كتاب الوصايا
.
الوصية هي التبرع بالمال بعد الموت أو الأمر بالتصرف بعد الموت، التبرع بالمال بعد الموت بأن يقول: إذا متّ فأعطوا فلانًا ألف ريال، هذه وصية، أو الأمر بالتصرف بعده، مثل أن يقول: إذا مت فالوصي على أولادي الصغار فلان، فهذا أمر بالتصرف بعده، فالأول بالمال، وهذا بالحقوق.
والوصية تجري فيها الأحكام الخمسة كما سيتبين إن شاء الله تعالى.
الجزء: 2 - الصفحة: 2500
يقول: (يُسَنّ لمن ترك خيرًا -وهو المال الكثير- أن يوصي بالْخُمْس)، والْخُمس واحد من خمسة، وإنما قال المؤلف: (لمن ترك خيرا) لمطابقة الآية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180]، ولمن تكون الوصية؟ تكون للأقارب غير الوارثين.
دليل ذلك هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، والآية كما سمعتم الوالدين والأقربين، فهي عامة في الوارث وغير الوارث.
نقول: هذه الآية مُخَصَّصَة بآيات المواريث؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (2)، فيكون هذا العموم ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ يكون مخصوصًا بآيات المواريث، وقد بَيَّنَ التخصيص محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
فإن قال قائل: هل يمكن أن يكون الوالدان غير وارثين؟ يمكن أن يكونَا غير وارثين، كما لو كانَا كافِرَيْنِ والولد مسلم، فإنه يوصي لهما؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].
وقول المؤلف: (يُسَنّ) صريح في أن الوصية للأقارب غير الوارثين ليست واجبة، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، وقالوا: إن آيات المواريث نَسَخَت الآية، أعني قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180].
فأكثر العلماء على أن آية المواريث ناسخة لهذه الآية، وأنه لا يُعْمَل بأي حرف منها؛ لأنها منسوخة، والنسخ رفع الحكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2501
ولكن أبى ذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنه، فقال: إن الآية مُحْكَمَة، وإن الوصية واجبة للأقارب غير الوارثين، وما ذهب إليه أقرب إلى الصواب.
فإن قال قائل: إن الله يقول: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، ويقول: ﴿لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 11]، والسدس إذا أُخِذَت الوصية الْخُمُس لم يكن سدسًا، يكون سدسًا إلا خُمُسًا، فيقال: إن الله بَيَّنَ فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]، و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12]، و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12]، الآيات صريحة أن هذه القسمة بعد؟ بعد الوصية.
وحينئذ إذا عدنا إلى الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180] ﴿كُتِبَ﴾ أي: فُرِضَ، وإسقاط هذا الفرض يحتاج إلى دليل بَيِّن.
أيضًا ﴿حَقًّا﴾، يعني: أُحِقُّ هذا حقًّا وأثبته إثباتًا، وأيضًا ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، أي: على ذوي التقوى، وهذا يدل على أن الوصية من التقوى، ومخالفة التقوى حرام.
ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أن الوصية للأقارب غير الوارثين واجبة؛ لأن الآية صريحة، والنسخ ليس بالأمر الهين أن يُدَّعَى مع هذه الصراحة، ومع إمكان الجمع بين هذه وآية المواريث، ويش الجمع؟ الجمع أن آية المواريث صريحة في أنها من بعد الوصية، وكيف نلغي هذه الأوصاف العظيمة، (كتب، حق، على المتقين)، مع إمكان العمل بالآيتين آية المواريث وهذه الآية، فالصحيح أن آية الوصية مُحْكَمَة وأنه يجب العمل بها.
ولكن هل نقول: إنه لا بد أن توصي بالْخُمُس؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2502
الجواب: لا، ليس بلازم، لكن الْخُمُس اختاره أبو بكر رضي الله عنه، وهو داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (3).
قوله: (وهو المال الكثير) إلى أي شيء نرجع في كون المال كثيرًا أو قليلًا؟
طالب: العرف.
الشيخ: يُرْجَع إلى العُرْف وإلى أحوال الناس، فإذا كانت الدراهم كثيرة فالمال الكثير كثير، وإذا كان الناس عندهم قلة في المال فالقليل يكون أيش؟ يكون كثيرًا، حتى إن بعض الفقهاء يقول: مَن مَلَكَ خمسين درهمًا فهو غني لا تحل له الزكاة، في وقتنا الحاضر ويش خمسون درهمًا؟ توجب أن يكون الإنسان غنيًّ؟ اأبدًا، خمسون درهمًا يمكن تخلص في عشرة أيام، ما هو سنة كاملة.
فالحاصل أن المال الكثير يُرْجَع فيه إلى العرف، فقد يكون القليل كثيرًا في وقت، وقد يكون الكثير قليلًا في وقت آخر.
(أن يوصي بالْخُمُس) الدليل على تعيُّن الْخُمُس هو ما ورد عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: أرضى ما رضي الله لنفسه ولرسوله وهو الْخُمُس (4).
(ولا تجوز بأكثر من الثلث)، لا تجوز -أي الوصية- بأكثر من الثلث، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقد نازله فيما يوصي به، فقال: أوصي بالثلثين؟ قال: «لَا»، بالنصف؟ قال: «لَا»، كلمة (لا) في مقام الاستفتاء يعني التحريم، قال: الثلث؟ قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» (3).
(ولا تجوز بأكثر من الثلث لأجنبي)، والمراد بالأجنبي هنا مَن لا يَرِثُ، بدليل قوله: (ولا لوارث بشيء)، فالوارث لا يجوز للإنسان أن يوصي له لا بقليل ولا بكثير، وغير الوارث تجوز بالثلث فأقل.
الجزء: 2 - الصفحة: 2503
يقول المؤلف رحمه الله: (إلا بإجازة الورثة لها)، وظاهر كلامه رحمه الله أنه إذا أجازها الورثة صارت حلالًا، وفيه نظر، والصواب أنها حرام، لكن من جهة التنفيذ تتوقف على إجازة الورثة.
فإذا قال قائل: إذا كان الحق للورثة، ثم وافقوا بعد الموت، فكيف يقال: إنه حرام؟
يقال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استنزله سعد وقال: الثلثين، الشطر، قال: «لَا»، ولم يقل: إلا أيش؟ إلا أن يجيز الورثة، ولأن الإنسان إذا أوصى بشيء بأكثر من الثلث لأجنبي، أو بشيء للوارث، فقد يجيز الورثة بعد الموت حياءً وخجلًا، ودرءًا لكلام الناس، وهذا وارد بلا شك، وارد أن الورثة إذا أوصى لأحدهم بزيادة على ميراثه، أو أوصى لأجنبي بزيادة على الثلث، واضح أنهم ربما يوافقون أيش؟ حياءً وخجلًا أن ( ... )، أو يخشون إن ردوا الوصية أن يتحدث الناس فيهم.
فلذلك نرى أنها حرام بكل حال، حتى وإن كان يقول: إن الورثة بعدي سوف يجيزون هذا، والدليل كما قلت لكم؛ أولًا: حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم منعه، ولم يقل: إلا أن يجيز الورثة، والثاني: أنهم إذا أجازوا قد يجيزون حياءً وخجلًا، لا عن اقتناع.
وقوله: (إلا بإجازة الورثة لها) يشمل مَن يرث بالفرض أو بالتعصيب، كذا؟ فعلى هذا لا بد من موافقة الزوجة –مثلًا- أو الزوج، لا بد من موافقة الأم، لا بد من موافقة العم إذا كان وارثًا بالتعصيب.
وقوله: (بعد الموت)، (بعد الموت) متعلِّق بإجازة، يعني إلا إذا أجازها الورثة بعد الموت، فإن أجازوها قبل الموت فلا عبرة بإجازتهم؛ لأنهم لم يملكوا المال بعد حتى يملكوا التبرع بشيء منه؛ لأن الإجازة معناها التبرع، فلا يُعْتَدّ بإجازتهم إلا إذا كان ذلك بعد الموت.
الجزء: 2 - الصفحة: 2504
وعلى هذا فلو أن المريض لما رأى دُنُوَّ أجله جَمَعَ الورثة، وقال: يا جماعة، أنا مالي مئة ألف، وأنا أرغب أن أوصي ببناء المسجد، وبناء المسجد يكلف خمسين ألفًا، تسمحون؟ قالوا: نعم نسمح، ثم مات، فهل ينفَّذ بناء المسجد؟ ينفَّذ منه ما لا يزيد على الثلث، وأما ما زاد على الثلث فلا.
فإن قال قائل: هؤلاء سمحوا وأَذِنُوا؟
فالجواب: أنهم أَذِنُوا قبل أن يملكوا المال؛ لأنهم لا يملكون المال إلا بعد موت المورِّث، فَإِذْنُهُم وإِذْن مَن لم يكن وارثًا على حد سواء؛ لأنهم الآن غير وارثين، ولا مالكين للمال، ولا يُعْلَم ربما يكون هو المريض وهو الذي يُخْشَى أن أجله قريب، والأصحاء يموتون قبله، وهذا يقع كثيرًا.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا كان مرضه مرضًا مَخُوفًا فإن إذنهم جائز، ولذلك منعناه من التبرع بما زاد على الثلث؛ لتعلق حقهم، فهم هنا يُسْقِطُون حقهم من الاعتراض، لا يتبرعون بالمال؛ لأن المال لم يمكلوه بعد، لكنهم إذا أَذِنُوا فهو يعني إسقاط حقهم من الاعتراض.
قال: ويدل لهذا أن المريض مرض الموت لا يمكن أن يتبرع بأكثر من الثلث من أجل حقهم، ولو قلنا: إن حقهم لا يكون إلا بعد الموت لقلنا: يتبرع بما شاء، وهذا القول هو الصحيح؛ أنهم إذا أَذِنُوا بالوصية بما زاد على الثلث، أو لأحد الورثة فلا بأس.
الوصية بما زاد على الثلث مثَّلْنا له بأيش؟ ببناء المسجد، إنسان عنده مئة ألف، ويريد أن يبني مسجدًا، والمسجد يكلِّف خمسين ألفًا.
الوصية لأحد الورثة أن يجمعهم ويقول: أبنائي أخوكم الصغير محتاج أكثر، أنتم موظفون وليس عندكم قاصر، أنا أريد أن أُوصِي لأخيكم القاصر بمثل نصيبه من الميراث أو أكثر، فيوافقون على هذا.
فالقول الراجح أن هذه الموافقة نافذة وجائزة، إلا إذا علمنا أنهم إنما أَذِنُوا أيش؟ حياءً وخجلًا فلا عبرة بهذا الإذن.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لو كانت نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا تحدث ( ... ) أيش؟
الطالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2505
الشيخ: الميت له الثلث، له ثلث ما وراءه.
الطالب: نعم ( ... ).
الشيخ: لو أوصى بالثلث للمسجد، ويش الفرق؟ ما دام بيؤخذ من نصيبهم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، لا عبرة بذلك.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا تصح تنفيذًا، ما شرحناها، ما وصلنا لها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) أو بإجازة الورثة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هو يملكها من الموت، إذا أجازوها فهو يملكها من الموت، يعني من قبوله لها، سواء عند الموت أو بعده بأيام.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: أشكل علي استدلال الفقهاء ( ... ) بالقبض ( ... ).
الشيخ: نعم نعم
الطالب: ( ... ) أبي بكر الصديق ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) قبضتيه ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) عائشة ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: مشكلة.
الشيخ: ما مشكلة؛ لأنه ربما استأذن من أولاده الآخرين.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هذه قضية عين، يمكن استأذن، أو عَلِم أنهم لن يعارضوه في إعطائه عائشة؛ لأنها أمهم، هم إخوتها وهي أمهم، المهم القضايا الآن ما توجِب الإشكال، هناك –مثلًا- أشياء تحيط بالمسألة تسوغه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أحد يرضى ألَّا يوصف بالتقوى؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يعني معنى ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ أن مَن اتقى الله فليفعل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لازم، الواجب على الإنسان أن يتقي الله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70].
طالب: أحسن الله إليك، قوله في الآية: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما المراد بالخير؟
الشيخ: يعني معناه: لا وكس ولا شطط، إذا ثبت له ورثة محتاجون فليقَلِّل، وإذا كانوا غير محتاجين فليُكَثِّر، لكن لا يزيد على الثلث.
طالب: قلنا: إن القول الراجح: لو أجاز الورثة في مرض الموت المخُوف.
الشيخ: قلنا ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2506
الطالب: قلنا: القول الراجح لو أجاز الورثة في مرض الموت المخوف ( ... ) هل يجوز أن ..
الشيخ: أن ..
طالب: ( ... ) يجوز هذا؟
الشيخ: كما قلنا لكم: إذا كان يخشى أنهم سيوافقون حياءً وخجلًا فلا يجوز، وأما إذا كان يعرف أنهم ناس لا يهمهم أغنياء وكرماء وسليمو القلب هذه ترجع للأحوال، كل حالة لها حال.
الطالب: حديث سعد بن أبي وقاص.
الشيخ: إي نعم.
طالب: يشكل.
الشيخ: يشكل على أيش؟
طالب: ( ... )
الشيخ: إي نعم، يشكل على أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هو الرسول بَيَّن قال: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَهُمْ» (3)، لكن كما قلنا: إذا علم حياءً وخجلًا فلا يجوز.
طالب: ( ... ) الورثة ( ... ).
الشيخ: لا، الصغار والمجانين لا يمكن، لا يُعْتَدّ بموافقتهم، ولا بموافقة وليهم، المجنون على كل حال معروف أنه لا إرادة له ولا قول له، والصغير الذي لم يبلغ كذلك.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هل؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يشمل الوارث المحجوب؟ كيف وارث وهو محجوب؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... )، يجوز أن يوصي لابن ابنه مع وجود أبنائه.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: (لا بوارث) يعني: في نفس المسألة.
طالب: ( ... )، والحديث قال: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (2).
الشيخ: أجزنا أن يوصي لوارث؟ أبدًا ما أجزنا هذا، قلنا: هذا حرام.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: أوصى لمسجد ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) فقهاء، أظن هذا يجوز.
الشيخ: يجوز إذا أَذِنُوا.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، لأنه معروف العلة؛ لأنه تعلَّق به حق الورثة.
( ... )
من هذا الفصل نأخذ بأن الأمراض ثلاثة أقسام.
طالب: مرض مَخُوف، ومرض غير مَخُوف.
الشيخ: مرض مَخُوف، ومرض غير مَخُوف.
طالب: مَرَض مُمْتَد.
الشيخ: الأمراض الممتدة، ما حكم تبرع المريض مرضًا مَخُوفًا.
طالب: يجوز تبرع المريض مرضًا مَخُوفًا أنه لا ينفذ من ماله تبرعه للوارث بشيء، وينفذ الثلث فما دون لغير الوارث.
الجزء: 2 - الصفحة: 2507
الشيخ: أنه لا يصح تبرعه لوارث بشيء، ولا لأجنبي بما فوق الثلث، خطأ.
طالب: ( ... ) لازم.
الشيخ: لازم، ولو كان بكل ماله، خطأ.
طالب: من ثلثه.
الشيخ: هذا كلام وارد، وقلنا: إنه خطأ.
الطالب: من الثلث، أو أقل من الثلث.
الشيخ: أو أقل من الثلث هذا كلام الأخ وقلنا له: خطأ.
طالب: لا يجوز التصرف بأكثر من الثلث إلا بإجازة الورثة.
الشيخ: خطأ.
طالب: السؤال يا شيخ.
الشيخ: نعم.
طالب: لا يلزم.
الشيخ: لا يلزم؟ خطأ.
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
طالب: إن مات منه فتصرُّفه غير لازم، وإن عُوفِي فتصرفه صحيح.
الشيخ: هذا هو، انتبهوا لهذا، نقول: تبرَّع من مرض وهو مَخُوف، إن مات منه فهو من الثلث فأقل لغير وارث، وإن عُوفِي فكالصحيح، هكذا جاء في الكتاب، وهو واضح.
تصرُّف بالأمراض الممتدة.
طالب: إن قطعه في الفراش.
الشيخ: إن قطعه في الفراش.
طالب: كان من الثلث، وإن لم يقطعه فمن كل ماله.
الشيخ: يعني إن قطعه في الفراش فهو كصاحب المرض المخوف، من الثلث فأقل لغير الوارث وإلا؟
الطالب: من كل ماله.
الشيخ: من كل ماله، مثل أيش؟
الطالب: أول الفالج.
الشيخ: خطأ.
طالب: الجذام، السل والفالج.
الشيخ: ( ... ).
الطالب: ( ... ).
الشيخ: المرض غير الْمَخُوف مثل أيش؟
طالب: وجع الضرس.
الشيخ: وجع الضرس؟ تأمل، متأكد؟ وجع الضرس، وجع العين كذلك من الأمراض غير الْمَخُوفَة، ما معنى قولنا: مَخُوفَة أو غير مَخُوفَة.
طالب: أنه إذا مات منه ( ... ).
الشيخ: يعني الذي يتوقع منه الموت ولا يُعَدّ الموت به مستغربًا فهذا مَخُوف، وما لا فلا، بارك الله فيك، مَن مرضه غير مخوف كيف تَبَرُّعه؟
طالب: من مرضه غير مخوف؟
الشيخ: أي، هل ينفذ تبرعه بكل ماله أو للوارث وغير الوارث أو ماذا؟
الطالب: ينفذ.
الشيخ: ينفذ؛ يعني لأن حكمه حكم الصحيح، هل يُعْمَل بقول الأطباء في كونه مخوفًا أو لا؟
طالب: نعم، لكن يشترط طبيبان مسلمان عَدْلَان.
الجزء: 2 - الصفحة: 2508
الشيخ: إي نعم، يُعْمَل بقول الأطباء بشرط أن يكونا اثنين فأكثر، مُسْلِمَيْن عدلين.
هل يوافق المؤلف على هذا الشراط أنه لا يُعْمَل بقول الطبيب الواحد، ولا بقول ألف طبيب غير مسلم، ولا بقول ألف طبيب غير عدل؟
طالب: الصحيح أنه لا يُعْمَل به، لا يوافق عليه.
الشيخ: إذن ما هو الضابط؟
الطالب: الضابط أنه إذا كان الطبيب حاذقًا مأمون الجانب في مهنته فإنه يوافق ولو كان كافرًا.
الشيخ: المدار على الثقة في علمه وأمانته، تمام.
لو قال لك قائل: وهل يمكن أن يؤتمن الكافر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ممكن، أعندك دليل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أعندك دليل؟ وما تومئ إليه الآن فهو تعليل.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى المدينة اتخذ كافرًا دليلًا له.
الشيخ: وكان مشركًا، صحيح، الدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه على آله وسلم استعمل رجلًا يَدُلُّه على الطريق من مكة إلى المدينة وهو كافر، مع أن المسألة خطيرة جدًّا، والكافر في هذا يعني مَن الذي يؤتمن من الكفار، بارك الله فيكم.
إذا وقع الطاعون في بلد فما حكم القدوم إليها والسفر منها؟
طالب: إذا وقع الطاعون ببلد لا يجوز القدوم عليه.
الشيخ: لا يجوز القدوم عليه.
الطالب: ولا يجوز الخروج منه فرارًا.
الشيخ: ولا يجوز الخروج منه فرارًا، فإن خرج منه لحاجة أيجوز؟
طالب: لا يجوز الخروج إلا إذا خرج لحاجة.
الشيخ: إذا خرج من البلد الذي فيه الطاعون لحاجة، هل يجوز أو لا؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، الدليل؟
طالب: لأنه ليس ..
الشيخ: اترك (لأن)؛ إذا جاءت (لأن) فهو تعليل.
طالب: ( ... ) إذا وقع الطاعون ببلد ( ... ).
الشيخ: إذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها ..
الطالب: ولا تقدموا عليها.
الشيخ: ما أتيت بالدليل.
الطالب: فلا تخرجوا منها.
الشيخ: إي نعم، ما أتيت.
الطالب: فرارًا منه.
الشيخ: فلا تخرجوا منها فرارًا منها.
بين العطية والوصية فروق منها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2509
طالب: في العطية يقدَّم الأول فالأول، أما في الوصية يُعْطَى بالسوية.
الشيخ: أحسنت، هذا واحد، الثاني؟
الطالب: أن العطية لا يمكن الرجوع فيها.
الشيخ: نعم، لا يملك، مَن الذي لا يملك؟ المعطي، الرجوع فيها، والوصية؟
الطالب: والوصية ( ... ).
الشيخ: ( ... )؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إذن الفرق أنه لا يملك الرجوع في العطية، ويملك الرجوع في الوصية، إذن على كلامك هل يجوز للموصِي أن يرجع في وصيته ويبدلها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يجوز، إي نعم، صحيح، فرق ثالث؟
طالب: في العطية يشترط القبول لها عند وجودها.
الشيخ: نعم، في العطية يعتبر القبول لها عند وجودها، والوصية؟
الطالب: أما الوصية لا يعتبر القبول إلا بعد الموت.
الشيخ: لا يعتبر القبول إلا بعد الموت، تمام الرابع؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: وأما الوصية فلا يجوز ( ... ).
الشيخ: حتى يقبل بعد الموت، بارك الله فيك.
طالب: العطية يُشْتَرَط فيها التنجيز.
الشيخ: نعم، والوصية؟
الطالب: والوصية ثابتة ( ... ).
الشيخ: موضوعها معلَّق، هذه الفروق كتبناها لكم ستة أو سبعة احفظوها، والذي ينسى ما في الكتاب ما له لزوم ( ... ).
نبدأ الآن نأخذ درسًا جديدًا، وقبل الدرس الجديد نناقش فيه: ما هو القدر الذي ينبغي للإنسان أن يوصي به؟
طالب: الْخُمُس.
الشيخ: الْخُمُس؟ الدليل؟
الطالب: أبو بكر رضي الله عنه يقول: نرضى ما رضي الله لنفسه ولرسوله.
الشيخ: فأوصى بالْخُمُس، بارك الله فيك، هل قول أبي بكر دليل؟ أجب، الدليل على أنه دليل؟
الطالب: قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (5).
الشيخ: صحيح، وأيضًا قد نص على أبي بكر عمر، فقال: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» (6)، وقال: «إِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا» (7)، وهذا نص صريح في أن قوليهما حجة رضي الله عنهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2510
من الذي يُسْتَحَبُّ له أن يوصي بالْخُمُس؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا يا أخي، مَن الذي يُسْتَحَبّ أن يوصِي؟
الطالب: الميت.
الشيخ: الميت؟ !
الطالب: الموصَى عليه الناظر.
الشيخ: لا لا، هل نقول لكل ميت: يُسْتَحَبّ أن توصي لو ما عنده إلا عشرة ريالات؟
الطالب: إي نعم، الوصية يجب ( ... ) ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يحل ( ... ).
الشيخ: لا، ( ... ).
طالب: إذا ترك خيرًا وهو المال الكثير.
الشيخ: الذي يُسَنُّ له أن يوصي مَن ترك خيرًا، كما قال الله عز وجل في القرآن: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] وهو المال الكثير، رجل أوصى بأربعة من تسعة من ماله؟
طالب: ينفذ في ثلاثة، وما زاد فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة.
الشيخ: تنفذ الوصية في ثلاثة، وما زاد فبإجازة الورثة، تمام، ما هي الوصية المحرَّمة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أن يوصي لوارث بقليل أو كثير أو ..
الطالب: ( ... ).
الشيخ: بما فوق الثلث لغير وارث، صحيح، هل عندنا دليل لهذا؟ الأول: الوارث.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
الشيخ: نعم، «إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (2)، ولأن الوصية للوارث تؤدي أن يأخذ من المال أكثر مما فرض الله له، وهذا تعدٍّ لحدود الله، الثلث؟
الطالب: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
الشيخ: سعد بن أبي وقاص.
الطالب: عندما جاء ( ... ) يتصدق بنصف ماله، ( ... ).
الشيخ: بثلثيه.
طالب: بثلثيه، قال: «لَا»، قال: فالنصف، قال: «لَا»، حتى بلغ الثلث، فقال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (3).
الشيخ: تمام، إجازة الورثة قبل الموت هل تعتبر أو لا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: تعتبر، هل قرأت الكتاب؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: غلط.
الطالب: ( ... )
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2511
الشيخ: هل تعتبر إجازة الورثة ما زاد على الثلث، أو ما كان لوارث قبل الموت؟
الطالب: لا، لا عبرة بها.
الشيخ: لا عبرة بها، لماذا؟
الطالب: قد يجيزونها خجلًا من ( ... ).
الشيخ: لا، شيء آخر أهم من هذا، تعليل أهم من هذا.
طالب: لأنهم لا يسمون ( ... ).
الشيخ: لا، هذا تعليل عليل.
طالب: لأنهم لم يملكوا المال بعد.
الشيخ: صح؛ لأنهم لم يملكوا المال بعد، فكيف ينفذ إجازتهم في شيء لا يملكونه، ولأنه ربما يكون هذا الوارث اليوم هو الموروث، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: كثيرًا ما يكون رجلًا صحيحًا شحيحًا ورجلٌ مُدنِف يموت الأول قبل الثاني، أليس هكذا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن لا عبرة بالإجازة، وقال بعض العلماء: إنه إذا كان المريض في مرض موت مَخُوف فالإجازة نافذة.
نبدأ الدرس الآن، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت)، (بإجازة الورثة)، مَن الوارث الذي يملك الإجازة؟ الوارث الذي يملك الإجازة هو البالغ العاقل الرشيد، فإجازة غير البالغ لا تعتبر؛ لأنه لا يملك التبرع بشيء من ماله، وإجازة المجنون غير مُعْتَبَرَة، وهو ظاهر؛ لأنه لا قصد له، ولا إرادة له، ولا عقل له، الثالث: الرشيد، فالسفيه الذي لا يحسن التصرف في المال، والتبرع بألف ريال كالتبرع بقرش عنده، هذا لا عبرة به.
إذن الورثة يُشْتَرَط أيش؟ ثلاثة شروط: البلوغ والعقل والرشد، وقوله رحمه الله: (إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت)، أي: لا بد أن تكون الإجازة بعد الموت، أي: موت الموصِي، وكما سمعتم من المناقشة أنهم لا يملكون المال إلا بعد موت مُوَرِّثهم.
(فتصح تنفيذًا)، تصح الوصية، (تنفيذًا) يعني: لا ابتداء عطية، وإنما هي تنفيذ، وعلى هذا فلا يُعْتَبَر شروط العطية في هذا التنفيذ؛ لأنه تنفيذ لتصرف الغير، وعليه فلو كان أحد الورثة مريضًا مرض الموت، وليس له مال إلا ما ورثه من مُوَرِّثِه، وأجاز، تصح إجازته؟
طلبة: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2512
الشيخ: ولو استوعبت جميع المال، لماذا؟ لأنه لم يتبرع بشيء، غاية ما هنالك أنه أجاز تصرف المورِّث قبل أن يملكه هو؛ لأن المورِّث قد كتبه لفلان، أو قد أوصى به لفلان، فتكون إجازة الوارث ليست ابتداءَ عطيةٍ وليست تبرعًا محضًا، وإنما هو تنفيذ لتصرف غيره، ولذلك لا يُشْتَرَط فيها –أي: في هذه الإجازة- شروط العطية، فتصح تنفيذًا.
قال: (وتُكْرَه وصية فقير وارِثُه محتاج)، والمراد بالفقير هنا الفقير عُرْفًا، وليس كالفقير في باب الزكاة، الفقير في باب الزكاة هو الذي لا يجد كفايته وكفاية عائلته سَنَةً، والفقير هنا ما عُدَّ عند الناس فقيرًا ولو كان عنده مؤونة نفسه لمدة سنة.
(وارثه محتاج) يعني: وارِثه أيضًا مثله فقير، يحتاج إلى المال، فهذا يُكْرَه أن يوصِي، لماذا؟ لأنه بعد موته تتعلَّق نفس الوارث به، أي: بالمال، والموصِي لماذا أوصى؟ أوصى للأجر، طلب الأجر، وأيهما أولى؛ أن نحرِم الذي له الحق شرعًا وهو محتاج، ونعطيه شخصًا أجنبيًّا؟ أيهما أولى، الأول أولى، فما دام الوارث محتاجًا والمال قليل فإنه يُكْرَه للإنسان أن يوصِي ولو بالثلث.
%%
فعندنا الآن ثلاثة أقسام، أو ثلاثة أحكام للوصية: وصية مسنونة، ووصية محرَّمة، ووصية مكروهة؛ وهي وصية الفقير الذي وارثُه محتاج، إذا قال: أنا أريد الخير، أنا أوصي بثلث مالي للمساجد، قلنا: إغناء الورثة خير، كما قال النبي صلى الله وعلى آله وسلم: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً» (3).
فإن كان وارثه غير محتاج، هو فقير لكن وارثه غير محتاج، فالوصية مباحة؛ لأن الأصل فيها الإباحة.
(وتجوز بالكل لمن لا وارث له) تجوز الوصية بالكل، أي: بكل ماله، (لمن لا وارث له)، فإذا كان رجل ليس له وارث، وعنده أموال عظيمة، وأوصى بهذه الأموال أن تُعْمَرَ بها المساجد، أيجوز أو لا يجوز؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2513
الشيخ: جواب هش هذا، يجوز؛ لأن النبي صلى لله عليه وسلم عَلَّل منع الزيادة على الثلث بقوله: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً»، فإن لم يكن له وارث فهنا لا أحد يطالبه بماله، فتجوز الوصية بالكل لمن لا وارث له.
هذه أربعة أحكام تكليفية في الوصية، بقي الحكم الخامس وهو وجوب الوصية.
تجب الوصية لكل حق واجب على الموصِي ليس به بينة، هذه الوصية الواجبة، كل حق واجب على الموصِي وليس به بينة فالوصية به واجبة، وبهذا تقرَّر أن الوصية تجري فيها الأحكام الخمسة التكليفية.
مثال الأخير: إنسان عليه دَيْن، وليس لصاحب الدَّيْن شهود، فيجب على الْمَدِين أن يوصِي بقضاء دَيْنِه وجوبًا، إلا إذا كان به بينة، فإنه إذا كان به بينة لا يمكن أن يضيع، ولكن بشرط أن تكون البينة موجودة معلومة موثوقة، ثلاثة شروط.
فإن كانت البينة قد ماتت، هو يعرف أن فلانًا وفلانًا يشهدان على أن في ذمته لفلان كذا، لكن مات الرجلان، فوجود هذه البينة وعدمه سواء، لماذا؟ لأن صاحب الحق يضيع حقه إذا لم توجد بينة.
الشرط الثاني أيش؟ أن تكون معلومة، فإن لم تكن معلومة فلا فائدة منها، يجب أن يوصِي، ومعنى معلومة أن البينة معلومة في المكان الفلاني، وبكل سهولة يمكن أن نستدعيهما، أما إذا كانت غير معلومة كرجل أشهد على دَيْنِه، شهد بذلك فلان بن فلان الفلاني، وكان ذلك في موسم الحج، والشاهدان من الحجاج، وذهبوا، هل هذه البينة معلومة؟ غير معلومة، ثم لو فُرِض أنها معلومة غير مقدور على إحضارها، إذا قَدَّرْنا أنهم من عمال في أمريكا أو في روسيا ويش يجيب ها دول؟ !
الشرط الثالث: موثوق، فإن كانت البينة غير موثوقة، يعني يعرف أن هذين الرجلين لو شَهِدَا عند الحاكم لرَدّ شهادتهما، فلا فائدة من ذلك، وسواء رد شهادتهما لفسقهما، أو لقرابة بينهما وبين مَن له الحق، أو لغير ذلك.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2514
الشيخ: على ما اخترناه تدخل الواجب لا على المذهب.
طالب: أحسن الله إليك، لو كان الأمر وارث واحد ( ... )، هل يجوز له أن يوصي لهذا الوارث بزيادة على أخيه؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: له وارث واحد فقط، ليس له وارث آخر.
الشيخ: ليس له وارث آخر.
الطالب: إي نعم، يريد أن يوصي لهذا الوارث زيادة على حقه.
الشيخ: كيف زيادة على حقه؟
الطالب: يعني كان له بنت واحدة.
الشيخ: كيف تقول: له وارث واحد، وتقول: له بنت واحدة ورَجَّال؟
الطالب: ( ... ) يريد أن يوصي لها زيادة على نصيبها.
الشيخ: ولا له عاصب؟
الطالب: ما له عاصب.
الشيخ: هذه سترث المال فرضًا ورَدًّا، أفهمتم؟ لو أوصى لكل وارث بمقدار حقه، يجوز؟ مثلًا: له أربعة أولاد، فقال: أوصيت لفلان بالربع، ولفلان بالربع، ولفلان بالربع، ولفلان بالربع، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: لا.
الشيخ: يجوز ما فيه إشكال، ما فيه ظلم لأحد، لكن لو أوصى لوارث بمعين بقدر حقه، بأن كان له أربعة أبناء، وكان عنده أربع شقق قيمتها متساوية، فهل يجوز أن يوصي لكل واحد من الأبناء بشقة تساوي حقه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لماذا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما بينهم تنافس، الحقيقة كلهم واحد، كلهم على شارع واحد، والشارع أعلاه وأسفله واحد.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يقول لك: عمارة فيها أربعة شقق متساوية تمامًا، وكلهم بالدور الأسفل، وكل ها الصبغ واحد والببان واحدة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أوصى.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، ما يخالف، لكن بينهم فرق، إذا لم يُوصِ صاروا شركاء في الأربع على وجه مشاع، الآن كل واحد له شقته، هو –مثلًا- خاف يتنازعون فيما بنهم، قال: أبغي أوصي لكل واحد بهذا المعين الذي هو بقدر حقه.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2515
الشيخ: دعنا من الإجازة، الإجازة ما فيها شيء، على كل حال المذهب يرون أنه لا بأس به، لا بأس أن يوصي الشخص لوارث معين بشيء معين بقدر حقه، والقول الثاني: لا يصح، وهذا القول أصح، فعلى هذا يكون الأخ موافقًا للقول الأصح؛ أنه ما يُوصِي لهم، حتى لو كانت متساوية من كل وجه.
لنفرض أنها سيارات كلها موديلها واحد ولونها واحد، وفي كل شيء، المذهب يقول: لا بأس، ولكن القول الراجح: لا، أنه لا يجوز؛ لأن كل وارث حقه مشاع في التركة، فكيف نلزمه بأن نفرز حقه بدون رضاه، ثم إنه ربما يحصل تشاحن فيما بينهم، ثم إن الموصِي قد يقدِّر أن قِيَمَها واحدة، وهي مختلفة.
( ... )
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب الوصايا: وإن لم يَفِ الثلث بالوصايا فالنقص بالقسط، وإن أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث صحّت، والعكس بالعكس، ويعتبر القبول بعد الموت وإن طال لا قبله، ويثبت الملك به عقب الموت، ومَن قَبِلَها ثم رَدَّها لم يصح الرد، ويجوز الرجوع في الوصية، وإن قال: إن قَدِمَ زيد فله ما أوصيتُ به لعمرو، فقَدِم في حياته فله، وبعدها لعمرو، ويُخْرَج الواجب كله من دَيْن وحج وغيره من كل ماله بعد موته وإن لم يُوصِ به، فإن قال: أدوا الواجب من ثلثي بُدِئ به، وإن بقي منه شيء أخذه صاحب التبرع وإلا سقط.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ما هي الوصية الجائزة؟ يعني مستوية الطرفين؟
طالب: أن يوصي بكل ماله ولا وارث له.
الشيخ: أن يوصي بكل ماله ولا وارث له، ولو أوصى بثلثه وليس له وارث جاز من باب أولى، ما هي الوصية المحرَّمة؟
طالب: أن يوصي لوارث، أو أن يوصِي بأكثر من الثلث لغير وارث.
الجزء: 2 - الصفحة: 2516
الشيخ: أن يوصي لوارث بشيء ولو قليل، أو بأكثر من الثلث لغير الوارث، جيِّد، نأخذ الدرس الجديد.
قال المؤلف رحمه الله: (وإن لم يَفِ الثلث بالوصايا فالنقص بالقسط) سبق أنه يُبْدَأ بالأول فالأول في العطية، وأن الوصايا يُسَوَّى بين المتقدِّم والمتأخِّر، فإذا أوصى لجماعة وزادت الوصية على الثلث، فإن النقص يكون بالقسط، فلو أوصى لشخص بألف، ولآخر بألفين، ولثالث بثلاثة، وماله تسعة آلاف، فهنا مجموع الوصايا ستة آلاف، يزيد على الثلث، فهل نبدأ بالأول فالأول، أو نأخذ بالأكثر، أو ماذا؟
يقول المؤلف: (النقص بالقسط)، وكيفية ذلك أن تنسب الثلث إلى مجموع الوصايا، فما بلغ بالنسبة فلكل واحد من وصيته بمثل تلك النسبة، الطريقة أن تنسب أيش؟ أن تنسب الثلث إلى الوصايا، فما بلغ من النسبة فلكل واحد من وصيته مثل تلك النسبة.
في مثالنا الذي مَثَّلْنَا مجموع الوصايا كم؟ ستة آلاف، والثلث ثلاثة آلاف، انسب الثلث إلى مجموع الوصايا يكون النصف، فأعطِ كلَّ واحد نصف ما أُوصِي له به، فنعطي صاحب الألف؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: وصاحب الألفين؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: وصاحب الثلاثة ألف وخمس مئة، الجميع ثلاثة آلاف، وهو الثلث، هذا هو الطريق أن تنسب الثلث إلى مجموع الوصايا، فما بلغ في النسبة فلكل واحد مثل هذه النسبة مما أُوصِيَ له به.
يقول رحمه الله: (وإن أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث صحَّت، والعكس بالعكس)، سبق أنه لا يحل له أن يوصي لوارث، لا بقليل ولا بكثير، فما هو الوقت الذي يعتبر فيه كونه وارثًا؟ الموت، لا وقت الوصية، فإذا أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث فالوصية صحيحة.
مثال ذلك: أوصى لأخيه الشقيق، ثم وُلِدَ له بعد ذلك ابن، كان الأخ الشقيق عند الوصية وارثًا، ثم لما وُلِدَ للموصِي ابن صار الأخ غير وارث، فتصح الوصية له.
الجزء: 2 - الصفحة: 2517
(والعكس بالعكس)، لو كان له ابن وأخ، فأوصى للأخ، ثم مات الابن فورثه الأخ، فالوصية أيش؟ غير صحيحة، الوصية غير صحيحة، لماذا؟ لأنه صار عند الموت وارثًا، فتبطل الوصية ويَكْتَفِي بما قُدِّرَ له من الميراث.
المهم القاعدة أن اعتبار كون الموصَى له وارثًا أم غير وارث هو وقت الموت دون الوصية.
العطية هل هي كالوصية، أو المعتبَر وقت الإعطاء؟
في هذا خلاف بين فقهائنا رحمهم الله، فمنهم من قال: إن العطية كالوصية، يُعْتَبَر في كون المعطَى وارثًا أو غير وارث وقت الموت.
ومنهم من قال: بل هو وقت الإعطاء، لأنه وقت ملكه إياه، وحسب ما قال المؤلف في عَدّ من تفارق به الوصية العطية: أن تكون العطية أيش؟ كالوصية؛ لأنه لم يذكر أنها تفارقها باعتبار كون المعطَى وارثًا أو غير وارث، الموت أو وقت الإعطاء.
قال: (ويعتبر القبول بعد الموت وإن طال)، قبول مَن؟ قبول الموصَى له الوصية يُعْتَبَر بعد الموت، فلو قَبِل قبل الموت فالقبول غير صحيح، لو أنه أوصى له ببيت، أوصى رجل لآخر ببيت، وقَبِلَ الموصَى له البيت من حين ما علم بالوصية، فهل يصح القبول وينتقل ملك البيت إلى الموصَى له أو لا يصح؟ الجواب: لا يصح؛ لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد الموت.
إذن قبوله وعدمه سواء، ما دام الموصِي على قيد الحياة، يُعْتَبَر بعد الموت، ولو بعد موته بلحظة، لو طال، يعني أُخْبِر بأن فلانًا أوصى له بالبيت، ولم يقبل في الحال، تأخر قبوله فلا بأس بهذا؛ لأن المعتبر القبول بعد الموت ولو طال، ولا يشترط أن يقبل حين عِلْمِه بالوصية؛ لأن أصل الوصية قبل أن يموت الموصِي عقد جائز، فكذلك أيضًا قبل أن يقبل الموصى له هي عقد جائز، إذا شاء قبله وإذا شاء رد، صار من شرط قبول الموصَى له أن يكون قبوله أيش؟ بعد الموت، فإن قبل قبله فلا عبرة بقبوله.
الجزء: 2 - الصفحة: 2518
قال: (ويثبت الملك به عقب الموت)، (يثبت الملك به) أي: بالقبول، (عقب الموت)، ولو طال الزمن بين موت الموصِي وقبول الموصَى له، وعلى هذا فما حدث من نماء بين موت الموصِي وقبول الموصَى له فهو للموصَى له؛ لأنه يثبت ملكه للموصَى به من حين مات الموصِي.
مثال ذلك: رجل أُوصِيَ له ببيت، وكان يؤجَّر في اليوم الواحد بمئة ريال، ثم لم يقبل الموصَى له إلا بعد عشرة أيام، كم النماء؟ ألف ريال، قَبِلَ الموصَى له الوصية، فألف ريال التي بين موت الموصِي وقبول الموصَى له تكون للموصَى له؛ لأن المؤلِّف يقول: (يثبت الملك به) أي: بالقبول (عقب الموت) أي: من حين مات الموصِي؛ مع أنه بالأول ليس على ملكه، كان بالأول محتمل أن يكون للورثة أو للموصَى له، لكن لَمَّا قَبِل انسحب الملك بأثر رجعي كما يقولون، فصار النماء من موت الموصِي إلى قبول الموصَى له للموصَى له، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
وقال بعض العلماء -وهو المذهب-: إنه لا يثبت الملك إلا بالقبول؛ لأنه قبل أن يقبل ليس ملكه، فلا يثبت الملك إلا بالقبول، وبناء على هذا ففي مثالنا السابق تكون ألف ريال لمن؟ للورثة؛ لأن ملك الموصَى له للموصَى به لم يثبت إلا بعد قبوله.
والمسألة محتملة، يعني كلام المؤلف رحمه الله له قوة؛ لأن ملكه للموصَى به ملكًا مُرَاعًى من قبل، فهو ملك من حين زال ملك الموصِي عنه، وملك الموصِي عنه متى يزول؟ بالموت، والمذهب له وجهة نظر أيضًا؛ لأنه لم يثبت ملكه إياه إلا بالقبول، فكيف يكون نماء ملك غيره له؟ فالمسألة مترددة بين هذا وهذا، والقاضي إذا تحاكم الورثة والموصَى له عنده يرجح ما يراه راجحًا.
(ومَن قَبِلَهَا ثم ردها لم يصح الرد)، (مَن قَبِلَها) أي: الوصية، أي: الموصَى به ثم ردها لم يصح الرد؛ لأنها دخلت ملكه، لكن لو قبلها الورثة، أي: قبلوا رده للوصية صار ابتداءَ هبةٍ لهم من الموصَى له.
الجزء: 2 - الصفحة: 2519
مثاله: أوصى رجل بهذا البيت لفلان، فقَبِلَ فلان، صار البيت أيش؟ له، ثم بعد ذلك نَدَّمَه بعض الناس، قال: كيف ترضى أن تأخذ شيئًا موصى لك، فجاء إلى الورثة وقال: يا جماعة أنا تعجلت وقبلت الوصية، وأنا الآن أردها، فقال الورثة: لا نقبل، فقال: أردها، قالوا: لا نقبل، أردها، لا نقبل، من نأخذ بقوله، بقول الورثة أو بقوله هو؟ بقول الورثة؛ لأنه لما قبلها دخلت ملكه، لكن لو قَبِلَ الورثة الرد صار ابتداء عطية، كأنه أعطاهم من جديد، وبناء على ذلك لو كان له غرماء، وكان محجورًا عليه، فإن هبته للورثة غير صحيحة؛ لأنه محجور عليه.
(ومَن قبلها ثم ردها لم يصح الرد)، قال: (ويجوز الرجوع في الوصية)، يجوز لمن؟ للموصِي، أن يرجع في وصيته، وذلك لأنها تبرع معلَّق بالموت، ولم يحصل الموت، فله أن يرجع.
مثال هذا: أوصى رجل بهذا البيت يسكنه الفقراء، أوصى به ليسكنه الفقراء، فهو أوصى به لله صدقة، ثم بعد ذلك رجع وقال: فسخت وصيتي، يصح أو لا يصح؟ يصح.
فإن قال قائل: أليس أخرجه لله؟ قلنا: فالجواب بلى، فهو الرجل يعزل الدراهم ليتصدق بها، أو يكيل الطعام لتصدق به، ثم يبدو له فيرجع، فالرجوع صحيح؛ لأنه لم يخرج عن ملكه، فهذا الذي رجع في وصيته ولو كانت صدقة لله رجوعه صحيح؛ لأنها لم تخرج عن ملكه.
لكن كيف الرجوع؟ الرجوع بالوصية يكون بالقول ويكون بالفعل، فإذا قال: اشهدوا أني قد رجعت في وصيتي، أو أني فسخت وصيتي، فهذا رجوع؟ اللهم صَلِّ على محمد، القول؟ قال: اشهدوا أني رجعت بوصيتي، أو فسخت وصيتي، هذا بالقول بالقول طيب، بالفعل؛ كتب بيده: إني قد أوصيت بالدار الفلانية لسكنى الفقراء، ولكني رجعت في وصيتي هذا أيش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: قولان مشهوران، هذا بالفعل يا إخوان، بالفعل كَتَبَ ما نطق ولا بكلمة، هذا بالفعل.
مثال ثالث: أوصى بالبيت أن يكون سكنًا للفقراء، ثم باعه، باع البيت، هذا رجوع بأيش؟
طلبة: بالفعل.
الشيخ: بالفعل؟
طلبة: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2520
الشيخ: نعم، بالفعل؛ لأنه لما باعه نقل ملكه، فبطلت الوصية لانتقال ملك الموصِي عن الموصَى به.
إذن الرجوع يكون بالقول وبالفعل، والفعل إما كتابة، وإما تصرف يدل على الرجوع.
أوصى بهذا البيت لسُكْنَى الفقراء، ثم أَجَّرَه، هذا رجوع بأيش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ليس رجوعًا، صحيح؛ لأنه لم ينقل ملكه، الملك باقٍ حتى مع التأجير، وإذا قُدِّر أنه مات فالإجارة تبقى إلى أن تتم المدة، ثم يسكنه الفقراء؛ لأنه موصًى به لهم، أفهمتم؟
(يجوز الرجوع في الوصية)، إذا قال قائل: كيف جاز الرجوع في الوصية؟
قلنا: لأنها لا تنفذ إلا بعد الموت، ومن هنا نعلم صحة الْهِبَة المشروطة بشرط، خلافًا للمذهب، مثل أن يقول لشخص: إن تزوَّجْت فقد وهبتُ لك هذا البيت تسكنه أنت وزوجتك، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لأن المسلمين على شروطهم إلا شرطًا أَحَلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا، والصحيح أن جميع العقود يجوز فيها التعليل، إلا إذا كان هذا التعليل يُحِقّ باطلًا أو يُبْطِلُ حقًّا.
(وإن قال: إن قدم زيد فله ما أوصيت به لعمرو، فقدم في حياته فله، وبعدها لعمرو)، (إن قال) مَن؟ الموصِي، (إن قدم زيد فله ما أوصيت به لعمرو، فقدم في حياته)، فهنا يكون الموصَى به لزيد؛ لأنه قَدِمَ قبل أن يملك عمرو الوصية، وبعده لعمرو، قدم بعده فإنه يكون لعمرو، لماذا؟ لأنه لَمَّا تُوُفِّيَ الرجل تعلق حق الموصَى له بهذه العين، ولا يمكن أن نُبْطِل حقه من أجل قدوم زيد، وهذا مبني على ما سبق من جواز الرجوع في الوصية؛ لأنه لَمَّا قال: إن قَدِمَ زيد فله ما أوصيت به لعمرو، هذا رجوع في الوصية.
ثم قال: (ويخرج الواجب كله).
إن كان فيه أسئلة.
طالب: أوصى ( ... ) فلم يعلم ( ... ) ..
الشيخ: إلا بعد؟
الطالب: إلا بعد زمن ( ... ) والبيت له نماء، ( ... ) ..
الشيخ: نعم.
الطالب: هل نقول: إنه يتبع ( ... )؟
الشيخ: متى حضرت الدرس؟
الطالب: من أوله.
الشيخ: من أوله، ألم تأتنا هذه المسألة بعينها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2521
الطالب: ( ... ).
الشيخ: سبحان الله! أيش تقولون؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: جاءتنا هذه بعينها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ولو قبل، راجع الشريط.
طالب: ( ... ) على التراخي، ولكن إلى متى التراخي؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، هذا عاد إذا تضرر الورثة فهم ( ... ).
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، إما أن تقبل وإما لا تقبل؛ لأن هذا ضرر.
الطالب: يا شيخ، -مثلًا- لو كانوا أغنياء ( ... )؟
الشيخ: ما يخالف ( ... ).
الطالب: إي.
الشيخ: إلى قبول، إلى أن يموت.
الطالب: نريد ضابطًا لهذه المسألة.
الشيخ: أبدًا، التراخي ما له ضابط، لكن إذا تضمن ضررًا على الغير أُلْزِم.
الطالب: تصور هذه المسألة، ( ... ).
وبعدَها لعمرٍو، ويَخْرُجُ الواجبُ كلُّه من دَيْنٍ وحَجٍّ وغيرِه من كلِّ مالِه بعدَ موتِه وإن لم يُوصِ به، فإن قالَ: أَدُّوا الواجِبَ من ثُلُثِي بُدِئَ به، فإن بَقِيَ منه شيءٌ أَخَذَه صاحبُ التَّبَرُّعِ وإلا سَقَطَ.
(بابُ الْمُوصَى له)
تَصِحُّ لِمَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُه، ولعَبْدِه بِمَشاعٍ كثُلُثِه، ويَعْتِقُ منه بقَدْرِه، ويَأخُذُ الفاضلَ، وبمائةٍ أو بِمُعَيَّنٍ لا تَصِحُّ له، وتَصِحُّ بحَمْلٍ ولحَمْلٍ تَحَقَّقَ وُجودُه قَبْلَها، وإذا أَوْصَى مَن لا حَجَّ عليه أن يَحُجَّ عنه بأَلْفٍ صُرِفَ من ثُلُثِه مَؤُونَةُ حَجَّةٍ بعدَ أُخرى حتى يَنْفَدَ، ولا تَصِحُّ لملكٍ وبَهيمةٍ ومَيِّتٍ، فإن وَصَّى لحَيٍّ ومَيِّتٍ يُعلَمُ مَوْتُه فالكُلُّ للْحَيِّ، وإن جَهِلَ فالنصْفُ، وإن وَصَّى بمالِه لابْنَيْهِ وأَجْنَبِيٍّ فَرَدَّا فله التُّسُعُ.
(بابُ الْمُوصَى به)
الجزء: 2 - الصفحة: 2522
تَصِحُّ بما يَعْجِزُ عن تَسليمِه كآبِقٍ وطَيرٍ في الهواءِ، وبالمعدومِ كما يُحْمَلُ حيوانُه وشجرتُه أبدًا أو مُدَّةً مُعيَّنَةً فإن لم يَحْصُلْ منه شيءٌ بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ، وتَصِحُّ بكلبِ صَيْدٍ ونحوِه، وبزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ وله ثُلُثُهما ولو كَثُرَ المالُ إن لم تُجِزِ الوَرَثَةُ، وتَصِحُّ بمجهولٍ كعَبدٍ وشاةٍ، ويُعْطَى ما يَقَعُ عليه الاسمُ العُرْفِيُّ،
يقول: (وبعدها لعمرو، ويُخْرَج الواجب كله من دَيْن وحج وغيره من كل ماله بعد موته وإن لم يُوصِ به).
إذا مات الإنسان يتعلق بتركته خمسة حقوق، أولًا: تجهيزه، ثانيًا: الدَّيْن برَهْن، وثالثًا: الدَّيْن الْمُرْسَل، ورابعًا: الوصية، والخامس: الإرث.
فنقدِّم ما يتعلق بالتجهيز، فلو مات وخَلَّف مئة ريال وهو لا يُجَهَّز إلا بمئة جَهَّزْنَاه بها، حتى وإن كان عليه دَيْن؛ لأن تجهيزه بمنزلة ثياب الْمُفَلَّس وطعامه وشرابه، الحاجة الشخصية، فكما أن الْمُفَلَّس الذي عليه الديون لا نبيع ثيابه التي عليه، ولا نأخذ طعامه الذي يأكله؛ لأن هذا تتعلق به حاجته بنفسه.
بعد ذلك الدَّيْن الذي برهن، ثم الدَّيْن الذي بغير رهن، الديون تُخْرَج قبل كل شيء، يقول المؤلف رحمه الله: (من كل ماله)، لا من الوصية، من كل المال، ثم بعد ذلك الوصية، ثم بعدها الميراث، سواء أوصى بالدَّيْن أو لم يُوصِ.
وقول المؤلف رحمه الله: (مِن دَيْن وحج وغيره) يشمل الكفارات إذا كان عليه كفارات، والزكاة إذا كان عليه زكاة؛ لأن هذا واجب لله عز وجل، الحج كذلك.
ولنضرب لهذا مثلًا برجل تُوُفِّيَ وأوصى بالثلث، وعليه دَيْن، الدَّيْن عشرة آلاف ريال، ولَمَّا تُوُفِّي لم نجد عنده إلا عشرة آلاف ريال، ماذا نصنع؟
طلبة: الدَّيْن.
الشيخ: يُقْضَى دَيْنُه حتى وإن كان أوصى بشيء يبطل، حتى لو أوصى بشيء معيَّن نُبْطِل الوصية ونبيعه في الدَّيْن، الدَّيْن مُقَدَّم على الوصايا وعلى المواريث.
الجزء: 2 - الصفحة: 2523
ولعل قائلًا يقول: أليس الله تبارك وتعالى قَدَّم الوصية على الدَّيْن، فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ [النساء: 11]، في الآية الثانية: ﴿يُوصَى بِهَا﴾ [النساء: 12]، وفي الآية الثالثة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12]، ﴿يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12]، فبدأ بالوصية، والقاعدة أنه يُبْدَأ بأيش؟ بالأهم فالأهم؟
فالجواب عن هذا من وجهين؛ أولًا: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قَضَى بالدَّيْن قبل الوصية (1).
ثانيًا: أن الحكمة في تقديم الوصية هو الاعتناء بها؛ لأن الوصية لا مُطَالِب بها، والدَّيْن له مُطَالِب، فالوصية لما كانت لا مُطَالِب بها ربما يتوانى الورثة في تنفيذها، أو يجحدونها أيضًا، والدَّيْن لا يمكنهم هذا، لو أنهم توانوا في قضائه فصاحبه يطالب، فهذا هو الحكمة في تقديمها وهو الاعتناء بها؛ لأنها أيش؟ لا مُطَالِب بها، فيُخْشَى أن يتوانى الورثة في تنفيذها أو يجحدوها نهائيًّا، لذلك قُدِّمَت على الدَّيْن.
الخلاصة: يُقْضَى الدَّيْن قبل الوصية، وبعد قضاء الدَّيْن نرجع للوصية وننظر، إن استغرقت أكثر من ثلث الباقي بعد الدَّيْن لم ينفُذْ منها إلا الثلث؛ ثلث الباقي بعد الدَّيْن.
فإذا قَدَّرْنا أن رجلًا عنده أربعون ألفًا، وعليه عشرة آلاف دَيْنًا، وقد أوصى بالثلث، فكم نجعل الوصية في هذه المسألة؟
طلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولو أننا اعتبرنا الوصية قبل الدَّيْن لكان ثلاثة عشرة ألفًا وثلاث مئة وثلاثة وثلاثين وثلثًا، لكننا لا نعتبر الوصية إلا بعد قضاء الدَّيْن، فنُخْرِج أولًا الدَّيْن ثم ننظر ثلث الباقي ونُنَفِّذ منه الوصية.
الجزء: 2 - الصفحة: 2524
ولهذا قال: مِن كل ماله بعد موته وإن لم يُوصِ به، يعني: وإن لم يُوصِ بقضائه هذا الميت الْمَدِين؛ لأنه حق واجب عليه، وسبق لنا أنه إذا كان هذا الدَّيْن ليس به بينة فإنه يجب عليه أيش؟ أن يُوصِيَ به.
(فإن قال -يعني الميت-: أَدُّوا الواجب من ثلثي، بُدِئَ به)، الميت قال: أَدُّوا الواجب من ثلثي؛ الحج أو الكفارة أو الدَّيْن، نَفْصِل الثلث عن التركة ونبدأ به، نُخْرِج الدَّيْن من الثلث، فإما أن يزيد الدَّيْن على الثلث، وإما أن ينقص، وإما أن يساوي، أنتم معي ولَّا طائرين؟ !
إذا قال: أَدُّوا الواجب عليَّ من زكاة أو غيرها من الثلث، ماذا نصنع؟ نعزل الثلث ثم نبدأ بقضاء الواجب عليه، إما أن ينقص الثلث عن الواجب، أو يزيد، أو يساوي؛ إن ساوى فالأمر واضح، يعني قال: أدوا الواجب من ثلثي، ولما مات وفرزنا التركة وجدنا أن الثلث عشرة آلاف، وأن الدَّيْن عشرة آلاف، ماذا نصنع؟ نُخْرِج الثلث، ولا يكون له وصية؛ لأنه أوصى أن يُقْضَى الدَّيْن من الثلث، وقد أديناه.
لما أفرزنا التركة وجدنا أن الثلث سبعة آلاف، والدَّيْن عشرة آلاف، ماذا نصنع؟ نأخذ من بقية التركة، يعني نوفي الواجب سبعة آلاف ونأخذ الثلاثة الباقية من التركة، وهذا واضح.
الصورة الثالثة: قال: أَدُّوا الواجب من ثلثي، وثلثه عشرة آلاف، أحصينا الواجب وجدناه سبعة؟ نُخْرِج سبعة في الواجب، والباقي تبرعًا، الباقي نصرفه في أعمال تطوعية.
استمع يقول المؤلف: (إن قال: أدوا الواجب من ثلثي بُدِئَ به، فإن بقي منه شيء -منه أي: من الثلث شيء- أخذه صاحب التبرع، وإلَّا -يعني وإلا يبقى شيء- سقط) صاحب التبرع.
وقوله: (وإلا)، يدخل تحتها صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون الثلث بقدر الدَّيْن.
والصورة الثانية: أن يكون الدَّيْن أكثر من الثلث، واضح؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2525
وما هو الأفضل للميت؟ نقول: هذا يرجع إلى حال الورثة، إذا كانوا أغنياء فليكن قضاء الواجب من أين؟ من التركة، من رأس المال، وإذا كانوا فقراء فليكن من ثُلُثِه حتى لا يضيق عليهم.
باب الموصى له
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الْمُوصَى له)، عندنا الآن مُوصًى له، ومُوصًى به، ومُوصًى إليه، ومُوصِي، أربعة.
الْمُوصِي معروف: المتبرِّع، الموصَى له: مَن أوصى له الميت ليكون الشيء له ملكًا، والموصَى به: العين التي أوصى بها أو المنفعة، والموصَى إليه: نظير الوكيل في حال الحياة، يعني الذي يُؤمَر بالتصرف بعد الموت، وسيأتي إن شاء الله.
قال: (تصح لمن يصح تَمَلُّكه)، هذا القاعدة، إذا قيل: مَن الذي يصح الوصية له؟ فالجواب: كل مَن يصح تَمَلُّكُه.
أما مَن لا يصح تَمَلُّكه فلا تصح الوصية له، فلو أوصى لعبدِ غيرِه فالوصية لا تصح، لماذا؟ لأن عبدَ الغير لا يملك على ما هو المشهور من المذهب.
لو أوصى لِجِنِّيّ، له صاحب صديق من الجن يخدمه ويساعده على أموره، ويطلب العلم عنده، فأوصى له بشيء، يصح أو لا يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، مع أن الفقهاء رحمهم الله يقولون: إنه يُقْبَل قول الجني أن ما بيده ملكه، يعني: لو وجدنا جنيًّا بيده محفظة وحضر الدرس، وقال: المحظة لي، ولكن الأخ قال: هذه محفظتي، نقول: هات الشهود، هي بيده، بيد الجني، فهي له إلا إذا أتيت بالشهود.
فأشكل على بعض المتأخرين، قال: كيف يقول الفقهاء: إنها لا تصح الوصية للجني؛ لأنه لا يملك، ويقولون: إن ما بأيديهم يُقْبَل أنه لهم؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2526
أجابوا عن ذلك -إن صح، يعني أنا أقول ما قاله الفقهاء، قد أوافق أو لا أوافق- إن صح فالفرق واضح، الفرق ظاهر؛ لأن الوصية لهم تمليك جديد، وما بأيديهم ملك مستمر، فهو لهم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد مَلَّكَهُم كل عَظْم ذُكِرَ اسم الله عليه يجدونه أَوْفَر ما يكون لحمًَا، قال لهم: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا»، وهذا يدل على أنهم يأكلون، «وَكُلُّ بَعْرَةٍ فَهِيَ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ» (2).
هل يصح أن يُوصِي لِمَلَك، لجبريل، مكائيل، إسرافيل؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟ الْمَلَك لا يملك، الملائكة عليهم الصلاة والسلام لا يأكلون ولا يشربون، صُمْت، يعني: ليس لهم أمعاء وليس لهم معدات ولا شيء، صُمْت فهم لا يملكون، ولا تصح الوصية لهم.
إذا أوصى لدابّة، قال: هذه وصية لبعير فلان؛ لأنه ركب البعير ووجدها هِمْلَاجَة وسهلة، فقال: صَنَعَتْ إليّ معروفًا وسأكافئها، وأوصى بهذه البقعة من الأرض الزراعية قال: هذه لبعير فلان وصيةً، يصح أو لا يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنها لا تَمْلِك.
المهم القاعدة: مَن الذي تصح الوصية له؟ كل مَن يصح تَمَلُّكُه، ومَن لا فلا.
الآن جاء وقت الأسئلة.
طالب: أحسن الله إليك، هل فيه أحد يقول أوصيت لجبريل؟
الشيخ: يقول أيش؟
الطالب: أوصت لجبريل أو لجني؟
الشيخ: إي فيه، جني ما مَرَّ عَلَيَّ، لكن الملائكة فيه ناس جُهَّال ما يدرون، أما الجن فلهم أصدقاء من الإنس، وأسمع أنه فيما سبق يحضرون الدروس، عاد ما أدري يُلْقُون أسئلة أو ما يلقون ما أدري، لكنهم يسمعونهم، لا ما يُرى، لكن ربما يُرى الجني.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، مثال واحد وَصَّى لجبريل ..
الشيخ: أيش؟
طالب: لواحد وَصَّى جبريل أو مكائيل، ماذا يفعلون بالمال؟
الشيخ: للورثة.
الطالب: للورثة.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه ما تصح الوصية.
الجزء: 2 - الصفحة: 2527
طالب: إذا وَصَّى للدابة هل تُصْرَف في شئون الدابة هذه؟ الشيخ: المذهب لا تصح، لكن فيه سيذكر المؤلف الظاهر، فيه قول ثانٍ أنها تصح، لكن إذا كانت الدابة من دوابّ الجهاد فالوصية لها صحيحة بلا إشكال؛ لأن المقصود إحياء الجهاد والمعونة على الجهاد، مثل لو أوصى للخيل التي يجاهَد عليها في سبيل الله هذه لا إشكال في جوازها؛ لأنها قُرْبَة لكن لدابة فلان هذا هو محل الخلاف، بعضهم يقول: تصح ويُصْرَف في مصلحتها، وبعضهم يقول: ما تصح.
طالب: عفا الله عنك ( ... ).
الشيخ: يعني: أوصى لشخص لا يصلي، ولَّا الْمُوصِي لا يصلي؟
الطالب: لا، الموصَى له.
الشيخ: وذاك يحبه؟
الطالب: أوصى له.
الشيخ: أنت تَوّك تقول: إنه يحبه.
الطالب: المهم أوصى له.
الشيخ: سحبت كلمة يحبه؟
الطالب: ما أقدر أحتّم على هذا، أسأل المسألة عن ( ... ).
الشيخ: على كل حال هل يصح تَمَلُّكُه أو لا يصح؟
الطالب: يصح تَمَلُّكُه ( ... ).
الشيخ: على كل حال المذهب يصح، تصح الوصية للكافر، لكن الْمُرْتَدّ يرى بعض أهل العلم أنه لا يمكن أن يملك شيئًا؛ لأنه يجب قتله ويُصْرَف ماله في بيت المال، حتى ورثته لا يرثونه، وتارك الصلاة مُرْتَدّ عن الإسلام.
طالب: ( ... ) الوصية.
الشيخ: أيش؟
الطالب: السفيه.
الشيخ: السفيه تصح وصيته؟ نعم تصح وصيته؛ لأن التبرع هذا بعد الموت، أما عطيته لا تصح.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا بأس؛ لأن السفيه يصح تملكه، ويكون الموصَى به عند وَلِيِّه.
طالب: ( ... ) أوصى لعبدِ غيرِه فلا تصح الوصية.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) أوصى لعبده.
الشيخ: ستأتي في كلام المؤلف.
طالب: أوصى للحَمْل؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: أوصى لِحَمْل.
الشيخ: لِحَمْل، سيأتي.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هه؟
الطالب: هل يُجْزِئُه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2528
الشيخ: هذه المشهور من المذهب أنها تجزئ، تبرأ بها ذمته، وابن القيم رحمه الله ذكر في تهذيب السنن أن ذِمَّتَه لا تبرأ؛ لأنه مات وهو غير ناوٍ إخراجها، وإخراج غيرِه عنه لا ينفعه، لكننا نُلْزِم الورثة بالإخراج؛ لأن فيها حقًّا للفقراء، وهذا لا شك إخراجها واجب، أما هو فنقول: أمره إلى الله، ومعلوم أنّ تَرْك الزكاة ليس كفرًا، فيكون داخلًا تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عَذَّبه، والنصوص تدل على تعذيب مَن منع الزكاة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
طالب: قلنا: إذا أوصى لعمرو.
الشيخ: لعبده.
الطالب: قلنا: إذا أوصى لعمرو.
الشيخ: لعمه؟
الطالب: لعمرو.
الشيخ: لعمرو.
الطالب: ثم أوصى لزيد مثل نفس العين، الثانية ناسخة للأولى.
الشيخ: على القول الراجح، المذهب يَشْتَرِكَان فيها.
الطالب: يمكن الجمع.
الشيخ: نعم؟
الطالب: يمكن الجمع.
الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأن العين واحدة.
الطالب: اشتراك.
الشيخ: لا، ما يمكن، هو أوصى بها كلها لزيد، ثم أوصى بها كلها لعمرو.
طالب: الموصَى لهما في الوصية، ( ... ) أشكل، قد قرأنا فيما سبق أن الوصية إن وَسِعَها الثلث نُفِّذَت جميعها، وإلَّا رجع النقص على الجميع، ما هي صورة الوصية التي تنفذ جميعها؟
الشيخ: ما دون الثلث لغير وارث.
الطالب: هذه الصورة.
الشيخ: الصورة هذه أوصى بعين واحدة، العين الواحدة ما تصح على اثنين إلا إذا قال: إنها لهما، إذا قال: أوصيت بهذه السيارة لزيد وعمرو فهي لهما، اشتراك ملك، إن قَبِلَاهَا فهي لهما، وإن رَدَّها أحدهما رجع نصيبه إلى التركة، أما إذا أوصى بها لزيد، ثم أوصى بها لعمرو، فالمذهب أنه لهما جميعًا، لكن يشترط التزاحم؛ لأنه أوصى لكل واحد منهما بكل العين، فيشتركان فيها اشتراك تزاحم، وإذا رد أحدُهما عادت للثاني؛ لأنه قال: أوصى بها بعينها له.
طالب: هذه قرينة، أي هذه الوصية قرينة ( ... ).
الشيخ: قرينة؟
الطالب: نعم، ( ... ) اشتراك في الوصايا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2529
الشيخ: كيف؟
الطالب: ما سبق إذا نص أن الوصية ..
الشيخ: ما أوصى بعين، أوصى بشيء مشاع، هذا أوصى بعين واحدة، سيارة، أو بيت، أو ما أشبه ذلك.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما قال: لزيد ثم عمرو، أوصى بها لزيد، ثم بعد ذلك كتب وصية أخرى لعمرو، أما إذا قال: أوصيت بها لزيد ثم لعمرو، فهذا يشتركان فيها اشتراك ملك.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا ترتيب ذِكْرِي ما هو ترتيب معنوي.
متى تكون الوصية واجبة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟ إذا كان عليه دَيْن.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يعني إذا كان عليه دَيْن أو حق لا يثبت إلا بوصيته وجبت عليه الوصية، مثاله؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟ أعد مثاله.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ليس بينهما بينة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إنسان اشترى من شخص دارًا –مثلًا- أو استقرض منه قرضًا وليس به بينة فيجب عليه أن يُوصِي بذلك، ما هي الحال التي تجوز فيها الوصية؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الجواز ( ... ).
الطالب: يجوز ( ... ).
الشيخ: بكل ماله.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لازم فقير؟
الطالب: الأول تُكْرَه ..
الشيخ: ما أسأل عن تُكْرَه، أسأل عن تجوز.
الطالب: يجوز لمن له ( ... ).
الشيخ: نعم، تجوز بالكل لمن لا وارث له، إذن الحال التي يجوز فيها الوصية أي تكون جائزة إذا كان لا وارث له، ما هي الوصية المستحبة؟
طالب: إن ترك مالًا كثيرًا، ترك خيرًا يُسْتَجَبُّ له أن يُوصِي.
الشيخ: بكم؟
الطالب: بالْخُمس.
الشيخ: بالْخُمس، ما هو الدليل على أن الأفضل أن يكون بالْخُمس؟
الطالب: قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أرضى ما رضي الله تعالى لنفسه ولرسوله الْخُمس (3).
الشيخ: الْخُمس، تمام، هل تجوز الوصية بالربع؟
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2530
الشيخ: نعم، فأجاز الثلث، والربع إذا جاز الثلث من باب أولى أن يجوز الربع، بارك الله فيك، الوصية للوارث جائزة أو غير جائزة؟
طالب: غير جائزة.
الشيخ: غير جائزة، الدليل؟
الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (4).
الشيخ: هذا دليل، أيضًا دليل آخر من القرآن.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لكن ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11]، وذكر ( ... ).
الشيخ: وغير؟
طالب: الله عز وَجَلَّ لما ذكر حقوق الورثة قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: 13].
الشيخ: نعم، لَمَّا ذكر قسمة الميراث قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، ومن يتعدى حدود الله، هل المعتَبَر بكونه وارثًا أو غير وارث الوصية أو الموت؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الموت، مَثِّل بمثال أوصى فيه لشخص غيرِ وارث، فكان عند الموت وارثًا؟
طالب: لو أوصى لأخيه مع وجود ابنه.
الشيخ: نعم.
الطالب: الأخ هنا غير وارث.
الشيخ: نعم.
الطالب: وقبل وفاته توفي الابن، صار الأخ وارثًا.
الشيخ: نعم، أحسنت، أوصى لأخيه مع وجود ابنه –أي: ابن الموصِي- ثم توفي الابن، وصار الوارثُ الأخ، فالوصية هنا لا تصح؛ لأنه صار وارثًا.
هل يثبت الملك بالقبول، أو يثبت بالموت؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: بالقبول، هذا قول ولَّا؟
الطالب: هذا قول.
الشيخ: والمؤلف أيش يقول؟ الملك به عقب ..
الطالب: عقب الموت.
الشيخ: عقب الموت، فعلى كلام المؤلف أنه يثبت الملك من حين الموت إذا قَبِلَ، والمذهب: لا يثبت إلا بالقبول؛ لأنه قبل ذلك لم يكن في ملكه.
هل هناك مثال يتبين به الخلاف؟
طالب: ( ... ) إذا كان –مثلًا- أوصى له بشاة وولدت، فإنه على القول بأنه عقب الموت ( ... ).
الشيخ: مثال آخر، أوصى؟
طالب: أوصى بيت يا شيخ إجارها ( ... ).
الشيخ: موصَى له.
الطالب: موصى له، لما مات الموصِي ..
الشيخ: لما قَبِلَ ..
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2531
الطالب: على القول الثاني: المذهب ( ... ).
الشيخ: يكون للورثة، تمام.
يقول المؤلف رحمه الله: إن الواجب على الموصِي يُخْرَج كله من ماله ولَّا من ثلثه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: من ماله، مَثِّلْ.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: رجل أوصى بالثلث، ثم تُوُفِّي، فكان عليه دَيْن، هل نُخْرِج الدَّيْن من الثلث ويتوفر للورثة الثلثان، أو يخرج من كل المال؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: مَثِّل، هات صورة.
الطالب: إن أوصى بالثلث، وكان الدَّيْن أكثر من الثلث وجب إخراج ..
الشيخ: مثاله: أوصى بالثلث وهو عنده أربع مئة.
الطالب: وكان الدَّيْن أكثر من ( ... ) فوجب إخراجه ( ... ).
الشيخ: الدَّيْن مئتان، وخَلَّف أربع مئة وقد أوصى بالثلث، ماذا نعمل؟
الطالب: إذا جاء الدَّيْن ( ... ).
الشيخ: كم الدَّيْن؟
الطالب: مئتان.
الشيخ: مئتان، ويبقى؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نُخْرِج الثلث من المئتين أم ماذا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما تدري؟
الطالب: إذا كان المال أربع مئة؟
الشيخ: المال أربع مئة، إي نعم.
الطالب: ( ... ) أكثر من الثلث.
الشيخ: الدَّيْن مئتان، قلنا: يُخْرِج الدَّيْن من رأس المال من أربع مئة، أخذنا مئتين، الثلث الآن هل نعتبره من المئتين، ولَّا نقول: ذهب مع الواجب؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ذهب مع الواجب، إذن ما الفائدة من قوله: يُخْرِج من المال؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: بدأنا بالدَّيْن، وأعطينا صاحب الحق.
طالب: ( ... ).
الشيخ: من الباقي؟
طالب: شيخ، إن أوصى أن يُخْرَج الدَّيْن من الثلث؟
الشيخ: دعنا من (أوصى)، كلام المؤلف.
الطالب: يُبْدَأ بالدَّيْن أولًا، ثم يُخْرَج الثلث من الباقي.
الشيخ: يُبْدَأ بالدَّيْن أولًا، ثم يُخْرَج الثلث من الباقي، ثلث الباقي، كذا؟ توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، إذا قال: أَخْرِجُوا الدَّيْن من ثلثي؟
طالب: بُدِئَ به.
الشيخ: بُدِئَ به، إن زاد الثلث على الدَّيْن؟
الطالب: لصاحب التبرع.
الجزء: 2 - الصفحة: 2532
الشيخ: لصاحب التبرع، يعني يُصْرَف في وصيته، وإن نقص الثلث عن الدَّيْن؟
الطالب: من باقي التركة.
الشيخ: يُخْرَج من باقي التركة، بارك الله فيك، وإن كان بقدره؟
الطالب: يُدْفَع.
الشيخ: يُدْفَع لصاحب الدَّيْن ولا يبقى لصحاب التبرع شيء.
هنا مسألة لم نذكرها لكن نذكرها الآن، إذا تزاحمت الديون، فهل يُبْدَأ بالأول بالأسبق، وإذا كان فيها حق لله وحق للآدمي هل يُبْدَأ بحق الله أو بحق الآدمي؟ أفهمتم؟
عندنا مسألتان؛ المسألة الأولى: إذا تزاحمت الديون وصارت أكثر من المال، فهل نبدأ بالأسبق، أو يتساوى الجميع؟ وإذا كان فيها دَيْن لله ودَيْن لآدمي هل نبدأ بدَيْن الله، أو بدَيْن الآدمي، أو يشتركان؟ أفهمتم؟
المسألة الأولى نقول: إن الديون تشترك، والنقص يكون على الجميع؛ لأن تَعَلُّقَها بالتركة وَرَدَ على التركة في آنٍ واحد، متى؟ عند موت الْمَدِين، فلا فرق بين الدَّيْن السابق واللاحق.
مثال ذلك: عليه دَيْن لزيد ثلاثة آلاف استدانه قبل سنة من موته، وعليه دَيْن لعمرو ثلاثة آلاف استدانه قبل ستة أشهر من موته، ثم مات ولم نجد في تركته إلا ثلاثة آلاف، هل نعطيها زيدًا لأن دَيْنه أسبق؟ لا، نقول: النقص بالقسط، وكيف ذلك؟ ننسب التركة إلى مجموع الدَّيْن، انسب ثلاثة آلاف إلى مجموع الدَّيْن كم؟ ستة آلاف، يكون النصف، فنعطي كل واحد نصف حقه.
المسألة الثانية: هل إذا اجتمعت ديون لله وللآدمي هل نُقَدِّم دَيْن الآدمي أو دَيْن الله، أو هما سواء؟
في هذا ثلاثة أقوال للعلماء؛ القول الأول: يُقَدَّم دَيْن الآدمي، والثاني: يُقَدَّم دَيْن الله، والثالث: يشتركان.
مثال هذا: رجل مات وفي ذمَّتِه خمسة آلاف زكاة، وعليه لزيد خمسة آلاف، ولما توفي لم نجد إلا خمسة آلاف فقط، فالدَّيْن أكثر من التركة، فهل نصرف الخمسة في الزكاة، أو في دَيْن الآدمي، أو يشتركان؟ هذه صورة المسألة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2533
على خلاف؛ فمنهم مَن قال: يُقْضَى دَيْن الآدمي، فنعطي خمسة آلاف اللي هي التركة نعطيها مَن؟ زيدًا الآدمي، وعَلَّلَ ذلك بأن حق الله مبني على المسامحة، وهو غني عنا سبحانه وتعالى، وحق الآدمي مبني على المشاحَّة، وهو بحاجة إلى حقه فيُقَدَّم.
ومنهم مَن قال: يُقَدَّم حق الله عز وجل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» (5)، و (أحق) اسم تفضيل، فيُقَدَّم على الحق المفضَّل عليه، وعلى هذا القول نُخْرِج خمسة آلاف التي في التركة لأي شيء؟ زكاة، لأهل الزكاة.
والقول الثالث: يتساويان؛ لأن كلًّا منهما دَيْن في ذمة الميت، فلا يُفَضَّل أحدهما على الآخر، وهذا هو المذهب عند الأصحاب رحمهم الله، وهو الصحيح.
فإن قال قائل: ما هو الجواب عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (6)؟
قلنا: الجواب أن معنى الحديث إذا كان دَيْن الآدمي يُقْضَى فدَيْن الله من باب أولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَيُجْزِئُ عَنْهَا؟ »، قالت: نعم، قال: «اقْضُوا اللهَ فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (7).
والمسألة لم تَرِد في حَقَّيْنِ أحدهما لله والآخر للآدمي حتى نقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم بأن دَيْن الله مقدَّم، إنما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم القياس، يعني: فإذا كان دَيْن الآدمي يُقْضَى فالله أحق بالوفاء.
ونجيب عن قولهم -القول الآخر؛ أن حق الآدمي مبني على المشاحّة والحاجة- بأن حق الله عز وجل يكون لعباد الله، فالزكاة مثلًا لمن؟ للمخلوقين ما هي لله عز وجل، بمعنى أن الله ( ... ) ينتفع بها، فهي في الحقيقة حق لله وفي نفس الوقت حق لعباد الله، وكذلك نقول في الكفارات وغيرها مما يجب على الإنسان لله عز وجل.
وهذا القول -أعنى القول بأنهما يتحاصَّان ويشتركان- هو القول الراجح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2534
نأخذ درسًا جديدًا، قال: (باب الموصَى له)، سبق لنا أن الوصية تشتمل على .. فيه وصية ومُوصٍ ومُوصًى له ومُوصًى به ومُوصًى إليه.
الوصية هي العقد الصادر من الْمُوصِي، والْمُوصِي هو فاعل الوصية، والْمُوصَى له مَن له الوصية، والْمُوصَى به الشيء الذي أوصى به الْمُوصِي، والْمُوصَى إليه الذي عُهِد إليه بالتصرف في الوصية، وهو بمنزلة الوكيل بالنسبة للحي.
قال: (تصح لمن يصح تملُّكه) وسبق شرح هذا، وعلى هذا لو أوصى لعبدِ غيرِه، وقلنا بأن العبد لا يملك، لا تصح الوصية، فلا يقال: إنها تصح وتكون لسيده؛ لأن الْمُوصِي قد يقصد نفس العبد، يريد رحمته والبِرَّ به، فنقول: هذا لا تصح الوصية.
هل تصح لعبدِ نفسِه؟ يقول المؤلف: (ولعبده بِمُشَاع كثُلُثِه، ويعتق منه بقدره، ويأخذ الفاضل) إلى آخره.
الوصية لعبده فيها تفصيل؛ إن أوصى له بِمُشَاع كالثلث ونحوه فلا بأس، ثلث، رُبع، سُدس، خُمس، لا بأس يصح؛ لأنه يدخل فيه الوصية لنفسه، يعني هو نفسه يدخل في الوصية، فإذا مَلَكَ الجزء بالوصية صار حُرًّا، فصح أن يتملَّك، هذا وجه الفرق بين عبده وعبدِ غيرِه.
الآن لنفرض عنده عبد يساوي ألفًا، وعنده ألف عروض تجارة تساوي ألفًا، وعنده نقود ألف، أوصى لعبده بثلثه، يدخل العبد في الوصية ولَّا ما يدخل؟ يدخل؛ لأنها ثلث مشاع يشمل العبد وعروض التجارة والنقود، فيعتق ثلث العبد –مثلًا-، ويَنْجَرّ العتق إلى العبد كله بالسراية.
الجزء: 2 - الصفحة: 2535
ثم إن زاد يقول: (ويعتق منه بقدره) أي: بقدر المشاع الذي أوصى به، سواء الثلث أو أقل، (ويأخذ الفاضل) إن فضل، بأن تكون قيمته أقل من الجزء المشاع الذي أوصى له به، أوصى له بالثلث -للعبد- انتبه معنا، تصح الوصية، قَدَّرْنَا العبد بعد موت سيده وجدنا أن الثلث عشرة آلاف، والعبد يساوي سبعة آلاف، يعتق العبد ولَّا لا؟ يعتق العبد، باقي بالثلث مَن يأخذه؟ العبد، ولهذا قال: (ويعتق منه بقدره) أي: بقدر الثلث إن كانت قيمة العبد أكثر من الثلث، (ويأخذ الفاضل) إن كانت قيمة العبد أقل من الثلث.
مثال آخر، إذا صار قيمة العبد أكثر: أوصى لعبده بثلثه -ثلث ماله- ثم توفي، قَدَّرْنَا الثلث، وجدنا أن الثلث عشرة آلاف ريال، والعبد يساوي خمسة عشر ألف ريال، ماذا نصنع؟ نقول: يعتق من العبد ثلثاه.
ووجه ذلك أنه أوصى له بالثلث، وقيمته تزيد على الثلث، فلا يعتق منه إلا مقدار الثلث، وإن ساوَى العبد الثلث عتق وليس له شيء، فصار الآن إذا أوصى لعبده بمشاع كثلثه إما أن تزيد قيمة العبد، أو تنقص، أو تساوي، كما سمعتم.
قال: (ويعتق منه بقدره) أي: بقدر المشاع الذي أوصى له به، (ويأخذ الفاضل) مَن الذي يأخذ الفاضل؟
طلبة: العبد.
الشيخ: العبد.
(وبمئة أو معيَّن لا تصح له)، هذا التفصيل الثاني، الجانب الثاني من التفصيل، أوصى لعبده بمئة، قال: أُوصِي لعبدي بمئة ريال بعد موتي، فالوصية لا تصح، ولو كان عبدَه؟ نعم ولو كان عبدَه؛ لأن عبده لا يملك، وهو غير داخل في الوصية، المسألة الأولى إذا أوصى بالمشاع هو داخل في الوصية، هذه هو غير داخل في الوصية.
أوصى لعبده ببيت، الميت أوصى لعبده ببيت، قال: البيت الفلاني الشعبي لعبدي، تصح الوصية أو لا؟ لا تصح، لماذا؟ لأن العبد لا يملك، فصار الوصية لعبدِ الغير غير صحيحة، سواء أوصى له بمعيَّن، أو بمقدَّر، أو بِمُشَاع.
الجزء: 2 - الصفحة: 2536
فالوصية لعبده إن أوصى بِمُشَاع صحَّت، إن أوصى بمقدَّر كمئة، أو بمعيَّن لا تصح، والفرق واضح؛ لأنه إذا أوصى بالْمُشَاع صار من جملة الْمُشَاع مَن؟ العبد، فيعتق منه بقدر الثلث، أو بقدر الْمُشَاع الذي أوصى به له.
(وتصح بحملٍ ولحملٍ تُحُقِّقَ وجوده قبلها)، الوصية بالحمل والوصية للحمل، بينهما فرق؛ الوصية بالحمل يعني أن الحمل يكون هو الْمُوصَى به، والوصية للحمل يعني أن الحمل الْمُوصَى له الْمُمَلَّك الذي يُعْطَى الوصية، فيجوز أن يوصِي بالحمل، ويقول –مثلًا-: أوصيتُ بحملِ هذه الشاة لفلان، ويريد الحمل اللي في البطن، ما هو بالحمل اللي في المستقبل، الحمل الذي في البطن، كشفنا عنها وجدنا أنه لا حمل في بطنها، ماذا تكون؟ الوصية باطلة؛ لأنه غير موجود.
حين الموت غير موجود، ليس في بطنها حمل، بعد الموت وُجِدَ الحمل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لماذا؟ لأنه لم يُوجَد إلا بعد الوصية.
كذلك الحمل، إذا أوصى بحملِ فلانة، يعني الذي في بطنها، إن كان الحمل موجودًا حين الوصية صَحَّت الوصية، ولكن لا يملكها إلا إذا استهَلَّ صارخًا كالميراث، وإن لم يكن موجودًا فإنها لا تصح الوصية.
لكن متى نتيقن الوجود؟ نتيقن الوجود إذا وضعت هذه المرأة قبل ستة أشهر من الوصية وعاش، إذا ولدت قبل ستة أشهر وعاش نعلم الآن أنه موجود حين الوصية، لماذا؟ لأن أقلَّ حمل يعيش فيه المولود كم؟ ستة أشهر.
الدليل؟ الدليل مُرَكَّب من آيتين؛ الآية الأولى قوله تبارك وتعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]، كم ثلاثون الشهر بالنسبة للأعوام؟
طلبة: سنتان ونصف.
الشيخ: سنتان ونصف، وقال عز وجل: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]، أَسْقِط عامين من ثلاثين يبقى كم؟ ستة أشهر، فيكون الاستدلال الآن مُرَكَّبًا من دليلين.
الجزء: 2 - الصفحة: 2537
وذكر ابن قتيبة في المعارف أن عبد الملك بن مروان الخليفة المشهور وُلِدَ لستة أشهر، لكن الغالب أن الحمل يكون تسعة أشهر بالنسبة للآدميين.
(ولحمل تُحُقِّقَ وجوده قبلها، وإذا أوصى) إلى آخره، نمشي ولَّا فيه أسئلة؟
طالب: إذا أوصى لعبده بِمُشَاع وكان هذا العبد بخمسة عشر ألفًا، والوصية ثلثها عشرة آلاف يعتق ثلثاه، والباقي يوزع عليه .. ؟
الشيخ: كيف؟ لا، ما يسري عليه عتق.
طالب: ( ... ).
الشيخ: على القول بالاستسعاء يمكن، على القول يأنه يستسعى يعتق الباقي ويستسعى العبد.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، هذا في حياته، هذا بعد الموت، الوصية هذه بعد الموت، أما في الحياة ما يصح.
طالب: إذا أوصى بمال مقدَّر لعبده وكان المال أكثر من ثمنه؟
الشيخ: لا تصح الوصية لعبده إلا إذا أوصى بِمُشَاع، أما بمعيَّن أو مقدَّر من المال لا تصح.
طالب: أسأل عن تمليك العبد في الأقوال الثلاثة.
الشيخ: نعم، الذي يظهر أن تمليك العبد يصح، خصوصًا إذا مَلَّكَه سيدُه، إذا كان الْمُمَلِّك السيد أنه يملك.
طالب: ( ... ).
الشيخ: تعرفون كيف يكون؟ ننسب التركة إلى الدَّيْن، التركة خمسة الآن والدَّيْن عشرة، انسب خمسة إلى عشرة النصف، فيكون لكل واحد النصف؛ مئتان وخمسون للزكاة، ومئتان وخمسون للآدمي، أن تنسب الأقل إلى الأكثر.
طالب: شيخ، لو أوصى لحملٍ خَصَّصَه للذكورية بأن يكون ذَكَرًا دون أنثى؟ الشيخ: نعم؟
طالب: لو أوصى لحملٍ وخَصَّصَه بأن يكون ذَكَرًا.
الشيخ: لا بأس، يؤخذ بِشَرْطِه، فإن لم يكن على شرطه رُدَّ في التركة.
طالب: الديون يا شيخ إذا تزاحمت.
الشيخ: الديون.
طالب: يُعْتَبر فيها إذا كان بعضها مؤجَّل وغير مؤجَّل؟
الشيخ: لا، كلها سواء لأن المؤجَّل يحل بالموت.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، العبد الْمُدَبَّر اللي له سيد وليس له وارث، إن مات السيد وبقي العبد يستحق من ماله ولَّا ما يستحق؟ الشيخ: مَن؟ الطالب: العبد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2538
الشيخ: عبدٌ مُدَبَّر، يعني قال سيده: إذا مِتُّ فأنت حر، ومات السيد.
الطالب: مات السيد بغير وارث.
الشيخ: يكون حرًّا.
الطالب: له مال هو.
الشيخ: من له مال؟
الطالب: السيد له مال لكن هل يستحق العبد منه شيئًا أو ما يستحق؟
الشيخ: إذا لم يوجَد عاصب ينظر على خلاف العلماء هل المولى من أسفل يَرِث كالمولى من أعلى أو لا يرث، تعرف الفرق؟ المولى من أعلى مَن هو؟ السيد، أو أنه لا يرث، فيه خلاف بين العلماء، فالمذهب لا يَرِث المولى من أسفل، وعلى هذا فيكون مال سيده لبيت المال.
طالب: ( ... ) إذا كان قيمة العبد تساوي ثلثًا أو أقل من ثلث لا شيء، أما إذا كانت تزيد عن الثلث ( ... ) ما زاد على الثلث يُعْطَى للعبد.
الشيخ: إي نعم؛ لأن قيمة العبد -مثلًا- أقل من الثلث، فاللي بين قيمة العبد والثلث يُعْطَى العبد؛ لأنه أوصى له بالثلث.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا لا، ما هي بأكثر، كيف أكثر؟ الثلث ثلاثة آلاف، وقيمة العبد ألفان، يأخذ ثلاثة آلاف.
طالب: ( ... ) الشيخ: لا، إذا زادت قمية العبد على الثلث يعتق بقدر الثلث فقط.
طالب: قال رحمه الله تعالى في كتاب الوصايا باب الْمُوصَى له: وإذا أوصى مَن لا حج عليه أن يُحَجَّ عنه بألفٍ صُرِفَ من ثلثه مؤونة حَجَّةٍ بعد أخرى حتى ينفد، ولا تصح لِمَلَك وبهيمة وميت، فإن وَصَّى لحي وميت يعلم موتَه فالكل للحي، وإن جَهِل فالنصف، وإن وَصَّى بماله لابْنَيْه وأجنبي فَرَدَّا فله التُّسْع.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل أوصى لحمل من ذات زَوْج، ووُضِعَ الحمل بعد ثمانية أشهر، فهل يستحق أو لا؟
طالب: لا، ما يستحق يا شيخ.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه إنما يستحق إذا وضع لأقل من ستة أشهر، فيتحقق أن الوصية كانت عند وقت وجود الحمل في بطن المرأة.
الشيخ: لا يكون له.
الطالب: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2539
الشيخ: لأنه يحتمل أنه نشأ من جِمَاع بعد الوصية فلا نتحقق، إذن لا نتحقق إذا كانت ذات زوج أو سيد يطؤها إلا إذا وُلِدَ لأقل من ستة أشهر.
إذا أوصى بحمل هذه الشاة؟
طالب: يعني أوصى بحمل شاة؟
الشيخ: إي نعم، قال لك: أوصيت بحملها الذي في بطنها لفلان.
الطالب: صح.
الشيخ: يصح مطلقًا؟
الطالب: إن تَبَيَّن الحمل يا شيخ، إذا كان موجودًا أثناء الوصية.
الشيخ: إذا كان موجودًا حين الوصية صَحَّ، وإلَّا فلا، وهذا يعرفه أهل الخبرة.
رجل أوصى وليس عليه حجٌّ، أو ما قرأنا هذا؟
طلبة: ما قرأنا.
الشيخ: نبدأ.
قال: (وإذا أوصى مَن لا حج عليه أن يُحَجّ عنه بألف صُرِفَ من ثلثه مؤونة حجة بعد أخرى حتى ينفد).
(إذا أوصى مَن لا حج عليه أن يُحَجّ عنه بألف) كرجل أدى فريضة الحج، ثم أوصى، قال: أوصيت أن يُحَجَّ عني بألف، وجدنا مَن يحج عنه بخس مئة، يقولون: إنه يُحَجُّ عنه مرة أخرى حتى ينفد الألف؛ لأنه قال: يُحَجّ عني بألف، ولم يقل: حجة، قال: يُحَجُّ عني بألف، فيُحَجُّ بكل ثلثه حجة بعد أخرى حتى ينفد؛ لأنه عَيَّنَ أن يكون الثلث في الحج فيُحَجّ عنه.
وإذا قال: أوصيت أن يُحَجّ عني حجةً بألف، قَيَّدَها، فهل إذا حَجَجْنَا عنه بثمان مئة نَحُجّ عنه أخرى، أو نطلب مَن يحج عنه بألف؟ هذا فيه تفصيل؛ إذا قال: أن يحج عني فلان بألف، أعطينا فلانًا الألف كاملة، وقلنا: حُجّ؛ لأن تعيينه الشخص وتعيينه أكثر مما تستحق الحجة يدل على أنه أراد مصلحة الشخص، فنعطيه الألف ولو كان يحج بثلاث مئة مثلًا.
وإن قال: يحج عني فلان بألف، فماذا نصنع؟ نقول: يحج عنه فلان حجة بعد أخرى حتى ينفد الألف؛ لأنه لم يقيدها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2540
أما إذا قال: يُحَجُّ عني حجة بألف، ولم يعين الشخص، فهنا لا نحج بالألف إذا وجدنا مَن يحج بأقل؛ لأنه لا يظهر أنه أراد منفعة شخص معين، بل يحتمل أنه غلب على ظنه أنه لا يوجد مَن يحج إلا بأيش؟ إلا بألف، فقيَّدَها بالألف بناءً على ظنه أنه لا يوجد مَن يحج إلا بألف، والناس في هذه المسألة اختلفوا اختلافًا عظيمًا، أدركنا مَن يحج بخمسين ريالًا، الآن لا يُحَجّ إلا كم؟
طلبة: خمسة آلاف.
الشيخ: إي نعم، بخمسة آلاف أو بثلاثة آلاف، فتغيَّر الحال، فربما يكون هذا الموصِي الذي قال: يُحَجُّ عني حجة بألف، ظن أيش؟ أنه لا يوجَد مَن يحج إلا بألف، فإذا وجدنا مَن يحج بخمس مئة رددنا الباقي في التركة، فهذا هو تفصيل تعيين الحجة بألف، أو بأكثر، أو بأقل.
قال: (ولا تصح لِمَلَك)، (لا تصح) الفاعل يعود على الوصية، (لِمَلَك) لأن الْمَلَك لا يملك، فالملائكة عليهم الصلاة والسلام لا يملكون؛ لأنهم ليسوا بحاجة للأكل والشرب، بل كانوا صُمْدًا، يعني لا أَجْوَاف لهم، يُلْهَمُون التسبيح، يسبِّحون الله تعالى الليل والنهار لا يفترون.
ولا تصح الوصية لبهيمة؛ لأن البهيمة لا تملك، لكن ذكر بعض العلماء أنه يصح الوقف على بهيمة ويُصْرَف في علفها ومؤونتها، فيُخَرَّج من هذا أن تصح الوصية للبهيمة ويُصْرَف ذلك في عَلَفِها ومؤونتها، هذا إذا لم تكن البهيمة من خيول الجهاد أو إبل الجهاد، فإن كانت من خيول الجهاد أو إبل الجهاد فالوصية لها صحيحة؛ لأن المقصود أيش؟ المقصود الجهاد ما هو البهيمة، ولذلك لا يقوم بقلب الْمُوصِي أنها لهذا النوع من الخيل أو من الإبل، بل لعموم الإبل والخيل.
فصار الوصية للبهيمة لا تصح على المشهور من المذهب بناء على أيش؟ على أنها لا تملك، ومِن شرط صحة الوصية أن تكون لمن يملك.
الجزء: 2 - الصفحة: 2541
لكننا نقول: تخريجًا على قول مَن يقول بصحة الوقف على البهيمة ويُصْرَف في علفها ومؤونتها نقول: قياسًا عليه وتخريجًا عليه أنه تصح الوصية للبهيمة وتُصْرَف في علفها ومؤونتها، فإذا قال: أوصيت لجملِ فلان بكذا وكذا، صحَّحْنَا الوصية على هذا.
كذلك إذا علمنا أن المقصود الجهة دون عين البهيمة، مثل أيش؟ مثل الجهاد، أو يكون هناك بهائم يعني إبلًا أو بقرًا تنقل الماء للمحتاجين في الأحياء، وأوصى لهذه الإبل أو البقر، فلا شك أن الوصية صحيحة، ويُصْرَف في مؤونتها وعلفها.
ولا تصح لميت؛ لأن الميت لا يملك، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذا كان لا يملك كيف تصح الوصية له؟ ! وقيل: تصح الوصية للميت وتُصْرَف صدقة له في أعمال الخير، وهذا القول هو الراجح؛ أنها تصح للميت لا على سبيل التمليك؛ لأن الميت لا يملك، وكل أحد يعرف أن الإنسان إذا أوصى لميت لا يريد أن يُشْتَرَى له طعام يأكله، أو شراب يشربه، أو لباس يلبسه، وإنما يريد أيش أن يُصْرَف في أعمال الخير لهذا الميت.
لكن لو قال: أنا أريد تمليك الميت، قلنا: الوصية غير صحيحة، هذا تلاعب؛ لأن الميت لا يملك، ملك الميت ينتقل إلى غيره إذا مات، فكيف يملك؟
يقول: (فإن وصى لحي وميت يعلم موتَه فالكل للحي)، نعم، (إذا وَصَّى لحي وميت) قال: أوصيت بألف ريال لزيد وعمرو الميت، وهو يعلم أنه ميت، فالكل للحي.
وجه ذلك أن اشتراكهما اشتراك تزاحم، فلما تعذَّر أن يكون نصيب الميت له عاد إلى الحي؛ لأنه يعلم أن الميت لا يملك، وعلى القول الذي رَجَّحْنَا ماذا يكون؟ يكون للحي النصف، وللميت النصف، ويكون صدقةً له.
وإن جهل موته فالنصف، ووجه أنه إنما أوصى للحي والميت بناء على أن الميت موجود حي، وعلى هذا البناء يكون الموصَى به بينهما نصفين، تَعَذَّر إيصال حق الميت إليه فيبقى حق الحي هو النصف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2542
(وإن وصَّى بماله لابنيه وأجنبي فَرَدَّا فله التُّسْع)، إن وَصَّى لابنيه وأجنبي بكل ماله، قال: أوصيت بمالي لزيد وابنيَّ بكر وخالد، الوصية بما زاد على الثلث باطلة أو لا؟ باطلة إذا رَدَّهَا الورثة، هذان الابنان رَدَّا، قالَا: لا نقبل ما زاد على الثلث ولا نجيزه، ترجع الوصية من المال كله إلى الثلث، فيصير الثلث بين ثلاثة؛ الابنين والأجنبي، فماذا يكون نصيب الأجنبي؟ التُّسْع، واضح ولَّا فيه نظر؟
قال: أوصيت بمالي لزيد ولابْنَيَّ فلان وفلان، واضح؟ إذا أوصى بماله كله ورَدَّ الورثة، قالوا: ما نقبل الوصية بالمال كله، ترجع الوصية إلى أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هو أوصى للأجنبي والورثة، ورَدُّوا الوصية.
الطالب: ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: لا، الآن هو وَصَّى، المسألة وقعت، أوصى لابنيه وأجنبي بالثلث، فرَدَّا الوصية، لما رَدَّا الوصية تعود إلى الثلث، الثلث يكون بين الأجنبي والابنين أثلاثًا، ثلث الثلث كم هو؟
طلبة: التُّسْع.
الشيخ: التُّسْع، ولهذا قال: (فَرَدَّا فله التُّسْع)، واضح يا جماعة؟
كأن الأخ أشكل عليه الوصية للوارث، إذا أوصى للوارث بقدر نصيبه ما فيه بأس، لو كان له ابنان وقال: أوصيتُ لابْنَيَّ بمالي كله، يجوز؟ يجوز؛ لأنه ما فيه أحد غيرهما.
باب الموصى به
قال: (باب الْمُوصَى به)، الأول الْمُوصَى له، واللي في الكتاب الوصية، وهذا الْمُوصَى به.
(تصح بما يُعْجَز عن تسليمه كآبق وطيرٍ في الهواء)، (تصح) أي: الوصية، (بما يُعْجَز عن تسليمه كآبق)، الآبق هو العبد هرب من سيده، وهروبه من سيده يعني أنه لن يرجع إليه، فإذا أوصى بعبده الآبق لزيد، فالوصية صحيحة، آبِق العبد، نقول: وما المضرة إذا صار آبقًا؟ ما فيه مضرة، إن وجده فله، وإن لم يجده لم يخسر شيئًا، وكونه يخسر لطلبه هذا عائد إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2543
بناء على هذا نقول: يتخرج صحة هبة ما لا يُقْدَر على تسليمه؛ لأنه إذا كانت الوصية تصح بما لا يُقْدَر على تسليمه فالهبة أيضًا مثلها؛ لأنها كلها تبرع، وهذا هو الصحيح أنه يجوز هبةُ ما لا يُقْدَر على تسليمه كالآبق والطير في الهواء؛ لأنه إن حصل فهو غانِم، وإن لم يحصل فليس بغارِم، سالم.
(كآبقٍ وطير في الهواء)، بَيْع الآبق والطير في الهواء هذا لا يجوز؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغَرَر.
وتصح (بالمعدوم)، تصح الوصية بالمعدوم، (كبما يحمل حيوانه وشجرته أبدًا، أو مدةً معينة)، يعني: يصح أن يُوصِي بشيء معدوم، فيقول: أوصيت لزيد بما تحمل هذه الشاة، ما هو بالحمل؛ لأنه سبق أن الحمل ما يصح الوصية به حتى يُعْلَم وجوده، لكن هذا أوصى بما تحمل، ما هو .. يعني ليس بحمل معلوم معيَّن، قال: كل ما تحمل فهو له، يجوز مع أنه معدوم، قد تكون الشاة هذه ما فيها ولد، نقول: متى ما نشأ فيها ولد فهو له، وإذا نشأ الثاني فهو له، وإذا نشأ الثالث فهو له، وهكذا.
كذلك بما تحمل شجرته، عنده نخلة، أوصى بثمرة هذه النخلة لفلان، يصح، سواء على الدوام، أو في مدة معينة، بأن قال: أوصيتُ بما تحمل هذه النخلة لمدة خمس سنوات لزيد، تصح الوصية ولَّا لا تصح؟ تصح، مع أنه معدوم؛ لأن الحمل في هذه الحال صار كالمنفعة في العقار؛ إذ إنه لم يقصد حملًا معينًا حتى نقول: لا يصح، لكن هو يقصد حمل يعني: ثمرتها من الحمل، فصار كما لو أوصى بمنفعة هذا البيت وما أشبه ذلك.
فإن لم يحصل منه شيء بطلت الوصية؛ لأنه لو قال: أوصيت لزيد بثمرة هذه النخلة عام تسعة عشر وأربع مئة وألف، ولم تحمل، هل يطالب الورثة بمعدل ثمرتها كل عام؟ لا، تبطل الوصية؛ لأن الموصَى به لم يحصل فبطلت الوصية.
الجزء: 2 - الصفحة: 2544
ومثله أيضًا ما يحمل حيوانه، قال: أوصيت بحمل أو بما تحمل به هذه الشاة لفلان، ولم تحمل، هل يطالب الورثة بمثل حملها كل عام؟ لا، تبطل الوصية لتعذُّر استيفاء الموصَى به.
(وتصح بكلب صيد)، رجل عنده كلب صيد، يعني مُعَلَّم، فأوصى به لفلان، نقول: يصح.
بَيْع كلب الصيد؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكلب، هبة كلب الصيد تصح، كذلك الوصية به، وحقيقة الوصية به أنها تنازُل من الموصِي عن هذا الكلب؛ لأن نفس الموصِي لا يملك الكلب.
قوله: (بكلب صيد) هل هو مثال، أو تخصيص وتعيين، نقول: هو مثال، فمثله كلب الحرث، ومثله كلب الماشية، الماشية والحرث والصيد؛ لأن كل هذه الثلاثة تباح منفعتها، كما جاء في الحديث، فإذا أوصى بكلب صيد، أو كلب حرث، أو كلب ماشية صَحَّت الوصية.
وإن أوصى بكلب ليس لهذه الثلاثة ولا لما بمعناها فالوصية لا تصح؛ لأن أصل الموصِي لا يملك أن ينتفع بهذا الموصَى به، فلا تصح.
(بكلب صيدٍ ونحوه)، المؤلف قال: (ونحوه) يعني: نحو الصيد اللي هو الحرث والماشية.
(وبزيت مُتَنَجِّس وله ثلثهما)، بزيت متنجس لا نجس، زيت متنجس لا نجس، بينهما فرق؟ نعم؛ النجس نجس لعينه، والمتنَجِّس نجاسته حُكْمِيَّة، النجس كزيت الميتة، زيت الخنزير، زيت كل ما يحرُم أكله، يعني المقصود دُهْنُه، هذا لا يصح الوصية به.
أما الزيت الذي هو زيت الأشجار هذا لا يمكن أن يكون نجسًا، وإنما يكون؟
طالب: طاهر يا شيخ.
الشيخ: إي، لكن ما يتنجس؟
طلبة: يتنجس.
الشيخ: يتنجس، إذن زيت الحيوان الذي هو وَدَكُه ودُهْنه يكون نجسًا ويكون مُتَنَجِّسًا، إن كان من حيوان نجس فهو نجس، وإن كان من حيوان طاهر وأصابته نجاسة فهو متنجس، زيت الشجر يكون متنجسًا ولا يكون نجسًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2545
إذن الزيت المتَنَجِّس تجوز الوصية به، لماذا؟ لأنه يجوز الانتفاع به في الجلود والسفن، وما أشبهها، ففيه منفعة مباحة، بيع الزيت المتَنَجِّس يجوز أو لا يجوز؟ إن قلنا بأنه يمكن تطهيره -وهو الصحيح- جاز بيعه، فيكون كالثوب النجس يجوز بيعه ويُطَهَّر بعد، وإذا قلنا: لا يمكن تطهيره، فإنه فلا يجوز بيعه، والمذهب أنه لا يمكن تطهيره، ولا يجوز بيعه، والصواب خلاف ذلك.
يقول: (وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تُجِز الورثة)، (له) أي: للموصَى له ثلثهما، أي: ثلث الكلب والزيت، (ولو كثر المال) إلا إذا أجازت الورثة صار له كله.
ولنضرب المثال حتى يتضح المقال، رجل أوصى بكلبِ حرثٍ، وعنده ماشية تبلغ مئات الآلاف، لو باع الكلب يسوى عشرة ريالات –مثلًا، والماشية تساوي ملايين، أوصى بكلبه لفلان، لما مات قال الورثة: لا نجيز الوصية، كم يكون من الكلب؟ الثلث، مع أن عندهم مئات الآلاف، فله ثلثه، وقول المؤلف: (ولو كثر المال) إشارة إلى خلاف نذكره إن شاء الله.
وإن أجازت الورثة؟ فله كله.
إذا قال قائل: قوله: (ولو كثر المال) إشارة خلاف، فما معنى الخلاف؟ معنى الخلاف أن مِن العلماء مَن يقول: إنه إذا لم يَزِد على الثلث لو فرضنا له قيمة فإنه لا تُعْتَبَر إجازة الورثة، ويُعْطَى الموصَى له بكل حال، أفهمتم؟
لأن مَنْع الوصية بأكثر من الثلث ليش؟ لحق الورثة، الورثة الآن ما عليهم نقص، الكلب هذا حتى لو باعوه ما يمكن بيعه، فالصواب إذا أن للموصَى له الكلب كله.
حجة الفقهاء رحمهم الله يقولون: إن هذا الكلب لا نظير له في ماله؛ لأن هذا الكلب يجوز الانتفاع به ولَا يُمْلَك، وبقية المال يُمْلَك ويُنْتَفَع به، فهو لا نظير له في ماله، فهو من جنس آخر غير المال، فيكون كأنه مال مستقل فليس للموصَى له إلا ثلثه، لكن الصواب أن له جميعَه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2546
طالب: مر علينا القول بأن لو إنسان أوصى لميت وقال: أريد تمليك هذا ( ... ) بهذه الوصية، يا شيخ الإشكال أن الآن لو قلنا بتمليكه دخل هذا المال في تركة الميت، فينزع الورثة كالدية يا شيخ ( ... ) هذا بدون اختياره ودخل في ماله الدِّيَة هذا بنفسها.
الشيخ: لا، ما في بنفسها؛ لأن الدية دخلت قهرًا في مال الميت، وهذه ما هي قهر، فلا بد فيها من القبول، والقبول متعذِّر من الميت، وانتقال مال الميت إلى الورثة فرعٌ عن تملُّكِه إياه، زال الإشكال؟ الآن الميت لا ينتقل ماله إلى الورثة إلا بعد أن يملكه، والوصية له لا يمكن أن يملكها؛ لأن من شرطها القبول.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا لا، ما يمكن، الدية غصب، قهري، دخلت ملكه تقديرًا.
طالب: قال: أوصيت لزيد وللفقراء، فكم يكون مقدار زيد؟
الشيخ: لو أوصى لزيد والفقراء.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: له النصف ولهم النصف.
طالب: لو كان في ورثة الميت مَن هم قصار ومجانين، فكيف يمكن إنفاذ وصيته بما فوق الثلث؟
الشيخ: ما يمكن، يُوقَف.
الطالب: يوقف إلى أن ..
الشيخ: حتى يبلغوا أو يعقلوا، أو يموتوا ويرثهم غيرهم.
الطالب: وهل يصح أن يُنْفِذُوا بما فوق الثلث ويكون من نصيب العقلاء الكبار؟
الشيخ: لا، ما يصح، لكن العقلاء لو أجازوا نفذ نصيبهم من الثلث.
طالب: أحسن الله إليك، كلب الصيد قلنا: يجوز هبته ولا يجوز بيعه.
الشيخ: ولا يجوز بيعه نعم.
الطالب: رجل عنده صيد أو ماشية.
الشيخ: رجل عنده كلب.
الطالب: لا، يريد الصيد، أن يصيد صيدًا، أو عنده ماشية ولا يجد كلبًا إلا بالشراء، هل يجوز له أن يشتريه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2547
الشيخ: خذ قاعدة، إذا حرُم العقد واضطُرَّ الإنسان إليه فإنه يحصل عليه بالعِوَض ويكون الإثم على البائع –مثلًا- ولهذا قال العلماء رحمهم الله في بيوت مكة قالوا: لا يجوز بيعها، ولا تجوز إجارتها، فلو جاءنا الحاج وقال: أنا أبغي أستأجر البيت هذا لمدة شهر وقت الحج، يحرُم نؤجره إياه، قال: أنا مُضْطَرّ، أبدًا ما نؤجر، حرام، أفهمت؟ ويش نعمل؟ قالوا: إذا لم يجد ما يسكنه إلا بأجرة فليدفع الأجرة والإثم على صاحب البيت.
لكن هذا القول -وهو مذهب الإمام أحمد، يعني المشهور عند أصحابه- مهجور من زمان، الآن بيوت مكة تباع وتشترى وتُؤَجَّر كأنها بيوت حِلّ لا بيوت حَرَم، ولهذا تَوَسَّط شيخ الإسلام رحمه الله وقال: إنه يجوز بيعها ولا يجوز إجارتها؛ لأن الإجارة منفعة، والمنفعة في الْحَرَم يشترك فيها كل الناس، كما قال عز وجل ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25]، ويقول: كان الناس في عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه حين كان خليفة كانت البيوت مُفَتَّحَة الأبواب للحجاج والعُمَّار، كل إنسان عنده شيء زائد يفتح بابه لمن أراد أن يسكن، أفهمت؟
فالأقوال إذن ثلاثة؛ جواز البيع والإجارة، وهو الذي عليه العمل من زمان، والثاني: تحريم البيع والإجارة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله، والثالث: التفصيل؛ جواز البيع دون الإجارة.
طالب: باب الْمُوصَى به .. وتصح بمجهول كعبدٍ وشاةٍ، ويُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي، وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالًا ولو ديةً دخل في الوصية، ومَن أُوصِيَ له بمعيَّن فتلف بطلت، وإن تَلِف المال غيرَه فهو للموصَى له خرج من ثلث المال الحاصل للورثة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
رجل أوصى بثمرة هذه النخلة لفلان ولم تُثْمِر، فهل يطالب الورثة بقيمة ثمرتها؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2548
الشيخ: لا يطالب؛ لأنها لم تُثْمِر فبطلت الوصية.
هل تصح الوصية بالكلب؟
طالب: نعم تصح.
الشيخ: تصح.
طالب: فيها تفصيل يا شيخ.
الشيخ: ما هو التفصيل.
الطالب: إن كان الكلب مما يجوز اقتناؤه كلب صيد أو حرث أو ماشية فإنه يصح.
الشيخ: أحسنت، وإلَّا.
الطالب: وإلا فإنه لا يصح؛ لأنه لا يمكله أصلًا، ولا يملك منفعته.
الشيخ: إذن فيه تفصيل؛ ما جاز اقتناؤه جازت الوصية به، وما لا فلا.
إذا أوصى بكلبِ صيد وعنده أموال عظيمة، فكم يستحق الموصَى له من هذا الكلب؟
طالب: على كلام المؤلف يستحق الثلث.
الشيخ: ثلث الكلب.
الطالب: ثلثه أو قيمته لو ( ... ).
الشيخ: لا، أقول: ثلث الكلب، فيكون شريكًا للموصَى له فيه، يقول: خليه عندك يوم وعندي يومين، كذا؟
الطالب: لا يا شيخ.
الشيخ: لا! كيف لا؟ !
الطالب: ثلث القيمة إذا.
الشيخ: ما فيه قيمة، الكلب ما له قيمة.
الطالب: لو قدرنا يعني له قيمة.
الشيخ: قدرنا له قيمة، ويش بيعطيه؟
الطالب: ثلث منفعته.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن هذه المنفعة لا يجوز أَخْذ العِوَض عليها.
طالب: يكون له ثلث الكلب.
الشيخ: ثلث الكلب، يعني –مثلًا- يتقاسمون المنفعة، فيقال للموصَى له: لك يوم وللورثة يومان، هل هناك قول آخر؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: وهو؟
الطالب: أن له كاملًا.
الشيخ: أن الكلب له كاملًا.
أوصى له بزيت مُتَنَجِّس؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: متنجس.
الطالب: يجوز؛ لأنه يمكن الانتفاع به في طلاء السفن والجلود.
الشيخ: إي، يمكن الانتفاع به، أوصى بإنسان عنده -مثلًا- أموال كثيرة، ولنقل: عنده مئة دَبَّة سمن، وأوصى بواحدة منها مُتَنَجِّسة، كم يُعْطَى الموصَى له.
طالب: على القول الراجح يُعْطَى كله.
الشيخ: وعلى الثاني؟
الطالب: أنه يُعْطَى الثلث.
الشيخ: ثلث الدابة المتنجسة، إلا إذا أجازت الورثة، القول الراجح؟
طلبة: أنه يُعْطَى كله.
الشيخ: أنه يُعْطَى كل ما أُوصِيَ له به، وهذا هو الصواب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2549
ثم قال المؤلف -ابتداء الدرس الجديد-: (وتصح بمجهول كعبد وشاة) تصح الوصية بمجهول، بأن قال: أوصيت لفلان بعبد من عبيدي، تصح؛ لأنها إذا صحَّت بالمعدوم فالمجهول من باب أولى، فماذا يكون له من العبيد؟ هل يُعْطَى أغلى العبيد، أو أرخص العبيد، أو ماذا؟ أوصى له بشاة، ماذا يُعْطَى؛ هل يعطى أدنى شاة، أو يُعْطَى شاة سمينة، أم ماذا؟ يقول المؤلف: (ويُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي)، فيُعْطَى عبدًا من العبيد أدنى شيء، إلا بإجازة الورثة، إذا أجازوا فالأمر إليهم، وإلا فيُعْطَى ما يسمى عبدًا ولو كان جاهلًا.
فإن قال قائل: هل يُعْطَى عبدًا مجنونًا؟ فالجواب: لا؛ لأن ظاهر قصد الْمُوصِي أن ينتفع الموصَى له بالموصَى به، والمجنون لا نفع فيه، بل فيه عبء وعناء.
فهو يُعْطَى عبدًا عاقلًا، سواء كان متعلمًا أو جاهلًا، وسواء كان قويًّا أو ضعيفًا.
الشاة ماذا يُعْطَى؟ يقول المؤلف: (يُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي)، إذا كان عُرْف الناس أن الشاة هي الأنثى من الضأن، فماذا يُعْطَى؟ يُعْطَى شاة أنثى، فإن اختلف العرف والحقيقة اللغوية فإنه يقدَّم العرف؛ لأن كلام الناس يُحْمَل على ما يعرفونه، فالشاة في اللغة تطلَق على الذَّكَر والأنثى من الضأن والمعز، لكنها في العرف أخصّ من ذلك، إنما تطلق على الأنثى من الضأن.
فإذا قال الورثة: نعطيك تَيْسًا، قال: لا، قالوا: نعطيك عنزة، قال: لا، قالوا: نعطيك خروفًا، قال: لا، له ذلك أو ليس له ذلك؟
الطلبة: له ذلك.
الشيخ: له ذلك بناء على أن الْمُغَلَّب العرف، وهو الصحيح، أما إذا قلنا: يُرْجَع للغة فيعطيه الورثة ما شاؤوا من هذه الأصناف.
وإذا أَوْصَى بثُلثِه فاستُحْدِثَ مالاً ولو دِيَةً دَخلَ في الوَصِيَّةِ.
ومَن أَوْصَى له بِمُعَيَّنٍ فتَلِفَ بَطَلَتْ.
وإن أَتْلَفَ المالَ غيرُه فهو للمُوصَى له إن خَرَجَ من ثُلُثِ المالِ الحاصلِ للوَرثةِ.
(بابُ الوَصيَّةِ بالأنصباءِ والأجزاءِ)
الجزء: 2 - الصفحة: 2550
إذا أَوْصَى بِمِثْلِ نصيبِ وارثٍ مُعَيَّنٍ فله مِثلُ نصيبِه مَضمومًا إلى المسألةِ، فإذا أَوْصَى بِمِثلِ نَصيبِ ابنِه وله ابنانِ فلَه الثُّلُثُ وإن كانوا ثلَاثةً فله الربُعُ، وإن كان معهم بنتٌ فله التُّسُعَانُ، وإن وَصَّى له بِمِثلِ نَصيبِ أَحَدِ وَرَثَتِه ولم يُبَيِّنْ كان له مِثلُ ما لأَقَلِّهِم نَصيبًا: فمع ابنٍ وبنتٍ رُبُعٌ، ومع زوجةٍ وابنٍ تُسُعٌ، وبسَهْمٍ من مالِه فله سُدُسٌ، وبشيءٍ أو جزءٍ أو حَظٍّ أعطاهُ الوارثُ ما شاءَ.
(بابُ الْمُوصَى إليه)
تَصِحُّ وَصيَّةُ المسلِمِ إلى كلِّ مُسلمٍ مكَلَّفٍ عَدلٍ رشيدٍ ولو عَبدًا، ويَقْبَلُ بإذنِ سيِّدِه وإذا أَوْصَى إلى زيدٍ وبعدَه إلى عمرٍو ولم يَعْزِلْ زيدًا اشتَرَكَا، ولَا يَنفرِدُ أحدُهما بتَصَرُّفٍ لم يَجْعَلْه له ولا تَصِحُّ وَصِيَّةٌ إلَّا في تَصَرُّفٍ مَعلومٍ يَمْلِكُه الْمُوصِي كقضاءِ دَيْنِه وتَفْرِقَةِ ثُلُثِه والنظَرِ لِصِغَارِهِ ولَا تَصِحُّ بما لَا يَمْلِكُه الموصِي كوصيَّةِ المرأةِ بالنظَرِ في حَقِّ أولَادِها الأصاغِرِ ونحوِ ذلك، ومَن وَصَّى في شيءٍ لم يَصِرْ وَصِيًّا في غيرِه، وإن ظَهَرَ على الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَستغرِقُ بعدَ تَفْرِقَةِ الْوَصِيِّ لم يَضْمَنْ، وإن قالَ: ضَعْ ثُلُثِي حيث شِئْتَ لم يَحِلَّ له ولَا لولدِه، ومَن ماتَ بمكانٍ لَا حاكمَ به ولَا وَصِيَّ جازَ لبعضِ مَن حَضَرَه من المسلمينَ تَوَلِّي تَرِكَتِه وعَمَلُ الأصلَحِ حينئذٍ فيها من بيعٍ وغيرِه.
نُعطيك تيسًا؟ قال: لا، قالوا: نعطيك عنزة؟ قال: لا، قالوا: نعطيك خروفًا؟ قال: لا.
له ذلك أو ليس له ذلك؟ له ذلك بناءً على أن الْمُغلَّب العُرْف، وهو الصحيح، أما إذا قلنا: يُرجع للغة فيعطيه الورثة ما شاؤوا من هذه الأصناف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2551
واستفدنا من كلام المؤلف رحمه الله أن العُرف مُقدَّم فيما ينطق به الناس، يُحمل على أعرافهم، وهذه هي القاعدة السليمة الصحيحة، لكن ليس في هذه المسألة فقط بل في جميع المسائل يُحمَل كلام الناس على ما يعرفونه.
وعلى هذا فإذا قال الرجل: خلَّيْت زوجتي.
فالصيغة من الصريح ولَّا من الكناية؟ من الصريح، عند الناس خلَّى زوجتَه كطلَّق زوجته، فتكون من الصريح، وإن كانت كناية عند الفقهاء لكن هذا يُناقِض كلامهم في بعض الأبواب أنه يُغَلَّب العُرْف حتى في الأيمان قالوا: يُغَلَّب العُرف.
وإذا قال: جوَّزتك بنتي.
بهذا اللفظ، فعند الناس في عُرفهم أن جَوَّزَ مثل زَوَّجَ، فعلى هذا ينعقد النكاح بهذا اللفظ، أما لو خاطَب ابنته منه وقال: أعطيتُك.
فهذا ليس بعقد، ولكنه وعد؛ لأنه لما قال: خطبت، قال: أعطيتك، يعني وافقت على خطبتك، وليس هذا بعقد.
المهم نأخذ من كلام المؤلف هنا أن العُرْف مُقدَّم على كل شيء، وأن كلام الناس يُحمل على أعرافهم.
(وإذا أوصى بثلثه)، (أوصى) الفاعل يعود على ما يدل عليه الاشتقاق؛ يعني وإذا أوصى الموصِي، وعود الضمير على ما يدل عليه الاشتقاق سائغ في اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8] هو أيش؟ العدل المفهوم من كلمة اعدلوا؛ يعني إذا أوصى مُوصٍ بثلثه فاستحدث مالًا دخل في الوصية؛ لأن المعتَبَر الثلث عند الموت.
مثال ذلك: رجل أوصى بثُلُثه وعنده ثلاثة آلاف، كم الثلث من الوصية؟ ألف، لكن الرجل أغناه الله، وصار عنده ثلاثة ملايين عند الوفاة، كم يصير الموصى به؟ لا إله إلا الله! حين الوصية يا إخوان، عنده ثلاثة آلاف؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، شوف، هو عند الوصية، عنده ثلاثة آلاف أوصى بثلثه، قال: أوصيت بثُلث مالي لفلان.
ثم أغناه الله وصار عنده ثلاثة ملايين، كم تكون الوصية؟
طلبة: مليون.
الشيخ: تكون مليونًا، تمام؛ ولهذا قال: (فاستحدث مالًا) دخل في الوصية.
الجزء: 2 - الصفحة: 2552
وقوله: (ولو دية)، إشارة خلاف لكنه خلاف ضعيف، يعني حتى دِية المقتول خطأً تُضمُّ إلى ماله فتدخل في الوصية.
مثاله: رجل أوصى بثُلث ماله وعنده مئتا ألف، فقُتِل خطأ، كم الدية؟ مئة ألف، هل نقول: ليس للمُوصَى له إلا ثلث المئتين؟ إي نعم، ثلث المئتين ألف، أو نقول: له كم؟ له مئة ألف؛ لأنه كان حين الوصية عنده مئتا ألف.
أوصى بثلث ماله، ثم قُتِل خطأً فاستحق الدية مئة ألف، كم صار الجميع؟ ثلاث مئة ألف، لو قلنا: إن الدية لا تدخل لكان للمُوصَى له ثلث المئتين، كم ثلث المئتين؟ ستة وستين وثلثان، إذا قلنا: له مئتا ألف؛ لأن الدية تُعتَبر من ماله؛ لأنها عِوض نفسه، فتُعتَبر من ماله.
وبناءً على هذا ينبغي للقضاة إذا كتبوا تنازل الورثة عن الدية أن يسألوا أولًا: هل أوصى أو لا؟ إن كان قد أوصى فليس لهم التنازل عن الدية كلها إلا إذا كان له مال مقابل، لماذا؟ لأن حق الوصية مُشارِك في حق الورثة، فيسأل إذا قال له: إنه أوصى: قال: هل له ما يقابل الثلث؟ إذا قالوا: لا، ما عنده إلا هذه الدية.
نقول: إذن لا يصح عفوهم إلا عن ثلثي الدية، أما ثلثها فهي للوصية إذا كان قد أوصى بالثلث.
وهذه يغفل عنها بعض الناس، تجده مثلًا يحضر الورثة، ويكتب تنازلًا، ولا يسأل هل أوصى أو لا؟ وهل له مال سوى هذه الدية أو لا؟
(ومن أُوصِي له بمعين فتلف بطلت)، (أُوصِي له بمعين) بأن قال الموصِي: أَوصيتُ بهذا البيت لفلان.
البيت الآن مُعيَّن، فتلف البيت فإنها تبطل الوصية، ولكن تَلَفُ البيت في الواقع مُتعذِّر إلا إذا كان البيت قد بُنِي على ملك الغير فانهدم البيت يمكن، فلنُمثِّل بمثال آخر: أوصى له بسيارة، قال: أوصيت بهذه السيارة -سيارة النقل- لفلان.
فاحترقت السيارة، تلفت؛ تبطل الوصية؛ لأن الموصَى به تعذر استيفاؤه فتبطل الوصية، هل يطالِب الورثة ويقول: أعطوني قيمة السيارة؟ لا؛ لأنه مُعيَّن تلف فتبطل الوصية.
الجزء: 2 - الصفحة: 2553
(وإن تَلِف المال غيرَه فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة) إن تلف المال غيره نظرنا إن كان قبل الموت، قبل موت الموصي، فليس للموصَى له إلا ثلث ما أُوصِي له به؛ لأنه لما مات صار هذا المعيَّن زائدًا على الثلث، فلا ينفذ منه إلا الثلث فقط، هذا متى؟ إن كان تلف المال قبل الموت، أما إن كان بعد الموت فكما قال المؤلف: (للمُوصَى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة)، إذا كان بعد الموت فنقول: إن ما سوى هذا المعين تلف على نصيب من؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) تلف على نصيب الورثة.
أُعيد المثال مرة ثانية: أوصى لفلان بسيارة فاحترقت؛ تبطل الوصية، واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: لأن الموصَى به تلف.
أوصى له بالسيارة فتلف المال إلا هذه السيارة، فهل تبطل الوصية أو لا ينفذ إلا ثلث السيارة، أم ماذا؟ نقول: في هذا تفصيل؛ إن تلف المال قبل أن يموت لم ينفذ من هذه السيارة إلا الثلث؛ لأن أصبح لما تلف المال سوى هذه السيارة أصبح ماله هذه السيارة فقط، فليس له إلا ثلثها، إلا أن يُجيز الورثة، إن كان تلف المال بعد موت الموصِي نظرنا إذا كان المال الذي تلف ضِعف قيمة السيارة؛ يعني السيارة بألف والمال اللي تلف بألفين فالوصية نافذة؛ لأنه تبين الآن أن هذه السيارة عند موت الموصِي تُساوي الثلث فتنفذ، إن كان الذي تلف بعد موت الموصي مثل قيمة السيارة أو أقل فإنه لا يثبت للموصَى له إلا ما يقابل الثلث؛ ولهذا قال: فهو للموصَى له إن خرج من ثُلث المال الحاصل للورثة، وهذا لا يكون الحاصل للورثة لا يكون إلا بعد الموت، إذا مات حصل المال للورثة، واضح ولَّا لغة؟
طلبة: واضح.
الشيخ: ما هي أعجمية؟ ! أيش السؤال؟
طالب: بعد الموت يا شيخ؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2554
الشيخ: إذا تلف بعد الموت ما سِوى الْمُوصى به، فالتالف على حساب مَنْ؟ على حساب الورثة، فننظر إذا كان التالف أكثر من قيمة السيارة مرتين؛ يعني مرتين فأكثر فالسيارة للموصَى له، ما فيه إشكال، إذا كان أقل من قيمة السيارة لم يثبت إلا ما يُقابِل الثلث؛ بمعنى أننا نضم قيمة السيارة إلى الموجود، قيمة السيارة مثلًا ستون ألفًا، والموجود عشرون ألفًا، الآن نضم قيمة السيارة الستين ألفًا إلى العشرين ألفًا تكون ثمانين، كم ثلثها؟ ثلثها كذا، معروف.
نقول: لا يملك من السيارة إلا ما يقابل ثلث الجميع.
مثال واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: قال: (إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة) نعم، أسئلة.
طالب: لو احترق عدد معين من السيارة بعد موت المورِّث هل للمُوصَى له أن يُطالِب الورثة ( ... )؟
الشيخ: لا، إذا تلف الْمُعيَّن فلا يُطالِب الورثة بشيء سواء قبل أو بعد.
طالب: في استحقاقه ثلث الدية؛ لأننا ما ندري يا شيخ هل الأسبق استحقاقًا الوصية أم الدية، وما الذي يستحق أولًا، أم أنه في نفس الوقت؟
الشيخ: في نفس الوقت، هو ملك المال عند خروج الروح.
طالب: يعتبر ( ... )؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: والله يا شيخ الأصل عدم استحقاق غير الورثة شيء ولما ..
الشيخ: لا يمكن هذا، يعني يمكن أن نعطي قيمة الإنسان لغيره ولا ينتفع بها بنفسه؟
طالب: الورثة يا شيخ يأخذون الدية كاملة.
الشيخ: لا، الورثة يأخذون الدية كاملة إذا كان لهم ما يقابل بالنسبة للمُوصَى به، يأخذون الورثة الدية كاملة إذا كان هناك ما يُقابِل ما يُوصَى به؛ يعني مثلًا الدية مئة ألف، وعنده مئتا ألف وقد أوصى بالثلث ( ... )، الدية للورثة والْمُوصى له يُعطَى مئة ألف.
طالب: إذا أخذ ثلث الدية.
الشيخ: مَن؟
الطالب: الموصى له.
الشيخ: هو مُوصى له بمئة ألف.
الطالب: مثلًا أوصى يا شيخ بالثلث مشاع، وكان ماله.
الجزء: 2 - الصفحة: 2555
الشيخ: الورثة قالوا: ( ... ) إحنا نتكفَّله، ما فيه مشكلة، ما دام عنده مئتا ألف، أعطوه هذه المئة ألف وينتهي الموضوع.
المهم أن الدية تُعتبر كالميراث؛ يعني بمعنى كما لو ورث الموصِي شيئًا من غيره يُضم إلى ماله، هذه القاعدة.
طالب: من مات وخلَّف بيتًا وأُجِّر هذا البيت، فهل ما يقوم به الورثة من إصلاح هذا البيت يأخذون الثلث الذي أوصى به للموصِي أو لا؟
الشيخ: هو أوصى بأيش؟
الطالب: أوصى بالثلث ( ... ).
الشيخ: زين.
الطالب: وبقي هذا البيت يؤجر.
الشيخ: يعني لا يُقْسَم.
الطالب: لم يُقْسَم، ( ... ) أجرة هذا البيت سنويًّا مثلًا ثلث المال، واحتاج البيت إلى ترميم فهل يُؤخذ من الوصية؟
الشيخ: يؤخذ من الجميع.
الطالب: حتى من الوصية.
الشيخ: حتى من الوصية؛ لأن الموصى له صار مالكًا مشاركًا.
طالب: ( ... ) وحج عنه وارث، يصح؟
الشيخ: يصح، بشرط أن تكون النفقة على قدر العمل؛ بمعنى أنه يُحج عنه بألف، وأوصى بألف، أما إذا كان يحج بألف، وأوصى بألفين ما يجوز؛ لأن هذه محاباة.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، فإن كان الوارث قاتلًا خطأً فيرث من الدية؟
الشيخ: لا، ما يرث من الدية، أولًا: القاتل خطأً -على ما يراه الفقهاء رحمهم الله- لا يرث أصلًا لا من الدية ولا من غيرها، والصحيح أنه يرث من غيرها، ولا يرث منها؛ لأنها واجبة عليه.
طالب: أحسن الله إليك، لو أوصى بالمعلوم مثل حمل الشاة؟
الشيخ: حمل الشاة، نعم.
الطالب: لو منع الورثة الشاة لمنفعة من الفحل، فهل للموصَى له أن يطالبهم؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنهم تسببوا لمنعه استحقاقًا.
طالب: إذا ( ... ) صار عليها حاجة، ولَّا صار عليها ( ... ) وعنده ورثة ( ... ) الأفضل أنه يسامح في الدية ولا يخليها للورثة؟
الشيخ: والله حسب الحال، حسب ما سبق من الوصية، إذا كان الورثة محتاجين فالأفصل ألا يسامح، وإن كانوا أغنياء فهو يسامح، لكنه لا ينفذ إلا الثلث فقط، فإذا مات فله أن يسامح عن الدية.
الجزء: 2 - الصفحة: 2556
طالب: جزاك الله خيرًا، أحسن الله إليك يا شيخ ( ... )، المثال الذي ذكرناه أخيرًا في السيارة، لو استحق ثلث السيارة، ولم يقل إنه يعني يملك منفعتها مثلًا، يكون له يوم وللورثة يومان، أو تُقوَّم السيارة.
الشيخ: حسب الاتفاق، إذا أوصى له بسيارة ومات ولم يُخلِّف سواها صار له ثلثها وللورثة ثلثاها، وكيف يتمكن من الانتفاع بما أوصى له به؟ يرجع إلى الاتفاق بينهم، فإن اختلفوا تُباع السيارة، ويأخذ كل واحد نصيبه.
باب الوصية بالأنصباء والأجزاء
طالب: ( ... ) تعالى في كتاب الوصايا: باب الوصية بالأنصباء والأجزاء، إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة، فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث، وإن كانوا ثلاثة فله الربع، وإن كان معهم بنت فله التُّسعان، وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يُبيِّن كان له مثل ما لأقلهم نصيبًا، فمع ابنٍ وبنت ربع، ومع زوجة وابن تِسع، وبسهم من ماله فله سدس، وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الوصية بالأنصباء والأجزاء)، الأنصباء: جمع (نصيب)، وهو الشيء الْمُقدَّر.
(والأجزاء) جمع (جُزْء)، وهو الشيء المقدر، لكن لا بالنسبة لشخص معين، فالأنصباء بالنسبة للأشخاص، والأجزاء بالنسبة للمسألة.
يقول: (إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة) هذا الضابط، (إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين) قال: مثل نصيب ابني فلان، أو بنتي فلانة، أو ما أشبه ذلك (فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة)، إذن نُصحِّح المسألة الأولى، مسألة الورثة، ثم نضيف لها مثل نصيب من أوصى له.
مثال ذلك: إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان، كم مسألتهما، مِنْ كم؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: له ابنان، كم مسألتهما؟
طلبة: اثنان.
الشيخ: من اثنين، أضف إليها مثل نصيب واحد منهم، يكون له الثلث؛ لأن تكون ثلاثة فله الثلث.
الجزء: 2 - الصفحة: 2557
(وإن كانوا ثلاثة فله الربع) إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ثلاثة أبناء مسألتهم من ثلاثة، أضف إليها واحدًا مثل نصيب أحدهم تكون أربعة فيكون للموصَى له الربع، وهذا سهل.
بمثل نصيب زوجته وله زوجة وابن؟ الثمن مضمومًا إلى المسألة، وهو التسع في الواقع، يكون التسع؛ لأن نصيب الزوجة الثمن، واحد من ثمانية، والمسألة من ثمانية، أضف إليها واحدًا تكون تسعة، فيكون للموصَى له التُّسع، وللزوجة الثمن واحد، لكنه بسبب الوصية فهو التسع، والباقي للابن.
وإن كان معهم بنت فله التسعان؛ ثلاثة معهم بنت لهم التسعان؛ لأن الثلاثة لكل واحد سهمان، والبنت سهم الثلاثة سهمان يكون ستة، والبنت سهم سبعة، أضف إلى المسألة مثل نصيب أحد الابنين تكون تسعة، فيكون له التسعان.
(وإن كان معهم بنت فله التُّسعان) ووجه ذلك ظاهر؛ لأن كل ابن له اثنان من سبعة، والبنت لها واحد من سبعة، فإذا أضفنا اثنين إلى سبعة صار له التُّسعان.
(وإن وصَّى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يُبيِّن كان له مثل ما لأقلهم نصيبًا) قال: أوصيت لفلان بمثل نصيب وارث من ورثتي، ولا بَيَّن من هو، يقول: (فله مثل ما لأقلهم نصيبًا، فمع ابن وبنتٍ ربع، ومع زوجة وابنٍ تسع).
هذان مثالان، الأول: ابن وبنت، وأوصى لهما مثل أحد نصيب ورثته ولم يُبيِّن، نقول: الابن والبنت من ثلاثة، صح؟ للابن اثنان وللبنت واحد، أضف إلى الثلاثة مثل نصيب البنت تكن أربعة، إذن للمُوصَى له الربع.
(ومع زوجة وابنٍ تُسع) إذا قال: أوصيتُ لفلان بمثل نصيب أحد الورثة، وورثته زوجة وابن، الزوجة لها الثمن، والابن له الباقي، أضف الثمن واحدًا إلى الثمانية تكن تسعة، إذن فللموصَى له التُّسع.
