ سبحان الله إذا سُئِلْتَ لم تحضر وإذا أجبت حضرت؟ ! طالب: المضروبين احترازًا مما ليس مضروبًا كالذهب المستعمل في ( ... ) وغيره ( ... ). الشيخ: صحيح، المضروبين يعني اللَّذَيْنِ جُعِلَا نقدًا، سكة دراهم ودنانير، احترازًا مما لو كان قطعة من الذهب قطعة من الفضة، لا يجوز.
هل يجوز أن يكون مال أحدهما ذهبًا والآخر فضة؟ طالب: نعم.
الشيخ: يجوز؟ من أين يُؤْخَذ من كلام المؤلف؟ طالب: من قوله: (ولو متفاوتًا).
الشيخ: لا، متفاوتًا بالكمية.
الطالب: (ولو يسيرًا).
الشيخ: ويش اللي هو اليسير؟ طالب: (ولو مغشوشَيْنِ يَسِيرًا).
الشيخ: لا.
طالب: قوله: (من النقدين).
الشيخ: قوله: (من النقدين)، الآن إذا أتى أحدهما بذهب والآخر بفضة فالمال من النقدين.
يُشْتَرَط أن يكون رأس المال من النقدين، وظاهر كلام المؤلف: ولو كان أحدهما ذهبًا والآخر فضة، وهذا مَبْنِيٌّ على أن سعر الفضة بالنسبة للذهب لا يتغير، كما في الزمن السابق، فإن في الزمن السابق الدينار اثنا عشر درهمًا، ثلاثة دراهم رُبُع دينار؛ ولهذا جاء في السرقة: (لا تُقْطَع اليد إلَّا في رُبُع دينار فصاعدًا)، وقطع النبي صلى الله عليه وسلم في سرقة مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم، فدل هذا على أن الدينار في ذلك الوقت قيمته من الفضة كم؟ طلبة: اثنا عشر درهمًا.
الشيخ: اثنا عشر درهمًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1725

كذلك أيضًا في الدية ألف دينار واثنا عشر ألف درهم، متقارب يعني، فدلَّ ذلك على أيش؟ على أنه إذا تفاوَتَ فكان أحدهما ذهبًا والثاني فضة فلا بأس، لكن في الوقت الحاضر وقبل هذا الوقت أيضًا لا يستقيم هذا؛ لأن الذهب والفضة لَيْسَا مُسْتَقِرَّيْن، قد ترتفع قيمة الذهب، وقد ترتفع قيمة الفضة، وعلى هذا فلا يصح أن يأتي أحدهما بذهب والآخر بفضة، إلا على القول بأنه لا بأس أن يأتي أحدهما بعروض وتُقَدَّر قيمتها عند انعقاد الشركة، فإنه لا بأس.
يقول: (من النقدين المضروبين)، لو كان المال من غير النقدين، يعني: سيارات، إنسان عنده معرض سيارات، وإنسان عنده معرض أطعمة، واشتركَا شركة عنان، أيجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لا، لا يجوز يا إخوان، سبحان الله! (من النقدين المضروبين)، الآن رأس المال من العروض، أحدهما سيارات، والثاني أيش؟ أطعمة، إذن لا تصح الشركة، حتى لو عَمِلَ فرِبْحُ مالِ كلِّ واحد له، والثاني لا حق له فيه؛ لأن الشركة غير صحيحة، وهذا هو المذهب، والقول الثاني أنه يصح أن يكون رأس المال عروضًا، ولكن لا بد أن تُقَدَّر القيمة بالنقدين، فيقال مثلًا: كم قيمة السيارات؟ قال: قيمة السيارات مئة ألف، كم قيمة الأطعمة؟ مئة ألف، صار المال الآن أنصافًا، صار المال مئتي ألف، كل واحد منهما أتى بمئة ألف، قالوا -مثلًا-: السيارت تساوي مليونًا، والأطعمة خمس مئة ألف، صار المال الآن أيش؟ أثلاثًا؛ لصاحب السيارت الثلثان، وللثاني الثلث، وهذا القول هو الراجح، هو الصحيح، أنه يجوز أن يكون رأس المال من غير النقدين، لكن يجب أن يُقَوَّم عند عقد الشركة بالنقدين، وذلك من أجل الرجوع إليهما عند انفساخ الشركة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1726

وقوله: (ولو مغشوشين)، هذه إشارة خلاف، لكن المؤلف يقول: (مغشوشين يسيرًا)، كانت الدنانير والدراهم فيما سبق يُتلاعب بها، وكل إنسان يستطيع أن يصنع دينارًا أو أن يصنع درهمًا، فيأتي بعض الناس ويغش، يَخْلِط مع الذهب معدنًا آخر، أو مع الفضة معدنًا آخر.
يقول العلماء: إن كان هذا الخليط شيئًا يسيرًا من أجل تصليب الذهب وتصليب الفضة، فهذا لا يضر؛ لأنه كالإنفحة مع اللبن من أجل أن تُجَبِّنَه، وهذا لمصلحة النقدين، ولا يضر، أما إذا كان الغش كثيرًا يُراد به الترويج فإنه لا يصح أن يكون نقدًا يُتعامل به؛ لأنه صار في الحقيقة كعروض التجارة، ولا يصح أن يكون رأس مال شركة؛ لأنه صار كعروض التجارة.
والخلاصة: الغش بالنقدين ينقسم إلى قسمين: 1 - قسم يسير من أجل تصليب النقدين؛ لأن الذهب لو لم يُصَلَّب صار ليِّنًا، وكذلك الفضة، هذا لا بأس منه؛ لأنه لمصلحته.
2 - قسم آخر: يُرَاد به الغش والخداع، هذا لا يجوز التعامل به، ويجب على وَلِيّ الأمر أن يمنع التعامل به؛ لأنه غش، ولا يصح أن يكون رأس مال شركة، وهذا هو مُحْتَرَز قوله: (ولو مَغْشُوشَيْنِ يسيرًا).
على ما قلنا قبل قليل نقول: لا يُشْتَرَط أن يكون رأس المال من النقدين، لكن يجب أن يُقَوَّم مال كل واحد منهما عند عقد الشركة بالنقدين، لكن بأيهما؟ لا شك أن تقدير القيمة بالأكثر رواجًا، وعند الناس الآن الأكثر رواجًا هو؟ طلبة: الذهب.
الشيخ: لا يا إخوان، الفضة؛ لأن النقود هذه كلها عِوَض عن الفضة، وهذا العمل بالنقدين المعدنيين أيضا راح، أكثر الدول الظاهر -إن لم أقل: كل الدول- تتعامل بأيش؟ بالأوراق النقدية، هذا شرط.
الشرط الثاني: (وأن يَشْتَرِطَا لكل منهما جزءًا من الربح مشاعًا معلومًا)، لا بد أن يَشْتَرِطَا لكل واحد جزءًا من الربح مشاعًا معلومًا.
مثال ذلك: قال: نحن اشتركنا في المال، ولكل واحد منا من الربح النصف، يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1727

اشتركنا في المال، ولك يا زيد من الربح ألف، والباقي لي.
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه غير مشاع، وغير المشاع ربما لا يكون الربح إلا مقدار ما شُرِطَ لأحدهما، ويبقى الثاني لا ربح له.
اشترطَا الربح، قال: لك بعضه ولي بعضه؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح، لماذا؟ لأن البعض مجهول، فلا يصح شرطه، لا بد أن يكون معلومًا، والثاني مشاعًا، (جزءًا من الربح مشاعًا معلومًا).
(فإن لم يَذْكُرَا الربح، أو شرطَا لأحدهما جزءًا مجهولًا، أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين، لم تصح)؛ لأن كل هذه مخالفة للشرط.
(إن لم يذكرَا الربح)، بل قال: نحن شركاء شركة عنان، ولم يتعرضَا للربح، هل هما أنصاف؟ أو أرباع؟ أو ما أشبه ذلك؟ فالشركة لا تصح، ويكون لكل واحد منهما رِبْحُ ماله، ولا يرجع على الثاني بشيء، حتى لو تلف أحد المالين في هذه الصورة لم يرجع على صاحبه؛ لأن العقد فاسد، والعقد الفاسد لا يترتب عليه أثره، هذه واحدة.
الثاني: (شَرَطَا لأحدهما جزءًا مجهولًا)، قال: نحن الآن شركاء، سنعمل في المال ولك بعض الربح ولي بعضه، أو لك بعضه ولي باقيه، يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنه مجهول.
(أو دراهم معلومة)، قال: سنشترك شركة عنان، والربح يكون لك منه عشرة آلاف، والباقي لي، يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ لأنه ربما لا يربح إلا العشرة آلاف، ويبقى الثاني لا رِبْح له، والشركة مبنية على أصل، وهو اشتراك الشريكين في الْمَغْنَم والْمَغْرَم، لا بد من هذا، هذا شيء يجب أن نلاحظه في كل الشركات؛ أن يشترك الطرفان في الْمَغْنَم والْمَغْرَم.
(أو ربح أحد الثوبين)، اشتركَا فقال أحدهما للآخر: لك ربح السيارات، ولي ربح الطعام، يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ طالب: ربما لا يربح.
الشيخ: لأنه ربما يربح في السيارات ولا يربح في الأطعمة، أو بالعكس، والشركة مبنية على التساوي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1728

قال: لك ربح النصف الأول من السنة، ولي ربح النصف الثاني؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ أنصاف يا جماعة؟ لا يصح، لماذا؟ لأنه ربما يربح في أول السنة كثيرًا، وفي آخر السنة لا يربح إلا قليلًا، أو لا يربح أصلًا.
قال: لك ربح السفر إلى مكة، ولي ربح السفر إلى المدينة؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لأنه قد يربح في هذا ولا يربح في هذا، والأصل في الشركة أن يشترك الاثنان في الْمَغْنَم والْمَغْرَم.
(وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة)، كلها لم تَأْتِ بعد، لكن استطرد المؤلف لذِكْرِها.
المساقاة هي أن يدفع الإنسان أرضه ونخله لشخص يقوم عليها بجزء من الثمرة، هذه المساقاة.
إنسان -مثلًا- عنده أرض وعليها أشجار من نخيل وأعناب ورمان وغيرها، فأعطاها شخصًا يُنَمِّيهَا بجزء من الثمرة، يجوز هذا أو لا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، وسيأتي دليله إن شاء الله، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم عامَلَ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
(5) المزارعة كذلك، إنسان عنده أرض بيضاء ما فيها زرع، فأعطاها فلاحًا يزرعها وله نصف الزرع –مثلًا- يجوز أو لا؟ يجوز، هذا منه العمل وهذا منه الأرض، وكذلك في الشجر، هذا منه الأرض والشجر، وهذا منه العمل.
مضاربة؛ المضاربة أن يدفع ماله لشخص يتجر فيه وله جزء من الربح، أعطى رجلًا مئة ألف ريال، قال: خذ، اتجر، ولك نصف الربح، نسمي هذا مضاربة.
كل هذه الثلاث لا بد أن يُشْتَرَط لأحدهما جزء مشاع معلوم.
نأتي للمساقاة، لو قال: خُذْ هذا الشجر اعمل فيه ولك بعضه؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ لأنه غير معلوم، خذ هذا الشجر اعمل فيه ولك ثمر السُّكَّرِي والباقي لي؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟ لأنه ربما تُثْمِر هذه ولا تثمر هذه.
خذ هذه الأرض وشَجَرَها، ولك ثمرتها عام ستة عشر، ولي ثمرتها عام سبعة عشر؟ طلبة: لا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1729

الشيخ: لا يصح؛ لأنه مجهول، قد تثمر في هذه السنة ولا تثمر في السنة الأخرى، خُذْ هذه الأرض مساقاةً بشجرها، ولك ثمرة الجزء الغربي منها، ولي ثمرة الجزء الشرقي منها، لا يصح، خُذْ هذه الأرض مساقاة ولك من ثمرها مئة صاع والباقي لي، لا يصح؛ لأنه غير مشاع.
كذلك نقول في المزارعة، إذا قال: خُذْ هذه الأرض، أرض بيضاء، ازرعها هذا العام ولك من الزرع شرقيه ولي غربيه، لا يصح، لك بعضه ولي بعضه، لا يصح، لك ما تزرعه من شعير ولي ما تزرعه من بُرّ، لا يصح، لك زرع هذا العام ولي الزرع العام الثاني، لا يصح، لا بد أن يكون جزءًا مشاعًا معلومًا.
المضاربة كذلك، أعطيتُ هذا الرجل مالًا يتجر به، وقلت له: لك بعض الربح ولي بعضه.
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لك ربح هذا الشهر، ولي ربح الشهر الثاني؟ الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لك ربح ما تجلبه في مكة، ولي ربح ما تجلبه المدينة.
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لك ربح السيارات، ولي ربح الأطعمة؟ الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لأن هذا يخالف القاعدة الأصيلة الأصلية في المشاركة، وهي تَسَاوِي الشريكين في الْمَغْنَم والْمَغْرَم.
ثم قال: (والوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ المَالِ).
الوضيعة يعني: ما يُوضَع من القيمة، أي: الخسارة، الخسارة على قَدْر المال لا على قدر الشرط، فلو جاء أحدهما بعشرة آلاف، وجاء الثاني بعشرين ألفًا، فالمال الآن أثلاثًا، فقالوا: إذا خَسِر فالخسارة أنصافًا، لا يصح هنا؛ لأن الخسارة يجب أن تكون على قدر المال، إذا خَسِرَت الشركة فعلى صاحب -كم قلنا؟ عشرة آلاف وعشرين- على صاحب العشرة ثلث الخسارة، وعلى صاحب العشرين الثلثان، ولا يصح أن تكون الخسارة على خلاف ذلك، ولهذا قال: (الوضيعة على قدر المال).
الربح؟ طلبة: ثلاث.
الشيخ: لا، الربح على ما شَرَطَاه، يعني: لو أن أحدهما جاء بعشرين ألفًا، والثاني بعشرة، وقالَا: الربح بيننا نصفين، فهنا صار الربح على قدر المال أو يختلف؟ طلبة: يختلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1730

الشيخ: يختلف؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يصح؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، إذا قال: كيف يصح؟ هذا يُعْطَى أكثر من ربح ماله؟ قلنا: نعم؛ لأنه ربما يجعل للثاني أكثر؛ لأنه أَخْبَرُ منه بالبيع والشراء، فأعطاه أكثر من ربح ماله؛ لأنه أخبرُ منه، أما الوضيعة فلا يمكن أن نُحَمِّل أحدهما أكثر من خسارة ماله، فصار الربح كما قال المؤلف فيما سبق الربح على أيش؟ على ما شَرَطَاه، وأما الوضيعة فعلى قدر المال، انتبهوا لهذه النقطة.
مثال الربح، الربح على ما شرطاه؟ طالب: أن يكون في نصف الربح يأخذ نصفًا.
الشيخ: كيف يعني؟ الطالب: يشترك.
الشيخ: يعني يشتركان في المال، ويقول: الربح لك نصفه ولي نصفه، لو كان لأحدهما عشرون ألفًا وللثاني عشرة آلاف، وجعلوا الربح أنصافًا يصح؟ طلبة: يصح.
الشيخ: كيف يصح ويُعْطَى هذا أكثر من ربح ماله.
طالب: لأنه قد يكون صاحب العشرة آلاف عنده خبرة.
الشيخ: إي، تمام، أما الوضيعة فهي على قدر المال.
قال: (ولا يُشْتَرَط خَلْط المالين)، يعني: لا يُشْتَرَط أن يَخلط المالين، بل لو عمل كل واحد منهما بماله فلا بأس.
وهذا المؤلف نفاه، واعلموا أن لدى العلماء قاعدة أنهم لا ينفون شيئًا إلا لوجود خلاف فيه؛ لأن السكوت يُغْنِي عن النفي، إذا لم يكن خلاف فالسكوت عن ذِكْرِه يُغْنِي عن نَفْيِه، لكن إذا كان هناك خلاف يذكرون النفي دفعًا لهذا الخلاف، فقوله: (لا يُشْتَرَط خَلْط المالين) إشارة إلى نفي القول باشتراطهما، والقول باشتراط الخلط نوعان: 1 - بعضهم يقول: لا بد أن يُؤْتَى بالمالين ويُجْعَلَا في متجر واحد، ولو كان كل واحد منهما ماله متميزًا.
مثاله: واحد ماله أقمشة، والثاني ماله أطعمة، يقول: لا بد أن يؤتَى بالأطعمة إلى مكان الأقمشة، أو بالعكس، ويكون محله واحدًا، وإن كان هذا يعمل بماله وهذا يعمل بماله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1731

2 - وبعضهم يقول-النوع الثاني من الخلط- يقول: لا بد أن يختلط المالان جميعًا، ويتصرف كل واحد منهما بهما جميعًا، يعني كأنه صاحب متجر وخادم عنده، بمعنى أن المالين صارَا خَلِيطَيْنِ كالمال الواحد، يعني كأنه متجر لشخص واحد، وكل منهما يعمل به.
الثالث الذي مشى عليه المؤلف يقول: ما هو شرط، هذا يعمل في مكة، وهذا يعمل في المدينة، وهما شركاء.
عرفتم؟ الآن نجيب صورًا، الاختلاط نوعان: اختلاط تام، واختلاط في المكان.
الاختلاط التام أن يؤتى بالمالين جميعًا، ويأتي الرجلان جميعًا، ويتصرف كل واحد منهما فيهما جميعًا، يقف الزبون عند الباب يقول: أريد الثوب الفلاني، يجيبه أي واحد منهما، أريد الكيس الفلاني من الأطعمة، أي واحد يجيبه، هذا خلط تام، وهذا هو مذهب الشافعي، لا بد أن يُخْلَطَ المالان خلطًا تامًّا، هذا واحد.
الثاني لمالك، الإمام مالك يرحمه الله يقول: يجب أن يُخْلَطَا في المكان، وإن تميَّز مال كل واحد عن الآخر، فمثلًا يكون متجر كبير الجانب منه هذا أطعمة، والجانب هذا أقمشة، وصاحب الأقمشة يتصرف في أقمشته، وصاحب الأطعمة يتصرف في أطعمته.
القول الثالث: يقول: ما هو شرط، كل واحد منهم يعمل بماله في مكانه، حتى لو كان أحدهما في مكة، والآخر في المدينة واشتركَا شركة عنان فلا بأس، الذين قالوا بالاشتراط قالوا: أين الشركة إذا كان كل واحد يعمل من مكان وفي ماله الخاص فأين الشركة؟ أجابوا عنه، قالوا: الشركة هو أنهما إذا اختلطَا صار المال الذي في البلد هناك بينه وبين شريكه نصفين، والمال الذي في بلده بينه وبين شريكه نصفين، كما لو كانَا شريكَيْنِ شركة أملاك فإنهما يكونان هكذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1732

فعلى كل حال القول الراجح أنه لا يُشْتَرَط خَلْط المالين كما قال المؤلف؛ لأن الشركة حاصلة بدون الخلط.
قال: (ولا كونهما من جنس واحد)، يعني –مثلًا-: لو أتى أحدهما بذهب والثاني بفضة فلا بأس، ولكن قلت لكم قبل قليل: هذا مَبْنِيّ على أيش؟ على أن سعر الذهب والفضة لا يتفاوت.
أما إذا كان يتفاوت كما هو العرف فلا بد أن يكون المالان من جنس واحد، أو يُقَوَّم أحدهما بالآخر، فمثلًا يقال: أنت أتيت بذهب والآخر أتى بفضة، لازم يُقَوّم الذهب حتى يساوي الفضة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما عرفت الفرق بين الاشتراك التام والمكان؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: الآن ذكرت قولًا للشافعية وقولًا للمالكية.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أنا ما عرفت الفرق بينهما.
الشيخ: المالكي يقول: لا بد يكون المالان في مكان واحد، وكل واحد يشتغل بملكه بماله، الشافعي يقول: لا بد يكون في مكان واحد ويشتغل الطرفان في نفس المال كله، عرفت؟ طالب: أحسن الله إليك، إذا كان في عرف الناس –مثلًا- أنه لا يُشْتَرَط أن يقولَا: نشترك في المال ولنا النصف، هو معلوم؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: إذا كان من المعلوم ألَّا يقولَا: نشترك في المال ولنا النصف، مثلًا زيد يأتي بمال وعمرو يأتي بمال، ومعلوم أن الربح يكون نصفًا بينهما، فهل هذا .. ؟ الشيخ: يكون نصفين؟ الطالب: الربح يكون بينهما نصفين.
الشيخ: لكن نصفين على حسب مالهما.
طالب: نصفين، فهل يشترط أن يقولَا أن .. ؟ الشيخ: إذا كان هذا عرفًا مُطَّرِدًا فإنا نقول قاعدة مهمة: العرف الْمُطَّرِد كالشرط المشتَرَط، بشرط أن يكون مُطَّرِدًا ما فيه خلاف يعني.
طالب: بارك الله فيك، إذا كان النقدان مغشوشين كبيرًا، قلنا: وفي هذا الوقت الآن يمكن تُخْرَج القيمة ولو كان مغشوشًا؛ لأن هناك أجهزة تُعَيِّن الغش؟ الشيخ: أصلًا المغشوش يُرْمَى، عندنا الآن المغشوش يُرْمَى ما له قيمة إطلاقًا، لكن فيما سبق المغشوش له قيمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1733

طالب: المغشوش الآن ذهب، إذا كان مصكوك هذا موجود جنيه، وإذا كان مغشوشًا ( ... ) أقل من الصرف.
الشيخ: هذا ينبني على العروض، المذهب ما يجيز العروض.
طالب: هذا اللي رَجَّحْنا.
الشيخ: لا، اللي رجحنا يُقَوَّم مال كل واحد منهما حتى يتفقَا فيه.
طالب: إذا كان لك في السنة ربح عشر في المئة، والخسارة يتحملها هذا؟ الشيخ: ما يجوز، حرام.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في بعض شركات السيارات تكون هذه السيارة –مثلًا- لعامل يشترك معهم، اذهب وسُقْ هذه السيارة، وما تحصل عليه من أجرة فإن لي منها مئة ريال مثلًا، وما زاد .. الشيخ: هذا سيأتي في المضاربة إن شاء الله.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا اشترَطَا أنه يكون عائد الربح على النصف بينهما، والخسارة اختلف القدر يا شيخ.
الشيخ: والخسارة أيش؟ طالب: أخلف القدر التحمل بينهما على الثلث والثلثين في الخسارة، وعلى الربح .. الشيخ: أصلًا الخسارة ما يمكن أن تكون إلا على رأس المال، ما يُحَمَّل أحد أكثر من خسارة ماله.
طالب: شيخ، ( ... ) استحقاق ( ... ). الشيخ: اجتماع.
الطالب: ( ... ) أو بمالهما.
الشيخ: هذه شركة عقود.
الطالب: تسمى شركة يا شيخ؟ الشيخ: إي، كيف؟ الطالب: كيف يا شيخ تسمى شركة، ما اشتركنا.
الشيخ: إلا، اشتركنا، لَمَّا شاركتك أنا وصار مالك الآن لي نصفه، أو ثلثه إذا كان المال اللي أنا ساهمت فيه الثلث.
طالب: ينفرد بماله يا شيخ.
الشيخ: لا ما ينفرد إلا بالتصرف فقط.
طالب: شرط يا شيخ أن يكون في مدينة أخرى بماله .. الشيخ: إي نعم.
طالب: والآخر يكون .. الشيخ: والآخر يكون في بلد آخر، واشتركا، الآن الربح الذي يكون حسب ما اشترطَا، لكن لا مانع أن أحدهما يشتغل بماله، والثاني يشتغل بماله، يكونوا شركاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 1734

طالب: أحسن الله إليك، ذكرنا أن الشركة إذا اشترك اثنان في أمر ما أن يَتَّفِقَا في الْمَغْرَم والْمَغْنَم، لكن يا شيخ إذا تصرَّف أحد الشريكين في شراء أمر من الذي يُبَاع يا شيخ بإذنه بدون استئذان شريكه، هل نقول: هذا يضمن بماله؟ الشيخ: إذا كان من مصلحة الشركة فهو على الجميع، وإذا لم يكن من مصلحتها فهو على المشتري، حسب الحال.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا كانت الشركة على ذهب مَصُوغ، فكيف يكون تقسيم الربح والخسارة؟ الشيخ: يُقَدَّر قيمته، هذا الذهب الْمَصُوغ كم قيمته مثلًا؟ قال: عشرة آلاف؟ يكون رأس مال هذا الرجل عشرة آلاف.
طالب: وحتى لو كان ( ... ) هذا خمسة كيلو ذهب، وهذا خمسة كيلو ذهب، لكن القيمة قد تكون مختلفة؟ الشيخ: نفس الشيء، يُقَوَّم، ما دام إنه حلي فهو يُقَوَّم، لا بد من التقويم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، الدراهم في عصرنا تختلف في كل بلد وبلد آخر، ولو اجتمع اثنان يا شيخ من بلدين مختلفين، وأرادَا الاجتماع في بلد أحدهما، فيأتي هذا بماله وهذا بماله، أو يجتمعان على مال واحد؟ الشيخ: لا بد إذا أتى هذا بماله وهذا بماله لا بد أن يُقَوَّم أحدهما بقيمة الآخر، مثل هذا أتى بدولارات وهذا أتى بدراهم سعودية، لازم عند العقد نقول: كم يسوى الدولار؟ أربعة ريالات مثلًا، يكون هذا الذي جاء بالدولارات إذا أتى –مثلًا- بأربعين دولارًا يكون مئة وستين وهلم جَرَّا.
( ... )


(لِمُتَّجِر به).
طالب: لِمُتَّجِر به ببعض ربحه, فإن قال: والربح بيننا فنصفان, وإن قال: ولي أو لك ثلاثة أرباعه أو ثلثه، صحّ، والباقي للآخر, وإن اختلفا لِمَن المشروط فلعامل، وكذا مساقاة ومزارعة.
ولا يضارِب بمالٍ لآخر إن أضرّ الأول ولم يَرْضَ، فإن فعل رَدّ حصته في الشركة، ولا يُقْسَم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما.
وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف، أو خسر جُبِرَ من الربح قبل قسمته أو تنضيضه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1735

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
في شركة العنان إذا قال أحدهما: لي بعض الربح ولك الباقي؟ طالب: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لأنه مجهول، علي أي شيء من النصوص تطبقه؟ الطالب: لأنه من بيع الغَرَر.
الشيخ: نعم، إن الرسول نهى عن بيع الغَرَر.
(6) هل يُشْتَرَط خلط المالين في الشركة؟ طالب: على المذهب لا يُشْتَرط.
الشيخ: إي، لا يُشْتَرَط، يعني: فيجوز أن يكون أحدهما يشتغل في دكانه على ما هو عليه، والثاني في دكانه على ما هو عليه، كذا؟ متأكد؟ هل يُشْتَرَط أن يكون من جنس واحد؟ طالب: لا.
الشيخ: لا يُشْتَرَط.
الطالب: لا يُشْتَرَط، لا يجوز أن يكون هذا ( ... ). الشيخ: عندما يتم فسخ الشركة، كيف يرجعان؟ الطالب: يرجعان بالقيمة عند ابتداء الأخذ.
الشيخ: يعني معناه إن الآن المؤلف كلامك اختلف عن كلام المؤلف، المؤلف يقول: لا يُشْتَرَط كونهما من جنس واحد، فيأتي أحدهما بدنانير، والثاني بدراهم، لكن عندما تنفسخ الشركة إذا قال صاحب الدنانير: أنا أريد دنانيري كاملة، وقال صاحب الدراهم: أنا أريد دراهمي كاملة؟ الطالب: نعم، هذا يا شيخ مبني على أنهما لم يَخْلِطَا المالين، فكل منهما يأخذ دنانير كاملة، ثم الربح الباقي يقتسمانه على ما شَرَطَاه.
الشيخ: لا.
(فصلٌ)

الجزء: 2 - الصفحة: 1736

الثاني: (الْمُضارَبَةُ) لِمُتَّجِرٍ به ببعضِ رِبْحِه، فإن قالَ: والرِّبْحُ بينَنا.
فنِصفانِ، وإن قالَ: ولِي أو لك ثلاثةُ أرباعِه أو ثُلُثُه.
صَحَّ , والباقِي للآخَرِ، وإن اخْتَلَفا لِمَن الشروطُ فلعامِلٍ، وكذا مُساقاةٌ ومُزارعةٌ، ولا يُضارِبُ بمالٍ لآخَرَ إنْ أَضَرَّ الأوَّلَ ولم يَرْضَ، فإن فَعَلَ رَدَّ حِصَّتَه في الشَّرِكَةِ، ولا يُقْسَمُ مع بقاءِ العَقْدِ إلا باتِّفَاقِهما، وإن تَلِفَ رأسُ المالِ أو بعضُه بعدَ التصرُّفِ , أو خَسِرَ جُبِرَ من الربْحِ قبلَ قِسمتِه أو تَنْضِيضِه.
(فصلٌ) الثالثُ (شَرِكَةُ الوُجوهِ) أن يَشْتَرِيا في ذِمَّتَيْهِما بجاهيهما, فما رَبِحا فبينَهما، وكلُّ واحدٍ منهما وَكيلُ صاحبِه وكَفيلٌ عنه بالثَّمَنِ، والْمِلكُ بينَهما على ما شَرَطَاهُ، والوَضيعةُ على قَدْرِ مِلْكَيْهِما، والربحُ على ما شَرَطاه.
الرابعُ (شَرِكَةُ الأبدانِ) أن يَشْتَرِكا فيما يَكتسبانِ بأَبْدَانِهما، فما تَقَبَّلَه أحدُهما من عَمَلٍ يَلْزَمُهما فِعْلُه، وتَصِحُّ في الاحتشاشِ والاحتطابِ وسائرِ الْمُباحاتِ، وإن مَرِضَ أحدُهما فالكَسْبُ بينَهما، وإن طالبَه الصحيحُ أن يُقيمَ مُقامَه لَزِمَه.
طيب عندما يتم فسخ الشركة كيف يرجع؟ طالب: يرجع إلى ( ... ). الشيخ: يعني معناه الآن المؤلف، كلامك اختلف عن كلام المؤلف، المؤلف يقول: لا يُشترط كونهما من جنس واحد، فيأتي أحدهما بدنانير والثاني بدراهم، لكن عندما تنفذ الشركة إذا قال صاحب الدنانير: أنا أريد دنانيري كاملة، وقال صاحب الدراهم: أنا أريد دراهمي كاملة.
طالب: نعم، شيخ، هذا مبني على أنه لم يخلطا المالين، فكل منهم يأخذ دنانير كاملة وفضة كاملة، ثم الربح الباقي يقتسما على ما شرطا.
الشيخ: إي، لا.
طالب: مبني على أن سعر النقدين ثابت.
الشيخ: مبني على أن قيمة النقدين ثابتة؛ اثنا عشر درهم يقابله دينار لا يزيد ولا ينقص.

الجزء: 2 - الصفحة: 1737

وهل ينسحب هذا النفي كونهما من جنس واحد على وقتنا الحاضر؟ طالب: لا ينسحب على وقتنا الحاضر؛ لأن قيمة النقود تختلف الآن من وقت لآخر، فيصح أن تنعقد الشركة بنقود مختلفة، ولكن تُقوَّم وقت العقد بأحد النقدين.
الشيخ: إي، سمعتم؟ يقول: في وقتنا الحاضر الدنانير -يعني الذهب والفضة- تختلف أسعارهما من حين لآخر، فعلى هذا يجب عند العقد أن يُقوَّم أحدهما بالثاني؛ لأجل عند الفسخ نرجع إلى القيمة.
وذكرنا أن المؤلف لماذا قال: (لا يُشترط) (ولا كونهما)؟ طالب: أراد بالنفي أن يبين أنه اشترط الآخرون ( ... ). الشيخ: أقول: لماذا نفاه والأصل أن سكوته يدل على أنه ليس بشرط؟ طالب: يريد أن يدفع الرأي الآخر.
الشيخ: أحسنت، يريد أن يدفع الرأي الآخر، وهكذا العلماء إذا كان هناك خلاف مشهور تجده -مثلًا- ينفي الخلاف، وإن كان لو سكت لعُلم أنه منفي.


[شركة المضاربة] (فصلٌ) النوع (الثاني المضاربة) المضاربة: مأخوذ من الضرب في الأرض؛ وهو السير فيها، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20].
ومعلوم أن كل تجارة فهي مضاربة يضرب الإنسان في الأرض، لكن خُصَّت بهذا النوع من المعاملة اصطلاحًا لا لغةً، كما قيل: مزدلفة تسمى جمعًا، مع أن الحجاج يجتمعون في عرفة، لكن هكذا اصطلح أهل اللغة على أن المزدلفة تسمى جمعًا، وأيضًا مزدلفة ومنى أقرب منها إلى الحرم فهي أقرب، لكن هذا اصطُلِح، وقد يقال للمزدلفة باعتبار أنها مشعر، وعرفة مشعر أيضًا، وهي أقرب المشعرين إلى مكة.
إذن المضاربة مأخوذة منين؟ من الضرب في الأرض؛ وهو السير فيها، كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.

الجزء: 2 - الصفحة: 1738

وقوله: (لمتجر به) (اللام) حرف جر، والمعروف أن كل مجرور لا بد له من عامل يتعلق به، وهذا العامل إما مذكور وإما محذوف؛ فإن كان مذكورًا فالأمر واضح، وإن كان محذوفًا فلا بد أن يُقدَّر ما يناسب السياق، فهنا نقدر: المضاربةُ دفعُ مالٍ لمتجر به، وعلى هذا فتكون متعلقة بمحذوف هو المصدر؛ أي: دفع مال لمتجر به.
وقوله: (لمتجر به) أي: لمن يتجر به، (ببعض ربحه) المؤلف قال: (بعض) ولم يبين هذا البعض، هل يجوز أن تقول: خذ هذا المال مضاربة ببعض ربحه؟ لا، لكن المؤلف اعتمد على قوله في الفصل قبله: (وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة)، فكما يُشترط في شركة العِنان أن يكون؟ السهم المشروط لأحدهما ماذا يشترط فيه؟ طالب: أن يكون معلومًا يا شيخ.
الشيخ: يكفي معلومًا؟ الطالب: معلوم مشاع.
الشيخ: مشاعًا، أن يكون جزءًا معلومًا مشاعًا.
إذن قوله: (ببعض ربحه) هذا مبهم، لكن يُفسَّر يقال: بالربع، بالثمن، بالخمس، حسب ما يتفقان عليه.
مثال ذلك: أعطى رجل آخر مئة ألف ريال وقال: خذ هذه اتجر بها ولك نصف الربح، يصح.
خذ هذه اتجر بها ولك ربع الربح، أيضًا يصح.
خذ هذه ولك ثلاثة أرباعه، يصح.
المهم لا بد أن يكون مشاعًا؛ ولهذا قال: (فإن قال: والربح بيننا فنصفان) إن قال من؟ الدافع ولَّا المضارَب؟ طلبة: الدافع.
الشيخ: الدافع وهو المضارِب، والعامل يسمى مضارَب، بفتح الراء.
إن قال المضارِب -وهو رب المال-: (الربح بيننا فنصفان) أي: فهو نصفان؛ نصف للعامل، ونصف للمضارب؛ لأن هذا مقتضى البينية، مقتضى البينية هو التساوي، ولهذا لو أعطيت جماعة دراهم وقلت: هذه بينكم فكيف يملكونها؟ طلبة: بالتساوي.
الشيخ: بالتساوي، إذا كانت عشرة دراهم وهم عشرةٌ لكل واحد درهم.
(وإن قال: ولي أو ولك ثلاثة أرباعه أو ثلثه صح، والباقي للآخر) إذا قال: لي ربعه يصح؟ طلبة: نعم، يصح.
الشيخ: إذا لم يقل: لك ثلاثة أرباعه؟ قال: لي ربع، ولم يقل: ثلاثة أرباعه لك؟ طالب: يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1739

الشيخ: هذا يصح؛ لأنه إذا أُخذ الربع فالباقي للآخر.
كذلك لو قال: لي ثلاثة أرباعه وسكت عن الربع الرابع يصح، ويكون الربع الرابع للعامل؛ أي: للمضارَب؛ ولهذا قال: (صح والباقي للآخر).
(وإن اختلفا لمن المشروط فلعامل) يعني: اتفقا على أنه قيل: ثلاثة أرباعه لك والباقي لي، ثم اختلفوا؛ أحدهما يقول: ثلاثة أرباع مشروطة لي، والثاني يقول: مشروطة لي، فمن القول قوله؟ قالوا: إن القول قول العامل؛ لأن الربح إنما حصل بفعله، فكان هو أولى به؛ فلذلك نقول: القول قول العامل.
صَوِّرِ المسألة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: أعطاه مئة ريال أم مئة ألف ريال؟ مضاربة وقال: ثلاثة أرباعه لك، وثلاثة أرباعه لي، وما فيه مكتب بينهم، عند قسم الربح قال العامل: المشروط لي، كم المشروط؟ ثلاثة أرباع، وقال صاحب المال المضارِب: المشروط لي، فمن القول قوله؟ يقول المؤلف: القول قول العامل؛ فإذا اختلفا لمن المشروط فالقول قول العامل.
وإن اختلفا في قدر المشروط، ما هو من يستحقه، اختلفا في قدره، فالقول قول رب المال؛ بأن قال العامل: شرطنا لك الثلث؛ ثلث الربح وقال صاحب المال: بل نصف الربح، هما الآن متفقان أن المشروط لمن؟ طلبة: للعامل.
الشيخ: لا، العامل يقول: إننا شرطنا لك أنت يا صاحب المال الثلث، وصاحب المال يقول: شرطت النصف، الآن قد اتفقا على أن المشروط له هو.
طالب: صاحب المال.
الشيخ: رب المال يا إخواني، لكن اختلفوا في القدر؛ صاحب المال يقول: النصف، والعامل يقول: الثلث، إذا قدرنا أنه الثلث، كم يكون للعامل؟ طلبة: ثلثان.
الشيخ: ثلثان، إذا قدرنا أنه النصف، ليس له إلا النصف، يكون هنا القول قول رب المال؛ لأن الربح تبع للأصل، ما دام الآن ما اختلفوا في: لمن المشروط له؟ لكن اختلفوا في قدره، فالربح تابع للأصل، وإذا ادعى العامل أن له النصف قلنا: اتفقتما على الثلث، وأنت أيها العامل ادعيت الزائد؛ وهو السدس، والبينة على مَن؟ على المدعي، واضحة المسألة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1740

طلبة: لا يا شيخ.
الشيخ: ما هي بواضحة، طيب اختلفا لمن المشروط؛ في تعيين من الذي شرط له السهم، فالقول قول؟ طلبة: العامل.
الشيخ: اختلفا في قدره مع اتفاقهما على المشروط له، القول قول رب المال، واضح ذا ولَّا ما هو بواضح؟ طلبة: واضح.
الشيخ: طيب صورة المسألة الأولى هو المشروط الآن ثلاثة أرباع، قال العامل: إنه أنا المشروط له ثلاثة أرباع، وقال رب المال: بل أنا المشروط له ثلاثة أرباع، من القول قوله؟ طلبة: العامل.
الشيخ: قول العامل؛ لأن أصلا الربح من أين جاء؟ طلبة: من العامل.
الشيخ: إلا من العامل فالقول قوله.
المسألة الثانية صورتها: اتفقا على أن المشروط له هو رب المال، قال: نعم صحيح، الشرط لرب المال، لكن قال رب المال: إنك قد شرطت لي النصف، وقال العامل: لم نشترط إلا الثلث لك أنت يا صاحب المال، مَن القول قوله؟ طلبة: قول صاحب المال.
الشيخ: القول قول صاحب المال؛ لأنه ما فيه اختلاف بيننا لمن المشروط، الاختلاف بيننا الآن في قدر المشروط، وجاء بالبينة الفرق بين الصورتين.
صوِّر الأولى ثم صوِّر الثانية؟ طالب: الصورة الأولى أن اختلفوا في الشرط لمن المشروط ( ... ) للعامل ولا رب المال، فقال رب المال: الشرط لي .. الشيخ: صَوِّر، مثال؟ طالب: زيد وعمرو؛ زيد العامل، وعمرو رب المال، قال زيد: المشروط لي، وقال عمرو: لا، المشروط لي فهنا .. الشيخ: ويش المشروط الآن؟ كم ألف ولَّا ألفان؟ الطالب: ثلاثة أرباع.
الشيخ: ثلاثة أرباع.
الطالب: فالقول هنا قول زيد.
الشيخ: من هو زيد؟ الطالب: العامل.
الشيخ: العامل طيب، يعني العامل يقول: إنا شرطنا لك النصف، ودا يقول: شرطنا لك ثلاثة أرباع، فالقول قول العامل، كم نعطي رب المال؟ طالب: ربع المال يا شيخ؛ لأن العامل قال: إن مشروطه ثلاثة أرباع المال.
الشيخ: زين.
طالب: وزيد، يكون له ربع.
الشيخ: رب المال يقول: ليه، مشروط لي أنا ثلاثة أرباع؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1741

طالب: نقول: القول هنا قول زيد؛ لأنه هو العامل.
الشيخ: العامل فيأخذ ثلاثة أرباع ( ... ) إلا الربع.
طالب: نعم.
الشيخ: طيب الصورة الثانية؟ الطالب: الصورة الثانية: أن يختلفوا في القدر، واتفقوا أن الشرط لزيد، وهو رب المال.
الشيخ: لرب المال.
الطالب: فإن القدر قال زيد: لك النصف، لك الثلث، وقال .. الشيخ: قال رب المال: اترك زيدًا وعبيدًا ما علينا منهم ( ... ). الطالب: ( ... ) نصف، نصف المال، والعامل قال: لا، بل لك ربع.
الشيخ: إي نعم.
طالب: فالقول قول .. الشيخ: يعني الآن متفقان على أن المشروط له هو رب المال، لكن رب المال يدعي النصف، وذاك يقول: ما لك إلا الربع، مَن القول قوله؟ طالب: القول قول رب المال.
الشيخ: قول رب المال، تمام.
إذن إذا اختلفوا في تعيين المشروط له؟ طلبة: القول قول العامل.
طلبة آخرون: القول قول رب المال.
الشيخ: القول قول العامل، وإن اختلفوا في قدر المشروط مع اتفاقهم على المشروط له فالقول قول رب المال.
هذا الحكم.
وكذا (مساقاة ومزارعة) يعني: لو اختلف المساقي والمزارع، أولًا عرفنا فيما سبق الفرق بين المساقاة والمزارعة، يلا؟ طالب: المزارعة يا شيخ هو .. الشيخ: المساقاة أول شيء.
الطالب: المساقاة هو أن يكون رجل له مزرعة ويبحث؛ يعني: رب مزارع يبحث عمن يسقي له مزرعته، يعني ( ... ) اتفق مع رجل على أنه يدفع له مبلغ على أنه يسقي له مزرعته.
الشيخ: النخل مثلًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يسقي النخل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يعني: دفع له مبلغًا على أن يسقي النخل.
الطالب: نعم، أما المزارع فهو يتفق مع .. الشيخ: ( ... ). الطالب: الله المستعان.
الشيخ: الله المستعان! الطالب: لا يا شيخ، أن يعطيه حصة للمزارع؛ يعني نسبة.
الشيخ: يعني يقول: خذ هذا البستان، فيه أشجار نخيل ورمان وعنب وغيره، قال: خذ اعمل به، على أن لك؟ الطالب: حصة؛ عشرة في المئة، خمسة عشر في المئة.
الشيخ: هذه مساقاة، المزارعة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1742

الطالب: المزارعة هو أن يتفق رجل مع آخر على أنه يزرع له النخل و .. الشيخ: يزرع النخل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: النخيل ( ... ) فرق بين النخل والزرع؟ الطالب: شيخ ( ... ). الشيخ: غلط.
طالب: ( ... ) شيء معلوم من .. الشيخ: من الزرع، تمام، إذن الفرق بين المساقاة والمزارعة: المساقاة على أشجار، والمزارعة على أرض تزرع، هذا هو الفرق.
المساقاة والمزارعة إذا اختلفا لمن المشروط فلمن؟ طالب: للعامل.
الشيخ: فللعامل، إن اختلفا لمن المشروط فللعامل، وإن اختلف في قدره فالقول قول صاحب الأرض أو صاحب النخل؛ صاحب الأرض في المزارعة، وصاحب النخل في المساقاة.
مثال ذلك: أعطيت فلاحًا يفلح هذا البستان نخيل وعنب ورمان، وقلت: لك ثلثه؛ ثلث ما يخرج منه؛ يعني: ولي الثلثان، هذه نسميها أيش؟ طلبة: مساقاة.
الشيخ: مساقاة، عندي أرض بور ما فيها شيء، أعطيتها شخصًا يزرعها زرعًا؛ شعيرًا أو برًّا أو رزًّا أو ما أشبه ذلك، بالنصف، بالربع، بالثلث، هذه نسميها مزارعة، فالمساقي يقول في الصورة الأولى: خذ هذا النخل والأشجار، خذها ولك الثلث؛ يعني: والباقي لصاحب البستان.
طيب عند جَذِّ النخيل وصرم العنب وما أشبه ذلك اختلفوا؛ فقال العامل: المشروط لي، اتفقوا على أن المشروط ثلثان، فقال العامل: هو مشروط لي، وقال صاحب النخل: هو مشروط لي، مَن القول قوله؟ طلبة: العامل.
الشيخ: قول العامل.
طيب اختلفا في قدر المشروط؛ قال العامل: إنك قد شرط لي ثلاثة أرباع، وقال صاحب الأصل: قد شرط لك النصف، هم الآن متفقان على أن المشروط له هو؟ طالب: العامل.
الشيخ: العامل، لكن اختلفوا في قدر المشروط فالقول قول؟ طلبة: صاحب الأرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1743

الشيخ: نعم، صاحب الأرض، واضح، وكذلك يقال في المزارعة، فهنا فرق بين الاختلاف في تعيين المشروط له وبين الاختلاف في تعيين المشروط؛ إن كان الاختلاف في تعيين المشروط له فالقول قول العامل، وإن كان في تعيين المشروط مع الاتفاق على تعيين المشروط له فالقول قول رب المال.
والتعليل -كما عرفتم- أن العامل استحق السهم في عمله بالعمل فكان القول قوله، وأما الاختلاف في القدر فالأصل أن الربح في المضاربة والنماء في المساقاة والمزارعة أنه تابع لأصله، فيكون القول قول رب المال.
قال المؤلف: (ولا يضارب بمال لآخر إن أضر الأول ولم يرض) لا يضارِب الفاعل المضارَب، المضارَب لا يضارب بمال لآخر؛ يعني مثلًا: أنا أعطيت هذا الرجل مالًا يتجر به المضاربة فذهب إلى آخر وقال: أعطني مالًا مضاربة، يقول المؤلف: هذا لا يجوز، لكن متى لا يجوز؟ إن أضر الأول ولم يرضَ، فإن رضي جاز، وإن لم يضر به جاز، أفهمتم الآن؟ طلبة: لا.
الشيخ: طيب أعطيت هذا الرجل عشرة آلاف، قلت: هذه مضاربة اشترِ بها رزًّا، قال: طيب، أخذ الآن العشرة ليشتري رزًّا ويأتي بالأسواق يبيعه بربح، نقول: لا يجوز للمضارَب اللي أخذ عشرة آلاف ريال أن يأخذ من شخص آخر عشرة آلاف مضاربة، لا يجوز.
لماذا؟ يقول: بشرط إن أضر الأول ولم يرض، إضرار الأول يحصل بأحد أمرين؛ إما أن ينشغل المضارَب بالمضاربة الثانية عن المضاربة الأولى مع اختلاف المال، وإما أن يشتري مالًا من جنس ما ضاربه الأول عليه حتى تضخم الأسواق من هذا النوع من المال فيرخص، كل هذا ضرر، أنتم فاهمون معي ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: فاهمون المسألة الآن؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب أعيد المثال مرة ثانية: أعطيت رجلًا عشرة آلاف ريال، قلت: خذ هذه مضاربة في الرز؛ لأني عرفت أن الرز عليه طلب، فقال: أهلًا وسهلًا، أخذها ثم ذهب إلى آخر وأخذ منه عشرة آلاف ريال مضاربة في الرز، يضر الأول ولَّا ما يضره؟ طلبة: يضره.

الجزء: 2 - الصفحة: 1744

الشيخ: كيف يضره؟ الرزق على الله؟ طلبة: السوق يرخص.
الشيخ: نعم؛ لأن السوق إذا امتلأ من الرز سوف يرخص، فهو يضره.
طيب أخذ عشرة آلاف ريال مضاربة من شخص آخر، لكن يريد أن يشتري بها سيارات، السيارات لا تؤثر على الرز ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لكن ربما ينشغل هذا المضارب بالاتجار بالسيارات، لا سيما إذا فهم أن ربحها أكثر، ويركن المضارب الأول يركنه إلى رزه ولََّا لا؟ يقول: السيارة أكسب، هذا يضره أو لا يضر؟ طلبة: يضره.
الشيخ: يضره، إذن الضرر يكون لواحد من أمرين؛ إما أن يأتي بسلعة من جنس السلعة التي عينها المضارِب الأول، هذه واحدة، وإما أن ينشغل بالسلعة الثانية عن السلعة الأولى، وهذا ضرر.
الشرط الثاني قال: (ولم يرض) فإن رضي فلا بأس؛ لأن الحق له.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إذا اختلف لمن المشروط فالقول قول العامل، لكن هنا يقول الشيخ -أحسن الله إليه-: (فلعامل) كأن بين العبارتين فرقًا يا شيخ؟ الشيخ: كيف (وإن اختلفا لمن المشروط فلعامل)؟ الطالب: ونحن قلنا: فالقول قول العامل، كأن العبارتين بينهم فرق يا شيخ.
الشيخ: أي العبارتين؟ إذا قال: (فلعامل) يعني معناه: القول قوله.
الطالب: لكن -مثلًا- اشترط الربع، واتفق على أن الشرط الربع، لكن اختلفا لمن المشروط، وقال العامل بأن المشروط لرب المال، فعلى القول بأن القول قوله.
الشيخ: السؤال الآن ما هو ( ... ) شايف فيه ضرر عليه، العامل لن يدعي إلا القسم الأكبر، العامل ما هو مُدَّعٍ إلا القسم الأكبر؛ يعني: ما يمكن بيقول رب المال: الربع، ويقول: لا، الثمن لي، هذا لا يمكن، اللهم إلا بيجي إنسان ورع جدًّا ويخاف الله يمكن، فالعامل لن يدعي إلا الأكثر.
طالب: بارك الله فيكم، عللنا بأنه إذا اختلف لمن المشروط، قلنا: للعامل؛ لأنه هو حصل بعمله، وقلنا: إنه إذا اختلف قدر الشرط، قلنا: لرب المال؛ لأن المال له ( ... ) شيخ ما يكون التعليلان واحد؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1745

الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن الربح الآن أصل العامل يستحقه بالشرط، الأصل أن العامل يستحق الربح بالشرط ورب المال يستحق الربح بالتبعية؛ فلهذا فرقوا بينهم قالوا: إذا اختلفا في قدر المشروط واتفقا أنه لأحدهما فالقول قول رب المال، وأما إذا اختلفا لمن المشروط هل هو لهذا أو لهذا؟ فالقول قول العامل.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: ولا يضارب بمال لآخر إن أضر الأول ولم يرض؛ فإن فعل رد حصته في الشركة، ولا يقسم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما، وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن المضاربة تعريفها هو .. ، ما هي المضاربة؟ طالب: أن يعطي الإنسان شخصًا مالًا له ليتجر به.
الشيخ: دفع مالًا لآخر ليتجر به بأيش؟ الطالب: ليتجر بالمال.
الشيخ: بماله، لكن بأيش؛ ببلاش ولَّا؟ الطالب: بجزء من الربح.
الشيخ: بجزء من ربحه، هذا الجزء، يشترط الأخ؟ طالب: أن يكون مشاعًا معلومًا.
الشيخ: أن يكون مشاعًا معلومًا.
ما ضد المشاع؟ طالب: ضد المشاع اللي غير مشاع.
الشيخ: إي، أحسنت، هذا الجواب، تمام، إي نعم، لكن نريد حدده؟ طالب: يعني: يكون غير مشاع بينهما ( ... ) مختص لإنسان؛ مختص لأحدهما.
الشيخ: لا.
طالب: المجهول يا شيخ.
الشيخ: المجهول، كيف؟ لا إحنا نقول: المشاع، المجهول ضد معلوم.
الطالب: ضد المشاع يا شيخ.
الشيخ: إي، ما ضد المشاع؟ طالب: ضد المشاع المجهول.
الشيخ: لا، خطأ.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، غلط.
طالب: معين.
الشيخ: إي، كيف معين؟ محدد يعني؟ طالب: نعم.
الشيخ: مثل أن يقول؟ طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1746

الشيخ: صح، المحدد، المشاع معناه الشائع، اللي بحيث يكون كل حبة منهما من ربح مشتركة، ضدها المحدد؛ مثل أن يقول: لك مئة، ولي الباقي، أو مثل أن يقول: لك ربح الثياب، ولي ربح الأواني، أو لك ربح هذه السَّفرة، ولي ربح السفرة الأخرى، أو لك ربح المال الذي في مكة، ولي ربح المال الذي في المدينة، المشاع معناه أنه مشترك يكون المضارِب -أعني رب المال- والمضارَب -وهو العامل- يكونين شريكين في كل حبة وذرة، واضح؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: واضح.
الشيخ: خلاص، طيب، معلومًا ضد المعلوم، مثل؟ طالب: مثل أن يضارب في بيع -مثلًا- سلع .. الشيخ: قال: خذ عشرة آلاف ريال مضاربة، والربح؟ الطالب: والربح بيننا.
الشيخ: لا، بيننا ما هو، معلوم هذا.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لك من الربح؟ طالب: ( ... ). طالب آخر: مثل أن يقول: لك من الربح بعضه.
الشيخ: صح، لك من الربح بعضه، هذا مجهول.
إذن لا تصح المضاربة بهذا ( ... )، لك من الربح بعضه لا تصح، لك من الربح مئة، لك من الربح ربح الأقمشة، لك من الربح ربح المال الذي في المدينة، هذا لا يصح.
لك من الربح ما شئت؟ طالب: أيضًا.
الشيخ: لا يصح.
لماذا؟ الطالب: لأنه غير معلوم.
الشيخ: غير معلوم، يمكن يقول: أنا أريد ثلاثة أرباع أو أريد ربعًا، إذن هو مجهول.
إذا لم تصح المضاربة -انتبهوا- إذا لم تصح المضاربة فالقاعدة هذه ما علمتكم بها لكن الآن نعلمكم، إذا لم تصح المضاربة فالربح كله لرب المال وللعامل أجرة المثل، فمثلًا إذا كان مثل هذا العامل شهريته ألف ريال، له على رب المال ألف ريال، حتى لو أحاطت بالربح كله أو كانت جزءًا من ألف جزءٍ من الربح له أجرة المثل، هذا هو المشهور من المذهب، يقول: لأن هذه المضاربة فاسدة، فيستحق العامل أجر عمله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1747

والصحيح في هذه المسألة أن للعامل سهم المثل، هذا الصحيح.
لماذا؟ لأن العامل إنما عمل على أنه شريك لا على أنه أجير، ولأنه لو قلنا: يعطى الأجرة، فربما تحيط الأجرة بالربح كله، وحينئذٍ يخسر رب المال، ورب المال لم يعطه على أنه أجير.
إذن إذا فسدت المضاربة فما الضابط أيش؟ له -على المذهب- أجرة المثل، والصواب أن له سهم المثل، فيقال: لو اتجر الإنسان بهذا المال كم يُعطى في العادة؟ قال: يُعطى نصف الربح، إذن له نصف الربح، يُعطى ثلاثة أرباع الربح، له ثلاثة أرباع الربح، يُعطى ربع الربح، له ربع الربح.
إذن إذا فسدت فللعامل -على القول الراجح- سهم مثله.
طيب إذا اختلف هذه من المشروط؟ طالب: القول قول العامل يا شيخ.
الشيخ: نعم، القول قول العامل.
مثاله؟ طالب: مثاله ( ... ) أن يقول: لي ثلاثة أرباع، ولك الربع.
الشيخ: يعني اتفقوا على أن المشروط ثلاثة أرباع؟ طالب: نعم.
الشيخ: ولكن العامل قال: هو لي، ورب المال قال: هو لي، فلمن؟ طالب: القول قول العامل؛ لأن الربح إنما حصل بعد جهده هو.
الشيخ: طيب، القول قول العامل.
هذه أيضًا لم أنبهكم في الدرس الماضي على أنه ما لم يَدَّعِ ما يخالف العادة، إن ادعى ما يخالف العادة فإنه لا يُقبل، إذا قال: واللهِ العادة أن ثلاثة الأرباع في مثل هذه التجارة تكون لرب المال، فالقول قول من؟ طالب: قول رب المال.
الشيخ: قول رب المال؛ لأنكم تعرفون البضائع تختلف، فمثلًا بضاعة الصيرفة سهلة ولَّا متعبة؟ طالب: سهلة.
الشيخ: الصيرفة سهلة ما تتعب، بضاعة الأطعمة متعبة ولَّا لا؟ متعبة؛ لأن الطعام يحتاج إلى تحميل وتنزيل وعمال وسيارات تنقله، فهي متعبة.
على كل حال المشهور من المذهب أنهما إذا اختلفا لمن المشروط فهو؟ طلبة: للعامل.
الشيخ: للعامل؛ قلَّ أو كثر، والصحيح أنه للعامل ما لم يَدَّعِ ما يخالف العادة، فإن ادعى ما يخالف العادة وأن العادة أن مثل هذا يكون لرب المال فالقول قول رب المال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1748

طيب كل من قلنا القول قوله فلا بد من يمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1)، فإذا اختلفا قال: المشروط ثلاثة أرباع؛ العامل يقول: لي، ورب المال يقول: لي، وجرت العادة أن مثل هذا القدر لا يُعطى العامل وإنما يكون لرب المال، قلنا: على القول الراجح يكون لرب المال، لكن لا بد أن يحلف؛ لأن العامل مُدَّعٍ، ورب المال في هذه الحال منكرٌ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، فنقول: احلف أن هذا المشروط لك، فإذا حلف فهو له.
إذا اختلفا في قدر المشروط لا لمن المشروط؟ طالب: لصاحب المال.
الشيخ: إذا اختلفا في قدر المشروط فالقول قول من؟ طالب: صاحب المال.
الشيخ: قول صاحب المال، مثاله؟ طالب: إذا اتفقا لمن المشروط، اتفقا -مثلًا- أن الربح للعامل، ولكن اختلفا في القدر؛ فقال صاحب المال: لك الثلث؛ يعني للعامل، وقال: لي النصف، فالقول قول صاحب المال؛ لأنه هو الأصل.
الشيخ: طيب، اتفقا قال: نعم، نحن شرطنا هذا القدر للعامل، رب المال يقول: لا، أنكر، والعامل يقول كذلك، لكن قال العامل: إن لي الثلثين، وقال رب المال: إن لك النصف، فالقول قول رب المال، فلهذا نفرق بين أن يختلفا في تعيين من شُرط له وبين أن يختلفا في قدر المشروط؛ إذا اختلفا في تعيين من شُرِط له فالقول قول العامل، وإذا اختلفا في قدر المشروط فالقول قول رب المال.
إي نعم.
يقول المؤلف: (كذا مساقاة ومزارعة) وأريد أن أعرف الفرق بين المساقاة والمزارعة؟ طالب: الفرق بينهم أن المساقاة هو سقي الأشجار.
الشيخ: أن المساقاة معاملة على الأشجار.
الطالب: نعم، معاملة على الأشجار.
الشيخ: والمزارعة؟ الطالب: معاملة على الأرض.
الشيخ: إي، على الزرع في الواقع، على الزرع الذي يُزرَع في الأرض.
الطالب: نعم.
الشيخ: صورة المسألة؟ الطالب: مثلًا .. الشيخ: المساقاة.
الطالب: المساقاة أن يتفق معه على مثلًا ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1749

الشيخ: إنسان عنده .. الطالب: عنده مزرعة فيها نخل مثلًا.
الشيخ: نعم، بستان كله نخيل وأشجار.
الطالب: اتفق معه على أن يسقي هذا الزرع .. الشيخ: قال: خذ هذا البستان لك، نعم.
الطالب: ويسقيه -مثلًا- بربع المحصول.
الشيخ: قم عليه كله؛ سقي وتصريف الماء وكل شيء.
الطالب: نعم.
الشيخ: ولك؟ الطالب: الربع.
الشيخ: ربع أيش؟ الطالب: ربع الخراج؛ الناتج.
الشيخ: ربع الثمرة، طيب.
الطالب: والمزارعة أن يعطيه أرضًا.
الشيخ: المزارعة أن يعطيه أرضًا.
الطالب: نعم، ويقول: ازرع هذه الأرض، ومثلًا شجر يعطيه فيها عنب مثلًا .. الشيخ: لا يا أخي، عنب، شجر.
الطالب: إي، شجر، مزارعة.
الشيخ: المزارعة زرع، ما هو شجر.
الطالب: يعطيه أرضًا مثلًا .. الشيخ: قال: هذه الأرض خذها، ازرعها بُرًّا، شعيرًا، ذرة، دخنًا، رزًّا.
الطالب: ولك -مثلًا- الربع أو النصف على ما ( ... ). الشيخ: تمام، صح، هذه المزارعة.
إذا اختلفا ( ... ) المشروط؟ طلبة: العامل.
الشيخ: العامل طيب؛ يعني الذي أخذها مزارعة.
وإذا اختلفا في قدر المشروط؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: فرب المال، بارك الله فيكم.
قال المؤلف: (ولا يضارب).
طالب: إذا اختلفا في قدر المشروط ( ... ). الشيخ: لا، من عنده، قال: (ولا يضارب بمال لآخر) قرأنا هذه.
طلبة: نعم.
الشيخ: الضمير في قوله: (ولا يضارب) لمن؟ طالب: لا يضارب العامل.
الشيخ: السؤال لك خاصة، لمن؟ الطالب: للعامل.
الشيخ: مثل؟ الطالب: كأن يطلب صاحب المال .. الشيخ: مثاله، أعطاك محمد الشرافي.
الطالب: أعطاني مالًا .. الشيخ: كم؟ الطالب: أعطاني عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: مضاربة، هكذا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، اشهدوا عليه أنه أقر أنه أعطاه عشرة آلاف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1750

الطالب: مضاربة في الأطعمة مثلًا، فلا يجوز ( ... ) أن أذهب إلى شخص آخر وآخذ منه مالًا أضارب به -مثلًا- في السيارات إلا بشرطين؛ إن لم يضر ذلك بالأول، وإن رضي، فإن رضي ولم يضر به ذلك فإنه يجوز.
الشيخ: ما فهمت، تداخلت الأحوال، أعطاك محمد شرافي عشرة آلاف تعمل بها في الأطعمة، وأعطاك سامي العقيلي عشرة آلاف.
الطالب: لا يجوز أن أضارب بمال سامي إذا أضر ذلك.
الشيخ: بأطعمة؟ الطالب: بغيرها يا شيخ.
الشيخ: لا بأطعمة، (بمال لآخر) ما هي بمال آخر، بمال لشخص آخر.
الطالب: إي نعم، لا يجوز أن أضارب بها إن أضر ذلك بالمضارَب الأول ولم يرض، فإن رضي ولم يضر ذلك به جازت المضاربة.
الشيخ: إن رضي ولو أضر به ما علينا منه، إذا رضي؟ الطالب: ( ... ) جازت المضاربة.
الشيخ: وإذا لم يضر به ولم يرض؟ الطالب: لم تجز المضاربة؛ لأنه اشترط رضاه.
الشيخ: توافقون على هذا؟ طلبة: لا.
الشيخ: هو فيه شرطين؛ الشرط الأول أن يضره، والشرط الثاني ألَّا يضره، إذا أضره ولم يرض قلنا: لا تضارب، فإن رضي جاز حتى لو أضره؛ لأن هو اللي رضي عن نفسه بالضرر، طيب وإن لم يضر به؟ طلبة: جاز.
الشيخ: جاز؛ أذن أم لم يأذن.
قول المؤلف رحمه الله: (ولا يضارب) المؤلف لم يفصح تمامًا بالحكم، فهل هو مكروه أو حرام؟ هذه العبارة إذا جاءت في كلام العلماء (لا يفعل كذا) فهي محتملة للكراهة وللتحريم، كما لو قالوا في الصلاة مثلًا: ولا يفعل كذا في الصلاة، فهي محتملة للكراهة وللتحريم، لكن الفقهاء صرحوا بأن ذلك حرام؛ يحرم أن يضارب بمال لآخر بالشرطين المذكورين: أن يضره، وألَّا يرضى؛ فإن لم يضره فلا بأس، وإن رضي فلا بأس.

الجزء: 2 - الصفحة: 1751

طيب، فإن فعل؛ يعني هذا المضارَب، ولعلنا نغير المضارَب والمضارِب لأجل ( ... )، إن أقدم العامل وضارب بمالٍ لآخر مع الضرر، قال المؤلف: (فإن فعل رد حصته في الشركة) (إن فعل) أي: العامل؛ بأن ضارب بمالٍ لآخر وحصل له ربح في المضاربة الثانية فإنه يرد حصته من هذا الربح في الشركة الأولى، فكأنه ربح من المال الأول.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا عشرة آلاف ريال مضاربة على النصف، ثم إن هذا العامل أخذ مضاربة من شخص آخر عشرة آلاف ريال، الأولى ربحت ألف ريال، العشرة ربحت ألف ريال، كم نصيب العامل؟ طلبة: خمس مئة.
الشيخ: خمس مئة، الثانية ربحت عشرة آلاف ريال، كم نصيب العامل؟ طلبة: خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف، نضيف الخمسة آلاف إلى الألف؛ لأن نصيب العامل خمسة آلاف من المضاربة الثانية، نضيف الخمسة آلاف إلى الألف، فكأن المضاربة الأولى ربحت؟ طلبة: ستة آلاف.
الشيخ: ستة آلاف؛ ولهذا قال: (فإن فعل رد حصته في الشركة) هذا معنى كلام المؤلف، إذن إذا ضارب العامل بمال لشخص آخر وربح فإن هذا الربح يضاف إلى ربح المضاربة الأولى، ويكون المضارب الأول شريكًا، كأن هذا الربح من المضاربة الثانية كأنها ربح ماله، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه لا يستحق من ربح المضاربة الثانية شيئًا؛ لأنها ليست من ماله، وإنما هي من كسب العامل، والعامل أخطأ في كونه يضارب بمال للآخر مع الإضرار بالأول، لكن ما الذي يُحل هذا الربح لصاحب المال الأول، وهو في الواقع لا يحل؛ ولهذا كان هذا القول هو الراجح؛ أنه لا يضيف ربحه من المضاربة الثانية إلى ربح المضاربة الأولى، بل هو له، لكنه آثم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1752

فإن قال قائل: لو فُرض أنه فَوَّت على المضارِب الأول -أي: على رب المال- فَوَّت عليه أرباحًا، فهنا ربما نضمنه، وقد لا نضمنه أيضًا، لكن الكلام على أن الربح من المضاربة الثانية لا يُرد في ربح المضاربة الأولى، على القول الراجح، أما المذهب -فكما سمعتم- قال: (رد حصته في الشركة).
قال: (ولا يقسم) الضمير على الربح، (ولا يقسم) أي: الربح، هذا كلام جديد، (ولا يقسم) يعني: الربح؛ يعني: العامل اتجر بالمال وربح، والعقد باقٍ لم يفسخ حتى الآن، يقول: (لا يقسم) الضمير يعود على الربح وليس على كل المال؛ لأن العامل ليس له حق في رأس المال، إنما حقه في الربح.
فيقول: (لا يقسم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما) أما إن فسخ العقد فيقسم الربح؛ لأنه انتهى، لكن مع بقاء العقد لا يقسم إلا باتفاقهما، لماذا؟ لأن الربح وقاية لرأس المال، فربما يقول العامل: اقسم الآن يخشى أنه يتجر به مرة ثانية، فيخسر، فيطالب العامل بأيش؟ طلبة: بالقسمة.
الشيخ: بأي شيء؟ طلبة: بالنصاب.
طلبة آخرون: بقسمة الربح.
الشيخ: إي، يطالب بالقسمة لئلا يخسر، يقول مثلًا: الآن ربح عشرة في المئة، اقسم، أنا أخشى أن يتجر مرة ثانية يخسر ما يربح، فيكون عمل العامل هباء لا فائدة منه، أما رب المال قال: لا، ما نقسم، أنت الآن إذا اشتريت بعشرة آلاف أقل مما لو اشتريت بأحد عشر، والربح الآن مستمر، فإذا اشتريت بأحد عشر صار الربح أكثر مما لو اشتريت بعشرة؛ يعني: أن رب المال ينازع يقول: أبدًا، ما نقسم ما دامت الشركة باقية فلا نقسم، فهل يُجبر العامل رب المال على القسمة أو لا؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن العقد باقٍ، ولو كان بالعكس؛ رب المال هو الذي طلب القسمة الربح علشان يأخذ الربح ماله، وذاك يأخذ ربح عمله، وقال العامل: لا نقسم الربح، الآن مضمون، وإذا ربحنا من أحد عشر صار أكثر مما لو ربحنا من؟ طلبة: من عشرة.
الشيخ: من عشرة، فأنا لا أريد القسمة، يقول من؟ طلبة: العامل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1753

الشيخ: العامل يقول: نعم، لا يقسم مع بقاء العقد.
والخلاصة أنه ما دام العقد باقيًا فإنه إذا طلب أحدهما قسمة الربح فإنه لا يقسم إلا باتفاقه، وهذا واضح؛ لأن الحق لهما.
يقول: (وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جُبِر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه).
هذه عدة مسائل: أولًا: إذا تلف رأس المال جُبِر من الربح؛ يعني مثلًا: إنسان عامل مضارَب اتجر وأودع؛ يعني: جعل الدراهم في الصندوق، وكانت عشرة آلاف وصارت بالربح عشرين ألف، سُرقت عشرة آلاف، يقول المؤلف: إنه يجبر من الربح، في هذا المثال اللي مثلنا هل يبقى للعامل شيء؟ طلبة: لا ( ... ). الشيخ: كيف خالف؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: هو عشرة، هذا أصل رأس المال، ربح عشرة أخرى وضعها في الصندوق؛ صندوق محرز فسُرق منها عشرة، ما الذي سُرِقَ؟ الربح؛ كل الربح الآن سُرِق، يقول المؤلف: إن ما تلف قبل القسمة أو التَنْضِيض يكون من الربح، وحينئذٍ تبقى العشرة الباقية لمن؟ تبقى لرب المال.
نبقى في المثال: سُرِق من العشرين خمسة، كم يكون الربح؟ الطلبة: خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف، وعشرة تبقى؛ لأنه يكون من الربح، هذا إذا تلف أو بعضه.
(أو خسر) إذا خسر أيضًا يُجبر من الربح، مثال ذلك: كان من عادة هؤلاء العامل ورب المال إذا جاء الربح أودعوه في المصرف، ثم اتجر برأس المال، وهذا يودع في المصرف لكنه لا يقسم، ثم إن رأس المال خسر.
ونضرب مثلًا ليتضح: عشرة آلاف ريال رأس المال اتجر بها، فصارت خمسة عشر، أخذ الخمسة -وهي الربح- ووضعها في المصرف، ثم اتجر بالعشرة، فخسرت وصارت ثمانية، الآلفان هذه نأخذها من الربح ولَّا نقول: الربح خمسة باقٍ لأصله؟ طلبة: الأول؛ نأخذها من الربح.
الشيخ: الأول؛ نأخذها من الربح، ويكون الربح على هذا كم؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؛ ولهذا قال: (أو خسر جبر من الربح).

الجزء: 2 - الصفحة: 1754

لكن يقول: (قبل قسمته) فإن قُسم فكل واحد منهما أخذ نصيبه؛ يعني مثلًا: قدرنا أن رأس المال عشرة آلاف، ربح ألفين، واتفق رب المال والعامل على أن يقسم الربح، أخذ العامل ألف ريال الذي هو نصيبه من الربح؛ لأن الربح كان بينهما أنصافًا بقي عندنا كم؟ ألف من الربح، وعشرة رأس المال، طيب نقول لرب المال: الآن الألف هذه؛ إن شئت اجعلها رأس مال، وإن شئت فخذها، لكن العامل أخذ نصيبه ألف ريال خسر المال، بعد أن أخذ العامل نصيبه خسر المال، هل نقول للعامل: هات الربح اللي أخذت؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه لما قسمه صار ملكه وخاصًّا به خارجًا من الشركة.
قال: (أو تنضيضه) تنضيضه؛ يعني: تحويله إلى نقد، التنضيض؛ يعني: التصفية، فلو خسر بعد التصفية فليس الضمان على رأس المال؛ لأنه نضَّ، وعرف العامل نصيبه وصفيت الشركة، لكن ما دام لم ينضض فإن الخسارة تكون على الربح، وأما بعد التَنْضِيض فلا، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
والصحيح أنه إن كان التنضيض يعني فسخ الشركة أو يعني المطالبة بالقسمة فنعم، كما قال المؤلف، وأما إذا كان التنضيض اللي يصفي دراهم لأجل يشتري بضاعة أخرى؛ لأنه أحيانًا يكون العامل يرى أن هذه البضاعة ثقيلة ما تمشي، فيبيعها ويصفي المال؛ علشان يشتري به إيه؟ طالب: بضاعة.
الشيخ: بضاعة أخرى تمشي، فهنا لا نقول: إن التنضيض يعتبر كالقسمة؛ لأن العامل ورب المال كلاهما يعتقد أن هذا ليس فسخًا ولا قسمًا.
مثال ذلك: المضارَب الآن -العامل- هو اشترى عقارات وصار يؤجرها؛ يبتغي بها الربح، لكن رأى أن العقارات ضعفت الإجارة، ما فيها مكسب، فباعها جميعها بمئة ألف ريال، صار اللي بيده الآن مئة ألف ريال، لكن يريد أن يشتري بها نوعًا آخر من المال يرى أنه أفيد، فهنا نقول: هذا التنضيض ليس تنضيض قسمة ولا تنضيض فسخ، إنما هو تنضيض لمصلحة أيش؟ طلبة: الشركة.
الشيخ: فلو قُدِّر أنه خسر بعد ذلك فالخسارة على الربح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1755

وخلاصة الموضوع أن أي خسران يكون قبل القسمة أو فسخ الشركة فهو على الربح، فإن خسر كل شيء فمعلوم على الربح ورأس المال.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (الثالث: شركة الوجوه) الثالث من أيهم؟ طلبة: شركة ( ... ). [شركة الوجوه] الشيخ: الثالث من أنواع شركة العقود؛ لأنه قال المؤلف في الأول: (وهي أنواع).
(شركة الوجوه أن يشتريا في ذمتيهما بجاههما، فما ربحا فبينهما) هذان رجلان عملا لكن ليس عندهما قرش واحد، كلاهما فقير، ذهبا إلى رجل غني كبير وقالا له: نريد أن نشتري منك هذا المعرض، قال: طيب، سلموا فلوسًا، قال: ما عندنا شيء، لكن نشتري بالذمة، هو الآن يساوي -مثلًا- مئة ألف، نشتري منك بمئة وعشرة في ذممنا، وهما ليس عندهما أي قرش، هذه تسمى شركة الوجوه؛ لأنهما اكتسبا المال بجاههما وثقة الناس بهما، فقال رب المعرض: بعت عليك، فصارا أيش؟ شريكين في هذا المعرض بدون أن يُسلما دراهم؛ لا منهما، ولا من أحدهما؛ لأنهما لو سلم دراهم منهما صارت شركة؟ طلبة: عنان.
الشيخ: عنان، ولو سلم أحدهما فمضاربة هذان لم يسلما مالًا؛ لأنهما اشتريا في ذمتيهما بجاههما.
رجلان آخران جاءا إلى صاحب معرض وهما أصحاب حيلة وأصحاب مكر، وقالا: بعْ علينا المعرض، قال: هات فلوسًا، قالا: ما عندنا، لكن لك وجيهنا، لكنهما معروفان بالحيل والمكر والخداع والمماطلة، أيعطيهما؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ الاثنان الأولان أعطاهما؛ لأن لهما جاهًا ووجاهة وذمة، فتبين الآن أن شركة الوجوه معناها أن الشريكين ليس لهما مال؛ لا منهما ولا من أحدهما، وإنما لهما الذمة والجاه والاعتبار عند الناس، فيشتريان المال ويشتركان فيه، وهما تحت الله عز وجل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1756

هذه من يحتاج إليها؟ يحتاج إليها الفقراء الأقوياء على التكسب، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة: «لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» (2)، والناس قد يكون ليس عندهم مال فيذهبون إلى التجار ويقولون: أعطونا أموالكم نتجر بها ولكم، واكتبوها في ذمتنا الملك، ملك مَن؟ ملك التاجر اللي باع عليهما ولا ملكهما هما؟ طلبة: ملكهما.
الشيخ: ملكهما هما، الملك ملكهما، التاجر ما له إلا ثمن ثابت في الذمة.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا كانت المضاربة ثم العامل بعد الربح ولم يقتسم المال، تصرف في المال بدون أذن صاحب المال؛ رب المال .. الشيخ: بعد الفسخ؟ الطالب: قبل الفسخ؛ قبل أن يقسم المال زاد تجارة أخرى بدون أذن صاحب المال فخسر فيها؟ الشيخ: مضاربة لآخر؟ الطالب: لا.
الشيخ: في نفس الشركة؟ الطالب: في نفس الشركة، فخسر بدون أذن رب المال.
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: فهل يضمن ولَّا؟ الشيخ: لا، يكون من الربح، ما دامت لم تُقسم فهو من الربح.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لو قلنا بقول شيخ الإسلام ابن تيمية فإن في بعض الأحيان -يا شيخ- يرق دين الناس وأمانتهم، فنجد من إذا وجد مضاربة أخرى فيها مكسب أضرب عن المضاربة الأولى وذهب للمضاربة الثانية حيث يضر بالمضارِب الأول ويقول: الإثم أستغفر الله، لكن لو قلنا بقول المذهب فإنه فيه باب سد الذرائع.
الشيخ: لا، إذا أردنا أن نجعل المسألة من باب العقوبة نأخذ الربح من هذا المضارِب اللي هو العامل ونجعله في بيت المال.
طالب: إن قلنا: شيخ الإسلام ابن تيمية يقول .. الشيخ: شيخ الإسلام يقول: ما يمكن يتأخر على رب المال الأول بأي طريق.
الطالب: إن فاته ربح كان يمكن أن يقول: لو .. ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1757

الشيخ: ذكرنا في نفس البحث قلنا: لو فرضنا أنه أضر بالأول؛ يعني مثلًا صار يتكاسل ما يعمل بها فهذا ربما يُضمَّن، لكن إذا قدرنا أن الإنسان قائم بالعمل تمامًا، لكنه أخذ مضاربة في نفس المال الذي ضارب به الأول، ولكن السوق قوي يمشي.
الطالب: لكن الكلام في الإضرار -يا شيخ- لو أضر بالأول وقع الضرر على الأول.
الشيخ: حتى لو أضر بالأول ما يمكن يعطي الأول ربح المال؛ يعني: إن قلنا: إنه أضر بالأول فننظر هل تفويت الربح موجب للضمان؟ لأنه ربما يشغل الإنسان على أنه بيربح ولا يربح؛ فلذلك لو قلنا بأن كلام شيخ الإسلام هو الصحيح؛ لأن المسألة رد المال في الشركة الأول من مفردات مذهب أحمد، كل المذاهب الثلاثة يقول: لا، ما له حق، لكن لو أردنا أن نعزر -كما قلت- قلنا: هات ربحك وفي بيت المال.
الطالب: بيت المال؛ مال المسلمين؟ الشيخ: إي، بيت مال المسلمين، فهذا لا يُعطى شيء المضارِب الأول؛ لأنه ما ربح ما له شيء، وهذا ( ... ) في هذا الحال ( ... ) على ما قلت.
طالب: شيخ، بالنسبة إذا قال: لك واحد في المئة من المبيعات؛ يعني يكون المحل كبيرًا جدًّا، ويكون واحد في المئة ( ... )؟ الشيخ: ما يجوز، هذا من جنس: لك -مثلًا- ربح الأقمشة ولي ربح الأواني.
الطالب: يكون تحفيزًا له ( ... )؟ الشيخ: لا، يزود السهم شوية ويشتغل زين.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، إذا تلف رأس المال أو بعضه قبل القسمة هل تنفسخ المضاربة مثل ( ... )؟ الشيخ: لا، ما تنفسخ، إذا شاء ما انفسخت.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم، لكن لو تلف بالمرة انفسخت المضاربة فيما تلف، أو تلف النصف انفسخت المضاربة في النصف، المهم الذي يتلف انفسخت المضاربة فيه.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- هل مصطلح المضارَب والمضارِب هل هو اللي .. ، يعني أن المضارَب هو العامل والمضارِب هو رب المال وقد ينعكس .. ؟ الشيخ: لا، هذا هو المضارِب رب المال.
الطالب: ( ... ) بآخر ( ... ) المضارب الأول فأضر برأس المال؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1758

الشيخ: ما يمكن، كيف يضر برأس المال؟ الطالب: يأتي -مثلاً- خسارة على رأس المال.
الشيخ: لكن كيف يكون الضرر برأس المال الأول؟ الطالب: ( ... ) السلعة -مثلًا- يخسر فيها.
الشيخ: طيب هل خسارته هذه من أجل المضاربة ( ... ) عمل الآن أنه فرط؟ الطالب: هل يضمن في هذه الحالة إذا فرط؟ الشيخ: لا، ما يُضَمَّن، إلا إذا قلنا: إن الرجل حقيقة أنه رَكَن مال الأول وتركه ولم يعمل به دون أن يشعره بذلك، ربما يُضَمَّن حسب ما يرى القاضي.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لو أن العامل جازف في التجارة ثم خسر؛ يعني نيته ( ... ) توقع -مثلًا- شيئًا بعيدًا صورة بعيدة، ثم جازف في شراء بضاعة، ثم حدث ( ... )، ثم خسر خسارة، فيعتبر مفرِّطًا؟ الشيخ: ( ... ) ربح، له شيء من الربح، لا ( ... ) أنه بيخاطر ( ... ). طالب: شيخ، ( ... )؟ الشيخ: ( ... ) يعني لكن لو اجتهد، لو اجتهد -مثلًا- وشرى بمال كثير، لكن بدون أن يستقرض بقدر المال اللي بيده، ثم إن الأمور نزلت هذه قد تقع، خصوصًا في الذهب، في الفضة، في العقار، هذه ربما تضفر مرة واحدة بسرعة تكون ربحًا عظيمًا أو بالعكس.
الطالب: العامل هنا ما يضمن ولا إيه؟ الشيخ: لا، ما يضمن.
الطالب: مجتهد؟ الشيخ: إي، مجتهد.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: فصل

الثالث: شركة الوجوه أن يشتريا في ذمتيهما بجاهيهما، فما ربحا فبينهما، وكل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن، والملك بينهما على ما شرطاه والوضيعة على قدر ملكيهما، والربح على ما شرطاه.
الرابع: شركة الأبدان أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما، فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله، وتصح في الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات، وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما، وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1759

الخامس: شركة المفاوضة أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي أو بدني من أنواع الشركة، والربح على ما شرطاه، والوضيعة بقدر المال، فان أدخلا فيها كسبًا أو غرامة نادرين أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه فسدت.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا الكلام على شركة الوجوه وشرحناها.
طالب: المقدمة فقط.
الشيخ: بس، شركة الوجوه يقول: (هي أن يشتركا في زمتيهما بجاهيهما، فما ربحا فبينهما) يعني: أنه ليس معهما مال، لكن معهما ثقة الناس بهما فيشتركان فيما يشتراياه في ذمتيهما.
فمثلًا: يذهبان إلى تاجر كبير ويقولان له: نريد أن تبيع علينا كذا وكذا من السلع، ونحن شركاء، فإذا قال: أدو لي الثمن، قالوا: ليس عندنا ثمن، ولكنك واثق بجاهنا، فيعطيهما على هذا الأساس، هذه ليس فيها مال، وإنما فيها الثقة والاعتبار بين الناس، فيشتركان في ذلك، وهذه يحتاج إليها الجماعة الذين ليس عندهم مال، ولكنهم موثقون عند الناس فيشتركون، ويشترون من التجار ما يكونون فيه شركاء، وهذا يدل على سعة المعاملات وأنه ليس فيها تضييق، كل معاملة ليس فيها ظلم ولا غرر ولا ربًا فإنها جائزة.
يقول: (فما ربحا فبينهما) (فبينهما) يعني: على حسب ما شرطا؛ قد يكون أحدهما أحذق من الآخر، فيشترط له من الربح أكثر والثاني أقل، وقد يتساويان فيجعلان الربح بينهما نصفين.
(فما ربحا فبينهما، وكل واحد منهما وكيل صاحبه) حتى وإن لم يصرح بالتوكيل؛ فإن مقتضى هذه الشركة أن يكون كل واحد منهما وكيلًا لصاحبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1760

وأيضًا: (كفيل عنه بالثمن) (كفيل عنه) كفيل بمعنى: ضامن؛ أي: كفيل غرام -كما يقولون- بالثمن، فما دام البائع باع عليهم بوجوههما فإنه يضمر أو يعتقد هذا البائع أن كل واحد منهما غارم عن صاحبه، فكل واحد غارم، فلو أن أحدهما هرب بعد عقد الشركة وبقي واحد منهما، فللبائع عليهما أن يُضمِّن هذا الذي لم يهرب، فإذا قال: أنت تعلم أننا شركاء وأن لصاحبي الذي هرب النصف، قال: لكن كل واحد منكما كفيل عن صاحبه.
(والملك بينهما على ما شرطاه، والوضيعة على قدر ملكيهما) (الملك بينهما على ما شرطاه) فمثلًا إذا قال: ثلث لزيد وثلثان لعمرو؛ فلا حرج، ربع لزيد وثلاثة أرباع لعمرو؛ لا حرج، نصف لزيد ونصف لعمرو؛ لا حرج.
(والوضيعة) يعني: الخسارة، (على قدر ملكيهما، والربح على ما شرطاه)، (الوضيعةُ) يعني: الخسران، (على قدر ملكيهما) فإذا اتفقا على أن يكون لزيد الثلث ولعمرو الثلثان وخسر المال، فكم على عمرو؟ طالب: الثلثان.
الشيخ: الثلثان من الخسارة، وعلى زيد الثلث؛ لأن الوضيعة على قدر المال في جميع الشركات.
(والربح على ما شرطاه) يعني: الربح كيف يوزعانه؟ هل هو على قدر الملك؟ الجواب: لا، على ما شرطاه؛ لأنه ربما يشترطان لأحدهما أكثر من ربح ماله؛ لكونه حاذقًا في البيع والشراء، فهنا أمور: أولًا: تصرفهما بأي طريق؟ بالأصالة؛ كل واحد يتصرف بالأصالة عن نفسه، والوكالة عن صاحبه.
هذه واحدة.
كيف يضمنان المال؟ نقول: كل واحد يضمن عن نفسه ويضمن عن صاحبه.
ثالثًا: كيف يملكان هذا المال المشترك؟ على ما شرطاه؛ قد يجعلان لأحدهما الثلثين والآخر الثلث، أو يجعلانها أنصافًا.
رابعًا: الخسارة -وهي الوضيعة- على ما شرطاه.
طلبة: على قدر المال.
الشيخ: ما هو على ما شرطاه؟ على قدر المال.
خامسًا: الربح على ما شرطاه.
هذه خمسة أمور كلها بينها المؤلف رحمه الله.
لو قُدِّر أن المال تلف بغير تعدٍّ ولا تفريط، هل يضمنان لمن أعطاهما بوجوههما أو لا؟ طالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1761

الشيخ: نعم، يضمنان؛ لأنهما أخذا هذا المال على أنه ملك لهما؛ عليهما غرمه، ولهما غنمه، وليس هذا من باب المضاربة أو من باب الأمانة وما أشبه ذلك هذا بيع وشراء، تم البيع والشراء على هذين الشريكين، فكانت الغرامة عليهما كما أن الغنيمة لهما.
[شركة الأبدان] الرابع: (شركة الأبدان) هذه أيضًا ليس فيها مال، وقد يكون عند كل واحد منهما مال لكنهم لم يشتركا في المال، شركة الأبدان شركة في العمل؛ بأن يشتركا اثنان فيما يكتسبان بأبدانهما، وهذه لها عدة صور؛ منها ما قاله المؤلف: (الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات).
هذه الاحتشاش خرج الرجلان إلى البر ليأتي بالحشيش ويبيعانه في السوق، فقال أحدهما للآخر: نحن شركاء فيما نكتسب لا بأس، يشتركان ويذهبان، كل واحد في وادٍ، كل واحد أتى بوقر بدنه من الحشيش هما يشتركان؛ الملك على ما شرطاه والربح على ما شرطاه، والوضيعة على قدر المال.
هذه واحدة.
إذن هذه ليس فيها مال وإنما هو عمل، والفرق بينها وبين شركة الوجوه أن شركة الوجوه يأخذان المال من ثالث ويعملان بأبدانهم هذه، لا يأخذان من أحد مالًا، ولا يأتي أحدهما بمال، وإنما يشتركان في العمل الاحتشاش.
(الاحتطاب) مثله؛ اشتركا في الحطب خرجا إلى البر ليأتي بحطب يبيعونه، فقالا: نحن شركاء، لا بأس يشتركان على حسب ما يتفقان عليه، تصح مؤجلة ومطلقة؛ يعني: يجوز أن يكون نحن اليوم شركاء، أو نحن هذا الشهر شركاء، أو نحن هذا الأسبوع شركاء، أو تطلق، ومتى شاءا فسخا.
(والاحتطاب وسائر المباحات) من المباحات التقاط السمك، والجوهر، وما أشبه ذلك من البحر، هذه جائزة، وهي شركة أبدان، ومنها الاشتراك في جمع الكمأة، تعرفون الكمأة؟ الفقع، هذه أيضًا تنبت في البر، ويذهب الناس ويأخذونها ويبيعونها، يشتركان فيها.
اشتراك أيضًا في الصيد؛ يعني: ذهبا إلى مكان يكثر فيه الصيد واشتركا، هذه أيضًا شركة أبدان، كل واحد منهما يصيد ما شاء الله.
هذه واحدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1762

من الصور أيضًا الاشتراك في العمل؛ بمعنى أنهما كلاهما نجار مثلًا، أو أن أحدهما نجار، والثاني حداد، والثالث بنَّاء، فيشتركان، هذا أيضًا جائز، وتسمى شركة أبدان.
وهذه تقع أحيانا مع اتفاق الصنائع؛ كأن يشتركا نجاران في ورشة لهما يعملان فيها، هذا جائز، وكذلك أن يشترك حدادان في ورشة حدادة ميكانيكيان في ورشة مكاين، وهلم جرًّا، هذا اشتراك في عمل صناعة، المادة ليست لهما، المادة لغيرهما، لكنهما يصنعانها يحولانها إلى شيء معين يصلحانها، وما أشبه ذلك، هذه أيضًا من شركة الأبدان.
من شركة الأبدان أيضًا شركة الدلاليين؛ بأن يكون -مثلًا- هذا السوق فيه دلالون مشهورون بالحذق، فيشترك هؤلاء الدلالون في الدلالة، لا بأس أحدهما -مثلًا- يبيع الثياب، والثاني يبيع الأواني، والثالث يبيع الفرش، والرابع يبيع سلعًا أخرى؛ لا بأس، تسمى شركة الدلالين؛ لأنهم يشتركون في عمل بدني ليس عندهم مال، والمال ليس لهما أيضًا، وإنما هو لغيرهما ويأخذان عليه أجرة بالدلالة.
الخلاصة أن شركة الأبدان شركة في عمل، ولها أنواع، قد تكون هذه الأنواع التي ذكرنا أو غيرها.
(وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما) هذه يقع فيها هذا العذر، إذا مرض أحدهما يقول المؤلف: (فالكسب بينهما) على أيش؟ على ما شرطاه؛ إذا كان النصف أو الربع أو الثلث، حسب ما شرطاه، مع أن هذا المريض لم يعمل، لكنه ترك العمل لعذر، هل لصاحبه في هذا الحال أن يفسخ الشركة؟ نعم، له ذلك؛ له أن يفسخ الشركة، وله أن يطالبه بمن يقوم مقامه، يقول: أنت الآن تركت العمل، خلي واحدًا يأتي بدلك.
ولنفرض أنهما نجاران؛ مرض أحدهما ولم يأتِِ إلى العمل، فلصاحبه أن يقول له: ائتِ ببدلك يقوم بالعمل؛ لأن هذه شركة بدن، لا بد يشتركان الشريكان في العمل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1763

وعُلِم من قوله: (إن مرض أحدهما فالكسب بينهما) أنه لو ترك العمل لغير عذر؛ لو تركه لغير عذر، إنسان ما يهتم بالأمور -كما يقول العوام عندنا تنبلي؛ تنبلي يعني: ما يهتم بالأمر- ولا يعمل تارة عليه يوم من الأيام في الصباح أفطر على أنه بيروح يشتغل مع صاحبه، قال: واللهِ اليوم فيه نوم، بدون عذر، يقول المؤلف: (الكسب بينهما)، ولكن هذا فيه نظر، فالصواب أن ما كسبه صاحبه في ذلك اليوم له يختص به صاحبه؛ لأن هذا ترك العمل بغير عذر.
فإذا قال قائل: أليس يلزمه أن يطالبه بأن يقيم مقامه من يكون بدله؟ قلنا: بلى، لكن ربما يستحي الإنسان؛ ربما يظن أنه ترك العمل لعذر فيخجل أن يذهب إليه، يقول: تعال؛ فلذلك القول الراجح في هذه المسألة أنه إذا ترك العمل لغير عذر فإنه لا يستحق كسب ذلك الزمن الذي ترك فيه العمل بلا عذر.
إذن إذا مرض أحدهما، وإن شئت فقل: إذا ترك العمل لعذر، سواء كان العذر مرضًا أو خوفًا أو أمطارًا غزيرةً لم يستطع معها الحضور، أو غير ذلك من الأشياء؛ فإنه إذا تركه لعذر فالكسب بينهما، حتى في اليوم الذي لم يعمل فيه، أما لغير عذر فالصواب ما دلَّ عليه كلام المؤلف أنه ليس له شيء من كسب اليوم الذي تخلف فيه.
والمذهب أنه له الكسب؛ أنه يشارك صاحبه وإن تخلف لغير عذر، وعللوا ذلك بأنه يمكن الشريك أن يطالبه بأن يقيم مقامه، وما دام يقيم ليش ما طالب؟ لكن هذا فيه نظر، والصواب أنه إذا كان لغير عذر فالكسب لصاحبه؛ لأنه انفرد به.
قال: (وإن طالبه الصحيح) يعني: الذي لم يمرض، (أَنْ يُقِيمَ مَقامه) أو مُقامَهُ؟ طلبة: مقامه.
الشيخ: إذا كانت رباعية فهي بضم أوله، وإن كانت ثلاثية فهي بالفتح، هذه القاعدة، فتقول: قام مَقامه، قام مَقام ولَّا قام مُقام؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم؛ لأنه ثلاثي، أقام مُقامه زيدًا.
طالب: أقام مُقامه.
الشيخ: أقام مُقامه؛ لأنه رباعي.
طالب: ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1764

الشيخ: قلنا: إذا رباعيًّا فضُمَّ أوله، وإذا كان ثلاثيًّا فافتحْ أوله، فتقول: قام الرجل مَقام صاحبه، صح؟ طلبة: نعم.
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: فكروا يا جماعة، قام الرجل مَقام صاحبه، طيب إذا كان رباعيًّا ضم أوله، تقول: أقام الرجل غيره؟ طلبة: مُقامه.
الشيخ: مُقامه، ما تقول: مَقامه، طيب إذن المعنى (وإن طالبه الصحيح أن يقيم) أيش؟ طلبة: مُقامه.
الشيخ: (مقامه لزمه).
تركنا جملة في شركة الأبدان يقول: (الشركة فيما يكتسبان بأبدانهما فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله) (فما تقبله أحدهما) (ما) هذه شرطية، و (تقبل) فعل الشرط، و (يلزم) جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه يجوز أن يكونا مضارعيين، أو يكونا ماضيين، أو يكونا مختلفين؛ إن قام زيد قام عمرو، إن يقم زيد يقم عمرو، طيب إن قام زيد يقم عمرو؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: إن يقم زيد قام عمرو، مختلفان المعنى، مختلفان أو لا؟ (فما تقبله أحدهما من عمل يلزمْهما فعله) مختلفان؛ (تقبل) فعل الشرط، (يلزمهما) جواب الشرط؛ ولهذا قلنا: إنه مجزوم وليس مرفوعًا؛ لأنك لو رفعته قلت: يلزمُهما، اختلف المعنى؛ إذ تكون الجملة صفة لـ (عمل)، ويختلف المعنى، معنى العبارة أن أي عمل يتقبله أحدهما فإنه يلزم الجميع، ومعنى يتقبل؛ أي: يلتزم به؛ يعني: فما التزم به أحدهما من عمل لزم الجميع، وهذا مع اتفاق الصنائع واضح؛ يعني -مثلًا- اشترك اثنان في النجارة فجاء شخص وقال لأحدهما: اصنع لي بابًا، قال: لا بأس، أصنع الباب، هنا لو أن الذي اتفق معه لم يصنع الباب أيش العمل؟ طلبة: يلزم الثاني.
الشيخ: يلزم الثاني، اصنع الباب؛ لأنكما شريكان متضامنان، فما تقبله أحدكما لزم الآخر.
طيب مع اختلاف الصنائع؛ مثل أحدهما خشاب والثاني حداد، التزم الخشاب أن يصنع بابًا من خشب، هل يلزم الحداد؟ طلبة: لا يلزم.
الشيخ: يا جماعة، كلام المؤلف، لا تجيبوني على ما جاء أفهامكم، على كلام المؤلف.
طلبة: يلزم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1765

الشيخ: يلزم؛ لأنهما شركاء، فيقال للحداد: اصنع باب الخشب لنا، يقول: واللهِ أنا ما خشاب، ما أعرف أستأجر من يصنعه؛ لأنك ملتزم بما التزم به شريكه، فيلزمه.
وكذلك بالعكس؛ لو جاء إنسان إلى الحداد قال: اصنع لي خشبًا، فالتزم، يلزم صاحبه، فعلى كل حال ما تقبله أحدهما من عمل لزم الآخر؛ لأنهما شريكان، كل واحد ملتزم بما التزم به الآخر.
الخامس: شركة المفاوضة، المفاوضة في الحقيقة شركة عامة لجميع أنواع الشركات السابقة، الشركات السابقة كم هي؟ طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، العِنان، المضاربة، الوجوه، الأبدان.
شركة المفاوضة أن يشتركا في جميع أنواع الشركات، يفوض كل واحد منهما للآخر كل نوع من أنواع الشركة؛ مضاربة، عنان، أبدان، وجوه، عامة، وهذه عليها عمل كثير من الناس اليوم، أكثر الشركات اليوم على هذا؛ تجد الشركاء -مثلًا- كل واحد منهم يبيع بمؤجل، ويضارب، ويسافر بالمال، ويقرض المال؛ يعني: كل شيء، هذه اختلف فيها العلماء؛ الفقهاء رحمهم الله؛ فمنهم من أجازها، ومنهم من منعها .. الخامسُ (شَرِكَةُ المفاوَضَةِ) أن يُفَوِّضَ كلٌّ منهما إلى صاحبِه كلَّ تَصَرُّفٍ ماليٍّ وبَدَنِيٍّ من أنواعِ الشَّرِكَةِ، والربحُ على ما شَرَطَاه، والوَضيعةُ بقَدْرِ المالِ، فإن أَدْخَلَا فيها كَسْبًا أو غَرامةً نادِرَيْنِ أو ما يَلْزَمُ أحدَهما من ضَمانِ غَصْبٍ أو نحوِه فَسَدَتْ.
(باب المساقاة)

الجزء: 2 - الصفحة: 1766

تَصِحُّ على شَجَرٍ له ثَمَرٌ يُؤْكَلُ، وعلى ثَمَرَةٍ موجودةٍ، وعلى شَجَرٍ يَغْرِسُه ويعملُ عليه حتى يُثْمِرَ بجُزْءٍ من الثمرةِ، وهو عَقْدٌ جائزٌ، فإن فَسَخَ المالِكُ قبلَ ظُهورِ الثمرةِ فللعاملِ الأُجْرَةُ، وإن فَسَخَها فلا شيءَ له، ويَلزَمُ العاملَ كلُّ ما فيه صلاحُ الثمرةِ من حَرْثٍ وسَقْيٍ وزبارٍ وتَلقيحٍ وتشميسٍ وإصلاحِ مَوضِعِه وطُرُقِ الماءِ وحَصادٍ ونحوِه، وعلى ربِّ المالِ ما يُصْلِحُه كسَدِّ حائطٍ وإجراءِ الأنهارِ والدُّولَابِ ونحوِه.
الأبدان.
[شركة المفاوضة] شركة المفاوضة أن يشتركَا في جميع أنواع الشركة، يُفَوِّض كل واحد منهما للآخر كلَّ نوع من أنواع الشركة؛ مضاربة، عِنان، أبدان، وجوه، عامة.
وهذه عليها عمل كثير من الناس اليوم، أكثر الشركات اليوم على هذا، تجد الشركاء مثلًا كل واحد منهم يبيع بمؤجَّل، ويضارب ويسافر بالمال، ويُقْرِض المال، يعني كل شيء.
هذه اختلف فيها الفقهاء -رحمهم الله-، فمنهم مَن أجازها، ومنهم من منعها؛ أما مَن منعها فقال: إننا لو أَجَزْنَا هذه الشركة، هذه الشركة واسعة لا يمكن الإحاطة بها، فهي مفاوَضة قد تؤدي إلى الفوضى؛ لأن فيها كل شيء، يعني أحدهما ضارَب، والثاني شارَك في بدن، والثالث شارَك في وجوه، والرابع شارَك في عِنان.
يقول: ما فيه مانع، كل أنواع الشركة تدخل في هذا العقد عقد مفاوضة.
ولكن القول الراجح أنها جائزة؛ لأنها لم تَعْدُ أن تجمع بين متفرِّق، أصل المضاربة وحدها؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: جائزة.
الشيخ: والعِنان وحده؟ الطلبة: جائزة.
الشيخ: والوجوه؟ الطلبة: جائزة.
الشيخ: والأبدان؟ الطلبة: جائزة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1767

الشيخ: إذن هذه لم تَعْدُ إلا أنها جمعت بين هذا، وما جاز أفرادًا جاز جمعًا، فالصواب هو ما ذهب إليه الحنابلة -رحمهم الله- أنها جائزة، والحاجة تدعو إليها، وعمل الناس اليوم على هذا، كثير من الشركاء، التجار الكِبَار شركتهم مفاوضة، تجد أحدهم مثلًا في المدينة، والثاني في مكة، هذا يعطي مضارَبة، ويعطي قرضًا، وربما أيضًا يتبرع أحيانًا بالشيء الذي ليس بكبير، وأخوه يُجِيزُه، فالصواب أنها جائزة.
ولذلك يقول المؤلف: (أن يفوِّض كل منهما إلى صاحبه كلَّ تصرف مالي أو بدني من أنواع الشركة)، إذن أنواع الشركة ما هي؟ كم؟ الطلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، الخامس: المفاوضة جامعة تجمع الأنواع الأربعة.
يقول: أنت مفوض، نحن شركاء؛ إن شئت شارِك غيرك شركة عِنان، وأنا على طريقك، إن شئت شارِك شركة مضاربة، إن شئت شارِك شركة وجوه، إن شئت شارِك شركة أبدان، لكن المفاوضة بيننا، وكذلك صاحبه يعمل مثل عمله.
فالمهم أن شركة المفاوضة يا إخوان جامعة لجميع أنواع الشركة، والعلماء مختلفون فيها؛ فمنهم مَن منعها لكثرة الغَرَر والفوضى فيها، ومنهم مَن أجازها وقال: إنها لا تَعْدُو أن تكون جمعًا لأفراد، ما دام يجوز كل فرد فليكن الجميع جائزًا أيضًا.
قوله: (من أنواع الشركة)، ما هي أنواع الشركة؟ طالب: الأربعة السابقة.
الشيخ: الأربعة السابقة.
(والربح على ما شَرَطَاه)، يعني: إذا قال أحدهما للآخر: لك الربع ولي ثلاثة أرباع، وقَبِلَ، جائز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ثلثان وثلث؟ الطلبة: جائز.
الشيخ: نصف؟ الطلبة: جائز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1768

الشيخ: إذا قال قائل: كيف تجعلون الربح على ما شَرَطَاه والمال قد يختلف؟ قلنا: لأن الربح مبناه على أيش؟ على العمل والحذق، وقد يكون أحدهما أحذق من الآخر، وأقوى عملًا، بل ربما يكون عند الناس أيضًا أوثق؛ لذلك تجد مثلًا إنسانًا يجيء يعرض عليك سلعة يقول قيمتها بعشرة، تتردد هل قيمته عشرة أو لا؟ تتردد، يجيئك إنسان تعرف أنه دلّال حاذق عارف بالأسعار، يقول: قيمته اثنا عشر، تتردد أو لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لأنك تعرف أن هذا حاذق ويعرف الأسعار، وذاك ليس حاذقًا ولا يعرف الأسعار، تخشى أنه قال: بعشرة، وهي لا تساوي إلا ثمانية.
فالمهم أن العلماء رحمهم الله جعلوا الربح على ما شَرَطَاه؛ لأنه يختلف باختلاف العامل حِذقًا وعلمًا ونشاطًا وما أشبه ذلك، الوضيعة بأيش؟ طالب: بقدر المال.
الشيخ: بقدر المال، وهذه قاعدة اعرفوها؛ الوضيعة بقدر المال في جميع أنواع الشركة؛ لأنه لا يمكن أن نُلْزِم أحدهما غُرْمَ صاحبه؛ لأنك لو قلت: إن الوضيعة على ما شَرَطَاه، وكان المال مختلفًا، لزم من ذلك أن نلزم أحدهما بأيش؟ بغُرْم، على مَن؟ على صاحبه، أما الغُنْم فالإنسان كاسب على كل حال، حتى لو نقص غُنْمه عن غُنْم ماله فلا بأس، كلام عربي ولَّا عجمي؟ طالب: عربي.
الشيخ: الربح قلنا: على ما شَرَطَاه، يجوز كل واحد منهم يبذل عشرة آلاف ويكون الربح ثلاثة أرباع، يجوز ولَّا لا؟ طالب: يجوز.
الشيخ: الوضيعة إذا كان كل واحد أتى بعشرة آلاف لا يمكن أن تكون الخسارة على هذا ثلثين وعلى الآخر ثلثًا، لماذا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: كما قلت لكم؛ لأنَّا حمَّلنا غُرْم أحدهما على مال الآخر، وهذا لا يجوز، هذا حَيْف وجَوْر، (فالوضيعة على قدر المال، فإن أدخل فيها كسبًا أو غرامة نادِرَيْن أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه فسدت)، إن أدخل فيها كَسْبًا نادرًا كالرِّكَاز مثلًا، الرِّكَاز كَسْب ولَّا لا؟ طالب: كَسْب.
الشيخ: لكنه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1769

طالب: نادر.
الشيخ: نادر، متى يجد الإنسان رِكَازًا؟ نادر، لُقَطَة؟ طالب: نادر.
الشيخ: نعم نادر، ولَّا غير نادر؟ هذا من النوادر، متى تجد لقطة؟ ! ثم إذا وجدتها متى تعدم صاحبها! ربما تنشد عليها ثم أيش؟ ثم يأتي صاحبها فلا تكسب، هذه من المكاسب النادرة إذا أدخل في هذه الشركة المفاوضة، قال: حتى ما نجده من لقطة وما نطلع عليه من رِكَاز فهو بيننا.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، غير صحيح رِكَاز أو لُقَطَة فهو داخل في الشركة، يقول المؤلف: الشركة لا تصح، ليش؟ طالب: لأننا ( ... ). الشيخ: لأنهما أدخلَا فيها كسبًا نادرًا، كذلك أيضًا كسبًا نادرًا، أو غرامة نادِرَيْن، الغرامة النادرة كالجناية، الجناية إنسان جنى على شخص خطأ، ولزمته دية ما جنى، هذا أيش؟ حكمه على مَن؟ طالب: على الجاني.
الشيخ: على الجاني، لكن لو أدخلَاها ضمن الشركة لم يصح؛ لأن هذا شيء نادر، أما خسارة المال أو ربح المال فهو ضمن الشركة؛ لأنه ليس بنادر، لو أدخلَا فيها ميراثًا، أحدهما مات قريبه وكسب من ورائه ألف مليون ريال، وقال: ندخله بالشركة، يدخل أو لا يدخل؟ طلبة: لا يدخل.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لأنه نادر.
الشيخ: هذا من النادر، ولا علاقة له أيضًا بعمل الشريك، الهبة؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: الهبة؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: ترى ما يوهب لك ترى داخل في الشركة، هذا نادر، يقولون: ما يصح، يُفْسِد الشركة، لكن لو قال قائل: النوادر قسمان: قسم لا أثر للإنسان فيه، فهذا نعم لا يدخل في الشركة؛ كالميراث، قسم آخر من عمل الإنسان كالهبة مثلًا، الهبة لو شاء الإنسان لم يقبلها، فإذا قبلها صار هذا نوعًا من الكسب، وكونه نادرًا لا يمنع أن يدخل في الشركة.
إذا كان يقول: أنا راضٍ أنه إذا وُهِبَت لي هبة أن أُدْخِلها في الشركة، أنا راضٍ بهذا، يقولون –الفقهاء-: لا؛ لأن هذا فيه نوع جهالة وغَرَر؛ إذ إنه ليس شيئًا مطَّردًا معروفًا، هذا شيء أيش؟ نادر، كيف يدخل في الشركة!

الجزء: 2 - الصفحة: 1770

ولكني أقول: إذا قال الكاسب الذي كسب النادر سواءً بفعله أو بغير فعله، إذا قال: أنا أدخله في الشركة وأجعله تبرُّعًا مني لصاحبي، نقول: يجوز، لكن هذا متى يجوز؟ في عقد الشركة يجوز إذا وقع، إذا وقع لا بأس، لا نردك أن تتبرع لأخيك، لكن تجعله في ضمن العقد لا، فإذا قال: أنا راضٍ في ضمن العقد أجعله، قلنا: ربما ترضى اليوم، ولكن إذا جاءت الدريهمات ما رضيت فتندم.
لهذا نقول: الشركة تكون فاسدة إذا أدخل فيها كسبًا نادرًا، أو غرامة نادِرَيْن؛ كالدية مثلًا.
(أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب) -والله مُشْكِل هذا- قال: شوف، نحن شركاء؛ شركاء مفاوضة، لكن ما لزم أحدنا من ضمان غصب فهو على الشريك، قال: ما فيه مانع، اتفق على هذا.
يقول المؤلف: الشركة تكون فاسدة، وصدق رحمه الله ما فيه شك؛ لأن الشركة تكون فاسدة؛ لأنه ربما يكون هذا الشريك يغير على الناس، ويغصب مالهم، يقول: الحمد لله، كما يقول بعض السفهاء: أنا أسير سيرًا جنونيًّا، والدية موجودة في التابلوه، فيه بعض السفهاء يقول كذا، يقول: الحمد لله الدية موجودة، فإذا قال هذا، إذا أدخل في الشركة أن ما يلزم أحدهما من ضمان الغصب والإتلافات وما أشبهها فهو على الشركة تكون الشركة فاسدة، لماذا؟ لأنه يترتب على ذلك أن يتعدى أحدهما على حقوق الناس بالغصب والسرقة والتكسير والإحراق وغير ذلك، ويقول أيش؟ على الشركة، وهذا لا شك أنه ضرر عظيم.
إذن شركة المفاوضة ما كان من ربح المال أو من عملهما فهو داخل في الشركة معلوم، والخسارة ما كان من تصرف أحدهما في المال بغير عدوان منه ولكن لمصلحة المال، ثم تبين أن الصواب في خلاف العمل هذا، فهو على الشركة؛ لأن ذلك لمصلحتها، وليس كل إنسان يجتهد يكون مصيبًا، وبهذا انتهى باب الشركة.
طالب: ما فهمت شركة المفاوضة، يعني أولًا قلنا: إنها تدخل في جميع الشركات، كيف ذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1771

الشيخ: أنا أقول مثلًا: أنا عندي مال، وأنا مثلًا نجّار أعمل بمالي وأحصّل ولَّا لا؟ وأنت كذلك عندك مال، وحدَّاد تعمل بمالك وتحصِّل، فباعتبار مَالَيْنَا شركة أيش؟ طالب: أموال.
الشيخ: إي، لكن شركة أيش؟ عِنان، وباعتبار عملنا؟ طالب: أبدان.
الشيخ: شركة أبدان، باعتبار ما نأخذه من الناس بدون تسليم قيمة؟ طالب: وجوه.
الشيخ: وجوه، ويش بقي علينا؟ مضاربة باعتبار أني أنا مثلًا أستطيع أن أعطي مالي لشخص يعمل فيه مضاربة في جزء من الربح، هذه مضاربة، أنت كذلك تستطيع أن تفعل هذا، فهي جمعت الآن؟ الطالب: جميع أنواع الشركة.
الشيخ: جميع أنواع الشركات، قد يقول قائل منكم -وله أن يقول-: ما هو الدليل على هذا التقسيم من حيث التنويع، وما هو الدليل على هذا التقسيم من حيث التصحيح والفساد؟ هذا سؤال وارد، نقول: أما من حيث التقسيم والتنويع فلا مشاحة في الاصطلاح، ما دمنا لم نخرج عن حدود الشرع لا مشاحة، أنا أستطيع أقسم هذا الشيء إلى أربعة أقسام وإلى خمسة أقسام ما دام أنه في إطار الشرع، أما مسألة التصحيح والتفسيد أو الصحة والفساد فما هو الأصل في المعاملات؟ طلبة: الحِلّ.
الشيخ: الحِلّ والصحة، فنحن أخذنا بذلك وقلنا: كل هذه الأنواع جائزة بناء على الأصل؛ أن الأصل في المعاملات الحِلّ، وهذه قاعدة اعرفوها، أي واحد يقول لك: هذه المعاملة حرام مما حدث أخيرًا في المعاملات، ومما يحدث ومما سبق ومما حضر، قل له: هات الدليل على المنع.
والمنع في المعاملات ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله- في القواعد النورانية أنه يعود إلى ثلاثة أشياء: الظلم والربا والغَرَر، كل ما فسد من البيوع والإجارات وغيرها تجده لا يخرج عن هذه الثلاث؛ إما ظلم، وإما غَرَر، وإما ربا، هذا الجواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1772

أما مثلًا أن بعضه صحيح وبعضه فاسد فهذا يرجع إلى تطبيق هذا الحكم على قواعد الشريعة، ما خالف قواعد الشريعة فهو فاسد، وما لم يخالفه فهو صحيح، أو نقول: ما وافقه، التعبير أيّ أدق؟ ما خالف قواعد الشريعة فهو باطل، وما وافقه فهو صحيح، أو نقول: وما لم يخالفه فهو صحيح؟ طلبة: ( ... ). طالب آخر: ما لم يخالفها فهو صحيح.
الشيخ: يلّا أيها الفرسان؟ ثلاث عبارات: ما خالف القواعد الشرعية فهو باطل، ما وافق القواعد الشرعية فهو صحيح، ما لم يوافق فهو فاسد، ما خالف فهو فاسد، ماذا نقول؟ طالب: ما وافق يا شيخ.
الشيخ: نقول: ما لم يخالف فهو صحيح، فالصحيح من المعاملات هو ما لم يخالف الشريعة، هذا الصحيح.
طالب: شيخ، إذا أدخل فيها كسبًا ( ... ) لماذا لا نقول هنا: إنه يبطل الشرط فقط، لا سيما وإن كان مضى على ( ... ) سنة.
الشيخ: نعم لا شك، وهذا غَرَرَ وجهالة عظيمة، فيكون فيها جَوْر وحَيْف، إن كان كسبًا نادرًا فهي على الكاسب حَيْف وضرر، وإن كانت الغرامة النادرة فهي على الثاني.
طالب: قسمة المال إذا كان مضت على الشركة سنة؟ الشيخ: ما يصح، أصل الشركة ما صحت، يقال: كل واحد منكما له كسب ماله، وله إن كان قد عمل بمال صاحبه له أجرة.
طالب: بارك الله فيكم، ما الفرق بين ( ... ) والوضيعة على قدر المال، وفي شركة المفاوضة، والوضيعة بقدر المال.
الشيخ: لا فرق.
طالب: قلنا: إن القاعدة أن الوضيعة تكون بقدر المال إذا رضي الثاني أن تكون الخسارة عليه لسبب من الأسباب، كأن يكون مثلًا شريكه لا يقبل أن ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1773

الشيخ: قلنا: الذي لا يصح اشتراطه في العقد لا بأس أن يتبرع به فيما بعد ما فيه مانع، ما ذكرنا هذا يا جماعة؟ ذكرناه بارك الله فيكم، قلنا: هذا لا يدخل في الشروط، وإذا حصلت خسارة فليتبرع بما شاء، كذلك قلنا: الكسب النادر لا يدخل في الشروط، لكن إذا كسب أحدهما كسبًا نادرًا، وقال: أنا بدي أدخله في الشركة، وأنا سامح، فلا بأس، يعني: فرق بين أن يكون شرطًا في العقد، وبين أن يتبرع به الإنسان بعد وقوعه.
طالب: شيخ، قلنا: ما قَبِلَه أحدهما يلزم الثاني.
الشيخ: نعم، يلزم صاحبه فعله.
الطالب: إي نعم، النجّار والحدّاد مثلًا، إذا لم يقم مثلًا النجار بعمله الحداد لا يستطيع أن يعمل مثل ما يعمله النجار.
الشيخ: ما قلنا ها المسألة دي؟ ذكرناها، إذن هذا الجواب، إذن أنت مقلِّد الآن، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ [النحل: 43]، الإخوان ذاكرون ماذا قلنا؟ طلبة: يستأجر.
الشيخ: يستأجر الحداد مَن ينجر الباب الذي اتفق الرجل مع صاحبه.
الطالب: إذا لم يكن له ( ... )؟ الشيخ: عنده ورشة، كيف ما عنده مال؟ طالب: مراجعة.
الشيخ: مراجعة الآن في الشركة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، الشركة تنقسم إلى قسمين؟ طالب: شركة الاستحقاق وشركة عقود.
الشيخ: اجتماع في استحقاق أو تصرف، بماذا تسمى الأولى؟ طالب: أملاك.
الشيخ: شركة أملاك، والثانية؟ شركة عقود، المؤلف -رحمه الله- تكلم على أي القسمين؟ طالب: القسم الثاني: شركة التصرف، التصرف لا شك .. الشيخ: الاجتماع يعني شركة العقود، وهي الاجتماع في التصرف، هل في القرآن والسنة ما يدل على ثبوت أصل الشركة، أصل المشاركة يعني؟ مَن يعرف؟ طالب: قوله تعالى ( ... ). الشيخ: هذه شركة استحقاق، إي نعم.
طالب: قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: 19].

الجزء: 2 - الصفحة: 1774

الشيخ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.
طالب: ( ... ) العقود.
الشيخ: ويش وجهه؟ طالب: قوله تعالى: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾.
الشيخ: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾، ظاهره أنهم مشتركون فيها، ألا يمكن أن يكون شركة استحقاق بأن يكونوا وارثين لميت قريب لهم؟ طالب: ما يمكن يا شيخ.
الشيخ: عجيب! يمكن، أليسوا سبعة وثامنهم كلبهم؟ ما يمكن يكون واحد مات عنده سبعة أولاد؟ طالب: لا؛ لأن القرآن قص القصة كاملة ما ( ... ). الشيخ: يا جماعة، نراه إنه يمكن.
طالب: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: 24] ولم ينكر مسألة المخالطة.
الشيخ: ألا يمكن أن يكون الخلطاء في الملك؟ الطالب: بلى.
الشيخ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: 28]، وهذا إثبات لأصل شركة العقود؛ لأن الرقيق لا يمكن أن يشارك سيده في استحقاق، هل للشركة أصل بالسُّنّة؟ طالب: عن السائب بن أبي السائب كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة.
(1) الشيخ: نعم، وغيره.
طالب: حديث ابن مسعود قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأَسِيرَيْنِ ولم أَجِئْ أنا وعمار بشيء.
(2) الشيخ: قال الله تعالى .. طالب: قول الله في الحديث القدسي: «أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ».
الشيخ: قوله تعالى: «أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ».
(3) إذن ثبتت الشركة أصلًا في الكتاب والسنة، هل أيضًا تثبت بالنظر الصحيح؟ طالب: نعم تثبت بالنظر الصحيح.
الشيخ: قل كيف ذلك؟ الطالب: لما فيها من المصلحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1775

الشيخ: نعم؛ لأن الإنسان قد يكون عنده مال ولا يستطيع العمل، فيحتاج للمضاربة، وقد يكون ماله قليلًا فيحتاج إلى مَن يشاركه شركة عِنان؛ يُجْمَع المالان جميعًا ثم يُشْتَرَى بهم سلعة كبيرة.
ما الفرق بين شركة الوجوه وشركة الأبدان؟ طالب: شركة الأبدان أن يعملَا ببدنيهما.
الشيخ: نعم.
الطالب: وشركة الوجوه أن يشترِيَا بجاهَيْهِمَا، أي أن يتاجرَا بجاهَيْهِمَا، والفرق بين الأبدان أنه ليس فيه مال.
الشيخ: نعم.
طالب: أما في الوجوه ففيه مال.
الشيخ: تمام، شركة الوجوه فيها مال، لكن يأخذان من غيرهما، شركة الأبدان عمل يكتسبان به، هل تصح شركة الأبدان مع اختلاف الصنعة؟ طالب: نعم.
الشيخ: مثل؟ الطالب: مثل أن يكون أحدهما نجارًا والثاني حدادًا.
الشيخ: مثل أن يكون أحدهما نجارًا والثاني حدادًا، المؤلف يقول: (ما تَقَبَّلَه أحدهما من عمل يلزمهما فعله)، فإذا تَقَبَّل صاحب الحدادة عملًا خشبيًّا يلزم أن يفعله؟ طالب: نعم.
الشيخ: ويقول: أنا حداد.
طالب: يلزمه.
الشيخ: يلزمه، أيش بتشير، يعني التأشير هنا للمخالفة ولَّا الموافقة؟ طالب: لا، موافقة يا شيخ.
الشيخ: إذا قال الحداد: أنا لا أعرف؟ طالب: يستأجر أحدًا يعرف في الصناعة .. الشيخ: إي، يستأجر أحدًا، اشترك رجلان في الاحتشاش؛ خرجَا إلى البَرّ يحُشَّان، أحدهما أتى بخمسين كيلو، والثاني أتى بمئة كيلو.
طالب: يصح.
الشيخ: يصح؟ وكذا يكونَان شريكين؟ الطالب: نعم.
الشيخ: واحد جاب مئة كيلو وواحد خمسين.
الطالب: ولو يا شيخ؛ لأن عقد الشركة يقتضي ذلك.
الشيخ: إي نعم، المساواة.
الطالب: على حسب ما اتفقَا به.
الشيخ: حسب ما اتفقَا عليه، قال: بيننا ما حصل فهو بيننا نصفين.
الطالب: يكون بالنصف.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: توافقونه؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، أعطى رجلًا آخر مالًا مضاربة، وقال: الربح بيننا نصفين، والخسارة بيننا نصفين.
طالب: لا يصح إذا كان المالان غير متساوِيَيْنِ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1776

الشيخ: بارك الله فيك، مضاربة، أنا قلت: مضاربة ولَّا لا؟ الطلبة: نعم.
طالب آخر: لا، ما يصح.
الشيخ: مضاربة، هو فيه مالان في المضاربة، مال واحد ولَّا لا؟ رجل أعطى شخصًا مئة ألف ريال يتَّجر بها، وقال: الربح بيننا أنصافًا والخسارة بيننا أنصافًا.
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ الطالب: لأن الوضيعة على قدر المال.
الشيخ: على قدر المال! ما فيه قدر المال! إذا قلنا: قدر المال، معناه أن كل واحد جاب شيئًا.
الطالب: الوضيعة تكون على الربح كله حتى إذا استُنفِذ من بعد حينئذ تذهب .. الشيخ: الوضيعة، إذا قيل: وضيعة لا بد يكون فيها نقص عن أصل المال.
الطالب: إذا ذهب الربح كله واستُوْفِي أو استُغْرِق في الوضيعة أُخِذ من رأس المال، وإلا فإن رأس المال محفوف بالربا.
الشيخ: أنت عرضت شيئًا لكن ما عرفت تعبر عنه.
طالب: الوضيعة على قدر الملك، والربح على قدر الشرط.
الشيخ: إي، ما يخالف، صح، لكن هنا ما عندنا إلا ملك واحد.
الطالب: فإن الوضيعة على المال.
الشيخ: صاحب المال، هذا الذي تريد؟ على صاحب المال.
الطالب: على صاحب المال إن لم يكن ( ... ) الربح.
الشيخ: إذا قلنا: خسارة، معناه ما فيه ربح، تكون على صاحب المال.
الطالب: إي نعم، هذا الذي أريد.
الشيخ: هكذا، توافقون على ذلك؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه لا يمكن أن تكون الوضيعة على العامل، فيخسر خسارة مالية وخسارة عملية، لكن على رب المال ما خسر عمليًّا، نقول: هذا العامل يكفي أنه خسر خسارة عملية.
اشترك اثنان شركة مفاوضة، واشترطَا أن ما لزم أحدهما من غصب فعليه.
طالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ الطالب: أفسد الشركة؛ لأنه غَرَر.
الشيخ: لأن الغَرَر فيه .. طالب: كثير.
الشيخ: كثير، فلا تصح الشركة، لو حصل الغصب وشارَكَه شريكه في تحمُّله بدون شرط؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز بدون شرط، توافقون على هذا؟ طالب: إذا تبرَّع معه.
الشيخ: بدون شرط، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1777

الشيخ: نعم، إذن نقول: إذا تحمَّل أحدهما ضمان الغصب فإن كان مشروطًا في العقد فسد العقد، وإن لم يكن مشروطًا ولكن صاحبه تحمَّله بعدُ نعم فلا بأس؛ لأن هناك فرقًا بين الشرط وبين ما يقع بعد ذلك، الظاهر إن شاء الله أن المهم من هذا أخذناه.


باب المساقاة

نقرأ درسًا جديدًا.
(باب المساقاة) المساقاة: أصلها مساقْيَة، لكن تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقُلِبَت ألفًا، إذا تحركت الياء وانفتح ما قبلها تُقْلَب ألفًا، فهذه مساقَيَة، فيقال: مساقَاة، فهي مفاعَلة، والمفاعَلة لا تكون غالبًا إلا من طرفَيْن.
وقولنا: لا تكون غالبًا، من غير الغالب: سافَر يسافر أيش؟ مسافَرة، هل معه أحد في الغالب في السفر؟ لا، لكن الغالب أن المفاعَلة لا تكون إلا بين اثنين.
إذن المساقاة أنها عقد بين طرفين، وهي أن يدفع شجرًا لمن يقوم عليه بجزء من ثمره، وهي جائزة بالسنة، وجائزة بالنظر الصحيح.
أما السنة فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما فتح خيبر طلب منه أهلها أن يعاملهم، وقالوا: نحن نكفيكم المؤونة ولنا شطر الثمرة؛ لأنهم -أي: أهل خيبر- كانوا عالِمِين بالفِلَاحة، والصحابة رضي الله عنهم كانوا مشتغلين بالجهاد عن العمل في هذه المزارع، فعامَلَهُم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع (4)، بشطر يعني: نصف.
إذن السُّنَّة دلَّت على جوازها، النظر الصحيح كذلك يدل على الجواز؛ لأنها من المصلحة، قد يكون الإنسان مالكًا لبساتين كثيرة لا يستطيع القيام بها، ويكون هناك أُناس عاطلون عن العمل يحتاجون إلى عمل، فإذا انضم كثرة البساتين عند هذا وحاجة العمال إلى العمل صار من المصلحة أن نجوِّز أيش؟ المساقاة، ونقول: ادفعها لهؤلاء العمال بجزء من الثمرة، فصارت المساقاة الآن على شجر ما هي على أرض، ولا على زرع، على شجر له ثمر.
فهل هي من العقد الجائز -وأقول: جائز، من ناحية الحكم التكليفي- أو من المحرَّم؟ طلبة: الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 1778

الشيخ: جائز، نعم، من العقود الجائزة، الدليل؟ إن شئنا قلنا: الدليل عدم الدليل؛ لأنها معاملة، والأصل في المعاملات الحِل، فإذا لم يكن دليل على التحريم فهي حلال، وإن شئنا قلنا: الدليل هو انتفاء الدليل المحرِّم، وثبوت الدليل المجوِّز، وذلك في معاملة أهل خيبر هذا من حيث الدليل الشرعي، وأن المصلحة تقتضيها، وهذا من حيث الدليل النظري.
قال المؤلف: (تصح على شجر له ثمر يؤكَل)، (تصح) الفاعل: المساقاة.
(على شجر)، أي: أن يعقد على شجر.
(له ثمر يؤكَل)، فاشترط المؤلف في الشجر أن يكون له ثمر، واشترط في الثمر أن يكون مأكولًا.
مثاله: النخل؛ النخل شجر له ثمر يؤكَل، أو لا يؤكل؟ يؤكل، العنب، برتقال، تفاح، برسيم؟ الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ طالب: ليس له ثمرة.
الشيخ: لا، ليس شجرة، الشجر ما له ساق، هذه ما لها ساق، يعني ليس لها ساق، مع أن كلام الفقهاء في أن الشجر ما له ساق، فيه نظر؛ لأن الله أثبت الساق للزرع في قوله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: 29]، المهم أن الزرع لا يدخل في هذا؛ لأنه ليس شجرًا.
وقولنا: (له ثمر) احترازًا مما لا ثمر له، كشجر أيش؟ طالب: الحنظل.
الشيخ: الحنظل، السِّدْر؟ الطلبة: له ثمر.
الشيخ: له ثمر، السَّرْو؟ لا، ليس له ثمر.
طالب: ما السَّرْو؟ الشيخ: السَّرْو شجر كبير يرتفع، وهو قوي أيضًا تُتَّخَذ منه الأبواب، لكن ليس له ثمر.
فِي شَجَرِ السَّرْوِ مِنْهُمُ مَثَلٌ لَهُ رُوَاءٌ وَمَا لَهُ ثَمَرُ

لا يصح؛ لأنه لا ثمر له، الأَثْل؟ طالب: ليس له ثمر.
الشيخ: الأَثْل، له ثمر؟ طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: لا إله إلا الله، يعني نحتاج نطلع للبَرّ نشوف، الأثل له ثمر، نعم له ثمر ما فيه إشكال، لكنه لا يؤكَل، والمؤلف يقول: (له ثمر يؤكَل)، فالأثل له ثمر لكن لا يؤكَل.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1779

الشيخ: أراه، انتهينا من السِّدْر، السِّدْر له ورق، على كل حال المثال يكفي بواحد؛ لأنا لسنا أهل بوادي، ولا نعرف الأشجار.
إذن الأَثْل لا يصح، لا تصح المساقاة فيه، لماذا؟ لأن ثمره لا يؤكَل، هذه واحدة، ولأنه قليل الثمر أيضًا، هو يثمر لكن قليل جدًّا، فالتعب عليه ما يعطي ربحًا، هذا ظاهر كلام المؤلف.
وقال بعض العلماء: إنه يجوز على شجر لا ثمر له إذا كانت أغصانه يُنْتَفَع بها، مثل أن تكون أغصانه تُقْطَع وتُجْعَل أبوابًا صغارًا مثلًا، أو ما أشبه ذلك، أو سِدْر يمكن أن يُنْتَفَع بأوراقه.
وهذا القول هو الصحيح؛ لأن فيه فائدة للطرفَيْن، فما الفرق بين أن نقول: أغصان تُقْطَع وتُبَاع ويُنْتَفَع بها، أو نقول: ثمر يُجَذّ ويُؤكَل؟ إذن الشروط على كلام المؤلف؛ أولًا: موضوع المساقاة هو الشجر، ويُشْتَرَط أن يكون له ثمر، وأن يكون ثمره يؤكَل.
قال: (وعلى ثمرة موجودة) مثاله: رجل عنده نخل، أثمرت النخل، ولكنه تعب من سقيها وملاحظتها، فساقَى عليها شخصًا، قال: أنا أُساقيك على هذه الثمرة إلى أن تُجَذّ، لا بأس بذلك، فإن قال إنسان: هذا يعني بيع الثمرة قبل بُدُوّ صلاحها، نقول: هذا ليس ببيع، لكنه كالمؤاجَرة على سَقْيها وإصلاحها، والبيع يتخلى عنه البائع مرة نهائيًّا وينتقل ملكه إلى مَن؟ إلى المشتري، أما هذا لا ينتقل، وإنما هو كالأجير يقوم على هذه الثمرة حتى تنضج.
(وعلى شجر يغرسه) يعني: وتصلح المساقاة على شجر لم يُغرَس بعد، يغرسه العامل، والشجر من رب الأرض، وهذه أيضًا الصورة الثالثة.
الصورة الأولى: شجر قائم يساقِي عليه.
الصورة الثانية: ثمر على شجر يساقِي عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1780

الصورة الثالثة: شجر لم يُغْرَس بعد؛ إنما أتى رب المال بالأشجار وجمعها، وقال للفلاح العامل: ساقَيْتُك على هذه الأشجار تغرسها بجزء من ثمرتها، يجوز؛ لأن الأصل في المعاملات الجواز؛ ولأن هذا هو ظاهر فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع أهل خيبر (4)، فصارت الصور كم؟ طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة.
قال: (ويعمل عليه)، الضمير يعود على كل ما سبق، (حتى يثمر بجزء من الثمرة)، (يعمل عليه)، الفاعل مَن؟ طالب: العامل.
الشيخ: العامل، الفلاح، (حتى يثمر بجزء من الثمرة)، وسيأتي إن شاء الله ما الذي يلزمه، وما الذي يلزم رب الأصل.
(بجزء من الثمرة)، ويُشْتَرَط أن يكون الجزء معلومًا مشاعًا، وهذه مَرَّ علينا في أي مكان؟ في الشركة، لا بد أن يكون جزءًا مشاعًا معلومًا، مثل: رُبع، نصف، ثُلُث، ثُمُن، عُشْر، حسب ما يتفقان عليه، فإن كان غير معلوم بأن قال: ساقَيْتُك على هذا الشجر ببعض ثمره، يجوز؟ الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ الطلبة: غير معلوم.
الشيخ: مجهول، إلى أي شيء يرجعان؟ فهو مجهول، قال: ساقيتك على هذا الشجر بمئة كيلو منه.
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟ الطلبة: لأنه ليس مشاعًا.
الشيخ: لأنه غير مشاع، ساقيتك على هذا الشجر لك مِقطران ولي مِقطران، تعرفون الْمَقاطر؟ الصّفّ؛ صّفَّان من النخل، وصّفَّان من النخل، يجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا؛ لأنه ليس مشاعًا، ساقيتك على هذا النخل على أن ثمرة العام لك، وثمرة الثاني لي؟ الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ لأنه غَرَر وجهالة، ويؤدي إلى النزاع.
يقول رافع بن خديج رضي الله عنه: كان الناس يؤاجِرون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم على الماذِيَانَات وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع -يعني غير مشاع- فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلذلك زجر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به.
(5) يريد الشيء المعلوم: المضمون، ما هو؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1781

طلبة: المشاع.
الشيخ: المشاع المعلوم.
طالب: شجر السنط هل تجوز المساقاة؟ الشيخ: السندر؟ السنت؟ الطالب: السنط؛ بالطاء.
الشيخ: بالطاء ما أعرفه.
الطالب: هذا عندنا يا شيخ يثمر القَرَظ والسنط.
الشيخ: يثمر أيش؟ الطالب: القَرَظ.
الشيخ: قَرَظ للدباغ يعني.
الطالب: والسنط.
الشيخ: على كلام المؤلف ما يصح؛ لأنه لا يؤكَل.
الطالب: لكن له فائدة يا شيخ.
الشيخ: أقول: لا يؤكَل على كلام المؤلف، لا بد أن يؤكَل، على القول الثاني: لا بأس أن يساقيه عليه بجزء من ثمره من الصمغ أو من القَرَظ.
طالب: شيخ، إذا قلنا: إن الأثل لا يُؤْكَل ثمره، كيف نقول في قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: 17].
الشيخ: ويؤكَل؟ طالب: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾.
الشيخ: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ هل يُنَصّ على أن الأَثْل فيه ما يُؤْكَل؟ ثم لو قُدِّر أنه دل على هذا وقلنا بالعموم فإنه لا يلزم إذا أكله أولئك من الجوع أن يأكله غيرهم.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ( ... ) إذا خسرت فإن الوضيعة تكون على رب المال، شيخ، ألسنا قرَّرْنَا أنه إذا خسرت الشركة فإنه يؤخَذ من الربح قبل قسمته ( ... ) فإن الربح واقٍ لرأس المال.
الشيخ: الآن لو فرضنا أعطيته عشرة آلاف مضارَبة، ثم خسر؛ اشترى سلعة ولم يَبِعْها إلا بسبعة آلاف.
طالب: هذا على رأس المال؛ لأنه ما فيه ربح أصلًا.
الشيخ: على رأس المال.
الطالب: لكن لو كان ربح يا شيخ.
الشيخ: أصل المال، اشترى بها بضاعة بعشرة آلاف ثم باعها بخمسة عشر ألفًا، ثم اشترى سلعة أخرى بخمسة عشر ألفًا ولم يبعها إلا بثمانية، أيش نقول؟ طالب: على رأس المال.
الشيخ: لو قلنا: إنها على رأس المال وعلى العامل، قلنا: العامل ثمانية، عليك ألف ونصف، وعلى رب المال ألف ونصف، والخمسة راحت.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، إذا ساقَى إنسان عاملًا على شجر على الربع.
الشيخ: أيش؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1782

الطالب: على الربع مثلًا، وفي آخر العام ما أثمر شيئًا هذا الشجر، فهل يثبت للعامل أجرة أو نصيب المثل أو لا يثبت له شيء.
الشيخ: لا يثبت له شيء.
الطالب: خسر العمل كله.
الشيخ: نعم، مثل المضارَبة تمامًا.
طالب: بارك الله فيكم، إذا ساقى العامل على جزء معلوم من الفيء قال له: أساقيك على هذا الشجر بمئة كيلو، إذا فسدت المساقاة ما يصح إجارة؟ الشيخ: أيش؟ طالب: إذا فسدت هذه المساقاة ما تصح على أنها إجارة؟ الشيخ: ما مر عليّ هذا، كل شركة فسدت فللعامل أجرة المثل، هذه قاعدة المذهب، والصحيح أن كل مشاركة فسدت فللعامل سهم المثل.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، مثلًا شركة الأبدان، قلنا: إنها شركة على العمل، وتكون في سائر المباحات، ألا يكون فيها نوع من الغَرَر والجهالة بين الشريك وشريكه، كأن يشتركَان في الصيد؛ يأتي أحدهما ويأتي مثلًا بثلاثة صيود أو أربعة، والثاني لا يأتي بشيء؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: والذي لم يأتِ بشيء يريد أن يقاسم الآخر؟ الشيخ: نعم يقاسم.
الطالب: قد شاركه على أن يأتي مثلًا بمثله .. الشيخ: راضٍ، أليس سعد أتى بأَسِيرَيْنِ وعمار وعبد الله بن مسعود ما أَتَيَا بشيء؟ وشاركهم الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر قبل تسوية الغنائم (6)، يعني قبل أن تشرع قسمة الغنائم، كان مَن غنم شيئًا فهو له، أفهمت؟ يقول أحدهم: أنا بشاركك الآن، أنت تأتي الآن بغزالين، وأنا ما آتي بشيء، لي واحد ولك واحد، المرة الثانية يمكن آجي بأربعة غزلان، وأنت ما تجيب شيئًا.
طالب: يتراخى أحدهما ويقول: الذي يأتي به الآخر فيه كفاية، ويقتسمان فيه؟ الشيخ: لا، ما يصير.
طالب: شيخ، بالنسبة لقول الفقهاء: المعاطاة لها ثلاث صور، هل هذا يكون تجوُّزًا؟ الصيغة الفعلية للبيع، يقولون: المعاطاة إما أن تكون من الطرفين أو من طرف واحد، هل نقول: إن هذا تَجَوُّز، أم المعاطاة لا بد أن يكون فيها إعطاء من الطرفين؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1783

الشيخ: ما هو بلازم الإعطاء من الطرفين، إذا كان فيها صيغة معاطاة ولو من طرف واحد فهي معاطاة.
طالب: حفظك الله، المساقاة هل تكون على ثمرة صالحة فقط؛ لأن هناك بعض الثمر ( ... ) وغيره كالباقي من البلح .. الشيخ: أما على المذهب ما يصح إلا الثمر اللي يؤكَل، والذي لا يؤكَل لا تصح المساقاة عليه، والصحيح أنه تصح على كل ثمر يؤكَل أو لا يؤكَل، بل حتى الورق وحتى الأغصان اللي يُنْتَفَع بها تقوم مقام الثمر.
طالب: شيخ، لو ساقى على هذا التمر، فالتمر الناضج الطيب هذا بَيِّن، لكن يبقى بعد ذلك الباقي وهو ما يسمى بالرجيع، هل نعتبره داخلًا؟ الشيخ: إي، يدخل، حتى العذق يدخل في هذا.
طالب: ما الفرق بين أجرة المثل وسهم المثل؟ الشيخ: إي نعم، مضاربة فسدت والرجل هذا عمل فيها خمسة أشهر، وأجرة هذا الرجل في الشهر ألفان، كم يستحق؟ طلبة: عشرة.
الشيخ: عشرة آلاف، سهم المثل لو قَدَّرْنَاه ما يساوي ألفًا، ليس له إلا ألف، أو ربما يساوي خمسة آلاف، نعطيه خمسة آلاف، يعني قد يزيد على الأجرة وقد ينقص، والصحيح أن له سهم المثل؛ لأنه لم يدخل إلا على المشاركة في الغُنْم والغُرْم.
طالب: ( ... ). الشيخ: أيش؟ النصف مثلًا، إن دخل مثلًا على أن له النصف.
طالب: شيخ بارك الله فيك، مَرَّت معنا الشروط التي إن تخلَّفت كان العقد فاسدًا أو باطلًا، فلو أن المساقاة تمت على شرط غير صحيح، كما لو شرط شيئًا مجهولًا، وتمت المساقاة ومضى حتى طلعت الثمرة، فهنا في هذه الحالة كيف نحكم بينهما؟ الشيخ: ذكرنا القاعدة يا رجل، ما سمعت القاعدة؟ ماذا تقولون؟ طلبة: على المذهب أجرة المثل.
الشيخ: على المذهب أجرة المثل، يقال: قَدِّر إنسانًا يعمل على هذا النخل كم أجرته في الشهر، ويُعطى، والقول الثاني: سهم المثل.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، أنا كنت ناسيًا هذا الموضوع، لكن هنا ثمر، يعني هنا طلع مئة كيلو مثلًا أو عشرة ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1784

الشيخ: مئة كيلو، يقال مثلًا: هذا الرجل لو أن هذا أعطيه عاملًا قالوا: يقوم عليه بالْخُمس، نعطيه عشرين في المئة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في شركة المضاربة يقول المؤلف: (ولا يُقْسَم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما).
الشيخ: نعم.
الطالب: فالطالب للقسمة إذا مُنِع، يعني قد يتضرر، فكيف يُلْزَم مع اتفاقهما معًا؟ الشيخ: الثاني أيضًا سيتضرر.
الطالب: على أي وجه يُقْسَم ليُسَدِّد حاجته الطالب.
الشيخ: إذا كان بيضمن الضرر لصاحبه لا بأس.
طالب: بالنسبة للزرع الذي يزرعه العامل في هذا الشجر، مثل الخضروات والبرسيم والأشياء هذا الذي .. هل لصاحب الشجر له فيها ولا .. ؟ الشيخ: لا، ليس له فيه شيء، هذه تكون مزارعة، ست-أتينا إن شاء الله.


طالب: قال رحمه الله تعالى في باب المساقاة: وهو عقد جائز، فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمر .. الشيخ: عندي (وهي عقد).
الطالب: وهي عقد جائز، فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة، وإن فسخ هو فلا شيء له، ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة؛ من حرث، وسَقْي، وزِبَار، وتلقيح، وتشميس، وإصلاح موضعه، وطرق الماء، وحصاد، ونحوه، وعلى رب المال ما يصلحه؛ كسَدِّ حائط، وإجراء الأنهار، والدولاب ونحوه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
للمساقاة صفتان؟ طالب: أن يُدْفَع لهم شجر له ثمر، هذه الصفة الأولى؛ على جزء من الثمر.
الشيخ: والثانية؟ الطالب: يُدْفَع له أرضًا وشجرًا.
الشيخ: ويساقيه عليه بجزء من الثمر، صح، بارك الله فيك.
هل لها دليل من الشرع أو لا؟ طالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم فتح خيبر وصالَح أهل خيبر على المساقاة.
(4) الشيخ: عامَلَهم؟ الطالب: وعامَلَهُم على النصف.
الشيخ: على النصف، أحسنت، هل يؤيد الأثرَ النظرُ؟ كيف؟ طالب: لأن المصلحة تقتضي ذلك.
الشيخ: كيف ذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1785

الطالب: لأن الإنسان قد يكون عنده بساتين، ولكن ليس له وقت يساقي عليه.
الشيخ: قد يكون عند إنسان بساتين، ولكن ليس في وسعه أن يقوم عليه، وقد يكون عمال عاطلون فيسلِّمه لهم، فينتفع هؤلاء وهؤلاء، إذن يعتبر هذا من محاسن الشريعة، هل تصح المساقاة في الأثل بجزء منه؟ يعني ما هو من أصله مما يُقْطَع منه.
طالب: ما يصح يا شيخ، فإنه لا .. ، مما يقطع منه إن كان يُنْتَفَع به مثل الأغصان فإنها تصح.
الشيخ: ( ... ). الطالب: يصح، وإن كان ثمره ما يؤكَل لأنه اشترط .. الشيخ: هذا الشجر ما فيه ثمر إطلاقًا، لكن الناس يقطعونه، يضعونه لأشياء خاصة؛ إما لسقوف البيوت، أو لغير ذلك.
طالب: على المذهب لا يصح، الواضح أنه لا يصح.
الشيخ: أحسنت، المذهب لا يصح، والراجح أنه يصح؛ لأن أغصانه هذه بمنزلة الثمر؛ لأنه يُنْتَفَع بها مع بقاء أصله، رجل ساقَى شخصًا على شجر متنوع، يعني مثلًا: نخل، بَرني، عجوة، جَنيب، جَمع، سكري، شُقْر، وهكذا، وقال: لك البرحي ولي الباقي.
طالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه يُشْتَرَط بجزء من الثمر أن يكون مشاعًا.
الشيخ: لأنه يشترط أن يكون بجزء مشاع، وهذا بشيء معين، العلة؟ العلة أولًا من الدليل، أنا أقول بالحقيقة قبل: ما هو الدليل على أن هذا لا يصح؟ الطالب: نَهْي النبي صلى الله عليه وسلم عن الغَرَر.
الشيخ: لأن وجوده في المساقاة يفسد.
الطالب: حديث خيبر أن النبي عامل (4) .. الشيخ: لا.
الطالب: نعم يا شيخ حديث رافع بن خديج.
الشيخ: رافع بن خديج.
الطالب: كان الناس يؤاجِرون على الماذيانات، وأقبال الجداول، فيهلك هذا، ويسلم هذا، فزجر عنه صلى الله عليه وسلم، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس.
(5) الشيخ: بارك الله فيك، تمام، هذا من الأثر دليل أنه لا يصح، النظر؟ الطالب: ( ... ) ليس مشاعًا.
الشيخ: التعيين بالحكم لا يفيد، إذا قلت: لماذا كان جائزًا؟ قلت: والله لأنه جائز، يصلح التعليل؟ الطالب: لا يصح.
الشيخ: ما يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1786

الطالب: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه؛ لأنه ليس فيه مصلحة، ويؤدي ذلك إلى التنازع.
الشيخ: جواب ركيك.
طالب: لأن فيه غَرَرًا وجهالة.
الشيخ: فيه غَرَر وجهالة، كيف؟ الطالب: لأنه إذا كان غير مشاع يقود هذا إلى النزاع بينهما.
الشيخ: إي، لكن أنت قلت: غَرَر وجهالة، ما بِدِّي أنه فيه نزاع.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: كيف الغَرَر؟ الطالب: لأنه إذا قال مثلًا: أعطيك مثلًا البَرْحِي من بين الأصناف الأخرى، فهذه الأشجار لا تأتي بثمر.
الشيخ: إلا البَرْحِي، وقد تأتي بالتمر إلا البَرْحِي، أو لا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: فيصير هذا خاسرًا، وذلك رابح، تمام، بارك الله فيك.
نحن ذكرنا قبل في أول الشركة أن الشركة مبناها على التساوي أيش؟ الطلبة: في الْمَغْنَم والْمَغْرَم.
الشيخ: تساوي الشريكين في الْمَغْنَم والْمَغْرَم، هذا الأصل الذي لا بد منه.


قال المؤلف: (وهي عقد جائز)، جائز باعتبار الحكم التكليفي أو باعتبار الحكم الوضعي؟ الثاني، باعتبار الحكم الوضعي؛ لأن الحكم التكليفي ما يترتب عليه الثواب والعقاب، والحكم الوضعي ما يترتب عليه الصحة والفساد.
فقولنا: (جائز) بالحكم الوضعي يعني أنها من العقود التي يملك كل واحد من المتعاقدين فسخها بدون دِرَى الآخر، هذا معنى قولنا: جائز، عكسه اللازم الذي لا يملك أحد المتعاقدين فسخه إلا بسبب شرعي، انتبه! هذا حكم أيش، وضعي ولَّا تكليفي؟ طالب: وضعي.
الشيخ: هذا حكم وضعي، التكليفي أن أقول: جائز، أي: لا إثم فيه، وضده المحرَّم، الجائز ضده اللازم.
على كل حال هي عقد جائز، أي: من العقود التي يملك فيها أحد المتعاقدين الفسخ بدون رضا أيش؟ الآخر، ولهذا قال: (وهي عقد جائز)، فمالك الشجر لا يُلزِم الفلاح، والفلاح لا يُلزِم مالك الشجر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1787

لكن المشكِل إذا كان هذا الفلاح قبض النخل في شهر المحرَّم، وتعب فيه وسقاه، وعمل فيه كل ما يكون سببًا لنموه وظهور ثمره، ثم قال المالك: أنا فسخت، مشكِل، هل يضيع حق العامل؟ طالب: نعم.
الشيخ: إن قلت: نعم، مشكِل، وإن قلت: لا، أيضًا مشكِل، فهل نقول: الآن صار العقد لازمًا؟ بيَّن المؤلف الحكم فقال: (فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة)، إذن لا يضيع حقه إذا فسخ المالك قبل ظهور الثمرة.
ولاحظوا أن الثمرة في المساقاة هي المعقود عليه، أعطاه النخل مثل وقتنا الآن، وقتنا الآن الثمر قد جُذّ والنخيل ليس فيها ثمر، بعد مُضِيّ شهرين رأى المالك أن هذا العامل يضيع النخيل، ولا يقوم باللازم، ففسخ، قال: أنا فسخت المساقاة، نقول: لا بأس، لكن العامل تعب في ملكك بإذنك ولَّا لا؟ إذن له الحق، فما الذي يفرض له؟ يقول المؤلف: (للعامل أجرة المثل)، كم يُعْطَى الرجل لو عمل على هذا البستان لمدة شهرين؟ قالوا: يُعْطَى في الشهر الواحد عشرة آلاف، يكون له عشرون ألفًا، قالوا: يعطى كل شهر مئة، كم له؟ طالب: مئتان.
الشيخ: مئتان.
ولو قال قائل: إنه يُعْطَى بالقسط من سهم المثل، لكان له وجه؛ لأن العامل لم يعمل على أنه أجير، بل عمل على أنه شريك، فيقال مثلًا: لو أن العامل أكمل نصيبه فمعروف أنه جُعِلَ له سهم، الآن مضى من المدة مثلًا شهران من ثمانية كم يستحق؟ ربع السهم، الذي اتفق مع صاحب الملك عليه، قد يكون أكثر من الأجرة، وقد يكون أقل، فعلى كل حال لو قيل بأنه يعطى بالقسط من السهم الذي شُرِط له، لكان قولًا له وجه.
(وإن فسخها) الضمير يعود على مَن؟ طالب: على العامل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1788

الشيخ: على العامل، فلا شيء له، هذا متى؟ قبل ظهور الثمرة، (إن فسخ) أي: فَسَخَ المساقاةَ العاملُ فلا شيء له، لكن صاحب النخل، نقول لصاحب النخل: ليس لك شيء؛ لأن هذا الرجل عمل على إصلاح ملكك مجانًا، أليس كذلك؟ هو عمل على إصلاح ملكك لمدة شهرين –على المثال الأول- عمل على إصلاح ملكه لمدة شهرين، فإذن خدمك بدون شيء، ليس على العامل شيء، العامل ليس له وليس عليه.
لو قال قائل: هذا قد يكون ضررًا على المالك، مثل أن يكون من عادة الناس أنه في وقت الجَذاذ يكون إقبال العمال على أَخْذ البساتين مساقاة، والآن ما فيه نشاط، الآن كل عامل أخذ فلاحه ومشى، ما فيه نشاط، ألا يُلزَم العامل بما يعود من النقص على صاحب الأصل؟ طالب: بلى.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: نعم ولَّا بلى؟ الطالب: بلى.
الشيخ: نعم، قد نقول: إنه يُلْزَم بذلك، وحينئذ على هذا التقدير نقول: إذا كان فسخه لعذر -أي: العامل- مثل أن ينفد ما بيده من المال، أو يكون عنده خادم فيموت أو يهرب، ولا يستطيع أن يكمل العمل بنفسه، فهنا نقول: إنه معذور فلا يضمن شيئًا.
أما إذا كان غير معذور، وفات غرض صاحب الأصل، فينبغي أن يُضَمَّن، وإلا يُلزَم بإتمام العمل، معي ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إذا كان الفسخ بعد ظهور الثمرة، إحنا كلامنا هذا كله على ما قبل الثمرة، بعد ظهور الثمرة لا يملك مالك الأصل أن يفسخ، ما يمكن، لا بد أن يكمل، والعامل أيضًا يُلْزَم بإتمام العمل، يعني تكون لازمة بعد ظهور الثمرة؛ لأن العامل أصبح الآن أيش؟ أصبح شريكًا في الثمرة، ولا يمكن لرب الأصل أن يطرده، وصاحب الأصل أيضًا لا يمكِّن العامل من الفسخ، إلا إذا رضي أن يفسخ مجانًا فلا بأس.
يعني لو قال العامل: والله أنا تعبت، صحيح أنّ الآن الثمرة بدت، لكن أنا تعبت، ما أستطيع، فله ذلك بشرط أيش؟ بشرط أن يتنازل عن حقه، ويقول: أنا لا أريد شيئًا، فصار قبل ظهور الثمرة كما عرفتم، إن فسخ المالك لزمه .. أتموا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1789

طالب: أجرة المثل.
الشيخ: على كلام المؤلف.
طلبة: لزمه أجرة المثل.
الشيخ: لزمه أجرة المثل، وعلى قولنا يلزمه قسط السهم الذي عمل عليه، المالك إذا فسخ قبل ظهور الثمرة .. طالب: العامل! الشيخ: نعم، قصدي العامل إذا فسخ قبل ظهور الثمرة فلا شيء له؛ لأنه هو الذي رضي لنفسه، وإذا فسخ المالك فقد عرفتم ما يجب عليه، ولكن هل يضمن للمالك؟ ذكرنا أنه إن فسخ لعذر فلا شيء عليه، وإن فسخ مضارَّة فينبغي أن يُضَمَّن، بعد ظهور الثمرة المالك لا يملك أن يفسخ، العامل يملك أن يفسخ بشرط أيش؟ طالب: أن يتنازل عن حقه.
الشيخ: أن يتنازل عن حقه؛ لأنه في هذه الحال لم يُزِد صاحب الأصل إلا خيرًا.
ثم بدأ المؤلف يبين ما يلزم العامل وما يلزم المالك، قال: (ويلزم العامل) حَرِّك (العامل).
طالب: العاملَ.
الشيخ: العاملَ، العامل فاعل.
طالب: لا، مفعول.
الشيخ: مفعول به؟ نعم مفعول مُقَدَّم.
(ويلزم العاملَ كلُّ ما فيه صلاح الثمرة من حرث، وسقي، وزِِبَار، وتلقيح، وتشميس، وإصلاح موضعه، وطرق الماء، وحصاد، ونحوه).
(يلزم العامل): يلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة، أما ما فيه بقاء الأصل فعلى المالك كما سيأتي.
(من حرث) حرث أيش؟ طلبة: الأرض.
الشيخ: حرث الأرض.
(وسقي): سقي الشجر.
(وزِبَار) الزِّبَار هو قطع الأغصان الرديئة، تعلمون أن الشجر يعني غير النخل، النخيل معروف، وربما يكون في النخيل أيضًا عُسبان رديئة يابسة، هذه على مَن؟ على العامل.
ماذا يسمى في اصطلاح الفلاحين عندنا الآن قطع الأغصان الرديئة؟ طالب: تقليم.
الشيخ: تقليم؟ الطالب: تقليم الشجرة.
طالب آخر: عندنا شَذْب.
الشيخ: عندكم تشديد؟ الطالب: شَذْب.
الشيخ: لا الشَّذْب في عُسْبَان النخل.
طالب: تكريب.
الشيخ: التكريب أيضًا كرب النخل يا شيخ، على كل حال عندي شرح كلام المؤلف، (الزِّبار): قطع الأغصان الرديئة.
(وتلقيح) لثمر النخل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1790

(وتشميس) للثمر بعد أن يُجَذّ يحتاج إلى أن يوضع في الشمس حتى ييبس، على مَن؟ طلبة: العامل.
الشيخ: على العامل.
(وإصلاح موضعه وطرق الماء)، إصلاح موضع التشميس، فيما سبق من الزمن يجعلون موضعًا للتشميس، يعني أرضًا واسعة يضربونها مثلًا بحصى يصفُّونه، ويجعلون فيه الجص لأجل أن يكون نقيًّا فييبس عليها الثمر.
(وطرق الماء)، إصلاح طرق الماء، يعني: السواقي، وتعرفون أن الفلاحين يجعلونها حِيَاضًا.
(وحصاد ونحوه) أيضًا الحصاد على العامل.
(الْجَذَاذ) يرون أن الْجَذاذ على كل واحد منهما بقدر حصته، وإن شُرِط على العامل فلا بأس، جذاذ أيش؟ جَذاذ النخل يرونه عليهما بقدر حصتيهما، إذا كانوا أثلاثًا فعلى صاحب الثلث الثلث، وعلى صاحب الثلثين الثلثان، وإذا كانوا أنصافًا فعلى كل واحد منهما نصف، إلا إذا شُرِط على العامل فيصح.
والصواب أنه يُتْبَع في ذلك العرف، إذا جرت العادة أن الجَذاذ يكون على العامل فهو على العامل، وإذا جرت العادة أن يكون على صاحب المال فهو على صاحب المال.
والعادة عندنا أنه إذا نضجت الثمار قسموها على رؤوس النخل، وقيل لك: أنت أيها الفلاح هذا الجانب، وللثاني الجانب الآخر، وكل واحد منهما يجُذّ نخله، فعندنا –عُرْفُنا، ما أدري أعراف الآخرين- أنه يقسم النخل أولًا، فيقسم الثمر على رؤوس النخل، ويقال للعامل: جُذّ نخلك، ولصاحب المال: جُذّ نخلك.
(وعلى رب المال ما يصلحه) أي: ما يصلح المال، يعني: ما يعود بصلاح النخل على رب المال، وما يعود بتصريفه على العامل.
مثاله: نقول: كسَدّ حائط، انثلم الحائط مثلًا، سور البستان انثلم يسده مَن؟ يسده صاحب البستان ما هو العامل؛ لأن هذا يبقى للبستان، تابع لإصلاح البستان فيكون على رب المال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1791

(إجراء الأنهار) أيضًا على رب المال، والأنهار ما عندنا أنهار الآن هنا، لكن في بلاد أخرى فيه أنهار، أنهار تقاد منها المياه، عندنا الآن مقابل إجراء الأنهار إخراج الماء، وإخراج الماء عندنا استخراجه بالمكايل ونحوها على العامل عندنا الآن، لكن حفر البئر على رب المال، هذا العُرف.
واعلموا أن العُرف الْمُطَّرِد كالشرط اللفظي، يعني الاطِّراد العُرْفي كالشرط اللفظي، فما دام الناس اطَّرَد عندهم هذا أنّ حَفْر الآبار على رب المال، وأن استخراج الماء على الفلاح الذي هو العامل، فإننا نمشي على ما كان الناس عليه.
(والدولاب ونحوه) الدولاب يعني: دولاب الكتب؟ طالب: دولاب الماء.
الشيخ: أيش الدولاب؟ يمكن يكون فيه مكتبة في البستان، ما يمكن؟ طالب: لا.
الشيخ: ما يمكن يكون فيه مكتبة؟ يمكن يا أخي، إذا صار الفلاح طالب علم يحتاج إلى مكتبة، ما يصير فيه دولاب؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: على كل حال (الدولاب) يعني: شيء يُسْتَخْرَج به الماء، فمن رآه منكم ليصفه لإخوانه، صفه لنا.
طالب: الدولاب هذا يا شيخ مثل الساقية، عبارة عن ترس معلَّق في ترس آخر، إذا لف الحمار -أعزكم الله- أو البهيمة عندما تلف هكذا تلف الترس، وهو يلف العجلة التي تأخذ الماء من البئر فتصبه خارج البئر، الترس عكس الثاني، إذا لف الترس الأول يلف الترس الثاني بدَوَار الساقية التي بها تأخذ الماء من البئر تصبه في خارج البئر.
الشيخ: والساقية سلسلة من صفحات يعني؟ الطالب: الدولاب هذا يا شيخ ما هو الساقية.
الشيخ: أقول بارك الله فيك، أنا أسالك عن الدولاب الآن.
الطالب: الدولاب عندنا يا شيخ كلمة دولاب هذه الذي يُدَرّس به القمح.
الشيخ: نحن الآن نتكلم عن الدولاب الذي يُسْتَخْرَج به الماء.
الطالب: هو الساقية.

الجزء: 2 - الصفحة: 1792

الشيخ: إي، ويش لون، لكن ما الفائدة الآن، فهمنا، عجلتان فيهما أتراس، واحدة هكذا عَرْضًا، وواحدة هكذا طولًا، وترس هذه داخل في ترس هذه، وإذا استدارت هذه استدارت الثانية هكذا.
الطالب: الترس هذا معلَّق في خشبة هكذا معلَّقة في الترس، إذا لفّت هكذا تعلّق هكذا، والبهيمة تعلّق في .. الشيخ: البهيمة على الأرض، ما هي معلقة يا شيخ.
الطالب: يعلق الحمار، تعلق البهيمة يا شيخ.
الشيخ: دعنا من الحديث، نشوف اللي يدور بعدين.
الطالب: ثم بعد ذلك الترس الثاني يعني مربوط في ساقية أو شيء مغلَق تسمى طبعًا في القديم الدولاب، ولكن الآن يطلق .. الشيخ: هذا كله كنا نتكلم عن الدولاب اللي في القديم على زمان المؤلف.
الطالب: نعم، القديم هذا يكون .. الساقية كانت في القديم خشبًا، وتسمى دولابًا، فكانت تنزل في البئر تأخذ من الماء مثل الجاروف، أي: ضد حركة الجاروف يأخذ من الماء.
الشيخ: الجاروف أشد خفاء من الدولاب، على كل حال هو قارَب حقيقة، أنا رأيت الدولاب بعيني وُجِدَ عندنا في عُنَيْزَة مرة، ورأيته بعيني، لكن هو قارَب الوصف في الوقت، يعني قارَب الوصف، ما بقى لي إلا ما الذي يحمل الماء، إلى الآن ما أعطانا فكرة عن الذي يحمل الماء.
طالب: هذا الحبل ينزل في الساقية، هذا الحبل مزدوج ويعلَّق فيها أواني أخرى تسمى قواديس، فهذه الأواني تنزل مَكْفِِيَّة، يعني تنزل على رؤوسها هكذا، وهي خارجة تنزل تغرف من الماء وتطلع، فإذا طلعت تصب في الحوض، والحوض يخرج على الجدول، والجدول يودِّي على الساقي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1793

الشيخ: هو هكذا، إذن فهمتم الآن؟ واحدة مثل الرحى تدور هكذا وفيها أتراس، وواحدة مستقيمة هكذا فيها أتراس داخلة فيها أتراس هذه، هذا إذا دارت اللي فوق دارت الأخرى، الأخرى فيها جنزير، تعرفون الجنزير؟ حق ( ... )، فيها جنزير، يدور هذا الجنزير معلَّقًا فيه مثلما قال الأخ: معلَّق فيه شيء مثل الكنك مكفي ينزل على بطنه، ثم إذا وصل الماء غرف من الماء ثم صعد، وهكذا، فيكون دائمًا يصب الماء، يصب الماء طبعًا في حوض، والحوض تتفرع منه السواقي، هذا هو الدولاب، نعم يستعمل بدله الرحى، يعني بعض الناس يضع رحى بدل الدولاب، الدولاب في الآبار، والرحى في الأنهار، مرت علينا الرحى، في أي مكان؟ مرت في باب الخيار؛ خيار التدليس، حيث قال المؤلف: (جمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها)، الرحى على الأنهار التي تمشي يضعون -مثل ما قال الأخ- يضعون عجلة كبيرة فيها أتراس، وهذه الأتراس تخرج الماء من النهر؛ لأن فيها رِيَشًا تدور كلما دارت أخرجت ماء، بعضهم إذا أراد أن يبيع يحجز الماء، ثم عند إرادة البيع يطلقه، فيكون اندفاعه قويًّا جدًّا، وإذا قَوِيَ اندفاعه قَوِيَ دوران الرحى فقَوِيَ خروج الماء، هذا من التدليس، كتَصْرِيَة اللبن في ظهر بهيمة الأنعام، على كل حال إذن الدولاب على مَن؟ طلبة: على صاحب الأصل.
الشيخ: على صاحب الأصل، في المساقاة على صاحب الأصل.
إدارة الدولاب وتحريك الدولاب على العامل.
وقوله: (ونحوه) يعني: مما يحتاجه الأصل، إذن لو قال لنا قائل: أين في كتاب الله أو سنة رسوله أن هذا عليه كذا أو عليه كذا؟ نقول: المرجع في ذلك إلى العُرف، على القاعدة المعروفة: وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ

الجزء: 2 - الصفحة: 1794

فإذا كان العُرف مطَّرِدًا فبها ونعمت، وهذا المطلوب، ونمشي على ما جرى عليه العرف، وإذا لم يكن مطَّرِدًا وجب على كل منهما أن يبيِّن للآخر ما عليه وما له حتى لا يقع نزاع؛ لأنكم تعرفون أن المتعاقِدَيْن عند أول الدخول في العقد يكون كل واحد منهما مشفقًا، وربما ينسى أو يتناسى بعض الشروط، ويقول: هيِّن، سهَّلَه الله.
لكن نقول: هذا لا يجوز، لا بد أن يكون الشيء أيش؟ واضحًا بَيِّنًا؛ لأنه ربما يحدث نزاع، ثم لا نستطيع أن نؤلِّف بين الطرفين.
انتهى الباب.
طالب: الفرق بين الجذاذ والحصاد؟ الشيخ: إي، الفرق بين الحصاد والجذاذ؛ الحصاد للزرع، والجذاذ للشجر، فهمت؟ النخل؟ الطالب: جذاذ.
الشيخ: والذُّرَة.
الطالب: حصاد.
الشيخ: نعم.
طالب: بارك الله فيكم، قلنا بأن المالك إذا فسخ قبل ظهور الثمرة فإن للعامل نصيبه من سهم المثل.
الشيخ: لا، ما هو سهم المثل، قسطه من السهم الذي شُرِط له.
الطالب: من السهم الذي شُرِطَ له، الآن وفي المسألة الثانية رَاعَيْنَا حق المالك؛ لأنه لا يمكن له أن يفسخ إن تضرر المالك.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: بهذه الصورة الأولى قد يتضرر العامل أيضًا بفوات موسم؛ لأنه إن فسخ المالك قد لا يجد العامل مَن يساقيه.
الشيخ: هذه ربما نحملها على ما ذكرنا؛ أنه إذا لم يكن عذر للمالك يُضَمَّن.
طالب: بارك الله فيكم، إذا فسخ العامل المساقاة لعذر ولم يكن على المالك ضرر، فهل له أن يأخذ أجرة المثل أو ثمن المثل؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، الحين في المكاين بالعُرْف أنها على مالك من المزرعة المكاين التي تطلّع الماء من البئر.
الشيخ: على صاحب المزرعة؟ الطالب: على صاحب المزرعة، على العامل ولَّا المزارع؟ الشيخ: على المزارع.
الطالب: على صاحب المزرعة.
الشيخ: إي نعم، على المزارع.
الطالب: على العامل.
الشيخ: إي نعم، على العامل.
الطالب: إي، جزاك الله خيرًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1795

طالب: عفا الله عنك يا شيخ، قلنا بأن الجذاذ يُتْبَع في ذلك العُرْف، هل يكون على رب المال أم يكون .. ؟ الشيخ: المذهب أنه عليهما بقدر حصتيهما.
طالب: لكن يا شيخ هنا في الحاشية -أثابكم الله- يقول في الجذاذ: جزم به في الوجيز وغيره، ونصره الموفق وغيره، ما شرح ليش، لأنه ما ذكر شيئًا بالنسبة للجذاذ.
الشيخ: يمكن ها الحاشية على غيرها الروض، ما قبله شيء ولا بعده شيء؟ الطالب: (وإصلاح طرق وحصاد ونحوه) هذا يكون كله على العامل، الحاشي يقول: كجذاذ، جزم به في الوجيز وغيره، ونصره الموفق وغيره.
الشيخ: أحسنت، يعني الموفق ومن تابعه نصروا أن الجذاذ على العامل في الحصاد، المذهب عليهما بقدر حصتيهما، والصحيح أنه يُتْبَع في ذلك العرف.
طالب: العقد الجائز والعقد اللازم والفرق بينهما؟ الشيخ: العقد الجائز هو الذي يجوز لكل واحد من المتعاقِدَيْنِ فسخه، واللازم هو الذي لا يجوز فسخه، البيع عقد لازم، الإجارة عقد لازم، الرهن عقد لازم من الراهن، جائز من المرتهن.
طالب: حكم المغارَسة.
الشيخ: ما ذكرها المؤلف.
الطالب: ( ... ). الشيخ: أقول: ما ذكرها المؤلف.
الطالب: ولكن ( ... ). طالب آخر: إذا كان العامل لا يستطيع أن يقوم بالعمل لوحده، واستأجر أجرة هل يدفع الأجرة هو أو يدفع عنه؟ الشيخ: لا، يدفع هو، إذا استأجر للعمل الذي يلزمه فالأجرة عليه.
طالب: لماذا لا يقال مثلًا: إذا عجز العامل عن إتمام العمل بعد بلوغ الثمرة لعُذْر أن يُلْزَم بإقامة غيره حتى لا يتضرر المالك؛ لأن في هذا الوقت غالبًا يتضرر.
الشيخ: نعم؛ لأنه عقد جائز فلا يُلْزَم لعُذْرِه.
طالب: بارك الله فيكم، قلنا: إذا فسخ المالك قبل ظهور الثمرة إحنا رَجَّحْنَا أن للعامل القسط، كم يُحْسَب هذا القسط؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1796

الشيخ: بقدر العمل، إن كان مثلًا الآن مضى شهران من ثمانية أشهر، هل الشهران من ثمانية أشهر تقابل البقية؟ قد يكون مثلًا عمله في آخر المدة أشد وأشق، فنقول: لا تقابل الرُّبع، يعطى أقل من الرُّبع، وقد يقال: إن في أول الأمر أشد من آخر الأمر، فيضاف إليه زيادة، وإذا كان تساوَى هذا وهذا يُعْطَى الرُّبع.
طالب: ما يكون مثل العامل ( ... ). الشيخ: إي، لكن بارك الله فيك، لكن قد يكون هذا العامل أخذه بشيء قليل؛ لأنه في ذلك الوقت متعطِّل، وأخذه بسهم ضعيف، ولو جعلنا له أَجْر المثل لكان يمكن النصف وهو أخذه بالربع، ما فهمت، فهمت ولَّا لا؟ الطالب: هو ليس ذكرناه.
الشيخ: قدَّرنا أن العامل أخذه بالربع، على أن له الربع، ولرب الشجر ثلاثة أرباع، لكن لو حسبنا أجرة المثل لكانت تستوعب النصف أو أكثر، ولَّا لا؟ مع أن العامل راضٍ بالدون، وقد يكون العكس.
الطالب: نقول: له أجرة المثل، فلو قلنا مثلًا: في أول العقد ما فيه عمل كثير، فيعطي مثلًا قليلًا، لكن لو .. الشيخ: ما يخالف، هي لا شك تختلف، حتى أجرة المثل تختلف فيما إذا اشتد الحر واحتاج المكان إلى سقي كثير وعمل كثير، ما هي مثل الأول، لكن مع ذلك الأقرب للعدل أن يقال: هذا الرجل رَضِيَ بهذا السهم المعين من إلى، فإذا فسخ في الأثناء يعطى القسط، هذا أقرب للعدل.


باب المزارعة

طالب: قال رحمه الله تعالى: فصل.
وتصح المزارعة بجزء معلوم النسبة مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل، والباقي للآخر، ولا يُشْتَرَط كون البذر والغِرَاس من رب الأرض، وعليه عمل الناس.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا بيان ما يلزم العامل وصاحب الأرض من المؤونة والنفقة في باب المساقاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1797

ثم قال: (باب المزارعة)، والمزارعة هي أن يدفع أرضًا لمن يزرعها بشيء من إنتاجه، والفرق بينها وبين المساقاة؛ المساقاة على الشجر، والمزارعة على الزرع، والفرق بين الشجر والزرع ظاهر، ما له ثمر وساق وأغصان هذا يسمى شجرًا، وما ليس كذلك فإنه يسمَّى زرعًا.
مثال الزرع: قمح، وغيره؟ طالب: والذرة.
الشيخ: ذرة.
الطالب: شعير.
الشيخ: أرز، فول.
طالب: حمص.
الشيخ: حمص، وهكذا، كثير هذا زرع، يعطي الإنسان أرضه لمن يزرعها بجزء معلوم -كما سيأتي إن شاء الله- وإباحتها من حكمة الشرع وتيسير الإسلام.
(باب المزارعة) (فصلٌ) وتَصِحُّ الْمُزارَعَةُ بجُزْءٍ معلومِ النسبةِ مِمَّا يَخْرُجُ من الأرضِ لرَبِّها، أو للعاملِ , والباقي للآخَرِ، ولا يُشْتَرَطُ كونُ البَذْرِ والغِراسِ من ربِّ الأرضِ، وعليه عَمَلُ الناسِ.
(باب الإجارة) تَصِحُّ بثلاثةِ شُروطٍ: مَعرفةُ الْمَنفعةِ كسُكْنَى دارٍ وخِدمةِ آدَمِيٍّ وتعليمِ عِلْمٍ.
الثاني: مَعرِفةُ الأُجرةِ وتَصِحُّ في الأَجِيرِ والظِّئْرِ بطعامِهما وكِسْوَتِهما، وإن دَخَلَ حَمَّامًا أو سفينةً أو أَعْطَى ثوبَه قَصَّارًا أو خَيَّاطًا بلا عَقْدٍ صَحَّ بأُجرةِ العادةِ.
الثالثُ: الإباحةُ في العينِ , فلا تَصِحُّ على نَفْعٍ مُحَرَّمٍ , كالزنا والزَّمْرِ والغناءِ , وجَعْلِ دارِه كنيسةً أو لبَيعِ الخمرِ، وتَصِحُّ إجارةُ حائطٍ لوَضعِ أطرافِ خَشبِهِ عليه، ولا تُؤَجِّرُ المرأةُ نفسَها بغيرِ إذنِ زَوْجِها.
طالب: فصل وتصح المزارعة بجزء معلوم النسبة مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل والباقي للآخر، ولا يُشْتَرط كون البذر والغراس من رب الأرض، وعليه عمل الناس.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا بيان ما يلزم العامل وصاحب الأرض من المؤونة والنفقة في باب المساقاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1798

ثم قال: (باب المزارعة) والمزارعة هي أن يدفع أرضًا لمن يزرعها بشيء من إنتاجها.
والفرق بينها وبين المساقاة: المساقاة على الشجر، والمزارعة على الزرع، والفرق بين الشجر والزرع ظاهر؛ ما له ثمر وساق وأغصان هذا يسمى شجرًا، وما ليس كذلك فإنه يسمى زرعًا.
مثال الزرع: قمح، وغير؟ طالب: ذرة.
الشيخ: ذرة، شعير، أرز، فول، حمص، وهكذا، كثير.
هذا زرع، يعطي الإنسان أرضه لمن يزرعها بجزء معلوم، كما سيأتي إن شاء الله.
وإباحتها من حكمة الشرع وتيسير الإسلام؛ قد يكون عند الإنسان أرض بيضاء لا يستطيع زرعها، وفي مقابل ذلك عمال ليس لهم ما يكتسبون، فيأخذون هذه الأرض ويزرعونها، فيكون في ذلك مصلحة لمن؟ مصلحة لصاحب الأرض وللعامل، وهذه لا شك أنها من محاسن الإسلام.
يقول: (تصح المزارعة بجزء معلوم) واعلم أن كل صحيح جائز؛ يعني إذا قيل: يصح فالمعنى أنها جائزة؛ لأن الصحة فرع عن الجواز؛ ، أي: عن الجواز الحكم الشرعي لا الوضعي.
وهل كل محرم غير صحيح؟ طالب: نعم.
الشيخ: لا، يُنْظَر؛ إذا عاد التحريم إلى ذات الشيء فهو غير صحيح، وإن عاد إلى أمر خارج فهو صحيح، فتلقي الركبان -مثلًا- محرم، والشراء من الركبان حرام، لكن البيع صحيح؛ لأنه لا يعود إلى جهالة المبيع ولا إلى الربا، وإنما يعود إلى خوف تغرير البائع الذي لم يقدم البلد ولم يدر عن الأسعار؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (1). (تصح المزارعة) والمزارعة: دفع أرض لمن يزرعها ويقوم على زرعها بجزء من الزرع، لكن المؤلف اشترط قال: (بجزء معلوم)، فقولنا: (بجزء) خرج به ما لو دفع الأرض لمن يزرعها مجانًا، فهذه لا تسمى مزارعة؛ لأن الزرع كله للعامل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1799

مثال ذلك: رجل عنده أرض، وله صديق عاطل فقال له: يا فلان، خذ أرضي الفلانية وازرعها واسترزق الله بها، بدون أي سهم لصاحب الأرض، هذه لا تسمى مزارعة، وإنما هي منحة منحها صاحب الأرض لمن يعمل بها.
وقوله: (بجزء معلوم) خرج به المجهول، فلو قال: خذ هذه الأرض مزارعة ببعض الزرع فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأن البعض مجهول، ما ندري كم؟ نصف، ربع، ثلث، أكثر، لا بد أن يحدد.
وأيضًا العلم؛ يكون معلوم النسبة؛ يعني أن علمه نسبي وليس بالتعيين، النسبة أن يقول؟ طلبة: ربع، ثلث.
الشيخ: ربع، ثلث، عشر، وما أشبه ذلك، احترازًا من المعلوم بالتعيين، المعلوم بالتعيين لا تصح معه المزارعة؛ مثل أن يقول: لك الجانب الشرقي من الأرض ولي الجانب الغربي، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه قد يسلم هذا ويهلك هذا، أو بالعكس، والقاعدة في المشاركة أن يتساوى الشريكان في أيش؟ طلبة: في المغنم والمغرم.
الشيخ: في المغنم والمغرم، لو قال: لك الزرع هذا العام ولي الزرع العام القادم؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح أيضًا؛ لتعيين الزمن لأحدهما دون الآخر، والمثال الذي قبله تعيين المكان لأحدهما دون الآخر.
قال: لك ما تزرعه من شعير ولي ما تزرعه من بر؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنهما لم يشتركا في النوع.
لو قال: إن زرعتها شعيرًا فلك النصف، وإن زرعتها برًّا فلك الربع؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، نعم؛ لأن الآن ما فيه إشكال، إن زرعها برًّا له سهم معلوم؛ الربع، إن زرعها شعيرًا فله سهم معلوم؛ وهو النصف.
ما فيه إشكال هذا.
قال: (مما يخرج من الأرض) مما يخرج من الأرض من الزرع، فإن أعطاه إياها بجزء أو بشيء معلوم مما لا يخرج من الأرض فليست مزارعة، بل هي إجارة؛ مثل أن يقول: خذ هذه الأرض ازرعها بمئة صاع من البر، يصح؟ طلبة: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1800

الشيخ: يصح، لكن يكون إجارة؛ لأنني لم أقل: بمئة صاع مما يخرج منها، بل بمئة صاع من البر، فالعوض الآن ثابت في الذمة ليس ناتجًا من عمل هذا المزارع، ثابت بذمته حتى لو إن لم يزرعها يلزمه مئة صاع، وهذه تسمى أيش؟ طالب: إجارة.
الشيخ: تسمى إجارة، وهي عقد لازم كما سيأتي.
المهم قوله: (مما يخرج من الأرض) خرج به ما لو أعطاه إياها بشيء معلوم من غير الخارج، فهذه تسمى إجارة.
يقول: (لربها أو للعامل) يعني: الجزء معين؛ تارة يعين لربها، وتارة يعين للعامل.
فإذا قال: خذ الأرض ازرعها ولك الربع، فهنا عَيَّن لمن؟ طالب: للعامل.
الشيخ: للعامل.
خذ ازرعها ولي الربع؟ لرب الأرض، إذا عين لأحدهما السهم فيقول المؤلف: (الباقي للآخر).
قال: (ولا يُشْتَرط كون البذر والغراس من رب الأرض وعليه عمل الناس) لا يُشْتَرط كون البذر في المزارعة من رب الأرض وعليه عمل الناس.
قد يقول قائل: ليش ينفي الشرط؟ نقول: لدينا قاعدة سبقت وهي أن العلماء -المؤلفين- إذا نفوا شيئًا فهو لدفع قول قيل، وإلا كان سكوته عن اشتراطه يدل على أنه ليس بشرط، لكن إذا نفاه فكأنه يشير إلى قول بإثباته، هذه اعرفوها قاعدة في المؤلفات، إذا قال: لا يشترط بكذا، ماذا نقول؟ طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1801

الشيخ: إشارة إلى قول بخلاف ذلك؛ أي: دفعًا لهذا القول، ووجه ذلك أنه إذا كان غير شرط لا يُشْتَرط أن يقول: لا يُشْتَرط؛ لأن سكوته عن اشتراطه يدل على أنه ليس بشرط، لكن إذا نص عليه فهو إشارة إلى أن هناك خلافًا، والأمر كذلك؛ من العلماء من قال: يُشْتَرط في المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض، فإذا أعطيت شخصًا أرضًا يزرعها فأعطه البذر، إذا كان البذر منه لا يصح، لماذا؟ قالوا: لأن المزارعة صنو المضاربة؛ لأنها دفع أصل لمن يعمل به بجزء من ربحه، والمضاربة: ترك مال لمن يعمل به بجزء من ربحه، فإذا كانت المضاربة لا بد أن يكون المال من المضارب، فكذلك يجب أن يكون البذر من المزارِع لا المزارَع؛ يعني: من رب الأرض لا من العامل.
إذا قال: لماذا نفى المؤلف الاشتراط؟ نقول: إشارة إلى وجود خلاف في ذلك، وأن من العلماء من قال بالاشتراط.
فما حجة من قالوا بالاشتراط؟ نقول: حجتهم أنهم قالوا: المزارعة كالمضاربة، ورأس المال في المضاربة من رب المال، إذن البذر الذي سينمو بعمل العامل لا بد أن يكون من رب الأرض، لكن المؤلف يقول: (ليس بشرط) وهذه الرواية ( ... ). عقد ثالث غير المساقاة والمزارعة يسمى المغارسة ويسمى المناصبة؛ وهي أن يدفع الإنسان الأرض لشخص يغرسها ويعمل على الغرس بجزء من الغرس، ما هو بجزء من الثمرة بجزء من الغرس، والثمرة تتبع الأصل، هذه هي المغارسة.
والفرق بينها وبين المساقاة -يا إخوانا- الفرق: المساقاة بجزء من الثمرة والأصل الشجر لرب الأرض، وهذه بجزء مِن؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: من نفس الأصل؛ من الغرس، وهي جائزة؛ المغارسة جائزة، وإذا تمت كان للعامل نصف الشجر أو ربعه حسب الشرط، والمساقاة إذا تمت كان للعامل؟ طلبة: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1802

الشيخ: نصف الثمرة أو ربعه حسب الشرط.
إذن بينهما فرق؛ المغارسة الجزء المشروط للعامل من الأصل؛ من الشجر نفسه، فهل يُشْتَرط إذا أعطيت شخصًا أرضًا مغارسة أن يكون الفسيل -يعني الفرخ الصغير- أن يكون من رب الأرض، أو يجوز أن يكون من العامل؟ المذهب: لا بد أن يكون من رب الأرض، كالمزارعة تمامًا، لكن ما مشى عليه المؤلف أنه ليس بشرط، فيجوز أن تقول: يا فلان، هذه أرض بيضاء تتحمل ألف نخلة، خذها مغارسة بالنصف، من يشتري الغراس؟ طالب: العامل.
الشيخ: على كلام المؤلف يجوز أن يشتريها العامل، ثم إذا انتهت مدة المغارسة يقسم النخل، على كلام الآخرين يقول: لا بد أن الذي يدفع ثمن الغرس هو رب الأرض، ولكن الصحيح ما مشى عليه المؤلف أنه ليس بشرط، وعلى هذا فتكون المشاركات في الزروع والنخيل والأشجار ثلاثة أنواع: مغارسة، مساقاة، مزارعة، وقد تبين حكم كل واحد منها، والحمد لله.
بقي قول المؤلف: (وعليه عمل الناس) هل عمل الناس حجة أو لا؟ نحن نعرف أن الأدلة أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وعمل الناس ما سمعنا به، ولو كان عمل الناس حجة لكان الناس إذا عملوا أشياء محرمة وطال عليهم الزمن وصاروا لا يرون إلا أنها مباحة نقول: إنها مباحة؛ لأن عمل الناس عليه، ولكن هذا لا يقوله أحد، فيقال: المراد بعمل الناس أي عمل المساقين والمزارعين من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن أصل المسألة هي أيش؟ طالب: ( ... ). الشيخ: معاملة أهل خيبر، هذا الأصل، وبقيت المعاملة هذه في حياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وفي عهد أبي بكر وعمر حتى أجلاهم عمر؛ لأنهم فعلوا ما يقتضي إجلاءهم فأجلاهم، لكن يُسْتَأنس بعمل الناس؛ إذا كان يعيش بينهم علماء أقوياء في الله لو كان الأمر منكرًا لأنكروه، وأما إذا كان لا يعيش بينهم إلا علماء أمة فهؤلاء لا حجة بعملهم.
ولتعلم أن العلماء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: علماء دولة، وعلماء أمة، وعلماء ملة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1803

علماء الدولة: الذين ينظرون ماذا تريد الدولة فيلتمسون له أدلة متشابهة، يتبعون ما تشابه من الأدلة إرضاء للدولة، هؤلاء علماء دولة.
ولهم أمثلة كثيرة في غابر الزمان، وحديثًا ظهرت الاشتراكية في الدول العربية، الاشتراكية وتأميم أموال الناس الخاصة وظلم الناس، فحاول علماء الدولة أن يجدوا دليلًا ليرضوا العامة؛ لأن العامة لا يرضون أن تؤخذ أموالهم ويقال: أمموها، فصاروا يأتون بمتشابهات يعسفون النصوص ويلوون أعناقها من أجل أن توافق رأي الدولة، واستدلوا بآيات على وجه عجب، قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ» (2)، فأثبت المشاركة؛ يعني الاشتراكية، كذا! وقالوا أيضًا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ يُزْرِعْهَا أَخَاهُ» (3)، وأنت عندك الأرض كثيرة؛ فدانات كثيرة ما تستطيع زراعتها، يلَّا خذها منه، أعطها آخر؛ للأمة، وقالوا: إن الله تعالى قال في القرآن: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: 28] ﴿أَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ أي: ما رزقناكم، فأنتم والعبيد فيه سواء، وإذا كان الحر مع العبد سواء فالحر مع الحر من باب أولى، وهلم جرًّا.
هؤلاء نسميهم علماء دولة، ولكنها -والله- لا تغنيهم الدولة شيئًا، سيكونون إن لم يُغْفَر لهم موقف من يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 67، 68].

الجزء: 2 - الصفحة: 1804

علماء الأمة ما لهم دخل بالدولة، لكن ينظرون ما يصلح للأمة؛ للعامة، يقول: العامة مثل الذر إن عارضتهم أكلوني، لكن شوف اللي يصلح جاؤوا إليه وقالوا مثلًا: البنوك هذه مفيدة فائدة ترفع الاقتصاد، ينتفع الفقير، يأخذ أموالًا يعمل بها ويحرث بها، والبنك أيضًا يستفيد من الربا، رخص لنا -جزاك الله خيرًا- دور، يقول للعالم، فقال العالم: دعوني أفكر، فجاؤوا إليه بعدما شاء الله من الزمن، قال: وجدت أن هذا لا بأس به؛ لأن الشرع مبني على تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وهذه مصلحة، كما قلتم: فيه مصلحة لهذا ومصلحة لهذا، ولم يلاحظ الضرر الديني، مثل هؤلاء نسميهم علماء؟ طلبة: أمة.
الشيخ: علماء أمة؛ يعني: ينظرون ماذا تريد الأمة يمشون به.
علماء الملة هم الذين لا يريدون إلا أن يكون دين الله هو الأعلى وكلمته هي العليا، ولا يبالون بدولة ولا بعوام، هؤلاء إذا وُجِدُوا في الأرض وشاعت معاملة بين الناس ولم ينكروها حينئذٍ نقول: إن عمل الناس في ظل هؤلاء العلماء يعتبر حجة، وإن كان ليس كحجة النصوص، لكنه يطمئن الإنسان أن يوجد علماء ربانيون لا ينكرون، هذا مما يستأنس به الإنسان ويقول: إن العمل مع وجود هؤلاء العلماء يعتبر عاضدًا لما أذهب إليه.
ودائمًا تجدون كلمة: عليه العمل، تجدونها دائمًا تمرُّ علي في كتاب الإنصاف للمرداوي رحمه الله، وكذلك في التنقيح في الجمع بين المقنع -وأيش؟ نسيت الثاني- على كل حال تجدونها كثيرًا في كلام المرداوي رحمه الله: وعليه العمل، وعليه العمل، وعليه العمل؛ يعني: بين العلماء.


باب الإجارة

ننتقل الآن إلى باب الإجارة.
(باب الإجارة)

الإجارة هي عقد على منفعة معلومة أو على عمل معلوم؛ إما منفعة معلومة أو عمل معلوم.
فالمستأجر الدار عقد على أيش؟ طالب: منفعة معلومة.
الشيخ: مستأجر الدار؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: على منفعة معلومة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1805

ومستأجر العامل؛ البنَّاء؟ على عمل معلوم؛ ولهذا لا يملك الذي يستأجر العامل، لا يملك أن يؤجره لشخص آخر؛ لأنه لم يملك إلا المنفعة فقط ما ملك الرجل.
فالإجارة تكون على عمل وتكون على منفعة في عين، وتجويزها من محاسن الشريعة؛ وذلك لأن الإنسان قد يضطر إلى سكنى بيت وليس معه ما يستطيع أن يملك به البيت، فماذا يصنع؟ ليس له طريق إلا الاستئجار.
كذلك أيضًا صاحب البيت قد يكون ممسكًا ببيته ويريد الانتفاع به ولا يتعطل، ليس له سبيل إلى ذلك إلا بأيش؟ طالب: بالإجارة.
الشيخ: إلا بالتأجير، فلما كانت المصلحة للمستأجر والمؤجر واضحة ولا ظلم فيها ولا ربًا كان من محاسن الشريعة المطهرة أن تباح.
يقول: (تصح بثلاثة شروط) الأول: (معرفة المنفعة) يعني: بأن تكون المنفعة معلومة؛ إما بالتحديد القولي وإما بالتحديد العرفي.
القولي؛ يعني يقول: أريد كذا وكذا وكذا ويعين.
والعرفي يقول: (كسكنى دار) استأجرت منك هذا البيت لسكناه وكان المستأجر يبيع الحُمُر، تعرفون الحُمُر؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: جمع أيش؟ الطلبة: جمع (حمار).
الشيخ: جمع (حمار)، فجعل هذا البيت مربطًا للحمير، فإذا جاء صاحب البيت، لماذا؟ قال: لأني مستأجر البيت، أنا مالك المنفعة الآن، نقول: هذا لا يجوز؛ لأن سكنى الدار معناها أن يسكنها أيش؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: آدميون، ما هم حمير.
(سكنى الدار) لو أراد المستأجر أن يتصرف في الدار -مثلًا- قال: هذه حجرة ضيقة، أبغي أنزل الجدار الذي بينها وبين الحجرة الأخرى لتكون حجرة واسعة، يملك هذا أو لا؟ طلبة: لا يملك.
الشيخ: لا يملك؛ لأنه إنما يملك السكنى، وليس من العادة أن الساكن يتصرف في عين المستأجر إلا بإذن المالك.
(خدمة آدمي) استأجر آدمي يخدمه، فصار يستخدمه في العادة، يا فلان هات الفطور، هات علف للبهيمة، اذهب بالأهل إلى السوق، إلى المدرسة، وما أشبه ذلك، يصح أو لا يصح؟ طالب: يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1806

الشيخ: هذا يصح، قال له يومًا من الأيام: اركع لأركب عليك توديني للسوق، يصلح؟ الطلبة: لا يصلح.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: غير العادة.
الشيخ: هذه غير معروفة، قال: أنا مالك لمنفعتك، قال: هذه غير معروفة، كذلك يوجد أناس يستأجرون خدمًا؛ يستأجرونه ليكون في البيت يقضي الحوائج ويسوق السيارة، وما أشبه ذلك، ثم يستخدمه في رعي الإبل، يجوز أو لا؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إلا إذا استأجره لذلك.
لو أراد أن يحوله من أثقل إلى أخف؟ طالب: يجوز.
الشيخ: لا يجوز إلا بإذنه؛ لأنه حرٌّ ليس عبدًا، هو حر استؤجر لعمل معين، ما يتجاوز هذا العمل المعين إلا إذا رغب، وفي ظني أنه إذا حُوِّل من أشد إلى أخف أنه سيرضى بلا شك، لو حُوِّل من كونه يرعى الإبل في قفار الأرض وصحرائها وغير ذلك أو أن يكون في البيت في ظل ظليل يأكل مع الناس ويشرب مع الناس، أيهما أحسن؟ طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، يختار هذا، لكن الكلام على أن الخدمة إذا لم يكن لها عرف معين وكان هو استخدمه لعمل معين فإنه لا ينقله إلى غيره إلا بإذنه.
هل يملك إذا استأجره ليخدمه أن يؤجره آخر لخدمته؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأنه غير مالك له، إنما ملك منفعته لنفسه -أي نفس المستأجر- ولا يمكن أن يحولها إلى آخر إلا إذا رضي، إذا رضي لا بأس، وعلى هذا يتنزل ما يفعله بعض الناس الآن يأتون بالخدم من الخارج متفقين معهم على عمل معين، ثم يستأجره إنسان آخر من الرجل الذي أتى به نقول هنا: إن وافق الأجير فلا بأس، أنا كله واحد أنا باعمل عندك أو عند غيرك فلا بأس، الفرق بين الأجرتين لمن؛ هل هو للعامل ولَّا لمستأجر العامل؟ طلبة: للعامل.
الشيخ: إذا رضي فهي للمستأجر العامل، مثلًا: جاء به راتبه ثلاث مئة ريال في الشهر؛ يعني: كل يوم عشرة ريالات، أجَّره بإذنه بخمسة عشر ريالًا في اليوم، الخمسة الزائدة لمن؟ طالب: للعامل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1807

الشيخ: للعامل؟ لا، للذي استأجره؛ لأنه رضي أن يعمل عند شخص آخر، وهو مالك لمنفعته، ورضي أن يحول منفعته من عنده إلى رجل آخر، أما إذا أبى وقال: أبدًا، أنا لا أعمل عند غيرك إلا إذا أعطيتني الفرق بين أجرتك وأجرة الآخر، فهو حرٌّ يملك هذا.
طالب: قلنا في المساقاة: إن العامل لو فسخ قبل ظهور الثمرة فلا شيء له، وقلنا: إنه لو فسخ بعد ظهور الثمرة فلا شيء له أيضًا، في الحالة الأولى قلنا: إذا فسخ -على الصحيح في الحالة الأولى- قبل ظهور الثمرة إذا ترتب عليه ضرر للمالك فإنه يضمن .. الشيخ: إلا لعذر.
الطالب: إلا لعذر، لماذا لم نجعل له الأجرة أو سهم المثل في حال بعد ظهور الثمرة؛ لأن هو -أصلًا- متعاقد على الثمرة، فالثمرة الحين خرجت؟ الشيخ: لكن هو الذي رضي أن يسقطها.
الطالب: لو عنده عذر؛ كأن يكون عنده عامل وهرب أو مات في الحالة دي .. الشيخ: نقول: يستأجر، ممكن يستأجر عاملًا بدل الأول ويكمل عمله.
طالب: في تعريف الإجارة اشترط بعضهم زيادة كلمة: مباحة، لمنفعة مباحة يا شيخ، هل هذا الضابط مهم؟ الشيخ: نعم، ما فيه شك، مهم، وسيأتينا -إن شاء الله- المنافع المحرمة لا يجوز العقد عليها؛ لأن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه.
طالب: بالنسبة للمغارسة -يا شيخ- قلنا: الذي يصح أن يشرف على الأرض ( ... )؟ الشيخ: ما هو بالذي يشرف.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: ( ... ) كل يرجع على ملكه.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: لا ما يُقَال: أقلع، حتى وما هم براضيين يقلعون، إلا إذا كان يمكن غرسه في مكان آخر؛ يعني لو فُرِضَ، بعض العلماء يقول في المغارسة: يلزم العامل بدوام العمل إلى أن ( ... ) الشجر، وهذا لا شك أن فيه صعوبة، لكن نقول: إذا فسخ يقدر الثمن -ثمن النخل- مثلًا إذا كان له النصف قدَّرنا ثمن النخل عشرة آلاف نعطيه خمسة آلاف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1808

طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة للمزارعة يا شيخ، إذا -مثلًا- عقد مع شخص لمزارعة -مثلًا- خمس سنوات، فإذا أراد أن يفسخ المالك الأرض لم يخرج العامل إلا أن يقول له: أعطني خلو قدر القيمة هذه قدر ما يخرج من عمله؟ الشيخ: لا بأس.
الطالب: وليس على ما اتفقا عليه يا شيخ؟ الشيخ: ما فيه بأس، ما دام انهم اتفقوا على مدة معينة فالصحيح أنها تلزم إلى المدة.
وإذا لزمت المدة وقال: ما أنا أخرج حتى تتم مدتي، فقال: اخرج، أنا بأعطيك -مثلًا- عن خروجك كذا وكذا درهمًا ما فيه مانع؛ لأنه فسخ العقد.
طالب: رضي الله عنك يا شيخ، لعل العلماء الذين يقولون: عليه العمل، يقولون: عليه عمل الناس، لعلهم يريدون العرف الذي لا يخالف الشرع يا شيخ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هذا له وجه يا شيخ؟ الشيخ: إي، لكن الآخرون يقولون: هذا عرف يخالف الشرع.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، هم يقولون: هذا يخالف الشرع ولا يجوز، والآخرون يقولون: لا يخالف الشرع فيجوز.
وأنا قصدي هل عمل الناس حجة أو لا؟ فصلنا في ذلك.
طالب: أحسن الله إليك، تبين أن الأرض المزارع عليها مطلوبة مدينة لشخص آخر، على من يدخل النقص؟ الشيخ: أنها مملوكة لشخص آخر؟ الطالب: ( ... ) مثلًا للزراعة؛ لوزارة الزراعة، على من يدخل النقص؟ الشيخ: على رب الأرض.
طالب: بارك الله فيك، بالنسبة للمساقاة قلنا: إنها عقد جائز، يا شيخ بالنسبة لوجود قد يحدث ضرر؟ الشيخ: وعلى كل حال سمعت: عقد جائز، وسمعت: إذا فسخ قبل ظهور الثمرة أو بعد نبات الزرع، لكن القول الراجح -نسيت أقول لكم-: إن القول الراجح من المساقاة والمزارعة أنها عقد لازم ولا يجوز فسخه إلا لعذر.
وإذا كان عذر يصطلحان فيما بينهما.
طالب: بالنسبة للأرض البيضاء، بعض الناس ( ... ) تتكون من مغارسة ( ... ) واحفر بئرًا وازرع نخلًا ولك نصف الأرض، هذه تعتبر مغارسة؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: يعطيه أرض بيضاء.
الشيخ: ملك له؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1809

الطالب: ملك له، يقول: احفر فيها بئرًا واغرس نخلًا وأحيي الأرض، ولك -مثلًا- نصف الأرض، هذه أيش تسمى؟ تسمى مغارسة؟ الشيخ: مغارسة، ما دام أنه شيء من الأصل فهي مغارسة، من الثمرة فهي مساقاة.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: لا، ما يمكن، ما دامت الشركة باقية لا يمكن، أما إذا اقتسما فلا بأس.
طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- كثير من الأحيان يرضى العامل بالانتقال من عمل أدنى إلى أعلى لحاجته إلى هذا العمل أو لأنه مضطر له؛ أي أنه ليست العودة إلى بلده أو أن بلده بحال فقر مدقع يعني .. ؟ الشيخ: هذا مكره، ولا يجوز للذي استقدمه، لا يجوز له، لكن بالنسبة للعامل الحق عليه في هذا، الضرر عليه، فإذا رضي بالضرر ولا يرد إلى بلده فالآثم الذي استقدمه ( ... ). ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل تصح المساقاة على شجر له ثمر لا يؤكل؟ طالب: على المذهب: لا.
الشيخ: على المذهب: لا.
طالب: ( ... ). الشيخ: هو له ثمر لكن لا يؤكل ( ... ). طالب: إن كان ينتفع به يصح.
الشيخ: يصح؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: فلا يصح، هذا هو الصحيح.
هل تصح المساقاة على شجر الزيتون؟ طالب: تصح.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن له ثمر .. الشيخ: لأن له ثمرة؟ الطالب: يؤكل.
الشيخ: يؤكل.
هل المساقاة عقد لازم أو جائز؟ طالب: لازم.
الشيخ: لازم؟ ! أتعرف الفرق بين اللازم والجائز؟ الطالب: يعني: اللازم الذي لا يجوز لأحد الطرفين أن يفسخه.
الشيخ: لا يجوز لأحد الطرفين فسخه، هذا اللازم.
والجائز؟ الطالب: يجوز فسخه.
الشيخ: هنا المساقاة هل هي لازم أو جائز؟ الطالب: لازم.
الشيخ: معناه أنك ما حفظت المتن الآن، لازم تحفظ المتن، ( ... ) ما فيه علم إلا بالحفظ أبدًا.
طالب: ( ... ). الشيخ: عقد جائز.
إذا فسخ العامل قبل ظهور الثمرة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: فليس له شيء؛ لأنه هو الذي رضي بسقوط حقه.
إذا فسخ المالك قبل ظهور الثمرة؟ طالب: فللعامل الأجرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1810

الشيخ: فللعامل الأجرة، إي نعم، يعني معناها أن -مثلًا- قد نقول: فسخت، العامل كم اشتغل عندك؟ قال مثلًا: ثلاثة أشهر؛ كل شهر بألف ريال، يلزمه كم؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: ثلاثة آلاف.
هل هناك قول ثانٍ في المسألة؟ طالب: له سهم المثل، وهو الصحيح.
الشيخ: له سهم المثل بقسطه، لماذا قلت: إنه الصحيح؟ الطالب: لأن الشراكة مبناها على الغنم والغرم على كلا الشريكين.
الشيخ: خطأ.
طالب: قلنا: إنه الصحيح؛ لأنا لو أعطيناه سهم الأجرة قد يأخذ ما لا يستحق، فتكون الأجرة ( ... ). الشيخ: لكن هو الآن هو عامل على أنه أجير أو عامل على أنه مشارك؟ الطالب: على أنه مشارك.
الشيخ: على أنه مشارك، وإذا كان كذلك فله سهم المثل، هذا هو الصحيح.
ما معنى قول المؤلف: (زِبَار) (من حرث وسقي وزِبَار)؟ طالب: الأغصان.
الشيخ: الأغصان الرديئة؛ يعني اللي ما فيها خير، يسمى هذا زبارًا.
التشميس أيش معناه؟ طالب: جعل الثمر في الشمس حتى يجف.
الشيخ: جعل الثمر في الشمس يجف.
لو شرط أحدهما على الآخر ما كان عليه أيصح أو لا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: يصح، يعني مثلًا لو أن رب المال قال للعامل: عليك إجراء الأنهار؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: هو على المالك لا شك، على مالك الأرض، لكنه لو شرطه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: بشرط أن يكون معلومًا، أن يكون ( ... ) معلومًا.
المزارعة يقول المؤلف: إنه لا يُشْتَرط فيها كون البذر من رب الأرض، لماذا قال: لا يُشْتَرط مع أنه لو سكت لعرفنا أنه ليس بشرط؟ طالب: لأن بعض العلماء يقولون: إنه شرط.
الشيخ: أحسنت، فيه بعض العلماء يقول: إنه شرط، فأراد أن ينفي هذا القول، فقال: إنه لا يُشْتَرط.
ما هو الدليل على أنه لا يُشْتَرط أن يكون البذر من رب الأرض؟ طالب: الدليل معاملة أهل خيبر؛ الرسول صلى الله عليه وسلم عاملهم على .. الشيخ: النبي صلى الله عليه وسلم، لا تمشِ وتقول بسرعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1811

الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على نصف الثمرة (4) .. الشيخ: والزرع.
الطالب: نصف الثمرة والزرع ولم ( ... ). الشيخ: أحسنت، وعمل في ذلك الخلفاء، وما زال الناس يعملون.
يقول المؤلف رحمه الله: (الإجارة تصح بثلاثة شروط) ذكرنا أن الإجارة إجازتها من محاسن الشريعة.
طالب: ( ... ). الشيخ: لأنه -مثلًا- لا يريد أن يبيع بيته، فيستنفع منه بالأجرة، فهي مصلحة للطرفين، وذكرنا أيضًا أن لها شروطًا، الشرط الأول؟ طالب: أن تكون منفعة معلومة.
الشيخ: نعم، أن تكون منفعة معلومة.
وبماذا تعلم؟ الطالب: تعلم إما بالعرف أو بالشرع.
الشيخ: نعم، إما بالعرف أو بالشرع، أحسنت.
هل تجوز الإجارة على تعليم العلم؟ طالب: ما أخذناها.
الشيخ: ما أخذناها.


بسم الله الرحمن الرحيم، إذن نقول: تصح الإجارة بثلاثة شروط (معرفة المنفعة كسكنى دار) إلى آخره، وليعلم أنه يمر بنا كثيرًا الشروط والأركان والواجبات، وقد يسأل بعض الناس: من أين أتاكم هذه الشروط؟ من أين أتاكم هذه الواجبات؟ من أين أتاكم هذه الأركان؟ فالجواب على هذا أن نقول: إن العلماء رحمهم الله تتبعوا النصوص ووجدوا أنه لا يمكن أن يثبت هذا الشيء إلا بشروط، أو لا يمكن أن يصح إلا بشروط، وهذا من تيسير الله عز وجل علمَ الشريعة أن تُحْصَر العلوم وتُحَدَّد وتكون واضحة، وهي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، وذكرنا أن لهذا أصلًا في الشريعة؛ وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا يحصر الأشياء: ثلاثة، سبعة، اثنان، وما أشبه ذلك، مما يدل على أن حصر الأمور مما جاءت به السنة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1812

الأول: معرفة المنفعة؛ أي: أن تكون المنفعة معلومة للطرفين؛ المؤجر والمستأجر، وضد ذلك المجهولة، فما هو الدليل على هذا الشرط؟ الدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر (5). والإجارة بيع، لكنه بيع للمنافع، فلا بد من معرفة المنفعة؛ إما بالعرف وإما بالشرع؛ ولهذا قال: (كسكنى دار وخدمة آدمي وتعليم علم).
أما سكنى الدار وخدمة الآدمي فقد سبق الكلام عليها.
وأما تعليم العلم بأن يستأجر شخصًا يعلمه بابًا من أبواب العلم؛ استأجر شخصًا يعلمه باب الطهارة، استأجر شخصًا يعلمه باب الإجارة، يجوز، لكن لا بد أن يحدد ما هو العلم؟ فإن قال قائل: علم المنفعة هنا قد يكون متعذرًا؛ لأنك لا تدري متى يتعلم هذا الرجل؛ من الناس من يكون سريع الفهم سريع الحفظ بطيء النسيان، هذا يتعلم بسرعة، ومن الناس من هو على عكس ذلك، تُعلِّمه عدة مرات وتبين له وتشرح له وعلى السبورة وفي كل مكان أو في كل مكان يمكن أن يفهم منه، ومع ذلك لا يفهم، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى.
الشيخ: إذن كيف تصح الإجارة على تعليم العلم؟ نقول: هذا مما يُتَسامح فيه، ويحمل على الوسط من الناس، لا على سريع الفهم والحفظ وعدم النسيان، ولا على البطيء، يحمل على العادي.
وقوله: (تعليم علم) لا تظنوا أنه على إطلاقه؛ لأنه سيأتينا أن العلوم المحرمة لا يجوز تعليمها ولا الاستئجار لتعلمها.
كذلك أيضًا ليس على إطلاقه؛ لأن من أفضل العلوم القرآن، وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه لا يصح الاستئجار لتعليم القرآن؛ لأن تعليم القرآن عبادة كما جاء في الحديث: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (6)، ولا يجوز أخذ الأجرة على العبادة، وعلى هذا فيجب أن نعرف أن نقيد العلم هنا بأيش؟ بما ليس بمحرم، وقيد آخر: ألَّا يكون تعليم القرآن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1813

أما الأول فنعم، يُشْتَرط في العلم ألَّا يكون محرمًا، فلو استأجره لأن يعلمه علمًا محرمًا -كعلم النجوم مثلًا، وأقصد بذلك علم التأثير لا علم التسيير- فهنا الأجرة حرام.
ولو استأجره ليعلمه القرآن فهو أيضًا حرام على المذهب، والراجح أنه ليس بحرام، وأنه يجوز أن يستأجر الإنسان لتعليم القرآن، ويدل لذلك أمران: الأمر الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إِنَّ خَيْرَ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا -أَوْ أَحَقَّ- مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (7)، وهذا صريح.
ثانيًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أجاز أخذ الجعل على الرقية في حديث اللديغ (8). والثالث أيضًا من الأدلة: أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج المرأة رجلًا ليس عنده صداق بما معه من القرآن ليعلمها (9)، فجعله عوضًا.
وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح أنه يجوز استئجار الإنسان لتعليم القرآن.
فإذا قال قائل: كيف تجيزونه وهو قربى؟ قلنا: نعم، نجيزه وهو قربى؛ لأن إجازتنا إياه من أجل انتفاع المستأجر؛ من أجل انتفاعه؛ ولهذا لو أننا استأجرنا شخصًا ليقرأ القرآن فقط لكانت الإجارة حرامًا لا تصح.
أما التعليم بيتعب المعلم ويلقن هذا الجاهل حتى يعرف، وسيعيد عليه ما حفظ من القرآن بالتعاهد، ففيه عمل؛ عمل مباح لشخص آخر.
إذن القول الراجح أنه تجوز الأجرة على تعليم القرآن، وذكرنا لكم ثلاثة أدلة؛ منها دليل لفظي ودليل عملي.
الثاني: معرفة الأجرة؛ يعني: أن تكون الأجرة معلومة، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع الغرر (5)، والإجارة نوع من البيع، والأجرة إذا لم تكن معلومة كانت غررًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1814

فلو قال: استأجرت منك هذا البيت ببعض ما في يدي من الدراهم فالإجارة غير صحيحة؛ لأن ما في يده من الدراهم مجهول، وبعضه أيضًا مجهول، حتى لو كان الذي في يده من الدراهم معلومًا؛ بأن كان معه عشرة آلاف ريال وقال: ببعض ما في يدي من الدراهم فإن الأجرة لا تصح.
ولو قال: استأجرت منك هذا البيت بما تلده هذه الفرس، أيضًا لا يصح، لماذا؟ لأن الأجرة غير معلومة فلا بد أن تكون معلومة.
قال: (وتصح في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما) تصح الإجارة في الأجير بطعامه وكسوته؛ بأن تستأجر شخصًا يخدم عندك أو يعمل بأكله وشربه وكسوته ومنزله، وهذا جائز، وعلم الأجرة هنا بماذا؟ للعرف، فيُحْمَل على العرف، وهو أدنى ما يكون لهذا العامل.
فلو قال -مثلًا- العامل: أنا استأجرت بالطعام، وأنا أريد الطعام طعام الملوك، أعلى ما يكون الطعام، يجاب ولَّا لا؟ طالب: لا يُجَاب.
الشيخ: لا يُجَاب، وإنما يُعْطَى طعام مثله.
الظئر هي المرضعة، يجوز أن تستأجرها بطعامها وكسوتها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وأطلق، وقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، فيجوز أن تستأجر امرأة لإرضاع الولد بطعامها وكسوتها، ودليل ذلك في القرآن الكريم.
هل تصح في المركوب بطعامه وشرابه وما يلزم لبقاء حياته؟ ظاهر كلام المؤلف: لا؛ لأنه خصَّ هذه المسألة في الذي يستأجر بنفسه، وفي الظئر أيضًا.
والصواب أنه يجوز أن يستأجر حيوانًا للقيام عليه بالتغذية من طعام وشراب ووقاية من البرد ووقاية من الحر؛ لأنه لا فرق بينه وبين الأجير، كلاهما استيفاء منفعة، ويرجع في ذلك إلى أي شيء؟ طالب: إلى العرف.
الشيخ: إلى العرف، يرجع في ذلك إلى العرف.
هل يصح أن يستأجر الدار بإصلاح ما انهدم منها؟ طلبة: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1815

الشيخ: لا يصح، لماذا؟ لأنه غير معلوم؛ قد ينهدم منها شيئًا كثيرًا، وقد لا ينهدم منها شيء، فهي مجهولة تمامًا، إلا إذا كان المنهدم موجودا الآن، وقال: أجرتك إياها بإصلاح ما انهدم -الآن يعني- وهو معلوم، فهنا الإجارة صحيحة؛ وذلك لأن الأجرة معلومة بالمشاهدة.
إذا قال: أجرتك هذا البيت بعشرة آلاف وإصلاح ما ينهدم منه، يصح أو لا يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؟ عشرة آلاف يا جماعة، إي نعم، لكن ما زال مجهولًا.
إذا قال: أجرتك هذا البيت بعشرة آلاف وإصلاح ما انهدم منه من الأجرة، يصح؟ طلبة: يصح، نعم.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لأن الأجرة معلومة.
الشيخ: لأن الأجرة معلومة؛ عشرة آلاف مثلًا، قدِّر أنه انهدم بما يصلح به خمسة آلاف يجوز، لكن لا بد من إضافة شرط آخر؛ وهو أن يكون محتسبًا به من الأجرة، وما زاد فعلى رب البيت؛ لأنه ربما يزيد المنهدم على الأجرة؛ تكون الأجرة -مثلًا- ألف ريال وينهدم هدمًا يستحق ألفين ريال.
والخلاصة الآن: أن استئجار البيت بإصلاح ما ينهدم منه لا يجوز، والإجارة غير صحيحة، وأما استئجاره بإصلاح ما ينهدم منه محتسبًا به من الأجرة فهذا جائز بشرط أيش؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ألَّا يزيد على مقدار الأجرة؛ يعني يقيد.
قال: (وإن دخل حمامًا أو سفينة أو أعطى ثوبه قصارًا أو خياطًا بلا عقد صح بأجرة العادة).
هذه في الحقيقة أجرة بالمعاطاة، إذا دخل حمامًا، ثم تحمم فيه وخرج، والحمام مكتوب عليه للإيجار الساعة بكذا وكذا وهو لم ير صاحبها، فإنه يصح بأيش؟ بأجرة العادة، والعادة في مثل هذا تقدر بالزمن؛ كل ساعة بكذا، فيؤخذ من الداخل الحمام ما جرت به العادة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1816

ومثل ذلك ما يفعله الناس الآن من إدخال السيارة في مواقف السيارات؛ تجده يدخل ويأخذ الكارت لتعيين وقت الدخول، ثم إذا خرج حاسب، بدون أن يكون هناك كلام، نقول: هذا أيضًا لا بأس به، وهذا ربما يكون أبلغ في الجواز من المساومة؛ يعني من قول: لا أدخلك إلا الساعة بكذا وكذا؛ لأن هذا معلوم لدى الناس جميعًا.
(أو سفينة) دخل سفينة وجد السفينة تحمل الناس، فدخل بدون أن يتفق مع الملاح -أي: مع قائد السفينة- يجوز، وعليه أيش؟ طالب: أجرة العادة.
الشيخ: أجرة العادة.
التاكسي؟ طلبة: كذلك.
الشيخ: إي نعم، التاكسي كذلك، إذا ركب، ثم وصل إلى المحطة وقال له صاحب السيارة: عليك -مثلًا- عشرة ريالات، قال: لا، عشرة ريالات كثيرة، ما أعطيك إلا خمسة، هل يُلْزَم بالعشرة؟ طلبة: إي نعم، يُلْزَم.
الشيخ: إي نعم، يُلْزَم العشرة ما دابمت العادة عشرة، لازم يُلْزَم بالعشرة.
(أو أعطى ثوبه قصارًا) القصار: الغسال، أعطاه غسالًا يغسله، غسله الغسال وعند تسليمه طلب كذا وكذا من الأجرة، مع أن صاحب الثوب لم يعلم بها، فيقال: يلزمه أجرة العادة وإن لم يتعاقد عليها؛ لأن هذا معلوم متفق عليه بين الناس.
كذلك (خياطًا) أعطى ثوبه خياطًا يخيطه، ولما انتهى قال له الخياط: الأجرة كذا وكذا، يصح ولو بلا علم.
وفُهِمَ من قول المؤلف رحمه الله: (قصارًا) و (خياطًا) أنه لا بد أن يكون معدًّا نفسه للعمل، فإن لم يكن معدًّا نفسه للعمل فلا شيء له إلا بشرط؛ مثل أن يعطي شخصٌ ثوبَه لإنسان يقول: خذ اغسله لي، فلما غسله قال له: الأجرة كذا وكذا، فلا يلزم صاحب الثوب أجرة، لماذا؟ طالب: لأنه لم يُعِد نفسه للعمل.
الشيخ: لأن الآخذ الذي غسله ليس معدًّا نفسه لذلك، والمؤلف يقول: (قصَّار) فلا يلزمه شيء.
إذا تخاصم الرجلان؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1817

نقول: للقصار الذي هو الغسال نقول: لماذا لم تشترط لنفسك، هو ظن أنك محسن، والعقد لا بد له من قرينة؛ إما لفظية بالإيجاب والقبول، وإما فعلية بالمعاطاة فيما اشتهر بذلك.
وكذلك يقال في الخياط، وكذلك يقال في الحلاق، وكذلك يقال في المقصر، كل هؤلاء الذين أعدوا أنفسهم للعمل فإنه يجوز الدخول معهم فيما أعدوا أنفسهم له بدون عقد، وعلى الداخل أيش؟ كل من أعد نفسه لعمل فإن له أجرة العادة ولو بلا عقد، وأما من لم يعد نفسه للعمل فإنه لا شيء له إذا عمله إلا بشرط.
الثالث: الإباحة في العين؛ أي: في نفعها، معناه يُشْتَرط أن يكون النفع المعقود عليه مباحًا، فإن كان محرمًا فإن الإجارة لا تصح.
ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (10)، والإجارة نوع من البيع، وقوله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (11)، وقوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (12). والنفع الذي يكون في الأعيان؛ إما محرم، وإما مكروه، وإما مباح.
ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد أن يكون مباحًا، وظاهر قوله: (فلا تصح على نفع محرم) أن المكروه لا بأس بالاستئجار عليه.
فلدينا ثلاثة أشياء: إباحة، والثاني: تحريم، والثالث: كراهة، إذا نظرنا إلى كلام المؤلف: (الإباحة في العين) قلنا: إنها لا تصح الإجارة على المكروه، وإذا نظرنا إلى قوله: (فلا تصح على نفع محرم) قلنا: تصح على المكروه، لكن لا شك أنها خلاف الأولى؛ لأن الإعانة على المكروه مكروهة؛ ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
المهم عندنا ثلاثة أشياء: النفع المباح لا بأس بعقد الإجارة عليه، المحرم يحرم عقد الإجارة عليه، المكروه يجوز مع الكراهة.
مثال النفع المباح ما سبق؛ استئجار البيت للسكنى، وما أشبه ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1818

ومثال المكروه أن يستأجر شخصًا ليحلق له حلق قزع، القزع مكروه، فإذا استأجره لهذا العمل كان استئجارًا على عمل مكروه.
المحرَّم قال: (فلا تصح على نفع محرم كالزنا) والعياذ بالله، لو استأجر امرأة ليزني بها فالإجارة باطلة وغير صحيحة، ولا تبيح الزنا، وليست شبهة أيضًا في إسقاط الحد، كما زعمه بعض العلماء.
بعض العلماء قال: إذا أراد أن يزني بامرأة وخاف أن يقام عليه الحد فليستأجرها، لكن لا شك أن هذا قول من أبطل الأقوال.
(فلا تصح على نفع محرَّم كالزنا والزمر) الزمر يعني: استعمال المزمار؛ يعني: آلة اللهو، ويُقَاس على ذلك كل المعازف، فلو استأجر مغنية .. ، ستأتينا، لو استأجر شخصًا على عزف أو على زمر فالإجارة محرمة غير صحيحة.
وماذا يستحق الفاعل؟ هل نعطيه أجرة المثل أو ماذا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: المشكلة الآن أن الذي استأجرهم وجاء هذا الأجير يعزف عنده من صلاة العشاء إلى الفجر كل الليل وهو تعبان، وقلنا له: الإجارة غير صحيحة وليس لك شيء، هذه مشكلة، ونقول للذي استأجره: ليس عليك شيء؛ لأن الأجارة غير صحيحة، فإذا طالب الزامر بأجرة المثل يُعْطَى؟ يعني قال: ألغوا الإجارة ما هي صحيحة، لكن أنا عملت أعطني أجرة المثل؟ نقول: ليس لك أجرة.
يبقى النظر في المستأجر: إذا قلنا: ليس عليك أجرة لأن هذا عمل محرم صار الرجل هذا كسب العمل وكسب الأجرة، ولا ينبغي أن نجمع له بين عوضين.
وعلى هذا فنقول: تؤخذ الأجرة من المستأجر، ولا تُعْطَى الزامر، وتصرف في بيت المال.
أما أن نقول: للمتسأجر ليس عليك شيء، وللزامر: ليس لك شيء، فهذا فيه نوع من الظلم.
فيقال: أنت أيها الزامر لا شيء لك، وعليك أن تتوب إلى الله وتستغفر، وأنت أيها المستأجر نأخذ منك الأجرة؛ لأنك عقدت على أنك ملتزم بها، فنلزمك بها لكن لا نعطها الزامر؛ لأنها عوض عن محرم وإنما نجعلها في بيت المال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1819

طالب: شيخ -أحسن الله إليك- رجل واقف على الشارع، وجاء إليه رجل صاحب السيارة غير تاكسي ولا الليموزين، فتح له الباب وركب، ولما وصل المشوار طلب منه شيئًا، قال: ما أعطيك؛ لأنني ما اشترطت، فكيف يصنع يا شيخ؟ الشيخ: ما يعطيه، ما له شيء.
الطالب: ما له شيء؟ ! الشيخ: ما له شيء؛ صاحب السيارة.
الطالب: العرف يا شيخ؟ الشيخ: يقول: جزاك الله خيرًا.
الطالب: العرف يا شيخ؟ الشيخ: هذا العرف.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، على كل حال إذا ثبت العرف لا بأس، لكن كلام الفقهاء هو الصحيح؛ أنه ما يستحق شيء.
وقد يقال: تختلف الحال؛ لو وقف لك رجل معروف بالغنى وأنه لا يأخذ مثل هذه الأمور، وقال: تفضل اركب، ثم قال: أعطني الأجرة، ما تعطيه؛ لأن هذا جرت العادة ألَّا يأخذ أجرة ولو أنه كان فقيرًا، يعرف أنه رجل محترف، لكننا لا نعرف أنه صاحب أجرة، فقد يقال: إن هذا يلزمه الأجرة، لكن الأصل عدم اللزوم إلا من أعد نفسه للعمل.
طالب: القزع؟ الشيخ: إي نعم؛ لأن الرسول قال: «احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوِ اتْرُكْهُ كُلَّهُ» (13). الطالب: محرم؟ الشيخ: لا، ما هو محرم، ما يصل إلى درجة التحريم.
طالب: بارك الله فيكم، بالنسبة لكروت مواقف السيارات، نقول: هو مكتوب عليها: الساعة بريال أو بريالين، حسب الموقف، ولكن فيه هناك شرط فيها، والسؤال عن هذا الشرط يقول: إن أضاع هذه البطاقة يلزم صاحب السيارة بمبلغ وقدره حوالي خمس مئة ريال، ولو كان جلس ساعة أو ساعتين فقط، فهذا الشرط .. ؟ الشيخ: هذا لا بأس به؛ لأنه شرط تعزيري لئلا يتلاعب الناس.
الطالب: هذا قد يكون فيه شيء من الظلم على هذا الشخص؟ الشيخ: وهل أجبر على ذلك؟ الطالب: مو بأحيانًا يضطر، كما في المطار.
الشيخ: إذا اضطر فالله يعينه، لا يضيعه.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: لا، أبدًا ما فيها شيء.
طالب: بعض الحفلات يستأجر لها شعراء يحيونها إلى الفجر؟ الشيخ: ستأتينا -إن شاء الله- واقفين على الغنا اللي يكون في الحفلات.

الجزء: 2 - الصفحة: 1820

طالب: بارك الله فيكم، أحيانًا إذا استأجر الرجل أجيرًا لا يتفاهم معه ولا يتشارطان، فلما ينتهي من العمل يطلب أجرة أكثر مما هي العادة، فإذا قال له: أنا لا أعطيك إلا ما جرت عليه العادة، والعادة كذا، قال: إذن لا آخذ شيئًا وانصرف، فماذا عن .. ؟ الشيخ: هذا أيضًا يقطع؛ ولذلك نرى أن الأحسن أن تقطع الأجرة وتحدد؛ لأن بعض الناس تجي له -مثلًا- تعطيه الثوب ظنًّا منك أنه سيخيطه بخمسين ريالًا -مثلًا- وإذا به يقول: أريد مئة ريال، ومشكل؛ إن قلت: لا، يمكن يقول: إذن ما آخذ منك شيئًا، وإن قلت: نعم وهو لا يستحق ذلك ( ... ) مشكلة؛ ولهذا نرى أن الأحوط للإنسان أن يحدد والأمر سهل، وإذا لم يحدد فإن مقتضى الكرم أن تعطيه ما طلب، وتقول: أنا أعطيك ما طلبت، ولكن إن كان ليس لك فيه حق فأنا على حقي يوم القيامة.
طالب: قلنا: إذا استأجره لكي يغني له ( ... )؟ الشيخ: حسب ما اتفقوا عليه؛ يعني قال: أن يزمر له الليلة بألف ريال.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: إي نعم، المقدر؛ لأنه عوض عن العمل المحرم.
طالب: إذا ذهب الأجير وترك أجرته ولم .. ؟ الشيخ: هذا كلام الأخ.
الطالب: ماذا يفعل بها؟ الشيخ: إن أيس منه تصدق بها عنه، وإن كان يرجو رجوعه فلينتظر حتى يرجع.
الطالب: أينميها له؟ الشيخ: إذا نماها طيب ما هو بلازم.
طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- قلنا في الشرط الثاني: (بطعامهما وكسوتهما)، هل هي الأجرة ولَّا شرط؟ الشيخ: لا، هي الأجرة، (بطعامهما) يعني هي الأجرة، ما هي معناها أن الأجرة ويُشْتَرط أن يطعمهما، لا.
طالب: ( ... ) تكون جزءًا من الأجرة؟ الشيخ: ويمكن أن تكون جميع الأجرة يجوز.
طالب: أحسن الله إليك، يمكن واحد ( ... )؟ الشيخ: آدم ما ذكر تاكسي.
طالب: لم يعد نفسه ( ... )؟ الشيخ: الذي لم يعد نفسه ما له شيء إلا بشرط.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: هذا معروف، مكتوب عليه: التاكسي -مثلًا- أو ليموزين، أو إنسان فقير معروف أنه يتسبب.