(وبسهم من ماله فله سدس) إذا أوصى له بسهم من ماله فله السدس، قلَّ أو كثر، فيُؤخذ السدس من التركة أولًا، ثم يقسم الباقي على مَنْ؟ على الورثة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2558
مثال هذا: أوصى رجل بسهم من ماله لفلان وله ابنٌ وبنت، ماذا نُعطي فلانًا؟ السدس، والباقي يُقسم بين الابن والبنت؛ للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا مروي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم فأخذ به الفقهاء توقيفًا لا تعليلًا.
وقال بعضهم: إنه تعليل؛ لأن السهم في اللغة العربية السدس، ولكن في القلب شيء من هذا؛ لأن السهم يقتضي أن يكون أقل سهم، يعني فيكون كما لو أوصى بنصيب وارث ولم يُبيِّن، وهذا أحد القولين في المسألة، أنه إذا أوصى له بسهم من ماله فله مثل ما لأقل الورثة نصيبًا، وعلى هذا فمع ابن وبنت وأوصى بسهم كم يُعطَى؟
طلبة: الرُّبع.
الشيخ: الربع، يُعطى الربع؛ لأن هذا أقل سهم.
وأما السدس فهذه لعلها قضايا أعيان وردت عن بعض الصحابة رضي الله عنهم فقلنا: إنها توقيف، وما دامت المسألة ليس فيها نص شرعي ولا حقيقة شرعية فينبغي أن يُرجع في ذلك إلى المسألة، ويقال: أدنى سهم فيها هو الواجب للمُوصَى له.
(وبشيء، أو جزء، أو حظ، أو نصيب، أو ما أشبه ذلك أعطاه الوارث ما شاء) إذا قال: أوصيتُ لفلان بشيء من مالي، ثم هلك يعطيه الوارث ما شاء.
وظاهر كلامهم رحمهم الله أنه يعطيه ما شاء مطلقًا حتى ولو كان بعيدًا أن يكون مرادًا، فلو كان إنسان عنده عشرة ملايين تَرِكة، وأوصى بشيء من ماله لفلان، فقال الورثة: مرحبًا بالوصية وبالْمُوصى له، اتفضل، هذا ريال، فقط على كلام المؤلف تبرأ ذممهم، ولا يطالبهم بشيء؛ لأن الميت أوصى بشيء من ماله، وهذا شيء فيُعطى أقل ما يقع عليه الإنسان.
الجزء: 2 - الصفحة: 2559
ولكن ينبغي أن يقال: ما لم يخالف ذلك العرف، فإن خالف العرف رجعنا إلى ما تقتضيه الوصية، ومن المعلوم أن من عنده عشرة ملايين، وأوصى لشخص بشيء أنه لا يريد ريالًا من عشرة ملايين، هذا بعيد جدًّا؛ لأن الموصِي قصده نفع الموصَى له وإعطاؤه من هذا المال، ومثل هذا لا يرضى أن يُعطَى إياه، فيُرجع في ذلك -على القول الراجح- إلى ما يقتضيه العُرف، ولا يعطيه الوارث ما شاء بل ما يقتضيه العرف.
وكذلك أيضًا إذا قال: بجزء من ماله، وعنده عشرة ملايين، أعطاه الوارث هلَلة جزءًا من المال ولَّا لا؟ جزءًا من مال، هل يمكن أن يُقال: إن هذه الهللة أراد الموصِي أن يُعطى إياها الموصَى له وعنده عشرة ملايين؟ لا يمكن.
أعطاه الورثة غُترة النوم، أوصى له بشيء من ماله، فقال أهله: مرحبًا، عنده عشرة ملايين، فأخذوا غُتْرة النوم التي يتغلل بها إذا نام، وقالوا: تفضل، يجزئ أو لا؟ على كلام المؤلف يجزئ؛ لأن هذه مال تُورَث وتُباع في التركة فيُجزئ لكن هذا -كما ترون- لا يمكن أن يُقال به، حتى عامة الناس يرون أن هذا منتَقد، وأن الموصِي لم يُرِد ذلك.
(أو حظ)، حظ قال: أو أوصي لفلان بحظ من مالي، وأعطاه هللة، وعنده ملايين، يسعى على كلام المؤلف، هل يعقل يقال: حظ من مالي؟ كل يفهم أن المراد حظ مهم.
فعلى كل حال مثل هذه المسائل يُرجع فيها إلى العُرف لا إلى مطلق المعنى؛ لأن الناس لهم أعراف ولهم إرادات تخصص العام، أو تُعمِّم الخاص، أو تُطلق المقيَّد، أو ما أشبه ذلك.
باب الموصى إليه
ثم قال: (باب الموصى إليه) الموصى إليه ليس ركنًا من أركان الوصية؛ لأن أركان الوصية كم؟ مُوصٍ وموصًى له، ومُوصًى به، والصيغة قد نقول: هي من أركانه، ولكن الموصى إليه ما هو شرط، الموصَى إليه هو الذي أُمر بالتصرف بعد الموت، هذا الموصَى إليه، وهو بمنزلة الوكيل للأحياء، وله شروط.
الجزء: 2 - الصفحة: 2560
فقال: (تصح وصية المسلم إلى كل مسلم)، انظر الآن الموصِي مُسلم، وإذا كان مسلمًا فلا بد أن يكون الموصَى إليه مُسلمًا مُكلفًا؛ يعني بالغًا عاقلًا، عدلًا يعني مستقيم الدين والخلق، رشيدًا، يعني حسن التصرف فيما أُوصِي إليه به.
وصية الكافر تصح للكافر؟ وصية الكافر إلى الكافر؟ تصح، فلو أوصى يهودي إلى يهودي لينفذ بعد موته ما وصاه به، فلا بأس، إنما الشروط هذه الموصَى إليه، إذا كان الموصِي مُسلمًا.
قوله: (إلى كل مسلم) يخرج به الكافر، فلا تصح وصية المسلم إلى الكافر ولو كان الكافر أمينًا، ولو كان الكافر عاقلًا، ولو كان صديقًا للموصِي؛ لأن هؤلاء قد خانوا الله من قبل، وإذا كانوا خانوا الله فإنهم يخونون عباد الله من باب أولى.
ولهذا لما كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أن يولي نصرانيًّا في حساب بيت المال أَبَى عليه عمر، قال: لا يمكن نأتمن نصرانيًّا على حساب بيت المال، وكيف نأمنهم وقد خوَّنهم الله؟ ! فكتب إليه أبو موسى: أن الرجل حاذق وجيد.
كتب إليه: مات النصراني، والسلام (1).
هذه لها مغزى عظيم ما هو؟ يعني هل يتعطل بيت المال إذا مات هذا النصراني، قدِّر أنه مات، فبيت المال لا يتعطل.
إذن لا يصح أن يُوصِي إلى الكافر ولو كان من آمَن الكفار، ولو كان من أقواهم؛ لأنه غير مأمون مهما كان الأمر.
هذا مسلم.
(مُكلَّف) يعني بالغًا عاقلًا، والبلوغ تعرفون بماذا يحصل؟ والعاقل هو أن يكون لدى الإنسان ما يحجزه عن السَّفَه والتصرفات الطائشة، ضده البالغ؟
طالب: الصغير.
الشيخ: الصغير ضد العاقل المجنون.
وهل يصح وصية الرجل إلى المرأة؟ لأن ظاهر كلامه مُكلَّف، امرأة بالغة عاقلة، أوصى إليها بثلث ماله تصرفه في الفقراء، أو في أي مشروع خيري، يجوز أو لا يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنه يصح تصرفها في مال نفسها فيصح تصرفها في مال غيرها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2561
(رشيد) إي نعم.
(عدل) العدل ضد الفاسق، وهو -أي العدل- من استقام في دينه ومروءته.
في دينه بألا يفعل كبيرة إلا أن يتوب منها، وألا يصر على صغيرة، وأن يكون مؤديًا للفرائض؛ وذلك لأن من فرَّط في دينه فإنه لا يُؤمَن أن يُفرِّط في عمله.
فإن أوصى إلى فاسق، فالمذهب لا تصح الوصية إليه؛ لأنه غير مأمون، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فالفاسق لا يُقبل خبره، ولا يُرضى تصرُّفه.
ولكن ينبغي أن يقال: إن هذا مبني على الشهادة، فإذا قبِلنا شهادة الفاسق المرضي في شهادته قبلنا الوصية إليه؛ لأنه قد يُوجد فاسق لكنه أمين من جهة المال.
ولنفرض أنه يشرب الدخان، شُرب الدخان إصرار على أيش؟
طلبة: على صغيرة.
الشيخ: على صغيرة، إذن هو فاسق، إذا كان هذا الشارب للدخان رجلًا عاقلًا حصيفًا أمينًا رشيدًا، نقول: لا تصح الوصية إليه؟ في هذا نظر لا شك؛ ولهذا نقول: إن اشتراط العدالة فيه تفصيل، فإن كانت العدالة تخدش في تصرفه فهي شرط، وإن كانت لا تخدش في تصرفه وأنه يتصرف تصرفًا تامًّا ليس به أي إشكال فإنها ليست بشرط.
هذا الصحيح في مفهوم قوله: (عدل).
(رشيد)، الرشيد: هو الذي يُحسن التصرف فيما وُكِّل إليه؛ لقول الله تعالى في اليتامى: ﴿إِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، فالرشد لا بد فيه، ولكن الرشد في كل موضع بحسبه؛ الرشيد في المال هو الذي يحسن البيع والشراء والاستئجار والتأجير بدون أن يُغبَن غبنًا أكثر مما جرت به العادة، هذا الرشيد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2562
لكن الرشيد في أمر آخر كولاية النكاح على القول بصحة الوصية فيها ليس الذي يحسن البيع والشراء هو الذي يعرف الكفء ومصالح النكاح، فكل رُشْد بحسبه، الرشيد في المال ليس الرشيد في ولاية النكاح، والرشيد في ولاية النكاح ليس الرشيد في المال، قد يكون الرجل رشيدًا في ولاية النكاح؛ لأنه رجل يعرف الناس ويعرف الكفء، ويخشى الله ويتقي الله، ولكنه في المال أخرق لا يعرف، يأتيه الصبي معه الدجاجة تساوي ريالين فيقول: يا عم، اشترِ الدجاجة.
قال: بكم؟ قال: بعشرة ريالات.
قال: هات.
هذا رشيد في تصرف المال؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ليش؟ غُبِن؛ يعني خمسة أضعاف، لكنه من الناحية الأخرى جيد.
فنقول: إذن الرشيد في كل موضع بحسبه.
قال المؤلف: (ولو عبدًا ويقبل بإذن سيده).
(ولو عبدًا) (لو) هذه إشارة خلاف؛ يعني أنها تصح الوصية إلى العبد لكن يُقبل بإذن سيده، وحينئذٍ يعني إذا قلنا بهذا القول يجب أن نقول: من شرط السيد أن يكون عدلًا رشيدًا بالغًا عاقلًا مُسلمًا.
إذن تصح الوصية إلى العبد، ويقبل بإذن سيده، ويشترط في سيده أن يكون ممن تصح الوصية إليه، يشترط في السيد أن يكون ممن تصح الوصية إليه.
وهذا الخلاف الذي أشار إليه المؤلف مقابِله مقابل ما أثبته رحمه الله من يقول: لا تصح الوصية إلى العبد مطلقًا؛ لأن العبد يحتاج إلى من يقوم عليه، فكيف يكون قيمًا على غيره؟ فالوصية للعبد لا تصح.
القول الثاني: التفصيل؛ الوصية إلى عبد نفسه جائزة، والوصية إلى عبد غيره غير جائزة؛ لأن وصيته إلى عبد نفسه تكون نتيجة لعلمه بأن هذا العبد أمين رشيد يُحسِن التصرف تمامًا، وأنه سوف يحرص على وصية سيده كما يحرص على ماله أو أكثر.
وهذا القول وسط بين القول بالمنع مطلقًا والقول بالجواز مطلقًا، ومع ذلك لا بد من إذْن السيد؛ لأنه إذا قبِل الوصية فسوف ينشغل وقتًا غير قصير بتصريف هذه الوصية فيقتطع جزءًا من وقته يفوته على مَنْ؟ على سيده، فلا بد من إذن السيد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2563
قال: (ويقبل بإذن سيده)، قوله: (بإذن سيده)، يجوز أن يقول: بإذن سيده؛ يعني سيد، أليس السيد الله؟ ! كيف؟
طلبة: بلى.
الشيخ: هذا مقيد، الممنوع السيادة المطلقة؛ فإنها لا تكون إلا لله وحده عز وجل، أما السيد المقيد فلا بأس، فيقال: سيد هؤلاء القوم، سيد بني فلان، هذا لا بأس به.
قال: (وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو، ولم يعزل زيدًا اشتركا، ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له)، (إذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو) سبحان الله، هذان الرجلان محل التمثيل عند العلماء الفقهاء والنحويين وغيرهم أيضًا، فلماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لخفتهم؛ لأن كل ثلاثة أحرف وسطها ساكن، وهي خفيفة على اللسان.
أوصى إلى زيد، ثم أوصى إلى عمرو، فقال: أوصيت إلى زيد أن يصرف خمُس مالي في أعمال البر، ثم بعده قال: أوصيتُ إلى عمرو أن يصرف خُمس مالي في أعمال البر.
الآن أوصى إلى شخصين، فنقول: إن قال: عزلت زيدًا فالوصية لعمرو، وإن لم يقل فهي بينهما، هكذا قال الفقهاء رحمهم الله.
وإذا كانت بينهما اشتركا في التصرف، ولا يمكن أن ينفرد أحدهما بتصرف إلا بمراجعة الآخر.
وعلى هذا فإذا مات الموصي أعطينا الرجلين جميعًا كم؟ كم نعطيهم؟
طلبة: الخمس.
الشيخ: الخُمس، قلنا: أوصى بالخمس، وقلنا: تصرف فيما أوصى به فيه، ولا ينفرد أحدكما على الآخر بشيء؛ لأنه جعله لهما.
وهذه المسألة لها صور:
الصورة الأولى: أن يوصي إلى زيد، ثم يوصي إلى عمرو ويقول: قد عزلت زيدًا، فمن يكون الموصَى إليه؟
طلبة: عمرو.
الشيخ: عمرو، واضح.
الصورة الثانية: أن يقول: أوصيتُ إلى زيد وعمرو، فمن تكون الوصية إليه؟ إلى الاثنين.
الصورة الثالثة: أن يقول: أوصيتُ إلى زيد، ثم يقول بعد ذلك: أوصيت إلى عمرو، فمن الوصي إليه؟ المذهب أنهما يشتركان.
وقيل: إن الوصية للثاني؛ للأخير، كما لو ورد نصان لا ينفرد أحدهما؛ يعني لا يمكن الجمع بينهما، فالثاني ناسخ للأول، هذه واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2564
ثانيًا: قالوا: إن مقتضى الوصية إلى عمرو عزل زيد ورضاه به.
فإن قال قائل: قد يكون نسي أنه أوصى إلى زيد بأن تكون المدة طويلة؟
نقول: نعم، لنفرض أنه نسي، لكن الإيصاء إلى عمرو يقتضي أنه رضي بعمرو، وإذا اقتضى ذلك فإنه إن قلنا: إنه عزل لزيد فهو عزل، وإن لم يقُل فهو ابتداء وصية فيكون الثاني هو الوصي وحده.
وهذا القول هو الراجح، كما مر علينا في الموصَى له، أنهما يشتركان، وأن القول الراجح أنه للثاني.
ولكن قلت لكم، وأقول الآن تأكيدًا: ينبغي للإنسان إذا كتب وصية إنسان أن يقول: وهذه الوصية ناسخة لما قبلها، كل إنسان يطلب منك أن تكتب وصيته، اكتب لكن قل: هذه الوصية ناسخة لما سبقها حتى تُريح الذين يأتون بعدك، ولا يحصل التباس.
وقوله: (لا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له)، عُلِم منه أنه إذا انفرد أحدهما بتصرف جعله له فلا بأس؛ ينفرد كما لو قال: أوصيتُ بخُمسي إلى زيد وعمرو في أعمال الخير، يتولَّى صرفه في طلبة العلم زيد، من الذي يتولى هذا؟ زيد؛ لأنه خصه، يتولى عمرو صرفه فيمن احتاج إلى النكاح، من يتولى هذا؟ عمرو؛ لأنا نمشي في الوصية على ما يقتضيه كلام الموصِي.
قال: (ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي كقضاء دَيْنه، وتَفْرِقَة ثُلُثِه، والنظر لصغاره)، يعني الوصية لا تصح بالنسبة للمُوصَى إليه إلا في تصرف معلوم يبينه الموصِي، ويكون الموصِي يملك ذلك، فإن كان في تصرف مجهول فإنه لا يصح.
وهل مثله إذا أطلق ولم يذكر تصرفًا؟ يحتمل هذا وهذا مثل أن يقول: أوصيتُ بخمسي إلى فلان.
فقط ولا يذكر شيئًا، هذا لم يذكر شيئًا، فظاهر كلام المؤلف أنه لا تصح الوصية؛ لأن الموصَى إليه الآن ماذا يصنع؟
لكن القول الراجح أنه تصح الوصية ويقال للموصى إليه: افعل ما يقتضيه العُرْف، أو افعل ما ترى أنه أحسن شيء في أمور الخير حتى وإن اقتضى ضرورة خلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2565
عُرْفنا الآن الذي جرى عليه أكثر الناس يقول: أوصيتُ بخمس مالي، أو ثلثه يُجعل في أضحية، وعشاء في رمضان، وما أشبه ذلك من المصروفات التي يعرفها الناس من قبل، لكن لو رأى الوصِي -يعني الموصى إليه، الوصي يعني هو الموصى إليه- لو رأى أن يصرف هذا في عمارة المساجد، وطبْع الكتب للمحتاج إليها، وتزويج المحتاجين، وإعانة طلبة العلم فهذا أفضل من أضحية تُذبح ويتنازع عليها الورثة.
وكان الناس فيما سبق لما كانت الأمور قليلة يتنازعون في الأضحية نزاعًا شديدًا حتى لو أخذ أحدهم أكثر من الآخر برطل، تنازع وياه، فنقول: إذا أوصى بالشيء وأطلق فالصحيح أنه جائز ويُصرف إما فيما اعتاده أهل البلد أو على الأصح فيما يرى أنه أفضل.
قال: (يملكه الموصِي كقضاء دينه)، قضاء دينه، يعني أوصى هذا الرجل إلى فلان يقضي دينه، التصرف معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم حتى لو كان الدَّيْن مجهولًا ما يظهر، لكن التصرف معلوم، يقضي دينه.
الثانية: (وتفرقة ثلثه)، يعني أوصى بثلثه وقال: الوصي فلان، يُفرِّقه في كذا وكذا، هذا التصرف معلوم، وليت المؤلف لم يقل: تفرقة ثلثه، ليته قال: تفرقة خمسه؛ لأنه في أول الوصايا يقول: تسن بالخمس، وإذا كان هذا هو الأفضل فينبغي أن يكون هو مورد التمثيل؛ لأن الثلث مباح، والخمس أفضل، وإذا كان كذلك فينبغي أن نذكر الأفضل حتى يعتاد الناس عليه.
ولهذا الآن أكثر الناس يقول: لفلان ماله الثلث؟ ولو راعينا الأفضل لقلنا: ماله الخمس؟ فليت المؤلف رحمه الله قال: وتفرقة خُمُسِه، أو على الأقل: وتفرقة ما أوصى به؛ لأنه لو قال: الثلث لاعتاد الناس على الثلث.
(والنظر لصغاره)، النظر للصغار أيضًا هذا من التصرف المعلوم، يقول: الوصي على أولادي الصغار من بنين وبنات فلان، يجوز، فيكون هذا الوصي هو الناظِر على الأولاد، يقوم بمصالحهم من نفقة، كِسوة، سَكَن، تربية.
وهل يملك أن يُوصِي بتزويج بناته؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2566
المذهب يملك، فيقول: الوصي في تزويج بناتي فلان، حتى وإن كان لهن إخوة أشقاء، فإنهم لا يُزوِّجونهن؛ لأن ولاية النكاح تُستفاد بالوصية.
لكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ لأن ولاية النكاح ولاية مستقلة هي للإنسان ما دام حيًّا، فإذا مات انتقلت إلى من هو أولى شرعًا، فلا تُستفاد، على القول الراجح: لا تُستفاد ولاية النكاح بالوصية.
وقوله: لا تُستفاد بالوصية، يُفهم منه أنها تُستفاد بالقرابة، فلو أوصى أن يُزوِّج بناته أخوهن الأكبر الشقيق يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأنه هو وليهن بعده إلا من تزوجت وأتت بأبناء فأبناؤها أولياؤها.
القول الراجح إذن في مسألة الوصية بالتزويج أنها لا تُمْلَك؛ يعني لا يَملك الموصَى إليه -وهو الوصي- أن يزوج بهذه الوصية على القول الراجح.
لكن إذا أردنا أن نعمل بالقول الراجح وبالمذهب، فكيف نصنع؟ هنا الآن مشكل، أخوهن في بيته، والوصي الآن حضر عند المأذون، فإذا زوَّج الوصي وهو بعيد منهن، فعلى المذهب النكاح صحيح، وعلى ما اخترناه النكاح غير صحيح؛ لأن ولاية النكاح لا تستفاد بالوصية، ماذا نصنع؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لو قلنا لأخيهن: تعالَ، زَوِّج، الوصي ما له ولاية، نقع في مشكلة؛ أنه لو زوج أخوهن في هذه الحال فالنكاح غير صحيح، إن زوَّج الأخ النكاح صحيح على المذهب، وإن زوج الوَصِي فالنكاح غير صحيح على القول المختار، فماذا نصنع؟
إما أن يُوكِّل أحدهما الآخر، فيقال للأخ: وَكِّل الوصي، أو يقال للوصي: وَكِّل الأخ، وإذا وَكَّل أحدهما الآخر انحلت المشكلة، وإلا يحضران جميعًا عند المأذون ويُزَوِّجان، فيقول الولي: زوَّجتك أختي فلانة، ويقول الوصي: زوجتك بنت فلان بالوصية، إذا أوجبا هذان الاثنان يقول الزوج: قبِلت النكاح.
وعلى هذا يكون الإيجاب صادرًا من اثنين والقبول من واحد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2567
يقول رحمه الله: (ولا تصح بما لا يملكه الموصي كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك)، (لا تصح الوصية فيما لا يملكه) ويش عندكم؟ (الموصي) معلوم (كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الصغار) امرأة أيِّم قد مات زوجها، ولها أولاد صغار، هي وليتهن، فلما أحست بالموت أو خافت أوْصَت شخصًا ينظر في أولادها الصغار، يقول المؤلف: الوصية لا تصح؛ لأن النظر في الأولاد لمن؟ للأب للذكور، وفي المسألة إن شاء الله قول آخر يُذكر فيما بعد.
طالب: المسألة التي ذكرنا أن أوصى لعمرو، ثم بعد مدة أوصى لعمرو فنسي بخُمس ماله.
الشيخ: إلى، أوصى إلى عمرو.
الطالب: أوصى إلى عمرو.
الشيخ: لأن أوصى لعمرو غير أوصى إلى عمرو.
الطالب: أوصى إلى عمرو بخمس ماله، وأوصى بعدين لزيد بخمس ماله، فالحين عندنا خمسان يا شيخ هل نقول يعني؟
الشيخ: لا، خمس واحد.
الطالب: لكن هذا إشكال، هل يمكن أن نقول: يتفرقون إلى الثلث؛ لأنهما مشتركان فيه؟
الشيخ: لا، ما يصح؛ لأن هذا ما هو مُوصًى له، هذا مُوصًى إليه، أفهمت؟
الطالب: فهمت يا شيخ، لكن ..
الشيخ: طيب، الحمد لله.
الطالب: يعني ممكن قصده ..
الشيخ: يعني ما يمكن أن نقول: لهذا خمس، ولهذا خمس، لا يمكن، لهذا خمس ولهذا خمس أكثر من الثلث، أليس كذلك؟
طلبة: بلى يا شيخ.
طالب: أحسن الله إليك، إذا أوصى الولاية إلى ابنه الصغير مع أن له ابنًا كبيرًا أكبر منه، يصح؟
الشيخ: الصغير بالغ ولَّا غير بالغ؟
الطالب: بالغ، وكان فيه أكبر منه.
الشيخ: لا بأس؛ لأن هذا قد يقع، يكون الأكبر غير مهتم، ولا يبالي بإخوانه، والصغير الذي دونه أحسن حالًا منه، فيجوز.
الطالب: الأكبر يجد في نفسه يا شيخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 2568
الشيخ: ولو وجد في نفسه؛ لأنه يجب أن ننظر إلى حال الأولاد، نعم إذا كان الفرق ليس كبيرًا وخاف من فتنة فحينئذٍ يوصِي للأكبر حتى لا يكون فتنة، أما إذا كان هناك فرق بَيِّن، الأكبر مشغول بتجارته وأولاده، وقليل الدين، وقليل الأمانة، وهذا متبرع، بينهما فرق.
طالب: ذكرت اسم السيد، ما حكمه؟
الشيخ: أما السيد في درسنا الموجود الآن، فهم لا يقصدون المعنى إطلاقًا، إنما هو علم محض مثل: صالح ما قصده إلا العلم فقط، ما قصده أنه يريده صلاحًا، ومثل خالد ما قصده الخلود، إنما هي مجرد علم، ومع ذلك الأحسن ألا يسمى به؛ لأنه السيد قد يفهم من لا يعرف اصطلاح هؤلاء القوم أن لها معنى، فهمت وإلا أظن موجودة في بعض البلاد كثيرة السيد، كذا؟ موجودة كثير؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: من؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: السائل، ولهذا سأل.
طالب: أحسن الله إليك، عند إطلاق اسم السيد عند بعضهم اصطلاح خاص هو التأسي بالسيد البدوي بالاسم؟
الشيخ: أوه، هذه مشكلة، صار له معنى عندهم، إذا قالوا: السيد يعني أنه منتسب إلى السيد البدوي.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هل يرضى أحد ينتسب إلى بدوي؟ ! لو يُقال له: يا بدوي؛ انتفخ أمامهم، فكيف ينتسب إلى بدوي؟ !
طالب: لا، يا شيخ، يغضبون إذا قيل: يا بدوي، يعني مجرد ولاء، ( ... ).
الشيخ: يعني ينكرون هذا؟
الطالب: لا، يحبونه حبًّا عظيمًا.
الشيخ: أعوذ بالله، والله على كل حال بعد على العموم، لو حققنا في مسألة البدوي؛ لأنه يقولون: الرجل كان غريبًا، وأنه راكب على حمار، ويدور بالأسواق، ولما مات عبدوه، عبدوه على أيش؟ على أنه يركب الحمار.
طالب: ( ... )، ما له من فضائل إلا أنه دخل المسجد في يوم الجمعة، فبال في المسجد، ما صلى، فخرج.
الشيخ: إي نعم، خرج ولو لم يكن له من الفضائل إلا هذا لكفى، قبَّحهم الله.
طالب: ماذا لو تنازع الموصَى إليه والولي؟
الشيخ: في عقد النكاح؟
الطالب: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2569
الشيخ: أما على القول الراجح ما يحتاج، الموصَى إليه بطلت وصيته، ما له أصلًا وصية، وعلى المذهب القريب ليس له ولاية مع وجود الموصَى إليه.
( ... ) ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو الفرق بين الموصَى له والموصَى إليه؟
طالب: الموصى له هو الموصى له بالعمل.
الشيخ: طيب.
الطالب: الموصى به هي العين.
الشيخ: لا، الموصى إليه؟
الطالب: الموصى إليه هو الذي أمر بالتصرف.
الشيخ: نعم، طيب، ما الفرق بين الموصَى له وبه؟
طالب: الموصى له هو المتبرع عليه.
الشيخ: نعم، المتبرَّع عليه.
الطالب: والموصَى به هو العين التي وقعت عليه الوصية.
الشيخ: هو المتبرَّع به، طيب أوصى رجل لبعير فلان؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا تصح الوصية.
الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنها لغيره، ليست له، ليست ملكًا له.
الشيخ: لا، ما هي ملك له، طيب أوصى لبعيره؟
الطالب: أوصى لبعيره؟
الشيخ: إيه.
الطالب: على المذهب أنه لا يصح؛ لأنه لا يجوز.
الشيخ: أوصى لبعير فلان.
الطالب: يصح.
الشيخ: تصح الوصية، طيب، ويُحمل الموصَى به إلى البعير فيوضع أمامه، فيقال: هذا ما أوصى به فلان لكِ.
الطالب: لا، كونه يصرف ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: يكون في أكله ( ... ).
الشيخ: ما تأكدت يا رجَّال!
طالب: لا تصح الوصية.
الشيخ: لا تصح الوصية لبعير فلان، لماذا؟
الطالب: لأنه لا يملك.
الشيخ: صحيح؛ لأن البعير لا يملك، وهي لا تصح إلا لمن يصح تملكه.
طالب: قد يقال يا شيخ: إن فيه التفصيل، فإذا كان بعيره من دواب الجهاد التي تحمل معه المجاهدين، هذه فتصح الوصية إليه، وإذا كان من التي تحمل مثلًا طعام الفقراء وغذاءهم؛ فلا تصح الوصية له.
الشيخ: نعم، قد يُفصَّل بين الإبل التي تُستعمل في مصالح عامة، فإن الظاهر من وصية الموصِي أنه يريد منفعة هذه الجهات.
أوصى رجل بماله لابنيه وأجنبي؟
طالب: تصح.
الشيخ: تصح، وكيف يقسم؟
الطالب: كل واحد الثلث.
الجزء: 2 - الصفحة: 2570
الشيخ: الثلث، هذا إن أجازا الوصية، ما فيه إلا ابنان، ليس له وارث إلا ابناه، فأجازا الوصية يكون له؟
الطالب: إن أجازا الوصية فله الثلث.
الشيخ: له الثلث، ولهما؟
الطالب: الثلثان.
الشيخ: وإن ردا؟
الطالب: التسع.
الشيخ: ليش التسع؟ !
الطالب: ثُلث الثلث.
الشيخ: التسع ثلث الثلث، لكن ليش صار ثلث الثلث؟
الطالب: لأنهما ردا الثلثين بالوصية ( ... ).
الشيخ: لأنهما إذا ردا لم تثبت الوصية إلا ..
الطالب: بالثلث.
الشيخ: طيب، والرجل هذا واحد من ثلاثة فيكون له ثلث الثلث، وهو التسع.
طيب أوصى لشخص بطير في هواء؟
طالب: تصح.
الشيخ: تصح الوصية؟ طير في الهواء ويش يجيبه؟
الطالب: نعم، إن حصل فمغنم، وإن طار فلا مغنم.
الشيخ: يعني تصح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إن حصل الموصَى به فذاك، وإلا فليس على الموصَى له ضرر، طيب هل تصح الوصية بكلب الصيد؟ أنت حافظ المتن، ندور عليه.
أوصى بكلب؟
طالب: فإن كان كلب صيد صحت الوصية.
الشيخ: ما هنا عبارة أعم من كلب صيد؟
الطالب: بلى.
الشيخ: ما هي؟
طالب: إن كان كلبًا ممن يحل اقتناؤه جازت الوصية وإلا فلا.
الشيخ: طيب، فما الذي يستحقه من هذا الكلب؟
طالب: يأخذه كله.
الشيخ: كله، أبى الورثة؟
الطالب: فيه تفصيل؛ إذا كان له مال أكثر من هذا الكلب ليس موجودًا.
الشيخ: له ملايين الدراهم.
الطالب: على القول الراجح أنه يأخذه كله، والمذهب ينفد من الكلب الثلث فقط.
الشيخ: مطلقًا؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: إن أجاز الورثة.
الشيخ: إن أجاز الورثة، المذهب إن أجاز الورثة أخذ الكلب.
طالب: إن أجاز الورثة أخذ الكلب.
الشيخ: أخذ الكلب كله، وإن لم يجيزوا؟
الطالب: ثلثه.
الشيخ: ثلثه فقط، والقول الراجح أنه يأخذه كله إذا كان خرج عن ثلث التركة.
أوصى بمثل نصيب ابنه وله خمسة أبناء وبنت، أوصى بمثل نصيب ابنه، والأولاد كم؟
طالب: خمسة.
الشيخ: والبنت واحدة، ماذا يعطى؟
الطالب: هذه الأصل أحد عشر، يضاف إليه اثنان فيكون ثلاثة عشر.
الجزء: 2 - الصفحة: 2571
الشيخ: ثلاثة عشر.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فيعطى ثلاثة عشر؟
الطالب: لا، يُعطى اثنين.
الشيخ: اثنان من إيه؟
الطالب: من أحد عشر.
الشيخ: اثنان من أحد عشر؟
الطالب: من ثلاثة عشر.
الشيخ: من ثلاثة عشر، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن الضابط أن له مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة، طيب أوصى بمثل نصيب وارث ولم يُبيِّن؟
طالب: مثل ما لأقلهم.
الشيخ: مثل ما لأقلهم نصيبًا، فإذا كان له أربعة أبناء وبنت، وأوصى لشخص بمثل نصيب وارثٍ منهم كم يُعطَى؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: كم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: واحد من أيش؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: من تسعة، يتكلم يا جماعة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أربعة أبناء وبنت وقال: له مثل أحد الورثة، كيف؟
الطالب: ( ... ) لأن أصل المسألة يكون من تسعة، وأن أربعة أبناء كل منهم له سهمان، فيكون ثمانية، والبنت سهم فيكون تسعة.
الشيخ: والبنت لها واحد من تسعة، فيُعطى؟
الطالب: واحدًا من عشرة مضافًا إلى نصيبهم.
الشيخ: واحد من عشرة؛ لأنه سيضاف إلى نصيبهم مثل نصيب البنت واحد تبلغ عشرة، فله واحد من عشرة، بارك الله فيك.
الموصَى إليه ما هو معكم؟ في المستقبل إن شاء الله.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن وُصِّي في شيء لم يَصِرْ وَصيًّا في غيره) يعني من وُصِّي إليه في شيء لم يكن وَصِيًّا في غيره، فإذا أوصى إلى شخص يكون ناظرًا على أولاده فإنه لا يملك النظر في أموالهم؛ لأن النظر على الأولاد ليس هو النظر في المال، وإذا أوصى إلى شخص يُنمِّي مال أولاده الصغار لم يكن له حضانتهم؛ لأن الوصية بمنزلة الوكالة فتختص بما أُوصِي إليه فيه، وهكذا جميع من عمل نائبًا لغيره فإنه لا يتجاوز ما حُدِّد له.
الجزء: 2 - الصفحة: 2572
ومن ذلك القضاة مثلًا، القاضي إذا جعلت وزارة العدل رجلًا قاضيًا في الأنكحة لم ينظر في المواريث، وإذا جعلته قاضيًا في المواريث لم ينظر في البيوع، وإذا جعلته قاضيًا في البيوع لم ينظر في قسمة المواريث وهلم جرًّا.
فالوكالة والوصاية تتقيد بما عُيِّن له فلا يزيد، فعلى هذا نقول: من وُصِّيَ إليه بشيء لم يكن وصيًّا في غيره؛ بناءً؛ يعني التعليل لأن هذا الوصي يتصرف بالإذن فوجب أن يقتصر على ما أُذِن له فيه ولا يتعداه، هذا هو التعليل، وهو تعليل ظاهر ليس فيه شبهة.
(لم يَصِر وصيًّا في غيره، وإن ظهر على الميت دَيْن يستغرق بعد تفرقة الوصي لم يضمن) وهذه مسألة مهمة، لو ظهر على الميت دين بعد أن تصرف الوصِي، وصرف الموصَى به إلى جهته، ثم ظهر دين على الميت؛ فإنه لا ضمان على الوصي؛ لأنه تصرف تصرفًا مأذونًا فيه؛ فليس عليه ضمان.
مثال ذلك: أوصى إلى زيد أن يبذل عشرة آلاف ريال في بناء مسجد، فصرفه، ثم ظهر على الميت دَيْن يستغرق العشرة، فليس عليه ضمان، لماذا؟ لأنه تصرف تصرفًا مأذونًا فيه فوقع موقعه وهو مجتهد وليس عالِمًا بالغيب.
فإذا قال قائل: أين يكون حق صاحب الطلب صاحب الدَّيْن؟
نقول: صاحب الدَّيْن ليس له شيء بخلاف ما إذا أخذ الورثة المال، ثم تبين بعد ذلك أن عليه دينًا -أي على الميت- فإنه يؤخذ من الورثة، يؤخذ من كل إنسان ما أخذ، والفرق ظاهر؛ لأن مسألة الوصي تَصرَّف لغيره، والورثة تصرَّفوا لأنفسهم فتلف المال تحت أيديهم؛ فلزمهم ضمانه.
وهذه مسألة قد يظن الظان أنه لا فرق بينهما، والفرق بينهما واضح.
فإن قال قائل: إذا كان يمكن استرجاع الوصية فهل يُلزم الوصي بها؟ كما لو أوصى لزيد بعشرة آلاف ريال وقال الوصي: في ذلك فلان، فصرفها الوصي إلى هذا المعين، فإنه إذا تبين على الميت دين لم يضمن الوصي؛ لأنه تصرف تصرفًا مأذونًا فيه فوقع موقعه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2573
فإن قال قائل: لو علم الموصَى له أن على الميت دينًا، ولكنه أخذ الموصَى به وتصرف فيه؟
فهنا نقول: إنه يضمن، من الذي يضمن الوصِي أو الموصَى له؟ الموصَى له؛ لأن الموصَى له حين تصرف يعلم أنه لا يستحق؛ إذ إن الدين مقدم على الوصية فيكون الموصى له الآن بمنزلة الوارث الذي يضمن.
يقول رحمه الله: (وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت؛ لم يحل له ولا لولده).
إنسان أوصى إلى شخص، وقال: ضع ثلثي حيث شئت، أو: ضع ثلثي في قضاء الديون، فمات الرجل، فهل يجوز للوصي أن يأخذ شيئًا من هذا الثلث؟ لا، وهل يجوز لولده أن يأخذ شيئًا من هذا الثلث؟ لا؛ لأنه متهم في هذا، فربما يحابِي نفسه ويحابي ولده، ويصرف المال في مَنْ غيرهم أحق به منهم؛ فلذلك قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز للوكيل ولا للوصي أن يتصرف لنفسه، أو لأحد من أولاده، وعمَّم بعضهم ذلك وقال: أو ممن لا تُقبل شهادته له، فوسَّعوا الأمر.
ولكن لو قال قائل: في مسألة الوكالة إذا كان الوكيل يريد هذا الشيء، وأخرجه أمام الناس يتزايدون فيه حتى كان آخر سَوْم على هذا الوكيل هل له أن يأخذه؟
كلام الفقهاء لا، والصحيح أنه إذا زالت التهمة فهو كغيره، هذا من حيث النظر، أما من حيث العمل -ولا سيما في زمننا هذا- فينبغي أن يُمنع الوكيل أو الوصِي مطلقًا من أن يصرف الشيء إلى نفسه أو إلى أحد من ذريته؛ من ذكور أو إناث، والعلة هي التهمة، ألَّا يحرص على أن يضع الشيء موضعه.
ذكرنا أنه إذا زالت التهمة بأن أخرج الوكيل الشيء في المزاد العلني ووقف عليه، فالمذهب لا يصح حتى في هذه الحال التي هي بعيدة من التهمة، يقولون: لا يصح سدًّا للباب، وهذا القول من الناحية التربوية أحسن من القول بأنه يجوز أن يأخذه؛ لأننا إذا قدرنا بأن واحدًا من مئة زال الوصف بحقه وهو التهمة فغيره لا يزول.
الجزء: 2 - الصفحة: 2574
قال: (ومن مات بمكان لا حاكم فيه ولا وصي حاز بعض من حضره من المسلمين تركته، وعمل الأصلح حينئذٍ فيها من بيع وغيره) وهذا يقع كثيرًا، مثال ذلك: رُفقة مات أحدهم في السفر، وليس هناك قاضٍ يُرْجع إليه، ولا وصي خاص يُرجع إليه، يقول: (حاز بعض من حضره من المسلمين تركته).
وقوله: (حاز) خبر بمعنى الأمر؛ يعني يجب أن يحوز بعض من حضر تركته؛ لئلا تضيع أو تُسرق أو ما أشبه ذلك.
وعمل الأصلح حينئذٍ فيها من بيع وغيره فيحوز التركة التي معه، ثم إن كان الأحسن أن يبيعها باعها، وإن كان الأحسن أن يبقيها أبقاها، وهذا يختلف باختلاف الأموال واختلاف الأحوال، فمثلًا إذا كان في التركة ما يُسرع فساده كالبطيخ، فما هو الأفضل؟ البيع لا شك، وإذا كان في التركة ما الأحسن إبقاؤه؛ وجب إبقاؤه، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فإنه يبقى على حاله؛ لأن الأصل ألا يتصرف فيه، يبقى على حاله، ثم إن تغيرت الحال فيما بعد عمل ما تقتضيه الحال من بيع أو غيره.
ثم قال المؤلف: (كتاب الفرائض) وقد قرأناه من قبل، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: فهل ترون أن نقرأه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2575
(كتابُ النِّكاحِ)
وهو سُنَّةٌ، وفِعْلُه مع الشهوةِ أَفضلُ من نَوافلِ العِباداتِ.
و(يَجِبُ) على مَن يَخافُ زِنًا بتَرْكِه، و (يُسَنُّ) نِكاحُ واحدةٍ دَيِّنَةٍ أَجنبيَّةٍ بِكْرٍ وَلودٍ بلا أُمٍّ، وله نَظَرُ ما يَظْهَرُ غالبًا مِرارًا بلا خَلْوَةٍ.
و(يَحْرُمُ) التصريحُ بخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ من وفاةٍ والْمُبَانَةِ دونَ التعريضِ، ويُباحان لِمَن أَبَانَها دونَ الثلاثِ كرَجْعِيَّةٍ، ويَحْرُمان منها على غيرِ زَوْجِها، والتعريضُ، إني في مِثْلِكِ لَرَاغبٌ، وتُجِيبُه، ما يُرْغَبُ عنكَ ونحوَهما، فإن أَجابَ وَلِيُّ مُجْبَرَةٍ أو أجابَتْ غيرُ الْمُجْبَرَةِ لِمُسلمٍ حَرُمَ على غيرِه خِطبتُها، وإن رُدَّ أو أُذِنَ أو جُهِلَ الحالُ جازَ.
و(يُسَنُّ) العَقْدُ يومَ الْجُمُعَةِ مساءً، بخُطْبَةِ ابنِ مسعودٍ.
مدخل
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، زوجها الأول، انتبه، فما هو الجواب؟
قلنا: الجواب على هذا من أحد وجهين، إما أن يقال: المراد بالنكاح هنا العقد، وزادت السُّنةُ الشرطَ الآخر وهو الجماع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (1)، عرفتم؟
فتكون زيادة الوطي مما جاءت به السنة، والسنة لا شك أنها تقيد القرآن.
الوجه الثاني: أن يقال: إن المراد بالنكاح هنا الوطي؛ لقوله: ﴿زَوْجًا﴾، ﴿حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا﴾ [البقرة: 230]، ولا يمكن أن يكون زوجًا إلا بعد؟
طالب: العقد.
الشيخ: بعد العقد، فيكون هنا قرينة تدل على أن المراد بالنكاح هو العقد.
طالب: الوطء.
الشيخ: نعم، هو الوطء، أن المراد بالنكاح هو الوطء، وعلى كل حال فلا إشكال، القاعدة مطردة؛ أن المراد بالنكاح في القرآن العقد.
حكم النكاح، قال المؤلف: (وهو سُنَّة)، ومعنى ذلك أنه ليس بواجب، ودليل كونه سُنة:
الجزء: 2 - الصفحة: 2576
أولًا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر به، فقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» (2).
ثانيًا: أنه من سنن المرسلين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38]، ومعلوم أننا نحن الأمم نتبع رسل الله إلينا.
ثالثًا: ما يترتب عليه من المصالح العظيمة، والشيء قد يكون مطلوبًا وإن لم يُنَصَّ على طلبه لما يترتب عليه من المصالح والمنافع العظيمة.
فدليل كونه سُنة من ثلاثة أوجه، أو الاستدلال لكونه سُنة من ثلاثة أوجه:
الأول: أمر النبي صلى الله عليه وسلم به، والثاني: أنه من سنن المرسلين، والثالث: ما يترتب عليه من المصالح العظيمة.
وقال بعض العلماء: إنه واجب؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة واندفاع المفاسد الكثيرة، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ولكن لا بد من شرط على هذا القول وهو الاستطاعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيَّد ذلك بالاستطاعة: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ»، ولأن القاعدة العامة في كل واجب أن من شرطه؟
طالب: الاستطاعة.
الشيخ: الاستطاعة، والقول بالوجوب عندي أقرب، وأن الإنسان الذى له شهوة ويستطيع أن يتزوج فإنه يجب عليه.
قال: (وفعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة) فعله أي فعل النكاح (مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة): وليس أفضل من واجباتها؛ لأن الواجب مقدم على السنة؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضَتْهُ عَلَيْهِ» (3). لكن النوافل هو أفضل منها.
فلو قال قائل: أيهما أفضل، أن أجمع للزواج، أو أن أتصدق بالمال؟ قلنا بالأول، الأفضل الأول.
الجزء: 2 - الصفحة: 2577
ولو قال: هل الأفضل أن أتفرغ للصلاة وقراءة القرآن والذكر، أو أن أذهب إلى الأسواق لأطلب الرزق فأتزوج به؟ قلنا بالثاني.
ومثل ذلك أيضًا لو كان عند الإنسان زوجة واشتهى أن يأتي أهله، وقال: هل الأفضل أن أتشاغل بذلك أو بالتهجد؟ قلنا بالأول، أن تتشاغل بذلك؛ لأنه أفضل من نوافل العبادة.
قال: (ويجب النكاح على من يخاف زنا بتركه) عندي (زنا) بالألف، والصواب؟
طالب: بالياء.
الشيخ: أيش الصواب؟
طلبة: بالياء.
الشيخ: بالياء؛ لأنه من زنى يزني، لكن الخطاط لا يعرف القاعدة في من.
(يجب) (على من يخاف زنى بتركه): إذا خاف الإنسان على نفسه أن يزني وجب عليه أن يتزوج؛ لأن درء المفاسد واجب، والزنى مفسدة عظيمة، بل فاحشة كما قال الله عز وجل.
ولكن إذا قال قائل: كيف يتحقق الخوف من الزنى في بلد عفيف نَزِيه؟ الخوف من الزنى إنما يكون في بلد سائح لا يراعي عفة، قد يكون بيوت الدعارة مملوءة، مملوءة بها البلد أو أسواق الدعارة كذلك، هذا صحيح هو اللي من يخاف الزنى، لكن إذا كان في بلد محافِظة عفيفة كيف يخاف الزنى؟
نقول: نعم يخاف الزنى؛ لأن الإنسان إذا اشتهى الأمر فإنه يحاول بقدر المستطاع أن يصل إليه، وقد يكون البلد في ظاهره عفيفًا، لكن في الخفايا بلايا، ولا سيما في وقت كعصرنا هذا، أسباب الشر متوفرة، وسهولة الوصول إلى الشر مُتَيسرة، الشاب يطالع في الصحف أو يطالع في التلفاز ما يُغريه ويُثير شهوته، وكذلك الشابة، وهناك وسائط للاتصال وهو الهاتف، فالبلد في ظاهرها عفيفة لكن في الخفاء قد يحصل البلاء، فهنا إذا خاف الإنسان على نفسه أن يقع في هذه الشبكة وجب عليه أن يتزوج، بشرط أيش؟
طلبة: الاستطاعة.
الشيخ: الاستطاعة نعم.
(يجب على من يخاف زنى بتركه) ثم قال: (ويُسَنُّ نكاحُ واحدةٍ)، انتقل المؤلف رحمه الله من بيان حكم النكاح إلى بيان مَن تُنكَح، مَن الذى يُسَنُّ نكاحُها؟ كَمًّا وكَيْفًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2578
أما الكَمُّ فقال: (ويُسَنُّ نكاحُ واحدةٍ) يعني أن يقتصر على واحدة، فلا يتزوج بأكثر؛ لأن تزوجه بأكثر يعرضه لأشياء قد لا يستطيعها، قد يجور بين الزوجتين، وقد ينشغل بطلب المعاش لهما، وقد يحصل بين الزوجتين مشاكل تُتعِبه وتنغص عليه حياته، والواحدةُ أسلمُ له ولها، فلهذا قالوا: يُسَنُّ أن يقتصر على واحدة، وهذا أحد القولين في المسألة.
والقول الثاني: أن التعدد أفضل، لكن بشرط أن يكون عنده قدرة مالية، وقدرة بدنية، وقدرة حُكْمِية، يحكم بينهما بالعدل، فإن لم يكن عنده قدرة مالية فلا يُسَن له أن يتزوج؛ لأنه سوف يضيف إلى نفسه أعباء هو في غنى عنها، والثاني أيش؟
طلبة: قدرة بدنية.
الشيخ: قدرة بدنية، فإذا كان ضعيفًا فكيف يتزوج ثانية؟ إذا تزوج ثانية لا بد أن يعطل إحداهما؛ لأنه ما عنده قدرة، يمكن إذا أتاها مرة يبقى أربعة أيام أو خمسة أيام ما عادت إليه قوته، فهذا لا يمكن أن نقول: يُسَنُّ لك أن تتزوج؛ لأنك تبقى عبئًا على أهلك.
الثالثة: القدرة الحكمية؛ بمعنى أن يكون قادرًا على العدل، لكن بقدر ما يستطيع، وإلى هذا يشير قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 3] أيش؟
طلبة: ﴿فَوَاحِدَةً﴾.
الشيخ: ﴿فَوَاحِدَةً﴾ يعني: فانكحوا واحدة، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3]؛ يعني من الإماء.
وعلى هذا فنقول: إن القول الثاني أصح من القول الأول؛ لأن مصالح النكاح توجد في النكاح الثاني، إذا زالت الموانع فالمصالح ستوجد، سيكون فيه تحصين فرج المرأة الثانية، والقيام بنفقتها، وتقليل العوانس من النساء، كثرة النسل، وغير ذلك من المصالح، فإذا تمت الشروط الثلاثة فالصواب أنه يُسَن التعدد.
يأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا.
طالب: الذين قالوا باستحباب النكاح فلا يوجبونه، هل يوجبونه على الأمة كلها إذا تركت بالنكاح؟
الشيخ: ما عندنا أمة إذا تركنا النكاح، إذا تركنا النكاح منين يجينا العيال والأولاد؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2579
الطالب: ( ... ). الشيخ: لا لا، هذا ما هو على كل حال، قد يقول قائل: لا يمكن أمة بلا نكاح.
طالب: ( ... ) اشترط لنا القدرة المالية، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ [النور: 32].
الشيخ: إي نعم، ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾، إذا كان استعفافُه يتوقف على النكاح الثاني فنَعَم؛ ( ... ) قال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 33].
طالب: لعل الآية ألا يتزوج؟
الشيخ: إي، ما فيه شك؛ ولهذ قال: «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» (2).
طالب: قول الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: 3]؛ ( ... ) أن المرأة إذا كانت عفيفة وتزوَّجها زانٍ يُطْلَق عليها أنها زانية؟
الشيخ: ماذا تريد بإيراد الآية؟
الطالب: أشكل عليَّ؟
الشيخ: أشكل عليك أيش؟
الطالب: المرأة إذا كانت عفيفة وتزوجت زانيًا فهل يُطْلَق عليها أنها زانية؟
الشيخ: يعني أنت تريد أن تقول: ﴿يَنْكِحُ﴾ بمعنى يطأ؟
الطالب: لا لا، أريد المعنى.
الشيخ: المعنى أن الله يقول: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: 3]؛ لأن الزاني يحرم أن يُزوَّج بعفيفة، عرفت؟ فإذا كان حرامًا وتزوجته المرأة، فإما أن تكون قانعة بالحكم الشرعي، فحينئذ تكون زانية؛ لأنها مكَّنت رجلًا يحرم عليه نكاحُها من أن يطأها، فتكون أيش؟ زانية؛ لأن العقد غير صحيح، يعني عقد الزاني على امرأة عفيفة غير صحيح، فإذا مكَّنته من نفسها وهي تعلم أن العقد غير صحيح، صارت أيش؟ أحد يجيب بارك الله فيكم، تروح تسرح وين؟ أنت فهمت الآن؟
امرأة غير زانية، عفيفة عقد عليها زانٍ، هل يجوز أن يُزوَّج الزاني قبل التوبة؟
طالب: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2580
الشيخ: لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]، يعني حرم أن يتزوج الزاني بامرأة عفيفة، عرفت؟ فإذا تزوجَتْ هذا الزاني وهى تعتقد أن العقد حرام فجامعها، أيش تكون؟
طالب: زانية.
الشيخ: تكون زانية، فإن قالت: لا أرضى بهذا الحكم، وحكمي أن ذلك مباح، صارت مشركة، وإن لم تسجد للصنم، لكن مشركة بأنها حكمت بغير حكم الله عز وجل، هذا أحسن ما قيل في معنى الآية ( ... ).
يكون للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره، بحيث لو أن الإنسان فكر لوجد أن هذا لا يمكن أن يقوم به بشر، فهذا ربما يكون من الكرامات، ولهذا ذكر لنا المشائخ هنا أن ما آتاه الله شيخ الإسلام ابن تيمية من العلوم النقلية والعقلية يعتبر من الكرامات؛ لأنه خارج عن العادة.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله عن شيخه ابن تيمية في كتاب مدارج السالكين من الفراسة أشياء عجيبة، حتى نحن لن نبلغ أن نصدق بها، لكنها عنده ثابتة، فإذا أوتى الإنسان مثل هذه الأمور ما يخرج عن العادة عُدَّ من الكرامة.
طالب: الفراسة.
الشيخ: إي نعم، الفراسة نعم؛ لأنها فراسة المؤمن.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: ويُسَن نكاحُ واحدة دَيِّنةٍ أجنبية بكرٍ ولودٍ بلا أُمٍّ، وله نظرُ ما يظهر غالبًا مرارًا بلا خلوة، ويحرم التصريحُ بخطبة المعتدةِ من وفاة والْمُبانةِ دون التعريض، ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث كرجعية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين.
سبق لنا أن النكاح يكون واجبًا في بعض الأحيان؟
طالب: النكاح يكون واجبًا إذا خشي على نفسه الوقوع في الزنى بشرط الاستطاعة.
الشيخ: هذه ما نحتاجها (بشرط الاستطاعة)؛ لأن كل واجب لا بد فيه من الاستطاعة.
إذن يكون واجبًا إذا خاف الزنى بتركه، والأصل فيه أيش؟
طالب: الديمومة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2581
الشيخ: لا غير الديمومة هذه لا شك، لكن الأصل أنه سُنة ولَّا حرام؟
طالب: الأصل أنه سُنة.
الشيخ: تمام، ويجب إذا خاف الزنى بتركه طيب.
ثم ذكر المؤلف مَن الذي يستحب نكاحها، فقال: (ويُسَن نكاح واحدة)، وسبق الكلامُ عليه وذِكْرُ الصواب في ذلك، وأن الأفضل؟
طالب: التعدد.
الشيخ: التعدد بشروط.
قال: (دَيِّنة)، دينة أي: ذات دين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ؛ لِمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (4).
قد يقول بعض الناس: أتزوج امرأة غير دَيِّنة لعل الله أن يهديها على يدي.
ونحن لم نُكلَّف -يعني ردًّا على قوله أن نقول له-: نحن لا نكلَّف بالمستقبل، المستقبل لا ندري عنه، فربما تتزوجها تريد أن يهديها الله على يدك، ولكنها هي تُحَوِّلك إلى ما هي عليه فتشقى على يديها.
وكذلك بالعكس، بعض الناس يخطب منهم الرجل ليس ذا دِين، لكن يقولون: لعل الله يهديه.
وأقبح من ذلك أن يُعرَف بعدم الصلاة، فيقول: لعل الله يهديه.
فنقول: نحن لا نُكلَّف بالمستقبل، فالمستقبل علمه عند الله، نحن نُكلَّف بماذا؟ بما بين أيدينا بالواقع بالحاضر.
فنقول: ولعل هذا الرجل الذى ظننت أنه يستقيم، لعله يُعَوِّج ابنتكم ويضلها؛ لأن الرجل له سيطرة على المرأة، وكم من امرأة ملتزمة تزوجت شخصًا تظن أنه دَيِّن فيتبين أنه ليس بدَيِّن، فتتعب معه التعب العظيم، وربما يكون دَيِّنًا ظاهرًا لكنه فاسق باطنًا فتتعب معه التعب العظيم.
ونحن دائمًا يُشكَى إلينا هذا الأمر من النساء حتى تود أن تفر بدينها من هذا الرجل ولو بكل ما تملك من المال؛ ولهذا يجب التحرز في هذه المسائل، لا من قِبَل الرجل يتزوج المرأة، ولا من قِبَل المرأة تتزوج الرجل.
إذن الدليل على اختيار الدَّيِّنة؟
طلبة: قول الرسول صلى الله عليه وسلم ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2582
الشيخ: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ».
طلبة: «تَرِبَتْ يَدَاكَ» (4).
الشيخ: نعم، (أجنبية) أجنبية يعنى: ليس بينه وبينها قرابة، ويعللون ذلك بعلة ننظر هل هي عليلة أم مستقيمة؟ يقولون: إنه إذا تزوج أجنبية منه صار أَنْجَبَ للولد، أي صار الولد نجيبًا؛ لأنه يتخلق بأخلاق آبائه وأخلاق أخواله، فيأخذ من هؤلاء وهؤلاء، وأما إذا تزوج قريبة منه فإنه لن يتجدد له نجابة، ولكن في هذا نظرًا، يعني استحباب أن تكون أجنبية فيه نظر، وما رأيكم بنجابة الحسن بن على بن أبى طالب؟
طالب: لا شك فيها.
الشيخ: لا شك فيها، وقد تزوج علي بن أبى طالب بنت ابن عمه، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك كثير من القرابات يتزوج بعضهم من بعض ويظهر الولد نجيبًا، صحيح أن هناك علة قد تكون لها وجهة، وهي أنه قد يحدث بين هذا الرجل وزوجِه ما يحدث من المشاكل والمنازعات، ويؤدي ذلك إلى قطيعة الرحم، كما يوجد هذا كثيرًا ولا سيما في البادية.
يعني لو عُلِّل فقيل: أجنبية؛ لئلا يحصل بينهما شقاق ونزاع يؤدي إلى أيش؟
طلبة: قطيعة الرحم.
الشيخ: قطيعة الرحم، لو عُلِّل بهذه العلة لكان ذلك له وجه، ومع ذلك فإننا لا نَجْسُر على أن نقول: يُستحب أن يتزوج أجنبية لئلا يكون كذلك؛ لأن لدينا قاعدة أسسها رسول الله عليه وعلى آله وسلم هي القاعدة: «اظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (4).
فإذا كانت بنت عمك دَيِّنة صاحبة خلق قلَّ أن يوجد في امراة أجنبية، فهل نقول: اعدل عنها إلى هذا؟ لا، فلهذا ينبغي أن نختار من النساء ما اختاره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وَدُود، وَلُود، ذاتُ دِين.
الجزء: 2 - الصفحة: 2583
يقول: (أجنبية بِكْر)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله: «هَلَّا بِكْرًا» يعني: هلَّا تزوجت بكرًا «تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا» (5). وهذا صحيح؛ أن البكر أولى من الثيب، أولًا: لأنه كما أشار إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، وثانيًا: أنها قد تكون تعلقت بزوجها الأول تعلقًا كثيرًا فتكون علاقتها معك دون ما تتوقع.
الثالث: (بلا أم) وما أدراك ما الأم!
طالب: (ولود).
الشيخ: (ولود)؟ نعم (ولود)، أنا أستعجب (بلا أم) هذه لأنها غريبة!
(ولود) يعني كثيرة الولادة، ولا تناقض بين قوله: (بكر) وقوله: (ولود)؛ لأنه قد يقول القائل: كيف أعرف أنها ولود وهي بكر؟
نقول: لا تناقض، وذلك بمعرفة قريباتها؛ أمِّها، أختِها، جدتِها، خالتِها وما أشبه ذلك؛ لأن الغالب أن كثرة الولادة وراثة، فالنساء المعروفات بالولادة معروفات بذلك، فنقول: (وَلُود) بمعنى أن تكون ممن عُرِفن بكثرة الولادة.
والدليل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ» (6) ولماذا؟ من حيث العلة؛ لأن كثرة الأولاد محبوبة للرسول عليه الصلاة والسلام، حيث كان يكاثر بنا الأمم يوم القيامة، ولأن كثرة الأمة عِزٌّ لها يا إخواني.
وإياكم وقول الماديين الذين يقولون: إن كثرة الأمة يوجب الفقر والعطالة والبطالة.
كثرة الأمة عز امتن الله بها على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6].
وذكَّر شعيبٌ قومَه بها حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: 86].
كثرة الأمة عزٌّ لا سيما إذا كانت أرضهم قابلة للحراثة، والزراعة، والصناعة، يعني تكون فيها مواد خام للصناعة وغير ذلك، وليست -والله- كثرة الأمة سببًا للفقر والبطالة أبدًا، كثرة الأمة عز، فينبغي أن نختار المرأة أيش؟ الكثيرة الولادة، (الولود).
الجزء: 2 - الصفحة: 2584
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْوَدُودَ» (6). أيضًا الودود ما الذى يعرفنا أنها ودود؟ يعني تحاول التودد إلى زوجها، هذا أيضًا يُعرف بمن؟ بالقرابات؛ لأن الودود توجب للإنسان أن يودها، وإذا ودها لزم من ذلك أن يباشرها فتكثر الأولاد؛ ولهذا يعتبر الودود والولود متلازمين تقريبًا.
(بلا أم) وصلناها الآن، يعني ينبغي أن يختار امرأة ليس لها أم، يعني نبتت من الأرض ولَّا معناها أمها مفقودة؟ !
طلبة: أمها مفقودة.
الشيخ: إي نعم، يعني معناها أمها مفقودة، وإذا قُدر أن الله قد أطال أعمار العجائز، وكل امرأة لها أم، يذهب إلى الخارج؟ ! هذا الحقيقة فيه نظر كبير.
علة ذلك يقولون: لأنها إذا كانت ذات أم فربما أفسدتها عليه.
سبحان الله، هذا تشاؤم، ربما أفسدتها عليه، هذا صحيح لكن لو فكرت الآن وأردت أن تقارن وتطبق الواقع وجدت أكثر النساء لهن أمهات، وأكثر النساء لم تُفسِدهن أمُّهن والحمد لله، يعني نادرًا أن الأم تُفسِد، وإذا قلت: (بلا أم) نقول: وأيضًا الزوج بلا أم.
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأن بعض أمهات الأزواج -الذكور يعني- تفسده على المرأة، أو تفسد المرأة عليه، كم من أم غارت من محبة ابنها لزوجته، ثم قامت تولول وتصيح: فسَّدَتِ ابني عليَّ، قالت وفعلت، ثم تحاول أن تفسد بينها وبين زوجها.
فأنت إذا قلت: (بلا أم) قل: وزوج بلا أم؛ إذ إن المحظور في هذا محظور في هذا.
والذي ينبغي أن نقول: إننا لا نتشاءم، كم من أم صارت عونًا لزوج ابنتها على ابنتها، تأتي ابنتها إليها تشكو الزوج، تقول: يا بنتي، هذا ولد الناس، كل الأزواج يفعلون كذا، وتُهَدِّئ خاطرها وتحثها على التمسك به وما أشبه ذلك، وهذا كثير، ربما يكون هذا أكثر من التشاؤم.
فالصواب أن قولهم: (بلا أم)، قول ضعيف، وأنه لا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى هذا، وكم من أم جعل الله فيها بركة، فصارت سببًا لربط الزوج وزوجته إذا وُجد ما يقتضي انفصام العرى.
الجزء: 2 - الصفحة: 2585
يقول: (وله نظَرُ ما يظهر غالبًا مرارًا بلا خلوة)، (له)! الواقع أن المؤلف رحمه الله لاختصاره الشديد أتى بهذه العبارة المبهمة، (له) لمن؟
طالب: للزوج.
الشيخ: للزوج، لا ما هو للزوج، الزوج ينظر من زوجته ما شاء، إذن مَن؟
طلبة: للخاطب.
الشيخ: للخاطب، ولو قال المؤلف: (وللخاطب) لكان أولى، وأَبْيَنَ، وأوضحَ، ولا تزيد إلا حروفًا، لكن بعض العلماء -رحمهم الله وعفا عنا وعنهم- مغرمون بالاختصار التام الذى يوجب تعقيد المسائل.
(له) نقول: اللام للإباحة، والضمير يعود على الخاطب، أي: وللخاطب.
وقول المؤلف: (وللخاطب) يحتمل أنه لدفع توهُّمِ المنع، يعني اللام للإباحة، أقول: يحتمل أنه لدفع توهم المنع؛ لأن الإنسان يقول: الأصل عدم النظر إلى المرأة، وإذا قلنا: إنه لدفع توهم المنع لا لإثبات الإباحة، أمكننا أن نقول: إن العبارة صالحة لكونها للإباحة أو للسنية، عرفتم؟
طلبة: غير واضحة.
الشيخ: غير واضحة، نعم، أقول: العلماء رحمهم الله يُعبرون بما يفيد الإباحة أحيانًا لدفع توهم المنع، لا لإثبات الحكم الإباحي، يعني مباح، ونضرب لكم مثلًا يتضح، مثلًا قالوا في باب الحج: ويجوز للقارن والمفرد أن يتحولا إلى عمرة ليصيرا متمتعين، (يجوز) هكذا عبَّر بعضهم، مع أن الأمر سنة.
قال صاحب الفروع: لعلهم عبَّروا بالجواز؛ لدفع قول من يقول بالمنع، فلا ينافي أن يكون مستحبًّا، انتبهوا، عبَّروا بالجواز لدفع قول مَن يقول بالمنع، وهذا لا ينافي أن يكون مستحبًّا.
العبارة اللي معنا الآن: (وله أن ينظر) يحتمل أن المؤلف عبَّر بما يدل على الإباحة دفعًا لتوهم المنع، فلا ينافى أن يكون مستحبًّا.
ولهذا نقول: يُسَن لمن أراد أن يخطُب امرأة أن ينظر إلى ما يظهر، يُسَن، ليس على سبيل الإباحة، بل هو على سبيل السُّنية، فإن كان المؤلف أراد ما ذكرْتُه -وهو دفع توهم المنع- فلا إشكال.
الجزء: 2 - الصفحة: 2586
وإن كان أراد إثبات حكم الإباحة فالمسألة فيها قول آخر: أن نظر الخاطب إلى مخطوبته على سبيل الإباحة وليس على سبيل الاستحباب.
ولكن الصواب أنه على سبيل الاستحباب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته لا سيما إذا كان يتوهم فيها عيبًا.
فإن الرسول أمر الخاطب أن ينظر، قال: «فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» (7). وهذا يدل على أن الناظر يُدقِّق النظر، يدقق النظر إذا نظر إلى مخطوبته.
ثم إن من الفوائد في نظر الخاطب إلى مخطوبته، من الفوائد: أن يدخل على بصيرة، وكذلك المرأة تدخل على بصيرة؛ لأن المرأة قد تتوهم الخاطب على غير واقعه، قد تتوهم رجلًا وسيمًا، أحمر، أسود، حسب ما يَرُوقُ لها، ولكن إذا نظرت إليه وإذا هو على خلاف ما توقَّعت، فحينئذ لها أن ترفض.
وكذلك هو أيضًا ربما يتوهم المرأة التي خطبها جميلة وسيمة، فإذا بها تمشي حالها، وحينئذ لا يُقدِم عليها، فالنظر إلى المخطوبة فيه فائدة للطرفين: للزوج، وللزوجة، لكن له شروطًا نذكرها إن شاء الله في المستقبل، وخلاصة بحثنا هو، أولًا: أنه يختار الرجلُ امرأةً دَيِّنةً، أجنبيةً، بكرًا، ولودًا، بلا أم، ما الذى حذفنا من هذه الأوصاف؟
طلبة: بلا أم.
الشيخ: قوله: (بلا أم) هذا لا نوافق عليه، ونقول: إن الإنسان لا يختار مَن ليس لها أم على مَن لها أم، بل يرجع إلى الأوصاف التي يختارها على حسب ما جاءت به السنة.
طالب: وأجنبية يا شيخ؟
الشيخ: إي، أجنبية، أيضًا أجنبية حذفناها.
طالب: هل يُفَسَّر قوله يا شيخ؛ إذا كانت الفتاة غيرَ ذاتِ دين وخطبها غيرُ ذي دين.
الشيخ: معناها أننا أضفنا حَشَفًا إلى حشفٍ، أنت اختر ذات الدين ولو كنت ضعيف الدين.
الطالب: لو كانت البنت عندك؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: لو كان الاختيار بيدي أختار ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2587
الشيخ: على كل حال إذا كان الإنسان عجز إلا هذا، هذا شيء ثانٍ؛ لأنه لا يشترط في النكاح أن يكون الزوج عدلًا، ولا أن تكون المرأة عدلة.
طالب: يوجد الآن في بعض القبائل ما يجعلون الرجل الخاطب ينظر إلى المخطوبة، ويصورونها بصورة بالكاميرا، ويورونها للخاطب، هل هذا يجوز؟
الشيخ: أولًا: هذا لا يجوز.
وثانيًا: أنه لا يحصل به المقصود، كم من إنسان رأيت صورته وإذا صورته كصورة القمر ليلة البدر، ثم إذا نظرت إلى وجهه الحقيقي وإذا هو خلاف ذلك، هذه المرأة ربما عند التصوير تتَمَكْيَج وتكتحل وتخلي نفسها من أبهى النساء، ثم يغتر الزوج، ما يجوز هذا أبدًا.
ثم إن هذه الصورة ربما تكون ألعوبة بيد الرجل يلعب بها، يعرضها على كل واحد، فهي أولًا لا يحصل بها المقصود، وفيها محظور شرعي.
طالب: بعض الناس يقولون يعني مسألة النظر للمخطوبة، يقول: قد يقع في خاطر المخطوبة لو رفضها يعني.
الشيخ: أولًا: اعلموا أننا لم نكمل البحث في هذا؛ فلذا كل سؤال يرد على هذه المسألة الأخيرة لا يأتي؛ لأن ما كملناه.
طالب: ما ضابط الدين؟
الشيخ: الدين، هو فعل الأوامر واجتناب النواهي، إذا عرفت هذه المرأة مثلًا أو هذا الرجل بأنه يفعل ما أمر الله ويترك ما نهى الله، هذا الدين.
طالب: إذا أرسل الرجل أخاه ليخطب له، وأراد أن يجعل أخاه أن يخطب له هذه المخطوبة، وقد يكون في هذه المخطوبة عيب، فهل يجوز لأخيه أن ينظر إليها؟
الشيخ: أخو الرجل ينظر إلى المرأة؟ ! لا ما يجوز.
الطالب: الوكيل يعني.
الشيخ: توكله يعني، ما يجوز هذا يا شيخ! ثم الأسهل إلا إذا كانت امرأة يمكن، مع أني لا أرى أنه يعتمد على المرأة، ربما يعتمد على المرأة وكما قلنا في المحاضرة: الناس تختلف أنظارُهم، ربما تكون هذه المرأة عند المرأة التى أُرْسِلت تكون جميلة في نظرها، وفي نظر الزوج؟
طالب: غير جميلة.
الشيخ: غير جميلة.
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى:
الجزء: 2 - الصفحة: 2588
ويُسَن نكاحُ واحدةٍ دَيِّنة أجنبية بكر ولود بلا أم، وله نظَرُ ما يظهر غالبًا مرارًا بلا خلوة، ويحرم التصريحُ بخطبةِ المعتدةِ من وفاة والمبانةِ دون التعريض، ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث كرجعية، ويحرمان منها على غير زوجها.
والتعريض: إني في مثلك لراغبٌ، وتجيبه: ما يُرغَب عنك، ونحوهما، فإن أجاب وليُّ مُجبرةٍ، أو أجابت غير الْمُجبرة لمسلم حرم على غيره خطبتُها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن للخاطب أن ينظر من مخطوبته ما يظهر غالبًا، يعني الذى يظهر في الغالب، وبيَّنا أن الماتن يقول: (له)، فهل أراد الإباحة فى مقابل التحريم فلا ينافي أن يكون مستحبًّا؟ أو أراد الإباحة إثباتًا لحكمها؟
طالب: الأول.
الشيخ: ذكرنا أن فيه احتمالين، وأن في المسألة قولين، فمن العلماء من قال: يُسَن للخاطب أن ينظر، ومنهم من قال: إنه مباح.
دليل من قال: إنه مباح، قال: لأن الأمر بعد الحظر، والأمر بعد الحظر للإباحة.
ودليل من قال: إنه سنة؛ أن الأصل في الأمر الطلب، أن المأمور به مطلوب، هذه واحدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علل هذا الحكم بما يفيد الطلب، فقال: «إِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (8). أي: أن يُؤَلَّف بينكما.
وهذا كقوله في زيارة القبور: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» (9) بعد أن نهى عن زيارة القبور، فهل نقول: إن زيارة القبور مباحة لورود الأمر بعد النهي؟ أو نقول: إنها سنة؛ لأن هذا الأمر عُلِّل بما يقتضي السُّنِّية؟ نقول: الثاني ولَّا الأول؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، وعلى هذا فالقول الصحيح في هذه المسألة، أي في نظر الخاطب إلى المخطوبة: أنه سُنة، وأنه ينبغي للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته لكن بشروط:
الجزء: 2 - الصفحة: 2589
أولًا: أن ينظر إلى ما يظهر غالبًا مثل: الوجه، والرقبة، واليد، والقدم، والرأس، والشعر وما أشبه ذلك، ولا ينظر إلى ما وراء هذا.
ثانيًا، الشرط الثاني: ألا يكون خلوة؛ لقوله فيما بعد: (بلا خلوة)، أما مع الخلوة فلا يحل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ» (10). والنهي للتحريم، «وَمَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَانَ» (11). وهذا يدل على أن تحريمه مؤكد.
الشرط الثالث: أن يغلب على ظنه الإجابة، أي إجابة خِطبته، فإن كان يعلم أنه لن يجاب فلا فائدة من النظر، الأصل تحريم النظر، مثال ذلك: أن يكون الخاطب رجلًا فقيرًا مغمورًا يريد أن يخطب ابنة ملك، ويش الغالب؟ الرفض ولَّا الإجابة؟
طلبة: الرفض.
الشيخ: الرفض، نقول له: لا تنظر أنت؛ لأن نظرك الآن لا مبرر له، إذ إن الغالب الرفض.
الشرط الرابع: ألا يكون نظَرُه لشهوة، فإن نظر لشهوة، يعني قام يكرر النظر في هذه المخطوبة بلذة صار هذا حرامًا؛ لأن المقصود بالنظر الاستعلام لا الاستمتاع.
الاستعلام يعنى: أن يعلم عن هذه المرأة جمالها وجسمها وما أشبه ذلك، لا للاستمتاع، فإذا نظر نظرة استمتاع صار حرامًا عليه؛ لأن المرأة لم تَزَلْ حرامًا عليه، ليست زوجة له.
الشرط الخامس -ويخاطَبُ به المرأة-: ألا تظهر متبرجة أو مُتَطَيِّبة أو مُتَمَكْيِجَة أو كاحلة أو ما أشبه ذلك من التجميل؛ لأنه ليس المقصود أن يُرَغَّب الإنسان في جماعها حتى يقال: إنها تظهر متبرجة، متجملة، متمكيجة، كاحلة، هذا تفعله المرأة مع زوجها حتى تدعُوَه إلى الجماع، أما هذا فلا.
ففي ظهورها هكذا باهية مفسدة عليها يحصل به رد فعل؛ لأنه إذا تزوجها ووجدها على غير البهاء الذي كان عَهِدَه رَغِب عنها وتغيرت نظرته إليها، لا سيما وأن الشيطان يُبَهِّي مَن لا تحل للإنسان أكثر مما يُبَهِّي زوجته.
الجزء: 2 - الصفحة: 2590
ولهذا تجدون بعض الناس -والعياذ بالله- عنده امرأة من أجمل النساء وأملح النساء وأحسن النساء، ثم ينظر إلى امرأة قبيحة شوهاء؛ لأن الشيطان يُبَهِّيها بعينه حيث إنها لا تحل له.
فإذا اجتمع أن الشيطان يُبَهِّيها وأنها هي أيضًا تَتَبَهَّى وتزيد من جمالها وتحسينها، ثم بعد الزواج يجدها على غير ما تصورها فسوف يكون هناك عاقبة سيئة.
هذه كلها شروط لأيش؟ لنظر الخاطب إلى مخطوبته.
بقي علينا مسألة لم تكن ممكنة فيما سبق، لكنها الآن ممكنة، وهي التحدث إليها من التليفون، هل يحل له أن يتحدث إليها من التليفون؟
الجواب: لا، لا يحل؛ لأنها إلى الآن أجنبية منه، وتَحَدُّث الخاطب إلى مخطوبته -فيما أظن- أنه لا يخلو من تمتع أو تلذذ، لا يخلو أبدًا، لو قال: أبدًا أنا ما أتكلم إلا بشوف ويش لونها؟ ويش عندها من الشهادات؟ ويش عندها؟ ويش فكرها؟ سبحان الله، الشهادات معلومة اسأل أهلها، أفكارها ستعلمها.
أما تتحدث أنت وإياها من الساعة الثامنة ليلًا إلى الساعة الرابعة صباحًا، وأنت تقول: بس أبغي أشوف ويش المرأة؟ ويش لون هدفها؟ يعني أنا أقول لكم: هذا شيء واقع، يسألون، ولكن ليش؟ قال: أبغي أشوف ويش لونها؟ ويش عندها؟ ويش آراءها؟ ويش أفكارها؟
أنا أعتقد -والله أعلم- أن هذا كذب، وأن المحادثة لا سيما هذه الطويلة لا تخلو من تمتع أو تلذذ، إما أن يتمتع بها ويجد نفسه مستريحًا، وأما أن يتلذذ فتجده يتحرك شهوته، هذا لا بد منه.
فلذلك نرى أنه لا يجوز للخاطب أن يتحدث إلى مخطوبته عبر الهاتف لما فى ذلك من فتنة، وهي إلى الآن ليست زوجته حتى يتمتع بكلامها ويتلذذ، إلى الآن هي أجنبية مثل اللي بالسوق.
الحكمة من النظر إلى مخطوبته بيَّنها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «فَإِنَّهُ أَحْرَى» يعني: أقرب وأجدر «أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (8) أي: يُؤَلَّف؛ لأن الأدم معناه التأليف كما تؤدم الخبز بالْمَرق.
الجزء: 2 - الصفحة: 2591
يقول المؤلف: (مرارًا) مرارًا هذه متعلقة بـ (نظر)، يعني أن ينظر مرارًا، أي عدة مرات، وذلك لأن النظرة الأولى قد لا تكفي، النظرة الأولى تكون في حال اندفاع، وكأنها مباغتة للإنسان، يحتاج إلى إعادة النظر مرة بعد أخرى وهذا لا بأس به؛ لأن الإنسان قد تبدو له المرأة في النظرة الأولى جميلة، فيخشى أن يكون هذا الجمال حصل لأنها أول نظرة، فيريد أن يعيد، وقد تبدو له ثم إذا ذهب إلى بيته قام يفكر لعل في عينها كذا، لعل في أنفها كذا، لعل في شفتيها كذا، فيحتاج إلى أن ينظر مرة ثانية، المهم، له أن ينظر مرارًا ما دام على رغبته في الخطبة.
ثم قال المؤلف: (ويحرم التصريح بِخِطبة المعتدة)، لما ذكر الخاطب ذكر مَن المخطوبة؟ هل كل امرأة يمكن أن يخطبها الإنسان؟ لا، (يحرم التصريح بخطبة المعتدةِ من وفاة والمبانةِ دون التعريض):
(المعتدة من وفاة): يعني التي مات عنها زوجها، وكم عدتها؟ عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام إلا أن تكون حاملًا، فإن كانت حاملًا فعدتها وضْع الحمل طالت المدة أم قصرت، فالمعتدة من وفاة لا يحل لأحد أن يخطبها خطبة صريحة، ويجوز أن يُعَرِّض.
انتبه، الفرق بين التصريح والتعريض: التصريح ما لا يحتمل غيره، يعني ما لا يحتمل غير الخِطبة، مثل أن يقول لوليها أو لها: زوِّجيني، أو زوِّجني، إذا كان يخاطب الولي، أو أنا خاطبٌ ابنتك، أو ما أشبه ذلك، هذا تصريح.
التعريض: أن يقول: والله بنتك امرأة طيبة، يقول لأبيها: ابنتك امرأة طيبة، أنا أرغب مثلها كثيرًا، أسأل الله أن ييسر لي مثلها، هذا أيش؟
طلبة: تعريض.
الشيخ: أو تصريح؟
طلبة: تعريض.
طالب: تصريح.
الشيخ: لا لا، تعريض، إلى الآن ما قال: زوِّجني بنتك، هذا تعريض، وكذلك لو قال لأبيها أو لها: إذا انتهت عِدَّتُك فأخبريني، هذا تصريح أو تعريض؟
طلبة: تعريض.
الجزء: 2 - الصفحة: 2592
الشيخ: تعريض أيضًا؛ لأن معنى أخبريني .. طيب أخبرَتْ، يمكن يخطب يمكن ألا يخطب، إذن التصريح في خِطبة المتوفى عنها زوجُها حرام ولَّا حلال؟
طلبة: حرام.
الشيخ: التعريض؟
طلبة: حلال.
الشيخ: حلال، الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235].
وكذلك (المبانَة)، المبانة: يعني التي فارقها زوجُها في الحياة فراقًا بائنًا لا يستطيع الرجوع إليها إلا بعقد، هذه المبانة: التي فارقها زوجُها في الحياة فراقًا بائنًا لا يرجع إليها إلا بعقد، فيشمل أشياء:
أولًا: المطلقة ثلاثًا، بائن ولَّا غير بائن؟
طلبة: بائن.
الشيخ: بائن، فإذا كانت امرأة قد طلقها زوجها ثلاثًا وهي الآن في العدة جاز أن تُخطب تعريضًا أيش؟
طالب: لا تصريحًا.
الشيخ: لا تصريحًا.
ثانيًا: المطلقة على عِوَض، بائن ولَّا غير بائن؟
طلبة: بائن.
الشيخ: بائن، لا تحل لزوجها إلا بعقد، فإذا كانت امرأة معتدة من طلاق على عِوَض فإنه تجوز خِطبتها .. كَمِّل؟
طالب: تعريضًا.
الشيخ: تعريضًا لا تصريحًا.
ثالثًا: المفسوخة لِعَيْبٍ في الزوج أو لفوات شرط اشترطَتْه ولم يَفِ به الزوج، هذه تكون أيضًا مفارقة بائن.
مثال ذلك: امرأة طلقها زوجها على عوض، يعني صار فيه مشاكل بين الزوجين، وقال: لا أطلقها إلا إذا أعطيتموني ألف ريال.
أعطَوْه ألف ريال، فارقَتْه الآن، هى مُبانة ولَّا غير مبانة؟
طلبة: مبانة.
الشيخ: مبانة؛ لأنه لا يمكن أن ترجع للزوج إلا بعقد، هذه يجوز أن تُخطَب، هاه؟
طلبة: تعريضًا لا تصريحًا.
الشيخ: تعريضًا لا تصريحًا، والدليل؟ الدليل قياسها على المبانة بالوفاة؛ لأن الزوج الآن لا يمكنه الرجوع إليها، فلم يكن في ذلك عدوان على الزوج.
يقول: (والمبانة دون التعريض).
طالب: ( ... ).
الشيخ: (المبانة دون التعريض)، يعني التعريض لا بأس به، والتصريح حرام.
الجزء: 2 - الصفحة: 2593
ثم قال: (ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث كرجعية) (يُباحان): نائب الفاعل يعود على منَ؟
طالب: على التصريح والتعريض.
الشيخ: على التصريح والتعريض، (لمن) أي: لرجل (أبانها) أي: أبان المعتدة (دون الثلاث)، ذكرنا عدة أمثلة من المبانات، منها؟
طالب: المطلقة على عوض.
الشيخ: المطلقة على عوض، المطلقة على عوض بائن من زوجها، لكن هل هو بينونة الثلاث أو البينونة الصغرى؟
طلبة: البينونة الصغرى.
الشيخ: البينونة الصغرى، طيب غير الزوج لو خطبها؟
طالب: لا يحل.
طالب آخر: يحرم.
الشيخ: يحرم؟
طلبة: يحرم عليه.
الشيخ: يا إخواني، سبحان الله، تنسون بهذه السرعة، غير زوجها لو خطبها؟
طلبة: تعريضًا لا تصريحًا.
الشيخ: جاز تعريضًا لا تصريحًا.
زوجُها لو خطبها جاز تصريحًا وتعريضًا؛ ولهذا قال: (يباحان) أي: التصريح والتعريض (لمن أبانها دون الثلاث).
فللزوج أن يأتي إلى زوجته التي طلقها على عوض فيقول: زوجيني نفسك.
صراحة، ويجوز: أنا أرغب أني أرجع إليك.
هذا الأول تصريح والثاني تعريض، يجوز.
فإن قالت: لا بأس أنا أوافق.
هل يجوز أن يتزوجها في عدتها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ما فيها إشكال، العدة له، لو قالوا: ما فيه مانع، إذا رجعْتَ إلينا فنحن نرجع إليك.
فيجوز أن نعقد له، فصارت المبانة بدون الثلاث يجوز لمن أبانها أيش؟
طالب: أن يخطبها تصريحًا وتعريضًا.
الشيخ: أن يخطبها تصريحًا وتعريضًا.
وقول المؤلف: (دون الثلاث)، والثلاث؟ الثلاث لا يجوز أن يخطبها لا تصريحًا ولا تعريضًا، زوجها الذي أبانها بالثلاث لا يجوز أن يخطبها لا تصريحًا ولا تعريضًا؛ لأنه لا سبيل له إلى نكاحها حتى تنكح زوجًا غيره.
مثاله: رجل طلق زوجته ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها، الثالثة هذه بانت منه بينونة كبرى، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، فهل يجوز أن يخطبها تعريضًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: تصريحًا؟
طالب: لا تعريضًا ولا تصريحًا.
الشيخ: تصريحًا لا.
طالب: من باب أولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 2594
الشيخ: من باب أولى، لماذا؟ لأنها محرمة عليه؛ لأنه لا سبيل له إلى نكاحها، هي حرام عليه، فهل يخطب الرجل أُمَّ زوجته مثلًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يمكن؛ لأنها حرام عليه، هل يخطب أخت زوجته؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنها حرام عليه، فما دام نكاحها حرامًا عليه فإنه لا يجوز أن يخطبها لا تصريحًا ولا تعريضًا.
قال المؤلف: (كرجعية)، هذا التشبيه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا ما عندي ضمير، لكن على كل حال اللي فيها ضمير ما يمنع.
هذا التشبيه تشبيه فيه نظر، لماذا؟ لأن رجعيته لا تحتاج إلى خِطبة، رجعيته زوجة، يحتاج يخطبها ويعقد عليها ولَّا ما يحتاج؟
طلبة: ما يحتاج.
الشيخ: أبدًا، يُشَهِّد اثنين ويقول: راجعت زوجتي.
وانتهى، هذا التنظير رحمه الله تنظير فيه نظر، وذلك لأنه لا خِطبة في رجعيته، السبب؟
طالب: لأنها زوجته.
الشيخ: لأنها زوجته، ما عليه إلا أن يقول: راجعت زوجتي.
فقط، أو يجامعها بنية المراجعة.
ثم قال: (ويحرمان منها على غير زوجها)، (منها) أي من الرجعية (على غير زوجها) يحرمان أي التعريض والتصريح بالنسبة للرجعية على غير الزوج، يعني يحرم أن يخطب الرجعية تصريحًا أو تعريضًا.
انتبه، يحرم خطبة الرجعية تصريحًا أو تعريضًا.
مثال ذلك: رجل طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا وهي الآن في العدة يحرم على غيره أن يخطبها تصريحًا أو تعريضًا، يعني لا يجوز أن يذهب إليها أو إلى أهلها ويقول: زوجوني، وهذا هو التصريح، أو يقول: إني في مثلها لراغب، هذا أيش؟ التعريض، لماذا؟ لأن الرجعية زوجة، وخطبتها تفسدها على زوجها.
فكما أنه لا يجوز للإنسان أن يذهب إلى زوجة إنسان ويقول لها: يا فلانة، زوجك فقير قبيح المنظر سيِّئ الخلق، أما أنا فعندي أموال كثيرة وجمالي كما تشاهدين وأخلاقي ألذ من العسل وألين من الزبد، زوجيني نفسك، يجوز؟
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2595
الشيخ: إذا قال: هذا من النصح، أنا أنصح لها؛ لأنها الآن عند هذا الرجل الذي في غياهب الظلام معه، والدين النصيحة.
أيش نقول؟
طالب: إفساد هذا.
الشيخ: نقول: لكن ليس الدين الإفساد بين الناس، ومن أعظم الأشياء محاولة التفريق بين الرجل وأهله الذي هو طريق السحرة: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102].
على كل حال صار الآن خطبة المعتدة لها أقسام:
من تحرم خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
مَن تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
مَن تحرم خطبتها تصريحًا لا تعريضًا.
القسم الرابع: من تحرم خطبتها تعريضًا لا تصريحًا.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: القسمة العقلية.
الشيخ: القسمة العقلية يا إخوان، القسمة العقلية أربعة أقسام:
مَن تحرم خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
مَن تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
مَن تحرم خطبتها تعريضًا لا تصريحًا.
مَن تحرم خطبتها تصريحًا لا تعريضًا.
هذه قسمة عقلية ماذا نقول؟ نقول: لكن نحن نقسم الأحكام الشرعية تقسيمًا شرعيًّا، ليس لنا أن نتدخل في التقسيم العقلي.
فنقول: المعتدة خطبتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: من تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
والثاني: من لا تجوز خطبتها لا تصريحًا ولا تعريضًا.
والثالث: من تجوز خطبتها تعريضًا لا تصريحًا.
من تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا هي مَن كانت في عدة بائن إذا كان الخاطب مُبِينَها.
طالب: زوجها.
الشيخ: مُبِينُها، صح؟ ما نقول: زوجها، بانت منه الآن.
الطالب: باعتبار ما سبق.
الشيخ: إيه، باعتبار ما سبق، إذن نقول: مُبِينُها، أحسن.
المعتدة أيش؟ مَن هي التي يجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا؟
طلبة: المعتدة ..
الشيخ: المعتدة في عدة المبانة لمن أبانها إلا في الثلاث.
مَن تجوز خطبتُها تعريضًا لا تصريحًا؟
طالب: المعتدة من ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2596
الشيخ: المعتدة البائن، والخاطب غير زوجها، كذا ولَّا لا؟ هذه يجوز تعريضًا لا تصريحًا سواء كان مبانة من وفاة أو مبانة في حياة.
مَن تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا؟
طلبة: الرجعية.
الشيخ: الرجعية.
طالب: لأنها زوجته.
الشيخ: مَن تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا؟
طالب: المباينة.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إلى الآن متلخبطين، البائن بغير الثلاث من زوجها، هي اللي قلناها الآن.
مَن تحرم تصريحًا وتعريضًا؟
طلبة: الرجعية.
الشيخ: الرجعية، والمبانة بثلاث من زوجها.
طالب: تعريضًا.
الشيخ: لا، المبانة بثلاث من زوجها، المبانة بثلاث من غير الزوج تعريضًا لا تصريحًا، المبانة بالثلاث من زوجها تحرم خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
إذن التي تحرم تصريحًا وتعريضًا: الرجعية، والثانية: المبانة بالثلاث من زوجها، لماذا وهو زوجها؟ لأنه لا سبيل له إلى نكاحها؛ حيث إنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره.
اضبط التقسيم، ترى التقاسيم تحصر لكم المسائل العلمية، فهذه أحكام خطبة المعتدة.
طالب: الصور التي ذكرها المؤلف لا تجد من يطبقها عندنا، ما يمكن ولا تعريضًا ولا تصريحًا.
الشيخ: أيها؟
الطالب: هذه الصور.
الشيخ: أيها؟ الصور؟
الطالب: النظر إلى المخطوبة والتصريح لها، ما يمكن.
الشيخ: ليش؟ نحن نتكلم عن الأحكام الشرعية بقطع النظر عن العمل بها، العمل بها شيء، الكلام أن الإنسان يعرف الأحكام الشرعية، فهل يمكن في أي البلاد أنه لا يخطب الإنسان امرأة؟ كيف يتزوجون الناس؟
الطالب: ما يمكن ينظر لها.
الشيخ: ما يمكن ينظر لها، يمكن، حتى عندنا الآن أنا أخبركم عندنا قبل يمكن أربعين سنة أو خمسين سنة ما يمكن النظر للمخطوبة إطلاقًا، حتى لو قال الخاطب: أنا أريد أن أخطب.
قال: ما هي بيعة نعرضها عليك!
الجزء: 2 - الصفحة: 2597
لكن لما انتشرت المعلومات وتفقَّه الناس حصل، وعسى الله أن يُسَمِّت، يعني نقول: نخشى بعدين أن تتدهور مثلًا وتكون كخطبة الغربيين، الغربيون إذا بغى يخطب امرأة يطلع هو وإياها أيامًا عديدة ويخلو بها وكل شيء يفعلونه إلا النكاح.
طالب: ويجيب عيالًا بعدين.
الشيخ: الله أعلم، نعم.
طالب: أكثر الناس الآن طلاقهم على غير السنة يطلق في الحيض وكذا، فلماذا إذا جاء الإنسان يطلق ثلاثًا ..
الشيخ: والله نحن نفتي أنها ما دامت في العدة فالطلاق البدعي لا يقع.
الطالب: على الإطلاق؟
الشيخ: على الإطلاق.
الطالب: هذا معصية، فعل معصية؟
الشيخ: طيب، إذا فعل المعصية هل نُمَكِّنه من تنفيذ هذه المعصية، الله قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
فإذا طلق في حيض أو طُهر جامَع فيه فقد طلقها لغير العدة، فيكون داخلًا في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (12).
لكننا لا نفتي بفساد الطلاق في رجل ضاقت عليه الْحِيل ثم جاء يقول، جاء إنسان يستفتي قال: أنا والله أطلق زوجتي وهذه الثالثة، أو قد طلقتها ثلاث مرات، لكن سأخبرك عن قضيتي، اتفضل، قال: أول مرة قبل عشرين سنة طلقتها وهى حائض، ثم قبل عشر سنين طلقتها في طهر جامعتها فيه، ثم طلقتها قبل سنة وأنا غضبان غضبًا شديدًا، أفتوني؟ نحن نفتيه لو كانت المسألة طبيعية بأنه لا طلاق عليه؛ لأن الأول؟
طلبة: في حيض.
الشيخ: في حيض، والثانى؟
طلبة: في طهر جامعها فيه.
الشيخ: في طهر جامعها فيه، والثالث؟
طلبة: غضب شديد.
الشيخ: غضب شديد، هو يريد منا هذا، يريد أن نُفتِي له بأن هذه المرأة التي أصبحت بائنًا منه أنها زوجته ولا طلاق عليه، هذا لا يمكن نفتيه بهذه الفتوى أبدًا؛ لأن طلاقه في الحيض قبل عشرين سنة كان طلاقًا التزم فيه، التزم التزامًا كاملًا، ولو أنها تزوجت بعد انقضاء عدتها في ذلك الوقت؟
طالب: ما أمكن.
الشيخ: هل يمكن أم لا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2598
الطالب: لا.
الشيخ: أبدًا لا يمكن، وكذلك الطلقة الثانية، وكذلك الثالثة، أما لما ضاقت به الحيل جاء يَمِّنا يقول: أنا والله الطلاق الأول بدعي والثاني بدعي والثالث بغير شعور، ومثل هذا ما ذكره الشيخ عبد الله فقير رحمه الله يقول: إنهم إذا طلقوا ثلاثًا جاء الزوج يقول: والله أنا طلقت ثلاثًا، لكن أحد الزواجات الحاضر الشاهد الثاني يشرب الدخان، علشان أيش؟
طالب: فاسق.
الشيخ: علشان يصير غير عدل، وإذا كان غير عدل صار النكاح بشهادة واحد ولا يصح، إذا لم يصح النكاح لا يصح الطلاق، هو ما عاد مثَّل بشارب الدخان لكن من عندي هذا، إنما قال: إن بعضهم إذا طلق الثلاث وضاقت عليه الحيل جاء يفكر في العقد يلتمس لعل يصير العقد فاسدًا علشان ما بُنِي على الفاسد فهو فاسد.
طالب: ذكرت المحادثة عبر التليفون، فكيف الخطابات، الرسائل؟
الشيخ: أنا عندي الخطابات يعني أهون من بعض الوجوه، أهون لأنه لا يسمع صوتها ولا يتلذذ به، اللهم إلا أن يتبادلا الصور، هذا لا شك أنه ليس بصحيح.
الطالب: (ويحرم التصريح بخُطبة المعتدة).
الشيخ: (بخِطبة)؛ لأن (خُطبة) بالضم: القول، و (خِطبة): طلب الزواج.
الطالب: ويحرم التصريح بخطبةِ المعتدة من وفاة والمبانة دون التعريض، ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث كرجعية، ويحرمان منها على غير زوجها، والتعريض: إني في مثلك لراغب، وتجيبه: ما يُرغَب عنك، ونحوهما.
فإن أجاب وليُّ مُجبرةٍ، أو أجابت غير المجبرة لمسلم حرم على غيره خطبتها، وإن رُدَّ أو أَذِن أو جُهِل الحال جاز، ويُسَن العقد يوم الجمعة مساءً بخطبة ابن مسعود.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
متى يحرم التصريح والتعريض في الخِطبة؟
طالب: الرجعية من غير زوجها.
الشيخ: الرجعية من غير زوجها، طيب ثانيًا؟
الطالب: المبانة بالثلاث.
الجزء: 2 - الصفحة: 2599
الشيخ: المبانة بالثلاث يحرم التصريح والتعريض على زوجها، المبانة بالثلاث على زوجها خاصة يحرم التعريض والتصريح.
الرجعية على غير زوجها يحرم التصريح والتعريض، يلَّا، متى يجوز التعريض دون التصريح؟
طالب: يجوز التعريض دون التصريح للرجعية ( ... ).
الشيخ: أخوك وزميلك يقول: يحرم التصريح والتعريض على غير الزوج، أنا أسأل أقول: متى يجوز التعريض دون التصريح؟
طالب: المبانة دون الثلاث.
الشيخ: مِن مَن؟
الطالب: من الزوج.
الشيخ: من الزوج؟ !
الطالب: من غير الزوج.
الشيخ: من غير الزوج؟ ! سبحان الله، تأكَّدْ، التعريض دون التصريح؟
الطالب: المعتدة يا شيخ.
الشيخ: أي معتدة؟
الطالب: المعتدة بعد طلاق.
الشيخ: أي طلاق؟ رجعي ولَّا بائن؟
الطالب: رجعي.
الشيخ: خطأ.
متى يحرم التصريح دون التعريض؟
طالب: للمرأة التي تُبان من غير زوجها.
الشيخ: يعني أن تخطب هي الرجال؟
الطالب: لا يجوز أن يصرح، لا بد أن يكون تعريضًا.
الشيخ: المبانة على غير زوجها، طيب وغيرها؟
الطالب: وهي نفسها.
الشيخ: قل لي: المبانة سواء بكذا أو بكذا، علشان نعرف أنك أردت العموم.
الطالب: المبانة بثلاث من غير زوجها.
الشيخ: وبغير الثلاث؟ مبانة بغير الثلاث؟
الطالب: بغير الثلاث هذه يحرم.
الشيخ: مِثل على عِوَضٍ، ما هو على عوض تكون بائنًا؟
الطالب: أيضًا يحرم من غير زوجها.
الشيخ: طيب، وغيرها؟
طالب: المعتدة بالوفاة.
الشيخ: صح، المعتدة من وفاة أو من حياة وهي مبانة، سواء الطلاق الثلاث، أو على عوض، أو المفسوخة، أو التي تبيَّن بطلانُ نكاحها أو ما أشبه ذلك، واضح؟ هذا يحرم أيش؟
طالب: التصريح.
الشيخ: دون التعريض، الدليل؟
الطالب: قولِه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 235].
الشيخ: الدليل.
الطالب: الآية.
الشيخ: أنت قلت: الدليل قولِه تعالى.
الطالب: قولُه تعالى.
الشيخ: نعم زين، (قولُه) بالرفع.
الجزء: 2 - الصفحة: 2600
الطالب: قولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235].
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
ومتى يجوز التعريض والتصريح؟
طالب: يجوز التعريض والتصريح لزوجها ( ... ) عدتها.
الشيخ: أيش؟ !
الطالب: لمن لم يَبِنْها في عدة زوجها.
الشيخ: إذا لم يبنها فهى رجعية.
الطالب: لا.
لمن أبانها وهي طلقة يجوز التصريح.
الشيخ: والتعريض.
الطالب: والتعريض، لمن أبانها دون ثلاث.
الشيخ: أحسنت، صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يجوز التعريض والتصريح لمن أبانها دون الثلاث.
إذن لا يجوز التعريض ولا التصريح، هذا واحد.
ويجوز التعريض والتصريح، هذا ثانٍ.
ويجوز التعريض دون التصريح، هذه كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، بقي في القسمة العقلية: متى يجوز التصريح دون التعريض؟
طالب: التصريح دون التعريض؟
الشيخ: نعم.
طالب: ما يوجد هذا -يا شيخ- في الشرع.
الشيخ: كيف؟
طالب: يوجد في العقل.
الشيخ: متى يجوز التصريح دون التعريض؟
الطالب: ما يوجد هذا.
الشيخ: ما يوجد؟ ويش لون يا جماعة؟
طلبة: ما يوجد.
الشيخ: متى يجوز التصريح دون التعريض؟ سبحان الله، أنتم سريعو النسيان.
طالب: بالقسمة العقلية.
طالب آخر: بالعقل.
الشيخ: ما يخالف، أنا أقول بالعقل، نحن نتكلم بالشرع، أنا أقول: القسمة العقلية أربعة، ذكرنا ثلاثة وأحكامها، الآن هذا الرابع: جواز التصريح دون التعريض؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: شرح ولا متن، ما عاد يهمكم، الكلام على هل تجيبون على هذا ولَّا ما تجيبون؟
طالب: لا يجوز في الشريعة.
طالب آخر: لا يوجد.
طالب ثالث: لا يقع.
طالب رابع: لا يجوز.
الشيخ: لا يمكن أن نقول: يجوز التصريح دون التعريض، لماذا؟ لأنه إذا جاز التصريح؟
طلبة: جاز التعريض.
الشيخ: فالتعريض من باب أولى، تمام بارك الله فيكم.
نبدأ الآن الدرس الجديد:
الجزء: 2 - الصفحة: 2601
يقول رحمه الله: (والتعريض أن يقول: إني في مثلك لراغب، وتجيبه: ما يُرغَب عنك، ونحوهما): هذا يشبه أن يكون تصريحًا، رجل قال لامرأة معتدة: أن أرغب مثلك.
قالت: أنت ما يُرغَب عنك.
يعني أننا نرغبك، ومع ذلك لا يُعِدون هذا تصريحًا؛ لأنه قد يكون هذا خبرًا مجرد خبر فقط، مثل أن يقول: مثلُك لا يُرغَب عنها.
وتقول: مثلك أيضًا لا يُرغَب عنه.
هذا صحيح أنه يدل على رغبته فيها وعلى رغبتها فيه، لكن ليس بصريح أنه خِطبة، وكذلك لو قال: إذا فرغَتِ العدة فأخبريني.
هذا أيضًا أيش؟
طلبة: تعريض.
الشيخ: تعريض؛ لأنه ما فيه تصريح أنه طلب.
ثم قال المؤلف: (فإن أجاب وليُّ مُجبرةٍ، أو أجابت غيرُ الْمُجبرة لمسلم حَرُم على غيره خطبتُها): يعني معناها أنه إذا خطب الإنسان امرأة وأجاب وليُّها إن كانت مجبرة -وسيأتينا إن شاء الله بيان من التي تجبر والتي لا تُجبَر، ولكن على القول الراجح ليس هناك امرأة تُجبر على النكاح، وعلى هذا فالجملة الأولى (وليُّ مُجبرةٍ) غير واردة على القول الراجح لأنه ما فيه أحد يُجبَر- (أو أجابت غير المجبرة لمسلم حرم على غيره خطبتها) لا تصريحًا ولا تعريضًا.
مثال ذلك: رجل خطب امرأة، فأجابت المرأة وأجاب أهلها وأرادوا الرجل؛ يحرم على غيره أن يخطبها منهم، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ» (13). نعم لا يحل أن يخطب على خطبة أخيه؛ لأن ذلك عدوان على حق الغير، ولأن هذا يورث العداوة والبغضاء، ولأنه ربما يصل إلى حد القتل بين أهل الجهل؛ فلذلك حرمه النبي عليه الصلاة والسلام، لكن المؤلف يقول: (لمسلم)، فإن أجابت لغير مسلم فهل يحرم خطبتها أو لا؟
طالب: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2602
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف لا يحرم، إذا خطب المرأةَ رجلٌ غير مسلم فأجابت، فظاهر كلام المؤلف أنه لا بأس أن تخطب على خطبته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» (13). وغير المسلم ليس أخًا لك.
فإذا قال قائل: كيف يخطب إنسان غير مسلم؟ هل المسلمة تحل للكافر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن نقول: نصرانية، امرأة نصرانية خطبها رجل نصراني فأجابت، فيجوز للمسلم على كلام المؤلف أن يخطب على خطبة هذا النصراني؛ لأن المسلم خير للنصرانية من النصراني، وللحديث: «عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ»، عرفتم الآن؟
والصحيح أنه لا يحل للمسلم أن يخطب على خطبة النصراني؛ لأن هذا من الحقوق التي يجب على المسلم أن يراعيها، ولأنه لو خطب على خطبته لأدَّى ذلك إلى أن يقوم هذا النصراني بقتله مثلًا أو بإيذائه أو بإفساد الزوجة عليه، ولأن هذا إساءة إلى الإسلام حيث يعتقد النصارى أن المسلمين أهل عدوان على حقوق الناس.
فإن قال قائل: ما الجواب عن الآية وعن الحديث؟ قلنا: إن الله يقول: ﴿لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: 221]، يخاطب أهل الزوجة ألا يزوجوا المشرك مع وجود المؤمن، لكنه لا يبيح للمؤمن أن يخطب على خطبة المشرك، هذا إذا قلنا: إن النصارى يدخلون هنا في اسم المشرك.
ثانيًا: الحديث نجيب عنه بأن هذا مبني على الأغلب؛ لأن الغالب فى المسلمين أن يكون الخاطب أيش؟
طالب: مسلمًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2603
الشيخ: مسلمًا، فهذا بناء على الغالب، وما كان بناء على الغالب فإنه لا مفهوم له، كما هي القاعدة فى المنطوق والمفهوم، ما كان قيدًا بسبب الغالب فإنه أيش؟ لا مفهوم له؛ ولهذا لم يجعل الله لقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]، لم يجعل الله لهذا القيد: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ لم يجعل له مفهومًا.
فتحرم الربيبة سواء كانت في حجر زوج أمها أم لم تكن، والدليل أن الله لم يجعل له مفهومًا أنه قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23].
ولم يقل: (وإن لم تكن الربائب في حجوركم فلا جناح عليكم)؛ لأن القيد هذا بناء على الغالب، والقيد الذي يُبنى على الغالب لا مفهوم له، وعلى هذا فالصحيح أنه لا يجوز أن يخطب على خطبة المسلم، ولا على خطبة الكافر إذا كان له عهد وذمة.
يقول: (فإن رُدَّ أو أَذِن أو جُهِلت الحال جاز) انتبه، (إنْ رُد) مَن؟
طلبة: الخاطب.
الشيخ: الثاني أو الأول؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، يعني علمت أن فلانًا خطب من آل فلان لكن ردوه، هل لي أن أخطب؟ (أو أَذِن) بأن علمت أن فلانًا خطب من آل فلان فذهبت إليه وقلت: يا فلان، سمعت أنك خطبت البنت الفلانية وأنا أحب أن أتزوج بها.
فقال: لا بأس، أنا آذن لك.
فلا بأس أن يخطب، لكن إذا علمنا أنه أذن حياءً وخجلًا لا اختيارًا، فما الحكم؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا الإذن كعدمه، أو علمت أنه أذن خوفًا؛ لأن الذي استأذنه رجل شرير لو لم يأذن له لآذاه، فهل يجوز الإقدام؟ لا، لكن إذا أذن اختيارًا وبرضًا وطواعية فإنه يجوز للثاني أن يخطب؛ لأن الحق للخاطب فإذا أسقطه فهو حقه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2604
قال: (أو جُهِلت الحال)، هل معنى (جُهِل) هل هي مخطوبة أو لا؟ أو (جُهِل) هل رُدَّ أو لا؟
المراد الثاني في كلام المؤلف، يعني علم أن فلانًا خطب من آل فلان ولا يدري هل قَبِلوه أم ردوه؟ فإنه يجوز أن يخطب؛ لأن الأصل عدم الإجابة، فلي أن أخطب، أنتم فاهمون ولَّا لا؟ إذن تجوز الْخِطبة على خطبة أخيه في ثلاثة مواضع: الموضع الأول؟
طلبة: إذا رُدَّ.
الشيخ: إذا رُدَّ.
الثاني؟
طالب: إذا أذن.
الشيخ: إذا أذن الخاطبُ الأول.
الثالث: إذا جهلنا هل ردوه أم قبلوه، والصواب في المسألة الثالثة أنه لا يجوز أن يخطب.
فإن قيل: الأصل عدم الإجابة.
قلنا: ليس التحريم من أجل هذا، التحريم من أجل الخطبة على خطبة أخيك وقد حصلت، وربما يكون أهل الزوجة قد مالوا إلى الخاطب ويريدون أن يزوجوه، فإذا خطبت أنت أعرضوا عنه، ولولا خطبتك لزوجوه، هذا عدوان، فالصواب أنه إذا جهلنا هل قبلوا أم ردوا أنه لا تجوز الخطبة.
يقول: (ويُسَن العقد يوم الجمعة مساء بِخُطبة ابن مسعود).
أولًا: أفادنا المؤلف رحمه الله أن للعقد يومًا مفضلًا وهو يوم الجمعة، وأن العقد يكون في مسائه في آخر النهار، وهذا الحكم يحتاج إلى دليل، ولا دليل في المسألة، ليس هناك دليل على هذه المسألة.
وذكر بعضهم أنه يُسَن أيضًا في المسجد، فجعلوا له سُنَّة مكانية وسُنَّة زمانية؛ الزمن: بعد العصر يوم الجمعة، والمكان: في المسجد.
وعلى هذا فإذا كان الذين سيتزوجون خمسين نفرًا قلنا: احضروا إلى المسجد، خمسين زوجًا، وخمسين وليًّا، ومائة شاهد، هذا إذا كان كل واحد يأتي بشاهدين، أما إن قالوا: شاهدان يكفيان للعقود الخمسين، فهذا جائز ما فيه مانع.
طالب: والأقارب.
الشيخ: الأقارب ما هو شرط، كلامنا على الذي لا بد منه، فهذا القول لا شك أنه يحتاج إلى دليل، وكونهم يقولون: إن عصر يوم الجمعة ساعة إجابة فيُرجى أنه إذا بُرِّك على المتزوج أن تُقبل الدعوة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2605
وكذلك المسجد يقولون: هو أشرف الأماكن، فيقال لهم: هل النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك؟ أبدًا.
هل كان لا يعقد إلا في المسجد؟ أو أرشد الأمة إلى هذا؟ وهل كان لا يعقد إلا عصر الجمعة؟ أو أرشد الأمة إلى هذا؟
فما دام عصر الجمعة موجودًا في عهده، والمسجد موجود في عهده، وعقد النكاح موجود في عهده، ولم يقرن واحدًا بالآخر فالواجب ألا نشرع من عند أنفسنا لمجرد التحسين.
وقد علمتم القاعدة المهمة المفيدة: أن ما وُجِد سببُه في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يفعله فالسُّنَّة؟
طالب: ترْكُه.
الشيخ: ترْكُه، وعلى هذا فنقول: متى تهيأ الأمر يكون العقد، ولكن هنا سؤالًا: هل يشترط ألَّا يعقد إلا مَن فُوِّض إليه الأمر من قِبَل وُلاة الأمور، وهو ما يُسمى الآن بالمأذون الشرعي؟
بخُطْبَةِ ابنِ مسعودٍ.
(فصلٌ)
وأركانُه: الزوجانِ الخاليانِ من الْمَوَانِعِ، الإيجابُ، والقَبولُ ولا يَصِحُّ مِمَّنْ يُحْسِنُ العَربيَّةَ بغيرِ لفظِ: زَوَّجْتُ أو أَنْكَحْتُ،
وقَبِلْتُ هذا النكاحَ أو تَزَوَّجْتُها أو تَزَوَّجْتُ أو قَبِلْتُ، ومَن جَهِلَهما لم يَلْزَمْه تَعَلُّمُهما وكَفَاهُ معناهما الخاصُّ بكلِّ لسانٍ، فإن تَقَدَّمَ القَبولُ لم يَصِحَّ، وإن تَأَخَّرَ عن الإيجابِ صَحَّ ما دامَا في الْمَجْلِسِ ولم يَتشاغَلَا بما يَقْطَعُه، وإن تَفَرَّقَا قَبْلَه بَطَلَ.
وله شُروطٌ:
(أحَدُها) تَعيينُ الزوجينِ، فإن أَشارَ الوَلِيُّ إلى الزوجةِ أو سَمَّاها أو وَصَفَها بما تَتَمَيَّزُ به، أو قالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي وله واحدةٌ لا أكثرَ: صح.
(فصلٌ)
(الثاني) رِضاهما، إلا البالغَ الْمَعْتُوهَ والمجنونةَ والصغيرَ والبِكْرَ ولو مُكَلَّفَةً
الجزء: 2 - الصفحة: 2606
بمجرد التحسين، وقد عَلِمْتُم القاعدة المهمة المفيدة أن ما وُجِدَ سببه في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يفعله فالسنة تَرْكُه، وعلى هذا فنقول: متى تهيأ الأمر يكون العقد، ولكن هنا سؤال: هل يُشْتَرَط ألَّا يعقد إلا مَن فُوِّضَ إليه الأمر من قِبَل ولاة الأمور، وهو ما يسمى الآن بالمأذون الشرعي؟ أو يصح بدونه؟
الجواب: يَصِحّ بدونه لا شك، وهل يصح أن يكون المأذون أحد الشاهِدَيْنِ؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح أن يكون أحد الشاهِدَيْنِ، خلافًا لما يتوهمه العامة الآن، يظنون أن المأذون خارج عن الشهود.
أما قوله: (بخطبة ابن مسعود) فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّمهم التشهد بالحاجة، وهي: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ»، إلى آخره، وهي معروفة: «الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ»، عندي بالشرح: (وَنَتُوبُ إِلَيْهِ)، ولكنها لم تَرِد، فيُقْتَصَر على «نَسْتَغْفِرُهُ»، «وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» (1)، كثير من الإخوان يقول: من يهدِ الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، فينقلون الآية إلى هذا الحديث، والأَلْيَق بالإنسان والأكمل في الأدب أن يتمشَّى على ما جاء به الحديث؛ لأن كونه يضع الآية في مكان اللفظ النبوي شبه اعتراض على الرسول، كأنه قال: ليش ما قلت اللي بالآية؟ ! وهذه المسألة لا يتفطن لها إلا القليل من الناس.
الجزء: 2 - الصفحة: 2607
الشيء الذي جاءت به السنة يقال كما جاءت به السنة، ولا يُسْتَبْدَل كلام الرسول بغيره أبدًا، حتى لو كان من القرآن؛ لأننا نقول له: هل أنت أحفظ للقرآن من الرسول؟ ! وهل أنت أشد تعظيمًا لله ولكتابه من الرسول؟ قل كما قال الرسول: «مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» أما (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا)، فهذا في هذا الموضع لا يقال.
«وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، ثم يقرأ آيات ثلاثًا هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70 - 71]، ثم يقال للوَلِيّ: زَوِّجِ الرجل، فيقول: زَوَّجْتُك بنتي فلانة، ولا حاجة أن يقول: على سنة الله وسنة رسوله؛ لأن الأصل في المسلم أنه أيش؟ على سنة الله وسنة رسوله، ويقول الزوج؟
طالب: قَبِلْتُ.
الشيخ: قَبِلْتُ، فقط قبلت؟ قبلت أيش؟ قبلتُ هذا الزواج مثلًا، ولو قال: قبلتُ، وحذف المفعول كفى؛ لأن المقام يعيِّن المحذوف، ثم يقال للزوج: بارك الله لكما وعليكما، وجمع بينكما في خير، والْمُتَمَدْيِنُون يقولون ما يقوله أهل الجاهلية.
طالب: بالرفاء والبنين.
الجزء: 2 - الصفحة: 2608
الشيخ: بالرفاء والبنين، نسأل الله ألَّا يُعْمِيَ قلوبنا، يأتي لفظ عن الرسول عليه الصلاة والسلام خير وبركة ونعدِل عنه؟ ! بالرفاء والبنين! ! ربما لا يكون هذا رفاء، ربما يحصل من الخروق أكثر من الرفاء بين الزوج والزوجة، ثم البنين، البنات مسكينات قد تكون البنت خيرًا من الابن بكثير، فالمهم أن العدول عما جاءت به السنة لما كان عليه الجاهلية عنصر جاهل، قل: بارك الله لكما وعليكما، وجمع بينكما في خير، ثم إذا زُفَّتْ إليه يأخذ بناصيتها ويقول: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جَبَلْتَها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جَبَلْتَهَا عليه، لكن هل يقول ذلك جهرًا أو يقول ذلك سرًّا؟
طلبة: سرًّا.
الشيخ: نرى التفصيل في هذا؛ إن كانت امرأة متعلمة تدري أن هذا من المشروع فليقل ذلك جهرًا؛ لأن ربما تؤمِّن على دعائه، وإن كانت جاهلة فأخشى إن قال ذلك تنفر منه، تقول: أنا بي شر؟ وعلى كل حال لكل مقام مقال، والله أعلم.
( ... )
مثل غيره، ولهم الغنيمة النقلية اللي تُنْقَل.
طالب: أما الأرض فلا.
الشيخ: لا، إي نعم.
طالب: إذا أَمَرَ الإمام بمعصية ورَتَّبَ عليها عقوبة لمن يخالفها، فما الموقف، مثل مثلًا حلق اللحية أو .. ؟
الشيخ: الواجب الصبر والاحتساب وانتظار الفرج، إلا إذا قيل للشخص نفسه: إما أن تفعل هذه المعصية أو حبسناك.
الطالب: لو قال هكذا؟
الشيخ: لو قال هذا مُكْرَه.
الطالب: يعني ينزل على رأيه؟
الشيخ: أقول: مُكْرَه، إذا كان مُكْرَهًا على الكفر إذا لم ينشرح قلبه به فإنه لا شيء عليه، فالمعاصي التي دونه من باب أولى.
طالب: في هذه المسألة التي ذكرها الأخ، هل إذا كان مُكْرَهًا هل يحلقها هو أو يتركها حتى .. ؟
الشيخ: سواء حلقها هو ولَّا أخذوه بالقوة وحلقوها، يمكن بعد إذا حلقها هو أطيب لنفسه شوي.
أركان النكاح
الجزء: 2 - الصفحة: 2609
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل .. وأركانه الزوجان الخاليان من الموانع، والإيجابُ والقبولُ، ولا يصح ممن يُحْسِن العربية بغير لفظ: زَوَّجْت أو أَنْكَحْت، وقَبِلْت هذا النكاح، أو تَزَوَّجْتها، أو تَزَوَّجْت أو قَبِلْت، ومَن جَهِلَهُما لم يلزمه تعلُّمُهما، وكفاه معناهما الخاص بكل لسان، فإن تقدم القبول لم يصح، وإن تأخر عن الإيجاب صح ما دامَا في المجلس ولم يتشاغلَا بما يقطعه، وإن تفرَّقَا قبله بطل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل.
وأركانه) أي: النكاح، (الزوجان الخاليان من الموانع).
سبق لنا بيان حكم خطبة الرجل على خطبة أخيه، وقولنا: إنها؟
طالب: تحرم.
الشيخ: حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ولكنها تجوز إذا رُدَّ أو أَذِن أو تَرَك، إذا رُدَّ من أهل الزوجة، أو أَذِن للخاطب الثاني، أو ترك، يعني علمنا أنه ترك الخطبة.
واختلف العلماء فيما إذا جَهِل هل رُدّ أو قُبِلَ، والمذهب أنه أيش؟
طلبة: جائز.
الشيخ: أن الخطبة جائزة، والصحيح أنها غير جائزة؛ لأنه خطب، وصار أَحَقَّ بها من غيره، فإن جَهِل أنها مخطوبة، مثل أن سمع رجلًا يتحدث فيها، ولكنه لا يدري هل أقدم على الخطبة أو لا، هل يجوز؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم يجوز؛ لأن الأصل أنه لم يَخْطُب.
ثم ذكر المؤلف هذا الفصل -وهو بدء الدرس- قال: (فصلٌ.
وأركانه) أي: أركان النكاح، (الزوجان) (والإيجاب والقبول) يعني ثلاثة، والركن هو جانب الشيء الأقوى، جانب الشيء الأقوى يسمى ركنًا، ولذلك نسمي الزاوية أيش؟
طالب: ركنًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2610
الشيخ: نسميها ركنًا، يعني البناء مربَّع، كل ربعة منه نسميها ركنًا؛ لأن الزاوية هي أقوى ما في البناء، فجانب الشيء الأقوى يسمى ركنًا، والمراد بالأركان ما لا يتم تركيب الماهية إلا به، فمثلًا: في الصلاة القيام ركن، والركوع ركن، والسجود ركن، والجلوس بين السجدتين والتشهد ركن؛ لأن هذه هي ماهية الصلاة، ولا تكون الماهية إلا بهذا، فأما ما كان من أجزاء الماهية ولكنها تتم بدونه فهذا لا يسمَّى ركنًا؛ كرفع اليدين في الصلاة مثلًا، هذا تتركب منه الماهية، لكن الصلاة تتم بدونه، ولهذا لا يسمى ركنًا، فالآن النكاح لا بد من زوج وزوجة، صح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا بد من زوج وزوجة، ولا بد من إيجاب وقبول؛ لأنه زوج وزوجة بماذا يكونان زوجين؟
طالب: بالإيجاب والقبول.
الشيخ: بالإيجاب والقبول، أما الولي فيمكن أن نعدَّه ركنًا، ويمكن ألَّا نعده؛ لأنه خارج عن الماهية، لكن من شرط وجود الماهية أن يوجد الولي، فصار أركان النكاح ثلاثة: الزوجان، والإيجاب، والقبول.
ولهذا قال المؤلف: (الزوجان)، وقوله: (الخاليان من الموانع) هذا ليس بشرط في الواقع؛ لأن الأصل الخُلُوّ من الموانع، فإذا قُدِّرَ أنه تزوَّج امرأة وكان بينه وبينها رضاع ولم يعلمَا به عند العقد فهنا نقول: بطل النكاح، أو تبيَّن بطلانه، فلو قال المؤلف: (الزوجان) وسكت لكان أنسب، ولكن ما ذكره أوضح.
قوله: (الخاليان من الموانع) ما هي الموانع؟ الموانع كل سبب يقتضي تحريم المرأة على الزوج، مثل العدة.
طالب: القرابة.
الشيخ: القرابة التي تريد الْمَحْرَمِيَّة، وما أشبه ذلك.
الثاني: (الإيجاب)، الإيجاب هو: اللفظ الصادر من الولي أو مَن يقوم مقامه، (والقبول): هو اللفظ الصادر من الزوج أو مَن يقوم مقامه، مثال الإيجاب، الأخ؟
طالب: أن يقول: زَوَّجْتُك.
الشيخ: أن يقول: زَوَّجْتُك، والقبول؟
طلبة: قَبِلْت.
الجزء: 2 - الصفحة: 2611
الشيخ: أن يقول: قَبِلْت، فالإيجاب هو اللفظ الصادر من الولي أو مَن يقوم مقامه، فإذا كان الولي فسيقول: زَوَّجْتُك بنتي –مثلًا-، وإن كان ممن يقوم مقامه فإنه يقول: زَوَّجْتُك بنت مُوَكِّلِي فلان، ولا يصح أن يقول: زَوَّجْتُك بنتي، لماذا؟
طلبة: ليست بنته.
الشيخ: ليست بنتًا له، ولا يصح أن يقول: زَوَّجْتُك بنت فلان، لماذا؟ لأنه لا يمكن تزويجها إلا بوكالة.
إذن صيغة الإيجاب ممن يقوم مقام الولي أن يقول؟
طالب: زَوَّجْتُك.
الشيخ: زَوَّجْتُك بنت موكلي فلان، ولا بد، ثم عاد يُعَيِّنها يقول: فلانة –مثلًا-، زَوَّجْتُك فلانة بنت موكلي فلان.
الزوج يقول: قبلت النكاح، ومَن يقوم مقامه ماذا يقول؟ يقول: قبلت النكاح لموكلي فلان، ولا يصح أن يقول: قبلت النكاح، وظاهر كلامهم: ولو كنا نعلم أنه وكيل، يعني: يَعْلَم الشاهدان ويعلم الولي أنه وكيل فإنه لا يصح أن يقول: قبلت النكاح، حتى يقول: قبلت لِمُوَكِّلِي، واضح؟
طالب: نعم، هذا الظاهر.
الشيخ: كلامي واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: نعم واضح.
الشيخ: لو أن الوكيل الذي يقوم مقام الزوج قال: قبلت النكاح، فقط، يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لا بد يقول: لموكلي، فإن قال: أردتُ بقولي: قبلت، يعني: لنفسي، وخلَّى موكله وراء، يصح أو لا يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن الولي إنما زَوَّجَ مَن؟
الطلبة: موكلك.
الشيخ: موكلك، فصار القابِل الآن غير الذي عُقِدَ له، الإيجاب وارد على زيد اللي هو الموكِّل، وصار الإيجاب واردًا على عمرو الذي هو الوكيل، وعلى هذا فتَحَيُّل هذا الوكيل لا ينفعه، لو أن هذا الوكيل قد خطب من الناس جميعًا وكلهم يَرُدُّونَه، فذهب إلى شخص وقال: علمتُ أنك ستتزوج فلانة، قال: نعم، قال: اجعلني وكيلًا في قبول النكاح، فقال: أنت وكيلي، جزاك الله خيرًا، عاد عندي شغل أبغي أروح لفلان، عند العقد قال الولي: زَوَّجْت موكلك فلان وفلانة، فقال الوكيل: قبلتُ، وأراد؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2612
طلبة: نفسه.
الشيخ: لنفسه، فإن ذلك لا يصح؛ لأن الإيجاب إنما صدر لِمَن؟
طلبة: للموكِّل.
الشيخ: لموكِّله، وهو قَبِلَ لنفسه، فلا بد أن يقول: قبلت النكاح لموكِّلي فلان، وقيل: إنه إذا عُلِمَ أن قوله: قبلت، يعني: لموكلي، فإن المعلوم كالمنطوق؛ لأن الولي ماذا قال؟ قال: زَوَّجْت أيش؟
طالب: موكلك.
الشيخ: بنتي موكِّلَك فلانًا، فإذا قال: قبلت، فالمعنى: أني قبلت بوصفي؟
طالب: موكَّلًا.
الشيخ: بوصفي وكيلًا، فلا حاجة أن أقول: قبلت لموكلي فلان، وهذا القول الأرجح، بناء على أن العقود تنعقد بما دَلَّ عليها.
ويتفرع على هذه المسألة ما ذكره المؤلف رحمه الله في قوله: (ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ: زَوَّجْتُ أو أَنْكَحْت)، يشترط في الإيجاب والقبول أن يكون بلفظ: زَوَّجْت أو أَنْكَحْت، الإيجاب بلفظ: زَوَّجْت أو أَنْكَحْت، هذا إذا كان يُحْسِنُ العربية، فإن كان لا يُحْسِن العربية أتى بأي لفظ يفيد هذا المعنى، وتعرفون أن الناس يختلفون في اللغة العربية، فالأخ الأفغاني يعطيني لفظ الإنكاح والتزويج في اللغة الأفغانية.
طالب: ويش تبغي يا شيخ؟
الشيخ: زَوِّجْه بلغتكم.
طالب: زيد وعمرو.
الشيخ: زيد وعمرو؟
الطالب: إن كان هناك زيد وهناك عمرو، زيد يريد أن يزوِّج عَمْرًا فيقول له ..
الشيخ: باللغة الأفغانية.
الطالب: ازمالور مالوك، يعني مثلًا بنته اسمها فاطمة.
الشيخ: الاسم ما يهم.
الطالب: مالوك فاطمة ماتات كريما، يقول هو: ما كلوكريا واه.
الشيخ: هذا هو بلفظ: زَوَّجْت أو أنكحت؟
طالب: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2613
الشيخ: لا، لكن يصح؛ لأنه ليس لهم لفظ إلا هذا، وكذلك باللغة الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الروسية، أي شيء فهو بلغتهم، ولهذا اشترط المؤلف ممن يُحْسِن اللغة العربية، فإن كان يُحْسِن أن يقول: زَوَّجْت أو أنكحت، وهو غير عربي، لكن لا يدري ما معني زَوَّجْت أو أنكحت، فإنه يقولها بلسانه؛ لأنه لا يُتَعَبَّد بلفظه، بخلاف القرآن الكريم، فلو أراد أحد أن يتلو القرآن الكريم بلغته ولو بالمعنى المطابق قلنا له: لا؛ لأن القرآن كلام الله لا يمكن أن يغيَّر، ولأنه يُتَعَبَّد بتلاوته.
ما هو الدليل على أنه لا يصح إلا بهذين اللفظين؟ ليس هناك دليل لا في القرآن ولا في السنة أنه لا يصح النكاح إلا بهذا اللفظ، لكن يقولون: لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن، ففي القرآن الكريم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: 20]، فاللفظان اللذان ورد بهما القرآن هما النكاح والزواج، فلا نتعداها.
ولا شك أن هذا التعليل عليل، بل هو ميت، لو أننا أخذنا بهذه القاعدة في الاستدلال لقلنا: والبيع لا ينعقد إلا بلفظ البيع؛ لأن ما في القرآن إلا البيع: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] هل تقولون: إنه لا يصح البيع إلا بلفظ البيع، والشراء لا يصح إلا بلفظ الشراء؟ لا يقولون بذلك، فأي فرق؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2614
ثم نقول: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، ولم ينطق بلفظ الزواج، أتقولون: إن نكاح الرسول لصفية غير صحيح؟ كلا والله، ولهذا اضطروا أن يستثنوا هذه المسألة، قالوا: إلا إذا كان له أَمَة وقال: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، فإنه ينعقد؛ لأنه لا يمكنهم أن يدفعوا السنة، فقالوا: إلا فيما إذا كان له أَمَةٌ فأعتقها وجعل عتقها صداقها، فيصح أن يقول: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، عرفتم؟
والقول الراجح في هذه المسألة أن النكاح ينعقد بما دَلَّ عليه بأي لفظ كان، سواء قال: زَوَّجْتك، أو قال: جَوَّزْتك، أو قال: أعطيتك، أو قال ملَّكْتك، أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا عقد، فيُحْمَل على ما يتعارفه الناس ويرون أنه عقد، وليس مُتَعَبَّدًا بلفظه.
ثم إنه في حديث الواهبة نفسها قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (2)، «مَلَّكْتُكَهَا»، وفي بعض الألفاظ: «زَوَّجْتُكَهَا»، فلما اختلفت الألفاظ في ذلك دَلَّ على أنها سواء، وإلا لو كان يختلف هذا وهذا ما جاز للرواة أن يَرْوُوه على وجهين، على لفظ: (زَوَّجْتُكَ)، وعلى لفظ: (مَلَّكْتُكَ)، انتبهوا يا جماعة إلى هذه النقطة؛ لأن بعض الناس قال: هذا ليس فيه دليل -حديث سهل في قصة الواهبة نفسها- قالوا: لأن القصة واحدة، والعقد؟
طالب: واحد.
الشيخ: واحد، ولا يمكن أن يقول الرسول: زَوَّجْتُكَ بما معك من القرآن، ثم يقول: مَلَّكْتُكَ، ما يمكن، فهو قد قال أحد اللفظين ولا بد، نقول: الأمر كما قولتم، هو قال أحد اللفظين، لكن كون الرواة ينقلونه بلفظ: ملكت، وزَوَّجْت دليل على أنه ليس بينهما فرق؛ لأن نقل الحديث بالمعنى لا يجوز إلا إذا كان المعنى مطابقًا للفظ النبوي.
الجزء: 2 - الصفحة: 2615
وعلى هذا فنقول: القول الراجح في هذه المسألة أنه يصح بلفظ الإنكاح والتزويج والتمليك والإعطاء، وما أشبه ذلك مما يعرف الناس أنه إيجاب، فإن تردَّد فقال له: آجَرْتُك بِنْتِي على صداق ألف ريال، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: اصبروا يا جماعة، لا إله إلا الله، ما أعجلكم فيما لا تفهمون! وما أقل إجابتكم فيما تفهمون!
إذا قال: آجَرْتُكَ بنتي على صداق قدره ألف ريال، يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
طالب آخر: العُرْف.
الشيخ: يا إخواني، على صداق، الصداق ماذا يكون، بأي شيء؟
طالب: الزواج.
الشيخ: بالنكاح، والله سَمَّى الصداق أجرة ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24]، ﴿آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
طالب: شيخ، في البداية قال: آجَرْتُك؟
الشيخ: نعم، آجَرْتُك على صداق، أما لو قال: آجَرْتُك بنتي بألف ريال؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: هذا معلوم، ما يصح لا شك؛ لأن الأجرة لا تستعمل في النكاح إطلاقًا، لكننا بالأول صَحَّحْنَا العقد؛ لأن فيه ما يدل على المراد بالأجرة هنا؟ النكاح، وقد سَمَّى الله المهر أجرة، إذن الزوجة مُسْتَأْجَرَة.
على كل حال خذوا القاعدة: جميع العقود تنعقد بما دَلَّ عليها عُرْفًا، سواء كانت باللفظ الوارد أو بغير اللفظ الوارد، وسواء كان ذلك في النكاح أو في غير النكاح، هذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
يقول شيخ الإسلام -عندي بالحاشية هنا- يقول: ولم ينقل أحد عن أحمد -يعني ابن حنبل- أنه خَصَّه -أي النكاح- بهذين اللفظين، وأول مَن قال ذلك من أصحاب الإمام أحمد فيما علمت -أنه يختص بلفظ الإنكاح والتزويج- أول من قاله ابن حامد، وتبعه على ذلك القاضي ومَن جاء بعده بسبب انتشار كتبه وكثرة أصحابه وأتباعه، وبناء على ذلك لا يصح نسبة هذا القول إلى مذهب الإمام الشخصي، وإنما يقال: هو مذهب الإمام الاصطلاحي.
الجزء: 2 - الصفحة: 2616
وأنا أقول لكم: إن هناك فرقًا بين المذهب الشخصي الذي يدين به الإمام لله عز وجل، وبين المذهب الاصطلاحي، المذهب الاصطلاحي قد يكون الإمام أحمد ما قاله، أو قال بخلافه، والمذهب الاصطلاحي هو ما اصطلح عليه أتباع هذا الإمام أن يكون هو مذهبه، مثل أن يختاروا مثلًا أئمة من أتباعه يقولون: إذا اتفق فلان وفلان من أئمة أتباعه على كذا فهو المذهب، أو إذا كان أكثر أتباعه على هذا فهو المذهب، لكن مذهب الشخص غير، المذهب الشخصي هو ما يدين به الإمام لله عز وجل، وقد يكون موافقًا لما قيل: إنه مذهبه اصطلاحًا، وقد يكون مخالفًا.
طالب: شيخ، سؤال مهم جدًّا يا شيخ بارك الله فيك، عندنا -جزاك الله خيرًا- عادة تحصل كثيرًا، وهي مثلًا يكونون في مجلس، فيقول أحدهم لابنته الصغيرة، يقول لجاره أو صديقه أو ابن عمه: زَوِّجْنِي ابنتك هذه لابني فلان، وهم صغار يعني، فيقول: نعم قبلت، أو قبلت تزويجك فلانة من فلان من ابنك فلان، فيقول الثاني: قبلت، والأمر كله هكذا فقط مجرد كلام.
الشيخ: هذا وعد وليس بعقد.
الطالب: لماذا يا شيخ؟
الشيخ: لأن معنى زَوِّجْنِي كل يعرف أن معنى أبغيك زوجًا لفلانة معناه: إذا حان وقت زواجها، أما الآن واحد بالمهد الصبي، يصيح يبغي ثدي أمه، وهذه أيضًا تصيح تبغي اللبن توّها مولودة، أحد يقول: هذا يتزوج هذه؟
الطالب: ولكن يا شيخ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ» (3)؟
الشيخ: لا، هم ما قالوا على سبيل المزح، العقد على سبيل المزح كالعقد على سبيل الجد، لكن نحن نقول: هذا ليس بعقد، هذا وعد، ولها نظير عندنا هنا، يقول: أبغيك زوجة من ابني ( ... )، موجودة هذه.
طالب: وعندنا.
الشيخ: وعندكم، وكل الظاهر أهل نجد.
طالب: إحنا كنا ننهي عن ذلك يعني ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2617
الشيخ: على كل حال، إذا نهيتم هذا من باب الاحتياط، وإلا فلو تحاكم إلَيَّ لم أحكم بالنكاح، لكن نعم من باب الاحتياط لا يجيء أحد مُدَّعٍ، ومشكلة بعدُ إذا كان الإنسان يرى أن هذا تزويج، ثم حان وقت زواجها يروحوا يدوِّروا في ..
طالب: بعضهم يطالبون، يقولون: ألم يكن فلان وفلان.
الشيخ: ثم بارك الله فيك هذه يعتريها شيء آخر، قد لا يكون الشهود متوفِّرين، وإذا توفروا ينقصها شيء آخر، وهو على القول الراجح الرضا؛ رضا المرأة ورضا الزوج أيضًا، ما ندري، فعلى كل حال هو لا يصح هذا العقد، وأنا أرى أنه ليس بعقد بل هو وعد؛ لأن كلًا يعرف أن العقد له سن معين ويكون بصفة معينة.
طالب: أحسن الله إليكم، يمكن يكون قول المؤلف: (ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ زَوَّجت أو أنكحت) لعله يريد البعد عن التعريض ( ... ) احترازًا من أن يأتي بلفظ.
الشيخ: لا لا، ما هو مراده، مراده أن العقد لا بد يكون بالإنكاح والتزويج.
الطالب: يا شيخ جزاكم الله خيرًا، في بعض البلاد عادة حين العقد يضع وَلِيّ الزوج وولي الزوجة أيديهما في أيدي بعض، ثم تغطى الأيدي بمنديل أو فوطة أو ما أشبه ذلك، ولا ينعقد إلا إذا كان بمثل هذه الصيغة، عند العقد ينادي الناس: جيبوا منديل جيبوا منديل.
الشيخ: يمكن لعل هذا إشارة إلى أن الزوج والزوجة سيكونان في لحاف واحد.
الطالب: هل هذا له أصل ولَّا هذه بدعة.
الشيخ: هذه بدعة، ولازم ما ينعقد إلا إذا جاب منديل؟ !
الطالب: ( ... ).
طالب آخر: يقرؤون الفاتحة.
الشيخ: هذا بأي عرف؟ من مصر يعني؟
الطالب: إي نعم، والمأذون الشرعي يكون جالسًا.
الشيخ: سبحان الله، أريد معك واحدًا يشهد.
طلبة: نعم يا شيخ.
طالب: ويتزاحمون على المنديل يا شيخ.
الشيخ: هذا مصر، والسودان؟
طالب: ما عندنا.
الشيخ: الحمد لله، الشام كذلك؟
طالب: الشام بدون منديل يا شيخ.
الشيخ: بدون منديل؟
طالب: بلى، لا بد من منديل.
الجزء: 2 - الصفحة: 2618
الشيخ: خلاص لا يوجد شيء، انتهينا، ثلاث دول إسلامية من أين جاءتهم هذه؟ يعني هم لو قالوا: يشتبك الزوج والولي مثلًا كذا، قلنا: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، يعني لها شيء من الوجه، لكن منديل إلا مثل ما قلت: إن كان هم يريدون الإشارة إلى أن مستقبل هذا الزوج والزوجة أن يكونَا في لحاف واحد، وهذا المنديل بمنزلة اللحاف تفاؤلًا مثلًا.
طالب: لكن يا شيخ يتزاحمون على المنديل.
طالب آخر: يحتفظون بالمنديل يا شيخ، ويتقاتلون على مَن يأخذه وقت العقد.
الشيخ: عجيب.
الطالب: يعني يختطفونه من بعض.
الشيخ: يخطفون مَن؟
الطالب: المنديل على يد المأذون بمجرد ما ينهي العقد.
الشيخ: المأذون والزوج ولَّا الولي والزوج؟
الطالب: الولي والزوج.
الشيخ: عليهم المنديل الآن.
الطالب: عليهم المنديل، فبمجرد ما العقد ينتهي الواقفون حولهم يخطفون المنديل من يسبق أولًا ويحتفظ به مدى الحياة.
الشيخ: سواء كانوا من أقارب الزوج والولي أو لا؟
الطالب: نعم، وأحيانًا الزوج هو الذي يأخذه، يكون المنديل هو اللي طلَّعه.
الشيخ: أنا أخشى أن هذه بعد تصبح عقيدة.
طالب: ما داموا يحتفظون به فهم يعتقدون فيه.
الشيخ: أنا أخشى أن هي بعدُ اعتقاد.
الطالب: من باب الذكرى.
الشيخ: يا جماعة ها المنديل يُكْتَب فيه: في هذه الليلة أو في هذا اليوم تزوج فلان وفلانة؟
طالب: نعم هو يحتفظ به ويعلم أن هذا منديل فلان.
طالب آخر: أحسن الله إليكم، سألت أحدَهم عن هذه المسألة.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: مسألة المنديل، أولًا: هي لا تحصل إلا في الأوساط العامة.
الشيخ: أنت من أي بلد؟
الطالب: من مصر.
الشيخ: من مصر.
الطالب: لا تحصل إلا في الأوساط العامة اللي هما الجاهلِيِّين يعني بعيدين عن الالتزام، ثانيًا: سألت المأذون، فقال: هذا من باب المداعبة ومن باب المزاح حتى يحصل الطَّرَف بأخذ المنديل ومن هذا القبيل فقط، يعني هم ليس ناشئًا عند اعتقاد.
الشيخ: ليش يحتفظ به إلى الأبد؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2619
الطالب: هي توارثت التقليد من هذا القبيل.
الشيخ: على كل حال الواجب عليكم أنتم يا طلبة العلم أن تُبَيِّنُوا للناس أن هذا بدعة وليس له أصل.
طالب: والفاتحة يا شيخ؟
طلبة: الفاتحة؟
الشيخ: كيف؟
طالب: بعض الناس يُتْبِعُون العقد بالفاتحة.
الشيخ: عجيب، يقرؤون الفاتحة؟ !
طالب: وهذه عندنا كذلك يا شيخ.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، معناها كأنها تفاؤل بالمرض؛ لأن الفاتحة رُقْيَة، نسأل الله العافية، أعوذ بالله.
طالب: بدل ما يقولوا: فلانة مخطوبة يقولون: قُرِئَت فاتحتها.
الشيخ: سبحان الله! الله يهديهم، والله هذه الحقيقة تدل على أن طلبة العلم هناك مُقَصِّرون.
طالب: نعم.
الشيخ: عندهم تقصير.
الطالب: صحيح.
الشيخ: أنا أذكر كان عندنا .. ( ... )
طالب: .. في المجلس، ولم يتشاغلَا بما يقطعه، وإن تفرَّقَا قبله بطل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا أن للنكاح أركانًا ثلاثة، وهي: الزوجان الخاليان من الموانع، والثاني: الإيجاب، والثالث: القبول.
والإيجاب: هو اللفظ الصادر من الولي أو مَن يقوم مقامه، والقبول: هو اللفظ الصادر من الزوج أو مَن يقوم مقامه.
وسبق لنا أنه لا يصح الإيجاب إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج على ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وبَيَّنَّا أن هذا القول قولٌ مُحْدَث، وأنه لم يُعرَف عن الإمام أحمد، وأن أول مَن قال به ابن حامد، وتبعه على ذلك تلميذه القاضي أبو يعلى، وانتشر هذا القول واشتهر بين الأصحاب؛ لكثرة كتبهما وتلاميذهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 2620
وأن القول الراجح أنه يصح بكل لفظ يدل عليه: الإنكاح، التزويج، الإعطاء، الهبة، لكن بشرط أن نعلم أن المراد بالهبة يعني النكاح، لا الهبة المجانية؛ لأن النكاح بالهبة المجانية لا يكون إلا لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام، التمليك؛ ملَّكْتك بنتي، التجويز؛ جَوَّزْتك بنتي، وهذه اللغة العامية يقولون: فلان تَجَوَّز، ويندر أن تسمع قولهم: فلان تَزَوَّج.
على كل حال بَيَّنَّا فيما سبق أن الصحيح أن النكاح ينعقد بما دَلَّ عليه، وأن تعليلهم بأن الإنكاح والتزويج هو الذي ورد بهما القرآن نقول لهم: إذن البيع لا ينعقد إلا بلفظ البيع؛ لأنه اللفظ الذي جاء به القرآن.
قال المؤلف رحمه الله: (ومَن جَهِلَهُمَا لم يلزمه تعلُّمُهما)، -هذا ابتداء الدرس الجديد-.
(مَن جهلهما) أي: جَهِل الإنكاح والتزويج، بأن كانت لغته غير عربية، فهل نقول: يجب أن يتعلم لفظ الإنكاح والتزويج أو لا؟ نقول: لا يجب، كما قال المؤلف رحمه الله، قال: (لم يلزمه تعلُّمُهما وكفاه معناهما الخاص بكل لسان).
وهذا حق؛ فالأعجمي لا نقول: يلزمك أن تتعلم لفظ الإنكاح والتزويج لتعقد به لابنتك مثلًا، نقول: المعنى الخاص بلسانك، والمعنى الخاص يعني الذي يختص بالنكاح، ينعقد به النكاح مِن قِبَلِكَ، بينما هذا اللفظ الذي أنت عقدت به النكاح لو عقد به عربي لم ينعقد حتى وإن عُرِفَ المعنى.
يقول: (بكل لسان)، معنى بكل لسان، أي: بكل لغة.
وإذا قلنا بالقول الراجح أنه ينعقد بما دَلَّ عليه، فأوجب الولي العقد بلغة غير عربية، لكنها معروفة للزوج والشاهِدَيْنِ فهل ينعقد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، على القول الراجح ينعقد، كأن يُوجِب الولي العقد باللغة الإنجليزية، وهو يعلم المعنى، والزوج يعلم المعنى، والشاهدان يعلمان المعنى، فالقول الراجح أنه ينعقد؛ لأن العبرة بماذا، باللفظ ولا بالمعنى؟
طلبة: بالمعنى.
الجزء: 2 - الصفحة: 2621
الشيخ: بالمعنى، ولكنه يؤدَّب على كونه يعقد النكاح -الذي هو عقد شرعي من أفضل العقود وأهمها في الشريعة- بلغة غير العربية مع كونه يعلمها، ولهذا كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يضرب مَن تكلم بالرطانة الأعجمية، يضرب ضربًا، وبعض إخواننا الآن من المسلمين لضعف الإيمان في قلوبهم وضعف الشخصية في نفوسهم يذهبون ويتكلمون باللغة الإنجليزية، فتجده إذا كَلَّم صاحبه باللغة الإنجليزية وخاطبه ذاك مجيبًا إياه باللغة الإنجليزية يزم وينتفخ، وكأنه نال مشارق الأرض ومغاربها؛ لأنه صار يعرف يتكلم باللغة الإنجليزية، وحينئذ يتمثل بقول الشاعر: أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا مَتَى أَضَعِ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي
ليش؟ لأنه عرف يتكلم باللغة الإنجليزية، حتى بلغني أن بعض الناس -والعياذ بالله- يعلِّم صبيانه اللغة الإنجليزية، صبيان، ويقول إذا أراد أن يودِّعه أو يسلِّم عليه: باي باي، سبحان الله! ! تأتي بهذه اللغة البابُيَّة وتترك (السلام عليكم) أو (عليكم السلام) فضيحة، عار، يعني لو لم تكن المسألة شرعية لكان يجب أن تكون على الأقل قومية، أذهب إلى لغة قوم وعندي اللغة العربية بهذا اللفظ، عربية مُعْرَبة فصيحة، أفصح اللغات لغة العرب، وأذهب للغات الأخرى.
ولهذا أنا فيما أرى أن الذي يعلِّم صبيه اللغة الإنجليزية من الصِّغَر سوف يحاسب عليه يوم القيامة؛ لأنه يؤدي إلى محبة الصبي لهذه اللغة، وإثارها على اللغة العربية، وبالتالي يؤدي إلى محبة مَن ينطق بها من أهلها، واستهجان مَن ينطقون بغير هذه اللغة، فسوف يحاسَب الرجل يوم القيامة إذا أدخل أولاده لتعلم اللغة الإنجليزية وهم صغار.
الجزء: 2 - الصفحة: 2622
أما مَن كبر وترعرع وقال: أنا أريد أن أتعلم اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأجنبية لأدعو إلى الله بها، فإنا نقول له: هذا خير، ونساعدك على هذا ونشجعك.
أو قال: أنا أحتاج إلى اللغة غير العربية؛ لأنني أمارس التجارة مع هؤلاء القوم، فأريد أن أتعلم لأتمكن، قلنا: هذا لا بأس به، هذا عمل مقصود وغرض صحيح، فلا بأس، أما الإنسان يفعل ذلك تعشُّقًا لها، وتعظيمًا لقومها، وإيثارًا لها على اللغة العربية فهذا خطأ.
المهم، رجل يعرف اللغة العربية أَوْجَبَ النكاح باللغة الإنجليزية لآخر يعرف اللغة الإنجليزية، وَقَبِل باللغة الإنجليزية، والشاهدان يعرفان ذلك، ما تقولون في نكاحه؟
طلبة: على القول ..
الشيخ: على القول الصحيح صحيح، وعلى المذهب؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليس بصحيح؛ لأنه لا بد أن يكون باللغة العربية.
قال: (فإن تقدم القبول لم يصح)، يعني: يُشْتَرَط أن يتقدم الإيجاب، لا بد أن يتقدم الإيجاب، فيقول: زَوَّجْتك، ويقول: قَبِلت، لماذا؟ لأن العقد لا يكون إلا به، ولأن القبول قبول شيء بُذِل، فكيف يتقدم القبول على الإيجاب وهو لم يُبْذَل شيء حتى الآن، فلا بد أن يتقدم الإيجاب على القبول، فإن تأخر الإيجاب عن القبول وتقدم القبول فإنه لا يصح.
لكن كيف الطريق إلى تصحيحه؟
الطريق أن يعاد القبول بعد الإيجاب؛ لأن القبول متقدِّم وقع في غير محله، فإذا جاء الإيجاب أردفناه بالقبول وصَحّ.
مثال ذلك: قال الزوج عند حضوره العقد: يا عمي، -وأتكلم باللغة العامية لأن العم أخو الأب، لكن هم يسمون أبا الزوجة عَمًّا- قال: يا عم، قَبِلْتُ نكاح ابنتك فلانة، فقال له العم: زَوَّجْتك بنتي فلانة، يصح العقد ولَّا لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: كيف نعمل؟
طلبة: يعيد.
الشيخ: نقول: يعيد الزوج القبول، فيقول: قَبِلْتُ، ويلغي الأول، لكن لو بقي على ما كان عليه أولًا فإن العقد لا يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2623
يقول رحمه الله: (وإن تأخَّر عن الإيجاب صح)، لكن هذا قد يقول قائل: إنه تحصيل حاصل، إن تأخر القبول عن الإيجاب صح؟
نقول: ليس مراد المؤلف رحمه الله أن يبين لنا أن القبول إذا تأخر عن الإيجاب صح، لكنه قال هذا القول تمهيدًا لما بعده، وهو قوله: (ما دامَا في المجلس ولم يتشاغَلَا بما يقطعه) ولَّا من المعلوم أنه إذا تأخر يصح ما فيه إشكال، وليس هذا من باب (السماء فوقنا والأرض تحتنا)، ولكن قال ذلك تمهيدًا لما يأتي بعد، وهو قوله: (ما دامَا في المجلس)، يعني: ولو طال الزمن، (ولم يتشاغَلَا بما يقطعه) فإن تفرَّقَا؟ يقول: (إن تفرَّقَا قبله بَطَلَ)، وكذلك لو تشاغَلَا بما يقطعه.
رجل قال للزوج: زَوَّجْتك بنتي، فسكت الزوج وبدأ يشرب القهوة والشاهي، لما مضى عشر دقائق أو ربع ساعة قال: قَبِلْت، يصح ولَّا لا؟
طلبة: يصح.
الشيخ: نعم يصح؛ لأنه لم يتشاغل بما يقطعه، ولم يتفرقَا من المكان، لكن كأن الزوج لما قيل له: زَوَّجْتك، كأنه جعل يفكر، كان بالأول مشفقًا، فلما حصل ما يريد تردَّد، وهكذا طبيعة الإنسان هو مشفِق على الشيء ما لم يدركه، فإن أدركه هان في نفسه.
انظر إلى الصيادين الذين يصيدون الطيور أول ما يرى الطير يجد قلبه يطير معه مِن حُرْقَتِه على حصوله، فإذا رماه وسقط بالأرض لم يساوِ عنده ريشة.
فهذا الزوج لما قال له: زَوَّجْتك بنتي، وكان بالأول مشفقًا، سكت له ربع ساعة، ثم قال: قبلت، نقول: يصح، لماذا؟ لأن القبول في محله، فهما لم يتفرقَا ولم يتشاغلَا بما يقطعه، فإن قال: زَوَّجْتُك بنتي، وذهب الزوج بعد هذا القول، ولَمَّا صار العصر جاء إليه، هذا في الصباح، وفي العصر جاء إليه قال: قبلت النكاح، يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: فإن قال: أَمْهِلْنِي إلى العصر، قال: أمهلتك، فجاءه بالعصر وقال: قبلت.
طلبة: لا يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2624
الشيخ: لا يصح، لكن نقول للولي: أَعِد الإيجاب، ما هي مشكلة، كذلك إذا تشاغلَا بما يقطعه فإنه يبطل، يعني لما قال: زَوَّجْتك بنتي، قال: ما هي نتيجة الاختبار اليوم؟ هل مررت على الكلية؟ فقال الولي: نعم مررت ورأيت اسمك ناجحًا، فمع الفرح قال: إذن أَقْبَل الزواج، يمكن لو قال: راسب، ما قَبِل، تَكَدَّر ولم يقبل، لكن قال: رأيتك ناجحًا، قال: قبلت النكاح، يصح؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح القبول، لماذا؟
طلبة: تشاغلَا بما يقطعه.
الشيخ: تشاغَلَا بما يقطعه، أو قال له مثلًا: زَوَّجْتك بنتي، فقال: ما أخبار البوسنة والهرسك اليوم؟ لعلها أخبار تسر، قال: نعم الحمد لله، انتصر المسلمون وحصل كذا وكذا، فقال: قبلت، أيضًا لا يصح.
فصار يُشْتَرَط في القبول شرطان:
الشرط الأول: أن يكون في المجلس، والثاني: ألَّا يتشاغلَا بما يقطعه.
فيه شرط ثالث ما ذكره المؤلف لأنه معلوم: أن يكون القبول لمن أُوجِبَت له، فلو قال: زَوَّجْتك بنتي فلانة، قال: قبلت نكاح ابنتك فلانة، الثانية، فإن العقد لا يصح، لماذا؟ لعدم التطابق بين الإيجاب والقبول، كان له بنت اسمها رقية وهي المخطوبة، وبنت أخرى اسمها عائشة، فقال: زَوَّجْتك بنتي رقية، قال الزوج: قبلت نكاح ابنتك عائشة، يصح أو لا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لعدم التطابق، كذلك أيضًا لو سُمِّي له غير مخطوبته، هو قد خطب عائشة، فقال الولي: زَوَّجْتك بنتي أيش؟
طالب: رقية.
الشيخ: رقية، فهذا سُمِّيَ له غير مخطوبته، فإذا قال: قبلت، وهو يظن أن رقية هي عائشة التي خطبها فإن النكاح لا يصح؛ لعدم تطابق الإيجاب والقبول، إذن يُشْتَرَط شرط ثالث وهو تطابق الإيجاب والقبول.
استمع عندي في الشرح يقول: وكذلك لو جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه قبل القبول، يعني: إذن يُشْتَرَط ألَّا يزول عقل القابل قبل قبوله، فإن زال عقله؛ جُنَّ، فإنه يبطل الإيجاب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2625
ومتى يكون الإيجاب؟ بطل الإيجاب، هذا الرجل لما قيل له: زَوَّجْتُك بنتي، من الفرح أصابه جنون -نسأل الله العافية- متى؟ إذا أفاق، لكن إذا أفاق فلا بد من؟
طلبة: إعادة الإيجاب.
الشيخ: لا بد من إعادة الإيجاب، وكذلك لو أُغْمِيَ عليه نقول: بطل الإيجاب ولا بد من إعادته.
قال: (لا إن نام)، مين اللي بيجيه النوم هذا؟ أوجب له العقد، قال: زَوَّجْتُك بنتي، فألقى الله عليه النوم، ونام، وبعد ساعة أو ساعتين استيقظ، كانوا يوقظونه ولكنه في نوم عميق، وبعد ذلك استيقظ فقال: قبلت، يصح أو لا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا، يصح.
طلبة: على المذهب.
الشيخ: إي، على المذهب يصح؛ لأنه لم يتشاغلَا بما يقطعه ولم يتفرَّقَا، فهو كالساكت، فعلى هذا لو قال لك قائل: لو زال عقل القابل قبل قبوله هل يبطل الإيجاب؟ تقول: في هذا تفصيل؛ إن زال عقله بنوم فإنه؟
طالب: لا يبطل.
الشيخ: لا يبطل الإيجاب، وإن زال عقله بأمر لا اختيار له فيه كالإغماء والجنون فإنه يبطل الإيجاب ولا بد من إعادته، ثم قال ..
طالب: الجنون.
الشيخ: إي نعم، الجنون والإغماء.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: تمثيل هذا، الثاني على سبيل المثال.
شروط النكاح
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وله شروط)، (له) أي: للنكاح شروط، واعلم أن الشروط تنقسم إلى أقسام متعدة؛ شروط للصحة، شروط للإجزاء، وشروط للكمال، ولكن هذا لا يهمنا في هذا الموضع، لكن يهمنا أن نعرف الفرق بين شروط النكاح والشروط في النكاح.
شروط النكاح: قيودٌ وضعها الشرع ولا يمكن إبطالها، والشروط في النكاح قيود وضعها العاقد ويمكن إبطالها.
والفرق الثاني: شروط النكاح يتوقف عليها صحته، والشروط في النكاح يتوقف عليها لزومه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2626
الفرق إذن من وجهين؛ الأول: أن شروط النكاح قيود وضعها الشارع ولا يمكن إبطالها، والشروط في النكاح: شروط وضعها العاقد، وهو الزوج والزوجة، ويمكن إبطالها؛ لأن مَن له الشرط فله إلغاؤه، الذي معنا شروط النكاح ولَّا الشروط في النكاح؟
طلبة: شروط النكاح.
الشيخ: شروط النكاح التي تتوقف عليها صحته.
يقول: (أحدها تعيين الزوجين)، لا بد من تعيين الزوجين؛ لأن المقام مقام عظيم يترتب عليه أنساب، يترتب عليه ميراث، يترتب عليه حقوق، فلذلك لا بد من تعيين الزوجين إما بالاسم، وإما بالوصف الذي يتميز به عن غيره؛ بالاسم مثل أن يقول: زَوَّجْتُك بنتي عائشة، هذا اسم، بشرط ألَّا يكون لها أخت بهذا الاسم، الوصف الذي تتميز به: زَوَّجْتُك بنتي الكبرى، زَوَّجْتُك بنتي الصغرى، زَوَّجْتُك بنتي الوسطى، انتبهوا للأخيرة؛ زَوَّجْتُك بنتي الكبرى، صحيح، عَيَّنَها هي أكبرهم، الصغرى عيَّنَها ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنها أصغرهم، الوسطى؟ فيه تفصيل؛ إن كُنَّ ثلاثًا فالوسطى معيَّنة، وإن كنَّ أكثر فالوسطى غير معينة.
طالب: حتى الخمسة؟
الشيخ: حتى الخمسة إي معينة الوسطى؛ لأن الوسطى ما بين الطرفين، فما ندرى هي الثانية الثالثة أو الرابعة، لكن نعم لو قال: الوسطى عددًا، فالخمس تكون معينة، والله أعلم.
طالب: الأصل أن الرجل هو الطالب للنكاح، ( ... ) يكون الإيجاب من وَلِيّ المرأة؟
الشيخ: معلوم، الحكمة أنه هو البائع.
الطالب: يعني لو بدأ الزوج بالإيجاب يطلب من الرجل .. ؟
الشيخ: ما صح، تقبل أيش؟
الطالب: الإيجاب من الرجل.
الشيخ: كيف؟ إذا جاء ويش يقول؟ زَوَّجْتك نفسي؟
الطالب: يقول مثلًا: قبلت.
الشيخ: لا، هذا غير، هذا طلب، والنكاح لا بد من هذا؛ الإيجاب قبل القبول، في البيع يصح أن تقول: أتبيعني هذا بكذا؟ فيقول: نعم، وينعقد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2627
طالب: شيخ في بعض البلاد العربية نجد أن الناس مبتلون بأن أبناءهم إذا ذهبوا للمدارس تعلَّموا اللغة الأجنبية في بداية طلبهم، فهل هنا يقال: إنه لا ( ... )؟
الشيخ: لا، هذا بارك الله فيكم المقصود، يسأل يقول: إنه في بعض البلاد يتعلم الصغار اللغة الإنجليزية من الابتدائي.
الطالب: الأجنبية.
الشيخ: الأجنبية، فهل يأثم؟ نقول: لا؛ لأن هذا غير مقصود، أنا ما دَخَّلته لأجل يتعلم اللغة الإنجليزية، وبودي ألَّا تكون موجودة، لكن قد تكون بعض البلاد يحتاجون إليها؛ لأن مثلًا خمسين في المئة كلهم يتكلمون اللغة الإنجليزية، بعد هذا لا بد من ملاحظته.
طالب: بالنسبة للي تقدم اللي ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: زَوِّجْنِيهَا إن لم يكن لك فيها حاجة، تقدم القبول على الإيجاب، هذا يرد على ما ذكرنا؟
الشيخ: لا؛ لأن الرسول قال: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (2)، فقَبِلَ الرجل؛ لأنه ما صار إيجاب بالأول؛ لأن الرجل ذهب وراح يطلب مهرًا ودَوَّر.
طالب: التوالي بين القبول والإيجاب؟
الشيخ: ما هو بشرط التوالي، ولهذا قلنا: لو طال الفصل.
الطالب: يعني إذا قال: زَوَّجْتك، وقال العصر: قبلت؟
الشيخ: إي، هذا لأجل التفرق؛ لأن تفرقهما دليل على الإعراض، أما لو كان في مجلس واحد ولو طال الفصل.
الطالب: إن اشترط، قال: أَمْهِلْنِي إلى العصر؟
الشيخ: ما يصح، هذا بسيط؛ لأنه يقول الآن: لَمَّا تفرقَا عن المكان فالشرع جعل التفرق قاطعًا، فالبَيِّعَان بالخيار ما لم؟
طلبة: يتفرقَا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2628
الشيخ: يتفرقَا، فالتفرق قاطع في الواقع، فأنا أقول: إذا كان العصر ما هي مشكلة، ما فيه إلا أن أقول: زَوَّجْتُك بنتي، لكن لو قلنا: إنهم بنوا على أنه صحيح، ودخل الرجل بها، ولم يُعَد الإيجاب فهل نقول: صح، ويُعْتَبَر دخوله بها بمنزلة القبول، وتمكين الولي له بمنزلة الإيجاب؟ نقول: لا، نعقد عقدًا جديدًا ولا يختلف شيء، نعقد عقدًا جديدًا، ومن حين ما نعقد يدخل عليها.
طالب: وما حصل قبل ذلك؟
الشيخ: ما يضر؛ لأنه عن جهل، فهو وطأ بشبهة أو خلوة بشبهة لا تضر.
طالب: الوسطى إذا قال: زَوَّجْتُك الوسطى بالعدد من الخمس تعيَّنت، أي رقم ثلاثة أو أربعة؟
الشيخ: ثلاثة.
الطالب: ما تكون بين الطرفين.
الشيخ: إلَّا، قبلها اثنتان وبعدها اثنتان.
طالب: فصل .. وله شروط، أحدها: تعيين الزوجين، فإن أشار الولي إلى الزوجة، أو سَمَّاها، أو وصفها بما تتميز به، أو قال: زَوَّجْتُك بنتي وله واحدة لا أكثر صح.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، الصواب (لا أكثرُ).
الطالب: هذا شُرِحَ (لا أكثرُ) فقط.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول المؤلف: (له شروط) أي: للنكاح شروط كغيره أيضًا من العقود ومن العبادات، وهذا من حكمة الشريعة؛ أن الأمور منضبطة بشروطها والأوصاف المناسبة للأحكام، ولهذا تجد الطهارة لها شروط، والصلاة لها شروط، والزكاة لها شروط، والصيام له شروط، والحج له شروط، وأن هذه الشروط تختلف بحسب ما هي مشروطة له؛ لأن الشريعة الإسلامية شريعة انضباط وشريعة إحكام، من لدن حكيم خبير عز وجل.
فلا بد من شروط، منها: تعيين الزوجين، وسبق أن التعيين يكون بواحد من أمور ثلاثة، بل أربعة: الاسم الخاص بها، والصفة الخاصة بها، والإشارة، وعدم المشارِك.
الاسم الخاص بها مثل: عائشة، وليس له بنت اسمها عائشة إلا هذه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2629
الوصف المختص بها مثل: الكبرى، الصغرى، الوسطى.
الثالث: الإشارة، فيقول: زَوَّجْتُك بنتي هذه، ويشير إليها، هذه أيضًا تعيين، لكن إذا قال: زَوَّجْتُك بنتي هذه، يحتاج أنه يمسكها؛ لأنه يمكن تروح البيت وتيجي واحدة ثانية، أو هذا بعيد؟
طالب: هذا بعيد.
الشيخ: هذا بعيد، يعني ما نقول: إذا عُيِّنَت بالإشارة إليها أمسكها من الآن، نقول: الأصل أن المسلمين مسلمون، ما يمكن يقال: زَوَّجْتُك بنتي هذه، ويشير إليها والزوجة الحقيقية في البيت، هذا لا يمكن؛ لأن المسلم مسلم.
الرابع: التعيين بأيش؟ بعدم المشارِك، بأن يقول: زَوَّجْتُك بنتي، وليس له إلا بنت واحدة، ولهذا يقول رحمه الله: (أو زَوَّجْتُك بنتي، وله واحدة) فقط؛ لأنه إذا قال: زَوَّجْتُك بنتي، وليس له إلا واحدة، تعيَّنَت أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: زَوَّجْتُك بنتي، وهو ليس له إلا واحدة؟
طلبة: تتعين.
الشيخ: تتعين؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
وقول المؤلف: (وله بنت واحدة) قد يقول قائل: إنه يريد أنْ ليس له بنت سواها، ولكن هذا مراد لا شك، لكن هل يُلْحَق به ما إذا كان له بنت واحدة لم تتزوج والباقيات متزوِّجات؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يشمل هذا، إذا كانت بنت واحدة لم تتزوج والباقيات متزوجات وقال: زَوَّجْتُك بنتي، فمن المعلوم أن المراد بذلك البنت التي لم تتزوج.
ثم قال: (فصل.
الشرط الثاني: رضاهما) رضا مَن؟
طلبة: الزوجين.
الجزء: 2 - الصفحة: 2630
الشيخ: رضا الزوجين، يعني أن يرضى الزوج وأن ترضى الزوجة، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَلَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ»، أو قال: «الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ» (4)، ولأن هذا العقد من أخطر العقود، وإذا كان الإنسان لا يمكن أن يُجْبَر في البيع على عقد البيع ففي النكاح من باب أولى؛ لأنه أخطر وأعظم؛ إذ إن البيع إذا لم تصلح لك السلعة سهُل عليك بيعها، لكن هذه مش .. زوج، فلا بد من رضا الزوج والزوجة.
قال المؤلف: (إلَّا) إلا ما استثني، أولًا قال: (إلا البالغ المعتوه) البالغ المعتوه وهو الذي بين العقل والجنون فإنه لا يُشْتَرَط رضاه، لماذا؟ لأنه لا عقل له، وكيف نقول: يُشْتَرَط الرضا ممن لا عقل له، ولكن سيأتي أنه لا يُزَوِّجُه إلا أبوه أو وصيه؛ وصي الأب، لا يزوجه -على كلام الفقهاء- أخوه ولا ابنه، وإنما يُزَوِّجُه أبوه أو وصيه، فإن لم يكن فالحاكم، انتبهوا، هذا مستثنًى من الرضا، لماذا؟ لأنه لا عقل له، ولا يُعْتَبَر له قول، وليس له إرادة.
الثاني: قال: (والمجنون).
الطالب: (والمجنونة).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (والمجنونة).
الشيخ: بالضمير؟ بالتاء يعني؟ لا أنا عندي (المجنون).
المجنون أيضًا لا يُشْتَرَط رضاه، والمجنون أبعد عن العقل من المعتوه، يعني الذي فَقَدَ العقل بالكلية فهذا لا يُشْتَرَط رضاه، لماذا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لأنه لا يمكن يرضى، ولا يسخط، ليس له عقل، فيُزَوِّجُه أبوه أو وصيه، أي: وصي أبيه، أو الحاكم، وانتبه أن المراد بالوصي مَن؟ مَن يتولى الأمر من بعد موته.
(والصغير)، الصغير أيضًا لا يُشْتَرَط رضاه، لماذا؟
طالب: لا يميز.
الشيخ: لأنه إن كان دون التمييز فهو كالمجنون لا تمييز له، وإن كان دون البلوغ فإن رضاه غير مُعْتَبَر، وسخطه غير مُعْتَبَر، وعلى هذا فالمراهق يُزَوِّجُه أبوه بدون رضاه، وهذا ما ذهب إليه المؤلف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2631
والصواب أنه لا بد من رضا الزوج، فإن كان صغيرًا انْتُظِرَ حتى يبلغ، وأما أن يُزَوَّج بِمَن لا يرضاها أو لم يقبلها فلا؛ لأنه يترتب على الزواج أمور، منها: وجوب النفقة، فإذا قَدَّرْنا أن هذا الصغير وجبت عليه نفقة الزوجة، وكان له مال كميراث من أمه، أو ما أشبه ذلك، معناه أننا نستنفد ماله، وهذا لا يجوز.
فالصواب أن الصغير لا يُزَوَّج؛ لأنه لا حاجة له في الزواج إن كان غير مراهق، وإن كان مراهقًا فليُنْظَر حتى يبلغ ثم يختار مَن شاء.
قال: (والبكر ولو مُكَلَّفَة) فإنه لا يُشْتَرَط رضاها، فهذه امرأة بكر لها عشرون سنة، عاقلة، عالمة، حازمة، أعقل من أبيها، وأحسن من أبيها، وأعلم من أبيها، خطبها رجل فقالت: لا أريده، وخطبها آخر فقالت: أريده، هنا يؤخذ بتعيينها، لكن إذا لم يخطبها إلا واحد فإن لأبيها أن يجبرها على نكاحه -على نكاح هذا الرجل- وإن كانت تقول: لا أريده، يجبرها على ذلك.
هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو قول ضعيف جدًّا، مخالف للكتاب والسنة؛ أما الكتاب فإن الله قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232]، فنهى الله عن عَضْلِهِنّ، أي: عن منعهن من الأزواج إذا تراضوا بينهم بالمعروف، وهذا يدل على أن المعتبَر المرأة، وأن وَلِيَّها لا يجوز له أن يمنعها مِن نكاح مَن أرادته.
وأما السنة فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» (4)، فإذا قلنا: إن لأبيها أن يجبرها، صار الاستئذان أيش؟
طلبة: لغوًا.
الشيخ: لا فائدة منه، أي فائدة في أن نقول: هل ترغبين أن نزوجك بهذا؟ وتقول: لا أرغب أبدًا -أعوذ بالله- هذا رجل فاسق، أو رجل كفؤ لكن لا أريده، فيقال: تُجْبَر على هذا؟ هذا خلاف النص.
الجزء: 2 - الصفحة: 2632
كما أنه خلاف القياس الصحيح، لو أراد الأب أن يُجْبِر ابنته على أن تبيع خاتمها الذي لا يساوي مئة ريال، هل يستطيع أن يجبرها، أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا يستطيع أن يجبرها على بيع شيء من مالها ولو كان بشيء زهيد، فكيف يستطيع أن يجبرها على بيع نفسها في الواقع؛ لأن النكاح مثل الأجرة، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24]، فالنكاح مثل الإجارة، بل إني أضرب مثلًا أقرب من هذا، لو أن رجلًا طلب من هذه المرأة أن تُؤْجِر نفسها لمدة يومين لخياطة ثياب وهي عند أهلها، وقالت: والله ما عندي استعداد هذه الأيام أن أخيط، هل يملك أبوها أن يُجْبِرَها على ذلك؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا؟
طالب: لا يملك.
الشيخ: لا يملك، والآن هذه الإجارة سوف تستغرق من وقتها يومين فقط، وهي أيضًا عند أهلها، فكيف يجبرها على أن تتزوج مَن ستكون معه في نكد من العقد إلى الفراق؟ هذا لا يمكن.
فإجبار المرأة على النكاح مخالف للنص المأثور وللعقل المنظور، مخالف للأثر والنظر، فالصواب أنه لا يجوز أن يُجْبِرَها على النكاح.
ولكن لو قال قائل: دَعُونَا من البالغة العاقلة، نوافقكم على أنها لا تُجْبَر، لكن لو أراد الإنسان أن يجبر بنته الصغيرة التي لها عشر سنوات أن يجبرها أو يزوِّجها بلا إذنها؛ لأنه لاحظوا أنه إذا قيل بالإجبار فتزويجها بدون أن تعلم من باب أولى، لو أراد الإنسان يزوِّج بنته ذات العشر سنين وزوَّجها، طبعًا بدون إذنها، هل يملك ذلك أبوها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يا جماعة!
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ما يملك، ما دُمْنَا اشترطنا الرضا لا يملك، فإن قيل: ما الجواب عن قصة عائشة مع الرسول صلى الله عليه وسلم؟
فنقول: على العين وفوق الرأس، لكن نريد منك أن تُؤَمِّن لنا ثلاثة أشياء؛ أن تؤمن زوجًا كالرسول، وولِيًّا كأبي بكر، وبنتًا كعائشة، فيه ولَّا ما فيه؟
طلبة: ما فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2633
الشيخ: ما فيه، الآن بدأ بعض الناس -والعياذ بالله- يبيع بنته، زوَّج بنته الصغيرة؛ لأن هذا الرجال بيجيب له رِوَايَة ماء يسقي الغنم، يجيب له حمالًا يشيل الغنم للمَبِيعَة، يعطي الأم كذا ويعطي الأب كذا، فيبيعون بناتهم، فلا يمكن أن يقاس شيء من الزواجات على زواج نبي الله صلى الله عليه وسلم بابنة صِدِّيقِه أبي بكر، مَن لنا بولي يكون كأبي بكر، ومن لنا ببنت تكون كعائشة، ومن لنا بزوج يكون كرسول الله؟ ! لا يمكن هذا، وعائشة لو بلغت هل يمكن أن تنكر هذا النكاح؟ لا والله ما تنكر، بل هي أشد نسائه غيرة فيما نعلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن تكون امرأة تحظى عنده كما تحظى عائشة.
فالحاصل أن هذا لا دليل فيه، والصواب إذن أنه لا يجوز أن تُزَوَّج البنت قبل البلوغ، وأنها بعد بلوغها يجب أن تُسْتَشَار، تُسْتَأْذَن، فإن أذنت فذلك المطلوب، إن لم تأذن وجب الكفّ، هي حرة.
فإذا قال قائل، بعض الناس يقول: هذه بنت صغيرة، هي بالغة، لكن يقول: صغيرة، ما تعرف الأمور، كلما قلنا لها: جاء فلان خاطبًا، قالت: ما أريده، كلما جاء إنسان خاطبًا قالت: ما أريده، ولو كان كفؤًا، تبقى دائمًا ما تتزوج؟ ماذا نقول؟
طالب: تبقى.
الشيخ: نقول: نعم تبقى، لكن علينا أن نُقَنِّعَها، وأن نقول لها: بقاؤك بدون زوج هذا خطأ، تبقين أرملة، ويقول لها أبوها: أنا لست بدائم لكِ، أمك ليست بدائمة، بعدئذ تبقين عند إخوان يشحُّون عليك ويَمُنُّون عليك، وتُقَنَّع، والإنسان إذا بُيِّنَت له أسباب القبول أو الرفض سوف يتبعها إذا كان عاقلًا.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، اسمح لي ولكن يا شيخ بارك الله فيك نناقشك في هذا الموضوع؟ الشيخ: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2634
الطالب: يعني بالنسبة لما ضربته كمثال في النظر والاستدلال، يعني من غير نصوص على أن المرأة لا تُكْرَه، في بعض البلاد يا شيخ إذا كان الرجل مثلًا على غير استقامة في دينه، وكذلك أولاده من المؤكَّد، ثم بعد ذلك تاب إلى الله عز وجل ورجع، فبناته قد لا يرجعن ويمضين على الطريق التي سِرْنَ عليها، فإذا تقدم الكفء المسلم الصالح العابد فإنهن لا يَقْبَلْنَه باعتبار أنهن يعني لَسْنَ على نفس المنهج.
الشيخ: على منهجهم.
الطالب: فهم يريدون الفاسق الفاجر، فهل يا شيخ بارك الله فيك، هذا بعيد كذلك عن النظر الصحيح أن نقول: لا نجبرها على الزواج بالكفء العدل، ونقبل قولها في غير هذا، يعني في غير الرجل المستقيم؛ لأنها سوف تستمر.
الشيخ: إن إيرادك هذا سببه الجهل بأحد الطرفين.
الطالب: وهو؟
الشيخ: وهي أنها إذا عَيَّنَت مَن ليس بالكفء فلنا أن نمنعها، لوَلِيِّهَا أن يمنعها من غير الكفء، لكن ليس له أن يجبرها على الكفء.
الطالب: وتبقى بدون زوج يا شيخ؟
الشيخ: تبقى بدون زواج، هي اللي فعلت.
الطالب: هذا غير مطلوب شرعًا، أليس كذلك يا شيخ؟
الشيخ: لا، غير مطلوب، لكن المطلوب شرعًا أن تتزوج بالكفء، فيقال لها: أنت ما فيك، تختارين غير كفء ما نقبل.
الطالب: شيخ، وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: 19] أليس فقط للنساء اللاتي .. ؟
الشيخ: اللاتي طُلِّقْنَ؟
الطالب: البكر.
الشيخ: هذا عام، على كل حال الآن سيزول الإيراد، إذا قلنا: إنها إذا عَيَّنَت غير كفء فلوَلِيِّهَا أن يمنعها، بل يجب عليه أن يمنعها، خصوصًا إذا كان غير كفء في الدين.
الطالب: نعم.
طالب آخر: بالنسبة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (5) ( ... ) إذا قلنا: إنه ليس له أن يبيع من ماله.
الشيخ: صحيح، نقول: ما له يبيع من ماله.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هذا الكيف.
طالب: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ».
الجزء: 2 - الصفحة: 2635
الشيخ: خذ، تَمَلَّك المال أولًا، إذا تمت شروط التملك ثم بِعْ على أنك أنت المالك ما هو الولد، فهم يقولون مثلًا: لا يمكن أن الأب يأتي مثلًا إلى سيارة الابن ويبيعها، هذا ما يجوز؛ لأنه غير مالك، ولا مأذون له في ذلك، لكن لو تملَّكها في الحال التي يجوز له أن يتملك -لأن التملك لا بد له من شروط- فله أن يبيعها بعد أن صارت ملكه.
طالب: حديث «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ» (3) الحديث، إذا زَوَّجَها وهي صغيرة يلزم؟
الشيخ: على رأينا لا ينعقد النكاح، لكن على كلام المؤلف؟
طالب: ينعقد.
الشيخ: النكاح صحيح.
الطالب: والحديث كيف الجواب عنه؟
الشيخ: ما فيه إشكال الحديث، الحديث يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: إن الإنسان إذا عقد عقد النكاح ولو كان هازلًا نفذ.
الطالب: لنفسه أو لغيره المقصود بالحديث؟
الشيخ: لنفسه أو لغيره، حتى مثلًا لو كان بنته مثلًا قالت له تمزح: أنا قد أَذِنْتُ لك أن تزوِّجني فلانًا، فخطبها ثم زَوَّجها أبوها هازلًا ينعقد النكاح.
الطالب: يعني لو زَوَّجها هازلًا لا بد من إذنها؟
الشيخ: إي، لا بد من إذنها أصلًا.
طالب: لازم شرح مُبَسَّط، أو عندك نية في هذا؟
الشيخ: يعني معناها التطويل الآن ما تريدونه؟
الطالب: لا نقصد يعني هل لك شرح مُبَسَّط مثلًا صدر في الزاد؟
الشيخ: والله ما أعرف، قد شرحنا الزاد كله من قبل.
الطالب: نحتاج سنين، نحتاج إننا نفك العبارة والقول الراجح.
الشيخ: ونمشي؟ والله إذا رأيتم هذا ما عندي مانع كله واحد.
طالب: كما أنت يا شيخ بارك الله فيك.
طالب آخر: أنا أقصد ما سبق يعني ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2636
الشيخ: أنا عندي إذا أعطيتك كأسًا ملأى اشرب ما تروى به واترك الباقي، لكن لو أعطيتك كأسًا ما فيها إلا نصفها؟ تحتاج، فأنا الآن أمامي طلبة علم ما هو أمامي ابتدائيون، كلهم الحمد لله عندهم شيء من المعلوم، ثم إني أرى أن العلم ليس حفظ المسائل فقط، أنا أرى أن العلم هو أن الإنسان يُمَرِّن ذهنه على المناقشة حتى يتمكن من الترجيح عن جدارة إذا رَجَّح، وحتى يكون معه حجة فيما لو جُودِلَ وخُوصِم، ولَّا بالإمكان نفعل مثل ما فعلنا في شرح النخبة نحل العبارة ونجيب مثالًا أو مثالين يتضح به المعنى ونمشي، لكن في رأيي ولا أدري .. أنا هذا رأيي.
طالب: الناس تبغى التفصيل، الناس بحاجة، وهذا التفصيل قَلَّ مَن يقوم به.
الجزء: 2 - الصفحة: 2637
الشيخ: حتى في الجامعة أنا هذا رأيي، وأقول للطلبة: يا جماعة، نحن لو أخذنا عشر مسائل وناقشناها تمامًا مناقشة تامة بذكر الدليل والتعليل ودَفْع حجة الآخر فهو أحسن من ألف مسألة أبدًا، وأنتم تعرفون أنه كان رجل من طلبة العلم فيما مضى يحفظ كتاب الفروع في فقه الحنابلة، كتاب الفروع هذا ليس في فقه الحنابلة فقط في الواقع؛ لأنه يذكر الحنابلة ويشير إلى خلاف الثلاثة الآخرين، وفيه أدلة وفيه تعليلات، جيد الكتاب، يسمونه مكنسة المذهب، فيه رجل قد حفظ هذا الكتاب كله من أَلِفِه إلى يائه، لكنه لا يعرف، فكانوا يسمونه حمار الفروع، يحمل أسفارًا، فإذا جلسوا معه في مجلس وتناقشوا في مسألة من المسائل قالوا له: يا فلان، ماذا يقول صاحب الفروع؟ يعني كأن كتاب يراجع بس فقط، وهذا ما هو عالم، وكذلك الطالب الذي في دار التوحيد، دار التوحيد في الطائف أول ما أُسِّسَت كان فيه طالب فجاء في السؤال، سؤال امتحان، أو أنه يقول: ما حكم التفات الإنسان في الصلاة، المهم يسأل عن حكم واحد مكروه، فقال الطالب: ج: فصلٌ يُكْرَه في الصلاة التفاته ورَفْعُ بصره إلى السماء وتخصره وإقعاؤه وافتراش ذراعيه، جاب كل المكروهات كلها، ثم قال في النهاية: خذ ما شئت وَدَعْ ما شئت، ما يعرف المعنى.
فالحاصل إنّ فَهْم المعنى وآراء العلماء ومآخذ العلماء أنا أعتقد أن هذا هو العلم، فإن أبيتم إلا أن يكون مشي مشينا؟
طلبة: لا لا.
طالب: هذا ظلم.
الشيخ: أيش الظلم؟
الطالب: عدم التفصيل هذا ظلم.
الشيخ: على كل حال، إنما إذا شئتم أن نخفف خَفَّفْنا ما فيه مانع.
الطالب: أي طُوَيْلِب علم يقرأ عليه بالحدر هذا، أي طُوَيْلِب علم، يروح له ما يدرى، أي كتاب يكفيه أي متن يكفيه.
الشيخ: الله ييسر، نسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، أعطيناهم مثل ما أخذنا منه؟
طالب: بصراحة ربع ساعة.
الشيخ: وذاك اللي أخذنا منه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2638
طالب: يُزَوِّجُهم بغير إذنهم، كالسيد مع إمائه وعبده الصغير، ولا يزوِّج باقي الأولياء صغيرة دون تسع، ولا صغيرًا، ولا كبيرة عاقلة، ولا بنت تسع إلا بإذنهما، وهو صماتُ البكر ونطق الثيب.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن من شروط النكاح الرضا، رضا مَن؟ الزوج والزوجة، وأنه لا إجبار للزوج ولا للزوجة.
فلو سَأَلَنَا سائل: رجل أجبره أبوه على أن يتزوج ابنة عمه كما يوجد هذا في بعض البادية، فتزوج مُكْرَهًا، فماذا يكون؟
النكاح غير صحيح.
وقد يقول قائل: لا إكراه للزوج في الواقع، الزوج ما يُكْرَه؛ لأنه إذا قال له الولي: زَوَّجْتُك بنتي، يقول: لا قبلت، ينعقد النكاح؟
طلبة: لا ينعقد.
الشيخ: لا ينعقد.
فلو قال قائل: إن إكراه الزوج على النكاح غير مُتَصَوَّر؛ لأنه يمكن إذا قيل له: زَوَّجْتُك يقول: لا، لا قبول؟
نقول: لكن ربما يُهَدَّد، ربما يقول له أبوه: إذا لم تقبل فلن تتزوج، أو يقول: إذا لم تقبل فأنا أقتلك، أو أحبسك، أو ما أشبه ذلك، فحينئذ يكون القبول أيش؟ إكراهًا، فلا ينعقد النكاح، فلا بد من رضا الزوجين، يُسْتَثْنَى من ذلك البالغ المعتوه، لماذا؟
طالب: لأنه لا اختيار له.
الشيخ: لأنه لا اختيار له، وبماذا نعرف أن هذا البالغ يريد النكاح؟ لأنه ربما هو معتوه ما ندري عنه.
طالب: بالاحتلام.
الشيخ: ويش ندري عن احتلامه، ثم قد يحتلم الإنسان ولا يريد النكاح.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: معتوه؟
طالب: معتوه ما يجامع.
الشيخ: لا، لا بد يُزَوَّج.
الطالب: هذا ما يعرف الأمر.
الشيخ: لا يستدرك إياه، إذا حطيت ها المرأة بين يديه ظَهَرَ ( ... ) ما صار معتوهًا، ترى الأسئلة ما فيها تسجيل.
طالب: إذا ظهر ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2639
الشيخ: .. نعرف رغبتهما في النكاح إلا إذا كانَا يتتبعان النساء، إذا كانَا يتتبعان النساء ونرى أنهما إذا رأيَا المرأة الجميلة هَشَّت نفوسهما لذلك وتتبعاها علمنا أنهما يريدان الزواج، فحينئذ نُزَوِّجهما، ولا يعتبر رضاهما لأنه ليس لهما عقل.
الثاني ممن لا يُشْتَرَط له الرضا في النكاح؟
طالب: البنت الصغيرة على المذهب.
الشيخ: البكر ولو مُكَلَّفة ولو كبيرة على المذهب، ما هو الدليل؟ وهل يُزَوِّجها كل وَلِيّ؟
طالب: لا، أبوها.
الشيخ: أبوها فقط، البكر ولو مُكَلَّفة بالنسبة لأبيها، هل هناك دليل؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الدليل على تزويج أبي بكر لعائشة، يعني للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: على تزويج أبي بكر رسولَ صلى الله عليه وسلم بعائشة، أحسنت، زَوَّجَها وهي بكر ولم يستأذنها.
لو قال لك قائل: هذا من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن لدينا لفظًا عامًّا يقول: «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» (6)، وفي صحيح مسلم: «وَالْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا» (7).
الطالب: إذا نظرنا إلى الحديث لا بد من الاستئذان.
الشيخ: كيف تنقد دليل المذهب؟
الطالب: دليل المذهب هو فعل أبي بكر وما كان معروفًا عنده الاستئذان.
الشيخ: فعله وما كان معه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كيف فعل أبي بكر وما كان معه؟
الطالب: أبو بكر زَوَّجَها وبدون إذنها.
الشيخ: زَوَّجَها بدون إذنها، كيف تجيب عن هذا؟
طالب: نقول لهم: إيتونا بزوج كالنبي صلى الله عليه وسلم، وولي كأبي بكر، وبزوجة كعائشة.
الشيخ: أحسنت، نقول نحن: إما أن نَدَّعِي الخصوصية ونقول: إن رسول صلى الله عليه وسلم له في النكاح خصائص ما هي لأحد ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2640
لا الثيِّبَ؛ فإنَّ الأبَ ووَصِيَّهُ في النكاحِ يُزَوِّجَانِهم بغيرِ إذنِهم كالسيِّدِ مع إمائِه وعبدِه الصغيرِ.
ولا يُزَوِّجُ باقِي الأولياءِ صَغيرةً دونَ تِسعٍ ولا صغيرًا ولا كبيرةً عاقلةً ولا بنتَ تسعٍ إلا بإذْنِهما، وهو صُماتُ البِكْرِ ونُطْقُ الثَّيِّبِ.
(فصلٌ)
(الثالثُ) الوَلِيُّ، وشُروطُه: التكليفُ، والذُّكُورِيَّةُ، والْحُرِّيَّةُ، والرُّشْدُ في العَقْدِ، واتِّفاقُ الدِّينِ - سِوَى ما يُذْكَرُ - والعدالةُ، فلا تُزَوِّجُ امرأةٌ نفسَها ولا غيرَها، ويُقَدَّمُ أبو المرأةِ في نِكاحِها، ثم وَصِيُّه فيه، ثم جَدُّها لأبٍ وإن علا ثم ابنُها ثم بَنوه
ثم ابنُها ثم بَنوه وإن نَزَلُوا، ثم أَخوها لأبوينِ، ثم لأبٍ، ثم بَنُوهما كذلك ثم عَمُّها لأبوينِ، ثم لأبٍ، ثم بَنوهما كذلك، ثم أَقربُ عَصَبَةٍ نَسَبًا كالإرثِ، ثم الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ، ثم أَقْرَبُ عَصَبَتِه نَسَبًا، ثم ولاءٌ، ثم السلطانُ، فإن عَضُلَ الأَقْرَبُ، أو لم يَكُنْ أَهلاً، أو غابَ غَيْبَةً مُنقطِعَةً لا تُقْطَعُ إلا بكُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ زُوَّجَ الأَبْعَدُ، وإن زُوَّجَ الأَبْعَدُ أو أَجْنَبِيٌّ من غيرِ عُذْرٍ لم يَصِحَّ.
(فصلٌ)
(الرابعُ) الشهادةُ، فلا يَصِحُّ إلا بشَاهِدَيْنِ عَدلينِ ذَكَرَين مُكَلَّفَين سَمِيعَيْنِ
طالب: إذا نظرنا إلى الحديث لا بد من الاستئذان.
الشيخ: طيب كيف تنقض دليل المذهب؟
الطالب: دليل المذهب هو فعل أبو بكر وما كان معروفًا عنده.
الشيخ: فعله ومن كان معه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كيف فعل أبو بكر ومن كان معه؟
الطالب: أبو بكر زوجها وبدون إذنها.
الشيخ: إي، زوجها بدون إذنها، كيف تجيب عن هذا؟
طالب: نقول لهم: ائتونا بزوج كالنبي صلى الله عليه وسلم، وولي كأبي بكر، وبزوجة كعائشة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2641
الشيخ: أحسنت، نقول: نحن إما أن ندعي الخصوصية ونقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في النكاح خصائص ما هي لأحد؛ يتزوج بالهبة، ويتزوج أكثر من أربع، وإما أن نقول: هو عام، لكن هاتوا لنا مثالًا ينطبق على الحديث، ولن يأتوا بذلك، فصار الخلاصة أن القول الراجح؟
طالب: أنها تستأذن.
الشيخ: لا، السؤال الخاص.
طالب: البكر تستأذن ولو ..
الشيخ: أنه لا بد من رضاها ولو كانت بكرًا.
بقي أيضًا المجنون، وأيضًا؟
طلبة: الصغيرة.
الشيخ: لا توسوسوا، جزاكم الله خيرًا.
طالب: الصغيرة.
الشيخ: والله مشكلة، عرفتها منهم ولَّا من عند نفسك؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: استغفر الله، حسبنا الله ونعم والوكيل.
ما هو المعتوه، المجنون، البكر، بالنسبة لأبيهم؟ المعتوه والمجنون استثنيناهم وانتهينا منهم.
الطالب: السؤال؟
الشيخ: السؤال: من الذي لا يُشْتَرط رضاه؟
الطالب: الذي لا يُشْتَرط رضاه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: على المذهب؟
الشيخ: إي، على المذهب.
الطالب: الصغير.
الشيخ: الصغير، إذا زوج الأب ابنه الصغير فإنه لا يُشْتَرط رضاه، وسبق لنا أن القول الراجح أنه لا بد من رضاه، وعلى هذا فإذا كان صغيرًا ليس له إذن يؤجل حتى يكون له إذن ويعرف النكاح ويزوج.
قال المؤلف: (فإن الأب) انتبهوا (لا الثيب)، قوله: (لا الثيب) (لا) حرف عطف؛ يعني: لا تستثنِ الثيب، بل الثيب يشترط رضاها ولو زوجها أبوها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ» (1) «تُسْتَأْمَرَ» يعني: يؤخذ أمرها، انتبهوا للفرق بين «تُسْتَأْذَنَ» في البكر و «تُسْتَأْمَرَ» للثيب، الثيب قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حَتَّى تُسْتَأْمَرَ»، والبكر قال: «حَتَّى تُسْتَأْذَنَ»؛ لأن البكر يكفي أن نقول لها: فلان خطبك وهو كفء، فهل ترضينه؟ إن قالت: لا، عدلنا عنه، إن قالت: نعم، زوجناها، إن سكتت؟
طلبة: زوجناها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2642
الشيخ: زوجناها، وقال ابن حزم الظاهري: إن قالت: نعم، لا تزوج؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِذْنُهَا صُمَاتُهَا» (1)، فإن سكتت زوجناها، وإن قالت: نعم، نِعْمَ الرجل، وهو رجل طيب، ولا تُدَّخر البنات إلا لمثله، وقامت تثني عليه وأتت بخطبة سجَّاعة تريده، فهو على كلامهم -كلام الظاهرية- لا تُزَوَّج، سبحان الله! إذن كيف نعمل؟ نقول: المرة الثانية إذا استأذنوك فاسكتي، فإذا استأذنوها فسكتت زوجناها.
الثيب لا بد أن ترضى، حتى ولو زوجها أبوها فلا بد أن ترضى، فإن زوجها بغير رضاها فلها الخيار، انتبهوا، إن زوجها بغير رضاها فلها الخيار؛ لأنه ثبت في الصحيحين أو أحدهما: أن امرأة زوجها أبوها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثيب، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «أَنْتِ بِالْخِيَارِ؛ إِنْ شِئْتِ فَسَخْتِ النِّكَاحَ، وَإِنْ شِئْتِ بَقِيتِ عَلَيْهِ» (2).
إذن الثيب لا بد من رضاها، ولا بد من استئمارها؛ أن تشاور، تراجع، والفرق بينهما ظاهر؛ البكر حيية تستحي من الكلام في هذه المواضيع، والثيب قد عرفت الأزواج وعرفت الرجال، وتمكنت من أن تشير أو ترفض؛ فلذلك لا بد من استئمارها، فإن ردت من أول الأمر؛ بمجرد ما قلنا: فلان خطبك، قالت: لا قبول، يحتاج استئمارًا؟
طالب: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2643
الشيخ: لا، لكن لنا أن نشير عليها إذا كان الرجل كفئًا لعلها تقبل؛ لأن بعض النساء قد تَرُد لأول وهلة، ولكن بعد المراجعة تقبل، وهكذا أيضًا الأبكار إذا استأذناهن ورفضن وكان الخاطب كفئًا فإنه ينبغي أن يشار عليهن؛ لأن بعض النساء، وخصوصًا في بعض البلاد التي كانت في الأول على الفسوق والمخالفات، ثم مَنَّ الله عليها بالاتجاه الصحيح، تجد البنت متربية فيما سبق على غير ما يرضي، ثم لما تربى أهلها، قد تكون هي لم يصل إليها الإيمان، خطبها كفءٌ في دينه، فردت بناء على أيش؟ على حالها السابق، ما تريد إلا رجلًا تمشي حاله، في هذه الحال هل نجبرها؟ الجواب: لا نجبرها، لكن نشير عليها، ونلزم، ونهددها مثلًا نقول: إن خطب غيرُه فلن نزوجك وما أشبه ذلك حتى تقنع، لكن إجبارًا لا.
قال المؤلف: (فإن الأب ووصيه في النكاح يزوجانهم بغير إذنهم) البالغ المعتوه، والمجنون، والصغير، والبكر؛ أربعة.
(الأب ووصيه في النكاح يزوجانهم بغير إذنهم) الأب معروف، الجد لا، الجد لا يزوج بنات ابنه إجبارًا، حتى هؤلاء اللاتي يُجْبَرن لا يُجْبَرهن، طيب الأخ؟
طلبة: لا يجبر.
الشيخ: لا يجبر أخته ولو بكرًا.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إذا قلنا: إن الجد -على المذهب، نتكلم الآن على المذهب- أيضًا لا يجبر.
وقوله: (ووصيه في النكاح) وصيه في النكاح؛ يعني: الذي أوصى إليه أن يزوج بناته بعده وهذا واقع أو غير واقع؟ واقع؛ بعض الناس يقول: أوصيت إلى فلان أن يتولى عقد النكاح لبناتي ثم يموت، مَن يعقد النكاح للبنات؟ الوصي.
البنات لهن إخوة أشقاء مأمونون دينًا وموثوق بهم اجتماعيًّا، أراد أحدهم أن يزوج أخته، فقال الوصي: قف، أنا الذي أزوج، من الذي يزوج؟
طلبة: الوصي.
الجزء: 2 - الصفحة: 2644
الشيخ: الوصي، نحرم الأخ الشفيق الدَّيِّن الطيب من تزويج أخواته إلى رجل أجنبي! لكن يقولون في تعليل هذه المسألة: إن الموصى إليه -وهو الوصي- يقوم مقام الموصي، فكما أن الموصي يجبر فكذلك وصيه يجبر، ونفهم من هذا الكلام أن ولاية النكاح تحصل بالوصايا، ولاية النكاح تحصل بأيش؟
طلبة: بالوصايا.
الشيخ: بالوصايا؛ يعني: يجوز أن الأب يوصي إلى رجل أجنبي أو غير أجنبي يقول: زوج بناتي، وعللوا ذلك بأن الأب له شفقة، وله نظر بعيد بالنسبة للبنات؛ فقد يرى أن الأولياء ليسوا أهلًا ولا ثقة عنده بهم، فيوصي إلى شخص آخر، فلهذا قبلنا.
وقال بعض العلماء: لا تستفاد ولاية النكاح بالوصايا، وبناء على ذلك يكون إذا مات الموصي بطلت الوصية، بل إن الوصية من الأصل لم تنعقد، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن ولاية النكاح ولاية شرعية تستفاد ممن؟ من الشرع.
هل وكيل الأب يقوم مقامه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يقوم مقامه، والفرق بين الوكيل والوصي أن الوكيل يتصرف بالوكالة في حياة الموكل، والوصي يتصرف بالوصية بعد موته وغيابه عن الدنيا، فإذن لا بأس أن يوكل من يعقد النكاح لابنته، ولا يوصي إلى من يعقد النكاح لابنته، وهذا القول هو الصحيح.
وقوله: (فإن الأب ووصيه في النكاح) هل هناك وصي في غير النكاح؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، فيه وصي على المال؛ يقول مثلًا: سبلت خمس مالي للإنفاق على المساجد، والوصي فلان، ممكن ولَّا ما يمكن؟ له أولاد صغار، قال: وصيت عليهم فلانًا، يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: هل الوصي في المال أو في النظر للصغار يكون وصيًّا في عقد النكاح؟
طالب: لا.
طالب آخر: يكون.
الجزء: 2 - الصفحة: 2645
الشيخ: لا؛ ولهذا قال: (وصيه في النكاح) فلو كان له وصي على المال أو على العيال الصغار فإنه ليس وصيًّا في النكاح، فلو أن رجلًا أوصاه الأب على أولاده الصغار؛ يعني: على تربيتهم، على كفالتهم، على ما يتعلق بمصالحهم، ثم كبرت إحدى البنات وأرادت الزواج، فمن يتولى عقدها الوصي أو الولي شرعًا؟
طلبة: الولي شرعًا.
الشيخ: الولي شرعًا، فإذا قال الوصي: أنا وصي على العيال الصغار، نقول: نعم، أنت وصي على تربيتهم وكفالتهم والإنفاق عليهم، لكن لست وصيًّا في عقد النكاح، عقد النكاح لا بد أن ينص عليه، فيقال: أوصيت إليه في عقد النكاح لبناتي، على أننا قلنا: إن القول الراجح أنه لا وصية في النكاح، النكاح ولاية شرعية تثبت من قِبَل الشرع.
طالب: بالنسبة للربيبة -يا شيخ- يكون وليها زوج أمها ولَّا أعمامها؟
الشيخ: زوج أمها؟ ما صلة زوج أمها بها؟
الطالب: أنها ربيبة عنده.
الشيخ: هل هو قريب؟
الطالب: ليس بقريب.
الشيخ: لا تُنَال ولا ( ... ) إلا بالقرابة أو ولاء العتق، المهم ليس له شأن في الولاية.
طالب: يا شيخ، البعض الآن الذين يتزوجون من الخارج تشترط الدولة لا بد من الموافقة، وبعضهم لا تكون الموافقة، ويذهب ويتزوج من الخارج؟
الشيخ: ما فهمت، التزوج من الخارج لا بد فيه من موافقة الدولة؟
الطالب: نعم، بعضهم يتزوج من الخارج بدون موافقة.
الشيخ: بدون موافقة أو بدون علم؟
الطالب: لا، هو قدم الموافقة ورفضت الدولة، وذهب وتزوج؟
الشيخ: ما تقولون في هذا النكاح؟
طلبة: على صحيح.
الشيخ: على الصحيح والباطل إن شئت؟ !
طالب: صحيح.
طالب آخر: هذا صحيح -يا شيخ- فهو لا يتعلق ..
الشيخ: إي، الصحيح أنه صحيح النكاح.
طالب: لكن هل يأثم يا شيخ؟
الشيخ: إي يأثم.
الطالب: وماذا يترتب عليه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2646
الشيخ: يترتب عليه أن الدولة تعزره بما ترى؛ لأن الله قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]، والدولة لها نظر في هذا؛ لأنه يحدث مشاكل كثيرة في الزواج من الخارج، تعرف أنه كثيرًا ما لا تتلاءم الطباع وتختلف العادات، ثم إذا قدر الله بينهم أولاد، مشكل، ثم هذه الزوجة إذا مات الزوج سيكون لها نصيب من الإرث، وربما تختار الرحيل إلى بلدها ونتعب في تقسيم الميراث، مشاكل كثيرة، فالدولة لها نظر في هذا المنع، لكن على الدولة من جهة أخرى أن تنظر أيضًا في مشاكل الزواج عندنا، مشاكل الزواج الآن بعضها يصل إلى أربعين ألفًا؛ المهر.
طالب: بس؟
الشيخ: إي نعم، والله قالوا لي: إنه وصل أربعين ألفًا.
طلبة: مئتي ألف يا شيخ.
الشيخ: كيف؟
طالب: مئتي ألف، حاجة بسيطة ديه، يا ريت أربعين.
طالب آخر: أربعين رخيصة.
الشيخ: الله يهدينا وإياكم، أربعون رخيصة والرسول يقول: «وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (3)!
طالب: يضربون بها للقلة.
الشيخ: عجيب، يضربون بها بالقلة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! أنا أقول هذه المشاكل لازم تتدخل الدولة، ما هو صحيح، فإذا جاء إنسان وقال: أنا أريد هذه البنت للرجل وهو كفءٌ في دينه وخلقه، وأنا عندي عشرة آلاف، عشرة آلاف تحصل بها غرفة بسيطة؛ غرفة نوم، تحصل بها سرير فراش، تحصل بها دولابًا للثياب، تحصل بها بساطة إسفنج للغرفة، ولَّا لا؟ تحصل بها ذهبًا يليق بحالها، قالوا: لا، هنا تتدخل الحكومة وتنقل الولاية من الأب إلى الأقارب الآخرين، فإن أبوا -كما هو الحال- وتعصبوا وقالوا: ما يمكن نزوجها وأبوها حاضر، نقول: ( ... ) تعالَ يا رئيس المحكمة زوجها.
الطالب: يجوز هذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2647
الشيخ: يجوز، كيف يجوز؟ يجب، يجب أن نعالج المسألة على هذه الصفة، ما دام البنت رضيت وهو كفءٌ، والله الحين النساء يشكين آباءهن، يتصلن بنا بالهاتف يشكون آباءهم؛ يقولون: يردون الأزواج الأكفاء؛ إما بحجة أنه رَجَّال دينه خفيف ولا بالملتزم، ولَّا بحجة أن هذه تدرس ويبغي راتبها أبوها، طيب يا أخي لازم تتدخل وجوبًا، الحقيقة الحكومة مقصرة في هذا، والمغالاة في المهور أمر خلاف الشرع، وقصة عمر -إن صحت- فهي في مسائل خاصة، والله عز وجل يقول: ﴿آتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: 20] على سبيل المبالغة، ولَّا ما حد راح يعطي مهرًا ولا سيما في ذلك الوقت، تدرون القنطار كم؟ ألف مثقال ذهبًا، هذا أدنى ما قيل فيه، ولا أحد معطٍ في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن هذا على سبيل المبالغة؛ يعني: لو بلغ أن أعطيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 20، 21].
فالحقيقة أن الواجب النظر في الموضوع هذا، الآن بدأ الشباب يذهبون إلى الخارج يتزوجون من وراء الدولة، ثم بدأ بعضهم الآن يذهب للزنا فقط لما ظهرت فتوى أنه يجوز النكاح بنية الطلاق، لكن يجوز النكاح بنية الطلاق لمن؟ للغريب المضطر للبقاء هناك لشغل غير الجماع، بدأ الآن يروحون يصيفون -مثلًا- في محل، ويأخذ الواحد باليوم أربع زوجات، إذا صار ما عنده أحد هنا، أربع زوجات؛ لأنهم هناك رخاص، يمكن يحصل الواحدة بخمس مئة ريال أو بألف ريال، فالحقيقة أن هذه مشكلة ما زالت تشغل بالي.
طالب: شيخ، الآن مشكلة المهور هو السبب الرئيسي اللي يجعلهم يتزوجون من الخارج.
الشيخ: ما فيه شك.
الطالب: هل يأثمون على هذا؟
الشيخ: من اللي يأثم؟
الطالب: المتزوج هذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2648
الشيخ: إي يأثم، كما أنه لو أخذت الدولة ماله فليصبر، هذا منعته حقه فليصبر، يحتسب؛ لأنه ( ... ) مشاكل، ثم الآن بدأ الناس اللي في الخارج بدؤوا ينظرون إلى شباب السعودية نظرة سيئة، يجيء الواحد يتزوج له أسبوع أسبوعين ويروح مخليه إما يطلقه ويريحه، وهذا أهون، ولا خلوه واسعة يقول: ربما أجيء إلى البلد مرة ثانية، مشاكل، يعني أصبح الناس كالثيران والتيوس.
الطالب: شيخ، والحديث الصحيح الذي يأتي معناه أن رجلًا من الصحابة تزوج ( ... )؟
الشيخ: على أربع مئة درهم، قال: «كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ هَذَا الْجَبَلِ» (4)، يحق له أن يطلب، صداق أفضل النساء من أربع مئة إلى خمس مئة درهم، زوجات الرسول وبناته ما تزيد على خمس مئة درهم.
طالب: كم تعادل؟
الشيخ: بسيطة، مئتي درهم ستًّا وخمسين ريالًا، ومئتا درهم ست وخمسون ريالًا، كم؟
طلبة: مئة واثنا عشر.
الشيخ: مئة واثنا عشر، أضف إليها ثمانية وعشرين كم؟
طلبة: مئة وأربعين.
الشيخ: مئة وأربعين، هذا سهل مئة وأربعين، لكن أنتم وحَّشْتونا؛ قلتم: أربعين يضرب بها المثل في القلة، الله يهديه.
على كل حال أقول: هذه المسائل مشكلة، الشباب بين أمرين؛ إما أن يسيحون -وأقول هذا وهو نادر ثبوت النون؛ لأن المسألة كلها شاذة- فالمشكلة هذه مشكلة صعبة جدًّا للغاية، ويُخْشى على الشباب من الانزلاق؛ لأنه مهما تصبر الشاب ما يستطيع، هذا شيء جعله الله في بني آدم.
وأقول لكم: ليس ذلك خاصًا بالرجال، حتى النساء ما تستطيع الآن، وأصبح بعض النساء مع توسع الأفق الآن في المعلومات، وكون المرأة تقرأ، وكونها تسمع، وكونها تشاهد، راح عنها الحياء اللي كان فيما سبق، ذهب عنها، صارت الآن مثل الرجل؛ تتصل بالإنسان تقول: دور لي واحد ابن حلال، هل عهد هذا في النساء من قبل؟ أبدًا، ولو قيل لها: واحد مخاطبك، قامت تبكي بالليل والنهار.
الجزء: 2 - الصفحة: 2649
فالحاصل أن المسألة أصبحت مشكلة رئيسية في مجتمعنا، ونسأل الله أن يهدي الحكومة لحلها؛ لأنها مشكلة غاية .. ، فنرجو الله أن ييسر.
طالب: بسم الله الرحمن ( ... ).
الشيخ: أن الذي لا يشترط رضاهم ولا إذنهم أربعة أصناف، الأول؟
طالب: المجنون.
الشيخ: المجنون، والثاني؟
الطالب: الصغير.
الشيخ: والثالث؟ والرابع؟
الطالب: البكر.
الشيخ: البكر؟
الطالب: ولو مكلفة.
الشيخ: ولو مكلفة، تمام، من الذي يتولى تزوجهم بلا إذنهم؟
طالب: من يتولى؟
الشيخ: تزويج هؤلاء الأربعة بلا إذنهم؟
الطالب: الولي.
الشيخ: أي ولي؟
الطالب: القائم على شؤونهم.
الشيخ: وهو الابن؟
الطالب: لا.
الشيخ: من؟
الطالب: الموصي.
الشيخ: الموصي.
الطالب: القائم على شؤون البنت بعد وفاة الأب، لكن إذا ..
الشيخ: ما راجعت، اصرف عنك ما راجعت.
طالب: الوالد، الأب.
الشيخ: ومن؟
الطالب: والوصي، ثم الوصي.
الشيخ: اصبر، الأب ثم؟
الطالب: الموكل من قبل ..
الشيخ: الوكيل خطأ.
الطالب: ثم ال ..
الشيخ: خطأ.
طالب: الأب ووصيه في النكاح.
الشيخ: الأب ووصيه في النكاح، هل الجد يزوج هؤلاء؟
طالب: لا يزوجهم.
الشيخ: ولذلك يقول المؤلف رحمه الله: (ولا يزوج باقي الأولياء صغيرةً دون تسع) بأي حال من الأحوال.
طالب: (كالسيد مع إمائه).
الشيخ: (كالسيد مع إمائه) يعني معناها: أن السيد يجوز أن يزوج إمائه بدون إذنهن؛ لأنه مالك لهن ملكًا مطلقًا، ولكن هذا القول وإن كان صحيحًا من حيث النظر لكن يجب أن يقال: إنه لا يجوز له أن يجبرهن على النكاح؛ لما في ذلك من الإيلام لهن وإدخالهن حياة تعسة.
وقوله: (وعبده الصغير) يعني: فله أن يزوجه بلا إذنه، كما أن للاب أن يزوج ابنه الصغير بلا إذنه، وقد سبق أن في هذا نظرًا بالنسبة للأب مع ابنه الصغير، فيكون كذلك فيه نظر بالنسبة للسيد مع عبده الصغير.
الجزء: 2 - الصفحة: 2650
ثم قال: (ولا يزوج باقي الأولياء صغيرةً دون تسع) أي ولي كان، حتى لو كان أرأف بها من أبيها فإنه لا يزوجها، فلو كان لرجل ابنة لها أقل من تسع سنين خطبها منه إنسان فإنه لا يجوز أن يزوجها.
قال: (ولا يزوج أيضًا صغيرًا) (لا يزوج) يعني: باقي الأولياء، (صغيرًا) لأنه ليس لهم ولاية عليه ولاية تامة، ولا شفقة كشفقة الأب، ولأنهم إذا زوجوا الصغير ألزموه بمقتضيات النكاح من النفقة وغيرها، وهذا لا يجوز إلا للأب.
كذلك لا يزوج باقي الأولياء (كبيرة عاقلة) يعني: إلا بإذنها، (كبيرة عاقلة) إلا بإذنها، الكبيرة هنا يعني: البالغة، العاقلة ضد المجنونة، إلا بإذنهما.
وكذلك لا يزوجون (بنت تسع) ولو لم تبلغ إلا بإذنها.
وأفادنا المؤلف أن النساء بالنسبة لغير الأب ووصيه ثلاثة أقسام: بالغة عاقلة، ودون التسع، وبنت تسع؛ دون التسع لا تزوج أبدًا، الكبيرة العاقلة تزوج بإذنها ولا إشكال، ما بين تسع سنين إلى البلوغ؛ تزوج على كلام المؤلف بإذنها، وقيل: لا تزوج؛ لأنها ولو أذنت وهي دون البلوغ فإنها قد تأذن بدون معرفة، قد يأتيها أخوها أو جدها يقول: نزوجك فلانًا، ويتكلم معها بكلام يغريها وتوافق، فصار الآن ما دون التسع تزوج أو لا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ولا إشكال في ذلك.
البالغة العاقلة إذا أذنت؟
طلبة: تزوج.
الشيخ: تزوج، ولا إشكال في ذلك.
ما بين التسع إلى البلوغ؛ على رأي المؤلف كالبالغة، والصحيح أنها ليست كذلك، وأن إذنها غير معتبر؛ وذلك لأنها لا تفهم مصالح النكاح كما ينبغي.
قال: (ولا بنت تسع إلا بإذنهما) (إذنهما) الضمير المثني يعود على أيش؟
طالب: الكبيرة العاقلة.
الشيخ: الكبيرة العاقلة وبنت التسع، وفسر الإذن بقوله: (وهو صمات البكر ونطق الثيب) (صمات البكر) يعني: سكوتها، قال في الشرح: ولو ضحكت أو بكت، أما إذا ضحكت فرضاها واضح، وإذا بكت؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2651
الشيخ: ما هو بواضح، هم يقولون: ربما تبكي لفراق أهلها إذا استأذنها في النكاح؛ عرفت أنها ستغادر أهلها وتفارقهم، فتبكي خوفًا من ذلك، فلذلك نقول: ما دامت لم تصرح بالرفض فإن بكاءها لا يدل على عدم رضاها، بل قد يدل على رضاها؛ لأنها إذا تزوجت فارقت الأهل، ولكن الظاهر أن البكاء دليل على؟
طالب: الرضا.
طالب آخر: الرفض.
الشيخ: دليل على الرفض، امرأة جئنا نستأذنها وهي بالغة كبيرة عاقلة قلنا لها: فلان خطبك، فجعلت تنهمر دموعها، وضربت على الأرض، وأصيبت بالفتور، وربما تمرض، ونقول: والله هذا كله علشان فراق الأهل، هذا يمكن؟
طلبة: لا.
الشيخ: كل إنسان يعرف أنها رفضت هذا، أما لو ضحكت فالضحك هذا دليل على الرضا، ويش تقول؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل، أيش التفصيل؟
الطالب: إذا صمتت ثم ضحكت فهذا دليل على أنها رضت وضحكت لرضاها، وإن ضحكت ..
الشيخ: على طول.
الطالب: على طول.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ظاهر النص أنه لا يعتبر.
الشيخ: يعني كأن الأخ ظاهري بحت، إن صمتت أولًا ثم ضحكت بعد فهذا إذن؛ لقوله في الحديث: «إِذْنُهَا صُمَاتُهَا» (1)، وإن ضحكت وبادرت بالفرح فهذا ليس بإذن.
والظاهر أن هذا التفصيل تطويل، فلنختصر الطريق ونقول: إذا ضحكت -سواء باشرت بالضحك، أو سكتت ثم ضحكت- فهو دليل على رضاها؛ لأن غير الراضي ما يضحك، بل يأتيه الغم.
على كل حال، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذْنُهَا صُمَاتُهَا» يريد أنه لا يشترط أن تتكلم بالرضا؛ لأنها قد تستحي.
وقوله: (ونطق الثيب) من المراد بالثيب هنا؟ المراد من وطئت.
قال: (ولو بزنا) ولو كان ذلك بزنا فإنها تكون ثيبًا، ولا بد من النطق بالرضا، وعللوا ذلك بأن الحياء من الجماع قد زال عنها، بماذا؟ بالجماع ولو كان محرمًا، فلا بد من أن تنطق بالرضا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2652
ثم قال المؤلف: (فصل: الثالث الولي) الثالث منين؟ من الشروط، الثالث من شروط النكاح الولي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» (5)، ولأن هذا ظاهر القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] ﴿أَنْكِحُوا﴾ يعني: زوجوا، ولقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232]، ولو لم يكن للولي أثر في عقد النكاح لم يكن للنهي عن عضله فائدة؛ لأننا نقول: عضل أم لم يعضل تتزوج، فدل ذلك على أن ظاهر القرآن أنه لا بد من الولي، فيكون اشتراط الولي في النكاح قد دل عليه القرآن، ودلت عليه السنة في قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ».
وهو أيضًا مقتضى النظر الصحيح أنها لا تتزوج إلا بولي؛ وذلك أن المرأة ضعيفة التفكير قريبة النظر، ربما يأتيها شخص يغرها بهيئته أو يغرها بلسانه أو يغرها بماله أو ما أشبه ذلك وهو ليس بكفءٍ، يأتيها رجل يخطبها وهو جميل المظهر نظيف الثياب طويل القامة ومن أحسن الرجال، ويقول لها يخادعها بما يرى أنه يخدعها، ثم توافق، فيقول: نجيب المأذون نعقد النكاح، اعقدي لنفسك، هذا لا يمكن، أو يأتيها رجل ومعه صرة من الذهب يحملها قد كلفت يده ويقول: أنا شوف اللي عندي، فيغرها على أنه أيش؟
طلبة: غني.
الشيخ: غني، والصرة أصلًا مستعيرها من جاره، وما له منها ولا دينار واحد، فيغرها، هذا أيضًا يمكن.
كذلك ربما يغرها بحسن النطق ولين الجانب كما وجد الآن، الآن بعض النساء المسكينات ينخدعن بالموافقة على إنسان كلمهن بالتليفون أو غير ذلك وأظهر أنه من أحسن الناس خلقًا، ثم إذا تزوجته وجدته أسوء الناس خلقًا، شبكت، فلهذا لا بد من الولي.
فدل على اشتراط الولي الأدلة الثلاثة؛ الكتاب، والسنة، والنظر في الصحيح، أما الإجماع فلا، فإن بعض العلماء خالف في ذلك، لكن المخالف قوله ضعيف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2653
ثم قال: (وشروطه) أي: شروط الولي، (التكليف) والتكليف يعني به البلوغ والعقل، فالصغير لا يكون وليًّا، والمجنون من باب أولى؛ وذلك لأن الصغير والمجنون هما محتاجان لولي، وبناء على ذلك لو وُجِدَت امرأة لها عم كفءٌ في الولاية ولها أخ صغير لم يبلغ؛ شقيق، من يزوجها؟
طلبة: عمها.
الشيخ: عمها، وأخوها الشقيق ولو لم يكن بينه وبين البلوغ إلا يوم واحد فإنه لا يزوجها، بل يزوجها العم.
الثاني يقول: (الذكورية) يشترط في الولي أن يكون ذكرًا، فلا ولاية لأنثى، وعلى هذا فالأم لا تزوج بنتها؛ لاشتراط الذكورية.
الخنثى يُزَوِّج أو لا؟
طلبة: لا يزوج.
الشيخ: لا يزوج؛ لأنه لا بد من الذكورية.
الثالث (الحرية) وضدها الرق، فالرقيق لا يزوج؛ لأن الرقيق نفسه مملوك، فكيف يزوج؟
والصحيح أنه يزوج؛ وذلك لأن الرقيق قد يكون من أعلم الناس بأحوال الناس، والمقصود بالولاية أن تكون المرأة عند زوج كفءٍ، فإذا كان هذا الرقيق قد عاش في المجتمع وعرف الناس عن طريق سيده أو عن طريق مباشرة الناس، فلماذا نقول: إنه لا يصح أن يكون وليًّا؟ ليس هذه ولاية مال حتى نقول: الرقيق لا يملك ذلك في نفسه فلا يملكه في غيره، هذه ولاية نكاح، وكما أن الرقيق يعقد لنفسه فهو يعقد أيضًا لغيره، فالصواب أن اشترط الحرية ليس بثابت.
قال: (والرشد في العقد) هذا أهم ما يكون من الشروط الرشد في العقد، وذلك أن يعرف الكفءَ ومصالح النكاح؛ يعني: يكون رجلًا عاقلًا ذكيًّا يعرف الكفءَ، ويعرف مصالح النكاح، وماذا يحصل به من المصالح، وماذا يندرئ به من المفاسد، لا بد أن يكون رشيدًا، فإن كان رشيدًا في العقد غير رشيد في المال؟
طلبة: يزوِّج.
الشيخ: يضر ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يضر؛ لأن الرشد في كل موضع بحسبه، فهذا رشيد في العقد لكنه غير رشيد في المال بمعنى أنه لا يحسن التصرف في أمواله، نقول: يصح أن يكون وليًّا في؟
طالب: العقد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2654
الشيخ: في العقد، مع أنه بالنسبة للمال محجور عليه لا يتصرف بدون إذن الولي، طيب (الرشد في العقد).
قال المؤلف: (واتفاق الدِّينِ سوى ما يُذْكَر) يستثنى من هذا، اتفاق الدين بأن تكون المرأة ووليها على دين واحد؛ إن كانت مسلمة فلا بد أن يكون وليها؟
طالب: مسلمًا.
الشيخ: إن كانت نصرانية فلا بد أن يكون وليها؟
طالب: نصرانيًّا.
الشيخ: نصرانيًّا، إن كانت يهودية فلا بد أن يكون وليها يهوديًّا، لا بد من اتفاق الدين.
قال: (سوى ما يُذكر) عندي بالشرح يقول: سوى ما يُذكر؛ مثل: أم ولد الكافر أسلمت، وأمة كافرة لمسلم، والسلطان يزوج من لا ولي لها من أهل الذمة، ثلاث مسائل ما فيها اتفاق الدين.
المسألة الأولى: أم ولد الكافر إذا أسلمت، كيف أم ولد الكافر أسلمت؟ يعني: كافر له أَمَة وتسراها، وأتت منه بولد، ثم أسلمت، فهنا له أن يزوجها، وإن كان هو كافرًا؛ لأنها أم ولده.
وكذلك أيضًا أَمَة كافرة لمسلم له أن يزوجها؛ يعني: رجل له أمة كافرة، فيجوز أن يزوجها؛ لأنها أمته ولو اختلف الدين.
أمة مسلمة لكافر؟ يعني عكس المسألة هذه؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: هذا لا يمكن؛ لأن المسلم لا يمكن أن يقر بيد الكافر، الرقيق لا يمكن يقر بدين الكافر؛ ولذلك يُجْبَر على إزالة ملكه إذا كان مسلمًا.
قال: (والسلطان يزوج من لا ولي لها من أهل الذمة) (السلطان) يعني: رئيس الدولة في الأمة؛ أي: في رعيته أناس من أهل الذمة، فوُجِدت امرأة من أهل الذمة ليس لها ولي، من يزوجها؟
طلبة: السلطان.
الشيخ: السلطان وهو مسلم وهي كافرة؛ لأجل دعاء الحاجة إلى ذلك.
وظاهر كلام المؤلف أن المسلم لا يزوج ابنته الكافرة؛ يعني مثلًا لو كان رجل له بنت كافرة فإنه لا يزوجها، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: نعم، لكن نقول: هذا غير متصور؛ لأن المسلمة إذا كفرت فهي مرتدة، ولا تُقَر على دينها، بل يقال: أسلمي أو القتل.
صار يستثنى من هذه المسألة؛ من اتفاق الدين؟
طالب: ثلاث مسائل.
الجزء: 2 - الصفحة: 2655
الشيخ: ثلاث مسائل: أم الولد إذا كان سيدها كافرًا فأسلمت، والثانية؟
طلبة: أمة مسلمة عند كافر.
الشيخ: لا، أمة كافرة عند مسلم، والثالث السلطان يزوج من لا ولي لها من أهل الذمة.
قال: (والعدالة) العدالة الشرط للولي، والعدالة سبقت لنا آنفًا -يعني ليست بعيدة- بأنها استقامة الدين والمروءة، فإذا كان الولي غير مستقيم الدين فلا ولاية له، فليس له ولاية، إذا كان الولي يشرب الدخان فليس له ولاية.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا تحترز، إلى الآن ما وصلنا للترجيح، ليس له ولاية.
إذا كان حالق اللحية؟
طلبة: ليس له ولاية.
الشيخ: ليس له ولاية، إذا كان يسبل الثوب؟
طلبة: ليس له ولاية.
الشيخ: ليس له ولاية.
إذا اغتاب الناس ولو مرة واحدة ولم يتب؟
طلبة: ليس له ولاية.
الشيخ: ليس له ولاية، لو أننا طبقنا هذا الشرط لوجدنا أكثر الناس لا يزوجون بناتهم، من يسلم من الغيبة؟ ! دعونا من حلق اللحية والإسبال وشرب الدخان، لكن الغيبة من يسلم منها إلا من شاء الله؛ يعني يمكن المسجد فيه خمس مئة نفر لا تجدوا إلا واحدًا أو اثنين يسلمون من الغيبة، وهذا الشرط ضعيف.
والصواب أنه لا تشترط العدالة، لكن يشترط ألَّا يرضى لها غير كفءٍ، فإن رضي لها غير كفءٍ ومنعها من أن تتزوج بكفءٍ، قلنا: أنت صفر على اليسار، ولا ولاية لك، كما يوجد الآن من بعض الآباء الفسقة إذا خطب ابنته شاب مستقيم في دينه وخلقه منع؛ رجاء أن يأتي شاب فاسق؛ لأن الفاسق يحب الفاسقين، فهل نقول هذا الرجل له ولاية؟ لا، هذا ليس له ولاية؛ لأنه أخل بمصلحة البنت.
لكن إذا كان فسقه لا يخل بمصلحة المرأة فإنه لا تسقط ولايته؛ ولهذا نجد بعض الآباء يشرب الدخان لكن نظره لأولاده أكثر من نظر من لا يشرب الدخان، أليس كذلك؟ يوجد ناس عنده نظر لأولاده وشفقة ورحمة ومحبة خير وهو يشرب الدخان أكثر ممن لا يشرب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2656
فالصواب أن العدالة فيها تفصيل؛ إذا كان فقدها يخل بمصلحة المرأة فلا بد منها، وإذا كان لا يخل فليست بشرط.
المؤلف رحمه الله يقول: (العدالة)، لكن استثنى منها أيضًا في الشرح قال: إلا في سلطان وسيد يزوج أمته -يعني استثنى مسألتين- فإنه لا تُشْتَرط العدالة.
السلطان يزوج من لا ولي لها، فلا تشترط العدالة؛ لأننا لو اشترطنا في السلطان العدالة لكان في ذلك تضييق على المسلمين، فإذا قدرنا أن السلطان يشرب الخمر ويقتل ظلمًا ويلعب بالقمار، هل نقول: تسقط ولايته على المسلمين أو لا؟
طلبة: لا تسقط.
الشيخ: لا تسقط، هو ولي على المسلمين ولو فعل ما فعل من الفجور، ما لم نر كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان.
إذن إذا زوج السلطان من لا ولي لها من المسلمين ولكنه فاسق، فالعقد؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح.
كذلك يقول المؤلف: (السيد مع أمته) ولو كان فاسقًا يزوجها، ولكنه يجب أن نقول كما قلنا في الأول: لا بد أن يكون فسقه لا يخل بأيش؟
طالب: بمصلحة المرأة.
الشيخ: بمصلحة المرأة، إن كان يخل فلا.
ما رأيكم بكافر يزوج ابنته الكافرة لمسلم؛ يعني: نصراني يزوج بنته النصرانية لمسلم؟
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأن اتفاق الدين موجود، وليس يشترط أن يتفق دين الزوج ودين الولي.
المهم أن يتفق دين الولي ودين المرأة.
لو عقد له هذا الأب النصراني بعقد غير إسلامي، يصح أو لا؟ وهو مسلم -الزوج مسلم- عقد له بعقد غير إسلامي، نقول: هذا لا يصح.
لكن ماذا نصنع في بعض البلاد الكافرة؛ يتزوج المسلمون من هناك بالزواج أو بالعقد العرفي عندهم؟
نقول: يعقد ظاهرًا، ولكنه لا تستباح به المرأة حتى يعقد على الطريقة الإسلامية؛ وذلك لأنه إذا عقد على الطريقة الإسلامية هناك ما يعطونه تصريحًا بأن هذه المرأة زوجته، فإذن نقول: اعقد ظاهرًا بهذا العقد الباطل، ثم اعقد بعقد صحيح، أو اعقد بعقد صحيح، ثم اعقد بهذا العقد الباطل الصوري الذي لا تعتقده ولا ترتضيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2657
طالب: لو تزوجت أحد المسلمين في بلاد الكفار وأسلمت وستتزوج هناك، هل له أن يتولى العقد بنفسه؟
الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: امرأة أسلمت وأبوها كافر في بلاد الكفر، فأراد مسلم أن يتزوجها وليس هناك ولي، كل أقاربها كفار، فكيف يصنع؟
نقول: إذا كان هناك رابطة إسلامية في هذا المكان فإنه يعتمد، وإن لم يكن فإنه يتزوجها هو؛ يزوج نفسه؛ لأنه لا يوجد ولي.
طالب: شيخ، لو أسلم رجل من عائلة كافرة، وبقيت العائلة على كفرها، فهل يتولى هذا الرجل زواج بناته الكافرات؟
الشيخ: ما هو اشترطنا اتفاق الدين؟
الطالب: لكن ليس لهن ولي هنا؟
الشيخ: لا، النساء الكافرات وليهن أبوهن الكافر.
الطالب: هو أسلم يا شيخ.
الشيخ: ما لهن أعمام كفار؟
الطالب: هو مسلم وهن كافرات.
الشيخ: إذا اشترطنا اتفاق الدين، أما إذا قلنا: إن الشرط ألَّا يكون الولي أقل منهن في الدين فهذا لا بأس، نقول: إذا كان أعلى فليزوج، وهذا القول أقرب؛ يعني لو قيل: إن المسلم يزوج الكافرة لكان أحسن؛ لأننا إذا قلنا: هذا الرجل لو كان كافرًا لزوجها، فنقول: إن إسلامه لا يزيده إلا خيرًا فليزوجها، وهذه تحتاج إلى بحث، إن شاء الله نرجع إليه فيما بعد.
طالب: إذا عقد على الكتابية عقدًا صوريًّا؛ يعني على الطريقة غير الإسلامية، لا بد يعقد عقدًا صحيحًا، أين يأتي بالولي؟ ربما الولي يرفض؟
الشيخ: وليها أبوها، هي نصرانية والأب نصراني.
الطالب: وليها يرفض الطريقة الإسلامية؟
الشيخ: لكن هو راضٍ أن يزوجها بالمسلم، الآن فيه نصارى هناك يزوجون المسلمين، هذا أمر واقع، فخطب منهم مسلم ورضي، ورضيت البنت أيضًا.
الطالب: لو اشترط غير الطريقة الإسلامية؟
الشيخ: ما يخالف، يخليها صورية؛ لأنه ما هي بالمشكلة عند العقد، المشكلة أنه لا يمكن يُعطى أو تضاف إليه المرأة هذه إلا بمقتضى عقودهم فقط.
الجزء: 2 - الصفحة: 2658
طالب: في غالب بلاد الكفار المرأة تزوج نفسها بغير ولي، وفي هذه الحالة لا يوجد ولي، سواء عقد صوريًّا أو عقد شرعيًّا، فأيش حكم هذا الزواج؟
الشيخ: ليس لها أقارب مسلمين؟
الطالب: لا، من الكفار.
الشيخ: وهي مسلمة؟
الطالب: كافرة أو مسلمة؟
الشيخ: لا، إن كانت كافرة ما هو مشكلة، يزوجها أبوها الكافر.
الطالب: ما يزوجها أصلًا، هي تزوج نفسها، ما عندهم هذا.
الشيخ: ما هو شرط الولي عندهم؟
الطالب: ما عندهم أصلًا.
الشيخ: ما هو شرط، يقال للأب: ويش يضرك إذا زوجتها؟
الطالب: أصلًا أحيانًا قد تكون هي منفصلة عنهم، وتخرج إلى بلد بعيدة أو منطقة أخرى.
الشيخ: لا بد إذا كان لها ولي، لا بد يزوجها وليها أو يوكِّل.
الطالب: ثم أخوها لأبوين، ثم لأب، ثم بنوهما كذلك، ثم عمها لأبوين، ثم لأب، ثم بنوهما كذلك، ثم أقرب عصبته نسبًا كالإرث، ثم المولى المنعم، ثم أقرب عصبته نسبًا، ثم ولاء، ثم السلطان.
فإن عضل الأقرب، أو لم يكن أهلًا، أو غاب غَيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة؛ زَوَّج الأبعد، وإن زَوَّج الأبعد أو أجنبي من غير عذر لم يصح.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أنه من شروط النكاح الولي، ودليل ذلك؟
طالب: الثيب.
الشيخ: من القرآن والسنة.
الطالب: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ من نسائكم.
الشيخ: ﴿مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32].
الطالب: والسنة.
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: أن الله عز وجل نسب النكاح إلى ال ..
الشيخ: قال: ﴿أَنْكِحُوا﴾.
الطالب: نعم، ولم ينسبه إلى نفس المرأة يعني ..
الشيخ: ولولا أن الولي شرط لوجه الخطاب إلى المرأة، هذا واحد، صحيح.
ومن السنة؟
الطالب: «الثَّيِّبُ تُسْتَأْمَرُ» (1).
طالب آخر: الحديث -يا شيخ- «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» (5).
الجزء: 2 - الصفحة: 2659
الشيخ: نعم، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ».
فإذا قال إنسان: لا نكاح تامٌّ وكاملٌ، وليس المعنى: لا نكاح صحيح؟
طالب: نقول: إن الأصل أننا ننظر إليه من جهة الصحة، يكون النفي نفي الصحة، فإن وجد صارف يصرفه فهو للكمال، وهنا لا صارف يصرفه، فتعود للقرآن ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ [البقرة: 232].
الشيخ: صحيح، نقول: الأصل في النفي -القاعدة- أن يكون نفيًا للوجود، فإن تعذر فللصحة، فإن تعذر فللكمال، مفهوم؟
طالب: نعم.
الشيخ: الأصل في النفي أن يكون للوجود، ثم؟
طلبة: للصحة.
الشيخ: ثم؟
طلبة: للكمال.
الشيخ: ثم للكمال، فإذا ورد نفي نقول: أولًا نشوف هل يمكن المراد نفي وجوده؟ إذا قال: لا يمكن، مثل «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (6)، هل هذا نفي لوجوده؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن الإنسان يمكن يصلي، إذن هو نفي للصحة.
«لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» (7)، هل هذا نفي للوجود؟
طلبة: لا.
الشيخ: لأن الإنسان قد يصلي.
وهل هو نفي للصحة؟ لا؛ لأن الصلاة تصح ولو حضر الطعام، إذن هو نفي لأيش؟
طلبة: للكمال.
الشيخ: للكمال، فـ «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ»، نقول: نفي للصحة، هذا الأصل.
الولي له شروط؟
طالب: الشروط أن يكون مسلمًا.
الشيخ: أن يكون مسلمًا، إذن أبو الكافرة لا يزوجها، تبقى النساء الكوافر كلهن ما يتزوجن؟
طالب: أن يكون بالغًا عاقلًا.
الشيخ: تمام، هذا واحد.
طالب: الحرية.
الشيخ: الحرية.
طالب: الذكورية.
الشيخ: الذكورية.
طالب: العدالة.
الشيخ: العدالة.
طالب: اتفاق الدين.
الشيخ: إلا؟
الطالب: إلا ما يُذْكر.
الشيخ: سوى ما يذكر، أحسن نقول: سوى ما يُذْكَر.
طالب: الرشد في النكاح.
الشيخ: الرشد في العقد.
لكن سبق لنا أن هناك مخالفة لكلام المؤلف رحمه الله:
أولًا: التكليف ضده الجنون والصغر، فالمجنون لا يصح عقده، ومن دون البلوغ لا يصح عقده أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2660
وقال بعض العلماء: إنه يصح إذا كان رشيدًا؛ كما لو كان مراهقًا يعرف مصالح النكاح، فيصح.
الحرية قلنا: إن في اشتراطها نظرًا، والصواب أنه ليس بشرط، وأن الرقيق يزوِّج بنته.
والرشد في العقد؛ الرشد في العقد قلنا: صحيح، لا بد منه، لا بد أن يكون رشيدًا في العقد، الذي لا يعرف مصالح النكاح والكفءَ لا يصح.
اتفاق الدين قلنا: تزويج الأدنى للأعلى لا يصح، على القول الصحيح، وتزويج الأعلى للأدنى يصح؛ يعني المسلم يزوج الكافرة؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح.
الكافر يزوج المسلمة؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح.
العدالة قلنا: اشتراطها غير صحيح، وأنه لا يشترط في الولي أن يكون عدلًا.
طالب: يُشْترط كمال العدالة؟
الشيخ: لا يمكن أن يزوِّج من كان عدلًا، ولو أننا اشترطنا ذلك لنزعنا ولاية النكاح من عامة الناس اليوم.
يقول المؤلف رحمه الله: (فلا تزوج امرأةٌ نفسَها ولا غيرَها) (لا تزوج امرأة نفسها) لأنه لو صح أن تزوج نفسها لم يكن لاشتراط الولي فائدة، فلو زوجت نفسها لم ينعقد، وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» (8) فمراده بذلك إذنها في النكاح، لا أن تزوج نفسها.
وظاهر كلام المؤلف أن المرأة لا تزوج نفسها ولو في حال الضرورة، كما لو كانت امرأة في بلد ليس لها فيه ولي وليس فيه سلطان مسلم فإنها لا تزوج نفسها، إذن ماذا تفعل؟ قلنا: يزوجها من كان ذا سلطان في محلها، ولو كان مديرًا على مجتمع إسلامي؛ كإدارات الجمعيات الإسلامية في أمريكا وغيرها، ينظر إلى المدير فيزوج؛ لأن هذا المدير ذو سلطان في مكانه.
ولكن إذا لم يكن هناك أحد؛ كرجل وامرأة هربا من بلادهما، وفي أثناء الطريق قال الرجل: مشكلة، إني مع هذه المرأة أنا لا أصبر عن المرأة، هل أزني بها ولا أتزوجها بالنكاح؟ فماذا يصنع؟
طالب: يتزوجها.
الشيخ: يتزوجها بالنكاح.
هل يكون هو الولي أم هي الولية؟
طلبة: هو الولي.
الجزء: 2 - الصفحة: 2661
الشيخ: في هذا قولان للعلماء؛ منهم من يقول: إنه يزوجها نفسه، فيسألها يقول: هل ترضين أن أتزوجك؟ فإذا قالت: نعم، قال: زوجتك نفسي، وينتهي الموضوع، ما عندنا شهود.
طالب: ضرورة.
الشيخ: ضرورة، صحيح، أو يقال: هي اللي تزوج، فيقول: أترغبين أن تزوجيني نفسك؟ تقول: نعم، يقول: زوجيني، فتقول: زوجتك نفسي، فيقول: قبلت.
أيهما أقرب إلى الصواب؟ الثاني أقرب إلى الصواب؛ لأن الآن ليس عندنا ولي شرعي، وإذا لم يكن ولي شرعي فهي أحق بنفسها، والمسألة الآن ضرورة، لن يصبر عنها مثلًا، فهل هذا العقد الذي عقدناه على وجه الضرورة بهذه الكيفية أو أن يزني بها؟
طالب: هذا.
الشيخ: لا شك أن الأول أفضل.
وقوله: (ولا غيرَها) أي: لا تزوج غيرَها، معلوم؛ لأنها إذا لم تمكن من تزويج نفسها، فعدم تمكينها من تزويج غيرها من باب أولى، وعلى هذا فالأم لا تزوج بنتها، والأخت الكبرى لا تزوج الأخت الصغرى.
ثم قال في ترتيب الأولياء: (ويُقَدَّم أبو المرأة في إنكاحها).
طالب: (في نكاحها).
الشيخ: (في إنكاحها)، اكتب: (إنكاحها)، في نكاحها ما يصلح، هو الأب يتزوج بنته ما يصلح هذا، (في إنكاحها) أي: في عقد النكاح لها، لكن لا بد من مراعاة الشروط السابقة.
الثاني قال: (ثم وصيه فيه) وهذا هو المشهور من المذهب؛ أن وصي الأب بمنزلة الأب، فلو أوصى إلى شخص قال: وصيي بعد موتي في تزويج بناتي فلان ابن فلان، ومات الرجل وله أب وله أبناء؛ أبوه جد البنت، وأبناؤه إخوان البنت، فهل جدها يزوجها؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ولا إخوانها، وهذا هو المذهب، والصواب خلاف ذلك؛ الصواب أن الولاية لا تنال بالوصايا، ويقال: أنت أيها الأب حقك بالولاية ما دمت حيًّا، وأما بعد موتك فالأمر إلى الله ورسوله، ليس إليك.
فإذا قال قائل: وهل وكيله بمنزلته؟ قلنا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم.
وما الفرق بين الوكيل والوصي؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2662
الوكيل في الحياة، والوصي بعد الوفاة، وعلى هذا فإذا وكَّل شخصٌ شخصًا أن يزوج ابنته فليس لأحد من أقاربها أن يزوجها ما دام الوكيل باقيًا والموكِّل باقيًا، فإن مات الموكِّل؟
طالب: انفسخت.
الشيخ: انفسخت الوكالة.
وإن مات الوكيل؟
طلبة: انفسخت الوكالة.
الشيخ: انفسخت الوكالة، معلوم.
يقول: (ثم جدها لأب وإن علا) الأقرب فالأقرب، (جدها لأب) يعني: أبو أبيها، وأبو أبي أبيها، وأبو أبي أبي أبيها، وأبو أبي أبي أبي أبيها، إلى آخره، إلى متى؟
طالب: إلى آدم.
الشيخ: إلى آدم، على كل حال، يعني الجد لأب وإن علا.
وفُهِم من قول المؤلف رحمه الله: (ثم جدها لأب) أن جدها لأمها ليس وليًّا لها، حتى وإن لم يوجد عصبة انتقلت الولاية إلى الحاكم، وليس لجدها من قبل أمها ولاية.
وإخوانها من أمها؟
طالب: ليس لهم.
الشيخ: ليس لهم ولاية إطلاقًا، فيزوجها ابن عم بعيد دون أخٍ لأم قريبٍ.
(ثم جدها لأب وإن علا، ثم ابنها، ثم بنوه وإن نزلوا) ابنها بعد الجد، (ثم بنوه) أي: بنو ابنها دون بني بناتها؛ لأن بني بناتها تكون هي جدة لهم من قبل أيش؟ الأم.
هنا قدَّم الأبوة على البنوة، وقد مر علينا بابٌ من أبواب العلم يقدم فيها البنوة على الأبوة ما هو؟
طلبة: الفرائض.
الشيخ: الفرائض تُقَدَّم البنوة على الأبوة، وولاية النكاح الأبوة على البنوة، فلماذا؟ لأن البنوة مفقودة تمامًا فيما إذا كانت المرأة بكرًا، ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: البنوة مفقودة في كل النساء ما دمن أبكارًا بخلاف الأبوة، ولأننا لو قدَّرنا أن المرأة ثيب ولها أبناء ولها أب، فالأب غالبًا أدرى بمصالح النكاح من الأبناء؛ لأن الأبناء صغارٌ في الغالب دون أمهم، ولأنه أشد شفقة من الأبناء، فكان أولى بالتقديم.
إذن أولى بالتقديم لوجهين؛ الوجه الأول؟
طالب: أنه أدرى.
طالب آخر: أعرف.
الشيخ: أدرى وأعرف، والثاني أنه؟
طلبة: شفيق.
الشيخ: أشد شفقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2663
(ثم ابنها، ثم بنوه وإن نزلوا، ثم أخوها لأبوين، ثم لأب، ثم بنوهما كذلك) أخوها لأبوين هو الأخ الشقيق، ولأبٍ الأخ من أب، وسكت عن الأخ من الأم ليش؟
طلبة: ليس له ولاية.
الشيخ: لأنه ليس له ولاية، ثم أخوها لأبيها، ثم بنو أخيها الشقيق، ثم بنو أخيها لأبيها.
يقول: (ثم عمها لأبوين، ثم لأبٍ، ثم بنوهما كذلك) أيهما أدنى منها؛ الإخوة ولَّا الأعمام؟
طلبة: الإخوة.
الشيخ: يا إخوان الإخوة؟
طالب: الإخوة أدنى من الأعمام.
الشيخ: تجتمع فيهم بمن؟
طلبة: الأب.
الشيخ: تجتمع بهم في الأب، والأعمام؟
طلبة: في الجد.
الشيخ: في الجد وإن علا، فصار الإخوة أقرب.
(ثم بنوهما كذلك، ثم أقرب عصبة نسبًا) يعني معروف يُرجع إلى باب الفرائض
كالإرث، ولهذا قال: (كالإرث).
(ثم المولى المنعم) يعني: بعد أن تنقطع عصبة النسب نرجع إلى عصبة الولاء؛ وهو المولى المنعم، فلو أن امرأة أعتقت أَمَةً وأرادت الأمة أن تتزوج، زَوَّجتها سيدتُها.
طالب: نعم.
طالب آخر: غير صحيح.
الشيخ: صح؟
طالب: زوجها.
الشيخ: لا، سيدتها.
طلبة: امرأة.
الشيخ: لا تزوجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن (المولى المنعِم) لا بد أن نرجع للشروط وهي الذكورية.
وقوله: (المولى المنعم) قال ذلك أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37]، قال: ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾.
وأيضًا أراد أن يحترز به عن المولى الحليف؛ يعني: قد يكون بين الناس موالاة بالحلف، فيكون مولًى له من جهة الحِلْف.
قال: (ثم أقرب عصبته نسبًا) أقرب عصبة من؟
طالب: المولى المنعِم.
الشيخ: المولى المنعِم.
(ثم ولاء) يعني: ثم أقرب عصبة ولاءً على ما سبق.
الجزء: 2 - الصفحة: 2664
(ثم السلطان) السلطان من؟ الإمام أو نائبه، قال الإمام أحمد: والقاضي أحب إليَّ من الأمير؛ لأنه أقرب إلى الفقه والعلم وأقرب إلى الورع، على أنه في الوقت الحاضر لا ولاية للإمارة في عقود الأنكحة، عقود الأنكحة خُصِّص لها أناس يسمون؟
طالب: المأذونين.
الشيخ: المأذونين، فينوب مناب السلطان إذا لم يكن للمرأة ولي.
لو زوجها القاضي مع وجود المأذون؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: فلا يصح؛ لأن القاضي سُلِب منه عقد الولاية، اللهم إلا إذا قالت الولاية: إن الأصل القاضي، والمأذون فرع، هذا على حسب ما تقتضيه الأنظمة.
طالب: فيه بعض المأذونين الشرعيين يكلم البكر ويسمع صوتها لازم، فيه حصل مرة كلم واحدة ردت أختها.
الشيخ: قالت: أنا أستحي، كلميه أنتِ.
الطالب: لا، هذه استحت وما ردت، قالت: إي نعم، واللي حكت أختها.
الشيخ: خجلًا حياء.
الطالب: طيب أختها اللي حكت، قال: موافقة يا فلانة، قالت: نعم، اللي قالت: نعم أختها.
الشيخ: إي نعم، لكن وليها عقد لمن؟ وليها عقد للي وافقت؟
الطالب: لا.
الشيخ: ( ... ) هذه بس كذبت.
الطالب: ما هو من باب الاستئذان؟
الشيخ: لا، هي ما هي براضية البنت اللي وقع عليها العقد؟ لكن هذه تؤدب، افرض أن البنت مجبرة، ولكن خلو أختها تتكلم عنها.
الطالب: هذه استحت وحكت هذه.
الشيخ: مشكلة.
طالب: يا شيخ، مسألة الرجل والمرأة الذين قلنا بجواز نكاحهما للضرورة، إذا -مثلًا- وصلوا إلى مكان ووجدوا الناس هل يعيدوا النكاح؟
الشيخ: لا يعاد، أبدًا، إذا قلنا: صح، صح.
( ... ) سبق لنا بيان من الأولى بالتزويج، وذكر المؤلف رحمه الله وفهمنا من كلامه أنه لا ولاية لأحد من ذوي الأرحام؛ كالخال وابن الأخت وابن العمة، وما أشبه ذلك.
وكذلك لا ولاية لأحد من ذوي الفروض، الذي لا يرث إلا بالفرض فقط؛ مثل الأخ لأم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2665
فيقول الآن قال: (فإن عضل الأقرب زَوَّج الأبعد) (عضل) بمعنى منع، إذا منع الأقرب من تزويج موليته؛ قال: لا أزوجها، انتقلت الولاية إلى غيره، إلا أن يكون هناك سبب شرعي اقتضى أن يمتنع، فإن كان هناك سبب شرعي فإنه لا يزوِّج الأبعدُ.
مثال ذلك: خطب المرأة رجل معروف بنقص الدين، والمجتمع كله أو غالبه أحسن منه، وإنما قلت: المجتمع كله أو غالبه لئلا يرد علينا أنه لو كان مستوى المجتمع بهذا المثابة؛ أي مستواه على مستوى الخاطب، فهنا نقول: يزوج، ما دام لم يكفر؛ يعني لو افترضنا أن عامة المجتمع يشرب الدخان، أو عامة المجتمع يحلق اللحية، هل نرد هذا ونحن لا ندري متى يأتينا واحد بالألف غير حالق لحيته وغير شارب للدخان؟ الجواب: لا نمنعه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وكما أننا إذا لم نجد حاكمًا إلا فاسقًا فإننا نولي الأمثل فالأمثل من الفاسقين، كذلك هذا، لكن لو كان هذا الرجل يأتي بمعصية نادرة في المجتمع، ثم إن الأقرب قال: لا أزوج هذا الرجل، هذا يشرب الخمر، هذا يمارس المخدرات، وما أشبه ذلك، فله الحق، وليس لأحد أن يزوج إذا رفض الأقرب، فإن رفض وقال: أنا أرفض هذا الخاطب؛ لأنه بينه وبينه سوء تفاهم فيما سبق، ولا يمكن أزوجه بنتي أو أختي أو عمتي، ماذا نقول؟ هذا عاضل ولَّا غير عاضل؟
طلبة: عاضل.
الشيخ: هذا عاضل، تنتقل الولاية إلى آخر؛ لأنه عضل بغير حق.
عندي بالشرح قَيَّد المسألة بتقييد غريب قال: بأن منعها كفئًا رضيته ورغب بما صح مهرًا، (كفئًا) إن أراد بدينه فنعم، وإن أراد بحسبه فلا.
كذلك قوله: ورغب بما صلح مهرًا، رغب الخاطب ودفع مهرًا يصح، نقول: نعم؛ لأنه إذا لم يدفع مهرًا يصح؟ فإن هذا الزواج يكون زواج هبة، والهبة لا تكون إلا للرسول صلى الله عليه وسلم.
قال: (أو لم يكن أهلًا) (لم يكن) الضمير يعود على من؟
طلبة: الخاطب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2666
الشيخ: يا إخوان، على الولي؛ يعني: أو لم يكن الأقرب أهلًا، مثل أن يكون فاسقًا أو كافرًا أو مجنونًا، أو ما أشبه ذلك، أو طفلًا.
الثالث: (أو غاب غيبة منقطعة) وفسر المنقطعة بقوله: (لا تقطع إلا بكلفة ومشقة) هذه ثلاثة: إذا غاب غيبة بعيدة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة فإنه يزوِّج الأبعدُ، لكن الأبعد الذي هو أقرب الناس إليها بعد الذي كان غاب، لماذا؟ لأن في هذا مشقة.
وقيل: إن الغيبة لا تقدر بكونها لا تقطع إلا بكلفة ومشقة، بل غاب غيبة يفوت الخاطب الكفءُ بمراجعته فيها، وهذا أصح؛ يعني غاب غيبة لو أخرنا الخاطب الكفءَ فاتت الخطبة؛ بأن يقول الخاطب: أنا أحدد لكم يومًا، اليوم ما يمكننا نذهب إلى فلان نأتي به أو نأخذ منه وكالة، فحين إذن أيش نعمل؟
طالب: يزوِّج الأبعدُ.
الشيخ: يزوِّج الأبعدُ؛ لأن هذا يفوت الخاطب الكفء على المرأة، عندنا الآن في بلادنا المخطوبة أبوها في الدمام وهي في جدة؛ أبعد ما يكون من المسافة في المملكة، هل يزوج الأبعد في هذه الحال؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه سهل.
الشيخ: لأنه سهل؛ يعني يمكن يوم واحد، أقل من يوم يتم الموضوع؛ يكتب بالفاكس وكالة ويرسلها بدقائق، لكن فيما سبق لما كان الناس يمشون على الإبل يبغي يأخذ المسافة من جدة إلى الدمام شهر ونص؛ خمسة وأربعين يومًا رايح، وخمسة وأربعين جاي، الجميع تسعون يومًا؛ أي: ثلاثة أشهر، هل نقول للخاطب: انتظر حتى ننظر عن الأب؟ قال: إي، متى؟ ثلاثة أيام؟ قلنا: لا، ثلاثة أسابيع؟ قلنا: لا، كم؟
طلبة: ثلاثة أشهر.
الشيخ: ثلاثة أشهر، قال: إن شاء الله نشأ الولد بعد ثلاثة أشهر عندي، ندور غيره، أليس كذلك؟ لكن الآن -الحمد لله- المواصلات سهلة، هذه ثلاثة أشياء؛ إذا لم يكن أهلًا، وإذا عضل، وإذا غاب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2667
قال المؤلف: (لو جُهِل مكانه) لنفرض -مثلًا- أن هذه المرأة وليها أخوها، أخوها ذهب لشرق آسيا يقول: بيدعوا إلى الله، أو بيجاهد، أو ما أشبه ذلك، ولا ندري أين هو، يزوِّج الأبعدُ؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يزوِّج الأبعدُ، ليش؟
طالب: لأنه جُهِل مكانه.
الشيخ: لأن هذا مجهول مكانه، ما ندري متى نعثر على مكانه، ثم متى نأخذ الإذن منه.
قال: (زوج الأبعد) لكن المشكلة الآن أن الناس لا يجرؤون على هذه المسألة، تجد الأب يمتنع من تزويج ابنته لأن الخاطب لم يعطه ما يرضيه من المهر، المهر أربعون ألفًا، هو قال: أعطِ البنت أربعين ألفًا، وأعطني أنا عشرين ألفًا، وأعطِ أمها عشرة آلاف، وأعطِ عمتها خمسة آلاف، وأعطِ خالتها ألفين ونصفًا، وأعطِ الراعي سيارة، وهات لنا راعيًا وخادمًا، وما أشبه، هذا الآن عضل، لو قلنا لأخيها: زوجها، أو قلنا لعمها: زوجها، يقول: والله ما نقدر نختم على الأب.
في هذه الحال إذا أبى الأقرب نذهب إلى الثاني أبعد منه، إذا أبى كل العصبة قالوا: والله ما نقدر، نخشى تكون فتنة، فيجب على القاضي أن يزوجها، الحاكم الشرعي يجب أن يزوجها، لو أن الناس استعملوا هذا -وهو شرعي، ما هو شيء منكر- لانكف كثير من الشر من هؤلاء الآباء الذين يعضلون ويبيعون بناتهم بيعًا صريحًا، يقول: فلان أعطاني كذا وكذا ألف.
فالحاصل أن مشكلتنا الآن أنه لا أحد من الأقارب يجرؤ على أن يزوجها وأخوها أو أبوها موجود، وهذا غلط، هذا يعتبر ظلمًا لهذه المسكينة.
في هذه الحال لو أن أباها أبى، وأعمامها أبوا، كل العصبة، والقاضي أيضًا صار جبانًا، حينئذٍ نقول بالقول الثاني -وهو مذهب أبي حنيفة، مذهب قائم من مذاهب المسلمين- تزوج؟
طلبة: نفسها.
الشيخ: تزوِّج نفسَها، وينتهي الإشكال، مع أن هذا سيكون أندر من الكبريت الأحمر ولا يمكن، لكن لو أنه فعل لانكف الناس عن هذا التحكم في بناتهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2668
ولقد ذكر لنا بعض الناس منذ أكثر من خمس عشرة سنة أن فتاة حضرها الموت وقد تجاوزت العشرين من عمرها، وكانت تخطب كثيرًا ومرغوبة عند الناس، وأبوها يأبى، في سياق الموت قالت للنساء الحاضرات: بلغوا أبويا السلام وقولوا له: إن بيني وبينه موقفًا يوم القيامة بين يدي الله؛ حيث منعني أن أتزوج، هذه كلمة عظيمة في سياق الاحتضار، تتوعد أباها بالوقوف بين يدي الله عز وجل، نسأل الله العافية، مسألة كبيرة عظيمة.
وسبحان الله! الرجل يعرف من نفسه أنه يريد هذه اللذة، يريد هذه الشهوة، ثم يمنع الشابة التي تريدها مثلما يريد أو أكثر؛ يعني بعض الشابات لولا الحياء والخوف من الله لحصل منهن مفاسد كثيرة، فكيف يمنعها؟ ! كيف يشبع من الخبز واللحم ويدع ابنته أو أخته تموت جوعًا؟ جوع الشهوة الجنسية قد يكون أشد من جوع الشهوة البطنية، شهوة البطن وشهوة الفرج كلتاهما أمران ضروريان لكل إنسان.
فلهذا يجب على طلبة العلم أن يحذروا من عضل الأولياء، وأن يبينوا للناس أن العاضل لا كرامة له.
بل قال العلماء: إذا تكرر عضله فإنه يصبح فاسقًا؛ لا تقبل شهادته، ولا ولايته، ولا أي عمل تشترط فيه العدالة.
إذا هبَّ طلبة العلم لنشر مثل هذه المعلومات بين الناس فإن الناس قد يستنكرونها لأول مرة، ويقول الأخ: كيف أزوج وأبي موجود؟ ! لكن إذا تكرر ذلك، ثم صار هناك أخ شجاع وزوج مع وجود أبيه الذي عضل؛ تتابع الناس، الناس يحتاجون إلى فتح الباب فقط، وإلا فالمسألة متأزمة.
ما أكثر النساء اللاتي يتصلن بالمشايخ يشكون أولياءهن بعدم التزويج، يتقدم للمرأة عدة رجال يبلغون إلى ثلاثين وأربعين نفرًا، ربما في سنتين أو ثلاثة يبلغ هذا العدد، ومع ذلك يمنع لسبب شخصي بينه وبين الخاطب أو حسدًا لابنته، شوف يحسد ابنته، يحسد ابنته أن يخطبها مثل هذا الرجل الفاضل، أو تكون البنت موظفة يأخذ راتبها.
وإذا قالت: يا أبي أعطني راتبي، قال: أنت ومالك لأبيك، ويلعب عليها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2669
فالحاصل أننا نقول: يجب علينا -نحن طلبة العلم- أن ننشر هذا بين الناس حتى على الأقل يدخل في نفوسهم؛ أن يزوج الأبعد مع وجود الأقرب، ثم بعد ذلك يكون أمرًا واقعيًّا، ونسلم من هذه المشاكل.
يقول رحمه الله: (وإن زوج الأبعد أو أجنبي من غير عذر لم يصح) إن زوَّج الأبعد مع وجود الأقرب بدون عذر شرعي فإنه لا يصح.
وقيل: يصح، لكن يكون هذا الذي زوَّج قد أساء التصرف، ولكنه يصح.
وهذا القول لا شك أن له وجهًا، لكنه لا ينبغي؛ لأنه يحدث به فتن ومشاكل، وربما يفسد الأقرب هذه المرأة على زوجها؛ لأن الأبعد هو الذي زوَّج، وربما لا يقدر على هذا لكن يكون في نفسه حسرة؛ يعني قد لا يقدر مثل أن يزوج عمها، وعمها -مثلًا- أمير أو وزير أو ما أشبه، ذلك ما يقدر يتكلم معها، لكن يكون في قلبه حسرة.
المهم أنه لا يجوز أن يزوج الأبعد مع تمام الشروط في الأقرب، ولكن المؤلف يقول: إنه لم يصح.
ثم قال: (فصل: الرابع الشهادة) الرابع من أيش؟ من شروط النكاح، (الشهادة) وليس له دليل تطمئن النفس إليه لكن له تعليل؛ وهو أن الشهادة تضبط هذا العقد، المهم لأنه ربما ينكر الزوج أو تنكر الزوجة، ولا سيما إن حدث فراق جبري؛ مثلًا: عقد على امرأة بدون شهود، ثم مات أو ماتت قبل أن يشتهر العقد، هذا قد ينكر، فإن كان هناك شهود صار ذلك أضبط، لكن إذا خلا من الشهود مع الإعلان فأنا لا أشك أن النكاح صحيح؛ لأن الإعلان هو الفرق بين السفاح والنكاح، فإذا أعلن واشتهر والليلة تزوج فلان، فلا حاجة للشهود، أهم شيء أن يوجد فرق بين النكاح والسفاح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2670
(الشهادة) نحن نقول: إنها من كمال العقد لا شك، وإنه كل ما كان أكمل للعقد فهو أولى، لكن اشتراطها فيه صعوبة؛ بمعنى أنه يأتي إنسان عقد لرجل على ابنته لكن ليس عندهم أحد، نقول: ما يصح العقد، في النفس من هذا شيء؛ لأنه ما هناك دليل بينٌ حتى نأخذ به، وحديث: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيِّ عَدْلٍ» (9) ضعيف، وإلا لكان هذا حجة.
ثم يقول المؤلف: (فلا يصح النكاح إلا بشاهدين)، وفي قوله: (بشاهدين) دليل على أنه لا بد أن يكونا ذكرين، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: فلو شهد أربعون امرأة على العقد لم يصح، لماذا؟ لأنه يُشْتَرط في شهادة النكاح أن يكون الشهود ذكورًا.
(عدلين) ويش معنى عدلين؟
طلبة: مستقيمين.
الشيخ: مستقيمين دينًا ومروءة، قال عندي بالشرح: ولو ظاهرًا؛ لأن الغرض إعلان النكاح، شوف -سبحان الله! - ولو ظاهرًا؛ لأن الغرض إعلان النكاح، إذا كان هذا هو الغرض هل يستلزم الشهادة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، وهذا يدل على القول الصحيح أنه مع الإعلان لا شك في صحته.
لا بد أن يكونا ذكرين قلناها.
(مكلفَيْن) يعني بالغين عاقلين.
(سميعَيْن) يعني؟
طالب: يسمعان.
الشيخ: نعم، هل المراد قويَّا السمع أو يسمعان ولو بثقل؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، المهم يسمعان، فإذا أردنا أن نعقد النكاح لشاهدين لا يسمعان قويًّا فإن الولي يأخذ بأذن أحدهما، ثم يقول للزوج: زوجتك بنتي، ويأخذ بأذن الثاني ويقول له: زوجتك بنتي، ولكن هذا ليس بصحيح؛ اشتراط أن يكونا سميعين ليس بصحيح.
الشرط أن يفهم العقد حتى لو فرض أنه كتب الإيجاب بورقة.
ناطِقَيْن وليست الكَفاءةُ وهي دِينٌ ومَنْصِبٌ - وهو النَّسَبُ والْحُرِّيَّةُ - شَرْطًا في صِحَّتِه، فلو زَوَّجَ الأبُ عَفيفةً بفاجِرٍ أو عَربيَّةً بعَجَمِيٍّ فلِمَنْ لم يَرْضَ من المرأةِ أو الأولياءِ الفَسْخُ.
(بابُ الْمُحَرَّمَاتِ في النِّكاحِ)
الجزء: 2 - الصفحة: 2671
تَحْرُمُ أبدًا الأمُّ وكلُّ جَدَّةٍ وإن عَلَتْ، والبنتُ وبنتُ الابنِ وبنتاهما من حَلالٍ وحرامٍ وإن سَفَلْنَ، وكلُّ أختٍ وبنتُها وبنتُ بنتِها، وبنتُ كلِّ أخٍ وبنتُها وبنتُ ابنِه وبنتُها وإن سَفَلَتْ، وكلُّ عَمَّةٍ وخالةٍ وإن عَلَتَا، والْمُلاعَنَةُ على الْمُلَاعِنِ، ويَحْرُمُ بالرَّضاعِ ما يَحْرُمُ بالنَّسَبِ، إلا أمَّ أختِه وأختَ ابنِه، ويَحْرُمُ بالعَقْدِ زوجةُ أبيه وكُلُّ جَدٍّ وزوجةُ ابنِه وإن نَزَلَ دونَ بناتِهنَّ وأُمَّهاتِهِنَّ، وتَحْرُمُ أمُّ زوجتِه وجَدَّاتُها بالعَقْدِ وبنتُها وبناتُ أولادِها بالدخولِ،
فإن بانَتِ الزوجةُ أو ماتَتْ بعدَ الْخَلْوَةِ أُبِحْنَ.
(فصلٌ)
وتَحْرُمُ إلى أَمَدٍ أختُ مُعْتَدَّتِه وأختُ زوجتِه وبنتاهما وعمَّتَاهما وخالتاهما، فإن طَلُقَتْ وفَرَغَت العِدَّةُ أُبِحْنَ، وإن تَزَوَّجَهما في عَقْدٍ أو عَقدينِ معًا بَطَلَا،
فإن تَأَخَّرَ أحدُهما أو وَقَعَ في عِدَّةِ الأخرى وهي بائِنٌ أو رَجْعِيَّةٌ بَطَلَ، وتَحْرُمُ الْمُعْتَدَّةُ والْمُسْتَبْرَأَةُ من غيرِه والزانيةُ حتى تَتوبَ وتَنْقَضِيَ عِدَّتُها ومُطَلَّقَتُه ثلاثًا حتى يَطأَها زوجٌ غيرُه
يسمعان، فإذا أردنا أن نعقد النكاح لشاهدين لا يسمعان قويًّا فإن الولي يأخذ بأذن أحدهما ثم يقول للزوج: زوجتك بنتي، ويأخذ بأذن الثاني ويقول له: زوجتك بنتي، ولكن هذا ليس بصحيح، اشتراط أن يكونا سميعين ليس بصحيح، الشرط أن يفهم العقد حتى لو فُرِضَ أنه كتب الإيجاب بورقة والقبول كذلك تحته، وعرض عليهما وهما يبصران فإنه يكفي.
الجزء: 2 - الصفحة: 2672
(ناطقين) وهذا أيضًا لا بد من أن يكون الشاهدان ناطقين، وضدهما؟ الأخرسان، فالذي لا يتكلم لا يصح أن يكون شاهدًا في عقد النكاح، ليش؟ لأنه إذا احتيج إليه كيف نعرف وهو لا يتكلم؟ ولكن هذا أيضًا ليس بصحيح، الصواب أنها تصح الشهادة ولو كانا غير ناطقين ويؤديان الشهادة بأيش؟ بالإشارة، إذا احتيج إليهما يؤديان بالإشارة، كيف يشير؟ كيف الإشارة؟ يؤتى بالزوج والزوجة أمامهما، ثم؟
طالب: تزوجا.
الشيخ: يعني: أنهما اشتبكا، المهم أي إشارة تحصل، شرط النطق ليس بصحيح، أيضًا اشتراط العدالة ليس بصحيح، ما هو شرط، فتصح شهادة الفاسقين.
يقول فيه أيضًا من الشروط: (ألا يكون من أصول أو فروع الزوج أو الزوجة أو الولي) إذن أخو المرأة يصح أن يكون شاهدًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: يصح.
طالب آخر: يصح، هو ليس من الفروع.
الشيخ: يصلح أن يكون شاهدًا؟
طالب: يصح.
الشيخ: خطأ.
طالب: إذا كان أبًا.
طالب آخر: إذا كان من أصول.
الشيخ: إذا كان العاقد أبًا فإن الأخ لا يصح أن يكون شاهدًا؛ لأنه من فروع الولي، كذا وإذا كان أحد الأخوين هو الشاهد صح أن يكون شاهدًا، وإذا كان أحد الأخوين هو العاقد صح أن يكون الأخ شاهدًا؛ لأنه ليس من أصول العاقد ولا من فروعه، ولا من أصول الزوج ولا من فروعه، ولا من أصول الزوجة ولا من فروعها، ابن الزوج، ذهب رجل وأبوه وشهد ابن الزوج بالعقد؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ابن الزوجة؟
طالب: لا يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2673
الشيخ: لا يصح، وهذا أيضًا قول ليس بصحيح، الصحيح أن شهادة الأصول والفروع مقبولة سواء كان للولي أو للزوج أو للزوجة، وعلة المنع أنهم يقولون: إن العقد من مصلحة العاقد فإذا شهد الأصول أو الفروع فقد شهدوا لمن لا تُقْبَل شهادتهم له فيقال: ليس العقد من مصلحة العاقد، قد يكون من مصلحته وقد يكون من مضرته؛ لأن عقد النكاح يوجب حقًّا للشخص وحق أيش؟ عليه فلنأتي بالزوج، الزوج نعم له حق ومصلحة بالنكاح لكن عليه حقوق؛ مثل النفقة والعدل بين الزوجات إذا كان له زوجات متعددات، وما أشبه ذلك.
على كل حال الصحيح أن القرابة لا تؤثر في شهادة النكاح، فانظر الآن كم عدد الذين صححنا بخلاف ما قال المؤلف.
طالب: إذا كان للمرأة قوامة وتنازعوا فيما بينهم فمن أحق بزواجها؟
الشيخ: الأحق الأرشد، ومع التساوي من كل وجه الأكبر.
طالب: إذا كان القاضي على المذهب؟
الشيخ: لا ما يضر، القاضي ولايته عامة.
طالب: تكلمنا عن أمر الولي فكيف إذا رفضت البنت وكان الشاب مناسبًا والبنت لا يستطيع الوالد أن يخالفها؛ لأنها كانت كبيرة وراشدة؟
الشيخ: أخوها وليها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وامتنعت هي؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما تجبر.
الطالب: لكن الشاب الخاطب كفء.
الشيخ: نعم، ما تجبر، لكن يشار عليها وتنصح ويقال: هذا فرصة وما أشبه ذلك.
الطالب: ولو كان أبوها الولي؟
الشيخ: ولو كان أباها، مرت علينا، ما مرت دي علينا؟
طالب: مرت.
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ بالنسبة للإيجاب والقبول إذا كان بالهاتف؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الإيجاب والقبول إذا كان عن طريق الهاتف؟
الشيخ: ما يصح، عن طريق الهاتف ما يصح.
طالب: والتوكيل بالفاكس؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: الوكالة بالفاكس؟
الشيخ: معروف خطه، لازم يكون خطه معروف.
الطالب: والقبول طيب بالفاكس؟
الشيخ: نفسه هو بيوقع تحته.
الطالب: لا غير التوكيل، القبول بالفاكس؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2674
الشيخ: إي نعم، أقول: بيكتب تحته، يكتب تحته ويرسل، لكن الصوت بالهاتف سهل التقليد، سهل تقليده، أنا رأيت مع شخص آلة إن شئت حطت صوتك كأنه جمل خريش، تصير مرة، ويعني شوي شوي حبة حبة كما يقول أيش؟ نقول: السوداني ولا، أو غير السوداني، ثم يفرك هو المحول يصير دقيق مرة، يقدر يسوي هذا، يجيب آلة يخلي صوته مثل صوت فلان، وفي ناس الآن يقلدون الأصوات سبحان الله تقول: هذا هو الرجل بعينه، كيف يهتف على واحد ويقول: أنا فلان ابن فلان وبنتي فلانة؟ اشهد ترى زوجت فلان بنتي.
وما هو فلانًا؟ ما يصلح.
طالب: والقرائن ما تنفع يا شيخ؟
الشيخ: ما في قرائن أبدًا، الآن ما في قرائن يعني حقيقة تستطيع أنك تقول: كل إنسان يقدر يقلد في التلفون خاصة.
طالب: الاشتراط في النكاح يا شيخ، فيه إشكال، في اشتراط الولي فيه إشكال، كيف نقول ونجيب الآية في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، وكذلك الواهبة التي جاءت إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم وهبت نفسها للرسول صلي الله عليه وسلم.
الشيخ: سهلة.
الطالب: وكذلك فعل عائشة رضي الله عنها حينما زوجت بنت أختها لأخيها عبد الرحمن حينما كان غائبًا هل نقول: إن هذا صحيح؟
الشيخ: أما قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] فهذا مُطْلَق يقيد بالنصوص الدالة على أنه لا نكاح إلا بولي، فهمت؟ وأما فعل عائشة فلا نعلم عن صحته، وأما الواهبة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وعقده النكاح إلى الغير صحيح بالاتفاق.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، يعني: كل الأدلة التي استدل بها مَنْ يقول بصحة النكاح بلا ولي كلها من المتشابه؛ يعني: فيها شيء يحتمل فيجب أن تُحْمَل على المحكم، لكن عند الضرورة لا شك أن المرأة تُزَوِّج نفسها، ولا عندنا فيها شك.
الجزء: 2 - الصفحة: 2675
ومر علينا مسألة ذكرها بعض الإخوان، سأل عنها ثم قلنا: يؤجل الجواب عليها، ثم وجدنا الجواب عليها عند أهل العلم وهي؟ تذكرونها.
طالب: مثال.
الشيخ: لا.
طالب: هذا له علاقة بالمسألة؟
الشيخ: لا يا إخوان.
طالب: الزواج في بلاد الكفار.
الشيخ: إذا كان رجل وامرأة في البر ما معهم أحد.
طالب: صحيح.
الشيخ: وأراد أن يتزوجها ما فيه ولي، ويش قلنا؟
طلبة: تزوج نفسها.
الشيخ: قلنا: ذكروا فيها قولين؛ القول الأول: إن هو يزوج نفسه ..
طلبة: ويكون وليًّا لها.
الشيخ: ويكون وليًّا لها، والثاني أنها؟
طالب: تزوج نفسها.
الشيخ: هي التي تزوج نفسها؛ فالضرورات لها أحكام؛ يعني: لا يمكن إذا لم نجد لامرأة وليًّا أن نقول: لا تتزوج، لا، إما تُزَوِّج نفسها، ولَّا يزوجها واحد من المسلمين.
الطالب: سميعين ناطقين، وليست الكفاءة -وهي دين ومنصب وهو النسب والحرية- شرطًا في صحته؛ فلو زوَّج الأب عفيفة بفاجر أو عربية بعجمي فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر شروط النكاح قال: (وليست الكفاءة شرطًا في صحته) ونص على ذلك؛ لأن من العلماء مَنْ قال: إن الكفاءة شرط في الصحة، ومنهم من قال: إنها شرطًا في اللزوم، ومنهم من قال: إنها ليست شرطًا في هذا ولا هذا، انتبه يا ولد.
الكفاءة إذن فيها ثلاثة أقوال؛ القول الأول: إنها شرط للصحة، والثاني: إنها شرط للزوم، والثالث: إنها ليست شرطًا للزوم ولا للصحة، ولننظر، الكفاءة ما هي؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2676
هي دين وليس المراد بالدين هنا الإسلام؛ لأنه سبق أن المشرك لا يتزوج مؤمنة، وأن المؤمن لا يتزوج المشركة لكن يتزوج اليهودية والنصرانية، المراد بالدين هنا التزام أحكام الدين في الإسلام؛ وذلك بأداء الفرائض واجتناب النواهي؛ يعني: ليس من شرط صحة النكاح أن يكون الزوج مرضيًّا في دينه، فيجوز أن يزوج الإنسان ابنته بفاسق، وإذا زوَّج فالنكاح صحيح، لكنه سيأتينا إن شاء الله الكلام فيه، كذلك من الكفاءة المنصب، أن يكون ذا منصب وفي الحديث «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ» (1) المنصب هو النسب والحرية؛ النسب بأن يكون من قبيلة معروفة، الحرية بألَّا يكون رقيقًا، ليست شرطًا في صحته، بل يصح النكاح ولو كان الزوج على غير استقامة، ولو كان الزوج غير نسيب، ولو كان الزوج رقيقًا.