الجزء: 2 - الصفحة: 1821

كم جُمَل الأذان؟ كم للأذان من جملة؟ طالب: جُمَل الأذان ست عشرة.
الشيخ: ست عشرة؟ إن الله وتر يحب الوتر، كيف تقول: ست عشرة، أجب.
الطالب: مختلف فيها.
الشيخ: واللهِ هذه لا، ما نقول: مختلف فيها، المهم هو خمس عشرة جملة الأذان، والإقامة إحدى عشرة جملة.
طالب: ( ... ) عقد الإجارة المحرم قبل وقوع المحرم هل يحتاج ( ... )؟ الشيخ: لا، أبدًا، إذا علمنا قبل وقوع المحرم مثل؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: يمنع، ويلغى العقد، وليس لأحد شيء.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: لا، هنا ما استوفى المنفعة، نفس المستأجر ما استوفى المنفعة، ما هذا مرادك، ما دام ما استوفى المنفعة ما عليه شيء.
طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- أحيانًا يتعاقد مع العامل، ثم يكون العمل أقل من الأجرة بكثير؛ مثل ( ... ) السباكة أو الكهرباء كنت بأصلحه بمئة هذا، ثم يكون سلك بسيط أو شيء بأصلحه أحيانًا.
الشيخ: ما هو برضاك؟ الطالب: إي، بس الإنسان -يا شيخ- على العرف، فهل يُشْتَرط أن هذا الشخص .. ؟ الشيخ: في مثل هذه الحال إذا تبين أن فيه غبنًا، فإن كان قبل العمل فالأمر واضح يفسخ، وإن كان بعد العمل فسخ العقد وثبت لذلك أجرة المثل.
الطالب: لأيهما؟ الشيخ: للعامل.
الطالب: ( ... ). الشيخ: اللي هو؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: خلاص ما عليك شيء، إذا طلب أكثر من أجرة المثل بدون شرط عند العقد فليس له ذلك، وأنت ما عليك شيء، وكما قلنا: إنه إذا أيست منه تصدق بها عنه.
طالب: استدل من منع الإجارة على تعليم القرآن بحديث أبي بن كعب لما علم أحدًا من الصحابة ( ... ) القرآن فأعطاه قوسًا هدية، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُبْدِلَكَ اللَّهُ بِهِ قَوْسًا مِنَ النَّارِ فَخُذْهُ» (14) ( ... )؟ الشيخ: هذا غير صحيح؛ لأن هذا لما كان تعليم القرآن واجبًا، وإذا كان تعليم القرآن واجبًا ما يجوز أخذ الأجرة عليه.


طالب: ( ... ) باب الإجارة في سياق شروطها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1822

الثالث: الإباحة في العين، فلا تصح على نفع محرم؛ كالزنا والزمر والغناء وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر، وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه عليه.
ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، من شروط الإجارة: (الإباحة في نفع العين) فلا تصح الإجارة على نفع محرم، ودليل ذلك سبق، منها؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (11). الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ»، وعلى هذا فكل عقد ليس في كتاب الله فهو باطل.
دليل آخر؟ طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
طالب: ( ... ). الشيخ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ».
(فلا تصح على نفع محرم كالزنا) يعني: لو استأجر امرأة ليزني بها -والعياذ بالله- فإن الإجارة باطلة، ولا تحل المرأة بذلك.
وهذه قاعدة يجب أن تعلموها: كل عقد محرم فإنه لا يترتب عليه آثاره.
فمثلًا البيع الفاسد لا يملك المشتري السلعة ولا البائع الثمن، الزنا؛ لو استأجر امرأة يزني بها فإنه لا يستبيح بذلك فرجها؛ لأن الإجارة فاسدة، ولأن الزنا محرم بالنص والإجماع.
(وجعل داره كنيسة) يعني .. طالب: ( ... ). الشيخ: الزمر والغناء، الزمر سبق الكلام عليه.
(الغناء) بالمد وليس بالقصر، الغنى بالقصر ضد الفقر، والغناء بالمد هو تلحين القصائد والشعر وما أشبه ذلك.
ثم الغناء أقسام: منه ما هو مباح، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو محرَّم.
فالمراد هنا الغناء المحرم.
والغناء المحرم يدور على شيئين؛ إما أن يكون موضوع الأغنية موضوعًا فاسدًا، وإما أن تكون مصحوبة بآلة لهو محرمة، هذا الغناء المحرم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1823

إما أن يكون الموضوع موضوعًا فاسدًا؛ كوصف النساء ووصف الفروج ووصف المردان، وما أشبه ذلك، هذا محرم لذات الشعر، لماذا؟ لأن الموضوع موضوع فاسد محرم، وكذلك وصف الخمر وما إلى ذلك.
أو يكون الموضوع غير محرم في حد ذاته، فهذا إن صحبه آلة لهو صار حرامًا؛ لما صحبه، وإن لم يصحبه آلة لهو فليس بحرام.
إذا كانت الأغنية في مدح آلهة المشركين حرام ولَّا غير حرام؟ الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام لا يحل؛ لأن هذه أشد من وصف الزنا واللواط وما أشبه ذلك.
أما الغناء المباح فمثل: حداء الإبل، الغناء على الأعمال المباحة يستعين به على التعب، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني المسجد كان الصحابة ينشدون على العمل ويقرهم على ذلك (15)، فإذن نقول: العمل الذي يستعان به على مصلحة شرعية أو غرض صحيح لا بأس به.
العمال وهم لا يبنون المسجد ولا يحفرون خنادق الحروب لكنهم يبنون بنايات مباحة، هل يحل لهم الغناء من أجل التقوي على العمل؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يجوز ذلك.
فالمهم أن مراد المؤلف بقوله: (الغناء) يعني: الغناء المحرم؛ إما لذاته، وإما لما يصحبه من فعل محرم.
نقول: من فعلٍ محرَّمٍ أعم؛ لأجل يشمل العزف، ويشمل الطرب، ويشمل الرقص، وما أشبه ذلك.
قال: (وجعل داره كنيسة) يعني: لو استأجر من شخص داره ليقيم فيها شعائر النصارى فيجعلها كنيسة فالإجارة حرام.
ومثل ذلك: لو استأجرها لبيع الخمر فالإجارة حرام، لو استأجرها لبيع الدخان فالإجارة حرام، لو استأجرها لبيع الدشوش فالإجارة حرام، لبيع التلفزيونات فالإجارة حرام إذا كان الغالب على مشتري التلفزيونات أن يستعلمها في المحرم؛ لأن التلفزيون فيه شيء محرم وفيه شيء غير محرم؛ لأنه آلة صرفها كما تريد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1824

لكن لو استأجر البيت على أنه يسكنه وكان نصرانيًا، فجعل في البيت معبدًا فهل الإجارة صحيحة أو لا؟ صحيحة؛ لأنه حين العقد إنما عقد على عمل مباح؛ سكنى، فالمعصية هنا معصية في البيت، لكنه لم يستأجر البيت من أجلها.
لو أنه أجَّر شخصًا بيتًا، ثم وضع فيه الدش، وصار يأتي بكل قناة فاسدة خاربة، فما الحكم؟ إذا كان استأجر البيت لهذا فالإجارة محرمة وفاسدة، وإن استأجره للسكنى ثم وضع هذا فيه فلا بأس، ولكن إذا تم العقد -أي: تمت مدة الإجارة- يقول لهذا المستأجر: إما أن تخرج هذه الآلة التي هي الدش، وإما ألَّا أجدد لك العقد، وأما ما تم عليه العقد من قبل من مدة فإنه يجب إتمامه؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
ثم قال المؤلف: (وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه عليه) يعني: لو كان الإنسان له جار والحائط -يعني الجدار- الحائط لجاره، واستأجر الحائط ليضع أطراف خشبه عليه فإنه لا بأس بذلك.
ولكن قد يشكل على هذا أنه يجب على الجار أن يمكن جاره من وضع أطراف خشبه على جداره، كما جاء في الحديث الصحيح: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ» أو قال: «خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ»، قال أبو هريرة -وكان أميرًا على المدينة-: ما لي أراكم عنها معرضين؟ واللهِ لأرمين بها بين أكتافكم (16)، وهذا الحديث يدل على أنه يجب تمكين الجار من وضع الخشب.
فيقال: نعم، لكن أحيانًا لا يجب؛ وذلك فيما إذا أمكن التسقيف بدون وضع الخشب على الجدار، فإنه لا يجب؛ يعني: لو كانت الحجرة ضيقة ويمكن أن تضع الخشب عرضًا وجدار الجار يكون طولًا فهنا يمكن أن تسقف بدون أن تحتاج إلى جدار الجار.

الجزء: 2 - الصفحة: 1825

كذلك أيضًا ربما يكون جار لا يحب النزاع والمخاصمة، ورفع الأمر إلى القاضي حتى يجبر الجار على أن يضع الخشب على جداره، فهنا نقول: في الحال التي يجب على الجار أن يمكِّن جاره من وضع الخشب على الجدار؛ إذا كان المحتاج لوضع الخشب لا يريد المقاضاة والمحاكمة وأراد أن يدفع له عوضًا من أجل التمكين من وضع الخشب فإن ذلك جائز لمن؟ طالب: للمستأجر.
الشيخ: نعم، جائز للمستأجر، وليس جائزًا لصاحب الجدار؛ لأن الواجب على صاحب الجدار إذا لم يكن على الجدار ضرر وكان صاحبه محتاجًا أن يمكنه منه.
إذا قال قائل: هل يُشْتَرط في هذه الحال تقدير المدة أو يُتَسامح عنه للحاجة؟ الجواب: الثاني؛ لأنا ما ندري متى ينهدم الجدار، وعلى هذا فنقول: يضرب عليه أجرة كل سنة بكذا، ولا يحتاج إلى تقدير مدة السنين.
علل؟ طالب: ( ... ). الشيخ: للحاجة إلى ذلك، ولا يمكن أن نحيط به علمًا متى يقع هذا الجدار، وعلى هذا فيكون اشتراط تعيين المدة هنا غير واجب، وذلك؟ طلبة: للحاجة.
الشيخ: لدعاء الحاجة إليه؛ أي: لعدم اشتراطه.
(ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها) المرأة إذا تزوجت إنسانًا ملكها، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم النساء بأنهن عوان عند الأزواج (17)، والعواني جمع (عانية)، والعانية هي الأسيرة، وقد سمَّى الله تعالى في القرآن الزوج سيداً فقال: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ أي: زوجها، ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25]، فهي إذن مملوكة، ونفعها مملوك للزوج، حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يَحِلُّ لَامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (18)، فالوقت مملوك للزوج، فلا تؤجر نفسها بغير إذن زوجها حتى يأذن، وإذا أذن فالحق له.
إذا طلبت المرأة من زوجها أن يأذن لها أن تخدم فقال: لا بأس اخدمي، يجوز لها ذلك أو لا؟ يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1826

لو استأذنت من زوجها أن تُعَلِّم؛ تشتغل بالتدريس وأذن لها جاز، فإن لم يأذن فإنه لا يحل لها أن تؤجر نفسها إلا بإذن الزوج.
فإن شُرِطَ على الزوج عند العقد أنها تستخدم نفسها فلا بأس؛ المسلمون على شروطهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (19)، وهذا يقع كثيرًا في الآونة الأخيرة؛ لأن من النساء من تكون معلمة أو دارسة فإذا تزوجت ولم يذكر في الشرط أن الزوج يمكِّنها من التدريس أو الدراسة فله منعها من ذلك، وأما إذا اُشترِط عليه فالمسلمون على شروطهم.
(فصلٌ) ويُشترَطُ في العينِ المؤجَّرَةِ مَعرفتُها برؤيةٍ أو صِفةٍ في غيرِ الدارِ ونحوِها، وأن يَعْقِدَ على نَفْعِها دونَ أجزائِها، فلا تَصِحُّ إجارةُ الطعامِ للأكلِ ولا الشمْعِ ليُشْعِلَه ولا حيوانٍ ليَأْخُذَ لبَنَه إلا في الظِّئْرِ، ونقْعِ البِئْرِ وماءِ الأرضِ يَدخلانِ تَبَعًا.
والقدرةُ على التسليمِ , فلا تَصِحُّ إجارةُ الآبِقِ والشارِدِ، واشتمالُ العينِ على الْمَنفعةِ , فلا تَصِحُّ إجارةُ بَهيمةٍ زَمِنَةٍ لِحَمْلٍ، ولا أَرْضٍ لا تُنْبِتُ للزرْعِ، وأن تكونَ الْمَنفعةُ للمُؤَجِّرِ أو مَأذونًا له فيها، وتَجوزُ إجارةُ العينِ لِمَنْ يَقومُ مَقامَه , لا بأكثرَ منه ضَرَرًا.
وتَصِحُّ إجارةُ الوَقْفِ , فإن ماتَ الْمُؤَجِّرُ وانْتَقَلَ إلى مَن بَعْدَه لم تَنْفَسِخْ , وللثاني حِصَّتُه من الأُجْرَةِ، يجوز لها ذلك أو لا؟ يجوز، لو استأذَنَتْ من زوجها أن تُعَلِّم؛ تشتغل بالتدريس، وأَذِن لها جاز، فإن لم يأذن فإنه لا يَحِلّ لها أن تُؤَجِّر نفسها إلا بإذن الزوج.

الجزء: 2 - الصفحة: 1827

فإن شُرِطَ على الزوج عند العقد أنها تستخدم نفسها فلا بأس، المسلمون على شروطهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (1)، وهذا يقع كثيرًا في الآونة الأخيرة؛ لأن من النساء مَن تكون معلِّمة أو دارسة، فإذا تزوَّجت ولم يُذْكَر في الشرط أن الزوج يُمَكِّنُها من التدريس أو الدراسة فله منعها من ذلك، وأما إذا اشْتُرِطَ عليه فالمسلمون على شروطهم.
وقول المؤلف: (لا تُؤْجِر نفسها) يخرج بذلك ما لو استُؤْجِرَت على عمل مشترك، بمعنى: أَجَّرْنَاها مثلًا أن تخيط ثوبًا، أو تخصف نعلًا، أو ترقع ثوبًا، أو ما أشبه ذلك، فهنا لم تُؤَجِّر نفسها؛ لأن المستأجر لها لا يملكها، إنما استأجرها على أيش؟ على عمل، وهذا فيه تفصيل: إن كان يشغلها عن حقوق زوجها فإنه لا يحل لها إلا بإذن الزوج، وإن كان لا يشغلها فلا بأس، فإذا قدَّرْنا أن هذه امرأة لها زوج موظف في أول النهار ليس موجودًا عندها، واستُؤْجِرَت لخياطة ثوب تخيطه في وقت غيابه عن البيت دون أن تُقَصِّر بأعمال البيت، فهذا جائز؛ لأنه ليس على الزوج ضرر في هذا.
وكذلك لو كان الزوج غائبًا واستُؤْجِرَت لتخيط ثوبًا أو تغسله، أو ما أشبه ذلك، فلا بأس؛ لأنه في هذه الحال لا يضيع شيء من حق الزوج.
فإن أَجَّرَت نفسها في حال غياب الزوج فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يجوز؛ لقوله: (لا تؤجر نفسها)، وهو -كما هو ظاهر الكلام- لا يجوز؛ لأنه قد لا يرضى الزوج أن تخرج من بيته وإن كان غائبًا، فلا تُؤَجِّر نفسها مطلقًا إلا بإذن الزوج.
أما استئجارها على عمل فقد عرفتم أن في ذلك تفصيلًا، وهو أنه إذا كان لا يضيع به حق الزوج؟ أَتِمّ.
طالب: صح.
الشيخ: فلا بأس، فهو صحيح، فالإجارة صحيحة، وإن كان يضيع به حق الزوج فلا بد من إذنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1828

ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل: ويُشْتَرَط في العين الْمُؤْجَرة معرفتها برؤية أو صفة)، هذه من شروط تأجير العين، لا بد أن تكون معروفة (برؤية)، مثل لو استأجرت من شخص سيارة فلا بد أن تراها، أو يصفها لك بصفة تتميز بها عن غيرها وتنضبط بها.
قال: (في غير الدار ونحوها)، فالدار ونحوها لا يكفي فيها الصفة، لا بد من الرؤية.
السيارة تكفي فيها الصفة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، البعير يكفي فيه الصفة، كذلك أيضًا الحيوان استأجره يكفي فيه الصفة، لكن الدار ونحوها كالأرض للزرع، وما أشبه ذلك، لا يحوز إلا برؤيتها بالعين، لماذا؟ لأنه لا يمكن إحاطة الوصف بها، لو أتاك إنسان من أشد الناس دقة في الوصف فإنه لا يمكن أن يحيط بالدار، لو قال لك: البيت –مثلًا- فيه عشر حُجَر، وخمس غُرَف، ساحة، حمامات، ما تستطيع أن تتصورها، بل إن بعض الناس ربما يكون من أدق الواصفين، لكن تدخل البيت فتجدك مغمومًا، يعني بعض البيوت -سبحان الله! - إذا دخلها الإنسان سُرَّ بها، وبعضها إذا دخلها غُمَّ بها.
إذن فلا بد في استئجار البيت من الرؤية، وكذلك الأرض؛ استأجر أرضًا للزرع لا بد أن يراها بنفسه؛ لأن الأرض تختلف، سبخة، رملية، تُرابية، حَجَرِيّة، كذلك أيضًا تختلف ارتفاعًا وانخفاضًا، فلا يمكن أن يحيط بها الوصف، إذن لا بد أن يراها المستأجر بعينه.
فقول المؤلف رحمه الله: (في غير الدار ونحوها) عائد على قوله: (أو صفة)، يعني: إلا في الدار، (ونحوها) فإنه لا يجوز تأجيرها بالصفة، بل لا بد فيها من الرؤية.

الجزء: 2 - الصفحة: 1829

بالنسبة ما يُسْتَأْجَر لصوته، بماذا يُعْلَم؟ بالسماع، قد يكون مثلًا أنت استأجرت ساعة منبِّهة، من أجل أن تُنَبِّهك لعمل ما هذا لا بد أن تسمع، يكفي الرؤية أو لا يكفي؟ لا يكفي الرؤية، اللهم إلا إذا كانت مثلًا من صنعة معينة معروفة، وأن صوتها في التنبيه معروف، إذا رُؤِيَت الساعة فهذه ربما يُكْتَفَى بذلك، على أنه ربما يكون هذا النوع غُيِّرَت نغمة صوته، أو حصل بها خلل، إذن لا بد من السماع.
استأجر ديكًا لأذانه لا بد يسمع أذان الديك؟ طلبة: معروف.
الشيخ: لا، ما هو معروف، بعض الديكة صوته جميل وبعضه أَبَحّ، ما هو جميل، تختلف اختلافًا عظيمًا، لكن لو استأجر ديكًا يوقظه للصلاة؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة، هل الديك إذا صار تلك الليلة نائمًا وصار في الصباح تُوَبِّخُه؟ ما ينفع، إذن الديك يُسْتَأْجَر لصوته، أما لكونه يوقظك للصلاة فهذا شيء لا يمكن؛ لأن استيفاء المنفعة منه أيش؟ غير ممكن.
خلاصة القول أنه يُشْتَرَط معرفة العين الْمُؤْجَرة، ما استؤجر للرؤية فبالرؤية، ما استؤجر للصوت فبالصوت، ما لا يمكن إدراكه إلا بالرؤية فلا بد من الرؤية، وما يمكن إدراكه بالصفة فيكفي فيه الصفة.
طالب: الغالب أن الناس يستأجرون استراحات ( ... ) للترويح عن النفس، ويدخل في هذا ( ... ). الشيخ: هذا يسأل يقول: بعض الناس الآن يستأجرون الأحواش والاستراحات للترفيه عن النفس، ويكون فيها من جملة الترفيه الدشوش، إذا علمنا أنهم سوف يجعلون من ضمن الترفيه الدشوش ما يجوز نؤجِّرها، لكن لو أجَّرناهم على أننا إنما نريد كما قلت: الترويح عن النفس، ثم هم أتوا به وأنا لا أعلم، ولم يغلب على ظني حين العقد، فلا بأس.
طالب: بالنسبة للبيوت قلنا: إنه لا بد أن يراها، إذا كانت مثلًا فيه بيوت جاهزة، يقول لهم: مثل بيت فلان بالضبط؟ في بيوت جاهزة ما تتغير.

الجزء: 2 - الصفحة: 1830

الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟ لو أنه قال الذي أجَّر البيت: أنا أؤجرك البيت، وهو مثل بيت فلان، روح انظر إليه هو هو كأنه نسخة منه، يكفي؟ طلبة: لا يكفي.
الشيخ: هو على كل حال من جهة شكل البيت قد يكونون سواء، ويمكن إدراكه برؤية نظيره.
لكن المشكِل أن بعض البيوت -كما قلت لكم- منين ما دخل الإنسان يجد غمًّا، وبعضها ينشرح صدره، حتى أن بعض البيوت تكون أسوأ من البيوت الأخرى من جهة التنفيذ ومن جهة الأنوار، ومع ذلك ينقبض بها الإنسان، فالظاهر أنه لا بد من الرؤية على كل حال.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، يكثر في بعض البلاد بيع البيوت على المخططات، تُشْتَرَى ويأتي المهندس يرسم خريطة لهذه العمارة وخريطة للشقق التي فيها، وتجد الناس يعني يدفعون أقساطًا شهرية دفعة أولى مبلغًا كبيرًا، ثم أقساطًا شهرية حتى ينتهي هذا البناء، وعليه عمل معظم الناس هناك في تلك البلاد، وهم بحاجة إليها ماسة، فهل هذا جائز؟ الشيخ: يعني يريد أن يبني لهم بناءً موصوفًا.
الطالب: نعم، لكن ليست إيجارًا إنما هو بيع.
الشيخ: ما فيه بأس، إذا كان بس مضبوطًا يعني.
طالب: غالب هؤلاء صادقون، لكن يحصل في بعض البعض تحايل.
الشيخ: هو على قواعد الفقهاء لا يجوز؛ لأن الدار ونحوها ما يمكن ضبطها إلا بالرؤية حتى في البيع، كالإجارة، لكن إذا كان الناس اعتادوا ذلك ودعت الضرورة إليه، وكان الذي باع البيت وأراد أن يبنيه على هذا الوصف رجلًا أمينًا فللحاجة والضرورة نقول: لا بأس به.
طالب: أحسن الله إليك، هل يجوز أن يُرَدِّد الإنسان الغناء الذي هو محرَّم لدخول المعازف عليه، أما القصيدة فما فيها شيء؟ الشيخ: لا، فيها معازف ما يجوز.
طالب: الغناء مشهور معروف أنه بالمعازف هو، يعني الذي قاله قاله بالمعازف، هل يجوز أن يردده الإنسان ما دام أنه لا يستخدم معه المعازف؟ رغم أن .. الشيخ: ما هو يستمع، يعني تسأل يردِّده لكن بدون استماع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1831

طالب: يردده نعم، هو بدون إدخال معازف عليه والقصيدة .. الشيخ: ما فيها بأس، بس بعض العلماء كره ذلك لأنه يُخْشَى أن يجذبه هذا الغناء، لكن ما فيها بأس، يردِّد الغناء على شبه أغنية مثلًا في البيت مثلًا وحده ما فيه بأس.
طالب: هناك يا شيخ بعض الأغاني يعني هادفة في المواضيع، لكن يكون أداؤها بتكسر في الصوت، هل هذا له الحكم.
الشيخ: يعني صفة الأداء؟ الطالب: نعم.
الشيخ: أنا أرى أنه إذا كان أداء الأغنية كأداء الأغاني الماجنة أنا أرى أنها لا تجوز، حتى وإن كانت هادفة وموضوعها جيد.
طالب: إذا كان بعض طلبة العلم يقولون: إن الغزل جائز، يجيزونه، ويستدلون ببعض الأدلة، يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم تغزل أمامه أحد الصحابة بانت سعاد (2)، وغيره، فيكون الغزل يجوز على هذا الحال؟ الشيخ: هو على كل حال الغزل جائز، يعني استعمله العلماء رحمهم الله، لكن بانت سعاد ترى ما صحت، انتبه لهذا! هي مشهورة أنها أُنْشِدَت عند الرسول عليه الصلاة والسلام لكن لم تصح، سندًا ما صحت، لكن على كل حال هذا غير، يعني مثلًا يتحدث عن معشوقته، لكنه ليس يمدح الزنا، أو يمدح الْمُرْدَان أو ما أشبه ذلك.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا أَجَّر داره على غيره لسكناها ثم استعملها في منفعة محرَّمة بأن وضع فيها دشًا أو نحوه، فهل له أن يطلب منه إزالتها أو فسخ العقد، وأن يرفع ذلك للقاضي؟ الشيخ: أما فسخ العقد لا يتم.
الطالب: ولا يمكنه القاضي؟ الشيخ: ولا يمكنه القاضي، حتى ولا يَحِلّ له أن يفسخ العقد، لكن ينصح هذاك الذي استعملها في المحرَّم ينصحه ويخوِّفه بالله، وإذا تمت المدة قال له: إما أن تُزِيلَ هذا المحرَّم وإما أن تخرج.
طالب: تأجير الرافضة والمبتدعة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: هذا جرى عرف الناس الآن أنهم يُؤَجِّرُونه، كما أن الإنسان يؤجِّر الكافر والنصراني.
الطالب: حديث: «مَنْ آوَى فِيهَا مُحْدِثًا» (3).

الجزء: 2 - الصفحة: 1832

الشيخ: إي، معناه نصره على ذلك.
الطالب: تأجيرهم ما هو من الإيواء؟ الشيخ: فيه نظر.
طالب: ذكرنا أقسام الغناء أنه ينقسم إلى محرَّم ومكروه ومباح.
ذكرنا قسمين وتركنا المكروه يا شيخ.
الشيخ: المكروه اللي أجبنا عنه الأخ.
طالب: بارك الله فيك، ما هو الفرق بين إدراك الوصف في الدار والسيارة؟ الشيخ: الفرق بينهم واضح.
الطالب: هي ربما تكون مستعملة.
الشيخ: لا هو بيصف له سيارة ما استُعْمِلَت إن كان يريد جديدة، أو مستعملة مثلًا مشت كذا وكذا، المهم إذا لم تنضبط فنفس الشيء، لكن الغالب أن السيارة كالإناء تنضبط.
والدار ليس أن الإنسان لا يحيط بها وصفًا، قد يحيط بها وصفًا لكن نفس الدار بعضها ينشرح الصدر إذا دخل الإنسان وبعضهم يضيق صدره.
طالب: لو استأجر نساء يغنين مع الدف ثم يسجِّله ويجعله في الأعراس ليكون مكان الأغاني المحرَّمة، فهل يقال: إن الشرع أجاز الدف للزواج، أو يقال: إن التسجيل يختلف؟ الشيخ: لا، هذا لا بأس به، يعني استأجر نساءً يدْفُفْن من أجل أن يكون بدلًا عن اجتماع النساء.
الطالب: ويسجِّل يا شيخ، تسجيل.
الشيخ: إي نعم، هو الآن مستعمل هذا الذي تقول، ما فيها شيء.
طالب: شيخ، الدف في غير الأعراس للرجال وللنساء .. الشيخ: ما هذا موضوعنا، سيأتينا في باب الوليمة.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: في فصل ما يشترط في العين المؤجرة: وأن يعقد على نفعها دون أجزائها، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع ليشعله، ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر، ونقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعًا، والقدرة على التسليم؛ فلا تصح إجارة الآبق والشارد، واشتمال العين على المنفعة؛ فلا تصح إجارة بهيمة زَمِنَة لحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع، وأن تكون المنفعة للمؤجِّر أو مأذونًا له فيها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1833

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
في الفصل الأول ذكر شروط الأجرة، وفي هذا الفصل ذكر شروط العين الْمُؤْجَرة، منها: أن تكون معلومة برؤية أو صفة، فما هو الدليل على هذا الشرط؟ طالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر (4). الشيخ: دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، هذا دليل أثري، ونريد دليلًا نظريًّا؟ طالب: أن الأشياء التي تؤجَّر تختلف اختلافًا بيِّنًا بينها، فلما كان ذلك وجب ضبطها إما بصفة منضبطة أو ( ... ). الشيخ: لأن الجهالة تؤدي إلى النزاع والخصام، وهذا يُثْمِر العداوة والبغضاء بين المسلمين، وهذا مما تحاربه الشريعة الإسلامية، هذا الدليل النظري.
ما هي العين التي لا يصح أن تؤجر بالصفة؟ طالب: كالدار والأرض.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه لا يمكن أن توصف بالوصف أو .. الشيخ: لا يمكن انضباطها بالوصف، وهذا هو الذي ذكره الفقهاء رحمهم الله، لكن فيه قول ثاني؛ أنه يجوز الإجارة، وله الخيار إذا رآها، يعني يجوز أن تؤجَّر بالصفة، يقول: أنا أَجَّرْتُك مثلًا شقة صفتها كذا وكذا، تدخل من على الباب على يمينك المجلس، وعلى يسارك المأكل، وأمامك مثلًا الباب اللي يدخل على البيت، وما أشبه ذلك، المهم يصفها له تمامًا ولو على الخارطة، وله الخيار إذا رآها.
فإذا قال قائل: إذا كان كذلك فلماذا لا يصبر حتى يراها؟ نقول: الفائدة من قولنا: إنها تصح وله الخيار إذا رآها، أنه لو جاء أحد آخر فاستأجر من الْمُؤْجِر من صاحب الشقة وقلنا: إن الإجارة صحيحة، فهل يملك الثاني أن يستأجر؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنها مُؤَجَّرة، وعلى القول بأنها لا تصح له أن يؤجرها، هذا هو الفائدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1834

وإلا لو قال قائل: ننتظر حتى يراها، نقول: ربما يكون الناس عندهم إقبال شديد على البيوت والشقق، فهذا رجل بادر على طول واستأجر بالوصف، إذا قلنا: الإجارة صحيحة وله الخيار، صار بمجرد العقد تكون المنفعة لمن؟ للمستأجِر، فلا يملك صاحب البيت أو الشقة أن يؤجرها، وعلى القول بأن الإجارة لا تصح هو بالخيار، هذه من جهة.
من جهة أخرى: من الناحية الْحُكْمِيَّة كل عقد غير صحيح فهو حرام؛ لأنه ليس في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وهذه قاعدة اعرفوها، جميع العقود الفاسدة والشروط الفاسدة عقدها حرام واشتراطها حرام؛ لأنه من المضادة لله عز وجل.
فإذا قلنا بأنه يصح العقد وله الخيار إذا رآها، صار العقد حلالًا، وإذا قلنا: لا يصح العقد، صار العقد حرامًا، وصار كل من المستأجر والمؤجِّر آثِمَيْنِ؛ لأنهما فعلَا حرامًا، أفهمتم الآن؟ أيهما المذهب؛ أنه لا يصح، أو يصح وله الخيار؟ طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ أنه لا يصح مطلقًا، وعلى هذا فيحرم تعاطي هذا العقد، ويجب عليهما إذا رآها وقنع بها أن يعيدَا العقد.
فيه أيضًا الشرط الثاني: (أن يعقد على نفعها دون أجزائها)، (أن يعقد) مَن؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: المستأجر والْمُؤْجِر، ولهذا لو قال: أن يعقدَا، أو قال: أن يكون العقد، لكان أوضح في الشمول.
(أن يعقد على نفعها دون أجزائها)، يعني أن يكون المعقود عليه النفع دون الجزء.
مثاله قوله: (فلا تصح إجارة الطعام للأكل)، إنسان مثلًا وجد له إناءً من التمر، وقال: أَجِّرْنِي هذا التمر بأكله، لا تصح الإجارة، ليش؟ لأنه كيف يستأجر؟ لا يمكن أن ينتفع به إلا بأكله وذهاب أجزائه.
إذن كيف العمل إذا كان الإنسان يريد أن يأكل قدر ملء بطنه والباقي يكون لصاحبه؟ يشتري، قلنا: اشترِ منه بمقدار ملء البطن، يجوز ولّا ما يجوز؟ الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: مجهول العين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1835

الشيخ: مجهول، ما ندري، قد يكون هذا الرجل قنوعًا وقد يكون أكولًا، أفهمتم؟ إذن الطريق أن يبيعها جميعًا.
لو قال مثلًا: أبيعها عليك بقدر ما تأكل منه، بمعنى: أننا نكيل هذا التمر أو نزنه، فإذا بلغ خمسة كيلوات مثلًا، ثم بعت عليه مقدار ما يأكل أو يشرب، والباقي ينزل من الثمن بقسطه، هو لما أكل أكل كيلوين وقد بعت عليه الخمسة كيلوات بخمسين ريالًا، أكل كيلوين كم يبقى؟ الطلبة: ثلاثة كيلوات.
الشيخ: ثلاثة كيلوات، ينزل من الثمن ثلاثون ريالًا، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ المذهب: لا يجوز، لا بد أن نعرف مقدار ما يؤكَل عند العقد، وهذا متعذِّر، لكن القول الثاني: الجواز، وأنه لا بأس ما دام عُلِمَ وقيمة الخمسة كيلوات بخمسين ريالًا، أي أن كل كيلو بكم؟ بعشرة ريالات، ما أكلت منه فبقسطه من الثمن، وما أبقيت فينزل من الثمن بقسطه.
الحقيقة أن هذا ليس فيه جهالة؛ لأنه لو حتى لو قُدِّر أنه حين العقد فيه جهالة فسيؤول إلى العلم.
ننتقل من هذا إلى مسألة بدأ الناس يتعاملون بها الآن، وهي البيع على التصريف، هل يجوز أو لا؟ يقول مثلًا: هذه خمسة كراتين حليبًا، أو خمس طرائق خبز، يبيعها على البقال على التصريف، يعني فيأتي إليه في آخر النهار ويقول: كم صَرَّفت؟ كذا وكذا، هو عليك بكذا والباقي رُدَّه ويسقط من الثمن، أيجوز هذا أو لا؟ طالب: على المذهب لا يجوز.
الشيخ: نعم المذهب لا يجوز، ولا إشكال، لكن على هذا القول الذي قلنا: إنه لا بأس به في مسألة التمر المأكول، نقول: يجوز، بشرط أن نقدِّر لكل شيء ثمنًا، أما أن يقول: على ما تُصَرِّف، وهو لم يقل مثلًا: كل كرتون بكذا، أو كل طريقة من طرائق الخبز بكذا، فهذا يؤدي إلى الجهالة ولا ندري.

الجزء: 2 - الصفحة: 1836

وعليه فنقول في مسألة التصريف: له طريقان؛ إما أن يُوَكِّلَه، يعني الذي أتى بالخبز أو أتى باللبن أو ما أشبه ذلك يُوَكِّل البقال، فيقول: خذ هذا بعه، ولك على كل صندوق أو على كل كرتون كذا وكذا، جائز هذا ولّا غير جائز؟ طلبة: جائز.
الشيخ: هذا جائز قولًا واحدًا؛ لأنه توكيل بعِوَض، ما فيه إشكال.
أو يقول على القول الراجح: هذه مثلًا عشرة صناديق هي عليك بمئة، كل صندوق بعشرة، وما لم تُصَرِّفْهُ يُرَدّ بقسطه من الثمن، فهذا نرى أنه جائز؛ لأنه ليس على أحد الطرفين ضرر، وليس فيه ظلم، وصاحب اللبن مُسْتَعِدّ لقبول ما تَبَقَّى ولا بأس، ومثله الظاهر الصحف والجرائد، الظاهر إنها على هذا.
إذن المهم أن نحدد مقدار ثمن كل واحد، وحينئذٍ يكون صحيحًا.
إذن الطعام للأكل لا تصح إجارته، لكن يصح أيش؟ بيعه.
(ولا الشمع ليُشْعِلَه)، أيضًا لا تصح إجارة الشمع ليشعله، والشمع تعرفونه أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: كلكم؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: الشمع عبارة عن شيء جامد يذوب مع النار، لكنه يغذِّي النار، مثل الفتيلة تمامًا، هذا يُسْتَعْمَل فيما سبق، أنا لم أدركه، لكن يحدِّثُونا عنه، يضعونه في حوض صغير، ويضعون الشمعة ويوقدون في الفتيلة، ثم تبدأ الفتيلة تضيء والشمع يذوب.
طالب: موجود.
الشيخ: موجود؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يُسْتَعْمَل؟ طالب: عند الضرورة.
الشيخ: عند الضرورة حتى! الضرورة تبيح أكل الميتة، على كل حال هذا الذي يُسْتَعْمَل لو قال المستأجِر: أنا أريد أن أستأجر هذه الشمعة من أجل أن عندي الليلة ضيوفًا، وأستاجرها منك بكذا وكذا لمدة ساعة أو ساعتين.
المذهب: لا يجوز، لماذا؟ لأننا لا ندري ماذا يُسْتَهْلَك من الشمعة.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله أن ذلك جائز، ولكن كلام الشيخ رحمه الله لا بد فيه من تحرير.

الجزء: 2 - الصفحة: 1837

التحرير أن نقول: إما أن يُقَدَّر بالمساحة، بمساحة الشمعة، فيكون مثلًا الآن مساحتها شبر -تعرفون الشبر- بعشرة ريالات، وما نقص من الشبر فبقدره، هذه تكون معلومة ولّا غير معلومة؟ طلبة: معلومة.
الشيخ: تكون معلومة، أو يقدرها بالساعة، ونحن نعرف استهلاك النار من الشمعة بالساعة والدقيقة، هذا أيضًا يكون معلومًا، أليس كذلك؟ إذن نقول: شيخ الإسلام رحمه الله اختار الجواز، لكن لا شك أن كلامه لا بد فيه من تقييد، وهو أن يكون معلومًا بالزمن أو بالمقدار بالحجم، فإذا كان معلومًا فلا بأس.
(ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر)، الحيوان لا يجوز أن يستأجره لأخذ لَبَنِه.
مثال ذلك: رجل عنده أطفال صغار من الضأن أمها ماتت، فاستأجر شاة إنسان لمدة يوم أو يومين حتى يشتري شاة ترضع الأطفال، يجوز أو لا؟ يقول: لا يجوز؛ لأن المعقود عليه الآن اللبن، واللبن أجزاء، والإجارة لا تكون إلا على منافع، ما تكون على أجزاء، فإذا استأجر حيوانًا لأخذ لبنه فلا يجوز، ومثل ذلك ما كانوا يستعملونه قديمًا، يكون عند الإنسان ضيوف فيستأجر من جاره بقرة لمدة يوم أو يومين من أجل أخذ اللبن، على المذهب لا يجوز؛ لأن اللبن مجهول، ثم حَلْبُها أيضًا مجهول، وبعض البهائم تمنع الحليب، ما تطيع أن تحلب، ففيه جهالة، لكن الظئر مُسْتَثْنى.
والظئر هي المرضعة لولد غيرها، فيجوز للإنسان أن يستأجر امرأة تُرْضِع ولده بأجرة معلومة، مع أن المعقود عليه اللبن، لا شك أن هذا هو المعقود عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1838

الفقهاء رحمهم الله أُورِد عليهم إيراد واضح، قيل لهم: إن الظئر إجارتها جائزة بنص القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، وقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، وقال: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6]، يعني: المسألة جائزة بالقرآن، ما لأحد أن يقول: لا، وأُورِدَ على الفقهاء، قيل: أي فرق بين لبن الآدمية ولبن غير الآدمية؟ أجاب بعضهم بجواب ليس بسديد، قال: لأن الآدمية إنما تستؤجَر لأجل أخذ الطفل ووضعه في حجرها وإلقامه الثدي، وما أشبه ذلك، الحيوان هل يفعل هذا بما يرضعه؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما يفعل؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، غالبًا ولا طارئًا، هو لا يفعل لكنه يقف لما يرضعه، ويتأنَّى ويفتح رجليه، لا شك أنه يخدمه.
فنقول لهم: بارك الله فيكم، هل من المعقول أن الإنسان يستأجِر مرضعة ترضع ولده من أجل أن تأخذه وتضعه في حجرها وتلقمه الثدي إذا لم يكن في الثدي شيء؟ أجيبوا.
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: ما يمكن، إذن ما المقصود؟ اللبن لا شك، لكن هذه وسائل إلى الحصول على اللبن، فالمقصود أولًا وبالذات هو اللبن.
إذن وما دمنا قياسيين يجب أن نقول: إن استئجار الحيوان لأخذ لبنه جائز بالقياس على الظئر، وهذا أيضًا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصواب أنه يجوز، وسواء استأجره وأتى به إلى محله أو استأجره وهو عند صاحبه؛ لأن استئجار الحيوان لأخذ اللبن على وجهين: إما أن يستأجره ويأتي به إلى بيته وينفق عليه، وإما أن يستأجره وهو عند صاحبه ويكون الإنفاق على صاحبه، كل ذلك جائز على القول الصحيح، لكن على المذهب ماذا يصنع إذا كان عنده ضيوف ويريد أن يأخذ لهم لبنًا؟ يشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 1839

اللبن في الضرع يجوز بيعه؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا يجوز بيعه، نقول: احلبها، وإذا حلبتها يشتريها المحتاج، فالمهم أنه حتى لو سددنا الباب في مسألة استئجار الحيوان لأخذ لبنه فهناك أبواب مفتوحة والحمد لله.
(نقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعًا)، هذا أيضًا إجابة عن سؤال، لو استأجر الإنسان بئرًا يستقي منه، البئر معروف؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: البئر هو يُحْفَر في الأرض لجلب الماء منها.
الشيخ: يعني ( ... ). الطالب: نعم.
الشيخ: على كل حال البئر معروف، استأجر شخص من آخر بئرًا يسقي إبله، يسقي زرعه، هذا جائز، لمدة شهر، قال: أنا باستأجر منك البئر هذه باسقي الزرع لمدة شهر، أو استأجرته منك لمدة شهر باسقي الإبل؛ لأني سوف أبقى في هذه الأرض الْمُرْبِعَة لمدة شهر، هذا جائز، مع أن المعقود عليه الآن الماء وهو عين وأجزاء.
فكيف يجيبون عن القاعدة أن الإجارة لا بد أن تقع على المنفعة، يقولون: هذا يدخل تبعًا، تبعًا لأيش؟ قالوا: لأن المعقود عليه البئر لها فم، الفم يأتي المستأجِر ويُدْلِي دلوه بهذا الفم والرِّشَا ويضع البكرة، تعرفون البكرة؟ طيب، يقولون: هذا هو المعقود عليه، مرور الرشا بالبئر، مرور الدلو بالبئر، أما الماء فليس معقودًا عليه، فهل هذا معقول؟ يعني لو كان البئر ما فيها ماء يجيء واحد بيحط عليه دلوًا ورشا وبكرة وما شاء الله ينزّل الدلو ويصعّده، هل هذا ممكن؟ ما هو المقصود إذن؟ الماء، المقصود هو الماء.
فقولهم: إن ماء البئر يدخل تبعًا، الحقيقة أنه بالعكس، الأصل هو الماء، والبئر لو لم يكن فيها ماء ما استأجرها أحد.
ماء الأرض أيضًا كذلك يدخل تبعًا، إنسان مثلًا استأجر أرضًا للزرع لا بأس، الأرض فيها ماء؛ إما من نهر، أو وادي يأتي إليها، أو ما أشبه ذلك، يكون الماء يدخل تبعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1840

وهذا عكس ما يريده كل إنسان، كل إنسان يستأجر أرضًا للزرع فإنما استأجرها من أجل مائها، لو لم يكن فيها ماء ما استُؤْجِرَت، وكذلك البئر.
لكن الصواب الذي يظهر ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله، قال: إن الأجزاء التي تتولَّد وتتابع شيئًا فشيئًا بمنزلة المنافع تمامًا، ولهذا اختار رحمه الله أنه يجوز استئجار الحيوان لأخذ لبنه، واستئجار البئر لأخذ مائه، واستئجار الأرض لأخذ مائها.
وقوله رحمه الله هو الصواب؛ أن الأعيان التي تأتي شيئًا فشيئًا بمنزلة المنافع.
إذا قلنا: استأجَر حيوانًا لأخذ لبنه، وقلنا بهذا القول الراجح، فأبى الحيوان أن يحلب، في بعض الحيوانات يأبى أن يحلب، إما أنه يحلب على كيفه، وإلا إنه ما يحلب حتى يؤتَى بالولد ولده ويحلب عليه، وإما إنه ما يحلب حتى يؤتى له بطعام، المهم أنها تختلف الحيوانات.
إذا أبى هذا الحيوان أن يحلب إطلاقًا فماذا يكون الحكم على القول بأن الإجارة صحيحة؟ نقول: له الفسخ، للمستأجر الفسخ، وذلك لتعذُّر استيفاء المنفعة بغير سبب منه، فله أن يفسخ.
إذ إن المعقود عليه تعذَّر بغير سبب منه، ليس هو المفرِّط، وبذلك يتبين أن القول الراجح ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الأمر.
قال: (ونقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعًا) نقف على هذا الشرط، اللي بعده الشرط الثالث.
طالب: شيخ بارك الله فيك، هناك محلات واقعة الآن تبيع الأطعمة تكون مثلًا تدفع مبلغًا مثلًا عشرين ريالًا، والأكل حتى الشبع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1841

الشيخ: إي نعم، الظاهر أن هذا مما يُتَسَامح فيه، يعني مثلًا نحن الآن ( ... ) معروف إن الوجبة مثلًا بعشرين ريالًا، معروف، وأن الناس يختلفون في الوجبة، ولّا لا؟ ( ... ) إنسان صحن إدام ونصف خبزة ويكفي، وإنسان يحتاج إلى صحنين إدام وخبزتين، بينهم فرق ولّا لا؟ فالظاهر لي أن هذا مما يُتَسَامَح فيه، لكن إذا عرف الإنسان من نفسه أنه أكول فيجب أن يشترط على صاحب المطعم، عرفت؟ أنه أكول، يعني يقول: أنا ترى ما تَسُدُّني الخبزة والخبزتان.
طالب: هو يقول: إلى الشبع؟ طالب آخر: هو الذي يخدم يا شيخ.
الشيخ: يا إخوان، السبب ما يهمهم الآن؛ لأن الأمور متيسرة والحمد لله، لكن تأتون في بلد فقيرة كل شيء عندهم محسوب، والناس يختلفون، ألم تعلموا أن بعض الناس يأكل زبيل التمر، ألم تعلموا هذا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: أن أشهد أن الواحد منكم يأكل زبيل التمر، في أيام كثيرة، لكن في ناس يجلسون على التمر ما شاء الله يأكلون زبيلًا، يعني ما هو زبيل كامل، كثيرًا يعني.
على كل حال: أرى أن هذه مما يُتَسَامح فيه عادة، إلا أن يكون الواحد منهم أكله خارجًا عن العادة فلا بد أن يخبر صاحبه، لا بأس مثلًا، يجلس على الماصة ويقول له: هات، جاء بما يُشْبِع غيره عادة انتهى، قال: جِيب.
طالب: ( ... ). الشيخ: أنا ما أعرف هذا، أنا أعرف إنك في المطاعم تجلس على الماصة: أعطني كذا أعطني كذا.
طالب: يعني اللي موجود .. الشيخ: يعني على الطاولة.
الطالب: نعم، ولك ما تريد، وهل يدخل فيه الأخيرة .. الشيخ: طيب، آخذ اللي أريد، افرض مثلًا إنه فيه صحن بيض قيمته خمسة ريالات، وفيه صحن بصل قيمته ريال، كله واحد عندهم؟ طالب: هذا اللي أسأل عنه، إنه واحد يأكل ما قيمته ريال، والثاني يأكل ما قيمته سبعون ريالًا، وكلهم يدفعون .. الشيخ: والله ما أدري يا أخي.
طالب: يقال: إنها خدمة من صاحب المطعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1842

الشيخ: إي، تحتاج إلى نظر، أما الفرق اليسير لا بأس به مما يُتَسَامَح فيه عادة، أما الفرق الكثير فيحتاج إلى نظر في الواقع.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، فيه الجرائد هذه ( ... ) فيحطها صاحب البقالة في الخارج يعرضها للبيع، فيأتي بعض الناس ويفتح ويقرأ كل الجريدة ثم يردها ويمشي، فحكم هذا الفعل؟ هذه ظاهرة.
الشيخ: صحيح، ما دام صاحب المكان ما منع، ما قال: لا أسمح لأحد أن يراجع وينصرف، هو الذي سلَّط الناس على ماله.
طالب: له أن يرده حين شاء؟ الشيخ: إي نعم، له أن يرده حين شاء، ما دام هكذا قيل.
طالب: استئجار حيوان لأخذ شعره وصوفه ووبره يقاس على اللبن؟ الشيخ: أما القول الراجح في مسألة الصوف يبيعه الآن حاضرًا، أما الصوف المستقبل ففيه جهالة عظيمة؛ لأنه متى ينبت الصوف حتى يكون أَخْذه ممكنًا؟ طالب: ما يُقاس على اللبن؟ الشيخ: قد يُقاس، لكن فيه صعوبة.
طالب: البيع على التصريف، جاء إنسان صاحب محل مثلًا وأعطاه بضاعة، وقال: ما زاد .. يعني أعطاه بضاعة بمبلغ معيّن، بمئة ريال، وقال: بع أنت والزود، واللي يجلس ما تبيعه آخذه منك.
الشيخ: هذا على المذهب ما يجوز، المذهب أن هذا حرام، والراجح إذا عُيِّن الثمن لكل كرتون فلا بأس؛ لأن ( ... ). طالب: عين بمئة، والزود .. الشيخ: لكن يعيِّن لكل كرتون ثمنًا معينًا.
طالب: الآن ينتشر تأجير ( ... ) فانوس الغاز، يأخذ يوميًا مثلًا خمسة ريالات، هل هي مثل الشمعة؟ الشيخ: إي نعم، والصحيح أنه جائز.
الطالب: لكن يختلف الاستخدام، ربما يستخدمه استخدامًا .. الشيخ: ما يخالف، أنا عارف إني أنا متواطئ على أنه ( ... ). الطالب: وبعض الناس ( ... ). الشيخ: ما يخالف، أنا راضٍ، يعني مثلًا اللي أعطاه تريك معبيه تعبئة مليئة يعني يقول ( ... ). طالب: في الشرح قلنا بالتقييد، وهنا بالإطلاق؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1843

الشيخ: إي نعم، هنا لأن التقييد صعب، كيف تتقيد؛ لأن الشمعة مشاهَدة اللي يترك منها، أما هذا صعب، إذا أمكن تقييده فهو أحسن لا شك.
طالب: الإطلاق للشمعة ليس أولى يعني لكونه ( ... ) يسير.
الشيخ: ما هو على كل، أنا قلت لكم قبل قليل، ما دام الناس في سعة كل شيء عندهم هين، لكن يأتي زمن القرش يسوى ريالًا أو أكثر من الريال.
طالب: بيع التصريف ما يدخل تحت بيع ما لا يقبض أو بيع ما لا يملك؟ الشيخ: لا؛ لأن البائع يملك، البائع هو اللي جاب لك البضاعة.
الطالب: تقول: الزائد.
الشيخ: الزائد يعني معناه إنه ما وقع عليه البيع.
الطالب: والضمان على مَن؟ الشيخ: الضمان على المشتري، يعني لو تلف هذا فالضمان على المشتري، يعني لو فرض أنه احترق أو سُرِق فالضمان عليه.
طالب: ما حكم قول بعض الإخوان البارعين في صنعة ما: أنا أصلح لك هذه الآلة مثلًا بمئة وعشرين إن خرج فيها سلك أوصلته ( ... )، ويعتمد في ذلك على خبرته، هل هذه .. الشيخ: كيف؟ طالب: يعني بعض الأجهزة يكون مغلقًا.
الشيخ: مغلقة يعني إيه؟ الطالب: يعني مغلقة بصواميل أو كذا، يعني ليس بظاهر عيبها، ما سبب العطل ليس بظاهر، فيقول: أنا أصلحها .. الشيخ: يعني افرض أنها آلة تصوير.
الطالب: مثلًا، آلة تصوير أو مسجل، يقول: أنا قبل أن أفتحه أفتحه وأصلحه لك، بكل حال، إن كان فيه سلك فاصل فأنا أصلحه بعشرين، وإن كان فيه موتور أو محوّل خارج .. الشيخ: هذا مجهول، هذا ظاهر الجهالة، قد يحتاج إلى قطع غيار أيضًا.
طالب: بارك الله فيك، ( ... ) ما حكم .. الشيخ: لا، قلنا: فيها قول ثاني، بس حكينا بالقول الثاني؟ الطالب: رجَّحْنَا ( ... ). الشيخ: إحنا رجَّحْنا أن العسل والحبة السوادء من أحسن ما يكون للشفاء.
الطالب: يا شيخ، قلنا في الدرس الماضي أنه .. الشيخ: قلنا: لا يمكن، لكن الدرس هذا زدنا أننا شرحنا القول الثاني لأن في قول آخر يجوز وله الخيار إذا رآها.
الطالب: وهو الراجح يا شيخ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1844

الشيخ: إذا كان ما فيه خصومة ولا شيء.
طالب: إذا بقى شيء ووعده بالرد يا شيخ، إحنا قلنا بالدرس الماضي: إنه الإنسان .. الشيخ: ما دام قلنا له الخيار إذا رآها ( ... ). طالب: يُسْتَثْنَى من ذلك لبن الظئر؟ الشيخ: الظئر؟ ويش الظئر؟ الطالب: هي المرضعة التي يستأجرها الرجل لإرضاع مثلًا ولده .. الشيخ: المرضعة المستأجرة للإرضاع، ما وجه الاستثناء؟ الطالب: قالوا بأن المرضعة استُثْنِيَت لأنه جاء القرآن الكريم بالتنصيص على جواز إجارتها.
الشيخ: لكن ما وجه ذلك؟ الطالب: وقالوا بأن المؤجَّر في الحقيقة ليس هو اللبن وإنما هو كونها تضع مثلًا الولد في حجرها.
الشيخ: يعني الاستئجار على عملها، تحمل الطفل تضعه في حجرها تلقمه الثدي.
الطالب: نعم هذا.
الشيخ: ما تقول في هذا؟ هل هذا التعليل صحيح؟ طالب: لا، ما هو صحيح.
الشيخ: ما هو الصحيح؟ الطالب: الصحيح أن العقد على العين؛ على عين الحليب.
الشيخ: على اللبن.
الطالب: على اللبن.
الشيخ: الدليل؟ أو التعليل ما يخالف.
الطالب: التعليل أن هذه المرأة لو لم يكن بها حليب لم تُسْتَأْجَر.
الشيخ: أحسنت، تمام بارك الله فيك، شيخ الإسلام أخذ من هذا مسألة، وهي؟ طالب: ( ... ). الشيخ: الأعيان، أن الأعيان المتجددة بمنزلة المنافع، فعلى رأيه رحمه الله يجوز أن يستأجر الحيوان لأخذ لبنه، والشمع ليشعله، وما أشبه ذلك.
إذا استأجر دارًا وفيها ماء، أو أرضًا وفيها ماء، وسقى بهذا الماء، فهل يصح أو لا يصح؟ طالب: الإجارة ( ... ). الشيخ: ويدخل الماء تبعًا، نقع البئر؟ طالب: ( ... ). الشيخ: يدخل تبعًا، أما على اختيار شيخ الإسلام فالمسألة واضحة مبنية على أن الأعيان المتجدِّدة بمنزلة المنافع، ولا حاجة إلى أن نقول: يُسْتَثْنَى أو لا يُسْتَثْنَى.
ثم قال المؤلف: (والقدرة على التسليم)، هذا الشرط الثالث من شروط العين المؤجرة أن يكون قادرًا على تسليمها للمستأجِر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1845

(فلا تصح إجارة الآبق والشارد)، الآبق يعني العبد الآبق، (والشارد) الجمَل الشارد.
الآبق: هو الذي هرب من سيده وتَغَيَّب ولا يدري عنه سيده شيئًا، لا تصح إجارته؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، وحينئذٍ إما أن يستطيع المستأجِر استلامه، وإما ألَّا يستطيع، فإن استطاع أن يتسلمه صار غانمًا، وإن لم يستطع صار غارمًا، وإنما قلت: إنه إذا استطاع أن يتسلمه صار غانمًا؛ لأن العبد الآبق لا يمكن أن تكون أجرته كأجرة العبد الحاضر؛ لأنه سوف تنزل أجرته، وسوف يعتبر المستأجِر نفسَه مخاطرًا، فإذا قدَّرْنَا أن هذا العبد يؤجَّر في اليوم بخمسين ريالًا لو كان حاضرًا، فإذا كان آبقًا سيؤجر في اليوم بخمسة ريالات أو عشرة ريالات، وحينئذٍ إن وجده فهو غانم -أي: المستأجر- وإن لم يجده فهو غارم.
والقاعدة الشرعية أن كل عقد يكون متردِّدًا بين الغُنْم والغُرْم فهو باطل؛ لأنه ميسر، ويدخل هذا أيضًا في ضمن نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغَرَر.
(الشارد) كذلك، إنسان له جَمَل شارد هارب، فجاء شخص يستأجره منه وقال: أنا أريد أن أستاجر منك الجمل شهرًا بكذا وكذا، ابتداؤه من اليوم، وأنا وحظي؛ إما أن أجده اليوم، وإما ألَّا أجده إلا بعد عشرة أيام، وإما ألَّا أجده أبدًا، نقول: هذه إجارة فاسدة باطلة، وذلك لعدم القدرة على التسليم، والعجز عن التسليم يقتضي أن يكون المستأجِر غانمًا أو غارمًا.
الشرط الرابع: (اشتمال العين على المنفعة)، لا شك أن هذا شرط مهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1846

(اشتمال العين على المنفعة)؛ لأن المعقود عليه بالإجارة هو المنفعة، فلا بد أن تكون العين مشتملة على هذه المنفعة، فإن لم تكن مشتملة على هذه المنفعة صار هذا من باب إضاعة المال الذي لا فائدة فيه، ولهذا قال: (فلا تصح إجارة بهيمة زَمِنَةٍ لِحَمْل)، الزمنة هي التي لا تستطيع المشي، فلو أتى إنسان ليستأجرها ليحمل عليها قلنا: هذه الإجارة غير صحيحة؛ لأنه ( ... ) على أيش؟ على لا شيء، هي مستأجرة للحمل عليها، وهي الآن لا تستطيع أن تمشي، كيف يُحْمَل عليها؟ فتكون الإجارة غير صحيحة، باطلة.
فإذا قال المستأجر: أنا أريد أن أنفع صاحبها وأَجْبُر قلبه؛ لأن بهيمته شُلَّت وانكسر قلبه، وكان يأخذ عليها كل يوم عشرة ريالات يؤجرها، والآن شُلَّت ما تستطيع أن تعمل، وأنا أحب أن أجبر قلبه وأقول: أستأجرها منك عشرة أيام كل يوم بعشرة ريالات، ويش المانع؟ نقول: إذا كنت تريد أن تجبر قلبه فاجبر قلبه بالهبة، أعطه مالًا يكفي، وخَلِّ ناقته عنده، أما أن تعقد عقدًا فاسدًا من باب أكل المال بالباطل فهذا لا يجوز، وباب التبرع والإحسان مفتوح، لسنا نقول: لا تنفعه، انفعه.
إذن لا يصح إجارة بهيمة زَمِنَةٍ لِحَمْل.
إجارة سيارة مُبَوّشَة للسفر عليها؟ طلبة: لا، ما يصح.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: لا، المبوشة؟ معناها الماكينة خربانة مرة، ما تستطيع تمشي، لا تصح الإجارة عليها، إذا قال متى أصلحتَها، يقول المستأجر لصاحبها: متى أصلحتها فقد استأجرتها منك الشهر بكذا وكذا، لا تصح أيضًا.
أولًا: بناءً على أن العقود لا يصح تعليقها كما هو المذهب، كل عقود المعاوضات لا يصح تعليقها.
وثانيًا: أن هذا مجهول، ابتداء المدة من متى؟ من التصليح، التصليح متى؟ غير معلوم، وعلى هذا فلا تصح.
إذا كان فيها خراب قليل، كأن تكون مثلًا العجلات ما تستطيع أن تمشي بها، لكن نعلم أنها تُصَلَّح خلال يوم أو يومين، يجوز تأجيرها ولّا لا؟ يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1847

كذلك يقول: (ولا أرض لا تنبت للزرع)، يعني لا يصح استئجار أرض لا تنبت للزرع، فهذا إنسان عنده أرض واسعة، لكنها سبخة لا تنبت أبدًا، يوجد بعض الأراضي لا تنبت، فاستأجرها للزرع، نقول: لا يجوز أن يستأجرها، لماذا؟ لعدم وجود المنفعة المعقود عليها.
لو استأجرها على أن تكون مستودعًا له، يجوز؟ نعم؛ لأنه يمكن الانتفاع بها، أما إذا استأجرها من أجل أن يزرعها فلا يصح؛ لعدم اشتمالها على المنفعة.
الشرط الخامس: (أن تكون المنفعة للمؤجِر أو مأذونًا له فيها)، وهذا يعني أنه يُشْتَرَط أن يكون مالكًا أو قائمًا مقام المالك، وهذا شرط في جميع العقود، كل العقود لا بد أن يكون العاقد مالكًا للعقد عليها؛ إما بملك أو بنيابة عن المالك، كل العقود، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، فلا بد أن تكون المنفعة المعقود عليها ملكًا للمؤجِر، أو مأذونًا له فيها، لا بد من هذا.
المنفعة للمؤجر مثل: شخص وُهِبَت له منفعة هذه العين، قيل: يا فلان، وهبتك منفعة هذه العين، والعين ليست ملكه، ملكًا لصاحبها، فأجَّرَها، فالإجارة صحيحة؛ لأنه يملك المنفعة وإن لم يملك العين.
وكرجل أُوصِيَ له بمنفعة عبد ليخدمه، وهذا يقع، يكون ملك العبد للسيد، لكن أوصى بعد موته لفلان بخدمة هذا العبد، نقول: الآن الْمُوصَى له مالك للرقبة أو للمنفعة؟ للمنفعة.
إذن لا بد أن تكون المنفعة للمؤجِر.
(أو مأذونًا له فيها)، والمأذون له فيها إما وكيل، وإما ولي، وإما وصي، وإما ناظر؛ ناظر وقف، فلا بد من أن يكون مالكًا أو قائمًا مقام المالك، وهم كم؟ أربعة: الولي، والوصي، والوكيل، والناظر.
فإن آجَرَ ملك غيره فإنه لا تصح الأجرة، فإن وافق على ذلك، أعني صاحب العين وافق، فالمذهب لا يصح، بناءً على أنه لا يصح تصرف الفضولي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1848

والقول الثاني: يصح، وهذا القول هو الراجح.
فلو أن شخصًا عنده علم بأن صاحبه يريد أن يؤجر بيته، يعني صاحب البيت يريد أن يؤجره، وجاء أناس يريدون أن يستأجروه، وصاحبه غير موجود -رب البيت غير موجود- ولكن صاحب رب البيت موجود، فأجَّر هؤلاء، ثم وافق المالك على ذلك، فالصحيح أن الأجرة صحيحة؛ لأن أصل منع نفوذ العقد في مملوك الغير لحق الغير، فإذا وافق فقد أسقط حقه.
يقول: (أو مأذونًا له فيها، وتجوز).
طالب: لو استأجر البيت قبل تمامه ( ... ) هذا البيت بكذا من خوف مثلًا، يعني .. الشيخ: ( ... ). الطالب: نعم.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه ما يدري متى يرجع، هذه واحدة، الشيء الثاني: إذا لم يتم البناء قد يكون هناك نواقص يريدها المستأجر ولكنها ما وُجِدَت.
طالب: ( ... ) يا شيخ، في الوقت الحاضر ( ... ). الشيخ: أما المذهب ما يجوز، لكن على القول بأنه يجوز تعليق العقد يصح، فإذا تم فهو له.
طالب: ما يمكن يستفاد منه يمكن سبعة يؤجروه مثلًا .. الشيخ: يعني ما أنا بصاحب سيارة، لكنهم قالوا: إن الْمُبَوِّشة ما تمشي أبدًا.
طالب: يكون فيها صدى بسيط، ولّا مخبّطة.
الشيخ: يعني المخبّطة ما تمشي.
طالب: نعم هذه.
الشيخ: والمبوشة ما تخالف؟ طالب: ممكن تمشي.
طالب آخر: ممكن تمشي وممكن لا تمشي.
الشيخ: على كل حال، ارجعوا إلى أهل الخبرة، فالمقصود أنه لا يمكن أن ينتفع منها.
طالب: أحسن الله إليك، معنى كلام شيخ الإسلام: الأعيان التي تأتي شيئًا فشيئًا بمنزلة المنافع، تفسير قوله؟ الشيخ: يظهر ذلك بالمثال: اللبن عين، لكنه يَحْدُث شيئًا فشيئًا، فهو بمنزلة المنفعة، فكما أنك لو استأجرت هذه البعير للركوب جائز لأن منفعتها تتجدد فكذلك اللبن؛ لأنه يعتبره منفعة، يقول: ليس هذا جزءًا من البعير، بل هو منفعة ينفصل عنه، فهو بمنزلة المنافع، وله الأصل الذي استند عليه وهو جواز استئجار المرضع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1849

طالب: إذا كان الإنسان يكون في نفسه شيء أن يقبل الإحسان من الناس، فيلجأ أصدقاؤه إلى عقد صوري، كما في المسألة هذه التي مرت معنا حتى يقبل منهم المال، يقول: أنا أستأجر هذه السيارة التي لا تصلح للمشي، أستأجرها، لا أقول له: إني أستأجرها لأسافر أو كذا، لكن أستأجرها فقط حتى يأخذ مني المال ويقبله، وأنا أعرف أنه محتاج، فأيضًا يبقى على المنع بأنه عقد فاسد، أو يكون لها وجه؟ الشيخ: لا، يبقى، شرط الله أحق، شرط الله أوثق، حتى الناس يعرفون أن هذا لعب وهك على صاحب العين.
طالب: إجارة المشاع مفردًا لغير الشريك، يجوز؟ الشيخ: من أين أتتك هذه العبارة.
طالب: من الروض؟ الشيخ: من الروض، واحنا نقرأ؟ طالب: ( ... ). الشيخ: في الزاد، إجارة المشاع لغير شريكه إذا أمكن الانتفاع فلا بأس، وإذا لم يمكن فلا يجوز، والانتفاع فيما نرى ممكن.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم لكن يمكن تأجيره.
( ... )


الطالب: وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامَه لا بأكثر منه ضررًا، وتصح إجارة الوقف، فإن مات المؤجر وانتقل إلى مَن بعده لم تنفسخ، وللثاني حصته من الأجرة، وإن آجَرَ الدار ونحوها مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح، وإن استأجرها لعمل كدابة لركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث أو دياس زرع، أو مَن يدله على طريق اشتُرِطَ معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن من شروط صحة عقد الإجارة على العين أن تكون مشتملة على المنفعة، وأن التي لا منفعة فيها لا يجوز عقد الإجارة عليها، وسبب ذلك أن المعقود عليه هو المنفعة، وإذا كانت معدومة فأين المعقود عليه؟ هذا تعليل الفقهاء رحمهم الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1850

ولنا أن نعلِّل بدليل وهو نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال (5)، وهذا إضاعة مال بالنسبة للمستأجِر، فإذا قال: إني أريد أن أنفعه، فقد علمتم الجواب فيما سبق؛ أننا نقول: انفعه بما شئت، لكن لا تجعله على صفة عقد محرَّم؛ لأن جميع العقود المحرَّمة والشروط المحرَّمة كلها باطلة حرام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى من شروط صحة إجارة العين، يقول: (وأن تكون المنفعة للمؤجِر أو مأذونًا له فيها)، لم يقل: أن تكون العين المؤجَرة، (المنفعة للمؤجِر أو مأذونًا له فيها)، وذلك أنه لا يصح تصرف غير المالك فيما لا يملك إلا بإذن من الشرع، أو إذن من المالك؛ لأن هذا اعتداء على الغير، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، وهذا أكل للمال بالباطل.
فلا بد أن تكون المنفعة للمؤجِر؛ إما بملكه العين، إنسان مثلًا له دار، الدار ملك له، عينها أو منفعتها؟ طالب: منفعتها.
الشيخ: عينها، وتتبعها المنفعة؛ لأن مَن ملك العين ملك المنفعة.
إنسان عنده بعير يملكها فهو مالك أيضًا لمنفعتها.
إذن أن تكون المنفعة للمؤجِر إما بملكه العين، أو بكونه مُوصًى له بها، بأن قال الإنسان عند موته: أوصيت بمنفعة بيتي هذا لفلان، ومات، فالموصَى له يملك المنفعة، لكنه لا يملك العين، فيجوز أن يؤجر المنفعة أو لا؟ يجوز؛ لأنها ملكه.
كذلك أيضًا: من ملك المنفعة أن يكون شخص اشترى منفعة من آخر كمَمَرٍّ في دار، وقد مر علينا هذا في أول كتاب البيع، فله أن يؤجره.
والحاصل أنه يُشْتَرَط أن يكون مالكًا للمنفعة، سواء كان مالكًا للعين أو لا.
ومن ذلك أيضًا (أو مأذونًا له فيها) المأذون له بتصرف مال الغير، أو بعبارة أصح: المأذون له بالتصرف في ملك الغير الوليُّ، والثاني الوصيُّ، والثالث الوكيلُ، والرابع ناظرُ الوقف.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1851

الشيخ: سبحان الله! ويش بقي لنا يا جماعة، خيرًا إن شاء الله، ما فيه مانع، على كل حال تجوز إعادة الجماعة إذا حضر المسجد والناس يصلون.
وقفنا على أيش؟ قال: (وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه)، يعني يجوز للمستأجر أن يؤجر غيرَه، كرجل استأجر بيتًا لمدة سنة ثم عدل عنه، أو لم يعدِل لكن جاءه شخص وقال: أَجِّرْنِي مدة إجارتك، فأجره، فلا بأس، وهذا مالك ولّا غير مالك؟ المؤجِّر الذي أَجَّر غيره مالك للمنفعة، وعقد الإجارة يكون على إيه؟ على المنفعة ما هو على العين، فإذا استأجرت شيئًا وأجَّرْتَه غيرك فالإجارة صحيحة.
لكن اشترط المؤلف قال: يُشْتَرَط أن يكون (يقوم مقامَه) يقوم مقام المستأجِر الذي أجَّر، أي: (ليس أكثر منه ضررًا)، فإن كان أكثر منه ضررًا فإنه لا يملك ذلك.
مثاله: رجل استأجر دكانًا لبيع الْحُلِيّ، ثم جاءه إنسان آخر وقال: يا فلان، أنا أريد أن تؤجرني مدة استئجارك، وهو الثاني بائع حلي، يجوز أو لا؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الثاني يقوم مقام الأول، واضح؟ شخص آخر استأجر دكانًا لبيع الْحُلِيّ، فجاءه رجل صاحب فرن، تعرفون صاحب الفرن؟ طلبة: نعم.
الشيخ: قال: أريد أن أستأجره منك، يجوز أن يؤجره؟ الطلبة: لا.
الشيخ: سبحان الله، كلكم تقولون: لا؟ ! لماذا؟ لأن صاحب الفرن يضر الدكان أكثر من صاحب الذهب، واضح؟ إذن يجوز أن يؤجِّره لمن يقوم مقامه، ومعنى يقوم مقامه أن يكون مثله في استيفاء المنفعة، أو أقل منه ضررًا.
رجل آجَرَ هذا الدكان لفَرَّان، ثم إن الفران جاءه شخص بائع حلي وقال: أَجِّرْني إياه مدة إجارتك، يجوز أن يؤجره أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لكن لو كان للمؤجِر غرض صحيح في تأجيره صاحب الفرن، وهو أنه يخدم هذه المنطقة؛ لأنها منطقة ليس عندهم فَرَّان ولا خَبَّاز، ومنعه، أي: منع المالكُ المستأجِرَ أن يُؤْجِره غيره ولو كان أقل منه ضررًا، فهل له أن يمنعه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1852

نقول: إن شَرَطَ عليه ذلك بأن قال: لا بد أن تقيم هنا مخبزًا، فليس له أن يُؤَجِّرَه من لم يخبز فيه.
وإن كان لم يشترط، وقال: أنا هذا غرضي، أنا غرضي أخدم هذا الحي حتى لا يذهبوا إلى بعيد يشترون الخبز.
فالظاهر لي في هذه الحال أنه ما دام له غَرَض صحيح فله أن يمنعه؛ لأن بعض الناس قد يكون له غرض، أما إذا لم يكن غرض صحيح فإنه إذا أَجَّرَه لمن هو دونه فلا بأس.
ظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يُؤَجِّره بمثل الأجرة أو أكثر، فهل نأخذ بهذا الظاهر؟ الجواب: نعم، فيجوز للمستأجر أن يُؤَجِّر بقية مدته لغيره بأكثر من أجرته، وهذا ربما يقع؛ يستأجر إنسان دكانًا في بلد فيه مواسم، فيستغله هو في غير وقت الموسم، مثل أيش؟ يعني البلد اللي بها مواسم؟ مكة والمدينة، استغله في غير وقت المواسم، ثم جاءه شخص يريد أن يستأجره منه في وقت الموسم بأضعاف الأجرة التي استأجره بها، أيجوز أم لا؟ يجوز، هذا ظاهر كلام المؤلف؛ لأن المؤلِّف لم يَقُل: بشرط أَلَّا يأخذ أكثر من أجرته، وعلى هذا فيجوز للمستأجر أن يُؤْجِر غيره إذا كان يقوم مقامه ولو بأكثر من الأجرة، أفهمتم؟ التعليل، قالوا: لأنه مالك للمنفعة ملكًا تامًّا، والمالك له أن يتصرف، يبيع بكثير يبيع بقليل، ما فيه مانع.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز أن يؤجِّر بأكثر، واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح مالم يُضْمَن، والمنافع غير مضمونة، ولهذا لو انهدم الدكان مثلًا انفسخت الإجارة، ولم يطالَب صاحب الدكان بأن يُؤَمِّن له دكانًا آخر، فإذا كانت المنافع لم تُضْمَن فقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن رِبْحِ ما لم يُضْمَن.
(6) والذين قالوا بالجواز أجابوا عن هذا بأنه خاص في البيع، أما الإجارة فلا يشملها الحديث، لكن العمل الآن على أي القولين؟ العمل الآن على القول الأول؛ أن المستأجِر له أن يؤَجِّر مدة إجارته ولو بأكثر من الأجرة، وعليه العمل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1853

وهو فيما يبدو أقرب إلى الصواب من المنع؛ لأن الحديث ليس صريحًا في مسألة الإجارة.
(وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه).
فيه مسألة: لو أن الإنسان استؤجر على عمل في الذمة، بأن قيل له: نريد أن تنظف هذا البيت كل يوم، ولك في الشهر مئة درهم، فاستأجر مَن ينظف البيت كل يوم على حسب ما حصل عليه العقد لكن بخمسين ريالًا، يجوز أو لا؟ نعم يجوز، هذا من جنس ما إذا قلنا: إنه يجوز أن يؤجِّر بقية مدته بأكثر من الأجرة، فيجوز، وعلى هذا عمل الناس اليوم.
تجد مثلًا أن الحكومة تتفق مع شركة على تنظيف المساجد، كل مسجد الشهر بكذا وكذا، ثم هذه الشركة تأتي بعمال يقومون بما تم عليه العقد بأقل من ربع ما اتفقت الشركة مع الحكومة، موجود هذا ولّا لا؟ موجود، إلا إذا كان الغرض يختلف بالنسبة للمستأجِر، إذا كان يختلف فهذا لا يجوز.
مثل: إنسان استأجرته لينسخ لي زاد المستقنع، والرجل أعرف أن خطه جيد، وأن خطأه قليل، فاستأجر إنسانًا يخطه بأقل مما أَجَّرْتُه به، وهذا الشخص خطه جميل لا شك، الأخير الذي استأجره المستأجَر، فهل يجوز أو لا؟ يقول العلماء: إنه لا يجوز؛ لأن العبرة بالنسخ ليس بجمال الخط، ولكن بجمال الخط، ووضع الفواصل، والعلامات، والإملاء، كم من إنسان خطه من أجمل الخطوط، لكن في الإملاء يكتب غيرِ المغضوب عليهم ولا الضالين، بالضاد المشالة في الموضعين، ويش تقولون في هذا؟ يصلح؟ خطأ في أيش؟ طالب: خطأ في الإملاء.
الشيخ: خطأ في الإملاء، وهذا كثير، كثير من الطلاب الآن هنا أو في الجامعة خطوطهم جميلة، لكنها في الإملاء ما عندهم قاعدة، وكثير من الناس خطه رديء ولا يعرف يقرؤه إلا مَن تمرن عليه، ولكنه في الإملاء جيد.
المهم على كل حال ما يختلف فيه الغرض لا يجوز لأحد أن يقيم مُقامه غيرَه.
قال المؤلف رحمه الله: (وتصح إجارة الوقف)، أولًا: لا بد أن نعرف ما هو الوقف؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1854

الوقف: هو العين التي سُبِلَت منفعتها وحُبِسَ أصلها، هذا الوقف، يسمى عند الناس السبيل.
مثاله: إنسان أوقف بيته، قال: هذا وقف على الفقراء، يبقى البيت ما يمكن يُبَاع، وأجرته أو سُكْنَاه لِمَن؟ للفقراء، هذا الوقف، شخص قال: هذا البيت وقف على أولادي، أولاده الآن لا يمكن أن يبيعوه، لماذا؟ لأنه وقف محبوس، لكن يمكن أن ينتفعوا به بالسكنى، بالتأجير، وما أشبه ذلك.
الوقف تجوز إجارته، والمؤلف رحمه الله قال: (تصح إجارة الوقف)، لا لمجرد أن يبيِّن لنا أن إجارة الوقف صحيحة؛ لأن هذا أمر لا يحتاج إلى تنبيه، لكن لما يتفرع عليه.
إذن الوقف تجوز إجارته ولا يجوز بيعه، لماذا؟ لأن الإجارة واردة على المنفعة، والمنفعة ملك لمن؟ للموقوف عليه، ليست واردة على العين التي لا يجوز بيعها.
(تصح إجارة الوقف)، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين الوقف على معين؛ كعلى أولاده، أو على غير معيَّن؛ كعلى الفقراء، أو على جهة تملك؛ كما مثلنا، أو على جهة لا تملك؛ كما لو وَقَّفَ هذا البيت لمصالح المساجد، المساجد ما تملك، فعلى كل تقدير تصح إجارة الوقف، واضح يا إخوان؟ أراد المؤلف أن يُفَرِّع عليها ما يأتي: (فإن مات الْمُؤْجِر وانتقل إلى مَن بعده لم تنفسخ، وللثاني حِصَّتُه من الأجرة).
أَجَّرَ الوقف باعتبار أنه مستحق ومات، ينتقل الوقف إلى مَن بعده، مثاله: قال: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم.
الأولاد أَجَّرُوا ثم ماتوا، انتقل الوقف الآن إلى مَن؟ طلبة: إلى أولادهم.
الشيخ: إلى أولادهم، الآباء أَجَّرُوا الوقف لمدة عشر سنين، لكن الله تعالى قضى عليهم بالموت في خلال ثماني سنوات، وبقي من المدة سنتان، هل تنفسخ الإجارة؟ المؤلف يقول: لا تنفسخ؛ لأن الآباء أَجَّرُوه في وقت هم أصحاب المنفعة الذين يملكونها، فنفذ العقد، فإذا انتقل إلى مَن بعدهم انتقل على أنه مُؤَجَّر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1855

بقي علينا الأجرة هل تكون جميعها للأولين أو تكون جميعها للأولاد الذين انتقل إليهم الوقف، أو كلٌّ له بقسطه؟ استمع، يقول: (وللثاني حصته من الأجرة) أي: نصيبه.
في المثال الذي ذكرنا مضى من المدة ثمانية من عشرة، أربعة أخماس، يبقى خُمْس، تكون خُمْس الأجرة لمن؟ للبطن الثاني؛ للأولاد، لهم خُمْس الأجرة، فإذا قَدَّرْنا أنهم أَجَّرُوها بألف فلهم، أي: للذين أَجَّرُوا وقد ماتوا في السنة الثامنة ثمانِ مئة، وللآخرين مئتان، هذا هو كلام المؤلف رحمه الله.
ولكن يجب علينا أن نعرف الفرق في قيمة المنفعة، قد تكون في بعض السنوات أكثر من بعض، ولكن يقال: إن كل منفعة قد قبضها أصحابها، ولا سيما إذا كانوا يقولون: عشر سنوات، كل سنة بمئة إذا حَدَّدُوا، فواضح أن للآخرين مئتين من ألف، وإن لم يُحَدِّدُوا ربما يُنْظَر في الموضوع، ويُعْتَبَر فرق السعر بين الأول والثاني.
(للثاني حصته من الأجرة) هذا ما قَرَّرَه المؤلف رحمه الله أنها لا تنفسخ، والسبب أو العلة: لأن أولئك أَجَّرُوا في وقت هم مالكون للمنفعة، فكان عقدهم صحيحًا.
وانتقل إلى البطن الثاني، وهم الأولاد، انتقل إليهم ومنفعته مملوكة للمستأجِر، فتبقى الإجارة على ما هي عليه.
وقال بعض العلماء: إنه إذا مات المؤجِر أي: مُؤْجِر الوقف فإن الأجرة تنفسخ، لماذا؟ قالوا: لأن البطن الثاني يتلقى المنفعة من الواقف لا من البطن الأول، واضح؟ هذا رجل وَقَّفَ هذا البيت على ولده، واجعلوه واحدًا، ثم أولاده، الولد هذا أَجَّرَ البيت عشر سنوات، ومات حين تم للأجرة خمس سنوات، انتقل الوقف إلى مَن؟ إلى الولد، الولد خَلُّوه واحدًا علشان ما تتشتت علينا المسألة ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1856

وإن أَجَّرَ الدارَ ونحوَها مُدَّةً ولو طَويلةً يَغْلِبُ على الظنِّ بقاءُ العينِ فيها صَحَّ، وإن اسْتَأْجَرَها لعمَلٍ كدَابَّةٍ لرُكُوبٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أو بَقَرٍ لحَرْثٍ أو دياسِ زَرْعٍ أو مَن يَدُلُّه على طريقٍ اشْتَرَطَ مَعرفةَ ذلك وضَبَطَه بما لا يَخْتَلِفُ.
ولا تَصِحُّ على عَملٍ يَخْتَصُّ أن يكونَ فاعلُه من أهلِ القُربةِ وعلى الْمُؤَجِّرِ كلُّ ما يَتَمَكَّنُ به من النفْعِ كزِمامِ الجمَلِ ورَحْلِه وحِزامِه والشَّدِّ عليه , وشَدِّ الأحمالِ والْمَحامِلِ والرفْعِ والحطِّ , ولُزومِ البعيرِ ومَفاتيحِ الدارِ وعِمارتِها، فأَمَّا تَفريغُ البالوعةِ والكنيفِ فيَلْزَمُ المستأْجِرَ إذا تَسَلَّمها فارِغَةً.
خمس، لماذا؟ قالوا: لأن البطن الثاني يتلقى المنفعة من الواقف لا من البطن الأول، واضح؟ هذا الرجل وقَّف هذا البيت على ولده، وجعله واحدًا، ثم أولاده، الولد هذا أجر البيت عشر سنوات، ومات حين تم للأجرة خمس سنوات، انتقل الوقف إلى من؟ إلى الولد، الولد خلوه واحدًا، عشان ما تتشتت علينا المسألة، انتقلت الأجرة الآن إلى الولد، المؤلف مشى على هذا، على أن الإجارة باقية، وللولد حصته من الأجرة؛ يعني من حين مات أبوه يأخذ الأجرة، لكن القول الثاني أنها تنفسخ، وعلى هذا القول بمجرد ما يموت الأب تنفسخ الإجارة، وللولد أن يطالب المستأجر بالخروج عن البيت أو زيادة الأجرة أو يبقيه بالأجرة أو يبقيه بأقل، واضح؟ وكذلك أيضًا للمستأجر؛ يعني المسألة ما هي بحظ الموقوف عليه فقط قد تكون من حظ المستأجر، المستأجر أيضًا يقول: خلاص انفسخت الأجرة، وأنا بطلع، فيطلع، وهذا قد يكون من مصلحته، متى يكون من مصلحته؟ إذا نزلت الأجور صار من مصلحته، والله ما أدري، واضح يا جماعة؟ الآن في المسألة قولان: القول الأول: أنها لا تنفسخ الإجارة، وأنها تبقى إلى أن تنتهي المدة، ثم يرجع الوقف إلى مستحقه.
والقول الثاني: أنها تنفسخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1857

تعليل القول الأول عرفتموه؛ أن الذين أجَّروا في حال يملكون فيها المنفعة، فصار العقد صحيحًا ولا دليل على إفساخه، أما حجة الآخرين فقالوا: إن الموقوف عليه يتلقى الوقف، ممن؟ طلبة: من الواقف.
الشيخ: من الواقف، ليس من هؤلاء، وإذا كان يتلقاهم الواقف، فهؤلاء انتهى استحقاقهم الوقف بمجرد موته، ولم يبق لهم شيء فيه، وبعضه فصَّل لكن لعلنا لا نأخذ التفصيل؛ لأنه أخشى أن يعمي عليكم ما عرفتم.
العمل الآن على أي شيء؟ العمل الآن على أنها لا تنحسر، عمل الناس الآن عندنا أنها لا تنحسر، ولكن يبقى على المرء، هل يجوز لمستحق الوقف أن يؤجرها مدةً يغلب على الظن أنه لا يعيش إليها أو لا؟ هذه النقطة؛ يعني إذا قلنا: إنها لا تنفسخ -كما هو عمل القضاة وعمل الناس اليوم- فهل يجوز للبطن المستحقين أن يؤجروا مدة يغلب على الظن أنهم لا يعيشون إليها أو لا يجوز؟ نقول: لا يجوز، ما دمنا قلنا: إن الإجارة لا تنفسخ، فهذا يعني أنهم سوف يعتدون على حقوق الآخرين، وهذا لا يحل، فمثلًا: إذا قدرنا أن صاحب الوقف الآن بلغ تسعين سنة، وأجره شخص آخر لمدة خمسين سنة، نعم كم عمره؟ طلبة: مئة وأربعون.
الشيخ: مئة وأربعون، الغالب أنه يعيش مئة وأربعين ولّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما هو الغالب؛ يعني لما عاش إلى تسعين هذا ما شاء الله، نعم.
على كل حال، نقول: لا يحل لك أن تؤجره، كم يؤجره؟ نقول: تسعين سنة؟ سنة، ما يخالف سنة لا بأس، يمكن ما تؤجرها شهرًا، يؤجرها سنة، لكن يؤجرها أربعين سنة؟ هذا بعيد، فيقال له: أنت الآن مستحق، ولا ننكر استحقاقك، لكن لا تؤجر مدة أكثر مما يغلب على الظن بقاؤك فيها، واضح؟ وهذا حق؛ لأنه لو أجر وكان المعمول به أنها لا تنفسخ الإجارة فهو اعتداء على حقوق الآخرين، وهذا لا يجوز، انتهينا من هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1858

المسألة الثانية: هل يجوز للبطن الأول أن يستسلف الأجرة؟ بمعنى أن يأخذ الأجرة مقدمًا؟ فمثلًا أجَّرها عشر سنوات؛ يعني إنسان مثلًا موقوف عليه، هذا المحل وقف عليه، جاءته شركة قالت: أنا أريد أن أستأجر منك هذا المحل عشر سنوات أَنْقُدُ لك الأجرة الآن عشر سنوات، أَنْقُدُها لك نقدًا، كل سنة بعشرة آلاف، عشرة في عشرة بكم؟ مئة ألف، نعطيك إياها الآن نقدًا، وأجِّرنا إياها، هل يجوز أن يأخذها نقدًا؟ يجوز ولَّا لا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: يجوز؟ لا، ما يجوز؛ يعني لا يجوز للبطن الأول أن يستسلف الأجرة؛ لأنه لا يدري، قد يموت، وإذا مات معناه أنها دخلت في تركته وربما ينفقها وتضيع على البطن الثاني، فليس له أن يستسلف الأجرة، أفهمتم يا جماعة؟ لو قال: أنا أستسلف الأجرة؛ يعني آخذ الأجرة مقدمًا؛ لأنني سوف أعمر في الوقف، والوقف محتاج إلى التعمير، يجوز أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا لمصلحة الوقف، وليس فيه شيء، وما دام لمصلحة الوقف فلا حرج، إن شاء الله فهمنا المسألة تمامًا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، إي، ما ( ... ). الطالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، المسألة الأخيرة هذه، لماذا قلنا: لا يجوز .. الشيخ: أيهم، عندنا ( ... ). الطالب: أن يستسلف الأجرة، لو قلنا مثلًا يا شيخ: إنه يجوز، ولكن إذا توفي مثلًا قبل انقضاء المدة فإنه يؤخذ من تركته؛ لأنه تصرف وقت ولايته؟ الشيخ: إي، لكن هو لم يملك المستقبل.
الطالب: نعم.
الشيخ: وتركته ربما ينفقها كما قلنا، ربما ينفقها، وربما يماطل الورثة، كل الناس على حد سواء.
ثم هو أيضًا ما يستحقها حتى الآن، هو مستحق الذي يمضي عليه في حياته، أما المستقبل ما هو مستحق.
طالب: شيخ، الآن يعمل بأخذ الأجرة مقدمًا.
الشيخ: أيش؟ الطالب: أخذ الإيجار مقدمًا الآن، يعمل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1859

الشيخ: هذا في الملك، بارك الله فيك، ما فيه بأس، ولهذا الآن أقول لكم: لو أن إنسانًا أجر ملكه مدة عشر سنوات، ثم مات بعد خمس سنوات، هل تنفسخ الأجرة؟ هذه لا تنفسخ، قولًا واحدًا؛ لأن الورثة ملكوه من مورثهم مسلوب المنفعة مدة الإجارة، فلا يمكن أن تنفسخ بالاتفاق الظاهر، لكن في مسألة الوقف؛ لأن الموقوف عليهم لا يملكون إلا المنفعة، ويتلقونها من الواقف.
طالب: شيخ بنسبة للوقف، هل يجوز الوقف على الذكور دون الإناث ولّا لا؟ الشيخ: يعني له بنت وولد.
الطالب: عنده عيال، وعنده بنات، ( ... ) الأولاد دون البنات.
الشيخ: بيوقف على البنات دون الأولاد .. الطالب: نعم، الذكور دون الإناث.
الشيخ: الذكور دون الإناث، إي نعم، هل سمعت بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (1). الطالب: ( ... ). الشيخ: سمعت به؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: اصبر، لا، أقول: هل سمعت ذلك ولّا لا؟ الطالب: سمعت.
الشيخ: الذي وقَّف على الولد دون البنت هل اتقى الله وعدل؟ خلوه يجاوب هو؟ الطالب: لا.
الشيخ: إذن .. الطالب: ( ... ). الشيخ: إذن لا يجوز أن يفضل أحدًا من أولاده على الآخر في الوقف.
طالب: بارك الله فيكم، في مسألة إذا أجر المستأجر العين الوقف لغيره، فمسألة إلا أن يكون له غرض صحيح ما وضحت لي.
الشيخ: ( ... ). الطالب: إحنا قلنا: إذا كان المستأجر الجديد، قد يكون يسبب ضررًا على العين أكثر من الأول، فهذا لا يجوز إلا أن يكون له غرض صحيح، كأن يكون صاحب مخبز يريد به أن يخدم المنطقة أو كذا.
الشيخ: إحنا قلنا: إذا أجر المستأجر لمن هو دونه في الضرر، هل يجوز أم لا؟ قلنا: إنه يجوز إلا إذا كان للمؤجر غرض في كونه يبقى على ما تم عليه العقد.
طالب: ( ... ) يجوز؟ الشيخ: ما يجوز؛ لأنه غرض.
طالب: ( ... ) على أولاده وأولاد أولاده إذا كانوا من البنات، نقيده بمن يرثه يا شيخ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1860

الشيخ: إحنا الآن ( ... ) يا أخي، إحنا بس ذكرنا مسألة التأجير، أما الوقف على الأولاد ومن يدخل في الأولاد ومن لا يدخل فهذا له باب مستقل، باب طويل يعني.
طالب: ( ... ) أنه يجوز أجرة الوقف دون بيع ما يمنع يا شيخ، -مثلًا- لو قلنا: الأجرة هي في الحقيقة بيع .. ( ... ) الشيخ: ومنافع الوقت ملك للموقوف عليه، والتأجير يَرِد على أيش؟ طالب: ( ... ). الشيخ: هذا مالك المنفعة.
طالب: ( ... ). الشيخ: تأجيره، يجوز تأجير المنافع وتأجير المنافع بيع لها كمان مر علينا، أن الإجارة نوع من البيع ولهذا ثبت لها أحكام البيع في مسألة خيار المجلس، خيار الشرط وما أشبه ذلك.
طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليَّ كون الوصية للوارث لا تجوز، وإيقاف صاحب الوقف على أولاده ( ... )؟ الشيخ: أشكل؟ أيش أشكل؟ وهل يلزم من الوقف على الولد أن يكون بعد الموت، قد ( ... ) في حياته، أفهمت؟ أسألك، هذا مثال ما هو بلازم أن يكون في الموت، وبعد الموت عادي ينظر فيه، نعم.
طالب: ( ... ) أراد أن يرفع الأجرة؛ لأن الإجارة وقعت في زمن ماض، وكانت الأجرة قليلة، في ذلك الوقت ( ... ) قليلة، وأراد رفع الأجرة، هل له ذلك يا شيخ؟ الشيخ: إذا قلنا بالانفساخ فله ذلك، وإذا قلنا: لا ينفسخ، فليس له ذلك.
طالب: ( ... ) بعض الناس يستأجر بيتًا في البلاد التي يكون فيها مواسم عادةً، ولا يكون له غرض صحيح في هذا البيت غير أنه يؤجره في وقت الموسم، مثلًا يؤجره بعشرة آلاف، ثم يأتيه في الموسم بخمسين ألف؛ يعني كأنه مشروع تجاري، فهل هذا القصد صحيح؟ الشيخ: لا بأس، ما فيه مانع، لكن في الغالب لا تكون الصورة كما قلتَ: إنه يستأجر بعشرة وأهل البيت يعرفون إنه سيؤجر بخمسين.
طالب: في مكة والمدينة يا شيخ بيحصل الآن في المواسم ربما يؤجر البيت يكون مستأجره بعشرة .. الشيخ: لا، ما هو بها النسبة هذه.
الطالب: في الحج اليوم يؤجر الشقة بألف ريال ( ... ). الشيخ: على كل حال هو جائز.
طالب: الراجح من القولين ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1861

الشيخ: في؟ الطالب: في انفساخ إجارة الوقف في موت الواقف، المؤجر؟ الشيخ: ما نرجح شيئًا ما دام العمل على أنه لا تنفسخ، ماذا وإلا تطمئن إليه النفس أنه إذا كانت المدة زائدة على ما يغلب على الظن بقاء المؤجر فيها فإنها تنفسخ؛ لأن هذا عدوان، ولا يجوز نمكنه من العدوان، أما إذا كانت المدة قصيرة، وجرت يعني الغالب على الظن أنه يبقى إلى هذه المدة، فإنها لا تنفسخ؛ لأنه لم يعتدِ، لكن الإنسان لو تسعين سنة بيؤجر أربعين سنة، هذا على الغالب أنه ما يبقى، أفهمت؟ هذا الذي تميل إليه النفس، لكن القضاة لهم أنظار أخرى، والعمل على أنه لا انفساخ.
طالب: ( ... ) تعطي الجامعة وغيرها سكنًا للطلاب، هل يجوز للطالب الذي أخذ سكنًا أن يؤجره لغيره، أو يعطيه تبرعًا، أن يتنازل بالتبرع من غير علم الإدارة؟ الشيخ: سمعتم السؤال، يقول: أحيانا الجامعة تمنح شخصًا سكنًا، فهل يجوز أن يؤجره؟ أو يتنازل لأحد؟ الجواب: لا؛ لأن هذه البيوت ليست تمليك منفعة، ولكنها تمليك انتفاع، فهي كالعارية لو أن شخصًا قدم البلد وأعرته بيتك لمدة أسبوع فإنه لا يملك أن يتصرف فيه، لا بتأجير ولا بتنازل؛ لأن الاستعارة ملك انتفاع لا ملك نفع، فهذا الطالب يقال له: إما أن تسكن وإما أن تترك.
الطالب: إذا استأجر المستأجر هذه العين، ولم يكن معروفًا بكثرة الضيوف، فتبين أنه كثير الضيوف، ويتكرر عليه الضيوف كثيرًا، فتختلف حينئذ صرفية الماء مثلًا؟ الشيخ: صرفية الماء ما هي على صاحب العقار.
الطالب: بلى على صاحب العقار .. الشيخ: لا، راجع، ما هي على صاحب العقار، ( ... )، الكهرباء؟ الطالب: الكهرباء على صاحب ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1862

الشيخ: والماء، والشيء المستهلك، ما يمكن يصير على صاحب العقار؛ لأنه يؤدي إلى أن تكون الأجرة مجهولة، فرق بين من يصرف مثلًا في اليوم ماء كثيرًا، ومن لا يصرف إلا شيئًا قليلًا، هذا إذا كان الماء له قيمة بينة، أما مثلًا عندنا -والحمد لله- فالماء قيمته قليلة جدًّا، حتى لو بلغت أقصى ما يكون لا تجحف بالإنسان ولا يُهتم بها.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: لا.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: أبدًا، الضيف بيأكل ويشرب ويمشي.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: ما يخالف، خلوه كثيرًا، أبدًا ما فيها، لكن إذا كان خاف، إذا قدرنا أنه رجل؛ يعني أجنبي -مثلًا- ويجيه أجانب كثيرون، يقدر يشترط عليهم، يك ويش بيقولوا؟ يقول شرط ما تضيف باليوم أكثر من خمسة .. طالب: يوميًّا عشرة.
الشيخ: ( ... ) عشرة لا ( ... ) يضيف العشرة، إذا جاء أحد عشر يقول للزائد: ارجع وراء، كذا؟ صعب ذلك.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وَإِنْ أَجَّرَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا مُدَّةً وَلَوْ طَويلَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ العَيْنِ فِيهَا صَحَّ، وَإنِ اسْتَأْجَرَهَا لِعَمَلٍ، كَدَابَّةٍ لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثٍ، أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ، أَوْ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ، اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ وَضَبْطُهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ، وَلَا تَصِحُّ عَلَى عَمَلٍ يخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ القُرْبَةِ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، هل تجوز إجارة المستأجر، يعني أن يؤجر المؤجر غيره، مطلقًا؟ الطالب: بشرطين.
الشيخ: وهما؟ طالب: الشرط الأول: أن لا يكون أكثر منه ضررًا.
الشرط الثاني: ( ... ). الشيخ: الشرط الثاني متفق عليه؟ ولّا من أين أتيت به؟ الطالب: اشترط الفقهاء، ألّا يكون أكثر من الأجرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1863

الشيخ: الفقهاء، من الفقهاء؟ من يعرف؟ طالب: ( ... ) يا شيخ شرط واحد، هو ألا يكون أكثر منه ضررًا.
الشيخ: أن لا يكون أكثر منه ضررًا، لكن بعض العلماء اشترطوا شرطًا، المذهب أنه ما هو شرط، يعني له أن يؤجر بأكثر مما استأجر، ولا حرج؛ لأن المنفعة ملكه، لكن بعض العلماء قال: لا يجوز؛ لأنه داخل في ربح ما لم يضمن.
يقول مالك: إنها تجوز إجارة الوقف، فما هو الوقف؟ طالب: الوقف هو أن يوقف الإنسان بيتًا أو أرضًا لغيره ينتفع بها يجوز أن يتصرف بها ببيع أو هبة .. الشيخ: نعم، تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، هكذا جاء الحديث، حين استشار عمر النبي صلى الله عليه وسلم في الأرض التي أصابها في خيبر قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» (2)؛ أي: بمنفعتها و ( ... ). مثاله؟ طالب: مثال.
الشيخ: مثال الوقف.
طالب: مثال الوقف، أن يوقف الرجل مزرعته .. الشيخ: فيقول؟ الطالب: فيقول: هي وقف، لا تُباع.
الشيخ: هذه وقف على من؟ الطالب: على أبنائه.
الشيخ: على أبنائه أو على ذريته، هذا هو الوقف.
هل يجوز لأهل الوقف أن يؤجروا هذا الوقف؟ طالب: نعم.
الشيخ: يجوز، أليس الوقف لا يجوز بيعه؟ طالب: لكن الإجارة غير البيع؛ لأنهم يملكون المنفعة، وإن لم يملكوا عينها.
الشيخ: الإجارة غالبة على المنفعة، والمنفعة ملك للموقوف عليه، يتصرف فيها كما شاء.
إذا مات المؤجر وانتقلت إلى من بعده هل تنفسخ الإجارة؟ الطالب: إذا كان أجر لمدة يغلب الظن أنه لا يعيش إليها، فصحيح أنها تنفسخ الإجارة، وإذا أجر إلى مدة يغلب عليه الظن أنه يعيش إليها، فاختلف الفقهاء؛ منهم من قال بانفساخ العقد، ومنهم من قال بعدم انفساخه، وهو الجاري عليه العمل الآن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1864

الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، هذا هو القول الراجح، أنه إذا أجر الموقوف عليه مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش فيها، كما لو أجر مائتي سنة، وهو طبعًا في الغالب أنه لا يعيش مائتي سنة، فهنا إذا مات انفسخ، وإن كانت المدة مما يغلب على الظن أنه يعيش فيها خمس سنوات، عشر سنوات -مثلًا- فإنها لا تنفسخ.
العمل على أي الأمرين؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: إي نعم، تنفسخ ولّا لا تنفسخ؟ طالب: ( ... ). الشيخ: تنفسخ.
طالب: العمل على أنها لا تنفسخ.
الشيخ: أنها لا تنفسخ، وهو كذلك يُستثنى من هذا مسألة لم نذكرها بالأمس، وهو إذا كان الذي أجر الوقف هو الحاكم العام؛ يعني القاضي، مثل أن يكون هذا الوقف ليس له ناظر، فيؤجره القاضي، هنا لا تنفسخ الأجرة؛ لأن القاضي له النظر العام، فهو ناظر على هذا الوقف مطلقًا، فإذا كان ناظرًا عليه مطلقًا فإنها لا تنفسخ الإجارة بموت الحاكم أو بنقله إلى جهة أخرى بل تبقى الإجارة على ما كانت عليه.
ولكن هل للقاضي أن يؤجر مدة طويلة أو لا؟ هذه تنبني على المصلحة، إن رأى المصلحة في تأجيرها مدة طويلة أجر، وإلا أجر بنحو سنتين أو ثلاثة، حتى لا يحرم أصحاب البطون الأخرى.


الجزء: 2 - الصفحة: 1865

ننتقل الآن إلى درس الليلة فنقول: (وَإِنْ أَجَّرَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا مُدَّةً وَلَوْ طَويلَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ العَيْنِ فِيهَا صَحَّ)، إذا (أَجَّرَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا) كالدكان مثلًا، أجره مدة (وَلَوْ طَويلَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ العَيْنِ فِيهَا صَحَّ)، مثل أن تؤجر هذا البيت لمدة ستين سنة فالإجارة صحيحة؛ لأن ستين سنة يغلب على الظن أن يبقى البيت إليها، ولا سيما إذا كان من المسلح وكان جديدًا، فإن الغالب أنه يبقى فإذا أجرها هذه المدة صح، لكن لو انهدمت قبل تمام المدة انفسخت الإجارة؛ لتلف العين المعقود عليها وللمستأجر حصته من الأجرة فيما لم يستوفِ منفعته، واضح؟ فإذا أجر هذا البيت لمدة ستين سنة، وبعد ثلاثين سنة سقط البيت نقول: تنفسخ الإجارة، لماذا؟ لتعذر استيفاء المنفعة، ويسقط من الأجرة بقدر ما بقي من المدة.
وقوله: إن أجرها مدة طويلة، لكن لو أجرها مدة طويلة يغلب على الظن أنها لا تبقى فيها فظاهر كلام المؤلف أن الإجارة لا تصح، ولكن يجب أن نعرف الفرق بين الأجرة التي يكون فيها العقد على نفس الدار، وبين الحكر أو الحكورة التي يكون العقد فيها على منفعة الأرض، وهذا أظنه موجودًا في كثير من البلدان، هل يوجد في مصر الحكر؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إي، وهو موجود أيضًا في الحجاز، وموجود في نجد، وموجود في كثير من البلدان، تكون الأجرة ما هي على نفس البيت، بل على الأرض في الواقع، ولهذا يملك المستأجر أن يهدم هذا البيت، وأن يغيره، وأن يتصرف فيه كما شاء، لكن في الإجارة المحضة لا يملك أن يتصرف في البيت، انتبهوا للفرق، يعني الفرق بين أن آتي إلى رجل وأنا أريد أن أبقى في هذا البلد سنتين أو ثلاثة، وأقول أجرّني بيتًا فيؤجرني إياه، البيت لمن؟ طلبة: لصاحبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1866

الشيخ: لصاحبه، المستأجر لا يملك إلا الانتفاع، حتى إنه لا يملك أن يعدل بابًا من الأبواب، ولا أن يفتح فرجة في جدار؛ لأنه إنما استأجر المنفعة فقط، أما العين فلا يتصرف فيها، في مسألة الحكورة، وتسمى عندنا: الصُّبرة، من الصَّبْر، وهو الحبس.
المعقود عليه ليست العين، المعقود عليه منفعة الأرض؛ ولهذا يجوز لمن عقَدَ عَقْدَ حكورة يجوز له أن يهدم البيت وينشئه من جديد، وصاحب الأرض لا يقول له شيئًا؛ لأنه يعرف أنه أنما أجره مدة بدراهم معينة، وليس له علاقة في نفس البيت أو في نفس الدكان، وهذا الآن هو الذي عليه العمل.
ولهذا في بلدنا هذه يؤجرون الحكرة إلى مدة خمس مئة سنة وست مئة سنة وألف سنة، ويُحكى أن أحد المغفلين استأجر بيتًا حكورة من شخص، وقال له صاحب البيت: المدة خمس مئة سنة.
قال: لا، أنا أريد أن تكون المدة ألف سنة.
قال: لا، فذهبوا إلى القاضي ليكتب بينهما، فقال المحكر: أنا أحكرك إياها بخمس مئة سنة، فقال هذا المغفل: خمس مئة سنة؟ ! بكرة تيجي لَمِّي تطلعني أنا وأولادي، أنا أريد ألف سنة.
المهم أن القاضي عرف أنا صاحب البيت لا يريد أكثر من خمس مئة، فقال للرجل المغفل: إذا تمت خمس مئة سنة وأراد أن يخرجك أنت وأولادك فيأتي لَمِّي -إن شاء الله- ونحل المشكلة.
وكل منهم يعلم -إن لم يكن علم اليقين- أنه لن يبقى إلى خمس مئة سنة، لكن قال: جزاك الله خيرًا، ما دام أنك ضامن لي هذا ما فيه مانع تكتب خمس مئة سنة.
على كل حال أقول: إن هناك فرقًا بين الأجرة المحضة وبين أيش؟ الحكر؛ لأن الحكر إنما يقع العقد على الأرض، ولا يلتفت الآخذ بهذا العقد إلى مسألة العين، لكن إذا كانت على العين يقول المؤلف: لا بد أن يكون إلى مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها.
لو أجره البعير لمدة خمسين سنة، يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لا يبقى إلى خمسين سنة.
الشيخ: البعير لا يبقى إلى خمسين سنة، فلا يصح.
سيارة أجره إياها لمدة مئة سنة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1867

طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأن الغالب أنها لا تبقى، إلا أن تركن في الجراج ولا تستعمل، هذا شيء آخر، لكن إذا استعملت ما تبقى إلى هذا، فاشترط المؤلف في تأجير العين مدة أن يغلب على الظن بقاء العين فيها، فإن لم يغلب على الظن بقاء العين فيها فإنه لا يصح، لماذا لا يصح؟ قالوا: لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة، ومن شرط الإجارة أن يمكن استيفاء المنفعة، إذا استأجرها لمدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، ولكنها لم تبقَ، فماذا يكون الأمر؟ قلنا لكم قبل قليل: إن الإجارة تنفسخ، ويسقط عن المستأجر بقسطه من الأجرة.
يقول رحمه الله: (وَإنِ اسْتَأْجَرَهَا) أي: العين (لِعَمَلٍ كَدَابَّةٍ لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثٍ، أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ، أَوْ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ، اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، وَضَبْطُهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ)، أفادنا المؤلف في هذا أنه يجوز أن تستأجر العين لعمل؛ يعني يستأجر عينًا ليعمل فيها؛ كسيارة ليسافر بها إلى مكة، وكموتور لتوليد كهرباء لمدة معينة، أو كموتور لاستخراج الماء لمدة معينة، وما أشبه ذلك كل هذا جائز، أن ليس به احتكار -والحمد الله- على العالَم، لكن يقول المؤلف: لا بد أن يكون من استأجر الدابة لركوب إلى موضع معين، فإن قال: استأجرت منك هذه الدابة لأطلب عليها ضالتي التي ضاعت مني، فالإجارة؟ طلبة: ما تصح.
الشيخ: ليش ما تصح؟ مجهول، ما ندري أيجدها قريبًا أم بعيدًا؟ فلا بد أن يكون إلى موضع معين.
إذا قال: استأجرت منك هذا البعير إلى بلد ما؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: للجهالة.
استأجرت منك هذا البعير إلى بلد معين، لكن صاحب البعير لا يدري أين هذا البلد؟ أيضًا لا يصح؛ لأنه لا بد من علم المؤجر والمستأجر، فإذا كان لا يدري فإنه لا يصح.
وهل يشترط أن يعلم الطريق أسَهْلٌ هو أم وعر، آمن أم خائف؟ طالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1868

الشيخ: نعم؛ لأنه يختلف به القصد، فمثلًا إذا استأجر بعيرًا إلى بلد والطريق آمن، والطريق مُيَسَّر، فليس كما لو استأجرها إلى بلد طريقه خائف وغير ميسر، بينهما فرق عظيم، فالمهم أنه لا بد أن يعرف كل ما تختلف به الأجرة.
إذا استأجرها للحمل ما هو للركوب لا بد أن يُعَيِّن المحمول؛ لأنه يختلف، فرق بين أن يكون الحمل من القطن أو من الإسفنج وبين أن يكون من الرصاص، أيهم أشد؟ طلبة: الرصاص.
الشيخ: خطأ، الوزن هو مئة رطل مثلًا.
طلبة: متساوٍ.
الشيخ: ما أيش؟ طالب: ما يختلف؟ الشيخ: لا، ما يختلف، مئة رطل، لكن إسفنج أو رصاص .. طلبة: سواء.
الشيخ: لا، خطأ.
طالب: الإسفنج أسهل.
طالب آخر: ( ... ). الشيخ: كل واحد منهما أشد على البعير من الآخر؛ الإسفنج لا بد أن يكون كبيرًا، مئة رطل يكون كبيرًا فيتعب البعير؛ لأنه سوف يستقبل الهواء، والهواء يعوقه، يعوق البعير ويتعبه، أليس كذلك؟ لكن بالنسبة إلى ظهر البعير أيسر، الرصاص صغير، بالنسبة للهواء ما يضر، لكن بالنسبة لثقله على الظهر ربما يجرح الظهر، ويكون فيه الدَّبَر؛ لذلك لا بد أن يعين نوع المحمول؛ لأن ذلك يختلف، فصار لا بد أن يعين نوع المحمول، وأن يعين البلد، وأن يُعْرَف الطريق.
لو قال: استأجرت منك البعير لركوب رجل عليها إلى المدينة، يحتاج يعين الرجل أو لا؟ طلبة: يحتاج.
طلبة آخرون: لا يحتاج.
الشيخ: كلكلم لستم حمالين ولا تعرفون، الواقع أنه يحتاج؛ لأن من الركاب من هو خفيف على الدابة، خفيف، لو تحرك هكذا اشتدت البعير وسارت هملاجة، ومن الناس من لا تهتم به البعير، ثم يوجعها ضربًا وهي ما تمشي ترغي ولا تمشي، يختلفون الناس ولّا ما يختلفون؟ يختلفون؛ ولهذا الركاب الذين يعرفون الركوب سواء على الإبل أو على الخيل، يختلفون اختلافًا عظيمًا، ولهذا سيأتيكم -إن شاء الله- في المسابقة أنه لا بد من تعيين الراكب؛ لأنه يختلف الناس.

الجزء: 2 - الصفحة: 1869

إذن فلا بد من تعيين الراكب، ثم هناك فرق بين أن يكون الراكب كبير الجسم أو صغير الجسم، أليس كذلك؟ إذن لا بد من تعيين الراكب، والقاعدة: أنه لا بد من ذكر كل ما يختلف به القصد واستيفاء المنفعة، دليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نَهَى عن بيع الغرر (3)، صلوات الله وسلامه عليه، كلامه واسع المعرفة، الإجارة بيع ولَّا غير بيع؟ بيع منافع، وعلى هذا فلا بد أن لا يكون في هذه المنفعة شيء من الغرر.
(أو بقر لحرث) استأجر بقرًا لحرث، هذا أيضًا فيما أظن لا يعرفه كثير منكم؛ لأن الحرث الآن عندنا في الوقت الحاضر بالحراثات؛ معدات آلية، لكن فيما سبق الحرث على البقر؛ لأن لها أرجلًا قوية تهشش الأرض، فيحرثون عليها، البقر تجتمع، عدة بقرات تسير في اتجاه واحد، ثم ترجع باتجاه آخر حتى تُلين الأرض.
استأجر هذا البقر للحرث، لا بد أن تعرف الأرض؛ لماذا؟ لاختلافها بالشدة والليونة، بالرطوبة واليبوسة، ولا بد أن تعرف المساحة طولًا وعرضًا، حتى يمكن استيفاء المنفعة على وجه معلوم لا نزاع فيه.
استأجر بَقَرًا لركوب؟ طالب: ما يصح.
طالب آخر: البقر لا يُركب.
الشيخ: الفقهاء يقولون: يجوز، يجوز أن يستعمل الحيوان في غير ما جرت العادة به، فيجوز أن يركب البقرة، الشاة لا تتحمل الظاهر.
طلبة: الجاموسة.
الشيخ: والجاموسة، المهم على كل حال، إذا استأجرها لهذا، وكان مما جرت العادة أنها تَحْمل، فلا بأس.
كذلك بقر (لدياس زرع)، هذا أيضًا مما لا يعرفه أكثركم، الزرع الآن يداس بالآليات، مكائن تخلص الحب من جرابه ومن ساقه، فيما سبق لا، يجمع الحب بجرابه وساقه، ثم تأتي البقر وتدوسه حتى ينقى الحب، فإذا استأجرها لدياس فلا بد من معرفة القدر أو معرفة الزمن؛ معرفة الزمن يكفي عن معرفة القدر؛ لأن الزمن محدد بالساعات، والدياس ما يختلف، غاية ما هنالك أنها البقر تدور حتى تدق السنبلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1870

لو استأجر بقرًا لسقي؛ يعني بمعنى أنها تغرف الماء من البئر وتسقي به الزرع، يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لكن لا بد من معرفة الغرب الذي يُسقى به؛ لأن الغرب الكبير يشق عليها أكثر، فلا بد من معرفته حتى لا يحصل اختلاف.
(أو من يدله على طريق) إذا استأجر من يدله على طريق فلا بد من معرفة هذا الطريق، ولهذا قال: (اشترط معرفة ذلك، وضبطه بما لا يختلف).
استأجر رجلًا يدله على طريق، والطرق -فيما سبق- غير معبدة، ويضل الناس فيها كثيرًا، ويهلكون كثيرًا، يحتاجون إلى أدلاء، فإذا استأجر من يدله على الطريق كان ذلك جائزًا، وقد وقع هذا للنبي صلّى الله عليه وسلّم في هجرته من مكة إلى المدينة، حيث استأجر رجلًا يقال له: عبد الله بن أريقط، وكان جيدًا في الدلالة ماهرًا خرِّيتًا (4)، أي جيدًا في الدلالة، وكان مشركًا، فدلّهم على الطريق، فيجوز إذن أن أستأجرَ شخصًا يدلني على الطريق، لكن لا بد من ضبطه بما لا يختلف، فإذا كان البلد له طريقان فلا بد أن أقول: تدلني مع الطريق الفلاني، أعيِّنُه، قد يكون الإنسان له غرض في الطريق البعيد ليزور من فيه من القرى أو ما أشبه ذلك، المهم لا بد أن يضبطه.
وبمناسبة ذكرنا عبد الله بن أريقط الذي دل النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم على الطريق في الهجرة، يؤخذ من ذلك أنه لا بأس من استئجار الكافر فيما يؤتمن عليه، سواء في دلالة الطريق أو في العلاج أو في الصنعة أو في البناء أو غير ذلك، لكن بشرط أن يكون أمينًا.
ويتفرع على ذلك أنه يجوز للمسلم أن يعمل بقول الطبيب الكافر في أن لا يصلي قائمًا مثلًا، أو أن لا يركع، إذا كان العلاج مما يحتاج إلى عدم الركوع والسجود لا يركع، وذلك في مداواة الأعين، فإن كثيرًا من الأطباء يقول للمعالَج: لا تركع، لا تسجد، هذا يؤخذ بقوله ولو كان كافرًا ما دام أمينًا، وكذلك في الإفطار.

الجزء: 2 - الصفحة: 1871

وأما اشتراط بعضهم أنه لا بد أن يكون الطبيب مسلمًا ففيه نظر، والصواب أنه لا بد أن يكون الطبيب أمينًا سواء كان مسلمًا أم غير مسلم، وكثير من الكفار يكون عنده أمانة، هو لا يريد التقرب إلى الله عزّ وجل، ربما لا يريد ذلك، لكنه يريد أن يعرف الناس صنعته وحذقه ونصحه ويتجهون إليه.
وإذا قال قائل: ما دليلكم على هذا؟ قلنا: أيش؟ طلبة: ( ... )؟ الشيخ: نعم، هل يجوز أن نستأجر الكافر في بناء المساجد؟ نقول: إذا أَمِنَّا ذلك، وكان القائم عليه مهندسًا مسلمًا فلا بأس، أما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يجوز.
طالب: الآن تؤجر السيارات ليس بالمدة أو المكان .. الشيخ: ليس بالمسافة.
الطالب: بالقيمة، بالكيلو.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فهل هذا يُشرع؟ الشيخ: لا بأس، إيجار السيارات الآن إما بالكيلو ولا بالزمن .. الطالب: باليومية.
الشيخ: إي، إما باليومية، وإلا بالزمن ولّا بالمسافة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الآن لو أن طبيبًا نصرانيًّا ماهرًا قال: ( ... ) المسلم لا تصم.
الشيخ: لا تصم.
الطالب: لا تصم؛ لأن ذلك يضرك، لكن خالفه مسلم هو أدنى منه في المهارة ليس لدرجة في المهارة في الطب، قال له: لا يضرك الصوم فبأيهما يأخذ؟ الشيخ: يأخذ بالأول، ما دام أحذق منه ومأمونًا فيأخذ بقوله.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يقول بعضهم إن الطبيب الكافر في الاطلاع على العورات أو بالأحرى الطبيبة الكافرة في الاطلاع على عورات النساء كالرجل الأجنبي، فما صحة ذلك؟ الشيخ: غير صحيح، المرأة الكافرة كالمسلمة في مسألة العورة، وقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31]، لا يُراد نساء المؤمنات، المراد الجنس؛ يعني: أو النساء اللاتي من جنسهن.
طالب: ( ... ) إذا أجرها مدة طويلة، فهل له أن يكون الإيجار بما يكون عليه إيجار المثل في كل سنة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1872

الشيخ: لا، يقول: إذا أجرها مدة طويلة فهل له أن يقول بما تكون عليه أجرة المثل في كل سنة، نقول: هذا لا يجوز، خصوصًا على القول بأنه لا يجوز أن يبيع كما يبيع الناس؛ لأن هذا مجهول، والإيجارات ترتفع وتنزل، لكن إذا خاف من ذلك فليؤجرها بالسنة.
طالب: ( ... ) ثمن كيلو من الذهب مثلًا سنويًّا.
الشيخ: كيلو.
الطالب: كيلو من الذهب؛ يعني: يقدرها بالذهب.
الشيخ: ما فيه مانع، كيلو من الذهب ما فيه مانع معروف، ( ... ). طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: إن الماء والكهرباء لا بد أن يكون على المؤجر، فما حكم ما يجري في الفنادق؟ الشيخ: أنا الآن قلت لكم ذلك، لكن قلت: إن الماء عندنا -والحمد لله- أمره يسير لو التزم به المستأجر، ما فيه بأس.
طالب: لكن الكهرباء فرقها ظاهر، فما حكم ما يحصل في الفنادق والقصور في إجارتها يومًا ويومين وشهرًا شهرين؟ الشيخ: نعم، الظاهر من هذا أن المكان عام أنه لا بأس به؛ لأن نفس صاحب الفندق يعرف مقدار الكيلوات عمومًا، ويتحاسب مع الشركة على العموم، مع أنه في هذه الحال يجب على المستاجر أن يتقي الله عز وجل في صرف الكهرباء، ما يقول: أخلي الكهرباء في الليل والنهار والعًا؛ لأن هذا خيانة وإضاعة مال سواء عليه ولّا على المؤجر.
طالب: ( ... ) الإيجار الذي ينتهي بالتمليك، فما حكمه؟ الشيخ: أرى أنه حرام، أن ذلك حرام؛ لأن المؤجر إجارة تنتهي بالتمليك لا بد أن يزيد في الأجرة؛ يعني مثلًا إذا كانت الأجرة عشرة آلاف لا بد تنتهي لعشرين ألفًا، أفهمت؟ وهذا يؤدي إلى الجهالة؛ لأنه بعد انتهاء المدة ما هو يملك على طول، أظنه ما بخير، فيه عقبة.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، يقول المؤلف: (ولو طويلة) ما دليله على ذلك؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: دليله على: ولو كانت طويلة ( ... ) يجوز ذلك .. الشيخ: هل أنت تدرس معنا أم لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: تدرس، ماذا قلنا في المعاملات؟ الطالب: الأصل فيها الحل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1873

الشيخ: انتهى، هذا الدليل لكنه أشار إليها؛ لأن بعض العلماء يقولون: لا تجوز إذا كانت طويلة، والصواب أنها تجوز، إلا فيما ذكرنا قبل، وهو؟ اذكروه.
طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، الوقف هو الذي لا يجوز للبطن الأول أن يؤجره مدة طويلة، يغلب على الظن أنهم لا يعيشوا إليها.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا كانت الأجرة تؤخذ على عمل قد يكون مشروطًا فما ( ... ) بعض الفقهاء فيما لو استأجر طبيبًا وشارطه على البرء.
الشيخ: نعم، هذه لا بأس بها؛ لأنه ورد بها النص، فإن قضية الذين قرءوا على سيد القوم، اشترطوا البرء.
طالب: شيخ، ( ... ) مجهولة.
الشيخ: لا، هي مجهولة معلومة، البُرْء معلوم، والطبيب داخل على هذا، على أنه إما أن يكسب أو لا، ثم هو أيضًا -الطبيب- لا يمكن أن يشترط هذا إلا وهو عالم أو غالب على ظنه أنه سيبرأ.
طالب: بارك الله فيك، قلنا: لو أجره مدة طويلة ثم انهدم المستأجر، فإن المستأجر يطلب حصته من الأجرة، فهل هذا لأن الأجرة مقدمة أم ماذا؟ الشيخ: إي، هي إذا كانت مقدمة؛ يعني إذا كان ما بعد استعملها تسقط عنه.
طالب: كيف نقول يا شيخ: تسقط بقسطها.
الشيخ: إي نعم، بقسطها، مثلًا إذا قال: كل سنة بمئة، عشر سنوات كل سنة بمئة، بعد مضي خمس سنوات سقط، يسقط عنه خمس مئة.
طالب: ( ... ). الشيخ: هذه كقسط هذه.
طالب: ( ... ) يا شيخ؟ الشيخ: لا، ما يختلف.
طالب: شيخ، المسألة التي ذكرها الأخ.
الشيخ: وهي .. الطالب: الأجرة بالتمليك ما هي صورتها؟ الشيخ: صورتها يقول: إني أجرتك إياه مثلًا ثلاثين سنة على أنك مثلًا تعطيني كل سنة كذا وكذا، وبعد انتهاء المدة تخير بين أن تشتريها أو تبيعها، ما أدري يعني، لكننا تصورتها من قبل، وعرفت أنها تشتمل على غرر، وأفتيناه بعدم جوازها.
طالب: ( ... ) على أقساط.
الشيخ: هي على أقساط الأجرة.
الطالب: أي على أقساط، تكون بيع بس على أقساط تقريبًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1874

الشيخ: لا، إحنا قلنا لهم هذا، قلنا: خلوها بيعًا، لكن هم قالوا: كيف؟ إذا كانت بيعًا لو تلفت في ضمان من؟ طلبة: البائع.
طلبة آخرون: المشتري.
الشيخ: لا، في ضمان المشتري، والمشتري ( ... ) في ضمان المؤجر.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لمسألة الحكر يا شيخ .. الشيخ: أيش؟ الطالب: الحكر أو الحكارة .. الشيخ: نعم، هي حكر وحكورة.
الطالب: حكورة.
الشيخ: أما حكارة هذه ما علمتها الآن.
الطالب: كون أنَّ المستأجر يا شيخ له أن يهدم هذا البيت مثلًا ويبنيه، ولو ( ... )؛ لأن الأجرة على أرضية هذا البيت.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو انتهت المدة يا شيخ، وهو –المستأجر- بنى هذا البيت، وأراد المالك أن يأخذ منه الأرض، فما العمل؟ الشيخ: هذه، يقول العلماء: إن اشترط صاحب الأرض على أنه لا يثمن عليه البيت، يعني ما يُقَوِّم عليه فلا بأس، ما يُقَوِّم عليه، وإن لم يشترط هو -يُقوِّم يَعني- إما أن يقوِّم على صاحب الأرض، ويقال: هذا البيت يساوي مثلًا عشرة آلاف، خذه بعشرة آلاف، وإما أن تمدد المدة لصاحب البيت الذي بناه.
طالب: هل يمكن للمؤجر أن يمنع المستأجر ( ... )؟ الشيخ: هذه سبقت يا أخي أمس؟ في الدرس الذي قبل هذا قبل البارحة، قلنا للمستأجر أن يؤجر ما استأجره بشرط أن لا يكون أكثر منه ضررًا.
الطالب: إن اشترط المؤجر ألا يؤجره؟ الشيخ: لا بأس، إذا اشترط المؤجر ألا يؤجره فهو لا يؤجره.


طالب: ( ... ) يخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ القُرْبَةِ، وَعَلَى المُؤَجِّرِ كُلُّ مَا يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ كَزِمَامِ الْجَمَلِ، وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ، وَالشَّدِّ عَلَيْهِ، وَشَدِّ الأَحْمَالِ وَالمَحَامِلِ، وَالرَّفْعِ وَالحَطِّ، وَلُزُومِ البَعِيرِ، وَمَفَاتِيحِ الدَّارِ وَعِمَارَتِهَا فَأَمَّا تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالكَنِيفِ، فَيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً.

الجزء: 2 - الصفحة: 1875

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا أن أهم شيء في شروط الإجارة أن تكون المنفعة معلومة؛ لأن لا يقع المتعاقدان تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم، بل تحت نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر (3)، وسبق لنا أنه إذا استأجر من يدله على طريق اشترط معرفة الطريق، وضبطه الطريق الأيمن، الأيسر، الطريق الرملي، الطريق الحجري، وما أشبه ذلك، لا بد أن يعلم هذا كله من أجل أن لا يقع في ذلك جهل وغرر.
وكذلك أيضًا، انتهى ما أردت.
(ولا تصح على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة) معنى هذه العبارة، وأقول: إن هذه العبارة تداولها العلماء -رحمهم الله- وتلقوها ناشئًا عن سابق، معناه أن العمل الذي لا يقع إلا قربة لا يصح أن يؤخذ عليه أجرة، كل عمل لا يصح إلا قربة، فإنه لا يؤخذ عليه أجر؛ ووجه ذلك أن ما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يجوز للإنسان أن يعتاض عن ثواب الآخرة شيئًا من ثواب الدنيا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15، 16] فحذَّر الله -عزّ وجل- أن يريد الإنسان بعبادته شيئًا من الدنيا، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]، فما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن تؤخذ الأجرة عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1876

مثال ذلك: الصلاة، لو قال رجل لابنه: صلِّ يا بني، قال: لا أصلي إلا كل فرض بعشرة ريالات، ليستحق كل يوم خمسين ريالًا، فاستأجره، قال: نعم أنا أعطيك كل فرض عشرة ريالات، فالأجرة هذه لا تصح؛ لأن الصلاة لا تقع إلا قربة.
الأذان، لو أن إنسانًا قيل له: أذِّن، قال: ما فيه مانع، أنا أؤذن لكن كل أذان بخمسة ريالات، فإنه لا يصح، لو قيل لشخص: اقرأ القرآن ليكون ثوابه للميت، فقال: لا بأس، لكن لا أقرأ إلا الجزء بعشرة ريالات، لم تصح، واضح؟ كل شيء لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن يقع عليه عقد الإجارة، والتعليل؛ لأن هذا عمل يُرجى به ثواب الآخرة أو يُقصد به ثواب الآخرة، ولا ينبغي أن يكون عمل الآخرة يُراد به عمل الدنيا، ولهذا قال شيخ الإسلام -رحمه الله- فيمن حج ليأخذ: ليس له في الآخرة من خلاق؛ أي ليس له نصيب، إنسان قال: أبغي الحج من أجل آخذ الأجرة، وأما من أخذ ليحج، قال: فلا بأس به؛ لأنه استعان بالمال على طاعة الله، والاستعانة بالمال على طاعة الله أمر جائز ولا بأس به.
سُئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن رجل قيل له: أقم بنا في رمضان؛ يعني: صلِّ بنا القيام، فقال: لا أصلي لكم إلا بكذا وكذا، فقال الإمام أحمد -رحمه الله: نعوذ بالله، ومن يصلي خلف هذا؟ ! وهذا يدل من الإمام أحمد على أنه أبطل عبادته، وبناءً على بطلان عبادته لا تصح الصلاة خلفه، وقد استعاذ الإمام أحمد -رحمه الله- من هذا الشرط، نعوذ بالله ومن يصلى خلف هذا؟ ولكن ما يقع قربة بالقصد وينتفع به الغير فلا بأس أن يأخذ الإنسان عليه أجرة من أجل نفع الغير، كالتعليم، إنسان قال: أريد أن تعلمني باب شروط الصلاة، قال: ما بي مانع، أنا أعلمك باب شروط الصلاة، لكن بشرط أن تعطيني كذا وكذا أجرة، نقول: هذا لا بأس به؛ لأن العوض هنا ليس عن التعبد بالعمل ولكن عن انتفاع الغير به، واضح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1877

تعليم القرآن لو أن شخصًا طُلب منه أن يعلم فلانًا سورة البقرة، قال: لا أعلمه إلا بكذا وكذا، يجوز؟ نعم يجوز؛ لأن هذا للتعليم لا للتلاوة، وفرق بين أن يكون التعليم الذي يتعدى نفعه للغير وبين التلاوة.
إنسان قال لمريض: أنا لا أقرأ عليك؛ يعني: لا أرقيك إلا بكذا وكذا، وهو يريد أن يرقيه بالقرآن، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، ولهذا لما بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم سرية، فنزلوا على قوم ضيوفًا، فأبى القوم أن يضيفوهم، بعث الله على سيدهم عقربًا فلدغته -وكانت والله أعلم شديدة- فطلبوا من يعالجه، قالوا: لعل هؤلاء القوم فيهم من يقرأ، يعنون بذلك الصحابة الذين تنحوا عنهم لما لم يضيفوهم، فجاءوا إلى الصحابة وقالوا إن سيدهم قد لُدغ، فهل منكم من راقٍ؟ قالوا: نعم، منا من يرقيه، ولكن بكذا وكذا؛ لأنكم أنتم ما أكرمتمونا، ولا ضيفتمونا، بكذا وكذا لطائفة من الغنم، قالوا: لا بأس، فقرأ عليه القارئ، فقام كأنما نُشِط من عقال بإذن الله، ولم يقرأ عليه إلا سورة الفاتحة يا إخوان، سورة الفاتحة فقط، التي يقرؤها بعض الناس اليوم ألف مرة ولا يستفيد المريض، قرأ عليه سورة الفاتحة وبرأ بإذن الله، أعطوهم القطيع، الطائفة من الغنم، ولكن أشكل عليهم الأمر، فقالوا: لا نأكل حتى نسأل النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، فلما قدموا المدينة وأخبروا الرسول بهذا قال: «نَعَمْ، كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» (5)، عليه الصلاة والسلام، أفتاهم بالقول وبالفعل من أجل أن تطمئن قلوبهم، وإلا الفتوى القولية تكفي، وهو -عليه الصلاة والسلام- لا يسأل أحدًا، لكنه سأل هذا لمصلحتهم، لا لمصلحته هو، هو ليس بحاجة ولا ضرورة إلى لحمهم، لكنه فعل ذلك أيش؟ لمصلحتهم لتطيب قلوبهم، قال: «خُذُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ فَإِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ»، فدل هذا على أنه لا بأس إذا كانت العبادة ذات نفع متعدٍّ، وأراد

الجزء: 2 - الصفحة: 1878

الإنسان بها ذلك النفع المتعدي لا بأس أن يأخذ عليها أجرًا، ولو كانت من جنس الأشياء التي لا تقع إلا قربة؛ لأن هذا القارئ ما قصد التعبد لله بالقراءة، قصد نفع الغير، إما التعليم وإما الاستشفاء أو غير ذلك، فهذا لا بأس به.
أشكل على بعض الإخوة الملتزمين ما يأخذه الناس الآن على الأذان وعلى الإقامة، وعلى التدريس وعلى الدعوة، وقالوا: إن هذا نقص وخلل في التوحيد؛ لأن هذا الذي يأخذ المكافأة لا شك أنه يجنح إليها، يعني ليس يأخذها، وهي على حد سواء أخذها وعدمه، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: إي نعم، أكثر الناس هذا، أكثر الناس لا يستوي عنده عدم الأخذ والأخذ، بل ربما بعض الناس يصرِّح يقول: أنا أريد أن أكون إمامًا؛ لأني أريد أن أتزوج، أو: لأني تزوجت وأحتاج إلى نفقة، وقيل: تبغي أَلِفًا أو باء أو جِيمًا، قال: الألف؛ لأنه أكثر راتبًا.
فيقول بعض الناس: إن هذا شرك؛ لأنه أراد بهذا العمل الصالح أراد الدنيا، فيقال لهؤلاء: هذا الذي تأخذونه ليس أجرة، ولكنه حق تستحقونه من بيت المال، وغاية ما عند الحكومة أن توزع بيت المال على المستحقين، هذا مدرس له ما يليق بعمله، وهذا مؤذن له ما يليق بعمله، وهذا إمام له ما يليق بعمله، وهذا داعية له ما يليق بعمله، وهكذا، يعني ليس من الحكومة في هذا إلا التوزيع والتنظيم، أما أنت فلك حق، كل من عمل عملًا متعديًا في المسلمين فله حق من بيت المال على حسب نتيجة هذا العمل، ثمرة هذا العمل، وحتى من لم يكن كذلك؛ أي من لم يعمل له حق من بيت المال، كالفقراء واليتامى ومن أشبههم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1879

على كل حال هذه المسألة، أقول: إنها اشتبهت على بعض الملتزمين، ولهذا يسألون عنها كثيرًا، حتى إن بعضهم يكون أهلًا للإمامة تمامًا، قارئًا وفقيهًا ولا يرغب؛ لأنه يقول: إنه سوف يعطى مكافأة من بيت المال، فنقول: الحمد الله، أنت الآن لست مستأجرًا، ولكنك مستحق لهذا العمل الصالح ونفع المسلمين، فليس عليك أي بأس، فينبغي مثلًا لكم في مجالسكم إذا أحد أورد هذا الإشكال أن تبينه له.
تقول: ليس بينك وبين الحكومة عقد إيجار، الحكومة -وفقها الله- إنما هي راعية للمصالح العامة، وترى أن توزع مثلًا بيت المال، لهذا كذا، ولهذا كذا، ولهذا كذا، وأنت ممن يستحقون من بيت المال على هذا العمل.
إذن بقي علينا الحج، هل يجوز الاستئجار على الحج، مثل أن يستأجر شخصًا ليحج عنه أو لا؟ نقول: أولًا: إذا كان الحج فريضة والمستأجر قادر، فالإجارة لا تصح، لماذا؟ لأن هذا يجب عليه أن يؤدي الفرض بنفسه؛ لأنه قادر بدنيًّا وماليًّا، إذا كان عاجزًا عجزًا لا يُرجى زواله وحجه فريضة فقد سبق لنا في الوكالة أنه يجوز أن يُنيب عنه، واستدللنا لذلك بحديث الخثعمية التي قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع الركوب، فأذن لها (6)، فهل تجوز الأجرة على ذلك؟ أو نقول: اتفق مع الذي أراد أن يُنيبك، ولا تبحث عن المقدار سواء أعطاك عشرة أو ألفًا؟ انتبهوا لهذا.
أما إذا كان نفلًا إذا كان الحج نفلًا فقد سبق لنا في الوكالة أيضًا أنه إن كان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه؛ فإنه يمكن أن يُقال بالجواز قياسًا على أيش؟ طلبة: الفريضة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1880

الشيخ: على الفريضة، وإن كان صحيح البدن قويًّا فالذي نرى أنه لا يصح؛ لأن العبادات مطلوب من الإنسان أن يشعر بأنه عابد لله ذليل، لا أن يعطي دراهم واحدًا يحج عنه، أيش يستفاد؟ هل قال هذا الذي أنابه: لبيك اللهم لبيك؟ ما قال: لبيك اللهم لبيك، هل طاف بالبيت؟ هل سعى بين الصفا والمروة؟ هل وقف بعرفة؟ ما فعل، أين الحج؟ كيف نقول: إن هذا حج؟ كيف نقول: إن له أجر الحج؟ ! ولهذا قلنا: إن مثل هذا ينبغي أن يُعِينَ من يؤدي الحج بنفسه أفضل له من أن يقول: حُجَّ عني.
على كل حال، في الحال التي يجوز فيها أن يستنيب أحد عن أحد في الحج، هل يجوز أن يعقد عقد إجارة على هذه النيابة أو لا؟ المذهب لا، المذهب لا يجوِّزون هذا، ويقولون: الإجارة على الحج حرام؛ لأن الحج عبادة بدنية لا تقع إلا قربة، ليس كتعليم الفقه والحديث وما أشبه ذلك، فلا يجوز، وفيه رواية عن أحمد أو قول في مذهب أحمد أنه يجوز عقد الإجارة على الحج، وعمل الناس اليوم على الثاني ولّا الأول؟ طلبة: على الثاني.
الشيخ: على الثاني، عمل الناس اليوم على الثاني، ولا يسع الناس إلا هذا، يعني لو قلنا: بأن الإجارة حرام سددنا باب النيابة نهائيًّا، من يُوفَّق فيقول: أنا أريد أن أقضي حاجة أخي وأقوم عنه بالحج وما أعطاني فأنا راضٍ به، هذا نادر، نادر أن يكون.
المهم القاعدة كل عمل لا يقع إلا قربة فلا يصح عقد الإجارة عليه، وما كان نفعه متعديًا من القرب صح عقد الإجارة عليه، بشرط أن يكون العاقد لا يريد التعبد لله تعالى بهذه القربة، وإنما يريد نفع الغير، الذي استأجره لاستيفاء هذه المنفعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1881

ما هو العمل الذي يشترط أن يكون فاعله من أهل القربة، ومن هو أهل القربة؟ أهل القربة، يقولون: هو المسلم، المسلم هو أهل القربة؛ لأن الكافر لا يكون أبدًا من أهل القربة إطلاقًا، إذ إنه مهما عمل فإنه لا يقرِّبه عمله إلى الله، ولهذا نقول: من أهل القربة؛ يعني: المسلم، فالكافر ليس من أهل القربة، فكل عمل يصح إيقاعه من الكافر فعقد الإجارة عليه صحيح لا بأس به، حتى بناء المسجد، لو أنك استأجرت إنسانًا يبني لك مسجدًا فلا بأس؛ لأن بناء المسجد يجوز أن يكون من الكافر؛ يعني يجوز أن يبني الكافر المسجد، إلا أننا نرى أنه لا بد أن يكون عليه قيم يراقب تنفيذه، البناء وأساسات البناء حتى لا يخون.
أهل القربة من هم؟ طلبة: المسلمون.
الشيخ: المسلمون؛ وذلك لأن الكفار مهما خشعوا، مهما بكوا، مهما ذلوا أمام صنمهم، فإن ذلك ليس بقربة، ولهذا يذكر أن النصارى في كنائسهم يخشعون خشوع المسلمين في محاريبهم، أو يخشعون خشوع المسلمين في مساجدهم بكاء، ونياح، وعويل، لكن هل ينفعهم هذا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، هذا لا ينفعهم، حتى قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: 2 - 4] إن هؤلاء هم النصارى في كنائسهم، لكن هذا على كل حال غير صحيح؛ لأن الآية صريحة بأن ذلك يوم؟ طلبة: يوم القيامة.
الشيخ: القيامة، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [الغاشية: 1، 2]، على كل حال، الكافر لا يمكن أن يكون من أهل القربة، فإن قال قائل: أرأيتم لو أن كافرًا بنى مسجدًا للمسلمين أتجوز الصلاة فيه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ولا يقبل منه.
طلبة: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1882

الشيخ: نعم، نحن لا يهمنا هو، هو لا ينفعه، حتى لو صلينا فيه ما له أجر، لكن نحن لا نمتنع من الصلاة فيه؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ» (7)، «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» (8) نعم، إن خفنا أن يريد هذا الكافر أن يصطاد بالماء العكر، أو أن يضفي مِنَّةً على المسلمين، ويقول يومًا من الدهر: نحن الذين بنينا لكم المساجد، فهنا يجب علينا أن نهجر هذا المسجد، يجب علينا، ويجب على المسلمين أن يتعاونوا في هذا، وأن لا يخون بعضهم بعضًا، أما إذا كان الرجل هذا –الكافر- معروفًا بالكرم، وأنه يعطي هذا وهذا وهذا وهذا، ولا يبالي ولا يمن، ولا يرى أن له فضلًا فلا بأس ولا مانع.
ومن ذلك أيضًا ما أشكل على بعض الناس، يأتي إنسان يتعامل بالبنك أو يتعامل بأشياء أخرى محرم كسبها، ثم يبني مسجدًا أو يصلح طريقًا، فيقول: هل يجوز أن أصلي في هذا المسجد الذي أصلحه مَنْ مَالُهُ حرامٌ أو أمشي في الطريق؟ ماذا نقول؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
طلبة: نعم.
الشيخ: ولو كان من الربا.
طلبة: نعم.
الشيخ: جزاكم الله خيرًا، هذا هو الذي نرى أنه لا بأس أن يصلي في هذا المسجد ولو كان من مال ربوي أو من كسب محرم آخر؛ لأن إثمه على كاسبه، أما نحن فأمامنا مسجد بُنِيَ متوجها إلى القبلة، وليس فيه أي محذور، ثم نقول: لعل هذا الرجل الذي بنى المسجد، لعله أحدث توبة، وبنى هذا من أجل أن يتخلص من الإثم ومن الكسب الحرام، فنكون إذا صلينا في ذلك وشجعناه نكون عونًا له على التوبة.
والإنسان يجب أن ينظر الأمور بمقياس الشرع والعقل لا بمقياس العاطفة العمياء؛ لأنه ما ضرَّ المسلمين حتى في عهد الصحابة إلا هذا، العاطفة العمياء، ما الذي أوجب للخوارج أن يخرجوا إلا العاطفة العمياء، ودعواهم أن علي بن أبي طالب قد خان وأنه يجب أن يقاتَل، وأنه كفر برضاه بالتحكيم، وما أشبه ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1883

فعلى كل حال، نقول: هذا لا بأس به؛ أعني ما بناه شخص من ماله المكتسب بحرام.
لو غصب أرضًا وبنى عليها مسجدًا؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ما نصلي فيها؟ طلبة: لا.
الشيخ: أما على قول من قال: إن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة، فمعلوم أننا لا نصلي؛ لأننا لا نتقرب إلى الله تعالى بشيء باطل، لكن على قول من يرى أن الصلاة في الأرض المغصوبة جائزة فهذه أيضًا لا نصلي، لا نقول: إن الصلاة لا تصح، لكننا نقول: إن هذا تشجيع لهذا الغاصب الظالم أن يغصب أموال المسلمين، ثم يتبجح بأنه بنى عليها مسجدًا.


ثم قال المؤلف -رحمه الله- في بيان ما يلزم المؤجر والمستأجر قال: (وَعَلَى المُؤَجِّرِ كُلُّ مَا يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ كَزِمَامِ الْجَمَلِ، وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ، وَالشَّدِّ عَلَيْهِ، وَشَدِّ الأَحْمَالِ وَالمَحَامِلِ، وَالرَّفْعِ وَالحَطِّ، وَلُزُومِ البَعِيرِ) كل هذا على المؤجر، أنتم تصورتم هذه العبارات؟ إنسان أجر شخصًا بعيره ليحج به، يقول: عليك كل ما يتمكن به المستأجر من النفع (كزمام الجمل)، بَيِّن لنا ما هو الزمام؟ طالب: هو الحبل الذي تُقاد به الناقة.
الشيخ: الحبل الذي تُقاد به الناقة، بارك الله فيك، أو الجمل.
(ورحله)؟ طالب: هو ما يقعد عليه الراكب ( ... ). الشيخ: إي نعم، (وحزامه)؟ طالب: الذي ينزل من فوق الرحل تحت البطن.
الشيخ: ينزل من فوق النحر تحت البطن؟ ! الطالب: نعم، ينزل من الرحل.
الشيخ: يعني ما يُشد به الرحل.
الطالب: ما يُشد به.
الشيخ: إي، (ورحله وحزامه) يعني حزام الرحل.
(والشد عليه)؟ طالب: يعني شد هذا الحزام، يعني شده جيدًا.
الشيخ: والرحل أيضًا.
الطالب: ( ... ) يصير الرحل غير ( ... ). الشيخ: أي يحتمل هذا، ويحتمل أنه إذا نزلوا في مكان، ونزلوا الرحل عن البعير، أنه هو الذي يحمل الرحل ويشده على البعير، كل هذا على المؤجر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1884

(وشد الأحمال) هذا الظاهر الذي يريده (شد الأحمال والمحامل) الأحمال: يعني الحمل الذي يكون على البعير كالأكياس والأواني وما أشبه ذلك، المحامل هي التي تكون على جنب البعير، على جنب الرَّحْل، يركب عليها الناس، وهذه شاهدناه قديمًا، تكون البعير عليها من اليمين ومن الشمال مقاعد يقعد عليها الراكب تسمى المحامل، والوسط يسمى الشداد.
(والرفع والحط) أيش الرفع والحط؟ طلبة: يحمل عليه .. الشيخ: يعني يرفع المحامل، وما ذكره المؤلف: عند الاحتياج إليها، وينزلها عند الاحتياج إليها، فلو أنه -مثلًا- نزلها وبقوا في هذه الأرض لمدة يوم أو يومين، ولما أرادوا أن يسيروا قال المستأجر للمؤجر: يلّا، ارفع الرحل وشده.
قال: لا، الحاجة لك أنت.
يستقيم هذا أو لا؟ طلبة: لا يستقيم.
الشيخ: ما هي بالحاجة له؟ طلبة: بلى.
الشيخ: لكن هذه الحاجة عوض عنها الأجرة، فيقال للمؤجر: عليك بها.
(لزوم البعير) أيضًا هذه على المؤجر، (لزوم البعير) معناها أن يكون ملازمًا لها لئلَّا تشرد، أو يأتيها شيء يعيقها، فيلزم البعير.
وهذا فيما إذا كان المؤجر مع الرحل والإبل، أما إذا آجر البعير وحدها وقال: خذ هذه البعير اذهب سافر عليها وارجع بها، فمعلوم أن هذه الأشياء لا تلزم المؤجر؛ لأنه غير مصاحب لها، لكن مراد الفقهاء -رحمهم الله- فيما جرت به العادة أن المؤجر يكون مع رحله مع الإبل، ويسمى عندنا الجمَّال نسبة إلى الجمل، إذا كان الجَمَّال مع الجِمَال فإنه يلزمه ما قال المؤلف، أما إذا أجر الدابة فقط فلا يلزمه شيء من ذلك.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيكم، ( ... ) عن القربات، لكن في بعض الأئمة يا شيخ وبعض المؤذنين الذين يعملون –مثلًا- يؤمون الناس في بلاد خارج هذه البلاد، كأوروبا مثلًا، فهؤلاء لا يأخذون من .. ، وإنما يأخذون مما يجمع لهم الناس؛ لأنهم يصلون بهم في المساجد، فما هو التفصيل في هذه المسألة؟ الشيخ: الظاهر أنه لا بأس حتى هذا جمعوها لهذه المصلحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1885

الطالب: باعتبار؟ الشيخ: باعتبار أنها مصلحة للجميع، ما أظن فيها شيئا إلا إذا اتفق معهم على أجرة، هذه ( ... ). الطالب: لا ما يتفقون، غالبًا يأخذ الذي .. الشيخ: اللي يعطونه.
الطالب: اللي يعطونه.
الشيخ: ما فيه شيء.
الطالب: لكن يعتبر استحقاقا ولّا مكافأة ولّا .. الشيخ: لا، مكافأة.
الطالب: مكافأة.
الشيخ: نعم.
الطالب: بارك الله فيك.
طالب آخر: شيخ، أحسن الله إليكم، الإنسان يطوف بوالده أو والدته، وهناك من يحج عنهم، ( ... ) يجوز يا شيخ؟ الشيخ: ( ... ) لا بأس؛ لأن المحجوج عنه ما يمكن يحج، لكني أرى وأطلب منكم أيها الطلاب أن تزرعوا في قلوب الناس أن الدعاء للأموات أفضل من العبادات؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (9)، ولم يتعرض للعمل، بلغوا الناس، الناس الآن لو تقول: ادعوا له بس قل: اللهم اغفر له، طيب أنا قلت: اللهم اغفر له، وغفر له، فائدة كبيرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1886

على كل حال، هذه -كما قلت لك- لا بأس بها، لكن الأفضل أن يُبيَّن للناس أن الدعاء أفضل، وبقي علينا أنا قلنا قبل في أثناء الشرح: لو قال الأب لابنه: صل يا بني، قال: ما أصلي إلا كل صلاة بعشرة.
قلنا: هذا لا يصح في الاستئجار، لكن لو قال الأب لأبنائه وبناته: من صلى منكم فله بكل صلاة عشرة، يجوز تشجيعًا لهم، لكن هو صحيح، يعني يجوز ها الشيء عليهم، لكن فيه بعض الحسكة، يعني أن الإنسان لا يطمئن لهذا؛ لأنه قد يكون في هذا مفسدة، وهي تعويدهم ألا يفعلوا عبادات إلا لعوض، ويُخشى أن يجعلوا الواحد منهم ما لك ما صليت اليوم؟ قال: ما أعطيتني شيئًا، ممكن هذا؟ إي نعم، فأخشى أنه تكون النية ما هي طيبة، إنما هي مبدئيًا لا بأس بها؛ يعني هذا من باب التشجيع على العمل الصالح، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (10). طالب: شيخ أحسن الله إليك، إذا كان الرجل ليس له مصدر رزق إلا الحرام، كالذين يبيعون مثلًا أشرطة الفيديو ( ... ) الموسيقى والدخان ( ... ) وغيرها، ودعي الإنسان إلى إجابته، ( ... ) فيجوز الإجابة؟ الشيخ: أعطيناكم قاعدة في الأول: كل ما حَرُم لكسبه فليس محرمًا على غير الكاسب، هذه القاعدة.
طالب: ( ... ). الشيخ: بناءً على أنه يجوز أن الإنسان يقرأ على المريض بأجرة لا بأس، لكن بس من الحقيقة هل الطريقة هذه سليمة؟ يقول: فيه ناس الآن يقرؤون بالماء، قُرَّاء، بجرار صحة، ويبيعون الصغير بكم؟ الطالب: بريالين.
الشيخ: بريالين، يبيعونها بريالين.
الطالب: لا، هي بريالين يا شيخ.
الشيخ: هي بريالين يبيعها بعشرين، واللي بخمسة؟ الطالب: ( ... ) يبيعها بخمسين.
الشيخ: بخمسين، الله أعلم بنفع هؤلاء لكن ما أقدر أقول إنه حرام، ما دمنا نقول: إنه لا بأس أن يقرأ على المريض بأجر.
طالب: شيخ هل يمكن أن نعتبر الأذان وكذلك الإمامة وتكفين الميت من القرب التي يتعدى نفعها وبالتالي يجوز أخذ الأجرة عليها؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1887

الشيخ: لكن ما فيها نفع مباشر، تغسيل الميت نعم، تغسيل الميت واضح إنه مباشر للشخص نفسه، لكن الأذان ما هو لشخص معين، لعموم الناس.
طالب: لو امتنع الناس من الأذان لشق ذلك على الناس، ( ... ). الشيخ: ما هو مثل المعين، ليس كالمعين.
طالب: أحسن الله إليك، ( ... ) على المؤجر كل ما يتمكن به النفع، إذا قيل: إن الأشياء هذه ترجع إلى العادة والعرف، هل يكون له وجه؟ الشيخ: هو هذا عرفهم، الآن هذا ما هو موجود عندنا، اللهم إلا إن كان في بلاد غير السعودية، ما دام عندكم موجود؟ طالب: ( ... ). الشيخ: عندكم أنتم في الجزائر.
طالب: في البادية قد يوجد، نعم.
الشيخ: موجود الآن؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي على كل حال، لدينا قاعدة -بارك الله فيكم- الفقهاء في مثل هذه الأمور يأتون بها بناءً على عاداتهم، ويرجع في هذا إلى العادة، هذا هو الأصل، ثم نقول: إن الاضطراد العرفي كالاستثناء اللفظي أو كالشرط اللفظي، الاضطراد العرفي كالشرط اللفظي، إي نعم.


طالب: قال رحمه الله تعالى: وَمَفَاتِيح الدَّارِ وَعِمَارَتِهَا، فَأَمَّا تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالكَنِيفِ فَيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً.
فَصْلٌ

وَهِيَ عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَإِنْ آجَرَهُ شَيْئاً وَمَنَعَهُ كُلَّ المُدَّةِ أَوْ بَعْضَهَا فَلا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ بَدَأَ الآخَرُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَعَلَيْهِ، وتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ العَيْنِ المُؤجرَةِ، وَبِمَوْتِ المُرْتَضِعِ وَالرَّاكِبِ إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ بَدَلا، وَانْقِلاعِ ضِرْسٍ أَوْ بُرْئِهِ وَنَحْوِهِ، لا بِمَوْتِ المُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَلا بِضَيَاعِ نَفَقَةِ المُسْتَأْجِرِ وَنَحْوِهِ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1888

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الإجارة لا تصح على عمل لا يقع إلا قربة، وهو الذي يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، أي أن يكون مسلمًا؛ لأن ما كان عبادة محضة لا يجوز أخذ أجر الدنيا عليه وسبق دليله أيضًا، سبق لنا أيضًا أنه على المؤجر كل ما يتمكن به المستأجر من استيفاء المنفعة، وذكر أشياء ومنها مفاتيح الدار، فإن مفاتيح الدار على المؤجر، وعلى هذا فإذا ضاعت من المستأجر بدون تعد ولا تفريط وجب على المؤجر أن يصنع له بدلها، لماذا؟ لأنها على المؤجر، وهي أمانة في يد المستأجر، فإذا تلفت بيده بدون تعدٍّ ولا تفريط ألزم المؤجر بأن يصنع بدلها ويعطيها إياه.
كذلك عمارتها لو تهدم منها شيء لا يتمكن به المستأجر من استيفاء المنفعة؛ فإن عليه عمارتها، وأما ما زاد على ذلك فإنه لا يلزمه إلا بشرط، كالذي يسمونه الديكور، هذا لا يلزم المؤجر إلا إذا شرط عليه.
طيب المراوح، المكيف، الدفايات على من؟ الدفايات على المؤجر؟ ! طلبة: لا.
الشيخ: على المستأجر، المكيف على المؤجر، المراوح على المؤجر، كل ما كان ثابتًا فعلى المؤجر، وأما الشيء المتنقل فإنه يكون على المستأجر.
ثم قال: (فَأَمَّا تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالكَنِيفِ، فَيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً) البالوعة هي الحفرة التي يُصب فيها الماء الفاضل من غسيل ونحوه، وسميت بالوعة؛ لأنها تبلع الماء، وأما الكنيف فهو مجمع العذرة، وكانوا فيما سبق يحفرون حفرة أيضًا يكون فيها العذرة، البيت هذا الذي يكون فيه هذه الحفرة يسمى الكنيف؛ لأن صاحبه يكتنف فيه؛ أي يستتر عن الغير، البالوعة والكنيف هل على المستأجر إفراغها أو على المؤجر؟ على المستأجر؛ لأنه هو الذي ملأها ولهذا اشترط المؤلف قال: (إذا تسلمها فارغة) تكون عليه؛ لأنه تسلمها فارغة، فلزمه أن يردها فارغة، فإن تسلمها وفيها النصف فعليه النصف، وهلم جرًّا، حسب ما أدرك من ملئها يكون عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1889

في الوقت الحاضر ليس هناك بالوعة ولا كنيف في أكثر البلاد، فيُقال: على المؤجر إصلاح المواسير؛ المجاري؛ لأن هذا يبقى، لكن لو تسددت هذه المجاري فهي على المستأجر؛ لأنها تسددت بفعله، وكل هذا الذي قاله الفقهاء -رحمهم الله- يمكن أن يُقال: إنه يرجع إلى العرف فيما جرت العادة أنه على المستأجر، أو على المؤجر، فإن تنازع الناس فربما نرجع إلى كلام الفقهاء، وأما بدون تنازع ويكون العرف مضطردًا بأن هذا على المؤجر وهذا على المستأجر فالواجب الرجوع إلى العرف؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا أمر بالوفاء بالعقد من أصله أو من صفاته وشرطه.
ثم قال المؤلف: (فصل.
وَهِيَ عَقْدٌ لازِمٌ) (وهي) أي الضمير يعود على الإجارة (فصلٌ) وهي عَقْدٌ لازمٌ، فإن آجَرَه شيئًا ومَنَعَه كلَّ الْمُدَّةِ أو بعضَها فلا شيءَ له، وإن بدأَ الآخَرُ قَبلَ انقضائِها فعليه، وتَنْفَسِخُ بتَلَفِ العينِ المؤَجَّرَةِ وبموتِ الْمُرْتَضِعِ والراكبِ , إن لم يُخَلِّفْ بَدَلًا وانقلاعِ ضِرْسٍ أو بُرْئِه ونحوِه، لا بموتِ الْمُتعاقِدَيْنِ أو أحدِهما ولا بضَياعِ نَفقةِ المستأْجِرِ ونحوِه، وإن اكْتَرى دارًا فانْهَدَمَتْ , أو أَرْضًا لزَرْعٍ فانْقَطَعَ ماؤُها , أو غَرِفَتْ انْفَسَخَت الإجارةُ في الباقي، وإن وَجَدَ العينَ مَعيبةً أو حَدَثَ بها عيبٌ فله الفَسْخُ وعليه أُجرةُ ما مَضَى , ولا يَضمنُ أجيرٌ خاصٌّ ما جَنَتْ يَدُه خطأً ولا حَجَّامٌ وطَبيبٌ وبَيطارٌ لم تَجْنِ أَيْدِيهم إن عُرِفَ حِذْقُهم ولا راعٍ لم يَتَعَدَّ، ويَضمنُ المشتَرِكُ ما تَلِفَ بفِعْلِه، ولا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من حِرْزِه أو بغيرِ فِعْلِه ولا أُجرةَ له،

الجزء: 2 - الصفحة: 1890

بأن هذا على المؤجِر وهذا على المستأجر، فالواجب الرجوع إلى العرف؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا أَمْرٌ بالوفاء بالعقد من أصله، أو من صفاته وشرطه.
ثم قال المؤلف: (فصل: وهي عقد لازم)، (وهي) الضمير يعود على الإجارة.
(عقد لازم)، ومعنى (لازم) أي: لا يمكن فسخه إلا لسبب، وذلك أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عقود جائزة من الطرفين، وعقود لازمة من الطرفين، وعقود لازمة من طرف جائزة من طرف آخر.
ومعنى لازمة أي: نافذة لا يمكن فسخها.
البيع لازم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
(1) الوكالة جائزة، عقد جائز من الطرفين.
الكتابة؛ أي كتابة العبد -وهو شراء نفسه من سيده- عقد لازم من جهة السيد، وجائز من جهة العبد.
الرهن عقد جائز من جهة المرتهِن، ولازم من جهة الراهن.
الإجارة عقد لازم، وذلك لأنها نوع من البيع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»، ثم ذكر أنهما إذا تفرَّقَا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع.
ثم فرَّع على هذا الضابط -وهو أن الإجارة عقد لازم- بقوله: (فإن آجَرَهُ شيئًا ومنعه) أي: المؤجِر، والضمير (الهاء) يعود على المستأجر، أي: منع المؤجِرُ المستأجرَ (كل المدة أو بعضها فلا شيء له).
مثال ذلك: أَجَّرَه هذه الدار سنة من الآن، فجاء المستأجِرُ يطلبها فمنعه، مضت السنة كلها وهو قد منعها، فهل له أجرة؟ لا، لا شيء له؛ لأنه هو الذي منعه، ولكن هل يلزمه فرق ما بين الأجرتين؛ أجرة المثل والأجرة التي تم العقد عليها لو اختلفت، أو لا يلزمه؟ يلزمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1891

فمثلًا لو كان أجَّرَها بعشرة آلاف وارتفعت الأجور، حتى صارت تساوي في هذه السنة عشرين ألفًا، فهل يلزم المؤجِر أن يُسَلِّم للمستأجر عشرة آلاف؟ الجواب: نعم يلزمه؛ لأن المنفعة من حين العقد ملك لِمَن يا إخوان؟ للمستأجر، فإذا منعه إياها فهو غاصب، والغاصب عليه الضمان.
وإن كانت الأجرة نزلت، هل يلزمه النقص؟ انتبهوا، إذا كانت نقصت أصلًا لن يُعْطَى شيئًا، المؤجِر لن يُعْطَى شيئًا، إن بقيت الأجرة كما هي فالأمر واضح، إن نقصت هو أصلًا لا يعطى حتى يقال: يضمن المستأجر النقص، إن زادت الأجرة ضمن المؤجِر الزيادة، لمن؟ للمستأجر؛ لأن المستأجر ملك المنفعة في المدة التي تم العقد عليها، فيكون بمنزلة الغاصب؛ عليه الضمان.
لو أَجَّرَه إياها لمدة سنة باثني عشر ألفًا ثم منعه ستة أشهر، ثم قال: تفضل، فرَّغ البيت له، وسكن المستأجرُ بقية المدة، هل عليه شيء؛ على المستأجر؟ المؤلف يقول: لا شيء له، منعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له، لماذا؟ لأنه فَوَّتَ على المستأجِر منفعة الدار؛ إذ قد يكون من غرض المستأجِر أن يبقى فيها مدة سنة كاملة.
ومثل ذلك لو أَجَّرَه البعير يسافر عليها، ومنعه إياها، وفي أثناء الطريق سَلَّمَها له، فهل له أجرة فيما بقي؟ كلام المؤلف يقول: لا، ليس له أجرة؛ لأنه منع المستأجر حقه، فسقط حقُّه، أي: المؤجِر.
وظاهر كلامه أيضًا أنه لا فرق بين أن يمنعه بعض المدة لعذر أو لغير عذر؛ وذلك لأن حقوق الآدميين لا يُفَرَّق بها بين العذر وغيره، وقد يقال: إنه إذا كان لعذر فإنه يلزمه –أي: يلزم المستأجِر- أجرة بقية المدة، والعذر مثل أن يُمْنَع صاحب الدار من الاستيلاء عليها، فحينئذ نقول: له ما بقي من المدة، وللمستأجِر أن يطالِب الذي منعه بمقدار المدة التي منعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1892

مثال ذلك: رجل أجَّرَ هذا الشخص البيت لمدة سنة، تبتدئ من الآن، لكن سُلِّط على هذا البيت جنود استحلوه غصبًا، ولم يُسَلِّمْهُ إلى صاحبه إلا بعد نصف سنة، فصاحب البيت الآن معذور ولَّا غير معذور؟ معذور، صاحب البيت معذور، له نصف الأجرة؛ لأنه سَلَّم البيت عند انتصاف المدة، والمستأجر يطالب مَن؟ يطالب الجنود الذين منعوا صاحب البيت منه، فإن تعذَّر عليه مطالبتهم فلا يرجع على المؤجِر؛ لأن المؤجِر يقول: هذا حصل بغير اختياري.
قال: (وإن بدأ الآخر قبل انقضائها فعليه).
(إن بدأ الآخر) الآخر هو المستأجر.
(قبل انقضائها) يعني: امتنع من سُكْنَاها.
(فعليه الأجرة) كاملة، ولا يقال: إنه ليس عليه إلا مقدار المدة؛ لأن المؤجِر يقول: أنا الآن سلَّمتك البيت بأجرة، فوجب لي في ذمتك الأجرة، ووجب لك أنت أيش؟ النفع، والنفع قد استلمت النفع.
مثال ذلك: رجل استأجر بيتًا مدة الإجازة، مدة الإجازة ثلاثة شهور، كل شهر بألف ريال، ثم إن المستأجِر تأخَّر ولم يَقْدَم البلد إلا بعد أن مضى شهر، فيلزمه للمؤجِر كم؟ طلبة: ثلاثة آلاف.
الشيخ: ثلاثة آلاف، يعني الأجرة كاملة؛ لأن المؤجر لم يحصل منه لا منع ولا غيره، المؤجِر قد بذل العين المؤجَرة، ولكن التأخير ممن؟ من المستأجِر، ولهذا قال: (إن بدأ الآخر قبل انقضائها) أي: قبل انقضاء المدة، (فعليه) أي: عليه الأجرة.
استأجر هذا البيت مدة ثلاثة أشهر، وسكن فيه شهرين، ثم بَدَا له أن يرجع إلى بلده وقد بقي شهر، هل عليه أجرة الشهر الباقي؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن المؤجِر يقول: أنا لا أمنعه، استوفِ المنفعة، المنفعة الآن أمامك، فيكون عليه الباقي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1893

المهم على كل حال الآن فهمنا أن الإجارة عقد لازم، وأنها إن فُسِخَت من قِبَل المؤجِر فالحكم لا شيء له، وإن فُسِخَت من قِبَل المستأجر فعليه الأجرة، وإن فُسِخَت باختيارهما فعلى المستأجر أيش؟ مدة سكناه، ولا شيء عليه أكثر من ذلك، فإذا استأجرها بألف لمدة ثلاثة شهور، ولما مضى شهر اتفق هو والمؤجِر على فسخ الإجارة، فهل عليه شيء؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لا، لكن عليه الشهر الذي سكنه، وأما الباقي فلا شيء عليه؛ لأنهما اتفقَا على ذلك.
ثم قال المؤلف مبيِّنًا ما تنفسخ به الإجارة: (وتنفسخ) أي: الإجارة، (بتلف العين المؤجَرة)، فلو آجَرَه دارًا فانهدمت انفسخت الإجارة، وعلى المستأجر أجرة ما سبق من المدة.
استأجر سيارة فانحرقت، تنفسخ الإجارة أو لا؟ تنفسخ، وعلى المستأجر قسط المدة التي استأجرها لها.
ثانيًا: (وبموت المرتَضِع) أيضًا، لو أن شخصًا استأجر امرأة لتُرْضِع ولده، فمات الولد، يعني استأجرها لمدة سنة، فمات الولد، فإن الإجارة تنفسخ؛ لأن العين المعقود عليها -وهو الراضِع- قد تلفت، فلا يمكن استيفاء المنفعة مع تلفها.
قال: (والراكب إن لم يُخَلِّف بدلًا)، الراكب يعني: لو أن شخصًا في النقل الجماعي، استأجر نقلًا جماعيًّا مثلًا من مكة إلى المدينة، وفي أثناء الطريق مات، تنفسخ الإجارة؟ المؤلف يقول: في ذلك تفصيل؛ إن خَلَّفَ بدلًا فإنها لا تنفسخ، وإن لم يُخَلِّف بدلًا انفسخت، وذلك لأنه إذا خَلَّف بدلًا فإنه يقوم مقامه، وإذا لم يُخَلِّف بدلًا فقد تعذَّر استيفاء المنفعة من قِبَل المعقود عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1894

وتنفسخ أيضًا (بانقلاع ضرس)، يعني لو أن شخصًا استأجر طبيبًا ليقلع ضرسه، فانقلع، قلع الضرس قبل أن يأتي الطبيب، فالإجارة تنفسخ، لماذا؟ لتعذُّر الاستيفاء؛ لأن المعقود عليه -وهو الضرس الذي استؤجر لقلعه- انقلع، فلو أصرَّ الطبيب وقال: لا بد أن أقلع الضرس الثاني! يُمَكَّن أو لا؟ لا يُمَكَّن، معلوم؛ لأنه استؤجر على قلع ضرس معين، والضرس المعين انقلع، فلا شيء له.
(أو بُرْئِه) يعني: لو برئ الضرس فإن الإجارة تنفسخ، مثلًا: رجل التهب ضرسه وتَوَرَّم، واستأجر طبيبًا لقلعه، ثم إن الله سبحانه وتعالى مَنَّ عليه بالشفاء، وزال الورم وسكن الألم، فإن الإجارة تنفسخ، لماذا؟ لأنه قد عُلِم بالضرورة أنه إنما استأجره لقلع ضرسه من أجل ألمه ومرضه، ليس من أجل أنه لا يريد الضرس، فتنفسخ.
وهنا لو وقع خلاف بين الطبيب الذي أتى بآلاته واستعد، وفرَّغ زمنًا من وقته لقلع هذا الضرس، فقال صاحب الضرس: إنه قد سكن الألم وبرئ، وقال الطبيب: لا، لم يبرأ، مَن نصدق؟ الطلبة: صاحب الضرس.

الجزء: 2 - الصفحة: 1895

الشيخ: أليس صاحب الضرس يمكن أنه ادَّعَى البرء لأنه عرف أن هذا الطبيب سيأخذ أجرة كثيرة؟ فيه احتمال، لكن هذا الاحتمال لو كان واردًا لا نقبله؛ لأن معرفة كونه برئ أو لم يبرأ لا يُعلم إلا من جهته، فإن قال الطبيب: أنا أسقيه ماء باردًا، فإن صقع ضرسه شوفناه مثلًا تغيَّر وجهه، أو شد لحييه، عرفنا أنه لم يبرأ، وإلا فهو بارئ، يمكن هذا ولَّا لا؟ نعم يمكن، إذا قيل: إن هذا الاختبار يؤدي إلى المقصود اختبرناه، كما قال العلماء في الجنايات فيمن جُنِيَ عليه فادَّعى أنه فَقَدَ السمع، وتعلمون أن الرجل إذا جُنِيَ عليه حتى فَقَدَ السمع فعلى الجاني دية كاملة، مئة بعير، والجاني يقول: أبدًا، ما فقدتَ السمع، وهو يقول: فقدتُ السمع، قالوا: يُخْتبَر، بأن يُؤتَى على غفلة ويُصاح به، أو يثَوَّر عنده بندق، فإن أحسّ فإنه كاذب في دعواه أنه ذهب السمع، وإن لم يُحِسّ فهو صادق، وهذا لا شك أنه من الأسباب التي تدل.
ومثل البصر، قالوا: إذا ادَّعى أن بصره فُقد من جناية فإنه يُخْتَبر، بماذا نختبره؟ طلبة: الشمس.
الشيخ: الشمس يمكن يصبر عليها.
طالب: نضع المصباح في عينه بدخانه.
الشيخ: والله هذه مشكلة، صعبة! قالوا أيضًا: يغتفله الإنسان، ثم يقول هكذا حول عينه، إن أَرْمَشَ فهو مُبْصِر، وإلا فلا.
هذا الذي قاله الفقهاء يرحمهم الله، لكن ربما يكون الآن وسائل أدق من هذا يُختبر بها ذلك، لكن على كل حال نحن في الضرس الآن، الطبيب جاء بآلاته واستعد لقلع الضرس، واختزل زمنًا من وقته، ثم ادعى صاحب الضرس أنه برئ، فهذا لا بد من الاختبار، وإذا تيقنا أنه برئ فإن الإجارة تنفسخ لتَعَذُّر استيفاء المنفعة.
قال: (ونحوه) مثل أن يُستأجَر شخص لمداواة مريض، فلما وصل هذا الرجل لمداواة المريض إذا المريض قد مات، تنفسخ الإجارة.
في البيت مريض آخر، فقال الطبيب: مات المريض الذي دعوتموني له، فأنا أداوي الثاني، ولا تنفسخ الأجرة، يوافق ولَّا ولا؟ الطلبة: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1896

الشيخ: لماذا؟ لأن المعقود عليه عين المريض، وقد فات.
طالب: ( ... ) لما طُلب، فهو جاي من مكان بعيد، جهَّز السيارة ( ... ) البنزين والزيت ( ... )، فجاء، لما جاء ادعى الرجل أنه قد برئ، فهل يضمن الشيء الذي .. الشيخ: لكن هل ثبت أنه بريء؟ الطالب: ادعى.
الشيخ: إذا ثبت فلا شيء له؛ لأن هذا الرجل إنما أنفق هذه النفقة لحضوره بناء على أن الإجارة لازمة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، كيف بعض الأطباء الآن ما يخرج من عيادته إلا بثمن؟ الشيخ: إي، بأجرة.
الطالب: إي، يقول مثلًا: المجيء إلى البيت بمئة ريال مثلًا، فإذا وصل إلى البيت وبرئ ثبت أن المريض قد برئ، فهل تلزمه الـ .. ؟ الشيخ: لا، هذا يلزمه؛ لأنه إنما أخذ المئة ريال ليس على المداواة، ولكن على حضوره من دكانه.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض الناس يكون عنده وسواس في مسألة المرض، فكثيرًا ما يتشكَّى أو يذهب إلى الطبيب وليس به أي مرض، فإذا ذهب إلى الطبيب واشتكى إليه مرضًا، ووجده الطبيب بريئًا من ذلك المرض، فبعدما أجرى عليه ( ... ) فهل يحل للطبيب أَخْذ هذه الأجرة؟ الشيخ: الظاهر أنه لا يحل له، إلا إذا كان هناك .. اللي أعرف أن الأطباء لهم أجرة خاصة للكشف فقط، فهذا يأخذ.
الطالب: هو ما يدخل على الطبيب أصلًا إلا إذا دفع أجرة الكشف.
الشيخ: خلاص، يدفع أجرة الكشف وتكون الأجرة على كشفه لا على مداواته.
الطالب: إذا وجد به مرضًا آخر؟ الشيخ: يقول له، يعني ينشئ عقدًا جديدًا، إذا كان مستأجَرًا لعمل معين ووجد مرضًا آخر، يعني إذا كان مستأجرًا لعمل معين في مرض معين، ثم وجد مرضًا آخر فلا بد من تجديد العقد، يعني إضافة.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إن منع المؤجِرُ المستأجرَ بعض ( ... ) ذكرنا تفصيلًا أنه إن كان لعذر ونحوه، أنا اختلط عليّ يعني كأني فهمت شيئين، فما هو ( ... )، هل يُلزَم المؤجِر بتمكين المستأجر مما فاته من المدة أم لا إن كان لعذر؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1897

الشيخ: لكن ما يمكن الآن أن تسيطر على العين، العين الآن تعذر الاستيفاء منها، نحن مثلنا فيما إذا أخذها الجند، هذا لا يمكن الاستيفاء منه، لكن أنت تريد هل يمكن أن نضيف إلى المدة بقدر ما حُبِسَت عن المستأجر؟ لا؛ لأن المدة هنا مقدرة بزمن، إذا انتهى انتهى الأجر.
الطالب: وهل نقول: إن المستأجر يرجع على الجنود إن أمكن؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: أو يطالب المؤجِر بذلك؟ الشيخ: لا، يرجع على الجنود.
الطالب: المستأجر؟ الشيخ: نعم؛ لأن المؤجِر ما فَرَّط.
طالب: شيخ، حفظك الله، المعروف الآن في محلات التأجير الشقق والغرف أنهم يحسبون مثلًا من الساعة الثانية إلى الساعة الثانية هذا اليوم.
الشيخ: من الساعة أيش؟ الطالب: من الساعة ثنتين الظهر إلى الساعة ثنتين من الغد، فلو جاء إنسان في الساعة الواحدة من اليوم حسبوا له المدة مدة يوم كامل.
الشيخ: ما دام هذا عُرفًا مُطَّرِدًا فيمشي عليه، يعني ما دام أن الإنسان لو جاء الساعة الواحدة إلى الثانية ( ... ) الساعة الواحدة يومًا، وهذا عرف مطَّرد معروف، فعلى ما اصطلح عليه الناس.
طالب: صاحب الضرس قد مَثَّلْنَا عليه لو تَبَيَّن أنه يريد أن يهرب من الأجرة لأن الأجرة غالية، هل تلزمه أو لا؟ الشيخ: مَن اللي أَعْلَمَنا بهذا؟ الطالب: هو تَبَيَّن ( ... ). الشيخ: إذا تبين تلزمه الأجرة أو يُخْلَع الضرس.
طالب: شيخ، يحدث كثيرًا عند استئجار السيارة ولا يكون بعقد يعني، بمجرد ركوب السيارة، ومعروف أن أجرتها مثلًا من المدينة إلى مكة كذا، فيجد الراكب بعدما ركب سيارة أجود، أو أنها ستنطلق مبكرًا عن الأخرى، أو لسبب ما، فينزل ويركب الأخرى، تلزمه الأجرة؟ الشيخ: ما تلزمه الأجرة، تلزمه الأجرة إذا كان معروفًا أنه بمجرد ركوبه يعتبر عقدًا، لكن ما أدري عن النظام هنا في النقل الجماعي هل هو بمجرد ما يركب يُعْتَبر عقدًا؟ الطالب: الأهلية، الأخرى، غير النقل الجماعي التي بغير تذاكر، الأهلية.

الجزء: 2 - الصفحة: 1898

الشيخ: الأهلية؟ الطالب: نعم، لأنه يغضب السائق، عند النزول يغضب.
الشيخ: هذه يُرْجَع إلى العرف من جهة، وإلى تفويت المصلحة من جهة أخرى، قد يكون هذا التاكسي لا يحمل إلا خمسة، وجاء إنسان يقول: أنا بمشي معكم وما يمكن يركب ستة، فصرفوه، فلما صرفوه نزل واحد من هؤلاء، هذا ينبغي أن نُضَمِّنَه الأجرة؛ لأنه فَوَّت على صاحب السيارة.
طالب: إذا منعه ( ... ) فلا شيء للمؤجر، إنما يطالب المؤجِّر مقدار ما سقط من الأجرة.
الشيخ: ما يطالب؛ لأنه هو المعتدي، المعتدي ظالم، فلا حق له.
الطالب: ربما في هذه الحال إذا عرف المؤجر أنه لا شيء له ( ... ) بقية المدة.
الشيخ: إذا منعه له أن يطالب.
الطالب: لأنه لم يذكر يا شيخ مثلًا.
الشيخ: لا، إذا منعه المدة أو بعضها، هو إذا منعه بعض المدة في النهاية واضح؛ لأنه ما يمكن يرجع، يعني لو مضى تسعة أشهر وهو ساكن، ثم منعه البقية، هذا واضح، لكن لو منعه الثلاثة الأولى ثم مَكَّنَه فإنه أيضا لا شيء له؛ لأنه لم يُسَلِّم المعقود عليه.
الطالب: لا شيء له؛ كل الـ .. الشيخ: كله.
الطالب: عند هذا يَمْنَع المستأجر من بقية المدة.
الشيخ: ما يمكن يمنعه؛ لأنه يقول: هذا حقي، لكن في هذه الحال يعني ربما يقال: إنه في هذه الحال إذا مَكَّنَه من بقية المدة فينبغي أن يعطَى أجرة البقية بالقسط.
طالب: إذا استأجر من فندق غرفة، كل يوم بمئة، سبعة أيام، فسكن فيها خمسة أيام، فهل يطالب بالباقي؟ الشيخ: نعم، صاحب الفندق يأخذ الباقي.
الطالب: هو استأجر سبعة أيام، دفع له سبع مئة ريال، فسكن فيها خمسة أيام، فهل يطالب بالمئتين الباقية؟ الشيخ: لا، ما يطالب.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أحيانًا يكون في البيت المستأجر أشياء ( ... ) والدفايات وغيرها والأواني، فهل يجوز للمستأجر أن ينتفع بها من غير أن ( ... )؟ الشيخ: هي لا شك أنها ما وُضِعَت في البيت إلا للمنفعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1899

الطالب: هو ما وضعها خصيصًا ليستنفع بها المستأجِر، لكن هو على سبيل كونه في بيته الأول، ثم طرأ عليه عقد الإيجار .. الشيخ: إذا لم يغلق الدولاب فمعناه أنه أَذِنَ له.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بعض المستأجرين، ( ... ) خصوصًا السيارات، حصل منه تفريط يا شيخ، فبعضهم يسوق بسرعة ولا من غيرها، وتتلف السيارة بسبب تفريطه؟ الشيخ: إي نعم، هذا سيأتينا إن شاء الله تعالى أن المستأجَر -العين المؤجرة- بيد المستأجِر أمانة، إن تلفت بغير تَعَدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، وإن تلفت بتعديه أو تفريطه فعليه الضمان.
طالب: بارك الله فيك، ( ... ) يدفع المستأجر الأجرة على نصفين، ثم إذا بَدَا له في النصف الأول أنه يغير البيت هل يلزمه دفع الستة أشهر الباقية أو لا؟ الشيخ: إذا طالبه المؤجِّر بذلك فإن له ذلك؛ لأن المؤجِّر يقول له: الآن البيت أمامك، استوفِ منفعته بنفسك أو أَجِّرْهُ غيرك بأجرة أو بغير أجرة.
الطالب: قال: البيت لم يعجبني.
الشيخ: الله المستعان، هو ما شافه بالأول؟ ! رآه بالأول.
طالب: شيخ، ( ... ) هل يقال: إن المستأجِر يُلْزَم ( ... ) العين المؤجَرة ( ... ) تسلمها أمانة، إذا كان أصبح البيت قذرًا ( ... )؟ الشيخ: إذا تسلَّمَه مُرَتَّبًا يسلِّمه مُرَتَّبًا، نعم يلزم.
طالب: شيخ، بالنسبة هناك بعض الأشياء اللي تكون ثابتة في المنزل ( ... ) يكون لها عمر افتراضي، يعني خمس عشرة سنة مثلًا، فيأتي يستلمها المستأجر بعد عشر سنوات، فإذا جلس خمس سنوات تلف هذا الشيء، فهل نقول: على هذا المستأجِر أن يُصْلِحَها بما يبقى خمس عشرة سنة، حتى إذا كان لا يريد أن يسكن المدة؟ الشيخ: لا، إذا تلفت المعدات بانتهاء وقتها بدون تَعَدٍّ ولا تفريط من المستأجر فليس عليه شيء، لكن نقول: هل يُلزِم المؤجِر بأن يغيرها؟ الظاهر لا يلزِمه إلا بشرط، يعني مثلًا المكيِّف بقي له مثلًا سنة أو سنتان أو خرب بشيء حادث فإنه لا يَلْزَم المؤجِر أن يؤمِّن له ذلك إلا بشرط.

الجزء: 2 - الصفحة: 1900

الطالب: وإذا أصلحها المستأجر هل يرجع؟ الشيخ: إذا أصلحها بإذن المؤجِر رجع، وبغير إذنه لا يرجع.
طالب: المستأجر في العادة إنه إذا دخل المنزل يثبت بعض المسامير في الجدار، وإذا خرج يكون للمسامير أثر في الجدار، هل يلزمه إصلاح ذلك؟ الشيخ: إي نعم، ما لم يكن قد اشترطه على المؤجِّر.
الطالب: العُرف أنه حاصل ( ... ). الشيخ: لا، بالعكس، العُرْف أنه يُمْنَع من دق المسمار في الجدار، إلا إذا كان من بيوت الطين، صحيح؛ لأن المسمار في جدار طين لا يؤثر.


طالب: ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه، وإن اكترى دارًا فانهدمت، أو أرضًا لزرعٍ فانقطع ماؤها أو غرقت، انفسخت الإجارة في الباقي، وإن وَجَدَ العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى.
ولا يَضْمَن أجيرٌ خاصٌّ ما جَنَت يدُه خطأً، ولا حجامٌ وطبيب وبَيْطَار لم تَجْنِ أيديهم إن عُرِفَ حِذْقُهم، ولا راعٍ لم يَتَعَدّ، ويضمن المشترك ما تلف بفعله، ولا يضمن ما تلف من حِرْزِه أو بغير فعله، ولا أجرة له.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الإجارة من العقود الجائزة أو اللازمة؟ طالب: من العقود اللازمة.
الشيخ: من الطرفين، أو من طرف واحد؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: الدليل؟ الطالب: الإجارة بيع منافع، فيدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ».
(1) الشيخ: أن الإجارة بيع منافع، فتدخل في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ .. » إلى آخره، بارك الله فيك.
رجل استأجر من شخص بيتًا، فمنعه صاحب البيت جميع المدة، هل يستحق الأجرة على المستأجِر؟ طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن المستأجر لم يَسْتَوْفِ المنفعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1901

الشيخ: لم يستوف المنفعة، هل تنفسخ الإجارة، أو نقول: إنها لا تنفسخ، ويطالِب المستأجِرُ المؤجِرَ بأجرة المثل؟ الطالب: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لا تنفسخ، إي، ويطالِب؟ الطالب: لأنه غاصب.
الشيخ: ما الذي يُفهَم من كلام المؤلف؟ الطالب: (فإن أَجَّرَهُ شيئًا ومنعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له).
الشيخ: أيش يُفهَم منه؟ الطالب: إنها ما تنفسخ.
الشيخ: ما تنفسخ ويقول: لا شيء له؟ ! الطالب: إي لا شيء له، يعني .. الشيخ: لا شيء للمؤجِر، إي نعم، ولكنها تنفسخ.
في قول: إنها ما تنفسخ، ويطالِب المستأجرُ المؤجِرَ بأجرة المثل، لكن إذا كانت أجرة المثل أقل من الأجرة أو أكثر فهنا يحصل خلاف، فالقول بأنه في مثل هذه الحال يُوكَل الأمر إلى القاضي؛ إن رأى أن يؤدِّب المؤجِر إذا كانت أجرة المثل أكثر من الأجرة المعقود عليها، ورأى أن يطالِب المؤجِر بأجرة المثل تنكيلًا له، فهذا حسن، لكن لو كانت أقل فهنا نقول: للمستأجر أن يأخذ كامل الأجرة التي دفعها.
مثاله: استأجر هذا البيت لمدة سنة بعشرة آلاف ريال، ثم إن المؤجِر منعه حتى تمت السنة، على ما مشى عليه المؤلف رحمه الله نقول: الإجارة انتهت، ولا شيء للمؤجِر، ولا شيء على المستأجِر.
وعلى القول الثاني يقول: إنها لا تنفسخ؛ لأن المؤجِر صار بمنزلة الغاصب، كما لو منع البائعُ المشتريَ من قبض المبيع فإنه يضمنه ضمانَ غَصْبٍ، وبناء على ذلك نقول للمستأجر: ارجع على المؤجر بأيش؟ بأجرة المثل.
إذا كانت أجرة المثل، هو استأجرها سنة بكم؟ طلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: أجرة المثل خمسة عشر ألفًا، نقول هنا: لا بأس أن يرجع المستأجر على المؤجر بخمسة عشر ألفًا، لكن لو كانت أجرة المثل أنقص؛ بثمانية آلاف، هل نقول: ليس للمؤجِر هنا إلا ثمانية آلاف؟ إذا قلنا بذلك صار فيه ضرر، على مَن؟ على المؤجِر؛ لأنه سَلَّم عشرة، وإذا قلنا: لك أجرة المثل، صار ضرر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1902

فالحاصل أن المذهب أنه ليس له شيء ولا عليه شيء، يعني المؤجِر، يعني الإجارة تنفسخ.
والقول الثاني: إن المؤجِر يضمنه ضمانَ غَصْبٍ، وهذا القول وجيه، لكن بشرط ألَّا تكون أجرة المثل أيش؟ أقل من الأجرة المعقود عليها.
إن تأخر المستأجر ولم يَسْتَوْفِ المنفعة؟ طالب: عليه الأجرة.
الشيخ: عليه الأجرة، لماذا؟ الطالب: لأنه هو الذي لم يَسْتَوْفِ المنفعة، وقد مَكَّنَه المؤجِر من استيفائها.
الشيخ: لأن المؤجِر بذل له المنفعة ومَكَّنَه من الاستيفاء، وهو الذي تركها باختياره.
فإذا قال: أنا انتهيت من البلد، أنا أقمت شهرين وأريد أن أكمل مثلًا الشهر الثالث الذي استأجرها إليه في محل آخر؟ طالب: نقول: الأصل أن الإيجار عليه، لكن إذا اتفق هو والمؤجِر على أن .. الشيخ: خَلِّيه إذا اتفقَا ما فيه إشكال.
الطالب: عليه الإيجار بكل حال.
الشيخ: لو قال هو: انتهت مدتي، أنا منتدب لمدة ثلاثة شهور، واستأجرت هذا البيت لمدة ثلاثة شهور بناء على الانتداب، وانتهت المهمة، وبرجع إلى بلدي.
طالب: الإجارة في حق اللازم، فيكمل باقي المدة.
الشيخ: ما أنا بجالس.
الطالب: خلاص يتركها ويدفع الأجرة.
الشيخ: نقول هنا: عليه الأجرة كاملة؛ لأنه يمكنه الاستيفاء بتأجيرها، أليس كذلك؟ يجوز المستأجِر أن يؤجرها لمن يقوم مقامه، ولا عليه ضرر.
استأجر بعيرًا يحج عليه، فمات البعير؟ طالب: ( ... ). الشيخ: تنفسخ الإجارة؛ لأن العين المعقود عليها تلفت، توافقون على هذا؟ استأجر جَمَّالا أن يحج به، فأتى الْجَمَّال بالبعير وقد ( ... ) خُذ البعير، وماتت في أثناء الطريق، تنفسخ الإجارة؟ طالب: إن لم يخلف بدلا.
الشيخ: اللي مات البعير ما هو الراكب.
الطالب: تنفسخ الإجارة.
الشيخ: تنفسخ الإجارة، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: على قولين يا شيخ.
الشيخ: ما عندك قولان.
طالب: هل هي مدة ما ركب؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1903

الشيخ: لا، دعنا من مدة ما ركب، لكن هل نقول: إنها انفسخت الإجارة فيما بقي، أو نقول: يلزم صاحب البعير أن يُؤَمِّن له بعيرًا؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني يا إخوان، العقد هنا ليس على عين البعير، اتفق مع جَمَّال صاحب إبل على أن يُرْكِبَه حتى يحج ويرجع، فوافق الْجَمَّال وأعطاه البعير، بدون أن تُعَيَّن البعير عن العقد، فهنا إذا ماتت البعير في أثناء الطريق أيش؟ ألزمنا صاحبَها أن يُؤَمِّن له بعيرًا؛ لأن العقد هنا على أيش؟ على عين البعير ولَّا على العمل؟ الطلبة: العمل.
الشيخ: إي نعم، على العمل، فيجب فَهْم الفرق، ولهذا قلنا: إذا تلفت البعير؛ لأن المعقود عليه تلف.
استأجر شخصًا لخلع ضرس، فانقلع الضرس قبل أن يقلعه الطبيب؟ فماذا تقول؟ طالب: تنفسخ الإجارة.
الشيخ: تنفسخ الإجارة، ولو قال الطبيب: أقلع الضرس الثاني، أنا مستعد.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا يُقْبَل؟ ماذا تقولون؟ صحيح؟ نعم؛ لأن المعقود عليه الآن تلف، صح.
استأجر بيتًا ثم مات في أثناء المدة، تنفسخ الإجارة؟ طالب: إن خَلَّف بدلًا فعليه، وإلَّا لا.
الشيخ: إن خلف بدلًا لم تنفسخ، وإلا انفسخت، هذا نعم قياسًا على الراكب، لكن القياس فيه نظر، فنقول: إنها لا تنفسخ الأجرة، وينتقل الحق إلى ورثة الميت، فإن لم يكن له ورثة فلبيت المال، وإن شاء فَسَخَهُ.
قال: (لا بموت المتعاقدين أو أحدهما)، يعني: لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقدين أو أحدهما؛ وذلك لأن المعقود عليه باقٍ، فلو آجَرَ بيته شخصًا ثم مات المؤجِر لم تنفسخ؛ لأن الإجارة عقد لازم، ولو مات المستأجِر لم تنفسخ أيضًا؛ لأن الإجارة عقد لازم، وكما تشاهدون الآن الناس يستأجرون البيوت، وهذا يموت ويُولَد له إلى آخره.
لو ماتَا جميعًا؟ طالب: لم تنفسخ.
الشيخ: لم تنفسخ أيضًا؛ لأنهما إذا ماتَا انتقل إلى ورثتهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 1904

سبق لنا في كلام المؤلف أنه إذا مات الراكب ولم يُخَلِّف بدلًا فإنها تنفسخ، والراكب أحد المتعاقِدَيْنِ، فهل نقول: إن في كلامه تناقضًا، أو نقول: إنه مشى فيما سبق على قول، وفي الثاني على قول آخر؟ مشى صاحب الإنصاف على هذا، وقال: إن صاحب المقنع رحمه الله مشى في أول كلامه على قول، وفي الثاني على قول آخر، ولكن عندي أن الجمع بينهما هو أنه في الأول عُيِّن الراكب، قال: أنا أستأجر البعير إلى مكة، ثم مات، فهنا يكون تعيين المستأجر كتعيين المعقود عليه، وأما هنا فلم يُعيَّن، وحينئذ لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقِدَيْنِ أو أحدهما.
سبق لنا أيضًا أن الإجارة -إجارة الوقف- سبق أن مُؤْجِر الوقف إذا مات فإن الإجارة تنفسخ، إذا كان المؤجِر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، وسبق لنا الخلاف في هذه المسألة، وأن عمل الناس على أن إجارة الوقف لا تنفسخ.
قال: (ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه)، ضياع نفقة المستأجر: إنسان مثلًا استأجر مني دكَّانًا من أجل أن يبيع فيه أموالًا، فاحترقت الأموال، هل نقول: إن الإجارة تنفسخ؟ المؤلف يقول: لا، ما تنفسخ الإجارة، ويُلزَم هذا الذي احترق ماله بدفع أيش؟ الأجرة؛ لأنه بإمكانه إذا لم ينتفع هو بالدكان أن يؤجره، وربما يكون الأسعار ارتفعت بعد، فلهذا لا تنفسخ باحتراق متاع مستأجِر الدكان.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنها تنفسخ؛ لأن هذا عذر لا حيلة فيه، وعرض الدكان للتأجير قد يؤجَّر وقد لا يؤجَّر، وقاسَه رحمه الله على وضع الجوائح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ».
(2) وقال: هذا الرجل الذي احترق متاعه لم يقبض المنفعة؛ لأن المنفعة -كما تعلمون- في الإجارة تأتي أيش؟ لا إله إلا الله! المنفعة في الإجارة؟ طالب: في العين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1905

الشيخ: تأتي شيئًا فشيئًا، وهو لم يستأجر .. العين ليس عليها عقد إيجار، المنفعة تأتي شيئًا فشيئًا، وهو لم يقبضها، وتعذَّر قبضه إياها بأمر لا قِبَل له به، فيكون كالثمر الذي أصابته جائحة.
وما ذهب إليه الشيخ رحمه الله أولى، لا سيما إذا كان المستأجِر يعلم أن هذا إنما استأجر البيت لبيع هذا المتاع الذي أيش؟ احترق، أما إذا كان لا يدري؛ جاءه إنسان واستأجر منه الدكان، ولم يقل له شيئًا، فهنا قد يتوجَّه ما قاله المؤلف رحمه الله؛ أن الإجارة لا تنفسخ؛ لأن المؤجِّر لا يعلم.
فالحاصل الآن أنه إذا احترق متاع الرجل الذي استأجر الدكان لبيعه فيه، فالمذهب أن الإجارة لا تنفسخ، وإذا قال المستأجِر: يا جماعة أنا ما عندي شيء، ماذا نقول له؟ نقول: أَجِّرْه، ربما تؤجره بأكثر، أو بمثل ما استأجرت به، أو بأقل، المهم أَجِّرْه، أنت مالك المنفعة.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن الإجارة تنفسخ، قياسًا على الثمر الذي على رؤوس النخل إذا أصابته جائحة فالضمان على مَن؟ على البائع، هذا هنا نقول: الضمان على المؤجِر؛ لأن المنفعة التي يريد أن يستغلها المستأجر لم تُقبَض بعد، فهو كالثمر الذي لم يُقبَض، وقلنا: هذا القول أصح.
مثل أيضًا ضياع نفقة المستأجر؛ رجل استأجر بعيرًا ليحج عليه، فأراد الله عز وجل أن تضيع نفقته، إذا ضاعت النفقة هل يمكن أن يحج؟ لا يمكن، اللهم إلا بِقَرْض، والقرض لا يَلزمه، المهم أنها ضاعت النفقة، يقول المؤلف: إن الإجارة لا تنفسخ؛ لأن العذر هنا لا يتعلق بنفس المعقود عليه، ونقول لهذا الذي ضاعت نفقته وترك الحج: أَجِّر البعير، بإمكانك أن تؤجره.
ولكن القول الراجح في هذه المسألة أيضًا أن الإجارة تنفسخ؛ لأن صاحب البعير حيث علم أن الرجل استأجرها ليحج عليها وأن نفقته ضاعت فالعذر هنا أيش؟ واضح، لا قِبَل له به، فهو كوضع الجوائح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1906

يقول رحمه الله: (وإن اكترى دارًا فانهدمت انفسخت الإجارة في الباقي)، اكترى دارًا فانهدمت، يعني إما بالسيول، أو انهدمت بزلزال -والعياذ بالله- أو بغير ذلك من أسباب الهدم، أو أنه هُدِمَت لصالح شارع المسلمين، فإن الإجارة تنفسخ؛ لتعذُّر استيفاء المنفعة في المعقود عليه، وما قبل ذلك ينفسخ أو لا؟ طلبة: لا ينفسخ.
الشيخ: لا ينفسخ، ولهذا قال: (انفسخت الإجارة في الباقي)، وأما ما استوفاه من قبل فهو على ما استوفاه، ولكن هل يؤخَذ من الأجرة بقسط المدة أو بقسط الأجرة؟ أيش الفرق؟ طالب: الفرق أن بقسط المدة تكون الأقساط متساوية، فإذا مضى ربع مدة كانت له ربع الأجرة، وبقسط الأجرة ما لو إذا ارتفعت أو انخفضت الأسعار أو أجرة العين المؤجرة.
الشيخ: نعم الفرق هو هذا، إذا قلنا بقسط الأجرة مثلًا، وهو استأجرها سنة، مضت ثلاثة أشهر هي موسم الإجارة، ثم انهدمت بعد ثلاثة أشهر، إذا قلنا بقسط المدة معناه يلزمه كم؟ ربع الأجرة؛ لأنه راح ثلاثًا من اثني عشر، وإذا قلنا: إنه بقسط المنفعة والأجرة، قلنا: إن أجرتها في هذه الأشهر الثلاثة تقابل أجرتها بقية السنة، انظر مثلًا إلى بيوت مكة إجارتها في الحج أكثر من إجارتها كل السنة، أليس كذلك؟ فنقول: هنا لا نعتبر القسط بالمدة، وإنما نعتبره بأيش؟ بالمنفعة.
كذلك أيضًا يقول: (أرضًا لزرع فانقطع ماؤها)، استأجر أرضًا لزرع، وقد نص في عقد الإجارة أنها للزرع، فانقطع الماء، يقول المؤلف: إن الإجارة تنفسخ، السبب: لتعذُّر استيفاء المنفعة؛ لأن الزرع لا يمكن أن يقوم إلا أيش؟ إلا بماء، كذلك بالعكس لو غرقت الأرض، مثلًا هذه الأرض روضة وتداركت الأمطار عليها، وصارت بحرًا كلَّ مدة الزرع، فهل تنفسخ الإجارة؟ طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لتعذُّر استيفاء المنفعة من غير أحد الطرفين، يعني بأمر لا قِبَل لهما به.

الجزء: 2 - الصفحة: 1907

(وإن وَجَدَ العين معيبة، أو حدث بها عيب، فله الفسخ، وعليه أجرةُ ما مضى) إذا وجد عينًا معيبة، والعيب هنا ما تنقص به الأجرة، ليس كل عيب يُعْتَبَر عيبًا، لكن العيب هنا ما تنقص به الأجرة، وقد يقال: إن العيب ما يفوت به غَرَض المستأجر، سواء نقصت الأجرة أم لم تنقص، لكن على قياس قولهم في عيب المبيع أن العيب هو ما ينقص الأجرة، فإذا وجدها معيبة يقول المؤلف: (فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى)، (له) الضمير يعود على مَن؟ المستأجر، (الفسخ) يعني فسخ الإجارة، (وعليه أجرة ما مضى) هذا إذا حدث بها العيب.
وهل له أن يُبْقِيَها في الأَرْش؟ بمعنى أن يقول: أنا بصبر على العيب اللي فيها، لكن أريد الفرق بين أجرتها سليمة وأجرتها معيبة، هل له ذلك؟ ظاهر كلام المؤلف: لا، أنه لا يُخَيَّر، وأنه يقال له: إما أن تأخذها بما فيها من العيب وإلا فاتركها، أنت مُخَيَّر بين أيش؟ بين أَخْذِها على ما فيها من عيب، أو ردها وتفسخ الأجرة.
مثال ذلك: استأجر بيتًا فجاء المطر وأصاب البيت وخَرّ السقف، وأفسد بعض ما فيها من الديكور وما أشبه ذلك، فنقول: للمستأجِر أن يفسخ، لكن لو قال المؤجِر: أنا أزيل العيب الآن بدون ضرر عليك، فهنا نقول: لا، ليس له فسخ، ما دام العيب سيُزَال بدون ضرر عليه فإنه لا فسخ له؛ لأنه لن يفوته شيء، وهذا يقع كثيرًا مثل أن تأتي السيول وتدخل البيت وتأتي بقش من الشارع وبالأشياء التي يمكن تنظيفها، فقال له المؤجر: أنا أزيل عنك هذا كله، فهنا نقول: لا فسخ، ما دام أنه سيزيل هذا العيب على وجه لا يفوت به غرض المستأجر فإنه لا داعي لتمكينه من الفسخ.
يقول: (أو حدث به عيب فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى).
طالب: لو أَجَّرَه يعني ثم منعه من تمكينه من الاستيفاء من هذا المستأجَر، ثم انخفضت الأسعار، فلما علم بانخفاض الأسعار مَكَّنَه من هذا المستأجَر؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1908

الشيخ: سبق لنا هذه المسألة؛ أنه ليس له شيء، المؤجِر إذا منع المستأجر ولو يومًا واحدًا فليس له شيء.
الطالب: المؤجِر منعه في الأول لكن لما علم بانخفاض الأسعار .. الشيخ: لا، هذه هي، حتى في هذا الحال، نقول: ليس لك شيء؛ لأنه عقد على سنة مثلًا، أنت الآن ما أوفيت، ما مر علينا هذا؟ أنه إذا منعه المدة أو بعضها فلا شيء له.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا اكترى أرضًا لزرع فإن المؤجِر يعود على المستأجر بقدر الأجرة، ولا يعود بقدر قسط من المدة.
الشيخ: ما قلنا هذا، استأجر أرضًا أو ( ... ) بيتًا.
الطالب: بيتًا.
الشيخ: بيتًا طيب.
الطالب: قلنا بأنه يرجع عليه بقدر الأجرة، ويرجع عليه بقدر مدة الـ .. الشيخ: نعم.
الطالب: شيخ، أشكل عليَّ أنه أليست قدرة الإجارة أو ثمن الإجارة يعيَّن حين عقد الإيجار؟ الشيخ: بلى.
الطالب: فكيف إذن يا شيخ يقال بأنه قدر ( ... ). الشيخ: أنا مثلًا أَجَّرت هذا الرجلَ هذا البيتَ بعشرة آلاف ريال، من ضمنها الموسم الذي يساوي البيت فيه خمسة آلاف ريال، الموسم ثلاثة أشهر، ولهذا لو جاءني هذا الرجل بعد فوات الموسم أجرته بخمسة آلاف ريال، مع أنها تسعة أشهر.
طالب: إذا كان هذا البيت ليس فيه موسم، لكن ترتفع الأسعار، فهل .. الشيخ: لا عبرة بها، لا عبرة بارتفاع الأسعار؛ لأن هذا شيء طارئ، وليس شيئًا .. طالب: قلنا: إذا الراكب مات وخَلَّفَ بدلًا لا تنفسخ الإجارة، الخليفة مَن الذي يعينه؟ الشيخ: مثلًا هذا الرجل استأجر الجمل ليحج به، ومعه ابنه، ابنه يركب معه عُقبةً، مرة الأب يركب ومرة الابن، ومات الأب، خَلَّف بدله.
الطالب: المنفعة لا تكون في التركة، وتكون من حق الابن وغيره؟ الشيخ: بلى، لكن في هذه الحال غيره لا يمكن، وهذا يستوفي ويرجع بقية الورثة عليه.
الطالب: وهل يكون شخص آخر لا يركب معه؟ يعني يأتي زيد ابنه ويقول: أنا أريد أن أستوفي منفعة؟ الشيخ: نعم.
الطالب: وإذا رفض المؤجِر؟ الشيخ: ما يرفض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1909

الطالب: يقول: لأن الجسم هذا صغير وهذا كبير، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا جسمه على الراحلة.
الشيخ: والله ما أظن أن فرقًا بيصير بين راكبين .. ( ... )


طالب: ولا حَجَّام وطبيب وبَيْطار لم تَجْنِ أيديهم إن عُرِف حِذْقُهم، ولا راعٍ لم يَتَعَدّ، ويضمن المشترك ما تلف بفعله، ولا يضمن ما تلف من حِرْزِه أو بغير فعله، ولا أجرة له، وتجب الأجرة بالعقد إن لم تؤجَّل، وتُسْتَحَقّ بتسليم العمل الذي في الذمة، ومَن تَسَلَّم عينًا بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة الْمِثْل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كيف نتصور قول المؤلف: (أرضًا لزرع فانقطع ماؤها أو غرقت)؟ طالب: شيخ، استأجر مزرعة ثم غارت البئر.
الشيخ: أرضًا يزرعها، ثم؟ الطالب: ثم غارت البئر، فهذه تنفسخ الإجارة.
الشيخ: يكون فسخًا للإجارة، وذلك لتعذُّر .. الطالب: استيفاء المنفعة.
الشيخ: نعم، أحسنت، (أو غرقت)؟ الطالب: كأن تكون مثلًا قرب نهر، ثم زادت المياه في هذا النهر وطَمَّتْهَا المياه فلم يستطع الانتفاع بها.
الشيخ: كذلك لو كان أودية مثلًا تدك في هذه الأرض، واستمرت كل مدة الزرع فكذلك.
اكترى دارًا فانهدمت، هل لصاحبها الأجرة كاملة، أو ليس له شيء؟ طالب: ليس لصاحبها شيء، إلا على خلاف، هناك قول أنه يدفع المدة التي سكنها، والقول الآخر أنه لا يدفع شيئًا، وهو الراجح.
الشيخ: انهدمت؟ الطالب: لتعذُّر استيفاء المنفعة، فإنه لا يستطيع أن ينتفع من الدار.
الشيخ: يعني إذن فيها قولان.
الطالب: الذي ذكرناه يا شيخ؟ الشيخ: فيها قولان، فهمت من كلامك الآن فيها قولان، قول أنه ليس لصاحب الدار شيء، وقول آخر أنه يستحق من الأجرة بقدر ما انتفع المستأجِر.
الطالب: هذا يبدو أنه مرجوح، ما .. الشيخ: المهم فيها قولان، ما أقول: مرجوح ولَّا راجح، فيها قولان.
طالب: فيها قول واحد.

الجزء: 2 - الصفحة: 1910

الشيخ: وهو؟ الطالب: أنه يستحق ما انتفع به من العين المؤجَّرة.
الشيخ: يستحق من الأجرة بقدر ما انتفع به المستأجِر؟ الطالب: قبل الانهدام.
الشيخ: إي نعم، بقدر ما انتفع به المستأجر، كذا؟ طيب، هذا هو الصحيح، ما فيها قولان، إنما القولان فيما إذا أخرجه صاحب الدار.
إذا حدث عيب في العين المستأجرة فهل للمستأجِر الفسخ؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ما فيه قيمة.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا ما فيه بيت، ما هو بيع، ليس بيعًا، استأجر بيتًا فحصل فيه عيب، هل نقول: بمجرد العيب لك أن تفسخ؟ طالب: لا، ( ... ) ينتهي عند استيفاء المنفعة .. الشيخ: تمام، يعني ما منع استيفاء المنفعة فله الفسخ.
قلنا: لو أنه أمكنه أن يُصْلِح هذا العيب قبل أن يمضي وقت تفوت فيه المنفعة؟ طالب: ليس له الفسخ.
الشيخ: ليس له الفسخ، صح.
إذا قال: أنا أريد أن أبقى، لكن أريد أن تُنَزِّل لي من الأجرة بقدر الفرق بين أجرتها سليمة وأجرتها معيبة؟ طالب: إذا اتفقَا .. الشيخ: لا، إذا اتفقَا واضح، إذا لم يتفقَا؟ الطالب: ليس له ذلك.
الشيخ: ليس له ذلك، سمعتم هذا؟ هذا يسمى عند الفقهاء الأَرْش، فالمشهور من المذهب أنه لا أَرْش له، يقال: إما أن تبقى بها معيبة، وإما أن تفسخ، والقول الثاني: إن فيها الأَرْش قياسًا على العيب في المبيع، والأقرب أنه ليس له أَرْش، حتى العيب في المبيع سبق لنا أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الأرش معاوضة جديدة ما يُجْبَر عليها أحد إلا برضا منه.


قال: (ولا يضمن أجيرٌ خاص، ويضمن المشترك)، أفادنا المؤلف رحمه الله من هذا أن الأُجَرَاء نوعان: أجير خاص، وأجير مشترك، فما هو الفرق بينهما؟ ما كان مستأجَرًا بالزمن فهو أجير خاص، وما كان مستأجَرًا على عمل فهو أجير مشترك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1911

يظهر ذلك بالمثال: استأجرت عاملًا يعمل عندي في البيت، أو في الدكان، أو في المزرعة، هذا أيش هو؟ هذا أجير خاص؛ لأن عمله مقدَّر بالزمن، الشهر بكذا وكذا، الأسبوع بكذا وكذا، اليوم بكذا وكذا.
استأجرت خياطًا يخيط لي ثوبًا، هذا مشترك؛ لأن نفعه مقدَّر بأيش؟ بالعمل، وإنما سُمِّيَ الأول خاصًّا؛ لأن زمنه خاص بالمستأجِر، لا يملك المؤجَر أن يتصرف فيه، لا يملك أن يعمل لرجل آخر في هذه المدة؛ لأن المدة خاصة بِمَن؟ بالمستأجِر، المشترك ليس خاصًّا بالمستأجِر، المشترك قد فتح بابه لكل أحد، فتجد الخياط مثلًا يأتيه فلان وفلان وفلان، كل واحد منهم يريد أن يخيط له ثوبًا، فهو مشترك، إذن الفرق بين الخاص والمشترك ما قُدِّر نفعه بالزمن فهو خاص، وما قُدِّرَ بالعمل فهو مشترك.
هل يمكن أن يجتمعَا؟ بمعنى أن أستخدم هذا الرجل عندي على عمل معيَّن، أقول: أنا أريد أن أستأجرك لمدة خمسة أيام، تخيط لي في اليوم كذا وكذا ثوبًا؟ الجواب: لا؛ لأن الخاص يقضي على العام، ما دمت قدَّرْت مدته بالزمن فهو خاص وإن كنت قد عيَّنْتَ له عملًا معينًا، انتبه للفرق بينهما من حيث الحكم.
قال: (ولا يضمن أجير خاص ما جَنَت يدُه خطأ)، وذلك لأن الأجير الخاص يعمل كالوكيل عن المستأجِر.
مثال ذلك: استأجرت عاملًا عندي شهرًا بكذا وكذا أجرة، ليعمل، في يوم من الأيام أخطأ العمل، وصار في هذا الخطأ ضرر عَلَيّ، أيضمن أو لا؟ يقول المؤلف: لا، لا يضمن؛ لأنه يشتغل عندي بالوكالة عني، والوكيل لا يضمن ما تلف من فعله بلا تَعَدٍّ ولا تفريط.
استأجرت خياطًا عندي، قلت: يا فلان، تعال، أنا أريد أن أستأجرك لمدة شهر للخياطة، ولا عَيَّنت له ثوبًا معينًا ولا شيئًا، هو عندي يخيط آتي له بثوب ( ... ) بأي شيء يخيطه، أخطأ في التفصيل، يضمن أو لا يضمن؟ طلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن؛ لأنه لم يَتَعَدّ، وهو يتصرف بالوكالة عني، والوكيل لا يضمن ما لم يَتَعَدّ أو يُفَرِّط.

الجزء: 2 - الصفحة: 1912

كذلك (ولا حَجَّام وطبيب وبَيْطَار لم تَجْنِ أيديهم إن عُرِف حِذْقُهم)، يعني: ولا يضمن الْحَجَّام، والْحِجَامة: هي استخراج الدم من الإنسان بطرق معينة، ولها أحوال وأوقات، أحوال يُطْلَب من الإنسان أنه يحتجم، وأحيانًا يُنْهَى أن يحتجم، وكذلك لها أزمان معينة معروفة عند الذين يمارسون هذه المهنة.
الطبيب معروف، من هو الطبيب؟ هو الذي يعالج البشر، يسمى طبيبًا.
بَيْطَار: هو الذي يعالج البهائم.
(لم تَجْنِ أيديهم إن عُرِف حِذْقُهم)، اشترط المؤلف رحمه الله في خطأ الحجام والطبيب والبَيْطَار في عدم ضمانه اشترط شرطين: الأول ألَّا تَجْنِي أيديهم، ومعنى تَجْنِي أي: تزيد على قدر الحاجة، سواء عن عمد أو عن خطأ، والشرط الثاني: إن عُرِفَ حذقهم، أي: إجادتهم للصنعة ومعرفتهم بها، فإذا اجتمع هذان الشرطان فلا ضمان.
مثال ذلك؛ أولًا في الحجّام: الحجَّام هذا رجل معروف بالحذق، لكنه أخطأ وقطع عرقًا لا يُقْطَع مثله في الحجامة، فهلك الرجل المحجوم، أيضمن أو لا؟ طلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن، لماذا؟ لأن يده تعدت موضع الحاجة وإن كان خطأ؛ لأن ضمان الأنفس والأموال لا يُشْتَرَط فيه القصد، ولهذا يجب الضمان على المجنون إذا أتلف المال، وإذا أتلف البهيمة، وإذا أتلف النفس، إلا أنّ عَمْدَه خطأ، هذا الحجّام.
الطبيب أراد أن يفعل عملية، ولتكن عملية زائدة، أجرى العملية لكن المشرط تجاوز الحاجة، بأن فتح أكثر مما يحتاج إليه، فهلك المريض، يضمن أو لا يضمن؟ الطلبة: يضمن.
الشيخ: لماذا؟ لأنه جَنَت يده.
والبَيْطَار كذلك، البَيْطَار الذي يداوي البهائم تعدى فيضمن.
في وصف الدواء؛ طبيب وصف الدواء للشخص، قال: خذ مثلًا خمسة أقراص من هذا الدواء، ويكفيه ثلاثة، هذا أخذ خمسة أقراص فهلك، أيضمن أو لا يضمن؟ يضمن؛ لأنه جَنَت يده في الواقع، أخطأ في التقدير فيكون ضامنًا، وإن كان غير آثم لكنه ضامن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1913

الشرط الثاني: إن عُرِف حِذْقُهم، يعني بأن يكون مُجَرَّبًا في الإصابة، عارفًا، فإن لم يُعْرَف فإنه يضمن بكل حال، حتى وإن لم يتعدَّ موضع الحاجة.
رجل لا يعرف الجراحة، ولا يعرف يعمل عمليات، فجاءه إنسان، وقال: والله فيه الزائدة، قال: الزائدة سهلة، أنا قد رأيت صورتها في الكتاب الفلاني، وتوكَّل على الله، اضطجع! ما هو حاذِق، ففعل، شق البطن لكن عجز أن يخيطه، هذا يضمن أو لا يضمن؟ طلبة: يضمن.
الشيخ: هذا يضمن لا شك؛ لأنه يحرُم على الإنسان أن يتعاطى الطب وهو لا يعرفه، فكما أن المسائل الدينية يحرُم على الإنسان أن يُفْتِيَ فيها بلا علم، كذلك أيضًا المسائل غير الدينية لا يجوز للإنسان أن يتقدم إليها بلا علم، فيكون ضامنًا، مثال ذلك أيضًا إنسان قلنا له: هذا صبي نحب أن تَخْتِنَه، وهو غير خَتَّان، من اجتهاده قال: أنا أريد أن أبالغ في الختن؛ لأنه أطهر وأحسن، فقطع الحشفة مع القلفة، أيش يكون هذا؟ يضمن ولَّا لا؟ الطلبة: يضمن.
الشيخ: ليش؟ طالب: تعدى.
الشيخ: لا، ما هو تعدى، هذا أصلًا؛ لأنه غير حاذق، هذا من الأصل يُمْنَع؛ لأنه غير حاذق، فإن كان حاذقًا وأخطأ واحترز غاية الاحتراز من أن يتعدى على الحشفة، إلا أنه أصاب أعلى الحشفة، يضمن أو لا؟ يضمن؛ الأول لعدم الحذق، والثاني لأن يده جَنَت، وإن شئت فقل: الأول للأمرين جميعًا.
إذا أردنا أن نُصَوِّر الأول، الذي هو عدم الحذق بدون التعدي، لو أن هذا الخاتن ختن وقطع القلفة فقط قطعًا تامًّا، بمعنى أنه ليس فيه نقص، لكن الجرح تَعَفَّن حتى أدى إلى هلاك الصبي، فيضمن أو لا؟ الطلبة: يضمن.
الشيخ: لماذا؟ لأنه غير حاذق، لا لأن يده جَنَت، لكن لأنه غير حاذق، فصار مُمْكِنًا الآن أن نقول: يجتمع الضمان في عدم الحذق وحده، وفي جناية اليد وحدها، وفيهما جميعًا، حسب الأمثلة التي ذكرنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1914

لو قال قائل: إذا قلتم باشتراط الحذق، معناه أنه لا يمكن أن يتقدم الطب؛ لأننا إذا قلنا: إنه لا يتطبب بوصف الدواء أو الجراحة أو غير ذلك إلا مَن كان حاذقًا، فمتى يتعلَّم الإنسان؟ نقول: يمكن يتعلم بالدراسة والتطبيق العملي قبل أن يباشر هو المعالَجة، أما أن يأتي إنسان متعلم ولم يكن حاذقًا ليجري التجارب على الأصحاء حتى يموتوا هذا لا يجوز.
يقول رحمه الله: (ولا راعٍ لم يَتَعَدّ الرعي)، يعني: رعي الماشية، سواء رعي إبل، أو رعي غنم، أو بقر، أو ظباء، أو غيرها، لا يضمن إذا لم يَتَعَدّ، يعني أو يُفَرِّط، إذا لم يتعد أو يُفَرِّط فإنه لا يضمن؛ لأنه أمين مؤتَمَن، والبهائم حصلت بيده بإذن من؟ بإذن مالكها، فيَدُه يَدُ أمانة، هذا الراعي عَدَا عليه ذئاب، وأكلت ما أكلت من الماشية، هل عليه الضمان؟ لا، ليس عليه ضمان، لكن عليه أن يدافع، إلا أنه عجز عن مدافعة هذه الذئاب، وأكلت ما أكلت من الماشية، نقول: ليس عليه ضمان.
الثاني: راعٍ فَرَّط، أوقف الماشية في بطن الوادي، والسماء مغيمة، والمطر حَرِيّ بالنزول، فأنزل الله المطر، ومشى الوادي، واجترف الماشية، أعليه ضمان أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: عليه ضمان؛ لأنه مُفَرِّط.
مثال ثالث؛ المتعدِّي: راعٍ كان بينه وبين الأرض التي يريد أن يذهب إليها وادٍ يمشي، فجازَف، وقال: سأتعدى هذا الوادي بالماشية، فخاض الماء فهلكت الماشية، فيضمن أو لا؟ يضمن؛ لأنه مُتَعَدّ، هو مَنْهِي عن أن يفعل أو أن يعمل عملًا يضر بالماشية.
ومن ذلك أيضًا لو نزل بَرَد من السحاب، ولم يُدْخِلْها في الظل تحت السقف حتى ماتت فعليه الضمان؛ لأنه مُفَرِّط، والواجب أن يُدْخِلها في محل تنجو به.
(ولا راعٍ لم يتعد)، ثم قال: (ويضمن المشترَك)، يعني الأجير المشترك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1915

(ما تلف بفعله، ولا يضمن ما تلف من حِرْزِه أو بغير فعله، ولا أجرة له)، المشترك يضمن ما تلف بفعله، ولو بالخطأ في الخياطة، عليه الضمان؛ لأن الأموال والأنفس لا يُشْتَرَط فيها القصد، مضمونة بكل حال، فهذا خَيَّاط مشترك أتى الشخص إليه بخرقة وقال: خِطْهَا لي قميصًا، فأخطأ وخاطها سراويل، عليه الضمان أو لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: قال: والله أنا نسيت، أو تَوَهَّمت أنك تريد السراويل، نقول: لا يسقط الضمان؛ لأنك أنت الذي فعلت، نعم يسقط الإثم، وأما الضمان الذي هو حق آدمي فإنه لا يسقط، وهذا معنى قوله: (ما تلف بفعله).
كذلك أيضًا لو أنه قال له: خِطْ هذا الثوب قميصًا واسعًا، والخرقة تكفي، لكن اجتهادًا منه قال: ليش أخلِّيه واسع، بخليه ضيق يعني معقولًا لأوفر الخرقة على صاحب الثوب، ففعل، يضمن أو لا يضمن؟ يضمن؛ لأنه فَعَلَ غير ما أُذِنَ له فيه، فيضمن.
إذا قلنا: إنه يضمن، هل له أجرة؟ الرجل تعب، خاط الخرقة على أنها سراويل، وأمضى وقتًا وخيوطًا واستعمالًا للآلة، هل له أجرة أو لا؟ ليس له أجرة.
في هذه الحال إذا قلنا: يضمن، هل نقول: يأخذ السراويل ويرد بدلها خرقة، أو نقول: يأخذ صاحب الخرقة السراويل، ويُعطَى الفرق بين القميص والسروال؟ الأول هو الواجب، لكن إذا اصطلحَا على شيء فلا بأس، لو قال: أنا آخذ السراويل ولكن أعطني الفرق بين السراويل والقميص، لا بأس إذا اتفقَا.
(ولا يضمن ما تلف من حِرْزِه أو بغير فعله)، لا يضمن مَن؟ الأجير المشترك.
(ما تلف من حِرزه)، فهذا الخياط مثلًا لما كان الليل أغلق الدكان بما جرت العادة أن يُغلَق به، ما قَصَّر في الإغلاق، ولكن أتت السُّرَّاق فسرقوا هذا الدكان، ومِن جملته الثياب التي استأجره صاحبُها لخياطتها، فهل يضمن أو لا يضمن؟ طلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن؛ لأنه لم يُفَرِّط، وضعها في حِرز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1916

عَلَّق الثوب خارج الدكان ليتذكر صاحبه إذا مَرَّ، فيقف ويأخذه ويعطيه الأجر، فنسي أن يُدْخِلَه في الدكان، فأُخِذَ الثوب.
الطلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن، لماذا؟ لأنه تلف في غير حرزه، والمؤلف يقول: (لا يضمن ما تلف من حرزه)، وهذا لا شك أنه ليس حرزًا؛ أن يعلقه عند باب الدكان من الخارج.
كذلك أيضًا (أو بغير فعله)، ما تلف بغير فعله كذلك لا يضمن، كما لو احترق الدكان فتلف الثوب الذي استُؤْجِر لخياطته، هذا التلف هل هو من فعله؟ لا، ليس من فعله، إذن لا ضمان عليه؛ وذلك لأنه لم يَتَعَدّ ولم يُفَرِّط، لكن يقول: (ولا أجرة له) لا أجرة لهذا الأجير، مع أنه خاطه وعمل فيه، وأمضى زمنًا في خياطته، وأتى بكل ما استُؤْجِر عليه، يقول المؤلف: لا أجرة له؛ لأنه لم يُسَلِّم الثوب لصاحبه، وصاحبه إنما استأجره ليعمله ثوبًا يلبسه وينتفع به، وقد فاتت هذه المنفعة، فلا يكون لهذا الأجير أجرة.
والصحيح أن له الأجرة، والقول الراجح أن له الأجرة؛ لأنه وَفَّىَ بما .. أيش؟ بما استُؤْجِر عليه، وتلف الثوب مثلًا على حساب مَن؟ حساب صاحبه المالك، أما الأجير فقد أدى ما عليه، فكيف نقول: لا أجرة له؟ ! فإن قال صاحب الثوب: إنك لم تعمل فيه شيئًا، لم تَخِطْه، وقال: إني خِطْته، فمَن القول قوله؟ قول المالك ولَّا قول الخياط؟ الطلبة: الخياط.
الشيخ: لا إله إلا الله، ويش الأصل، الخياطة أو عدمها؟ طلبة: عدمها.
الشيخ: الأصل عدم الخياطة، حتى لو فُرِضَ أنه مضى مدة يمكنه أن يَخِيط هذا الثوب فيها، ثم ادَّعى أنه خاطَه، ولكن المالك قال: لم تَخِطْه، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم الخياطة، ولكن لاحظوا أن مَن قُلْنا: القول قوله، فلا بد من اليمين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1917

وهل اليمين هنا على البَتّ أو على نفي العلم؟ نقول: على البت، فإذا قال: أنا لا أحلف على البَتّ، قلنا: إذن نأخذ بقول الخياط، وإن قال: أنا أحلف على نفي العلم، قلنا: هذا لا يُدْفَع به قول الخصم؛ لأن الأصل أن دعواه إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها حق.
طالب: ( ... ). الشيخ: ولا وجهة له، إذن الصحيح أن له الأجرة.
طالب: هذا الطبيب الذي ادعى الطبابة وكان بسببه هلاك هذا المريض، لماذا لا يُحَدُّ قصاصًا حيث إنه ادعى ما ليس له به علم؟ الشيخ: أسمعتم كلامه؟ يقال: إن هذا الطبيب الذي تَطَبَّبَ بغير علم، لماذا لا يُقتَل قصاصًا؟ نقول: أولًا: هذا الرجل ما أراد القتل، مجتهد لكن أخطأ.
طالب: عَمْدًا يا شيخ.
الشيخ: لا ما عمد، لو قيل له: هل أنت أتيت بالْمِشْرَط لتشق بطنه ليموت؟ قال: لا، أنا أريد شق بطنه ليَسْلَم.
طالب: شيخ، بالنسبة إذا تلف في حرزه على قول المذهب .. الشيخ: كيف؟ الطالب: ماذا لو تلف إذا كان يا شيخ ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: ( ... ) الخياط يا شيخ.
الشيخ: المؤلف يقول: لا يضمن ما تلف من حرزه، لا يضمن، ولا أجرة له، لكن قلنا: الصحيح أنه إذا كان عمل فيه فله أجرة.
الطالب: على قول المذهب؟ الشيخ: المذهب لا أجرة له.
الطالب: ( ... ) يضمن ( ... ). الشيخ: ما يضمن، هذا كلام المؤلف، يقول: لا يضمن ما تلف من حِرْزه.
طالب: بناء على أن ( ... ) على أن يأتي به بعد ثلاثة أيام، فأتى به بعد أربعة؟ الشيخ: المذهب لا تصح الإجارة، يعني يقول: لا يجوز الجمع بين الزمن والعمل.
الطالب: ( ... ) يأخذه يوم السبت، فذهب يوم السبت فلم ينته منه، فأعطاه يوم الأحد، فهل يجوز ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1918

الشيخ: أصل الإجارة على المذهب فاسدة، والصحيح أنها غير فاسدة، الصحيح أنه يجوز الجمع بين مدة العمل والعمل، ولا بأس به؛ لأن هذا فيه مصلحة، لكن يستعمل بعض الناس الآن في المقاولة يقول: نَفِّذْ لي هذه الفيلَّا في خلال سنة، فإن تمت السنة فعليك بكل يوم خصم كذا وكذا، فهل هذا جائز؟ العمل على هذا الآن، والصحيح أنه جائز بشرط أن تكون المدة المقدَّرَة مدة معقولة، بحيث إن هذه الفيلّا تُبْنَى في هذه المدة، أما لو كانت تُبنى بسنة وقال: في خلال ستة أشهر، فهذا لا يجوز؛ لأنه غَرَر.
طالب: المعروف الآن الذي عليه عمل الناس أن القماش من الخيّاط، هل يختلف الأمر في ذلك؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنه إذا صار من الخيّاط فهو على حساب الخياط، يعني معناه إذا تلف ليس له أجرة وليس له قيمة.
طالب: إذا لم يدفع صاحب الثوب الثمن، وأمسك الأجيرُ الثوبَ حتى يدفع صاحب الثوب، على ما هو موجود الآن .. الشيخ: يعني حبسه على الأجرة.
الطالب: على ما هو موجود الآن.
الشيخ: هو موجود الآن هذا؟ يعني هل مثلًا الخيّاط يقول: أنا ما أعطيك الثوب إلا أن تعطيني الأجرة، موجود هذا؟ طلبة: موجود.
الشيخ: موجود؟ لا، يمكن إذا لم يَثِق من الرجل.
الطالب: ( ... ). الشيخ: أنا فهمت؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إذا لم يثق، معلوم، لا بد أن يقول: ما أعطيك الثوب إلا أن تعطيني الأجرة، لكن في هذه الحال لو أنه تلف فهل يضمن الخياط أو لا يضمن؟ نقول: إن قلنا بجواز حبسه على أجرته فلا يضمن؛ لأنه بحق، وهذا هو الحق؛ أنه لا يضمن؛ لأن له الحق أن يقول: لا أُسَلِّمه حتى يعطيني الأجرة.
طالب: شيخ، على ما هو جارٍ الآن.
طالب آخر: عقد خياطة الثوب، اجتماع البيع والإيجار، مع عدم تحديد قيمة القماش؟ الشيخ: ما له وجه، هذا يسمونه استصناع السلعة، والصحيح أنه جائز، إذا وُصِفَ بالوصف فلا بأس.
الطالب: هذه جهالة.
الشيخ: هذه جهالة يسيرة ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1919

طالب: شيخ بارك الله فيكم، سبق في الوديعة بأن المودَع إذا ادعى الرد ( ... ) لأنه أمين، مع أن الأصل عدم الرد، وهذه الصورة تشبه تلك من ناحية.
الشيخ: لعلك نسيت القاعدة، إذا قبض ( ... ) فيُقْبَل قوله في الرد، إذا كان بحظه هو .. وتَجِبُ الأجرةُ بالعَقْدِ إن لم تُؤَجَّلْ وتَستحِقُّ بتسليمِ العملِ الذي في الذِّمَّةِ، ومَن تَسَلَّمَ عينًا بإجارةٍ فاسدةٍ وفَرَغَت الْمُدَّةُ لَزِمَه أُجرةُ الْمِثلِ.
(باب السَّبْق) يَصِحُّ على الأقدامِ وسائرِ الحيواناتِ والسفُنِ والْمَزَارِيقِ، ولا تَصِحُّ بعِوَضٍ إلا في إِبِلٍ وَخَيْلٍ وسِهامٍ، ولا بُدَّ من تَعيينِ الْمَرْكُوبَيْنِ واتِّحادِهما والرماةِ والمسافةِ بقَدْرٍ مُعتادٍ، وهي جِعالةٌ لكلِّ واحدٍ فَسْخُها، وتَصِحُّ الْمُناضَلَةُ على مُعَيَّنَيْنِ يُحْسِنون الرَّمْيَ.
(بابُ العَارِيَّةِ) وهي إباحةُ نفْعِ عينٍ تَبْقَى بعدَ استيفائِه، وتُباحُ إعارةُ كلِّ ذي نَفْعٍ مُباحٍ، في حال لو أنه تلف، فهل يضمن الخياط أو لا يضمن؟ نقول: إن قلنا بجواز حبسه على أجرته فلا يضمن؛ لأنه بحق، وهذا هو الحق أنه لا يضمن؛ لأن له الحق أن يقول: لا أسلمه حتى يعطيني الأجرة.
طالب: شيخ، هذا ما هو جارٍ الآن يا شيخ.
الشيخ: نعم.
طالب: حق خياطة الثوب ( ... ) بيعًا وإجارة .. اجتماع البيع والإجارة ما عدم تحديد قيمة القماش.
الشيخ: ما يضر، هذا يسمونه استصناع السلعة، والصحيح أنه جائز إذا ضُبط بالوصف فلا بأس.
الطالب: هذه جهالة! الشيخ: هذه جهالة يسيرة، هو إذا ضُبط بالوصف ( ... ). طالب: شيخ -بارك الله فيكم- سبق في الوديعة بأن المودع ( ... ) مع أن الأصل عدم الرد، وهذه الصورة تشبه تلك من ( ... )؟ الشيخ: لعلك نسيت القاعدة؛ إذا قُبض المال لحظ مالكه فقط فيُقبل قوله في الرد، إذا كان لحظه هو أو لحظه مع المالك فلا يُقبَل.
هذه القاعدة.
طالب: إذا استشار رجل آخر في شيء ما فأشار عليه ( ... )، فعلى من يكون الضمان؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1920

الشيخ: على من أتلفه، إن أتلفه أجنبي فعلى من أتلفه، وإن تلف بفعل الله فلا ضمان فيه.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: لا أبدًا، أنت الذي استنصحتني، وأنت الذي وثقت بي، وأنا ما غشيتك هذا اللي أعرفه.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، حتى لو ( ... )، فالواجب أن يقول: لا أدري، لكن المفرط هذا الذي استشار من لا يعرف أنه أهل للمشورة، هو اللي فرط.
الطالب: الضمان على هذا حتى وإن كان هذا بغير علم؟ الشيخ: ما عليه شيء.
الطالب: يعني ( ... ) المستشار.
الشيخ: المالك هو اللي استشار الرجل، قال: ماذا تقول في كذا وكذا؟ هل تشير عليَّ أن أرسل مثلًا غنمي إلى الجهة الفلانية؟ قال: نعم.
الطالب: من غير علم.
الشيخ: بغير علم، لا ما هو إلا بعلم، وإذا قُدِّرَ أنه بغير علم، نقول: أنت الذي استشرته أنت اللي فرطت.
طالب: ( ... ) البيطار ( ... ) يضمنه، وقلنا في الراعي: ( ... ) ما يضمنه ( ... ). الشيخ: لا يا أخي؛ لأن هؤلاء بفعلهم، الطبيب، والبيطار، والحجام بفعلهم، الراعي ما من فعله، الراعي يتصرف لصاحب المال بالوكالة، فتلف الغنم بغير تعدٍّ منه ولا تفريط، ولهذا لو تعدى مثلًا أوجبنا عليه الضمان.
طالب: ( ... ) اجتهد.
الشيخ: إي، لكن بفعله، هو اجتهد فأخطأ في أنه تجاوز محل الحاجم، هذا التجاوز نقول: ليس فيه إثم؛ لأنك لم تتعمد، لكن في حق الآدمي لا بد من الضمان.
( ... )


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى في باب الإجارة: وتجب الأجرة بالعقد إن لم تؤجل، وتُستحَق بتسليم العمل الذي في الذمة، ومن تَسلَّم عينًا بإجارة فاسدة، وفرغت المدة لزمه أُجرة المثل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1921

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، لما ذكر المؤلف أحكام الإجارة وهي تتعلق بالعين المؤجرة في كل ما سبق ذكر ما يتعلق بالأجرة، والأُجرة هي العِوض التي اتفق عليها المتعاقدانِ، سواء كانت دراهم نقدًا أو عينًا أو منفعة، ولهذا يجوز استئجار منفعة بمنفعة، واستئجار عين بمنفعة، واستئجار عامل يعمل بمنفعة، فالمهم أن الأجرة هي ما يصح عقْد البيع عليه سواء كان منفعة أو عينًا أو نقدًا، تجب بالعقد؛ أي بعقد الإجارة، لكنها لا تستحق إلا بتسليم العمل الذي في الذمة، أو تسليم العين مع مُضِيِّ المدة.
وقوله: (إن لم تُؤجَّل) لأنها إذا أُجِّلت فقد رضي كلا الطرفين ألا تجب إلا بعد تمام الأجل، مثل أن أقول: أجَّرتك بيتي هذا بعشرة آلاف تحل في شهر محرم عام ثمانية عشر، فالأجرة الآن لم تجب؛ لأن الطرفين اتفقا على أن تكون متى؟ مؤجلة إلى محرم.
وتستحق بأمور: منها تسليم العمل الذي في الذمة؛ فإذا استأجرت عاملًا على أن يحرث لك هذه الأرض، وحرثها، استحق الأُجرة الآن، بكل حال؛ لأنه أدَّى ما عليه فاستحق ما له.
كذلك أيضًا تُستحق بتسليم العين المؤجرة إذا مضت المدة، سواء انتفع بها المستأجر أو لا، فإذا استأجرت بيتًا من شخص وسلَّمك المفتاح، ثم مضت المدة وأنت لم تسكنه، ولم تُؤجره، ولم تُسكنه أحدًا تبرعًا، فإن الأجرة ثابتة عليك؛ لماذا؟ لأنه سلَّمك العين التي وقع العقد عليها، وتسليم العين التي وقع عليها العقد بمنزلة تسليم العمل الذي في الذمة.
لكن لو منعه من هذه العين يد ظالمة قادرة على منعه، فهل نقول: إن الأجرة تُرد على صاحب العين؟ أو نقول: إن الظلم وقع على المنفعة التي استأجرها الأجير لها؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1922

الجواب: الثاني؛ يعني أن المنفعة تذهب على مَنْ؟ على المستأجر، ما هي على صاحب العين، فمثلًا لو أن شخصًا استأجر بيتًا من آخر، وسلَّمه المفتاح، ثم سُلِّط على هذا المستأجر يد ظالمة أخذت منه البيت قهرًا وسكنته مثلًا، فمن الضمان عليه؟ هل هو على مستأجر البيت، أو على مُؤجِر البيت؟ الأول: على مُستأجِر البيت؛ لأن المستأجر لما قبض العين المؤجرة ملك المنفعة الآن، فالظلم وقع عليه هو، وليس على المؤجِّر، أما لو تسلطت هذه اليد الظالمة على العين المؤجرة قبْل أن يُسلِّمها المؤجر، فهنا تفوت على مَنْ؟ تفوت على المؤجر؛ لأن الأجرة لم تُستحق بعد، إذ لا يستحقها إلا إذا تَسلَّم العين.
فصارت تستحق بتسليم العمل الذي في الذمة، والثاني: تسليم العَيْن التي وقع عليها العقد إذا مضت المدة، ثم قال: (ومن تَسلَّم عينًا بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل)، يعني لو عقد إنسان عقد إجارة فاسدة، وتسلَّم العين، ومضت المدة فإنه يلزمه أجرة الْمِثل دون الأجرة التي وقع عليها العقد، وذلك لأن الأجرة التي وقع عليها العقد أجرة فاسدة لعدم صحة العقد.
وظاهر كلام المؤلف سواء كانت أُجرة الْمِثل أقل مما وقع عليه العقد أو أكثر؛ لأنه لما ارتفع العقد الفاسد ارتفعت جميع متعلقاته، مثال ذلك رجل استأجر من شخص حُرًّا ليعمل عنده، ومعلوم أن تأجير الحر لا يجوز، كما جاء في الحديث الصحيح: «رَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ» (1).