هنا ثلاثة رجال، رجل زوَّج ابنته حالق لحية، فالنكاح؟
طالب: صحيح.
الشيخ: رجل من قبيلة مُعَيَّنَة من القبائل زوَّج مَنْ لا يُعْلَم له أصل في قبيلة، النكاح؟
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، رجل عنده بنت، زوَّجَها رقيقًا؟
طالب: صحيح.
الشيخ: النكاح صحيح، تمام؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح؛ لأنك بعضكم يقول: ليست شرطًا؟
طالب: في صحته.
الشيخ: في صحته.
الجزء: 2 - الصفحة: 2677
يقول: (فلو زوَّج الأب عفيفة بفاجر) يعني: صحَّ، وهذا محل نظر، لو زوَّج عفيفة بفاجر؛ يعني: بزاني، فالنكاح صحيح، وهذا غير صحيح، كلام المؤلف غير صحيح؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3] فجعل الله تعالى نكاح الزاني كنكاح الزانية؛ يعني: كما أن الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك فكذلك الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فهما سواء، والغريب أن أصحابنا رحمهم الله يقولون: إن الزانية لا يصح نكاحها حتى تتوب، والزاني يصح نكاحه قبل أن يتوب، مع أن الآية؟
طالب: واحدة.
الشيخ: واحدة والحكم واحد؛ فالصواب أنه إذا زوج عفيفة بفاجر فالنكاح غير صحيح إلا إذا تاب، فإذا اشتهر هذا الرجل بالزنا مثل أن نعلم أنه يذهب مثلًا إلى بلاد أخرى يَفْجُر بها والعياذ بالله أو في بلاده، وزوَّجه أحد، قلنا: النكاح أيش؟ على القول الراجح؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: النكاح غير صحيح بنص القرآن ﴿حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]، فإن قال الخاطب: إنه تاب وهو الآن يريد أن يعف نفسه نقول: ننظر، ننتظر، بدل أن نجيبه اليوم نجيبه بعد شهر أو شهرين فإذا رأينا أن الرجل استقام وتاب وعف عن الزنا زوجناه.
إذن قول المؤلف: (لو زَوَّج الأب عفيفة بفاجر) صح النكاح، (أو عربية بعجمي) العربية هي ذات القبائل؛ يعني: من قبيلة معروفة، من تميم، من قريش، من غطفان من كذا، من كذا، (بعجمي) من لم يكن من العرب؛ ويُسمى عندنا بالعرف؟
طالب: أجنبي.
طالب آخر: أعجمي.
الجزء: 2 - الصفحة: 2678
الشيخ: لا، يسمى عندنا خَضيري باللغة النجدية، خَضيري أو يُسمى عَبْدًا، واللي من القبيلة يُسَمَّى شيخ، يعني: لو أنه زوج امرأة عربية برجل أعجمي ليس من قبائل العرب فالنكاح صحيح، وهذا حق، النكاح صحيح: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ» (2) أو قال: «عَرِيضٌ» (3)، (فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخُ) يعني: فالنكاح صحيح ولَّا غير صحيح؟
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، والدليل أنه قال: الفسخ.
ولا فَسْخَ إلا بنكاح صحيح؛ يعني مثلًا: الأب، انتبه، أب زوَّج ابنته وهو من القبائل المعروفة برجل ليس له قبيلة معروفة، ما حكم النكاح؟
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، لكن جاء إنسان من الأولياء؛ ابن عم فقال للأب: ليش زَوَّجْتَ بنتك هذا الرجل اللي ما له قبيلة معروفة؟
قال: هذه بنتي وراضية، ونحن نرضى دينه وخلقه، قال: ما يمكن أنا بفسخ النكاح، يا ابني ( ... ) المرأة راضية، مستورة بهذا النكاح، والرجل طيب؛ خُلُق ودين.
قال: أبدًا ما يمكن، أبغي أفسخ النكاح، ترافعوا إلى القاضي، والقاضي على رأي المؤلف ماذا يصنع؟
طالب: يفسخ.
الشيخ: يفسخ النكاح؛ يفسخ مع أنه يُرضى دينه وخلقه ورجل طيب وكريم وصاحب مال وأضف إلى ذلك أنه عالم ينفع الناس بعلمه وماله وجاهه.
يقول: لا، أنت يا ابن الحلال، ابن عم من بعيد، قال: أبوها أرأف بها منك، قال: لا، إلَّا ما يمكن، شوف الكلام هذا، هل يمكن أن يُقْبَل ذَوْقًا لَا شَرْعًا؟
طالب: لا.
الشيخ: ذوقًا لا يمكن، وشرعًا أيضًا لا يمكن، من قال: إن هذا الولي البعيد الذي نعلم أنه -والله أعلم- إنما اعترض هذا الاعتراض حسدًا وبغيًا، فالصواب بلا شك أن الكفاءة ليست شرطًا لا للصحة ولا أيش؟
طالب: للزوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2679
الشيخ: ولا للزوم؛ يعني: على كلام المؤلف الكفاءة شرط للزوم لا للصحة، بمعنى أن من لم يرض من الأولياء فله فسخ النكاح، والصواب خلاف ذلك إلا في مسألة واحدة ذكرها المؤلف وهي؟
طالب: الدين.
الشيخ: لا.
طالب: العفة في الدين.
الشيخ: العفة، هذه شرط؛ يعني: لا نزوج رجلًا معروفًا بالزنا إلا إذا تاب.
فإن قال قائل: هذا رجل لم يُعْرَف بالزنا لكن معروف بأنه يطأ المرأة في دبرها، معروف أنه ما يطأ النساء إلا في أدبارهم؟
طالب: لا يُزَوَّج.
الشيخ: يزوج أو لا؟
طلبة: لا يزوج.
الشيخ: لا يزوج؛ لأن هذا إعانة على محرم حتى إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: مَنْ عُرِفَ بوطء امرأته في الدبر فإنه يُفَرَّق بينهما؛ لأنه لا يمكن أن نقرهما على إقامة المحرم، من عرف والعياذ بالله باللواط هل يزوج؟
طلبة: لا يزوج.
الشيخ: لا، لا يزوج حتى يُعْلَم أنه تاب؛ لأنه إذا كان الزنا وهو فاحشة يَمْنَع من ذلك، فاللواط وهو الفاحشة من باب أولى، اللواط وُصِفَ بأنه الفاحشة، والزنا وصف بأنه فاحشة، الفرق أن (أل) التي دخلت على فاحشة تجعله أعظم؛ يعني أنه الفاحشة الكبرى العظمى، والزنا فاحشة من الفواحش.
نكاح ذوات المحارم وصفه الله بأنه فاحشة ومَقْتٌ، والزنا فاحشة، واللواط الفاحشة؛ لأن نكاح ذوات المحارم أعظم من الزنا؛ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32] ما هي (ومقتًا)؛ لأن نكاح ذوات المحارم تمجه العقول، تمقته، فهو أعظم من الزنا بالأجنبيات.
يقول: (فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخُ) المرأة نقول: إذا لم ترضَ أصلًا لا يصح العقد؛ لأن القول الراجح أن الأب لا يُجْبِر ابنته.
الجزء: 2 - الصفحة: 2680
(الفسخُ) فيفسخ، يقول بالشرح: فيفسخ أخٌ مع رضا أب، والفسخ أيضًا على التراخي، مشكلة، الفسخ على التراخي؛ يعني: معناه أنه إذا زوج الأب وهو من قبيلة معروفة ابنته بمن لا يُعْرَف له قبيلة فلبني العم الأبعدين أن يفسخوا وعلى التراخي؛ يعني يمكن يقول: خلوهم يستنسوا شهرًا، شهرين، وإلى أن وصلت السعادة إلى القمة حينئذٍ؟
طالب: يفسخ العقد.
الشيخ: أغير عليه؛ يعني ما يفسخ أول ليلة، ثاني ليلة، لا، إذا كان على التراخي، وسبحان الله العظيم لا أظن أن شريعة تأتي بمثل هذا أبدًا، لكن هي القواعد يقعدها بعض الفقهاء ولا يفكر في النتائج والله أعلم.
طالب: ما يكون بعض الفقهاء وأصحاب المذهب أنهم يرون؛ يعني: يخشون من النتائج، يعني أن يكون مثلًا بعض القبائل متعصبة ويحصل قتل؟
الشيخ: دعنا من هذه، هذه كل شيء حتى المباح مثل الشمس إذا خيف من الفتنة وجب الكف عنه.
الطالب: ما يحتمل هذا أيضًا؟
الشيخ: أبدًا ولا يَحْتَمل، ما عرضوا هذا مطلقًا حتى لو الأمور هادئة، لكن أعظم من هذا اللي يرى أنه شرط للصحة؛ لأنه مشكلة، يقول: إذا عقد لابنته التي هي من قبيلة معروفة على إنسان ليس له قبيلة معروفة فالنكاح غير صحيح؛ يعني: يستمتع بها استمتاع زنا والعياذ بالله، وعلى كل حال هذا مما يدلك على أن الإنسان بشر مهما بلغ في العلم والتقى قد يزل.
طالب: بارك الله فيكم؛ على القول بالصحة هل ينبغي يا شيخ إذا كان سوف يحدث مشاحنات بين أفراد العائلة .. ؟
الشيخ: ما ينبغي أبدًا، لا ينبغي، إذا عَلِم القاضي أنه سيحصل بذلك فتن فليقل للولي من الأصل: لا تزوج.
الطالب: قبل أن تصل المسألة للقاضي.
الشيخ: قبل أن تصل إلى القاضي يُنْظَر أيضًا، هل إن الأَوْلى بنا أن نكون على شجاعة وأن نكسر هذه الجاهلية ونقول: يا جماعة، الإنسان حر في نفسه، الرجل أُمِرْنا أن نزوجه؛ لأنه ذو خلق ودين، والمرأة موافقة والأب موافق، نكسر هذه العادات المبنية على أقوال ضعيفة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2681
طالب: هل تُزَوَّج -يا شيخ- العفيفة من اللقيط أو اللقيطة من العفيف؟
الشيخ: اللقيط؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: اللقيط ويش ذنبه المسكين؟
الطالب: لا يزوج؟ !
الشيخ: لكنه ليس له قبيلة معروفة صحيح؛ لأنه ما له نسب، اللقيط من هو؟ الطفل الذي يوجد ملقًى في الأسواق أو في المساجد ويأخذه إنسان ويربيه، هذا لقيط.
الطالب: يُزَوَّج يا شيخ؟
الشيخ: ولد الزنا يُزَوَّج.
الطالب: يجوز الزواج باللقيط؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: يجوز الزواج باللقيط؟
الشيخ: الزواج من اللقيط لا بأس به.
الطالب: ومن اللقيطة؟
الشيخ: الإنسان يتزوج امرأة لقيطة ما يدرى مَنْ أبوها، لا بأس ربما يكون لك أجر.
الطالب: حتى ولو كان -يا شيخ- داعية كبيرًا وأولاده يعيرونه به؟
الشيخ: ما يعيرونه، الناس جاهلون، جاهلية، ويش يعيرونه؟
الطالب: قد يقولون ..
الشيخ: تبقى المسكينة ما تتزوج خوفًا من أن يُعَيَّر أولادُها، الإنسان اللي يخاف أن يُعَيَّر أولادُه يروح لبلد ثانٍ ما يدرون عنه، أما نخلي اللقيطات ما يتزوجن خوفًا من .. لا.
طالب: شيخ، بعض النساء إذا بقي ( ... ) فما الموقف؟
الشيخ: كيف أيش؟
الطالب: ما الموقف؟
الشيخ: كيف أيش؟
الطالب: فما الموقف؟
الشيخ: الموقف أن نأخذ بما جاء في الكتاب والسنة.
الطالب: ما ذكروا الأدلة.
الشيخ: أقول: معناها قول ضعيف.
طالب: لو زَوَّجَ فاجرًا بعفيفة، هل معنى قولكم: إن النكاح باطل أنه يعني زنا؟
الشيخ: إي معلوم، باطل.
الطالب: النكاح زنا يا شيخ ( ... ).
الشيخ: ما تقول بهذا الرجل؟ أقول: النكاح باطل إذن لا أثر له ولا عبرة له.
الطالب: يا شيخ يحتاج تجديد العقد، وهكذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2682
الشيخ: إي نعم، لا بد، أتريد أصرح من هذا؛ ﴿حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؟ [النور: 3]، وفي قوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ حث وإغراء على تجنب هذا الأمر، ولكن وَجِّهوا لي الآية: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: 3]، والزانية مسلمة ولا يجوز أن يتزوج المشركة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، ما شاء الله أربعة.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا.
طالب: ولا كتابية؟
الشيخ: لا، الكتابية ما تُسمى مشركة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 6] جعلهم صنفين.
الطالب: لو شابهها في الفعل، في الزنا؛ يعني شعار المشركين.
الشيخ: وجه شيخ الإسلام رحمه الله هذه الآية توجيهًا أحسن مما وجهها به كثير من العلماء، قال: إن الزاني إذا نكح امرأة فالنكاح حرام بنص القرآن؛ ﴿حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3] فإذا تزوجها فإما يكون ملتزمًا بحكم الله في هذا ولكنه تجرأ على الفعل فيكون؟
طالب: زانيًا.
الشيخ: زانيًا، أو غير راض بهذا الحكم ويقول: أنا أرى حِلَّ ذلك، فيكون؟
طالب: مشركًا.
الشيخ: مشركًا؛ لأنه أحل ما حرم الله، وتحليل ما حرم الله شرك، ولا شك أن هذا هو معنى الآية الذي لا يكاد أن تحتمل سواه.
باب المحرمات في النكاح
طالب: والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب المحرمات في النكاح
تحرم أبدًا الأم وكل جدة وإن عَلَت، والبنت وبنت الابن وبنتاهما من حلال وحرام وإن سفلن، وكل أخت وبنتها وبنت ابنتها، وبنت كل أخ وبنتها، وبنت ابنه وبنتها وإن سفلت، وكل عمة وخالة وإن علتا, والملاعَنَةُ على الملاعِن، ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب إلا أم أخته وأخت ابنه، ويحرم العقد زوجة أبيه وكلِّ جَدٍّ وزوجة ابنه وإن نزل دون بناتهن وأمهاتهن.
الجزء: 2 - الصفحة: 2683
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف: (باب المحرمات في النكاح) المحرمات اللاتي حرمهن الله ورسوله، ومعلوم أن التحليل والتحريم لله ورسوله، وأنه لا أحد يملك أن يحلل أو يحرم بل المحلل والمحرم هو الله ورسوله والأصل عدم التحريم؛ لقول الله تعالى حين ذَكَر المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، وفي قراءة ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، فالأصل عدم التحريم فإذا شككنا في رضاع امرأة هل رضعت خمس رضعات أو أقل؟
قلنا: الأصل أيش؟ عدم التحريم حتى يتبين.
واعلم أن المحرمات أربعة أنواع: محرمات بالنسب، محرمات بالرضاع، محرمات بالمصاهرة، محرمات بالملاعنة، هذه الأربعة أنواع كلها محرمة على التأبيد يعني أبدًا.
المحرمات بالنسَب نعُدها كما عَدَّها الله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]، والمراد بأمهاتكم الأم وإن عَلَت سواء كانت أُمًّا لأبيك أو أُمًّا لأمك.
الثاني: ﴿بَنَاتُكُمْ﴾، والمراد بالبنات الأنثى من أولادك، وأولاد أولادك، وأولاد أولاد أولادك، وإن نزلوا.
﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ ويشمل الأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم.
﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ ويشمل العمة الشقيقة، والعمة لأب، والعمة لأم، والعمة هي أخت الأب.
﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ ويشمل الشقيقة، والتي لأب، والتي لأم، والخالات هن أخت الأم.
﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ يشمل بنات الأخ من أب، أو أم، أو الشقيق.
﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ يشمل الشقيقة، والتي لأب، والتي لأم.
وإذا تأملت هؤلاء السبع وَجَدْتَ أنهن ينحصرن في الآتي:
أولًا: يَحْرُم على الإنسان جميع إناث أصوله، الأُصُول مَنْ؟ الأمهات، والجدات، وأمهات الجدات، وجدات الجدات إلى ما لا نهاية له.
الجزء: 2 - الصفحة: 2684
ويَحْرُم عليه إناث فروعه، والمراد بالفروع هنا كل مَنْ تَسَلْسَل منه سواء مِنْ قِبَلِ الأبناء أو من قِبَلِ البنات؛ إذن إناث الأصول مطلقًا وإناث الفروع مطلقًا.
الثالث: فروع أبيه وإن نزلن؛ إناث فروع الأب وإن نزلن، مَنْ إناث فروع الأب؟
طالب: الأخوات.
الشيخ: الأخوات وإن نزلن، فبنات الأخوات، وبنات بنات الأخوات، وبنات الإخوة، وبنات بنات الإخوة وهؤلاء كلهم حرام؛ إذن إناث فروع الأب الأدنى وإن ..
طالب: نزلن.
الشيخ: أيش؟
الطالب: نزلن.
الشيخ: وإن نزلن.
الرابع: فروع الأب الأعلى لا إن نزلن، مَنْ فروع الأب الأعلى؟
طالب: العمة.
الشيخ: العمة والخالة، لا إن نزلن؛ ولهذا يجوز للإنسان أن يتزوج بنت عمته، وبنت عمه، وبنت خالته، وبنت خاله.
فصار الأصناف كم؟ أربعة: إناث الفروع وإن نزلن، إناث الأصول وإن علون، إناث الأصل الأدنى وإن نزلن، إناث الأصل الأعلى لا إن نزلن، هؤلاء محرمات بماذا؟ بالنسب، والدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23]
الأمهات؛ ما المراد بهن؟
طالب: الأُمُّ والجدة.
الشيخ: الأم والجدة وإن علت؛ يعني إناث الأصول، البنات؟
طالب: إناث الفروع.
الشيخ: يعني إناث الفروع وإن نزلوا، الأخوات؟
طالب: فروع الأب.
طالب آخر: فروع الأب الأدنى.
الشيخ: فروع الأب الأدنى، فروع فروعهم؟
طالب: حلال.
الشيخ: مأخوذة من قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23]، العمات والخالات؟ فروع الأب الأعلى، ولم يقل: وبنات العمات، وبنات الخالات؛ لأننا نقول: فروع الأب الأعلى لا إن نزلن، فهذه أصناف أربعة محرمات بأيش؟
طالب: بالنسب.
الشيخ: بالنسب، نرجع إلى كلام المؤلف يقول: (تَحْرُمُ أبدًا الأمُّ وكل جدة وإن علت) هذا يشير إلى أيش؟
طالب: إلى الأصول.
الشيخ: إلى الأصول.
الجزء: 2 - الصفحة: 2685
(والبنت وبنت الابن وبنتاهما من حلال وحرام وإن سفلن) هذا أيش؟
طالب: الفروع.
الشيخ: إلى الفروع، لكن قوله: (مِنْ حَلَالٍ وحرام) البنت مِنْ حلال هي التي خُلِقَتْ من ماء الزوج أو من ماء السيد أو من شُبْهَةٍ، هذه من حلال.
ومن حرام البنت التي خُلِقَت من زنا، والبنت المخلوقة من زنا حرام على الزاني؛ لأنها خلقت من مائه.
وإذا كان إرضاع المرأة يؤثر في التحريم فكونها خلقت من مائه من باب أولى، وأما ما ذهب إليه بعض الناس من أن بنت الزنا حلال فهو قول منكر، وإنما قال ذلك؛ قال: لأن هذه البنت لا تُنْسَب إليه ولا ترث منه فلا تدخل في قوله: بناته، والصواب أنها تَحْرُم؛ لأنها خُلِقَت منين؟
طلبة: من مَائِه.
الشيخ: من مائه.
قال: (وكل أخت وبنتها وبنت ابنتها)؛ لقوله تعالى: أيش؟ ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]، وبنتها؛ لقوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾، (وبنت كل أخ وبنت ابنه وبنتها)؛ لقوله: ﴿وَبَنَاتُ﴾؟
طالب: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾.
الشيخ: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾، (وإن سفلت، وكل عمة وخالة وإن عَلَتَا)، كيف تَعْلُوَان؟ تكون عمة لأبيك أو لأمك فإن كل عمة لأبيك أو لأمك أو خالة لأبيك أو لأمك أو لجدك أو لأبي جدك أو ما أشبه ذلك فهي خالة أو عمة لك.
والقاعدة أن كل عمة لشخص فهي عمةٌ لذريته، وكل خالة لشخص فهي خالة لأيش؟
طلبة: لذريته.
الشيخ: لذريته.
قال: (والملاعَنَةُ على الملاعِن) تحريمًا مؤبدًا، (الملاعنة على الملاعن)، ويش معنى الملاعنة على الملاعن؟ هو بين الزوجين لعان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، إذا اتهمها بالزنا ورماها بالزنا ولم يكن عنده بينة ولم تقر فإنه يلاعن، يحضُرَان عند الحاكم فيشهد الزوج على زوجته أنها زنت، ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تَرُدُّ عليه وتنفي ما قال، وتقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم بعد ذلك يتفرقان ولا يحل له أبدًا أن يتزوجها، على التأبيد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2686
فإن قال قائل: زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام محرمات على التأبيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53] قلنا: نعم، لكن هذه انقضى حكمها الآن، انقضى حكمها بماذا؟ بموتهن، ولا حاجة إلى أن نذكر ذلك إلا إذا كنا نسوق خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بأس أن نقول: من خصائصه أن زوجاته بعده لا يَتَزَوَّجْنَ.
ثم قال: (ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب) (يحرم بالرضاع) الباء هنا للسببية أي: يحرم بسبب الرضاع ما يحرم بسبب النسب؛ الدليل قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23]، ولم يقل: وبناتكم اللاتي أرضعنكم؟
طالب: ما يأتي.
طالب آخر: مستحيل.
طالب ثالث: لا يستطيع.
الشيخ: ليش؟
طالب: لا يتصور.
الشيخ: لا يتصور؛ نعم؛ لأن بنتك أرضعتك! لو أرضعتك ما صرت ولدًا لها، لكن أمك يمكن، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (4) وهذا عامٌّ، اعْدُد المحرمات من النسب، كم هن؟
طالب: سبع.
الشيخ: سبع، وبالتصنيف؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: لا، بالتصنيف؟ ثلاثة أصناف؛ لأن الرابع هي الملاعنة، بالتصنيف ثلاثة أصناف، أو أربعة؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: إي، أربعة، بالتصنيف أربعة، إذن ما يقابلهن من الرضاع حرام لقوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».
ثم استدرك المؤلف استدراكًا مستدركًا، يعني: هو استدرك ونحن نستدرك عليه، قال: (إلا أم أخته وأخت ابنه) ونحن نقول: هذا لا حاجة للاستثناء فيه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق؛ «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ولننظر الآن، إلا أم أخته من الرضاع، أم أختك من الرضاع حلال لك؟
طالب: لا.
طالب آخر: إي نعم.
الشيخ: أم أختك من الرضاع حلال لك، صح ولَّا لا؟
طالب: صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2687
الشيخ: يعني: امرأة أرضعت أخاك وأردت أن تتزوجها فلا بأس، لكن لو كانت أم أخيك من النسب فإنها لا تحل لك؛ لأنها إما أمك وإما زوجة أبيك، فإن كانت أمك فالأمر ظاهر، وإن كانت زوجة أبيك فهي حرام عليك بالمصاهرة، وحين إذن لا حاجة للاستثناء.
أخت ابنه من الرضاعة؟
طالب: كذلك.
الشيخ: وإلَّا أخت ابنه من الرضاعة، حلال ولَّا حرام؟
طالب: حلال.
الشيخ: حلال؛ يعني: لك ابن مِنَ الرضاع؛ رضع من امرأة ولها بنت، فهل يجوز لك أن تتزوجها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أخت ابنك من الرضاعة يا ابن الحلال؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه ليس بينك وبينها سبب للتحريم، لأن أخت ابنك من الرضاع إذا كانت من النسب وهي أخت ابنك فإنها حرام عليك ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: لأنها إن كانت أخت ابنك من الرضاع فهي بنت زوجتك، ربيبة؛ إن كانت أخت ابنك من الأم فهي ربيبة، وإن كانت أخت ابنك من الأب فهي؟
طالب: بنتك.
الشيخ: فهي بنتك، وعلى هذا فلا حاجة لهذا الاستثناء؛ ولهذا يعتبر هذا الاستثناء في غير محله من وجهين:
أولًا: أن هذا كالاستدراك على الحديث النبوي «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (4).
والثاني: أن هؤلاء المحرمات التي استثنى ليست محرمات بالنسب، محرمات بالمصاهرة، وهنا يحسن أن نذكر قاعدة تفيد؛ وهي أن الرضاع إنما يؤثر في المرتضع وفروعه فقط؛ الرضاع يؤثر في المرتضع وفروعه، المرتضع، قل لنا، المرتضع له أصول وله فروع، وأيش؟
طالب: حواشٍ.
الشيخ: وله حواشٍ، لا يؤثر الرضاع إلا في فروعه فقط، وفيه أيضًا أما أصوله وحواشيه فلا أثر لهم في الرضاع إطلاقًا؛ ولهذا يجوز لأخ المرتضع أن يتزوج أمه، ويجوز لأبي المرتضع أن يتزوج أمه أيضًا، أم ولده التي أرضعته، أنتم إذا عرفتم هذه القاعدة سَهُلَ عليكم التطبيق، الآن كثير من الناس يتلخبطون في مسألة الرضاع.
طالب: أعِدْها يا شيخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 2688
الشيخ: القاعدة هي الرضاع لا يوثر إلا في الرضيع ومَنْ تَفَرَّع منه؛ يعني الرضيع وفروعه أما إخوانه وآباؤه وأمهاته ما لهم دخل في الموضوع.
ثم قال المؤلف: (ويحرم بالعقد زوجةُ أبيه وكل جدٍّ وزوجة ابنه وإن نزل) هذه المحرمات بالمصاهرة؛ المحرمات بالمصاهرة يعني: إذا تزوج إنسان امرأة صار بينه وبين أقاربها مصاهرة، يحرم بالمصاهرة أولًا: زوجة أبيه، وزوجة كل جد؛ يعني: زوجة أبيه وإن علا، وزوجة ابنه وإن نزل، الأب لك أصل ولَّا فرع؟
طلبة: أصل.
الشيخ: أصل، والابن؟
طالب: فرع.
الشيخ: فرع، إذن زوجات الأصول وزوجات الفروع حرام بمجرد العقد، زوجات الأصول يعني: زوجة أبيك أو جدك أو جد أبيك أو ما أشبه ذلك حرام بمجرد العقد، فإذا عقد الإنسان على امرأة فإنه بمجرد العقد يحرم عليها أصوله وكذلك يحرم عليها فروعه.
والثالث قال: (دون بناتهن) (بناتهن) أي: بنات الحلائل، (وأمهاتهن)، كذا عندكم؟
طالب: هكذا.
الشيخ: فتحل له ربيبة والده وولده، وأم زوجة والده وولده؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
الآن، انتبه (يَحْرُم بالعقد) أي: بمجرد العقد، الظاهر ( ... )، نقف على المحرمات بالصهر، مضى عندنا الآن المحرمات بأيش؟
طالب: بالنسب.
الشيخ: بالنسب، والمحرمات بالرضاع، يأتي المحرمات بالمصاهرة وقلنا: إن التحريم المؤبد كم نوعًا؟
طالب: أربعة.
الشيخ: أربعة أنواع: محرمات بالنسب، محرمات بالرضاع، محرمات بالمصاهرة، محرمات باللعان.
طالب: الحواشي؟
الشيخ: الحواشي هم الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات وإن نزلوا.
طالب: وطء الشبهة يا شيخ هل يكون حلالًا؟
الشيخ: ويش اللي حلال؟
الطالب: تكون بنته من حلال؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف يعني؟
الشيخ: لأن اعتقاده أنها زوجته مثلًا.
الطالب: لكن لا تُنْسَب إليه ولَّا .. ؟
الشيخ: تُنْسَب إليه، كيف ما تنسب إليه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2689
الطالب: لا؛ يعني: إذا وطِئ زوجة الشخص بالشبهة تُنْسَبُ إلى الواطئ أو لا؟
الشيخ: إلى الواطئ.
الطالب: ترث؟
الشيخ: وترث، سواء كانت شبهة اعتقاد أو شبهة عقد؛ شبهة اعتقاد؛ أن يظن أن هذه المرأة زوجته فيطأها.
شبهة العقد أن يعقد عليها عقدًا فاسدًا يظنه صحيحًا.
طالب: يا شيخ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: أم الزوجة من الرضاع ما حكمها؟
الشيخ: تأتينا إن شاء الله ما كملنا.
( ... ) صلى اللهم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق أن المحرمات من النكاح إلى الأبد أربعة أنواع؟
طالب: بالنسب، والمصاهرة، والملاعنة، والرضاع.
الشيخ: والرضاع، فما هي المحرمات بالنسب بالعدِّ؟
طالب: الأُمُّ.
الشيخ: لا، كم هي بالعد؟
الطالب: سبع.
الشيخ: سبع، عُدَّها.
الطالب: الأم، والبنت، والعمة.
الشيخ: قل: مذكورة في قوله تعالى ..
الطالب: في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ).
الشيخ: لا.
الطالب: (وَبَنَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ).
الشيخ: لا.
الطالب: (وَأَخَوَاتُكُمْ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: الآية.
الشيخ: ما نقبل الآية، الآية نقبلها إذا صرنا عارفين الكلام.
الطالب: (أُمَّهَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ).
الشيخ: لا.
الطالب: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾.
الشيخ: نعم.
الطالب: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾.
الشيخ: أيش بعد؟
الطالب: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾.
الشيخ: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾.
الطالب: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾.
الشيخ: (واخواتكم) كذا؟
الطالب: قلناها؛ ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾.
الشيخ: إي، حط الهمزة فيها.
الطالب: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23].
الشيخ: صحيح، أحسنت، سبع، وما هي المحرمات بالنسب بالحدِّ؟
طالب: أربعة أقسام.
الشيخ: أربعة أقسام.
الطالب: الفروع وإن عَلَوْا.
الشيخ: الفروع وإن علوا؟ يطمر، الفروع يعلو؟
الطالب: الأصول وإن علوا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2690
الشيخ: الأصول وإن علوا.
الطالب: والفروع وإن نزلوا، وحواشي الأب.
الشيخ: وفروع ..
الطالب: نعم، وفروع الأب.
الشيخ: وإن نزلوا.
الطالب: وإن نزلن، وفروع الجد وإن علا.
الشيخ: وإن نزلوا؟
الطالب: لا، وإن علا الأب.
الشيخ: وإن علا الأب، لكن الفروع؟
الطالب: لا، فقط.
الشيخ: إذن فروع الجد وإن علا لصلبه خاصة، مَنْ هم فروع الجد؟
طالب: فروع الجد؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الأخ.
الشيخ: الأخ؟ !
الطالب: العم يعني.
الشيخ: العمة نتكلم الآن على المرأة المُحَرَّمة، العمة.
الطالب: العمة والعم.
الشيخ: العم، كيف نزوجه؟ العمة.
بنت العمة؟
الطالب: بنت العمة.
الشيخ: حلال ولَّا حرام؟
الطالب: بنت العمة حلال.
الشيخ: بنت العمة؟ ما هو قلنا: فروع الجد، قلنا: فروع الجد، والفرع ينزل.
بنت العم؟
الطالب: حلال.
الشيخ: هي ما هي بنت العم من فروع الجد؟ أجب؛ نعم ولَّا لا؟
الطالب: مِنْ فروع الجد؟
الشيخ: إي نعم، بنت عمه.
الطالب: ليست من فروع الجد.
الشيخ: تأمل بنت عمك ما هي من فروع الجد؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: عمك أخو أبيك، جمع بينك وبينه الجد، فأنت الآن تقول: فروع الجد، فسألنا الآن: هل بنت العم حلال أو لا؟
الطالب: حلال.
الشيخ: كيف حلال وأنت تقول: من المحرمات فروع الجد؟
الطالب: ليست من المحرمات.
الشيخ: ليست من المحرمات، ما هو قلت: المحرمات فروع الجد؟ تناقض.
طالب: قلنا: فروع الأب الأعلى لا إن نزل.
الشيخ: لا إن نزل، صحيح يا جماعة؟ قلنا: لا إن نزل، صحيح.
إذن هذه أربعة أنواع بالحد لا بالعد.
مَن الذي يحرم بالرضاع؟
طالب: ما يَحْرُم بالنسب.
الشيخ: ما يحرم بالنسب، الدليل؟
الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (4).
الشيخ: وفي القرآن؟
الطالب: قوله تعالى: (وأمهاتكم من الرضاعة).
الشيخ: قبل، ولا قال: أمهاتكم من الرضاعة؟
الطالب: أقرأ الآية؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2691
الشيخ: إي، نحن نريد الآية، لكن لم يقل الله: أمهاتكم من الرضاعة، أبدًا.
الطالب: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
الشيخ: بس؟
الطالب: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23].
الشيخ: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ صح، تمام، ما المحرمات بالملاعنة؟
طالب: الزوجة تحرم على زوجها إذا لاعنها.
الشيخ: إذا لاعنها، تمام، ما هو سبب اللعان؟
طالب: إذا رماها بالزنا.
الشيخ: سبب اللعان أن يرميها بالزنا، فإذا رماها بالزنا قلنا له: أقم البينة.
فإن لم يقم البينة سألناها هل تُقِر أو لا؟ إن أقرت أقمنا عليها الحد، وإلَّا لاعنَّا بينهما.
الطالب: ويُفَرَّق بينهما على الأبد.
الشيخ: أحسنت، ذكر بعض العلماء زوجات الرسول عليه وعلى آله وسلم، هل هذا صحيح أنهن محرمات بعده إلى الأبد؟
طالب: نعم، محرمات بنص القرآن.
الشيخ: نعم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53]، لكنا ذكرنا أنا الآن لا فائدة من هذا إلا أن نعلم أن من خصائصه أن زوجاته لا يُنْكَحْنَ بعده.
المحرمات بالصهر نذكرهن بالعَدِّ كما ذكر المؤلف ثم بالحد؛ يقول رحمه الله: (وَيَحْرُم بالعقد زوجة أبيه وكل جد) (يحرم بالعقد) بالعقد يعني: إذا عقد أبوه أو جده على امرأة حرمت عليه بمجرد العقد وإن مات عنها الأب.
مثال ذلك: رجل له أب فتزوج امرأة هذه المرأة تحرم على أولاد زوجها بمجرد العقد، حتى لو طلقها قبل الدخول أو مات عنها قبل الدخول فإنها حرام على أولاده، أولاده منها ولَّا أولاده من غيرها؟
طلبة: من غيرها.
طالب آخر: منها بالنسب.
الشيخ: إي أقول: أولاده منها أو أولاده من غيرها؟
طلبة: من غيرها.
الشيخ: من غيرها؛ لماذا؟
طالب: محرمة بالنسب.
طالب آخر: أُمُّهم يا شيخ.
الشيخ: لأن أولاده منها هي حرام عليهم؟
طلبة: بالنسب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2692
الشيخ: بالنسب، وكذلك أيضًا زوجة ابنه وإن نزل، يعني: إذا عقد ابنك على زوجة حرمت عليك بمجرد العقد، إذا عقد ابنك على امرأة صارت حرامًا عليه بمجرد العقد، أبد الآبدين أو متى؟
نعم أبد الآبدين، يقول: (زوجة ابنه وإن نزل)، كيف؟
طالب: (دون بناتهن).
الشيخ: (دون بناتهن وأمهاتهن) فلسن حرامًا؛ لأن لا صلة لهن بالتحريم، بنات مَنْ؟
طالب: الزوجات.
الشيخ: بنات زوجات الآباء، وبنات زوجات الأبناء؛ فلو تزوج رجلٌ امرأةً، وابنُهُ بنتَها.
طالب: جاز.
الشيخ: النكاح؟
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، ولو تزوج امرأة وأبوه بنتَها؟
طالب: إي نعم.
طالب آخر: صحيح.
الشيخ: فكذلك صحيح، النكاح صحيح.
(دون بناتهن وأمهاتهن، وتَحْرُم أُمُّ زوجته وجداتها) يعني: وإن علون بالعقد؛ أُمَّ الزوجة؛ يعني: لو تزوج إنسان امرأة فإن أمهاتها وجداتها حرام عليه، على الأبد ولَّا على الأمد؟
طلبة: على الأبد.
الشيخ: على الأبد، تحرم بالعقد، هذه ثلاث يحرمن بالعقد.
قال: (وبنتها وبنات أولادها بالدخول) بنتها بنت من؟
طالب: الزوجة.
الشيخ: بنت الزوجة وبنات أولادها بالدخول، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22].
وقوله تبارك وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23]
أمهات نسائكم، بعده؟
طلبة: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء: 23].
الجزء: 2 - الصفحة: 2693
الشيخ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23] هذه أربعة؛ أما بالحد فنقول: إذا تزوج امرأة حرم عليه هو فقط أصولها بالعقد، وفروعها؟
طالب: بالدخول.
الشيخ: بالدخول، وحَرُم عليها هي وحدها أصوله بالعقد، وفروعه بالعقد أيضًا، فصار المحرمات بالصهر أربعة أنواع؛ بالحد؛ أصول الزوج وفروعه على من؟
طلبة: على الزوجة.
الشيخ: على الزوجة وحدها؛ بالعقد ولَّا بالدخول؟
طلبة: بالعقد.
الشيخ: بالعقد، أصول الزوجة وفروعها على الزوج وحده؛ أما الأصول فبالعقد، وأما الفروع فبالدخول، أصول الزوج وفروعه على الزوجة هذا بالعقد ولَّا بالدخول؟
طالب: بالعقد.
الشيخ: بمجرد العقد، تمام، إذن المحرمات بالصهر اضبطوها؛ أربعة أنواع:
النوع الأول: أصول الزوج.
والنوع الثاني: فروع الزوج.
والنوع الثالث: أصول الزوجة، هذه الثلاث تَحْرُم؟
طالب: بالعقد.
الشيخ: بمجرد العقد.
النوع الرابع: فروع الزوجة، هذه تحرم بالدخول، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23].
نضرب أمثلة: رجل تزوج امرأة ولها أم وبنت وطلقها قبل الدخول؟
طالب: تحرم أمها ( ... ).
الشيخ: رجل تزوج امرأة ولها أم وبنت فطلقها قبل الدخول، مَنْ يحرم عليه؟
طلبة: الأم.
الشيخ: الأم، والبنت؟
طلبة: لا تحرم.
الشيخ: لا تحرم؛ لأنه لم يدخل بها.
رجل تزوج امرأة وطلَّقها قبل الدخول وله أب وابن؟
طالب: تحرم عليهما.
الشيخ: هل تحرم عليهما؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طلقها قبل الدخول؟
طالب: نعم، تحرم عليهما.
طلبة: تحرم عليهما.
الشيخ: طلقها قبل الدخول؟
طلبة: تحرم عليهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 2694
الشيخ: لماذا؟ لأنه لا يُشْتَرط الدخول إلا في فروع الزوجة فقط.
رجل تزوج امرأة هل يحل أن تتزوج أخاه فيما إذا طلقها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأنها لا تحرم عليه.
الشيخ: لأن أخاه ليس أصلًا له ولا فرعًا، هل يجوز أن يتزوج هو أختها إذا طلقها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنها ليست أصلًا للزوجة ولَا ولا فرعًا، تمام.
يقول المؤلف رحمه الله: (فإن بانت الزوجة أو ماتت بعد الخلوة أُبِحْنَ) عندكم (بعد الخلوة)؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فإن بانت الزوجة قبل الدخول ولو بعد الخلوة أو ماتت بعد الخلوة أُبِحْنَ، المراد بالخلوة يخلو بها عن الناس، والمراد بالدخول الوطء.
فإذا بانت الزوجة قبل الدخول أو ماتت بعد الخلوة، إذا ماتت الزوجة قبل الدخول ولو بعد الخلوة، أو ماتت بعد الخلوة أبحن؛ لأن الله اشترط لتحريم الربائب أن يكون قد دخل بأمهم.
ثم قال: (فصل) وهذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله للضرب الثاني من المحرمات؛ لأن الأول في المحرمات إلى الأبد، وهذه في المحرمات إلى أَمَدٍ وهي التي تحرُم في حال معينة أو في زمن معين.
يقول: (تحرُم إلى أمد أختُّ مُعْتَدَّتِه) يعني أخت زوجته المعتدة منه.
مثال ذلك رجل طلق امرأته ليتزوج أختها، فأراد أن يتزوج أختها وزوجته التي طلقها في العدة نقول: هذا لا يجوز؛ لماذا؟ لأنها أي: (أخت معتدته) لم تحل له بعد، متى تحل؟
طلبة: إذا انقضت العدة.
الشيخ: إذا انقضت العدة، كذلك أخت زوجته، المعتدة هي الزوجة ولَّا غيرها؟
طالب: هي الزوجة.
الشيخ: هي الزوجة، لكن مراده بالفقرة الثانية أخت زوجته التي في حباله لم يطلقها، والمعتدة هي زوجته التي طلقها، ولو قال المؤلف رحمه الله: (أخت زوجته ما لم تَبِنْ منه) لكان أوضح.
(وبنتاهما) (بنتاهما) يعني بنت أخت زوجته، وبنت أخت معتدته.
(وعمتاهما) أي: عمة معتدته وعمة زوجته.
الجزء: 2 - الصفحة: 2695
(وخالتهما) أي: خالة معتدته وخالة زوجته؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (5).
وقول المؤلف رحمه الله: (تحرم إلى أمد) فيه؛ تساهل لأن أخت زوجته ليست حرامًا عليه حتى وزوجته معه، الحرام أن يجمع بينهما كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» فكونه يقول: المرأة حرام، لا؛ لأن الله إنما حرم أيش؟
طالب: الجمع.
الشيخ: الجمع، الآن اللاتي يحرُم الجمع بينهن هن: أولًا: الأخوات الدليل؟
طلبة: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23].
ثانيًا: العمة وبنت أخيها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا».
ثالثًا: المرأة وبنت؛ أختها لقوله: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».
ليس هناك شيء رابع، وعلى هذا فيُجْمَع بين بنتي العم، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: بنتي العم؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجمع بينما؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هل يجمع بين العمة وبنت أخيها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، إذن جميع الأقارب يجوز الجمع بينهن إلا الأخت والعمة والخالة، وإن شئت اعكس وقل: اللاتي يحرم الجمع بينهن هن: الأخت والعمة والخالة، وينتهي.
إذن التي يَحْرُم الجمع بينهن كم صنفًا؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؛ الأخوات، والعمة وبنت أخيها، والخالة وبنت أختها.
يقول رحمه الله: (فإن طُلِّقَت) يعني المرأة، (وفرغت العدة أُبْحِنَ) الضمير في أبحن يعود على من؟ على أخت الزوجة وعمتها وخالتها، إذا فرغت العدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2696
(فإن تزوجهما في عقد أو عقدين معًا بطلا) (إن تزوجهما) أي: الأختين في عقد، بأن قال أبوهما: زوجتك ابنتي هاتين، قال: قبلت، حكم النكاح؟
طلبة: باطل.
الشيخ: في العقدين وَلَّا يُقْرَع؟
طلبة: في العقدين.
الشيخ: في العقدين، قصدي في العقدين يعني في الأختين، تزوجهما في عقدين معًا؟
طالب: بطل.
طالب آخر: مثل السابق.
الشيخ: كذلك أيضًا؟
طالب: يبطل.
الشيخ: يبطل، لكن كيف يتزوجهما في عقدين معًا؟ هل يتصور؟ العلماء لم يذكروا إلا شيئًا مُتَصَّورًا ولو كان بعيدا؟
طالب: بأن يوكل في واحد يعقد هو لها.
الشيخ: صحيح، قال لفلان: وكلتك تقبل عقد النكاح لي على بنت فلان زينب مثلًا، ثم هو ذهب إلى وكيل فلان لتزويج بنته فاطمة فصادف أن إيجاب كل واحد وقبوله في آن واحد، الصورة صعبة وبعيدة لكنها ممكنة، نقول: كلا العقدين لا يصح، باطل.
(فإن تأخَّر أحدهما أو وقع في عدة الأخرى وهي بائن أو رجعية بَطَلَ) أيهما الذي يبطل؟
طالب: الأخير.
الشيخ: الأخير، أما الأول فلا، والله أعلم.
طالب: يا شيخ، إذا عُقد للأختين في آن واحد، لماذا لا يقال: إذا صحَّ في أحداهما فتتم الصفقة؟
الشيخ: لا ما يصح؛ لأن هنا اجتمع المانع والمصحح في آن واحد، أما الصفقة فتجري للمُحَرَّم التميِّز، أما هذا لا يتميز.
طالب: شيخ، الأختين من الرضاع؟
الشيخ: يحرم الجمع بينهما.
طالب: شيخ، لو حصل خلوة بزوجة بدون وطء، هل يحرم فروعها؟
الشيخ: لا، إذا حصل خلوة بلا وطء فإن فروع الزوجة لا يحرُمن.
طالب: شيخ، هل يجوز التسلسل في الرضاع؛ يعني: يكون له خالته من الرضاع -أخت أمه من الرضاع- وخالته هذه لها مرضعة، فهل تحرم أم الخالة من الرضاع؟
الشيخ: في الزواج؛ الصحيح أن الرضاع لا يُؤَثِّر في المصاهرة إطلاقًا.
الطالب: ليست مصاهرة، ولكن رضاع، أرضعته امرأة وأخت هذه المرأة أُرْضِعَت من قِبَل امرأة أخرى؛ فهل تكون جدة له لأنها أم خالته من الرضاع؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2697
الشيخ: ما فهمت، أقول: ما فهمت السؤال.
الطالب: رجل أرضعته امرأة ولها أخت؛ نفسها هذه المرأة.
الشيخ: اصبر، إذن صارت أختها ..
الطالب: خالة له من الرضاع.
الشيخ: خالة له من الرضاع.
الطالب: والخالة هذه لها مرضع أرضعتها امرأة، فهل نقول: إن هذه المرأة تحرم على هذا الرجل؟
الشيخ: على أي رجل؟
الطالب: على الرجل المرضَع.
الشيخ: هذه التي أرضعته لها امرأة مرضعة.
الطالب: لا ليست التي أرضعته بل أختها.
الشيخ: لا ما لها دخل، سبق لنا أمس أن الرضاع لا يؤثر إلا في المرتضع وفروعه فقط.
طالب: لا، قصدي الآن خالته من الرضاع لها أم من الرضاع، فهل تحرم؟
الشيخ: أُمٌّ من الرضاع؟ !
الطالب: نعم.
الشيخ: خالته من الرضاع لها أم من الرضاع، هل بينه وبينها شيء؟
الطالب: أم خالته من الرضاع.
الشيخ: أم خالته من الرضاع ويش عليها؟ هذه خالته أخت أمه ولَّا لا؟
الطالب: من الرضاع.
الشيخ: من الرضاع؟ ما فهمت السؤال.
المهم الرضاع -بارك الله فيك- على حسب القواعد اللي مشينا عليها أمس أنه لا تأثير للرضاع إلا في المرتضع وفروعه فقط، وأما إخوانه وأخواته وعماته وآبائه وأمهاته ما لهم دخل، إذا ضَبَطْتَ هذه القاعدة، كل مسألة تَرِدُ عليك تعرف حلها لكن قد تكون مسألة صعبة التصور تحتاج إلى مدة.
طالب: ما الفرق بين الدخول والخلوة في تحريم الربيبة؟
الشيخ: الدخول يعني الجماع.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا أثر لها.
طالب: والزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، ومطلقته ثلاثًا حتى يطأها زوجٌ غيرُه، والمُحْرِمة حتى تَحِلَّ، ولا ينكح كافر مسلمة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن المحرمات من النكاح تنقسم إلى قسمين: قسم مؤبد وقسم إلى أمد، وأن المحرمات إلى الأبد أربعة أنواع، كذا ولَّا لا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2698
المحرمات إلى الأمد ذكر المؤلف رحمه الله: أخت الزوجة، وعمة الزوجة، وخالة الزوجة سواء كانت الزوجة في عصمته أو معتدة منه، وذكرنا أن هذا التعبير فيه نظر؛ لأنه خلاف التعبير القرآني والنبوي، ما هو التعبير القرآني والنبوي؟ الجَمْع، المحرم الجمع.
قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (5).
إذا عُقِدَ على الأختين، أو العمة وبنت أخيها، أو الخالة وبنت أختها، إذا عقد عليهما بعقد واحد فإنهما يبطلان، أو في عقدين ولم يتقدم الآخر فكذلك يبطلان.
فإن تأخر أحدهما فالأخير هو الباطل، والأول هو الصحيح.
ثم قال رحمه الله: (وَتَحْرُم المعتدة والمستبرأة من غيره والزانية حتى تتوب) إلى آخره؛ المعتدة من غيره تحرُم على الإنسان إلى متى؟ إلى أن تنقضي عدتها، فإن كانت حاملًا فبوضع الحمل، وإن كانت من ذوات الحيض فبالحيض ثلاث مرات، وإن تكن من غير ذوات الحيض فبثلاثة أشهر، المهم أن المعتدة من غيرك لا تحل لك وإن عقدت عليها فالنكاح باطل.
وقوله: (المعتدة من غيره) مفهومه أن المعتدة منه لا تحرُم، ويجب أن نعلم أن المعتدة منه ثلاثة أقسام: رجعية، وبائن بثلاث، وبائن بغير ثلاث.
المعتدة من الرجل ثلاثة أنواع: رجعية، والثاني بائن بثلاث، والثالثة بائن بغير ثلاث.
أما الرجعية فلا تحتاج إلى عقد إنما يشهد بأنه راجعها وينتهي الأمر؛ لأنها زوجة.
وأما البائن بغير الثلاث فتحتاج إلي عقد؛ يعني ملكة جديدة ومهر.
وأما البائن بالثلاث فلا تحل له إلا بعد زوج كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230].
والآن المعتدة من الغير حرام حتى تنتهي العدة، المعتدة من نفس الإنسان تنقسم إلى كم؟
طلبة: ثلاثة أقسام.
الجزء: 2 - الصفحة: 2699
الشيخ: ثلاثة أقسام: رجعية، وبائن بثلاث، وبائن بغير ثلاث؛ الرجعية لا تحتاج إلى عقد؛ لأنها زوجته، والبائن بغير الثلاث تحتاج إلى عقد فتحل له بعقد ولو في العدة، والبائن بالثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.
(والمستبرأة) أيضًا تحرم المستبرأة من الغير، مَنِ المستبرأة؟ المستبرأة هي الْأَمَة إذا أعتقها سيدها مثلًا؛ فإنها لا تحل للغير حتى تُسْتَبْرَأ إن كانت حائض تحيض فبحيضة، وإن كانت حاملًا فبوضع الحمل.
وكذلك أيضًا المستبرأة من غيره فيما لو وُطِئَت بشبهة على القول بأنه لا يلزمها عدة، وإنما يلزمها استبراء فهي أيضًا مستبرأة من الغير.
(والزانية حتى تتوبَ وتنقضي عدتها) أما الأول -أعني تحريم المعتدة- فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235].
أما الزانية: فلقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3] عرفتم؟ إلى متى الزانية؟ حتى تتوب وتنقضي عدتها، عدتها منين؟ مِنَ الزنا، وهذا يدل على أن الزنا له عِدَّةٌ وسنتكلم على هذا.
لم يذكر المؤلف الزاني حتى يتوب، وظاهر كلامه أنه لا يَحْرُم نكاح الزاني ولو لم يتب، والصواب أن الزاني يحرم أن نزوجه حتى يتوب؛ لأن الآية واحدة والحكم واحد، فكيف نُفَرِّق؟
قالوا: نفرق؛ لأن الزانية إذا تزوجت اختلط الماء المباح بالماء الحرام، ولا ندري هذا الولد المتكون أَمِنَ الزنا أم من الحلال بخلاف الزاني، ولكن في هذا نظرًا؛ لأنه لا يمكن أن نخرج الحكم الواحد بمجرد علة التمسناها؛ فالزاني وهو الزوج إذا كان غير عفيف لا يصلح للعفيفة؛ لأنه يفسدها، فإن مَنْ فعل شيئًا هان عليه.
هذه قاعدة من سنن الله عز وجل؛ أن من فعل شيئًا هان عليه، ويقال: مع كثرة المساس يقل الإحساس.
الجزء: 2 - الصفحة: 2700
فهذا الزاني لا يهمه إذا زنت امرأته، وربما هي تحتج عليه فإذا قال: لماذا تزنين؟ قالت: لأنك تزني، ولأن الزاني لا يمكن أن يستقرَّ قلبه إلى زوجته أبدًا لا يمكن؛ لأنه يتمتع بمعصية، والمعصية تشغل عن الطاعة، أرأيتم قول لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: 165، 166]، ابْتُلُوا بهذا العمل السيئ وتركوا العمل الطيب، فهذا الزاني لا يمكن أن نزوجه عفيفة إطلاقًا حتى يتوب.
وعلى هذا فإذا عُرِفَ الرجل بسفره إلى بلاد العهر والزنا وأنه يتكرر إليها، ثم خطب منا فإننا لا نزوجه حتى نعلم أنه تاب وكفَّ عن هذا العمل.
فإن حدث الزنا بعد النكاح من رجل أو امرأة هل ينفسخ النكاح؟
لا، لا ينفسخ؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء هذا التعليل؛ ولأن الذين زنوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لم تُفْسَخ نكاحهم؛ لم يفسخ النكاح، لكنَّ الديوث هو الذي يجب أن يُنْظَر فيه وهو الذي يُقِرُّ أهله على الفاحشة، ربما نقول: للحاكم السلطة أن يُفَرِّق بينه وبين أهله حتى تكون أهله عند رجل يحميها.
إذن الزانية حتى تتوب، والزاني حتى يتوب، كله محرم إلى أمد.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وتنقضيَ عدتها) أفادنا رحمه الله أن على الزانية العدة؛ وفي هذا نظر، والصواب أن الزانية لا عدة عليها؛ لأن العدة إنما تكون في النكاح، تكون بالنكاح، والزانية هي زوجة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، إذا لم تكن زوجة فإنه لا حرمة للزاني، غاية ما نقول: تُسْتَبْرَأ بحيضة استبراء فقط، وأما العدة فلا تجب ولا شك في هذا؛ لأن العدة احترام ثلاث قروء ما لها داعي؛ يعني: يمكن يُعْرَف براءة الرحم بقرء واحد، لكن احترامًا لحق الزوج ولعله يندم ويُرَاجِع، أما الزاني فلا حرمة له ولا له رجعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2701
فالصواب بلا ريب أنها تُسْتَبْرَأ فقط، ثم إنه إذا كانت ذات فراش فهل يلزم الاستبراء؛ يعني: لو زنت امرأة الرجل -والعياذ بالله- هل يلزم الاستبراء؟ ربما حملت من الزاني؟
أكثر العلماء على وجوب الاستبراء، المذهب تجب العدة سواء كانت ذات زوج أو غير ذات زوج.
والقول الثاني يجب الاستبراء سواء كانت ذات زوج أو لا.
والثالث وهو ما أراه أرجح أنها إذا كانت ذات زوج فلا شيء عليها وأنها لو زنت في الليل فلزوجها أن يجامعها في النهار من الغد؛ لماذا؟
لأن أعلى تقدير في هذا أنها نشأت بولد من الزاني، وإذا زنت المرأة ونشأت بولد وادعى صاحب الفراش أنه ولده، فالولد له؛ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (6)، وهذا القول هو الذي تؤيده الأدلة؛ أن الزانية إذا كانت ذات زوج لا يلزم زوجها أن يستبرأها وله أن يجامعها، لكن هنا شيء آخر يجب التنبه له وهو أنه لا يجوز أن يقر زوجته على الفاحشة -والعياذ بالله- فإن أقرها فهو ديوث.
ثم قال رحمه الله: (ومطلقته ثلاثًا).
بقي علينا الآية الكريمة: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3] ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ كونه زانيًا ينكح زانية ما في إشكال؛ لأنه عاص فاسق نكح عاصية فاسقة، لكن ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾، هل يجوز للزاني وهو مسلم أن ينكح مشركة؟
طلبة: لا يجوز.
طالب: يجوز.
الجزء: 2 - الصفحة: 2702
الشيخ: يجوز، وهذا أخونا كمال فاته الكمال في هذه المسألة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221] فهي حرام، كيف يقول: ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾ اختلفت مناهج العلماء في تخريج هذه الآية؛ فقيل: لا ينكح أي: لا يطأ، يعني: الزاني لا يطأ إلا زانية تستحل الزنا ويزني بها، أو مشركة لا تبالي بالأحكام الشرعية فيزني بها، فجعلوا النكاح بمعنى الوطء، وهذا غير صحيح، ما في القرآن آية يكون النكاح فيها بمعنى الوطء إطلاقًا، أبدًا ما فيه، كل نكاح في القرآن فهو للعقد.
إذن هذا المخرج غير صحيح، والصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من المحققين أن الزاني إذا تزوج امرأة فإما أن تكون مقرة بتحريم هذا النكاح لكنها مستهينة به فتكون زانية، أو غير مُقِرَّة فتُحَلِّل ما حرم الله فتكون مشركة؛ لأن تحليل ما حرم الله شرك، وهكذا يقال: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3]، وبهذا يطمئن القلب.
قال رحمه الله تعالى، نرجع إلى كلام المؤلف: (وتحرم مطلقته ثلاثًا حتى يطأها زوج غيرُه) تحرم على مَنْ؟ مطلقته ثلاثًا على مَنْ؟
طالب: على مطلقها.
الشيخ: على مطلقها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] تنكح زوجًا غيره، تنكح بمعنى؟
طالب: يعقد عليها.
طالب آخر: يعقد عليها ويطأها.
الشيخ: أولًا نقول: النكاح هنا؟
طالب: العقد.
الشيخ: النكاح هنا بمعنى الوطء؛ لأنه قد تنكح زوجًا ولا يكون زوجًا إلا بعقد، وعلى هذا تنكح بمعنى؟
طالب: تُوطأ.
الشيخ: إي توطأ، أو يقال: تنكح بمعنى تَعْقِدَ النكاح على رجل، واشتراط الوطء معروف من السنة، هذان مخرجان كلاهما صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2703
على كل حال حرَّم الله المطلقة ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره، ولكن كلما أُطْلِقَ العقد في القرآن والسنة فالمراد به العقد الصحيح، وعلى هذا تنكح زوجًا غيره يعني نكاحًا صحيحًا؛ فلو تزوجت زوجًا غيره بلا وَلِيٍّ هل تَحِلُّ للأول؟
حتى يَطأَها زوجٌ غيرُه والْمُحْرِمَةُ حتى تَحِلَّ ولا يَنْكِحُ كافرٌ مسلمةً ولا مسلمٌ - ولو عَبْدًا - كافرةً إلا حُرَّةً كتابِيَّةً، ولا يَنْكِحُ حرٌّ مسلمٌ أَمَةً مسلمةً إلا أن يَخافَ عَنَتَ العُزوبةِ لحاجةِ الْمُتعةِ أو الخدمةِ ويَعْجِزَ عن طَوْلِ حُرَّةٍ وثَمَنِ أَمَةٍ،
ولا يَنْكِحُ عبدٌ سَيِّدَتَه ولا سَيِّدٌ أَمَتَه، وللحُرِّ نِكاحُ أَمَةِ أبيه دونَ أَمَةِ ابنِه، وليس للحُرَّةِ نِكاحُ عبدِ وَلَدِها، وإن اشترى أحدُ الزوجينِ أو وَلَدُه الحرُّ أو مُكاتَبُهُ الزوجَ الآخرَ أو بعضَه انْفَسَخَ نِكاحُهما، ومَن حَرُمَ وَطْؤُها بعَقْدٍ حَرُمَ بِمِلْكِ يمينٍ إلا أَمَةً كِتابيَّةً، إلا أَمَةً كِتابيَّةً، ومَن جَمَعَ بينَ مُحَلَّلَةٍ ومُحَرَّمَةٍ في عَقدٍ صَحَّ فيمَن تَحِلُّ، ولا يَصِحُّ نِكاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ قبلَ تَبَيُّنِ أَمْرِه.
(بابُ الشروطِ والعيوبِ في النكاحِ)
إذا شَرَطَتْ طَلاقَ ضَرَّتِها، أو أن لا يَتَسَرَّى، أو أن لا يَتَزَوَّجَ عليها، أو لا يُخْرِجَها من دارِها أو بَلَدِها، أو شَرَطَتْ نَقدًا مُعَيَّنًا، أو زيادةً في مَهْرِها صَحَّ.
فإن خَالفَه فلها الْفَسْخُ، وإذا زَوَّجَه وَلِيَّتَه على أن يُزَوِّجَه الآخَرُ وَلِيَّتَه ففَعَلَا ولا مَهْرَ بَطَلَ النِّكاحانِ، فإن سُمِّيَ لهما مَهْرٌ صَحَّ،
طالب: على مطلقها.
الشيخ: على مطلقها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] تنكح زوجًا غيره، تنكح بمعنى؟
طالب: يعقد عليها.
طالب آخر: يعقد عليها ويطأها.
الشيخ: لا، أولًا نقول: النكاح هنا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2704
طالب: العقد.
الشيخ: النكاح هنا بمعنى الوطء؛ لأنه قد تنكح زوجًا، ولا يكون زوجًا إلا بعقد، وعلى هذا تنكح بمعنى؟
طالب: توطأ.
طالب آخر: تجامع.
الشيخ: إي، توطأ، أو يقال: تنكح بمعنى تعقد النكاح على رجل، واشتراط الوطء معروف من السنة فهمتم؟ هذان مخرجان كلاهما صحيح.
على كل حال حرَّم الله المطلقة ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره، ولكن كلما أُطْلِقَ العقد في القرآن والسنة فالمراد به العقد الصحيح، وعلى هذا تنكح زوجًا غيره يعني نكاحًا صحيحًا، فلو تزوجت زوجًا غيره بلا ولي هل تحل للأول؟
طلبة: لا تحل.
الشيخ: ليش؟
طلبة: النكاح غير صحيح.
الشيخ: لأن النكاح غير صحيح وجوده كالعدم، لو تزوجت زوجًا آخر ليُحِلَّها للأول؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: لا، صحيح؛ لأن نكاح المحلل حرام، باطل ولا يستفاد به الحل، وقد جاء في الحديث تسميته تسمية مطابقة تمامًا: التَّيْس الْمُسْتَعَار (1)، تيس؛ هو إنسان عنده إناث من الغنم ما فيهم تيس، ذهب إلى جاره قال: يا فلان أعطني التيس الليلة، الليلة فقط؟ قال: الليلة أبغيه ينزو على هذه الغنم وأرده عليك في الصباح، نكاح المحلل مطابق تمامًا للتيس؛ لأنه يُسْتَعار تلك الليلة ثم أيش؟
طالب: يرجع لصاحبه.
الشيخ: يُرَدُّ، فهذا حرام؛ يعني: نكاح المحلل حرام ولا تحل به المرأة؛ لأنه غير صحيح، وهل العبرة بنية المرأة أو وليها أو الزوج، التحليل يعني؟
طالب: بنية الولي.
طالب آخر: الزوج والزوجة.
طالب ثالث: الزوج.
الشيخ: عندنا ولي وزوج وزوجة؟
طالب: الزوجة.
طالب آخر: بنية الزوج أو الزوجة.
الشيخ: عند الفقهاء عبارة يقولون: مَن لا فُرْقة بيده لا أثر لنيته، إذن مَنْ؟
طالب: الزوج والزوجة.
طالب آخر: الزوج.
الشيخ: مَنْ لا فرقة بيده لا أثر لنيته.
طلبة: الزوج.
طالب: الزوج والزوجة.
طالب آخر: المعتبر الزوج.
الشيخ: يمكن الزوجة تطلق زوجها؟
طالب: أيش نيتها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2705
الشيخ: لا، أنا اسأل؛ أقول لكم الآن قاعدة؛ مَنْ لا فُرْقَة بيده لا أَثَرَ لنيتِه، إذن مَنْ التي تعتبر نيته؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج وحده؛ لأنه هو اللي يقدر يطلق؛ يجامع في الليل ويطلق في الصباح، الزوجة ما يمكن تنوي، لو نوت التحليل ما يمكن.
وقال بعض العلماء: بل نية الزوجة كنية الزوج، وهى وإن لم تكن بيدها فرقة، لكن تستطيع أن تنكد على زوجها حتى؟
طلبة: يطلقها.
الشيخ: يطلقها، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: بقينا بالولي، هل نيته معتبرة، هو ربما ينكد على الزوج، لكن نقول: حتى لو نكد إذا كانت الزوجة راضية، قالت: أنا ما أبغي إلا هذا الزوج، الزوج الأول خلاص ما أبغيه، فإن أباها لا يستطيع أن يجبرها على الفراق.
فعندنا الآن ثلاثة؛ الزوج لا شك أن نيته معتبرة، والزوجة فيها خلاف، والولي لا عبرة بنيته.
إذن المطلقة ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره بنكاح صحيح، ويُشْتَرط أيضًا أن يجامعها؛ ولهذا قال المؤلف: (حتى يطأها زوج غيره)، يطأها: يجامعها، زوج: لا يمكن أن يصدق عليه أنه زوج إلا إذا كان النكاح صحيحًا.
قال المؤلف: (والمُحرِمة حتى تَحِلَّ) تحرم المحرمة حتى تحل، والمحرم؟
طالب: كذلك.
الشيخ: المحرم؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك، وليته ذَكَرَه، لكن هو الآن عذر المؤلف أنه يتكلم في عَدِّ المحرمات لا المحرمين.
(المحرمة حتى تحل) المحرمة بعمرة، أو بحج، أو بحج وعمرة؟
طالب: كليهما.
طلبة: الجميع.
الشيخ: كلها.
وقوله: (حتى تحل) المراد الإحلال الكامل، وهو التحلل الثاني فلا تحل بعد التحلل الأول؛ فلو أن رجلًا عقد على امرأة بعد التحلل الأول فالعقد حرام والنكاح غير صحيح؛ لأنها لم تحل بعد فلا بد من التحلل الأول والثاني، وهذا ظاهر كلام المؤلف (حتى تحل)، ودليل ذلك حديث عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ» (2) المحرم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2706
فإن قال قائل: هل هو بعد التحلل الأول محرم؟
قلنا: لا، «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ»؟
طالب: «إِلَّا النِّسَاءَ».
الشيخ: «إِلَّا النِّسَاءَ» (3) قلنا: هو غير محرم بعد التحلل الأول، ولكن النساء مستثناة، والعقد من وسائل النساء فيحرم بعد التحلل الأول ولا يصح.
وقيل: إن عقد النكاح بعد التحلل الأول صحيح وليس حرامًا؛ لأن الْمُحرم النساء، وهذا عقد وليس بنساء؛ فلو أن رجلًا عقد على امرأة بعد أن رمى جمرة العقبة يوم العيد وحلق أو قصر ولم يطف بالبيت فنكاحه على هذا الرأي؟
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أصح؛ أنه لا يَحرُم النكاح بعد التحلل الأول.
ولكن نقول للإنسان: احتط لنفسك، المسألة ما هي هينة، احتط لنفسك؛ لأنه ربما تقدم على النكاح بعد التحلل الأول ثم بعدئذٍ يوسوس لك الشيطان ويقول: مراتك حرام ويُدْخِل عليك الشكوك.
فأنت تريح نفسك انتظر، ويش باقي عليها؟ تطوف وإن كانت متمتعة تسعى، وإن كانت مفردة أو قارنة وسعت بعد طواف القدوم فليس عليها سعي، اصبر لأنه حتى لو عقدت الآن ما أنت بداخل، لو عقدت بعد التحلل الأول لا يمكن تدخل؛ لأن النساء حرام عليك.
(المحرمة حتى تحل) المُحرِمة بعمرة؟
طالب: مثلها.
الشيخ: مثل المحرمة بالحج؟
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟ المحرم عام بحج أو بعمرة؛ فلو أن امرأة أحرمت بعمرة وحاضت قبل الطواف واستحيت أن تقول لأهلها: إنها حاضت وطافت وسعت ورجعت لأهلها وعقد عليها، ما تقولون؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: يا إخوان!
طالب: غير صحيح.
الشيخ: سبحان الله، امرأة معتمرة أتاها الحيض قبل الطواف فاستحيت أن تخبر أهلها فطافت وهي حائض وسعت وقصرت ورجعت إلى بلدها ثم عُقِد عليها النكاح، ما حكم العقد؟
طلبة: غير صحيح.
طالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنها مُحْرِمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2707
الشيخ: لأنها لم تزل على إحرامها فطوافها غير صحيح وسعيها غير صحيح.
طالب: والتقصير.
الشيخ: والتقصير أمره سهل.
على كل حال هذه المرأة يجب أن تذهب وتكمل عمرتها ثم يعقد عليها من جديد، شوف المسائل خطرة، هذه لما استحيت من الحق عوقبت بهذه العقوبة، والله لا يستحيي من الحق، الواجب ألا يستحيي الرجل ولا المرأة من الحق.
إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم سأله رجل وقال: يا رسول الله، إني أجامع فلا أُنْزِل أعليَّ الغسل؟ قال: «إِنِّي أَفْعَلُهُ أَنَا وَهَذِهِ»، يشير إلى عائشة، «وَأَغْتَسِلُ» (4) مو هذا يُستحيَا منه؟ لكن لماذا لم يستحي؟
لأنه حق، ولما سأله عمر بن أبي سلمة عن قُبلة الصائم وكانت عنده أم سلمة أم الولد، قال: «سَلْ هَذَهِ»؛ يعني أمه، كان يقبلها الرسول عليه الصلاة والسلام وهو صائم، قال: يا رسول الله، أنت لست مثلنا، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، فقال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» (5) أو هكذا.
على كل حال لا يجوز للإنسان أن يستحيي من الحق الواجب عليه -والحمد لله- هذا شيء يشترك فيه الناس.
ولما ضحك قوم من الضرطة -تعرفون الضرطة؟ الريح التي لها صوت- قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَلَامَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟ » (6) ألست تفعلها أنت؟ هل أنت إذا فعلتها وحيدًا في نفسك تضحك؟
طالب: لا.
الشيخ: ما سمعنا أحدًا إذا حصل منه الضرطة وهو خال أن يضحك أبدًا؛ إذن ليس تضحك على غيرك.
لكن على كل حال الناس يضحكون؛ لأنه يعني من سوء أدب أن الإنسان يظهر صوت الضرطة بين الناس، والحمد لله هذا أدب طيب، نحن نقول: لا تظهر ولا تضحك.
والله أعلم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال قائل: يجوز أن نزوج الزاني من امرأة عفيفة وهذا دفع المضرة؛ حيث لو وجدها لا شك أن ( ... )؟ الشيخ: لو قال قائل هكذا، نقول: أأنت أعلم أم الله؟ الطالب: الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 2708
الشيخ: بس، الله قال: ﴿حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3].
طالب: شيخ، أنا سمعت قائلًا يقول: إن الجشاء أعظم من الضرطة.
قيل له: لماذا؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم ألا يضحكوا من الضرطة وأنكر على من تجشأ وقال: «كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ» (7) ( ... )؟
الشيخ: ما هو صحيح هذا؛ يعني: الاستدلال غير صحيح؛ لأن الذي قال: «كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ» تجشأ بصوت يدل على أنه شبعان ممتلئ البطن، وبعض الناس يجر الجشاء جَرًّا واضحًا فلأجل ذلك نهاه، أما الضرطة فلا.
لكن أنا أشوف الناس إذا تجشوا قالوا: الحمد لله، وإذا ضرطوا لم يقولوا: الحمد لله، إي نعم، والمعنى واحد؛ لذلك نقول: إذا تجشيت فلا تحمد، لا تحمد الله، ما هو مشروع، اللهم إلا إذا كان تجشؤك هذا يدل على بُرْءٍ من مرض، فهنا تحمد الله، مو علشان الجشاء، علشان البرء، أحيانًا يصاب الإنسان بمرض في معدته ما يستطيع يتجشأ، فيبرأ من ذلك فيتجشأ فيحمد الله على بُرئه هذا لا بأس؛ حمد على نعمة جديدة لا بأس به.
طالب: إذا حكمنا على بطلان النكاح، فهل يلزم التفريق بين الزوجين وأن الولد يكون ولد زنا؟
الشيخ: إذا حكمنا ببطلان النكاح وجب التفريق، وأما الولد فولد صحيح؛ لأنه جاء عن شبهة، وكل ولد جاء عن شبهة فهو للواطئ؛ لأن الشارع له تَشَوُّف كبير إلى إلحاق النسب وعدم ضياعه.
الطالب: يكون أحد الشروط هذه التي حكمنا ببطلانه يكون متكلمًا فيه؛ مثل اشتراط الولي للنكاح؟
الشيخ: لا، المعتدة ما فيها خلاف.
الطالب: لا، اشتراط الولي؟
الشيخ: لا، المعتدة ما فيها خلاف أنه لا يجوز النكاح حتى تتم عدتها بنص القرآن: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235].
الطالب: ليس المعتدة.
الزوجة اللي كانت تحت الزوج لكنه عُقِدَ عليها بدون ولي، فبعد سنوات ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2709
الشيخ: هذا بارك الله فيك ما بحثنا فيه الآن، وإذا كان الإنسان كلما تذكر مسألة ولو قبل عشر سنين جابها لنا الآن ما نقبل.
طالب: ولا سيد أمته وللحر نكاح أمة أبيه دون أمة ابنه، وليس للحرة نكاح عبد ولدها، وإن اشترى أحد الزوجين أو ولدُه الحر أو مكاتبه الزوج الآخر أو بعضه انفسخ نكاحهما.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نحن الآن في عداد المحرمات إلى أمد، وذكرنا فيما سبق ما شاء الله أن نذكره من الأمثلة، ونبدأ الآن بذكر أمثلة أخرى.
فقال المؤلف: (ولا ينكح كافر مسلمة) الكافر لا ينكح المسلمة؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]، أما الآية الأولى فواضح أنها في ابتداء العقد ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]، وأما الثانية فإذا كان قد مُنِع استدامة عقد الكافر فابتداؤه؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذن هذا قياس، هذا مثال للقياس؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] حتى ولو كانت زوجة الكافر، فإذا مُنِع من استدامة عقد الكافر على المؤمنة فابتداؤه؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، ولأن الزوج له سبيل على زوجته، وهو سيدها فلا يصح أن يكون الكافر سيدًا للمسلمة أو له عليها سبيل.
كذلك أيضًا لا ينكح مسلم كافرة، الدليل؟
طالب: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: 221].
الجزء: 2 - الصفحة: 2710
الشيخ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]، وقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]، فلا يصح للمسلم أن يتزوج كافرة؛ وبناء على ذلك لا يجوز أن نزوج من لا يصلي؛ لماذا؟
طالب: لأنه كافر.
الشيخ: لأنه كافر، ولا أن نتزوج من لا تصلي لأنها؟
طلبة: كافرة.
الشيخ: كافرة، على القول الراجح.
يقول: (ولو عبدًا) يعني: ولو كان المسلم عبدًا فإنه لا يتزوج الكافرة وإنما أشار إلى ذلك لئلا يقال: إنه نقص بفقد الحرية فجاز أن يتزوج الكافرة.
نقول: لأن العلة هو الإسلام، فإذا كان مسلمًا فإنه لا يجوز أن يتزوج كافرة.
قال: (إلا حرة كتابية) إلا حرة كتابية؛ يعني: فإنه يجوز للمسلم أن يتزوجها، فاشترط شرطين لجواز نكاح المسلم لغير المسلمة؛ اشترط شرطين؛ الشرط الأول: حرة، والشرط الثاني: كتابية.
فلا يجوز أن يتزوج المسلم أمة كتابية ولو بشروط جواز نكاح الأمة؛ يعني: ولو خاف العنت، ولو كان لا يجد مهرًا فإنه لا يجوز أن يتزوج أمة.
الشرط الثاني: أن تكون كتابية وهي اليهودية والنصرانية فيجوز للمسلم أن يتزوجها؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: 5] المحصنات يعني؟ الحرائر ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
وظاهر كلام المؤلف كما هو ظاهر الكتاب العزيز أنه وإن كانت هذه اليهودية أو النصرانية تعتقد اليهودية أن عزيرًا ابن الله، والنصرانية أن المسيح ابن الله.
انتبه، يعني حتى لو كانت اليهودية تقول: عزير ابن الله، والنصرانية تقول: المسيح ابن الله، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الجزء: 2 - الصفحة: 2711
الشيخ: بلى، حتى ولو كانت تقول بهذا، حتى ولو كانت النصرانية تقول: إن الله ثالث ثلاثة مع أنها بذلك مشركة ودليل هذا أن الله ذكر في هذه السورة نفسها جواز نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب مع حكايته عنهم أنهم يقولون: إن الله ثالث؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، فإن كانت تدين للمسيحية ظاهرًا وهي لا تصلي صلاة النصرانية ولا تقوم بشعائر الدين النصراني لكنها هويتها؟
طالب: نصرانية.
الشيخ: نصرانية، قلنا: هذه كما لو كان مسلم هويته الإسلام وقد فرَّط في شيء من أركان الإسلام لا سيما وأن أولئك ليس عندهم من يعلمهم ويرشدهم.
قال: (ولا ينكح حر مسلم أمة مسلمة إلا أن يخافا عنت العزوبة لحاجة المتعة أو الخدمة ويعجز عن طول حرة وثمن أمة) انتبه، كذلك لا يجوز للحر المسلم أن يتزوج أمة مسلمة إلا بشرطين: العنت، وعدم القدرة على طول الحرة أي: على مهرها؛ يعني أنه لا يستطيع مهر الحرة، ولا يستطيع الصبر عن المرأة إما للخدمة وإما للمتعة، إما رجل كبير السن ليس عنده من يخدمه، وإما رجل شاب لكنه قوي الشهوة يشق عليه ترك النكاح، فإذا اجتمع هذان الشرطان جاز له أن يتزوج الأمة، جاز أن يتزوج الأمة.
ويشترط شرط ثالث: أن تكون مؤمنة؛ ولهذا ذكر المؤلف هذا الشرط لكن لم يفصح به رحمه الله في قوله: (أمة مسلمة).
واشترط المؤلف شرطًا رابعًا؛ وهو أن يعجز عن ثمن الأمة؛ فصارت الشروط أربعة: أولًا: أن يكون محتاجًا إلى ذلك، والثاني: أن تكون الأمة أيش؟ مسلمة، لا من أهل الكتاب، والشرط الثالث: أن يعجز عن مهر الحرة، والشرط الرابع: أن يعجز عن ثمن الأمة.
لننظر أما اشتراط كونها مسلمة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25].
الجزء: 2 - الصفحة: 2712
إذن هذا الشرط صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح؛ لأن قال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25].
الشرط الثاني: المشقة بترك التزوج؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25].
إذن الشرط الثاني صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح.
الشرط الثالث: أن يعجز عن طول الحرة أي: عن مهرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: 25]، إذن الشرط صحيح أو لا؟ صحيح.
الشرط الرابع: أن يعجز عن ثمن الأمة؛ وذلك لأنه إذا كان قادرًا على ثمن الأمة قلنا له: اشتر أمة وجامعها بملك اليمين واستمتع بها بالخدمة بملك اليمين فلا حاجة أن تتزوج أمة، وأولادك إذا اشتريت أمة وجامعتها يكونون؟ أحرارًا؛ فلهذا نشترط أن يعجز عن ثمن الأمة.
لننظر هل دل القرآن على ذلك؟
الجواب: لا، لم يدل على ذلك؛ لأن الله ذكر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَات﴾ [النساء: 25] بس، شرط.
ما ذكر شرط العجز عن ثمن الأمة.
وإذا زدنا شرطًا فيما لم يشترطه الله كنا ضيقنا على عباد الله؛ وعلى هذا فالصحيح أنه لا يشترط أن يعجز عن ثمن الأمة، بل له أن ينكح الأمة ولو كان قادرًا على ثمن الأمة.
ولكن لو قال قائل: إذا كان قادرًا على ثمن الأمة التي يريد أن يتزوجها فهل يجوز أن يتزوجها بدون أن يشتريها؟
انتبهوا، تأملوا المثال: هل يجوز إذا كان قادرًا على ثمن الأمة التي يريد أن يتزوجها هل نقول له: يجب أن تشتريها وتطأها بملك اليمين وتستخدمها بملك اليمين لا أن تتزوجها؟
طالب: شيخ، نقول: لا يجوز له؛ لأن زواجه يؤدي إلى استرقاق أبنائه.
الشيخ: دعنا من هذه، ما وصلنا لها.
هل يجوز أو نقول: اكتفي بالملك، لعلنا نأخذ أمثلة على هذا يتضح المقام؛ رجل عنده خمسة آلاف ريال، مهر الحرة عشرة آلاف إذن هو عاجز، عاجز عن أيش؟
طلبة: مهر الحرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2713
الشيخ: مهر الحرة، لكن خمسة آلاف ريال تأتي له بأمة هل يجوز أن يتزوج الأمة؟
طالب: يجوز له.
الشيخ: لا، على قوله: (إنه يشترط أن يعجز عن ثمن الأمة) لا يجوز.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا يجوز أن يتزوج أمة؛ لأنه يستطيع أن يشترى بخمسة ألاف أمة يطؤها ويستمتع بها، وعلى القول الراجح يجوز؛ هذا إنسان يريد أن يتزوج أمة وليس قادرًا على طول الحرة؛ لأن طول الحرة عشرة آلاف وثمن الأمة خمسة آلاف، هذه الخمسة آلاف لو تزوج بها أمة تزوجها، ولو اشترى أمة كفته، فهل يُقَدِّم الشراء أم يقدم الزواج؟
طلبة: الشراء.
الشيخ: الشراء، في هذه الحال يقدم الشراء؛ إذا كانت في أمة معينة؛ وقيل له: أنت اشترها بخمسة آلاف وتكون ملكك.
قال: لا، أنا أريد أن أتزوج بخمسة آلاف، أتزوجها بخمسة آلاف ولا تكون ملكًا لي.
نقول: لا يصح ذلك.
فإن قال قائل: هل يجوز أن يتزوج الأمة وهو قادر على مهر الحرة لكن اشترط على مالكها أن أولاده منها أحرار؟ هل يجوز أم لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: نعم، ظاهر القرآن أنه لا يجوز؛ لأن الله أطلق.
وقال بعض العلماء: إذا اشترط حرية أولاده جاز بناء على ما علل به الإمام أحمد رحمه الله في قوله: إن الحر إذا تزوج أمة رَقَّ نصفه.
كيف يرق نصفه؟
طالب: أولاده.
الشيخ: يعني: يصير أعلى جسده رقيقًا؟
طلبة: لا.
طالب: أولاده.
الشيخ: لا؛ المعنى أن أولاده يكونون أرقاء؛ لأن الإنسان إذا تزوج أمة صار أولاد الأمة ملكًا لسيدهم، وممن ذهب إلي ذلك شيخ الإسلام؛ قال: إذا اشترط حرية الأولاد فلا بأس، ولكننا نقول: عفا الله عنك يا شيخ الإسلام، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، والله عز وجل لم يشترط ذلك، لم يقل: إلا أن يشترط حرية أولاده، ثم إن من الدناءة وخلاف المروءة أن الحر يتزوج أمة، حتى عند الناس إذا تزوج أمة صار شهرة، فلان الرجل الشريف النسيب تزوج رقيقة فلان، فيه معرة وعيب، والإنسان ينبغي أن يبتعد عن كل شيء يجر إليه العيب.
أفهمتم هذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2714
فالصواب ما دل عليه القرآن الكريم أنه لا يحل أن يتزوج الأمة إلا بما ذكر الله من الشروط حتى وإن اشترط أن أولاده أيش؟
طالب: أحرار.
الشيخ: أن أولاده أحرار، فإنه لا يصح.
(ولا ينكح عبدٌ سيدته) الدليل؟
طالب: ليست زوجته ( ... ).
الشيخ: هي بتتزوجه حتى بنت الناس ( ... ) حتى تعقد عليه، لكن يريد أن يعقد عليها، هي من المعلوم أنه لا حجاب بينه وبينها ما دامت؟
طلبة: سيدته.
الشيخ: سيدته، لكن لا يحل له أن يخلو بها، فهل يجوز أن يتزوجها؟ ( ... ) والله المرأة هذه السيدة سيدة شابة وجميلة وحركة وطيبة ودينة، والرجل هذا أيضًا العبد عالم كبير فاضل، قال: أريد أن أتزوج سيدتي.
هل يجوز هذا أو لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: نقول: قال المؤلف: إنه لا يجوز، يحتاج إلى دليل؛ لأن الله قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، الدليل على هذا إجماع العلماء؛ أجمع العلماء على أن العبد لا يتزوج سيدته؛ العبد لا ينكح سيدته أجمع العلماء على هذا، والمعنى أيضًا يقتضيه؛ لأنه إذا تزوجها صار سيدًا لها وهي سيدة له فيتعارض المقصودان؛ تأمره هي باعتبار أنها مالكة تقول: يا عبد، جيب كذا وكذا، وهو يقول: يا زوجة لا سمع ولا طاعة.
ثم يحصل نزاع بينهما دائمًا؛ فلذلك كان الإجماع والمعنى يقتضي ذلك، أي أنه لا يجوز للعبد أن ينكح أيش؟ سيدته، أما كونها يجوز أن تكشف له فلدعاء الحاجة إلى ذلك؛ ولهذا قلنا: تكشف له، ولكن لا يجوز أن يخلو بها أو يسافر بها؛ لأنها ليس محرمًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2715
(ولا ينكح عبد سيدتًه، ولا سيدٌ أمته) سبحان الله، لا يجوز أن ينكح السيد أمته؟ نعم لا يجوز؛ لأن الله جعل ملك اليمين قسيمًا للنكاح فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] فدل ذلك على أنهما لا يجتمعان؛ لأن قسيم الشيء مباين له، هذا دليل من القرآن، دليل أيضًا من المعنى أن استباحة فرج المملوكة أقوى من استباحة فرج الزوجة، فاستباحة الفرج بملك اليمين أقوى من استباحته بعقد النكاح ولا يمكن أن يرد الأضعف على الأقوى؛ لأننا نقول للسيد: أنت الآن إذا عقدت عليها النكاح ماذا تريد منها؟ ماذا تريد؟
طالب: أن ينكحها.
طالب آخر: يستمتع بها.
الشيخ: أن يستمتع بها، نقول: استمتع بها بملك اليمين أقوى من الاستمتاع بملك النكاح، ولا يرد الأضعف ..
طالب: على الأقوى.
الشيخ: على الأقوى.
طالب: بالنسبة للعبد إذا قلنا: إن سيدته تكشف عليه لكنه مثلًا إذا رآها جميلة وكذا يعني ..
الشيخ: ينفتن بها؟
الطالب: تتوق نفسه مثلًا إلى الوطء.
الشيخ: المهم يفتتن بها.
الطالب: نعم، كيف مثلًا نقيس هذا مثلًا كما اعتمدنا أنها لا تحل له؟
الشيخ: هداك الله، وهدى إخوانك، قررنا في هذا المجلس الآن أن الشيء المباح قد يكون واجبًا وقد يكون حرامًا حسب ما يوصل إليه ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كل مباح، ما هذه المسألة، كل مباح قد يكون حرامًا أو واجبًا، أرأيت البيع حلال ولا حرام؟
طالب: على حسب.
الشيخ: لو أن أحدًا باع على شخص سلاحًا في فتنة أيش يكون؟
طالب: حرام.
الشيخ: يكون حرامًا، ولو أن إنسانًا اشترى ماء للوضوء لكان هذا الشراء؟ واجبًا.
هذه يا إخواني قاعدة افهموها: أن المباح في الواقع هو مباح في الأصل، وقد يعتريه ما يجعله واجبًا لغيره أو حرامًا لغيره، فإذا قلنا بجواز كشف السيدة وجهها لعبدها، وكنا نخاف أن يكون من ذلك فتنة ماذا يكون هذا المباح؟
طلبة: حرامًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2716
الشيخ: يكون حرامًا، هذه قاعدة أنا لا أحب أن تسألوا عن فرع منها، وذكرنا أيضًا في نظم القواعد أن من فاتته الأصول ..
طالب: حُرِمَ الوصول.
الشيخ: حرم الوصول.
طالب: بالنسبة لقوله: (أو الخدمة)، (إلا أن يخاف عنت العذوبة أو الخدمة) فهل على هذا دليل، الخدمة؟
الشيخ: لعل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25]، عام، هذا عام، سواء عنت العزوبة أو عنت الخدمة.
الطالب: ما يمكن أن تخدم دون زواج يا شيخ؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ما يمكن أن تخدمه دون نكاح؟ أن يستأجرها تعمل عنده؟
الشيخ: إذا صارت هي وياه بالبيت ترتب على هذا خلوة، والشيطان يزين الشر للإنسان، تجد الرجل مع زوجته لا يكون عنده تلك الشهوة القوية، ولو يخلو بامرأة أقبح منها وأكثر تقدمًا في السن تحركت شهوته، أليس كذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ !
طلبة: بلى.
طالب: شيخ قلت: الصحيح أنه لا يشترط أن يعجز عن ثمن الأمة، ثم قلت: يتضح بالمثال ولا يظهر هذا المثال؟
الشيخ: لا يظهر، المثال إذا كان يريد أمة معينة.
الطالب: كيف يا شيخ؟
الشيخ: يعني هو الآن، أنت تعرف الأمة ما هي معناها الأمة كل امرأة سوداء، الأمة المملوكة، ويوجد مثلًا لما غزا المسلمون الأتراك وغيره يوجد في نساء الأتراك من الإماء مَن هي أجمل من الحرة بكثير فهذا الرجل تعلق قلبه بهذه الأمة، سيدها قال: أنا أبيعك إياها بخمسة آلاف، ولو أمهرها لأمهرها خمسة آلاف، ماذا نقول في هذه الحالة؟
طالب: يشتريها.
الشيخ: اشترها ولا تتزوجها، أنت إذا اشتريتها تمتعت بها أكثر مما لو تمتعت بها على أنها زوجة، واضح؟
طالب: إي واضح، بس قوله ما يشترط أن يعجز عن ثمن الأمة؟ هو الآن ما هو بعاجز؟
الشيخ: إي لكن يقول: أنا لا أريد الأمة؛ يعني: قلنا له: تزوج أمة.
قال: لا أريدها، أنا لا أريد اشتري أمة.
لكن إذا تعلقت نفسه بأمة معينة اتجه القول بأنه لا بد أن يعجز عن ثمنها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2717
طالب: متى يصبح أبناء المملوكة أرقاء، ومتى يصبحون أحرارًا؟
الشيخ: نحن ذكرنا فيما سبق أن الأولاد بالنسبة لأصولهم يتبعون الأب في شيء، والأم في شيء، والأخبث في شيء، والأطيب في شيء، إذا كانت الأم مملوكة فأولادها أرقاء لسيدها ولو كانوا من حر، وإذا كانت المرأة الأم حرة فأولادها أحرار ولو كانوا من رقيق، فهمت؟
طالب: نعم.
الشيخ: الأولاد يتبعون الأم فيكونون أرقاء إذا كانت الأم رقيقة.
طالب: كيف الجمع بين الأمر بمعاداة الكفار وتحريم محبتهم، وجواز النكاح من أهل الكتاب؟
الشيخ: لأن الله أباح هذا وحرم هذا.
الطالب: هل هو يؤمر ببغض .. ؟
الشيخ: أمر بهذا وحرم هذا.
الطالب: يعني مأمور أن يكره زوجته أو يعاديها؟
الشيخ: لا، دينها، يكره دينها، لكنه يحبها محبة تمتع؛ ولهذا يجد الفرق بين أن يحب شخصًا لله وبين أن يحب امرأته لأنها امرأته؛ يوجد فرق بين المحبتين؛ فرق بين محبة الله ورسوله ومحبة الأب والأم.
طالب: قلتم في تحريم زواج السيدة من العبد ( ... )، فهل نقول: ( ... ) العار يلحق بالمرأة مثلما يلحق بالرجل؛ يعني الناس يقولون: تزوجت فلانًا العبد؟
الشيخ: ما هو على كل حال، إذا كان العبد رجلًا عالمًا فاهمًا عاقلًا شجاعًا كريمًا.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، العلة هو تصادم السيادة كما ذكرت، والإجماع هو الدليل.
طالب: وإن اشترى أحد الزوجين أو ولدُه الحرُّ أو مكاتبه الزوجَ الآخر أو بعضه انفسخ نكاحُهما، ومن حرُم وطؤها بعقد حَرُم بملك يمين إلا أمة كتابية، ومن جمع بين محللة ومحرمة في عقد صح فيمن تحل، ولا يصح نكاح خنثى مُشْكِل قبل تَبَيُّنِ أمره.
الجزء: 2 - الصفحة: 2718
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، من المحرمات إلى أمد ما ذكره في قوله: (وللحرِّ نكاح أمة أبيه دون أمة ابنه) الحرُّ له أن يتزوج أمة أبيه؛ مثاله: زيد له أمة وله ابن اسمه عبد الله، فأراد عبد الله أن يتزوج أمة أبيه نقول: لا بأس بذلك؛ لأنها ليست ملكًا له أي للولد وليس له فيها شبهة ملك، ولكن لاحظوا أنه لا بد من شروط جواز نكاح الإماء كما سبق.
ومراد المؤلف رحمه الله أن أمة الأب لا تحرم على الابن إذا تمت شروط جواز نكاح الأمة؛ وهي: أن يخاف المشقة، وألا يجد مهر حرة، ولا ثمن أمة على رأي المؤلف، وأن تكون مسلمة.
(دون أمة ابنه) أي: لا يجوز للأب أن يتزوج أمة ابنه؛ مثال ذلك نفس المثال: نقول: رجل له أمة، فأراد أبوه أن يتزوج هذه الأمة فإنه لا يحل له أن يتزوجها؛ لماذا؟
قالوا: لأن له فيها شبهة ملك، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأنه ليس للأب شبهة ملك في مال ولده، بل له شبهة تملك، وفرق بين أن نقول: لك التملك وبين أن نقول: لك ملك؛ لأن إذا قلنا: ملك يعني أنه مشارك للابن، وإذا قلنا: تملك يعني أنه ليس مشاركًا، لكن له أن يتملك، فأيهما المراد: أن له الملك أو التملك؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ له التملك، وحين إذن نقول: إن أمة ابنه حلال له؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، فصار الآن كلام المؤلف ضعيف في أي المسألتين؟ في أن يتزوج الابن أمة أبيه، أو الأب أمة ابنه؟
طالب: الثاني.
الشيخ: أما الأول فصحيح؛ أن للابن أن يتزوج أمة أبيه.
ثم قال رحمه الله: (وليس للحرة نكاح عبد ولدها)، والعبد الذي لا يتصل بها بصلة لها أن تتزوجه كما سبق؛ امرأة حرة لها ابن وابنها له عبد، هل يجوز لهذا العبد أن يتزوج؟
يقولون: لا، لا يصح أن يتزوجها، وهذا أيضًا قول ضعيف، والصحيح أن للحرة أن يتزوجها عبدُ ابنها؛ لدخول ذلك في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
الجزء: 2 - الصفحة: 2719
في هذه الحال نقول: أين الدليل على التحريم، والأصل الحل؟ فعبد ابنها ليس أباها ولا ابنها ولا أخاها ولا عمها ولا خالها ولا ابن أخيها ولا ابن أختها، فأين الدليل على المنع؟
وقد سبق لنا أنه لا يجوز للحرة أن تتزوج عبدها وقلنا: إن الدليل على ذلك هو؟ الإجماع والتضاد، أما هنا لا إجماع ولا تضاد؛ فالصواب إذن أن للحرة أن تنكح عبد ولدها.
فإذا قال قائل: كيف حرة تريد أن تنكح عبد ولدها؟
نقول: نعم هذا ممكن؛ يكون المرأة هذه شابة ليست كبيرة، وهذا العبد شاب جميل خلوق دين فترغب أن يكون زوجها، أليس كذلك؟ إي نعم، على كل حال الصحيح أنه جائز.
قال رحمه الله: (وإن اشترى أحد الزوجين أو ولدُه الحر أو مكاتبه الزوجَ الآخر أو بعضَه انفسخ نكاحُهما).
نبدأ بالمسألة الأولى: إذا اشترى أحد الزوجين صاحبه الآخر؛ مثال ذلك: امرأة تزوجها عبد، ما هو عبدها، عبد، فاشترته، يقول المؤلف: إن النكاح ينفسخ؛ لأنه ليس للحرة أن تنكح عبدها.
وقد سبق لنا هذا وأنه بالإجماع، فيقولون: إذا امتنع ابتداء النكاح امتنع دوامه.
وكذلك العكس؛ لو تزوج الإنسان أمة ثم اشتراها، فإن النكاح ينفسخ؛ لأن الرجل لا يجوز أن يتزوج أمته كما سبق، أليس كذلك؟ فيقولون: ما منع الابتداء منع الاستدامة.
إذن، لماذا إذا اشترى الزوج زوجته لماذا ينفسخ النكاح؟ التعليل لأن الرجل لا يتزوج أمته، وما منع النكاح ابتداء منعه استدامةً.
والعكس بالعكس أيضًا؛ لو أن المرأة اشترت زوجها صار ملكًا لها فينفسخ النكاح؛ لماذا؟
لأنه لا يمكن أن تتزوجه لو كان ملكها، وما منع الابتداء منع الاستدامة، أيهما الذي يكون الأمر مصيبة عليه؛ أن يشتري الرجل زوجته أو أن تشتري زوجها؟
طالب: تشتري زوجها.
طالب آخر: الثاني.
الشيخ: الثاني هو المصيبة؛ لأنها إذا اشترت زوجها انفسخ النكاح ولا تحل له، لكن إذا اشترى زوجته انفسخ النكاح وحلت له بملك اليمين؛ يعني: ما صار اختلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2720
يقول رحمه الله: (أو ولده الحر أو مكاتبه) هاتان المسألتان ما جرى عليه المؤلف غير صحيح؛ يعني: إذا اشترى الولد زوجة أبيه المملوكة انفسخ النكاح؛ ليش؟
لأنه ليس للحر أن يتزوج أمة ابنه، وما منع الابتداء منع الاستدامة، وهذا غير صحيح؛ لأنه سبق لنا أن الصواب أنه يجوز أن يتزوج أمة ابنه.
إذا اشترى الولد زوجة أبيه انفسخ النكاح، لكن هل يحل للولد إذا علم أن النكاح ينفسخ أن يشتري زوجة أبيه؟
لا يحل، لماذا؟ لأنه عقوق قد يكون الأب متعلقًا بهذه الزوجة وراغبًا فيها فيأتي الولد يشتريها.
كذلك (أو مكاتَبه) مكاتَب الرجل اشترى زوجة الرجل؛ مثل: زيد له عبد، كاتَبَه زيد؛ يعني: باع نفسه عليه بثمن معلوم، وكان هذا المكاتب رجل حركًا، من جملة مشترياته اشترى زوجة سيده الذي كاتبه، ماذا يكون الأمر؟
طالب: ينفسخ.
الشيخ: ينفسخ النكاح، فصار هذا المكاتب بلاء على سيده، اشترى زوجته فانفلت منه، لكن هذا القول -والحمد لله- ضعيف لا يصح؛ تعليل ذلك يقولون: لأن المكاتب ربما عجز فعادت الزوجة ملكًا لمن؟ لسيدها، فيقال: هذا احتمال لا بأس، لكن ما دام لم يحصل هذا الاحتمال فالأصل عدم فسخ النكاح.
يقول رحمه الله قاعدة مفيدة: (ومن حرُم وطؤها بعقد حرُم بملك يمين إلا أمةً كتابية) هذه قاعدة: من حَرُم وطؤها بالعقد أي: بعقد النكاح حرم بملك اليمين، مثلًا الأخت يحرم وطؤها بعقد النكاح.
كذا؟ أيش قلت؟ أيش فيه يعني؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: بعقد النكاح.
لو ملك أخته؟ تحرم، تحرم عليه بملك اليمين، على أنه سيأتينا إن شاء الله أن الرجل إذا ملك ذات محرم المُحَرَّم منه فإنها تعتق بمجرد الملك، ملك أخته من الرضاع؟
يحرم أن يطأها؛ لأنه يحرم وطؤها بعقد النكاح فيحرم بملك اليمين، هذه القاعدة.
(إلا أمة كتابية) فالأمة الكتابية يحرم وطؤها بعقد النكاح، صحيح؟
طالب: صحيح.
الشيخ: لأنه سبق لنا أنه من شروط نكاح المملوكة؟
طالب: أن يعجز عن طول الحرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2721
الشيخ: أن يعجز عن طول الحرة وثمن الأمة على رأي المؤلف.
الأمة الكتابية تحل، يحل وطؤها بملك اليمين ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: والأمة الكتابية، هل يحل وطؤها بعقد النكاح؟
طالب: لا.
الشيخ: لأن من شرطها أن تكون مسلمة، وهذه أمة كتابية؛ نوضح المثال: رجل يعجز عن طول الحرة ويشق عليه ترك النكاح ووجد أمة لكنها كتابية، هل تحل له بالعقد؟
طالب: بالعقد لا تحل له.
الشيخ: لا تحل.
ملك أمة كتابية؛ يعني: اشترى أمة كتابية، تحل له بالملك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن يستثنى من هذه القاعدة الأمة الكتابية فإنه لا يحل نكاحها؛ يعني: لا تحل بالعقد، لكنها تحل بملك اليمين.
وعُلِمَ من قوله: (إلا أمة كتابية) أن الإنسان لو ملك أمة غير كتابية فإنها لا تحل له.
إنسان مَلَك أمة كتابية، اشترى أمة وثنية فإنها لا تحل له؛ لأنه اشترط في الأمة أن تكون أيش؟
طالب: كتابية.
الشيخ: كتابية؛ وعلى هذا فإذا ملك مجوسية أو ملك ملحدة لا تدين بأي دين فإنه لا يحل له وطؤها بملك اليمين، عرفتم؟
طلبة: نعم.
طالب: على كلام المؤلف.
الشيخ: على كلام المؤلف؛ لأن مفهوم كتابية أنها إذا لم تكن كتابية فإنها لا تحل له، وهذا هو الذي عليه جمهور الأمة، بل قيل: إنه إجماع.
والصحيح أنها تحل له؛ أنه إذا ملك أمة من أي دين كانت أو ممن ليس لها دين فإنها تحل له؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6]، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3].
وعلى هذا فيكون القول الراجح في هذه المسألة أن المملوكة يحل وطؤها أيًّا كان دينها، حتى لو كانت ملحدة لا تدين بدين فإنها مملوكته يحل له وطؤها، عندي أنكم ما فهمتم شوي؟
طالب: لا، يا شيخ.
الشيخ: واضح؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2722
الشيخ: إي نعم، لعموم الآية؛ ولهذا عندي يقول: واختار الشيخ تقي الدين جواز وطء إماء غير أهل الكتاب بملك اليمين؛ قال في الإنصاف: وذكره ابن أبي شيبة عن ابن المسيب وعطاء وغيرهما.
فلا يصح ادعاء الإجماع.
قال: (ومن جمع بين مُحَلَّلَة ومُحَرَّمَةٍ في عقد صحَّ فيمن تَحِلُّ) يعني: وبطل فيمن تحرم؛ مثال ذلك: رجل تزوج امرأة مُحْرِمة وغير مُحْرِمة؛ امرأتين إحداهما محرمة والثانية غير محرمة؛ زوجهما هذا الرجل ابن عمهما، وابن عمهما ولي لهما، فقال: زوجتك فلانة وفلانة، فقال: قبلت.
إحداهما مُحْرِمة والثانية غير مُحْرِمة، مَنِ الذي يصح نكاحها؟
طلبة: غير المحرمة.
الشيخ: غير المحرمة.
والثانية يبطل نكاحها؛ وذلك لأن القاعدة أن الصفقة إذا جمعت بين محلل ومحرم صح أيش؟ في المحلل دون المحرم.
كذلك رجل زوج شخصًا ابنته وأمته؛ قال: زوجتك بنتي وأمتي.
فقال: قبلت.
هنا جمع بين محللة ومحرمة، أيهما المحللة؟
طالب: البنت.
الشيخ: والأمة؟
طالب: محرمة.
الشيخ: محرمة؛ لأنه لا يحل نكاح الإماء مع القدرة على نكاح الحرائر.
معتدة وغير معتدة؟
طالب: غير المعتدة حلال.
الشيخ: غير المعتدة يصح، والمعتدة؟ لا يصح.
قال: (ولا يصح نكاح خنثى مُشْكِل قبل تَبَيُّنِ أَمْرِه) الخنثى المشكل هو الذي لا يُدرى أذكر هو أم أنثى؟ فهذا لا يصح نكاحه حتى يتبين أمره، فإن تبين أنه رجل زُوِّج امرأة، وإن تبين أنه امرأة زُوِّجَ رجلًا.
الخنثى المشكل مثل أن يكون له آلة ذكر وآلة أنثى؛ يعني: فرج وذَكَر كلاهما يتبول منهما، ولم يتبين أنه رجل؛ يعني: لم تظهر عليه علامة الرجولة ولا علامة الأنوثة خاصة.
فهذا نقول: لا تتزوج حتى يتبين أمره، إلى متى؟
طالب: إلى أن يتبين.
الشيخ: إلى أن يتبين، استمر، لم يتبين نقول: إن أمكن ذلك لا يتزوج، فماذا نصنع به الآن؟ رجل عنده شهوة قوية، ما هو رجل يعني، خنثى عنده شهوة قوية.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2723
الشيخ: ما يصح، وإن كان ( ... ) يكون ذكرًا وهذا ذكر.
على كل حال يقول: يبقى لا يتزوج، ونقول له كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» (8)، فإن نفع به الصوم فذاك، وإن لم ينفع فهناك الآن -والحمد لله- عقاقير تهدئ من الشهوة يُعطى إياها حتى يأتي الله بأمره، نسأل الله ألا يبلونا ولا إياكم.
طالب: شيخ، إذا اشترى أحد الزوجين الآخر، لماذا لا نقول: إنه يصح الشراء ويستمر العقد، ولكن يعتق عليه كما لو كان أحد.
الشيخ: يعتق عليه! ما يعتق إلا إذا أعتقها، الرسول قال في صفية: «أَعْتَقْتُكِ وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ» (9).
الطالب: لو اشترى مَحْرَمًا له تعتق عليه؟
الشيخ: كيف مَحْرَمًا له؟
الطالب: إذا اشترى أمه أو أخته؟
الشيخ: لو اشترى زوجته.
الطالب: لو اشترى أُمَّه، هل تعتق عليه أو لازم يعتقها هو؟
الشيخ: لا، تعتق عليه.
الطالب: نقول: هذا في الزوجة.
الشيخ: لا ما يصح؛ لأن هذه ليست ذات محرم منه.
الطالب: يعني الاستدامة أقوى من الابتداء ( ... ).
الشيخ: لا، على كل حال هذه يقولون بأنه لا يصح بحال، والمسألة ما أظنها تخلو من خلاف، لكن الآن ما يحضرني أن فيها خلافًا، لكن ما أستبعد أنه يكون فيها خلاف.
طالب: بالنسبة لزواج الرجل من مملوكته قد يقول: أنا ما أريد أعتقها، ولكن أريد أرفع من منزلتها بالزواج منها؟
الشيخ: ما يمكن، اعتقها كما فعل الرسول.
الطالب: يعني: يقول ..
الشيخ: ما يطاع، إذا قال: لا.
نقول: لا.
الطالب: القاعدة يا شيخ أنه لا يرد الأضعف على الأقوى، هل لها مثال آخر غير هذا؟
الشيخ: ما يحضرني الآن.
طالب: زواج ( ... ) أمة أبيه، الأولاد .. ؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: هل يكونوا أحرارًا؟
الشيخ: أرقاء لأبيه، وإذا ملكهم أبوهم عتقهم.
طلبة: ( ... ).
باب الشروط والعيوب في النكاح
الجزء: 2 - الصفحة: 2724
الشيخ: هو في الحقيقة نسأل الله أن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم، وكان الرسول يستفتح عليه الصلاة والسلام صلاة الليل بقوله: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (10) فالإنسان مفتقر إلى الله عز وجل في أن يهديه لما اخْتُلِفَ فيه من الحق وإلا لضل؛ يعني: لا تظن أنك كلما اجتهدت في شيء وبذلت الجهد ووصلت إلى الغاية، لا تظن أن هذا هو الصواب قطعًا، بل اسأل الله أن يهديك لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الشروط والعيوب في النكاح
إذا شرطت طلاق ضرتها أو لا يَتَسَرَّى أو ألا يتزوج عليها أو لا يخرجها من دارها أو بلدها أو شرطت نقدًا معينًا أو زيادة في مهرها صحَّ، فإن خالفه فلها الفسخ، وإذا زَوَّجَه وَلِيَّتَهُ على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا ولا مهرَ بطل النكاحان، فإن سُمِّيَ لها مهر صحَّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا عندي (فإن سُمِّيَ لهما)، عندك (لهما)؟
طالب: نعم (لهما).
طالب آخر: ( ... ) (موليته).
الشيخ: أنا اسمع وعندي.
قال: (باب الشروط والعيوب في النكاح) الشروط جمع شرط وهو العلامة؛ لقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] أي: علاماتها، والشرط في كل موضع بحسبه فيُفَسَّر في باب أصول الفقه بتفسير، ويُفَسَّر في باب الفقه بتفسير آخر.
وقوله: (الشروط في النكاح)، هناك فرق بين شروط النكاح والشروط في النكاح، والفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن شروط النكاح من وضع الشرع، والشروط في النكاح من وضع العاقد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2725
والفرق الثاني: أن شروط النكاح: ما تتوقف عليها صحته، والشروط في النكاح: ما يتوقف عليها لزومه؛ لأنها حق آدمي إن شاء أسقطها، وإن شاء أخذ بها.
ما الفرق بين الشروط في النكاح وشروط النكاح؟
طالب: من وجهين؛ الأول: أن شروط النكاح الذي وضعها الشرع، والشروط في النكاح وضعها العاقد.
الوجه الثاني: أن شروط النكاح تتوقف عليها صحة النكاح، والشروط فيه تتوقف عليها لزومه.
الشيخ: أحسنت، ومعنى يتوقف عليها لزومه: أنه لو شاء الذي شرطها لأسقطها.
فمثلًا رضا الزوجين شرطٌ في النكاح أو شرط للنكاح؟
طالب: شرط للنكاح.
الشيخ: للنكاح.
شَرْط مهرٍ معين من شروط النكاح أو فيه؟
طالب: من شروط النكاح.
الشيخ: يعني: لو اشترطت المرأة أن يكون مهرها ألف ريال، هذا شرط نكاح ولَّا شرط في النكاح؟
طالب: شرط في النكاح.
الشيخ: تمام، إذن الفرق من وجهين.
أما قوله: (العيوب في النكاح) فالعيوب جمع عيب، فما هو العيب في النكاح؟ هل هو محدود أو معدود؟ وهل يثبت به الفسخ أو لا يثبت؟
الصواب أنه محدود وليس معدودًا، وما ورد عن السلف فإنها قضايا أعيان تكون كالأمثلة لذلك.
وَحَدُّه: ما يوجب التنافر بين الزوجين أو يُفَوِّت المقصود، هذا حد العيب في النكاح؛ ما يوجب التنافر بين الزوجين أو يفوت المقصود من النكاح، هذا هو الصحيح، وهذا حَدٌّ وليس بِعَدٍّ.
ويرى بعض العلماء أن العيوب معدودة وأضرب لذلك مثلًا: البرص من عيوب النكاح، ولو كان بِقَدْر جُبِّ الإبرة، هذا عيب؛ لو أن الرجل دخل على زوجته وجد في زراعها مثل جب الإبرة بياضًا، هذا عيب، عرفت؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولو تزوج امرأة، ودخل عليها، فإذا هي عمياء صماء بكماء خرساء زمنى لا تتحرك، فهذا ليس بعيب؛ لماذا؟ لأن العيوب؟
طالب: معدودة.
الشيخ: معدودة معينة، لا محدودة، وأيهما أعظم الأولى أو الثانية؟
طلبة: الثانية.
الشيخ: الثانية.
أبغي امرأة عمياء خرساء صماء زمنى! أيش ( ... ) أنقلها؟ !
الجزء: 2 - الصفحة: 2726
على كل حال يرى بعض العلماء رحمهم الله أن العيوب محدودة، ويرى آخرون أنها معدودة.
والصواب أنها محدودة؛ وهي كل ما يوجب النفرة بين الزوجين أو يُفَوِّت أيش؟ المقصود بالنكاح.
الشروط في النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام، ونسأل أولًا: ما المعتبر من الشروط في النكاح، هل يعتبر أن تكون مقارنة للعقد أو يجوز أن تُلْحَق بالعقد أو يصح أن تكون قبل العقد؟
هنا ثلاث أحوال؛ تارة يكون الشرط قبل العقد، وتارة معه، وتارة بعده، فما هو المعتبر؟
المعتبر ما كان في صلب العقد أو اتفقا عليه قبل العقد، وأما ما بعد العقد فليس بمعتبر، ؛ فلو تزوج امرأة وشرَطَ أن تكون جميلة في صلب العقد، فلما دخل عليها إذا هي قبيحة فهذا الشرط صحيح، وله أن يفسخ النكاح.
ولو اتفقا قبل العقد على أنها جميلة وحين العقد سكتوا، ما ذكروا في العقد أنها جميلة ثم تبين بعد الدخول عليها أنها قبيحة، هل يعتبر الشرط السابق؟
الجواب: نعم يعتبر، ما لم يُبْطِلاه حين العقد، وإنما جعلناه معتبرًا؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، أما لو تم العقد وبعد أن قال: زوجتُكَ بنتي.
فقال: قبلت.
قال: شوف أنا اشترط أنها جميلة، هل يُعْتَبر هذا الشرط؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه تم العقد وانتهى صار عقدًا مطلقًا لا شرط فيه فيبقى على إطلاقه.
إذن المعتبر في الشروط أيش؟ ما كان في صلب العقد أو اتفقا عليه قَبْلَه، وهذا سينفعك ليس في الشروط المرغوب فيها، بل حتى في الشروط التي تُطْلَب السلامة منها، المعتبر صلب العقد أو ما اتفقا عليه قبله.
الشروط تنقسم إلى أقسام؛ شروط صحيحة، وشروط فاسدة غير مفسدة، وشروط فاسدة مفسدة، الأقسام كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؛ فاسدة مفسدة، فاسدة غير مفسدة، صحيحة.
بدأ المؤلف بالصحيح فقال: (إذا شرطت طلاق ضرتها) يعني: فهو شرط صحيح؛ يعني: خطب مِن جماعة قال: ما نزوجك إلا بشرط أن تُطَلِّقَ زوجتك، يقول المؤلف: إن هذا شرط صحيح؛ لماذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2727
لأن فيه غرضًا مقصودًا للزوجة؛ إذ أن كون الزوج خاليًا لها أحب إليها من أن يكون معها غيرها، أليس كذلك؟
هذا غرض مقصود وأكثر النساء عندها من الغيرة شيء عظيم، ولكن الصواب أن هذا الشرط فاسد؛ لأن النبي عليه وعلى آله وسلم نهى عنه فقال: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» (11) أو كلمة نحوها، ومعلوم أن ما نهى عنه الشرع فهو لا يجوز إقراره، وتصحيح الشرط إقرار له، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ شُرِطَ مِئَةَ مَرَّةٍ» (12) إذن القول الصحيح أن هذا الشرط أيش؟
طالب: فاسد.
الشيخ: فاسد غير صحيح؛ فلو تزوجها على هذا الشرط على أنه يطلق امرأته الأولى، ثم دخل بها وأمسك الأولى فليس لها أن تطالبه بطلاقها؛ لماذا؟
طالب: لأن الشرط فاسد.
الشيخ: لأن الشرط فاسد باطل كأنه لم يكن.
الثاني: شرطت (ألا يتسرى أو ألا يتزوج عليها) قالت عند العقد: شرط ألا تَسَرَّى وألا تزوج.
والفرق بين التسري والتزوج أن التسري في المملوكة والتزوج في غير المملوكة، فهذه امرأة عندها غيرة عظيمة تريد ألا يطأ إماءه، عنده إماء كثير، فقالت: شرط ألا تتسرى واحدة منهن، يصح هذا الشرط أو لا؟ يصح هذا الشرط؛ لأنه ليس فيه اعتداء على أحد إنما فيه حق للزوج أسقطه وليس فيه عدوان على أحد.
ألا يتزوج أيضًا يصح؛ زوجوه بشرط ألا يتزوج عليها فقال: نعم، لكم هذا الشرط.
فلا يجوز أن يتزوج؛ لأنه مشروط عليه ألا يتزوج، فإن تزوج فللمرأة فسخ النكاح.
لو قالوا له: اشرط أنك إن تزوجت فهي طالق، فقال: نعم، لكم ألا أتزوج وإن تزوجت فهي طالق، يصح شرط ألا يتزوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 2728
لكن لو تزوج هل تطلق؟ لا، لا تطلق؛ لأنه تعليق على ما لا يملك، الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح، وهذا الرجل لم يتزوج حتى يطلق؛ ولهذا لو أن امرأة سمعت أن زوجها يريد أن يتزوج، وبدأت تعاكسه تقول: إذا أمرها أن تأتي بشيء: والله الشيء هذا ما حصل لي.
اطبخي الطعام.
تتأخر في طبخه، هات القهوة.
تتأخر، لماذا يا بنتي؟ قالت: لأنك تبغي تتزوج.
قال: أتريدين أن أرضيك؟ قالت: نعم.
قال: إذا تزوجت أي امرأة فهي طالق، فلما صارت بالليل عقد على امرأتين يطلقن أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يطلقن؛ لماذا؟ لأنه معلق على النكاح، ولا يصح أن يعلق الطلاق على النكاح؛ إذ إنه لا بد أن يكون النكاح سابقًا على الطلاق.
كذلك ألا يخرجها من دارها؛ إذا شرطت ألا يخرجها من دارها أو بلدها يصح هذا الشرط؛ لأن الأصل أن الزوج إذا تزوج امرأة فله أن يسافر بها ويخرجها من دارها وهي ملكه؛ «إِنَّهُنَّ عَوَانٍ بَيْنَكُمْ» (13) والعاني هو الأسير، وسمى الله الزوج سيدًا ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25]، فليس لها أن تمانع إذا أراد أن يسافر بها، لكن لو أنها شرطت ألا يسافر بها وألا يخرجها من دارها فلها ذلك والشرط صحيح، أو شرطت نقدًا معينًا يعني في المهر؛ قالت: شرط أن يكون مهري من فئة خمس مئة يصح؟
طالب: يصح.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: شرط أن يكون دولارًا يعني: من الدولارات، يصح؟
كذلك إذا شرطت زيادة في مهرها فقالت: مثلًا أنا أريد أن تعطيني عشرة آلاف ريال والمهر في العادة خمس آلاف، والتزم بذلك يصح الشرط؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، يصح الشرط ويلزمه أن يدفع المهر.
قال: (صَحَّ) هذا جواب قوله: (إذا شرطت طلاق ضرتها)، فتبين أن الشروط التي ذكرها المؤلف كلها صحيحة ما عدا شرطًا واحدًا وهو إذا شرطت طلاق ضرتها.
(فإن خالفه فلها الفسخ) إن خالف أيش؟
طلبة: الشرط.
الجزء: 2 - الصفحة: 2729
الشيخ: إن خالف الشرط فلم يف به فإن لها الفسخ، وإن رضيت؟ فلها الرضا، الأمر بيدها إن شاءت فسخت وإن شاءت لم تفسخ.
ولم يُفْصِح المؤلف رحمه الله بالمخالفة هل هي حرام؟ بحيث يجب عليه الوفاء بالشرط أو ليست بحرام؟ والمذهب أنه لا يجب عليه الوفاء بالشرط، بل يُسَنُّ له أن يفي بالشرط وعللوا ذلك بأنه إذا لم يف فلها الخيار يعني فقد استفادت، وإذا استفادت فلا نلزمه؛ فمثلًا لو شرطت ألا يخرجها من بلدها وصمم على أن يسافر بها، لا نقول: إنه آثم، بل نقول: الأفضل أن تفي وألا تسافر بها، فإن سافر وصمم فلها الفسخ.
ولكن الصحيح أن الوفاء بالشرط واجب، الصحيح أن الوفاء بالشروط في النكاح إذا كانت صحيحة واجب بدليل القرآن والسنة والأخلاق الفاضلة؛ أما القرآن فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والأمر بالوفاء بالعقود يشمل الوفاء بأصل العقد وبشروط العقد التي تُعْتَبر صفات في العقد.
فإذا قال قائل: الشروط زائدة على العقد.
قلنا: لكنها صفات في العقد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، والشروط مِنَ العهد ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: من العهد، ولَّا لا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: نعم، من العهد لا شك؛ لأن المشترط عليه تَعَهَّد بها فيلزمه أن يَفِيَ بما تعهد به.
الجزء: 2 - الصفحة: 2730
أما السنة فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (14)، ومعلوم أن الشروط يجب الوفاء بها، الشروط في البيع يجب الوفاء بها، الشروط في الإجارة يجب الوفاء بها، الشروط في الوقف يجب الوفاء بها، فأحق الشروط أن يُوفي بها هي الشروط في النكاح؛ لأنها التي استحللنا بها الفروج؛ إذ لولا التزامنا بهذا الشرط لم نتمكن من التزوج بهذه المرأة التي اشترطت فحين إذن لم نستحل فرجها إلا أيش؟ إلا بهذا الشرط، والصواب أن الوفاء بالشروط في النكاح واجب.
أما كونه هو الموافق للمروءة والأخلاق؛ فلأنه ليس من كريم الخلق أن تتزوج امرأة على أنك لا تتزوج عليها ثم إذا أفسدتها وانتهكت بكارتها وصارت كاسدة بين الناس تذهب وتتزوج عليها، هذا ليس من المروءة وليس من الشيم.
لكن إذا قال: أنا اشترطت ذلك عند العقد؛ لأنني في ذلك الوقت ما وجدت امرأة وقلت: أمشي الأمور، والآن ما أطيق أن أصبر على امرأة واحدة أريد أخرى، نقول: أرضِ زوجتك الأولى حتى تُسْقِطَ حقها من الشرط وحين إذن تزوج، أما ما دامت متمسكة به فإنك لا تملك أن تنتهكه.
لكن المشكل يشكل على هذا أن يقول: إذن أطلقها وأستريح.
نقول: أما الطلاق فلا نمنعك، لا نمنعك من الطلاق؛ لأنه حق لك، لكن في هذه الحال نقول: لعل من المروءة أن تقول لها: أنا لا أستطيع أن أفي بهذا الشرط، وأنت بالخيار إن شئت طلقتك وإذا طلقتك سقط الشرط، وإن شئت بقيتِ وألغي الشرط، وهذا أقصى ما يكون؛ لأنه مشكلة الزوج له حق في أن يطلق، وإن كان في هذا شيء من الغرارة على المرأة لكن الحمد لله على كل حال.
قال: (وإذا زوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ على أن يزوِّجَه الآخر وَلِيَّتَه ففعلا ولا مهرَ بينهما فلا .. ) إلى أخره؛ هذا النوع الفاسد المفسد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2731
(إذا زوَّجَه) أي: زوَّج الرجل شخصًا (وليَّتَه) بمعنى موليته فهو فعيل بمعنى مفعول (على أن يزوجه الآخر وليته) ولم يقل: ابنته؛ «عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ» (15) كما جاء في الحديث؛ لأن ما جاء في الحديث ليس قيدًا بل هو مثال، والفقهاء رحمهم الله ذكروا ما يدل على العموم؛ لأن المراد بوليته كل من له ولاية عليها سواء كانت بنته أو أمه، يمكن؟
طالب: نعم يمكن.
طالب آخر: نعم صحيح.
الشيخ: إي صحيح، تكون مطلقة ولها ولد بالغ وزَوَّجَها، ليس لها أب، أو كانت أخته، أو عمته المهم أن الولي عام (على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر) فهذا نكاح باطل ويُسَمَّى نكاح الشغار.
أقول: هذا يسمى نكاح الشغار، إذا زوجه ابنته .. لنحدد المثال أحسن؛ قال: أنا أزوجك ابنتي بشرط أن تزوجني ابنتك.
قال: طيب ما عندي مانع.
فقال: زوجتك ابنتي بشرط أن تزوجني ابنتك.
قال: قبلت.
ثم قال: زوجتك ابنتي.
فقال الثاني: قبلت.
فأخذ كل واحد منهم بيد البنت ومشى، هذا حرام؛ لأنه جعل المهر بضع المرأة والبضع ليس بمال فتكون النتيجة أنه زوجها بلا مهر، هذه مفسدة.
المفسدة الثانية أنه لو فُتِحَ هذا الباب لتلاعب الناس بالنساء وصار الإنسان يجعل ابنته بمنزلة السلعة فيدخل فيها الهوى والخيانة، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: المفسدة الثالثة أنه إذا حصل هذا الشيء، ثم صار سوء تفاهم بين أحد الزوجين وزوجته أفسد الثاني زوجته عليه، وهذا مُشاهَد ومعلوم، هذا إذن نكاح الشغار.
نقول: (أن يُزَوِّجَه وليته على أن يزوجه الآخر وليته).
الشرط الثاني: (ولا مَهْرَ بينهما) فهذا لا يصح.
وعُلِمَ من قول المؤلف: (ولا مهر بينهما) أنه لو سُمِّيَ لهما مهر صحَّ، وصرح به فقال: (فإن سمي لهما مهر صح).
الجزء: 2 - الصفحة: 2732
وعلى هذا فإذا قال: أزوجك وليتي على أن تزوجني وليتك والمهر كذا وكذا؛ عينوه، فالنكاح صحيح، وليس نكاح شغار، واعتمد الفقهاء ذلك لقوله في الحديث: «الشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ» (15) قالوا: هذا التفسير يُحِل الإشكال ويدل على أنه إذا كان بينهما صداق فإن النكاح صحيح.
قالوا: والاشتقاق يدل عليه فإنه يقول: نهى عن أيش؟ نكاح الشغار، وهو من (شَغَرَ المكانُ) إذا خلا، ومنه في عُرْفنا هذه وظيفة شاغرة، ويش معني شاغرة؟
طلبة: خالية.
الشيخ: خالية ما فيها أحد، فقالوا: إنه إذا كان الاشتقاق يدل عليه فالعبرة في الألفاظ بمعانيها، فالشغار إذن ليس فيه مهر، فإن سُمِّيَ مهر فإنه ليس فيه خلو، وهذا هو المذهب.
القول الثاني في هذه المسألة: يقولون: إن نكاح الشغار أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ولو كان بينهما صداق، وقالوا: هذا التفسير الذي استدل به الأولون ليس من قول النبي عليه وعلى آله وسلم.
وأن مادة الاشتقاق ليست من (شَغَر المكانُ) إذا خلا، ولكنها من (شَغَر الكلبُ) إذا رَفَع رِجْلَه لِيَبُولَ، الكلب تشاهدونه إذا أراد أن يبول يرفع رجله، فيكون هذا تشبيها لتقبيح هذا العقد، وعلى هذا فلا يصح النكاح سواء سُمِّيَ لها مهر أم لا؟ وقالوا: إن العلة في ذلك لئلا تُتَّخَذ النساء سلعًا تبع الأهواء، وعلى هذا فلا يصح نكاح الشغار ولو سُمِّيَ لهما مهر كامل من كل وجه.
ولو قيل: بالوسط، وخير الأمور الوسط؛ أنه إذا سُمِّيَ المهر وكان كلا منهما كُفْئًا ورضيت كل أنثى بزوجها أو بخطيبها فإن النكاح يصح، لو قيل بهذا لكان فيه جمع بين الأدلة من وجه وأيضًا فيه سلامة من التلاعب؛ فيقال: النكاح هذا إذا شرط أن يزوجه وليته فالنكاح صحيح بشروط ثلاثة:
الأول أن يكون كل من الزوجين كُفئًا لمن؟
طالب: للآخر.
طالب آخر: للمرأة.
الشيخ: للمرأة التي يتزوجها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2733
والثاني رضا كل من الزوجتين.
والثالث؟
طالب: أن يُسْمَّى مهر.
الشيخ: أن يُسَمَّى لهما مهرلا يَقِلُّ عن مهر العادة.
لو قيل بهذا لكان له وجه ولانحلت إشكالات كثيرة كان الناس يعتادونها من قَبْل ولا سيما البادية.
وإن تَزَوَّجَها بشَرْطِ أنه متى حَلَّلَها للأَوَّلِ طَلَّقَها، أو نواه بلا شَرْطٍ، أو قالَ: زَوَّجْتُك إذا جاءَ رأسُ الشهرِ، أو إن رَضِيَتْ أُمُّها، أو إذا جاءَ غَدٌ فطَلِّقْها، أو وَقَّتَه بِمُدَّةٍ بَطَلَ الكلُّ.
(فصلٌ)
وإن شَرَطَ أن لا مَهْرَ لها، أو لا نَفَقَةَ، أو أن يَقْسِمَ لها أَقَلَّ مِن ضَرَّتِها أو أكثرَ، أو شَرَطَ فيه خِيارًا، أو إن جاءَ بالْمَهْرِ في وقتِ كذا وإلا فلا نِكاحَ بينَهما بَطَلَ الشرْطُ وصَحَّ النِّكاحُ، وإن شَرَطَها مُسلمةً فبانَتْ كِتابيَّةً، أو شَرَطَها بِكْرًا أو جميلةً أو نَسيبَةً، أو نُفِيَ عَيْبٌ لا يَنفسِخُ به النِّكاحُ فبَانَتْ بخِلافِه فله الْفَسْخُ، وإن عَتَقَتْ تحتَ حُرٍّ فلا خِيارَ لها بل تَحْتَ عبدٍ.
مَن وَجَدَتْ زَوْجَها مَجبوبًا
وكان كل منهما كفئًا، ورضيت كل أنثى بزوجها أو بخطيبها فإن النكاح يصح، لو قيل بهذا لكان فيه جمع بين الأدلة من وجه، وأيضًا فيه سلامة من التلاعب، فيقال: النكاح هذا إذا شرط أن يزوجه وليته فالنكاح صحيح بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون كل من الزوجين كفئًا للمرأة التي تزوجها.
والثاني: رضا كل من الزوجتين.
والثالث: أن يُسَمَّى لهما مهرٌ لا يقل عن مهر العادة.
لو قيل بهذا لكان له وجه، ولانحلت إشكالات كثيرة كان الناس يعتادونها من قبل، ولا سيما البادية.
فإذا قيل: ما تقولون في رجل زَوَّج ابنته ابن أخيه، ثم إن ابن أخيه زوج بنت هذا المزوج بدون شرط، ما تقولون فيه؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ابني عم، تزوج كل واحد منهما بنت عمه بدون شرط؛ يعني: أن عمه زوجه بنته، وذاك العم زوَّج ابنة العم الأول بنته، بدون شرط، يصح أو لا يصح؟
طلبة: يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2734
طلبة آخرون: ما يصح.
الشيخ: لا إله إلا الله! بمهر وبكل شيء.
طلبة: صحيح.
الشيخ: يعني رجل اسمه سليمان، والثاني اسمه عبد الله، سليمان له ابن اسمه محمد، وعبد الله له ابن اسمه عبد الرحمن، زوَّج سليمان بنته لعبد الرحمن ابن أخيه، وزوَّج عبد الله بنته محمد بن أخيه بمهر ورضا، وكل شيء، صحيح هذا ولَّا لا؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: حتى لو كان من الأول يقول: هذه -إن شاء الله- نخليها ( ... ) لفلان؟
طلبة: حتى لو كان.
الشيخ: حتى لو كان؛ لأن هذه تقع كثيرًا بين الأقارب يكون معروف عندهم أن بنت العم هذه زوجة لابن عمها، وهذه زوجة لابن عمها الثاني، فهذا ليس فيه شغار، على كل الأقوال ليس بشغار؛ لأنه ليس فيه شرط.
فإن زوَّج الرجل ابنته شخصًا، ثم بعد ذلك خطب من هذا الشخص أخته، ما تقولون، يصح؟ يصح، ما فيه إشكال.
زوَّج هذا الرجل شخصًا، ثم بعد ذلك خطب ابنة هذا الشخص؟ رجل زوج شخصًا بنته، ثم بعد ذلك خطب من الشخص الذي تزوج بنته ابنته؛ ابنة الشخص؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إذا كان من غير ابنته صح، وإذا كان من ابنته؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش ما يصح؟
طلبة: لأنه جد.
الشيخ: هذه ربما تكون مطبًّا لبعض الناس، على طول يقول: هذا ما يصح، كيف يتزوج بنتًا لزوج بنته وهو جدها؟ ! نقول: لا، فكر، قد يكون لهذا بنتٌ من سابق أو بنتٌ من لاحق.
طالب: ( ... ).
الشيخ: طيب، خير إن شاء الله.
قال: (وإن تزوجها بشرط أنه متى طلقها للأول حللها).
الجزء: 2 - الصفحة: 2735
هذا أيضًا من الشروط الفاسدة المفسدة، ويسمى نكاح التحليل؛ وذلك أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثًا فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، ثم يطأها، ثم يفارقها بموت أو طلاق أو فسخ، فهذا رجلٌ طلق امرأته ثلاثًا، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، فندم زوجها الأول وضاقت به الحيل، فقال له صديقه: أنا أحللها لك، فعقد عليها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها، ويحللها للأول إذا جامعها مع انتشار ذكره، سواء أنزل أم لم ينزل، فتزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها، فزوجوه على هذا الشرط؛ فالنكاح باطل لا يصح، أفسده هذا الشرط، فكان هذا الشرط فاسدًا مفسدًا.
وما هو الدليل على أن هذا الشرط باطل؟
أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له (1)، وسماه التيس المستعار؛ تقبيحًا له؛ لأن هذا الرجل الزوج كأننا استعرناه تلك الليلة ليجامع المرأة ويطلقها، كما لو قال صاحب الغنم لجاره: أعرني تيسك الليلة لأن عندي إناثًا تحتاجه، فأعاره تلك الليلة، فإذن هذا الرجل المحلل يستحق هذا الاسم تمامًا أنه تيس مستعار، هذه واحدة.
ولأن المقصود بالنكاح البقاء، إذن الرجل لا يتزوج المرأة إلا يريد أن تكون عنده أم أولاده وأنيسته في فراشه، وجعل الله بين الزوج والزوجة مودة ورحمة.
وهذا التحليل هل فيه شيء من هذه الأغراض؟ أبدًا، ما فيه شيء من هذه الأغراض؛ فلذلك صار منافيًا للمقصود الشرعي في النكاح، فكان باطًلا.
هذا الرجل فعل؛ تزوجها بنية التحليل للزوج، ثم طلقها، هل تحل للأول؟ لا تحل للأول؛ لأن هذا ليس نكاحًا شرعًا، فلا يؤثر ما يؤثره النكاحُ الصحيحُ، وعلى هذا فلا تحل لا للأول، ولا للثاني؛ أما الثاني فلأن عقده عليها غير صحيح، وأما الأول فلأنها لم تنكح زوجًا غيره في الواقع، فلا تحل.
لو أن الزوج نوى أنه متى حللها للأول طلقها بدون شرط، ما تقولون؟
طلبة: لا يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2736
الشيخ: لا يصح، فالنكاح باطل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2).
نوى؛ خطب هذه المرأة التي طلقها زوجها ثلاثًا، ولا قال لهم: إنه يريد أن يطلقها إذا حللها للأول، لكن نوى بقلبه، نقول: النية كالشرط، الدليل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
لو نوته الزوجة أو وليها؛ الزوج ما على باله إلا أنه نكاح رغبة ونكاح بقاء، لكن الزوجة نوت بقلبها أنه للتحليل فقط؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: فالنكاح صحيح؛ وذلك لأن المرأة ليس بيدها فرقة، ولا تملك أن تطلق نفسها، أليس كذلك؟ ولهذا قالوا في هذا الباب: من لا فرقة بيده لا أثر لنيته، والزوجة ليس بيدها فرقة، الفرقة بيد من؟ الزوج.
إذن لو أنهم خدعوا شخصًا وقالوا: نريد أن نعطيك عشرة آلاف ريال وتزوج هذه المرأة بشرط أنك إذا حللتها للأول طلقتها، ولكنه لم يلتزم بهذا الشرط؛ سكت، ثم زوجوه، فلما كان في الصباح جاؤوا إليه وقالوا: أعطنا ورقة الطلاق، هل له أن يقول: أنا واللهِ ما نويت ولا شرطت؟
طلبة: نعم.
الشيخ: له أن يقول، ونيتهم هم؟
طلبة: لا تؤثر.
الشيخ: لا تؤثر؛ لأنه من لا فرقة بيده لا أثر له، فيقول: الحمد للهِ أنا جاءتني امرأة ومهر بدون شيء.
طالب: ينعقد يا شيخ؟
الشيخ: قلنا: إنها لو نوت هي أو وليها أنه متى حللها طلقها فإن ذلك لا يؤثر.
وقال بعض أهل العلم: إنه يؤثر، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الذي بيده الطلاق هو الزوج.
نعم لو قلنا: يؤثر بالنسبة لها هي، وإنها تأثم بذلك، لكن العقد ظاهره الصحة ولا يمكن إبطاله، لكن هي تكون آثمة، لو قيل بهذا لكان له وجه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2737
لكن مع ذلك اعلموا أنها إذا كانت هذه نيتها فسوف تحاول بكل ما تستطيع أن تفارق الزوج وتتخلص منه، انتبهوا، تتكرَّه لإعطائه حقوقه، وتمانع، وإذا جاء وقت القيلولة خرجت إلى جيرانها، وفي الليل تسهر، ولا تأتي للفراش إلا وهي مثل الخرقة، ما تدني ولا تؤخر، ولا يتمتع بها الزوج، وهنا سيمل منها ولَّا يبقيها؟ سيمل منها، اللهم إلا أن يعاند فربما يبقيها، لكن حسب الطبيعة أنه ما يريد أن تبقى زوجته هكذا، فيطلقها، فلو فعل وطلقها، هل تحل للأول؟
طالب: نعم تحل.
الشيخ: لا، ما تحل؛ باعتبار نيتها هي، نحن قلنا لكم قبل قيل: نعتبر نيتها بالنسبة لها أن النكاح غير صحيح، أما بالنسبة للزوج وظاهر الحال فالنكاح صحيح، ففي هذه الحال لو أن الزوج طلقها من أجل إساءة عشرتها وتضييقها على الزوج، فإننا نقول لها: إنك لا تحلي للزوج الأول، وهذا واضح، وهو الذي ينبغي أن يعمل به؛ من أجل أن نحول بين النساء وبين الإرادات الفاسدة.
يقول: (أو قال: زوَّجتك إذا جاء رأس الشهر، أو إن رضيت أمها) هذا يسمى النكاح المعلق.