الجزء: 2 - الصفحة: 1923

وكذلك لو أجره فأكل أجرته فإنه لا يحل، فهذا إنسان مثلًا قال لشخص: أنت تريد عاملًا عندك؟ قال: نعم.
قال: هذا غلامي، خذه الشهر بمئة ريال -وهو حُرٌّ- فالإجارة هنا صحيحة أو فاسدة؟ فاسدة لأنه لا يصح العقد عقد الإجارة على الحر، المهم أن المستأجر أخذ هذا الغلام واستعمله حتى تمت المدة، يقول المؤلف: إنه يلزمه أجرة المثل، يلزم من؟ المستأجر يلزمه أُجرة المثل، وذلك لأن عقد الإجارة كان فاسدًا، والفاسد وجوده كالعدم، ولكن كيف يقول المؤلف: أُجرة الْمِثل وهو حر لا يصح تأجيره؟ نقول: يُقدَّر كأنه قِنٌّ، كأنه عبد، فما أجرة هذا العبد؟ قالوا مثلًا: أجرته مئتا ريال، وهو قد استأجره بكم بمئة ريال، نقول: سلِّم مئتي ريال، لماذا؟ لأن الأجرة فاسدة، وهذا فيما إذا كان المستأجر عالِمًا بأن هذا الغلام ليس ملكًا له، هذا واضح أنه يلزمه أجرة المثل، وهو في المثال اللي ذكرنا كم؟ مئتا ريال مع أن العقد وقع على مئة، لكن هذا العقد فاسد.
فهنا لا شك أن القول بأنه يلزم المستأجر أجرة المثل قول صحيح؛ لأن المستأجر دخل على بصيرة وعلى عِلم بأن الإجارة غير صحيحة، لكن إذا كان لا يدري، وقد عقد الأُجرة على مئة، فكيف نُلزمه بمئتين وهو لا يدري؟ يقول الفقهاء رحمهم الله في التعليل: إن إتلاف مال الآدمي لا فرق فيه -أي في ضمانه- بين العالم والجاهل.
كما لو استعمل الإنسان شخصًا يظنه عبده، واستعمله في عمل، فعليه ضمانه، وإن كان لا يدري، ولكن في هذا نظر؛ لأن هذا الذي استعمله بالأجرة التي يظنها صحيحة كان مغرورًا، مَنِ الذي غرَّه؟ غرَّه المؤجر، وإذا كان مغرورًا فيجب أن يكون الضمان على الغار، وهذا هو مقتضى القياس الصحيح والنظر الصحيح، وعليه فنقول: يجب على المستأجر في المثال اللي ذكرنا كم؟ مئة، ويُضمن الآخر الذي أجره المئة الثانية، ويكون لهذا الغلام الحر مئتان، هذا هو العدل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1924

وأما أن نُضمِّن شخصًا ما لم يلتزمه مع أن العقد -حسب رأيه وحسب اعتقاده- عقد صحيح، فهذا فيه نظر.
فالصواب إذن أنه يلزمه أجرة المثل، لكن إن كان مغرورًا فما زاد على الأجرة التي تم العقد عليها فعلى من غر.
إذا قدَّرْنا أن أجرة المثل أقل، مثلًا أجره بمئتين، وأجرة مثله مئة، فهل نلزمه بالمئتين؟ أو نقول: إن المئتين كانتا بعقد فاسد فلا عِبْرة بهما، ونرجع إلى أجْرة المثل وهي كم؟ وهي مئة.
نقول: إن كان عالِمًا بأن الأجرة فاسدة ألزمناه بمئتين؛ لأنه دخل على بصيرة، ثم ما زاد على أجرة المثل يكون لهذا الغلام؛ لأنه مظلوم، ولا يكون للذي أجَّره؛ لأن الذي أجره لا يملكه فليس له شيء، وإن كان غير عالم، إن كان غير عالم فعليه أن يضمن لهذا الحر ما وقع عليه العقد؛ لأنه رضي به واعتبره صحيحًا فيُلزم بما ظنه، وإذا مثلًا رأى القاضي أن يأخذ الزيادة هذه، ويصرفها في بيت المال فلا حرَج عليه؛ لأنه مال -في الحقيقة- ليس خالصًا لمن استحق، وما اشتُبه فيه فإنه يُلحق إلى بيت المال، وإن كانت أجرة المثل بمقدار ما وقع عليه العقد فلا إشكال؛ لأنه ليس فيه زيادة وليس فيه نقص.
والخلاصة أن كل من تسلَّم عينًا بإجارة فاسدة فإنه لا عِبرة بما حصل عليه العقد، تُفسخ الإجارة، ويرجع إلى أجرة المثل، فإن كانت أجرة المثل مساوية لما وقع عليه العقد، فلا إشكال، وإن كانت أجرة المثل أكثر ألزمنا المستأجر بها، ثم إن كان عالِمًا فالزيادة عليه، وإن كان جاهلًا مغرورًا فالزيادة على من غر، وإن كانت أجرة المثل أقل، فإن كان عالِمًا ألزمناه بما التزم به؛ لأنه دخل على بصيرة، يعلم أن العقد فاسد، والتزم الزيادة على أجرة المثل، وإن كان جاهلًا لم يلزمه أكثر من أجرة المثل، وإن رأى القاضي قضاءً أن يلزمه بما التزم به ولو كان جاهلًا، ولكن يجعل في بيت المال؛ فلا حرج.

الجزء: 2 - الصفحة: 1925

مثل ذلك أيضًا من استأجر شخصًا على عمل مُحرَّم، مثل أن يستأجر شخصًا ليبيع له خمرًا، أو يحمل له خمرًا، أو ما أشبه ذلك؛ فالإجارة فاسدة، لكن عمل العامل الآن، هل نقول: ليس له شيء؛ لأن الإجارة فاسدة والعمل المحرم لا قيمة له، أو نقول: يُلزم المستأجِر بالأجرة التي وقع عليها العقد؟ الثاني: يجب أن يُلزم بالأجرة التي وقع عليها العقد، ثم إن كان العامل إن كان يعلم أن هذا شيء محرم فإنها تُصرف في بيت المال، وإن كان لا يعلم فإنه يعُطى إياها، ويُؤمر بالتوبة والاستغفار، وكفى، والله أعلم.
طالب: في الصورة الأولى الذي أخذ غلامًا وأجره شخصًا وهو حر، المؤجر كيف يُعطي الذي أجره الأجرة وهو ليس مالكًا له؟ الشيخ: لا، المستأجر، المؤجر ما هو معطيه.
الطالب: ممكن يعطي المؤجر.
الشيخ: ما هو يعطيه أجرة، الأجرة هذه تعود إلى المستخدم.
طالب: كلها حتى .. الشيخ: كلها، هذا فليس له شيء، هذاك يؤدب ( ... ). طالب: يا شيخ، إذا استأجر حر، وأجرة المثل مئتان، وهو استأجره على مئة، أخذ أجرة المثل مئتي ريال.
الشيخ: لكن إنسان حر عقد معه، ولا جاء إنسان آخر وقال: هذا غلامي؟ الطالب: لا، شخص استأجر حرًّا وكان استأجره بمئة ريال، وأجرة المثل مئتان، إذا كان جاهل يا شيخ، ما نقول يلزم المستأجر خمسين؟ الشيخ: يعني قصدك الغبن؟ إذا غبنه؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: استأجره بمئة والأجرة مئتان، مثلًا ارتفعت أجور العمال، وهذا العامل ما درى، ما يعلم، فجاء شخص واستأجره بمئة يُلزم بأن يدفع له مئة أخرى، يُلزم لأن هذا غرَّه.
الطالب: ما نقول يا شيخ مثلما قلنا: إذا كانت أجرة المثل أكثر يلزم المستأجر خمسين؟ الشيخ: لا، هذه أجَّره شخصًا آخر، الصورة اللي ذكرنا ثلاثة: حُر، ومؤجر، ومستأجر، المؤجر قال: هذا غلامي أبغي أؤجرك إياه، أما الصورة اللي ذكرت أنت فليس عندنا إلا شخصان مستأجر ومؤجر نفسه، ما هذا سؤالك؟ هذا بس يعطى الغبن وهو أجرة المثل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1926

طالب: شيخ -أحسن الله إليك- ما حكم ما تأخذه ضاربات الدف في أيام الزفاف من أُجرة كبيرة جدًّا قد تصل إلى تسعة آلاف ريال في الليلة الواحدة؟ الشيخ: هنا نخاطب الدافع، يعني ما يأخذه المغنيات أيام الأعراس والدفافات من أُجرة كبيرة، هنا نوجه الخطاب إلى الدافع، ونقول: إن دفعك هذه الأموال الكثيرة من إفساد المال، وإضاعة المال، أما بالنسبة للدفافات فلا حرج عليهن، هن يقلن: بنطلب بالليلة مئة ألف، لكن الكلام يوجه على من دفع إليهن.
طالب: أحيانًا قد يصحب ضربهن للدف إخراج صوتهن على الرجال وكذا مما هو فيه محظور شرعي؟ الشيخ: هو إذا كان فيه محظور شرعي مُنِع، يعني يجب خفض الصوت حتى لا يكون فيه محظور شرعي، أما إذا لم يكن فيه محظور شرعي فلا بأس؛ لأن صوت المرأة ليس بعورة.
طالب: لا يعد مفسدًا للإجارة إذا كنا علمنا بأنه سوف .. ؟ الشيخ: لا؛ لأن هذا شيء زائد على العقد.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، من أجَّر حُرًّا وادعى أنه عبد، ما عليه شيخ غرامة، ما عليه دفع .. ؟ الشيخ: لا، مسألة ( ... ) هذا شيء آخر، هذا يُعذَّر، لكن كلامنا على مقتضى الإجارة، ماذا يلزم؟ أما مسألة أنه يعذر فلا بد أن يعذر.
طالب: هل يحرم تأجير الابن؟ الشيخ: إي نعم، يحرم تأجير الابن؛ لأنه حر.
الطالب: وقوله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (2). الشيخ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» يعني يستخدمه لا أنه يؤجره.
الطالب: ولو رضي يا شيخ؟ الشيخ: لا، إذا رضي ما فيه إشكال.
طالب: قلنا: إن الأجير المشترك لا يضمن ما تلف في يده بغير تفريط، وقلنا: إن الراجح أن المؤجر يُلزم بدفع الأجرة.
الشيخ: قلنا: إن الراجح أن الأجير المشترك إذا أتم العمل أُلزِم المستأجر بدفع الأجرة.
الطالب: كيف يمكن وهو لم يتسلَّم العين التي وقع عليها الإجارة؟ الشيخ: ما يخالف، تلفت، هي أمانة بيد الأجير، هي أمانة وتلفت بغير تفريط منه.
الطالب: وإن كان لم يتسلمها؟ الشيخ: إي نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1927

طالب: شيخ -حفظك الله- لو استأجر عاملًا غير مسلم، لا يرى حرمة هذا الشيء كصناعة الخمر وغيره، لكنه يعلم أنه ممنوع نظام الدولة معينة .. الشيخ: والسؤال؟ الطالب: السؤال: هل له أن يحرمه المال أو يُحرم المال الأجرة المتفق عليها؟ الشيخ: أصلًا ما يجوز استئجاره.
الطالب: هو استؤجر وانتهى العمل.
الشيخ: هذا يرجع إلى نظر الإمام، يجب أن يؤجر الطرفان بما يراه.
طالب: قلنا: إذا استأجر العين يملكها، ويملك منافعها.
الشيخ: لا، ما هو بيملكها، يملك منافعها.
الطالب: يملك منافعها، وإذا استأجر حر أمة، هل يجوز له الوطء؟ الشيخ: هل يجوز استئجار الأمة للجماع؟ أجب.
ما يجوز؛ لأن الله قال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6]، فلا يجوز أنه يملك هذا، لكن يملك منافعها؛ خدمة، تنظيف البيت، تنظيف الأواني، وما أشبه ذلك.
طالب: استقر عندنا أن الإجارة منفعة تُسلَّم شيئًا فشيئًا، فإذا ذكرنا هنا قلنا: إذا اعتدى شخص على العين المؤجرة بعد ( ... ) ما وضح لي كيف قلنا إنه يعتبر .. الشيخ: يُعتبر استيفاء الظالم كاستيفاء المظلوم، تمام بمعنى أن صاحب العين غير مسؤول.
الطالب: ما نقول: إن صاحب العين ما سلَّم بقية .. الشيخ: سلَّمها، هي الآن بيده بيد المستأجر، البيت الآن، المفتاح معه، والمؤجر متخلٍّ عنه إطلاقًا، والظلم وقع على المستأجر.
الطالب: شيخ -بارك الله فيك- سؤال في الزكاة، كيفية تزكية الدَّيْن الذي يُوقع شيئًا فشيئًا مثل الأقساط يعني؟ الشيخ: شوف الدَّيْن تبع مالك في مسألة الحول؛ لأنه من مالك غاية ما هنالك بدل ما تحطه في الصندوق جعلته في ذمة الرجل، فمثلًا إذا استوفيت القِسط قبل وجوب الزكاة في المال دخِّله في مالك، وإذا جاء وقت الوجوب زَكِّه، وإن استوفيته بعد أن أدَّيْت الزكاة في مالك فأدِّ زكاته في الحال؛ لأن زكاته قد وجبت.
الطالب: شيخ، إذن على هذا يزكي إحدى عشرة مرة في الشهر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1928

الشيخ: في الشهر؟ ! الطالب: في السنة.
الشيخ: ويش لون؟ ! الطالب: لأن كل شهرين يعطيه مثلًا ألف ريال.
الشيخ: أما قلنا: الألف هذه يدخله قبل وجوب الزكاة، مثلًا كان الأقساط، تحل من محرم، وصفر، وربيع وربيع، وجمادى وجمادى، رجب وشعبان ورمضان، وهو يزكي في رمضان، ما يزكيها، كل ما مضى ما يزكيه، بس يدخله في ماله، وإذا جاء رمضان يحصي ما عنده من المال الذي ليس دينًا، ومن الدَّيْن الذي كان يقبضه؛ فالزكاة واحدة، فهمت هذه ولَّا لا؟ الطالب: ما فهمت زين.
الشيخ: الآن أنت مثلًا بايع هذا البيت بأقساط، بعته في محرم، يحل القسط الأول في محرم، والثاني في صفر، والثالث في ربيع، والرابع إلى آخره، إلى رمضان، إذا جاء رمضان قلنا لك: هذه الأقساط دخلها في مالك في الصندوق مثلًا أو في البنك، فهمت؟ الطالب: إي.
الشيخ: طيب زَكِّها في رمضان مرة واحدة بس.
الطالب: الباقي اللي في ذمتي أنا.
الشيخ: الباقي اللي في ذمتك، إذا قبضته بعد أن تم الزكاة زكِّ في الحال؛ لأنه قد وجبت فيه الزكاة في العام الماضي، ثم دخِّله في مالك.
الطالب: كما قلنا في زكاة الدَّيْن إن كان أنا موسر أزكيه كل .. الشيخ: لا، إحنا كلامنا على الموسِر، أما إذا كان على مُعسِر فما قبضته منه دخِّله في مالك، وما لم تقبضه فإذا قبضته زكِّه سنة واحدة، دا كلامنا في الموسر.
الطالب: على هذا يا شيخ، يعود ( ... ) بعد رمضان في شوال، في ذي الحجة، في محرم .. الشيخ: لكن ما تزكي إلا اللي لم تُزكِّ، أنت الآن مرة واحدة، ما هي بإحدى عشرة مرة.
الطالب: على هذا يزكي -مثلًا- كل مرة حتي يأتي رمضان الثاني.
الشيخ: كيف؟ الطالب: أزكي كل ما أقبض حتى يأتي رمضان يزكي كل ماله.
الشيخ: إي نعم، كيف؟ لأنك بتزكي، وتقبض الآن بعد رمضان، تزكي عن السنة الماضية، ما هو عن السنة المستقبلة، فإذا جاء رمضان وأنت مُدخِّله مالك تبغي تزكي عن السنة الحاضرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1929

الطالب: زكاة الحلي إذا كانت وقت زكاتها في ربيع الأول، ويؤخِّره في رمضان، هل له أن يؤخر؟ الشيخ: لا، لا يجوز، لكن إذا كانت ترى أن تُزكِّي في رمضان فإنها تزكي في ربيع عند تمام الحوْل، فإذا جاء رمضان تزكي للسنة المقبلة تعجيلًا، وتمشي على هذا.
طالب: رجل في إحدى ليالي رمضان قام من الليل فجامع أهله، وأثناء الجِماع سمع المؤذن يُقيم لصلاة الفجر، وهو لم يحتط لم ينظر في الساعة، أو لم يرها، ومع أنه سمع الآذان استكمل حتى انتهى؟ الشيخ: سمع الآذان ولَّا الإقامة؟ الطالب: الإقامة بعد سماع الإقامة استمر حتى انتهى.
الشيخ: هذا حرام عليه؛ يعني الواجب أنه من يوم يسمع الإقامة أن ينزع.
الطالب: طيب هو استمر؟ الشيخ: عليه الكفَّارة، إذا كان عالِمًا، إذا كان يظن أنه ما يجوز واستمر فعليه الكفَّارة، القضاء لا بد منه إلا إذا كان بعد جاهلًا، إذا كان يحس أنه لا بأس.
الطالب: إذا كان من غير أهل الحديث، ولكنه لا يعرف الحكم.
الشيخ: المهم أنه ما يعرف جاهل، ما عليه شيء.
الطالب: يجب عليه القضاء والكفارة أو لا؟ الشيخ: ما عليه شيء أبدًا، كل إنسان جاهل -ذكرنا لكم هذا- جميع المحظورات إذا فعلها الإنسان جاهلًا فليس عليه شيء.
الطالب: عليه القضاء فقط؟ الشيخ: ولا عليه القضاء.
الطالب: استمر حتى .. الشيخ: إي، لكن ما دري حسبه ما يخالف، بحسبه ما دام تورط ووقع في الورطة أنه لا بأس يكمل.
الطالب: هذا هو اللي.
الشيخ: هذا اللي حصل ما عليه.
الطالب: ما عليه شيء؟ الشيخ: أبدًا، عليه أنه يُخبَر بالحكم، ولا يعود.
طالب: إذا استأجر رجلًا ليحجز له مكانًا في الحرم في ليالي رمضان، حكم الإجارة هذه؟ الشيخ: الإجارة -على القول الراجح- حرام، ما تجوز، أما على قول من يقول بالجواز بجواز التحجُّر، فهي إجارة على عمل مباح، فتكون حلالًا، لكن القول الراجح أنه ما يجوز.
الطالب: تقصد في الحرم؟ الشيخ: لا، ما هو في الحرم، خارج الحرم.
الطالب: في الحرم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1930

الشيخ: في نفس الحرم.
الطالب: ( ... ) الصف الأول ( ... )؟ الشيخ: إي، ما يخالف، لكن هل الاتفاق بينه وبين الرجل هذا خارج الحرم ولَّا في الحرم؟ الطالب: في المسجد الحرام، يقول له مثلًا: أنت المسؤول عن ليالي رمضان، تحجز لي مكانًا في هذا يحدد له مكانًا.
الشيخ: ولكن ما قال بكذا وكذا؟ الطالب: إذا جاء في العيد يعطيه مئتي ريال.
الشيخ: هذه ما هي بإجارة، هذه مكافأة على عمل مُباح على القول بالإباحة، أما على القول بالتحريم فهو حرام على الطرفين، ولا يحل للذي يتحجر أن يأخذ هذه المكافأة؛ لأنها عوض عن فعل مُحرَّم.
طالب: ولو يعلم المستأجر والمؤجر كلاهما بأن هذه الإجارة فاسدة، إجارة الغلام، وأُجرة المثل زائد على ما وقع على إطلاقه، لماذا يلزم به فقط المؤجر بهذه الزيادة المستأجر، ولم يلزم المؤجر؛ لأن كليهما يتعدى على هذا الغلام؟ الشيخ: لا، يلزم المستأجر؛ لأنه استوفى المنفعة، المؤجر ما استوفى شيئًا، أفهمت؟ الآن من الذي استوفى المنفعة؟ المستأجر يُلزم بمئتين.
الطالب: لو كان هذا عالِمًا.
الشيخ: إي، إذا كان عالِمًا، لكن يؤدب كلا الطرفين، لكن الذي استوفى المنفعة هو الذي يُلزم بأجرة المثل فتُعطى الولاء.
الطالب: ولو لم يعلم هذا المستأجر؟ الشيخ: لو لم يعلم قلنا: لا يلزمه إلا أجرة الْمِثل، ويؤخذ الزيادة من المؤجر.
طالب: أحسن الله إليك، قول المؤلف: (وتجب الأجرة بالعقد)، هذا إذا تفرقا، وإن لم يتفرقا؟ الشيخ: إي نعم، لكنها لا تلزم عقد الإجارة إلا بالتفرق، فإذا تفرقا من غير فسخ تبين أن الأُجرة ثبتت من العقد.
طالب: صرف الزكاة يا شيخ، هل يمكن صرفه للجمعية الخيرية وبعض المؤسسات؟ الشيخ: صرف الزكاة للجمعية الخيرية إذا كانت تقبل الزكوات، ولها بند خاص وهم ثقات فلا بأس.
طالب: ( ... ) الأيتام ( ... ). الشيخ: لا، اليتيم ليس من أهل الزكاة إلا إذا كان فقيرًا فهو يُعطَى لا ليتمه ولكن لفقره.

الجزء: 2 - الصفحة: 1931

طالب: قلنا في زكاة الحلي إنه يُقدَّر بالوزن عند تقديم النصاب، وعند الإخراج يُقدَّر بالقيمة، ولكن كيف يُقدَّر بالقيمة الآن؟ الشيخ: يعني مثلًا إذا قدَّرنا أن الجرام من الذهب بدون أن يكون حليًّا بمئة، وإذا كان حليًّا بمئتين، يُقدَّر بمئتين.
الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، لكن ينقص، يشتري بالوزن ناقصًا.
الطالب: يحاسبني على الوزن فقط؟ الشيخ: إي، يحاسبك على الوزن لكن ناقصًا، ما يمكن يحاسبك على الوزن مثل الجديد، مثلًا الجرام من المستعمل بمئة ومن غير المستعمل بمئة وخمسين.
الطالب: يكون قيمته أقل من الوزن.
الشيخ: ما يخالف بالقيمة، لكن غالبًا ما تكون بالنصاب ما تكون أقل في الغالب.
طالب: أجر رجل أجيرًا مقابل منفعة محرمة، فلما استوفى هذه المنفعة قال: إن هذا العمل محرم، ولن نعطيك أجرك؛ لأنه محرم.
الشيخ: ما ذكرنا هذه الآن؟ ! إذا استأجر أجيرًا على أمر مُحرَّم، قلنا: إنه تُؤخذ منه الأجرة، ثم إن كان العامل يَعلم بالتحريم جُعِلت في بيت المال، وإن كان لا يعلم أُعطي إياها؛ لأنه دخل على أنه عقد صحيح.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- رجل ( ... ) في رمضان، أفطر لهوى دون عذر، فتاب قبل رمضان بأيام، وعليه أيام كثيرة يقضيها، فلم يتسع له الوقت، فماذا عليه؟ ( ... )


باب السبق

طالب: قال رحمه الله تعالى: باب السَّبْق

يصح على الأقدام وسائر الحيوانات والسفن والمزاريق، ولا تصح بعِوض إلا في إبل وخيل وسهام.
ولا بد من تعيين المركوبين واتحادهما والرماة والمسافة بقدر معتاد، وهي جعالة لكل واحد فسخها، وتصح المناضلة على معينين يحسنون الرمي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1932

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب السبْق) بسكون الباء، وأما (السبَق) فهو العِوض، فالسبْق معناه فوت لا يدرك؛ يعني بمعنى أن يفوتك الإنسان على وجه لا تدركه، فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار لا يمكن لمن بعدهم أن يلحقهم في هذا الوصف، ومن سابقك جريًا على الأقدام حتى وصل المنتهى قبل أن تصله فهو سبَقك على وجه لا تدركه، فهو فوت لا يُدرك، سواء كان معنويًّا أو كان حسيًّا، وسواء كان في الزمان أو كان في المكان، فالصحابة سبقونا بالزمان، هذا سبْق حسي، وكذلك سبقونا سبقًا معنويًّا بالعلم والإيمان والجهاد والعمل الصالح.
والسبْق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز لا بِعوض ولا غيره، وقسم يجوز بِعوض وغيره، وقسم يجوز بلا عِوض، ولا يجوز بعِوض.
والأصل فيه المنع؛ أي منْع العِوض؛ لأنه من باب الميسر، فإن الإنسان إما أن يكون غانِمًا، وإما أن يكون غارمًا، فإذا جعلنا مئة ريال لمن سبق، وتسابق اثنان في الجري على الأقدام، فأحدهما إما غانم وإما غارم، إما أن يأخذ المئة من صاحبه فيغنم، أو تؤخذ منه المئة فيغرم، فهو في الحقيقة ميسر، ولذلك الأصل هو منْع العِوض في المسابقة، هذا الأصل، ولا يجوز إلا لسبب سيأتينا إن شاء الله فيما بعد.
الأشياء التي فيها السباق تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما يجوز بعِوض وغيره.
والثاني: عكسه، لا يجوز لا بعِوض ولا غيره.
والثالث: التفصيل؛ يجوز بلا عِوض، ولا يجوز بعِوض.
قال المؤلف: (يصح على الأقدام وسائر الحيوانات والسفن والمزاريق) (على الأقدام) مثل أن يتسابق رجلان أيهما أسرع وصولًا إلى الغرض الذي عيَّنه، وهو جائز بين الرجلين، وبين المرأتين، وبين الرجل وزوجته، كما سابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها (3). هذا على الأقدام.

الجزء: 2 - الصفحة: 1933

وظاهر كلام المؤلف وغيره أنه لا فرْق بين أن يتسابقا اتجاهًا أو استدبارًا، استقبالًا أو استدبارًا، يعني مثلًا يتسابقا على الاستقبال أو على الاستدبار؛ لأن المسابقة على الاستدبار تقع أيضًا بين كثير من الناس أيهما أشد عزيمة أن يرجع على ورا بسرعة تفوق صاحبه، فهذا جائز.
وهل يجوز على اليمين والشمال؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يجوز، ويقع هذا أيضًا من بعض الناس يتسابقون أيهم أسبق ذهابًا يمينًا أو ذهابًا شمالًا، ويصح في سائر الحيوانات كالبغل والحمار وغيرهما مما يؤكل، والبقرة أيضًا تصح المسابقة عليها؛ لأن القول الراجح جواز رُكوب ما لا يُرْكب عادةً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29].
(وسائر الحيوانات) ولكن هل يجوز المسابقة بالحيوان نفسه؟ بمعنى أن يطلق الرجلان كلبيهما ويتسابقا على ذلك؟ الظاهر أنه لا يجوز؛ لأنه لا فعل من المتسابِقَيْن في هذه الحال، وقد يقال بالجواز؛ لأن فعل الكلاب ونحوها بأمر صاحبها كفعل صاحبها، ولهذا جاز صيدها إذا أرسلها صاحبها، ويُشترط في المسابقة على الحيوانات نفسها ألا يكون في ذلك أذيَّة لها، فإن كان في ذلك أذية كما يفعله بعض الناس في المسابقة، في نقر الديوك بعضها ببعض، فإن بعض الناس -والعياذ بالله- يُربِّي ديكه على أن يكون قويًّا في المناقرة، فهذا حرام لا يجوز، ومثل ذلك نِطاح الكِباش، ومثل ذلك صراع الثيران، كل ما فيه أذيَّة للحيوان فإن المسابقة فيه مُحرَّمة لما فيه من إيذاء الحيوان.
(السفن) وهي الفُلك التي تجري في الماء، تصح المسابقة عليها؛ لأن الناس يختلفون فيها اختلافًا كثيرًا، و(المزاريق) الظاهر أنها مراكب البحر التي دون السفن، ولعل إخواننا الذين يعيشون حول البحار يعرفونها، يسمونها أيش؟ زوارق صغيرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1934

(السفن والمزاريق) لكن المؤلف يقول: (ولا يصح بعوض إلا) هذه تصح بدون عِوض، فإن كان فيها عِوض فإنها حرام، سواء كان هذا العوض نقدًا أو عروضًا أو منفعة فإنه لا يجوز، وقد كان من عادة الصبيان أنهم يتسابقون على الأقدام، فإذا سبق أحدهما الآخر قال له: احملني على ظهرِك من منتهى المسابقة إلى ابتدائها، فهل هذا جائز؟ طالب: لا.
طالب آخر: بعِوض.
الشيخ: بعوض، ما هو العوض؟ طالب: المنفعة، حمله.
الشيخ: المنفعة، حمله إياه من هذا المكان إلى هذا المكان منفعة فلا تجوز، وقد يُقال: إنه يُرخَّص للصغار الذين لم يبلغوا في ذلك، وإن لم يُرخَّص للكبار؛ لأن الصغار يُرخَّص لهم من اللعب ما لا يُرخَّص للكبار.
قال: (ولا يصح بِعوض) يعني بعِوض مالي سواء كان عينًا، أو نقدًا، أو منفعة إلا في إبل وخيل وسهام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (4). الإبل بأن يتسابق اثنان على بعيريهما، والخيل بأن يتسابق اثنان على فرسيهما.
والسهام بأن يتسابق اثنان في سهاميهما أيهما يصيب.
وظاهر كلام المؤلف في الإبل والخيل؛ أنه لا فرق بين أن تكون المسابقة في الجري أو في حمل الأثقال، وهذا بالنسبة للإبل واضح؛ لأن الإبل يُنتفع بها في الجري، ويُنتفع بها في حمْل الأثقال، لكن في الخيل، في النفس من هذا شيء؛ لأن الخيل إنما يُنتفع بها في الجري المسابقة جريًا.
إذن الدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا سَبَقَ» أي: لا وضْع عِوض في المسابقة (إلا في إبل وخيل وسهام) وهذا النص صريح.
فإن قال قائل: هذا جارٍ على خلاف القياس؛ لأنه مُيسَّر؛ إذ إن أحدهما غانم أو غارم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1935

فالجواب من أحد وجهين؛ الأول: أن من العلماء من أخرج هذه المسألة عن القمار بأن قال: لا بد من ثالث مُحلِّل، أن يكون معهما ثالث ليس غانمًا ولا غارمًا، يكون مُحلِّلًا، فإن غلب أخذ عوضيهما، وإن غلباه لم يُؤخذْ منه شيء، وهذا يُخرِج المسألة عن صورة القمار والميسر، لكن هذا الجواب ضعيف جدًّا.
والتحيل على محارم الله مُحرَّم إذا قلنا: إن هذا ميسِر، وإنه حرام فإنه لا يمكن أن يحل بالتحيُّل عليه، والصواب أنه لا يُشترط أن يجعل محلل، وأن هذه المسألة مُستثناة لأن فيها مصلحة تربو على مفسدتها، والمصلحة هي التمرُّن على آلات القتال، وهذه مصلحة كبيرة عظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر ( ... ). طالب: هل السباق الذي يجوز بلا عِوض، لو أن ثالثًا تبرع ( ... )؟ الشيخ: يقول: في المسابقة التي لا تجوز بعِوض لو أن رجلًا خارجًا عن المسابقة جعل مكافأة وجائزة للسابق منهما، فهل هذا جائز؟ والجواب: نعم، بشرط أن يكون الذي وضع فيه الجائزة نافعًا، أما إذا كان لهوًا ولعبًا ففي النفس من جواز ذلك شيء؛ لأن ذلك إضاعة مال، لا فائدة منه، لكن إذا كان مفيدًا كما لو كان في المصارعة أو المسابقة على الأقدام، أو في حمْل الأثقال، أو في سرعة الحركة، أو في الكاراتيه هذه لا بأس بها؛ لأن هذه فيها مصلحة، لكن على شيء لغو لا فائدة منه في النفس من هذا شيء.
طالب: المسابقة على الأقدام، المصلحة التي في المسابقة ( ... ). الشيخ: ليتها من غيرك هذه، النبي عليه الصلاة والسلام سابق على الأقدام وعرفها، وعرف مصلحتها وفائدتها، ومع ذلك قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (4). نعم، ربما لو فرضنا أن هناك سبقًا على الأقدام مما يُستعمل في الجهاد، وهو حِرْفة معروفة، فقد يُقال: إن هذا جائز، أما سبق عادي فلا يجوز.
الطالب: هل هو حصْر ( ... )؟ الشيخ: إي، ما فيه شك، حصر هذا من أبلغ الحصر؛ لأنه نفي وإثبات.

الجزء: 2 - الصفحة: 1936

طالب: قاعدة أنه يجوز للصغار ما لا يجوز للكبار، هل هي قاعدة مطردة، وإن لم يكن كذلك فما الضابط فيها؟ الشيخ: أنواع اللعب واللهو هذا، أما الشيء الْمُحرَّم كشرب الدخان مثلًا ما يجوز، لكن اللهو، الصبيان الآن يلهون ويلعبون، ويحصل لهم ميسر بما يسمونه لعب .. طالب: البراجوز.
الشيخ: إي نعم، براجوز هذه الدوائر.
طالب: ( ... ). الشيخ: ( ... )، هذه يكسبون بها، ولما كنا صغارًا نكسب بكعب الغنم.
طالب: هل هي جائزة مُطلقًا في اللعب؟ الشيخ: جائزة هذه الصور ما فيها إشكال.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- من أقسام السبق ما لا يجوز لا بِعوض ولا بغيره، فهل لنا بعض الأمثلة لهذا النوع؟ الشيخ: ما وصلنا لها، إحنا الآن في الأول.
طالب: أحسن الله إليكم، صدقة العلم.
الشيخ: تأتينا إن شاء الله.
طالب: جزاك الله خيرًا، البعض يستأجر آلة اللعب، أو المكان الذي فيه اللعب، والذي يُغلَب هو الذي يدفع هذه الأجرة، في الآخر من يأخذ، إنما يأخذها صاحب المكان؟ الشيخ: هذا نوع من الغرم، الظاهر أنه لا يجوز، ويجب أن تكون الأجرة بينهما؛ لأن كُلًّا منهما انتفع بهذا المكان.
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، هل ممكن نقول: النساء جائز أن يتسابقن بالأقدام؟ الشيخ: التسابق على الأقدام؟ الطالب: إي.
الشيخ: إي نعم، جائز، ما فيه مشكلة.
الأصل أن ما جاز للرجال جاز للنساء إلا إذا كان هناك مانع، فإذا كن نساء وحدهن، وأردن أن يتسابقن فلا بأس ( ... ).


طالب: وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب السَّبْق

يصح السبق على الأقدام وسائر الحيوانات والسفن والمزاريق، ولا يصح بعِوض إلا في إبل، وخيل، وسهام.
ولا بد من تعيين المركُوبين واتحادهما، والرماة، والمسافة بقدْر مُعتاد، وهي جعالة لكل واحد فسخها، وتصح المناضلة على معينين يُحسنون الرمي.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق أن السبْق بسكون الباء هو أيش؟ طلبة: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1937

الشيخ: يعني ( ... ) لا يُدرك، بمعنى أن يتقدم الإنسان غيره في شيء لا ( ... )، وأما السبَق بالفتح فهو العِوض المجعول في المسابقة.
وسبق لنا أن الأشياء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم منها يجوز بعِوض وبدونه، وقسم لا يجوز بعِوض ولا بدونه، وقسم يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض.
الذي يجوز بعِوض ثلاثة أشياء، وهي: الإبل، والخيل، والسهام؛ دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (4). ويُقاس عليها ما يشبهها من آلات الحرب الحاضرة، فالدبابات ونحوها تشبه الإبل، والصواريخ وشبهها تشبه السهام، والطائرات وشبهها تشبه الخيل، فهذه تجوز بعِوض.
وأما ما لا يجوز بعِوض ولا غيره فهو السبق في الأمور المحرمة، المسابقة في الأمور المحرمة؛ كالمسابقة في العدوان على الناس، وقطع الطريق، وما أشبه ذلك، أو المسابقة في لعب الشطرنج والنرد وغير ذلك مما يلهي كثيرًا عن المهمات في الدِّين أو الدنيا، ولا فائدة فيه، وهذا هو الضابط فيه، فالذي لا يجوز ( ... ) العوض، إما أن يكون محرمًا لذاته كالمسابقة على العدوان على الناس، وقطع الطريق، ونهب الأموال، وإخافة الآمنين، وما أشبه ذلك، هذا حرام سواء كان بعِوض أو بغير عِوض.
وإما أن يكون مما يُلهي كثيرًا، ويتعلق به القلب كثيرًا، ولا خير فيه ولا منفعة كالنرد، والشِّطْرنج، وما أشبهها من هذه الألعاب التي كثرت أنواعها في الوقت الحاضر.
القسم الثالث: ما يجوز بلا عِوض، ولا يجوز بعِوض، وهو ما لا مضرة فيه شرعية، وليس فيه منفعة تربو على جواز المراهنة فيه؛ يعني بأن تكون منفعته قليلة، فهذا لا يجوز بعِوض، ويصح بلا عِوض، مثل المسابقة على الأقدام، فإن ذلك جائز ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سابق عائشة على الأقدام (3). (سائر الحيوانات) مثل الفيلة والكلاب وما أشبهها، هذه تجوز، لكن اشترطنا في الدرس الماضي ألا يكون فيها أذية على الحيوان.

الجزء: 2 - الصفحة: 1938

السفن معروفة، وهنا ينبغي أن يُقال: السفن الحربية يجب أن تُلحق بالإبل فإنها إذا كانت حربية تدخل في آلة الحرب ومعدات الحرب.
المزاريق قال في الشرح: إنها رمح قصير، يتسابقون في الطعن، وكذلك المسابقة بالسيوف إلا أن الإمام أحمد رحمه الله قال: لا يجعله سيفًا حادًّا، بل يكون سيفًا من خشب أو نحوه، وهذا ما يُسمى عند الناس الآن بالمعركة الوهمية؛ بمعنى أنهم يتشابكون فيما يُسمى بالسلاح الأبيض، لكن لا يجعل الإنسان خنجرًا حادًّا أو سيفًا حادًّا؛ لأنه ربما أهوى به الشيطان إلى صاحبه فقتَلَه، لكن يجعله من جنس العصا أو الخشب أو ما أشبه ذلك.
وهل من ذلك ما يُسمى بالملاكمة؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: أولًا: لأنها أظنها تُضرب مع الوجه خاصة، وهذا منهي عنه.
والثاني: أنها خطرة؛ لأنه لو أُصيب الإنسان الملاكم بمقتل لكان هلك، لكن إذا كان الإنسان يريد أن يتمرَّن تمرينًا فقط، ولكنه لا يضرب الوجه، من أجل أن يستعين بذلك على قِتال العدو، مثل الكاراتيه، هذه يقولون: إنها مفيدة للإنسان جدًّا، في مهاجمة العدو، وفي الهرب منه، فيكون هذا المسابقة فيها جائزة، بل لو قيل: لو أن الناس انقلبوا إلى حرب بهذه الطريقة دخلت في الأشياء التي تجوز بعِوض.
اختلف العلماء رحمهم الله في المسابقة على الأقدام، هل تجوز بعِوض أو لا؟ وقلنا: إن المذهب أنها لا تجوز بعِوض.

الجزء: 2 - الصفحة: 1939

ومنهم من قال: إنها تجوز بعِوض؛ لأن السَّبْق على الأقدام يُنتفع به في الحرب، في الكر والفر، فهو مفيد، لكن هذا الاحتمال يرد عليه أننا لو أجزنا العِوض في هذه الأشياء لكانت سببًا للتجارة؛ بمعنى أن الناس يتجرون بها؛ لأنها سهلة المؤونة، ولا تحتاج إلى اقتناء فرس أو إصلاح رُمح أو ما أشبه ذلك، فتُتخذ تجارة، وينشغل الناس بها عن أمور أهم منها، فهذه المصلحة التي قد يتوقعها الإنسان مع العدو مُعارَضة بالمفسدة، وهي أن ينكب الناس عليها، ثم يتخذونها تجارة، وهذا المانع مانع قوي.
فإن قال قائل: وأيضًا السبق على الخيل الآن يتخذونه تجارة، أليس كذلك؟ فهو الآن يتخذ تجارة ومنفعته في الحرب في الوقت الحاضر قليلة، فيلزم على اطراد القاعدة أن تمنعوا من ذلك؛ أي من المسابقة على الخيل بالعِوض؛ لأن الناس اتخذوها تجارة.
فنقول: هذا ينبني على قاعدة ذكرها العلماء رحمهم الله وهي: إذا نص الشرع على شيء ذي فائدة في وقت الشرع؛ يعني في وقت الرسالة، ثم عُدِمت منفعته التي تكون في وقت الرسالة، فهل نتبع المعنى أو نتبع اللفظ؟ العلماء يختلفون في هذا، ومن ذلك الشعير في زكاة الفطر، الأقط في زكاة الفطر منصوص عليهما، أليس كذلك؟ وهما في ذلك الوقت قوت للناس سواء كانوا في البادية أو في الحاضرة، في الوقت الحاضر ليست قوتًا، فهل نتبع اللفظ ونقول: هذا شيء عيَّنه الشرع فهو مُجزِئ سواء كان قوتًا للناس أو لا؟ أو نقول: إذا أصبح واحد من هذه الأربعة غير قوت فإنه لا يُجزئ؟ فيه احتمال واحتمال، لكن الاحتمال الأخير بالنسبة للفطرة أصح؛ لأنه ثبت في البخاري من حديث أبي سعيد: كنا نُخرجها صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر، والشعير، والزبيب، والأقط (5). فهذا صريح أن العلة هو الطعام، وكما قال عبد الله بن عباس: فرض النبي صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهْرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعْمة للمساكين (6).

الجزء: 2 - الصفحة: 1940

لكن الآن نحن في مسألة الخيل، الخيل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنها آلة عظيمة فعَّالة في الحرب، هي في الوقْت الحاضر ليست كذلك، هي في الوقت الحاضر تجارة يحصل السبق بها تجارة، فهل نقول: لما فُقِدت العِلَّة التي من أجلها جاز السَّبَق يجب أن يفقد الحكم، أو نقول: نأخذ بظاهر اللفظ، ولا علينا من العِلَّة تخلفت أو وُجِدت؟ فيه احتمال.
ذكر المؤلف عن شروط المسابقة .. سبق لنا البارحة أن ذكرنا أن بعض العلماء قال: إنه لا يجوز السبَق في هذه الثلاثة إلا بمحلل، وبينا أن هذا القول ضعيف جدًّا.
أولًا: لضعف الحديث الوارد فيه، فالحديث ليس بحجة.
ثانيًا: أن هذا حِيلة؛ لأنه إن جاز أخْذ العِوض بلا مُحلِّل فلا حاجة للمُحلِّل، وإن كان حرامًا صار إدخال المحلِّل من أجل استحلال الحرام، والحيل ممنوعة شرعًا.
ثالثًا: وأيضًا المحلِّل الآن سيُشاركهم في المسابقة، ومع ذلك هو غانم على كل حال أو سالم، فيكون شاركهما في الفعل وخالَفهما في الحُكم والنتيجة، وهذا ليس من العدْل، والمسابقة مبناها على العدل، أتدرون أن المحلل إذا سبق أخذ العوضين من الاثنين، وإن سُبِق لم يأخذ شيئًا، ولم يُؤخذ منه شيء، هذا خلاف العدْل، فكيف يكون مشاركًا لهما في العمل، ثم يخالفهما في النتيجة والثمرة؟ ! الصواب أن المحلِّل ليس بشرط.
فإذا قال قائل: إن هذا من باب الميسر؛ لأن أحدهما إما غانم وإما غارم؟ قلنا: نعم، هو من باب الميسر، لكن مفسدة الميسر فيه مُنغمِرة في جانب المصلحة، والشرع كله حول المصالح؛ يعني كل الشريعة مصالح؛ إما غالبة، وإما متمحِّضة.
قال: (ولا بد من تعيين المركوبين) يعني اللذين يقع عليهما السبْق، فتقول مثلًا: أسابقك على هذا الجمل، والثاني يقول: أسابقك على هذا الجمل، أو يقول: أسابقك على هذا الفرس، والثاني يقول: أسابقك على هذا الفرس، فلو قال: أسابقك على فرس بدون تعيين؛ لم تصح، لا بد من تعيين الفرسين أو الجملين مثلًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1941

وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُشترط تعيين الراكبين؛ لأنه قال: (المركوبين)، فظاهره أن تعيين الراكبين ليس بشرط، والصحيح أنه شرْط ولا بد منه؛ لأنه ليس المقصود أن يكون هذا الجمل أو هذا الفرس سابقًا، بل السبق في الحقيقة يكون من جودة الفرس أو الجمل، ومن حذق الراكب، يعني ربما يكون فرس جيد جدًّا جدًّا يركبه إنسان ليس حاذقًا يمشي ولَّا ما يمشي؟ ما يمشي، يهك عليه، نفس الفرس يجي يتلفت وذاك راكب عليه بيمشي وهو واقف، وهذا شيء مُشاهَد، يعني الآن لما كان الناس يستعملون الحمير كآلة ركوب وآلة نقل، تجد أحد الركاب إذا ركب على الحمار بمجرد ما يحرك نفسه يطمر الحمار، ويمشي زين، وبعض الناس يركب ويزجره، ويضربه، وينغزه، ولا يتحرك.
المهم أن كون تعيين الراكب ليس بشرط قول ضعيف؛ لا بد من تعيين المركوبين، ولا بد من تعيين الراكبين؛ وذلك لأن جري المركوبين بحسب حذق الراكبين، فلا بد من هذا، ولا بد أيضًا من اتحادهما؛ بمعنى أنه لا بد أن يكون السبق في الخيل على فرسين من نوع واحد كعربي وعربي، وبرذون وبرذون، هجين وهجين.
طيب لو قال: أُسابق على فرس وبغل؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لأنه لا بد من اتحادهما أن يكونان من نوع واحد.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُشترط اتفاقهما في الذكورة والأنوثة، فيجوز أن يكون السبق على جمل وناقة، أو على فرس وحصان، وهذا هو الظاهر، الظاهر أنه لا يُشترط، ولا سيما أيضًا بالنسبة للناقة، الناقة جمل، وناقة لا بأس، وإن كان يختلف بعضهما عن بعض في مسألة التحمُّل والصبر والقوة.
ولا بد أيضًا (من تعيين الرماة) فيقال مثلًا: فلان بن فلان يُسابق فلان ابن فلان، فلو قال مثلًا: المسابقة على رجل من بني تميم ورجل آخر من بني غطفان مثلًا، يصح؟ طلبة: لا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1942

الشيخ: ليش؟ لعدم التعيين؛ لا بد من تعيين الرماة، ولا بد أيضًا من تعيين السهم؛ بمعنى أن يكون المرمي به (الآلة) من نوع واحد، وأنتم تعرفون الآن الفرْق بين أنواع الأسلحة، فلا بد أن يكون السلاح نوعًا واحدًا.
وهل يُشترط أن يكون أيضًا موديلًا واحدًا؟ يُنظر، إذا اختلفت المواديل فلا بد من أن يكون الموديل واحدًا، أما إذا لم تختلف؛ لأن أحيانًا ما تختلف من حيث القوة والأداء، لكن تختلف من حيث الشكل فقط، فلا بد من اتحاد ما يُرمى به بشرط أن يكون عدم الاتحاد يؤدي إلى الاختلاف.
ولا بد أيضًا من تحديد المسافة مسافة أيش؟ مسافة الرمي، وكانوا في الأول يعتمدون في مسافة الرمي على قوة الرامي؛ لأنه نبل يرمي به الإنسان، فالإنسان الذي ليس بقوي ما يذهب سهمه بعيدًا، فلا بد من تعيين المسافة بقدْر معتاد، قالوا: وأكثره ثلاث مئة ذراع، كم تأتي؟ مئتا متر تقريبًا، بالنسبة للأسلحة الموجودة الآن لا شيء، لكن فيما سبق ما أحد يرمي ثلاث مئة ذراع.
( ... ) طالب: السباق ( ... ) معتبر؟ الشيخ: لا، ما هو معتبر لأن السابق تعرف إنه إذا صار ( ... ). طالب: شيخ، الآن يتسابقون بسيارات ودراجات النارية، فيهم اختلافات في النوعية والقوة، هم راضون بهذا .. الشيخ: لكن بدون عِوض؟ الطالب: لا، بعِوض بجوائز.
الشيخ: بجوائز مالية؟ الطالب: اشتراكات يا شيخ.
الشيخ: ( ... ) يعني المتسابقان لا يشتركان في إثم.
الطالب: طيب ولو اشتركوا يبطل هذا؟ الشيخ: لا، إذا كانت جائزة ( ... ). طالب: عفا الله عنك يا شيخ، لو اشتركوا في الجائزة، تبطل؟ الشيخ: يعني مثلًا لو قال: منك ألف ريال، ومني ألف ريال ونتسابق، هذا ما يجوز.
طالب: الضابط الذي يحكم، الذي يتعلق به القلب كثيرًا.
الشيخ: ويلهي عن المصالح.
الطالب: بعضهم يقيدها يقول: الصلاة .. الشيخ: الصلاة؟ الطالب: فقط.
الشيخ: لا.
الطالب: ضابطها؟ الشيخ: كما قلنا: هذا الضابط، الصلاة داخلة في المصالح.

الجزء: 2 - الصفحة: 1943

طالب: هل يجوز تعيين المركوب بالوصف؟ الشيخ: لا، ما يصح، لكن بالنسبة للأسلحة الحديثة يمكن بالوصف؛ لأن تعرف أن الصناعة ما تختلف، لكن بالنسبة للدواب تختلف.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- ما حكم اللعب بالشطرنج والدومينا من غير فصل، المسابقة بالتلهي فقط؟ الشيخ: هذا اللي قلنا؛ حرام، النرد والشطرنج كلها حرام، حتى ورق البلوت هذه حرام، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الذي اختاره شيخنا عبد الرحمن بن سعدي كان لا يشك في أنها حرام.
الطالب: والدومينا مثلها؟ الشيخ: الدومينا ويش لونها؟ الطالب: هذا الحجر الْمُنقَّط، ثمانية وعشرون حجرًا.
الشيخ: حجر؟ الطالب: إي، ثمانية وعشرون حجرًا، كل حجر فيها اثنتا عشرة نقطة، وإحدى عشرة نقطة.
الشيخ: ثم؟ الطالب: ويُلصقونها، فالأرقام المتساوية تُلصق بجانب بعضها حتى إذا انتهت أوراقها حزمًا فاز، وتسمى دومينا.
الشيخ: الظاهر أنها من جنسه، لكن اتفقنا من قبل يعني يُرخَّص للصغار ما لا يُرخَّص للكبار، الصغار كل حياتهم لهو، ما هم مطالبون بشيء، حتى الواجبات الدينية أسقطها الله عنهم، لكن الكبار عليهم مسؤولية، ولهذا كُلِّفوا وألزموا بالواجبات الشرعية.
طالب: شيخ، فيه ألعاب للصغار تُباع مع كونها بالنرد إلا أن فيها تعويدًا الصغار على فوائد ربوية؛ يعني كأن شركة يقال: تستقرض مئة ألف، ثم تدفع له فئة مئة ألف وهكذا، ويُباع في الأسواق، حكمه؟ الشيخ: هذه أشد، إذا كان هذه اللعبة تفتح أذهانهم للربا أو غيره من المحرمات ( ... ). طالب: الصلاة ( ... ) ملعون ( ... ) ( ... ). الشيخ: لأن فيه دعوة للإسلام كعقد أبي بكر رضي الله عنه الرهان على قريش حينما راهنهم على أن الروم ستنتصر على الفرس (7). هذا قالوا: إنه نوع من الجهاد؛ لأن فيه غيظ الأعداء، ويقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أسلموا كان رد عليه غنمه.
طالب: ما يحصل ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1944

الشيخ: لا، الحاصل الآن بأعيانها واضح، لكن لعل الرسول عليه الصلاة والسلام ضربها مثالًا، فكل ما يُستعان به على الجهاد في سبيل الله، أو على إعزاز الدين ورفعة الدين فإنه داخل في هذا؛ لأن المصالح تغمر المفاسد.
طالب: المسابقة على الأقدام.
الشيخ: لا، المسابقة ( ... ) فيها مانع، وإلا ألحقناها بهذه إذا كان فيها مصلحة، لكن المانع أنها تتخذ تجارة، وتلعب كثيرًا؛ لأن ما تتعب الواحد ( ... ) ما شاء الله سبق صاحبه يفرح بهذا ( ... )


الطالب: قال رحمه الله تعالى في باب السَّبْق: ولا بد من تعيين المركوبين واتحادهما والرماة والمسافة بقدْر معتاد، وهي جعالة لكل واحد فسخُها، وتصح المناضلة على مُعيَّنين يُحسنون الرمي.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب السبق، وقد تقدم أن المسابقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ما لا يحل بعوض ولا غيره، وما يحل بعوض وغيره، وما يحل بغير عِوض ولا يحل بعوض، وسبق هذا مفصلًا.
وسبق أنه إذا جازت المعاوضة فلا بد فيها من شروط؛ منها تعيين المركوبين، والصحيح أنه يشترط تعيين المرْكُوبَيْن والراكِبَيْن.
ومنها اتحادهما بأن يكونا من جنس واحد كخيل من نوْع عربي، أو هجين، أو ما أشبه ذلك، فلا يصح بين فرس وحمار؛ وذلك لعدم اتحادهما، ولا بد من تعيين الرماة وهذا حق، لا بد من تعيين الرماة، فيقال: فلان وفلان، ولا بد أيضًا من تعيين المسافة بقدْر معتاد لئلا تخرج المسألة عن المسابقة، لو عيَّن أمدًا بعيدًا لا يمكن الوصول إليه عادة فإنه لا يصح؛ لأن هذا من المتعذِّر أو المتعسِّر.
وهذه الشروط لجواز أخْذ العِوض في المسابقة، أما إذا لم يكن عوض فالأمر واسع، فلو قال شخص لآخر: إن عنده حمارًا جيدًا لا يسبقه الفرس، وقال الآخر: أنا عندي فرس أتحداك، فتسابقا أحدهما على حمار، والثاني على فرس، يجوز أو لا؟ بِلا عِوض يجوز، ما فيه مانع، لكن بعِوض لا بد من الشروط التي ذكرها المؤلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1945

قال: (وهي) أي المسابقة (جعالة لكل واحد فسخُها) يعني أنها ليست من العقود اللازمة، بل هي من العقود الجائزة فهي تُشبه الجعالة.
والجعالة: أن يجعل الإنسان شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا، مثل أن يقول: من ردَّ ضالتي فله ألف ريال، هذه جعالة.
السبْق من هذا الجنس.
وقوله: (لكل واحد) أي: من المتسابِقين (فسخها)، ويُشترط لذلك ألَّا يظهر الفضل لأحدهما، فإن ظهر الفضل لأحدهما فإنه يمتنع على صاحبه أن يفسَخ؛ لئلا يُؤدي إلى التلاعب، فمثلًا إذا كانت الإصابة تسعة من عشرة، ثم إن صاحبه أخذ ثلاثة وهو أخذ خمسة، فلا يجوز لصاحب الثلاثة أن يفسخ، ويجوز لصاحب الخمسة أن يفسخ؛ لأنه ظهر له الفضل.
فإن قال قائل: حتى صاحب الثلاثة ربما يكون مع تكرار المسابقة يقفز، وذاك يتأخر؛ لأن الإصابة مُقدَّرة بكم؟ بتسعة من عشرة؟ والآن ثلاثة من عشرة، وخمسة من عشرة، ربما في المستقبل يقفز صاحب الثلاثة حتى يغلب صاحب الخمسة، فيبقى صاحب الخمسة في مكانه، وذاك يتعلق.
نقول: هذا احتمال وارد، لكن ليس لنا إلا الظاهر، والآن الظاهر الغلبة مع مَنْ في المثال اللي ذكرنا؟ مع صاحب الخمسة، فصاحب الخمسة تبين الآن أن الحق له فيما يظهر، فإن فسخ هو فلا بأس، وإن فسخ المغلوب فليس له ذلك إلا إذا رضي صاحبه.
فقول المؤلف: (لكل واحد فسخها) هذا مُطلق يجب أن يُقيَّد، بماذا؟ ما لم يظهر الفضل لأحدهما، فإن ظهر الفضل لأحدهما فليس للمفضول أن يفسخ إلا برضا صاحبه.
قال: (وتصح المناضَلة) يعني المسابقة في الرمي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1946

(على مُعينين يُحسنون الرمي) يعني لا بد أن يكون الرماة معينين، وسبق في قوله: (وتعيين والرماة) لكن لا بد أن يكونوا يحسنون الرمي؛ لأن من لا يحسن الرمي لا فائدة من رميه، فلا بد أن يُحسنوا الرمي؛ وذلك لأن من لا يحسن الرمي لا فائدة من رميِه، والشارع إنما أجاز المسابقة بعِوض في الرمي؛ من أجل أن يجيد الإنسان الرمي، ويتمرَّن عليه، فإذا كان لا يعرف فإنه لا يصح أن يدخل في المسابقة.
وقوله: (على مُعيَّنين)، هل هذا يدل على اشتراط أن يكونوا ثلاثة فأكثر؟ الجواب: أما على المذهب فنعم؛ لأنه لا بد من اثنين وثالث مُحلِّل، وأما على القول الراجح فيصح أن تكون المناضلة بين اثنين، ثم لا بد من حكم بين الاثنين يكون عارفًا بالسبْق، وتقدير السبق بحيث لا يظلم أحد؛ لأن المتسابقين كالخصمين تمامًا، والخصمان لا بد لهما من حاكم يحكم بينهما.

باب العارية

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب العارِيَّة) ويقال: العارِيَة، سميت بذلك؛ لأنها عارية عن العِوض؛ ولهذا قال: (وهي إباحة نفْع عين تبقى بعد استيفائه) هذه العارية، فالعارية في الأصل بذل الشيء بلا عِوض، على غير وجه التمليك.
وهنا يقول: (هي إباحة نفْع عين تبقى) أي العين (بعد استيفائه) أي: استيفاء النفع.
إباحة ممن؟ من المعِير للمستعِير.
وقوله: (نفع عين تبقى بعد استيفائه) أي: تبقى العين بعد استيفائه، فإن أعاره ما لا يبقى بعد استيفائه فليست عاريَّة ولكنها منحة، مثل أن يعيره تمرًا أو خبزًا أو ما أشبه ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1947

وتصور ذلك أن يكون جاره عنده ضيوف، فيقول: أنا عندي ضيوف يحتاجون إلى أن نُقدِّم لهم طعامًا متنوعًا، فيقول: نعم، أنا عندي طعام متنوع أُعيرك إياه، فيُقال: هذا إذا دلَّت القرينة على أنه لا يريد عوضًا فهو هبة وهدية، وإن دلت القرينة على أنه يريد العِوض فهو بيْع، كأنه يقول: ما أُكِل فهو عليك بكذا بقيمته، وما لم يُؤكل فهو يُرد إليه، وهذا يقع كثيرًا عند أهل المطاعم، يُقدِّمون أطعمة مُتنوِّعة يصفها صاحب البيت أمام الضيوف، فما أُكِل منها فهو بحسابه، وما لم يُؤكل فإنه يَرُدُّه عليه، وهذا -وإن كان فيه نوع من الغرر والجهالة- لكنه يُتسامح فيه عادة، المهم أنه لا بد أن تبقى العين بعد استيفاء المنفعة.
مثال ذلك: الماعون -الإناء- هذا يمكن أن ينتفع به الإنسان مع بقائه، القلم؛ يمكن أن ينتفع به مع بقائه، ولا يضر إذا كان فيه شيء من الحبر؛ لأن هذا يعتبر تبعًا لا يُؤثِّر، وإلا من المعلوم أنه إذا أعطاه قلمًا مملوءًا بالحبر، فسوف يفنى هذا الحبر بالكتابة به، لكن هذا شيء لا يُؤبه له.
السيارة تبقى بعد استيفائه، وما استُهلك من البنزين اللي فيها حين العارية فهو تبع، لا يُقال: إن هذا لا يُنتفع به إلا بعد استهلاكه.
وقوله: (إباحة عين) لا بد أن يكون الْمُبيح جائز التبرع، أو جائز التصرف؟ جائز التبرع؛ بحيث إنه يملك أن يُهدي من ماله، وأن يهب من ماله، وأن يتصدق من ماله، فإن كان غير جائز التبرع لم تصِح منه العاريَّة، كولي اليتيم مثلًا فإنه لا يصح أن يُعير مال اليتيم؛ لأنه لا يصح أن يتبرع به، والإعارة تبرع بالنفع.
نعم، لو فرض أن اليتيم مراهق قريبًا أن يبلغ، وهو يحب البذل والعطاء، واستأذنه في أن يُعير متاعه، ففرح بذلك وسُرَّ به، فهنا نقول: لا بأس أن يُعير متاع هذا اليتيم؛ لأن في هذا إدخال السرور على اليتيم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1948

كما قال العلماء رحمهم الله: إنه يجوز أن يُضحي من مال اليتيم لليتيم؛ لأن اليتيم يفرح بالأضحية، فهنا أعار متاعه لمصلحته؛ لأن بعض الشباب المراهقين يحبون أن يحسنوا إلى الناس فتجدهم يتفانون في خدمة الناس، وفي نفعهم، وفي إعارتهم، يفرحون بهذا، فإذا كان هذا الولي لليتيم يرى أن من إدخال السرور على اليتيم أن يُعير شيئًا من ماله بإذنه فلا بأس.
قال: (وتُباح إعارة كل ذي نفع مباح) (تُباح إعارة) لم يبين المؤلف رحمه الله حُكم العارية بالنسبة للمعير أو للمستعير، وإنما بَيَّنَ حُكم المعار، فنقول: العارية بالنسبة للمستعير جائزة، ولا تُعدُّ من السؤال المذموم لجريان العادة بها، فيجوز للإنسان أن يستعير من أخيه قلمًا، أو ساعة، أو سيارة، أو إناء، أو ما أشبه ذلك، هذا بالنسبة لمن؟ للمستعير.
أما بالنسبة للمعير فإنها سُنَّة على الأصل، وقد تجب أحيانًا، فهي سنة لدخولها في عموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، وهي إحسان بلا شك فتدخل في عموم الآية، وقد تجب أحيانًا، كإعارة شخص رداء يدفع به ضرر البَرْد، فهذه واجبة، فلو طلب منك شخص في برْد شديد أن تُعطيه رداءً يلتحف به وجب عليك أن تقبل، ومن ذلك عند كثير من العلماء إعارة المصاحف؛ لأن المصحف يجب أن يُبذل لمن أراد أن يتعلم به.
ومن ذلك أيضًا إعارة الكتب التي يحتاج إليها الناس فتجب إعارتها، لكن يُشترط في ذلك ضرورة المستعير، وعدم تضرُّر المعِير، فلو قال المعير فيمن طلب منه استعارة مصحف، لو قال: إني لو أعطيت هذا الرجل مصحفًا لأفسده، فإنه لا يجب عليه الإعارة، وكذلك لو قال: إن أعطيته الكتاب أفسده فلا تجب الإعارة؛ لأن فيها ضررًا على مَنْ؟ على المعير.

الجزء: 2 - الصفحة: 1949

ويوجد بعض الناس، الذين يجتهدون وهم مخطئون، إذا استعاروا كتابًا جعل يُعلِّق عليه، والكتاب ليس له، فتجده يملأ الكتاب تعليقًا بين الأسطر وعلى الهوامش وبالحواشي وبالأعالي حتى لا تكاد تقرأ أصل الكتاب، ثم من المؤسف أن تكون هذه الحواشي حواشي ما فيها خير، وربما تكون خطأ، وهذا حرام لا يجوز، لا يجوز للمستعير أن يكتب حرفًا واحدًا في الكتاب المعار أبدًا، حتى لو وجد خطأ ليس له الحق أن يُصحِّحه إلا إذا استأذن من صاحبه؛ وذلك لأنه ربما يظن العبارة خطأ وهي صواب، فلا يحل له أن يتصرف أي تصرُّف في الكتاب الذي استعاره.
إذن العارية بالنسبة للمستعير جائزة، بالنسبة للمعير سُنَّة وقد تجب.
طيب ما الذي يُباح إعارته؟ قال: (تباح إعارة كل ذي نفع مباح) كل عيْن فيها نفع مباح فإن إعارتها مباحة، فشمل ما لا نفع فيه؛ كالديدان، والصراصر، والجعلان، والخنافس، وما أشبه ذلك، هذه لا تُباح إعارتها؛ لماذا؟ ما فيها نفع مقصود.
ولا بد أن يكون النفع مباحًا، فإن كان فيها نفع محرم لم تجز إعارتها؛ كإعارة الطبول، والمعازف، وما أشبهها، فهذه إعارتها محرمة؛ لأن نفعها مُحرَّم، ومن ذلك إعارة مغنية لتغني غناء محرمًا؛ فإن إعارتها محرمة، دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وإعارة ذي النفع الحرام لا شك أنها إعانة على هذا النفع المحرم.
يقول: إلا البُضْع فلا تحل إعارته، كيف البُضع؟ يعني لو جاء شخص لآخر عنده أَمَة، وقال: أعرني بُضْع أَمَتك لمدة خمسة أيام، يجوز؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1950

إلا البُضْعَ وَعَبدًا مسلِمًا لكافرٍ وصَيدًا ونحوَه لِمُحْرِمٍ , وأَمَةً شابَّةً لغيرِ امرأةٍ أو مَحْرَمٍ، ولا أُجرةَ لِمَن أَعارَ حائطًا حتى يَسْقُطَ، ولا يُرَدُّ إن سَقَطَ إلا بإذْنِه، وتُضْمَنُ العَاريَّةُ بقِيمتِها يومَ تلفت - ولو شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِها - وعليه مؤونة رَدِّها، لا الْمُؤَجَّرَةُ، ولا يُعِيرُها، فإن تَلِفَتْ عندَ الثاني اسْتَقَرَّتْ عليه قِيمَتُها، وعلى مُعِيرِها أُجْرَتُها، ويَضْمَنُ أيَّهُما شاءَ، وإن أَرْكَبَ مُنقَطِعًا للثوابِ لم يَضْمَنْ، وإذا قالَ: أُجرتُك.
قالَ: بل أَعَرْتَنِي.
أو بالعكْسِ عَقِبَ العَقْدِ قُبِلَ قولُ مُدَّعِي الإعارَةِ، كإعارة الطبول والمعازف وما أشبهها، فهذه إعارتها محرمة؛ لأن نفعها محرَّم.
ومن ذلك إعارة مغنيِّة لتغني غناءً محرمًا فإن إعارتها محرمة؛ دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وإعارة ذي النفع الحرام لا شك أنها إعانة على هذا النفع المحرم.
يقول: (إلا البُضع) فلا تحلُّ إعارته، كيف البضع؟ يعني: لو جاء شخصٌ لآخر عنده أَمَة وقال: أَعَرْني بُضع أمتك لمدة خمسة أيام، يجوز؟ طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأن هذا حرام؛ يعني: يعيره إياها؛ يزني بها! هذا محرَّم لا إشكال فيه، داخل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
لأن البُضع لا يصح استحلالُه إلا للزوج أو السيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 5 - 7]. (وعبدًا مسلمًا لكافر) لا يجوز أن يعير عبدًا مسلمًا لكافر؛ لأن في ذلك إهانة للمسلم، وإهانة المسلم إهانةٌ لدينه، فلا يجوز أن نعير عبدًا مسلمًا لكافر.

الجزء: 2 - الصفحة: 1951

فظاهر كلام المؤلف: وإن لم يستخدمه استخدامًا مباشرًا؛ مثل أن يقول: أعرني عبدك أجعله في المكتب الفلاني من شركتي، فهنا الكافر ليس له استخدام مباشر لهذا المسلم.
فهل نقول: إن هذا جائز؛ لأن العلة في منع إعارة المسلم للكافر هو أيش؟ هي خوفُ إذلاله، فإذا انتبه هذا بأن قال: والله المكتب الفلاني ما فيه أحد، أعرني مثلًا عبدك يبقى في المكتب حتى يأتي الغائب منه، أو أعرني مثلًا عبدك يبقى حارسًا على هذا المكتب.
فظاهر كلام المؤلف أي: ظاهر عمومه: أنه لا تصح عاريته.
والذي ينبغي أن يقال: أنها تصح عاريته؛ لأن العلة يتبعها الحكم فيثبت بثبوتها وينتفي بانتفائها، وعلى هذا فيستثنى على القول الذي ذكرنا، يستثنى ما إذا لم يكن يريد استخدامه استخدامًا مباشرًا.
(وصيدًا ونحوه لمُحرِم) يعني: ولا يجوز أن يعير صيدًا لمحرم، كيف يعير صيدًا لمحرم؟ يعني: إنسان عنده غزال، والغزال حرام على المحرم، لا يجوز أن تبقى يد المحرم على ملكه إذا كان صيدًا، يعني: على الصيد، ولو كان ملكًا للمحرم لا يجوز أن يبقى تحت يده، فإذا أعار شخصًا ظباءً ليتجمل بها.
مثل إنسان يبغي يمر من عنده شخص له أهميته؛ كأمير أو وزير أو ما أشبه ذلك فيقول: أعرني الظباء التي عندك أجعلها في حوشي من أجل أن ينظر إليها هذا الوزير أو هذا الأمير، فما الحكم؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ العلة، لأنه داخل في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
لو أراد أن يعير شخصًا كلبًا عقورًا، يقول: والله، إن الناس يكثرون عليَّ عند مزرعتي، أعرني كلبك العقور من أجل أن يعقر كلَّ مَنْ مرَّ من حولها، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأن الكلب العقور لا يجوز إبقاء الملك عليه، يجب قتله حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام أذن لقتله في الحلِّ والحرم، كما في الحديث الصحيح: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ» (1) وذكر منهن الكلب العقور.

الجزء: 2 - الصفحة: 1952

الثالث قال: (وأَمَةً شابة لغير امرأة أو مَحْرَم) الأمة الشابة أيضًا لا تجوز إعارتها لرجل، إلا أن يكون مَحْرَمًا، فلو كان شخص عنده أمة شابة مملوكة ولها أخ، فقال أخوها: أعرني أختي؛ لأني سيأتيني ضيوف، وأحتاج إلى مساعدة الأهل بها، يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأنه مَحْرَم مأمون عليها.
استعارتها امرأة، يعني: إنسان له جارة أتاها ضيوف، فطلبت منه أن يعيرها أمته، يجوز أو لا؟ يجوز.
لأن المرأة على المرأة مأمونة، هذا الأصل، والنادر لا حكم له، لا في هذا ولا في المحرم، حتى المحرم أحيانًا يغويه الشيطان فيفعل الفاحشة في محارمه، لكن الكلام على الأصل الغالب.
وقوله: (أَمَة شابة) فُهم منه أنه لو كانت غير شابة ولو جميلة فإنه يجوز أن تُعار لرجل ولو لم يكن مَحرمًا أليس كذلك؟ المرأة غير الشابة تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن تكون جميلة، يعني: امرأة لها خمسون سنة لكنها جميلة، إذا رأيتها ظننت أنها من ذوات العشرين، فهذه لا يجوز أن تعار لرجل مطلقًا؛ لأن الفتنة حاصلة بذلك.
امرأة ليست شابة، لكنها وسط في جمالها هذه أيضًا لا تعار لرجل غير مَحْرم؛ لأن مفسدة إعارتها أكثر وأغلب من السلامة.
القسم الثالث: امرأة غير شابة وهي قبيحة، فهل يجوز أن نعيرها لرجل غير محرم؟ ظاهر كلام المؤلف أنه يجوز، ولكن في إطلاقه نظرًا، فيقال: إعارتها لشاب أعزب ولو كانت عجوزًا شوهاء، أليس فيها خطر؟ الطلبة: بلى.
الشيخ: فيها خطر، وداخلة في عموم الحديث: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ» (2) وكما قيل: لكل ساقطة لاقط، يمكن هذا العجوز الشوهاء لا يختارها من تقدمت به السن لكنه شاب يبغي يبقى عندها ليلة ويوم أو ثلاثة أيام وأكثر ربما يدب به الشهوة ويحصل الضرر.
ثم على فرض أن المسألة ما فيها شهوة، ويعير عجوزًا لشيخ كبير، فيه شيء آخر وهو الخلوة غالبًا، فيحرم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1953

فالصواب في هذه المسألة أنه لا تجوز إعارة أمة لرجل غير مَحْرم مطلقًا، حتى ولو كانت عجوزًا لشيخ كبير.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم ما الفرق بين ( ... )؟ الشيخ: لا، ليس هناك فرق بين.
طالب: لو أعاره مباشرة إلى المستعير ( ... ) قال له مثلًا: لا تعطِ ( ... ) لم يحصل ضرر، له ذلك؟ الشيخ: هذا السؤال بيأتي في كلام المؤلف بالضبط.
طالب: شيخ، لو استعرت كتابًا من شخص أو وقع في يدي أو من المسجد مثلًا، وأعلم أن الشخص أو المسجد أو المكان لا يعلمون أنه كتاب بدعة، في هذا الكتاب بدعة شديدة، فيه خطأ بالكتاب فلازم التبيين عليهم، وقد لا يقال للشخص: إن جاء الكتاب عن طريق أخر وتحدث أمور من هذه، فأردت يعني: ضرورة التنبيه على هذا الأمر، فكتبت فيه أو عليه؟ الشيخ: إي نعم، ما يخالف، استأذنْ من صاحبه.
الطالب: ممكن يكون للمسجد مثلًا أو متروكًا للمسجد .. الشيخ: بلغ الرقابة، المسؤولين عن المسجد، أما أن تصرف، ما يمكن أبدًا.
الطالب: مهما كان الخطأ في الكتاب؟ الشيخ: مهما كان الخطأ، لكن هناك خطأ لا يمكن إقراره، بلغ الجهة المسؤولة إذا كان له جهة أو الشخص المعين.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الآن بعد تغير الأعراف، صارت العارية كثير من الأحيان مكروهة عند المعيرين، يستثقلونها، فما العمل بالنسبة للذين يستعيرون؟ الشيخ: العمل ألا يستعيرون، ويكون الذم على أولئك الآخرين الذين يكرهون العارية فيُخشَى أن يدخلوا في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7].
طالب: إذا استعار رجل أمة لكنها ( ... ) تحت تصرفه مباشرة، فهل تكون عند أهله أو غير ذلك، هل نقول: فيما لو استأجر .. الشيخ: فلا بأس هذه إذا كان يريد أن يستأجر أمة تعمل في غير بيته، فينظر البيت الثاني هذا، هل هو محل أمان أو لا؟ الحكم يدور مع علته.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، مسألة مَنْ طلب استعارة غزال يراه أمير أو وزير فأين يكون التعاون على الإثم والعدوان؟ قلنا: إنه لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1954

الشيخ: إي، هذا إذا كان المستعير محرمًا، المحرم ما يجوز أن يستولي على الصيد أبدًا، ما هو مطلقًا، فهمت؟ طالب: في بعض الأماكن -يا شيخ- يجتمعون على سباق للخيول، ثم يأتي شخص مثلًا ويضع مئة ألف ( ... ) ثمن الخيل الذي يفوز، للخيل الفائز، ثم تتسابق الخيول، الذي يفوز يكون هذا ثمن له، هل هذا يجوز؟ الشيخ: شو هذا؟ الطالب: مثلًا ثلاث خيول تجري، السابق من هذه الخيول يكون ثمنه مئة ألف مدفوعًا مقدمًا ( ... ). الشيخ: ولمن يكون الفرس؟ الطالب: لأشخاص معينين، مثلًا شخص يريد أن يبيع الفرس فيتسابق .. الشيخ: لكن الفرس اللي دفع المئة ولا .. ؟ الطالب: لا غير اللي دفع المئة، شخص آخر.
الشيخ: لا شيء يقيد هذا.
الطالب: يكون الفرس الذي يفوز، يسبق أحسن الخيول فقيمته مئة ألف أشتريه .. الشيخ: اللي هو المشتري؟ الطالب: يقول المشتري: نعم، ولكن ما عين، الفائز.
الشيخ: ما هي مشكلة، هذه مثل ما لو قلت لي مثلًا: إن قيمته خمسين ألف ( ... )، صار خمسين ألفًا قيمة الفرس حقيقة ومئة وخمسين ألفًا سبق.
الطالب: غير معين، يا شيخ؟ الشيخ: إي، ما مهم، معين بالوصف، هذا معين بالوصف.
طالب: أحسن الله إليكم، عندنا في الحاشية، إجارة العبد المسلم للكافر يقول: يحرُم إجارته له، فإن أعاره أو أجَّره لعمل في الذمة غير الخدمة صح كما تقدم في الإجارة.
الشيخ: هذا ما ذكرناه.
الطالب: ما تبين .. الشيخ: لا، ذكرناه قلنا: إذا استعاره ليعمل مثلًا في دكان بعيد عن الاستخدام المباشر فهذا لا بأس به؛ لأنه ليس فيه إذلال للمسلم.

طالب: الجعالة الآن على المسابقة في الخيول وغيرها توضع لصاحب الفرس، وليس لراكبه.
الشيخ: إي نعم، الظاهر أن بين الراكب وصاحب الفرس يعني: مالك الفرس، بينهم اتفاق على هذا.
الطالب: ( ... ) شاب صغير ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1955

الشيخ: هو في الحقيقة السبق للفرس، يعني: هذا الصغير ما عنده تصريف إلى ذاك، ما عنده إلا السوط إذا شافه بيتأخر اضربوه حتى يندفع، وبعضهم متعلم ما فيه شك.
الطالب: ما فيه إشكال؟ الشيخ: لا ما فيه إشكال، ما دام أن هذا معروف عندهم من هذا الفرس ومن هذا العمل، تشبه المضاربة.
طالب: ( ... ). الشيخ: إلا، المقصود تدرب الفرس والراكب، وكلاهما حاصل لكن لولا الفرس ما سبق الراكب.
طالب: رضي الله عنك يا شيخ، شيخ ( ... ) أكثر الناس ما ( ... ) مثل العارية هذه

الشيخ: يعني: تقول: لا يعير العجوز للشاب مطلقًا؟ الطالب: نعم للشاب مطلقًا.
الشيخ: هذا أنا أوافقك عليه من قبل.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، المسابقة في العلم، المسابقة في بحث المسائل العلمية؟ الشيخ: إي، المذهب: لا يجوز، واختار شيخ الإسلام رحمه الله: أن العلم الذي يستعان به على إقامة الدين؛ كالعلم الشرعي وعلم الصناعات التي يستعان بها على إقامة الدين لا بأس بها، وما ذكره رحمه الله صحيح، لكن مشكلتنا في مسألة العلم في مسائل الشرع أن بعض الناس لا يسابق إلا من أجل العوض لا من أجل الوصول إلى الحق، وعندي في هذا نظر ( ... ).


طالب: يصح على الأقدام وسائر الحيوانات والسفن والمزاريق، ولا يصح بعوض إلا في إبل وخيل وسهام، ولا بد من تعيين المركوبين واتحادهما والرماة، والمسافة بقدر معتاد، وهي جعالة، لكل واحد فسخها، وتصح المناضلة على معينين يحسنون الرمي.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما الفرق بين السبْق بسكون الباء، والسبَق بفتحها؟ طالب: السبْق المسابقة.
الشيخ: لا، غلط.
طالب: السبْق فوز ( ... ). الشيخ: إي، يعني: أن يتقدم على غيره ويسبقه.
الطالب: والسبَق هو العوض.
الشيخ: هو العوض، أحسنت.
إذن لا سبَق إلا في نصل أو خفٍّ أو حافر، ولا سبْق؟ طلبة: لا سبَق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1956

الشيخ: لا سبَق، نعم صحيح ذكرنا أن السبق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ما لا يصح مطلقًا، وما يصح بعوض وبغيره، وما لا يصح إلا بغير عوض.
الأول: ما لا تصح المسابقة فيه مطلقًا؟ طالب: وهو المحرَّم.
الشيخ: وهو المحرم مثل؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: المسابقة على ظلم الناس وأخذ أموالهم، وكانوا في البادية يفتخرون أيهم يعدو على القوم فيسلبهم، هذا واحد.
الثاني: ما يجوز بعوض وبغيره؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا.
طالب: ( ... ). الشيخ: الإبل والخيل، ويش الثالث؟ ما هو الثالث؟ الطالب: السهام.
الشيخ: السهام، ما هو الدليل؟ طالب: الدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ نَصْلٍ أَوْ حَافِرٍ» (3). الشيخ: ما هي الحكمة من استثناء هذه الثلاثة؟ طالب: لما فيها من ( ... ). الشيخ: أحسنت.
هل يؤخذ من هذه العلة أن كل ما يُعِين على الجهاد في سبيل الله يكون جائزًا بعوض؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم يؤخذ.
الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، أنتم تعلمون أن إلحاق الشيء بنظيره إذا كانت العلة مستنبطة ضعيفة، لكننا إذا نظرنا إلى الدين الإسلامي من حيث العموم نجد أن المصالح مقدمة على المفاسد إذا كانت أعظم منها فائدة.
طالب: ( ... ). الشيخ: أيهم، نعم هذا الراجح.
هل تجوز المسابقة في العلوم؟ طالب: في العلوم؟ إن كانت هذه العلوم شرعية أو ما يعين على الجهاد في سبيل الله فتجوز المسابقة عليها.
الشيخ: إذا كانت شرعية فتجوز.
الطالب: وكذلك إذا كانت تعين على الجهاد كعلوم الصناعات الحربية.
الشيخ: نعم، هذا هو القول الراجح، المذهب: ما يجوز إلا في الثلاثة فقط.
هل هناك مثلًا دليل أو تعليل على هذا؟ العلة: الدين الإسلامي قام بالسيف وبالعلم، أليس كذلك؟ بالدعوة والعلم، فإذا كان يجوز المراهنة على ما قام به من السيف ونحوه يجوز أيضًا على قام به من العلم.
نحن قيدنا هذا الإطلاق الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1957

طالب: ( ... ) يطلب الناس علم الدين، فإذا علمنا أنه ( ... ). الشيخ: يعني: إذا كان الإنسان قصده بالمسابقة الحصول على المال فقط، لا الوصول إلى الحكم الشرعي، فهنا ينبغي أن يُمنَع، وقد يقال بعدم المنع؛ لأن بعض العلماء يقول: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله.
قال أحد المتسابقين على الخيل: نتسابق على فرسي الذي في البيت وفرسك الذي في المزرعة، يجوز؟ طالب: لا.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، هو عيَّن؛ قال: فرسي الذي في البيت، هو ما قال: فرس من خيولي، قال: فرسي الذي في البيت.
طالب: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه مُعيَّن، لكنه معين بالوصف لا بالعين، كذا؟ إذا قال: أسابقك على فرس من خيولي؟ والثاني قال: أسابقك على جمل من إبلي؟ طالب: ما يصح يا شيخ.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه مجهول.
الشيخ: مجهول.
إذا قال: أسابقك على هذا الفرس، وأنت تسابقني على هذا الجمل؟ الطالب: هذا مُعيَّن يا شيخ.
الشيخ: جائز؟ الطالب: أقول: معين .. الشيخ: إي معيَّن بيكون جائزًا، ما دام قلنا: العلة في الأول عدم التعيين، الآن عيَّنّا.
الطالب: نعم، جائز.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: شخصه بعينه.
الشيخ: شخص بعينه.
قال: هذا الجمل وهذا الحصان.
الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، يعني: عدلت عن الأول.
الطالب: إي، إذا اختلف الجنس.
الشيخ: توافقون على هذا؟ صحيح.
هل يشترط تعيين الراكبين على ما مشى عليه المؤلف؟ أنت قرأت قبل قليل: (ولا بد من تعيين المركوبين).
طالب: ليس على رأي المؤلف، لا، على القول الراجح.
الشيخ: الآن أقول: على رأي المؤلف، هل يُشترَط تعيين راكبينِ أو لا؟ الطالب: لا يشترط.
الشيخ: لا يشترط، والقول الثاني؟ الطالب: يشترط.
الشيخ: يشترط، وهذا القول هو الصحيح وهو المتعيَّن؛ لأنا ذكرنا لكم أن السبق والجري يختلف باختلاف الراكب.
شخصان لم يعرفا الرمي، لكنهما خاطرا وتسابقا في الرمي، يجوز أو لا؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1958

الطالب: ( ... ) ما عنده خلفية.
الشيخ: كلهم ما عندهم خلفية، لكن قالوا: نبغي نخاطر، كلهم ما يعرفون.
الطالب: ما يجوز.
الشيخ: كيف ما تقول؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لأن المؤلف قال: (يحسن الرمي) ولكن العلة لأن مَنْ لا يحسن لا يُستفاد من مسابقته، يتعلم أولًا ثم يسابق ثانية.
المسافة قدَّرها الفقهاء رحمهم الله بثلاث مئة ذراع، فهل نقول: لا تجوز المسابقة على ما فوق ذلك؟ طالب: لا نقول بهذا.
الشيخ: لا؟ الطالب: لأنه تغيَّرت الأزمنة؛ في الوقت هذا قد يتسابق الناس على ما حدث من الأسلحة مثلًا لأكثر من هذه المسافة.
الشيخ: يعني: كان قوة السلاح فيما سبق على قوة الرامي به؟ الطالب: نعم.
الشيخ: أما الآن فالقوة في السلاح نفسه، هل هناك سلاح يصيب أكثر من ثلاث مئة ذراع، الآن؟ الطالب: نعم.
الشيخ: متأكد؟ الطالب: إن شاء الله.
الشيخ: صحيح هذا؟ طلبة: نعم يا شيخ.
الشيخ: إي نعم.
أقول: يمكن الآن.
طالب: ثلاث مئة كيلو.
الشيخ: إي نعم، يمكن ثلاث مئة كيلو، ويحدد الهدف.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب العارية: ولا أُجرة لمن أعار حائطًا حتى يسقط .. الشيخ: فيه مسابقات حكاها لي بعض الناس يتسابقون بالساعات، يجعل ساعته إلى جنب الساعة الثانية، واللي توقفها الثانية يكون صاحبها غالبًا، سمعتم عن هذا؟ طلبة: صحيح.
طلبة آخرون: ما سمعنا.
طالب: الساعات التي تُعبَّى.
الشيخ: إي، يحط واحدة جنب الثاني، هذه توقف صاحبتها، يكون صاحبها غالبًا، هل تجوز بعوض أو لا تجوز؟ طلبة: لا تجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1959

الشيخ: لا تجوز بعوض، لكنهم يستعملونها، وأسمع أنهم يستعملونها بعوض؛ يقول: إذا وقفت ساعتي ساعتك أخذت ساعتك؛ لأني أنا غلبت، ولهم أشياء كثيرة من هذا النوع، كل هذه لا تجوز بعوض، أما بغير بعوض فلا بأس؛ لأن هذه من باب المغالبة المباحة.
الطالب: قال رحمه الله تعالى: ولا أجرة لمن أعار حائطًا حتى يسقط، ولا يُرَدُّ إن سقط إلا بإذنه.
وتضمن العارية بقيمتها يوم تلفت، ولو شرط نفي ضمانها، وعليه مؤونة ردها إلا المؤجرة، ولا يُعيرها فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتُها، وعلى معيرها أُجرتُها ويضمن أيهما شاء، وإن أركب منقطعًا للثواب لم يضمن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا الكلام على العارية من حيث الحكم الشرعي التكليفي، فما حكمها بالنسبة للمعير وبالنسبة للمستعير؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم، بالنسبة للمستعير جائزة، وبالنسبة للمعير مستحبة لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. هل يمكن أن نقول بوجوب العارية؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا يمكن.
يمكن، كيف؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: يعني: إذا ترتب عليها إنقاذ معصوم من هلكة، فإنه في هذه الحال تجب؛ لوجوب إنقاذه، هذا الضابط وما ذكرناه بالأمس أو في الدرس الماضي فإنما هو صورة فقط، إنسان مضطر إلى لحاف في ليلة باردة يجب أن يُعار، لكن الضابط متى توقف إنقاذ المعصوم عليها صارت واجبة.
هل تجب إعارة الكتب؟ طالب: ( ... ) الشرع يا شيخ ( ... ). الشيخ: يعني: فيه تفصيل؟ التفصيل هو؟ الطالب: التفصيل ( ... ). الشيخ: ما يُكتفى أن يعلِّمَه بما في الكتاب؟ الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1960

الشيخ: ماذا تقولون؟ توافقون على هذا؟ يعني: متى توقف الوجوب -وجوب نشر العلم على الإعارة- صارت واجبة، اشتراطنا في هذا النوع، يعني: في إعارة الكتاب، وإعارة السلاح وغيره اشترطنا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: تمام، ضرورة المستعير، والثاني عدم تضرر المعير.
ما معنى قول المؤلف رحمه الله: (إلا البُضع)؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ويش معنى: إلا البضع؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: يعني: صورة المسألة؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: امرأة شابة.
الشيخ: امرأة شابة، فقال .. الطالب: ( ... ). الشيخ: وإن كان غير شاب؛ يعني: معناه إنسان طلب أن يُعار أمة للاستمتاع بها، فهذا لا يجوز، الدليل؟ طالب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا﴾ .. الطالب: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 6، 7]. الشيخ: أحسنت.
لماذا لا تجوز إعارة المسلم للكافر؟ طالب: لما فيها من ( ... ) لأن المسلم.
الشيخ: لأن في ذلك إذلالًا للمسلم.
وهل بناء على هذا التعليل هل يمكن أن نفصل في القول؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو التفصيل؟ الطالب: ( ... ) مباشرتها.
الشيخ: يعني: إذا كان لمباشرة خدمته منعناه؛ لأن في ذلك إذلالًا له، أما إذا كان مثلًا شركة يرأسها كافر، وطلب أن يعيره عبدًا مسلمًا في فروعها البعيدة عنه، فهذا لا بأس به.
كيف إعارة الصيد للمُحرِم، المؤلف يقول: (صيد المحرم) كيف هذا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: أكله يكون هبة.
الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، يعني: إنسان مُحرم طلب من شخص حلال عنده ظباء أن يعيره هذا الظباء أن يجعله في حوشه من أجل إذا مر به أحد افتخر به، هذا لا يجوز، لماذا؟ طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 1961

الشيخ: نعم؛ لأن المحرم يلزمه إزالة يده المشاهدة عن الصيد.
هذا رجل عنده أمة كبيرة في السن، أعارها لشاب، ماذا تقول؟ الطالب: على قول المؤلف: يحوز (وأَمَة شابة لغير امرأة)، ورجحنا أنه لا يجوز.
الشيخ: أنه لا يجوز.
الطالب: لأنه يُخشى منها الفتنة، ولأنه يخلو بها.
الشيخ: لا شك إن فيه فتنة عظيمة، حتى وإن كانت هي عجوزًا.
قال المؤلف رحمه الله: (ولا أجرة لمن أعار حائطًا حتى يسقط) قوله: (لا أجرة لمن أعار حائطًا) صورة المسألة أن يكون شخص له جار واحتاج أن ينتفع بجدار جاره، فأعاره إياه وبنى عليه الجار، ثم إنه طلب –أي: صاحب الجدار- من الجار، طلب منه أجرة بعد أن أعاره، يقول المؤلف: ليس له أجرة (حتى يسقط)، إذا سقط ثم أنشأ جدارًا جديدًا فلا بأس أن يطلب الأجرة، فهمتم الصورة تمامًا.
إنسان له جار، والجار هذا له جدار خاص به فطلب من جاره أن يضع خشبًا على هذا الجدار عارية فأعاره إياه، ثم طلب منه الأجرة بعد أن وضع الخشب على الجدار، نقول: لا، ليس له أجرة، إلى متى؟ إلى أن يسقط الجدار، أو يرفع الطالب يرفع مثلًا خشبه، ثم يريد إعادته مرة ثانية فله طلب الأجرة.
وهذا الكلام من المؤلف مقيد بما إذا لم يجب تمكين الجار من وضع الخشب على الجدار، فإن وجب تمكين الجار من وضع الخشب على الجدار فإنه ليس له حق في طلب الأجرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِسَ خَشَبَهُ -أَوْ قَالَ: خَشَبَةً- عَلَى جِدَارِهِ» (4) قال أبو هريرة حين كان أميرًا على المدينة قال: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لَأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم.
أَرْمِيَنَّ بها: أي: بالخشب؛ يعني: إن لم تضعوها على الجدار أضعها على أكتافكم، فصار كلام المؤلف هنا مقيدًا بماذا؟ بما إذا لم يجب تمكين الجار من الانتفاع بالجدار، فإن وجب فإنه لا يجوز له طلب الأجرة؛ لأن هذا أمر واجب عليه، والأمر الواجب ليس له أجرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1962

وقوله: (حتى يسقط) متعلقة بأيش؟ بـ (أعار) ولَّا بقوله: (لا أجرة)؟ طلبة: (لا أجرة).
الشيخ: (لا أجرة) له (حتى يسقط)، فإن سقط فهل له طلب الأجرة عما مضى؟ لا، لكن له أن يمنع إذا سقط الجدار ثم أقامه له أن يمنع جاره من الانتفاع به إلا بأجرة، وهذا مقيد بأيش؟ بما إذا لم يجب تمكين الجار من وضع الخشب على الجدار.
قال: (ولا يُرَدُّ إن سقط إلا بإذنه) يعني أن الحائط إذا سقط فإنه لا يُرَدُّ إلا بإذن صاحب الجدار، يعني: لا يقول الجار قد أذن لي سابقًا، والإذن ينسحب على الجدار الأول وعلى الجدار الثاني، نقول: لا، الجدار الأول ذهب وسقط، ولا يمكن الانتفاع به، فإذا أنشأ الجدار من جديد، لا بد أن تجدد الاستئذان.
فإذا قال: الأصل بقاء الإذن.
قلنا: ليس كذلك، الأصل بقاء الإذن لو أن خشبك انسلح من الجدار، أو ما أشبه ذلك ثم أعدته على الجدار الباقي، ربما يقال هذا، أن الأصل بقاء الإذن.
أما إذا انهدم الجدار، ثم جدَّده مالكه، فإنه لا يمكن أن ترد ما كنت معارًا له من قبل إلا بإذنه، (ولا يُرَد إن سقط إلا بإذنه).
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وتضمن العارية بقيمتها يوم تلفت) (تضمن العارية) مَنِ الضامن؟ طلبة: المستعير.
الشيخ: المستعير.

الجزء: 2 - الصفحة: 1963

(بقيمتها) يعني: بقيمتها إن كانت مُتقوَّمة، وبمثلها إن كانت مثليَّة فالتعبير هنا (بقيمتها) فيه قصور وكان الواجب أن يقول: وتضمن العارية ببدلها يوم تلفت؛ لأنه إذا قال: ببدلها فالبدل يشمل القيمة والمثل، والقاعدة عندنا في ضمان المتلفات: أن المثليَّ يُضْمَن بمثله، والمُتَقَوَّم يُضْمَن بقيمته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» (5) في قصة معروفة، القصة هي أنه كان عند إحدى زوجاته فأرسلت الزوجة الأخرى أرسلت خادمها بطعام وصحفة، دخل الخادم بالطعام والصحفة على الرسول صلى الله عليه وسلم في منزل الضرة فغارت، أصابتها الغيرة فضربت بيد الخادم حتى سقطت الصحفة وانكسرت، فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام طعام المرأة التي هو عندها وصحفتها وأعطاها الخادم، وقال: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ».
هنا ضمن بأيش؟ ضمن بالمثل، يعني: هذا مثل.
لكن الإعتاق لما بَيَّن الرسول أن من أعتق شركًا له في عبد سرى عتقه إلى نصيب شركائه.
قال: «وَقُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ» (6) فأوجب القيمة، لماذا؟ لأنه ليس مثليًّا، يتعذر تحصيل المثل هذا، فهو متقوَّم.
فالحاصل أن القاعدة في الضمانات أن المثليَّ يُضْمَن بمثله، والمتقوَّم يضمن بقيمته.
والدليل: ما سمعتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال للإناء وللطعام: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» فأوجب الضمان بالمثل، وقال في العبد إذا أعتقه أحد الشركاء وصار العتق إلى بقيَّتِه، قال: إنه يقوم على المعتق، ويضمن لشركائه بالقيمة، وهذه قاعدة شرعية مشى عليها الفقهاء رحمهم الله.
إذن إذا أردنا أن نحرر العبارة في كلام المؤلف، نقول: تضمن العارية ببدلها يوم تلفت إن كان مثلية فبالمثل، وإن كانت متقوَّمة فبالقيمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1964

لكن إذا كانت مثليَّة واضحة، سيؤدي المستعير مثلها، قلَّتِ القيمة أو نقصت، لكن إذا كانت مُتَقَوَّمة، وكانت حين الإعارة تساوي مئة، وحين التلف تساوي خمسين، فهل يضمنها بمئة أو بخمسين؟ يقول المؤلف: (بقيمتها يوم تلفت) فإذا كانت قيمتها حين الاستعارة مئة، وعند التلف القيمة خمسون، كم يضمن؟ يضمن خمسين، صريح كلام المؤلف (بقيمتها يوم تلفت) فيضمن الخمسين، لماذا؟ لأن العارية كانت على ملك من؟ الطلبة: صاحبها.
الشيخ: على ملك صاحبها؛ له غنمها وعليه غرمها حتى تلفت فإذا تلفت نظرنا قيمتها يوم التلف وضمَّناها المستعير.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- أول الكلام ما فهمته.
الشيخ: أيهم؟ الطالب: (ولا أُجرةَ لمن أعار حائطًا حتى يسقط)، ما فهمته؟ الشيخ: ما فهمت؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لك جارٌ وله جدار خاص به ليس مشتركًا بينكما، وقلت: أعرني إياه؛ سأضع عليه سقفًا، فأعارك إياه في أثناء هذا قال: أريد أجرة وإلَّا ارفع السقف وإلا يبقى بأجرة، يقول المؤلف: لا أجرة له، لكن لو سقط الجدار سواء سقط لعيبه أو سقط بفعل صاحبه؛ هدمه، ثم أعاده فإن المستعير لا يرد سقطه إلا بإذن جديد.
طالب: بارك الله فيك، إذا كان سببُ سقوط الجدار الخشبَ الذي وُضِعَ عليه، فهل يضمنه المستعير؟ الشيخ: إذا كان سقوط الجدار بسبب الخشب الموضوع، إذا كان صاحب الجدار يعلم فليس له الحق، لكن يعلم أن هذا الخشب ثقيل لا بد أن يُسقِط الجدار فليس له الحق، أما إذا كان لا يعلم فله الحق.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لمدة الإعارة يا شيخ.
الشيخ: الإعارة يجوز توقيتها؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لعله يأتي في كلام المؤلف.
الطالب: يا شيخ، ما ذكرها المؤلف.
الشيخ: ربما يذكرها.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- ما الدليل على تضمين الإعارة مطلقًا؟ الشيخ: ما وصلنا لها، المؤلف يقول: (ولو شرط نفي ضمانها)، سيتبين.

الجزء: 2 - الصفحة: 1965

طالب: بارك الله فيكم، قوله: (ولا يُرَدُّ إن سقط إلا بإذنه) قد يكون بين الجيران حيط موجودة ( ... ) فهل مثل هذا إذن عرفي؟ الشيخ: إذا كان العرف قد جرى بأنه إذا سقط ثم أعاده يبقى حق الثاني في وضع الخشب، فلا حاجة، يكفي الإذن العرفي، كذلك إذا كان يعرف أنه يُجِلُّ عليه وأن ذاك يفرح أن يقضي الإذن فلا بأس، المهم الإذن يعني السماح.
طالب: لو باع البيت؟ الشيخ: مَن؟ الطالب: هذا الرجل الذي أذن في وقوع الخشب، فاشتراه رجال وقال: زِلْهُ.
الشيخ: ما يزيله، كما لو باع البيت المؤجَر ما تنفسخ الإجارة.
طالب: أحسن الله إليك، ما المقصود بالخشب الذي في الحديث؟ الشيخ: خشب السقف.
الطالب: وليس الخشب أي بناء؛ كخشب الجراجات مثلًا.
الشيخ: أي خشب يحتاجه .. الطالب: يعني: إذا البناء كان جراجًا.
الشيخ: سواء جراجًا ولا حجرة ولا غيره؛ لأن هذا يفيد الجدار في الواقع، لأن هذا السقف الذي يكون على الجدار يفيده، يمنعه من الأمطار ويمنعه من الشمس والرياح.
الطالب: وليس مختصًا ببيت الجار؟ الشيخ: كيف، ما يمكن إلا أن يبنيها الجار.
الطالب: يعني: لو أن هذا جار ملتزم ببناء بيته بهذا الخشب ( ... ). الشيخ: أبدًا، سواء ليسكنه أو ليضع فيه متاعه أو ليجعله مخزنًا.
طالب: أحسن الله إليكم، لم يتبين كون الجدار عارية ولَّا يكون هبة، قلنا: السقف إذا بنى البيت لا يمكن أن .. ؟ الشيخ: إذا كان هبة -بارك الله فيك- مَلَكَه الموهوب له، مَلَك عينه، وإذا كان عارية مَلَك الانتفاع به فقط.
طالب: أحسن الله إليكم، قلنا في قول المؤلف: (حتى يسقط) مقيد بما إذا لم يجب تمكينه، كما في حديث أبي هريرة، فمتى يجب تمكينه؟ الشيخ: يجب تمكينه إذا كان جاره محتاجًا إلى وضع الخشب، ولا ضرر على الجدار، بعضهم يقول: وشرط ثالث؛ ألا يمكن التسقيف إلا به، فإن أمكن بأن يضع أعمدة يكتفي بها عن الجدار، فإنه لا يجب، والصواب: أنه ليس بشرط؛ الشرط: الحاجة وعدم الضرر فقط.
طالب: ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1966

الشيخ: مسؤول عنه توًّا، سأل عنه الأخ، ما له حق، لا يأخذ زيادة أجرة، ولا أجرة في العارية.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: إذا علمنا أنه من أجل الإضرار بجاره منعناه، وإذا كنا نعلم أنه لمقصود، فهو ملكه، لكن في مثل هذه الحال، يعني: ينبغي إذا علمنا أن الضرر ضررٌ بالغ على الذي وضع الخشب ينبغي أن نصلح بينهما؛ لأنه قد يكون الضرر بالغًا، ويكون مقصود صاحب الجدار شيئًا يسيرًا.
فالمسألة: إما أن نعلم أنه من أجل الإضرار به فهنا نمنعه، مثلما قال عمر رضي الله عنه محمد بن مسلمة مع صاحبه الذي أراد يعبر الماء من شطر ملكه إلى شطر ملكه وبينهما ملك آخر، فمنعه فقال عمر: لَأُجْرِيَنَّهُ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ (7)؛ لأن جريان الماء مع ملك هذا مصلحة له يغرس عليه ويزرع عليه وينتفع به ما حوله من أشجار.
فنحن نقول: إذا علمنا أن الرجل هذا الذي أراد أن يهدم جداره المعار أنه أراد الإضرار، أو أراد أن يتوصل بذلك إلى ضرب أجرة على صاحب الخشب؛ منعناه.
أما إذا كان لمصلحة بينة فالحق له، إن كانت المصلحة يسيرة وذاك يتضرر وضعه الخشب فهنا ينبغي أن يتدخل أهل الخير من أجل الإصلاح بينهما ( ... ).


طالب: وتُضْمَن العارية بقيمتها يوم تلفت، ولو شرط نفي ضمانها، وعليه مؤونة ردِّها، لا المؤجرة، ولا يعيرها فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها، وعلى معيرها أجرتها، ويضمن أيهما شاء وإن أركب منقطعًا للثواب لم يضمن .. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (تُضْمَن العارية بقيمتها يوم تلفت).
(تُضمن) يعني: يضمنها المستعير.
(بقيمتها) يعني: إن كانت متقومة، وبمثلها إن كانت مثلية.

الجزء: 2 - الصفحة: 1967

والمتقوم الفرق بينه وبين المثلي أن المثلي ضابطه عند الفقهاء كل مكيل أو موزون ليس فيه صناعة مباحة يصح السلم فيه، هذا المثلي عندهم؛ كل مكيل أو موزون ليس فيه صناعة مباحة يَصِحُّ السلم فيه، وهذا الضابط يضيِّق المثليات تضييقًا بالغًا؛ فإن قولهم: كل مكيل أو موزون يخرج به ما سواهما مع أن الحيوان يمكن أن يكون مثليًّا، والمعدود يمكن أن يكون مثليًّا والمزروع يكون مثليًّا، وما أشبه ذلك، لكن هم يخصونه بالمكيل والموزون.
الشرط الثاني: ليس فيه صناعة مباحة، فإن كان فيه صناعة مباحة فإنه يخرج عن كونه مثليًّا؛ فالبُر إذا طبخ وكان طعامًا خرج عن كونه مثليًّا مع أن أصله مكيل، وكذلك أيضًا الأواني ليست مثليَّة، مع أن أصلها موزون.
وأما قولهم: (مباحة) احترازًا من الصناعة المحرمة؛ لأن الصناعة المحرمة وجودها كالعدم، وأما قولهم: يصح السلم فيه، فهذا أيضًا شدَّد التضييق احترازًا مما كان مكيلًا أو موزونًا، لكنه يختلف ولا ينضبط بالصفة فإنه لا يكون مثليًّا.
والصحيح أن المثليَّ ما كان له مثيل مطابق أو مقارب تقاربًا كثيرًا، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزوجته التي كسرت الإناء وأفسدت الطعام، قال: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» (5)، ولم يضمنها بالقيمة، ثم إننا نقول: الصناعة الآن تتقدم ومن المعلوم أن الفناجين مثلًا من الزجاج مصنوعة وهي مثليَّة أو لا؟ مثليَّة قطعًا، مماثلة الفنجان للفنجان أشد من مماثلة صاع البر لصاع البر، وهذا أمر معلوم، الحليُّ مثلًا، الأقلام، الساعات، كل هذه مثلية، وهي على حدِّ الفقهاء ليست مثلية.
فالصواب إذن أن المثليَّ ما كان له مماثل أو مقارب مقاربة تامة.
على كل حال إذا استعار إناء ثم انكسر الإناء فعلى ما اخترناه يُضْمَن بإناء مثله، وعلى كلام الفقهاء يُضمن بقيمته، وأيهما أقرب للعدل يضمن بمثله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1968

يقول: (يوم تلفت) أي: في وقت التلف لا في وقت التضمين ولا في وقت الإعارة؛ لأن لدينا ثلاثة أزمان: زمن الإعارة، وزمن التلف، وزمن التقويم، المعتبر زمن التلف؛ لأنه هو الذي خرج ملك صاحبها عنها فيه؛ أي: في وقت التلف.
مثال ذلك: رجل استعار إناء في واحد مُحرَّم، وتلف يوم الخامس عشر من محرم، وضمنه المعير يوم الثلاثين من محرم قيمة الإناء حين الاستعارة عشرة، وقيمته حين التلف عشرون، وقيمته حين المطالبة ثلاثون، فبأيها يلزم؟ طلبة: عشرين.
الشيخ: يلزم بالعشرين الذي هو يوم التلف، والعلة واضحة؛ لأن العارية قبل تلفها على ملك صاحبها، فإذا تلفت زال ملكه عنها، فصار هذا هو وقت التقويم.
وقوله: (ولو شَرط نفي ضمانها) يعني: أن المستعير يضمن العارية، ولو شرط على صاحبها ألا يضمنها، وهذه إشارة خلاف؛ فإن العلماء اختلفوا رحمهم الله في العارية؛ هل هي مضمونة، سواء شَرَط ضمانها أو شرط نفيه أو سكت، أو هي غير مضمونة.
الفقهاء رحمهم الله يرون أنها مضمونة بكل حال، حتى لو شرط المستعير أنه لا ضمان عليه إذا تلفت فإن هذا الشرط لاغٍ، لماذا؟ لأنه ينافي مقتضى العقد؛ إذ مقتضى العقد الضمان مطلقًا، وكل شرط ينافي مقتضى العقد فإنه شرط لاغٍ، وقد مر علينا هذا الضابط في باب الشروط في البيع.
مثال ذلك: إنسان استعار من شخص عشرين فنجانًا، والفنجان من الزجاج يمكن ينكسر، فقال المستعير: لا ضمان عليَّ إن تكسرت الفناجين، فوافق المعير، قال: لا ضمان عليك.
لكنها تكسرت، أيضمن؟ نعم، يضمن عند الفقهاء رحمهم الله، يضمن ولو كان قد شرط ألا يضمن ورضي بذلك المالك؛ لأن هذا الشرط -على كلامهم- مخالف لمقتضى العقد، فيكون داخلًا فيما أبطله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (8).

الجزء: 2 - الصفحة: 1969

القول الثاني: إنها لا تُضْمَن إلا بشرط الضمان، وإلا فلا ضمان إلا بتعدٍّ أو تفريط؛ يعني أنه إن اشترط مالكها على المستعير أن يضمنها ضمنها، وإلا فلا ما لم يتعدَّ أو يفرط.
والصواب أن العارية كغيرها من الأمانات؛ لأنها حصلت بيد المستعير على وجه مأذون فيه، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون، فيد المستعير يد أمانة، ليست يد خيانة، وإذا كانت يد أمانة فإنه لا ضمان على الأمين، وجه كونها يد أمانة أن هذه العارية حصلت بيد المستعير بإذن مالكها، فهو الذي سلطه عليها، فكيف نُضَمِّنُه بكل حال.
فالصواب أن يد المستعير يد أمانة وأنه كغيره من الأمناء، لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط.
فإن شرط عليه الضمان فهذا محل نظر؛ يعني لو قال المعير: إن عليك الضمان مطلقًا سواء حصل منك تعدٍّ أو تفريط أو لا، فهذا محل نظر؛ لأننا قد نقول: إنه إذا شرط أن يضمن فعليه الضمان لعموم الحديث: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (9)، وقد يُقال: لا ضمان عليه؛ لأنه أمين، فكما أن المستأجر لو شرط عليه أن يضمن فالشرط غير صحيح فكذلك هذا، والأقرب أنه كغيره من الأمناء أنه لا يضمن حتى لو شرط، لكن لو قال المعير: لا أعيرك إلا بهذا الشرط؟ فقد يضطر المستعير إلى قبوله؛ لأنه محتاج.
قال: (وعليه مؤونة ردِّها) (عليه) على مَنْ؟ المستعير.
(مؤونة) أي: تكلفة ردِّها إلى صاحبها، فإذا قدَّرْنا أن العارية تحتاج إلى تحميل؛ لأنها أوان كثيرة، وتحتاج إلى رفق وتأن لأنها تتكسر، ومثل هذه تحتاج إلى تكلفة بينة، فهل المؤونة على المستعير أو على المعير؟ نقول: هي على المستعير، ووجه ذلك أن المستعير قبضها لحظ نفسه المحض، والمعير محسن، وما على المحسنين من سبيل؛ فنقول: إذا احتاج ردِّها إلى مؤونة فالمؤونة على المستعير.

الجزء: 2 - الصفحة: 1970

قال: (لا المؤجرة) يعني أن المؤجرة مؤونة ردِّها على المؤجر وليست على المستأجر؛ مثال ذلك: رجل استأجر من شخص آلة حراثة تحتاج إلى مؤونة في ردِّها؛ تحتاج إلى سائق وإلى وقود، فالمؤونة على صاحبها، على المؤجر، وليست على المستأجر؛ ووجه ذلك: أن المستأجر قبضها لمصلحته ومصلحة مالكها، وردها لمصلحة من؟ لمصلحة المالك، فكانت المؤونة على مالكها، بخلاف المعارة فإن المستعير قبضها لمصلحته الخاصة فلزمه ردها إلى أهلها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
الآن هناك فرق بين العارية والإجارة: مؤونة الرد في العارية على من؟ طلبة: المستأجر.
الشيخ: وفي الإجارة؟ طلبة: المؤجر.
الشيخ: على المؤجر.
قال: (ولا يعيرها) أي: المستعير وليس المستأجر، المستأجر له أن يعير وله أن يؤجر بشرط ألا يلحق العين المؤجرة ضرر.
المستعير لا يعير، ولا أباه؟ يعني: رجل استعار إناء من شخص، وصار عند أبيه ضيوف فقال له: أعرني هذا الإناء، هل يعيره؟ لا؛ لأن المؤلف يقول: (ولا يعيرها) وجه ذلك أن المستعير يملك الانتفاع بالإذن المجردة، شوف يملك الانتفاع، ما هو يملك النفع، يملك الانتفاع بالإذن المجردة، والمعير إنما أعار هذا الشخص لم يعرها غيره، فلا يحل له أن يعيرها؛ لأنه إن أعارها فقد تصرَّف في مال غيره بغير إذنه.
إنسان استعار كتابًا وكان زميله يحتاج هذا الكتاب لليلة واحدة، فقال زميله: أعرني الكتاب هذه الليلة فقط؟ أيعير أو لا؟ لا يعير، وله أن يعتذر ويقول: أنا مستعير والملك لغيري، والمستعير مالك للانتفاع وليس مالكا للنفع.
نظير ذلك إنسان يدعو إخوانه للوليمة، الوليمة فيها صحون مرق، وفيها صحون عنب، وفيها صحون تفاح، فقال هذا المدعو: المرق بآدِّم به الخبز، لكن العنب ما أنا بأكله أبغي آخذه معي أعطيه جيراني ولَّا أبيعه، يملك هذا ولَّا ما يملك؟ طلبة: لا ما يملك.

الجزء: 2 - الصفحة: 1971

الشيخ: لأيش؟ إنما أُذِنَ له بالأكل، ليس مالكًا، هذه إباحة وليست تمليكًا، يعني الإذن بأكل طعام الوليمة هو إباحة وليس تمليكًا، ولذلك لا يملك واحد من المدعويين أن يأخذ شيئًا من هذا الطعام ليبيعه أو يتصدق به.
قال: (ولا يعيرها) هل يؤجِّرها؟ لا، لا يؤجرها، وهذا من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا يملك أن يعيرها والعارية سنة وإحسان، فكونه أيضًا لا يأذن بالانتفاع بها بأجرة أشد امتناعًا.
لكن إذا علم المستعير أن المعير يأذن في مثل ذلك عادة، يعني مثلًا إنسان استعار إناء من شخص، ثم إن أباه احتاج إلى هذا الإناء لكثرة الضيوف عنده، وطلب من ابنه أن يعيره، قلنا: لا يجوز أن يعيره، أليس كذلك؟ لكن إذا علم أن صاحبها -أي: المالك- يأذن بل يفرح، فهل له أن يفعل؟ نعم، له أن يفعل؛ لأن كل إنسان يعلم من صاحبه الرضا بتصرفه فلا حرج عليه أن يتصرف.
قال: (فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها) إن تلفت، أي العارية.
(عند الثاني) من هو الثاني؟ المستعير من المستعير، فالآن عندنا كم طرف؟ ثلاثة أطراف: معير، مستعير أول، مستعير ثان (إن تلفت عند الثاني استقرت عليه) أي: على الثاني، (قيمتها) القيمة تكون على الثاني؛ لأنها تلفت عنده، تحت يده، فهو مباشر، والمستعير والمعير متسبب، إن صح أن نقول: إنه متسبب، لكن المستعير الثاني المباشر، فيكون الضمان عليه لكن عليه ضمان قيمتها، بقاؤها عند المستعير الثاني، بقيت مثلًا عشرة أيام، ومثل هذه العارية تؤجر كل يوم بخمسة ريالات، كم قدر الأجرة؟ طلبة: خمسون ريال.
الشيخ: من يضمن خمسين الريال، يقول: (وعلى معيرها أجرتها) يضمنها المستعير الأول فصار عندنا الآن شيئان: عين العارية من يضمنها؟ المستعير الثاني، ومنفعة العارية يضمنها المستعير الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 1972

وجه ذلك: ما وجه التفريق؟ نقول: أما كون المستعير الثاني يضمن العين؛ فلأنها تلفت تحت يده فضمن، وهي تحت يده بغير إذن من الشرع ولا إذن من المالك؛ لأننا قلنا: إن إعارتها حرام ولَّا جائزة؟ حرام، فبقاؤها عنده بغير إذن من الشارع ولا من المالك، لأنا قلنا: إن إعارتها حرام ولَّا جائزة؟ حرام، فبقاؤها عنده بغير إذن من الشارع ولا من المالك فالضمان عليه.
أما المستعير الأول فعليه ضمان المنفعة؛ لأنه ليس له حق أن يتصرف في منفعتها؛ لأنا قلنا: إن المستعير يملك أيش؟ الانتفاع دون المنفعة، وحينئذ يلزمه ضمان المنفعة.
لماذا كانت قيمتها على المستعير الثاني؟ أعرت مهديًّا كتابًا، ومهدي أعاره سامي، هل يجوز لمهدي أن يعيره لسامي، أجبني، يجوز أو لا يجوز؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لكنه فعل وبقي الكتاب عند سامي عشرة أيام، الكتاب هذا ثمين اللي يطالعه كل يوم على خمسة ريالات بالأجرة، تلف الكتاب، قيمة الكتاب على مهدي ولَّا على سامي؟ الكتاب تلف تحت يد من؟ إذن على سامي.
الأجرة هذه كل يوم كم قلنا؟ خمسة ريالات وبقي عنده عشرة أيام على من؟ على مهدي، أفهمت الآن؟ فهمت ولَّا لا؟ على كل حال يعني الفهم من الله عز وجل، وأنا لا أدعي الفهم أنه فاهم، لكن هيئة الطالب إذا صار قد وضع كفيه على ساقيه وقال هكذا، أيش الهيئة؟ تدل على أنه سارح، هو بالثريا الأن ما هو بالأرض.
على كل حال نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1973

على كل حال الآن يحرم على المستعير الأول أن يعيرها فإن فعل فعليه ضمان المنفعة من حين الإعارة سواء تلفت أو بقيت، لأنها إن بقيت أخذت من المستعير الثاني وردت للمعير الأول ما فيه إشكال، لكن أجرتها -من حين أعارها المستعير الأول إلى أن ردها إلى صاحبها- على المستعير الأول، لكن المؤلف ذكر: (إذا تلفت) يعني: جعل المسألة أو الصورة مفروضة فيما إذا تلفت؛ لأجل أن يفرق بين ضمان المنفعة وضمان العين، إذا تلفت عند الثاني، كيف الضمان؟ على الثاني ضمان العين، وعلى المعير الأول ضمان المنفعة من متى؟ من وقت أن أعارها للثاني حتى تلفت.
إذا لم تتلف ترد إلى صاحبها إلى المعير الأول، ويضمن المستعير الأول أجرتها مدة بقائها عند الثاني.
لماذا لم يضمن الثاني، نقول الثاني لا يخلو إما أن يكون عالمًا بأن هذه العين معارة أو لا يعلم، إن كان لا يعلم فلا وجه لتضمينه، لأنه يقول: أنا استعرت من هذا الشخص هذا الإناء ولم أعلم أن عنده عارية، هذا لا وجه لتضمينه ولا يمكن أن نضمنه، السبب؟ الجهل، ما يدري، وإن كان عالمًا قلنا لصاحبها -للمعير الأول-: أنت بالخيار الآن؛ إن شئت ضمِّنْ المستعير الأول، وإن شئت ضمِّنْ المستعير الثاني، لكن القرار على المستعير الثاني، يعني: لو ضُمِّن الأول رجع للمستعير الثاني، لأنها تلفت بيده في حال يعمل أن بقاءها في يده محرم ( ... ). طالب: يعني: من العدل أنه ما دام انتفع بهذه العارية أن يردها لصاحبها كما أخذها.
الشيخ: صحيح، ومن الظلم أن نضمنه إياها وقد حصلت بيده بإذنه فهو قائم مقامه في الاستيلاء على هذا، والمعير قد حصَّل ما هو أفضل من قيمتها وهو أجر الإحسان، ثم هذه يد أمينة كيف نجعلها مثل يد الغاصب، الآن كلام الفقهاء رحمهم الله يرونه أنه كالغاصب تمامًا إلا في مسألة الانتفاع، بعيد هذا.


الجزء: 2 - الصفحة: 1974

طالب: ولا يُعيرها، فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها، وعلى معيرها أجرتها، ويُضمِّن أيهما شاء، وإن أركب منقطعًا للثواب لم يضمن.
وإذا قال: أجَّرتك.
قال: بل أعرتني أو بالعكس، عقب العقد قبل قول مدعي الإعارة، وبعد مضي مدة قول المالك في ماضيها بأجرة المثل، وإن قال: أعرتني أو قال: أجرتني، قال: بل غصبتني أو قال: أعرتك.
قال: بل أجرتني.
والبهيمة تالفة أو اختلفا في رده فقول المالك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول المؤلف رحمه الله: إن المستعير لا يعير، فما الفرق بينه وبين المستأجر؟ المستأجر يجوز أن يعير والمستعير لا يجوز أن يعير، ما الفرق؟ طالب: لأن المستأجر يملك المنفعة.
الشيخ: نعم، أحسنت، يملك المنفعة ويملك الانتفاع، والمستعير يملك الانتفاع.
لو أن شخصًا دعا إنسانًا على وليمة، وقدم له طبقًا من الطعام، ولكنه لا يشتهيه، فهل يملك أن يأخذه ويُطْعِمُه غيرَه؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه يملك الانتفاع فقط.
الشيخ: لأن تقديم الطعام إباحة وليس تمليكًا.
رجل مستعير، أعارها ثم تلفت، ما الحكم؟ طالب: على المستعير الأول.
الشيخ: كيف؟ ضمانها على مَن؟ الطالب: إذا تلفت فضمانها على المستعير الثاني.
الشيخ: ضمانها عينًا ومنفعة؟ الطالب: لا، عينًا فقط .. الشيخ: عينًا على المستعير الثاني.
منفعة؟ الطالب: على المستعير الأول.
الشيخ: على المستعير الأول؛ لماذا؟ الطالب: لأنه المستعير الأول ملك أن ينتفع بها لم يملك عينها، ولم يجز له أن يعيرها، يعني: ليس مباحًا له وليس مأذونًا له أن يعيرها، فلما فعل وتلفت في يد الثاني ضمَّنَّاه .. الشيخ: ضمن أيش؟ الطالب: ضمن التلف.
الشيخ: المنفعة ولا العين؟ الطالب: تلف العين.
الشيخ: الأول، تمام.
طالب: يضمن الثاني العين.
الشيخ: يضمن الثاني العين، والأول؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1975

الطالب: والأول يضمن منفعة .. الشيخ: لماذا؟ الطالب: الثاني يضمن العين؛ لأنها تلفت تحت يده، هي عنده من غير إذن من الشرع ولا من مالكه، أما الأول يضمن المنفعة؛ لأنه كانت في يده أمانة، تصرَّف فيها بغير إذن المالك فضمِن المنفعة.
الشيخ: لكن يضمن المنفعة من حين استعارها أو من حين أعارها؟ الطالب: يضمنها من حين استعارها ثم تلفت.
الشيخ: من حين؟ طالب: من حين أعارها.
الشيخ: من حين أعارها؛ لأنه قبل أن يعيرها والانتفاع له؛ هذا مبني على قاعدة، ما هو المسألة يعني هكذا جاءت.
الآن العين فيها عين منفعة، تلفت عند الثاني، نقول: عليه ضمان عينها؛ لأنها حصلت بيده بغير إذن من المالك ولا إذن من الشارع.
المستعير الأول ما دامت عنده قبل أن يعيرها فلا ضمان عليه، يعني: لا يضمن المنفعة؛ لأنه قد أباحه إياها، يضمن المنفعة من حين تعدَّى فيها وذلك بأيش؟ بإعارتها إلى الثاني، فمن حين إعارتها إلى الثاني إذا تلفت منفعتها على المستعير الأول.
هل لصاحبها أن يُضَمِّن من شاء منهما؟ طالب: إذا كان الثاني يعلم أنها ليست ملكًا للمعير الذي استعار منه، حينئذ للمالك أن يضمنه أيهما شاء، ويكون ( ... ) على الثاني ( ... ). الشيخ: سمعتم، هل كلامه صحيح؟ المؤلف يقول: (يضمن أيهما شاء) يعني: له أن يُضَمِّن العين المستعير الأول والمستعير الثاني؛ لأن المالك يقول للمستعير الأول: أنا لم آذنْ لك في أن تدفعها إلى هذا الرجل، فأنت متعدٍّ، فعليك الضمان ويقول للثاني إذا أراد أن يضمنه: العين تلفت تحت يدك، فعليك الضمان، لكن إذا ضمن أحدهما فعلى من يستقر الضمان؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1976

نقول: يستقر على الثاني إن كان عالمًا بأن المستعير الأول قد أعارها بدون إذن من مالكها، فقرار الضمان عليه؛ لأنه متعدٍّ، وإن كان لا يعلم فإذا ضمنه المالك يرجع على المستعير الأول الذي أعاره؛ لأن الرجل جاهل، والأصل في تصرف الإنسان أنه يتصرف في ملكه، فقرار الضمان على الأول؛ زيد استعار من عمرو سيارة، ثم أعارها خالدًا، فتلفت السيارة من مالكها عمرو.
الآن نقول لعمرو: ضمن المنفعة زيدًا من حين أعارها إلى خالد، وضمن خالدًا السيارة؛ لأنها تلفت تحت يده، وإن شئت فضمنها زيدًا؛ لأن لك أن تضمن هذا أو هذا، بقي علينا قيمة السيارة التي ضمنها خالد، هل يرجع بها على زيد، أو لا يرجع؟ نقول: إن كان عالمًا بأن السيارة عارية، وأنه لم يؤذن لزيد بإعارتها فقرار الضمان عليه؛ لأن يده يد غاصب، وإن كان لا يعلم فقرار الضمان على زيد، واضح؟ التعليل واضح؛ لأنه إذا كان يعلم أن المستعير الأول وهو زيد في المثال لم يؤذن له فقد أخذ مالًا بغير حق، وإن كان لا يعلم فهو معذور، ولذلك نقول: يكون قرار الضمان على المستعير الأول.
والخلاصة أن صاحب العارية المالك له أن يُضَمِّن المستعير الأول أو المستعير الثاني، وتضمين العين على المستعير الثاني، تضمين المنفعة على المستعير الأول.
فعلى مَنْ يكون قرار الضمان في مسألة العين إذا ضمن أيهما شاء؟ نقول: إذا كان المستعير الثاني عالمًا بأنها عارية لم يأذن صاحبها بإعارتها فقرار الضمان عليه، وإذا كان لا يعلم فقرار الضمان على المستعير الأول هذا معنى كلام المؤلف؛ قال: (ويضمن أيهما شاء).

الجزء: 2 - الصفحة: 1977

ثم قال: (وإن أَرْكَبَ منقطعًا للثواب لم يضمن) هذه مسألة تشبه العارية وليست عارية، إنسان أركب منقطعًا؛ يعني: منقطعًا في الطريق، أركبه للثواب، ليس لأجرة، ولكنه أركبه تبرعًا وتقربًا إلى الله تعالى بذلك، فهذا الذي أُرْكِب لو تلفت الدابة تحته لم يضمن، لأن الذي أركبه للثواب يده على راحلته، ويتصور هذا فيما سبق من الأسفار، رجل راكب ناقته فوجد في الطريق شخصًا منقطعًا، فنزل عن راحلته وأركبه تقربًا إلى الله، ويده على راحلته، لكن من المنتفع، المنقطع هو المنتفع، البعير عثرت وانكسرت أو ماتت، فهل على هذا الراكب الذي يشبه المستعير، هل عليه ضمان؟ الجواب: يقول المؤلف: لا؛ ووجهه ظاهر، وجهه أن يد صاحبها عليها لم تزل، فلا ضمان على هذا الراكب، وهذه إحدى المسائل التي لا تُضمن فيها العارية.
ومن المسائل التي لا تُضمن فيها إذا تلفت فيما استعيرت له، فإنه لا ضمان فيها، مثال هذا: رجل استعار الرشاء، أتعرفون ما هو الرشاء.
طلبة: لا.
الشيخ: لا إله إلا الله، الحبل الذي يستخرج به الماء من البئر، تعرفون البئر، والدلو؟ الحبل الذي يُربط بالدلو علشان يخرج الماء يسمى رشاء، هذا الرجل استعار رشاء من شخص ثم إن الرشاء بالاستعمال تلف، هل يضمن المستعير أو لا؟ نقول: لا يضمن؛ لأن العارية هنا تلفت فيما استعملت له.
ونظير ذلك -مما تعرفون- لو استعار سيارة إلى مكة، وتآكلت الإطارات؛ عجلات السيارة، هل يضمن أو لا يضمن؟ لا يضمن، لماذا؟ لأنها تلفت فيما استعيرت له.
لو استعار منشفة، تعرفون المنشفة؟ استعارها ليستعملها، المنشفة مع طول الوقت زال خملها -الخمل يعني الزرع اللي فيها- هل يضمنها أو لا؟ لا يضمن، لماذا؟ لأنها تلفت فيما استعيرت له.

الجزء: 2 - الصفحة: 1978

وهذه المسألة تؤيد القول بأن العارية لا تُضمن إذا شرط نفي ضمانها؛ ووجه ذلك أنها إذا تلفت فيما استعملت له فلا ضمان؛ لأن صاحبها حين أعطاها هذا الرجل يستعملها قد علم أنها سوف تتلف أو تنقص بهذا الاستعمال، فكذلك إذا شرط المستعير ألا يضمنها فإنه لا شك أنه لا ضمان عليه، بل قلنا: إن الصواب أنه وإن لم يشترط أن لا ضمان عليه إذا تلفت بلا تعدٍّ ولا تفريط، فلا ضمان على المستعير؛ لأنه قبضها من صاحبها بإذن منه فيده يد أمانة.
وبعدَ مُضِيِّ مُدَّةِ قولِ الْمَالِكِ في ماضيها بأُجرةِ الْمِثْلِ، وإن قالَ: أَعَرْتَنِي أو قالَ: أَجَرْتَني.
قال: بل غَصَبْتَنِي.
أو قالَ: أَعَرْتُكَ.
قالَ: بل أَجَرْتَنِي والبهيمةُ تالفةٌ.
أو اخْتَلِفَا في ردٍّ فقولُ الْمَالِكِ.
(باب الغصب) وهو الاستيلاءُ على حقِّ غيرِه قَهْرًا بغيرِ حقٍّ من عَقارٍ ومَنقولٍ، إن غَصَبَ كَلبًا يُقْتَنَى أو خَمْرَ ذِمِّيٍّ رَدَّهُما، ولا يَرُدُّ جِلْدَ مَيْتَةٍ، وإتلافُ الثلاثةِ هَدَرٌ.
وإن اسْتَوْلَى على حُرٍّ لم يَضْمَنْه، وإن اسْتَعْمَلَه كَرْهًا أو حَبَسَه فعليه أُجْرَتُه، ويجب ردُّ المغصوبِ بزِيادتِه وإن غَرِمَ أَضعافَه وإن بَنَى في الأرضِ أو غَرَسَ لَزِمَه الْقَلْعُ وأَرْشُ نَقْصِها وتَسويتِها والأُجرةُ، ولو غَصَبَ جارحًا استعار منشفة، تعرفون المنشفة؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: استعارها ليستعملها، المنشفة مع طول الوقت زال خَمَلها -الْخَمَل يعني الزرع اللي فيها- هل يضمنها أو لا؟ الطلبة: لا.
الشيخ: لا يضمن، لماذا؟ لأنها تلفت فيما استُعِيرَت له.

الجزء: 2 - الصفحة: 1979

وهذه المسألة تؤيد القول بأن العارية لا تُضمَن إذا شرط نفي ضمانها، ووجه ذلك أنها إذا تلفت فيما استُعملت له فلا ضمان؛ لأن صاحبها حين أعطاها هذا الرجل يستعملها قد علم أنها سوف تتلف أو تنقص بهذا الاستعمال، فكذلك إذا شرط المستعير ألَّا يضمنها، فإنه لا شك أنه لا ضمان عليه، بل قلنا: إن الصواب أنه وإن لم يشترط أن لا ضمان عليه إذا تلفت بلا تَعَدٍّ ولا تفريط فلا ضمان على المستعير؛ لأنه قبضها من صاحبها بإذن منه، فيَدُه يد أمانة، هذه مسألتان.
المسألة الثالثة: إذا استعار كتبًا موقوفة على طلبة العلم، ثم إن هذا الكتاب مع المطالعة والمراجعة تمزَّق، أو انمحى بعض كتابته أو ما أشبه ذلك، فهل يضمن؟ لا يضمن، لماذا؟ لأنه هو نفسه مستحِق للانتفاع، لم يُعِرْه أحدٌ هو من طلبة العلم، واستعار من صاحب المكتبة هذا الكتاب، صاحب المكتبة لا يملك الكتاب؛ لأن الكتاب موقوف على مَن؟ على طلبة العلم، صاحب المكتبة ما هو إلا منظِّم، يُعِير هذا، ويعير هذا، ويعير هذا، فإذا تَلِفت الكتب الموقوفة على طلبة العلم بيدي أحد طلبة العلم أيش؟ فلا ضمان عليه؛ لأنه استعملها لا عن طريق العارية، ولكن عن طريق الاستحقاق، فليس عليه ضمان.
فإن قال قائل: ما تقولون في رجل استعار كتابًا من مكتبة، وصار يُحَشِّي عليه، وحَوَاشٍ حواشٍ، أيضمن أو لا يضمن؟ الطلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن، عجيب، ليش؟ الطلبة: لأنه متعدٍّ.
الشيخ: متعدٍّ، وقد بَلَغَنَا أن بعض الناس تستعير كتبًا حديثية أو فقهية من المكتبات ثم يُحشِّي عليها، والقول الراجح كذا وكذا، وهو قول مرجوح.
وهذا القول الذي في الكتاب باطل، أو يقول: إنه بدعة بعد؛ لأن بعض الناس يظنون أن خلاف الفقهاء -رحمهم الله- أن المخالف لما يظن هذا أنه خلاف النص يكون مبتدعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1980

ولو سلكنا هذا المسلك لكان كل الفقهاء مبتدعة إلا في مسائل الإجماع، ليش؟ لأنك أنت تقول: خالفتني فأنت مبتدع، وأنا أقول: خالفتني فأنت مبتدع، ويبقى الفقهاء كلهم بِدْعِيّون إلا في مسائل الإجماع، وهذا ما قال به أحد أبدًا، ولن يقول به أحد.
هذه مسائل اجتهادية يرى أحد من العلماء أن هذا واجب، والثاني يقول: غير واجب، نقول: هذا مبتدع؟ ! فالذي يرى أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وصلى وهو آكل لحم الإبل، نقول: أنت بِدْعِيّ مبتدع؟ ! ما نقول: أنت مبتدع، واضح؟ والذي لا يُخَلِّل لحيته في الوضوء نقول: أنت مبتدع؟ فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أن يعرف الضوابط في الخلاف.
على كل حال، نحن نقول: أي إنسان يستعير كتابًا من مكتبة فإنه لا يجوز أن يُحَشِّي عليه أبدًا، فإن وجد خطأ لا شك فيه، هل له أن يعدله؟ الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس له أن يعدله، لكن ينبه القيِّم على المكتبة، ويقول: هذه الكلمة خطأ في الصفحة الفلانية، وإذا قال: صلِّح، يصلِّح، وإذا باشر القيِّم تصحيحه فهو له.
ثم قال المؤلف رحمه الله .. هذه المسائل التي ستأتي هي مسائل عويصة، فهل تريدون أن نمر عليها مَرّ الكرام؟ يعني بمعنى أننا لا نحمل معنا شيئًا؛ لأن الكريم لا يُكلِّف مَن نزل ضيفًا عليه شيئًا، تريدون نَمُرّ عليها أو نلغيها بالكلية؟ لأنه إذا كان أنتم الآن ما فهمتم المسألة اللي قبل، وقلتم: إن كلامي العربي الفصيح كلام أعجمي، كيف ( ... ) كلامكم.
الطلبة: الثالث.
الشيخ: أيش الثالث؟ الطلبة: التفصيل.
الشيخ: تشرح؟ الطلبة: ( ... ). الشيخ: أنا ( ... ) يمكن أربعة دروس.
الطلبة: لا ما ( ... ). الشيخ: نشوف، الاختلاف بين الْمُعِير والمستعير، إن قال: أَجَرْتُك، قال: بل أَعَرْتني، قُبِل قول مدَّعِي الإعارة إذا كان هذا الخلاف عقب العقد، إذا قال: أَجَرْتُك، قال: بل أعرتني، من الذي يقول: أجرتك؟ الطلبة: صاحب المال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1981

الشيخ: المالك، يقول: أجرتك، يعني: فأريد منك أجرة، وذاك يقول: بل أَعَرْتَنِي فليس عَلَيَّ أجرة، يقول عقب العقد قُبل قول مدَّعِي الإعارة، مَن مدَّعِي الإعارة هنا؛ المالك ولَّا الذي أخذ السلعة؟ الطلبة: المستعير.
الشيخ: المستعير، نقول: ما دام عقب العقد، الآن ما مضى مدة حتى نقول: يلزمك أيها المستعير أجرة المثل عقب العقد.
قال مثلًا: أَعِرْنِي هذا الكتاب، قلت: تفضل، وبعد أن أخذه بخمس دقائق قال: إنك أَعَرْتَنِي، فقلت: لا أبدًا، أنا أجَّرتك، مَن القول؟ الطلبة: قول المستعير.
الشيخ: قول مدَّعِي الإعارة، وإذا جعلنا القول قول مدَّعِي الإعارة سهُل الأمر؛ لأننا إذا قلنا للمالك: أنت قولك مرفوض، والقول قول مدَّعِي الإعارة -ما نقول: المستعير-، ولهذا كلام المؤلف مضبوط مُحْكَم.
المسألة بسيطة، ويش يقول المالك؟ الطلبة: ( ... ). الشيخ: يقول: أعطني إياها، ما دام إنها عارية هاتها، ولا صار شيء، واضح؟ إذا كان بعد مُضِيّ مدة لها أجرة المثل؟ يقول المؤلف: (وبعد مضي مدة فقول المالك) بأجرة المثل.
قال المالك: أجرتك، قال: بل أعرتني، وهذا الخلاف بعد مضي أسبوع، أسبوع له أجرة ولَّا لا؟ الآن مَن القول قوله؟ الطلبة: المالك.
الشيخ: قول المالك، الآن القول قول المالك، ليش؟ لأن الأصل في قابضِ مُلكِ غيره الضمان، هذا القاعدة.
فإذا قال المالك: أنا مؤجرك، فالقول قوله، ولكن كيف يكون تقدير الأجرة؟ هل نقول: إذا ادَّعَى المالك أنه أجَّره إياه كل يوم بعشرة ريالات فإن القول قول المالك؟ لا؛ لأن الذي أخذها لم يعترف بالإجارة حتى الآن، نقول: نرجع إلى أيش؟ إلى أجرة المثل، فيقال: كم تؤجر هذه العين في مدة أسبوع؟ إذا قال: مئة ريال، قلنا: هات مئة ريال.

الجزء: 2 - الصفحة: 1982

بالعكس، قال: أَعَرْتُك، قال: بل أجرتني، مَن القول قوله؟ الآن هذه عكس المسألة، الآن المالك يقول: أعرتك، وهو يقول: أجرتني، نقول: إن كان عقب العقد فقول مدَّعِي الإعارة، مَن مدَّعِي الإعارة في هذه الصورة؟ الطلبة: المالك.
الشيخ: المالك، نقول: القول قول المالك؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة، وإذا قال: أعطني إياه، قلنا: تفضل خذها.
بعد مُضِيّ مدة القول قول المالك أيضًا، وإن كان مدَّعِي الإعارة، لكنه إذا كان هو مدَّعِي الإعارة فإنه لا أجرة له، إذا مضت المدة، يعني بعد أسبوع قال: إني مُعِيرُك إياه، وقال الذي هي بيده: بل هي بالإجارة.
هنا قد تقولون: كيف يدَّعِي مَن هي بيده أنها بالإجارة، وذاك يقول: إنها بالإعارة؟ نقول: نعم، إذا تلفت فأيهما أَحَظُّ للمالك؛ أن تكون بإجارة أو بإعارة؟ طلبة: إجارة.
طلبة آخرون: إعارة.
الشيخ: إعارة، إذا تلفت فالمالك يقول: إنها عارية، علشان تُضْمَن، سواء تعدى أو فَرَّط، لكن لو ثبت أنها إجارة لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط، وإن قال: أعرتني أو أَجَرْتَنِي، قال: بل غَصَبْتَنِي، من اللي يقول: أعرتني أو أجرتني؟ طالب: المستعير.
طالب آخر: مُدَّعِي الإعارة.
الشيخ: اللي بيده، مدَّعِي الإعارة اللي بيده، ما هو بالمالك.
أو قال: أجرتني، قال: بل غصبتني، أخذتَها مني غصبًا، فيقول المؤلف: القول قول المالك؛ أنها غصب، وإنما يقول المالك: إنها غصب، من أجل أن يضمن الغاصب المنفعة والعين؛ لأنه لو كان مُعِيرًا فالمنفعة غير مضمونة على مَن هي بيده، ولو كان مُؤْجِرًا فالمنفعة أيضًا للمستأجر، وهي مضمونة عليه بالأجرة وقد سلَّمها، لكن لو تلفت العين بلا تعدٍّ ولا تفريط لم يضمنها؛ والغاصب؟ الطلبة: يضمن.
الشيخ: الغاصب -شوف بارك الله فيكم- يضمن، سواء تعدَّى أو فرَّط، ويضمن العين والمنفعة، وكل ما يترتب على العين من نقص.

الجزء: 2 - الصفحة: 1983

فإذا قال: أعرتني، قال: لا، بل غصبتني، قال: أجرتني، قال: بل غصبتني، هذه مسألتان، أو قال: أعرتك، قال: بل أجرتني، اللي يقول المالك: أعرتُك، وذاك يقول: أجرتني، والبهيمة تالفة، فالقول قول مَن؟ الطلبة: المالك.
الشيخ: قول المالك، إن قال: أعرتك، قال: بل أجرتني، والبهيمة تالفة يعني أو غير تالفة في مسألة الإجارة.
قال: أعرتك، قال: بل أجرتني، القائل: أعرتك، مَن؟ الطلبة: المالك.
الشيخ: المالك، والقائل: أجرتني؟ مَن هي بيده، البهيمة تالفة الآن، إذا كانت تالفة وثبت أنها عارية فعلى مَن يكون ضمانها؟ الطلبة: المستعير.
الشيخ: على المستعير، سواء فرَّط أو ما فرَّط، وهذا على المذهب، وإذا كانت إجارة أيش؟ الطلبة: لم يضمن.
الشيخ: لم يضمن إذا لم يتعدَّى أو يفرِّط، فيقول المؤلف: إن القول قول المالك، وهذا حتى فيما إذا لم تكن تالفة، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل فيمن قبض مال غيره -كما سبق- الضمان.
اختلفَا في الرد، جاء للمالك وقال: أَعْطِنِي العارية التي أعرتك، قال: رددتُها عليك، فالقول قول مَن؟ الطلبة: المالك.
الشيخ: ويش الأصل؟ الطلبة: عدم الرد.
الشيخ: الأصل عدم الرد، القول قول المالك؛ لأن الآن الذي هي بيده اعترف بأنها كانت في يده، وادَّعى أنه ردَّها، فالقول قول المالك، هل هذه هي مسألة المخزومية؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: فكِّروا.
الطلبة: نعم يا شيخ.
الشيخ: لا، المخزومية تَجْحَد، تقول: ما أعرتني، وهذا يقول: أَعَرْتَنِي لكن رددتها عليك، وبينهما فرق، ولهذا لو ثبت أن هذا لم يردَّها فإننا لا نقطع يده، لكن الْجَحْد يقتضي ألَّا يطالَب هذا الذي ادُّعِي عليه العارية، لا يُطالَب أصلًا إلا إذا ثبت أنه مستعير، فبينهما فرق واضح، ولَّا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: واضح، المهم أن المستعير أَقَرَّ بأنه مستعير، لكن ادعى أنه قد رَدّ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1984

نقول: الأصل عدم الرد، ما دمت اعترفت الآن أنه قد وصلك مال فلان فاضمنه له، فإذا قال: إني رددته، قلنا: القول قول المالك.
لو أتى المستعير ببينة أنه رَدَّه؟ الطلبة: قُبِل.
الشيخ: قُبِلَ قوله بقوله، ولَّا بالبينة؟ الطلبة: بالبينة.
الشيخ: بالبينة، هذا واضح، وكل كلام المؤلف اللي خالفت هذه كلها إذا لم يكن بينة، أما إذا كان بينة فالبينة قاضية على كل شيء، خلاص؟ طالب: نعم.
الشيخ: الحمد الله إن الله أخلف ظني.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ» (1)، لا يدل على أن العارية تُضْمَن بشرط؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: قد يقال هكذا: إنه إذا شرط الضمان يضمن، وقد يقال: إنها مضمونة، يعني: في حكم الضمان، وذلك عند التعدي والتفريط؛ لأن صفوان خاف ألَّا يردَّها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا قبل إسلامه.
طالب: ( ... ) الأول والثاني، ما يعلم أن فيها ضمانًا.
الشيخ: فيها ضمان؟ الطالب: نعم.
الشيخ: أما على قولنا ما فيه إشكال، على قولنا: إنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ما فيه إشكال، لكنه إذا تعدَّى وأعارها فهو متعدٍّ عليه الضمان.
الثاني إذا كان ما يعلم ما عليه ضمان.
الطالب: ما يعلم.
الشيخ: ويش ما يعلم؟ ما يعلم أن إعارتها حرام؟ ما يُعْذَر، أرأيت لو أن شخصًا اشتهى خبزك اللي عندك وأكله، وقال: والله ما دريت أنه حرام، يضمن ولَّا ما يضمن؟ أجب.
الطالب: يضمن.
الشيخ: يضمن، مسائل الحقوق الآدمية ما يفرَّق فيها بين العالم والجاهل، إلا في مسألة الإثم فقط.
طالب: بارك الله فيكم، هل هناك فرق بين قول القائل: بل عارية مضمونة، وقوله: بل عارية مُؤَدَّاة، هل هناك فرق بين العبارتين؟ الشيخ: إي نعم، إذا قال: مؤداة، فمعناه أنه لا بد أن يؤديها على كل حال، سواء فرَّط أو ما فرَّط، وإذا قال: مضمونة، فمعناها مضمونة حسب القواعد الشرعية.

الجزء: 2 - الصفحة: 1985

طالب: لو قال المالك: أعرتك، وقال الثاني: بل أجرتني بعد مُضِيّ مدة.
الشيخ: له أجرة المثل، القائل مَن: أجرتك؟ الطالب: المالك يقول: أعرتك، والثاني يقول: لا، بل أجرتني.
الشيخ: فعليه أجرة المثل.
الطالب: يعني القول قول من يا شيخ؟ الشيخ: القول قول مَن يدَّعِي الإعارة؛ لأن الأصل عدم الإجارة، لكنه لما أقر هذا المستعير فعليه أجرة المثل.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا قلنا بأنها مؤداة، بمعنى أنها تُرْجَع لصاحبها، يضمن سواء تعدَّى أو لم يتعدَّ، أو فرَّط أو لم يفرِّط، فإن فيه حديثًا في سنن الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» (2)، فقال بهذا اللفظ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ»، فهل يُفهَم من قوله صلى الله عليه وسلم هذا أنه .. ؟ الشيخ: الظاهر أن معنى «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» في الحديث، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] يعنى: معناه أنه يجب على المستعير أن يردها إلى أهلها ومؤونة الرد عليه، ويلزمه أن يحافظ عليها حتى لا تتغير.
واعلموا -بارك الله فيكم- أن الألفاظ المحتمِلة في أفراد المسائل تُرجَع إلى القواعد العامة الشرعية؛ لأن هذه الأشياء -خصوصًا قضية صفوان- قضايا أعيان، ما ندري ما الذي احتفَّ بها من القرائن، لكن ما دام عندنا قواعد شرعية واللفظ محتمِل نطبق على القواعد الشرعية.
طالب: أحسن الله إليك، متى يجب على المستعير ( ... ). الشيخ: يجب عليه أن يُردَّها إذا انتهت المدة، إذا كان قد قُدِّر لها مدة، ويجب أن يردَّها بطلب صاحبها إذا طلب ردَّها لا بد.
ويجب عليه ردُّها إذا خاف عليها من سُرَّاق أو غيرهم، ويجب عليه ردها إذا سافر.
الطالب: فإذا لم يحصل شيء من الأربعة.
الشيخ: لا ربما ما أستطيع، ما هذا حصل، هذا من الأمثلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1986

طالب: رضي الله عنك يا شيخ، أنا أقصد يا شيخ إن كل يَدٍ أخذت عليها ما أخذت، ولها ما ( ... ). الشيخ: على اليد ما أخذت حتى تؤديه.
الطالب: والمؤلف يقول لمن استعار أخذها المعير من المستعير الأول، يغرِّم أيهم شاء، فيه إشكال؛ لأنه وجَّه المعير على المستعير الأول.
الشيخ: إي، لكن المالك يقول: أنا أُضمِّن مَن شئت؛ لأن المستعير الأول تعدَّى بإعارتها بدون إذن مني، والمستعير الثاني تلف مالي تحت يده.
الطالب: صار عندكم إشكال.
الشيخ: والآن زال ولَّا ما زال؟ الطالب: زال، ( ... ) إشكال.
الشيخ: زال، وهو إنه .. الطالب: يعني إذا كان .. نرجح أن الضمان على الأول.
الشيخ: ما يخالف، هو صحيح قرار الضمان على الأول إذا كان الثاني لم يعلم، أما إذا علم الثاني أنه أخذ العين بغير حق، وأنه ليس للمستعير الأول أن يُعِير فهو ظالم معتدٍ، ليش ما يجعل القرار عليه؟ ! الطالب: أن هذاك فرَّط في حق غيره يا شيخ، فالأول فرَّط في حق غيره.
الشيخ: ما يخالف، لكن هذا الثاني يعلم بأن وجود هذه العين بيده غير شرعي.
الطالب: صحيح يا شيخ.
الشيخ: صحيح خلاص، الحمد لله.
طالب: شيخ حفظكم الله، ( ... ) إذا أعار الثاني فعلى الأول ضمان المنفعة.
الشيخ: ضمان المنفعة من حين أعاره.
الطالب: إلى أن تتلف.
الشيخ: حتى تتلف.
الطالب: وقت التلف يا شيخ إلى أن تُرَدّ من يضمنه.
الشيخ: لا هي تلفت.
الطالب: ما ترد يا شيخ؟ الشيخ: تُرَدّ وين؟ تلفت العين، عليه ضمان المثل بمثله، والمتقوَّم بقيمته.
الطالب: حتى ما يعطيه قيمته .. الشيخ: إي، فاتت الآن ما هي موجودة، يعني ما لها شيء.
طالب: أحسن الله إليكم، شيخ، ما تقولون فيمن قال من أهل العلم بأن العارية تُرَدّ بمجرد مرور الوقت المعروف عرفًا الذي يتم الانتفاع بها، بمجرد ما يمر هذا الوقت يجب على المستعير أن يرد ..

الجزء: 2 - الصفحة: 1987

الشيخ: هذا صحيح، نقول: صحيح يجب؛ لأنه انتهت المدة، يعني لو أعرف أن هذا الرجل استعار مني هذا الإناء للظروف اللي عنده فقط وانتهى الظرف، يجب، أو استعار هذا كتاب لـ .. ( ... ).


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما حكم العاريَّة من حيث الحكم التكليفي؟ طالب: بالنسبة للمعير؟ الشيخ: بالنسبة للمعير.
الطالب: سُنَّة، بالنسبة للمستعير جائزة.
الشيخ: ما الدليل على أنها سُنَّة المعير؟ الطالب: لأنها من عقود الإحسان.
الشيخ: الدليل، ما هو التعليل؟ الطالب: تدخل في قول الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
الشيخ: لا.
الطالب: في قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾.
الشيخ: إي، تدخل في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، أما ﴿تَعَاوَنُوا﴾ هذا إذا استعارها لبر أو تقوى.
وما حكمها بالنسبة للمستعير؟ طالب: من يرى ( ... ). الشيخ: نعم، هل هناك ما يدل على هذا؟ الطالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعار واستعار، والصحابة .. الشيخ: استعار أيش؟ الطالب: استعار مِن .. طالب آخر: من صفوان بن أمية.
الشيخ: صفوان بن أمية دروعًا، ولا بد أن فيه أيضًا أشياء غير هذا، لكن هذا اللي أمامنا الآن.
العاريَّة بالنسبة للحكم الوضعي؟ طالب: جائزة لكليهما، إلا إذا ترتب عليها ضرر فللمستعير.
الشيخ: يعني من العقود الجائزة، يجوز للمعير أن يَرْجِع، ويجوز للمستعير أن يَرُد، كذا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إلا إذا تضمن الرد ضررًا على المستعير، مثاله؟ الطالب: مثاله كأن يُعِيره سفينة .. الشيخ: لا، الأول أصح.
الطالب: كأن يعيره سفينة لحمل متاعه، وإذا صارت في لجة البحر قال: رَجَعْتُ، هنا ليس له أن يرجع.
الشيخ: أو حائط يبني على خشبه، ثم يقول: رَجَعْتُ.
وهل هي من عقود الضمانات، أو لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1988

الطالب: على المذهب من عقود الضمانات.
الشيخ: نعم، فهي مضمونة على مَن؟ الطالب: على المستعير بكل حال.
الشيخ: بكل حال، سواء فرَّط أم لم يفرِّط، وعلى القول الراجح؟ الطالب: القول الراجح أنه من عقود الأمانات.
الشيخ: من عقود الأمانات، فلا يضمن المستعير؟ الطالب: إلا إذا تعدَّى أو فرَّط.
الشيخ: إلا إذا تعدَّى أو فرَّط، تمام.
في المذهب أشياء لا تُضْمَن فيها العاريَّة؟ طالب: إذا تلفت بسبب الاستعمال.
الشيخ: إذا تلفت باستعمالها فيما استُعِيرَت له، مثاله؟ الطالب: مثال ذلك: إطارات السيارة، لو استعارها وانمسحت الإطارات فلا ضمان عليه؛ لأنها .. الشيخ: مثل إطارات السيارات، السيارة اللي استعارها ليسافر عليها، وتآكلت، فإنه لا ضمان فيها؛ لأنها تلفت فيما؟ الطالب: استُعِيرَت له.
الشيخ: استُعِيرَت له، نعم تمام.
شيء ثانٍ يُسْتَثْنَى على المذهب؟ طالب: مثال ذلك: لو استعار حبلًا لكي يخرج الماء من البئر.
الشيخ: لا، هذه داخلة في القاعدة فيما استُعِيرَت له.
الطالب: على قول المؤلف: لو أركب مُنْقَطِعًا في الطريق للثواب .. الشيخ: لو أركب منقطعًا للثواب .. الطالب: لم يضمن، لو تلفت الدابة تحت يد الراكب هذا لم يضمن؛ لأن يد صاحبها عليها.
الشيخ: لا بأس، لكن هذا تراه يمشي على عصا أعرج.
طالب: الكتب الموقوفة إذا أُعِيرَت لطالب علم إذا تمزقت من الاستعمال.
الشيخ: الكتب الموقوفة على طلاب العلم إذا أعارها القيِّم عليها لشخص ينتفع بها ثم تلفت فلا ضمان.
طالب: إذا استعار ممن لا ضمان عليه.
الشيخ: إذا استعار ممن لا ضمان عليه، مثل؟ الطالب: المستعير من مستأجر.
الشيخ: كمستعير من المستأجر؛ لأن الأصل لا ضمان عليه، فالفرع لا ضمان عليه، هذه ما ذكرناها لكن صحيح، الجواب صحيح.
هل يجوز للمستعير أن يُعِير؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: هل يجوز للمستعير أن يُعِير؟ الطالب: لا يجوز، إذا علم أن .. الشيخ: اصبر، يجوز ولَّا ما يجوز؟ الطالب: لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1989

الشيخ: هل يجوز للمستأجر أن يُعِير؟ الطالب: على قول المذهب؟ الشيخ: إحنا ما تكلمنا على المذهب، إلا إذا قلنا: بيِّن الراجح؟ الطالب: يجوز.
الشيخ: ما الفرق؟ الطالب: أن المستأجر ملك المنفعة، والمستعير لم يملكها.
الشيخ: مالك أيش؟ الطالب: الانتفاع.
الشيخ: الانتفاع، تمام، صحيح كلامه؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، هذا صحيح؛ لأن أنا إذا أعرتك أريد أن تنتفع، ما أريد أن تتصرف فيها.
استعار شيئًا فأعاره لشخص آخر، ثم تلف هذا المستعار؟ طالب: يكون الضمان على الثاني.
الشيخ: لا.
طالب: إذا أعار الشيء ثم تلف في يد الثاني فإن الضمان يكون على الثاني يا شيخ.
الشيخ: على الثاني؟ الطالب: ثم يكون القرار على الأول.
الشيخ: على الثاني مطلقًا.
الطالب: لا يا شيخ، تفصيل.
الشيخ: فَصِّل.
الطالب: إذا كان جاهلًا .. الشيخ: لا.
طالب: على الثاني ضمان العين، والأول عليه ضمان المنفعة.
الشيخ: أحسنت، على الثاني ضمان العين، وعلى الأول ضمان المنفعة يعني الأجرة.
متى يبتدئ ضمان المنفعة؟ الطالب: من حين استعار الثاني.
الشيخ: من حين أعاره إلى الثاني.
هل للمالك أن يُضَمِّن من شاء منهما؟ طالب: نعم.
الشيخ: له أن يُضَمِّن من شاء، قرار الضمان على مَن؟ طالب: على الأول، المستعير الأول الشيخ: على الأول؟ الطالب: نعم، المستعير الأول.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: جازم؟ طالب: إلا إذا الثاني تعدَّى مثل .. الشيخ: لا، ما يتعدى أبدًا، هي العارية ما يقدر يتعدى؛ لأن العارية مضمونة على كل حال.
الطالب: إذن يرجع على الأول.
طالب آخر: على الثاني، إلا إذا كان جاهلًا لأنه أعاره من تسبب .. الشيخ: يعني إن علم الثاني فالقرار عليه، وإن جهل فالقرار على الأول، لكن صاحب العين له أن يُضَمِّن من شاء.
إذا ضَمَّنَ الثاني في حال لا يستقر عليه الضمان، فماذا نصنع؟ طالب: يرجع الثاني على مَن أعاره.
الشيخ: يرجع .. الطالب: على مَن أعاره.

الجزء: 2 - الصفحة: 1990

الشيخ: الغارم اللي ضَمِن على مَن أعاره، صحيح، يعني معناه: مَن ليس عليه قرار الضمان يرجع على مَن عليه قرار الضمان، وأما المالك فإنه مُخَيَّر.


بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله: (أو اختلفَا في رَدٍّ فقولُ المالك)، إذا (اختلفَا) يعني: المعير والمستعير.
(في ردٍّ) فالقول قول المالك.
مثاله: أعار إناءً لشخص، ثم جاء يطلبه منه، فقال المستعير: رددته، وقال المعير: لم تردَّه، فالقول قول مَن؟ الطلبة: المالك.
الشيخ: قول المالك، بناء على القاعدة المعروفة أن مَن قبض العين لمصلحة نفسه لم يُقْبَل قوله في الرد، هذه قاعدة الفقهاء، كل مَن كانت العين بيده لمصلحته فإنه لا يُقبَل قوله في الرد.
والمستعير العين في يَدِه أيش؟ لمصلحته، فإذا قال: رددتها عليك، قلنا: لا نقبل قولك إلا إذا أتيت ببينة بأنك رددته، كذا؟ نفرع على القاعدة هذه، إذا كانت المنفعة لصاحب العين، لا لمن هي بيده، فهل يُقْبَل قوله في الرد؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يُقْبَل؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: مثل؟ الوديعة عند شخص، رجل أودع عند إنسان شيئًا، ثم جاء يطلبه، فقال المودَع: إني قد رددته عليك، فهنا القول قول المودَع؛ لأنه إنما قَبَضَ العين لمصلحة مالكها، فهو كالوكيل له في حفظها.
إذا كان لمصلحتهما جميعًا كالعين المستأجَرة فإن العين المستأجَرة بيد المستأجِر لمصلحته ومصلحة مالكها؛ لمصلحته من أجل استيفاء المنفعة التي تم العقد عليها، ولمصلحة مالكها من أجل الأجرة المتَّفَق عليها، فهل نقول: القول قول المستأجِر، أو نقول: القول قول المُؤْجِر؟ الطلبة: المستأجر.
الشيخ: يُغلِّبون جانب الاحتياط، يقولون: إذا كانت العين بيد الإنسان لمصلحة الطرفين وادَّعى ردها فإنه لا يُقْبَل إلا ببينة.
وظاهر كلامهم في هذا أنه لا فرق بين الرجل المعروف بالصدق والأمانة والحفظ، والرجل المعروف بالكذب والخيانة والنسيان، هذا ظاهر كلامهم -رحمهم الله-.

الجزء: 2 - الصفحة: 1991

ولكن لو قيل بأنه يجب النظر إلى القرائن أولًا، فإذا لم يكن قرينة فالقول ما ذهبوا إليه، أي: ما ذهب إليه الفقهاء -رحمهم الله-.
أما مع القرينة فلا ينبغي أن يُقال: إن القول قول المالك، أو قول مَن هي بيده، بل يُرجَع إلى ما تقتضيه القرينة، وهذا هو الأقرب للصواب؛ لأن قرائن الأحوال شواهد بمنزلة البينة، فلو أن شخصًا أعارَ رجلًا أمينًا صدوقًا حافظًا شيئًا، ثم جاء يطلبه فقال المستعير: قد رددته عليك، وقال الْمُعِير: لم ترده عليّ، والْمُعِير معروف بالنسيان، وأنه كثيرًا ما ينسى، ولذلك شواهد، فهنا لا يسوغ أن نقول: إن القول قول مَن؟ الطلبة: المعير.
الشيخ: قول المعير المالك؛ لأن هذا الذي ادَّعى الرد ثقة صدوق حافظ، فيكون القول قوله، لكن لا بد من اليمين، والقرائن تعمل عملها.
أرأيتم الحاكم الذي حكم بين يوسف وامرأة العزيز، ماذا قال حينما دافع عن نفسه؟ قال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: 26] يقول يوسف، وهي ادَّعت أنه أراد بها سوءًا، قال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، الحاكم حكم بالقرينة، لم يحكم بالبراءة للمرأة ولا ليوسف، القرينة، قال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: 26، 27]، لماذا؟ لأنه إذا كان من دُبُر فمعناه أن الرجل هرب منها ولحقته فأمسكت بقميصه، وإذا كان من قُبُل فالمرأة هي المدافِعة عن نفسها حتى مزَّقت القميص، فهذه قرينة.
كذلك القَسَامة في القتل يُحْكَم فيها بالقرينة، ويُهدَر الأصل.
القسامة: إذا ادَّعى جماعة على قبيلة أنهم قتلوا صاحبهم، وكان بينهم عداوات، وأولياء القتيل ليس عندهم بينة، لكن حلفوا أن فلانًا من هذه القبيلة هو الذي قتل قتيلهم، ويش الأصل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1992

الأصل عدم ذلك، هذا قَتْل نفسٍ، لكن لوجود القرينة -وهي العداوة الظاهرة بين القبيلتين- تُجْرَى القسامة، وإذا حلف أولياء المقتول خمسين يمينًا أن هذا الرجل هو الذي قتل صاحبهم قُتِل، فهذا حكم بالقرينة.
فينبغي أن يقال: إن إطلاق الفقهاء في مثل هذا ما لم تكن قرينة قوية تغلب على الأصل، فإذا وُجِدت قرينة قوية تغلب على الأصل فإنه يُعمَل بها، قد تكون قرينة أقوى من البينة؛ لأن مثل هذا مثالنا نرجع إليه مُعِير ومستعير.
المستعير رجل أمين صدوق حافظ ادَّعى أنه رد العاريَّة، وصاحب العاريَّة بالعكس، هنا يكاد الإنسان يشهد أن القول قول المستعير، وربما تكون هذه القرينة أقوى من أن يأتي بشاهد واحد ويحلف معه، أو يأتي بشاهِدَيْن أو شاهد وامرأتين.
فعلى كل حال ما ذكروه -رحمهم الله- في هذه المسائل ينبغي أن يقال: أن يُقيَّد بما إذا لم توجَد قرينة قوية تؤيد أحد المدَّعِيَيْن فيُعمل بها.

باب الغصب

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الغصب)؛ (الغصب) مصدر غصب يغصب غصبًا.
وعرَّفه المؤلف بقوله: (هو الاستيلاء على حق غيرِه قهرًا بغير حق)، هذا الغصب.
فقوله: (على حق غيره قهرًا) خرج به السرقة، وخرج به الاختلاس، وخرج به الانتهاب، وما أشبه ذلك؛ لأن السرقة والاختلاس والانتهاب ليست قهرًا.
وقوله: (بغير حق) خرج به ما إذا استولى عليه بحق، فإذا استولى عليه بحق فإنه ليس بغاصب.
مثال ذلك: أَخْذ الولي أموال اليتامى وحفظها، والقيام عليها والاتجار بها، وما أشبه ذلك، هذا حق، فلا يُعَدّ الولي إذا أخذ مال اليتيم وتصرف فيه ببيع وشراء لمصلحة اليتيم لا يُعَدّ غاصبًا.
وقوله -رحمه الله-: (مِن عقار ومنقول) هذه بيان للحق، يعني: سواء كان الحق عقارًا كالأراضي والأشجار والبيوت، أو كان منقولًا؛ وهو ما يُنْقَل عادة، مثل: السيارات والأثاث من فُرُش وغيرها، وكذلك الأغراض اليدوية كالساعة والقلم وغيرها.

الجزء: 2 - الصفحة: 1993

المهم العقار كالدور والبساتين ونحوها، والمنقول ما يُنْقَل عادة.
ولم يُفصح المؤلف -رحمه الله- بحكمه الشرعي، حكمه الشرعي أنه حرام –أي: الغصب- بل من كبائر الذنوب؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
وإذا كان في حق اليتامى ونحوهم من القُصَّار صار أشد إثمًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].
ودليل من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب المسلمين في أوسع تجمُّع لهم في حجة الوداع، حيث قال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ».
(3) وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ».
(4) وثبت عنه أنه قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».
(5) والعلماء مُجْمِعُون على هذا في الجملة -أي: على أنه يحرم على الإنسان أن يأخذ مال أخيه بغير حق- فصار حكم الغصب الشرعي حكمه أيش؟ أنه مُحَرَّم، بل من كبائر الذنوب.
أما الأحكام الوضعية من ضمان ونحوه فبيَّنها المؤلف.
قال: (وإن غَصَب كلبًا يُقْتَنَى أو خمر ذمي ردَّهُمَا)، (إن غصب كلبًا يُقتنى) وهو كلب الحرث والصيد والماشية، هذه هي الكلاب التي تُقْتَنَى، وما عداها يحرُم اقتناؤه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1994

إذا غصب كلبًا يُقْتَنَى وطلبه صاحبه وجب رَدُّه، وإن لم يكن مالًا لكن لصاحبه حق الاختصاص به؛ لأنه أولى الناس به وأحق الناس بمنفعته.
وإن غصب كلبًا لا يُقْتَنَى فهدر؛ لأن صاحبه ليس له حق اقتنائه، فهو عنده غير مستحَق.
(أو خمر ذمي رَدَّهُمَا) إذا غصب خمر ذمي وجب عليه ردها وجوبًا، أليس الخمر حرامًا؟ الطلبة: بلى.
الشيخ: لكنه بالنسبة للذمي حلال، فإن قال قائل: أنا إذا أعطيته هذا الخمر فإني كما لو صنعت له تمثالًا يعبده.
قلنا: غلط، هذا ليس بصحيح، التمثال الذي يعبده محرَّم حتى في شريعته، لكن الخمر عنده حلال.
وقوله: (أو خمر ذمي) خرج به ما لو غصب خمر حربي، فإنه أيش؟ لا يضمنه، هدر.
ومتى يكون حربيًّا؟ يكون حربيًّا إذا نقض الذميُّ العهد صار حربيًّا انتقض عهده.
وإن غصب خمر مسلم؟ الطلبة: هدر.
الشيخ: هدر؟ ولو طلب المسلم ردَّه؟ الطلبة: لا يرده.
الشيخ: لا يرده، ولكن يُرِيقُه، هذا إذا كان له السلطة في التغيير باليد، وأما إذا لم يكن له ذلك فإنه لا يحل له أن يتجرأ على حق السلطان ويفتات عليه.
وبهذا التقييد اللي ذكره المؤلف -رحمه الله- يتبين خطأ أولئك الذين يعتدون على الذميين في بيوتهم ويدخلون عليهم ويريقون خمورهم فإن هذا لا يجوز؛ لأن الذمي له حق، يُبَاح له ما يعتقد إباحته، لكنه لا يُعْلِنُه، إذا أعلنه نمنعه، ولنا الحق أن نأخذه ولا نرده.
قال: (ولا يرد جلد ميتة)، لو أن شخصًا رأى شاة ميتة.
مثال هذا: رجل رأى شاة ميتة وسلخ جلدها وأخذه، فطالبه مالكها به، فهل يرده؟ الطلبة: لا يرده.
الشيخ: المؤلف يقول: لا يرد جلد الميتة؛ لأن جلد الميتة ليس بمال، وهو داخل في عموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ» (6) فلا قيمة له شرعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1995

ولكن إذا قال صاحب الجلد: أنا أريد أن آخذ الجلد لأدبغه، فإذا دُبغ صار -على القول الراجح- طاهرًا، فهو كالثوب النجس إذا غصبه غاصب يرده على صاحبه، فيقول: الشاة التي ماتت ملكي، والجلد يمكنني أن أنتفع به، وذلك بدبغه.
ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أنه يجب عليه أن يرد جلد الميتة، وذلك لإمكان معالجته حتى يصبح طاهرًا.
(وإتلاف الثلاثة هدر)، الثلاثة يعني: الكلب، وخمر الذمي، وجلد الميتة، يعني لو أتلفها مُتْلِف فإنها لا تُضْمَن.
دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ» (7)، وهذا يدل على أن الكلب لا قيمة له شرعًا، فإذا أتلفه مُتْلِف فليس عليه ضمان.
الخمر أيضًا، دليله أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم بيعه، وهذا يدل على أنه لا عِوَض له شرعًا، فإذا أُتْلِف فلا ضمان.
أما جلد الميتة فيدخل في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْمَيْتَةِ» (6)، وهذا يدل على أن الميتة ليس لها قيمة شرعًا، فإذا أتلفها متلف فإنه لا يضمن.
ولكن هل يُعاقَب على تعديه على حقوق الغير المحترَمة؟ الجواب: نعم، يعاقَب ويؤدَّب حيث أتلف شيئًا محترَمًا.
إنما ذكر المؤلف هذه الأشياء الثلاثة في باب الغصب؛ لقوله: (وإتلاف الثلاثة هدر)، أما غيرها مما يُتلَف ففيه الضمان، وسيأتي إن شاء الله.
قال: (وإن استولى على حر لم يضمنه)، يعني أنه أخذ حُرًّا واستولى عليه حتى جعله كالرقيق له، ثم مات الحر ويد الغاصب عليه فإنه لا يَضْمَن، لماذا؟ لأنه حر، ليس بمال، والحر لا تثبت عليه اليد، وإن استولى على عبد؟ الطلبة: ضمنه.
الشيخ: إذا استولى على عبد ضمنه؛ لأن العبد مال، كما لو استولى على سيارة، أو على بيت، أو ما أشبه ذلك، فإنه يضمنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1996

يقول رحمه الله: (وإن استعمله كرهًا أو حبسه فعليه أجرته)، يعني: إن أكرهه على أن يخدمه، أو أكرهه على أن يبقى في الدكان فعليه أجرته؛ لأنه أتلف منفعته ظلمًا وعدوانًا.
فإذا قال قائل: وهل يمكن أن يستولي على حر ولا يستعمله؟ نقول: نعم يمكن، يستولي على حر، حتى إذا جاءه الضيوف وجدوا عنده هؤلاء على أنهم عبيده، أو أولاده أيضًا؛ لأن الإنسان يفخر بالأولاد، ولكنه لا يستعملهم، يكرمهم، إنما يريد أن يكون أمام الضيوف عنده أولاد أو خدم.
فهؤلاء لا يضمنهم؛ لأنه لم يستعملهم، بل كان يكرمهم، أما لو استعمله وقال: تعال خذ العصا، اذهب إلى الماشية كن راعيًا فيها، أو خذ الجرَّافة واذهب إلى الأرض احرثها، أو خذ الدفاتر قيِّد الداخل والخارج؛ فهنا يقول المؤلف: إن عليه أجرتهم.
فإن استعمله طوعًا فليس عليه أجرة.
وظاهر كلام المؤلف سواء كان هذا الحر صغيرًا أو كبيرًا فيما إذا استعمله طوعًا، وهو مسلَّم في الكبير، أما الصغير ففيه نظر؛ لأن الصغير ربما يُطِيع وهو لا يدري عن الأمور، فكيف نقول: إنه لا يُضمَن مع أن تصرفه لا يُعتبر تصرفًا؟ فينبغي أن يقال: إن استعمله كرهًا وهو أيش؟ طلبة: كبير.
طالب آخر: كبير أو صغير.
الشيخ: كبير أو صغير؛ إن استعمله طوعًا؛ فإن كان كبيرًا فلا أجرة له، وإن كان صغيرًا فله الأجرة.
(أو حبسه)، إذا حبسه فعليه أجرته، وظاهر كلامه -رحمه الله- أن عليه أجرته مطلقًا، حتى وإن كان حبسه في وقت لا ينتفع فيه، كما لو حبسه في الليل، فالليل ليس محلًّا للعمل، ومع ذلك نقول: عليه الأجرة.
إذا حبسه فمات من الحبس هل يضمنه بِدِيَة؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم يضمنه بدية؛ لأنه مات بحبسه، فإن حبسه فنزلت عليه صاعقة من السماء، يضمنه أو لا؟ طلبة: يضمنه.
طالب آخر: إذا كانت الصاعقة بسبب.
الشيخ: سبب أيش؟ ما تتصور، هذه اختلف فيها الفقهاء رحمهم الله؛ منهم من قال: إنه يضمنه؛ لأنه لولا أنه حبسه في هذا المكان ما نزلت عليه الصاعقة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1997

ومنهم من قال: لا يضمنه، إلا إذا عُرِف أن هذا الموضع عادة تكثر فيه الصواعق، فإذا كان كذلك فإنه يضمنه.
ومثل ذلك لو لدغته حية ومات في مكان الحبس، فإنا نقول: لا يضمن، إلا إذا عُرِف أن هذا المكان تكثر فيه الحيات.
طالب: شيخ، قلنا: إن خمر الذمي تُرَدّ، فهل مثلها ما يعلقونه من الصلبان؟ الشيخ: إي نعم، حتى ما يعلقونه من الصلبان يُرَد إلا إذا كانوا يظهرونه، إذا أظهروه ما له حُرْمَة.
الطالب: هم يُظْهِرونه.
الشيخ: لا، أنا أسمع إنهم ما يظهرونه، يحطونه تحت الجيب، الصلبان يجعلونها تحت الجيب.
طالب: شيخ، إذا خِيفَ من أهل الذمة إذا شرب الخمر أن ينتشر بين المسلمين ولو كان بالخفية، هل يُمْنَعُوا من ذلك أو يُضيَّق عليهم؟ الشيخ: لا ما يُمنعون، يُمنع المسلمون من الاتصال بهم.
طالب: كيف نجمع بين إتلاف الخمر، قلنا: هدر، وبين وجوب رد .. الشيخ: إي نعم؛ لأنه إذا تلف فليس له قيمة شرعًا، وإذا كان موجودًا بعينه فهو مضمون لصاحبه يجب رده إليه.
الطالب: ويُعَزَّر؟ الشيخ: مَن يُعزَّر؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: ربما نقول: إنه يُعَزَّر من جهة أنه لا يجوز الاعتداء على أهل الذمة.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إن الكلب الذي لا يُقْتَنَى يا شيخ فإنه هدر، هذا يؤدي إلى مفسدة بين الإنسان -الجار وجاره- فلو قلنا بالرد ممكن ده يا شيخ يحصل فيه قتال بسبب هذا.
الشيخ: ويش اللي حطه عند جاره أصلًا.
الطالب: ممكن يا شيخ، يحصل.
الشيخ: إن كان هو للحفظ فهو من جنس الماشية، من جنس كلب الماشية، وإن كان للزينة أو تقليدًا للكفار فليس له حُرْمة.
طالب: شيخ، إذا كانت لقطة محرَّمة، فهل على الإنسان أن يتلفها ولا ضمان عليه؟ الشيخ: ويش معنى لقطة محرَّمة؟ الطالب: يعني كمن وجد آلة موسيقى مثلًا، فهل له أن يتلفها ولا ضمان عليه؟ الشيخ: إي نعم، يتلفها ولا ضمان عليه؛ لأن صاحبها غير معروف، فلا يُخْشَى من فتنة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1998

طالب: شيخ بارك الله فيكم، هذا الغاصب الذي مات هذا الطفل تحت يديه من صاعقة أو من حية، هذا يده يد ضمانات، يده مضمونة بكل حال يعني .. الشيخ: لا، ما هي مضمونة، لكن هذا سبب، ولَّا الحر ما هو يُضْمَن؛ لأن اليد لا تستولي عليه على قواعد الفقهاء رحمهم الله.
الطالب: سبق معنا أن الغاصب يضمن ما تلف تحت يده بكل حال.
الشيخ: إي، بس هذا يقولون: لا تثبت عليه اليد، الحر لا تثبت اليد؛ لأنه ليس بمال.
طالب: شيخ، استعرت من أحد العمال غير الناطقين باللغة العربية كتابًا، وجدت فيه بعض الشِّرْكِيَّات؛ تمائم ونحوها، فأخذته، فلم أُعْطِه إياه خوفًا على دينه، وبَيَّنْتُ له الصواب، فأخاف إن رددت له الكتاب أنه يُصدِّق ببعض ما فيه، وأخاف أني أكون أخذت ماله حقه.
الشيخ: يعني مثلًا استعرتَ من شخص كتاب بدعٍ.
الطالب: إي نعم، وهذا الكتاب لَمَّا نظرت فيه فإذا فيه بِدَع، كلمته ونَبَّهْتُه، فأخاف أنه لم يفهم كلامي، بيَّنْتُ له الحجة وأن الصواب غير ما في هذا الكتاب، لأنه .. الشيخ: هذا سهل يا أخي، الشيء اللي ما هو صواب، أو شرك، أو ما أشبه ذلك، حُطّ عليه خطًّا أحمر.
الطالب: بس اللغة ما يعرف عربية.
الشيخ: ما يفهم، أجيبه، وأقول: تعال، شوف الأحمر هذا؟ يقول: نعم، قل: هذا خراب، وانتهى.
الطالب: لكن يا شيخ الإشكال أن الكتاب ما هو باللغة العربية.
الشيخ: طيب، أنت فهمت الآن الذي فيه، هو إذا كان ليس لغة عربية وهو لغتك أنت فستفهم ما فيه.
الطالب: وفيه رموز كذا هذه فهمتها، أما الإشكال ( ... ). الشيخ: المهم أنك تفهم، اللي تفهم ضع عليه خطًّا أحمر وبيِّن له.
طالب: شيخ بارك الله فيك، إذا مات المحبوس بمرض؟ الشيخ: لا؛ لأن المرض لا يختص بالبقعة، إلا إذا كانت هذه الأرض التي حبسه فيها وَبِيئَة معروفة به فنعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: إنه لو استعمله يضمن أجرة المثل.
الشيخ: استعمل أيش؟ الطالب: استعمل الفرد.
الشيخ: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1999

الطالب: فكيف يقال: لو منعه أو عطَّله عن العمل استعمال.
الشيخ: كيف؟ الطالب: لو عطَّله عن عمله حتى خرج الوقت أو فاته بذلك شيء من المال، هل عليه الضمان؟ الشيخ: المذهب ليس عليه ضمان؛ لأنه لم ينتفع به، إلا إذا حبسه، فيفرِّقون بأنه إذا انتفع به فهو ضامن.
الطالب: هو حبسه، وبسبب الحبس فات عليه بعض المنافع.
الشيخ: إي نعم، ما عليه إلا الأجرة فقط، أما ما فات من المنافع فلا، لكن كما قلنا سابقًا: إن الظالم يجب أن يُغرَّم كل ما فات بسبب ظلمه.
طالب: المحبوس هل له أن يأخذ حقه قهرًا؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: يقتص من غاصبه، هل له أن يأخذ حقه قهرًا؟ الشيخ: لا، ليس له، إلا إذا غصبه مالًا ووجد ماله عنده يأخذه قهرًا.
طالب: أحسن الله إليك، إن أتلف الكلب الذي يُقْتَنَى في بلد يباع ويُشْتَرى، هل يضمن؟ الشيخ: يضمنه، إذا كان في بلد يرى علماؤه أنه يجوز بيع الكلاب الْمُعَلَّمَة فإنه يضمنه.
طالب: شيخ، قلنا في الدرس الماضي: إذا اختلف المالك والذي ( ... ) الاستعارة، إذا كان بعد مُضِيّ مدة من الأجرة فعليه أجرة المثل، إذا تبين أن الأجرة أكثر من اللي بيدعيه صاحب الـ .. الشيخ: إذا كانت أجرة المثل أكثر مما ادَّعاه، فالمذهب له أجرة المثل؛ لأن الإجارة انفسخت، والقول الثاني: إنه ليس له إلا ما ادَّعاه؛ لأنه مُقِرّ على نفسه بأن هناك عقدًا تم على هذا العِوَض.
طالب: المحبوس عند الغاصب، هل يلزم الغاصب أن يدفع أجرته على حسب العمل الذي استعمله، أم على ما فاته من منافع؟ الشيخ: لا، على حسب العمل الذي انتفع به فيه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا قلنا: صاحب الميتة رماها، ثم لما رأى أن أحدًا أراد أن يأخذ الجلد قال: أنا آخذه، هل له ذلك أم يكون لما رماها .. ؟ الشيخ: إذا رمى الإنسان شيئًا ما طابت نفسه منه، وليكن مثلًا هيكل برَّادة، فجاء إنسان وأخذه، ثم عاد صاحبه ليأخذه، هل يُقْبَل؟ الطالب: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2000

الشيخ: لا يُقْبَل، والأول كذلك، كل مَن رمى شيئًا زاهدًا فيه ورغبةً عنه فإنه يملكه آخِذُه.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لماذا فرَّقنا بين الاستيلاء والحبس إذا مات الحابس؟ الشيخ: بأيش؟ الطالب: بين الاستيلاء والحبس، يعني استولى عليه وبقي عنده ثم مات فإنه لا يضمن لأن الحر لا .. وإذا حبسه فمات فإنه يضمن؟ الشيخ: لأن بينهم فرقًا، الحبيس لا يمكن أن يتعدى محبسه.
الطالب: والاستيلاء ما يُعَدّ حبسًا.
الشيخ: لا الاستيلاء معناه يقول: تعال أنت ابني، مثلًا، أو ما أشبه ذلك، ولكنه طليق يخرج بالأسواق، يخرج في المساجد، المدارس.
( ... )


طالب: .. الأرض أو غرس لزمه القَلْعُ وأرشُ نقصِها وتسويتها والأجرة، ولو غصب جارِحًا أو عبدًا أو فرسًا فحصل بذلك صيد فلمالكه.
وإن ضرب المصوغَ ونسج الغزلَ، وقَصَّر الثوبَ أو صَبَغَه، ونَجَر الخشبَ ونحوَه، أو صار الحبُّ زرعًا، أو البيضة فرخًا، والنوى غرسًا، رَدَّه وأرشَ نقصِه، ولا شيء للغاصب، ويلزمه ضمان نقصِه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هو الغصب في اصطلاح الفقهاء؟ طالب: هو الاستيلاء على حق الغير بغير حق، من عقار أو ما يُنْقَل.
الشيخ: الاستيلاء على حق الغير بغير حق من عقار أو ما يُنْقَل.
طالب: الاستيلاء على حق الغير قهرًا.
الشيخ: قهرًا، لا بد أن يكون قهرًا؟ الطالب: لا بد يا شيخ.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لتخرج السرقة والاختلاس وغيرها التي بها أَخْذ حق الغير بغير قهر.
الشيخ: أحسنت، إذن لا بد أن نُقَيِّد قهرًا، حكمه من الناحية الشرعية؟ طالب: الحرمة، من كبائر الذنوب.
الشيخ: نعم، محرَّم، هل هناك دليل من القرآن؟ الطالب: نعم، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29].
الشيخ: ومن السنة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2001

الطالب: من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ».
(3) الشيخ: نعم، والإجماع أيضًا؟ الطالب: الإجماع؛ أجمعت الأمة على تحريمه.
الشيخ: على تحريم؟ الطالب: على تحريم الغصب.
الشيخ: على تحريم الغصب، وكذلك أيضًا المصلحة تقتضي أنه حرام، وما يحصل من .. الطالب: من العدوان على أموال الناس.
الشيخ: من عدوان على أموال الناس، والفوضى، وكل إنسان يريد أن يأخذ بحقه، إي نعم، هو من كبائر الذنوب، ليس هناك نص عام على أن الغصب من كبائر الذنوب، لكن فيه أشياء من الغصب جُعِلَت شرعًا من كبائر الذنوب، مثل: اقتطاع الأرض، أكل أموال اليتامى، فهل نقتصر على ما وَرَد فيه الوعيد، ونقول: الباقي يدخل في عموم التحريم، أو نقول: إن ما ذُكِر على سبيل المثال، ويكون هذا عامًّا؟ طالب: فيه احتمال.
الشيخ: إي نعم، الإنسان يرى أنه محتمِل، قد لا يجزم بأنه من كبائر الذنوب على سبيل العموم، ويقول: ما ورد فيه التخصيص نقف عليه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10]، «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (5)، ونقتصر على ما ورد به الوعيد يكون من الكبائر، وما لم يَرِد يكون من المحرَّمات على وجه العموم.
قوله: (من عقار ومنقول) ما الفرق بين العقار والمنقول؟ طالب: العقار الأشياء الثابتة كالأراضي.
الشيخ: الأشياء الثابتة كالأراضي والعمائر والأشجار، وما أشبهها، والمنقول؟ طالب: الأشياء التي تُنْقَل كالسيارات.
الشيخ: نعم، التي تُنْقَل كالأواني والسيارات والساعات، وما أشبه ذلك.
رجل غصب كلبًا، هل يجب عليه رَدُّه؟ طالب: إن كان هذا الكلب مما يُقْتَنَى.
الشيخ: إن كان مما يُقتنى وجب رده، وإلا فلا.
ما هو الْمُقْتَنَى؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2002

الطالب: الْمُقْتَنَى هو كلب الصيد أو الحراسة أو الماشية.
الشيخ: كلب الصيد.
الطالب: أو الحراسة.
الشيخ: الحراسة أي شيء؟ الطالب: يعني إنسان يخاف من عدو.
الشيخ: ويش اللي جاء في الشرع، ما الذي جاء في السنة؟ الماشية.
الطالب: الماشية.
الشيخ: والصيد.
الطالب: والصيد.
الشيخ: ويش بعد؟ طالب: الزرع.
الشيخ: الحرث، الحراسة ربما نأخذها من قوله: «إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ»، نأخذها من كلمة (ماشية) أن جميع الكلاب التي للحراسة يجوز اقتناؤها.
أتلف كلبَ الصيد، هل يضمنه أو لا؟ طالب: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن، لماذا؟ طالب: لأنه لا قيمة له شرعًا.
الشيخ: ليس له قيمة شرعًا، دليل ذلك؟ الطالب: النهي عن أَخْذ ثمنه.
الشيخ: أحسنت، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ثمن الكلب (8)، بارك الله فيك.
لو غصب جِلْد ميتة أيرده أم لا؟ طالب: على المذهب ما يرده.
الشيخ: نعم، على ما مشى عليه المؤلف لا يرده، لماذا؟ الطالب: لأنه لا يُنْتَفع به.
الشيخ: لا، إذا دُبِغ يُنْتَفَع به.
الطالب: لأنه داخل في قول الله تعالى: إن الله حرم عليكم الميتة والخنزير .. الشيخ: ليس نسأل عن ضمانه، لكن عن رَدِّه، المؤلف يقول: لا يرده، قل: ما فيه دليل.
الطالب: ما فيه دليل.
الشيخ: ويش الدليل؟ ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ الطالب: الراجح أنه يرده.
الشيخ: أنه يرده، لماذا؟ الطالب: لأنه يمكن الانتفاع به.
الشيخ: لأنه يمكن الانتفاع به، إذا دُبِغَ فإنه -على القول الراجح- يطهر، ويكون على هذا كالثوب الذي أصابته نجاسة.
لو أن رجلًا رمى بشاته في الشارع بعد أن ماتت، وهو لا يريدها ولا يريد جلدها، فلما رأى شخصًا سلخها وأخذ جلدها قال: إنه لي، ما تقول؟ طالب: ليس له ذلك.
الشيخ: ليست له؟ ليه؟ الطالب: لأنه رماها رغب عنها.
الشيخ: لأنه رماها زاهدًا بها راغبًا عنها، ومثل ذلك أي شيء يتركه صاحبه رغبةً عنه فإنه يملكه آخِذُه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2003

هل نقول: مثل ذلك السيارات المشلَّحة، يعني يوجد الآن سيارات تُصاب بحوادث ما تصلح للاستعمال، لكن فيها بعض الآلات نافعة، هل نقول: إن هذا مما تركه صاحبه رغبة عنه؟ طالب: نعم يا شيخ إذا رماها.
الشيخ: هو ما رماها، حصل عليها حادث وخربت.
الطالب: الناس يختلفون في هذا، من يتركها في مكان الحادث كي يتسنى له جبرها فيما بعد، فهنا لا يجوز ( ... ) منها.
الشيخ: طيب.
الطالب: وأما إذا تركها في المحرقة ورماها فيجوز أخذها.
الشيخ: إذا رماها للمحرقة انحرقت، ويش عاد يأخذ فحمًا؟ الطالب: هذه ترجع للعُرف.
الشيخ: إي صحيح، إذن ترجع للعُرف، والناس يفرِّقون بين سيارة حادثها يسير، تركها صاحبها بنية ( ... ) عليها، وبين حادث كبير تحطمت السيارة تحطمًا تامًّا فالغالب أن صاحبها لا يريدها.
استولى رجل على عبد؟ طالب: يضمن.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه مال.
الشيخ: لأنه مال، إذا استولى على عبد ضمنه؛ لأنه مال، كما لو استولى على بهيمة؛ على بعير، على حصان.
وعلى حُرّ؟ الطالب: لا يجوز؛ لأنه .. الشيخ: لأنه ليس بمال فلا تثبت عليه اليد.
استولى على الحر واستعمله؟ طالب: عليه أجرته.
الشيخ: عليه أجرته؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي، اضرب مثلًا لهذا.
الطالب: لو غصب حرًّا واستعمله فعليه أجرة المثل.
الشيخ: إي، ويش لونها أجرة المثل؟ أنت ذكرت كلام المؤلف فقط.
الطالب: لو جعله للخدمة.
الشيخ: يعني غصب حرًّا وقال له: تعال.
الطالب: استخدمه.
الشيخ: استخدمه، هذه الأرض احرثها وحرثها.
الطالب: فعليه أجرة المثل.
الشيخ: صحيح، حبسه بدون أن يستعمله؟ طالب: إذا كان الحبس لمدة لها أجرة يضمن، وإلا فليس له أجرة فلا ضمان.
الشيخ: إن حبسه مدة لها أجرة فعليه أجرته، وإلَّا فلا.
هل يُعَزَّر على حبسه الحر؟ طالب: يُعَزَّر.
الشيخ: يُعَزَّر؟ الطالب: مَن له الحق في تعزيره، الحاكم.
الشيخ: إي، هذا المحبوس رفع الأمر إلى القاضي أو إلى ولي الأمر، هل يعزِّره أو لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2004

الطالب: يُعَزِّرُه.
الشيخ: يُعَزِّرُه، توافقون على هذا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم يُعَزِّرُه، أي عدوان من أحد على أحد، إذا طالب المعتدَى عليه بحقه فإنه يُعَزَّر.


ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (ويجب رد المغصوب بزيادته، وإن غَرِمَ أضعافه).
الطلبة: ويَلْزَم.
الشيخ: عندي: (ويجب)، نسخة ما يخالف، (ويجب رد المغصوب بزيادته وإن غَرِمَ أضعافه)، أفادنا المؤلف أنه يجب على الغاصب رد المغصوب، يجب شرعًا، ومؤونة رَدِّه على مَن؟ الطالب: الغاصب.
الشيخ: على الغاصب؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (9)، هذا لفظ الحديث، فيجب عليه رده، ومؤونة الرد على الغاصب.
المثال الثاني، قال: (وإن غَرِمَ أضعافه)، يعني: لو غصب شعيرًا فخلطه في بُرٍّ، عشرة آصُع من الشعير غصبها وخلطها في عشرة آصُع من البُرّ، فطالب المالِك، قال: أعطني شعيري، قال: أنا خلطته بالبُرّ، لو بقيت أخلصه من البُرّ أكل عليّ أضعاف القيمة، ماذا نقول؟ طالب: يلزم.
الشيخ: يلزم، نقول: هات أناسًا يُلَقِّطُون الشعير من البُرّ، ولو كان قيمة البُرّ والشعير خمسين ريال، واللي يجيؤون يميِّزُونه بخمس مئة ريال، لازم، ولهذا قال: (وإن غَرِم أضعافه).
وقوله: (بزيادته) يعني: لو زاد المغصوب فإن الزيادة لمالكه، سواء كانت متصلة أم منفصلة؛ لعموم قول المؤلف: (بزيادته) المتصلة والمنفصلة.
مثال المتصلة: إنسان غصب شاةً صغيرة، ثم قام عليها بالإرضاع والإعلاف وشبَّت، نمت، هل يرجع الغاصب على مالك الشاة بما زاد من قيمتها؟ لا، الزيادة لمن؟ الطلبة: للمالك.
الشيخ: للمالك، غصب هذه الشاة وولدت عنده وأنتجت، وصار يبيع من ألبانها وألبان نتاجها، فلمن هذه الزيادة؟ الطلبة: لمالكها.
الشيخ: لمالكها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2005

فقول المؤلف رحمه الله: (بزيادته) يشمل الزيادة المتصلة؛ وهي التي لا يمكن انفكاكها كالسِّمَن، وتعلُّم الصنعة، وما أشبه ذلك، والمنفصلة كالولد واللبن وما أشبه ذلك.
غصب عبدًا، غلامًا صغيرًا، فعَلَّمَه الكتابة، وعلَّمَه علومًا عظيمة، فازدادت قيمته عشرة أضعاف، هل يرجع على مالك الغلام بالتعليم؟ لا؛ لأنه غاصب.
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (10)، أيّ عرق ظالم فليس له حق.
لو تلف، عليه ضمان؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم، عليه ضمانه، بقيمته الأصلية أو بزيادته؟ عليه الضمان بزيادته؛ لأن زيادة المغصوب تحدث على ملك المالك، فيجب عليه إذا أتلفه أن يَضْمَنَه بزيادته.
ثم قال المؤلف: (وإن بنى في الأرض أو غَرَسَ).
(إن بنى) أي: الغاصب.
(في الأرض) أي: المغصوبة.
(أو غرس) أي: في الأرض المغصوبة.
(لزمه القلع وأرشُ نقصِها وتسويتها والأجرة)، هذا مع الإثم، يلزمه أشياء: أولًا: القلع، وهذا إذا طالَبه صاحب الأرض، وقال: اقلع الذي غرست في أرضي، يلزمه.
أو بنى فيها، وقال له: اهدم البناء، فإنه يلزمه أن يهدم البناء، وهذا مقبول إذا كان لصاحب الأرض غَرَض في تخليتها من الغِرَاس والبناء.
لكن إذا كان يريد أن يبني عليها، فهل نُلْزِم الغاصب بالقلع؟ لو قال الغاصب: أنا لا أريدها، الشجر لك، والبناء لك، ولا تكلفني أن آتي بالمعاول وآتي بالرجال يقلعون الشجر ويهدمون البناء.
نقول: إن كان يفوت بذلك غَرَض صاحب الأرض بأن يقول صاحب الأرض: أنا أريد أن أغرسها نخلًا، وهي الآن مغروسة برتقالًا، أو قال: أنا أريد أن أغرسها من النوع المعيَّن من النخل دون النوع الموجود فيها، فهنا له الحق بأن يُلزم أيش؟ طالب: الغاصب.
الشيخ: الغاصب بقلع الغَرْس.

الجزء: 2 - الصفحة: 2006

كذلك في البناء، لو قال: أنا أريد أن أبنيها فيلّا، لكنها ليس على هذا الوجه، هذا البناء لا يطيب لي، إما من حيث رداءة البناء، أو من حيث تصنيف البناء مثلًا، فهل له الحق أن يُجْبِرَه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لكن إذا علمنا أنه ليس له غرض إلا الْمُضارَّة، وأن صاحب الأرض يريد أن يبنيها على ( ... ) هذه، أو يريد أن يغرسها بهذا النوع من الشجر، لكن يريد أن يُضَارّ بالغاصب، يكلفه، فهنا نمنعه ونقول: ليس لك أن تُجْبِرَ الغاصب على إزالة البناء أو الغِرَاس.
الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (10)، وهذا لا شك إنه ضَرّ صاحبه وأضَرّ به أيضًا، هذا واحد.
دليل آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال (11)، وهذا فيه إضاعة مال على مَن؟ طلبة: على الغاصب.
طلبة آخرون: عليهما.
الشيخ: عليهما جميعًا، على الغاصب واضح، وعلى المالك؛ لأنه الآن يريد أن ينشئ هذا البناء من جديد، وكان البناء أو الغِرَاس موجودًا، فقد أضاع المال، وسيخسر المرة الثانية بإنشائه، فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه، بماذا نقيِّده؟ بما إذا لم يتبين أن المقصود به المضارَّة، فإن تبين ذلك فإنه يُمنَع، «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
بقينا قول (أرشُ نقصها)، أرش نقص الأرض، هل تنقص الأرض بالبناء عليها؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم، ربما تنقص، يكون مثلًا أخذ من تربتها وهي صلبة، أو ما أشبه ذلك.
وأما في الغَرْس واضح أنها تنقص؛ لأن الأرض يسمونها الفلاحون إذا لم تُغْرَس يسمونها أرضًا بكرًا، وإن ماتت الأرض وصارت غير جيدة، فهنا فيها نقص، فيلزمه أرش نقصها، وكيف ذلك؟ نقول: نقدر الأرض مغروسة وغير مغروسة، يعني أن نقدرها بكرًا أو مغروسة قد نُزِع غرسها، فالفرق بين القيمتين هو أيش؟ طالب: الأَرْش.
الشيخ: هو أَرْش النقص، فيُلْزَم الغاصب بأرش النقص.

الجزء: 2 - الصفحة: 2007

الثالث: قال: (وتسويتها)، تسوية الأرض، تعرفون أن الأرض بعد أن يُهْدَم البناء الذي عليها لا بد أن يكون فيها حُفَر، ولا بد أن يكون لبقية الأنقاض الجذور أساسات الحيطان، نقول: نُلْزِم الغاصب بأيش؟ بأن يسوي الأرض ويردها على ما كانت عليه.
الرابع: قال: الأجرة، أجرة الأرض مدة استيلاء الغاصب عليها، فإذا قَدَّرْنَا أنه استولى عليها لمدة أربع سنوات ألزمناه بأجرتها لمدة أربع سنوات.
لكن هل نُلْزِمه بأجرتها مسكونةً ومعمورةً، أو بأجرتها بيضاء ليس فيها عمران؟ ما دمنا قلنا: إن الزيادة تكون لصاحب الملك فإنها تُقَوَّم على أنها مسكونة، الآن هي جعلها عمارات تُسْكَن، فله الأجرة.
ويحتمل أن يُقال: الأجرة هذه حصلت ببناء الغاصب وبأرض المالك، فتُجْعَل الأجرة بينهما نصفين؛ لأنّا الآن سنعطي المالك أكثر من أجرة الأرض، لاحظوا يا جماعة، سنعطي المالك أكثر من أجرة الأرض، أجرة الأرض بيضاء يمكن أن تكون عشرة آلاف في السنة، تكون مستودعات، تكون مواقف، لكن إذا كانت مبنية مئة ألف في السنة.
لكن من أين حصلنا مئة ألف في السنة؟ من بناء الغاصب، ومن أرض المالك.
فهنا لو قال قائل بأن لكل من الغاصب والمالك قسطَه من الأجرة، لكان جيدًا.
قال المؤلف: (ولو غَصَبَ جارِحًا، أو عبدًا، أو فرسًا، فحصَّل بذلك صيدًا فلمالكه).
(إذا غَصَبَ جارحًا)، الجارح يُطْلَق على الكاسب، مثل كلب الصيد، طير الصيد، هذا يُسَمَّى جارحًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4]، فهذا إنسان غصب كلب صيدٍ وصاد به، لمن الصيد؟ طلبة: للمالك.
الشيخ: للمالك؛ لأن الكلب لمالكه، ولم يكن من الغاصب إلا أنه أَشْلَاهُ بالصيد (12) فصاد، فيكون الصيد للمالك، كذلك أيضًا عبدًا، غصب عبدًا وقال للعبد: يلَّا روح صِدْ لنا طيورًا ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2008

ولو غَصَبَ جارحًا أو عَبْدًا أو فَرَسًا فحَصَّلَ بذلك صَيْدًا فلِمَالِكِه، وإن ضَرَبَ الْمَصوغَ ونَسَجَ الْغَزْلَ وقَصَّرَ الثوبَ أو صَبَغَه ونَجَّرَ الخشبَ ونحوَه أو صارَ الحبُّ زَرْعًا , أو البيضةُ فَرْخًا , والنَّوَى غَرْسًا رَدَّه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ للغاصبِ، ويَلزَمُه ضَمانُ نَقْصِه وإن خُصِيَ الرقيقُ رَدَّه مع قِيمتِه، وما نَقَصَ بسعرٍ لم يضْمَنْ ولا بِمَرَضٍ عَادَ ببُرْئِه، وإن عادَ بتعليمِ صَنعةٍ ضَمِنَ النَّقْصَ، وإن تَعَلَّمَ أو سَمِنَ فزَادَتْ قِيمتُه ثُم نَسِيَ أو هَزِلَ فنَقَصَتْ ضَمِنَ الزيادةَ كما لو عادَتْ من غيرِ جِنْسِ الأَوَّلِ، ومن جِنْسِها لا يَضْمَنُ إلا أَكْثَرَهما.
(فصلٌ) وإن خَلَطَ بما لا يَتَمَيَّزُ كزيتٍ، أو حِنطةٍ بِمِثْلِهما، أو صَبَغَ الثوبَ، أو لَتَّ سَوِيقًا بدُهْنٍ أو عكسُه - ولم تَنْقُص القيمةُ ولم تَزِدْ - فهما شَريكانِ بقَدْرِ مالَيْهِما فيه، وإن نَقَصَت القيمةُ ضَمِنَها، وإن زادَتْ قِيمةُ أحدِهما فلصاحبِه، ولا يُجْبَرُ مَن أَبَى قَلْعَ الصبْغِ، ولو قُلَعَ غرسُ المشترِي أو بِنَاؤُهُ لاستحقاقِ الأرضِ رَجَعَ على بائعِها بالغَرامةِ، وإن أَطْعَمَه لعالِمٍ بغَصْبِه فالضمانُ عليه , وعَكْسُه بعَكْسِه، وإن أَطْعَمَه لِمَالِكِه أو رَهَنَه أو أَوْدَعَه أو آجَرَه إيَّاه لم يَبْرَأْ إلا أن يَعْلَمَ، ويَبرأُ بإعارتِه، يكون الصيد للمالك، كذلك أيضًا: عبدًا، غصب عبدًا، وقال: يا عبد، يلّا روح صِدْ لنا طيورًا، صد لنا حمار وحش، صد لنا ظباء.
وذهب وصاد، فلمن؟ فللمالك، وذلك لأنه كسب ملكه فيكون له، كسب ملكه؛ أي: ملك المالك فيكون له.

الجزء: 2 - الصفحة: 2009

الثالث: فرسًا، الفرس ليس هو الذي يصيد، العبد يصيد، والجارح يصيد، الفرس لا يصيد، بل يُصاد عليه، والصائد هو الغاصب؛ لأن الغاصب صاده بسهمه أو صاده بوثبه، أما الفرس فليس له إلا العَدْو فقط، ولهذا ينبغي أن يُفرق بينه وبين الجارح والعبد؛ لأن الجارح والعبد حصل الصيد من فعلهما، وأما الفرس فليس من فعله.
ولهذا نقول: الراجح في مسألة الفرس أن الصيد للغاصب، لكن عليه أجرة الفرس، ربما تكون أجرة الفرس أكثر من قيمة الصيد، قد يصيد حمامة قيمتها خمسة ريالات، ولكن استعمال الفرس بخمسين ريالًا مثلًا، المهم أن في مسألة الفرس ينبغي أن يقال: الفرس لم يصد به، وإنما صاد عليه، فيكون الصيد للغاصب، وعليه لمالك الفرس الأجرة.
طالب: أكرمكم الله يا شيخ، لو غصب غاصب الأول ( ... ) صاحب الملك؟ الشيخ: لا، هذا قبل أن يطالب صاحب الملك، إذا طالب صاحب الملك إن طالب بإزالته أُزيل، إلا على ما وصفنا إذا كان فيه مضارة، وإذا لم يطالب فسيأتينا إن شاء الله تعالى حكم هل لمالك الأرض أن يقول: تبقى لي وأعطيك قيمة البناء؟ بيجينا إن شاء الله هذا.
طالب: لو كان هناك رجلان يا شيخ، فرأى أحدهما صيدًا فأخذ بندقية من صاحبه غصبًا، ثم صاد الصيد، لم يغصبه، إنما أخذه بدون .. الشيخ: ( ... ) عليه.
الطالب: إي.
الشيخ: الصيد للصائد.
الطالب: ولكن لم يأذن لصاحبه.
الشيخ: وإن لم يأذن، كما لو أخذ سكينًا وذبح بها الشاة تكون الشاة لذاك ( ... )، المهم أن الصيد لصائده.
طالب: لو حصل الغصب بشبهة، هل يلزم من هذه الأمور ( ... )؟ الشيخ: هذه تأتي إن شاء الله في الدعاوي، تأتينا إن شاء الله في آخر الكتاب بعد عشر سنوات.
طالب: شيخ بارك الله فيك، لو رد إليه الشعير والبر -في المثال الذي ذكرناه- وقلنا: إنه يلزم أنه يرد إليه ( ... ) غرم مثله مضاعفُا، فلو قال: أرد إليك الشعير والبر جميعًا أيسر من أن أميز لك حقك؟ الشيخ: لا يلزمه القبول.
الطالب: لا يلزمه القبول؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2010

الشيخ: إي نعم؛ لأنه يقول: أنا أحب أن يكون لي خبز شعير.
الطالب: ولو لم يكن له غرض صحيح في ذلك؟ الشيخ: لا، يقول: لي غرض صحيح ( ... )، وأجره ونيته فيما بينه وبين الله.
الطالب: لو لم يهدِ لغرض صحيح، فهل نفصل كما فصلنا .. الشيخ: ربما نقول: إذا قصد المضارة، وهذاك يقول: وهبته لك، لكن مشكلتنا هذه بالنسبة للبر والشعير أنه إذا قال: أنا أريد أن أبيع، وإذا خلطت الشعير بالبر وعرضته للبيع اتهمني الناس بالغش، وأنا لا أريد أن أغير سمعتي.
( ... )


طالب: ... ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الغصب: وَلَوْ غَصَبَ جَارِحًا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ فَرَسًا، فَحَصَّلَ بِذَلِكَ صَيْدًا فَلِمَالِكِهِ وَإِنْ ضَرَبَ المَصُوغَ، وَنَسَجَ الغَزْلَ، وَقَصَّرَ الثَّوْبَ، أَوْ صَبَغَهُ، وَنَجَرَ الخَشَبَ وَنَحْوَهُ، أَوْ صَارَ الحَبُّ زَرْعًا، أو البَيْضَةُ فَرْخًا، وَالنَّوَى غَرْسًا، رَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ، وَلَا شَيْءَ لِلغَاصِبِ، وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ، وَإِنْ خَصَى الرَّقِيقَ رَدَّهُ مَعَ قِيمَتِهِ وَمَا نَقَصَ بِسِعْرٍ لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بِمَرَضٍ عَادَ بِبُرْئِهِ، وَإِنْ عَادَ بِتَعْلِيمِ صَنْعَةٍ ضَمِنَ النَّقْصَ، وَإِنْ تَعَلَّمَ أَوْ سَمِنَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ثُمَّ نَسِيَ أَوْ هُزِلَ فَنَقَصَتْ ضَمِنَ الزِّيَادَةَ كَمَا لَوْ عَادَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأَوَّلِ، وَمِنْ جِنْسِهَا لَا يَضْمَنُ إِلَّا أَكْثَرَهُمَا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2011

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم هذه المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله مبنية على حديث: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1)، فنذكر منها ما ذكر المؤلف، يقول: (وَلَوْ غَصَبَ جَارِحًا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ فَرَسًا فَحَصَّلَ بِذَلِكَ صَيْدًا فَلِمَالِكِهِ) هذه ثلاث مسائل، غَصَبَ جَارِحًا -الجارح مثل الكلب المُعلَّم والصقر- وما أشبه ذلك، فحصل بذلك صيدًا فهو لمالكه، أي: لمالك الجارح، وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم معتدٍ، والكسب حصل من ملك غيره.
العبد أيضًا لو أنه غصب عبدًا، وهذا العبد اصطاد صيودًا، فالصيود لمالك العبد، لماذا لا تكون للعبد؟ لأن العبد لا يملك، وما يملكه العبد فهو لسيده، وعلى هذا فيكون لمالك العبد.
كذلك لو حصَّل فرسًا يعدو عليه؛ ليصطاد عليه، فالصيد لمالكه؛ لمالك الفرس، ولا شك أن هذه الصور بينها فرق فالجارح يصيد بنفسه فيتضح كون الصيد لمالك الجارح العبد أيضًا يصيد بنفسه فيتضح كون صيده لمالكه، الفرس لا يصيد بنفسه، وإنما يصيد راكبه، فكون ما حصل على الفرس الذي غصبه لمالك الفرس فيه نظر، والصواب أنه للصائد، لكن يلزمه أجرة المثل للفرس فيقال مثلًا: الصيد للغاصب، وعليه لمالك الفرس أجرة المثل، وذلك لأن الفرس ليس هو الذي صاد، بل الذي صاد راكبه، فالفرق بين المسائل الثلاث واضح، وهذا هو الحكم.
إذا غصب جارحًا فاصطاد الجارح صيدًا فالصيد لمالك الجارح، عبدًا فاصطاد العبد صيدًا فالصيد لمالكه، فرسًا فاصطاد به صيدًا فلمن؟ فللغاصب، لكن عليه أجرة المثل، كما لو غصب سكينًا وصاد بها، فما صاد بالسكين فهو له، وعليه أجرة المثل لمالك السكين، أو مثلًا في الرمح أو غير ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2012

يقول رحمه الله: (وَإِنْ ضَرَبَ الْمَصُوغَ، وَنَسَجَ الغَزْلَ، وَقَصَّرَ الثَّوْبَ، أَوْ صَبَغَهُ، وَنَجَرَ الخَشَبَ وَنَحْوَهُ، أَوْ صَارَ الحَبُّ زَرْعًا، أَوِ البَيْضَةُ فَرْخًا، أَو النَّوَى غَرْسًا، رَدَّهُ وَرَدَّ أَرْشَ نَقْصِهِ، وَلَا شَيْءَ لِلغَاصِبِ).
هذه عدة مسائل أيضًا: إذا (ضَرَبَ الْمَصُوغَ) بأن غصب مثقالًا من الذهب وحوَّله إلى حلي، أو مثقالًا من الفضة وحوله إلى حلي، فلمن تكون هذه الزيادة التي زادت بالصنعة تكون لمن؟ تكون لمالك المصوغ، وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم.
كذلك لو (نَسَجَ الغَزْلَ) غصب غزلًا من صوف أو وبر أو شعر، ثم حوله إلى نسيج فهو لمن؟ لمالكه، وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم.
كذلك (قَصَّرَ الثَّوْبَ) أي: غسله بعد أن كان وسخًا غسله، ومن المعلوم أن قيمته ستزداد، لكن الزيادة لمالك الثوب، وليس للغاصب شيء، والعلة أنه ظالم.
(أَوْ صَبَغَهُ) إذا صبغ الثوب إلى صبغ مرغوب عند الناس بعد أن كان أبيض غير مرغوب فإن الصبغ يكون لمالك الثوب، هكذا قال المؤلف هنا، لكن فيه نظر؛ لأن الصبغ لا بد فيه من شيء يصبغه به، والشيء الذي صبغه به ملك للغاصب، فكوننا نقول: إن الصبغ يكون لمالك الثوب، مع أن في هذا الثوب عينًا للغاصب.
فيه نظر، وينبغي أن يقال: للغاصب قيمة صبغه، لكن لو نقص الثوب بالصبغ بأن حوله إلى صبغ تنقص به القيمة فعلى الغاصب ضمان النقص.
قال: (وَنَجَرَ الخَشَبَ) إنسان أخذ أعمدة من الخشب ونجرها أبوابًا، فهنا لا بد أن تتغير القيمة وتزداد، فقيمته لمن؟ للمالك؛ لأن هذا ناتج عن فعل ظالم.
النجارة التي تتساقط عند النجر لتسوية الباب وما أشبه ذلك قد يكون لها قيمة، فمن يضمنها؟ يضمنها الغاصب، والنجارة كان الناس فيما سبق يتخذونها حطبًا، يشترون من النجار، يشترون منه هذه النجارة، أتعرفون هذه النجارة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: هذه النجارة يضمنها الغاصب؛ لأنه ظالم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2013

وقوله: (وَنَحْوَهُ) كما لو حول الحديد إلى أبواب غصب صاجات من الحديد، وحولها إلى أبواب فلمن تكون؟ تكون للمالك والغاصب لا يستحق شيئًا.
(أَوْ صَارَ الحَبُّ زَرْعًا) إذا صار الحب زرعًا فهو للغاصب كيف صار الحب زرعًا؟ الطالب: يزرعه يا شيخ.
الشيخ: يعني أيش؟ مثال.
الطالب: مثال لو أخذ حبًّا .. الشيخ: لو غصب حبًّا.
الطالب: حبًّا من القمح ( ... ). الشيخ: ثم زرعه.
الطالب: ألقى الحب ثم زرعه .. الشيخ: ألقى الحب في الأرض، وصار زرعًا، فالزرع لمن؟ الطالب: الزرع للغاصب.
الشيخ: الزرع للغاصب؟ الطالب: لا هو على كلام المؤلف للمالك.
الشيخ: وهو كذلك، يكون الزرع لمالك الحب لا للغاصب؛ لأن هذا الزرع هو عين ملكه، لكنه تحول بإرادة الله عز وجل إلى هذا.
كذلك صارت (البَيْضَةُ فَرْخًا) فالفرخ لمالك البيضة؛ يعني: رجل غصب بيضة، ووضعها تحت طائر، وصارت فرخًا، فالفرخ هذا لمن؟ لمالك البيضة؛ لأن هو ملكه وعين ماله.
وهل يستحق الغاصب في هذه المسائل أجرًا؟ الجواب: لا، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1). أو صار (النَّوَى غَرْسًا) النوى معروف، وهو نواة التمرة، غَصَبَ نوى ووضعه في الأرض فصار غرسًا، فالغرس لصاحب النوى، فهذا الذي غصب مئة نواة ودفنها في الأرض صارت كم؟ مئة نخلة، تكون لصاحب النواة وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».

الجزء: 2 - الصفحة: 2014

يقول المؤلف: (إِنْ ضَرَبَ المَصُوغَ) إلى آخره، الجواب جواب (إن) في هذه المسائل كلها، (رَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ) معلوم أن بعضه لا يمكن الرد، مثل: الحب يكون زرعًا، النوى يكون غرسًا، البيضة تكون فرخًا، لكن الثوب إذا قصره يمكن يرده أو لا؟ يرد الثوب ويرد نقصه؛ يعني: لو فرض أنه نقص بهذا، وأنه كان في الأول جديدًا لكنْ فيه وسخ، ثم لما غسله صار غسيلًا، ومعلوم أن قيمة الغسيل أنقص من قيمة الجديد، ولو كان وسخًا؛ لأن الذي يرى الجديد الوسخ يعلم أن استعماله قليل، لكن الذي يرى الغسيل يقدر أنه استعمل استعمالًا كثيرًا ثم غسل.
يقول: (رَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ، وَلَا شَيْءَ لِلغَاصِبِ)، أما وجوب رده فظاهر؛ لأنه ملك لغيره، فيجب رده إليه، وأما كونه لا شيء له فلأنه ظالم، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1). (وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ) هذه مسألة جديدة، يعني يلزم الغاصب ضمان نقص ما غصب من أي شيء كان، إن كانت أرضًا فنقصت بحرثه إياها وتغييره إياها فهو ضامن.
إن كان كتابًا فاستعمله ونقص فإنه يلزمه ضمان نقصه وهذه مسألة مستقلة ليست مضافة على المسائل التي ذكرها؛ لأن المسائل التي ذكرها قال: (رَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ) وانتهت، (يَلْزَمُهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ) نقص أيش؟ المغصوب مطلقًا؛ حبر استعمله فنقص يلزمه ضمان نقصه.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَإِنْ خَصَى الرَّقِيقَ رَدَّهُ مَعَ قِيمَتِهِ) رجل غصب رقيقًا فخصاه، وخصاء الرقيق حرام؛ لأنه يؤدي إلى قلة النسل، ولكن الغاصب خصاه من أجل أن تزيد قيمته؛ لأن الرقيق إذا كان خصيًّا كانت قيمته أكثر، لماذا؟ لماذا تكون قيمة الخصي من الرقيق أكثر من قيمة الفحل؟ طالب: قد يجالس النساء ( ... ). الشيخ: لأنه أقل خطرًا على النساء من الفحل.
لكن يقول المؤلف: زادت قيمته، يقول: (رَدَّهُ مَعَ قِيمَتِهِ) قيمته خصيًّا أو قيمته فحلًا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2015

طلبة: فحلًا.
الشيخ: لا، قيمته خصيًّا؛ لأن هذا الخصاء زادت به القيمة، وهو فعل من ظالم، وليس له فيه حق مثال هذا: غصب رقيقًا فحلًا يساوي عشرة آلاف فخصاه، فصار يساوي عشرين ألفًا، يرده ويرد معه عشرين ألفًا، كذا؟ طالب: عشرة آلاف.
الشيخ: الصواب عشرة، لماذا يرد عشرة آلاف؟ لأنه أتلف منه ما فيه دية كاملة بالنسبة للحر، الإنسان لو خصى حرًّا ويش يجب عليه؟ طلبة: الدية كاملة.
الشيخ: الدية كاملة، الرقيق ديته قيمته، فهذا الرجل خصى الرقيق، لما خصى الرقيق نقول: عليك قيمته؛ لأنك أتلفت منه ما فيه دية كاملة بالنسبة للحر، وما فيه دية كاملة بالنسبة للحر ففيه قيمة العبد كاملة، فصار هذا الإنسان زاد صاحب العبد بضمان القيمة، وزيادة قيمته بالخصاء ويرد العبد أيضًا؛ لأن العبد ليس ملكًا له فإن قال قائل: هل خصاء الآدميين جائز؟ فالجواب: لا، لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى قطع النسل، إذ إن الخصي لا ينجب.
خصاء غير الآدميين هل يجوز أو لا يجوز؟ إذا كان لمصلحة البهيمة فهو جائز، ولو كان من أجل زيادة الثمن، ولا شك أن خصاء البهيمة يجعل لحمها أحسن وأطيب، وهذا في المأكول ظاهر، لو خصى خروفًا أو ثورًا أو جملًا أو فرسًا؛ يعني ذكرًا من الخيل، فهذا لا شك أنه يستفاد منه؛ لأنه يزيد اللحم، يطيب، لكن إذا كان لا يؤكل -كالحمار مثلًا- ما الفائدة من خصائه؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، الفائدة اتقاء شره؛ لأن الفحل من الحمير يتعب صاحبه، إذا رأى أنثى من الحمير ركب إليها، وربما يسقط صاحبه، وكذلك أيضًا يأخذ بالنهيق فيتعب فإذا خصي بردت شهوته ولم يحصل منه هذه المفسدة.
المهم، إذا خصى الرقيق رده مع قيمته (وَمَا نَقَصَ بِسِعْرٍ لَمْ يُضْمَنْ) (ما نقص بسعر) يعني: أن هذا الغاصب غصب هذه العين تساوي عشرة آلاف، ثم نزل السعر حتى صارت لا تساوي إلا خمسة، فهل يضمن الخمسة أو لا يضمن؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2016

المؤلف يقول: إنه لا يضمن، وهو المذهب؛ لأن هذا النقص ليس عائدًا إلى عين المغصوب، بل لأمر خارج، وهي قيمته عند الناس، ومعلوم أن القيمة ترتفع أحيانًا وتنخفض أحيانًا، فلو غصب شاة قيمتها مئتا ريال، وبقيت عنده ولم تنقص عينها، بل ربما زادت، ثم نقص السعر حتى صارت لا تساوي إلا مئة ريال، فهل يرد الشاة ومئة ريال؟ على كلام المؤلف: لا، يرد الشاة ولا يضمن نقص السعر، مع أنه حين غصبها من مالكها كانت تساوي مئتين، وحال بينه وبينها حتى نقص السعر فلم تبلغ قيمتها إلا مئة، فالمذهب -وهو ما مشى عليه المؤلف- أنه لا يضمن، وعللوا ذلك بأن عين المغصوب لم تنقص، وإذا كانت لم تنقص فزيادة القيمة ونقصها لأمر خارج، وهو الطلب أو الجلب، إذا كثر الطلب لزم من ذلك ارتفاع القيمة، وإذا كثر الجلب لزم من ذلك نقص القيمة، أما عينها فلم تتغير.
قالوا: نظير ذلك لو استقرض صاعًا من بر من شخص يساوي ثلاثة دراهم، ثم ردَّه عليه وهو يساوي درهمين، هل يعطيه درهمًا؟ لا؛ لأنه رد عليه عين ماله أو رد عليه مثل ماله، وكذلك بالعكس لو استقرض صاعًا من البر يساوي درهمين، ثم ارتفعت القيمة فصار يساوي ثلاثة، يرد الصاع ويأخذ من صاحبه درهمًا؟ أجيبوا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، يرد الصاع، فالنقص أو الزيادة في السعر لأمر خارج، لكن يقال: إن هذا الغاصب حال بين المالك وملكه حتى نزل السعر فهو ظالم، ونقص السعر في الواقع نقص صفة؛ لأن السعر قيمة السلعة، والقيمة تعتبر صفة في الواقع، ولهذا كان القول الصحيح أنه إذا نقص السعر فإن الغاصب يضمن النقص، فنقول: ردَّ العين إلى صاحبها ومعها نقص السعر.
رجل غصب كتابًا يساوي خمسين ريالًا، ثم بعد شهر أو شهرين رده وهو يساوي أربعين ريالًا، فماذا نقول؟ طالب: المذهب ( ... ). الشيخ: لا يضمن نقص السعر، لكن إن كان الكتاب نقص بالاستعمال يضمن النقص، وعلى القول الثاني؟ طالب: القول الثاني: يضمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 2017

الشيخ: يضمن نقص السعر فيردُّ الكتاب ويرد معه عشرة دراهم، ويرد أيضًا أرش النقص الذي حصل باستعمال الكتاب، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام رحمه الله، وشيخنا عبد الرحمن السعدي، وهو الصواب، وهذا القول ينبغي أن يكون هو المتعين؛ لأنه إذا قلنا: إن السعر لا يُضمن ربما يعتدي المعتدي على شخص، فيغصبه ماله ويحبسه عنده يريد أن تنقص الأسعار ثم يسلمه إلى صاحبه، وهذا لا شك في أنه يضمن؛ لأنه تعمد إدخال أيش؟ طلبة: الضرر.
الشيخ: الضرر على المالك فيضمن، يعني هذا ليس كالذي غصبه وحبسه ليستعمله أو لغير ذلك، ولم يخطر بباله أنه يريد إضرار المالك بنقص السعر، هذا أهون، لكن قد يعتدي المعتدي ويغصب الأشياء ويجعلها عنده، حتى إذا نقص السعر قال: يا رجل خذ مالك، على كل حال الصواب أن ما نقص بالسعر فإنه مضمون.
قال: (وَلَا بِمَرَضٍ عَادَ بِبُرْئِهِ) يعني: ولا يُضمن نقص بمرض (عَادَ) يعني: النقص (بِبُرْئِهِ) أي: ببرء المرض.
مثال ذلك: غَصَبَ شاة، مرضت الشاة نقص لبنها، ثم شُفيت الشاة وعاد لبنها على طبيعته، فهل يضمنها أو لا؟ يقول المؤلف: لا يضمن؛ لأن النقص الذي حصل عنده عاد، ورجعت إلى حالها الأولى، لكن لو فُرِض أنه كان رده إياها حين مرضها فإنه يضمن، أما بعد أن شُفيت فإنه لا يضمن؛ لأنه عاد على ما كان عليه حين الغصب، ولهذا قال: (وَلَا بِمَرَضٍ عَادَ بِبُرْئِهِ)، برء أيش؟ طلبة: المرض.
الشيخ: برء المرض، وصورتها كما سمعتم، غصب شاة فمرضت فنقصت قيمتها، نقصت هي عينها، ثم شفيت، فعادت على ما كانت عليه، ثم ردها بعد ذلك، فإنه لا يضمنها، لكن لاحظوا أن كل ما أخذه من لبن فإنه يضمنه؛ لأن المنافع مضمونة على الغاصب، والكلام الآن على ضمان الأعيان.
(وَإِنْ عَادَ بِتَعْلِيمِ صَنْعَةٍ ضَمِنَ النَّقْصَ)، (إِنْ عَادَ) يعني: النقص، لا ببرء المرض ولكن بتعليم صنعة؛ ضمن النقص؛ لأن عَوْدَه هنا ليس هو عودة النقص الذي حصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 2018

مثاله: غَصَبَ عبدًا، ومرض العبد وهُزِل، تنقص قيمته لا شك، لكنه علَّمه صنعة ارتفعت بها قيمته، كم يساوي هذا العبد قبل أن يمرض؟ يساوي عشرة آلاف، مرض فصار يساوي خمسة آلاف، تعلم صنعة فصار يساوي عشرة آلاف؛ يعني عاد الآن إلى القيمة الأولى، فهل يضمن نقصه؟ الجواب: نعم؛ لأن الغاصب ضامن للنقص، والزيادة للمالك، فنقول: الآن العبد يساوي ناقصًا غير متعلم للصنعة يساوي نصف قيمته قبل أن ينقص، فيرد العبد ونصف قيمته؛ وما زاد بتعلم الصنعة فإنه أيش؟ طلبة: للمالك.
الشيخ: للمالك.
غصب عبدًا كاتبًا فنسي الكتابة، لكنه تعلم صنعة الآلات الكهربائية مثلًا، وصار ما نقصه بنسيان الكتابة مجبورًا بما تعلمه من الصناعة الكهربائية، هل نقول: هذا يجبر هذا؟ لا، نقول: اضمن نقصه بالكتابة، وزيادة قيمته بالصناعة الكهربائية لمالكه.
ثم قال: (وَإِنْ تَعَلَّمَ أَوْ سَمِنَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ثُمَّ نَسِيَ) في مسألة التعلم (أَوْ هُزِلَ) في مسألة السمن (فَنَقَصَتْ) أي: قيمته (ضَمِنَ الزِّيَادَةَ).
رجل غصب عبدًا جاهلًا لا يعرف، فعلَّمه فتعلَّم فزادت القيمة، ثم نسي فنقصت، كانت قيمته قبل أن يتعلم عشرة، ولما تعَلَّم صارت قيمته عشرين، ولما نسي عاد إلى عشرة، فيقول المؤلف: فإنه يضمن الزيادة اللي حصلت بأيش؟ بالتعلم، يضمنها؛ لأنه لما زادت قيمته بالتعلم وهو على ملك صاحبه -أي: مالكه- نقصت الزيادة وهو في ضمان الغاصب، فيضمن الزيادة.
ومثله أيضًا لو أنه سَمِن بعد غصبه، سمن بأن يكون غصب شاة هزيلة، ثم علفها حتى صارت سمينة، ثم عادت وهزلت، هل يضمن الزيادة التي زادت؟ نعم، يضمنها؛ لأن زيادتها كانت في ملك مَن؟ في ملك صاحبها، والنقص صار في ضمان الغاصب فيضمن الزيادة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2019

(كَمَا لَوْ عَادَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأَوَّلِ) يعني كما لو عادت الصنعة من غير جنس الأول، بأن غصب عبدًا جاهلًا لا يعرف الصناعة، فتعلم النجارة وصار جيدًا ماهرًا في النجارة، ثم نسي فتعلم الحدادة وصار متقنًا لها، فهل يضمن نقصه حين نقص بنسيان النجارة؟ نعم، يضمنه؛ لأن الجنس الآن مختلف، نجارة وحدادة، فعَادَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأَوَّلِ.
أما لو عادت من جنسها فإنه لا يضمن إلا أكثرها، كما لو تعلم الكمبيوتر في شيء معين، ثم تعلمه في شيء آخر، ونسي العلم الأول، فهنا الزيادة من جنس ما نسيه، فلا يضمن إلا أكثرهما، فإذا كانت الزيادة بعد النقص فلا ضمان عليه؛ لأنه زاده خيرًا، لكن إن كان ما نسيه أكثر فإنه يضمن الأكثر؛ لأنهما من جنس واحد.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، هل للسلطان أن يعزر من غصب فرسا مثلًا، نحن قلنا: إذا غصب فرسًا أو سكينًا أصاب بهما، فإن الفعل فعل الغاصب، ولذلك فالصيد الراجح أنه له، فهل إذا قَلَّت خشية الله من الناس، وهل للسلطان أن يجعل مثلًا ما صاد به الغاصب للمالك تعزيرًا؟ الشيخ: هذا ينبني على جواز التعزير بالمال، وإذا قلنا بجواز التعزير بالمال فإن هذا المال الذي أخذ تعزيرًا يكون في بيت المال.
طالب: ليس للمالك.
الشيخ: ليس للمالك، لكن في الغالب أنه قد يقول المالك: مدة بقاء الفرس عند هذا الرجل تستحق الأجرة.
فيطالب بالأجرة.
طالب: يا شيخ، مثلًا من غصب فرسًا فصاد إن الصيد للغاصب وللمالك أجرة المثل؟ الشيخ: إي نعم، هذا الراجح، هذا هو الراجح.
طالب: ما هي مسألة من غصب حبًّا حتى صار زرعًا فمثل هذه المسألة؟ الشيخ: لا.
طالب: ما الفرق؟ الشيخ: الفرق أن الحب هو عين ملك المالك، نفس الحب هذا.
طالب: أليس الزرع ( ... )؟ الشيخ: ما يخالف، بفعله كما لو نجر خشبًا، أرأيت لو جعل الخشب بابًا؟ فهو بفعله ومع ذلك نقول: إن الباب للمالك، وعليك ضمان ما نقص من الخشب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2020

طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، ما حكم دخول المخصي ( ... ) على النساء؟ الشيخ: القاعدة كل من لا شهوة له فهو كالصبي، يعني يدخل على النساء ولا فيه شيء.
طالب: شيخ في ضمان النقص والزيادة بالنسبة للغاصب، هل هناك فرق بين الغاصب والسارق في هذا؟ الشيخ: لا فرق، الضمان واحد كل من أخذ مالًا من غيره بغير حق فإنه يعامل هذه المعاملة.
طالب: يا شيخ، نأخذ قياس يا شيخ على الشرح بغصب الفرس وصيد الصائد على أن الفرس له سهمان .. الشيخ: على أنه أيش؟ طالب: على أن الفرس له السهام في المغازي والفارس له سهم واحد ( ... ) في الغنائم له سهمان.
الشيخ: إي، الفارس له ثلاثة أسهم.
طالب: إي نعم، وللفرس سهم زيادة عن حق .. الشيخ: إي، معلوم؛ لأن منفعة الفارس أكثر من منفعة الراجل.
طالب: يمكن بعض الطلاب يستغرب ( ... ) أن غاصب الفرس له الصيد والمالك له .. الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن هذا انتفاعه بالفرس في القتال انتفاع في جهاد الأعداء أما هذه مسألة مالية.
طالب: لكن يا شيخ مقصدي أنا أني أقول: ( ... ) لها وجه نظر في الشرع.
الشيخ: أيهم؟ طالب: تنبيهكم على صيد الغاصب ( ... ). الشيخ: إي نعم، هذا هو الراجح.
طالب: شيخ بارك الله فيك، قوله: (وَمِنْ جِنْسِهَا لَا يَضْمَنُ إِلَّا أَكْثَرَهُمَا) لو تعلم صنعة -مثلًا البناء- ثم نسي البناء، وتعلم مثلًا التلييس، وكان الأخيرة أكثر نفعًا هل يضمن أم لا.
الشيخ: لا، ما يضمن؛ لأن التلييس داخل في البناء فالظاهر أنه من جنسه.
طالب: قوله (لَا يَضْمَنُ إِلَّا أَكْثَرَهُمَا) يعني؟ الشيخ: يعني مثلًا لو كان البناء أكثر قيمة من التلييس ضمن الزيادة هذه.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، إذا غصب عبدًا فجنى العبد، العبد عند الغاصب، والعبد جنى على أحد .. الشيخ: على الغاصب، تكون على الغاصب، الغاصب يتحمل جميع النقوص، وليس له شيء من الزيادة؛ لأنه ظالم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2021

طالب: فيما ذكر المصنف: (إذا صار الحب زرعًا، والفرخة بيضًا) إذا قال المالك: ليس لي غرض في أن ينتقل إلى هذه العين، هل له أن يطالب الغاصب بمثل ماله الأول؟ الشيخ: هو الظاهر؛ لأنه تحول -في الواقع- تحوَّل إلى زرع، وهو يقول: أنا لا أريد الزرع، أنا أريد الحب، فله أن يطالبه بذلك.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ( ... ) في إخراجنا للثوب المصبوغ يا شيخ، قلنا: إن الصحيح أنه يرجع بقيمته على المالك إذا كان الصبغ مرغوبًا فيه؛ لأن العين صبغ عين الزائد على الـ .. ، ما تبين الفرق بين إخراجنا هذه الصورة عن باقي الصور اللي ذكرها المؤلف.
الشيخ: الفرق لأن الغاصب أدخل في هذا عينا أخرى، وهو الصبغ.
طالب: لو قال قائل: في صياغة الحلي .. الشيخ: في أيش؟ طالب: صياغة الذهب.
الشيخ: إي نعم.
طالب: أدخل شيئًا زائدا على .. الشيخ: ما أدخل شيئًا.
طالب: غير الصناعة يا شيخ.
الشيخ: الصناعة خارجة عن نفس العين، غاية ما هنالك حَوَّل العين من شيء إلى آخر، فلا بينهما فرق، وسيأتي إن شاء الله في الفصل الثاني اللي بعده ما يبين أن المؤلف في هذا أخطأ، أن عندي عليه تعليق، الظاهر يقول: لو سبقه صريحه أنه لا شيء للغاصب وهذا خلاف المذهب ولعلها سبق قلم؛ لأني لم أجد ذلك في الفروع في المحرر ولا في الإقناع ولا في الممتع، وهو مخالف لكلامه الآتي في الفصل الذي بعده، وكلامه في الفصل الذي بعده هو المذهب الصحيح.
طالب: بالنسبة يا شيخ إذا حَوَّل النوى إلى غرس، إذا احتاج إلى مؤونة من الغاصب كأسمدة، وغير ذلك هل يرجع بها على المالك؟ الشيخ: لا أبدًا، لا يرجع بشيء إطلاقًا.
طالب: نحن قلنا في الثوب المغصوب .. الشيخ: إي نعم؛ لأن الصبغ في نفس العين.
طالب: عين جديدة؟ الشيخ: في نفس العين، الثوب هذا أبيض وصبغه أسود، صار الثوب في نفس العين، لكن مسألة السماد خارجة عن الشجرة.
طالب: ولأنه اتخذ مؤونة .. الشيخ: لا، ما يضر.
طالب: أبدًا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2022

الشيخ: أبدًا، حتى لو قلنا بهذا، وقلنا: إذا علمه الصنعة فله أجرة التعليم، وليس له أجرة.
طالب: بل يعلمه هو؟ الشيخ: حتى لو علمه، وحتى لو علمه هو أيضًا يحتاج إلى أجرة منفعته.


الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فَصْلٌ

وَإِنْ خُلِطَ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ كَزَيْتٍ، أَوْ حِنْطَةٍ بِمِثْلِهِمَا، أَوْ صَبَغَ الثَّوْبَ، أَوْ لَتَّ سَوِيقًا بِدُهْنٍ، أَوْ عَكْسُهُ وَلَمْ تَنْقُصِ القِيمَةُ وَلَمْ تَزِدْ، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا فِيهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ القِيمَةُ ضَمِنَهَا، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فِلِصَاحِبِهِ، وَلَا يُجْبَرُ مَنْ أَبَى قَلْعَ الصِّبْغ، وَلَوْ قُلِعَ غرْسُ المُشْتَرِي أَوْ بِنَاؤُهُ لاسْتِحْقَاقِ الأَرْضِ، رَجَعَ عَلَى بَائِعِهَا بِالغَرَامَةِ، وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِعَالِمٍ بِغَصْبِه، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل غصب بندقية وصاد بها صيدًا، فلمن يكون الصيد؟ طالب: يكون الصيد للغاصب.
الشيخ: للغاصب؟ طالب: نعم، وعليه أجرة البندقية لصاحبها.
الشيخ: وعليه أجرة البندقية لصاحبها.
لو زادت الأجرة على قيمة الصيد؟ طالب: لا يُلزم إلا بدفع الأجرة.
الشيخ: الأجرة أكثر من قيمة الصيد، الصيد يساوي خمسة ريالات وأجرة هذه البندقية تساوي خمسين ريالا؟ طالب: ما فهمت يا شيخ.
الشيخ: غصب بندقية وصاد بها صيدًا، صاد طيرًا يساوي خمسة ريالات، قلنا: عليك الأجرة، والصيد لك، الأجرة يقول: خمسون ريالا، والصيد خمسة ريالات.
طالب: لأن الغاصب يلزمه الأجرة إلى أن يرد المغصوب مهما بلغت.
الشيخ: نعم؛ يعني يلزمه الأجرة، ولو زادت على منفعته التي انتفع بها.
غصب فرسًا فصاد عليه صيدًا، فلمن يكون الصيد؟ طالب: الصيد لصاحب الفرس.

الجزء: 2 - الصفحة: 2023

الشيخ: لمالك الفرس، تمام، وتعب هذا في لحوق الصيد ومطاردته؟ طالب: يذهب هدرًا؛ لأنه غاصب.
الشيخ: يذهب هدرًا؛ لأنه غاصب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1). هل هناك قول آخر؟ طالب: نعم أنها تكون للغاصب وعليه الأجرة.
الشيخ: تكون للغاصب وعليه أجرة الفرس، كذا؟ وهذا هو الذي رجحناه.
لو غصب كلب صيد فصاد به؟ طالب: الصيد للمالك.
الشيخ: لمالك مَن؟ أو لمالك ما؟ طالب: صاحب الكلب.
الشيخ: لمالك الكلب، كذا؟ أجب.
طالب: لصاحب الكلب.
الشيخ: لصاحب الكلب، هنا صاحب الكلب يعني الذي غصبه ولّا المالك له؟ طالب: المالك.
الشيخ: وهل يُملك الكلب؟ طالب: لا يملكه.
الشيخ: إذن نعبر بأنه؟ طالب: صاحبه.
الشيخ: صاحب الكلب، بارك الله فيك، جيد.
رجل غصب بُرًّا وبذره وخرج زرعًا لمن يكون؟ طالب: الزرع لمالك البر.
الشيخ: لمالك البر؟ لماذا؟ طالب: لأنه ( ... ). الشيخ: لأنه نماء ملكه، كما لو غصب شاة هزيلة ثم سمنت، فالسِّمَن لمالكه.
يضيع عمل الغاصب؟ طالب: يضيع.
الشيخ: الغاصب بقي ستة شهور يسقي هذا الزرع وتعب عليه؟ طالب: ولو، ليس له حق.
الشيخ: ليس له حق؟ الدليل؟ طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1). الشيخ: أحسنت.
غصب عبدًا فتعلم صنعة، ثم نسيها وتعلم أخرى، فهل يضمن الغاصب قيمة الصنعة التي نسيها أو لا؟ طالب: يضمن قيمة النقص.
الشيخ: يضمن قيمة نقصه بنسيان الصنعة الأولى، لكن هو تعلَّم صنعة أخرى سدت النقص.
طالب: ( ... ). الشيخ: يعني كان نجارًا، علمه النجارة وصار نجارًا جيدًا ثم نسي أو أصابه شيء لا يستطيع معه أن ينجّر، لكن تعلم صنعة أخرى كالكمبيوتر مثلًا، وصار قيمته في الثاني أكثر.
طالب: يضمن الأولى.
الشيخ: يضمن الأولى، توافقون على هذا، على المثال خاصة، ما هو ضابط.
إذا عادت من جنس الزيادة الأولى؟ طالب: فإن كانت منه يضمن الأعلى.

الجزء: 2 - الصفحة: 2024

الشيخ: يضمن الأعلى فقط؛ لأن الجنس واحد فهي كأنها صفة واحدة.


قال المؤلف رحمه الله: (وَإِنْ خُلِطَ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ)، (وَإِنْ خُلِطَ) الضمير يعود على المغصوب، إذا خُلط المغصوب، فإما أن يُخلط بما يتميز، وإما أن يُخلط بما لا يتميز، فهذان قسمان: الأول: إذا (خُلِطَ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ كَزَيْتٍ، أَوْ حِنْطَةٍ بِمِثْلِهِمَا) ما مِثْلُ الزيت؟ طالب: الزيت.
الشيخ: الزيت، الحنطة؟ طالب: الحنطة.
الشيخ: الحنطة، غصب إناء من الزيت، وخلطه بإناء عنده من الزيوت، هنا لا يمكن تمييز المغصوب من غيره، كيف يميزه؟ اختلط، حنطة بحنطة، اختلط، لا يمكن تمييز الحبة التي للغاصب من الحبة التي للمغصوب منه، فماذا يكون الحكم؟ قال المؤلف رحمه الله: (وَلَمْ تَنْقُصِ القِيمَةُ وَلَمْ تَزِدْ، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا فِيهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ القِيمَةُ ضَمِنَهَا) لَمْ تَنْقُصِ القِيمَةُ وَلَمْ تَزِدْ فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ المال، مثال ذلك: غصب صاعًا من البر وخلطه بصاع من البر من جنسه، فهنا يكونان شريكين، بشرط أن لا تنقص القيمة ولم تزد، فإن نقصت القيمة بالخلط بأن كان الناس يختارون أن يشتروا شيئًا قليلًا من البر، وهو خلط مئة صاع بمئة صاع فتنقص القيمة، إذا نقصت فعلى الغاصب ضمان النقص، وأما إذا لم تنقص ولم تزد فهما شريكان بقدر ماليهما، فإذا كان للغاصب صاعان وللمغصوب منه صاع فكم تكون القيمة؟ طالب: أثلاثًا.
الشيخ: أثلاثًا، وهلم جرًّا.
هذا مثال، مثل أن يقول: (أَوْ صَبَغَ) الغاصب (الثَّوْبَ) صبغه بلون، ولم تزد القيمة ولم تنقص فهما شريكان، فللغاصب قيمة الصبغ، ولمالك الثوب قيمة الثوب، فإذا قُدِّر أن قيمة الصبغ عشرة وقيمة الثوب عشرة، وبِيع بعشرين فلكل واحد منهما ثَمَنُ ملكه، وهذا يتناقض مع ما سبق أنه إذا صبغ الثوب فهو لمالك الثوب، وقد أشرنا إليه في الشرح أمس.

الجزء: 2 - الصفحة: 2025

يقول: (أَوْ لَتَّ سَوِيقًا بِدُهْنٍ) غصب سويقًا ولتَّه بدهن، معنى لتَّه يعني: صب عليه الدهن، ومعلوم أن الدهن الآن لا يمكن أن يتميز، فهما شريكان، (أَوْ عَكْسُهُ) ويش معنى عكسه؟ لت دهنًا بسويق؛ يعني غصب دهنًا فأضاف إليه السويق.
(وَلَمْ تَنْقُصِ القِيمَةُ وَلَمْ تَزِدْ، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا فِيهِ)، وعند التنازع فالأصل أن الغارم يُقبل قوله، (وَإِنْ نَقَصَتْ القِيمَةُ ضَمِنَهَا) مَن الضامن؟ الغاصب، لو أن هذا السويق الذي لتَّه بدهن نقصت قيمته؛ لأن الناس لا يرغبون الدهن، أو لَتَّه بدهن له رائحة كريهة أو ما أشبه ذلك، فعلى الغاصب أيش؟ ضمان النقص؛ لأنه ظالم.
(وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فِلِصَاحِبِهِ) يعني مثلًا: هذا الدهن يساوي عشرة، والسويق يساوي عشرة، الدهن للغاصب لكنه لما لُتَّ بالسويق زادت قيمته؛ لأنه صار فيه نفع، فتكون الزيادة لمن؟ طالب: للمالك.
الشيخ: لا، الغاصب لته بالدهن؛ يعني الدهن من الغاصب، وزادت قيمة الدهن فلصاحبه، أما لو نقصت قيمة السويق بلته بالدهن والسويق هو المغصوب فعلى الغاصب ضمان النقص.
والخلاصة أن القاعدة عندنا الآن: كل نقص يترتب على فعل الغاصب أو على غير فعله في المغصوب فإنه مضمون على الغاصب.
قال: (وَلَا يُجْبَرُ مَنْ أَبَى قَلْعَ الصِّبْغ)، المؤلف -رحمه الله- ما ذكر القسم الثاني فيما إذا خلط بما يتميز، إذا خلط بما يتميز وجب على الغاصب تخليصه ولو ضاع عليه مال كثير، فإذا غصب برًّا وخلطه بشعير، فهل يتميز البر من الشعير يا إخوان؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2026

الشيخ: يتميز، نقول للغاصب: خلِّص البر من الشعير، قال: يا جماعة هذا يتعبني ويكلفني، أبغي أبقى يومين أو ثلاثة وأنا أخلصها له، نقول: وليكن؛ لأن عين المال المغصوب الآن موجودة فيجب ردها إلى صاحبها، فإذا قال: هذا إضرار بي؟ فالجواب سهل، ماذا نقول؟ أنت الذي جنيت على نفسك، لماذا تغصب أولًا؟ ولماذا تخلطه ثانيًا؟ و «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1)، إذن يلزمه التخليص ولو غرم أضعافه.
لو قال الغاصب: الآن أنا خلطت البر بالشعير، والبر الذي خلطته خمسة أصواع، أنا أعطيك أيها المالك عشرة أصواع، ما تقولون؟ هل يجبر المالك أو لا؟ يقولون: لا يجبر، بل يقال: خَلِّص البر، أعطيكم أكثر من مثله، نقول له خَلِّص البر.
هذا في الحقيقة من جهة قد نقول: إنه قول جيد؛ لأن في ذلك ردعًا للغاصبين، يردعهم إذا علموا أنهم سوف يضمن إلى هذا الحد لا يغصب، وإن نظرنا إلى أن فيه إضرارًا، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (2)، قلنا: هنا يتوجه القول بأن المغصوب منه يجبر على قبول مثل بره الذي غُصِب، ويعد البر الآن كالتالف، وإذا أتلف شخص بُرًّا ضمنه بمثله، فالمسألة فيها تردد، وحينئذٍ ننظر -في مسألة القضاء والحكم بين الغاصب والمغصوب منه- ننظر إلى المصلحة، إذا رأى القاضي أن من المصلحة أن يُلزَم الغاصِبَ بتخليص مال المغصوب منه فليفعل، وإن رأى العكس فلا حرج؛ لأن المضارة في هذا واضحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2027

قال: (وَلَا يُجْبَرُ مَنْ أَبَى قَلْعَ الصِّبْغ) من أين؟ من الذي يأبى، الغاصب أو المغصوب منه؟ ما ندري هل المغصوب الصبغ، أو المغصوب الثوب؟ على كل حال سواء هذا أو هذا، إذا قيل: اقلع الصبغ، لا يمكن هذا؛ لأن الصبغ بعد أن صار في الثوب صار من جنس الصفة لا يمكن فصلها عن الموصوف، وكيف يمكن أن يقلعه؟ ! لا يمكن، اللهم إلا أن يُرَبَّص في الماء ثم يخرج الماء –مثلًا- ملونًا بلون هذا الصبغ، ويعود الثوب على ما كان عليه، وهذا فيه إفساد، حتى الثوب يتضرر بهذا، فلا يُجبر من أبى قلع الصبغ.
إذن كيف تكون الحال؟ نقول: الحال كما قال في الأول: إذا صبغ الثوب صار شريكًا لصاحب الثوب، هما شريكان.
فإن قال صاحب الثوب: أنا لا أريد مشاركته؛ ثمنوا صبغه وأسلم الثوب، فهنا نقول: نعم نجيبه إلى هذا، إذا قال: أنا لا أريد مشاركته هذا لو شاركته في هذا الثوب وأردت أن أبيعه قال: لا تبع.
أردت أن أبقيه قال: لا، بعه.
يحصل ولّا ما يحصل؟ يحصل نزاع لا شك، فنقول: إذا طلب صاحب الثوب أن يدفع قيمة الصبغ ويكون له الثوب مصبوغًا فإنه يتعين إجابته؛ لما في عدم الإجابة من الإضرار بالجميع، وربما يحصل نزاع لا ينتهي.
قال رحمه الله: (وَلَوْ قُلِعَ غرْسُ المُشْتَرِي أَوْ بِنَاؤُهُ لاسْتِحْقَاقِ الأَرْضِ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهَا بِالغَرَامَةِ) رجل باع أرضًا، والمشتري غرس فيها، أو بنى، ثم أقام مالك الأرض بَيِّنة على أن هذا غاصب، الآن الأرض مستحقة لمن؟ للذي أقام البيِّنة على أنها ملكه، تبين الآن أن الأرض التي باعها الغاصب مغصوبة لا يصح العقد عليها، صاحب الأرض قال للمشتري -الذي غرس أو بنى- قال: اقلع الغرس، اقلع البناء، فهنا المشتري يرجع على البائع؛ لأنه غَرَّه، حيث أظهر أنه مالك.
وهل يرجع المالك على الغاصب رأسًا؟ لأنه قد يكون من مصلحة المالك أن يرجع على الغاصب.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2028

الشيخ: نعم، هو راجع على الغاصب، لكن الآن نقول: المشتري يرجع على الغاصب؛ لأنه غره، ويأخذ قيمة الشجر من أين؟ طلبة: من الغاصب.
الشيخ: من الغاصب.
لو علم المشتري أن الأرض مغصوبة، لكنه تجاهل الأمر وطمع في الأرض، وقال: لعل مالكها لا يكون عنده بينة، وغرس أو بنى، فهل يرجع على الغاصب أو لا يرجع؟ طلبة: لا يرجع.
الشيخ: لا يرجع؛ لأنه دخل على بصيرة، فلا يرجع على الغاصب.
(وَلَوْ قُلِعَ غرْسُ المُشْتَرِي أَوْ بِنَاؤُهُ لاسْتِحْقَاقِ الأَرْضِ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهَا) من هو بائعها؟ طلبة: الغاصب.
الشيخ: الغاصب، (بِالغَرَامَةِ) أي: فيغرمه ما نقص.
(وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِعَالِمٍ بِغَصْبِه فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ) (أطعمه) أي: الغاصب، أطعم المغصوب، (لعالم بغصبه فالضمان عليه) أي: على الآكل، (وعكسه بعكسه)، مثال ذلك: رجل غصب شاة، وذبحها وأطعمها شخصًا آخر، والشخص الآخر يعلم أنها مغصوبة، فالضمان على مَن؟ الضمان على الآكل؛ لأنه مباشر للإتلاف والغاصب متسبب، والقاعدة الشرعية عندنا في المتلفات: أنه إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر، وعليه فهنا نقول: إذا كان الآكل يعلم أن هذه هي العين المغصوبة فعليه الضمان، وإن كان لا يعلم فالضمان على الغاصب الذي أطعمه.
بقي علينا أن نقول: صاحب الشاة في هذه الحال، هل له أن يرجع على الغاصب مع أن الآكل قد علم أنها مغصوبة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2029

الجواب: نعم، له ذلك، فهو مُخَيَّر بين أن يرجع على مَن؟ على الغاصب أو على الآكل، لكن قرار الضمان على الآكل إن كان عالمًا بالغصب، وإن لم يكن عالمًا بالغصب فالقرار على الغاصب، حينئذٍ نقول: يخير المالك بين الرجوع على الغاصب -لأنه هو الذي غصب ملكه، باشر الغصب- والرجوع على الآكل؛ لأن التلف كان تحت يده، ولكن إذا رجع على أحدهما فعلى من يكون قرار الضمان عليه؟ نقول: على الآكل إن كان عالمًا بأنه مغصوب، وعلى الغاصب إذا كان الآكل غير عالم.
وقد ذكر ابن رجب -رحمه الله- في القواعد الفقهية: أن الأيدي المترتبة على يد الغاصب عشرة أيدي، وأنها كلها أيدي ضمان، يعني يصح أن نضمِّنَها، إلا ما دخل الذي انتقلت إليه على أنه لا ضمان عليه فلا ضمان عليه.
طالب: المسألة الأخيرة؟ الشيخ: وهي؟ طالب: ما ذكر ابن رجب.
الشيخ: المسألة الأخيرة ما ذكر ابن رجب، الآكل -الذي أطعمه الغاصب- دخل على أن الأكل مضمون عليه ولَّا غير مضمون؟ الطالب: غير مضمون.
الشيخ: غير مضمون، فهنا يكون قرار الضمان على؟ الطالب: الغاصب.
الشيخ: الغاصب، لكن المستعير –مثلًا- من الغاصب دخل على أنه ضامن أو غير ضامن؟ الطالب: ضامن.
الشيخ: ضامن، فيكون قرار الضمان عليه، حتى وإن كان جاهلًا؛ لأنه لو أعاره المالك لكان قرار الضمان عليه، فإذن يكون لو أنه ضمن الغاصب يرجع به على المستعير.
طالب: لو غصب غاصب برًّا وخلطه بشعير، وعند رَدِّه وافق المغصوب منه على أن يرد أكثر من النوع الذي اغتصب منه، هل له ذلك؟ الشيخ: إي نعم؛ يعني: لو غصب برًّا وخلطه بشعير، غصب صاعًا وخلطه بشعير، وقال لصاحبه: أصالحك على أن أعطيك صاعين، فلا بأس، هذه من باب المصالحة.
الطالب: مع أنه ربوي.
الشيخ: نعم، مع أنه مال ربوي، المصالحة لا بأس بها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2030

طالب: بارك الله فيك يا شيخ، لو أن إنسانا غصب أرض مصلحة عامة كأرض مدرسة، وباعها على إنسان، الإنسان إذا أراد أن يبني في هذا الأرض المشتري يمنعه منها فيقول: أعد لي المال .. الشيخ: كيف؟ غصب أرضًا معدة لمدرسة.
الطالب: ثم باعها على مشترٍ، هل نرجع على المشتري أو على البائع الأول؟ الشيخ: يعني الحكومة؟ الطالب: نعم الحكومة.
الشيخ: ترجع على من شاءت.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ترجع على من شاءت.
الطالب: المشتري دفع مالًا مقابل هذه .. الشيخ: ما يخالف، ترجع على المشتري، وهو يرجع على البائع.
الطالب: إي نعم، البائع الآن يا شيخ يقول: نفد المال عنده ( ... ). الشيخ: يبقى في ذمته.
طالب: شيخ، لو زادت قيمة المغصوب الذي أعاره الغاصب، المالك يرجع على من الآن في الزيادة هذه؟ يرجع على الغاصب ولّا على المستعير؟ الشيخ: كما لو تلف الأصل؛ يعني لو زاد فالزيادة لصاحب الملك؛ للمالك الأول، ولكن لو نقص فإنه يرجع إما على المستعير وإما على المعير، يُخيَّر.
طالب: شيخ ( ... ) جميع الملك ( ... ) صح في البيع ( ... ) المسألة الأخيرة ( ... ) صح في البيع؟ الشيخ: لا، بترجع لمالكها، العين المغصوبة سوف ترجع لمالكها، لكن لو تلفت فعلى المتلف المثل أو القيمة؟ طالب: شيخ ( ... ) إذا كان جاهلًا بأنها مغصوبة ( ... ). الشيخ: لكن أكل على أنه غير مضمون عليه، على أن ذلك متبرع به.
طالب: ( ... ). الشيخ: مِنه.
طالب: هو مباشر، يعتبر مباشرًا.
الشيخ: نعم، للمالك إن كان عالمًا فعليه.
طالب: وإن كان جاهلًا؟ الشيخ: وإن كان جاهلًا فعلى المؤكِّل على الغاصب، لكن نقول: إذا غَرَّم المالك الآكل فللآكل أن يرجع على الغاصب.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، مثل ما مر علينا في الدرس من أكل من شاة غصبًا فالضمان على الآكل ما هي على الغاصب؟ الشيخ: على الآكل إن كان عالمًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2031

طالب: ولكن يا شيخ نفس الشاة هذه حية تساوي لها خمس مئة ريال، وميتة تساوي لها مئة ريال، وهذا هو الذي أتلف المصلحة العامة.
الشيخ: الآكل يضمنها لحمًا كما أكل، وإذا كانت تختلف القيمة -كما قلت- فالزائد على الغاصب؛ لأنه هو الذي ذبحها، أما لو أنه غصبها ثم أعطاها هذا الرجل وذبحها فهذا الرجل يضمن قيمتها على أنها حية.
طالب: شيخ، قلنا: الغاصب لو صبغ الثوب فإنه يكون شريكًا للمالك، لكن يا شيخ هذا الحديث «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1)، جعلنا له حقًّا؟ الشيخ: لا؛ لأن الغاصب الذي غصب الثوب قلنا: لك حق في الصبغ، الذي صبغ نقول: له حق في الصبغ؛ لأن الصبغ عين، وملكها باقٍ، لكن لو زاد الثوب بالصبغ قلنا: الزيادة لمالك الثوب، وليس لك حق في الزيادة، أما قيمة الصبغ لا بد أن أعطيه إياه.
هذا رجل غصب خشبًا ونجره بابًا، والمسامير من عنده، هل نقول: إن مالك الخشب يكون له الباب بمساميره؟ لا، المسامير للغاصب؛ لأنها ملكه، هذا مثله تمامًا، لأن الصبغ عين قائمة بنفسها، فتكون للغاصب، لكن كما قال المؤلف رحمه الله: من أَبَى قلع الصبغ فإنه لا يُجبر.
طالب: يا شيخ ( ... ) يفعلوا جميعًا، الغاصب أم الآكل ( ... )؟ الشيخ: مالك الطعام هو بالخيار، مالك الطعام إن شاء ضمن الغاصب، وإن شاء ضمن الآكل، لكن إن كان الآكل عالمًا فقرار الضمان عليه، وإن كان غير عالم فقرار الضمان على الغاصب.
طالب: ( ... ) الغاصب ( ... )؟ الشيخ: هذا عاد يرجع إلى ما يسمونه في عصرنا الحاضر الحق العام، وكلام الفقهاء - رحمهم الله- في الحقوق الخاصة، أما هذا الغاصب فلولي الأمر أن يؤدبه حتى لا يعتدي على الناس ويغصبهم.
طالب: يا شيخ، مثلًا إذا نجر بابًا ( ... ) لصاحب الخشب ( ... ) أصل الخشب ( ... ) يعني صاحب المال قال: هذه المسامير؛ يعني ( ... ) على الخشب ( ... ). الشيخ: لكن هذه المسامير زادت قيمة الخشب بها.
طالب: ( ... ). الشيخ: المسامير له، تثمن له.


الجزء: 2 - الصفحة: 2032

الطالب: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الغصب: وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ آجَرَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ وَيَبْرَأُ بِإِعَارَتِهِ وَمَا تَلِفَ أَوْ تَفيَّبَ مِنْ مَغْصُوبٍ مِثْلِيٍّ غَرِمَ مِثْلَهُ إِذن، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذُّرِهِ، وَيُضْمَنُ غَيْرُ المِثْلِيِّ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ، وَإِنْ تَخَمَّرَ عَصِيرٌ فَالمِثْلُ، فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا دَفَعَهُ وَمَعَهُ نَقْصُ قِيمَتِهِ عَصِيرًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن جميع ما يحصل من نقص بيد الغاصب فهو مضمون عليه، وما حصل من زيادة فهو لمالكه، هذه القاعدة العامة، واستدللنا لذلك بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1). ثم ذكرنا أنه إذا خلط المغصوب بغيره فعلى قسمين؟ طالب: إما أن يكون مما يتميز، فإن كان مما يتميز أُجْبِر على تمييزه.
الشيخ: أُجبر على تخليصه، إذا خلطه بما يتميز أُجبر على تخليصه، ولو غرم أضعاف أضعاف القيمة، والقسم الثاني؟ طالب: إن كان مما لا يتميز.
الشيخ: القسم الثاني: أن يخلطه بما لا يتميز، فما الحكم؟ الطالب: فهذا يُنظر إن لم تنقص القيمة فهما شريكان بقدر ماليهما، وإن نقصت القيمة أو زادت فالنقص على الغاصب والزيادة لصاحبها.
الشيخ: يعني يشتركان في هذا، يشتركان في المخلوط على حسب ماليهما، فمثلًا الصاع بصاعين صاحب الصاع له الثلث، وصاحب الصاعين له الثلثان، ثم إن نقصت قيمة المغصوب ضمنها الغاصب، وإن زادت فللمالك.
مثال المخلوط بما يتميز؟ طالب: مثل أن يخلط حنطة بشعير.

الجزء: 2 - الصفحة: 2033

الشيخ: مثل أن يخلط حنطة بشعير، فماذا يعمل؟ الطالب: يُجبر على التمييز.
الشيخ: يلقط الحنطة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يلقطها؟ الطالب: نعم، يُجبر على تمييز الشعير.
الشيخ: إي، ما يتميز إلا بالتلقيط، يلقطها حبَّة حبَّة؟ الطالب: هو إما أن يقال: إنه ( ... ). الشيخ: أسأله إما أن يقال أو ما يقال، الكلام على كلام المؤلف اللي إحنا شرحنا.
طالب: ( ... ). الشيخ: يلقط حبَّة حبَّة، ولو كان وعاءً كبيرًا يبقى يومين، ثلاثة أيام.
الطالب: حتى ولو بقي.
الشيخ: ولو بقي، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الملك معين الآن، وثابت لصاحبه.
إذا كان لا يتميز، مثل أيش؟ طالب: كما لو غصب زيتًا وخلطه بزيت.
الشيخ: كخلط زيت بزيت، أو بدهن مثلًا؟ طالب: نعم، ولا يكونان شريكين فيه، ويضمن المغصوب النقص إن نقص.
الشيخ: فهنا لا يمكن التمييز؟ طالب: نعم.
الشيخ: يكونان شريكين؟ طالب: يكونان شريكين بقدر ماليهما.
الشيخ: مَثِّل؟ طالب: غصب صاعين من زيت بصاع، هنا إذا لم تزد القيمة ولم تنقص .. الشيخ: فلمالك الزيت؟ طالب: فلمالك الزيت صاعان.
الشيخ: إي، يعني: ثلثان.
طالب: يعني ثلثان، وللغاصب الثلث، إن نقصت القيمة .. الشيخ: وإن نقصت؟ طالب: يكون للمالك الثلثان، ويضمن الغاصب النقص.
الشيخ: صحيح، واضح؟ رجل باع أرضًا على شخص وهي مغصوبة، فطُلِب من المشتري أن يخلص الأرض، يرجع المشتري على مَن؟ طالب: على الغاصب.
الشيخ: على الذي باعها؟ الطالب: إي نعم، الغاصب اللي باعها.
الشيخ: على الذي باعها، يرجع عليه بالغرامة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن الغاصب غبنه.
الشيخ: لأنه غبنه، فإن علم أنها مستحقة للغير فهل يرجع أو لا يرجع؟ الطالب: لا يرجع.
الشيخ: لا يرجع؛ لأنه دخل على بصيرة.
غصب طعامًا فأطعمه مالكه؟ طالب: إذا اجتمع يا شيخ مسدد وضامن .. الشيخ: إلى الآن ما وصلنا للتعليل، إنسان غصب طعامًا خبزًا وأطعمه مالكه، هل يضمن أو لا يضمن؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2034

طالب: يضمن ( ... ) آكله.
الشيخ: الآكل مالكه.
طلبة: ( ... ). الشيخ: ( ... ).


بسم الله الرحمن الرحيم، قال: (وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ) فإنه (لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ).
رجل غصب طعامًا كخبز ورز وغيره فأطعمه لمالكه، المالك أكله على أنه ملك الغاصب، فهنا نقول: إنه لا يبرأ -يعني: الغاصب- إلا إذا أعلمه، بأن قال: تفضل، أنا غصبت هذا المال منك، والآن أنا تائب فتفضل كُلْه.
فإذا أكله برئ؛ لأنه علم.
كذلك لو رهنه إياه، استدان من المالك دينًا وأرهنه المغصوب، فإنه لا يبرأ، لماذا؟ لأن المرتهن داخل على أنه لا ضمان عليه، يده يد أمان، فلو تلف فإن الغاصب لا يضمن إلا إذا أعلمه بأن قال: إن الذي رهنتك هو مالك .. طلبة: ( ... ). الشيخ: نعم، الغاصب.
طالب: فلو تلف.
الشيخ: إذا رهنه شيئًا فيده –أي: يد المرتهن- يد أمانة، إذا تلف بغير تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، فإذا رهنه -أي: رهن المغصوب لمالكه- فإنه لا يبرأ لو تلف، إلا إذا علم مالكه أن هذا ملكه فإنه يبرأ الغاصب؛ لأنه الآن مكَّنه منه وسلَّطه عليه.
(أَوْ أَوْدَعَهُ) (إِيَّاهُ)، (أَوْدَعَهُ) أي: أودع المغصوب (إِيَّاهُ) أي: المالك أودعه إياه، يقول: (لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ)، والوديعة هي الاستحفاظ؛ يعني: استحفاظ المالك بأن تعطي الشخص مالًا يحفظه لك، ويُسمى عند الناس أمانة، وهو في الحقيقة وديعة، فإذا أودعه عنده فمن المعلوم أن المُودَع لا يضمن إلا إن تعدى أو فرط، فإذا أعلمه -أي: الغاصب- أن هذا ملكه برئ منه سواء تلف أم لم يتلف؛ لأنه إذا تلف فهو بيد مالكه، وأما إذا أودعه إياه ولم يعلم فإنه يضمنه إذا أودع الغاصب المال المغصوب لمالكه، ومالكه لم يعلم فالضمان على مَن؟ على الغاصب، حتى لو تلف تحت يد المُودَع بلا تعدٍّ ولا تفريط، فإن الغاصب يضمنه؛ لأنه معتدٍ، والمالك أخذه على أنه ملك لمن؟ للغاصب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2035

(أَوْ آجَرَهُ إِيَّاهُ) غصبه سيارة -مثلًا- وآجره إياها يومًا أو أكثر ولم يعلم، فالضمان لو حصل عليها تلف -ولو بلا تعدٍّ ولا تفريط- الضمان على الغاصب؛ لأن يده يد عدوان، و «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1). يقول: (أَوْ آجَرَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ) يعني إلا أن يعلم مَن؟ المالك الذي أُودِع أو ارتهن أو أكل أو استأجر، فإذا علم، فمعلوم أن السلطة له على ماله والغاصب برئ.
قال: (وَيَبْرَأُ بِإِعَارَتِهِ)، (يَبْرَأُ) الفاعل الغاصب (بِإِعَارَتِهِ) يعود الضمير إلى المغصوب، لمن؟ إعارته لمن؟ لمالكه، يبرأ بإعارته لمالكه، مثال ذلك: رجل غصب كتابًا وأعاره مالكه، فهنا يبرأ، سواء علم المالك أم لم يعلم؛ وجه ذلك أنه إن علم أنه ملكه فقد تلف تحت يده، وإن لم يعلم فالمستعير ضامن بكل حال، فهو حتى وإن أخذه على أنه ملك للغاصب، فهو أيش؟ ضامن، ضامن بكل حال، وهذا مبني على أن المستعير ضامن بكل حال.
وقد سبق أن القول الراجح أن المستعير كغيره ممن يكون المال تحت يده بإذن من المالك أو إذن من الشارع، وأن يد المستعير يد أمانة، وعلى هذا لو تلف تحت يد مالكه في إعارة فالضمان على مَن؟ على الغاصب، إلا أن يعلم المالك أنه ملكه فيبرأ به، فكونه يبرأ بالإعارة وجهه أن المستعير ضامن بكل حال، وهنا نقول: إن أخذه المالك على أنه ملك للغاصب فهو مستعير، والمستعير ضامن، وإن أخذه عالمًا أنه ملكه فقد تم استيلاؤه عليه، فلا يضمن الغاصب، واضح؟ وعليه فيكون هذا مبني على القول بأن المستعير ضامن على كل حال سواء فرط أو تعدى أو لم يتعدَّ ولم يفرط، والصواب أنه كغيره من الأمناء؛ لأن المال حصل بيده أي بيد المستعير بإذن مِن، مِمَّن؟ من مالكه فإن تعدى أو فرط ضمن وإلا فلا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2036

قال: (وَمَا تَلِفَ أَوْ تَفيَّبَ مِنْ مَغْصُوبٍ مِثْلِيٍّ غَرِمَ مِثْلَهُ إِذن) أي: حين تلفه، (وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذُّرِهِ، وَيُضْمَنُ غَيْرُ المِثْلِيِّ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ).
المغصوبات تنقسم إلى قسمين: مغصوب مثلي؛ يعني له مثيل، ومغصوب غير مثلي.
المغصوب المثلي يُضمن بمثله، وغير المثلي يُضمن بقيمته، فلننظر ما هو المثلي؟ المثلي ضيق جدًا على المذهب، هو كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، وليس فيه صناعة مباحة، هذا هو المثلي، كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، وليس فيه صناعة مباحة.
فخرج بقولنا: "كل مكيل أو موزون" ما عدا المكيل أو الموزون، وعلى هذا فتعتبر البهائم مثلية أو غير مثلية؟ طلبة: غير مثلية.
الشيخ: غير مثلية، وخرج بقولنا: "يصح السلم فيه" المكيل المخلط الذي لا يصح السلم فيه لعدم انضباط صفاته، فهذا ليس بمثلي حتى ولو كان مخلطًا على وجه دقيق، بأن يكون فيه مثلًا جرام من كذا، وجرام من كذا، وجرام من كذا، فإنه لا يُعتبر مثليًّا؛ لأنه لا يصح السلم فيه، وخرج بقولنا: "ليس فيه صناعة مباحة" ما كان مصنوعًا صناعة مباحة، فليس بمثليٍّ، فالأواني كلها ليست مثلية، لماذا؟ لأن فيها صناعة مباحة، وأواني الذهب والفضة؟ طلبة: مثلية.
الشيخ: لا، غير مثلية، الصناعة حرام ولّا حلال؟ طلبة: حرام، نعم تكون على كلامهم مثلية؛ لأن هذه الصناعة ليس لها قيمة، فنعود إلى أصل الذهب والفضة، وهو الوزن، ويصح هذا على المذهب، كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة.
الفناجيل الموجودة الآن مثلية ولّا غير مثلية؟ طلبة: على المذهب غير مثلية.
الشيخ: إحنا على المذهب الآن، ( ... ). طلبة: غير مثلية.
الشيخ: غير مثلية، لماذا؟ طلبة: فيها صناعة مباحة.
الشيخ: لأن فيها صناعة مباحة، الأواني كلها -حتى ولو كانت طقمًا واحدًا وفي سنة واحدة- ليست مثلية؛ لأن فيها صناعة مباحة ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2037

وما تَلِفَ أو تَغَيَّبَ من مغصوبٍ مِثْلَيْ غُرْمِ مِثلِه إِذْنٌ، وإلا فقيمتُه يومَ تَعَذُّرِهِ، ويَضْمَنُ غيرَ المِثْلِيِّ بقيمتِهِ يومَ تَلَفِهِ، وإن تَخَمَّرَ عصيرٌ فالمِثْلُ، فإن انْقَلَبَ خَلًّا دَفَعَه ومعَه نَقْصُ قِيمتِه عَصِيرًا.
(فصلٌ) وتَصَرُّفَاتُ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةُ باطلةٌ، والقولُ في قِيمةِ التالِفِ أو قَدْرِه أو صِفَتِه قولُه، وفي رَدِّه وعَدَمِ عَيْبِه قولُ رَبِّه، وإن جَهِلَ ربَّه تَصَدَّقَ به عنه مَضمونًا، ومَن أَتْلَفَ مُحْتَرَمًا أو فَتَحَ قَفَصًا أو بابًا أو حَلَّ وِكاءً أو رِباطًا أو قَيْدًا , فذَهَبَ ما فيه أو أَتْلَفَ شيئًا ونحوَه ضَمِنَه، غير مثليَّة، الصناعة حرام ولَّا حلال؟ الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام، إذن تكون على كلامهم مثلية؛ لأن هذه الصناعة ليس لها قيمة فنعود إلى أصل الذهب والفضة وهو الوزن ويصح هذا على المذهب كل مكيل أو موزون، أيش؟ يصح السلَّم فيه، وليس فيه صناعة مباحة.
الفناجين الموجودة الآن مثليَّة ولَّا غير مثلية؟ على المذهب؛ الآن نعرف المذهب قبل .. الطلبة: غير مثلية.
الشيخ: غير مثلية؛ لماذا؟ الطلبة: لأنها مباحة.
الشيخ: لأن فيها صناعة مباحة.
الأواني كلها حتى ولو كانت طقمًا واحدًا، وفي سنة واحدة ليست مثلية؛ لأن فيها صناعة مباحة.
الأقلام؛ لو أنه غصب القلم وكسَّره نعم؛ ليس مثليًّا لماذا؟ لأن فيه صناعة مباحة، مع أن القلم صنف واحد وشكل واحد في اللون والحجم وكل شيء يقول: هذا ليس بمثليٍّ؛ لأن فيه صناعة مباحة.
ولكن القول الراجح في هذا أن المثليَّ ما له مثيل أو مشابه سواء كان مكيلًا أو موزونًا، مصنوعًا أو غير مصنوع، كل ماله مثيلٌ أو مشابه فإنه مثلي.
القاعدة الآن: المِثليُّ يُضمن بمثله، متفَق عليها ولا غير متفق؟ القاعدة هذه متفق عليها، المثلي يضمن بمثله، لكن ما هو المثلي؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2038

هنا يأتي الكلام؛ وعلى هذا فلو أن شخصًا كسر فنجانًا لشخص، فهل نلزمه أن يأتي بفنجان مثله لصاحب الفنجان الأول؟ على المذهب لا، له قيمة الفنجان، وعلى القول الراجح يلزمه أن يأتي بفنجان.
لو أنه ذبح شاة ثنية التي صفتها كذا وكذا في السِّمَن والهزال واللون، وعنده أي عند ذابح الشاة شاة مثلها تمامًا، هل يضمن الشاة بهذه الشاة أو بالقيمة؟ طالب: المذهب، لا.
الشيخ: المذهب يُلزِمه بالقيمة، والقول الراجح في المسألتين جميعًا في الفنجان، يضمن بفنجان وفي الشاة يضمن بشاة.
لو أن رجلًا أخذ خبزة إنسان وأكلها، بماذا يضمنها على المذهب وعلى القول الراجح؟ على المذهب بالقيمة؛ ليش؟ لأن فيها صناعة، وأيضًا هي غير مكيلة، وعلى القول الراجح: يضمنها بمثلها، فإذا كان رجلان واقفين عند الفرَّان، فقدَّم الفران الخبزة لفلان وأخذها ثم خطفها الثاني من يده وأكلها فكيف يضمن؟ على المذهب بالقيمة، وعلى القول الراجح يقول: انتظر حتى يعطيني خبزتي، وخذها وينتهي كل شيء.
فالقول الراجح هو هذا أن المثلي أيش؟ كل ما له مثل أو شبه، وسواء كان مكيلًا أو موزونًا أو حيوانًا أو جمادًا أو مصنوعًا أو غير مصنوع، ويدلُّ لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف إبلًا فرد مثلها ولم يرد القيمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2039

وعلى المذهب لو استسلفت شاة من جارك تردُّ قيمتَها لا مثلها؛ لأنها غير مثلية ليست مكيلة ولا موزونة، ويدل لهذا أيضًا قصة الصحفة والطعام؛ حيث أرسلت إحدى أمهات المؤمنين إلى النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا بصحفة مع رسول لها، فأتى الرسول بالطعام بالصحفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيت إحدى نسائه، فغارت التي هو في بيتها، وضربت بيد الرسول حتى سقطت الصحفة وتكسَّرت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحبة البيت أن تعطي هذه صحفتها وهو طعامها، وقال: «طَعَامٌ بِطَعَامٍ وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ» (1) وهذا دليل واضح، ثم -سبحان الله- أيُّما أدق أن يضمن الإنسان فنجانًا بفنجان أو صاعًا بصاع؟ الطلبة: الأول.
الشيخ: الأول، بلا شك؛ لأن المماثلة في الفنجان بالفنجان متطابقة تمامًا، والمماثلة بين صاع وصاع لا بد أن تختلف، لا بد أن يكون هناك زيادة يسيرة فصارت القاعدة، أولًا القاعدة ما هي؟ أن المثليَّ يضمَّن بمثله؛ لأن مطابقة المثلي لمثله أقوى من مطابقة القيمة للشيء، القيمة تقدير وتخمين، والمماثلة مماثلة، لكن يبقى النظر ما هو المثلي؟ المذهب عرفتموه وأنه ضيق، والصواب أنه أعمُّ مما قالوا، إذا قدَّرنا أنه أتلف مثليًّا ولكن تعذر المثلي؛ مثل غصبه في مُحَرَّم وأتلفه، وما زال له نظير في السوق، وفي ربيع مثلًا فُقِدَ من السوق، ثم في جمادى طالبه المالك أن يضمَّن، فماذا يضمن الآن؟ الطلبة: القيمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2040

الشيخ: القيمة متى؟ وقت الضمان أو وقت التعذر؟ يقول المؤلف: (وإلَّا فقيمته يوم تعذره) ووجه هذا القول أنه لما تعذَّر ثبتت القيمة فلزمه الضمان بالقيمة وقت التعذر، ولو قيل: إن عليه الضمان بالقيمة وقت الاستيفاء منه لكان له وجه؛ وذلك أن الأصل ثبوت المثل في ذمته حتى يسلمه، هذا هو الأصل، وهو إذا تعذَّر فيما بين الإتلاف وبين الاستيفاء فقد لا يتعذر عند الاستيفاء، ربما يتعذر مثلًا في ربيع ولكن لا يتعذر في جمادى، لو قيل بهذا لكان أوجه وهو أن نضمنه المثل، فإن تعذَّر فقيمة المثل متى؟ وقت الضمان؛ لأن الأصل أن الذي ثبت في ذمة الغاصب هو المثل، والتعذر قد يكون في حين ولا يكون في حين آخر؛ فالصواب أنه يضمنه؛ يضمن المثلي إذا تعذر بقيمته وقت الضمان.
قال: (ويضمَّن غيرُ المثليِّ بقيمتِه يومَ تَلَفِه) غيرُ المثليِّ يضمنه بقيمته يوم تلفه؛ وذلك لأن غير المثلي تثبت القيمة من حين ما يغصبه من حين الغصب تثبت القيمة، وإذا كانت تثبت القيمة فإننا نقول: لو تلف هذا الذي ليس بمثلي فقيمته وقت التلف؛ لأنه قبل التلف لا يزال ملكًا لأيش؟ لصاحبه، فزيادته ونقصه على صاحبه، لكن المغصوب كما تعرفون اختلف العلماء هل يُضمَّن بنقص السعر أو لا؟ وسبق القول فيه.
قال: (وإن تخمَّر عصيرٌ فالمثل) إنسان غصب عصير عنب ثم تخمر، لما تخمَّر العصير زالت ماليته وصار الواجب إراقته، فيقول المؤلف: إنه إذا تخمَّر العصير ضمنه بالمثل أي: مثل أيش؟ مثل العصير لا مثل الخمر؛ وذلك لأن تخمره بمنزلة تلفه والعصير مثليٌّ؛ لأنه مكيل أو موزون؛ قال: (وإن تخمَّر عصير فالمثل) مثل أيش؟ مثل العصير؛ وذلك لأن تخمره بمنزلة التلف.
(فإن انقلبَ خَلًّا) (انقلب) يعني: بعد أن تخمر (انقلب خلًّا) يعني: زالت الشدة المسكرة فيه، (دفعه) أي: دفع الخل، (ومعه نقص قيمته عصيرًا)؛ لأنه إذا تخمَّر ثم تخلل، لا بد أن ينقُص فيضمن نقص قيمته عصيرًا؛ لأنه حصل النقص وهو في يد الغاصب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2041

وكونه يضمَّن النقص الآن نقص القيمة قد يكون مؤيدًا لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ وهو ضمان نقص السعر، لكن هم يقولون: إن النقص هنا ليس لمجرد السعر، لكن لنقص العين، ما هو لنقص السعر؛ لأنه لو بقي خمرًا فهو على قيمته، لكن نقصت قيمته؛ لأنه تخمَّر ثم عاد فصار خلًّا فصار هذا النقص في الحقيقة ليس عائدًا لمجرد نقص السعر، ولكنه لنقص العين، معلوم هذا فاهمين الصورة الأخيرة؟ الطلبة: لا يا شيخ.
الشيخ: لا إله إلا الله، كما يقول العامة: نسقي بلا ماء؛ رجل غصب عصير عنب، أتعرفون عصير العنب أو ما تعرفونه؟ ثم تخمَّر لما تخمر صار تحول الآن من عين حلال إلى عين حرام، لكنه في نفس الوقت عاد خلًّا؛ لأنه قد يتخلل الخمر بنفسه، وإذا تخللت الخمرة بنفسها فهي حلال، الآن عاد إلى كونه عصيرًا، لكنه عصير متخلل من خمر، هل يَنْقُص أو لا ينقص؟ ينقص طبعًا؛ لأنك لو أتيت بهذا الإناء الذي تخلل بعد التخمر وإناء مثله عصير لكانت قيمة الإناء العصير أكثر بلا شك، يقول المؤلف: يدفعه يعني الغاصب يدفع هذا الخمر الذي تخلل؛ لماذا؟ لأنه عين ملكه عين ملك صاحبه، فيدفعه المالك يقول: نقصت عينه غصبه عصيرًا يساوي مئة الآن، ما يساوي إلا ثمانين، هل يضمن النقص أو لا؟ الطلبة: يضمَّن.
الشيخ: يضمَّن النقص؛ ولهذا قال: (ومعه نقصُ قيمته عصيرًا) يعني: نقص قيمته عن كونه عصيرًا، واضح الآن، ولَّا ما هو بواضح؟ الطلبة: واضح.
الشيخ: الحمد لله، قلنا: هل يمكن أن يقال: إن هذا شاهد لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من أن نقص السعر مضمون على الغاصب؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2042

نعم قلنا: لا يمكن، لماذا؟ لأن نقص السعر هنا لنقص العين، ليس للقيمة، بل لنقص العين، فلا يكون فيه رَدٌّ على من قالوا: إن النقص بالسعر لا يضمن، ولكن سبق لنا أننا فصَّلْنا في هذا، وأنه إن قَصَد تأخير تسليمه حتى يزول الموسم وينقص السعر فعليه الضمان وإلا فلا، ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل: وتصرفاتُ الغاصبِ الحُكْمِيَّةُ باطلة) تصرفات الغاصب الحكمية.
تصرفات الغاصب تنقسم إلى قسمين حُكْمِيَّة وغير حكمية، الحكمية هي التي توصف بالحكم صحة أو فسادًا، هذه الحكمية، البيع منه صحيح وفاسد، الإجارة منها صحيح وفاسد، الوقف منه صحيح وفاسد، الرهن منه صحيح وفاسد، جميع التصرفات الحكمية التي يلحقها حكم بالصحة أو الفساد تعتبر بقول المؤلف باطلة، فبيع الغاصب للمغصوب باطل، تأجيره للمغصوب باطل، ويظهر ذلك فيما لو غصب دارًا وآجرها شخصًا بعشرة آلاف ريال، ثم مَنَّ الله عليه بالتوبة ورَدِّ الدار إلى مالكها، فهل تأجيره هذا صحيح أو باطل؟ فهذا باطل، لو قلنا: إنه صحيح، لكان لمالك البيت الأجرة التي تم العقد عليها، كم هي؟ الطلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف، وإذا قلنا: غير صحيح.
فإنه يضمَّن -أي الغاصب- الأجرة، فإذا قدَّرْنا أنه يؤجر باثني عشر ألفًا فإنه يضمن الغاصب العشرة والألفين؛ لأن العقد الأول غير صحيح، ولو قلنا: إنه صحيح لم يلزمه إلا عشرة.
رجل غصب بيتًا وآجره بعشرة آلاف ريال، الإجارة تنقسم إلى صحيحة وفاسدة ثم مَنَّ الله عليه واهتدى وردَّ البيت إلى مالكه، وقد أخذ عشرة آلاف، الأجرة هل نقول: نمضي هذه الأجرة ونقول لمالك البيت: خذ عشرة آلاف؟ لأن الإجارة باطلة، إذن ما الذي يجب؟ يجب الأجرة، يقدِّر البيت بالأجرة قالوا: الأجرة باثنا عشر ألفًا نأخذ عشرة من المستأجر ونطلب من الغاصب كم؟ ألفين؛ لأن عقد الإجارة صار غير صحيح وهي باطلة، ويجب أن يُضمن لصاحب البيت الأجرة المعتادة.
لو قلنا: إن الإجارة صحيحة، كم يلزم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2043

الطلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف فقط، لكن الإجارة فاسدة، أما المستأجر الذي أخذها بعشرة آلاف، والبيت يساوي اثني عشر ألفًا، هل نضمنه اثني عشر ألفًا أو عشرة؟ طلبة: عشرة.
الشيخ: خطأ.
طالب: فيه التفصيل.
الشيخ: فيه التفصيل؛ إن كان عالمًا بأنه مغصوب نضمنه بكم؟ الطلبة: باثني عشر.
الشيخ: باثني عشر إن كان غير عالم نضمنه عشرة ( ... ). طالب: لو غَصَب آلةَ صانع وردَّها إليه بعد فترة، وكان العامل الصانع منع العمل في هذه الفترة من أجل غصب الآلة، فهل يضمن ما كان يكسبه الصانع في هذه المدة؟ الشيخ: لا، يضمن الأجرة، أجرة الماكينة هذه.
الطالب: لكن يقول الصانع: إنه منع العمل بسبب الغصب.
الشيخ: من؟ الطالب: الصانع.
الشيخ: هو منع الصانع ولَّا غصب الآلة؟ الطالب: غصب الآلة التي يعمل بها.
الشيخ: ما عليه منه.
طالب: شيخ، ليس فيه صناعة مباحة.
الشيخ: ليس فيه صناعة مباحة، الحلي صناعة مباحة ولَّا غير مباحة للنساء؟ طالب: مباحة.
الشيخ: مباحة، هذا ليس بمثلي؛ لأن فيه صناعة مباحة، آنية الذهب صناعة غير مباحة، هذا مثلي لكن لا يضمنه بآنية، أفهمت؟ يعني: مثلًا إنسان غصب حليَّ امرأة مباحًا، وأتلفه نقول: عليك أيش؟ طالب: إذا كان فيه صناعة مباحة؟ الشيخ: إي، حلي، مباحة.
طالب: القيمة يا شيخ.
الشيخ: عليه القيمة.
ورجل آخر غصب إناء من ذهب وأتلفه؟ الطالب: عليه المثل.
الشيخ: المثل، ويش المثل؟ الطالب: يعني: ( ... ). الشيخ: يعني: إناء من ذهب يجوز الإناء من الذهب؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: أيش نعمل؟ نقول: كم وزن هذا الإناء من الذهب؟ قالوا: وزنه مثلًا ثلاثين غرامًا نعطيه ثلاثين غرامًا من الذهب فإذا قال مالك الإناء: الإناء مصنوع، وأنا أريد قيمة المصنوع، قلنا: هذه الصناعة صناعة محرمة ليس لها قيمة شرعًا فنعطيك ذهبًا غير مصنوع، واضح ولَّا لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2044

طالب: ( ... ) الغاصب تصرفاته الحكمية باطلة إذا غصب بيتًا مثلًا وأَجَّره مثلًا بعشرين ألف، وأجرة المثل عشرة آلاف، ثم قبض قيمته، المستأجر ماذا يدفع ( ... )؟ الشيخ: ( ... ) أمثلك يجهل هذا؟ طالب: قيمة المثل يا شيخ، عشرة آلاف.
الشيخ: إي نعم، يعني: قيمة المثل أنقص مما آجره به، أمثلك يجهل هذا؟ ألم يتقدمنا إِنَّ كَسْبَ المغصوب ونماءه لمن؟ للمالك.
طالب: ( ... ) المغصوب الغاصب.
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله.
طالب: قول ( ... ) هل على المالك أن يقبلها أو له أن يقبلها وله أن يردها ويأخذ عين عصيره؟ الشيخ: سمعتك، كلام المؤلف واضح.
الطالب: ( ... ) قبوله.
الشيخ: يقول: يرده يا رجل نقص القيمة.
الطالب: بنقص القيمة، هل يلزم بهذا؟ الشيخ: من الذي يلزم؟ الطالب: المالك.
الشيخ: إي يلزم ( ... ).


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل

وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة، والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قوله، وفي رده وعدم عيبه قول ربه، وإن جهل ربه تصدق به عنه مضمونا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين سبق لنا.
(وما تلف أو تعيَّب من مغصوب) إنها نسختان (تعيَّب) و (تغيَّب) لكن الشارح حلها على أنها (تغيَّب) بالْغَيْنِ، ومراده تغيب غيبة لا يمكن الحصول عليها؛ لأنه إذا تغيب غيبة لا يمكن الحصول عليه فكأنما تلف، فتصحح النسخ إلى تغيب.
قال المؤلف رحمه الله: (فصل: وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة) (تصرفات) مبتدأ و (الحكمية) نعت لـ (تصرفات).

الجزء: 2 - الصفحة: 2045

(الحكمية) يعني التي يلحقها حكم من صحة أو فساد؛ لأن تصرفات الغاصب من حيث الحكم التكليفي كلها حرام من حيث الحكم الوضعي، وهو الحكم بالصحة والفساد، ما كان له حكم من صحة أو فساد فإن تصرفات الغاصب فيه باطلة، يعني أن وجودها كالعدم؛ فمثلًا إذا غصب ثوبًا فباعه، الغصب حكمه حرام البيع حرام، هل هو صحيح أو فاسد؟ ننظر؛ هل البيوع منها صحيح وفاسد؟ الجواب: نعم، منها صحيح وفاسد، وعلى هذا فيكون هذا البيع باطلًا، لا ينتقل به الملك إلى المشتري؛ لأن من شرط البيع أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه، والغاصب لا يقوم مقام المالك.
وفُهِمَ من قوله: (الحكمية) أن غير الحكمية لا يُحكم لها بصحة أو فساد، فلو غصب ماءً فأزال به نجاسة، فهل نقول: إن الإزالة غير صحيحة؟ الجواب: لا؛ لأن إزالة النجاسة لا يقال: صحيحة وفاسدة، وعلى هذا فلو غصب ماء فأزال به نجاسة على ثوبه طهر الثوب؛ لماذا؟ لأن إزالة النجاسة ليس له حكم بالصحة ولا بالفساد.
لو غصب ماء فتوضأ به فهل يصح وضوؤه؟ ننظر هل الوضوء ينقسم إلى فاسد وصحيح؟ الجواب: نعم، إذن لا يصح وضوؤه بالماء المغصوب؛ لأنه تصرفٌ حكمي، أي: يلحقه الصحة والفساد.
فصار الضابط الآن تصرفات الغاصب من حيث الحكم التكليفي حرام مطلقًا، من حيث الصحة والنفوذ تنقسم إلى قسمين؛ ما له حكم من صحة أو فساد يكون تصرفُّ الغاصب به باطلًا، وما ليس له حكمُ تصرفٍ فيه نافذًا؛ المثال: رجل غصب ماءً فأزال به نجاسة على ثوبه، فهل يطهر الثوب؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه لا يقال: إزالة النجاسة قسمان صحيحة وفاسدة.
وآخر غصب الماء وتوضأ به نقول: وضوؤه ليس بصحيح، لماذا؟ لأن الوضوء ينقسم إلى صحيح وفاسد.
مثال آخر: رجل غصب ثوبًا فباعه، حكم البيع فاسد، لماذا؟ لأنه من التصرفات الحكمية التي يلحقها الصحة والفساد.
هذا هو الضابط.

الجزء: 2 - الصفحة: 2046

وظاهر كلام المؤلف أن تصرفات الغاصب الحكمية باطلة سواء أجازه المالك أم لم يجزه، وسواء تضرر الغاصب وغيره بذلك أم لا.
ولننظر فالقول الراجح في هذه المسألة خلاف ظاهر المؤلف، وهو أنه إذا أجازه المالك فالتصرف صحيح؛ لأن تحريم التصرف لحق الغير لا لحق له، فإذا أجازه صاحب الحق زال المانع، وعلى هذا فإذا قيل للمالك: إن الغاصب قد باع ثوبك، فقال: أنا أجزته.
فالبيع صحيح، والمشتري يملك الثوب، أما إذا لم يجزه فإن البيع لا يصح، ويجب على المشتري ردُّ الثوب وأخذ ثمنه الذي بذله فيه؛ لأن التصرف غير صحيح.
الآن فهمنا ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح سواء أجازه المالك أم لا، والصحيح أنه إذا أجازه فهو صحيح نافذ؛ لأن تحريم التصرف فيه في حق الغير، فإذا أسقط حقه سقط.
القول الثاني في هذه المسألة يقول: إن كانت التصرفات يسيرة؛ مثل أن باعه على شخص ثم اطلع عليه المالك وطالب به فهو له ويأخذه من المشتري، أما إذا صَعُبَ وتعسَّر أو تعذر، مثل أن باعه الغاصب على واحد، والواحد على آخر، وهكذا تناقل الناس هذا المغصوب، فإن التصرفات صحيحة، بناء على الحرج والمشقة التي تلحق فيما لو حكمنا ببطلان التصرف؛ لأن فيه مشقة، وأيضًا ربما يكون المغصوب بعيرًا غصبه الغاصب وباعه على شخص وولدت البعير وكثُر نسلها، فكيف نقول: إنه باطل مع العسر والمشقة العظيمة؟ ! المخرج من هذه المشقة أن يجيزه المالك؛ إذا أجازه المالك على القول الراجح صح البيع وانتهى كل شيء، لكن إذا لم يجزه فالمذهب لا بد أن يرد إلى مالكه مهما كانت الظروف، والقول الثاني أنه مع العسر والمشقة يُحكَم بالصحة للضرورة، ويقال لمالكه: لك مثل بعيرك إذا قلنا بأن الحيوان مثلي أو قيمته إذا قلنا: إن الحيوان ليس بمثلي.
ظاهر كلام المؤلف: أن الغاصب لو ذكَّى الشاة التي غصبها صارت حرامًا؛ لأن التذكية تنقسم إلى صحيحة وفاسدة، فتكون تذكية الغاصب غير مبيحة للمذكاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2047

القول الثاني في أصل المسألة أن تصرفات الغاصب صحيحة، وهي رواية عن أحمد رحمه الله رواية مطلقة أن تصرفاته صحيحة، ولكن للمالك أن يستردها؛ فمثلًا إذا ذكى الشاة، فالتذكية على هذه الرواية صحيحة والشاة لمن؟ لمالكها ترجع لمالكها وإذا طالب بالمثل وقلنا: إنها مثلية ضمنها بمثلها، وإذا قلنا: إنها متقومة وطالب بمثلها حية، وقال: إن قيمتها حية أكثر من قيمتها لحما أعطيناه الفرق أو أعطيناه القيمة كاملة واللحم يكون للغاصب.
كذلك أيضًا لو توضأ بماء مغصوب فعلى هذه الرواية التي هي خلاف المذهب الوضوء صحيح وهو الصحيح أن الوضوء صحيح؛ لأن هذا التصرف لا يختص بالوضوء؛ إذ إن تصرف الغاصب بالمغصوب يشمل الوضوء وغير الوضوء، فالغاصب لم يُنه عن الوضوء، لم يُقل له: لا تتوضأ من الماء المغصوب، بل قيل له: لا تتصرف بالماء المغصوب، ولما لم يكن النهي خاصًّا بل كان عامًّا صارت العبادة صحيحة، هذا هو القول الراجح، ويدلُّ لهذا الغِيبة على الصائم حرام ولا حلال؟ الطلبة: حرام.
الشيخ: والأكل؟ الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام، لو أكل فسد صومه، لو اغتاب لم يفسد؛ لماذا؟ لأن الأكل حرام على الصائم بخصوصه، والغِيبة ليست حرامًا على الصائم بخصوصها، عليه وعلى غيره، فتبين بهذا الفرق الواضح بين العموم والخصوص.
إذن خلاصة القول الراجح: تصرفات الغاصب أيش؟ صحيحة، أما إن أجازها المالك فهذا أمر واضح مثل الشمس، وأما إذا لم يجزها.
فالصحيح أيضًا صحتها، لكن إذا كان عين ماله باقيًا أي عين المالك باقيًا؛ فله أن يسترده ويقول: هذا عين مالي، وأنت أيها المشتري اذهب إلى الغاصب ومالي أريده.
ثم قال: (والقول في قيمة التالف، أو قدره، أو صفته قوله).
أي: قول الغاصب.
(القول في قيمة التالف) يعني: لو غصب شيئًا فتلف -وكان متقومًا- فقال المالك: قيمته ألف، وقال الغاصب: قيمته خمس مئة، مَنِ القول قوله؟ الطلبة: الغاصب.
الشيخ: قول الغاصب، لماذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2048

إن شئت فقل: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (2) والآن الغاصب والمالك اتفقا على أن القيمة خمس مئة وادعى المالك الزيادة، فيكون المالك مدعيًا، والبينة على من؟ على المدعي واليمين على من أنكر، ومن هذا الحديث أخذ العلماء القاعدة التي ذكرناها لكم، وهي أن كل غارم فالقول قوله.
لكن كل من قلنا: القول قوله -وهو يتعلق بحق الآدميين- فإنه لا بد من اليمين لقوله عليه الصلاة والسلام: «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، أما الذي يتعلق بحق الله فالقول قول المنكِر بلا يمين، فلو قال المحتسِب: يعني: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لصاحب المال: أدِّ الزكاة، فقال: والله أنا زكيت مالي، فقال المحتسب: لا، الزكاة باقية عليك قال: أبدًا ما بقيت؛ فالقول قول مَنْ؟ المالك، بيمين أو بغير يمين؟ الطلبة: بغير يمين.
الشيخ: بغير يمين، ولو قيل له: صَلِّ، قال: صليَّتُ، لا يجوز أن نحلِّفَه، ولا يَلْزمه اليمين، لو قلنا: احلف، قال: ما أنا بحالف، لَكُنَّا نحن الآثمين؛ الذين نأمره باليمين هذا شيء بينه وبين ربه، والناس مؤتمنون على أديانهم، لكن بما يتعلق بحق الآدميين؛ المنكِر لا بد من اليمين على إنكاره ( ... ). طالب: المساجد ( ... ) أحدًا ( ... ) المساجد، هل لنا أن نلزمه أو نحلفه أو نسكت عنه؟ الشيخ: لا، أبدًا نسكت عنه إذا قال: صلى؛ صلى، نعم إذا قلنا: صلِّ مع الجماعة، وقال: صليت مع الجماعة وهو لم يُصلِّ، نقول: نسأله في أي مسجد؟ حتى لو قال: صليت في أي مسجد ما نقول: عيِّن، لكن لكل مقام مقال، بعض الناس يقف على ظني أنه لم يصل مع الجماعة وبعض الناس لا.
طالب: ( ... ) أن الراجح ( ... ) فعل الغاصب أشكل عليَّ أنه قلنا في بداية شروط البيع أنه لا بد أن يكون البائع مالكًا أو من ينوب منابه، كيف صححنا؟ الشيخ: إي على هذا الرأي الغاصب مستثنى.

الجزء: 2 - الصفحة: 2049

طالب: هل إذا قُذف الإنسان فهل يُطالب بالإنكار ثم بالحلف؟ الشيخ: كيف يُطالب بالإنكار؟ يُقال للقاذف: إما أن تقيم بينة على قذفك فلانًا وإلا فثمانون جلدة.
الطالب: هل يطالب بالإنكار المقذوف؟ الشيخ: كيف يطالب؟ الطالب: يعني: يقال: أنكر بأنه وقع منك هذا الذي قُذفت به.
الشيخ: إذا كان المقذوف قد زنى، ما يجوز يُنكر؛ لأنه إذا أنكر جلد هذا.
الطالب: هل يطلب منه ابتداء أو لا يطلب أبدًا؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: هل يطالب بهذا الإنكار أو لا يطالب أصلًا؟ الشيخ: من؟ الطالب: المقذوف.
الشيخ: إذا علم المقذوف أنه زان ما يجوز ينكر فضلًا عن أن يقال له: أنكرْ.
طالب: بارك الله فيك ( ... ). الشيخ: ( ... ). الطالب: ( ... ). الشيخ: في أيش؟ الطالب: تصرفات الغاصب، ما قولكم؟ الشيخ: هو على كل حال تحتاج إلى القاضي، وأنا قلت لكم: إذا وَجد المالك عين ماله فله أن يأخذه ويقول للمشتري أو المستأجر: ارجع إلى الغاصب.
طالب: ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في المسألة وهي في الحقيقة أن لها وجهة أخرى وهو قرينة العدالة في المنكِر والمدَّعي.
الشيخ: منكر إيه؟ الطالب: المنكر الحق يعني قرينة العدالة يخاصمه اثنان؛ واحد صاحب عدالة، وواحد صاحب فسوق.
الشيخ: ما قال شيخ الإسلام؟ الطالب: قال إيه؟ الشيخ: لو ادعى مسلم على كافر، وأنكر الكافر ما حكمنا للمسلم.
الطالب: أذكر، مرت علينا.
الشيخ: دور وأعطيني إياها، لعلها في غير هذا، في غير المسألة هذه لعلها فيمن قُتِلَ للدفاع عن النفس وادعى أولياء المقتول أنه غير صائل، وكان القاتل الذي ادعى الصولة معروف بالصلاح والخير وكان الصائل المقتول معروف بالشر والفساد لعلك ذهب وهمك إلى هذا.
الطالب: الله أعلم يا شيخ، أتأكد هذا.
الشيخ: تعمله وتعطيني إياه جزاك الله خيرًا.


طالب: ( ... ) نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الغصب:

الجزء: 2 - الصفحة: 2050

(والقولُ فِي قيمة التالف أو قدره أو صفته قولُه.
وفي ردِّه وعدم عيبه قول ربه، وإن جهل ربَّه تصدق به عنه مضمونًا.
ومن أتلف محترمًا أو فتح قفصًا أو بابًا أو حلَّ وكاء أو رباطًا أو قيدًا فذهب ما فيه أو أتلف شيئًا ونحوه ضمنه، وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان ضَمِنَ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، ما حكم تصرفات الغاصب في الحكم التكليفي والحكم الوضعي؟ طالب: في الحكم التكليفي التصرفات الحكمية باطلة.
الشيخ: في الحكم التكليفي؟ الطالب: صحيحة.
الشيخ: إي.
طالب: تصرفاته حرام.
الشيخ: حرام، تصرفاته حرام؛ لأنه تصرف في غير ملكه؛ يعني: ليس له حق التصرف لا بملك ولا بالولاية، تصرفاتُه الوضعية؟ طالب: فيها تفصيل؛ إن كان مما يُحكَم فيه بصحة وفساد.
الشيخ: إن كان مما يحكم فيه بصحة وفساد فهي فاسدة وإلَّا .. الطالب: فهي صحيحة.
الشيخ: وإلا فهي صحيحة.
توافقه على هذا ولَّا لا؟ توافقه؛ أيش قال؟ طالب: إذا كانت ( ... ) بالصحة والفساد فهي فاسدة.
الشيخ: إذا كانت مما يلحقه الحكم بالصحة والفساد وإلَّا .. طالب: فهي صحيحة.
الشيخ: مثلٌ للأول؟ الطالب: كالبيع.
الشيخ: البيع؛ يعني؟ الطالب: إذا غصب ثوبًا وباعه فلا يصح البيع.
الشيخ: فإذا غصب ثوبًا وباعه فالبيع غير صحيح، هل ينتقل الملك إلى المشتري أو لا؟ الطالب: لا ينتقل.
الشيخ: لا ينتقل؛ مثال تصرفات الغاصب غير الحكمية؟ طالب: الرهن.
الشيخ: لا، الرهن ما فيه صحيح وفاسد؟ الطالب: فيه.
الشيخ: إذن لا يصح التمثيل به.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا.
طالب: إذا غصب طعامًا وأكله.
الشيخ: إي، صحيح، ماذا نقول: هل نقول: هذا الأكل صحيح ولَّا باطل؟ الطالب: ما فيه باطل وغير باطل.
الشيخ: يعني: ما فيه فاسد وغير فاسد، صحيح، مثال آخر؟ طالب: إزالة النجاسة، غصب ماء وأزال به النجاسة .. الشيخ: مثل أن يغصب ماء فيزيل به النجاسة، فالثوب يطهر كذا؟ ثم إنا ذكرنا أن المسألة فيها رواية أخرى عن أحمد ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2051

طالب: صلاة الغاصب صحيحة.
الشيخ: أنها صحيحة، وبناء على ذلك لو توضأ بماء مغصوب.
الطالب: فالوضوء صحيح.
الشيخ: فالوضوء صحيح، وعليه لصاحبه قيمة الماء أو مثله، فيه قول ثالث وهو أصح؟ طالب: إن كان في حقه مشقة ( ... ) قلنا له بأن البيع هذا التصرف صحيح ليس بفاسد .. الشيخ: للضرورة يعني: إذا كان يشق أن تُبطل تصرفات الغاصب لكون المغصوب، انتقل من شخص لشخص وما أشبه ذلك، فهنا يُحكم بالصحة للضرورة، في قول رابع؟ طالب: قول ثالث.
الشيخ: لا، تكلم قول رابع، ولعله أحسنه.
طالب: قلنا: إن تصرفات الغاصب صحيحة، إن أجازها المالك وإذا لم يجزها.
الشيخ: أنه إذا أجازها المالك.
الطالب: فهي صحيحة.
الشيخ: فهي صحيحة، وإذا لم يجزها فهي باطلة، فلو غصب شاة فباعها فجاء مالكها فله أن يبطل البيع ويأخذ الشاة، ولكن على من يرجع المشتري بالثمن؟ الطلبة: على الغاصب.
الشيخ: يرجع على الغاصب؛ لأن قرار الضمان عليه، الصحيح أن أصح الأربعة هو إما أن يُوقف على إجازة المالك أو يقال: إنه إذا كان يلحق بذلك مشقة، فإنا نمضي التصرف للضرورة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2052

قال: (والقول في قيمة التالف أو قَدْرِه أو صفته قولُه) (القول في قيمة التالف) يعني؛ لو غصب شيئًا فتلف؛ غصب مأكولًا فأكله، أو ملبوسًا فأبلاه، أو حيوانًا فهلك ثم اختلفا المالك والغاصب في قيمة التالف فالقول قول الغاصب؛ مثاله غصب شاة وهلكت؛ ماتت فأراد أن يضمنها لصاحبها فقال صاحبها: قيمتها مئة، وقال الغاصب: بل ثمانون، فالقول قول الغاصب، الدليل لذلك؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (2) فهنا القيمة التي قدرها ثمانون متفق عليها، أليس كذلك؟ رب الشاة يقول: قيمتها ثمانون.
والغاصب يقول: قيمتها ثمانون، العشرون الزائدة هذه بها مدع ومنكر، مَن المدعي؟ المالك، والمنكر الغاصب فنقول للمالك: ائت ببينة على أن قيمتها مئة وإلا فلك يمين الغاصب، هذا دليل من السنة، هذه السنة بنى عليها العلماء رحمهم الله قاعدة؛ وهي أن القول قول الغارم؛ ولهذا تجدون في كتب الفقهاء تعاليل كثيرة القول قوله؛ لأنه غارم وهذا التعليل مأخوذ من الحديث الذي سمعتم.
القول في قَدْرِه قول الغاصب؛ فرجل غصب شاة وتلفت ثم جاء صاحبها وقال: إنك غصبت شاتين أو شاة وولدها، فقال: بل غصبت واحدة لا ولد معها.
فالقول قول مَنْ؟ طالب: الغاصب.
الشيخ: ماذا قلت؟ الطالب: لو اختلفا في القدر فإن القول قول الغاصب.
الشيخ: لكن بماذا مثلت؟ الطالب: إذا قال: غصبت شاة ( ... ) الغاصب.
الشيخ: أو شاتين فالقول قول الغاصب الدليل «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
ومن التعليل؛ أن الغاصب غارم وكل غارم فإنه يُقبَل قوله فيما غرم ولكن لاحظوا أن كل من قلنا القول قوله، فإنه لا بد من اليمين فيما يتعلق بحقوق العباد، أما حق الرب عز وجل فإن الإنسان لا يُحلَّف لو قيل له: صلِّ.
قال: صليت، لا يجوز أن نحلفه، قيل له: أدِّ زكاة مالك.
قال: أديتها.
لا يجوز أن نحلفه، هذا شيء بينه وبين ربه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2053

(أو صفته) صفة أيش؟ صفة المغصوب القول قوله، فإذا غصب من شخص شاة، وتلفت، فقال مالكها: إنها سمينة لبون بمعنى؟ الطلبة: ذات لبن.
الشيخ: ذات لبن، فقال الغاصب: بل هزيلة لا لبن فيها، فالقول قول الغاصب، والدليل والتعليل كما عرفتم.
(وفي ردِّه وعدم عيبه قول ربه) يعني: إذا اختلف الغاصب والمالك؛ فقال للغاصب: إني رددته عليك، وقال المالك: لم ترده، فهنا قد اتفقا على شيء وادعى أحدهما خلاف ما اتفقا عليه، اتفقا على أن العين كانت عند الغاصب، ثم ادعى الغاصب أنه ردَّها، وهذه دعوى فوق ما اتفقا عليه، فنقول: القول قول المالك، الدليل: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فالطرفان متفقان على أن العين المغصوبة كانت عند الغاصب، ثم ادَّعى الغاصب أنه ردَّها فنقول: عليك البينة، وإلا فيحلف المالك ويُحْكَم له بها، هذا من حيث الدليل.
من حيث التعليل؛ نقول: الأصل عدم الرد، ما دام الغاصب قد أقرَّ أنها عنده وأنه غصبها فالأصل عدم الرد، وهذا يقاس على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَجَدَ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؛ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (3) فإن هذا الحديث أصل في بناء الأمور على ما كانت عليه، كذلك أيضًا.
(في ردِّه وعدم عيبه قولُ ربِّه) هنا يجب أن ننظر بعض الشيء؛ غصب شاة فتلفت فأراد أن يضمنها بقيمتها، لكنه -أي: الغاصب- قال: إنها معيبة، إنها تعرج وعرجها بَيِّن، وقال المالك: بل هي سليمة؛ ومعلوم أن السليمة أغلى من المعيبة، فهنا مَن القول قوله؟ تعارَضَ في الحقيقة أصلان، أو أصل وظاهر، الأصل الأول السلامة، وإذا أخذنا بهذا الأصل قلنا: القول قول المالك؛ لأن الأصل السلامة وعدم العيب، وتعارض أصل آخر وهو الغرم؛ لأن الغاصب -إذا قلنا: إنها سليمة- فسوف يَغرم زيادة على ما أقر به؛ أليس كذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2054

الطلبة: بلى.
الشيخ: لأنها إذا كانت معيبة سيغرم -مثلًا- ثمانين ريالًا، وإذا كانت سليمة سيغرم مئة، الآن زاد الغرم عليه، والأصل أن الغارم يُقبَل قوله.
فهل نقول: إن القول قول الغاصب؛ لأنه غارم، أو نقول: إن القول قول المالك؛ لأن الأصل السلامة؟ نقول: القول قول المالك؛ لأن الأصل السلامة، وهذا الأصل متقدم على الأصل الثاني؛ لأن العيب حادث على السلامة فقُدم هذا الأصل على أصل الغرم، وهذه في الحقيقة قاعدة ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها، أحيانًا يتعارض الأصل والظاهر، وأحيانًا يتعارض أصلان فيُقَدَّم بعضهما على بعض حسب ما تقتضيه الشريعة، وحسب ما تقتضيه قرائن الأحوال؛ لهذا -مثلًا- لو أن امرأة فارقت زوجها وأمسكت بيدها بالدلة؛ دلة القهوة -وقهوة البُنِّ يشربها غالبًا الرجال- وادعت أن الدلة لها، والزوج يقول: لي.
فعندنا أصل وظاهر، ما هو الأصل؟ الأصل أن ما بيد الإنسان فهو له، وعندنا ظاهر؛ أن ظاهر الحال أن هذا الدلة لمن؟ طالب: للرجال.
الشيخ: للرجال، فأيهما نقدم؟ ينظر الإنسان إذا كان الظاهر قويًّا أقوى من الأصل قدمنا الظاهر.
(وفي ردِّه وعدم عيبِه قولُ ربه) هذا النزاع الذي ذكره المؤلف وقال: قول الغاصب، أو القول قول ربه، من الذي يُحْكَم به؟ يوجه هذا إلى القاضي، أو إلى رجلٍ حُكِّم؛ أي حَكّمه الغاصب ورب المال، فيعطى هذه القواعد.
قال: (وإن جهل رَبَّهُ تَصَدَّقَ به عنه مضمونًا).
(إن جَهِلَ) الفاعل الغاصب (ربه) أي: رب المغصوب، أي: صاحبه، إذا جهل صاحبه، بأن يكون قد غصب هذا الشيء من زمان قديم ونسي، أو غصب شيئًا من عند باب المسجد، أخذ نعلًا ومشى به، أو أخذه من شخص معين لكنه لا يعرفه، المهم إذا جهل مَن ربه يقول المؤلف: (تصدق به عنه مضمونًا)، وهنا طريقان:

الجزء: 2 - الصفحة: 2055

الطريق الأول: أن يدفعه إلى الحاكم -أي: إلى القاضي- فيبرأ منه بلا نزاع، يعني: لم ينازع أحد من العلماء في ذلك أنه إذا جهل ربه يعطيه الحاكم، والحاكم يتصرف فيه، وهذا لا شك أنه أسهل على الإنسان.
لكن أحيانًا لا يكون الحاكم ثقة، اسمعوا إلى ما قال الإمام أحمد -رحمه الله- قال: أما حكامنا هؤلاء فلا أرى أن يُدْفَع إليهم شيئًا.
ومات الإمام أحمد في القرن الثالث يقول: حكامه لا يرى أن يدفع إليهم شيئًا؛ لأنهم ما هم ثقات، كيف عاد حكام الوقت؟ ! الثقة فيهم أندر من الكبريت الأحمر إلا أن يشاء الله، لكن على كل حال إذا كان الحاكم غير ثقة وخاف أنه إذا أعطاه إياه مشاه من جهة أخرى، أو أن الحاكم أبى، أحيانًا يأبى الحاكم يقول: لا، فالأول -يعني: إذا كان غير ثقة- لا يجوز أن يعطيه إياه.
والثاني: هل يلزم الحاكم أن يُقبَل أو لا يلزمه؟ هذا محل نظر وتفصيل، يقال: إذا كانت الدولة قد جعلت جهة معينة لاستقبال الضائع فللحاكم أيش أن يمتنع، ويقول: اذهب إلى الجهة الأخرى، لكن إذا لم يكن هناك جهات مسؤولة عن استقبال الضائع، فأرى أنه يجب على القاضي أن يقبل هذا.
وهذه المشكلة قد لا تكون في مسألة الغصب إلا قليلًا -والحمد لله- لكن تكون في لُقَطَة مكة كثيرًا، لقطة مكة تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» (4) يعني: إلا لشخص يُنشِد عنها مدى حياته ويوصي بها بعد مماته؛ لأنه لا يمكن يملكها أبدًا، كل ما في الحرم آمن حتى الجمادات؛ فالإنسان الآن إذا رأى -مثلًا- دراهم، ألف ريال، ألفين ريال، عشرة آلاف ريال في سوق من أسواق مكة، إن تركها فيا ويلها من اللصوص، وإن أخذها مُشكل تعب فيها، ماذا يصنع؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2056

إذا كان هناك جهة مسؤولة لاستقبال الضائع هذا واضح الآن الأمر سهل -والحمد لله- يأخذها ويُؤْجَر على إيصالها إلى هذه الجهة، لكن إذا لم يكن جهة فأرى أنه يجب على الحاكم الشرعي أن يستقبلها؛ لأن هذه من جملة ما يتولاه الحاكم، السلطان ولي من لا ولي له، ماذا يصنع الناس؟ الإنسان ليس مستعدًّا أن يأخذ هذه اللقطة من مكة وينشد عنها مدى الدهر، لكن يسهل عليه جدًّا أن يأخذها ويوديها إلى المحكمة مثلًا إذا لم تكن جهة مسؤولة عن ذلك.
المهم؛ إذا جهل الغاصب (ربه) رب أيش؟ أي: الطلبة: مالكه.
الشيخ: مالكه، يقول المؤلف: يتصدق عنه، ولكننا ذكرنا طريقين؛ الطريق الأول: أن يسلمه إلى الحاكم فإن لم يفعل يقول: (تصدَّق به عنه) يعني: دفعه للفقراء.
(عنه) أي: عن ربه، عن المالك (مضمونًا) أي: بشرط الضمان إذا وجده، يعني: يعتقد أنه تصدق بهذا عن ربه مضمونًا عليه لو وجد ربه، فعندنا شيئان: الشيء الأول: أن تكون الصدقة عن ربه لا عن نفس الغاصب.
والثاني: أن ينوي أنه ضامن له إذا وجد ربه وطالب به.
فإن تصدَّق به عن نفسه؛ فإن ذمته لا تبرأ وصدَقتَه لا تُقْبَل؛ لأنها صدقة غير طيبة، والله عزَّ وجل لا يقبل إلا ما كان طيبًا، وذمته لا تبرأ؛ لأنه لم ينو هذه الصدقة عن ربها ولم ينو الضمان، فلم يستفد الآن، لم يستفد التقرب إلى الله، ولم يستفد إبراء الذمة، بل أقول: إن ذلك لا يزيده إلا إثمًا؛ يعني: لو تصدق به عن نفسه فهو آثم.
إذا وجد ربها بعد أن تصدق فإنه يقول: أنت الآن مخيَّرٌ إن شئت فأمضِ الصدقة والأجر لك، وإن شئت ضمنت لك مالك، والأجر لمن؟ للغاصب؛ لأن الغاصب اتَّقى الله وهذا غاية ما يستطيع فيُؤجَر على تصرفه.
وهذه المسألة من مسائل تصرف الفضولي التي أجازها الفقهاء رحمهم الله؛ لأنها ضرورة، إذ إنه لا يعرف صاحبها فلا بد أن يتخلص منها بهذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2057

وقوله: (تَصَدَّق به عنه) لو أراد أن لا يتصدق بها أن يجعلها في مسجد فهل يجوز ذلك؟ ظاهر كلام المؤلف: لا، ولكن هذا الظاهر غير مراد، بل له أن يجعلها في طرق الخير من بناء مسجد، بناء أربطة للفقراء، شراء كتب لطلبة العلم، المهم أن يصرفها فيما يقرِّب إلى الله، وحينئذٍ هل يُخَيَّر بين جهات الخير أو يَنْظُر ما هو أفضل؟ نسأل: هل هو متصرف لنفسه ولَّا لغيره؟ فإذا كان يتصرف لغيره فماذا يصنع؟ ينظر للأصلح؛ قد يكون هذا البلد أهله ليسوا بذاك الفقراء لكنهم محتاجون إلى مسجد، فهنا نقول: صرفُه في بناء المسجد أفضل، وقد يكون العكس، المساجد كثيرة وأهل البلد فقراء، فنقول أيش: الصدقة أفضل.
فعلى كل حال كلام المؤلف -رحمه الله- غير مراد، وإن قلنا: إنه مراد فإن الراجح خلافه، وأن له أن يصرف هذا المغصوب في أي جهة خيرية.
لو قُدِّرَ أن له أقارب محتاجين، هل يصرف هذا في أقاربه؟ الجواب: نعم، يصرف هذا في أقاربه، لكنه لا يجوز أن يحابيهم، فيرى غيرهم أحوج ويعطي أقاربه هذا لا يجوز، لكن إذا كان أقاربه مساوين لغيرهم أو أحوج من غيرهم فلا بأس أن يعطيهم.
وهل له أن يأخذه هو إذا كان فقيرًا؟ الجواب: فيه خلاف؛ من العلماء من قال: إنه إذا تاب إلى الله -وهو على كل حال تائب؛ لأنه الآن يريد أن يتخلص- وكان فقيرًا فله أن يأخذه، ومن العلماء من قال: لا يجوز سدًّا للباب؛ لأن الإنسان ربما يُفتِي نفسه بأنه فقير وليس كذلك، فيتهاون أو يتربص حتى يفتقر، وهذا القول بمنعه من أن يجعل نفسه مَصرفًا قول قوي، لكن لو سلمه إلى الحاكم وكان هو فقيرًا فأعطاه الحاكم منه، فهذا يجوز بلا شك؛ لأن التهمة الآن أيش؟ منتفية تمامًا، وعلى هذا فلو أعطاه الحاكم وهو من أهل الحاجة ودفع إليه ما غصبه فلا حرج عليه أن يقبله وذمته قد برئت.
(إن جهل رَبَّهُ) يعني: ربَّ المغصوبِ أي: مالكه، هل يقال هذا في كل مال مجهول صاحبه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2058

الجواب: نعم يقال، كوديعة أُودعها الإنسانُ ثم نسي الذي أودعها فنقول: إذا نسيت وأيست تصدق به مضمونًا.
كذلك إنسان خياط يخيط، أعطاه شخص ثوبًا ليخيطه، وذهب الرجل وأيسنا منه، فماذا يصنع الخياط في هذا الثوب؟ الطلبة: يتصدق به مضمونًا.
الشيخ: يتصدق به مضمونًا، أو يبيعه إذا رأى أن المصلحة في بيعه مثل أن يكون ثوبًا كبيرًا واسعًا لا يشتريه أحد فيبيعه ويشتري ثوبين -مثلًا- فله ذلك.
فالقاعدة إذن: كل مَنْ بيده مال جُهِلَ صاحبُه وأيس من العثور عليه؛ فله أن يتصدق به بشرط أيش الضمان.
هنا مسألة تشبه هذه من بعض الوجوه؛ وهي ما يؤخذ غرامة على المخالفين؛ هل يجوز أن يُشترى أو لا يجوز؟ يعني مثلًا في غرامة على المخالفين في بعض البضائع، إذا دخلوا فيها وصودرت منهم، فهل يجوز أن تُشتَرى من الجهات المسؤولة أو لا؟ الجواب: نعم يجوز أن تُشْتَرى؛ لأنها الآن خرجت عن ملك أصحابها بمقتضى أيش العقوبة، والعقوبة المالية جائزة في الشريعة ولها وقائع وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؛ فيجوز أن يشتريها الإنسان وتدخل ملكه ولا حرج عليه في ذلك.
كالمغصوب إذ جُهِلَ مالكُه وبِيعَ وتُصُرِّف فيه على وجه جائز فلا حرج أن يشتريه.
فإن قال قائل: أنا أعلم رب هذه العين التي صودرت أنه فلان، فكيف يجوز لي أن أشتريها؟ !

الجزء: 2 - الصفحة: 2059

نقول: نعم؛ لأنها أُخِذَت بحق، أما لو جاءتك وهي مسروقة تعرف أنها سرقت فهنا لا يجوز أن تشتريها، لكن إذا صودرت عقوبة فقد أُخِذَت بحق؛ لأن لولي الأمر أن يعاقب من خالفَ ما يجب عليه بما يرى أنه أردع وأنفع، ولولا هذا لكانت الأمور فوضى، وصار كل إنسان يعمل على ما يريد، وهذا لا يمكن، ولذلك نرى أن الأنظمة التي ليس فيها مخالفة للشريعة وإنما هي اجتهادية أنه يجب اتباعها امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] ولو لم نفعل وقلنا: لا يجب أن يطاع ولي الأمر إلا فيما أمر الله به، لقلنا: الجواب على هذا من وجهين: الأول: أن طاعته في غير معصية أيش؟ مما أمر الله به.
الثاني؛ إذا قلنا: إنه لا يطاع إلا إذا أمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين، قلنا: هذا أمر لا فائدة منه؛ لأن هذه الأشياء قد أُمر بها من قِبَلِ الشرع، ويكون الأمر بطاعة ولي الأمر عبثًا؛ لأن طاعته في هذه الأشياء داخلة في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ولهذا يغلط غلطًا عظيمًا من ظن أن أوامر ولاة الأمور لا يجب تنفيذها إلا إذا كان مأمورًا بها شرعًا لأننا نقول الجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن طاعتهم في غير المعصية مأمور بها شرعًا، وإن لم يكن في هذا الشيء بعينه.
والثاني: أننا لو قلنا بذلك لكان قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ عديم الفائدة؛ لأننا إذا قلنا: لا يطاعون إلا فيما أمر الله به ورسوله لم يكن لأمرهم فائدة إطلاقًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2060

ومثل هذه المسائل ينبغي لطلبة العلم أن يبيِّنوها لبعض الإخوة الذين ينطلقون في الكلام في الحكام من العاطفة دون التأمل والتأنِّي، وهذه مسألة خطيرة في الحقيقة؛ يعني: كون الإنسان ينطلق بمقتضى العاطفة، هذا غلط سواء في معاملة الحكام أو غيره حتى في الصلاة والزكاة، بعض الناس ينطلق من العاطفة ثم يوجب على المسلمين ما لا يجب، وكذلك بالعكس بعض الناس ينطلق من منطلق التأخر بمعنى أنه يقول: هذا غير واجب والدين يسر وما أشبه ذلك، وينفلت الزمام، كل هذا خطأ، الواجب الوسط، فالوسط هو الحق والغالب؛ أي: إذا تأملت خلاف العلماء وتأملت تصرفات الناس وجدت أن الصواب يكون غالبًا في أيش؟ في الوسط، حتى مسائل خلاف العلماء الآن -مثلًا- أهل التعطيل وأهل التمثيل في صفات الله، ما هو الوسط؟ الإثبات بلا تمثيل، وكذلك في القدَر، وكذلك في الإيمان وغير ذلك.
طالب: بعض المغاسل؛ يبدو أن المغسلة غير مسؤولة عن الثياب بعد مثلًا مرور شهر فهل هذا الشرط يصح؟ الشيخ: هذا صحيح، هذا شرط صحيح بعض المغاسل يقول لك: إلى شهر، بعد الشهر أبيع الثوب مثلًا، لا بأس به، كذلك أيضًا يوجد بعض المخازن ولا سيما على الموانئ يقدِّرُون المدة وبعد أن تمضي يخرج ويباع، إي نعم.
طالب: نسمع أن الخياط لو باع الثوب، ثم جاء المالك، فهل على المالك أن يدفع الراتب حق الخياط؟ الشيخ: نعم، يدفع الأجرة.
الطالب: وعلى الخياط أن يدفع حق القماش؟ الشيخ: نعم، وعلى الخياط أن يرد عليه القيمة قيمة الثوب اللي باع.
طالب: إذا أراد الغاصب أن يُرجِع المال إلى صاحبه ويعلم أن بإرجاعه المال سيستخدمه صاحبه في الحرام.
الشيخ: مثاله.
طالب: مثل مثلًا غصب مالًا، وصاحبه صاحب .. الشيخ: غصب تلفزيونًا.
الطالب: لا، مالًا.
الشيخ: مالًا.
طالب: صاحب المال بيبع به مخدرات إذا أرجعه سيشتري به مخدرات.
الشيخ: ما عليه منه، ما دام أنه ماله يرده عليه والإثم على هذا ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2061

طالب: قلنا يا شيخ: إنه يتصدق بنصيبه ( ... ) ولكن ألَا يتصدق أيضًا ( ... ) صدقات.
الشيخ: هذا شيء ثانٍ إذا جاء رَبُّه ضمَّنه ما ذكره إلا يتصدق به فقط.
طالب: هل يُعمل بالقرائن إذا عارضت أصل الغُرم؟ يعني: رجل غصب ساعة من شخص فادعى أن الساعة بعشرين ريالًا، ومعروف أن هذا الشخص لا يلبسها؛ يعني: مثله لا يلبس أقل من مئة ريال، وقال: أنا لو أعلم ( ... ) لوضعت ( ... ). الشيخ: لا، ما يلزم؛ لأن ربما يكون هذا الرجل المغصوب منه لا يلبس مثل هذه الساعة لكن تكون ساعته مثلًا ضاعت ولبسها للضرورة، دائمًا الإنسان يفعل هذا، أليس كذلك؟ الطالب: في غير يعني .. الشيخ: المهم، بطل هذا.
طالب: هل يجوز الاستئجار من الغاصب مع العلم بتعذر الرد؟ يعني: معلوم أن الغاصب غصب منزلًا أو بيتًا، ويقينًا أنه لا يعود إلى صاحبه كما يحصل في البلاد الشيوعية، هل يجوز للإنسان أن يستأجر من هذه الحكومة مع أنه يعلم أنه لن يعود إلى صاحبه أبدًا للحاجة؟ الشيخ: إي نعم، لا بأس؛ لأنه الآن إما أن يستأجر أو يتعطل الملك ولا تنتفع ضرورة هذا.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- القول بأن الغاصب يقبل قوله في التلف.
الشيخ: يعني: هذه قاعدة لو فرضنا أن الدولة الشيوعية تغصب أموال الناس وتؤجرها أو تبيعها ولا يمكن ترجع عليه فلا حرج.
الطالب: يا شيخ، بالنسبة للغاصب؛ قلنا بأنه يقبل قوله في ادعاء التلف والقدْر.
الشيخ: يقبل.
طالب: نعم يقبل.
الشيخ: يقبل أيش؟ الطالب: قوله.
الشيخ: قوله في؟ الطالب: في ادعاء التلف والقدر؛ قدر المال المغصوب.
الشيخ: لا، القول في قيمة التالف، لكن لو ادعى التلف ما يقبل قوله.
الطالب: نعم، قدر قيمة التالف، هل ( ... ) القبول مطلقًا يا شيخ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2062

الشيخ: إي نعم، مطلقًا إلا إذا خالف العائد؛ يعني: لو اتفقوا على أن المغصوب شاة واتفقوا على وصفها، وقال: قيمتها كذا وذاك.
قال: قيمتها كذا، ونعلم أنه ما يمكن هذا قال: قيمتها عشرة، وربُّها قال: قيمتها مئة، ونعلم إن ما يمكن تباع هذه بعشرة.
الطالب: لو كان يا شيخ معروف إن هذا الرجل ( ... ). الشيخ: لا، الدعاوي ما فيها فسق ولا عدل؛ حتى الكافر مع المسلم يُعمل بما تقتضيه القواعد انتهى ( ... ).


طالب: وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى في باب الغصب: ومَنْ أتلف محترمًا، أو فتح قفصًا، أو بابًا، أو حَلَّ وِكاء، أو رباطًا أو قيدًا، فذهب ما فيه، أو أتلف شيئًا ونحوه ضمنه، وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان ضُمِّنَ؛ كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عَقَره خارج منزله.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومَنْ أتلف محترمًا) إلى آخره (من) هذه شرطية، المعنى؛ أي إنسان (أتلف محترمًا) أي: شيئًا محترمًا واحترز به عما ليس بمحترم كالكافر الحربي، فالكافر الحربي غير محترم فمن أتلفه فلا ضمان عليه، الخمر في يد المسلم غير محترم، فمن أتلفه فعليه ضمانه؟ الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه ليس بمحترم، وقوله: (من أتلف محترمًا) يعمُّ الصغير والكبير، والحيوان وغير الحيوان، ويعم -أيضًا- ما كان عن عمد وما كان عن غير عمد، إلا أن الفرق بين العامد وغير العامد هو أن العامد آثم، وغير العامد ليس بآثم، لكن حق الآدمي لا يسقط، يجب عليه ضمانه.
فلو أتلف الإنسان مالًا يظنه مال نفسه، فتبين أنه مالُ غيره فعليه الضمان؛ وذلك لأنه أتلف محترمًا، فإذا قال: إن الله يقول: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قلنا: نعم، قال الله هذا، لكن هذا في حق مَنْ؟ في حق الله تعالى فقط، أما في حق الآدمي فعليه الضمان.

الجزء: 2 - الصفحة: 2063

ولو أن رجلًا مُحْرِمًا قتل صيدًا مملوكًا جهلًا أو نسيانًا فعليه الضمان لصاحبه وليس عليه الجزاء، والفرق أن الجزاء حق لله، والضمان حق للآدمي، ولو أنه أتلفه عمدًا؛ قتله عمدًا وهو مملوك لزمه ضمانان؛ الضمان الأول للآدمي، والضمان الثاني الجزاء حق لله عز وجل.
إذن كل من أتلف محترمًا فعليه الضمان سواء كان عالمًا أو جاهلًا أو ناسيًا أو ذاكرًا أو عامدًا أو مخطئًا، فعليه الضمان بكل حال، وسواء كان هذا المحترم قليلًا أم كثيرًا.
(أو فتح قفصًا فذهب ما فيه أو أتلف شيئًا) القفص وعاء تُجعل فيه الطيور، ففتح القفص فطار الطائر فعليه ضمانه؛ لأنه متسبب، والمتسبب إذا لم يكن معه مباشر فعليه الضمان.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يهيج الطائر أو لا؛ يعني أنه لا فرق بين أن ينهر الطائر حين فتح القفص أو لم يفعل، وأنه لا فرق بين أن ينضم الطائر إلى جانب القفص لمَّا فُتِح عليه ثم يطير بعد أن يتولى هذا الذي فتحه، أو يطير وهو حاضر؛ لأن بعض الطيور إذا فتحت عليه الباب انحاز إلى جهة من القفص خوفًا من فتح الباب، فظاهر كلام المؤلف أنه متى فتح القفص وطار ما فيه فإنه ضامن.
نظير القفص في وقتنا الحاضر الشبك؛ لو كان هناك شبك فيه طيور وفتح الباب شخص ثم طارت الطيور فعليه الضمان؛ لأنه متسبب، فإن اجتمع معه مباشر فالضمان على المباشر، مثل أن يفتح الباب ثم يأتي آخر فيهيج الطائر فيطير فعليه الضمان؛ مَنْ؟ المباشر الذي أهاج الطائر.
(أو بابًا) يعني: فتح بابًا فذهب ما فيه، فتح بابًا عن مواش، عن شاة -مثلًا- ولما فتح الباب خرجت الشاة فتلفت، فعلى فاتح الباب الضمان؛ لماذا؟ لأنه متسبب، والمتسبب عليه الضمان، فإن اجتمع معه مباشر فالضمان على المباشر، يعني: لو فتح الباب وجاء إنسان وأخرج الشاة وتلفت فالضمان على الثاني؛ لأنه مباشر ولا ضمان على المتسبب مع المباشر إلا إذا كانت المباشرة مبنية على السبب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2064

كذلك أيضًا: (حَلَّ وِكَاءً) يعني: دهن أو عسل في وعاء، فَحَلَّ هذا الوعاء، فاندفق الدهن أو العسل، فعليه الضمان؛ علِّلْ.
لأنه متسبب.
وظاهر كلام المؤلف أنه ضامن ولو كان حين حلَّ الوكاء جامدًا ثم أذابته الشمس، أو كان حين حل الوكاء واقفًا ثم حرفته الريح فعليه الضمان؛ لأنه متسبب.
(أو رباطًا) يعني: وجد حيوانًا مربوطًا؛ فحل رباطه فذهب، فعليه الضمان.
وهذا الذي ذكره المؤلف -رحمه الله- أمثلة، ما هي قواعد، لكن القاعدة أن كل من أتلف شيئًا بسببٍ فعليه الضمان.
وما هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله إلا أمثلة أو صُوَر فذهب ما فيه فعليه الضمان.
ثم قال المؤلف: (أو أتلف شيئًا ونحوه) زيادة على هذا؛ لو فُرِض أن هذه الشاة التي فُتِحَ الباب لها خرجت وأكلت زرع إنسان، فعلى مَنْ فَتَحَ الباب ضمان الشاة، وضمان ما أتلف من الزرع، وكذلك لو أن الطائر اصطدم بشيء وتلف هذا الشيء فعلى من فتح قفصه الضمان، وكذلك لو أن الدهن اندفق على شيء فأفسده فعليه ضمان الدهن وضمان ما أفسده، المهم أنه يضمن الشيء وما ترتب عليه.
ثم قال المؤلف: (وإن رَبَطَ دابةً بطريق ضيِّق فعَثَر به إنسانٌ ضمن).
في وقت المؤلف لا توجد السيارات، وفي وقتنا لا توجد الدواب لكن الشيء يقاس بالشيء، إذا ربط دابة بطريق ضيق فعثر بها إنسان انكسر هلك فعليه الضمان؛ لأنه متعدٍّ في ربطها في هذا المكان الضيق.
وعُلِم من كلام المؤلف: أنه لو ربطها بطريق واسع فلا ضمان عليه، وهذا متجه إذا لم يربطها في طريق المارة، فإن ربطها في طريق المارة فهو كما لو ربطها في طريق ضيق، يعني: عليه الضمان.
فإن قال قائل: الطريق الواسع -وإن كان مطرق الناس في وسطه مثلًا- يستطيع الإنسان أن ينحرف يمينًا أو شمالًا.
قلنا: لنسأل هل هذا الرجل الذي ربط الدابة في الطريق الواسع -في مطرق الناس- هل هو معتدٍ أو غير معتدٍ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2065

الجواب: معتدٍ لا شك، وإذا كان معتديًا فهو ظالم، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: 42] نعم لو ربطها في طريق واسع في أحد جوانبه فلا بأس؛ لا ضمان.
وإنْ رَبَطَ دابَّةً بطريقٍ ضَيِّقٍ فعَثَرَ به إنسانٌ ضَمِنَ، كالكلبِ العَقورِ لِمَن دَخَلَ بيتَه بإِذْنِه أو عَقَرَه خارجَ مَنْزِلِه، وما أَتلَفَت البهيمةُ من الزرعِ لَيْلًا ضَمِنَه صاحبُها، وعَكْسُه النهارُ، إلا أنْ تُرْسَلَ بقُرْبِ ما تُتْلِفُه عادةً وإن كانت بِيَدِ راكبٍ أو قائدٍ أو سائقٍ ضَمِنَ جِنايتَها بِمُقَدَّمها لا بِمُؤَخَّرِها، وباقي جِنايتِها هَدَرٌ كقْتَلِ الصائلِ عليه وكَسْرِ مِزمارٍ وصَليبٍ , وآنيةِ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ , وآنيةِ خَمْرٍ غيرِ مُحترَمَةٍ.
ثم قال المؤلف: (وإن ربط دابةً بطريقٍ ضيق، فعثر به إنسانٌ ضمِن) في وقت المؤلف لا توجد السيارات، وفي وقتنا لا توجد الدواب، لكن الشيء يُقاس بالشيء؛ إذا ربط دابةً بطريقٍ ضيق فعثر بها إنسان وانكسر، هلك، فعليه الضمان؛ لأنه متعدٍّ في ربطها في هذا المكان الضيق.
وعُلِم من كلام المؤلف أنه لو ربطها بطريقٍ واسع فلا ضمان عليه، وهذا متجه إذا لم يربطها في طريق المارة، فإن ربطها بطريق المارة فهو كما لو ربطها في طريقٍ ضيق؛ يعني عليه الضمان.
فإن قال قائل: الطريق الواسع يستطيع الإنسان، وإن كان مطرق الناس في وسطه مثلًا، يستطيع الإنسان أن ينحرف يمينًا أو شمالًا؟ قلنا: لنسأل: هل هذا الرجل الذي ربط الدابة في الطريق الواسع في مطرق الناس، هل هو معتدٍ أو غير معتدٍ؟ طالب: معتدٍ.
الشيخ: الجواب: معتدٍ لا شك، وإذا كان معتديًا فهو ظالم؛ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: 42]، نعم، لو ربطها في طريقٍ واسع في أحد جوانبه فلا بأس، لا ضمان.

الجزء: 2 - الصفحة: 2066

وقوله: (إن ربط) ظاهر كلامه -رحمه الله- أنه لو أوقفها بلا ربط فلا ضمان عليه؛ لأنه إذا أوقفها تمشي وتذهب، ولكن في هذا الظاهر نظر، والصواب أن إيقافها كربطها؛ لأن مجرد وقوفها في هذا المكان في الطريق الضيق أو الواسع إذا أوقفها في طريق الناس يُعتبر عدوانًا.
نعم، لو فُرض أنه أوقفها لتحميل متاعه عليها، أو لتنزيل متاعه منها، فعثر بها إنسان، فهذا لا ضمان عليه؛ وذلك لأنه غير معتدٍ، ولا متعدٍّ، وهذه عادة الناس، ولو قلنا بالضمان لكان حصل إشكال عظيم، لكان الإنسان لا يمكن أن يحمل متاعه على بعيره إلا إذا أدخلها إلى بيته، وهذا مشقة عظيمة.
إذن الضابط أنه إذا كان إذا أوقفها أو ربطها في مكانٍ يُعتبر متعديًا فعليه الضمان.
طيب، السيارات الآن حُكمها حكم الدابة، إذا أوقفها في مكانٍ واسع وليس في طريق الناس، فعثر بها إنسان، فإنه لا ضمان على صاحب السيارة؛ لأنه لم يعتدِ، حيث إن العادة جرت بأن الناس يوقفون سياراتهم في الأمكنة الواسعة، ولا يُعدُّ هذا اعتداءً، فإن أوقفها في مكانٍ واسع في مطرق الناس، فعليه الضمان؛ لأنه متعدٍّ، وإن أوقفها في طريقٍ واسع في جانب الطريق فلا ضمان عليه، لكن ما هي السعة؟ السعة أن يُبقي مكانًا يمكن أن تمر به السيارات، فإذا ترك مكانًا يمكن أن تمر به السيارات، فهذا ليس بمعتدٍ، والعادة الآن جارية بذلك؛ كل الناس يُوقفون سياراتهم عند بيوتهم لكنهم يدعون ممرًّا واسعًا، لكن هل يجب أن نقول: لا بد أن يترك ممرًّا يستطيع أن ينفد فيه المتقابلان؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2067

الظاهر أنه بلى، لا سيما في الطرقات النافذة، أما غير النافذة فهي إلى أصحابها، لكن في الطرقات النافذة، ولا سيما الطويلة يبقى إشكال إذا أوقفها بحيث يمر سيارة واحدة؛ لأنه كثيرًا ما تتلاقى السيارات في الطريق الطويل، ولا يمكن أن يجوز بعضها بعضًا إلا أن ترجع إحداهما إلى أعلى السوق، وهذا ضرر وتضييق على الناس، وما دُمنا نعتبر الاعتداء والضرر فلنُطبِّق كل ما يحصل على هذه القاعدة.
لو أنه أوقف سيارته في مكانٍ بارح واسع، وكان حوله فِتيان يلعبون كرة، ثم إن أحدهم لحق الكرة لما طارت واصطدم بالسيارة، فهل عليه الضمان؟ لماذا تتوقفون يا جماعة؟ طلبة: لا ضمانَ عليه.
الشيخ: لا ضمان عليه؛ لأن المكان واسع، والعادة جارية بذلك، وهذا هو الذي اصطدم بها كما لو اصطدم بالجدار؛ جدار البيت وما أشبهه.
(وإن ربط دابةً بطريقٍ ضيق فعثر به)، عندكم (به) ولَّا (بها)؟ طلبة: به.
الشيخ: به، كان مقتضى السياق أن يقول: عثر بها، (فعثر به إنسان ضمن)؛ أي رابط الدابة، وكذلك موقفها.
طيب، لو لم يعثر بها، ولكنها رفسته، فعليه الضمان؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا المكان يحرم عليه أن يُوقف الدابة فيه، فإن أوقفها في هذا المكان الضيق، وجاء إنسانٌ فنخسها فرفسته؟ طالب: ليس عليه ضمان.
الشيخ: رفست الرجل الذي نخسها؟ طالب: لا ضمان.
الشيخ: فنقول: لا ضمان على الرابط؛ لأن التلف الآن حصل بفعله، فهو مباشر، فلا ضمان على رابطها، وإن نخسها فضربت برجلها آخر؟ طلبة: على من نخسها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2068

الشيخ: فعلى من نخسها، نعم، على القاعدة؛ مباشر ومُتسبِّب؛ كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج منزله؛ يعني كما يضمن صاحب الكلب العقور؛ إذا عقر الكلب من دخل بيته بإذنه، أو عقر من كان خارج المنزل؛ وذلك لأن الكلب العقور، وهو الذي عُرِفَ منه العدوان على الناس، وعض الناس لا يجوز اقتناؤه بأي حالٍ من الأحوال، ويجب قتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» (1). فاقتناؤه حرام، وعلى هذا كل ما تلف به -أي بعقْره- فهو مضمون على صاحبه، إلا من دخل بيته بغير إذنه، إلا من دخل بيت صاحبه بغير إذنه فلا ضمان فيه؛ لأن الداخل معتدٍ؛ حيث دخل البيت بغير إذن صاحبه؛ والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: 27].
فإن أذن له ودخل الرجل، وصاحب المنزل في داخل المنزل، فعقره الكلب، فهل عليه الضمان أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: عليه الضمان؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ طلبة: دخل بإذنه.
الشيخ: لأنه دخل بإذن رب البيت، وقيل: إنه يضمن إلا أن يُعلِمه؛ لأنه عقره وهو لا يدري؛ الداخل، فإذا عقره فعليه الضمان، على مَنْ؟ على صاحب الكلب العَقُور، عليه أن يضمن إذا دخل.
ففهمنا الآن الكلب العقور، إذا عقر إنسانًا خارج المنزل؟ طلبة: الضمان على صاحبه.
الشيخ: فعليه الضمان، على صاحبه الضمان على كل حال، إذا عقر إنسانًا في داخل المنزل، لكنه عقر من دخل بغير إذن رب المنزل؛ فعليه الضمان.
طلبة: ليس عليه ضمان.
الشيخ: لماذا؟ لأنه معتدٍ، طيب، هذان شيئان متقابلان؛ إذا دخل بإذنه؛ بإذن صاحب المنزل، فعقره؟ طلبة: عليه الضمان.
الشيخ: على مَنْ؟ طلبة: على صاحب الكلب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2069

الشيخ: على صاحب الكلب؛ لأن الرجل الداخل غير معتدٍ، فيكون ضامنًا، وقيل: إن أعلمه؛ لأن الداخل في هذه الحال غير معتدٍ، فيكون صاحب الكلب ضامنًا ولَّا غير ضامن؟ طلبة: ضامنًا.
الشيخ: ضامنًا، وقيل: إنه إن أعلمه أنه عقور، فإنه لا ضمان عليه.
غير الكلب العقور، هل يضمن صاحبه؛ يعني أن رجلًا عنده كلبٌ هادئ؛ ليس بعقور، فخرج الكلب فعقر إنسانًا، وليس من عادته العقر، فهل يضمن؟ لا؛ لأنه يقول: الكلب العقور، وهذا كلب غير عقور، فلا ضمان عليه.
طيب، لكن لو كان غير عقور فأشلاه صاحبه بالرجل؟ طالب: ضمن.
الشيخ: عليه الضمان؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، عليه الضمان؛ لأنه معتدٍ بذلك.
على ذكر الكلب العقور، قال العلماء: الكلاب ثلاثة: عقور، وأسود، وما سواهما.
العقور يجب قتلُه، والأسود يُباح قتله، وغيرهما لا يُباح قتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الكلاب إلا إذا آذى؛ إذا آذى فإنه يُقتل؛ لأن القاعدة هي أن كل مُؤذٍ يُسن قتله، سواءٌ كانت الأذية طبيعته أم حدثت له بعد ذلك.
ثم قال: (وما أتلفت البهيمة من الزرع ليلًا ضمنه صاحبها، وعكسه النهار إلا أن ترسل بقُرب ما تتلفه عادة).
(ما أتلفت البهيمة من الزرع ليلًا ضمنه صاحبها)، نقف على هذا؛ لأنه موقف.
طالب: أحسن الله إليك، إذا كانت سيارة في مكان واسع، فلحق بالطريق الأخرى واصطدم بالسيارة قلنا بأنه لا ضمان على صاحب السيارة، لكن إذا كان من نظام الدولة أن السيارات الكبيرة لا تدخل هذه المنطقة، ثم اصطدم ( ... )؟ الشيخ: هذه أقول: إذا كانت السيارة في مكانٍ واسع، لكن الدولة منعت إيقاف السيارات الكبيرة في هذه البرحة الكبيرة، فنقول: مخالفة النظام معصية، فيكون هذا الرجل معتديًا، فعليه الضمان.
طالب: أحسن الله إليكم، شخصٌ ركب سيارة شخصٍ آخر دون إذنه، وسقط فمات، هل يضمنه؟ الشيخ: سقط؟ الطالب: سقط فمات.

الجزء: 2 - الصفحة: 2070

الشيخ: يعني هو راكب؟ إي، وهل سقط مثلًا في وقتٍ يتمكن السائق -سائق السيارة- من إيقافها أو لا؟ الطالب: لا يتمكن.
الشيخ: لا يتمكن، لا ضمان فيه؛ لأنه معتدٍ بكونه ركب بدون إذنه، والرجل حينما سقط الراكب لا يتمكن من إيقاف السيارة، أما إن كان يتمكن من إيقاف السيارة فالواجب أن يُوقِف السيارة، فإن لم يفعل فهو معتدٍ.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لو اصطدمت سيارتان، وكان الخطأ مئة في المئة على الثاني، ومات الثاني، فهل على الأول شيء؟ الشيخ: لا، ليس عليه شيء، وهذه مسألة ينبغي أن ننزلها على كلام المؤلف؛ الخط إذا كان فيه رائح وجاي، الخط، ثم خرج أحد السيارات عن مسارها، فهو معتدٍ، أي شيء يترتب على خروجه فالضمان عليه؛ لأنه معتدٍ، إلا لو أنه تعمد أن يخرج مثلًا إلى .. قصدي أنه خرج بدون عمد؛ يعني بمعنى أنه رأى الخط فارغًا، فهذه ينظر فيها، أما إذا كان خط يسلكه الناس وهو مساران، فإنه لا يجوز لأحدٍ أن يخرج إلى مسار المقابل.
طالب: شيخ، لو كان الأول جزءًا بسيطًا جدًّا من الخطأ، مثلًا سرعة ودفع ( ... )؟ الشيخ: المعتدي غير مضمون.
الطالب: لكن الذين مع السائق الثاني، الذين ماتوا، بسبب الأول الذي اعتدى عليه؟ الشيخ: أقول: كل من خرج عن مساره فهو معتدٍ.
الطالب: شيخ، هذه المسألة يعني يحتاج الناس ( ... ) الشيخ: كيف؟ الطالب: بعض الناس يموت معه اثنان ثلاث أربع كل .. الشيخ: نعم.
الطالب: مع أنه لم يتخطَّ إلا ثلاثين في المئة تقريبًا، ثلاثين في المئة بسبب سرعته مثلًا، أو ما أشبه ذلك، ويموت ( ... ) أيش يسوي؟ سقط؟ الشيخ: ما علينا.
الطالب: يصوم؟ الشيخ: يصوم هذا المعتدي، لكن المعتدي تقول: إنه مات.
الطالب: مات.
الشيخ: ما عليه صيام.
الطالب: ما عليه شيء.
الشيخ: مِنْ؟ الطالب: الثاني.
الشيخ: اللي غير معتدٍ؟ ما عليه شيء أبدًا ما فيه إشكال.
الطالب: يقولون: الخطأ على هذا نسبة ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2071

الشيخ: هذه النسبة إحنا سألنا عنها، قالوا: من أجل ألا يتهور الناس، وإلا نعلم أنه ما عليه شيء؛ إن الخطأ من الأول.
الطالب: ما دام نسبة الجانب هذاك أكبر خلاص؟ الشيخ: لا، ما هي بأكبر؛ ما دام أنه ليس عليه نسبة مئة بالمئة، لكن حُمِّل خمسة وعشرين في المئة للغرامة فقط كما يقولون، مع أن هذا نرى أنه خطأ، لا يُحمل شيئًا، ما دام أنه ليس من الخطأ فلا يُحَمَّل؛ لأن المشكلة تأتي إذا جاء إلى المفتي وقال: إن عليه خمسة وعشرين بالمئة، بيقول له: صُم؛ الكفارة ما تتبعَّض؛ يعني بيقول: كَفِّر بعتقٍ أو صوم.
طالب: شيخ، قلنا: الكلب غير العقور إذا عقر شخصًا لم يضمن صاحبه؟ الشيخ: نعم، إلا؟ استثنينا؟ ويش استثنينا؟ الطالب: استثنينا أشياء، ولكن ألم نقل هذا الباب ( ... )؟ الشيخ: من باب أيش؟ الطالب: الخطاب الوضعي.
الشيخ: كيف الخطاب الوضعي؟ الطالب: ( ... ) وجب على صاحب الكلب .. الشيخ: ما أتلفه، الذي أتلف الكلب، «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (2). الطالب: وصاحب الشياه؟ الشيخ: ما عليه شيء.
الطالب: صاحب الشياه .. الشيخ: سيأتينا أنه يفرق في الليل والنهار، على أن العلماء مختلفون؛ هل يفرق بين الليل والنهار في الزرع أو في كل شيء؟ طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، أكبر حوادث البهايم ( ... )، وأتلف شيئًا بعدما أخدها من جانب المستعير، على من يكون .. ؟ الشيخ: المستعير، على الذي بيده.
الطالب: يعني صاحبه ما عليه ضمان؟ الشيخ: ما عليه شيء إلا إذا كان غرَّه.
الطالب: لا، علمه .. الشيخ: لا، ما على صاحبه شيء.
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
طالب: شيخ، إذا كان سائق سيارة معه أحد رديف، ثم تجاوز السرعة المحدَّدة، وأُصيب بحادث ليس عن طريق السرعة، وإنما جاء أحد ( ... ) فتوفي الرجل؟ الشيخ: توفي المقابل ولا المسرع؟ الطالب: لا المسرع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2072

الشيخ: أنا ما أرى أن مخالفة النظام، لا أظن أننا نُثبت فيها الضمان؛ يعني مثلًا إذا قدروا السرعة بمئة وثلاثين، ثم حصل تلف، أنا أتردد في أننا نلزمه؛ لأن هذه معصية في مخالفة الأمر فقط، ولا يرد علينا مسألة السيارة؛ مسألة السيارة اللي في البرحة، هذه أصلًا ما يُؤذَن له إطلاقًا، أما مسألة السرعة فهم أحيانًا يتجاوزونها حتى أظن عشرة زيادة.
طالب: ما يُربط الضمان -يا شيخ- بالسرعة؟ الشيخ: لا، أنا أتردد فيها.
طالب: شيخ، قلنا: الكلب لا يُباح قتله إلا إذا آذى؛ غير الأسود والعقور.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل من الأذية كثرة النبيح؟ الشيخ: إي، ما فيه شك، أن من الأذية كثرة النباح، إذا صار تحت بيتك ولا يجعلك تنام ويش تسوي، تضربه يرجع.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الجمال يعتدي على الناس بالقتل، والإنسان يتدافع، وهل إذا قتله الإنسان بمثل هذا يضمن؟ الشيخ: إذا دافعه ولم يندفع إلا بالقتل فلا ضمان عليه؛ يعني لو هاج الجمل عليه، ثم دافعه ولم يندفع إلا بالقتل، فلا ضمان عليه.
الطالب: وإذا قتله الجمل نفسه، هل يضمن صاحب الجمل؟ الشيخ: يأتينا إن شاء الله، لكن لا بد أن تعلم أنه إذا قتله لصوْله، ثم ادعى صاحبه أنه لم يصُل عليهن، فهنا يحتاج إلى بيِّنة، ومشكلة هذه، إلا على القول الراجح؛ أن من عُرِف منه الصدق والأمانة، فإنه لا يحتاج إلى بينة، ولكن يحلف؛ فيقول: والله إنه صال عليه، ولم يستطع مدافعته.
طالب: شيخ، إذا أوقف إنسانٌ سيارته في مكان سد على أخيه، فخرج هذا صاحب السيارة الأول، فاصطدم ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: يعني أتلف بعضها؛ باحتكاكٍ أو بنحوه، فهل على صاحب السيارة الذي وقف .. الشيخ: الذي أوقفها أولًا هو الضامن؛ لأنه معتدٍ، لا بد أن يدع في الطريق ما يمكن أن تمر به السيارة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2073

الطالب: الأول أوقف سيارته في مكان بعيد؛ الْمُخصَّص له، الثاني أتى وسد عليه الطريق، أو جعل فتحة ضيقة لا يخرج ( ... )، فخرج هذا الأول؛ صاحب السيارة الأول.
الشيخ: يعني حاول الخروج؟ الطالب: حاول الخروج.
الشيخ: طيب.
الطالب: فاصطك بالثاني، فهل على .. ؟ الشيخ: المعتدي لا يضمن له.
طالب: صاحب البيت ( ... ) كلبه ليلًا للحراسة، والكلب لا يؤذي الذين يترددون على هذا البيت، فأتاه شخص غريب وآذاه الكلب، فهل على .. ؟ الشيخ: آذاه أو عقره؟ الطالب: ربما.
الشيخ: شقَّق ثيابه؟ الطالب: نعم، هل على صاحب البيت الضمان؟ الشيخ: لكن المعلوم اللي يأتي حول البيت هو الذي أخطأ، وهو لم يضع الكلب إلا لهذا، أما لو كان الكلب يعتدي على من كانوا بعيدًا عن البيت فعليه الضمان، ولا يجوز له أن يخرجه خارج البيت وهو يعرف أنه يعتدي على الناس حتى من بُعد.


طالب: وباقي جنايتها هدرٌ، كقتل الصائل عليه، وكسر مزمارٍ وصليبٍ، وآنية ذهبٍ وفضة، وآنية خمرٍ غير محترمة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجلٌ ربط دابةً بطريق، فعثر بها إنسان، فما الحكم؟ الطالب: إذا ربطها بطريقٍ متسع أو واسع فعثر بها إنسان فلا ضمان على الذي أوقفها فيه .. الشيخ: فلا ضمان على الذي أوقفها فيه.
الطالب: نعم، يا شيخ الذي أوقفها فيه.
الشيخ: إي، ما هو قال: الذي أوقفها فيه.
الطالب: الذي أوقف الدابة.
الشيخ: يعني إذا ربطها بطريقٍ واسع، نعم.
الطالب: إذا ربطها بطريقٍ ضيق فاصطدم بها إنسان، أو أتلفت شيئًا فعليه الضمان.
الشيخ: طيب، الطريق الواسع، هل يحتاج إلى تفصيل؟ طالب: نعم، الطريق الواسع إذا كان مُنَفَّذًا .. الشيخ: نافذ، هو نافذ.
الطالب: نعم، فيحتاج إلى تفصيل .. الشيخ: ما هو التفصيل؟ الطالب: التفصيل؛ إذا أرادها بجانبه .. العادة أن الناس لا يمرون على هذا المكان.

الجزء: 2 - الصفحة: 2074

الشيخ: أحسنت.
الطالب: إذا أتلف في هذا الوضع شيئًا لا يضمن.
الشيخ: إذا ربطها بجوانب الطريق الواسع، فعثر بها إنسان فلا ضمان عليه، وإن ربطها في وسط الطريق؟ الطالب: وعثر عليها إنسان يضمن.
الشيخ: وإن ربطها في وسط الطريق؛ في وسط الطريق الواسع؟ الطالب: يضمن.
الشيخ: يضمن، تمام.
طيب إذا وضع على الرصيف صندوقًا فيه مال، هل يضمن أو لا؟ على الرصيف، فعثر به إنسان من المارة؟ طالب: يضمن.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه .. الشيخ: الطريق واسع، وهذا على الجانب؟ الطالب: لأنه .. الشيخ: طريق واسع؟ الطالب: لأنه تعدَّى على الطريق.
الشيخ: أي طريق؟ الطالب: الرصيف.
الشيخ: لكن الطريق واسع؟ الطالب: هو .. الشيخ: وفيه رصيفان وضع على أحدهما؟ الطالب: لكن الرصيف هذا للمارة، فإذا .. الشيخ: يعني يُعتبر الرصيف كالطريق؟ الطالب: الضيق.
الشيخ: كالطريق الضيق، توافقونه على هذا؟ نعم، وهو كذلك.
الكلب العقور إذا عقر إنسانًا، هل يضمن صاحب الكلب أو لا؟ طالب: الكلب العقور؟ الشيخ: كلب عقور نعم.
الطالب: نعم، يضمن.
الشيخ: على كل حال؟ الطالب: على كل حال يضمن.
الشيخ: كل حال؟ الطالب: نعم.
الشيخ: نعم.
طالب: إن دخل بدون إذن صاحب البيت.
الشيخ: إن عقره في داخل البيت، وقد دخل بإذن صاحبه؟ الطالب: إن دخل بإذن صاحبه فيضمن.
الشيخ: من اللي يضمن؟ الطالب: يضمن صاحب البيت.
الشيخ: يضمن صاحب الكلب.
الطالب: بإذن صاحبه.
الشيخ: إي، هو معلوم بإذن صاحبه، يضمن، وإن كان بغير إذنه؟ يعني إن دخل بغير إذنه فلا ضمان عليه، كذا؟ وإن دخل بإذنه فعليه الضمان؟ طالب: العكس.
الشيخ: طيب، إذا دخل بغير إذنه فلا ضمان عليه، وإن دخل بإذنه فعليه الضمان، تصور المسألة، تراها سهلة وواضحة.
طالب: إن دخل يا شيخ بإذنه يضمن.
الشيخ: إن دخل بإذنه فعليه الضمان، صاحب الكلب، طيب وإن دخل بغير إذنه؛ لم يضمن صاحب الكلب، لماذا؟ الطالب: لأنه متعدٍّ.
الشيخ: لأنه متعدٍّ، توافقونه؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2075

الشيخ: إي نعم، هذا هو.
طيب إذا عقره بالسوق؟ طالب: نعم، إذا عقره بالسوق؟ الشيخ: نعم.
الطالب: يضمن.
الشيخ: من اللي يضمن؟ الطالب: صاحب الكلب.
الشيخ: صاحب الكلب، توافقونه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صح.
قال المؤلف رحمه الله: (وما أتلفت البهيمة من الزرع ليلًا؛ ضمنه صاحبها، وعكسه النهار)، (ما أتلفت البهيمة) البهيمة هي الحيوان؛ من إبل، بقر، غنم؛ ضأنه ومعزه، وغير ذلك.
وسُمِّيت بهيمة؛ لأنها لا تنطق، ولهذا تُسمى عجماء أيضًا؛ لأنها لا يُفهم نُطْقُهَا؛ قال الله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: 16].
فالبهيمة إذن تشمل جميع الحيوان الذي يُقتنى؛ من إبل، وبقر، وغنم، وحُمُر، وخيل، وظباء، وغير ذلك.
(ما أتلفت البهيمة من الزرع ليلًا ضمنه صاحبها) قوله: (من الزرع) يُفهم منه أن غير الزرع ليس هذا حكمه، فثمر النخل، وثمر التين والبرتقال وغيرها ليس هذا حكمه، الأطعمة من حبوب وغيرها ليس هذا حكمها؛ لأن المؤلف خصه بالزرع خاصة.
وقوله: (ليلًا) يدخل الليل بغروب الشمس، ويخرج بطلوع الشمس، فإنه يضمنه صاحبها.
دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بأن على أهل المواشي حفظها في الليل، وعلى أهل الزروع حفظها في النهار (3)، وهذا واضح؛ ذلك لأن العادة جرت أن أهل المواشي يحفظونها في الليل؛ إما بقيودها، وإما بأحواشها أو غير ذلك؛ لأنها لا ترعى في الليل، وأهل المزارع يحفظونها في النهار وينامون في الليل، وهم مسؤولون عنها بالنهار، فكان هذا الحديث مطابقًا للحِكمة تمامًا؛ أن ما أتلفت البهائم من الزرع في الليل فالضمان على مَنْ؟ على أصحابها؛ لأنهم مأمورون بحفظها، ولأن العادة جرت بذلك، وما أتلفت بالنهار فليس على أصحابها شيء؛ لأن المسؤول عن المزارع هم أهلها، وهكذا جاءت السُّنَّة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2076

نرجع إلى المفاهيم؛ قوله: (ما أتلفت من الزرع) لو أتلفت شيئًا من الثمار بأن انطلقت في النهار أو في الليل على نخلٍ قصير، فأكلت ثمرتها، فهل يضمن صاحبها أو لا؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يضمن صاحبها، لا ضمان عليه، لا في الليل ولا في النهار؛ لأنه خص ذلك بالزرع، وهذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه خاص بالزرع كما هو ظاهر كلام المؤلف.
الثاني: أنه خاص بالزرع والثمار التي في الحوائط؛ لأن الثمار التي في الحوائط بمنزلة الزرع؛ إذ العادة جرت بأن الناس يحفظون زروعهم وثمارهم في النهار وينامون عنها في الليل، كما أن العادة جرت بأن أهل المواشي يحفظونها في الليل ويتركونها في النهار لترعى.
القول الثالث: أن جميع ما أتلفت من زرع وثمار وأموال وغيرها حُكْمه حُكم ما أتلفت من الزرع، فعلى هذا يكون عموم ما أتلفته البهائم إن كان في الليل، فعلى من؟ طلبة: أصحابها.
الشيخ: فعلى أصحابها الضمان، وإن كان في النهار فليس على أصحابها شيء؛ ودليل ذلك عموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (2)، وضمنَّا صاحبها في الليل قياسًا على الزرع؛ لأن العلة أيش؟ طالب: واحدة.
الشيخ: العلة واحدة؛ أن أهل المواشي يحفظون مواشيهم في الليل ويُطلقونها في النهار لترعى، وهذا القول أصح؛ أنه لا فرق بين الزروع وغيرها؛ لأن أهل الأموال في الليل ينامون عنها، لو أن إنسانًا كان عند بيته أكياس من القمح، فجاءت المواشي فأكلته، فهنا ماذا نقول؟ طالب: الضمان على صاحبها.
الشيخ: نقول: الضمان على صاحبها؛ لأن الناس في الليل ينامون ولا ينتبهون لأموالهم، وفي النهار؟ طالب: لا ضمان.

الجزء: 2 - الصفحة: 2077

الشيخ: لا ضمان على صاحبها؛ لأن الواجب على أهل الأموال حمايتها.
وبعض العلماء فرَّق بين الْمُفَرِّط في حفظ البهيمة وغير المفرط؛ يعني أن الإنسان في الليل إذا حفظ البهيمة؛ إما برباط، أو قيد، أو شد، أو سور، ثم انطلقت مع تمام التحفُّظ فإنه لا ضمان على صاحبها، وهذا هو المشهور من المذهب؛ لأن الرجل لم يُفرِّط، والعادة جرت أن الناس يحفظون مواشيهم، ثم ينامون، فإذا انطلقت بأن عضت القيد حتى انقطع مثلًا، أو تسوَّرت الجدار الذي لا تتسور مثله البهائمُ فلا ضمان.
وهذا الحقيقة قد يُقال: إنه قولٌ لا بأس به؛ لأن الإنسان لم يُفرِّط ولم يتعدَّ، فإذا لم يُفرِّط ولم يتعدَّ فإنه لا ضمان عليه، ويدخل هذا في عموم قوله: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (2)؛ العجماء يعني البهائم، وجبار يعني هدر.
يقول: (وعكسه النهار، إلا أن تُرسل بقُرب ما تتلفه عادة) هذا مستثنى من قوله: (وعكسه) عكسه النهار يكون الضمان على صاحب الزرع؛ يعني ليس على صاحب البهيمة ضمان، إلا أن المؤلف –رحمه الله- استثنى معنى وجيهًا يؤيد ما نقلناه أخيرًا؛ وهو أنها إذا أرسلت بقُرْب ما تتلفه عادة فعليه الضمان، مثال ذلك: رجل يرعى إبله في النهار، فأطلقها قُرْب مزرعة، والمزرعة ليس عليها شبك، وليس عليها جدار، مثل هذا جرت العادة أن البهيمة تذهب وتأكل الزرع كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» (4). وهذا الاستثناء الذي ذكره المؤلف وجيه وصحيح، يُرسلها على بُعد خمسة أمتار أو عشرة أمتار، أو على مرآها، ثم يذهب، من المعلوم أنها سوف تذهب إلى الزرع وتأكله، فيكون الضمان هنا على صاحبها؛ ولهذا قال: (إلا أن تُرسَل بقُرْب ما تُتلِفه عادة).
لو قال قائل: إذا انعكس الأمر، وصار الناس يحفظون أموالهم في الليل، والمواشي أيضًا تُطلَق في الليل، فهل انعكس الحكم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2078

قال بعض العلماء: إنه ينعكس؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وقال بعض العلماء: لا ينعكس؛ لأن هذه مسائل، مسألة نادرة؛ يعني يندر أن تكون المواشي تُرعَى في الليل، وأن يكون حفظ الأموال في الليل، والنادر لا حُكم له.
فإن قال قائل: ما هو الأصل فيما أتلفت البهيمة علشان نعرف ما خرج عن هذا الأصل؟ هل الأصل الضمان أو لا؟ قلنا: الأصل عدم الضمان، الأصل فيما أتلفت البهيمة عدم الضمان؛ الدليل: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (2)، ما لم يكن عدوان من صاحبها أو تفريط، فإن كان عدوانٌ أو تفريط عُمِل بما يقتضيه ذلك العدوان والتفريط؛ فمثلًا الكلب العقور يحرم اقتناؤه، فإذا أتلف شيئًا خارج منزل صاحبه، فعليه الضمان.
الكلب العادي إذا أتلف شيئًا خارج منزل صاحبه ليس فيه ضمان بناءً على القاعدة: أن الأصل فيما أتلفت البهيمة عدم الضمان، هذا هو الأصل.
قال: (إلا أن تُرسل بقُرب ما تتلفه عادة)؛ يعني فعلى صاحبها الضمان، لو كان ذلك في النهار.
(وإن كانت) الضمير يعود على البهيمة (بيد راكب، أو قائد، أو سائق؛ ضمن جنايتها) إلى آخره.
(إن كانت بيد) ومعنى بيد أي أنه متمكنٌ من التصرف فيها؛ ولهذا يقول الناس لما يخرج عن طاقتهم، يقول: هذا ما هو بيدي؛ فالمراد (بيد) أي يمكنه أن يتصرف فيها.
(بيد راكب) الراكب إذا لم تكن البهيمة شكسة يتصرف، فإذا أتلفت شيئًا -كما سيأتي- فعليه الضمان؛ لأنه يستطيع أن يتصرف، فإن انفلتت منه وشردت وعجز عن أن يتصرف فلا ضمان عليه، هذا نفهمه من كلام أيش؟ من قوله: (بيد).
(إن كانت بيد راكب أو قائد) قائد يقودها؛ لأن القائد يتصرف فيها، خصوصًا البهيمة الذلول التي تنقاد مع صاحبها، فهي ستتبعه، فأما إن شردت يعني نفرت وشردت وعجز؛ يعني أحيانًا تكون البعير تشرد ويعجز عن ضبطها، وربما تطؤه هو، فهذا ليس بيده.

الجزء: 2 - الصفحة: 2079

(أو سائق) والسائق أقل الرجلين تصرفًا في البهيمة، الراكب يتصرف، القائد يتصرف، السائق يتصرف، لكن تصرفه قليل؛ لأن السائق يتصرف في إيقافها إذا تكلم معها فيما يدل على الوقوف يتصرف في هذا، لكن فيما أمامها لا يستطيع أن يتصرف كما ينبغي، ومع ذلك جعلوا السائق مثل الراكب والقائد.
يقول: (ضمن جنايتها بِمقدَّمِها لا بِمؤخَّرها)؛ يعني ما عضت بفمها، أو وطئت بيدها فعليه ضمان، أما ما كان بالرجل فلا ضمان فيه؛ مثل: وطئت على شيء؛ فلا ضمان، أو نفحت برجلها شيئًا؛ فلا ضمان؛ لأنه لا يستطيع أن يتصرف برجلها، أما يدها يستطيع أن يحرفها يمينًا وشمالًا إذا أقبلت على شيء تتلفه، وكذلك السائق.
لكن هذا أيضًا في النفس منه شيء؛ لأن الراكب إذا كان راكبًا، ثم إن البعير رأت على رصيف الدكان؛ رأت طعامًا، هي على كل حال سوف تنقض عليه انقضاض الطير على اللحم، وتأكل هذا الطعام، هل نقول في هذه الحال: على صاحبها الضمان؟ ظاهر كلام المؤلف عليه الضمان، ولكن في النفس من هذا شيء؛ لأن صاحبها في هذه الحال لا يتمكن منها؛ فلهذا ينبغي أن يُقال: إذا كان بيد الراكب أو القائد أو السائق وأتلفت شيئًا بناءً على تفريطه أو تعديه فعليه الضمان، وأما إذا كان بغير تعدٍّ ولا تفريط، فلدينا قاعدة أسسها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وهي «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (2)، فأما إذا كان يستطيع أن يتصرف فيها، ولكنه أهمل أو تعدى بأن مَرَّ بشيء يعرف أنها سوف تأكل منه، فحينئذٍ نقول: عليه الضمان، فينبغي أن نجعل مَناط الحكم في هذا؛ أي فيما يتعلق بالبهائم من الجنايات، أن نجعل مناط الحكم هو التعدي أو التفريط، فإذا كان متعديًا أو مفرطًا فعليه الضمان، وإلا فلا.
التعدي مثل أن يمر بها إلى جنب شجر مثلًا، أو إلى جنب أطعمة، يعرف أنها سوف تنهش من هذه الثمرة، أو من هذه الأطعمة، هذا مُتعدٍّ، التفريط أن يُمكنه كبح لجامها، ولكنه لا يفعل، هذا نقول: إنه مُفرِّط.

الجزء: 2 - الصفحة: 2080

قال: (وباقي جنايتها هدَر) باقي جنايتها أيش؟ جناية البهيمة، كل جنايتها هدر، ما عدا ما استُثني، وما استُثني -كما عرفتم- مبني على التعدي أو التفريط، فإن لم يكن تعدٍّ ولا تفريط، فلا ضمان على صاحبها.
هذه القاعدة تطمئن إليها النفس وتركن إليها، وهي قاعدة منضبطة تمامًا، ومأخوذة من السُّنَّة، لا من قول فلان وفلان، فنقول: لا فرْق بين أن تكون بيد راكب، أو قائد، أو سائق، أو أي إنسان، فالحكم أنه إذا لم يكن تعدٍّ ولا تفريط ممن هي بيده فلا ضمان عليه، وإن كان هناك تعدٍّ أو تفريط؛ فعليه الضمان.
نحن الآن ليس عندنا بهائم فيما يتعلق بالراكب والقائد والسائق، عندنا سيارات، أيضًا السيارات الحكم فيها مبني على القاعدة؛ إن كان هناك تعدٍّ أو تفريط من السائق فعليه الضمان، وإن لم يكن تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه.
هذه القاعدة، فلو فُرض أن شخصًا أتى مُسرِعًا، والسيارة ماشية في طريقها، ثم اصطدم بالسيارة، بالجنب أو بالمؤخَّر، فهل على السائق ضمان؟ طلبة: لا، ليس عليه ضمان.
الشيخ: والله جواب هش هذا، ليس عليه ضمان أبدًا، هل تعدَّى أو فرَّط؟ أبدًا، ما تعدَّى ولا فرَّط، يمشي بالطريق مشيًا معتادًا، وهذا هو اللي جاء مُسرعًا واصطدم بالسيارة، فلا ( ... ) عليه.
لو أن رجلًا يمشي في الطريق على العادة، وإذا بشخصٍ ينجز، ويكون بين عجلة السيارة؟ طالب: ليس عليه ضمان.
الشيخ: عليه ضمان أو لا؟ طلبة: ليس عليه.
الشيخ: ليس عليه ضمان؛ لأن الرجل لم يتعدَّ ولم يُفرِّط، أما لو رأى رجلًا نجز حتى صار في وسط الطريق، وهو يملك السيارة، ولكنه تهاون، أو ظن أنه سوف يجتاز؛ فهذا عليه الضمان، الفرْق أن هذا مُفرِّط، والأول غير مُفرِّط.

الجزء: 2 - الصفحة: 2081

قال المؤلف: (كقتل الصائل عليه)؛ قتل الصائل لا ضمان فيه، الصائل على أيش؟ على النفس، نقول: الصائل على النفس، الصائل على العِرْض، الصائل على الأهْل، الصائل على المال، هذا يُدافَع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فقتلَه فلا ضمان؛ لأن العدوان حصل من الصائل، فهو الذي قتل نفسه في الحقيقة، فلا ضمان على القاتل، ولكن يجب أن يدافعه بالأسهل فالأسهل، إذا اندفع بالتهديد فلا يضربه، إذا اندفع بالضرب الخفيف فلا يضربه ضربًا شديدًا، إذا اندفع بالضرب الشديد فلا يقتله، إذا لم يندفع إلا بالقتل فله قتله.
طيب، إذا كان لا يدري، هذا الصائل لا يدري، المصول عليه لا يدري، هل يُبادره بالقتل؛ لأن الصائل ربما يكون معه سلاح، فإذا رأى أنه قد علم به المصول عليه ربما يبادره بالقتل، فهل للمصول عليه في هذه الحال أن يبادره بالقتل؟ طلبة: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم، إذا غلب ظنه غلبة قوية أنه إن سكت يدافعه بالأسهل فالأسهل قتله، فإنه يقتله ولا شيء عليه، وهذا فيما بينه وبين الله، لكن لو ادعى فيما بعد أولياء المقتول أنه لم يصُلْ على هذا الرجل، وأن الرجل هو الذي اعتدى عليه وقتله، ثم ادعى أنه صائل، فهنا تقع المشكلة، سيقال للقاتل: أثبِت أن الرجل صالَ عليك، قال: أُثْبِت ذلك في بيتي، هو لم يقتلْه في الشارع، قتلَه في بيته، قالوا: نعم، قتلته في بيتك؛ لأنك دعوته، فأجاب الدعوة، فاستغللت الفرصة، أيمكن هذا أو لا؟ يمكن، إذن ماذا نصنع؟ المشهور عند الأصحاب -رحمهم الله- على المذهب أنه يُقتَل القاتل، مع أنه مدافِع، إلا إذا أثبت أن هذا صائلٌ عليه فلا يُقتل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يجب أن ينظَر للقرائن في القاتل والمقتول، فإذا كان القاتل ممن عُرِف بالصلاح والاستقامة، وأنه لا يمكن أن يعتدي على أحدٍ بالقتل، وعُرِف الصائل بالشر والفساد والهجوم على الناس فالقول قول القاتل، لكن بيمينه، ولا حاجة للبينة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2082

وما قاله شيخ الإسلام هو الذي لا يسع الناس العمل إلا به، للمشكِل، يأتي إنسان مجرم يصول على بيت الرجل، على أهله، على ماله، ثم نقول: إن قتلته ولم تُقِم بينة في الصول فإنك ستُقتل، هذا صعب جدًّا، فالصواب ما قاله الشيخ رحمه الله، وأهل الشر معروفون، وأهل الخير معروفون.
إذن فهمنا أن قتل الصائل لا ضمان فيه، ويشمل الصائل من بني آدم ومن غير بني آدم، فلو صالَ عليه جمل فقتَله دفْعًا للصول، فهل يضمن لصاحب الجمل؟ لا؛ لأن الجمل أصبح لا قيمة له.
طيب، ولو قتل صيدًا وهو مُحرِم صال عليه، فعليه الجزاء؟ طلبة: لا، ليس عليه الجزاء.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لأنه صال.
الشيخ: لأنه صال عليه، فهو معذور.
وقول المؤلف: (كقتل الصائل عليه) هل يجب قتله إذا صال؟ بمعنى هل يلزم الإنسان أن يدافع عن نفسه أو لا؟ أما أهله وحُرمته ونفسه فيجب أن يُدافِع وجوبًا، وأما المال فمختلفٌ فيه، والصحيح أنه يجب أن يُدافِع عن ماله؛ لأن المال، وإن كان أهون من العِرْض وأهون من النفس، لكن الذل الذي يُصيب الإنسان بتمكين هذا المجرم من إتلاف المال أو سرقته أو ما أشبه ذلك، وقد سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ، قال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «لَا تُعْطِهِ».
قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ».
قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ»، وإن قتلني؟ قال: «أَنْتَ شَهِيدٌ» (5). (كقتل الصائل عليه، وكسر مزمار).
طالب: يا شيخ؛ لو أن مجرمًا هجم على .. الشيخ: لو؟ الطالب: لو أن صائلًا صال على شخصٍ في بيته، ولم يكن عنده شهود، فأمكنه أن يسجل صوته تسجيلًا؛ يعني في أثناء المدافعة، ثم قتله فطُلبت منه بينة، فعرض التسجيل؟ الشيخ: الله المستعان، متى يجيب المسجل ويدخل الشريط .. ؟ ! الطالب: إذا أمكنه يا شيخ؟ الشيخ: لا، هذه مسألة فرضية، ثم تقليد الأصوات الآن سهل، وقد ذكرنا لكم أنه لا يمكن ينعقد البيع ولا النكاح ولا غيره بالصوت.

الجزء: 2 - الصفحة: 2083

طالب: إذا كان من الجائز عقلًا أن يُدفَع الصائل دون القتل، ولكن .. الشيخ: إذا كان من الجائز عقلًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ويش معنى الكلام هذا؟ الطالب: إذا .. الشيخ: أو من الممكن.
الطالب: إذا كان من الممكن أن يدفع الصائل بدون القتل، ولكن المصول عليه قتله، ثم ادعى أولياؤه أنه كان يمكن ألا يقتله؛ يعني كان يمكن أن يدفع بدون القتل؟ الشيخ: إي، هو متى ثبت الصول فإنه لا يُلزَم بأن يُثبت أنه لم يندفع إلا بالقتل.
الطالب: إذن لا ضمان عليه؟ الشيخ: لا ضمان عليه؛ لأن هذه مسألة لا يمكن الإحاطة بها.
طالب: أحسن الله إليكم، لو كان عادة الناس أن الضمان على صاحب البهيمة سواء أتلفت الزرع مثلًا ليلًا أو نهارًا، فهل يجوز العمل بهذا .. ؟ الشيخ: أما ما خالف السُّنة فلا يجوز العمل به، وأما ما كان باجتهادٍ من العلماء فلكل اجتهاده، أما ما خالف السنة لا يمكن أن يعمل به حتى ولو كان النظام والقانون، فإنه لا يجوز العمل به، وإذا حُكِم على الإنسان بمقتضى القانون وهو مخالفٌ للشرع، فهو مظلوم، فيستسلم ويُوافق ويؤدي ما حُكم به عليه، والحساب غدًا.
طالب: شيخ؛ كثير من حوادث السيارات التي يذهب ضحيتها أناس تكون خارجة عن طاقة الإنسان، ومن غير تعدٍّ ولا تفريط، فهل نقول بسقوط الدية والصيام؟ الشيخ: إي معلوم، إذا لم يتعدَّ ولم يُفرِّط فليس عليه شيء.
الطالب: الصيام؟ الشيخ: كيف الصيام؟ ويش الصيام؟ قل: الكفارة سواء عتق ولَّا صيام.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة للبهائم إذا أتلفت زرعًا يعني قبل إكماله، ولا يُعرف ما أتلف، فكيف الضمان؟ الشيخ: هذا إما أن يقر صاحب البهيمة، وفي الصورة التي لا ضمان فيها ما فيه إشكال؛ في الصور التي ليس فيها ضمان ما فيه إشكال، سواء أكلت كثيرًا أو قليلًا، أليس كذلك؟ الطالب: بلى يا شيخ.
الشيخ: في الصور اللي فيها الضمان يصطلح صاحب البهيمة وصاحب الزرع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2084

طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا تمكن المصول عليه من دفع الصائل بالتهديد أو بالضرب الخفيف، لكن المصول عليه طمع في أن يلقي القبض على هذا الصائل بالضرب الشديد، أو قد يقوم بإتلاف رجله أو يده .. الشيخ: أيش؟ الطالب: يعني بالضرب الشديد الذي قد يؤدي إلى إتلاف بعضه، أو كل هذا الصائل، فهل له ذلك أو لا؟ الشيخ: لا؛ لأنه معنى (أتلفت) أنه إذا ضربه الضرب الخفيف هرب.
الطالب: يهرب، ولكنه يطمع في أن يلقي القبض عليه.
الشيخ: إلا إذا كان له حق الولاية، فلا بأس.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، في الوقت الحاضر يا شيخ أكثر الصائلين اللي يتسلطون على المحال يفاجأ أنه متسلح.
الشيخ: أيش؟ سلاح، نعم.
الطالب: وكثير ما يحدث القتل بالصفة هذه يا شيخ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: في الوقت الحاضر.
الشيخ: نعم.
الطالب: كثير ممن حصل له القتل من الصائل على المصول عليه؛ لأنه ما ( ... ). الشيخ: والسؤال؟ الطالب: السؤال يا شيخ؛ الإنسان يعني ( ... ) القتل ( ... ) والسؤال عن .. الشيخ: يعني أنت تقول الآن: يجب أن يبادره بالقتل؟ الطالب: شيخ؛ يعني هل الأقرب ( ... )؟ الشيخ: يعني أنت تريد أننا نقول: إذا صال عليه يُبادر بالقتل؟ الطالب: لا يا شيخ؛ أنا أنتظر تفسيرك، لكن الزمن الحاضر ما .. الشيخ: في الزمن الحاضر، يعني أنت ترى في الزمن الحاضر يبادر بالقتل؟ الطالب: يعني أحوط ما يكون ( ... )، الأقرب ما يكون .. الشيخ: هذا الآن ما خرج عن القاعدة، نحن قلنا: القاعدة إذا خاف ألا يندفع، فإذا خاف أن يقتله قبل أن ينصرف فله قتله.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- حوادث الإبل ( ... ). الشيخ: حوادث الإبل؟ كيف حوادث الإبل؟ الطالب: يعني يحصل كثيرًا، الإبل تطلع على الطرق الأسفلت ( ... ) السيارة.
الشيخ: هذه صدر فيها قرار من هيئة كبار العلماء فليُرجع إليه.
طالب: ما الفرق بين القائد والسائق؟ الشيخ: السائق من وراء.
الطالب: والقائد؟ الشيخ: والقائد من أمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 2085

الطالب: هم واحد، في السيارة القائد والسائق واحد.
الشيخ: لا، بس السيارة على إطلاقها، الناس الآن القائد والسائق واحد، لكن في الإبل السائق اللي يكون خلفه، والقائد اللي يكون أمامه.


طالب: وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الغصْب: وباقي جنايتها هدر كقتل الصائل عليه، وكسر مزمار وصليب، وآنية ذهبٍ وفضة، وآنية خمرٍ غير محترمة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، ما هو الأصل فيما أتلفت البهائم، أمضمونٌ هو أم لا؟ الطالب: غير مضمون.
الشيخ: ( ... ). الطالب: الأصل أنه غير مضمون.
الشيخ: الأصل أنه غير مضمون، ما هو الدليل؟ الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (2). الشيخ: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ»، ما هي العجماء؟ الطالب: العجماء هي البهيمة.
الشيخ: والْجُبار؟ الطالب: يعني هدر.
الشيخ: يعني هدرًا، هذا الأصل، ومتى يكون ما أتلفته مضمونًا على مالكها؟ الطالب: إذا تعدَّى أو فرَّط على الصحيح.
الشيخ: إذا تعدَّى أو فرَّط، سواء كانت بيد الراكب أو السائق أو غير ذلك.
طيب، رجلٌ راكبٌ على بهيمة، فنفرت وعجز عن التصرف فيها، فدعست إنسانًا؟ طالب: ليس عليه ضمان.
الشيخ: ليس عليه ضمان، لماذا؟ الطالب: لأنه لم يتعدَّ، ولم يُفرِّط.
الشيخ: لأنه لم يتعدَّ ولم يُفرِّط، لماذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم ما أتلفت البهيمة من الزرع في الليل على صاحبها؟ طالب: لأن العادة أن أهل الحوائط يحفظون زروعهم في النهار.
الشيخ: لأن العادة أن أهل الحوائط يحفظون زروعهم في النهار.
الطالب: وأن أهل الماشية .. الشيخ: وأن أهل الماشية يرسلونها لترعى، طيب، في الليل؟ الطالب: في الليل جرت العادة أن أهل المواشي ( ... ). الشيخ: نعم، طيب، جرت العادة في الليل أن أهل البهائم يحفظونها؛ لأنه لا حاجة لإرسالها، وأما أهل الحوائط فهم ينامون؛ لأنهم يعملون في النهار فيريدون أن يناموا بالليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 2086

طيب، إذن هل هذا الحكم الذي جاءت به السُّنة، هل توافقه القاعدة اللي ذكرنا؟ طالب: نعم.
الشيخ: كيف؟ الطالب: لأنه في حال النهار إذا أرسلها، وأتلفت شيئًا من الزرع، فإنه يكون صاحب الأرض مُفرِّطًا.
الشيخ: نعم؛ يعني لا تفريط من صاحب البهيمة إذا أرسلها في النهار؛ لأن هذا ما جرت به العادة، وهو مُفرِّط إذا أرسلها في الليل.
قول المؤلف رحمه الله: (إلا أن تُرسل بقُرب ما تتلفه عادة)، هل يمكن لقائل أن يقول: إن هذا خلاف الحديث؟ طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: لا، لماذا؟ الطالب: لأن العادة ( ... ). الشيخ: لأنه لما أرسلها قُربَ الزرع صار معتديًا؛ لأن العادة أن تذهب إلى الزرع، الدليل على أن هذا هو العادة؟ الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى».
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى .. » كَمِّل؟ الطالب: «يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ».
الشيخ: «يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» أو: «أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ» (4). الصائل إذا كان مجنونًا، فقتله المصول عليه، أيكون ضامنًا؟ طالب: لا يكون ضامنًا؛ لأن حكم الصائل عام بأنه قتله لدفع ضرره فلا عِبْرة ( ... ). الشيخ: ما يحتاج لتفصيل؟ الطالب: لا يحتاج.
الشيخ: طيب، توافقونه على هذا؟ المجنون إذا صال على شخص وقتله، هل يضمن أو لا؟ يقول: إنه يضمن ولا حاجة للتفصيل؟ طالب: لا يضمن.
طالب آخر: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟ الطالب: إن كان يغلب على ظنه أنه يندفع بدون قتل فإنه يدفعه.
الشيخ: يعني إن كان يندفع بدون القتل فقتَلَه فهو ضامِن، وإن كان لا يندفع إلا به فلا ضمان.
طيب، إذا اختلف أولياء المقتول والقاتل، فقال القاتل: إنه صال عليَّ، وقال أولياء المقتول: إنه لم يَصُل، فأيهما نصدق؟ طالب: ننظر إلى أيهما أصلح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2087

الشيخ: أيهما أصلح؟ ! أولياء المقتول يقولون: أصلح لنا أن يكون غير صائل.
أيهما أصلح؟ ! أولياء المقتول يقولون: أصلح لنا أنه يكون غير صائل حتى نأخذ الدية أو القصاص.
طالب: ( ... ) القرينة تدل على أنه صادق إنه قاتل ( ... ) هو الكلام معه، وإن كان القرينة تدل على أنه أهل المقتول يعني يحلفون، وهم .. الشيخ: وإذا صار ما فيه قرينة تصدق هذا ولَّا هذا؟ الطالب: تصير للقاضي يا شيخ.
الشيخ: القاضي! حضِّره هنا عشان نسأله.
طالب: أن يكون اليمين على .. الشيخ: أولًا: ما هو المذهب في هذه المسألة علشان نعرفه؟ إن القول قوْل أولياء المقتول ولَّا قول القاتل؟ الطالب: إن القول قول أولياء المقتول.
طالب آخر: أن القول قول أولياء المقتول.
الشيخ: أن القول قول أولياء المقتول؛ لأن الأصل العِصمة.
الطالب: وعدم الصول.
الشيخ: وعدم الصول، طيب.
الطالب: إلا إن جاء ببينة.
الشيخ: إلا إن جاء ببينة، نعم.
الطالب: ولكن الشيء اللي وجدناه أنها إن لم تكن بينة ينظر للقرائن، إن لم تقرن بقرائن، ننظر إذا كان القاتل ( ... ) العدالة، وكان المقتول فيه .. الشيخ: أصل هذه هي القرينة.
الطالب: أو هي القرينة.
الشيخ: يعني معناه أنا رجحنا أن القول قول من دلت القرائن على صلاحه، سواء القاتل أو المقتول، فلو أن المدعي للصول كان رجلًا فاسقًا، والمقتول معروف بالاستقامة والصلاح، فهنا لا نقبل قول القاتل، وإذا كان الأمر بالعكس، فالقول قول القاتل لكن باليمين، وإذا لم يكن هذا ولا هذا، فالأخ سليم يقول: نرجع للقاضي، ونحن نقول: الأصل الضمان وعدم الصول.

الجزء: 2 - الصفحة: 2088

قال: (وكسر مزمار)؛ يعني وكما لا يُضمَن كسر المزمار.
المزمار هو من آلات العزْف، وآلات العزف كلها حرام، سواء اقترنت بالغناء أم لم تقترن، وإن كان الغالب أنها تقترن.
والدليل على تحريمها ما ثبت في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري أو أبي مالك الأشعري؛ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَيَكُونَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» (6). هذه أربعة كلها تكاد تكون متلازِمة: المعازف يصحبها غناء في الغالب، والغناء يكون مع المعازف فيه الغزل والإغراء، ينبني عليه الزِّنا؛ حيث قال: «يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ»؛ أي الزنا.
الخمر والحرير؛ الحرير سببه الترف، وأن الإنسان يميل إلى أعلى ما يكون من الترف، وحينئذٍ يشرب الخمر ليُكمل على ما يزعم ترفه، فهذه الأربعة التي ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام في سياقٍ واحد تكاد تكون متلازمة، وهذا نصٌّ صريح بأن المعازف حرام؛ لأن قوله: «يَسْتَحِلُّونَ» يدل على أنها حرامٌ، وهل الاستحلال هنا اعتقاد أنها حلال أو ممارستها كممارسة الحلال؟ طلبة: الثاني.

الجزء: 2 - الصفحة: 2089

الشيخ: الثاني؛ لأن اعتقاد أنها حلال قد يُخرِج من الإسلام؛ إذا اعتقد أن الخمر حلال وهو في أمة الإسلام قد عاش وفهم ذلك كان مرتدًّا، لكن المراد يستحلونها أي يفعلونها فعل المستحل لها، فلا ينكرونها ولا يدعونها، وإذا كانت المعازف -أي المعازف عامة- كل آلات العزف، لكن هناك شيء مخصِّص للعموم؛ وهو استعمال الدُّفِّ في المناسبات، فإن السُّنَّة جاءت بجوازه؛ كاستعمال الدف في الأعراس، واستعمال الدف في أيام الأعياد، واستعمال الدف في قدوم الغائب الكبير الذي له إمْرة أو نحو ذلك، كل هذا جاءت به السنة؛ أما الأول فظاهر فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ» (7)، وإن كان هذا الحديث فيه ما فيه، لكنه له مؤيدات، وأما الأعياد فلأن أبا بكرٍ الصديق -رضي الله عنه- رأى جاريتين تغنيان وتدفان عند النبي صلى الله عليه وسلم فانتهرهما، وقال: أمزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ! فقال: «دَعْهُمَا؛ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ» (8). وأما قدوم الغائب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم غائبًا من سفر، فجاءت امرأةٌ إليه فقالت: يا رسول الله، إني نذرتُ إن ردَّك الله سالمًا أن أدف بين يديك، أو أن أضرب الدف بين يديك، قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (9). وما عدا ذلك فالأصل التحريم، ما عدا ذلك؛ أي ما عدا الدف من آلات الزمر، فهو داخلٌ في العموم؛ أي أنه حرام، وما عدا ذلك أيضًا؛ ما عدا الأحوال التي رُخِّص فيها، فإنه حتى الدُّف يكون حرامًا؛ لأن ما خُصص بحال يجب أن يَتخصص بها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2090

إذن المزمار من آلات العزف التي لا تُباح بحال، وعلى هذا فيجب إتلافه، فإذا أتلفه متلِف لم يكن عليه ضمان، ولكن من الذي يُخاطَب في إتلافه؟ يُخاطَب في إتلافه من هو بيده، من هو بيده هو الذي يخاطب بإتلافه، ويقال: يجب عليك أن تُكسِّر هذا.
فإن قال: أُحرقه أو أُكسِّره؟ قلنا: إن كانت مادته يمكن أن يُنتفَع بها في شيء مباح فلا تحرقه؛ يعني بحيث نحولها إلى صندوق من خشب أو ما أشبه ذلك، فلا تتلفه؛ لأن هذا إنما حرم لا لأنه خشب، لكن لكونه استُعمل في حرام، فإذا كان يمكن أن يُحوَّل إلى حلال فإنه لا يجوز أن يُكسَّر؛ لأن في ذلك إتلاف مال، وأما إذا كان لا يمكن الانتفاع به فإنه يُحرق؛ لأن إحراقه أبلغ في التنفير عنه، ولئلا تدعوه نفسه فيما بعد إلى جمع المكسرات بعضها إلى بعض حتى يُكوِّن منها مزمارًا.
ويدلنا على أن التحريق أبلغ وأنكى أن الرسول عليه الصلاة والسلام حرَّق نخل بني النضير ولم يُقطِّعها، مع أنه يمكن أن تُقطَّع وينتفع بنبوعها وينتفع برماحها وأوراقها، لكنه حرَّقها؛ لأنه أبلغ في الإهانة.
طيب، إذن نُخاطب مَنْ؟ من هي بيده، ثم يجب على ولاة الأمور أن يُكسِّروها ويتلفوها؛ لأنهم مسؤولون عن الأمة في هذا الشيء، وهم قادرون على أن يُكسِّروها، وليسوا عاجزين، فيلزمهم أن يُكسِّروها لئلا يشيع المنكر في أمتهم، وهم إذا اتقوا الله تعالى في الأمة اتقت الأمة ربها فيهم، وإذا كان الأمر بالعكس صار الأمر بالعكس؛ لأن من أذل الخلق في طاعة الله أعزه الله بهذه الطاعة، وهذا شيء مُسلَّم؛ لذلك يجب على ولاة الأمور أن يكسروا هذه الآلات، أن يكسروها؛ لأنها ضرر على المجتمع عامة، وعلى الأمن، وعلى الولاة أيضًا؛ لأن النفوس إذا أبعدت عن الخالق لم ترحم المخلوق، وهذه الأشياء تُبعد الخلق عن الخالق؛ لأنها تلهي، وتصد عن سبيل الله، وعن ذكر الله، وعن الصلاة.
ثالثًا: هل يجب على الواحد من الناس أن يكسر هذه المزامير؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2091

الجواب: لا؛ لأنه ليس له السلطة، هل يجوز أن يكسرها؟ يُنظر؛ إن كان يترتب على ذلك ضرر أكبر فإنه لا يكسرها، كما لو حصلت فتنة في تكسيرها بأن يقوم صاحبها على هذا وينازعه ويخاصمه، وربما يحصل بينهم شر فهنا لا يكسرها، ولكن إذا سمعها يهرب منها، وإن لم يكن فتنة بحيث أتى على حين غفلة ووجدها وكسَّرها فلا بأس، لكن مع هذا إذا كان يخشى أنه يمكن أن يتتبَّع حتى يُعرَف ويحصل الشر والفتنة فإنه لا يجب عليه؛ لا يجوز له أن يكسرها فضلًا عن كونه يجب.
قال: (وصليب) يعني كذلك كسر الصليب؛ الصليب هو عبارة عن خطين؛ أحدهما قائم والثاني معترِض، ادعت النصارى أن المسيح عيسى بن مريم قُتل وصُلب عليه، ولعل ذلك -والله أعلم- لقوة اليهود وظهورهم عليهم، ذلوا أمام اليهود، وإلا من المعلوم أن النصارى يُعظِّمون عيسى، والذين ادعوا أنهم قتلوه وصلبوه اليهود، كما قال الله عنهم: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: 157]. ولهذا يجب علينا نحن المسلمين أن نعتقد أن عيسى لم يُقتل، ولم يُصلب، ويجب علينا أن نعتقد أن اليهود باؤوا بإثم قتله وصلبه، لماذا؟ لأنهم هم أقروا بأنهم قتلوه وصلبوه، فباؤوا بالإثم لإقرارهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2092

هذا الصليب تُعظِّمه النصارى، وتُعلِّقه في أعناقها، وترسمه على أبواب بيوتها، وفي مجالسها، وفي كل شيء تُعظِّمه بحجة أن المسيح عليه الصلاة والسلام قُتل وصُلب عليه، ونحن نرى أنه منكر عظيم؛ لأنه شعار كُفْر، ولأنه مبني على كذب لا حقيقة له، والمبني على الكذب، والكذب باطل، يكون باطلًا، فإذا كسر إنسان صليبًا فإنه لا يضمنه؛ لأنه ليس له قيمةٌ شرعًا، ولكن هل للإنسان أن يكسر الصلبان التي ينصبها النصارى مثلًا؟ الجواب: لا؛ لأنه ليس له ولاية حتى يمكَّن من كسر هذه الصلبان، نعم، لو فُرض أن النصراني أظهر الصليب وأعلنه في لباسه أو غير ذلك، فهنا يجب على وُلاة الأمر في البلاد الإسلامية أن يمنعوهم من إظهار الصليب؛ لأنه شعار كفر، وهم يعتقدون تعظيمه دِينًا يدينون لله تعالى به.
(وآنية ذهبٍ وفضة) آنية الذهب والفضة إذا كسرها الإنسان فإنه لا ضمان عليه؛ لأن آنية الذهب حرام، وآنية الفضة حرام مطلقًا، سواء كان يستعملها صاحبها في الأكل والشرب أو للزينة أو لغير ذلك، بناءً على أن آنية الذهب والفضة يحرم استعمالها واتخاذها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2093

وهذه المسألة فيها خلاف، وظاهر السنة أن المحرَّم الأكل والشرب بها فقط دون بقية الاستعمالات ودون اتخاذها للزينة، اللهم إلا أن يكون هذا من باب السرف فيُنهى عن ذلك للإسراف لا لذاتها؛ ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا» (10). فلم يذكر إلا الأكل والشرب، ولو كان الأكل والشرب وغيرهما لقال: لا تستعملوا، ولو كان الاتخاذ بدون استعمال حرامًا لقال: لا تتخذوا، فلا يمكن أن يدع النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أعم ويذكر ما هو أخص، وإذا كان كذلك فلا يُمكن أن نستدل بالأخص على الأعم؛ لأن الدليل لا بد أن يكون أعم من المدلول أو مساويًا له حتى يمكن الاستدلال، أما إذا كان الدليل أخص فالشارع قد وسع للأمة، ويدل لهذا أن أم سلمة، وهي ممن روى النهي عن آنية الذهب والفضة -بل الفضة خاصة- كان عندها جلجل من فضة؛ يعني مثلما نسميه نحن؟ طالب: قارورة.
الشيخ: قارورة أو طابوق، نعم، وابحثوا عن طابوق هل هو لغة عربية ولَّا لا؟ هي التي روت التحذير من الشرب في آنية الفضة كان عندها جلجل من فضة حفظت فيه شعراتٍ من شعر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الناس يستشفون بهذه الشعرات؛ إذا مرض مريض صبَّت في هذا الجلجل ماء ورجَّته بالشعرات واستشفى به الناس.
بناءً على هذا القول الذي هو ظاهِر السنة، نقول: لا يجوز كسر آنية الذهب والفضة إلا لمن يستعملها في الأكل والشرب؛ لأن أصل الجواز كسر آنية الذهب والفضة، وعدم ضمانها بالإتلاف؛ أنها محرمة الاستعمال.
ماذا نقول على القول الراجح في هذه المسألة (وآنية ذهبٍ وفضة) عند من يستعملهما في الأكل والشرب.
(وآنية خمرٍ غير محترمة) آنية الخمر إذا كسرها الإنسان فلا ضمان عليه؛ لأن فيها ما لا يضمن؛ وهو الخمر، فإن الخمر لا يُضمن حتى لو كان يساوي آلافًا، فأتلفه الإنسان، فلا ضمان عليه؛ لأنه لا قيمة له شرعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2094

قوله: (آنية).
لو قال قائل: ما شأن الآنية؟ الآنية تحفظ الخمر وغيرها، فهي تُستعمَل في الخمر وغيره؟ نقول: لأنه لما كان الخمر فيها ذهبت حُرمتها بذهاب حرمة ما فيها، فلا تُضمن.
وقوله: (غير محترمة) أفادنا -رحمه الله- أن الخمر المحترمة إذا كسر آنيتها فهو ضامن، فما هي الخمر المحترمة؟ هي خمر الذمي؛ الذمي الذي يعيش في بلاد المسلمين بالجزية خمره محترمة؛ بمعنى أنه لا يحل لنا أن نريق خمره التي يشربها، لكن بدون إعلان، لا يعلنها؛ ذمي في بيته يشرب الخمر، لا يجوز لنا أن ندخل بيته ونكسر أوانيه أو نريق خمره، لماذا؟ لأنه يعتقد حله، ولم يعلن به، فيكون محترمًا كاحترام دم الذمي وماله، والخمر عند الذمي مال يُباع ويُشترى.
طيب، المعاهَد والمستأمِن حكمهما حكم الذمي؛ لأن المعاهَد والمستأمن قد عاهدا المسلمين على ألا يتعدى عليهما أحد، لكن لو أن الذمي أظهر الخمر، وخرج إلينا بكؤوسه يشرب في أسواقنا فهنا انتقض عهده، ولم يكن له عهد، وخمره محترمة ولَّا غير محترمة؟ طلبة: غير محترمة.
الشيخ: غير محترمة، ذكروا أيضًا أن من المحترم من الخمر؛ خمر الخلال؛ الخلال الذي يبيع الخل، فيُخلِّل، وفي يومٍ من الأيام تخمَّر الخل؛ إما لشدة الحر أو لسببٍ آخر، قالوا: إن خمر الخلَّال مُحترَم؛ وعللوا ذلك بأنه لو كان غير محترم لزم على الخلال ضرر عظيم، هذا ماله فيتضرر بهذا.
وهذه المسألة تحتاج إلى نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الخمر تُتخذ خلًّا؛ قال: لا، وهذا الخلَّال سوف يحبس الخمر حتى تتخلل، وربما يخللها هو بنفسه، ففيما قاله الأصحاب في هذه المسألة نظر، فالله أعلم.

باب الشفعة

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الشفعة) الشفعة مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر.
وسميت بذلك؛ لأن الشريك يضم نصيب شريكه إلى ملكه؛ فلذلك صار كجعل الوتر شفعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2095

أما اصطلاحًا فيقول: هي استحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه -يعني الحصة- بعِوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد، انتبه للشروط؛ للقيود التي فيها الاحتراز: أولًا: يقول: إنها استحقاق انتزاع حصة شريكه، لا بد أن نأتي بالمثال أولًا: رجلان شريكان في أرض، فباع أحدهما نصيبه على ثالث، فللشريك الذي لم يبع أن ينتزع من المشتري هذا النصيب قهرًا عليه، ويضمه إلى ملكه، فتكون الأرض كلها لمن؟ طلبة: للشريك.
الشيخ: للشريك الأول الذي .. (باب الشُّفْعة) وهي استحقاقُ انتزاعِ حِصَّةِ شَريكِه مِمَّن انْتَقَلَت إليه بعِوَضٍ مالِيٍّ بثَمَنِه الذي اسْتَقَرَّ عليه الْعَقْدُ، فإن انْتَقَلَ بغيرِ عِوَضٍ أو كان عِوَضُه صَدَاقًا أو خُلْعًا أو صُلْحًا عن دمٍ عَمْدٍ فلا شُفعةَ، ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الشُّفْعة)، الشُّفْعة مأخوذة من الشَّفْع، وهو ضد الوتر، وسميت بذلك؛ لأن الشريك يضم نصيب شريكه إلى ملكه؛ فلذلك صار كجعل الوتر شفعًا.
أما اصطلاحًا فيقول: (هي استحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه) يعني الحصة بعِوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد، انتبه للقيود التي فيها الاحتراز.
أولًا: يقول إنها استحقاق وانتزاع حصة شريكه، لا بد أن نأتي بالمثال أولًا؛ رجلان شريكان في أرض، فباع أحدهما نصيبه على ثالث، فللشريك الذي لم يبع أن ينتزع من المشتري هذا النصيب قهرًا عليه، ويضمه إلى ملكه، فتكون الأرض كلها لمن؟ للشريك الأول الذي لم يبع، هذه الشفعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2096

المؤلف يقول: (استحقاق انتزاع) والحقيقة أن في هذا التعريف نظرًا؛ لأن الشفعة حقيقة انتزاع الحصة وليست الاستحقاق؛ لكن لا يستحق الانتزاع إلا بشروط، فالصواب أن يُقال في التعريف: الشفعة انتزاع حصة الشريك ممن انتقلت إليه .. إلى آخره، دون أن يُقال: استحقاق؛ لأن هناك فرقًا بين الاستحقاق وبين الانتزاع، ولهذا لو باع أحد الشريكين نصيبه فالشريك الأول مستحِق، فإذا أجاز البيع ولم يأخذه، فهل هناك شفعة؟ لا، إذن التعريف ليس بجيد، فالصواب أن يُقال: انتزاع حصة شريكه إلى آخره.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بالنسبة لإجازتنا لضرب الدف عند قدوم الغائب.
الشيخ: لا، ما هو كل الغائب.
الطالب: عند قدوم الغائب الكبير المعظَّم، يعني هذا يا شيخ سوف يتخذوه ذريعة في كل من ذهب وأتى ( ... ) يعظم له، ونفعل كذا، ثم إن هذا قضية عين، هذه المرأة النبي صلى الله عليه وسلم إنما أجازها؛ لأنها نذرت، ثم لم يتكرر هذا مع قدوم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، كبار الصحابة، وأئمة العلم، يعني لا نُعلم إلا في قضية واحدة، شيخ، وسبق معنا مرارًا أن بعض الأحاديث والأدلة، وهذه قضية عين لا يُقاس عليها، تُحفظ بدون قياس ( ... ). الشيخ: لا، ما هو صحيح، لو كانت كلما جاء الرسول دفوا له لكانت سُنَّة، لكن لما دفته هذه المرأة ونذرت، لو كان محرمًا لقال الرسول: لا وفاء لنذر في معصية الله، فدل ذلك على أنه جائز، وهذا أيضًا مما تدعو إليه النفوس؛ يعني إنسان أمير كبير ولَّا ملك يأتي إلى الناس النفوس لا بد أن تظهر الابتهاج به.
الطالب: شيخ، مثل قضية المرأة التي في حديث الفضل بن عباس لم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: في أيش؟ الطالب: في الحج في حجة الوداع.
الشيخ: لم ينكر عليها أيش؟ الطالب: أنها كانت سافرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2097

الشيخ: سافرة؟ هذه بها نزاع، هل هي سافرة ولَّا على الفضل رضي الله عنه كان ينظر إلى جسمها وهيكلها، كما اختاره بعض علمائنا المعاصرين الذين لهم قدم صِدْق في العِلم.
طالب: شيخ، الشريعة لا تُفرِّق بين المتماثلين، لو قال قائل: ما هو الفرق بين الطبل والدف؟ الشيخ: يقول: الشريعة لا تُفرِّق بين المتماثلين، فلو قال قائل: ما الفرق بين الدف والطبل؟ نقول: القول بأنهما متماثلان قول من لا يعرفهما تمامًا؛ لأن الرنة في الدف ليست كالرنة في الطبل، الطبل مختوم من الجانبين فيكون له رنة أبلغ في التأثير من الدف، والدف إنما يكون في جانب واحد؛ ولهذا يسمى أحيانًا الغربال، مثل الذي تغربل به الحبوب.
طالب: بارك الله فيكم، الذِّمِّية التي تحت مسلم من أهل الكتاب إن كان يجوز لها أن تشرب الخمر، فهل يجوز لزوجها إراقة الخمر أو كسر آنيته؟ الشيخ: لا، ما يجوز، الذمية تشرب الخمر عند زوجها المسلم لا بأس.
طالب: والصليب كذلك؟ الشيخ: والله الصليب، قد يُقال: في النفس منه شيء؛ لأن الصليب نوع عبادة، ما هو أكل أو شُرب، فقد يُقال: إن له أن يمنعها كما أنه له أن يمنعها من أن تلبس حليًّا معينًا حتى لو حلي مباح إذا كانت نفسه تتقزَّز منه فإنه يمنع الزوجة منه، كما يلزمها أيضًا بقص الأظافر وإزالة الوسخ، فهذه تكون من حقوق الزوجية، إذا قال لها مثلًا: أنا لا أريد أن تلبسي الصليب؛ لأن نفسي تتقزز منه، فله أن يمنعها من هذه الناحية.
طالب: ما حكم إتلاف كتب أهل البدع؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2098

الشيخ: أحسنت، إتلاف كتب أهل البدع أولى من إتلاف المزمار؛ لأن هذه تغير الأديان، ولكن -كما قلت لكم- الذي يُؤمر بذلك هو الذي هي بيده، أعني صاحبها، ثم ولي الأمر، أما أن يُجعل هذا لكل واحد من الناس فإنه يحصل فيه من الفوضى والشر أعظم وأعظم، ولهذا لما أنكر أبو حنيفة على الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويفعلون أشياء تُنكَر عليهم، قيل له: إن هذا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهو فرْض، قال: لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون، وهذا من فقه أبي حنيفة رحمه الله؛ أن الإنسان يوازن بين المصالح والمفاسد، فإذا كان يترتب على هذا مفسدة أعظم؛ فإنه لا يجوز أن يتقدم الإنسان إلى إنكاره.
طالب: أحسن الله إليكم، ماذا تقولون في الأناشيد التي تُباح في ( ... )؟ الشيخ: أولًا: كلمة ماذا تقولون؟ في مخاطبة من يُعلِّمك هذه جافية جافة، السؤال: ما تقول؟ أو كلمة نحوها، يعني كلمة ما تقولون؟ يعني أنك جعلت من يعلمك ندًّا لك؛ فلذلك نعاقبك تعزيرًا بعدم الجواب.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- شخص عنده إناء مكتوب فيها بعض الآيات القرآنية، ويغسل كل ما جاء عنده طفل مريض يغسل هذا .. الشيخ: إي نعم، هذا سؤال جيد وإن كان ليس معنا، لكنه جيد، يعني بعض الآنية يُكتب فيها آيات من القرآن، ورأيي في ذلك أنه حرام؛ لأنه إن قصد الاستشفاء بها فليس ذلك من طريق السداد، وإن قصد التبرك فهو أشد وأبعد عن طريق السداد، فلم يبقَ إلا أن هذه الآيات الكريمة تُمتهن وتكون مبتذلة، والإناء قد يُرمى به، وقد يأخذه الصبيان ويعبثون به، فلهذا نرى أن كتابة الآيات في الأواني الكتابة المحفورة هذه، نرى أنها حرام، وأنه يجب على من هي عنده أن يسعى في طمس هذه بأن تُربَّ برباب من الرصاص أو نحوه حتى تزول.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- في الرياضيات والحساب هناك يوجد إشارة زائد، وهي تشبه تمامًا الصليب، وهي واردة من الغرب أصلًا، فهل نعملها نحن؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2099

الشيخ: إي نعم، يعني علامة زائد ما فيها شيء؛ لأن القرائن لها أثرها، الآن يوجد في بعض البُسط الكبيرة هذه عند الوشي والتزويق، يوجد مبنية على مربع يشبه الصليب، ثم اعلم أن أصل الصليب أن تكون الخط المعترض فوق، لكن تطور حتى صار مع التساوي يُسمَّى صليبًا، فلا أرى فيها شيئًا ( ... ). طالب: بعض الناس يتقرب إلى الله عز وجل بشراء كتب المبتدعة ويحرقها، ويقول: إن هذا أفضل من شراء الكتب النافعة وتوزيعها.
الشيخ: من أجل أن يُكثر الأموال للمبتدعة حتى يطبعوا أكثر، أو ما فهمت؟ الطالب: فهمت.
الشيخ: هو إذا بثوا في السوق هذه الكتب يعرفون ربحهم، فإذا اشتراها ربحوا، ثم طبعوا أكثر.
طالب: كيف يتصور إتلاف كتب أهل البدع؟ الشيخ: يتصور إتلافها أن الإنسان يتلف ما قدر عليه، ما نقول: اشترها ودع كتب أهل السنة، ما يمكن نقول هذا.
طالب: إذن يرجع إلى الإمام أو .. الشيخ: هو يرجع الحقيقة إلى المسؤولين في الأمة، يعني إلى ولاة الأمور، يجب أن يمنعوا جميع الكتب اللي فيها بدع أو التي فيها دعوة للشر.
طالب: هل يُشرع يا شيخ محو الصلبان ( ... ) السجاد و ( ... ) السيارات قد تكون غير مقصودة؟ الشيخ: والله -كما قلت في الجواب قبل قليل- يعني بَيِّن الشيء المقصود وغير المقصود، اللي غير مقصود، وإنما هو مثلًا تطريز مربعات، هكذا مثل الصليب يتبع بعضها بعضًا ما فيها شيء هذه.
طالب: قول المؤلف: الخمر غير محترم، ألا يمكن أن يتلف الخمر بدون كسر الآنية؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2100

الشيخ: إي نعم، هذا ما ذكرناه إيرادًا وذكرنا جوابه، قلنا: هذا الإناء في نفسه ليس حرامًا، ولكن لما صار فيه ما يجب إتلافه صار تبعًا له على أنه ربما يُقال: إن كلام المؤلف آنية خمر، أن هناك آنية خاصة بالخمر كما عندنا مثلًا القهوة، لها آنية خاصة ولَّا لا؟ ما هي الآنية الخاصة بالقهوة؟ الدلَّة، لو أتى إنسان لك بقهوة في إناء شرب ماء يصير مقبولًا عند الناس ولَّا لا؟ يعني ممكن أن يقال: إن كلام المؤلف رحمه الله: آنية الخمر؛ لا يقصد بذلك كل إناء، إنما يقصد الأواني المخصصة المعدة للخمر، وبهذا يزول الإشكال نهائيًّا.
طالب: إذا قال قائل: إن هذه المزمار والصليب المحرَّم منها ( ... )، أما ( ... ) فجائزة، الآن إذا قال: إنه غير مضمون هو ما يجوز ( ... )، أما ما زاد على ذلك من إتلاف فمضمون.
الشيخ: لا، لا بد أن يقول كما قال المؤلف؛ لأن كسرها فيه إهانة لصاحبها، لكن صاحبها إذا أراد أن يُتلفها -كما قلت لكم- إذا كان يمكن أن ينتفع بحطامها فإنه لا يُحرقها ( ... ).


وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أولًا: عرِّف الغصب.
طالب: هو الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق من عقار أو منقول.
الشيخ: حكم الغصْب.
طالب: مُحرَّم.
الشيخ: محرم، الدليل؟ طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29].
الشيخ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
طالب: وقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (1). الشيخ: هل إتلاف الكلب مضمون؟ طالب: إتلاف الكلب ليس بمضمون.
الشيخ: ليس مضمونًا، لماذا؟ طالب: لأنه لا قيمة له شرعًا.
الشيخ: لأنه ليس له قيمة شرعًا، الدليل أنه ليس له قيمة شرعًا؟ طالب: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ» (2). الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2101

يقول المؤلف: إذا استولى على حُرٍّ لم يضمنه، ما مراده؟ أولًا: ما هي الصورة؟ ثم ما المراد؟ طالب: يغصب الحر، ويجعله عنده، ويموت عنده.
الشيخ: يجعله كالخادم عنده.
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا الحر مات، يضمنه أو لا؟ الطالب: لا ضمان عليه.
الشيخ: لا ضمان عليه، لماذا؟ طالب: لأنه ليس بمال.
الشيخ: ليس بمال، تمام الحر ليس بمال.
طيب لا أدري هل ذكرت لكم الاستثناء؟ طالب: نعم.
الشيخ: إذا حَبَسَ الحر عن العمل، فماذا؟ طالب: إذا حبس الحر عن العمل فإنه يضمن أجرته.
الشيخ: يضمن الأجرة؟ كيف قلنا في الأول: إنه لو استولى عليه ومات لم يضمن، وهنا نقول: إذا حبسه فعليه أجرته؟ طالب: لأنه إذا حبسه فوَّت عليه المنفعة والعمل.
الشيخ: لأن منفعة الحر مضمونة، وأما ذاته فغير مضمونة.
طيب رجل غصب شاة فنمت الشاة، سمنت الشاة وولَّدت، فهل يضمنها أو لا؟ طالب: يضمنها.
الشيخ: يضمنها، ويُقوَّم له السمن؛ بمعنى أن الغاصب يُعطى ما زاد على قيمتها نحيفة، طيب أولادها؟ طالب: للمالك.
الشيخ: للمالك؟ إي نعم، هل عندك دليل على هذا؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (3). تمام، ذكر المؤلف أن الغاصب إذا بنى في الأرض لزمه أمور، فما هي الأمور؟ طالب: يلزمه القلع.
الشيخ: يلزمه القلع، يعني هدم البناء، هذه واحدة.
طالب: تسوية الأرض.
الشيخ: تسوية الأرض.
الطالب: وأرش نقصها.
الشيخ: أرش نقصها، كيف يعني؟ الطالب: إذا كانت تتضرر بالحفر.
الشيخ: إذا تضررت بالحفر أو البناء فإنه يلزمه أرش النقص.
الرابع؟ طالب: الرابع؛ أجرتها.
الشيخ: الأجرة؛ أجرتها مدة بقائها في يده.
لو قُدِّر أن أجرتها تساوي قيمتها تلزمه؟ يعني الأجرة لمدة خمس سنين تساوي قيمتها تلزمه؟ طالب: نعم.
الشيخ: الدليل.
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ» ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2102

الشيخ: الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (3). رجل غصب فرسًا، فحصل عليه صيد؟ طالب: يكون الصيد للغاصب وأجرة الْمِثل للمالك، أجرة الفرس لمالكه.
الشيخ: يعني الصيد للغاصب، وعليه أُجرة الفرس لمالكه، هذا الذي في الكتاب؟ الطالب: لا، يا شيخ هذا الصحيح.
الشيخ: هذا الصحيح، والذي في الكتاب؟ الطالب: أن الصيد للمالك، مثل العبد والجارية.
الشيخ: إي، مثل العبد، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، رجل غصب بيضًا وصار فرخًا.
طالب: يرد أرش نقصه.
الشيخ: يرد أرش نقصه؟ طالب: إذا نقص.
الشيخ: إن نقص، وإن زاد؟ طالب: لا يرده.
الشيخ: إن زاد فلمالكه، وإن نقص فعلى الغاصب، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ما معنى قول المؤلف: وما نقص بسعر لم يضمن؟ طالب: إذا نقص المغصوب بسبب نقص الأسعار؛ فإنه لا يضمن.
الشيخ: يعني إذا نقص سعر المغصوب ما هو بالمغصوب، سعره، مثِّل؟ الطالب: مثاله: غصبه وهو يساوي مئتين.
الشيخ: غصبه وهو يساوي مئتين.
الطالب: ثم نزلت الأسعار، وصار لا يساوي إلا مئة وخمسين، فلا يضمن النقص هذا.
الشيخ: فيرده على مالكه، وإن كان نقص خمسين ريالًا من مئتين، كذا؟ هل هناك قول آخر؟ طالب: القول الثاني: قول شيخ الإسلام رحمه الله أن نقص السعر يضمنه.
الشيخ: إن نقص السعر يضمنه، لكن لو قال قائل بقول وسط، قال: إن علمنا أنه حبسه لينقص السعر كما لو غصبه في أيام الموسم، ثم رده على صاحبه فهنا يضمن.
ما معنى قول المؤلف: (ولا بمرض عاد ببُرْئه)؟ طالب: قد يكون رجل أخذ.
الشيخ: لا ما أريد المثال، ما معنى الكلمة هذه (وَلا بِمَرَضٍ عَادَ بِبُرْئِهِ).
طالب: يمرض، ثم يعود.
الشيخ: ما معنى العبارة؟ الطالب: يعود بعد المرض سليمًا.
الشيخ: ما معنى العبارة؟ طالب: أي لا يضمن النقص الحاصل بسبب المرض إن عاد ببرء.

الجزء: 2 - الصفحة: 2103

الشيخ: يعني لا يضمن النقص الحاصل بالمرض إذا شُفِي من المرض، إذا عاد، أي عاد النقص.
(ببرئه) أي ببرء الشاة أو العبد أو ما أشبه ذلك، المعنى أنه لو مرض عند الغاصب، ونقصت القيمة بالمرض، ثم شُفي وعاد النقص فإنه لا يضمنه؛ لأنه لم يكن عليه ضرر.
لو أنه نقص بالمرض، ولكنه تعلَّم صنعة زاد بها أكثر مما نقص، هل يضمن النقص بالمرض؟ طالب: نعم، يضمن.
الشيخ: لكن الغاصب علمه وزادت قيمته بالتعليم أكثر مما نقص بالمرض.
الطالب: لصاحب العبد هذا يقول: ما هو أريده يتعلم.
الشيخ: لا، ما يقول: ما أريده يتعلم، دا يريده يتعلم مرتين، تخاف يعني تظنه إذا تعلم ينتفخ عليه؟ الطالب: إذا لم يكن هذا التعليم، إذا لم يكن للمرض تأثير فيه فلا يضمن ما زاد.
الشيخ: يعين إذا عاد النقص بتعلم الصنعة فإنه لا يضمن النقص الذي حصل بالمرض، تمام؟ توافقونه؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما يوافقونك، من يعرف التفصيل؟ سؤال: هل يضمن النقص بالمرض؟ طالب: نعم، يضمنه.
الشيخ: يضمنه، طيب لماذا لا نجبر هذا بهذا؟ طالب: لاختلاف الجنس، هنا صحة، وهناك تعلم، فنقول: إن هذا العبد كان عندما نقص بالمرض لزم الغاصب في ذمته ضمان النقص، فلما تعلم الصنعة كانت زيادة، وكان مستحقًّا لأن .. الشيخ: والزيادة تكون لمن؟ الطالب: للمالك.
الشيخ: للمالك، إذن إذا عاد النقص بالمرض بتعلُّم، يعني بصفة أخرى مرغوبة فإنه يضمن النقص، ولا يقول الغاصب: أنا زدته من جهة ونقصته من جهة، فهذه بتلك، نقول: لأن النقص عليك والزيادة لمن؟ للمالك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الشفعة: وهي استحقاق انتزاع) إلى آخره ذكرنا مثالًا أولًا: رجلان شريكان في أرض، فباع أحدهما نصيبه على ثالث، فللشريك الذي لم يبع أن يأخذ هذا النصيب الذي باعه شريكه على ثالث قهرًا أو باختيار؟ قهرًا، هذه الشفعة وسميت شفعة؛ لأن الشريك الذي لم يبع ضم نصيب شريكه الذي باعه إلى نصيبه فكأنه شَفعه؛ أي: قوَّاه وجعله منضمًّا إلى ملكه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2104

يقول: (وهي استحقاق انتزاع) إذا تأملنا الشفعة على حسب المثال الذي ذكرنا تبين أن الشفعة ليست استحقاقًا، ولكنها انتزاع، ولهذا يحسن أن يُقال في التعريف: وهي انتزاع حصة شريكه.
وقوله: (انتزاع) تفيد أن الأمر ليس اختياريًّا، وأنه يُنزع منه قهرًا، وهو كذلك.
وقوله: (حصة شريكه ممن انتقلت إليه) أفادنا المؤلف أنه لا ينتزع ملك جاره، وأنه لا شُفعة للجار، وسيأتي الكلام عليه، لكن كلمة (شريك) تُخرج الجار؛ لأن الجار ليس بشريك.
وقوله: (ممن انتقلت إليه) يفيد أنه لا بد من نقل الْمُلك، فلو آجرها فإنه لا شُفعة، مثال ذلك: رجلان شريكان في أرض، أجَّر أحدهما نصيبه منها لشخص ثالث، فهنا لا شُفعة للشريك، لماذا يا إخوان؟ لأن ملكه لم ينتقل، وإنما انتقل النفع فقط، حتى ولو طالت المدة كالصُّبرة المعروفة بالحكورة، وهو أن يؤجره الأرض دائمًا وأبدًا، أو لمدة ألف سنة، أو ما أشبه ذلك، فظاهر كلام المؤلف: أنه لا شفعة في هذا؛ لأن الملك لم ينتقل، وإنما انتقل النفع.
وقوله: (بعوض) خرج به ما لو انتقلت بغير عوض، ولا فرق بين أن يكون انتقالها بغير عوض بملك قهري أو اختياري، فمثلًا: لو أن الشريك مات وله ابن يرثه، فهنا انتقل الملك إلى الابن، لكن بعوض ولَّا بغير عِوض؟ طلبة: بغير عِوض.

الجزء: 2 - الصفحة: 2105

الشيخ: بغير عِوض، إذن ليس لشريكه أن يُشَفِّع، وهذا الانتقال انتقال قهري، يعني أن الملك انتقل إلى الوارث قهرًا، فيدخل في ملك الوارث قهرًا عليه، حتى لو أراد الوارث أن يتخلى، وقال: أنا لا أريد نصيبي من التركة، فإنه لا يمكنه ذلك؛ لأن الله ملَّكه إياه ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، فلا يمكن أن يتخلى عن شيء ملَّكه الله إياه، فانتقال الملك بالإرث انتقال قهري، لا يمكن للوارث أن يرفضه، فلو مات ميت عن ابنين، فقال أحدهما: أنا لا أريد الإرث، أنا مغنيني الله ولا أريد الميراث، يمكنه هذا؟ لا يمكن، نقول: هو دخل عليك قهرًا بتمليك الله له إياك.
إذا انتقل بغير عِوض على وجه اختياري كالهِبة، فظاهر كلام المؤلف حسب المفهوم أنه لا شفعة، مثاله: شريكان في أرض وهب أحدهما نصيبه لشخص ثالث، فهل لشريكه أن يأخذ بالشفعة؟ أجيبوا على كلام المؤلف؛ لا؛ لأنه انتقل بغير عِوض، لكن هذا الانتقال اختياري، هو الذي قام بهبته، فعلى كلام المؤلف لا شُفعة؛ لأنه انتقل بغير عِوض، والصحيح أن فيها الشفعة؛ لأن الحكمة من إثبات الشفعة موجودة فيما خرج ملكه عن الشريك بالهِبة، والحكمة إذا ثبتت فإنه لا عبرة باختلاف الصور، يعني إذا وُجدت الحكمة فسواء كان ببيع أو بهبة.
إذن (بعِوَض) يخرج به أيش ما انتقل بغير عِوض، وهو نوعان: أحدهما: أن يكون الانتقال قهريًّا، مثل الميراث، فلا شفعة، وهذا واضح؛ لأن الشريك لم ينقله باختياره.

الجزء: 2 - الصفحة: 2106

والثاني: أن يكون انتقال الملك فيه بالاختيار كالهِبة، فالمذهب أنه لا شفعة، والصحيح أن الشفعة ثابتة؛ لأن الحكمة من الشفعة موجودة في الهبة، إذ إن الحكمة من الشفعة إزالة الضرر عن الشريك الأول بالشريك الجديد؛ لأنه قد يكون شريكه الجديد شكسًا سيئ الخلق، فشرع الشارع الشفعة لإزالة هذا الضرر، ثم إن هذا الشريك الجديد قد لا يتلاءم مع الأول فتحصل المنازعات والخصومات والبغضاء، وهذا ما يريد الشرع البعد عنه.
وقوله: (بعوض مالي) أيضًا يشترط أن يكون العوض ماليًّا، فإن لم يكن ماليًّا فإنه لا شُفعة، الأعواض مالية وغير مالية؛ فالمالية كالنقود والثياب والسيارات وما أشبه ذلك، ويشمل العوض المالي الأعيان والمنافع، فمثال الأعيان: إنسان باع ملكه على شخص بسيارات، العِوض هنا مالي ولَّا غير مالي؟ طلبة: مالي.
الشيخ: العِوض هنا مالي، أعيان أو منافع؟ طلبة: أعيان.
الشيخ: أعيان، مثال المنافع؛ إنسان استأجر بيتًا وأعطى صاحب البيت نصيبه من هذه الأرض مثلًا، فهنا فيه عِوَض، لكن العِوَض عين ولَّا منفعة؟ طلبة: منفعة.
الشيخ: منفعة؛ لأنه أعطى نصيبه من هذه الأرض لشخص استأجر بيته واستوفى العِوض منفعة؛ والمنفعة لا شك أنها من الأعواض المالية.
لو أنه أعطاها مُصالحة عن دم عمد، القتل العمد فيه القصاص، أليس كذلك؟ فهذا الشريك قتل شخصًا عمدًا، نقول: عليك القصاص، تَصالح هو وأولياء المقتول بإسقاط القصاص بعِوض على قدْر الدية أو أقل أو أكثر، فهل للشريك الأول أن يأخذ النصيب بالشفعة؟ ! لا؛ لأن العِوض هنا ليس ماليًّا، العِوض قصاص، قتل نفس فلا تُؤْخذ بالشفعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2107

وقيل: بل تؤخذ بالشفعة ويأخذها الشريك بقيمتها التي تساوي عند الناس، وهذا القول أرجح؛ لأنها خرجت عن هذا باختياره، والذي نرى أنه كُلَّما خرج الشقص بالاختيار فإن للشريك أن يأخذ بالشفعة، سواء كان العِوض ماليًّا أو غير مالي، فإن كان العوض ماليًّا فواضح أنه يأخذه بعوضه، وإن كان غير مالي قُدِّر بقيمته في السوق.
قال: (بثمنه) الباء حرف جر، وكل مجرور فلا بد له من متعلق؛ لأن المجرور معمول لعامل، والمعمول لا بد له من عامل، كما أن المفعول به لا بد له من فعل ينصبه، المجرور أيضًا لا بد له من فعل يتعلق به، ولهذا قال ناظم القواعد: لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْو مُرْتَقِي واسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلى آخره.
على كل حال الباء (بثمنه) تحتاج إلى متعلَّق، أين متعلقها، هل هو استحقاق ولَّا انتزاع، ولَّا انتقل، ولَّا أيش؟ طلبة: انتزاع.
الشيخ: نعم، (انتزاع)، وهي استحقاق انتزاع بالثمن، يعني أن الشريك يأخذ الشقص المبيع بالثمن لا بالقيمة.
واعلم أن هناك فرقًا بين القيمة والثمن عند أهل العلم، الثمن ما وقع عليه العقد، والقيمة ما يساوي عند الناس، فمثلًا اشترى رجل بيتًا بعشرة آلاف، ما الثمن؟ عشرة آلاف، لكن هذا البيت يُساوي بين الناس خمسة آلاف، فالقيمة إذن خمسة آلاف، أو يساوي عشرين فالقيمة عشرين، إذن القيمة هي ما يُساوي بين الناس والثمن ما وقع عليه العقد، قد يساوي القيمة، وقد يكون أقل وقد يكون أكثر.
هنا هل يأخذه بالقيمة أو بالثمن؟ طالب: بالثمن.
الشيخ: يقول المؤلف: بالثمن، وسيأتي إن شاء الله أن في هذا تفصيلًا في الدرس القادم.
طالب: ( ... ) المنفعة وطلب أن يؤجر هو.
الشيخ: يعني أراد أن يأخذه بالأجرة فلا حق له، لكن سيأتينا إن شاء الله بالتفصيل في كلام المؤلف.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- لو باع لشخص ثالث نصف يعني .. الشيخ: نصف نصيبه؛ ثبتت الشفعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2108

طالب: ألا يكون الثالث شريكًا مثل الأول؟ الشيخ: لا، صاروا ثلاثة، الشركاء الآن، لكن للشريك الأول أن يأخذ بنصيبه مثلًا إذا باع نصف نصيبه صار يأخذ الربع نعم.
طالب: شيخ، من المقرر في الشرع أن العبرة في العقود بالمعاني ليست بالمباني، وإيجار الصبرة هو استئجاره مدى الحياة حتى قد يكون إلى ما بعد الموت وهذا الشريك .. الشيخ: سيأتينا إن شاء الله.
طالب: إذا انتقل قهرًا إلى الشريك، فإن العلة قد تكون موجودة فيه، فهل يقال بأنه .. ؟ الشيخ: لا، ما يقال؛ لأنه ليس باختياره.
رجل غصب رزًّا ( ... ). بصاع من الرز، فما الحكم؟ طالب: يجب عليه أن يخلصه.
الشيخ: يجب عليه تخليصه لو شق عليه.
إذا قال لصاحبه: أنا أعطيك صاعين من البُر مما غصبت؟ طالب: المذهب أنه لا يلزمه أن يفعل، وله أن يطالب بعين ماله.
الشيخ: إي نعم، يعني هو غصب بُرًّا وخلطه برز، نقول: لا بد أن يخلصه، فإن قال الغاصب للمالك: أنا أعطيك صاعين بدل الصاع، فإنه -على المذهب- لا يلزمه القبول لوجود عين ماله، والصحيح أنه يلزمه؛ لأن هذا إضرار -بلا شك- قصد الإضرار.
غصب رزًّا فخلطه برز، غصب صاعًا من الرز فخلطه بصاع من الرز، هل يلزمه تخليصه أو لا؟ طالب: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه، لماذا؟ طالب: لأنه خلطه بما لا يمكن تخليصه.
الشيخ: لأنه لا يمكن تخليصه؛ إذ لا يتميز هذا عن هذا، إذن ما الواجب؟ الطالب: ننظر إن نقصت القيمة فالغاصب ضامن.
الشيخ: أولًا: هل يكون هذا المال المخلوط مشتركًا بين الغاصب ومالكه؟ الطالب: إن لم تزد القيمة أو تنقص.
الشيخ: لا، هل يكون مشتركًا أولا؟ الطالب: نعم، يكون مشتركًا.
الشيخ: مشترك.
الطالب: نعم.
الشيخ: كيف؟ أنصافًا أو أثلاثًا أو أرباعًا؟ طالب: بحسب المالين.
الشيخ: بحسب المالين؛ يعني لو غصب صاعًا من الرز، فخلطه بتسعة أصواع من الرز، كم يكون نصيب المالك؟ طالب: النصف.

الجزء: 2 - الصفحة: 2109

الشيخ: لا إله إلا الله! غصب صاعًا من الرز فخلطه بتسعة أصواع من الرز، كم يكون للمالك؟ طالب: العُشْر.
الشيخ: العُشْر؟ توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، هذا قدر ماليهما.
طيب لو زادت قيمة الصاع بسبب خلطه بالتسعة، فهل الزيادة للغاصب أو للمالك؟ طالب: للمالك.
الشيخ: للمالك، ماذا تقول؟ طالب: للغاصب إذا زادت قيمته بالخلط فلصاحبه.
الشيخ: إذا زادت قيمة التسعة لمن؟ طالب: للغاصب.
الشيخ: لأن التسعة ملكه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وإن زادت قيمة الصاع.
الطالب: فللمالك.
الشيخ: فللمالك إذا نقص الصاع بسبب الخلطة.
طالب: يضمن الغاصب.
الشيخ: يضمن أيش؟ الطالب: يضمن النقص.
الشيخ: يضمن النقص، تمام.
المؤلف يقول: (ولا يُجبر من أبى قلع الصبغ) معنى العبارة؟ طالب: لو غصب ثوبًا، ثم صبغه فإنه لا يُجبر على إزالة هذا الصبغ لما فيه من المشقة.
الشيخ: لما فيه من المشقة.
طيب لو قال مالك الثوب الذي غُصب: إنه يمكن أن يزال الصبغ؛ لأن الآن فيه مواد كيماوية يمكن أن يزول الصبغ نهائيًّا؟ الطالب: شيخ، إن كان يريد بذلك التضييق على الغاصب فلا نمكنه.
الشيخ: إن أراد الإضرار بالغاصب.
الطالب: فلا نمكنه.
الشيخ: وإن كان له غرض في ذلك؟ الطالب: وإن كان له غرض صحيح في ذلك مكنَّاه.
الشيخ: هذا صحيح.
طيب، رجل غصب طعامًا ودعا مالكه إليه فأكله؟ طالب: إن علم المالك أنه ملكه فلا ضمان على الغاصب، وإن لم يعلم فيضمن الغاصب.
الشيخ: كيف يضمن؟ طالب: يضمنه بقيمته.
الشيخ: قصدي ليش يضمن وصاحبه أكله؟ طالب: لأنه لم يعلم، وهذا متعدٍّ في الغصب.
الشيخ: لكن ( ... ) تعليل بَيِّن.
طالب: لأنه أكله على أنه ضيف، وأن الملك لغيره لم يأكله على أنه .. الشيخ: تمام، أكله على أنه ضيف، وأن الطعام هالِك على ملك الغاصب فضمنه، فإن كان عالِمًا أنه طعامه؟ طالب: إن كان عالِمًا فلا ضمان على الغاصب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2110

الشيخ: فلا ضمان على الغاصب، تمام؛ لأن هو عالم؛ إذ لو شاء لقال: هذا طعامي وأخذه ومشى.
رجل غصب قلمًا من شخص، وأعاره له، ثم تلف القلم، فهل على الغاصِب ضمان أو لا؟ طالب: على المذهب لا يضمن ( ... ). الشيخ: أنت فاهم الموضوع؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: غصبت منه قلمًا، ثم جاء يستعيره منك فأعرته إياه، فتلف عنده، هل تضمن القلم أنت أو لا تضمن؟ طالب: الغاصِب لا يضمن.
الشيخ: ليش ما تقول: أنا لا أضمن؟ تخشى أن نلزمك؟ ! الغاصب لا يضمن، ليش؟ طالب: لأن أصلًا الأصل أن المستعار أصلًا هو الضامن حتى على ( ... ). طالب آخر: ( ... ) لا يضمن ( ... ). الشيخ: لماذا لا يضمن الغاصب إذا أعاره؟ طالب: لا يضمن ( ... ) بكل حال.
الشيخ: أحسنت؛ لأن العارية مضمونة على المستعير بكل حال، فإذا كانت مضمونة عليه فإن مالكها دخل على أنها مضمونة عليه، فإذا تلفت فلا ضمان على الغاصب.
هل هناك قول آخر في هذه المسألة؟ طالب: أنه إذا كان مبنيًّا على ضمان العارية هي مضمونة، وإذا قلنا: لا تضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط فلا ضمان.
الشيخ: ننظر إن تعدى أو فرَّط فلا ضمان على الغاصب.
الطالب: وإلا فعليه الضمان.
الشيخ: وإلا فعليه الضمان نعم.
رجل غصب ساعة فأتلفها، فقال صاحبها: اضمن لي ساعة مثلها، قال: لا، أعطيك القيمة، فما الحكم؟ طالب: الصحيح أنه يلزم بالمثل.
الشيخ: وغير الصحيح؟ الطالب: المذهب أنه يضمن القيمة.
الشيخ: توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إذن على المذهب لا يلزم المتلف إلا قيمة الساعة، وعلى القول الثاني؟ طالب: يلزمه المثل.
الشيخ: يلزمه المثل إلا إذا رضي صاحبها بالقيمة فلا بأس، ما هو المثلي على المشهور من المذهب؟ طالب: كل مكيل، أو موزون، أو صنعة فيه مُباحة يصح السَّلَم فيه.
الشيخ: يصح السلم فيه، ما هو بلا يصح، يصح السلم فيه، هل الحيوان مثلي؟ الطالب: على المذهب لا.
الشيخ: على المذهب ليس بمثلي؛ لأنه؟ الطالب: لأنه ليس مكيلًا ولا موزونًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2111

الشيخ: ليس مكيلًا ولا موزونًا، وعلى القول الثاني؟ الطالب: أنه مثلي.
الشيخ: بناءً على أن المثلي؟ الطالب: هو ما قارب المتلف مثله أو قريب منه.
الشيخ: يعني ما له مثيل أو قريب من المثل.
طيب أيهما أرجح؟ طالب: أنه مثلي يا شيخ.
الشيخ: إنه مثلي، عندك دليل؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ القعود من العارية ( ... ). الشيخ: إي، صحيح هذا دليل، فيه أيضًا دليل آخر؟ طالب: ( ... ) النبي صلى الله عليه وسلم، أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع رسولها طعام في صحفة.
الشيخ: صحفة.
الطالب: في صحفة ( ... ) النبي صلى الله عليه وسلم ضربت على يد الرسول فكسرت الصحفة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «طَعَامٌ بِطَعَامٍ .. ». الشيخ: أعطى الرسول صحفة صاحبة البيت وطعامها وقال: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» (4) بارك الله فيك، تمام.
رجل غصب عصيرًا فصار خمرًا، فماذا يضمن؟ طالب: يضمن القيمة.
الشيخ: القيمة؟ الطالب: إي.
الشيخ: أو المثل؟ الطالب: لا، القيمة؛ لأن العصير على المذهب ليس مكيلًا.
الشيخ: ما هو مكيل؟ الطالب: لا.
الشيخ: توافقون على هذا؟ نعم.
طالب: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن أبدًا.
طالب: لا يضمن مثله.
الشيخ: مثله، العصير مثلي؟ طالب: ( ... ). الشيخ: مثلي؛ لأن القاعدة عندهم: كل مائع مكيل؛ اللبن مكيل، الدهن مكيل، كل مائع فإنه مكيل، وعلى هذا كما قال المؤلف: (إن تخمر عصير فالْمِثل).
أولًا: عرَّف المؤلف الشفعة بأنها؟ طالب: استحقاق انتزاع حصة الشريك ممن انتقلت إليه بالثمن الذي استقر عليه العقد.
الشيخ: بعِوَض مالي.
طالب: بعِوَض مالي.
الشيخ: وما هو القوْل الصحيح في تعريفها؟ الطالب: هي انتزاع.
الشيخ: هي انتزاع حصة الشريك، وليست استحقاقًا.
قول المؤلف رحمه الله: (بِعِوَضٍ مَالِيٍّ بِثَمَنِهِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ) عندنا الآن مجروران، بماذا تعلق هذان المجروران؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2112

طالب: متعلق بانتزاع.
الشيخ: كلا المجرورين؟ طالب: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: بالباء.
الشيخ: لا، هما عندنا الآن بعِوَض وبثمن.
طالب: (بعِوَض) متعلق بـ (انتقلت).
الشيخ: (بعِوَض) متعلق بـ (انتقلت).
طالب: وبثمن متعلق بـ (انتزاع).
الشيخ: وبثمن متعلق بـ (انتزاع)، صحيح؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: الشفعة ذكرنا أنها من محاسن الشرع، ومما يدل على أن الشرع يحارب كل ما أدى إلى النزاع والخصومة، ما وجه ذلك؟ طالب: ( ... ) الشريك ( ... ) شريكه ( ... ). الشيخ: من محاسن الشرع؛ لأن الشريك الذي لم يبع جعل له الحق في انتزاع الحصة من أجل راحته، وتدل على أن الشرع يحارِب ما يؤدي إلى النزاع والعداوة؛ لأن الشريك الجديد قد يحصل منه نزاع يؤدي إلى العداء والبغضاء.
مر علينا أنه لا يجوز أن يؤخذ مال الإنسان منه كرهًا، فكيف جاز للشريك أن يأخذ من المشتري نصيب شريكه كرهًا؟ طالب: هذا الإكراه بحق.
الشيخ: نعم، هذا الإكراه بحق، كذا؟ والممنوع؟ طالب: الإكراه بظُلم.
الشيخ: بالظلم بغير حق، ولهذا نأخذ الحصة من المشتري كُرهًا عليه ونبيع مال المفلَّس كرهًا عليه.
(وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ انْتِزَاعِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِمَّنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ بِثَمَنِهِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ العَقْدُ) قوله: (بثمنه) يعني لا بقيمته، ويجب أن نعرف الفرق بين الثمن والقيمة، وقد عرفناه من قبل، ما الفرق؟ طالب: الثمن الذي وقع عليه العقد.
الشيخ: الثمن ما وقع عليه العقد.
الطالب: والقيمة ما يساوي عند الناس.
الشيخ: ما يساوي عند الناس صح.
وقوله: (الذي استقر عليه العقد) فُهم من كلام المؤلف أن العبرة بما استقر عليه العقد لا بما جرى به العقد؛ فمثلًا لو أن رجلًا اشترى حصة الشريك بعشرة آلاف ريال، وفي مجلس الخيار قال المشتري: إنه غالٍ بعدما أتم العقد، قال: إنه غالٍ وأنا لا أريد أن آخذه إلا بتسعة، فبماذا يأخذ الشفيع؟ طلبة: بتسعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2113

الشيخ: بتسعة، والعكس بالعكس، لو باعه بتسعة آلاف وفي مجلس العقد قال البائع: إن الثمن قليل، أريد أن يكون بعشرة، وإلا فسخت العقد، فوافق المشتري واشتراه بعشرة، فبكم يأخذ الشفيع؟ بعشرة، فالعبرة بما استقر عليه العقد لا بما جرى به العقد؛ لأنه قد يُزاد وقد يُنقص في خيار المجلس أو خيار الشرط.
ثم قال: (فإذا انتقل بغير عِوض فلا شفعة) انتقل بميراث فلا شفعة، مثاله: رجلان شريكان في أرض، مات أحدهما، فانتقل نصيبه في هذه الأرض إلى من؟ إلى ورثته، فهل للشريك أن يُشفِّع؟ الجواب: لا؛ لأنه انتقل بغير عِوَض على وجه قهري.
هذا مثال.
مثال آخر: وهب الشريك نصيبه لشخص، فهل للشفيع أن يأخذه؟ طالب: لا.
الشيخ: على كلام المؤلف إلى الآن ما تعدينا كلام المؤلف.
ليس له أن يأخذه؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه انتقل بغير عِوَض.
تَصدَّق الشريك بحصته على الفقراء، هل لشريكه أن يُشفِّع؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ انتقل بغير عِوَض.
أوقفه على الفقراء كذلك ليس له أن يأخذ بالشُّفعة؛ لأنه انتقل بغير عِوَض.
جعله أُجرة؛ يعني أن الشريك كان عليه أجور كثيرة، فقال لمن له الأجرة: أنا أُعطيك نصيبي من هذه الأرض فقَبِل، هل للشفيع أن يُشفِّع؟ طلبة: نعم.
الشيخ: أُجرة يا جماعة، نعم، له أن يشفع؛ لأن الأجرة دراهم انتقلت بعِوض.
ولكن القول الراجح أنه إذا انتقل بغير عِوَض، فإن كان قهريًّا فلا شفعة، وإن كان اختياريًّا ففيه الشفعة، وبناءً على هذا القول الراجح إذا انتقل بإرث، فهل للشريك أن يُشفِّع على الورثة؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه انتقل على وجه قهري.
وهب الشريك نصيبه لشخص، فهل للشريك أن يُشفِّع؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2114

الشيخ: على القول الراجح نعم، له أن يُشفِّع، ولكن كيف يكون الثمن؟ إذا قال الموهوب له: لا يمكن أن تأخذ مني ما ملكته بالهبة بدون عِوض، أعطني عوضًا.
نقول: تُقَدَّر قيمته من لدن أهل الخبرة، فإذا قالوا: قيمته كذا، قلنا للشريك: إن أخذتَه بهذه القيمة فلك الحق، وإلا فلا حق لك.
فصار على القول الراجح إذا انتقل بغير عِوض على وجه اختياري ففيه الشُّفعة للشريك أن يشفع، ولكن كيف يأخذه؟ نقول: يُقدِّره أهل الخبرة بما يساوي، ثم يقال للشريك إما أن تأخذه بهذا وإلا فدعه للموهوب له.
(أو كان عوضه صداقًا) كيف كان عوضه صداقًا؟ يعني أن الشريك أصدق نصيبه زوجة، فهنا العِوَض، ويش العوض؟ يعني جعله صداقًا، العوض غير مالي الآن، لم يعتض عنه شيئًا ماليًّا؛ ولذلك العبارة فيها شيء من الركاكة، والتقدير: وإن كان عوضه غير مالي بأن جُعل صداقًا؛ يعني أن الشريك أصدق امرأته نصيبه من المشترك، فليس لشريكه أن يُشفِّع؛ لأن هذا الشريك اعتاض عن حصته، ويش اعتاض؟ مالًا أو فرْجًا؟ طالب: فرْجًا.
الشيخ: فرْجًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» (5). فهنا يقول المؤلف: إنه لا شُفعة، ولكن القول الراجح أن فيه شفعة، أن له أن يُشفِّع، وحينئذٍ بماذا يأخذه الشريك الْمُشَفِّع؟ لأن القيمة غير مالية، الآن القيمة غير مالية، هل نقول: يأخذه بالمالية، يعني بما يساوي في السوق بمعنى يُقوَّم ويأخذه بذلك، أو يأخذه بمهر مثل المرأة؛ لأن هذا جُعل مهرًا؟ فيه قولان، والصحيح أنه يأخذه بقيمته؛ بمعنى أنه يُقوَّم فيؤخذ بقيمته سواء زاد عن مهر مثل المرأة، أو نقص، أو ساوى، كذلك إذا جُعل خُلعًا، الذي يبذل الصداق يا إخواننا من هو؟ طالب: الرجل.
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج؟ طلبة: نعم.
الشيخ: والذي يبذل الخلع؟ طلبة: المرأة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2115

الشيخ: المرأة، أو غيرها من الناس، المهم أن الزوج مُعطٍ في الصداق، وآخذ في الخلع، إذا جُعل خُلعًا بأن تكون امرأة شريكة لإنسان في أرض، وطلبت من زوجها المخالعة، فخالعها على نصيبها في هذه الأرض، فالعِوَض الآن ما هو؟ عِوض النصيب ما هو؟ مالي ولَّا غير مالي؟ طلبة: غير مالي.
الشيخ: غير مالي، وهو فداؤها نفسها من هذا الزوج وفراقها إياه، فليس للشريك أن يُشفِّع؛ لأن هذا النصيب، أو هذه الحصة انتقلت بغير عِوض مالي؛ فليس له أن يُشفِّع، والقاعدة عندنا أنه لا بد أن يكون انتقل بعوض مالي، وهذا أيضًا فيه خلاف، والصحيح أنه يشفع؛ لأن القاعدة التي تظهر لي من السُّنَّة أنه متى انتقل الْمُلك على وجه اختياري، ففيه الشفعة بأي حال من الأحوال.
إذا قلنا بهذا القول الراجح -وأظنكم إن شاء الله عرفتم المذهب في هذه المسألة- كيف يكون العِوض خُلعًا؟ بأن تكون الشريكة امرأة لها نصف هذه الأرض، وقالت لزوجها: اخلعني بنصيبي من هذه الأرض.
ففعل، انتقلت الأرض إلى من؟ إلى الزوج، هل للشريك أن يُشفِّع؟ يرى المؤلف -وهو المذهب- أنه لا يُشفِّع؛ لأن العوض غير مالي، والقول الراجح أنه يُشفِّع، كما رجحنا ذلك فيما ( ... ) إلى صداق، وإذا قلنا بأنه يُشفِّع، فكيف يكون قيمة هذا؟ هذا واضح أن القيمة تكون بالتقويم، بمعنى أن نسأل أهل الخبرة كم يساوي هذا الشقص؟ فإذا قالوا: يساوي كذا وكذا أخذه الشفيع بذلك.
قال: (أو صُلحًا عن دم عمد فلا شُفعة) إذا أُخذ صُلحًا عن دم عمد، فما هو دم العمد؟ دم العمد هو ما يثبت بالقصاص، يعني أُخِذ عوضًا عن قصاص، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- شروط القصاص.
وعندنا القتل ثلاثة أقسام: عمْد، وشِبْه عمْد، وخطأ؛ فالعمد أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به.