النكاح المعلق: زوَّجتك ابنتي إذا صار يوم العاشر من شهر ربيع الثاني، قال: قبلت، فجاء يوم العاشر، إن أعيد العقد فالنكاح صحيح، بالعقد الأول ولَّا بالثاني؟
طلبة: بالثاني.
الشيخ: وإن أقر العقد الأول، فالنكاح على كلام المؤلف ليس بصحيح.
صورته الثانية قال: زوَّجتك إن رضيت أمها، أو إن رضي أخي، يكون لهذا الرجل أخٌ عزيزٌ عليه أكبر منه، فقال: زوَّجتك بنتي إن رضي أخي، قال: قبلت، فرضي الأخ، هل يصح العقد أو لا؟
طلبة: لا يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2738
الشيخ: كلام المؤلف لا يصح، كلُّ نكاحٍ معلق لا يصح.
والصحيح أن في ذلك تفصيلًا: إن كان مجرد تعليق، فالقول بعدم صحة العقد صحيح؛ مثل: زوَّجتك إذا جاء اليوم العاشر من شهر ربيع الثاني، أما إذا كان التعليق فيه غرض مقصود فالنكاح صحيح؛ زوجتك إن رضي أخي، فذهبنا إلى أخيه فقال: رضيت، نقول: خذ البنت امرأتك، لا حاجة أن نعيد العقد؛ لأننا عقدنا على إن رضي الأخ، وهذا شرط مقصود ولَّا غير مقصود؟
طلبة: مقصود.
الشيخ: مقصود، غرض صحيح، لكن إذا كان في اليوم العاشر من ربيع، هذا في الغالب أنه غير مقصود، ربما يكون مقصودًا بحيث أن يكون هناك في الأيام هذه شغل يحتاجون المرأة فيه، ربما يكون، لكن الغالب أنه ما فيه شيء، ما فيه غرض مقصود.
إذن خلاصة القول أن النكاح المعلق على شرط نكاحٌ غير صحيح ولو وُجِد الشرط، على كلام المؤلف، وعلى ما نختاره سمعتموه.
لو قال: زوجتك بنتي إن شاء الله، قال: قبلت؟
نقول: هذا صحيح؛ لأن مجرد الإيجاب والقبول يدل على أن الله شاء ذلك، ولو شاء الله غيره ما حصل.
زوجتك بنتي إن كانت بنتي، وهما يعلمان أنها بنته؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: هذا صحيح، حقيقة الأمر ليس بشرط، هذا في الحقيقة بيان للواقع.
قال: زوجتك بنتي إن كان قد انقضت عدتها، وهما يعلمان أنها قد انقضت عدتها؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: يصح، هو على القول الصحيح.
أما إذا كانا لا يعلمان انقضاءها فكلام المؤلف يدل على أنه لا يصح، والصحيح أنه يصح إذا تبين أن العدة قد انقضت.
وقد يقال بأنه لا يصح؛ لأن كونها معتدة لا يصح عقد النكاح عليها، فإذا قلنا: إن كان عدتها قد انقضت صار النكاح مترددًا فيه فلا يصح حتى يُعلم أنها قد انقضت، ثم يعاد العقد.
طالب: ( ... ) ما يعلمان أنها بنته؟
الشيخ: إي، هذا صحيح.
فيه أيضًا الشرط الثالث (أو قال: زوَّجتك، إذا جاء غدٌ فطلقها أو وَقَّته بمدة؛ بطل الكل).
الجزء: 2 - الصفحة: 2739
وهذا الأخير يسمى نكاح المتعة؛ يعني النكاح الذي لا يراد به إلا المتعة فقط، وهو النكاح الموقت.
كل نكاحٍ موقت فإنه نكاح متعة، وهو فاسد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّمه، وكان في الأول مباحًا، ثم ثبت تحريمه إلى يوم القيامة، كما في حديث سبرة بن معبد الجهني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطب، وقال: «إِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (3)، وهذا الحديث يدل على أنه لا يمكن نسخه؛ أي نسخ التحريم، وجهه أنه قال: «إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» معناه أنه لا يمكن أن يدخله النسخ، وهذا هو الحق، فنكاح المتعة حرام، ولا تحل به الزوجة، ومن جامعها فيه فقد جامعها جماعًا محرمًا كالزنا؛ لأن حقيقة نكاح المتعة استئجار المرأة للاستمتاع بها في وقتٍ معلوم، هذا نكاح المتعة، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة.
وذهبت الرافضة إلى حل نكاح المتعة، وقالوا: يجوز للرجل أن يتزوج ويشترط مدة معينة، وعلى هذا فالمهر يختلف أو لا يختلف؟
طلبة: يختلف.
الشيخ: إذا كانت المدة أسبوعًا فالمهر سبعون ريالًا، وإذا كانت المدة أربعة عشر يومًا المهر مئة وأربعون ريالًا، أجرة تمامًا بالضبط، فهو في الحقيقة استئجارٌ على زنا، والعياذ بالله.
ثم هو منافٍ للمقصود من النكاح، المقصود من النكاح البقاء والمودة والاستمرار بين الزوجين.
ثم هو سببٌ لاختلاط الأنساب.
إذا تزوجها لمدة أسبوع وطلقها، ما نقول: طلقها، انتهى العقد؛ لأن ما فيه تطليق، المتعة ما فيها تطليق، مدة معينة تبتدئ من .. إلى، وإذا وصلت الغاية انفسخ النكاح تلقائيًّا بدون اختيار، يجيء إنسان آخر يقول: أبغي أتزوجها، يا رجل فيه عدة انتظر، يقول: ما أنتم؟ هذا الرجل يمكن ما جامعها، يمكن لم يجامعها، ربما يزوج، وتكون حملت من الأول وهي لا تشعر، ثم يأتي الثاني فيسقي ماءه زرع غيره.
فالمهم أن مفاسدها كثيرةٌ كثيرةٌ.
هذا بقطع النظر عن ثبوت السنة بتحريمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2740
فإن نوى ذلك بلا شرط؛ يعني نوى بنفسه أنه يتزوجها لمدة شهر ما دام في هذا البلد ثم يطلقها، فالمذهب لا يجوز، المذهب أن هذا حرام؛ لأنه إن أضمر في نفسه دون بيان فهو غشٌ وخداع للزوجة وأهلها، وإن أبداه وأظهره صار متعة.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2). وهذا لم ينوها زوجة وإنما نواها متعة.
ولأن من نوى التحليل -كما سبق قبل قليل- فنكاحه غير صحيح؛ لأن الأعمال بالنيات، فكذلك من نوى المتعة فنكاحه غير صحيح.
ولكن لو قيل: إن النكاح صحيح لكن يأثم لأنه غش لكان له وجه.
يعني لو أن أحدًا أقدم على هذا، ولا أخبر الزوجة ولا أولياءها بذلك، لكن لما دخل عليها رغب، وقال: تبقى؛ فعلى المذهب نقول: النكاح غير صحيح ويجب التفريق، وعلى ما نراه يكون النكاح صحيحًا، ويتوب إلى الله تعالى مما أضمر، لكننا لا نشجع على هذا الشيء؛ لأنه حرام في الأصل.
ثم إن بعض الناس بدأ -والعياذ بالله- يستغل هذا القول بزنا صريحٍ، صار بعض الناس الذين لا يخافون الله ولا يتقونه يذهبون إلى الخارج لأجل أن يتزوج ما هو لغرض؛ يعني: ليس غريبًا في البلد يطلب الرزق ويطلب العلم وخاف من الفتنة فتزوج، لا هو نفسه يروح لأجل يتزوج، ويقول: النكاح بنية الطلاق جائز، وقد سمعنا هذا من بعض الناس، الآن يذهبون إلى بلاد معينة معروفة -والعياذ بالله- بالفجور، يقول: بأذهب وقت العطلة أتنزه وأشوف الناس وأتزوج، حتى بعضهم يقول: يتزوج أكثر من عشر نساء في مدة عشرين يومًا؛ لأنهم لا يخافون الله، ولا يراعون العدة ولا شيء، أو يقول: طلقتك بالثلاثة، والثلاث بائنة، والبائن كالمعدوم، يصير فقيهًا ما شاء الله عند هواه، من أفقه الفقهاء! هذا أيضًا حرامٌ لا يجوز.
الجزء: 2 - الصفحة: 2741
ولذلك يجب أن نقول: إن هذا حرامٌ ممنوع، حتى ولو كان من الوجهة النظرية مباحًا، فهو من الوجهة التربوية يجب أن يكون ممنوعًا؛ لأنه صار وسيلة للفسوق والفجور، نسأل الله العافية.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- إذا قال قائل: كيف اشتراط الزوجة عدم زواج الزوج بعدها؛ يعني أن يتزوجها ( ... ).
الشيخ: ألَّا يتزوج عليها.
الطالب: ألَّا يتزوج عليها، إذا قال: كيف هذا وقد يترتب عليه مفاسد؟
الشيخ: أيش المفاسد؟
الطالب: أن كل زوج الآن زوجاته يمكن يعلمن أن يشترطن، فكلهن يشترطن ( ... ).
الشيخ: إذا اشترطت المرأة ألَّا يتزوج عليها، هل هو مجبر أن يقبل الشرط؟
الطالب: يعني ما فيه دليل .. ؟
الشيخ: ما في بنات آدم إلا هذه المرأة؟ أبدًا، إذا لم يكن في البلد إلا هذه المرأة فنعطيك فتوى ( ... ) تُمنع.
على كل حال، يقال: الحق للزوج؛ إن شاء وافق، وإن شاء لم يوافق.
طالب: لو شرطت عدم طلاق نفسها، ألَّا يتزوج عليها وعدم طلاقها؟
الشيخ: ما يصح الشرط الثاني، لا يصح ألَّا يطلقها.
الطالب: لماذا ( ... )؟
الشيخ: لا، ما هو من حق الزوجة، هذا أثبته الله للزوج، وهذا يمنع ما أحل الله.
طالب: ذكرتم في الدرس السابق أن ( ... )
الشيخ: لا، ما قلنا هكذا، قلنا: قد يجوز الاستدامة دون الابتداء، يعني عكس ما قلت، الاستدامة تجوز دون الابتداء، وهذا له نظائر، صحح اللي أنت كاتبه، ويش أنت كاتب؟
الطالب: إذا ما منع الابتداء منع الاستدامة.
الشيخ: لا، ما هو صحيح، أليس الطيب للمحرم يجوز استدامته؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وابتداؤه لا يجوز، مراجعة المطلقة في الإحرام جائز وابتداء النكاح ليس بجائز.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- من أدلة المذهب على أن هذا النكاح لا يجوز .. الشيخ: أي نكاح؟ الطالب: نكاح من نوى الطلاق من غدٍ، لا يصح، النية، وقاسوها على من نوى التحليل، فكيف نرد على هذا القياس، مع أنه قد يقول: إن هذا قياس جلي؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2742
الشيخ: نعم صحيح، هو قياس جلي، لكن الفرق أن التحليل أصله إذا نوى التحليل لم ينعقد النكاح، وهذا نقول: لأنه ربما يرغب وتبقى معه، فهو لا يتعلق بالغيب، مع أنه في الحقيقة فرقٌ ضعيف، لكن أنا اللي أراه في هذه المسألة أن النكاح صحيح، لكنه حرام من أجل الغش، أما من ناحية الروية فأرى منعه، وأن من علم أنه تزوج من أجل أن يطلق يجب أن يؤدب، ويجب أن يفرق بينه وبين زوجته؛ لئلا ينفتح باب الزنا، الآن -نسأل الله العافية- انفتح باب الزنا، وهذا الكتاب الذي ألفه الشيخ صالح منصور في النكاح بنية الطلاق فيه أدلة قوية على أنه ممنوع.
طالب: هل تكون الفتوى خاصة بمن يدرس ويخشى على نفسه الفتنة، ولَّا على القول الثاني نمنع مطلقًا؟
الشيخ: لا، أنا أرى منعه مطلقًا، حتى الذي يخشى على نفسه الفتنة نرى أن نقول: تزوج بنية أنها زوجتك، وإذا لم ترغب فيما بعد طلق.
طالب: صار لي إشكال ( ... ).
الشيخ: وهو؟
الطالب: قلتم يا شيخ: إن هذه منع لما أحل الله، إذا شرطت ألَّا يتزوج في نفس ( ... ) منع لما أحل الله.
الشيخ: لا؛ لأن هذا يتعلق بالغيب، يعني بخلوه من الزوجة الأخرى، أما هذا بإلزامه ما لم يلتزم، لأن كونها ما تطلق، ماذا يصنع؟ تبقى معه أبد الآبدين، وهي امرأة شوهاء بذيئة اللسان، مشكل.
طالب: ( ... ) إنه إلزام بما لا يلزم؟
الشيخ: إي، أقول: هذا إلزام بما أحله الله له؛ يعني الله أحل لك أن تطلق، ثم في إلزامه ألَّا يطلق مشقة عظيمة.
النهاية أيضًا يقول: أنا ما موفٍ بهذا الشرط، ألَّا أوفي بهذا الشرط وبأطلقك، ويش تلزميني بعد؟
طالب:
بارك الله فيك، قلنا: إن اشتراط المرأة طلاق ضرتها لا يجوز، وهذا صحيح، هل لو اشترطت ( ... ) وهو يعلم بطلانه؛ من أجل يمسكها، أمسكها فقالت: طلقني، فيقول: لا، هل يلزمه الشرع؟
الشيخ: طلقها؟
الطالب: إي نعم، طلقها وطلقني.
الشيخ: على القول الصحيح ما يلزم.
الطالب: ( ... )؟ الشيخ: على القول الصحيح ما يلزمه أصلًا،
الجزء: 2 - الصفحة: 2743
نقول: هو ما يمكن يطلق، ترغبين تبقين، ولا افسخ العقد.
الطالب: له -يا شيخ- أن يخدعها؟
الشيخ: لا، الخداع ما يجوز أصلًا، إذا قالوا: بشرط أنك تطلق زوجك، يقول: هذا شرط لا يصح، ولا يمكن أن أقدم على هذا الشرط، ونكاحٌ فيه شرط باطل ما فيه خير.
طالب: يا شيخ، اشتراط الزوجة عدم التسري وعدم التزوج عليها ألا يخالف الكتاب والسنة؟
الشيخ: لا، ما يخالف.
الطالب: الكتاب -يا شيخ- أحل الله أن يعدد.
الشيخ: إي، لكن كل الشروط التي تنافي مطلق العقد؛ كلها إما فيها منع أو تحليل، حتى شروط البيع، كل الشروط التي في العقود فإنها لا بد أن تحدد العقد الذي أطلقه الله، هذا لا بد منه، وهذا الآن هو حقه أن يتزوج، لكن قال: أنا لن أتزوج، طيب أسقط حقه، ولا فيه ضرر على الغير مثل شرط طلاق الضرة، ما فيه ضرر على الغير.
طالب: لو قدر أن المحلل بعدما عقد على المرأة، نكاحه فاسد أصلًا، وإذا حملت في هذه المدة؛ يعني لو قُدِّر أن المرأة حملت، الولد يرجع إلى من؟
الشيخ: إن كان يعلم أن النكاح باطل وأقدم عليه فهو ولد زنا، حكمه حكم أولاد الزنا، وإن كان لا يعلم فهو له؛ لأنه وُلِد بشبهة، هذه القاعدة كل الأنكحة اللي يعلم الإنسان بطلانها فالولد ليس له، ولد زنا، وجماعه إياها جماع زنا.
طالب: لو دخل رجل بين الزوج وزوجته؛ محلل خارجي بدون علمهما، ثم طلقها، هل نقول: تحل للزوج الآخر؟
الشيخ: لا، ما تحل، إذا علمنا أنه محلل لا تحل، لكن إذا كانا لا يعلمان سَلِمَا من اللعن، لعن المحلِّل والمحلَّل له (1).
الطالب: إذا علم بعد فترة، هل يفرق بينهما؟
الشيخ: يفرق بينهما.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا كان الرجل تزوج بامرأة وهو لا يريد ينجب معها أولاد، وبعد فترة أرادت هي أن يكون لها أولاد، هل يصح أنها تفسخ؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2744
الشيخ: إي نعم، يحرم على الزوج أن يعزل عن المرأة إلا بإذنها؛ لأن لها حقًّا في الأولاد، فإذا تبين أن الرجل عقيم؛ فإن شرطت أنه ليس بعقيم في العقد فلها الفسخ، وإن لم تشترط فللعلماء في ذلك قولان، والصحيح أن لها أن تفسخ إذا تبين أنه عقيم.
طالب: إذا اشترطت المرأة أن يكون الطلاق بيدها هل يفسخ العقد؟ الشيخ: ألم تعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» (4)؟ وهل يمكن أن أجعل عقدة النكاح الذي هو من أشرف العقود وأعظمها خطرًا بيد امرأة ناقصة؟ !
الطالب: ( ... ).
الشيخ: سبحان الله! أبشر بأنها إذا خرجت للسوق ووجدت هذا الشاب الجميل المملوء شبابًا، وأنت لك خمسة وأربعون سنة قالت: شوف طالق بالطلاق الثلاث بائن بينونة الأرض من السماء، والله ما يجوز أبدًا، لكن يجوز الخيار؛ شرط الخيار لغرض مقصود، مثل أن تقول: إن طاب لي المسكن فالنكاح باقٍ، وإلا فلي الخيار، ثم تبين أن المسكن غير طيب؛ إما لسوء العشرة مع والدي الزوج، أو مع إخوانه، أو إن الزوج رجل شحيح، فهذه لها خيار، الخيار واضح لها غرض، أما مجرد لي أن أطلقك، هذا ما يصير، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق، والطلاق بيد الرجال، ولا يمكن أن نجعله بيد النساء، النساء في الحقيقة ناقصات عقل ودين؛ يمكن لو ترى رجلًا شابًّا أحسن من زوجها وأجمل تركته، ويمكن أيضًا لو يتزوج امرأة طلقته، تأخذها الغيرة على طول طلق، وفي هذا الحال من عليه العدة؟ العدة على من؟ المطلِّق ولا المطلَّق؟ !
الطالب: ولكن هل للزوج أن يعطي امرأته طلاقها؟
الشيخ: يوكلها في الطلاق لا بأس.
الطالب: يعني يوكلها في الوقت؛ يعني إذا أرادت الطلاق أن تطلق نفسها؟
الشيخ: ما فيه بأس؛ لأن هذا بيده إذا شاء لم يوكل.
طالب: شيخ، غير موجود عندنا هذه.
طالب آخر: لو قيل هذا حق للزوج وتنازل عنه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2745
الشيخ: ما يصح هذا -بارك الله فيك- أولًا: حق للزوج إذا تم العقد، فإن ألحق بعد العقد لم يلحق، وإن قارن العقد فليس حقًّا له؛ لأنه لم يتزوج، والله يقول: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49].
الطالب: أقول: هذا غير موجود عندنا.
الشيخ: الحمد لله، كيف وجد هذا؟ !
الطالب: هذا من بحري، وإحنا من قبلي.
الشيخ: صحيح وبينهما فرق؟
الطالب: إي نعم، الصعايدة ما عندهم الكلام هذا.
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: والله مشكل والله غرائب! تدرون ويش السبب في هذا؟ السبب هو محاولة أن تكون المرأة كالرجل، وبعدين يخلي عقد النكاح بيدها، تخطب الرجل وتقول له: زوجتك نفسي، أو هو يقول: زوجتُ نفسِي إياكِ.
على كل حال هذا نظر للفكرة الغربية؛ أن تكون المرأة مساوية للرجل في الحقوق، وهذا جهل منافٍ للفطرة والطبيعة التي خلق الله عليها المرأة، المرأة ناقصة في كل شيء، وانظروها في البيوت الآن كيف نقصانه، الآن النساء نضرب مثلًا بسيطًا: إذا خرجت موضة في الصباح في اللباس على شكل معين اشترته، في العصر جاء موضة أخرى اشترته، في الصباح هات، تملأ البيوت من الثياب، ما يمكن أبدًا.
الطالب: ( ... ) والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، يقول المؤلف رحمه الله تعالى:
وإن شرط أن لا مهر لها، أو لا نفقة، أو أن يَقسم لها أقل من ضَرتها أو أكثر، أو شرط فيه خيارًا، أو أن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما؛ بطل الشرط، وصح النكاح.
وإن شرطها مسْلِمةً فبانت كتابيةً، أو شرطها بكرًا، أو جميلةً، أو نسيبةً، أو نفيَ عيبٍ لا ينفسخ به النكاح، فبانت بخلافه؛ فله الفسخ.
وإن عتقت تحت حرٍّ فلا خيار لها، بل تحت عبدٍ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق أن للنكاح شروطًا، وله شروط فيه، وأن الفرق بينهما من وجهين أو ثلاثة، الفرق الأول؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2746
طالب: الفرق الأول: شروط النكاح أن تكون في صلب العقد، الشروط في النكاح قد نقول: يتوقف عليها صحة العقد، وشروط في النكاح لا يتوقف عليها صحة العقد.
الشيخ: يعني شروط النكاح يتوقف عليها صحة العقد، والشروط في النكاح يترتب عليها لزوم العقد.
واضح الفرق هذا؟ يعني معنى شروط النكاح إذا فُقِد شرطٌ منها بطل النكاح.
الشروط في النكاح إذا فُقِد شرط منها فالنكاح بحاله صحيح، لكن يتوقف عليه لزوم النكاح؛ بمعنى أن الذي شُرِط له هذا الشرط إن شاء أبقى النكاح، وإن شاء فسخ النكاح.
مثال ذلك: شرطت المرأة على زوجها أن يسكنها في فيلا بدل شقة، هذا شرط نكاح ولَّا شرط في النكاح؟
طلبة: في النكاح.
الشيخ: في النكاح، الرجل تزوجها ودخل بها ولكنه لم يسكنها في فيلا، فهل نقول: بطل النكاح؟ لا.
لكن نقول: يتوقف عليه لزوم النكاح، الآن للمرأة الخيار؛ إن شاءت بقيت معه، وإن شاءت فسخت العقد.
هذا واحد.
الفرق الثاني؟
طالب: شروط النكاح من وضع الشارع والشروط في النكاح من وضع العاقدين أو من يقوم مقامهما.
الشيخ: نعم، شروط النكاح من وضع الشارع بمعنى أن الله وضع هذه الشروط؛ إما في الكتاب والسنة.
والشروط في النكاح من وضع المتعاقدين أو أحدهما؛ يعني لولا أنهما شرطا ذلك ما صار شرطًا.
طالب: شروط النكاح لا يجوز إسقاطها، والشروط في النكاح يجوز.
الشيخ: نعم، شروط النكاح لا يمكن إغفالها وإسقاطها، فلو قالت المرأة مثلًا: أنا أريد أن أزوج نفسي، أنا راضية بالزوج ولا حاجة أن والدي يعقد النكاح، قلنا: لا يمكن هذا؛ لأن الولي شرط شرطه الشارع لا بد من وجوده.
الشروط في النكاح يجوز إسقاطها ممن هي له، فيجوز للزوجة في المثال الذي ذكرنا قبل قليل أن تسقط الشرط التي شرطته على الزوج أن يسكنها في فيلا بدلًا من الشقة.
طالب: شروط النكاح أصلية ثابتة بخلاف الشروط في النكاح فهي طارئة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2747
الشيخ: يعني الشروط في النكاح لا تثبت إلا بشرط، وشروط النكاح ثابتة ولو بدون شرط؛ يعني -فمثلًا- لو خطب امرأة، لا نقول: إنه لا يزوجها وليها إن شرطت ذلك، بل نقول: لا يزوجها إلا وليها، شرطت أم لم تشترط.
طالب: شروط النكاح هي الصحيحة، والشروط في النكاح قد تكون صحيحة، وقد تكون باطلة.
الشيخ: نعم، شروط النكاح كلها صحيحة معتبرة؛ لأنها من وضع الشارع.
الشروط في النكاح بعضها صحيح وبعضها فاسد.
فيه شروط لو شرطها العاقد ما تصح، هذه الفروق واضحة.
الشروط في النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام: صحيحة، وفاسدة مفسدة للعقد، وفاسدة غير مفسدة للعقد.
الأقسام كم؟ ثلاثة: صحيحة، فاسدة مفسدة للعقد، فاسدة غير مفسدة للعقد.
ثم الصحيحة، هل يجب الوفاء بها، أو الوفاء بها سنة؟
في ذلك خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: الوفاء بها سنة؛ لأن الشارط له أن يفسخ العقد إذا لم توف له.
ومنهم من قال: إن الوفاء بها واجب.
وهذا هو الصحيح أن الوفاء بها واجب؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ؛ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (5)، فإذا كان الشروط في البيع يجب الوفاء بها فالشروط في النكاح من باب أولى، وهذا هو الصحيح.
مثال ذلك: اشترطت المرأة على زوجها ألَّا يتزوج عليها، فقَبِلَ، وعقد النكاح على ألَّا يتزوج عليها، فهل نقول الآن: أنت أيها الزوج يسن لك ألَّا تتزوج على هذه المرأة، أو نقول: يجب ألَّا تتزوج على هذه المرأة؟ الصحيح الثاني؛ أن نقول: يجب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2748
فإذا قال: أنا إذا تزوجت فلها الخيار، قلنا: لكن أنت الآن تجبرها إجبارًا على هذا، هي لا تريد أن تفارقك، هي ترغب أن تبقى معك، فكيف تقول: أنا لا أجبرها على البقاء، لكن هي تريد أن تبقى، لا تريد أن تبقى معك عشرة أيام ثم تطلقها أمام الناس وقد أفسدت بكارتها وأسقطت رغبة الناس فيها.
فالصواب أن الوفاء بالشروط في النكاح واجب، وقد ذكرنا لوجوبه دليلين من القرآن ودليلًا من السنة.
سبق الكلام على جملة من الشروط في النكاح، وبقي جملة.
قال المؤلف رحمه الله: (وإن شرط أن لا مهر لها بطل الشرط وصح النكاح)
كذا عندكم: (وإن شرط أن لا مهر لها بطل الشرط وصح النكاح).
( ... ) قوله: (بطل الشرط وصح النكاح) جواب لكل الجمل الشرطية السابقة، وإذا كان جوابًا لكل جملة صار مقدرًا بعد كل جملة.
إذن إذا شرط أن لا مهر لها بطل الشرط وصح النكاح.
امرأة -مثلًا- خطبت رجلًا من الناس، ترغب أن تتزوج به فعرضت نفسها عليه، فقال لها: أقبل هذا، لكن بشرط أن لا مهر عليَّ، قالت: نعم، لا مهر عليك، فتزوجها بشرط أن لا مهر لها، وتم العقد.
يقول المؤلف: (بطل الشرط وصح النكاح) ومقتضى هذا أنه يلزمه المهر والنكاح صحيح؛ لأن معنى (بطل الشرط) ما هو الشرط هنا؟ أن لا مهر لها، نقول: هذا بطل، بل لها مهر، والنكاح صحيح.
ما هو المهر؟
المهر قال العلماء: مهر المثل؛ لأن النكاح أوسع من البيع، البيع لا يصح البيع بثمن المثل، لكن النكاح يصح، فنقول: صح النكاح ولها مهر المثل، المرأة هذه امرأة ذات حسب وجاه وسلطة؛ امرأة أمير كبير، بنت رجل كبير، بنت أمير كبير، مهر مثلها في العادة مئة ألف، فماذا يكون الأمر؟ يلزم هذا الزوج المسكين الذي تزوج بدون مهر يلزمه مئة ألف، نقول الآن: النكاح صح، وعليك مئة ألف، قال: يا جماعة أن ما أسوق ولا عشرة ريالات، قلنا: يلزمك مهر المثل؛ لأنك أنت طمَّاع تريد امرأة بلا شيء، ولَّا هذا غير حاصل؟ والمرأة هذه قيمتها رفيعة، أيش نعمل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2749
طالب: يدفع.
الشيخ: يدفع، وإذا أبى حُبِس، إذا كان يستطيع أن يسدد يُحبَس حتى يسدد، وإن كان فقيرًا يبقى في ذمته، المهم أنه يصح العقد، وعليه مهر المثل.
لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن العقد غير صحيح، ولا يحل له أن يستبيح هذه المرأة؛ لأن الله اشترط للحل أن يكون بمهرٍ، فقال الله تعال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24]، لا أن تبتغوا مجانًا، وعلى هذا فنقول: العقد غير صحيح، وفي أمان الله، ما تحل لك المرأة، أيهما أهون عليه؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أهون، ما لم يكن قد جامعها، فإن كان قد جامعها فعليه مهر المثل، ويُفَرَّق بينهما.
لكن الثاني أهون إذا لم يكن جامعها؛ مثل أن يكون دخل عليها وباشرها واستمتع بها لكن بدون جماع، فنقول حينئذٍ: ليس عليك مهر، ولكن نكاحك غير صحيح.
كلام شيخ الإسلام رحمه الله أقرب إلى الصواب؛ لأن الله اشترط للحل أن نطلب ذلك بأموالنا، وما كان شرطًا في عقدٍ فإن العقد لا يصح بدونه.
شرط أن لا نفقة لها؛ يعني امرأة خطبت رجلًا ليتزوجها، قال: نعم، ولكن أنا فقير، شرط ما عليَّ نفقة، قال: لا نفقة عليك، واتفقوا على هذا، المهر هل هو منفي في قولها: لا نفقة، أو لا؟ المهر ليس منفيًّا؛ لأنه ليس من النفقة، فنقول: العقد صحيح، ولها المهر المسمى، وليس لها نفقة، أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: العقد صحيح، والشرط باطل، نقول: أنفق.
الرجل قال: كيف أنفق وقد أسقطت عني النفقة؟ نقول: لأنها أسقطت عنك شيئًا مستقبلًا لم تقبضه، ومن أسقط شيئًا مستقبلًا لم يقبض فله الرجوع فيه، فلها أن ترجع وتطالب بالنفقة، فإذا قال: أنا ليس عندي شيء، ولها الخيار؛ إن شاءت فسخت العقد، وإن شاءت لم تفسخ.
نقول: هذا حق، الآن نقول للزوجة: أنت ترضين هذا الرجل بدون إنفاق لأنه فقير، فابقي معه، تريدين فسخ النكاح فلك ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 2750
إذا شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر؛ يعني رجل تزوج امرأة على امرأة سابقة، وهي الضرة، وسميت ضَرة لكثرة المضارة بينها وبين الزوجة الأخرى في الغالب، هو لما خطب هذه المرأة، قالت: أنت رجل معك زوجة، والزوجة كبيرة السن، وأنا أقبل هذا، بشرط أن تقسم لي يومين ولها يومًا واحدًا.
ما تقول في هذا الشرط؟
طالب: مثلما قال؛ يعني الشرط باطل.
الشيخ: العقد صحيح والشرط باطل، لماذا؟ لأن في هذا إضرارًا بالزوجة الأولى، وإسقاطًا لحقها، وهذه الزوجة الثانية لا تملك إسقاط حق الزوجة الأولى، صحيح يا جماعة ولَّا لا؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: إذا قالت: اقسم لي يومين ولها يومًا واحدًا، هذا ضرر على المرأة الأولى؛ لأن حق المرأة الأولى أن يقسم لها يومًا وللثانية يومًا، فالشرط هنا غير صحيح، والنكاح صحيح.
إذا شرطت أن يقسم لها أقل من ضرتها؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: يعني قالت: اقسم لي يومًا ولضرتي يومين.
طالب: صحيح الشرط.
الشيخ: لا، غير صحيح، النكاح صحيح، والشرط باطل.
لكن هل تتوقعون أن هذا الشرط يقع من المرأة؟ نعم يمكن، تكون المرأة الثانية مدرسة أو ذات عمل، وتقول: لا أريد أن تأتي لي يومين أو يومًا، أريد أن تأتي يومًا ولضرتي الأخرى يومين، أو تقول: لي يوم، ولها ستة أيام، اليوم يوم الخميس مثلًا، والجمعة إجازة، والباقي للمرأة الأولى، فقال: ما فيه مانع، ما حكم النكاح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: والشرط؟
طلبة: باطل.
الشيخ: على كلام المؤلف باطل.
لماذا يكون باطلًا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2751
نقول: فيما إذا اشترطت أن يقسم لها أكثر من ضرتها بطلان الشرط واضح، ما وضوحه؟ لأنه عدوان على حق الزوجة الثانية، لكن إذا اشترطت أن يقسم لها أقل من ضرتها، فما المحظور؟ قالوا: لأن في ذلك إسقاطًا لحق الزوج؛ لأن من حق الزوج أن يقسم لامرأة يومًا ولامرأة أخرى يومًا آخر، وهذا إسقاط لحقه، والجواب عن هذا أن يقال: نعم، هو إسقاط لحق الزوج، ولكن برضاه واختياره، وما المانع؟ ولهذا كان الصواب أنها إذا اشترطت أن يقسم لها أقل من ضرتها ورضي بذلك فالشرط صحيح.
يقول رحمه الله: (أو شرطت فيه خياراً صح العقد وبطل الشرط) كيف شرطت فيه خياراً؟
قالت: نعم بأشترط عليك أن لي الخيار لمدة ثلاثة أيام، هذا الشرط باطل، لكنه لا يبطل العقد، وليس كالمتعة؛ المتعة إذا حدد النكاح ثلاثة أيام أربعة بطل العقد، أليس كذلك؟ لكن هذا لم تحدد المدة، هذا شرط الخيار، وجائز أن تختار البقاء، وأن تختار الفسخ.
والمتعة فيها خيار بين هذا وهذا؟
طلبة: لا.
الشيخ: تعرفون المتعة -يا جماعة- هي النكاح الموقت، لكن هنا النكاح غير موقت، الموقت فسخه، وفرقٌ بين كونه موقت فسخه، بمعنى أن الإنسان إن شاء فسخ، وإذا شاء لم يفسخ، وبين كونه موقتًا محددًا لا يتعدى هذا الوقت.
إذن إذا شرطت قالت: لي الخيار ثلاثة أيام، وهي امرأة ذكية، قالت: ثلاثة أيام، يمكنني أن أعرف فيها هذا الرجل، ومدى عقليته ومدى معاملته، فبأشترط بالخيار، فقال: نعم، أهلًا وسهلًا، الرجل مشفق على تزوج هذه المرأة وحريص، نقول: يصح العقد ويبطل الشرط؛ لأن النكاح عقدٌ لازم، والذي بيده الخيار هو الزوج، وإذا شرطت المرأة الخيار صار الخيار بيد من؟
طلبة: الزوجة.
الشيخ: ومثل ذلك لو قالت: أنا أقبل النكاح، لكن لي الخيار بين إمضاء العقد وفسخه إذا عرفت أهلك وجالستهم؛ إن استمرت الحال على ما ينبغي فالنكاح بحاله، وإن وجدت ما يكدرني فلي الفسخ، فقال: ما فيه مانع، فهنا يصح العقد، ولا يصح الشرط.
الجزء: 2 - الصفحة: 2752
والصحيح أن العقد والشرط كلاهما صحيح؛ لأنه إذا صح شرط الخيار في البيع فشرطه في النكاح من باب أولى، لا سيما إذا كان هناك غرضٌ مقصود، وشرط المرأة الخيار لا شك أن لها فيه غرضًا مقصودًا.
ففي الأول الذي قلنا: إنها اشترطت الخيار لمدة ثلاثة أيام تستفيد بهذه المدة الاطلاع على حال الرجل ومعرفة أخلاقه ومعرفة قدرته على حق المرأة، فهذا مقصود شرعي.
وفي المسألة الثانية لها أيضًا الغرض الشرعي؛ وهو أن تعرف حال أهله وكيف يعاملونها؛ لأن بعض الناس يكون أهله شرًّا على زوجته.
إذن القول الثاني أن شرط الخيار فيه صحيح، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أنه يجوز شرط الخيار في النكاح؛ لأن فيه غرضًا مقصودًا.
يقول: (أو إن جاء بالمهر في وقت كذا، وإلا فلا نكاح بينهما؛ بطل الشرط وصح النكاح).
رجل ليس عنده مهر، فقالت له: أنا أقبل النكاح لكن بشرط إن جئت بالمهر في خلال ستة أشهر، وإلا فلا نكاح بيننا، يقول المؤلف: النكاح صحيح والشرط غير صحيح.
دخل على هذا الشرط فمضت الستة أشهر ولم يأت بالمهر، فهل لها خيار؟ أجيبوا على كلام المؤلف.
طلبة: ليس لها الخيار، على كلام المؤلف.
الشيخ: الشرط باطل، فليس لها الخيار.
ولكن الصحيح في هذه المسألة أن لها الخيار؛ لأن هذا شرطٌ مقصود فلها الخيار، إن شاءت بقيت معه متى جاء بالمهر جاء به، وإن شاءت فسخت؛ لأنها اشترطت شيئًا لها فيه غرضٌ صحيح، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرمًا أو حرم حلالًا.
(وإلا فلا نكاح بينهما بطل الشرط وصح النكاح).
إذن ما هي المسائل التي اخترنا فيها خلاف ما قال المؤلف؟
أولًا: إذا شرطت أن يقسم لها أقل من ضرتها.
والثاني: إذا شرطت الخيار.
والثالث: إن شرطت إن جاء بالمال في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما.
والرابع: إن شرطت أن لا مهر لها، بينَّا أن الصحيح عدم صحة النكاح.
وأن لا نفقة، إن شرطت أن لا نفقة لها، قلنا أيضًا: الشرط صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2753
وأما قول المؤلف: إن هذا شيء مستقبل، والمستقبل لا يمكن إسقاطه؛ لأنه يتجدد، نقول: هذا مستقبل، ولكنه حقٌ للمرأة وقد أسقطته، والمسلمون على شروطهم.
إذن الواقع أننا خالفناهم في كل المسائل، لكن منها ما قلنا: إن النكاح غير صحيح، ومنها ما قلنا: إن النكاح صحيح والشرط صحيح.
ثم قال: (وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية) فله الخيار ولَّا لا؟ له الخيار؛ ولهذا قال: (فله الفسخ).
إنسان تزوج امرأة على أنها مسلمة، ولكن لم يشترط أنها مسلمة، ولما دخل عليها وجد أن الصليب على صدرها، وأنها تقول: أشهد أن عيسى ابن الله، والله ثالث ثلاثة، فباغتته بهذا، رجل دخل على امرأته على أنها مسلمة، وإذا هي صليبية، له الخيار أو لا؟ ليس له الخيار، إلا إذا شرط أنها مسلمة؛ ولهذا قال المؤلف: (إن شرطها مسلمة) فدل هذا على أنه إذا لم يشرط أنها مسلمة فبانت يهودية أو نصرانية -أي صليبية أو صهيونية- فليس له الخيار.
سبحان الله، غرائب هذه!
هذا قد يكون ليس غريبًا إذا كانت البلاد مختلطة بين اليهود والمسلمين والنصارى، لكن غريب إذا كان في بلاد إسلامية أكثر أهلها المسلمون، فنقول: اشتراط كونها مسلمة، وإن لم يكن باللسان فهو بالحال، فالصواب أن له الفسخ في هذه الحال، والفسخ -لاحظوا- أنه غير الطلاق؛ الفسخ يرجع بالمهر على من غرَّه، والطلاق بعد الدخول يستقر به المهر.
شرطها بكرًا، ولما دخل عليها وجدها ثيبًا، له الخيار أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: له الخيار، فيفسخ ويرجع بالمهر على من غرَّه، فإن لم يشترطها بكرًا ووجدها ثيبًا فليس له الخيار، حتى لو علم أن هذه البنت لم تتزوج من قبل ثم وجدها ثيبًا فلا خيار له؛ لأنه لم يشترط ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 2754
المشكلة هذه إذا قال: لو كانت متزوجة أحب إليَّ من أن أجدها ثيبًا وهي لم تتزوج؛ لأن هذه الثيوبة من أين جاءت؟ من جماع، وقد يكون هذا الجماع محرمًا، وقد تكون المرأة مغتصبة، وقد تزول بكارتها بغير الجماع، لكن المهم أنه إذا لم يشترط أنها بكر فوجدها غير بكر فلا خيار له، إلا إذا شرط.
فإن قال قائل: أفلا تجرون الشرط العرفي كالشرط اللفظي؟ بمعنى أن كل أحد يعرف أن الإنسان إذا تزوج بنتًا لم يسبق أن تزوجت فهي بكر، ولا حاجة للإنسان أن يشترط على هذا؟
قلنا: هذا هو الواقع، لكن الآن بدأ الناس الذين يكتبون عقود النكاح، يذكرون البكر؛ تزوج فلان بن فلان البكر فلانة بنت فلان، فينصون على هذا.
نقول: هذا فيه راحة؛ حتى لا يحصل خلاف بين الرجل وامرأته فيما لو وجدها غير بكر.
إذا شرطها جميلة ..
طالب: بالنسبة لمن شرط عدم المهر؛ فإن دخل بها فعليه مهر المثل ويفرق بينهما، وإن لم يدخل بها يفرق بينهما ولا شيء عليه؟
الشيخ: على القول الثاني أنه شرط للصحة.
طالب: شيخ، لِمَ لم نوجب عليه نصف مهر المثل؟
الشيخ: لأن العقد الفاسد لا يوجب شيئًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: حفظ الزاد ما نخليها بالخيار.
الآن ما فيه مقابل.
طالب: في تركتها يأخذ بدون مقابل؟
الشيخ: إي، هذا منفصل عنه، ما له دخل فيها، منفصل، ولهذا مالها مستقل، لو أراد الزوج أن ينتفع بمالها في حياتها يستطيع؟
طالب: ليس له ذلك.
طالب آخر: يا شيخ، لو قيل: إن هذا ليس من الأخلاق الإسلامية؟
الشيخ: هذا جعل -مثلًا- المروءة شيئًا؛ يعني لو قيل مثلًا: هذه امرأة لها خمسون سنة معك، وتكون النتيجة أنك تقول: أنا لا يمكن أن أجهزها، يعني ربما يقال: هذا بخلاف المروءة، لكن إذا كان رجل ليس له مروءة ( ... ).
طالب: ( ... ) الاستحباب -يا شيخ- على الأقل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2755
الشيخ: لا، دعنا من الاستحباب والوجوب؛ لأن المسألة يتعلق بها حق الورثة أيضًا، إذا قلنا بأنه يجب عليها أن يجهزها توفر المال للورثة، وإذا قلنا: من مالها نقص المال على الورثة، فالاستحباب شيء، والوجوب شيء آخر.
الطالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، يقول المؤلف رحمه الله في باب الشروط في النكاح:
وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية، أو شرطها بكرًا، أو جميلةً، أو نسيبةً، أو نفيَ عيبٍ لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه؛ فله الفسخ.
وإن عتقت تحت حرٍّ فلا خيار لها، بل تحت عبد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أن الشروط في النكاح إلى؟
طالب: ثلاثة أقسام؛ صحيحة، وفاسدة مفسدة للعقد، وفاسدة غير مفسدة للعقد.
الشيخ: أحسنت.
والأصل في الشروط، هل هو الصحة ولَّا الفساد؟
طالب: الصحة.
الشيخ: الصحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (6)، فدل هذا على أن الأصل الصحة، وقال: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (7).
اشترطت على زوجها أن يقسم لها أقل من ضرتها؟
طالب: على المذهب يجب أن يفرق ( ... ).
الشيخ: الشرط باطل.
الطالب: الشرط باطل وإن اشترطت ..
الشيخ: قولك: على المذهب؛ يعني أن هناك خلافًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: القول الثاني أنه يصح.
الشيخ: القول الثاني أنه يصح؛ يعني يصح أن تشترط عليه أن يقسم لها أقل من ضرتها.
هل يمكن أن ترضى امرأة بأن يكون حقها أقل من ضرتها؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: بأن تكون مدرسة أو طبيبة ( ... ) لها وقت.
الشيخ: أو عاملة مثلًا.
الطالب: أو عاملة مثلًا.
الشيخ: تريد أن يتوفر لها الوقت.
رجل تزوج امرأة فتبين أنها ثيب، هل له الخيار في ذلك؟
طالب: تزوجها على أنها بكر؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2756
الشيخ: إي، تزوجها على أنها بكر، ما سمع أن هذه المرأة تزوجت من قبل، ثم بانت ثيبًا؟
الطالب: له الخيار.
الشيخ: له الخيار؟
طالب: ليس له الخيار.
الشيخ: ليس له الخيار؟
طالب: إذا اشترط فله الخيار، وإذا لم يشترطه فليس له الخيار.
الشيخ: صح، إذا اشترط أنها بكر فله الخيار، وإن لم يشترط فليس له الخيار.
هل نحن ناقشنا المؤلف في هذا الرأي؟
طالب: ناقشنا قلنا: المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا.
الشيخ: نعم، المشروط عرفًا كالمشرط لفظًا، والإنسان إذا خطب امرأة لم تتزوج من قبل فقد علم أنه أراد أن تكون بكرًا، وعلى هذا فله الخيار.
امرأة اشترطت على زوجها الخيار لمدة ثلاثة أيام؟
طالب: صح الشرط والعقد.
الشيخ: على كلام المؤلف؟
طالب: على كلام المؤلف بطل الشرط ويصح العقد.
الشيخ: على كلام المؤلف يبطل الشرط ويصح العقد؛ يعني معناه أنها إذا قالت: لي الخيار ثلاثة أيام فالشرط لاغٍ، ليس لها الخيار.
كلمة (على المذهب) تعني؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ما هم؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لها أن تشترط الخيار.
الطالب: لها أن تشترط الخيار ثلاثة أيام؛ لأنها قد تريد أن تطلع على أخلاق الزوج وعلى ( ... ).
الشيخ: من اختار هذا القول؟
الطالب: شيخ الإسلام.
الشيخ: نعم، أحسنت، بارك الله فيك، وهذا هو الحق، وهو الصحيح؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (7).
بسم الله الرحمن الرحيم.
(أو جميلة) يعني: إذا شرط الزوج أن المرأة جميلة فبانت قبيحة فله الخيار.
فإذا قال قائل: أليس الزوج له أن يطلق ولو رآها جميلة؟
قلنا: بلى، له أن يطلق، لكن إذا قلنا: له الخيار فإنه يرجع بالمهر على من غره.
هذا هو الفائدة.
الفائدة من قولنا: إن له الخيار أنه يرجع بالمهر على من غره، وليس الفائدة أنه يفارق الزوجة، هذا أمر بيده من الأصل.
الجزء: 2 - الصفحة: 2757
المهم هذا الرجل اشترط في الزوجة أن تكون جميلة، فلما دخل عليها وجدها غير جميلة، فنقول: له الخيار بين البقاء على النكاح، وبين الفسخ، ويرجع بالمهر على من غره.
فإذا قال قائل: ما هو الميزان لكونها جميلة أو غير جميلة؛ لأنه قد يكون جميلًا عند شخص، ما ليس جميلًا عند آخر، وكل طفلة عند أمها غزالة، فما هو الضابط؟
يقال: إذا تنازع الزوج والزوجة وأهلها -وهذا قد يكون غير وارد- لكن لو تنازعوا؛ قالت الزوجة: أنا جميلة، قال: الزوج: ما أنت جميلة، إلى من نرجع؟
طالب: الزوج.
الشيخ: لا، مشكلة، الزوج ربما يريد أن تكون حورية، الظاهر نرجع إلى نساء متزنات، نرجع إليهن، ومن ثم عرفنا أن الضرورة إلى رؤية الخاطب لمخطوبته الذي جاء الأمر به من الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا رآها لم يبق له حجة؛ دخل على بصيرة.
إذا لم يشترط أنها جميلة، ثم تبين أنها قبيحة، فهل له الخيار؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما دام أنه لم يشترط فليس له الخيار؛ لأن الجمال أمرٌ زائدٌ على الأصل، فإذا لم يشترط فإنه لا يثبت له الخيار.
(أو نسيبة) نسيبة يعني: ذات نسب معروف، وهو ما يسمى عندنا بأيش؟ الناس الآن منهم من ينتسب إلى القبائل العربية المعروفة، هذا يسمى نسيبة، ومنهم من لا ينتسب إلى القبائل العربية المعروفة، هذا يسمى غير نسيبة، فهو اشترط أن تكون نسيبة، فتبين أنها ليست نسيبة، فله الخيار، وكذلك لو اشترط أن تكون من آل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ من بني هاشم، فلم تكن، فله الخيار، ولكن هل ينبغي للإنسان أن يكون مقصوده هذا؟ نقول: نعم، قد يكون هذا من مقصوده، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَدِينِهَا» (8)، والنسب لا شك أنه من الحسب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2758
(أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه فله الفسخ) شرط نفيَ عيبٍ لا ينفسخ به النكاح، وذلك أن العيوب نوعان: عيب ينفسخ به النكاح، وعيبٌ لا ينفسخ به النكاح.
مثال العيب الذي ينفسخ به النكاح أن يكون في المرأة -مثلًا- سلس بول، هذا ينفسخ به النكاح؛ بمعنى أن للزوج أن يفسخ العقد، ويرجع بالمهر على من غرَّه.
عيبٌ آخر لا ينفسخ به النكاح مثل: العمى؛ العمى عيب، لكن لا ينفسخ به النكاح، فلو تزوج امرأة ودخل عليها ووجد أنها عمياء، هل له الخيار؟ ليس له الخيار.
لماذا لم تقل عند العقد: وإنها ليست بعمياء؟ فإذا شرطت عند العقد أنها ليست بعمياء فقد شرط نفي عيبٍ لا ينفسخ به النكاح، فإذا وجدها عمياء فله الفسخ؛ لأن الشرط الذي اشترطه لم يوجد.
دخل على المرأة ووجدها صماء، لو ثار عند أذنها المدفع لم تسمعه، فهل ينفسخ النكاح؟ لا، إلا إذا اشترط أنها تسمع.
فتبين الآن أن العيوب تنقسم إلى قسمين: عيب يثبت به الفسخ، فهذا لا يحتاج نفيه إلى شرط.
وعيبٌ آخر لا ينفسخ به النكاح، فهذا يحتاج -فسخ النكاح- إلى الشرط.
وأنا مثلت لكم بالعمى والصمم؛ لأن الواقع أن العمى والصمم من أشد العيوب المنفرة؛ يعني تصور على كلام المؤلف وعلى المذهب رحمهم الله يقول: لو وجدها عمياء، صماء، بكماء، زمنة، كبيرة في السن، فلا خيار له، ليش؟ لأن هذه العيوب لا ينفسخ بها النكاح، إلا إذا اشترط نفيها.
ومعلوم أن أحدًا لا يمكن أن يقول: إن هذا ليس بعيب، هل يتصور إنسان يتزوج امرأة، ثم يجدها تحمل بالزنبيل؟ ما يتصور إطلاقًا.
والعجب أنهم يقولون: لو وجد بها بخرًا -يعني: رائحة الفم الكريهة- فهذا عيبٌ ينفسخ به النكاح، ولو وجدها على الوصف الذي ذكرت قبل قليل فليس فيه عيب، وأيهما أولى أن يكون عيبًا؟ لا شك أن ما ذكرناه أولًا أولى بأن يكون عيبًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2759
المهم على كل حال، العيوب تنقسم إلى قسمين: عيبٌ يثبت بوجوده الفسخ، فهذا لا يُشْتَرط للفسخ نفيه.
وعيبٌ لا يثبت به الفسخ، فهذا يُشْتَرط نفيه للفسخ، وإذا لم يَنْفِه فلا فسخ له.
كيف تمثل لقوله: (أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح)؟ أمثل بالعمى، الصمم، البكم، العرج، الأمثلة كثيرة.
(فبانت بخلافه فله الفسخ، وإن عتقت تحت حر فلا خيار لها، بل تحت عبد)
(إن عتقت) الضمير يعود على الزوجة، (تحت حر فلا خيار لها بل) إذا عتقت (تحت عبد).
وصورة المسألة أن تكون الزوجة مملوكة والزوج حرًّا، فأعتقها سيدُها فليس لها خيار، لماذا؟ لأنها الآن لما عتقت صارت حرة، ولكنها لم تكن بمنزلةٍ أعلى من الزوج؛ لأن الزوج حر، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خيَّر بريرة حين عتقت على زوجها، وقال: «اخْتَارِي؛ إِنْ شِئْتِ فَاسْتَمِرِّي مَعَهُ، وَإِنْ شِئْتِ فَانْفَسِخِي مِنْهُ» (9)، فاختارت الفسخ، وكانت تبغض زوجها مغيثًا، وكان زوجها مغيث يحبها حبًّا شديدًا حتى كان يتتبعها في أسواق المدينة، يريد منها ألَّا تفسخ، ولكنها أبت، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع له عندها، فشفع له النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ابقي مع زوجك، قالت: يا رسول الله، إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة، وإن كنت تشير عليَّ فلا رغبة لي فيه، وأصرت، المهم أنها خُيِّرت على زوجها حين عتقت؛ لأن زوجها كان مملوكًا حين ذاك، كما جاء في الحديث، وكان عبدًا أسود، لكن لو عتقت تحت حر فإنه لا خيار لها؛ لأنها صارت بمنزلته، ليست أعلى منه.
لكن قد يشكل عليكم كيف تكون أمة تحت حر؟ هل يجوز للحر أن يتزوج الأمة؟
نقول: يجوز بشروط ذكرها الله عز وجل في سورة النساء، فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25].
الجزء: 2 - الصفحة: 2760
فإذا كان الإنسان يخشى العنت من عدم الزواج ولم يجد إلا أمة مملوكة فله أن يتزوجها، تزوجها هذا الحر، ثم أعتقها سيدها، فهل لها الخيار أو لا؟ ليس لها خيار؛ لأنها لم تتميز عليه بشيء، هذا هو المشهور من المذهب.
والذي عليه أكثر العلماء، وقال شيخ الإسلام: لها الخيار مطلقًا، حتى ولو كان زوجها حرًّا، وعلل ذلك بأنها الآن ملكت نفسها، كانت الأول رقيقة، وربما تكون خضعت لهذا الزواج؛ لأنها مملوكة لا تستطيع أن تمانع، فإذا عتقت ملكت نفسها، فيكون لها الخيار، حتى وإن كان زوجها حرًّا؛ لأنه ربما لا يكون لها رغبة فيه من الأصل.
وما ذهب إليه الشيخ رحمه الله أقرب إلى الصواب؛ أنها إذا عتقت ولو تحت حرٍّ فإن لها الخيار؛ لأنه ليس العلة في كون الخيار لها إذا عتقت تحت عبد أنها مساوية له، بل العلة العتق، وأنها ملكت نفسها، والآن لما عتقت ملكت نفسها، فلا فرق بين أن يكون زوجها حرًّا أو عبدًا.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: ( ... ) علشان إذا عضته ما تجرحه! منين لقيت هذا؟
الطالب: ( ... ) سيارة أو ..
الشيخ: صحيح هذا ممكن، يمكن ألا يكون عندها سنون؛ إما لكبرها وإلا لحادث أصابها، لكن هل ترى هذا عيبًا بقطع النظر عن كلام المؤلف؟
طالب: نعم.
الشيخ: تراه عيبًا؟ لو أنها ركبت أسنان، قالت لزوجها: أنا أستطيع أن أركب أسنانًا الآن، فركبت.
طالب: ينظر.
الشيخ: ويش اللي ينظر؟
الطالب: إذا الزوجة راغبة ..
الشيخ: هو إذا رغب وإن لم يكن لها أسنان ما فيه إشكال.
لكن إذا قال: وإن ركبتي الأسنان أنا ما أريد النكاح، أريد أن أفسخ النكاح؟ نعم إذا قلنا: إنه اشترط أن يكون لها أسنان وتبين أنه لا أسنان لها فله الخيار لا شك؛ لأن الأسنان التركيبية هذه ليست مثل الأصلية.
طالب: ما هو الضابط في مسألة العيوب؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، المؤلف سيعقد لها فصلًا بعد هذا، ونتكلم عليه إن شاء الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 2761
طالب: اختيار شيخ الإسلام رحمه الله أن لها الخيار مطلقًا، وقد قال الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]، إذا قلنا بهذا فربما خالفنا ظاهر الآية؛ لأنه يكون لها الخيار في هذا؛ لأنه بيكون لها قوامة؟
الشيخ: ليس لها قوامة، أليس المرأة إذا اشترطت شروطًا على الزوج ولم يفِ بها، أليس لها الخيار؟
الطالب: نعم، لكن هذا خارج عن الأصل.
الشيخ: لا، هذا بالشرع.
الطالب: الأصل القوامة للرجل، وأخرجنا أنها إذا عتقت تحت عبد؛ لحديث بريرة (10).
الشيخ: ما يخالف، حديث بريرة، شيخ الإسلام يقول: إنه ما ثبت أنه عبد.
الطالب: في البخاري يا شيخ؟
الشيخ: إي، فيه خلاف، الألفاظ فيها خلاف.
الطالب: إذن نقول أنه ليس ..
الشيخ: لا، القول الراجح أن لها الخيار مطلقًا، والعلة أنها ملكت نفسها.
الطالب: ( ... ) فلها الفسخ وإن ثبتت عنته بإقراره أو ببينة على إقراره أُجِّل سنة منذ تَحَاكُمِه ..
الشيخ: (منذ تُحَاكِمُه)؛ لأنه لو كان كما قلت: (تَحَاكُم) لزم التثنية؛ أي: منذ تحاكمهما؛ لأن التحاكم يكون بين اثنين.
الطالب: أُجِّل سنة منذ تحاكمه، فإن وطئ فيها، وإلا فلها الفسخ، وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين، ولو قالت في وقت: رضيت به عنينا؛ سقط خيارها أبدًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: ومن وجدت زوجها مجبوبًا) هذا من العيوب، والباب الذي سبق باب الشروط والعيوب في النكاح.
و (العيوب) جمع عيب.
والعيب هل هو محدود أو معدود؟
عند الفقهاء أنه معدود، العيوب معدودة، والصحيح أن العيب محدود؛ وهو كل ما يمنع الاستمتاع أو كماله فهو عيب؛ لأن من أعظم مقصود النكاح الاستمتاع، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24].
مما يمنع الاستمتاع ما ذكره بقوله: (ومن وجدت زوجها مجبوبًا) أي مقطوعًا ذكره ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2762
مَن وَجَدَتْ زَوْجَها مَجبوبًا أو بَقِيَ له ما لا يَطَأُ به فلها الفَسْخُ، وإن ثَبَتَتْ عُنَّتُه بإقرارِه أو بِبَيِّنَةٍ على إقرارِه أُجِّلَ سنةً منذ تَحاكُمِه فإن وَطِئَ فيها وإلا فلها الفَسْخُ، وإن اعْتَرَفَتْ أنه وَطِئَها فليس بعِنِّينٍ، ولو قالتْ في وقتٍ: رَضِيتُ به عِنِّينًا سَقَطَ خِيارُها أَبَدًا.
(فصل)
والرَّتْقُ والقرنُ والْعَفَلُ والفَتْقُ واستطلاقُ بَوْلٍ ونَجْوٌ وقُروحٌ سَيَّالَةٌ في فَرْجٍ وباسُورٌ وناصورٌ وخِصاءٌ وسَلٌّ ووِجاءٌ وكونُ أحدِهما خُنْثَى واضحًا وجُنونٌ ولو ساعةً وبَرَصٌ وجُذامٌ يُثْبِتُ لكلِّ واحدٍ منهما الفَسْخَ، ولو حَدَثَ بعدَ العَقْدِ أو كان بالآخَرِ عَيبٌ مِثْلُه، ومَن رَضِيَ بالعيبِ أو وُجِدَتْ منه دَلالتُه مع عِلْمِه فلا خِيارَ له، ولا يَتِمُّ فَسْخُ أحدِهما إلا بِحَاكِمٍ، فإن كان قبلَ الدخولِ فلا مَهْرَ، وبعدَه لها الْمُسَمَّى، يَرْجِعُ به على الغارِّ إن وُجِدَ، والصغيرةُ والمجنونةُ والأَمَةُ لا تُزَوَّجُ واحدةٌ منهنَّ بِمَعِيبٍ، فإن رَضِيَت الكبيرةُ مَجبوبًا أو عِنِّينًا لم تُمْنَعْ، بل من مجنونٍ ومجذومٍ وأَبْرَصَ، ومتى عَلِمَت العيبَ أو حَدَثَ به لم يُجْبِرْها وَلِيُّها على الْفَسْخِ.
(بابُ نِكاحِ الكُفَّارِ)
حُكمُه كنِكاحِ المسلمينَ، ويُقَرُّونَ على فاسدِه إذا اعْتَقَدُوا صِحَّتَه في شَرْعِهم ولم يَرْتَفِعُوا إلينا،
هذا من العيوب، والباب اللي سبق: باب الشروط والعيوب في النكاح.
والعيوب جمع (عيب)، والعيب هل هو محدود أو معدود؟ عند الفقهاء أنه معدود، العيوب معدودة.
والصحيح أن العيب محدود؛ وهو كل ما يمنع الاستمتاع أو كماله فهو عيب؛ لأن من أعظم مقصود النكاح الاستمتاع، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24].
مما يمنع الاستمتاع ما ذكره بقوله: (ومن وجدت زوجها مجبوبًا) أي مقطوعًا ذكره.
الجزء: 2 - الصفحة: 2763
تزوج امرأة فوجدت المرأة هذا الزوج مجبوبًا ليس له ذكر، إما بأصل الخِلقة وإما لسببٍ حادث، فلها الخيار.
إذا قال هذا الزوج المجبوب: أنا أُنفق عليكِ نفقة أحسن من نفقة الملوك، في الأكل، والشرب، وآتي لكِ بخادم وسيارة وقصر، كل ما تريدين.
قالت: لا، لا أريد، اتقِ الله.
يكفيكِ مني مثلًا الاستمتاع الآخر، بالتقبيل والضم وما أشبه ذلك، ودعينا من هذا، هل لها الخيار؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كل شيء تام في حقها.
طلبة: لا، بس ناقص.
الشيخ: لكن الحق الأتم ما تم، فلها الخيار، لها أن تختار.
طيب، هل يُؤجَّل؟ إذا لم ينتظر سنة؟
طلبة: لا، ما ينتظر.
الشيخ: إن كان يُرجى نباته أُجِّلت وإلا فلا، ومعلوم أن العضو إذا قطع أي عضو من الإنسان ما يرجع.
إذن لها الفسخ في الحال.
(أو بقي له ما لا يطأ به)، يعني ليس مجبوبًا نهائيًّا، لكن بقي جزء ضعيف من الذكر لا يقدر أن يطأ به؛ فلها الخيار، لها الفسخ في الحال.
إذا لم تجده مجبوبًا، لكن وجدت ذكره قصيرًا جدًّا، لا يستطيع الجماع به، فهل لها الخيار؟ نعم، لها الخيار؛ لأن هذا كالمجبوب تمامًا، لكن قد يقول الزوج: هذا من الله، ما هو بيدي، هل لها الخيار أو لا؟ انتبهوا يا جماعة؟
طالب: إذا كانت تستمتع به ..
الشيخ: قلت لك: لا يستطيع، بقي ذَكَره قصير جدًّا لا يستطيع أن يُجامع.
طلبة: لها الخيار.
الشيخ: لها الخيار؟ نعم، إذا قال: هذا من الله، نقول: نعم، هذا من الله، لكن هذا من المصائب التي أصابك الله بها، فعليك أن تصبر، أو ييسر الله لك امرأة لا تريد هذا الشيء، وإنما تريد الاستمتاع، وأن تكون عند رجلٍ يحضنها وما أشبه ذلك.
كذلك أيضًا (فلها الفسخ) (وإن ثبتت عُنته) هذا القسم الأول في الواقع عدم القدرة على الوطء قد يكون من أجل الآلة -آلة الوطء، وهي الذَّكَر- إما لجبِّه أو قطعه، حتى يبقى ما لا يحصل به الجماع، أو لصغره، بحيث لا يُجامِع.
الجزء: 2 - الصفحة: 2764
القسم الثاني: مرض في العضو مع بقاء العضو كاملًا، وهو ما يسمى بالعُنَّة، والعُنَّة عدم القدرة على الوطء، انتبه، ولهذا قال: (إن ثبتت عُنَّته بإقراره، أو ببينة على إقراره أُجِّل).
يعني إذا وجدته عِنِّينًا، إذا وجدت الزوجة زوجها عِنِّينًا، والعِنِّين هو الذي لا يقدر على الوطء، وبماذا نعلم أنه لا يقدر؟ نعلم أنه لا يقدر بأن يقر هو بنفسه أنه غير قادر على الجماع، فحينئذٍ نأخذ بإقراره؛ لأنه لا عُذر لمن أقر.
(أو ببينة على إقراره) الآن الزوجة تحاكم وتقول: إنه عِنِّين، وهو يقول إنه ليس بعِنِّين، فقالت: عندي بينة أنه قد أقر بذلك، فأتت برجلين يشهدان بأن فلان بن فلان أقر عندهما بأنه لا يستطيع الجماع، فهنا ثبتت عنته بماذا؟ ببينة على إقراره، والأول إن ثبت بإقراره بمعنى ثبت عند الحاكم، أنه لا يستطيع الجماع، فماذا نصنع؟
الجواب في هذا أن يقال: إن علمنا عدم عوده، أي عدم عوده القدرة على الجماع، فلا حاجة أن نؤجل، نقول: الفسخ من الآن، إذا علمنا أنه لا يمكن أن تعود قدرته على الجماع، فلا حاجة من التأجيل، نقول: لها الخيار من الآن، كيف نعلم؟
نعلم بالفحص عليه، فحص الأطباء عليه وقالوا: إن سبب انتشار ذَكَره -أي قيامه- مفقود بالكلية، ولا يمكن أن يعود، لا بدواء ولا بجراحة؛ يعني عملية.
فحينئذٍ نقول: لا يُؤجل، لها الخيار من الآن، أما إذا قيل: يمكن أن يعود فهو يُؤجَّل سنة، ولهذا قال: (أُجِّل سنة منذ تحاكمه) من يؤجله؟
الطلبة: الحاكم.
الشيخ: الحاكم، فيقول مثلًا إذا ثبتت العنة، يقول: لك سنة.
هلالية أو فصلية؟
طلبة: هلالية.
الشيخ: أنا عندنا صبي، إذا قلت مثلًا: هل تحب الخبز أو الرز؟ قال: الرز، فإذا قلت: هل تحب الرز أو الخبز؟ قال: الخبز.
فالحكم لأيش؟
طالب: للأول.
الشيخ: لا، للأخير.
فالأخ لما قلت له هذا، أنا قلت في هذه الحال: هل هي هلالية أو فصلية؟
الطلبة: هلالية.
الجزء: 2 - الصفحة: 2765
الشيخ: الدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 189] فيُؤجَّل سنة هلالية.
فإذا قال قائل: هل هناك فرق بين الهلالية وبين الفصلية؟
قلنا: نعم، الفصلية أطول؛ لأن الفصلية متعلقة بالبروج، والبروج اثنا عشر برجًا، وأيامها أطول من أيام اثني عشر شهرًا، واضح؟ فالمهم أننا نؤجله سنة هلالية، والدليل على أنها هلالية ما ذكرته لكم.
فيقال له: الآن اليوم الثامن عشر من شهر صفر عام ستة عشر وأربع مئة وألف، لك سنة إلى ثمانية عشر من شهر صفر عام سبعة عشر وأربع مئة وألف.
إن قدرت على الوطء في هذه المدة فلست بعنين، وإن بقيت عاجزًا فأنت عنين، ولهذا قال: (أُجِّل سنة منذ تحاكمه فإن وطئ فيها) فذلك المطلوب، وزال عنه وصف العنة.
(وإلا) يعني وإلا يطأ (وإلا فلها الفسخ).
إذا قال قائل: لماذا يؤجل بسنة؟
قلنا: هذا الذي ورد عن الصحابة، أنه يُؤجَّل بسنة، ولأنه قد يكون ضعفُه عن الجماع بسبب الفصل، يعني فصل السنة، فمثلًا بعض الناس تضعف شهوته في أيام الصيف، وتنشط في أيام الشتاء، وبعض الناس بالعكس، وبعض الناس تضعف في الخريف وتقوى في الربيع، وبعض الناس بالعكس، فإذا مرت عليه الفصول الأربعة، ولم يستطع علمنا أن هذا لعلةٍ غير الزمن وغير الوقت؛ فلها الفسخ.
إذا علمنا بوصف الطب أنه لن يستطيع الجماع، نؤجل ولَّا لا؟
الطلبة: لا نؤجل.
الشيخ: لا نؤجل؛ لأنه لا فائدة من التأجيل، إذ إن المراد بالتأجيل امتحان قدرته، وهنا لا حاجة.
يقول: (فإن وطئ فيها وإلا فلها الفسخ وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين) يعني لو اعترفت المرأة بأنه وطئها، ثم عجز بعد ذلك.
يعني هي قالت: إنه في ليلة العُرس جامع جماعًا طبيعيًّا، ثم بعد ذلك خلاص مات، صار لا يستطيع الجماع ولي معه سنة الآن، تقول المرأة، ولم يجامِع، فهو عِنِّين فأنا أطلب الفسْخ، هل لنا أن نجيبها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2766
لا، لماذا؟ لأنها أقرت بأنه جامعها، وإذا جامعها مرة فليس بعِنين، وهذا بناءً على أن العنة لا تطرأ على الإنسان، يعني لا يمكن أن يكون الإنسان عنينًا بعد أن كان قويًّا على الجماع.
ولكن الصحيح أن العنة قد تحدث؛ لأن الإنسان مُعرَّض لفقد قواه كلها أو بعض قواه، أليس الإنسان السميع يمكن أن يلحقه الصمم؟ ويش تقولون؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بلى، يمكن سميع يلحقه الصمم، بصير يلحقه العمى، قوي الجسم يلحقه الضعف، أيضًا قوي الشهوة فيلحقه الضعف.
فالصواب أن العُنَّة قد تحدث، وحينئذٍ إذا ثبتت عُنَّته بعد أن كان قويًّا على الجماع فإننا نؤجله سنة منذ تحاكمه ما لم نعلم أنه لن تعود قوته للجماع، فحينئذٍ لها الفسخ.
مثل أن يصاب بحادث تتلف معه الأعضاء التي تُغذِّي الذكر حتى يقوم؛ ففي هذه الحال لنا أن نحكم لها بالفسخ من الآن.
(ولو قالت في وقت: رضيت به عِنِّينًا سقط خيارها أبدًا)
هذه امرأة أول ما تزوجت زوجها أحبته، وكان يكرمها لئلا تطالبه بحق الاستمتاع، فسُئلت عن الزوج، قالت: والله الزوج رجل طيب، لكنه عِنين لا يستطيع الجماع، فقيل لها: اطلبي الفسخ، قالت: لا، الرجل طيب ودَيِّن وحبيب، وأنا رضيت به ولو كان عنينًا، ثم بعد ذلك ساءت العشرة بينها وبينه، فطالبت بالفسخ، قالت: الرجل عِنِّين، هل تُمكَّن من الفسخ؟
طلبة: لا.
الشيخ: يقول المؤلف: لا تُمكَّن؛ لأنها رضيت به عِنِّينًا فسقط حقها، وحق الفسْخ لها، فإذا أسقطته سقط، وهذا واضح؛ لأن الإنسان إذا كان الحق له فأسقطه سقط.
هل لها أن تطلب الطلاق؟ نعم، لها أن تطلب الطلاق، ويخالعها الزوج، فيقول مثلًا: أعطني مالي وأطلقكِ؛ لأن هذا أمرٌ يفوتها كثيرًا من الغرض.
الجزء: 2 - الصفحة: 2767
ولعلكم تذكرون قصة المرأة التي طلقها زوجها ثلاثًا، فتزوجها رجل يقال له: عبد الرحمن بن الزَّبِير، ولكنه لا يستطيع الجِماع، فجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: إن زوجي فلانًا طلقني فبت طلاقي، وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، وأخذت ثوبها وقالت: مثل هدبة الثوب، فتعجَّب الصحابة منها، كيف تقول هذا عند الرسول عليه الصلاة والسلام؟ فقال لها: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ ». رفاعة القرظي؛ لأنه زوجها الأول «لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (1). ولم يُمكِّنها النبي صلى الله عليه وسلم من الرجوع إلى الزوج الأول، لماذا؟ لأن زوجها لم يجامعها.
ولهذا اشترط العلماء في حِلِّ المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول أن يُجامعها الثاني بانتشار؛ أي بقيام ذَكَرِه حتى يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته.
نبدأ بالفصل الثالث، قال: (فصلٌ)
هذا الفصل الذي انتهينا منه عيب يختص بمن؟ بالزوج.
العيوب الثانية في الفصل الثالث.
يقول: (فصل: والرَّتق، والقرَن، والعفَل، والفتَق، واستطلاق بول ونجو، وقروح سيالة في فرج، وباسور، وناصور، وخصاء، وسَلٍّ، ووجاء، وكون أحدهما خنثى واضحًا، وجنون ولو ساعة، وبَرَص، وجذام، يثبت لكل واحد منهما الفسخ، ولو حدث بعد العقد أو كان بالآخر عيب مثله).
هذا في العيوب، فالعيوب ذكرت لكم قبل قليل: هل هي محدودة أو معدودة؟
فيها قولان للعلماء: قول: بأنها معدودة، هذه العيوب معدودة، ما عداها ليس بعيب.
وقول آخر: يقول: إنها محدودة، فما هي على هذا القول؟
كل ما يُنفِّر أحد الزوجين عن الآخر ويمنع كمال الاستماع به.
طيب، مثلًا اللي قرأنا الآن قرأناه عليكم، هل فيها ذِكر العمى؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما فيها؛ ذِكر الصَّمم؟
طلبة: ما فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2768
الشيخ: ما فيها؛ ذِكر الزمانة؟ يعني يكون الرجل أو المرأة محرولًا، ما يمشي، أيش؟ مذكور ولَّا لا؟ لا، ليس مذكورًا.
نأخذ أدنى واحد منها، أيش أقل واحد منها؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، يمكن الباسور، قد يكون من أسهلها، الباسور -البواسير- يعني الحمد لله سهلة، يسوي الإنسان عملية كأنما يخرج شوكة من رجله، وتنتهي.
وجد مثلًا بزوجته باسورًا، فقال: هذا عيب، لي الفسخ، قالوا: يمكن الآن نعالجه في المستشفى بيومين وتمشي، قال: لا، أبدًا، أنا أريد الفسخ وآخذ المهر كاملًا.
أما الآخر فدخل على زوجته، فوجدها عمياء صماء، يُكلِّمها: يا فلانة، أقصى ما يكون من النطق، تقول: ها، نعم، يريها الأشياء الجميلة، يقول: شوفي هذه، تقول: ما، وتقربها لعينها ما تشوف شيئًا، هل له الفسخ؟
طلبة: ليس له الفسخ.
الشيخ: ليس له الفسخ، هذه الزوجة الآن تكون عالةً عليه ولَّا متعةً له؟
الطلبة: عالة عليه.
الشيخ: تكون عالة عليه، ولا فيها دواء.
شوف بينما الباسور ولو كان خفيفًا يعتبر عيبًا.
وبهذا نعرف أنه لا يمكن أن نجعل العيوب معدودة أبدًا، نقول: محدودة، أي إنسان يعلم علم اليقين أن رجلًا لو أُدخل على امرأة فوجدها عمياء صماء، كل يعرف أن هذا غلط، وهذا غرر وغش للزوج وخداع، وكذلك هي لو دخلها عليها، ووجدت الرجل أحدب، أعمى، أصم، يمشي على العصا، معتقدة أن الرجل شاب، وأنه قوي ونشيط، هل هذا عيب ولَّا غير عيب؟
طلبة: عيب.
الشيخ: غش ولَّا غير غش؟
طلبة: غش.
الشيخ: والله غش، ما أشك أن هذا غش، ونقول: ليس لها الخيار؟ ! سبحان الله، ولو كان به باسور يمكن يعالج بيوم واحد في المستشفى؟ قالوا: هذا عيب.
فالحاصل إن شاء الله يأتي الكلام على التفصيل في الدرس القادم، لكن هذا يُبيِّن لنا أن العلماء رحمهم الله مهما بلغوا من العلم، فإنه لن يكون علمهم تامًّا ولن يكونوا معصومين.
الجزء: 2 - الصفحة: 2769
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الرجل إذا ثبتت عُنته، وأراد أن يأخذ المهر الذي أنفقه على الزوجة من المهر و .. ؟
الشيخ: المال؟
الطالب: إي نعم، مهر و .. ؟
الشيخ: أبدًا، ما له ولا قرش، أبدًا المرأة تفسخه، ولا له شيء، لكن سيأتينا إن شاء الله، هل الفسخ بالعيوب يحتاج إلى القاضي؟ أو لمن له الحق أن يفسخ بدون شيء؟
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، الأصل السلامة، أما قول بعض الناس، يعني الحقيقة الذين نسميهم متزمتين متنطعين، نقول: لا بد أن يُفحص على الزوج والزوجة، هل يصح يتزوجون أو لا؟
نقول: ما هو صحيح، ما هو الزوج والزوجة نحن نشوف نختبره هل فيه مرض ولَّا لا، الأصل أيش؟
طالب: السلامة.
الشيخ: الأصل السلامة.
طالب: أحسن الله إليك، هل يعتبر ( ... ) عيبًا؟
الشيخ: بيجينا إن شاء الله يأتينا.
طالب: شيخ، قلنا: إذا كان الزوج ذكره صغير جدًّا فلها الفسخ، وإذا كان العكس؟ !
الشيخ: الله يعينها عليه، يقول: لو كان ذكره صغيرًا جدًّا فلها الفسخ؟ إذا كان العكس؟ فنقول: الله يعينها عليه!
الطالب: ليس لها الفسخ.
الشيخ: نقول: الله يعينها عليه.
طالب: الآن يا شيخ فيه في الطب تركيب أعضاء صناعية، فكيف المجبوب لو ركَّب عضوًا صناعيًّا؟
الشيخ: ما ينفع يا أخي، لا تفكر، ما ينفع غير الطبيعي.
مشكلة إذا صار ( ... ) يقول: أروح أركِّب؟ !
يلَّا، ما فيه أسئلة؟
طالب: ( ... )؟
الشيخ: صحيح، قلنا: الأصل السلامة، لكن لو ظهرت بوادر تدل على هذا المرض المعدي، فالأصل لا تتزوجه.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: إذا حدث هذا المرض المعدي فلها الفسخ.
طالب: بالنسبة لحديث المرأة لتي تزوجت عبد الرحمن بن الزبير، الآن مثلًا هو يعني ما استطاع الجماع، يعني لو رجل ما استطاع الجماع وطلقها، يحل لها أن ترجع للزوج الأول؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2770
الشيخ: لا، لا تحل؛ لأن الرسول قال: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (1)، وهذا هو السر في أن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. ولم يقل: حتى تنكح رجلًا.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: يعني إذا فسخت لعدم قُدرته على الجماع، لا بد تتزوج آخر ويجامعها ( ... ).
طالب: وباسور، وناصور، وخصاء، وسَلٍّ، ووجاء، وكون أحدهما خنثى واضحًا، وجنون ولو ساعة، وبَرَص، وجذام، يثبت لكل واحد منهما الفسخ، ولو حدث بعد العقد أو كان بالآخر عيب مثله، ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له، ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن العيوب في النكاح مختلَفٌ فيها، هل هي معدودة أو محدودة؟
والصواب أنها محدودة، وأن حدها كل ما يُنفِّر أحد الزوجين عن الآخر ولا تحصل به.
أما المذهب فإنها معدودة، وما عداها فليس بعيب ولو كان أعظم منها تنفيرًا.
وسبق لنا في الفصل الأول ما يختص بالرجل، وهو ألَّا يستطيع الجِماع سواء كان ذلك بأصل الخِلقة أو حدث بعد ذلك فإنه من العيوب.
ثم ذكر في هذا الفصل العيوب المشتركة والخاصة أيضًا فقال: (والرَّتق، والقرن، والعفل، والفتق، واستطلاق بول ونجو) إلى آخره.
(الرتق، والقرن، والعفل، والفتق) كلها عيوب مختصة بالفرج؛ فرج الأنثى.
(فالرتق) معناه أن يكون الفرج لا يسلكه الذَّكر، مسدود، لا يمكن أن يسلكه الذكر، وهذا لا شك أنه عيب؛ لأنه يُفوِّت الاستمتاع.
كذلك (القرن) أن يكون الفرْج، يمكن سلوك الذَّكَر فيه لكنه مُقترِن مخرج البول مخرج المني.
(العفل) أن ينبت فيه شيء زائد.
أما (الفتق) فهو انفتاح ما بين مخرجي البول والمني.
المهم أن كلها عيوب مختصة بفرج المرأة، فيكون من العيوب المختصة بالمرأة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2771
(استطلاق بول ونجو) هذا عام مشترك؛ يعني أن الزوجة بها سلس البول، أو الزوج به سلس البول، هذا لا شك أنه عيب، من يستمتع بامرأة فيها سلس البول، أو المرأة تستمتع برجل فيه سلس البول دائمًا؟
(النجو) يعني الغائط، وهل مثلها الريح؟ الجواب: نعم؛ لأن الريح تبعث رائحة كريهة.
(وقروح سيَّالة في فرج) هذا خاص ولَّا مشترك؟ خاص، الفرج فرج الأنثى.
(قروحٌ سيَّالة) وظاهر كلام المؤلف أنه إذا كان فيه جروح لكن ليست سيَّالة؛ فليس بعيب.
والصواب -بلا شك- أنه عيب؛ لأن الجروح السيالة هي التي تفرز مادة عفنة، وغير السيالة التي لا تفرز لكنها جرح منجرح، يكون فيه دم، يكون فيه مادة، لكن ما تسيل.
والصواب أن هذا عيب بلا شك؛ لأن النفس تتقزز من جماعها وفي فرجها قروح.
(وباسورٌ وناصور) مشترك ولَّا خاص؟
طالب: مشترَك.
الشيخ: (الباسور والناصور) يقول الشارح: إنهما داءان في المقعدة، وهما معروفان، فهما عرقان ينفتحان، فيخرج الدم من الإنسان باستمرار، وهذا لا شك أنه عيب؛ لأنه يُنفِّر كل واحدٍ عن الآخر.
(وخِصَى) خاص ولَّا عام؟
طلبة: خاص.
الشيخ: خاص بمن؟
الطلبة: بالرجل.
الشيخ: بالرجل.
(وسَل)؟
طالب: عام.
طالب آخر: مشترك.
الشيخ: هذا خاص.
(سَل) يعني سل للخصيتين، ما هو السِّل المعروف.
السِّل المعروف لا شك أنه مرض يكون في الرجل والمرأة، لكن مع ذلك ليس بعيب.
طالب: عندنا بكسر السين.
الشيخ: لا، الصواب بالفتح (سَل) يعني سلًّا للخصيتين.
طيب لماذا كان سل الخصيتين وخِصائهما عيبًا؟ لأنه يبطل الشهوة إما بالكلية، وإما يضعفها جدًّا، ثم إنه أيضًا يمنع من النسل؛ لأن النسل إنما يكون بالمني، والمني لا يطبخه إلا الخصيتان، وإذا فُقِد الخصيتان فلا نسل، بل ولا جِماع كامل.
ما الفرق بين الخصاء والسل؟ الخصاء أن تُقطع الخصيتان مع الجلد، والسل يُفتح الجلد وتُسل الخصيتان، ويبقى الجلد كما هو، هذا هو الفرق.
الجزء: 2 - الصفحة: 2772
(ووِجاء) الوجاء بمعنى الرض؛ يعني تُرَضُّ الخصيتان، فهذا أيضًا عيب.
(وكون أحدهما خنثى واضحًا) هذا عيب أيضًا، يكون الرجل خنثى واضحًا، له ذَكَر يُجامِع به كما يجامع الذَّكَر، لكن له فرج أنثى سواء كانت فوق آلة الذكر ولا تحتها، هل المرأة تتلذذ برجل يجامعها وله فرج؟ أبدًا ما تتلذذ.
ولو كان خنثى واضحًا، واضح أنه أنثى، في هذه الحال كيف يجامع الإنسان أنثى لها آلة ذكر؟ وممكن عند الجماع ينتشر هذا الذكر، ومشكلة.
على كل حال كون أحدهما خنثى واضح لا شك أنه عيب، ومن أكبر العيوب.
وكون أحدهما خنثى مشكلًا؟ النكاح لا يصح، ولهذا لم يقل: خنثى وسكت، بل قال: (خنثى واضحًا)؛ لأن الخنثى المشكل لا يصح نكاحه، لا باعتباره أنثى، ولا باعتباره ذكرًا.
(وجنون ولو ساعة) إذا كان أحدهما يُجَنُّ ولو مرة واحدة في السنة؛ فهذا عيب نسأل الله العافية.
(وبرص وجذام) البرص داء معروف، وهو عبارة عن خلاف لون الجلد إلى بياض، هذا عيب.
وظاهر كلام المؤلف لا فرق بين أن يكون كثيرًا أو قليلًا، يعني لا فرق بأن يكون الإنسان كله -والعياذ بالله- انقلب إلى برص، أو قليلًا متوزعًا في الجسم ظاهرًا، أو قليلًا متوزعًا في الجسم باطنًا، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وجه ذلك، أنه أطلق، قال: (برص)، ولم يقل: برص يعم، ولم يقل: البرص ظاهر، أطلق، وعلى هذا فلو يكون بين كتفيه بُقعة من البرص كعين الجرادة، تعرفون عين الجرادة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: فهو عيب ولَّا غير عيب؟ هذا عيب، لها أن تفسخ.
وكذلك بالعكس لو كان في المرأة فله أن يفسخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 2773
(وجُذام) الجذام مرضٌ معروف والعياذ بالله، إذا أصاب الإنسان مات؛ لأنه يسعى، إذا أصاب أحد الأعضاء، أجارنا الله وإياكم من الشر؛ فإنه يسعى حتى يقضي على الإنسان، الجذام لا شك أنه عيب، بل إنه يجب الفسْخ إذا علمنا أن أحدهما أصابه جذام وجب الفسخ؛ لأن الجذام معدٍ واضحة عدواه، حتى إن العلماء قالوا: يجب على السلطان أن يعزل الجذمى في مكان واحد لئلا يختلطوا بالناس فينتشر هذا الداء.
وظاهر كلام المؤلف أنه وإن أمكن دواء الجذام؛ لأنه إذا أمكن فإما أن يُمكن بقطع العضو، كاليد مثلًا لو أصاب اليد، إذا قُطِعت يده فهذا لا شك أنه عيْب، وإما أن يكون بالأدوية، فالأدوية الغالب أنها لا تنجح فيه.
قال: (يثبت لكل واحد منهما الفسخ) إلى آخره، (منهما) الضمير يعود على الزوجين، فلو وجد الإنسان في زوجته قرنًا فله الفسخ.
ولو وجدت أن زوجها خصي، فلها الفسخ.
قال المؤلف: (ولو حدث بعد العقد) وهذه إشارة خلاف؛ لأن من العلماء من يقول: إذا حدث هذا بعد العقد وهو لا يتعدى ضرره فليس لها الفسخ، إذا حدث وهو لا يتعدى ضرره فليس لها أن تفسخ، مثل: استطلاق البول؛ يعني لو أن الزوج أصابه سلس البول، فليس لزوجته الفسخ على القول الصحيح؛ لأن هذا شيء حدث.
وكذلك لو حدث به برص وقال الأطباء: إنه لا يُعدي، فليس لها الفسخ؛ لأنه لم يضرها.
وقال: (أو كان بالآخر عيب مِثلُه) فله الفسْخ.
يعني لو قالت الزوجة: إن زوجي أبرص، فيه برص، فأنا أريد الفسْخ، وكانت هي أيضًا بَرْصاء، فلها الحق أن تفسخ، فإذا طالبت بالفسخ، وقال: لمَ؟ قالت: لأن فيك برصًا.
قال: وأنتِ فيكِ برص، يقول هكذا ولَّا لا؟ نعم، يقول هكذا، لكنها تقول: إن الإنسان ينفر من عيب غيره، ولا ينفر من عيب نفسه، صحيح هذا ولَّا غير صحيح؟ صحيح، الإنسان ينفر من عيب غيره ولا ينفر من عيب نفسه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2774
ولذلك تجد الإنسان يستنجي، ويمس النجو بيده، لكن لو قيل له: مس نجو فلان؟ ما يستطيع، أبدًا، بينما هو بكل سهولة يغسل النجوى من دبره ويمس الخارج، ولا يرى في هذا بأسًا، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: طيب، شيء آخر، الإنسان يتمخط، ولا يرى ذلك عيبًا في نفسه، لكن لو تمخط إنسانٌ أمامه تقززت نفسه، صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن إذا قال: أنتِ برصاء، تقول: نعم، هي برصاء، لكن الإنسان ينفر من عيب غيره، ولا ينفر من عيب نفسه، لكن عاد يبقى إذا كان قد علم بأنها برصاء فليس له خيار، وإن لم يعلم فله الخيار، وحينئذٍ يرجع على من غرَّه أو يسقط المهر في هذه الحال؟
هو غارٌّ ومغرور أيضًا، هنا لا يرجع، كيف يرجع؟ لأن هي أيضًا تقول: أنا أريد الفسخ، وإذا أردت الفسخ فلي المهر كاملًا.
وقد نقول: إنه يرجع على من غرَّه، لكن من غرَّه لا يرجع عليها؛ لأنها هي أيضًا مغرورة.
ولعل هذا أوجه، وسنحرره إن شاء الله تعالى فيما بعد.
طالب: مسألة سبقت ما وضحت لديَّ.
الشيخ: وهي؟
الطالب: قلنا: إن المرأة تطلب الخيار شهرًا مثلًا، تقول: لي الخيار شهرًا بعد الزواج.
الشيخ: هذه الشروط في النكاح.
الطالب: نعم، فهل نقول في خلال هذا الشهر: إذا انتهى الشهر، وقالت في نهاية الشهر: قررت الفسْخ.
الشيخ: بعد انتهاء الشهر لا تملك هذا.
الطالب: قبل نهاية الشهر.
الشيخ: لها ذلك.
الطالب: وكيف يكون المهر خاصة أنه قد يكون دخل عليها؟
الشيخ: هو ينبغي إذا اشترط الخيار ألا يستمتع بها، كما قلنا فيما لو باع بعيرًا، واشترط الخيار ما يستعملها؛ تبقى حتى يتبين هذا أو هذا.
فنقول: الآن ما دام لها الخيار لا ( ... )، فإن كان قد دخل بها، فالخيار بأن تقول: أنا أريد فسخ النكاح، وتفسخ النكاح.
الطالب: يُسمى طلاقًا؟
الشيخ: لا، يُسمى فسخًا.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما الفرق بين الخنثى الواضح والخنثى المشكل؟ كيف يعني يصح ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2775
الشيخ: الفرق بينهما أن الواضح هو أن تظهر فيه خصائص الرجال، أو خصائص النساء، فمثلًا إذا كان يبول من ذَكَرِه، ولا يبول من الفرج؛ يعني له فرج وله ذَكَر، لكنه يبول من الذكر ولا يبول من الفرج، هذا واضح أنه ذَكَر، وإذا كان يبول من الفرج دون الذكر، فواضح أنه أنثى.
أما المشكل فأن يبول منهما جميعًا، هذا ما ندري، ما مدام يبول منهما جميعًا لا نعلم هل هو ذكر ولَّا أنثى، فإن تزوجه ذكر، قلنا: لعله يكون ذكرًا فيكون جماعه لِواطًا، وإن تزوجه أنثى، قلنا: لعله يكون أنثى، فيكون نكاحه مساحقة، واضح يا جماعة؟ ما فيه إشكال.
طالب: إذا كان الرجل له خصية واحدة، والمرأة ..
الشيخ: لا، ليس لها الفسخ؛ لأن الإنسان قد يجامع جماعًا تامًّا بالخصية الواحدة.
طالب: ( ... ) قليل: لها الفسخ، ولو كان ( ... )؟
الشيخ: على كل حال في الحقيقة يختلف، هذا لو كان النقطة كما مثلنا نحن بأنها نقطة كعين الجرادة بين الكتفين، هذا خفي جدًّا، ولا يقتضي التنفير، لكن لو كانت هذه بالوجه أثَّرت.
إنما نحن نقول: الفقهاء يقولون مطلقًا: حتى وإن لم يحصل فيه تنفير، ونحن مثلنا بذلك؛ لأنه سيأتينا إن شاء الله أن هناك عيوبًا لا يرون الفسخ بها مع أنها أولى.
يعني لو أن إنسانًا دخل على زوجته فوجدها عمياء، بكماء، صماء، زمنى، مُقوَّسة، مُشوَّهة الوجه؛ لا تعدل فراشها أيضًا، يقول: هذه ما هي عيب، هذا ليس بعيب، إذا كانت هذه ليست بعيوب، فما في الدنيا عيب أبدًا، ونقطة من البرص بين الكتفين يعتبرونها عيبًا.
الشريعة ما تأتي بمثل هذا إطلاقًا، يدخل على المرأة بهذه الصفة، ويقول: سلامٌ عليكم، وهي لا تستطيع أن تقول: ويش تقول؟ كيف هذا! نسأل الله العافية.
( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2776
طالب: قال: ومن رضي بالعيب، أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له، ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم، فإن كان قبل الدخول فلا مهر، وبعده لها المسمى، ويرجع به على الغار إن وجد، والصغيرة والمجنونة والأمة لا تُزوَّج واحدة منهن بمعيب، فإن رضيت الكبيرة مجبوبًا أو عِنينًا لم تمنع، بل من مجنون ومجذوم وأبرص، ومتى علمت العيب أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أن العيوب -عيوب النكاح- انقسم فيها العلماء إلى قسمين:
منهم من قال: إنها معدودة، ومنهم من قال: إنها محدودة.
فما هو القول الراجح من القولين؟
طالب: محدودة.
الشيخ: كيف محدودة يا شيخ؟ !
الطالب: الأفضل أنها معدودة.
الشيخ: معدودة، هذا القول الراجح.
لكن هناك سهامٌ أخرى موجهة لك.
طالب: الصحيح أنها محدودة، وليست معدودة.
الشيخ: أي الرجلين توافقون؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: هي في الواقع محدودة، وضابطها كل ما ينفر أحدهما عن الآخر، ويمنع كمال الاستمتاع به.
هذا الضابط.
والقول بأنها معدودة؛ يعني قول ضعيف لا شك، وما جاء عن السلف في مثل هذه الأشياء يقاس عليه ما هو مثله، أو أولى منه.
أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: طيب، حكم الفسخ إذا وُجد هذه العيوب؟
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن رضي بالعيب، أو وجدت منه دلالته مع علمه؛ فلا خيار له) من رضي بالعيب فلا خيار له بعد ذلك؛ لأنه أسقط حقه من الفسخ.
مثال هذا: امرأة وجدت زوجها عِنِّينًا لا يتمكن من الجِماع، فقالت: رضيت به، ثم بعد ذلك رجعت، فهل لها أن ترجع؟ لا.
وجدت زوجها فيه برص فرضيت به، ثم عادت لتطالب بالفسخ، فلا يمكن أن تفسخ، وهلم جرًّا.
ووجه ذلك؛ أي وجه كونها إذا رضيت فلا خيار لها: أن الحق لها وأسقطته.
وقوله: (أو وجدت منه دلالته مع علمه) (وجدت منه دلالته) أي دلالة الرضا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2777
(مع علمه) أي بالعيب.
الضميران مختلفان، (وجدت منه دلالته) الضمير يعود على الرضا (مع علمه) أي بالعيب؛ أي: يعلم العيب.
مثاله: امرأة مكَّنت نفسها من زوجها، تمكينها من زوجها وهو معيب دليل على الرضا، واضح؟
لكن إذا كانت لا تعلم فإن حقها من الفسْخ لا يسقط، وإن كانت لا تعلم فإن حقها من الفسخ يسقط؛ لأن تمكين زوجها من الاستمتاع بها مع علمها بالعيب دليل على رضاها بذلك، فلا يكون الفسخ بعد هذا.
فإن مكنته من نفسها وهي لم تعلم، فما الحكم؟ لها الخيار إذا علمت؛ لأن تمكينها صادر عن غير علم.
(ولا يتم فسْخ أحدهما إلا بحاكم) لم يقل: ولا يتم فسخها، ولم يقل: لا يتم فسخه، بل قال: (أحدهما)؛ لأن العيب قد يكون في الزوج دون الزوجة، أو في الزوجة دون الزوج.
(إلا بحاكم) إذا سمعتم كلمة حاكم في كلام الفقهاء فالمراد به القاضي؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26].
فإذا وجَدَت المرأة في زوجها عيبًا، فقالت: أريد الفسخ، ثم أشهَدَت رجلين، قالت: إني قد فسخت النكاح، فإنه لا يتم الفسخ، لماذا؟ لأنه ليس بحكم حاكم، حتى تذهب إلى القاضي، وتطلب منه أن يفسخ النكاح، وإلا فلا.
إذا قال قائل: لماذا يفتقر هذا الأمر إلى فسْخ الحاكم، مع أن هذا حقٌّ لها؟
أرأيتم لو وجد بالسلعة التي اشتراها عيبًا، هل يفسخ، أو يذهب إلى الحاكم ويقول: افسخ؟
الأول: يَفسخ.
فلماذا لا يكون هذا مثله؟
قلنا: هذا لأنه عقد نكاح، فيُحتاط له أكثر؛ ولأنه ربما يأتي قاضٍ يرى أن هذا العيب الذي من أجله فسخت ليس عيبًا، فيحكم ببقاء النكاح، فإذا ذهب إلى الحاكم وفسخ العقد صار هذا حكمًا وحُكم الحاكم لا يُنقض؛ ولأن ذلك أحوط في الواقع، أحوط لئلا يقع النزاع.
قد يقول الزوج: هذا ليس بعيب، وتقول هي: إنه عيب، وما أشبه ذلك.
إذا تم الفسخ، فهل عليها عدة، وهل لها مهر، أو ماذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2778
نقول: أما مسألة العدة فإن كان بعد الخلوة، أو الدخول يعني الجماع، فإن عليها العدة، وإن كان قبل ذلك فلا عدة عليها؛ لأن كل فراق يكون بين الزوجين قبل الدخول والخلوة فإنه لا عدة فيه.
يقول رحمه الله: (فإن كان قبل الدخول فلا مهر) هذه مسألة المهر أيضًا إذا كان قبل الدخول يعني والخلوة فلا مهر؛ لأن العيب إن كان فيها، فهي المتسببة له، وإن كان في الزوج، فهي التي اختارت الفسخ؛ فليس لها مهر.
نقول: إذا كان قبل الدخول والخلوة فلا مهر، لماذا؟ لأن العيب إن كان في الزوج فهي التي فسخته -فسخت العقد- وإن كان فيها فهي السبب؛ إذا كان العيب فيها، فإنها لا تستحق شيئًا، وهذا واضح؛ لأنها هي السبب في الفسخ، فإذا كانت هي السبب في الفسخ فليس لها شيء، مثال ذلك: عقد على امرأة، وبعد أن عقد عليها ثبت عنده أنها رتقاء، لا يمكن مجامعتها، ففسخ النكاح، هل لها مهر؟ لا؛ لأنها هي السبب.
عقَد على امرأة، ولم يدخل عليها، ثم تبين أن الرجل عِنِّين لا يستطيع الجماع، ففسخت هي قبل الدخول والخلوة، يقول المؤلف: ليس لها المهر، ليش؟ لأنها هي التي فسخت، كيف تفسخ هي ثم نقول: لها نصف المهر؟
أفهمتم الآن ولَّا لا؟ ولَّا لأن القول ضعيف ما أنتم فاهمون؟
نقول: إذا كان الفسْخ قبل الدخول والخلوة فليس لها مهر، لا نصفه ولا كله، لماذا؟ إن كان العيب فيها فهي السبب، الزوج معذور، ثم قد تكون قد غرَّته أيضًا، فلا نمكن الغار من الخديعة والعِوَض، وإن كان العيب في الزوج، وقالت: أنا ما أبغيه، لا أريد زوجًا معيبًا، يقول: لأنها هي التي فارقت؛ فالفُرقة من قِبلِها.
لكن القول الراجح المتعين أنه إذا كان العيب في الزوج فعليه نصف المهر؛ لأنه هو السبب في الفسخ، ومعلوم أنه إذا طلَّق قبل الدخول فلها نصف المهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237].
الجزء: 2 - الصفحة: 2779
الخلاصة إذا كان الفسخ قبل الدخول والخلوة فلا مهر للزوجة على كلام المؤلف سواء كان العيب فيها أو في الزوج.
والصحيح أنه إذا كان العيب في الزوج فلها نصف المهر؛ لأنه الذي غرها.
(وبعده لها المسمى) بعده أيش؟ بعد الدخول، (لها) أي للزوجة (المسمى) هذا صفة لموصوف محذوف والتقدير: المهر المسمى، لها المهر المسمى قل أو كثر.
مثال ذلك: رجل تزوج بامرأة ودخل عليها، وبعد الدخول تبين أن فيه عيبًا -هو- ففسخت النكاح، فهل لها المهر؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا إله إلا الله، بعد الدخول، نعم، لها المهر كاملًا بما استحل من فرْجها، فتُعطى المهر كاملًا وتفسخ النكاح.
هذا واحد.
وإن وجدت فيها فلها المهر أيضًا، لماذا؟ لأن المهر استقر بالدخول، فلها المهر كاملًا، فإذا كان هذا الرجل -يا جماعة- قد أمهرها مئة ألف ريال، وتبين أن فيها عيبًا، ولا تمكنه الإقامة معها، ففسخ العقد معها من أجل هذا العيب، فهل يسترد مئة ألف ريال؟ أو هو لها؟
طلبة: هو لها.
الشيخ: هو لها، يقول المؤلف: (ويرجع به) أي بهذا المهر (على الغار إن وُجِد) يرجع به من؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، على من غرَّه إن وُجِد، فمن الذي غره؟ الذي غره الولي؛ لأنه هو الذي عقد.
لكن المؤلف يقول: (إن وُجِد) فإذا قال الولي: أنا ما علمت بالعيب، ولا غررت ولا خدعت.
ننظر، هل الزوجة قد غرته؟ إن كانت قد غرته رجع عليها به؛ لأن قول المؤلف: (على الغار) يشمل الزوجة والولي، فإذا قالت: أنا ما علمت بالعيب إطلاقًا، فهل يرجع بالزوج على أحد؟
طلبة: لا يرجع.
الشيخ: إي نعم، لا يرجع وهو حقيقة، هذا هو الصواب، لا يرجع على أحد، لكن قد تقولون: كيف لا تعلم والعيب فيها؟ نعم، يمكن، قد تكون نقطة من البرص بين كتفيها، هذا يمكن ألَّا تعلم ولَّا لا يمكن؟
الطلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن ألا تعلم، يعني الإنسان حتى لو اغتسل مثلًا وخلع ثوبه ما يستطيع ينظر الذي بين كتفيه، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الجزء: 2 - الصفحة: 2780
الشيخ: إذن هي لا تعلم، تقول: والله ما علمت بهذا الشيء، والمغتسل يغتسل وحده أيضًا، ما هو عند أحد حتى نقول: إذا لم تشاهده أنت، شاهده مَنْ حولك، فهذا يمكن أن يوجد.
وخلاصة الكلام الآن: إذا كان الفسخ قبل الدخول والخلوة فلا مهر، سواءٌ كان العيب في الزوج أو في الزوجة.
والصحيح أنه إذا كان العيب في الزوج فلها نصف المهر.
إذا كان بعد الدخول والخلوة فلها المهر كاملًا، ويرجع به الزوج على من غرَّه إن وُجِد، فإن كانت الزوجة قد أخبرت الولي بالعيب لكن الولي قال: ما راح أشترط على الزوج، ولعل الله يشفيها مثلًا من هذ المرض، أو ما أشبه ذلك، فالغار من؟ الولي، وإن كانت الزوجة لم تُخبر الولي فالغار الزوجة.
وإن كانت الزوجة لم تعلم بالعيب فلا غرور، وعلى هذا فلا يرجع بالمهر على أحد.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إذا كان العيب من الزوج، إذا كان الفسخ منها والعيب من الزوج فإنه عليه نصف المهر قبل الدخول والخلوة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا كان الفسخ منها لعيب في الزوج قبل الدخول والخلوة فيفترض نصف المهر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: واستدللنا بالآية، لو قيل لنا يا شيخ: الآية دليل علينا لا لنا؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] الفاعل هو الزوج، فهنا الطلاق من الزوج.
الشيخ: الفسخ.
الطالب: الفسخ، مصلحته له فلا مهر.
الشيخ: إي، لكنه غرها، فيكون كالمطلِّق.
الطالب: هذا من باب التأديب؟
الشيخ: باب التأديب، وباب الواقع؛ لأنه لما كان هو السبب صار كأنه هو الفاعل، السبب أن فيه عيبًا مكتومًا.
الطالب: هي الآن لم تخسر بل هي الرابحة.
الشيخ: لا، أبدًا، هي اللي خسرت؛ لأن بعض الناس إذا عُقد على المرأة صارت ما هي مرغوبة.
طالب: ذكرنا أن العيوب الصحيح فيها أنها محدودة، فإن اختلف الزوج والزوجة، الزوج يقول: إنه عيب والزوجة تقول: لا، هذا إشكال؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2781
الشيخ: يرجع إلى أهل الخبرة، وإلا بعض الناس نعم مثلما قلت ربما مثلًا يكون أنفه مثلًا ليس مستقيمًا مفرطحًا نقول: هذا عيب، أنا لو دريت أن أنفه على هذه الصفة ما خطبته وهو ليس بعيب، المهم يرجع لأهل الخبرة.
طالب: شيخ، ما المراد بالدخول؟ هل هو الخلوة أو؟
الشيخ: الدخول هو الجماع.
طالب: بارك الله فيك، يا شيخ بالنسبة لمسألة الزوج طلع مريض الزوج عِنِّين امرأة تزوجت رجلًا ..
الشيخ: تبين أنه عِنِّين، طيب.
الطالب: ( ... ) الزوجة يكون لها النصف.
الشيخ: الفسخ.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لمن؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إذن فالفراق قبل الدخول ما فيه إلا النصف.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: أبدًا.
وفسخت قبل الدخول؟
طالب: إذا فسخت قبل الدخول فلها النصف على القول الصحيح ( ... ).
الشيخ: أحسنت، سمعتم الجواب؟ إذا وجدت في زوجها عيبًا وهو في الظاهر قبل الدخول فعلى كلام المؤلف ليس لها المهر، وعلى القول الراجح: لها نصف المهر؛ لأن الفسخ بسببها، وإذا علمت بعد الدخول؟
طالب: إذا علمت بعد الدخول فإنه يلزم المهر كاملًا لما استحل من فرجها.
الشيخ: نعم، والزوج له حقه؟
الطالب: ويعود الزوج على من غرَّه بموجب.
الشيخ: طيب، صح، إذا كان بعد الدخول فإن لها المهر كاملًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» (2). في غير هذه المسألة، ويرجع الزوج به على من غرَّه.
طيب فإن لم يوجد غرر؟
طالب: إذا لم يوجد غارٌّ يرجع إلى وليها.
الشيخ: لا الولي ما يدري وهي أيضًا لم تعلم.
الطالب: يرجع للزوجة.
الشيخ: الزوجة ما علمت، يعني هي ما غرَّت الزوج، وقد مثلنا بهذا، وسنطلب منك المثال، يعني ما فيه معلوم؟
طالب: لا يرجع.
الشيخ: لا إله إلا الله، مئة ألف سلَّم في المهر، تروح عليه على هكذا؟ أيش تقولون يا جماعة؟
طلبة: صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2782
الشيخ: صحيح؟ نعم، صحيح؛ لأنه ما فيه أحد غرَّه، والله عز وجل قد يُقدِّر الخسران على شخص بأي سبب من الأسباب.
طيب هل يمكن أن تكون صورة ليس فيها غرور؟ نعم.
طالب: قد يكون يعني برص صغير بين كتفيها ولا تعلم.
الشيخ: لكن هذا المثال اللي ذكرنا، طيب، ممكن يكون في الظهر أيضًا، أحد منكم يستطيع أن ينظر إلى ظهره؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، إلا بمرايا، والإنسان ما هو راح يفتش، طيب هذه صورة ما فيها غرور؛ فلا يرجع الزوج على أحد، طيب بارك الله فيكم.
طالب: شيخ، قلنا بقول المؤلف: (لو كان في الآخر عيب مثله) قلنا: سنحررها إن شاء الله فيما بعد.
الشيخ: إي، لو هو الفسخ ثابت، لكن الكلام على المهر، ولا الفسخ له ذلك لكن الكلام على المهر، فأما على المذهب، المسألة واضحة، إذا فسخ قبل الدخول فإنه ليس لها مهر سواء فيها عيب أو ما فيها، وإذا كان بعد الدخول فلها المهر بما استحل من فرجها، والظاهر أن هذا ينبني على ما ذكرنا سواء كان في الآخر عيب مثله أم لا.
طيب يقول رحمه الله: (والصغيرة، والمجنونة، والأمة لا تُزوَّج واحدة منهن بمعِيب).
الصغيرة لا تُزوَّج بمعيب، ولو علم الولي بذلك؛ لأن هذا من خيانة الأمانة، فإذا علِم الأب مثلًا أن هذا الخاطب فيه عيب وهو أنه لا يقدر على الجماع فإنه لا يُزوِّج الصغيرة ولو كانت بنته، لماذا؟ لأن هذا من باب خيانة الأمانة.
وكذلك الصغيرة (والمجنونة) لا تُزوَّج بمعيب، وظاهر كلام المؤلف ولو كان ذلك لمصلحتها، مثل أن يُزوِّجها رجلًا لا يستطيع الجماع فظاهر كلام المؤلف أنها لا تزوج.
وفي هذا نظر، بل يقال: إن المجنونة إذا كان من مصلحتها أن تزوج هذا المعيب فلنزوجها؛ لأن المجنونة كما تعلمون لا يرغبها كل الناس، لكن يأتيها إنسان مثلًا فيه عيب ويقول: أنا أستمتع بها وأصبر على جنونها، فهل من المصلحة ألَّا تُزَوَّج؟
طلبة: تُزَوَّج.
الجزء: 2 - الصفحة: 2783
الشيخ: من المصلحة أن تزوج، وعلى هذا فيكون في إطلاق المؤلف بما يتعلق بالمجنونة نظر، ويقال: إن المجنونة تُزوَّج بالمعيب إذا كان العيب لا يتعدى إلى نسلها، أو إلى ضرر فيها؛ فالذي يتعدى إلى النسل مثل البرص والذي يتعدى إلى ضررها هي.
أقول: المجنونة تزوج معيبًا بشرط ألَّا يكون عليها في ذلك ضرر، وألَّا يتعدى عيبه إلى نسلها.
طيب هل تزوج بأجذم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، يعني مجذوم؛ لأن هذا يتعدى إلى نفسه، لا، مو إلى نفسه، إلى نفسها هي ضرر، عليها ضرر؛ إذ إن الجذام مرض مُعْدٍ.
وهل تُزَوَّج بأبرص؟ لا؛ لأن هذا يتعدى إلى النسل، الغالب من البرص يكون وراثة.
فعلى هذا نقول: المجنونة ليست على ما قال المؤلف أنها لا تُزَوَّج بمعيب، بل نقول: إذا اقتضت المصلحة أن تُزَوَّج بمعيب فإنها تُزَوَّج بشرط أن لا يتعدى ضرر العيب إليها أو إلى نسلها، مثال المتعدِّي إليها: الجذام، والمتعدي إلى نسلها: البرص.
وكذلك يقول: (الأمة) لا تُزَوَّج بمعيب، وإن كان السيد يقول: هذه أمتي أنا أُزوِّجها من شئت، نقول: لا يا أخي، هذه أمانة فلا تزوجها بمعيب.
وظاهر كلامه ولو كانت كبيرة ولو رضِيت بعيب لا يتعدى ضرره، وهذا فيه نظر، بل إذا كانت كبيرة ورضِيت بمعيب لا يتعدى ضرر عيبه إليها.
فالصواب أن ذلك جائز؛ لأنه قد يكون عنده مثلًا أَمَة لا يريدها ولا يشتهيها ولكنها شابة تطلب النكاح، فإذا تقدم إلى خطبتها أحد من الناس وفيه عيب لا يتعدى ضرره، فما المانع من أن نُزوجها؛ لأنها بالغة عاقلة رشيدة ترضى بهذا العيب؟ فتبين الآن أن الأمة فيها أيضًا تفصيل كما أن المجنونة فيها تفصيل على القول الراجح.
فإن رضيت الكبيرة ويش نقول؟
الكبيرة العاقلة الحرة؛ لأنه سبق أن الصغيرة والأمة لا تزج بمعيب مطلقًا، فإن رضيت الكبيرة العاقلة الحرة مجبوبًا أو عِنِّينًا لم تمنع، لماذا؟ لأن الحق في الجماع لها، فإذا رضيت بالمجبوب الذي لا يستطيع الجماع فلها ذلك ولا نمنعها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2784
فإذا قال أبوها مثلًا: أنا أريد أن يكون لكِ أبناء وبنات.
قالت: ما عليك مني، أنا أريد هذا الزوج إما لعلمه، أو ماله، أو خلقه، أو غير ذلك، هو لا يستطيع الجماع، لكن تقول: ما أريد الجماع، أنا أريد أن أتصل بهذا الشخص الذي أنا أرضاه فهل يمنعها أو لا؟ لا يمنعها، لماذا؟ لأن الحق في الجماع لها، فإذا رضيت بزوج لا يُجامِع فلها ذلك.
وقوله: (مجبوبًا أو عِنِّينًا) الفرق بينهما أن المجبوب لا ذَكَرَ له، مقطوع، ومثله إذا كان ذكرُه صغيرًا لا يتوصل به إلى الجماع؛ وأما العِنِّين فهو الذي له ذكر لكنه لا يستطيع الجماع.
(بل من مجنون ومجذوم وأبرص) يعني تُمنع الكبيرة من هؤلاء الثلاثة، المجنون ليش؟
طلبة: لأنه يضر.
الشيخ: نعم، لأنه ربما يقتلها، مجنون، فإذا قالت: أنا أريد هذا المجنون، امرأة أيش تبغي عند المجنون؟ قالت: أريده، هل لأبيها أن يمنعها من ذلك؟ نعم، يمنعها لما في ذلك من الضرر عليها، وربما ضرر على أولادها فيما بعد أيضًا لو جاءت منه بأولاد.
المجذوم كذلك له أن يمنعها لو قالت: إنها ترضى بالمجذوم الذي فيه مرض الجذام فقال وليها: لا، فله ذلك، لماذا؟ لأن الجذام مرض مُعْدٍ، وهي إذا رضيت بهذا المجذوم فهي سفيهة والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5].
فإذا كان السفهاء لا يعطون أموالهم فكذلك لا يعطون نفوسهم.
الأبرص؟ كذلك تُمنع، لو قالت الكبيرة العاقلة الحرة إنها تريد الأبرص، تقول: ما عليكم مني؟ قلنا: لا؛ لأن هذا ينتشر إلى النسل، وهذا ضرر، فصارت الكبيرة العاقلة الحرة إن رضيت معيبًا لا يتعدى عيبه إليها ولا إلى نسلها فإنها لا تُمنَع، وإن كان يتعدى إليها كالجذام، أو إلى نسلها كالبرص، وكذلك المجنون؛ لأنه يتعدى إليها فإنها تمنع.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومتى علمت العيب، أو حدث به) يعني بعد العقد (لم يجبرها وليها على الفسخ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2785
شوف الولي يمنع من عقد النكاح، ولا يمنع من استدامته؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، وهذه قاعدة فقهية معروفة: الاستدامة أقوى من الابتداء، وقد دل على هذه القاعدة ثبوت بقاء الطيب بعد الإحرام إذا تطيب قبل الإحرام ومنع ابتداء الطيب بعد الإحرام.
الرجل المحرِم لو أراد أن يتطيَّب بعد إحرامه، أيُمنع أو لا؟
طلبة: يُمنع.
الشيخ: اللهم اهدنا فيمن هديت.
رجل محرم أراد أن يتطيب بعد الإحرام، بعدما قال: لبيك عمرة، أو لبيك حجًّا، فقال: أنا أجد رائحة كريهة فأُريد أن أتطيب؟ يُمنع.
رجل آخر تطيب قبل عقد الإحرام، وبقي الطيب بعد إحرامه، نقول: يجب أن تزيل الطيب؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
هنا نقول: المرأة إذا تزوجت برجُل عاقل، ثم جُنَّ، أصابه جنون، نسأل الله العافية، هل يجبرها وليها على الفسخ؟ لا.
امرأة أرادت أن تتزوج مجنونًا هل يمنعها؟ نعم، لماذا قلنا في الأول: لا، والثاني قلنا: يمنع؟ لأن الأول استدامة نكاح، والثاني ابتداء نكاح، والاستدامة أقوى من الابتداء، وهذا واضح، وتشهد له السنة في مسألة طيب المحرِم.
طالب: بارك الله فيكم، لو غاب ولي المرأة الأقرب، ثم زوجها ولي الثاني لها، ثم أتى فوجده مجنون ( ... )، فهل له أن يطلقها منه؟
الشيخ: لا، لكن الولي الأبعد زوَّجها على وجه شرعي ولَّا غير شرعي؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: طيب، إذن النكاح صحيح الآن وهي راضية المرأة، ولَّا غير راضية؟
الطالب: راضية.
الشيخ: خلاص، النكاح صحيح.
طالب: المجذوم من هو؟
الشيخ: المجذوم هو الذي أُصيب بمرض الجذام.
الجزء: 2 - الصفحة: 2786
الجذام هذا مرض معدٍ، تقرُّح في الأعضاء، وأكثر ما يقع في الأعضاء الدقيقة مثل الإبط، والثندؤتين، وما أشبه ذلك، مرض تتقرح الأعضاء منه، ويدب على بقية الجسد حتى يطلع على اللسان، وهو سريع السريان وسريع الانتشار؛ ولهذا قال العلماء: يجب على السلطان أو من ينوب منابه أن يعزل الجذماء في مكان خاص لئلا يتعدى جذامهم إلى الأصحاء، وهذا ما يُعرف عندنا في الوقت الحاضر بالحجْر الصحي.
عرفت الآن ولَّا لا؟ فمن هو المجذوم؟
الطالب: الذي أصابه الجذام.
الشيخ: كيف تجيبني بما أنكرت عليَّ بالأول؟ ! طيب مرض الجذام ما هو؟
الطالب: ( ... ) ينتشر بسرعة ( ... ).
الشيخ: نعم، أحسنت.
طالب: كيف نقول في هذا الأمر من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ».
الشيخ: الذي قال: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» هو الذي قال: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» (3).
فعلى هذا لا بد من أن نجمع بينهما.
الجمع بينهما قال العلماء: إن المراد بالعدوى المنفية هي العدوى التي كان يعتقدها أهل الجاهلية بمعنى أنه لا بد أن ينتقل المرض إلى الصحيح، وهذا ليس كذلك.
وأما فر من المجذوم فهذا أمر بتوقي أسباب المرض، ولما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» (4). أورد عليه الأعرابي إيرادًا حقيقيًّا، فأجاب عنه الرسول عليه الصلاة والسلام بجواب مقنع، قال: يا رسول الله، كيف لا عدوى، والجمل الأجرب يأتي إلى الإبل في الصحراء كأنها الرمل يعني من حُسنها ونقائها، ثم تجرب؛ وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: طيب كيف نقول: لا عدوى؟ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ » (4). يعني من الذي أتى بالجرب له؟ معروف من هو؟ الله عز وجل؛ فالذي ينقل العدوى إلى الصحيح الله عز وجل، وإذا شاء لم ينقلها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2787
طالب: شيخ، ذكرنا المجنون، الآن في العصر الحاضر يعني بعض التحليلات يحللها يكون فيه إنسان عنده إذا غضب أقل غضب تغيَّر، ويمكن أن يفعل أي شيء، فهل نقول: هذا يلحق بالمجنون إلحاقًا بالضرر الذي يلحق بالمرأة إذا غضب؟
الشيخ: لا، هذا لا يلحق بالمجنون ليش؟ لأن الغضب له سبب وقد لا يُوجد السبب، والمجنون -نسأل الله العافية- جنونه ثابت بسبب ولغير سبب.
الطالب: لكن يخرج عن قوله إذا غضب.
الشيخ: كثير من الناس يخرج عن قوله، لا سيما في الوقت الحاضر، الناس لا يصبرون، كان الناس عندهم بالأول صبر وتحمل على الأمور المخالفة لأهواهم، أما الآن لا يصبرون، مجرد أن يحصل أدنى مخالفة تجده يغضب غضبًا شديدًا، لو تعطيه الزوجة الشاهي لكنه مُرٌّ شوي، على طول أنتِ بالطلاق الثلاثة، نسأل الله العافية، هذا شيء مجرب يعني نسمع عنه من كثرة من يستفتينا بهذا السبب، نقول: ليش أنت؟ يقول: والله حصل بيني وبينها نزاع، وجيت من الدوام متعب، قلت سوِّي لي شاهي، وجابت لي شاهي مُرّ.
هذا موجود؛ فالغضب الآن لا تستنكر، الغضب -نسأل الله العافية- كثر في الناس؛ لأنه ما عندهم تحمُّل ولا صبر ( ... ).
طالب: ويُقرُّون على فاسده إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا، فإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا، وإن أتونا بعده أو أسلم الزوجان والمرأة تُباح إذا أُقِرَّا، وإن كانت ممن لا تجوز ابتداء نكاحها فرق بينهما.
وإن وَطِئ حربي حربية فأسلما وقد اعتقداه نكاحًا أُقِرَّا وإلا فُسِخ ومتى كان المهر صحيحًا أخذته، وإن كان فاسدًا وقبضته استقر وإن لم تقبضه ولم يُسمَّ فُرِض لها مهر المثل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا في باب العيوب أن من النساء من يُمنع من التزوج بالمعيب؛ يعني لا يُزوجن بمعيب مطلقًا، فمن هي؟
طالب: على ما ذهب عليه المؤلف الصغيرة والأمة والمجنونة.
الشيخ: صح، ومن النساء من تُمنع من التزوج بمن هو معيب بعيب مخصوص؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2788
طالب: وهي الكبيرة إذا كان عيبه لا يتعدى لها ولا إلى ذريتها.
الشيخ: تُمنع؟
الطالب: لا، ما تمنع.
الشيخ: أنا أسألك: ومن تمنع؟
الطالب: تُمنع إذا كان يتعدى إليها أو إلى ذريتها.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثل الجذام والبرص.
الشيخ: نعم، صح، لكن لو رضِيت بذلك ووليها تركها؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يعني يُلزم بأن يمنعها.
الطالب: يُلزم.
الشيخ: توافقون على هذا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: المسألة هي هذه الكبيرة، تزوجت بمعيب، هل يملك وليها أن يمنعها؟ الكبيرة مطلقًا؟ يمنعها من كل معيب؟
الطالب: إذا كان يلحقها ضرر.
الشيخ: مثل؟
الطالب: الجذام.
الشيخ: وغير والجنون؟
الطالب: إذا كان غالبًا يتعدى.
الشيخ: طبعًا الجنون غالبًا يتعدي، والثالث؟
الطالب: البرص.
الشيخ: إذن ما هي العيوب التي إذا رضيتها الكبيرة أُقرت على ذلك؟
الطالب: أن كان مجبوبًا أو عِنِّينًا.
الشيخ: لأن الجماع حق لها، فإذا رضيت بإسقاطه فلها ذلك.
طيب إذا وُجد العيب بعد العقد وهو مما يتعدى، فهل يُجبرها على الفسخ؟
طالب: لا يجبرها.
الشيخ: لا يجبرها، كذا؟
الطالب: إن شاءت فسخت بنفسها.
الشيخ: امرأة تزوجت إنسانًا سليمًا، وبعد ذلك حصل به برص، هل يجبرها وليها على أن تفسخ؟
الطالب: لها الفسخ ولها البقاء.
الشيخ: أنا أسألك: لا ولَّا نعم؟ التعليل بعدين.
الطالب: لا.
الشيخ: لا يجبرها، لماذا؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: والاستدامة أقوى من الابتداء هو يمنعها ابتداءً لكن إذا حصل هذا الشيء بعد العقد فإنه لا يجبرها لكن هل لها أن تفسخ هي؟ السؤال لك.
طالب: نعم.
الشيخ: لها ذلك؛ لأن العيب إذا حدث بعد العقد فلمن له الحق أن يفسخ كما سبق.
باب نكاح الكفار
أما نكاح الكفار فاستمع إليه، يقول: (حُكمه كنِكاح المسلمين) حكم نكاح الكفار كنكاح المسلمين في الصحة وما يترتب عليها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2789
فإذا تزوج الكافر امرأةً صارت زوجته يحل له جماعها وأولادها منه أولاد شرعيون، وتحرم عليه أمها، ويحرم عليه ابنتها إذا كان قد دخل بها، وكذلك هي يحرم عليه أبوه وجده وابنه وإن نزل.
المهم أن نكاح الكفار في الصحة وما يترتب على النكاح كنكاح المسلمين؛ ولهذا أطلق المؤلف فقال: حكمه كنكاح المسلمين ولم يستثنِ شيئًا.
دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يُسلم الرجل ومعه أهله، ولا يسأله، لا يقول: كيف عقدته؟ بل يُبقيه على ما هو عليه، ويُجري عليه أحكام النكاح الصحيح، هذا دليل.
التعليل أنه لا يمكن العمل إلا بهذا؛ لأننا لو عملنا بغير ذلك لحصل بهذا نفور عن الإسلام وفوضى عظيمة في الأنساب وغير الأنساب؛ لهذا كان حُكم نكاح الكفار كنِكاح المسلمين في كل ما يترتب عليه من صحة أو فساد أو مهر أو مصاهرة أو غير ذلك.
لكن يقول المؤلف: (ويُقَرُّون على فاسده) بشرطين: (إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا) يقرون على فاسده بهذين الشرطين: (إذا اعتقدوا صحته في شرعهم وإذا ولم يرتفعوا إلينا).
فلو تزوج مجوسي ابنته، نسأل الله العافية، ولم يرتفع إلينا هل نُفرِّق بينهما؟
طلبة: لا.
الشيخ: تُزوج بنته يا جماعة؛ أنه يعتقد صحة هذا، المجوس يعتقدون صحة نكاح المحارم، فإذا تزوج ابنته ولم يرتفع إلينا نتركه، لا نفرق بينهما، لماذا؟ لأنهم يعتقدون صحته، ولو تزوج يهودي بنته وهو تحت ذمتنا هل نفرق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأنهم لا يعتقدون صحته؛ إذ إن نكاح المحارم عند اليهود والنصارى كنكاح المحارم عند المسلمين، نفرق بينهما؛ لأنه تحت رعايتنا، ويلزمنا أن نؤاخذه بحكم دينه.
إذن هل يُقر الكافر على نكاح فاسد؟
الجواب: نعم، بشرطين: أن يعتقد صحته.
والثاني: ألا يرتفع إلينا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2790
طيب فإن أتونا قبل عقده؛ يعني ترافعوا عندنا قبل عقده عقدناه على حكمنا نعم؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] وهو الشرع.
فإذا جاؤونا عند عقدهم، وجاءنا مجوسي يقول: اعقدوا لي على بنتي ..
فإن أَتَوْنَا قَبْلَ عَقْدِه عَقَدْنَاه على حُكْمِنا، وإن أَتَوْنَا بعدَه أو أَسْلَمَ الزوجانِ والمرأةُ تُباحُ إذن أُقِرَّا، وإن كانتْ مِمَّنْ لا يَجوزُ ابتداءُ نِكاحِها فُرِّقَ بينَهما، وإن وَطِئَ حَرْبِيٌّ حَربيَّةً فأَسْلَمَا وقد اعْتَقَدَاه نِكاحًا أُقِرَّا وإلا فُسِخَ، ومتى كان الْمَهْرُ صَحيحًا أَخَذَتْه وإن كان فاسدًا وقَبَضَتْه اسْتَقَرَّ، وإن لم تَقْبِضْه ولم يُسَمَّ فُرِضَ لها مَهْرُ الْمِثْلِ.
(فصلُ)
وإن أَسْلَمَ الزوجانِ معًا أو زَوْجُ كِتابيَّةٍ فعلى نِكاحِهما، فإن أَسْلَمَتْ هي أو أَحَدُ الزوجينِ غيرِ الكتابِيَّيْنِ قبلَ الدُّخولِ بَطَلَ، فإن سَبَقَتْهُ فلا مَهْرَ، وإن سَبَقَها فلها نِصْفُه، وإن أَسْلَمَ أحدُهما بعدَ الدخولِ وُقِفَ الأمرُ على انقضاءِ العِدَّةِ، فإن أَسْلَمَ الآخرُ فيها دامَ النكاحُ وإلا بانَ فَسْخُه منذُ أَسْلَمَ الأَوَّلُ، وإن كَفَرَا أو أحدُهما بعدَ الدخولِ وُقِفَ الأمرُ على انقضاءِ العِدَّةِ، وقَبْلَه بَطَلَ.
(بابُ الصَّدَاقِ)
يُسَنُّ تَخفيفُه، وتَسميتُه في العَقْدِ مِنْ أربعِ مئةِ درهمٍ إلى خمسِ مئةِ درهمٍ، وكلُّ ما صَحَّ ثَمَنًا أو أُجْرَةً صَحَّ مَهْرًا وإن قَلَّ، وإن أَصْدَقَها تعليمَ قرآنٍ لم يَصِحَّ،
بل فِقْهٌ وأدَبٌ وشِعْرٌ مُباحٌ معلومٌ، وإن أَصْدَقَها طلاقَ ضَرَّتِها لم يَصِحَّ ولها مَهْرُ مِثْلِها، ومتى بَطَلَ الْمُسَمَّى وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
(فصلٌ)
الجزء: 2 - الصفحة: 2791
وإن أَصْدَقَها أَلْفًا إن كان أبوها حَيًّا وأَلفينِ إن كان أبوها مَيِّتًا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وعلى إن كانتْ لي زوجةٌ بأَلْفَيْنِ أو لم تكنْ بأَلْفٍ صَحَّ بالْمُسَمَّى، وإذا أُجِّلَ الصداقُ أو بعضُه صَحَّ، فإن عَيَّن أَجَلًا وإلا فَمَحَلُّه الْفُرْقَةُ،
نفرق بينهما؛ لأنه تحت رعايتنا، ويلزمنا أن نؤاخذه بحكم دينه، إذن هل يقر الكافر على نكاح فاسد؟
الجواب: نعم بشرطين: أن يعتقد صحته.
والثاني: ألا يرتفع إلينا.
طيب فإن أتونا قبل عقده، يعني ترافعوا عندنا قبل عقده عقدناه على حكمنا، نعم؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42]، وهو الشرع، فإذا جاؤونا عند عقده، وجاءنا مجوسي يقول: اعقدوا لي على بنتي.
كيف على بنتك؟ ! قال: نعم أنا أعتقد صحة النكاح، اعقدوا لي عليها، فهل نعقده؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأننا لو عقدناه لارتكبنا إثمًا، لارتكبنا ما نعتقده إثمًا، فلا نعقده، جاءنا إنسان آخر كافر قال: اعقدوا لي على البنت الفلانية، ما هي من محارمه، قلت: طيب وين وليها؟ قال: وليها نفسها، هل نعقده.
طالب: لا.
الشيخ: لا، هل نعقد لها إذا كنا على مذهب الأحناف؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنهم يعتقدون صحة ذلك.
وعلى رأي الجمهور، وهو الصحيح: لا نعقد له، لا بد من ولي.
ولهذا قال: (عقدناه على حكمنا وإن أتونا بعده) إن أتونا بعد العقد نظرنا؛ إن كانت المرأة في حال تحل له تركناهم، وإن كانت لا تحل له الآن فرقنا بينهما، هذا متى؟ إذا أتونا بعد العقد، مثال ذلك كافر تزوج امرأة في عدتها، ثم أتى إلينا لنكتب له وثيقة بالنكاح، والعدة لا زالت باقية، فهل نكتب له وثيقة؟
طالب: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2792
الشيخ: ليش؟ لأن المرأة الآن لا تحل له، فكيف نعطيه عقدًا بصحة النكاح وهي لا تحل له؟ إذن لا نعطيه؛ لأنها الآن لا تحل له، فلو تزوجها في عدتها وبقيت في العدة، وانتهت من العدة، ثم أتانا يريد إثبات هذا النكاح بعد انقضاء العدة، هل نحكم له بصحته أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم نحكم بصحته؛ لأن المانع قد زال، المانع قد زال، وهو يعتقد أن النكاح أيش؟ صحيح إلى الآن، ما اتضحت لكم الظاهر، نعم، واضح، طيب هذا رجل تزوج امرأة وأتانا قبل أن نعقد، وقال: اعقدوا لي عليها وهي الآن في عدة قد مات عنها زوجها أولًا، وهي الآن في العدة، هل نعقد له؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟ لأنها لا تحل له، المرأة المعتدة لا يحل أن يتزوجها غير زوجها، طيب إذن لا نعقد له عقده عليها من دوننا، لم يأت إلينا لنعقد، لكن لما عقد جاء إلينا ليأخذ وثيقة بالعقد، هل نعطيه وثيقة؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، فيه التفصيل، إن كانت إلى الآن في العدة فإننا لا نعطيه؛ لأنها الآن لا تحل له، وإن كانت قد انتهت العدة فإننا نعطيه؛ لأنها الآن تحل له.
والخلاصة أنهم إذا ارتفعوا إلينا قبل العقد فإننا نعقده على حكمنا، وإن ارتفعوا إلينا بعد العقد نظرنا؛ فإن كانت المرأة في حال يحل أن يتزوجها الآن أيش؟ أعطيناه إثبات العقد، وإن كانت لا تحل له الآن فإننا لا نعطيه، وضربنا لكم مثلًا بمن؟ برجل تزوج امرأة في عدتها، ثم جاء إلينا ليثبت العقد، فإن جاءنا بعد انتهاء العدة أيش؟ أعطيناه؛ لأن العدة انتهت، وهي الآن في حال يجوز أن يتزوجها، هل نعطيه ونعيد العقد، أو بلا إعادة؟ بلا إعادة، وإن أتانا وهي في العدة قلنا: ما نعطيك، ولا يصلح أن تتزوجها الآن، انتظر حتى تنتهي العدة ثم تزوجها، طيب وإن تزوج أخته، مجوسي تزوج أخته، ثم أتى إلينا لنثبت العقد، هل نثبته أو لا؟
طالب: لا نثبته.
الجزء: 2 - الصفحة: 2793
الشيخ: ليش؟ لأنها لا تحل له عندنا، أخته ما يمكن تحل له أبدًا بأي حال من الأحوال، ولهذا قال نعم المسألة الثانية قال: (أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ وَالمَرْأَةُ تُبَاحُ إِذَنْ أُقِرَّا) أسلم الزوجان، والمرأة تباح، فإنهما يقران، وإلا فيفرق بينهما.
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة في عدتها ثم أسلم، ماذا تقولون؟ فيه التفصيل إن كان أسلم قبل انقضاء العدة فرقنا بينهما، وإن أسلم بعد انقضاء العدة وقد اعتقده نكاحًا، لم نفرق بينهما، لماذا فرقنا في الحكم؟ لأنه إذا كانت في العدة فهي الآن لا تحل له، وإذا انقضت العدة فهي الآن تحل له، طيب فإن أسلم مجوسي تزوج ابنته، والبنت أسلمت أيضًا، فهل نقرهما على ذلك؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأن النكاح لا يحل الآن، بخلاف العدة فإنها إذا كانت قد انقضت ( ... ) النكاح.
قال: (وَإِنْ وَطِئَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً فَأَسْلَمَا، وَقَد اعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا أُقِرَّا، وَإِلَّا فُسِخَ) هذه فرع عما سبق أنه إذا وطئ حربي حربية فأسلما وقد اعتقداه نكاحًا أقرا، هذا ما فيه عقد، هذا فيه جماع، رجل كافر اتخذ امرأة خدنة، يسمونها الآن صديقة، وجامعها، فاعتقدا ذلك نكاحًا، ثم أسلما، فهل نقرهما أو لا؟ لا نقرهما؛ لأنهما اعتقدا أن هذا نكاح، صديقته وجامعها فصارت زوجته، نقره، فإن كان وطئها وهو يعتقد أنها ليست زوجته ولكنها عشيقته ثم أسلما أيش؟
طالب: فرق بينهما.
الشيخ: فرق بينهما، لأن هذا ليس مبنيًّا على عقد صحيح (وَمَتَى كَانَ المَهْرُ صَحِيحًا أَخَذَتْهُ) يعني في مسألة إذا أسلم الكافر وقد عين لها مهرًا، متى كان المهر صحيحًا أخذته (وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا وَقَبَضَتْهُ) أيضًا، فهو قد أتاها واستقر، وإن كان فاسدًا، (وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ وَلَمْ يُسَمَّ فُرِضَ لَهَا مَهْرُ المِثْلِ)؛ لأن النكاح لا بد فيه من مهر؛ إما المسمى إن سمي، وإما مهر المثل، إي نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2794
طالب: شيخ، مسألة إذا كان الكافر لا يعتقد إذا كان نوع النكاح صحيحًا ولا يعتقده الكافر صحيحًا.
الشيخ: نعم.
طالب: فالزواج الزائد عن الواحدة ( ... ).
الشيخ: نعم، فالعبرة بعقيدته، فإذا ترافعا إلينا فإننا نفرق بينهما؛ لأنه يعتقده غير صحيح.
طالب: ولا نعقد له على حكمنا.
الشيخ: إذا قال: اعقدوا لي على حكمكم عقدنا له.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، النكاح هل يقع بالإيجاب والقبول، أم بالكتابة، فإن كان بالإيجاب والقبول ( ... ) يقع بالإيجاب والقبول، فإنه قد وقع، وقد تزوج امرأة في عدتها.
الشيخ: نعم.
طالب: لأنه قد وقع سابقًا ووقع.
الشيخ: كيف قد وقع سابقًا؟
طالب: يعني وقع في حال العدة؟
الشيخ: هذا لا يصح.
طالب: طيب قلنا: لا يقع ..
الشيخ: لا يصح لكن هو يرى أنه صحيح.
ما يعتقد أنه غير صحيح، فجاءنا والعدة باقية ما ( ... ) النكاح.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) إذا شاء يروح، يروح كيف.
طالب: طيب بعد أن ..
الشيخ: هو لم يترافع إلينا لنحكم به، ترافع إلينا لإثباته فقط، ولهذا ما فيه خصومة مع الزوجة، هذا قال: اكتبوا لي بس اكتبوا لي هذا، نقول: ما نكتب، والمانع قائم، مثل لو جاءك إنسان يبغي يقول: اكتب الربا، هل تكتبه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا أكتبه؛ لأن هذا معونة على الإثم.
طالب: كتابتنا يا شيخ هي على عقيدته أم على ( ... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: كتابتنا هل هي على عقيدته.
الشيخ: على عقيدته صحيحة كانت أو فاسدة، لكننا إذا كان المانع قائمًا الآن فإننا لا نوافقه لو جاءنا بعد انقضاء العدة، وقد تزوجها في العدة، وهو يعتقده صحيحًا كتبنا له، نعم.
طالب: شيخنا إذا أتى مجوسي.
الشيخ: كيف؟
طالب: إذا أتى مجوسي يطلب منا أن نكتب له الزواج على ملته، هل نكتب لهم ذلك ..
الشيخ: لا، ما نكتب.
طالب: يعتقدون بذلك.