الجزء: 2 - الصفحة: 2116

شبه العمد هو نفس العمد إلا أننا نُبدِّل بما يغلب على الظن موته به بكلمة أخرى: بما لا يغلب على الظن موته به، أو بما يغلب على الظن أنه لن يموت به، وإلا هو العمد، فمثلًا: رجل ضرب شخصًا على رأسه بالساطور هذا أيش؟ طلبة: عمد.
الشيخ: وآخر ضربه بعصا صغيرة شِبه عمد، العمد حاصل بالأمرين، لكن الآلة في العمد تقتل، وفي غير العمد لا تقتل.
الخطأ ليس فيه عمد؛ يعني ليس فيه قصد، بمعنى أن الإنسان يفعل ما له فعله، فيصيب آدميًّا لم يقصده، مثل أن يرمي صيدًا فوقع السهم على إنسان، فنُسمي هذا خطأً.
العمد يُوجِب القصاص، وشِبْه العمد والخطأ يُوجِب الدية، فإذا صُولح أولياء المقتول، وقيل لهم: نُصالِحكم عن قتل صاحبنا بكذا وكذا، أو نفس القاتل صالَح، صالح القاتل بنصيبه من هذه الأرض صالَح أولياء المقتول بنصيبه من هذه الأرض، وأخذوا نصيبه من الأرض، ثم عفوا عن القصاص، فهل للشريك؛ شريك القاتل أن يُشَفِّع؟ طلبة: لا، على المذهب؛ لا.
الشيخ: أولًا: لا بد نفهم كلام المؤلف.
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ طلبة: لأن العِوض غير مالي.
الشيخ: لأن العوض غير مالي، القتل ما هو مال، وهو جعل هذا الشقص عِوضًا عن القصاص؛ فلا شفعة.
والقول الراجح الذي رجَّحناه أن فيه الشفعة، وتُقدَّر قيمته -أي قيمة هذا الشقص- عند أهل الخبرة، فإن كان صُلحًا عن دم شبه عمد, فإنه يُؤخذ بالشفعة على ما مشى عليه المؤلف، مثال ذلك: رجل قتل إنسانًا خطأً أو شِبه عمد، ما الواجب؟ الواجب الدية، والدية مال، فصالَح أولياء المقتول عن الدية بنصيبه من هذه الأرض، الآن للشريك أن يُشفِّع؛ لأن نصيبه؛ أي نصيب القاتل انتقل إلى أولياء المقتول وعوضه مالي.

الجزء: 2 - الصفحة: 2117

لكن هنا هل نأخذ بقيمة الدية التي صالح عنها، أو بقيمة الشقص؟ الثاني هو الصحيح، وقيل: بالأول، أن نقول مثلًا: دية المسلم مئة ألف، وهذا الشقص أُخذ عِوَضًا عن مئة ألف، فإذا أراد الشفيع أن يأخذه قلنا: هو عليك بمئة ألف، وعلى القول الراجح أنه يُؤخذ بقيمته، فيُسأل أهل الخبرة: كم يساوي؟ فإذا قالوا: يساوي كذا وكذا، قلنا: خذه.
طالب: شيخ، معنى الشقص؟ الشيخ: الشقص النصيب.
طالب: الموهوب له لو قال: ما تأخذ النصيب حتى يُقوَّم، هل التقويم يكون يوم الهبة أو يوم الشُّفْعة؟ الشيخ: لا، يوم الشفعة، يعني لو زاد أو نقص فهو على نصيب الموهوب له.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا خالعت المرأة زوجها عن ضرر من الزوج، يحل لها أن تأخذ من ماله اللي هو سلم يا شيخ؟ الشيخ: إي، إذا خالعت المرأة زوجها عن ضرر، فإن كان هو الذي ضيَّق عليها من أجل أن تُخالعه فالخلع حرام عليه، العِوض حرام عليه؛ لأنه لا يحل له ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19].
طالب: لو كان وَقَفَ نصيبه، ثم أخذه شفيعه على القول الصحيح، فأين تذهب القيمة؟ الشيخ: إذا أخذه تذهب للموقوف عليه.
طالب: يُشترط مثلًا مثلها.
الشيخ: مثلها أو أقل أو أكثر، المهم أنها تذهب للموقوف عليه.
طالب: ترجع للقاضي.
الشيخ: للقاضي أو للناظر إذا كان هو قد جعل نفسه هو الناظر، أو جعله وقْفًا على فلان وهو الناظر عليه، المهم يُصرف قيمته فيما وَقَّفَه عليه.
طالب: شيخ، إذا كانت القيمة تختلف بالنسبة للشخص الذي له أوقفت له عن غيره، يعني شخص وُهِبت له أرض بجانب أرضه؟ الشيخ: العبرة بالعموم، المسائل الشخصية لا عِبرة بها.
طالب: هو يقول: هذه الأرض لو وجدتها بمئة ألف أشتريها؛ لأنها بجانب أرضي وأستفيد منها.
الشيخ: العبرة بالعموم.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- هل يجوز الصلح عن قتل شبه العمد والخطأ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2118

الشيخ: إي نعم، يجوز، إذا قالوا مثلًا الآن ليس عندنا إبل، نريد أن نصالحك، أو ما عندنا مال الآن ونريد أن نصالحك، أو على القول الراجح: نُعجِّل ونُسقِط.
الطالب: إذا صالح أولياء القاتل بجزء من الأرض، فكان هذا الجزء قيمته لما أخذه الشريك أقل من الدية، فهل لأولياء المقتول الخيار؟ الشيخ: لا، ليس لهم إلا قيمته.
الطالب: وإن كانت أقل.
الشيخ: وإن كانت أقل؛ لأنهم رضوا به من الأول، ما دام رضوا به مثلًا عن مئة ألف وهو يساوي خمسين ألفًا ليس لهم إلا ما رضوا به.
طالب: إذا كان الصلح في المنفعة ( ... ) عند راعي مثلًا مئة سنة، أو مئة يوم أو شهر ( ... )؟ الشيخ: المنفعة تُقوَّم، كل ما لا يمكن دفعه يُقوَّم.
طالب: انتقال الملك قهرًا.
الشيخ: انتقال الملك قهرًا.
الطالب: هل له صورة أخرى غير ( ... )؟ الشيخ: فيه إذا تنصف الصداق، لكن الشيء اللي صعب فهمه لا نحب أن نلقيه؛ لأنك تلقي على جماعة مثلًا ما يفهمون ها الأمور كثيرًا، تشوش عليهم، لكن مسألة الميراث سهلة.
طالب: انتقل النصيب بالوصية ( ... ). الشيخ: إي نعم، يعني أوصى به أصلًا الوصية، ما تلزم إلا بعد الموت، لكن لو مات وانتقل الملك إلى الموصَى له وقبله يأخذه بالشُّفْعة.
طالب: أحسن الله إليك، انتقال الصداق يا شيخ، لو جعله صداقًا لزوجته، أليس للزوج أن يأخذ من مال زوجته وهي إن ماتت يرثها؟ الشيخ: للزوج أن يأخذ من مال زوجته؟ ! طالب: يعني يأخذ من مال زوجته.
الشيخ: أبدًا، وليس له يأخذ ولا قرش، الذي له أن يأخذ من مال غيره هو الأب فقط.
طالب: وإن ماتت يا شيخ ألا يرثها؟ الشيخ: لا، يرثها لكن وإن مات هو قبلها ما يدرى ( ... ). طالب: ( ... ) شفعة ( ... ) رجل آخر فقال: شفع، ثم بع عليه، أليس الشريك هو الغاصب؟ الشيخ: الظاهر أن هذا لا يملكها، إذا شفَّع لأجل يبيعها فالظاهر أنه لا يملك هذا الشيء؛ لأن الآن الشفعة لمصلحة آخر، ما هو لمصلحته هو.

الجزء: 2 - الصفحة: 2119

طالب: ( ... ) المحجور عليه، إذا انتقل شقصه إلى غريمه بأمر القاضي، فهل فيه الشفعة؟ الشيخ: إي معلوم، فيه الشفعة؛ لأنه عوض عن الدَّيْن.
طالب: ما هو انتقل باختياره يعني؟ الشيخ: لا، ما هو باختياره، انتقل لكنه بحق، وإذا كان بحق فهو كغير المكره.
طالب: لو باع الشريك نصيبه، ثم شفَّع شريكه وقال: على فلان تشفع، أما على غيره فلك أن تبيع؟ الشيخ: ما يصح، بيجينا إن شاء الله هذا، لا يصح هذا؛ لأن الشفعة إما أن تأخذ أو تترك، أما إذا قلت: إن كان كذا وإن كان كذا، فهي ستبطل شفعته، ما عاد يمكن تأخذ بهذا.
طالب: لو قتل الجاني بما يقتل غالبًا، وادعى أنه لم يرد القتل، وإنما أراد الجناية والأذية فقط، فهل يعد عمدًا أو شبه عمد؟ الشيخ: لا، يكون عمدًا؛ لأنه قصد القتل بما يقتل غالبًا ضربه بما يقتل غالبًا.
طالب: ذكرنا الحكمة من مشروعية الشفعة، فلو أن هذا الضرر كان متيقنًا أنه غير موجود، فهل للحاكم أن يجتهد في إجبار الشريك على قبول الشريك الجديد؟ الشيخ: لا، يجب أن نعلم أن العلة المستنبطة لا تُخصِّص العموم؛ لأنه قد يكون الشارع قد حكم بهذا لعلة أخرى لا نعلمها؛ فالعلة المستنبطة لا يمكن أن تُبطل العموم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قول استحقاق وانتزاع، ويش الفرْق بينهما؟ أليس يكون .. ؟ الشيخ: إذا قلنا: استحقاق صار معناه أنه مستحق وقد يُشفِّع وقد لا يُشفِّع، وإذا قلنا: انتزاع؛ تحققت الشفعة.
الطالب: أليس قولنا: استحقاق بالحق؟ الشيخ: لا؛ لأنه قد يستحق الشيء ولا يأخذ به.
واضح ولَّا لا؟ الطالب: واضح.
الشيخ: وهذا ( ... ) التي توصف.
طالب: بالصحة والفساد.
الشيخ: بالصحة والفساد.
الطالب: هذه باطِلة.
الشيخ: باطلة مثاله؟ الطالب: مثاله البيع، منه صحيح وفاسد، فإذا باع الغاصب عينًا مغصوبة فبيعه باطل.
الشيخ: نعم، إذا غصب شيئًا فباعه فالبيع؟ الطالب: باطل.
الشيخ: باطل لأنه؟ الطالب: يُوصف بالصحة والفساد.

الجزء: 2 - الصفحة: 2120

الشيخ: لأن العقد -عقد البيع- يُوصف بالصحة والفساد، وعكسه؟ الطالب: وعكسه ما لا يُوصف بالصحة والفساد فإنه يكون صحيحًا.
الشيخ: مثل؟ الطالب: مثل إذا غصب ماء وتوضأ به.
الشيخ: الوضوء فيه صحة وفساد.
طالب: الماء الذي يزيل به النجاسة، لو غصبه فإنه لا يصح.
الشيخ: كالماء الذي يزيل به النجاسة؛ فإنه لو أزاله بماء مغصوب.
الطالب: لا يُوصف بالصحة ولا بالفساد.
الشيخ: فإن المتنجِّس يطهر؛ لأن ذلك لا يوصف بصحة وفساد.
طيب غاصب غصب شيئًا وأتلفه؟ طالب: يضمنه.
الشيخ: يضمنه، إذا ادعى مالكه أن قيمته ألف، وقال الغاصب: بل قيمته مئة، من القول قوله؟ طالب: الغاصب.
الشيخ: قول الغاصب، الفرق الآن تسعة من عشرة؛ يعني المسألة ما هي قريبة.
طالب: يعرض مثلًا على أهل الخبرة ( ... ) قولهما ويحكم ( ... ). الشيخ: إذا كان كل واحد منهما ادعى ما لا يمكن يُعرَض على أهل الخبرة، أما إذا كان يمكن فالقول قول؟ طالب: الغاصب.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه غارم.
الشيخ: لأنه غارم، هذه القاعدة عند الفقهاء أن الغارم يُقبل قوله مبنية على أيش؟ الطالب: مبنية على أساس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
الشيخ: على الحديث الصحيح: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (6) اشرح لي هذا بتطبيقه على القاعدة.
الطالب: القاعدة مثلًا أن الغاصب ادعى أنه ( ... ). الشيخ: الغارم أي واحد.
الطالب: والآخر ادعى أنه خمس مئة ( ... )، ادعى مئة.
الشيخ: تمام، يعني أن الذي قال: القيمة أربع مئة، والمالك قال: القيمة خمس مئة، اتفقا الآن على أربع مئة، بقيت المئة زائدة، ادعاها هذا، فيكون مُدعيًا، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر.
يقول المؤلف: (في رده وعدم عيبه قول ربه) ما معنى الجملة؟ في رده نبدأ بالأولى المسألة الأولى: إذا قال الغاصِب للمالك رددته عليك فقال.

الجزء: 2 - الصفحة: 2121

طالب: إذا قال المالك فالقول قول المالك.
الشيخ: القول قول المالك؛ لأن الأصل؟ الطالب: لأن الأصل عدم الرد.
الشيخ: عدم الرد.
طيب (وفي عدم عيبه).
الطالب: وفي عدم عيبه يقبل قول الغاصب ( ... ) المالك.
الشيخ: لا، المالك ما يتعيب.
طالب: ( ... ). الشيخ: في عدم عيبه.
طالب: ( ... ). الشيخ: يعني الآن الغاصب رد المغصوب، وفيه عيب، فقال المالك: تعيَّب عندك، وقال الغاصب: أخذته معيبًا.
الطالب: فالقول قول المالك.
الشيخ: ما فائدة قول المالك: تعيَّب عندك؟ الطالب: ليضمن الغاصب.
الشيخ: ليضمن الغاصب النقص، توافقون على هذا؟ طيب ما معنى وإن جهل ربه تصدق عنه مضمونًا؟ طالب: أي إذا غصب هذا الشيء وطالت المدة، ثم ذهب صاحب هذا المغصوب، ولا يدري أين مكانه، ولا يدري أين ذهب، ففي هذه الحالة يتصدق بهذا المغصوب أو بقيمته عنه مضمونًا، ومضمونًا يعني على أنه لو جاءه يومًا من الدهر فإنه يرده، يدفع قيمته إليه.
الشيخ: واضح الجواب؟ يعني معناه إذا جهل ربه بأن طالت المدة، ونسي من مالكه وأيس منه، فإنه يتصدق به (عنه) أي عن المالك (مضمونًا) بمعنى أن المالك لو جاء يومًا من الدهر فإنه يضمنه الغاصب، إلا إذا قال: قد أجزت صدقتك.
ما معنى قول المؤلف: (ومن أتلف محترمًا)؟ يعني ما معنى المحترم؟ طالب: ما كان مالًا، هو ما كان في الشرع يصدق عليه أنه مال يُنتفع به شرعًا.
الشيخ: لا.
طالب: هو ما كان له قيمة في الشرع.
الشيخ: ما له قيمة في الشرع؟ طالب: ما كان محترمًا مصونًا بالشرع.
الشيخ: يعني أيش؟ المحترم ما كان محترمًا، ما زدنا شيئًا.
الطالب: ما يُمنع التعدي عليه.
الشيخ: يعني ما لا يجوز إتلافه، (محترمًا) يعني ما لا يجوز إتلافه، مثاله؟ طالب: مثال المال.
الشيخ: المال المحترم.
طالب: مثال المال المحترم كالماء مثلًا.
الشيخ: الماء؟ ما لقيت إلا الماء؟ ! الطالب: أو الزيت أو العسل، كل هذا من المال.
الشيخ: والثياب والأواني وغيره محترمة؟ الطالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2122

الشيخ: غير المحترم؟ الطالب: غير المحترم هو يعني عكس تعريف المحترم الذي ( ... ). الشيخ: مثل أيش؟ الطالب: ما ليس مالًا.
الشيخ: مثاله؟ الطالب: مثال: ( ... ) الخمر.
الشيخ: كالخمر فإنه ليس محترمًا إلا إذا كان خمر ذمي مستورة؛ فإنه محترم.
بماذا يُضمن؟ طالب: الضمان بالمثل إن كان مثليًّا.
الشيخ: الضمان بالمثل إن كان مثليًّا.
الطالب: أو بالقيمة إن كان مُتقَوَّمًا.
الشيخ: أو بالقيمة إن كان مُتقوَّمًا، ما الفرق بينهما؟ طالب: المثلي المذهب: كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، ولا صناعة فيه مباحة.
الشيخ: المثلي على المذهب ضيق: كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، وليس فيه صناعة مباحة، وعلى هذا جميع المصنوعات ليست؟ الطالب: مِثلية بل مُقوَّمَة.
الشيخ: مِثلية، وما هو المثلي على القول الراجح؟ الطالب: المثلي -على القول الراجح- كل ما له مثيل أو شبيه أو مقارب.
الشيخ: أيهما أصح المذهب أو هذا القول؟ يعني ما هو الدليل على أن هذا هو القول الراجح؟ طالب: القول الثاني.
الشيخ: إي، لكن ما هو الدليل على رجحانه؟ الطالب: لأنه ربما كانت أشياء.
الشيخ: هذا تعليل، الدليل؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» (7). الشيخ: في أيش؟ الطالب: في قصة أن إحدى أمهات المؤمنين قامت .. الشيخ: إحدى أمهات المؤمنين قامت؟ الطالب: بإرسال إناء وصحفة، إناء فيه طعام للنبي صلى الله عليه وسلم، فقامت إحدى أمهات المؤمنين الأخرى .. الشيخ: قامت التي هو في بيتها.
طالب: في بيتها فكسرت هذا.
الشيخ: ضربت يد الخادم حتى سقط.
الطالب: حتى سقط هذا الإناء وبه الطعام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ».

الجزء: 2 - الصفحة: 2123

الشيخ: يعني أخذ إناء المرأة التي هو عندها وطعامها، ورده إلى المرأة الْمُهدِية، وقال: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» (7). وهذا القول هو الراجح.
ما هو الأصل فيما تتلفه البهيمة، الضمان أو عدمه؟ طالب: الأصل عدم الضمان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الأصل عدم الضمان لقوله؟ طالب: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (8). الشيخ: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ».
على هذا الأصل أي بهيمة أتلفت شيئًا، فنقول: إن صاحبها لا يضمن إلا ما جاءت به السُّنة.
مثال ما جاءت به السُّنة؟ طالب: ما أتلفته البهيمة من الزرع ليلًا.
الشيخ: ما أتلفته البهيمة من الزرع ليلًا.
الطالب: يضمن صاحبها.
الشيخ: يضمن صاحبها، ما وجه خروجه عن هذه القاعدة؟ الطالب: أن حفظ البهائم في الليل على صاحبها.
الشيخ: أن حفظ البهائم في الليل على صاحبها، وحفظ المزارع في النهار؟ الطالب: على صاحبها.
الشيخ: على صاحبها، أرأيت لو كان هذا الرجل صاحب البهيمة قد ضاعت البهيمة منه، ولا يدري أين هي؟ طالب: هذا لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن أو يضمن؟ الطالب: لا يضمن على الأصل.
الشيخ: لا، على الأصل؛ لأنه ليس متصرفًا فيها، ومثل ذلك لو جعلها في الحوش، ثم خرجت فلا ضمان عليه.
رجل قتل صائلًا عليه، فهل يضمن؟ طالب: لا يضمن.
الشيخ: قتل صائلًا عليه؟ طالب: فيه خلاف.
الشيخ: خلاف ولَّا تفصيل؟ الطالب: فيه تفصيل، أو فيه خلاف.
الشيخ: فيه خلاف أو تفصيل، اجزم على أحدهما.
الطالب: فيه خلاف.
الشيخ: خلاف، اذكره.
الطالب: الحنابلة يرون أنه يضمن بكل حال وقول شيخ الإسلام أنه يُنظر إلى القرائن.
الشيخ: لا، غلط.
طالب: أعد السؤال.
الشيخ: السؤال: إذا قتل الصائل عليه، رجل صال عليه آدمي فقتله، هل يضمن القاتل أو لا؟ طالب: يدافع بالأسهل فالأسهل.
الشيخ: سؤال: هل يضمن أو لا؟ قل نعم ولَّا لا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: هذا غلط.
طالب: إذا صال عليه إنسان فإنه ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2124

الشيخ: سؤال: هل يضمن أو لا؟ طالب: يضمن.
الشيخ: مطلقًا؟ طالب: لا، إذا كان الذي يُدافع بالأسهل فالأسهل، وبدأه بالقتل بدون مدافعة فإنه يضمن.
الشيخ: يعني إذا كان لا يندفع إلا بالقتل فإنه.
الطالب: لا يضمن.
الشيخ: صحيح، وإن كان يندفع بدونه؟ الطالب: وقتله.
الشيخ: وقتله.
الطالب: فيضمن.
الشيخ: فيضمن صحيح.
رجل كسر آنية ذهب وفضة ما تقول؟ طالب: يضمن.
الشيخ: يضمن! تعرف آنية الذهب والفضة.
الطالب: نعم، إناء.
الشيخ: هذا إنسان عنده إناء كاس، فجاء شخص وكسره.
الطالب: لا يضمن؛ لأنها غير .. الشيخ: محترمة.
الطالب: غير محترمة، لكن هناك قول ثان أنه يجوز اتخاذها لغير الأكل والشرب، فلا يضمن.
الشيخ: يجوز اتخاذها لغير الأكل والشرب وعلى هذا القول.
طالب: على هذا القول يضمن إذا أتلفه.
الشيخ: إذا كسره، توافقونه على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، نقول: أما على قول من يرى أنه لا يجوز اتخاذ آنية الذهب والفضة، ولا الأكل بها ولا الشرب فإنه ليس بضامن؛ لأنه لا يمكن أن تحل على هذا الوضع، وأما على القول الثاني -وهو الراجح- أنه يجوز استعمالها لغير الأكل والشرب يكون ضامنًا؛ لأن لها قيمة، قيمتها مصنوعة أكثر من قيمتها غير مصنوعة فيضمن النقص.

الجزء: 2 - الصفحة: 2125

ويَحْرُمُ التحيُّلُ لإسقاطِها، وَتَثْبُتُ لشَريكٍ في أرضٍ تَجِبُ قِسمتُها، ويَتْبَعُها الْغَرْسُ، والبناءُ , لا الثمرةُ والزرعُ فلا شُفعةَ لِجَارٍ، وهي على الْفَوْرِ وقتَ عِلْمِهِ، فإذا لم يَطْلُبْها إذنٌ بلا عُذْرٍ بَطَلَت، وإن قالَ للمشترِي: بِعْنِي أو صالِحْنِي.
أو كَذَبَ العَدْلُ أو طَلَبَ أَخْذَ البعضِ سَقَطَتْ، والشفْعَةُ لاثنينِ بقَدْرِ حَقَّيْهِما، فإنْ عَفَا أحدُهما أَخَذَ الآخَرُ الكلَّ أو تَرَكَ , وإن اشْتَرَى اثنان حقَّ واحدٍ أو عَكْسُه , أو اشْتَرَى واحدٌ شِقْصَيْنِ من أَرْضَيْن صَفقةً واحدةً فللشفيعِ أَخْذُ أحدِهما، وإن باعَ شِقْصًا وسيفًا , أو تَلِفَ بعضُ الْمَبيعِ فللشفيعِ أَخْذُ الشقْصِ بحِصَّتِه من الثَّمَنِ، ولا شُفعةَ بشَركةِ وَقْفٍ، ولا غيرِ مِلْكٍ سابقٍ، ولا لكافرٍ على مُسْلِمٍ.
(فصلٌ) وإن تَصَرَّفَ مُشتَرِيه بوَقْفِه أو هِبَتِه أو رَهْنِه لا بوَصِيَّةٍ سَقطَت الشُّفعةُ وبِبَيْعٍ فله أَخْذُه بأحَدِ الْبَيْعَيْنِ، هذا إنسان عنده إناء كأس، فجاء شخص وكسره.
طالب: ( ... ) على قول المؤلف: إنه لا يضمن ( ... ). الشيخ: محترم.
الطالب: نعم ( ... ) غير محترم.
لكن هناك قول ثان: إنه يجوز اتخاذها الذهب لغير الأكل والشرب فلا يضمن.
الشيخ: يجوز اتخاذها لغير الأكل والشرب.
الطالب: نعم.
الشيخ: وعلى هذا القول؟ الطالب: على هذا القول يضمن البائع.
الشيخ: نعم، كسره.
توافقون على هذا؟ إي نعم.
نقول: أما على قول مَن يرى أنه لا يجوز اتخاذ آنية الذهب والفظة ولا الأكل بها ولا الشرب: فإنه ليس بضامن؛ لأنه لا يمكن أن تحل على هذا الوضع.
وأما على القول الثاني وهو الراجح: إنه يجوز استعمالها في غير الأكل والشرب يكون ضامنًا؛ لأن لها قيمة؛ قيمتها مصنوعة أكثر من قيمتها غير مصنوعة، فيضمن النقص.
انتهى، الحمد لله؛ انتهى باب الغصب، الآن نرجع إلى باب الشفعة.


الجزء: 2 - الصفحة: 2126

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الشفعة: ويحرُم التحيُّل لإسقاطها وتثبت لشريكٍ في أرض تجب قسمتها، ويتبعها الغرس والبناء، لا الثمرة والزرع.
الشيخ: عندنا (الغراس).
عندكم؟ طالب: الغرس.
الشيخ: نسخة (غراس).
طالب: ويتبعها الغراس والبناء، لا الثمرة والزرع، فلا شفعة لجار، وهي على الفور وقت علمه، فإذا لم يطلبها إذن بلا عذر بطلت.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الشفعة انتزاع حصة الشريك ممن انتقلت إليه بعوض ماليٍّ لثمنه الذي استقر عليه العقد، وسبق مفاهيم الشرح مفاهيم هذه الشروط.
قال المؤلف رحمه الله: (ويحرُم التحيل لإسقاطها) يعني: يحرُم على المشتري أن يتحيل لإسقاط الشفعة، والحيل صور كثيرة؛ فمن الحيلة أن نظهر أن ثمنها كثير، والشريك يقول: ما دام ثمنها كثيرًا فإنه لن يأخذ بالشفعة.
هذا مثلًا يشتريها بعشرة آلاف الحصة، ويظهر أنه اشتراها بعشرين ألف، والشريك لا يريدها بعشرين ألف؛ لأن الثمن لها غالٍ فهذا حرام.
ومتى تبيَّن أن الثمن عشرة آلاف فإن له أن يأخذ بالشفعة ولو طالت المدة؛ لأن حق المسلم لا يسقط بالتحيل.
ومن ذلك أيضًا أن يظهر البائع أنه وهبها للمشتري.
وسبق أن المذهب أن ما انتقل بغير عوض ليس فيه شفعة.
هذه حيلة لأيش؟ لإسقاطها.
ومن ذلك: أن يُظهِر المشتري أنه أوقفها يعني من حين ما يشتريها يقول: هي وقف للمساجد، لطلبة العلم، لأولادي، فإذا أوقفها سقطت الشفعة؛ لأن انتقال الملك عن المشتري إلى جهة لا يثبت فيها الشفعة ابتداءً يسقطها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2127

المهم التحيل لإسقاطها حرام؛ التعليل لأنه يتضمن إسقاط حق المسلم، وكل ما تضمن إسقاط الحقوق الواجبة فهو حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (1). فإن قال قائل: ما هي الحيلة؟ قلنا: الحيلة هي أن يتوصل إلى شيء محرم بصورة ظاهرها الحل.
هذه الحيلة، يتوصل إلى شيءٍ محرم بصورة ظاهرها الحل.
والحيل في أي شيء محرمة، كل حيلة على إسقاط واجب أو انتهاك محرم فهي حرام، وهي أبلغ من المخالفة الصريحة؛ لأنها تتضمن الوقوع في المخالفة الصريحة معنًى مع الخداع لله عز وجل والتلاعب بأحكامه؛ ولهذا قال أيوب السختياني رحمه الله: إن هؤلاء -يعني المتحيلين- يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، ولو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون.
وحذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الحيل وقال: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» (2). إذن الحيلة محرمة، والدليل الحديث الذي سقناه، والتعليل أن المخادعة لله أعظم من المخالفة الصريحة؛ لأن المخادعة فيها نوع من أيش؟ من التلاعب بأحكام الله عز وجل، فهي -أي: الحيلة- أشد.
والمُتحيِّل فيه خصلة من خصال اليهود، كما أن المٌخلِف للوعد فيه خصلة من خصال النفاق؛ ولهذا أي إنسان مسلم يقال له: إن فيك خلقًا من أخلاق اليهود سوف يغضب ويثور، ولكنه قد يكون فيه هذا الخلق من حيث لا يعلم.
التحيل لإسقاطها حرام، وإذا تحيل فهل تسقط؟ الجواب: لا تسقط، بل متى ظهر أن بالأمر حيلة فإن للشريك أن يُشفِّع.
قال: (وتثبُت) أي: الشفعة (لشريك في أرض تجب قسمتها)، فقوله: (لشريك) مفهومه أن الجار لا شفعة له، وصرَّح به في قوله: (فلا شفعة لجار).
قال: (في أرض) خرج بذلك الشريك في غير أرض، كالشريك في سيارة، والشريك في دكان، وما أشبه ذلك، فإنه لا شفعة فيما لو باع نصيبه على آخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 2128

الشرط الثالث: (تجب قسمتها) احترازًا من الأرض التي لا تجب قسمتها، ومعنى قوله: (تجب قسمتها) أنه إذا طلب أحد الشركاء القسمة قُسِمَت إجبارًا.
هذا معنى قوله: (تجب قسمتها) وإلا فإن الأرض لا تجب قسمتها، الشركاء متى شاؤوا قسموا، ومتى شاؤوا بقوا على الشركة.
لكن معنى (تجب قسمتها) أنه يُجبَر عليها الشريك إذا طلب شريكه أن تُقسم، ففهمنا من قوله: (تجب قسمتها) أن الأرض منها ما تجب قسمته ويُجبر الشريك عليه؛ على القسمة، ومنها ما ليس كذلك.
فما هو الظابط؟ إذا كانت الأرض تنقسم بدون ضرر ولا ردِّ عِوض فالقسمة إجبارية، وإذا كانت لا تنقسم إلا بضرر، أو ردِّ عوضٍ فالقسمة أيش؟ اختيارية.
مثال ذلك: رجلان بينهما أرض مقدارها عشرة أمتار في عشرة أمتار، فطلب أحدهما القسمة، وأبى الآخر، فهل يُجبر؟ لا يجبر على القسمة؛ لأنه إذا قسمها لم تصلح لبناء شيء، هذه ليس فيها شفعة.
المثال الثاني: رجلان بينهما أرض واسعة إذا قُسمت لا يتضرر أحدهما بالقسمة، فقسمة هذه إجبار أو اختيار؟ إجبار؛ إذا طلب أحدهما أن تُقسَم وأبى الآخر أُجبر على ذلك.
هذه فيها الشفعة، والأُولى ليس فيها شفعة.
رجلان بينهما أرض صغيرة لو قُسمت لفسدت ولم يُستفد منها بشيء، هذه الأرض قسمتها اختيارية ولَّا إجبارية؟ اختيارية؛ يعني معناه: إذا اتفق الجميع على القسمة، ورضوا بالضرر فلا بأس، وإلا فمن امتنع فله الحق أن يمتنع.
أرض واسعة يمكن قسمتها وينتفع كل واحد بنصيبه على الوجه الأكمل، قسمتها؟ إجبارية؛ يعني: أن مَن أبى قسمتها أُجْبِر.

الجزء: 2 - الصفحة: 2129

نعود مرة ثانية لكلام المؤلف؛ الشريك في الأرض الأُولى؛ الأرض الصغيرة باع نصيبه على شخص، فهل لشريكه في هذه الأرض أن يُشفِّع؟ المؤلف يرى أنه لا يشفع.
والشريك في الأرض الواسعة إذا باع نصيبه فلشريكه أن يشفع.
فأيهما أولى بالشفعة الثانية أو الأُولى؟ الأولى أولى بالشفعة يا إخواني؛ لأن الأولى لا يمكن قسمتها، ولا يمكن التخلص من الشريك الجديد، والثانية يمكن أن يتخلص من الشريك الجديد بالقسمة، بطلب القسمة، وتُقسَم، وينتهي الإشكال.
ولهذا كان الأَولى أن يقال: الأرض التي لا تجب قسمتها ولا تقسم إلا بالاختيار أولى بثبوت الشفعة من الأرض التي تُقْسَم إجبارًا.
هذا هو المعقول.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على ما اشترطه المؤلف؟ لأن قوله: (لشريك في أرض) تخرج الجار؛ كلمة (شريك) تخرج الجار وقد صرح بها (لا شفعة لجار)، ما هو الدليل؟ قالوا: إن الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم، بل قول جابر رضي الله عنه: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقْسَمْ (3) مفهومه: أن ما قُسِمَ ليس فيه شفعة، وإذا قُسِم صار الشريك أيش هو؟ صار الشريك جارًا.
أرض بين أرجلين اقتسماها كانت في الأول مشتركة، والآن صار الشريك جارًا، والحديث: قضى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما لم يُقْسَم.
هذا المنطوق، مفهومه لا شفعة فيما قُسِم، النتيجة لا شفعة للجار؛ لأنه إذا كان الجار الذي كان شريكًا بالأول لا شفعة له، فالجار الذي ليس بينه وبين جاره شركة من باب أَولى.
ولكن نقول: الاستدلال بهذا الحديث فيه نظر؛ لأنه يجب إذا استدللنا بالحديث أن نستدل به كاملًا، وإذا استدللنا بالحديث كاملًا لزم أن يكون الجار له شفعة في بعض الأحوال، وليس له شفعة في بعض الأحوال؛ يقول جابر رضي الله عنه: فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ.

الجزء: 2 - الصفحة: 2130

فالآن الحديث بيَّن أنه إذا حصلت القسمة ورسمت الأرض بحدودها وصُرِّفت الطرق بأن كان هذا الجانب له طريق والجانب الآخر له طريق فلا شفعة.
فيؤخذ من هذا أنهما لو اقتسما وبقي الطريق واحدًا لم يُصَرَّفْ فالشفعة باقية، وهذا هو القول الراجح أن الجار له الشفعة في حال، وليس له شفعة في حال.
إذا كانت الطريق واحدة أو الماء الذي يُسقى به الزرع واحدًا أو أي شيء اشترك فيه من حق الجوار فإن الشفعة ثابتة، وإذا لم يكن بينهما حق مشترك فلا شفعة.
هذا هو القول الراجح في أيش؟ في ثبوت الشفعة للجار، وعليه يُحمل حديث: «الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» (4)؛ فصار الآن (لشريكٍ) لها مفهوم على كلام المؤلف، ما هو؟ أن الجار لا شُفعة له، وفهمتم استدلال الفقهاء رحمهم الله على ما ذهبوا إليه.
والصحيح أن له الشفعة أي: الجار، متى؟ إذا اشتركا في شيء من حقوق الملك كالطريق والماء وغير ذلك ممما يمكن الاشتراك فيه، فإن له أن يُشَفِّع.
قال: (شريك في أرض) خرج بذلك الشريك في غير الأرض كالشريك في السيارة، الشريك في السفينة، الشريك في السلعة، فإنه لا شُفعة له.
مثال ذلك: رجلان يملكان سيارة شركة، فباع أحدهما نصيبه على آخر، فعلى المذهب: لا شفعة؛ لأن الشركة الآن في غير أرض، ولا بد أن تكون الشركة في أرض.
وهذه المسألة فيها خلاف؛ فمن العلماء من قال كما قال المؤلف: لا شفعة في غير الأرض، ومنهم من قال: الشفعة في كل شيء.
وهذا القول أرجح؛ لأن العلة التي ثبتت بها الشفعة للشريك في الأرض موجودة في الشريك في غير الأرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 2131

إذا كان شريكك في السيارة رجلًا طيِّبًا سهلًا لا يعارضك في شيء؛ إذا احتاجتِ السيارة إلى إصلاح أصلَحَها، وإذا احتاجت إلى زيادة زادها، وإذا حصل عليها حادث تساهل في الأمر، ثم جاء هذا الشريك الجديد وكان من أشكس عباد الله، إذا خربت السيارة قال: انتظر.
إلى متى؟ انتظر بكره، يسهل الله.
جئنا بكره، قال: ما يخالف، مر على جميع الورش التي في المنطقة علشان نأخذ بأرخصها.
ثم يؤذيه.
أيهما أولى؟ الشريك الأول الذي باع ولَّا الشريك الثاني الجديد؟ الأول لا شك، فيتضرر الشريك بهذا الشريك الجديد، والشفعة إنما شُرعَت لدفع ضرر الشريك الجديد.
وعليه فالقول الراجح أن الشفعة تثبت في كل مشترك، سواء كان أرضًا أم أواني، أم فُرُشًا، أم أَيِّ شيء.
قال: (تجب قسمتها) خرج به أيش؟ ما لا تجب قسمته؛ كالدور الصغيرة، والأراضي الصغيرة، وما أشبه ذلك، فإنها ليس فيها شفعة.
ومعلوم أن هذا يحتاج إلى دليل؛ قالوا: الدليل: إذا وقعت الحدود وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شفعة.
ووقوع الحدود لا يمكن إلا في أشياء واسعة يمكن قسمتها.
والجواب على هذا سهل؛ لأن قوله: إذا وقعت الحدود يشمل أيش؟ كل ما يمكن قسمته، سواء كان إجباريًّا أم اختياريًّا، حتى الذي قِسمته اختيارية يمكن أن تقع فيه أيش؟ الحدود، وتُصرف الطرق؛ وعلى هذا فلا دليل في الحديث.
فالصواب إذن أن الشفعة واجبة حتى في الأرض التي لا تقسم إلا اختيارًا، خلافًا لكلام المؤلف رحمه الله.


طالب: بارك الله فيكم، لو أن الشريك أراد بيع قِسْمَه، جُزْءَه، نصيبه، فقال لشريكه: نقسم، فلما قسم باع نصيبه، ولم يكن للجوار هناك حق مشترك، وإنما هو أراد بهذا إسقاط الشفعة.
الشيخ: نعم.
فلا بأس؛ لأن الشفعة لا تثبت إلا بعد البيع.
الطالب: فهو تحيُّل يا شيخ.
الشيخ: لا، ما تثبت إلا بعد البيع، وهنا تَصَرَّف قبل وجود السبب.
طالب: ( ... ) الأرض الصغيرة ما فيها إشكال ( ... ) ضرورة يا شيخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 2132

الشيخ: إي نعم؛ ولهذا قلنا: إن ثبوت الشفعة في الأرض الصغيرة أولى من ثبوتها في الأرض الكبيرة؛ لأن الكبيرة إذا رأى من الشريك الجديد ما يسوؤه طلب القسمة.
طالب: أحسن الله إليك، هل إذا كان الجاران مستأجرين ليسا مالكين، فهل لأحدهما ثبوت الشفعة إذا خرج الأول، وجعل مكانه مستأجرًا آخر؟ الشيخ: سبحان الله! هو ما مرت هذه؟ الطالب: بلى.
الشيخ: طيب، إذن ويش السؤال؟ ويش الفائدة منه؟ الطالب: إذ إن العلة قد توجد .. الشيخ: ممن انتقلت إليه، والمستأجر مدته قليلة، لو كانت ( ... ) يعني مثلًا المدة طويلة، فهنا قد نقول: إنها تجب الشفعة.
طالب: قطعة أرض كبيرة يمكن إنشاء فيها الطرق والحدود، ولكن الماء مشترك، فيها شفعة؟ الشيخ: ما تقولون؟ الطلبة: نعم، فيها شفعة.
الشيخ: الماء مشترك والحدود مُيِّزَت، هذه ينبني على القول بأن الجار إذا كان مشاركًا لجاره في شيء من حقوق الملك فله الشفعة، وهذه فيها خلاف، وسمعت ما ذكرنا.
طالب: ( ... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: لو قال قائل: إن قول جابر: قضى بالشفعة .. الشيخ: قضى بالشفعة في كل ما لم يُقْسم.
طالب: المراد هو ما لا يجوز قسمته شرعًا ( ... ) الضرر.
الشيخ: كيف؟ طالب: ما لا يجوز قسمته ( ... ) الضرر.
الشيخ: عامٌّ.
(في كل ما لم يُقْسَم) عام، ولهذا قال: إذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة.
طالب: يدخل في هذا العموم -يا شيخ- منع الشارع؟ الشيخ: كيف؟ طالب: ما يدخل في هذا العموم ما منع الشارع من قسمته.
الشيخ: مثل أيش؟ طالب: مثل ما فيه ضرر ( ... ). الشيخ: لا، ما منع الشارع منه، الذي فيه ضرر إذا رضي الطرفان بالضرر ما فيه مشكلة، يجوز، إنما مُنِعَ لحق الشريك، لكن لو قال الشريكان في أرضٍ صغيرة: نقسمها ولا يضر، ما يهم، نقول: ما فيه مانع، وهذا ربما يقع؛ قد تكون الأرض الصغيرة بين ملكيهما، فيريدان قسمها، ويكون الجانب الذي يلي ملك أحدهما له، يوسع بها على بيته مثلًا، يمكن هذا ولا ما يمكن؟ ( ... ).


الجزء: 2 - الصفحة: 2133

الطالب: صالحني أو كذَّب العدل أو طلب أخذ البعض سقطت، والشفعة لاثنين بقدر حَقَّيْهما فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هي العين التي تجب فيها الشفعة؟ طالب: الأرض.
الشيخ: كمل.
كل أرض؟ الطالب: كل أرض تجب القسمة فيها ( ... ) الشفعة؛ الشفعة تجوز في كل أرض تجب قسمتها.
الشيخ: في كل أرض تجب قسمتها.
قولك: (في كل أرض) احترازًا من أيش؟ الطالب: الإجارة.
الشيخ: لا، (في كل أرض)؟ الطالب: العقار والمنقول.
الشيخ: احترازًا من العقار؟ الطالب: والمنقول.
الشيخ: احترازًا من العقار والمنقول.
أيش العقار؟ الطالب: العقار .. الشيخ: الأرض ما هي من العقار؟ ! الطالب: ( ... ) المنزل، البيت.
طالب آخر: المراد بالأرض العقار ( ... ). الشيخ: العقار وأصل الأرض، لكن احترازًا منين؟ طالب: من المنقول.
الشيخ: من المنقول، تمام.
قولنا: (تجب قسمتها)، ما هي التي تجب قسمتها؟ طالب: الأرض التي تجب قسمتها هي الواسعة.
الشيخ: التي ليس في قسمتها؟ الطالب: ضرر ولا رد عوض.
الشيخ: ضرر ولا رد عوض.
ما معنى قول المؤلف: (تجب قسمتها)؟ الطالب: إذا طلب أحد الشركاء القسمة يُجبَر عليها.
الشيخ: يُجبر الطالب ولَّا الآخَر؟ الطالب: الآخر.
الشيخ: يعني: هي التي إذا طلب أحد الشركاء أن تُقسم وجبت إجابته؛ كالأرض الواسعة، احترازًا من أيش؟ الطالب: الأراضي الصغيرة.
الشيخ: الأراضي الصغيرة فليس فيها شفعة.
ما هو القول الآخر في هذه المسألة؟ طالب: القول الثاني في المسألة أن الشفعة تجب في كل شيء.
الشيخ: أن الشفعة تجب في كل شيء؛ سواء كان منقولًا أو عقارًا أو أرضًا تجب قسمتها أو لا تجب، وهذا هو القول الراجح، لأن الحكمة واحدة، وبعض الألفاظ عام.
ما هو القول الراجح في شُفعة الجار؟ طالب: القول الراجح أنها في شفعة في حال دون حال.

الجزء: 2 - الصفحة: 2134

الشيخ: أن الجار له شفعة في حال دون حال.
متى يكون له شفعة؟ الطالب: له شفعة إذا كان بينه وبين ( ... ) مشترك ( ... ). الشيخ: يعني: اشتراك فيما يتعلق بالملك، إذا كان اشتراكًا كطريق مشترك أو ماء مشترك أو ما أشبه هذا.


قال المؤلف: (ويتبعها الغراس والبناء، لا الثمرة والزرع) يعني: إذا شَفَّع الشريك في أرض فيها غراس وبناء، فإن الغراس والبناء يتبعها، إذا كانت حين البيع موجودًا فيها الغراس والبناء، وأما الثمرة والزرع فلا يتبع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا» لمن؟ «لِلَّذِي بَاعَهَا» (5)، فكما أن الثمر والزرع لا يتبع في البيع، كذلك لا يتبع في الأخذ بالشفعة، بل يكون لمن اشتراه.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن تكون حين البيع مثمرة أو مزروعة أو كان الثمر والزرع بعد ذلك.
ولكن الصحيح أنه إذا كانت الثمرة موجودة حين البيع، وشفَّع الشريك والثمرة موجودة فإنها تتبع، وكذلك يقال في الزرع.
أما لو كانت النخيل حين البيع ليس فيها ثمر، ثم أثمرت بعدُ عند المشتري فإنها تكون لمن؟ تكون للمشتري لأنها ملكه، ونماء ملكه، فإنه قبل أن يؤخذ بالشفعة يكون للمشتري.
ثم قال المؤلف: (فلا شفعة لجار) هذا مفهوم قوله: (وتثبت لشريك).
(وهي على الفور) (وهي) أي: الشفعة، وسبق أن الشفعة هي انتزاع الحصة؛ يعني: أنه لا بد أن يبادر الشفيع في أيش؟ في الأخذ بالشفعة، فيقول: شفَّعت، أو أخذتها بالشفعة، أو ما أشبه ذلك، إلا أنهم استثنوا ما إذا كان مشغولًا بما لا يمكن فيه المطالبة، كما لو علم مثلًا وهو على قضاء الحاجة، ما يستطيع أن يُشَفِّع، أو جاءه الخبر وهو يتغدى أو يتعشى، هذا لا يمكن أن يشفع، أما إذا جاءه وهو غائب فإنه إن لم يُشهد على الأخذ بالشفعة سقطت شفعته.

الجزء: 2 - الصفحة: 2135

وعلى هذا إذا جاءه الخبر بأن شريكه قد باع وهو في مكان بعيد فإنه يُشْهِد رجلين أو رجلًا وامرأتين على أنه آخذ بالشفعة.
وقوله: (على الفور)، قد يقول قائل: إنَّ إلزامَنا إياه أن تكون المطالبة على الفور فيه مشقة؛ لأنه -أي: الشفيع- ربما يقول: أعطوني مهلة أفكر في الأمر، أعطوني مهلة أنظر، هل أحصِّل الثمن أو لا أحصله؛ فنقول: لا، لا مهلة لك، مع أن الشفعة حق من حقوقه لا يمكن أن يسقط إلا بما يدل على رضاه؟ لكنهم يقولون: إنها على الفور، إن لم يطالب على الفور سقطت؛ الدليل: «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» (6) هذا حديث، «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ» (7)، أيُّ عقال؟ طالب: عقال البعير.
الشيخ: عقال البعير؛ يعني: لازم بسرعة، لكنَّ الحديثين ضعيفان لا يحتج بهما ولا يمكن أن يُتوصل بهما إلى إسقاط حق المسلم، فلا اعتماد عليهما، وإذا لم يكن عليهما اعتماد رجعنا إلى الأصل، والأصل أن كل من ثبت له حق فإنه لا يسقط إلا بما يدل على رضاه؛ لأن هذا حق شرعي، قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقسم (3)، هذا قضاء نبوي، لا يمكن أن يسقط إلا بما يدل على الرضا؛ وعليه، فالقول الراجح الذي يتعين الأخذ به أن يقال: هي على التراخي، لا تسقط إلا بما يدل على الرضا.
فإذا قال المشتري: إلى متى أنتظر؟ ما أدري متى يرضى أو لا يرضى، ففي هذه الحال نضرب له أجلًا مناسبًا، فيقال للشريك الذي له الشفعة: لك ثلاثة أيام، لك يومان، لك أربعة أيام، حسب الحال؛ لأننا لو قلنا لك: إلى شهرين أو ثلاثة حتى ترضى صار في ذلك ضرر على من؟ على المشتري.
إذن القول الراجح: أنها ليست على الفور، بل هي على التراخي، ولا تسقط إلا بما يدل على الرضا؛ ووجه هذا القول -كما سمعتم- أنه حق جعله الشارع للشريك، فلا يسقط إلا برضاه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2136

ثم إنه -أي: الشريك- قد يحتاج إلى تأمل؛ لأن المشكل أنه لا بد أن يأخذها بالثمن، وإذا كان حالًّا أخذها بالثمن الحالي، وقد لا يكون عنده دراهم في ذلك الوقت، يحتاج إلى أن يطلبها من يمين أو يسار، أو يستدينها، أو ما أشبه ذلك.
قال المؤلف رحمه الله بناءً على أنها على الفور: (وقتَ علمه، فإذا لم يطلبها إِذَن بلا عذر بطلت) (إذا لم يطلبها): (ها) تعود على أيش؟ الشفعة، والفاعل الشريك الذي هو الشفيع.
(إذن) أي: حال علمه (بلا عذر بطلت)، وعُلِمَ من قوله: (بلا عذر) أنه لو كان معذورًا في الفورية، فإذا زال عذره فلا بد أن يطلب بها على الفور، فلو جاءه الخبر وهو على فراشه يريد أن ينام، نقول: لا بد أن تذهب إلى المشتري وتقول: أنا مطالب بالشفعة؟ لا، هذا عذر، لكن إذا استيقظ، من حين أن يستيقظ ويقوم ويصلي الفجر يذهب إلى مَن؟ إلى المشتري، ويقول: أنا آخذ بالشفعة؛ فعلى هذا نقول: لا بد إذا زال العذر من أن يطالب بها على الفور.
(وإن قال للمشتري: بعني) القائل الشفيع وهو الشريك، إذا قال للمشتري: (بعني) -يعني: بع عليَّ الذي اشتريت- سقطت شفعته؛ لماذا؟ لأنه لم يُطالب على الفور، وكونه يقول: (بعني) إقرار للملك -أي: لملك المشتري- وإذا كان إقرارًا لملك للمشتري فلازم ذلك أنه لا يريد المطالبة بها.
(أو قال: صالحني) فكذلك تبطل؛ لأن طلب المصالحة يؤخِّر المطالبة على الفور، ويدل على أن الشريك قد أقرَّ بأنها ملك المشتري.
(أو كذَّب العدلَ) (كذب): الفاعل مَنْ؟ الشريك، (العدل) يعني: المخبر العدل؛ يعني أن الشريك أخبره رجل عدل، وقال له: إن شريكك باع على فلان.
قال: كذبت، شريكي ما يمكن يبيع؛ لأنه له رغبة في البقاء، في بقاء ملكه، ولا يمكن.
قال: يا رجل تتهمني؟ ! قال: ما أتهمك، لكن كلٌّ يخطئ.
تسقط الشفعة؟ طلبة: تسقط.
الشيخ: ليش؟ طالب: ما طالب بعد ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2137

الشيخ: لأن الرجل عدل، والأصل في خبر العدل أنه مقبول؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فعُلِم منه أنه إذا جاءنا عدل نقبل خبره.
وعُلم من قوله: (أو كذَّب العدل) أنه لو كذب الفاسق فلا تسقط الشفعة؛ لأن الفاسق لا يجب قبول خبره، بل يتبين فيه، ولو كذَّب الكذوب؟ طالب: من باب أولى.
الشيخ: نعم، من باب أولى؛ لأن علة الكذوب هنا في أخباره، فيكون إخباره غير مقبول.
(أو كذب العدل، أو طلب أخْذَ البعض سقطت) طلب الشريك أخذ البعض؛ مثاله: شريكان في أرض لكل واحد منهما نصفها، فباع أحد الشريكين نصيبه على شخص، فقال الشريك: أنا لا أتحمل قيمة الأرض كلها، أريد أن آخذ بعضها ولك البعض، فتسقط الشفعة؛ لماذا؟ لفوات الفورية؛ ما بادر على طول.
لو أنه بادر وأخذ بالشفعة، ثم طالب المصالحة أو المقاسمة؟ لا بأس، لكنه لما طلب المصالحة أو المقاسمة قبل الأخذ بالشفعة سقطت.
إذن هذه المسقِطات مبنية على أيش؟ على أنه لا بد أن يطالب بها فور علمه.
لكن ينبغي أن يقال: إن اللوازم التي ذكروها من أنَّ طلبَ المصالحة أو طلب البعض أو ما أشبه ذلك تدل على أنه أقر البيع، ينبغي أن يقال: إذا وقع هذا من عالم فنَعَم، وإن وقع من جاهل لا يدري قال: أنا أريد المصالحة دفعًا للمطالبة وكسر قلبه وما أشبه ذلك فإنه لا ينبغي أن تسقط الشفعة، فيُفرق بين من يفهم ويعلم، وبين من لا يفهم ولا يعلم؛ فإذا قال: صالحني، أو لأننا نخليها أنصاف، لك النصف ولي النصف عن سلامة قلب وعدم معرفة فينبغي ألا تسقط الشفعة؛ لأنه في هذه الحال معذور، وكما عَذَرُوا مَن لم يطلبها على الفور بما عذروه به، فهذه مثلها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2138

والخلاصة أن الشفعة حقٌّ للشفيع لا تسقط أيش؟ إلا بما يدل على رضاه؛ أما كونها حقًّا للشفيع فقد علمتم ذلك أنه قضاء نبوي؛ قضى بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم (3)، وأما كونها لا تسقط إلا برضاه فلأنها حقه، ولا يمكن أن تؤخذ الحقوق من أصحابها كُرهًا.
قال: (والشفعة لاثنين بقدر حقَّيْهما، فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك) (الشفعة لاثنين) تستلزم أن يكون الشركاء ثلاثة، فتكون (بقدر حقيهما)، فإذا باع صاحب النصف، رجعت المسألة إلى ثلاثة، من ستة مثلًا، إذا باع صاحب النصف، رجعت إلى كم؟ ثلاثة، فيكون الملك الآن بين صاحب الثلث والسدس، أيش هو؟ أثلاثًا.
وإذا باع صاحب السدس رجعت إلى خمسة، فيكون الملك بين صاحب النصف والثلث؟ أخماسًا.
وإذا باع صاحب الثلث رجعت إلى أربعة، فيكون الملك بين صاحب النصف والسدس؟ أرباعًا.
واضح؟ طالب: غير واضح.
الشيخ: لا إله إلا الله.
هذه الأرض بين ثلاثة شركاء؛ أحدهم له النصف، والثاني له الثلث، والثالث له السدس، كم مسألتهم؟ الطلبة: ستة.
الشيخ: من ستة، لصاحب النصف؟ الطلبة: ثلاثًا.
الشيخ: وصاحب الثلث؟ الطلبة: اثنان.
الشيخ: وصاحب السدس؟ الطلبة: واحد.
الشيخ: واحد.
إذا باع أحدهم صارت الشفعة لشريكين؛ فلنبدأ أولًا بالأكبر صاحب النصف، باع صاحب النصف، كم راح من الستة؟ الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: إذن يكون الملك الآن؟ طالب: أثلاثًا.
الشيخ: أثلاثًا بين صاحب الثلث وصاحب السدس.
هذا واضح ولا غير واضح؟ الطلبة: واضح.
الشيخ: واضح.
باع صاحب الثلث، والثلث كم؟ اثنان، كم يبقى؟ أربعة.
الملك؟ أرباعًا بين صاحب النصف وصاحب السدس.
باع صاحب السدس، كم يبقى؟ خمسة، يعود الملك الآن بين صاحب النصف والثلث؟ أخماسًا؛ لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث اثنان.
واضح هذه ولَّا غير واضح؟ الطلبة: واضح.
الشيخ: والإخوان، واضح؟ هو سهل في الواقع.
إذا باع واحد منهم اقسم الملك على الباقيَيْن، ما يحتاج إلى تعب ولا شيء.

الجزء: 2 - الصفحة: 2139

إذا عفا أحدهما نقول للثاني: إما أن تأخذ الجميع، وإما أن تترك الجميع؛ لنفرض أن الذي باع صاحب النصف، ويش بقي؟ النصف، فإذا قال صاحب السدس: أنا لا أريد الشفعة، يكفيني نصيبي من هذه الأرض.
نقول لصاحب الثلث الآن: إما أن تأخذ كل الثلاثة، ثلاثة هي النصف، ويكون له -أي: لصاحب الثلث- خمسة، ولصاحب السدس واحد، فإذا قال: ما أتحمل، قلنا: إذن سقطت الشفعة.
إذا قال صاحب الثلث: أنا لا أريدها، والذي باع صاحب النصف؛ يعني: المسألة هي الأولى، لكن الذي قال: لا أريدها هو صاحب الثلث، ماذا نقول لصاحب السدس؟ نقول: خذ نصيب صاحب النصف، يكون لك أربعة من ستة.
إذا قال: ما أتحمل.
قلنا: إذن لا شفعة.
ولهذا قال: (بقدر حقيهما، فإن عفا أحدهما أَخَذ الآخر الكلَّ أو ترك)، وهذا الاشتراك يسميه العلماء اشتراك تزاحم، بمعنى أنهم إذا طلب كل واحد منهما حقه زاحم الآخرين، وإن أسقط حقه لزم الآخرين؛ لأن هذا الاشتراك اشتراك تزاحم، وإذا كان اشتراك تزاحم فإنه إذا طلب كل واحد حقه ازدحموا فيه، وإن عفا عاد إلى الآخرين.
ثم قال: (وإن اشترى اثنان حقَّ واحد) اشترى اثنان حق واحد، (فللشفيع أخذ أحدهما)، كيف اشترى اثنان حق واحد؟ أرض بين رجلين؛ باع أحدهما نصيبه من الأرض على رجلين، فنقول: للشفيع أن يأخذ نصيب أحد الرجلين دون الآخر، لماذا؟ لأنه في هذه الحال لا ضرر على واحد منهما؛ إذ إن أحدهما أُخِذ حقُّه في الشفعة، وهو حق للشريك، والثاني بقي حقه كاملًا، فيكون الملك الآن بين اثنين ولا بين ثلاثة؟ طالب: اثنين.
طالب آخر: بين ثلاثة.
طلبة: بين اثنين.
الشيخ: بين اثنين، يا إخواني؛ لأن الثالث طلعناه بأخذ نصيبه بالشفعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2140

فإذا قال الذي لم يُؤْخذ نصيبه: في هذا ضرر عليَّ.
نقول: ما فيه ضرر عليك، وين الضرر؟ الضرر لا ضرر عليك، أنت لك الربع من الأصل، والآن الربع باقٍ ولَّا غير باقٍ؟ باقٍ، ولم يتجدد لك شريك، الشريك الأول الذي لم يبع موجودٌ ما زال.
واضح ولَّا؟ طلبة: واضح.
الشيخ: واضح؟ طالب: الأخير هذا غير واضح.
الشيخ: نعم، الآن أرضٌ بين رجلين، هذا واضح ولَّا غير واضح؟ الطلبة: واضح.
الشيخ: باع أحدهما نصيبه على رجلين، للشريك أن يُشَفِّع في الجميع، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى.
الشيخ: فقال: أنا لا أريد أن أشفع إلا في واحد منكم؛ يقول للمشتريين، أخذ الشفعة من واحد، أيصح هذا أو لا يصح؟ يصح، هو ما فيه ضرر، وهذا ربما يحتاج إليه الإنسان؛ إما لكونه ليس عنده مال يدفعه للاثنين، وإما لكون أحد الشريكين سيء العشرة، والآخر طيب العشرة.
هذا واقع ولَّا غير واقع؟ واقع، وإما لعدوانه، يريد أن يحرم المشتري الثاني نصيبه من الأرض.
المهم، أي سبب يكون، فله أن يأخذ من أحدهما دون الآخر، ولا ضرر، هذه واحدة، اشترى اثنان حقَّ واحد (أو عكسه)، (عكسه) اشترى واحد حق اثنين، هذا العكس؟ طلبة: نعم.
الشيخ: اشترى اثنان حق واحد، أو عكسه؛ اشترى واحد حق اثنين، إذن الأرض بين ثلاثة أطراف، فباع اثنان حقَّيْهِما على واحد، فللشفيع أيش؟ أن يُشَفِّع في نصيب واحد من شركائه دون الثاني.
التعدد الآن في المشتري ولَّا في البائع؟ في البائع، له أن يأخذ بنصيب أحدهما.
والبيومي يبين لنا، يلَّا صور المسألة.
طالب: بيع اثنين نصيبهما على واحد.
الشيخ: إي، صوِّر المسألة، صورتها؟ الطالب: زيد وعمرو وخالد.
الشيخ: اترك زيدًا وعمرًا وخالدًا.
قل: أرض بين كذا.
طالب: أرض بين ثلاثة أشخاص؛ باع اثنان من الشركاء نصيبهم على واحد ( ... ) أن يشفع في أحد .. الشيخ: فللشريك؟ طالب: أن يُشَفِّع في أحد الشريكين.
الشيخ: أن يشفع في نصيب أحد الشريكين دون الآخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 2141

يقول: (أو اشترى واحد شِقْصَين من أرضين صفقة واحدة)؛ مثال ذلك: أرضان فيهما شَرِكَة لشخصين، فباع أحد الشريكين نصيبَيْه من الأرضَينِ على واحد، فللشفيع أن يأخذ أحد الشقصين؛ لأن الآن تعدَّد المعقود عليه، الصورتان السابقتان تعدَّدَ البائع أو تعدَّدَ المشتري.
هذا تعدَّد المعقود عليه، فللشفيع أن يأخذ بأحد الأرضين ويدع الأخرى، وهذا بخلاف ما إذا اشترك اثنان في شفعة، فإننا نقول: إما أن تأخذا جميعًا بالشفعة، وإلا فيسقط حق أحدكما، وهي اشتراك التزاحم.
قال: (أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة، فللشفيع أخذ أحدهما) من يصور المسألة الثالثة؟ طالب: شريكان لديهما أرضين، فباع أحد الشريكين نصيبيه من الأرضين.
الشيخ: نعم، صفقة واحدة، يعني: بيعة واحدة.
الطالب: فأراد الشريك الثاني أن يشفع في أحد الأرضين، فله ذلك.
الشيخ: فله ذلك، تمام.
قال: (وإن باع شِقْصًا وسيفًا) يعني ما وجد يمثل إلا بالسيف؟ ! نقول: نعم، الفقهاء رحمهم الله دائمًا يتلقون العبارات بعضهم عن بعض، فهذا أول مَنْ مثَّل بهذا المثال، قال: باع شقصًا وسيفًا، ونحن نقول: إن باع شقصًا وكتابًا، يصلح؟ الطلبة: يصلح.
الشيخ: يصلح؟ ! الطلبة: يصلح.
الشيخ: يصلح، وهذا اللائق بطلبة العلم شقص كتاب، وبالمجاهدين شقص سيف، وبالنجارين شقص وباب، وبأصحاب المعارض شقص سيارة؛ إذن نمثل لكل إنسان بما يناسبه.
الآن ضابط المسألة إذا باع ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه، فالمراد بالشقص هنا الشقص الذي فيه الشفعة، والسيف ما لا شفعة فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2142

إذا باع صفقة واحدة ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه، يقول: (فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن)، وأما الآخر الذي ليس فيه شفعة فلا يأخذه بالشفعة؛ مثاله: رجل صاحب معرض بِيعَ عليه شِقص وسيارة -شقص يعني: نصيب مشترك- شقص وسيارة، فللشفيع وهو الشريك في الأرض أيش؟ أن يأخذ بالشفعة في الأرض دون السيارة.
كيف ذلك؟ نقول: الآن كم تساوي الأرض؟ قالوا: تساوي مئتي ألف، كم تساوي السيارة؟ خمسين ألفًا، كم الثمن الآن؟ مئتان وخمسون، صحيح، فنقول الآن: خذ الأرض بكم؟ بمئتين، والسيارة للمشتري؛ ولهذا قال: (فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن) ما قال: بحصته من القيمة؛ لأن الشفعة يرجع فيها إلى الثمن لا إلى القيمة.
ثم قال: (أو تلف بعض المبيع فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن) بمعنى: أنه باع أرضًا وسيفًا أو سيارة أو ما أشبه ما ذلك، وتلف البعض فللشفيع أخذ الباقي بالحصة.
(أو أرضًا باعها وتلف بعضها) كيف يتلف بعض الأرض؟ بأن؟ طالب: السيل.
الشيخ: لا، السيل ما يُتلِف الأرض، صحيح ربما يُفسِد الأرض لكن لا يتلفها.
طالب: ( ... ). الشيخ: يعني: معناه أخذه مَن لا تمكن مطالبته، ربما نقول: هذا مثال صحيح، لكنه ما ينطبق تمامًا على كلام المؤلف، إنما إذا أخذه من لا تمكن مطالبته فللشفيع أخذ الباقي بحصته من الثمن.
(ولا شُفعة بشركة وقف) يعني: لو كان الشريك نصيبه موقوف وباع شريكه، فإن الموقوف عليه لا يأخذ بالشفعة، واضح؟ طالب: غير واضح.
الشيخ: غير واضح.
أرض بين اثنين وهي على أحدهما وقف، وعلى الثاني طِلق؛ يعني أن نصيبه طلق ليس وقفًا، فباع صاحب النصيب الطلق، فهل لشريكه الموقوف عليه أن يُشَفِّع؟ يقول المؤلف: لا.
اثنان شريكان في أرض، نصيب أحدهما وقف ليس ملكًا، فباع مَن نصيبُه طلق -يعني: غير وقف- فهل للشريك الموقوف عليه، هل له أن يأخذ بالشفعة؟ يقول المؤلف: لا.
لماذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2143

قال: (لأن الملك في الوقف قاصر) غير تام؛ لأن الموقوف عليه لا يستطيع أن يبيع الوقف، ولَّا لا؟ ما يمكن يبيعه، فملكه إذن غير تام، وإذا كان غير تام، فكيف نسلطه على أخذ مال المشتري؟ ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن له الشفعة؛ أي: للشريك في الوقف، الذي نصيبه وقف أن يأخذ بالشفعة؛ لأن العلة الثابتة فيما إذا كان الملك طِلقًا، هي العلة الثابتة فيما إذا كان وقفًا، بل العلة فيما إذا كان وقفًا أوضح؛ لأن هذا الوقف لا يمكن أن يتخلص منه الموقوف عليه، ولو كان طِلقًا لكان إذا وجد الشريك الجديد سيء المعاملة يبيع نصيبه وينتهي؛ فالشُّفعة في شركة الوقف أحق منها في شركة الطلق.
وأما قولهم: إنه غير تام، فيقال: هو تام باعتبار أن الموقوف عليه يملك الوقف، حتى عند الأصحاب رحمهم الله قالوا: إن الوقف يملكه الموقوف عليه، لكن ملك قاصر.
القول الراجح أن الشريك في الوقف له حق الشفعة، وأن استحقاقه للشفعة أقوى من استحقاق صاحب الملك؛ لأن صاحب الملك إذا وجد من الشريك الجديد سوء معاملة يبيع وينتهي، لكن صاحب الوقف لا يمكن يبيعه، فيكون تَضَرُّر صاحب الوقف أشد من تضرر صاحب الملك الطِلق.
فلهذا نقول: إن الراجح أن الشريك -أي: الذي نصيبه موقوف- له الشفعة.
وإذا كان له الشفعة وأخذ بها، فهل يكون هذا النصيب تبعًا للوقف، أو يكون ملكًا للموقوف عليه؟ الثاني إلا إذا نوى، هو ملك للموقوف عليه ملك طلق إلا إذا نوى أنه تبع للوقف، فيكون تبعًا للوقف، وحينئذٍ نسأل: هل الأولى أن ينويه للوقف أو أن يبقيه على ملكه؟ يُنظر للمصلحة؛ إذا كان في الوقف ريع كثير يتحمل ثمن هذا الشقص فالأولى أن يجعله للوقف؛ لأجل أن ينمو الوقف ويزداد، ولأجل أن لا يكون نزاع فيما إذا مات الموقوف عليه؛ لأن الموقوف عليه إذا مات ما ينتقل انتقال ميراث، ينتقل حسب شرط الواقف.

الجزء: 2 - الصفحة: 2144

(ولا غيرِ مُلك سابق) يعني: لا بد أن يسبق ملك الشريك الشفيع ملك المشتري؛ فلو اشترى اثنان حق واحد أو اشتريا أرضًا مستقلة، فهل لأحدهما أن يشفع للآخر؟ اثنان اشتريا أرضًا صفقة واحدة، فهل لأحدهما أن يشفع للآخر؟ ليش؟ طالب: ليس له.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: ليس بسابق.
الشيخ: لأن ملكه ليس بسابق، هما ملكَا الأرض صفقة واحدة؛ فإذا قال زيد لعمرو -وهما المشتريان- قال زيد لعمرو: أنا أشفع عليك.
يقول عمرو: وأنا أشفع عليك.
فحينئذٍ نقول: لا شفعة لواحد على الآخر، وأنتما اشتريتما الأرض أو الشقص صفقة واحدة، فتساويتما، فلا حق لأحدكما على الآخر؛ إذن لا بد أن يسبق ملك الشفيع ملك شريكه.
لو أن أرضًا بين اثنين كانت لأحدهما دون الآخر في الأول؛ ثم اشترى نصفها منه، ثم إن الأول باع نصيبه على آخر، تثبت الشُّفعة أو لا؟ طلبة: لا تثبت.
طالب: تثبت الشفعة يا شيخ.
الشيخ: تثبت.
أنتم فاهمين الصورة ولا ما فهمتوها؟ رجل يملك أرضًا، فباع نصفها على شخص، ثم إن المالك الأول باع نصيبه على آخر، فهل للمشتري الأول أن يُشَفِّع على الثاني؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم؟ ! ملك البائع سابق على ملك المشتري! نقول: وملك المشتري سابق على الملك الذي فيه الشفعة.
(ولا غير ملك سابق، ولا لكافر على مسلم) يعني: لو كانت أرض بين مسلم ونصراني، فباع المسلم نصيبه على رجل مسلم، فهل للنصراني أن يشفع؟ يقول المؤلف: لا، ما يشفع؛ لأننا لو مكناه من الشفعة لسلطنا كافرًا على مسلم، والإسلام يعلو ولا يُعلى.
وللبحث بقية إن شاء الله تعالى ( ... ).


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الشفعة: ولا شُفعة بشركة وقفٍ، ولا غير ملك سابق، ولا لكافر على مسلم.
فصل

الجزء: 2 - الصفحة: 2145

وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو رهنه، لا بوصية سقطت الشفعة وببيع فله أخذه بأحد البيعين، وللمشتري الغلة والنماء المنفصل، والزرع والثمرة ظاهرة، فإن بنى أو غرس .. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول المؤلف رحمه الله: (ولا شُفْعة بشركة وقف) يعني: لو كان الملك بين رجلين أحدهما الذي بيده وقف، والثاني الذي بيده ملك، وهذا واقع يعني: ليس صعبًا؛ يكون الرجلان الشريكان نصيب أحدهما ملك ونصيب الآخر وقف، فباع صاحب الملك، فهل لصاحب الوقف أن يُشَفِّع؟ يقول المؤلف: لا، ليس له أن يشفع؛ لأنه وإن كان مالكًا فإن ملكه غير تام؛ لأنه لا يملك -أي: الموقوف عليه- أن يتصرف في الوقف ببيع ولا رهن ولا غيرهما من نقل الملك.
هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو المذهب، والعلة كما سمعتم: أن الملك أيش؟ غير تام.
والصحيح أن له الشفعة؛ أن الشريك الذي يكون نصيبه وقفًا له أن يُشَفِّع، بل لو قيل: إنه أحق بالشفعة ممن نصيبه ملك لكان له وجه، لماذا؟ لأن صاحب الوقف لا يملك بيعه، ولو كان مالكًا لكان يملك البيع إذا تأذى من الشريك الجديد؛ فالصواب إذن أن لصاحب الوقف أن يُشَفِّع، ولكن إذا شَفَّع، هل يُضم إلى الوقف فيكون وقفًا، أو يكون ملكًا للمشفع؟ يُنظر؛ إذا كان نواه للوقف فهو للوقف، وهذا يتصور فيما إذا كان بيده ثمن الشقص المبيع من الوقف، أو أراد أن يتبرع؛ مثاله: الوقف الذي كان بيده، يريع ريعًا كبيرًا، وعنده الآن دراهم، فلما شَفَّع قضى الثمن من هذه الدراهم ونواه لأيش؟ للوقف، فيكون للوقف، أو يريد أن يتبرع هو بنفسه فيما أخذه بالشفعة لكون الوقف لوالده أو ما أشبه ذلك، المهم إذا نواه الشفيع للوقف صار للوقف، وإن نواه لنفسه صار لنفسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2146

فإن قال قائل: إذا صار لنفسه فإن الشركة لم تنتفع؛ لأنه لم يكن الملك مصرفه واحدًا.
قلنا: نعم، هذا حق، إذا كان للمشتري فالواقف لم ينتفع به، لكن لا شك أن كون الإنسان مشاركًا بنفسه لنفسه خير من كونه يتلقى شريكًا جديدًا.
كذلك: (غير ملك سابق) (لا شفعة بغير ملك سابق)، ومثال ذلك: أن يشتري اثنان الملك معًا، بأن يكون هذه أرض اشتراها رجلان من رجل واحد، فليس لأحدهما أن يشفع؛ لماذا؟ لأن الحقين وردَا على هذه العين ورودًا واحدًا فتعارضَا، وإذا تعارضَا فإنه لا يمكن أن نفضِّل أحدهما على الآخر.
إذن لا بد من أن يكون ملك الشريك الذي يأخذ بالشفعة سابقًا على أيش؟ على على ملك أخيها الذي باع، أو موافقًا له، المهم سابق على ملك المشتري الذي انتقل إليه النصيب.
(ولا لكافر على مسلم) يعني: لو كان الشريك كافرًا، والمسلم باع نصيبه من هذه الأرض (على مسلم) فإنه لا يحق للشريك أن يأخذ بالشفعة؛ لماذا؟ طالب: فيه إهانة للمسلم.
الشيخ: نعم؛ لأن فيه إهانة للمسلم؛ حيث إنه سيؤخذ منه ما ملكه قهرًا، ففيه إذلال له، والإسلام يعلو ولا يعلى؛ شريكان في أرض أحدهما مسلم والثاني كافر، فباع المسلم نصيبه على مسلم فليس للكافر أن يأخذ بالشفعة.
لو كان الشريكان كافرين، وباع أحدهما على مسلم، هل يأخذ شريكه الكافر بالشفعة؟ لا؛ لأن العلة واحدة، وإن كان البائع على المسلم كافرًا فإنه لا يأخذ شريكه الكافر بالشفعة؛ لأن العلة هي إهانة المسلم.
وقال بعض أهل العلم: بل للكافر شفعة على المسلم؛ لأن الشفعة من حق التملك، وليس من حق المالك، إذا كان الكافر له الخيار؛ خيار المجلس، ويمكن أن يفسخ العقد غصبًا على المسلم؛ لأن هذا حق ملك، فكذلك الشفعة.
صورة المسألة الأخيرة: مسلم باع على كافر شيئًا، فهل للكافر ما دام في مجلس الخيار أن يفسخ البيع؟ نعم، له ذلك؛ لأن هذا من باب حق التملك، فله أن يفسخ، حتى وإن كره المسلم؛ لأن هذا حقه، وهذا مقتضى العقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 2147

الشفعة حقٌّ، ومقتضى البيع -أي: بيع الشريك على أجنبي- أن يكون للشريك الأول حق الشفعة، فالمسألة فيها خلاف بين العلماء.
ولو قلنا برجوع هذا إلى نظر الحاكم القاضي لكان هذا جيدًا، ويظهر هذا بالقرائن؛ إذا عرفنا أن الكافر سوف يفتخر بأخذ الشفعة من هذا المسلم، ويرى أنه علا عليه، فحينئذ لا نمكنه، أما إذا علمنا أن الكافر مهادن، وأنه لم يأخذ بالشفعة إلا لأنه مضطر إليها لمصلحة ملكه فإننا نمكنه منها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل، وإن تصرف مشتريه بوقفه).
(مشتريه) أي: مشتري الشقص، (بوقفه) أي: تسبيله؛ يعني أنه حين اشترى الشقص وقَّفه، سواء على خاص أو على عام؛ فعلى الخاص مثل أن يقول حين اشترى الشقص: هذا وقف على فلان أو على ذريته، فإن الشفعة تسقط.
العام مثل أن يقول حين اشتراه هذا وقف على الفقراء، فتسقط الشفعة؛ لماذا؟ لأن الشقص انتقل بعقد لا تثبت فيه الشفعة، كيف لا تثبت فيه الشفعة؟ لأن الشفعة إنما تثبت فيما إذا انتقل بعوض مالي، وهنا انتقل الملك إلى الوقف، والوقف ليس فيه شفعة؛ يعني: لو أن أحد الشريكين وقَّف نصيبه من أرض مشتركة فليس للشريك أن يُشَفِّع؛ لأن انتقل ملكها بغير عوض مالي.
أو تصرف بـ (هبته) يعني أن الذي اشترى الشقص وَهَبَه لشخص آخر فتسقط الشفعة؛ لأنه لو انتقل الشقص بالهبة لم تثبُت الشفعة، فإذا انتقل من المشتري إلى جهة أخرى لا تثبُت الشفعة بانتقاله إليها فإن الشفعة تسقط.
(أو رهنه) يعني: أن المشتري -مشتري الشقص- رهنه، مثاله: أرض بين شريكين، باع أحدهما نصيبه على ثالث، الثالث استدان من شخص وأرهنه نصيبه الذي اشتراه، يقول المؤلف: إن الشفعة تسقط؛ لماذا؟ لأن الرهن ليس انتقالًا، ولكنه إشغال، الإنسان إذا رهن ملكه عند شخص، هل معناه أنه باعه عليه؟ وهبه له؟ لا، ولكن شغله، شغل الملك للتوثقة -توثقة صاحب الدين- فليس انتقال ملك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2148

هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله، والصحيح أنها لا تسقط بالرهن؛ لأن الملك لم ينتقل للمرتهن، لكن يقال: إن أوفى الراهن دينه أخذ الشريك بالشفعة، وإن لم يوف وبِيعَ الرهن حينئذ نرجع إلى انتقاله بالبيع، وسيأتي ذكره إن شاء الله؛ وذلك لأن الرهن لم ينتقل به الملك، فهو على ملك المشتري، إنما تعلق به حق الغير، فإذا تعلق به حق الغير، فإننا نُبْقِي حق الغير وحق الشفيع، ونقول: ما دام مرهونًا لا يمكن أن تأخذه بالشفعة؛ لأنه مرهون مشغول، لكن إن أوفى المدين دينه بقي الرهن الآن طِلقًا ليس مرهونًا فخذه بالشفعة، وإن لم يوفِ وبيع فخذه أنت بأحد البيعين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
هذا القول هو الراجح؛ لأن الملك لم ينتقل، ومثل ذلك: لو آجر النصيب الذي اشتراه، فهل تسقط الشفعة أو لا؟ المذهب: تنفسخ الإجارة ويأخذه بالشفعة، والصحيح أنها لا تنفسخ الإجارة، وأنها باقية، ولكن للشفيع الأجرة من حين أخذه بالشفعة، مثال ذلك: باع أحد الشريكين نصيبه على شخص ثالث، الشخص الثالث آجره على طول، قال لواحد: أجَّرتك نصيبي تجعله معارض، تجعله أي شيء، أجَّرتك نصيبي لمدة خمس سنوات، فالإجارة على المذهب تنفسخ؛ لأن حق الشفيع سابق على حق المستأجر.
القول الثاني: لا تنفسخ، وللشفيع الأجرة من حين أخذ بالشفعة، فإذا قدَّرنا أنه أخذ بعد شهر، صار بقية الخمس سنوات أجرتها لمن؟ للشفيع؛ وذلك لأن المشتري آجر الشقص وهو على ملكه، فالإجارة صحيحة، وهي عقد لازم أو جائز؟ هي عقد لازم، وإذا كان هذا الرجل تصرف تصرفًا مأذونًا فيه بعقد لازم فإننا لا يمكن أن نضيع حق المستأجر، بل نقول للمستأجر: تبقى، ولكن الأجرة من حين أخذ الشفيع تكون للشفيع، وهذا لا شك أنه أقرب إلى العدل، القول بأن الإجارة لا تنفسخ أقرب إلى العدل بلا شك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2149

قال: (لا بوصية) يعني: لا إن تصرَّف مشتريه بوصية فإنها لا تسقط، فيكون المؤلف رحمه الله ذكر ثلاثة أشياء تسقط بها الشفعة، وذكر شيئًا واحدًا لا تسقط به الشفعة؛ مثاله: اشترى الشقص؛ يعني: رجلان شريكان في أرض، باع أحدهما نصيبه على شخص، ومن حين اشتراه الشخص أوصى به، قال: أوصيت بنصيبي الذي اشتريت أن يكون وقفًا على طلبة العلم، فالشفعة لا تسقط؛ لماذا؟ لأن الوصية لا تثبت إلا بعد الموت، وقبل الموت يكون الموصى به مُلْكًا للموصي، له أن يتصرف فيه بما شاء، التعليل؛ لماذا؟ لأن الوصية لا ينتقل بها الملك إلا بعد موت الموصي وقبول الموصى له إن كان معينًا، أو جماعة يمكن حصرها.
المثال؟ طالب: باع زيد نصيبه من الأرض .. الشيخ: باع زيد نصيبه من أرض مشتركة على بكر.
الطالب: فقال الرجل: أوصيت بنصيبي من هذه الأرض وقفًا لطلبة العلم.
الشيخ: فقال بكر: أوصيت بنصيبي من هذه الأرض وقفًا على طلبة العلم.
الطالب: فإن الشفعة لا تسقط.
الشيخ: فإن الشفعة لا تسقط، وللشفيع أن يشفع، إذا شفع انتقل الملك من نصيب الموصي إلى نصيب الشريك، تبطل الوصية أو لا تبطل؟ تبطل الوصية؛ لأن محلها تعذر أن تُنفذ به الوصية.
ثم قال: (وببيع)، والخلاصة أن نقول: إذا تصرف المشتري تصرفًا لا تثبت به الشفعة ابتداءً على وجه التمليك فإن الشفعة تسقط، هذا الضابط؛ إذا تصرف المشتري في فيما اشتراه تصرفًا ينقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة فإن الشفعة تسقط، وإن تصرف فيه تصرفًا لا ينقل الملك فالشفعة باقية، حتى في الرهن على القول الراجح خلافًا لما قال المؤلف رحمه الله، إذا تصرف تصرفًا لا ينقل الملك فالشفعة باقية؛ مثل الإجارة، الوصية، الرهن، العارية، وما أشبه ذلك، فالشفعة باقية.
وإن تصرَّف فيه بنقل الملك على وجه تثبت به الشفعة ابتداءً فهو ما ذكره المؤلف رحمه الله: (وببيع فله أخذه بأحد البيعين)، إذا تصرف في الشقص ببيع فله أخذه بأحد البيعين.


الجزء: 2 - الصفحة: 2150

طالب: ( ... ) الوصية، فأوصى به، لو أنه مات بعد أن أوصى ( ... ). الشيخ: نعم.
فلو مات بعد أن أوصى به، ( ... ) الموصى إليه إذا كان معينًا أو جماعة يمكن حصرهم، هل قبلوا الوصية أو لا؟ إذا قبلوا الوصية سقطت الشفعة؛ لأن الوصية تبرع بالمال بعد الموت، أما إذا ردوها بقيت الشفعة.
طالب: لو رهن أحد الشريكين نصيبه عند المرتهن، ثم عجز عن الإيفاء، فباع المرتهن الشقص، فالشفيع يأخذ ممن اشترى الشقص؟ الشيخ: يأتي.
لأن اللي بيبيع ما هو بالمرتهن، اللي بيبيع نفس الراهن.
الطالب: لكنه لو باع المرتهن ما يمكن .. الشيخ: حتى لو باع فهو بالنيابة عن الراهن.
طالب: وحينئذ يأخذ الشفيع؟ الشيخ: يأخذ الشفيع، نعم.
طالب: ( ... ) هذا؛ لأنه تصرَّف حال كونه مالكًا للتصرف هذا، لكن أليس حق الشفيع سابقًا على حق هذا؟ الشيخ: إي، لكن ما يمكن إبدال الوقف.
الطالب: هذا مقتضى ما مشينا عليه في أول الباب؛ يعني: حق الشفيع لا يمكن أن يسقط بحق.
الشيخ: لا، ما قلنا بهذا، لكن على قولنا مسألة الإجارة فقط؛ لأن الإجارة ما فيها نقل ملك، يكون التصرف صحيحًا، وللشفيع أن يأخذ، وله الأجرة من حين أخذه.
الطالب: أليس الشفيع حقه ما يسقط؟ لعلمْنا أنه تركه أو تصرف تصرفًا يدل على رضاه بالتصرف هذا.
الشيخ: إي، لكن سقطت هذه بتصرف المشتري، إلا إذا علمنا أنه حيلة، فعلى الحيلة لا تبطل الشفعة.
الطالب: ( ... ) أن هناك فرصة للشفيع يفكر أو يجمع مال أو .. الشيخ: هذه المسألة فيها الفورية؛ هل تجب على الفور أو لا تجب؟ قلنا: إنها لا تجب على الفور.
الطالب: أليس هذا مما يترتب عليه، يا شيخ؟ الشيخ: لا، هذا يترتب عليه أن هذا الرجل لم يأخذ بالشفعة إلا بعد أن تصرف؛ يعني: بمعنى تصرف تصرفًا ينقل الملك على وجه لا شفعة فيه ولا يمكن أخذه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2151

طالب: رضي الله عنك يا شيخ، مضى علينا أن للكافر على قولين في الشفعة؛ قول اللي هو الشفعة، والقول اللي رجحته أن ما فيها الشفعة، وعلى هذا إذا كان فيها الشفعة يا شيخ ( ... ) على بيع الخيار، العلة الموجودة في الشفعة هو الإذلال من الكافر على المسلم، ما هي موجودة في الخيار يا شيخ، موجودة في الشفعة، ولا هي موجودة .. الشيخ: نعم، ولذلك قلنا: يرجع للقاضي، القاضي إذا رأى أن في هذا إذلال للمسلم وأنه ربما يتعالى الكافر، فحينئذ لا يمكنه من الشفعة، أما إذا كان الكافر رجلًا عاديًّا، ولا يهمه هذا الشيء، لكن من مصلحة ملكه أن يأخذ بالشفعة، فهذا كسائر المعاملات.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، في مسألة الإجارة -أحسن الله إليك- المذهب يقولون: تنعقد الإجارة، وتكون الشفعة، وعند مذهب ( ... ) قلنا: إن انتقلت ( ... ) انتقل الملك إلى آخر الإجارة ما ( ... ). الشيخ: ولهذا بطلت.
الطالب: لكنهم يثبتون الشفعة.
الشيخ: لا، ما يثبتون الشفعة، في الإجارة ما يثبتونها.
الطالب: يقولون: تبطل الإجارة، وليس كذلك.
الشيخ: تبطل الإجارة من المشتري، المشتري أجَّر، وليس معناه أن الشريك هو الذي أجَّر، الشريك إذا أجر ما فيه شفعة، أصلًا ما فيه شفعة؛ لأنه ما انتقل الملك، لكن هذا الذي أجَّر هو المشتري.
طالب: مسألة ( ... ) الشفعة للكافر ( ... ) قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم (3) ( ... )، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] كيف يعني؟ الشيخ: هذا في المحاكمة يوم القيامة، الله قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ هذا ما هو بكل حق، هذا يوم القيامة، يكون الخصوم بين المسلمين والكفار، ولا يمكن أن يحكم الله للكافرين.
الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2152

الشيخ: لا، واضحة الآية، السياق ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
طالب: والحديث؟ الشيخ: أي حديث؟ طالب: أن الإسلام يعلو ولا يُعلى.
الشيخ: ما يخالف، الإسلام نفسه يعلو ولا يعلى، ومن عُلُوِّه أن نمكن الكافر من من الشفعة؛ لئلا يقال: إن الإسلام دين حَيْف وجور، قد يكون في هذا مصلحة للمسلمين أيضًا.
وبِبَيْعٍ فله أَخْذُه بأحَدِ الْبَيْعَيْنِ، وللمُشترِي الْغَلَّةُ، والنَّماءُ والْمُنْفَصِلُ والزرْعُ والثمرَةُ الظاهرةُ، فإن بَنَى أو غَرَسَ فللشفيعِ تَمَلُّكُه بقِيمتِه وقَلْعُه ويَغْرَمُ نَقْصَه , ولربِّه أَخْذُه بلا ضَرَرٍ وإن ماتَ الشفيعُ قبلَ الطلَبِ بَطَلَتْ وبعدَه لوارِثِه ويأخذه بكلِّ الثمَنِ، فإن عَجَزَ عن بعضِه سَقَطَتْ شُفعتُه، والْمُؤَجَّلُ يَأخُذُه المليءُ به وضِدُّه بكَفيلٍ مَليءٍ، ويُقْبَلُ في الْخَلَفِ مع عَدَمِ الْبَيِّنَةِ قولُ الْمُشْتَرِي، فإنْ قالَ: اشْتَرَيْتُه بأَلْفٍ أَخَذَ الشفيعُ به ولو أَثْبَتَ البائعُ بأكثرَ، وإن أَقَرَّ البائعُ بالبيعِ وأَنْكَرَ الْمُشترِي وَجَبَتْ، وعُهدةُ الشفيعِ على الْمُشترِي وعُهدةُ الْمُشترِي على البائعِ.
طالب: ( ... ) قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم ( ... )، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ كيف يعني؟ الشيخ: هذا في المحاكمة يوم القيامة، كما قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، هذا ما هو بكل حق، هذا يوم القيامة تكون الخصومة بين المسلمين والكفار، ولا يمكن أن يحكم الله للكافرين.
الطالب: العبرة بعموم اللفظ يا شيخ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2153

الشيخ: لا، واضحة الآية، السياق: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
الطالب: والحديث؟ الشيخ: أي حديث؟ الطالب: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» (1). الشيخ: ما يخالف، الإسلام نفسه يعلو ولا يُعلى، ومن علوِّه أن يمكِّن الكافر من الشفعة لئلا يقال: إن الإسلام دين حيف وجور، قد يكون في هذا مصلحة للمسلمين أيضًا، إذا مكَّنا الإنسان الذي له حق في عصمة ماله من أن يأخذ بالشفعة، قد يكون هذا من مصلحة المسلمين.
الطالب: قول السلف: لا شفعة ( ... )؟ الشيخ: ما يخالف، إذا قال هذا نقول: وقال الآخر له الشفعة.


طالب: ( ... ) وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الشفعة: فصل

وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو رهنه -لا بوصية- سقطت الشفعة، وببيع فله أخذه بأحد البيعين، وللمشتري الغلة والنماء المنفصل والزرع والثمرة الظاهرة، فإن بنى أو غرس فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه، ويغرم نقصه، ولربه أخذه بلا ضرر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن تصرف المشتري في الشقص الذي به الشفعة ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ما هي؟ طالب: القسم الأول ( ... ) ليتصرف فيه على وجه لا يثبت فيه الشفعة ابتداءً، ولا ينتقل فيه الملك.
الشيخ: أن ينتقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداءً.
ما الحكم؟ الطالب: هنا تسقط الشفعة.
الشيخ: تسقط الشفعة، أحسنت.
الثاني؟ طالب: أن ينتقل الملك على وجه لا تثبت الشفعة فيه.
الشيخ: هذا اللي قال.
الطالب: على وجه تثبت الشفعة، أو القسم الثاني إن انشغل الملك، عين الـ .. بالرهن.
الشيخ: لا، أعطنا قاعدة، الرهن مثال.

الجزء: 2 - الصفحة: 2154

طالب: رضي الله عنك يا شيخ، الثاني انتقال الملك بدون عوض.
الشيخ: إي نعم، هذا الذي ذكر الأخ.
طالب: أن يتصرف فيه تصرفًا لا ينقل الملك.
الشيخ: طيب، أن يتصرف فيه تصرفًا لا ينقل الملك، فما الحكم؟ الطالب: لا تسقط الشفعة.
الشيخ: أنها لا تسقط الشفعة.
طالب: أن يتصرف تصرفًا تثبت فيه الشفعة.
الشيخ: أن يتصرف تصرفًا ينقل الملك على وجه تثبت به الشفعة ابتداءً.
ما الحكم؟ الطالب: ( ... )؟ الشيخ: تأتي، طيب.
إذا تصرف به بإجارة؛ آجر الشقص الذي به الشفعة، أتسقط الشفعة أو لا؟ طالب: لا تسقط الشفعة.
الشيخ: لا تسقط؟ يأخذ بالشفعة؟ الطالب: نعم، يأخذ بالشفعة.
الشيخ: أجره، طيب أخذ بالشفعة، تنفسخ الإجارة أو لا؟ الطالب: لا تنفسخ الإجارة على القول الصحيح.
الشيخ: لا تنفسخ الإجارة على القول الراجح، تمام.
إذا قلنا: لا تنفسخ، فما الحكم؟ طالب: ( ... ) للشفيع ( ... ) ينتقل إليه ( ... ). الشيخ: يعني: يكون للشفيع الأجرة من حين أخذ بالشفعة، كذا؟ يعني إذا مضى من الإجارة ستة أشهر من سنة، كم يكون له؟ الطالب: ( ... ) إنها ستة أشهر.
الشيخ: لكن كم يُعْطَى من الأجرة؟ الطالب: ( ... ) نصف الأجرة.
الشيخ: نصف الأجرة؟ ماذا تقولون؟ مضى من السنة ستة أشهر، وقلنا على القول الراجح: إنها لا تنفسخ الإجارة، كم للشفيع إذا أخذ بعد مضي ستة أشهر؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: من يعرف؟ طالب: ربع الأجرة.
الشيخ: كيف ربع الأجرة؟ أجر سنة، ومضى ستة أشهر، وقلنا: الصحيح أن الإجارة هذه لا تنفسخ، كم يستحق؟ طالب: النصف الباقي.
الشيخ: نصف الأجرة ولَّا ثلثيه ولَّا ثلاث أرباعه؟ الطالب: نصف الأجرة.
الشيخ: كما قال الأخ، لا، يجب أن تلاحظوا، يجب له من الأجرة بقسط، قد يكون ما بقي من المدة زمن موسم، وتكون الأجرة فيه أغلى، فإذا كانت أغلى فإنه لا بد أن يقدر هذا الشيء، مثلًا إذا كان في المدينة أيام الحج يكون الأجرة أكثر وأغلى فهنا يُعْطَى بقسطه، ويجب أن نعرف هذا الفرق.

الجزء: 2 - الصفحة: 2155

إذا رهنه -المشتري رهن الشقص- تسقط الشفعة أو لا؟ طالب: على المذهب تسقط.
الشيخ: وعلى غير المذهب؟ الطالب: لا تسقط.
الشيخ: وعلى ما مشى عليه المؤلف؟ الطالب: على ما مشى عليه المؤلف تسقط.
الشيخ: وعلى المذهب؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لا.
الطالب: على قول المصنف تسقط الشفعة، والمذهب أنها لا تسقط.
الشيخ: المذهب أنها لا تسقط.
فإذا أخذ بالشفعة أينفسخ الرهن أو لا؟ طالب: ليس له أن يأخذه بالشفعة ( ... )، فنقول له: إن أوفى المدين الدين فله أن يأخذه بالشفعة بعد ذلك.
الشيخ: هذا على القول الراجح، أما المذهب فيأخذه؛ لأن ما دام أن الشفعة باقية فله أن يأخذها وينفسخ، كالإجارة تمامًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وببيع فله أخذه بأحد البيعين) يعني: إن تصرف فيه ببيع، من الفاعل؟ المشتري؛ يعني: المشتري باعه على آخر، (فله) أي: للشفيع؛ وهو الشريك الأول، (أخذه) أي: أخذ الشقص، (بأحد البيعين).
مثاله: باع الشريك -وهو زيدٌ- على عمرو نصيبه من الملك، ثم باع عمرو نصيبه على بكر، فعندنا الآن بيعان؛ بيع زيد على عمرو، وعمرو على بكر، فبم يأخذ الشريك؛ أيأخذ بالبيع على عمرو، ولَّا بالبيع على بكر؟ يقول المؤلف: (له أخذه بأحد البيعين)، أيهما يفضل؛ أن يأخذ بالأقل ثمنًا أو بالأكثر ثمنًا؟ طلبة: بالأقل.
الشيخ: إي نعم، الغالب بالأقل، وقد يأخذ بالأكثر إذا كان هناك مماطلة.
باع الشريك -الذي هو زيد- على عمرو بمئة ألف، ثم إن عمرًا باعه على بكر بمئتي ألف، الشريك -شريك زيد- يأخذ بأي البيعين هنا؟ بالأول، إذا أخذه بالبيع الأول سوف ينتزع ملكه ممن؟ الطلبة: من الشريك الثاني.
الشيخ: منين؟ لا، بيع -يا جماعة- سيأخذه من بكر، وسيعطيه مئة ألف، فأين تذهب مئة الألف التي سلمها بكر؟ نقول: يرجع بها على من باع عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2156

أعيد المثال: باع زيد على عمرو نصيبه بمئة ألف، وباع عمرو ذلك النصيب بمئتي ألف على بكر، الشريك الأول يريد أن يأخذ بالشفعة، إذا أخذ بالبيع الأول، هو بيأخذ الآن من بكر، الملك الآن منتقل إلى بكر، سيأخذه الشريك من بكر، فكم يعطي بكرًا؟ مئة ألف.
بكر يقول: أنا سلمت مئتي ألف، نقول: ترجع بمئة ألف على عمرو الذي باع عليك.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: يرجع على عمرو بمئة، إحنا قلنا: مئة ومئتين.
إذا كان العكس: زيدٌ باعه على عمرٍو بمئتي ألف، وعمرٌو باعه على بكرٍ بمئة ألف، فالشريك الآن سيأخذ بأي البيعتين؟ بالثانية، لا شك أنه يأخذ بالثانية، إذا أخذ بالثانية سوف يعطي بكرًا مئة ألف وينتهي، بكرٌ لن يرجع على أحد، لماذا لا يرجع؟ لأنه ما ضمن شيئًا، سلَّم مئة ألف، وأخذ منه الشقص، وأُعْطِي مئة ألف.
المهم أنه إذا بيع فللشفيع أخذه بأحد البيعين، وإن بيع ثلاث مرات أو أربع مرات يأخذ باللي يبغي؛ باللي يرى أنه أنسب له، سواء أول بيعة أو آخر بيعة أو ما بينهما، والرجوع كل يرجع على من أخذه منه بما زاد على ما أعطي.
ثم قال المؤلف: (وللمشتري الغلة والنماء المنفصل والزرع والثمرة الظاهرة) (للمشتري) يعني: لمشتري الشقص، (الغلة والنماء المنفصل والزرع والثمرة الظاهرة)، (الغلة) مثل أن يكون هذا النصيب مؤجرة؛ يعني: رجلان شريكان في عمارة، وأجراها السنة بمئة ألف، ثم إن أحد الشريكين باع نصيبه على شخص، وخفي على الشريك أنه باع حتى مضى أربعة أشهر، فالغلة في هذه الأربعة أشهر لمن؟ للمشري.
التعليل: لأنه نماء ملكه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (2)، فهو ملكه مضمون عليه، فتكون له غلته.
له أيضًا (النماء المنفصل)، مثاله: رجل باع نصيبه من النخل قبل أن يثمر؛ قبل أن تطلع فيه الثمرة، ولم يطالب الشريك إلا بعد أن خرجت الثمرة وجذها، الآن انفصلت الزيادة، أليس كذلك؟ من تكون له؟ تكون للمشتري؛ لأنها نماء ملكه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2157

كذلك (الزرع والثمرة الظاهرة) لو أنه -أي: الشريك- باع على شخص وزُرِعَت الأرض، فالزرع لمن؟ للمشتري، ما دام أنه قد ظهر، أما إذا كان حبًّا مدفونًا في الأرض فإنه يتبعها، لكن إذا ظهر فإنه يكون للمشتري؛ لأنه بَرَزَ وبان وتعلقت به نفسه.
وكذلك (الثمرة الظاهرة) تكون أيضًا للمشتري حتى وإن لم تؤبر، ففي هذا الموضع لم يفرقوا بين المؤبر وغير المؤبر، وجعلوا الثمرة الظاهرة نماء منفصلًا.
ولكن الصحيح أنها إذا لم تؤبر فإنها تتبع؛ قياسًا على البيع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا» (3). وعُلِمَ من قول المؤلف: (النماء المنفصل) أن النماء المتصل يتبع وليس للمشتري منه شيء.
مثاله؟ طلبة: الشاة.
طلبة آخرون: السمن.
الشيخ: الشاة والسمن ما فيها شفعة -بارك الله فيكم- وهذا ما أريد منكم، الآن عندكم مطب، لا يمكن أن نمثل بالسمن؛ لأن الغنم ما فيها شفعة إلا على القول الراجح.
لكن مثاله: اشترى نصيب زيدٍ من النخل، والنخل توه غراس صغيرة، وبقي الشريك لم يعلم أن شريكه قد باع، ونما النخل؛ كبر، فهل للمشتري هذا النماء أو ليس له؟ كلام المؤلف مفهومه يدل على أنه ليس له؛ لأنه نماء متصل، مع أن المشتري تعب عليه، وخسر في إصلاح حرث الأرض وفي جلب الماء له.
المهم أنه خسر عليه، يقولون: ليس له شيء؛ لأن هذا نماء متصل فيتبع.
لكن القول الراجح -بلا شك- أن النماء المتصل كالمنفصل يكون لمن انتقل عنه الملك، ولا فرق، وهذا هو العدل؛ لأن الرجل تعب عليه، ونما بسبب عمله، ومثل ذلك الشاة في غير الشفعة، إلا على القول الراجح إذا سمنت فإن النماء المتصل يكون للمشتري.
إذن الصواب خلاف مفهوم كلام المؤلف، كلام المؤلف يدل على أن النماء المتصل يتبع العين، وليس للمشتري شيء.

الجزء: 2 - الصفحة: 2158

والقول الراجح أنه لا يتبع -أنه يتبع العين ضروري؛ لأنه ما يمكن الفصل- لكن تُقَدَّر قيمته للمشتري، كيف يُقَدَّر؟ يُقَوَّم النخل وهو فسيل صغير، ويُقَوَّم وهو كبير قد نما، فتُقَوَّم الأرض وفيها النخل على صفته حين البيع، ثم تُقَوَّم وفيها النخل على صفته حين الأخذ بالشفعة، والفرق بين القيمتين يكون لمن؟ يكون للمشتري؛ لأنه قيمة النماء المتصل.
وهذا اللي ذكرته هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا شك أن هذا هو العدل؛ فالعدل أن يُعْطَى كل إنسان ما تعب عليه وعمل فيه.
(فإن بنى أو غرس فللشفيع تملكه بقيمته) هذه واحدة، (وقلعه ويغرم نقصه) ثنتين، (ولربه أخذه بلا ضرر).
أولًا: قال المؤلف: (فإن بنى أو غرس) مع قوله فيما سبق: إن الشفعة تكون على الفور.
كيف يكون بناء وغراس والشفعة على الفور؟ نعم، يكون هناك حيلة؛ بأن يُخْفِي على الشريك البيع، يأتي المشتري وكأنه وكيل لشريكه ثم يعمل، والشريك يظن أن هذا وكيل ولا يدري أنه انتقل الملك، وبعد ذلك يدري أنه انتقل الملك، فحينئذٍ يُتَصَور أن المشتري يبني ويغرس.
إذا بنى أو غرس فيخير الشفيع بين أمرين: بين تملكه، أو قلعه ويغرم النقص، فإن اختار التملك فله ذلك.
ولكن كيف نعرف قيمة الغراس والبناء؟ نقدر الأرض خالية منهما، ثم نقدرها وهما فيها، والفرق بين القيمتين هو قيمة الغراس والبناء.
فإن قال قائل: لماذا لا نعطيه قيمة الغراس والبناء من أصله، ونقول: أعطنا الفواتير بما أصرفت ونعطيك؟ نقول: هذا لا يستقيم؛ لأن الأمور قد ترخص وقد تزيد، وقد يكون قيمة المواد قبل أن تبنى ويؤلف بينها شيئًا وقيمتها بعد البناء شيئًا آخر، والعدل هو أن تُقَوَّم الأرض خالية من الغراس والبناء، ثم تُقَوَّم وفيها الغراس والبناء، فما بين القيمتين يكون هو قيمة الغراس والبناء.
فإذا قال الشفيع: أنا أريد أن يبقى الغراس والبناء وأنا أعطيكم القيمة، قلنا: ما فيه مشكلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2159

وإن قال: أنا لا أريد أن يبقى الغراس والبناء؛ لأني أريد أن أبني الأرض على شكل آخر على غير الشكل هذا، فهل له الحق أن يقلعه؟ نعم، له الحق.
فإذا قال المشتري: هذه أدواتي وآلاتي، هذا حديدي، هذا لبني، هذه أبوابي، فلا تتصرف فيها، نقول له: تصرف فيها واقلعها، لكن يغرم النقص.
فإذا قدَّرنا أن الأبواب نقصت بعد قلعها يضمن نقصها؛ اللَّبِن نقص، يمكن هذا أو لا يمكن؟ يقولون: إن الأسمنت لا يمكن؛ لأنه إذا نقض خرب ما يصلح لشيء، لكن لَبِن الطين يمكن، ولهذا أنقاض الطين من اللبن تنفع.
أنقاض من الأسمنت ما تنفع.
على كل حال إن نفعت نفعت يضمن النقص.
الغراس يضمن النقص أو لا؟ يضمن النقص؛ إذا نقصت الشجرة بعد قلعها يضمن نقصها، فإن كانت الشجرة بعد قلعها لا يمكن أن تنمو يضمنها كلها.
فإذا قال قائل: لماذا تضمنونه النقص، وفي الغصب لا تجعلون للغاصب حقًّا؟ نقول: لأن المشتري غرسها وبنى بحقٍّ، والغاصب غرس وبنى بلا حقٍّ فلا شيء له.
يقول: (ولربه أخذه بلا ضرر) إذا تعارض رأي المالك -مالك الغراس والبناء- ورأي الشفيع؛ الشفيع يقول: أبغي آخذه، وذاك يقول: لا، أبغي أخذه أنا، من يُقَدَّم؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: رب الغراس والبناء؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ طالب: لأنه صار ملكه.
الشيخ: لأنه ملكه.
فإذا قال الشريك الذي هو الشفيع: أنا أريد أن آخذه وثمنوها علي، وقال ربها: أريد أن آخذها، أنا لي -مثلًا- مكان آخر، آخذ الغراس هذا وأغرسه في مكانه، فالقول قول ربها؛ لأنه ملكه.
لكن المؤلف رحمه الله قيَّد هذا قال: (بلا ضرر) ولا بد من هذا؛ بلا ضرر ولا مضارة، فإن كان هناك ضرر فإنه لا يمكن أن يزال الضرر بمصلحة؛ لأن أخذ ربها له مصلحة له، لكن ضرر رب الأرض ضرر.

الجزء: 2 - الصفحة: 2160

ومن المعلوم أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما إذا علمنا أن صاحبها -أي: المشتري- يريد أن يأخذ الغراس، والبناء مضارة لا لمصلحة، وهذا قد يقع؛ قد يأخذها مضارة وإن كان لا ينتفع بها، يقول: أنا أبغي أهدم البناء، وأنا أعرف الآن أنني لا أنتفع بالحديد ولا باللَّبِن، لكن أنا أريد أن أهدمه، نقول: هذا سفه، ولا يمكن أن نمكنك من السفه؛ فإن الله يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5]، فنمنعه.
إذن نمنعه في حالين: إذا كان على الأرض ضرر، وإذا كان هو -أي المشتري- لا ينتفع بها، فيكون زدنا على كلام المؤلف: (بلا ضرر)، والثاني: أن يمكنه الانتفاع بها؛ لأنه إذا كان ضرر فإنه لا يمكن أن يقع الإنسان في ضرر مع مصلحة؛ لأن دفع الضرر مقدم على المصلحة.
وإذا كان لا ضرر لكن يفسد هذا الغراس والبناء فإننا لا نُمَكِّن المشتري من ذلك؛ لأن هذا من باب إضاعة المال والسفه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال (4)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
الغريب أن المذهب رحمهم الله يخالفون كلام المؤلف يقولون: له أخذه ولو تضررت الأرض؛ ولو مع ضرر، لكن هذا القول -أعني: المذهب- ضعيف، وهذا يدلنا على أن صاحب الكتاب لم يلتزم بالمذهب في جميع المسائل، وهذا كثير لمن تدبره؛ يعني: لو أن أحدًا تدبَّر الكتاب هذا منطوقًا ومفهومًا وإشارة لوجد فيه أشياء كثيرة تخالف المشهور من المذهب.
طالب: ( ... ) وعلى البناء لا أريده؛ لأني أريد أن أبني على نسق معين، فلماذا تلزمونني بقاء هذا البنيان؛ لأن المشتري فقط يتضرر من ( ... )؟ الشيخ: نقول: هو وضعه بحق؛ المشتري وضعه بحق .. الطالب: ( ... ) قلنا: إنه يأتي حيلة كأنه وكيل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2161

الشيخ: لا، هو على كل حال إذا كان حيلة ربما يكون للقاضي الحق أن يعامله بضد ما أراد، لكن إذا وقعت غير حيلة، أما إذا كان حيلة فيتوجه أن يقال: أنت فعلت هذا على وجه محرَّم فلا شيء لك.
الطالب: ( ... ) حتى لو كان بحق؟ الشيخ: لا، إذا كان بحق فمفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (5) أن العرق غير الظالم له حق، وهذا ربما يخسر آلاف.
الطالب: ( ... ) حق سابق على حقه؟ الشيخ: لا، بس هذا بحق.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: ما دام مشروع كبير بيكون الربح كثير، ويكون ضمانه يسير إن شاء الله.
طالب: كيف نعرف أنه أراد المضاربة أو لم يرد المضاربة؟ الشيخ: إي، إن أراد المضاربة إذا كان يريد أن يأخذها وهي لا تفيده شيئًا، الغالب أن مثل هذا أراد المضاربة أو يتحدث الرجل عند أصحابه يقول: واللهِ هذا الذي أخذها مني قهرًا لأضرنه -مثلًا- قد يكون هذا.
طالب: ( ... ) فيكون ثمنه رهنًا بدلًا منه؟ الشيخ: يمكن أن نقول هكذا، لكن الذي سيستفيد من الثمن هو المشتري، وربما يقول المرتهن: أنا لا أريد إلا رهني فقط، أنا لا أريد دراهم.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: إي نعم، يقولون: إن المذهب هو ما جاء في المنتهى -منتهى الإرادات- فإن لم يكن صريحًا فيه فالإقناع، فإذا تعارض منطوق هذا ومفهوم هذا قُدِّم منطوق القناع على مفهوم المنتهى؛ يعني: لهم اصطلاحات العمدة عند المتأخرين في المذهب هو المنتهى.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- القول الصحيح الذي رجحناه لو اشترى ( ... )؟ الشيخ: الولد هل هو موجود حين البيع ولَّا نشأ بعد؟ أسألك: هل الولد موجود في بطنها حين البيع؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يتبع، إذا كَبُرَ فعلى القول الراجح أن النماء المتصل يتبع، فيُقَدَّر هذا الثور -مثلًا- وهو حمل ويُقَدَّر وهو ثور كبير.
الطالب: والبقرة يا شيخ؟ الشيخ: والبقرة أيضًا مثله.
ما شاء الله، المهم المنفصل يكون للمشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 2162

طالب: يا شيخ، واحد الشريكين باع نصيبه لأحد، وهذا مشترٍ بنى الأرض، لكن في نفس الوقت ( ... ) باعه نصفه لأحد ( ... )؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: المشتري الآن بنى ( ... ). الشيخ: بنى، ثم باع بعد البناء .. الطالب: شيئًا من الأرض.
الشيخ: أصلًا ما يمكن يبيع شيئًا من الأرض منفردة؛ لأن الأرض مشاعة الآن.
طالب: ( ... ) إذا تصرف المشتري .. ؟ الشيخ: إذا تصرف بنقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداءً تسقط.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: إي، بس الآن لا يمكن الأخذ به، والمشتري تصرف تصرفًا مأذونًا فيه.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، دعنا من .. ، القول الراجح يأخذه حتى لو تصرف، حتى وإن لم يبع، القول الراجح شيء آخر.
طالب: على القول الراجح يأخذه يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، يأخذه ويُقَوَّم له.
طالب: أحسن الله إليك، لو أخفى أحد الشريكين البيع، فهل على المشتري ( ... )؟ الشيخ: الواجب على البائع، لكن المشتري إذا أراد أن يحتاط لنفسه قبل أن يتصرف فليبلغ الشريك؛ لأن هذا أحسن له حتى يكون كما يقول العوام: ( ... ). طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لو أن الشفيع اختار قلع الغراس، ولكن المشتري ليس عنده ما يقلع به هذا الغراس، فهل للشفيع أن ينتفع به بالمعروف حتى يقلعه من أرضه؟ الشيخ: لا، هو يأخذه بالشفعة، ويبقى هذا للمشتري، إما يأخذه -إذا كان نخل- يأخذه مساقاة، وإذا كان بناء فله نصيبه من الأجرة، أو يقول: أنا أعطيك قرضًا أو أقلع.
الطالب: يعني: لا بد من أحد الخيارين؟ الشيخ: لا بد من هذا، ما يضيع حقه، وضمان القلع على المشتري؛ لأنه ملكه.


طالب: وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت، وبعده لوارثه، ويأخذه بكل الثمن، فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته، والمؤجل يأخذه المليء به، وضده بكفيل مليء.
ويُقْبَل في الخلف مع عدم البينة قول المشتري، فإن قال: اشتريته بألف أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع بأكثر، وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت.

الجزء: 2 - الصفحة: 2163

وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
سبق الكلام على تصرف المشتري بالشقص الذي فيه الشفعة أنه على ثلاثة أقسام، وناقشنا فيها أيضًا.
وتقدم أيضًا أن المشتري لو بنى أو غرس فللشفيع الخيار بين تملكه بقيمته وقلعه، ويغرم نقصه، وأن خيار الغارس الذي هو المشتري مقدم، بشرط ألَّا يكون في ذلك ضرر.
فلو قال الشفيع: أنا أريد أن أتملكه، وقال الباني والغارس: أنا أريد أن آخذه فإنه يقدم قوله، لكن بشرط ألَّا يكون هناك ضرر على الأرض مثلًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت وبعده لوارثه) إذا مات الشفيع -وهو الشريك الأول- قبل أن يطالب بالشفعة فإن الشفعة تبطل، وليس لوارثه المطالبة بذلك، أما إذا كان بعده فإن الوارث يأخذ بها، المطالبة أن يقول: أنا أريد أن أشفع، ولي الحق في هذا، والأخذ أن يقول: أخذته بالشفعة، فيصرح بأنه تملكه.
يشبه من بعض الوجوه الخطبة والعقد؛ الخطبة إبداء الخاطب الرغبة في هذه المرأة، والعقد تملكه إياها بعقد النكاح.
فالشفيع إذا مات قبل أن يطالب فإنه لا شفعة له؛ لأنه لم يطالب، ولا لوارثه؛ لأن الشفعة حق للشفيع؛ حيث إن الخيار له، فلما مات ولم يختر لم يكن لوارثه أن يختار، كخيار الشرط.
ولكن القول الراجح في هذه المسألة أنه ينتقل حق المطالبة بالشفعة إلى الوارث؛ لأن هذا تابع للملك، فإذا مات الشفيع ولم يطالب، فللوارث أن يطالب؛ لأن هذا من حقوق الملك، فإذا كان من حقوق الملك فإن الملك ينتقل بحقوقه؛ ولهذا نجد في وثائق البيع يقول: فصار المبيع ملكًا للمشتري بجميع حقوقه وحدوده، ومنها الأخذ بالشفعة، وهذا هو الصواب؛ لأنه حق ثابت، فيورث عن الميت كما يورث المال، وكما يورث بقية الحقوق.

الجزء: 2 - الصفحة: 2164

قال: (ويأخذ بكل الثمن) (يأخذ) الضمير يعود على الشفيع وليس على الوارث، بل على الشفيع عمومًا؛ يعني: من أراد أن يأخذ الشقص بالشفعة فإنه يأخذه بكل الثمن؛ بدون مماكسة، وبدون أن يحاول تنزيل شيء من الثمن؛ لأن المشتري -مثلًا- اشتراه بألف، فيقال للشفيع: خذه بألف، فإذا قال: أنا آخذه بتسع مئة، قلنا: سقطت شفعتك، ولا تأخذه بأقل من ألف، نعم لو تم الأخذ ثم قال الشفيع للمشتري: أريد أن تسقط عني مئة من الألف، فهذا حكمه؟ هذا جائز، لكنه لا ينبغي أيضًا للشفيع أن يسأل المشتري إسقاط شيء؛ لأن هذا من المسألة المذمومة، ولأنه قد يحرج المشتري، فيضع من الثمن وهو لا يريد ذلك.
(فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته) (إن عجز) الفاعل الشفيع، إذا قال: أنا ليس عندي إلا تسعة آلاف، والثمن عشرة آلاف، سقطت الشفعة؛ لأننا لو قلنا بثبوت الشفعة مع إعساره ببعض الثمن صار في ذلك ضرر على من؟ على المشتري، صار في ذلك ضرر على المشتري، والمشتري سيؤخذ منه الملك قهرًا، فكيف نضره من وجهين؛ من جهة أننا أخذناه منه قهرًا، ومن جهة أننا عاملناه بالأشد من جهة الثمن.
(فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته).
ثم قال: (والمؤجل يأخذه المليء به) (والمؤجل) يعني: الثمن المؤجل، فالمؤجل هنا صفة لموصوف محذوف، التقدير: الثمن المؤجل.
(يأخذه) الضمير يعود على الشفيع؛ وهو الشريك؛ يعني: الفاعل في (يأخذه) يعود على الشفيع؛ وهو الشريك.
وقوله: (الملي) الملي هو القادر بماله وحاله.
هذا الملي؛ القادر بماله بمعنى أن يكون عنده مقدار الثمن، والقادر بحاله ألَّا يكون مماطلًَا.
فمثلًا إذا قُدِّر أن الشفيع فقير والثمن مؤجل؛ بأن يكون الشريك باع هذا الشقص بألف ريال إلى سنة، أراد الشريك أن يأخذ الشقص المبيع، نقول: خذه بثمن حاضر أو مؤجل؟ طلبة: حاضر.
طلبة آخرون: مؤجل.

الجزء: 2 - الصفحة: 2165

الشيخ: سبحان الله! نقول: إذا كان مليًّا أخذه بثمنه المؤجل، فإذا كان يحل بعد سنة أخذه المليء لمدة سنة، فإذا كان فقيرًا -أعني الشفيع- وقال: الثمن لم يحل، وسوف يرزقني الله عز وجل في هذه المدة وأوفي، نقول: نعم، إن الله على كل شيء قدير، لكن هات كفيلًا يضمن؛ ولهذا قال: (وضده بكفيل مليء) هات كفيلًا يضمن.
فإذا حَلَّ الأجل ولم يسلم الشفيع أخذنا من الكفيل، فإذا كان الكفيل معسرًا سقطت الشفعة، إذا كان الشفيع غنيًّا؛ عنده مال لكنه معروف بالمماطلة، فالمماطل كالمعسر تمامًا، وإن كان المماطل يمكن لصاحب الحق أن يطالبه ويحبسه عليه، لكن المشتري يقول: أنا ما لي وللمطالبة؟ فهذا رجل معروف بالمماطلة؛ فلا أقبل منه إلا إذا أقام كفيلًا مليئًا.
ويُشْتَرط أيضًا أن يكون المشتري الذي سيؤخذ منه الشقص قادرًا على مطالبته؛ أي: مطالبة الشفيع، فلو فُرِضَ أن الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم والثمن مؤجل؛ بأن يكون الشريك باع نصيبه على شخص بألف ريال إلى سنة، فأراد الشفيع أن يأخذ الشقص بثمنه المؤجل، وكان هذا الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم، فماذا يكون الحكم؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: ( ... ). الشيخ: نقول: أقم كفيلًا مليئًا تمكن مطالبته، وإلا فلا شفعة لك، من المعلوم أن مثل هذا المليء المماطل لكونه ذا سلطان لا يمكن لأحد أن يجرأ عليه، فيقول: أقم كفيلًا، هذا شيء متعذر حسب العادة، فللمشتري الآن أن يمنع من أخذه بالشفعة؛ وذلك لأنه لا يمكنه مطالبته عند حلول الأجل، ولا يمكنه أن يطالبه بكفيل مليء.
أليس كذلك؟ الطلبة: بلى.
الشيخ: لا يمكن، كذلك إذا كان المشتري لا يمكن أن يطالب الشفيع لكونه أباه؛ لأن الابن لا يمكن أن يطالب أباه إلا بنفقته الواجبة، الابن إذا كان له على أبيه دين فإنه لا يمكنه مطالبته، حتى لو طالبه عند القاضي فالقاضي لا يسمع دعواه إلا في شيء واحد؛ وهي النفقة الواجبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2166

فإذا كان الشفيع في المثال الذي ذكرنا أبًا للمشتري، وقال المشتري: لا يمكن أن يأخذه أبي؛ لأن أبي لا يمكنني مطالبته، فهل نقول: إن له أن يمتنع، أو نقول: إذا كان الأب يتملك من مال ولده ما شاء فليس لولده أن يمتنع؟ طالب: الأول.
الشيخ: لا، الثاني؛ لأنه لو فُرِضَ أن الأب قال: أنا لا أريد أن آخذه بالشفعة، أنا أريد أن آخذه بالتملك، أيملك هذا أو لا؟ يملك، فإذا أخذه بالشفعة زاد الابن خيرًا؛ لأنه إذا أخذه بالشفعة فسوف يدفع الثمن، ولا يأخذه بالقوة.
إذن يشترط بالإضافة إلى قولنا: إن المليء هو الذي يقدر على الوفاء بماله وحاله، نضيف إلى ذلك: ويشترط ألَّا يلحق المشتري ضرر؛ لكونه لا يستطيع مطالبته، والمثال الذي ليس عليه توجيه اعتراض هو أن يكون الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم.
(وضده بكفيل ملي) (ضده) ضد من؛ ضد المؤجل ولَّا ضد الملي؟ ضد المليء؛ يعني: إذا كان الشفيع غير مليء والثمن مؤجلًا فللشفيع أن يأخذه ولو كان فقيرًا، بشرط أن يقيم كفيلًا مليًّا.
وهنا نقول: هل المراد الكفيل بالبدن أو الكفيل بالمال؟ الثاني، وعلى هذا فالكفالة هنا بمعنى الضمان.
ولقد مرَّ عليكم فيما سبق أن الضمان والكفالة بينهما فرق، لكن هنا المراد بالكفالة الضمان، الذي يسميه العامة عندنا كفيلًا غرامًا؛ يعني: أنه ضامن، (وضده بكفيل ملي).
ثم قال: (ويُقْبَل في الخلف مع عدم البينة قول المشتري) يعني: إذا اختلف الشفيع والمشتري -والمثال لا يزال قائمًا- فقال الشفيع: قيمة الشقص ألف، وقال المشتري: بل قيمته ألف ومئة، فمن القول قوله؟ القول قول المشتري؛ لأن المشتري غارم؛ إذ إنه سيؤخذ منه الشقص -لو قُبِلَ قول الشفيع- بأقل مما غرم، فيكون القول قول المشتري.
لكن لو كان هناك بينة على أن البيع بألف، فالقول ما شهدت به البينة، وهنا يجب أن ننتبه إلى شيئين:

الجزء: 2 - الصفحة: 2167

الشيء الأول: كل من قلنا: القول قوله فلا بد من يمين عليه؛ لاحتمال صدق خصمه، فيحلف.
هذه واحدة.
الشيء الثاني: ألَّا تكون دعواه مخالفة للعرف، فإن كانت مخالفة للعرف سقطت، فلو ادَّعى المشتري في المثال الذي ذكرنا أن قيمة الشقص عشرة آلاف وهو لا يساوي إلا ألفًا.
قل لي يا أخي، ماذا تقول؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ما هو المثال الذي ذكرنا؟ الطالب: ( ... ) ولا يساوي إلا ألفًا.
الشيخ: القول قول المشتري .. الطالب: في هذا المثال ( ... ). الشيخ: قول من؟ الطالب: قول الشفيع.
الشيخ: طيب، قول الشفيع، وهذا أيضًا إذا أمكن؛ لأن كل دعوى لا تمكن غير مقبولة، فإذا كان هذا الشقص لا يساوي عشرة آلاف؛ لا يساوي إلا ألفًا إن زادت قيمته، فالقول قول الشفيع ويحلف، وإذا كان يساوي خمسة آلاف فهنا لا نقبل قول الشفيع ولا قول المشتري؛ لأن المشتري زاد خمسة آلاف على المعتاد، وهذا نقص أربعة آلاف عن المعتاد فلا يُقْبَل.
وهذه قاعدة عامة في كل الدعاوى.
ما هي القاعدة العامة؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: طيب، قلها يا أخ.
طالب: ( ... ) القول قوله حلف .. الشيخ: أن كل من قيل القول قوله فلا بد من يمينه، لاحتمال؟ الطالب: صدق خصمه.
الشيخ: والثاني؟ الطالب: أن ما ( ... ) العرف لا ( ... ) أصلًا.
الشيخ: أن هذا مشروط بما لا يخالف العرف، فإن خالف العرف فإنه لا يُقْبَل.
(ويُقْبَل في الخلف) (في الخلف) أي: في الاختلاف، اختلاف من؟ الشفيع والمشتري، (قول المشتري) فإن قال -أي المشتري-: اشتريته بألف، أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع بأكثر.
إذا قال المشتري للشفيع: الثمن ألف ريال، فإن الشفيع يأخذه بكم؟ بألف ريال، لكن البائع قال للمشتري: قد بعت عليك بألفين، وأقام بينة، فهنا يثبت على المشتري ألفان بمقتضى دعوى البائع الثابتة بالشروط.
بقي علينا: هل يثبت على الشفيع ما ثبت على المشتري ونقول: يجب على الشفيع أن يدفع ألفين، أو نقول: لا يلزم الشفيع إلا ما أقر به البائع وهو ألف؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2168

يقول المؤلف: (فإن قال: اشتريته بألف أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع بأكثر) لماذا؟ التعليل: لأن البائع لما أثبت أنه بألف بالبينة لزم المشتري ما شهدت به البينة، أما بالنسبة للشفيع فالشفيع يقول: أنا لا يلزمني إلا ما أقر به المشتري، والمشتري أقر بأنه كم؟ بأنه بألف، فلا يلزمني أكثر مما أقر به، وكيف أعطيه ألفين وهو يقول: إني اشتريته بألف؟ ! فصار لدينا الآن حقان: الحق الأول حق البائع على المشتري، وثبت أنه بألفين.
والثاني حق المشتري على الشفيع، وثبت بأنه بألف بإقرار المشتري.
ومنها تتبعض الأحكام باختلاف أسبابها.
ولكن لو قال المشتري: أنا نسيت أو غلطت، أو أنا رجل لا أدري عن تجارتي؛ تجارتي بيد العمال، فظننت أنه بألف فقلت: بألف، فهل يُقْبَل قوله في هذه الحال أو لا؟ لا يُقْبَل، وقالوا: إن غلطك على نفسك، وإن جهلك على نفسك، وإن نسيانك على نفسك، ولا نقبل قولك، لا عذر لمن أقر، وهذا هو المشهور من المذهب كما علمتم.
والقول الثاني في المسألة: أنه إذا كان المشتري معروفًا بالصدق وقال: إني نسيت الثمن أو غلطت؛ أردت أن أقول: ألفين فقلت: ألف، أو أنا رجل لا أباشر أعمال التجارة، يباشرها غيري، وهذا الذي ظننته، فما المانع من أن نقبل قوله، ولكن باليمين؟ وهذا القول هو الراجح، بل المتعين؛ لئلا تضيع الحقوق، ولأننا أثبتنا أن على المشتري كم؟ ألفين بمقتضى الشهادة التي أتى بها البائع، والمسألة كلها صفقة واحدة تعتبر، فلا يمكن أن نبعضها، والسبب واحد.
إذن الصواب أنه إذا ثبت أن البيع بأكثر مما أقر به المشتري؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ما هو القول الراجح؟ الطالب: إذا كان المشتري صادقًا .. الشيخ: صادق بأيش؟ الطالب: بنفسه في الثمن ( ... ). الشيخ: هو قال: بألف اشتريته، وثبت أنه بألفين، ثم قال: إنه غلط أو نسي أو جاهل؟ الطالب: نقبل قوله بيمينه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2169

الشيخ: على القول الراجح؟ إي نعم، يُقْبَل قوله بيمينه؛ لأن ما قاله محتمل، وهو رجل معروف بالصدق، فتعين أن نعطيه ما ثبت دون ما أقر به.
قال: (ولو أثبت البائع بأكثر) فإن أثبت البائع بأقل -عكس المسألة- وهو قال: اشتريته بألف، وأثبت البائع أنه بثمان مئة، فماذا نقول؟ طلبة: قول البائع.
الشيخ: نقول: إن هنا يأخذه الشفيع بما أثبته البائع؛ لأنه ظهر كذب المشتري أو غلطه أو جهله.
أفهمتم الصورة هذه؟ المشتري قال: إني اشتريته بألف، وأثبت البائع أنه اشتراه بثمان مئة، لدينا الآن دعوى المشتري أنه بألف، وثبوت أن الثمن ثمان مئة، فهل نأخذ بدعوى المشتري ونلزم الشفيع بألف، أو نأخذ بما ثبت؟ هنا نأخذ بما ثبت؛ لأنه تبين أن المشتري كاذب؛ إما متعمدًا الكذب، وإما غالط، وإما جاهل.
(وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت) وجبت أي: الشفعة، إذا قال البائع: إني بعت نصيبي.
والبائع هنا مشارك ولَّا مستقل؟ طلبة: مشارك.
الشيخ: إذا قال البائع للشريك: إني بعت نصيبي على فلان، وقال فلان: لم أشتره منه، يقول المؤلف: (وجبت) أي: الشفعة؛ لأن البائع الآن أقر بأن الملك انتقل إلى من؟ إلى المشتري، وبإقراره تثبت الشفعة، ولا نلزم المشتري بذلك؛ لأنه ليس عند البائع إلا الدعوى، أما لو أقام بينة بأنه باعه فالأمر واضح، لكن ليس فيه إلا دعوى البائع، فصار الكلام الآن إقرار ودعوى؛ إقرار بالنسبة للشفيع، ودعوى بالنسبة للمشتري.
أصل المسألة: أن البائع أقر بالبيع على فلان وفلان، قال: لم تبع عليَّ.
فهنا نقول: تضمن قول البائع إقرارًا ودعوى، إقرار أيش؟ أنه باع، وإذا أقر بالبيع فلزم هذا البيع ثبوت الشفعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2170

ودعوى على من؟ على المشتري؛ المشتري يقول: أبدًا، أنا ما اشتريت، المشتري بريء حتى يقيم البائع البينة، فالمشتري الآن ليس عليه شيء.
والصواب أن نقول بالتعبير: المدعى عليه الشراء؛ لأنه لم يثبت أنه مشترٍ، هذا لا شيء عليه، ولكن تثبت الشفعة، فيقال للبائع: بكم بعت؟ قال: بعت بألف، يأخذ الشفيع بكم؟ بألف.
يقول رحمه الله: (وعهدة الشفيع على المشتري) العهدة هي ما نعرفه بالمسؤولية، هذه العهدة مسؤولية الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع، كيف العهدة؟ يعني: لو ظهر أن الشقص مغصوب أو أنه ملك لغير البائع أو ما أشبه ذلك أو أن البائع باعه على شخص ثم باعه مرة أخرى -وهذا ربما يقع- فالعهدة على من؟ عندنا ثلاثة: بائع ومشترٍ وشفيع، عهدة الشفيع على المشتري، الشفيع ما يدور أحد إلا المشتري، لو أن الشفيع ذهب إلى البائع وقال: وجدت أن الأرض بها عيب؛ أن الأرض مملوكة، أن الأرض مرهونة، فهل يملك أن يطالبه؛ أعني: الشفيع يملك أن يطالب البائع؟ لا، سيقول البائع له: وجهك على المشتري، أنا ما بعت عليك ولا شيء.
إذن عهدة الشفيع على المشتري بالتسلسل، عهدة المشتري على البائع.
فلو أن الشفيع طالب البائع بالعهدة فإنه ليس له حق، إلا في مسألة مرت علينا؛ إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري، فهنا عهدة الشفيع على من؟ على البائع؛ لأن المشتري لم يثبت أنه اشترى، فعليه يحتاج أن يستثنى من هذا.
(عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع) إلا فيما إذا ادعى البائع البيع وأنكر المشتري فإن الشفيع ليس له عهدة على المشتري.

الجزء: 2 - الصفحة: 2171

ومن هنا نعرف أن ما يفعله الآن بائعو السيارات غلط محض؛ تجده يشتري السيارة، ثم يبيعها، والثاني يبيعها، والثالث يبيعها، وتكتب السيارة باسم الرابع على أنه اشتراها من الأول، وهذا غلط؛ لأنه لو ظهر أن السيارة مسروقة، فالمشتري الرابع يطالب من؟ حسب الوثيقة يطالب الأول، وقد تكون مطالبة الأول صعبة، لكنه يجب في هذه الحال أن يقال: فلان باع السيارة على زيد، وزيد باعها على عمرو، وعمرو باعها على خالد، وخالد باعها على بكر، يجب التسلسل؛ من أجل أن يعود كل إنسان إلى من باع عليه حتى لا يقع الغلط.
(عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع) قلنا: يستثنى منها أيش؟ إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري.
العهدة فهمتوها الآن، ما هي؟ الطلبة: المسؤولية.
الشيخ: المسؤولية التي يُطَالَب بها الإنسان.
طالب: لو رجع ( ... ) لماذا لا نقول بالصحة ونقول يرجع الأول على الثاني، والثاني على .. ؟ الشيخ: ما يستقيم.
الطالب: لماذا يا شيخ؟ الشيخ: لأن الأول ما اشتراها من الثاني، بل بالعكس؛ الثاني هو الذي اشتراها من الأول.
الطالب: صحيح؟ طالب: إذا ( ... ) الشقص ( ... )؟ الشيخ: لا، يأخذه بأرشه، لكن فيما أظن أن بعض العلماء يقول: إنه إذا انتقل الشقص بشفعة فإن الملك يكون للشفيع من العقد الأول، لكن هذا القول ضعيف؛ لأنه سبق لنا أن نماءه للمشتري، فغرمه عليه أيضًا.
طالب: في مسألة إذا كان الشفيع أبًا للمشتري، فإن الشفيع يأخذ الشقص ( ... ) حتى ( ... )؟ الشيخ: لا، مستثنى هذا؛ يعني: لو فرضنا أنه تضرر وأنه لا يمكن للأب أن يتملكه، فهنا لا شك أنه ما له يتملك؛ لأن من شروط تملك الأب ألَّا يلحق على الابن ضررًا.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- إذا كان الثمن مؤجلًا فما الحاجة ( ... )، لماذا لا يرجع الشفيع على البائع أولًا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2172

الشيخ: قد يكون البائع أولًا: مماطلًا أو معسرًا، فيقول الشفيع: أنا ما أعرف الأول، البائع الأول فقير، والمشتري غني، تبين أن الشقص مغصوب، أو أن البائع الأول قد باعه على شخص آخر ولكنه فقير، الشفيع يقول: ما أرجع على هذا.
الطالب: يا شيخ، أليس الشفعة حق للجار على جاره .. ؟ الشيخ: لا، ما هي للجيران.
الطالب: ( ... ) حق لشفيع، لماذا نقول: طالب من لك الحق عليه، حتى هذا الرجل الجديد، فلما أخرجناه في الشفعة يخرج؟ الشيخ: لا، ما يخرج؛ لأنه انتقل الملك من البائع الأول إلى المشتري، انتقال تام، وسبق لنا أن له نماءه المنفصل، والمتصل على القول الراجح؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: ما يخالف، ولو كان لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعَ» (6). طالب: ( ... ) قرينة، ( ... ) من البينة، لماذا ( ... ) ونقول .. ؟ الشيخ: ما فيه بينة، الشفيع يقول: المشتري ( ... ) العهدة على المشتري للشفيع، وعلى البائع للمشتري، فيقول الشفيع: ويش ذنبي؟ رجل أقر عندي بأنه اشتراها بثمان مئة، وذاك البائع أثبتها بألف، أنا ما أدري؛ ولهذا قلنا: إن القول قول المشتري في هذا الحال إذا كان معروفًا بالصدق وأنه لا يمكن أن يخالف.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: يقول: أنا ما أعرف، يمكن يكون ثمان مئة تريد أن تسمح عني بالمئتين، لكن عند العلماء إذا أقر الإنسان فالاحتمال غير مقبول، حتى لو احتمال غلط.
طالب: إذا تعذر ( ... ) المشتري فهل تكون ( ... ) البائع؟ الشيخ: لا، يقال ( ... ) للمشتري في أي مكان، وهذه مشكلة، مثلًا إنسان باع على شخص سيارة في غير الشفعة باع عليه سيارة، ثم إن المشتري باع السيارة وهرب، ثم ظهر أن السيارة مملوكة، وثبت بالبينة أنها ملك فلان، فلان يأخذها، مشتري السيارة من يرجع عليه؟ طلبة: البائع.
الشيخ: على الذي باع عليه، الذي باع عليه وينه؟ هرب، يضيع حقه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2173

طالب: رضي الله عنك يا شيخ، إنسان باع شقصًا من الأرض على إنسان بمجرد الانتقال للملك، جاء إنسان قابل الشفيع وقال: أكسبك ألفين ريال، قال: ما أني بايع ( ... ) سبعة آلاف مكسب خذها ( ... )، وجاء الشفيع وشفع، للمشتري حق ( ... )؟ الشيخ: لا، هذا ما له حق؛ لأنه ما باع، لكن لو باع بأكثر الشفيع يأخذ بالأحوط لنفسه، ما الأحوط الأقل ولَّا الأكثر؟ الأقل.
طالب: ( ... ) باع المشتري ( ... ) بأحد البيعين؟ الشيخ: إي نعم، لكن ما يرجع عليهم كلهم، يأخذ بأحد البيعين، وإذا أخذ بأحد البيعين صارت العهدة على من أخذه في صفقته.
الطالب: أيش ذنب البائع ( ... )؟ الشيخ: لا، هذه ما تعدد البيع، في المسألة التي ذكرها المؤلف الأخيرة ما تعدد، لكن لو تعدد البيع؛ مثلًا باع زيد على عمرو، وعمرو على خالد، وخالد على بكر، وأخذ الشفيع ببيع خالد؛ لأنه أنقصهم تكون العهدة على خالد دون الآخرين.
طالب: شيخ، في مسألة البناء في الأرض .. إذا بنى الشريك في الأرض التي بها الشركة فلم يستطع أن يشتريها يتملكها، فهل له أن يطالب بالمشاركة؟ الشيخ: لم يستطع الشفيع، يقول: أقلعه، يقلعه ويغرم النقص.
الطالب: فيه ضرر.
الشيخ: على من؟ الطالب: ضرر ( ... ). الشيخ: ما هو مضار، أنا ما أقدر ( ... )، أقلعه وأضمن لك نقصه فقط، كما مر علينا ( ... ). طالب: جزاك الله خيرًا، لو قال البائع: بعتك وكنت أنا المشتري، ثم قلنا: للشفيع أن يشفع، فلو قال البائع وجاء ببينة: إنه باع بألف، والآن يقول: ما أريد أن أبيع بألف، لكن بألف ومئة، هل يشفع للشفيع بألف ومئة ولَّا لا؟ الشيخ: البائع أثبت ببينة أنه باع بألف؟ الطالب: لكن الآن يريد أن يبيع بألف ومئة.
الشيخ: من اللي يريد؟ الطالب: البائع.
الشيخ: لا، ما له إلا ما أقر به.
طالب: أحسن الله إليكم، إن عجز الشفيع ( ... )؟ الشيخ: تسقط.
الطالب: لكن إذا أحضر -مثلًا- كفيلًا أو رهنًا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2174

الشيخ: لا، الرهن ما ينفع، والكفيل ما ينفع؛ لأن هذا حاضر ما هو مؤجل، فيقول: سلمني الآن ( ... )، لكن لو طلب الإمهال، أحيانًا يطلب الشفيع الإمهال، يقول: أنا الآن ما بيدي شيء، لكن أمهلني يومين أو ثلاثة، فهنا يمهل ما جرى به العرف؛ ويمهل يومين، ثلاثة، أربعة، إن رأى الحاكم هذا .. طالب: شيخ، إذا ( ... )؟ الشيخ: فكما لو عجز تسقط الشفعة.


( ... ) ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل ثبتت الشفعة في الشريعة الإسلامية؟ وما الدليل؟ طالب: قول جابر: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم (7). الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
هل الشفعة من محاسن الشريعة أو فيها ظلم؟ طالب: ( ... ). الشيخ: حتى لا يتضرر الشريك السابق بهذا الشريك الجديد.
هل فيها ضرر على الشريك الجديد؟ طالب: قد يكون فيها ضرر.
الشيخ: كيف؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، على الشريك الجديد الذي أخذ منه الشقص، هل فيها ضرر عليه؟ زيد باع على عمرو نصيبه من الأرض، هل على عمرو ضرر إذا أخذ شريكه زيد بالشفعة؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: السؤال: هل عليه ضرر أو لا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: قد يكون وقد لا يكون.
ما هو الضرر الذي يمكن أن يكون عليه؟ الطالب: ( ... ). طالب آخر: أن يكون عليه ضرر ( ... ). الشيخ: ( ... ) يثمن له، ما يخسر.
طالب: ليس عليه ضرر ( ... ). الشيخ: نعم، ليس عليه ضرر إلا فوات الربح إن زادت القيمة، وهذا ليس بضرر، فاته ربح لكنه لم يخسر شيئًا.
وإذا قال قائل: إن فوات الربح كالخسارة، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حَرْثٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» أو قال: «قِيرَاطَانِ» (8)، وهذا فوات؟ فالجواب: أن هذه المضرة إذا قُدِّر وجودها فهي منغمرة في جانب دفع الضرر عن الشريك الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 2175

تعريف المؤلف للشفعة فيه انتقاد؛ استحقاق انتزاع، لكن الشفعة هي استحقاق الانتزاع ولَّا الانتزاع؟ الانتزاع.
إذن تكون العبارة فيها خطأ.
قوله: (وبعوض مالي) الجار والمجرور متعلق بأيش؟ طالب: ( ... ) بانتزاع.
الشيخ: بانتزاع.
طالب: متعلق بالانتقالات.
الشيخ: متعلق بالانتقالات؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إذن عندنا قولان، رجح.
طالب: ( ... ). الشيخ: متعلق بالانتقالات.
ما تقول؟ طالب: ( ... ). الشيخ: انتقلت.
ما معنى قوله: (أو كان عوضه صداقًا)؟ طالب: أن يكون ( ... ) يعني العوض أو الشقص الذي أخذ يكون صداقًا.
طالب آخر: شيخ، ( ... )؟ الشيخ: إي، إذن العبارة فيها ركاكة، كيف نعبر إذا أردنا التعبير الصحيح؟ ذكرتها لكم بالشرح يا إخوان! (أو كان عوضه غير مالي بأن جُعِلَ صداقًا) (أو كان عوضه غير مالي) أما عوض الشخص يكون صداقًا ما يمكن، الصداق لمن؟ للمرأة؛ للزوجة، ما هو للشقص، فيكون في العبارة شيء من الركاكة، والظاهر -والله أعلم- أن سبب هذا أن الفقهاء رحمهم الله يقلد بعضهم بعضًا في التعبير، وقد يختصر الإنسان -مثلًا- العبارة التي قلَّدها فيحصل الخلل.
قوله: (فلا شفعة لجار) هذه مفرعة على أي شيء؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ما أقول: لأنها، أنا أقول: مفرعة على أي شيء؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: على أيش؟ الطالب: غير .. الشيخ: غير شفعة؟ طالب: من حديث .. الشيخ: لا، من كلام المؤلف.
طالب: قوله: (انتزاع حصة شريكه).
الشيخ: من قوله: (انتزاع حصة شريكه) بناء على اشتراط الشركة قال: (فلا شفعة لجارٍ)، هل في هذه المسألة خلاف؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: مطلقًا، فيه قول؟ الطالب: على القول الراجح ( ... ). الشيخ: فيه قول: إنه يشفع.
على كل حال؟ الطالب: على كل حال.
الشيخ: فيه أقوال هذا، لكن ما هو الراجح؟ الطالب: الراجح ( ... ). الشيخ: على كل حال.
والأخ ماذا يقول؟ طالب: ( ... ) يشتركان ( ... ) الشفعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2176

الشيخ: يعني: إن اشتركا في شيء من حقوق الملك؛ كالطريق والماء وما أشبه ذلك فله الشفعة، وإلا؟ الطالب: وإلا ( ... ). الشيخ: هذا على القول الراجح ولَّا المرجوح؟ الطالب: القول الراجح ( ... ). الشيخ: متأكد؟ الطالب: أيوة.
الشيخ: ما هو الدليل على هذا القول، وهو التفصيل؟ الطالب: الدليل على هذا القول .. الشيخ: حديث جابر.
الطالب: نعم، حديث جابر: قضى النبي صلى الله عليه وسلم ( ... ) بالنسبة للشفعة ( ... ). الشيخ: قوله: فإذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة (7). إذن القول الراجح أن الجار له شفعة إذا اشترك مع جاره في شيء من حقوق الملك؛ كالطرق، أو عين الماء تسقي الأرضين، وما أشبه ذلك.
إذا تعدد المشتري هل للشفيع أن يأخذ بأحد نصيب المشتريين؟ طالب: نعم، له ذلك.
الشيخ: له ذلك.
مثاله؟ الطالب: إن اشترى شريكان أو اشترى واحد حق شريكين .. الشيخ: إذا تعدد المشتريان، هل للشريك الأول أو يأخذ ببيع أحدهما؟ الطالب: نعم، مثاله: اشترى زيدٌ وعمرٌو حصة -مثلًا- محمد من الأرض، فللشريك أخذ حق واحد منهما.
الشيخ: توافقون على هذا، يقول: باع زيدٌ نصيبه على اثنين، فلشريكه عمرٍو أن يأخذ من أحد الاثنين ويترك الآخر.
لو تعدد البائعان، هل له أن يأخذ بأحد البيعتين؟ كيف صورتها؟ طالب: ( ... ). لشيخ: هل للشفيع أن يأخذ بإحد البيعتين، مثاله؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: ما يصير هذا.
طالب: يا شيخ، زيد وعمرو ( ... ) باع زيد وعمرو على واحد .. الشيخ: على واحد، تعدد الآن البائعان والمشتري، هل للشفيع أن يأخذ بأحد البيعين؟ الطالب: له أن يأخذ بأحدهما.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
ما معنى قول المؤلف: (ولا شفعة بشركة وقف)؟ طالب: أنه لو كان اثنان في أرض ( ... ) نصيبه وقف عليه، والثاني نصيبه طلق، وباع صاحب النصيب الطلق، فإنه ليس لصاحب النصيب المفروض أن يشفع على الطلق.

الجزء: 2 - الصفحة: 2177

الشيخ: أحسنت، أرض بين شريكين نصيب أحدهما وقف والثاني طلق، فباع من نصيبه طلق على شخص ثالث، فإن الشريك الذي نصيبه وقف لا يأخذ بالشفعة، التعليل؟ طالب: التعليل، القول الراجح؟ الشيخ: لا ما هي بالراجح ( ... ). طالب: ( ... ) قاصر.
الشيخ: بأن ملك الموقوف عليه بالوقف قاصر؛ ولهذا لا يجوز أن يبيعه ولا يرهنه، والملك القاصر لا يقوى على انتزاع المشتري.
هل في هذا قول آخر؟ طالب: ( ... ). الشيخ: أن للموقوف عليه الأخذ بالشفعة.
الطالب: ( ... ). الشيخ: اصبر، ما سألت عن الدليل، اثبت على هذا القول، فيه قول آخر أنه يجوز لشريك الوقف الذي نصيبه وقف أن يأخذ بالشفعة.
هل هذا الراجح؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: هذا الراجح، الدليل؟ الطالب: الدليل ( ... ). الشيخ: وهذا عام، التعليل؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: أن العلة -وهي الضرر- موجودة فيما إذا كان الشريك نصيبه وقف، بل هذا أشد ضررًا، لماذا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: تمام، إذن معناه المشاركة إذا كانت الشركة وقفًا، فإثبات الشفعة فيها من باب أولى؛ لأن الشريك في الوقف إذا رأى الضرر من المشتري لا يتمكن من البيع، بخلاف الذي ملكه طلق، وهذا القول هو الراجح.
قوله: (ولا غير ملك سابق) كيف يكون المثال؟ طالب: اثنان اشتركا في شراء أرض من شخص واحد، فملكهما دخل معه ليس لأحد ( ... ) على الآخر، فلا يشفع أحدهما على الآخر.
الشيخ: بارك الله فيك.
قول المؤلف: (ولا لكافر على مسلم) صورتها؟ طالب: صورتها: لو كان اثنان شريكان؛ أحدهما مسلم والآخر كافر، فباع المسلم نصيبه فإنه ليس للكافر أن يشفع.
الشيخ: على من باع؟ الطالب: باع على كافر أو على مسلم.
الشيخ: ما يصير.
الطالب: باع المسلم نصيبه على مسلم، فليس للكافر أن يشفع.
الشيخ: فليس للكافر أن يشفع، فإن باعه على كافر؟ الطالب: له الشفعة.
الشيخ: له الشفعة، لو كان الشريك كافرًا؛ هذه أرض بين كافرين، فباع أحدهما نصيبه على مسلم؟ الطالب: أيضًا كذلك لا شفعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2178

الشيخ: لا شفعة، نعم، لا شفعة لكافر على مسلم، سواء كان شريكه الذي باع مسلمًا أو كافرًا.
إذا كان شريكه كافرًا وباع على مسلم، هل للكافر الشريك أن يشفع؟ الطالب: له أن يشفع.
الشيخ: انتبه.
الشريك كافر، فباع على مسلم، فهل لشريكه الكافر أن يشفع المسلم؟ الطالب: لا، ليس له أن يشفع.
الشيخ: ليس له ذلك، أحسنت.


باب الوديعة

يقول المؤلف: (باب الوديعة) (الوديعة) وزنها الصرفي (فعيلة)، وثبتت الياء في الميزان؛ لأنها زائدة، وهذه قاعدة صرفية كل الحروف الزائدة في الميزان يؤتى بها بلفظها، كيف تزن قائم؟ فاعل؛ لأن الألف هذه زائدة.
كيف تزن (يُقَام)؟ طالب: (يُفَال).
الشيخ: (يُفَال) غلط.
(باب الوديعة) إذا تَلِفَتْ من بينِ مالِه ولم يَتَعَدَّ ولم يُفَرِّطْ لم يَضْمَنْ، ويَلْزَمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها، فإن عَيَّنَه صاحبُها فأَحْرَزَها بدونِه ضَمِنَ وبِمِثْلِه أو أَحْرَزَ فلا، وإن قَطَعَ العَلَفَ عن الدابةِ بغيرِ قولِ صاحبِها ضَمِنَ، وإن عَيَّنَ جَيْبَه فتَرَكها في كُمِّه أو يَدِه ضَمِنَ وعكسُه بعكسِه، وإن دَفَعَها إلى مَن يَحْفَظُ مالَه أو مالَ ربِّها لم يَضْمَنْ، وعَكْسُه الأجنبيُّ والحاكمُ، ولا يُطالَبانِ إن جَهِلَا، وإن حَدَثَ خَوفٌ أو سَفَرٌ رَدَّهَا على رَبِّها , فإن غابَ حَمَلَها معَه إن كان أَحْرَزَ وإلا أَوْدَعَها ثِقَةً، ومَن أُوْدِعَ دابَّةً فرَكِبَها لغيرِ نَفْعِها أو ثوبًا فلَبِسَه أو دَرَاهمَ فأَخْرَجَها من مَحْرِزٍ ثم رَدَّها , أو رَفَعَ الْخَتْمَ ونحوَه عنها أو خَلَطَها بغيرِ مُتَمَيِّزٍ فضاعَ الكلُّ ضَمِنَ.
يقول المؤلف رحمه الله: (باب الوديعة) (الوديعة) وزنها الصرفي: فعيلة، وثبتت الياء في الميزان؛ لأنها زائدة، وهذه قاعدة صرفية: أن الحرف الزائد في الميزان يُؤتَى به بلفظه، كل الحروف الزائدة في الميزان يؤتى بها بلفظها، كيف تزن (قائم)؟ طلبة: فاعل.

الجزء: 2 - الصفحة: 2179

الشيخ: فاعل؛ لأن الألف هذه زائدة.
كيف تزن (يُقام)؟ طلبة: يُفال.
الشيخ: يفال؟ ! غلط.
طلبة: يُعال.
الشيخ: يعال؟ ! غلط.
طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، (يُقَام) أزنها (يُفعَل)، لماذا جعلْتُ الألف عينًا؟ لأنها أصلية ليست زائدة.
فالقاعدة إذن في الميزان: أن تأتي بالزائد بلفظه.
(الوديعة): فعيلة، حروفها الأصلية ما هي؟ الواو، والدال، والعين؛ ولهذا نقول في وزنها: فعيلة، فنأتي بالياء وبالتاء؛ لأنهما حرفان زائدان، وهي بمعنى مفعولة، أي: مُودَعة.
فلنسأل الآن: ما معنى الإيداع؟ الإيداع: إعطاء المال لمَن يحفظه لصاحبه، وهي بالنسبة للمودِع مباحة، يعني: يباح أن يُودِع الإنسانُ مالَه، وهي بالنسبة للمودَع سُنَّة، بشرط أن يكون قادرًا على حفظها وصيانتها.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا بقرتَه وديعة، صاحب البقرة يجوز أن يعطيها وديعة لهذا الشخص أو لا يجوز؟ يجوز، المودَع الذي سيأخذ البقرة يجوز أن يقبل البقرة وديعة؟ يجوز بشرط أن يكون قادرًا على مؤونتها وحفظها، وإلا فلا يجوز.
كذلك أيضًا: لو فُرِض أن صاحب البقرة أراد أن يُودِعها على مَن يضيعها، فلا يجوز له أن يودعها؛ لأن هذه حيوان تحتاج إلى رعاية وعناية، بخلاف المال، المال الذي لا حياة فيه لا بأس أن يودعه عند شخص.
فهي بالنسبة للمودِع (بالكسر)؟ الطلبة: مباحة.
الشيخ: مباحة.
بالنسبة للمودَع؟ الطلبة: سُنَّة.
الشيخ: سُنَّة بشرط أن يكون قادرًا على حفظها والعناية بها.
إذا تمت الوديعة فعندنا: مودِع، ومودَع، ومودَع إليه.
المودِع: صاحب المال.
والمودَع: المال.
والمودَع عنده: مَن؟ طالب: المُؤتمَن.
الشيخ: المُؤتمَن.
المؤلف لم يتكلم على هذا، وكأنه رحمه الله علم أن المسألة واضحة فلم يتكلم عليه، وتكلم على الآثار الناتجة أو المترتبة على الوديعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2180

بهذا التعريف للوديعة يتبين لنا أن قول العامة الآن إذا جعلوا أموالهم عند البنوك أو ما يُلحَق بها؛ قالوا: هي وديعة.
يتبين أن هذا القول غير صحيح؛ لأنهم لم يجعلوا الدراهم عند البنك -أو ما يقوم مقامه- لم يجعلوها للحفظ؛ إذ إن الدراهم ستُجعل في صندوق البنك وسيتصرف فيها، فهو في الحقيقة قرض وليس بوديعة؛ ولهذا نص الفقهاء رحمهم الله على أن المودِع إذا أذن للمودَع أن يتصرف في الوديعة صارت قرضًا.
فكلمة إيداع خطأ؛ لأن الإيداع أن يبقى المالُ لصاحبه على ما هو عليه، وهي في الحقيقة: إقراض وليست إيداعًا، ولذلك لو كانت إيداعًا لقلنا: يجب على البنك أن يجعلها في غلافها، وألا يتصرف فيها.
ماذا يترتب على هذه المسألة؟ يترتب لو أن البنك احترق بأمواله بدون تعدٍّ ولا تفريط، فإذا قلنا: إن وضع المال فيه وديعة؟ طالب: فلا ضمان عليه.
الشيخ: فلا ضمان عليه، وإذا قلنا: إنه بإذن صاحب المال للبنك أن يتصرف فيه صار ضامنًا، كما لو احترق مال المستقرِض فإن القرض ثابت في ذمته.
يقول المؤلف رحمه الله: (إِذَا تَلِفَتْ من بينِ ماله ولم يتعدَّ ولم يفرطْ لم يضمنْ، وإن تلفَتْ مع ماله فمِن بابِ أولى) (إذا تلفت) يعني الوديعة (من بين ماله) بأن احترقت، أو أفسدها المطر، أو سرقها السراق دون أن يتأثر ماله بذلك: فلا ضمان على المودَع، ما الدليل؟ الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] والمودَع محسن، فإذا كان محسنًا فلا ضمان عليه، لكن إن تعدى أو فرط ضمن.
إن تعدى بأن أخذ الوديعة أو فك قَيْدَها، أو فرط بأن وضعها في غير حرز، والفرق بين التعدي والتفريط من حيث العموم؛ أن التعدي فِعْل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب، فلننظر إذا كان المودَع طعامًا فأكله المودَع عنده، فهذا أيش؟ طلبة: تعدٍّ.

الجزء: 2 - الصفحة: 2181

الشيخ: هذا تعدٍّ.
إذا كان طعامًا وأبقاه في ليالي الشتاء خارج السقف، فهذا تفريط؛ لأنه ترك ما يجب.
فصار تلَفُ الوديعة إن كان بتعدٍّ أو تفريط: ضمن المودَع عنده، وإلا فلا.
وإذا قال قائل: لماذا قال المؤلف: (من بين ماله)؟ لماذا لم يتركها مفتوحة: إذا تلفت ولم يتعدَّ ولم يفرط لم يضمن؟ قلنا: إنه قال هذا إشارة إلى قول بعض العلماء: إنها إذا تلفت من بين ماله فهي مضمونة مطلقًا؛ قالوا: لأن تلفها من بين ماله يدل على نوع تفريط، وإلا فما الذي جعلها تتلف دون ماله؟ ! ولكن الصحيح ما قاله المؤلف: أنه لا ضمان على المودَع عنده إلا بتعدٍّ أو تفريط.
ثم قال مبينًا ما يجب على المودَع عنده: قال: (ويلزمُه) أي: المودَع عنده (حِفظُها في حرز مثلها)، الحِرْزُ: ما يَصُون الشيء ويحمي الشيء، فمثلًا الذهب أين يوضع؟ طلبة: في الصناديق.
الشيخ: في الصناديق المُغلقة الوثيقة، وكلما ازداد الخوف وكثُر السراق وجب التحفظ أكثر فأكثر.
إذا أودعه شاة أيضعها في الصندوق الوثيق؟ ! طلبة: لا.
الشيخ: لو فرضنا أنه وضعها لصار ضامنًا؛ لأنه تعدى إذ ليس هذا مكانًا لها.
وقول المؤلف: (في حرز مثلها) هذا يدل على أن كل مال معتبر بنفسه.
(فإن عيَّنه صاحبُها) أي: عيَّن الحرز، (فأحرزها) أي: حَفِظَها (بدونه ضَمِن، وبمثله أو أَحْرَزَ فلا).
(إن عيَّنه صاحبها فأحرزها بدونه): ولو كان الحرز الذي أحرزها به حرز مثلها عادة فإنه يضمن، فلو أعطاه كتابًا وقال: احفظ هذا الكتاب في الصندوق التجُوري، تعرفون الصندوق التجوري؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، خزانة الأموال، خزانة الذهب والفضة، وهي خزانة قوية ثقيلة، قال: احفظ الكتاب في الصندوق التجوري.
فحفظه في شنطة عادية -أتعرفون الشنطة؟ قولوا: لا بعد! تعرفونها- حفظه في شنطة عادية، فجاء السارق فسرقه هو والشنطة، مع أن الشنطة عادة حرز للكتاب، فهنا عليه الضمان، لماذا؟ لأنه حفظها بأدنى مما عينه صاحبها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2182

فإذا قال المودَع عنده: أنا حفظتها في حرز مثلها، كل الناس يجعلون الكتب في الشناط، وربما جعلوها في الرفوف بارزة.
نقول: لكن صاحب الكتاب عَيَّنَ، لماذا لم تقل له: لا، حينما قال: ضعه في الصندوق التجوري؟ لماذا لم تقل: لا؟ أما أن تأخذها على أنك ستضعها فيما عيَّن، ثم تُحرِزها بما دونه فعليك الضمان.
(وبمثله) فلا ضمان، (أو أحرز) فلا ضمان.
مثل أن يقول له: خذ هذا الكتاب اجعله في هذا الصندوق، ويُعَيِّن، فأخذه وجعله في صندوق مثله، فهنا لا ضمان، إلا أن يتميز الصندوق الذي عينه بزيادة حرز، بكونه داخل البيت مثلًا أو نحو ذلك فهنا يضمن، إذا عينه فأحرزها بأقوى؟ طلبة: فلا ضمان.
الشيخ: فلا ضمان، مثل أن يقول: احفظها في هذا الصندوق، والصندوق صغير يمكن للسراق أن يحملوه، فأحرزها في صندوق أكبر، هل يضمن أو لا؟ طلبة: لا؟ الشيخ: لا يضمن؛ لأنه أحرزُ.
رجل عنده صناديق ستة مثلًا، وقال له: احرزها في آخر ما يكون.
فأحرزها في أول ما يكون، يضمن أو لا يضمن؟ طلبة: لا يضمن.
طلبة آخرون: يضمن.
الشيخ: ما شاء الله، هي ستة من الباب إلى نهاية الحجرة، قال: احفظها في هذا؛ آخرها.
فأحرزها في الأول، يضمن أو لا يضمن؟ طلبة: يضمن.
طالب: فيه التفصيل.
الشيخ: الظاهر إن اللي قال: فيه التفصيل، ذكي، فراسة فقط؛ لأنه لما رآني توقفت قال: لعل فيها تفصيلًا.
نشوف الآن: أيهما أحرز: آخر واحد ولَّا أول واحد؟ طلبة: آخر واحد.
الشيخ: آخر واحد قد يكون أحرز؛ لأنه أبعد من أن يأخذ السارق الصندوق أو يكسره ويمشي على طول، وقد لا يكون أحرز؛ لأن السارق سيقع في نفسه أن الأبعد هو اللي فيه المال المهم، فهنا أحدهما أحرز من الآخر من وجه، فأيهما نُغَلِّب؟ الظاهر أن مثل هذه الحال يقال: إنه أحرزه بمثله؛ لأن كل واحد من الأعلى والأول أحرز من الآخر من وجه، فإن لم يكن كذلك فالقاضي عنده الأمر، يُرفع الأمر إلى القاضي ويحكم بما يراه صوابًا.


الجزء: 2 - الصفحة: 2183

طالب: شيخ بارك الله فيك، لو أن الشفيع أسقط شفعته قبل أن يتم البيع، ثم لما تم البيع قال: إن لي الشفعة، هل ( ... ) صاحب البيع؟ الشيخ: ما سبب ثبوت الشفعة؟ الطالب: البيع.
الشيخ: البيع، هل يصح أن يُقدَّم المسبب على السبب؟ الطالب: لا.
الشيخ: لا يصح، فعند الفقهاء لا يصح هذا الإسقاط، وله أن يطالب بعد البيع؛ لأن هذا من باب تقديم الشيء على سببه، ولكن ظاهر الحديث الوارد في هذا -أنه لا يحل للشريك أن يبيع حتى يُؤذِن شريكَه-يدل على أنه إذا أسقطها سقطت، وهذا هو الأصح؛ لأن ما دل عليه الدليل مقدم على القواعد، ثم إن هذا أسقط نصيبه، فلو طالب بالشفعة بعد أن أسقطها صار في ذلك تغريرٌ للبائع وللمشتري، فالصواب أنها تسقط.
طالب: أحسن الله إليك، يقول: (أو اشترى شقصين من أرض صفقة واحدة فللشفيع أخْذُ أحدِهما).
طيب هذا الشفيع .. الشيخ: لا، (شقصين من أرضين).
الطالب: من أرضين.
إيه.
( ... ).


الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، ما هو تصرُّف المشتري الذي يُبطِل حقَّ الشفيع؟ طالب: على قول المؤلف؟ الشيخ: الضابط على قول المؤلف؟ الطالب: الضابط على قول المؤلف: إنْ تصرَّف فيه بنقل ملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداء.
الشيخ: نعم، أنْ يتصرَّفَ فيه المشتري بنقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداء، هذا هو الضابط، مثاله؟ صوِّر صورة المسألة.
طالب: مثال: اشترى المشتري من الشريك الأول .. الشيخ: باع زيد.
الطالب: باع زيد على عمرو نصيبه، فوهب عمرو نصيبه إلى رجل آخر: تسقط الشفعة.
الشيخ: أحسنت، تسقط الشفعة، التعليل؟ الطالب: التعليل أنه انتقال بغير حق.
الشيخ: لأنه انتقل على وجه لا تثبت به الشفعة ابتداء، وإذا كان لا تثبت به الشفعة ابتداء فما تفرَّع على ذلك من باب أولى.
هل إذا أجَّر الشفيع الشِّقْص هل تسقط الشفعة؟ طالب: لا تسقط.
الشيخ: لا تسقط الشفعة، وكيف نصنع؟ الطالب: أجَّره؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: لأنه ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2184

الشيخ: يعني هذه عمارة مثلًا فيها شركة مشتركة بين اثنين، لكل واحد نصفها، فأجَّر أحدُهما نصيبَه لشخص، هل تثبت الشفعة أو لا؟ اشترى واحد نصيب هذا الشريك ثم أجَّره، هل تسقط الشفعة أو لا؟ الطالب: لا تسقط الشفعة.
الشيخ: كيف نعمل إذا قلنا: لا تسقط؟ طالب: على المذهب: لا تثبت ابتداء.
الشيخ: يعني ويأخذ الشفعة.
الطالب: ويأخذ الشفعة، وعلى القول الراجح: يأخذ الشفيع أجرة في نصيبه بالشفعة.
الشيخ: يعني على القول الراجح: لا تنفسخ الإجارة، وللشفيع نصيبه من الأجرة من حين أخَذ بالشفعة، هذا القول هو الراجح.
كيف تنزل هذا على الضابط؟ الضابط الذي قلنا: إنه يُسقِط الشفعة، كيف ننزل مسألة التأجير على هذا الضابط؟ طالب: ضابط سقوط الشفعة يعني؟ الشيخ: ما هو قلنا: لو أن المشتري الذي اشترى الشقص وهبه فليس للشريك أن يُشَفِّع، تسقط الشفعة، وذكرنا الضابط لهذا، قلنا: لو أجَّره المشتري انفسخت الإجارة والشفعة باقية ما تسقط، فما الذي يمكن أن نعرف أن هذا هو الحكم من الضابط اللي ذكرنا؟ الطالب: لأنه لم تثبت ابتداء الشفعة.
الشيخ: لا.
طالب: لأن الملك لم ينتقل.
الشيخ: لأن الملك لم ينتقل، وإحنا ذكرنا: لا يسقطها إلا انتقال الملك على وجه؟ طلبة: لا تثبت به الشفعة.
الشيخ: لا تثبت به الشفعة.
خذوا هذا الضابط عشان كل مسألة تفرع عليه.
بناء على هذا الضابط: لو أنه تصرَّف برَهْنٍ؟ طالب: لا تسقط الشفعة.
الشيخ: لا تسقط بناء على هذا الضابط، خلاف اللي ما مشى عليه الماتن، الماتن يرى أن الرهن مثل الوقف، ولكنه قول ضعيف.
فماذا نصنع؟ الطالب: له أن يأخذ بالشفعة، ولكن إذا سدَّد المدينُ الدينَ وفكَّ الرهن تخرج من يديه.
الشيخ: إحنا ذكرنا فيها القول الصحيح والقول المرجوح.
الطالب: المذهب يقولون: إنه يأخذ بالشفعة في الحال ويبطل الرهن.
الشيخ: يأخذ بالشفعة في الحال ويبطل الرهن.
والثاني؟ الطالب: القول الراجح: أنه لا يبطل الرهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 2185

الشيخ: أنه لا يبطل الرهن.
الطالب: فينتظر حتى يفك الرهن ويأخذه بالشفعة.
الشيخ: هذا القول الراجح.
قوله رحمه الله: (إن بنى أو غرس) مَن الفاعل؟ طالب: المشتري.
الشيخ: المشتري، إذا بنى أو غرس ثم أخذه الشريك بالشفعة فماذا يصنع؟ طالب: يخير الشريك يعني المشفع، يخير الشريك بأن يُبقى الغرس ويدفع قيمته للمشتري.
الشيخ: لكن هذا التخيير قبل أن يُخيَّر الباني أو الغارس، أو نقول: نبدأ بالباني والغارس ونقول: هل تريد أن تأخذ غرسك وبناءك؟ طالب: نبدأ بالباني والغارس؛ لأنه حق له.
الشيخ: لأن الملك ملكه، الغراس هو اللي أتى به، والبناء هو اللي أتى بمواده، فيقال للغارس والباني: هل تريد أن تأخذه فهو لك، إذا لم ترد نقول للشفيع: أنت مخير.
أفهمت؟ المؤلف رحمه الله يقول: إن ربه يخير، وإذا اختار قلعه فهل له ذلك مطلقًا أو بشرط؟ طالب: قيَّده بعدم الضرر.
الشيخ: قيده المؤلف بعدم الضرر، والمذهب؟ الطالب: ما خالف.
الشيخ: لا، هذا خالف المذهب، المؤلف في هذا الفصل خالف المذهب في مسألتين: في مسألة الرهن، ومسألة الضرر.
المذهب: له أخذه ولو تضررت الأرض -عرفْتَ- لكن ما مشى عليه المؤلف هو الصحيح: أن له أن يأخذ بلا ضرر.
إذا قال ربُّها: أنا لا أريده، ما فائدتي من أن أنقض شيئًا بُني ولا يساوي عندي شيئًا؟ فماذا نقول؟ طالب: يقال: تُقيم.
الشيخ: نقول للشفيع أيش؟ الطالب: تأخذ القيمة ( ... ). الشيخ: هو الآن انتهينا من الغارس والباني انتهينا منه، قال: أنا بخلي الغرس يبقى والبناء يبقى ما به.
فماذا نقول للشفيع؟ أنت بالخيار بين أيش؟ الطالب: نعم يا شيخ، بين قبولها وتقييمها.
الشيخ: هذه واحدة، وبيْنَ؟ يعني بين أخْذِه بقيمتها وبيْنَ؟ الطالب: وبين بيعِها.
الشيخ: إيه! يُخيَّر بين أخْذِه بالقيمة وأيش؟ طالب: وبيْن قلْعِه ويضمن النقص.

الجزء: 2 - الصفحة: 2186

الشيخ: وبين قلعه ويضمن النقصَ، تمام، يعني يُخيَّر بين أمرين، نقول: إما أن تقلعه وتضمن النقص نقصه؛ لأنك قلعته لمصلحتك وظلمت مَن وضعه بحق، أو يأخذه بقيمته، كيف نعرف قيمته؟ طالب: بتقييمها؛ تقييم هذه الأرض خالية من هذا البناء، وتقييمها وفيها البناء، الفرق هو .. الشيخ: الفرق هو قيمة البناء، فإذا كانت تساوي بيضاء مئة ألف، وبالبناء مئة وخمسين، كم قيمة البناء؟ الطالب: خمسين.
الشيخ: تمام طيب.
شفيع أخذ بالشفعة وقال للمشتري: كم القيمة؟ قال: ألف ريال.
ولكن البائع قال: القيمة ألفان.
وأثبت ببينة أن القيمة ألفان.
طالب: هنا يأخذ الشفيع بما أقر به البائع؛ وذاك لأنه أقر بنفسه.
الشيخ: أقر على نفسه بأنه لا يستحق أكثر من ألف.
الطالب: نعم، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف.
الشيخ: اصبر، والبائع؟ الطالب: البائع ما له شيء.
الشيخ: ما له شيء؟ الطالب: لا، البائع أصلًا أخذ إذا كان .. الشيخ: افرض أنه ما أخذ إلى الآن؟ الطالب: يدفع.
الشيخ: ويش لون؟ الطالب: لأن المشتري يُلزَم بأن يدفع ألفين للبينة اللي مع البائع.
الشيخ: يعني إذا أقام البائع بينة بأن الثمن ألفان يُلزم المشتري.
الطالب: نعم.
الشيخ: نقول: سلِّم للبائع ألفين، وخذ من الشفيع ألفًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: ويش يكون بهذا؟ ما هو ظلم هذا؟ الطالب: ليس بظلم من جهة أنه أقر على نفسه.
الشيخ: نقول: هنا تتبعض الأحكام ويُعطَى كل إنسان ما يقتضيه لفظُه، والله عز وجل يقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]. هذا أقر على نفسه، شهد على نفسه أنه ما يستحق على الشفيع إلا ألفًا.
ماذا قلنا؟ طالب: قلتم في هذه الأخيرة: أنه لو قال المشتري: أنا أخذته بألف.
وقال البائع: بل أنا بعته إليه بألفين.
فإنه -الشفيع- يدفع للمشتري ألفًا، والمشتري يدفع للبائع ألفين؛ لأنه أقر على نفسه.
الشيخ: لكن ما هو بظلم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2187

الطالب: لأنه هو الذي تسبب في نفسه، وهنا تتبعض الأحكام.
الشيخ: تتبعض الأحكام صحيح، فنقول للمشتري: ليس لك إلا ما أقررت به، وهو الألف.
ونقول للبائع: لك ما أقمت البينة عليه، وهو كم؟ طلبة: ألفان.
الشيخ: ألفان.
وهذا واضح، مأخذ هذه المسألة واضح جدًّا، لكننا ذكرنا على هذا ملاحظة، مَن يعرفها؟ طالب: إذا كان المشتري .. الشيخ: يعني لو قال المشتري: أنا غلطت.
الطالب: قال: أخطأت.
يُقبل قولُه بعينه، يقول: نسيت، أو اشتريته بألفين.
فنقبل قوله بعينه إذا كان ثقة.
الشيخ: يعني على كل حال المشتري الآن اللي بيقول: أنا اشتريته بألفين، والدليل البينة -هذه البينة اللي شهِدَتْ للبائع بأنه باعه بألفين- وأخَذَ مني ألفين، هذه البينة، أعطني ألفًا، يقول للشفيع: أعطني ألفًا مع الألف الذي أعطيتني.
الطالب: أولًا نقول له: أنت اعترفت على نفسك في البداية.
الشيخ: صحيح.
الطالب: فإذا قال: أنا نسيت.
ننظر إليه؛ إذا كان ثقة قَبِلْنا قولَه بعينه.
الشيخ: طيب، إذن نقول له: أنت الآن تريد أن تحتج ببينة البائع، وأنت في الحقيقة كذَّبْتَ البينة ولَّا لا؟ كيف كذَّبها؟ لأنه أقر أنه بألف، فإقراره هذا يتضمن أنه كذَّب البينة التي قالت: إنه بألفين.
واضح؟ لكن كما قلنا: إنه إذا ادَّعى الغلط أو النسيان فإنه على القول الراجح: إذا كان معروفًا بالصدق يُقبل قولُه، خصوصًا إذا عرفنا أن مثل هذا الشقص ليست قيمته ألف ريال، وأن قيمته أكثر من ألف ريال، فهنا لا شك أننا نأخذ بقول المشتري: إنه أخطأ أو نسي.
يقول: (عهدةُ الشفيعِ على المشتري، وعهدةُ المشتري على البائع) ويش معناه؟ طالب: يعني تبعاته والمسؤولية .. الشيخ: التبعات والمسؤولية؟ الطالب: على المشتري.
الشيخ: على المشتري من قِبَل الشفيع.
الطالب: نعم.
الشيخ: (وعهدةُ المشتري على البائع)، ما يُستثنَى من هذا شيء؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2188

طالب: صورة من الصور وهي: إذا قضى البائع بالبيع وأنكر المشتري، فهنا عهدة الشفيع على البائع.
الشيخ: تمام، إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري، هنا عهدة المبيع على؟ الطالب: البائع.
الشيخ: على البائع؛ لأن المشتري ما أقرَّ.
كيف نأخذ بالشفعة والمشتري أنكر أن يكون اشترى، والشفعة فرع عن الشراء؟ الطالب: نقول يا شيخ: إن البائع قال بحقين: حق المشتري، وحق الشفيع.
فلما أنكر المشتري حقه ثبت حق الشفيع.
الشيخ: تمام صحيح.


الآن نأخذ من الوديعة شُوَي.
بسم الله الرحمن الرحيم، نسأل: ما حكم الوديعة بالنسبة للمودَع وللمودِع؟ طالب: حكم الوديعة بالنسبة للمودِع: مباحة، وللمودَع: سُنَّة إذا استطاع حفظَها.
الشيخ: أحسنت، إذن هي للمودِع مباحة، وللمودَع سنة إذا كان قادرًا على حفظها.
ما هو الدليل على سُنيتها بالنسبة للمودَع إذا كان قادرًا؟ طالب: ينظر ( ... ). الشيخ: لا، هذا ما هو صحيح؛ لأن هذا ما هو ببِرٍّ ولا تقوى، هذه معاملة عادية.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، فيه آية أوضح من هذا، أخذتها أظن.
طالب: يقول الله عز وجل: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾.
الشيخ: أحسنت، عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. ما هو الواجب أن يحفظها المودَع في أي مكان شاء؟ إذا أودعك إنسان شيئًا فما الواجب عليك أن تحفظه فيه؟ طالب: في الحرز يا شيخ، في شيء يحفظه.
الشيخ: حرز مثلِه ولَّا أَحْرَز ولَّا أدَوْن؟ الطالب: حرز يحفظ الوديعة.
الشيخ: إذا أودعه شاة يجعلها في الصندوق التجوري؟ ! الطالب: لا يا شيخ، في مثل ( ... ) بشروط.
الشيخ: صحيح، بارك الله فيك، جيد.
وإذا أودعه ذهبًا؟ الطالب: في الصندوق التجوري.
الشيخ: صح، إذن يختلف الحرز باختلاف المال.
عيَّن المودِعُ حرزًا فأحرزه المودَع بآخَرَ؟ طالب: إن كان مثلَه فنَعَم، أو أحرزَ منه فنَعَم.
الشيخ: ويش معنى نَعَم؟ الطالب: يعني .. الشيخ: يضمن؟ الطالب: ما يضمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 2189

الشيخ: يعني إن كان مثلَه أو أكثرَ فلا بأس.
وإن كان دُونَه؟ الطالب: إن كان دُونَه يضمن.
الشيخ: ولو كان حِرْزَ مثلِه؟ الطالب: وإن كان حرزًا مثلَه لا يضمن.
الشيخ: لا، شف، عيَّن حرزًا وأودعه بدونه حِفْظًا، لكن هذا الدُّونَ حرزُ مثلِه.
الطالب: هنا يضمن.
الشيخ: يضمن، لماذا؟ الطالب: لأنه عيَّن الحرز، وهو أودعه في غيره فيضمن.
الشيخ: لأن المودِع عيَّن الحرز، فلا بد أن يودعه في نفس المكان الذي عيَّنه.
صحيح.
نأخذ الدرس الآن: قال: (وإنْ قطع العلف عن الدابة بغير قول صاحبها ضَمِن) (إنْ قطع) الضمير يعود على المودَع.
وقوله: (عن الدابة) يعني: المودَعة، (بغير قول صاحبها ضمن): لأنه لا شك أنه مفرط.
ولكن إذا قال المودَع: أنا قطعت العلف عنها؛ لأني لا أريد أن أنفق عليها من مالي، العلف غالٍ، ولا أدري متى يأتي صاحبها؟ قلنا له: أنت مفرط بلا شك؛ لأنك إذا أنفقت عليها فسوف ترجع على صاحبها، فليس عليك ضرر.
وهنا المسألة لا تخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يودعه الدابة ويقول: يا فلان أنفق عليها.
والثانية: أن يودعه ويقول: لا تنفق.
والثالثة: أن يودعه ويسكت.
فعليه الضمان في حالين، ولا ضمان عليه في حال.
الحالان هما؛ إذا قال: أنفق عليها ولم ينفق، أو سكت.
ففي هذين الحالين إذا تلفت الدابة فإنه يضمن؛ لأنه مفرط، كما لو وضعها في برد قارس وهي لا تستطيع مقاومته، أو في حر شديد وهي لا تستطيع مقاومته، فإنه يكون ضامنًا.
وعُلِمَ من قول المؤلف -وكلمة عُلِم عند الفقهاء تعني المفهوم، إذا قالوا: عُلِم منه، يعني مفهوم الكلام، مفهومه: - أنه لو قال صاحبُها: لا تنفق عليها، فتلفت فإنه لا يضمن، لماذا؟ لأن صاحبها أذن له فيما يقتضي تلفها، فهو كما لو أذن له في ذبحها، فلا ضمان على المودَع.
أنتم معنا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2190

إذا أودعه دابة وقال له: الإنفاق؟ قال: لا تنفق عليها.
فتركها حتى ماتت، فلا ضمان عليه، لماذا؟ لأن صاحبها أذن له بما يقتضي تلفها فلم يضمن له، كما لو أذن له بذبحها فذبحها فإنه لا ضمان عليه، أظن التعليل واضح.
هذا ما قاله المؤلف رحمه الله، لكن فيه نظرًا؛ لأن ترك البهيمة تموت عطشًا وجوعًا إثم يعذب عليه الإنسان في النار، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أنه رأى في النارِ امرأةً عُذِّبَتْ في هِرَّةٍ حبسَتْها لا هي أطعمَتْها ولا هي تركَتْها (1). ويكون صاحبها قد أذن له في شيء محرم، ولا يجوز الموافقة على شيء محرم، فيكون ضامنًا، عليه الضمان؛ لأنه لو شاء لقال لصاحبها -لما قال: لا تنفق عليها- لو شاء لقال له: إذَنْ لا أقبلها، يلحقني الإثم.
فالصواب أنه يضمن، ولكنه في هذه الحال يُجعل ما ضمنه في بيت المال، ويُحْرَمُ إياه صاحبها، صاحبها لا يُعطَى شيئًا؛ لأنها تلفت بقولٍ من صاحبها يقتضي تلفها، لكننا نُضَمِّنُ هذا الذي وافقه على المعصية ونجعل ما ضمنه نجعله في بيت المال، هذا هو القول المتعين، وعليه يُحمَل قولُ مَن قال من الأصحاب: إنه يضمن، يعني يُحمَل قولهم: إنه يضمن، على أنه يضمن، ولكن يُجعل في بيت المال، جزاءً لصاحبها وعقوبةً له.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، لو أعطى وديعة يعني دراهم وصَرَفها بدراهم أخرى، ولكنها لم يتصرف بعمل آخر.
الشيخ: ويش فائدته؟ ما فائدة أن يصرفها وهو لا يريد أن ينفقها؟ الطالب: كان يحتاج عنده خمس مئة ولَّا أعطاها مفكوكة يعني بأن صرفها.
الشيخ: يعني لمصلحة نفسه؟ الطالب: نعم، أعطى الرجل يعني خمس مئة متفككة، وهو عنده خمس مئة واحدة، فصَرَفها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2191

الشيخ: لمصلحة نفسه، هذا لا يجوز، حتى لو أُعْطِيتَ زكاة توزعها أو صدقة توزعها خمس مئة، ما تصرفها إلا لمصلحة المُعطَى، عَرَفْتَ؟ إذن يكون ضامنًا بكل حال مع الإثم، إلا إذا علمْتَ أن صاحبك يرضى، والظاهر أن مثل هذه يرضى الناس بها، ما يعدونها جناية.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الوديعة: وإنْ عيَّن جيبَه فتركها في كمه أو يده ضمن، وعكسه بعكسه، وإن دفعها إلى مَن يحفظ ماله أو مال ربها لم يضمن، وعكسه الأجنبي والحاكم، ولا يُطالَبان إن جهلا.
وإن حدث خوف أو سفر ردها على ربها، فإن غاب حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة.
ومن أُودِعَ دابةً فركبها لغير نفعها، أو ثوبًا فلبسه، أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها، أو رفع الختم ونحوه عنها، أو خلطها بغير متميز فضاع: الكل ضمن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في رجل أُودِعَ دابةً وقال له صاحبها: لا تنفق عليها، فماتت؟ طالب: المذهب: أنه لا يضمن.
الشيخ: أنه لا ضمان عليه.
والقول الثاني؟ الطالب: يجب عليه الضمان؛ وذلك لأن صاحب الدابة قد أمره بفعل مُحرَّم، فيجب معصيته.
الشيخ: عليه الضمان؛ لأن صاحب الدابة أمره بشيء محرم، طيب إذن؟ الطالب: فعليه الضمان، لكن صاحب الدابة لا يستحق هذا الضمان، وإنما يكون في بيت المال.
الشيخ: يعني على هذا المودَع الضمان؟ الطالب: إي نعم، عليه الضمان.
الشيخ: ويكون في بيت المال؟ الطالب: نعم.
الشيخ: صحيح، هذا هو القول الراجح.
رجل أودع دابة وقال للمودَع: أنفق عليها بالمعروف.
فأنفق عليها أكثر، هل يرجع بما زاد على صاحبها أو لا؟ طالب: لا يرجع بما زاد على صاحبها.
الشيخ: ليه؟ الطالب: لأنه عيَّن له.

الجزء: 2 - الصفحة: 2192

الشيخ: قال له: أنفق عليها بالمعروف.
الطالب: بالمعروف، فيكون الزائد عليه هو.
الشيخ: فيكون الزائد عليه هو؛ لأنه لم يؤذن له فيه.
وإن لم يقل بالمعروف؟ الطالب: ينفق بالمعروف.
الشيخ: ينفق بالمعروف، تمام، فإن زاد لم يرجع على صاحبها.
ثم قال المؤلف رحمه الله -وهو درس الليلة-: (وإن عيَّن جيبه فتركها في كمه أو يده ضمن، وعكسه بعكسه) (إن عيَّن جيبه فتركها في كمه أو يده) وتلفت (ضمن)، مَن الضامن؟ طلبة: المودَع.
الشيخ: المودَع.
(عيَّن جيبه) يعني قال: اجعلها في جيبك، يعني في المخباة التي في الجيب هنا مثل مخباتي هذه، هذه مخباة الجيب، لكن هو جعلها في كمه.
كيف كمه؟ ! الكُم على قدر الذراع.
فيقال: هذا كان معروفًا عند الناس فيما سبق؛ أن الرجل له أكمام ضافية واسعة ما تدخل بها اليد، بل هي من جنس الغترة هكذا يجعلونها هنا، من أجل أن يقضوا حوائجهم بها.
ولهذا تجد أناسًا يلاقونك بالسوق، وهذه الكم هذا فيه شاي، وهذا سكر، وهذا قهوة، وهذا هيت، كانوا يفعلون هكذا.
فهذا الرجل قال: اجعل هذه الدراهم في جيبك، يعني عيَّن الجيب، فربطها في كمه فسُرِقت، عليه الضمان؟ طلبة: نعم.
الشيخ: عليه الضمان؛ لأن الجيب أحفظ؛ لأن الجيب لا يكاد أحد يقدم عليه؛ لأنه أمام الإنسان وعلى صدره، وهذا يمكن أحد يتغافل الإنسان ويفكه ويمشي، على أن بعض السراق عندهم شطرة عظيمة جدًّا جدًّا؛ كما هو ( ... )، ولو طُبِّقَ الحد ما أقدم أحد على السرقة؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يُرخِص يدَه في شيء من المال.
على كل حال نرجع الآن إلى درسنا، إذا تركها في كمه وقد عيَّن صاحبُها جيبه فسُرقت ضمن.
(أو جعلها في يده)، قال: بدل ما إني أَخلِّيها في جيبي أخليها بيدي أضبط، فتلفت فعليه الضمان.
فإذا قال قائل: أليس كونها في يده أحرز من كونها في جيبه؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2193

قلنا: لا؛ لأن الإنسان يعمل ويأخذ بيده، ويقبض ويسلم ويصافح، ربما ينسى ويضعها من يده في أي مكان وتضيع، فإذا عيَّن جيبه وتركها في يده فضاعت ضمن.
(عكسه بعكسه) يعني: لو عيَّن الكم فجعله في الجيب، عين الكم قال: خذ هذه اجعلها في كمك، فجعلها في جيبه فلا ضمان؛ للقاعدة السابقة: أنه إذا عيَّن الحرزَ صاحبُها، فأحرزها فيما هو أشد، أيش؟ طلبة: فلا ضمان.
الشيخ: فلا ضمان.
عيَّن يدَه قال: خد امسكها بيدك لا تُطْلِقها، فجعلها في جيبه، يضمن أو لا يضمن؟ طلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن، ليش؟ لأن الجيب أحفظ من اليد.
فإذا قال قائل: إذا كان خاتمًا وقال: اجعله في أصبعك، فجعله في جيبه، فأيهما أحرز؟ طلبة: اليد.
الشيخ: الظاهر اليد أحرز، اليد لا شك أنها أحرز؛ لأن الجيب ربما مع السجود مثلًا أو خفْضِ الظهر ربما يسقط الخاتم، لكن في الأصبع ما يمكن إلا إذا حاول خلعه، أو قُطعت الأصبع مع الخاتم! إذن يكون إذا عيَّن الجيب فجعلها في اليد فهو ضامن، إلا فيما إذا كان وجوده في اليد أحرز كما لو عيَّن الجيب -وهو خاتم أي الوديعة- وجعلها في أصبعه، فهذا لا شك أنه أحرز.
(وإن دفعها إلى مَن يحفظ ماله أو مال ربِّها لم يضمن): إذا (دفعها)، الفاعل مَن؟ طلبة: المودَع.
الشيخ: المودَع.
(إلى من يحفظ مالَه أو مالَ ربِّها لم يضمن): (إلى من يحفظ ماله) يعني: المودَع عنده غلمان، عنده خدم، عنده أولاد يحفظون ماله، فدفعها إليهم فإنه لا ضمان عليه؛ لأن هذا ما جرت به العادة، والإنسان الكبير السيد الشريف لا يمكن أن يتولى حفظ الودائع بنفسه، بل لا بد أن يكون له أيش؟ من يحفظ ذلك: خدم، أولاد، عبيد، نساء، زوجات.
المهم إذا دفعها إلى من يحفظ ماله فتلفت فإنه لا يضمن، إلا إذا نصَّ صاحبُها عليه وقال: لا تعطها أحدًا، هي مني إليك ومنك إليَّ.
فهنا يضمن، لماذا؟ لأنه عيَّن حرزًا أقوى من حرز العادة، وقد سبق أنه إذا عيَّن حرزًا؛ يتعين ولَّا ما يتعين؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2194

الطلبة: يتعين.
الشيخ: يتعين، فإذا كان هذا الرجل اللي أعطاه الوديعة قال: شف لا تعطها أهلك، لا تعطها الخادم، لا الولد، هي مني إليك ومنك إليَّ.
فحينئذٍ إذا دفعها إلى من يحفظ ماله فهو ضامن؛ لأنه أقل حفظًا من المودَع.
كذلك إذا (دفعها) إلى (مَن يحفظ .. مالَ ربِّها لم يضمن)، يعني: هذا المودَع كأنه مَلَّ من الوديعة وأراد أن يردها، فردها إلى مَن يحفظ مالَ صاحبِها فلا ضمان عليه، مثل أن يردها إلى خدم المودِع، أو إلى غلامه، أو إلى أهله فإنه لا ضمان عليه، مع أنه لم يقل له: ادفعها إلى أهلي، ولم يوكل أهله في قبضها.
وهذه المسألة فيها خلاف، فمن العلماء من يقول: إنه إذا دفعها إلى من يحفظ مال ربها بغير إذن ربها فإنه ضامن؛ لأنه لم يُوَكَّل في دفعها إلى غيره فهو ضامن، والذي ينبغي أن يُرجع في ذلك إلى العرف، ما جرى به العرف اتُّبِع، وما لم يجرِ به العرف لم يُتَّبع، فالأشياء الثمينة جرت العادة أنها لا تُرَدُّ الوديعة منها إلا؟ طلبة: لصاحبها.
الشيخ: إلى صاحبها بنفسه، والأشياء العادية كالأواني والفرش والبهائم جرت العادة أنه يتولى قبولها عند ردها من يحفظ مال ربها، فيُرجع في ذلك إلى العرف، فما جرى العرف بأنه يُدفع إلى مَن؟ إلى من يحفظ مال ربها، فدفعها إليهم فلا ضمان عليه، وما جرى العرف بأنه لا بد أن يُسلَّم إلى نفس المودِع فإن عليه الضمان.
الوثائق التي فيها إثبات الديون على الناس والمبيعات والمُؤْجَرَات وما أشبه ذلك، هل تُدفع إلى مَن يحفظ مال ربها؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، جرت العادة لا تُدفع إليهم، إنما تُدفع إلى ربها، إلا إذا قال: رُدَّها إلى أهلي أو إلى مَن يحفظ مالي، فعلى ما قال.
يقول: (مالَ ربِّها لم يضمن، وعكسه الأجنبي والحاكم) (عكسه): عكس أيش؟ عكس دفْعِها إلى مَن يحفظ مال ربها، (الأجنبي): الذي لا يتولى حفظ مال ربها، ولا حفظ مال المودَع، هذا الأجنبي.

الجزء: 2 - الصفحة: 2195

وبهذا التفسير نعرف أن كلمة الأجنبي يختلف معناها باختلاف مواضعها، فتكون في موضع لها معنى، وفي موضع آخر ليس لها معنى، فإذا قيل: تصح الوصية لأجنبي ولا تصح لوارث، ما المراد بالأجنبي؟ الطلبة: غير الوارث.
الشيخ: من ليس بوارث.
وإذا قيل: يحْرُمُ كشْفُ المرأةِ وجهَها لأجنبي ويجوز للمحارم.
الأجنبي؟ الطلبة: غير المحارم.
الشيخ: غير المحارم، المهم أن الأجنبي في كل موضع بحسبه.
هنا يقول: (الأجنبي) من الأجنبي؟ مَن لا يحفظ مال ربها ولا مال المودَع، هذا الأجنبي، يعني دفَعها إلى جاره، نقول: عليه الضمان؛ لأن الجار أجنبي، ليس يحفظ مال ربها ولا مال المودَع، فيكون ضامنًا إذا تلفت عند الجار سواء تلفت بتفريط أو تعدٍّ، أو بغير تفريط ولا تعدٍّ.
(الحاكم) مَن؟ القاضي، وسُمِّي حاكمًا؛ لأنه يحكم بين الناس، وسُمِّي قاضيًا؛ لأنه يقضي بين الناس.
إذا دفعها إلى الحاكم فهو ضامن؛ لأنه لم يؤمر بدفعها إليه، والحاكم إنما يكون نائبًا عن الغائب أو الميت أو نحوهما، لا عن كل الناس.
فمثلًا رجل في مدينة أُودِع دراهم، خذ هذه عشرة ملايين اجعلها عندك.
فجعلها عنده، ثم أخذها وأعطاها القاضي، وصاحبها موجود، هل للقاضي الحق أن يأخذها؟ لا، وليس للمودَع الحق أن يسلمها للقاضي؛ لأن القاضي إنما ينوب عن مَن؟ طالب: عن الغائب.
الشيخ: عن الغائب أو الممتنع أو ما أشبه ذلك، أما هنا لا ضرورة، فيضمن، يضمن المودَع إذا تلفت عند الأجنبي أو عند الحاكم، مَن يطالِب المودِع؟ يعني صاحب الوديعة مَن يطالِب؟ يطالب المودَع.
وهل يطالب الحاكمَ والأجنبيَّ؟ يقول المؤلف: (ولا يُطالَبان إن جهلا) يعني: لا يُطالَب الأجنبي إذا جهل أنها وديعة عند مودَع؛ لأنه معذور، جاءه رجلٌ قال: خذ هذه اجعلها عندك وديعة.
فأخذها على أنها ملك الرجل الذي أعطاه، وعلى أنه محسن فلا ضمان عليه، الحاكم كذلك لا ضمان عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2196

أما إذا علما أنها وديعة فعليهما الضمان، ولصاحب الوديعة أن يطالب المودَع؛ لأن الحاكم أو الأجنبي حصل التلف تحت يده، وذاك حصل التلف بتسليطه هؤلاء على هذه الوديعة، فله أن يطالب هذا وهذا.
وأما مع الجهل فلا يطالِب الحاكمَ ولا الأجنبيَّ، قال: (ولا يطالَبان إن جهلا).
لكن لو أن المودَع أُعطِيَ عشرة ملايين وديعة، وأودعها في البنك فهل يضمن؟ طلبة: لا يضمن.
طلبة آخرون: يضمن.
الشيخ: لا يضمن! يضمن! طالب: البنوك أحرز.
الشيخ: البنوك أحرز لا شك، لكن هذا الرجل يعلم عن البنوك -المودِع- لكن لا يريد أن يعطيها البنوك تطوعًا وتدينًا، فكأنه نهاه أن يعطيها البنك، فكونه يختار أن يجعل عنده الدراهم وهو يشاهد البنوك وهو يعلم، كلنا يعلم أن البنك أحرز، إعطاؤه إياها بمنزلة نهيِه أن يعطيها البنك، فيعتبر هنا متعديًا، ولَّا لا شك أن البنك أحرز.
لكن مثل هذه الحال يقدر يقول: والله أنا ما أستطيع أني أحفظ هذه الدراهم الكثيرة، أتأذن لي إن اشتد معي القلق أو الخوف أن أجعلها عند البنك؟ إذا قال: نعم.
يعمل بما أذن له فيه، وإن قال: لا.
يقول: خذ دراهمك لا أقبل الوديعة؛ لأنه في حل.
يقول: (وإن حدث خوفٌ أو سفرٌ): لمن؟ طلبة: للمودَع.
الشيخ: للمودَع، (حدث خوف): بأن كثرت السرقات مثلًا، أو دخل البلد عدوٌّ وخاف عليها.
(أو سفرٌ) مِمَّن؟ طلبة: من المودَع.
الشيخ: من المودَع، أراد أن يسافر.
(ردَّها على ربها) وجوبًا، ولا يجوز أن يبقيها عنده مع الخوف، أو في بيته مع السفر؛ لأنه في هذه الحال مفرط؛ إذ الواجب التخلص من الخوف، أو التخلص من إبقائها في بيت لا يسكنه أحد، (ردَّها على ربها).

الجزء: 2 - الصفحة: 2197

فإن حدث سفر منه، لكن البيت فيه الأهل والأولاد، فهل يلزمه أن يردها؟ يعني هل يضمنها في هذه الحال لو بقيت؟ الجواب: لا، خصوصًا وأنه سبق لنا أنه إذا دفعها إلى مَن يحفظ ماله فلا ضمان، فهنا نقول: لا ضمان، لكن ينبغي له -أي للمودَع- إذا أراد أن يسافر ولا سيما إذا كانت الوديعة كبيرة؛ أن يقول له: إني سأسافر، فهل تأذن أن أبقيها عند الأهل أو أردها؟ (ردَّها على ربها، فإن غاب): مَن الغائب؟ (إن غاب) أي: ربُّها، إن غاب أو تغيَّب، المهم إذا لم يجده عند السفر أو عند الخوف، لكن عند السفر؛ لأنه قال: (حملها معه إن كان أحرز): إن غاب صاحبها فإنه يحملها معه، بشرط أن يكون سفره بها أحرز من إبقائها، والغالب أن السفر بها ليس بأحرز؛ لأن السفر يحصل فيه آفات، لكن مع ذلك يقول: (إن كان أحرز).
(حملها معه إن كان أحرز، وإلا) يعني: وإن لا يكن أحرز (أودعها ثقة) أي: جعلها وديعة عند ثقة، فمَن الثقة؟ الثقة مَن جمَع وصفين: القوة، والأمانة، وهذان الوصفان في كل عمل، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26].
وقال الجِنِّيُّ -العفريت- لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ أي: بعرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39].
فالمراد بالثقة هنا: القوي الأمين، فلا يودعها ضعيفًا، ولا يودعها غير أمين.
فإن قال قائل: أرأيتم لو أقرضها مليئًا أيجوز؟ فالجواب: لا؛ لأن القرض عقد لا يجوز إلا ممن يملك العقد أو نائبِه أو وكيلِه، وهذا المودَع لم يوكَّل في القرض.
ولاحظوا أن الإيداع عند البنوك من باب القرض، الناس يسمون -مع الأسف الشديد- يسمون إعطاء البنوك الأموال يسمونه إيداعًا، وهذه تسمية خطأ، بل هي في الحقيقة قرض، ولهذا ينتفع بها البنك ويُدخِلها في رأس ماله ويتَّجر بها ويضمنها لو تلف مالُه كله؛ لأنه أيش؟ طالب: قرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 2198

الشيخ: لأنه قرض، والعلماء نصُّوا تصريحًا بأنه إذا أذن المودِع للمستودَع أو للمودَع أن ينتفع فهذا قرض، يعتبر قرضًا.
فيه بنوك تقبل الوديعة، بمعنى أن الدراهم التي تُعطَى إياها تجعلها في صناديق معينة محفوظة بنفسها لا يتصرف فيها البنك، هذا وديعة محضة.
قال: (وإلا أودعها ثقة)، وإن لم يجد ثقة؟ هو لا يأمن إن سافر بها، ولم يجد ثقة يودعها عنده، ماذا يصنع وربُّها غائبٌ؟ طلبة: الحاكم.
الشيخ: الحاكم، يعطيها الحاكم؛ لأن الحاكم وليُّ مَن ليس له ولي.
ثم قال: (ومَن أُودِع دابةً فركبها لغير نفعها) فهو ضامن.
(أُودِع دابةً فركبها): مثل؟ طالب: فرس.
الشيخ: فرس، حمار، بعير، أودعه عنده فركبه لغير نفعه فهو ضامن، ضامن إن تلف من هذا العمل أو من بعده أيضًا؛ لأنه بمجرد ما يخرج الوديع أو المودَع عن الأمانة يكون ضامنًا بكل حال، سواء تعدى أو فرط، وسواء تلف الشيء بنفس العمل أو بما بعده.
هذا رجل مشغوف بركوب الخيل، وأُودِع فرسًا، فجعل كل يوم يسابق عليه، أو كل يوم يُرَكِّضُه لغير نفع الفرس، يضمن أو لا؟ طلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن إن تلف في نفس الاستعمال، أو في غير نفس الاستعمال.
طالب: الأول لا الثاني.
الشيخ: لا، أنا أقول: في هذا وهذا، أنا الآن أشرح ما أستفهم، يضمن في هذا وهذا، أما كونه يضمن في نفس الاستعمال فواضح، وأما كونه يضمن بعده حتى لو أدخله في الحرز يضمن؛ فلأنه باستعماله إياه صارت يده غير أمينة، فيبقى الفرس عنده في يد غير أمينة، فيضمن.
وعُلِم من قوله: (لغيرِ نفْعِها) أنه لو ركبها لنفعها فليس بضامن؛ لأنه محسن، لكن كيف يركبها لنفعها؟ يركبها -مثلًا- ليذهب بها إلى الماء تشرب، أو يُرَوِّضُها؛ لأنها إذا بقيت ربما تخمل ولا تكون قوية، فهو يركبها لنفعها، فلا ضمان عليه؛ لأن هذا خير.
(أو ثوبًا فلبسه) يضمن؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لكن إذا قال: أنا أريد أن ألبسه للجمعة، الجمعة يُسَن فيها لبسُ أحسن الثياب.
يضمن؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2199

الشيخ: إذا قال: أنا أعطيت صاحبها خيرًا؛ لأنه يؤجَر، أنا أؤجر بلبس أحسن الثياب، وهو يؤجر؛ لأنه أعانني على هذا.
نقول: أنت لا تؤجر، من قال: إنك تؤجر باستعمال مال غيرك؟ ! هذا ظلم فلا أجر لك، وإذا بطل أجرُك بطل أجرُه هو؛ لأن أجْرَه فرْعٌ عن أجرك.
فإن قال: إني لبسته من أجل ألا يتسفَّط ولا يتعرفط؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ما هو صحيح؟ ! هذا صحيح: الثوب إذا غسلته وخليته هكذا يعني يتعرفط.
طلبة: ينشره.
الشيخ: نقول: الحمد لله، الآن عندنا المكواة، إذا اضْطُرَّ إلى غسله -وهو على كل حال في الغالب ما يُضْطَرُّ إلى الغسل؛ لأنه لا يستعمل لكن إذا اضْطُرَّ- ورأى من مصلحته غسلَه فإنه يكويه.
فإن قال: إنه لبسه لئلا يدخله السوس؛ لأن الحرير إذا لم يُبرَز في أيام الصيف أيام الحر يحترق ويتمزق، وقال: إنه يلبسه لئلا يلحقه السوس.
فما الجواب؟ طلبة: لا يضمن، صحيح ( ... ). الشيخ: لا، نقول: يمكن أن تُنَفِّهه تطلعه وتنشره بدون لبس.
طالب: لبس الحرير لا يجوز.
الشيخ: إذا جاز، ملك امرأة ما يجوز؟ الطالب: بلى.
طالب آخر: بارك الله فيكم، لو أنه أخرج الأمانة لغير نفْعِها -وديعة- ثم إنه بعد هذا تاب .. الشيخ: إي بيجينا، هي المسألة اللي تلي مسألتنا هذه.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، المودِع أعطى للمودَع الخاتم، قال: احفظه في البنصر، فحفظه في الخنصر، ثم سقط وضاع.
الشيخ: ويش تقولون في هذا السؤال؟ يقول: إن صاحب الخاتم قال للمودَع: اجعله في بنصرك، ولكن المودَع جعله في الخنصر، إذا كان الخاتم ما يدخل في البنصر، ويش يُسَوِّي؟ طالب: يضعه في جيبه ( ... ). الشيخ: لا، على كل حال إذا قال له: اجعله في البنصر، يقول: اصبر يا شيخ، نجرب الآن أمامك، إن أمكن فلا بأس، وإن لم يمكن فخذ خاتمك.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، صاحب العشرة ملايين الذي طلب إيداعها في منزل المودَع تدينًا وتورعًا، ما جرت عادة الناس أنهم يودعون عشرة ملايين في البيوت.
الشيخ: ما جرت؟ ! !

الجزء: 2 - الصفحة: 2200

الطالب: عادة الناس أنهم يودعون عشرة ملايين في البيوت؟ الشيخ: لا، ما تدري عن الناس أنت، لا، جرت العادة، لكن ما نريد أن نشرح أين يضعونها؟ ولَّا جرت العادة.
الطالب: عشرة ملايين؟ ! ! الشيخ: عشرة ملايين.
الطالب: قرش ولَّا .. ؟ الشيخ: لا، قرش ثقيل، عشرة ملايين ورق خمسين مئة.
طالب: لو أُودِعْتُ مالًا ثم احتجتُه فتصرفْتُ في جزء منه، فهل يجوز لي؟ الشيخ: بيجينا إن شاء الله، هي المسألة التي تلي هذا.
طالب: لو استعمل المودَع الثوب عرف أن المودِع يرضى بذلك، ثم تلف هل لا يضمن؟ الشيخ: هذا يرجع عادة إلى المودِع، إذا قال: أنا ما أسمح لك، مين قال: إني أسمح لك؟ طالب: شيخ، القاعدة اللي قلناها أن الفقهاء نصُّوا على أن المودِع إذا أذن للمودَع بالتصرف فإن هذا يعتبر قرضًا، على أي أساس بُني هذا يا شيخ، القرض معروف أن يأتي إنسان لآخر فيستقرض؟ الشيخ: الوديعة -بارك الله فيك- هي أن الإنسان يوكل شخصًا في حفظ ماله، هذه الوديعة، وهذا ما حفظ المال أنفقه، فإذا أذن له أن ينفقه فكأنما أقرضه إياه، بل هو إقراض حقيقي.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، أُودِع شخص سيارة، وإن السيارة إذا طالت وقوفُها تتأثر؛ لذلك أخرجها .. الشيخ: تمشي، يمشي عليها.
الطالب: يمشي عليها ويرجعها أحيانًا، وتلفت.
الشيخ: ما هو هذا لنفعها ولَّا لا؟ هل هذا لنفعها ولَّا لا؟ الطالب: لنفعها.
الشيخ: وهل يلزم أن يُخرِجها، أو يكفي أنه يشغل السيارة؟ اللي أعرف أنه حتى إذا طالت المدة ما يحتاج يُمَشِّيها.
طالب: الكفرات ( ... ). الشيخ: الكفرات؟ ما تتأثر.
طالب: يغطيها ( ... ). الشيخ: لا ما تتأثر.
طالب: يطرحها على ( ... ). الشيخ: إلى الآن ما أعرف إلا أن تشغيل السيارة وهي واقفة يكفي؛ لأن المقصود ألا تُجَيِّمها ويحصل هذا، أليس كذلك؟ لكن يمكن سيارات إفريقيا ما أدري عنها.
طالب: إذا امتنع صاحب الوديعة عن تسلُّمِها، ما تُسَلَّم للحاكم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2201

الشيخ: إي، بيجينا إن شاء الله، يمكن يأتينا في آخر الباب.
طالب: إذا كان -يا شيخ- المودَع له بيتان؛ بيت في مدينة، وبيت في مدينة أخرى يسافر إليها، فلاقاه المودِع -مالك الوديعة- وتركها عنده، فسافر بها إلى بيته في مكان آخر ووضعها في بيته.
الشيخ: أيهما أحرز؟ الطالب: كلاهما أحرز.
الشيخ: أجل، يبقى في البيت الذي ليس فيه سفر.
هذا يقول: هذه معلومة لطيفة: السنة الماضية أعلنت إحدى دول أمريكا الجنوبية أحكامًا لقطع يد السارق بعد تكاثر السرقات، وبعد شهر من الإعلان هبطت نسبة السرقة بشكل ملحوظ.
سبحان الله، الحمد لله، هذا أمر في الحقيقة بالنسبة لنا نؤمن به، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى أحكمُ الحاكمين وأرحمُ الراحمين، لا يمكن أن يوجب قطْعَ عضوٍ من عبدٍ من عبيده إلا والحكمةُ تقتضيه، وها هو الإنسان المريض نكويه بالنار من أجل مصلحته.
ولكن مع الأسف أن بعض الدول الإسلامية تنخنس وراء هذه الدعايات الباطلة، والتي يسمونها حقوق الإنسان، ثم تُلغِي هذا؛ قطْع يد السارق، قتْل القاتلِ، قتْل المفسدِ في الأرض، وما أشبه ذلك.
طالب: ذكر المؤلف يا شيخ أنه إذا غاب صاحبُ المال فليسلمها لما يسمى ثقة، لكن الشارح قدَّم الحاكم، قال: يُقدَّم الحاكم إذا انعدمت الثقة، أيهما المذهب يا شيخ؟ الشيخ: لا، المذهب اللي في الشرح، لكن ما قاله المؤلف أحسن، إذا وجد الإنسان ثقة ما تحتاج تروح للحاكم خصوصًا في وقتنا هذا، إذا ذهبت للحاكم تحتاج إلى كتابات في إدخالها وكتابات في إخراجها، وإذا كان يعني ثقة كفى.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، وضْع المال سواء كان قرضًا أو إيداعًا فيما يتعامل بالربا من البنوك، هل هو من الأمور المباحة؟ الشيخ: إذا كانت البنوك مئة بالمئة ما تستعمل إلا الربا فلا يجوز، إلا إذا كانت وديعة حقيقية بمعنى أن دراهمي معينة بظرفها مختومًا عليها هذا لا بأس.

الجزء: 2 - الصفحة: 2202

وأما إذا كانت لها معاملات أخرى كمقاولات ومضاربات وما أشبه ذلك، فإن ذلك مما يُشتَبه فيه ويكون شبهة، فإن دعت الحاجة إليه جاز؛ لأن ما حرم للشبهة يزول بالحاجة، وما حرم بالقطع لا يجوز إلا بالضرورة.
وهذه من مهمات طالب العلم؛ أن يعرف الفرق بين ما كان تحريمُه تحريمَ شبهة فتبيحه الحاجة، وما كان تحريمُه تحريمَ قطْع فلا يبيحه إلا الضرورة.
الطالب: شيخ، إذا كان من القسم الثاني فما حكم الزائد على المال، إن كان فيه مضاربة وفيه ربًا فأودعته ألفًا فجاء ألف ومئة؟ الشيخ: لا بأس إذا كان استعماله في المضاربة خاصة، لكن ما ندري.
طالب: شيخ بارك الله فيك، ذكرنا أن المودِع إذا أذن للمودَع بالتصرف فإنه يكون قرضًا، لكن يا شيخ أشكل عليَّ أن القرض يكون له مدة محددة، يعني أن المُقرِض لا يستطيع أن يأخذ ماله إلا بعد انتهاء هذه المدة إن طالت أو قصرت، لكن الوديعة يستطيع أن يأخذها في أي وقت.
الشيخ: من أنبأك أن القرض لا بد له من مدة؟ من أنبأك؟ قل: أنبأني الكتاب والسنة، وإلا فاسحب هذا السؤال.
الطالب: هذا حسب علمي يا شيخ، ولا أدري.
الشيخ: لا، عِلْمُنا غير معلوم هذا، المذهب عكس كلامك بالضبط، لو أجَّل القرض ما صح التأجيل، يعني لو قال: خذ هذه سلفًا إلى سنة، ما صح التأجيل، له أن يطالب بها من الغد، ومر علينا هذا من قبل ولَّا ما مر؟ مرَّ وقلنا: إن القول الراجح أنه يتأجل إذا أجَّله، أما بدون تأجيل فهو حالٌّ، متى ما شاء طالب به، انتهى الإشكال.
الطالب: القول الراجح في القرض يبقى الإشكال؟ الشيخ: ما يبقى إشكال، إذا قال: خذ هذه وديعة، وإن احتجت فتصرفْ فيها، ولكن لا أجل بيننا، ما فيه إشكال، التأجيل ليس بشرط.


طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الوديعة: ومَن أُودِع دابة فركبها لغير نفْعِها، أو ثوبًا فلبسه، أو دراهمَ فأخرجها من محرز ثم ردها، أو رفَع الختْمَ ونحوَه عنها، أو خلطها بغير متميز فضاع الكل: ضمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 2203

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا دفع الوديعة إلى مَن يحفظ مال ربِّها؟ طالب: إذا دفع الوديعة إلى مَن يحفظ مال ربها، ولم يأذن له ربُّها ففيها خلاف بين العلماء، قال بعضهم: إنه يضمن؛ لأنه لم يؤمر بدفعها إلى مَن يحفظ مال ربها.
والقول الصحيح: أن يُرجع في ذلك إلى العرف، فإذا كان العرف متعارفًا أن تُدفع هذه الوديعة إلى مَن يحفظ مال ربها فلا يضمن، إذا كان عكس ذلك فعليه الضمان.
الشيخ: واللي مشى عليه المؤلف؟ الطالب: الذي مشى عليه المؤلف قال: إنه لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن، والراجح التفصيل؛ بين ما جرت العادة أنه يُدفع إلى مَن يحفظ مال ربها وما لم تجر العادة به.
إذا دفعها إلى من يحفظ ماله؟ طالب: ما يضمن يا شيخ.
الشيخ: ما عليه ضمان، إي نعم.
إذا كان اللي يحفظ ماله يحفظ الشيء اليسير دون الشيء الثمين؟ الطالب: يأخذها على قدْر حفظِه من المال الذي بيده ( ... ) على ماله ( ... )، القليل على القليل، والكثير على الكثير.
الشيخ: يعني معناه: إذا كان يودِع مثل هذه الوديعة إذا كان يدفع مثل هذه الوديعة إلى أهله فلا ضمان عليه، وإن كان لا يدفع مثل هذه الوديعة إلى أهله فعليه الضمان؛ لأنه مفرط، نعم صح.
نبدأ الدرس الليلة: (أو ثوبًا فلبسه): إذا أُودِع ثوبًا فلبسه فإنه يضمن، سواء تلف الثوب من أجل اللبس، أو تلف لأمر آخر ولو بعد خلعه؛ وذلك لأنه بمجرد أنْ لبس الثوب انتقلت يدُه من كونها يدًا أمينة إلى كونها يدًا غير أمينة.
وعلى هذا فلو لبس الثوب يتجمل به للجمعة، ولما رجع ردَّه إلى محرزه فعليه الضمان إذا تلف من محرزه؛ لأنه تعدَّى حيث فعل ما لم يُؤذَن له به، لا شرعًا ولا عرفًا، لا مِن صاحبِها ولا من عند الله عزّ وجل، فيضمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 2204

كذلك لو أُودِع دراهم فاستقرضها فإنه يضمن، حتى وإن احتاج فإنه يضمن؛ لأنه ليس له الحق في أن يستقرضها، أو يتصرف فيها بأي شيء، حتى لو باع أو اشترى فهو ضامن.
يقول رحمه الله: (أو دراهم فأخرجها من مَحْرَز ثم ردها)، وعُلِم من قوله: (من محرز) أنه لو لم يخرجها من المحرز لكن غَيَّر مكانها، مثل أن تكون في الرفِّ الأعلى من الصندوق، فجعلها في الرف الذي تحته، أو كانت في الرفِّ الأدنى فجعلها في الرفِّ الذي فوقه والصندوق واحد، فهنا لا شك أنه غيَّر مكانها، ولكن لم يخرجها من المحرز فلا ضمان عليه.
وقوله: (ثم ردها) يعني: فيضمن ولو أُخذت من الحرز، لكن لو رأى المصلحة في شراء سلعة، فأخرج الوديعة فاشترى السلعة لصاحبها -لصاحب الوديعة- من أجل ما يرجوه من الكسب فإنه يضمن؛ لأنه غير مأذون له بذلك، اللهم إلا إذا كان قد قال له صاحبُها: إن رأيت مصلحة في بيع أو شراء أو غير ذلك فتصرفْ.
فيكون حينئذ غير ضامن.
(أو رفع الخَتْم ونحوَه فإنه يضمن): إذا رفع الختم فإنه يضمن حتى لو أعاد الختم مرة أخرى، والختْمُ ما جرت به العادة فيما سبق أنهم يضعون الدراهم في كيس، ثم يعقدونها بالخيوط، ثم يضربون على طرف الخيط يضربون شمعًا يُذاب في النار، ويُصَبُّ على طرف الخيط، ثم يُختَم عليه بالخاتم؛ لأجل ألا يعبث بها أحد.
فهذا إنسان رفع الختم ولكنه لم يَحُلَّها، فإنه يضمن، لماذا؟ لأن الختم لا شك أنه أقوى مما لو كانت خالية منه، فإذا رفعه فقد أخلَّ بحرزِها فيكون ضامنًا.
وقوله: (أو نحوه) كالقفل مثلًا، لو أنه رفع قفل الصندوق -ولو أعاده- فعليه الضمان، إلا إذا كان الصندوق ليس خاصًّا بالوديعة، مثل أن يكون هذا الصندوق فيه دراهم له، أو لغيره وليست دراهم المودِع، ثم صار يفتح هذا الصندوق ليخرج النفقة منه لنفسه، فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يفرط.
(أو خلطها بغير متميز فضاع الكلُّ: ضمِن):

الجزء: 2 - الصفحة: 2205

(خلطها بغير متميز): مثل أن يُودَع برًّا فيخلطه ببر، فهنا خلط الوديعة بشيء غير متميز؛ لأن حَبَّ البُرِّ أيش هو؟ واحد لا يختلف، فلو خلطها بغير متميز ثم (ضاع الكل) يعني: ضاع ما كان عنده أول وما خلطه به فإنه يضمن.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: (فضاع الكل) فيما إذا أُودِع دراهم فأخرجها من محرز، أو رفَع الختم، أو خلطها بغير متميز، أي أنه راجع للمسائل الثلاثة.
وعُلِمَ من قوله: (خلطها بغير متميز) أنه لو خلطها بمتميز فلا بأس، لكن بشرط أن تكون بحرز مثلها، ولكن ينبغي أن يقال: في هذا تفصيل: إن خلطها بغير متميز يسهلُ أخْذُها منه فلا بأس، ولا يقال: إن الرجل فرط أو تعدى، مثل أن يخلط حُلِيًّا بدنانير في صندوق مُحْرَز، فهنا خلطها بمتميز أو بغيره؟ بمتميز، بمتميز يسهل تخليصُه.
وأما لو خلط شعيرًا ببُر فهذا وإن كان متميزًا ويقال للمودَع: يجب عليك أن تُخَلِّص الوديعة من خليطها لكان فيه صعوبة، فربما يأبَى أن يخلص ذلك، ويتعب، ويحصل بذلك ضرر على الطرفين.
وعليه فينبغي أن يُقيَّد قولُه: (بغير متميز فضاع الكل) أن يُقيَّد المفهوم، وهو ما إذا خلطها بمتميز بماذا؟ بأن يكون يسهُل تخليصُه من خليطه، وإلا فيكون ضامنًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصْل: ويُقبل قولُ المودَع في ردِّها إلى ربِّها أو غيرِه بإذنه وتلفها وعدم التفريط) هذه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إذا ادَّعى المودَع أنه دفع الوديعة إلى ربِّها، بأن يكون شخص أودَع إنسانًا دراهم، ثم بعد حينٍ جاء يطلبه بها، فقال: إني ردَدْتُها إليك.
فالقول قول مَن؟ المودَع؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
والمودَع محسن لا شك، وإذا لم يكن عليه سبيل، فإن صاحبها إذا ادَّعى أنه لم يردَّها فالقول قوله؛ لأننا لو قَبِلْنا قولَ صاحبها لكان على المحسن سبيل، هذا وجه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2206

وجه آخر: أن نقول للمودِع: أنت الآن ائتمنت الرجل على الوديعة، فيجب أن يكون أمينًا في دفْعِها إليك، كما جعلْتَه أمينًا في حفظها، وهذا قياس بَيِّن، فيكون في هذا دليل من السمع، ودليل من القياس.
السمع؟ طالب: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
الشيخ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
والقياس؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، إذا ائتمنته عليها في حفظها فيجب أن يكون أمينًا عندك في ردها.
لكن يقول: (إلى ربها) بأن يقول: رددتها عليك، (أو إلى غيرِه) أي: غيرِ ربِّها (بإذنه)، وهنا إذا ادَّعى ردَّها إلى غيره، وقال: إني ردَدْتُها، لكنني لم استأذنك.
فهو ضامن؛ لأنه لم يوكله بدفْعِها إليه.
(فصلٌ) ويُقبلُ قولُ الْمُودَعِ في رَدِّها إلى ربِّها أو غيرِه بإذنِه وتَلَفِها وعدَمِ التفريطِ، فإن قالَ: لم تُودِعْنِي.
ثم ثَبَتَتْ ببَيِّنَةٍ أو إقرارٍ , ثم ادَّعَى ردًّا أو تَلَفًا سابِقَيْن لِجُحودِه لم يُقْبَلَا ولو بِبَيِّنَةٍ، بل في قولِه: ما لك عندي شيءٌ.
ونحوَه، أو بعدَه بها، وإن ادَّعَى وارِثُه الردَّ منه أو من مُوَرِّثِه لم يُقْبَلْ إلا بِبَيِّنَةٍ , وإن طَلَبَ أحدُ الْمُودِعِينَ نصيبَه من مَكيلٍ أو مَوزونٍ يَنقسِمُ أَخَذَه، وللمُستودِعِ والْمُضارِبِ والْمُرْتَهِنِ والمستأْجِرِ مُطالبةُ غاصبِ العينِ.
(باب إحياء الموات) وهي الأرضُ الْمُنْفَكَّةُ عن الاختصاصاتِ ومِلْكٍ مَعصومٌ، فمَن أَحياها مَلَكَها مِن مُسلِمٍ وكافرٍ بإذنِ الإمامِ وعَدَمِه في دارِ الإسلامِ وغيرِها من القياس.
طالب: ما جعل الله.
الشيخ: وما جعل عليكم.
طالب: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
الشيخ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
طيب، والقياس؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، ائتمنته عليها في حفظها، فيجب أن يكون أمينُا عندك في ردها، تمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 2207

طيب، لكن يقول: (إلى ربها) بأن يقول: رددتها عليك، (أو إلى غيره) أي: غير ربها بإذنه، وهنا إذا ادعى ردها إلى غيره وقال: إني ردتها لكنني لم أستأذنك فهو ضامن؛ لأنه لم يوكله بدفعها إليه.
فإذا قال: دفعتها إليه بإذنك، أنت الذي قلت لي: يا فلان أعطِ الوديعة التي عندك إلى فلان، فأنكر صاحبها الإذن وقال: إني لم آذن لك، فهنا يُقَال: إن الرجل أمين عندك وهو محسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، ولا يمكن أن يدعي أنك أذنت له وأنت لم تأذن، والنسيان وارد على من؟ طالب: على صاحبها.
الشيخ: على كل أحد، ومنهم صاحب الوديعة، وعليه فيكون إذا ادعى ردها إلى ربها قُبِل، إذا ادعى ردها إلى غيره بغير إذنه فهو ضامن، إذا ادعى ردها إلى غير صاحبها بإذنه فهو غير ضامن؛ لأنه أمين، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
قال: ويُقْبَل قوله أيضًا (في تلفها) وهذه المسألة الثانية: يُقْبَل قول المودع في تلفها؛ إذا قال: واللهِ الوديعة تلفت، فقال: لم تتلف، فقال: إنها تلفت، فالقول قول المودَع.
لكن لو ادعاه -أي: ادعى التلف- بأمر ظاهر كالحريق؛ بأن قال: احترق الدكان وهي في الدكان، فهنا لا يُقْبَل قوله إلا إذا أثبت أنه احترق الدكان؛ لأن هذا أمر ظاهر لا يخفى على أحد، فإذا أثبت أنه احترق وقال صاحبها: نعم، الدكان احترق وليس عندي فيه شك، لكن أنا لا أقر بأن الوديعة تلفت بهذا الاحتراق، هل يقبل أو لا يقبل؟ طالب: لا يقبل.
الشيخ: لا يقبل؛ يعني: صاحبها لا يقبل قول المودع أنها تلفت بهذا الاحتراق.

الجزء: 2 - الصفحة: 2208

الثالث قال: (وعدم التفريط) بأن قال صاحبها: أنت فرطت ولم تحفظها في حرز مثلها، وقال: لم أفرط، فالقول قول المودع؛ لأنه مؤتمن، فإن أقر الجميع بالسبب لكن صاحبها ادعى أنه تفريط وهو يقول: ليس بتفريط، فنرجع إلى العرف؛ إذا قال الناس: نعم، الرجل الذي حفظها بهذا المكان غير مفرط فيرجع في ذلك إلى العرف.
طالب: أحسن الله إليك، في مسألة خلط المودع ( ... ) تصرف؟ الشيخ: كيف؟ طالب: ( ... ) المسألة السابعة قلنا: أي تصرف من المودع في وديعة تصرف لم يأذن به المودع، فنضمنه بذلك.
الشيخ: لا، ما قلنا هكذا، قلنا: أي تصرف لم يأذن به المودع وهو مما يخالف الحرز وهذا للمخالف.
طالب: طيب، شيخ ( ... ) بغير متميز فإن هذا أن يضر ( ... ) بالوديعة؟ الشيخ: إذا قال أهل الخبرة: إنه يضر صار ضامنًا.
طالب: أحسن الله إليك، أخرج الوديعة من الصندوق بقصد تغيير الصندوق أو تنظيفه فنسيها أو تلفت.
الشيخ: إذا كان لمصلحة الوديعة فلا يضمن، وإلا فهو ضامن، ومن مصلحة الوديعة -مثلًا- أن تأكل الأرضة التي هي دابة الأرض تأكل ما يلي الأرض من الصندوق فغيره، هذا لا شك أنه من مصلحتها، كالثوب إذا خاف أن يفسد بالحر وأخرجه ليخرج إلى الهواء حتى لا يفسد، فهذا من مصلحته.


طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الوديعة: ويُقْبَل قول المودع في ردها إلى ربها أو غيره بإذنه وتلفِها وعدمِ التفريط، فإن قال: لم تودعني، ثم ثبتت ببينة أو إقرار، ثم ادعى ردًّا أو تلفًا سابقين لجحوده، لم يُقْبَلا ولو ببينة، بل في قوله: ما لك عندي شيء ونحوه، أو بعده بها.
وإن ادعى وارثه الرد منه أو من مورثه لم يُقْبَل إلا ببينة.
وإن طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم أخذه، وللمستودع والمضارب والمرتهن والمستأجر مطالبة غاصب العين.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2209

هذه في مسائل الاختلافات في الوديعة، والاختلافات كلها في الواقع كل ما ذكر العلماء من الاختلافات ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في كلمتين فقال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1)، فجميع ما ذكره المؤلفون رحمهم الله في الاختلافات ومن يُقْبَل قوله ومن لا يُقْبَل، كله يعود إلى هذا الحديث، لكن لا بأس بالتفصيل.
يقول: (يُقْبَل قول المودع في ردها إلى ربها أو غيره بإذنه وتلفِها وعدمِ التفريط) سبق الكلام على بعض هذه الجملة، أليس كذلك؟ وقوله: (وعدم التفريط) أيضًا يُقْبَل قول المودع في عدم التفريط؛ يعني: إذا ادعى المودِع على المودَع أنه مفرط، وقال المودَع: لم أفرط، فإن أبهم التفريط أو ما ادُّعِيَ أنه تفريط فيُقْبَل قول المودَع؛ لأنه محسن، وإن لم يبهم بأن عين فيُعْرَض على أهل الخبرة؛ فإذا قالوا: إنه تفريط فهو تفريط، وإذا قال: إنه غير تفريط فإنه ليس بتفريط.
هذا التفصيل هو القول الراجح، وإن كان ظاهر كلام المؤلف أن قول المودَع مقبول في عدم التفريط مطلقًا، ولكن هذا فيه نظر.
فإذا قال قائل: إذا قُدِّر أنه عين العمل الذي اختلف فيه المودِع والمودَع هل هو تفريط أو لا؟ وقال المودَع: هذا في نظري أنه غير تفريط، فيقال: كون أهل الخبرة يقولون: إنه تفريط وأنت تعتقد أنه ليس بتفريط يدل على أنك غير فاهم، والمعاملات بين الخلق لا يُعْذَر فيها بالجهل، فكان الواجب عليك أن تسأل أولًا: هل هذا تفريط أو ليس بتفريط؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2210

ولنضرب لهذا مثلًا: في ليلة شاتية أبقى المودع الشاة في العراء ظنًّا منه أن الشاة تقاوم، ولكن أهل الخبرة قالوا: إنها لا يمكن أنت تقاوم في هذا البرد الشديد والصقيع الشديد؛ لأنها -أي: هذه الشاة- ليست مما عاش في بلاد ثلجية، وهو سمع أن الإسكيمو يعيشون والثلج يتقاطر عليهم فقال: هذه الشاة في هذا المكان لو نزل عليها الثلج فإنها ستبقى حية، فعدَّ نفسَه غير مفرط، لكن أهل الخبرة قالوا: هذا تفريط، فحينئذٍ يُؤْخَذ بقول من؟ طلبة: أهل الخبرة.
الشيخ: نعم، بقول أهل الخبرة، قالوا: إنه تفريط، فيُقْبَل قول المودِع أو المودَع؟ طلبة: المودِع.
الشيخ: المودِع -بالكسر- يُقْبَل قول المودِع.
فإن قال: لم تودعني، إن قال مَنْ؟ طلبة: المودَع.
الشيخ: المودَع قال للمودِع: لم تودعني؛ يعني: أنكر الوديعة قال: أبدًا، لم تودعني، (ثم ثبتت ببينة) يعني: ثبت أنه أودعه، والبينة هنا؛ إما رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي؛ لأن المال وما يُقْصَد به المال هذه بينته.
طالب: ( ... ). الشيخ: رجلان أو رجل وامرأتان في القرآن ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282]، رجل ويمين المدعي ثبت ذلك بالسنة؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بالشاهد مع اليمين (2). المهم أن المودَع أنكر قال: لم تودعني، وثبت أنه أودعه.
(أو إقرار) كيف إقرار؟ يعني: بعد أن أنكر -هداه الله- وأقر ندم، أو كان أنكر ناسيًا للوديعة ثم تذكر، أو كان ناسيًا لها ثم وجدها في بيته، المهم أنه بعد أن أنكر أقر.
ثم بعد ذلك (ادعى ردًّا أو تلفًا سابقين لجحوده لم يُقْبَلا ولو ببينة).

الجزء: 2 - الصفحة: 2211

مثال ذلك: جحد يوم الخميس، وأقيمت الدعوى عليه يوم الجمعة، وثبتت الوديعة، وهو ادعى أنها تلفت يوم الأربعاء قبل جحدها، هو الآن جحد متى؟ يوم الخميس، وأقيمت الدعوى يوم الجمعة، ثم ادعى أنها تلفت يوم الأربعاء، فهنا لا تُقْبَل دعواه التلف، لماذا؟ لأنه يوم الخميس أنكر الوديعة، فيكون دعواه أنها تلفت يوم الأربعاء تُكَذِّب قوله؛ إذ يلزم التناقض.
الرجل أنكر الوديعة يوم الخميس، وأقيمت الدعوى عليه يوم الجمعة وثبتت عليه ببينة، ثم قال: إنها تلفت يوم الأربعاء، فهنا لا يُقْبَل قوله، لماذا لا يُقْبَل؟ لأن هو نفسه الآن كَذَّب نفسه؛ هو أنكر يوم الخميس قال: أبدًا، ما عندي وديعة، ولما ثبتت قال: هذه تلفت يوم الأربعاء، طيب كيف تلفت يوم الأربعاء وأنت يوم الخميس تقول: ما عندي لك وديعة؟ ! أفهمتم الآن؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، دعواه التلف لا يُقْبَل، دعواه الرد لا يُقْبَل؛ لأنه بإنكاره صار أمينًا أو خائنًا؟ طلبة: خائنًا.
الشيخ: صار خائنًا فلا يُقْبَل قوله؛ لا في الرد ولا في التلف، يلزمه الضمان.
لو أقام بينة على أنها تلفت يوم الأربعاء، أقام بينة شهود، قال: نشهد أن الوديعة الفلانية أنها تلفت يوم الأربعاء، هل يُقْبَل أو لا يُقْبَل؟ طلبة: لا يُقْبَل.
طلبة آخرون: يُقْبَل.
الشيخ: إي، لا، ما يُقبل.
استمع يقول: (لم يُقبلا ولو ببينة) يعني: (لم يُقبلا) أي: الرد والتلف، (ولو ببينة) حتى لو جاء بشهود قالوا: نشهد أن وديعة فلان تلفت يوم الأربعاء فإنها لا تُقبل؛ لأنه نفسه هو مكذِّب للبينة؛ لأنه لما قال يوم الخميس: أبدًا، ما أودعتني، ما صار وديعة، فيكون مكذِّبًا للبينة.
وأشار المؤلف رحمه الله بقوله: (ولو ببينة) إلى خلاف في هذا؛ فإن بعض أهل العلم قال: إذا ثبت ببينة أنها تلفت، فيكون إنكاره كذبًا وتصدق البينة، المذهب يقولون: تبين كذب البينة بقوله هو؛ يعني: هو أقر ضمنًا أن البينة كاذبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2212

لكن بعض العلماء يقول: إذا قامت البينة فليعمل بها؛ لأنه تبين أنه هو أيش؟ طلبة: كاذب.
الشيخ: هو الكاذب، لكن في هذه الحال ينبغي للقاضي أن يُحكم عليه بالتعزير؛ لكذبه وخيانته، وإتعابه المودع بإقامة الدعوى، وإشغال القاضي، وإشغال الشهود، فهو مستحق للتعزير من عدة أوجه، ولئلا يتلاعب أحد غيره؛ إذا قيل: ليس عليك إلا ضمان الوديعة لا يهمه، لكن إذا أُدِّب صار ردعًا له.
ثم قال المؤلف: (بل في قوله: ما لك عندي شيء ونحوه) انتبه لتحرير العبارة، الرجل في يوم الخميس قيل له: إن عندك وديعة، قال: أبدًا، ما لك عندي شيء، وثبت بالبينة أن عنده وديعة، ثم ادعى التلف يوم الأربعاء؛ يعني: قبل الإنكار، وأقام بينة بذلك، فهل تُقبل أو لا تُقبل؟ تُقبل، سواء ببينة أو بغير بينة؛ لأن الرجل قال: (ما لك عندي شيء).
ومعلوم أن الوديعة إذا تلفت بلا تعدٍّ ولا تفريط لم يثبت على المودع شيء، فيكون في قوله: ما لك عندي شيء صادقًا، بخلاف ما لو قال: لم تودعني، والفرق ظاهر؛ إذا قال: لم تودعني فقد أنكر أصل الوديعة، أما إذا قال: ما لك عندي شيء فإن قوله مقبول حتى لو ثبتت ببينة فقوله مقبول، لماذا يا إخوان؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لأنه لا يتنافى قوله وثبوت الوديعة، هو يقول: نعم، أنا قلت: ما لك عندي شيء؛ لأني لا فرطت ولا اعتديت، وإذا تلفت الوديعة بدون تعدٍّ ولا تفريط فليس علي شيء، أفهمتم؟ طلبة: نعم.
الشيخ: (أو بعده بها) يعني: أو ادعى التلف، (بعده) بعد الجحد، (بها) أي: بالبينة فإنه يُقبل إذا ادعى التلف بعد الجحد؛ لأن الذي لا يُقبل ولا ببينة إذا ادعى التلف قبل الجحد لتناقض الدعوى وقت التلف، لكن إذا ادعى بعده فهنا يُقبل ببينة، لماذا لا يُقبل مطلقًا؟ لأنه مودع، لأنه بجحوده زال عنه وصف الأمانة، فلا يُقبل قوله في التلف ولا في الرد إلا ببينة، واضح؟ طالب: ليس بواضح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2213

الشيخ: هذا الرجل طُلِبت منه الوديعة، فقال للمودع: لم تودعني؛ أنكر، فأقام المودع بينة أنه أودعه، وكان إنكاره يوم الخميس، فادعى أنها تلفت يوم الجمعة، هل يُقبل قوله أو لا يُقبل؟ ببينة يُقبل، بغير بينة لا يُقبل، كونه يُقبل ببينة؛ لأنه أقام بينة، وهو وإن كان خائنا إذا أقام بينة قُبِل، لكن إذا لم يُقم بينة فإنه لا يُقبل.
فإن قيل: ألستم تقولون: إن المودَع يُقبل قوله في الرد؟ فالجواب: بلى، نقول بهذا، لكننا نقول: يُقبل قوله في الرد ما دام أمينًا، أما وقد خان بإنكار الوديعة فإنه لا يُقبل قوله إلا ببينة.
والحاصل أنه إذا أنكر الوديعة ثم ثبتت عليه الوديعة ببينة؛ لأنه لا بد من بينة؛ يعني: لو أنكر الوديعة وليس عند المودِع المدعي ليس عنده بينة، ما يستطيع أن يلزمه بها، لكن ثبتت الوديعة عليه ببينة، ثم ادعى ردًّا أو تلفًا؛ فإن كان الرد والتلف اللذان ادعاهما سابقين على جحوده فلا قبول له مطلقًا؛ لا ببينة ولا بغير بينة، وإن كان بعده؛ إن ادعى الرد والتلف بعده قُبِل ببينة، وبغير بينة لا يُقبل، هذا إذا أنكر.
أما إذا قال: ما لك عندي شيء فهو مقبول على كل حال؛ وذلك لأن قوله: ما لك عندي شيء لا ينافي ثبوت الوديعة، لماذا؟ لأنها إذا تلفت بغير تعدٍّ ولا تفريط فقد صدق، ليس له شيء؛ ليس لمدعي الإيداع شيء؛ لأنه يقول: نعم، أنت أودعتني وصادق، لكن تلفت، ولما تلفت لم يبقَ لك عندي شيء، فيكون هنا إقراره بالوديعة أو ثبوتها بالبينة لا ينافي قوله: ما لك عندي شيء، فيُقبل.
قال: (وإن ادعى وارثه الرد منه أو من مورثه لم يُقْبل إلا ببينة) (ادعى وارثه) أي: وارث المودَع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2214

(الرد منه أو من مورثه) أي: بأن قال وارث المودَع: إننا رددناها عليك، (لم يُقبل) لماذا؟ لأن الوارث ليس هو المودَع حتى يُقبل قوله في الرد، أو ادعى وارث المودع أن مورثه ردها، مَنْ مورِّثه؟ مورثه المودَع، لما جاء صاحب الوديعة يطلبها بعد أن مات المودَع قال الورثة: إن مورثنا قد ردها عليك، فلا يُقبل قول الوارث؛ لأنه غير مؤتمن من قِبَل ربها؛ لأن ربها لم يودعها الوارث، إنما أودعها مَنْ؟ المورث، وحينئذٍ نقول للورثة: إن كان عندكم بينة أنكم رددتموها إلى صاحبها قبلناها، وإلا فعليكم الضمان.
لو ادَّعى الورثة قالوا: إن المورث لم يترك شيئًا، ما وجدنا عنده شيئًا؛ لا وديعتكم ولا غيرها، فيلزم المودِع حينئذٍ أن يثبت ببينة أن المورث تركها؛ وذلك لأن المورث قد يكون تصرف فيها وأنفقها، أو ردها وهم لا يعلمون، أو ما أشبه ذلك، واضح هذا ولَّا ما هو بواضح، واضح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: الضمير في (وارثه) يعود على من؟ طلبة: المودَع.
الشيخ: المودَع، (الرد) على من؟ طلبة: المودِع.
الشيخ: المودِع، (منه) الضمير يعود على من؟ على الوارث.
(أو مِنْ مورثه) مَنْ مورثه؟ المودَع؛ يعني: أن الوارث قال لصاحب الوديعة: إنا قد رددناها عليك، هذا قوله منه أو من مورثه؟ قال: إن مورثنا ردها عليك لم يُقبل إلا ببينة.
(لم يُقبل إلا ببينة) لماذا؟ علل؟ لأن المودِع لم يأتمن الوارث، والوارث الآن مقرٌّ بالوديعة ما أنكر الوديعة، نعم فيه وديعة لكن مورثنا ردها عليك، أو قالوا: نحن رددناها عليك بعد موته، قال: أبدًا، فإنه في هذه الحال لا تُقبل دعوى الرد من الوارث أو من المورِّث إلا ببينة.
فإن قال قائل: إذا ترك الميت وديعة، هل يجب على الورثة أن يبلغوا صاحبها أو يردوها إليه فورًا؟ الجواب: نعم، يجب على الورثة إذا خلف المورث وديعة أن يبلغوا صاحبها فورًا أو يردوها عليه فورًا، لماذا؟ طالب: لأن المودِع ( ... ) الورثة ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2215

الشيخ: لأن المودِع -ما هو بالمودَع- لأن المودِع لم يأتمن الورثة عليها، والورثة وجدوا مالًا لغيرهم غير مؤتمنين عليه، فيجب عليهم أن يبلغوه أو يردوها.
(وإن طلب أحد المودِعَيْن) ويجوز المودِعِينَ ونظيره في الحديث: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بَحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِِبَيْنِ -أو- الْكَاذِبِينَ» (3)، هنا يجوز الجمع ويجوز التثنية.
(وإن طلب أحد المودِعَيْن نصيبَه من مكيل أو موزون ينقسمُ أَخَذَه) يعني: فيه مكيل -ولنقل: مئة صاع- مشتركة بين اثنين، أودعاها إلى زيدٍ، بعد مدة جاء أحدهما وقال: إنا أودعناك مئة صاع برٍّ، وأنا أريد نصيبي منه، وهو يعلم أن نصيبه النصف، أو الثلث، أو الربع، فهل يلزمه أن يدفعه له؟ يقول المؤلف: يلزمه؛ يُعْطَى إياها، ويبقى نصيب الآخر، المثال الآن لا يزال في أذهانكم؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ما هو؟ مئة صاع برٍّ في كيس أودعها اثنان عند رجل، ثم جاء أحدهما بعد حين وقال: أعطني نصيبي منها، يلزمه أن يعطيه نصيبه؛ لأنه هنا ما فيه ضرر، وقد اتفق الطرفان على أن مئة الصاع هذه بينهما نصفين، فيعطيه نصفه، عللوا هذا بأنه ليس على شريكه الغائب الذي لم يطالب ضرر.
وقيل: لا يلزمه ما داما قد أودعاه إياها جميعًا فإنه لا يلزمه أن يسلم للشريك؛ لاحتمال أن هذا الشريك الذي طلب نصيبه قد باعه على شريكه، فيه احتمال.
وأيضًا ربما إذا أُخِذ نصيبه كاملًا ينقص نصيب الآخر؛ لأن الشيء إذا كيل ورُدَّد فإنه ينقص؛ ولهذا يقولون: كل شيء رددته فإنه ينقص إلا الكلام، صحيح هذا؟ كل شيء يتردد ينقص، املأ فنجالًا من الماء، ثم صبه في الفنجال الثاني، ثم في الثالث، والرابع، والخامس، تجده ينقص بلا شك، وكذلك أيضًا المكيل؛ مثلًا إذا قدرنا هذا الكيس مئة صاع وكِلْنا منه خمسين صاع وافية فإن ذلك يؤدي إلى نقص خمسين الصاع الباقية.

الجزء: 2 - الصفحة: 2216

والصحيح أنه لا يلزمه تسليمه، وأنه يُقال له: أحضر صاحبك، أو هاتِ منه موافقة، وإلا فلا.
وقوله: (أو موزون ينقسم) مثله أيضًا الموزون اللي ينقسم، كما لو كان بينهما جراب من عسل أحضراه إليه وقالا له: هذا وديعة، ثم بعد حين جاء أحدهما وقال: أعطني نصيبي، فعلى كلام المؤلف يُعْطى؛ يلزمه إعطاؤه، والصحيح ألَّا يلزمه إلا بموافقة صاحبه؛ لما ذكرنا من الاحتمالات.
وقوله: (ينقسم) احترازًا مما لا يمكن أن ينقسم، كما لو كان مخلوطًا فإنه لا يلزمه؛ لئلا يضر الآخر، أو كان لا تمكن قسمته لكونه متلبدًا لا يمكن قسمته بوزن ولا بكيل، ففي هذه الحال لا يلزم المودع أن يسلمه نصيبه؛ لما في ذلك من الضرر على شريكه، لكن على ما اخترناه لا يلزمه مطلقًا أن يسلم نصيب الشريك إليه حتى يأتي بإذن من صاحبه.
قال: (وللمستودع) ما المراد بالمستودع؟ المستودع يعني: المودع.
(والمضارِب) وهو من أُعْطِي المال مضاربة؛ بأن قيل له: خذ هذه عشرة آلاف ريال مضاربة؛ يعني: اتجر بها ولك نصف الربح، هذه مضاربة، وسميت مضاربة؛ لما سبق من كون التجار غالبًا يضربون في الأرض؛ يسافرون فيها، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20].
(والمرتهِن) وهو مالك الرهن أو من بيده الرهن؟ طلبة: من بيده الرهن.
الشيخ: نعم، من بيده الرهن؛ لأن مالك الرهن يسمى راهنًا، المرتهن الذي بيده الرهن.
(والمستأجِر) الذي بيده العين المستأجرة.
كل هؤلاء أربعة لهم (مطالبة غاصب العين) يعني: لو غصبت الوديعة، يعني نبدأ الآن بالمستودع وهو المودع، غُصِبَت الوديعة، هل للمودع أن يطالب غاصب العين؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
ثانيًا: المضارب بيده تجارة غُصِبَت؛ أخذها إنسان قهرًا، هل له أن يطالب؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
المرتهن أيضًا بيده الرهن فغُصِب، هل له أن يطالب؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2217

المستأجر؛ مستأجر سيارة لمدة يومين أو ثلاثة، فجاء شخص فغصبها، فهل له أن يطالب؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، له أن يطالب.
فلو قال الغاصب: أنت لست بمالك؟ فجوابه أن يقال: لكنه نائب عن المالك.
بقي أن يقال: اللام في قول المؤلف: (للمستودع) هل هي للإباحة أو لرفع المنع؟ وإذا قلنا: لرفع المنع يترتب عليه أنه يلزمه أن يطالب، الأول ولَّا الثاني؟ طالب: الأول.
طالب آخر: الثاني.
الشيخ: طيب، اللام لرفع المنع وليست للإباحة، لو قلنا: إنها للإباحة لكان المستودع مُخَيَّرًا بين أن يطالبه وألَّا يطالبه، فإذا قلنا: لرفع المنع؛ بمعنى أنه لا يُمْنَع المستودَع من مطالبة الغاصب -وكذلك ما عُطِف عليه- صار ذلك لا ينافي أن نقول: يجب عليه أن يطالب، وهو كذلك، يجب على المستودَع أن يطالب بنفسه أو يبلغ فورًا مالك الوديعة، أما أن يسكت ويرى الغاصب يأخذها ويمشي هذا لا يجوز؛ لأن ذلك خلاف الأمانة، انتبه، فصارت اللام في قولنا: (للمستودع) وما عُطِفَ عليه لرفع المنع وليست للإباحة؛ لأننا لو قلنا: إنها للإباحة لكان المستودع وما عُطِف عليه مخيرًا بين المطالبة وعدم المطالبة، وليس كذلك، بل يجب بمقتضى الأمانة أن يطالب أو يبلغ فورًا المالك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2218

وهذه اللام تأتي في كلام الفقهاء لمثل هذا؛ مثلًا عبَّر بعض العلماء في فسخ المفرد والقارن إذا لم يسوقا الهدي إلى عمرة فقالوا: وللمفرد والقارن أن يفسخا نيتهما إلى عمرة ليصيرا متمتعين، تُفْهَم من هذه العبارة أن اللام للإباحة، وليست كذلك؛ لأن الذين عبروا بهذا التعبير قالوا: يُسَن، فتكون اللام هنا لرفع المنع ودفعِ القول بعدم الجواز، وهذا لا ينافي أن يقال: إن فسخ الحج أو الحج والعمرة إلى تمتع مباح إباحة مستوية الطرفين، بل تحويل الحج إلى عمرة ليصير الإنسان متمتعًا سنة مؤكدة؛ إما وجوبًا، وإما تأكيدًا؛ يعني لها الوجوب، والصحيح أنها ليست واجبة؛ أن فسخ الحج إلى العمرة ليس بواجب لكنه مؤكد.
ولا ينافي القول بالاستحباب أن الرسول صلى الله عليه وسلم غضب على الصحابة لما تأخروا في التنفيذ (4)؛ لأن المخاطبة في المقابلة أشد من المخاطبة في الإبلاغ، ولو أن الصحابة امتنعوا في ذلك الوقت لفات بهذا تشريع هذه السنة؛ لأنه إذا امتنع منها الصحابة فمن بعدهم من باب أولى؛ ولهذا كان أحسن الأقوال، وأصح الأقوال، وأقربها للصواب في هذا أن الفسخ واجب على الصحابة، ومن أجل ذلك غضب الرسول عليهم لما تباطؤوا في الفسخ، وأما من بعدهم فإنه سنة، وليس هذا من تقديم قول أبي بكر وعمر؛ لأن أبا بكر وعمر لا يريان ذلك، بل يريان أن يحج الإنسان حجًّا مفردًا ويأتي بالعمرة في وقت آخر، لكن قول الرسول صلى الله عليه وسلم أولى، فيقال: للإنسان أن يتمتع حتى في سفر حجه، إلا أن الفسخ ليس بواجب على غير الصحابة رضي الله عنهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2219

ولهذا لما سئل أبو ذر: ألكم هذه خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل لنا خاصة (5)، ومراده بنفي العموم، مراده أيش؟ نفي الوجوب؛ يعني: يُحْمَل كلام أبي ذر رضي الله عنه على نفي الوجوب، وإلا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام سأله سراقة بن مالك بن جعشم وقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: «بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» وشبك بين أصابعه (6)، وقال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (7). طالب: ( ... ) الوديعة من أجل المودع إلا ( ... )؟ الشيخ: لا، ما ينافيها؛ لأن الأجير ما قَبِلَ الأجر وقال: خذه عندك وديعة، بل رفضه، ولما رفضه لم يدخل في ملكه.
ما أنت بتريد الأجير؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، الأجير لما أعطاه الرجل الأجرة أبى أن يأخذها، هل دخلت ملكه؟ ما دخلت، إذن هذا أبقاها عنده لكنه لقوة أمانته صار يبيع ويشتري بها حتى نمت.
فيه جواب آخر؛ وهو أن الرجل لم يتصرف في الوديعة لنفسه وإنما تصرف فيها لمصلحة صاحبها، فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- قوله: (ثم ادعى ردًّا أو تلفًا سابقين لجحوده لم يُقبلا ولو ببينة)، ثم قال: (أو بعده بها) يعني: بعد الجحود بالبينة، كأن المسألة الأولى أولى بالقبول من الثانية؟ الشيخ: لا؛ لأن نفيه الجحد ثم إثباته أن التلف حصل قبل ينافي ذلك، أما الثاني فهو أقر؛ أقر بأنه جحد، ثم بعد ذلك ثبت أنه مودع، ثم قال: نعم، أنت أودعتني لكن حصل التلف بعد هذا بيوم، فيكون الآن جحده الأول، ثم ثبوتها بعد ذلك قد يكون هذا بعدما جحد أودع من جديد، ثم ادعى الرد وثبت ذاك ببينة.
طالب: الأول أولى يا شيخ.
الشيخ: لا، ما هو بأولى، ما تصورت الآن.
الصورة: ادعى التلف أنه صار يوم الأربعاء، أليس كذلك؟ هو متى جحد؟ الخميس، والدعوى أقيمت الجمعة، الآن كونه يوم الخميس يقول: ما أودعتني، ثم يقيم بينة أنها تلفت يوم الأربعاء، ويش يدل عليه؟ أنه كاذب ولَّا غير كاذب؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2220

طلبة: كاذب.
الشيخ: كاذب، واضحة، لكن جحد يوم الأربعاء وأقيمت الدعوى يوم الجمعة وادعى أنها تلفت يوم الخميس، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن.
طالب: الإمكان في الحالين يا شيخ؟ الشيخ: لا، في الحالين ما يمكن؛ لأن الحال الأولى يقول: تلفت قبل أن يجحد، كيف تجحد وأنت ( ... ) عليه؟ طالب: إذا قال المودع: ما لك عندي شيء ناويًا بهذا أن (ما) موصولة .. الشيخ: ما يقبل هذا التأويل في الخصومة على حسب ما ادعاه المدعي؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (8)، يكون بمعنى الجحد، لكن إذا قال: الذي لك عندي شيء، ما هو بمعنى الجحد في الواقع، غلط إذا قال هذا فقد أقر بالوديعة.
( ... ) مثاله.
طالب: ( ... ). الشيخ: قال: ضع هذه الوديعة في الصندوق ( ... ). الطالب: فوضعها على الرف.
الشيخ: فوضعها على الرف.
الطالب: ( ... ). الشيخ: الرف الآن هو حرز.
طالب: حرز للكتب.
الشيخ: حرز للكتب، وهو طلب منه أن يجعل الكتاب في ( ... )، موافقون على هذا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ويش مثاله؟ طالب: أن يودعه شاة ولا يأمره بعلفها ولا ينهاه.
الشيخ: كيف؟ الطالب: أودعه شاة ولم يأمره لا بعلفها ولم ينهه عن علفها، ثم قطع العلف عنها حتى ماتت فإنه يضمن.
الشيخ: فإنه يضمن، لماذا وهو ما أمر بإعلافها؟ الطالب: لأن علفها من حفظها عادة.
الشيخ: لأن إعلافها من حفظها عادة.
أين تذهب فلوسه؟ الطالب: في هذه الحال يأخذها صاحبها.
الشيخ: يرجع على صاحبها.
الطالب: صاحبها يرجع عليه لفعله.
الشيخ: لا، أقول: إذا أنفق فإلى من يرجع؟ طالب: يرجع على صاحبها.
الشيخ: يرجع على صاحبها.
توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: حتى وإن لم يأذن له.
طالب: وإن لم يأذن له.
الشيخ: لأنه قام عنه بواجبه.
إذا قطع العلف عن الدابة بقول صاحبها بأن قال: لا تعلفها؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2221

طالب: المؤلف يرى أنه لا يضمن؛ لأنه ( ... ) لا يضمن، والصحيح أن يضمن؛ لأنه محرم ( ... ) وتركها هكذا.
الشيخ: طيب، وإذا ضمن من نعطي القيمة؟ نعطيها صاحبها وهو يقول: لا تنفق عليها؟ طالب: تُعْطَى لبيت المال.
الشيخ: لبيت المال، صح؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إذن صاحبها ليس له شيء؛ لأنه هو الذي ( ... )، ولكن هذا الذي فرط وتعدى يضمن ويُجعل في بيت المال.


الطالب: وإن دفعها إلى ( ... ). الشيخ: (إن دفعها) الضمير يعود على من؟ طالب: الوديعة.
الشيخ: (هاء) تعود على الوديعة، لكن الفاعل؟ طالب: المودَع.
الشيخ: المودَع.
(إلى من يحفظ ماله) مال من؟ طالب: مال المودِع.
الشيخ: مال المودِع.
(أو مال ربها) من هو ربها؟ طالب: (مال ربها) المودِع.
الشيخ: المودِع، هل هذا القول على إطلاقه على القول الراجح؟ طالب: ( ... ) إلى ربها .. الشيخ: لا، إذا دفعها إلى من يحفظ ماله.
طالب: إن عين المودِع.
الشيخ: لا، ما عَيَّن.
طالب: إذا لم يستأذن من صاحبها ففي هذه الحال يضمن.
الشيخ: يضمن مطلقًا؟ الطالب: إي نعم.
طالب آخر: يُنظر في ذلك للعرف؛ إذا كان العرف في تسليم رب المال فلا يضمن ( ... ). الشيخ: تمام، معناه إذا دفع إلى من يحفظ ماله يُنظر إلى العرف؛ إذا جرت العادة بأن مثل هذا يحفظ عند الزوجة أو عند الولد أو ما أشبه ذلك لم يضمن، وإلا ضمن؛ لأنه -مثلًا- قد يستحفظ الإنسان زوجته في الأمور السهلة؛ كالطعام واللباس وما أشبه ذلك، لكن لا يستحفظها في النقود والذهب والفضة، وهي داخلة في كلام المؤلف؛ (إلى من يحفظ ماله) يعني: في الشيء الذي يُحْفَظ به هذا المال.
الطالب: قال رحمه الله تعالى: وإن حدث خوف أو سفر ردها على ربها، فإن غاب حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة.
الشيخ: قول المؤلف رحمه الله: (ولا يُطَالبان إن جَهِلَا) نائب الفاعل يعود على من؟ طالب: على الحاكم والثقة.
الشيخ: الحاكم والثقة.
وما معنى قوله: (جَهِلَا)؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2222

طالب: جهلا أن هذا المال ليس للذي سلمه وديعة لهما.
الشيخ: يعني: إن ظن أن المال ماله.
طيب، فإن علما أنها وديعة ولم يأذن صاحبها؟ طالب: فإنهما يضمنان الوديعة.
الشيخ: يضمنان؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما معنى قول المؤلف: (وإن حدث خوفٌ أو سفرٌ رَدَّها على ربها)؟ طالب: فإن حدث في المكان الذي استودع فيه خوف .. الشيخ: إذا حصل في المكان الذي استودع فيه خوف.
طالب: قطاع طرقٍ أو سرَّاق.
الشيخ: كقطاع الطرق والسراق؟ طالب: نعم، أو سفر بأن أراد يسافر المستودع أن يردها إلى ربها.
الشيخ: فإن لم يمكن بأن كان ربها غير حاضر.
طالب: حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة.
الشيخ: أودعها ثقة، تمام.


الطالب: ومن أودع دابة فركبها لغير نفعها، أو ثوبًا فلبسه، أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها، أو رفع الختم ونحوه، أو خلطها بغير متميز، فضاع الكل ضَمِنَ.
الشيخ: ما معنى قوله: (فأخرجها من محرز ثم ردها)؟ طالب: ( ... ) الدراهم أحرزها في صندوق ثم أخرجها.
الشيخ: ثم أخرجها، ثم ردها في الصندوق، يضمن؟ طالب: يضمن.
الشيخ: طيب ردها؟ طالب: لأنه متعدٍّ.
الشيخ: متعدٍّ بأيش؟ طالب: بإخراجها ( ... ). الشيخ: بإخراجها من الصندوق.
لو أن هذا صاحب الصندوق فتح الصندوق وأراد أنه يرتب الصندوق، فأخرج الوديعة على أساس أنه يريد أن يرتب الصندوق ويجعل اللي فوق تحت واللي تحت فوق، ثم ردها؟ طالب: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن؛ لأن الناس لا يقولون: إن هذا متعدٍّ أو مفرط.
قوله: (أو خلطها بغير متميز) له مفهوم؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ طالب: إن خلطه بمتميز فإنه لا يضمن.
الشيخ: فإنه لا يضمن.
إذا خلط شعيرًا بالبر؟ طالب: هنا يتعذر.
الشيخ: يتعذر، ما يتعذر، وين يتعذر؟ طالب: لا، فيه مشقة.
الشيخ: فيه مشقة.
طالب: يضمن.
الشيخ: يضمن، أو يكلف بأن؟ طالب: يفصله، بالتمييز يعني.
الشيخ: بالتمييز.


باب إحياء الموات

الجزء: 2 - الصفحة: 2223

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله: (باب إحياء الموات).
(إحياء) مصدر أحيا، و (الموات) بمعنى الميت، والمراد بالموات هنا الأرض، كما يفسرها المؤلف.
واعلم أن الأرض توصف بأنها ميتة وتحيا، فإحياء الله لها بإنبات الزروع والأشجار، وإحياء الإنسان لها يختلف لكنه قريب من إحياء الله عز وجل، قال المؤلف في تعريفها: (وهي الأرض) يعني: الموات، (هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم).
(الأرض المنفكة) يعني: الخالية عن الاختصاصات والملك، (الاختصاصات) كمجاري السيول، ومواضع الحطب، ومواضع المراعي، والمصالح العامة، وأفنية الدور -وهي ملقى زبالاتهم- هذه غير مملوكة لكنها مختصة لمصالح البلد عمومًا، أو لمصالح كل بيت، فناء الدار وهي البرحة أو الساحة التي أمامها تكون ملقى للكناسة، وما أشبه ذلك، هذه وإن لم تكن ملكًا لكنها مختصة لصاحب البيت ينتفع بها.
كذلك للمصالح العامة؛ كمسايل المياه، ومواضع الاحتطاب، والاحتشاش، والمراعي، وما أشبه ذلك، ومثله أيضًا الطرق، هذه نسميها اختصاصات ولا نسميها أملاكًا؛ لأنها ليست أيش؟ ليست ملكًا لأحد.
وقوله: (ملك معصوم) يعني أيضًا: ولم يسبق إحياءها ملكٌ، فإن سبق إحياءها ملكٌ فإنه لا يمكن لمن أحياها أن يملكها؛ لأنها ملك لمن؟ ملك للأول الذي أحياها، لكن اشترط المؤلف أن تكون ملكًا لمعصوم.
والمعصوم من بني آدم أربعة أصناف: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، هذه أربعة أنفس معصومة لا يجوز لأحد أن يعتدي عليها.
بقي الحربي الذي ليس له عهد ولا ذمة وليس مسلمًا، هذا نسميه هذا حربي، ماله مباح للمسلمين.
هذا هو تعريف الأرض الموات: (الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم).
ومثله الأراضي الداثرة التي كانت قرى في قديم الزمان وارتحل الناس عنها وتركوها، هذه أيضًا لمن ملكها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2224

نظير ذلك في الأعيان إذا ألقى الإنسان متاعه زاهدًا فيه وراغبًا عنه لا يريده، فهو لمن وجده، كما في حديث جابر رضي الله عنه أنه كان على جمل له فأعيا، فأراد أن يسيبه (9)، لو سيبه جابر ووجده آخر فهو له.
وكذلك ما يُلْقَى في البحر عند خوف غرق السفينة فإن من وجده فهو له؛ وذلك لأن الذي ألقاه قد تخلى عنه ولم يرد أن يكون ملكًا له.
كذلك الأراضي -كما قلت لكم- الأراضي أراضي القرى البائدة التي من قديم الزمان هذه أيضًا من أحياها ملكها؛ ولهذا الآن يوجد في بعض الأراضي التي تحيا يوجد فيها آثار إحياء سابقة، حتى إنه عندنا هنا قريب من الوادي عثروا مرة على سوق كله رماد وقطع حديد، مما يدل على أن هذا السوق كان سوق الصناع في هذا المكان، لكنه باد وذهب أهله ولم يعرف له مالك، فهذه تدخل في كلام المؤلف في قوله: (ملك معصوم)؛ لأن هذه الأراضي البائدة الآن ليس لها مالك فتدخل، هذا هو تعريف الأرض الموات.
والشح في الأراضي شديد؛ عقابه شديد، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (10) يُطَوَّق: يُجْعَل طوق في عنقه من سبع أرضين، ما هو من أرض واحدة؛ لأنه ظَلَمَ، حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا: لا يجوز للإنسان أن يزيد في تلييس الجدار أكثر مما جرت به العادة؛ وذلك لأنه يأخذ بالزيادة هذه أيش؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، يأخذ من السوق، والسوق مشترك، إلى هذا الحد حذروا العلماء رحمهم الله من التعدي على الأرض، لكن على كل حال إذا وجدنا أرضًا منفكة عن الاختصاصات وملك معصوم فمن أحياها ملكها؛ ولهذا قال المؤلف: (فمن أحياها ملكها) (مَنْ) شرطية، وفي أصول الفقه أن أسماء الشرط من صيغ العموم، إذن فتعم كل من أحياها، وسيأتي -إن شاء الله- بيان الإحياء.

الجزء: 2 - الصفحة: 2225

(ملكها) أي: دخلت في ملكه قهرًا؟ نعم، تدخل في ملكه قهرًا؛ لأن ملكها عُلِّق بسبب متى وُجِدَ ثبت، كما قلنا في الميراث؛ الميراث إذا وُجِدَ سببه دخل في ملك الوارث قهرًا، حتى لو قال الوارث: أنا لا أريد الميراث، قلنا: هو لك قهرًا عليك؛ لأن الملك المعلق بسبب متى وُجِدَ سببه ثبت الملك شاء الإنسان أم أبى، نعم الإنسان هو حر مختار قبل أن يفعل السبب، أما إذا فعل السبب فإن الشارع رتب المسبب على وجود السبب فلا خيار للإنسان فيه.
(فمن أحياها ملكها؛ من مسلم وكافر) لكن المراد كافر أيش؟ طلبة: معصوم.
الشيخ: معصوم، من مسلم وكافر معصومٍ.
وأيضًا نزيد شرطًا ثانيًا في الكافر: أن يكون ممن يصح تملكه الأرض، فإن كان لا يصح فإنه لا يملكها، لكن إذا كان ممن يصح تملكه الأرض فإنه يملكها.
(من مسلم وكافر) طيب ذكر أو أنثى؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صغير أو كبير؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صغير أو كبير، لكن الصغير الذي لا يميز يتولى ذلك عنه وليه.
قال: (بإذن الإمام وعدمه) إذا قال الفقهاء: (الإمام) فمرادهم من له السلطة العليا في البلد، فالبلاد الملكية يكون الإمام فيها الملك، والبلاد الجمهورية يكون الإمام فيها الرئيس، لكن في بعض البلاد رئيس جمهورية ورئيس وزراء، أيش نعمل؟ طالب: رئيس الوزراء.
الشيخ: من هو الرئيس؟ طالب: رئيس الحكومة.
الشيخ: من رئيس الحكومة؟ طالب: رئيس الجمهورية.
الشيخ: هي تختلف، الآن حسب علمي أنها تختلف في بعض البلاد؛ رئيس الجمهورية له السلطة العليا، ورئيس الوزراء من دونه، وفي بعض البلاد بالعكس، على كل حال كلٌّ وعرفُه، لكن الذي له السلطة العليا في البلد هو ما يعنيه الفقهاء بكلمة (الإمام).

الجزء: 2 - الصفحة: 2226

(بإذن الإمام) الإمام هل يأذن مباشرة؟ نقول: بإذن الإمام أو نائبه؛ لأنه الآن اختلفت الأوضاع، واختلف أسلوب الحكم، فالإمام نفسه لا يباشر مثل هذه الأمور، لكن له نواب، ووزراء، هذا وزير داخلية، وهذا وزير بلديات، وهذا وزير عمال .. إلى آخره.
فالوزير ينوب مناب الإمام، وإذا جعل للوزير من قبل الإمام أن ينيب غيره في كل بلد للأمير أو المحافظ قام هذا الأمير أو المحافظ مقام من؟ مقام الإمام.
وقصدي من هذا الترتيب ألَّا يقول قائل: إنَّ إذنَ الأمير أو المحافظ أو الوزير أو رئيس البلدية أو ما أشبه ذلك غير معتبر؛ لأن المعتبر إذن الإمام، نقول: إن النواب عنه بمنزلته؛ يقومون مقامه.
وقول المؤلف: (بإذن الإمام وعدمه) لو قال قائل: ما لها داعٍ هذه (بإذن الإمام أو عدمه)؛ لأنه إذا قال: (من أحياها ملكها) ولم يذكر بإذن الإمام معناه: ألَّا يُشترط إذن الإمام، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: ولكن اعلموا أن الفقهاء إذا قالوا شيئًا لا داعي له من حيث العبارة فإنما يشيرون إلى رأي آخر، وهنا يريد المؤلف أن يشير إلى رأي آخر؛ وهو أن هناك قولًا بأنه لا تملك الأرض الميتة إلا بإذن الإمام أو نائبه؛ لئلا تحصل الفوضى والاعتداء، فإذا كانت بإذن الإمام أو نائبه صارت مرتبة مضبوطة، فقالوا: إنه لا يحصل الإحياء إلا بإذن الإمام أو عدمه.
وسبب اختلافِهم اختلافُهم في فَهمِ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» (11) هل هذا حكم تشريعي أو حكم تنظيمي؟ إن قلنا: إنه حكم تشريعي صار «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ»، سواء أذن الإمام أم لم يأذن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله على وجه التشريع للأمة.
وإن قلنا: إنه على وجه التنظيم، صار لا بد أن يقول الإمام: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» في كل زمان ومكان.

الجزء: 2 - الصفحة: 2227

ونظير هذا من بعض الوجوه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (12) في الحرب، «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» هل هذا تشريع أو تنظيم؟ فيه خلاف؛ فبعض العلماء قال: إن الرجل إذا قتل قتيلًا في الحرب فله سلبه، سواء اشترط ذلك الإمام أم لا، وبعضهم قال: ليس له سلبه إلا بإذن الإمام، وهنا أمير الجيش ينوب مناب الإمام؛ لأن سلب القتيل غنيمة فيلحق بالغنيمة، ولا يملكه القاتل إلا بإذن خاص.
نرجع إلى مسألتنا، كلام المؤلف -وهو مذهب الحنابلة- يدل على أن من أحيا أرضًا ميتة فهي له، سواء كان ذلك برخصة من ولاة الأمر أم لا.
لكن لو أن ولي الأمر قال: لا يُحيِ أحدٌ أرضًا إلا بإذني وموافقتي، فهل يملك المحيي بعد ذلك الأرض بالإحياء بدون مراجعة ولي الأمر؟ لا؛ لأن المسألة انتقلت الآن، انتقلت من كونها داخلة في العموم إلى تخصيص من ولي الأمر، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
فإذا قال ولي الأمر: لا أحد يُحْيِ إلا بإذني وترخيص مني، فمن أحيا بعد أن بلغه هذا القول فإنها تنزع منه ولا حق له فيها؛ وذلك لأن ولي الأمر أمر بهذا، وقد تكون المصلحة أو الحاجة أو الضرورة في تقييد ولي الأمر الإحياء بهذا الشرط، قد تكون المصلحة أو الحاجة أو الضرورة حسب المنطقة؛ بعض المناطق يكون فيها ناس جهال إذا لم يُقَيدوا بإذن الإمام اعتدى بعضهم على بعض، هؤلاء يكون من الضروري أن يُقَيدوا بإذن الإمام، وقد تكون بعض المناطق أهون، عندهم خوف من الله وتقوى لا يعتدي أحد على أحد، فهنا قد تترجح أن تكون لحاجة، وقد يزول هذا كله وتكون المنطقة أغنياء، وكل عنده أرض كافيته، وكل إنسان عنده خوف من الله، فهنا تكون المصلحة؛ يعني: إما أن تقتضيها المصلحة أو؟ طلبة: الحاجة.
الشيخ: أو؟ طلبة: الضرورة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2228

الشيخ: أو الضرورة.
في وقتنا الحاضر حسب ما نسمع أن تقييد الإحياء بإذن الإمام أمر لا بد منه، يدخل في قسم الضرورة مباشرة في بعض المناطق، ويدخل في الحاجة أو المصلحة في مناطق أخرى؛ لأنه لا يمكن أن يتبعض النظام، بمعنى أن نجعل هذه الجهة لا بد فيها من إذن الإمام، وهذه الجهة يملك فيها بدون إذن الإمام هذا لا يمكن؛ لأن الدولة واحدة؛ ولذلك لو قال قائل: لا حاجة إلى إذن الإمام في بلد أهلها أغنياء، وكل إنسان عنده مزرعته، وكل إنسان عنده خوف من الله، ولا يمكن أن يعتدي على أحد؟ نقول: نعم، هذه منطقة، لكن المناطق ليست كلها على هذه المنزلة، فيعمم النظام ولا بأس.
إذن المذهب أنه لا يُشترط للإحياء إذن الإمام، ولكن هل إذا أمر الإمام ألَّا يحيي أحد أرضًا إلا بإذنه، هل تجب طاعته؟ الجواب: نعم، تجب طاعته؛ لأن طاعة ولي الأمر واجبة في غير معصية الله، وهذا -أي: تنظيم الأراضي وكون الناس لا يعطون إلا بترخيص وحدود مضبوطة- ليس من معصية الله، بل هو من حفظ حقوق العباد.
طالب: أحسن الله إليك، اشترطنا شرطًا ثانيًا قلنا: ممن يصح منه الملك، ما المقصود بهذا؟ الشيخ: لو صالحناهم على ألَّا يتملكوا في أرضنا، مثلًا كفار صالحناهم على ألَّا يتملكوا في أرضنا لم يتملكوا فيها.
طالب: شيخ، هل يدخل في هذا الرقيق؟ الشيخ: واللهِ إذا كان الرقيق أرضًا دخل في العموم! الطالب: لا، المقصود منه إذا العبد يعني أرضه، هل يقال: إنك لا يصح منك الملك؟ الشيخ: الرقيق يملك لكن ملكه لسيده.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- إذا وجدت المنطقة؛ يعني: أحياها رجل، ثم أتاه من يدعي أن بها آثارًا للأقوام السابقين وليس معه بينة؟ الشيخ: لآبائه وأجداده يعني؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما يقبل إلا ببينة؛ ، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ» (13).

الجزء: 2 - الصفحة: 2229

طالب: بارك الله فيك، لو ادعى إنسان أنه أحيا أرضًا من قبل أن يصدر الإمام أن الأرض ( ... ) لا تقسم إلا بإذنه، فهل تنزع منه؟ الشيخ: لا تنزع، إذا كان أحياها قبل صدور الأمر فهي له؛ لأن اللي بيؤخذ من قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» (11)، اللي يظهر أنه تشريع، وهذا هو الأصل حتى يقوم دليل على أنه تنظيم.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: في.
طالب: ( ... ). الشيخ: القول الراجح أنه يملكها بدون إذن الإمام، إلا إذا أصدر الإمام أمره بألَّا يحيي أحدٌ أرضًا إلا بإذنه، فلا تُحْيَا إلا بإذنه.
طالب: أحسن الله إليك، إذا أحياها بعد صدور الإذن ولكن الأمر ( ... )؟ الشيخ: هذه ما هي مشكلة، إذا أحياها بعد صدور الإذن بلا إذن يقدم.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: لا، يقدم، لازم يقدم، وإلا كان عاصيًا، ثم إنه ربما في غير بلادنا ربما يدعونه يعمل ويعمل ويعمل، فإذا نما الشجر وأقام الزرع هجموا عليه.
طالب: هكذا وقع.
الشيخ: هكذا وقع، ما بيقع هذا قبل أن يتعب يأخذ الإذن.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- هناك ظاهرة ظهرت في كثير من دول الغرب؛ وهو أن بعض الطوائف تسرق الأشياء من المتاجر المحلات التجارية وتقول: إن هذه غنائم وإن هؤلاء حربيون، ثم إذا جاء الإنسان يناقشهم يقول: هؤلاء أعداء الإسلام ومالهم ونساؤهم حلال لنا، فهذه من الغنائم؟ الشيخ: قل: إذا قلتم هذا فلهم أن يقتلوكم؛ لأن الحربي يجوز أن يقتل المسلم في الحرب، شوف لاحظوا أن أموال المسلمين للحربيين مباحة، وأموال الحربيين للمسلمين مباحة، فإذا كانوا يقولون هذا نقول: إذن أموالكم أول ما تُؤْخَذ، ورقابكم أول ما تُقْطَع، ثم من يقول: إنهم حربيون تبقون عندهم في بلادهم بأمانهم هم، هم يحفظونكم.
طالب: ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2230

الشيخ: نعم ( ... ) أعوذ بالله، هذا جهل، والحقيقة أن هذا وأنا أرى أنه -واللهِ- إساءة للإسلام، إساءة عظيمة للإسلام، كيف أنت في دارهم وفي أمانهم، ثم تخونهم؟ ! وين الدين الإسلامي؟ هل يأمر بهذا الله يهدينا؟ طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا أحيا الأرض فجعل فيه الزرع، لكن تركه، فمر عليهم زمن طويل فأنبت؛ يعني: خربت كأن لم ( ... ) من قبل وملكها آخر، هل للأول أن -يعني أبناءه ونسله- يأتون يقولون: كان هذا عمل جدي ( ... ) يرد عليهم؟ الشيخ: إي نعم، هل إنه لما ترك الأرض جاء إليك وقال: يا فلان، أنا تعبت من هذه الأرض أكلت مالي وأتعبت جسمي، ولكن أشهدك أني تركتها ما أبغيها؟ طالب: ما قال.
الشيخ: ما قال هكذا، إذن الأصل بقاء ملكه، إلا إذا قام دليل على أنه تركها زهدًا فيها مرة.
طالب: كيف نميز أن الأمر تشريعي أو تنظيمي؟ الشيخ: ماذا قلت لك قبل قليل؟ الطالب: الأصل التشريع.
الشيخ: هذه.
طالب: كيف نعرف أنه تنظيمي؟ الشيخ: نعرف أنه متى بتقع واقعة مثل هذه ولا يعطي الرسول سلبه مثلًا.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- أي بعض الذي يعني الإحياء، هل هو يُعتبر بقرابة العمران والمباني أو بكل البلاد؟ الشيخ: ستأتينا إن شاء الله تعالى.
طالب: إذا جاء إنسان وأحيا أرضًا، ثم أزال الزرع اللي فيه ( ... )، ثم بنى على الأرض وكان قد قصد الأرض للبناء وجعل الزرع وسيلة للتملك ألا ( ... )؟ الشيخ: هذا عاد يرجع للإمام، يقول: إن إنسان أخذ مساحة كبيرة وجعل فيها زرعًا لا يريد أن يزرعه، لكن من أجل أن يتملكها وهو يريد أن يبني عليها، فهل نقول: إن هذه حيلة ويسد عليه باب الحيلة؛ لئلا يضيق على الناس، أو يقال: ملكها ويتصرف فيها كما يشاء؟ هذه محل نظر، وأرى أنه يرجع لولي الأمر.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- إذا سمحتم بالنسبة للموضوع الذي قاله الأخ أحمد هذا واقع ومشهور .. الشيخ: اللي هو؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2231

طالب: الذي هو أن بعض الشباب يأخذون أشياء في أوربا يقولون: إنها غنائم، شيخ قابلت بعضهم في مكة وناقشني في هذا الأمر، ونسب إليك وإلى الشيخ عبد العزيز، ومن خلال الكلام تجد أنهم طلبة علم يعرفون الفقه ويعرفون قواعد وما إلى ذلك، فأنا أقترح عليكم -يا شيخ- لو يسألكم أحد سؤالًا ويكون الجواب رسالة تنشر هناك؛ لأنهم يعرفونكم ويتداولون كتبكم، وهؤلاء طلبة علم يُلَبِّسون على غيرهم من أتباعهم .. الشيخ: إي، صحيح.
الطالب: فيقولون .. ، يعني هي في الحقيقة كلامهم صحيح، لكن عمومات غير مرادة؛ كأن الحربي ماله حلال وهكذا وكذا، فيعني يجعلونها ويضعونها على موضع فهمهم هم، لكنها في العموم أقوال صحيحة .. الشيخ: المشكلة نسبتها لنا.
الطالب: وينسبونها إليكم.
الشيخ: لا، المشكلة النسبة إلينا هذه، هذا هو المشكلة.
الطالب: طيب يا شيخ ما رأيكم لو .. الشيخ: وهذه جربناها، جربناها بالنسبة لي وللشيخ عبد العزيز؛ أنه إذا واحد رغب القول وأراد يروجه قال: قاله فلان؛ علشان يُقبل، مثل واحد دلال يمشي بالسلعة قال: واللهِ ( ... ) فلان، وفلان معروف أنه صاحب تجارة وصاحب معرفة؛ علشان الناس تدومه، لكن ربما -إن شاء الله- يكون هذا الشيء يجيء سؤال ونكتب عليه جوابًا.
طالب: شيخ، هو الكلام صحيح؛ يعني فعلًا أنتم تقولون بأن مال الحربي .. ؟ الشيخ: المال الحربي ما دام الحرب قائمة.
طالب: نعم، لكن ليس .. الشيخ: لا، ما هو مثل هذا عهد، أدنى ما نقول: إن فيه عهدًا، مع أن هؤلاء القوم الذين عند أولئك السلطة لمن؟ طالب: لهؤلاء.
الشيخ: لأهل البلاد.
( ... ) أو ليس بأمين؟ طالب: نعم، أمين.
الشيخ: أمين، ما هو ضابط الأمين؟ طالب: الأمين كل من حصل بيده مال بإذن من الشارع أو بإذن من المالك.
الشيخ: نعم، الأمين كل من حصل في يده مال بإذن من الشارع أو بإذن من المالك.
طيب، هل يُقبل قوله في ردها إلى ربها؟ طالب: يُقبل.
الشيخ: يُقبل.
ما الدليل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2232

طالب: قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، وهذا محسن.
طيب، أرأيت لو أن المستأجر ادَّعى رد العين إلى المؤجر أيقبل قوله؟ طالب: المستأجر ادعى؟ الشيخ: رد العين إلى المؤجر؛ يعني: شخص استأجر حاجة من الحوائج وانتهت مدة الإجارة، ثم ردها إلى صاحبها وأنكر صاحبها، هل يُقبل قوله بدون بينة؟ طالب: يُقبل.
الشيخ: يُقبل.
الدليل؟ طالب: الدليل أنه أمين؟ الشيخ: أنه أمين، وكل أمين يُقبل قوله؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: في الرد، توافقون على هذا؟ طلبة: لا.
الشيخ: نعم.
طالب: لا يُقبل.
الشيخ: لا يُقبل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ ما الفرق بينه وبين المودع؟ طالب: بين المودع؛ لأن المودع يحافظ لمصلحة غيره وهذا لمصلحته.
الشيخ: فهو قبضها لمصلحة؟ طالب: لمصلحة نفسه.
الشيخ: لمصلحة نفسه.
طالب: والأصل بقاؤها عنده.
الشيخ: نعم، صحيح، هو هذا؛ ولذلك عندنا قاعدة: من قبض العين لحظ مالكها قُبِلَ قوله في الرد، ومن قبض العين لمصلحته لم يُقبل قوله في الرد، ومن قبض العين لمصلحته ومصلحة صاحبها لم يُقبل أيضًا؛ تغليبًا لجانب الضمان.
لو ادعى المودع بل لو أنكر المودع الوديعة؟ طالب: إن أنكر الوديعة فإنه يقبل إنكاره.
الشيخ: يقبل إنكاره.
الطالب: لأن الأصل براءة ذمته.
الشيخ: براءة ذمته، نعم، وأيضًا عندنا دليل حديث: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ» (13). بعد أن جحد ثبتت عليه ببينة فماذا يكون؟ طالب: إن ادعى ردًّا .. الشيخ: لا أنكر الوديعة؛ قال: لم تودعني ولا أعرفك، ثم ثبت أنه أودعه؟ طالب: تلزمه.
الشيخ: يلزمه أيش؟ طالب: يلزمه .. الشيخ: تثبت الوديعة.
طيب، ادَّعى أنها تلفت؟ طالب: إن كان قبل جحوده فهي لا تقبل، لا يقبل .. الشيخ: لا تُقبل دعواه.
طالب: ولو ببينة.
الشيخ: ولو ببينة.
وإن كان بعد جحوده؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2233

طالب: بعد جحوده يُقبل ببينة.
الشيخ: يُقبل ببينة.
لماذا لم يُقبل قوله بأنها تلفت بعد جحوده؟ طالب: لا يُقبل؛ لأنه بإنكاره صار خائنًا.
الشيخ: نعم؛ لأنه بإنكاره الوديعة ثم ثبتت عليه ببينة صار غير أمين، فلم يُقبل قوله.
طيب، وإذا جاء ببينة؟ طالب: ثبتت ببينة؟ الشيخ: لا، إذا جاء ببينة بأنها تلفت؟ الطالب: يُقبل قوله بالبينة.
الشيخ: نحكم بالبينة.
وإن كان التلف قبل الجحود؟ طالب: لا يُقبل قوله.
الشيخ: لا يُقبل قوله ولو ببينة؛ لأنه أيش؟ طالب: يكذب البينة.
الشيخ: يكذب البينة، تمام.
رجلان أودعا شخصًا كيسًا من البر وهو بينهما أنصاف، فجاء أحدهما يطلب نصيبه، فما تقول؟ طالب: لا يلزمه أن يعطيه نصيبه.
الشيخ: لا يلزمه؟ الطالب: لا يلزمه.
الشيخ: لكن يعلم أنهما أنصاف؟ الطالب: حتى ولو يعلم.
الشيخ: أيش الجواب؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ويش معنى ( ... ) يعني يعطى إياه؟ طالب: يعطى إياه ( ... ). الشيخ: يعني: إذا طلب نصيبه أعطي إياه بشرط أن يكون؟ طالب: يكون على قدر المساهمة بين الطرفين.
الشيخ: إذا قال المودع: أنا لا أدري كم نصيبك منه، لا أدري ألك ثلثه أو ربعه أو نصفه، قال: لي نصفه هل يلزمه أن يسلمه؟ طالب: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؛ لاحتمال أن يكون ما ادعاه؟ طالب: ليس صحيحًا.
الشيخ: غير صحيح، تمام.
ما هي الموات اصطلاحًا؟ طالب: الموات هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم.
الشيخ: الاختصاصات وملك معصوم، طيب، الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم وأتى ببينة.
اختصاصات ما هي؟ طالب: اختصاصات ما يتعلق بمصالح الناس؛ كالاحتطاب وملقى الزبالات والاحتشاش وما أشبه ذلك.
الشيخ: والمراعي؟ طالب: ( ... ). الشيخ: طيب، هذا هل يملك بالإحياء أو لا؟ طالب: لا يملك بالإحياء.
الشيخ: لا يملك، ليش؟ طالب: نعم -يا شيخ- يملك بالإحياء.
الشيخ: يملك بالإحياء؟ طالب: نعم.
الشيخ: إي.
طالب: لا يملك بالإحياء.
الشيخ: لا يملك بالإحياء، هذان قولان.

الجزء: 2 - الصفحة: 2234

طالب: لا يملك بالإحياء.
الشيخ: لا يملك بالإحياء.
طالب: لأنه لم ينفك عن الاختصاص.
الشيخ: لأنه لم ينفك عن الاختصاص.
طيب، لو قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» (11)، فماذا نقول؟ هل نقول: يملك هذه الاختصاصات أو لا يملك؟ طالب: الاختصاصات لا يملكها.
الشيخ: الحديث كيف نجيب عنه؟ طالب: أن هذا عام ليس خاصًّا به.
الشيخ: كيف؟ طالب: الأرض مملوكة.
الشيخ: لا، ما هي مملوكة الأرض ليس ملكًا لأحد، مراعي غنم أهل البلد.
طالب: هذه لا يصدق عليها ميتة؟ الشيخ: لا، ميتة وزيادة.
طالب: يقال: لتعلق حق الغير بها.
الشيخ: لتعلق حق الغير بها، وما قاله الأخ يصدق على كلام الفقهاء؛ لأن الأرض الميتة المنفكة عن الاختصاصات، وهذا غير منفكة عن الاختصاصات فلا تكون ميتة اصطلاحًا وإن لم يكن لها مالك الآن، لكن حسب تعريف الفقهاء لا تكون ميتة.
طيب، قوله: (فمن أحياها ملكها من مسلم) ماذا تقول في كلمة (من)؟ طالب: ( ... ). الشيخ: (ملكها من مسلم) ( ... ). طالب: حرف جر.
الشيخ: حرف جر ما يحتاج، لكن ويش معناها؟ طالب: من أحياها من مسلم.
طالب آخر: (من) الشرطية وهي من صيغ العموم؛ أي: كل من أحياها ملكها.
الشيخ: لكن من مسلم.
طالب: من صيغ العموم، وكل .. الشيخ: لا، ما هي من صيغ العموم، حرف.
طالب: بيانية.
الشيخ: بيان لأيش؟ طالب: بيان ( ... ). الشيخ: بيان لقوله: (من أحياها) يعني: بيان لمن الشرطية وليست متعلقة بملكها؛ يعني: المال نفسه.
طيب، هل الكافر له مال محترم؟ طالب: نقول: الكافر ينقسم إلى قسمين؛ القسم الأول: الحربي، القسم الثاني: من له عهد وذمة، وهم أربعة أقسام، فمن كان من الأربعة أقسام وهم: المستأمن والذمي والمعاهد .. الشيخ: والمسلم.
طالب: ثلاثة نعم، ثلاثة أقسام مالهم محترم ( ... ). الشيخ: لكن هل يملك بالإحياء؟ طالب: نعم، يملك بالإحياء.
الشيخ: يملك بالإحياء؟ طالب: لعموم (من).

الجزء: 2 - الصفحة: 2235

الشيخ: لعموم (من)، «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» (14). طالب: ( ... ) واحدة إلا تبينت ( ... ) سبب ( ... ). الشيخ: مثل أيش؟ طالب: يعني: يملكها ويبني فيها بيوتًا للدعوة.
الشيخ: لا يمنع، هو يملكها الآن، لكن يمنع من إحداث ما يخالف العهد.
(بإذن الإمام وعدمه) هذه يمكن أن نسأل عنها، هل يُشترط للإحياء إذن الإمام؟ طالب: على المذهب لا يشترط.
الشيخ: لا يشترط، الدليل؟ طالب: الدليل لأنه قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا».
الشيخ: أن الرسول قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» (11) ولم يشترط شيئًا.
هل في هذا تفصيل؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو، على القول الراجح ما هو؟ طالب: إن كان ( ... ) شرعيًّا فهي له مطلقًا، وإن كان الأمر تنظيميًّا فلولي الأمر لا يملكها حتى يأذن له ولي الأمر.
الشيخ: يعني نقول: إذا منع ولى الأمر من التملك إلا بإذنه فإن من تملك بغير إذنه فلا ملك له، هذا هو القول الراجح.
ثم قال المؤلف: (في دار الإسلام وغيرها) يعني: ملكها، سواء كان في دار الإسلام وغير دار الإسلام، وحينئذٍ ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2236

في دارِ الإسلامِ وغيرِها، والعَنْوَةُ كغيرِها، ويَمْلِكُ بالإحياءِ ما قَرُبَ من عامرٍ إن لم يَتَعَلَّقْ بِمَصْلَحَتِه، ومَن أحاطَ مَوَاتًا أو حَفَرَ بِئْرًا فوَصَلَ إلى الماءِ أو أَجراهُ إليه من عينٍ أو نحوِها , أو حَبَسَه عنه ليَزْرَعَ فقد أَحياهُ، ويَمْلِكُ حريمَ البئرِ العاديةِ خمسينَ ذِراعًا من كلِّ جانبٍ، وحريمَ البديةِ نِصْفُها وللإمامِ إقطاعُ مَواتٍ لِمَن يُحْيِيهِ ولا يَمْلِكُه وإقطاعُ الجلوسِ في الطرُقِ الواسعةِ ما لم يَضُرَّ بالناسِ , ويكونُ أحقَّ بِجُلوسِها، ومن غيرِ إقطاعٍ لِمَنْ سَبَقَ بالجلوسِ ما بَقِيَ قُماشُه فيها وإن طالَ، وإن سَبَقَ اثنانِ اقْتَرَعا، ولِمَن في أَعْلَى الْمُباحِ السَّقْيُ وحَبْسُ الماءِ إلى أن يَصِلَ إلى كَعْبِه , ثم يُرسِلَ إلى مَن يَلِيهِ، وللإمامِ دونَ غيرِه حِمًى مَرْعًى لِدَوَابِّ المسلمينَ ما لم يَضُرَّهُمْ.
(باب الجعالة) وهي أن يَجعلَ شَيئًا مَعلومًا لِمَن يَعْمَلُ له عَمَلًا مَعلومًا أو مَجهولًا مُدَّةً مَعلومةً أو مجهولةً، كرَدِّ عبدٍ ولُقَطَةٍ وخِياطةٍ وبِناءِ حائطٍ , فمَن فَعَلَه بعدَ عِلْمِه بقولِه اسْتَحَقَّه , ولجماعةٍ يَقتسمونَه، بإذن الإمام وعدمه، هذه يمكن أن نسأل عنها هل يُشْتَرَط للإحياء إذن الإمام؟ طالب: على المذهب لا يشترط.
الشيخ: لا يشترط، الدليل؟ الطالب: من المعلوم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً» (1). الشيخ: أن الرسول قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ»، ولم يشترط شيئًا، هل في هذا تفصيل؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو، على القول الراجح؟ الطالب: إن كان حكم شرعي فهي له مطلقًا، وإن كان الأمر تنظيميًّا فلولي الأمر لا يملكها حتى يأذن له ولي الأمر.
الشيخ: يعني نقول: إذا منعه ولي الأمر من التملك إلا بإذنه فإن مَن تملك بعير إذنه فلا ملك له، كذا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: هذا هو القول الراجح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2237

ثم قال المؤلف: (في دار الإسلام وغيرها)، يعني مَلَكَهَا سواء كان في دار الإسلام وغير دار الإسلام، وحينئذ نسأل: ما هي دار الإسلام؟ دار الإسلام هي التي غلب عليها الإسلام ظهورًا وشيوعًا، بحيث يؤذَّن فيها للصلاة، وتُقَام فيها جماعات، ويُصَام فيها رمضان، ويُعْلَن وتظهر فيها الشعائر، هذه هي دار الإسلام، حتى وإن كان فيها كفار، لو قُدِّر أن الكفار فيها خمسون في المئة أو أكثر، ما دام حكم الإسلام غالبًا عليها فهي دار إسلام، أما إذا لم يكن حكم الإسلام عليها غالبًا فهي دار كفر ولو كثر فيها المسلمون، والاعتبار بأيش؟ الاعتبار بالمظهر والظاهر، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غَزَا قومًا أمسك حتى يطلع الفجر، فإن أَذَّنُوا امتنع من قتالهم، وإن لم يُؤَذِّنُوا قاتلهم.
مثلًا بلاد أوروبا الآن بلاد كفر ولّا إسلام؟ طلبة: كفر.
الشيخ: كفر؛ لأن الحكم الشائع فيها الظاهر هو الكفر، وإن كان يوجد فيها جمعيات إسلامية، وربما يوجد في بعض البلاد هناك بلاد تقام فيها الجماعة، ويحضر الناس ويقيمون الجمعة، لكنها بلاد كفر؛ لأن الغالب عليها والمهيمن عليها هو حكم الكفار، فإذا قُدِّرَ أن شخصًا تملَّك في أوروبا، وأحيَا أرضًا فهي ملكه شرعًا، ولا أحد ينازعه فيها إذا تَمَّ الإحياء.
(والعَنْوَة كغيرها) العَنْوَة ما فُتِحَ بالسيف، يعني البلاد بلاد الكفر المفتوحة بالسيف كغيرها من البلاد التي فُتِحَت صلحًا، أي أن الإنسان إذا أحيا أرضًا ميتة في بلاد فُتِحَت عنوة فهي له، وكذلك فيما فُتِحَت صلحًا بأن صُولِحَ على أهلها أن يبقوا فيها وتكون الأرض أرضنا، ويبقون فيها بالجزية، أما ما صُولِحُوا على أنها لهم فإنها لا تُمْلَك بالإحياء؛ لأن الأرض أرضهم، لكن ما صُولِحُوا على أنها لنا ونُقِرُّهم فيها بالجزية أو بالعهد فإنها تُمْلَك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2238

وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين مكة وغيرها، ولكن هذا فيه خلاف، أما المدينة فأظن محل اتفاق أنها كغيرها من البلدان تُمْلَك بالإحياء، وأما مكة ففيها خلاف، وذلك لأن مكة مَشْعَر يجب على كل مسلم مقصدُه -أن يقصده- ليؤدي مناسك العمرة، مناسك الحج، فليست خاصة لأحد، ولهذا قال فقهاؤنا -رحمهم الله-: إنه لا يصح بيع مساكنها ولا إجارتها؛ لأنها تُعْتَبَر أرض مَشْعَر، ولا يملك الإنسان فيها شيئًا على وجه تام كما يملكه في غيرها، إلا المساكن التي بناها فهذه له أن يبيعها، لكن الأرض لا، لا تباع.
والمسألة هذه فيها خلاف، وشيخ الإسلام -رحمه الله- يرى قولًا وسطًا في هذا، يقول: هي تُمْلَك بالإحياء وبالإرث وبالبيع، لكنها لا تُؤَجَّر، يحرُم تأجيرها، فمن استغنى عن مكان وجب بذله لغيره، ولو أن الناس مشوا على كلام شيخ الإسلام لحصل في ذلك سعة عظيمة للناس.
وجه ذلك أن الناس لا يبنون إلا ما يحتاجون فقط، وإذا لم يَبْنُوا إلا ما يحتاجون وقدم الحجاج فإن مَن وجد سكنًا مبنيًّا بالحجارة والطين سكنه، وإلا فالخيام.
والقول الثالث في المسألة: أن مكة كغيرها تُمْلَك بالإحياء وبالبيع، ويجوز بيعها وإجارتها، والعمل الآن على هذا القول؛ أنها تُمْلَك وتُبَاع وتُشْتَرَى وتُؤَجَّر وتُسْتَأْجَر، قالوا: وهذا هو الذي لا يمكن العمل بسواه في الوقت الحاضر؛ لأننا إن قلنا بالمذهب فهو قول ضعيف لا يمكن العمل به، وإن قلنا باختيار الشيخ صار فيها خصومات وعداوات وبغضاء، إذا قدم الحاج ووقف عند البيت وقال لصاحب البيت: البيت فيه حُجَر فارغة الآن، قال: ما فيه، قال: لا فيه، حصل أيش؟ طلبة: نزاع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2239

الشيخ: حصل نزاع وخصام، ثم هل يمكن أن نُمَكِّن الذي جاء ليستأجر، هل يمكن أن نقول: لك الحق أن تسأل صاحب البيت: كم عائلتك؟ كم في البيت من حجرة؟ فالزائد لا بد أن تفضِّيه لنا، هذا فيه صعوبة، ولهذا مشى القضاة الآن على أنها تُمْلَك بيعًا وشراء، ويُمْلَك تأجيرها واستئجارها.
لكن على المذهب يقولون: إذا لم يجد مكانًا إلا بأجرة دفعها، والإثم على الآخذ، وهذا فيه فسحة، وعلَّلُوا ذلك بأن سكناه في هذا البيت حق له، فإذا قال صاحبه: لا يمكن أن تسكن إلا بأجرة، فمعناه أنه منعك أيش؟ حقك إلا بعِوَض، فابذل العِوَض وهو الآثم.
وبهذا التقرير نعرف أن بعض البلاد التي يقولون فيها: لا بد أن تؤمِّن على سيارتك، وأن تؤمِّن على حاجاتك، وأنت ترى أن التأمين حرام؛ لأنه من الميسِر، فلك في هذه الحال أن تعطيهم وهم الآثمون؛ لأنه لا يمكن أن نضيِّق على الناس ونفوِّت مصالحهم، نقول: اعقد معهم عقد التأمين، لكن أَضْمِر في نفسك أنك مظلوم، وأنك مُكْرَه على بذل ثمن التأمين، وفي هذه الحال إذا قُدِّر عليك حوادث أكثر مما دفعت فإنك لا تستحق هذا الزائد؛ لأنك تعتقد أن العقد باطل وحرام، خُذْ ما خسرت أو ما دفعت في التأمين والباقي امتنع منه، فإن أبوا إلا أن تأخذه فخذه وتصدق به تخلصًا منه.
وبهذا نسلم من الحرج الذي يصيب بعض الناس الآن، يقول: إنه في بلاد لا يمكن أن يشتري سيارة، ولا أن يعمل أي عمل إلا بتأمين، نقول: هذا المخرج، الحمد لله، الإثم على الآخذ.
قال: (ويُمْلَك بالإحياء ما قرُب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته)، يعني أن الإحياء لا يُشْتَرَط أن يكون بعيدًا عن العمران، فيُمْلَك بالإحياء ما قرُب من عامر، حتى وإن لاصقه، فلو أن رجلًا قد بنى بيتًا، وما حول البيت فضاء ليس لأحد، فعَمَر هو بجنب البيت ليس بينهما إلا الجدار، فإنه؟ طالب: فإنه يصح الإحياء.

الجزء: 2 - الصفحة: 2240

الشيخ: نعم، يصح الإحياء ويملكه، لكن يقول المؤلف: (إن لم يتعلق بمصلحته)، فإن تعلق بمصلحة العامر؛ لكونه مرعى لدوابهم، أو فناء لإلقاء القمامة، أو مُحْتَطَبًا لهم، فإنه لا يُمْلَك؛ لأن هذه الأرض التي تتعلق بها مصالح الناس ليست منفكة عن الاختصاصات، فلا تكون مواتًا حسب التعريف الفقهي، واضح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إذا قَدَّرْنَا أن الرجل عَمَر، بنى بيتًا إلى جنب بيت كان قد أُحْيِي وسكن صاحبه، فهل يطالِب صاحبُ البيت هذا الذي أحيا من بعد بقيمة الجدار الذي بينهما؟ الجواب: لا، لا يطالبه؛ لأن هذا الرجل بنى الجدار على أنه حماية بيته، وأنه ملكه، وهذا تَجَدَّدَ إحياؤه، فلا يطالبه بقيمة الجدار الذي بينهما، لكن لو فُرِضَ أن الأرض مقطَّعة كل قطعة لبيت، وتأخر أحد الجارين في عمارة منزله حتى يَعْمُر الآخر فيسقط عنه قيمة الجدار؛ لأن بعض الناس قد يتحيَّل، يقول: بأسكت، خَلِّيه يبني، وإذا بنى بنيت وسقط عني، ففي هذه الحال يحسن قضاء أن يُلْزَم بما يُسْتَحَقّ عليه من قيمة الجدار سَدًّا لأيش؟ سَدًّا لِحِيَل المتحيِّلين.
أما إذا كان ليس له نية أن يعمر -أعني الجار- ثم عمر بعد ذلك، فإنه لا يلزمه أن يدفع شيئًا من قيمة الجدار، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً -أَوْ قَالَ: خَشَبَهُ- عَلَى جِدَارِهِ» (2)، قال أبو هريرة -رضي الله عنه- حين كان أميرًا على المدينة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لَأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم، أرمين بأيش؟ طلبة: بالخشب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2241

الشيخ: بالخشب، يعني: إذا لم تُمَكِّنُوا من وضع الجدار أضعه على الكتف؛ لأنه أمير، وهذا نظير قول عمر بن الخطاب لمحمد بن مسلمة مع جاره حين احتاج جارُه أن يقود الماء من ملكه عبر ملك محمد بن مسلمة أو بالعكس، وامتنع الجار، قال: ما يمكن تجري الساقي مع ملكي، الأرض أرضي، قال له صاحب الساقية: انتفع به، اغرس عليه، ابذر عليه، انتفع، تنتفع أنت وأنا، قال: أبدًا، ترافعَا إلى عمر -رضي الله عنه- فقال له: ليُجْرِيَنَّه وإلا أجريتُه على بطنك، رضي الله عنه؛ لأن هذا الذي امتنع يعتبر مُضَارًّا.
نعم لو قال: أنا لا أريد أن تجري الساقي في ملكي؛ لأني أريد أن أبنيه، فهنا له حق، أما إذا كان يريد أن يزرعه ويغرسه فمن مصلحته أن يجري الماء.
عل كل حال نقول: ما قَرُبَ من عامر، يعني من العامر، إذا أحياه الإنسان فإنه يملكه، إلا إذا تعلق بمصالحه، ولهذا قال: (إن لم يتعلق بمصلحته).
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومَن أحاط مَواتًا، أو حفر بئرًا فوصل إلى الماء، أو أجراه إليه من عين أو نحوها، أو حبسه عنه ليُزْرَع فقد أحياه) هذا بيان لما يحصل به الإحياء، وهي مسائل: المسألة الأولى: إذا أحاط مواتًا، يعني: ضرب عليها حائطًا يمنع الدخول منه، ليس حائطًا يسيرًا كحجر أو حجرين، حائط يمنع الدخول منه، مَلَكَها، ولو كبيرة؟ طالب: ولو كبيرة.
الشيخ: ولو كبيرة، ظاهر كلام المؤلف ولو كبيرة، نعم إذا كان في الأراضي شُحّ بأن كانت البلد في أرض محجوزة؛ إما بالأنهار، وإما بالجبال، فلِوَلِيّ الأمر أن يُحَدِّد، يقول: لا أحد يتملَّك أكثر من كذا وكذا قدرًا، وذلك من أجل ألَّا يحتكرها أحد الأقوياء، ويحوِّط أرضا كبيرة ثم يبيع على الناس بثمن غالٍ.

الجزء: 2 - الصفحة: 2242

(أو حفر بئرًا فوصل إلى الماء)، فإن هذا إحياء، لكن ما الذي يملكه بحفر البئر؟ إن كانت البئر للوِرْد ونحوه فإنه يملك حريمها، وسيأتي -إن شاء الله- بيان ذلك، وإن كانت لسَقْيِ الأرض كبئر الزراعة فإنه يملك ما أجرى عليه الماء، كل ما أجرى عليه الماء يملكه، أفهمتم؟ الثالثة: (أو أجراه إليه من عين أو نحوها)، (أجراه) أي: أجرى الماء إلى الموات، (من عين أو نحوها) كالنهر، فإنه يحصل به الإحياء، ولكن ما الذي يُمْلَك؟ كل ما جرى عليه الماء فهو إحياء.
هذه ثلاث مسائل.
الرابعة يقول: (أو حبسه عنه ليُزْرَع) فقد أحياه، كيف حبسه عنه؟ يعني: هذه أرض الماء فيها كثير لا تصلح للزرع، إذا زُرِعَ فيها غرق الزرع، فكيف يُحْيِيها؟ يُحْيِيها أن يحبس الماء عنها، إذا حبس الماء عنها لتصلح للزرع فكل مَن حبس عنه الماء فإنه يعتبر أيش؟ مُحْيًا يملكه صاحبه، فانظر الآن إجراء الماء إلى الأرض إحياء، ومنع الماء عن الأرض إحياء؛ لأن المقصود أن تتهيأ الأرض للزرع.
قال أهل العلم أيضًا، زادوا، قالوا: وكذلك لو كان فيها أشجار لا يمكن أن تُغْرَس معها أو تُزْرَع فأزال الأشجار فهو إحياء، وكذلك لو كان فيها أحجار متراكمة عليها لا تصلح مع هذه الأحجار للزرع، ثم أزال الأحجار ونقَّاها فهذا إحياء.
من العلماء مَن يقول: يُرْجَع في هذا إلى العُرف، ما عَدَّه الناس إحياء فهو إحياء، وما لم يَعُدُّوه إحياء فليس بإحياء، وعلَّلُوا هذا بعلة قوية، قالوا: إن القاعدة عندنا أن كل ما أطلقه الشارع وليس له حد في الشرع فمرجعه أيش؟ طلبة: إلى العرف.
الشيخ: إلى العرف، فما عَدَّهُ الناس إحياء فهو إحياء، وما لم يعدوه إحياء فليس بإحياء، وهذا القول لا يَبْعُد عما قاله المؤلف -رحمه الله- لكن ربما تتغير الأحوال وتختلف.
لو غرس على أرض واسعة كبيرة، غرس عليها أشجارًا كالجدار، هل يملك ما كان داخل هذه الأشجار؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2243

الشيخ: لا، لا يملك؛ لأنه ما زرعها، ولا بنى، والأشجار عُرْضَة، لكنه يكون أحق بها، بمعنى أنه لا يزاحمه عليها أحد، ولكن إذا تأخر في إحيائها ووُجِدَ مَن يطلب إحياءها يُمْهَل، يقال له: يا فلان، إما أن تُحْيِيَ الأرض، وإما أن ترفع يدك؛ لأن فيه منتظرًا لإحيائها.
وقوله: (أو حبسه عنه ليَزْرَع فقد أحياه)، أما لو حبس الماء عن هذه الأرض لمجرد أن تيبس فقط فإن هذا ليس بإحياء، وفي هذا إشارة من المؤلف إلى أن النية معتبرة في الإحياء في مثل هذه الصورة.
طالب: أحسن الله إليك، إذا دفع التأمين؟ الشيخ: إذا .. الطالب: رجل دفع التأمين على أنه جائز، كان يعتقد أنه جائز؟ الشيخ: يعتقد أنه جائز؟ ! نقول له: حرام.
الطالب: لا يعرف أنه قمار، ثم علم أنه مَيْسِر، فهل يعني .. الشيخ: إذا دفع التأمين وهو لا يدري أقول: الأمر ( ... ) وأسهل، يذهب إلى شركة التأمين ويقول: أنا أريد أن أسحب تأميني.
الطالب: يأخذ ما دفع؟ الشيخ: إي، يأخذ ما دفع منه ويبطل التأمين.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة لتعريف دار الإسلام، إذا كان البلد يحكمه كافر والبلد نفسه أو المدينة نفسها القسم الشرقي منها كفار، والغربي مسلمون، وتُقَام فيها الشعائر، فهل كل منطقة تأخذ حكمها، وأن تتعدد الأحكام في بلد واحد؟ الشيخ: نعم، وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قال: يمكن أن نقول: هذه بلاد إسلام، في الجانب اللي فيه المسلمون يُظْهِرُون الشعائر، وبلد كفر في الجانب الذي فيه الكفار الذين لا يقيمون الشعائر، وهذا حق، هذا هو العدل.
طالب: لو عملنا التأمين يا شيخ على شكل ( ... ) هل يجوز بيعه؟ الشيخ: ما حرُم الدخول فيه حرُم بيعه، لأنه إذا حرَّم شيئًا حرم ثمنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2244

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا كل أنواع مصالح الناس في التأمين فعلى سبيل المثال الآن الدول الكافرة إذا أراد الإنسان أن يؤمِّن على سيارته مثلًا يقول: إذا دفعت خمسين دولارًا في الشهر، فنحتاج نؤمِّن على السيارة ضد الحوادث والصدام؛ حوادث الطرق، وأما إذا دفعت ستين دولارًا فالتأمين يكون شامل العواصف الثلجية والأعاصير ( ... ). الشيخ: الجواب: إذا كانوا يُجْبِرُونك على التأمين فاسلك أخفّ النوعين، وإن كانوا لا يجبرونك فلا تؤمن أصلًا.
الطالب: لا هو الإجبار تُجْبَر.
الشيخ: فيه إجبار؟ الطالب: فيه إجبار.
الشيخ: أجل، يُسْلَك أقلها ضررًا وخطرًا.
الطالب: بمعنى أنه لا يؤمن على الثلج؟ الشيخ: لا، ما يؤمن على الثلج، يؤمن على الأسهل؛ لأن هذا مُحَرَّم فيُقْتَصَر فيه على قدر الضرورة.
طالب: بارك الله فيه يا شيخ، الإجبار الوحيد في هذا الحالات في الدول الأوربية والأمريكية هو ضد الغير فقط.
الشيخ: ضد الغير؟ الطالب: فقط.
الشيخ: يعني الصدام يعني؟ الطالب: نعم، ضد الشخص يعني شخص حي آخر.
الشيخ: كيف؟ اشرح لنا هذه.
الطالب: إيذاء شخص آخر، ضد الغير فقط، هذه الْمُجْبَر عليه.
الشيخ: يعني ألَّا يؤذي أحدًا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: ألَّا يؤذي أحدًا.
الطالب: الباقي اختياري.
الشيخ: كلٌّ يعتقد أنه ما يؤذي أحدًا، لكن يأخذون عليك لأجل إن آذيتَ أحدًا أخذوا من هذه الدراهم، وإذا لم يؤذِ أحدًا تمت السنة ما آذى أحدًا؟ الطالب: ما عليك شيء، بالنسبة للأمور الأخرى أنت تتكفل ( ... ). الشيخ: لا، مثلًا اللي يدعي فيها إلى الغير، مثل قالوا: الآن نخشى أنك تصدم صبيًّا أو سيارة أو شيئًا، سَلِّم عشرة آلاف، سَلَّمَها ثم لم يصدم، هل تُرَد عليه؟ الطالب: لا، لا ترد عليه يا شيخ، يجب أن يدخل في هذا التأمين من أجل ما يسمى حماية الغير، وبالتالي شركة التأمين تغطي تكاليف ما يترتب عليه من إيذاء في هذا الحادث.

الجزء: 2 - الصفحة: 2245

الشيخ: على كل حال هو الشيء اللي يضطر عليه إنسان ما عليه شيء، لكن هذا بالحقيقة سفه منهم؛ لأنهم إذا فعلوا هذا يسهُل على الإنسان الحوادث، يسهل عليه أنه يدهس رجَّالًا أو امرأة، أو يكسر سيارة.
طالب: شيخ بارك الله فيك، رجل يعمل في إحدى الشركات، وهذه الشركة تدفع تأمينًا لأحد المستشفيات، ولكن الرجل إذا طالت فترة المرض لا يستطيع أن يجيب عذرًا إلا من هذا المستشفى، لا يقبل العذر إلا من هذا المستشفى.
الشيخ: إي، والله ما أدري المستشفى هذا أخشى أن يحابيه، أن يعطيه الشهادة بأنه مريض وهو غير مريض، لا سيما أننا نسمع في بعض الجهات المسألة سهلة، إذا كان الطبيب ممن يشرب الدخان أعطاه علبة باكيت وخلاص سوي اللي تبغي، هكذا سمعنا والله أعلم، لكنها أظن إن شاء الله غير صحيح هذا.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، في مسألة التأمين بعض الدول في مسألة التأمين في الحوادث مثلًا إذا سيارتك مثلًا .. الشيخ: ضد الحوادث عليك ولّا منك؟ الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، في بعض البلاد إذا كان الإنسان يملك سيارة أعطاها سائقًا، سيارة نقل تجاري، كل ما حدث من السائق إذا سقط أحد من الركاب أو صدم إنسانًا غير راكب نتائج ذلك يحملون صاحب السيارة، السائق لا يتحمل شيئًا ولو أخطأ، كل ( ... ) اللي يتحمل صاحب السيارة ولو كنت خارج البلاد، فكيف إذا أنت أَمَّنْت مثلًا، هل إذا كان التأمين يدفعون لك، فكيف تفعل؟ الشيخ: لا تفعل، لا تُؤَمِّن.
الطالب: أنت مُجْبَر.
الشيخ: شوف مسألة الإجبار لا تسأل عنها، الإجبار لا بأس به ما هو باختيارك، ولا يمكن تفوِّت مصالحك، فهمت؟ نظير ذلك في بعض بلاد الكفار أو ما أشبه الكفار لا يحكمون بالكتاب والسنة، وأنت الآن في حق معك حق، تريد أن تطالب خصمك، ولم تجد أحدًا تتقاضى عنده إلا هؤلاء، هل نقول: أَضِع حقك، ولّا نقول: خاصِم، واجعلهم بمنزلة الشُّرَط، يُخْرِجُون لك الحق، أيهما؟ طالب: الثاني.

الجزء: 2 - الصفحة: 2246

الشيخ: الثاني، ولا يقال: إن هذا الرجل رضي بالتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسول الله، أبدًا، إنما أراد أن ينقذ حقه، وهذه الطريق لا يرضاها، لكن يقول: أنا لو حُكِمَ لي بغير ما أنزل الله ما قبلت، لكن إذا كنت مُحِقًّا، ولا يمكن الوصول إلى حقي إلا بهذا فلا حرج، وقد أشار إلى هذا ابن القيم رحمه الله في أول كتاب الطرق الحكمية.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، كيف تدفع الدية لهؤلاء الناس اللي أحدث السائق، يُحَمِّلُونك الدية؟ الشيخ: إذا حَمَّلُوك فارجع إلى السائق، ارجع عليه.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب إحياء الموات: ويملك حريمُ البئر العادية خمسين ذراعًا من كل جانب، وحريمُ البَدِيَّة نصفَها، وللإمام إقطاع موات لمن يحييه، ولا يملكه، وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس، ويكون أحق بجلوسها، ومن غير إقطاعٍ لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال، وإن سبق اثنان اقترعَا، ولمن في أعلى الماء المباح السقيُ وحبسُ الماء إلى أن يصل إلى كعبه، ثم يُرْسِل إلى مَن يليه، وللإمام دون غيره حِمَى مَرْعًى لدوابّ المسلمين ما لم يضرهم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هي الموات؟ طالب: هي الأرض الْمُنْفَكَّة عن الاختصاصات وملكٍ معصومٍ.
الشيخ: الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم.
ما مُحْتَرَز قوله: وملك معصوم؟ طالب: ملك معصوم يشمل المسلم والذمي.
الشيخ: مُحْتَرَز، أنا لا أسأل عن المعصوم، أسأل عن الْمُحْتَرَز.
الطالب: لأنها غير مملوكة.
الشيخ: لا.
الطالب: كيف محترز؟ الشيخ: هو إذا وُصِفَ الشيء بوصف فمُحْتَرَزُه ضده.
الطالب: إذا كان ملكًا غير معصوم.
الشيخ: محترزه مثل؟ الطالب: الحرب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2247

الشيخ: نعم، كأرض الحرب، فمن أحيا شيئًا فيها فهي له.
من هم المعصومون؟ طالب: مسلم.
الشيخ: مسلم.
الطالب: والمستأمِن.
الشيخ: مستأمن.
الطالب: والذمي والمعاهَد.
الشيخ: والمعاهد، أربعة.
المؤلف يقول: مَن أحياها ملكها، ما هو الدليل على هذا؟ طالب: قول النبى صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ».
(1) الشيخ: نعم، قوله: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ»، ألا يمكن أن يقول قائل: ميتة أي: ليس فيها نبات، بخلاف التي نزل عليها المطر ونبتت؟ طالب: لا؛ لأن أي إنسان يمكن يزرع أرض غيره ( ... ). الشيخ: يقال: إنّ ما حيى بالمطر ليس من إحيائك أنت، ولكنه من عند الله.
ننتقل إلى درس جديد الآن، قال: (ويملك حريمُ البئر العادية خمسين ذراعًا من كل جانب، وحريم البَدِيَّة نصفَها).
(حريم) يعني: محارم الشيء، يعني: ما حوله.
وقوله: (حريم البئر العادية) يعني التي أُعِيدَت بعد أن كانت محفورة من قبل ثم طَمَّها الرمل، أو المطر، أو ما أشبه ذلك، ثم أعادها، يملك خمسين ذراعًا من كل جانب؛ وذلك لأنه حفرها أولًا ثم حفرها ثانيًا، فبالحفر الأول ملك خمسًا وعشرين ذراعًا، وبالحفر الثاني ملك خمسًا وعشرين، فيكون الجميع كم؟ خمسين ذراعًا.
ومراد المؤلف -رحمه الله- بذلك البئر المحفورة للسُّقْيَا، ما هي للزرع، المحفورة للسقيا، وهذا يقع كثيرًا في البر عند البادية، تجد الرجل يحفر بئرًا حتى يصل إلى الماء من أجل أن يسقي ماشيته، من إبل أو بقر أو غنم، فنقول: هذا الرجل يملك بهذه البئر خمسين ذراعًا إن كانت قد أُعِيدَت، أو أيش؟ خمسة وعشرين ذراعًا إن كانت بَدِيَّة، يعني مُبْتَدَأَة، ففعيل هنا بمعنى مفعول، أي: ابتدأ حفرها.
وظاهر كلام الفقهاء رحمهم الله أنه لا فرق بين أن يكون الحفر سهلًا، أو يكون الحفر شديدًا، كما لو كانت أرضًا صخرية، وأنه لا فرق بين أن يكون عمقها بعيدًا، أو عمقها قريبًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2248

وتعليل ذلك أن هذا الحريم هو الذي يتعلق به مصلحة البئر، فالرجل في البادية إنما حفر هذا البئر من أجل أن يسقي ماشيته، وخمسة وعشرون من كل جانب فيها كفاية، يعني: خمسة وعشرون، وخمسة وعشرون، وخمسة وعشرون، وخمسة وعشرون، كم من مربع؟ طلبة: مئة.
الشيخ: مئة، خمسة وعشرون أربع مرات هذه مئة، هذه تكفي، أما إذا كانت عادية بمعنى أنها انطمت ثم حفرها ثانية، فإنه يملك خمسين من كل جانب.
وظاهر كلامهم أيضًا أنه لا فرق بين أن يكون الحافر مرة أخرى هو الأول أو غيره، أما إذا كان هو الأول فإعطاؤه خمسين ذراعًا واضح؛ لأنه تعب عليها كم؟ مرتين، وأما إذا كان غيره فيقال: إن الأول ملك خمسًا وعشرين، والثاني ملك خمسًا وعشرين، فيكون خمسين ذراعًا من كل جانب، فيكون الخمس والعشرون الأولى باعتبار حفر الأول لها، والثانية باعتبار حفر الثاني لها.
ثم قال: (وللإمام إقطاع موات لمن يحييه) إذا قال الفقهاء: الإمام، فمرادهم السلطان الأعلى؛ يعني الذي له الكلمة على كل الدولة، كالملك مثلًا في البلاد الملكية، وكالرئيس في البلاد الجمهورية، وما أشبه ذلك.
المهم مَن له الكلمة العليا فهو عند أهل العلم هو الإمام؛ لأنه يُؤْتَمّ به ويُطاع فيما يأمر به في غير معصية الله، وكل مَن كان قدوة فهو إمام، ولذلك نسمي مَن يصلي بنا في الجماعة نسميه إمامًا؛ لأننا نأتمر بأمره، لا نُكَبِّر إلا إذا كَبَّر، ولا نركع إلا إذا ركع، وإذا قام قمنا، وإذا سجد سجدنا.
فالإمام إذن من هو؟ الإمام هو من له الكلمة العليا في الدولة، سواء سُمِّي إمامًا أو ملكًا أو رئيسًا أو غير ذلك.
له (إقطاع موات لمن يحييه)، إقطاعه يعني أن يقول: يا فلان، لك هذه الأرض أَحْيِهَا، فإذا أحياها الْمُقْطَع فإنه يملكها، وإذا لم يُحْيِها فإنه يكون أحق بها من غيره، فيكون الْمُقْطَع كالمتَحَجِّر، وليس كالذي أحيا، واضح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2249

وإذا قالوا: (وللإمام) فاللام للإباحة، ولكن هل يجب عليه الإقطاع، وهل يحرُم عليه الإقطاع؟ نقول: نعم، ربما يجب وربما يحرُم، يجب عليه إذا تقدم متشوفٌ لإحياء الأرض، وكان هذا المتقدم قادرًا على إحيائها، فالواجب على الإمام حينئذ أيش؟ أن يُقْطِعَه حتى لا تتعطل الأراضي، وحتى ينتفع هذا المتقدم، فيكون هنا الإقطاع أيش؟ واجبًا، يكون حرامًا إذا أقطعها شخصًا محاباة، بمعنى أنه قد تقدم من هو أولى منه وأقدر على إحياء الأرض، ولكنه أقطعها لهذا الرجل؛ لأنه قريبه، أو لأنه ذو جاه، أو ما أشبه ذلك، هذا أيش نقول فيه؟ نقول: هذا حرام، فيكون اللام في قوله: (وله) للإباحة، بمعني أنه لا يُمْنَع من إقطاع الموات، ثم قد يجب وأيش؟ وقد يحرُم.
(إقطاع مَوَاتٍ لمن يحييه) وفُهِمَ من قوله: (إقطاع موات) أنه ليس له الحق في أن يقطع أرضًا ذات اختصاص؛ لأن الموات هي الأرض المنفكة عن أيش؟ عن الاختصاصات وملكٍ معصوم، وعلى هذا فليس للإمام أن يُقْطِعَ أودية البلد، أو طرق البلد، أو ما أشبه ذلك؛ لماذا؟ لأنها مختصة، وإن لم تكن مملوكة لكن مختصة، وليس له أن يُقْطِع مراعي البلد ومُحْتَطَبَهُمْ، أي: محل جمع الحطب وما أشبه ذلك؛ لأن هذا أيش؟ من الاختصاصات، ليس مواتًا، الموات هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم.
وقول المؤلف: (وللإمام)، هل نقول: من قام مقام الإمام فهو مثله؟ في الوقت الحاضر الإمام لا يتولى هذا، وإنما يتولاه الوزراء أو الوكلاء، أو ما أشبه ذلك، فيُرْجَع في هذا إلى نظام الحكم، إذا كانت الدولة يتولى الإقطاع فيها الحاكم الأعلى فهو الحاكم الأعلى، إذا كان نوابه فنوابه.
قال: (ولا يملكه)، الضمير في قوله: (ولا يملكه) يعود على؟ طالب: الْمُقْطَع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2250

الشيخ: الْمُقْطَع، يعني أن الْمُقْطَع لا يملكه لكن يكون أيش؟ أحقَّ به من غيره، بحيث لا يمكن لأحد أن يقوم بإحيائه، وقيل: إنه يملكه بإقطاع ولي الأمر، يعني بإقطاع الإمام؛ لأن إقطاعه إياه كالتمليك، بل هو تمليك على هذا القول، والإمام هو المسؤول عن أراضي دولته وعن أحوال الدولة، لكن الأقرب أنه لا يملكه، وأنه أحق به، ثم إن أحياه فهذا المطلوب، وإن لم يُحْيِه وتقدم مُتَشَوِّفٌ لإحيائه وجب على الإمام أن يقول للذي أقطعه: إما أن تُحْيِيَه، وإما أن ترفع يدك، ويضرب له مدة يمكنه أن يُحْيِيَه فيها.
قال: (وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس ويكون أحق بجلوسها)، يعني: وللإمام إقطاع الجلوس في الطرق الواسعة، بشرط ألَّا يضر بالناس، ولنضرب مثلًا سوق الخضار، هذا سوق، واسع ولَّا غير واسع؟ عادة يكون واسعًا، له أن يُقْطِعَ أحدًا مكانًا يجلس فيه، يقول: يا فلان، لك رأس السوق، وسط السوق، طرف السوق، وما أشبه ذلك؛ لأن المرجع في هذه الأمور إلى الإمام، لكن بشرط ألا يضر بالناس، والإضرار بالناس له صور، منها: لو أقطعه مكانًا كبيرًا والناس مُزْدَحِمُون في هذا المكان، ولو لم يُقْطِعْهُ لوسع هذا المكان أربعة أو خمسة، فهنا لا يجوز له ذلك؛ لأن هذا أيش؟ إضرار بالناس، الناس محتاجون، وإذا أقطع قطعة كبيرة من هذا السوق لهذا الرجل فبدلًا من أن يكون في هذا السوق عشرون رجلًا لم يبقَ يتسع إلا لعشرة مثلًا، وهذا إضرار.
كذلك لو أقطعه مكانًا هو مدخل السوق ويُضَيِّق على الداخلين، فهنا نقول أيش؟ هذا ممنوع، ولا يحل له؛ لأن الإمام يجب عليه أن يراعي المصالح العامة، والمضارّ الخاصة تندرج في المصالح العامة؛ لأنه إذا راعى المصالح العامة فربما يضر آخرين لكن أفرادًا، وهذا يُغْتَفَر.
قال المؤلف: (في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس)، فإن أضر بالناس؟ طالب: فإنه لا يُقْطِعُه.
الشيخ: مثاله؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2251

الطالب: مثل أن يُقْطِع الإمام طرقًا أو مدخلًا إلى السوق.
الشيخ: مثل أن يُقْطِعَه شيئًا في مدخل السوق فيضيِّق مدخل السوق، أو مساحة كبيرة تقلِّل انتفاع الناس بهذا السوق.
قال: (ويكون أحق بجلوسها)، ولكن لا يملكها؛ لأن السوق ملك للعامة، فإذا أقطعه مكانًا يبيع فيه فإنه لا يملكه، لكن يكون أحق بالجلوس.
قال: (ومن غير إقطاع)، يعني: لو جلس إنسان في مكان من السوق يبيع ويشتري فيه من غير إقطاع.
(لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال)، يعني لو تقدم إنسان إلى مكان ووضع بَسْطَته فيه، فما دامت بَسْطَته في السوق فهو أحق، وليس لأحد أن يُزَاحِمَه؛ لأنه سبق، حتى لو طال.
وقوله: (وإن طال) فيها إشارة خلاف؛ فمن العلماء مَن يقول: يُعْطَى مهلة يومين، ثلاثة، أسبوعًا، ثم يقال: ارفع يدك، ومنهم مَن قال: ما دام الرجل محتاجًا إلى هذا المكان فإنه أحق ولو طال جلوسه، وهذا القول أسلم من المشاكل والاضطرابات، فيقال: مَن سبق هو أحق به.
لكن إذا كان هذا المكان موسميًّا، وانتهى الموسم، فهل نقول: إن هذا الرجل له في الموسم الآخر هذا المكان؟ أو الموسم الآخر مَن سبق إلى مكان فهو أحق به؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأنه انتهى الموسم، فإذا قَدَّرْنَا أن هذا المكان موسم يكون في زمن عيد الفطر، انتهى الموسم، يأتي موسم عيد الأضحى، لا نقول للذي جلس في المكان في موسم عيد الفطر: أنت أحق به في موسم عيد الأضحى؛ لأنه انتهى الموسم.
فإن كان من المقرَّر نظامًا أن كل مَن قام في بَسْطَة ارتحل عنها في آخر النهار، كما يوجد في بعض المحلات؛ يكون الإنسان يبقى في هذا المكان طول النهار فقط، وفي الليل تُنْقَل كل الأمتعة، فماذا نعمل في اليوم الثاني؟ هل نقول: نبتدئ من جديد ومَن سبق فهو أحق؟ أو نقول: من كان في مكان بالأمس فهو أحق به؟ طلبة: الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 2252

الشيخ: الأول، فما دام النظام يقول: الجلوس كل يوم بيومه، فإذا انتهى اليوم الأول وجاء الثاني فإن مَن سبق فهو أحق.
وقوله: (وإن طال)، ذكرت لكم أن هذا إشارة خلاف، وأن بعض العلماء يقول: إذا طال فإنه يُؤْمَر بتخلية المكان.
ولو قال قائل: إنه يُرْجَع في هذا إلى تنظيم المسؤولين، لو قال أحد بذلك لكان قولًا وجيهًا؛ لأن هذا قد تختلف الأحوال، قد تختلف الأماكن، قد تختلف الأزمان، فلو قيل: إن مسألة الطول يُرْجَع فيها إلى رأى المسؤولين لكان هذا قولًا وجيهًا.
قال: (وإن سبق اثنان اقترعَا)، كيف يسبق اثنان؟ يعني: سبقَا إلى مكان ليبيعَا فيه، لكن كيف يستبقان جميعًا؟ كل واحد وصل إلى المكان في نفس الوقت، هل نقول: يُنْظَر إلى الأكبر سِنًّا، أو إلى الأفقر؛ لأنه أحق بالمراعاة، أو إلى الأغنى؛ لأنه سوف يجلب إلى هذا المكان ما لا يستطيع الفقير أن يجلبه؟ نقول: كل هذه مسائل اعتبارية فيُرْجَع إلى الأصل، وهو أنهما تساويَا في الوصول إليه، ولا طريق إلى التمييز إلا بالقرعة.
ولكن كيف نُقْرِع؟ هل نجيب نصف قرش ونقول: واحد سيفين ونخلة وواحد نصف القرش، ولّا كيف؟ هو ما يحصل به التمييز، القرعة لا تتعين في شكل معين، كل ما يحصل به التمييز فهو قرعة، وهو يختلف، والناس يختلفون في هذا، يعني في كيفية الإقراع، فالمقصود التمييز.
ثم قال: (ولمن في أعلى المباح السَّقْي وحَبْس الماء)، (لمن) خبر مقدَّم، و (السقي) مبتدأ مؤخَّر، و (الماء المباح) يراد به ما ليس بمملوك؛ لأن الماء نوعان: نوع مملوك، ونوع مباح.
فالأنهار التي يُجْرِيها الله -عز وجل- هذه مباحة، والأودية التي يأتي بها المطر هذه مباحة، والبئر التي حفرها قوم واشتركوا فيها هذه مملوكة.
المملوك يكون توزيع الماء على حسب الملك؛ لأنهم مشتركون، ولا مزيَّة لواحد على الآخر، فمثلًا إذا كان لأحدهما النصف والثاني النصف، وُزِّعَ الماء كم؟ طلبة: نصفين.

الجزء: 2 - الصفحة: 2253

الشيخ: نصفين؛ لأحدهما الربع والثاني ثلاثة أرباع، يُوَزَّع ربعًا وثلاثة أرباع، حسب الحال.
وكيفية التوزيع أيضًا تختلف؛ إما أن يكون الساقي واحدًا ثم يوضَع خروق موزِّعة، مثلًا إذا كانوا نصفًا ونصفًا، كم نحتاج؟ إلى اثنين، إذا كان ثلاثة أرباع وربعًا نحتاج إلى أربعة، فتُوَزَّع بحسب الحال.
أما إذا كان مباحًا فيقول: (لمن في أعلى السَّقْيُ وحبسُ الماء إلى أن يصل إلى كعبه)، (السقي) يعني: أن يسقي زرعه أو نخله إلى أن يصل إلى الكعب، والأرض كما تعلمون ليست متساوية من كل وجه، ربما يكون يصل إلى الكعب في جانب، ويصل إلى نصف الساق في جانب آخر، أليس كذلك؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، العبرة بالمتوسط، وإلا من المعلوم لو كانت بعض الأرض نازلة مترًا أو أكثر لاستوعبت ماء كثيرًا قبل أن يصل إلى الكعب في العالي، لكن بالمتوسط والتقدير، إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى مَن يليه، يعني بعدما يسقي حتى يصل إلى الكعب يرسله إلى مَن يليه، إلا إذا كان الأعلى أتى أخيرًا، فإنه يُقَدَّم الأسفل.
مثال ذلك: هذا الوادي زرع فيه إنسان، وصار يسقي زرعه منه، ثم جاء إنسان وتقدَّم إلى أعلى الوادي، لا نعطي المتقدِّم، لماذا؟ لأن الأول أحق لسَبْقِه، لكن إذا قدَّرْنا أنهم أحيوا جميعًا، أو أننا لا نعلم مَن المتقدِّم، فإنه يقدَّم الأعلى.
ودليل ذلك ما جاء في الحديث الصحيح من تشاجر الأنصاري والزبير بن العوام -رضي الله عنهما- في شرج الْحَرَّة، حيث ينزل هذا الشرج إلى الحائطين جميعًا، فتخاصمَا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان الزبير -رضي الله عنه- يسقي ثم يُرْسِل إلى جاره من غير تقدير، فقال الجار: لا، لا بد أن يكون السقي بالسوية، بمعنى أنه إذا سقيت زرعك وكان الماء لا يكفي إلا زرعك لا بد أن تجعل لي نصيبًا منه، فتخاصمَا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى للزبير؛ لأنه أحق، وقال له: «اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ وَأَطْلِقْ» (3).

الجزء: 2 - الصفحة: 2254

وهذا يحصل، يعني لو أنه صار على هذا يحصل بأقل ما يسمى سقيًا، ولكن الأنصاري أخذته الحمية، وقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟ -عفا الله عنه- يعني كأنه ظن أن الرسول عليه الصلاة والسلام راعَى القرابة، وصلة القرابة واجبة، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يقدِّم قرابته؛ لأن صلة القرابة واجبة، فظن -رضي الله عنه وعفا عنه- ظن أن الرسول راعى هذا وحكم للزبير.
ويبعُد جدًّا أن يكون الأنصاري أشار إلى حَيْف الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لفظه يحتمله لا شك، ولكننا علينا أن نحسن الظن به، وأن نقول: إنه ظن أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر الزبير أن يسقي؛ لأنه كان قرابته، وكان هذا من صلة الرحم، فاحتفظ النبي عليه الصلاة والسلام للزبير بحقه، فقال: «اسْقِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْجَدْرِ»، والجدر هي عبارة عن .. نسميها إحنا أيش؟ طالب: السلة.
طالب آخر: الجدول؟ الشيخ: لا، السلالي أو السلة هي التي تفصل بين الحِيَاض، قال: «حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلْهُ إِلَى جَارِكَ»، فقِيسَ هذا الجدر كم؟ فصار يَصِل إلى الكعب، فاعتبر العلماء -رحمهم الله- اعتبروا ذلك بالكعب؛ لأن الجدر أيضًا يختلف، قد يكون بعض الناس يُكَبِّر وبعض الناس يُصَغِّر، فكان الكعب هو الميزان، فيُحْبَس إلى أن يصل إلى الكعب، ثم يرسله إلى جاره.
ومعلوم أن وصول الماء إلى الكعب أكثر مَن أن يكون مجرّد سقي؛ لأن مجرد السقي قد يكون بنصف هذه المسافة، وهذا هو الذي أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام أولًا، لكن الأنصاري لما قال هذا احتفظ النبي صلى الله عليه وسلم للزبير بحقه، وقال: «اسْقِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْجَدْرِ».
(3) إذا أرسله إلى مَن يليه وكانوا ثلاثة أو أربعة، فالثاني يسقي إلى الكعب، والثالث إلى الكعب، والرابع إلى الكعب، وإن لم يَبْقَ له شيء بأن كان الماء قليلًا فليس له شيء.

الجزء: 2 - الصفحة: 2255

طالب: ما مدى صحة تسمية بعض الناس لما حول الشيء المحرم حَرَمًا حَرَم الجامعة .. الشيخ: لا بأس، حَرَم بمعنى حريم، أما إذا كان يُخْشَى أن يُفْهَم منه أنه حَرَم شرعًا فهذا لا يجوز، مثل قولهم في المسجد الذي يسمونه مسجد الخليل في فلسطين: إنه الحرم الإبراهيمي، هذا غلط، أو أن يقول عن المسجد الأقصى: إنه حَرَم، هذا غلط كبير، ولهذا فيه عبارة تُوهِم، وهي قولهم: ثالث الحرمين، هذا ليس بصواب؛ لأنه لو قيل: ثالث الحرمين صار حَرَمًا، أو أوهم ذلك، على الأقل يُوهِم، وهو ليس بحرَم، وقد أجمع العلماء أنه ليس هناك حَرَم إلا اثنان فقط؛ الحرَم المكي والحرَم المدني، واختلفوا في وَجّ، وهو وادٍ بالطائف هل هو حَرَم أو لا، والصحيح أنه ليس بحرَم.
طالب: والحرم الجامعي يا شيخ؟ الشيخ: والحرم الجامعي أيضًا ما يُفْهَم منه أنه مُحَرَّم شرعًا، مثل حريم البئر.
طالب: يقولون يا شيخ: ثاني القبلتين.
الشيخ: لا، يقولون: أولى القبلتين.
الطالب: نعم؟ الشيخ: يسمونه أولى القبلتين.
الطالب: غير صحيح؟ الشيخ: لا، غير صحيح.
الطالب: غير صحيح.
الشيخ: لأنه إذا كان أولى القبلتين معناه أن هناك قبلتين، ولو قيل: القبلة قَبْلَ النسخ، لكان هذا هو الصواب، وكل ما يُوهِم ينبغي تجنبه، لا سيما في وقتنا الحاضر حيث غلب الجهل على أكثر الناس، وغلبت العاطفة أيضًا على أكثر الناس.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في الأماكن الصحراوية خاصة أماكن يُحْفَر البئر، يعني يوجد الماء فيه أماكن ضيّق مرة، ما يتسع لواحد نعطيه مئة متر مربع، أو مئة ذراع مربع، فلا نجد مثلًا مكانًا .. الشيخ: كيف هذا، يعني ما يصل إلى الماء؟ الطالب: إي، يصل إلى الماء، لكن فيه بعض أماكن منخفضة، إذا حفرت تجد فيه الماء.
الشيخ: إي قريب الماء.

الجزء: 2 - الصفحة: 2256

الطالب: إي، غيرههم قد لا تجد ماء، فالناس يضطرون يحفرون قريبًا بعد، بحيث ما يهدم البئر الثاني، إذا أعطينا حرمة الواحد منهم مئة ذراع مربع ما يسع الآخرين علشان يحفرون البئر.
الشيخ: هنا تتدخل الحكومة، حتى أيضًا ربما يكون بعضهم ماشيته قليلة ما يحتاج إلى هذا المقدار، فهنا إذا ضاقت لا بد أن تتدخل الحكومة.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا بأن المقصود بالبئر هنا هي بئر السقي، أحسن الله إليك، ما الجواب عن حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ» (4)، فذكر أربعين ذراعًا، وسبق أن ذكرنا خمسين وخمسة وعشرين.
الشيخ: المسألة فيها خلاف بناء على صحة الحديث، والفقهاء يُرَجِّحون الحديث الآخر.
طالب: إذا حفر بئرًا، وكان حفرُه لها أول مرة، صار له خمسة وعشرون ذراعًا، ثم دُفِنَت فجاء آخر وحفرها من جديد، يعني غير الأول، قلنا: يأخذ خمسين، ونحن عَلَّلْنَا بأن الخمسة وعشرين الأولى لمصلحة البئر ومقابل تعبه، كيف استحق الخمسين وهو أول مرة يحفرها، ولو كان .. الشيخ: لأن الخمسة وعشرين استُحِقَّت بحفر الأول.
الطالب: يأخذها الثاني؟ الشيخ: يأخذها الثاني، مع أن الغالب أن الإعادة أهون، ومع ذلك يقولون: لما ملكت البئر خمسة وعشرين، لأن هذا من حقوق البئر، البئر ملكت خمسة وعشرين من الأول.
طالب: شيخ، بالنسبة للإمام هل له أن يبيع ويُقْطِع، أم ليس له إلا الإقطاع؟ الشيخ: لا، ما يمكن، يُقْطِع بلا بيع.
طالب: الأراضي اللي تؤخذ تكون أراضي كبيرة، لكن بعيدة عن البلد، ويُدْفَع فيها كما لو دُفِع شراءً وتُسَجَّل.
الشيخ: الْمُقْطِع يعني؟ الْمُقْطِع يشتريها شراء؟ الطالب: الشخص الذي أراده الإمام دَفَعَ له مالًا.
الشيخ: دفع لمن؟ الطالب: للإمام، يعني للوزارة.
الشيخ: يبقى للمُقْطِع.
الطالب: هل يُعْتَبَر يمكن أن يُعَدّ شراء؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2257

الشيخ: يعني المقطَع يدفع، لا، ما يُعَدّ شراء؛ لأن الإمام ما ملكها، الأرض أرض الله عز وجل، لا يملكها الإمام ولا غيره، لكن الإمام يملك تصريفها وتوزيعها على الأمة حسب ما يرى.
تعرف الآن مسألة الحكام أكثرهم ما يُرَاعِي هذه الأمور، أكثرهم يقول: ما دامت الدولة محتاجة أبغي أجعل ضرائب، حتى على الخبز اللي ياكلوه لازم أحط عليه ضريبة؛ لأن الدولة محتاجة، كيف تصرف على الجيوش، على الآلات الحربية، على المصالح العامة، فبعض الناس قد يُفْتِي ولاة الأمور بجواز مثل هذه الحال، يقول: إن الدولة للدولة، فما دام الشعب محتاج إلى هذه المصالح العامة وليس هناك مَوَادّ للدولة تكتفي بها فلا بأس أن يجعل ضرائب.
لكن لا شك أن هذا خطأ، يعني أولًا هذه الضرائب قد تكون في غير وجهها، والثاني يجب أن تُقَدَّر هذه الأمور بقدر الحاجة، إذا جاء ضِيق يُبْسَط البساط ويقال: مَن أراد أن يتبرع، وإذا لم يتبرع أحد فللإمام أن ينظر في المصلحة، أما أن يُجْعَل هذا كنظام عام فهذا غلط.
طالب: شيخ بارك الله فيك، حريم البئر العادية خمس وعشرون، أو كون أن هذا التحديد راجع لعلة وهو مصلحة البئر.
الشيخ: العادية كم؟ الطالب: خمسين.
الشيخ: والبدية نصفها.
الطالب: نصفها، وهذا راجع لمصلحة البئر.
الشيخ: إلى؟ الطالب: مصلحة الحافِر من حيث الرِّشَا وكذا، قد نحتاج إلى أكثر، هل نقول بالزيادة، ( ... ) لعلة، أو نقول ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2258

الشيخ: هذا يرجع .. الواقع إن ما ذكره الفقهاء رحمهم الله في مثل هذه الأمور يستندون فيها إلى قضايا من الخلفاء أو مَن دونهم، وهذه تختلف، فيُرْجَع في هذا إلى العرف، الذي أرى أن في هذه الأمور يُرْجَع فيها إلى العرف، حتى مثلًا المفقود قالوا: يُنْتَظَر أربع سنين إذا كان ظاهر غيبته الهلاك، تسعين سنة منذ وُلِد إذا كان ظاهر غيبته السلامة، هذه أيضًا تقادير اجتهادية تكون في وقتها، ربما يغلب على الظن موته في أقل من هذا، يمكن في شهرين في وقتنا الحاضر، كل شيء مُرَتَّب، وكل شيء مُنَظَّم ولا يخفى أحد، لا سيما الإنسان الذي له شهرة.
فعلى كل حال الفقهاء رحمهم الله يأخذون هذا على أنها تقديرات شرعية يجب السير عليها، لكن لو قال قائل بأننا نرجع في هذا إلى ما تقتضيه المصلحة إذا لم يخالف الشرع، لكان هذا أحسن.
طالب: إذا حفر البئر بناء على كلام المؤلف، إذا حُفِر، ثم دُفِن ثم حُفِر ثم دُفِن مرة ثانية، ثم حُفِر مرة ثالثة.
الشيخ: إي ما يزيد.
الطالب: ما يزيد على الخمسين؟ الشيخ: ما يزيد.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب إحياء الموات: وللإمام دون غيره حِمَى مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم.
باب الجعالة

وهي أن يجعل شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا مدة معلومة أو مجهولة، كردّ عبدٍ، ولُقَطة، وخياطة، وبناء حائط، فمن فعله بعد علمه بقوله استحقه، والجماعة يقتسمونه، وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه، ولكلٍّ فسخُها، فمِن العامل لا يستحق شيئًا، ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة عمله، ومع الاختلاف في أصله أو قدره يُقْبَل قول الجاعل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الإمام له إقطاع الموات، وأنه يملكه، يملكه الْمُقْطَع.
طالب: لا، لا يملكه.
الشيخ: لا يملكه.
الطالب: ما يملكه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2259

الشيخ: الذي أعطاه الإمام؟ الطالب: نعم، ما يملكه.
الشيخ: لا يملكه.
الطالب: بل يكون أحق به.
الشيخ: بل يكون أحق به، صحيح كلامه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لكن فيه قول ثاني؟ الطالب: نعم قيل: إنه يملك.
الشيخ: إنه يملك، إقطاع الجلوس، هل للإمام أن يُقْطِع الجلوس في الطرقات؟ طالب: بشرط واحد ألَّا يضر بالآخرين، ألَّا يُقْطِعهم مكانًا واسعًا، ويكون المكان بحيث يكون المكان ضيقًا فيأتي الإمام ويُقْطِع رجلًا مكانًا يكون .. الشيخ: لكن هل الإقطاع هنا في الطرق سواء واسعة أو ضيقة، أو في الواسعة بشرط ألّا يضر.
الطالب: يكون في الواسعة بشرط ألّا يضر بالناس.
الشيخ: إذن شرطان؛ أن تكون الطريق واسعة، وألّا يضر بالناس.
اشتراط ألّا يضر بالناس يدل على أن مراعاة العموم أولى من مراعاة الخصوص، أليس كذلك؟ طالب: إي كذلك.
الشيخ: كذلك، مراعاة العموم .. الطالب: أولى من مراعاة الخصوص.
الشيخ: أولى من مراعاة الخصوص.
قال بعض أهل العلم: وهذه هي حكمة الله، ولهذا قد يُنْزِل الله المطر على مكان فيه شخص يتضرر به، ولكن العبرة بأيش؟ العبرة بالعموم.
سبق اثنان إلى مكان للبيع، سبقَا جميعًا، وصلَا إلى المكان جميعًا، أيهما أولى؟ طالب: يُقْرَع بينهما.
الشيخ: يُقْرَع بينهما، حتى لو كان أحدهما أنفع للناس؟ الطالب: حتى لو كان أنفع.
الشيخ: حتى لو كان أنفع؛ لأن الطريق عام، أو مكان الجلوس الفُسَح الْمُعَدَّة للجلوس عامة، فيستوي فيها الأنفع وعدمه.
لو أن ولي الأمر رَتَّبَ هذا المكان الذي هو مكان البيع، وجعل هذا المكان للناس الأقوياء، وهذا للمتوسطين، وهذا للضعفاء، وسبق أحد من الضعفاء إلى مكان المتوسطين، يُمَكَّن أو لا؟ طالب: الأولى للمتوسط.
الشيخ: إي، لكن هذا الضعيف سَبَق إلى مكان المتوسط، هل له ذلك أو لا؟ الطالب: حسب ما وضع الإمام.
الشيخ: يعني حسب النظام لا، أَجِب؟ الطالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2260

الشيخ: إي نعم، ما فيه شك، يعني مثلًا لو أن ولي الأمر الموكول إليه تدبير شؤون البلد رأى أن يصنِّف الناس فلا حرج؛ لأن هذا من المصالح العامة.
إذا تنازع اثنان في نهر، فأحدهما أراد أن يختص به والآخر بالعكس؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؟ الطالب: الأعلى يسقي إلى الكعب، ثم يرسل الماء إلى مَن يليه.
الشيخ: أحسنت، إذن لا يمكن لأحدهما أن يختص به مطلقًا، لكن مَن الأولى؟ يقال: الأولى الأعلى بشرط ألَّا يكون حادثًا بعد الأدنى.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وللإمام دون غيره حمى مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم)، اشترط المؤلف -رحمه الله- ثلاثة شروط في حمى المراعي، تعرفون أن الأراضي تختلف؛ بعضها يكون فيه العشب الكثير، والزرع الكثير، وبعضها دون ذلك، وبعضها يكون فيها القليل، فهل يجوز لأحد أن يحمي شيئًا من هذه الأراضي؟ نقول: يجوز بثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون الإمام، مَن هو الإمام؟ الولي العام على الدولة.
والثاني: أن يكون لدواب المسلمين، ودواب المسلمين هي دواب الصدقة، ودواب الفيء، ودواب الأرباب المجهولين، وما أشبه ذلك، المهم دواب المسلمين هي التي لعموم المسلمين ليست لشخص واحد.
الشرط الثالث: قال: (ما لم يضرهم)، الصورة هذه للإضرار، بحيث لا يوجد حول هذا البلد إلا هذا المرعى، وإذا حُمِيَ تضرَّر الناس.
فالشروط إذن ثلاثة؛ أن يكون الحامي؟ طلبة: الإمام.
الشيخ: وأن يكون؟ طلبة: لدواب المسلمين.
الشيخ: لدواب المسلمين، وألّا يكون فيه ضرر.
فلو أراد أحد من الناس أن يحميه لدواب المسلمين، ولكنه ليس له ولاية عليها فإنه لا يجوز؛ لأن هذا افتيات على الإمام، وتقدُّم بين يديه، كما أنه لو أراد أحد أن يُقِيمَ الحد على الزاني فإنه لا يملك هذا، لا يملكه إلا الإمام أو نائبه، كذلك حِمَى المرعى لدواب المسلمين لا يملكه إلا الإمام أو نائبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2261

لو أراد أحد من الأئمة أن يحمي لنفسه ودوابه مرعى رآه جميلًا وكثير الأعشاب، فأراد أن يحميه لدوابه، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن الناس شركاء في ثلاثة: الماء، والكلأ، والنار، فلا يحل له أن يحميه ويمنع الناس من رعيه.
لو أراد الإمام أن يحميه لدواب المسلمين، لكن فيه ضرر على الناس، فإنه لا يملك ذلك؛ لأن الناس شركاء في هذا، فصار حِمَى المرعى يجوز بثلاثة شروط، ولعلكم تعرفون المرعى ويش معناه، يعني؟ طلبة: مكان الرعي.
الشيخ: مكان الرعي الذي يكثر فيه العشب، ويكثر فيه الحشيش، فلا يحل لأحد أن يختص به، ومثل ذلك منطقة في البحر كثيرة الحوت، لا يجوز لأحد أن يحميها، لأن الناس شركاء، ومثل ذلك المحتَطَب؛ مكان يكثر فيه الحطب، لو أن أحدًا حماه واختص به لا يجوز؛ لأن الناس في هذا شركاء.

باب الجعالة

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الجعالة)، الجعالة فَعَالة من الْجَعْل، والْجَعْل معناه وضْع الشيء، فسَّرها المؤلف بقوله: (وهي أن يجعل شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا مدة معلومة أو مجهولة)، هذه الجعالة، عقد لا يُشْتَرَط فيه العلم بأحد العِوَضَيْن، وهو -أي عقد الجعالة- فيه عِوَض مدفوع، وعِوَض معمول؛ المدفوع لا بد فيه من العلم، والمعمول لا يُشْتَرَط فيه العلم، المدفوع منين؟ يكون من الجاعِل، والمعمول من العامل.
مثال ذلك: يقول شخص: إنه ضاع له بعير، فقال: مَن رَدّ بعيري فله مئة ريال، العِوَض من الجاعل معلوم ولَّا مجهول؟ طلبة: معلوم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2262

الشيخ: معلوم، والعمل مجهول؛ لأنه لا يُعْلَم أيردها عن قريب أم عن بعيد، ربما يتعب ويظن أنه يردها في يومين، ولا يردها إلا في عشرة أيام، أو ربما لا يستطيع ردها مطلقًا، فنقول: العمل لا يُشْتَرَط فيه العلم بالنسبة للجَعَالة، وهذا من محاسن الشريعة؛ لأنه قد يصعب تعيين العمل في مثل هذه الحال، لو قال: مَن رد لُقَطَتِي -مثلًا- من عشرة كيلو، قد توجد في عشرة كيلو وقد لا توجد، لكن إذا جعل العِوَض عِوَضًا عن العمل مطلقًا، والعامل حظه ونصيبه كما يقولون، فهذا لا بأس به، وسيأتي أنها عقد جائز.
فإن جعل شيئًا مجهولًا بأن قال: مَن رد بعيري فله ما في هذا الكيس من الدراهم، فإنه لا يجوز، لماذا؟ لأنه مجهول، لا ندري أمئة أم مئتان أم أكثر؟ فلا بد أن يكون العِوَض المدفوع من الجاعل معلومًا؛ ليكون العامل على بصيرة.
لو قُدِّر أن الجاعل جعل جُعْلًا كبيرًا؛ لأنه يظن أن هذه البعير لا توجد إلا في مشقة وبُعْد شُقَّة، فيَسَّرَها الله للعامل، هل يطالب الجاعلُ العاملَ بنقص العِوَض أو لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، نقول: هذا من رزق الله جاء للعامل، كما أنه لو لم يجدها إلا بعد مدة طويلة وشُقّة بعيدة فإنه لا يطالب الجاعل بزيادة.
لو قال: إذا رددت بعيري الشارد فلك نصفه، فهذا معلوم، لكن معلوم بأيش؟ بالنسبة، جزء مُشَاع، فلا بأس؛ لأنه معلوم، كالمضارَب تعطيه المال وتقول: اتَّجِر به ولك نصف الربح، ربما يتَّجِر به اتجارًا شاقًّا عظيمًا ولا يُحَصِّل ربحًا، وربما تظن أنه لن يربح إلا قليلًا فيربح كثيرًا.
فالمعلوم إذن إما بالتعيين بالعدد والوصف، وإما بالْمُشاع بالسهم.
قال: (كردِّ عبدٍ)، ماذا نقول في العبد؟ هارب ولّا شارد ولّا آبق؟ طلبة: آبق.
الشيخ: آبق، نقول: كرد عبد آبِق، يعني هرب من سيده، فجَعَل جُعْلًا لمن جاء به، وإن جعل جُعْلًا معلومًا لمن أحضر ولده الضائع، فجائز أو غير جائز؟ طلبة: جائز.

الجزء: 2 - الصفحة: 2263

الشيخ: جائز؛ لأنه عمل، وإن كان الحر في الأصل لا يُبَاع، لكن هذا ليس بيعًا له، ولكنه إحضار له.
(ولُقَطة)، رد لُقَطَة، هذا من باب: عَلَّفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا، أي: وسقيتها ماءً باردًا؛ لأن الماء ما هو يُعَلّف، اللقطة ما هي ترد إلا إذا كانت عند شخص وجدها فيردها، لكن مراده برد اللقطة يعني إيجادها وإحضارها إلى صاحبها، واللقطة مال ضائع، هذه اللقطة.
والثانية: (وبناءِ حائط)، يقول: مَن بنى لي هذا الحائط فله كذا وكذا، وهذا يسمى عندنا أيش؟ مقاولة، يقول: مَن بنى لي هذا الحائط فله عشرة آلاف مثلًا، نقول: هذا جائز، فإن تعاقد مع المقاول على أنه أجير صارت إجارة.
إذا قال: مَن بنى هذا الحائط فله عشرة آلاف ريال، ثم سبق واحد وشرع في البناء، فهل لأحد أن يأتي ويكمل غير الأول؟ لا؛ لأنه أحق به، إذن ما شرع صار لازمًا، وإلا فالأصل في عقد الجعالة أنه جائز.
(فمن فعله) عندكم (فعل) ولّا (فعله)؟ طلبة: فعله.
الشيخ: بضمير؟ طالب: فيها ضمير.
طالب: (وخياطة).
الشيخ: وين خياطة، ما عندي خياطة، قبل.

الجزء: 2 - الصفحة: 2264

(وخياطة) يعني: خياطة ثوب، قال: مَن خاط لي ثوبًا فله كذا وكذا، والثوب من الرجل ما هو من العامل، قال: مَن خاط لي ثوبًا صفته كذا وكذا فله الأجر المعلوم فهو جائز، أما إذا كانت القطعة من العامل فهذه تسمى عند العلماء استصناع الصنعة أو السلعة، وفيها خلاف بين العلماء، والصحيح أنها جائزة؛ لأنه يمكن ضبطها بالوصف، أفهمتم؟ يعني لو أتيت بالقماش إلى الخياط وقلت: خذ، خِطْ هذا القماش لي ثوبًا، هذا جائز، والعامل ويش وظيفته؟ العمل، الصنعة، لكن لو جئت إلى الخياط وقلت: أنا أريد ثوبًا صفته كذا وكذا اصنعه لي، هذا يسمى عند العلماء استصناع السلعة، وفيه خلاف؛ بعضهم يقول: لا يجوز؛ لأن هذا ليس بسَلَم؛ إذ السَّلَم لا بد فيه من التأجيل، وليس معيَّنًا؛ لأنه في الذمة الآن، والوصف قد لا يحيط به، ولكن الصحيح أنه جائز، وعمل الناس عليه قديمًا وحديثًا.
(فمن فعله بعد)، عندى أنا: (بعد عمله) والصواب: (بعد علمه بقوله استحقه)، استحق أيش؟ استحق الْجُعْل.
سمع رجل آخر يقول: مَن رَدّ بعيري فله مئة ريال، فبادر، وخرج، وطلبه فجاء به، يستحق العِوَض؛ لأنه عمل أيش؟ بعد أن علم، فأما لو وجد الضالة، الرجل وجد الضالة، ثم جاء بها إلى صاحبها، فإنه لا يستحق شيئًا؛ لأن المؤلف اشترط أن يكون بعد العلم؛ ووجه ذلك أن الثاني لم يعمل لك؛ لأنه لم يعلم أنك وضعتَ جُعْلًا، وما يفعله بعض الناس اليوم فهو من باب الإكرام فقط.
بعض الناس إذا وجد شيئًا وأتى به إلى صاحبه قال: أريد منك الحفاظ، يعني أني حفظته لك، ولا سيما إذا كان ثمينًا كالحلي، والساعات الغالية والأقلام الغالية، يقول: أريد الحفاظ، فيقول صاحب المال: ليس لك عليّ شيء؛ لأني لم أجعل جُعْلًا، أو لأني جعلت جُعْلًا ولم تعلم به أنت، فهل له أن يمنع ولا يعطيه أو لا؟ نقول: نعم، له أن يمنع؛ لأنه ليس بينه وبينه عقد، لكن من المروءة إذا كان الشيء ثمينًا أن تعطيه ما يطيب به قلبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2265

أولًا: أنه عمل معروفًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِؤُوهُ» (5). ثانيًا: أن مثل هذا ينبغي أن يُشَجَّع؛ لأن كونه يأتي به بدون أن يُطْلَب يدل على أمانته، ومثل هذا ينبغي أن يُشَجَّع، فنحن نقول لصاحب المال: الوجوب لا يجب عليك، لكن لا شك أنه من المروءة والخير أن تعطيه، أولًا: امتثالًا لقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِؤُوهُ»، والثاني: التشجيع؛ تشجيع هذا وأمثاله على أنهم إذا وجدوا شيئًا أدوا الأمانة فيه، أما وجوبًا فلا، إلا بعد علمه.
(والجماعة يقتسمونه)، في نسخة: (ولجماعة)، يعني: وإن جعله لجماعة يقتسمونه، بالسوية ولّا بالاختلاف؟ طلبة: بالسوية.
الشيخ: (بالسوية)، يعني أن الجماعة لو أحضروا ما ذكر ما جُعِلَ عليه الْجُعْل فإنهم يقتسمون الْجُعْل، فإذا قال: مَن رَدَّ بعيري فله مئة ريال، فرده عشرة، نقول: كيف نُوَزِّع؟ السؤال قال: مَن رد بعيري فله مئة، ورده عشرة، هل نُقْرِع بينهم في المئة أم ماذا؟ طالب: ما يرده إلا واحدًا.
الشيخ: لا، هم عشرة، ردوا الجمل، الجمل كلما جاؤوا من جهة هرب، فاجتمعوا عليه العشرة ومسكوه، وجاؤوا به إلى صاحبه.
طالب: يشتركون.
الشيخ: يشتركون؟ الطالب: نعم.
الشيخ: متأكد؟ توافقون على هذا؟ طلبة: نعم الشيخ: نعم، يشتركون؛ لأن كل واحد منهم عمل.
فلو أن أحدهم أنكر وقال: هؤلاء ما شاركوا، نسأل الذين أُنْكِرُوا نقول: هل هؤلاء شاركوكم؟ إذا قالوا: نعم، قبلنا قول الأولين؛ لأن الأولين ادَّعُوْا أيش؟ وشهد لهم الآخرون، لكن الآخرين لا نقبل قولهم إلا ببينة، أفهمتم ولّا ما بواضح؟ قال: مَن رد بعيري فله مئة ريال، فجاء بالبعير عشرة رجال، فقال خمسة منهم: إن هؤلاء ليسوا شركاء لنا، فهمتم؟ ماذا نعمل؟ نقول للذين أُنْكِرُوا: هل هؤلاء شركاء لكم؟ إذا قالوا: نعم، ثبت حق الأولين، بأيش؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2266

طلبة: بشهادة الآخرين.
الشيخ: بدعواهم وشهادة الآخرين، لكن هل يثبت للآخرين حق المشاركة؟ طلبة: بالبينة.
الشيخ: لا، ما عندهم بينة.
طالب: لا يثبت.
الشيخ: لا يثبت، انتبهوا، وهذه ينبغي للقاضي أن يكون فطنًا في هذه المسألة؛ لأن كل العشرة كل واحد يدَّعِي أنه مشارك، فإذا أقر الأولون قالوا: نعم، نحن الذين أتينا به، ولكن هؤلاء لم يشاركونا، فنسأل الْمُنْكَرِين ونقول: هل هؤلاء شاركوكم؟ إذا قالوا: نعم، قلنا: الآن ثبت حقهم، وأنتم تَدَّعُون أنكم مشاركون، فإن أتيتم بالبينة وإلا فلا حق لكم.
(والجماعة يقتسمونه وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه)، في أثناء أيش؟ في أثناء العمل، (يأخذ) أي: العامل، (قسط تمامه).
مثال ذلك: رجل وجد حائط صاحبه قد انهدم جانب من جداره، جدار الحائط، وبما أن بينه وبينه صحبة جعل يبنيه، فبنى ثلاثة صفوف من اللبن، وبعد أن بنى ثلاثة صفوف قال الرجل صاحب الحائط: من بنى حائط بستاني فله سبع مئة، هذا الرجل كم بنى؟ طلبة: ثلاثة صفوف.
الشيخ: ثلاثة صفوف من اللبن، والجدار يحتاج إلى سبعة صفوف، فعلم صاحبه أنه جعل جُعْلًا وهو سبع مئة لمن بنى هذا الجدار، فكمل، كم نعطيه؟ طلبة: أربع مئة.
الشيخ: أربع مئة، غلط.
طلبة: سبع مئة.
الشيخ: هي سبع مئة ريال، هو بنى ثلاث صَفَّات وباقي أربعة، فلما علم كمّل الأرض.
طالب: يأخذ ما عمل.
الشيخ: إي، كم؟ طلبة: أربعة أسباع.
الشيخ: غلط.
طالب: بالنسبة.
الشيخ: إي، ويش الآن النسبة كم؟ طلبة: أربع مئة.
وفي أثنائِه يَأْخُذُ قِسْطَ تَمامِه، ولكلٍّ فَسْخُها , فمِن العاملِ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا ومِن الجاعلِ بعدَ الشُّروعِ للعاملِ أُجرةَ عَمَلِه , ومعَ الاختلافِ في أَصْلِه أو قَدْرِه يُقْبَلُ قولُ الجاعلِ، ومَن رَدَّ لُقَطَةً أو ضالَّةً أو عَمِلَ لغيرِه عَمَلًا بغيرِ جُعْلٍ لم يَسْتَحِقَّ عِوَضًا إلا دينارًا أو اثْنَي عشرَ دِرْهَمًا عن رَدِّ الآبِقِ , ويَرْجِعُ بنفقَتِه أيضًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2267

(باب اللقطة) وهي مالٌ أو مُخْتَصٌّ ضَلَّ عن ربِّه وتَتَبَّعَه هِمَّةُ أوساطِ الناسِ، فأَمَّا الرغيفُ والسَّوْطُ ونحوُهما فيُمْلَكُ بلا تَعريفٍ، وما امْتَنَعَ من سَبُعٍ صغيرٍ كثَورٍ وجَمَلٍ ونحوِهما حَرُمَ أَخْذُه، وله التقاطُ غيرِ ذلك من حيوانٍ وغيرِه إن أَمِنَ نفسَه على ذلك , وإلا فهو كغَاصبٍ، ويُعَرِّفُ الجميعَ في مَجامِعِ الناسِ - غيرَ المساجدِ - حَوْلًا مثال ذلك: رجل وجد حائط صاحبِه قد انهدم جانب من جداره -جدار الحائط-، وبما أن بينه وبينه صحبة جعل يبنيه، فبنى ثلاثة صفوف من اللبن، وبعد أن بنى ثلاثة صفوف قال الرجل صاحب الحائط: من بنى حائط بستاني فله سبع مئة، هذا الرجل كم بنى؟ طلبة: ثلاثة صفوف.
الشيخ: ثلاثة صفوف من اللبن، والجدار يحتاج إلى سبعة صفوف، فعلم صاحبه أنه جعل جُعْلًا وهو سبع مئة لمن بنى هذا الجدار، فكمَّل، كم نعطيه؟ طلبة: أربع مئة.
الشيخ: أربع مئة، غلط.
طلبة: سبع مئة.
الشيخ: هي سبع مئة ريال، هو بنى ثلاث صَفَّات وباقي أربعة، فلما علم كمّل الأرض.
طالب: يأخذ ما عمل.
الشيخ: إي، كم؟ طلبة: أربعة أسباع.
الشيخ: غلط.
طالب: بالنسبة.
الشيخ: إي، ويش الآن النسبة كم؟ طلبة: أربع مئة.
قد يبدو لبعض الناس أنه يُعْطَى أربعة أسباع، يعني أربع مئة، ولكن غلط؛ لأن البناء كلما ارتفع ازدادت مشقته، وعلى هذا فلا بد أن نقول بالنسبة، جدار بُنِيَ ثلاثة صَفَّات وهو يحتاج إلى سبعة صَفَّات، كم تقدر النسبة؟ قال: أقدّر النسبة الربع مثلًا، نعطيه الربع، مع أن هذه ثلاث، وتلك أربعة، فهذه لا بد أن يُنْتَبَه لها أيضًا.
طالب: قريب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2268

الشيخ: يعني فرضًا، المهم لا بد أن يُنْتَبَه لها، بمعنى ألَّا نجعل أعلى الصف اللي هو السابع مثل آخر صف اللي هو الأول؛ لأن الأول ما فيه إلا بس يجي باللبنات يضعها، لكن هذه يحتاج إلى سلَّم، وإلى رجال يمد بعضهم لبعض، ثم أيضًا الموازنة، الموازنة أيضًا مهمة، موازنة صفوف اللبن مهمة جدًّا، ولهذا تجد الناس الحذاق تجدهم يجعلون خيطًا يقيسون عليه؛ لئلا يختلف اللبن بتقدم أو تأخر.
على كل حال مَن علم بالْجُعْل في أثناء العمل يُعْطَى؟ طلبة: قسط تمامه.
الشيخ: قسط تمامه، لكن هل هو بالأجزاء أو بالقيمة؟ طالب: بالأقساط.
الشيخ: بالقيمة؛ لأننا لو قلنا: بالأجزاء، لكان المثال الذي ذكرنا يستحق؟ طلبة: أربع مئة.
الشيخ: أربع مئة، وليس كذلك.
(وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه ولكلٍّ فسخها)، (لِكُلّ) مِن؟ طالب: الجاعل والعامل.
الشيخ: الجاعل والعامل.
(لكلٍّ فسخُها) أي: الجعالة؛ لأن ما هي عقدًا لازمًا، لو فُرِضَ أن الرجل قال: مَن رد بعيري فله مئة ريال، وبعد يومين هَوَّن، وقال: يا أيها الناس، إني قد فسخت الجعالة، فله ذلك، ومَن عمل بعد أن عَلِم بفسخها فلا حق له؛ لأن الجعالة عقد جائز.
لكن في هذا المكان سنبين أن العقود ثلاثة أنواع: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف جائز من طرف.
كل العقود، البيع؟ طلبة: لازم من .. الشيخ: لازم من الطرفين، هذا هو الأصل فيه، ويمكن أن يكون جائزًا من أحدهما إذا جُعِلَ له شرط الخيار، ثلاثة أيام أو أربعة، دون الآخر، لكن الأصل فيه أنه لازم من الطرفين، فلا يجوز لأي واحد منهما فسخه، يعني اللازم من الطرفين لا يجوز لأي واحد منهما فسخه إلا برضا الآخر؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عبد الله بن عمر: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (1)، أي: لزم وثبت.

الجزء: 2 - الصفحة: 2269

الثاني: جائز من الطرفين، الجائز من الطرفين هو الذي لا يُلْزِم أحدُهما الآخر به، كالوكالة مثلًا، الوكالة جائز من الطرفين، يعني: لو وَكَّلْتَ شخصًا أن يشتري لك حاجة ثم فسخت الوكالة فلا حرج، أو هو نفسه فسخ الوكالة، أتى إليك وقال: لا أريد أن أتَوَكَّل في شراء هذا الشيء؛ لأني فَكَّرْت أنه سيكون عليّ مشقة في ذلك أيجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لكن بعض العلماء قَيَّد العقود الجائزة بأنها جائزة ما لم تَضَمَّن ضررًا على الآخر، فإن تضمنت ضررًا على الآخر ضمن الضرر.
مثال ذلك: وَكَّلْتَ شخصًا يبيع لك حاجة في الموسم، والعادة أن السلع في المواسم أيش؟ طلبة: ترتفع.
الشيخ: تزيد قيمتها، أخذ السلعة على أنه سيبيعها، ولكنه فسخ الوكالة، عند حلول الموسم فسخ الوكالة والْمُوَكِّل لم يعلم، فهنا نقول؟ طلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن ما ترتب على فسخ هذه الوكالة، كذلك أيضًا لو أخبر الْمُوَكِّل بأنه فسخ الوكالة، لكن في وقت لا يتمكن الموكِّل من توكيل آخر فهو ضامن، والعقد لا يثبت.
فإذا قال قائل: كيف تجعلون ما جعله الشارع جائزًا تجعلونه لازمًا؟ قلنا: لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (2)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» (3). ومعلوم أن أحدًا لو فعل بهذا الوكيل ما فعل الوكيل بالموكِّل ما رضي، فيكون هذا منافيًا لتمام الإيمان.

الجزء: 2 - الصفحة: 2270

القسم الثالث: ما كان جائزًا من أحد الطرفين لازمًا من طرف آخر، كالرهن مثلًا، الرهن في حق المرتهن جائز، وفي حق الراهن لازم، يعني: لو استقرضتُ منك ألف ريال وأعطيتك رهنًا، بالنسبة لي أنا –الراهن- العقد لازم، بالنسبة للمرتهن العقد جائز، لو شاء المرتهن الذي أخذ الرهن أن يرده إلى صاحبه وقال: خذ، أنا واثق بذمتك، فهو جائز، لكن الراهن اللي هو الْمَدِين الرهن في حقه لازم، ولا يمكن فسخه إلا برضى المرتهن.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا فيمن أحاط أرضًا بالأشجار: إنه أحق بها من غيره، لكن مَن أحاط بحائط قوي .. الشيخ: هذا إحياء، إذا أحاطها بحائط يملك، ولا يُدْخَل إليه إلا من الباب، فيملكها.
الطالب: ( ... ) لم يُنْبِت فيها شيء.
الشيخ: هذا عُرْفًا إحياء.
طالب: لو اشترك جماعة عشرة مثلًا في جمل وردوه إلى الجاعل، وإن ادَّعى خمسة أن هولاء لم يشتركوا معهم، والخمسة الآخرون ادعوا أن هولاء لم يشتركوا، وليس ثمة بينة؟ الشيخ: نَبَّهْنَاكم على هذا، قلنا: إذا قال هؤلاء: لم يشتركوا معنا، يرجع إليهم ويقول: هل هؤلاء شاركوكم؟ الطالب: قالوا: لا.
الشيخ: إذن لا بد حينئذ أن نقول: كل واحد منهم مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه، فأحسن شيء أن يقسم بينهم.
طالب: إذا قال لجماعة محصورة في عشرة: إذا رددتم بعيري فلكم مئة، فرده واحد منهم، وكلهم قد عملوا، فهل يستحقون .. ؟ الشيخ: هذا يُنْظَر إذا كانت جرت عادتهم أنهم يشتركون في شيء فهم شركاء، وإلَّا فلا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الرجل عَلِمَ مكان ضالة واحد وأبى أن يُخْبِر بدون جُعْل، هل له ذلك؟ الشيخ: لا، ما يجوز، إذا عَلِمَ مكان الضالة فالواجب عليه أن يبلغ أخاه.
الطالب: هو علم أن صاحبه ( ... ). الشيخ: إي، ما يجوز؛ لأنه علم بها قَبْل أن يجعل الْجُعْل، نعم إن قال: أنا عالم بها، لكن بردي إياها، والجعل على الرد، فلا بأس.

الجزء: 2 - الصفحة: 2271

طالب: شيخ، ما وجه مَن يقول: إن عقد الجعالة عقد شبيه بالمقابضة، لولا تعليقًا على تَمَلُّك على الخطأ؟ الشيخ: نقول: هذا غير صحيح؛ لأنه ضامن، الْجُعْل مضمون له.
الطالب: قد يُطْلق يا شيخ الجاعل، ويعمل العامل عملًا عظيمًا ثم لا يجد هذا الْجُعل.
الشيخ: ويش يُطْلق؟ طالب: يعمل عملًا عظيمًا كثيرًا.
الشيخ: كيف يطلق الجاعل؟ الطالب: يقول: مَن رَدّ بعيري فله كذا.
الشيخ: له كذا، معلوم الآن.
طالب: أيوة لو كان معلومًا، لكن الجهد الآن الذي يبذله الرجل.
الشيخ: الآن الجاعل على كل حال غارِم، والقمار يكون أحد الطرفين إما غارم وإما غانم، أما هذا الجاعل غارم على كل حال.
الطالب: الطرف الآخر يا شيخ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هو الغارم والغانم قد .. الشيخ: لا ما هو غانم ولا .. ، هو غانم على كل حال، لكن قد يُيَسَّر له الأمر ويغنَم بقليل وقد يتعب.
طالب: في المسجد الحرام يحصل أن يسبق بعض الناس إلى أمكنة فارغة فيأتي آخرون ويشترونها منهم بثمن، فهل يجوز لهولاء الحاجزين الأولين أخذ هذا العِوَض؟ الشيخ: لا، ما يجوز، هو ملكهم حتى يبيعوه؟ الطالب: هم سبقوا إليه، حقهم.
الشيخ: إي ما يجوز، هو أحق ما لم يُرِدْهُ، هذا حق انتفاع لا نَفْع، وفرق بين حق الانتفاع وحق النفع، وهذه مشكلة؛ لأني سمعت أن بعض الناس يفعلون هذا.
الطالب: كثير جدًّا في المسجد الحرام.
الشيخ: إي نعم، بعض الناس أيضًا أشد من هذا، يجيب الحاج ويقول: أبغي أبيع عليك هذا العمود، اجعله وقفًا لوالدك، فيشتريه المسكين، يقول: حبَّذْت هذا العمود لوالدي، لكن هل يكون وقفًا؟ نرجو من الله عز وجل بالنسبة لهذا الغبي المسكين أن الله يُثِيبُه على نيته، كما جاء في الحديث: «تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ وَعَلَى زَانِيَةٍ .. » (4). المؤلف يقول: إن الموات اصطلاحًا هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، ما معنى العبارة؟ طالب: معنى قوله ذكر فيها احترازين؛ الاحتراز الأول ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2272

الشيخ: المنفكة عن؟ الطالب: عن الاختصاصات، وهي غير متعلقة بمصلحة أهل قرية ونحوهم، كأن تكون مزبلتهم، أو تكون مرعى لهم أو مُحْتَطَبًا لهم، وإن لم يملكها أحد، والاحتراز الثاني هو ملك معصوم.
الشيخ: اشترط ألَّا يكون باختصاص ولا ملك معصوم.
الطالب: المعصوم هو مَن كان من الأصناف الأربعة وهو .. الشيخ: المعصوم هو الْمُسْلِم.
الطالب: المسلم والذمي والمؤتمن والمعاهد.
الشيخ: هذه هي الأرض الموات، هل يُشْتَرَط لملكها بالإحياء إِذْنُ الإمام؟ طالب: يُشْتَرط، لا يشترط ذلك.
الشيخ: يشترط لا يشترط؟ الطالب: لا يُشْتَرط.
الشيخ: لا يُشْتَرَط، الدليل؟ الطالب: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» (5). الشيخ: قوله.
الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ»، فحكمنا شرعي يعم كل الناس.
الشيخ: وليس تنظيميًّا، إذن هذا هو الدليل، وأما التعليل لأنه لو لم يملكها بقي الناس في فوضى، وصار الناس كُلٌّ يعتدي على حق الآخر.
ما معنى قوله: (العنوة كغيرها)؟ طالب: العنوة هي الأرض التي أخذها المسلمون بالقوة، كغيرها من الأراضي التي صالَح أهلُها المسلمين عليها وأسلموا عليها، كالمدينة.
الشيخ: يعني العنوة هي ما أخذها المسلمون بقوة السلاح، فهي كغيرها، وكذلك أيضًا ما أُخِذَ صلحًا بين المسلمين وبين الكفار، فمَنْ أَحْيَا أرضًا في هذه الأرض فهي ملكه.
هل يُمْلَك بالإحياء ما قَرُب من العامر؟ يعني ما قَرُب من البلد والمزارع وما أشبهها.
طالب: يملك إن لم يتعلق بالمصلحة.
الشيخ: إي، يعني فيه تفصيل، إن كان يتعلق بمصالح العامر فإنه لا يُمْلَك، وإلا؟ الطالب: وإلا فيُمْلَك.
الشيخ: وإلا فيُمْلَك؛ لأنه داخل في العموم.
ما هي الأشياء التي إذا حصلت صار الإنسان أحق بها من غيره؟ طالب: إذا أحاط مواتًا أو حفر بئرًا.
الشيخ: كَمِّل.
الطالب: فوصل إلى الماء، أو أجرى إليه من عين، أو حبسه عنه ليزرع فقد أحياه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2273

الشيخ: هذه أربعة أشياء.
ما معنى قوله: (حبسه عنه ليزرع)؟ الطالب: يعني حبس الماء ليطيل هذه الأرض حتى تكون صالحة للزراعة.
الشيخ: إي يعني مثلًا تكون الأرض يغشاها الماء.
الطالب: كثيرًا.
الشيخ: كثيرًا وتفسد، فيحبس الماء من أجل أن تصلح؟ الطالب: للزراعة.
الشيخ: للزراعة.
هل مثل ذلك لو كانت الأرض مكسوة بالأحجار بحيث لا تصلح للزراعة فأزال الأحجار؟ طالب: نعم.
الشيخ: مثلها؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم.
ما هو حريم البئر؟ طالب: حريم البئر العادية خمسون ذراعًا، والبَدِيَّة على النصف.
الشيخ: أيش الفرق بين العادية والبَدِيّة؟ الطالب: العادية ما كان نُقِبَ عنها سابقًا ثم أُعِيدَ حفرها.
الشيخ: العادية ما أعيد حفرها، والبدية ما حُفِرَت .. الطالب: ابتداء.
الشيخ: ابتداء.
إذا أَقْطَعَ الإمام أو نائبه أرضًا لشخص، فهل يملكها أو لا؟ طالب: قولان يا شيخ، منهم من قال: يملكها.
الشيخ: أريد اللي في المتن.
الطالب: لا يملكها.
الشيخ: لا يملكها، ولكن يكون أحق بها.
لو أقطعها رئيسُ البلدية في عصرنا هذا؟ طالب: إن كان النظام يسمح بهذا فإنه يُقْطِعُها.
الشيخ: يعني إذا عُرِفَ أنه نائب عن الإمام في هذا فيقطعه كإقطاع الإمام.
هل يجوز للإمام أن يُقْطِع الجلوس في الطرقات؟ طالب: إي نعم، يجوز إن لم يكن مضرة بالناس، إذا كان في أرض واسعة.
الشيخ: ما هو الشرط للجواز؟ الطالب: لجواز ذلك أن يكون في أرض واسعة.
الشيخ: أن يكون الطريق واسعًا.
الطالب: أن يكون الطريق واسعًا، ولا يضر بالمارة.
الشيخ: وألَّا يضر بالمارة.
الطالب: كرأس السوق مثلًا.
الشيخ: لماذا اشترطنا ألَّا يضر بالمارة؟ الطالب: لأن الضرر إيذاء.
الشيخ: يعني مراعاة المصالح العامة أولى .. الطالب: من المصلحة الخاصة.
الشيخ: المصلحة الخاصة إذا كان اثنان قد زرعَا على شاطئ نهر، أو على شاطئ وادٍ، فكيف يُوَزَّع الماء بينهما؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2274

طالب: يُوَزَّع الماء بأن يأخذ الأعلى الماء فيسقي الأرض، ويحبسه إلى أن يصل إلى الكعب، ثم يرسل الماء إلى الثاني.
الشيخ: ثم يرسل الماء إلى الثاني.
إذا قُدِّر أن الأرض بعضها رفيع وبعضها نازل؟ الطالب: يؤخَذ بالوسط.
الشيخ: يؤخَذ بالوسط، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: هل يجوز حِمَى المراعي للأمراء والوزراء والأغنياء؟ طالب: بثلاثة شروط.
الشيخ: هل يجوز أو لا؟ الطالب: نعم يجوز.
الشيخ: بدون شرط؟ الطالب: بشروط.
الشيخ: ما هي؟ الطالب: أن يكون إمامًا.
الشيخ: أن يكون الإمام.
الطالب: أن يكون المرعى لعامة المسلمين، وألَّا يكون فيه ضرر.
الشيخ: إذن الشروط ثلاثة؛ أن يكون الإمام، وأن يكون المرعى لدواب المسلمين؛ كإبل الصدقة، وإبل الجهاد، وخيل الصدقة، وخيل الجهاد، وما أشبهها، والثالث؟ الطالب: ألَّا يكون فيه ضرر عليهم.
الشيخ: ألَّا يضرهم، بارك الله فيك.
الجعالة لم نكملها الظاهر.
طلبة: نعم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه زاد المستقنع: (ولكل) أي: من الجاعل والمجعول له.
(فسخها) أي: فسخ الجعالة؛ وذلك لأنها عقد جائز من الطرفين، وكل عقد جائز من الطرفين فإن لكل منهما فسخه، إلا إذا قَصَد الإضرار بالآخر؛ لأن جميع المباحات من عقود وأفعال إذا تضمنت ضررًا على الآخرين صارت ممنوعة، فمثلًا لو تضمن ضررًا على الآخر فإنه لا يجوز أن يفسخ، فإن فسخ للضرورة فللعامل أجرة ما عَمِل.
ولكن هل تكون الأجرة منسوبة إلى الأجرة العامة، أو منسوبة إلى الْجُعْل الذي جُعِلَ له؟ هذا محل نظر، ولا أدري هل تصورتم المسألة أو لا؟ إنسان جاعَلَ شخصًا على أن يقوم بتصريف هذه السلعة، في أثناء العمل وَقَّفَهُ، وكان إيقافه إياه في أيام موسم، إذا وَقَّفَه في أيام الموسم صار عليه ضرر؛ لأن السلع في أيام المواسم تمشي، ففي هذه الحال نقول على ما اشترطنا ألَّا يتضمن ضررًا نقول: إنه لو فسخ فإنه لا يحل له.

الجزء: 2 - الصفحة: 2275

لكن هل تنفسخ؟ نقول: نعم تنفسخ، ولكن للمجعول له أيش؟ أجرة العمل.
وهل يُعْطَى الأجرة باعتبار أنه عامل كأجير، أو عامل كمجعول له؟ إذا قلنا بالأول فإننا نقول: ننسب الأجرة إلى هذا الزمن الذي تم التعاقد عليه، ونعطيه بقسط الأجرة، سواء زادت على حصة الجعالة أو لم تَزِد، وجه ذلك أنه لما انفسخت الجعالة رجعنا إلى أجرة المثل.
ولكن القول الراجح أن نعطيه بنسبة الجعالة؛ لأن هذا الرجل عمل كمُجَاعِل وليس كأجير، فنقول: لو عمل العمل كله واستحق الجعل كله، ولنقل: إن الجعل كله مئة ريال، الآن عمل الثلثين، نجعل له كم؟ ثلثي المئة؛ لأنه راضٍ بهذا.
ثم قال المؤلف رحمه الله -نشوف كلام المؤلف-: (فمِن العامل لا يستحق شيئًا)، يعني: فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئًا؛ لأنه هو الذي فَوَّت على نفسه الجعالة، فلو قيل مثلًا: مَن بنى هذا الجدار فله مئة ريال، فالتزم به أحد الناس، وفي أثناء البناء فسخ الجعالة، يعني أن المجعول له فسخ الجعالة، فنقول له: ليس لك شيء، لماذا؟ هذا رجل جُوعِلَ على أن يبني جدارًا، وفي أثناء البناء فسخ الجعالة، الذي فسخ العامل، هل يستحق شيئًا؟ يقول المؤلف: لا، لا يستحق شيئًا، لماذا؟ لأنه هو الذي فَوَّت على نفسه تمام العمل، فلم يستحق شيئًا، وهذا واضح.
قال: (ومن الجاعِل بعد الشروع للعامل أجرة عمله)، (من الجاعِل)، يعني: إذا وقع الفسخ من الجاعل بعد الشروع فللعامل أجرة عمله، فإذا قَدَّرْنَا أنه بنى نصف الجدار، وفسخ الجاعِل، فللعامل أيش؟ أجرة العمل.
ظاهر قوله: (أجرة) أنه تنفسخ الجعالة نهائيًّا، ولا يترتب عليها أثرها، ويُعْطَى أجرة العمل.
أجرة العمل منسوبة، فإذا قيل: هذا الجدار إذا استؤجر لبنائه يُبْنَى بخمس مئة، والآن بنى النصف، كم نعطيه؟ طلبة: مئتين وخمسين.

الجزء: 2 - الصفحة: 2276

الشيخ: لا، غلط، ما نعطيه مئتين وخمسين؛ لأنه إذا ارتفع زادت المؤونة، فنعطيه مثلًا مئتين من خمس مئة، وذلك لأنه كلما ارتفع البناء ازدادت الكلفة.
وظاهر كلام المؤلف أننا لا نعطيه بنسبة الجعالة، ولكن فيه نظر، والراجح أننا نعطيه بنسبة الجعالة، فإذا قُدِّرَ أنه لو استؤجر عليه لكان بمئة، ولو جُوعِل لكان بثمانين، نعطيه بالنسبة للثمانين ولَّا للمئة؟ بالنسبة للثمانين؛ لأن الجاعِل راضٍ بهذه الجعالة، وكذلك العامل راضٍ بهذه الجعالة، أفهمتم يا جماعة؟ نعيد المثال: هذا رجل جاعَلَ شخصًا على أن يبني له جدارًا، ثم إنه بعد أن شرع العامل فسخ الجاعلُ الجعالة، نقول: له أيش؟ له النسبة، نسبة ما عمل.
باعتبار الْجُعْل أو باعتبار الأجرة؟ ظاهر كلام المؤلف أنه باعتبار الأجرة، بمعنى أن نلغي عقد الجعالة ونقول: ما تقولون يا أصحاب الخبرة فيما لو بُنِيَ هذا الجدار، كم أجرته؟ فيُعْطَى العامل أيش؟ نسبة الأجرة؛ لأن الجعالة انفسخت، فعاد الأمر كأن لم يكن جعالة.
لكن الراجح أنه يعطي العامل نسبة الْجُعْل، ننسبه إلى الجعل؛ لأن العامل رضي بأن يكون مقابل عمله هو هذا الجعل، إذا قدَّرْنا أن الجعالة أكثر من الإجارة، وهذا هو الغالب؛ لأن الغالب أن الذي يعقد عقد جعالة يريد العَجَلة، إذا قدَّرْنَا أن الجعالة أكثر ماذا نعطيه؟ نعطيه نسبة الجعالة، وإذا قدَّرْنا الأجرة أكثر نعطيه أيضًا نسبة الجعالة على هذا الرأي.

الجزء: 2 - الصفحة: 2277

لكن لو فُرِضَ أن الجاعل سيتضرر كثيرًا؛ لأن العامل فسخ الجعالة في وقت لا يوجد فيه عُمَّال، العمال قد أخذهم الناس، مثلًا في أول السنة العمال كثيرون، في أثناء السنة العمال يَقِلُّون، وهذا سوف يكون فيه على الجاعل ضررٌ، ففي هذه الحال لو قيل بتضمين العامل ما يلحق الجاعل من الزيادة لكان له وجه، بمعنى أننا نقيم شخصًا يكمل الجدار، ويكون على العامل أجرة هذا الشخص؛ لأنه ربما يتحيل أو يكيد للجاعل، فإذا بدأ بالعمل وتفرق العمال، وصار العامل الذي بعشرة لا يوجد بخمسين فسخها.
فيه قول آخر: أنه إذا تضمن ضررًا أُلْزِمَ بإتمام العمل، إذا تضمن ضررًا على الجاعل يُلْزَم العامل بإتمام العمل إلا من عذر.
فالأقوال ثلاثة، على هذا القول نستريح، لا نحتاج نسبة ولا شيئًا، نقول: يلزمك أنت أيها العامل أن تكمل، إلا لعذر، مثل لو مرض، أو شُلّ أو ما أشبه ذلك، فهذا عذر.
الخلاصة: الجعالة على كلام المؤلف عقد جائز، يجوز للجاعل فسخها، ويجوز للعامل فسخها، إن فسخ العامل؟ طلبة: فلا شيء له.
الشيخ: فلا شيء له، لكن هل عليه شيء؟ ذكرنا أنه إذا تضمن ضررًا على الجاعل أُلْزِم بدفع الضرر، مثل أن يكون العمال الآن فُقِدُوا ولا يوجد عامل، فيُلْزَم العامل بإتمام العمل؛ لأنه لا عذر له، وهو الذي ضر الجاعل.
مِن الجاعل، إذا فسخ الجاعل؟ إذا كان قبل العمل فلا شيء للعامل؛ لأنه لم يعمل، وإذا كان بعد الشروع فللعامل أجرة المثل، لكن هل يكون ذلك أجرة؛ لأن الجعالة فُسِخَت، أو بنسبة الجعل كما هو القول الراجح.
قال: (ومع الاختلاف في أصله أو قدره يُقْبل قول الجاعل) مع الاختلاف في أصله أو في قدره فالقول قول الجاعل، أصل أيش؟ أصل الْجُعْل، هل جُعِلَ أو لا؟ فالقول قول الجاعل، هكذا قال المؤلف وأَطْلَق رحمه الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 2278

فلو عمل العامل وأنهى العمل وقال: أريد جُعْلًا، قلنا: لا بد أن نسأل، إذا وافق الجاعل فلك ما ادعيت، إذا لم يوافق فالأصل عدم الجعالة، كذلك إذا اختلفوا في القَدْر، فقال الجاعل: القدر مئة، وقال العامل: القدر مئتان، فالقول قول الجاعل؛ لأنه غارم.
فمثلًا إذا قال العامل: إنها مئتان، وقال الجاعل: إنها مئة، فقد اتفقا على مئة، وبقيت المئة الزائدة مُدَّعًى بها، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (6)، ولهذا أخذ العلماء من هذا الحديث قاعدة: أن القول قول الغارم.
لكن في هذا أيضًا تفصيل؛ إذا اختلفَا في القدر وادَّعَى الجاعل قدرًا لا يمكن أن يُقَام العمل بمثله، وادَّعَى العامل قدرًا يمكن أن يقام بمثله، فهنا نقول: إن دعوى الجاعل دعوى تُكَذِّبُها العادة والعرف، فلا يُقْبَل قوله، ويُقْبَل قول العامل.
ولو ادعى العامل شيئًا كثيرًا فإنه لا يُقْبَل؛ لأنه ادَّعَى ما يخالف العادة، ولأنه ادعى على الغارم ما لم يعترف به، يقبل قول الجاعل.
ثم قال: (ومن رد لُقَطَةً أو ضالة، أو عمل لغيره عملًا بغير جُعْل لم يستحق عِوَضًا إلا دينارًا أو اثني عشر درهمًا عن رد الآبق، ويرجع بنفقته أيضًا).
(من رد لقطة) يعني: ما سوى الحيوان، يعني الضائع الذي ليس بحيوان، هذه اللقطة، أتى بها لصاحبها.
(أو ضالَّة)، وهي الضائع من الحيوان، والفرق بين الضالة، أن الضالة يعني أن لها إرادة، تعرف، ولكن تضل، اللُّقَطَة ليس لها إرادة، فعليه نقول: مَن رَدَّ لُقَطَة، أي: ضائعًا غير حيوان، أو ضالة، أي: أيش؟ طالب: من الحيوان.

الجزء: 2 - الصفحة: 2279

الشيخ: أي: ضائعًا من الحيوان، فإن له أجرًا عند الله، وعلى هذا فإذا وجد لُقَطَة باهظة الثمن، وقال لصاحبها: أَعْطِنِي ما يسميه العوام إحفاظة، فإنه لا يلزمه أن يعطيه، ويُجْبَر الواجد على تسليمها لصاحبها مجانًا، إلا إذا كان قد جعل جُعْلًا، بأن قال: مَن رَدَّ لُقَطَتِي فله كذا وكذا، فيعطى ما ذَكَر.
كذلك الضالة، إذا رَدَّ ضالة مما يباح التقاطه فإنه لا يستحق عِوَضًا، إلا إذا كان قد جُعِل.
وقوله: (بغير جُعل لم يستحق عِوَضًا)، وذلك لعدم وجود عقد بينه وبين المالك، فيقال: لك الأجر عند الله، أما أن تستحق عليّ شيئًا أن لم أقل لك: اذهب دَوِّر، ولم أجعل جُعْلًا لمن أتى بها.
استثنى المؤلف مسألة جاء بها النص: (إلا دينارًا أو اثني عشر درهمًا عن رد الآبق)، الدينار هو النقد من الذهب، والدرهم هو النقد من الفضة، وإذا تأملت التقدير في هذا وفي الديات وفي نصاب السرقة تبيَّن لك أنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام الدينار يساوي اثني عشر درهمًا؛ ولهذا تُقْطَع اليد بربع دينار أو بثلاثة دراهم، الديات ألف مثقال ذهبًا، أو اثنا عشر ألف درهم فضة، والدرهم مثقال.
نقول: (الآبق) هو العبد الذي شَرَدَ عن مالكه، هذا إذا رَدَّه أحد فله دينار أو اثنا عشر درهمًا من الفضة.
الدليل: السنة؛ جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لمن رَدَّ الآبق، والحكمة من هذا أن إباق العبد ليس بالأمر الهين؛ لأنه إذا أَبَقَ وكان أصله كافرًا فربما يرجع إلى أصله إلى بلاد الكفر، ويكون حربًا على المسلمين، أو إذا تُرِكَ وساح في الأرض فربما يحتاج ويُفْسِد في الأرض بالسرقات أو غيرها، فلذلك جعل الشارع لمن رَدَّهُ عِوَضًا، وإن لم يُظْهِر سيده ذلك العِوَض.

الجزء: 2 - الصفحة: 2280

يُسْتَثْنَى شيء آخر، وهو مَن أنقذ مال المعصوم من الهلكة، إذا أنقذ مال الإنسان من الهلكة فإنه يستحق أجرة المثل، مثل أن يرى الحريق قد اتجه إلى متاع شخص فينقذ المتاع، هذا يُعْطَى أجرة المثل، وذلك لتشجيع الناس على إنقاذ أموال المعصومين من الهلكة؛ لأننا لو قلنا: لا يُعْطَى شيئًا؛ لأنه لم يتفق مع صاحبه بعقد، تَوانَى الناس عن المبادرة في إنقاذ أموال المعصومين، فصار كل مَن عمل لغيره عملًا بلا عقد أيش؟ طالب: ليس له شيء.
الشيخ: فإنه ليس له شيء، إلا في حالين؛ إنقاذ مال المعصوم من الهلكة، والثاني؟ طلبة: رد الآبق.
الشيخ: رد الآبق.
فإن قال قائل: ألستم تُجَوِّزُون أن الإنسان يقف عل القَصَّار -وهو غَسَّال الثياب- أو الخياط، ويقول: خِطْ لي هذا الثوب، بدون أن يتَّفقا عل عقد أو أجرة، ألستم تقولون: إن له أجرة المثل؟ فالجواب: بلى، لكن هذا اتفق مع العامل، أتى إليه بالثوب ليغسله أو ليخيطه، والرجل هذا قد أَعَدّ نفسه للعمل.
ثم قال: (ويرجع بنفقته أيضًا)، يرجع بنفقة مَن؟ بنفقة الآبق؛ لأن نفقته واجبة؛ لما فيها من إحياء النفس، ولا يمكن أن يتخلف الذي رَدَّ الآبق عن الإنفاق عليه؛ لأنه لو تخلف عن الإنفاق عليه لهلك، فلهذا يرجع بنفقته، ومَن يُقْبَل قوله بالنفقة؟ إذا دل العُرْف على قول الذي رد الآبق، أو على قول سيده عُمِلَ بالعرف، وأما إذا زاد أو نقص فإنه يُرَدّ إلى العرف، فمثلًا لو قال مَن رد الآبق: أنفقت عليه ألف ريال، وقال سيده: بل خمس مئة، فلدينا الآن مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه، أيهما الغارم؟ طلبة: السيد.
الشيخ: السيد، فهل نقبل قول السيد، أو ننظر ماذا يدل عليه واقع الناس؟ طلبة: الثاني.

الجزء: 2 - الصفحة: 2281

الشيخ: الثاني، فإذا كانت من العادة أن مثل هذا الآبق يُنْفَق عليه ألف أخذنا بقول الذي رده، وإذا كان من العادة أنه لا يُنْفَق عليه إلا خمس مئة أخذنا بقول السيد، وإن اشتبه علينا الأمر رجعنا إلى الأصل، وهو أن يُقْبَل قول السيد لأنه غارم.
طالب: فسخ الجاعل للجعالة بعض الشروع، إذا كان العمل البحث عن اللُّقَطة، وبذل هذا الشخص مالًا في التنقل بسيارات أجرة ونحوها في البحث، فهل نقول: إنه إذا فسخ الجاعل يعطِي قيمة ما أنفقه؟ الشيخ: لا، ما يُعْطَى قيمة ما أنفقه، يعطى قيمة نسبة العمل، فمثلًا إذا قُدِّرَ أن هذه الضالة مثلًا أو اللقطة أنه يمكن العثور عليها في عشرة أيام، وهذا فسخ في خمسة أيام يُعْطَى النصف؛ لأنه ربما ينفق نفقات باهظة.
الطالب: ما يكون مَيْسِرًا؟ الشيخ: لا، أصلًا الجعالة ما يُشْتَرَط فيها العلم بالعمل.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة للعقود المعاصرة هل ( ... ). الشيخ: أي العقود المعاصرة.
الطالب: العقود الحالية يعني المقاولات .. الشيخ: الظاهر أنها إجارة، المقاولات وشبهها هذه إجارة؛ لأنه يتفق مع المقاول على شيء معيَّن معلوم، الأجرة معلومة، والعمل معلوم، ولهذا أحيانًا يضيفون إلى هذا أنه إذا لم يتمه في المدة خُصِمَ عليه، هذه أجرة ما فيها إشكال.
الطالب: لكن ما لها نظير يا شيخ؟ الشيخ: هي إجارة.
الطالب: لا الجعالة.
الشيخ: الآن العمل بالجعالة قليل، يشبه -والله أعلم- عقود الصيانة.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة للضالة يا شيخ يُرْجَع الذي ردها على صاحبها من النفقة؟ الشيخ: لا، لا يرجع إلا إذا نوى الرجوع وتعذَّر استئذانه.
طالب: ذكرنا أن مَن رد مال المعصوم من الهلكة فإن له أجرة المثل، مَن يقدرها؟ الشيخ: أهل الخبرة يعرفونها.
الطالب: لماذا تكون له أجرة المثل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2282

الشيخ: يعني يقال: لو عمل الإنسان مثل هذا العمل، فأنقذ هذا المال من الهلكة، سواء من حريق، أو من غرق، أو غير ذلك، كم يُعْطَى؟ قالوا: يُعْطَى مثلًا ألف ريال، يُعْطَى ألف ريال.
طالب: أحسن الله إليك إذا سرق السارق مالًا، وهذا المال كان مُخْفِيه، أخفاه السارق، صاحب المال قال: مَن وجد أثر مالي، أو وجد السارق، أو علم موضعه، أعطيه كذا، هذا المال المطلوب هل يأخذه من السارق؟ الشيخ: لا، ما يأخذه، لكن السارق يأخذ منه المال الموجود اللي هو سرقه.
الطالب: إي، لكن هذا بسبب سرقته دفع هذا المال.
الشيخ: إي، ربما يقال: إنه يأخذ، لكن السارق بيؤخذ منه شيء أغلى هذا، وهو؟ طلبة: يده.
الشيخ: قطع يده.
طالب: إذا قدرنا أن شخصًا وجد الضالة لصاحبها، وصاحبها قد علم أنها عند الشخص، والشخص الأول قد تلفت منه بغير تفريط، هل يضمن؟ الشيخ: قال: مَن رد ضالتي فله كذا؟ الطالب: لا، رجل وجد ضالة إنسان، وصاحبها عَلِم أنه قد وجدها، في الوقت الذي يردها لصاحبها تلفت منه من غير تفريط، هل يضمن يعني الذي وجدها أولًا؟ الشيخ: بدون تفريط؟ لا ما يضمن؛ لأن يده يد أمينة، إلا إذا كان تأخر في إعلام صاحبها، أو في دفعها إليه.
طالب: أحسن الله إليك، هل مثل الآبق ( ... ) النساء أو من الأحداث الأولاد الذين ( ... ) آبائهم؟ الشيخ: لا، ليس كذلك، وذلك لأن الآبق مال، أما هؤلاء ليسوا مالًا، لكن لو قيل بأنه لو جعل جُعْلًا لمن أحضرهم أُلْزِمَ به هذا ليس عقد جعالة، ما فيه إشكال.
طالب: ما الفرق بين الجعالة وما يسمى اليوم بالقُطُوعَة؟ الشيخ: القطوعة الظاهر أنها أجرة، لكن القطوعة ليس للعامل نفقة، ما يُقَدَّر بالزمن.
الطالب: يقول: هذا الإيجار بكذا.
الشيخ: إي، لكن تعاقد مع شخص معين، ما فيه أجرة.
طالب: لو هذا العامل شرط، وأكمل جزءًا كبيرًا منه، ولكنه لم يكمله، لعذر أو لغير عذر، فهل الشرط على حاله؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2283

الشيخ: والله هذا فيه نظر، إن قال ما له شيء، لكن لو قيل: يُخْصَم منه، لكان جيدًا، ثم الخصم ينبغي أن يكون بنسبة؛ لأنه ربما إذا كان بالقدر المحدد يستوعب كل الأجرة، ثم أيضًا لا بد أن يعيَّن مدة يمكنه أن يخلص فيها، ما تكون مثلًا مدة قياسية؛ لأن المقاول ربما يكون عنده شفقة في جمع المقاولات، وتكون المدة غير ممكن أن يأتي بها، فيطمع ويشترط على نفسه أنه إذا أخَّر خُصِمَ عليه، فهذه لا بد فيها من شرط أن تكون المدة يمكن أن ينتهي فيها العمل.
( ... )


ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هو تعريف الجعالة؟ طالب: لغةً من الْجَعْل، وهو الوقف، وشرعًا: هي أن يجعل شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا مدة معلومة أو مجهولة.
الشيخ: أحسنت.
الفرق بينها وبين الإجارة من حيث العقد، ما هو من حيث الأحكام، من حيث العقد؟ طالب: الإجارة عقد لازم، والجعالة جائز.
الشيخ: هذا حكم، لكن عند العقد؟ الطالب: الإجارة لا بد من العلم.
الشيخ: لا.
طالب: الإجارة لعمل معيَّن، والجعالة مع غير معيَّن.
الشيخ: مع غير معين، هذا هو، الجعالة يطلِق: مَن فعل كذا فله كذا، ولهذا صارت عقدًا جائزًا.
إذا فعل المجعول عليه دون أن يعلم بقول الجاعل؟ طالب: لم يستحق شيئًا.
الشيخ: لم يستحق شيئًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: العلة؟ الطالب: لأنه لم يستحق بالجائز.
الشيخ: لا، هذا تعليل بالحكم.
طالب: لأنه ما فيه عقد بينهما يا شيخ.
الشيخ: صحيح؛ لأنه لا عقد بينهما، فكيف يستحق؟ مَن أنقذ مال معصوم من هلكة؟ طالب: فله أجرة المثل.
الشيخ: له أجرة المثل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ليس بينهما عقد، كيف تجعل له أجرة المثل؟ الطالب: ليس بينهما عقد، يُعْطَى تشجيعًا.

باب اللقطة

الجزء: 2 - الصفحة: 2284

الشيخ: أليس أخوك ( ... ) الحب من الأرض، أي: أخذته وجمعته، لكنها لها معنى خاص عند الفقهاء، فقال: وهي مال أو مُخْتَصّ ضَلَّ عن ربه، هذه اللقطة، والقيد المهم فيها قوله: ضَلَّ عن ربه، أي: ضاع منه، المال كالدراهم والأمتعة وما أشبهها.
المختص كل ما يختص به الإنسان بدون ملك، ويُضْرَب لذلك مَثَل بالكلب -كلب الصيد- كلب الصيد لا يُمْلَك، لكن صاحبه أخص به من غيره، فهو مختص وليس بمال، وربما أيضًا نُمَثِّل بالخمر للذمي إذا ضاعت منه، فإنها ليست بمال، لكنه يُمَكَّن من شربها، وقد لا يصح هذا المثال؛ لأنها صارت ظاهرة، حيث وُجِدَت في السوق مثلًا أو في البَرّ، لكن المثال الصحيح هو كلب الصيد.
وقوله: (ضل عن ربه) أي: عن صاحبه؛ لأن (رب) في اللغة العربية تطلق بمعنى صاحب، كما جاء ذلك في القرآن، وجاء ذلك في الحديث.
ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180]، رب العزة أي: صاحبها، ولا يمكن أن تكون ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ بمعنى: خالقها؛ لأن العزة صفة من صفات الله غير مخلوقة.
وفي الحديث أيضًا: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا» (7) في إحدى روايات البخاري.
(ضل عن ربه) أي: عن مالكه.
وقوله: (وتتبعه همة أوساط الناس)، هذا ليس قيدًا في التعريف؛ لأن اللقطة يصدق عليها التعريف وإن كانت لا تتبعها همة أوساط الناس، فمَن وجد رغيفًا لا يساوي درهمًا فهي لقطة، وإن كانت الهمة لا تتبعه.
لكن المؤلف -رحمه الله- أدمج الحكم في التعريف ليُبَيِّن أن الذي يجب تعريفه هو الذي تتبعه همة أوساط الناس، هذا الذي يجب تعريفه، وأما ما لا تتبعه همة أوساط الناس فهذا لا يُعَرَّف.
وعلى هذا فنقول: مَن وجد مالًا فعلى ثلاثة أقسام:

الجزء: 2 - الصفحة: 2285

القسم الأول: أن يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه، فهذا لواجده، كما يوجد الآن بعض الكراسي المكسرة تُرْمَى في الأسواق، أو بعض الزنابيل، أو بعض الأواني، أو ما أشبه ذلك، نعلم أن صاحبها تركها، أيش؟ رغبة عنها، هذه يملكها واجدها بدون شيء، حتى أيضًا لو علمنا أن هذا الرجل له متاع ثقيل في البَرّ، وعجز عنه وتركه رغبة عنه، كما أراد جابر بن عبد الله أن يُسَيِّب جمله، فهذا لمن وجده.
وهل من ذلك السيارات اللي يكون عليها حوادث وتبقى في الطرق؟ هل نقول: هذه مما تركها أهلها رغبة عنها، فيجوز للإنسان أن يُشَلِّحَها -وأقول بلغة القوم- أو لا يجوز؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا، الواقع ننظر إلى حال السيارة، إذا كان فيها معدات نعلم أنها غالية، وأن صاحبها سوف يعود إليها فإنها لا يجوز أخذها، أما إذا كان هيكلًا محترقًا ما فيه إلا حديد يحتاج إلى أن يُصْهَر بنار النيران، فهذا أيش؟ لمن وجده؛ لأننا نعلم أن صاحبه لن يعود إليه.
القسم الثاني: أن يكون مما لا تتبعه الهمة؛ لكونه زهيدًا، كقلم يساوي درهمًا، هذا زهيد لا تتبعه همة أوساط الناس، أليس كذلك؟ بلى، لا تتبعه همة أوساط الناس، أي إنسان يجده فهو له، إلا إذا كان يعرف صاحبَه فعليه أن يوصله إلى صاحبه أو يبلِّغه به؛ لأنه أصبح الآن غير لُقَطَة؛ لأن صاحبه أيش؟ طلبة: معلوم.
الشيخ: معلوم، فعليه أن يبلغ صاحبه به أو أن يذهب به إليه.
وقول المؤلف: (أوساط الناس)، وكذلك قولنا: أوساط الناس، هل المراد أوساط الناس بالمال، أو أوساط الناس بالشح، أو بهما جميعًا؟ بهما جميعًا، يعني أن أوساط الناس الذين ليسوا من الأغنياء، ولا من الفقراء، ولا من الكرماء، ولا من البخلاء، لا يهتمون به، ولا عبرة بالبخيل، البخيل همته تتبع حتى قلامة الظفر، كما قال الشاعر: بَلِيتُ بِلَى الْأَطْلَالِ إِنْ لَمْ أَقِفْ بِهَا وُقُوفَ شَحِيحٍ ضَاعَ فِي التُّرْبِ خَاتَمُهْ

فالشحيح اللي ضاع خاتمه بالتراب متى يروح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2286

طلبة: ما يروح.
الشيخ: ما يروح، بيقعد سنين يدوِّر بها التراب، كلما راحت حبة تراب قال ( ... ) في الثانية، فالشحيح لا عبرة به، الفقير أيضًا لا عبرة به، لماذا؟ الفقير أي شيء يضيع منه تتبعه الهمة، اعرف نفسك الآن، لو ضاع منك عشرة ريالات ما تهتم بها، لكن لو ضاعت من فقير اهتم بها، ولهذا لو أعطاك شخص عشرة ريالات ما تهتم بها، ولا تفرح بها، ولا ترى أن هذا قدر لك، لكن لو يعطيها فقيرًا فَرِحَ بها.
إذن أوساط الناس أيش؟ خُلُقًا ومالًا، خُلُقًا يعني ليس من الكرماء الذين لا يهتمون بالأمور، ولا من البخلاء الذين همتهم تتبع كل شيء، وكذلك يقال في المال.
هذا لمن وجده، إذا كان لا تتبعه الهمة، دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجد تمرة في الطريق، فقال: «لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» (8)، صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الصدقة محرَّمة على الرسول عليه الصلاة والسلام نفلها وفرضها، وآل محمد يحرُم عليهم الصدقة الواجبة دون النافلة، وسائر الناس إذا كانوا من أهل الزكاة يستحقون هذا وهذا؛ النافلة والواجبة.
المهم الرسول قال: «لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا»، في هذا الحديث إشكال؛ كيف يمتنع الرسول عليه الصلاة والسلام منها مع أن الأصل الحِلّ، وأنها ليس من الصدقة؟ فيقال في الجواب: إن هذا لكمال وَرَعِه عليه الصلاة والسلام، ولعل هناك قرينة تدل على أنها من الصدقة، مثل أن تكون في المكان الذي حوله فُرِّقَت الصدقة، فسقطت منها هذه التمرة، لكن بالنسبة لنا لو وجدناها ونحن ممن تحرُم عليه الصدقة الواجبة فلنا أن نأكلها، حتى نتيقن أنها من الصدقة الواجبة.
بقينا بأيش؟ الآن أخذنا قسمين: الأول: ما تُرِكَ رغبة عنه فهو أيش؟ طلبة: لواجده.
الشيخ: لواجده.
والثاني: ما لا تتبعه همة أوساط الناس فهو لواجده أيضًا، إلا إذا كان يعلم صاحبها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2287

القسم الثالث، وهو الذي أشار إليه الماتن: هو الذي تتبعه همة أوساط الناس، فهذا يجب تعريفه، يجب أن يُعَرَّف لمدة سنة، وسيأتي إن شاء الله ذكرها.
كم يُقَدَّر في وقتنا الذي تتبعه همة أوساط الناس؟ هو يختلف باختلاف الأحوال والأماكن والأزمان، فيما سبق الدرهم الواحد تتبعه همة أوساط الناس؛ لأنه يحصل به شيء كثير، يعني يمكن الدرهم الواحد يشتري به الإنسان شاة، ويشتري به أيضًا حَبًّا يطبخه ويكفي ضيفه، الدرهم هذا في ذلك الوقت يُعْتَبَر مما تتبعه همة أوساط الناس، الآن والحمد لله الدرهم لا يهتم به أحد، خمسة دراهم؟ طلبة: لا يهتم بها أحد.
الشيخ: لا يهتم بها أحد؟ عشرة؟ طلبة: ما يهتم بها أحد.
الشيخ: ما يهتم بها أحد.
خمسون؟ طلبة: يهتم بها أوساط الناس.
الشيخ: يهتم بها أوساط الناس، إذن يقدَّر هذا بحسب الأحوال، والأحوال يختلف فيها الناس.
لكن لو قال قائل: لعل هذا الذي لا تتبعه همة أوساط الناس لعلها تتبعه همة فاقده؟ فيقال: العبرة بالأغلب، يعني رب قلم لا يساوي درهمًا، عند صاحبه يساوي مئة درهم؛ لأنه أخذ عليه، وكتابته به سهلة وجميلة، وهذا شيء مشاهَد، بعض الأشياء تكون عند صاحبها غالية، وعند الناس ليست غالية، فيقال: العبرة؟ طلبة: بالأغلب.
الشيخ: بالأغلب.
قال: (فأما الرغيف والسوط ونحوهما فيُمْلَك بلا تعريف) لأنها أيش؟ لا تتبعها همة أوساط الناس، الرغيف يعني القرص، هذا لا تتبعه همة أوساط الناس، مَن وجد قرصًا ساقطًا في السوق فليأخذه وليأكله ما لم يكن يعلم صاحبه.
كذلك السوط السوط، يعني عصا رقيقة صغيرة، ما هي ذاك التي لها قيمة، مَن وجدها فهي له.
وقوله: (ونحوهما) مثل أيش؟ قلم، إذا كان قلمًا ما هو من الأقلام الغالية، فيه قلم بخمسة ريالات، وقلم بخمسين ريالًا.
طالب: بمئتين.
الشيخ: مئتي ريال؟ أو مئتي ريال، إذن القلم الرخيص، سلسلة المفاتيح؟ طالب: مِن هذا.
الشيخ: مِن هذا النوع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2288

(فيُمْلَك بلا تعريف) بمجرد ما يجده الواجد يكون ملكًا له.
ثم قال: (وما امتنع) إلى آخره، انتقل الآن مما ضاع من الأموال إلى ما ضاع من الحيوان.
الحيوان يقول: (وما امتنع من سبع صغير كثور وجمل ونحوهما حرُم أخذه، وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره) إلى آخره.
الحيوان الضائع قسمان: الأول: ما يمتنع من صغار السباع، مثل الثور، قبل أن نمثل لما يمتنع، صغار السباع مثل الذئب والكَلْب الكَلِب وما أشبهها، وأما كبار السباع فإنها لا يمتنع منها ولو الجمل، حتى الجمال لا تمتنع منها، لكن الذي يمتنع منها، يعني التي تُعْتَبَر من صغار السباع مثل الذئب والكلب إذا صار كَلِبًا يعني يَفْرِس.
(كالثور)، الثور يمتنع من صغار السباع أو لا؟ طلبة: يمتنع.
الشيخ: الكبير يمتنع لا شك، والصغير لا يمتنع، فيُلْحَق بالشاة ونحوها، لكن الكبير يمتنع؛ لأنه إذا أتى إليه الذئب ليأكله نطحه بقرونه، أو وطئه برجليه، ولا يستطيع، الجمل كذلك لا يستطيع الذئب أن يأكله، يفرسه، نعم لو اجتمع الذئاب على جمل يمكن أن تقدر عليه، لكن العبرة بالغالب.
وقوله: (ونحوهما) مثل أيش؟ مَثَّلَ بعضهم بالحمار، قال: إن الحمار يمتنع من صغار السباع، والواقع أنه لا يمتنع، الحمار جبان، إذا شم رائحة الذئب فَرَّجَ بين رجليه وقام يبول؛ لأنه يفزع ولا يمكن يمتنع، نعم إن كان يوجد حمير على زمن مَن مَثَّلُوا بها تمتنع ما ندري، أما الحمار المعروف عندنا الحمار الأهلي فإنه لا يمتنع.
البغل؟ طلبة: يمتنع.
الشيخ: الحصان؟ طلبة: يمتنع.
الشيخ: يمتنع، فالضابط إذن الحيوان الذي يمتنع من صغار السباع يقول المؤلف: (حرُم أخذه)، يحرُم التقاطه، ولا يَحِلّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن ضالة الإبل، فغضب عليه الصلاة والسلام وقال: «دَعْهَا، مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا».
(9)

الجزء: 2 - الصفحة: 2289

انظر كلام الرسول عليه الصلاة والسلام كأنما هو بين رعاة الإبل، مع أنه ما رعى الإبل وإنما رعى الغنم، اتركها، «مَعَهَا سِقَاؤُهَا»، يعني: بطنها؛ لأنها إذا شربت تبقى مدة حتى في أيام الصيف ما احتاجت إلى الشرب، «وَحِذَاؤُهَا»، يعني: خُفَّها، «تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ»، ولا أدل من البعير على الماء، حتى إن الناس فيما سبق إذا خافوا على أنفسهم من العطش ربطوا أنفسهم على الإبل، ثم البعير تَشَمّ الماء من بعيد وتقف عليه، فمعها سقاؤها، ومعها حذاؤها، تَرِدُ الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها.
وظاهر الحديث العموم، أنه لا يجوز التعرض لها، تُتْرَك حتى يجدها ربها.
لكن إذا رجعنا إلى أصول الشريعة وقلنا: إنه إذا كان يُخْشَى عليها من قُطَّاع الطرق، ففي هذه الحال له أن يأخذها إن لم نَقُل بالوجوب.
ويمكن أن يؤخذ من الحديث، وهو قوله: «حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا»، فإن هذا التعليل يشير إلى أنها إذا كانت في مكان يُخْشَى أن يأخذها قُطَّاع الطرق فإنه يلتقطها ولا بأس؛ لأنه في هذه الحال اللي يغلب على الظن أن صاحبها يجدها أو لا يجدها؟ طلبة: لا يجدها.
الشيخ: أنه لا يجدها، وعلى هذا فنقول: هذا الحديث إن كان لا يدل على أنه يأخذها فإنه يقيَّد بالنصوص العامة، وإن كان يدل على أنه إذا كان لا يؤمَن ألَّا يجدها فإنه يأخذها.
ثم قال: (وله التقاطُ غيرِ ذلك) إن شاء الله الدرس القادم.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للقسمين الأولين للقطة، ما تُرِكَ رغبة عنه، أو ما لم تتبعه همة أوساط الناس، إذا أخذه الواجد، ثم عرف صاحبَه، هل يجب عليه أن يُرْجِعَه؟ الشيخ: أما الذي لا تتبعه همة أوساط الناس يجب أن يوصله إلى صاحبه، أو يبيِّن له ذلك، أما ما أُخِذَ رغبة عنه فهذا صاحبه تركه، ولا يريد أن يتملك.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما حكم اللقطة التي لا تتبعها همة أوساط الناس وجدها الإنسان في مكان محصور؟ الشيخ: محصور؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2290

الطالب: إي نعم كالمسجد مثلًا، أو في القاعة في المدرسة أو كذا، هل يجب تعريفها؟ الشيخ: هي له، ولا يلزمه التعريف.
طالب: شيخ، إذا قال قائل: إننا قلنا في تعريف اللقطة: مال أو مختص ضَلَّ عن ربه، فكيف تجعلون من أقسامه مَا تُرِكَ رغبة عنه؟ الشيخ: لا، هذا لتمام التقسيم، ما ذكرنا أنه لقطة، هو لقطة بالمعنى العام.
طالب: شيخ حفظك الله، معروف اليوم في بعض الأماكن أنه ليس هناك موارد عامة للإبل، بل الموارد خاصة، وبمجرد أن ( ... ) الإبل فربما تؤذي ولا تجد من يطعمها؛ لأنه الاعتماد اليوم على صاحب البهائم، فالإنسان لو تركها ربما آلت إما صدمها بسيارة تؤذي الناس أو ربما تفسد الزروع، فلو أنها دخلت على الإنسان.
الشيخ: في هذه الحال ربما يقال: إنه يأخذها ليسلمها لولي الأمر، لا على أنها لقطة إن جاء صاحبها وإلا فهي له، يعني إذا خاف من شرها فإنه يأخذها ويسلمها إلى ولي الأمر.
طالب: حفظك الله يا شيخ، بالنسبة لسجادة ( ... ) نقول يا شيخ: بأنها لو علم أن صاحبها تركها وسَيَّبَها قصدًا فهل يؤخذ؟ الشيخ: يؤخذ إي.
الطالب: يدخل في قول النبي .. الشيخ: بخلاف ما إذا سَيَّبَها عجزًا، يعني مثلًا لو ترك هذا المال عجز أن يحمله، مثل أن تكون السيارة تعطلت ولا يستطيع يحمله قال: أخليه بهذا وأرجع عليه، هذا نعلم أنه لصاحبه، مثل ما ذكرنا قبل قليل في مسألة السيارات التالفة.
الطالب: لكنه يا شيخ يترك شيئًا عجز عنه هو يريده لكن تركه عجزًا ولا يرجع له.
الشيخ: إذا علمنا هذا فهو للموجِد.
طالب: أراد أخذ اللقطة ( ... )؟ الشيخ: حرام عليه.
الطالب: ولا يلزم .. الشيخ: يكون ضامنًا على كل حال، مع المعصية.
الطالب: لكن الآن يا شيخ ( ... ). الشيخ: هذا يتصرف نيابة عن الدولة ما هو يريدون أن يأخذوه عن أنه لقطة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2291

طالب: النعال الموجودة في الحرَم بعض الناس يأخذ منها الغالي، وبعضهم يقول: إن الرخيص منها لقطة.
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله تعالى أن لُقَطة الحرَم هل هي كغيرها أو لها حكم خاص.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، بالنسبة للبقرة قد تمتنع من السباع، لكنها لا تصبر على العطش.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وكذلك الحمار لو قلنا: إنها تمتنع.
الشيخ: لا، الحمار ما يمتنع، الحمير عندنا أكثر من اللي عندكم، ما تمتنع.
الطالب: عندنا كثير يا شيخ.
الشيخ: عندكم بقر، على كل حال هذا الذي أوردت وارد، لكن تعلم أن أصحاب الإبل يتركونها ترعى، تروح وتيجي، أصحاب البقر ما يجعلون لها الحرية، من حين ما يفقدها على طول يذهب يدوِّرْهَا، إي نعم، واضح؟ الطالب: نعم.
طالب آخر: شيخ بارك الله فيك، قلنا: رعاة الإبل إذا عطشوا خافوا على أنفسهم ربطوا نفسهم على البعير، والبعير يشم الماء، هناك فرقة أخرى ذبحوا البعير، شربوا ما في بطنها، كيف هذا الشراب؟ الشيخ: إذا نحرها طيب، نحرها على وجه شرعي، ثم شرب ما في بطنها، هكذا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيه شيء، وهذه أيضًا تقع، ولكن ما ذكرته لكم أمر واقع، فيه جماعة حوالي ثلاثة عشر أو أربعة عشر نفرًا في مكان يسمى الدَّهْنَة ليس حوله ماء، وتاهوا فيه وعطشوا، منهم واحد ربط نفسه على البعير، ويمكن يُغْمَى عليه أو ما يغمى عليه ما يدري عنه، والبقية ما ربطوا أنفسهم، فصار البقية اللي ما ربطوا أنفسهم كل ما حصل يعني مدة طاح واحد، ميتًا، أما هذا فما أحس إلا والبعير ترد على الماء والرواد اللي عليها يُنَخُّون البعير ويعالجون هذا الرجل، وحي، أدركته أنا حَيًّا يُرْزَق، وهذه حيلة طيبة.
طالب: أحسن الله إليك، لو وجد لقطة، وشكّ هل تتبعها همة أوساط الناس أم لا، ماذا يفعل؟ الشيخ: فهنا تنازع أصلان؛ الأصل أنها لا تتبع، والأصل احترام مال المسلم، فنُغَلِّب الثاني؛ لأنه أقرب للورع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2292

طالب: الأمر الذي جعل الصدقة لآل البيت الواجبة لا تجوز، والنفل تجوز، ما الضابط؟ الشيخ: هذا الضابط.
الطالب: ما الذي جعل .. الشيخ: التطوع يجوز، والزكاة ما تجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عَلَّلَ للعباس عدم إعطائه أنها أوساخ الناس، والأوساخ هي الواجبة؛ لأنها كما قال عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]. طالب: إذا وجد شيئًا لا تتبعه همة أوساط الناس ثم أتى رجل ثانٍ فقال له ( ... )؟ الشيخ: إي نعم، إذا ادَّعى أحد أنه له فيطالبه ببينة، لكن لا شك أن الورع أن يعطيه إياه.
طالب: شيخ بارك الله فيك، إذا وجد الإنسان لقطة وكانت ( ... )، ثم عَرَّفَها إلى سنة، بعد سنة ماذا يفعل بها؟ الشيخ: تكون له.
الطالب: حتى ولو كانت ( ... )؟ الشيخ: ولو كانت.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، ما الفرق بين إذا أخذ مالًا تتبعه همة أوساط الناس، وبين القاعدة التي تقول: إن كل مال لا يُعْرَف صاحبه يُتَصَدَّق عنه بنية وجوده.
الشيخ: بينهما فرق؛ المال المجهول لأنه بيدك واجب عليك أنت كدَيْن مثلًا، أو عين استعرتها من شخص ولم تعرفه، فأنت تعلم الآن أنه ملك لشخص معين، ولكنك جهلتَه، أما هذا أصل اللقطة صاحبها ما يُدْرَى مَن هو، هذاك أصله معلوم عندك، ولكن في ثاني الحال جهلته.
طالب: أحسن الله عليك يا شيخ، من ترك متاعًا رغبة عنه، فأخذه شخص وهو يعلم أن صاحبه لا يريده، ثم بعد ذلك أراد صاحبه استرجاعه، هل يرده؟ الشيخ: لا، ليس له ذلك.
سبق لنا أن اللقطة حيوان وغير حيوان، وأن غير الحيوان ينقسم؟ طالب: ثلاثة أقسام: ما لا تتبعه همم أوساط الناس، ما تتبعه أوساط الناس، وما تركه رغبة عنه.
الشيخ: هذه كم؟ الطالب: ثلاثة.
الشيخ: الأول؟ الطالب: ما تركه رغبة عنه.
الشيخ: والثاني؟ الطالب: ما لا تتبعه همم أوساط الناس الشيخ: والثالث؟ الطالب: ما تتبعه ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2293

الشيخ: ما تتبعه همة أوساط الناس، بمعنى؟ ويش معنى ما تتبعه همة أوساط الناس؟ طالب: لها نظرتين؛ الأول: غني .. الشيخ: لا، ما أقصد (أوساط)، ما معنى (تتبعه الهمة)؟ الطالب: أي: تتوق إليه وتبحث عنه.
الشيخ: تتعلق به النفس وتبحث عنه.
ما المراد بأوساط الناس؟ طالب: أوساط الناس من حيث الغنى والفقر.
الشيخ: فقط؟ الطالب: لا، ومن حيث الأخلاق.
الشيخ: أيش، الإخلاص؟ الطالب: الأخلاق، الْخُلُق يعني.
الشيخ: الخلق؟ الطالب: إي.
الشيخ: يعني؟ الطالب: يعني من الشح و .. الشيخ: والبخل.
الطالب: البخل هو الشح.
الشيخ: هيجرى أيش؟ الطالب: الكرم والبخل، يعني الوسط.
الشيخ: لا بأس، أفهمنا هذا؟ إذن أوساط الناس في الْخُلُق، وأوساط الناس في المال.
مثال ذلك؟ طالب: مثال ذلك؟ الشيخ: الذي لا تتبعه الهمة.
الطالب: الشيء الزهيد مثل الرغيف والسوط ونحوهما.
الشيخ: مثال الثالث؟ طالب: بعض الناس ترمي باقي الأشياء مثل ترك الكراسي المكسَّرة في الشوارع.
الشيخ: هذه من الذي تركه رغبة عنه، على كل حال يكفي.
الحيوان؟ طالب: الحيوان نصفان؛ ما يمتنع من صغار السباع وما لا يمتنع.
الشيخ: ما لا يمتنع ما حكمه؟ الطالب: هذا لقطة.
الشيخ: ما لا يمتنع؟ الطالب: ما لا يمتنع؟ الشيخ: نعم.
الطالب: أن يأخذه ويعرِّفه.
الشيخ: ما لا يمتنع؟ يعني الذي لا يمتنع أيش يعمل فيه؟ الطالب: هذا له أو لأخيه أو للذئب.
الشيخ: يعني بمعنى: يجوز أخذه، وإذا أخذه ماذا يصنع به؟ الطالب: يعرِّفه سنة.
الشيخ: نعم، فإن جاء صاحبه؟ الطالب: وإلا فشأنه فيه.
الشيخ: وما يمتنع؟ الطالب: لا يجوز أخذه.
الشيخ: لا يجوز أخذه، نعم، ما هو الدليل على تحريم أخذه؟ طالب: الدليل على تحريم أخذه قول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سُئِل عن ضالة الإبل قال: «مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا سِقَاءَهَا وَحِذَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» (9). الشيخ: أحسنت.

الجزء: 2 - الصفحة: 2294

وما لا يمتنع قال الأخ: إنه لُقَطَة، يُعَرِّفها سنة، ما هو الدليل؟ الطالب: الدليل حديث ( ... ). الشيخ: قال: «هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئِبْ»، من أخوه؟ الطالب: أخوه صاحبها.
الشيخ: صاحبها، أو آخر يجدها، يعني أعم من كونه صاحبها، بارك الله فيك.
إذا كان هذا النوع من الحيوان، أعني به ما لا يمتنع، يحتاج إلى نفقة؟ طالب: ينفق عليه ويرجع على ربها.
الشيخ: ينفق عليه ويرجع على ربها.
الطالب: نعم.
الشيخ: إذا كان يريد أن ينفق عليه ربما تستوعب النفقة أكثر من قيمته مرتين أو ثلاثة، فماذا يصنع؟ طالب: يتركها لغيره.
الشيخ: ما هو تاركها.
الطالب: ينفق عليه ويعود على ربها.
الشيخ: إذا كان ينفق أكثر؟ الطالب: ما أخذها لنفسه؟ الشيخ: إي نعم، لكن هذا ضرر على صاحبها، إذا وجدها صاحبها قال: والله أنفقت عليها عشرة آلاف، وهي ما تسوى مئتي ريال، أيش نعمل؟ طالب: يبيعها ويحفظ ثمنها لربها.
الشيخ: تمام، هنا على المصلحة أن يبيعها، ويحفظ الثمن لمن؟ لربها إذا وجده.
الذي لا يمتنع من صغار السباع، كالضأن والمعز وصغار الإبل وما أشبهها، هذه نقول: إنه يجوز التقاطها، وينفق عليها، ويرجع بها على ربها إن وجده، فإن خَشِيَ أن تزيد النفقة على قيمتها فإنه يضبط صفاتها، ثم يبيعها ويحفظ ثمنها لربها، فإذا جاء ووصفها وانطبقت الأوصاف على الموجود فإنه يعطيه الثمن.
ذكرنا فيما سبق على قول المؤلف أنه يحرُم التقاطها ما لم تكن أيش؟ في موضع الهلاك والتلف، كما لو كان حولها قُطَّاع طريق، أو ما أشبه ذلك، فهنا لا يحرُم عليه أخذها، بل له ذلك.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وله التقاطُ غيرِ ذلك من حيوان وغيره إن أَمِنَ نفسه على ذلك، وإلا فهو غاصب).
قوله: (وله)، اللام هنا للإباحة، وهي في ضد المنع؛ لأنه لما قال: (حرُم أخذه) قال: (وله)، فهي في مقابل المنع، أي: لا يحرُم عليه التقاط غير ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2295

لكن هل الأفضل أن يلتقطه، أو الأفضل ألَّا يلتقطه؟ أو نقول: يحرُم عليه أن يلتقطه؟ يقول المؤلف: يحرُم عليه إذا لم يأمن نفسه على ذلك، إن كان لا يأمن نفسه أنه لو أخذه أنفقه إن كانت دراهم، أو ذبحه إن كانت شاة، فإنه يحرُم عليه أخذه، ويكون حكمه حكم الغاصب.
أما إذا كان يعرف من نفسه أنه قادر على إنشاد الضالة، فهنا نقول: فيه تفصيل؛ إن كان له قوة وقدرة على التعريف فالأفضل أخذها، وإن كان يخشى ألَّا يقدر، أو أن يشق عليه فالأفضل تركُها.
وعلى هذا فقوله: (له) اللام للإباحة التي في مقابل المنع، وإلا فإنه قد يكون الأفضل تركها، وقد يكون الأفضل أخذها.
(وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره إن أمن نفسه على ذلك، وإلا) أي: وإلّا يأمن نفسه على ذلك (فهو كغاصب).
وظاهر كلام المؤلف -رحمه الله- أنه لا فرق بين لقطة مكة وغيرها؛ لأنه لم يُفَصِّل، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أن لقطة مكة لا تحلُّ إلا لمنشِدٍ، إلا لمن يريد أن يعرِّفها مدى الدهر، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» (10)، وهذا من خصائص الحرَم.
والحكمة في ذلك أنه إذا علم الإنسان أنه لا يحل له التقاط لقطة الحرَم إلا إذا كان مستعدًّا لإنشادها دائمًا فإنه سوف يدعها، وإذا كان هذا يدعها والآخر يدعها ومَن بعده يدعها، بقيت في مكانها حتى يجدها ربها، وهذا -أعني القول بأن لقطة مكة ليست كغيرها- هو القول الراجح، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل الحديث.
لكن إذا خاف الإنسان أن يأخذها مَن لا يُعَرِّفها فهنا نقول: إما أن يجب أخذها، وإما أن يُبَاح، وماذا يصنع بها؟ نقول: يعرِّفها دائمًا وأبدًا، فإن شقَّ عليه ذلك فالأمر -والحمد لله- واسع، فيه محاكم شرعية تتلقى مثل هذا، فليأخذها وليدفعها للحاكم، وهو إذا أخذها ودفعها للحاكم -يعني للقاضي- برئت بذلك ذمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 2296

ثم قال المؤلف: (ويعرِّف الجميع)، (الجميع) يعني جميع ما يجوز التقاطه، (يعرِّف الجميع في مجامع الناس غير المساجد حولًا).
(مجامع الناس غير المساجد) مثل؟ طالب: الأسواق.
الشيخ: أسواق البيع والشراء، بل وما كان خارج باب المسجد عند خروج الناس من الصلاة، لا سيما صلاة الجمعة مثلًا، فيعرِّف الجميع.
وكيفية التعريف أن يقول: مَن ضاع له المال؟ ولا يعيِّن؛ لأنه لو يعيِّن ويقول: مَن ضاع له كذا وكذا، ويفصِّل، لكان ذلك سبيلًا إلى أن يدعيه أي واحد، ولكن يعمم.
وهل يجب عليه أن يذكر النوع عند الإنشاد، يعني مثلًا يقول: من ضاعت له الدراهم، بدل أن يقول: من ضاع له مال؟ الظاهر أنه يجب عليه؛ لماذا؟ لأنه إذا قال: مَن ضاع له المال؟ فقد يتصوره الإنسان غير الذي ضاع له، لكن إذا قال: من ضاعت له الدراهم؟ صار هذا أقرب لفهم المقصود، واضح؟ وكذلك يقال: لو أنه وجد حُلِيًّا، لو قال: من ضاع له الذهب؟ ماذا يظن الناس؟ يظنون أول ما يقع في قلوبهم أنه الدنانير، لكن إذا قال: من ضاع له الحُلي؟ صار هذا أقرب إلى فهم المخاطب، فيذكر أقرب ما يكون من إدراك الناس له، لكن لا يذكر كل الأوصاف حتى لا يدعيه مَن ليس له.
فمثلًا إذا وجد دراهم قال: مَن ضاعت له الدراهم، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنه إذا قال أحد: أنا، سيقول له: كم عددها؟ ما نوعها؟ هل هي من فئة خمسة، من فئة ريال، من فئة عشرة، من فئة خمسين، من فئة مئة، من فئة خمس مئة؟ هل هي دراهم سعودية؟ هل هي دراهم بلد آخر؟ ثم العدد، ثم الكيس إذا كانت في كيس، كل هذا يحددها، إنما يذكر أقرب وصف يمكن للمخاطب أن يعرفها بدون أن يفصِّل؛ لئلا يدعيها من ليست له.

الجزء: 2 - الصفحة: 2297

وقوله: (غير المساجد) المساجد لا يجوز إنشاد الضالة فيها، بل قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم مَن سمع الذي ينشُد الضالة في المسجد فليقل: «لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» (11)، ولو فُتح المجال للناس أن ينشدوا الضوالّ في المسجد لامتلأت المساجد من أصوات الناشدين، وألهوا الناس عن ذكر الله وعن الصلاة، فصار الدليل في هذا أثريًّا وأيش؟ طلبة: ونظريًّا.
الشيخ: ونظريًّا.
وقوله: (غير المساجد) يعم كل ما كان مسجدًا، وأما المصليات فلا تدخل في هذا، كما لو نشد الضالة في مصلى في دائرة من الدوائر فلا حرج عليه؛ لأن هذا المصلى ليس مسجدًا؛ ولهذا لا يصح فيه الاعتكاف، وليس له تحية مسجد، ولا يحرم على الجنب المكث فيه، ولا على الحائض، فهو بمنزلة مصلى الإنسان في بيته.
وقوله: (حولًا) يعني: عامًا كاملًا، واعلم أنه إذا أطلق العلماء -رحمهم الله- الحول أو العام أو السنة فمرادهم بالهلال، السنة الهلالية؛ لأن السنة الهلالية هي السنة الحقيقية التي وَقَّتَها الله لعباده، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التوبة: 36].
ويَمْلِكُه بعدَه حُكْمًا، لكن لا يَتَصَرَّفُ فيها قبلَ مَعرِفَةِ صِفاتِها، فمَتَى جاءَ طالبُها فوَصَفَها لَزِمَ دَفْعُها إليه، والسفيهُ والصبِيُّ يُعَرِّفُ لُقَطَتَهما وَلِيُّهما، ومَن تَرَكَ حيوانًا بفَلاةٍ لانقطاعِه أو عَجْزِ ربِّه عنه مَلَكَه آخِذُه، ومَن أُخِذَ نَعْلُه أو نحوُه ووَجَدَ مَوْضِعَه غيرَه فلُقَطَةٌ.
(باب اللقيط)

الجزء: 2 - الصفحة: 2298

وهو طِفْلٌ لا يُعْرَفُ نَسَبُه ولا رِقُّه نُبِذَ أو ضَلَّ، وأَخْذُه فَرْضُ كِفايةٍ، وهو حُرٌّ وما وُجِدَ معَه أو تَحْتَه ظاهرًا أو مَدفونًا , طَرِيًّا أو مُتَّصِلًا به كحيوانٍ وغيرِه , أو قَريبًا منه فله، ويُنْفَقُ عليه منه , وإلا فمِن بيتِ المالِ، وهو مُسلمٌ، وحَضانتُه لوَاجِدِه الأمينِ , ويُنْفِقُ عليه بغيرِ إذْنِ الحاكمِ، ومِيراثُه ودِيَتُه لبيتِ المالِ، ووَلِيُّه في العَمْدِ الإمامُ يَتَخَيَّرُ بينَ الْقِصَاصِ والدِّيَةِ، فلا تدخل في هذا، كما لو نشد الضالة في مُصلًّى في دائرة من الدوائر، فلا حرج عليه؛ لأن هذا المصلى ليس مسجدًا؛ ولهذا لا يصح فيه الاعتكاف، وليس له تحية مسجد، ولا يحرم على الجُنُب المكث فيه، ولا على الحائض؛ فهو بمنزلة مُصلَّى الإنسان في بيته.
وقوله: (حولًا) يعني عامًا كاملًا.
واعلم أنه إذا أطلق العلماء -رحمهم الله- الحول أو العام أو السنة فمرادهم بالهلالي؛ السنة الهلالية؛ لأن السنة الهلالية هي السنة الحقيقية التي وقتها الله لعباده.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36]، وهذه التواريخ التي بُنيت على أشهر هي في الحقيقة أوهام غير منضبطة بشيء معين، ولهذا تيجي بعضها يصل إلى واحد وثلاثين يومًا والثاني ثماني وعشرين يومًا مثلًا.
هذه ليست مبنية على أصل، لكن الأشهر الهلالية مبنية على أصل، أصل جعله الله تعالى للناس ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، وقال تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]، فكلما رأيت في كلام أهل العلم حولًا أو سنة أو عامًا فالمراد بالهلال.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أنها تُعرَّف حولًا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2299

قلنا: ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قال في اللقطة: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» (1). فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن تُعرَّف سنة.
إذا وجدها -اللقطة- في مكان بين قريتين، هل يُعرِّفها في واحدة منهما أو فيهما كلتيهما؟ يُنظر، إذا كانت هذه السلعة مثلًا معروفة في البلد الشرقي، وليست معروفة في البلد الغربي، ففي أيهما يُعرِّف؟ طلبة: الشرقي.
الشيخ: الشرقي ولَّا الغربي؟ طلبة: الغربي.
الشيخ: نعم؟ طلبة: المعروفة فيهما.
الشيخ: أنتم فاهمين جيدًا؟ طلبة: نعم، في الغربي.
طالب: الشرقي.
الشيخ: هذه معروفة كثيرًا في الشرقي غير معروفة في الغربي، هل جرت العادة أن الناس يجلبون السلع على المكان الذي تتوفر فيه أو على المكان التي تقِل فيه؟ طلبة: على المكان الذي تقل فيه.
الشيخ: متأكدون؟ طيب إذن نقول: هذه السلعة اشتراها مَنْ في البلد الغربي مِن البلد الشرقي وعلى هذا نُعرِّفها.
طالب: في الغربي.
الشيخ: في الغربي، بارك الله فيكم، واضح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2300

إذا كانت السلعة موجودة في القريتين جميعًا على حد سواء، فهل ننظر للأقرب أو للأبعد؟ إن تساويا فنقول: عرِّف فيهما جميعًا في هذه وهذه؛ لأن احتمال أنه من هذه وارد واحتمال أنه من هذه وارد، والقرعة هنا لا تتأتى، عرِّفها في هذه وهذه؛ فإن كانت إلى إحداهما أقرب، فالظاهر أنه يلزمه أن يُعرِّفها في الأقرب ولا يلزمه في البُعدى؛ لأن القرب في المكان له حكم ما قرب منه؛ ولهذا لما حضرت الوفاة من كان قتل مئة نفس، وسأل عالمًا من العلماء هل له توبة؟ قال: نعم لك توبة، من يحول بينك وبين التوبة؟ وكان قد سأل عابدًا من قبل وقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، وسأل العابد: هل له من توبة؟ قال: لا، تسعة وتسعون نفسًا وتبغي تتوب إلى الله؟ ما لك توبة.
قال: إذن أكمل بك المئة، فقتله، ثم سأل عالمًا فقال له: لك توبة، من يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنه أرشده إلى بلد آخر، ليس بلد ظلم، وسافر مهاجرًا إلى الله، ونزل به الموت في أثناء الطريق، فأرسل الله إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، حِكمة من الله عز وجل؛ وإلا الله يعلم عز وجل.
تخاصما الملائكة، هؤلاء وهؤلاء؛ ملائكة الرحمة تقول: نقبض روحه؛ لأنه تاب، وخرج، وغادر بلده، وملائكة العذاب تقول: لا، نقبض روحه؛ لأنه لم يصل إلى بلد التوبة، فأرسل الله ملَكًا يفصل بينهما، وقال: قيسوا فإلى أيها أقرب كان من أهلها، فقاسوا، فوجدوه إلى القرية التي هاجر إليها أقرب بقليل جدًّا، حتى قال بعض العلماء: إنه لما حضره الموت جعل يندفع وهو في سياق الموت إلى البلد التي قد كان قصدها، فصار أقرب إليها بشبر، فتولت روحه ملائكة الرحمة (2). ربما يُؤخذ من هذا أن البلد الأقرب يُعطى الحكم، ويُمنع البلد الأبعد.
قال المؤلف رحمه الله: (ويملكه بعده حكمًا) (يملكه) مَنِ الفاعل؟ طالب: اللاقط.

الجزء: 2 - الصفحة: 2301

الشيخ: الواجد، (بعده) أي: بعد الحول، (حُكْمًا) أي قهرًا، بدون أن يختار (يملكه بعده) أي: بعد تمام الحول حُكمًا؛ كما يملك الوارِث مال مُورِّثه؛ أي: بدون اختيار يملكه حكمًا.
طيب، لو تلف هذا الموجود بعد الحول أو قبل الحول، هل يختلف الحكم؟ يختلف الحكم.
إن تلف قبل الحول بتعدٍّ منه فعليه الضمان، وبغير تعدٍّ، لا ضمان عليه، وإن تلف بعد الحول فعليه الضمان مطلقًا سواء تعدى أم لم يتعدَّ، أفهمتم؟ أقول: إذا تلف قبل الحول بتعدٍّ منه؛ يعني هو الذي أتلفه فعليه الضمان، وإن لم يكن متعديًا فلا ضمان عليه، لماذا؟ لأنه إذا كان متعديًا فهو كغيره من المعتدين يضمن، وإذا كان غير متعدٍّ فهو أمين؛ لأن اللُّقطة الآن بيده على أنها لمن؟ لصاحبها إذا وجدها، فيده يد أمانة، فإذا تلف المال بيده بلا تعدٍّ فلا ضمان عليه؛ واضح هذا ولَّا غير واضح؟ الطلبة: واضح.
الشيخ: إذا تلفت بعد الحول فعليه الضمان سواء تعدى أم لم يتعدَّ، لماذا؟ لأنها دخلت في ملكه الآن، وصارت في ضمانه؛ لأن الشيء الذي في ملكك هو في ضمانك، فإذا دخلت في ملكه وصارت في ضمانه فإن عليه ضمانها بكل حال إذا وُجِد صاحبها.
وقيل: لا يضمنها إذا لم يتعدَّ أو لو لم يفرط، فيكون الحكم واحدًا، وهذا هو الأقرب؛ لأن الرجل دخلت في ملكه قهرًا عليه بغير اختياره فهي في الحقيقة كأنها ما زالت في ملك صاحبها، إذا كان لا يريدها، هو يقول: أنا لا أريد أن تدخل ملكي وأبرأ إلى الله منها، ونقول: لا بد هي في ملكك، وبضمانك في شيء من الصعوبة.
فالقول الراجح في هذه المسألة أنه لا ضمان عليه إذا لم يتعدَّ أو يُفرِّط.
قال: (لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها) (لا يتصرف فيها) أي: لا يتصرف واجدها (فيها) أي في الموجود؛ اللُّقطة.
(قبل معرفة صفاتها) لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا» (1). العِفاص: الوعاء، والوكاء: الحبل الذي تُربط به، ويشد عليها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2302

فلا بد أن يعرف ذلك، وينبغي أن يُشهِد على صفاتها، لكن يُشهد من يثق به، لا أي واحد؛ لأنه إذا أشهد سلِم من صاحبها لو ادَّعى أنها على وجه أكمل.
وهذا مِن -أعني: الإشهاد- وسائل الضبط.
يُذكر أن لصوصًا أرادوا أن يسرقوا شخصًا بالحيلة، فقال أحدهما للآخر: هذا الرجل غني يمشي أمامنا، تقدَّم عليه أنت وارمِ المحفظة؛ محفظة الدراهم، واجعل فيها مثلًا عشرة ريالات أو عشرين ريالًا؛ شيئًا يسيرًا، وسوف يقول لك هذا الغني: خُذ المحفظة؛ يعني من باب الإحسان إليه يأخذ محفظته ويقول: يا فلان، تعالَ، سقطت منك هذه المحفظة، وادَّعي أن الدراهم التي فيها أكثر من الحقيقة، وأنا وراءك، فإذا قال: من يشهد لك؟ أقول: أنا أشهد، فاهمين الصورة الآن؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2303

الشيخ: رمى المحفظة فقال له الرجل من باب الإحسان، أخذها، ويا فلان، خُذ، شكر له، جزاك الله خيرًا، وهذه هي الأمانة، وإلا لو شئت لأخذتها ولا علمت بها، لكن جزاك الله خيرًا، ففكها كذا قال: الدراهم فيها عشرة واللي فيها مئة، قال: أنا أخذتها وأعطيتك إياها مباشرة.
قال: لا، لا بد لكنك أخفيتها، قال له: من يشهد لك؟ قال: هذا، صاحبي، والآن ورائي ويبين حقي، هذا صاحبي يشهد، وشهد، قال: نعم إن فيها مئة، زاد كم؟ تسعين، تشاجروا فيما بينهم، قالوا: إلى الحاكم، ذهبوا إلى الحاكم، لما ذهبوا إلى الحاكم ادعى صاحب المحفظة أن فيها مئة ريال، وأنه بعد أن أعطاه إياها هذا الرجل لم يجد إلا عشرة، قال: عندك شهود؟ قال: عندي ها الرجَّال، قال: تشهد؟ قال: نعم، أشهد، قال: تحلف أنت؟ قال: أحلف، الثاني المدَّعى عليه أقسم إقسامًا كبيرًا بأنه ما أخذ شيئًا، وأنها سقطت محفظته وأخذتها وأعطيته إياها مباشرة، فلما رأى كأن القاضي فهم، فلما رأى هذا حلف أيمانًا مغلظة أنه ما أخذ منها شيئًا، قال لهم: إذن المحفظة الآن ما هي محفظتكم، هذه ما محفظتك، هذه المحفظة لواحد ثاني سقطت منه ما فيها إلا عشرة، خليها عندي، فقطع عليهما الحيلة.
فيقال: إنهما الآن تورطا؛ تبغي تروح المحفظة والدراهم اللي فيها، ولا حصل شيء، كما يقول العوام: طيحات وشفاعات ( ... ) إي نعم.
أقول: لا بد من معرفة الصفات، والأحسن أن يُشهد عليها، لكن من؟ طالب: من يثق به.
الشيخ: من يثق به.
طالب: ما الفرق بين التعريف في المسجد وبين النشدان في المسجد؟ الشيخ: ويش؟ الطالب: نشدان الضالة في المسجد وتعريفها في المسجد؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2304

الشيخ: نعم، أما إنشادها فأن يقول: من رب الجمل الفلاني أو اللقطة الفلانية، هذا حرام، وأما أن يقول: من ضاعت له هذه، فالفقهاء قالوا: إن هذا مكروه؛ لأن بينهما فرقًا عظيمًا؛ الثاني: محسِن يقول: من ضاع له هذا، لكن نحن نقول: ما دام الحديث: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ الضَّالَّةَ فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ» (3). فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون المسجد محلًّا لهذه الأمور، فأنت اكتب إعلانًا عند الباب، وإلا أنت قل عند الباب: من ضاعت له الشيء الفلاني.
بعض الناس الآن صاروا يتخذون طريقًا طيبًا يُعلقونها، يكون فيه مثلًا مكان تُعلَّق فيه الأشياء الضائعة، لكن أكثر ما أشوف في المساجد المفاتيح؛ اللي ما تنفع صاحبها، وما رأيت قط شيئًا معلقًا فيه دراهم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- لو التقط ماشية مثلًا شاة أو بقرة صغيرة، لكنها موسومة عليها وسم.
الشيخ: إي نعم، ما تقولون في هذا؟ إذا التقط شاةً موسومة بوسم معروف صاحبه، هذه المسألة الذي يعلم صاحبها، ولكن المشكلة الآن أن الوسم قد يكون للقبيلة كلها، والقبيلة متفرقة فيُجعل الْحُكم كغيره، تُلحق بغيرها بأن ينشد عنها.
طالب: أحسن الله إليك، من عرَّف اللقطة حولًا تامًّا، وبقت اللقطة في ملكه قهرًا لو جاء بعد ذلك صاحب اللقطة، هل عليه أن يعود إلى صاحب اللقطة؟ الشيخ: إي، يعني ترجع إلى صاحبها.
الطالب: ( ... ). الشيخ: هذا ملك مشروط؛ لأن الحديث: «إِنْ جَاءَ رَبُّهَا» عام، «وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» (1). لكن الفرق، شوف لاحظ الفرق، أنه قبل الحول لا يمكن أن يتصرف فيها إلا عند الضرورة كما ذكرنا لكم فيما إذا وجد حيوانًا، وكان الإنفاق عليه كثيرًا فلا يتصرف، لكن بعد الحوْل له أن يتصرف فيها ببيع وشراء وهِبة وغير ذلك، هذا هو الفرْق، واضح الفرق ولَّا غير واضح؟ واضح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2305

طالب: أحسن الله إليكم، لو وجد أغراضًا مجتمعة وهي في آحادها لا تتبع همة أوساط الناس، وباجتماعها تتبعها عامتهم، فهل يأخذها جميعًا؟ الشيخ: لا، هذه جملة واحدة.
الطالب: المعنى هنا ما يدري هي لواحد أو لمتعدد.
الشيخ: ما دام في وعاء واحد.
الطالب: ليست كذلك هي في مكان متقارب جدًّا، يعني على طاولة أو شيء، لكنها مجتمعة تتبعها همة أوساط الناس.
الشيخ: فإذا غلب على ظنه أنها لواحد يُعرِّفها، أما إذا غلب على ظنه أنها ليست لواحد حكمها المجتمعة كالمنفردة.
طالب: ( ... ) إذا كان فيه لقطة منفعة، هل يستنفع بها، ثم يعود على .. ؟ الشيخ: إي نعم، أما بعد تمام الحوْل فله أن ينتفع بها؛ لأنها ملكه، وأما قبل فإن احتاجت إلى نفقة كالحيوان يحتاج إلى علف، وسقي فله أن ينتفع بقدرها وإلا فلا، يعني لو كان إناء ليس له حق أن ينتفع بها.
طالب: ( ... ) لو وجد ضالة، ثم أخَّر إنشادها حتى يئس صاحبها من وجودها، فهل نقول: إنه يقضي بعد هذه السنة أم نقول إنها تحرم عليه؟ الشيخ: لا، نقول: هو آثم في هذا، يعني لو أخَّر التعريف؛ لأن التعريف يجب أن يكون فورًا، فلو أخَّره فهو آثم، ويضمنها ضمان غصب.
طالب: ( ... ) الشخص غني، وما انتبه أن المبلغ هذا سقط منه، فمن أخذها قبل السنة ( ... ) لو مضت سنة ( ... ). الشيخ: ما يجوز؛ لأن رقم التليفون قد تكون انتقلت عن صاحب الرقم هذا إلى آخر، ما يكفي هذا، لا بد أن يعلن عنها، وهذه مهمة برأسها، وأخطأ في كونه لم يردها إلى أصحاب المفقودات؛ لأن ها دول مكلفون من قِبَل الدولة، وما وصلهم موصول؛ يعني أنت إذا أعطيتهم برئت ذمتك.
طالب: أحسن الله إليك، رجل سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك سرًّا أم جهرًا، وإذا قال: لا ردها الله عليك، يترتب على هذا مفسدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2306

الشيخ: هذا تعزير له، يعني كون الرسول أمر بالدعاء عليه من باب التعزير، كما أمر بعدم تشميت العاطس إذا لم يحمد، فإذا رأى أنه لو أقام هذا التعزير عُزِّر هو، فلا يقول، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
طالب: أحسن الله إليك، لو أخَّرها؛ اللقطة لم يُعرِّفها، ثم بعد الحول أراد أن يُعرِّفها ولم يجد صاحبها.
الشيخ: لا، هذا ظالم معتدٍ.
الطالب: ماذا يصنع بها؟ الشيخ: يصنع بها على أن يبيعها، ويتصدق بثمنها مع الإثم.
طالب: أشكل عليَّ الجمع بين حديثين.
الشيخ: أيش؟ الطالب: أشكل عليَّ الجمع بين حديثين ( ... ) الجهني ( ... ) لما أراد أن يعرفها ثلاث سنوات.
الشيخ: أيش.
الطالب: ( ... ) فقال: عرِّفها ( ... ). الشيخ: يعني هذه قضية عين؛ لأنه إذا ورد هذا الشيء في شخص معين مثل إجابة عن سؤال، فهذه قضية عين نأخذ بالألفاظ العامة: «عَرِّفْهَا سَنَةً».
طالب: متى يا شيخ تلزم اللقطة؟ هل بأخذها أو مغادرة المكان؟ الشيخ: أيش لون؟ الطالب: لو أخذ اللقطة.
الشيخ: متى تلزم؟ الطالب: ما هي أحكام اللقطة بالتعريف وغيره، لو أخذ اللقطة فغادر بها، ثم ردها؟ الشيخ: إي نعم، إذا أخذها بنية الالتقاط لزمه، فلو ردها صار ضامنًا، وإذا أخذها بنية دفعها إلى جهة مسئولة فليس بملتقطها.
الطالب: يردها.
الشيخ: أو مثلًا أخذها يريد أن يزيلها عن الطريق مثلًا، هذا ليس بملتقط.
الطالب: هل يردها يا شيخ؟ الشيخ: نعم.
الطالب: يردها إلى مكانها يا شيخ؟ الشيخ: متى؟ الطالب: متى أخذها يريد أن يردها إلى الجهة المسئولة، فلم يجدهم، فهل يردها إلى مكانها؟ الشيخ: لا، ينتظر إذا ردها إلى مكانها يكون ظالمًا.


طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في باب اللقطة: فمتى جاء طالبها فوصفها لزم دفعها إليه، والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما، ومن ترك حيوانًا بفلاة لانقطاعه أو عجز ربه عنه ملكه آخذه، ومن أُخِذ نعله ونحوه ووجد موضعه غيره فلقطة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2307

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل وجد لُقَطة فأخذها وهو غير آمن نفسه عليها.
طالب: يكون كالغاصب.
الشيخ: يكون كالغاصِب، يكون ضامنًا.
رجل آخر وجد لُقطة فأخذها، يظنها لا تتبعها همة أوساط الناس، فإذا هي ذهب، وظن أنها صفر، فإذا هي ذهب، هل يردها بمكانها أو لا؟ طالب: لا يردها لمكانها ( ... ). الشيخ: يعني لا يردها إلى مكانها وإلا .. الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، اتفضل.
طالب: أخذها يا شيخ .. الشيخ: هو أخذها على أنه صفر، ما تسوى ولا ريال، وإذ بها ذهب هل له أن يردها إلى مكانها أو لا؟ طالب: لا يردها.
الشيخ: لا يردها.
الطالب: لأنه؛ ربما في هذه المدة التي أخذها جاء صاحبها ولم يرها.
الشيخ: لا، هو في الحال واقف، أخذها من الأرض ونظر إليها وذهب ردها؟ الطالب: لا يردها.
الشيخ: لا يردها.
طالب: إن كان في مكان يأمن عليها من أن يأتي من بعده، يأمن أن يسرقها أو يأخذها من بعده، ولا يُعرِّفها فإنه في هذه الحال له أن يردها، أما إن كان يخاف عليها أن يأتي أحد فيأخذها لنفسه فلا يُعرِّفها.
الشيخ: هذا حتى وإن لم يأخذها إذا كان في مكان مهلكة فإنه يأخذها.
الطالب: ففي هذه الحالة.
الشيخ: هل أخذه إياها يُعتبر إلزامًا لنفسه بها أو لا؟ هذا هو السؤال.
طالب: ( ... ). الشيخ: هو أخذها على أنها ما تساوي شيئًا على أنه يملكها بالأخذ، لو علم أنها ذهب ما أخذها.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ ( ... ) هو يأخذها ويعرفها إذا آمن نفسه.
الشيخ: هو آمن نفسه.
الطالب: يأخذها ويُعرِّفها، وإن كان هو ما آمن نفسه.
الشيخ: هو -بارك الله فيك- أخذها، شوفوا المسألة يا جماعة، وجد شيئًا أصفر فظنه من الأشياء الزهيدة هذه، فأخذه، فلما رآه وإذا هو ذهب، قال: هذا بيتعبني بالإنشاد عنه؟ هل له أن يرده أو يلزمه أخذه، أو يلزمه أن يأخذه ويدفعه إلى الحاكم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2308

طالب: يأخذها ويُعرِّفها.
الشيخ: لا، على كل حال، ما يأخذها، له أن يردها؛ لأنه إنما أخذها على وجه أنها لا تساوي شيئًا، وأنه يملكها، فإذا ردها في الحال فليس عليه شيء.
هل يحوز أن يتصرف في اللُّقطة بغير مصلحتها قبل الحول وبعده أو لا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم، قبل الحول وبعده؟ الطالب: قبل الحوْل وبعده.
الشيخ: وبغير مصلحتها؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، ويش تقولون؟ طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، إي نعم، ومع ذلك بعد الحول لا يتصرف فيها حتى، كمِّل.
طالب: حتى يُعرِّفها.
الشيخ: هو عرَّف، انتهى الحول.
طالب: يُشهِد عليها.
الشيخ: نعم.
الطالب: يُعرِّف أوصافها ويُشهد.
الشيخ: لا يتصرف فيها حتى يعرف أوصافها ويضبطها، أحسنت.
بقينا فيما سبق، وأنه يملكه بعده حكمًا، هذا ما قررناه وهو المذهب، لكن وجدت قولًا آخر أنها لا تدخل في ملكه إلا إذا شاء، وعلى هذا القول تبقى في يده أمانة إذا تلفت من غير تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، هذه واحدة.
الثانية: ذكرنا لكم أن هناك قولًا آخر أنها إذا تلفت بعد الحول فهي غير مضمونة إذا لم يتعدَّ أو يفرط، كما لو كان ذلك قبل الحول والمذهب يضمن على كل حال.
فيه قول آخر؛ أنه لا يضمن على كل حال عكس المذهب، يقول: لأنه ما دام دخلت ملكه فهي ملكه، لو ذبح الشاة مثلًا أو أنفق المال فليس عليه شيء؛ لأنه ملكه، وإذا جاء صاحبها قال له: أنا أنشدتها لمدة سنة، وتمت السنة فملكتها.
ثم قال المؤلف: (فمتى جاء طالِبُها فوصفها لزم دفعها إليه) (متى) اسم شرْط جازم؛ والمعنى في أي وقت أتى صاحبها فإنه إذا وصفها تُدفع إليه.
وقوله: (طالبها) أي من طلب هذه اللُّقطة.
(فوصفها) أي: ذكر صفاتها، وكان ما ذكره طبق الواقع لزم دفعها إليه، يلزم مَنْ؟ يلزم الواجد.
(دفعها إليه) أي: إلى الواصف؛ لأن هذه يد لا يدَّعيها أحد حتى الذي هي في يده لا يدعيها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2309

وقول المؤلف: (لزم دفعها إليه) ظاهر كلامه أنه يلزم الدفْع إليه فورًا وهو كذلك، إلا إذا قال: أبقِها عندك وسأرجع؛ فتبقى عنده أمانة، وظاهر كلامه أنه يلزم الدفْع إليه بدون بينة ولا استحلاف؛ يعني بمعنى أن الواجد لا يقول للمدَّعي أنها له، هاتِ بينة، وذلك لأنه لا منازع له؛ أي لا منازع للواصف لها، وكذلك أيضًا لا يلزمه اليمين؛ لأنه لا منازِع له.
إذن نقول: لزم دفعها إليه ببينة أو لا؟ طلبة: بغير بينة.
الشيخ: بيمين أو بغير يمين؟ طلبة: بغير يمين.
الشيخ: لماذا؟ طلبة: لأنه لا منازع له.
الشيخ: لأنه لا منازع له، وهل له أن يمتنع حتى يُشهد أو لا؟ الجواب: ليس له ذلك؛ لأنه سيُقبل قوله في دفعها إلى ربها؛ لأنه مُتبرِّع؛ والمتبرع يُقبَل قوله في رد العين إلى مالكها، وهذا هو المشهور.
وقد يُقال: له أن يمتنع حتى يُحضِر بينة لتسليمها؛ لأنه ربما يأتي واصفها يومًا من الدهر ويقول: إنه قد ثبت أنك وجدت هذه اللقطة التي هذه صفتها وأعطينيها.
هو على كل حال لو قال: أعطينيها سيُقبل قوله في الدفع، لكن هو يقول: أنا أريد أن أُشهِد لأسلم من الإحضار إلى الحاكم أو توجه اليمين إليَّ، فإذا كان يُلاحظ ذلك فله الحق أن يقول: لا أدفع حتى يحضر شهود يشهدون أني دفعت إليك هذه اللُّقطة لئلا يعود فيدَّعي عليه أنه لم يقبضها منه.
(لزم دفعها إليه)، قال: (والسفيه).
قوله: (فمتى جاء طالبها) عمومه يشمل إذا جاء قبل الحول أو بعد الحول.
قال: (والسفيه والصبي يُعرِّف لُقطتهما وليهما)، (السفيه) هو الذي لا يُحسن التصرُّف في ماله، ولو كان بالغًا ما بلغ من السنين ما دام لا يُحسن التصرف في ماله فإنه يجب إقامة ولي له؛ أي لماله.
وسبق هذا في باب الحجر.

الجزء: 2 - الصفحة: 2310

(الصبي) من دون البلوغ، ولم يذكر المؤلف المجنون، لكنه لا شك أنه من باب أولى، لو أن شخصًا مجنونًا أتى إلى أهله يومًا من الدهر وبيده ذهب، فسألوه، فجعل يشير إلى السوق، فهذه تُعرَّف على أنه ربما يقال: إن المجنون يختلف عن الصبي، الصبي يُعرف إذا قيل: من أين؟ قال: وجدتها في المكان الفلاني، والمجنون؟ طالب: لا يعرف.
الشيخ: لا يعرف، فقد يكون سرقها من بيت، أو استلبها من لابسته؛ استلب الحلي من لابسته، وعليه فلا يكون لُقَطة، لكنه بالحقيقة في حكم اللُّقطة.
(يُعرِّف لقطتهما وليهما) وجوبًا؟ نعم، وجوبًا فيُنشد من ضاع له المال الفلاني؟ فإذا جاء طالبه ووصفه لزم دفعها إليه.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لو عرَّفها الصبي لم يُجزئ، لو عرَّفها السفيه لم يجزئ؛ وذلك لأن الناس لا يثقون بقول الصبي، فقد يُحجم صاحبها عن ادعائها؛ لأنه يظن أن الصبي يلعب؛ فلذلك نقول: يجب أن يُعرِّفها الولي، وتعريف السفيه أو الصبي لا يكفي؛ أما الصبي فواضح، وأما السفيه ففي النفس منه شيء؛ لأن السفيه ليس كالصبي؛ كل الناس إذا رأوا هذا الرجل البالغ الملتحي يُعرِّف لُقطة فإنه يبعد أن يظن أنه يتلاعب.
(ومن ترك حيوانًا بفلاة لانقطاعه أو عجز ربه عنه ملكه آخذه) ألحقه المؤلف بباب اللقطة؛ لأنه شبيه بها، إنسان معه حيوان بعير، بقرة، شاة، انقطع، صار لا يمشي، فتركه ربه رغبة عنه فهو لآخذه؛ لمن وجده، وأصل هذا حديث جابر أنه كان على جَمَل له فأعيا، فأراد أن يُسيِّبَه (4). ولكن لو ادعى مالكه أنه لم يتركه رغبة عنه، لكن تركه ليرجع إليه بأن يُعالجه حتى يقوى ويسير بنفسه، فالأصل حُرمة المال.

الجزء: 2 - الصفحة: 2311

وعلى هذا فمن وجده، وأخذه على أنه ملكه؛ يضمن إذا ادعى صاحبه أنه تركه ليرجع إليه، لكن إذا علمنا بالقرائن القوية أنه تركه رغبة عنه، وأنه لا حاجة له فيه كما لو كان الحيوان هزيلًا جدًّا، لا يصلح للذبح ولا للركوب إن كان من المركوبات، ولا يصلح لشيء أبدًا، فهنا نقول: يأخذه مالكه.
وقوله: (أو عجز ربه عنه) يعني أن الحيوان لم ينقطع نشيط، لكن عجز كبعير تمرَّد على صاحبه، وأبى أن يذهب فإنه يملكه آخِذه؛ لأن صاحبه تركه عجز وخلَّاه.
القول الثاني: في هذه المسألة أن واجده لا يملكه، فليبقَ على ملك صاحبه، ولكن للآخذ أُجرة الْمِثل، وهذا مبني على ما سبق أن من أنقذ مال شخص من هلكة فله أُجرة الْمِثل.
القول الثالث: أنه يُفرَّق بين من تركه عجزًا، ومن تركه لانقطاعه، فمن تركه لانقطاعه ملكه آخِذه، ومن تركه عجزًا لم يملكه آخذه ( ... ). طالب: يا شيخ -أحسن الله إليك- إذا قيل: اللقطة، التقطها المجنون لا تُملك بعد الحول لاحتمال كونها مسروقة أو كونها .. الشيخ: إي نعم، إذا قيل: إن لُقطة المجنون لا تُعرَّف؛ لأنه ربما يكون قد سرقها.
الطالب: أو تعرَّف، لكن ( ... ) بعد الحول لاحتمال كونها ( ... ). الشيخ: وهذا، الظاهر أن المؤلف أسقط المجنون لهذا السبب.
طالب: ( ... ) عجز عنه هو لو أعطاني قيمة ثمينة ما أعطاه إياه، أيش لون هذا يا شيخ؟ الشيخ: كيف يعني؟ الطالب: يعني بعض الناس ( ... ) أن قولين: قول: ( ... ). الشيخ: لمن أخذها.
الطالب: والقول الصحيح أن يردها عليه.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: هذا مما يؤيد أنه إذا تركه لعجزه عنه فهو باقٍ على ملكه.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ما فيها شك، الزمن والنياق.
الطالب: ( ... ). الشيخ: والناقة التي تبغي تريدها ما.
الطالب: الناقة ما تهوش.
الشيخ: ما تهوش.
الطالب: ما تهوش من ولدها، بس من ولدها الصغير تهوش، وغيره ما تهوش.
طالب آخر: ( ... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2312

الشيخ: هذا يحتاج إلى دليل، كل من ذكر شيئًا محددًا يحتاج إلى دليل، إحنا نقول: يُعرَّف حسب العادة وحسب العرف.
طالب: الإعلان في الجرائد عن اللُّقطة، هل ( ... )؟ الشيخ: لا، الإعلانات في الجرائد أعم من وجه وأخص من وجه؛ من جهة أن الجرائد تنتشر في البلاد تكون أعم؛ أعم من أنك تتحرك في البلد بنفسك، ومن جهة هو ليس كل واحد يقرؤها يكون التعريف أعم؛ لأن .. طالب: أخص.
الشيخ: أعم -بارك الله فيكم- لأن التعريف كل أهل البلد يسمعونه، لكن الجريدة يمكن نصفهم ما يقرؤها، فكل واحد أعم من وجه، والظاهر أنه لا تكفي، لكنها نعم من طرق أو من وسائل الإنشاد، لكنها لا تكفي، لا بد أن يسمع الناس.
نعم، قل يا أخي.
طالب: ( ... ) حديث زيد بن خالد الجهني، لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في ( ... ) الشاة، وإنما ذكره في الأول .. سبعون ألف سنة، شاة.
الشيخ: إي نعم؛ لأن الغالب أن الشاة ما تبقى، ولهذا قال: «لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» (1). تخيل أن إنسانًا قاعدًا يكد على شاة لمدة سنة، قد تُتعبه يبيعها مثلًا أو تكون نفقتها كبيرة.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى في باب اللقطة: ومن أُخذ نعله أو نحوه ووجد موضعه غيره فلقطة.
باب اللقيط: وهو طفل لا يُعرف نسبه، ولا رقه نُبذ أو ضل، وأخذه فرض كفاية، وهو حر، وما وجد معه أو تحته ظاهرًا أو مدفونًا طريًّا، أو متصلًا به كحيوان وغيره، أو قريبًا منه فله، ويُنفق عليه منه وإلا فمن بيت المال.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا وجد السفيه أو الصبي لُقطة، فمن الذي يُعرِّفها؟ طالب: وليهما.
الشيخ: وليهما، وجوبًا.
الطالب: وجوبًا.
الشيخ: وجوبًا، هل يلزمه أخذها منهما؟ طالب: يلزمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2313

الشيخ: يلزمه؟ لماذا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لأنه لا يأمن أن تتلف أو تضيع بأيديهم.
إذا تركها بأيديهم، هل يضمن أو لا يضمن؟ طالب: يضمن.
الشيخ: يضمن، لماذا؟ الطالب: لأنه يجب عليه ( ... ). الشيخ: لأنه مُفرِّط بترْك ما يجب عليه من أخذِها منهما.
طيب رجل ترك حيوانًا بفلاة، فما الحكم؟ فصل.
الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: إذا تركه رغبةً عنه فهو لواجِده، وإن تركه عجزًا.
الطالب: لواجده.
الشيخ: لواجده أيضًا.
توافقونه على هذا؟ نعم.
طالب: ( ... ). الشيخ: كيف يعني؟ يعني أنه ليس لواجده، بل هو لربه وعليه أجرة الْمِثل، فيه ثالث تقول؟ ما هو؟ الطالب: إذا كان تركه ( ... )، وإذا كان ما قدر عليه .. الشيخ: عجزًا.
الطالب: عجزًا.
الشيخ: فهو لمالكه، وعليه أجرة الْمِثْل، هذا القول الأخير هو الصحيح؛ لأنه فرَّق بين الذي انقطع، وصار لا يصلح للاستعمال وبين شيء عجز عنه ربه.
فالثاني نقول: هو لربه ولواجده أجرة المثل؛ لأنه أنقذه من هلكة؛ إذ إن الفلاة لا يُؤمَن عليه فيها.
ثم قال المؤلف: (ومن أُخذ نعله أو نحوه ووجد موضعه غيره فلقطة).
قوله: (من أُخذ نعله) معروف النعل؛ أو غيره: كعصاه، مشلحه، كتابه، وما أشبه ذلك، ولهذا قال: (ونحوه) ولم يحدد المؤلف.
لكنه (وجد موضعَه) أي: في موضِعه، فموضع هنا منصوبة على أنها ظرف مكان.
(وغيره) مفعول (وجد).
(فلقطة) أي: فهو لقطة، ما هو اللقطة؟ الموجود في مكانه يكون لُقطة.
مثال ذلك: هذه الرفوف التي للنعال وضع نعله في رف، ولما خرج من المسجد وجد في مكان نعله نعلًا غيرها، ونعله مأخوذة فنقول له: هذا الذي وجدته لُقطة، وأما نعالك فابحث عنها، وذلك لاحتمال أن يكون سارقٌ سرقها، ثم جاء آخر، ووجد هذا المكان ليس فيه نعل، فوضع نعله فيه، هذا احتمال وارد ولَّا غير وارد؟ طلبة: وارد.

الجزء: 2 - الصفحة: 2314

الشيخ: وارد، ومن باب أولى إذا وضعت النعال عند باب المسجد، ثم خرج ولبس نعليه، لكن وجد فيه نعالًا أخرى فإنا نقول: نعلك ضائع، وما وجدتَ موضعه فإنه لقطة.
لو قال قائل: ليس في المسجد إلا أنا وآخر دخلنا جميعًا، أو دخل قبلي، أو دخلت قبله، لكن ما فيه أحد إلا نعلي ونعله، ثم إن الرجل خرج وأخذ نعلي، ولما خرجت لم أجد إلا هذا النعل، فهنا قد يجزم الإنسان مئة بالمئة أن الرجل الذي كان في المسجد غلط، وأخذ نعليه؛ نعلي الرجل الآخر أو تعمَّد، فكيف نقول: إنها لقطة؟ لأن الحكم بأنها لُقطة يستلزم أحد أمرين: إما أن يدعها الإنسان ويذهب إلى أهله حافيًا، وإما أن يأخذها ويُعرِّفها، وفيها صعوبة، ولكن هذا كلام الفقهاء رحمهم الله، يقولون: لأنه إذا كان فيه احتمال من مئة احتمال، فإن الأصل حُرمة مال الغير، ولا يمكن أن يأخذها ويتصرف فيها.
لكن إذا غلب على الظن أن المسألة فيها خطأ كالمثال الذي مثَّلته أخيرًا، رجلانِ في المسجد نعالهما تتشابهان، خرج أحدهما، وأخذ نعل صاحبه وأبقى نعله، هنا تكاد تقول: إنه مئة بالمئة، هذا النعل الباقي هو نعل صاحبي، وأن صاحبي أخذ نعلي.
ففي هذه الحال نرى أن يبحث عن الرجل؛ لأن مالك هذا النعل معلوم، فإن لم يجده فلينظر الفرْق بين قيمة نعله وهذا النعل الذي وجده، فإن كان نعلُه أحسن من هذا النعل أخذه واكتفى، وإن كان النعل الموجود أحسن من نعله فإنه يجب أن يتصدَّق بالزائد في ثمن هذا الموجود لصاحبه؛ لأن صاحبه الآن غير موجود، هذا إن أيس من صاحبه، أما إذا لم ييئس فهنا نقول: انتظر، ربما يرجع، لأن أحيانًا يغلط الإنسان، فإذا وصل إلى بيته مثلًا عرف أنه غلطان، فرجع يطلب نعليه، فنقول: انتظر، فإذا أيست من صاحبها فخذها، على أن الغالب -بالنسبة للنسيان- أنه لا يقع؛ لأن الرِّجل التي اعتادت على نعل مُعيَّن تعرف نعلها، الإنسان من يوم يلبس النعل يعرف أن هذا نعله أو نعل غيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 2315

لكن عندنا الآن حصر المسألة: المذهب: أنه إذا أُخذ نعله أو نحوه ووجد موضعه غيره فهو لُقطة مطلقًا.
القول الثاني: أنه يُنظر للقرائن، فإذا وُجدت قرائن تدل على أن صاحب النعل أخذ نعلك، وأبقى لك هذا النعل فإنه لا يكون لُقَطة؛ وإنما يكون لواجِده، ولكن في هذه الحال ينبغي أن يتأنَّى بعض الشيء لعل صاحبه يرجع، فإذا أيس منه أخذه، فإن كان أدنى من نعله اكتفى به، وإن كان أعلى وجب عليه أن يتصدق بالفرْق بين قيمتي النعلين.

باب اللقيط

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب اللقيط)، أعقبه بباب اللُّقطة والمناسبة واضحة؛ لأن اللُّقطة ضياع الأموال، وهذا ضياع الأبدان والآدميين؛ فلذلك ناسب أن يجعلوا باب اللقيط عند باب اللقطة، وإلا فله مناسبات أخرى كمناسبة باب ما يلحق من النسب، وما لا يلحق، وكذلك في الميراث تحقق أنه وارث أو غير وارث، لكنه أشبه ما يكون بأيش؟ طالب: باللقطة.
الشيخ: باللقطة؛ فلذلك جعلوه تابعًا له.
(اللقيط) في اللغة العربية (فعيل) بمعنى (مفعول)؛ لأن فعيلًا في اللغة العربية تأتي بمعنى (مفعول) في مواطن كثيرة، يُقال: قتيل بمعنى (مقتول)، وجريح بمعنى (مجروح)، وإلا فالأصل أن فعيلًا بمعنى (فاعل)، لكنها قد تأتي بمعنى (مفعول) حسب السياق والقرائن.
قال: (وهو طفل) هذا التعريف الاصطلاحي، (طفل)، والطفل من دون التمييز.
(لا يُعرف نسبه) أي لا يُدرى لمن هو.
(ولا رِقه) فلا يُدرَى أهو حُرٌّ ينتسب إلى فلان بن فلان أو رقيق يملكه فلان أو فلان ما يدري.
يقول: (نُبِذَ أو ضل) أما قوله: (نُبِذ) فنعم يعني نعرف أنه نُبِذ، لكن كيف نعرف أنه نُبِذ؟ بالقرائن، نعرف أنه منبوذ؛ يعني أن صاحبه -أي: صاحب هذا الطفل- قد نبذه وطرحه لا يريده، وهذا من المعلوم أنه لا يُتصوَّر غالبًا إلا فيمن لا يستطيع المشي كطفل في المهد وجدناه مثلًا في المسجد، وجدناه في الحمَّامات، وجدناه على الأرصفة، وغلب على ظننا أنه أيش؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2316

منبوذ بقرائن منها -أي: من القرائن-: أنه إذا نُبِذ يُكتب عليه في مهاده: هذا ليس له أحد، وهذا يقع فيما إذا حصل -والعياذ بالله- زنا، ثم وَضعت المرأة من هذا الزنا، وقد عُرف أنها ليست متزوجة فإنها تنبُذ هذا الطفل.
أحيانًا يكثر هذا في المساجد، وأحيانًا يقل، وعلى كل حال إذا نُبذ واضح أنه لقيط.
قال: (أو ضل) يعني أو ضاع، وهذا في الحقيقة فيه نظر ظاهر، إذا علمنا أن هذا الطفل له خمس سنوات أو ست سنوات قد ضاع عن أهله، يصيح يبكي يدوِّر أهله، هل يمكن نقول: هذا لقيط يأخذه إنسان ويجعله عنده؟ لا، هذا يُشبِه اللقطة بمعنى أن يجب أن يبحث عن أهله، وهذا يقع كثيرًا في مواسم الحج والعمرة، يقع كثيرًا، ولكن من توفيق الله لهذه الحكومة السعودية أنها جعلت أناسًا يتلقَّون هؤلاء الضائعين، ومِن المعلوم أن من ضاع له طفل بهذه السن أنه أول ما يذهب إلى الشرطة الذين يتلقون هؤلاء فيحصل بهذا خير كثير.
وعلى ظاهر كلام المؤلف أن من وجده أخذه على أنه لقيط، ولكن هذا فيه نظر ظاهر، فالصواب إذن أن اللقيط طفل لا يعرف نسبه ولا رِقُّه نُبِذ فقط، ولا نقول: أو ضل؛ بل نقول: أن الضال يُبحث عن أهله.
ولهذا اقترح بعض الناس اقتراحًا جيدًا، قال: ينبغي في المواسم؛ مواسم العمرة والحج أن يُكتب على ظهر كل إنسان بطاقة من الصغار دول، يُكتب بطاقة: هذا فلان بن فلان، رقم هاتف أبيه كذا وكذا، وهذا طيِّب؛ لأنه يستريح الذي يجده، ويستريح أهله أيضًا؛ فهو اقتراح من أحسن ما يكون.
وأنتم تعلمون أن بعض الْحُجَّاج الذين يقدمون من بلاد بعيدة يكتب على إحراماتهم ولَّا لا؟ إي نعم، فإذا كان الحاج وهو بالغ عاقل يكتب عليه لئلا يضيع، كيف عاد الأطفال؟ فهنا من المستحسن أن من معه طفل في هذه المواسم أنه يجعل كتابة على ظهره، هذا فلان بن فلان، ورقم والده، أو رقم أهله كذا وكذا، حتى يستريح الجميع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2317

يقول: (نُبِذ أو ضل)، ثم قال: (وأخذُه فرْض كفاية) يعني إذا وجد هذا اللقيط فإنه يجب على المسلمين أن يأخذوه، وهو فرْض كفاية؛ وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين؛ ولكن هل يجب على أول من يراه أن يأخذه؟ نقول: هذا هو الأصل، يجب على أول من يراه أن يأخذه؛ لأننا لو لم نقل بهذا وقلنا للأول: ما فيه مانع تتركه، وجاء الثاني نقول: ما فيه مانع تتركه، وهذا لا شك أنه يضيع الطفل لا سيما إذا كان في أيام الحر مثلًا وأيام الصيف يحتاج إلى رعاية، أو أيام الشتاء والبرد في البلاد الباردة.
فعلى هذا نقول: هو فرْض كفاية صح؛ لكن يجب على أول من يجده أن يأخذه، إلا إذا رأى شخصًا آخر يقول: دعْه لي، فهنا نقول: حصلت الكفاية.
وبالمناسبة اختلف العلماء -رحمهم الله- أيهما أفضل: فرْض الكفاية أو فرْض العين، منهم: من رجَّح فرض الكفاية وقال: إن القائم به يُسقِط الفرض عن جميع الناس، فكأنه حصل على أجْر جميع الناس، ومنهم من قال: فرْض العين أفضل؛ لأنه طُلِب من كل واحد، وهذا القول هو الراجح -بلا شك- أن فرْض العين أفضل؛ لأنه لولا أن الله تعالى يحبه ويحب من عباده أن يقوموا به جميعًا ما جعله فرْض عيْن.
(وأخذُه فرض كفاية وهو حُرٌّ) في وقتنا الحاضر -والحمد لله عندنا في السعودية- الحكومة جعلت لمثل هؤلاء دُورًا معينة، تسمى دُور الرعاية أو ما أشبه ذلك من العبارة، فهنا يؤخذ هذا الطفل، ويُجعل في بيت الرعاية، في دار الرعاية، لكن لو أراد لاقطه أن يكون له عنده في حضانته، فهل يُمنَع؟ لا، لا يُمنع، لكن سيأتينا إن شاء الله أنه لا بد من شرْط.
قال المؤلف: (وهو حُرٌّ) هو الضمير يعود على؟ طالب: اللقيط.
الشيخ: اللقيط، يعني لا يقول واجده: إنه عبد، أنا أعتقته، أنا أخذته، فهو عبد لي أبيعه وأشتري بدله.
لا، هو حُرٌّ، حتى لو كان في حي أهله عبيد فإنه حُرٌّ؛ لأن الأصل في بني آدم؟ قل.
طالب: الحرية.
الشيخ: الأصل في بني آدم الحرية.

الجزء: 2 - الصفحة: 2318

ثم قال: (وما وُجد معه أو تحته ظاهرًا أو مدفونًا طريًّا، أو متصلًا به كحيوان وغيره أو قريبًا منه فله) أي: للقيط.
قوله: (ما وُجِد فله) (ما): مبتدأ، والخبر: (فله).
(ما وجد معه) أي: مع اللقيط، مثل: أن يكون في جيبه، أو معلق برقبته، أو ما أشبه ذلك، فهذا له.
وهذا يقع أحيانًا، اللُّقَطة يكون الذي نبذهم يجعل في رقابهم إما دراهم، وإلا طعام، وإلا وعاء لبن حليب يعني، فيكون له، كذلك ما وُجد تحته فهو له، يعني مثلًا هذا اللقيط مضجع، ووجدنا تحته سُرَّة دراهم فهو له.
يقول المؤلف: (سواء كان ظاهرًا) يعني غير مدفون (أو مدفونًا طريًّا) يعني دفنه قريب، فإن وُجِد تحته مدفون، لكنه قديم فليس له؛ لأن قرينة الحال تدل على أنه ليس له، لكن إذا عرفنا الآن الأرض منفوشة، ووجدنا تحت هذا المنفوش دراهم، والطفل فوقه؛ فهذه الدراهم الموجودة تكون للطفل.
فإن قال إنسان: كيف تكون له وهي مدفونة؟ قلنا: نعم، ربما يكون الذي نبذه دفن هذه النفقة حِفاظًا عليها؛ لأنه من الجائز أن الطفل ينقلب فتبرز الدراهم.
إذن الذي تحته ظاهرًا أو مدفونًا طريًّا هو له.
(أو متصلًا به) يعني ما وجد متصلًا به، كيف متصلًا به؟ نعم، يقول: (كحيوان وغيره)، هذا طفل منبوذ وجدنا فيه صخرة صغيرة مربوطة به تكون هذه الصخرة لمن؟ لواجده أو لمن؟ طالب: ( ... ). الشيخ: أيش اللي قلنا؟ الطالب: صخرة صغيرة مربوطة به.
الشيخ: لهذا الطفل تكون له؛ لأن ربطها بها يدل على أن صاحبها قد جعلها له.
وقوله: (كحيوان وغيره) يعني كإبريق، إناء، كيس من الطعام، أي شيء.
(أو قريبًا منه) هذه تحتاج إلى تفصيل في الواقع، إذا وجد شيئًا قريبًا منه فهو له، وهذا مُسلَّم إذا كان هناك قرينة تدل على أنه له، وإلا فيكون الذي كان قريبًا منه يكون لُقطة؛ لأن الأصل عدم الملك، لكن إذا وُجِد قرينة مثل أن يكون الطفل ملفوفًا بخرقة، وما حوله ملفوف بخرقة مثلها فإنه يدل على أنه تبع له.

الجزء: 2 - الصفحة: 2319

قوله: (قريبًا منه) قيَّد إذا كان هناك قرينة.
قال: (ويُنفق عليه منه) يعني الواجِد (يُنفِق عليه) أي: على هذا اللقيط (منه) أي: مما وجد معه، بدون إذن الحاكم؟ نعم، بدون إذن الحاكم؛ لأنه وليه فينفق .. ويش قلنا؟ طالب: ينفق على اللقيط من المال الذي وجد معه بدون إذن الحاكم.
الشيخ: نعم، بدون إذن الحاكم.
(ويُنفق عليه منه) (وإلَّا) يعني وإن لم يُوجد شيء معه (فمن بيت المال).
إذا كان الحصول على بيت المال يحتاج إلى وقت، إلى أوراق ومعاملة تدور بين الدوائر، والطفل الآن محتاج إلى الرضاع، فماذا نعمل؟ يُنفق عليه الواجد؛ لأن الإنفاق عليه فرْض كفاية، فإذا كانت المعاملة تحتاج إلى مدة؛ قلنا: أنفِق الآن.
وهل إذا أنفق يرجع على بيت المال أو لا؟ أو فيه تفصيل إن نوى الرجوع رجع وإلا فلا؟ طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني أقرب؛ أنه إذا نوى الرجوع يرجع، وإن لم ينوِ الرجوع فقد قام بواجب عليه، ولا يرجع به على أحد.
(وإلا فمن بيت المال)، ثم قال: (وهو مسلم).
طالب: تعلمون الآثار المترتبة على حال اللقيط، فالغالب أنه يفسد لا في الدِّين ولا في الخلق، ما ترون يا شيخ جراء لهذا أن القول في نكاح أُمِّه واستلحاقه أنه .. ؟ الشيخ: لا، ما يمكن، ما يمكن استلحاقه قبل أن يتزوجها.
الطالب: إذا حملت به؟ الشيخ: حملت ما صار لقيطًا.
الطالب: وسيكون لقيطًا مآله إلى.
الشيخ: ما هو على كل حال.
الطالب: لماذا يا شيخ؟ الشيخ: ربما إن أمه ترغب الولد أن يكون عندها.
الطالب: لكن ما يكون هناك سبب .. الشيخ: المهم ما يمكن أن يكون لقيط إلا إذا كان انفصل عن أمه ونُبِذ، واستلحاقه بعد أن ينفصل لا يُمكن.
طالب: ( ... ) بالنسبة للقيط، كيف يُسمى أو ماذا يسمى؟ الشيخ: التسمية، إي نعم، نُسَمِّه عبد الله ما هي مشكلة، لكن الاسم الثلاثي والرباعي، ما يمكن نقول: هو عبد الله بن عبد الكريم بن عبد الرءوف بن عبد الرحيم.
طالب: يصبح عائلة.
الشيخ: عائلة نعم، يُصبح فيما بعد عائلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2320

طالب: عائلة عبد الكريم.
الشيخ: عائلة عبد الكريم.
طالب: يا شيخ -عفا الله عنكم- فيه يا شيخ يحدث كثيرًا في مثل هذه الرفوف اللي هي في المسجد الآن، يكون ليس في موضع حذاء الإنسان إنما بجانبه تمامًا، والحذاء نفس النوعية والماركة والرقم، فتؤخذ، ولكن الإنسان ما يجزم أن اللي أخذها صاحب هذه اللقطة؟ الشيخ: إي، تكون لُقطة، الباقي في الرف لقطة، حذاؤك أنت تدوِّر صاحب دكان قريب من المسجد وتشتري منه، وينتهي الموضوع.
الطالب: ولكن شيخ، إذا بقيت مثلًا ليوم أو يومين، وما أحد أخذها؟ الشيخ: ما تأخذها أبدًا، إلا إذا علمت مثلما مثَّلنا، رجلان في المسجد، الحمد لله.
طالب: لكن القرينة يا شيخ، نفس الرقم اثنان وأربعون، وهذه اثنان وأربعون؟ الشيخ: والله ما يمكن، الآن الناس يشكون من سرقات الأحذية عند المساجد خصوصًا الحذيان الزين، أنا سمعت كثيرًا من هذا.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة للذي ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: إذا يكبر اللاقط ( ... ). الشيخ: إذا كبر اللاقط يُقال: أنت يا فلان عبد الله بن عبد الكريم بن عبد الرحيم.
الطالب: عائلة اللاقط يا شيخ مثل ( ... ). الشيخ: هؤلاء أجانب منه إلا إذا أرضعته المرأة صارت أمه من الرضاعة، وصارت بناتها أخواته من الرضاعة.
طالب: في باب اللُّقَطة فيه أشياء تتعلق بها همة أوساط الناس، لكن أوساط الناس مثلًا لا يُبحث عنها إلا بعد أسبوع، شهر، شهرين وتُترك.
الشيخ: حلو، واحد بيلقي مثلًا بمئة ريال يدور لك مدى الدهر.
الطالب: لكن ( ... ) التعريف ظنًّا منه أنه حول كامل، هل ( ... ) في الغالب؟ الشيخ: لا، لازم الحول الكامل؛ لأنه ربما يكون صاحب اللُّقطة راح عن البلد، ويرجع إليه بعد شهر أو شهرين أو ما أشبه ذلك.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بالنسبة للمولود من الزنا والسؤال يا شيخ تابع لسؤال الشيخ، يعني يكفر مع وجود التوبة والرجعة.
الشيخ: هل أيش؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2321

الطالب: المولود من الزنا ومع وجود الصحوة والراجعين إلى الله عز وجل التائبين يعني .. الشيخ: إي، هل؟ الطالب: إذا كان الإنسان فكَّر بعد ما ابتُلي بالفاحشة أنه يتزوج هذه المرأة إذا تابت، فهل الولد الحاصل بينهما يمكن استلحاقه به بالرجل يعني؟ الشيخ: هذا لا نُفتي به في هذا المكان، إذا وقعت مسألة بعينها أعاننا الله على الفتوى بها.
الطالب: تقع كثيرًا يا شيخ.
الشيخ: إذا وقعت بعينها.
الطالب: سُئلت هذا.
الشيخ: إذا وقعت بعينها.
الطالب: وقعت بعينها يا شيخ.
الشيخ: ما هي عليك، إذن ما هي بعينها.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- امرأة أرادت تشرب ماء زمزم عند البئر، فوضعت عباءتها في مكان، فلما رجعت تريد تأخذ عباءتها وجدت عباءة أخرى.
الشيخ: وهي ما تشرب إلا واضعة عباءتها؟ ليش ما بتأحذها معها؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: كيف؟ على كل حال هي مثل غيرها مثل الرجل يضع نعليه ولا يجده.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ذكرنا أنه ما يوجد مع اللقيط فهو له، ولكن يا شيخ إذا كان دراهم.
الشيخ: إذا كان؟ الطالب: إذا كان دراهم، فهل يجوز لمن أخذه أن ينتفع بهذه الدراهم؟ الشيخ: لا؛ ينفق عليه منها.
طالب: إذا خرج إنسان من المسجد وجد نعل ( ... ). الشيخ: يعني زوجي النعلين أخذهما.
الشيخ: أيش تقولون في هذه الصورة هذه؟ يقول: لما خرج وجد نعل ( ... ) ما هي نعلته، ( ... ) نعلة الأخ اللي خدها.
الطالب: يعني نفس اللون والحجم؟ الشيخ: إي: يقع يا هذا.
طالب: اتسرقت قبل.
الشيخ: اتسرقت أنت؟ الطالب: هنا في المسجد يا شيخ.
الشيخ: الحمد لله، ويش سويت؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: جزاك الله خيرًا، لكن إذا كان واحدة مثلًا جديدة وواحدة عتيقة، الظاهر أن ما أحد لابسها؛ لأن حتى الناس يتنقصونه، لكن إن كان هي مقاربة، فأرجو أن يكون هذا يأخذها ولا عليه.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2322

الشيخ: والله الظاهر يمكن هذا، يمكن طاح من السيارة، هذا ما هو لقيط؛ لأنه ما نبذ، هذا يدخل في قوله: (أو ضل) وقد عرفت أن القول الراجح أن الضال لا يدخل في اللقيط.
الطالب: لُقطة.
الشيخ: لقطة.
طالب: ( ... ). الشيخ: إذا كان لقطة، وصار لا تتبعه همة أوساط الناس فهو له سواء كان أُخِذ متاعه أو لا.
طالب: إذا وجد على الخط السريع وجد لقطة؟ الشيخ: هذه مرت علينا، لكنك نسيت، ماذا قلنا فيها؟ قلنا: يُعرِّفها في أقرب البلاد، الخط السريع، يُعرِّفها في أقرب البلاد.
الطالب: ( ... ). الشيخ: يعني أقل من الكيلو.
الطالب: بعيدة، مسافة بعيدة.
الشيخ: طيب، أي البلدتين أقرب؟ الطالب: ليست إلى أيهما أقرب، بلدة المسافة بعيدة؛ يعني بيننا وبين المدينة.
الشيخ: بينك وبين المدينة، إذا كان في نصف الطريق معناه تعرفها بكلتا القريتين، فهمت؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لكن في الغالب أنه قد يكون الشيء الذي يسقط هكذا، لو كان في البلد تتبعه همة أوساط الناس، لكن في هذا تجد الرجل يقول: خلاص أيس منه، مثل لو وقع كرتون من هذه أجرار الماء، جرة الماء معروفة، لو سقط كرتون، صاحبه لا يهتم به، ولهذا لو ذكر عن قُرب ما يرجع، لكن لو وجدت مثلًا صندوقًا فيه حلي ذهب، يرجع ولَّا ما يرجع؟ طلبة: يرجع.
طالب: يا شيخ، إذا ضل من لا عقل له ( ... )؟ الشيخ: أما ذكرنا لكم أن مسألة الضال هذه لا ترد على القول الراجح، لا ترد أصلًا.
الطالب: ( ... ). الشيخ: مربط يعني؟ الطالب: لا ( ... ). الشيخ: إي نعم، مثل الطفل يقول: هنا يجب أن يعرف يسأل عنه، يبحث عن أهله.
طالب: يا شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة للمرأة تفقد عباءتها، قد يا شيخ يحدث هذا مثلًا في الولائم لما تدخل النساء ينزعن يعني العباءت.
الشيخ: صحيح، إي نعم.
الطالب: عباءتهم، ولما يطلعن، وكل واحدة تأخذ عباءة غيرها.
الشيخ: هي مثلًا ما لها حد، الصور كثيرة، ما لها حد.
الطالب: كيف تعمل يا شيخ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2323

الشيخ: نفس اللي قاله الأخ يكون لقطة.
الطالب: تُعرِّفها يعني؟ الشيخ: تُعرِّفها وإلا تتركها.
الطالب: ما ممكن تطلع بغير عباءة يا شيخ؟ الشيخ: إذا كان ممكن تطلع بغير عباءة تستعير من أختها.
الطالب: وفي الحرم يا شيخ كيف تصير؟ الشيخ: حتى الحرم؟ الطالب: منين تستعير في الحرم؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: إذا قلنا: إنها تستعير، منين تستعير في الحرم؟ طالب آخر: تشتري.
الشيخ: ما أدري.
طالب: ( ... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، هذا مثل الضمان الثاني مثل لو وافقت واحد ( ... ) في وسط المسجد ( ... ) ضمان يعني ( ... ) رجل ادعى أن اللقطة له، فهل يلزم دفعها إليه؟ طالب: لزم.
الشيخ: لزم دفعها إليه، خطأ.
الطالب: ( ... ). الشيخ: يعني إذا وصف.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ألا يمكن أن يقال للاقط؛ يعني واجِد اللُّقطة أن يقول: لا أدفعها إلا ببينة.
الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، أحسنت؛ لأن صاحبها ليس له ( ... ). لكن لو خاف بأن كانت هذه اللُّقطة يعني موجودة بكثرة بين الناس، كل إنسان يمكن أن يأتي ويقول: هي لي.
الطالب: ( ... ). الشيخ: يعني له ذلك أن يطلب البينة.
صحيح، إذا خاف من أحد يرجع عليه فله أن يطلب البينة.
رجل ترك حيوانًا بفلاة عاجزًا عنه، فهل يملكه آخذه؟ طالب: لا يملك أخذه.
الشيخ: لا يملك أخذه، خطأ.
الطالب: ( ... ). الشيخ: يملكه آخر، هذا ما مشى عليه المؤلف إذا تركه عجزًا ملكه آخر، أو الانقطاع ملكه آخر.
هل هناك قول آخر؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ما ندري هذا صاحبه لما وجده مع الرجل قال: هذا ملكي.
الطالب: ( ... ). الشيخ: اللي مشى عليه المؤلف يقول: يملكه آخذه، وليس لصاحبه أن يقال، لكن أسأل: هل فيه قول آخر؟ طالب: ( ... ). الشيخ: أنا أقول لك: من تركه عجزًا.
الطالب: لمالكه.
الشيخ: فهو لمالكه.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2324

الشيخ: القول الثاني، وهذا هو الراجح؛ لأن الأصل بقاء ملكه، ودائمًا الإنسان يعجز عن الشيء، ويدعه على أساس أنه سوف يرجع إليه، ويحاول أخذه، على هذا الرأي ضُم هذه المسألة إلى ما ذكر في باب الجعالة أن من عمل لغيره عملًا لم يستحق شيئًا إلا.
طالب: ( ... ). الشيخ: إلا رد ( ... ). أو إذا أنقذه من هلكة.
هل يجوز أن ينشد الضالة في المسجد؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ مجتمع الناس.
الطالب: ( ... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: مو هذه من مصلحة المسلمين؟ الواجد يبرأ منها وصاحبها يأخذها.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ( ... ) أخشى أن واحدًا يطلع من على الباب الثاني ولا يسمع.
الطالب: ( ... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: هو هذا، هو الآن ضال.
طالب: ( ... ). الشيخ: فقولوا، ويش يقولوا؟ الطالب: لا ردَّها الله عليك.
الشيخ: لا ردها الله عليك، هل نقول: فإن المساجد لم تُبنَ لهذا، أو إن هذا تعليل للحكم الذي ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام، تعليل إذا ما نقول: إن المساجد لم تبنَ لهذا.
يقول: نصيح فيه: لا ردها الله عليك، لا ردها الله عليك.
طالب: ( ... ). الشيخ: ويش نقول؟ يعني هل نقول: إذا سمعنا أحدًا يقول: من عيَّن الضالة هل نقول: لا ردها الله عليك، ونسكت، ولَّا نقول: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبنَ لهذا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، نحن ما بناهرينه، بس بنقول: لا ردها الله عليك.
الطالب: ( ... ). الشيخ: الحديث يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن نقول كل الجملة؛ لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبنَ لهذا، ويحتمل أن الرسول قال ذلك تعليلًا للحكم وهو قوله: «قُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ» (3).

الجزء: 2 - الصفحة: 2325

كأن سائلًا يسأل: لماذا نقول ها الكلام؟ قال: لأن المساجد لم تُبنَ لهذا.
وعليه فنقول: ينظر للمصلحة إذا كان من المصلحة أن يقول: لا ردَّها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبنَ لهذا فليقُلها، تطمينًا لنفسه وقلبه وبيانًا للعلة والحكمة وهذا أحسن؛ لأنك لو قلت: لا ردها الله عليك، وصِحْت به: لا ردها الله عليك سيكون في قلبه شيء، لكن إذا قلت: فإن المساجد لم تُبنَ لهذا؛ اطمأن.
قال: (وهو) أي اللقيط (مسلم) يعني يُحكَم بإسلامه، لأن الأصل أن كل مولود يولد على الفطرة، وهذا مالم يكن في بلد كفار، إن كان في بلد كفار؛ كرجل سافر إلى بلاد الكفر لتجارة أو زيارة أو علاج فوجد لقيطًا وأهل البلد كلهم كفارًا، والبلد بلد كفار، فهنا نحكم بكفره تبعًا للدار من وجه، وحُكمًا بالقرينة من وجه آخر تبعًا للدار؛ لأن الدار دار كفر؛ قرينة؛ لأن الغالب أن من كان في بلد كل أهله كفار أو غالبهم أنه منهم.
لكن إذا وُجِد في بلاد الإسلام، أو في بلد أكثر أهله إسلام فإنه يُحكَم بإسلامه، ويترتب على هذا -إذا حكمنا بإسلامه- أنه لو مات هذا الطفل قبل أن يبلغ فإننا نُغسِّله، ونُكفِّنه، ونُصلي عليه، وندفنه في مقابر المسلمين، ويرثه من يرثه من المسلمين، مثل إذا حكمنا بأن الميراث للاقط يرثه.
لكن سيأتي ذكر لمن يكون ميراثه.
قال: (وهو مسلم وحضانته لواجده الأمين) (حضانته) يعني ضمه وتربيته وكفالته (لواجده الأمين).
لكن اشترط المؤلف أن يكون أمينًا، فإذا كان الذي وجده امرأة والمرأة أمينة لا نخشى عليه لوجوده عندها فحضانته للمرأة، إذا كان رجلًا أمينًا فحضانته للرجل.
إذا كان غير أمين مثل أن يكون فاسقًا أو مشهورًا باستلاب الأموال فإنه لا حضانة له؛ لأن المقصودَ بالحضانة في كل أحوالها هو حفْظ المحضون والقيام بمصالحه، فإذا عرفنا أن الواجد ليس بأمين فلا له حضانة له.

الجزء: 2 - الصفحة: 2326

(لواجده الأمين، ويُنفق عليه بغير إذن الحاكم) يُنفق عليه الواجد بغير إذن الحاكم؛ أي دون أن يستأذن من القاضي؛ لأن الحضانة له، لكن من أين ينفق؟ ينفق مما معه، وسبق أن ما كان معه أو قريبًا منه أو مدفونًا طريًّا فهو له، فينفق عليه مما معه بغير إذن الحاكم؛ والمراد بالحاكم -إذا أُطلق في كلام الفقهاء- القاضي.
(وميراثه وديته لبيت المال) (ميراثه) إن خلف مالًا، وديته إن قُتل لبيت المال؛ لأنه ليس له وارث.
وأسباب الإرث ثلاثة: النكاح، والنسب، والولاء.
وهذا ليس له سبب؛ لا نكاح، ولا نسب، ولا ولاء، فيكون ميراثه لبيت المال، أفهمتم؟ طيب لو تزوج هذا اللقيط؛ كبر وتزوج، وأتاه أولاد، فميراثه لمن؟ لورثته، للزوجة إن بقيت معه ولأولاده، لكن إذا لم يتزوج فإن ميراثه يكون لبيت المال.
(ديته) إن قُتِل فهي لبيت المال؛ لأن الدية في حُكم الموروث؛ ولهذا لو أوصى الإنسان بثلثه، وأحصينا ماله بعد أن قُتل فإننا نضم الدية إلى المال، ويُخرج ثلث الدية كما يُخرج ثلث بقية المال.
(وميراثه وديته لبيت المال، ووليه في العمْد الإمام) يتعين أي (يتخير بين القصاص والدية).
(وليه) أي: ولي اللقيط (في العمد) أي: في القتل العمد.
(الإمام يتخير بين القصاص والدية) فأيهما أنفع يفعله، أحيانًا يكون القصاص أنفع وأحيانًا تكون الدية أنفع وإذا ترددنا فالدية.
أحيانًا يكون القصاص أنفع إذا كان الذي قتله عمدًا معروفًا بالشر والفساد والعدوان، فهنا أيش؟ القصاص أنفع.
فلو قال قائل: أنتم إذا اقتصصتم منه فوَّتُّم ديته على بيت المال؟ قلنا: لكننا إذا نظرنا إلى المصلحة العامة رجَّحنا القصاص.
(الدية) أحيانًا يكون القاتل عمدًا ليس معروفًا بالشر والفساد، وربما يكون عن نزاع بينه وبين هذا اللقيط فقَتَله، فهنا قد نقول: إن الدية أفضل؛ أخذ الدِّية هنا أفضل، ولكن هل هذا التخيير بين القصاص والدية هل هو تخيير إرادة أو تخيير مصلحة؟ طالب: تخيير مصلحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2327

الشيخ: الثاني، تخيير مصلحة، وكل من .. ووَلِيُّه في العَمْدِ الإمامُ يَتَخَيَّرُ بينَ الْقِصَاصِ والدِّيَةِ، وإن أَقَرَّ رجلٌ أو امرأةٌ ذاتُ زَوجٍ مسلمٍ أو كافرٍ أنه وَلَدُه أُلْحِقَ به ولو بَعْدَ موتِ اللقيطِ، ولا يَتْبَعُ الكافرَ في دينِه إلا ببَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أنه وُلِدَ على فِراشِه، وإن اعْتَرَفَ بالرِّقِّ معَ سَبْقِ مُنافٍ، أو قالَ: إنه كافرٌ , لم يُقْبَلْ منه، وإن ادَّعاهُ جَماعةٌ قُدِّمَ ذو الْبَيِّنَةِ، وإلا فمَن أَلْحَقَتْهُ القافةُ به.
(باب الوقف) وهو تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ الْمَنفعةِ، ويَصِحُّ بالقولِ وبالفعلِ الدالِّ عليه كمَن جَعَلَ أَرْضَه مَسْجِدًا وأَذِنَ للناسِ في الصلاةِ فيه، أو مَقبرةً وأَذِنَ في الدفْنِ فيها، وصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وحَبَسْتُ، وسَبَلْتُ.
وكِنايتُه: تَصَدَّقْتُ وحَرَّمْتُ وأَبَّدْتُ.
(وديته لبيت المال، ووليه في العمد الإمام يتخير بين القصاص والدية) (وليه) أي: ولي اللقيط، (في العمد) أي: في قتل العمد.
(الإمام يتخير بين القصاص والدية) فأيهما أنفع يفعله، أحيانًا يكون القصاص أنفع، وأحيانًا تكون الدية أنفع، وإذا ترددنا فالدية.
أحيانًا يكون القصاص أنفع إذا كان الذي قتله عمدًا معروفًا بالشر والفساد والعدوان، فهنا القصاص أنفع.
فلو قال قائل: أنتم إذا اقتصصتم منه فَوَّتم ديته على بيت المال؟ قلنا: لكننا إذا نظرنا إلى المصلحة العامة رجحنا القصاص.
الدية؛ أحيانًا يكون القاتل عمدًا ليس معروفًا بالشر والفساد، وربما يكون عن نزاع بينه وبين هذا اللقيط فقتله، فهنا قد نقول: إن أخذ الدية هنا أفضل، ولكن هل هذا التخيير بين القصاص والدية هو تخيير إرادة أو تخيير مصلحة؟ طالب: تخيير مصلحة.
الشيخ: الثاني؛ تخيير مصلحة، وكل من خُيِّر بين شيئين وهو متصرف لغيره فالمراد المصلحة، أما من خُيِّر بين شيئين للتوسيع عليه ولا يتعلق بغيره فهو تخيير إرادة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2328

وقول المؤلف رحمه الله: (ووليه في العمد الإمام) ولم يقل: أو نائبه، ولم يقل: الحاكم الذي هو القاضي.
فيقال: أما الأول فقد عُلِمَ في كلام الفقهاء رحمهم الله أن نائب الإمام يقوم مقام الإمام، فمثلًا في عرفنا الآن في مسألة القصاص والحدود وما أشبهها نائب الإمام في هذا؟ طلبة: القاضي.
الشيخ: لا، وزير الداخلية، ووزير الداخلية له نواب، وهم الأمراء والمحافظون، فعلى هذا نقول: الإمام أو نائبه، كما جرى ذلك في كلام الفقهاء في مواضع كثيرة.
(وإن أقرَّ رجل أو امرأة ذات زوج مسلم أو كافر أنه ولده أُلْحِقَ به) إن أقر رجل أو امرأة ذات زوج أنه له فإننا نلحقه بدون بينة؛ لأن الشرع يتشوف إلى إلحاق الأنساب.
وظاهر كلام المؤلف أنه سواء أقر .. ، بل صرح به قال: (أُلْحِقَ به ولو بعد موت اللقيط) هذا رجل علم باللقيط، فجاء إلى القاضي أو إلى الأمير أو إلى المحافظ قال: هذا ولدي، فيلحق به، إلا إذا علمنا كذب الدعوة؛ مثل أن يأتي وله عشر سنوات يقول: الولد ولدي، يمكن هذا ما يمكن؟ أو يأتي وله عشرون سنة واللقيط الآن له اثنتا عشرة سنة، يمكن؟ طلبة: ما يمكن.
الشيخ: انتبهوا يا جماعة، ما يمكن، الظاهر أن الأخ يقول: يمكن.
طالب: لا، لا يمكن.
الشيخ: ليش؟ لماذا؟ الطالب: إذا كان اثنا عشر سنة ( ... ) سنوات.
الشيخ: ما يمكن يُولَد له.
الطالب: هذا غريب.
الشيخ: غريب ولَّا غير ممكن؟ الطالب: أو مستحيل.
الشيخ: مستحيل، عادةً مستحيل.
إذن نقول: لا بد من إضافة قيد؛ أن يمكن صحة الدعوى، فإن لم يمكن صحة الدعوى فإنه لا يُقْبَل؛ ولهذا قال المؤلف: (أو امرأة ذات زوج) لو ادعت امرأة ذات زوج أنه ولدها، يُقْبَل أو لا يُقْبَل؟ طلبة: يُقْبَل.
الشيخ: يُقْبَل، لو أنكر الزوج؛ قال زوج المرأة: ليس هذا ولدًا لي، أُلْحِقَ بالمرأة ولم يُلْحَق بالزوج؛ لاحتمال أن يكون هذا الولد أتاها قبل أن تتزوج، أو أنها وُطِئَت بشبهة أو بزنًا، وزوجها لا يريد أن يستلحقه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2329

إن لم تكن ذات زوج يلحق بها أيضًا من باب أولى؛ لأنه إذا كانت ذات الزوج تُقْبَل دعواها أنه ولدها، فمن لم يكن لها زوج من باب أولى، اللهم إلا إذا كذَّبها الواقع؛ بأن تكون بكرًا وتقول: هذا الولد لي، فلا يُقْبَل.
قال: (أو كافر) معطوف على (مسلم) يعني: سواء كان المقر بأنه ولده كافرًا أو مسلمًا، إن كان مسلمًا فالأمر ظاهر ولا إشكال فيه، إذا جاءنا رجل مسلم قال: هذا اللقيط ولدي، قلنا: خذه، بارك الله لك في ولدك، إذا كان كافرًا نلحقه به، لكن لا نمكنه من حضانته، نقول: نعم، الولد الآن ولدك، لكن الولد محكوم بإسلامه، ولا حضانة لك عليه.
إذن ما الفائدة بإلحاقه؟ النسب؛ لأن هذا الكافر ربما يُسْلِم يومًا من الأيام، فيرد اللقيط إليه ويتوارثان، والشارع له تَشَوُّف بالغ في إلحاق النسب.
(أو كافر أنه ولده أُلْحِقَ به) أي: صار ولدًا له، وصار أولاد المدعي أيش؟ طالب: إخوانه.
الشيخ: أخوة له.
CID=8947 قال: (ولو بعد موت اللقيط) هذه إشارة خلاف؛ يعني: يُلْحَق به ولو بعد موت اللقيط.
ومن العلماء من يقول -القول الثاني؛ المذهب- يقول: ولو بعد موت اللقيط؛ لأن للشارع تشوفًا في إلحاق النسب، ولم يَدَّعِه أحد، فليكن ولدًا له.
القول الثاني أنه بعد موت اللقيط لا نطلق أنه يُقْبَل، بل في ذلك تفصيل؛ إن كان هناك تهمة فإنه لا يُلْحَق به، والتهمة أن يكون لهذا اللقيط أموال كثيرة فيدعي بعد موت اللقيط أن اللقيط ولده؛ من أجل أن يرث هذه الأموال، فهذا لا نقبله؛ لأن التهمة هنا قائمة قيامًا تامًّا، ثم أي فائدة من حيث النسب، أي فائدة نحصل عليها وهو قد مات ولم يخلف ذرية ولا شيء؟ ! وهذا القول الثاني -وهو الصواب- أنه بعد موت اللقيط إذا قامت التهمة والقرينة على أنه إنما يريد المال فإننا لا نلحقه به.

الجزء: 2 - الصفحة: 2330

قال: (ولا يتبع الكافرَ في دينه إلا ببينة تشهد أنه ولد على فراشه) أي كافر؟ الكافر الذي ادعاه نحكم بأنه ولده، ولا نحكم بأنه على دينه؛ لأنه سبق لنا أن اللقيط مُسْلِم.
قال: (ولا يتبع الكافرَ في دينه إلا ببينة تشهد أنه ولد على فراشه) فإذا أقام بينة بأنه وُلِدَ من زوجته أو أنه وُلِدَ من سُرِّيَّته فهنا لا بد أن نلحقه به؛ نسبًا ودينًا، حتى يبلغ سن التمييز ويختار من الأديان ما شاء.
(وإن اعترف بالرق مع سبق منافٍ أو قال: إنه كافر لم يُقْبَل منه) (إن اعترف) الضمير يعود على؟ طالب: اللقيط.
الشيخ: اللقيط قال: إنه رقيق لفلان، نظرنا: إن سبق ما ينافي دعواه لم نقبل منه؛ مثل أن كان هذا اللقيط يتصرف في بيع وشراء كل شيء، ثم قال: إنه رقيق، فهنا لا نقبل، لماذا؟ طالب: لأنه قد ( ... ) دعواه ما ينافي .. الشيخ: صحة قوله، نقول: هذا الرجل كان يتصرف بنفسه، ولا يقول: إني أراجع سيدي أو ما أشبه ذلك، فلا نقبل، وأما إذا لم يسبق منافٍ فإنه يُقْبَل.
والقول الثاني أنه لا يُقْبَل؛ لأن الحرية والرق حق لله عز وجل إلا إذا أقام من أقرَّ له بينة على أنه رقيقه، فإننا نحكم بالبينة لا بإقرار اللقيط.
(أو قال: إنه كافر) من اللي قال؟ طالب: اللقيط.
الشيخ: اللقيط، فإننا لا نقبله؛ لأننا حكمنا بإسلامه.
وفائدةُ ردِّ قولِه: إنه كافرٌ أنه إذا أصرَّ على الكفر صار مرتدًا، فيقال له: إما أن تسلم، وإما أن تُقْتَل؛ لأن المرتد لا يُقْبَل منه البقاء على ردته، لكن لو كان كافرًا من الأصل أبقيناه على كفره وأخذنا منه الجزية، حسب ما تقتضيه الشريعة.
(وإن ادَّعاه جماعةٌ قُدِّم ذو البينة) أي: صاحب البينة، (إن ادعاه) أي: اللقيط، (جماعة) كل واحد قال: هذا لي، هذا ابني، إن أقام أحد البينة على أنه ابنه وُلِدَ على فراشه فهو له، وإلا لم يكن لأحدهم بينة، فإننا نعرضه على القافة، والقافة هم قوم يعرفون الأنساب بالشبه، وبنو مدلج من العرب مشهورون بهذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2331

ولهذا لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة ذات يوم وجدته مسرورًا؛ دخل عليها مسرورًا تبرق أسارير وجهه فسألته، فقال لها: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ دَخَلَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهُمَا قَدْ تَغَطَّيَا فِي رِدَاءٍ قَدْ بَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» (1)، فسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة هذا الرجل القائف الذي لا يعرفهما ولا يعرف أمرهما، وذلك أن قريشًا كانت تتهم زيد بن حارثة؛ لأن أسامة أسود وزيد أبيض، وتقول: هذا ليس ولدًا لهذا، وهذا لا شك أنه يهم الرسول عليه الصلاة والسلام؛ يلحقه الهم؛ لأن زيدًا مولاه وأسامة ابن مولاه، وكلاهما مولاه، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يحبهما، ومعلوم أن الطعن فيهما ليس بأمر هين على النبي صلى عليه وعلى آله وسلم، فشهادة هذا القائف تزيده سرورًا.
المهم أن نعرضه على القافة، وكيف نعرضه على القافة؟ هذا يرجع فيه إلى الأساليب المعتادة؛ إما بأن يُعْرَض الوجه وتُسْتَر الأجسام، أن يُجْعَل حائل ويُعْرَض الوجه.
وإما أن تُعْرَض الأقدام؛ لأن الأقدام -سبحان الله- دليل واضح على الوجوه، حتى إنه عندنا هنا في البلد أناس يعرفون الرجل بقدمه؛ إذا رأى القدم ورأى أصابعه -يقول لي هذا الرجل بنفسه- يقول: كأنني أشاهد وجهه، سبحان الله! عجائب، حتى إنه إذا تسلق الجدار وكانت الجدران من قبل كانت من الطين تتأثر بالأصابع، فإذا سرق -مثلًا- وصعد على الجدار؛ تسلق الجدار عرفه بإبهامه فقط، ويقول: كأني أشاهد وجهه، وإذا دخل على حوش الغنم وسرق وخرج ورأى أثره في الرمل قال: خلاص، هو فلان.
فالمهم أن الوجوه والأقدام تدل على النسب؛ لأن مجززًا المدلجي إنما رأى أقدامهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 2332

من ألحقته القافة به لحقه، لا فرق بين أن يكون الأول مدعيًا أو الثاني أو الثالث؛ يعني -مثلًا- لو أحدهم جاء في الساعة الواحدة والآخر في الساعة الثانية والثالث في الساعة الثالثة، كلهم ادعوا أنه ولدهم فإنما نعرضه على القافة، فمن ألحقته به لحقه.
قول القافة في الأنساب معتبر، فهل يُعْتَبر قول القافة في الأموال؟ بمعنى أن القائف إذا قال: هذا القدم الذي هو قدم السارق قال: هذا فلان ابن فلان، هل يُؤْخَذ به، أو يقال: إنه قرينة ويُؤْتَى بالرجل إن أقر، وإلا برئ؟ طلبة: فيها خلاف.
الشيخ: فيها خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إذا عرف بالإصابة بالتجربة فإنه يُؤْخَذ به، وكما قلت لكم قبل قليل: هؤلاء القافة ربما يشهدون شهادة على أن هذا قدم فلان ابن فلان وليس عندهم فيه شك، فيكون قرينة، وتعرفون قضية داود وسليمان ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 78، 79]، فاستدل بالأثر على المؤثِّر.
إذا ألحقته باثنين؛ قالت: هو ولد لزيد وعمرو يلحق بهما؟ الفقهاء يقولون: يلحق بهما وأنه يمكن الحمل من رجلين، لكن علماء الطب المعاصر يقولون: هذا لا يمكن أن يكون ولد لشخصين، فيدرس الموضوع ويُنْظَر: هل ما قاله الفقهاء هو الواقع أو لا؟ لأن الفقهاء ربما يقولون: الشبه، إذا كان يشبه هذا وهذا يلحق بهما، والشبه أحيانًا يكون الرجل مشابهًا لرجل ليس من قبيلته، فضلًا عن كونه أبًا أو أخًا.
طالب: بارك الله فيكم، سؤال: الطب الحديث يمكن يعني .. ، أو سمعنا أنه يمكن معرفة إلحاق بالنسب عن طريق الدم والتحليلات في مكونات الدم، فهل يُؤْخَذ به إذا ثبت؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2333

الشيخ: الدم يقولون لي: ما هو دليل؛ لأنه قد يكون الأب دمه من فصيلة كذا والابن من فصيلة كذا، لكن يمكن الأنسجة أو التي اطلعوا عليها أخيرًا الآن الجينات يمكن، لكن عاد تيجي عاد المسألة الأخيرة هذه الاستنساخ، عاد هذا مشكل، يبقى ما عندنا علم، لكن -كما تعلمون- الأمور هذه يُكْتَفى فيها بالظاهر؛ فإن الشاهدين إذا شهدا يجوز توهمهما ويجوز نسيانهما، والفروض العقلية في الأمور الخبرية غير واردة؛ لأننا لو أردنا أن نرجع إلى الأمور العقلية لكان كل خبر يرد عليه احتمال في العقل.
طالب: أحسن الله إليك، اللقيط الذي وُجِدَ في بلاد الكفار، إذا كان واجده مسلمًا، لماذا لا نحكم بإسلامه مع أنه ( ... )؟ الشيخ: إي نعم؛ لأن الواجد هذا يقول: ليس ولدًا لي، هو نفسه يقول: ليس ولدًا لي، ولا هي مسألة حرب حتى نقول: إن الأسير يتبع من أسره المسألة سلم.
طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- إذا وجدناه في بلاد المسلمين فادعاه كافر، فألحقناه به نسبًا لا دينًا، فكبر هذا اللقيط فاختار الكفر، هل يُقَر عليه أم يُسْتَتاب؟ الشيخ: لا، ما يُقَر عليه؛ لأن الحكم أنه مسلم.
الطالب: ( ... ) بلغ يختار ما شاء من دين؟ الشيخ: إي، يختار ما شاء، لكن لو اختار الكفر ما نمكنه من هذا.
طالب: شيخ، لو ادعاه ( ... )؟ الشيخ: وعلى كل حال إذا كان الأب .. ، تعرف أن الولد يتبع أمه في الحكم، لكن هل يُلْحَق به أو لا؟ هذا محل تأمل.
طالب: المؤلف عبَّر بالقافة بالجمع، هل يُفْهَم منه أنه لا بد أن يكون القائف أكثر من واحد؟ الشيخ: لا، المراد الجنس، ولا القائف الواحد إذا كان عدلًا مجربًا بالإصابة يكفي ( ... ). في أربع سنوات وقرابة النصف من منتصف عام ألف وأربع مئة، وأربعة عشر في مئة وسبع وثلاثين درسًا، المقصود العلم.
طالب: واجد اللقيط أنفق عليه من ماله الخاص دهرًا طويلًا، ثم مات اللقيط، أفلا يكون أحق أنه يرثه؟ الشيخ: لا يرثه.
الطالب: ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2334

الشيخ: حقيقة هذه كنت أريد أن أقولها.
القول الثاني في مسألة الميراث أن ميراثه لللاقط، وهذا هو القول الراجح؛ أن ميراث اللقيط لمن وجده، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجاء فيه حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن هذا أولى من أن نجعله في بيت المال؛ لأن بيت المال من ينتفع به؟ عامة المسلمين، لكن هذا ينتفع به الواجد الذي تعب عليه وحضنه، وربما يكون هو السبب أيضًا في تحصيل المال، فالصواب القول الثاني في أن من أسباب الإرث الولاء بالالتقاط.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ادَّعى رجل أن ابنًا له، ووافقت على ذلك المرأة أن الابن ولد من هذا الرجل، وادعى زوج المرأة أن الابن له؟ الشيخ: زوج المرأة؛ يعني: زوج ثانٍ قبل؟ الطالب: لا، هذا الرجل رجل أجنبي من المرأة، بعدين جاء ابن قال: هذا الابن له من هذه المرأة .. الشيخ: يعني زانٍ؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: وادَّعى الزوج أنه له، فالقول قول الزوجة؛ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (2) ( ... ). طالب: ذرية يا شيخ؟ الشيخ: ذرية من؟ الطالب: ذرية اللقيط.
الشيخ: يعني له ذرية؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إذا علمنا أنه ليس قصد المال فلا بأس، نلحقه، إذا علمنا أن هناك قرينة تدل على أنه إنما أراد المال فلا نلحقه.
الطالب: حتى وإن الذرية يعني .. ؟ الشيخ: إي، وإن كان الذرية له، حتى الذرية إذا قدمهم الأب بيأخذ السدس مع الأبناء.
طالب: إذا ادعته -يا شيخ- المرأة اللقيط أنه ولدها ( ... ) فهل ( ... )؟ الشيخ: لا بد يشوف ويش إقرارها؛ هل أقرت أنه ولدها من هذا الزوج؟ نعم يرث، إلا إذا أنكروا الأولاد.
طالب: يا شيخ، بالنسبة لمسألة ادعاء الرق، إذا اعترف بالرق، هل ترد على ما رجحناه قبلًا؟ الشيخ: اللي هي؟ الطالب: أنه لا يمكن أن يكون كبيرًا؛ أن اللقيط يكون ( ... ) فقط ولا يكون ضائعًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2335

الشيخ: لا، ربما يكون بعدما كبر، من بعدما كبر وُجِدَ وهو صغير، ثم بعد أن كبر قال: إنه رقيق لفلان.
الطالب: يتصور؟ الشيخ: إي، يُتَصَور، كيف ما يتصور؟ وجده شخص، ولما كبر هذا اللقيط قال: إنه رقيق للوزير، للأمير، للملك، يُتَصَور.


طالب: كتاب الوقف

وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه، كمن جعل أرضه مسجدًا وأَذِنَ للناس في الصلاة فيه، أو مقبرة وأَذِنَ في الدفن فيها.
وصريحه: وقفتُ، وحبستُ، وسبلتُ، وكنايته: تصدقتُ، وحرمتُ، وأبدتُ، فتشرط النية مع الكناية أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة أو حكم الوقف.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
اللقيط تناقشنا فيه ولَّا؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: على آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما مناسبة ذكر حكم اللقيط في باب اللقطة؟ طالب: أنه بعدما ذكر الضياع من الأموال ذكر الضياع من الإنسان.
الشيخ: إذن الجامع بينهما أن في كل منهما ضياع، وإلا لكان الأنسب أن يُجْعَل في باب ما يلحق به النسب.
قال المؤلف: (لا يعرف نسبه ولا رقه نُبِذَ أو ضل) أيش معناها؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا.
ويش معنى (نبذ أو ضل)؟ طالب: نبذ يعني أن ( ... ). الشيخ: كيف اللقيط ( ... )؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لا.
طالب: نبذ يعني ( ... )، والضال اللي ( ... ). الشيخ: طيب، إذن (نُبِذَ) هو المطروح؛ كالذي في المهد مثلًا، (أو ضل) يعني: أنه يمشي ويروح ويجي، لكن ضاع عن أهله ولم يوجد له علامة، ما حكم أخذه؟ طالب: فرض كفاية.
الشيخ: فرض كفاية، لماذا؟ عللْ أو دلِّلْ.
الطالب: لأن حفظه واجب على المسلمين.
الشيخ: لأن حفظه واجب على المسلمين، فصار فرض كفاية.
إذا قتل عمدًا فمن اللي يتولى شأنه؟ طالب: ( ... ) يتخير بين الدية والقصاص أيهما أنفع ( ... ). الشيخ: هل يمكن أن يكون القصاص أنفع؟ الطالب: يكون أنفع إذا كان القاتل معروفًا بالعدوان ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2336

الشيخ: يكون أنفع، وإذا كان بالعكس فالدية أنفع؛ لأنها تنفع بيت المال.
يقول المؤلف: (إن اعترف بالرق مع سبق مُنَافٍ) أيش معناها؟ طالب: اعترف بالرق مع سبق مُنَافٍ.
الشيخ: من الذي اعترف؟ الطالب: اللقيط.
الشيخ: اللقيط، (بالرق) أي بأنه؟ الطالب: عبد فلان.
(مع سبق مُنَافٍ) يعني: مع سبق ( ... ). الشيخ: يكذبه.
والسبق المنافي هل له ضابط؟ الطالب: هو التصرف الذي لا يصح من العبد.
الشيخ: هو التصرف الذي لا يصح إلا من حر.
لو قال: إنه كافر؟ طالب: لا يقبل.
الشيخ: لا يقبل، هو يقول: إنه كافر؟ الطالب: لا يقبل.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن الأصل الإسلام.
الشيخ: إذا لم يقبل ما الذي يترتب على هذا؟ الطالب: يترتب على هذا أن يكون مسلمًا.
الشيخ: لكن يقول: إنه كافر الآن؟ الطالب: المولود يولد على الفطرة.
الشيخ: إي، لكن هو يقول: إنه كافر؟ الطالب: اللقيط؟ الشيخ: إي نعم، لقيط كبر صار خمسة عشر سنة.
الطالب: لا يُقْبَل.
الشيخ: إي، ولكن وماذا يترتب على القول: لا يُقْبَل؟ الطالب: يترتب على هذا أن يكون مسلمًا، وإلا يكون مرتدًا.
الشيخ: إي صح؛ يعني: إذا أصر على أنه كافر صار مرتدًا؛ لا نقبل منه إلا الإسلام أو القتل.
يقول المؤلف: (أنه إذا ادعاه مسلم قُبِلَ) إذا ادعاه أنه ابنه يقبل ولو بعد موت اللقيط، (لو) هذه إشارة إلى أيش؟ طالب: إلى خلاف.
الشيخ: إلى خلاف.
ما هو الخلاف؟ الطالب: القول الثاني في المسألة إذا كان هناك تهمة فإنه لا يُقْبَل.
الشيخ: نعم، إذا كان هناك تهمة؛ بأن أثرى هذا اللقيط وصار غنيًّا، وكان الذي ادعاه فقيرًا ولم يكن يدعيه قبل ذلك -يعني حياتَه ما كان يدعيه- فإنه لا يُقْبَل.
القافة جمع؟ طالب: جمع (قائف).
الشيخ: جمع (قائف).
الطالب: وهو الذي يعرف الأنساب والأشكال.
الشيخ: الذي يعرف الأنساب؟ الطالب: يعرف الأنساب بالشبه.
الشيخ: بالشبه.
هل قولهم معتبر؟ الطالب: نعم، قولهم معتبر.
الشيخ: ما الدليل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2337

الطالب: الدليل حديث مجزز المدلجي حينما دخل النبي صلى الله عليه وسلم -في الصحيح- على عائشة وأسارير وجهه تبرق، فسألته عائشة فقال: «إِنَّ مُجَزِّزًا الْقَائِفَ دَخَلَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَكَانَا نَائِمَيْنِ وَلَمْ يَبِنْ مِنْهُمَا إِلَّا أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» (3). الشيخ: «إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ»، وهذا يدل على اعتبار القافة.
هل تعتبر القافة في الأموال؟ طالب: الصحيح أن قولهم قرينة.
الشيخ: الصيحح أنها قرينة، وقد تصل إلى حد البينة؛ لأن بعض القائفين في الآثار يجزمون جزمًا، حتى إن بعضهم حدثني أنه إذا رأى أثر القدم فكأنما رأى وجه الشخص عينًا بعين.


[مدخل (4)

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الوقف) الوقف بمعنى الحبس لغةً، والوقوف بمعنى القيام.
فسَّره المؤلف رحمه الله في الاصطلاح بأنه (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة)، (تحبيس الأصل) أي: منعه، والأصل: أصل الموقوف عليه؛ كالدار مثلًا، والشجر، والأرض، والسيارة، وما أشبه ذلك؛ لأن الوقف يكون في المنقول والعقار.
(وتسبيل المنفعة) يعني: إطلاقها، وعلمنا أن التسبيل بمعنى الإطلاق؛ لقوله في الأصل: إنه تحبيس، فيكون ضده الإطلاق، المعنى: أن الموقف يحبس الأصل عن كل ما ينقل الملك فيه، ويسبل المنفعة؛ يعني: الغلة والثمرة، وما أشبه ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2338

والأصل في هذا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب أرضًا في خيبر وكانت نفيسة عنده، فجاء يستشير النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يصنع فيها؟ لأن الصحابة رضي الله عنهم ينفقون مما يحبون، وكانت هذه الأرض أنفس مال عند عمر، فجاء يستأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها فأرشده إلى الوقف قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَسَبَّلْتَ ثَمَرَتَهَا» (5)، وفي لفظ: «احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَهَا» (6)، وهذا أول وقف في الإسلام، ففعل عمر رضي الله عنه، وجعل لها مصارف نذكرها -إن شاء الله- فيما بعد.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله حكم الوقف -الحكم التكليفي- يعني: هل هو جائز أو حرام أو واجب أو مندوب؟ وإنما ذكر حكمه الوضعي فقال: (ويصح) في القول وفي الفعل، لكن نحن نقول: الوقف لا، هو تبرع بالمال وحبس له عن التصرف فيه، فإذا كان على جهة مشروعة كان مستحبًّا؛ لأنه من الصدقة، وإذا نذره الإنسان كان واجبًا بالنذر، وإذا كان فيه حيف كان حرامًا، وإذا كان فيه تضييق على الورثة كان مكروهًا.
فيمكن أن تجد فيه الأحكام الأربعة أو الخمسة، هذا من حيث الحكم التكليفي، فإذا جاءنا إنسان يقول: أنا أريد أن أوقف هذه الأرض لأعمر عليها مسجدًا، ماذا نقول؟ نقول: هذا مستحب؛ لأنه من الإحسان والصدقة، والله تعالى يحب المحسنين.
(تسبيل المنفعة) يعني: إطلاقها، والمراد بالمنفعة: الغلة؛ كأجرة البيت -مثلًا- والثمرة والزرع، وما أشبهها.
(ويصح بالقول وبالفعل) يصح بالقول بأن يقول: وقفت داري، وقفت سيارتي، وقفت أرضي، وما أشبه ذلك، هذا بالقول، وسيأتي أن القول ينقسم إلى قسمين.
أما الفعل فيشترط أن يكون هناك قرينة تدل عليه على أنه وقف، فإذا وجدت قرينة تدل على أنه وقف فهو وقف ولو نوى خلافه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2339

مثاله قال: (وبالفعل الدال عليه؛ كمن جعل أرضه مسجدًا وأذن للناس بالصلاة فيه) يعني: بنى مسجدًا وقال للناس: صلوا فيه، هنا ما قال: إنه وقف لكنه أيش؟ فعل فعلًا يدل على الوقف؛ لأن الرجل بنى مسجدًا وقال للناس: صلوا، وأما من بنى مُصَلًّى عند بستانه وصار الناس يأتون ويصلون فيه، فهذا لا يدل على أنه وقف، لكن إذا بنى مسجدًا -يعني هيئة مسجد- وقال للناس: صلوا فيه فهو أيش؟ وقف وإن لم يقل: وقفتُ؛ لأن هذا الفعل دالٌّ عليه، حتى لو نوى خلافه، فإنه يكون وقفًا؛ اعتبارًا لقوة القرينة.
وإذا قال: إني أردت أنه عارية، قلنا: في هذه الحال يجب أن تكتب بأني أعرت هذا المكان للناس يصلون فيه، متى احتجته أخذته، لا بد من هذا، وإلا صار وقفًا.
قال: (أو مقبرة وأذن في الدفن فيها) سور أرضه على أنها مقبرة ولم يكتب على بابها: إنها مقبرة، ولم يكتب في وثيقة: إنها مقبرة وقال للناس: من شاء أن يدفن فيها موتاه فليفعل، فهنا نقول: الأرض صارت مقبرة، صارت وقفًا على المسلمين، ولا يمكنه أن يرجع، نعم لو أراد أن يعير أرضًا للدفن فيها فهنا لا بد أن يكتب؛ لأنه أعار هذه الأرض للدفن فيها، وإذا أعار للدفن فيها فإنه لا يرجع حتى يُبْلَى الميت؛ لأنه من لازم الإذن في الدفن أن يبقى الميت المدفون محترمًا، فلا يُنْبَش إلا إذا بلي.
ثم قال: (وصريحه) هذا يعود على القول؛ يعني: القول ينقسم إلى قسمين: صريح وكناية، وهذا يأتي في مواضع، يأتي -مثلًا- في الطلاق في صريح الكناية.
والضابط في الصريح: هو الذي لا يحتمل غيره، والكناية: هو الذي يحتمله وغيره.
الصريح: مجرد ما ينطق به يثبت به الحكم؛ لأنه صريح لا يحتمل معنى آخر، والكناية: لا بد فيها من إضافة شيء؛ إما نية أو قرينة.
ولهذا قال: (وصريحه: وقفتُ) كيف وقفتُ؟ يعني: وقفتُ أرضي، وقفتُ بيتي، وقفتُ سيارتي، وقفتُ قلمي، أي شيء نوقفه فهو وقف.

الجزء: 2 - الصفحة: 2340

(وحبست) حبست يعني: أصله، فيحمل هنا على الأصل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمر: «إِنْ شِئْتَ حَبَسَتْ أَصْلَهَا» (7). فإذا قال: حبستُ، فهو وقف صريح.
سَبَّلتُ، سَبَّلتُ أيش؛ الأصل ولَّا المنفعة؟ طلبة: المنفعة.
الشيخ: المنفعة، فإذا قال: سَبَّلْتُ داري، فالمعنى: أنه سَبَّل منفعته وأبقى أصله حبيسًا، فمرة يذكر ما يعود على الأصل، ومرة يذكر ما يعود على المنفعة.
حَبَسْتُ تعود على الأصل، سَبَّلْتُ على المنفعة، فدلالة (حَبَسْتُ) على الوقف دلالة التزام؛ لأنه من لازم قوله: حبست؛ أي: الأصل أن يسبل المنفعة، وسَبَّلْتُ أيضًا دلالتها على توقيف الأصل دلالة التزام؛ لأن قوله: سَبَّلْتُ المنفعة يعني أيش؟ يعني: حبست الأصل، هذه ثلاث كلمات: وقفتُ، وحبستُ، وسبلتُ.
وما اشتق منها فهو مثلها؛ لو قال: هذه أرض موقفة أو موقوفة أو محبسة أو مسبلة فهي صريح.
ولو قال: سأحبس لم ينعقد الوقف؛ لأن هذا خبر وليس إنشاء، والعقود إنشاء وإن كان صيغتها صيغة الخبر لكنها إنشاء.
أنا مُسَبِّل؟ طالب: ينعقد.
الشيخ: مثلها: أنا مُسَبِّل، مثلها: أنا موقف، أنا محبس، كل هذا يكون صريحًا في وقف.
(كنايته) ما الكناية؟ قلنا في تعريفها: ما يحتمل المعنى وغيره.
(كنايته: تصدقتُ) كلمة (تصدقتُ) تدل على الصدقة، والصدقة يملك بها المتصدق عليه الأصل والمنفعة وتكون ملكًا له، فإذا قال: تصدقتُ على فلان بسيارتي، فالسيارة تكون الآن ملكًا له يتصرف فيها كما شاء، ويمكن أن تكون وقفًا إذا نوى أنها وقف.
الثاني: (حرمت) دالة على من؟ على نفسي، حرمتها على نفسي، ولا يحرم ملك الإنسان على نفسه إلا إذا أخرجه عن ملكه.
(أَبَّدْتُ) كذلك هذا كناية؛ لأن أبدتُّ؛ أي: جعلته مؤبدًا لا يغير؛ فلذلك نقول: هو كناية وليس صريحًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2341

قال: (فتُشْتَرط النية مع الكناية أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة أو حكم الوقف) يعني: أن الكناية لا يثبت بها الوقف إلا بواحد من أمور ثلاثة: النية؛ فإذا قال: تصدقت بسيارتي على فلان، ثم قال: إنه نوى أنه وقف عليه، فكلام المؤلف يدل على أنها تصير وقفًا، وأن المتصدق عليه لا يبيعها ولا ينقل ملكها؛ لأنها وقف.
لكن لو ادَّعى المتصدق عليه أنها ملكه، فهنا تعارض شيئان: ظاهر اللفظ وباطن النية.
فهل نقول: إن الإنسان أعلم بنيته وأنه يرجع إليه؛ لأنه أخرج ملكه على هذا الوجه، فلا يخرج إلا على هذا الوجه، أو نقول: إن هذه دعوى خلاف الظاهر وهي ممكنة؛ لأنه ربما يتحسب على الصدقة بها ويدعي أنها وقف حتى تكون حبيسة؟ هنا ينبغي أن يتدخل فيها القضاء، ويُنْظَر هل هذا الرجل أمين بحيث يكون ما ادَّعاه من النية صدقًا، أو غير أمين ويحكم بالقرائن؟ إذا قال: حَرَّمتُ سيارتي، فهذه يحتمل أن المعنى حَرَّمَها؛ أي: حلف ألَّا يركبها؛ لأن التحريم يمين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2]، فيحتمل أن يقال: حَرَّمْتُها؛ أي: حرمت ركوبها والانتفاع بها، وحينئذٍ يكون ذلك يمينًا؛ إذا كفَّر كفارة يمين عاد واستعملها.
فإذا قال: حَرَّمْتُ سيارتي، ثم رأيناه يريد أن يبيعها، فهنا نقول: قفْ، هل أنت نويت الوقف أو لا؟ إذا قال: لم أنو الوقف، قلنا: بعها، وكفِّر كفارة يمين.
وإن قال: أنه نوى الوقف صارت وقفًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2342

(كتابُ الوَقْفِ)

مدخل

وهو تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ الْمَنفعةِ، ويَصِحُّ بالقولِ وبالفعلِ الدالِّ عليه كمَن جَعَلَ أَرْضَه مَسْجِدًا وأَذِنَ للناسِ في الصلاةِ فيه، أو مَقبرةً وأَذِنَ في الدفْنِ فيها، وصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وحَبَسْتُ، وسَبَلْتُ.
وكِنايتُه: تَصَدَّقْتُ وحَرَّمْتُ وأَبَّدْتُ.
فتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ معَ الكِنايةِ أو اقترانِ أحَدِ الألفاظِ الْخَمسةِ أو حُكْمِ الوَقْفِ، ويُشْتَرَطُ فيه الْمَنفعةُ دائمًا من عينٍ يُنتفَعُ به معَ بَقاءِ عَينِه كعَقارٍ وحيوانٍ ونحوِهما، وأن يكونَ على بَرٍّ كالمساجِدِ والقناطرِ والمساكينِ والأقاربِ من مسلمٍ وذِمِّيٍّ، غيرَ حَرْبِيٍّ وكَنيسةٍ ونُسَخِ التوارةِ والإنجيلِ , وكُتُبِ زَنْدَقَةٍ، وكذا الوصِيَّةُ والوَقْفُ على نفسِه، ويُشترَطُ في غيرِ المسجدِ ونحوِه أن يكونَ على مُعَيَّنٍ يُمْلَكُ لا ملكٌ وحيوانٌ وقبرٌ وحَمْلٌ وحَمْلٌ، لا قَبولُه ولا إخراجُه عن يدِه

(1) (2)

(3)

(3)

طالب: شيخ، هناك مسألة مهمة وهي أن بعض الحكومات في البلاد العربية في زمن الاشتراكية ( ... )، بعد عشرين سنة وكذا صارت تبيع هذه على أنها أملاك للحكومة، السؤال من شقين؛ هل يجوز شراء هذه الأملاك؟ وإذا شراها الإنسان من دون علم ثم عرف أنها كانت وقفًا فكيف يتصرف فيها؟ الشيخ: هذا شراؤه على أقسام: الأول: أن يشتريها استنقاذًا فهذا واجب؛ بمعنى أنه يشتريها من الحكومة ليردها إلى صاحبها، كأن يكون رجلًا قد أغناه الله، ويعرف أن هذه الأرض أو هذا البيت لفقراء، فيشتريه ليرده عليهم، هذا نقول: واجب؛ لأن الواجب إنقاذ مال أخيك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2343

الثاني: أن يشتريه من أجل ألَّا يبقى عند الحكومة تلعب به فهذا جائز؛ لأن رده إلى صاحبه الآن متعذرٌ، فيجوز.
لكن في نفسي شيء إذا كان يعلم صاحب العقار، يعلم أن هذا بيت فلان بن فلان، فهذا نتردد فيه؛ لأنه الآن لا يمكن أن يقول القائل: إنه ينتفع بمال أخيه المعين وهو يعلم أنه مغصوب.
الثالث: إذا علمنا أننا إذا أضربنا عن الشراء فإن الحكومة ترتدع وترد الأملاك إلى أهلها، فهنا يجب أيش؟ يجب الامتناع؛ ألَّا نشتري، بخلاف ما أخذ على أنه عقوبة معلومة عند الناس فإنه يجوز شراؤها ولو كان الإنسان يعرف صاحبها؛ كالذي يُؤخذ غرامات، مثل بعض السيارات التي تصادر، أو بعض الأموال تكون في الموانئ وتطول المدة ويعلن عنها مرات وكرات ولا يأتي أهلها، وقد تقرر أنه إذا بقيت المدة المحددة في الميناء فإنها تصادر؛ فهذا لا بأس به؛ لأن رجوعه إلى صاحبه محال، ولأن خروجه عن ملكه يعتبر تفريطًا من المالك.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- الوقف إذا كان محرمًا ( ... )، فهل يصح؟ الشيخ: لا يصح، كل مباحٍ أريد به المحرم فهو حرام، هذه خلها عندك، ولهذا مر علينا -أدركت أو لم تدركه- أن الإنسان إذا باع العنب لمن يتخذه خمرًا .. طالب: لا يصح.
الشيخ: صار حرامًا.
طالب: ( ... ) قوله: (وأن يكون على بِرٍّ)، تعريف البر؟ الشيخ: البِرُّ ما كان في ثواب وأجر، ضده المعصية، وضده ما لا ثواب فيه ولا أجر.
طالب: بارك الله فيك، رجلًا بنى دارًا، وساعدته زوجته على بناء هذا الدار بمالها الخاص ( ... )، ولكن قبل وفاة الرجل أوقف هذا البيت، فعلمت المرأة بعد وفاة الرجل، لما علمت أن زوجها أوقفه رفضت الوقف وقالت: إن لي فيه رصيد كبير، فليس له أن يوقفه، فهل يعني ( ... )؟ الشيخ: معلوم أن نصيبها لا يصح وقفه.
الطالب: لكن -يا شيخ- معروف ( ... ) تبرع منها وليس .. ؟ الشيخ: إذا ثبت عندنا أنها قد تبرعت بما أنفقت على هذا البيت لزوجها ووقَّفه نَفَذَ الوقف، لكن إذا لم نعلم فالأصل بقاء ملكها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2344

طالب: شيخ، أحسن الله إليك ( ... ) مدة معينة عشر سنين ( ... )؟ الشيخ: مؤقت يعني؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما يصح.
طالب: ( ... ) ما يجوز وقفه الشيخ: ما يجوز وقفه للمستأجر، أما لمالكه لا بأس.
الطالب: ( ... ). الشيخ: صحيح، هو المسألة فيها خلاف، لكن المذهب ما يصح، لكن عمل الناس الآن عندنا أنه يصح، كثير من بيوت الوقف كلها متسأجرة.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- بالنسبة لوقف نصراني على الكنائس، لو قال قائل: لو أجزنا لهم أن يوقفوا على كنائسهم، ( ... ) كثيرة في بلاد إسلامية وغيرها يشجعون النصارى على أن يشتروا المحلات ( ... ) عقارات ويقفونها على كنائسهم، فإذا فتحنا هذا الباب تسلطوا على أملاك المسلمين وصار لهم قوة في البلد؟ الشيخ: هو إحنا ذكرنا أنهم إذا تحاكموا إلينا حكمنا عليهم بمقتضى الشريعة الإسلامية.
الطالب: ( ... ). الشيخ: يبقى، يعني هذا دينهم وهم يقرون على دينهم.
الطالب: لو علمنا بهذا المقصد يا شيخ؟ الشيخ: ما ندري ( ... ) لو علمنا أن هؤلاء يشترون البيوت ليوقفوها على الكنائس ربما نمنعهم من شرائها، أو نقول للمسلمين: لا تبيعوها، المسلم إذا علم أنه اشتراها النصراني ليضيفها إلى الكنيسة أو ليؤجر منفعتها إلى الكنيسة ما يجوز له أن يبيع.

طالب: هل يصح الوقف المتنقل يا شيخ؟ الشيخ: ما هو الوقف المتنقل؟ الطالب: أن يقف على طلبة العلم وهي معه يتنقل بها.
الشيخ: هذه سهلة، يجعل له النظر عليها، يقول: هذه المكتبة -مثلًا- وقف على طلاب العلم، ولي النظر، فإذا قال: لي النظر ورأى أن من المصلحة أن ينقلها إلى مكان آخر لا بأس.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: المذهب ما يصح فيما يشترط فيه القبض، أما ما لا يشترط فيه القبض؛ لأن الفقهاء يفرقون، فيصح.
الطالب: والراجح؟ الشيخ: الراجح أنه لا بأس؛ لأن الشرع إنما جاء بالنهي عن البيع «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» (4).


الجزء: 2 - الصفحة: 2345

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وأن يكون على بِرٍّ؛ كالمساجد والقناطر والمساكين، والأقارب من مسلم وذميٍّ غيرِ حربي، وكنيسةٍ، ونسخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة، وكذا الوصية والوقف على نفسه.
ويُشترط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معين يملك لا مَلَكٍ وحيوان وقبر وحمل، لا قبوله ولا إخراجه عن يده.
الشيخ: متى يشترط أن يكون الوقف على بِرٍّ؟ طالب: إذا كان على جهة عامة.
الشيخ: إذا كان على جهة عامة.
مثل؟ الطالب: الوقف في المساجد ونحوها.
الشيخ: المساجد، الفقراء.
الطالب: والقناطر.
الشيخ: المجاهدين، طلاب العلم.
الطالب: المساكين.
الشيخ: الفقراء والمساكين واحد، طلاب العلم.
طيب إذا كان على جهة.
إذا كان على معين؟ طالب: إذا كان على معين يشترط ألَّا يكون على إثم، ولا يشترط أن يكون على .. الشيخ: يعني لا يشترط أن يكون على بِرٍّ.
مثاله؟ الطالب: مثاله الوقف على ذمي .. الشيخ: معين.
طالب: معين.
الشيخ: طيب.
لو وقَّف على أهل الذمة عمومًا؟ الطالب: يشترط أن يكون على .. الشيخ: السؤال أجبْ يصح أو لا يصح؟ الطالب: يصح.
الشيخ: إذا وقف على أهل الذمة عمومًا؟ الطالب: يصح على بِرٍّ.
الشيخ: سبحان الله! وقف على أهل الذمة؛ على اليهود والنصارى والمجوس.
الطالب: لا يصح الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه على .. الشيخ: إذن الحكم غير صحيح؛ لأنك ما عرفت العلة.
طالب: لأنه على جهة عامة.
الشيخ: يعني لو وقف على الذميين؟ الطالب: فلا يصح.
الشيخ: لا يصح.
ليش؟ الطالب: لأنه على جهة عامة.
الشيخ: والجهة العامة يشترط أن تكون على بِرٍّ.
طيب على ذمي معين؟ الطالب: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن الذي على المعين لا يشترط أن يكون على بِرٍّ؛ لأنه قد يقصد منفعة ها الشخص بعينه لا التقرب إلى الله عز وجل.
إذا كان على شيءٍ محرم؛ جهة أو معين، الحكم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2346

طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يجوز.
لماذا؟ الطالب: لأنه محرم.
الشيخ: لأنه محرم، والوقف عليه إعانة على أيش؟ الطالب: على محرم.
الشيخ: على محرم.
تمام.
لو وقف على المغنِّين؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: المغنِّين؟ الطالب: فيه تفصيل.
الشيخ: مطربون يدخلون السرور والنشوة! أيش تقول؟ الطالب: إذا كان بهذا الوصف لا يصح.
الشيخ: إذا كان بهذا الوصف لا يصح، وإن كان على وصف آخر؟ يعني فيه التفصيل.
الطالب: فيه التفصيل إذا كان وقف على النساء .. الشيخ: لا، على المغنين مذكر.
الطالب: لا يصح مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: لأنه إعانة على الفسق والعدوان.
الشيخ: طيب وقف على زيد وهو مغنٍ؟ الطالب: هذا فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: إذا كان يستعمل هذا الوقف فيما يقوم به من الغناء .. الشيخ: لا أبدًا، الوقف بيت، وقَّف عليه بيتًا ولَّا سيارة.
الطالب: إذا كان يستعمل هذا البيت في الغناء .. الشيخ: يسكن.
الطالب: يصح.
الشيخ: يصح؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، أحسنت.
وإن كان هذا البيت قد حُصِّل على أنه دار أغانٍ ووقفه على معين؟ طالب: السؤال يا شيخ.
الشيخ: بيت مبني على وجه يكون للأغاني، وقَّفه عليه؛ على شخص معين، على مغنٍ معين.
الطالب: إذا كان معينًا يجوز.
الشيخ: لكن تعرف البيت هذا مصنوع على أنه يصلح للأغاني؟ الطالب: هو نفسه ( ... ). الشيخ: في الصدى، وفيه أشياء تخلي الأغنية بهيجة، فوقفه على هذا المغني؟ الطالب: إي، على واحد معين .. الشيخ: على واحد معين؟ الطالب: ( ... ) لا يجوز.
الشيخ: هل يجوز أو لا يجوز؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: ( ... ) إذا كان معينًا يشترط ألا يكون ( ... ). الشيخ: طيب ويش تقولون في الجواب؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح.
إذن لو وقف عليه بيتًا ليسكنه فلا بأس، لو وقف عليه بيتًا أنشئ للأغاني فلا يجوز؛ لأنه إعانة على الإثم، بارك الله فيك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2347

إذن الحمد لله هذه القاعدة مفيدة لكم: ما كان على شيء عام فلا بد أن يكون على بِرّ، ٍ وما كان على معين فلا بد ألَّا يكون على إثم.
قال: (وكذا الوصية والوقف على نفسه) يعني: لا تصح الوصية لنفسه .. (وكذا الوصية)؛ يعني الوصية لا تصح على جهة عامة إلا أن تكون على بِرٍّ، أما إذا كانت على معينة؛ على شخص معين فلا بأس ألَّا تكون على بِرٍّ لكن لا يجوز أن تكون على إثم.
الفرق بين الوصية والوقف الوقف عقد ناجز، فيقول الرجل: وقَّفت بيتي، وقَّفت سيارتي، وقفت كتبي؛ يكون وقفًا في الحال.
الوصية بعد الموت يقول: أوصيت بداري للفقراء، هذه الوصية.
والفرق أيضًا الثاني أن الوقف يقع منجزًا في الحال ولو كان وقَّف جميع ماله، إلا أن يكون في مرض الموت المخوف.
والوصية لا تكون إلا من الثلث فأقل، ولغير وارث، وما زاد على ذلك أو كان لوارث فلا بد من موافقة الورثة على هذه الوصية.
فلو قال: أوصيت ببيتي لفلان ثم توفي، حصرنا تركته بعد موته وجدنا أن هذا البيت أكثر من الثلث، فما الذي ينفذ من البيت؟ ما يقابل الثلث فقط، فإذا كان النصف فإنه ينفذ من البيت كم؟ إذا كان هذا البيت النصف وأيش ينفذ من البيت؟ طالب: ثلثاه.
الشيخ: ثلثاه؛ لأن الثلثين بالنسبة للكل ثلث، لكن لو أجاز الورثة وقالوا: ليس عندنا مانع فإن ذلك لا بأس به، هذا هي قاعدة المذهب، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عليها وبيان تحليلها.
قال: (والوقف على نفسه) يعني: لا يصح، الوقف على نفسه لا يصح؛ بأن يقول: وقَّفت على نفسي بيتي الفلاني، يقول المؤلف: إن هذا لا يصح.
قال الإمام أحمد: لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله، والموقِف على نفسه لم يصنع شيئًا؛ لأنه أخرج ملكه إلى ملكه، فما الفائدة؟ ! فإن قالوا: الفائدة ألَّا يبيعه؛ لأن الوقف لا يجوز بيعه، قلنا: ومن الذي يجبره على بيعه؟ يبقيه حرًّا غير وقف ولا يبيعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2348

فإن قال: أخشى أن تغلبني نفسي على بيعه، فأوقفه على نفسي، فهنا تكون الفائدة؛ إذا كان الإنسان يخشى على نفسه أن يبيع بيته الذي أوقفه على نفسه وقال: إنما أوقفته على نفسي خوفًا من ذلك، نقول: نعم، هذه فائدة، لا شك أن لها وزنًا وقيمة.
ولذلك اختلف العلماء رحمهم الله هل يصح أن يقف الإنسان على نفسه أو لا؟ فالمذهب أنه لا يصح، والقول الثاني أنه يصح.
ولكن إذا وقفه على نفسه -على المذهب- فإن ذكر أحدًا بعد نفسه انتقل إلى هؤلاء في الحال؛ مثل أن يقول: هذا وقف على نفسي، ومن بعدي على أولاد فلان مثلًا، نقول: ينتقل في الحال إلى من؟ إلى أولاد فلان، ولا يصح أن يقف على نفسه.
أما إذا لم يذكر أحدًا بعده؛ بأن قال: وقفت هذا على نفسي، وسكت، فالوقف لا يصح، ويبقى ملكًا حرًّا غير وقف؛ لأن هذا الوقف لم يصح، ولم يُذْكَر له مآل يُصْرَف إليه، فيرجع إلى الواقف.
القول الثاني أنه يصح الوقف على النفس، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء المحققين وقالوا: إن الوقف على النفس فيه فائدة، وهي أيش؟ الامتناع من بيعه، ولكن لو فعل هذا تحيلًا لإسقاط حق الغرماء؛ مثل أن يكون رجلًا مدينًا، فأوقف بيته على نفسه لئلا يباع في دينه، فالوقف هنا غير صحيح، حتى لو فُرِض أنه وقفه على غير نفسه حيلةً ألا يباع في الدين فإنه لا يصح الوقف.
وهذا هو القول الراجح؛ أن الإنسان الذي عليه دين يستغرق ماله فإنه إذا أوقف شيئًا من ماله لا يصح؛ لأن ماله الآن تعلق به حق الغرماء، ولأن وفاء الدين واجب والوقف سنة، ولا يمكن أن تقوى سُنة على إسقاط واجب.
المهم الآن نرجع إلى المسألة، الوقف على نفسه فيه قولان؛ القول الأول: لا يصح، وإذا قلنا: لا يصح ماذا نصنع بهذا الموقوف؟ نقول: إن ذكر بعده أحدًا صُرِف إلى من بعده، وإن لم يذكر أحدًا رجع إليه ملكًا؛ لأن الوقف لا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2349

والحقيقة أن قولهم: إنه يصرف إلى من بعده وقفًا يؤيد القول بأن الوقف على النفس صحيح؛ لأننا إذا قلنا: إنه لا يصح وجب ألَّا يصح ولا يصرف إلى من بعده؛ إذ كيف يُصْرَف إلى من بعده وهو لم يكن وقفًا صحيحًا؟ ! القول الثاني في المسألة أن الوقف على النفس صحيح ما لم يجعل ذلك حيلة أيش؟ لإسقاط دينٍ عليه فإنه لا يصح.
قال: (ويشترط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معين) يشترط، هذا الشرط الرابع، هو الرابع ولَّا؟ طالب: الثالث.
الشيخ: الثالث، يشترط أن يكون على معين يملك، وقوله: (في غير المسجد) يعني غير المسجد؛ مثل المكتبة، الكتب، وما أشبه ذلك.
وقوله: (ونحوه) يريد به الجهات العامة؛ كالفقراء وطلبة العلم والمساكين والمجاهدين، وما أشبه ذلك.
يُشترط في غير هؤلاء أن يكون على معين.
طيب المسجد إذا أوقف هذا البيت على مسجد، يُصْرَف ريعه في مصارف المسجد، هذا معين ولَّا غير معين؟ طلبة: معين.
الشيخ: معين لكنه لا يملك.
إذا أوقف على الفقراء؟ طلبة: غير معين.
الشيخ: هو غير معين ولكنه يملك، ونحن نشترط أن يكون على معين ويملك.
فصار الآن الوقف على جهة لا تملك لا بأس به، الوقف على جهة عامة ولو كانت تملك لا بأس به.
أما إذا وقف على معين فيقول: (يشترط أن يكون على معين) وضده المبهم، ضد المعين المبهم.
فإذا قال: هذه وقف على زيد أو عمرو، أو على أحد هذين الرجلين، فالوقف غير صحيح.
ليش؟ لأنه غير معين، من هو الذي عليه الوقف من هذين؟ لا ندري، فلا يصح الوقف؛ لأنه لا بد أن يكون على معين، فالمبهم لا يصح الوقف عليه.
وقال بعض العلماء: يصح ويُخْرَج أحدهما بقرعة؛ لأن هذا أقرب إلى مقصود الواقف؛ إذ إن الواقف يريد أن يبرَّ أحد هذين ولكن لا يدري أيهما أصلح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2350

وهذا القول أقرب للصواب، اتباعًا لأيش؟ لمقصود الواقف؛ الواقف أخرج هذا عن ملكه لا يريده، انتهى منه، لكن أشكل عليه هذا أو هذا، فقال: هو وقف على أحد هذين الرجلين؛ إما فلان وإما فلان، فهنا يُخْرَج بقرعة.
لكن لو قال: إما فلان وإما فلان، والنظر لفلان ثالثٍ، فهنا نقول لفلان الناظر: أعطه من ترى أنه أصلح، فإذا كان أحدهما أشد حاجة أو أشد طلبًا في العلم أو ما أشبه ذلك فلا حرج أن يُعْطَى إياه؛ لأننا نعلم أن مقصود الواقف هو البر والإحسان.
الثاني شرط أنه يملك؛ لا بد أن يكون يملك، فإن كان على معين لا يملك لم يصح، ويش تقول؟ طالب: إذا كان على معين لا يملك لا يصح.
الشيخ: لا يصح، طيب.
مثاله قال: (لا مَلَك) لو وقف على مَلَك معين؛ كجبريل مثلًا، قال: هذا وقف على جبريل عليه السلام؛ لأنه أمين الله على وحيه، يصح ولَّا ما يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لا يملك.
الشيخ: لأنه لا يملك، وإذا كان لا يملك لا يصح.
(حيوان) قال: هذا وقف على فرسِ فلانٍ، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن الفَرَس لا تملك.
أما لو قال: هذا وقف على خيول الجهاد فهذه جهة، ما هي معين، جهة، يصح؛ لأن هذه عامة، وكلامه على المعين لا بد أن يكون ممن يملك.
لكن لو تأملت مقصود الواقف بأن يقول: هذا وقف على فرس فلان، أو على الفرس الفلاني، وهو أنه يريد أن ينفع هذا الفرس؛ لأنه يقاتل عليه في سيبل الله، فهنا يصح على ما نراه؛ أنه إذا كان لهذا الحيوان عمل بِرٍّ فإنه يصح، ولكن ماذا نفعل؟ يعني نجيب المغل الدراهم نحطه عند رأسه ويأكله أيش نعمل؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، يصرف في مصالحه؛ في رعيه، في بناء حجرة له في الشتاء أو في الصيف، أو ما أشبه ذلك.
فالقول الثاني في الحيوان أنه إذا كان هذا الحيوان مما يُنْتَفع به في الدين فلا بأس أن يُوقَف عليه ويُصْرَف في مصالحه، فإن استغنى عنها صُرِف فيما يشابهه.
يقول: (وقبر) عندكم (قبر)؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2351

طالب: نعم.
الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، بعد ( ... ) ما عندكم (قبر) قبل؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: طيب على كل حال مهمة، لو قف على القبر فالوقف غير صحيح؛ أولًا: لأن القبر لا يملك، ثانيًا: لأنه إذا وقف على القبر فهو وسيلة إلى المحرم، ماذا ينتفع القبر بهذا؟ فإذا قال: أنا لا أريد أن أزوق القبر أو أعلق عليه السرج أو ما أشبه ذلك، لكن أريد إذا انخسف أن يجدد؛ لأنه في بعض الأحيان تكثر الأمطار وتنزل إلى اللبن الموضوع على اللحد، ثم ينخسف القبر، يحتاج إلى ترميم، فنقول: لا يجوز حتى في هذه الحالة؛ لأن هذه حالة نادرة فلا تصح.
فإذا قال قائل: إذا كان القبر قبر ولي، له سدنة، وله خدم، وله زوار، فهل يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: نقول: هذا لا يصح من باب أولى؛ لأنه وسيلة إلى الشرك، وقد يكون شركًا أكبر لمن يزورونه.
وكذلك لا يصح الوقف على (الحمل) الحمل في البطن لا يصح الوقف عليه؛ مثل أن يقول: هذا وقف على ما في بطن هذه المرأة، لا يصح.
لماذا؟ طلبة: لا يملك.
الشيخ: نعم؛ لأن الحمل لا يملك، وإذا كان لا يملك فإنه لا يصح الوقف عليه، لكن يصح عليه تبعًا، لو قال: على فلان ومن يولد له فلا بأس، وأما استقلالا فلا؛ وذلك لأن الحمل لا يملك.
(لا قبوله) يعني: لا يشترط في الوقف على معين أن يقبله ذلك المعين، ولا في الوقف على جهة أن يقبله الولي على تلك الجهة.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، ليس بشرط.
فإذا قال: هذا البيت وقف على فلان، وقال فلان: أنا لا أريده، نقول: الوقف الآن نفد، ويُصْرَف إلى من بعده إن ذكر له مآلًا، وإلا صُرِف مصرف المنقطع، وسيأتي -إن شاء الله- بيان لمن يكون الوقف إذا انقطع من يستحقه.
(ولا إخراجه عن يده) يعني: ولا يشترط إخراج الوقف عن يد الواقف، فلو وقف البيت وبقيت يده عليه فالوقف صحيح؛ يعني: الصدقة لا تخرج عن ملكه إلا إذا خرجت عن يده، والوقف يخرج عن ملكه وإن لم يخرج عن يده.

الجزء: 2 - الصفحة: 2352

ولهذا لو أن إنسانًا وضع دراهم في جيبه على أنها صدقة، ثم بدا له ألا يتصدق، فيجوز هذا أو لا؟ هذا يجوز، لا بأس، هي ما دامت في يدك؛ إن شئت أمضيتها، وإن شئت رددتها، لكن الوقف إذا وقف نفد ولو كان تحت سيطرته وتحت يده.
وقوله: (لا قبوله) نصَّ على نفي كون القبول شرطًا؛ لأن من العلماء من قال: إن الوقف على معين يشترط قبول المعين له.
وهذا القول جيد؛ لأننا كيف نلزم الشخص أن يدخل ملكه هذا الشيء بدون رضاه؟ ! إذا قال: أنا لا أقبل، كما لا أقبل أن تهدي عليَّ هدية أو تهب لي هبةً لا أقبل أن توقف عليَّ شيئًا، فالقول بأنه لا بد من قبول المعين إذا وُقِّف عليه الوقف قول قوي أقوى من القول بعدم اشتراطه.
نرجع إلى الشروط، الشروط يقول رحمه الله: (المنفعة دائمًا) فلا يصح توقيف العين التي تتلف بالانتفاع بها، ويشترط أن يكون الموقوف معينًا، فلا يصح: وقفت أحد هذين البيتين.
الثاني: أن يكون على بِرٍّ، متى؟ طلبة: إذا كان على جهة عامة.
الشيخ: إذا كان على جهة عامة.
الثالث: أن يكون على معين يملك.
الرابع: قبوله، على قول من يرى أنه يشترط قبوله، أما على القول الثاني فليس بشرط.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: الزندقة هي النفاق، الزنديق عند الفقهاء هو المنافق؛ يعني من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، إي نعم.
طالب: ( ... ) كتب أهل البدع مثل الزندقة؟ الشيخ: إي نعم، كتب أهل البدع مثل الزندقة، الكتب اللي فيها الأغاني الماجنة مثل الزندقة.

طالب: الوقف على مسجد لأهل البدع؟ الشيخ: يعني المسجد بني لأهل البدع؟ الطالب: ( ... ) النشاط الذي فيه والصلاة كلها لأهل البدع.
الشيخ: لا يصح، الظاهر أنه لا يصح، أو نقول بالصحة ويصرف إلى مسجد سني؛ لأنه قد يكون الواقف أراد الخير ما أراد البدع.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا بالقول أنه يجوز الوقف إلى الحيوان وينتفع به في البر.
الشيخ: الوقف على الحيوان.

الجزء: 2 - الصفحة: 2353

الطالب: الوقف على حيوان، إذا كان يعمل هذا الحيوان في البر، هكذا فهمت.
الشيخ: يعني: وقف على بقرته.
الطالب: ( ... ) ينتفع بها -مثلًا- في الجهاد ( ... ) قلنا: يجوز يا شيخ ( ... ) وقفت بيتي يا شيخ؟ الشيخ: وقفت بيتي.
الطالب: نعم.
الشيخ: على هذا الحيوان، هذا الذي قلناه.
الطالب: لكن يا شيخ .. الشيخ: المذهب لا يصح، اللي مشى عليه المؤلف لا يصح.
الطالب: ( ... ) لا يجوز بيعه، فكيف ينتفع به هذا الحيوان ( ... )؟ الشيخ: لا يا أخي، يؤجر، أيمكن يؤجر؟ يمكن ولَّا ما يمكن؟ الطالب: يمكن.
الشيخ: طيب.
طالب: شيخ، لو وقفه على نفسه وأراد بذلك إسقاط حق الورثة؟ الشيخ: حق الورثة، الورثة سوف يرثونه من بعده؛ لأننا قلنا: إذا وقفه على نفسه ثم مات ولم يذكر مآلًا رجع إلى الورثة.
الطالب: ألا يذهب -يا شيخ- إلى بيت المال؟ الشيخ: أما إذا جعل له مآلًا من بعده فالوقف صحيح؛ يعني حتى لو وقف على زيد، هذا البيت وقفه على زيد وليس له غيره، والواقف كان صحيحًا ليس في مرض موته؛ فهذا صحيح، كما لو وهبه له هبة.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- نحن نعلم أن من مقاصد الشرع ( ... )، لو قلنا بجواز الوقف المبهم الذي يكون بين اثنين، يقول: هو وقف؛ إما على زيد وإما على عمرو، لا شك حتى وإن أقرعنا بينهما فسيحصل ( ... ) سيحصل له من الآخر .. الشيخ: عداوة.
الطالب: سيحصل عداوة وبغضاء، فما رأيكم لو نقول بعدم جواز هذا سدًّا لذريعة التنازع؟ الشيخ: هل الذريعة الظاهر أنها نادرة، لكن لو قال قائل: نصحح على أحد هذين ونجعله بينهما نصفين؟ الطالب: أو هكذا .. الشيخ: لو قال قائل بهذا لكان له وجه؛ لأن الحق الآن ثبت لأحدهما قطعًا، فإذا تنازل وجعله بينه وبين صاحبه فلا بأس.
الطالب: يقسم بينهما؟ الشيخ: أقول: لا بأس إذا اختارا هذا.

طالب: شيخ -بارك الله فيكم- قولهم: وليس على حمل، ما المانع أن يصح الحمل، فإن ولد ( ... )، وإن لم يولد يأخذه الورثة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2354

الشيخ: لا، إن لم يولد صار منقطع الانتهاء.
الطالب: لماذا لا نقول: يأخذه الورثة؟ الشيخ: ورثة من؟ ما يملك؛ لأن الحمل لا يملك حتى يستهل صارخًا؛ ولهذا لو مات أبوه ثم خرج ميتًا هذا الحمل لم يرث.
الطالب: ( ... ) ما الذي يمنع أن نقول به؟ الشيخ: لا نرى شيئًا بينًا في المنع، لكن هذا الذي وقفنا عليه الآن، ويمكن أن يكون فيها قول آخر.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لمن اشترط قبول الموقوف عليه ( ... ) أراد البر والإحسان، فلماذا -يا شيخ- ( ... )؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنه وقف على معين، أما لو علمنا أنه وقفه على هذا المعين لأنه طالب علم مثلًا فهنا نقول: إذا لم يقبل يُعْطَى طالب علم آخر مثله أو أحسن منه، لكن إذا عملنا إنما يريد نفعه فقط شخصيًّا فلا بد من القبول.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- قلنا: لا يشترط ( ... ) حتى لو لم يكن فيه تسبيل للمنفعة؟ الشيخ: هو أصله لا بد من تسبيل المنفعة، الوقف لا بد فيه من تسبيل المنفعة.
الطالب: قد يكون الموقف هذا ( ... ) لا يقصد به المنفعة؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: ألَّا يقصد به المنفعة أحيانًا.
الشيخ: لا، هو إذا وقفه وصح؛ يعني ( ... )، هذه النفعة التي تحصل منه تعطى الموقف عليه سواء كان معينًا أن كانت جهة.
طالب: من وقف ( ... )؟ الشيخ: مشاع يعني؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يصح إذا وقف مشاعًا لمعين يصح، ويبقى نصفه طلقًا ونصفه وقفًا.
(فصلٌ)

الجزء: 2 - الصفحة: 2355

ويَجِبُ العملُ بشرْطِ الواقفِ في جَمْعٍ وتقديمٍ , وضِدِّ ذلك واعتبارِ وَصْفٍ وعَدَمِه وترتيبٍ ونَظَرٍ وغيرِ ذلك، فإنْ أَطْلَقَ ولم يَشْتَرِطْ اسْتَوَى الغنيُّ والذَّكَرُ وضِدُّهما، والنظَرُ للموقوفِ عليه وإن وَقَفَ على وَلَدِه أو وَلَدِ غيرِه ثم على المساكينِ فهو لوَلَدِه الذكورِ والإناثِ بالسوِيَّةِ , ثم وَلَدَ بُنَيَّةٍ دونَ بناتِه كما لو قالَ على وَلَدِ وَلَدِه وذُرِّيَّتِه لصُلْبِه، ولو قالَ على بَنِيهِ أو بَنِي فُلانٍ اخْتُصَّ بذُكورِهم إلا أن يكونوا قَبيلةً فيَدخلُ فيه النساءُ دونَ أولادِهنَّ من غيرِهم طالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
طالب: حتى لو كان فيه عدم تسبيل للمنفعة.
الشيخ: حتى أيش؟ طالب: حتى لو لم يكن فيه تسبيل للمنفعة.
الشيخ: هو أصله لا بد من تسبيل المنفعة، الوقف لا بد فيه من تسبيل المنفعة.
طالب: قد يكون الموقوفة له يلزم أنه لا يخرج من عند الواقف إلا أن تسبل المنفعة.
الشيخ: كيف؟ طالب: ألا تسبل المنفعة أحيانًا.
الشيخ: إذا وقفه وصح ( ... ) إخراجه هذه المنفعة التي تحصل منه تعطى الموقوف عليه، سواء كان معينًا أو كانت جهة، نعم.
طالب: إذا وقف ( ... ). الشيخ: مشاع يعني.
طالب: نعم.
الشيخ: يصح إذا وقف مشاعًا لمعين يصح، ويبقى نصفه طلقًا ونصفه وقفًا، نعم.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا وقف ماله على بر، ولكن قصده من هذا الإضرار بالورثة أو إبطال الشفعة.
الشيخ: هو الرجل إذا قصد إبطال الشفعة، سبق أنه ما يجوز ولا يصح، لكن إذا قصد.
طالب: حرمان الورثة.
الشيخ: حرمان الورثة، هل هو صحيح ولَّا مريض؟ طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، هل نتيقن أن هؤلاء الورثة سيرثونه، أو هو يرثهم؟ طالب: الله أعلم.
الشيخ: ما ندري، وليس هناك سبب، لو كان مريضًا مرض الموت المخوف، نعم، أما إذا كان غير مريض ما يدرى فقد يكون هم الورثة، أو هو الوارث.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، أرأيت لو وهبه تامًّا، لو وهبه تامًّا يجوز.
طالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2356

طالب آخر: كبار السن.
الشيخ: كم من إنسان له تسعون سنة وعمره الله إلى مئة وعشرين، ومات بثلاثين السنة هذه كل الورثة اللي عنده.
طالب: أحسن الله إليك، أوقف مطلقًا ثم احتاج أن ينتفع.
الشيخ: أوقف مطلقًا.
طالب: نعم.
الشيخ: ثم.
طالب: احتاج أن ينتفع بالموقوف.
الشيخ: نعم.
طالب: ما حكمه؟ الشيخ: لا يصح، إلا إذا كان اشترط الغلة لنفسه.
طالب: ما اشترط.
الشيخ: لا.
طالب: ( ... ). الشيخ: إذا أوقف شجرة تنفذ على حسب ما أوقف، حتى لو احتاج فإنه لا، إلا إذا قال: وقف على الفقراء وافتقر فإنه يأكل نعم.
طالب: هل يجوز للواقف أن يغير جهة الوقف، بمعنى أنه وقف هذا الشيء على جهة عامة ثم بدا له أن يغيره إلى معين.
الشيخ: إي نعم، لا يصح، يعني لا يصح أن يغير الوقف، ولا تغير شروطه، إلا إذا رأى أن ينقله إلى ما هو أحسن ويبقى على الشروط التي فيه، فالصحيح أنه جائز إبداله بأحسن منه.
وسيأتينا إن شاء الله أن المذهب لا يجوز إلا إذا تعطلت منافعه بالكلية.
طالب: بارك الله فيكم، في المسائل التي قلنا فيها: لا يصح الوقف وغيرها من كل المسائل التي لا يصح فيها الوقف، هل يسوغ للمفتي فيها ألا يبطل الوقف، وإنما ينقله إلى ما هو مثله أو أفضل منه؟ الشيخ: لا يسوغ، إذا قلنا: لا يصح معناه أنه باطل.
طالب: وحتى لو علمنا مقصود الواقف من أنه أراد الخير.
الشيخ: طيب نعم.
طالب: وحتى لو علمنا مقصود الواقف من أنه أراد الخير.
الشيخ: إي نعم، حتى لو علمنا نقول: ما دام ( ... ) الآن باطل، والواقف موجود يغير، فإن عدم فهو للورثة إن كان قد مات.
طالب: قلنا: إن من عليه دين فإنه لا يصح وقفه، هل هذا .. الشيخ: هذا على القول الراجح، المذهب يصح بشرط ألا يحجر عليه.
طالب: حتى لو لم ينو التهرب منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2357

الشيخ: إي نعم، حتى ولو لم ينو إبطال حق الغرماء، هذا هو القول الراجح، شيخ الإسلام رحمه الله يرى رأيًا جيدًا، وهو الصواب إن شاء الله؛ أن من استغرقت ديونه ماله لا يمكن أن يتصرف بتبرع أبدًا.
طالب: وإن كان الدين فيما بعد الوقف؟ الشيخ: كيف فيما بعد، بعد الوقف يعني بعد أن وقف.
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما يمكن يباع الوقف، الوقف يبقى على حاله.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، فقال المؤلف رحمه الله: فصل

ويجب العمل بشرط الواقف في جمع وتقديم، وضد ذلك، واعتبار وصف وعدمه، وترتيب ونظر، وغير ذلك، فإن أطلق ولم يشترط استوى الغني والذكر وضدهما، والنظر للموقوف عليه، وإن وقف على ولده أو ولد غيره ثم على المساكين فهو لولده الذكور والإناث بالسوية، ثم ولد بنيه، دون بناته، كما لو قال: على ولد ولده وذريته لصلبه، ولو قال: على بنيه، أو بني فلان، اختص بذكورهم، إلا أن يكونوا قبيلة، فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في رجل يهوى المعازف، فوقف نخلًا على أهل العزف؟ طالب: على أهل؟ الشيخ: العزف، ماذا تقول في هذا الوقف؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم على أهل العزف، يأكلون ثمره أو يبيعونه، المهم أنه وقفه عليهم.
طالب: ( ... ). الشيخ: يجوز؛ لأنه جهة، والعزف حلال، نعم.
طالب: ( ... ). الشيخ: ما تعرف العزف.
طالب: ( ... ). الشيخ: آلات اللهو كالموسيقا والرباب وما أشبه ذلك.
طالب: ما يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: على جهة.
طالب: إي نعم لكن يشترط أن يكون برًّا.
الشيخ: لا يجوز، نعم.
طالب: إذا كانوا يستعينون بهذا النخل على شرهم فإنه لا يجوز أيضًا.
الشيخ: إي على أهل العزف.

الجزء: 2 - الصفحة: 2358

طالب: أهل العزف قد ينتفعون به انتفاعًا .. الشيخ: لا، للعزف.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: طيب لا يجوز؛ لأنه يشترط فيما يكون على جهة أن يكون على بر، وهذا ليس من البر، طيب وقف على ذمي.
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح.
طالب: لأنه يشترط في المعين ألا يكون على ( ... ). الشيخ: طيب إذا وقف على ذمي بشرط أن يبقى على دينه.
طالب: يصح.
الشيخ: يصح الوقف ولا يصح؟ طالب: الشرط.
الشيخ: الشرط، طيب رجل وقف على فرس.
طالب: فيه التفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل.
طالب: على المذهب لا يصح.
الشيخ: نعم طيب.
طالب: أما إذا كان الفرس هذا ( ... ) فإنه يصح.
الشيخ: يصح حتى على المذهب.
طالب: حتى على المذهب.
الشيخ: إذن لا يصح أن تقول: فيه التفصيل، قل: فيه خلاف، طيب المذهب لا يصح؛ لأنه لا يملك، والقول الثاني.
طالب: يصح.
الشيخ: يصح ويصرف في.
طالب: في مصارف الفرس.
الشيخ: في مصالح الفرس، طيب هل يصح الوقف على جني؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: جني صالح.
طالب: لا يصح.
الشيخ: نعم.
طالب: لا يملك.
الشيخ: لا يملك، إذن لا يصح الوقف عليه، ويش تقولون؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه لا يملك عن طريق بني آدم، والظاهر أنه عن غير طريق بني آدم أنه يملك، بمعنى أنه فيما بينهم لهم أملاك يملكونها، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا» (1). وقف على زيد، هل يشترط أن يقبله زيد؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: يشترط.
طالب: إي نعم.
الشيخ: وإن لم يقبل.
طالب: لا يجبر عليه.
الشيخ: لا يجبر عليه، حتى على ما مشى عليه المؤلف.
طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، إذن لم تحفظ المتن، نعم.
طالب: المذهب لا يشترط قبوله.
الشيخ: طيب وإذا لم يقبل؟ طالب: وإذا لم يقبل يرجع إلى صاحب ال .. الشيخ: يرجع إلى الواقف، إلا إذا كان قد ذكر له.
طالب: مصرفًا آخر.
الشيخ: مصرفًا آخر، تمام، هذا هو الصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2359

ثم انتقل المؤلف إلى مسائل مهمة في باب الوقف، فقال: (فصل: ويجب العمل بشرط الواقف) على من كان ناظرًا على الوقف، وسيأتي بيان من هو الناظر.
وقوله: (يجب) الوجوب هو اللزوم، والواجب هو الذي يثاب فاعله، ويستحق العقاب تاركه، وقوله: (بشرط الواقف) أي بما شرط من وصف أو قيد أو إطلاق أو غير ذلك، أو جهة، فلا يرجع في ذلك إلى رأي الناظر، بل إلى ما شرط الواقف، فيعمل به، وليس هناك دليل لكن فيه تعليل؛ لأن الواقف أخرج ملكه عن هذا الموقوف على وصف معين، فلا يجوز أن يتجاوز به إلى غيره.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز، ولو كان ذلك فيما هو أفضل، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من يقول: إن الواقف إذا شرط شروطًا في الوقف، ورأى الناظر أن غير هذه الشروط أنفع للعباد وأكثر أجرًا للموقف، فإنه لا بأس أن يصرفه إلى غيره.
أما الأولون فقالوا: إن هذا الرجل أخرج ملكه عن هذا الوقف على وجه معين، فلا يجوز أن نتصرف في ملكه إلا حسب ما أيش؟ إلا حسب ما أخرجه، ليس له الحق.
وأما الآخرون الذين قالوا بالجواز فيقولون: إن أصل الوقف للبر والإحسان، فما كان أبر وأحسن فهو أنفع للواقف وللناس.
واستدل هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل عام الفتح وقال: يا رسولَ اللهِ، إني نذرتُ إنْ فتح الله عليك مكةَ أن أُصليَ في بيت المَقْدِس، فقال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد عليه، فقال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد عليه، فقال: «صَلِّ هَاهُنَا»، فأعاد عليه، فقال: «شَأْنَكَ إِذَنْ» (2). والوقف شبيه بالنذر، فإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجاز للناذر أن ينتقل إلى الأفضل، فالواقف كذلك، وهذا القول هو الصحيح، أنه يجوز أن يغير شرط الواقف إلى ما هو أفضل ما لم يكن الوقف على معين، فإن كان الوقف على معين فليس لنا أن نتعدى، يعني لو قال: وقف على فلان لا يمكن أن نصرفه إلى جهة أفضل؛ لأنه عين، فتعلق حق الخاص به، فلا يمكن أن يغير أو يحول.

الجزء: 2 - الصفحة: 2360

(يجب العمل بشرط الواقف في جمع وتقديم، وضد ذلك، واعتبار وصف وعدمه وترتيب ونظر) كم هذه؟ ثمانية، جمع وتقديم، وضد ذلك اثنان، واعتبار وصف وعدمه وترتيب ونظر ثمانية.
قال: (وغير ذلك) يعني ليس هذا حصرًا، بل كل شرط شرطه يجب العمل به، على ما سمعتم من الخلاف.
أولًا: في جمع بأن يقول: هذا وقف على أولادي وأولادهم، يكون الوقف الآن على الأولاد وأولادهم جمعًا مجموعين، فإذا كان له ثلاثة أولاد وثلاثة أولادِ ابنٍ، كم يقسم الوقف؟ طلبة: ستة.
الشيخ: على ستة؛ لأنه جمعهم، والواو للجمع، لمقتضى الجمع، فيجمعون.
الثاني قال: (وتقديم) يعني إذا شرط تقديم من يتصف بوصف معين، مثل أن يقول: هذا وقف على أولادي، ويقدم طالب العلم الآن الوقف على من؟ طلبة: الجميع.
الشيخ: على الجميع، لكن يقدم طالب العلم.
ومعنى كونه يقدم أنه يعطى كفايته من الوقف، والباقي للآخرين، ففي التقديم لا يحرم المؤخر، المؤخر لا يحرم؛ لأن هذا ليس ترتيبًا، بل هو تقديم وتأخير، فيستحق الجميع، لكن يقدم من قدمه الواقف.
إذا قال: هذا وقف على أولادي يقدم الأعزب منهم، فهل نفي بالشرط أو لا؟ ينظر، قد نقول: لا يوفى بالشرط؛ لأن العزوبة ليست أمرًا مرغوبًا فيه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» (3). لكن لو لاحظ أمرًا آخر بأن قال: يقدم من ماتت زوجته، فهذا أيش؟ لا بأس به؛ لأنه أراد بذلك جبر هذا الأعزب الذي ماتت زوجته، ولعله أن يتزوج.
فإذا كان يريد هذا الواقف يريد أن يجعل العزوبة وصفًا للاستحقاق بدون سبب شرعي، فإن هذا الشرط لاغٍ؛ لأنه خلاف ما يومئ إليه الشرع، وخلاف ما يريده الشرع، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل.
طيب (وضد ذلك) ضد الجمع: التفريق، وضد التقديم: التأخير.

الجزء: 2 - الصفحة: 2361

التفريق أن يقول: هذا وقف على أولادي فلان وفلان وفلان، ويترك الآخرين، هذا تفريق، يعني مثلًا له ستة أولاد، قال: هذا وقف على أولادي فلان وفلان وفلان، كم هم؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: والآخرون ليس لهم حق، لا يستحقون شيئًا؛ لأنه فرق بينهم، ولكن هل يجوز أو لا يجوز هذا شيء آخر، لكن الصورة هي هذه، أما هل يجوز أن يفرق فيعطي أحدًا ويحرم أحدًا، فهذا لا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (4). التقديم التأخير فيقول: هذا وقف على أولادي، يؤخر من يتكاسل عن الصلاة، فهنا نعطي من لا يتكاسل، ونؤخر من يتكاسل، حتى لو فرض أن من يتكاسل أحق بالمال من الآخرين فإننا لا نعطيه؛ لأن الواقف شرط أن يؤخر من اتصف بهذه الصفة.
(واعتبار وصف) يعني: ويجب العمل بشرط الواقف في اعتبار وصف، مثل أن يقول: وقفت على أولادي طلبة العلم منهم، هذا اعتبار وصف، ما هو الوصف؟ طلبة: طلب العلم.
الشيخ: طلب العلم، فيعطى طلبة العلم ويحرم الآخرون.
أو الفقر، فيقول: وقفت على أولادي الفقراء منهم، فهنا يستحق الفقراء ولا يستحق الأغنياء؛ لأنه قيد بوصف.
طيب وقف على أولادي المتزوجين منهم يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأن التزوج صفة مقصودة للشرع، ولأن المتزوجين في الغالب أحوج من غير المتزوجين.
(واعتبار وصف وعدمه) بأن يقول: هذا وقف على أولادي، لا يعطى الأحمق منهم، أو دون الأحمق منهم، هذا اعتبر أيش؟ اعتبر الوصف ولَّا عدم وصف؟ طلبة: عدم وصف.
الشيخ: عدم وصف، فاعتبار الوصف إيجابي وعدمه سلبي.
والترتيب أن يأتي بما يدل على الترتيب، مثل أن يقول: وقف على أولادي، ثم أولادهم، أو وقف على أولادي بطن بعد بطن، أو وقف على أولادي، فإذا مات البطن الأول، أو فإذا عدم البطن الأول فللثاني، هذا نسميه أيش؟ طلبة: ترتيبًا.
الشيخ: ترتيبًا، ولا يختص بـ (ثم)، كل ما دل على الترتيب نعمل به، أفهمتم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2362

طيب لكن إذا قال قائل: ما الفرق بين الترتيب والتقديم؟ الفرق بين التقديم والترتيب أنه في الترتيب لا يتسحق البطن الثاني شيئًا مع البطن الأول، هذا في الترتيب، وفي التقديم يتستحق البطن الثاني مع الأول ما فضل عن الأول، فالبطن الأول والثاني كلاهما مستحق، لكن يقدم البطن الأول، فيمكن أن يشترك البطن الأول والثاني في مسألة التقديم، مثل أن يقول: هذا وقف على أولادي، يقدم الأحوج، فأعطينا الأحوج ما يكفيه؛ لأن الريع كثير، أعطينا الأحوج ما يكفيه، وبقي بقية، هل نعطي الآخر؟ نعم نعطيه، لكن لو قال: وقف على أولادي، ثم أولادهم، وكان الريع كثيرًا، وأعطينا الأولاد حاجتهم وزاد أضعاف أضعاف، هل نعطي البطن الثاني شيئًا؟ لا.
قال: (ثم)، وما بعد (ثم) لا يشارك ما قبلها لوجود أيش؟ الترتيب، طيب لو قال: بطن بعد بطن.
طلبة: ترتيب.
الشيخ: فكذلك لو قال: بطن بعد بطن فهو ترتيب وقوله: (ونظر) النظر يعني الولاية، والأولياء أربعة أقسام، يعني الذين يتصرفون لغيرهم أربعة أقسام: الوكيل، والوصي، والناظر، والولي، كل هؤلاء يتصرفون لغيرهم.
الوكيل: هو في حال الحياة وكَّل فلانًا أن يشتري له شيئًا معينًا، فاشتراه، هذا نسميه وكيلًا.
الوصي: من أذن له في التصرف بعد الموت، مثل أن يقول: أوصيت لفلان بألف درهم، والوصي فلان يعني الذي يأخذ الألف ويعطيه الموصى له هو فلان، نسمي هذا أيش؟ وصيًّا، أو يقول: أوصيت إلى فلان بالنظر على أولادي الصغار، هذا يكون بعد الموت، ويسمى وصيًّا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2363

الوكيل على الوقف يسمى ناظرًا.
ولهذا يغلط كثير من الذين يكتبون الأوقاف يقول: وقفت مثلًا بيتي أو نخلي على ذريتي والوكيل فلان، هذا غلط، والصواب أن يقال: والناظر فلان، لكن لما كان الذين يكتبون للناس غالبهم لم يتعمقوا في الفقه، صاروا لا يفرقون بين الوكيل والوصي والناظر؛ كله وكيل، حتى الوصي الذي بعد الموت يسميه وكيلًا، ولو جاءت لقاضٍ لا يعرف العرف لقال: إن هذا بطلت وكالته، يعني مثلًا لو قال: وصيي على ملكي، أو على أولادي الصغار، وما أشبه ذلك، فلان، لو قال: وكيلي فلان ثم مات.
طلبة: ( ... ). الشيخ: انفسخت الوكالة، فلو قدمت هذه الوثيقة لقاضٍ لا يعرف عادة الناس وعرفهم لقال: الوكالة تنفسخ بموت الموكل، ولا وكالة له.
ولهذا ينبغي للذين يكتبون الوثائق للناس أن يكون لديهم دراية وعلم في الألفاظ ودلالتها الشرعية الولي من كان يتصرف بإذن من الشارع؛ لأن كل من قلنا من وكيل ووصي وناظر يتصرفون بإذن من؟ بإذن المالك، لكن إذا كان التصرف بإذن من الشارع سمي ذلك ولاية؛ كولي اليتيم مثلًا، ولي اليتيم لا أحد من الناس ولاه، بل ولاه الله عز وجل، فيسمى هذا وليًّا، وكولاية الأب على مال ولده، فهذه ولاية لم تكن بإذن من العبد.
إذن الناظر يرجع في تعيينه إلى من؟ طلبة: الواقف.
الشيخ: إلى الواقف، فإذا قال: هذا وقف على الفقراء، والناظر فلان، تعين أن يكون الناظر فلانًا، فلو أرادت وزارة الأوقاف أن تأخذ هذا الوقف لأنه عام فليس لها الحق مع وجود ناظر خاص، والموقف أخرج الوقف عن ملكه مقيدًا بناظر معين، فلا اعتراض لأحد عليه، لكن إن خيف منه ألا يقوم بالأمانة على وجهها فللوزارة أن تعين ناظرًا معه؛ لأن هذا على جهة عامة.
طيب، وهل يصح أن يخصص الواقف بعض الموقوف عليهم بالنظر؟ نعم يصح، فإذا قال: وقف على أولادي، والناظر فلان من الأولاد، صح ذلك، ولا أحد يعترض عليه، اللهم إلا إن خرج عن مقتضى الأمانة، فهذا شيء آخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 2364

يقول: (وغير ذلك) يعني من جميع ما يشترطه الواقف.
والعلة لوجوب الرجوع إلى شرط الواقف ما هي؟ طلبة: لأنه خرج ( ... ). الشيخ: أنه أخرج هذا عن ملكه على وصف معين وشرط معين، فلا يجوز لنا أن نتصرف فيه إلا حسب ما أخرجه به عن ملكه (فإن أطلق) الفاعل الواقف، إن أطلق (ولم يشترط) شيئًا معينًا (استوى الغني والذكر وضدهما، والنظر للموقوف عليه) إن أطلق ولم يشترط شيئًا لا ناظرًا، ولا وصفًا، ولا تقديمًا، ولا تأخيرًا، فإنه يستوي الغني والذكر وضدهما، من ضد الغني؟ طلبة: الفقير.
الشيخ: والذكر؟ طلبة: الأنثى.
الشيخ: الأنثى، فإذا قال: وقف على أولادي، وسكت، فهو لأولاده؛ الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والغني والفقير، على السواء، أو لا يقول استوى، يعني على السواء.
ليس للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن هذا ليس تمليكًا تامًّا، وإنما هو تمليك استحقاق، ولذلك لا يملك هؤلاء الذين وقف عليهم لا يملكون أن يبيعوه، أو يرهنوه، أو يوقفوه، فليس كالهبة، الهبة يجب أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، لكن الوقف لا؛ لأنه ليس ملكًا تامًّا، فإذا قال: وقف على أولادي وله أربعة أبناء، وأربع بنات، قسم على كم سهم؟ طلبة: ثمانية.
الشيخ: كم؟ طلبة: ثمانية.
الشيخ: على ثمانية أسهم، للذكر كالأنثى، ووجه ذلك؟ طالب: ليس ملكًا تامًّا.
الشيخ: أنه أخرجه عن ملكه لهم على وجه الاستحقاق، لا التملك، ولذلك لا يملكون بيعه، ولا رهنه، ولا هبته.
وقوله: (النظر للموقف عليه) النظر يعني إذا أطلق ولم يشترط يكون للموقوف عليه، هذا إذا وقف على معين، فإن وقف على جهة أو على ما لا يملك فالنظر للحاكم، للقاضي، انتبهوا، فالآن إذا وقف على معين ولم يشترط ناظرًا فالنظر للموقوف عليه؛ لأن هو المستحق، وإذا كان الموقوف عليهم عددًا صار لكل نظر بقدر نصيبه، كلهم ينظرون؛ لأن كلهم مستحق فينظرون.

الجزء: 2 - الصفحة: 2365

ومعنى (بقدر نصيبه) أنه لو أمكن أن يُجزَّأ الوقف، وهم ستة إلى ستة أجزاء، وكل واحد ينظر على سدس، فلا بأس.
طيب النظر للموقوف عليه، وهل يصح أن يوقف على معين، ويشترط الناظر من هذا المعين؟ أجيبوا.
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه إذا عين الواقف ناظرًا فلا إشكال؛ إذا وقف على معين بالوصف، مثل أن يقول: هذا وقف على إمام المسجد، أو على مؤذن المسجد، أو على المدرس في هذه المكتبة، فهل النظر له أو للقاضي؟ الواقع أن هذا فيه جهتان: جهة خاصة وجهة عامة، فبالنظر إلى أن إمام المسجد لا يعني فلان بن فلان بل يعني أجيبوا.
طلبة: كل إمام.
الشيخ: كل من تأمم، كل من كان إمامًا في هذا المسجد، من هذه الناحية يكون عامًّا، والنظر فيه للحاكم، ومن ناحية أن الإمام واحد يكون هذا من باب الوقف على معين، فيكون النظر للإمام وحده.
فعندنا الآن يا إخوانا، عندنا جهة عامة، مثل المساكين والأئمة والمؤذنين وطلاب العلم، هؤلاء إذا لم يشترط الواقف ناظرًا فالنظر للحاكم؛ لأنه لا يمكن أن نأتي بكل من كان فقيرًا أو طالب علم، نقول: يلا، انظر في هذا الوقف، هذا متعذر.
وكذلك لو كان الوقف على ما لا يملك؛ كالوقف على المساجد، نعم على المساجد، هذا أيضًا النظر فيه لمن؟ للحاكم، ما لم يعين الواقف ناظرًا خاصًّا.
الوقف على معينين بالشخص، مثل الأولاد، أو زيد، أو عمرو، أو ما أشبه ذلك، النظر هنا لمن للموقوف عليهم، ولا أحد يعارضهم، إلا إذا خرجوا عن مقتضى الأمانة، فللحاكم النظر العام.
الثالث: أن يوقف على معين بالوصف، يعني ليس محصورًا، الأولاد محصورون، لكن مثل الإمام والمؤذن والمدرس وما أشبه ذلك فهذا يتجاذبه شيئان: الخصوص والعموم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2366

فبالنظر إلى أن الإمام واحد يكون النظر له، وبالنظر إلى أنه يشبه أن يكون جهة، وأن هذا الإمام قد يتصرف بما فيه حظ نفسه، بقطع النظر عن إمام يأتي بعده، فهنا يغلب عليه جانب أيش؟ جانب العموم، ويكون النظر للحاكم أو من يأتي من قبل الدولة؛ كوزارة الأوقاف.
ولهذا نقول: لو تعارض رأي الإمام ورأي المسؤولين عن الأوقاف، هل نأخذ برأي الإمام أو نأخذ برأي المسؤولين؟ نعم يجب ألا ينفرد أحدهما بالرأي، بل لا بد ينظر للمصلحة، لكن ليس للجهة المسؤولة الاعتراض على هذا الإمام، إلا إذا خرج عن مقتضى الأمانة.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إذا وقف على أولاده وجعل الناظر منهم، فهل يشرع للناظر منهم لأحدهم، يعني إذا كان ناظرًا أن يأخذ لقاء نظره في الوقف.
الشيخ: إي هل للناظر أجرة؟ طالب: نعم.
الشيخ: إن شرطها الواقف فنعم.
طالب: وإذا لم يشرطها.
الشيخ: وإذا لم يشرطها فله أجرة المثل، ويقدرها الحاكم، وإن تبرع فجزاه الله خيرًا، أعان على خير.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ما وقف الواقف بالترتيب، بطن بعد بطن، متى يأخذ البطن الثاني؟ الشيخ: بالترتيب.
طالب: نعم.
الشيخ: إذا فني البطن الأول كله.
طالب: إذا بقي واحد يستحق ما يستحقون؟ الشيخ: إي يستحقه، يعني لو وقف على أولاده ثم أولاده، وكان عنده من الأولاد عشرة، ومات واحد، فهم مع وجودهم يستحقونه؟ أجب.
طالب: يستحقونه لوحدهم.
الشيخ: كيف؟ طالب: يستحقون فقط هم دون أولادهم.
الشيخ: إي ما يخالف كم يأتي بكل واحد؟ طالب: عشرة أسهم.
الشيخ: يعطي كل واحد عشرة أسهم، ما يصير هذا، هم عشرة.
طالب: لكل واحد منهم سهم.
الشيخ: سهم من أيش؟ طالب: من الوقف.
الشيخ: من كم بالنسبة؟ طالب: يعني: واحد من عشرة.
الشيخ: واحد من عشرة، طيب إذا مات واحد صار لكل واحد؟ طالب: واحد من تسعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2367

الشيخ: واحد من تسعة، وهكذا إلى أن يكون عند آخر واحد جميع الوقف لهذا الباقي، فهمت؟ إذا ماتوا انتقل إلى أولادهم، ولكن هل ينتقل إلى أولادهم على حسب آبائهم، أو على عدد رؤوسهم، يعني مثلًا هؤلاء العشرة واحد منهم خلف عشرة أولاد، وواحد خلف ولدًا واحدًا، هل نعطي الولد الواحد هذا نعطيه نصيب أبيه اللي هو العشر.
طلبة: لا.
الشيخ: أو نوزعه بين الجميع بالسوية.
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأن البطن الثاني يتلقى الوقف عن الواقف، وليس عن البطون.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيكم، لو وقف على معين بالوصف.
الشيخ: نعم.
طالب: مثل الإمام، البيت للإمام، هل له أن يتصرف فيه بما جرى به العرف، حتى لو خرج عن مقتضى ( ... ) يصلح به إصلاحات مثلًا البيت؟ الشيخ: لكن هل قال الواقف: ولا أسمح له أن يتصرف في البيت؟ طالب: لا، ما قال.
الشيخ: الحمد لله، إذن يتصرف فيه.
طالب: اذهب إلى الإمام مثلًا.
الشيخ: قال هذا وقف على الإمام.
طالب: يفتح باب ( ... ). الشيخ: ما فيه بأس، إذا كان لا يضر البيت حتى في المستقبل، لاحظ أن رغبات الناس تختلف، قد يرغب إنسان أن يفتح مثلًا بابًا على الحجرة الأخرى، نعم؛ لأنه من مصلحته يأتي اللي بعده ما يرى هذا، فإذا كان فيه احتمال ألا يكون من مصلحة البيت في المستقبل فيمنع، أما إذا كان مصلحة مِئة بالمئة فلا بأس أن يتصرف.
طالب: بارك الله فيك، لو امتنع الواقف من تغيير شيء من الوقف؟ الشيخ: امتنع.
طالب: الواقف.
الشيخ: إي نعم.
طالب: منع أن يغير شيئًا من الوقف.
الشيخ: امتنع ولا منع.
طالب: منع الناظر مثلًا أن يغير شيئًا من الوقف، مثل فرش المسجد مثلًا، لكنه تلف، وما زال الواقف يمنع من تغييره ولا يصير.
الشيخ: أصله بارك الله فيك الوقف على المسجد يخرج عن ملكه، ما له فيه دخل ولا تصرف.
طالب: اشترط الواقف.

الجزء: 2 - الصفحة: 2368

الشيخ: ولو اشترط يعني مثلًا يقول: بشرط أنه ما يبيع شيئًا من الفرش، ثم تبلى الفرش وتخلق، ما يمكن، أو وقف مسجد وقال: بشرط أن يكون فراشه حصباء يطاع ولَّا ما يطاع.
طلبة: ما يطاع.
الشيخ: نعم، ما يطاع، تغيرت الأحوال.
طالب: مثل لو قال: هذا وقف لأولادي، ثم أولادهم، هل يجب في الأولاد البنات؟ الشيخ: يجينا.
طالب: ( ... ). الشيخ: إذا.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ). الشيخ: عنده عمارة لها خمسة طوابق.
طالب: عشرة.
الشيخ: عشرة طوابق.
طالب: أوقف الخمس.
الشيخ: أوقف الخمس يصح.
طالب: ( ... ). الشيخ: ما يكون وقفًا.
طالب: ( ... ). الشيخ: إذا باع الدور الخامس اللي فوقه ما يصير تبع البيت.

طالب: القاعدة ( ... ). الشيخ: القاعدة هو تابع للإقرار إذا نص عليه، يعني متى أطلق: بعت عليك مثلًا هذه الشقة ( ... ) ناس الآن يختص البيع وغير البيع بالشقة فقط.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، ما يدخل.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، أصله ما هو مقدم إلا لسبب، هو بيقدم الأفقه، يقدم الأفقر، يقدم من أصيب بجائحة.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي.
طالب: ( ... ). الشيخ: ولا يمكن التقديم إلا لسبب، لو قال: أقدم فلانًا فقط ما يجوز.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ). الشيخ: يعني مثلًا كفايته عشرة آلاف ريال في السنة، وصار الريع أحد عشر ألفًا يبقى ألف يشترك فيه البقية.
طالب: إذا صار عشرة ( ... ). الشيخ: بقي ألف ريال.
طالب: ( ... ). الشيخ: ألف ريال، وهم عشرة، بيجي كل واحد مئة ريال.
طالب: ( ... ). الشيخ: لهؤلاء بالسوية.
طالب: غلة البيت عشرة آلاف.
الشيخ: آه طيب.
طالب: وخصص المقدم ( ... ). الشيخ: طيب.
طالب: في هذه الحالة تسقطون البقية.
الشيخ: ما يعطون، لم يبق شيء.
طالب: إذا ما بقي شيء .. الشيخ: المؤخر يكون كالعاصب تمامًا، يعطى ما أبقت الفروض.
طالب: القول الثاني يا شيخ في تغيير شرط الواقف سواء في الجهة أو في ذات.

الجزء: 2 - الصفحة: 2369

الشيخ: لا اللي على ( ... ) شخص ما يغيره.
طالب: لو قال ( ... ). الشيخ: نعم.

طالب: لو مثلًا أوقف على جهة، ويعني شرط أن يقدم أحد الأفقر، فرأى الناظر أن يغير الشرط.
الشيخ: ما يمكن يغير الشرط ( ... ). طالب: الأفقر.
الشيخ: يقول: ما أعطيه.
طالب: لا يعطون بالسوية.
الشيخ: لا، ما يجوز.
طالب: إذن الضابط.
الشيخ: لأن الأفقر كونه يعطى جهة شرعية، يعني حتى لو فرضنا أنه ما قال: يعطى الأفقر، يجب أن يقدم الأفقر حتى في الجمع.

طالب: جزاك الله خيرًا، إذا قدم أحد أبنائه بدون سبب يستحق بهذا قلنا: إنه لا يجوز.
الشيخ: نعم.
طالب: لكن ألا يقال: إن هذا معين، ويجوز الوقف على المعين، بشرط ألَّا يوجد إثم.
الشيخ: صحيح، صدقت، ولكن هذا وُجد إثم.
طالب: ما يوجد إثم.
الشيخ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (4)، هذا إثم، ما هو إثم هذا؟


طالب: والنظر للموقوف عليه، وإن وقف على ولده أو ولد غيره، ثم على المساكين، فهو لولده، الذكور والإناث بالسوية، ثم ولد بنيه دون بناته، كما لو قال: على ولد ولده وذريته لصلبه، ولو قال: على بنيه أو بني فلان اختص بذكورهم، إلا أن يكونوا قبيلة، فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم، والقرابة وأهل بيته وقومه يشمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه، وإن وجدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو حرمانهن عمل بها، وإذا وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتساوي، وإلا جاز التفضيل والاقتصار على أحدهم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول المؤلف: إن العمل بشرط الواقف واجب، علل لذلك؟ طالب: لأنه لما أخرج شيئًا من ماله على وصف معلوم، فوجب التوقف عند شرطه.
الشيخ: لأنه أخرج ماله على هذا الوجه المعين، أو هذا الوصف المعين، فيجب.
طالب: العمل به.

الجزء: 2 - الصفحة: 2370

الشيخ: العمل به، طيب إذا كان شرطًا محرَّمًا.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ طالب: لأن الوقف للإحسان وللبر، فلا يجوز لغيره.
الشيخ: هل عندك دليل؟ طالب: ما فيه.
الشيخ: ما فيه دليل؟ طالب: كما أوقف عمر في أرض خيبر.
الشيخ: لا، هل عندك دليل أنه لو شرط شرطًا فاسدًا محرمًا.
طالب: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ».
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (5)، وفي القرآن العزيز: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 182]. قوله: في جمع وضده، ويش معنى جمع وضده؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ويش معنى جمع وضده قبل المثال.
طالب: الجمع جماعة.
الشيخ: الجمع جماعة.
طالب: ضده الإفراد.
الشيخ: ضده الإفراد، يعني الجمع جماعة.
طالب: تفريقًا للجمع ( ... ) الجمع تفريق.
الشيخ: إي، لكن ويش معنى الجمع يعني الجماعة، ويش معنى الجماعة؟ طالب: الجمع.
الشيخ: هات المثال.
طالب: أن يقول: هذا البيت وقف على أولادي.
الشيخ: على أولادي، هذا جمع لأنه.
طالب: لأنه جمعه.
الشيخ: طيب لو قال: هذا وقف على أولادي وأولاد فلان، والمساجد وما أشبه ذلك، هذا جمع؟ طالب: جمع.
الشيخ: هذا جمع طيب، ضد الجمع.
طالب: التفريق، بأن يقول: هذا وقف على ولدي فلان وفلان فقط.
بأن يقول: هذا الوقف على فلان وفلان من أبنائي دون بقيتهم، فهنا فرق.
الشيخ: نعم فهنا فرق.
طيب قوله: التقديم وضده.
طالب: التقديم أن يقدم من اتصف بوصف.
الشيخ: أن يقول: يقدم من اتصف بكذا.
طالب: بطلب العلم.
الشيخ: ضده.
طالب: يؤخر.
الشيخ: يؤخر بدل ما يقول: يقدم يقول: يؤخر، تمام، هات المثال.
طالب: مثل أن يقول: هذا وقف على أولادي، يقدم طالب العلم منهم.
الشيخ: نعم، هذا وقف على أولادي ويقدم طالب العلم والتأخير.

الجزء: 2 - الصفحة: 2371

طالب: يقول: هذا وقف على أولادي، يؤخر من يتكاسل عن الصلاة.
الشيخ: هذا وقف على أولادي، يؤخر من يتكاسل عن الصلاة طيب جيد، الترتيب.
طالب: الترتيب يا شيخ مثل أن يقول: وقف على بطن الأول، ثم على بطن ( ... ). الشيخ: كم له من بطن.
طالب: معنى يقدم الأولين.
الشيخ: عندك حروف العطف بطن وظهر ما علينا منه.
طالب: بطن بطنه.
الشيخ: على أولادي، ثم أولادهم، تمام، هذا ترتيب، ما الفرق بينه وبين التقديم.
طالب: الترتيب لا يستحق أولادهم إلا بعدما توفى كل الأولين.
الشيخ: يعني لا يستحق المؤخر مع المقدم شيئًا مطلقًا.
طالب: بخلاف التقديم.
الشيخ: بخلاف التقديم، فيقدم الأول، وما زاد عن حاجته يكون للمؤخر، طيب إذا قال: هذا وقف على أولادي، يقدم طالب العلم، فهمت؟ طالب العلم يكفيه عشرة آلاف ريال في السنة، والريع خمسة عشر ألفًا.
طالب: يعطى مقدار ما يكفيه العشرة آلاف والباقي يصرف .. الشيخ: يعطى المقدم عشرة آلاف والباقي.
طالب: يعطى لمن يليه خمسة في التقديم.
الشيخ: يعني يكون للأولاد.
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، وإذا قال: هذا وقف على أولادي، ثم أولادهم، وكان الريع مِئة ألف، ويكفي الأولاد عشرة آلاف، فماذا نصنع بالتسعين ألفًا.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ) الترتيب.
الشيخ: يستحقونه كله حتى مئة ألف.
طالب: إي نعم؛ لأنه ترتيب.
الشيخ: نعم لأنه ترتيب توافقون على هذا.
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب إذا قال: وقف على أولادي وفيهم ذكور وإناث؟ طالب: يتساوى.
الشيخ: الذكر والأنثى.
طالب: نعم؛ لأنه ملك استحقاق.
الشيخ: إلى الآن ما بعد سامع التعليل، يستوي الذكر والأنثى طيب لأنه وقفه عليهم بدون تفضيل، فيكون على ما شرط.
إذا قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (4)؟ طالب: بلى قالها.
الشيخ: بلى قالها، أحسنت، إذن كيف نقول: للذكر مثل الأنثى.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2372

الشيخ: وليس تمليكًا، أحسنت، أما التمليك فيجب أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين.
النظر لمن يكون؟ طالب: النظر يكون لمن عينه الواقف.
الشيخ: أحسنت، النظر لمن عينه الواقف، سواء كان الوقف على عموم أو على خصوص، فإن لم يعين؟ طالب: إن لم يعين فالنظر يكون فيه للحاكم.
الشيخ: فإن كان وقفًا عامًّا، أو على من لا يملك كالمساجد، فالنظر للحاكم، وإن كان على من يملك وهو محصور.
طالب: ( ... ). الشيخ: للموقوف عليهم، ولو تعددوا.
طالب: ولو تعددوا.
الشيخ: هل ما قاله صحيح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يقول: إذا كان الوقف على من لا يملك؛ كالمساجد، أو على جهة عامة؛ كالفقراء والمساكين فالنظر لمن؟ طلبة: للحاكم.
الشيخ: للحاكم، أما الأول فلأن الذي لا يملك كيف يكون له نظر، وأما الثاني فلأنه لا يمكن حصره، فيكون للحاكم، وإن كان على قوم معينين يملكون، فالنظر لهم جميعًا، لا ينفرد أحدهم بالنظر؛ لأنهم شركاء في الوقف.
أما إذا عين الواقف ناظرًا فهو من عينه، سواء كان الوقف عامًّا أو على من لا يملك.


ثم قال المؤلف: (وإن وقف على ولده، أو ولد غيره، ثم على المساكين، فهو لولده) إلى آخره، إن وقف على ولده ثم على المساكين فهو لولده الذكور والإناث، أما الذكور فواضح أن اسم الولد يطلق عليهم، وأما الإناث فيطلق عليهم أيضًا اسم الولد، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] فجعل الأنثى من الأولاد.
فإذا قال: هذا وقف على ولدي، وله ذكور وإناث، صار الوقف بين الذكور والإناث بالسوية، فإذا قال الولد للأنثى: أنت ما أنت ولد، أنت بنت، الولد أنا، ماذا نقول له؟ طالب: مدلول ولد.
الشيخ: نقول: مدلول ولد في اللغة العربية يشمل الذكر والأنثى، فيكون الذكور والإناث على حد سواء،

الجزء: 2 - الصفحة: 2373

فإن انقرض أولاده ماتوا ولم يخلفوا أحدًا فلمن يكون؟ يقول: ثم المساكين، انتبه، ثم المساكين، من يكون له إذن؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: المساكين.
الشيخ: يكون للمساكين، ما فيه إشكال، قال: على ولده، ثم على المساكين.
الولد انقرض، لم يبق له نسل، يكون للمساكين، والنظر لمن إذا انتقل للمساكين؟ طلبة: للحاكم.
الشيخ: النظر للحاكم إذا لم يعين الواقف ناظرًا.
(أو ولد غيره) أيضًا إذا وقف على ولد فلان فهو لأولاده البنين والبنات بالسوية، فإن انقرضوا أيش؟ فعلى المساكين، طيب لو قال: على ولدي ثم المساجد، فلمن يكون؟ طلبة: لولده.
الشيخ: لولده، فإن انقرضوا؟ طلبة: للمساجد.
الشيخ: فللمساجد تمام.
يقول: (فهو لولده الذكور والإناث بالسوية، ثم ولد بنيه) شوف المؤلف قال: (ثم)، إذن إذا قال: على ولدي يستحقه الأولاد بطنًا بعد بطن، انتبه، يستحقه الأولاد بطنًا بعد بطن لأنه قال: (ثم ولد بنيه)، فهو ترتيب مع أن اللفظ مجمل، ما فيه ترتيب ولا جمع، فنقول: الأصل الترتيب.
والقاعدة المعروفة: أن من استحق بوصف فإنه يقدم من كان أقوى في هذا الوصف، ومعلوم أن الولادة بالنسبة للأولاد أقوى وصفًا في الأولاد من أولاد البنين، وعليه فنقول: إذا قال: وقف على أولادي فهو لأولاده، ثم إذا انقرض الأولاد كلهم يكون لأولاد بنيه.
طيب إذا وقف على أولاده، وهم ثلاثة، ثم مات أحدهم عن بنين، أيستحق أبناؤه أو لا؟ طلبة: لا يستحقون.
الشيخ: لا يستحقون مع أعمامهم؛ لأن هذا ترتيب بطن على بطن.
لكن لو قال: من مات عن ولد فنصيبه لولده.
طالب: يستحق.
الشيخ: يستحق أولاد الولد الذي مات، ويكونون محل أبيهم، ويعمل في أولاد أيش؟ أولاد الذي مات كما يعمل في أولاد الصلب، فيقال: هو لأولاد الابن الذي مات الذكور والإناث بأيش؟ بالسوية.

الجزء: 2 - الصفحة: 2374

طيب قال: ثم ولد بنيه دون بناته، أي دون ولد بناته، فإن أولاد البنات لا يدخلون في الولد، فإذا قال: هذا وقف على أولادي وله ثلاثة ذكور وبنت، ومات هؤلاء الأربعة الذكور والبنت، وخلفوا أبناء، فهل لمن خلفوا حق من هذا الوقف؟ طلبة: نعم.
طلبة آخرون: تفصيل.
الشيخ: خطأ، أولاد البنين لهم حق، وأولاد البنت ليس لهم حق، ودليل ذلك في القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11].
وأجمع العلماء على أن أولاد البنات لا يدخلون في الأولاد؛ لأن أولاد البنات من ذوي الأرحام ليسوا من أولاده، فكذلك الواقف إذا قال: وقف على أولادي، وكان له أولاد أبناء وأولاد بنات، فأولاد البنات لا يستحقون شيئًا؛ لأنهم لا يدخلون في اسم الأولاد، وهو في القرآن ظاهر، وكذلك هو مقتضى العرف واللغة، يقول الشاعر: بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ

فمن يعرب الشطر الأول؟ من أعرب الشطر الأول فهو شاطر.
طالب: بنونا مبتدأ.
الشيخ: خطأ.
طالب: خبر.
الشيخ: خبر إيه؟ طالب: خبر ( ... ). الشيخ: طيب هي القسمة، بس إما هذا وإما هذا، كمل.
طالب: ( ... ). الشيخ: بنونا أعرب.
طالب: بنونا ملحق بجمع المذكر السالم.
الشيخ: بس أعربه، محله من الإعراب.
طالب: خبر مقدم.
الشيخ: خبر مقدم، كلها بنونا.
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ويش التفصيل؟ طالب: مضاف ومضاف إليه.
الشيخ: أعرب المضاف لحاله، والمضاف إليه لحاله.
طالب: (بنو) خبر مقدم مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
الشيخ: الواو نيابة عن إيه؟ طالب: عن الضمة.
الشيخ: نعم.
طالب: (بنو) مضاف.
الشيخ: لأنه.
طالب: لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
الشيخ: نعم.
طالب: (نا) ضمير متصل مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
الشيخ: وين النون؟ البنون.
طالب: ذهبت للإضافة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2375

الشيخ: ذهبت للإضافة، حذفت للإضافة، نعم.
طالب: (بنو أبنائنا) مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
الشيخ: زين، بنو مبتدأ مؤخر مرفوع بالواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
طالب: (بنو) مضاف و (أبنائنا).
الشيخ: وأبناء.
طالب: بنو أبنائنا.
الشيخ: بنو مضاف وأبناء.
طالب: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة، و (نا) ضمير مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
الشيخ: نعم أحسنت.
البيت هذا واضح حتى في العاقلة مثلًا إذ عند تحمل دية أولاد البنات لا يتحملون، حتى في ولاية النكاح أولاد البنات ليس لهم ولاية.
وعلى هذا فنقول: أولاد البنات لا يدخلون في الوقف على الأولاد، والدليل من القرآن ومن اللغة.
فإن قال قائل: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84] وذكر عيسى، وعيسى ولد بنت؟ فالجواب سهل جدًّا، ما هو أن عيسى أمه أبوه، ليس له أب حتى ينسب إليه، فأمه هي أبوه، ولا دليل فيه على أن أولاد البنات يدخلون في مطلق الأولاد أو مطلق الذرية، والأمر واضح؛ لأن عيسى ليس له أب حتى ينسب إليه.
لكن هذا عند مطلق الوقف، أما إذا دلت القرينة على أن أولاد البنات أرادهم الواقف، أو صرح بذلك عمل به فإنه يعمل به تبعًا لشرط؟ طلبة: الواقف.
الشيخ: طيب لو قال: هذا وقف على أولادي وأولادهم وليس له إلا بنات، يدخل أولاد البنات.
طلبة: لا يدخلون.
الشيخ: لماذا؟ طلبة: قرينة.
الشيخ: قرينة، ما عنده بنون، فإذا قال: هذا وقف على أولادي، ثم أولادهم، وليس له إلا بنات، فهنا يتعين دخول أولاد البنات؛ لأنه ليس عنده إلا بنات.
ولو قال: هذا وقف على أولادي، ويفضل أولاد الأبناء، يدخلون أو لا؟ قولوا يا جماعة.
طلبة: يدخلون.
الشيخ: يدخلون، لماذا؟ طلبة: للقرينة.
الشيخ: للقرينة؛ لأن قوله: يفضل أولاد الأبناء يدل على أنه أراد أولاد الأبناء والبنات.

الجزء: 2 - الصفحة: 2376

ولو قال: وقف على أولادي ومن مات عن ولد فنصيبه لولده يدخلون؟ طلبة: نعم.
الشيخ: هذا وقف على أولادي، ومن مات عن ولد فنصيبه لولده؟ طلبة: نعم يدخلون.
الشيخ: يدخلون؛ لأنه صرح من مات عن ولد البنت تموت عن أولادها يدخلون، ويكون نصيبها لهم، ولو قال: هذا وقف على أولادي، أولادي البنين وأولادي البنات.
طالب: نص.
الشيخ: نص تصريح.
إذن أولاد البنات لا يدخلون في الأولاد إلا بنص أو قرينة، هذه القاعدة، كما لو قال الواقف على ولد ولده وذريته لصلبه إذا نص على التقييد بالصلب، فإن أولاد البنات لا يدخلون بلا إشكال.
لو قال: هذا وقف على ولد ولده لصلبه، هل يدخل أولاد البنات؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: لا يدخلون.
الشيخ: لماذا؟ لأن أولاد البنات ليسوا من صلبه، وقيده بصلبه أو ذريته.
إذن الواقف بالنسبة لأولاد بناته لا يخلو من ثلاث حالات؛ إما أن ينص على عدم الدخول بأن يقول: أولادي وأولادهم من صلبي، فهنا لا يدخلون بلا إشكال، وإما أن ينص على الدخول أو توجد القرينة، فهنا يدخلون، وإما أن يطلق فلا يدخلون، فصار أولاد البنات لا يدخلون في حالين؛ الحال الأولى أيش؟ أن ينص على عدم دخولهم، والحال الثانية أن أيش؟ طلبة: يطلق.
الشيخ: أن يطلق.
ويدخلون إذا نص على دخولهم أو وجدت قرينة.
ثم إن هذه المسألة هل يدخل أولاد البنات أو لا يدخلون فيها خلاف؛ من العلماء من قال: يدخلون، وإنه لا يجوز إخراجهم ولو نص على إخراجهم، وأبطلوا هذا الشرط.
وعندي أنه لا وجه لإبطاله، ولا وجه لتضعيف ما مشى عليه المؤلف رحمه الله؛ لأن هذا مقتضى القرآن الكريم.
ثم إن الحاجة داعية إلى هذا، إذا كان الرجل عنده عشر بنات، تزوجت كل واحدة وأتت بعشرة أبناء، كم يكون أولاد البنات؟ طلبة: مئة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2377

الشيخ: مئة، وعنده أولاد بنون، في مثل هذه الحال يكثر النزاع؛ لأنه إذا كان النزاع يكثر بين أولاد الصلب فأولاد البطن من باب أولى، فلهذا نرى أنه لا حرج على الإنسان إذا أخرج أولاد البنات، وإذا أطلق فإن هذا هو مقتضى لفظه، أي هو مدلول لفظه كما سمعتم من القرآن الكريم.
طيب لو قال: على ذريته، إذا قال على ذريته، وذرية فعلية بمعنى مفعولة، أي من ذرأهم الله منه، ومن الذين ذرأهم الله منه من؟ أولاد الصلب، فإذا قال: هذا وقف على ذريتي دخل الأولاد من بنين وبنات، ودخل بعد ذلك أولاد البنين دون أولاد البنات؛ لأنهم ليسوا من ذريته.
وهنا يرد علينا الإشكال الذي أجبنا عنه أولًا، وهو أن عيسى من ذرية إبراهيم، فكيف كان ذلك؟ والجواب أن عيسى عليه الصلاة والسلام أبوه أمه؛ لأنه خلق من دون أب.
ولهذا نحن عندنا لو أن شخصًا انتفى من ولده، قال: هذا الولد ليس مني، وقُبل انتفاؤه بالشروط المعروفة، صار هذا الولد أبوه أمه، ولهذا إذا مات عنها ترثه هي ميراث أم وأب، فيقال: إذا لم يكن له أبناء ولا إخوة يقال: هذه لها الثلث بالفرض، والباقي بالتعصيب؛ لأنها هي أبوه وأمه.
نقف على: ولو قال على بنيه.
طالب: كيف نجيب عن قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» (6) على الحسن رضي الله عنه؟ الشيخ: نعم، نجيب عنه بأنك أنت ابن الرسول عليه الصلاة والسلام، متى ما آمنت به فأنت ابنه، لكن ليس ابن النسب، قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] وقرأ بعض السلف: ﴿وهو أب لهم﴾، وهذا مقتضى القياس؛ إذا كانت زوجاته أمهات فهو أب، لكنه ليس أب النسب، ولذلك يشرف أولاد علي بن أبي طالب يشرفون بنسبتهم للرسول عليه الصلاة والسلام، فهو من خصائصهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2378

طالب: بارك الله فيك، إذا اصطلح الموقف عليهم على تعيين ناظر من غيرهم، فهل يجوز للناظر أن يستخلف بعده، كأن يقول مثلًا: ولدي فلان سيكون عليكم ناظرًا بعدي؟ الشيخ: لا، إذا اتفق أهل الوقف على تعيين ناظر من قبلهم، فهو وكيل لهم، يعني: لهم أن يعزلوه، وليس له أن يوكل غيره، ولا أن يوصي لغيره بالنظر؛ لأنه يتصرف بإذنهم.
طالب: ( ... ) ما هي الفائدة من الوقف على الأولاد؟ يعني يا شيخ هو نوع من الميراث، وكأنه سبحان الله قال: هذا استحقاق وليس ملكًا تامًّا، فكأنه سبحان الله يبغي يلعب مع الشرع، كأنه يقول: لا أبغي منهج ( ... ) سبحان الله يستفيدون من هذا المال؟ الشيخ: هو أولًا بارك الله فيك: هل نتيقن أنهم يرثونه؟ ما نتيقن، ربما يموتون قبله ويرثهم.
ثانيًا: إن الإنسان يلجأ إلى هذا أحيانًا لأنه لا يحب أن يباع عقاره مثلًا، يحب أن يبقى العقار عنده، يخشى أن يتصرفون فيه تصرفًا يضرهم ويندمون على هذا، أفهمت؟ إي نعم.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ) لو نوى ( ... ). الشيخ: لا، ما يصير ما يقصد هذا أصل الوقف للبر لا، لا بد من هذا، نعم.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا مثلًا أوقف على من لا يملك.
الشيخ: يعني الآن عندنا في حكومتنا النظر في الأوقاف ليس لوزارة العدل، له وزارة خاصة، فيرجع إليها.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو أنه وقف على أولاده؛ بنيه فقط، وكان أولاد بناته ( ... ). الشيخ: إما أن تنطق بالعربية بدون لحن ولا ( ... ). طالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
طالب: وهم فقراء أو أيتام.
الشيخ: نعم.
طالب: فهل يمكن يا شيخ أن يدخلهم في الوقف؟ الشيخ: لا، ما يمكن، لكن لا ينبغي مثلًا لأخوالهم أن يحرموهم، خصوصًا إذا كان الأخوال أغنياء، وكان الريع كثيرًا، هؤلاء أبناء إخوتهم، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» (7). طالب: ( ... ). الشيخ: إذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2379

طالب: ( ... ) وقال يعني: هذا وقف على فلان وفلان، قلنا: إنه.
الشيخ: إي نعم، لا شك أن هذا محل إشكال إذا فرق بين الأولاد، قال: هذا وقف على ولدي فلان وفلان وفلان، لكنهم يجيبون عن هذا بأنه ليس تمليكًا، ولهذا هؤلاء الأولاد الثلاثة الذي وقف عليهم لا يملكون بيعه، ولا يملكون هبته، ولا يورث بعدهم.

طالب: إذا نص على دخول أولاده البنات هل يعني يقتصر ( ... ). الشيخ: كيف؟ طالب: هل يقتصر على أولاده البنات لصلبه أم يدخل فيه بنات الأولاد؟ الشيخ: العموم يدخل فيه حتى أولاد بنات البنات.
طالب: ( ... ). الشيخ: تفضيل.
طالب: ( ... ). الشيخ: هذا يرجع للحاكم، للقاضي، إن رأى أن هذه قرينة فليدخل أولاد البنات، وإن لم يرها قرينة فلا يعتبرها.
طالب: لماذا لا يقال أيضًا: العدل بين الأولاد يكون أيضًا في الاستحقاق.
الشيخ: كيف؟ طالب: لماذا لا يكون أيضًا العدل بين الأولاد يكون في الاستحقاق كما يكون في التملك.
الشيخ: نعم، لعله رأى تفضيلهم لسبب من الأسباب، ما ندري، والكلام الآن هل نبطله أو لا، وليس الكلام هل الأولى أن يعم الجميع أو لا يعم، لا شك أن الأولى أن يعم الجميع حتى في الوقف.
طالب: أحسن الله إليك، إذا أوقف على من تجب عليه نفقته مثل الزوجة .. الشيخ: نعم طيب، ما فيه مشكلة، ويش المحظور عندك؟ نعم يعطون.
طالب: ( ... ) تجب عليه نفقتهم ( ... ). الشيخ: نعم، ينفق عليهم، وهم يستغلون الوقف.
طالب: ( ... ). الشيخ: أيش؟

طالب: الناظر هل يجوز له أن يحدث شروطًا في الوقف؟ الشيخ: لا، الناظر لا يزيد ولا ينقص في الشروط.
طالب: وإن زعم أن هذه الشروط من مصلحة الوقف.
الشيخ: ولو زعم، لكن له أن يتصرف بدون أن يثبتها بالوثيقة، إذا رأى أنه من مصلحة الوقف كذا وكذا، فله أن يتصرف، لكن لا يثبتها في الوثيقة على أنها تغير شروط الواقف الأولى.
طالب: هل يلزم بها المستحقين؟ الشيخ: أيش؟ طالب: وهل يلزم بها المستحقين؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2380

الشيخ: لا، إذا كان يدخل ضررًا على المستحقين لا.
طالب: ( ... ). الشيخ: ويش هي؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، هي في الأبناء، يعني أن أبناء البنات لا يدخلون في الأبناء.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، لا فرق؛ لأن ولد البنت هل هو كولد الابن أو لا؟ ابن البنت هل هو كابن الابن أو لا؟


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الوقف: ولو قال: على بنيه أو بني فلان، اختص بذكورهم، إلا أن يكونوا قبيلة، فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم، والقرابة وأهل بيته وقومه يشمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه، وإن وجدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو حرمانهن عمل بها، وإذا وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتساوي، وإلا جاز التفضيل والاقتصار على أحدهم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما يدخل في ألفاظ الوقف وما لا يدخل: إذا قال: على ولده ثم على المساكين، فكيف يقسم؟ طالب: ( ... ). الشيخ: فإذا انقرضوا أعطي المساكين، طيب الأولاد من بنين وبنات هل هو على الترتيب أو على الجمع؟ طالب: ( ... ). الشيخ: على الجمع.
يعني إذا قال: على ولده، ثم مات أحد الأولاد عن ولد، يعطى أو لا، إذن على الترتيب، وهو كذلك، ولهذا قال المؤلف: هو لولده ثم ولد بنيه.
هل يدخل أولاد البنات؟ طالب: لا يدخلون، فيه تفصيل، إما أن ينص على عدم دخولهم فلا يدخلون، أو يطلق فلا يدخلون، أو تكون قرينة أو نص على دخولهم فيدخلون.
الشيخ: يعني يدخل ولد البنات إذا نص عليهم أو وجدت قرينة.
طالب: يدخلون في حالين.
الشيخ: نعم.
طالب: إما بالنص أو بقرينة.
الشيخ: أو بقرينة ولا يدخلون.
طالب: ( ... ). الشيخ: ما هي؟ طالب: إما عند الإطلاق أو بالنص على عدم الدخول ( ... ). الشيخ: ( ... ). طالب: ( ... ). الشيخ: طيب مثال القرينة.
طالب: القرينة أن يقول: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم وليس له إلا بنات.

الجزء: 2 - الصفحة: 2381

الشيخ: مثاله أن يقول: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم وليس له إلا بنات فهنا.
طالب: القرينة إرادة أولاد البنات.
الشيخ: قرينة تدل على إرادة أولاد البنات، طيب ومن القرينة أيضًا؟ طالب: أن يقول مثلًا: هذا وقف على أولادي، فيفضل أولاد البنين على أولاد البنات.
الشيخ: نعم، أن يقول: وقف على أولادي، يفضل أولاد البنين على البنات، فهنا يدخل أولاد البنين، ما هو الدليل على أن أولاد البنات لا يدخلون في الأولاد من القرآن وقول العرب؟ طالب: قولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11].
الشيخ: الدليل قولِه تعالى! طالب: من القرآن؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: قال الله تعالى.
الشيخ: لا، نمشي على الأول، الدليل.
طالب: الدليل قولُه تعالى.
الشيخ: تمام قولُه لازم يكون مرفوعًا لأنه خبر.
طالب: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] وهذه الآية بالإجماع أن أولاد البنات.
الشيخ: وأولاد البنات لا يدخلون في الآية بالإجماع.
طالب: بالإجماع لأنهم من ذوي الأرحام، وفي اللغة فإن أولاد البنات لا يدخلون في لفظ الأولاد.
الشيخ: استشهد لنا بأقوال أهل اللغة.
طالب: قول الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتِنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

الشيخ: أيش؟ الظاهر أنك ما عندك علم سيبويه.
طالب: بنونا بنو أبنائنا وبناتِنا.
الشيخ: خطأ، ويتغير المعنى كثيرًا، هل قرأت في النحو؟ طالب: ( ... ). الشيخ: كيف؟ طالب: مبتدأ.
الشيخ: مبتدأ طيب.
طالب: قول الشاعر: بنونا بنو أبنائِنا وبناتُنا بنوهن أبناءُ .. الشيخ: أيش؟ طالب: بَنُونا بنو أبنائِنا وبناتُنا بنوهنَّ أبناء الرجالِ الأباعِدِ

الشيخ: طيب شوف: بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا لازم تقول: وبناتُنا، لو قلت: وبناتِنا اختل المعنى.
طيب.
إذا قال: هذا وقف على ذريتي لصلبي.

الجزء: 2 - الصفحة: 2382

إذا قال: هذا وقف على ذريتي لصلبي، أو قال: أولاد الظهور دون أولاد البطون هل يدخل أولاد البنات؟ طالب: اللفظ الثاني يا شيخ.
الشيخ: أو قال: هذا وقف على ذريتي أولاد الظهور دون أولاد البطون.
طالب: لا يدخل يا شيخ فيها .. الشيخ: أولاد البنات يدخلون.
طالب: لا.
الشيخ: لا يدخلون؛ لأنه قيده، قال: ذريتي لصلبي هذه واحدة، وقال: أولاد.
طالب: من صلبي.
الشيخ: أولاد الظهور دون أولاد البطون.
طالب: دون أولاد البنت.
الشيخ: لا، البطون طيب.
طالب: إي دون أولاد البطون؛ لأن هي اللي بيخرج أولاد البنات منها.
الشيخ: أحسنت نعم.
قال: والقرابة وأهل بيته وقومه، هذه ثلاثة ألفاظ، القرابة إذا قال: هذا وقف على قرابتي كيف؟ طلبة: ولو قال: على بنيه.
الشيخ: إي طيب، قال: ولو قال: على بنيه أو بني فلان اختص بذكورهم، إذا قال: على بنيه أو بني فلان فإنه للذكور دون الإناث، فهنا نتكلم عن كلمة بنيه من حيث مدلول اللفظ، ومن حيث جواز هذا الوقف.
إذا قال: على بنيه فمدلول اللفظ أن البنات لا يدخلن؛ لأن البنت لا تسمى ابنًا، أفهمتم؟ ولكن هل يجوز للإنسان أن يوقف على بنيه دون بناته؟ الجواب: لا، والفقهاء -رحمهم الله- إنما يتكلمون على مدلول الألفاظ دون حكم الوقف، فهنا إذا قال: هذا وقف على بنيّ نقول: من يدخل؟ طلبة: الذكور.
الشيخ: الذكور فقط، وأما الإناث فلا يدخلن؛ لأنه قال: بنون وبنات، ولكن لا يجوز له أن يخص الوقف ببنيه؛ لأنه إذا فعل ذلك دخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (8) فيكون بهذا العمل غير متقٍ لله تعالى، وسمى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تخصيص بعض الأبناء سماه جورًا وقال: «لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (9). وعلى هذا فلو وجدنا شخصًا وقف هذا على بنيه ومات، فماذا نصنع؟ المذهب نجريه، نجري الوقف على ما كان عليه؛ لأن العطية التي يخص بها بعض الأبناء إذا مات ثبتت لمن هي له.

الجزء: 2 - الصفحة: 2383

والقول الراجح أننا نلغي هذا الوقف ولا نصحه، ويعود هذا الموقوف ملكا للورثة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (10). وقد يقال: يبقى وقفًا على البنين والبنات؛ لأن الموقف أخرجه عن ملكه إلى ملك هؤلاء، لكن الاحتمال الأول أقرب، وهو أيش؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: إبطال الوقف، وهو إبطال الوقف؛ لأنه عمل ليس عليه أمر الله ورسوله، بل هو مخالف لأمر الله ورسوله، فيبطل الوقف.
(أو بني فلان) إذا قال: هذا وقف على بني عبد الله، يختص بالذكور؛ لأنه لو قال: عبد الله له بنون وبنات فيفرق الناس بين البنين والبنات، فإذا قال: هذا وقف على بني عبد الله، وهو شخص، فإنه يكون للذكور دون الإناث، هذا مدلول أيش؟ اللفظ.
وهل ينفذ؟ نعم ينفذ؛ لأن العطية الآن ليست لأولاده، بل لأولاد غيره، فينفذ، ويعطى الوقف بنو عبد الله دون بنات عبد الله.
يقول (اختص بذكورهم إلا أن يكونوا قبيلة) فإن كانوا قبيلة فإنه يدخل فيه النساء، مثل بني تميم، قال: هذا وقف على بني تميم، فيدخل فيه الذكور والإناث، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 27] فقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ يخاطب من؟ طلبة: الذكور والإناث.
الشيخ: الذكور والإناث، ليس يخاطب الذكور فقط.
فإذا وقف شخصٌ وقفًا على بني تميم، فهو لذكورهم وإناثهم، ولكن هل يدخل أولاد الإناث؟ ينظر؛ إن كان أولاد الإناث من بني تميم دخلوا أصلًا أو تبعًا لأمهاتهم؟ طلبة: أصلًا.
الشيخ: أصلًا؛ لأنهم من بني تميم، وإن كان أولاد البنات التميميات ليسوا من بني تميم، يعني ليس أبوهم من بني تميم فإنهم لا يدخلون، ولهذا قال: إلا أن يكونوا قبيلة، فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم، من غير من؟ طلبة: من غير القبيلة.
الشيخ: من غير القبيلة، يعني من غير أبناء القبيلة.
والقرابة وأهل بيته وقومه هذه ثلاثة ألفاظ.

الجزء: 2 - الصفحة: 2384

والقَرابةُ وأَهلُ بيتِه وقَوْمِه يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنثَى من أولادِه وأولادِ أبيه وجَدِّه وجَدِّ أبيهِ، وإن وُجِدَتْ قَرينةٌ تَقتَضِي إرادةَ الإناثِ أو حِرْمَانَهُنَّ عُمِلَ بها، وإن وَقَفَ على جماعةٍ يُمكِنُ حَصْرُهم وَجَبَ تعميمُهم والتساوي وإلا جازَ التفضيلُ والاقتصارُ على أَحَدِهم.
(فصلٌ) والوَقْفُ عقدٌ لازِمٌ لا يَجوزُ فَسْخُه ولا يُباعُ، إلا أن تَتَعَطَّلَ منافِعُه ويُصْرَفَ ثَمَنُه في مِثْلِه، ولو أنه مَسْجِدٌ وآلتُه وما فَضَلَ عن حاجتِه جازَ صَرْفُه إلى مَسجدٍ آخَرَ , والصدَقَةُ به على فُقراءِ المسلمينَ.
(بابُ الْهِبةِ والعَطِيَّةِ) وهي التَّبَرُّعُ بتَمليكِ مالِه المعلومِ الموجودِ في حياتِه غيرَه فإن شَرَطَ فيها عِوَضًا مَعلومًا فبَيْعٌ، ولا يَصِحُّ مَجهولاً إلا ما تَعَذَّرَ عِلْمُه، فإن شَرَطَ فيها عِوَضًا مَعلومًا فبَيْعٌ، ولا يَصِحُّ مَجهولاً إلا ما تَعَذَّرَ عِلْمُه، وتَنْعَقِدُ بالإيجابِ والقَبولِ والْمُعاطاةِ الدالَّةِ عليهما وتَلْزَمُ بالقَبضِ بإذنِ واهبٍ إلا ما كان في يدِ مُتَّهِبٍ، من غير القبيلة، يعني من غير أبناء القبيلة، والقرابة، وأهل بيته، وقومه هذه ثلاثة ( ... )، ما الذي يدخل في مدلولها؟ يقول المؤلف: (يشمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه).
إذا قال: هذا وقف على قرابتي دخل فيه هؤلاء الخمسة؛ أولاده، أولاد أبيه، أولاد جده، أولاد جد أبيه، قلنا: خمسة ولَّا أربعة؟ أربعة، أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، يدخلون في القرابة، لكن هل يستحق الجميع أو لا يستحق؟ نتكلم عليه إن شاء الله.
وعلى هذا فإذا لم يبقَ من هؤلاء الأربعة البطون إلا واحد استحق الوقف كله، الدليل على هذا على أن القرابة تختص بهؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعْطِ من الغنيمة إلا من كان من بني هاشم (1)، وهاشم بالنسبة للرسول هو الأب أيش؟ طلبة: الرابع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2385

الشيخ: عبد الله أيش؟ طالب: ابن عبد المطلب.
الشيخ: ابن عبد المطلب بن هاشم أيش هو؟ طالب: الثالث.
الشيخ: الثالث، هو الأب الثالث، لم يُعطِ غيره، والله عز وجل يقول: ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: 83] فدل ذلك على أن القرابة تختص بهؤلاء.
(وأولاده)؛ لأن أولاده أشد لصوقًا به من آبائه؛ إذ إنهم بضعة منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي» (2). هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهذا دليله.
وقال بعض أهل العلم: إن القرابة تشمل كل من اجتمع به في جده الذي ينتمي إليه فهم قرابة، كيف هذا؟ أنتم تعرفون الآن أن القبائل فيها شعوب أليس كذلك؟ فيها شعوب، أول جد ينتمي إليه هذا الشعب من القبيلة ذريته هم القرابة، وعلى هذا فلا يتقيد بالأب الثالث قد يكون في الرابع، في الخامس، فهمتم هذا المعنى؟ وقال بعض أهل العلم: القرابة ليس لها حد محدود، فما تعارَف الناس عليه أنه قريب فهو قريب ولا نُحدِّده بحد، لكن الأول هو أقرب الأقوال أنهم من كانوا من ذرية أبيه الثالث، ويليه مَنْ يجتمعون به في أول جد ينتسبون إليه، أما القول الأخير فهو ضعيف.
وقوله: (أهل بيته) فهمنا من قولنا: إنه يشمل هؤلاء أنه لا يشمل الأقارب من جهة أمه، فلا يدخل في ذلك أبو أمه، ولا أخو أمه، ولا عمها، ولا جدها، ولا أمها، وجه ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُعطِ أخواله من بني زهرة (1). لم يدخلهم في قوله: ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: 83].
وقال بعض أهل العلم: إذا كان من عادته أنه يصل قرابة أمه دخلوا في لفظ القرابة؛ لأن كونه قد اعتاد أن يصلهم يدل على أنه أراد أن ينتفعوا بهذا الوقف، وهذا قول قوي.

الجزء: 2 - الصفحة: 2386

والعجيب أن بعض العلماء قال بعكسه، قال: إذا كان من عادته أنه يصل أقارب أمه فإنهم لا يدخلون؛ لأن تخصيصهم بصلة خارج الوقف يدل على أنه لا يريد أن ينتفعوا من هذا الوقف بشيء لكن القول الذي قبله أقرب إلى الصواب، أنه إذا كان من عادته أنه يصل أقارب أمه دخلوا في الوقف الذي قال: إنه على أقاربه.
(أهل بيته) تشمل مَنْ؟ طالب: أولاده.
الشيخ: الذكر والأنثى من أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، وهل تشمل الزوجات؟ المذهب لا، لا يدخل؛ لأن أهل بيته هم مثل القرابة تمامًا.
والصحيح أن زوجاته إذا لم يُطلِّقهن يدخلن في أهل بيته، لا شك في هذا، بل لو قيل: إن أهل بيته هم زوجاته ومن يعولهم فقط، لو قيل بهذا لكان قويًّا؛ لأن هذا عُرْف الناس، الآن عمك وأخوك إذا انفردا في بيت لا يقول الناس: إنهم أهل بيت، أهل بيته عُرْفًا هم الذين يعولهم من الزوجات والبنين والبنات، لكن مهما كان الأمر فإن الزوجات بلا شك إذا لم يُطلِّقهن يدخلن في أهل البيت، ما هو في القرابة، يدخلن في أهل البيت.
(وأهل بيته وقومه) قومه، جعلها المؤلف كلفظ القرابة، وكلفظ أهل البيت، لكن هذا القول بعيد من الصواب؛ لأن القوم في عُرْف الناس، وفي اللغة أيضًا أوسع من القرابة، اللهم إلا على قول من يقول: إن القرابة تشمل كل من يجتمع معه في الاسم الأول؛ يعني الفخذ من القبيلة، هؤلاء قرابة، فهنا ربما نقول: إن القوم والقرابة بمعنى واحد، أما إذا قلنا: إن القرابة هم أولاده، وأولاد أبيه، وجده، وجد أبيه، فإن القوم -بلا شك- أوسع؛ ولهذا يرسل الله الرسل إلى أقوامهم، وهم ليسوا من قراباتهم.
(وقومه يشمل الذكر والأنثى من أولاده، وأولاد أبيه، وجده، وجد أبيه) ولا جدَّه بالنصب ولا بالجر؟ طلبة: بالجر.
الشيخ: جدَّه ولا جدِّه؟ يتعين الجر؛ يعني من أولادِه وأولاد أبيه الذين هم إخوانه، وأولاد جده الذين هم أعمامه، وأولاد جد أبيه الذين هم أعمام أبيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2387

(وجده وجد أبيه) ولكن بقي البحث الثاني هل هؤلاء كلهم يستحقون؟ الجواب: نعم، يستحقون لكن يُقدَّم بعضهم على بعض، فكل من كان أقرب فهو في الوقف أحق، فإذا قُدِّر أن آل بيته خمس مئة والوقف خمس مئة درهم فهنا لا يمكن أن نقول: نُعطي الجميع؛ لأن إعطاء كل واحد درهمًا لا يفيد شيئًا بل هنا ينبغي أن ننظر إلى الأقرب فالأقرب، أو إلى الأحوج فالأحوج لكن مراد المؤلف رحمه الله أن كل هؤلاء من ذوي الاستحقاق، أما ترتيبهم فهذا يرجع إلى النظر على الوقف.
قال: (وإن وُجِدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو حرمانهم عُمِلَ بها) إن وُجِدَت قرينة تقتضي إرادة الإناث فيما يدل اللفظ على إخراجهن أو حرمانهن فيما يدل اللفظ على دخولهن فإنه يُعمل بها؛ وذلك لأن الألفاظ تتحدد معانيها بحسب السياق والقرائن؛ فلذلك إذا وُجِد قرينة تدل على أن الإناث داخلات في الوقف دخلن، وإن كان اللفظ لا يقتضي دخولهن، وإذا وُجد قرينة تقتضي حرمانهن فإنهن لا يدخلن وإن كان اللفظ يشملهن.
فإذا قال: هذا وقْف على أولادي الذكور والإناث، فهنا وُجِد صريح ليس قرينة بأن الإناث داخلات فيدْخُلن، وإذا قال: هذا وقْف على أولادي مَنْ تزوج منهم، فهنا قرينة تدل على أن المراد الذكور بدليل أن الميم علامة جمع الذكور.
فالمهم أننا نعمل بالقرائن في شمول اللفظ للإناث أو على عدمه.
(وإن وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتساوي) إذا وقَّف على جماعة يمكن حصرها وجب شيئان التعميم والتساوي، مثاله: إذا وقف على أولاد فلان وهم عشرة، يمكن حصرهم ولَّا لا يمكن؟ طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، عشرة؟ طالب: نعم.
الشيخ: عشرة، يمكن حصرهم، يجب أن يعمموا، يعطى كل واحد، ويجب أن يساووا الذكور والإناث سواء، والغني والفقير سواء، والضعيف والقوي سواء، والشيخ والصغير سواء؛ لأنه يمكن حصرهم فيجب التعميم والتساوي.

الجزء: 2 - الصفحة: 2388

وإن كان لا يمكن كبني تميم مثلًا، يقول المؤلف: (وإلا جاز التفضيل والاقتصار على أحدهم) إذا كان لا يمكن حصرهم فله أن يُفضِّل بعضهم على بعض، وله أن يعطي بعضًا ويحرم بعضًا؛ وذلك لأنه جرت العادة أن من لا يمكن حصره لا يمكن الإحاطة به، وإذا لم تمكن الإحاطة به لم يجب أن نعطيه.
إذا وقَّف على ثلاثين؟ طلبة: يمكن حصرهم.
الشيخ: يمكن حصرهم، يجب أن يُعمَّموا.
فإن كثر هؤلاء وصاروا قبيلة، يعني كل واحد جاب عشرة أولاد صاروا كم؟ طلبة: ثلاث مئة.
طالب: ثلاث مئة وثلاثين.
الشيخ: كم الأصل؟ الأصل ثلاثون، كل واحد جاب عشرة؟ طلبة: ثلاث مئة وثلاثون.
الشيخ: شو؟ ! عشرة هم.
طالب: ثلاث مئة وعشرة.
الشيخ: ثلاثون نفرًا، كل واحد جاب عشرة.
طلبة: ثلاث مئة وثلاثون.
الشيخ: اضرب ثلاثين في عشرة.
طلبة: ثلاث مئة.
الشيخ: طيب، ليش؟ ! طالب: الأصل ( ... ). الشيخ: الأب ما له إلا عشرة أولاد، على كل حال دعونا من هذا.
هؤلاء الذين على عشرة، كل واحد جاب عشرة، والثاني كل واحد جاب عشرة، صاروا الآن قبيلة لا يمكن حصرهم، فلا يجب تعميمهم ولا التساوي، بل يجوز الاقتصار على واحد منهم، وأن يُفضَّل بعضهم على بعض، ودليل ذلك مسألة الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]، هل يجب علينا أن نعمم الزكاة على الفقراء جميعًا؟ الجواب: لا.
هل يجب أن نسوي بين عشرة فقراء أمامنا الآن؟ طلبة: لا يجب.
الشيخ: في الزكاة، لا يجب، يجوز نعطي واحدًا ونحرم التسعة، أو نعطيهم متفاضلًا؛ لأن الأصل أنه لا يجب التعميم ولا التساوي.
(وإلا جاز التفضيل والاقتصار على أحدهم).
ثم قال المؤلف: (فصل: والوقف عقد لازم) يعني ثابت لا يمكن تغييره، واعلم أن العقود ثلاثة أقسام: عقد لازم من الطرفين، وعقد جائز من الطرفين، وعقد لازم من طرف، جائز من طرف، فاللازم من الطرفين كل عقد لا يمكن لأحدهما فسْخُه إلا برضا الثاني، هذا لازم من الطرفين.
مثل؟ طلبة: البيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2389

الشيخ: البيع وشِبه ذلك، وحينئدٍ نقول: إلا برضا الثاني، أو وجود ما يَملك به الفسخ؛ لأنه إذا وُجِد ما يملك به الفسخ فله الفسخ ولو غضب الآخر.
البيع عقد لازم، الإجارة عقد لازم، الوقف عقد لازم.
العقد الجائز: ما يملك كل واحد من المتعاقدين فسخه بلا سبب، مثل الوكالة، الجعالة، هذه عقد جائز.
اللازم من طرف دون آخر: هو الذي يستحق الفسخ فيه أحدهما دون الآخر، كالرهن مثلًا، الرهن: عقد لازم من طرف جائز من طرف.
قل يا أخ أنت، جائز من طرف مَن؟ طالب: الرهن؟ الشيخ: الرهن.
الطالب: من طرف الراهن، جائز من طرف الراهن.
الشيخ: من طرف الراهن؟ الطالب: إي، أنه يجوز له أن .. الشيخ: من طرف الراهن؟ الطالب: يجوز له أن يفسخ.
الشيخ: إي من طرف الراهن طيب.
الطالب: ولازم من طرف المرتهن.
الشيخ: من طرف المرتهن.
كان عندك معارضة؟ طالب: هي بالعكس يا شيخ.
الشيخ: بالعكس، كيف؟ طالب: ( ... ). الشيخ: الآن لدينا قولان، أيهما أصح؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، الثاني صحيح، المرتهِن يجوز أن يقول للراهن: خُذ رهنك، ما أبغاه، ذمتك تكفيني، لكن الراهن لا يجوز، أجب بنشاط؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز طيب.
الوقف عقْد لازم ويلزم من حينه؟ الجواب: نعم، يلزم من حينه، من حين ما يقول الرجل: وقَّفْت بيتي، أو: وقَّفت سيارتي، أو: وقّفْت كتابي؛ يلزم.
هل فيه خيار مجلس؟ لا، ما فيه خيار مجلس، هو عقد لازم في الحال، بخلاف الوصية، الوصية ليست عقدًا لازمًا في الحال، لا تكون إلا بعد الموت، الوَقْف الْمُعلَّق بالموت، إذا قال: هذا وَقْف بعد موتي، هل هو لازم أو غير لازم؟ المذهب أنه لازم من الآن، ولا يمكن فسْخُه، لكن مع ذلك لا يُنفَّذ منه إلا ما كان من ثلث المال فأقل، فيجعلونه وصية من وجه ووَقْفًا من وجه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2390

وهذا غير صحيح، لا يمكن أن نعطي عقدًا حُكْمين مختلفين؛ فإما أن نقول: إنه يلزم في الحال ونلغي التعليق، وإذا قلنا بأنه يلزم في الحال لزم سواء كان الثلث أو أكثر أو أقل، وإما أن نقول: لا يلزم إلا بعد الموت، وحينئذٍ يكون من الثلث فأقل.
والصحيح الثاني: أننا نقول: إنه لا يلزم إلا بعد الموت؛ لأن الرجل علَّق الوقف بشرط وهو الموت فلا يمكن أن ينفذ قبل وجود الشرط؛ فالصواب أن الوقف الْمُعلَّق بالموت لا ينفذ إلا بعد الموت، ويكون من الثلث فأقل.
مثاله: قال رجل: إذا مت فبيتي وقْف، إذا مت فمكتبتي وقْف، المذهب ينفذ من الآن، ولا يمكن يبيع شيئًا من هذا، ما يمكن يبيع ولا كتابًا واحدًا؛ لأنه نفذ، لكن إذا مات فإن أجاز الورثة الوقف نفذ، وإن لم يجيزوه لم ينفذ منه إلا مقدار ثلث التركة، هذا المذهب في هذه المسألة.
والصواب أنه لا ينفذ إلا بعد الموت، وأنه ما دام حيًّا فله التغيير والتبديل والإلغاء، فإذا مات فإن أجازه الورثة نفذ، وإن لم يجيزوه نفذ منه قدر ثلث التركة فقط.
طالب: إذا قال: هذا وقْف على بني تميم، اشترطنا أنه الوَقْف العام يكون على بر، ما هو البر الذي فيه؟ الشيخ: بني تميم؟ البر أنه نفعهم، هو ما قيده بالكفر، لو قال: على الكافرين، على الظالمين، ما يجوز، وبنو تميم فيهم العلماء، وفيهم الصحابة، وهم أشد أمة محمد على الدجال.
طالب: ما هو القدر الذي يتسحقه كل فرد من الوقف؟ الشيخ: ما يحتاجه.
الطالب: فقط يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، ما يحتاجه فقط، هذا إذا كان تقديمًا، أما إذا كان ترتيبًا فيستحق الوقف كله.
طالب: طيب يا شيخ، بالنسبة للناظر، ناظر الوقف؟ الشيخ: الناظر.
الطالب: يعني نسبة معينة بقدر معين؟ الشيخ: هل يُجعل له قدر معين؟

الطالب: هو يعين للمستحقين قدرًا معينًا؟ الشيخ: إي نعم، إذا كان فيه التقديم يُعيِّن، أما إذا كان وقف على فلان فإنه له كله.

طالب: أحسن الله إليك، في أي شيء يكون تحديد القوم ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2391

الشيخ: إي نعم، القوم ما ينتسب إليه الإنسان عمومًا، هذا القوم يشبه قول من يقول: إن القرابة هم الذين يجمعهم جد واحد اشتهروا به.
طالب: أوْقف أحدهم كتابًا على مكتبة مسجد، ثم جاء آخر فأوقف نفس الكتاب على نفس المكتبة فأخرج هذا الرجل الكتاب الأول، ودفع به إلى أحد طلبة العلم، هل هذا ينافي اللزوم؟ الشيخ: لا يجوز؛ لأن ما وُقِّف على جهة عامة لا يمكن أن يُخصِّص به أحد، لكن إذا استغنى عنه المسجد فإن الثاني هو الذي يُنقل إلى مكان آخر؛ لأن الآن عندنا كتاب واحد وقَّفه اثنان، أحدهما وقَّف في شهر ذي الحجة، والثاني وقَّفَه في محرم، نقول: للثاني المكتبة مستغنية عنه، اصرفه إلى مكتبة أخرى، فإن كانت المكتبة ممن يُعير قَيِّمُها فليأخذ الثاني، ويكون أحدهما للإعارة والثاني للمطالعة.
طالب: فإن نُقل الأول إلى مسجد ثانٍ أو جهة ينتفع بها الناس؟ الشيخ: إذا نُقل وطالب الواقف أن يُردَّ إليه، إلى المكتبة الأولى يُرَد ويُنقل المتأخر ( ... ) طالب: ( ... ). الشيخ: ذكرنا الدليل، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] ذي القربى هم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو لم يُعطِ إلا من كان من ذرية هاشم، ولم يُعطِ الآخرين اللي من ذرية من فوقه.
طالب: ( ... ). الشيخ: ( ... ) قل: انسب نبيك.
الطالب: ( ... ). الشيخ: الثالث ولَّا الرابع؟ الطالب: الثالث.
الشيخ: جده الثالث؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إي، ويش ( ... ) هاشم؟ الطالب: هاشم.
الشيخ: جده الثالث، غلط.
الطالب: جده الثاني.
الشيخ: جده الثاني، وأبوه الثالث صح.
طالب: ( ... ) الفرق بين قول الواقف: وقَّفت هذا على زيد، وبين قوله: وقَّفت هذا عليك يا طالب العلم ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2392

الشيخ: هذه عاد يُنظر عليك يا طالب العلم، يحتمل أنه أراد شخصًا، وأنه وقَّفه عليه مكافأة لما حصل منه، ويحتمل أنه أراد الوصف؛ يعني: يا طالب العلم؛ لأنك طالب علم، وعلى هذا لو ترك هذا طلب العلم، لو تركه أعطيناه طالب علم آخر.
الطالب: ما هو التصرف الذي يملكه حينئذٍ؟ الشيخ: مَنْ؟ الطالب: يعني هل له أن يبيعه وأن يهبه؟ الشيخ: مَن اللي بيعه؟ الطالب: الطالب أو زيد.
الشيخ: ما يمكن، الوقف لا يمكن بيعه، وسيأتينا إن شاء الله.
طالب: نقل المصاحف يا شيخ للإعارة لاستعارة مصحف من المسجد هل يجوز؟ الشيخ: لا يجوز؛ لأن أخذ المصحف من المسجد استعارة معناه أنك اختصصت به، لا يجوز.
الطالب: ولا كتب في مكتبة؟ الشيخ: ولا الكتب في مكتبة عامة إلا إذا كان لها قانون، هذا لا بأس.

طالب: أحسن الله إليك، إذا وقَّف إنسان وقته، زمنًا معينًا؟ الشيخ: وقته؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني؟ طالب: يساعد به الضعفاء، وكذا كل من احتاجه يساعده؟ الشيخ: لعله يكون نذر هذا، لعله يريد أن يُلزِم نفسه فيكون نذرًا.
طالب: شيخ، بارك الله فيك ( ... ). الشيخ: فهو حر.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ما صار وقفًا الآن، إذا قال: إذا مت فهذا وقْف، هو ما دام حيًّا فليس بوقْف.
طالب: ( ... ) يقول: الوقف عقْد لازم، ولا يُباع إلا إذا تعطل منافعه.


الشيخ: ( ... ) أجمعين.
إذا وقَّف على جماعة هل يجب أن نعمم الجماعة أم لا يجب؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إن كانوا أيش؟ الطالب: معدودين.
الشيخ: معدودين، يعني محصورين، يمكن حصرهم، وجب أيش؟ الطالب: التعميم والتساوي.
الشيخ: التعميم والتساوي، ويش معنى التعميم؟ الطالب: أن يعمم كل الموقوفين.
الشيخ: أن يُعطى كل الموقوف عليهم، والتساوي؟ الطالب: التساوي ( ... ). الشيخ: نعم، إلا إذا اقتضاه شرط الواقف، فهذا شيء آخر.
إذا وقَّف على بني تميم؟ طالب: استحق البنين والبنات.
الشيخ: لا، هل يجب تعميمهم أو لا؟ الطالب: يجب تعميمهم ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2393

الشيخ: بنو تميم، ولو كانوا ألف مليون؟ الطالب: لا، لو كانوا ألف مليون لا يمكن حصرهم.
الشيخ: كيف؟ الطالب: قال: يجوز التفضيل والاقتصار على أحدهم.
الشيخ: يجوز الاقتصار على أحدهم؟ حتى على واحد؟ طالب: ( ... ). الشيخ: هل عندك دليل من القرآن والسنة على هذا؟ الطالب: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60].
الشيخ: إلى آخره، هل يجب على المزكِّي أن يُعطِي جميع الفقراء؟ الطالب: لا يجب.
الشيخ: لا يجب؛ لأنه لا يمكن حصره، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لقبيصة: «أَقِمْ عِنْدَنَا حَتَّى تَأْتِيَ الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» (3). طيب مَثِّل المحصورين؟ الطالب: كأن يقول: هذا وَقْف على أبنائي أو أبناء فلان، فإن كانوا محصورين .. الشيخ: لو قال: على إخوتي؟ الطالب: على إخوتي محصورون.
الشيخ: يُعطى جميع الإخوة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: أحسنت.
الوَقْف يقول: إنه عقد لازم، شو معنى عقد لازم؟ طالب: لازم يعني يلزم بمجرد النطق، ولا يحق الوقف ( ... ). الشيخ: يعني يلزم بمجرد أن ينطق به وليس له فسخه.
كم أقسام العقود؟ طالب: ثلاثة أقسام، عقد لازم من الطرفين.
الشيخ: عقْد لازم من الطرفين.
الطالب: وعقد جائز من الطرفين.
الشيخ: وعقد جائز من الطرفين.
الطالب: وعقد لازم من طرف، وجائز من طرف آخر.
الشيخ: نعم، تمام.
اللازم من الطرفين؟ الطالب: كالبيع.
الشيخ: كالبيع.
الطالب: والإجارة.
الشيخ: طيب، أعندك دليل على أنه لازم من الطرفين البيع؟ الطالب: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا».
الشيخ: «وَكَانَا جَمِيعًا».
الطالب: «وَكَانَ جَمِيعًا، أو خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ؛ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
الشيخ: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (4). مثال الجائز من الطرفين؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2394

طالب: الجائز من الطرفين كالوكالة.
الشيخ: الوكالة، يجوز للوكيل وللموكل أن يفسخه.
طيب اللازم من أحدهم؟ طالب: اللازم من أحدهم كالرهن.
الشيخ: كالرهن لازم في حق؟ لا تُخطئ كالبارحة؟ الطالب: لازم في حق الراهن، وجائز في حق المرتهن.
الشيخ: لازم في حق الراهن، وجائز في حق المرتهن، أحسنت.
يقول المؤلف رحمه الله: (لا يجوز فسخه) أي لا يجوز فسخ الوقف، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون الإنسان مدينًا أو غير مدين، ومن المعلوم أن المدين إذا كان قد حُجِر عليه فإن وقفه لا يصح لكن إذا لم يحجر عليه، وكان عليه دَيْن يستغرق الوقف، فظاهر كلام المؤلف أن الوقف لازم، والقول الثاني، وهو الراجح، أن الوقف ليس بلازم ولا يجوز تنفيذه، لماذا؟ لأن قضاء الدين واجب، والوقف تطوع، ولا يجوز أن نُضيِّق على واجب لتطوع وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
فإن طلع الدين بعد الوقف؛ يعني إنسان وقَّف بيته، ثم افتقر واستدان، فهل ينفسخ الوقف أو نقول: إنه لا ينفسخ؛ لأنه تم بدون وجود المانع فيستمر؟ طالب: يستمر.
الشيخ: هذا هو الأقرب.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: له أن يبيعه في دينه؛ لأن هذا ليس أقل أو أشد من المدَبَّر.
والمدبَّر باعه النبي صلى الله عليه وسلم في الدين، المدبَّر يعني العبد الذي عُلِّق عتقه بموت سيده، فباعه النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته بالدَّيْن (5). لكن الأرجح الأول؛ يعني أنه إذا حدث الدَّيْن بعد الوقف فإنه يمضي -أي الوقف- والدَّيْن ييسر الله أمره.
وقوله: (ولا يُباع) يعني لا يُباع الوقف؛ لأن بيعه يقتضي إبطال الوقف؛ إذ إنه ينتقل إلى من؟ أجيبوا يا جماعة؟ طلبة: المشتري.
الشيخ: إلى المشتري، لو قلنا بجواز البيع انتقل إلى المشتري وبطل الوقف، والوقف عقد لازم لا يجوز بيعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2395

وهل يجوز تأجيره؟ نعم، يجوز تأجيره؛ لأن أجرته من المنفعة التي سُبِّلَت، فتأجيره جائز.
هل يجوز رهنه؟ لا، لا يجوز رهنه؛ لأن الرهن يُراد للبيع؛ لبيع المرهون واستيفاء الدَّيْن منه، وإذا قلنا: لا يباع بقي الرهن عديم الفائدة، فهو إما أن يقال: إن الرهن صحيح، ويُباع في قضاء الدين، وهذا يلزم منه إبطال الوقف، وإما أن نقول: إن الرهن لا يصح؛ لأنه لو صح ما فيه فائدة.
إذن لا يجوز بيعه ولا عقد يراد به بيعه.
قال: (إلا أن تتعطل منافعه) في هذه الحال يجوز أن يُباع، إذا تعطلت منافعه كدارٍ انهدمت، يعني أوقف داره على أولاده فانهدمت الدار، يجوز أن تُباع وإذا بِيعَت يُصرف ثمنها في مثله.
وقوله: (لا يُباع إلا أن تتعطل منافعه) ظاهره أنه لا يُباع بأي حال من الأحوال إلا في هذه الصورة؛ لأن من القواعد المقررة أن الاستثناء معيار العموم؛ يعني يدل على العموم فيما عدا الصورة المستثناة، فعلى هذا لا يُباع بأي حال من الأحوال إلا في هذه الحالة إذا تعطلت، فإن نقصت المنافع ولم تتعطل فإنه لا يُباع، يبقى على ما هو عليه حتى يتوقف ولا يكون فيه فائدة.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله جواز بيعه للمصلحة بحيث يُنقل إلى ما هو أفضل، واستدل لهذا بقصة الرجل الذي نذر إن فَتَحَ الله على رسوله مكة أن يصلي في بيت المقدس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صَلِّ هَاهُنَا»، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا فقال: «شَأْنَكَ» (6). فهنا أباح له النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحول عن النذر، والنذر -كما تعلمون- نذْر الطاعة واجب، النذر يتحول من المفضول إلى الأفضل، قال: فيجوز أن ينقل الوقف أو يباع لينقل إلى ما هو أنفع.
وما اختاره شيخ الإسلام هو الصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2396

لكن في هذه الحال يجب أن يُمنع من بيعه أو إبداله إلا بإذن الحاكم؛ لأنه قد يتعجل الموقوف عليه ويقول: إني أبيعه لأنقله إلى ما هو أفضل، ويكون أمره على خلاف ظنه فلا بد من الرجوع إلى الحاكم؛ يعني القاضي في هذه الحال لئلا يتلاعب الناس بالأوقاف.
مثال ذلك: إنسان أوقف عمارة على طلبة العلم في مكان كان من أحسن الأمكنة حين الإيقاف لكن تغير الوضع، وصار محل الطلب في جهة أخرى، فهل يجوز أن يبيع هذه العمارة ليشترى عمارة أخرى قريبة من مواطن العِلْم؟ أما على المذهب فلا؛ لأن منافعها لم تتعطل، وأما على القول الراجح فنعم، يجوز ولكن كما قلت لكم: لا بد من مراجعة مَنْ؟ الحاكم لئلا يتلاعب الناس بالأوقاف.
وعُلِم من قوله: (إلا أن تتعطل منافعه) أنه لو تعطلت بعض المنافع فإنه لا يجوز بيعه ما دام يوجد فيه منفعة ولو واحد في العشرة فإنه لا يُباع، ولكن على ما أشرنا إليه من القول الآخر أنه إذا كان هناك حاجة أو مصلحة فلا بأس.
إذا بِيع ماذا نعمل بثمنه؟ قال: (ويصرف ثمنه في مثله)، فإذا كان هذا وقفًا على الفقراء وتعطلت المنافع، وبِعناه، ماذا نفعل بالثمن؟ هل نتصدق به على الفقراء أو نشترى به وقفًا يكون للفقراء؟ طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني يتعين؛ يعني لا يجوز أن نقول: إن هذا وقْف على الفقراء، والآن بعناه لتعطل منافعه فنصرف دراهمه إلى الفقراء، هذا لا يجوز؛ لأن هذه الدراهم عِوَض عن أصل الوقف، وأصل الوقف لا يُنقَل ملكه لا ببيع ولا غيره.
قال: (ولو أنه مسجد) يعني ولو كان الذي تعطلت منافعه مسجدًا فإنه يُباع ويُصرَف ثمنه في مثله.
إذا بعنا المسجد وصرفنا ثمنه في مسجد آخر فهل يجوز لمشتري المسجد أن يبيعه؟ نعم، يجوز؛ لأنه صار ملكه، ويجوز أن يجعله دكاكين للبيع والشراء، المهم أنه الآن زال عنه وصف المسجد فيجوز بيعه، والصدقة به، وهبته، وغير ذلك، ويُصْرَف ثمنه في مثله.

الجزء: 2 - الصفحة: 2397

(آلته) آلة المسجد إذا تعطلت المنافع، (آلته) يعني بناءَه، أبوابَه، وما أشبه ذلك، وهذا فيما سبق لما كان البناء بلبن الطين صار يمكن أن ينتفع بالآلة، بآلته التي تكوَّن منها وهي لبن الطين، أما الآن فلا أظنه يمكن استرجاع الآلة، اللهم إلا إن كانت أسياخ الحديد فيمكن، أما الأسمنت ما ينفع، ذهب، لكن على كل حال إذا بقي آلة فإنا نعيدها في مكان آخر فيما نريد أن نبنيه.
فإذا قال الذي باع المسجد، قال: آلته الآن لو نقضناها وبنينا بها المسجد الآخر سيخرج غير قوي، فهل لنا أن نبيع الآلة ونشتري آلة جديدة قوية؟ الجواب: نعم، وتكون الآلة الثانية بدلًا عن الأولى، وحينئذٍ لا يضيع حق الواقف.
قال: (وما فضل عن حاجته جاز صرفُه إلى مسجد آخر) ما فضل عن حاجة المسجد فإنه يجوز أن يُصرَف إلى مسجد آخر؛ لأن هذا أقرب إلى مقصود الواقف، وهذا لا إشكال فيه، فإذا قدَّرْنا أن هذا المسجد لما هُدِم حيث تعطَّلت منافعه وأُعِيد بناؤه فَضَل من حاجته أو من آلته شيء فإننا نصرفه إلى مسجد آخر، فإن لم يمكن صُرِف إلى جهة عامة ينتفع فيها المسلمون عمومًا كالسقاية والمدرسة وما أشبه ذلك.
قال المؤلف: (والصدقة به).
يعني وجازت الصدقة به (على فقراء المسلمين)؛ لأن المسجد مصلحة عامة، والصدقة على الفقراء أيضًا مصلحة عامة، فنحن لم نخرج عن مقصود الواقف؛ لأنها كلها عامة لانتفاع المسلمين عمومًا، لكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ لأن المساجد نفعها مستمر والصدقة نفعها مؤقت؛ لأن النفع مقطوع، ينتفع بها الموجودون الحاضرون، ولا ينتفع بها من بعدهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2398

فالصواب أن ما فضل عن حاجة المسجد يجب أن يُصرَف في مسجد آخر حتى لو فُرِض أن المسجد مسجد الجامع، يجب أن يُصرف في مسجد جامع، إن تيسر وإلا ففي مسجد بقية الصلوات، وإنما قلنا: مسجد جامع؛ لأن المسجد الجامع أكثر أجرًا وثوابًا؛ حيث إنه تُصلَّى فيه الجمعة، وبقية المساجد لا تصلى فيها الجمعة، ثم إنه في صلاة الجمعة يكون أكثر عددًا من المساجد الأخرى.
والخلاصة: أنه متى جاز بيع الوقف فإنه يجب أن يصرف إلى أقرب مقصود الواقف بحيث يساوي الوَقْف الأول أو يقاربه حسب الإمكان.
لو أن الناس مثلًا اختاروا أن يُحوِّلوا المسجد المبني من لبن الطين إلى مسجد مُسلَّح هل لهم أن ينقضوا الأول أم لا؟ هذا ينبني على ما ذكرنا، هل تعطلت منافع مسجد الطين؟ لم تتعطل، لكن يُنقل إلى ما هو أفضل وأحسن على رأي شيخ الإسلام رحمه الله، لا بأس، ويكون أجر المسجد الثاني لباني المسجد الأول؛ لأنه لا يمكن أن يُبطِّل أجر الموقف الأول مع إمكان استمرار أجره، فيكون لباني الأول في مدة يُقدَّر فيها بقاء المسجد الأول، أما ما زاد عليها فأجرها لصاحب المسجد الثاني.

باب الهبة والعطية

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الهبة والعطية) الهبة من وَهَب الشيء إذا أعطاه، واعلم أن خروج المال بالتبرع يكون هِبة، ويكون هدية، ويكون صدقة.
فما قُصِد به ثواب الآخرة بذاته فهو صدقة، وما قُصِد به التودد فهو هدية، وما قصد به نفع الْمُعطَى فهو هبة.
هذا هو الفرق، وكلها تتفق في أنها تبرع محض لا يطلب الباذل عليها شيئًا.
الهبة والعطية، العطية معطوفة على الهبة من باب عطف الخاص على العام؛ لأن العطية هي التبرع بالمال في مرض الموت المخُوف؛ فهي أخص من الهبة، والهبة أن يتبرع بالمال في أي وقت.

الجزء: 2 - الصفحة: 2399

قال: (وهي التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره).
قوله: (التبرع بتمليك) ننظر للمتعلقات.
(بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته) المتعلِّق بالتبرع.
(غيره) مفعول لقوله: تمليك؛ يعني أن يتبرع في الحياة بتمليك غيرِه مالَه المعلوم.
يعني المعنى أن الإنسان يتبرع بتمليك ماله لشخص في حال الحياة، ومعنى التبرع أنه لا يأخذ عليه مُقابلًا.
(هي التبرع بتمليك ماله)، والمال كل عين مباحة النفع.
وخرج بقوله: (ماله) مال غيره؛ لأنه لا يمكن أن يتبرع الإنسان بملك غيره.
وقوله: (المعلوم) خرج به المجهول.
(الموجود) خرج به المعدوم.
و (في حياته) خرج به الوصية.
و (غيره) بيان للواقع.
وقوله: (بتمليك) خرج به أيضًا العارية؛ لأن العارية ليست تمليكًا، وإن كانت تبرعًا لكنها ليست تمليكًا.
مثال ذلك: شخص أعطى إنسانًا كتابًا بدون قيمة نُسمي هذه هبة، فإن قصد بها ثواب الآخرة سميناها صدقة، فإن قصد بها التودد إلى هذا الشخص فهي هدية.
والغالب أن الهدية تكون من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الأدنى لا يريد أن ينفع الأعلى، وإنما يريد التودد إليه.
والهبة تكون مع المساوي، ومع من دونه، لكنه لا يقصد بذلك ثواب الآخرة بالقصد الأول.
والصدقة يقصد بذلك ثواب الآخرة، ولا يبالي أعطاها فلانًا أو فلانًا.

طالب: المسجد الطيني ( ... ). الشيخ: المسجد الطيني لم تتعطل منافعه، كم يصلي فيه؟ الطالب: في المسجد؟ الشيخ: في المسجد هذا الطيني، كم يصلي؟ الطالب: ما أدري كم يصلي.
الشيخ: لا أدري، هي مسألة تصوير، ما هي واقعية.
الطالب: كيف؟ الشيخ: يعني لو لم يبقَ إلا الإمام والمؤذن فمنافعه باقية.
الطالب: إن أراد شخص آخر يا شيخ أن يبنيه من جديد؟ الشيخ: لا بأس، إذا أراد أن يبنيه من جديد واقتضت المصلحة ذلك بشرط أن يُبين له أن الأجر للأول.
الطالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2400

الشيخ: لا يبنيه، يبقى على ما هو عليه، أو يُقال: لك من الأجر ما زاد على منفعة المسجد الطين؛ لأن الثاني ربما يكون مكيفًا ونظيفًا وما أشبه ذلك، فما زاد عن منفعة المسجد الطين يكون له.
طالب: أحسن الله إليك، الإشكال عندي لو كان المسجد في حي معين، ثم تتعطل منافعه، فأراد أن يبني مسجدًا ثانيًا في حي آخر، فقال المشتري من المسجد القديم، قال: أنا أبغي أسويه دكانًا، يا شيخ هل يدخل هذا الإنسان في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا﴾ [البقرة: 114]؛ لأن سبحان الله الناس متعودون أن يصلوا فيه في هذا المسجد، فلما باعه صار الناس لازم ينتقلون بعيدًا.
الشيخ: لكن تعطل المسجد، تعطل، معناه ما جاء أحد.
الطالب: هل يجوز أن يبني في الحي؟ الشيخ: إي نعم، مثلًا لو فرضنا هذا الحي تركه الناس مثلما يوجد الآن في البيوت القديمة عندنا وعند غيرنا يرتحل الناس عنها، فهل نقول: يبقى المسجد للطيور والعصافير، أو نقول: يُباع ويحط في المسجد بالحي الذي صار عامرًا؟ الطالب: ولكن صورته يا شيخ بالعكس أن الحي معناه ناس كبار هم يصلون في هذا المسجد، ولو انتقل يا شيخ لمسجد في حي ثانٍ أبعد؟ الشيخ: لا، هذا ما يجوز، هذا لا يجوز.
الطالب: هذا تعطل .. الشيخ: ما تتعطل، الشيبان أنت تقول: ها دول يجون يصلون فيه! الطالب: متعودون يا شيخ، لكن .. الشيخ: المهم ما دام هم بيجون يصلون ما تعطلت المنافع.
طالب: أكرمك الله يا شيخ، لو تبرع إنسان بمبلغ من المال ليُبنى به مسجد ووكَّل به إنسان، ثم إن المسجد نقصت نفقاته عن هذا المبلغ، فكيف يصرف ما تبقى من المال؟ الشيخ: كيف؟ يعني زادت الدراهم عليه؟ يُصرف في مسجد آخر وإلا يقال: ترجع للذي سلَّم الدراهم؛ لأن الثاني وكيل.