الشيخ: ولو اعتقدوا ما نكتب، ما دام جاء يقول على حكمنا، أو لإثباته، والمانع قائم، ما نكتب، نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2795
طالب: شيخنا، بارك الله فيك، يعني وجه التفريق بين المجوسي الذي تزوج ابنته وأسلم قلنا: إنه يفرق بينه وبين ابنته.
الشيخ: نعم.
طالب: والحربي الذي وطئ الحربية قلنا: إنه لا يفرق مع أن كلاهما ..
الشيخ: الآن المانع غير قائم متى كان الخلل في العقد، وقد زال المانع، نجريه على ما هو عليه.
طالب: بارك الله فيك، إذا كنا في دولة إسلامية، فهل لنا أن نتدخل في زواجات الكفار؟
الشيخ: لا أبدًا نتركهم، ما نتدخل فيهم، إلا إذا ارتفعوا إلينا أو أسلموا؛ لأنهم إذا ارتفعوا إلينا فقد التزموا بحكم الإسلام بحسب الترافع، وإذا أسلموا ألزمناهم بحكم الإسلام.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أبدًا نتركهم يتزاوجون تزاوج العصافير، ما علينا منهم.
طالب: أحسن الله إليك، إذا أتى نصراني وتزوج بامرأة في عدتها، وأتى في نفس العدة، لا نكتب له العقد، هل يعني هذا أننا نأمره بالفسخ؟
الشيخ: لا، إذا اعتقده نكاحًا ما نأمره بالفسخ.
طالب: نقول له: انتظر حتى تنقضي العدة.
الشيخ: نقول إذا انتهى وجاء إلينا، فإن كان قد اعتبر العقد الأول صحيحًا أجريناه عليه، وإن كان قد اعتقده فاسدًا فسخناه وعقدنا له من جديد.
طالب: فإن أتاها يا شيخ يعتبر زنا.
الشيخ: آه.
طالب: هل يعاقب إذا أتاها.
الشيخ: إذا أتانا.
طالب: إذا أتاها ( ... ) النظر بعد أن ..
الشيخ: لا، ما دام يعتقد أنه صحيح، هو يعتقده نكاحًا فهو نكاح، تزوجها كما يتزوجها بالعقد الصحيح.
طالب: شيخنا، بارك الله فيك، هذا رجل لا يصلي تزوج امرأة.
الشيخ: أيش.
طالب: رجل لا يصلي.
الشيخ: لا يصلي!
طالب: مسلم لا يصلي.
الشيخ: مسلم لا يصلي!
طالب: كثير ما ( ... ).
الشيخ: كيف تقول: مسلم؟ !
طالب: والزوجة لا تصلي.
الشيخ: كيف تقول: مسلم لا يصلي؟ !
طالب: نعم.
الشيخ: أنت تقول: مسلم لا يصلي، تناقض هذا.
طالب: لا يعني طبعًا هو يعتقد أنه مسلم.
الشيخ: إي.
طالب: ولكن هو تارك الصلاة ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: ولكن يتزوج امرأة هي أيضًا ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2796
الشيخ: يعني: مرتد.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: مثله مثله.
الشيخ: مرتد، وهي مرتدة، الذي لا يصلي مرتد على القول الراجح.
طالب: بس هو الآن هو يعتقد أن تارك الصلاة ما هو كافر.
الشيخ: هو.
طالب: هو يعتقد ذلك.
الشيخ: إي.
طالب: تارك الصلاة ..
الشيخ: لكن إذا جاء إلى شخص يعتقد أن تارك الصلاة كافر لا يعقد له.
طالب: ما قلت: إنه يعقد له ( ... ) إنهاء الزواج ( ... ).
الشيخ: هذه نعم صح نكاحه ما دام اعتقده نكاحًا صح.
طالب: وَإِنْ سَبَقَهَا فَلَهَا نِصْفُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وُقفَ الأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الآخَرُ فِيهَا دَامَ النِّكَاحُ، وَإِلَّا بَانَ فَسْخُهُ مُنْذُ أَسْلَمَ الأَوَّلُ، وَإِنْ كَفَرَا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وُقفَ الأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ العِدَّةِ، وَقَبْلَهُ بَطَلَ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، هذا الفصل مهم في هذا العصر؛ وذلك لأنه يكثر الدخول في الإسلام والحمد لله من شخص متزوج، فهل إذا أسلم ينفسخ نكاحه أم ماذا؟ هذا الفصل يبين لنا الحكم، فيقول المؤلف: (إن أسلم الزوجان معًا فعلى نكاحهما) إن أسلما معًا، يعني في آنٍ واحد، كلاهما قال: أسلمت وانقضيا من هذه الكلمة جميعًا، فهنا يبقيان على النكاح؛ لأنه لم يختلف دين أحدهما عن الآخر، ولكن قولوا لي: هل يمكن أن يسلما معًا في آنٍ واحد، بأن ينطق الزوج: أس وهي تقول: أس، لمت، وهي تقول: لمت، جميع سوا، يعني لا ما هو بعلى هذا الترتيب، لكن يبدءان بالهمزة جميعًا ويختمان بالتاء جميعًا.
طالب: بالتساوي.
الجزء: 2 - الصفحة: 2797
الشيخ: يتسوى لكن فيه بُعْد، ولهذا ذهب بعض العلماء، ومنهم الموفق صاحب المغني، على أن إسلامهما في مجلس واحد كإسلامهما معًا، انتبه، وعلى هذا فإذا تزوج امرأة وهما كافران وقبل الدخول بها قبل أن يدخل عليها أسلما معًا في آنٍ واحد، هل يحتاج إلى تجديد العقد؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنهما على نكاحهما، حيث لم يكن أحدهما كافرًا والآخر مسلمًا، كلاهما أسلما معًا، فهما على نكاحهما، وإن قال: أسلمت، فقالت هي: أسلمت، فماذا يكون؟ نقول: ينفسخ النكاح ويحتاج إلى تجديد عقد؛ لأنه لما قال: أسلمت خالفها في الإسلام؛ لأنها هي لا تزال على الكفر، فينفسخ النكاح ويحتاج إلى تجديده، إلا على قول الموفق، فإنهما إذا قالا في مجلس واحد: أسلمت، فبدأ الزوج ثم هي، أو هي ثم الزوج، فهما أيش؟ على نكاحهما، هل بين القولين فرق؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم بينهما فرق؛ لأننا إذا قلنا: انفسخ الأول معناه يحتاج إلى تجديد عقد، وأن الزوجة أو الزوج لو ماتا في هذه اللحظة لم يرث أحدهما الآخر، يعني جميع أحكام النكاح لا تترتب عليه؛ لأنه انفسخ، ولا يحتاج إلى عدة؛ لأنه قبل الدخول يستثنى من ذلك ما إذا كانت الزوجة يهودية أو نصرانية وأسلم الزوج قبلها، فهل يبقى النكاح أو لا؟
طالب: نعم يبقى.
الشيخ: يبقى، ليش؟ لأن المسلم يجوز أن يتزوج الكتابية، فإذا جاز ابتداء النكاح جازت استدامته، ولهذا قال المؤلف: (أو زوج كتابية فعلى نكاحهما) أو زوج كتابية يعني وإن أيش؟ تأخر إسلامها؛ وذلك لأن المسلم يجوز أن يتزوج الكتابية، هذه المسألة انتهينا منها هل هي قبل الدخول ولَّا بعده؟
طالب: قبل الدخول.
طالب آخر: بعد الدخول.
الشيخ: لا يا إخواني (وَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا، أَوْ زَوْجُ كِتَابِيَّةٍ فَعَلَى نِكَاحِهِمَا).
طالب: مطلقًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2798
الشيخ: يشمل ما كان قبل الدخول وما بعد الدخول، (فإن أسلمت هي) يعني قبل الزوج (أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل، فإن سبقته فلا مهر، وإن سبقها فلها نصفه) إلى آخره.
إذا أسلمت هي من؟ الزوجة، أو أحد الزوجين غير الكتابيين؛ لأن الكتابيين تقدم الحكم فيهما، قبل الدخول بطل، إذا أسلمت المرأة قبل الدخول فإنه يبطل النكاح؛ لأنها سبقته بالإسلام، والمسلمة لا تحل للكافر، فبمجرد إسلامها يبطل العقد، ولا حاجة لأن نقول: ننتظر حتى تنقضي العدة، لماذا؟ لأنه ليس عليها عدة، حيث إن الإسلام كان قبل الدخول، أظنه واضحًا.
مثال ذلك: تزوج امرأة وهما كافران، وقبل أن يدخل بها أسلمت هي قبل الدخول، قبل الخلوة، ينفسخ النكاح على طول، لماذا؟ لأن المسلمة لا تحل للكافر مطلقًا.
طيب إن أسلما معًا فقد سبق أن النكاح باق لا ينفسخ.
طيب يقول: (أو أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل) قوله: أو أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل وهذا ظاهر، يعني لو كان يهودية ونصراني أسلما على الترتيب، يعني بعضهما قبل الآخر، فإنه يبطل النكاح، لماذا؟ أسلما قبل الدخول بطل؛ لأنه اختلف الدين، ولا عدة تنتظر، وقوله: غير الكتابيين هذا فيه التفصيل؛ لأنه إذا كان قبل الدخول، وكان أحد الزوجين كتابيًّا، إن كان الكتابي هو الزوج فالحكم لا يختلف؛ لأن المسلمة لا تحل للكتابي، وإن كانت الكتابية هي الزوجة فإن النكاح يبقى ولا يبطل؛ وذلك لأن الزوج المسلم يجوز أن ينكح الكتابية، فإذا جاز ابتداء نكاحها فاستمراره من باب أولى.
يبقى النظر في مسألة المهر، هل يستقر المهر أو لا؟ والكلام الآن قبل الدخول أو بعده؟ قبل الدخول، إلى الآن الكلام قبل الدخول، المهر يقول: (إن سبقته فلا مهر، وإن سبقها فلها نصفه).
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة وهما كافران، وأعطاها صداقًا مئة مليون، كثير ولَّا شوي؟
طلبة: كثير.
الجزء: 2 - الصفحة: 2799
الشيخ: إن كانوا ريالات كثير، وإن كانوا من بعض العملات الأخرى فهو يكون رخيصًا، لكنا بنقول: مئة مليون من أي شيء أصدقها مئة مليون، ثم جاءها من جاءها، أي جاء الزوجة من جاءها وقال لها: أسلمي تسلمي.
فأسلمت، إسلامها الآن قبل الدخول، ما حكم النكاح؟
طلبة: يبطل.
الشيخ: يبطل ليش؟
طالب: لأن المسلمة لا تحل للكافر.
الشيخ: لأن المسلمة لا تحل للكافر، بطل النكاح، طيب المهر الآن مئة مليون.
طالب: ليس لها شيء.
الشيخ: يقولون: ليس لها شيء؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، الفرقة هي السبب، ليش تسلم؟ فجاءت الفرقة من قبلها فلا شيء لها؛ لأن الضابط عندنا: كل فرقة جاءت من قبل الزوجة قبل الدخول.
طالب: فلا مهر لها.
الشيخ: فلا مهر لها، هذه القاعدة، وسبق، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وعلى هذا فنجازي هذه المرأة التي أسلمت بأيش؟
طالب: بحرمانها من نصيبها.
الشيخ: بحرمانها من نصيبها، مع أن الذي ينبغي أن.
طالب: نكافئها.
الشيخ: نكافئها، ولهذا كان القول الراجح بلا شك أنها إذا سبقته بالإسلام قبل الدخول انفسخ النكاح، ولها نصف المهر؛ لأنه هو الذي فرط بتأخير إسلامه؛ إذ إنه يجب عليه أن يبادر بالإسلام، هي سبقته بالإسلام، فنقول: لها نصف المهر؛ لأن هذه الفرقة جاءت مِن قِبل مَن في الحقيقة؟
طالب: من قبل الزوج.
الشيخ: من قبل الزوج، إذ إن الزوج يجب عليه أن يسلم لكن تأخر.
الخلاصة يا إخواني إذا كان الإسلام قبل الدخول فلنا بحثان: البحث الأول في بقاء النكاح، والبحث الثاني: في الصداق.
أما الأول: البحث في بقاء النكاح فإن كان المسلم هو الزوج والزوجة كتابية أيش؟
طالب: فالنكاح باق.
الشيخ: فالنكاح باق، وإن كانت هي المسلمة، أو كان المسلم الزوج، والزوجة غير كتابية، فالنكاح ينفسخ، يبطل هذا باعتبار بقاء النكاح من عدمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2800
باعتبار المهر: إن كان هو السابق فعليه نصف المهر؛ لأن الفرقة جاءت من قبله، وإن كانت هي السابقة فليس لها شيء؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، هذا على ما مشى عليه المؤلف، والقول الثاني: أن لها نصف المهر؛ وذلك لأنها سبقت إلى أمر واجب عليهما، فكان المتأخر منهما هو الذي جاءت الفرقة بسببه، وهذا القول هو الراجح؛ أن لها نصف المهر، كل الكلام هذا فيما إذا كان أيش؟ قبل الدخول، أما بعد الدخول فاستمع قال: (وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وُقفَ الأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الآخَرُ فِيهَا دَامَ النِّكَاحُ، وَإِلا بَانَ فَسْخُهُ مُنْذُ أَسْلَمَ الأَوَّلُ).
إذا أسلما بعد الدخول فمن المعلوم أن الفراق بعد الدخول يوجب العدة، فنقول: ننتظر إلى أن تنتهي العدة، إن انتهت العدة ولم يسلم الآخر تبينا أن النكاح انفسخ منذ أسلم الأول، وإن أسلم الآخر فهو على نكاحه، انتبه الآن كلامنا الآن في أيش؟
طلبة: بعد الدخول.
الشيخ: بعد الدخول، هل نتكلم بعد الدخول عن المهر؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ما نتكلم؛ لأن المهر ثبت كاملًا بالدخول، ما فيه التفصيل، كلامنا الآن بعد الدخول على جانب واحد وهو أيش؟
طالب: بقاء النكاح من عدمه.
الشيخ: بقاء النكاح من عدمه، نقول: إذا أسلم أحدهما قلنا لها: اعتدي، تعتد المرأة، والعدة تعرفونها إن شاء الله تعالى فيما يستقبل، ولنقل: إنها ثلاث حيض، ثلاثة أشهر، نعم، إذا تمت العدة والآخر لم يسلم تبين أن النكاح منفسخ من وقت إسلامه، وإن أسلم في العدة فالنكاح بحاله باق، وهذا قول وسط بين قولين اثنين: القول الأول أنه بمجرد إسلام أحدهما ينفسخ النكاح وتعتد، ثم إن اشتهى أن يعقد نكاحًا جديدًا عقد وإلا فقد انتهى نكاحه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2801
والقول الثاني: أنه لا ينفسخ، وأنه قبل انقضاء العدة الخيار بيد الزوج، وبعد انتهاء العدة الخيار بيد الزوجة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول: قبل انقضاء العدة الخيار مع الزوج، إذا أسلم فهي زوجته، وبعد انتهاء العدة الخيار مع الزوجة، إن شاءت بقيت على النكاح، وإن شاءت تزوجت.
واستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين من الهجرة (1)، وبعد ستة عشر سنة من إسلامها تقريبًا، هي أسلمت في أول البعثة، بنت الرسول عليه الصلاة والسلام، وردها الرسول عليه الصلاة والسلام بعد أن وصل إلى المدينة بست سنوات، ردها بلا عقد، وإذا كان النص مع أحد المتخالفين فمن الحكم معه؟ مع الذي معه النص.
وعلى هذا فنقول فيما إذا أسلم أحد الزوجين قبل الآخر: إن كان قبل الدخول فلنا نظران ولَّا إيه:
النظر الأول: في النكاح هل يبقى عقده أم لا؟ فما الجواب؟ يبطل النكاح ما لم تكن الزوجة كتابية، والمسلم هو الزوج، ففي هذه الحال يبقى النكاح؛ لأن الزوج المسلم يجوز أن يتزوج الكتابية بالنسبة للمهر، إن كان الزوج هو الذي أسلم أولًا فعليه نصف المهر؛ لأن الفرقة من قبله، وإن كانت هي المسلمة أولًا فالصحيح أن لها النصف، والمذهب أنه ليس لها شيء، هذا إذا كان قبل الدخول.
بعد الدخول إذا أسلم أحدهما فإن كان الذي أسلم هو الزوج والزوجة كتابية فالنكاح باق، وإن لم يكن كذلك فلا كلام في المهر، ليش؟
طالب: لأنه استقر بالدخول.
الجزء: 2 - الصفحة: 2802
الشيخ: لأنه استقر بالدخول، الكلام الآن في بقاء النكاح، نقول: نوقف الأمر حتى تنتهي العدة، فإن أسلم الثاني قبل انقضاء العدة فالنكاح باق، وإن انتهت العدة ولم يسلم فرق بينهما، ولم يثبت النكاح.
واختار شيخ الإسلام أن التخيير باق بعد انقضاء العدة، وأما قبل انقضاء العدة فلا خيار، بل متى أسلم الثاني فالنكاح باق، وبعد انتهاء العدة يكون بالخيار.
واستدل لذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنوات من الهجرة، وما قاله شيخ الإسلام فهو الصحيح؛ لدلائل في السنة عليه، ولهذا الآن يعترض طريق كثير ممن يريدون الإسلام من العمال عندنا يعترضهم شيئان: الشيء الأول: الزوجة، والثاني: أهله، يقول: أهلي أخشى أن يصدوني عن ديني إذا أسلمت، والزوجة أيضًا لا أريد أن أفارقها، ما عندي مثلًا مال أدفع المهر، مثل هذا نقول: أسلم والزوجة ادعها للإسلام لعل الله يهديها، وأهلك أيضًا ادعهم للإسلام، فلا تيئس، والله الموفق.
طالب: حديث ابن عباس ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: أنه ردها بنكاح جديد (2).
الشيخ: نعم ما هو بصحيح.
طالب: ضعيف.
الشيخ: ضعيف نعم.
طالب: لماذا تستحق نصف المهر؟
الشيخ: لأنها تستحق نصف المهر.
طالب: ( ... ) لأنه مسلم وهي كتابية.
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما زالت زوجته.
الشيخ: لأن سبب الفراق منها.
طالب: ( ... ).
طالب: مِنْ أَرْبَعِ مِئَةِ دِرْهَمٍ إِلَى خَمْسِ مِئَةٍ، وَكُلُّ مَا صَحَّ ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً صَحَّ مَهْرًا وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ لَمْ يَصِحَّ، بَلْ فِقْهٍ وَأَدَبٍ وَشِعْرٍ مُبَاحٍ مَعْلُوم، وَإِنْ أَصْدَقَهَا طَلَاقَ ضَرَّتِهَا لَمْ يَصِحَّ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَمَتَى بَطَلَ المُسَمَّى وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، نظرًا لأهمية الفصل السابق؛ نحب أن نلقي فيه بعض الأسئلة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2803
عقد رجل على امرأة كافرة، ثم أسلم قبل أن يدخل بها، فما الحكم من حيث بقاء النكاح؟
طالب: حكمه باطل.
الشيخ: باطل.
طالب: ( ... ) ينفسخ العقد.
الشيخ: ينفسخ، يفسخ ولَّا ينفسخ؟
طالب: يفسخ.
الشيخ: لا ينفسخ يعني ما يحتاج نروح للحاكم نقول: افسخه، ينفسخ طيب الجواب خطأ.
أنتم فاهمون السؤال؟ رجل عقد على امرأة كافرة، ثم أسلم قبل الدخول، فالأخ يقول: ينفسخ.
طالب: يبقى النكاح.
الشيخ: يبقى النكاح خطأ.
طالب: فيه التفصيل.
الشيخ: فيه التفصيل.
طالب: إذا كانت كتابية يبقى النكاح، وأما غير الكتابية فينفسخ.
الشيخ: سمعتم التفصيل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يقول: إن كانت كتابية فالنكاح باق؛ لأن الرجل المسلم يجوز أن يتزوج الكتابية.
اسمع بارك الله فيك، ما لك عذر، وكلٌّ يخطئ ويصيب، ما فيه شيء، طيب نقول: إن كانت كتابية فالنكاح.
طالب: باق.
الشيخ: وإن كانت غير كتابية.
طالب: انفسخ العقد.
الشيخ: انفسخ النكاح، طيب بالنسبة للمهر معروف أن الفرقة قبل الدخول توجب نصف المهر، فهنا بالنسبة للمهر هل يجب على الزوج نصف المهر، أو لا يجب عليه شيء؟
طالب: لا يجب عليه المهر.
طالب آخر: يجب عليه نصف المهر.
الشيخ: هذا الرجل أسلم قبل الدخول، وقد تزوج امرأة غير كتابية، قلنا: إن النكاح ينفسخ، فهل عليه من المهر شيء أو لا؟
لا تراجع الكتاب، جزاك الله خيرًا، كلنا يعرف يقرأ الكتاب، ما تعرف؟ ما حضرت أمس؟
طالب: ما راجعت.
الشيخ: ليش ما راجعت؟
طالب: إن لم تكن سبقته فلا مهر لها.
الشيخ: أنا أقول لك: هو الذي أسلم، وهي بقيت على الكفر.
طالب: فلها المهر.
الشيخ: لها المهر كله؟
طالب: نصف المهر.
الشيخ: نصف المهر، ويش تقولون؟
طلبة: نعم صحيح.
الشيخ: صحيح، المهر يجب عليه نصفه؛ لأن الفرقة جاءت من قبله.
طيب عقد رجل على امرأة وهما كافران، فأسلمت قبل الدخول.
الشيخ: أنا أسأل عن حكم النكاح، ما هو عن المهر.
طالب: عن النكاح أو المهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 2804
الشيخ: عن النكاح، رجل تزوج امرأة، وهما كافران، ثم أسلمت المرأة، فما حكم النكاح؟
طالب: ينفسخ النكاح.
الشيخ: ينفسخ النكاح، تمام، بكل حال، طيب لو كان الرجل كتابيًّا.
طالب: ولو ينفسخ العقد.
الشيخ: ما هو قلنا قبل قليل: إذا كانت المرأة كتابية يبقى النكاح، هذه عكس المسألة، إذا كان الرجل كتابيًّا، لماذا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أحسنت، صحيح يا جماعة.
طلبة: صحيح.
الشيخ: بارك الله فيك، بالنسبة للمهر، قل.
طالب: إن سبقته فلا مهر.
الشيخ: الله يهدينا وإياك، كيف تقول: سبقت؟ أنا قلت: أسلمت وزوجها باق على الكفر، شوفوا لاحظوا يا جماعة ترى الإنسان إذا قال: إن سبقته وما سبقته والسؤال محدد، يعني أن الرجل لم يفهم تمامًا؛ لأنه جاب لي المسألة كلها برمتها، وما مثله إلا كمثل الطالب الذي أعطي في الاختبار: ما حكم الالتفات في الصلاة، وهو لا يعرف المعنى تمامًا، فقال في الجواب: ج: يكره في الصلاة التفاته، ورفع بصره إلى السماء، وتخصره، وحركته، وفرقعة أصابعه، وتشبيكها، وتغميض عينيه، نعم، والتفاته، ثم قال في النهاية: خذ ما شئت ودع ما شئت.
مشكل هذا، الإنسان أسأله عن شيء محدد يقول: إن كان وإن كان، السؤال عن هذا الشيء المحدد؛ عقد كافر على امرأة كافرة، فأسلمت قبل الدخول، قلنا: النكاح ينفسخ، وهذا واضح، لكن بالنسبة للمهر؟
طالب: على قول المؤلف ليس لها مهر.
الشيخ: نعم.
طالب: وعلى القول الراجح لها نصف المهر.
الشيخ: أحسنت، على قول المؤلف ليس لها مهر؛ لأن الفرقة من قبلها، وعلى القول الراجح لها نصف المهر؛ لأن الأصل وجوب الإسلام عليهما جميعًا، فلا يمكن لما قامت بما يجب عليها أن نحرمها ما يجب لها، بارك الله فيك.
إذا كان ذلك بعد الدخول إذا كانا كافرَيْنِ ودخلا ثم أسلم الزوج فما الحكم؟
طالب: أسلم الزوج؟
الشيخ: نعم.
طالب: فيه ثلاثة أقوال.
الشيخ: ما وصلنا للأقوال الآن.
فصل قبل.
طالب: حكم النكاح يوقف الأمر ( ... ) العدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2805
الشيخ: لا، خطأ.
طالب: لها كل المهر.
الشيخ: ما سألنا عن المهر، عن حكم النكاح؟
طالب: نفصل؛ إذا دخلا في الإسلام، وكانا كافرين، فإن كان السابق إسلام الزوج فهنا لا خلاف في المسألة.
الشيخ: ما فهمنا.
زوجان كافران تزوجا، ودخل الزوج على امرأته، ثم أسلمت الزوجة.
طالب: يوقف الأمر على انقضاء العدة.
الشيخ: يوقف الأمر على انقضاء العدة.
طيب إذا انقضت.
طالب: إذا انقضت فيها الخلاف.
الشيخ: أولا أجب على ما قال المؤلف.
طالب: يقول: إذا انقضت بان انفساخ النكاح.
الشيخ: إذا انقضت ولم يسلم الزوج.
طالب: نعم، إذا انقضت ولم يسلم الزوج بان انفساخ النكاح من إسلامها.
الشيخ: يعني فرق بينهما، طيب؛ لأنه تبين انفساخه منذ أسلمت، طيب أحسنت، هذا ما مشى عليه المؤلف، القول الثاني.
طالب: القول الثاني.
الشيخ: أجب يا شيخ.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أنا قلت لكم: إن الفصل هذا مهم بالوقت الحاضر؛ لأن الإسلام يكثر الحمد لله.
طالب: القول الثاني أنه ينفسخ مباشرة.
الشيخ: هذا القول الثاني.
القول الثالث الراجح.
طالب: القول الثالث الراجح أن الأمر يوقف للزوجة، الزوجة بالخيار؛ إن أسلم الزوج قبل العدة فهي زوجته.
الشيخ: انتهينا ( ... ) الذي قاله الطاهر.
طالب: طيب إذا أسلم الزوج.
الشيخ: إذا أسلمت الزوجة وانقضت العدة والزوج لم يسلم، فهي على المذهب قد بانت منه، ولا يمكن ترجع له.
طالب: نعم.
الشيخ: وعلى القول الثاني.
طالب: والقول الثاني.
الشيخ: الثاني أنه ينفسخ من حين أسلمت، والثالث الراجح.
طالب: أن الأمر يعود للزوجة.
الشيخ: يعني بعد انقضاء العدة يكون الخيار للزوجة فيما لو أسلم الزوج وأراد الرجوع.
طالب: نعم.
الشيخ: كذا.
طالب: بدليل حديث زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم (1).
الشيخ: ما وصلنا لطلب الدليل، إذن ما الفرق بينها وبين ما إذا كان قبل العدة؟ ما الفرق بعد العدة وقبل العدة على القول الراجح؟
طالب: نعم الفرق بينهما أن الأولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 2806
الشيخ: قبل انقضاء العدة.
طالب: الخيار بيد الزوج أن الخيار ليس للزوجة.
الشيخ: نعم.
طالب: إنما الخيار ..
الشيخ: أنه إذا أسلم قبل انقضاء العدة فلا خيار للزوجة.
طالب: فالنكاح باقٍ.
الشيخ: فالنكاح باق، واضح يا جماعة؟ إذا أسلم بعد العدة هذا هو الذي فيه الخيار على القول الراجح، فالفرق إذن أنه إذا أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فلا خيار للمرأة، الزوج زوجك، وأما إذا أسلم بعد العدة فالخيار للزوجة، إذا رضيت إذا رجع إليها أن تبقى معه فلها ذلك، وإن أحبت أن تتزوج غيره فلها أن تتزوج، وإن أحبت أن تبقى بلا زوج فلها أن تبقى بلا زوج، فإن تزوجت غيره -انتبهوا بعد انقضاء العدة- تزوجت غيره ثم أسلم ( ... ).
طالب: بعد انقضاء العدة خلاص.
الشيخ: ما له حق؛ لأن المرأة تزوجت.
طالب: ترجع إليه بدون عقد.
الشيخ: بدون عقد إي نعم.
طالب: المدة طويلة.
الشيخ: إي نعم.
هذا أبو العاص بن الربيع عاد إلى زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدون عقد، إي نعم.
طيب إذن نأخذ بالصداق شوية، من اللي بعده الأصول نأخذ شوية.
قال المؤلف رحمه الله: (باب الصداق).
الصداق هو العوض المبذول بعقد نكاح وما ألحق به.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إلا، لا إله إلا الله.
كيف؟
طالب: وإن كفرا أو أحدهما بعد الدخول، هذا ما أخذناه.
الشيخ: إي نعم، ما أخذنا هذه، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَإِنْ كَفَرَا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وُقفَ الأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ العِدَّةِ، وَقَبْلَهُ بَطَلَ).
إذا كفرا بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة، ولو كان كفرهما في آن واحد، ولو كان كفرهما إلى دين واحد، كما لو تنصرا بعد الإسلام، فإن كان قبل الدخول أيش؟ بطل العقد، وإن كان بعده وقف الأمر على انقضاء العدة، لاحظوا يا جماعة، يعني بعد العقد، وكانا مسلمين، كفرا جميعا، أو أحدهما، تأخر الآخر إن كان قبل الدخول.
طالب: بطل العقد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2807
الشيخ: بطل النكاح، مثال ذلك: زيد وزينب مسلمان عقد عليها، ثم بعد ذلك كفرا -والعياذ بالله- بالله، كفرا قبل الدخول، الحكم يبطل النكاح، طيب ولو كانا كافرين من الأصل ثم تزوج أحدهما الآخر، يبطل النكاح؟ لا يبطل، والفرق ظاهر؛ لأن هذين الزوجين ارتدا بعد العقد، وأما إذا كانا كافرين من الأصل فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الذين أسلموا على نكاحهم، ولا إشكال في ذلك إذا كفرا قبل الدخول، ماذا يكون النكاح؟ يبطل، سواء كفرا جميعًا في آن واحد، أو تأخر أحدهما، فإذا تزوج امرأة وهما مسلمان، ثم ترك الصلاة، ترك الصلاة مرة كلاهما، ماذا يكون النكاح؟ يكون باطلًا؛ لأنهما كفرا بعد العقد، وإن كفر الزوج، ترك الصلاة الزوج، ما الحكم؟
طالب: يبطل العقد.
الشيخ: طيب، وإن كفرت الزوجة؟
طالب: بطل العقد.
الشيخ: كذلك بطل العقد.
فإذا كان قبل الدخول وكفرا جميعًا، أو كفر أحدهما، فالعقد باطل بعد الدخول، يوقف الأمر على انقضاء العدة، إن عادا إلى الإسلام فهما على نكاحهما؛ لأنهما عقدا مسلمَيْنِ ورجعا إلى الإسلام، وإن انتهت العدة وهما كافران تبين أنه بطل من حين كفرهما والعياذ بالله، هذا حكم الكفر، وعلى هذا فإذا قدر أن امرأة مع زوجها لها عشرات السنين وعندها الأولاد والبنون، ثم ترك الزوج الصلاة، فالواجب أن يفرق بينهما وينتظر إلى متى؟ إلى انقضاء العدة، إن هداه الله وعاد إلى الصلاة فهي زوجته، وإن انقضت العدة ولم يصلِّ فُرق بينهما، يعني تبين أن النكاح قد بطل من حين ترك الصلاة، وكذلك هي لو تركت الصلاة؛ لأنه أحيانًا يكون الزوج يترك وأحيانًا تكون هي تترك، فالحكم كذلك ينتظر حتى تنتهي العدة، إن هداها الله ورجعت إلى الإسلام وصلت فهي زوجته، وإلا تبين انفساخه منذ كفرت.
باب الصداق
ثم قال المؤلف: (باب الصداق).
الجزء: 2 - الصفحة: 2808
الصداق هو العوض المبذول بعقد نكاح وما ألحق به، من الباذل؟ الزوج، والمبذول له الزوجة.
وقولنا: (وما ألحق به) إشارة إلى الوطء بشبهة، فإن الرجل إذا وطئ امرأة بشبهة وجب عليه مهرها، مثال ذلك: رجل دخل بيته ووجد امرأة على فراشه، فظنها امرأته، فجامعها، هذا وطء بشبهة، رجل وجد امرأة على فراشه ولم يكن يعلم أحدًا ينام على الفراش إلا امرأته، فجامعها، نقول: هذا وطء بشبهة، يجب عليه المهر؛ لأنه استحل فرجها معتقدًا حله، ولو حملت من هذا الوطء فالولد لها.
لها واضح وله أيضًا؛ لأنه جامعها على أنها من حلائله، طيب الخلاصة الصداق هو العوض المبذول بعقد نكاح وما ألحق به.
حكمه: واجب؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] بشرط أيش ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24] فلا بد في كل نكاح من مهر إلا نكاحًا واحدًا، وهو امرأة وهبت نفسها للرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يحتاج إلى مهر؛ لأنها وهبت نفسها، والهبة تبرع بلا عوض، لكن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو واجب، هل الأولى أن يضخم ويكبر أو بالعكس، قال المؤلف: (يسن تخفيفه) يعني يسن أن يكون خفيفًا، فكم تبذل الصداق لو أردت أن تتزوج؟ قل ( ... ) يسن تخفيفه، السنة كم تبذل؟
طالب: ( ... ) على حسب الاتفاق.
الشيخ: ما اتفقنا، إنسان بيبذل على طول، ما راح يقول: كم تبغون أعطيكم؟
طالب: على حسب العرف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2809
الشيخ: حسب العرف، كم العرف؟ أنت تتهرب من التخفيف، قل: المهر إن شاء الله سيكون عشرة ريالات، الله على كل شيء قدير، يعني فيما سبق تتزوج المرأة بدرهم، وقبل عصرنا بيمكن عشر سنوات تزوجت امرأة رجلًا فأصدقها ريالًا، فبينما هو قائل عندها -يعني نائمًا في القائلة- إذا رجل يدق الباب ويبالغ في الدق، وأرقهم في ضربه الباب، هذا لو للشغل ما عاد يطق الباب هذا، فنزل إلى الباب، ولما نزل علا صوته مع الرجل، صوت الزوج علا مع الرجل، نزلت تسأل وإذا الرجل يطلبه ريالًا، الرجل اللي يطق الباب يطلب من الزوج ريالًا، انحلت المشكلة بأن تعطيه الريال اللي دفع لها، أعطته الريال الذي دفع لها وانحلت المشكلة، فانظر إلى حال الناس بالأول كيف طابت نفسها أن تتزوج بريال، وأن توفي عن هذا الرجل الريال اللي أعطاها.
فأقول للأخ: أعطني الصداق اللي تخففه، وحاول يتخلص، وأخيرًا أرجعنا إلى العرف، أقول: على كل حال يسن التخفيف، يخففه ما أمكن، ولو بدرهم، بل قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْتَمِسْ وَلَو خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (3)، وفي الحديث: «أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً» (4)، ولا شك أن تخفيف الصداق فيه مصالح كثيرة؛ منها موافقة السنة، ومنها التيسير، تيسير هذا الطريق التي هي طريق الأنبياء والمرسلين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38]، ومنها أنه لو حصلت مشاكل بين الزوج والزوجة لسهل عليه أن يفارقها؛ لأنه لم يخسر عليها كثيرًا، لكن إذا كان قد خسر عليها كل ما في جعبته من الدراهم واستدان من غيره أيضًا يصعب عليه أن يفكها، أليس كذلك؟ ومنها أنه لو أراد المخالعة بما أعطاها لكان بذل ذلك عليها يسيرًا؛ لأنه لم يعطها إلا القليل، لكن لو طلب عوضًا أعطاه إياها، وهو كثير، لشق عليها ذلك وعلى أهلها كما هو الواقع.
الجزء: 2 - الصفحة: 2810
ومنها -أي من فوائد تخفيف الصداق- أنه أعظم بركة؛ لحديث: «أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً» (4).
ويُسن أيضًا (تسميته في العقد) تسميته أي في العقد يعني أن يسمى المهر في العقد فيقول: زوجتك بنتي على مهر قدره كذا وكذا، لماذا؟ من أجل ألا يحصل النزاع فيما لو حصل الفراق، لو حصل الفراق قبل الدخول أو بعد الدخول، وادعت الزوجة أن المهر عشرة آلاف، وقال الزوج: بل هو خمسة، حصل بذلك نزاع، فإذا سمي زال هذا النزاع.
طيب فإن أبهم وقال: زوجتك بنتي على ما دفعت إلي من المهر، هل يحصل المقصود ولَّا ما يحصل؟
طالب: لا يحصل.
الشيخ: لا، ما يحصل، يعني ما يحصل على وجه التمام، لكنه أخف مما لو سكت عنه، لكن ما يحصل به المقصود على التمام؛ لأنه إذا قال: على ما دفعت إلي، ما الذي دفع؟ قد يختلفان فيما بعد في جنسه أو قدره أو صفته.
طيب يسن تسميته بالعقد، قال: (مِنْ أَرْبَعِ مِئَةِ دِرْهَمٍ إِلَى خَمْسِ مِئَة) درهم، المؤلف قيدها رحمه الله أربع مئة درهم إلى خمس مئة درهم، أربع مئة درهم كم تكون من الريالات الموجودة؟ تكون من الريالات الموجودة مئة واثني عشر ريالًا؛ لأن كل مئتي درهم ستة وخمسون ريالًا بالريال العربي الفضي، ولهذا كان نصاب الفضة ستة وخمسين ريالًا بالريال الفضي، فالصداق الذي أراد المؤلف أن يكون قدره من مئة واثني عشر من الريال الفضة إلى خمس مئة زدها ثمانيًا وعشرين نصف الست والخمسين كم تكون؟ مئة وأربعين، يعني أعلى المخفف مئة وأربعون ريالًا، وأدناه مئة واثنا عشر، نعم، على كل حال عرفت الآن التخفيف نعم.
يقول رحمه الله: (وَكُلُّ مَا صَحَّ ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً صَحَّ مَهْرًا، وَإِنْ قَلَّ) هذا ضابط، إذا قيل: ما هو المهر الذي يجزئ؟ نقول: كل ما صح ثمنًا أو أجرة صح مهرًا، طيب الأجرة في المنافع، والأثمان في الأعيان، فمثلًا إذا قال: الصداق أن أشتغل في مزرعتها يومًا كاملًا يقوله من؟
طالب: الزوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 2811
الشيخ: الزوج هذا ثمن ولَّا أجرة؟ أجرة، طيب الثمن قال: الصداق أن أعطيها خاتمًا من ذهب هذا ثمنًا، يعني كل ما وقع عليه عقد البيع أو عقد الإجارة صح أن يكون مهرًا، يقول رحمه الله -وإن قل-: (وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ لَمْ يَصِحَّ) إن أصدقها يعني قال: المهر أن أعلمها سورة البقرة، فإنه لا يصح، لماذا؟ لأن القرآن لا يصح ثمنًا ولا أجرة، لا يصح تعليم القرآن بالأجرة، فإذا كان لا يصح تعليمه بالأجرة لم يصح أن يكون عوضًا؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24]، وتعليم القرآن لا يصح أن يكون أجرة فلا يصح، هذا ما قاله المؤلف، ولكن ما قاله محمد بن عبد الله يدل على الجواز؛ فإن الرجل الذي قال: ما أجد ولا خاتمًا من حديد، قال: «هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ ». قال: نعم، سورة كذا وكذا، قال: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (5)، فعلمها، فهنا جعل النبي صلى الله عليه وسلم تعليم القرآن صداقًا، وهل لأحد قول بعد قول الرسول؟ لا، إذن فالصحيح أنه يصح أن يتزوجها بتعليم شيء من القرآن، فإن أطلق قال: صداقي أن أعلمها القرآن فما الواجب؟ جميع القرآن، وإن أراد البعض فليحدده.
ما جواب المؤلف ومن تابعه، أو من تبعه المؤلف عن هذا الحديث الذي أشرت إليه؟ يقولون: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ مَهْرًا» (6)، وهذا نص صريح بأن هذا الحكم خاص بهذا الرجل.
فما جواب القائلين بالجواز؟ يقولون: إن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يصح رجعنا إلى الأصل، هذه واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2812
ثانيًا: لدينا قاعدة مهمة، وهو أنه لا يمكن أن يخص أحد بحكم من أحكام الشريعة أبدًا لعينه، بل لوصفه، انتبهوا: لا يمكن أن يخصص أحد بشيء من أحكام الشريعة بعينه، بل بوصفه، واضح؟ طيب الأعرج لا يجب عليه الجهاد في سبيل الله؛ لأنه أعرج، وعلى هذا فكل من عنده عرج يمنعه من الجهاد لا يجب عليه، الفقير لا زكاة عليه لأنه فقير وهلم جرًّا، لكن بعينه أقول: هذا جائز لهذا الرجل بعينه لا يمكن أبدًا، حتى النبي عليه الصلاة والسلام لم يخص بشيء لعينه أبدًا صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم لا يخص بعينه، لكن لوصفه؛ لأنه نبي ورسول؛ لأن الله عز وجل ليس بينه وبين البشر نسب أو محاباة أو مصاهرة، سبحان الله! فلا يمكن أن يخص أحد من البشر بحكم لعينه، ولكن لوصفه.
طيب، يرد على هذا حديث في الصحيحين، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم في عيد الأضحى قال: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَشَاتُهُ شَاةُ لَحْمٍ، وَلْيَذْبَحْ بَدَلَهَا».
فقام أبو بُرْدَةَ بنُ نِيَارٍ قال: يا رسول الله، أنا عندي أضحية ذبحتها قبل أن أصلي، أحببت أن يأكل أهلي اللحم مبكرين، ولا أجد غيرها إلا عَنَاقًا -العناق من الماعز: ما له نحو أربعة أشهر- إلا عناقًا، فقال: «اذْبَحْ وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (7). هذا تخصيص، قال: اذبح ها العناق، والعناق لا تجزئ في الأضحية؛ لأنها ما تمت السن، ولن تجزئ عن أحد بعدك، فكيف تقولون: إنه لا يمكن أن يخصص أحد في حكم من أحكام الله بعينه والرسول صلى الله عليه وسلم خصص.
الجزء: 2 - الصفحة: 2813
قلنا: أجاب عن ذلك البحر والحبر شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: البعدية قد تكون بالزمن، وقد تكون بالحال، والبعدية هنا حالية، مثلما تقول: ما بعد هذا قعود، ما بعد هذا الحال شيء، وما أشبه ذلك، فالبعدية هنا بعدية الحال، يعني أنه لو وجد إنسان مثل هذا الرجل جاهل وذبح قبل الصلاة، وليس عنده إلا عناق، قلنا له أيش؟ اذبح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار.
وما قاله الشيخ رحمه الله هو الحق؛ لأنه لا يمكن أن الرب عز وجل مع غناه عن كل أحد أن يخص واحدا من الخلق بعينه بحكم من الأحكام أبدًا، على هذا نرجع إلى أصل المسألة، وإن كان هذه الحقيقة مهمة جدا، هذه أحب إلي من كل الصداق؛ أن تعلموا أنه ليس في الشريعة حكم يخصص به أحد بعينه لعينه، بل لا بد من وصف.
وهذه القاعدة مهمة جدا، يعلم بها حكمة الله عز وجل، وأن أحكام الله تعالى وشرائعه معلقة بالأوصاف، لا بالأشخاص.
بعد هذا نرجع إلى كلام المؤلف، يقول: (بل فقه وأدب وشعر مباح معلوم) يعني يجوز أن يصدقها تعليم فقه، وألصق شيء يعلمها إياه ما هو من الفقه؟ فقه النكاح والحيض والغسل، نعم، الأشياء التي تتعلق بهما، طيب هذا فقه، (وأدب) الأدب أيش الأدب هذا؟ هل هو الأدب الشرعي أو الأدب الاصطلاحي؟ يحتمل أنه الشرعي أو الاصطلاحي.
والأدب الاصطلاحي هو هذا الفن المعروف الذي يدرس الآن في المعاهد والجامعات؛ معرفة أحوال العرب وأشعارهم وما يتعلق بهذا، (وشعر مباح معلوم) اشترط المؤلف أن يكون مباحًا، وأن يكون معلومًا، يعني عشرة أبيات من البحر الفلاني نعم؛ الطويل، أو الرجز، أو غيره، فلو قال: أنا أصدقها نظم ابن عبد القوي في الفقه، أعلمها إياه، كم من بيت؟ أربعة عشر ألف بيت، هذا كثير ولَّا قليل؟
طلبة: كثير.
الجزء: 2 - الصفحة: 2814
الشيخ: كثير، طيب.
يعلمها ألفية ابن مالك، كثير أيضًا، وأيضًا هو علم صعب، يعلمها قصيدة بانت سعاد، يجوز؟ إي نعم يجوز، شعر مباح معلوم، فإن كان شعرا محرمًا كشعر الغزل الماجن، وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز؛ لأنه محرم.
طالب: الوزجة تريد مهر أقل، والأب يريد مهر أكثر ( ... ).
الشيخ: لا، القول قول الزوجة، لا، ما له دخل في الموضوع؛ لأن الله قال في القرآن الكريم: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء: 4] فأضافه إلى النساء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أبدًا ما هو ( ... ) لأنه ربما لو أن الأب فرض شيئًا كثيرًا على الزوج ما تمكن.
طالب: السلام عليكم، إذا قلنا: إن البعدية هنا بمعنى الحالية، فهل يكون هذا الرجل يعني بالوصف ..
الشيخ: إي بالوصف، يعني لو وُجد إنسان ذبح الأضحية قبل الصلاة جاهلًا، وليس عنده إلا عناق، فلا بأس.
طالب: في بعض الأماكن يجعلون المهر مصحفًا، هل يجوز أو لا؟
الشيخ: سؤاله سمعتموه يقول: في بعض البلاد يجعلون المهر مصحفًا، هل يجوز أو لا، إن قلنا بجواز بيع المصحف جاز، وهو الصحيح، وإذا قلنا بتحريمه فإنه لا يجوز، لكن الصحيح الجواز.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما هو الضابط فيما يصح أن يكون مهرًا؟
طالب: كل ما صح أن يكون ثمنًا أو أجرة صح أن يكون صداقًا.
الشيخ: كل ما صح أن يكون ثمنًا أو أجرة صح أن يكون صداقًا، بارك الله فيك.
هل الأفضل تقليل المهر أو لا؟ هل الأفضل تقليل المهر أو تكثيره؟
طالب: تقليله.
الشيخ: تقليله أفضل، الدليل.
الطالب: لقول النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: اذكره ولو بالمعنى إذا كان عندك حديث.
الطالب: البركة في تقليل المهر.
الشيخ: أحسنت هذا جزء منه «أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً» (4).
ما هو القدر الذي عينه المؤلف للصداق القليل؟
طالب: أربع مئة درهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2815
الشيخ: طيب، أربعة مئة درهم، كم مقداره في عهدنا؟
طالب: مئة واثنا عشر ريالًا.
الشيخ: مئة واثنا عشر ريالًا، هذه أربع مئة، الأكثر مئة وأربعون، طيب.
رجل أصدق امرأته أن يعلمها كتاب النكاح من زاد المستقنع؟
طالب: جائز.
الشيخ: إي جائز، ماذا تقولون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، طيب؛ لأنه يصح أخذ الأجرة عليه، يعني يصح أن تستأجر إنسانًا يعلمك أي باب من أبواب الفقه.
طيب رجل أصدق امرأته أن يعلمها سورة النبأ؟
طالب: جائز.
الشيخ: جائز.
طالب: على قول المؤلف لا.
الشيخ: على قول المؤلف لا، والصحيح أنه جائز.
أحسنت.
على قول المؤلف لماذا منع أن يكون تعليم القرآن مهرًا؟
طالب: لأن عندهم لا يصح أخذ الأجرة على تعليم القرآن.
الشيخ: لأنه يقول: إن تعليم القرآن لا يصح أخذ الأجرة عليه، نعم.
إذا قال قائل: هذا الدليل هل له معارض؟ وهل هو صحيح؟ إي نعم.
طالب: له معارض.
الشيخ: له معارض، ما هو؟
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أراد أن يتزوج: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (5).
الشيخ: نعم له معارض، وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زوج رجلًا امرأة بما معه من القرآن، تمام.
ما جوابهم عن هذا المعارض؟ نعم.
طالب: في رواية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرجل: «وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ مَهْرًا» (6).
الشيخ: أحسنت، جوابهم عن هذا المعارض أن الرسول قال للرجل: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ مَهْرًا».
طيب، فما ردنا على هذا المعارض؟
طالب: أن الحديث ضعيف.
الشيخ: أن الحديث ضعيف.
طيب نحن لدينا قلنا: إنه ضعيف سندًا لا شك، لكن هناك أيضًا ما يمنع من ذلك من حيث التشريع.
طالب: أنه لا يمكن تخصيص حكم من أحكام الشريعة بعينه، بل بوصفه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2816
الشيخ: أن الأحكام الشرعية لا يختص أحد من الناس بها بعينه، يعني لكونه فلانًا ما يمكن يخص.
فإن اعترض معترض على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار حين أذن له أن يذبح عناقًا وقال «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (8).
طالب: نقول: إذا أتى شخص بحال أبي بردة نقول: اذبحه، ونقول له: ولن تجزئ عن أحد بعدك.
الشيخ: إي نعم، نقول: أجاب عن هذا شيخ الإسلام بأن المراد بالبعدية هنا.
طالب: بعدية الحال.
الشيخ: بعدية الحال، يعني ما تجزئ عن أحد سوى هذه الحال.
وقوله رحمه الله صحيح؛ لأننا نعلم أن الرب عز وجل ما له صلة بشخص دون آخر أبدًا، حتى خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم هل ثبتت لأنه محمد بن عبد الله، أو لأنه رسول الله؟
طالب: رسول الله.
الشيخ: الثاني؛ لأنه رسول الله، وإلا لكان رجلًا من قريش، لكن لكونه رسول الله خصه الله تعالى بما شاء من الأحكام.
طيب ذكرنا أن القول الراجح أنه يصح أن يصدقها تعليم القرآن، لكن هنا مشكلة يا إخوان، إذا علمها وعجز عن ذلك، وهذا قد يقع، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: أحيانًا تعلم الإنسان، تعلمه وتعلمه عشرين مرة ما يفهم، بينما المتوسط أنه إذا علمته كم المتوسط ما هو الماهر؟
طلبة: عشر مرات.
الشيخ: عشر مرات يفهم ولا أكثر من عشر مرات.
ثلاث مرات تستوجب أو تبيح للإنسان إذا استأذن على أخيه ثلاث مرات تبيح له أن يرجع.
هذا الرجل علم امرأته مئة مرة السورة التي اتفقا عليها، ولكن ما فهمت، عجزت، فما الجواب؟
طالب: يسقط.
الشيخ: لا، ما يمكن يسقط.
لكن يقال: يقدر لها أجرة المثل، يقدر لها صداقًا أجرة المثل، ولا نقول: يبطل المسمى، ويجب مهر المثل، لا، ما نقول هكذا؛ لأن المسمى ما بطل، لكن عجز عن إيفائه، فيفرض لها أجرة تعليمها هذه السورة مثلًا، فإذا قيل: هذه السورة يعلمها المعلم معلم الصبيان يعلمها في العادة بعشرة ريالات، كم يكون مهرها؟
طالب: عشرة ريالات.
الجزء: 2 - الصفحة: 2817
الشيخ: عشرة ريالات إي نعم.
هل يجوز أن يصدقها تعليم شعر؟
طالب: إي نعم ( ... ).
الشيخ: مطلقاً، عجيب.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
طالب: إذا قرأت القصائد الأدبية وغيرها، أما إذا كان من الشعر محرم فهذا لا يجوز.
الشيخ: بقي عليك قيد آخر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، يشترط أن يكون الشعر مباحًا، ويش بعد؟ وأن يكون معلومًا، يعني يقال: مباح معلوم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أصدقها طلاق ضرتها لم يصح) يعني إذا قال لها: مهرك أن أطلق زوجتي، قالت: طيب موافقة، فهل يصح هذا؟ لا يصح؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» (9). فنهى الرسول عليه الصلاة والسلام أن تسأل المرأة طلاق أختها، فكيف إذا اشترطته لحل العقد؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: فإنه لا يصح.
طيب إذا لم يصح ماذا نصنع؟ هل نقول: إن لها مهرًا مثل الزوجة التي اشترطت طلاقها، أو لها مهر مثلها هي، أي المتزوجة؟ -انتبهوا يا جماعة- قلنا: إنها إذا اشترطت أن يكون صداقها طلاق ضرتها فالشرط غير صحيح، ولا يصح أن يكون صداقًا، لكن ماذا نعطيها؟ هل نعطيها مثل صداق الضرة أو مثل صداقها هي؟ يقول المؤلف رحمه الله: (ومتى بطل المسمى وجب مهر المثل)، هذه قاعدة أو ضابط، نقول: لما بطل المسمى الذي هو طلاق الضرة وجب لها مهر المثل مثلها ولَّا مثل الزوجة التي تشترط طلاقها؟ مثلها هي، يجب لها مهر المثل، طيب، مثاله هذا الرجل تزوج امرأة أو خطب امرأة، قالت له: لا بأس، لكن أريد صداقًا، قال: والله أنا ما عندي صداق الآن، قالت: صداقي أن تريحني من الضرة، تطلقها، قال: لا بأس، فتم العقد، وقال الولي: زوجتكها بطلاق ضرتها، قال: قبلت، هل يصح هذا المهر؟ ماذا يجب؟ نقول: العقد صحيح الآن، ويجب لها مهر المثل، فيقال: هذه المرأة لو تزوجت كم يكون مهر مثلها؟ قال: مهر مثلها يكون عشرة آلاف، يجب عليه عشرة آلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2818
مثال آخر لتطبيق القاعدة هذه: تزوج امرأة على عشرين كرتون عصير عنب، فتبين أن العنب قد تخمر، صار خمرًا، فهل المهر صحيح؟ نعم غير صحيح، ليش؟ لأنه محرم، والمسلم لا يمكن أن يستحل الخمر، فماذا يجب لها؟ يجب لها مهر المثل.
تزوجها وقال: مهرك هذه السيارة، والسيارة ليست له، السيارة لفلان، هل يصح أن تكون مهرًا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ليست ملكًا له.
الشيخ: ليست ملكًا له، ولكن هل يجب في هذه الحال مهر المثل، أو يجب لها قيمة السيارة؟ على كلام المؤلف: مهر المثل، لكن في هذا نظرًا؛ وذلك لأن البطلان هنا ليس لفساد المهر، لكن لكونه غير مملوك له، وعلى هذا فلا يلزم الزوج إلا مثل هذه السيارة، ولا يجب لها إلا مثل هذه السيارة، لو قدر هذه السيارة تساوي أربعين ألفًا ومهر مثلها مئة ألف ماذا يجب على الزوج؟ السيارة تساوي أربعين ألفًا، ولو كانت السيارة تساوي أربعين ألفًا، ومهر مثلها عشرون ألفًا أيش يلزم؟ السيارة يعني مثل السيارة التي تساوي أربعين ألفًا، وعلى هذا فقس.
ثم قال رحمه الله تعالى: (فصل).
طالب: التعليل.
الشيخ: التعليل لأن الفساد هنا ليس لإفساد المهر بعينه، ولكن لأنه ملك الغير، فهو يصح عقد الملك عليه، بخلاف الخمر.
الجزء: 2 - الصفحة: 2819
قال: (فصل: وإن أصدقها ألفًا إن كان أبوها حيًّا، وألفين إن كان ميتًا، وجب مهر المثل) إن أصدقها، أي الزوج ألفًا إن كان أبوها حيًّا، وألفين إن كان ميتًا، وجب لها مهر المثل، لماذا؟ قالوا: لأنه لم يعينه، بل جعله معلقًا بشرط؛ إن كان أبوها حيًّا فألف، وإن كان ميتًا فألفان، والصحيح أنه يصح، وينظر إن كان الأب حيًّا فمهرها أيش؟ ألف، وإن كان ميتًا فمهرها ألفان، وهذا التفاوت بين حياة أبيها وموته تفاوت فيه غرض مقصود؛ لأنه إذا كان أبوها حيًّا فإنه يكفيها الألف؛ إذ إنه لو ضاقت عليها الدنيا لرجعت إلى أبيها، لكن إذا كان أبوها ميتًا فهي تريد أن يكون المهر كثيرًا لتشتري به عقارًا تستفيد منه، أو ما أشبه ذلك.
فالصواب أن هذا جائز، ويقال: ينظر إلى الأب؛ إن كان موجودًا حين العقد فالمهر كم؟ ألف، وإن كان غير موجود فالمهر ألفان، وإن كان معدومًا حين العقد ثم وجد، انتبه السؤال: إن كان معدومًا حين العقد ثم وجد، لكن هذا يكون يوم القيامة؛ لأن الميت لا يبعث إلا يوم القيامة، ما بالكم على هذا الجواب، سبحان الله! هذا غير معقول، أنا ما أقول: مفقود، أنا أقول: معدوم، وفرق بين المفقود وبين المعدوم، أليس كذلك؟ طيب، إذن إذا كان معدومًا ثم وجد، نقول: لا يمكن، هذا غير ممكن، كذا؟
طيب انتبه الآن، المذهب أنه إذا أصدقها ألفًا إن كان أبوها حيًّا، وألفين إن كان ميتًا، لا يصح هذه التسمية، ونرجع إلى مهر المثل.
طيب (وَعَلَى إِنْ كَانَتْ لِي زَوْجَةٌ بِأَلْفَيْنِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ بِأَلْفٍ يَصِحُّ بِالمُسَمَّى) أصدقها مهرًا، قال: إن كان لي زوجة فالمهر ألفان، وإن لم يكن لي زوجة فالمهر ألف، يصح أو لا؟ هذا يصح حتى على كلام المؤلف.
والفرق بينهما على كلام المؤلف أن لها غرضًا في الثانية؛ لأنه إذا خلا لها الجو فهو أحب إليها ويكفيها ألف، لكن إذا كان عنده زوجة ما يكفيها الألف، أفهمتم يا جماعة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2820
فالفرق بينهما على كلام المؤلف أنه في المسألة الثانية لها غرض صحيح؛ إذ كون المرأة موجودة ضرة هذا لا يريحها، يقلقها، ويأخذ عنها نصف وقت زوجها، وإذا لم يكن له زوجة فيكفي الألف، والصحيح كما قال المؤلف في مسألة الزوجة؛ لأن لها غرضًا صحيحًا في ذلك.
وعلى هذا فالقول الراجح تساوي المسألتين، وأنه إذا أصدقها ألفًا إن كان أبوها حيًّا، وألفين إن كان ميتًا، فالتسمية صحيحة، وكذلك إذا أصدقها ألفًا إن لم يكن له زوجة وألفين إن كان له زوجة، فالتسمية صحيحة.
ثم قال: (وَإِذَا أُجِّلَ الصَّدَاقُ أَوْ بَعْضُهُ صَحَّ، فَإِنْ عَيَّنَا أَجَلًا، وَإِلَّا فَمَحلُّهُ الْفُرْقَةُ) طيب إذا أجل الصداق أو بعضه، يعني بأن تزوجها على عشرة آلاف، خمسة نقدًا، وخمسة مؤخرة إلى سنة، يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الحق لها، فإذا رضيت بتأجيل بعضه فلا بأس.
طيب وإذا تزوجها على عشرة آلاف مؤجلة إلى سنة بعد سنة يسلم لها عشرة آلاف يصح، لماذا؟ لأن الحق لها، والأصل في المعاملات ..
وإذا أُجِّلَ الصداقُ أو بعضُه صَحَّ، فإن عَيَّن أَجَلًا وإلا فَمَحَلُّه الْفُرْقَةُ، وإن أَصْدَقَها مالاً مَغصوبًا أو خِنزيرًا ونحوَه وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وإن وَجَدَت الْمُباحَ مَعِيبًا خُيِّرَتْ بينَ أَرْشِه وقِيمتِه، وإن تَزَوَّجَها على أَلْفٍ لها وأَلْفٍ لأبيها صَحَّت التسميةُ، فلو طَلَّقَ قبلَ الدخولِ وبعدَ القَبْضِ رَجَعَ بالأَلْفِ ولا شيءَ على الأبِ لهما، ولو شَرَطَ ذلك لغيرِ الأبِ فكلُّ الْمُسَمَّى لها، ومَن زَوَّجَ بِنْتَه ولو ثَيِّبًا بدونِ مَهْرِ مثلِها صَحَّ، وإن زَوَّجَها به وَلِيٌّ غيرُه بإذنِها صَحَّ، وإن لم تَأْذَنْ فمَهْرُ الْمِثلِ،
14وإن زَوَّجَ ابنَه الصغيرَ بِمَهْرِ الْمِثلِ أو أكثرَ صَحَّ في ذِمَّةِ الزوجِ، وإن كان مُعْسِرًا لم يَضْمَنْه الأبُ.
(فصلٌ)
الجزء: 2 - الصفحة: 2821
وَتَمْلِكُ المرأةُ صَدَاقَها بالْعَقْدِ، ولها نَماءُ الْمُعَيَّنِ قبلَ القَبْضِ وضِدُّه بضِدِّه،
(فصلٌ)
وَتَمْلِكُ المرأةُ صَدَاقَها بالْعَقْدِ، ولها نَماءُ الْمُعَيَّنِ قبلَ القَبْضِ وضِدُّه بضِدِّه، وإن تلف فمِن ضَمَانِها إلا أن يَمْنَعَها زوجُها قَبْضَه فيَضْمَنَه، ولها التصَرُّفُ فيه وعليها زَكاتُه، وإن طَلَّقَ قبلَ الدخولِ أو الْخَلوةِ فله نصفُه حُكْمًا دونَ نَمائِه الْمُنْفَصِلِ، وفي الْمُتَّصِلِ له نصفُ قِيمتِه بدونِ نَمَائِه، وإن اخْتَلِفَ الزوجانِ أو وَرَثَتُهما في قَدْرِ الصداقِ أو عينِه أو فيما يَسْتَقِرُّ به فقولُه، وفي قَبْضِه فقولُها.
هذا يقلقها، ويأخذ عنها نصف وقت زوجها، وإذا لم يكن له زوجة فيكفي الألف.
والصحيح كما قال المؤلف في مسألة الزوجة؛ لأن لها غرضًا صحيحًا في ذلك، وعلى هذا فالقول الراجح تساوي المسألتين، وأنه إذا أصدقها ألفًا إن كان أبوها حيًّا، وألفين إن كان ميتًا فالتسمية صحيحة، وكذلك إذا أصدقها ألفًا إن لم يكن له زوجة وألفين إن كان له زوجة فالتسمية صحيحة.
ثم قال: (وإذا أُجِّل الصداق أو بعضه صحَّ، فإن عين أجلًا وإلا فمحله الفرقة).
(إذا أُجِّل الصداق أو بعضه) يعني بأن تزوجها على عشرة آلاف؛ خمسة نقدًا وخمسة مؤخرة إلى سنة، يجوز أو لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الحق لها، فإذا رضيت بتأجيل بعضه فلا بأس.
وإذا تزوجها على عشرة آلاف مؤجَّلة إلى سنة، بعد سنة يُسلِّم لها عشرة آلاف؟ يصح، لماذا؟ لأن الحق لها، والأصل في المعاملات الحِل إلا ما قام الدليل على منعه، فإذا اشترط تأجيل الصداق أو تأجيل بعضه فلا بأس.
الجزء: 2 - الصفحة: 2822
هل يُشترط أن يُعيِّن المدة؟ يقول المؤلف: لا، لا يشترط، إن عيَّن أجلًا فواضح، وإن لم يعين أجلًا فمحِلُّه الفرقة؛ الفرقة بموت أو طلاق أو فسْخ، مثال ذلك: تزوج رجل امرأة على عشرة آلاف خمسة نقدًا وخمسة مؤجلة، وكُتب الكتاب وتفرقوا، بعد مضي عشرة أشهر مثلًا جاءت الزوجة: قالت: أعطني المؤجل، يعني هو أعطاها المقدم، وانتهى منه، وبعد عشرة أشهر قالت: أعطني المؤجل، قال: ما بيننا أجل محدد، فقالت: إذا كان ليس بيننا أجل محدد فالتأجيل فاسد؛ لأنه مجهول وغرر، عرفتم؟ قولها قوي الآن.
فنقول: إن الجهالة في باب الصداق ليست كالجهالة في باب البيع.
البيع لو قال: بعتك هذه السلعة بمئة ريال؛ خمسين نقدًا وخمسين مؤجلة، ولم يذكر الأجل ما صحَّ الأجل، لكن في باب الصداق أوسع؛ لأن الصداق ليس معاوضة محضة، ما هو معاوضة محضة، المقصود به الوصول إلى استحلال المرأة فقط على وجه شرعي.
فنقول هنا: إذا طالبت بعد مضي عشرة أشهر بالمؤجل، فليس لها حق المطالبة؛ لأنه إذا لم يذكر الأجل، متى يكون حلوله؟ الفرقة، يعني لو طلقها حلَّ المؤجل، ولو بعد شهر، لو فسخها حلَّ ولو بعد شهر، لو ماتت حلَّ ولو بعد شهر، لو مات حلَّ ولو بعد شهر، متى حصلت الفرقة حلَّ المؤجل، والله أعلم.
طالب: أحسن الله إليك، إذا أصدق أبو المرأة للزوج، كان أعطى أبو المرأة الصداق؟
الشيخ: يعني شرط أبو المرأة الصداق لنفسه، كذا؟
الطالب: أصدق أبو المرأة ( ... )، هو يدفع لبنته الصداق نيابة عنه ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2823
الشيخ: يعني تحمل أبو الزوجة صداق الرجل، هذا جزاه الله خيرًا، يجوز، ما فيه شيء.
ولقد عقدتُ مرة عقدًا، فلما جئت قلت: زوِّج يا رجل.
قال: زوَّجتك بنتي على صداق ريال، فأخرج الرجل الزوج من جيبه ريالًا وأعطاه إياه فضة، ما هو بورِق، أعطاه إياه، قلت: ما يصلح هذا؟ لأن الأول كانوا يقولون: زوجتك بنتي على صداق ريال، والصداق كثير ما هو ريالًا لكن يقولون: ما دام يسن تسميته في العقد نبغي نسميه ولو ريالًا.
لكن قال شيخنا عبدالرحمن بن سعدي -رحمه الله-: هذا بدعة ما له أصل، سمي الصداق كله.
فلما قال هذا الرجل: زوجتك بنتي على صداق ريال، أنا ظننت أنه على العادة القديمة، وأنه مصدقها أشياء كثيرة من الأمور العينية ولكن قال: هذا على العادة القديمة، قلت: ما يصلح، هذا بدعة، قال: ليش؟ ما هو بالمهر يصح بالقليل والكثير؟ قلت له: بلى، لكن هذا مهرها؟ قال: والله هذا مهرها، كل التجهيز عليَّ، ولا أريد منه إلا ريالًا واحدًا للتحليل، وهذا طيب.
فإذا قال: أنا أتحمل جميع الصداق، فلا بأس.
طالب: بارك الله فيكم، إذا أصدق رجل امرأة على صداق بعضه مؤجل وبعضه ..
الشيخ: حال.
الطالب: حال، ثم بعد الزواج بعد مدة معينة يعني سمحت الزوجة زوجها في هذا المهر فقالت: أنا مسامحة، هل يجوز لها؟
الشيخ: يعني معناها أن تسقط الزوجة ما بقي من مهرها، لا بأس ما دامت مكلفة بالغة عاقلة رشيدة.
وأسقطته فلا بأس؛ لأن الحق لها.
الطالب: وإن كان عن يأس.
الشيخ: أبدًا وإن كان عن يأس، أولًا: هو ما دام مؤجلًا غير محدد فهو إلى الموت.
طالب: بارك الله فيكم، كلام الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- هل يشمل يعني ما لو يسمى كثيرًا، يعني بعضهم يدفع مئة ألف وذهب وأشياء كثيرة، يقول مثلًا: على خمسين ألفًا وعشر .. بينما تركوا كثيرًا.
الشيخ: لا، ما هو بتسمية.
الطالب: لا بد من تسمية كل شيء.
الجزء: 2 - الصفحة: 2824
الشيخ: لا بد من تسمية الكل إذا أردنا أن نطبق مقال الفقهاء تسميته في العقد؛ لأنه ربما يموت أو يطلق، أو تفسخ هي، ونرجع إلى المهر فيكون فيه اختلاف.
الطالب: شيخ، وجوبًا هذا يعني ..
الشيخ: لا، ما هو مرَّ علينا أمس.
الطالب: يسن تسميته.
الشيخ: تسمية سنة، لكن كونه على صداق ريال والصداق كثير، غلط هذا، افرض مثلًا أنه طلقها قبل الدخول، وقال: أعطني كل اللي دفعت ( ... ) نصف ريال ما هو هكذا؟ أسألك؟
طالب: ما فهمت.
الشيخ: إذا قال: زوجتك بنتي على صداق ريال، وقد دفع له غرفة نوم وأشياء كثيرة تساوي خمسين ألفًا مثلًا وهو قال: زوجتك على صداق ريال، ثم طلقها قبل الدخول، إذا طلق قبل الدخول كم تستحق المرأة؟
الطالب: نصف.
الشيخ: نصف، كم يعطيها على هذا؟
الطالب: نصف ريال.
الشيخ: والباقي؟
الطالب: يأخذه.
الشيخ: يأخذه، رد عليها، مشكلة.
الطالب: طيب شيخ، إذن نقول: إما تسمي الكل أو تترك كله.
الشيخ: إي نعم.
طالب: طيب يا شيخ، إن أصدقها وكان الصداق مؤجلًا، ثم حدثت الفرقة قبل حلول الأجل، هل تطالبه؟
الشيخ: لا، يبقى على أجله.
الشيخ: نعم، أي هذا صداق، ويمكن بعض الناس بيتزوج ها اليومين ولا شيء.
الطالب: ظاهر المتن له نقود معددة ولا .. ؟
الشيخ: لا، يقال مثلًا: لو أن امرأة تزوجت وهي مثل هذه المرأة، في سنها، وجمالها، وحسبها، ومالها، كم يكون مهرها؟ قال: مهر مثل هذه عشرة آلاف، امرأة أخرى كبيرة السن، ثيب، مُشوَّهة، ما لها حسب، ولا لها مال، كم مهرها؟ بالنسبة لها كم يصير؟
كم قلنا: هي الأولى، عشرة، هذه ألف، فمهر المثل معناه مهر امرأة تساويها في الجمال والشباب والعلم والمال والحسب، هذا معناه.
طالب: إذا اشترط عدم الطلاق؟
الشيخ: يعني ما يطلقها أبدًا، ما هو بصحيح ها الشرط هذا، هذا الشرط فاسد.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة: «لَنْ تُجْزِئَ بَعْدَكَ» (1). كيف يستخرج معنى الحالية؟ كيف يعني يستخرج من اللفظ؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2825
الشيخ: استُخدم اللفظ؛ لأن كثيرًا ما تقول: فلان فقير ما بعده فقر، فقرًا ما بعده فقر، يعني معناه أقصى ما يكون من الفقر، ما هو معناه أنه ما يأتي بعده فقر.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، في بعض البلاد يُكتب المسمى من الصداق أقل شيء مثلًا خمسة وعشرون قرشًا مثلًا، يعني ربع ريال، المأذون يأخذ نسبة على هذا الصداق، ثم يُكتب المؤخر، مؤخر المهر مثلًا.
الشيخ: في ورقة خارجية.
الطالب: في ورقة خارجية، عشرة آلاف مثلًا، أو ما يشبه ذلك تفاديًا للنسبة اللي يأخذها المأذون، فما رأيك؟
الشيخ: لكن عجيب عندكم هذا، المأذون يأخذ نسبة من المهر؟ !
طالب: ليس من المهر يا شيخ.
الشيخ: ولا مكافأة على حسب حال؟ !
الطالب: نسبة على مؤخر الصداق، نسبة من المؤخر، هو العقد يكتب بمئة جنيه مثلًا، هذا للعامة، ثم يزيد للمأذون بقدر المؤخر.
الشيخ: المؤخر؟
الطالب: ممكن عشرة في المئة من المؤخر.
الشيخ: طيب على أساس أنه هو اللي يقبض المؤخر، المأذون يُلزم بإحضاره؟
الطالب: هذا يكتب للزوجة فيما بعد المؤخر إلى أجل غير مسمى، إما الموت أو الفرقة ..
الشيخ: إي، لكن معناه أن المأذون هو الذي يستخرج هذا المؤجَّل من الزوج؟
الطالب: لا، هو يتفق الزوج، وأبو الزوج على هذا المؤخَّر.
الشيخ: لا، دعنا من السؤال اللي سألت عنه، أنا أريد الواقع عندكم، أنه إذا أصدقها مهرًا عجَّل بعضه وأجَّل باقيه، فللمأذون من المؤجَّل نسبة عشرة في المئة؛ يعني إذا كان المؤجل عشرة آلاف له ألف، هل يعني ذلك أن المأذون هو الذي يطالب الزوج بإحضار المؤجل إذا حلَّ أجله؟
الطالب: لا، ما يطالب.
الشيخ: ما له دخل بالموضوع.
الشيخ: هذا ليس عشرة آلاف.
الطالب: تعارفنا على هذا.
طالب آخر: هذا يقولون: رسومات يا شيخ، هذا الذي يأخذه المأذون يقول: رسومات للمحكمة والأوراق.
الجزء: 2 - الصفحة: 2826
الشيخ: ما يخالف، المحكمة والأوراق، لو كان كذلك لم يختلف، بينما إذا كان واحد مؤجل عشرة آلاف، وواحد مؤجل عشرة ريالات، اللي مؤجل عشرة ريالات كم يأخذ؟
الطالب: يأخذ ..
الشيخ: ريالًا واحدًا.
الطالب: ريالًا نعم.
الشيخ: ريالًا واحدًا، واللي عشرة آلاف بيأخذ ألفًا، إذن ما صحَّ أن هذا مقابل الرسوم.
الطالب: يا شيخ، الرسوم نسبة محددة معلومة.
الشيخ: على كل حال إذا كان -بارك الله فيك- لا يجوز أن يكتموا للمأذون شيئًا، يعني ما يجوز أن يغالطوه لا بد يذكرون.
الطالب: هذا ( ... ) يدفع شاب مثلًا ألفي ريال، ألفي جنيه، وما يستطيع يعني.
الشيخ: ما فيه بيدفع عشرين جنيهًا، ألفي جنيه، كم عليه من عشرة؟ مئتان.
الطالب: لا، يكتب مثلًا عشرة آلاف مؤخرًا، وعشرة آلاف الصداق المسمى، الحق اللي دفعه مثلًا، أحضر لها هدية بخمس مئة جنيه مثلًا، وكُتِب مؤخرًا عشرة آلاف، هذه إلى أجل غير مسمى، المأذون يأخذ ألفي جنيه.
الشيخ: يأخذ ألف جنيه.
الطالب: لا، على عشرة آلاف.
الشيخ: ألف؟
الطالب: يأخذ ألف، منين يأخذ الألف يا شيخ، ما يستطيع بحال من الأحوال يعطيه الألف؟
الشيخ: يقول: أعطيك الألف إذا أوفيت الزوجة.
الطالب: هذا يستلمها قبل ما يكتب، قبل ما يخرج من البيت يستلم الألف.
الشيخ: اللهم اهدِه.
الطالب: وبعدين يا شيخ الألف التي يأخذها دي ليست من المهر المؤخر، يأخذها من الزوج، يعني هذا المهر ..
الشيخ: يعني معناها العشرة ذهبت إلى المرأة.
الطالب: وهو يأخذ منه الألف من الزوج.
الشيخ: يأخذه من الزوج فيكون أحد عشر ألفًا.
الطالب: أتعاب كتابة العقد.
الشيخ: شوف نقول له: يا مأذون، نحن نجيب الحبر والقلم والأوراق.
الطالب: ونكتب.
الشيخ: فأنت بس وقع وإحنا نكتب بعد، ما يحصل؟ !
الطالب: الأوراق الرسمية ( ... ).
الشيخ: الأوراق الرسمية نشتريها، أنا سمعت أن بعض البلاد كل شيء يجيبه لو تهت عليّ ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2827
الطالب: بس هذا الورق خاص بالمأذون أنه هو يأتي به من المحكمة.
الشيخ: ما يخالف، المحكمة بسيطة يقول: أعطوه قلمًا ناشفًا، يعطيك اللي تبغي، سمعنا هكذا، الرشوة ماشيه.
الطالب: لكن فيه يا شيخ، فيه أيضًا كتابة في المحكمة خاصةً يعني تقريبًا، خمس وعشرون قرشًا لا تدفع للمأذون أكثر منها حتى لو كان المهر مئة ألف لكن المأذون -في نواحي الناحية دي- خاص بها المأذون، فهذه الأشياء يأخذها المأذون.
الشيخ: والله على كل حال تحتاج إلى تأمل، ما دام أن الظلم هذا، والمأذون ما له بالتعب في الواقع.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نشوف نتأملها.
الطالب: وإن تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صحَّت التسمية، ولو طلق قبل الدخول وبعد القبض رجع بالألف، ولا شيء على الأب لهما ولو شرط ذلك لغير الأب فكل المسمى لها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
رجل أصدق امرأته ألفًا إن كان أبوها حيًّا وألفين إن كان ميتًا، فما الحكم؟
طالب: على القول الصحيح ( ... ).
الشيخ: التسمية الصحيحة على القول الراجح، طيب والقول الثاني؟
الطالب: على قول المؤلف: لا يصح.
الشيخ: لا تصح التسمية، وماذا يجب على قول المؤلف؟
الطالب: على قول المؤلف مهر المثل.
الشيخ: يجب مهر المثل صح.
طيب تزوجها على ألف إن كان لا زوجة له وألفين إن كانت له زوجة.
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، ما الفرق بين المسألتين؟
الطالب: أي مسألتين؟
الشيخ: مسألة إذا كان أب أو زوجة، هو تزوجها على ألف إن كان أبوها حيًّا وألفين إن كان ميتًا، قلنا: التسمية غير صحيحة، ويجب مهر المثل، تزوجها على ألف إن لم يكن له زوجة، وعلى ألفين إن كان له زوجة، قلنا: التسمية صحيحة.
الطالب: لا فرق على الراجح.
الشيخ: لا، على كلام المؤلف.
الطالب: على كلام المؤلف؟
الشيخ: نعم، ما الفرق؟
الطالب: إنها في الثانية الحق، الثانية ..
الشيخ: ويش الثانية؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2828
الطالب: إذا كان له زوجة، أو ليس له زوجة أنه في هذه الحالة ينقصها شيء.
الشيخ: يعني لها غرض صحيح.
الطالب: لها غرض صحيح.
الشيخ: بانفرادها به دون ضرة.
الطالب: نعم.
الشيخ: بخلاف الأب؟
الطالب: بخلاف الأب نعم.
الشيخ: طيب، واضح الفرْق على كلام المؤلف؟ طيب على القول الثاني؟ أنت صحَّحت أن الراجح أنه لا فرق؛ يعني أنه على كلامك إذا قال: ألفان إن كان أبوها ميتًا، وألف إن كان أبوها حيًّا فالتسمية صحيحة على القول الراجح.
الطالب: التسمية صحيحة على القول الراجح؛ لأن أباها إذا كان حيًّا فربما يُعوِّضها عن الألف الآخر بوجوده.
الشيخ: نعم، بخلاف ما إذا كان.
الطالب: ما إذا كان ميتًا، فربما يعني تأخذ عِوضًا عن وجود أبيها.
الشيخ: أحسنت، يعني كما أن لها غرضًا صحيحًا في عدم الزوجة لها أيضًا غرض صحيح في وجود الأب.
الطالب: واضح ( ... ).
الشيخ: المهم عرفت الآن؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: غرضها يعني في ..
الشيخ: في أيش؟
الطالب: في وجود أبيها.
الشيخ: قال: إذا كان أبوها موجودًا فألف، إذا كان معدومًا فألفان، لها غرض، ليش؟ الغرض هو أنه إذا كان أبوها موجودًا فوجود أبيها يجبرها، لو نقص الصداق يمكن إذا احتاجت تقول لأبيها: أعطني إذا كان معدومًا ما عندها أب.
طيب، هل يجوز أن يؤجل الصداق؟
طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: حديث شيخ.
الشيخ: أي حديث؟
الطالب: والله ما أدري يصح ولَّا لا، قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (2) ( ... ) قال: «فَالْتَمِسْ» ..
الشيخ: لا، الدليل على جواز تأجيل الصداق أو بعضه.
طالب: قوله تعالى: ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]
الشيخ: لا، هذا إذا لم يُسمِّ.
الطالب: لم يسم.
الشيخ: لا، التأجيل على ألف نصفه حالٌّ، ونصفه مؤجل.
الجزء: 2 - الصفحة: 2829
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أصدق زوجته تعليمها القرآن (2). وهو لا يتأتى إلا بعد ..
الشيخ: لا، ما هو على كل حال، يمكن يبدأ من يوم عقد يبدأ.
طالب: لأن الحق لها، فإذا ..
الشيخ: هذا تعليل، وأنا أريد دليلًا والتعليل هذا صحيح لا شك، لكن أنا أريد الدليل.
طالب: قول الله تعالى لموسى، موسى لما قال: إني أنكحك.
الشيخ: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ [القصص: 27].
الطالب: إني أنكحك.
الشيخ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾.
الطالب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27]
الشيخ: طيب ودا مؤجل؟
الطالب: مؤجل نعم.
الشيخ: أبدًا، من اليوم، نبدأ من اليوم، ما هو ينتهي بعد ثماني سنين لكن من اليوم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، من العقد، تبدأ من العقد، لكن كونه تأجل لثماني سنين هذا لأنه يمتد كما لو قلت: ألف ريال أنا بأعدّه، أنا ما بعطيه على طول هل نقول: عدد الدراهم التأجيل ما دام ابتدأ الوفاء من حين العقد ما صار مؤجلًا.
يا إخواني، عندنا آية يجب أن تعرفوها دائمًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] كل عقد بشروطه وصفاته، كله يجب الوفاء به إلا ما دلَّ دليل على تحريمه، شوف الأمر بوفاء العقود أمر بوفاء بأصل العقد، وبما شُرِط فيه؛ لأن الشروط في العقد وصف في العقد، فإذا لزم الوفاء بالعقد كان لازمًا أن أُوفي بالعقد، وما تضمنه من أوصاف وهي الشروط، والأصل في الشروط الحِل أو التحريم؟
الحِلّ؛ لقوله في الحديث: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (3). وهذا وإن كان ضعيف السند لكنه صحيح المعنى، ويشهد له قول الرسول: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (4). فإنه يدل على أن الشرط الذي في كتاب الله صحيح، انتبهوا يا إخوان.
الجزء: 2 - الصفحة: 2830
إذن إذا أُجِّل الصداق أو بعضه فالتأجيل صحيح.
الدليل: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، وقول الرسول: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ».
وقوله: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا».
أما التعليل، وهو الدليل النظري، اسمعوا: التعليل دليل نظري؛ فالدليل النظري هو أيش؟
طالب: أن الحق لها.
الشيخ: أن الحق لها، فإذا رضيت بتأجيله فالحق لها، لها أن تُسقط التعجيل.
(إن أصدقها مالًا مغصوبًا أو خنزيرًا ونحوه وجب مهر المثل) طيب إذا أصدقها شيئًا مغصوبًا بأن كان عنده سيارة قد سرقها أو غصبها من صاحبها، والفرق بين السرقة والغصب؛ الغصب يأخذه قهرًا كما يقول العوام: عينك عينك، والسرقة خُفْية.
المهم هذه السيارة سرقها أو غصبها، أراد أن يتزوج بها فقال للمرأة: مهرُكِ هذه السيارة، قالت: قبِلتُ.
ثم جاء صاحب السيارة، وأقام بينة أنها له وأخذها، فماذا يجب للمرأة؟
يقول المؤلف: إنه يجب مهر المثل، نلغي الأول إلغاء تامًّا، ويجب مهْر المثل، السيارة التي أصدقها إياها تساوي خمسة آلاف، ومهْر مثل هذه المرأة خمسون ألفًا، فبطلت تسمية السيارة، ماذا يجب لها؟ خمسون ألفًا؛ يعني بزيادة خمس وأربعين ألفًا؛ لأن التسمية الأولى غير صحيحة فتُلغى، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والصحيح أنها ليس لها إلا قيمة السيارة أو مثلها إن أمكن؛ لأن هذه السيارة الأصل فيها أنها مال محترم لكن لتعلق حق الغير فيها، أو لتعلق حق الغير بها أبطلنا التسمية فنقول: إن المرأة رضيت بأن تكون هذه السيارة هي مهرها فلا نلزمه إلا بسيارة مثلها إن أمكن أو قيمتها، القيمة كم؟
طالب: خمسة آلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2831
الشيخ: خمسة آلاف، واضح؟ هذا القول هو الراجح.
التعليل: لأن المغصوب مال محترم حلال لولا تعلق الحق المالك به فنلغيه لحق المالك.
إذا أصدقها خنزيرًا فإنه لا يصح؛ لأن الخنزير مُحرَّم لعينه، أصدقها خمرًا؟ لا يصح؛ لأن الخمر محرم لعينه، فماذا يجب؟ هنا يجب مهر المثل؛ لأن المسمى لا يحل بأي حال من الأحوال بخلاف السيارة، السيارة، لاحظوا يا جماعة، لو أن الرجل الذي أصدق السيارة المغصوبة اشتراها من المالك صحَّ أن يجعلها مهرًا؟ صحَّ لكن هذا الخنزير والخمر ما يصح، فعلى هذا إذا أصدقها خمرًا أو أصدقها خنزيرًا فإنه لا يصح التسمية، ويجب لها مهر المثل.
طيب الخنزير يساوي مئة ألف، ومهر مثلها عشرون ألفًا، كم لها؟
طلبة: عشرون.
الشيخ: إذا قالت: يا جماعة، هذا خنزير يساوي مئة ألف.
نقول: الخنزير ليس له قيمة شرعًا إطلاقًا، ما يسوى ولا فلس، ولا قيمة له؛ ولهذا لو أتلفه متلف، لو جاء إنسان على خنزير واحد وأتلفه فليس عليه ضمان، ليس مالًا شرعيًّا.
الخمر، أصدقها كرتونًا من الخمر، فيه اثنتا عشرة حبة، كل حبة تساوي خمسة أو أكثر، خمسة ريالات، ما يخالف، الخمر رخيص، في بلاد كافرة تصنع الخمر كما تصنع الزبيب أو الأشياء الثانية.
طيب أصدقها كم؟ كرتونًا فيه اثنتا عشرة حبة، كل حبة بخمسة ريالات ستين ريالًا، ماذا نقول؟
نقول: هذا المهر باطل؛ لأنه لا قيمة له شرعًا، فماذا يجب لها؟ مهر الْمِثل، مهر مِثلها أربعون ألفًا، كان بالأول راضية بكم؟ بما يساوي ستين ريالًا، نقول: لغى ذاك، ويجب عليك أربعون ألف ريال؛ لأن هذا مهر مثلها، وهذا واضح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2832
قال رحمه الله: (وإن أصدقها مالًا مغصوبًا أو خنزيرًا ونحوه) ما الذي نحوه؟ الخمر.
(وجب مهر الْمِثل وإن وجدت المباح معيبًا خُيِّرت بين أرشه وقيمته) المباح: يعني أصدقها شيئًا مباحًا، فوجدته معيبًا فلها الخيار، إن شاءت أخذت الأرش، وإن شاءت أخذت القيمة، مثال ذلك: أصدقها سيارته على أنها ليس فيها شيء، ليس فيها عيب، ولما أخذتها وجدت أنها معيبة، فماذا تصنع؟
نقول: الآن لكِ الخيار إن شئتِ خذي الأرش، وإن شئتِ رُدِّيها وخذي القيمة.
ما هو الأرش؟ الأرش هو الفرْق بين قيمتها سليمة وقيمتها معيبة، فإذا قالوا: هذه السيارة تساوي إذا كانت معيبة ثمانية آلاف، وإن كانت سليمة تساوي عشرة، كم الأرش؟ الأرش ألفان.
فإن شاءت أخذت ألفين، وأبقت السيارة، وإن شاءت ردَّت السيارة، وأخذت القيمة، كم القيمة؟ عشرة.
هذا معنى كلام المؤلف.
(وإن تزوجها على ألفٍ لها وألفٍ لأبيها صحت التسمية، فلو طلَّق قبل الدخول وبعد القبض رجع بالألف، ولا شيءَ على الأب لهما)
انتبه لهذه الصورة؛ يعني لو أن الأب قال: أزوجكَ بنتي بألفين مثلًا، ألف لها، وألف لأبيها فالتسمية صحيحة، ويكون للبنت ألف وللأب ألف.
كيف يصح هذا الشرط وقد قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4]؟ وفي حديث: (وهبت نفسها)، قال الرجل: أعطيها إزاري؟
فإذا كان الصداق للمرأة فكيف يصح للأب أن يشترط منه شيئًا لنفسه؟ أجابوا عن ذلك بقولهم: لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (5). فيجوز للأب أن يشترط شيئًا من مهر ابنته لنفسه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2833
ولكن القول الصحيح أنه لا يصح أن يشترط الأب شيئًا من مهر ابنته لنفسه، وأن ذلك حرام عليه؛ لأنه قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن كل ما اتُّفق عليه من شرط أو عدة قبل العقد فهو للزوجة، ثم هو ظاهر القرآن: ﴿آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] فجعل التصرف لمن؟ للزوجة.
ولأننا لو أجزنا هذا لحصل التلاعب العظيم والخيانة الكبرى، وصار الرجل لا يُزوِّج ابنته إلا من يشترط له أكثر، خطب منه رجل كفء، رجل صالح طيب، قال: أُزوجك بنتي، كم تعطيني من مهر؟ قال: أعطيك عشرة آلاف، قال: خمسة لي وخمسة لها.
قال: لا، ألف لك، والباقي لها، قال: ما أزوجك.
جاء إنسان خاطب آخر وقال له: زوِّجني قال: ما فيه مانع، المهر عشرة آلاف، بشرط تعطيني خمسة ولها خمسة، قال: لا، بعطيك ألفين، قال: لا.
كم راح من الخطاب؟ اثنان.
جاء ثالث وخطب، قال: ما فيه مانع، المهر كم؟ عشرة.
كم تعطيني؟ قال: ثلاثة، قال: لا، أعطني خمسة، قال: لا، ما أعطيك إلا ثلاثة، وساب أهل البنت، كم راح؟ ثلاثة.
وجاء الرابع، وجاء الخامس، الخامس يمكن تواضع قال: أعطيك خمسة، الخامس زوجه، وربما أنه أسوأ خلقًا من الأولين أو أقل دينًا، فلو أنه فُتح هذا الباب لتلاعب الآباء بالبنات.
فالصواب أنه لا يصح الشرط، وأنه لو فُرض أن الزوج وافق على ألف لها وألف لأبيها فكلا الألفين لها، والأب لا نعطيه شيئًا.
فإن قال قائل: بماذا تجيبون عن استدلالهم بقولهم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (5)؟
نجيب بأن الرسول قال: «أَنْتَ وَمَالُكَ».
والمهر إلى الآن لم يكن مالًا للبنت، حتى الآن إذا ملكته البنت وأُعطي إياها فله أن يأخذ منها شيئًا، أما وهو عند الزوج ما بعد صار ملكًا لها فبطل استدلالهم بالحديث، وَصَفَى الاستدلال بالآيات: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4].
الجزء: 2 - الصفحة: 2834
لكن اسمع ما يترتب على هذا على كلام المؤلف شيء عجيب: (فلو طلق قبل الدخول وبعد القبض رجع بالألف، ولا شيء على الأب لهما) هذا غريب، الرجل تزوج المرأة على ألف لها وألف لأبيها، قال الأب: سلِّم، ما تدخل عليها إلا بتسليم، قال: تفضَّل، هذه ألف لك، وهذه ألف للبنت، فطلَّقها قبل الدخول، وإذا طلق قبل الدخول يتنصف المهر؛ نصف له ونصف لها، قلنا: عاد الآن يجب للزوج النصف، يسترد النصف، من أين يسترد؟ يأخذ الألف من البنت، ولا يأخذ من الأب شيئًا، هل البنت الآن حصل لها نصف الصداق؟ لا، ما حصل لها شيء المسكينة، والأب حصل له ألف بدون أن يتم الزواج.
والصواب أننا لو قلنا بصحة ما قال المؤلف فإنه إذا طلق قبل الدخول يأخذ نصف الألف من البنت ونصف الألف من الأب، هذا إذا قلنا بالصحة، مع أننا لا نقول بالصحة، ونقول: إن الأب إذا اشترط لنفسه شيئًا من المهر فليس له شيء، هذا هو القول الراجح ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي؛ لأن الرسول قال: «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (6). وهذا ليس من هؤلاء.
من يقرأ الفقه؟
الطالب: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.
قال: ولو شرط ذلك لغير الأب فكل المسمى لها، ومن زوَّج بنته -ولو ثيبًا- بدون مهر مثلها صح، وإن زوجها به ولي غيره بإذنها صح، وإن لم تأذن فمهر المثل، وإن زوج ابنه الصغير بمهر المثل أو أكثر صح في ذمة الزوج، وإن كان معسرًا لم يضمنه الأب.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الجزء: 2 - الصفحة: 2835
رجل زوج أخته بألفين واشترط له ألفًا، فما الحكم؟ أجب؟ ما عندك علم؟ العلم يحتاج إلى جهد كبير، وعند الصباح يحمد القوم السرى، انتبهوا يا جماعة الكلام للجميع؛ العلم يحتاج إلى جهد كبير وعناء ليس المراد بطلب العلم إن الإنسان بس يمضي الوقت، أو يحصل على الأجر ببركة الحضور؛ العلم لا بد أن تعتني به تراجع تشوف ويش حصلت ويش باقي عليك؟
طالب: على المذهب أنه ( ... )
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأنه شرط غير صحيح.
الشيخ: رجل زوج أخته الشقيقة من أمه وأبيه على ألفين واشترط لنفسه ألفًا، فما الحكم؟
الطالب: الحكم لا يصح على المذهب.
الشيخ: على المذهب لا يصح؟
الطالب: على المذهب صحيح.
الشيخ: وعلى غير المذهب؟
الطالب: أنه يصح.
الشيخ: أنه يصح، كيف؟ !
الطالب: على ما ذهب إليه المؤلف أن هذا صحيح.
الشيخ: صحيح؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وعلى ما لم يذهب إليه؟
الطالب: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح، طيب.
طالب: هذا غير صحيح على المذهب وعلى ( ... ).
الشيخ: ويش معنى غير صحيح؟
الطالب: هذا غير صحيح.
الشيخ: ويش معنى غير صحيح؟ يعني يبطل النكاح؟ تبطل التسمية؟
الطالب: لا، يبطل اشتراط الألف لأخيها.
الشيخ: يعني كل المسمى لها، يكون كل المسمى للزوجة فلا يصح الشرط.
رجل زوج أخته الشقيقة قال: بألفين؛ ألف لي وألف لها.
نقول: العقد يصح، والمهر ألفان لكن كلا الألفين للزوجة، ولا شيء للأخ.
رجل آخر زوج ابنته بألفين واشترط لنفسه ألفًا؟
الطالب: على المذهب يصح، أما الصحيح فلا يصح.
الشيخ: ما الفرق بين الأخ والأب؟
الطالب: الأب للحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (5)، المذهب ذهب بهذا القول، لكن الصحيح أنه لا يشترط.
الشيخ: اصبر إلى الآن ما وصلنا إلى درجة الاجتهاد حتى نصحح ولَّا نضعف.
الطالب: قلنا: إنه على المذهب أنه يصح التسمية.
الشيخ: يكون ألف لها.
الطالب: ألف لها وألف لأبيها.
الشيخ: طيب وما الفرق بينه وبين الأخ؟
الطالب: هذا الأب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2836
الشيخ: إي، ويش الفرق بين الأخ قبل قليل، قلنا: يصح جميع المهر للزوجة، هنا قلنا: يصح وللأب نصف المهر وللزوجة نصف المهر، ما الفرق؟
الطالب: لأن هذا أبوها أقرب من أخيها لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ».
الشيخ: صحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ».
طيب أحسنت، هل هناك قول آخر خلاف ذلك؟
الطالب: نعم، أن المال كله لها.
الشيخ: كله لها حتى في الأب.
طيب ماذا نرد على قولهم؟ على استدلالهم بالحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (5)؟
الطالب: نرد عليهم أن الله تعالى جعل المهر لها فقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4].
الشيخ: طيب، يقول: هذا دليل لنا وليس علينا، ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ ما دام ملكته فهي ومالها لي؛ آخر واحد؟
طالب: إلى الآن ما صار في ملكها.
الشيخ: صح؛ لأنها لم تملكه بعد، هي إذا ملكته وأخذته خذه أنت يا أبوها، أما أن تشترط هذا لا يصح.
قلنا: بصحة الشرط أنه إذا تزوجها على ألف لها وألف لأبيها فالتسمية صحيحة، ويكون لها ألف، ولأبيها ألف، لكن لو طلق قبل الدخول؟
طالب: على قول المؤلف.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يؤخذ الألف منها هي فقط والأب لا.
الطالب: على قول المؤلف لو سلمنا لقوله يؤخذ نصف من الألف للمرأة.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
وقولك: لو سلمنا بقوله يعني لو قلنا بأن هذا الشرط صحيح؛ لأن فيه قولًا ثانيًا يقول: حتى الأب لا يصح أن يشترط لنفسه شيئًا.
ثم قال المؤلف: (ومن زوج ابنته -ولو ثيبًا- بدون مهر مثلها صح، وإن زوجها به ولي غيره بإذنها صح، وإن لم تأذن فمهر المثل) إذا زوج الإنسان ابنته بدون مهر المثل، يعني كان مهر مثلها عشرة آلاف وزوجها بخمسة آلاف، فهل هذا صحيح؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2837
الجواب: نعم، هو صحيح؛ لأن الزوج يجوز أن يتملك من مال ابنته ما شاء، وقد زوجها الآن بدون مهر المثل، فكما أنها لو قبضت المهر أخذ نصفه ولا يبالي، فكذلك إذا زوجها بدون مهر المثل صحَّ؛ ولأن الأب أدرى بمصالح الزوجة التي هي ابنته؛ لأنه ربما يرضى من فلان بأقل من مهر المثل لكونه ذا خلق ودين ومروءة وقرابة وما أشبه ذلك، فمن أجل مصلحتها زوَّجها بأقل من مهر مثلها؛ لأنه يعتقد أن هذا من مصلحتها، أنه بيزوجها لإنسان كفء في دينه وخلقه بخلاف غيره من الأولياء فإنه قد لا يحتاط لها كما يحتاط لها الأب، طيب انتهينا من هذا الآن.
قول المؤلف: (ولو ثَيِّبًا) إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا زوج ابنته الثيب بأقل من مهر المثل فهو كما لو زوجها أجنبيًّا، ولكن الصحيح أنه لا فرق، وأنه إذا زوج ابنته بأقل من مهر المثل فلا بأس، والتسمية صحيحة لما ذكرنا من مراعاة مصلحة البنت.
(وإن زوجها به ولي غيره بإذنها صح) من الولي غيره؟ أخ شقيق مثلًا، أو عم، ابن أخ شقيق، ابن عم، وما أشبه.
هذه امرأة خطبها من أخيها شخص ذو دين وخلق، ولكن قال هذا الخاطب: أنا والله ليس عندي إلا عشرة آلاف، ومهر مثلها عشرون ألفًا، فقال أخوها: نعم، نحن راضون بهذا، فإن كان قد استشار الزوجة وأذنت فلا بأس؛ لأن الحق لمن؟ للمرأة، فإذا رضيت بأقل من مهر المثل فهي حرة، وإن لم يستأذنها أو كانت لا إذن لها لكونها صغيرة أو غير رشيدة فإن لها مهر المثل، والتسمية باطلة.
ما الفرق بين هذا الأخ وهذا الأب؟ الفرق أن الأب لا شك أنه أشد احتياطًا منين؟ من الأخ، وأما الأخ فقد يكون في تصرفه شيء من التقصير أو من القصور.
وخلاصة القول: يتبين بالإجابة على الأسئلة التالية: رجل زوَّج ابنته برضاها بأقل من مهر المثل ولكنها رضيت بالزواج، ولكن لم يتعرض للمهر، فزوَّجها بدون مهر المثل، النكاح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ رجل زوَّج أخته بدون مهر الْمِثل بعد أن رضيت بذلك؟
طلبة: صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2838
الشيخ: صحيح؛ رجل زوَّج أخته بدون مهر المثل دون أن تأذن؟ فهذا لا يصح، أي يصح النكاح، ولا تصح التسمية، وحينئذٍ إلى أي شيء نرجع؟ نرجع إلى مهر المثل.
ونقول: هذه المرأة لو تزوجت كم مهرها؟ قالوا: مهر مثلها خمسة عشر ألفًا، وأخوها قد زوجها بكم؟ بأقل، إحنا قلنا: بأقل من عشرة، خلوها بعشرة، زوَّجها بعشرة، نقول: النكاح صحيح، وعلى الزوج أيش؟ مهر الْمِثل خمسة عشر ألفًا.
فإن قال الزوج: ما ذنبي؟ أنا تزوجت من أخيها الشقيق بعشرة آلاف، فما ذنبي حين تضيفوا إليَّ خمسة؟ أخوها زوجني، ما ذنبي أنا؟ نقول: ذنبك أنك فرطت ولم تستفهم؛ لأن هذا أخوها وليس أباها، لماذا لم تستفهم لما عرفت أنه زوَّج بأقل من مهر المثل؟ فيكون التفريط مِنْ مَن؟
طلبة: من الزوج.
الشيخ: من الزوج ونقول: الآن دفعت عشرة، هات خمسة فقط، ما نبغي منك أكثر، ونلزمه بخمسة عشر؛ لأن هذا مهر مثلها؛ ولأنه هو الذي فرط ولم يقل ائتوا بها حتى تقر عندي أنه كافيها.
يقول رحمه الله: (وإن لم تأذن فمهر المثل، وإن زوَّج ابنه الصغير بمهر المثل أو أكثر صح في ذمة الزوج وإن كان معسرًا لم يضمنه الأب) هذا خَطَبَ لابنه الصغير الذي لم يبلغ خمس عشرة سنة، يعني لم يبلغ، له ثلاث عشرة سنة، لكنه لو تزوج لمشت حاله، فخطب له امرأة فقال أبو الزوجة: ابنك صغير، نحن نريد أن نُربِّي ابنتنا على يده، والآن أنت تريد أن يتربى على يد ابنتي؛ لأنه صغير، لكن ما دام أنك ملزم، فمهر المثل عشرة آلاف، وأنا أريد منك خمسة عشر ألفًا؛ يعني مهر بنتي المخطوبة عشرة آلاف، أريد منك خمسة عشر ألفًا جبرًا لنقص الزوج، قال الأب: ما فيه مانع، المهر خمسة عشر ألفًا، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح، ومن يلزم هل يلزم الأب أو يلزم الزوج؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2839
يقول المؤلف: (صحَّ في ذمة الزوج) الزوج مسكين طالب، ما وصل الأموال، فنقول: ما عليك؛ لأن الذي عليه المهر هو الذي يستمتع بالزوجة، والأب ما له دخل فيها، المهر مقابل الاستمتاع ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24].
طيب أبو الزوجة قال: الولد الآن فقير، نقول: نعم، أنت اللي أخطأت، لماذا لم تقل للأب: وعليك ضمانه؟ لو قال عند العقد: عليك ضمانه؛ لزم الأب ضمانه، لكن ما دام ما قال وهو يعرف أن الابن توًّا صغير، ما يملك شيئًا، نقول: أنت اللي فعلت بنفسك.
تبين أن الابن مُعسِر والرجل الذي زوجه ظانًّا أنه موسر فتبين أنه معسر، هل يضمنه الأب؟ لا يضمنه الأب.
ولهذا قال: (وإن كان معسرًا لم يضمنه الأب).
والصحيح أن الأب يضمنه إلا إذا تبرأ من ضمانه، وإلا فهو يضمنه؛ لأنه هو الذي خطب لابنه، والعادة أن الأب يدفع المهر عن ابنه، هذا العادة، فيقال: إن كان الأب قد ضمنه وقال: زوِّجه بخمسة عشر ألفًا وعليَّ الضمان؛ لزمه الضمان، وإلا فلا، هذا المذهب.
والصحيح أنه يضمنه الأب مطلقًا إلا إذا اشترط البراءة، مثل أن يقول الأب: أنا ما عندي شيء، ومهر بنتك على زوجها ما عليَّ.
فهذا لا شك أنه يبرأ وإلا فإنه ضامن.
الطالب: ( ... ) الجد للأب في كونه يستأذن؟
الشيخ: لا، ما فيه إلا الأب فقط، الأب للصلب، أما الجد فهو من جنس بقية الأولياء، يستأذنها في النكاح؛ لأن الجد ما يجبرها والأب على القول الصحيح أيضًا ما يجبرها لكن على المذهب يجبرها أيضًا إذا كانت بكرًا.
الطالب: قال بعض العلماء: لو زوجها بألفين، لو زوجها أخوها بألفين ألف لها وألف له، فرضيت بذلك؛ صح.
الشيخ: أبوها.
الطالب: أخوها.
الشيخ: لا، أخوها، المؤلف يقول: كل المسمى لها.
الطالب: قالوا: الحق لها ورضيت بذلك.
الشيخ: لا، الحق، كل المسمى لها، الأب هو الذي يُجوِّزون المذهب ذلك، وكما عرفتم بالدرس الماضي أن الصحيح أنه لا يجوز.
الجزء: 2 - الصفحة: 2840
الطالب: ولا يصح حتى لو رضيت؟
الشيخ: ويش لون؟ لا، ولا يصح لو رضيت، لكن إذا انتهى العقد وسُلِّم لها المهر تُعطيه ما شاءت.
أيش تقول بس السؤال لك خاصة.
الطالب: أحسن الله إليك، فيه بعضهم أن العرف عندهم أن وليَّ المخطوبة يجهزها بجهاز يعني مثلًا ..
الشيخ: من عنده.
الطالب: مثلًا أثاث بيت وكذا، ومثلًا قد يكون فقيرًا وجرى العرف عندهم يدفع يعني لها، ما يكون حكم هذا؟
الشيخ: لا بأس، ما دام جرت العادة بذلك ما فيه مانع، أنا سمعت بعض البلاد هم أهل الزوجة، هم اللي يجهزون لكن يأخذون من مهر الزوجة ما هو ببلاش ( ... ).
الطالب: وإن تلف فمن ضمانها إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه، ولها التصرف فيه، وعليها زكاته.
وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة فله نصفه حكمًا دون نمائه المنفصل، وفي المتصل له نصف قيمته بدون نمائه، وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدْر الصداق أو عينه أو فيما يستقر به فقوله وفي قبضه فقولها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله: (فصل فيما تملك المرأة به صداقها) يعني ما الذي يجب من الصداق؟ ومتى تملك الصداق؟ قال: (تملك المرأة صداقها بالعقد) ولكن هذا إذا كان معينًا، مثال ذلك: أصدقها بيتًا، قال: هذا البيت هو صداقك، تملكه بالعقد أو بالخطبة؟
طلبة: بالعقد.
الشيخ: بالعقد إذا تمَّ العقد عليها تم ملكها الصداق، ولمن يكون النماء؟ النماء إن كان معينًا فنماؤه لها، وإن كان في ذمة الزوج فنماؤه له.
مثال المعين أن يقول: أصدقتكِ هذا البيت؛ هذا معين، أجَّرنا هذا البيت قبل الدخول فلمَن تكون الأجرة؟ للمرأة؛ لأن المهر معين.
مثال غير المعين، قال: أصدقتكِ عشرة آلاف فقط؛ يعني في ذمته، وصار الرجل يكتسب بالعشرة الآلاف وكسبت، فلمن نماؤها؟ للزوج، لا لها؛ لأن الصداق لم يكن معينًا وإنما وجب في الذمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2841
والخلاصة أن المرأة تملك صداقها بماذا؟ بمجرد العقد، ثم إن كان معينًا فلها نماؤه، وإن كان غير معين فنماؤه للزوج؛ ولهذا قال: (ولها نماء المعين قبل القبض وضده بضده، وإن تلف فمن ضمانها)
(إن تلف) الفاعل يعود إلى الصداق المعين، إن تلف الصداق المعين فمن ضمانها.
(إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه) مثاله: أصدق هذه المرأة سيارة، وتلفت السيارة احترقت فعلى مَن يكون الضمان؟ يكون الضمان عليها على المرأة؛ لأنه ملكها، ملكته بالعقد فغنمه لها وغرمه عليها، إلا إذا منع الزوج من قبضه، قالت: أعطني السيارة، حقي الآن تم العقد عليَّ وقال: لا، فيكون الضمان عليه، ضمان غصب؛ لأنه بمنزلة الغاصب، ولهذا قال: (إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه).
(ولها التصرف فيه) أي: في المعين، (وعليها زكاته) لها التصرف فيه، بماذا؟
بالتأجير والانتفاع، والبيع، وكل شيء، تتصرف فيه تصرفًا كاملًا؛ لأنها ملكته بماذا؟ بالعقد.
(وعليها زكاته) إذا كان مما يزكى فعليها زكاته مثل الحلي، أصدقها مئة مثقال من الحلي، قال: هذا صداقكِ، وقبضته، ولم يتم الدخول بعد، وبقي عندها سنة وهو لم يدخل عليها الزوج، فعلى من تكون الزكاة؟ على الزوجة أو على الزوج؟
طلبة: على الزوجة.
الشيخ: على الزوجة؛ لأن المهر معين، أما لو قال: أصدقتكِ مئة مثقال من الذهب فالأحكام تنعكس، يكون النماء للزوج إن كان مما ينمي، ولا زكاة على المرأة فيه إلا إذا قبضته، وقلنا بوجوب الزكاة في الدين فهذا شيء آخر.
المهم كلام المؤلف الآن على المعين ولَّا على الذي في الذمة؟ كلامه على المعين، لها التصرف فيه، وعليها زكاته.
(وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة فله نصفه حكمًا دون نمائه المنفصل) إذا طلق قبل الدخول والمهر معين فيقول المؤلف: إن له نصفه حكمًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2842
ومعنى (حكمًا) أنه يدخل في ملكه اضطرارًا وإكراهًا، وإن لم يرد دخول ملكه، مثال ذلك: أصدقها سيارة، ثم بدا له أن يطلقها قبل أن يدخل عليها، وقبل أن يخلو بها، فطلقها، فيكون نصف السيارة لمن؟ للزوج حُكمًا، يعني حتى لو بقي مع الزوجة أو قال: أنا لا أريده فإنه يدخل في ملكه قهرًا.
فإن قال: قد وهبته لها، صار ابتداء عطية ولا بأس، لكن كونه يقول: أنا ما أبغيه، يعني لا أريد أن يدخل ملكي، نقول: لا، هو داخل في ملكك.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]، يعني: نصف ما فرضتم لكم والباقي لهن.
يقول رحمه الله: (فله نصفه حكمًا دون نمائه المنفصل وفي المتصل .. ) إلى آخره.
(دون نمائه المنفصل) يعني لو فرضنا أن الزوج أصدق هذه المرأة شاة، وبعد مضي سنة طلقها قبل الدخول، وقبل الخلوة، ماذا يكون له من هذه الشاة؟ نصف الشاة.
الشاة في هذه المدة ولدت توأمًا، يعني صار لها ولدين وهي الثالثة، هل له من أولادها شيء؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الأولاد نماءٌ منفصل، هل له من قيمة اللبن الذي كانت تبيعه في هذه المدة؟ لا؛ لأن اللبن نماء منفصل.
طيب، هذه الشاة سمنت، السِّمَن نماءٌ؟
طلبة: متصل.
الشيخ: ولا منفصل؟
طلبة: متصل.
الشيخ: متصل.
يقول المؤلف: (وفي المتصل له نصف قيمته بدون نمائه) النماء المتصل نقول: الآن لا يمكن أن نعطيك نصف الشاة، ليش؟ لأنه نما على ملك من؟ على ملك الزوجة، فالنماء لها، لكن المشكلة أن النماء متصل، فكيف يتنصف؟ نقول: تُقدَّر القيمة دون نمائه، فيقال: هذه الشاة كم قيمتها دون نمائها الذي حصل على ملك الزوجة؟ قالوا: قيمتها مئتان.
وفي نمائها قالوا: قيمتها ثلاثة، فكم نعطي الزوج؟ مئة وخمسين، ولا مئة؟ مئة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2843
لأن النماء المتصل لا حق له فيه، لكن نظرًا إلى أنه لا يمكن فصله نقول: نُقدِّر المهر بدون هذه الزيادة، ونقول: لك نصفُه.
فإذا قال: لماذا لا تردون عليَّ نصف مهري؟
قلنا: لتعذُّر رده مع الزيادة.
إذا قال: لماذا لا تجعلوني شريكًا مشاعًا لي نصف هذه الشاة؟
قلنا أيضًا: لا يمكن؛ لأنها قد نمت وزادت، والزيادة ليس لك منها شيء، فما بقي إلا أن نُقدِّرها بالقيمة، خالية من الزيادة.
إذا تزوج رجل امرأة، وقال: الصداق هو هذه الشاة، وبقي سنة كاملة لم يدخل على المرأة، ثم طلقها بعد سنة، والشاة حملت وولدت، فلمن يكون الولد؟
الطالب: الولد يكون للزوجة.
الشيخ: طيب، هل للزوج منه شيء؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا، ليس له منه شيء؛ لأن هذا نماءٌ منفصل، حدث في ملك الزوجة فيكون لها.
هذه الشاة سمنت، كانت عند عقد النكاح هزيلة، لا تساوي إلا مئة ريال، ثم عند الطلاق صارت سمينة تساوي مئتي ريال، فماذا يجب للزوج؟ هل نقول: لك نصف الشاة بزيادتها؟ إن قلنا كذلك ظلمنا المرأة؛ لأن الزيادة للمرأة، وإن قلنا: ليس كذلك، فماذا نعمل؟ نقول: نُقدِّر قيمة الشاة على أنها هزيلة، ونعطيه نصف القيمة، عرفت الآن، هذه هي.
طالب: ( ... ).
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله أن المهر يستقر، يكون للزوجة، ليس للورثة فيه شيء.
الطالب: معين أو في الذمة؟
الشيخ: معين أو في الذمة.
طالب: إذا أصدقها بسيارة وعينها، ثم استخدمت السيارة ( ... ) هذه الأجرة الزائدة المنفصلة لمن تكون؟
الشيخ: للزوجة.
الطالب: مع أن السيارة استعمالها تأخذ من قيمتها؟
الشيخ: نعم، ما فيه مانع؛ لأنه ملكها.
طالب: أيش معنى الخلوة يا شيخ؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الخلوة هي الجماع؟
الشيخ: الخلوة ما هي الجماع، الدخول هو الجماع، والخلوة أن يخلو بها في مكان ليس معهما أحد.
قبل الدخول يعني قبل الجماع.
والخلوة يعني الاختلاء في مكان ليس فيه أحد.
طالب: شيخ، قلنا: الصداق في الذمة ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2844
الشيخ: لا، إذا كان الصداق في الذمة فهو على الزوج.
إذا دخل بها، فإن كان قد عُيِّن فالزكاة عليها، وإن لم يُعَيِّن فالزكاة عليه هو.
طالب: قلنا: قال المؤلف: ولها النماء المعين ..
الشيخ: (ولها نماءٌ معين) ما هي بالنماء.
الطالب: (قبل قبضه وضده بضده).
الشيخ: ضده يعني ضد المعين.
الطالب: مثال؟
الشيخ: ضد المعين مثل قال: الصداق، مئة صاع بر مثلًا، مئة ريال، الصداق مئة ريال، علشان ما تعرفون البر، هذه المئة ريال صار الزوج يتكسب بها ويبيع ويشتري، صارت مئتين، لمن الربح؟
الطالب: للزوجة.
الشيخ: لا، ما هو معين، قال: مئة ريال، ولا قال: هذه المئة، ما عينها، مئة ريال فقط، الرجل هذا صار يتكسب بالمئة ريال، وكسب، لمن الكسب؟ للرجل؛ لأنه غير معين.
طالب: شيخ، إذا أصدق سيارة جديدة وصارت مستعملة في السعر، في أول الأمر سعرها مئة ألف، صارت خمسين، ثم طلقها قبل الدخول؟
الشيخ: فله نصفها.
الطالب: نصف الخمسين؟
الشيخ: نصف السيارة.
الطالب: نصف السيارة الآن صار خمسين ألفًا.
الشيخ: إذا شاء الزوج والزوجة تُباع بما تباع به وله نصفها، ولو نقص بالاستعمال؛ لأن المرأة لها الحق في ذلك، ملكها.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، لو أصدقها شاة، ثم ماتت الشاة وبعد فترة طلقها قبل أن يخلو بها وقبل أن يدخل عليها.
الشيخ: إذا ماتت بغير تفريطٍ من المرأة، فليس له شيء، وإن ماتت بفعلها، بأن ذبحتها مثلًا، فعليها ضمان النصف.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، هل يستقر المهر بالخلوة فقط؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: طيب والآية قول الله سبحانه وتعالى: ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237]؟
الشيخ: قال الخلفاء الراشدون: إن الرجل إذا خلا بالزوجة، وأرخى الستر بينهما، فإنه يثبت بذلك أحكام الجماع.
لأنه استحل منها ما لا يباح إلا للزوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 2845
وفيه قول -كما قلت أنت- أنه لا يكون إلا بالجماع، كما هو ظاهر الآية، لكن ما دام الخلفاء الراشدون يرون هذا الرأي فرأيهم أسد.
الطالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الصداق:
وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدر الصداق أو عينه، أو فيما يستقر به فقوله، وفي قبضه فقولها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله: (وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدر الصداق، أو عينه، أو فيما يستقر به فقوله، وفي قبضه فقولها) هذا الخلاف بين الزوجين في الصداق.
(إذا اختلفا الزوجان) إذا كانا باقيين (أو ورثتهما) إن ماتا (في قدر الصداق) بأن قالت الزوجة أو ورثتها: قدره عشرة آلاف، فقال الزوج أو ورثته: قدره خمسة آلاف.
فالقول قول: الزوج.
لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (7)، فهنا الخمسة متفقٌ عليها بين الزوج والزوجة، الزائد على الخمسة تدَّعيه الزوجة، والزوج ينكره، فنقول لها: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: قالت الزوجة: إن المهر الذي سميته لي عشرة آلاف، فقال: بل خمسة، ولا هناك بينة، من القول قوله؟ قول الزوج.
الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
الآن الخمسة متفق عليها ولَّا لا؟ الخمسة الآن متفق عليها؛ لأن الخمسة بعض العشرة، فنقول: المهر خمسة، والخمسة الزائدة التي تتم العشرة، قول من؟ قول الزوجة، فهي مدعية، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي».
هذا الدليل من السُّنَّة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2846
الدليل من العقل أن الزوج غارم، وكل غارم فالقول قوله في نفي ما يستلزم الغُرم إلا ببينة، هذه أيضًا من قواعد الفقه.
كل غارم فالقول قوله في نفي ما يقتضي الغرم إلا ببينة، معلوم.
هذا كلام المؤلف رحمه الله، وظاهر كلامه أنه لا فرق بين أن يدعي الزوج شيئًا معتادًا أو شيئًا غير معتاد، فلو كانت المهور في غالب الناس عشرة آلاف، وقالت الزوجة: إن مهري الذي سميته لي عشرة آلاف، وقال: بل ألفان، فمن القول قوله على رأي المؤلف؟
طلبة: قول الزوج.
الشيخ: قول الزوج، وليس عليه إلا ألفان، لكن قرينة الحال وعادة الناس، تقتضي أن يكون القول قول الزوجة؛ لأننا في محيط أدنى ما يُبذل في الصداق عشرة آلاف، فليس من المعقول أن ترضى المرأة منك بألفين والناس على عشرة آلاف.
ولهذا ينبغي أن يقال وهو الصحيح: ما لم يدعِ الزوج خلاف العادة، فإن ادعى الزوج خلاف العادة فالقول قول الزوجة لكن مع اليمين.
طيب، هل لهذا القول أصل؟ نقول: نعم، له أصل، الأصل أن الناس على حال واحد، العرف.
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله أن الرجل لو طلق زوجته، بعد أن دخل بها طلقها، المهر لمن؟
طلبة: للزوجة.
الشيخ: قالت الزوجة: إن الدلال -دلال القهوة- التي في رف المجلس لي، وقال الزوج: بل لي أنا، من القول قوله؟
طلبة: الزوجة.
الشيخ: الزوجة؛ لأن هذا هو العادة، أن مثل هذه يكون للزوجة.
ولو قال الزوج بعد أن طلقها، قال: إن المشط الذي يُمشط به الشعر لي، وقالت المرأة: بل هو لي، والزوج ما عليه شعر، يحلق كل أسبوع، من القول قوله؟
الطلبة: الزوجة.
الشيخ: الزوجة، ليش؟ لأن هذا هو الظاهر.
كذلك مثلًا المهر إذا قالت الزوجة: إنه عشرة آلاف، وهذا يقول ألفان، وعادة الناس أنه لا يقل عن عشرة، هل يمكن أن نقول: القول قول الزوج؟ ما يمكن؛ لأن نقول: كيف المرأة ترضى منك بألفين والناس على عشرة؟
على كل حال، كلام المؤلف يقول: إنهما إذا اختلفا في قدْر الصداق فالقول قول مَنْ؟ قول الزوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 2847
واستدللنا لذلك بأثرٍ ونظر.
لكن القول الراجح أن القول قول الزوجة فيما إذا كان قول الزوج يخالف العادة والعرف، هذه واحدة.
الثانية أيضًا: اختلفا في عين الصداق.
المرأة تقول: إن الصداق بيتك الأيمن، أعطيتني بيتك الأيمن، وقال لها: أعطيتكِ بيتي الأيسر، اختلفا الآن في عينه، هي تقول: هذا، وهو يقول: هذا.
أو قالت: أنت أعطيتني مهرًا هذه السيارة، وقال: بل هذه السيارة، مَنِ القول قوله؟ قول الزوج؛ لأن الزوج هو الغارم، فهو المدَّعَى عليه، فالقول قول الزوج.
ونقول في هذا كما قلنا فيما إذا اختلفا في قدر الصداق، إذا كان قول الزوج يخالف العادة والعرف، فإنه لا يُقبل قوله.
لو فرضنا أن السيارة التي عينتها، تساوي أربعين ألفًا، والسيارة التي عينها تساوي أربعة آلاف، والعادة أن المهر بين الناس بأربعين، فهل نقبل قول الزوج؟ لا نقبل؛ لأنه يخالف العادة، فنقول فيها كما قلنا فيما إذا اختلفا قبل الصداق.
(أو فيما يستقر به فقوله) اختلفا فيما يستقر به المهر، ويستقر المهر كما قلنا بالدخول والخلوة.
طلَّقها الرجل وقالت: الصداق كله ثبت لي؛ لأنك خلوت بي في اليوم الفلاني في البيت الفلاني، والخلوة تُثبت المهر كله، فقال الزوج: أبدًا ما خلوت بكِ، وإنما هو العقد فقط، والآن أنا مُطلِّق، كم يجب على الزوج؟
طلبة: النصف.
الشيخ: النصف: ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]. فالزوج الآن يقول: ما لكِ إلا النصف، وهي تقول: لي الكل، من القول قوله؟
الطلبة: الزوج.
الشيخ: قول الزوج؛ لأن الأصل عدم الزواج، الأصل ما دخل بها.
(وفي قبضه فقولها) إذا اختلفا في قبضه فالقول قول الزوجة.
مثال ذلك: تزوج إنسان امرأة بعشرة آلاف ريال ودخل عليها، لما دخل صار من الغد، قالت له: يا فلان، أعطني مهري، قال: أعطيتكِ إياه بالأمس، قالت: ما أعطيتني إياه، من القول قوله؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2848
الطلبة: الزوجة.
الشيخ: الزوجة؛ لأن الزوج الآن مُدَّعٍ، هو الآن أقر بأن المهر في ذمته، لكن ادعى أنه سلَّمه، نقول: عليك البينة، البينة على المدعي، عرفتم ولَّا لا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: طيب، أحد منكم فاهم؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: أصدقها عشرة آلاف ريال، ثم دخل عليها، وبعد يومين أو ثلاثة قالت: أعطني المهر، قال: المهر أعطيتيكِ إياه قبل الدخول، قالت: أبدًا، ما أعطتيني إياه، من القول قوله؟
طلبة: قول الزوجة.
الشيخ: قول الزوجة؛ لأن الأصل عدم القبض، الأصل إنه ما قبضها، فيكون القول قول الزوجة.
هذا أيضًا ينبغي أن يقال: ما لم يخالف قول الزوجة عرفًا، فإن خالف قولها عرف أخذنا بالعرف، مثلًا عندنا هنا في المملكة: هل المهر يؤخر قبضه ولا يقدم؟
الطلبة: يُقدَّم.
الشيخ: يقدم، فإن ادعت أنها لم تقبضه قلنا: هذا خلاف العادة، العادة أنه يكون مقدمًا، ولا تكاد تجد أحدًا من السعوديين يتزوج امرأةً سعودية بمهرٍ مؤجل، لا كل المهر ولا بعضه، في البلاد الأخرى ويش الأصل؟
الطلبة: التأخير.
الشيخ: كل المهر ولَّا بعضه؟
الطلبة: بعضه.
الشيخ: في البلاد الأخرى إذا قالت: إنك لم تُسلِّم إليَّ إلا نصف المهر، وقال: بل كل المهر، فالقول قولها؛ لأن قولها لا يخالف العرف، واضح يا جماعة؟
طالب: عندنا التأخير بثبت في العقد فقط ( ... )
الشيخ: ما هو صحيح، يمكن أنت تزوجت بهذه الطريقة، اللي أفهم أنا منهم، أن جميع الأجانب يعني مثلًا: مصر، الشام، العراق، أنه لا بد يؤخر نصف الصداق أو ما يتفقان عليه.
طالب: تختلف المناطق.
الشيخ: يمكن.
الطالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا اتفق الزوج مع الزوجة أن يحضر لها أثاثًا معينًا، وقبل أن يحضر الأثاث يكتب على ورقة، يعني بمجرد العقد يُكتب فرش المنزل في ورقة حتى الزوجة تضمن حقها.
الشيخ: في ورقة منفصلة يعني؟
الطالب: نعم، قبل أن يحدث أي شيء بمجرد العقد يسمونها القائمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2849
الشيخ: على كل حال: عندنا القاعدة -بارك الله فيكم- أن كل من ادعى ما يخالف العادة فعليه البينة.
الطالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا خالفت العادة في قبضه المهر، إذا خالف قولها عادة البلد في قبض المهر هل نأخذ بقول الزوج أم نطلب منه البينة؟
الشيخ: بقول من يشهد له العرف والعادة، فالقول قوله، لكن بيمينه.
طالب: بارك الله فيك، هل هذا يعد مهرها ( ... )؟
الشيخ: إي، مهر ما فيه شك.
الطالب: بارك الله فيكم، قول المصنف رحمه الله وقد اختلفا: (في قدر الصداق أو عينه أو فيما يستقر به) قوله: (فيما يستقر به) هل يعني بما استقر به، أم هو العادة استقر به؟
الشيخ: كيف؟ ! هو لا، أصل ما هو يستقر به ما هو محدد شرعًا ما هو بالعادة.
ما يستقر به هو محدد شرعًا، مثاله ما قلت لكم: هي ادَّعت أنه خلا بها فاستقر المهر بالخلوة، وهو قال: لم أخلُ بها.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ ( ... ) الرجل إذا خلا بامرأته، وحصل النزاع بين الدخول من عدمه، الآن يكشف على الزوجة لما تقدم العلم ويعرف هذا ..
الشيخ: لا تقل: إن المهر لا يثبت إلا بالجماع، لو خلا بها وإن لم يجامعها وإن لم يكلمها ثبت المهر.
الطالب: نصفه يا شيخ؟
الشيخ: لا، كله، نعم.
الطالب: مجرد الخلوة يا شيخ؟
الشيخ: لا بمجرد الخلوة.
الطالب: أحدهما أو أجنبي فلها مهر المثل بالعقد ويفرضه الحاكم بقدره.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصلٌ في التفويض)
ونأخذ مسألة أو مسألتين على ما سبق، ادعت المرأة على زوجها أنه أصدقها هذه السيارة، فقال: بل السيارة الأخرى، من القول قوله؟
طالب: القول قوله إلا إذا كانت ..
الشيخ: السؤال: قالت المرأة: أصدقتني هذه السيارة، وقال: بل هذه السيارة.
لسيارة أخرى؟
الطالب: القول قوله.
الشيخ: قول من؟
الطالب: قول الزوج.
الشيخ: قول الزوج، الدليل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2850
الطالب: الدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (7).
الشيخ: وهي تدعي أنه أصدقها هذا وهو يقول: لا.
الطالب: الثاني: الزوج غارم.
الشيخ: والتعليل الثاني تعليل نظري، وهو أن الزوج غارم، وكل غارم فالقول قوله.
بارك الله فيك كأني سمعتك أنك تريد أن تسثتني شيئًا من هذا.
الطالب: إلا إذا كانت السيارة التي تدعيها المرأة توافقها العادة أو العرف، توافق قيمتها، فنقول: القول قولها، إلا إذا ( ... ).
الشيخ: يعني إلا إذا كانت دعوى الزوج تُخالف العادة والعرف، مثل أن يقول: أصدقتكِ هذه السيارة، وهي لا تساوي إلا عُشْر المهر المعتاد، فهنا القول قولها.
إذا قدرنا أن قولها يزيد على العادة بكثير، يعني مهر مثل هذه المرأة عشرين ألفًا، وهذه السياروة تساوي خمسين ألفًا؟ أجيبوا؟
طالب: القول قوله.
الشيخ: قولها.
الطالب: قوله الزوج.
الشيخ: هو يقول: أصدقتك هذه السيارة تساوي خمسة آلاف، السيارة هذه ما تساوي شيئًا أبدًا إلا خمسة آلاف، البطارية فيها بلاء، والرفرف فيه بلاء، وكل شيء فيه بلاء.
الطالب: هي تدعي قيمة أكبر من العادة.
الشيخ: إي نعم، افرض أنك قاضٍ الآن بين زوجين كل واحد يدعي ما يخالف العرف.
الطالب: فإن القول قول الرجل.
الشيخ: الزوج، يُخالف العُرف.
الطالب: لأن الزيادة هذه يكون غارمها.
الشيخ: صحيح، لكن أيضًا هي مظلومة، هل معقول هذه المرأة، لنقدر أنها وسط في النساء، يكون مهرها سيارة ما تسوى إلا خمسة آلاف؟ ومهر مثلها عشرون ألفًا؟ ويش تقولون أيها القضاة؟
طلبة: قول الزوج.
الشيخ: أنا أرى أن يتساقط القولان؛ لأن كل واحدٍ منهما قوله يخالف العرف، ويُرجَع إلى مهر المثل، هذا أقرب شيء للعدل، لا نقبل الزوج عليها ولا الزوجة على الزوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 2851
نقول: أقرب شيء أن نقول: يبطل قولهما جميعًا، ويُرجع إلى مهر المثل، والله عز وجل يقول: ﴿إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
طيب، المسألة الثانية التي أريد أن أسأل عنها: إذا اختلفا في قبض الصداق؟
طالب: القول قول الزوجة إذا اختلفا في القول.
الشيخ: هو يقول: أقبضتُكِ الصداق، وهي تقول: لم تُقبضني.
الطالب: القول قول الزوجة.
الشيخ: لماذا؟ هات دليلًا.
الطالب: الدليل: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (7)
الشيخ: من المدعي؟
الطالب: المدعي الزوجة.
الشيخ: إذن عليها البينة.
الطالب: المدعي الزوج والمدعى عليه ( ... )
الشيخ: أو التعبير الصحيح وهي تنكر أنه أعطاها؟ أيش تقولون يا جماعة؟
طلبة: تنكر.
الشيخ: الثاني، إذن من المدَّعِي؟ تعين الآن أن المدعي من؟
الطلبة: الزوجة.
الشيخ: الزوجة فيكون هو المدَّعِي، وتكون البينة على ..
(فصلٌ)
الجزء: 2 - الصفحة: 2852
يَصِحُّ تَفويضُ البُضْعِ بأن يُزَوِّجَ الرجلُ ابنتَه الْمُجْبَرَةَ، أو تَأذَنَ امرأةٌ لوَلِيِّها أن يُزَوِّجَها بلا مَهْرٍ، وتفويضُ الْمَهْرِ بأن يُزَوِّجَها على ما يَشاءُ أحدُهما أو أَجْنَبِيٌّ، ولها مَهْرُ الْمِثلِ بالعَقْدِ ويَفْرِضُه الحاكمُ بقَدْرِه، ومَن ماتَ منهما قبلَ الإصابةِ والفرْضِ وَرِثَه الآخَرُ ولها مَهْرُ نِسائِها، وإن طَلَّقَها قَبْلَ الدخولِ فلها المتعةُ بقدْرِ يُسْرِ زَوجِها وَعُسْرِه, وَيَسْتَقِرُّ مَهْرُ المِثْلِ بِالدُّخُولِ, وَإِنْ طَلَّقها بعدَه فلا مُتْعَةَ، وإذا افْتَرَقَا في الفاسدِ قبلَ الدخولِ والْخَلوةِ فلا مَهْرَ، وبعدَ أحدِهما يَجِبُ الْمُسَمَّى، ويَجِبُ مَهرُ الْمِثلِ لِمَن وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ أو زِنًا كَرْهًا، ولا يَجِبُ معَه أَرْشُ بَكارةٍ، وللمرأةِ مَنْعُ نفسِها حتى تَقْبِضَ صَدَاقَها الحالَّ، فإن كان مُؤَجَّلًا أو حَلَّ قبلَ التسليمِ أو سَلَّمَتْ نفسَها تبرعا فليس لها مَنْعُها، فإن أُعْسِرَ بالمهْرِ الحالِّ فلها الفَسْخُ ولو بعدَ الدخولِ، ولا يَفسَخُه إلا حاكمٌ.
(بابُ وَليمةِ الْعُرْسِ)
تُسَنُّ بشاةٍ فأَقَلَّ، وتَجِبُ في أَوَّلِ مَرَّةٍ إجابةُ مُسلمٍ يَحْرُمُ هَجْرُه إليها إن عَيَّنَه، ولم يكنْ ثَمَّ مُنْكَرٌ، فإن دَعَا الْجَفَلَى
قولهما جميعًا، ويُرجع إلى مهر الْمِثل، والله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
المسألة الثانية التي أريد أن أسأل عنها: إذا اختلفا في قبض الصداق، يقول؟
طالب: أن القول قول الزوجة إذا اختلفا في القبض.
الشيخ: هو يقول: أقبضتُكِ الصداق، وهي تقول: لم تُقْبِضْني.
الطالب: القول يكون قول الزوجة.
الشيخ: قول الزوجة، لماذا؟ هات دليلًا.
الطالب: الدليل هذا الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1).
الشيخ: من المدعي؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2853
الطالب: المدعي امرأة، الزوجة.
الشيخ: إذن عليها البينة.
الطالب: المدعي الزوج والمدَّعَى عليها.
الشيخ: المدَّعي الزوج؟ كيف هذا؟ فكِّر!
الطالب: الزوج يدَّعي بأن المهر أعطاه.
الشيخ: وهي تدعي بأنه لم يعطها.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) أنا أقول: وهي تدعي أنه لم يُعطِها، هل هذا التعبير صحيح أو التعبير الصحيح: وهي تُنكر أنه أعطاها؟
طلبة: تنكر.
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟
طلبة: تنكر.
الشيخ: الثاني، إذن من المدعي؟ تعين الآن أن المدعي من؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، فيكون هو المدَّعِي، وتكون البينة على المدعي، هذا من جهة الدليل الأثري، من جهة الدليل النظري أن الأصل عدم القبض، بارك الله فيكم.
نعود الآن إلى درس اليوم في التفويض، التفويض نوعان: تفويض البُضع، وتفويض المهر.
تفويض البُضع فسره بقوله رحمه الله: (بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة)، فمن هي المجبرة؟
المجبرة على المذهب: البكر يُزَوِّجها أبوها، كل بِكْر يزوجها أبوها فإنه لا يُشترط رضاها، بل تُزوَّج جبرًا عليها، يا ناس، أنا ما أريد الرجل.
قال: لا بد، فتُجبر عليه، وهي تبكي ليلًا ونهارًا تقول: لا أريده.
نقول: جبرًا، هذا هو المذهب، وقد سبق لنا أن القول الراجح ( ... ) وأنه لا بد من رضا الزوجة، وأن ذلك نص الحديث وقياس النظر.
أما الحديث فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» (2). وقد رواه مسلم بلفظ: «الْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا»، أو قال: «يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا» (3). وهذا نص صريح في البكر وفي الأب.
وعلى هذا فقول المؤلف رحمه الله: (أن يُزوِّج الرجل ابنته المجبرة) هذا مبني على أيش؟ على قول ضعيف أو صحيح؟
طلبة: ضعيف.
الشيخ: ضعيف، وعلى هذا ( ... ) إذا أردنا أن نقرر المسألة على المذهب الصحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 2854
(أن يزوج الرجل ابنته المجبرة، أو تأذن امرأة لوليها أن يُزوِّجها بلا مهر) هذا تفويض البُضع، وعلى القول الراجح نفسر فنقول: أن تأذن امرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر.
هذا تفويض البُضع، ووجه قوله: تفويض البضع، أن المرأة فوَّضت وليها على أن يزوجها بلا مهر فيكون بضعها -وهو فرجها- يكون مفوضًا، فإذا قالت: زوجني فلانًا بلا مهر، ما يهمني، صار هذا تفويض بضع، الرجل زوَّج المرأة بلا مهر فالنكاح صحيح، ولكن هل يسقط المهر؟ لا.
لأننا لو أسقطنا المهر لزم أن يكون النكاح هبة، ولا يصح النكاح هبة إلا لواحد فقط، مَنْ؟
طلبة: النبي.
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذن فيجب لها مهر الْمِثل، ويكون كأنه -أي المهر- لم يُسمَّ، أفهمنا تفويض البضع ما هو؟ أن تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر، وإذا فعل وجب لها مهر المثل، زاد المؤلف أن يُزوج الرجل ابنته المجبرة، ونحن حذفنا هذه، ليش حذفناها؟ لأن القول الراجح أنه ما فيه إجبار، حتى الأب لا يمكن أن يُجبر ابنته على أن تتزوج من لا تريده أبدًا.
قال: (وتفويض المهر بأن يُزوجها على ما يشاء أحدهما أو أجنبي)
هذا تفويض المهر، يعني أن الرجل يُزوِّج ابنته، ويُفوض المهر، ما هو البضع على ما يشاء، لما أراد أن يزوجها، قال الزوج: ويش المهر؟ قال: اللي تبغي.
هذا اسمه أيش؟ تفويض مهر؛ لأن الزوجة أو وليها قالا للزوج: اللي تبغى أعطناه، هذا يسمى (تفويض مهر)، تزوجها الرجل على هذا الشرط، على أن مهرها ما يريد، فقدم إليهم شاة، قدم الزوج إلى الزوجة شاة، قال: هذا المهر، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: لا يصح، نقول: يجب عليك مهر المثل، وهذه المرأة من النساء من علية القوم، ومهرها في العادة مئتا ألف، نعم، يجب عليك مئتا ألف، قال: يا جماعة، أنتم قائلون: ما شئت فأعطنا، ما شئت فأعطنا، وأنا شئت أن أعطيكم الشاة.