الجزء: 2 - الصفحة: 2401

طالب: مسجد قائم، لكن فيه مشقة على كبار السن، وهو يعني عمله الرجل وقْفًا، فأرادوا أن ينزلوه من الأرض أكثر بالهدم ويعيدوا بناءه من جديد، فهل لهم ذلك؟ الشيخ: يعني كان بالأول رفيعًا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم.
الطالب: فأرادوا أن يجعلوه نازلًا.
الشيخ: لا يمكن أن يُهدم لهذا الغرض؛ لوجهين: أولًا: أن هدمه تغيير لصورته، والثاني: أن في هدمه، ثم بنائه إضاعة للمال كم بيكلف؟ هؤلاء الإخوة إما أن يجعل لهم ترابيزة، ويكون فيها ( ... ) يتمسك فيها الواحد ( ... )، وإلا يجعل أيش تسمونه؟ مزلجان ويُدفِّعُون بالعربية.
الطالب: إذا كان ثمة أغراض أخرى؟ الشيخ: المهم اعلم أن إضاعة المال لا تمكن، إضاعة الوقف لا تمكن.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ) أنه وقْف، ثم أصبح مدينًا يُصرف في الدَّيْن؟ الشيخ: لا؛ لأنه لما أوقف خرج عن ملكه، الآن على ما أختاره، واختاره غيرنا إذا أوقفه خرج عن ملكه أصلًا، لكن شيخ الإسلام رحمه الله قاس على المدَبَّر، وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم الْمُدَبَّر لقضاء دين الميت (5). طالب: بس يا شيخ ما يقال: إنه قصد النفع العام، وهو أولى الناس بهذا.
الشيخ: بس خرج عن ملكه.
الطالب: لكن قصد النفع العام.
الشيخ: إي، ما يخالف، قصد النفع العام، وأخرجه عن ملكه.
طالب: بارك الله فيك.
الشيخ: أرأيت لو تصدق على إنسان مثلًا بعشرة آلاف ريال صدقة أو هبة، ثم افتقر وصار عليه دَيْن يسترده منه؟ لا يسترده.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، عندنا في البلد الأوقاف تُشرِف على المساجد .. الشيخ: أيش تسوي؟ الطالب: وزارة الأوقاف تشرف على المساجد، هل للباني، الْمُوقف، هل له يتدخل في المسجد، في التجديد .. ؟ الشيخ: لا، أبدًا؛ لأن باني المسجد إذا بناه دخل ملك الدولة؛ يعني قصدي صار النظر فيه للدولة، هذه يسمونها مساجد خاصة.
الطالب: ( ... ) مثلا يعني المسجد فيه نقص ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2402

الشيخ: النقص ( ... ) الجهات المسئولة، ما هو خلاص، هو لما عمره حتى ولا الفرش ما يلزمه.
إي نعم، إلى الفصل الأول.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك ( ... ) أعمال الخير، هل تؤثر في الأجر؟ الشيخ: على حسب الكاتب، إذا كان قصده أن يمدحه الناس على ذلك فهذا نوع من الرياء لا شك، وإذا كان قصده أن يدعو الناس له فهذا لا بأس به.
الطالب: ولو كان مسجدًا؟ الشيخ: ولو كان مسجدًا.

طالب: شيخ، بارك الله فيك، حصل أن مسجدًا له محلات ( ... ) ريع للمحلات .. الشيخ: المسجد له ريع؟ الطالب: له خراج، ربح، أرباح من المحلات يعني.
الشيخ: يعني فيه محلات موقوفة على المسجد؟ الطالب: محاطة بالمسجد، محلات يعني بجوار المسجد تابعة للمسجد، وهذه الأموال كانت تُوضَع في البنوك حتى يعني إذا احتاج المسجد أخذ منها، وصار هناك فوائد، فلما أرادوا أن يُعطوا ناظري هذا المسجد المال، رفضوا الفوائد، فتكدست فأعطوا الفوائد بنوا بها أربعة كنائس، فهل نقول: نأخذ الفوائد ونعطيها للفقراء والمسجد؟ الشيخ: أسألك: الربا هل ملك دخل ملك المرابِي ولَّا لا؟ الطالب: نعم، ما فهمت.
الشيخ: المسألة: هذا الإنسان الذي حصل له الربا، هل هذا الربا دخل ملكه ولَّا لا؟ الطالب: لا.
الشيخ: إذن ويش ذنبه؟ إذا قال: أنا ما أخذت شيئًا، لم يدخل ملكي وأيضًا هو ربا، والله يقول عز وجل: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: 279] أما كون هؤلاء يأخذون الأموال ويجعلونها في الكنائس ما علينا منهم؛ لأن المال ليس له ولم يدخل ملكه شرعًا.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، رجل نذر إن رُزق مولودًا أن يملأ الحوض الفلاني للمسجد الفلاني فهُدم هذا المسجد.
الشيخ: أي، يملأ أيش؟ الطالب: يملأ الحوض.
الشيخ: حوض إيه؟ الطالب: بركة المسجد.
الشيخ: نعم.
الطالب: فتباطأ هذا الرجل الناذر، تباطأ حتى هدم المسجد وهدمت ( ... ). الشيخ: تباطأ ولا هُدم قبل أن .. ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2403

الطالب: لا، هو تباطأ، أعطاه الولد وتباطأ حتى إذا هُدِم المسجد بُنيت لم يجد ما يصرفه إلى ( ... )، فما الحكم في هذا النذر؟ الشيخ: يقدر دراهم ويجعلها في بناء مسجد.
الطالب: في بناء أي مسجد؟ الشيخ: أي مسجد نعم.
طالب: ( ... ) الطلاق المعلق ( ... )؟ الشيخ: الطلاق المعلق نفذ من الزوج، قال: إذا طلعت الشمس فزوجتي طالِق، خلاص وقع الطلاق على ها الصفة دي، أما الوقف فهو من جنس الذي ينوي الصدقة بشيء فله ما دام لم يحصل الشيء له أن يرجع في صدقته.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في مسألة التخلص من الفوائد الربوية، بعضهم أورد إشكالًا، قال: إننا لو جعلنا الفوائد لهم دخلنا في المحظور .. الشيخ: وهو؟ الطالب: قال: إنا كنا موكلين للربا، الرسول صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا (7). الآكل والموكل فكنا موكلين للربا بهذا .. الشيخ: ولا أوكلناه، أصلًا ما في أيدينا حتى نوكله إياه، ما دخل ملكنا حتى الآن.
الطالب: بس جهة التسبب.
الشيخ: ولا بالتسبب، وليس هذا المال أيضًا كسب مال، قد يكون ماله الذي دخل عليه اشترى به سيارة وخسره، ما هو على كل حال، أفهمت؟ ثم لا تأتي .. لا تدخل مسألة العقل والأقيسة وعندك نص: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ [البقرة: 279] فأيش؟ ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: 279]، ونبينا صلى الله عليه وسلم أعلن يوم عرفة قال: «رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» (8). ما هو أول وَقْف كان في الإسلام؟ طالب: وقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الشيخ: في أي مكان؟ طالب: في خيبر.
الشيخ: في نصيبه من خيبر.
من الذي أشار عليه بهذا الوقف؟ طالب: الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم.
أيهما أفضل الوَقْف أو الصدقة؟ طالب: الوَقْف.
الشيخ: الوقف، في الأراضي ونحوها الوقف؛ لأنها تبقى.
هل الوقف عقد لازم؟ طالب: نعم.
الشيخ: هل فيه مجلس خيار؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2404

طالب: ليس خيار مجلس.
الشيخ: ما فيه.
عرِّف الوقْف؟ طالب: الوقْف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
الشيخ: نعم، ويش معنى تحبيس الأصل؟ الطالب: تحبيس الأصل معناه يحبس على نفسه، ( ... ). الشيخ: يعني يمنع؟ الطالب: على نفسه هذا المعين .. الشيخ: يعني يمنع بيعَه وشراءَه ورهنه.
وهل يحبس عن الإجارة؟ الطالب: لا يحبس عن الإجارة؛ لأن الإيجارة منفعة للوقف ( ... ). الشيخ: منفعة للوقف طيب أحسنت.
ينعقد الوقف بصيغتين؟ طالب: بالقول أو بالفعل.
الشيخ: بالقول وبالفعل، تمام يعني له صيغتان قولية وفعلية.
القولية تنقسم؟ طالب: قولية ( ... ). الشيخ: لا، تنقسم، قبل خمسة ألفاظ.
الطالب: كناية، وصريح.
الشيخ: إلى صريح وكناية.
الصريح؟ طالب: قوله: وقَّفْت، حبَّست، سبَّلت.
الشيخ: وقَّفْت، حَبَّسْت.
الطالب: سبَّلْت.
الشيخ: نعم، الكناية؟ الطالب: الكناية: تصدَّقت و ( ... ). الشيخ: أحسنت.
ما الفرق بينهما من حيث الحكم؟ الطالب: الصريح ينتقل الملك للموقف عليه مباشرة بعده.
الشيخ: ينعقد الوقف بمجرد النطق به.
الطالب: أما الكناية فإنه يُشترط اقترانه بأحد من الأشياء ( ... ). الشيخ: إلا بأيش؟ الطالب: إلا بالنية، النية مع الوقف.
الشيخ: هذه واحد.
الطالب: أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة.
الشيخ: يقترن بأحد الألفاظ الخمسة.
الطالب: أو ما يدل على الوقف.
الشيخ: أو ما يدل على الوقف، أحسنت، تمام.
كيف قلت: أحد الألفاظ الخمسة، والألفاظ ستة؟ الطالب: أن ثلاثة هي الصريح، والثلاثة التي في ( ... ) سيكون يحتاج إلى .. الشيخ: ويش لون كم أحد الألفاظ الخمسة وهي ستة؟ طالب: لأن أحدها سيكون ( ... ). الشيخ: لا.
الطالب: لأن أحد ألفاظ الكناية التي يعبر بها الذي يريد أن يُوقِف.
الشيخ: لأن أحد الألفاظ الستة سوف يُعبِّر به، ثم يتلوه بأحد الألفاظ الخمسة.
مثال ذلك في حُكْم الوقف أو ما يدل على الوقف؟ طالب: ما يدل على الوقف؟ الشيخ: إي، كناية قُرن بها ما يدل على الوقف؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2405

الطالب: كمن جعل أرضه مسجدًا.
الشيخ: كناية، هذا اللي تقول باب آخر.
الطالب: أن يقول: حرَّمت هذه .. الشيخ: أبَّدت هذه المكتبة.
الطالب: أبَّدت هذه المكتبة وقفًا.
الشيخ: لا، أنا قصدي حكم الوقف، ما هو بأحد الألفاظ الخمسة.
الطالب: يقول: حرَّمت هذه المكتبة لا تُباع ولا تُوهب.
الشيخ: لا تُباع ولا تُوهب، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، أو يقول: أبَّدْت هذه على فلان، ثم مَنْ بعده، المساكين، أو أبناؤه، أو ما أشبه ذلك.
رجل عنده أرض براح، فتحها، أو أحاطها بسور وقال للناس: من شاء أن يدخل فيها فليدخل، أتكون وقفًا؟ طالب: نعم، يا شيخ.
الشيخ: تكون وقفًا، بأي صيغة؟ طالب: كونه صرح للناس.
الشيخ: لكن بأي صيغة؟ أهي قولية أو فعلية؟ الطالب: قولية.
الشيخ: هو ما قال: وقَّفْت؟ طالب: صرح للناس بأن يدخلوا، فهي فعلية.
الشيخ: إي نعم، فعلية، ماذا تقولون؟ صحيح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح.
لو دفن فيها قبر ابنه مثلًا أو أبيه فقط؟ الطالب: لا تكون وقْفًا.
الشيخ: لا تكون وقْفًا.
الطالب: لأنه لم يأذن لغيره بالدفن.
الشيخ: حتى يأذن للعامة، تمام.
ما تقول فيمن وقَّف تمرًا؟ طالب: تمر.
الشيخ: إي، وقَّف تمرًا على المساكين.
الطالب: فيه خلاف.
الشيخ: أعطنا رأي المؤلف أولًا؟ الطالب: ليس وقفًا.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ الطالب: لأنه لا ينتفع به إلا بفنائه.
الشيخ: أحسنت؛ لأنه لا ينتفع به إلا بفنائه، ويشترط أن يكون ينتفع به مع بقاء عينه.
هل هناك قول؛ لأنك أشرت إلى أن فيه خلافًا؟ الطالب: إي، شيخ الإسلام يرى أنه يجوز.
الشيخ: أنه جائز.
لو وقَّف ثمرة هذه النخل؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، ثمرة من النخلة؟ طالب: ثمرة النخل ( ... ) ليس بوقف، صدقة.
الشيخ: إي نعم، لا يصح الوقف؛ لأن إن كانت الثمرة معدومة فالوقف معدوم لا يصح، وإن كان موجودًا فإنه لا يُنتفع به إلا بفناء عينه؛ فلا يصح.
هل يجوز أن يوقِف الإنسان قلمًا للكتابة به؟ طالب: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2406

الشيخ: يجوز، أوقف قلمًا ما يساوي خمسة ريالات للكتابة به.
الطالب: لو يساوي ريالًا واحدًا.
الشيخ: يعني تقول: يصح؟ الطالب: المذهب لا يصح.
الشيخ: لا يصح، قلم هذا ما بيمنع من هذا؟ الطالب: لا يصح؛ لأنه يتلف ( ... ). الشيخ: هذا يتلف؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: يلَّا أثبت الآن؟ الطالب: القلم ( ... ) لا يصح.
الشيخ: إن كان لا يُنتفع به إلا بذهاب أجزائه فهو لا يصح، وإلا يصح.
الآن القلم المعروف الذي يُعبَّأ بالحبر يصح؟ طالب: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن مداده دائم، ما دام باقيًا فمنفعته باقية؟ القلم الرصاص؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: ما يصح.
طباشير يصح؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؟ الطالب: لا يصح على المذهب.
الشيخ: إي، على المذهب، ليش؟ الطالب: لا ينتفع به إلا بتلف.
الشيخ: إلا بتلف، توافقون على ذلك؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب بارك الله فيكم، صحيح.
متى يشترط أن يكون الوقف على بر؟ طالب: إذا كان على جهة عامة.
الشيخ: إذا كان على جهة عامة، مثل؟ الطالب: مثل المساجد، الفقراء، المساكين.
الشيخ: طيب، وإذا كان على شخص خاص؟ الطالب: يشرط فيه ألا يكون على إثم.
الشيخ: إذا كان على شخص خاص يشترط ألا يكون على إثم.
لو وقَّف على غني؟ طالب: يصح.
الشيخ: يصح؟ الطالب: نعم؛ لأنه معين.
الشيخ: الغني ما هو محتاج؟ الطالب: نعم، يتشرط فيه ألا يكون على إثم.
الشيخ: طيب.
الطالب: وليس فيه إثم.
الشيخ: توافقونه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لو وقَّف على المغنين؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح.
طالب: لأن هذه جهة فيشترط أن تكون على بر.
الشيخ: طيب على مُغنٍّ؟ طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟ الطالب: إن كان يُستعان على الغناء والموسيقى فلا يصح، وإن كان لا يستعين به فيصح.
الشيخ: يعني إن يوقَّف على مغنٍّ لشراء آلات العزف؛ فلا يصح، أما ليأكل ويشرب فيصح.
رجل أوقف على جبريل؛ لأن جبريل مُوكَّل بالوحي ينزل بالخير للناس؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: كيف لا يصح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2407

طالب: ( ... ) على معين ( ... ). الشيخ: وهذا لا يملك جبريل؟ طالب: نعم.
الشيخ: توافقون على ذلك؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
وقَّف على فرس لفلان؟ الطالب: على المذهب لا يصح ( ... ). الشيخ: على المذهب لا يصح، لماذا؟ الطالب: لأن ( ... ) لا يملك.
الشيخ: لا يملك؛ لأنه لا يملك، يعني على القاعدة هل هناك قول آخر؟ الطالب: ( ... ) على فرس فلان ( ... ) يجاهد عليه في سبيل الله فهذا جهة بر.
الشيخ: إذا كان وقف على الفرس؛ لأنه كان يجاهد عليه في سيبل الله فهذا جهة بر.
وإذا كان يريد أن ينفع صاحبه فقط؟ الطالب: لا.
الشيخ: لا يصح، ماذا تقولون؟ طلبة: يصح.
الشيخ: فيه قول، على القول الثاني يصح، أما المذهب ( ... ) المذهب لا يصح حتى لو أراد نفع صاحبه.


ذكرنا أن التبرع هو بذل المال بلا عوض، وذكرنا أنه ثلاثة أنواع؟ طالب: النوع الأول ( ... ). الشيخ: بس اذكر أسماء وبعدين التعريف.
الطالب: صدقة.
الشيخ: صدقة.
الطالب: هدية.
الشيخ: هدية.
الطالب: هبة.
الشيخ: هبة، تمام، هذه ثلاثة أنواع.
الصدقة ما هي؟ طالب: ما قُصد به ثواب الآخرة.
الشيخ: ما قُصد به ثواب الآخرة؟ مثاله؟ الطالب: الصدقة على الفقراء.
الشيخ: أعطى فقيرًا صدقة، هذا تبرع؛ يعني ما أخذ العِوَض، لكن لو قُصِد به الآخرة فيكون صدقة.
طيب الهدية؟ طالب: الهدية ما قُصِد به التودُّد.
الشيخ: ما قُصد به التودد والتأليف، هذه هدية.
أليس التودد والتأليف من الأمور المقصودة شرعًا، ويُقصد بها ثواب الآخرة؟ الجواب أيش؟ الطالب: لأنها تخرج لتأليف القلوب والمواساة.
الشيخ: يعني ثواب الآخرة لم يقصد فيها قصدًا أوليًّا؛ ولهذا يخصها برجل معين، الصدقة ما يخصها برجل معين، أي فقير يواجه يعطيه.
طالب: ما يقصد به نفع الموهوب له.
الشيخ: اللهم أعطنا سمعًا قويًّا، أو صوتًا قويًّا، أو الأمرين، يلَّا.
طالب: ما يُقصد به نفع الموهوب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2408

الشيخ: إي نعم، نفع المتبرع له، هذا أيش؟ يسمى هِبة؛ لأن الإنسان ليس له قصد إلا نفع هذا الشخص، وكلها تعتبر من التبرع الذي لا يملكه إلا صاحبه؛ ولهذا نقول: ولي اليتيم يجوز أن يتصرف لكن لا يجوز أن يتبرع، الوكيل يجوز أن يتصرف لكن لا يجوز أن يتبرع؛ لأن التبرع لا بد من أن يكون من صاحبه؛ أي ممن يملك أن يتبرع.
أخذنا التعريف المؤلف؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، قال: وهي (التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره، وإن شرط فيها عوضًا معلومًا فبيع) (إن شرط فيها) أي في الهبة (عوضًا معلومًا فبيع) يعني فله حكم البيع، مثال ذلك: قال رجل لأخيه: وهبتك هذا على أن تعطيني عشرة ريالات.
نقول: هذه بيع، يثبت لها أحكام البيع، فيكون فيها خيار المجلس، ولا بد فيها من إيجاب وقبول وسائر الشروط؛ ولهذا لو قلت للإنسان وأنت مارٌّ معه إلى الجامع وقد أذن الأذان الثاني، لو قلت: أعطيتك هذا القلم تبرعًا، يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
ولو قلت: أعطيتك هذا القلم بشرط أن تعطيني خمسة ريالات؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ليش؟ طلبة: لأنه بيع.
الشيخ: لأن الثاني بيع.
قال: (ولا يصح مجهولًا إلا ما تعذر علمه) يعني لا يصح أن يهب شيئًا مجهولًا إلا ما تعذر علمه، وليس المراد لا يصح مجهولًا فيما شرط فيه العوض لا، لا يصح أن يهب مجهولًا إلا ما تعذر علمه كالحمل في البطن وشِبهه.
وعلى هذا فلو أن شخصًا له جمل شارد وقال لآخر: وهبتُك جملي الشارد؛ فإنه لا يجوز، لماذا؟ لأنه مجهول، وغير مقدور عليه، فلا يصح أو قال: وهبتُك ما في هذا الكيس من الدراهم فإنه لا يصح، لماذا؟ طلبة: مجهول.
الشيخ: لأنه مجهول، ويمكن علمه.
وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو ما يراه رحمه الله، وهو المذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2409

والقول الثاني أنه يصح أن يهب المجهول؛ وذلك لأن الهبة عقد تبرع، والإنسان فيها إما غانم وإما سالم، فإذا وهبته شيئًا مجهولًا وقَبِل فلا ضرر عليه؛ لأنه إما أن يحصل على شيء يريده أو شيء لا يريده، إن حصل على شيء يريده فهذا هو المطلوب وإلا فلا ضرر عليه، فإذا قال: وهبتك ما في هذا الكيس من الدراهم على المذهب ما يجوز، ليش؟ طلبة: مجهول.
الشيخ: لأنه مجهول، القول الصحيح أنه يجوز.
فتحه ويظن أن فيه عشرة آلاف، وإذا فيه دفتر مفكرة، يجوز ولَّا ما يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: تكون المفكرة له؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: المذهب لا تكون له، ليش؟ لأنها مجهولة، والقول الراجح أنها تكون له؛ لأن هذا الذي قبل الهدية ما عليه ضرر، إذا ظهرت المفكرة ما عليه ضرر.
فإن لم يكن فيها شيء؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لا شيء فيها، ما عليه شيء، فالصواب أنه يصح أن يهب المجهول سواء تعذر علمه أم لم يتعذر.
ومما يتعذر علمه أن يختلط ماله بمال شخص على وجه لا يُدرَى عن كميته، ولا يتميز بعينه فيقول: وهبتُك مالي الذي اختلط في مالك، هذا مجهول، يتعذر علمه، فعلى المذهب يصح؛ لدعاء الضرورة لذلك.
قال: (وتنعقد بالإيجاب والقبول والمعاطاة الدالة عليها) تنعقد أي الهبة بالإيجاب، وهو اللفظ الصادر من الواهب والقبول وهو اللفظ الصادر من الموهوب له، فيقول: وهبتك هذا الكتاب، ويقول الثاني: قبلت، الأول أيش هو؟ طلبة: إيجاب.
الشيخ: والثاني؟ طلبة: قبول.
الشيخ: قبول.
وكذلك (بالمعاطاة الدالة عليها) أيضًا تنعقد بها، مثل أن يكون عند شخص وليمة دعوة، فأرسل إليه أخوه شاة ولم يقل شيئًا، أخذ الشاة وذبحها وقدَّمها للضيفان، تصح الهبة أو لا؟ طلبة: تصح.
الشيخ: تصح، ليش؟ طالب: المعطاة.
طالب آخر: دال عليه.
الشيخ: لأن هذا دال عليها، هو صديق، وأراد أن يساعدني فأرسل إليَّ الشاة، ولم يقل: هبة، يخشى إذا قال: هبة أن يكون فيها نوع من المنة فنقول: هذا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2410

إنسان آخر بيده كتاب، فرآه صاحبه لما رآه يراه أعطاه إياه بدون أن يقول: وهبتك، وبدون أن يقول لك: قبلت.
هذه المعاطاة تدل على الهبة؟ الظاهر أنها تدل على الهبة لا سيما إذا كان الواهب ممن عُرِف بالكرم، وإلا فقد يقال: إن الأصل بقاء ملكه، ولا تصح هذه الهبة؛ لأنه ربما أعطاه إياه من أجل أن ينظره ويستفيد منه.
إذن صيغتها نوعان؛ قولية وفعلية؛ القولية هي الإيجاب القبول، والفعلية هي المعاطاة الدالة عليها.
(وتلزم بالقبض بإذن واهب إلا ما كان في يد موتهب) إذا تمت الهبة بالإيجاب والقبول، فهل فيها خيار مجلس؟ لا، ليس فيها خيار مجلس، لكن فيها خيار مطلقًا حتى تُقبض؛ لأنها لا تلزم إلا بالقبض.
فلو قال: وهبتك كتابي الفلاني فقال: قبلت، ولم يُسلِّمه له، ثم رجع فرجوعه جائز؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض.
قال: وهبتك كتابي هذا، ولم يسلمه له، ثم قال: رجعت، يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه لم يقبض، فإن قبض فهل فيها خيار مجلس؟ نقول: ما دام في المجلس فله الرجوع؟ لا؛ لأن هذا عقد تبرع، والذي فيه خيار المجلس هو عقد المعاوضة، والفرق بينهما ظاهر عقد المعاوضة أعطى الشارع المتعاقدين مهلة ما دام في المجلس؛ لأن الإنسان قد يرغب في السلعة، وإذا بِيعت عليه نزلت من عينه، وهذا شيء مُشاهَد أن الإنسان تجده راغبًا في السلعة، وإذا بِيعَت عليه نزلت من عينه، فجعل له النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخيار إذا أحب أن يردها (9). لكن الهبة فيها عقد معاوضة؟ لا، هو أعطيها مجانًا، حتى لو كان في الأول يحبها، ثم أعطيها ونزلت من عينه ماذا يضره؟ لا يضره شيء.
إذا تلزم بالقبض لا بد أيضًا من إذن الواهب بذلك، فلو قال: وهبتك بعيري الذي في حظيرتي، تعرفون الحظيرة؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2411

الشيخ: الرجل لما قال: وهبتك بعيري الذي في حظيرتي، قال: قبلت.
ثم ذهب الموهوب له مسرعًا وقبض البعير، فهل تلزم الهبة؟ المؤلف يقول: لا تلزم إلا إذا قال: اذهب فاقبضها، أو ذهب معه وقبضها إياه، أما أن يقبض بدون إذنه فلا.
فإذا قال قائل: أليس يلزم من الهبة الإذن في القبض؟ قلنا: لا يلزم؛ لأنه قد يندم -أعني الواهب- فيرجع قبل القبض، وأنت إذا بادرت وقبضت سددت عليه الباب بدون إذنه، وهو له الحق أن يرجع حتى يسلمك إياها، أو يأذن لك بالقبض؛ فلهذا اشترط المؤلف قال: (بإذن واهب).
(إلا ما كان في يد متهب) ما كان في يد متهب لا يحتاج إلى إذن كشخص استعار كتابًا من آخر، والكتاب في يده فقال له مالك الكتاب: قد وهبتُك كتابي الذي استعرته مني، يحتاج أن يقول: وهل تأذن لي في قبضه؟ لا.
لماذا؟ لأنه في يده فصار بعد الهبة مقبوضًا.
فإن قال قائل: إن القبض يختلف، قبضه قبل الهبة على أن يده يد أمانة، لا يد مالك، وبعد الهبة صارت يده يد مالك.
نقول: لا يؤثر هذا الفرق؛ لأن العبرة هل الموهوب وصل له أو لا؟ وحينئذٍ نقول: إنه قد وصل.
(إلا ما كان في يد متهب).
نحن ضربنا مثلًا بالعاريَّة، هل يصح أن نضرب مثلًا بالوديعة؟ طالب: يصح.
الشيخ: يصح.
مثاله.
طالب: أودعت فلانًا كتابًا، ثم قلت: وهبته لك.
الشيخ: أودعت فلانًا كتابًا.
قلت: هذا كتاب احفظه عندك حتى أطلبه منك، ثم وهبته.
يحتاج إليه في القبض ولا ما يحتاج؟ ما يحتاج، بارك الله فيك.
لو أن الواهب بعد أن وهب الهبة ولم يقبضها الموهوب له مات، هل تلزم الهبة؟ لا تلزم؛ لأن الموهوب له لم يقبضها، ويكون المال الآن يرجع إلى مَنْ؟ إلى الورثة؛ لأنها هبة لم تلزم؟ لو وهب شيئًا ولم يُقْبضه، ثم باعه، يصح البيع أو لا يصح؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض.
إذا لزمت بالقبض فهل الملك يكون من القبض أو من عقد الهبة؟ يكون من عقد الهبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2412

ووارثُ الواهبِ يَقومُ مَقامَه ومَن أَبْرَأَ غَريمَه من دَيْنِه بلَفْظِ الإحلالِ أو الصدَقَةِ أو الْهِبةِ أو نحوِها بَرِئَتْ ذِمَّتُه ولو لم يَقْبَلْ ويَجوزُ هِبةُ كلِّ عينٍ تُباعُ وكَلبٍ يُقْتَنَى.
(فصلٌ) يَجِبُ التعديلُ في عَطِيَّةِ أولادِه بقَدْرِ إرْثِهم، فإن فَضَّلَ بعضَهم سَوَّى برجوعٍ أو زيادةٍ، فإن ماتَ قبلَه ثَبَتَتْ، ولا يَجوزُ لوَاهبٍ أن يَرْجِعَ في هِبَتِه اللازمةِ إلا الأبَ لأنها هبة لم تلزم.
طيب لو وهب شيئًا ولم يقبضه ثم باعه، يصح البيع أو لا يصح؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض.
طيب إذا لزمت بالقبض فهل الملك يكون من القبض أو من عقد الهبة؟ يكون من عقد الهبة، ونظيره إذا بعت عليك سلعة، فما دمنا في مجلس العقد فلكل واحد منا الخيار، فإذا تفرقنا لزم البيع، هل يكون دخول ملك المبيع للمشتري من حين العقد أو من حين التفرق؟ طلبة: العقد.
الشيخ: من حين العقد.
وعلى هذا فإذا قلنا: إن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإنه ما دام لم يقبضها الموهوب له فللواهب الرجوع، فإذا قبضها فهي ملك الموهوب له، وملكه من متى؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: من العقد.
الشيخ: من العقد، فصارت تملك بالعقد، ولا تلزم إلا بالقبض.
ثم قال: (ووارث الواهب يقوم مقامه) .. طالب: يا شيخ -أحسن الله إليك المؤلف- عبر بالمعاطاة، وما عمم المسألة إلا في الوقف .. الشيخ: أيش؟ الطالب: هو ما عمم المسألة؛ بأن جعل كل عمل دالًّا على الهبة صيغة له، هنا خص هذا العموم؟ الشيخ: نعم، هو لو قال: كل ما يدل على الهبة لا بأس، أحيانًا يقولون الشيء يريدون التمثيل فقط، حتى في البيع ما قالوا: إنه ينعقد بالإيجاب والقبول والمعاطاة؟ قالوا هكذا، فهذا على سبيل التمثيل.
طالب: إذا وقف على من لا وارث له، فما حال الوقف ( ... )؟ الشيخ: ويش لون: وقف على من لا وارث له؟ الطالب: ( ... ) يجوز الوقف على الفرس ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2413

الشيخ: لا، يجوز الوقف على الفرس مطلقًا؛ جهاد وغير جهاد.
الطالب: طيب إذا مات؟ الشيخ: مات الفرس؟ الطالب: مات هذا الوقف اللي عليه.
الشيخ: إذا مات الفرس خلاص بطل الوقف.
الطالب: يرجع لصاحبه؟ الشيخ: يرجع لصاحبه.
طالب: ( ... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: لو قال الواهب عليك ما وهبت إن لم يكن على ( ... ) فما وجد شيئًا ( ... ). الشيخ: يعني أنه لعب عليه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي.
الطالب: ( ... ). الشيخ: مسألة أنه يلعب عليه أو ما يلعب عليه هذا شيء ثانٍ، الكلام على أنه تصح الهبة.
الطالب: إن كان ( ... )؟ الشيخ: ربما يلعب عليه مع أصحابه، فإذا فرح قال: الحمد لله، وجد له شو اسمه؟ محفظة دراهم منتفخة ولَّا ما فيها شيء، يضحكون عليه، يمزحون عليه، أما تعرف المزح؟ طالب: ( ... ) لو قال صاحب الشاة: إنما أعطيتك قرضًا؟ الشيخ: قرضًا، لا، الأصل عدم ذلك؛ ولهذا لاحظوا أنه ذكرنا في المثال أنه صديقه؛ لأنه لو أرسل له شخصٌ يتجر بالحيوان أرسل له شاة هذا قرينة تدل على أنه أراد العوض.
طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- في مسألة هبة المجهول، لا شك -إن شاء الله- أن ما رجحناه هو الراجح.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن -يا شيخ- إذا كان قلنا: إنه لا ضرر عليه؛ إما أنه غانم وإما أنه سالم.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن -يا شيخ- بعض الناس من الأكابر تلحقه المنة، ثم لا يأخذ ما كان في باله، فلو قال له مثلًا: وهبتك البيت الفلاني، ثم لم يعلمه لا بوصف ولا برؤية، فإذا رأى ذلك البيت وإلا هو لا يليق بمثله.
الشيخ: طيب.
الطالب: فحصلت عليه المنة ولم يأخذ شيئًا؟ الشيخ: يبيعه، إذا كان لا يسكنه يبيعه.
الطالب: حصلت عليه المنة؟ الشيخ: أبدًا، ما فيه منة، طيب المنة لو يعطيه قرشًا فهو منة إذا شاء، إذا كان ما يريد منة أبدًا يقول: لا قبول، ما أبغاه.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- الوقف قطع ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2414

الشيخ: إي، المنقطع هو الذي ينقطع من الموقوف عليه، مثلًا وقف على زيد ثم المساكين ومات زيد انقطع المساكين، الآن يتصل، لكن لو قال: على زيدٍ، ثم على عمرو، ومات زيد ومات عمرو، الآن انقطعت الجهة، فإذا انقطعت فيها خلاف؛ هل يعود لورثة الواقف أو لورثة الموقوف عليه أو يعود للمساكين؟ وإذا عاد فهل يعود وقفًا أو يعود ملكًا؟ فيه خلاف طويل عريض، وأقرب شيء عندي أنه إذا علم أن قصد الواقف البر والأجر فإن المنقطع يرجع إلى المساكين أو المصالح العامة.
طالب: أحسن الله إليك، ( ... )؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: زوال هذا الشخص ( ... ). الشيخ: ثم؟ الطالب: ثم زوال الموهوب له من قبل هذه الجهة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ومات الواهب.
الشيخ: الواهب فالوارث يقوم مقامه.
الطالب: يقبضها يا شيخ؟ الشيخ: الوارث يقوم مقامه؛ يعني: كأنه لم يمت؛ إن شاء سلمها، وإن شاء أمسكها.
طالب: أحسن الله إليك، إذا وهب إنسان هبة -مثلًا- إلى أحد، ثم أودعه إياها وعندما ( ... ) تراجعت عن الهبة ( ... )؟ الشيخ: ما يمكن؛ لأنه لا يجوز الرجوع في الهبة الواجبة اللازمة، إلا ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- كالأب، ومن وهب لسبب ثم تبين عدمه سيأتينا إن شاء الله.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، سكوت الواهب يعد إذنًا منه؟ الشيخ: يعني أنه رآه يقبضها وسكت.
الطالب: هو قال: سآخذها هدية، فسكت.
الشيخ: لا، ما يكفي هذا، لكن لو رآه يقبضها وسكت هذا يقوم مقام الإذن.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم، يتبين تمامه بالقبض؛ يعني: فعلى هذا إذا قدر أنها من الأموال الزكوية انعقد الحول من الهبة.

طالب: لا، من القبض؟ الشيخ: لا، من القبض.
الطالب: ويجوز يبيعه يا شيخ؟ الشيخ: نعم.
الطالب: ويجوز بيعه قبل القبض؟ الشيخ: من يجوز؟ الطالب: يجوز للموهوب له أن يبيعها قبل أن يقبضها.
الشيخ: ما يمكن يبيعها؛ لأنه تعلقت بحق الواهب، الواهب الآن قبل أن تقضبها له الحق.
الطالب: ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2415

الشيخ: هو أصلًا ما يتبين تمام الملك إلا بالقبض، لكن إذا قبض تبين أن الملك من العقد.
طالب: مسألة وهب الشاة في العرس ( ... )؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: إذا كان عرف الناس.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: إن وهبتني اليوم شاة في عرسي أنا أهبك غدًا شاة في عرسك ( ... ). الشيخ: لا، هذه عادة ما هي لازمة؛ يعني جرت العادة أن الذين يأتون بالغنم لمساعدة المتزوج أنه إذا حصل زواج عندهم يساعدهم هؤلاء، لكن ما هو شرط، ما تلزم؛ يعني ما هو لازم أني أرد عليه الهبة لكن جرت العادة، والناس الآن لا يمكن ألا يساعد؛ لأنه يرى أن هذا عيب عندهم.
طالب: إذا قال الواهب للموهوب له: وهبتك كذا؛ ساعة أو ما أشبه ذلك، ثم رجع عن قوله ( ... )؟ الشيخ: لا، ما هو بوجيه؛ لأنه ما دام أن الشرع أذن لي في هذا ما ( ... ). طالب: وهبه وسكت، ثم بعد ذلك قال: وهبتك ( ... )؟ الشيخ: هو إذا كان لم يسلمها ما هي مشكلة، إذا سلمها عاد ما يقبل إلا إذا دلت القرينة على هذا، ربما يكون -مثلًا- الواهب فقيرًا والموهوب له غنيًّا أو أميرًا، المهم معروف ما أحد يهبه إلا يريد أن يقابل، فيعمل بهذه القرينة.
طالب: ( ... ) في مرض الموت المخوف، ثم هلك الواهب؟ الشيخ: ما يمكن، بعد أن يقبضها الموهوب له لا يمكن الرجوع إلا في مسائل ستأتينا إن شاء الله.
طالب: فلو تأخر إلى ( ... )؟ الشيخ: كيف تأخر؟ طالب: أذن له بأخذها ولكن لم يأخذها إلا عند مرضه الذي توفي فيه.
الشيخ: أبدًا، هو ما دام أنه ما قبضها فللواهب الرجوع، وإذا قبضها فليس له الرجوع إلا في مسائل ستأتي إن شاء الله.
طالب: شيخ، ( ... ) مسجد طين، لما قاموا بأعمال ( ... ). الشيخ: مسجد طين؟ الطالب: مسجد طين.
الشيخ: معمول يعني؟ الطالب: معمول.
الشيخ: طيب.
الطالب: ( ... ). الشيخ: هدموه؟ الطالب: ( ... ) نبني مع البناء المسجد باللبن.
الشيخ: نهدم المسجد؟ الطالب: لا، مسجد الطين قائم.
الشيخ: طيب.
الطالب: وبنوا بجانبه المسجد باللبن؛ يعني بعيد عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2416

الشيخ: يعني غيروا مكان المسجد؟ الطالب: لا، ما غيروه، بنوا آخر.
الشيخ: بنوا آخر جنب الأول؟ الطالب: إي نعم الشيخ: ما يجوز هذا، هذا مسجد ضرار.
الطالب: وهجروا المسجد.
الشيخ: ما يجوز، قال العلماء رحمهم الله: إذا بنى مسجدًا بقرب مسجد فهو مسجد ضرار ويجب هدم الثاني.
طالب: ما يصنعون الآن؟ الشيخ: هذه واقعة؟ الطالب: واقعة يا شيخ.
الشيخ: وين في؟ الطالب: في تبوك يا شيخ.
الشيخ: في تبوك، ما أظن تقع .. طلبة: عندنا كثير يا شيخ.
الشيخ: وين هو في؟ ما أظن هذا يحدث.
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، تأمل يا رجَّال، لعله في الرؤيا! ( ... ) وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف يقول: إنه يجب العمل بشرط الواقف، ما الدليل أو التعليل؟ طالب: التعليل أن الواقف إنما أخرج ملكه على طريقة معينة وعلى كيفية معينة، فوجب العمل على شرطه.
الشيخ: أخرج ملكه على وجه معين فوجب؟ طالب: ألَّا يتعدى.
الشيخ: ألَّا يتعدى، هذا تعليل جيد.
ما هناك دليل؟ طالب: الدليل فعل عمر رضي الله عنه عندما اشترط ألَّا يباع ولا يوهب ولا يرد، ولو لم يجب العمل به ما .. الشيخ: هذا ( ... ) الرسول صلى الله عليه وسلم.
الطالب: ( ... ) لو كان ما له فائدة، ما شُرِع.
الشيخ: هذه يبين حكم الوقف، الرسول .. هذا أول وقف؛ أول وقف كان هو وقف عمر، فبين الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» (1) غير أن .. طالب: عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2)، و «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (3). الشيخ: إي نعم.
طالب: يا شيخ، قول النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا» (4)، فتحريمها يدل على عدم جوازها إلا فيما ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2417

الشيخ: عدم جواز التصرف فيها إلا بإذن مالكها.
الطالب: إلا بإذن مالكها وعلى حسب شرطه.
طالب آخر: ( ... ) الرسول صلى الله عليه وسلم أهداها لعمر، وعمر ( ... ). الشيخ: في القرآن الكريم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ في الوصية ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 181، 182]، أنا ما أدري هل قلتها لكم أو لا؟ طلبة: نعم.
طالب: في موضع آخر.
الشيخ: في موضع آخر، زين، إذن: (لا) و (نعم) و (التفصيل في موضع آخر)، على كل حال هذا الدليل؛ الدليل أن الله عز وجل قال في الوصية: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: 181]، واستثنى من خاف من موص جنفًا أو إثمًا.
ذكر المؤلف صور في شرط الواقف جمع وتقديم، الأمثلة لذلك، مثال الجمع؟ طالب: الجمع وقفت على أولادي جميعهم؛ زيد وعمرو وكذا وهم عشرة.
الشيخ: لا.
الطالب: وقفت على أولادي وأولادهم.
الشيخ: أحسنت، وقفت على أولادي وأولادهم، فجمع بين البطون العليا والبطون السفلى.
تقديم؟ طالب: ( ... ). الشيخ: وقفت على أولادي ويقدم، طيب، تمام.
الطالب: ( ... ). الشيخ: أو من لم يبلغ منهم.
يقول: (واعتبار وصف عدمه)؟ طالب: اعتبار وصف إذا قال: وقفت لطلاب العلم، فوصف .. الشيخ: على أولادي طلبة العلم.
الطالب: على أولادي طلبة العلم، نعم، وعدم الوصف معناه لو قال: وقفت على من لا يتأخر في الصلاة.
الشيخ: على أيش؟ الطالب: على من لا يتأخر في الصلاة.
الشيخ: على من؟ الطالب: على من ليس غني من أولادي.
الشيخ: على من ليس غني، هذا اعتبر؟ الطالب: عدم الغنى.
الشيخ: عدم الغنى، طيب.
وترتيب؟ طالب: الترتيب أن يقول: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم.
الشيخ: على أولادي ثم أولادهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2418

ما الفرق بين الترتيب والتقديم؟ طالب: ( ... ). الشيخ: يعني لا يستحق البطن الثاني مع وجود أحد من البطن الأول، والتقديم؟ طالب: ( ... ). الشيخ: والتقديم يستحقون معهم لكن الأولوية لمن قُدِّم.
وقف على أولاده كيف يوزع الوقف؟ طالب: وقف على أولاده؟ الشيخ: هذا وقف على أولاده، كيف نوزع الوقف؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: الذكور والإناث.
الطالب: ( ... ). الشيخ: والغني والفقير؟ الطالب: والغني والفقير على السواء.
الشيخ: على السواء.
توافقونه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
لماذا؟ طالب: لأن هؤلاء جماعة يمكن ( ... ). الشيخ: لأن لفظ الولد؟ الطالب: يشمل الذكر والأنثى.
الشيخ: الذكر والأنثى، والغني والفقير، والصغير والكبير.
طيب إذا وقف على ولده الذكور والإناث بالسوية، ثم ولدِ بَنِيه، كيف؟ طالب: ثم ولد بنيه فإنه لا يأخذ ولد البنات.
الشيخ: البطن الأول؟ الطالب: البطن الأول يأخذون كلهم الذكور والإناث.
الشيخ: يأخذون كلهم الذكور والإناث بالسوية.
الطالب: بالسوية.
الشيخ: والبطن الثاني؟ الطالب: ثم البطن الثاني لا يأخذون إلا أولاد الذكور.
الشيخ: إلا أولاد البنين.
الطالب: أولاد البنين.
الشيخ: طيب أولاد البنين الذكور والإناث؟ الطالب: أولاد البنين الذكور والإناث، نعم.
الشيخ: الذكور والإناث.
وولد البنات؟ الطالب: لا يأخذون.
الشيخ: لا يأخذون، طيب.
هل يجوز مثل هذا الاشتراط؛ أن يقول: هذا وقف على أولادي، ثم أولاد أولادي أولاد الظهور دون البطون، يجوز؟ ما فيه حيف؟ طالب: يكون فيما لو أعطى ذكور أولاده دون البنات.
الشيخ: لكن هذا الوقف أولاد البنين يأكلونه هنيئًا مريئًا، وأولاد البنات ما لهم شيء.
الطالب: أولاد البنات ليسوا أبناء له كأبناء البنين.
الشيخ: لا يدخلون في اسم الأولاد أصلًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: الدليل أن لفظ البنين وضع عادة للابن .. الشيخ: الدليل غير التعليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 2419

الطالب: الدليل قول الله عزو جل: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: 39].
الشيخ: ( ... ). الطالب: وهذا يدل.
الشيخ: هذا المشركين ذاك.
الطالب: إي نعم، وهذا ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: 153]. الشيخ: هذا نفس الشيء.
الطالب: وهذا يدل على أن البنت غير الذكر.
الشيخ: معلوم أن البنت .. حتى عيالك الذكور والإناث ما هم سواء.
الطالب: ويش الإشكال إذن يا شيخ؟ الشيخ: الإشكال أن أولاد البنات لا يدخلون في الأولاد.
الطالب: هم لا يدخلون؛ لأنه نص على أولاد الأبناء.
الشيخ: بس بالدليل، جزاك الله خيرًا.
الطالب: يعني على .. الشيخ: على أن أولاد البنات لا يدخلون.
طالب: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
الطالب: وبالإجماع أن ولد البنت .. الشيخ: فإن أولاد البنات لا يدخلون بالإجماع.
الطالب: وقول الشاعر أيضًا:

بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ

الشيخ:

بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ

طيب هذا الدليل.
طيب الذين حرموا هذا الوقف وقالوا: إذا اشترط أن أولاد البنات لا يدخلون فهو وقف جنف ولا يجوز العمل به، كيف نرد عليهم؟ طالب: شيخ -بارك الله فيك- بأن إذا كان أولاد الذكور فقط أولاد الأبناء يحصل بينهم مشاكل إذا كثروا، فلو قلنا مثلًا: يدخلون أيضا أولاد البنات، وكان له عشرة بنات مثلًا، وكان لهن -لهذه العشرة- أبناء، فيكون مئة، فتكثر مشاكل أكثر.
الشيخ: إي، هذا تعليل عليل.
الطالب: هذا ذكرتموه يا شيخ.
الشيخ: إي، ما يخالف لكن عليل، قلنا: ربما.
طالب: إذا كان الله سبحانه وتعالى -وهو أعدل الحاكمين- أخرجهم من الإرث، فإذا أخرجناهم من الوصية فلا حيف.

الجزء: 2 - الصفحة: 2420

الشيخ: نعم، ونقول: الفرق أن الميراث ينتقل، هم يقولون أليس إذا ورثت البنت من أبيها مع إخوانها ينتقل ميراثها إلى أبنائها وبناتها؟ الجواب: بلى، لا إشكال، لكن يقال: الفرق أن الوقف ليس تمليكًا؛ لأن الموقوف عليهم لا يملكونه ملكًا تامًّا؛ ولهذا لا يبيعون ولا يرهنون ولا يهبون نفس الوقف.
فقول المذهب في هذه المسألة أرجح من القول بأنه لا يجوز إخراج أولاد البنات، طيب.
رجل وقف على قرابته، من يشمل؟ طالب: ( ... ). الشيخ: أيش لون؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: من أولاده.
الطالب: ( ... ). الشيخ: وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه.
الطالب: ( ... ). الشيخ: جد أبيه ويش هو بالنسبة له؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: الأب الثالث؟ توافقون على هذا؟ جد أبيه؛ أبوه، ثم جده، ثم جد أبيه، طيب.
هل هناك دليل؟ ما الدليل؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ولم يعط بني نوفل وعبد شمس، طيب.
أولاد جده من جهة أمه؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ما يعطون شيئًا؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: إذا واحد أوقف على قرابته، هل يعطى أولاد جده من جهة أمه؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا يعطون؟ تأكد.
طالب: ( ... ). الشيخ: ( ... ). طالب: ( ... ). الشيخ: نعم صح ( ... ) أولاد أبيه وجده من جهة أبيه ( ... ). وقف على بني تميم، يجب أن يعمموا؟ طالب: لا يجب.
الشيخ: هل يحرم الإناث أو لا؟ طالب: لا يُحْرَمْن ( ... ). الشيخ: بنو تميم؟ الطالب: لا.
الشيخ: طيب، وقف على بني زيد؟ طالب: لا.
الشيخ: كذلك ( ... ). طالب: الأبناء فقط، للذكور فقط.
الشيخ: لا، بني زيد؛ للذكور فقط! الطالب: لا، كلهم، يشملهم جميعًا.
الشيخ: الذكور والإناث؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يعني ( ... ). طالب: ( ... ). الشيخ: زميلك صحيحة.
طالب: إذا كان -يا شيخ- بني زيد يشمل .. الشيخ: إن أراد بهم القبيلة المعروفة.
الطالب: نعم، فإنهم يدخلون فيهم الذكور والإناث.
الشيخ: دخل الذكور والإناث، وإن أراد زيدًا المعين، شخص.
طالب: هنا لا يدخل فيهم الإناث، للأبناء ..

الجزء: 2 - الصفحة: 2421

الشيخ: للأبناء فقط دون البنات، تمام، طيب.
رجل أوقف داره ثم بدا له أن يرجع في الوقف؟ طالب: لا يحق له الرجوع.
الشيخ: لا يجوز؟ الطالب: لا يجوز له الرجوع.
الشيخ: ليش؟ لماذا؟ الطالب: لأن الوقف عقد لازم من حينه.
الشيخ: إي، هذا حكم، الآن أنت عللت بالحكم؛ لا يجوز لأنه لازم، ما يكفي.
طالب: لأنه أخرجه على وجه القربى فلا يجوز له أن يعيده.
الشيخ: أحسنت، لأنه أخرجه على وجه القربى فلا يجوز الرجوع فيه.
متى يجوز بيع الوقف؟ طالب: لا يجوز إلا إذا تعطلت منافعه.
الشيخ: نعم، يجوز إذا تعطلت منافعه.
هل يشمل هذا المسجد فيما لو رحل الحي؟ طالب: لا يشمل المسجد.
الشيخ: لا يشمل المسجد.
طالب: يشمل يا شيخ.
الشيخ: أين الذي أجاب؟ طالب: يشمل.
الشيخ: يشمل؟ طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: حتى المسجد؟ طالب: نعم -يا شيخ- إذا تعطلت منافعه، ما فيه أحد هيصلي فيه.
الشيخ: إي نعم.
طالب: فمنافعه تعطلت مطلقًا، ما فيه أحد يصلي إلا المؤذن.
الشيخ: إذن فما يسوون؟ طالب: نبني أفضل منه في حي آخر فيه اجتماع أكثر.
الشيخ: ينقل إلى حي فيه سكان؟ طالب: نعم.
الشيخ: إي، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب هذا المسجد الذي بيع الآن هل يجوز أن يجعل مخزن طعام؟ طالب: نعم -يا شيخ- لأن الحين خرج من ملك الموقوف عليه ودخل في ملك رجل ثانٍ.
الشيخ: هل يجوز أن يجعل دكانًا يُباع به ويُشترى؟ طالب: نعم؛ لأنه دخل في ملكه، وهو يفعل ما يشاء فيه.
الشيخ: نعم، يعني زال عنه اسم المسجد فصار كغيره.
بارك الله فيك.
هل هناك قول آخر في هذه المسألة؟ طالب: لا يباع.
الشيخ: أن المسجد لا يباع، ما أدري أنا ما سمعت هذا القول إلا الآن.
طالب: أنا أقصد الوقف يا شيخ.
الشيخ: أيش؟ طالب: الوقف.
الشيخ: الوقف؟ طالب: لا يباع إذا كان عنده ( ... ). الشيخ: الآن عرفنا أن الفقهاء رحمهم الله يقولون: لا يمكن أن يباع إلا أن تتعطل منافعه؛ يعني لو كان ينزل من مئة إلى عشرة ما يمكن يباع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2422

طالب: ( ... ). الشيخ: فيه قول آخر؟ طالب: ( ... ). الشيخ: متى يباع؟ طالب: إذا كان مصلحة أكبر.
الشيخ: صحيح؛ يعني إذا اقتضت الحاجة أو المصحلة فيباع، طيب.
هل فيه دليل؟ طالب: الرجل الذي نذر أن يصلي في بيت المقدس فأخبر الرسول، فقال: «صَلِّ هَاهُنَا».
فكرر عليه ثلاثًا، فقال: «أَنْتَ وَشَأْنَكَ» (5)، وهذا نذر، والوقف كالنذر.
الشيخ: يعني الرسول صلى الله عليه وعلى وآله وسلم أفتاه أن يصلي في مكة وهو قد نذر بيت المقدس؛ لأن مكة أفضل، بارك الله فيك.
رجل وقف على مسجد شيئًا وزاد عن حاجته، ولنقل: مصاحف، زاد عن حاجة المسجد، ماذا نفعل بالزائد؟ طالب: المذهب يجوز صرفه إلى مسجد آخر أو يُتَصَدق به على فقراء مسلمين.
الشيخ: نعم، المذهب أنه يجوز أن يصرف إلى مسجد آخر أو يتصدق به على فقراء المسلمين.
قولك: المذهب، هل يعني ذلك أن هناك قولًا آخر؟ الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: ( ... ) لا يصرف إلا لوقف عام يكون نفعه دائم للواقف.
الشيخ: يعني يُصْرَف في شيء كالمسجد نفعه عام، بارك الله فيك.
الهبة تنعقد بإيجاب وقبول ومعاطاة.
الإيجاب هو؟ طالب: اللفظ الصادر من الواهب.
الشيخ: الإيجاب هو اللفظ الصادر من الواهب.
والقبول؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
والمعاطاة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: طيب.
ما هو الدليل على أنها تنعقد بالمعاطاة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لأن جميع العقود تنعقد بما دل عليها، وأيضًا الرسول عليه الصلاة والسلام يعطي الصدقات، ويعطي من الفيء، ولا يقول للمعطَى: قبلتَ؟ ولا يقول: أعطيتك.
هل تملك الهبة بمجرد العقد أو بالقبض؟ طالب: بالقبض.
الشيخ: بالقبض، قبل القبض لا تملك.
لو تلفت فهي على ضمان الواهب؟ طالب: لا الشيخ: لا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: طيب، تلفت قبل الاستلام؟ طالب: لا ضمان عليه.
الشيخ: لا ضمان عليه؟ طالب: إي؛ لأنها ما دخلت في ملكه.
الشيخ: طيب نمت بين القبض وبين العقد؟ طالب: كيف؟ الشيخ: يعني فيها لبن حُلب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2423

طالب: له الخيار المطلق.
الشيخ: أيش الخيار؟ الطالب: للواهب الخيار المطلق .. الشيخ: الآن اللبن هذا لمن؟ الطالب: اللبن للواهب؛ لأنه في ملكه، أخرجه.
الشيخ: إذن معناه صممت الآن أنها لا تملك إلا بالقبض، كذا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: هل هذا ما قررناه؟ الطالب: إي نعم يا شيخ.
طالب آخر: ( ... ) بالعقد.
الشيخ: طيب.
الطالب: لكن لا تلزم إلا بالاستلام.
الشيخ: إلا بالقبض طيب، فعلى هذا لو نمت فهي؟ الطالب: من نصيب الموهوب له.
الشيخ: من نصيب الموهوب له، ويجب على الواهب إذا نمت أن يرد النماء إلى الموهوب له، طيب.
ما هو الدليل على أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، هذا حكم ما هو دليل، الدليل: أن أبا بكر رضي الله عنه وهب عائشة من نخله ثمرة نخل، ثم لما مرض رجع فيه، وقال لها: لو أنت جذذتيه لكان ملكك، أما الآن فهو ميراث (6)، فدلَّ هذا على أنها لا تلزم إلا بالقبض، والمسألة خلافية لكننا نريد أن نمشي على المذهب في هذه المسألة.
وهب شيئًا ثم مات؟ طالب: ( ... ) القبض؟ الشيخ: قبل القبض، نعم.
الطالب: لا تلزم.
الشيخ: مات الواهب؟ الطالب: لا تلزم.
الشيخ: لكن كيف لا تلزم؟ لكن هل تبطل الهبة ولَّا لا؟ الطالب: لا، النظر في هذا للورثة.
الشيخ: للورثة، المؤلف يقول: (ووارث الواهب يقوم مقامه)، طيب.
مات الموهوب له؟ الطالب: يقوم الوارث مقامه.
الشيخ: يقوم وارثه؟ الطالب: مقامه.
الشيخ: توافقون على رأيه؟ قررنا هذا أمس الدرس السابق.
طلبة: ما أخذناه.
الشيخ: ما أخذتموه؟ إذن نبدأ الدرس الجديد.
يقول المؤلف رحمه الله: (وتلزم بالقبض بإذن واهب، إلا ما كان في يد مُتَّهِب) مثلنا لهذا بأيش؟ طلبة: الوديعة.
الشيخ: بالعارية والوديعة وما أشبهها.
وقال: (ووارث الواهب يقوم مقامه) فإذا مات الواهب قبل أن يسلمها فلورثته الحق في أن يمنعوا التسليم، ولهم أن ينفذوها ويسلموها.

الجزء: 2 - الصفحة: 2424

وعُلِمَ من قوله: (ووارث الواهب) أن وارث المتَّهب لا يقوم مقامه، وعلى هذا فلو وهب شيئًا لشخص ثم مات الموهوب له قبل القبض بطلت الهبة؛ لأنه تعذر قبضه الآن بعد أن مات.
فإذا قال قائل: ما الفرق بين هذا وهذا؟ قلنا: لأنه في مسألة الواهب لم ينتقل الملك؛ يعني قصدي الواهب مَلَكَها الموهوبُ له من قِبَلِه، والمتَّهِب إذا مات فليس شيء قبضه المتهب ثم يرجع إلى ورثته؛ ولذلك فرقوا رحمهم الله بين موت الواهب؛ فقالوا: لا تبطل الهبة به ويقوم وارثه مقامه، وموت المتهب؛ فقالوا: إن الهبة تبطل لتعذر القبض حينئذٍ.
(ومن أبرأ غريمه من دينه) (من أبرأ) (مَن) هذه عامة تشمل الغني والفقير، والمحجور عليه والطليق، والذكر والأنثى، والصغير والكبير (من أبرأ).
ولكن هذا ليس على هذا العموم، (من أبرأ غريمه) بشرط أن يكون ممن يجوز له التبرع.
وقوله: (من أبرأ غريمه) يعني: الذي يطلبه، عندنا طالب ومطلوب، المَدِين يسمى غريمًا، فإذا أبرأه من دينه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها.
الآن نرجع إلى العموم الأول (من أبرأ غريمه) قلنا: بشرط أن يكون ممن يجوز له التبرع، وعليه لو أبرأ المحجور عليه غريمه من دينه لم يبرأ؛ لأن المحجور عليه لا يصح تصرفه في ماله.
لو أبرأ ولي اليتيم من دين لليتيم فأبرأ الغريم منه لم يبرأ؛ لأن ولي اليتيم لا يصح له الإبراء.
لو أبرأ الوكيل غريم الموكل من دينه يبرأ أو لا يبرأ؟ لا يبرأ؛ لأن الوكيل ليس له أن يتبرع، الوكيل يتصرف ولكنه لا يتبرع، وهلم جرًّا، كل من يتصرف في مال غيره لا يمكن أن يتبرع به.
وقوله: (من دَيْنه) ظاهره أنه لا فرق بين أن يكون كثيرًا أو قليلًا.
وعُلِمَ من كلمة (دينه) أنه لا بد أن يكون الدَّيْن معينًا، فإن كان له على شخص دينان؛ أحدهما بُرُّ والثاني شعير، فأبرأه من أحدهما، هل يبرأ؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يبرأ؛ لأنه لم يعين الدين الذي أبرأ منه، فلا يبرأ.

الجزء: 2 - الصفحة: 2425

والصواب أنه يبرأ من أحدهما، ويرجع في التعيين إلى المبرئ؛ لأن المبرأ لم يملك ذلك إلا من قِبَلِه؛ من قِبَل المُبْرِئ.
وهذا هو القول الراجح؛ أنه يجوز أن يبرأ الغريم من أحد الدينين، ويرجع في التعيين إلى من؟ إلى المبرئ؛ لأن هذا من جهته وهو أعلم بما أراد.
طيب رجل له على شخص مئة دينار ومئة درهم، فقال هذا الذي له المئة دينار والمئة درهم: أبرأتك من أحد دَيْنيك، ولم يقل: الدنانير ولا الدارهم، المدين قال: هي الدنانير، والمبرئ قال: هي الدارهم، فإلى من نرجع؟ إلى قول المبرئ؛ لأنه أعلم بنيته والمال ماله، فيبرئ مما شاء، لكن المذهب لا يجوز إلا دينًا معينًا؛ لقوله: (من دينه).
وقوله: (من دينه) لو أبرأه من دين غيره وقال للمدين: إني أبرأتك من دين فلان وأنا أقضيه، يصح ولَّا لا يصح؟ لا يصح، لا يبرأ، وقوله: أنا أقضيه، هذا وعد، والوعد لا يلزم، فلا بد أن يكون من دينه لا من دين غيره.
(بلفظ الإحلال) هذه نقطة لا بد أن نعرفها تمامًا، (بلفظ الإحلال) شوف (بلفظ) احترازًا مما لو أبرأه بقلبه؛ كرجل له في ذمة فلان ألف ريال، فنوى أنه أبرأه، نوى بقلبه أنه أبرأه لكن لم يقل: إني أبرأته، أو يقول له: أبرأتك، أو أحللتك، أو سامحتك، فهل يبرأ؟ الجواب: لا يبرأ، وهذا مثل الإنسان يعين دراهم للصدقة بها وقبل أن يتصدق منعها فلا حرج عليه.
طالب: في الموهوب له إذا مات ألا تبطل الهبة وتنتقل إلى ورثته، كما أنه ورثته يقومون مقامه في ورثة الأعيان فيقومون مقامه في ورثة الحقوق؟ الشيخ: لأنه إلى الآن ما ثبت، ما دام الخيار للواهب إلى الآن لم يثبت حق القبض.

طالب: لو مات الواهب قبل أن يأذن للموهوب إليه أن يأخذ الهبة؟ الشيخ: لو مات الواهب وقبل أن يأذن بقبض الموهوب له؟ الطالب: نعم، لماذا -يا شيخ- لا نقول: إن هي كالوصية من الميراث للورثة؛ لأنه أقرب لنيته أن يتبرأ من هذا ( ... ) كأن .. ؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2426

الشيخ: لا، الوصية -بارك الله فيك- صرح الموصي بأنه يعطى فلان كذا وكذا، وهذا ما ندري هل هو يريد أن يمنع القبض أو لا؟ واضح؟ الطالب: هو الأقرب لنيته يا شيخ.
الشيخ: لا، هو الأقرب لنيته لو سلمها ليش يمنعها؟ قد يكون تغير رأيه، الوصية لا، الوصية أوصى.
طالب: إذا توفي الواهب وما له ورثة ( ... ) وهب الدار ( ... ) توفي وليس له وارث، ما الحال ( ... ). الشيخ: نفس الشيء؛ يعني يكون ميراثه لبيت المال.
الطالب: ولو كان كاتبًا؟ الشيخ: ولو كتب، ما قال: وهبت وقبضت، قال: وهبت، لكن ينبغي للناظر على بيت المال أو لولي بيت المال أن يتحرى؛ إذا كان هذا الموهوب له رجلًا فقيرًا فهو أحق بمال واهبه من بيت المال الذي لعموم الناس، وإن كان غنيًّا فبيت المال أحق.
طالب: ( ... ) وقال: أبرأت فلانًا من الدين؟ الشيخ: هذا سؤال جديد يا أخ، هذا تدليس التسوية الظاهر، تعرف تدليس التسوية؟ في مصطلح الحديث.
طالب: أحسن الله إليك إذا أخرج الواهب هبته للموهوب على أنها عنده؛ يعني عند الواهب، ثم تبين أن الهبة في يد المتهب على وجه لا يعلم به الواهب؛ كالغصب، كأن يكون الموهوب غصب .. الشيخ: لا، أبدًا، هنا تكون بيده فهي قبض.
الطالب: لكن ما علم، الواهب ظان أنها عنده؟ الشيخ: يعني ما علم أن هذا غصبها؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه ينظر فيها، تحتاج إلى نظر، وإلا فالعلماء يقولون: حتى المغصوب، لو أن رب المال قال للغاصب: قد وهبتك ما غصبت لزمت بمجرد القول؛ لأنها عنده.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- لو أنه أذن له بالقبض، ثم مات قبل القبض، هل يحتاج إلى إذن من الورثة؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنه انتقل الملك إليهم قبل اللزوم.


طالب: قال مؤلف صاحب زاد المستقنع رحمه الله تعالى: وتجوز هبة كل عين تُباع، وكلبٍ يُقتنى.
فَصْلٌ

يجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم، فإن فضَّل بعضهم سوَّى برجوعٍ أو زيادة، فإن مات قبله ثبتت.

الجزء: 2 - الصفحة: 2427

ولا يجوز لواهبٍ أن يرجع في هبته اللازمة إلا الأب، وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، فإن تصرف في ماله ولو فيما وهبه له ببيع أو عتيق أو إبراءٍ أو أراد أخذه قبل رجوعه، أو تملكه بقولٍ أو نية وقبض معتبر؛ لم يصح، بل بعده.
وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه، إلا بنفقته الواجبة عليه فإن له مطالبته بها وحبسه عليها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الإبراء هل يشترط فيه النطق؟ إذا أبرأ غريمه من دَيْنه هل يشترط النطق، فيقول: أبرأتك من دينك، أو اشهدوا أني أبرأت فلانًا من دينه، أو تكفي النية؟ طالب: يشترط القول لا بد.
الشيخ: لا بد من النطق، فماذا يقول؟ طالب: يقول: أبرأتك، أو ذمتك بريئة، أو أي قول يدل على الإبراء.
الشيخ: نعم، إذا أبرأ من الدين فهل تجب فيه الزكاة؟ لو كان له دين عند شخص تمت عليه السنة فأبرأه منه، فهل تجب عليه زكاته؛ لأن إبراءه كقبضه أو لا تجب؟ طالب: ( ... ). الشيخ: هو دين في ذمة شخص.
الطالب: خرج من ماله.
الشيخ: المهم أنت ترى أنها لا تجب، طيب.
طالب: إن كان المبرأ قادرًا على السداد من قبل ثم أبرأه بعد تمام الحول فإنها تجب الزكاة، أما إذا لم يكن قادرًا أو كان مماطلًا فإنها لا تجب.
الشيخ: يعني هذا التفصيل؛ يعني إن وجبت الزكاة في هذا الدين لم يسقطها الإبراء، هذا الضابط، وإن لم تجب فإنه يسقطها الإبراء؛ يعني مثل أن يبرأ فقيرًا أو ما أشبه ذلك، هذا هو الصحيح أن فيه تفصيلًا.
وأما القول بأنه إذا أبرأ منه فإن الزكاة واجبة على كل حال؛ لأن الإبراء كالقبض، والدَّين إذا قُبِض سواء على غني أو على فقير فإن الزكاة فيه واجبة؛ فهو ضعيف.
لو أن المبرأ لم يقبل؟ طالب: ما يلزمه.
الشيخ: لو أني أطلبك مئة ريال، فأبرأتك منها ولم تقبل، هل تسقط عنك أو لا تسقط؟ طالب: يسقط.

الجزء: 2 - الصفحة: 2428

الشيخ: يسقط وإن لم يقبل.
لماذا؟ طالب: لأن هذا حق لصاحب الدين، وله أن يسقطه وإن لم يرض أو يقبل المدين، هو من حقه وهو أسقطه.
الشيخ: أليست الهبة يشترط فيها قبول الموهوب له؟ الطالب: لكن هذا حق الغير يا شيخ.
الشيخ: أسألك: أليست الهبة لا تلزم إلا بقبول الموهوب له؟ الطالب: بلى.
الشيخ: طيب ويش الفرق؟ الطالب: الفرق أن الهبة لم تكن بيد الموهوب له، أما .. الشيخ: الهبة إدخال ملك عين على الموهوب له، فهي شيء جديد عليه، فشُرِط أن يقبل، وأما الإبراء فهو عبارة عن إزالة وصف بالنسبة للمدين، كأنه بعد أن كانت ذمته مشغولة أصبحت الآن غير مشغولة.
والصحيح في هذا التفصيل؛ أنه إن رد الإبراء دفعًا للمنَّة عليه فإنه لا يلزم بذلك؛ لأن المبرأ قد يقول: لو أنني قبلت لأصبح هذا الرجل يتحدث بين الناس أني أبرأت فلانًا، أو كلما حصل شيء قال: هذا جزائي حين أبرأتك من دينك، فهنا إذا لم يقبل له الحق؛ لأنه يقول: أنا لن أقبل خوفًا من أيش؟ من المنة، ولا شك أن هذا وصف كل إنسان يحب أن يدفعه عن نفسه.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وتجوز هبة كل عين تُبَاع) فأفادنا رحمه الله أن الهبة إنما تكون في الأعيان، وأما الدين فيسمى إبراءً، وقوله: (تُبَاع) أي: يصح بيعها، فخرج بذلك ما لا يصح بيعه.
وظاهر كلامه أن ما لا يصح بيعه ولو لجهالته أو عدم القدرة عليه لا تصح هبته.
والصحيح في هذا أن ما لا يصح بيعه لجهالته أو الغرر فيه فإن هبته صحيحة؛ كما لو أبق عبدٌ لشخص، فقال لصاحبه: إني قد وهبتك عبدي الآبق فقبل، فالصواب جواز هذا؛ لأن الموهوب له إن أدركه فهو غانم، وإن لم يدركه فهو سالم، بخلاف البيع.
وكذلك المجهول تصح هبته على القول الراجح؛ لأن الموهوب له إما سالم وإما غانم، فلا يكون ذلك من باب الميسر الذي حرَّمه الله عز وجل في كتابه.
لو وهب موقوفًا أيصح أو لا؟ لا تصح هبته؛ لأن الموقوف لا يصح بيعه.
لو وهب مرهونًا لم يصح؛ لأن المرهون لا يصح بيعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2429

لو وهب مؤجرًا صحت الهبة؛ لأن المؤجر يصح بيعه، ولكن لا يملك الموهوب له منافعه حتى تتم مدة الأجرة، فلو كان أجر بيته لمدة سنة ووهبه آخر بعد مضي ستة أشهر فالهبة صحيحة، ولكن الموهوب له لا يملك المنافع إلا إذا تمت المدة؛ بمعنى أن حق المستأجر ثابت على ما هو عليه، أما ما يستحقه من الأجرة فإن الموهوب له، يستحق من الأجرة من حين ما وهب له بقسطه.
قال: (وكلب يُقْتنى) يعني: وتصح هبة الكلب الذي يُقْتنى؛ أي: يجوز اقتناؤه، مع أن الكلب لا يصح بيعه فهبته ليست هبة حقيقية، ولكنها عبارة عن تنازل عن حقه من هذا الكلب، وإلا فالكلب لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه لا تصح الهبة فيه.
وقوله: (وكلب يُقْتنى) أفادنا رحمه الله أن الكلب الذي لا يُقْتنى لا تصح هبته؛ وذلك لأن الواهب في هذه الحال لا حق له فيه حتى يهبه.
والذي يُقْتنى هو ما كان لثلاثة أمور؛ إما الحرث، وإما الماشية، وإما الصيد.
هذه ثلاثة أشياء يجوز اقتناء الكلب لها بشرط ألَّا يكون أسود، فإن كان أسود فإنه لا يجوز اقتناؤه؛ لأنه لا يحل صيده، ولأنه شيطان فلا يحل اقتناؤه، لكن الكلب الذي يجوز اقتناؤه يجوز للمقتني أن يهبه؛ وذلك لأن هبته حقيقتها التنازل عن حقه في هذا الكلب.
فإن اقتنى كلبًا في حالٍ لا يباح اقنتاؤه ووهبه، قلنا: هذا لا يصح؛ وذلك لأن هذا الواهب لهذا الكلب ليس له الحق فيه؛ إذ إنه لا يجوز له أن يقتنيه، فكيف يتنازل عن شيء لاحق له فيه؟ ! ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل: يجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم) (يجب) الواجب هو الذي يثاب فاعله امتثالًا ويستحق العقابَ تاركُه، هذا هو الواجب.
و(التعديل) بمعنى أن تعاملهم بالعدل، وقوله: (في عطية أولاده) يشمل الذكر والأنثى، (بقدر إرثهم) فيعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، فإذا أعطى الذكر ألفًا أعطى الأنثى خمس مئة؛ بقدر الإرث.

الجزء: 2 - الصفحة: 2430

دليل الوجوب حديث النعمان بن بشير بن سعد رضي الله عنهما: أن أباه نحله نحلة، فقالت أمه أم النعمان: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب بشير بن سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره ليشهده على ذلك، فقال له «أَلَكَ بَنُونَ؟ » قال: نعم.
قال: «أَنَحَلْتَهُمْ مِثْلَ هَذَا؟ » قال: لا.
قال: «لَا أَشْهَدُ، أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي؛ فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (7)، ثم قال: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ » قال: نعم.
فرجع بشير بن سعد في هبته لولده النعمان (8)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، والعدل واجب.
وقول المؤلف رحمه الله: (بقدر إرثهم) يعني: أنه يُعْطَي الذكر مثل حظ الأنثيين، فلو أعطاهم بالسوية لكان هذا جورًا؛ لأنه زاد الأنثى ونقص الذكر، وما ذكره المؤلف رحمه الله هو القول الراجح؛ أن الأولاد يعطون على حسب ما ذكر الله عز وجل في كتابه في إرثهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، ولا شك أنه لا أعدل من قسمة الله عز وجل.
ومن قال: إن هناك فرقا بين الحياة والممات فإنه يحتاج إلى دليل على ذلك، فنقول: هم في الحياة وبعد الممات سواء.
وأفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: (في عطية) أنه بالنسبة للنفقة لا يكون التعديل بينهم بقدر إرثهم بل بقدر حاجتهم، فيجب التعديل في الإنفاق على ولده بقدر الحاجة.
فإذا قُدِّر أن الأنثى فقيرة والذكر غني فهنا ينفق على الأنثى، ولا يعطي ما يقابل ذلك للذكر.
لماذا؟ لأن الإنفاق لدفع حاجة، فالتعديل بين الأولاد أن يعطي كل واحد منهم ما يحتاج.

الجزء: 2 - الصفحة: 2431

فإذا فرضنا أن أحدهم في المدارس يحتاج إلى نفقة للمدرسة من كتب ودفاتر وأقلام وحبرٍ وما أشبه ذلك، والآخر لا يقرأ وهو أكبر منه لكنه لا يقرأ، فهل إذا أعطى الأول يجب أن يعطي الثاني مثله؟ لا يجب؛ لأن التعديل في الإنفاق هو أن يُعْطَى كل واحد منهم ما يحتاج إليه.
لو احتاج الولد الذكر إلى غترةٍ وطاقية قيمتهما مئة ريال واحتاجت الأنثى إلى خروص في الآذان قيمتها ألف ريال، فما هو العدل؟ العدل أن يشتري لهذا الغترة والطاقية بمئة ريال، ويشتري للأنثى الخروص بألف ريال أضعاف الذكر عشر مرات، فهذا هو التعديل.
طيب لو احتاج أحدهم إلى تزويجه والآخر لا يحتاج، فما العدل؟ أن يعطي من يحتاج إلى التزويج ولا يعطي الآخر؛ ولهذا يعتبر من الغلط أن بعض الناس يزوج أولاده الذين بلغوا سن الزواج، ويكون له أولاد صغار فيكتب في وصيته أني أوصيت لأولادي الذين لم يتزوجوا أن يزوج كل واحد منهم من الثلث، فهذا لا يجوز.
لماذا؟ لأن التزويج من باب دفع الحاجات، وهؤلاء لم يبلغوا سن التزويج، فالوصية لهم حرام ولا تنفذ أيضًا، حتى الورثة لا يجوز لهم أن ينفذوها، إلا البالغ الرشيد منهم إذا سمح بذلك فلا بأس بالنسبة لحقه من التركة.
وقول المؤلف: (في عطية أولاده) هل يقاس عليهم بقية الورثة؟ يعني لو كان للإنسان أخوان شقيقان فهل يجوز أن يعطي أحدهما دون الآخر؟ ظاهر كلام المؤلف يجوز؛ لأنه خص وجوب التعديل بالأولاد فقط، وما كان ظاهر كلام المؤلف فهو الحق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، ولم يقل: بين وراثكم، والنبي صلى الله عليه وسلم أُعْطِي جوامع الكلم.
ولو كان التعديل واجبًا بين جميع الورثة لبينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن إذا كان له أخوان وخاف إذا أعطى أحدهما كان ذلك سببًا للقطيعة بالنسبة للآخر فهنا له أن يعطيه، لكن يجب أن يجعل العطاء سرًّا حتى لا تحصل القطيعة من الأخ الثاني.

الجزء: 2 - الصفحة: 2432

وهنا الواجب ليس هو التعديل، بل الواجب هو دفع ما يُخْشَى منه من قطيعة الرحم، وهذا يحصل بماذا؟ بالإسرار؛ أن يعطي الأخ سرًّا.
وما قاله المؤلف من أن التعديل يكون بقدر إرثهم هو القول الراجح، ودليله قسمة الله تبارك وتعالى للأولاد؛ أن للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقال بعض العلماء: إن التعديل يكون بالتسوية؛ أي أن يعطي الأنثى كما يعطي الذكر، واحتجوا بظاهر العموم عموم حديث النعمان: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، و (أولاد) صالحة للذكر والأنثى، وبقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ » وظاهره أنهم يعطون بالسوية؛ ليكون البِرُّ بالسوية.
ولكن لا دلالة في ذلك؛ أما الأول فإن قوله: «اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» ولم يقل: سووا، بل «اعْدِلُوا»، والعدل أن يُعطى الذكر مثل حظ الأنثيين.
هذه واحدة.
ثانيًا: أنه في بعض ألفاظ الحديث قال: «أَلَكَ بَنُونَ؟ » قال: نعم.
قال: «هَلْ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَهُ؟ » قال: لا.
قال: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (9)، فقوله: «أَلَكَ بَنُونَ؟ » يفيد أن القضية بين النعمان بن بشير رضي الله عنه وإخوانه، وأنه ليس هناك أخوات.
ثالثًا: أن قوله: «أَتُرِيدُ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ » نقول: نعم، هم إذا علموا أن أباهم أعطاهم على حسب قسمة الله لم يكن في قلب أحدهم حقدٌ ولا غلٌّ على الأب، فيبرونه على السواء، فالصواب ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أن التعديل يكون بقدر إرثهم.
(فإن فضَّل بعضهم) يعني: أعطاه أكثر من الآخر، (سوَّى برجوعٍ أو زيادةٍ) (سوَّى) أي: بينهم، ولو قال المؤلف: (عدل) لكان أولى؛ لأن أول كلامه يقول: (يجب التعديل) ولم يقل: التسوية.

الجزء: 2 - الصفحة: 2433

ثم إن كلمة (سوَّى بينهم برجوع أو زيادة) ليس على إطلاقه؛ لأنه لو قلنا: (سوَّى) للزم أن نعود إلى مشكلة؛ وهي أن يكون الذكر والأنثى سواء، وليس ذلك مرادًا.
على كل حال، كلامه معروف أن مراده بالتسوية هنا التعديل، (برجوع) على من فُضِّل ليساوي الناقص، (أو زيادة) لمن فُضِّل عليه.
فمثلًا إذا أعطى أحدهم ألف ريال وأعطى الثاني ألفين، فكيف طريق التسوية؟ إما أن يأخذ من الذي أعطاه ألفين ألفًا، وهذا هو قوله: (رجوع)، وإما أن يضيف للذي أعطي ألفًا ألفًا أخرى، وهذا معنى قوله: (أو زيادة).
هنا طريق ثالثة وهي أن يأخذ من الجميع؛ يأخذ ممن أعطاه ألفين وممن أعطاه ألفًا، فيكون راجعًا في الهبة، ورجوع الوالد في الهبة جائز كما سيأتينا إن شاء الله.
فإن قال قائل: هل هذا الحكم يشمل الأم والأب؟ فالجواب: نعم، يشمل الأم والأب؛ لأن العلة واحدة، فإذا أعطت الأم أحد أولادها شيئًا فلتعط الآخر مثله، ويكون للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن قال قائل: وهل يشمل ذلك الجد؟ يعني لو كان له أبناءُ أبناءٍ متفرقين فهل يجب أن يعدل بين أبناء أبنائه، أو على الأصح بين أولاد أبنائه؟ الظاهر لا، أنه لا يجب؛ لأن قوة الصلة بين الأب وابنه أقوى من قوة الصلة بين الجد وأبناء أبنائه، لكن لو كان هناك خوف من قطيعة رحم فتجب مراعاته؛ بأن يعطي من يعطي على وجه السر.
(إلا النفقة الواجبة) النفقة الواجبة مستثناة؟ نعم.

طالب: لو ترك رجل أولاده وقد تزوجوا جميعًا، لكن زوج بعضَهم، وزوج بعضُهم أنفسَهم، فهل يُطالِبون بقدر زواجاتهم هذه ( ... )؟ الشيخ: لكن الذين لم يزوجهم هل هم اكتفوا بما عندهم؛ لأن الزواج يتبع النفقة، فمن استغنى بنفسه لن يلزم أباه أن ينفق عليه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: ليسوا محتاجين، هذا لا يحل له.
الطالب: لكن معروف في العرف أنهم ( ... )؟ الشيخ: طيب، ما داموا تركوا ذلك بأنفهسم -والعرف مطرد عندهم أن الأب يزوج أبناءه ولو كانوا أغنياء- فليس لهم شيء.

الجزء: 2 - الصفحة: 2434

الطالب: ولا يطالِبون؟ الشيخ: ولا يطالِبون بشيء ( ... ) نعم.
طالب: هل يلزم الأب السلفة لو احتاج أحد الأبناء إلى سلفة والآخرون في الوقت الحالي غير محتاجين فأسلف، ثم بعد ذلك احتاج غيره هل يلزم عليه أن يسلف كل أحد ( ... )؟ الشيخ: يعني معناه هل يجب أن يسوي بين أولاده في الإقراض؟ الطالب: نعم.
الشيخ: أن من احتاج فأقرضه ثم احتاج الآخر، هل يلزمه أن يقرض الآخر؟ نعم يلزمه؛ لأن عموم «اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» يشمل هذا، حتى كان بعض السلف يعدل بين أولاده في القُبَل؛ يعني لو صار عنده أولاد صغار قبَّل واحدًٍا مرة يقبل الثاني مرة لا يزيد عليها.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: حسب الحاجة؛ لأنه قد يحتاج واحد منهم عشرة آلاف والثاني يحتاج عشرين ألفًا.
طالب: إذا كان الجد ( ... ) ولي أمر ( ... ) يكون ( ... )؟ الشيخ: لا، يعني لو كان الأب معدومًا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، ما يكون ( ... )، لكن كما قلت لكم، في آخر الأمر قلت: إذا كان هذا يؤدي إلى قطيعة الرحم فليكن سرًّا.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: الفقهاء يقولون: لا يجوز مطلقًا؛ لأن الأصل أن الكلب الأسود يُقْتَل.


طالب: قال رحمه الله تعالى في باب الهبة والعطية: فإن مات قبله ثبتت، ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة إلا الأب، وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، فإن تصرف في ماله ولو فيما وهبه له ببيع أو عتق أو إبراء أو أراد أخذه قبل رجوعه أو تملَّكَه بقولٍ أو نية وقبض معتبر؛ لم يصح، بل بعده.
وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه إلا بنفقته الواجبة عليه، فإن له مطالبته بها وحبسه عليها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق في الدرس الماضي أنه يجب التعديل في عطية الأولاد، فما هو الدليل؟ طالب: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير عندما أعطاه أبوه؛ وهبه.
الشيخ: هات لنا كلام الرسول.

الجزء: 2 - الصفحة: 2435

طالب: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (10). الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، طيب.
وبماذا يكون العدل، هل هو بالتسوية؟ طالب: ( ... ). الشيخ: العدل يكون بقدر الإرث.
من أين يؤخذ هذا؟ طالب: من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11].
الشيخ: من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولا قسمة أعدل من قسمة الله عز وجل، ومن فرق بين الحياة والموت فإنه لم يأت بدليل شافٍ، طيب.
هل يجب التعديل بينهم في النفقة؟ طالب: في النفقة لا يجب.
الشيخ: لا يجب؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن النفقة تتبع الحاجة؛ بقدر الحاجة الداعية إليها.
الشيخ: إذن يجب التعديل في النفقة بأن يعطي كل واحد ما يحتاجه، يجب.
الطالب: نعم.
الشيخ: يجب، لكن التسوية لا تجب، طيب.
لو كان له ابن وبنت احتاج الابن إلى كوفية، أتعرف الكوفية؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هي؟ الطالب: الطاقية.
الشيخ: الطاقية، واحتاجت البنت إلى خلوص، تعرفون الخلوص؟ الذهب الذي يعلق في الأذن، من المعلوم أن قيمة الخلوص أكثر، فاشترى لها واشترى له، هل يجب أن يعطي الولد ما زاد على ثمن الكوفية؟ طالب: لا يجب.
الشيخ: لا يجب.
هل يجوز؟ الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، ما احتاج، احتاج كوفية وشرابًا؟ طالب: لا يجب.
الشيخ: هو لا يجب أن يعطيه، لكن هل يجوز أن يعطيه ما زاد على ثمن الكوفية بالنسبة للخروص؟ طالب: ( ... ). الشيخ: سبحان الله! البنت اشترى لها خروصًا؛ لأنها تحتاج إلى خروصًا بخمسة آلاف، هذا الابن احتاج كوفية وشرابًا بخمسة ريالات.
طالب: ( ... ). الشيخ: سؤالي هل يجب إذا اشترى للولد كوفية بخمسة ريالات أن يعطيه ما اشترى للبنت بخمسة آلاف؟ طالب: ما يجب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2436

الشيخ: لا يجب.
هل يجوز؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: صح، صحيح؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: إي نعم، لا يجوز؛ لأنه إذا أعطاه معناه تبرع له.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، البنت أعطاها للنفقة ما هو تبرع، إذن لا يجوز، طيب.
أحد الأولاد يقرأ ويحتاج إلى كتب وأقلام وحِبرٍ، والآخر لا يقرأ، اشترى للأول بمئة ريال، هل يجوز أن يعطي الثاني مثلها؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ طالب: لا.
الشيخ: اشترى للأول؟ طالب: لأن هذا من باب النفقة.
الشيخ: لأن هذا من باب النفقة، انتبهوا إلى هذه النقطة؛ زوج أحد أولاده بخمسين ألفًا، هل يلزمه أن يعطي الآخر الذي لم يبلغ حد الزواج مثلها؟ طالب: لا ( ... ).س الشيخ: يجب ولَّا ما يجب؟ طالب: ما يجوز ( ... ). الشيخ: لكن هل يجب أن يعطى أو لا يجب؟ طالب: ما يجب ولا يجوز.
الشيخ: لا يجب ولا يجوز، زيادة، بارك الله فيك، صحيح.
رجل له أولاد زوجهم في حياته، وله أولاد آخرون من العاشرة فأقل، أوصى لهم بعد موته بمثل ما زوَّج به الآخرين، هل تجوز الوصية؟ طالب: لا تجوز.
الشيخ: لا تجوز.
ليش ما تجوز؟ الطالب: لأنها لم تأت حاجتهم بعد.
الشيخ: لأنها لم تأت حاجتهم بعد، إذا قال: هؤلاء إذا أبقاهم الله لا بد أن يتزوجوا، والرجل على فراش الموت؟ الطالب: نقول: في الوقت حاجتهم لا يجب عليه.
الشيخ: في وقت حياته لم يبلغوا سن الزواج، إذن الوصية باطلة، ولا تنفذ إلا برضا بقية الورثة، طيب.
إذا فضل بعضهم فماذا يصنع؟ طالب: إذا فضل بعضهم على الآخر فهنا .. الشيخ: كم طريقًا لهم تبرأ به الذمة؟ الطالب: ثلاثة طرق.
الشيخ: ثلاثة طرق.
الطالب: الأول ( ... ). الشيخ: معهم ولهم، واحد منهم ما أعطاه.
الطالب: أعطاهما.
الشيخ: نعم.
الطالب: أعطى أحدهما زيادة عن الآخر.
الشيخ: تمام، إما أن يرجع؟ الطالب: إما أن يأخذ من الذي أعطاه الزيادة ويعطي الآخر.
الشيخ: طيب.
طالب: وإما أن يزيد الذي أنقصه، وإما أن يرجع في هبته.

الجزء: 2 - الصفحة: 2437

الشيخ: طيب، إما أن يأخذ الزائد من الآخر، أو يضيف إلى الناقض، أو يرجع في الهبة جميعا؛ لأن الأب يجوز أن يرجع في الهبة.
قال المؤلف رحمه الله: (فإن مات قبله ثبتت) (إن مات قبله) أي: قبل التسوية، (ثبتت) أي: ثبتت العطية؛ يعني إذا مات الأب الذي فضل بعض الأولاد قبل أن يسوي ثبتت العطية.
فإذا أعطى أحدهم -مثلًا- عشرة آلاف ريال تبرعًا لا نفقة، ثم مات، فهذا العطاء يعتبر ملكًا للآخذ، ثبت؛ لأنه لم يتمكن من الرجوع، أو تمكن ولكنه فرط، والابن الذي فُضِّل ملكه ملكًا تامًّا.
هذا المذهب، وهو قول ضعيف؛ لأنه لا يجوز أن نمكن هذا الابن من أخذ مال لا يجوز له أخذه.
ولكن هل للورثة الرجوع أو الهبة لم تصح من الأصل؟ فيها قولان؛ قيل: إن العطية لم تصح من الأصل، وقيل: إنها صحت لكن إذا مات وهو لم يسوِّ فللورثة الرجوع، ويجب على المفضل أن يردها في التركة.
والفرق بين القولين أننا إذا قلنا: إنها لم تصح من الأصل فإن ما حصل من نماء بين العطية والموت يكون لمن؟ للورثة؛ لأن العطية لم تصح أصلًا، وإذا قلنا بالصحة ولكن لهم الرجوع فما حصل من نماء منفصل فهو للموهوب له.
لكن على كل حال القول بأنها تثبت قول ضعيف، والصواب أنه يجب على المفضل أن يرد الزيادة في التركة أو تخصم من نصيبه.
فإن قال قائل: إذا كان أحدهم يحتاج إلى سيارة، والآخرون لا يحتاجون؛ لأن الأول مدرسته بعيدة، والآخرون مدرستهم قريبة لا يحتاجون للسيارة، فهل يجوز أن يشتري للذي يحتاج السيارة سيارة؛ لأنه يحتاجها؟ لا يجوز؛ لأنه إنما يحتاج للنفع فقط، للنفع؛ وهو ركوبها إلى المدرسة ورجوعه، وهذا يحصل بأن تكتب السيارة باسم الوالد ويبقى الانتفاع للولد، بحيث إذا مات الوالد ترجع هذه السيارة في التركة، ولا يجوز للإنسان أن يملِّك الولدَ السيارة؛ لأن المقصود هو دفع الحاجة، ودفع الحاجة يحصل بدون تمليك؛ يعني ربما يعطيه السيارة بستين ألفًا اليوم ويموت الأب غدًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2438

فلذلك نقول: هذه مسألة يجب التفطن لها؛ إذا كان أحد الأبناء يحتاج إلى سيارة والآخرون لا يحتاجون فإننا لا نعطي المحتاج السيارة باسم التملك ولكن تكون السيارة باسم الأب، وهذا يدفع حاجته بانتفاعه بها، وإذا مات الأب ترجع في التركة.
إذن القول الراجح أنه إذا مات فإنها لا تثبت العطية، ويجب ردها في التركة.
قال: (ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة إلا الأب) (لا يجوز لواهب) (واهب) نكرة في سياق النفي تعم كل واهب، ويدل على إرادة العموم الاستثناء في قوله: (إلا الأب)، وقد قال العلماء رحمهم الله: إن الاستثناء معيار العموم.
وقوله: (لواهب أن يرجع في هبته اللازمة) احترازًا من الهبة غير اللازمة، الهبة اللازمة هي المقبوضة، وغير اللازمة هي التي لم تقبض، فلو قال لشخص: وهبتك سيارتي الفلانية، وقال: قبلت، وبعد أن وهبها رجع، فالرجوع جائز وصحيح؛ لأنه لم يقبضها، والهبة لا تلزم إلا بالقبض.
فإذا قبضها وأراد الرجوع فإنه لا يملك ذلك، لا يحل له، ولا يملك أيضًا، حتى في مجلس الهبة لو أنه وهبه قلمه وهما في المجلس، وقال: رجعت، بعد أن قبضه الموهوب له فإنه لا يملك ذلك.
لماذا؟ لأنها ثبتت ولزمت.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن نقيسها على البيع ونقول: ما داما في المجلس فللواهب الخيار؟ فالجواب: لا؛ لأن البيع عقد معاوضة يحتاج إلى تَرَوٍّ، والإنسان ربما يستعجل فيقدم على البيع دون تروٍّ، فجعل له الشارع مهلة ما دام في المجلس، أما هذا فهو عقد تبرع، نفس الواهب لا يريد عوضا، والموهوب له لم يؤخذ منه العوض، فلا يصح قياس الهبة على البيع.
إذن تلزم بالقبض ولو في مجلس العقد، ولا يجوز أن يرجع في هبته اللازمة.
قال: (إلا الأب) فالأب له أن يرجع في هبته اللازمة.
فإن قال قائل: ما هو الدليل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2439

فالجواب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ» (11)، «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» انتبه لهذه الجملة؛ لأنها مفيدة جدًّا في الذين يمثلون بأصوات الحيوان مثلًا فيقال: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز التمثيل بالحيوانات.
«لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (11)، هذا مثل يراد به التقبيح والتنفير.
الكلب خسيس من أخس الحيوان وأقبح الحيوان وأنجس الحيوان، بل هو أنجس الحيوان فيما نعلم؛ لأنه هو الذي يجب أن تغسل نجاسته سبع مرات إحداها بالتراب (12). «يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ» فعل قبيح، هكذا الذي يهب ثم يرجع مَثَلُه مثل الكلب الذي قاء ثم رجع في قيئه.
حتى لو فُرِضَ أنه عندما رجع رضي الموهوب له ولم يبال، نقول: هذا حرام، ما يجوز، وإذا كان هذا حرامًا فينبغي للإنسان إذا وهب شيئًا ألَّا تتعلق به نفسه؛ لأن بعض الناس يهب الشيء؛ إما لطروء فرح بصاحبه، أو لعاطفة صارت جياشة في تلك الساعة ووهب له شيئًا ثم ندم، وقال: ليتني ما وهبته، هذا لا ينبغي؛ لأن شيئًا وهبته اجعله عن طيب نفس ولا تعلق نفسك به، خرج عنك قدرًا ويش؟ طالب: وشرعًا.
الشيخ: وشرعًا، كيف تعلق نفسك مع أنه لا يمكن أن تعود؟ فلا يجوز له أن يعود في هبته.
فإن قال قائل: هل يجوز أن يشتري هبته من الموهوب له؟ فالجواب: لا يجوز؛ لأن الغالب أنك إذا اشتريت الهبة فسوف يُنزل لك، هذا الغالب، هو يستحيي أن يماكسك، لو وهبت له ما يساوي مئة ثم أردت أن تشتريه منه فإنه سوف يقول .. يعني لو قلت: بثمانين، قال: توكل على الله، خذ، يخجل أن يقول: لا إلا بمئة، وحينئذٍ تكون قد رجعت في بعض الهبة لكن بطريق غير مباشرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2440

إلا الأبَ، وله أن يَأْخُذَ ويَتَمَلَّكَ مِن مَالِ وَلَدِه مَا لَا يَضُرُّه وَلَا يَحتاجُه، فإن تَصَرَّفَ في مالِه ولو فيما وَهَبَه له ببيعٍ أو عِتقٍ أو إبراءٍ أو أَرادَ أَخْذَه قَبلَ رُجوعِه، أو تَمَلَّكَه بقولٍ أو نِيَّةٍ وقَبْضٍ مُعْتَبَرٍ لم يَصِحَّ بل بَعْدَه، وليس للولَدِ مُطالَبَةُ أبيه بدَيْنٍ ونحوِه إلا بنَفَقَتِه الواجبةِ عليه فإنَّ له مُطالَبَتَه بها وحَبْسَه عليها.
(فصلٌ في تَصَرُّفاتِ المريضِ) مَن مَرَضُهُ غيرُ مَخوفٍ كوَجَعِ ضِرْسٍ وعَينٍ وصُداعٍ فتَصَرُّفُه لازمٌ كالصحيحِ ولو ماتَ منه، وإن كان مَخُوفًا كبِرْسامٍ وذاتِ الْجَنْبِ ووَجَعِ قلبٍ ودَوامِ قِيامٍ ورُعافٍ وأَوَّلِ فالِجٍ وآخِرِ سُلٍّ والْحُمَّى الْمُطْبِقَةِ والرِّبْعِ وما قالَ طَبيبانِ مُسلمانِ عَدْلان إنه مَخوفٌ الإنسان إذا وهب شيئًا ألا تتعلق به نفسُه؛ يعني بعض الناس يهب الشيء إما لطلب فرح لصاحبه، أو لعاطفة صارت جياشة في تلك الساعة ووهب له شيئًا، ثم ندم، وقال: ليتني ما وهبته، هذا لا ينبغي؛ لأن شيئًا وهبتَه اجعله عن طِيب نفس، ولا تُعلِّق نفسك به، خرج عنك قدَرًا وشرعًا، كيف تعلق نفسك؟ ! مع أنه لا يمكن أن تعود فلا يجوز له أن يعود في هبته.
فإن قال قائل: هل يجوز أن يشتري هبته من الموهوب له؟ فالجواب: لا يجوز؛ لأن الغالب أنك إذا اشتريت الهبة فسوف يُنزِّل لك، هذا الغالب، هو يستحيي أن يماكسك، لو وهبت له ما يساوي مئة، ثم أردت أن تشتريه منه فإنه سوف يقول: يعني لو قلت بثمانين، قال: توكَّل على الله، خذ، يخجل أن يقول: لا، إلا بمئة، وحينئذٍ تكون قد رجعتَ في بعض الهبة لكن بطريق غير مباشر.

الجزء: 2 - الصفحة: 2441

ولهذا لما حمل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على فرس له في سبيل الله، فأضاعه الذي حمله عليه، وظن عمر أنه يبيعه برخص استأذن من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يشتريه فقال له: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَوْ بَاعَكَهُ بِدِرْهَمٍ؛ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (1). أما إذا كانت صدقة فالأمر أشنع وأشنع؛ لأنه يكون رجع في هبته، قصدي إذا اشترى صدقته فإنه أشنع؛ لأنه يتضمن شيئين: الرجوع في الهبة، والرجوع فيما أخرجه لله، وما أخرجه لله لا يجوز فيه الرجوع، حتى البلد إذا هاجر الإنسان منها لله لا يجوز أن يرجع ويسكن فيها؛ لأنه تركها لله، وما تُرِك لله فإنه لا يُرجع فيه.
قال: (إلا الأب).
الدليل على أن الأب يجوز حديث ورد في هذا: «لَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ إِلَّا الْأَبَ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ» (2). لكن هذا الحديث أعلَّه بعضهم وضعَّفه، وقال: إن عموم: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ» (3)، مُقدَّم على هذا الحديث الضعيف، وأن الأب ليس له أن يرجع فيما وهبه لابنه؛ لعموم الحديث: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».
لكننا نقول في الجواب عن هذا: إن الاستثناء وإن كان ضعيفًا فله ما يعضده، وهو أن للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، فإذا كان له أن يتملك ما شاء فرجوعه فيما وهبه لابنه من باب أولى، لا شك.
قال: (إلا الأب)، وقوله: (إلا الأب) يخرج به الجد، فليس له أن يرجع فيما وهب لابن ابنه، أو لابن بنته، ويخرج من ذلك الأم، فليس لها أن ترجع فيما وهبت لابنها.
فإذا قال قائل: ما الدليل؟ قلنا: العموم: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ».
وصيغة العموم لا يُخرج منها إلا ما دل عليه الشرع، وإلا فهي عامة لجميع الأفراد.

الجزء: 2 - الصفحة: 2442

وهنا لا يصح القياس؛ لأن القياس مخالف للعموم، فالأصل أن الأم إذا وهبت أبناءها أو بناتها لا يحل لها أن ترجع، والجد أبو الأب، أو أبو الأم لا يرجع.
وقوله: (إلا الأب) هل يحتاج أن نقول: إلا الأب الحر؟ أو نقول: إنه لا يمكن أن يهب إلا إذا كان حُرًّا؟ نعم، نقول هكذا، لا يحتاج أن نقيد الأب بالحر؛ لأنه لا يهب إلا وهو حر.
وظاهر كلام المؤلف أن الأب يرجع ولو كان كافرًا فيما وَهَبَه لابنه المسلم؛ للعموم، فلو أن رجلًا غنيًّا كافرًا وَهَبَ لابنه المسلم شيئًا فله أن يرجع؛ لأن الحديث عام.
قال: (وله)، الضمير يعود على الأب، ولكن الضمير هنا لا بد فيه من شرط، وهو أن يكون الأب حُرًّا، فنقول: (له) يعود على الأب لكن بقيد أن يكون حُرًّا؛ لأن غير الحر لا يملك فكيف يتملك؟ ولأن غير الحر لو تملك من مال ابنه إلى أين يرجع ما تملكهم؟ لسيده، فهنا نقول: مرجع الضمير الذي هو الأب لا بد فيه من شرط وهو أن يكون حُرًّا.
وهل يُشترط أن يكون موافقًا لابنه في الدين؟ إن نظرنا إلى إطلاق الحديث قلنا: لا يُشترط؛ وعلى هذا فيجوز للأب الكافر أن يأخذ من مال ولده المسلم، وللأب المسلم أن يأخذ من مال ولده الكافر، هذا ظاهر الحديث.
وقيل: إنه لا يُمكَّن الأب الكافر من الأخذ من مال ولده المسلم؛ لأنه لا صلة بينهما ولا توارث؛ ولأن الله يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، ولأننا لو مكَّنَّا الأب الكافر من الأخذ من مال ولده المسلم لكان في ذلك إذلال للمسلم، وربما يقصد الأب الكافر أن يذل ابنه بالأخذ من ماله، ولا شك أن الأب الكافر ليس له الحق؛ يعني عندي لا شك أنه ليس للأب الكافر أن يأخذ من مال ولده المسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2443

أما أخذ الأب المسلم من مال ولده الكافر فهنا قد نقول بعموم الحديث؛ أن له أن يأخذ؛ لأن أصل بقاء الكافر على الكفر ممنوع؛ فهو على دين غير مرضيٍّ عند الله، وتسليط المسلم على ماله له وجهة نظر لا سيما إن كان الابن من المحاربين؛ فإنه إذا كان من المحاربين لا شك في أن ماله حلال.
إذن (لَهُ) أي للأب، ونضيف وصفًا الحر، وصفًا آخر الموافق في الدين، على رأي كثير من العلماء، أو على الأصح ألا يكون كافرًا يأخذ من مال مسلم.
(أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره)، (يأخذ ويتملك)، هل هناك فرق؟ نعم، (يأخذ) على سبيل الاستعمال، (يتملك) على سبيل الضم إلى ملكه، فله أن يأخذ سيارة الابن يسافر بها إلى مكة، إلى الرياض، إلى المدينة، إلى أي بلد، وإن لم يتملكها، وله أن يتملك، وإن لم يأخذ، فيأتي إلى كاتب العدل مثلًا ويقول: إني تملكت سيارة ابني فلان، ويكتب كاتب العدل إذا قام الابن، وقال: أبدًا، ولا تملكها، ماذا نقول؟ نقول: يملكها لكن بشروط ستُذكر.
(من مال ولده) الذكور أو الإناث؟ الذكور والإناث؛ لأن الولد إذا أُطلق يشمل الذكور والإناث، لكن بشروط أولًا قال: (ما لا يضره).
فإن كان يضر الولد فإنه ليس له أن يأخذ مثل أن يأخذ منه غداءه وهو محتاج إليه، مضطر إليه، فهنا ليس له ذلك، أو يأخذ منه لحافه وهو مضطر إليه لدفع البرد؛ فإنه لا يُمكَّنُ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» (4). ولا يمكن أن نسلط الأب على مال الولد مع أنه يضره.

الجزء: 2 - الصفحة: 2444

ولا يحتاجه، الحاجة أبطل من الضرورة؛ فإنه ليس له أن يأخذ ما تتعلق به حاجة الابن، مثال ذلك: الابن عنده فُرش في البيت، يحتاجها ولكن ليست ضرورة، لكن يحتاجها إذا جاءه ضيوف، عنده زيادة على قوت يومه وليلته، لكن يحتاجها، فهل للأب أن يتملك هذا؟ لا؛ لأن هذا تتعلق به حاجة الابن، ومن ذلك سُرِّيَّة الابن إذا كان يحتاجها، ولو كان عنده إماء كثير؛ لأنها تتعلق بها نفسه، هذا شرط.
إذن يُشترط ألا يضر الابن، والثاني: ألا يحتاجه.
(فإن تصرف في ماله ببيع أو عتق أو إبراء)؛ لم يصح، إن تصرف الأب بماله، أي بمال ابنه، فالضمير تصرف اللي هو الفاعل يعود إلى الأب، وضمير المجرور بماله في قوله: (بماله) يعود إلى الابن، إن تصرف في ماله.
(ولو فيما وَهَبَه له) هذه إشارة خلاف؛ يعني تصرف الأب في مال ابنه ولو فيما وهبه له؛ فإنه لا يصح التصرف، وإنما نص على ما وهبه له؛ لا يقول قائل: إن تصرف الأب فيما وهبه لابنه دليل على الرجوع، فيقال: لا، الرجوع لا بد فيه من قول، وهذا الرجل تصرف بلا قول، مثاله: وهب ابنه سيارة، ثم إنه باع السيارة بعد أن وهبها لابنه وقبضها، باع السيارة الأب؛ فإنه لا يملك ذلك، لماذا؟ لأن السيارة لم تزل على ملك الابن، هو لم يتملكها الآن، لم يرجع في هبته.
طيب أجَّرَها، يصح التأجير؟ لا؛ لأنه لم يتملك.
إذن كيف يستطيع أن يبيعها أو يؤجرها؟ يرجع في الهبة، يقول: إني رجعت فيما وهبته لابني.
حينئذٍ ترجع إلى ملك الأب، ويتصرف فيها.
وقول: (فيما وهبه له) هذه إشارة خلاف؛ وهو أن بعض العلماء رحمهم الله يقول: إذا تصرف فيما وهبه لابنه فإن تصرفه يدل على الرجوع، قاسوا ذلك على رجل وكَّلَك في بيع شيء، ثم باعه هو، يصح أو لا يصح؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2445

الشيخ: وكَّلت إنسانًا يبيع سيارتي، ثم بعتها أنا قبل أن أعزله، يصح أو لا؟ يصح، ويكون بيعي إياها رجوعًا، فيقال: الفرق واضح؛ لأن الْمُوكِّل إذا تصرف فيما وَكَّل فيه فقد تصرف في ملكه، لكن الأب إذا تصرف فيما وَهَبَه لابنه دون أن يرجع فقد تصرف في ملك غيره.
قوله: (فيما وهبه له ببيع أو عتق أو إبراء)، البيع معروف، كان لولده سيارة فباعها بدون توكيل الابن؛ فالبيع باطل.
(أو عتق) في أيش؟ طلبة: عبد.
الشيخ: في عبد، الابن له عبد، فقال الأب للعبد: أنت عتيق لوجه الله؛ لا يصح العتق، ليش؟ الأخ أنت.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، ما فيه هبة، هذا عبد من الأصل.
الطالب: ملك للابن.
الشيخ: ملك للابن، وهو لم يتملكه، صح.
(أو إبراء)، الإبراء يعني الدين؛ لابنه دَيْن على شخص فقال الأب للمدِين: إني أبرأتك من دَيْن ابني عليك فإنه لا يبرأ؛ لأن الدَّيْن لم يملكه الابن فضلًا عن الأب، الدين في ذمة المدين، فإذا قال الأب للمدِين الذي هو غرِيم لابنه: أنت في حِلٍّ من الدَّين فإنه لا يبرأ بذلك، وهذا واضح، هذا أشد من العين التي باعها الأب أو عتقها.
(أو أراد أخذه قبل رجوعه) (أراد أخذه) أي أخذ ما وهبه، والضمير هنا فيه ركاكة؛ لأن لو قرأت المتن (أو أراد أخذه) أي أخذ ماله قبل رجوعه، ولكن المراد أخذه؛ أي أخذ ما وهبه قبل رجوعه، كيف أخذ ما وهبه قبل رجوعه؟ يعني وهب ابنه شيئًا، ثم أراد أن يأخذه، يضمه إلى ملكه قبل أن يرجع فإنه لا يصح، لماذا؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لأنه لم يُصرِّح بالرجوع، الرجوع لا بد فيه من اللفظ؛ بأن يقول: رجعت فيما وهبت لك يا بني، أما يأخذه بدون أن يصرح بالرجوع؛ فلا يصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2446

طالب: عفا الله عنك يا شيخ، فيه عندي إشكال في أخذ الأب الكافر من المسلم، ( ... )، وأخذ الأب المسلم من الكافر؛ لأن الآية تنص على عدم الاغتصاب ( ... )، والرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (5). والآية: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]. بعدين يا شيخ إن الكافر يأخذ من المسلم ( ... ). الشيخ: إي، الإشكال اللي عندك هو إشكال عندنا، نحن قلنا: الصحيح أن الكافر لا يأخذ من مال ولده المسلم.
طالب: ( ... ). الشيخ: يعني أنت تختار الأمرين جميعًا.
الطالب: نعم، يا شيخ.
الشيخ: رأي لا بأس به، طيب.
طالب: يا شيخ ( ... ). الشيخ: لا، أنا أرى أخذ المسلم من ابنه الكافر أنه لا بأس به، أولًا: العموم، والثاني: أن تسلط المسلم على الكافر ليس أمرًا مستغربًا، إذا كان المسلم يتسلط على مال المسلم، كيف لا يتسلط على مال الكافر؟ فكِّر في الموضوع.
الطالب: أنا اللي أشكل عليَّ.
الشيخ: أنا فاهم أنه أشكل عليك أنه لا موالاة بينهما، ولا توارث بينهما، لكن هذا في حال الحياة، وربما يكون فيه مصلحة أن المسلم إذا أخذ من مال ابنه الكافر ربما يكون لابنه مصلحة للابن، فيقول مثلًا: هذا المسلم له سلطة عليَّ؛ لأنه مسلم فالإسلام عزيز، والإسلام عالٍ فيُسْلِم.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، المال الذي يجوز للأب أن يرجع فيه إن وهبه ابنه، هل لا بد أن يكون من الموجود أو حتى ما أنفقه الابن يكون يعني؟ الشيخ: لا، إذا أنفقه الابن أو باعه أو أعتقه إن كان عبدًا سقط حق الأب.
طالب: شيخ، عافاك الله، شخص وهب لأخ هبة.
الشيخ: لأخيه ولَّا لأبيه؟ الطالب: شخص آخر، فالموهوب له رد الهبة على صاحبها، ولم يأخذها، فما الحكم ( ... )؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2447

الشيخ: يعني يسأل عن حكم قبول الهدية، كذا؟ الأفضل أن يأخذها إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، وقال: «لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ» (6). بل قال بعض أهل العلم: يجب قبول الهدية إلا إذا خاف من غائلتها؛ يعني خاف أن هذا الرجل يَمُنُّ عليه، أو خاف مثلًا إن أهدى عليه ينتظر أنه يرد عليه أكثر، أما إذا لم يخف شيئًا فيجب، واستدل هؤلاء بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمر رضي الله عنه: «مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ» (7). وقالوا: إن المراد بالمال الجنس لا مال الزكاة.

طالب: بارك الله فيك، قلنا: يجوز للأب أن يأخذ من مال الولد بشرطين؛ ألا يضره ولا يخذله، لكن يا شيخ، عموم ( ... )، وكذلك أيضًا: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (8). كيف يا شيخ؟ الشيخ: الاستثناء، الرسول استثنى: «إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» (9). وقال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (10).

طالب: هل للأب أن يأخذ، إذا كانوا إخوة، أحدهم يكون غنيًّا، والبقية بعضهم يكونوا فقراء، هل للأب أن يأخذ من الغني ويعطي إلى أبنائه الفقراء؟ الشيخ: إي، هذا سؤال مهم؛ يعني هل يجوز للأب أن يأخذ من واحد، من الأولاد ويعطيه الثاني؟ نعم، إذا كان الآخرون فقراء والأب لا يستطيع أن ينفق عليهم فله ذلك، أما إذا كانوا أغنياء، أو هو يقدر أن ينفق عليهم فلا يجوز؛ لأن هذا لا شك أنه يحدث الضغائن بين الأولاد، يقول: كيف تأخذ من مالي وتعطيه أخويَّ؟ ! طالب: شيخ، بارك الله فيكم، سبق في كتاب البيع أن القصد في البيع مُعتَبر، كمن باع عنبًا لمن يتخذه خمرًا، فهل القصد كذلك معتبر في الهبة وفي الرجوع فيها؟ الشيخ: مثل أيش؟ الطالب: مثل أن يهديه عنبًا يفعل له الخمر أو يرجع، كأن يهديه مثلًا شيئًا مآله إلى محرم؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2448

الشيخ: إي، معروف، كل شيء مآله إلى المحرم هو حرام، العبرة بالغايات.
الطالب: الحكم في هذا؟ الشيخ: حرام، ولا تصح الهبة.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، الكلب من أنجس الحيوانات.
الشيخ: نعم.
الطالب: يُقاس عليه يا شيخ الخنزير؟ الشيخ: لا، قياس الخنزير عليه غير صحيح، وإلا بعض العلماء قال: إن طهارة الكلب سبع غسلات إحداهن بالتراب، والخنزير أخبث منه فتكون طهارة نجاسته بسبع غسلات إحداهن بالتراب، لكن لا قياس مع النص، الخنزير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنصوص عليه في القرآن، وذكر الله أنه رجس، ولم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: إذا ولغ الكلب أو الخنزير، فالصواب أن الكلب أنجس وأخبث.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا أهدى الهدية لحاجة الآخر، ثم لما انتهى منها ردها.
الشيخ: كيف؟ الطالب: أعطاه كتابًا مثلًا ليقرأه، ثم لما انتهى من قراءته قال: خلاص، ما أبغاه.
الشيخ: وهي هدية؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، ما يرجع؛ لأنه أخذها على أنها مُلكه.
الطالب: ثم رد هذا الكتاب بنفسه، قال: خذه، ما أبغاه.
الشيخ: يقول: لا، إذا شاء الواهب الأول يقول: لا.
الطالب: إذا شاء؟ الشيخ: إذا شاء.
الطالب: وإذا لم يَشأ؟ الشيخ: إذا لم يَشأ لا بأس، إلا ما كان صدقة؛ فالصدقة لا يجوز الرجوع فيها مطلقًا حتى ولو رضي المتَصدَّق عليه.
طالب: شيخ، قلنا: العلة في أن الواهب لا يشترط الموهوب؛ لأنه سوف ينقص الثمن، إذا كان الواهب وكل أحدًا، وأنه لا يعرف أنه هو الذي .. ، فهل يجوز هذا؟ الشيخ: سدًّا للباب يقال: لا يجوز، يعني لو أن الواهب وكَّلَ من يشتري سلعة له، والموهوب له ما علم، وباع على وكيله، فهذا سدًّا للذرائع نقول: لا يصح.

طالب: أيهما أولى أن يؤثر الولد يعني أولاده على أبيه أم يؤثر أباه على أولاده؟ الشيخ: إذا فيه ضرورة ولَّا؟ الطالب: كل منهما محتاج.
الشيخ: نعم، يبدأ بأبيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2449

طالب: أحسن الله إليك، قلنا بأن الأم مثل الأب في وجوب أن تعدل بين الأولاد في العطاء.
الشيخ: نعم.
الطالب: شيخ، لماذا لم نُسوِّ بينهم كذلك في الرجوع؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: الرجوع ( ... ) ما ترجع؟ الشيخ: لا، ما ترجع.
الطالب: الفرق يا شيخ؟ الشيخ: الفرق النص: «اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (11). هذا عام، فهذه لها أولاد، والأب له أولاد، وأما الرجوع فالأصل منعه، استُثني الأب لدلالة النص عليه.
الطالب: وإن قلنا بأن العلة البر وكذا؟ الشيخ: لا، ما يصح، ما يستقيم، والغالب أن الأب يحتاج إلى النفقة؛ لأنه هو المطالَب بها كما قال الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34].
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... ). الشيخ: لا، كل شيء أخرجه الإنسان لله لا يرجع فيها حتى ولو على أبنائه.
طالب: أحسن الله إليك، هل لهذا أن يأخذ مال ولده؟ وهل يدخل ولد الولد في الولد؟ الشيخ: لا، ذكرنا هذا، يخرج به الجد والأم، اقرأ.


طالب: ( ... ) على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: في تصرفات المريض، من مرضه غير مَخُوف كوجع ضرس وعين وصداع يسير فتصرفه لازم كالصحيح ولو مات منه، وإن كان مخوفًا كبرسام، وذات الجنب، ووجع قلب، ودوام قيام، ورعاف، وأول فالج، وآخر سل، والحمى المطبقة، والرِّبع، وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف، ومن وقع الطاعون ببلده، ومن أخذها الطَّلْق، لا يلزم تبرعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه، وإن عُوفي فكصحيح.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل للأب أن يتملك من مال ولده؟ طالب: نعم، له ذلك.
الشيخ: بشروط ولَّا بغير شروط؟ الطالب: بشروط.

الجزء: 2 - الصفحة: 2450

الشيخ: ما هي؟ الطالب: ما لم يكن ما يتملكه يضره أو يحتاجه الابن.
الشيخ: يعني يُشترط ألا يضر الابن، أو يحتاجه الابن، هذا واحد.
أن يكون الأب حُرًّا.
ثالثًا؟ طالب: أن يكون موافقًا في الدين.
الشيخ: أن يكون موافقًا له في الدين؛ يعني معناه أنه لا يجوز للمسلم أن يتملك من ماله ابنه الكافر؟ الطالب: لا.
الشيخ: إذن ألا يكون أعلى منه في الدِّين، فيجوز للأب المسلم أن يتملك من مال ابنه الكافر ولا عكس، طيب، هل هناك دليل؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: أن من يدخل في الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه.
الشيخ: لا، قصدي دليل على التملك.
الطالب: دليل التمليك قوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ» (10). الشيخ: قوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ».
نعم، هل مثل ذلك الأم؟ طالب: ليست مثله.
الشيخ: ليست، الدليل؟ الطالب: الدليل النص.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: استثناؤه للأب.
الشيخ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ»، والأصل احترام المال، فلا تُنتهك هذه الحرمة إلا بدليل، ولم يأتِ الدليل إلا بالأب.
هل للأب أن يرجع في هبته لابنه؟ طالب: له ذلك.
الشيخ: له ذلك، الدليل؟ الطالب: من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ إِلَّا الْأَبَ» (9). الشيخ: يعني أنت رويته بالمعنى: «لَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ في هِبَتِهِ إِلَّا الْأَبَ».
قلنا: اللازمة، هبته اللازمة، هل هناك هبة لازمة وغير زلامة؟ طالب: الهبة اللازمة هي التي تُقبض.
الشيخ: المقبوضة.
الطالب: الهِبة غير اللازمة هي التي لا تُقبض.
الشيخ: طيب لو أني قلت لك: وهبتُك هذا الكتاب، فقلتَ: جزاك الله خيرًا، وشكر الله سعيك، الهدية مقبولة، وأبقيتُ الكتاب عندي، هل لي أن أرجع؟ طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنها لم تلزم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2451

الشيخ: لأنها لم تلزم، لا تلزم إلا بالقبض، ولهذا قال: «أَنْ يَرْجِعَ في هِبَتِهِ إِلَّا الْأَبَ».
وقال: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (12). متى يجوز للولد أن يُطالِب والده؟ طالب: إذا كان ذلك من نفقته الواجبة.
الشيخ: إذا كان من نفقته الواجبة، كذا؟ يعني الابن فقير والأب غني، والأب أبى أن ينفق على ابنه يجوز أن يشكوه عند الأمير، ويطالبه عند القاضي، كذا؟ وهو أبوه؟ ! الطالب: نعم.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن هذا من ضرورياته.
الشيخ: لأن هذا من الضروريات، ومن حفظ النفس الواجب على الأب، فهي كالزكاة يُجبر عليها.
يقول رحمه الله: (فإن تصرف) يعني الأب (في ماله ولو فيما وهبه له فإن تصرفه لا يصح).
يعني لو أن الأب باع سيارة ابنه التي لا يحتاج إليها الابن فإن بيعه إياها لا يصح إلا إذا تملكها أولًا فله أن يبيعها.
التعليل: لأنه قبل أن يتملكها، فالسيارة في ملك الابن، فنقول: الآن أنت تصرفت في ملك ابنك بدون وكالة، والأمر سهل، انوِ التملك، ثم بِعْها بالشروط المعروفة في شروط التملك.
(فإن تصرف في ماله ولو فيما وهبه له)، بماذا؟ (ببيع، أو عتق، أو إبراء) أو غير ذلك من أنواع التصرفات حتى بالتأجير مثلًا أو الإيقاف، إذا تصرف في مال ابنه قبل أن يتملكه مع القبض فإنه لا يصح، والتعليل أن الملك ملك الابن، ولا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملك غيره إلا بتوكيل منه، والابن لم يُوكِّلْه.
(أو إبراء) إن تصرف في إبراء؛ يعني لابنه دَيْن على آخر فقال الأب للمدِين: قد أبرأتُك من دين ابني عليك؛ فلا يصح.
التعليل: لأن الدين لم يملكه الابن الآن، الدين في ذمة المدِين، فلم يدخل في ملك الابن، والأب يتملك من مال ابنه، وهذا لم يكن مالًا له الآن، ولكنه دَيْن فلا يصح إبراؤه.
(أو أراد أخذه قبل رجوعه) (أراد أخذه) أي أخذ ما وَهَبَ ابنه قبل أن يرجع في الهبة فلا يملك ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2452

إذن لا بد أن ينوي الرجوع، ثم له أن يأخذه.
(أو تملكه) قبل رجوعه في هبته (أو تملكه) يعني يأخذ ما وهبه بنية التملك لا بنية الرجوع؛ له هذا، والتملك يقول: له طريقان؛ القول، أو النية والقبض، القول بأن يقول: إني قد ملكت أو إني قد تملكت مال ابني؛ سيارته، بيته، أشياء لا يحتاج إليها ولا تضره.
(أو نية وقبض مُعتَبر) يعني يقبض الشيء المال لابنه بنِيَّة التملك، فله حينئذٍ أن يتصرف فيه؛ لأنه لما قبضه بنية التملك صار مُلكًا له.
(وقبض مُعتبَر) القبض المعتَبر هو أن يكون بإذن الابن، وعلى الوصف السابق في كتاب البيع ما يُنقَل يكون بنقله، وما يُوزَن بوَزْنه، وما يُكال بكيله، وما يُذرع بذرعه، وما يُعدُّ بِعدِّه، وما لا يتصور فيه ذلك يكون بتخليته، كالأراضي مثلًا، الأراضي ما يمكن تُقبض بما ذكر، فيكون بالتخلية؛ بمعنى أن يرفع يده عنها.
(بل بعده) أي: بل يصح تصرفه بالبيع، أو العتق، أو الإبراء بعده، أي: بعد القبض بنية التملك أو القول أنه تملكه.
ثم قال: (وليس للولد مطالبة أبيه بدَيْن ونحوه) (ليس للولد) هذا نفي، يعني لا يملك الولد أن يطالب والده بدَيْن ونحوه؛ لأنه إذا جاز أن يتملك من ماله فإنه لا يجوز للولد أن يطالبه بدَيْنه، مثال ذلك: استقرض الأب من ابنه عشرة آلاف ريال، فليس للولد أن يقول: يا أبتِ، أعطني الدَّيْن، وليس له أن يطالبه، لكن له أن يُعرِّض، ويقول: يا أبتِ، أنا محتاج وأنت قد أغناك الله، وما أشبه ذلك، أما أن يطالبه ويرفعه إلى القاضي فلا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2453

وقوله: ليس للولد مطالبة أبيه، هل يدل ذلك على أن له أن يطالب أمه؟ نعم، له أن يطالب أمه، هذا مفهوم كلام المؤلف، والعلماء رحمهم الله كلامهم له منطوق وله مفهوم، هل له أن يطالب جده من قِبل أبيه أو أمه؟ نعم، له؛ لأن هؤلاء ليس لهم أن يتملكوا من مال ولدهم أو ولد ابنهم فله أن يُطالِبهم، ولكن الصحيح أنه لا يملك أن يطالب أمه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سُئل: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صُحْبَتِي؟ فَقَالَ: «أُمُّكَ».
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «أُمُّكَ».
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «أُمُّكَ».
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» (13). وهذا صريح في أنه إذا كان لا يملك مطالبة أبيه، فعدم مطالبته أمه من باب أولى، وهل من البر أن يقود أمه عند رُكب القضاة؟ أبدًا، ليس من البر، وهذا مستهجن شرعًا وعادة، فالصواب أنه لا يملك مطالبة أمه، وليست المسألة مبنية على التملك، التملك شيء، والمطالبة بالدَّيْن شيء آخر.
وقول المؤلف رحمه الله، والمسألة خلافية أيضًا، أصل المسألة في مسألة الأب خلافية، بعض أهل العلم يقول: له أن يطالب أباه بالدَّيْن.
وقوله: (بِدَيْن ونحوه) ويش نحو الدَّيْن؟ كأرش الجناية مثلًا، لنفرض أن أباه جنى عليه جناية تُوجِب المال، ولا تقُل تُوجِب القوَد؛ لأنه على المذهب ليس بين الأب وابنه قوَد، لكن تُوجِب المال، مثل أن يشُجه في رأسه حتى يظهر العظم، وهذه الشجة التي تُوضِح العظم تُسمَّى مُوضِحة، فيها خمس من الإبل، هل له أن يُطالِب أباه بهذه الدية؟ لا، لدخولها تحت قوله: (ونحوه).
كذلك لو أن أباه صدم سيارته، سيارة الابن، يلزمه أرشها أو لا يلزمه؟ يلزم أرشها ويكون دَيْنًا عليه، فليس له أن يطالب أباه بهذا الدين.

الجزء: 2 - الصفحة: 2454

وفُهِم من قوله: (بِدَيْن) أن له أن يُطالبه بالعين، كيف يُطالِبه بالعين؟ استعار أبوه منه كتابًا، ولنقل فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، استعارها الأب من ابنه، فقال الابن: أعطني الكتاب، أنا محتاجه، قال: لا، ولم ينوِ التملك.
إن نوى التملك جاءت مسألة التملك بشروطها، قال: لا، له أن يطالبه؛ لأن هذا ليس بدين ولكنه عين، والمؤلف يقول: (بِدَيْن).
فله أن يطالب أباه بتسليم العين التي أعارها إياه، عند مَنْ؟ عند القاضي، يعني يقول: هذا عين مال، لكن للأب أن يقول: روح وراك، أنا الآن تملكته.
فإذا قال هذا، لا ما راح، ننظر للشروط، إذا قال الابن: هذا الكتاب تتعلق به حاجتي، أحتاجه للقراءة والمطالَعة، يمتنع التملك الآن؛ لأن من شرط تملك الأب لمال ابنه ألا تتعلق به حاجته أو ضرورته، حينئذٍ يمتنع التملك فله المطالبة.
وكل هذا الذي يقوله الفقهاء رحمهم الله بقطع النظر عن مسألة المروءة، أو التربية، أو حسن المعاملة، هم يذكرون أحكامًا عامة، لكن هل من المروءة أن الإنسان يُطالِب أباه بعين ماله؟ في ظني لا، لكن قد يكون بين الأب والابن مشاحنات وعداوة وبغضاء، كما يوجد كثيرًا، ولا يهمه أن يطالب أباه.
لو استعار الأب قلمًا لابنه، ابنه معتاد على الكتابة به، تتعلق به حاجته، استعاره منه، فقال الابن: يا أبتِ، أعطني القلم، قال: لا.
فطالبه عند القاضي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: الجواب كأنه ليِّن! طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنها عَيْن، ولكن لا أعتقد أن المروءة تقضي بجواز ذلك، أليس هكذا؟ يعني أي إنسان يعرف، يقال: إن فلانًا طالَب أباه عند القاضي من أجل قلم بخمسين ريالًا مثلًا، كل الناس سيعيبون هذا، وقد قال عبد الله بن مسعود: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْهُ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ (14).

الجزء: 2 - الصفحة: 2455

وهذه نقطة يجب أن ننتبه لها، أن كلام الفقهاء رحمهم الله، يذكرون الأحكام بقطع النظر عن مسألة التربية والمروءة وما أشبه ذلك، هذا شيء آخر.
يقول رحمه الله: (إلا بنفقته الواجبة عليه) يعني فإن له مطالبته بها وحبسه عليها.
إذا امتنع الأب من النفقة الواجبة عليه فللابن أن يطالبه؛ لأن وجوب النفقة ثابت بأصل الشرع، فهو كالزكاة، فإذا جَعل ابنه الفقير عاجزًا عن التكسب، وليس عنده مال، وقال لأبيه: أنفق عليَّ.
قال: لا، ما أنفق، فله أن يُطالب أباه بالنفقة، وإذا امتنع فللحاكم أن يحكم بحبسه حتى يُسلِّم النفقة.
وأعتقد أن هذا العمل من الابن، أعني مطالبة أبيه بالنفقة لا يخالف المروءة؛ لأن الذي خرم المروءة مَنْ؟ الأب، كيف لم يُنفِق؟ فإذا طالب أباه بالنفقة فله ذلك، وله حبسه عليها.
العلة بأن النفقة واجبة بأصل الشرع فهي كالزكاة يُجبَر الإنسان على بذلها لمستحقها.

فصل في تصرفات المريض

ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل في تصرفات المريض) لما ذكر الهبة رحمه الله وأحكامًا كثيرة تتعلق بها وهي في حال الصحة، ذكر الهبة في حال المرض، هل الهبة في حال المرض كالهبة في حال الصحة؟ هنا يكون التفصيل.
(قال: من مرضه غير مخُوف) أين السيبويه؟ اتفضل.
طالب: (من) اسم موصول في محل رفع مبتدأ.
(مرضُه) مبتدأ ثان.
(غير مخوف) خبر المبتدأ الثاني.
المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
الشيخ: يا أبا علي، سيبويه والكسائي.
طالب: (من) اسم موصول مبتدأ.
و(مرضه) مبتدأ ثانٍ.
الطالب: والخبر محذوف.
الشيخ: يأبى عليك الشيخان.
طالب: (من) مبتدأ، و (مرضه) مبتدأ ثانٍ، (غير مَخُوف) خبر المبتدأ الأول، والجملة صلة الموصول خبر المبتدأ الأول .. الشيخ: والثالث؟ طالب: رجعت يا شيخ.
الشيخ: رجعت، تقبلون رجوعه، نرد عليه ولا ندور غيره؟ طالب: (من) مبتدأ.
(مرضه) .. الشيخ: ويش اسم موصول، ولَّا استفهام، ولَّا شرط؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2456

طالب: اسم موصول مبتدأ، (مرضه) مبتدأ ثانٍ، و (غير) خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره صلة الموصول (من).
الشيخ: خطأ.
طالب: اسم موصول مبتدأ.
الشيخ: أيش؟ طالب: مبنية ( ... ). الشيخ: هذه (مَنْ) منبية على السكون في محل رفع مبتدأ.
الطالب: (مرضه) مبتدأ ثانٍ، و (غير مخوف) خبره، والجملة خبر ثان.
الشيخ: خطأ.
طالب: (من) اسم موصول، و (مرضه) مبتدأ ثانٍ.
الشيخ: خطأ، لا إله إلا الله! طالب: ( ... ). الشيخ: خطأ، سبحان الله! كيف تقولون؟ هذه (من) اسم موصول مبتدأ، متفقون عليها، أكثر الأجوبة عليها إلا الجواب الأخير، والأخير بعيد من الصواب، (مرضه) مبتدأ، ما نقول: مبتدأ ثانٍ؛ لأن صلة الموصول جملة مستقلة، فـ (مرضه) متبدأ، و (غير مخوف) خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب، نقطة الخطأ في إعرابكم قولكم: متبدأ ثانٍ؛ لأن صلة الموصول جملة مستقلة ما لها علاقة بما سبق، تكون صلة الموصول.
(من مرضه غير مخوف كوجع ضِرْس) وجع الضرس لا شك أنه يُؤلم، وربما يسهر الإنسان ليلًا، لكنه غير مخوف، لو أن الإنسان مات من وجع ضرسه لقال الناس: هذا مات في صحته؛ لأنه لا يُنسب الموت إلى مثل هذا المرض، وإلا فإن وجع الضرس مؤلم بلا شك، وتناظَر رجلان فقال أحدهما: لا وجع إلا وجع الضرس، ولا همَّ إلا هم العرس.
وقال الثاني: لا وجع إلا وجع العين، ولا هم إلا هم الدَّين، أيهما أصوب؟ طلبة: الثاني.

الجزء: 2 - الصفحة: 2457

الشيخ: لا، الثاني، كفاكم الله شر وجع العين، وجع العين مؤلم جدًّا، وكان الناس فيما سبق يجدون منه معاناة شديدة، لكن الآن -والحمد لله- لنظافة المياه، ووجود الأسباب الكثيرة في المعالجة سهل، وإلا كان الناس يتأذون، يعني الإنسان إذا وجعته عينه لا ينام، بل ولا يضطجع على الفراش، بل يحوم في البيت؛ فهي شديدة، فالثاني لا شك أنه أصح، والدَّيْن أيضًا مشكلة؛ لأن الدين وجوده مؤذٍ، عدم العرس فوات محبوب، لكن الدَّيْن كلما طلع من بيته لقي الزبانية عنده: أعطِنا أعطِنا، صعبة.
إذن وجع الضرس يعتبر من الأمراض غير المخوفة.
(وعين) أيضًا وجع العين غير مخوف، إلا أن هناك نوعًا من الأمراض يكون في أصل الضِّرْس، ويكون أيضًا في حدقة العين، يُسمى عندنا الحبة، هذه مخوفة لا شك، أن الإنسان لو مات منها لم يكن ذلك غريبًا، إنما وجع العين العادي ليس مخوفًا.
(وصُداع يسير) الصداع وجع رأس، لكن اشترط المؤلف أن يكون يسيرًا، فأما الصداع الشديد فهو من الأمراض المخوفة؛ لأن نسبة الموت إليه لا تُستَغرب.
قال: (فتصرفه لازم كالصحيح ولو مات منه).
تصرفه، أي: من كان مصابًا بهذا المرض تصرفه لازم كالصحيح، يعني كمن ليس به مرض ولو مات منه، وهي إشارة خلاف.
مثال ذلك: رجل أصابه وجع في ضرسه، فأوقف نصف ماله، قال: نصف مالي وقْف.
التصرف صحيح، وَهَبَ نصف ماله، التصرف صحيح؛ لأن المرض غير مخوف فهو كالصحيح.
وقوله: (فتصرفه لازم) قد يشكل على بعض الطلبة كيف جاءت الفاء في الجواب؟ فنقول في إزالة هذا الإشكال: إن (مَنْ) التي هي المبتدأ اسم موصول، والاسم الموصول يُشبه اسم الشرط في العموم؛ فلذلك وقعت الفاء في خبره؛ لأن قوله: (فتصرفه لازم) هذه الجملة خبر المبتدأ، ومنه المثال المشهور: الذي يأتيني فله درهم، الأصل الذي يأتينا له درهم، لكن لما كان اسم الموصول مُشبِهًا لاسم الشرط في العموم جاز دخول الفاء في خبره.

الجزء: 2 - الصفحة: 2458

قال: (وإن كان مخوفًا) (إن كان) الضمير يعود على المرض.
(مخوفًا) وهو الذي يصح نسبة الموت إليه، مثاله: (كبرسام، وذات الجنب، ووجع قلب، ودوام القيام، ورعاف، وأول فالج، وآخر سل، والحُمَّى المطبقة والربِّع، وما قال طبيبان) إلى آخره (ومن وقع الطعون ببلده، ومن أخذها الطلق) عدَّ اثني عشر نوعًا.
البِرْسام: وجع يكون في الدماغ، نسأل الله العافية، يختل به العقل، فإذا أصاب الإنسان صار مرضه مخوفًا؛ لأنه لو مات به لم يُستغرب، ولا يقول الناس: هذا مات فجأة.
(ذات الجنب) هو وجع في الجنب في الضلوع، ويقولون: إن سببه أن الرئة تلصق في الضلوع، ولصوقها هذا يشل حركتها، فلا يحصل للقلب كمال دفع الدم وغير ذلك من أعماله، فهذه من الأمراض المخوفة، وكان هذا الداء كثيرًا فيما سبق، يعني عشنا ذلك كثيرًا جدًّا لا سيما في استقبال الشتاء، ويصيب الناس، ولكنه سبحان الله يُشفى -بإذن الله عز وجل- بالكي، وأحسن .. ما له إلا الكي، حتى إن بعض المرضى يُغْمى عليه، ويبقى الأيام والليالي وقد أُغْمِي عليه، ثم يأتي الطبيب العربي، فيقص أثر الألم في الضلوع، ثم يسمها بوسم؛ محل الألم، ثم يكويه، إذا كواه -سبحان الله- لا يمضي ساعة واحدة إلا وقد تنفس المريض؛ ولذلك لا يوجد علاج فيما سبق لذات الجنب إلا الكي، ذات الجنب تؤدي إلى الهلاك لا شك، ومن مات من ذات الجنب لم يُعدَّ مات بشيء غريب، يعني لا يُستغرب.

الجزء: 2 - الصفحة: 2459

(وجع القلب) أيضًا من الأمراض المخوفة؛ لأن القلب إذا أصابه الألم لم يستطع أن يضخ الدم، أو ينقي الدم فيهلك البدن؛ لأن القلب -بإذن الله- مصفاة، سبحان الذي خلقه، يرد إليه الدم مستعملًا، وفي نبضة واحدة يعود نقيًّا فيدخل من عرق ويخرج من عرق آخر، في هذه اللحظة النبضة هذه، ثم إن الله سبحانه وتعالى أودعه قوة إذا احتاج الإنسان إليها وُجِدَت، وإن لم يحتج فهو طبيعي؛ ولذلك إذا حملت شيئًا شاقًّا، أو سعيت بشدة تجد نبضات القلب تزيد؛ لأنه يحتاج إلى ضخ بسرعة، إذا وُجِع القلب فهو خطر على الإنسان لا شك، وأوجاع القلب أنواع متنوعة يعرفها الأطباء، لكن منها ما هو قوي، ومنها ما دون ذلك.
(ودوام قيام) القيام هو الإسهال، معروف لكم، إذا كان دائمًا فلا شك أنه مخوف؛ لأن الأمعاء مع هذا الإسهال لا يبقى فيها شيء يمتص الجسم منه غذاءً؛ فيهلك الإنسان، أما القيام اليسير كيوم أو يومين، هذا لا يضر، ولا يُعدُّ مرضًا مخوفًا، لكن إذا دام مع الإنسان فآخِر مآله الموت.
(ودوام رعاف) ما هو الرعاف؟ خروج الدم من الأنف، هذا أيضًا إذا كان يسيرًا فإنه ليس مرضًا، وإن كان دائمًا فهو مرض؛ لأنه إذا دام فإن الدم ينزف، ومعلوم أن البدن لا يقوم إلا بالدم؛ لأن أصل البدن سبحان الله دم، أصله علقة، فلا يقوم إلا بذلك، فمع دوام الرعاف يُعتبر المرض مرضًا مخوفًا.
(وأول فالج) أول الفالج هو خدورة البدن.
وأنواعه متعددة، لكن أول الفالج خطر؛ لأن هذه الخدورة قد تسري إلى البدن فتقضي عليه، أما إذا كان في آخر الفالج فلا، إلا أن يقطعه في الفراش كما سيأتي، الخطر في الفالج في أوله، السل الخطر في آخره؛ لأن أول السل ربما يُشفى منه المريض إما بحمية وإما بمعالجة يسيرة، لكن آخره خطر، مرض مخوف.

الجزء: 2 - الصفحة: 2460

وكذلك أيضًا (الحُمَّى المطبقة والرِّبع) الحمى المطبقة يعني الدائمة، و (الرِّبع) التي تأتي في اليوم الرابع، تتكرر عليه كل يوم أربعة تأتيه، والحمى هي السخونة، وهي معروفة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحمى من فيح جهنم، وأنها تُطفأ بالماء البارد (15). وهذا سبحان الله، هذا الطب اليسير السهل قد عُلِم من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، والأطباء الآن يرجعون إليه، الآن الأطباء يصفون الدواء لمن أُصِيب بالحمى بهذا، حتى إنهم يجعلون بعض المرضى أمام المكيِّف.
ووجه ذلك ظاهر بأن الحمى معناها خروج الحرارة من داخل البدن إلى ظاهره، فيبقى البدن من الداخل يبقى باردًا، وإذا عُدِمت البرودة اختل التوازن بلا شك؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- جعل البرودة حرارة، والرطوبة يبوسة يقوم بها البدن، إذا غلب أحدها على الآخر اختل طبيعة البدن، فإذا جاء الْمُبرِّد اضطرت البرودة أن تنتقل من الظاهر إلى الباطن فيتعدى البدن.
طالب: إذا ذهب إلى طبيب الأخ المسلم، فقال الطبيب: إن الحمى إذا جاءت للإنسان يقوم بتركها؟ الشيخ: بتركها؟ الطالب: بتركها حتى تخرج الميكروبات الموجودة بالجسم، استدل بالحديث: «لَا بُدَّ أَنْ يُبْرِدَهَا بِالْمَاءِ» (16). وقال الثالث: يمكن أن يحمل هذا على الحمى الخفيفة الأول، والثاني على الحمى الشديدة، فكيف؟ الشيخ: والله على كل حال، تعارض عندنا الآن قول الرسول عليه الصلاة والسلام مع قول غيره، فلا نقبل سواه، لكن المشكلة في مسألة الماء البارد أو القماش البارد أنه ربما يصعب على المريض تحمله، لكن نقول: اصبر.
طالب: أو يصح القول الثاني؟ الشيخ: والله أنا لا أمشي إلا على الحديث، الحديث مُقدَّم على كل شيء، ولو لم يكن من الحديث إلا أن الإنسان يقوله تصديقًا للرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يُؤثِّر نفسيًّا على المريض لا شك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2461

طالب: إذا أتى الولد أعطى الأب مالًا ليكون عنده لأبيه، فجاء الوالد وأخذ هذا المال وتصدق به، واشترى أراضي.
الشيخ: يعني الولد أعطى أباه مالًا وديعة؟ الطالب: نعم، فالوالد تصرف في هذا المال واشترى أراضي، وزوج إخوته من هذا المال، فجاء الولد ( ... ). الشيخ: هل اشترى بعد التملك أو قبل؟ الطالب: هو أعطاه المال.
الشيخ: هو أعطاه وديعة، ما هو تمليك، هل الأب حينما اشترى بهذه الدراهم عقارًا هل نوى تملك هذا المال، ثم الشراء به؟ لا، أنا بأعلمك الآن التفصيل، إذا كان قد نوى تملُّكه، ثم اشترى به فهو صحيح، هذا كلام المؤلف، أما إذا كان ما نوى فكما علمتم أن تصرفه في مال ابنه غير صحيح إلا بنية التملك.
طالب: ( ... ) هل هو خلاف الأولى لحديث (السبعون)؟ الشيخ: لا، السبعون لا يكتوون، يعني ما يطلبون الكي، لكن إذا جاء الطبيب وقال: أنا أريد أن أكويه فلا بأس، ولا يخرج من أوصاف السبعين.
طالب: ما هو الضابط ( ... )؟ الشيخ: الضابط الذي إذا نُسب الموت إليه لم يُعدَّ غريبًا، هذا مخوف؛ ولهذا من أخذها الطلق، كما سيأتينا من الأمراض المخوفة مع أن الطلق يُصيب نساء كثيرات، ولا يمتن؛ يعني فقول بعض الناس: إن المرض المخوف ما غلب على الظن موته به.
هذا غير صحيح، بل يقال: المرض المخوف هو الذي إذا نُسب الموت إليه لم يُعد غريبًا.
طالب: إذا قال قائل: ألا يمكن أن يقال بأن تملك الأم ينفذ أخذًا بظاهر الحديث: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ وأن حديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (10) واقعة عين.
الشيخ: ما يستقيم هذا؛ لأن الأب مِنَّتُه على الابن بالمال أكثر من مِنَّة الأم، بالإنفاق وغيره، فرُخِّص له بالأخذ من مال ابنه مكافأة له على الإنفاق عليه، وهذا في الغالب، لكن المسألة فيها قول: إن الأم والجد لهما أن يتملكا من مال الولد، وما له عندي وجه، ليس عندي وجه له، لكن كما قلت لك: ليس له أن يطالب أُمَّه بدَيْن أو نحوه.

الجزء: 2 - الصفحة: 2462

طالب: هل يشترط في تصرف الوالد مع ولده علم الولد؟ الشيخ: علمه، لا، ما هو شرط.
الطالب: هل يا شيخ، قد يحدث إشكال بأن يبيع مثلًا الأب سيارة ابنه ( ... )؟ الشيخ: لا، السيارة -بارك الله فيك- تتعلق بها بحاجته.
طالب: تمت الشروط.
الشيخ: تمت الشروط.
الطالب: ( ... ) فرآها بالمعرض، وقال: هذه سيارتي.
الشيخ: قال: هذه سيارتي.
سهلة يقول: باعها لي، وهذا ( ... ). طالب: أحسن الله إليك، حتى أذن الوالد ( ... ) يريد أن يأخذ يتملك من ابنه، هنا يجوز له أن يتصرف مع أنه هو وماله لأبيه، يجوز التصرف في المال؟ الشيخ: إي، لا، هو الآن التصرف على أنه ملك ابنه.
طالب: ( ... ). الشيخ: لكن من شروط البيع وصحة البيع أن يكون ملكًا للبائع أو مأذونًا له فيه، والحمد لله المسألة ما فيها مشكلة، يقول: اشهدوا يا جماعة أني تملكت هذا، ويبيع.
طالب: ليس من المروءة أن يطالب الآباء الذي ما يكون ضررًا لي، ولو كان فيه ضرر، قلنا: ( ... ) من ماله ويضره في ماله؟ الشيخ: لا، يضره لا؛ لأن شرط تملك الأب من مال ابنه ألا يضره ولا يحتاجه.
طالب: ولكن يا شيخ إذا ( ... ). الشيخ: لا، ما حصل هذا، حتى مثلًا لو كان الابن بيده مال يتجر به، ونفقته على نفسه وعياله مِنْ ربح هذا المال، فليس للأب أن يأخذ منه شيئًا؛ يعني مثلًا إنسان عنده مال مئة ألف يتجر بها وربحها، ينفقه على نفسه وعياله، فأراد الأب أن يأخذ من المئة ألف، قلنا: لا؛ لأنه يحتاجه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ( ... ) الابن غني، ثم أخذ الأب منه مثلًا مليونًا؛ عمارة مثلًا، ثم تملكها ووزعها حينها على الأولاد، وأعطاه نصيبه ( ... ). الشيخ: نعم، اشترط العلماء رحمهم الله لجواز أخذ الأب من مال ولده ألا يعطيه لولد آخر؛ يعني ما يأخذ من زيد ويعطي عمرًا وهم عياله.

طالب: شيخ، ليس ( ... )، لا يملك الأب حتى؟ الشيخ: كيف لا يملك؟ إذا تملك دخل ملكه.
الطالب: أوليس الأب له أن يعطي أولاده بالسوية؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2463

الشيخ: بلى، يجب في هذه المسألة؛ لأن هذا يُحدث الضعائن بين الأولاد على أبيهم وفيما بينهم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ( ... ) الابن، ثم بعده هل للابن أن يطالب الورثة؟ الشيخ: إي نعم، له أن يطالبهم، وهذا السؤال مهم، يعني لو استدان الأب من ابنه، ثم مات قبل الوفاء فله أن يطالَب بتركته.
طالب: إذا أراد أن يرجع في هبته لابنه لا بد من القول .. ؟ الشيخ: أو النية مع القبض المعتبَر.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا كان على الابن دَيْن أبيه، فهل للأب أن يبرئ الابن وإن لم يبرئ غيره من الأبناء؟ الشيخ: كيف يبرئ الابن؟ إذا كان للأب دين على ابنه؟ الطالب: على أحد أبنائه، هل له أن يبرئ أحدهم دون الآخرين أم يجب العدل حتى في الإبراء؟ الشيخ: هل هذا من العدل؟ أسألك؟ الطالب: لا، ليس من العدل.
الشيخ: إذا لم يكن من العدل صار حرامًا.
الطالب: كان يجب بعض الأبناء، ويسدد الدَّين والآخرون لا ( ... ). الشيخ: هذا عن شيء آخر حتى اللي ليس عنده ما يسدده اليوم، قدر يرزقه الله ويكون عنده ما يسدد، ينتظر.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف، ومن وقع الطاعون ببلده، ومن أخذها الطلق، لا يلزم تبرعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه، وإن عُوفي فكصحيح، ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله، والعكس بالعكس، ويعتبر الثلث عند موته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الأمراض ثلاثة أنواع.
طالب: مرض مخوف، ومرض غير المخوف، ومرض ممتد.

الجزء: 2 - الصفحة: 2464

الشيخ: (طبيبان مسلمان عدلان إنه مخوف) انظر للشروط، (ما قال طبيبان) فغير الطبيب لا يعتبر قوله، فلو أن عاميًّا قال لمريض من المرضى: إن مرضك هذا مخوف وهو غير طبيب، ولا يعرف الطب فإنه لا يُعتبر قوله، كما لو أفتاك الجاهل بأن هذه الصلاة صحيحة أو غير صحيحة، أو هذا الوضوء صحيح أو غير صحيح.
الشرط الثاني: (مسلمان)، وضدهما الكافران ولو كانا من أحذق الأطباء، فإنه لا عبرة بقولهما؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فإذا كان هذا في خبر الفاسق فخبر الكافر مردود لا يُقبَل.
الشرط الثالث: (عدلان)، والعدل هو المستقيم دِينًا ومروءةً، هذا العدل، مستقيم في دينه ومروءته، ففي دِينه يعني الاستقامة في الدين أن يؤدي الفرائض، ويجتنب المحارم؛ فالمتهاون بصلاة الجماعة مثلًا، والجماعة واجبة عليه، ليس بعدل، وحالق اللحية مثلًا ليس بعدل إذا استمر على ذلك.
فالعدالة إذن الاستقامة في الدِّين والمروءة، المروءة أن يفعل أو يقول ما يخرم المروءة عند الناس، وينزل قيمته عندهم وإن كان الفعل في نفسه ليس محرمًا، وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله من الأمثلة الرجل المتمسخر؛ يعني اللي يفعل التمثيليات سخرية وهزءًا فإن هذا خارم المروءة، وذكروا أيضًا الذي يأكل في السوق، قالوا: هذا ما له مروءة، ومعلوم أن هذا المثال في الوقت الحاضر لا ينطبق على ذلك، لماذا؟ لأن الناس اعتادوا أن يأكلوا في السوق الآن، يعني لا أقول: الولائم، يجعل وليمة ويجيبها بالسوق ويأكلها، لا، لكن جرت في المطاعم مثلًا، مطعم في السوق يأكل الإنسان فيه، كنا نستنكر أن يشرب الشاهي في دكان، ونرى أن هذا خارمًا للمروءة، الآن أجيبوا يا جماعة.
طلبة: ليس بخارم.
الشيخ: ليس بخارم للمروءة، الآن يشربون الشاي والقهوة في الدكاكين.

الجزء: 2 - الصفحة: 2465

قالوا: مما يخرم المروءة أن يمد الإنسان رجله بين الجالسين، إذا مد رجله بين الجالسين فهذا الفعل خارم للمروءة؛ لأنه من العادة أن الإنسان يُوقِّر جلساءه، وألا يمد رجليه بينهم، ولكن هذا -في الحقيقة- يختلف، إذا كان الإنسان معذورًا، وعرف الجالسون أنه معذور فإن ذلك لا يعد خرمًا للمروءة؛ لأنهم يعذرونه، أو كان الرجل استأذن منهم وقال: ائذنوا لي.
ففعل، فليس خارمًا للمروءة، أو كان الإنسان بين أصحابه وقرنائه، ففعل ومد رجله بينهم وهم جلوس، فهذا لا يعد خارمًا للمروءة، ومن الأمثال العامية: (عند الأصحاب تسْقُط الآداب).
على كل حال الضابط في استعمال المروءة ألا يفعل ما ينتقده الناس فيه، لا من قول ولا من فعل.
الشروط الآن ثلاثة؛ عدد محصور باثنين: الإسلام، الثالث: العدالة، فإذا اختل شرط من ذلك فإنه لا عبرة بقوله مع أنهم قالوا في صفة الصلاة، قالوا: يجوز للإنسان أن يصلي قاعدًا إذا قال الطبيب المسلم الواحد: إن القيام يُؤثِّر عليه، لكنهم يفرقون بين هذا وذاك بأن ذاك خبر ديني يتعلق بأمور الدين، وهذا يتعلق بأمور المال، هذا ما قيده به المؤلف.
والصواب في هذه المسألة أنه إذا قال طبيب ماهر: إن هذا مرض مخوف قُبِل قوله، سواء كان مسلمًا أو كافرًا واحدًا أو متعددًا، ولو أننا مشينا على ما قاله المؤلف لم نثق بأي طبيب غير مُسلِم مع أننا أحيانًا نثق بالطبيب غير المسلم أكثر مما نثق بالطبيب المسلم إذا كان الأول أشد حذقًا من الثاني، أليس كذلك؟ ثم إن صناعة الطب لا يمكن فيها الغدر من الكافر، يعني الخوف من الكافر أن يغدر لا يمكن فيه الغدر لسببين؛ السبب الأول: أن كل إنسان يريد أن تنجح صناعته، أليس كذلك؟ فالطبيب، ولو كان غير مسلم، يريد أن تنجح صناعته، وأن يكون مصيبًا في العلاج، مصيبًا في الجراحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2466

الثاني: أن من الأطباء من يكون داعية لدِينه وهو كافر، وإذا كان داعية لدينه هل يمكن أن يُغرِّر بالمسلم؟ لا يمكن؛ لأنه يريد أن يمدحه الناس، وأن يحبوه، وأن يحترموه؛ لأنه ناصح.
فالصواب في هذه المسألة أن المعتبَر حذق الطبيب والثقة بقوله، ولو كان غير مسلم، فإذا قال طبيب حاذق: هذا المرض مخوف، يُتوقع منه الموت، فإننا نعمل بقوله، ونقول: إن المريض بهذا المرض عطاياه من الثلث ولَّا من رأس المال؟ من الثلث.
ومن وقع الطاعون ببلده، فهو كالمريض مرضًا مخوفًا؛ لأن الطاعون أجارنا الله وإياكم والمسلمين منه، الطاعون إذا وقع في أرض انتشر بسرعة، لكن مع ذلك قد ينجو منه من شاء الله نجاته، إنما الأصل فيه أنه ينتشر، كل إنسان في البلد التي وقع فيها الطاعون يتوقع أن يُصاب به بين عشية وضحاها، فعطاياه في حكم عطايا المريض.
الطاعون قيل: إنه نوع معين من المرض يؤدي إلى الهلاك، وقيل: إن الطاعون كل مرض فتَّاك منتشر فهو طاعون، مثلًا الكوليرا، المعروف أنها إذا وقعت في أرض فإنها تنتشر بسرعة، الحمى الشوكية وغيرها من الأمراض التي يعرفها الأطباء، ونجهل كثيرًا منها، فهذه الأمراض التي تنتشر بسرعة، وتؤدي إلى الهلاك يصح أن نقول: إنها طاعون حقيقة أو حكمًا.
هذا عطاياه، أي عطايا الصحيح الذي وقع الطاعون في بلده من أين؟ من الثلث ولَّا من رأس المال؟ طلبة: من الثلث.
الشيخ: من الثلث.
طيب بالنسبة للطاعون هل يجوز للإنسان أن يخرج من البلد إذا وقع فيه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَخْرُجُوا مِنْهُ -أي من البلد الذي وقع فيه- فِرَارًا مِنْهُ» (17). فقيد النبي صلى الله عليه وسلم منع الخروج بما إذا كان فرارًا، أما إذا كان الإنسان له غرض جاء لهذا البلد بتجارة وانتهت تجارته، وأراد يرجع إلى بلده فلا نقول: هذا حرام عليك، لا نقول هذا، نقول: لك أن تذهب.
بقي علينا هل نأذن له أن يذهب إذا خِيفَ أن الوباء أصابه؟ أجيبوا.
طلبة: لا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2467

الشيخ: لا، نعم، نمنعه، حتى إن بعض الأطباء ظن أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا وَقَعَ فِي أَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا».
ظن أن هذا من باب الحجر الصحي، وقال: إن مراد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا يخرج الناس من هذه الأرض الموبؤة كحَجْر صحي، ولكن هذا غير صحيح، إن النبي صلى الله عليه وسلم راعى ما هو أعم وأهم، وهو الفرار من قدَر الله، قال: «لَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ».
إذا سمع الإنسان أنه وقع في أرض هل يجوز أن يقدم عليها؟ لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهَا» (17)؛ لأن هذا من باب الإلقاء بالتهلكة، ومن باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، كيف تقدم على بلد وقع فيه الطاعون؟ ما مثلك إلا مثل من أقدم على النار ليقتحم فيها.
فإن قال: أليس يمكن أن يسلم الإنسان وهو في بلد الطاعون؟ قلنا: بلى، لكن ما الأصل؟ الأصل الإصابة؛ فلا يجوز أن تقدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2468

ارتحل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، وفي أثناء الطريق قيل له: إنه قد وقع فيها الطاعون، وهو طاعون عظيم، مات فيه خَلْق كثير في أثناء الطريق، عمر رضي الله عنه ليس عنده أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، لكنه عنده عقل كأنه قال: كيف نقدم على أرض فيها هذا الوباء الْمُعدِي الفتاك، وكان من عادته رضي الله عنه أنه إذا أشكل عليه الأمر يجمع الصحابة ويستشيرهم، جَمَعَ الصحابة واختلفوا، ثم جمع المهاجرين، ثم الأولين من المهاجرين وكان الرأي الذي استقر عليه رأي المهاجرين الأولين أن يرجعوا، وقال: يا أمير المؤمنين، معك المجاهدون، معك المسلمون كيف تقدم إلى هذه الأرض؟ ارجع.
فقرر الرجوع بمشورة الصحابة رضي الله عنهم، وأمر بالارتحال، فجاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّهُ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» (18). وقال فيه عمر حين طُعِن: لو كان أبو عبيدة حيًّا لجعلته خليفة؛ لأن الرسول قال: «هُوَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ».
قال: يا أمير المؤمنين، كيف تقرر الرحيل؟ أفرارًا من قدر الله؟ ! خفي على أبي عبيدة رضي الله عنه بأن القدَر لم يقع حتى نفر منه، لكن لو أقدموا لكانوا هم الذين جاؤوا إلى القدر فخفي عليه، وقال: أفرارًا من قدَر الله؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! يعني أتمنى أن غيرك قالها؛ لأن منزلة أبي عبيدة عند أمير المؤمنين عمر منزلة عالية، نحن نفر من قدَر الله إلى قدَر الله.
من قدَر الله الذي نُلقي بأيدينا إلى التهلكة لو قدمنا عليه إلى قدَر الله الذي نسلم به.
وهذا واضح إن مضو إلى الشام بقدر الله، وإن رجعوا بقدر الله، ثم ضرب له مثلًا، أن لو كان له إبل في وادٍ له عِدوتان، واحدة مخصبة، والثانية مجدبة إلى أين يذهب؟ طلبة: إلى المخصبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2469

الشيخ: إلى المخصبة، فقال له: أما تذهب إلى المخصبة؟ قال: بلى.
قال: إذن إن ذهبت إلى المخصبة فبقَدر الله، وإلى المجدبة فبقدَر الله، لكن لن تختار المجدبة، إذن نحن كذلك لا نختار القدوم على أرض الطاعون، فرجعوا والحمد لله ووُفِّقوا للصواب.
في أثناء ذلك أتى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان قد تغيَّب في حاجة له، فبلَغَه الخبر، وجاء إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهَا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ» أيضًا اللفظ الآخر: «لَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» (17). فقال: الحمد لله .. شوف الآن كل الصحابة ما سمعوا هذا الحديث إلا عبد الرحمن بن عوف، لكن الحمد لله الشريعة محفوظة، لا يمكن أن تخبو.
ومَن وَقَعَ الطاعونُ ببَلَدِه ومَن أَخَذَها الطَّلْقُ لا يَلْزَمُ تَبَرُّعُه لوارِثٍ بشيءٍ، ولا بما فَوقَ الثُّّّّلُثِ إلا بإجازةِ الوَرَثَةِ لها إن مَاتَ منه، وإن عُوفِيَ فكصحيحٍ، ومَن امْتَدَّ مَرَضُه بِجُذامٍ أو سُلٍّ أو فالِجٍ ولم يَقْطَعْه بفِراشٍ فمِن كلِّ مالِه، والعكْسُ بالعكسِ، ويُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عندَ موتِه ويُسَوِّي بينَ الْمُتَقَدِّمِ والمتَأَخِّرِ في الوَصِيَّةِ، ويَبدأُ بالأَوَّلِ فالأَوَّلِ في العَطِيَّةِ، ولا يَمْلِكُ الرجوعَ فيها، ويُعْتَبَرُ القَبولُ لها عندَ وُجودِها، ويَثْبُتُ الْمِلكُ إِذن، والوصِيَّةُ بخِلافِ ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2470

كيف تُقَرِّر الرحيل؟ ! أفرارًا من قَدَرِ الله؟ ! خفي على أبي عبيدة رضي الله عنه بأن القَدَر لم يقع حتى نفر منه، لكن لو أقدموا لكانوا هم الذي جاؤوا للقدر، فخفي عليه وقال: أفرارًا من قدر الله؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! يعني: أتمنى أن غيرك قالها؛ لأن منزلة أبي عبيدة عند أمير المؤمنين عمر منزلة عالية، نحن نفر من قدر الله إلى قدر الله، من قدر الله الذي نُلقي بأيدينا إلى التهلكة لو قدمنا عليه إلى قدر الله الذي نَسْلَم به.
وهذا واضح؛ إن مَضَوْا إلى الشام بقدر الله، وإن رجعوا بقدر الله، ثم ضرب لهم مثلًا؛ قال: لو كان له إبل في وادٍ له عُدوتان واحدة مُخْصبة والثانية مجدبة، إلى أن يذهب؟ طلبة: إلى المخصبة.
الشيخ: إلى المخصبة، فقال له: أما تذهب إلى المخصبة؟ قال: بلى، قال: إذن إن ذهبت إلى المخصبة فبقدر الله، وإلى المُجْدِبة فبقدر الله، لكن لن تختار المجدبة، إذن نحن كذلك، لا نختار القدوم على أرض الطاعون فرجعوا، والحمد لله، ووفقوا للصواب.
في أثناء ذلك أتى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان قد تغيب في حاجة له، فبلغه الخبر، فجاء إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين: سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهَا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ» أيضًا اللفظ الآخر: «لَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» فقال: الحمد لله (1). شوف الآن كل الصحابة ما سمعوا هذا الحديث إلا عبد الرحمن بن عوف، لكن الحمد لله الشريعة محفوظة لا يمكن أن تَخْبو.
كلُّ ما صدَر من الرسول عليه الصلاة والسلام من شريعة الله فهو محفوظ؛ كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
إذن إذا وقع الطاعون في أرض فإننا منهيُّون أن نخرج منها فرارًا منه، وإذا وقع في أرض فإننا منهيُّون أن نقدم على هذه الأرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 2471

قال: (ومن وقع الطاعون ببلده) كانت الطواعين تكثر في البلاد في الجزيرة زمان، لكن -الحمد لله الآن- الله عز وجل أنعم علينا نعمًا -أسأل الله ألا يجعلها استدراجًا- نعمًا كثيرة.
يحكون لنا أنه قد يُقَدَّم في الصلاة في الفريضة ثماني جنائز، وكانت بلدنا هذه من قَبْلُ قريةً صغيرة، ما فيها أحد، لكن كثر الأموات حتى إنه إذا دخل البيت أفنى العائلة كلها، بقي البيت موصدَ الأبواب على غير أحد.
وقالوا: إن القاضي في البلد وهو صالح بن عثمان القاضي رحمه الله خرجوا يومًا من الأيام من المسجد من الجامع هنا بثماني جنائز، وكان ناس عندهم سيارات يحملون الجنائز فأرعب الناس هذا، أرعبهم، ثماني جنائز يتبع بعضها بعضًا لا شك أنه يُرْعِب، فنهاهم، قال: لا يأتِ أحد بجنازته إلى الجامع إلا أهل الحي، والبقية كل حي يصلي على ميته بمسجده ويخرج به للمقبرة خوفًا من الرعب؛ لأنكم تعلمون ثماني جنائز كم لها من عائلة؟ قد تكون كل جنازة من بيت، ثمانية أبيات وربما يكون بكاء ونحيب لا من المشهد ولا من المصيبة فيمن أصيب بقريب، فكان من حكمته رحمه الله أن مَنَع أن يُؤْتَى بجنازة للجامع إلَّا من كان في حي الجامع.
فالمهم أن الأوبئة -الحمد لله- خفت الآن، ونسأل الله ألا يجعله استدراجًا، وهذا حكم من وقع الطاعون في بلده.
قال: (ومن أخذها الطلق) يعني: (من أخذها) (من) هذه اسم موصول لأنثى ولَّا لذكر نعم؟ طلبة: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2472

الشيخ: لأنثى ما فيها شك، يعني: إذن والتي، (من) هنا بدل (والتي)، والتي أخذها الطلق، يعني: بدأت تُطلَق من أجل الولادة، والطلق مؤلم وصعب، وسببه انتقال الولد من حال إلى أخرى؛ لأن الولد في الرحم وجهه إلى ظهر أمه وظهره إلى بطنها، وإذا أراد الله عز وجل أن يخرج انقلب حتى يكون رأسه الذي يخرج أولًا، هذا الانقلاب ليس بهين، المكان ضيق والرحم كيس من العصب والعروق، لا شك أنه سيكون ألم شديد، ولولا أن الله تعالى أحاط الولد بما أحاط به من المشيمة التي تُسَهِّل انقلابه لكان الأمر صعبًا جدًّا.
على كل حال: المرأة إذا أخذها الطلق ثم أعطت عطية في حال الطلق، هل يكون من رأس مالها ولَّا من الثلث؟ طلبة: من الثلث.
الشيخ: من الثلث؛ لأنها على خطر، فهي حكمها حكم المريض مرضًا مَخوفًا مع أن الأمر -ولله النعمة والفضل- السلامة أكثر بكثير من الهلاك، لكن العلماء يقولون: إن هذا يصح أن يكون سببًا للموت، ولا يُسْتَغرب لو ماتت في طلقها.
(ومن أخذها الطلق لا يلزم تبرعه)، كلمة (لا يلزم) جواب الشرط في قوله: (وإن كان مخوفًا)؛ وعلى هذا فيجوز فيها الرفع ويجوز فيه الجزم (لا يلزمْ) و (لا يلزمُ)؛ لأنه إذا كان فعل الشرط ماضيًا فإنه يجوز رفع المضارع إذا كان جوابًا بخلاف ما إذا كان فعل الشرط مضارعًا فإنه يضعف أن يكون الجواب مرفوعًا، يقول ابن مالك في الألفية: وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ

الجزء: 2 - الصفحة: 2473

(لا يلزم تبرعه لوارث بشيء)؛ يعني: لو تبرع لوارثه بشيء فهذا غير لازم؛ بمعنى أن للورثة أن يعترضوا على هذا؛ لأنه في هذه الحال قد انعقد سبب ميراث الورثة منه فكان لهم حق في المال، فإذا أعطي الوارث فهذا من تعدي حدود الله عز وجل؛ لأن الله تعالى قَسَمَ مال الميت بين الورثة قسمة عدل بلا شك كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (2). ولكن هل يجوز أن يُعْطِيَ الوارث؟ الجواب: لا يجوز؛ ولهذا لم تلزم هذه العطية؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (3). حتى وإن كان هذا الوارث ليس من الأولاد؛ يعني: ولو فرضنا رجل له إخوة وليس له أولاد، ولما أُصِيب بالمرض المَخوف أعطى بعض الإخوة نصف ماله أو ربع ماله فإن هذا لا يجوز، ولا تَلْزَم العطية، ليش؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لأنه وارث، والرجل المعطي الآن في مرض الموت فيُخْشى أنه عَطى هذا الوارث لينال من التركة أكثر من الآخرين.
قال: (ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة) يعني: ولا بما فوق الثلث لأجنبي إلا بإجازة الورثة، فإذا أجاز الورثة فلا بأس، ولا بد أن تكون الإجازة بعد الموت، كما سيأتي.
(ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة) بما فوق الثلث لمَنْ؟ لغير وارث، حتى لو أعطى شخصًا يبني له مسجدًا بزائد على الثلث فإنه لا ينفذ، لو أعطى الفقراء زائدًا على الثلث فإنه لا يَنْفُذ؛ لحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنه استأذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -وكان مريضًا- استأذنه أن يتصدق بثلثي ماله.
كم الثلثان؟ اثنان من ثلاثة، الثلثان اثنان من ثلاثة.
قال: «لَا» قال: فالشَّطر؟ كم الشطر؟ طلبة: واحد من اثنين.
الشيخ: واحد من اثنين.
قال: «لَا».
قال: فالثلث؟ كم الثلث؟ طلبة: واحد من ثلاثة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2474

الشيخ: واحد من ثلاثة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الثُّلُثَ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (4). يعني: لا بأس بالثلث، مع أنه كثير.
ومن فقه ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لو أن الناس غَضُّوا من الثلث إلى الربع.
فإن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم قال: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (5). وهذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون أنزل من الثلث.
إذن نقول لهذا المريض مرض الموت المخوف نقول: لا تَصَدَّق بأكثر من الثلث، هذه واحدة، اثنين لا تصدق لوارث، الوارث لا يمكن أن تُعْطِيَه تحريمًا أو كراهة؟ تحريمًا؛ لأن المال الآن انعقد السبب الذي به ينتقل المال إلى الورثة.
وقوله: (إلا بإجازة الورثة) إجازة الورثة، متى يكونون ورثة؟ بعد الموت، فلو أجازوا فإن إجازتهم لا تُقْبَل، ولا يُعْتَد بها، فلو أن هذا المريض أحضر ورثته، وقال لهم: يا جماعة، هذا الوارث منكم فقير، وأنا أريد أن أَتْبَرع له بشيء من مالي، فقالوا: لا بأس ( ... )، هل يجوز؟ لا يجوز؛ لأن إجازتهم الآن في غير مَحَلِّها، فلا يجوز.
من أين نأخذ أنه لا تجوز إجازتهم ما دام حيًّا؟ من قوله: (الورثة)؛ إذ لا يتحقق أنهم ورثة إلا بعد الموت، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
وقيل: إنه إذا كان مريضًا مرضًا مَخوفًا فإن إجازتهم جائزة؛ لأنه انعقد السبب لكونهم يرثون هذا المال، وهو مرض الموت، وهذا القول أرجح، ولا مانع من اعتباره، فعلى هذا نقول: تصح إجازة الورثة في مرض الموت المخوف؛ لأن سبب إرثهم قد انعقد وهم أحرار.
(إلا بإجازة الورثة لها إن مات منها، وإن عُوفي فكصحيح) إن مات من هذا المرض فلا بد من إجازة الورثة، (وإن عوفي فكصحيح) إذا كان كصحيح فهل يجوز أن يعطي بعض الورثة دون الآخرين؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، على القول الراجح، وهل يجوز أن يتبرع بأكثر من الثلث؟ طلبة: نعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2475

الشيخ: نعم؛ لأن الصحيح يجوز أن يتبرع بجميع ماله؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حثَّ على الصدقة أتى عمر بشطر ماله مسابقًا أبا بكر؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم يتسابقون في الخير، أتى بشطر ماله وقال: اليوم أسبق أبا بكر -الله أكبر- لم يقل هذا حسدًا، ولكن غبطة، وأتى أبو بكر بجميع ماله، فقال: لا أسابقك بعد هذا أبدًا (6). الله أكبر، اعتراف.
فالمهم أنه إذا كان هذا المريض الذي أعطى أكثر من الثلث إذا كان أعطاه في حال المرض ثم عافاه الله فإن عطيته تكون أيش؟ نافذة كعطية الصحيح للوارث ولغير الوارث؛ لأنه زال المحظور.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- قلنا: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي بَلَدٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ» (7) ذكرنا أنه ليس من الحجر الصحي، إنما النهي عن الفرار من قدر الله، فهل يا شيخ يستقل بنفسه أم أن هذا هو ( ... )؟ الشيخ: لا؛ لأنه لو كان الحجر الصحي لقال: لا تخرجوا أبدًا، بل هو من باب النهي عن الفرار من قدر الله، ولكن الحجر الصحي ذكرناه نحن، وقلنا: إذا علمنا أن هذا الرجل إذا خرج وقد أُصِيب به أعدى الآخرين فإننا نمنعه للقواعد العامة ما هو لهذا الحديث.
طالب: أحسن الله إليك على القول بأن الطاعون مرض خاص، هل سائر الأمراض المعدية مثل الطاعون ( ... ). الشيخ: إي نعم، نحن ذكرنا أنه إذا لم يصدق الطاعون على كل مرض فَتَّاكٍ معدٍ فإنه يكون طاعونًا حكمًا.
طالب: أحسن الله إليك، توجيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ... ). الشيخ: نعم، أيش فيه؟ طالب: توجيهه إذا قلنا: إن القدر ( ... ) الشيخ: نعم، الفرق واضح، المجذوم فرد فقط ما يعتبر وباء، لكن الطاعون -أعاذنا الله وإياكم منه- وباء، فبينهما فرق، فهذا الفرار من باب الأمر بالوقاية مما يضر اللي هو «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» (8).

الجزء: 2 - الصفحة: 2476

طالب: أقول بارك الله فيك يا شيخ اتفاق أهل السنة على أن الخلفاء الراشدين هم أفضل الصحابة، فكيف بارك الله فيك نُوَجِّه قول عمر في أبي عبيدة؟ الشيخ: إي نعم، هو يرى أنه من الخلفاء الراشدين؛ يعني: عمر رضي الله عنه رأى أنه لو كان أبو عبيدة حيًّا عامر بن الجراح لجعله خليفة ونصبه هو بنفسه كما نصب أبو بكر عمر بنفسه فيكون من الخلفاء، لكن قدر الله عز وجل على خلاف ذلك.
طالب: بارك الله فيك، لو قال قائل: بالنسبة لإجازة الورثة ومرض مرضًا مخوفًا ( ... ) يبعد أن يرفضوا نظرًا لمرضه.
الشيخ: هذه مسألة أخرى؛ يعني: لو قال قائل: إننا نخشى أن تكون إجازة الورثة في حال الحياة حياء وخجلًا؛ فإذا كنا نخشى هذا فإجازتهم غير معتبرة، أرأيت لو جيت يمي، وأنا عند بيتي عند الباب أبغي أدخل وقلت: تفضل خجلًا منك، يحق لك تدخل ولَّا ما تدخل؟ لا تدخل إلا أن تكون طفيليًّا، هذا ( ... ). طالب: الإسلام والعدالة ( ... ). الشيخ: الإسلام والعدالة لا بد منها إلا إذا وَثِق الإنسان والأشياء ما يترتب عليها مسائل دينية أمرها سهل.
طالب: ( ... ) بالنسبة للإذاعات ( ... ) كثير من المسلمين يصدقون مثلًا وخاصة المغرضين الذين لهم إذاعات يصدقونهم لمجرد نقل الأخبار هذه، فهل نقول لهم: الواجب التثبت من هذه الأخبار؟ الشيخ: والله على كل حال غالبًا الإذاعات الآن غالبها يصدق بعضها بعضًا، الخبر الذي تسمعه في لندن تسمعه في صوت أمريكا أو في مونت كارلو، أو ما أشبه ذلك فيصدق بعضها بعضًا.
طالب: إذا كانوا متواطئين؟ الشيخ: الأصل عدمه.

طالب: عفا الله عنك يا شيخ، مثل الطلاق والنكاح يا شيخ ( ... ) إنسان ويترك البنت ( ... ). الشيخ: عشان طلاقًا ولَّا عشان واضح.
الطالب: أولًا ( ... ). الشيخ: يعني لما -مثلًا- شاف نفسه بيموت طلق زوجته.
طالب: فهل المرض مخوف؟ الشيخ: إي نعم مرضًا مخوف، طلق زوجته طيب، هل الطلاق بائن ولا رجعي؟ طالب: ( ... ).

الجزء: 2 - الصفحة: 2477

الشيخ: طيب، إذا كان رجعيًّا فلا بأس تطلق المرأة، وإذا تمت عدتها قبل أن يموت فإنها لا تحتد، إذا كان بائنًا فالمرأة تطلق وترث ولو بعد انقضاء عدتها؛ لأنه في البائن متهم، وفي الرجعية غير متهم، في النكاح كيف هذا؟ صوره لنا.
طالب: إذا كان من ( ... ) شخصًا ( ... )، وعلم الناس أن الورثة ما يوافقون عليها ( ... ). الشيخ: لكن المريض مرضًا مخوفًا، ويش يبغي بالنكاح؟ يبغي يتزوج .. طالب: ( ... ) الدين في الخصوص ويرغب أن ابنته تصير عند واحد صاحب دين ( ... ). الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟ إنسان مريض مرضًا مخوفًا أولًا غالبًا أن هذا ما يطلب النكاح.
طلبة: ( ... ). الشيخ: إي.
طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... ) يلحقها عنده عشان صاحب دين.
الشيخ: زين، وصاحب الدين مريض؟ طالب: لا، ما هو مريض.
الشيخ: الأب هو المريض، طيب ما فيه مشكلة، البنت ما هي تورث.
طالب: نعم.
الشيخ: البنت لا تورث.
طالب: إذا كانت ( ... ) يصح ولا ما يصح؟ الشيخ: يصح، ما فيه إشكال.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الهبة والعطية في فصل تصرفات المريض: ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله، والعكس بالعكس، ويعتبر الثلث عند موته ويُسَوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبدأ بالأول فالأول في العطية ولا يملك الرجوع فيها، ويعتبر القبول لها عند وجودها ويثبت الملك إذن، والوصية بخلاف ذلك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، مما سبق لنا تَبَيَّن أن المرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
طالب: مخوف وغير مخوف وممتد.
الشيخ: طيب، مخوف وغير مخوف وممتد.
تصرفات المريض مرضًا مخوفًا؟ طالب: تكون من الثلث.
الشيخ: تكون من الثلث فأقل، زد شرطًا.
طالب: تكون من الثلث ولا تكون لوارث.
الشيخ: نعم، من الثلث فأقل لغير وارث.
تصرفات مَنْ مرضه ممتد؟ طالب: في الثلث أيضًا.
الشيخ: في الثلث؟ خطأ، لا تعرف؟ طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2478

طالب: إن لم يقطعه في الفراش فمن كل ماله، وإن قطعه في الفراش فمن الثلث فأقل.
الشيخ: طيب، وأيش معنى (قطعه) و (لم يقطعه)؟ طالب: (قطعه في الفراش) يعني: لا يخرج إلى الناس.
الشيخ: يعني: إن لزم الفراش فكالمخوف، وإن لم يلزم المخوف فكغير المخوف.
رجل تصرف في ماله في أول السل؛ أصيب بالسل وهو في أوله الآن، هل يُعْتَبر مخوفًا أو غير مخوف؟ طالب: ( ... ). الشيخ: غير مخوف، ما هو الذي أوله مخوف والذي آخره غير مخوف؟ والذي أوله مخوف وآخره غير مخوف؟ طالب: اللي أوله غير مخوف وآخره مخوف السل.
الشيخ: نعم.
والذي أوله مخوف وآخره غير مخوف؟ طالب: الفالج.
الشيخ: الفالج، نعم، بارك الله فيك.
يقول: هذا الذي أمراضه مخوفة لا يلزم تبرعه لوارث بشيء؛ يعني: لو تبرع لوارث بأي شيء فإنه غير لازم.
وعُلِمَ من قوله: (لا يلزم تبرعه لوارث) أنه لو أنفق على وارث في هذا المرض المخوف فإنه جائز وليس حرامًا؛ لأن النفقة ليست من باب التبرع، ولكنها من باب القيام بالواجب كالزكاة.
لو أقرَّ لوارث في مرض المخوف فهذا يُنْظَر إن وجدت قرائن تدل على صدقه عملنا بإقراره، وإن لم توجد فإقراره كتبرعه يعني: لا يصح ولا يقبل؛ لأنه ربما يكون بعض الناس -والعياذ بالله- لا يخاف الله ففي مرضه المخوف يقر لبعض الورثة بشيء، يقول: هذا في ذمتي لفلان كذا وكذا، وليس كذلك.
فإذا علمنا أن هذا الرجل عنده من الإيمان بالله عز وجل والخوف منه، ووجدت قرينة أخرى تدل على أنه كان فقيرًا وأن الوارث كان غنيًّا فحينئذ أيش؟ نقبل إقراره.
فالأصل عدم قبول إقراره، وإذا وجدت قرينة تدل على صدقه فإننا لا يمكن أن نحرم صاحب الدين من دينه وتبقى ذمة الميت متعلقة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2479

قال: (ولا بما فوق الثلث) لمن؟ قال: (لوارث) في الأول، ولا بما فوق الثلث؛ يعني: لغير وارث، فهو لا يلزم تبرعه لوارث ولا بقليل، أما غير الوارث فحَدُّه الثلث؛ الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبي وقاص: «الثُّلُثَ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (4)؛ لأن سعدًا رضي الله عنه يريد أن يتصدق فطلب الثلثين، ثم النصف، ثم الثلث، وأقرَّه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الثلث.
(إلا بإجازة الورثة لها) أي: للعطية، فإذا أجاز الورثة ما زاد على الثلث لغير الوارث أو أجاز الورثة للوارث نفذت، وحيئذ تكون هذه العطية تكون مراعاة موقوفة على أيش؟ على إجازة الورثة.
وقوله: (إجازة الورثة) لم يبين المؤلف رحمه الله أيَّ الورثة تعتبر إجازتهم لكن نعلم من الشروط في الأبواب الأخرى أنه لا بد أن يكون الوارث ممن يصح تبرعه؛ فإن كان الوارث لا يصح تبرعه كالمحجور عليه لفَلَس أو سفه فإن إجازته غير معتبرة، لا بد أن يكون هذا الوارث الذي أجاز أو لم يُجِزْ ممن يصح تبرعه إلا بإجازة الورثة.
(إن مات منه) من هذا المرض الذي تبرع فيه للوارث أو بما زاد على الثلث لغير الوارث فإنه يتوقف على إجازة الورثة، وإن لم يمت يقول: (فإن عوفي فكصحيح) طيب إذا كان كصحيح فما حكم هذا التبرع؟ لغير الوارث لا إشكال فيه، جائز، وللوارث إن قلنا: إنه يجب التعديل بين الورثة في العطية -كما هو المذهب- فلا بد من التعديل، وإن قلنا: لا يجب التعديل إلا بين الأولاد -كما هو الصحيح- فإن كان الوارث من غير الأولاد فإنه لا يجب التعديل.

الجزء: 2 - الصفحة: 2480

ثم قال: (ومن امتدَّ مرضُه بجذام أو سل أو فالج ولم يقطعه في الفراش فمن كل ماله والعكس بالعكس) طيب (مَنِ امتددَّ مرضه) يعني: من كان مرضه مستمرًّا بجذام، هذا مثال، الجذام: جروح وقروح -والعياذ بالله- إذا أصابت الإنسان سرت في جميع بدنه وقضت عليه، فهو مرض يسري في البدن، وله أسماء أظنها معروفة عند العوام اسمها (غرغرينة) وما أشبهها، هذا جذام -والعياذ بالله- ويجب على ولي الأمر أن يعزل الجزماء عن الأصحاء؛ يعني: حجر صحي لازم، ولا يُعَدُّ هذا ظلمًا له، بل هذا يُعَدُّ من باب اتقاء شره؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «فِرَّ مِنَ الْمجذوم فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» (9). وهنا نسأل: هذا الحديث ألا يعارض قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» (10)؟ طالب: لا.
الشيخ: ظاهره التعارض، كيف لا؟ لأنه إذا انتفت العدوى فما يضرنا أن يكون المجذوم بيننا؟ ففي ظاهره التعارض لا شك في هذا، لكن العلماء رحمهم الله أجابوا بأن العدوى التي نفاها رسول الله عليه الصلاة والسلام إنما هي العدوى التي يعتقدها أهل الجاهلية وأنها تعدي ولا بد؛ ولهذا لما قال الأعرابي: يا رسول الله، كيف يقول: لا عدوى، والإبل في الرمل كأنها الظباء؟ يعني: ما فيها أي شيء، يأتيها الجمل الأجرب، فتُجْرَب، فقال النبي صلى الله عليه وعليه وسلم: «مَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ » (11) ويش الجواب؟ الله، الذي جعل فيها جربًا هو الله، إذن فالعدوى التي انتقلت من الأجرب إلى الصحيحات كان بأمر الله عز وجل، كلُّه بأمر الله تبارك وتعالى.

الجزء: 2 - الصفحة: 2481

وأما قوله: «فِرَّ مِنَ الْمجذوم» فهذا أمر بالبعد عن أسباب؛ العطب لأن الشريعة الإسلامية تمنع أن يُلْقِي الإنسان بنفسه إلى التهلكة؛ ولهذا إذا قَوِيَ التوكل فلا بأس بمخالطة الأجذم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ذات يوم بيد مجذوم، وقال له: «كُلْ بِاسْمِ اللَّهِ» (12) فشاركه في أكله، لماذا؟ لقوة توكله صلى الله عليه وسلم على الله، وأن هذا الجذام مهما كانت العدوى إذا منعه الله عز وجل لا يمكن أن يتعدى.
إذن الجذام من الأمراض الممتدة -أعاذنا الله وإياكم منه- لأنه يصيب الإنسان ويسري فيه شيئًا فشيئًا حتى يقضي عليه.
الثاني: السل معروف، السل يقولون: إنها قروح تكون في الرئة فتجلط وتخف تمنع عن الحركة؛ لأنها دائمة الحركة، فإذ أصاب الإنسان -نسأل الله العافية- خرق هذه الرئة وقضى عليها، ولكن -الحمد لله- الآن الطب بتعليم الله عز وجل للبشر تقدَّم وصار يمكن أن يُقْضَى على السل لا سيما في أوله.
(أو فالج) الفالج يعني أيش؟ عندنا الخدورة الآن يصيب الإنسان فالج في أحد جنبيه، أو في رأسه أو في ظهره، المهم أن هذا الفالج أول ما يصيب الإنسان خطر، لكن إذا امتد صار أهون خطرًا.
قال: (ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله والعكس بالعكس)، وجه ذلك أنه إذا قطعه في الفراش صار مخوفًا، وصار المريض يشعر بقرب أجله فصار يتصرف بماله بالتبرع لفلان أو لفلان أما إذا لم تقطعه بالفراش، فالمريض -وإن كان المريض يعرف أن هذا مآله الموت- لكنه يستبطئ الموت، وكل إنسان مآله الموت حتى ولو كان صحيحًا، لكن إذا كان المرض لم يلزمه الفراش فإنه يرجو الصحة من وجه وأيضًا لا يتوقع وقوع الموت عن أيش؟ عن قرب، فيعتقد أن في الأجل فسحة، فتصرف هذا الذي لم يقطعه هذا المرض بالفراش من كل ماله؛ يعني: ولكل أحد، إلا الأولاد فإنه يجب التعديل في عطيتهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2482

قال: (والعكس بالعكس) ما هو العكس؟ أيش؟ مَنْ قَطَعَه بفراش فليس تصرُّفه مِنْ كلِّ ماله، ولكن من الثلث، ثم متى يُعْتَبر الثلث؟ يقول المؤلف: يُعْتَبر عند موته؛ وعلى هذا فالعطية يجب ألا يتصرف فيها المُعْطَى، العطية في مرض الموت لا يتصرف فيها المُعْطَى إلا بتأمين الورثة، ليش؟ لأن المعتبر أيش؟ الثلث عند الموت، ولا ندري ربما يتلف مال هذا المريض كلُّه ولا يبقى إلا هذه العطية.
فنقول: إذا كان يُعْتَبر عند الموت فإن هذا المُعْطَى لا يتصرف إلا أيش؟ بتأمين وتوثيق للورثة.
فإن قال قائل: لماذا لا تُجِيزُون له أن يتصرف بثلثها؟ لأننا لو قَدَّرنا أن الميت مات وليس عنده إلا هذه العطية؛ أخذه المعطى؛ الثلث.
نقول: فيه احتمال آخر أن يموت هذا الميت وعليه دين، وإذا مات وعليه دين فإنه لا حظَّ للمُعْطى، المهم هل يُعْتَبر الثلث وقت الإعطاء أو عند الموت؟ نقول: عند الموت؛ لأنه هو وقت استحقاق الورثة.
إذا أعطيناه فهل يملك التصرف المطلق في هذه العطية؟ الجواب: لا، لا بد أن يكون هناك توثيق للورثة يطمئنون به لئلا يضيع حقهم.
قال: (ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية) بدأ المؤلف ببيان الفروق بين العطية والوصية، ويجب أن نعلم ما الفرق بين العطية والوصية قبل كل شيء؛ الوصية إيصاء بالمال بعد الموت بأن يقول: إذا مت فأعطوا فلانًا كذا، والعطية تبرع بالمال في الحال في مرض الموت.
هذا هو الفرق بينهما.
من المعلوم أنهما يشتركان بأنه لا يجوز أن يوصي لوارث ولا لغير وارث بما فوق الثلث، ولا يجوز أن يعطي وارثًا ولا غير وارث بما فوق الثلث، يستويان في هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 2483

ويستويان أيضًا بأنهما أدنى أجرًا وثوابًا من العطية في الصحة؛ لأن المراتب الآن: عطية في الصحة، عطية في مرض الموت، وصية.
مراتب؛ أفضلها العطية في الصحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ» أو قال: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمَلُ الْبَقَاءَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» (13) يلي ذلك العطية، يلي ذلك الوصية، الوصية متأخرة.
فإن قال إنسان: لماذا تجعلون العطية وهي في مرض الموت أفضل من الوصية؟ لأن المعطي يأمل أن يُشْفَى من هذا المرض، والوصية ما تكون إلا بعد الموت، فلذلك كانت العطايا صدقات كانت أو غير صدقات على النحو التالي أفضلها؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: في الصحة.
الشيخ: في الصحة، ثم؟ طلبة: في المرض.
الشيخ: في المرض المخوف، ثم؟ طلبة: في الوصية.
الشيخ: في الوصية، أما المرض غير المخوف فهذا حكمُه حكم الصحة؛ لأن الرجل لا يتوقع الهلاك.
يقول المؤلف: (يساوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، وفي العطية يُبْدَأ بالأول فالأول) إي نعم، مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا عشرة آلاف عطيةً، ثم أعطى الآخر عشرة آلاف، ثم صار ثُلُثَه عشرة آلاف فقط، من يستحقها؟ طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، ألا نقسمها بينهم بنصفين؟ ألا نقرع؟ لا؛ وذلك لأن الأول لما أُعْطِي ملك العطية ودخلت في ملكه، فتأتي عطية الثاني زائدة على الثلث فلا تُنَفَّذ إلا بإجازة الورثة المرشدين.
في الوصية؛ أوصى لشخص بعشرة آلاف، وبعد مدة أوصى لآخر بعشرة آلاف، ثم مات، وصار الثلث عشرة آلاف فقط؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: يقسم بينهما، ليش ما نعطي اللي أوصى له أولًا؟ لأن الوصية إنما تثبت حين الموت، وهما في هذه الحال سواء، فصار سبب ثبوت الملك لهما، أيش؟ متفقًا في الزمن، فاستويا فيما يملكان.

الجزء: 2 - الصفحة: 2484

طالب: ( ... ) التفريق في العطية والوصية، وقلنا: إن التبرعات ثلاثة: صدقة، هبة، عطية.
الصدقة ما ذكرناها.
الشيخ: لا، أصل العطية تشمل الصدقة؛ العطية في مرض الموت تشمل الصدقة أو الهبة التي يُقْصَد بها مجرد انتفاعه ( ... ). الطالب: الأفضل -يا شيخ- أن الصدقة والهبة قبل .. الشيخ: الصدقة؛ لأنه حسب النية؛ لأن المتصدق يقصد بذلك ثواب الآخرة، والمعطي قد يَقْصِد بذلك نفع المُعْطَى بقطع النظر عن ثواب الآخرة، إنما كلامه في العطية يشمل الصدقة والهدية والهبة.
طالب: ويش الفرق بين العطية حال مرض الموت المخوف والوصية؟ الشيخ: الفرق: الوصية تكون بعد الموت، وبيذكر الفروق، أربعة فروق إن شاء الله تعالى، وفيها زيادة أيضًا.
طالب: رضي الله عنك يا شيخ ( ... ) مرض مخوف ( ... )؟ الشيخ: ( ... ) لا، ما هو ( ... ). طالب: ( ... ). الشيخ: لا، المشهور إذا كان فالجًا فممتد، ومقطوع الرجلين ما هو مريض.
طالب: الشلل ( ... ) سنوات.
الشيخ: الشلل هو هذا، هو يُعْتَبر من الفالج، أما الشيء المعتاد ما يعتبر مرضًا، بعض الناس إذا كبر ما عاد يقدر يمشي نعم.
طالب: ( ... ). الشيخ: بارك يا شيخ في مَنْ؟ ما سمعنا، هذا مثل بعض الناس: جزاك الله.
لازم يقيد، نعم.
طالب: (يُبْدَأ بالأول فالأول في العطية) ذكرنا مثالًا أنه أعطى واحدًا عشرة آلاف، ثم أعطى الثاني عشرة آلاف، وثلث ماله عشرة آلاف، فيعطى الأول ويحرم الثاني.
هذا الكلام في المريض؟ الشيخ: إي، المريض مرضًا مخوفًا.
طالب: لماذا حرمنا الثاني؟ الشيخ: لأنه زائد على الثلث، الثلث لم يكن إلا عشرة، وهو أعطى الأول عشرة وأعطى الثاني عشرة.


طالب: قال رحمه الله تعالى: ويُسَوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبْدَأ بالأول فالأول في العطية ولا يملك الرجوع فيها، ويُعتبر القبول لها عند وجودها ويثبت الملك إذن، والوصية بخلاف ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 2485

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين.
نريد أن يمثل لنا أحمد الخير رجلين أحدهما أوصى والثاني أعطى.
طالب: ( ... ). الشيخ: أوصى بماله والثاني أعطى ماله.
طالب: ( ... ). الشيخ: مثاله: رجل .. طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، رجل قال: إذا مت فأعطوا فلانًا سيارة، طيب الثاني؟ طالب: ( ... ). الشيخ: وهو مريض مرض الموت المخوف، طيب، أنا أريد العطية الخاصة لا بالمعنى العام، أكثر الأحكام تتفق العطية والوصية في أكثر الأحكام، لكنهما يفترقان في أشياء يقول المؤلف رحمه الله في ذلك: ويُسَوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبْدَأ بالأول فالأول في العطية؛ يعني: إذا ضاق الثلث عن تنفيذ العطايا أو تنفيذ الوصايا فإنه في العطية يُبْدَأ بالأول فالأول، وفي الوصية يتساوى الجميع مثال ذلك رجل أعطى شخصًا ألف ريال وأعطى آخر ألفين ريال وأعطى ثالثًا ثلاثة آلاف ريال، ثم تُوِفِّي ووجدنا تركته تسعة آلاف ريال، كم الذي أعطى الآن؟ واحد واثنين: ثلاثة وثلاثة: ستة، ووجدنا التركة تسعة آلاف ريال، من المعلوم أن العطايا هذه زادت على الثلث، فماذا نصنع؟ نقول: نعطي الأول فالأول، الأول نقول: ألف ريال لك، صح؟ والثاني: الألفين له، كم هذه؟ ثلاثة آلاف، والثالث لا شيء له؛ لأن التركة تسعة آلاف ثلثُها ثلاثة والثلاثة استوعبتها عطية الأول والثاني، فلا يكون للثالث شيء، واضح؟ وجه ذلك أن العطية تَلْزَم بالقبض، ويملكها المعطى بالقبض؛ فإذا أعطينا الأول ألفًا وأعطينا الثاني ألفين استقرَّ ملكُهما على ما أُعْطِياه، يأتي الثالث زائدًا على الثلث فلا يُعطى.
الوصية؛ أوصى رجل لشخص بألف ريال، ولآخر بألفي ريال، ولثالث بثلاثة آلاف ريال، ثم مات ووجدنا تركته تسعة آلاف ريال، فهنا الوصايا؟ طلبة: مستوية.

الجزء: 2 - الصفحة: 2486

الشيخ: لا، مقدارها زادت على الثلث، الثلث ثلاثة، والوصايا تبلغ ستة، إذن لا بد أن نرد الوصايا إلى الثلث، فهل نُقَدِّم الأول والثاني كما فعلنا في العطية؟ لا، بل نُسَوِّي، ونقول: الآن لهم ستة ولا يستحقون إلَّا ثلاثة، انسب الثلاثة إلى الستة، كم تكون؟ طلبة: النصف.
الشيخ: تكون نصفها؛ يُعْطى كل واحد نصفَ ما أوصي له به؛ لأن نسبة الثلث إلى مجموع الوصايا النصفُ؛ فلكل واحد منهم نصفُ ما أُوصي له به، كم نُعْطي صاحب الألف؟ خمس مئة.
صاحب الألفين؟ ألفًا، صاحب الثلاثة؟ ألفًا وخمس مئة، كم الجميع؟ ثلاثة آلاف هذه هي الثلث، واضح؟ وجه ذلك أن هؤلاء الموصى لهم إنما يملكون الوصية بعد موت الموصي، وموت الموصي يقع مرة واحدة ما فيه تقديم وتأخير، فهم ملكوا المال الموصى لهم به في آن واحد وهو وقت موت الموصي، هذا وجه الفرق.
لو قال قائل: لماذا لا تقولون: إن الوصية الثانية تَنْسَخ الأولى، والثالثة تنسخ الثانية، وحينئذ يُحْرَم الأول والثاني من الوصية ويعطى الثالث ما أُوصي له به وهو ثلاثة آلاف؟ نقول: هذا لا يصح؛ لأن الجميع تزاحموا في الاستحقاق فلا نُقَدِّم بعضهم بعضهم على بعض، نعم إن قال الموصي: ووصيتي الثالث ناسخة لما سبق من الوصايا.
فحينئذ يُعْمَل بها؛ لأن الموصي يجوز أن يرجع في وصيته، أفهمتم؟ رجل أوصى بداره أن تكون وقفًا على الفقراء، ثم أوصى بالدار الأخرى أن تكون وقفًا على طلبة العلم، ثم أوصى بالثالثة أن تكون وقفًا على شؤون المساجد، وبعد موته تبين أن هذه الوصايا تزيد على الثلث فهل نبدأ بالأخيرة ونقول: هي ناسخة أو بالأُولى ونقول: هي سابقة، أو في الجميع؟ الثالث: في الجميع.

الجزء: 2 - الصفحة: 2487

ولهذا يقع مشكلة الآن في وصايا الناس؛ تجد الرجل يوصي بوصية وتكون عنده في الدفتر وينساها، ثم يوصي وصية أخرى لو جُمِعَت إلى الأولى لضاق الثلث، وإن عَمِلْتَ بإحداهما نفدت، كذلك تختلف الشروط التي اشترطها فيها؛ مثلًا هذه يقول: الفقراء، وهذه يقول: على طلبة العلم، وهذه يقول: على المساجد، وهذه يقول: على إصلاح الطرق فيُشْكِل على الورثة.
ومن ثَمَّ نقول: أنتم طلاب علم وربما تصلون إلى القضاء، أرشدوا الناس على أنهم إذا أَوْصَوْا وصية يقول: وهذه الوصية ناسخة لما سبق، يُؤْخَذ بقوله هذا أو لا يؤخذ؟ يؤخذ؛ ليش؟ بأي شيء يؤخذ؟ لأن الرجوع في الوصية جائز، فكلما كتب الإنسان وصية ينبغي أن ينتبه إلى هذا، ويقول: هذه الوصية ناسخة لما سبق حتى لا يوقع الموصى لهم والورثة في حيرة فيما بعد، يستريح ويريح إذا قال: هذه الوصية ناسخة لما سبقها، نبهوا على هذا، وانتبهوا له؛ لأن الأمر فيما يُعْرَض علينا، وإن كان لا يُعْرَض من هذه الأمور إلا الشيء اليسير، لكن يجد الإنسان حرجًا، تجدهم يعثرون على وصية لها أربعون سنة مثلًا كتبها ونسيها، ثم أوصى ولم يُشِرْ إلى الأولى؛ لأنه ناس، فنقول: كلما كَتَبْتَ وصيةً اكتب: هذه الوصية ناسخة لما سبقها.
قال: (ولا يملك الرجوع فيها) أي: في العطية، العطية لا يملك الرجوع فيها؛ لأنها لزمت، أعطى هذا الرجل ألف ريال وقبض الألف ريال وانتهى، من صار ملك الألف له؟ المعطى لا يمكن أن يرجع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (14).

الجزء: 2 - الصفحة: 2488

والوصية يملك الرجوع فيها؛ فلو أوصى ببيته لفلان؛ قال: هذا البيت بعد موتي يُعْطى فلانًا ملكًا له، ثم رجع، يجوز ولَّا لا يجوز؟ يجوز؛ لأن الوصية لا تلزم إلا بعد الموت فله أن يرجع، هذا فرق ثان؛ العطية اللازمة وهي المقبوضة لا يملك الرجوع فيها، والوصية ولو قبضها الموصى له فإن الموصي يملك الرجوع فيها؛ لأنها -أي الوصية- لا تلزم إلا بعد موته، هذان فرقان.
(ويُعتبر القبول لها عند وجودها) (يُعْتبر القبول لها) أي: للعطية عند وجودها؛ لأنها هبة فيُعْتَبر أن يقبل المعطى العطية عند وجودها قبل موت المعطي ولَّا بعده؟ قبله، أعطاه العطية يقبل في الحال، والوصية متى؟ لا يصح قبولها إلا بعد الموت، حتى لو قال الموصى له -قال: إني أوصيت لك بهذا البيت بعد موتي ملكًا لك- قال: قَبِلْتُ وشكر الله سعيك وجزاك الله خيرًا، وإلى كاتب العدل نكتب.
فذهبا لكاتبٍ عدل بأن أوصيت ببيتي لفلان بعد موتي.
له أن يرجع ولَّا ما يرجع؟ طلبة: يرجع.
الشيخ: يا جماعة، الرجل راح إلى كاتب العدل وكتبه، نعم؛ لأنها وصية.
هل يثبت الملك للموصى له من حين تم عقد الوصية؟ لا، الملك للموصي بخلاف العطية، فإنه يثبت الملك فيها حين وجودها وقبولها؛ ولهذا قال: (ويثبت الملك إذن) عند وجودها وقبولها، والوصية بخلاف ذلك، أن يثبت الملك؛ هذا الفرق الرابع؛ يثبت الملك بها عند وجودها، هذه أربعة فروق.
رأيتوني كتبت سابقًا فروقًا الأخرى، إذا تحبون أمليها عليكم أمليها وإلَّا تركناها، نمليها؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: تكثُر عليكم، وأمتحنكم فيها الدرس القادم.
أنا كتبتها سابقًا وأرجو أن تكون هي مفيدة إن شاء الله.
طيب، الفرق الخامس: اشتراط التنجيز في العطية، وهذا ربما يُؤْخَذ من قوله: (ويعتبر القبول لها عند وجودها)، وأما الوصية فلا تَصِحُّ مُنَجَّزة، الوصية ما تكون إلا بعد الموت فهي مؤجلة على كل حال.
الوصية تصح من المحجور عليه .. طالب: السادس؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2489

الشيخ: إي، هو السادس، الوصية تصح من المحجور عليه ولا تَصِحُّ العطية؛ رجل عليه ديون أكثر من ماله؛ الديون اللي عليه عشرة آلاف ريال وماله ثمانية آلاف ريال، وحُجِرَ عليه، هل يمكن أن يعطي أحدًا من هذه الثمانية؟ لا؛ لأنه محجور عليه، لكن لو أوصى بعد موته بألفين ريال يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، ما الفرق؟ الفرق أن الوصية لا تُنَفَّذ إلا بعد قضاء الدين؟ وهل على أهل الدين ضرر إذا أوصى بشيء من ماله؟ الجواب: لا ليس عليهم ضرر؛ لأنه إذا مات الميت نبدأ أولًا بتجهيزه، ثم بالديون التي عليه، ثم بعد ذلك بالوصية، فهو لا ضرر عليه؛ إذن الوصية تَصِحُّ من المحجور عليه، والعطية لا تصح؛ والفرق أن العطية فيها إضرار بالغرماء، والوصية ليس فيها إضرار؛ لأنها لن تُنَفَّذ إلا بعد قضاء الدين.
وهل تصح من المحجور عليه لسفه؟ قال بعض أهل العلم: نعم تصح؛ المحجور عليه لسفه هو الذي لا يُحْسِن التصرف، أما المجنون فلا تصح منه؛ لأنه لا قَصْدَ له ولا يعرف لكن إذا كان بالغًا عاقلًا لكن لا يحسن التصرف، يبذِّر المال إذا أُعْطِيَ مالًا على طول اشترى به مفرقعات، اشترى به مُلهِيَات، هذا سفيه يُحْجَر عليه أو لا يُحجَر؟ يحجر عليه لسفهه، فهل تصح الوصية منه؟ يرى بعض العلماء أن الوصية منه تَصِحُّ؛ لأنه إنما حُجِرَ عليه لسفهه لمصلحته، والآن تُوُفِّيَ الرجل، ومن مصلحته أن نُنَفِّذ وصيته، لكن في القلب من هذا شيء؛ لأنه سفيه لا يدري ما الوصية، ولا العطية، ولا يدري شيئًا؛ إذن المحجور عليه لفلس، عندكم الجواب؟ طلبة: تصح.

الجزء: 2 - الصفحة: 2490

الشيخ: تصح الوصية منه دون العطية؛ المحجور عليه لسفه إما أن يكون صغيرًا، إما أن يكون مجنونًا، إما أن يكون سفيهًا لا يُحْسِن التصرف، لكنه بالغ عاقل، أما الأول والثاني فلا تَصِحُّ وصيته ولا عطيته، وأما الثالث ففيها قولان؛ قال بعض أهل العلم: تصح؛ لأنه إنما حُجِر عليه لمصلحة نفسه، وبعد موته لا يضره ما ذهب من ماله إلى ثواب الآخرة مثلًا، لكن في النفس من هذا شيء لأن السفيه على اسمه لا يُحْسِن التصرف، فأنا أتوقف في هذا.
طيب، الوصية تَصِحُّ بالمعجوز عنه، والعطية لا تصح؛ يعني: لو أعطى شيئًا معجوزًا عنه؛ كجمل شارد، وعبد آبق، وما أشبه ذلك؛ فإنها لا تصح العطية على المشهور من المذهب، والقول الراجح أنها تصح؛ لأن المعطى إما أن يَغْنَم وإما أن يسلم ما فيه مراهنة، لكن على المذهب لا تَصِحُّ العطية بالمعجوز عنه وتصح الوصية، والصحيح في هذا أن كِلْتَيْهِما تصح بالمعجوز عنه.
الوصية لها شيء معين ينبغي أن يوصي فيه والعطية لا؛ الشيء المعين الذي ينبغي أن يوصي فيه هو الخمس، يعني: الإنسان إذا أراد أن يوصي بتبرع فليوص بالخمس، لدينا خُمُس وربع وثلث ونصف وأجزاء أخرى، لكن هذه أتكلم عليها؛ الوصية بالنصف حرام، الوصية بالثلث جائزة، الوصية بالربع جائزة ولكنها أحسن من الثلث، الوصية بالخمس أفضل منهما من الثلث والربع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين أستأذنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في أن يوصي بأكثر من الثلث، قال: «الثُّلُثَ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (4)، وكلام نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» يُوحي بأن الأولى أيش؟ النقص عنه.
ابن عباس رضي الله عنهما مع ما أعطاه الله من الفَهْمِ يقول: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (5) يعني: لكان أحسن.

الجزء: 2 - الصفحة: 2491

أبو بكر رضي الله عنه سلك مسلكًا آخر واستنبط استنباطًا آخر؛ فَهْمًا عميقًا قال: أرضى ما رضيه الله لنفسه ورسوله؛ أُوصِي بالخمس (15)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [الأنفال: 41] إلى آخره، ولذلك اعتمد الفقهاء رحمهم الله أن الجزء الذي ينبغي أن يُوصِيَ به هو الخمس، واضح؟ هذه أيضا نقطة أحب منكم -طلبةَ العلم- أن تنبهوا الناس عليها، الآن الوصايا كلها إلا ما شاء الله بأيش؟ بالثلث، أوصيتُ بثلثي، أوصى بثلثه، سبحان الله! الرسول عليه الصلاة والسلام ماكسه سعد من الثلثين إلى النصف إلى الثلث فقال: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ».
لماذا لا نرشد العامة لا سيما إذا كان ورثتهم فقراء أن يوصوا بالربع فأقل؟ لكن هذا قليل مع الأسف، الكتاب يُرضون مَنْ حضر، ويش تبغي أن توصي؟ قال: أبغي الثلث.
ما يقول: يا رجل، الربعَ أو الخُمُسَ.
وهذا غلط أنا أرى أنه إذا طُلِبَ من إنسان أن يكتب وصية بالثلث أن يقول: يا أخي، تريد الأفضل؟ قال: نعم.
الخُمُسَ.
قال: لا، بدي أكثر.
ننقل إلى الربع، يقول له: يا أخي، هذا هو الأفضل، أنت لو أردْتَ التقرب إلى الله حقًّا لتصدقتَ وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء وتخشى الفقر، أما الآن إذا فارقت المال تذهب تحرمه مَنْ جعله الله له، ما يصير هذا.
على كل حال الوصية لها جزء معين ينبغي أن تكون به، والعطية لا، لا نقول: يا فلان، يُسَنُّ أن تُعْطي الخمس أو الربع.
يقولون -الفقهاء-: الوصية تصح للحمل والعطية لا تصح؛ ووجه ذلك أن الحمل لا يَمْلِك؛ فإذا أعطيته لم يملك، ولا يصلح أن يتملك له والده؛ لأنه -أي: الحمل- لم يكن أهلًا للتملك وعرفتم أن العطية لا يكون التملك فيها من حينه ناجزًا، والوصية لا بأس بها.
طيب رجل عنده عبد مُدَبَّر، العبد المُدَبَّر هو الذي علَّق سيده عِتْقَه بموته؛ أي موت سيده ولَّا موت العبد؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2492

طلبة: سيده.
الشيخ: لا، لعله موت العبد! ليش؟ إذا مات العبد ما فيه عِتْق ولا رق.
طيب، قال له: إذا متُّ فأنت حر.
هذا مُدَبَّر؛ لأن عتقه يكون دبر حياة سيده.
يصح أن يوصي لعبده ولا يصح أن يعطي عبده؛ بناء على أن العبد لا يملك بالتمليك، والعطية لا بد أن أيش؟ يتملكها في حينها، لكن الوصية تُصادِف العبد وقد عَتَق، وإذا عتق صحَّ أن يتملك.
طيب، هذه كم فرقًا؟ ستة؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لا بالبسط كذا، وبالاختصار كذا! عندكم بسط واختصار؟ أنا عندي هذا هو الفرق السادس.
طلبة: ( ... ). الشيخ: نعم، كيف؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: إن العبد المُدَبَّر يصح أن يُوصى له ولا تصح له العطية، هذا السادس.
السابع: العطية خاصة بالمال، والوصية بالمال والحقوق؛ ولذلك يَصِحُّ أن يوصيَ شخصًا يكون ناظرًا على وقفه، ويصح على قول ضعيف أن يوصي شخصًا بتزويج بناته، ولكن العطية خاصة بماذا؟ بالمال، هذا ما تيسر لنا، وقد يكون عند التأمل هناك فروق أخرى، لكن هذا ما تيسر.
وذكرنا لكم أن يوصي الإنسان بتزويج بناته، هذا هو المذهب، والصحيح أنه لا تصح وصيته في تزويج بناته؛ لأنه ولي على بناته ما دام حيًّا، وترتيب الولاية ليست إلى الوليِّ، بل هي إلى وَلِيِّ الولي من هو؟ الله عز وجل.
ترتيب ولاية النكاح ما هي للولي، للشرع؛ وعلى هذا فإذا مات الإنسان انقطعت ولايته في تزويج بناته كما تنقطع ولاية بقية الأولياء.
الصواب أنه لو قال شخص عند موته: أوصيت إلى فلان أن يتولى تزويج بناتي، ثم مات ولهنَّ عمٌّ، من يُزَوِّجُهن؟ القول الراجح: العم، والقول الثاني: الوصي.

الجزء: 2 - الصفحة: 2493

هذه الفروق بين العطية والوصية، وليُعْلَم أن من أسباب تحصيل العلم هو أن يعرف الإنسان الفروق بين المسائل المشتبهة، وقد ألَّف بعض العلماء في هذا كتبًا؛ مثلًا الفروق بين البيع والإجارة، بين الإجارة والجعالة، بين العطية والوصية، كل المسائل المشتبه يعني: من أسباب اتساع نظر الإنسان وتَعَمُّقِه بالعلم أن يحرص على تَتَبُّع الفروق ويقيدها.

طالب: بارك الله فيك، بعض الكتب التي تكلمت في الفروق ( ... ). الشيخ: واللهِ أنا ما أستحضر شيئًا لكن هي معروفة الفروق؛ الأشباه والنظائر للسيوطي، ومثل الفروق للزريراني وغيرها.
طالب: الشيخ ابن سعدي يا شيخ.
الشيخ: نعم، وكذلك لشيخنا، ولكن مختصرًا.

طالب: إذا قال: أوصيت لفلان ومن معه ولم يعين.
الشيخ: فلا شيء، لا شيء، إذا قال: أوصيت لفلان وسكت فلا شيء.
طالب: لا ( ... ) قبل أن ( ... ). الشيخ: المهم سكت ما صار شيء.

طالب: الوصية تصح ( ... ) والعطية لا تصح على المذهب، ما الفرق بين ( ... )؟ الشيخ: الفرق أن الوصية لا يشترط لها التملك الآن، فربما يُقْدَر عليها فيما بين الوصية والموت.
طالب: هل الوصية كفيل كلام ولا يحتاج أن يكتب لوصيته؟ الشيخ: إي معلوم أنه إذا أوصى الإنسان بالكلام ثبتت الوصية، لكن لا بد من الإشهاد عليها؛ لأنه إذا لم يُشْهِد ربما ينسى، وربما ينكر الورثة، فلا بد من الإشهاد، ولكن ضبطها بالكتابة هو الأولى لحديث ابن عمر رضي الله عنه: «مَا حَقُّ امْرِءٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (16) «مَكْتُوبَةٌ» هكذا جاء الحديث.
طالب: ( ... ) كتب وصية لكنهم لم يطلعوا على هذه الوصية إلا بعد قسمة التركة، فهل للموصى له أن يرجع على الورثة؟ الشيخ: إي نعم، لو لم نعلم بالوصية الثابتة إلا بعد توزيع التركة فإن الموصى له يرجع على الورثة بما أوصي له به؛ لأنه حقه.
طالب: ( ... ). الشيخ: أيش؟ طالب: بعكس هذه الصورة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2494

الشيخ: أيُّ صورة؟ طالب: صورة رجل ( ... ) وبعد موته كانت ( ... ) تزيد، فهل يجعل ( ... )؟ الشيخ: نعم، إذا أوصى لإنسان بأرض كما قال السائل وقبضها، فقبضه وجوده كعدمه لا أثر له لكن حين مات صارت هذه الأرض تزيد على الثلث فللورثة أن يُبْطِلوا ما زاد على الثلث.
طالب: ( ... )؟ الشيخ: تبقى عند الموصي، كل إنسان لا بد أن يكون عنده كتاب مثلًا يحتفظ به في هذه الأمور، وإذا كان خطه معروفًا كفى، وإن لم يكن معروفًا فلْيُشْهِد.
طالب: ( ... ) للموصى له؟ الشيخ: لا بأس، هذا طيب، لا سيما إذا كنا نخشى أن الورثة يجحدونها.

طالب: العطية الأولى إذا كانت غير مقبوضة والثانية مقبوضة، أيها يقدم؟ الشيخ: يُقَدَّم المقبوضة؛ لأن الأولى لم تلزم، وأنتم مر عليكم -إن كان مر عليكم- أن الهبة إذا لم تُقْبَض فإنها تبطل بموت الواهب.

طالب: أحسن الله إليك، قال المؤلف: يبدأ في العطية يبدأ بالأول فالأول إذا زاد على الثلث والمعروف أن تكون منجزة في الحال، فهل ( ... ) مات فهل تختلط بالعطية الوصية؟ الشيخ: لا، قبضها المعطى دخلت ملكه، وخرجت عن ملك المعطي.
طالب: فإذا دخلت في ملك ( ... )؟ الشيخ: دخلت، أبدًا، دخلت في ملكه، لكن إن زادت على الثلث عند الموت فللورثة أن يرجعوا فيما زاد.
طالب: في الوقت الحاضر ( ... ) السيارات والموت فجأة، ولكن الوصايا هذه يحتمل ( ... ) بعضها على بعض ( ... ) مثلما تفضلْتَ جزاك الله خيرًا ( ... )؟ الشيخ: هذه بارك الله فيك، إذا كان الورثة وافقوا على تنفيذ الوصايا كلها فلا إشكال، أفهمت؟ وإذا لم يوافقوا وكانت الوصايا كلها لا تزيد على الثلث فلا إشكال، تُنَفَّذ كلها وإذا لم يوافقوا وكانت تزيد على الثلث فحينئذ يكون النقص على الجميع، أو يُنَفَّذ الجميع بقدر الإمكان فلا يُعْتَبر التاريخ؛ يعني الثانية لا تكون ناسخة للأولى إلا إذا نصَّ الموصي على إنها ناسخة، فهمت؟ لماذا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 2495

لأن الثانية يحتمل أن الموصي لو ذكر الأولى ما أوصى بها ولاقتصر على الأولى، ويحتمل أنه عدل عن الأولى إلى الثانية فمع الاحتمال لا يمكن أن تبطل إحداهما بالأخرى فتنفذان جيمعًا؛ ولهذا نكرر عليكم أن تنتبهوا لهذا وتنبهوا غيركم؛ أن الإنسان ينبغي له إذا أوصى مهما كان لو يوصي في الشهر مرتين فليقل في الأخيرة: هذه الوصية ناسخة للأولى علشان يريح الناس ولا يحصل إشكال ولا نزاع.
طالب: ( ... ). الشيخ: متى؟

طالب: ( ... ). الشيخ: إن كان ترك شيئًا مرهونًا برأت ذمته بالدين الذي فيه الرهن كما تبرأ بالضمان، وإلَّا فذمته لم تبرأ.
طالب: ( ... ). الشيخ: إذا استغرق ( ... ) تجاوزت ويش؟ طالب: ( ... ). الشيخ: يعني: أجازوا للثاني اللي زاد على الثلث، لا بأس ما فيه مانع، لكن الأول لا يُنْقَص.
طالب: إذا تصرَّف الموصى له بالوصية ثم اتضح أنها أكثر من الثلث، هل يغرم؟ الشيخ: زائدة عن الثلث؟ نعم يغرم إلا إذا وافق الورثة؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم أنه لا يُمَكَّن المعطى من التصرف بالعطية إذا كان في احتمال أن تزيد على الثلث.
طالب: ( ... ) صحيح هذا؟ الشيخ: صحيح.
طالب: ( ... ) هل تعتبر ( ... )؟ الشيخ: قلناها، ضربنا أمثلة كثيرة.

طالب: ( ... ) إذا أوصى برجل بألف، ولرجل بألفين، ولرجل بثلاثة ( ... )؟ الشيخ: إي، سوينا بينهم، أليس كذلك يا جماعة؟ والله السكوت كثير يا جماعة، هل سوينا بينهم ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: سوينا بينهم، وقلنا: إنه يدخل النقص على الجميع بحسبه.
طالب: ( ... ) ما ورد عن ابن عباس .. الشيخ: ما صحته؟ طالب: ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: الوصية بالخمس أفضل من الربع؟ الشيخ: ما أعرف هذا، هذا الأثر عن ابن عباس لا أعرفه، الوصية بالخمس أفضل، لكن الذي صحَّ عنه: لو أن الناس غَضُّوا من الثلث إلى الربع؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (5)، أما الوصية بالخُمُس فعن أبي بكر رضي الله عنه.


الجزء: 2 - الصفحة: 2496

( ... ) يقول المؤلف رحمه الله: (إن الهبة والعطية هي التبرع) فما معنى قوله: (التبرع)؟ طالب: ( ... ) الشيخ: ويش معنى (يتبرع)؟ طالب: ( ... ). الشيخ: هو بذل مالٍ بلا عوض عليه، هذا التبرع؛ يعني: يعطي المال، ولا يأخذ عليه شيئًا.
قول المؤلف رحمه الله: (ولا يصح مجهولًا إلا ما تعذر علمه) معنى العبارة؟ طالب: أن التبرع لا يصح مجهولًا ( ... ) مجهولًا، إلا ما كان علمه ( ... ) يصح.
الشيخ: ( ... ). طالب: مثل أن يكون معناه ( ... ) اثنين ( ... ) فيتبرع هذا الآخر بنصيبه.
الشيخ: فيصح؛ لأنه متعذر.
رجل وهب شيئًا لشخص ثم رجع فيه، هل يجوز أو لا يجوز؟ طالب: يجوز قبل أن يقبض.
الشيخ: إن كان قبل القبض جائز وبعد القبض؟ طالب: لا يجوز؛ لأنه لازم.
الشيخ: لا يجوز مطلقًا بدون استثناء؟ طالب: إلا الأب.
الشيخ: إلا الأب نعم، ما هو الدليل على أن الأب له أن يرجع؟ طالب: ورد في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ إِلَّا الْأَبُ فِيمَا يُعْطِيهِ»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: نعم، الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ إِلَّا الْأَبُ فِيمَا يُعْطِيهِ لِوَلَدِهِ» (17). قول المؤلف: (في هبته اللازمة إلا الأب)؟ طالب: يخرج من هذا الهبة غير اللازمة، الهبة اللازمة هي التي قبضها ( ... ). الشيخ: اللازمة هي التي قُبِضت، فيخرج بهذا القيد غير اللازمة؛ وهي التي لم تُقْبَض، فإذا وهب شخصًا شيئًا ولم يقبضه فله أن يرجع فيه، طيب.
رجل تملك سيارة ابنه وهو لا يجد غيرها؟ طالب: لا يجوز له أن يتملكها.
الشيخ: لا يجوز أن يتملكها؟ أبوه؟ ! الطالب: لأن فيها ضررًا عليه.
الشيخ: لأنه يحتاجها ( ... )؛ لأنه يحتاجها، والمؤلف قيَّد: (ما لا يضره) ولا يحتاجه.
متى يجوز مطالبة الولد لأبيه؟ طالب: النفقة الواجبة.
الشيخ: النفقة الواجبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 2497

طيب، والدين؟ الطالب: والدين ليس له مطالبته.
الشيخ: ليس له مطالبته، طيب.
ما الفرق؟ الطالب: لأن النفقة ثابتة بأصل الشرع كالزكاة.
الشيخ: ثابتة بأصل الشرع، فيُلْزَم الأب بها، وإذا أبى وجب أن يُجْبَر عليها كالزكاة.
ما هي صيغ الإبراء من الدين؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إنسان يطلب من شخص ألف ريال فقال: أحللتك، هذا واحد.
الطالب: صدقة.
الشيخ: تصدقت.
الطالب: ( ... ). الشيخ: طيب لو قال: الدين اللي عليك مسامح فيه؟ الطالب: أيضًا.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، العبرة لا بالألفاظ، لكن بالمعاني طيب.
أبرأ شخصٌ آخرَ من دينه ولكن المُبْرَأ أبى قال: لا أقبل لك مِنَّة عَلَيَّ.
الطالب: ( ... ). الشيخ: ( ... ) لا قبول، قال: يا فلان، في ذمتك لي ألف ريال قد وهتبك إياها أو قد أبرأتك منها.
الطالب: له ألَّا يقبل.
الشيخ: له ألَّا يقبل؟ الطالب: له ألا يقبلها ( ... ) اشترط المؤلف شرطًا ( ... ). الشيخ: أين شرط المؤلف هذا؟ طالب: ( ... ) له ألا يقبل.
الشيخ: أريد أن تجيبني بما قال المؤلف.
طالب: المؤلف قال: (ولو لم يقبل) ( ... ) .. الشيخ: اصبر، نحن نقول: تبرأ ذمته، وإن لم يقبل؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب، هل هناك قول آخر في المسألة؟ طالب: إذا كان يخشى المنة يعطيها إياه.
الشيخ: يعني إذا كان يخشى أن يَمُنَّ عليه فلا بد من قبوله، كذا؟ الطالب: لا بد من قبوله ( ... ) وإلا تصدق بها.
الشيخ: المهم أنه إذا كان يخشى المنة فإنه لا يبرأ بذلك، لا بد أن يقبل.
هل هناك تعليل لهذا المسألة وأن الإنسان يجبر على أن يقبل؟ طالب: لأن له إسقاط الحق ( ... ). الشيخ: نعم، لا الإبراء؟ الطالب: ( ... ) وليس .. الشيخ: وليس هبة عين، هكذا قالوا، كما قالوا فيما لو كان على الإنسان شيء متوسط يعني: بر أو تمر متوسط فأتى بتمرٍ جيد لزم قبوله؛ لأن هذا وصف وليس بعين.

الجزء: 2 - الصفحة: 2498

(كتابُ الوَصايا) يُسَنُّ لِمَنْ تَرَكَ خيرًا - وهو المالُ الكثيرُ - أن يُوصِيَ بالْخُمُسِ، ولا تَجوزُ بأكثرَ من الثُّلُثِ لأَجْنَبِيٍّ، ولا لوارثٍ بشيءٍ إلا بإجازةِ الوَرَثَةِ لها بعدَ الموتِ فتَصِحُّ تَنْفِيذًا، وتُكْرَهُ وَصِيَّةُ فقيرٍ وارثُه مُحتاجٌ، وتَجوزُ بالكُلِّ لِمَن لا وَارثَ له، وإن لم يَفِ الثلُثُ بالوَصايا فالنَّقْصُ بالقِسطِ، وإن أَوْصَى لوارِثٍ فصارَ عندَ الموتِ غيرَ وارثٍ صَحَّتْ والعكْسُ بالعكسِ، ويُعتبَرُ القَبولُ بعدَ الموتِ وإن طالَ لا قَبْلَه، ويَثْبُتُ الْمِلكُ به عَقِبَ الموتِ، ومَن قَبِلَها ثم رَدَّها لم يَصِحَّ الرَّدُّ، ويَجوزُ الرجوعُ في الوَصِيَّةِ، وإن قالَ: إن قَدِمَ زيدٌ فله ما أَوْصَيْتُ به لعمرٍو فقَدِمَ في حياتِه فله، وبعدَها لعمرٍو، ويَخْرُجُ الواجبُ كلُّه كذا؟ طيب، هل هناك تعليل لهذه المسألة، وأن الإنسان يُجْبَر على أن يقبل؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لأن الإبراء؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم.
الطالب: وليس هبة.
الشيخ: وليس هبة عين، هكذا قالوا، كما قالوا فيما لو كان على الإنسان شيء متوسط، يعني بُرّ أو تمر متوسط فأتى بتمر جيد لزم قبوله؛ لأن هذا وصف وليس بعين، ماذا نقول عن كلام المؤلف عن التعديل في العطية؟ طالب: ( ... ). الشيخ: كل إنسان تعطيه مع صاحب له يجب .. ؟ طالب: بدك تعطيها الأولاد.
الشيخ: الأولاد؟ طالب: نعم.
الشيخ: الذكور ولَّا الإناث؟ الطالب: كلهم.
الشيخ: كلهم، الإخوان؟ الطالب: التعديل غير واجب.
الشيخ: غير واجب، من أين تأخذه من كلام المؤلف؟ طالب: يجب التعديل بين أولاده.
الشيخ: لقوله: يجب التعديل في عطية أولاده، الدليل على هذا؟ نأخذ الأول ثم الثاني.
طالب: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (1). الشيخ: من قال، هذا عمر ولَّا أبو بكر؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 2499

الشيخ: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا» .. الطالب: «بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ».
الشيخ: يرى بعض العلماء أن التعديل واجب في العطية بين جميع الورثة، ما تقول في هذا الرأي؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: يعني -مثلًا- إذا كان لك إخوة يرثونك فإنه يجب أن تعدِّل بينهم في العطية.
الطالب: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح.
الطالب: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ».
الشيخ: نعم، ومفهومه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: نعم، ولو كان واجبًا لقال: اتقوا الله واعدلوا بين وُرَّاثِكم، أليس كذلك؟ هذه واحدة، ولأن الأصل جواز التصرف بما شاء، عندك شيء؟ الطالب: لفظ الحديث: «أَلَكَ بَنُونَ؟ »، فَبَيَّن أن .. الشيخ: لا لا، ما هذه، هذه مسألة ثانية، التعديل هل يكون بالتسوية أو لا؟ طالب: التعديل بين الأولاد يكون ( ... ). الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ). الشيخ: كلام المؤلف نبغي.
الطالب: التعديل ( ... ). الشيخ: هه؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: كلام المؤلف.
الطالب: تسوية، يسوي.
الشيخ: تسوية، تمام.
الطالب: كلام المؤلف يُعْطَوْن بقدر إرثهم.
الشيخ: كلام المؤلف يُعْطَوْن بقدر إرثهم، وهذا هو الصحيح.

مدخل

نبدأ ب

فصول الكتاب · 6 فصل
جارٍ التحميل