نقول: لا، المسألة ما هي إليك.
الجزء: 2 - الصفحة: 2855
لما قلنا: ما شئت فأعطنا، فهذه تسمية غير صحيحة، يعني هذه مجهولة من أتم الجهالات، فإذا كان مجهولًا إلى هذا الحد، نرجع إلى أيش؟ إلى مهر الْمِثل؛ لأن المهر لم يُسمَّ تسمية صحيحة، واضح؟ أسألك هذا واضح ولَّا ما هو بواضح؟
الطالب: واضح.
الشيخ: وكأن سعدًا يقول: إذا زوجوني بما شئت، وأتيت لهم بشاة ومهر مثلها مئتان، وهم قد فوَّضوا الأمر إليَّ، فهذا ظلم، هكذا تريد؟ أنا فاهم.
نقول: وجه كوننا نرجع إلى مهر المثل؛ لأن هذه التسمية غير صحيحة، لرسوخها في الجهالة؛ لأننا إذا قلنا: ما شئت؛ ما شئت قدْرًا، وما شئت جنسًا، وما شئت نوعًا، مبهم إبهام عظيم، والمبهم إلى هذا الحد، ليس بشيء، فنرجع إلى مهر المثل، كما لو زوجها بلا مهر فنرجع إلى مهْر الْمِثل، أفهمتم ولَّا لا؟
لكن لو قال قائل: إنه إذا قيل: زوَّجناك على ما شئت من مهر، وأتى بمهر معقول لكنه دون ما في نفوس الزوجة وأهلها، ودون مهر المثل، فينبغي أن يُقال: إنه صحيح، وإن لم يقل بهذا فقد غروه، ولكن نقول: يمكنه أن يتخلص من هذا الغرور، بأيش؟
بأن يصر على تسميته، إذا قالوا اللي تبغى، قال: لا ما يصير، هذا مجهول، لازم عينوه الآن، إذا عينوه أيش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: تعين، ولو كان أقل من مهر الْمِثل بكثير، ولذلك كونوا يقِظين يا من لم تتزوجوا، إذا فُوِّض إليكم المهر فقولوا: عيِّنوا ولا بد.
إذا قالوا اللي تبغي ما بيننا وبينك حساب، وأنت ولدنا وأنت كذا، قل: ما يخالف، أنا ولدكم، ولا حساب بيننا لكن في هذا سأحاسبكم.
عيِّن، أفهمت؟
إذن تزول الجهالة والغرر بماذا؟ بالتعيين، نقول: عيِّن، وحينئذٍ لا يمكنهم أن يطالبوك بأكثر مما عينت ولو كان أقل من مهر المثل بكثير، ونظيره؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2856
نظيره لو أن إنسانًا كرهته زوجته، وطلبوا منه أن يُطلق، وقال: أنا ما أريد الطلاق، وأنا أحب المرأة، وأنا خسرت عليها مهرًا وتوابعه، ولا أستطيع أن أُطلِّق، فلما رآهم مُلحِّين قال: لا بأس، أُطلِّق، هاتوا الكاتب، فلما أراد الكاتب أن يكتب قال له: اصبر يا رجَّال، أنت خسرت خسائر كثيرة، وتعبت، ولا ودنا أنك تروح هكذا، نبغي نجعل لك عوضًا، قال: أبدًا، أنا بخليها لله، ولا أبغي عوضًا ولا شيئًا.
قالوا: لا بد، نجبر خاطرك بعوض، وإذا كان -جزاك الله خيرًا- تريد منفعتنا، خلِّ العوض قليلًا، ويش اللي بتريد؟
قال: إذا كنتم ملزمين، أعطوني عشرة ريالات، فطلقها على عِوض قدره عشرة ريالات، ولما مضى أسبوع، جاء يريد المراجعة، هل يمكن أن يراجع؟
طلبة: البتة.
الشيخ: ما يمكن؛ لأنه بالعوض بانت منه، ما يمكن يراجع، لكن لو أنه أصر على أنه ما يريد شيئًا، ولا أخذ ولا عشرة ريالات، ولا درهمًا واحدًا، ثم جاء بعد أسبوع يريد المراجعة، يُراجع ولَّا لا؟
يراجع؛ ولهذا ينبغي أنه إذا ساءت العِشرة بين الزوجين إساءة بينة، وكانت المرأة لا تريد زوجها، ولا سيما إذا كانت لا تريده لخلل في دينه، ينبغي لمن أراد الكتابة في الطلاق أن يقول: يا جماعة، هذا الرجل تعب، وخسر، وينبغي أن تفرضوا له شيئًا من المال يكون الطلاق عليه.
فقالوا: لا بأس، نقبل مشورتك، ووضعوا عِوضًا، حينئذٍ تملك المرأة نفسها، ولا يستطيع أن يراجعها، فينبغي التنبه لمثل هذه الأمور؛ لأنها قد تضيع حتى على طلبة العلم.
هذا الرجل لو طلق زوجته بلا عِوض، ثم أراد أن يراجعها بعد مدة قبل العدة له ذلك، سواء رضيت أم لم ترضَ.
إذن الفرق بين تفويض البُضع وتفويض المهر؟
طالب: تفويض البُضع يكون لولي الزوجة بلا مهر.
الشيخ: نعم.
الطالب: وتفويض المهر، أن يزوجها بأي مهر شاء.
الشيخ: بأي مهر شاء، يعني بالمهر لكن أي مهر شاء، في الحالين ما الذي يثبت لها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2857
ما الذي يثبت لها إذا زوجوها على ما يشاء من مهر، أو زوجوها بلا مهر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، يثبت لها مهر المثل، يقال: النكاح ينعقد ولها مهر مثلها، وما معنى مهر المثل، معناه أنه يُنظر إلى امرأة مثلها في الجمال والحسب، والمال، والدين، والعلم، فيقال: مثل هذه المرأة صداقها عشرة آلاف ريال، كم يكون المهر؟
طلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف، مثل هذه المرأة خمسة آلاف، مثلها خمسون ألفًا، وهكذا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولها مهر المثل، ويفرضه الحاكم بقدره) يعني اللي يقدر، يفرض بمعنى يقدر، و (الحاكم) يعني القاضي، (بقدره)، أي بقدر مهر المثل.
(فإن رضيا)، أي الزوج والزوجة، على قدر معين، دون الوصول إلى القاضي، أيجوز؟
نعم، يجوز؛ لأن الحق لهما، لكن لو تعاندا، وقال الزوج: مهر مثلها ثلاثون، وقالت الزوجة: مهر مثلي خمسون، فهنا مشكلة، من يحل المشكلة؟
طلبة: الحاكم.
الشيخ: الحاكم يعني القاضي، فيفرضه الحاكم بقدره، وينظر كم مهر المثل، يقول: الآن يجب عليك أيها الزوج مهر المثل.
(على ما يشاء أحدهما أو أجنبي) لما أراد أن يُقدِّر المهر، قال: نرجع إلى فلان، الأجنبي يعني الذي ليس بزوج، وليس ولي المرأة، ولا المرأة؛ لأن الْمُقدِّر إما الولي أو المرأة أو الزوج، فإذا قال: زوجتك على ما يشاء فلان، وهو ليس زوجًا فهذا أجنبي، نقول: تعالَ، إحنا زوجنا فلانًا كم نعطيه، قال: أعطوه عشرين ألفًا، نعطيه عشرين ألفًا.
طالب: لو ( ... ) وأصدقها؟
الشيخ: لا بأس.
طالب: بارك الله فيك، في بعض البلاد نتيجة كثرة الطلاق بين الرجل وزوجته، يشددون على الزوج في الشروط؛ يعني يكتبون عليه أوراقًا تفوق المهر بكثير، تعتبر ديونًا عليه، فهل الإنسان له أن يقف على مثل هذه ( ... )؟
الشيخ: ويش يسوي؟
الطالب: يعني يكتبون عليه شيك مثلًا بخمسين ألفًا.
الشيخ: ما يخالف، هل يجد أحد بعشرين ألفًا؟
الطالب: ممكن يجد، بس ربما هذه تكون مرغوبة لدينها، أو ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2858
الشيخ: إذن هذا قيمتها، هذا مهر المثل في هذا البلد؛ ولهذا ليت الناس أنهم يقتدي بعضهم بعض، يقول: لا، ما يمكن.
طالب: الشيك هذا ربط له لئلا يطلق، يقول: لو طلقت نأخذ هذا الشيك.
الشيخ: إي، صحيح، هم يقولون: ربط، الظاهر -والله أعلم- المؤخر يكثرونه، يزيدون في المؤخر لئلا يُطلِّق، لماذا لا يقول: لا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: يقول: لا، أنا ما أربط نفسي بديون تبلغ هذا المبلغ، ما يزوج، يدور من غيرهم.
طالب: لو مات عنها أو ماتت عنه هذا الشيك ملغي.
الشيخ: عجيب! !
الطالب: لأن هذا بس ربط له إذا في حال الطلاق.
الشيخ: سبحان الله، هذه بعد مخالفة للشرع من جهة ثانية؛ لأن سبق لنا أنه إذا مات أحدهما تعجل، وهؤلاء يقولون: إذا مات أحدهما سقط؟
الطالب: يعني هم يربطون بهذا الشيك، يقول: إذا طلقتها نأخذ منك هذا الشيك.
الشيخ: إي، فاهم، صار معنى كلامهم، أنهم يُقدِّرون المؤخر بهذا القدر الكبير، حتى لا يطلقها، بدليل أنه لو مات أو ماتت سقط، هذا غلط.
الطالب: هذا بعض الناس.
الشيخ: هذا ما يصح، ولا أظن، كل الزيجات عندكم كذا؟
الطالب: لا، ليس الكل يا شيخ.
الشيخ: إي، الحمد لله، أجل، شوف الجانب الآخر.
طالب: إذا كان ( ... ) فرض عليك امرأة للزواج ( ... ) إذا طلقتها ادفع لنا مبلغ ( ... )؟
الشيخ: ما يصح هذا؛ لأن الأصل النكاح للطلاق ولا للبقاء؟ أسألك.
الطالب: للبقاء.
الشيخ: إي، وهو ما ينبغي أن يرد على لسانك كلمة طلاق عند العقد أبدًا، يعني هذا معناه أنها مؤقتة، فالأحسن أن تبتعد عن لفظة طلاق مطلقًا، ولربما تزين الأمور إن شاء الله، ويكون الأخير.
طالب: ( ... ) الذي ضيق على زوجته ونأخذ منه مقابلًا من ماله ( ... ) حتى لا تعود إليه؟
الشيخ: ثاني عرض الجماعة دول.
الطالب: لا، نريد أن نعرف ذلك الرجل الذي ضيق على زوجته، حتى نعطيه عوضًا عند فسخه أو عند تطليقه إياها فيعد خلعًا، فهل يجوز يعني ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2859
الشيخ: يعني يجوز أن يخالع الزوج وإن كان، لا أدري أن الخلع يُوجب البينونة؟ ما يهم.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلنا: إن المؤخر على الصفة اللي ذكرها الإخوان أنه إذا مات أو ماتت سقط، هذا مخالف للشرع؟ وجه المخالفة؟
الشيخ: إي، وجه المخالفة أن الدَّين لا يصح تعليقه بالموت، وهو إذا مات الإنسان الذي له الدين، ينتقل للورثة، ما له فيه تصرف، وربما يكون هذا الباقي كل مال الإنسان، ولو أوصى بأكثر من الثلث.
الطالب: لو أوصى لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز.
طالب: إذا طلبت الزوجة مهرًا دون مهر مثلها، فإن أعطاها الزوج هذا المهر الذي طلبته هل تبرأ ذمته ذمة الزوج بإعطائه هذا المهر؟
الشيخ: إي، ما فيه شك، حديث الرسول زوج الرجل على خاتم من حديد لو جاء به، لما لم يأتِ قال: على ما معك من القرآن (4). ( ... )
الطالب: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
الشيخ: ولعلهم يتفكرون.
الطالب: لا.
الشيخ: هلا ( ... ).
الطالب: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: 64].
يقول في ﴿هُدًى﴾: إنها معطوفة على ﴿لِتُبَيِّنَ﴾، وبعدين قال في شرح ﴿لِتُبَيِّنَ﴾: لبيان وكأن ﴿لِتُبَيِّنَ﴾، مصدر مجرور يعني من باب التعريف، يعني إذا كان معطوفًا عليه فكأن الأمر يقتضي أن المعطوف عليه مجرور إذا كان ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ في محل جر.
الشيخ: إي نعم، هو صحيح ستقول: لماذا لم يكن مجرورًا؟ بس تأبى الآية ذلك لقوله: ﴿رَحْمَةً﴾، هم يقولون: لأن ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ هذه ما هي اسمًا صريحًا.
مؤول واللام للتعليل.
الطالب: إي نعم
الشيخ: فيكون ﴿هُدًى﴾ مفعول لأجله ( ... )
الجزء: 2 - الصفحة: 2860
الطالب: يقول المؤلف رحمه الله تعالى: ومن مات منهما قبل الإصابة والفرض ورثه الآخر، ولها مثل مهر نسائها، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يُسر زوجها وعسره، ويستقر مهر المثل بالدخول، وإن طلقها بعده فلا متعة، وإذا افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر، وبعد أحدهما يجب المسمى، ويجب مهر المثل لمن وُطِئت بشُبهة أو زِنًى كرهًا، ولا يجب معه أرش بكارة، وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال، وإن كان مؤجلًا، أو حل قبل التسليم، أو سلَّمت نفسها تبرعًا فليس لها منعها، وإن أعسر بالمهر الحال فلها الفسخ، ولو بعد الدخول، ولا يفسخه إلا حاكم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أن هناك تفويضين، أحدهما؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: تفويض أيش؟
الطالب: البضع.
الشيخ: والثاني؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: تفويض أيش؟ الأول: تفويض البضع، والثاني؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هذا، التفويض نوعان، تفويض البضع، وتفويض؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ولا راجعت! !
الطالب: تفويض البضع بلا مهر ..
الشيخ: أنا أسأل: ما بعد إلا الآن، ما ناقشتك، أو سألتك عن معناه، أنا أقول: أذكر أقسامه، تقول: قسمان، الأول: تفويض البضع، والثاني؟
الطالب: تفويض المهر.
الشيخ: تفويض المهر، ما هو تفويض البُضع؟
طالب: أن تفوض بُضعها أن يزوجها الولي بدون مهر.
الشيخ: أن يزوجها بلا مهر، أن يقول: زوجتك بنتي أو أختي بلا مهر.
طيب تفويض المهر؟
الطالب: تفويض المهر هو أن يزوجها ..
الشيخ: أن يزوجها بمهر على ما يشاء، إذن الفرق أن تفويض البُضع لا يُسمى مهر، والثاني يُسمَّى ولكن لا يُعيَّن، يُجعل إلى رأي الزوج، ما الحكم في هذا؟
طالب: في الحالين يجب مهر المثل.
الشيخ: في الحالين يجب مهر المثل، تمام.
من الذي يفرض مهر الْمِثل؟
طالب: الحاكم الشرعي.
الشيخ: الحاكم الشرعي.
طيب إذا اتفقا على شيء؟
الطالب: لا بأس.
الشيخ: فلا بأس؛ لأن الحق لهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 2861
قال: (ومن مات منهما) أي من الزوجين (قبل الإصابة) أي قبل الجماع (والفرض) أي تقدير المهر (منهما) الضمير يعود على؟
طالب: الزوجين.
الشيخ: (الإصابة) يعني؟
طالب: الجماع.
الشيخ: الجماع، والفرض؟
طالب: تقدير.
الشيخ: يعني تقدير المهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] فسماه الله تعالى فريضة.
(من مات قبل أن يسمى الفرض ورثه الآخر، ولها مهر نسائها)، هذه المسألة، صورتها أن إنسانًا عقد على امرأة، ولم يُسمِّ لها مهرًا، ولم يدخل بها، ولم يخلُ بها، ثم مات عنها، فما الحكم؟
نقول: يتعلق بذلك أربعة أمور:
أولًا: المهر، لها مهر نسائها، مهر المثل؛ لأنه ما فرض، فيجب لها مهر نسائها.
ثانيًا: أنها ترثه.
ثالثًا: أن عليها العدة، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: قلنا: لها مهر المثل، والثاني: ترث زوجها، والثالث: عليها، العدة، ثلاثة أحكام، يترتب على ذلك ثلاث أحكام، مع أنه لم يصبها، ولم يخلُ بها، وإنما عقد عليها عقدًا، لكن قدر الله عليه ومات، إما بغتة وإما بحادث أو بغير ذلك، فترثه، كذا ولَّا لا؟ وتأخذ المهر قبل الميراث، قبل أن يرثه أي واحد، تأخذ المهر، من التركة، وعليها، العدة، عدة الوفاة، فما هو الدليل على ذلك؟ نقول: أما الدليل على عدة الوفاة فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]. وهذه المرأة زوجة ولَّا غير زوجة؟ زوجة، إذن عليها أن تعتد.
ما هو الدليل على أن لها الميراث؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12]
لهن أي لأزواجكم، وهذه زوجة فيجب لها المهر.
طالب: يجب لها الميراث.
الجزء: 2 - الصفحة: 2862
الشيخ: إي نعم، يجب لها الميراث.
الدليل على أن لها المهر، وهو لم يدخل عليها ولم يخلُ بها، الدليل أن هذا قضاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن ابن مسعود رضي الله عنه سُئل عن هذه المسألة فقال: عليها العدة، ولها الميراث، ولها مهر نسائها، فقام رجل فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك في امرأة منا (5).
فيقال: هذا دليل السنة، قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي السنة.
يقول رحمه الله: (ومن مات منهما قبل الإصابة والفرض ورثه الآخر، ولها مهر نسائها)
ويش باقي من الأحكام الثلاثة اللي ذكرنا؟
طالب: العدة.
الشيخ: العدة، ستأتي -إن شاء الله- في كتاب العِدد.
(وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره) (إن طلقها) أي الزوجة (قبل الدخول) يعني أو الخلوة، إذا طلقها قبل ذلك فلها المتعة.
(بقدر يسر زوجها وعسره) المتعة: يعني أن يمتعها بشيء تطييبًا لقلبها؛ لأنها الآن ليس لها مهر، حيث إنه لم يُسمَّ لها مهر، فإذا طلقها قبل أن يُسمِّي لها مهرًا، قبل أن يدخل بها وقبل أن يخلو بها، فلها المتعة، يعني تعطى شيئًا تتمتع به، يطيب خاطرها.
بقدر اليسر والعسر، الموسر يكون عليه أكثر من المعسر، جبرًا لخاطرها، أما إذا كان قد سُمِّي لها المهر، بأن قيل: أمهرتها عشرة آلاف مثلًا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237].
هذه يؤخذ نصف المهر، وخلاصة الأمر الآن أن المرأة إذا طُلِّقت قبل الدخول والخلوة، فإن كانت قد سُمِّي لها صداق، فلها نصف الصداق، وإن لم يُسمَّ لها صداق، فلها المتعة، بقدر يُسْر الزوج وعسره، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236].
الجزء: 2 - الصفحة: 2863
(ويستقر مهر المثل بالدخول) يعني إذا دخل على هذه المرأة التي تزوجها، ولم يُسمِّ لها مهرًا، استقر المهر، لكن ماذا تُعطى؟ تُعطى مهر المثل، وقد سبق لنا تفسير معنى مهر المثل.
وإن طلقها بعده فلا مُتعة، لماذا؟ استغناءً بالمهر؛ لأنه إذا طلقها بعد الدخول، استقر المهر إن كان مسمى فالمسمى، وإن كان غير مسمى فمهر المثل، وعلى هذا فتكون المتعة واجبة على مَنْ؟ على من طلق قبل الدخول ولم يُسمِّ لها مهرًا، فإن طلق بعد الدخول فلا مهر، وإن طلق قبل الدخول ولم يُسمِّ لها مهرًا فعليها المتعة.
يقول رحمه الله: (وإن طلقها بعده فلا متعة) أيضًا إذا طلقها بعده فلا متعة، لماذا؟
طالب: استغناء بالمهر.
الشيخ: استغناء بالمهر؛ لأن المهر إن كان مسمى فهو المسمى، وإن كان غير مسمى فمهر المثل، ولا يُجمع بين المتعة والمهر.
وقال شيخ الإسلام: بل تجب المتعة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241]. وهذا مطلق؛ ولأن هذه المتعة من باب جبْر الخاطر؛ لأن كسرها طلاقها (6) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فأنت الآن كسرتها، فأمتعها بشيء يطيب خاطرها، لكن مع الأسف أن غالب الطلاقات تكون عن زعل وغضب، فلا تطيب نفس الزوج أن يمتعها، والذي ينبغي للإنسان أن يكون قادرًا على نفسه قويًّا عليها، فيمتعها وإن كان الطلاق عن نزاع وخصومة، المهم أنها إذا طُلِّقت بعد الدخول فالمذهب أن ليس لها متعة اكتفاء بالمهر.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله، أنه يجب أن يمتعها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241].
قال رحمه الله: (وإذا افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر، وبعد أحدهما يجب المسمى).
(إذا افترقا) الفاعل الزوجان، (قبل الدخول والخلوة) (في الفاسد) فلا مهر، فما هو الفاسد؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2864
الفاسد ما ليس بصحيح، ومنه أن تُزوِّج نفسها؛ لأن النكاح بلا ولي -على القول الراجح- فاسد، لكن لو زوجت نفسها بلا مهر، وطلقها قبل الدخول والخلوة، فليس لها مهر وليس لها متعة؛ لأن النكاح غير صحيح، وإذا كان غير صحيح فإنه لا تترتب عليه أحكام، وإن طلقها بعده وبعد أحدهما، ما هما؟ الدخول والخلوة، يجب المسمى، المعيَّن، قليلًا كان أو كثيرًا.
وخلاصة الكلام الآن أن الزوجين إذا افترقا في النكاح الفاسد، قبل الدخول والخلوة، فلا مهر؛ لأن وجود هذا العقد كعدمه، وإن كان دخل بها وجب مهر المثل إن كان المهر غير مسمى، والمهر كاملًا إن كان مسمى، ونضرب لهذا مثلًا: امرأة تزوجها رجل بلا مهر فالنكاح فاسد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» (7)، لما قيل له: إن النكاح فاسد، قبل أن يدخل عليها، قال: إذن طلقتها، فماذا يجب لها؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا يجب لها شيء، خلاص، طلقها؛ لأن النكاح غير صحيح، لكنه دخل عليها، وبعد أن دخل عليها قيل له: إن النكاح فاسد، قال: إذن طلقتها، ماذا يجب؟
طالب: مهر المثل.
الشيخ: مهر المثل إن كان غير مسمى، وإن كان مسمى فالمسمى، فإذا كان هذا الرجل قد أصدقها عشرة آلاف ريال، فلها عشرة آلاف ريال، وإن كان قد سكت، ولم يُسمِّ مهرًا وجب لها مهر المثل.
إنسان آخر عقد على امرأة بولي وشهود وكل شيء، لما عقد عليها جاءه امرأة تشهد بأنها أرضعته مع هذه المرأة، أصبحت المرأة أختًا له، فماذا يصنع؟ يجب أن يفرق بينهما، المهر، هو الآن جاءه قبل الدخول والخلوة.
طالب: لا شيء.
الشيخ: لا شيء، المهر لا شيء لها؛ لأنهما افترقا قبل الدخول والخلوة، بعد الدخول والخلوة، أيش؟ نقول: إذا كان قد سمى لها المهر فالْمُسمَّى، وإن لم يُسمَّ فلها مهر المثل، لكن مهر المثل لماذا؟ لأنه استحل فرجها، ولهذا قال المؤلف: (وبعد أحدهما يجب المسمى، ويجب مهر الْمِثل لمن وُطِئت بشُبْهة أو زِنًى كُرْهًا).
الجزء: 2 - الصفحة: 2865
هذا شيء يجب به المهر بدون عقد، امرأة وُطِئت بشبهة؛ شبهة عقد أو شبهة اعتقاد، شبهة العقد أن يعقد عليها عقدًا باطلًا، ولم يعلم إلا بعد العقد، كالمثال الذي ذكرناه، إذا عقد عليها ثم تبين أنها أخته من الرضاع، فالعقد هذا باطل والشبهة فيه عقد ولَّا اعتقاد؟ عقد، شبهة الاعتقاد أن يجامع امرأة يظنها امرأته، يظنها زوجته، مثل أن يكون جاء إلى فراشه ووجد به امرأة نائمة، ولقوة الشهوة لم يفكر، فجامعها، هذه شبهة اعتقاد؛ لأنه اعتقد أنها زوجته، فماذا يجب لهذه المرأة التي وطئت بشبهة عقد أو اعتقاد؟ يقول: يجب لها مهر المثل؛ لأنه استحلها بالجماع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا» (8). كذلك إذا وطئها بزنى.
فهو على قسمين: أن يكون باختيارها فلا مهر لها؛ لأنها هي التي ضيَّعت على نفسها هذا الشيء، أن يكون بإكراه فلها مهر المثل، حتى ولو كان صغيرًا، كما يوجد من بعض الصغار عبثًا، في بعض الفتيات الصغار، هل يجب عليه مهر المثل؟ نعم، أيش تقولون؟ يجب وذلك لأن إتلافات حقوق الآدميين، الإتلافات في حقوق الآدميين لا فرق فيها بين الصغير والكبير، والعمد والخطأ، وهذه مسألة خطيرة؛ لأنها قد تقع من بعض الصبيان في حال السفه، فيُلزم بمهر المثل.
طالب: يقع عليه الحد؟
الشيخ: لا، الحد لا يقع؛ لأنه لا بد من أن يكون بالغًا عاقلًا، عالمًا بالتحريم.
قال: (ولا يجب معه) أي مع مهر المثل (أرش بكارة).
لو أنه نسأل الله العافية زنى بامرأة بِكْر، فإنها ستكون بعد البكارة ثيبًا، يجب عليه مهر المثل، هل يجب عليه أرش البكارة؟ لا لأن أرش البكارة دخل في مهر المثل، إذ إننا سنُقدِّر مهر مثلها على أنها بكر ولا على أنها ثيب؟
طلبة: على أنها بكر.
الشيخ: على أنها بكر، فإذا قدرنا مهر مثلها على أنها بكر، فهذا يعني أن أرش البكارة دخل في مهر المثل، فلا حاجة إلى أن يضمن مرتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 2866
(وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال) امرأة تزوجها رجل على صداق، لكن لم يُرسَل الصداق، فطلب منها الدخول، قالت: لا يمكن، أعطني المهر، قال: المهر يجيبه الله، نعم، فلها أن تمنع نفسها حتى تقبض الصداق الحال؛ لأنه يُخشى أن تُمكِّنه من نفسها، ثم يبقى مماطلًا بهذا المهر، فنقول: الآن الأمر بيدك، لكِ أن تمنعي نفسكِ حتى تقبضي الصداق الحال، فإن كان مؤجلًا، أو حل قبل التسليم، أو سلَّمت نفسها تبرعًا فليس لها منعها، هذه ثلاث مسائل:
إذا كان مؤجلًا فليس لها منع نفسها؛ لأنها هي التي أجَّلت المهر باختيارها، فإذا قدرنا أنه تزوج امرأة على مهر يسلمه بعد سنة، فهل لها أن تمنع نفسها حتى تمضي السنة؟ لا؛ لأن هي اللي أجلت الصداق، فالأمر كان بيدها، نقول: سلمي نفسكِ، أو كان مؤجلًا فحل قبل التسليم، فليس لها منع نفسها، مثاله، أجلت المهر ثلاثة أشهر، الزوج قال: الآن ما معي فلوس لكن بعد شهر يأتيني فلوس، اتفقوا على تأجيل المهر ثلاثة أشهر، حلت الأشهر، نعم قبل أن تحل هل لها منعها؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأنها رضيت بالتأجيل، حل الأجل، وهو لم يستلمها، وبعد الحلول جاء يطلب أن يستلمها قبل أن يسلم الدراهم، الدراهم الآن حالة، لكن كانت بالأول مؤجلة، فهل لها أن تمنع نفسها بعد حلول المؤجل؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، يقول المؤلف: لا تمنع نفسها، كيف لا تمنع نفسها وهو حال الآن؟ قال: لأنها لما رضيت بالتأجيل أولًا، وكان يلزمها أن تُسلِّم نفسها في المدة الأولى، أليس كذلك؟ يلزمها أن تُسلِّم نفسها، فهذا اللزوم لا يسقط بمجرد حلول الأجل.
إذن يُفرَّق بين الحال الذي لم يُؤجَّل وبين الحال الذي أُجِّل فتم أجله، الأول: لها أن تمنع نفسها، والثاني: ليس لها أن تمنع، فإذا قال قائل: ما الفرق؟ قلنا: الفرق ظاهر؛ لأنها مدة التأجيل لو أرادت أن تمنع نفسها تمنع ولَّا لا؟
طالب: تمنع ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2867
الشيخ: مدة التأجيل ما تمنع نفسها، إذا كانت لا تمنع نفسها في خلال ثلاثة أشهر في المثال اللي ذكرنا فكيف يقال: إذا حل منعت نفسها، أعرفتم الآن؟ فالفرق بينهما ظاهر، لكن بعض أهل العلم يقول: إذا حل بعد التأجيل ثم ماطل فلها أن تمنع نفسها؛ لأنه الآن يصدق عليه أنه حال.
كان بالأول لو طلبها قبل أن يحل فليس لها أن تمنع نفسها؛ لأنها رضيت بالتأجيل، أما الآن فقد حل، ولهذا كان القول الثاني في المسألة أن لها أن تمنع نفسها فيما إذا حل بعد التأجيل كما تمنع نفسها في ما لم يُؤجَّل أصلًا.
لو سلمت نفسها تبرعًا؛ يعني هو المهر حال، وطلب منها تسلم نفسها قالت: لا، أعطني مهري وقال: إحنا .. قام يسوي لها كما يقول الناس فِرشة، ويستعطفها وأنا وإياك شيء واحد، واللي عندك عندي واللي عندي عندك، والمسألة إن شاء الله يسهل الله، مسكينة المرأة تعرفون ضعفها، قالت: طيب تجيبه لي بكرة؟ قال: إن شاء الله، بكرة نجيبه، فأخذها وصار مراده ببكرة يوم القيامة! لأن الله يقول: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18].
هل لها أن تمنع نفسها الآن؟ يقول المؤلف: لا؛ لأنها سلَّمت نفسها، فليس لها أن تمنع نفسها، مخدوعة المسكينة، قال: ليش ما احتاطت لنفسها، ولكن الصحيح أنه إذا ماطل ولم تمكن مطالبتُه، والغالب أنها لا تمكن مطالبته؛ لأن المشكل لو طالبته ربما يُطلِّقها، فالصحيح أن لها أن تمنع نفسها، ولو سلَّمت نفسها تبرعًا؛ لأنها قد تكون مخدوعة فلها ذلك.
ثم قال المؤلف: (فإن أعسر بالمهر الحال فلها الفسخ ولو بعد الدخول، ولا يفسخه إلا حاكم).
الجزء: 2 - الصفحة: 2868
لو أعسر بالمهر الحال؛ يعني كان رجلًا غنيًّا مثلًا، والمهر حال، وقد سلَّمت نفسها، الكلام الآن ما هو على التسليم، الكلام على الفسخ، ثم إنه أصيب بجائحة اجتاحت ماله كله فأعسر بالمهر، فهل لها أن تفسخ؟ يقول المؤلف: لها الفسخ، لكن لا يفسخه إلا حاكم، وإنما كان لها الفسخ؛ لأن العوض لم يُقْبض، وهو المهر الذي هو عِوض الاستمتاع، فكان لها الفسخ، والله أعلم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: والله الحقيقة أن العلل يعني متكافئة، ما فيه شيء راجح عندي الآن؛ لأن العلل متكافئة.
طالب: يا شيخ، لو قال لها، يعني طلب منها أن تسلم نفسها ولم يحدد لها مدة يسلم المهر فيها، فطاوعت في الحال ولم تشترط شيئًا ولم ( ... ) فهل لها بعد ذلك؟
الشيخ: لها أن تمنع نفسها؛ لأنها إنما سلمت نفسها بناءً على حسن الظن ( ... )
باب وليمة العرس
الطالب: ومن صومه واجب: دعا وانصرف، والمتنفل يفطر إن جبر ولا يجب الأكل، وإباحته متوقفة على صريح إذن أو قرينة، وإن علم أن ثم منكرًا يَقدر على تغييره حضر وغيره وإلا أبى، وإن حضر ثم علم به أزاله، فإن دام لعجزه عنه انصرف.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: (باب وليمة العرس) الوليمة من الوَلْم وهو الاجتماع، ومعنى وليمة العرس؛ يعني المائدة التي يجتمع إليها الناس، بسبب العُرْس، والعرس يعني النكاح، وذلك أن العرس من نعمة الله عز وجل، ومما يُشرع إعلانه وإظهاره؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (9) «أَوْلِمْ»، و (أَوْلِمْ) فعل أمر.
وقوله: «وَلَوْ بِشَاةٍ» قيل: إنها تقدير لأقل، وقيل: إنها تقدير للأكثر، وعلى القول بأنها تقدير للأقل فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد خاطب عبد الرحمن بن عوف وهو من الأغنياء فيكون الأقل بالنسبة للغني أن يُولِم بشاة، وسيأتي إن شاء الله بيانه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2869
هناك ولائم يجتمع الناس عليها غير وليمة العرس؛ منها ما هو مُباح، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو مُحرَّم، فمن الولائم المحرمة أن يجتمع الناس إلى أهل الميت للعزاء، ويصنع أهل الميت الطعام للمجتمعين فهذه محرمة؛ لقول جرير بن عبد الله البجلي رضى الله عنه: كنا نعد الِاجْتِمَاعَ إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة (10). والنياحة حرام، بل كبيرة من الكبائر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن النائحة (11)، هذا مُحرَّم، ومنها الوليمة على العزف والغناء والرقص، فهذه أيضًا حلال ولَّا حرام؟
طالب: حرام.
الشيخ: ويش هي الحرام؟
الطالب: الوليمة.
الشيخ: أي وليمة؟
الطالب: وليمة العرس التي فيها معازف.
الشيخ: لا، ما قلنا: وليمة العرس!
طالب: الوليمة التي فيها معازف أو ..
الشيخ: سواء العرس أو غيره، إنسان مثلًا نجح في الدور الأول برتبة ممتاز فأَوْلَم سهرة فيها غناء، هذه الوليمة ما حكمها؟ حرام لاشتمالها على مُحرَّم.
وليمة مكروهة وهي الوليمة الثانية للعرس، الوليمة الثانية للعرس؛ لأن فيها نوعًا من الإسراف، فهي مكروهة.
ووليمة مباحة، وهي سائر الولائم التي تُفعل عند حدوث ما يسر، هي من قسم المباح، وليس من قسم البدعة كما ظنه بعض الناس، وعلى هذا فإذا نزل الإنسان بيتًا جديدًا، وأولم، ودعا إلى هذه الوليمة، فهذه الوليمة نعتبرها مباحة؛ لأن الإنسان يفعلها ليس على أنها سنة، وأن الرسول فعلها أو الصحابة فعلوها، ولكن على أنها إظهار للفرح والسرور بما أنعم الله به عليه من المنزل الجديد.
الوليمة للختان، يعني فيه بعض الناس اعتادوا أنه عند ختن الطفل يفعلون وليمة غداءً أو عشاءً ويدعون الناس إليها، وكنا نعهد ذلك من قبل، حكمها أيش؟ مباح؛ لأن الأصل في جميع الأعمال غير العبادة الإباحة حتى يقوم الدليل على المنع.
الجزء: 2 - الصفحة: 2870
القسم الرابع: وليمة مندوب إليها، وهي وليمة العرس لأول مرة، هذه مندوبة؛ دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (9). والأمر هنا إما للوجوب أو للاستحباب، فوليمة العرس سُنَّة، بحق مَن؟ أبحق المرأة وأهلها أم بحق الزوج؟ الجواب الثاني، أنها وليمة في حق الزوج؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن: «أَوْلِمْ»، ولم يقل لأصحابه: أولموا، بل قال: أولم؛ ولأن النعمة في حق الزوج أكبر من النعمة في حق الزوجة؛ لأن هو الطالب، هو الذي يطلب المرأة، يندر جدًّا أن المرأة تطلب الرجل.
إذن وليمة العرس سُنَّة، الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن؟ لعبد الرحمن بن عوف «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، فيُولم الإنسان بقدر ما آتاه الله ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].
وأما التفاخر بها، والغلو فيها فإن أقل أحواله الكراهة، وقد يصل إلى التحريم، فإن كان الرجل من الأغنياء الأثرياء الأقوياء ذوي الجاه الذين لا يليق بهم إلا أن يكبر الوليمة، فهي مكروهة في حقه، مكروهة وإن كان من الفقراء الذين يتطلب تعظيم الوليمة ديونًا واستقراضًا، ودفقًا لماء الوجه، فهنا المغالاة فيها تكون حرامًا، لاحظوا لأن الإسراف يختلف باختلاف الناس؛ قد يكون هذا الفعل في حق شخص إسرافًا وفي حق آخر جائزًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2871
لكن مع ذلك نقول: إن الوليمة بحسب الْمُولم، من جهة المبالغة فيها وعدمه، ولكن الإسراف الزائد الذي قد بلغنا أن بعض الناس يستأجر فندقًا كاملًا للوليمة بمئة ألف أو مئتي ألف أو أكثر، حسب فخامة الفندق، فلا شك أن هذا حرام، ويوشك ألا يُخلف الله على هذا الرجل ما أنفق، وأن يُنزل في ماله النقص والخسارة كما أنه من حيث الدين ناقص الدين بهذا العمل؛ لأن ذلك معصية، والإيمان ينقص بالمعصية، ومثل هذا ينبغي ألا يُجاب، حتى في أول مرة؛ لأنه تعدى الحدود وأسرف، وهو في الحقيقة جانٍ على نفسه وجانٍ على غيره؛ لأنه ربما يُقتدى به، فيفعل من بعده كما فعل؛ لأن كثيرًا من الناس ضعيف النفس، يريد أن يُقوِّي شخصيته بمساواة من هو فوقه فيقول: لا أعجز أن أكون مثل فلان، أما الإنسان الرجل الحازم فلا يبالي، يُنفق مما آتاه الله ولا يتكلف ما كان معدومًا.
هذه هي الولائم، أما الإجابة إليها -إلى الوليمة- إذا دُعِي الإنسان إليها، فقد اختلف العلماء رحمهم الله، هل تجب إجابة الداعي لكل وليمة أو لا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2872
والجواب: إن كانت الوليمة محرمة فالإجابة إليها محرمة، الكلام الذي ذكرناه أولًا، إلا إذا كان المجيب قادرًا على تغيير المنكر، فحينئذٍ يجب عليه الحضور لا إجابة للدعوة، ولكن لتغيير المنكر، مثل أن يُدعى رجل له قيمته العلمية، أو السلطة إلى وليمة فيها الحرام فيحضر وهو قادر على أن يغير هذا الحرام، فالحضور عليه واجب، لماذا؟ لأنه قادر على تغيير المنكر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (12). وأما إذا لم يكن قادرًا فالإجابة إلى الوليمة المحرمة حرام؛ دليل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إذن مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140].
يعني إن قعدتم معهم فأنتم مثلهم في العقوبة والمعصية، هذا المحرم الإجابة المحرمة.
الوليمة المباحة، الإجابة إليها أقل أحوالها أن تكون سُنَّة، وذهبت الظاهرية، وهم على جانب كبير من الصواب، إلى وجوب الإجابة، فإذا دعاك إنسان إلى غداء أو عشاء غير وليمة العرس، فالظاهرية يقولون: إن الإجابة واجبة يجب أن تُجيب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حقوق المسلم على أخيه: «وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» (13). ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (14). وهذا قول قوي جدًّا، أنك إذا دُعِيت تجيب، ولكن إذا كان للإنسان عذر، هذا دليله.
الجزء: 2 - الصفحة: 2873
أيضًا الإجابة إلى الدعوة من خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ» (15). إلى هذا الحد، ذراع أو كراع، وهو من أزهد ما يكون في الذبيحة، لأجبت، فلو لم يكن من بركة الإجابة إلا أنه من خُلق النبي عليه الصلاة والسلام، وأن المجيب سيكون متأسيًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لو لم يكن من بركة الإجابة إلا هذا لكان كافيًا.
ولاحظوا -بارك الله فيكم- أن الإنسان إذا أشعر نفسه بأنه متبع للرسول عليه الصلاة والسلام في هذا أو غيره فسيكون في قلبه محبة للرسول عليه الصلاة والسلام، وللتأسي به، كما أنه إذا عوَّد نفسه على الإخلاص لله فسيكون الإخلاص دأبه في كل شيء.
وهذه فائدة لا تغيب عنكم، أن تنوي الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل زيادة أعمالكم الصالحة، وبركتها والإنسان لا شك أنه إنما يسعى في الدنيا لما يرضي الله ورسوله، فليُشعر نفسه عند كل عمل بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا دعاك أحد وأجبته أشعِرْ نفسك بأمرين:
أولًا: امتثال أمر الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158].
ثانيًا: أيش؟ التأسي به؛ لأنه يقول: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ» (15).
ترى هذه تساوي عشرات المئات من المسائل الفقهية، مهمة جدًّا، يجد الإنسان فيها صلاحًا وفلاحًا وسرورًا، بالطاعة إذا أسعد نفسه بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بقي علينا أيش؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2874
نحن الآن نتكلم عن الإجابة، الإجابة على المحرَّم واجبة على المباح، قلنا: إن العلماء اختلفوا فيها، فالظاهرية يرون الوجوب وقولهم ليس بعيدًا عن الصواب، وذكرنا الأدلة على ذلك، ويرى أكثر العلماء أن الإجابة إلى الدعوة غير وليمة العُرس، ليست بواجبة، ولكنها سنة، وعلى هذا فيكون العلماء اتفقوا على مشروعية إجابة الدعوة لكن اختلفوا هل يأثم بترك الإجابة أو لا، فما هو الاحتياط إذن؟
طلبة: الإجابة.
الشيخ: أيش الاحتياط؟ الإجابة، ليسلم الإنسان من الإثم على قول بعض العلماء، فإذا دُعِيت فأجب، لكن العلماء استثنوا من ذلك ما إذا كانت الدعوة حياءً وخجلًا، فهنا لا تُجب، كيف حياءً وخجلًا؟ إنسان مررت به وهو واقف عند بابه، يريد أن يفتح قال: تفضل، تفضل شارِكني في الغداء، شاركني في العشاء، شاركني في القهوة، تجيب أو لا تجيب؟ أخونا اسمك؟ سمعت كلامي؟ أنت واقف عند الباب تريد أن تتغدى فمر بك زميلك، قلت: تفضل تغدى معي، يجيبك أو لا يجيبك؟ يدخل معك ولَّا ينصرف؟ أيش تقول؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟ إن كان مشغولًا يروح إن كان غير مشغول يدخل؟ تفصيل جيد، إذا علمتُ أنه إنما قال لي ذلك حياءً وخجلًا، استحيا، مر عليَّ وأنا أفتح الباب في وقت الغداء فقلت له: تفضل، إذا علمت أنه قال هذا خجلًا وحياءً، وهو في قرارة نفسه لا يريد أن أدخل، فهل أدخل؟ لا، ما أدخل، وكم من إنسان حصل له إحراج عظيم، في مثل هذا الواقعة، قال لإنسان: تفضل، وذاك على شفا جُرف، فقال: أكثر الله خيرك، ودخل، هذا قد يجد إحراجًا، لعله يريد أن ينام ويؤخر الغداء، أو لعل غداءه قليل، لا يكفيه ومن معه، وإن كان هذا ربما ينزل الله فيه البركة ويكفي، لكن على كل حال العادات والمروءة، فعلى كل حال إذا علمت أنه قال لي ذلك حياءً وخجلًا، فلا أجيب، وأدعو له، وأقول: أكثر الله خيرك، وجزاك الله خيرًا، أنا مشغول، صحيح أنه مشغول؟
طلبة: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2875
الشيخ: نعم، كل إنسان مشغول، يعني هذه الكلمة لا يمكن أن تكذب فيها أبدًا، ليش؟ كل إنسان مشغول؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ» (16). لأن كل إنسان حارث أو همام، أنا مشغول، مشغول بأيش؟ مشغول بنفسي بأروح أتغدى في بيتي، أتغدى عند صديق آخر، وما أشبه ذلك، المهم أنك إذا علمت أنه إنما دعاك حياءً وخجلًا، فلا تجبه، أما إذا علمت أنه دعاك محبة وصداقة، ويود أن تشاركه في طعامه فهنا الإجابة حسب الخلاف أقل أحوالها أنها سُنَّة مستحبة، أَجِب.
فصار عندنا الإجابة إما حرام أو واجبة أو سُنة، قد تكون مكروهة، إذا كان في المكان شيء مكروه لكنه لا يستطيع أن يغيره، فهنا الإجابة مكروهة لئلا يصادف هؤلاء في كراهتها.
طالب: ( ... ) الوليمة من أهل الزوجة مكروهة؟
الشيخ: من أهل الزوجة مكروهة، أنا قلته يا جماعة؟ !
طالب: قلنا: المشروعية في حق الزوج فقط؟
الشيخ: نعم، صحيح، يعني المطلوب هو الزوج.
طالب: الإجابة الثانية مكروهة، بعض الأعراس ..
الشيخ: نعم، أحسنت الوليمة في اليوم الثاني.
طالب: بعض الأعراس تكون الوليمة في اليوم الأول عند أهل الزوجة، وفي اليوم الثاني عند أهل الزوج.
الشيخ: إي نعم، وليمة أهل الزوجة التي في اليوم الأول من الأقسام المباحة، فلا تنافي الوجوب بالنسبة لوليمة الزوج.
طالب: والإجابة يا شيخ؟
الشيخ: إجابة الزوج واجبة.
طالب: الأولى؟
الشيخ: الأولى واجبة.
طالب: يا شيخ، قلنا: مباحة.
الشيخ: الأوضاع -بارك الله فيك- أن -حسب كلامك- بعض الناس يجعلون الوليمة الأولى عند أهل الزوجة.
أقول: هذه الوليمة ما هي من الواجب، هذه من الأمور المباحة.
طالب: وإجابتها؟
الشيخ: غير واجبة إلا على رأي الظاهرية.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في اليوم السابع الوليمة للمولود يوم السابع؟
الشيخ: نعم، لا بأس بها.
طالب: ما هي سُنَّة يا شيخ؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2876
الشيخ: العقيقة سُنَّة لا شك، لكن ليس يُولم لها، ممكن تذبح العقيقة وتصدق بها على جيرانك والفقراء والأقارب بدون إيلام.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بعض الناس ( ... ) قبل الزواج قبل الدخول بالمرأة ليش
الشيخ: يولمون إي.
طالب: ( ... ) يولم عند الكتابة والأخرى ..
الشيخ: نعم، الأولى مباحة اللي عند الكتابة مباحة، واللي عند الدخول هي السُّنة، وهنا نسأل: هل الأولى أن يُقدم العقد أو الأولى أن يُجعل ليلة الدخول؟
طالب: الثانية.
الشيخ: نعم.
طالب: يا شيخ فيه تفصيل.
الشيخ: ويش التفصيل؟
الطالب: يا شيخ، أحيانًا إذا ما عقد ربما يأتي رجل آخر ويأخذها لكن إذا عقد وقالوا: خلاص، هذا فلان و ..
الشيخ: إي، بعض الناس يقدم العقد خوفًا مما قال الأخ، يعني خوفًا من أن يتراجعوا عن قبول الخطبة لكن أرى أن التأخير أحسن؛ لأنه حصلت حوادث مزعجة مؤلمة، أنه يعقد، ثم يموت، وحينئذٍ نلزم الزوجة بالعدة والإحداد، وينكسر قلبها، وتكون عليها المصيبة أشد، وكذلك أيضًا ترث منه.
افرض أنه صاحب ملايين وعنده ثلاث زوجات أو زوجة واحدة، ثم عقد على امرأة ومات عنها قبل أن يدخل بها ترث أو لا؟
طلبة: ترث.
الشيخ: تزاحم الزوجة الأولى التي لها عشرات السنين معه، وهي لم يدخل بها، فتأخيرها أولى، أما مسألة أنه يُهوِّن أو ما يهون هذه عند الله واللي ( ... ) من الزوج؛ لأنه راضٍ ما هو مهون.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، لا يلزم الإنسان، حتى لو هيؤوا له الراحلة وقالوا: التذكرة علينا لا يلزمه.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: نعم، البطاقات العامة التي يستعملها الناس الآن إذا علمت أن صاحبك يرى أنه له حقًّا عليك بصداقة أو قرابة فأجِب؛ يعني هو معينك، أما ما يفعل الآن مجاملة بس، أو إخبار بأن عنده زواج هذا لا يلزمك إن شاء الله، بارك الله فيك.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2877
قال المصنف رحمه الله تعالى: ومن صومه واجب دعا وانصرف، والمتنفل يفطر إن جبر، ولا يجب الأكل، وإباحته متوقفة على صريح إذن أو قرينة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الولائم تنقسم إلى أقسام:
طالب: منها محرم كوليمة العزاء.
الشيخ: منه ما هو محرم كوليمة العزاء، ما هو الدليل على تحريم وليمة العزاء؟
طالب: حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد الِاجْتِمَاعَ إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة (10).
الشيخ: أحسنت.
الطالب: وثبت أن النياحة من الكبائر.
الشيخ: والنياحة من الكبائر، بارك الله فيك، الثانية؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا الثالثة، الثانية من قسم المباح، ذكرنا لك أنها من قسم المكروه؟
طالب: المكروه يا شيخ.
الشيخ: إذا كانت إسرافًا، نعم، قيدها إذا كانت إسرافًا؟ الثالثة؟
طالب: الوليمة المباحة.
الشيخ: المباحة.
الطالب: يعني سائر الولائم المباحة.
الشيخ: ما عدا المطلوب، والممنوع، والمكروه.
طالب: مندوب إليها.
الشيخ: وهي؟
طالب: وليمة العرس.
الشيخ: مندوب إليها، وهى وليمة العرس، أحسنت.
هذه أقسام الولائم، الإجابة إلى هذه الولائم حكمها حكم الوليمة، إلا العرس فإن الوليمة فيه سنة والإجابة إليها واجبة؛ ولهذا قال المؤلف: (تسن بشاة فأقل) تُسَن، نائب الفاعل يعود إلى وليمة العرس، فاستفدنا بهذا حكم الوليمة وأنها على ما ذهب إليه المؤلف سُنَّة، والدليل على سنيتها قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ».
وقوله: (بشاة فأقل)، بشاة، والمراد بالشاة هنا الواحدة من الضأن أو الماعز، سواء كان ذكرًا أم أنثى.
الجزء: 2 - الصفحة: 2878
وقوله: (فأقل) يعني ولا تُسن بأكثر، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (9). فجعلوا هنا (لو) دالة على التكثير، وهذا خلاف المعهود في اللغة العربية في مثل هذا التركيب؛ إذ إن قوله: «وَلَوْ بِشَاةٍ» في مثل هذا التركيب تعني أن أقل ما يكون الشاة، وهذا هو الصحيح.
والصحيح أن كثرة الوليمة أو قلتها يعود إلى أحوال الداعي، ومقتضيات الحال، فإذا كان الداعي غنيًّا قلنا له: أولم ولو بشاة، وإذا كان فقيرًا قلنا له: أولم ولو بشاه، صح؟ نعم، بشاه الثانية يعني شاهي لكن حُذِفت منه الياء تخفيفًا، هذا ما نقوله عند التقرير والشرح لكن نقول: إن الوليمة تتبع حال الشخص؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ -أي ضيق- ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].
فأمر الله بالإنفاق من السعة لمن كان ذا سعة ومما آتاه الله لمن كان ليس ذا سعة، عبد الرحمن بن عوف كان من ذوي السعة؛ ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
في زمننا هذا المعهود أن الأغنياء يُولِمون بولائم كبيرة، وأن الفقراء -مع الأسف- يريدون أن يساووا الأغنياء في الولائم، فتجده يستدين ويقترض، وربما يستجدي الناس من أجل الوليمة، وهذا كله غلط حتى الأغنياء لا نقول لهم: إن السنة أن تولموا بشيء زائد إسرافًا بل بشيء مناسب ولا تجروا عباد الله إلى ما لا يطيقون.
(وتجب في أول مرة إجابة مسلم يحرم هجره إليها إن عيَّنَه ولم يكن ثَمَّ منكر)
اشترط المؤلف لوجوب الإجابة شروطًا، أولًا: أن تكون أول مرة، احترازًا من الثانية والثالثة والرابعة والخامسة إلى آخره، واشترط أيضًا أن يكون الداعي مسلمًا، احترازًا مما لو دعاه كافر ذمي أو معاهَد أو مستأمن فإن إجابته لا تجب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2879
الثالث: (يحرم هجره)، يعني مسلم يحرم هجره، أفادنا المؤلف رحمه الله أن من المسلمين من لا يحرم هجره؛ وذلك أن الهجر ينقسم إلى أقسام، أولًا: من يجب هجره، وذلك كصاحب البِدعة، الداعي إلى بدعته، إذا لم ينتهِ إلا بالهجر فإنه يجب علينا أن نهجره، وجوبًا؛ لأن في الهجر فائدة، وهو ترك الدعوة إلى البِدْعة، فإذا وجدنا شخصًا يدعو الناس إلا القول بخلق القرآن، أو إلى أن الله تعالى في كل مكان، وجب علينا أن نهجره، فلا نُسلِّم عليه، ولا نرد عليه السلام، ولا نجيب دعوته، ولا نتحدث إليه حديث الصديق؛ لأن هجره هنا فيه مصلحة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أمر بهجر من فعل محرمًا، وفاعل المحرم أهون ممن يدعو إلى البدعة؛ لأن البدعة مستمر دعوته إليها، وفاعل المحرم فَعَلَهُ وانتهى.
من الذين أمر الرسول بهجرهم مع فعل المعصية؟ هم الثلاثة الذين خُلِّفوا (17): كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بهجرهم، حتى إن الواحد منهم يسلم على قريبه الذي هو أحب الناس إليه، ولا يرد عليه السلام، إذن إذا كان هذا الداعي ممن يجب هجره كصاحب بدعة يدعو الناس إليها وجب علينا، بل حرم علينا أن نجيب دعوته، كذا؟ ونحن الآن في سبيل تقسيم الهجر.
القسم الثاني: من هجره سُنة وليس بواجب، الهجر المستحب الذي ليس بواجب، وهو هجر فاعل المعصية التي دون البدعة إذا كان في هجره مصلحة، كهجر إنسان يحلق لحيته، حلق اللحية حرام، فإذا رأينا شخصًا قد أصر على ذلك، وكان في هجره مصلحة وهو الرجوع إلى حظيرة السنة، فالهجر هنا أيش؟ سنة، هجره سنة، حتى يرجع، وكذلك يقال: في شارب الدخان، وكذلك يقال: في الموظف في جهات ربوية.
فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون: إنه واجب؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2880
قلنا: لا نقول: إنه واجب؛ لأننا لا نتحقق به ترك المحرم، لو تحققنا به ترك المحرم لكان الهجر واجبًا، هذا الهجر فيه أيش؟ سُنّة شرط المصلحة، فإن لم يكن في هجره مصلحة فإنه لا يُهجر؛ لأن الأصل أن هجر المؤمن حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (18).
فإذا لم يكن مصلحة بأن كان هذا الذي يحلق لحيته، لو هجرناه لازداد بُغضًا لنا، وبُعدًا منا، ونفورًا عن الحق، وبقي على حلق لحيته صار الهجر هنا حرامًا؛ إذ لا يحصل منه إلا عكس ما نريد، وأما ما يفعله بعض الإخوة الملتزمين الغيورين على دينهم من هجر أهل المعاصي مطلقًا، فغلط ومخالف للسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ».
وفاعل المعصية هل هو أخ لك؟
أخ لي مهما فعل من الكبائر، إلا إذا كفر، وعلى هذا فلا يجوز هجْر أهل المعاصي إلا لوجود مصلحة.
مر بك إنسان بيده السيجارة، فسلَّم عليك، ترد عليه السلام؟ نعم، أرد عليه السلام؛ لأن لو لم أرد لكان ذلك أشد إمعانًا في معصيته وبُغضه لك، وكراهيته للحق الذي تقول، والمقصود هو المصلحة وإزالة المفسدة.
القسم الثالث من الهجر: هجْر مُباح، لكن هذا القسم مقيد بثلاثة أيام فأقل، وهو ما يحصل من الهجر بين الإنسان وأخيه بسبب سوء تفاهم، اختلاف في قيمة مبيع، عمل عملًا مثلًا لا أرى أنه من الأدب أن يعمله معي، فهَجَرته فلي ذلك في خلال كم؟ ثلاثة أيام فقط، وهذا هجر مباح وليس مطلوبًا، وليس محرمًا هذا هجر مباح لكنه محدد بثلاثة أيام، فمن الذي لا تُجاب دعوته؟ الذي يجب هجره.
الجزء: 2 - الصفحة: 2881
الشرط الرابع: (إن عيَّنَه) يعني إن عين الداعي المدعوَّ، بأن قال: يا فلان، سأقيم وليمة لعرسي غدًا فأدعوك للحضور، هذا معين ولَّا لا، ضد التعين الإبهام والتعميم فيقول مثلًا: يا جماعة، غدًا وليمة عرسي فاحضروا، هذا ما عين، والإجابة في هذا فرض كفاية؛ لأن الخطاب موجَّه لمن؟ للجميع، فإذا جاء واحد منهم كفى، لكن لو قال: يا فلان، مثلًا قال: يا جماعة، غدًا وليمة عرسي أدعوكم إليها فاحضر يا فلان، نص عليه.
فحينئذٍ يجب إذا تمت الشروط.
الشرط الخامس: (ولم يكن ثَمَّ منكر)، (ثَمَّ) بمعنى (هناك) أي في مكان الدعوة (منكر) أي محرم؛ لأن المنكر ما حرمه الله ورسوله، فإذا تمت الشروط وجبت الإجابة.
لكن لا تجب الإجابة إلا بشرط آخر من قِبل المدعو، وهو ألا يلحقه بذلك ضرر، أو تكون الإجابة مسبوقة بدعوة أخرى، فإن لحقه بذلك ضرر لم تجب الإجابة لو كان يعلم أنه لو أجاب الدعوة لحقه ضرر بأن فاتت عليه أموال وخسرها، أو يخشى أن يوجد إنسان شرير يؤذيه، أو كانت الدعوة مسبوقة بدعوة أخرى فهنا الإجابة ليست واجبة، ومن ذلك إذا كانت الإجابة تستدعي سفرًا؛ فإنه لا يجب عليه الإجابة؛ لأن السفر يحتاج إلى شد رحل، وتفويت مصالح، وغيبة عن الأهل، وتعرُّض للحوادث فلا تلزمه الإجابة في هذا الحال لكن لو كان يلزمه أن يستأجر سيارة أجرة من بيته إلى بيت الداعي، هل تلزمه الإجابة؟
الظاهر نعم إذا كان لا يضره، فإن كان يضره أو كان في أجرة خارج عن المعهود لم تجب.
يقول: (فإن دعا الجفلى) هذا ضد قوله: (إن عيَّنه) (إن دعا) أي المتزوج (الجفلى) بأن قال: أيها الناس، هلموا إلى مأدبة عرسي، هذه جفلى، لا يلزمه أن يجيب؛ لأنه أيش؟
طلبة: ما عين.
الشيخ: لم يعينه، ودعوة الجفلى، ممدوحة عند العرب؛ لأنها تدل على الكرم، والتعيين يدل على البخل؛ ولهذا افتخر الشاعر بقومه حين قال:
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى
لَا تَرَى الْآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرْ
الجزء: 2 - الصفحة: 2882
الانتقار أن يُعيِّن، يقول: نحن في أيام الشتاء لا نقول: يا فلان، تعالَ أدعوك لتعشى عندي، لكن لا تعلم الناس، هذا يدل على أيش؟ البخل، لكن نحن نقول: أيها الناس، هلموا إلى الطعام، وما ألذ الطعام الحار في أيام الشتاء؛ ولهذا افتخر بأعلى شيء تكون فيه الدعوة مفيدة، قال: نحن ..
فإن دَعَا الْجَفَلَى أو في اليومِ الثالثِ أو دعاه ذِمِّيٌّ كُرِهَت الإجابةُ، أو دعاه ذِمِّيٌّ كُرِهَت الإجابةُ، ومَن صَوْمُه واجبٌ دعا وانْصَرَفَ، والْمُتَنَفِّلُ يُفْطِرُ إن جُبِرَ ولا يَجِبُ الأكلُ، وإباحتُه مُتَوَقِّفَةٌ على صَريحِ إذْنٍ أو قَرينةٍ، وإن عَلِمَ أنَّ ثَمَّ مُنكرًا يَقْدِرُ على تَغييرِه حَضَرَ وغيرُه، وإلا أَبَى، وإن حَضَرَ ثم عَلِمَ به أزالَه، فإن دامَ لعَجزِه عنه انْصَرَفَ، وإن عَلِمَ به ولم يَرَهُ ولم يَسمَعْهُ خُيِّرَ، وكُرِهَ النِّثارُ والتقاطُه، ومَن أَخَذَه أو وَقَعَ في حِجْرِه فله، ويُسَنُّ إعلانُ النكاحِ والدفُّ فيه للنساءِ.
(بابُ عِشرةِ النساءِ)
يَلزمُ الزوجينِ العِشرةُ بالمعروفِ، ويَحْرُمُ مَطْلُ كلِّ واحدٍ بما يَلزَمُه للآخَرِ والتكَرُّهُ لبَذْلِه، وإذا تَمَّ العَقْدُ لَزِمَ تَسليمُ الْحُرَّةِ التي يُوْطَأُ مِثْلُها في بيتِ الزوجِ إن طَلَبَه ولم تَشْتَرِطْ دَارَها أو بَلَدَها، وإذا اسْتَمْهَلَ أحدُهما أُمْهِلَ العادةَ وُجوبًا، لا لِعَمَلِ جِهازٍ، ويَجِبُ تَسليمُ الأَمَةِ ليلاً فقط، ويُباشِرُها ما لم يَضُرَّ بها أو يَشغَلْها عن فَرْضٍ، وله السفَرُ بالْحُرَّةِ ما لم تَشتَرِطْ ضِدَّه، ويَحْرُمُ وَطؤُها في الْحَيْضِ والدُّبُرِ، وله إجبارُها على غُسْلِ حَيْضٍ ونَجاسةٍ،
هذه جفَلى، لا يلزمه أن يجيب لأنه أيش؟
طالب: ما عيَّن.
الشيخ: لم يعينه، ودعوة الجفَلى ممدوحةٌ عند العرب لأنها تدل على الكرم، والتعيين يدل على البخل، ولهذا افتخر الشاعر بقومه حين قال:
نحنُ في المَشْتَاةِ نَدعو الجَفَلَى
الجزء: 2 - الصفحة: 2883
لا تَرَى الآدِبَ فِينا يَنتقِرْ
الانتقار أن يعين، يقول: نحن في أيام الشتاء لا نقول: يا فلان تعال، أدعوك لتعشى عندي، لكن لا تعلم الناس، هذا يدل على أيش؟
طالب: البخل.
الشيخ: البخل، لكن نحن نقول: أيها الناس، هلموا إلى الطعام وما ألذّ الطعام الحارّ في أيام الشتاء، ولهذا افتخر بأعلى شيء تكون فيه الدعوة مفيدة قال:
نحنُ في المَشْتَاةِ نَدعو الجَفَلَى
لا تَرَى الآدِبَ فِينا يَنتقِرْ
فإذا دعا الجفلى لم تجب الإجابة، والعجب من قول بعض الناس: لا ينبغي للعلماء وذوي الجاه أن يسرعوا في الإجابة؛ لأنها دناءة، يعني إذا دعاك أخوك لا تقول: توكل على الله، ما فيه مانع، لا تسرع بالإجابة؛ لأنها دناءة، لكنّ هذا الاختيار في مقابل النصّ، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ» (1)، وكانت الجارية تأخذ بيده تذهب به إلى بيتها، وهل أحد أشرف من الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا والله، فالصواب أن الإنسان يجيب ويكون سهلًا، والرجل الذي جاء إليك يدعوك من دون الناس لا شك أنه حريص عليك، كيف إذا قال: يا فلان، تفضل عندنا وليمة، عندنا عقيقة، وما أشبه ذلك، والله أنظر في الموضوع وما أشبه ذلك، أجب، إلا إذا كان هناك شيء يمنع؛ لأن أحيانًا الإنسان يمتنع إما لشغل أهم وإما خوفًا من افتتاح الباب؛ لأن بعض الناس ربما يعتذر لأنه يخشى أن الأمور تتكرر والناس الآن لا يُفيد بهم «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (2)، لو كان يفيد سبقك بها عُكاشة، لكان الأمر سهلًا، إذا دعاني واحد وتغديت عنده اليوم وقال الثاني: تفضل عندنا غدًا، لو قلت: سبقك بها عُكاشة واقتنع هذا ما فيه محظور، لكن أحيانًا لا يقبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 2884
طالب: يا شيخ، بارك الله فيكم، إذا كان الهجر لمصلحة الهاجر، بمعنى لا ينوي إصلاح المهجور، لكن ينوي دفع أذاه وضرره؛ لأنه سفيه مثلًا، ويخشى إن أقام معه، أو بقي يعني على علاقة به أن يلحقه من سفهه وضرره، ولا يندفع هذا إلا بالتخلص منه ..
الشيخ: إي.
طالب: ولا يمكن يتخلص منه إلا بهجره وإلا بقي يعني ( ... ) أو ..
الشيخ: يا أخي ألم تعلم أن الهجر يزول بالسلام.
طالب: بلى.
الشيخ: يكفي، أنا لست أقول: لا تهجره يعني اذهب إليه وصاحبه واجلس معه، لا، فكنت أظن أول ما بدأت السؤال أنك تقول: إذا كان لمصلحة الهاجر، وذلك أنه لو سلم على هذا لاتهمه الناس، تحول السؤال إلى هذا؟
طالب: أنا أقول: لو سلم على ..
الشيخ: يا أخي، أجب، قل: نعم، أجب الدعوة على الأقل.
طالب: طيب.
الشيخ: لو كان لمصلحة الهاجر، وهذا حق، يعني لو كان الرجل إذا سلم على العصاة أخذ الناس يهتكون عرضه يقولون: فلان ما عنده غيرَة، مرّ بفلان وسلم عليه وما أشبه ذلك، هل نقول في هذه الحالة: اهجره خوفًا من الأذى؟ الظاهر لي أنه جائز، لكن إذا كان الإنسان ذا قولٍ مقبول عند الناس وذا ميزان وشرف، فلا يبال بالناس، وليتكلم في الناس ويقول: إننا نسلم على أهل المعاصي تأليفًا لقلوبهم؛ لأن هجرنا إياهم لا يفيد، وهذا فيه مصلحة أنه يكسر هذا الذي يكون في قلوب بعض الناس من أن هجر المعاصي هو الغيرة، وهو الموالاة والمعاداة في الله عز وجل.
طالب: شيخ سؤالي ..
الشيخ: السؤال هو قد أجبتك الآن، قلت لك: ليس معنى ألا تهجره يعني ألا تسلم عليه ولا .. لا تهجره، يعني معناه: سلم عليه، وليس بلازم أن تذهب إليه في بيته أو تدعوه هو إلى بيتك.
طالب: يا شيخ، لو قيل: إن السلام رسول الكلام عادة يعني، ولو سلم عليه لطمع الثاني في ..
الشيخ: ما هو بعادة، نعم هو لا شك أنه موجب للمحبة كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام (3)، لكن لا يلزم أنه محبة أن نصاحبه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2885
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو كان المكان المدعو فيه، فيه منكر، ويعلم يقينًا أنه بالذهاب لن يزول المنكر، لكنه يرجو مصلحة متوقعة وقريبة الحصول بالذهاب هناك.
الشيخ: بينك وبين قول المؤلف في الإجابة على هذا السؤال نصف سطر.
طالب: يا شيخ، اللي عليه العمل الآن عند الناس وليمة العرس تقام من المهر الذي هو حق الزوجة، فهل تجب الدعوة بالإجابة.
الشيخ: يعني معناه أن الداعي في الحقيقة هي الزوجة؟
طالب: لا، الزوج يدعو أيضًا، ولكني أقصد وليمة العرس تقام من المهر، يعني كلهم يدعون.
الشيخ: إي هؤلاء نقول: إن دعاك الزوج فأجب، وإن دعاك أهل المرأة فالسنة الإجابة، ولا يجب، بقي علينا الحقيقة إن دعا الجفلى، إحنا ما كملناها، لكن أخشى أن أنسى في المستقبل، الآن البطاقات التي توزع تجد الزوج يطبع له مئة بطاقة أو مئتين أو أكثر، ثم يمشي على الناس ويعطيهم، حتى سمعت من بعض الناس يقف عند الإشارة في الطريق، وكلما وقف سيارة أعطاه بطاقة، هل نقول: هذه من باب دعوة الجفلى؟ نعم هي من باب دعوة الجفلى في الواقع أو شبيهة بها، لكن أحيانًا ما تصل الحال إلى هذا الحد، أنه يقف عند الإشارات ويعطي الناس، لكنه يبعث بها إلى فلان وفلان وعائلته، هل نقول: إن هذه من باب التعيين؟ الذي أرى في هذه المسألة أنها تنقسم إلى قسمين: قسم أعلم أنه إنما دعاني لأنه يودّ أن أحضر لصداقة بيننا أو قرابة بيننا، أو جيرة، فهذا لا شك أنه تعيين.
وقسم آخر أرسل إليَّ البطاقة مجاملة وخجلًا وإعلامًا بالزواج فقط، هذا لا تجب الإجابة، ليس بتعيين لأني أعرف أني لولم أجب أن الثاني لا يكون في قلبه شيء، نعم، حتى إنه ربما يرسل إليَّ البطاقة وهو يعلم أنني لست بحاضر، قد يعلم أن عندي أنا زواجًا في بيتي مثلًا لكن يرسل البطاقة احترامًا وخجلًا وإعلامًا بأن عنده عرسًا، هذا ليس من التعين في شيء ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2886
الطالب: أو في اليوم الثالث، أو دعاه ذمي، كرهت الإجابة، ومن صومه واجب: دعا وانصرف، والمتنفل يفطر إن جبر، ولا يجب الأكل، وإباحته متوقفة على صريح إذن أو قرينة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فَإِنْ دَعَا الجَفَلَى) هذا ضد قوله: (إن عينه)، إن دعا الجفلى يعني قال للناس: هلموا إلى الطعام، لم تجب الإجابة؛ لأنه لم يعينه، (أو) دعا (في اليوم الثالث)؛ لأنا نحن قلنا: الوليمة أول يوم هي السنة، ثاني يوم معروف يعني من المباح، ثالث يوم رياء وسمعة، إذا دعاه في اليوم الثالث فإنه لا يجيب، طيب هل من دعوة الجفَلى أن ترسل رسولًا وتقول: ادع لي من لقيت.
طلبة: نعم.
الشيخ: لا، ليس منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أنس بن مالك رضي الله عنه وقال له: «ادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ» (4) وادع من لقيت يعني معناه إذا رأى شخصًا قال: تفضل في البيت، لكن الجفلى يقول: أيها الناس، هلموا إلى الطعام، فبينهما فرق، دعوة الجفلى عامة، وادع لي من لقيت خاصة.
(أو دعاه ذمي كُرهت الإجابة) من الذمي؟ الذمي هو الذي عقدنا معه الذمة على أن يُقيم في بلادنا بلاد الإسلام ونأخذ منه الجزية ونحميه، وهل الذمي خاص بأهل الكتاب أم عام؟ في ذلك قولان للعلماء:
قول أنها لا تعقد الذمة إلا لأهل الكتاب اليهود والنصارى.
والقول الثاني: تعقد لكل كافر من اليهود والنصارى والمشركين والملحدين وغيرهم، وهذا الثاني هو الأرجح.
هناك معاهَد، وهناك مُستأمِن بكسر الميم، وهناك حربي، فالكفار ثلاثة أصناف، بل أربعة أصناف:
ذمي، ومعاهد، ومُستأمِن، وحربي.
الذمي هو الذي عقدنا معه عهدًا وذمة على أن يقيم معنا في بلادنا ونحميه مما نحمي منه أبناءنا وندافع عنه، ونعامله معاملة المسلمين إلا في إقامة الحدود فيما لا يعتقدون تحريمه كالخمر مثلًا، وهذا أخص الكفار بالمسلمين.
الجزء: 2 - الصفحة: 2887
الثاني: معاهد: وهو الذي عاهدناه على وضع الحرب بيننا وبينه؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، مع من؟
طالب: قريش.
الشيخ: مع المشركين في صلح الحديبية، هؤلاء آمنون في بلادهم وآمنون إذا جاءوا إلينا بدون أن نعقد أمانًا لكل واحد، يكون العقد مع أهل الحل والعقد.
الثالث: مُستأمِن: المستأمن هو الذي أُعطي أمانًا على أن يدخل في بلادنا ويخرج آمنًا، كتاجر من أهل الحرب مثلا طلب منَّا الأمان أن يدخل إلى البلد ليبيع تجارته ويشتري ما شاء ويمشي، هذا ليس كالمعاهد، المعاهد قلنا: إنه عقد.
طالب: عام.
الشيخ: عام، ولذلك العهد لا يعقده إلا الإمام أو نائب الإمام، الأمان يكون من كل واحد من المسلمين، لو أن امرأة عجوزًا لها مئة سنة إلا سنة واحدة أعطت الكافر أمانًا ليدخل إلى البلاد، يعني وجدت مهندسًا جيدًا كافرًا، حربيًّا من اليهود مثلًا، نعم، فأعطته أمانًا، يدخل إلى بيتها يصلح عندها مجاري البول والغائط، نعم، يأمن ولَّا ما يأمن؟
طلبة: يأمن.
الشيخ: كافر حربي لم يؤمنه الإمام.
طلبة: يأمن.
الشيخ: ولا نائب الإمام يأمن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، يأمن، قد يقول قائل: إنه لا أمان إلا لمن دخل ليسمع كلام الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6].
الجزء: 2 - الصفحة: 2888
عرفت؟ طيب قلنا: الآية دلت على أن من طلب الأمان ليسمع كلام الله فيعطى ما قال ليأخذ القرآن يقرؤه، قال: ليسمع كلام الله، ولهذا لو طلب منَّا الكافر أن يأخذ القرآن يقرؤه وقال: أعطوني القرآن أقرؤه وأشوف هل أسلم ولَّا لا، قلنا: لا، بخلاف من قال: أعطوني أشرطة أسمعها، فهذا قد نقول: نعطيه؛ لأن الله قال: حتى يسمع كلام الله، وقد نقول: لا نعطيه لأنه قد يهين الأشرطة، نقول: ليس الأمان خاصًّا بهذه الصورة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلت عليه أُم هانئ أخت علي بن أبي طالب، فهي أم هانئ بنت؟
طالب: بنت هانئ.
طالب آخر: أبي طالب.
الشيخ: بنت هانئ يا رجل أيش هذا! هي أم هانئ، أنا قلت لكم: إنها أخت علي بن أبي طالب، فتكون أم هانئ بنت؟
الطلبة: أبي طالب.
الشيخ: أبي طالب، دخلت على الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يغتسل مستترًا بثوب، فسلمت عليه، قال: من؟ قالت: أم هانئ، قال: مرحبًا بأم هانئ، فقالت: إن ابن أمي علي بن أبي طالب زعم أنه يقتل فلانًا الذي أمنته وأجرته.
وذلك في حرب مع المشركين، فتح مكة، قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (5)، فصحَّ الأمان من أيش؟
طالب: امرأة.
الشيخ: من امرأة، فهل هذا قد أجرنا من أجرتِ، هل هذا إجازة، أو تشريع؟
الطلبة: تشريع.
الشيخ: الأصل أنه تشريع، يعني لو قال قائل: الإجارة لم تتم بإجارة أم هانئ، بل بإجارة النبي صلى الله عليه وسلم له، نقول: هذا خلاف الأصل، ولهذا لم يقل: قد أجرناه، قال: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ»، فأضاف الإجارة إلى نفس المرأة، هنا يقع إشكال، وهو أن يقول قائل: إذن كل إنسان من المسلمين يستطيع أن يجلب من اليهود وغير اليهود من الحربيين إلى بلادنا ويقول: أنا قد أمنته، صح ولَّا لا؟
طالب: صح.
الشيخ: صحيح.
الطلبة: صحيح.
الشيخ: هذا فيه مفسدة ولَّا ما فيه؟
الطلبة: فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2889
الشيخ: فيه مفسدة، يعني كل إنسان له هوى مع كافر يجيبه ويقول: أمنته، نقول: المسألة الآن حُفظت بأنظمة يُحفظ بها الأمن، وهو أنه لا يمكن أن يدخل أحد من خارج البلاد إلا بإجازة الدولة، حتى المسلم، ما يمكن يدخل إلا بجواز، فالمسألة الآن حفظت بقواعد عامة لجميع الأمم، فيكون هذا، أي كونه لا يأمن إلا بأن توافق الحكومة على دخوله، هذا من باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
تمام، طيب، على كل حال إحنا استطردنا كثيرًا لكن نرجو أن يكون نافعًا.
قوله: (أو دعاه ذمي)
الطلبة: الحربي.
الشيخ: بقي الحربي، الحربي ليس له أمان، الحربي في أي مكان وجدته قُص رقبته وخُذ منه ماله؛ لأنه مباح الدم وليس له أمان ولا عهد ولا ذمة، كما أنه لو وجدك أيش؟
طالب: سيقتلك.
طالب آخر: قتلك.
الشيخ: ويش يعمل لك؟ يقول: تفضل.
طالب: يقتلني.
الشيخ: على فرش ممدودة ولَّا أيش؟
طالب: يقتل تفضل على سيفي.
الشيخ: يقطع رأسك، أيضًا أنت اقطع رأسه، حربي وخذ ماله؛ لأنه لا حرمة له ولا لماله.
يقول المؤلف: (إن دعاه ذمي كُرهت الإجابة) يعني يُكره أن يجيب، وهذه المسألة الأخيرة، فيها تفصيل القول الراجح أن فيها تفصيلًا، إن رأى مصلحة في إجابته فليجب، ولا كراهة في ذلك، بل هو من السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة اليهودي، الذي دعاه إلى خبز شعير وإهالة سَنِخة (6)، لكنه عرض عليه الإسلام فأسلم، فإذا كان في إجابة الذمي مصلحة فإجابته ليست مكروهة.
يقول رحمه الله: (كُرهت الإجابة، ومن صومه واجب دعا وانصرف) يعني أنه إذا دعاك صاحب الوليمة في أول مرة يجب الإجابة ولَّا لا؟
طالب: نعم يجب.
الشيخ: لكن أنت صائم في كفارة يمين أو في قضاء رمضان، ومن كان صائمًا صوم فرض فإنه لا يجوز أن يقطعه، فماذا أصنع؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2890
أصنع أولًا أعتذر إليه أقول: والله أنا صائم، فإذا قال: لا بد من حضورك فقدك يُؤثر علي، أنت قريب مثلًا، أو أنت صاحب صديق لا بد تحضر، ولم يسمح لك تحضر أو لا تحضر؟
طلبة: تحضر.
الشيخ: يحضر، لكن يقول: (من صومه واجب دعا وانصرف) يعني حضر ودعا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» (7) أي فليدع، تحضر تدعو بالدعاء المناسب، لكن ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجلس على المأدبة، يعني لا يجلس على الطعام، يعني يدخل ويسلم ويدعو بالبركة وينصرف، لكن أكمل من ذلك أن يجلس على المأدبة، يجلس مع الناس، فهمتم؟ وكيف يعمل؟ يجلس ويحط إيده هكذا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، لا .. ينفع الناس يوزع، يوزع عليهم لحمًا، يقرب صحن الإدام مثلًا، يهدي من لا يهتدي إلى شيء من الطعام، المهم يستطيع أن يتخلص.
فهل الأفضل هذا أو الأفضل أن يفعل ما هو ظاهر كلام المؤلف؟
الطلبة: الأول.
الشيخ: الأول، الأول احضر واجلس معهم ولا هو بلازم طيب، الشرب، الأكل معلوم ما هو بيأكل؛ لأنه لو رفع اللقمة وحطها عند فمه ثم ردها ما هو طيب، لكن الشرب، يمكن يأخذ الكأس ويدنيه من فمه ولا يشرب وكأنه يشرب إذا كان يحب أن يستر نفسه وأن يُخفي صومه.
قال: (والمتنفل يفطر إن جبر) فصار الصائم له حالان:
الأولى: أن يكون صومه واجبًا، فهذا أيش؟
الطلبة: يواصل.
الشيخ: لا يفطر، الثانية: أن يكون صومه نفلًا، ففيه التفصيل، إن كان إذا أفطر وأكل جبر قلب صاحبه وشرح صدره، فالأفضل أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أن يُفطر ويأكل، وإن كان الأمر سيين عند صاحبه، فالأفضل أن يبقى على صومه، وهذا مأخوذ من القاعدة التي أشرنا إليها في القواعد، وهي (ورُب مفضول يكون أفضل)، لا شك أن بقاء الإنسان في صوم النفل أفضل من الفطر، لكن هنا الفطر صار أفضل من أجل جبر خاطر صاحبه، طيب الصائم إذن المتنفل نقول: إن كان في إفطاره جبر لقلب صاحبه، فهو أفضل وإلا فلا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2891
قال: (ولا يجب الأكل) يعني: لا يجب على الحاضرين أن يأكلوا، انتبهوا لهذه المسألة، حضر الناس أجابوا الدعوة لأن إجابة الدعوة واجبة، وبسط الطعام وقال: تفضلوا، فقالوا: أنعم الله عليك وانصرفوا، على كلام المؤلف جائز ولَّا ما هو بجائز؟ لأنه يقول: لا يجب الأكل، لكن هل هذا مناسب؟ غير مناسب، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ أَخَاكُمْ قَدْ تَكَلَّفَ لَكُمْ» (8) وأمرهم أن يأكلوا، وكل الناس يقولون: لو أن هؤلاء لم يحضروا لكان أحسن مما إذا حضروا وانصرفوا بدون أكل؛ لأنهم إذا حضروا وانصرفوا بدون أكل صار عليه علامات استفهام، ولَّا لا؟ يقول الناس: هؤلاء امتنعوا من الأكل لأن أكله حرام، مسروق، يأكل الربا، وما أشبه ذلك، لهذا نرى أن الأكل واجب، على الأقل نقول: واجب كفائي، بمعنى أنه إذا حضر على المائدة من تحصل بهم الكفاية وجلس من لم يأكل فلا بأس، لكن أما أن نقول: إنه ليس بفرض وإنه يجوز للجميع أن ينصرفوا بدون أكل، فهذا بعيد من الصواب، فالصواب أن الأكل أيش؟
طالب: فرض كفاية على الأقل.
الشيخ: أيش يقول؟
طلبة: فرض كفاية على الأقل.
الشيخ: إي نعم، على الأقل أن نقول: فرض كفاية، وإنه لا بد أن يأكل من تحصل به الكفاية ممن حضر.
ثم قال: (وإباحته متوقفة على صريح إذن أو قرينة) هذا رجل قدّم الطعام بين الحاضرين لا يمكن أن يتقدم أحد إلى الطعام إلا إذا أُذن له، طيب الرجل قدّم الطعام والشراب وذهب إلى البيت، وهؤلاء جالسون، أيش نعمل؟
طالب: لا بد من إذن.
الشيخ: لا بد يأذن يقول: تفضلوا، أليس إيجاد السماط، ووضع الطعام والشراب عليه أليس إذنًا؟
طالب: بلى.
الشيخ: نعم.
طلبة: على حسب العرف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2892
الشيخ: على حسب العرف، ولهذا قال: أو قرينة، والحمد لله أنه أتى بكلمة أو قرينة، فإذا دلت القرينة على أن تقديم الطعام إذن فإننا نتقدم، وإن لم يقل: تفضلوا، لكن إذا كان فيه احتمال أنه دخل إلى البيت ليأتي بالبقية، نعم، ولنفرض أنه دخل البيت ليأتي بالإدام، والإدام وجده لم ينضج، باقي على نضجه نصف ساعة، أيش نعمل؟ نتقدم ما دمنا نعلم أن هناك قرينة أنه ذهب من أجل أن يأتي بالبقية، فإننا ننتظر حتى يأتي بها، ولو طال الزمن؛ لأننا لو تقدمنا قبل أن يأتي بالبقية لكان في هذا تفشيل له وإخجال له، لكن ينبغي لصاحب البيت ألا يقدم الطعام حتى يتكامل حتى لا يحصل مثل هذا.
ثم قال: (وإن علم أن ثم منكرًا) نقف عليها.
طالب: أحسن الله إليك، أحيانًا يدعى الشخص إلى وليمة ويكون صاحب الوليمة إما أباه أو أخاه شقيقه، يعني ممن لهم رحم قوية معه، لكن وليمة يكون فيها منكر، واضح؟
الشيخ: ستأتينا في كلام المؤلف.
طالب: شيخ أرأيتم لو أن ( ... ) أمنه شخص هل يأمن؟
الشيخ: ربما لا يأمن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ» (9)، وعبد الله بن خطل تعلق بأستار الكعبة، فأمنه الصحابة، أمنوه لأن الرسول قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ» لكنه لعِظَم جرمه وعدوانه استأذنوا من الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسولَ اللهِ، هذا عبدُ اللهِ بنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال «اقْتُلُوهُ» (10).
طالب: هذا يقيد مسألة استئمان الحربي؟
الشيخ: لا، ما يقيد؛ لأن الصحابة أمنوه، وإلا لقتلوه قبل أن يستأذنوا.
طالب: هذا خاص بهم؟
الشيخ: هذا خاص يعني معناه أن الإمام لو رفع الأمان عن شخص، الإمام نفسه، ما هو كل واحد، فله ذلك، وعلى هذا فإذا ألغى الإمام تأمين هذه المرأة مثلًا فله هذا، لكن لا يحلّ للإمام أن يهتك أمان أحد إلا لسبب، نعم أصول الفقه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2893
والشك وعدم العلم بالكلية، إن علم أن ثم منكرًا فإن ظن فلا عبرة بالظن، وإن شك يعني مترددًا فلا عبرة بذلك، وإن جهل ولم يعلم عن شيء ولم يعتقد شيئًا فلا عبرة به، يعني إذا علم أن ثم منكرا بأن قيل له: إن هذه الوليمة قد دعي إليها العازفون والمغنون، وفيها اختلاط بين الرجال والنساء، وفيها تصوير، وما أشبه ذلك هذا منكر، فهل يحضر أو لا؟ فصل المؤلف رحمه الله؛ قال: (إن كان يقدر على تغييره حضر وغيره) إن كان يقدر على التغيير حضر وجوبًا أو جوازًا؟ حضر وجوبًا، والوجوب هنا من وجهين:
الوجه الأول: أنها دعوة إلى وليمة عرس.
والوجه الثاني: أنها سبب لإزالة المنكر، وإزالة المنكر واجبة، والسعي إلى إزالة المنكر واجب، وعلى هذا فإذا علم أن في الوليمة منكرًا، وهو قادر على التغيير، وجب أن يحضر، استجابة للدعوة من جهة، وتغييرًا للمنكر من جهة أخرى، كيف يقدر على تغييره؟
إذا علمنا أنه رجل مُطاع، رجل مطاع إما لعلمه، أو لسلطته، أو لجاهه، أو ما أشبه ذلك، هذا يعلم أنه قادر على التغيير، فهنا نقول: احضر وغير وجوبًا، يقول .. نعم، حضر وغير وإلا أبى، يعني وإلا بأن علم أن ثمة منكرًا لا يقدر على تغييره، أبى يعني امتنع، وحينئذ لا يحل أن يحضر.
الجزء: 2 - الصفحة: 2894
قد يقول قائل: تعارض عندنا أمران؛ وجوب الدعوة وتحريم الحضور، فيقال: الدعوة هنا إجابتها غير واجبة؛ لأن هذا الذي يريد أن يقر المنكر لا حرمة له، ولا يجاب، حتى لو كان أقرب قريب إليك لا تُجبه، ما دمت تعلم أن ثمة منكرًا، وأنك لا تقدر على تغييره، لا تحضر، لو كان أقرب الناس إليك، فإذا قال: هذا الذي دعاني وهو من أقاربي إلى وليمة فيها منكر، إن لم تحضر فزوجتي طالق، إن لم تحضر فزوجتي طالق، وكان هذا آخر تطليق للزوجة .. أقول له: وإن شئت فطلق الأخرى، ولا يمكن أن أحضر؛ لأن طاعة الله ورسوله أوجب من أن أحضر إليك، ثم إنك أنت الآن لا حق لك، أنت الذي أهنت نفسك بإحضار المنكر، ونصارحه في هذا، نصارحه، ربما إذا صارحناه عدل عما يريد، وأزال المنكر، فالمجاملة في دين الله غير جائزة ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]، لا تجامل.
فإذا قال قائل: هذا في حقوق هذا ابن عمي وقريبي وزوجته سوف تطلق أقول: أنا ما .. لم أكلفه شططًا، بل أنا كلفته أمرًا سهلًا، يسلم به من الإثم، ويسلم به من سوء السمعة، ويسلم به من إنفاق المال، مصالح كثيرة، ما أركبته شططًا حتى أقول: إني عاق، أو إن كان أبًا أو قاطعًا إن كان غير أب.
يقول: (وإلا أبى) إذا لم يقدر فإنه يأبى.
طيب إن ظن ولم يعلم فالأصل وجوب الإجابة، الأصل وجوب الإجابة، فيحضر، ثم إنْ تحقق ظنه تأتي الحالة الأخيرة أنه إذا علم به بعد الحضور فإن قدر على تغييره غيره وإلا انصرف، ولهذا قال: (وإن علم به) لا ما ذكره، إذا كنت أظن أن في الدعوة محرمًا وأنا لا أستطيع التغيير، فهل أذهب أو لا؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: يجب.
الشيخ: يجب أن أذهب؛ لأن الدعوة الآن محققة، ووجوب الإجابة محقق، والمنكر محقق ولَّا غير محقق؟
طالب: غير محقق.
الشيخ: غير محقق، وما ليس بمحقق لا يمكن أن يُسقط محققًا، فاذهب ثم إن وجدت منكرًا وصدق ظني غيرته، فإن لم يمكن انصرفت.
الجزء: 2 - الصفحة: 2895
طيب إذا قال قائل: ألا تُجوِّزون له أن يذهب ويجعل في أذنيه قطنًا لئلا يسمع، ويغمض عينيه لئلا يرى، فما نقول؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن الله قال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا﴾ يعني إن قعدتم ﴿مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]. فلا يجوز.
يقول رحمه الله: (وإن علم به ولم يره ولم يسمعه؛ خير): خير بأيش؟ بين أن يجيب أو لا يجيب، وهذا في الواقع فيه نظر؛ لأنه إذا علم أن في الوليمة منكرًا لكنه مثلًا في جهة ثانية في الحجرة الثانية، وحضر دون أن يُنكر، صار هذا نوع أيش؟
طلبة: إقرار.
الشيخ: نوع إقرار، ولهذا نرى خلاف ما قال المؤلف، نرى أنه إذا علم به ولم يره ولم يسمعه، وجب عليه الإنكار، فإن لم ينقادوا لقوله، فليخرج تعزيرًا لهم على الاستمرار في المعصية، علمتم هذا؟ المؤلف رحمه الله يقول: يُخير؛ إن شاء بقي وإن شاء انصرف، ولكن نقول: لا، الأولى أن يقول: يا جماعة أنتم عندكم الآن منكر في الغرفة الثانية، فإما أن تُزيلوه وإما ألا أقعد، فلا يخير، نعم لو فُرض أنه في هذه الحال لو انصرف لصار فيه قطيعة رحم، فهنا قد نقول: بقاؤه أولى لأنه لم ير ولم يسمع، ولكن يعظ وينصح ويُنكر، فإن لم يستجيبوا فلا بأس أن يجلس؛ لأنه ليس مع الذين يفعلون المنكر.
الجزء: 2 - الصفحة: 2896
ثم قال: (وكره: النثار والتقاطه) كره النثار، النثار معناه أن ينثر الزوج أو غيره من أقاربه، أو أقارب الزوجة، ينثرون الدراهم أو الدنانير أو الحُلي على الحاضرين، يأخذ من الدرهم بيديه كذا، ثم يرمي بها نحو الحاضرين، يقول المؤلف: إن هذا مكروه، لما يحصل به من المضرة؛ لأن الناس قد يتدافعون فيقتل بعضهم بعضًا، وفي وقتنا الحاضر فيه مفسدة ثانية، قد يتدافعون ويمسك واحد بطرف الورقة والثاني بطرفها ثم تتمزق، لا تصلح لهذا ولا لهذا، كما هو الواقع فيما إذا كان مع الإنسان رسائل صغيرة يوزعها على الناس ثم تدافعوا حولها، تجد واحدًا يأخذ جانب الكتاب من جهة، والثاني من جهة، ثم يأبى كل واحد أن يتنازل للآخر، فيتمزق الكتاب.
فالنثار إذن مكروه؛ لأن فيه مباهاة، وإن كان من الطعام ففيه أيضًا إهانة للطعام، التقاطه مكروه، كيف التقاطه مكروه؟ إنسان نثر بين أيدينا دراهم، نقول: لا تلتقطها، ليش؟ قالوا: نعم مكروه؛ لأنه دناءة، الإنسان ينبغي أن يربأ بنفسه عن التزاحم والتلاحم، دناءة، فلا ينبغي أن تلتقطه، لكن الدراهم أمامي الآن كيف لا آخذها؟ ولهذا يُقال: إن التعليل في التقاطه ليس لأنه دناءة، لكنه تعزير لفاعله؛ لأن امتناعنا من التدافع إليه احتجاج فعلي على فعل هذا الرجل الذي نثر، السؤال أسألكم الآن: هل هذا موجود عندكم في بلادكم؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: موجود، إي.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو موجود عندنا، الحمد لله، مع أن البلاد يقال: إنها بلاد نفط، نعم.
طالب: في بعض المناطق يرمون الحلوى.
الشيخ: الحلوى.
طالب: نعم.
طالب آخر: يا شيخ.
الشيخ: نعم.
طالب: العكس ( ... ).
الشيخ: ها؟
طالب: مثلا عندنا في الختان يقع ( ... ).
الشيخ: أيش؟
طالب: في الختان مثلًا ..
الشيخ: لا، أنا اللي في الزواج.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، بس أسألكم: هل هذا موجود عندكم في النكاح؟ عجيب والله.
طالب: الحلوى فقط.
الجزء: 2 - الصفحة: 2897
الشيخ: الحلوى هكذا يرمي بها، إي، حتى الحلوى داخلة في كلام المؤلف، يعني سواء دراهم أو حلوى أو غيرها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا عندكم في مصر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: من يعرف ( ... ) هذا الشيء لكن رز مطبوخ ولَّا غير مطبوخ، من اللي بيقدر يلقط حبة حبة، إذا كان طيور، ما أدري عنهم، على كل حال هذا عندنا غير موجود، كان موجودًا عندنا، كلما دخل شهر المحرم نثروا هذا من على السطوح، يجتمع أناس كثيرون عند البيت من الصبيان الصغار، ثم يرمون عليهم أطعمة، إما تمر يابس وإلا قرصان يابسة ولَّا حمص ولَّا ما أشبه ذلك، والصبيان كما تعرفون يعني لا .. ويغنون أيضًا، يغنون لهذا الولد الذي نثروا له، نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هو انقطع عندنا والحمد لله انقطع، طيب يقول:
(ومن أخذه أو وقع في حجره فله) يعني معناه إذا نُثر النثار سواء دراهم أو أطعمة أو غيره، من أخذه فهو له، ومن وقع في حجره فهو له، كيف يقع في حجره يعني مثلًا هم عند النثار يقولون هكذا بثيابهم هكذا، علشان تكون مساحة واسعة، فإذا سقط في حجره شيء فهو له.
ثم قال المؤلف: (ويسن إعلان النكاح) إعلان النكاح سُنة، ولم يذكر المؤلف بأي وسيلة يعلن، فيُقال: أيّ وسيلة يحصل بها الإعلان فإنه سنة، فمثلًا إيقاد القناديل عند بيت الزوج أو الزوجة من الإعلان ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: من الإعلان، إرسال البطاقات من الإعلان، لكن هل نبالغ في الإعلان بحيث نضع عند منعطفات الأسواق إعلانات بأن فلانًا يتزوج الليلة؟ الظاهر لا؛ لأن هذا فيه إسرافًا من وجه، وفيه أنه قد يكثر الناس ويحصل في ذلك مضايقة وتزاحم، لكن الإعلان بحسب الإمكان.
وهل من الإعلان ما يفعله بعض الناس الآن من ضرب البواري في السيارات؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، الآن إذا سمعنا ضرب البواري في السيارات بكثرة قلنا: الليلة فيها زواج.
طيب من تزوج، فلان مثلًا، لا أحد يمكن يكون معروفًا، فهل نقول: هذا من الإعلان؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2898
الواقع أنه من الإعلان حقيقة، لكن فيه مفسدة، المفسدة هي أن أصحاب السيارات إذا جعلوا يضربون البواري صار لها أصوات منكرة مزعجة من وجه، ثم إن الواحد منهم يعني يكون له نشوة، ربما تتضارب السيارات وتتصادم من النشوة والسرعة، فمن أجل هذا نرى أنه لا ينبغي أن تُفعل.
قال: (والدف فيه للنساء)، يعني: ويُسن الدف فيه للنساء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» (11)، وأمر أن يُبعث بمن يغني إلى بيت الزوجة، يعني من النساء، وتضرب الدف، لكن أقول: للنساء خاصة؛ لأن الدف إنما كان معروفًا عند النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فتدف المرأة وتغني، لكن بأي غناء؟ بالغناء النزيه الطيب المنبئ عن السرور والبهجة، مثل: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم، وما أشبه ذلك من الكلمات الترحيبية الطيبة، أما أن توضع الأغاني الماجنة في هذا المكان فلا يجوز؛ لأنها تشتمل على شيء محرم، وتهييج الغرائز، وفيها مفسدة.
هل يجوز الدف بالطبل؟ الجواب: لا يجوز.
والفرق بين الطبل والدُّف أن الدف مستور من جانب واحد، الجانب الثاني مفتوح، والطبل من الجانبين، مغطى من الجانبين، فيكون رنين الطبل أشد من رنين الدف، فيكون أوقع في النفوس، وأشد للنشوة، والمعازفُ في الأصل حرام، لم يُستثنَ منها إلا الدف، فيقتصر على ما به الاستثناء.
وقوله: (للنساء) احترازًا من الرجال، فالرجال لا يدفون، فيُقتصر على الصورة التي وردت فيها الإباحة فقط.
طالب: ( ... ) ولو كان من أقرب قريب.
الشيخ: نعم.
طالب: وإذا قال مثلًا الوالد لابنه ودعاه، إن كان عنده وليمة عرس، قال: إذا لم تحضرها فأنت عاق، فهل يحضر أم أنه إذا لم يحضر سيعق والده أو أمه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2899
الشيخ: إذا قال الأب: إن لم تحضر فأنت عاق، أقول له: إن ميزان العقوق ليس عندك، ميزان العقوق من الشرع، والشرع يمنع طاعة المخلوق في معصية الخالق، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا (15)﴾ [لقمان: 14، 15]. ﴿جَاهَدَاكَ﴾ أي: بلغا الجهد والإلزام الشديد ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].
طالب: بارك الله فيكم، هل مما رجحناه أن الإنسان إذا علم بالمنكر ولم يره ولم يسمعه، اللي بيحصل الآن يا شيخ في صالات الأفراح نسمع دفوف النساء ويستمر ساعات، والإنسان يكاد يجزم أن فيها دفوفًا يعني فيها طبل وأصوات، أصوات النساء يعني، هل هذا يزال ولَّا يخرج الإنسان؟
الشيخ: والله في الواقع أن مسألة سماع غناء النساء في هذا يعني أنا متردد هل هو حرام .. لأن كون الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ابْعَثُوا مَعَهَا مَنْ يُغَنِّي؛ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ» (12) هل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أن المرأة سوف تبقى في كنٍّ لا يسمعها أحد؟
طالب: لا.
الشيخ: ما هو بالظاهر، وصوت المرأة نفسه ليس بعورة بنص القرآن؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: 32].
يعني ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32] فليس صوت المرأة عورة أبدًا، حتى النساء يأتين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسألنه والناس حاضرون، فأنا عندي إشكال فيما إذا كانت أصوات النساء تسمع في العرس، اللهم إلا رجلًا تتحرك شهوته بذلك فليقم، لكن رجل عادي سمع أصواتهن فهذا .. هل سمع منكرًا، أسألك؟
طالب: نعم يا شيخ الآن ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2900
الشيخ: أسألك بس لا تقول: شيخ ولَّا ما شيخ، أسألك هل سمع منكرًا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما سمع منكرًا، إذن لا بأس أن يبقى إلا من علم من نفسه -وهذه يختلف الناس فيها- أن شهوته تتحرك، فهذا يجب أن يقوم.
طالب: يا شيخ، الآن دفوف النساء صارت حتى الفجر، بل قبيل الفجر ..
الشيخ: لا دعنا عاد مسألة الإطالة وإيذاء الجيران هذا شيء آخر.
طالب: لكن يا شيخ لو قام الإنسان حتى لو كان ..
الشيخ: الآن تحديد البحث ما هو في أنه يطلن أو يرفعن أصواتهن بمكبرات الصوت الذي يزعج الناس، كلامنا في سماع صوت غناء النساء في هذه المناسبة.
طالب: يا شيخ أنا أسأل عمليًّا ( ... ).
الشيخ: عمليًّا بارك الله فيك نقول: لا بأس نعطي النساء بعض الحرية ساعة أو ساعة ونصفًا مثلًا ثم نغلق.
طالب: ما يحصل هذا.
الشيخ: يعني أقول: هكذا يجب، يعني الواجب على ولاة الأمور أو على المسئولين عن صالات الأفراح أن يتخذوا هذا النظام، وكان عندنا ما أدري هو إلى الآن موجود هذا النظام بعد الساعة الثانية عشرة، ما يمكن يسمح، يعني يجب يغلق المكان.
طالب: عندنا يا شيخ في البيوت يجلسون حتى قبيل الفجر، وإذا أقبل الفجر ناموا عن الصلاة.
الشيخ: إي يمكن ما فيه إشكال، هذا وارد.
طالب: لكن يا شيخ لو مثلًا واحد قام ( ... ) وعلم الناس أن فلانًا قام سوف أقل شيء يعرفون هذا فيه شيء من المنكر؛ لأن صار الآن الناس تعارفوا عليه، وكأن ..
الشيخ: ما يخالف، على كل حال ما دام فيه مصلحة، فالإنسان يتبع المصلحة، لكن كلامنا على أنه ما يتعلق به مصالح.
باب عشرة النساء
طالب: باب عشرة النساء
يلزم الزوجين العشرة بالمعروف، ويحرم مطل كل واحد بما يلزمه للآخر والتكره لبذله.
وإذا تم العقد لزم تسليم الحرة التي يوطأُ مثلها في بيت الزوج إن طلبه، ولم تشترط دارها أو بلدها.
وإذا استمهل أحدهما أُمهل العادة وجوبًا، لا لعمل جهاز.
ويجب تسليم الأمة ليلًا فقط.
الجزء: 2 - الصفحة: 2901
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: (باب عشرة النساء) أي معاشرة الزوجات، وهي التعامل بين الزوج وزوجته، يقول المؤلف: يلزم كل واحد (يلزم الزوجين العشرة بالمعروف).
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
فالحكم واضح، والدليل واضح، وقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أحال الله عز وجل المعاشرة إلى المعروف، وعليه فتكون المعاشرة مختلفة باختلاف الأزمان والأحوال والأمكنة، فيكون هذا من العشرة بالمعروف عند قوم وليس عند آخرين، ويكون هذا واجبًا على شخص دون شخص حسب الحال، فمثلًا إذا كُنا في بلاد لا تخدم المرأة زوجها في بيته، فهنا نقول: يجب عليه أن يأتي بخادمة، ولا يخدمها؛ لأن هذا هو المعروف، وإذا قال لها: اطبخي لنا الغداء معي ضيف، لها الحق أن تقول: اطبخه أنت، إذا كنا في بلد ليس من العادة أن المرأة تخدم الزوج، وإذا كنا في بلد من العادة أن المرأة تخدم الزوج في الطبخ والغسيل وتنظيف البيت وحلب الشاة وما أشبه ذلك، ألزمناها بها، ألزمناها بذلك، فإذا قالت: البلاد الفلانية لا يلزمون الناس بهذا، لا يلزمون الزوجات بهذا، يقول: إن الله قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، في بلاد الكفار يقدّمون المرأة على الرجل، حتى سمعنا أن الرجل تمشي زوجته أمامه وطفلها المحمول على الكتف، مع من؟
الطلبة: مع الزوج.
الشيخ: مع الزوج، وإذا كان أكبر من الكتف فبالعربية، والذي يدفه من؟
الطلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، والمرأة أمامه سيدة، هذا موجود أظن.
طالب: نعم.
الشيخ: موجود، لو أن أحدًا من النساء عندنا قالت: سأعمل مثل هذا، قال: يلا نذهب إلى جيراننا، إلى أقاربنا، احملي الولد، قالت: احمله أنت، ثم أراد أن يتقدمها، فقالت: ارجع ورا، تُمكَّن ولَّا لا؟
طالب: لا تُمكن.
الشيخ: ليش؟
طالب: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
الجزء: 2 - الصفحة: 2902
الشيخ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وكان الصحابة يستخدمون النساء في البيوت وفي البساتين، حتى كانت امرأة الزبير رضي الله عنه تحمل النوى على رأسها من المدينة إلى مكانهم خارج المدينة، مع أن النوى هذا ليس لها مصلحة فيه، لكن هذا ما جرت به العادة، فإذا قالت امرأة في بلدٍ جرت العادة أنهم يستخدمون الزوجات: أنا أريد خادمًا، قال لها زوجها: لا، والحق معه أو معها؟
الطلبة: معها.
الشيخ: معها؛ لأن الله قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ومن المعروف أيضًا أن تقابل الزوجة زوجها بما يقابلها به، وأن يقابلها بما تقابله به، فإذا قدَّرنا أنه قصر في حقها فلها أن تقصر في حقه، المعاشرة من الجانبين، وليس له الحق في أن يطالبها بكامل حقه مع تقصيره؛ أولًا لأن الله قال: عاشروهن، والمعاشرة مفاعلة تقتضي وجود العشرة من الجانبين، وثانيًا أن الله قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194].
وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126]، فإذا قدرنا أن الرجل لا ينفق النفقة الواجبة على زوجته، وامتنعت منه في فراشه، دعاها إلى الفراش وأبت، هل تلعنها الملائكة حتى تصبح؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنها محقة في ذلك؛ إذ إنه قصر في واجبها، فلها أن تقصر في واجبه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ مشاقة من الطرفين ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35]
الجزء: 2 - الصفحة: 2903
ويجب أيضًا (ويحرم مطل كل واحد بما يلزمه للآخر والتكرهُ لبذله) يقول: يحرم مطل والتكره لبذله.
المطل كأن تقول له: ائت بالغداء ائت بالعشاء، تقول الساعة السابعة: هات الفطور، يقول: طيب إن شاء الله، هات جاءت الثامنة هات قال: إن شاء الله يجي، التاسعة، العاشرة، الثانية عشرة، فجاء بالفطور والغداء، سيكون بعد الواحدة والنصف، هل هذا مماطل ولَّا غير مماطل؟
الطلبة: مماطل.
الشيخ: مماطل حرامٌ عليه، حتى لو جاء بالفطور لكن في زمن متأخر فهو قد أتى محرمًا، اللهم إلا أن يكون له عذر، كأن لا يجد ما يشتري به أو يكون مثلًا البقالات مغلقة أو ما أشبه ذلك، كذلك لو جاء به مُتكرهًا لبذله، جاء بالفطور لكن قال: الله يتعبك أتعبتينا، كل يوم فطور، كل يوم فطور، هذا باذل ولَّا غير باذل؟
طالب: غير باذل.
الشيخ: لا، باذل، لكنه متكره، نعم، أو دعاها إلى فراشه مثلًا وجاءت في حال ما تدعو للنشاط فهذا أيضًا تكره للبذل، حرام على الطرفين، على المرأة أن تبذل واجبها، متكرهة له وكذلك الزوج، وهذا يدل على كمال الدين الإسلامي، وأنه يجازي بالعدل وبالواجب.
طيب إذا كان مقصرًا في النفقة وهي قادرة على أن تأخذ من ماله بغير علمه ألها أن تأخذ؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، أفتاها بذلك سيد المفتين من البشر محمد صلى الله عليه وسلم، حين جاءت هند بنت عتبة إليه صلى الله عليه وسلم وقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي، قال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ» (13) أفهمتم؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2904
فإذا قدرت على أن تأخذ شيئًا من ماله بلا علمه فلا بأس تأخذ (وإذا تم العقد لزم تسليم الحرة التي يوطأ مثلها في بيت الزوج إن طلبه ولم تشترط دارها أو بلدها)، إذا تم العقد يقول: لزم تسليم الحرة التي يوطأ مثلها، ذكر شرطين بعد تمام العقد، إذا طلب الزوج الزوجة، فإنه يلزم أن تسلم له بشرطين: أن تكون حرة، وأن يوطأ مثلها، والتي يوطأ مثلها هي التي تم لها تسع سنين غالبًا، الغالب أن المرأة إذا تم لها تسع سنين صارت صالحة للوطء، وقبله لا تصلح، هذا الغالب، وبعده صالحة، هذا الغالب أيضًا، غير الغالب أن من النساء من يكون صغير الجسم، ضعيف النمو، تبلغ عشر سنين وهي كأنها بنت ست سنين، أو بالعكس؛ تجد بعض النساء مثلًا سريعة النمو، لها ثمان سنين وكأنها بنت عشر سنين مثلًا، لكن الفقهاء رحمهم الله لا يمكن أن يطبقوا هذا على كل فرد، وإنما يذكرون الغالب أن بنت تسع سنين يوطأ مثلها، هذا الغالب، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة ولها ست سنين وبنى بها ولها تسع سنين (14).
(في بيت الزوج) يعني يجب أن تُسلم في بيت الزوج، إن طلبه، أي طلب أن تُسلم إليه في بيته، ولم تشترط دارها أو بلدها، إذا كان الزوج في بلد آخر، نعم الآن إذا تم العقد وجب تسليم المرأة بشرطين: أن تكون:
طلبة: حرة.
الشيخ: وأن يوطأ:
طلبة: مثلها.
الشيخ: مثلها طيب، وأين تسلم؟
طالب: في بيت الزوج.
الشيخ: في بيت الزوج، إلا إذا كان هناك شرط.
وكون ذلك التسليم في بيت الزوج بناء على العادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
الجزء: 2 - الصفحة: 2905
فإذا كان من عادة الناس ألا تسلم إليه إلا في بيت أهلها وجب أن يُمشى على العادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
والعادات في هذا تختلف، فمثلًا هنا عندنا العادة أنْ لا تسليم إلا في بيت أهل المرأة، في بيت الزوجة، وسمعت أنه يوجد في بعض البلاد أن التسليم يكون في بيت الزوج، بمعنى أن الزوجة يُؤتَى بها إلى زوجها، فهل سمعتم بها.
طالب: نعم، عندنا يا شيخ.
الشيخ: عندكم طيب، وهذا هو الظاهر من كلام الفقهاء؛ أن الزوجة هي التي يُؤتَى بها للزوج، حتى قال بعضهم: إن الرجل في هذه الحال يُعذر بترك الجماعة لو قيل له: سنأتي بزوجتك في الساعة الفلانية، ولا يكون هذا إلا والناس يصلون في الجماعة، قالوا: إنه يُعذَر بهذا؛ لأن العادة أنه يؤتى بالزوجة إليه، فلو فرض أنه خرج يصلي في المسجد وجاءوا بها إلى بيته ولم يجدوه صارت المسألة نكبة، فرخص له بعض العلماء بترك الجماعة لهذا الغرض.
إذن قول المؤلف: (في بيت الزوج) نقيده نحن بشرط:
طالب: العادة.
الشيخ: إذا كان هذا هو العادة، فإن كان العادة أن تسلم في بيت أهلها اتُّبعت العادة، بدأ الناس الآن لا يسلمونها في بيت أهلها ولَّا في بيت الزوج في أيش؟
طالب: في الصالة.
الشيخ: في قصور الأفراح، يمشي على هذا، على ما جرت به العادة، مفهوم قوله: (وإذا تم العقد لزم تسليم الحرة) أنه يجب التسليم بمجرد العقد، فلو عقد عليها بعد الظهر قال: يلا هاتوا المرأة، قالوا له: نصبر بعد يومين ثلاثة يقول: ما أصبر، له ذلك أو لا؟
طلبة: له.
الجزء: 2 - الصفحة: 2906
الشيخ: له ذلك إلا فيما استثناه المؤلف في قوله: (وإذا ستمهل أحدهما أُمهل العادة وجوبًا)، إذا استمهل يعني طلب المهلة، يعني تم العقد مثلًا وقال الزوج: والله الآن ما تهيأت، أنظروني لمدة يومين أو ثلاثة حتى أُهيئ البيت وأكون مستعدًّا لاستقبال زوجتي، يُمهَل أو لا؟ يُمهل، كذلك هم أهل الزوجة لو قالوا: والله إلى الآن لم تستعد الزوجة، تحتاج إلى مشط ولباس وغير ذلك، أمهلنا يومين أو ثلاثة، يجب عليه ولَّا لا؟
طالب: يجب.
الشيخ: يجب، ولهذا قال: (أُمْهِلَ العَادَةَ وُجُوبًا) والحقيقة أن هذه الجملة لا تخرج عن قوله فيما سبق: يلزم الزوجين أيش؟
طالب: العشرة بالمعروف.
الشيخ: العشرة بالمعروف داخلة في المعروف.
(لا لعمل جهاز) يعني لا يمهل لعمل جهاز، يعني التجهيز، فإذا طلب أهل المرأة أن يمهلهم لشراء الحاجات التي يجهزونها به يقول المؤلف: لا يلزمه القبول، العلة لأنه يمكن أن تشتري الجهاز وهي في بيت زوجها، لكن هذا قول ضعيف وخارج عن القاعدة العامة التي دل عليها الكتاب، وهي ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، ما جرت العادة إلا أن المرأة يكمل جهازها، والصواب أنه إذا استمهل أحدهما أُمهل العادة للجهاز ولغير الجهاز، هذا الصواب.
المؤلف يقول: لزم تسليم الحرة، وضدها الأمة، الأمة ماذا يقول؟ قال: (ويجب تسليم الأمة ليلًا فقط)، إذا تزوج أمة تسلم إليه بالليل فقط، بالنهار ما تسلم؛ لأنها مشغولة في النهار بخدمة سيدها، والرجل دخل على علم، يعرف أن هذه أمة وأن سيدها سيستخدمها، فقد دخل على بصيرة، ولهذا لو فرضنا أنها حرة واشترطت على الزوج ألا تأتي إليه إلا في الليل فالشرط لازم، يعني لو فرضنا أن امرأة مدرسة في النهار تشتغل وقالت له: لا آتي إليك إلا بالليل فهذا الشرط جائز؛ لأنه عبارة عن إسقاط حق له، وقد رضي بذلك، ولَّا فيه محظور شرعي، الأمة نهارها مستثنى شرعًا أو عادة؟
طلبة: شرعًا.
طالب: لا عادة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2907
الشيخ: عادة.
فنقول: إذا تزوج أمة مملوكة فإنها تسلم إليه في الليل فقط، طيب في النهار؟
طالب: مشغولة.
الشيخ: لا يلزم، إن تبرع السيد وسلمها له نهارًا، فهذا طيب، وإلا فالحق له، ولو قال قائل: إن هذا يرجع إلى العرف، فإذا جرت العادة بأن السيد إذا زوج أمته فقد تخلى عن جميع منافعها للزوج، فإنه يُعمل بالعادة.
وإذا اشترط زوج الأمة أن تكون عنده ليلًا ونهارًا ورضي السيد يصح أو لا؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن الحق للسيد، وقد أسقطه، وليس في ذلك محظور.
فإن قال قائل: وهل للإنسان الحر أن يتزوج أمة؟
طالب: نعم.
الشيخ: قلنا: أولًا كلام المؤلف رحمه الله ما ذكر: حر أو عبد، وقد يتزوج الأمة رقيق أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذا تزوجها رقيق فلا إشكال في الموضوع، وتأتيه ليلًا لا نهارًا إلا بشرط أو عادة مستمرة، لكن الحر يجوز أن يتزوج أمة بشرط أن يخاف العنت وألا يجد مهر حرة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25].
فإذا تم الشرطان وتزوج الحر أمة فلا حرج، وأولادها ماذا يكونون؟
طالب: أرقاء.
الجزء: 2 - الصفحة: 2908
الشيخ: أولادها أرقاء لسيدها، فيكون أبوهم حرًّا، وهم أرقاء للسيد، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: إذا تزوج الحر أمة رقَّ نصفُه؛ لأن أولاده جزء منه، ويكونون أرقاء، وقد ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أنه إذا اشترط الحر أن يكون أولاده أحرارًا فلا بأس، لكن هذا مخالف لظاهر النص، والصواب أنه لا يحل للحر أن يتزوج امرأة إلا بالشرطين، حتى لو اشترط أن يكون أولاده أحرارًا فإن النكاح لا يصح.
يقول: (ويباشرها) يعني يباشرها أي له أن يباشرها، من؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، يباشرها وإن لم يحصل الدخول الرسمي؟
طلبة: لا.
طلبة آخرون: نعم.
الشيخ: نعم، لو عقد عليها مثلًا وهي في بيت أهلها لم يحصل الدخول الرسمي الذي يحتفل به الناس، فذهب إلى أهلها وباشرها، يجوز؟
طلبة: نعم يا شيخ.
طالب آخر: شرعًا جائز.
طالب آخر: حسب العرف.
الشيخ: العرف ما فيه عرف.
طالب: شرعًا جائز.
الشيخ: يجوز لأنها زوجته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 5، 6].
الجزء: 2 - الصفحة: 2909
صحيح أنه لو قال لها: امشي معي إلى البيت، وهو لم يحصل الاحتفال العادي، فهذا خلاف العادة، لكن لو ذهب إلى أهلها وباشرها هناك فلا بأس، إلا أننا لا نحبذ أن يجامعها، يباشرها بغير الجماع؛ لأنه لو جامعها ثم حملت اتهمت المرأة، إذن الناس يقولون: كيف تحمل وهو ما دخل عليها، ما حصل زواج، ثم لو باشرها مثلًا جامعها وقدر الله أن مات من يومه ثم حملت بهذا الجماع، ماذا يقول الناس؟ أجيبوا يا جماعة، يتهمونها اتهامًا كبيرًا؛ لأن الزوج مات وأنت كيف تحمل! لهذا لا نحبذ أن يجامعها، لكن له أن يباشرها بكل شيء سوى الجماع؛ لأنها زوجته.
ومن ثَم أنا أفضل أن يكون العقد عند الدخول، بعض الناس الآن يعقد ثم بعد سنة يحصل الدخول، هذا جائز لا إشكال فيه، ما .. شرط جائز، لكن قد لا يصبر الزوج، قد لا يصبر ويذهب إليها ويستمتع بها ويجامعها، ثم إنه ربما يموت قبل الدخول، فيُلزِمها بالإحداد والعدة وتأخذ من الميراث، وتأخذ المهر كاملًا، فلو أنه أخَّر الزواج إلى ما بعد الدخول بيوم أو يومين لكان هذا أحسن.
والله الموفق.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، كما تعلمون أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول في وجوب خدمة الزوجة لزوجها مطلقا ويعلل بأن ..
الشيخ: أولًا أنا أطالبك بقولك: مطلقًا، من قال هذا؟
طالب: هذا موجود عنده في كتاب عشرة النساء له.
الشيخ: ما هو مطلق، مالم يخالف العادة.
طالب: لا هو ما قال ..
الشيخ: لا هذا مراده؛ لأن شيخ الإسلام نعرف أنه من أشد الناس تمسكًا بالنصوص، والنص يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، فإذا تزوج إنسان امرأة حرة من بيت ثراء وغنى، وهو فلاح، قال: يلَّا خذي الإبل أسمنيها، خذي المحلب، احصدي العلف، السماد احرثيه من تحت أقدام الإبل وشيليه على الرأس، وهي امرأة تاجر ما تعرف الأمور هذه، هل يقول شيخ الإسلام: يلزمها؟
طالب: هو قال: لأن عدم خدمتها له ليس من المعاشرة بالمعروف في حد ذاته.
الجزء: 2 - الصفحة: 2910
الشيخ: أحسنت ليس من المعاشرة بالمعروف، إذن وكل الأمر إلى.
طلبة: المعروف.
الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: أصبح الناس بعضهم ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: أصبح تباين ما تستطيع ( ... ).
الشيخ: هذه لا بد من الشرط، إذا تباين العرف فإن كان مشروطًا في العقد أن يكون لها خادم لزم، وإن سُكت فالأصل عدم الوجوب.
طالب: شيخ، قلنا: إن الرجل إذا عقد أنه ليس له أن يجامع للاحتراز، طيب يا شيخ إذا ..
الشيخ: أنا قائل: ليس له أن يجامع؟
طالب: لا يا شيخ لفظًا.
الشيخ: لا يا جماعة طيب الأحسن ألا يجامع لهذا السبب.
طالب: شيخ طيب يعني إن جامعها، يعني إن كان عزل أو اتخذ الحبوب التي تمنع من الحمل كذلك؟
الشيخ: ما فيه مانع، لكن أنت تعلم أن العلماء يقولون: يحرم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها؛ لأنه ما يحصل كمال الاستمتاع إذا عزل، وربما يشق على المرأة مشقة عظيمة تتألم إذا تهيأت مثلا للإنزال ولم تنزل يصعب عليها كثيرًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا بأس للزواج من الأمة؛ لأن له أن يتزوج إذا اشترط أن يكون أولاده أحرارًا، وكأنه أخذه من قول الإمام أحمد: إذا تزوج الحرّ أمة رق نصفه.
فجعل العلة أن أولاده يكونون أرقاء، لكن من يقول: إن هذه العلة قد يكون العلة هذه، وقد يكون العلة الدناءة، كون الإنسان نزل بنفسه من منزلة الأحرار إلى منزلة الأرقاء، وأيضًا ربما يُعير بذلك زوج الأمة، قد يُعير بهذا، لا يمكن أن نقول: إن العلة الوحيدة هي أن أولاده يكونون أرقاء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هي امرأة ولَّا رجل، إن كان رجلًا لا بأس أن يأتي بلا محرم نعم، لا يأتي بخادمة أكتر مبالغة كعلَّامة، نعم امرأة هي امرأة ولَّا لا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا» (15) ويش تقول؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما أدري والله أيش تقول؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2911
الشيخ: لا، هو يلزمه أن يأتي بخادمة لها محرم، فإذا قال: أنتم اشترطتم عليَّ خادمة، والرسول صلى الله عليه وسلم منع من سفر المرأة بلا محرم، وأنا ما أستطيع أعصي الرسول، قلنا: يلزمك الخادمة وما يلزم عليها شرعا وهو؟
طالب: المحرم.
الشيخ: المحرم.
طالب: قال المؤلف رحمه الله: ويباشرها ما لم يضر بها أو يشغلها عن فرض.
وله السفر بالحرة ما لم تشترط ضده.
ويحرم وطؤها في الحيض والدبر، وله إجبارها على غسل حيض ونجاسة وأخذ ما تعافه النفس من شعر وغيره.
ولا تجبر الذمية على غسل الجنابة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في بيان حقوق الزوجين بعضهما على بعض: (ويباشرها)، وهذه الجملة للإباحة وليست للأمر، بل للإباحة، إلا أنه يجب عليه أن يباشرها بالمعروف، فلا يعرض عنها، لكن له أن يباشرها (ما لم يُضر بها أو يشغلها عن فرض) يعني له أن يباشر زوجته في كل وقت وفي كل حين، وعلى كل حال، إلا في حالين؛ أن يضرها، أو يشغلها عن فرض، فإن أضر بها فإنه لا يحل له أن يباشرها؛ كامرأة مريضة يضرها أن يجامعها مثلًا، فيحرم عليه أن يجامع، وكذلك أيضًا إذا كان يشغلها عن فرض، مثل أن دعاها لنفسه مع ضيق وقت الصلاة، فإنه لا يحل له أن يفعل؛ لأن حق الله مقدم على حق الآدمي لسبقه عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» (16).
طيب هل له أن يباشرها وهي غير متهيئة لذلك، مثل أن تكون مشغولة بحوائج البيت أو غير هذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2912
الجواب: نعم له ذلك، له أن يباشرها وإن لم تكن متهيئة، مع أن هذا قد يؤثر على المرأة نفسيًّا إذا لم تكن متهيئة للمباشرة، مشغولة بشيء آخر، ولهذا قال أهل الطب: لا ينبغي للإنسان أن يجامع الزوجة وقلبها مشغول؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يستهلك طاقة كبيرة من بدنه، على أنه أيضًا لا يحصل الاستمتاع التام، فكذلك هي إذا كانت مشغولة غير مستعدة لهذا الشيء فلا ينبغي أن يجامعها، لكن لو فُرض أنه فعل فلا حرج عليه، لكن من باب الرأفة والرحمة ينبغي له ألا يفعل حتى تكون متهيئة لذلك.
ولهذا قال العلماء: ينبغي قبل الجماع أن يفعل معها ما يثير شهوتها؛ لتكون أكثر استعدادًا لهذا العمل، وهو أيضًا من مصلحته هو؛ لأنه إذا أتاها وهي مستعدة لذلك كان ذلك أقوى لانتفاعه إلى هذا العمل؛ لكون المرأة متهيئة له.
وينبغي للإنسان في الحقيقة ينبغي له أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإذا رأى المرأة مشغولة إما بحوائج البيت وإما بإصلاح طفلها أو ما أشبه ذلك؛ فالأحسن أن يُؤخر حتى تنتهي من الشغل وترتاح، ويحصل بذلك المعاشرة الطيبة والاستعداد الكامل بالنسبة للمرأة، لكن الكلام على المحرّم نقول: لا يحرم إلا إذا أضرّ بها أو شغلها عن فرض.
يقول رحمه الله: (ما لم يضر بها أو يشغلها عن فرض.
وله السفر بالحرة ما لم تشترط ضده)، له الضمير يعود على الزوج، السفر بالحرة أي بالمرأة الحرة مالم تشترط ضده، فإن اشترطت ضده -أي: اشترطت ألا يسافر بها- فعلى ما شرطت.
الجزء: 2 - الصفحة: 2913
والأمة له أن يسافر بها، لو تزوج أمة فليس له أن يسافر بها إلا إذا اشترط السفر بها، ولأن الأمة مشغولة بخدمة سيدها، بخلاف الحرة، وعلى هذا فيكون الأصل في الحرة أن يسافر بها مالم تشترط ضده، والأصل في الأمة ألا يسافر بها مالم يشترط هو أن يسافر، نعم، مالم تشترط ضده، فإذا اشترطت ضده ألا يسافر بها عن بلدها، إما مطلقًا أو إلى بلد معين، مثل أن تشترط عليه ألا يسافر بها إلى بلاد الكفر، فالأمر على ما شرطت، لا يسافر بها حسب الشرط، فإن غدرها وسافر بها وأذنت، مثل أن يقول لها: سافري معي هذه المرة ولك علي ألا أسافر بك مرة أخرى، فانخدعت ووافقت، فهل لها فيما بعد أن تمتنع؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه غرَّها، أما لو طلب منها السفر هذه المرة بدون خداع، وبدون أن يعدها ألا يسافر بها، ثم سافر بها، فإنه له أن يسافر بها في المرة الثانية؛ لأنها لما أذنت بالسفر معه لأول مرة أسقطت الشرط الذي اشترطته لنفسها.
يقول: (ويحرم وطؤها في الحيض والدبر) يحرم وطؤها، أي وطء الزوجة، في الحيض؛ أي: إذا كانت حائضًا، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222].
الجزء: 2 - الصفحة: 2914
فيحرم عليه أن يطأها في الحيض؛ لأن الله نهى عنه وبيَّن الحكمة من ذلك بكونه أذى؛ أذى للزوج أو للزوجة أو لهما؟ لهما جميعا، أذى للزوج لتلطخه بالدم النجس، وأذى للزوجة لأنها تتضرر إذا وطئها في الحيض تضررًا عظيمًا، ربما تتمزق أوعية الدم من داخل الفرج والغشاوات التي جعلها الله تعالى في داخل الفرج، ربما تتمزق وتتضرر المرأة بذلك، فلهذا سماه الله أذى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي في مكان الحيض وهو الفرج، وأما ما عداه فلا بأس به، قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض (17).
فله أن يستمتع بالحائض في كل شيء إلا الوطء في الفرج، له أن يقبلها ويضمها ويجامع بين الفخذين، كل التمتعات إلا الوطء في الفرج، لا تقربوهن حتى يطهرن، والمراد بالقربان المنهي عنه هو الجماع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» (18). ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222]، تطهرن يعني اغتسلن، والدليل على أن الاغتسال يسمى تطهرًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6].
وأما قول ابن حزم وطائفة من العلماء: إن المعنى: فإذا تطهرن، أي أنقين فروجهن من الحيض، فهذا غلط عظيم؛ لأن هذا لو كان المراد بذلك أن تغسل الدم لقال: فإذ طهُرن من الدم، وهنا أضاف التطهر إليهن جميعًا، وهذا لا يكون إلا برفع الجنابة، أي بالغسل من الحيض، فيحرُم وطؤها في الحيض، فإن فعل فهو آثم، وهل تأثم المرأة؟ نقول: إن مكنته فهي آثمة، وإن لم تمكنه ولكن أكرهها فهي غير آثمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2915
ثم هل تجب عليه الكفارة إذا جامع في الحيض أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء بناء على صحة الحديث الوارد في ذلك؛ فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن عليه الكفارة دينارًا أو نصفه (19)، فمن صحح الحديث قال: يلزمه أن يكفر بدينار، وهو ما يزن مثقالًا من الذهب أو نصفه على التخيير، وقيل: أو نصفه على اختلاف الحال؛ إن كان في فور الدم فدينار، وإن كان في توقفه قبل الغسل فنصف دينار.
طيب إذا عُرف هذا الرجل بكونه يطأ الزوجة في الحيض فهل يجوز إقرار زوجيته؟
الجواب: لا، يعني إذا عرفنا أن هذا الرجل مبتلى بالجماع في الحيض ولا يتحاشى ذلك، فإنه يجب أن نفرق بينه وبين زوجته؛ لئلا يقع في الحرام، كذلك يحرم وطؤها في الدبر؛ لأن هذا -أعني الدبر- ليس محل الحرث، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223].
هذا من جهة الدليل الأثري، الدليل النظري أنه إذا حرم الله الوطء في الحيض من أجل التلوث بالدم فتحريم الوطء في الدبر من أجل التلوث بالقذر من باب أولى.
الثاني من الدليل النظري: أن هذا يشبه اللواط، وهو جماع الذكر والعياذ بالله، ولهذا سماه بعض العلماء اللوطية الصغرى، ومعلوم أن التشبه باللائطين محرم؛ لأنه يؤدي إلى أن يعمل عملهم المحرم، فإن عرف الرجل بوطء زوجته في الدبر فالواجب التفريق بينهما؛ لئلا يبقيا على هذه المعصية، وقد نصَّ على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو حق.
قال: (وله إجبارها على غُسل حيض ونجاسة) أو على غَسل حيض؟
طالب: غُسل.
الشيخ: على غُسل وعلى غَسل أيضًا، له أن يجبرها على غُسل الحيض، فإذا قالت: إنها قد غسلت الفرج ونظفته فله أن يجبرها؛ لأنه لا بد أن يكون وطؤه إياها إذا أراد كمال الاستمتاع على طهارة ..
وله إجبارُها على غُسْلِ حَيْضٍ ونَجاسةٍ، وأَخْذِ ما تَعَافُه النفسُ من شَعْرٍ وغيرِه ولا تُجْبَرُ الذِّمِّيَّةُ على غُسْلِ الْجَنابةِ.
(فصلٌ)
الجزء: 2 - الصفحة: 2916
ويَلْزَمُه أن يَبيتَ عندَ الْحُرَّةِ ليلةً من أربعٍ، ويَنفرِدَ إن أرادَ في الباقي، ويَلْزَمُه الْوَطْءُ إن قَدَرَ كلَّ ثلُثِ سَنَةٍ مَرَّةً، وإن سافَرَ فوقَ نِصْفِها وطَلَبَتْ قُدومَه وقَدِرَ لَزِمَه، فإن أَبَى أحدُهما فُرِّقَ بينَهما بطَلَبِها، وتُسَنُّ التَّسميةُ عندَ الوَطءِ وقولُ ما وَرَدَ، ويُكرهُ كَثرةُ الكلامِ، والنزْعُ قبلَ فَرَاغِها، والوَطءُ بِمَرْأَى أَحَدٍ، والتَّحَدُّثُ به ويَحْرُمُ جَمْعُ زَوْجَتَيْهِ في مَسكنٍ واحدٍ بغيرِ رِضاهما، وله مَنْعُها من الخروجِ من مَنْزِلِه، ويُسْتَحَبُّ إذنُه أن تُمَرِّضَ مَحْرَمَها وتَشْهَدَ جَنازتَه، وله مَنْعُها من إجارةِ نفسِها ومن إرضاعِ وَلَدِها من غيرِه إلا لضَرورتِه.
(فصلٌ)
وعليه أن يُساوِيَ بينَ زَوجاتِه في القَسْمِ لا في الوَطْءِ، وعِمادُه الليلُ لِمَنْ مَعاشُه النهارُ والعكسُ بالعكسِ، ويُقْسَمُ لحائضٍ ونُفَسَاءَ ومَريضةٍ ومَعيبةٍ ومَجنونةٍ مأمونةٍ وغيرِها، وإن سافَرَتْ بلا إذْنِه أو بإذْنِه في حاجتِها أو أَبَت السفَرَ معه أو الْمَبِيتَ عندَه في فِراشِه فلا قَسْمَ لها ولا نَفَقَةَ،
الثاني من الدليل النظري: أن هذا يشبه اللواط، وهو جِمَاع الذكر -والعياذ بالله- ولهذا سَمَّاه بعض العلماء اللوطية الصغرى، ومعلوم أن التشبه باللائطين مُحَرَّم؛ لأنه يؤدي إلى أن يعمل عملهم الْمُحَرَّم، فإن عُرف الرجل بوطء زوجته في الدبر فالواجب التفريق بينهما لئلا يبقيا على هذه المعصية، وقد نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو حقّ.
قال: (وله إجبارها على غُسل حيض) أو (على غَسل حيض)؟
على غُسل وعلى غَسل أيضًا، له أن يجبرها على غُسل الحيض، فإذا قالت: إنها قد غسلت الفرج ونَظَّفَتْه فلهُ أن يُجْبِرَها؛ لأنه لا بد أن يكون وطؤه إياها إذا أراد كمال الاستمتاع على طهارة، فيقول: أنا لا تنجذب نفسي لوطء امرأة حائض لم تغتسل من حيضها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2917
وهل يجبرها على غَسْل الحيض، أي: غسل بقية الدم؟ نعم له أن يجبرها على ذلك؛ لأن بقاء الدم مما يُوجِب أن تعافها نفسه، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يباشر أهله في حال الحيض يأمرهم أن يَتَّزِرُوا (1).
لئلا يشاهد الدم ومحل الدم فتتقزز نفسه في الحاضر والمستقبل؛ لأنه قد يتذكر ذلك في المستقبل ولو بعد الغسل، لهذا له أن يُجْبِرَها على غُسل الحيض وغَسله أيضًا.
وله أن يجبرها على غسل النجاسة، والنجاسة إذا كانت في محل الاستمتاع ولها محل معين فله أن يجبرها على غسلها؛ لئلا يتلوّث بمباشرتها، وإن كانت في غير محل الاستمتاع، مثل أن تكون في الظَّهْر لا علاقة لها بالاستمتاع، وليست المشاهدة بَيِّنَة، بل هي بَوْل قد يبس، فهل له أن يجبرها على ذلك؟ ظاهر كلام المؤلف أن له ذلك؛ لأنه إذا تخيل أن في جسدها لطخة من البول فسوف يتقزز منها وينفر منها.
وله أيضًا: (إجبارها على أَخْذ ما تعافه النفس من شعر ونحوه)، يعنى: له أن يُجْبِرَها على أَخْذ ما تعافه النفس من الشعر مثل الشارب، صحيح المثال؟
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2918
الشيخ: لا، صحيح، بعض النساء يَنْبُت لها شارب، فإذا قال لها: أَزِيلِي شعر الشارب قالت: لا بأس، الرجال لهم شوارب، له أن يجبرها؟ نعم له أن يجبرها؛ لأن هذا يُوجِب أن تعافها نفسه، إذا كان فيها شعرات في غير الشارب لكنها مُشَوِّهَة للوجه له أن يُجْبِرها على ذلك؛ شعر الإبطين؟ نعم له أن يجبرها على ذلك، شعر العانة كذلك من باب أولى، طول الأظفار له أن يُجْبِرها على قصها؟ نعم، اتباعًا للسنة من وجه، ولإزالة ما تعافه النفس من وجه آخر، وبهذه المناسبة أَوَدّ أن أنبه أن بعض سفهاء النساء أو سفيهات النساء يتخذن شعارًا يختص بالكافرات تُبْقِي ظفر الخنصر طويلًا كأنه رأس الحربة، وبقية الأظفار تقُصّها، هذا حرام؛ لأنه تشبُّه بالكفار، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ في الظفر والشارب والإبط والعانة أَلَّا تُتْرَك فوق أربعين يومًا.
(2)
هل لها هي أن تطالبه بأخذ ما تعافه النفس؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؟ سبحان الله!
طالب: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنها ليس لها ذلك، لكن نقول: إن قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ تقتضى المعاشرة من الطرفين، فلهن مثل الذي عليهن، فإذا جاء الزوج شعث الرأس منتفش الشعر كله وسخ، جاي من عمله بالمكاين زيت وديزل وبنزين، وكل شيء رائحته تفوح من عشرة أمتار، فهل لها أن تجبره على التخلي من ذلك؟
الظاهر بلى؛ لأن الله قال: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال: ﴿لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة: 228]، وقال بعض السلف: إني لأَتَجَمَّل لزوجتي كما أحب أن تتجمل لي.
ولعل هذا يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (3).
قال: (ولا تُجْبَر الذمية على غسل الجنابة).
الجزء: 2 - الصفحة: 2919
(الذمية) هي التي بيننا وبينها عهد، ولا تكون الذمة إلا لأهل الكتاب اليهود والنصارى على ما هو المشهور، والصحيح أن الذمة تعقد للنصارى واليهود وغيرهم، لكن غير اليهود والنصارى لا يحل للرجل أن يتزوج من نسائهم، ولو أن المؤلف رحمه الله قال: ولا تُجْبَر الكتابية، لكان أولى، أولى من وجهين:
لأن الكتابية يجوز نكاحها وإن لم تكن ذمية؛ ولأن غير الكتابية لا يجوز نكاحها ولو كانت ذمية، فلو أنه قال: ولا تُجْبَر الكتابية على غسل الجنابة.
إذا تزوَّج الإنسان يهودية أو نصرانية فهي في نفسها لا يلزمها غسل الجنابة؛ لأنه ليس عليها صلاة، وغسل الجنابة إنما يجب للصلاة، لكن هل يجوز لزوجها أن يجبرها على غسل الجنابة؟ يقول المؤلف: لا يملك إجبارها؛ لأنها لا صلاة عليها، وليس عليه شيء من دينها.
والصحيح أن له أن يجبرها على غسل الجنابة؛ لأنها إذا لم تغتسل عن الجنابة سيبقى المحل كريهًا، وربما يكون له رائحة غير طيبة منتنة، فالصواب أن له أن يجبرها على غسل الجنابة.
فإذا قالت له: أنا لا أصلي، يقول: لكن الحق لي أنا، أنا لست أريد أن أُجْبِرَك على غسل الجنابة من أجل أن تصلي، لكن أجبرك على غسل الجنابة من أجل كمال الاستمتاع، والله الموفق.
طالب: غفر الله لكم، شيخ، لَمَّا قلنا: الذي يجامع في الحيض يُكَفِّر ويتصدق بدينار، شيخ ترون هذا القول؟
الشيخ: أو نصفَه.
الطالب: أو نصفَه.
(4)
الشيخ: إذا صح الحديث نعم نقول به، إذا صح الحديث على العين والرأس.
الطالب: كم يعادل تقريبًا؟
الشيخ: يمكن الدينار ثلاثين جنيهًا سعوديًّا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، للمرأة أن تزيل شعر رِجْلَيْهَا؟
الشيخ: اللي في ( ... ).
طالب: اللي في الساق.
الشيخ: اللي في الساق، أما إذا كَثُر وشَوَّهَ حتى صارت ساقها كساق الرجال فلا بأس، وأما إذا كان عاديًّا فهذا ينبني على قاعدة، وهي أن إزالة الشعور لها ثلاث حالات: مأمور به، ومنهي عنه، ومسكوت عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2920
فالمأمور به: العانة، وأيش؟ والإبط والشارب، وهذه ما فيها شك أنها تزال، والمنهي عنه من؟
اللحية بالنسبة للرجال، والنمص بالنسبة للرجال والنساء، النمص: الذي هو نَتْف شعر الوجه، سواء الحاجبان أو غيرهما، هذا أيضًا معلوم أنه منهي عنه، والمسكوت عنه: اختلف العلماء رحمهم الله هل يجوز أو يُكْرَه أو يَحْرُم؛ فمنهم من قال: إنه يجوز؛ لأن ما سكت الله عنه فهو عفو، وما دمنا أُمِرْنَا بشيء ونُهِينَا عن شيء يبقى هذا المسكوت عنه بين أن يكون مأمورًا به أو مَنْهِيًّا عنه، فإذا تساوى الطرفان ارتفعَا هذا وهذا، وصار من باب المباح.
وبعضهم يقول: لا، يَحْرُم؛ لأنه من تغيير خلق الله، والأصل في تغيير خلق الله المنع؛ لأن تغيير خلق الله من أوامر الشيطان، قال الله عنه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119]، فيكون حرامًا.
وقال بعضهم: إنه مكروه نظرًا لتعادل الأدلة المبيحة والمانعة، والذي أرى أنه لا بأس به؛ لأنه مسكوت عنه، لكن الأولى أَلَّا يُزَال إلا إذا كان مُشَوِّهًا؛ لأن الله لم يخلق هذا إلا لحكمة، لا تظن أن شيئًا خلقه الله إلا لحكمة، لكن قد لا نعلمها.
وهذا يجرنا إلى مسألة التبرع بالكلية، هل يجوز أو لا؟ بعضهم يقول: يجوز؛ لأن الإنسان قد يحيا على كلية واحدة، وهذا غلط، أولًا: لأنه أزال شيئًا خلقه الله عز وجل، وهذا من تغيير خلق الله، وإن كان ليس تغييرًا ظاهرًا بل هو في الباطن.
وثانيًا: أنه إذا قُدِّر مرض هذه الباقية أو تلفها هلك الإنسان، لكن لو كانت الكلية التي تبرع بها موجودة لسَلِم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2921
ثالثًا: أن الإقدام على التبرع بها معصية، فإذا ارتكبها الإنسان فقد ارتكب مفسدة مُحَقَّقَة، وإذا زُرِعَت في الإنسان الآخر فقد تنجح وقد لا تنجح، فنكون ارتكبنا مفسدة محققة لمصلحة غير محققة، ولهذا نرى أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه مطلقًا، حتى بعد الموت، وقد نصّ على هذا فقهاؤنا رحمهم الله، ذكرها في الإقناع في باب تغسيل الميت أنه لا يجوز أن يُقطع شيء من أعضاء الميت ولو أوصى به.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، أصلًا بالأعم الأغلب أن الرجل الذي يأتي زوجته وهي حائض لا يكون إلا عن شبق أو عن شهوة قوية، يعني ما رأيكم لو قلنا يا شيخ: إنه لا يُفَرَّق بينهما خشية أن يقع في معصية أكبر هي أن يكون عرضة للزنا؟
الشيخ: نقول: هذا له دواء غير الوطء، يستمتع بما بين الفخذين ويكفي؛ لأن الإنسان اللي فيه شدة الشهوة أو الشبق يكفيه أن يجامع، بل يكفيه أن يُنْزل بأي وسيلة، والشبق لا تظن أنه شدة الشهوة فقط، الشبق -نسأل الله العافية- هو أن بعض الناس بمجرد ما يجد الشهوة تحتقن خصيتاه وتتورم، ويُخشى أن تتشقق، يعني ما هو شيء هين، وهذا يحصل كما قلت لكم بأي شيء، إذا أنزل بأي شيء زال الشبق.
طالب: شيخ، نعم لو نصحناه وفعل، لكن لو علمنا أنه لا يفعل وأنه يعنى لا ..
الشيخ: لا، يقلع عن ذلك.
الطالب: إلا أن يأتي امرأته وهي حائض، فلو قلنا بالتفريق بينهما لكان هناك مفسدة أعظم.
الشيخ: لا، إذا فَرَّقْنا بينهما ثم زنا فأمامنا حجارة صغيرة ندق بها رأسه.
طالب: إذا انقطع –مثلًا- دم الحيض، أو دم النفاس لفترة قليلة، فجامَع زوجته ثم تبين أنها ما زالت، فهل عليه شيء؟
الشيخ: هذا يكون جاهلًا، يعنى الإنسان لو ظن أن زوجته طهرت وهي اغتسلت أيضًا وصَلَّتْ، لكن تَبَيَّن أنها لم تطهر، أو أنه جامعها بناءً على أنها طاهرة، ولما فرغ من الجماع وجد أن فيها الحيض، هذا لا شيء عليه.
الطالب: هل نقول: إن عليه كفارة على مَن يقول بأن ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2922
الشيخ: لا، ليس عليه إثم ولا كفارة، ألم تعلم أن لدينا قاعدة: كل مَن فعل معصية جاهلًا أو ناسيًا أو مُكْرَهًا فلا شيء عليه، لا إثم ولا كفارة ( ... ).
سبق أن من القواعد المهمة جدًّا فيما يكون بين الزوجين: أن يعاشِر كل واحد منهما الآخر بالمعروف، وهذا لا شك أنه من محاسن الشريعة، ومن أسباب دوام العشرة وعدم النزاع.
سبق لنا أنه يجوز للمرأة أن تشترط على زوجها ألّا يسافر بها، أليس كذلك؟ وذكرنا الدليل على هذا، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (5).
ولكن إذا قال قائل: أليس من حق الزوج أن يسافر بالمرأة؟ فلماذا نمنعه من السفر بها إذا اشترطت ألَّا يسافر؟
نقول: لأن سفره بها من حقه، فإذا أسقطه عند العقد أيش؟ سقط، هو حقه، كما أن من حقها هي أن يَقْسِم لها، فإذا شرط عليها ألَّا يَقْسِم لها فإنه لا يجب عليه أن يَقْسِم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع، وينفردُ)، ولَّا (وينفردَ)؟ القارئ قرأ (وينفردُ) فهل قرأت ذلك عن علم أو عن جهل؟
طالب: قرأت عطفًا على (ويلزمهُ).
الشيخ: (ويلزمهُ) إي.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، فيه (أن يبيتَ).
الطالب: يعنى إذا عطفنا على (يبيت) ينصب، أنا عطفته على (ويلزمه).
الشيخ: يعنى أنت بالخيار؟ إذن رمية من غير رامٍ، الصواب يتعين أن تكون (وينفردُ)؛ لأنك لو قلت: (ينفردَ) لأوجبت عليه أن ينفرد إن شاء في الباقي، وهذا لا يجب عليه، فالجملة معطوفة على (يلزم)، وإما استئنافية، ولا يصح أن تكون معطوفة على (يبيت) المنصوبة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2923
على كل حال يقول المؤلف: (يلزمه أن يبيت عند الحرة ليلةً من أربع) لزوم، الدليل؟ قالوا: ما عندنا دليل، لكن عندنا تعليل؛ لأن أكثر ما يجمع إلى الواحدة كم؟ ثلاثة، أَضِفْهَا إلى الرابعة تكون أربعة، فإذا كان الإنسان عنده أربع زوجات يلزمه أن يبيت عند كل واحدة ليلة من أربع، صح ولَّا لا؟
إذن المسألة لا دليل فيها، وإنما فيها التعليل، ولكن هذا التعليل عليل؛ لأن هذا التعليل يقتضي أن نَقِيس مَن ليس عنده إلا واحدة على مَن عنده أربع، وهذا خطأ؛ لأن مَن عنده أربع لا يمكن أن يبيت عند كل واحدة إلا ليلة من أربع، ما يمكن يبيت عند كل واحدة ليلة من ليلتين، واضح يا جماعة؟ لكن مَن ليس عنده إلا واحدة يمكن أن يبيت عندها كل ليلة.
ولهذا نقول: إن هذا القول ضعيف؛ لأن هناك فرقًا بين المفروض والواقع، أما مَن عنده أربع نساء فلا شك أنه لا يلزمه أن يبيت إلا عند كل واحدة ليلة من أربع، لكن كَوْننا نفرض أن عنده ثلاث زوجات أخريات هذا غلط.
والصواب أنه يلزمه أن يبيت عند الحرة ما جرت به العادة، والعادة عندنا الظاهر عند جميع الناس أنه ليس من المعاشرة بالمعروف أن يبيت ليلة عندها، ثم في الليلة الثانية يبيت في حجرة أخرى، والمرأة واحدة والبيت واحد، هل هذا من المعاشرة بالمعروف؟
طالب: لا.
الشيخ: أجيبوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2924
الشيخ: لا، إذن القول هذا ضعيف، والصواب أنه يلزمه أن يبيت عند الحرة ما يُعَدّ معاشرة بالمعروف، أليس كذلك؟ وبناء عليه لو كان عند إنسان ضيوف، وكان هؤلاء الضيوف يَرَوْنَ من إكرامهم أن يبيت عندهم في نفس الحجرة، فهنا نقول: لا بأس أن يبيت عند الضيوف ما داموا عنده ليلتين أو ثلاثًا أو أربعة، ويدع المرأة في الحجرة، ولا يُعَدّ هذا مخالفًا لأيش؟ للعشرة بالمعروف -انتبهوا يا إخواني- فالصواب إذن أن نُنزل هذه المسألة على القاعدة التي بَيَّنَها الله عز وجل في الكتاب في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فنقول: بِتْ عندها كل ليلة ما لم يكن هناك سبب يقتضي ألَّا تبيت، فهذا يُعْمَل به.
قال: (وينفرد إن أراد في الباقي، ويلزمه الوطء إن قدر كل ثُلُثِ سنة مَرَّةً)، مشكلة هذه، يعنى في السنة كم؟ ثلاث مرات، إنسان شاب تزوج شابة نقول: لا يلزمك أن تطأها إلا أول ليلة من مُحَرَّم وأول ليلة من جمادى الأولى، ولَّا لا؟ أجيبوا، قَدِّرُوها حتى نكتب للرجال: تَزَوَّج إنسان امرأة شابة وهو شاب أول ليلة من مُحَرَّم يطؤها، وبعد ذلك متى؟ أول جمادى الأولى، وبعدين أول ليلة من رمضان، كم هذه؟ ثلاث مرات، وهي شابة، الحاجة تدعو إلى أن يجامعها أكثر من ذلك، وهو أيضًا شاب يحتاج إلى تحصين فرجه، نقول: لا يلزمك أن تجامع إلا في السنة ثلاث مرات، كل أربعة أشهر، كل ثُلُث سنة مرة، أيش الدليل؟
الدليل أن الله تعالى ضرب للمُولِي أربعة أشهر، فقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226، 227] فهل هذا الاستدلال بالآية الكريمة صحيح؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2925
الجواب: لا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وليس من العشرة بالمعروف أن يتزوج رجل امرأة شابة ثم يدعها بعد أربعة أشهر يطؤها مرة، أما الْمُولِي فإن هذا شُرِع في حال خاصة، وهي أيش؟ الإيلاء، والإيلاء له أحكام خاصة، ولهذا نقول للرجل: إما أن تطأ في الأربعة أشهر، وإما أن تُطَلِّق: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فكيف نستدل في مسألة فُرِضَت في حال الإيلاء واليمين نقيس عليها مسألة في الرخاء، هذا مخالف للقياس.
إذن ما هو الصواب؟ الصواب: أن يعاشرها بالمعروف، وأن يجامعها على وجه يُرْضِي الجميع، فكما أن الرجل له رغبة في الجماع، ومن الناس مَن يرغب أن يجامع كل ليلة، أو في اليوم مرة، وفي الليل له مرة، فكذلك المرأة لها رغبة في الجماع، وبعض النساء تكون رغبتها أكثر من رغبة الرجال، فكيف نقول: لا يلزمه إلا كل ثُلُثِ سنة مرة.
إذن الصواب في هذه المسألة كالصواب في المسألة الأولى، مثل الْمَبِيت، أن المرجع في ذلك إلى العرف، ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، نعم لو أن الإنسان شيخ كبير له ثمانون سنة تَزَوَّج عجوزًا كبيرة لها سبعون سنة يكفيها أن يجامع كل ثُلُثِ سنة مرة؟ ربما يكفي، لكن شابة وشاب ما يكفي هذا، فلذلك نقول: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
(وإن سافَرَ فوق نصفها وطلبت قدومه وقدر لزمه، فإن أبى أحدَهما فُرِّق بينهما بطلبها)، (إن سافر فوق نصفها) أي: فوق نصف السنة، كم نصف السنة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ستة أشهر؟ نصف السنة هلالية ما هي ميلادية؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كله واحد؟ ما دليلك على أن نصف السنة ستة أشهر؟
طالب: نقسم على اِثنين.
الشيخ: تقسم على اثنين، ما الدليل على أن المقسوم إذا قسمته على اثنين حصل ستة؟
الطالب: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36].
الجزء: 2 - الصفحة: 2926
الشيخ: أحسنت، ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، إذا سافر فوق نصف سنة إن كانت المرأة سكتت ورضيت بسفره ما عليه شيء، ولا نطالبه بشيء، لماذا؟ لأن الحق لها، فإذا سكتت سكت، وإن طالبت بقدومه فإن قدر أن يقدم لزمه، وإن لم يقدر -كما لو كانت هناك حروب أو مخاوف أو برد شديد لا يتمكن معه من الحضور، أو معيشة مضطر إليها لا يستطيع أن يدعها- فهنا نقول: تتقدر المسألة بقدر أيش؟ الحاجة والضرورة، وإذا لم يكن هناك عذر قلنا: لا بد أن ترجع إلى أهلك، فإن لم يفعل وطالَبَتْ بالفراق فُرِّق بينهما؛ لأنه لا يمكن أن تبقى المرأة معلَّقَة لا مُزوَّجة ولا مطلَّقة، إما أن تكون زوجة حقيقةً ويأتي إليها الإنسان، وإما إذا رغبت أن يفرَّق بينهما.
وقوله: (إن أبى أحدَهما) (أحدَهما) أيش الأحد؟ الجِمَاع كل ثُلُث سنة مرة، والقدوم إذا سافر فوق نصف السنة، فإن سافَر نصف سنة أو ثُلُث سنة لا يلزمه أن يلبى طلبها.
قال المؤلف: (وتُسَنّ التسمية عند الوطء وقول الوارد)، يعني: يُسَنّ للإنسان إذا أتى أهله أن يُسَمِّي، وأن يقول ما ورد، فيقول: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا»، كلما أراد أن يأتي أهله يقول: «اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» (6)، فهذا من أسباب حماية الولد من الشيطان، حماية الجسم وحماية المنهج والعمل، وما أرخص هذه القيمة أن يقول الإنسان: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا»، الرسول يقول: «لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا».
الجزء: 2 - الصفحة: 2927
فإن قال قائل: يوجد من الناس مَن يسمي كلما أتى أهله، ويكون ولده شريرًا، فكيف الجمع بين الواقع وبين الحديث؛ لأن الحديث لا يمكن أن يكذب، والواقع لا يمكن أن يُكذَّب، نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر السبب، ولا يلزم من وجود السبب أن يقع المسبَّب؛ لأنه قد يكون هناك مانع، أرأيتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحبة السوداء: «إِنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا الْمَوْتَ» (7)، وأن الإنسان قد يستشفي بالحبة السوداء ولكن لا يبرأ، نقول: نعم، الرسول يذكر الأسباب، ولكن هناك موانع، فعليك أن تفعل السبب مُوقِنًا بأنه سينفع، ثم الأمر بيد الله عز وجل.
وهل تقوله المرأة؟ قال بعض العلماء: إن المرأة تقوله، والصواب: أنها لا تقوله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ» (6)، ولأن الولد إنما يُخْلَق من ماء الرجل، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 5 - 7]، فالحيوانات المنوية إنما تكون من ماء الرجل، ولهذا هو الذي نقول له إذا أراد أهله أن يقول: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا».
فإن قال قائل: أرأيتم لو أتى أهله وهو عَارٍ، أيقول هذا الذِّكْر؟ الجواب: نعم، يقول هذا الذِّكْر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أطلق، ولأنه لا حرج أن يأتي الرجل أهله عاريًا وهي عارية أيضًا، لكن السنة أن يلتحِفَا بلحافٍ واحد، حتى لا تبرز سوءاتهما ويكونَا شبيهين بالحمارين.
الجزء: 2 - الصفحة: 2928
قال المؤلف رحمه الله: (وتُكْرَه كثرة الكلام)، متى؟ قبل أن يأتي، ولَّا بعد أن يأتي، ولَّا حال الإتيان؟ حال الإتيان، أما قبل الإتيان فليُكْثِر الكلام بما يثير الشهوة؛ لأنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يأتي أهله أن يفعل كل ما تثور به شهوة المرأة، حتى تكون مستعدة للقاء، وحتى تنال من اللذة مثل ما ينالها، لكن إذا كان في حال الإتيان فلا يُكْثِر الكلام، يعنى لا يُكْثِر الكلام حين الإتيان، إذا أراد أن يتكلم يتكلم قبل، ربما بعض الناس –مثلًا- وهو يأتي أهله يقول: والله أنا أحبك وأفعل وأفعل، وسأشتري لك كذا، وأزين كذا، ويذكر الحياة الزوجية كلها، زعم أن هذا أفضل، وليس كذلك.
حتى قال بعضهم: إن هذا يُحْدِث التمتام، يعنى يُحْدِث أن يبدأ الإنسان يتمتم في كلامه، والله أعلم هل هذا يكون أو لا، لكنه لا ينبغي أن يتكلم حال الجِمَاع، ويأتي البقية إن شاء الله.
طالب: أحسن الله إليك، ما الجمع بين حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: إن الولد يتكون من ماء الرجل، فكيف حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «إِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ يَكُونُ الشَّبَهُ لِلْمَرْأَةِ» (8)؟
الشيخ: الشبه غير الأصل، يعنى اختلاط ماء المرأة بماء الرجل يوجِب الشبه لا شك، ولهذا أحيانًا يأتي الولد على أخواله وأمه، وأحيانًا يأتي على أبيه وأعمامه.
طالب: ( ... ) يكون منهما جميعًا؟
الشيخ: لا، ما يدل على أنه يتكون منهما جميعًا، والطب يشهد بذلك الآن؛ لأن الحيوانات المنوية تدخل في البويضة التي في رحم المرأة، ويطلق منها الولد، والبويضة كأنها كيس ووعاء لهذه النطفة.
طالب: الآية ( ... ) ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾.
الشيخ: إي نعم، هو هذه الآية هي التي تدل على ما ذكرنا: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2929
الشيخ: المرأة -بارك الله فيك- اسأل خبيرًا مَن كان متزوجًا لا يمكن أن يكون ماؤها دافقًا، الماء الدافق هو ماء الرجل، ولا يمكن أن يكون ماء الرجل دافقًا إلا بشهوة، وهذا هو السر في أن الله تعالى جعل الماء دافقًا مع الشهوة؛ لأنه -والله أعلم- هذه ما هي من الأطباء، ولا مما عرفته من النصوص، الله أعلم أنه ما تكون الحيوانات المنوية إلا بالماء الدافق حتى يتمكن هذا الماء من الوصول إلى قعر الرحم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ولهذا الإنسان الضعيف في الدفق في الغالب ما يُولَد له.
طالب: ما دليل صاحب المتن، لما قال: يُكْرَه الكلام؟
الشيخ: إي، هو ما قلت لك: علة، ما فيه دليل، لكن فيه تعليل أنه يُحْدِث التمتمة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما هو؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، وين هو؟ مَن رواه؟
الطالب: ما أنا مُتَذَكِّر.
الشيخ: دَوّر إن شاء الله تعالى وتأتيني الدرس القادم.
طالب: شيخ، رواه أبو داود.
الشيخ: دعنا، نحن نخاطب واحدًا يا شيخ قد يكون عنده علم بذلك، لكن الأخ اللي جاوب علشان يعرف كيف ( ... ).
طالب: شيخ، بارك الله فيكم ( ... ) لعله -والله أعلم- قوله: يلزمه أن يبيت ليلة من كل أربع ليال هذا يا شيخ ليس ممكنًا أن نقول: لو كان يشتغل في مزرعة، وأوجب عليه العمل أن يبيت هناك، فليس له أن يبيت أكثر من ثلاث ليال؟
الشيخ: إذا كان عنده مزرعة وقد تزوَّجَها وهي تعلم به، وصار ما ( ... ) إلا في ليلة الجمعة –مثلًا- ما هو ليلة من أربع، أليس إذا كان لا يأتي إليها إلا يوم الجمعة من العِشْرة بالمعروف؟
الطالب: قد يقال: لا.
الشيخ: لا، ما يقال: لا، لو قال: لا، قلنا: بلى، ما دام تعرف إنه فلاح، وإنه ما يجيء إلا ليلة الجمعة، وهي في المدينة تعلم ما يجيء إلا يوم الجمعة هذا العشرة بالمعروف.
الطالب: شيخ، هو له أن يقول: أنا من حقي الزواج بأربع، ولو تزوجت بأربع ما كان لك إلا ليلة واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2930
الشيخ: نقول: ما يخالف، تزوج ( ... ) ربما لو هَدَّدَها بذلك وقال: أنا بتزوج أربعًا علشان ( ... ). طالب: شيخ، الدليل على تحديد سفر الرجل ألّا يزيد فوق ستة أشهر؟ الشيخ: إي، ما فيه دليل إلا حديث عمر رضي الله عنه أنه كان يبعث البعوث إلى الثغور، وأنه سمع امرأة في خبائها تنشد تقول: تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَازْوَرَّ جَانِبُهْ وَأَرَّقَنِي أَلَّا خَلِيلَ أُلَاعِبُهْ فَوَاللَّهِ لَوْلَا خَشْيَةُ اللهِ وَالْحَيَا لَحُرِّكَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ
سمعها عمر، وعمر رضي الله عنه تعرف حسن رعايته للأمة، فدخل على ابنته حفصة وسألها: ما أكثر ما تصبر المرأة على زوجها؟ قالت: أربعة أشهر (9)، ولعلها أخذته من ضرب الله تعالى للمُولِي أربعة أشهر، قال: إذن نجعلها ستة أشهر؛ شهر ذهاب، وشهر إياب، وأربعة أشهر في الثغر، وجعلها ستة أشهر.
عرفت ولَّا لا؟
فأخذ العلماء من هذا أن الإنسان إذا غاب عن أهله يُضْرَب له ستة أشهر، فهي سُنَّة عُمَرِيَّة، والمسألة كما قلت، يعنى كما يبدو ترجع إلى اجتهاد الحاكم، قد يقال: إن أصحاب الثغور في شغل، ولا يمكنهم أن يبقوا أقل من أربعة أشهر في الثغر، لكن لو كان الإنسان عاديًّا بيروح يتَّجِر مثلًا، يختلف الحكم، يعنى لو قيل أيضًا في هذه المسألة ما قلنا في المسائل الأخرى المحددة بشيء معين أن يقال: إن ذلك يرجع إلى المعاشرة بالمعروف لكان طيبًا ( ... ).
طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: ويُكْرَه كثرة الكلام، والنزع قبل فراغها، والوطء بمرأى أحد، والتحدث به، ويَحْرُم جمع زوجتيه في مسكن واحد بغير رضاهما، وله منعها من الخروج من منزله، ويستحب إذنه أن تُمَرِّض محرمها وتشهد جنازته، وله منعها من إجارة نفسها، ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2931
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى في بيان عشرة الزوجين وما يلزم لكل واحد منهما، قال رحمه الله تعالى: (ويُكْرَه) يعنى: للزوج، (النزعُ قبل فراغها)، يعني: يُكْرَه أن ينزع عن المرأة قبل فراغها، أي من شهوتها؛ لأن ذلك يُلْحِقُها ألَمًا عظيمًا، فلا بد أن ينتظر حتى لو أنزل، فإن الواجب عليه، والمؤلف يقول: (يُكْرَه)، والصحيح أنه يَحْرُم حتى تنتهي شهوتها.
وإنما قلنا ذلك؛ أنه يَحْرُم عليه النزع خلافًا لكلام المؤلف لِمَا في ذلك من تفويت شهوتها عليها من وجه، ولما في ذلك من أذيتها العظيمة من وجه آخر، ولأنه ربما يُفْضِي إلى أمراض بالنسبة للزوجة، وهذا من وجه ثالث.
فالصواب أنه لا يجوز أن يَنْزِع قبل فراغها، وأنه يجب عليه أن ينتظر حتى تفرغ وتُنْزِل هي، ثم ينزع إن شاء.
قال: (والوطء بمرأى أحد)، (الوطء بمرأى أحد) يعني: يُكْرَه للإنسان أن يطأ زوجته بمرأى من الناس، وبالله عليكم هل هذا شيء ينبغي أن يُقْتَصَر فيه على الكراهة؟ أبدًا، هذا حرام لا إشكال فيه، حتى المروءة لا تقبل هذا إطلاقًا، يعنى يجوز للإنسان أنه يُضْجِع زوجته في مجمع من الناس ويجامعها أمامهم؟ ! ولاحظوا أن مراد المؤلف إذا لم يكن هناك كشف عورة، فإن كان كشف عورة فإنه لا يجوز؛ لأن كشف العورة محرَّم، لكن بلا كشف عورة مثل أن يكون معها في لحاف واحد وأمام الناس يفعل بها، ما يصير هذا إطلاقًا، أَيُّمَا هذا أعظم قبحًا من أن يُجامعها في محل مستور، ثم يخرج للناس ويقول: جامعت زوجتي وفعلت بها كذا وكذا، أيهما أشد؟
طلبة: هذا أشد.
الشيخ: الأول أشد بكثير، ولهذا هذه تعتبر من هفوات بعض الفقهاء رحمهم الله، والصواب: أن ذلك حرام، وأنه لا يجوز إطلاقًا، لا في الشرع القويم، ولا في الذوق السليم أبدًا أن يجامعها بمرأى أحد.
الجزء: 2 - الصفحة: 2932
قال: (والتحدث به) بأيش؟ بالجماع، يتحدث ويقول: فعلت بأهلي كذا وكذا، وفعلت كذا وكذا، جامعتها مضطجعة، أو على جنب، أو على ظهر، وما أشبه ذلك، مكروه عند المؤلف، ولكن الصواب أنه مُحَرَّم، وأنه من أعظم الذنوب، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن «شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى أَهْلِهِ فَيَتَحَدَّثُ بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ».
(10)
والصواب أن ذلك مُحَرَّم، بل لو قيل: إنه من كبائر الذنوب، لكان أقرب إلى النص أن يتحدث الرجل بما صنع بأهله، وهذه أيضًا من هفوات بعض العلماء رحمهم الله، إذا كان الرسول يقول: إن أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من فعل كذا، كيف نقول: هذا مكروه.
يعنى لو قال قائل: هذا أشر من الشرك بالله، بناء على ظاهر اللفظ، لكان دَفْع ما يقول في غاية ما يكون من مشقة، فالحاصل أن القول الراجح أن التحدث بما جرى بين الرجل وأهله، أو أن تتحدث به المرأة أنه حرام ولا يجوز.
الجزء: 2 - الصفحة: 2933
ثم قال: (ويحرُم جمع زوجتيه في مسكن واحد بغير رضاهما)، يعنى أنه لا يجوز للإنسان إذا كان له زوجتان أن يجعلهما في مسكن واحد، يعنى في بيت واحد، لماذا؟ لأنه يُفْضِي إلى النزاع والخصومة، ومعروف ما بين النساء من الغيرة، فيحصل بذلك شر كثير وتتنكد عيشته، نفس الزوج تتنكد عيشته، هما في مكان واحد سيكون بينهما شجار ونزاع، ثم إذا ذهب إلى واحدة منهن سوف تعلم بذلك أيش؟ الأخرى، وربما تتسمع إليه مع الثانية، فلذلك قال العلماء: إنه يَحْرُم؛ لِمَا في ذلك من إفضائه إلى النزاع والخصومة، (إلا برضاهما) إذا رَضِيَتَا بذلك فلا حرج، مثل أن تكون زوجته الأولى امرأة كبيرة عاقلة تعرف أن الرجل محتاج إلى امرأة أخرى، وأنه قليل ذات اليد، فاستأذنها أن يجعل امرأته الجديدة معها في المنزل، فقالت: أهلًا وسهلًا ما فيه مانع، فإذا رضيت لا بأس، ولكن إذا رضيت ثم غضبت يُخْرِجُها أو لا؟ الظاهر أنه يُخْرِجُها؛ لأن حق المرأة يتجدد كل يوم بيومه، وقد ترضى المرأة في أول الأمر، ثم بعد ذلك إذا رأت من الزوج ميلًا إليها ولو قليلًا أو وهمًا غضبت، وقالت: أَخْرِجْها عني، أبعدها عنى، أنا ولَّا هي، ما يمكن تقعد معي، في هذه الحال نقول له أن يحتجّ عليها بأنها أَذِنَت؟ الجواب: لا؛ لأن حقها يتجدد، كما لو وهبت يومها لإحدى الزوجات، ثم بعد ذلك رجعت، فلها الحق، لكن إذا قال: إن عنده عمارة لها شقة فوق، وشقة في أسفل، هل يجمعهما؟ نعم؛ لأن كل شقة منفردة عن الأخرى، والمحذور الذي ذكره الفقهاء رحمهم الله زائل في هذه الصورة، فليس لها الحق أن تقول: أَبْعِدْهَا عني حتى في العمارة، اطلب لها عمارة أخرى، أو شارعًا آخر، وهل تقول: أو بلدًا آخر؟ الطلبة: قد تقول.
الجزء: 2 - الصفحة: 2934
الشيخ: هي الغالب ما تقوله؛ لأنها تعلم إذا قالت: بلد آخر، ذهب إليها، هذه تحتاج إلى سفر، يمكن يبقى عنها عشرة أيام، عشرين يومًا، ويقول: والله ما وجدت سيارة، ما وجدت ركوبًا، وما أشبه ذلك، على كل حال ما دامت راضية فالأمر لها، إذا غضبت وجب أن يُسْكِنَها في مكان آخر.
قال: (بغير رضاهما، وله مَنْعُها من الخروج من منزله).
هذا حق، له أن يمنعها من الخروج من منزله، وظاهر كلام المؤلف لأي شيء كان، لكن قد دَلَّت السنة أنه ليس له أن يمنعها من الخروج إلى المسجد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا» (11)، هذا مستثنى، هل له أن يمنعها من الخروج إلى أبويها؟ كلام المؤلف يدل على ذلك، أن له أن يمنعها، ولكن في هذا نظر، بل يُقال: إذا كان خروجها إلى أبويها يؤثر عليها بحيث يملؤون قلبها كراهية له، فهنا له أن يمنعها؛ لما يترتب على زيارتهما من الضرر، وأما إذا كان لا يترتب عليه ضرر فليس له أن يمنعها من ذلك؛ لأن هذا فيه صلة رحم.
فإذا قال: الفتن كثيرة، وأنا أخشى عليها من الفتن، نقول: دواء ذلك أن تذهب معها، اذهب معها، وربما يكون في ذلك مصلحة أخرى أيضًا، وهو التقارب بينك وبين أهلها، فيحصل في هذا خير، وأما أن تمنعها من صلة الرحم بدون سبب فلا.
قال: (وله مَنْعُها من الخروج من منزله، ويستحب إذنه أن تُمَرِّض مَحْرَمَها وتشهد جنازته)، (يستحب إذنه) أي: استئذانه، أو أن يأذن؟ أيهما؟
طلبة: أن يأذن.
الشيخ: يُسْتَحَب استئذانه ولَّا يستحب أن يأذن؟
طالب: أن يأذن.
الشيخ: يستحب أن يأذن، أما استئذانه فواجب؛ لأن المرأة لا يجوز لها أن تخرج بدون إذن زوجها، لكن يستحب أن يأذن أن تُمَرِّض مَحْرَمَها، مثل مَن؟
طالب: أبوها، أخوها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2935
الشيخ: أبوها، أخوها، عمها، خالها، ابن أخيها، ابن أختها، يُستحب له أن يأذن لها في تمريضه، وظاهر كلام المؤلف أن ذلك مستحب، ولو كان عنده مَن يمرضه، ولكن الصواب أنه إذا كان عنده مَن يمرضه فليس بمستحب، وليس ممنوعًا أن يأذن، يكون من قسم المباح، ما لم تتوقف صلته على ذلك، صلة هذا الرحم.
وكلمة (أن تُمَرِّض) مطلقة، لكن يجب أن يقال: أن تمرض مَحْرَمَها في غير ما لا يحل لها النظر إليه، وهو العورة، كأن لو كان هذا المريض يحتاج إلى عناية فيما يتعلق بعورته، فلا يحل لها أن تُمَرِّضه، مَن يُمَرِّضه في العورة؟ زوجته، أما المرأة من محارمه فلا يحل لها ذلك.
وقوله: (وتشهد جنازته)، هذا فيه نظر، إلا إذا أراد تشهد جنازته قبل حملها، بأن تذهب إلى بيته وهو ميت لتنظر إليه مثلًا فلا بأس، يعنى كلام المؤلف صحيح، أما أن تشهد جنازته لتشييعها فلا يأذن لها؛ لأنه قد نُهِيَ النساء أن يُشَيِّعْنَ أيش؟ الجنائز، قالت أم عطية رضى الله عنها: نُهِينَا عن اتباع الجنائز، ولم يُعزم علينا.
(12)
فمن العلماء من قال: يُؤْخَذ من هذا الحديث أن اتباع الجنائز مكروه؛ لقولها: وَلَمْ يُعزَم علينا، ومنهم من قال: إنه مُحَرَّم، وأن قولها: ولم يُعزَم علينا، تَفَقُّه منها قد توافَق عليه وقد لا توافَق، وأن الأصل أن نأخذ بالحديث، وهو: نُهِينَا، وهو التحريم.
المهم أن قوله: (تشهد جنازته) فيه تفصيل، إن أراد تشهد جنازته في بيته قبل أن يُحْمَل فهذا لا بأس، وإن أراد بعد أن يُحْمَل تقول: أنا أريد أن أذهب إلى مَحْرَمِي لأتبع جنازته، قلنا: يجب أن يمنعها على القول بأن الشهادة مُحَرَّمة، ويستحب أن يمنعها على القول بأنها مكروهة.
قال: (وله مَنْعُها من إجارة نفسها، ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورته.
يعنى: للزوج أن يمنع زوجته من إجارة نفسها، لو قالت: أنا أريد أن أذهب إلى القوم لأخدمهم بأجرة، كل يوم عشرة ريالات، له أن يمنعها؟
طالب: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2936
الشيخ: لو قالت: إنها تريد أن تتوظف للتدريس؟
طالب: له أن يمنعها.
الشيخ: له أن يمنعها، نعم، لأنه يملك منافعها في الليل والنهار، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (13)؛ لأنها لو صامت لمنعته الاستمتاع بها نهارًا، أو لمنعته من كماله؛ لأن الإنسان قد يأنف أن يُفْسِد صومها ولو كان نفلًا، إذن له أن يمنعها من إجارة نفسها، لو أَذِنَ لها أن تؤجر نفسها فالأجرة لمن؟
طالب: لزوجها.
طالب آخر: لها هي.
الشيخ: أليست انشغلت عن خدمته بما استأجرت نفسها له؟ بلى، لكن ما دام أَذِنَ لها فالأجرة في مقابل عملها، فتكون لها، ولهذا نقول: إنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من راتب زوجته شيئًا مطلقًا ما دام قد أَذِنَ لها، فالراتب كله لها ليس له منه ولا قرش واحد، فإن اشترطت عند العقد أن لها أن تؤجر نفسها، فهل لها ذلك؟ نعم لها ذلك، إذا قالت: شرط أن تُمَكِّنَني من إجارة نفسي، أو من التدريس، وقَبِلَ، لزمه الوفاء بالشرط؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ».
(5)
وكذلك أيضًا له منعها من (إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورته)، يعنى: لو كانت امرأة تَزَوَّجَها ولها ولد من غيره ترضعه فقال: لا ترضعيه، فله مَنْعُها من ذلك؛ لأن اشتغالها بإرضاع هذا الولد يؤدي إلى نقص قيامها بحق الزوج فله أن يمنعها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2937
(إلا لضرورته) ما هي ضرورته؟ أن يكون محتاجًا إلى الرضاع، ولا يقبل ثدي غيرها؛ لأنه يوجد من الصبيان مَن لا يقبل إلا أمه، لو تجعل في فمه أي شيء من الثُدِيّ ما يقبل إلا ثدي أمه، كما قال الله تعالى عن موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: 12]، فكان لا يقبل ثدي أحد -موسى- هذا يوجد أيضًا في الأطفال مَن لا يقبل ثدي أي أنثى غير أمه، فإذا كان هذا الصبي من زوجها الأول محتاجًا إلى إرضاعها إياه فليس للزوج أن يمنعها، إن اشترطت عند العقد أن ترضع ولدها من غيره فقَبِلَ؟
طالب: لها ذلك.
الشيخ: لها ذلك، ويلزمه أن يوفي به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»، وعُلِمَ من قول المؤلف: (من غيره) أنه لو منعها من إرضاع ولدها منه فهل له ذلك؟ ليس له ذلك؛ لأن هذا هو ما جرى عليه عمل المسلمين قديمًا وحديثًا أن المرأة تُرْضِع أولادها من زوجها، وأنه لا يمكن أن يمنعها، وأظن في الغالب أنه لا يمكن أن أحدًا يقول لزوجته: لا ترضعي ولدي، لكن لو فرضنا أنه أحمق يريد ألَّا يراها مشتغلة بغيره إطلاقًا، ومنعها من إرضاع الولد، فإنه لا يملك ذلك، بعض الناس أحمق إذا صاح الولد بالثدي قال: يلّا طلَّعِيه بره، قالت: أرضعه، قال: لا ترضعيه، هل له أن يمنعها من ذلك وهي زوجته والولد منه؟ ليس له ذلك.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إذا كان الرجل لا يتقي الله عز وجل، ودار الأمر بين أن تعصيه أو أن تَبَرَّ والديها ( ... )؟
الشيخ: لا تعصِهِ.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: حق الوالدين عليها هي مو عليه هو، وهي معذورة في هذه الحال.
الطالب: لو قلنا يا شيخ: إن الزوج ليس له منعها إلا إذا ..
الشيخ: المذهب له منعها، لكن نحن قلنا: إنه لا ينبغي أن يمنعها إلا إذا أفسدوها عليه، وهذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2938
الشيخ: الصغار ما لهم عيون يا رجال.
الطالب: الأطفال الصغار ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: لكن ما يعرفون شيئًا.
الطالب: لا، يتحدثون، يعني صغار يعني ثلاث سنوات، أربع سنوات.
الشيخ: هذا ما يجوز.
الطالب: أَلَا يقال: إن هذا مراده؟
الشيخ: لا، ليس هذا مراده ما دام يقول: (والوطء بمرأى أحد) عامّ، وليس هذا مراده، لكنه ما هو بشر، هو يخطئ ويصيب.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا ( ... ) كل الناس بس طبعًا بدون إظهار العورة.
الطالب: مسألة تمريض الْمَحْرَم إذا كان الرجل ليس له غير ابنته، وهو مريض مرضًا في عورته، هل لها أن تُمَرِّضَه؟
الشيخ: هذا إذا لم يوجد غيرها، يعني –مثلًا- لو كان هذا الأب مريضًا بِمَرض يتعلق بالعورة، وليس له زوجة، لكن له ابن وبنت، أيهما الذي يباشر؟
طالب: الابن.
الشيخ: الابن، فإذا لم يكن له ابن البنت تباشر لا بأس.
الطالب: تباشر لا بأس.
الشيخ: إي نعم، تباشر لا بأس، هذه حاجة.
الطالب: شيخ، بارك الله فيك، الإجارة يا شيخ إجارة نفسها ( ... ) توظَّفَت في مكان بعيد تبقى خمسة أيام هناك ( ... ).
الشيخ: إذا كان عالِمًا بذلك فلها ما اشترطت، لو كان يدري أن عملها في غير البلد، وأنها ستبقى هناك خمسة أيام أو ستة ورضي بهذا لا بأس.
الطالب: هو لا يعلم عند العقد.
الشيخ: لا، لا بد أن يعلم؛ لأن الغالب أن يكون العقد في البلد، فإذا لم تشترط عليه أنها تسافر فله أن يمنعها.
طالب: هل يجوز للإنسان عند الجماع يتكلم؟
الشيخ: سبق الكلام عليه.
الطالب: أحسن الله إليكم، قلنا: لا يجوز للزوج أن يأخذ من راتب زوجته شيئًا، شيخ، إذا اشترط قبل الإذن ذلك؟
الشيخ: اشترط عند العقد.
الطالب: لا، ليس عند العقد، عند العمل، قبل العمل عند الإذن.
الشيخ: لكنها لم تشترط أن تعمل.
الطالب: ( ... ) أن تعمل.
الشيخ: عند العقد.
الطالب: إنما استأذنت منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2939
الشيخ: اصبر، لم تشترط عند العقد أنها تعمل، له أن يمنعها، لكن لو اصطلح وإياها على أن تعمل وله نصف الراتب مثلًا فلا بأس.
طالب: شيخ، جمع في بيته زوجتين، ورضيت الثانية، رضيت بذلك، شيخ، كيف نقول له بعد ذلك: أَخْرِجْهَا، هي رضيت بذلك، يعني تنازلت عن حقها، وهي تعلم أنه سيحدث مثلًا .. ؟
الشيخ: لكن هذا الحق يتجدد، وربما ترضى بناء على أنها في تلك الساعة راضية ولَا هامّها، وتقول: إنها الكبيرة وأنا بخليها مثل البنت، لكن لما رأت الزوج يجنح هَوَّنَت.
الطالب: شيخ، لكن هو –مثلًا- يتزوج الثانية بناء على رضاها ( ... ) بيت واحد، يتزوج الثانية بناء على رضاها، وليس له بيت ثانٍ لما تقول له مثلًا: أَخْرِجْهَا، أين يضعها.
الشيخ: إي نعم، لها ذلك، فيه أناس الآن نساؤهم خطبوا لهم، هي اللي خطبت لزوجها، ثم لما تزوج ( ... ).
طالب: ويَقْسِم لحائض ونفساء ومريضة ومعيبة ومجنونة مأمونة وغيرها، وإن سافرت بلا إذنه أو بإذنه في حاجتها، أو أَبَت السفر معه أو الْمَبِيت عنده في فراشه فلا قَسْم لها ولا نفقة، ومَن وهبت قَسْمَها لضرتها بإذنه أو له فجعله لأخرى جاز، فإن رجعت قَسَمَ لها مستقبلًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ذكر المؤلف أحوالًا يُكْرَه إعلانها؟
طالب: يُكره الوطء بمرأى أحد، أو أن يُحَدِّث الناس بما فعل مع زوجه.
الشيخ: أن يطأها بمرأى أحد، أو يُحَدِّث الناس بما فعل، ما رأيك في هذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2940
الطالب: هذا كلام المصنف، هذا فيه قليل من الخطأ؛ لأن تحدَّث المرء بما يفعله مع زوجه، قلنا: هذا قد يصل لحد الكبيرة؛ لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يُفْضِي إِلَى الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ إِلَى الرَّجُلِ، ثُمَّ يُحَدِّثُ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا فَعَلَ» (10)، وقلنا بأنه كذلك الوطء بمرأى أحد هذا، كذلك لم تَأْتِ به الشريعة؛ لأن الشريعة لم تأتِ بهذا، تأتي بستر العورات.
الشيخ: وهذا أعظم من التحدث، هذا تحدُّثٌ بالفعل، أحسنت، لكن مراد المؤلف بدون كشف العورة، يعنى –مثلًا- يكون عليهما كساء ويجامعها والناس يشاهدون، وطبعًا ما أظن أن المؤلف رحمه الله تعالى يريد أن يطلع في الشارع يفعل هذا، لكن لو فرضًا في الحجرة وعندهم ناس، هذا مراد المؤلف، هل له أن يمنع الزوجة من إرضاع ولدها؟
طالب: ولدها منه أم ..
الشيخ: ما أدري، هذا السؤال.
الطالب: فيه تفصيل؛ إذا كان الولد من غيره فله أن يمنعها إلا لضرورة، أما إذا كان الولد له فليس له أن يمنعها.
الشيخ: توافقون على هذا التفصيل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم صح، هل يجوز أن يجمع زوجتيه في منزل واحد؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: مطلقًا، ولو رَضِيَتَا.
الطالب: لا، إلا إذا رَضِيَتَا.
الشيخ: يعنى يجوز برضاهما، وبدون رضاهما لا يجوز، صح، لكن لو رأى أنهما وإن رَضِيَتَا الآن فسوف يحصل نزاع في المستقبل، هل يجمعهما؟
الطالب: له ذلك ( ... ).
الشيخ: يعني له أن يجمعهما، فإن وجد بينهما نزاعًا فصلهما، إي نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2941
ثم قال المؤلف رحمه الله: ويجب (عليه)، أي: على الزوج، (أن يساوي بين زوجاته في القَسْم)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (14)، وهذا يدل على أن عدم التسوية من كبائر الذنوب؛ لأنه رَتَّبَ عليه الوعيد، لكن يقول: (في القَسْم) لا في الوطء، يعني: لا في الجماع، فله أن يجامع إحداهما مرتين أو ثلاثًا، ولا يجامع الأخرى أبدًا، وعَلَّلُوا ذلك بأن الجِمَاع ينشأ عن المحبة، والمحبة لا يملكها الإنسان، ولا يستطيع أن يتحكم فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَقْسِم بين زوجاته ويعدل، ويقول: «هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» (15)، وهذا حق؛ لأنه إذا كان لا يرغب إحداهما فإنه لا يمكن أن يجامعها إلا بمشقة، ثم إن تكلُّف الإنسان للجماع يُلْحِقه الضرر، إذا لم يكن هناك داعٍ يدعوه إلى الجماع فإن تكلُّفَه يضر الإنسان، فإذا كان يتكلف الجماع لهذه المرأة ولا ينشط عليه فإنه لا يُلْزَم به، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
لكن لو تعمَّد أن يجمع نفسه لإحداهما، فهل نقول: إن هذا داخل في اختياره فيحرُم، أو نقول: الأصل أنه لا تجب المساواة في الجماع؟ الأول، يعنى لو أن الإنسان يجمع نفسه لإحداهما الثانية لا يجامعها علشان يكون نشيطًا على الجماع في الثانية، فإن هذا حرام عليه؛ لأنه يملك ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 2942
هل يجب أن يعدل بين زوجاته في الهبة والعطية أو لا؟ يقول الفقهاء رحمهم الله: أما في النفقة الواجبة فواجب، وما عدا ذلك فليس بواجب، فمثلًا إذا كان قد أعطى كل واحدة ما تحتاجه من النفقة، وصار يأتي للأخرى بالحُلي والفُرُش والخدم، والسيارة أيضًا، اشترى لها سيارة بهيجة طيبة والأخرى يُرْكِبُها على حمار، يقول الفقهاء: إنه لا حرج عليه، جائز؛ لأن الواجب هو الإنفاق، وقد قام به، وما عدا ذلك فإنه لا حرج عليه فيه.
لكن هذا القول ضعيف، والصواب أنه يجب أن يعدل بين زوجاته في كل شيء يقدر عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (14).
إذا تزوج جديدة على الأولى فمعلوم أن حاجة الجديدة ستكون ليس لها سبب بالنسبة للأولى، الجديدة سوف يعطيها مهرًا ويشتري لها حُليًّا، ويشترى لها غرفة نوم، وأشياء وأشياء، فهل يلزمه أن يعطي الأولى مثلها؟ لا؛ لأن هذا تابع للنفقة، ولا تقل الأولى: أنت والله أعطيتها –مثلًا- خمسين ألفًا مهرًا، أعطني خمسين ألفًا، نقول: لا، أنتِ مهرك سبق، قالت: مهري كان النساء رخيصة، ولا أعطيتني إلا عشرين ألفًا، كمِّل اليوم، نقول: اليوم يمكن مهرك أقل من عشرين ألفًا بعد، فلا نوافق على هذا، لكن ما يتطلبه النكاح بالنسبة للمرأة الجديدة لا يلزمه أن يعطي الأولى مثلها.
يقول: (عمادُه الليل لِمَن معاشُه النهار، والعكس بالعكس).
(عماده) أي: القسم، (الليل لمن معاشه النهار)، وهؤلاء هم أكثر الناس، أكثر الناس معاشهم بالنهار، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 10، 11]، لكن قد يكون بعض الناس معاشه في الليل، كالحارس الذي يحرس الأسواق في الليل، وما أشبه ذلك، نقول: مَن كان معاشه في الليل فعمادُه؟
طالب: النهار.
الجزء: 2 - الصفحة: 2943
الشيخ: فعماد القَسْم في حقه النهار، ومَن كان معاشه في النهار عماد القَسْم في حقه الليل.
إذا قلنا: هذا العماد، فكيف يَقْسِم؟ يَقْسِم لواحدة يومًا وليلة، وللأخرى يومًا وليلة، وله أن يأتي كل واحدة منهما في يوم الأخرى، لا أن يخص إحداهما بذلك، يعنى –مثلًا- له زوجتان فاطمة وخديجة، يَقْسِم لفاطمة يومًا وليلة، ولخديجة يومًا وليلة، لا حرج أن يأتي فاطمة في يوم خديجة، وخديجة في يوم فاطمة، لكن على السواء، أما إذا كان اليوم يوم فاطمة فإنه يأتي خديجة، وإذا كان يوم خديجة فلا يأتي فاطمة فهذا جور لا يجوز.
قال: (ويقسم لحائض ونفساء ومريضة ومعيبة ومجنونة مأمونة وغير مأمونة)، يعنى: يَقْسِم لكل زوجة أيًّا كانت حالتها، يَقْسِم للحائض، مع أن الحائض لا يجوز وطؤها، لكن يقسم لها من أجل الأُنْس به، وكونه عندها، فإن اتفقت الزوجتان على أن الحائض لا قَسْم لها، بمعنى أنه إذا كانت إحداهما حائضًا صار عند الأخرى مدة حيضها وتراضَيَا بذلك فلا بأس، لكن إذا كانت كل واحدة تريد يومها فلا بد أن يَقْسِم لها ولو كانت حائضًا؛ لأن هذا ظاهرُ فعلِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(ونفساء) يقسم لها أيضًا؛ لأن النفساء كالحائض في أنه يستمتع منها بما شاء ما عدا الوطء، لكن جرت العادة عندنا، ولا ندرى عن الناس الآخرين، أن النفساء تكون عند أهلها، وأن الزوج لا يَقْسِم لها، فهل عندكم الأمر هكذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نبدأ بالمصريين.
طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: النفساء تبقى ببيت زوجها؟
طالب: لا، في بيت أهلها.
الشيخ: في بيت أهلها، إذا اختلف العُرف، وفي الجزائر؟
طالب: تبقى في بيتها.
الشيخ: في بيتها ما تذهب إلى أهلها، وعندكم، أيش الغالب؛ أنها تبقى ببيت زوجها؟
الطالب: الغالب أنها تتحول إلى بيت أهلها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2944
الشيخ: إلى بيت أهلها، على كل حال، هذه نتبع العرف، أما إن كانت النفساء عنده فيَقْسِم لها، وإن كانت عند أهلها فلا يلزمه القسم لها؛ لأنه قد يخجل أن يتردد على أهلها.
إذا قلنا: إنها عند أهلها، وقلنا: لا قَسْم لها، فهل إذا كانت ليلة هذه النفساء يذهب ويبيت في المسجد، ولَّا يبيت عند الثانية، أم ماذا؟
طالب: المساجد مغلقة.
الشيخ: المساجد مغلقة؟ عند جيرانه مثلًا، نقول: على كل حال إنه إذا كان لا يقسم للنفساء فلا بأس أن يوفِّر جميع أيامه للأخرى، لكن بشرط أنها إذا نفست الأخرى يوفِّر أيامه للأولى، فيكون هذا عدلًا، حتى لو فُرِضَ أن النفاس يختلف، بعض النساء ربما تطهر في عشرين يومًا، وبعضهن لا تطهر ولا بأربعين يومًا، فهذا لا بأس به، يعنى يسامح فيه.
كذلك يقسم للمريضة، وهذا واضح أنه يجب عليه أن يَقْسِم للمريضة حتى وإن كان لا يستمتع بها الاستمتاع الكامل، لكن هي زوجته، وربما نقول: إن قَسْمه للمريضة أوجب من قَسْمِه للصحيحة؛ لِمَا في ذلك من جَبْر خاطرها، وإدخال السرور عليها، وإدخال السرور على المريض له أثر بالغ في شفائه وعافيته.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كان مرضها مُعديًا كالجذام، وهو كذلك؛ لأنه يمكن للزوج أن يتخلص من هذا، فيقول للمريضة بمرض مُعْدٍ: إما أن توافقي على إسقاط القَسْم لك وإما أن أطلقك، يخيرها ما فيه مانع.
(ومجنونة مأمونة وغيرها)، هذه عاد المشكلة ..
طالب: (ومعيبة).
الشيخ: عندكم .. نعم (ومعيبة)، يعني يقسم للمعيبة، رجل له زوجتان إحداهما معيبة، وسيأتي إن شاء الله بيان العيوب، يقسم لها ولو كانت معيبة، مثل أن تكون امرأة لا يمكن جماعها لسَدٍّ في فرجها، فيَقْسِم لها ولو كانت معيبة؛ لأننا قلنا: المقصود بالقسم هو إدخال السرور والأنس على كل واحد منهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 2945
يقسم لمجنونة، لو كانت إحدى الزوجتين مجنونة مأمونة أو غير مأمونة، مجنونة يعنى: ليس لها عقل، لكنها مأمونة لا يمكن أن يخطر على باله أنها سوف تأخذ السكين وتشق بطنه، وغير مأمونة أيضًا يقسم لها، يعنى: لو كانت مجنونة غير مأمونة يخشى أنه وهو نائم تقوم عليه وتذبحه –مثلًا- يقول: يَقْسِم لها، لماذا؟ وهو يقول: أنا الآن عليّ خطر، ما دام غير مأمونة عليّ خطر، نقول: لا، مَن ألزمك بها؟ فيه طريق للتخلص منها، ما هو؟ الطلاق، والحمد لله، ما دام المسألة ممكن أن يتخلص الإنسان منها فما دام قد أبقاها ورضي بها على هذه الحال فالواجب عليه أن يعطيها حقها من القَسْم، إذا قال: إن هذه المجنونة لا تدري سواء جيت أو ما جيت، نقول: نعم، وإن كانت لا تدري؛ لأنه لا بد أن تعطيها حقها.
(وإن سافرت بلا إذنه أو بإذنه في حاجتها، أو أَبَت السفر معه، أو الْمَبِيت عنده في فراشه، فلا قَسْم لها ولا نفقة)، هذه المسائل نذكرها مسألة مسألة.
إذا سافرت بلا إذنه فليس لها قَسْم ولا نفقة؛ لأن هذا يعتبر نشوزًا، امرأة –مثلًا- طرأ عليها أن تذهب إلى أهلها في بلد آخر، فقالت لابنها الأكبر: امش معي، وسافرت بلا إذن الزوج، فهذه ليس لها قَسْم وليس لها نفقة.
(أو بإذنه في حاجتها)، أيضًا ليس لها قَسْم ولا نفقة، يعني هي طلبت من الزوج قالت: أُحِبّ أن أسافر إلى أهلي لزيارتهم، قال: لا بأس، أنت حرة، سافرت، يقول: ليس لها قَسْم وليس لها نفقة، أما عدم القسم فظاهر، ليش؟
طالب: لأنها مسافرة.
الشيخ: لبُعْدِها عنه وعدم تَمَكُّنِه من ذلك، وأما سقوط النفقة فيقول المؤلف: لأن النفقة في مقابلة الاستمتاع، والآن لا يمكن الاستمتاع بها؛ لأنها سافرت.
ولكن هذا التعليل عليل، والصحيح أنه يجب أن ينفق عليها؛ لأنها إنما سافرت ومنعته من الاستمتاع بأيش؟ بإذنه، والحق له، فإذا سافرت وقد أَذِنَ لها أن تسافر وجبت عليه النفقة، سواء لحاجتها أو لغير حاجتها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2946
هل يلزمه أن يعطيها قيمة التذاكر أو أجرة السيارة أو لا؟ لا يلزمه؛ لأنه لو أعطاها لوجب عليه أن يعطي الأخرى مثلها، لكن يعطيها من النفقة بمقدار نفقتها لو كانت مقيمة غير مسافرة، وفُهِمَ من قوله: إن سافرت لحاجتها، أنه لو أَذِنَ لها أن تسافر لحاجته فإنه لا يسقط القَسْم ولا النفقة، أما عدم سقوط النفقة فظاهر، فيرسل لها نفقة، أو تنفق من مالها وترجع عليه بعد، لكن كيف يَقْسِم لها وهي مسافرة؟ القسم لها وهي مسافرة أنها إذا رجعت قضى لها ما تخلَّف عن قسمته، لكن كيف السفر لحاجته؟ أيش الصورة؟
طالب: يمكن تذهب لتأتي له بشيء من هناك يعني.
طالب آخر: تُمَرِّض أمه في بلد آخر.
الشيخ: هذه من حاجاته؛ أن تُمَرِّض أمه، قال: إن أمي في المستشفى الفلاني –مثلًا- هو في المدينة، وأمه في مكة، دخلت المستشفى، فقال لأحدى الزوجتين: اذهبي إليها مَرِّضِيها، فذهبت، فالحاجة لِمَن؟
طالب: له هو.
الشيخ: الحاجة للزوج، لا تسقط نفقتها ولا القسم لها، وعندي في عدم سقوط القسم نظر، فإن الظاهر أن القسم يسقط؛ لأننا لو قلنا بعدم السقوط صار في ذلك ضرر على الزوجة الأخرى، ولا سيما إذا طال السفر، لنفرض أنها بقيت في السفر شهرين، ثم رجعت وقالت: أريد نصيبي من القسم، إذا قسم لها سيبقى منقطعًا عن الأخرى لمدة شهرين، وهذا قد يؤثر عليها، أما النفقة فالأمر فيها واضح.
يقول: (أو أَبَت السفر معه)، هذه المسألة الثالثة، إذا أبت السفر معه فليس لها قَسْم ولا نفقة، يعني إنسان له زوجتان، وأراد أن يسافر إلى مكة لعمرة، فقال لزوجتيه: اذهبَا معي، أما إحداهما فذهبت، وأما الأخرى فأبت، التي ذهبت لها القَسْم والنفقة، واضح، والتي أَبَت ليس لها قسم ولا نفقة؛ لأنها ناشز، والناشز ليس لها نفقة، وليس لها قَسْم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2947
يُستثنى من هذه المسألة -وهي أن تأبى السفر معه- ما إذا كانت شرطت عليه عند العقد ألَّا يسافر بها، فإن شرطت عند العقد ألَّا يسافر بها وتخلَّفَت عن السفر بناءً على الشرط فلها النفقة والقَسْم.
(أو أَبَت الْمَبِيت عنده في فراشه)، هذه المسألة الرابعة، إذا دعاها إلى فراشه فأَبَت فليس لها قَسْم، وليس لها نفقة، وهي آثمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ».
(16)
يقول: (فلا قَسْمَ لها ولا نفقة)، ففهمنا الآن أن المرأة إذا منعت حق الزوج سقطت نفقتها، وإذا منع نفقتها فهل يسقط حقه؟
الجواب: نعم، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]، فإذا كان الزوج يمنع زوجته من النفقة فلها أن تمنع نفسها منه، ولها أن تأخذ من ماله بدون علمه، إذا كان يسيء معاملتها فهل لها أن تسيء معاملته؟ نعم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، والله أعلم.
الطالب: لو سافرت بإذنه في حاجته طبعًا يجب عليه أن ..
الشيخ: يجب عليه الإنفاق والقَسْم.
الطالب: وأن يدفع لها تذكرة السفر؟
الشيخ: إي نعم، كل ما يتعلق بالسفر.
طالب: ( ... ) علاقة بين الرجل وامرأته فيها نوع من سوء التفاهم، ذكرتم أنه إذا ( ... ) حقها لها أن تسقط حقه، هل تكون هذه مثل قاعدة، يعني تكون قاعدة مطَّردة، فإنها قد تتعمم بين الوالد وأبنائه إذا ( ... ).
الشيخ: لا؛ لأن الولد يجب عليه أن يَبَرّ والده.
الطالب: والمرأة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2948
الشيخ: والمرأة يجب عليها أن تقوم بحق زوجها إذا قام بحقها؛ لأنه ليس هناك قرابة أو صلة توجِب أن كل واحد منهما عليه ما على الآخر، هذه معاملة بالمثل، أما مسألة القريب فالحق للأب على أبنائه وبناته.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو سافَرَت بلا إذنه في حاجته؟
الشيخ: بلا إذنه في حاجته؟
الطالب: بلا إذنه في حاجته، كأن رأت -مثلًا نفس المثال- أرادت أن تُمَرِّض أمه مثلًا وكان عاقًّا أو كذا، فسافرت في حاجته؟
الشيخ: إي نعم، يعني هو لا يريد أن تسافر إلى أمه لتمريضها، وهي قالت: أبدًا أمك لها حق عليك، أريد أن أذهب إليها أُمَرِّضها، فليس لها نفقة ولا قَسْم.
الطالب: ويكون نشوزًا كذلك؟
الشيخ: إي نعم، ويكون نشوزًا.
طالب: ( ... ) أساء معاملتها فلها إساءة معاملته، فهل إذا أساء معاملتها لها أن تمتنع عن الفراش؟
الشيخ: إي نعم، كل شيء، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، فمن منع حقك فلك أن تمنعه حقه.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، هل نقيد جميع مسائل القَسْم التي الحق مع الزوجة بما إذا لم تطل المدة، أما إن طالت فلا؟
الشيخ: يعني في المسائل هذه؟ يعني هذا وجيه؛ لأنه قد يكون مخالفة لقوله: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
الطالب: الضرر على الزوجة الأخرى يعني.
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إذا قلنا: إنها إذا سافرت ( ... ) فتأخرت، ففي ذلك ضرر، لو قسم لها في ذلك ضرر على الزوجتين ( ... ).
الشيخ: هي راضية، المرأة التي سافرت لحاجتها تعرف أنها ستبقى شهرين –مثلًا- وراضية بذلك.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إذا اشترطت فحينئذ أرى -من غير أن أرجع إلى كلام الفقهاء في هذا- أنها إذا اشترطت عليه أن يرد الأمر إلى الأخرى يقول: هل توافقين أو لا؟
طالب: بارك الله فيك، إذا كانت زوجته مريضة، أو معيبة، أو مجنونة، ولكنه لا يستطيع الطلاق لكثرة الأعباء التي تترتب على الطلاق، فماذا يصنع؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2949
الشيخ: يستعين بالله ويَقْسِم.
الطالب: ربما تكون مريضة وتعديه؟
الشيخ: لا بد من هذا؛ لأنها ما دامت عنده فلا بد أن يقسم لها، ولهذا لم يُبْقِ النبي صلى الله عليه وسلم سودة حين أراد أن يطلقها إلا حين أسقطت حقها.
طالب: شيخ، إذا أراد السفر إلى بلاد الكفار فأبت أن تسافر معه، فهل تلزمه النفقة والقسم؟
الشيخ: لا، لا يلزمه؛ لأنه يجب أن تسافر معه؛ لأنه بالإمكان أن تذهب إلى هذه البلاد وتحمي نفسها، حتى يعني أرى أن ذهاب الرجل بدون أهله إلى البلاد الأخرى خطر عليه، وكم من مصائب وقعت في هذا، تجد الرجل يروح –مثلًا- يقول لأهله: امشوا معي، تقول: لا، ثم إذا ذهب إلى هناك ضاع.
الطالب: أحسن الله إليك، اشترطت المرأة عند العقد ألَّا يتزوج عليها، فأبى العاقد وقال: إن هذا الشرط لا يصح، ثم علمت المرأة أن هذا الشرط ( ... )، فطالبت الزوج فيما بعد، كيف يكون ( ... )؟
الشيخ: لا، هذا يسقط حقها، ما دام أسقطته يسقط، إلا إذا قالت: بناء على ذلك، أو بناء على أن القول الراجح هو هذا أسقطه.
الطالب: لا، لم تقل؟
الشيخ: أجل، إذن يسقط حقها، الواجب أنها تحتاط لنفسها.
طالب: وإن تزوَّج بكرًا أقام عندها سبعًا، ثم دار، وثَيِّبًا ثلاثًا، وإن أحبت سبعًا فعل وقضى مثلهن للبواقي.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا قاعدة في مسألة القسم أن عماده الليل لمن معاشه بالنهار، والنهار لمن معاشه في الليل، وسبق لنا أيضًا أن مَن نشزت فلا قسم لها؛ لأنها أسقطت حقها بنشوزها، وذِكْر أمثلة للنشوز، وسبق لنا أن مَن سافرت لحاجتها بإذنه فالصواب أن حقها باقٍ؛ لأنها سافرت بإذنه، فهي غير ناشز، أما مَن سافرت بلا إذنه فإنه ليس لها قسم ولا نفقة؛ لأنها ناشز ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2950
ومَن وَهَبَتْ قَسْمَها لضَرَّتِها بإذْنِه أو له فجَعَلَه لأُخْرَى، جازَ فإن رَجَعَتْ قَسَمَ لها مُستقبَلًا,
ولا قَسْمَ لإمائِه ولا أُمَّهَاتِ أَولادِه، بل يَطَأُ مَن شاءَ متى شاءَ، وإن تَزَوَّجَ بِكْرًا أقامَ عندَها سبعًا ثم دارَ، وثَيِّبًا ثَلاثًا، وإن أَحَبَّتْ سَبْعًا فَعَلَ وقَضَى مِثْلَهُنَّ للبَوَاقِي.
(فصلٌ)
النُّشوزُ مَعْصِيَتُها إيَّاه فيما يَجِبُ عليها، فإذا ظَهَرَ منها أَماراتُه بأن لا تُجيبَه إلى الاستمتاعِ أو تُجيبَه مُتَبَرِّمَةً أو مُتَكَرِّهَةً وَعَظَها، فإن أَصَرَّتْ هَجَرَها في الْمَضْجَعِ ما شاءَ وفي الكلامِ ثلاثةَ أَيَّامٍ، فإن أَصَرَّتْ ضَرَبَها غيرَ مُبَرِّحٍ.
(بابُ الْخُلْعِ)
مَن صَحَّ تَبَرُّعُه من زوجةٍ وأَجْنَبِيٍّ صَحَّ بَذْلُه لِعِوَضِه، فإذا كَرِهَتْ خُلُقَ زَوْجِها أو خَلْقَه
فإذا كَرِهَتْ خُلُقَ زَوْجِها أو خَلْقَه أو نَقْصَ دينِه أو خَافَتْ إِثْمًا بتَرْكِ حَقِّه أُبيحَ الْخُلْعُ وإلا كُرِهَ وَوَقَعَ، فإن عَضَلَها ظُلْمًا للاقتداءِ، ولم يكنْ لزِنَاهَا أو نُشوزِها أو تَرْكِها فَرْضًا ففَعَلَتْ، أو خالَعَت الصغيرةُ والمجنونةُ والسفيهةُ، أو الأَمَةُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها لم يَصِحَّ الْخُلْعُ ووَقَعَ الطلاقُ رَجْعِيًّا إن كان بلفْظِ الطلاقِ أو نِيَّتِه.
(فصلٌ)
والخُلْعُ بلفظٍ صريحٍ الطلاقُ أو كنايتُه وقَصْدُه طلاقٌ بائنٌ، وإن وَقَعَ بلفظِ الْخُلْعِ أو الْفَسْخِ أو الفِداءِ، ولم يَنْوِه طَلاقًا كان فَسْخًا لا يَنْقُصُ عددَ الطلاقِ، ولا يَقَعُ بِمُعْتَدَّةٍ من خُلْعٍ طلاقٌ ولو وَاجَهَها به
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق أن القاعدة في مسألة القَسْم أن عِماده الليلُ لمن معاشه بالنهار، والنهارُ لمن معاشه بالليل.
الجزء: 2 - الصفحة: 2951
وسبق لنا أيضًا أن مَن نشزتْ فلا قَسْم لها؛ لأنها أسقطتْ حقَّها بنشوزها، وذكر أمثلة للنشوز.
وسبق لنا أن مَن سافرتْ لحاجتها بإذنه فالصواب أن حقَّها باقٍ؛ لأنها سافرتْ بإذنه فهي غير ناشز، أمَّا مَن سافرتْ بلا إذنه فإنه ليس لها قَسْم ولا نفقة لأنها ناشز.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله إلى مسألة وهي: (مَنْ وَهَبَتْ قَسْمَها لِضَرَّتِها بإذْنِهِ أو لَهُ فجَعَلَهُ لأُخرى جَازَ) إذا وهبت المرأة قَسْمها لزوجها فله أن يجعله لمن شاء من زوجاته، وإذا قسمتْه لزوجةٍ معيَّنةٍ تعيَّنت الموهوب لها.
مثال الأول أنْ يكون لرجلٍ أربع زوجات، فقالت الأولى: وهبتُ قَسْمي لكَ.
فيقول المؤلف إنه يجعله لمن شاء؛ للثانية، للثالثة، للرابعة، ولو قيل: إنه يجعله بينهن لكان هو الواجب، هو العدل، كيف ذلك؟ بأن نقول: إذا كان معه أربع نساء فالقَسْم يدور على أربعة أيام، فإذا وهبت الأولى قَسْمها فليكن القَسْم دائرًا على ثلاثة أيام؛ لأن هذا هو العدل، إلا إذا قال: أنا لا أريد أن يكون على ثلاثة أيام، أنا أريد أن أقسم لواحدة يومين.
نقول: إذَن مقتضى العدل أن تُقْرع بينهن، أما أن تجعله لواحدةٍ دون الأُخْريات فلا، هذا خلاف العدل، أقْرِع بينهن، ومَن خرجت لها القُرعة فيكون لها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2952
الوجه الثاني: أن تهب يومها لامرأةٍ معيَّنةٍ فتقول الأولى: قد وهبتُ يومي للثانية.
فيتعيَّن للثانية، ولا يحلُّ له أن يجعله لامرأةٍ أخرى؛ دليل ذلك أن سودة بنت زمعة رضي الله عنها لما خافت أن يطلِّقها النبيُّ صلى الله عليه وسلم لكِبَر سِنِّها وهبتْ يومَها لعائشة (1)، واختارت سودةُ عائشةَ لأنها أحبُّ نسائه إليه، فأرادت أن تهبه لمن يحب عليه الصلاة والسلام، وهذا من فقهها وشفقتها على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أمَّا كونه من فقهها فلأن رسول الله لو طلَّقها لن تبقى من أمهات المؤمنين، ولن تكون زوجةً له في الآخرة، وأمَّا كونه من شفقتها على الرسول فلأنها وهبتْه لأحبِّ نسائه إليه.
فصار إذا وهبتْ قَسْمها للزوج على وجهين:
الوجه الأول: أن تجعله له، فعلى كلام المؤلف يجعله لمن شاء من الزوجات، والصحيح أنه لا يملك أنْ يجعله لمن شاء؛ لأن هذا جورٌ؛ فإن إسقاط المرأة حقَّها معناه أنه لم يكن له إلا ثلاث زوجات الآن، فإما أن يقال: يوفر هذا اليوم على الثلاث جميعًا ويكون مدار القَسْم على ثلاثة، وإما أن يُقرع.
الوجه الثاني: أن تهبه لامرأةٍ معيَّنةٍ، فهنا لا يتعدَّاه الزوج.
طيب، إذا قال الزوج بعد أن وهبتْه لواحدة معيَّنة قال: أنا لا أريده عسى أني أقوم بيومها، كيف تجعل لها يومين؟ ! ماذا نصنع؟
نقول: ردَّ الهبة، فيبقى اليوم لمن وهبتْه؛ يعني للواهبة، ثم إن شاءت وهبتْه مرَّةً أخرى إلى امرأة ثانية، وإلا أسقطت حقَّها والزوج يجعل المدار على ما بقى من الزوجات.
الجزء: 2 - الصفحة: 2953
وقول المؤلف رحمه الله: (لضَرَّتها بإذنه) يُفهم منه أنه لو لم يأذن ولم يقبل فإنه لا ينتقل إلى الموهوب لها؛ يعني لا بدَّ أن يرضى، الحقُّ حقُّه، لو كانت امرأة مثلًا لا ترغب الزوج لسبب من الأسباب وقالت: إنها لا ترغب أن يَقْسم لها وقد جعلتْ قَسْمها لفلانة.
قال: لا أقبل.
قالت: أجعلُهُ لك، أعطِهِ مَن شئتَ.
قال: لا أقبل، أنا أريد أن آتي إليك.
هل تملك إسقاط حقه؟ لا، ولهذا قال: (بإذنه).
(فإنْ رَجَعَتْ قَسَمَ لها مستقبلًا) (إنْ رَجَعَتْ) يعني رجعتْ في هِبَتها (قَسَم لها)، لماذا؟ قالوا لأنها هبةٌ لم تُقبض.
وهل يقضي ما مضى؟ لا؛ لأن ما مضى قد قبضه وانتهى منه، أما المستقبل فهو هبةٌ غير مقبوضة فلها أن ترجع فيه، أنتم فاهمين هذا؟
مثال ذلك: امرأة وهبتْ قَسْمها لزوجة أخرى؛ قالت: يومي لفلانة.
مضى على ذلك شهران، ثم رجعت وقالت: رجعتُ، أريد أن تقسم لي.
هل لها الحق في الرجوع؟
طالب: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم، لأي شيء؟ لأنها وهبتْ شيئًا لم يُقبض.
لكن هل تُطالب بقضاء ما مضى؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لأنه قد قُبِض وانتهى.
وظاهر كلام المؤلف أنها لو رجعتْ فلها ذلك مطلقًا، لكن ينبغي أن يُقيَّد بما إذا لم تتلاعب بالزوج، فإن تلاعبتْ به؛ أسبوعًا تهبُ يومها لفلانة، والأسبوع الثاني لفلانة، والأسبوع الثالث لفلانة، والأسبوع الرابع تهوِّن تقول: أريد أنا، هنا إذا تلاعبت فللزوج الحرية في أن يقول: لا أقبل، وسوف أقسم لكِ يومكِ، شاءتْ أمْ أَبَتْ.
(فإنْ رَجَعَتْ قَسَمَ لها مستقبلًا، ولا قَسْمَ لإمائِهِ وأمهاتِ أولاده، بل يَطَأُ مَن شاءَ متى شاءَ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2954
والدليل على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] فدلَّ ذلك على أن ملك اليمين لا يجب عليه أن يَقْسم بينهن، فله أن يطأ مَن شاء متى شاء، فإذا قدَّرنا أن عنده أربع إماءٍ مملوكات وصار يأتي لواحدة منهن دائمًا، فهل هو آثم؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وكذلك أمهات الولد؛ لأن أمَّ الولد يطؤها سيدها بمقتضى التسرِّي وليس بمقتضى النكاح.
فمَن هي أمُّ الولد؟
هي التي أتتْ من سيدها بما تبيَّن فيه خلْق الإنسان؛ يعني جامعها سيدها وحملتْ ووضعتْ.
وضعتْ مضغةً قد خلِّقت نقول: هي أمُّ ولد.
طيب، وضعتْ جنينًا حيًّا؟ أمُّ ولد.
وضعتْ مضغةً غير مخلَّقة؟
الطلبة: ليست أمَّ ولد.
الشيخ: ليست أمَّ ولد، نعم.
(وإنْ تزوَّج بِكْرًا أقامَ عندها سبعًا ثم دارَ، وثيِّبًا ثلاثًا، وإنْ أحبَّتْ سبعًا فَعَلَ وقضى مِثْلهنَّ للبواقي) يعني إذا تزوج زوجةً جديدةً إنْ كانت بِكرًا أقامَ عندها سبعة أيام، وإن كانت ثيِّبًا أقام عندها ثلاثة أيام.
البِكْر يقيم عندها سبعًا لسببين:
أولًا: أن رغبة الإنسان في البكر أقوى من رغبته في الثيِّب، فأمهل له في الأمر حتى يقضى نهمته.
وثانيًا: أن البكر لم تستأنس بالرجال، وهذه أول مرة، فتحتاج إلى زيادة مدَّةٍ من أجْل أن تستأنس بالرجل وتألف الرجل.
أمَّا الثيِّب فقد عرفت الرجال وأنستْ بهم من قَبْلُ، ثم الرغبة في الثيب أقل من الرغبة في البكر، فلهذا جعل لها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا؛ دليل ذلك قول أنس بن مالك رضي الله عنه: من السُّنة إذا تزوَّج البكرَ على الثيِّب أقام عندها سبعًا، وإنْ تزوَّج الثيِّب أقام عندها ثلاثًا (2). والحكمة كما ذكرتُ لكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2955
طيب، إذا أقام ثلاثًا عند الثيِّب ورغبتْ أن يبقى عندها سبعًا فله ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأمِّ سلمة حين أقامَ عندها ثلاثًا، قال لها: «إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» (3). فإذا طلبت أن يبقى عندها سبعة أيام فعلَ، لكن يجب أن يقضي للبواقي كم؟ أربعة أيام الزائدة ولَّا سبعة؟
طالب: سبعة.
طالب آخر: أربعة.
الشيخ: سبعة أيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «إِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي».
إذا قال قائل: لماذا لم يُجعَل للثيب ثلاثة أيام ونصف؛ نصف البكر؟ البكر سبعة أيام، والثيب لماذا لم يجعل ثلاثة أيام ونصف؟
لأن القَسْم هنا لا يمكن، القَسْم مداره على يوم وليلة، فإذا قُلنا: ثلاثة أيام ونصف معناه على نصف يوم، وهذا لا يستقيم.
السؤال الثاني: لماذا خُصَّت البكر بسبعة أيام؟ لماذا لم تُجعَل أربعة عشر يوما أو خمسة أيام؟
الحكمة من ذلك -والله أعلم- أنه سبعة أيام تدور عليها أيام الأسبوع كلها، لأنها سبعة أيام: السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، دارت أيام الأسبوع عليها كلها.
نظير ذلك العقيقة؛ شُرِعت في اليوم السابع لأنه في اليوم السابع تكون أيام الأسبوع قد أتتْ على هذا الطفل، واضح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
إذا قال قائل: لماذا يُسَبِّع للبواقي إذا اختارت الثيب سبعًا؟
نقول: لأنها لما اختارت السبع بطل حقُّها الأول وهو ثلاثة أيام، وإلا فمقتضى الحال أن يقول: إذا اختارت التسبيع فإنه يُربِّع للبواقي؛ لأنها إذا اختارت التسبيع ثلاثة أيام من حقِّها، والزائد أربعة يجعله للبواقي، كل واحدة أربعة أيام.
لكن نقول: لما اختارت السبع كأنها أسقطتْ حقَّها الأول، فإذا أسقطتْ حقَّها الأول صارت أخذت سبعة أيام، فنعطي الأُخريات سبعة أيام.
الجزء: 2 - الصفحة: 2956
طيب، ما تظنون أن تختار: سبعة أيام ويسبِّع للبواقي، أو ثلاثة أيام ويوحِّد للبواقي؟
طلبة: ثلاثة أيام.
الشيخ: ثلاثة أيام، إلا إذا كانت قبل حيضتها، نعم؛ هي تقول: سبعة أيام؛ لأنها بعد السبعة أيام تحيض، وهو ليس عنده إلا امرأة واحدة معها، وحيضها سبعة أيام، فيكون انشغاله بالثانية في أيام الحيضة، إذَن يمكن تختار السبعة الأيام، يمكن تختار أن يسبِّع لها ويسبِّع للباقيات.
على كل حال هذه المسائل ترجع لكل امرأة بانفرادها، ما يمكن أن تأخذ ضابطًا، إنما الحكم الأصلي أنه إذا تزوج بكرًا أقامَ عندها سبعة أيام ثم دار على بقية النساء، وإذا تزوج ثيِّبًا أقام عندها ثلاثة أيام، لكن يخيِّرها، إن شاءت اقتصرت على أيامها الثلاثة ثم صار يأتي للزوجات الأُخريات على يوم يوم، وإن شاءت سبَّع لها، وإن سبَّع لها سبَّع لنسائه.
ثم قال: (فصل: النُّشُوزُ معصيتُها إيَّاهُ فيما يجب عليها).
النشوز يكون من الزوج ويكون من الزوجة؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34]، وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: 128]، فكيف نُعامل الناشز من الرجل والمرأة؟
استمع إلى كلام المؤلف، يقول: (النُّشُوزُ: معصيتُها إيَّاهُ فيما يجب عليها، فإذا ظَهَرَ منها أَمَاراتُهُ بأن لا تُجيبه إلى الاستمتاع أو تُجيبه متبرِّمةً أو متكرِّهةً) عمل معها ما يأتي.
فالنشوز أن تعصي المرأةُ زوجَها فيما يجب عليها له، ونشوز الزوج أن يمتنع من بَذْل ما يجب عليه لامرأته أو يتكبَّر عليها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2957
يقول: (بأن لا تُجيبه إلى الاستمتاع).
إذا دعاها ليستمتع بها أَبَتْ؛ قالت: إنها مشغولة، تعبانة، ما لها نفسيَّة، وما أشبه ذلك، مع أن الأمر خطير؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» (4)، فهي من كبائر الذنوب.
المهم هي امرأة ما هي سائلة، امتنعت، نقول: هذه ناشز، أو تُجيبه لكنها تُجيبه متبرِّمةً تُظهر المللَ والتعبَ أو متكرِّهة؛ مثل إذا دعاها يجد منها التكَرُّهَ لهذا، وربما يسمع منها كلامًا: أتعبْتَنا، آذَيْتَنا، الله يعين عليك، وما أشبه ذلك، هذه نقول: هي ناشز؛ لأن الواجب عليها أن تبذل ما يجب عليها بانشراح صدر.
فماذا يعمل؟ قال: (وعظها) فذكَّرها بالله، حذَّرها من المخالفة.
(فإنْ أصرَّتْ هَجَرَها في المضجعِ ما شاء، وفي الكلامِ ثلاثةَ أيام).
إن أَبَتْ إلا أن تنشز يهجرها في المضجع، وقوله: (ما شاء) يعني ما لم ترجع إلى حُسن السيرة، فإن رجعتْ إلى حُسنِ سيرتها فلا يهجرها، لكن إذا بقيتْ يهجرها في المضجع ما شاء؛ يعني لا يضاجعها، وفي غالب الظن أنه إذا هَجَرَها في المضجع فسوف ترجع.
أمَّا في الكلام فيقول: (ثلاثة أيام)، لا يزيد؛ دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ» (5).
طيب، إذا قلنا: لا يهجرها فوق ثلاث، فماذا يصنع قبل أن تمضي الثلاث؟
يمكن أن يقول: يا فلانة افتحي الباب، زالَ الهجر.
يمكن إذا دخل عليها يقول: السلام عليكم، زالَ الهجر.
الجزء: 2 - الصفحة: 2958
قال: (فإنْ أصرَّتْ ضَرَبَها ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ).
يعني غير مؤلِم ولا مُوجع، لكن للتأديب، فالمراحل إذَن ثلاث: الوعظ، ثم الهجر، ثم الضرب لكن غير مبرِّح؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ أَوْطَأْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» (6)؛ لأن المقصود التأديب لا التعذيب.
وإذا خافت هي النشوز من الزوج فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: 128] وهذا مما يدل على كمال الشريعة حيث فرقت بين نشوز الزوجة ونشوز الزوج؛ لأن الزوج لا يمكن للزوجة أن تهجره أو أن تضربه، هذا لا يمكن، لذلك قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ يعني: يطلبان الصلح إما بالتفريق أو غير ذلك.
طالب: بماذا يكون نشوز الزوج؟
الشيخ: نشوز الزوج يكون بألَّا يبذل الواجب عليه من النفقة أو من العِشرة بالمعروف، يَكْفَهِرُّ في وجهها، يُمانعها مما يجب عليه من العِشرة، يتكَرَّه لهذا الشيء.
الطالب: هذا محرَّم؟
الشيخ: محرَّم، نعم، هذا من حقوقها.
طالب: بارك الله فيك، هل يُعذَر الزوج بتَرْك الجماعة إذا أقامَ عندها؟
الشيخ: ( ... ) أقامَ عندها ولا يروح يصلي في المسجد؟
الطالب: بعض الناس يحتجُّون بذلك.
الشيخ: لا، غلط، أقام عندها بالنسبة لزوجاته؛ يعني لم يذهب إلى الزوجات، ولا يُعذَر الإنسان بترك صلاة الجماعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2959
لكن بعض العلماء يقول: يُعذَر بترك الجماعة إذا كان ليلة الزفاف وكان أهل الزوجة يأتون بها إليه؛ لأنه ربما يأتون إلى البيت ولا يجدونه إذا ذهب يصلي، لا سيما إن ذهب يصلي في المسجد يتأخر، فهنا إذا جاؤوا إلى الزوج ومعهم الزوجة يزفُّونها إليه وجدوا الباب مغلقًا، يستأذنون ولا يؤذَن لهم، هذه كبيرة عليهم، فلذلك قال بعض العلماء: إنه يُعذَر بترك الجماعة إذا كان ينتظر زوجةً تُزَفُّ إليه، وهذا وجيهٌ في الواقع، حتى هو لو ذهب إلى المسجد في هذه الحال سوف يكون مشغولًا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» (7).
طالب: بالنسبة للضرب المبرِّح كيف؟
الشيخ: الشديد الذي يجرح أو يوجب تورُّمَ الجلد أو انحباسَ الدم، ما تعرف هذا؟ ! أحيانًا يُضرَب الإنسان فيؤثِّر في جلده يكون نقطة سوداء، هذا مبرِّح، أو ينجرح، هذا مبرِّح، أو ينكسر، مبرِّح، فهمت؟
الطالب: إذا ضربها بخيزران ( ... ).
الشيخ: الخيزران ما أدرى، قد يكون يده قوية، فإذا ضربها بقوة ممكن تؤثر، لكن يضربها بيده، يضربها على ظهرها مثلًا، أو بسيرٍ خفيف.
طيب، لو ضربها بالمخدة؟
طالب: غير مبرِّح هذا.
الشيخ: مبرِّح؟
طالب: ينظر فيه.
الشيخ: أيش هو؟ ما هذا؟
الطالب: لا يؤثر عليها.
الشيخ: ما يؤثِّر عليها! لا, يؤثِّر عليها؛ عند الناس المخدة الكبيرة اللي يتكئ عليها أَخَذها وضَرَبها بها، أنا كنت أظن أنك تقول: ليس هذا ضرب، وأن هذا رَمْي.
على كل حال لا يضربها ضربًا مبرِّحًا هكذا.
طالب: شيخ، بالنسبة إذا قطع الهجر قبل ثلاث؛ قال: السلام عليكم ( ... ) ثلاثة أيام، هل يستمر بعد ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، مثلًا في آخر اليوم الثالث سَلَّم انقطع الهجر، له أن يتأخر ثلاثة أيام أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2960
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم في بداية الدرس قلتم: الصواب أنه إذا سافرتْ بإذنه في حاجته أن حقَّها ثابت، ذكرناه في الدرس الماضي على ما أذكر أنه صعب إذا رجعت أن يقسم لها، وإنما ..
الشيخ: لا، بالنفقة.
الطالب: بالنفقة نعم.
الشيخ: إحنا تكلمنا في النفقة، أما القَسْم فلا، لا قَسْم لها.
طالب: أحسن الله اليكم، إذا لم ينفعها الضرب غير المبرِّح ما هو الحل؟
الشيخ: الحل: ﴿إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] يعني يؤخذ من أهله رجُل ومن أهلها رجُل ينظران في الأمر، ثم يعملانِ ما يريانه المصلحة من جَمْع أو تفريق بعِوَض أو بغير عِوَض.
الطالب: لهما حقُّ التفريق يا شيخ ولَّا لا بد من القاضي؟
الشيخ: بدون قاضٍ، فإن لم يتفقا فالقاضي، ولكن إذا لم يتفقا وذهبا إلى القاضي وصمَّمت المرأة ( ... ).
باب الخلع
طالب: فإنْ عَضَلها ظُلمًا للافتداء ولم يَكُنْ لِزِناها أو نُشُوزِها أو تَرْكها فَرْضًا ففعلت أو خالعت الصغيرةُ والمجنونةُ والسفيهةُ، أو الأَمَةُ بغير إذْنِ سيِّدها لم يصِحَّ الخلعُ، ووَقَعَ الطلاقُ رجعيًّا إنْ كان بلفظ الطلاق أو نيَّته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الْخُلع) ويجوز الْخَلع، فالْخَلع: الفِعْل من الْخُلع، والْخُلع هو نفس الفَسْخ؛ وهو فراق الزوجة على عِوَض بألفاظ الخلع أو الفسخ أو نحوه؛ يعني بغير لفظ الطلاق.
تعريفه مرَّة ثانية: فراق الزوجة بعِوَض بغير لفظ الطلاق، هذا الخلع؛ مثل أن تقول المرأة لزوجها: هذه ألْف ريال وفارِقْني، ففارقَها على الألْف، نسمِّي هذا خلعًا.
فإنْ وقَعَ بلفظ الطلاق بأنْ قالت: هذه ألْف ريال وطلِّقْني، فقال: طلقتكِ على ألف ريال، فهل يكون خلعًا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2961
الفقهاء يقولون: لا يكون خلعًا، بل هو طلاقٌ على عِوَض، واختار شيخ الإسلام رحمه الله اتباعًا لابن عباس رضي الله عنهما أنه خلعٌ ولو وَقَعَ بلفظ الطلاق، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ يعني الطلاق الذي فيه رجعةٌ مرَّتانِ، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ هذا معنى الرجعة؛ يعني إما يُمْسِكها ويردُّها، وإما أن يسرِّحها بإحسان، ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ يعني فيما بَذَلَتْه فِداءً لنفسها حتى يفارقها الزوج، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 229، 230] قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فهذا يدل على أن ما كان بعِوَضٍ فليس بطلاقٍ على أيِّ لفظٍ كان.
وجه الدلالة أنه لو كان طلاقًا لكان قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الطلقة الرابعة؛ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، فيكون الطلاق أربعًا، وهذا غير صحيح بإجماع المسلمين، ما فيه طلاق أربعًا، الطلاقُ ثلاثٌ، ولا شكَّ أن هذا الذي ذكره رحمه الله قويٌّ جدًّا في النظر، وهو ظاهرٌ من سياق الآية الكريمة، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما قاعدةً أو ضابطًا: كلُّ ما جَازَهُ المالُ فليس بطلاقٍ (8). يعني كلُّ فراق على مالٍ فليس بطلاق، أعرفت؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2962
لكن ينبغي -بل أقول: لو قيل بالوجوب لكان له وجهٌ- لمن أراد أن يكتب الخلع أن يقول: حضر عندي فلان وفلانة وخَالَعَها على عِوَضٍ قدره كذا وكذا، ولا يقول: طلَّقَها؛ لأنه إذا قال: خَلَعَها؛ صار فسْخًا لا ينقص به عدد الطلاق ولا يُحسَب على الزوج، لكن لو قال: طلَّقها؛ صار فيه الخلاف؛ شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه فَسْخ ولو كان بلفظ الطلاق، والمذهب يقولون: إذا كان بلفظ الطلاق فهو طلاق.
ذكرنا دليل شيخ الإسلام رحمه الله.
طالب: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ ... ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
الشيخ: اختصرت الآية، لكن ها.
الطالب: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
الشيخ: هذا الفراق هو الثالث.
الطالب: هذا يا شيخ فَسْخ.
الشيخ: لكن هو فراق ولَّا لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، هذا الفراق الثالث، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾.
الطالب: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
الشيخ: هذا الفراق الرابع، لو عددنا الفراق الثالث في الآية لو عددناه طلاقًا لَكان الطلاق هو الرابع، لكن نقول: إنه فِداءٌ أو فَسْخٌ وليس بطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 2963
المذهب يقولون: إن الطلاق على عِوَضٍ طلاقٌ، يُحسَب من الطلاق، ويستدلُّون لذلك بأن امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنها وعنه أيضًا لما كَرِهتْه قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ».
لأن الحديقة مهرٌ لها، قالت: نعم يا رسول الله أرُدُّ عليه حديقتَه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها -وهو ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه- قال: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9). وقالوا: وهذا دليلٌ على أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق فهو طلاق؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «طَلِّقْهَا»، فدلَّ ذلك على أنه إذا طلَّقَها وَقَع الطلاق.
وهذا استدلالٌ قويٌّ من حيث اللفظ، والأول -الاستدلال بالآية- قويٌّ من حيث المعنى، ولذلك المسألةُ متردِّدة بين القول بأنه إذا وقع بلفظ الطلاق كان فَسْخًا أو كان طلاقًا، لكن الخروج من هذا الإشكال بماذا؟ بأنْ يقول: فسَخْتُ زوجتي أو خالعتُها على عِوَضٍ قدره كذا وكذا.
ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا كتبَ مُخالَعةً بين زوجين ألَّا يقول: طلَّقَها على عِوَض، بل يقول: خالَعَها، فارَقَها، فاداها، وما أشبه ذلك، حتى لا يُوقِع مَن بعده في إشكال.
قال المؤلف: (مَنْ صحَّ تَبَرُّعُه من زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُهُ لعِوَضِهِ).
(مَنْ صحَّ) شَرْط، أين جوابه؟ (صحَّ بَذْلُهُ لعِوَضِهِ) أي: لعِوَض الخلع.
يعني: أيُّ إنسانٍ يصح تبرُّعه (من زوجةٍ وأجنبيٍّ) يعني: من الزوجة، (صحَّ بَذْلُهُ) أي: بَذْل المتبرِّع (لعِوَضه) أي: لعِوَض الخلع.
ومَن المبذول له؟
الطلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، طيب.
وقول المؤلف: (مَن صحَّ تبرُّعُه) احتراز ممن لا يصح تبرُّعُه؛ كالصغير ونحوه فإنه لا يصح أن يتبرَّع، أو ولِيِّ اليتيم أو ما أشبه ذلك لا يصح أن يتبرَّع، لكن مَن صحَّ أن يتبرَّع بالمال صحَّ أن يبذل عِوَض الخلع للزوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 2964
وقوله: (من زوجةٍ وأجنبيٍّ) لو فرضْنا أن الزوجة محجورٌ عليها، ما هي رشيدة التصرف، ثم طلبت الخلع من الزوج وخالَعها، فالمخالَعة أيش؟ لا تصحُّ؛ لأن المحجور عليها لا يصح أن تتبرَّع.
وقوله: (وأجنبي) يعني: أجنبي من الزوجة؛ فلو أن شخصًا جاء إلى رجُلٍ وقال: يا فلان، زوجتُك متعبة، ما هي مستقيمة معك، ولكن أنا أريد أن أفكَّ المشكلة، هذه عشرة آلاف ريال واخلعْها.
والزوجة ما علمت، يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز
طلبة آخرون: لا يجوز.
طالب: على قول المؤلف ..
الشيخ: اسمعْ يا أخي: (من زوجة وأجنبي) يصِحُّ، وهذا الرجل سَعْيه مشكور إذا أراد أن يفكَّ المشكل بين الزوج وزوجته، طيب هذه مسألة.
مسألة أخرى: رجل يُبغض الزوجة، ورأى أن الزوجة حياتها سعيدة مع زوجها، وزوجها راضٍ بها وهي راضيةٌ به، وكما يقول العوام ( ... )، فأراد أن يحسدها لأنه يكرهها، فذهب إلى زوجها وقال: تعال.
وزوجها قليل ذات اليد؛ فقير، قال له: تعال، المهر الآن ثلاثون ألفًا، وأنا بأعطيك ستين ألفًا وخالِعْ هذه الزوجة.
ماذا تقولون في هذا الفقير؟ يوافق ولَّا ما يوافق؟
الطلبة: يوافق.
الشيخ: يوافق يقول: بأحصِّل بستين ألفًا زوجةً ومالًا أبيع به وأشتري، فيخالع الزوجة، أيصح الخلع أو لا؟
طالب: على قول المؤلف يصح.
الشيخ: على قول المؤلف يصح الخلع، لكن ذلك آثِمٌ، الذي بَذَلَ العِوَض آثِمٌ؛ لأنه فرَّق بين زوجين ليس بينهما شقاق ولا نزاع.
الجزء: 2 - الصفحة: 2965
رجل ثالث أعجبتْه زوجةُ رجلٍ لجمالها وعلمها وحذقها، أعجبتْه، لكن هي الآن معها زوج، فماذا يصنع؟ قال: أذهبُ إلى زوجها وأُغريه بالمال حتى يطلِّقها وأتزوجها أنا، فذهب إلى الزوج وأغراه بالمال قال: يا فلان، المهر الآن ثلاثون ألفًا تُحَصِّل به امرأةً بكرًا من أحسن النساء، أنا بأعطيك ستين ألفًا.
قال: لا، شوي.
لأنه يحب زوجته، قال: تسعين ألفًا، خذ ثلاث زوجات، قال: زوجتي أحبُّ إليَّ من ثلاثة.
قال: كم؟ مئة وعشرين ألفًا عشان تأخذ أربعًا.
فكأنَّ الرجل أعجبه هذا العرض فقال: لا بأس.
أعطاه المئة وعشرين ألفًا وخالَعَ الزوجة لأجْل أن يتزوَّجها هذا الذي أعطاه المئة وعشرين ألفًا، هل يجوز؟
طالب: لا.
الشيخ: أنكر الإمام أحمد نفسه هذا إنكارًا عظيمًا وقال: نعوذ بالله، أيفعل هذا أحد؟ ! إذا كان الذي يخرب الزوجة على زوجها وردَ فيه الوعيد، كيف عاد هذا الرجل؟ !
والصحيح أنه لا تجوز المخالَعة من الأجنبي إلا للمصلحة، لو أن إنسانًا عرف أن بين الزوجين مشاكل لا تنتهي وأن مِن المصلحة المخالَعة حينئذٍ نقول: هذا الرجل محسنٌ، وجزاه الله خيرًا، وفكَّ مشكلًا، والخلع أيش هو؟ الخلع صحيح.
أمَّا مَن أراد الإضرار بالمرأة وخالَع فهذا حرامٌ، ولا يصح الخلع، وأمَّا مَن خالع من أجْل أن يتزوَّجها فهو أشدُّ، ويجب أن نمنعه منها، نمنعه من تزوُّجه بها معاقبةً له بنقيض قصده؛ لأن مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، وإذا كان ثبت عن بعض السلف أن من خَطَبَ امرأةً في عِدَّتها حرمتْ عليه على التأبيد نكالًا له، فهذا الذي خَطَبَ المرأة على زوجها من باب أَوْلى، ولهذا يجب على القُضاة إذا علموا أن هذا الرجل إنما بَذَل الخلع لزوج المرأة من أجْل أن يتزوجها بعده، يجب أن يمنعوه منها وألَّا يُمَكِّنوه من زواجها.
الجزء: 2 - الصفحة: 2966
يقول رحمه الله .. لما ذَكَرَ الخلعَ وأنَّ مَن صحَّ تبرُّعه صحَّ بَذْله لعوضه بيَّن ما أسباب الخلع؛ قال: (فإذا كرهتْ خُلُقَ زوجِها) بأن كان الزوج سيئًا؛ يدخل مغضَبًا ويخرج مغضَبًا، ويكلِّفها ما لا تطيق، وإذا حصل أدنى خللٍ في الطعام والشراب ذهب يشتم ويسبُّ، خلق طيب؟
طالب: هذا سيِّئ.
الشيخ: أيش هو هذا؟ طيِّب ولَّا غير طيِّب؟
طلبة: سيِّئ.
الشيخ: هذا خُلُق سيئ، إذا كرهتْ خُلُق زوجها لها أن تخالعه.
(أو خَلْقَهُ) يعني خِلْقته، مَثَلًا رأته دميمَ الخِلْقة ما أعجبها شكله، فلها أن تخالع.
طيب، إذا قال قائل: أليستْ قد تزوَّجتْه راضيةً به؟
قلنا: بلى، لكن ربما تكون لم تَرَهُ، وهذا مِن فائدة نظر الخاطب إلى مخطوبته والمخطوبة إلى خاطبها، ربما لم يرها، أو أن النظرة أول مرة لا يحصل بها التروِّي؛ يعني قد ينظر الإنسان إلى آخَر في أول وهلةٍ يظن أنه صاحبُ خُلُق وجميلٌ وما أشبهَ ذلك، ثم به عند التأمل والتروِّي يكون الأمر بالعكس، أو أنه يحدث له .. يعني الرجل زوجها ما فيه إخلال، لكن حدث له ما شوَّه خِلْقته بأن أُصِيبَ بحادثٍ فاختل جمالُ وجهه، أو انكسرت يده واختلَّت، أو ما أشبه ذلك، المهم إذا كرهتْ خِلْقة زوجها فلها الخلع.
(أو نَقْصَ دينِهِ) بأن تزوجتْ رجلًا تحسبه من خيرة الرجال في الدين، ولكن تبيَّن أنه ليس كذلك، أو كان مستقيمًا في أول الأمر ثم انحرف فكرهتْه لذلك، وهذا مع الأسف يقع كثيرًا، كثيرٌ مِن الناس مَن هو كالطاوس يُعجبك بريشه ولكنه لا خير فيه؛ كثيرٌ من الناس يُعجب المرأةَ في دينه وفي خُلُقه، لكن عندما تتزوجه تجده سيِّئَ الخُلُق والدين، أو ربما يسوءُ دينُه وخُلُقه فيما بعد، فإذا رأتْهُ ناقصَ الدين يصلي مع الجماعة أحيانًا ويترك أحيانًا، ويصلي في الوقت أحيانًا ويترك أحيانًا ويبرُّ والديه أحيانًا ويلعن والديه أحيانًا، هذا نقص الدين، لها أن تطلب الخلع أو لا؟
طالب: لها ذلك
الشيخ: لها ذلك، طيب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2967
(أو خافتْ إثمًا بتَرْكِ حقِّه) يعني رأتْ من نفسها أنها لا تنقاد له؛ إن دعاها إلى فراشه صارت تمشى وكأنها تقلع رِجْلها من الطين متباطئة متثاقلة، إن أَمَرها بحاجةٍ ما فعلتْها على المطلوب، المهم خافتْ إثمًا بتَرْك حقِّه، قال المؤلف (أُبيحَ الْخُلْعُ) أُبيح لمن؟ للمرأة أن تخالع وتطلب زوجها للمخالَعة ولا تُلام على ذلك.
فإن قالت: أنا لا أعيبه في خُلُقه ولا دينه، لكن أنا لا أريده، أنتم إذا أجبرتمونى عليه سوف أُلقي نفسي في النار.
يعني كراهة الإنسان من الله عز وجل لا لسببٍ ظاهرٍ، فهل لها أن تخالع؟
الجواب: نعم، لها أن تخالع؛ لأن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيبُ عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ -رجُلٌ خَلُوقٌ، رجُلٌ جيِّدٌ، ونحن نضيف الآن: من أهل الجنة، ثابت بن قيس شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام بالجنة (10) - ولكنِّى أكره الكفر في الإسلام؛ يعني أكره ألَّا أقوم بحقِّه، وهذا الكفر كفر العشير؛ يعني لا أستطيع أن أقوم بحقِّه، والمحبة والكراهة أمْرٌ يجعله الله في قلب العبد، فلم يُنكر عليها الرسول عليه الصلاة والسلام، بل قال لها: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ».
قالت: نعم (9). المهم أن المرأة إذا كانت لا تطيق الصبر مع الزوج لأيِّ سبب من الأسباب فلها أن تطلب الخلع.
يقول المؤلف رحمه الله: (وإلَّا) يعني وإلَّا يَكُنْ هناك سبب (كُرِهَ ووَقَعَ) أيش اللي يُكْرَه؟ الخلع، (ووَقَعَ) أي: الخلع.
الجزء: 2 - الصفحة: 2968
واقتصار المؤلف رحمه الله على الكراهة فيه نظر، والصواب أنه لا يحلُّ للمرأة أن تطلب الخلع إلا إذا كان هناك سبب؛ لحديث: «مَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» (11)، وهذا يدلُّ على أن ذلك من كبائر الذنوب، وهو حقيقة؛ لأن طلبها الفراقَ وإنْ كان الفراقُ ليس بيدها بل بيد الزوج، طلبها ذلك يؤدِّى إلى كراهة الزوج لها، وإلى تفكُّكِ الأُسرة إن كان هناك أسرة بينهما، فلذلك صار فيه هذا الوعيد، ويأتي إن شاء الله البقية، وقد انتهى الوقت.
طالب: أحسن الله إليكم، ما فهمت (وإلَّا كُرِهَ ووَقَعَ).
الشيخ: نعم، يعني: وإلَّا يكُنْ بهذه الأسباب.
الطالب: الصحيح يحرم إذا كان بلا سبب.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم قُلنا -أحسن الله إليكم- قَبْلُ: إذا كان له في نفسها كراهةٌ شديدةٌ بلا سبب كما في حديث امرأة ثابت بن قيس فلها ..
الشيخ: هذا من الأسباب لطلب الفراق أن تكرهه كراهةً عظيمةً؛ لأنه كما يقول العوام: كُلْ كرهًا، واشربْ كرهًا، والبس كرهًا، ولا تُجالس كرهًا.
فهمت؟ أما فهمتم هذا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ترى هذه حكمة عظيمة من العوام؛ يقولون: كُل الأكل ولو لم تشتهِه، اشرب ولم تشتهِ، البس ولم تشتهِ، لكن لا تجالسْ أيش؟ مَن لا تشتهي مجالسته، والمتنبي يقول:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى
عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ
هذا صحيح.
طالب: شيخنا، بارك الله فيك، أشكل عليَّ القول بجواز -على قول المؤلف- بأنه يجوز لأجنبيٍّ أن يأتي للزوج ويعطيه مالًا على أن يخالع زوجته، نعرف أن الخلع يكون من طرف الزوجة ما هو من طرف الزوج.
الشيخ: أيش؟
الطالب: الخلع يتم من طرف الزوجة، يعني هي اللي تطلب.
الشيخ: لا، لو طلبت الزوجة ( ... ) ما صار شئ والزوج لم يوافق.
الطالب: يعطيه مالًا للقبول.
الجزء: 2 - الصفحة: 2969
الشيخ: إي، يعطيه مالًا للقبول، ولهذا نقول: حرام على الإنسان مع استقامة أحوال الزوجين يذهب ليخالع، حرام عليه، هذا من الإفساد بين الزوجين، وهو من أعظم المحرَّمات.
لكن ذكرنا لكم المسألة ثلاثة أحوال، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
طالب: رجل طلق زوجته ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
الطالب: هل تَحْرُم عليه ( ... ) على التأبيد؟
الشيخ: هذا على قول بعض السلف تحرم عليه على التأبيد؛ كل إنسان خطب امرأةً لا تحلُّ له فيُعاقَب بحرمانها لئلَّا يتجاسر الناس، عرفت؟ لكن جمهور العلماء على أنها تحلُّ له إذا انقضت العِدَّة بعقد صحيح.
طالب: يعني يطلبون الطلاق على ما بقي من المهر.
الشيخ: ما فيه بأس.
الطالب: هل هذا خلع؟
الشيخ: هذا خلع.
الطالب: وكيف تكون رجعة الخلع.
الشيخ: ما فيه رجعة، الخلع لاحظوا أنه إذا خالعت المرأة زوجها فلا يمكن أن يرجع عليها، لكن له أن يتزوجها بعقدٍ جديدٍ ولو في العِدَّة.
أفهمتم يا جماعة؟ وهذه تُسمَّى البينونة الصغرى إذا طلَّقَها على عِوَض، البينونة الكبرى أن يطلِّقها آخر ثلاث تطليقات، هذه لا تحلُّ له إلا بعد زوج، والأُولى تحلُّ له بعقد.
طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، في هذه الأيام حدثت حادثة أنَّ رجلًا تزوج بامرأةٍ وبعد مدة يسيرة طلَّقَها، وبعد ذلك أخذها رجلٌ آخَر وذهب إلى فندق وتزوجها عُرفيًّا، واكتشفوا أنها كانت تحب رجلًا مِن قَبْل
الشيخ: الثاني.
الطالب: نعم، ففي مثل هذه الأمور الحالية يُستحب أن يُفَرَّق بينهما؟
الشيخ: لا، يجب؛ النكاح الثاني غير صحيح؛ أولًا: أنه في العِدَّة، وثانيًا: أنه بلا ولِيٍّ وبلا شهود.
الجزء: 2 - الصفحة: 2970
وحدث هذه الأيام قضية في باكستان صار فيها ضجَّة كبيرة: واحد يحب امرأةً وتزوجها بينه وبينها، قال: أنا أحبكِ، قالت: وأنا أحبكَ، قال: توكلنا على الله، قال: زوِّجيني نفسكِ، قالت: زوَّجتكَ نفسي، قال: قَبِلتُ.
وراح العلماء هناك أنكروا هذا وقالوا: هذا لا يصح، وهذا زنى ولا يجوز، فجاء واحد من العلماء الآخرين من المتحذلقين؛ لأن العلماء الأكثر حكموا بوجوب التفريق، قال: هذا ما يجوز أن نفرق بينهما، هذا العقد صحيح؛ لأن فلانًا من العلماء يقول: لا يُشترط الولي، هذه واحدة، وآخَر من العلماء قال: لا يُشترط الإشهاد، وآخَر من العلماء قال: ليس للعقد صيغة؛ فالمسألة خلافية واجتهادية، ولا يجوز أن تفرِّقوا بينهما.
أعوذ بالله، معناه أن كل امرأة تريد أن تزني بشخصٍ تتفق معه هي وإياه، صداقه وتزوِّجه نفسها، هذا لا يقول به أحد من العلماء، حتى لو فرضْنا أن بين العلماء السابقين خلافًا في مثل هذه الأمور ما تقع على هذه الصورة.
طالب: شيخ، لو طلبت الخلع ( ... )؟
الشيخ: هذه مسألة مهمة، يعني لو طلبت الخلع فرفضَ هل يُجبَر؟
نقول: أمَّا بدون عِوَض فلا يُجبَر إلا بعِوَض يرضاه، فإذا قالت: أنا مستعدة أردُّ عليه كل المهر، فهل يجبر؟
فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: يُجبر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس أيش؟ «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» (9).
وجمهور العلماء يرون أنه لا يُجبر، وأن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» للإرشاد الذي يُقصد به حلُّ المشكلة.
الجزء: 2 - الصفحة: 2971
والصواب أننا إذا علمنا أنها لن تستقيم الحال وأنهما سيكونان من إشكالٍ إلى آخَر فإنه يجب أن يَقْبل، فإن لم يَقْبل طلَّق عليه الحاكم، ولا تستقيم الأمور إلا بهذا؛ لأنه أحيانًا النساء ما تستطيع الصبر على الزوج، خصوصًا إذا كانت ملتزمة وتزوَّجته على أنه ملتزم ثم تبيَّن بعد ذلك أنه ليس بملتزم، هذه لا يمكن أن تصبر عليه، يُجبرها أن تبقى مع شخصٍ ترى أنه لا يليق بها؟ ! ما يمكن هذا.
طالب: وإنْ وَقَعَ بلفْظِ الخلعِ أو الفَسْخِ أو الفداءِ ولم يَنْوِهِ طلاقًا كان فَسْخًا لا ينقص عدد الطلاق.
ولا يَقَعُ بمعتدَّةٍ من خُلعٍ طلاقٌ ولو واجهها به، ولا يصح شرط الرجعة فيه، وإنْ خالعها بغير عِوَضٍ أو بمحرَّمٍ لم يصح، ويقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الخلع هو الفَسْخ في اللغة، وفي الشرع: فراقُ الزوجة بعِوَضٍ بألفاظٍ مخصوصةٍ هي الفَسْخ والخلع والفداء وما أشبهها.
ما معنى قول المؤلف: (مَن صحَّ تبرُّعُه من زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُه لعِوَضه)؟
طالب: أن بَذْل العوض في الخلع لا يصح إلا ممن يصح تبرُّعه؛ فمثلًا وليُّ اليتيم لا يصح للخلع لأنه لا يصح تبرُّعه.
الشيخ: طيِّب، كمِّل، معنى قوله: (من زوجةٍ وأجنبيٍّ).
الطالب: والأجنبي، ظاهر كلامه أن الأجنبي يصح ( ... ).
الشيخ: ويكون الخلع من الزوجة بأن تبذل العوض للزوج أو ..
الطالب: من أجنبي عنها.
الشيخ: من أجنبي عنها أحسنت.
هل يجوز للإنسان أن يأتي إلى الشخص ويقول: هذه خمسون ألفًا وخالعْ زوجتك؟
الطالب: ظاهر كلام المؤلف هذا، ولكن الصحيح أنه لا يجوز؛ لأن فيه تفريقًا بينهما.
الشيخ: لا، ( ... ) ليس يصح عند أهل العلم.
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2972
الطالب: إن كان اجتهادًا؛ إنْ كان الرجل محسنًا ويريد أن يحلَّ مشكلًا فيُقبل، أمَّا إن كان الرجل له غرض أن يفرِّق بين الرجل وزوجته لشيء في نفسه فلا يصح، وإنْ كان يريد أن يتزوج المرأة فإن ذلك ( ... ).
الشيخ: إحنا ذكرنا أمس في الدرس الماضي أنه ثلاث حالات.
طالب: شيخ، إما للإضرار بالزوجة، أو للتزوج بها، أو لمصلحة، والحالتان الأوليان لا يصح، والثالثة يجوز.
الشيخ: إما أن يكون لمصلحة الزوجة بأنْ يأتي إنسان يعرف حال الزوجة مع زوجها أنها حال سيئة وتعيسة، والزوجة متبرِّمة تريد الفراق، فيأتي إنسان إلى الزوج ويقول: يا فلان، اخلع زوجتك وهذه مثلًا كذا وكذا من الدراهم.
لا بأس، هذا مُصلِحٌ ومأجورٌ ومثابٌ على ذلك.
وإما أن يكون للإضرار بالزوجة؛ عرف أنها مع زوجها في حال سعيدة فأراد أن يضُرَّ بها، فذهب إلى الزوج وأعطاه أموالًا لأجل أن يخالع زوجته، هذا أيش هو؟
طالب: محرَّم.
الشيخ: هذا حرام لا شكَّ وعدوان.
الثالث: أن يفعل ذلك لمصلحته هو بنفسه، هو لا يريد الإضرار بالزوجة ولا الإضرار بالزوج، لكن يريد أن يتزوج المرأة، فهذا أيضًا حرام، وقد أنكره الإمام أحمد رحمه الله إنكارًا شديدًا وقال: من يفعل هذا؟ !
طيب، هل يمكن يكون للإضرار بالزوج؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: التعليل ما هو صحيح، لكن نعم، ما يمكن يكون الإضرار بالزوج؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لكن الزوج يقول: لا، الزوج إذا كان يرغب زوجته سيقول: لا، لو يعطيه ملء الأرض ذهبًا.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ناقص العقل هذه مشكلة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) الزوج.
الطالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 2973
الشيخ: لا، هو يمكن أن يكون الإضرار بالزوج بأن يكون الزوج ما هو ناقص عقل كما قال الأخ، الزوج رجل يحب الدنيا مثلًا، وجاءه إنسان وطمَّعه بالمال؛ قال: أنا بأعطيك مثلًا كذا وكذا من المال.
هذا طَمِع وقال: غدًا أُخالعها، آخذ ها المال وبعدين ( ... ) مرة ثانية، فهذا لا يجوز، وإن كان لم يُذكر هذا في كتب الفقهاء الإضرار بالزوج، لكن الواقع أنه ممكن، المهم أنه لا يجوز، متى كان الخلع يُقصَد به الإضرار فهذا حرام.
طيب، مسألة ولي اليتيم إذا رأى من مصلحة اليتيم أن يخالع زوجتَه، وأعطى زوجته من مال اليتيم، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؟ ما تقولون؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم يجوز إذا كان من مصلحة اليتيم، نعم، هذا إنسان مثلًا زوَّجه أبوه وهو صغير له عشر سنوات بامرأةٍ أعجبت الأبَ، فزوجه إياها برضاه، وبعدين توفي الأب، وكانت هذه الزوجة نكدًا على اليتيم؛ تأخذ ماله يعني مثلًا يعطيه وليه في النفقة وتشتري به أشياء ما لها داعي، وعرف أن هذه ستؤذي اليتيم وتضره، هل له أن يخالع بشيء من ماله هو؛ من مال اليتيم؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا لمصلحة اليتيم.
ذكر المؤلف رحمه الله حالات يجوز فيها الخلع، ما هذه الحالات؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: خلق زوجها، هذا واحد.
الطالب: ( ... )
الشيخ: لا، ما شاء الله، إذا صار ما يعلم مخالف نقل الإجماع.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: بعد أن رأيتَه، الله يهديك.
طالب: ذكرنا سوء الْخُلُق، وسوء الخِلْقة، وأن يكون ناقص الدين، وأن تخشى أن تترك حقًّا له إذا بقِيتْ معه.
الشيخ: تمام هذه المسائل الأربع ذكرها المؤلف.
مَن هي الصحابية التي خالعتْ زوجها وأَمَر النبي صلى الله عليه وسلم زوجها أن يوافق؟
طالب: امرأة ثابت بن قيس.
الشيخ: امرأة ثابت بن قيس، ماذا قالت للرسول صلى الله عليه وسلم؟
الطالب: ( ... )
الجزء: 2 - الصفحة: 2974
الشيخ: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9). صح، دلَّ هذا على أن المرأة ربما تكره زوجها لا لِخُلُقه ولا لنقص دينه، ولكن لا تريده، ففي هذه الحال نقول للزوج: طلِّقها وخذ الخلع.
إذا أَبَى فهل للقاضي أن يُجبره على ذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، الدليل؟
الطالب: ( ... ) قال له: «طَلِّقْهَا» ( ... ).
الشيخ: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا».
لو قال قائل: هذا للإرشاد؟
الطالب: نقول: إن الأصل لغير الإرشاد.
الشيخ: الأصل في الأمر أنه لغير الإرشاد، وأيضًا هذا لدفع أذيَّة، ودفع الأذيَّة عن المسلم واجب بقدر الإمكان، فالصواب أنَّ أمْر الرسول لثابت أنه أمْرٌ للإلزام، وأن للقاضي أن يُلزم الزوج بأن يخالع ما دام بيُرَدّ عليه ماله وهو قد استمتع من الزوجة بما شاء الله أن يستمتع، وربما كانت بقِيتْ عنده سنة أو سنتين وهو يستمتع بها، وبيجيئه المهر كاملًا.
طيب، إذا منعها حقَّها من أجل أن تملَّ وتبذل الخلع؟ ( ... )
بسم الله الرحمن الرحيم
قال: (فإنْ عَضَلَهَا ظُلْمًا للافتداء).
(عَضَلَها) أي: منعها حقَّها.
(ظُلمًا) أي: بغير حقٍّ، وعُلِم منه أن منْعها حقها قد يكون لغير ظلم، وذلك فيما إذا نشزت؛ فإن المرأة إذا نشزت فلزوجها أن يمنعها من النفقة ومن القَسْم وغير ذلك من حقوقها، لكن إذا لم يكن ذلك لهذا السبب وإنما منعها ظلمًا (للافتداء) هذه اللام للتعليل؛ أي: عَضَلها للافتداء، ويش معنى الافتداء؟ أنْ تفدي نفسَها بشيء من المال؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229].
الجزء: 2 - الصفحة: 2975
(ولم يكن لزِناها) يعني لم يكن هذا العضْل لأنها زنتْ، والإنسان إذا زنت امرأتُه سقطتْ من عينه نهائيًّا، حتى لو فُرِض أنها تابت وأنابت إلى الله عز وجل واستقامت على الدين فإن ذلك الزنى سوف يخدشها عند الزوج، ولا سيَّما أنه يتعلق بمسألة الفروج ومسألة النسل والأولاد.
المهم إذا كان لزِناها منع حقَّها؛ لأنها زنت من أجل أنْ أيش؟ تفتدي وتختلع.
(أو نشوزِها) يعني تَرَفُّعها عن القيام بحقِّ زوجها، وهذا ربما يقال: إنه هو مفهوم قوله: (ظلمًا).
(أو تَرْكِها فرضًا) أي: من الصلوات؛ يعرف أن هذه الزوجة ما تصلي الفجر إلا إذا قامت، متى قامت ولو بعد طلوع الشمس بساعةٍ مثلًا صلَّتْ، هذا لا شكَّ أن الزوج الذي يتقي الله ما يرضى بهذا، فعَضَلَها بعضَ الحقِّ لعلها تصلي، ما صلَّتْ، نقول: لكَ أن تعضلها حتى أيش؟ تفتدي؛ تقول: أعطيك المهر وطلِّقني.
(ففَعَلتْ) يعني: خالعت.
(أو خالعت الصغيرةُ والمجنونةُ والسفيهةُ، أو الأَمَةُ بغير إذْنِ سيِّدها لم يصح) الخلع.
إذا خالعت الصغيرة بشيءٍ من مالها فإن الخلع لا يصح، لماذا؟ لأن الصغيرة لا يصح تبرُّعها، فإن خالع وليُّها عنها من ماله لتضرُّرها بهذا الزوج جاز؛ لأن ذلك لمصلحتها.
(أو المجنونة) خالعت المجنونة؛ إنسان معه امرأة مجنونة -نسأل الله العافية- وكان من الأول يظن أنه سيحملها بجنونها، لكن عجز فصار يؤذيها وقال: تحبِّين تتخلصين مني.
قالت: نعم.
قال: أعطِني مهري.
فأعطتْه مهره وهي مجنونة، فالخلع لا يصح؛ لأنها ليس لها تصرُّف.
(والسفيهة) السفيهة هي التي لا تُحسن التصرف في مالها، بالغة عاقلة لكن لا تُحسن التصرف في المال، فإذا خالعت فإنه لا يصح الخلع، لكن كما قلنا لكم قبل قليل: إذا كان ذلك من وليِّها لمصلحتها فلا بأس.
(أو الأَمَة بغير إذْن سيِّدها) فإنَّ خُلْعها لا يصح؛ لأن الإذن في فَسْخ النكاح للسيد، فإذا خالعت بغير إذن سيدها لم يصح الخلع.
الجزء: 2 - الصفحة: 2976
ثم قال: (ووَقَعَ الطلاقُ رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته) يعني كلما لم يصح الخلع فهو طلاقٌ إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته، فإذا خالع الصغيرةَ بشيء من مالها؛ يعني لعب على الصغيرة وتزوجها ولها أربع عشرة سنة، ولم تعجبه، فلعب عليها؛ قال: تبغين تفتكِّين من هذا، قالت: نعم، قال: أعطِني مهري، فخالعت على المهر فقال: خلعتُ زوجتي على مهرها، ماذا يكون؟ يقول المؤلف رحمه الله: الخلع لا يصح، لكن يقول: يقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته؛ بمعنى أن الخلع الذي صدر من الزوج يكون طلاقًا رجعيًّا، إلا إذا كان هذا آخِر طلقة فيكون بائنًا، بشرط أن يقع بلفظ الطلاق أو نية الطلاق، فإن وقع بغير ذلك فإنه لا يقع لا طلاق ولا خلع، الكلام واضح للجميع؟
طلبة: واضح.
طالب: غير واضح.
الشيخ: الصورة: رجلٌ تزوج امرأةً لها أربع عشرة سنة، صغيرة ولَّا كبيرة؟ صغيرة، فخالعها؛ يعني قال: أعطِني مهري خمسين ألف ريال وأخلعك، قالت: خذ، هذا المهر، فخالعها، الخلع لا يصح لفوات شرطه؛ وهو كون المتبرِّع به جائز التبرع، وهذه المرأة غير جائزة التبرع، فالخلع إذَن لا يصح.
ماذا يكون؟ هل نقول الآن: الزوجة معه، أو طلقت، أو ماذا؟
نقول: الرجل قال: خلعت زوجتي على كذا، لم يقل: طلَّقت، ُ فإن كان أراد الطلاق بكلمة (خلعت زوجتي) وقع الطلاق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (12).
وإن قال: ما نويتُ الطلاق، لكن خالعَ بلفظ الطلاق؛ بدلًا من أن يقول: خالعت زوجتي بهذا القدر، قال: طلَّقتُ زوجتي، فإنه يقع الطلاق، ولهذا قال: (وَقَعَ الطلاقُ ... إنْ كان بلفظ الطلاق أو نيَّته).
لكن هل يكون الطلاق رجعيًّا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2977
نقول: ننظر؛ إذا كان هذا آخِر ثلاث تطليقات صارت بائنًا منه؛ لأنه إذا طلَّق الإنسان زوجته آخِر تطليقات بانت منه، وإن كان هذا هو الثاني أو الأول فالطلاق رجعيٌّ، له أن يُراجع، هذا كلام المؤلف رحمه الله.
والصحيح أنه لا يقع طلاقٌ ولا خلعٌ، لماذا؟ لأن هذا الزوج إنما طلَّق أو خالع بناءً على حصول المال، والمال الآن لم يحصل له، فكأن طلاقه معلَّق على شرط، فالصواب أنه لا يقع الطلاق؛ لأن هذا الطلاق إنما كان من أجل العِوَض الذي يأخذه، والآن ليس له أن يأخذ العِوَض فنقول: كأنك لم تفعل شيئًا ولم تطلق عليك الزوجة.
طالب: ( ... ) الطلاق؟
الشيخ: لا، ما هو لازم، هو أصل الخلع ما يكون بلفظ الطلاق، أصل الخلع أن يكون بلفظ الخلع؛ يقول: خالعتُ زوجتي، أو فاديتُ زوجتي، أو فسختُ نكاح زوجتي، لكن أحيانًا يقول: طلقتُ، كما قال الرسول لثابت: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9).
طالب: شيخ، بارك الله فيك، الفقهاء جميعًا يستدلُّون على مسألة الخلع بحديث ثابت، وهنا يقول يا شيخ: إنه يقع طلاقًا إذا كان بلفظ الطلاق، النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»، يعني بلفظ الطلاق، ومع ذلك كان خلعًا.
الشيخ: إي، كيف يعني يكون ( ... )؟
الطالب: أليس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»؟
الشيخ: بلى.
الطالب: بمعنى سيقول: هي طالق.
وكان خلعًا؟
الشيخ: إذا قال الرسول: «طَلِّقْهَا» وطلَّقَها، ما هو طلاق هذا؟
الطالب: خلع.
الشيخ: لا، العلماء يقولون: إذا كان الفراق على عِوَضٍ نظرنا؛ إن كان بلفظ الفسخ فهو خلع، وإذا كان بلفظ الطلاق فالرسول قال: «طَلِّقْهَا»، وإذا قال الرسول كلامًا وجب أن ينزل على المعنى الشرعي، وعلى هذا يكون الفراق الذي بعوض تارةً خلعًا لا ينقص به عدد الطلاق وتارةً يكون طلاقًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2978
وكما ذكرنا لكم أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الخلع فسخٌ سواء وقع بلفظ الطلاق أو بغير ذلك، وذكرنا لكم استدلاله بالآية، وأن ابن عباس رضي الله عنه سبقه في ذلك وقال: كلُّ طلاقٍ جازه المالُ فهو خلعٌ (8). وقلتُ لكم: إن هذا هو الأقرب لولا أن رسول الله قال: «طَلِّقْهَا»، وإذا قال الرسول: «طَلِّقْهَا» وجب أن يُحمَل على الطلاق المعروف.
طالب: ( ... ) امرأة كانت متزوجة أبغضت زوجها ( ... ).
الشيخ: إي نعم، ثم؟
الطالب: ( ... )؟
طالب: ( ... ) إنْ كان بلفظ الطلاق أو نيَّته.
وما صحَّ مهرًا صحَّ الخلعُ به، ويُكره بأكثر مما أعطاها، وإنْ خالعتْ حاملٌ بنفقةِ عدَّتِها صحَّ،
ويصحُّ بالمجهول، فإنْ خالعتْهُ على حملِ شجرتها أو أَمَتِها أو ما في يدها أو بيتِها من درهمٍ أو متاعٍ أو على عبدٍ صحَّ، وله مع عدم الحملِ والمتاعِ والعبدِ أقلُّ مُسَمَّاه، ومع عدم الدراهم ثلاثةٌ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أنَّ الخلع إذا وقع بلفظ الفسخ أو الفداء كان فسخًا، وإنْ وقع بلفظ الطلاق كان طلاقًا،
هذا هو المذهب: أنه إن وقع بلفظ الطلاق فهو طلاقٌ وإن كان فيه عِوَض، واستدلُّوا لذلك بحديث ثابت بن قيس أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9). فقال: «طَلِّقْهَا»، وأكَّد ذلك بقوله: «تَطْلِيقَةً»، والتأكيد يرفع نيَّة المجاز.
الجزء: 2 - الصفحة: 2979
ولكن شيخ الإسلام رحمه الله تَبَعًا لابن عباسٍ ولظاهرِ القرآن يقول: إنَّ كلَّ طلاقٍ على عِوَضٍ فهو خلعٌ لا ينقص عدد الطلاق ولا يُحسَب عليه.
وذكرنا دليله وهو قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، يعني: إنْ شاءَ راجَعَ وأَمْسَكَ وإنْ شاءَ سَرَّحَها، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وهذا يدل على أنها إذا افتدتْ نفسَها وفارقها الزوجُ فليس بطلاقٍ؛ لأنه قال بعده: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولو كان الفداء طلاقًا لكان الطلاقُ أربعًا.
لكن كيف نواجه ربَّنا عز وجل يوم القيامة وقد قال رسوله صلى الله عليه وسلم: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9)؟ إذَنْ إذا وقع الخلعُ بلفظ الطلاق صار طلاقًا وإنْ كان على عِوَض، أفهمتم يا جماعه؟
وعلى هذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يكتب المخالَعة ألَّا يقول: طلَّقَ زوجتَه بعِوَضٍ قدره كذا وكذا.
وإنما يقول أيش؟
طالب: خالَعَ.
الشيخ: خالَعَ زوجتَه.
ويستفيد من هذا فائدتين عظيمتين:
الفائدة الأولى: أن هذا لا يُحسَب عليه طلاقًا.
الفائدة الثانية: أنها تعتدُّ بحيضةٍ واحدةٍ، فالمخالعة لا تعتدُّ بثلاث حِيَض، وإنما تعتدُّ بحيضةٍ واحدةٍ ثم تنتهي عدَّتها وتحلُّ للأزواج؛ وذلك لأن المطلَّقة تعتدُّ بثلاث حِيَضٍ ليطول الوقت حتى يراجع المطلِّق نفسَه فيراجعها، والمختلعة ليس له رجوعٌ إليها، ولهذا ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أن المختلعة تعتدُّ بحيضةٍ واحدةٍ، وهو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
هاتان فائدتان:
الجزء: 2 - الصفحة: 2980
الفائدة الأولى: أنه لا يُحسب عليه من الطلاق.
والثانية: أنها تعتدُّ بحيضةٍ واحدةٍ.
لكن لو كان طلاقًا فإن الطلاق لا بدَّ أن تعتدَّ فيه بثلاثة قروءٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228].
يقول رحمه الله: (وإنْ وقعَ بلفظ الخلعِ).
(إنْ وقعَ) الضمير يعود على الخلع، (بلفظ الخلعِ أو الفسخ) بأن قال: فسختُ زوجتي بعِوَضٍ قدره كذا وكذا، (أو الفداء) كأن يقول: فادى الرجلُ زوجتَه بعِوَضٍ قدره كذا وكذا، (ولم ينْوِهِ طلاقًا كان فَسْخًا لا ينقص عددَ الطلاق).
وعُلِم من قوله: (ولم ينْوِهِ طلاقًا) أنه لو نوى الطلاق بكلمة فَسْخٍ أو فداءٍ أو خلعٍ فإنه يكون طلاقًا؛ لعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (12). وهذه الألفاظ: الفسخ والفداء والخلع، صالحةٌ لمعنى الطلاق، فإذا نوى بها الطلاق صار طلاقًا.
والخلاصة الآن: يقع الخلعُ طلاقًا:
أولًا: إذا وقع بلفظ الطلاق.
ثانيًا: إذا وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ونواه طلاقًا.
ويقع فسخًا إذا لم يكن بلفظ الطلاق؛ (ولم ينْوِهِ طلاقًا كان فَسْخًا لا ينقص عددَ الطلاق).
والمرأة هذه المخالعة هل تحلُّ للزوج إذا راجعها؟
لا، لا تحلُّ؛ لأن فائدة الفداء ألَّا يملك الرجوع، وهي تريد أن تفدي نفسَها منه، ولو قلنا: له الرجوع، لضاعت الحكمة من الخلع، فنقول: إنه لا يملك الرجوعَ، لكن لو عقد عليها من جديد مَلَكَ ذلك، لو اتفق وإياها على أن يتزوجها من جديد فلا بأس؛ لأنها الآن تملك نفسها، إذا كان عقدًا جديدًا تستطيع أن تقول: لا، أو تقول: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 2981
وهذه البينونة تُسمَّى عند العلماء: البينونة الصغرى؛ لأنها لا تحلُّ له إلا بعقد، وأضرب لكم مثلًا يتبيَّن به الأمر: طلَّق رجلٌ زوجتَه أول طلقة بلا عِوَض، هذه أيش؟ هذه طلقة رجعيَّة، للزوج أن يراجعها ما دامت في العدَّة سواء رضيتْ أمْ كرهتْ، وبدون عقد، وبدون مهر، وبدون إشهاد، إلَّا أن الأفضل أن يُشهِد.
عرفتم هذه متى تكون؟
الطلبة: بالطلاق الرجعي.
الشيخ: بالطلقة الواحدة أو الثنتين بلا عِوَض.
ثانيًا: طلَّقها آخر ثلاث تطليقات؛ بأن يكون طلَّق أولًا ثم راجع، ثم طلَّق ثم راجع، ثم طلَّق الثالثة، ماذا تكون؟
طلبة: هذه بائنة.
الشيخ: هذه بائنةٌ بينونةً كبرى، لا تحلُّ له بالمراجعة ولا تحلُّ له بعقدٍ حتى تنكح زوجًا غيره.
ثالثًا: إذا خالعها أو طلَّقها على عِوَض فهذه ليس له رجعةٌ إليها إلا بعقدٍ جديدٍ سواء كانت في العدَّة أمْ بعد فراغ العدَّة.
فهمتم الآن؟ فصار من النساء من تبين من الزوج بمجرد الطلاق بينونةً كبرى، مَن هذه؟
طالب: المطلَّقة ثلاثًا.
الشيخ: المطلَّقة آخر ثلاث تطليقات.
ومِن النساء مَن يحلُّ له أن يراجعها بلا عقد، مَن هي؟
المطلَّقة قبل استكمال العدد بلا عِوَض؛ يعني المطلَّقة واحدة أو ثنتين.
الثالثة: مَن لا تحلُّ له برجعةٍ، ولكن تحلُّ له بعقدٍ، وهي المفسوخة بخلعٍ أو غيره إذا لم يكن بلفظ الطلاق أو نيَّته.
ثم قال: (ولا يقعُ بمعتدَّةٍ من خُلعٍ طلاقٌ ولو واجَهَهَا به).
المعتدَّة من الخلع لا يقع عليها الطلاق؛ لأنها بانت من زوجها، فلو أن الإنسان خالعَ زوجتَه على ألف ريال وتمَّ الخلع، وفي اليوم الثاني قال لها: أنتِ طالق، فالطلاق لا يقع، لماذا؟ لأنها أجنبيةٌ منه، قد بانت، حتى لو واجهها وقال: أنتِ طالق، يخاطبها فإنها لا تطلق؛ العِلَّة أن الطلاق إنما يقع على زوجةٍ، وهذه المرأة الآن ليست زوجةً حتى يقع عليها الطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 2982
وقوله: (ولو واجَهَهَا به) إشارة الخلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا واجهها بالطلاق طلقت، ولكنه قولٌ ضعيفٌ، والصواب ما مشى عليه المؤلف أن المختلعة لا يقع عليها الطلاق.
المطلَّقة الرجعية؛ إنسان طلَّق زوجتَه أول مرةٍ على غير عوض، وفي اليوم الثاني قال لها: أنتِ طالق، يقع الطلاق ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يقع الطلاق، المؤلف يقول: (لا يقعُ بمعتدَّةٍ من خُلعٍ طلاقٌ)، الرجعية يقع عليها طلاق.
فهذه المرأة رجعية مثلًا طلَّقها أول مرة على غير عوض في أول يوم من الشهر، في اليوم الثاني كلَّمها وقال: أنتِ طالق، لا يريد خبرًا وإنما يريد إنشاءً: أنتِ طالق، تطلق ولَّا لا؟
طالب: نعم تطلق.
طالب آخر: نعم، ظاهر كلامه تطلق.
الشيخ: تطلق لأنها رجعية، والرجعية زوجة.
والدليل على أن الرجعية زوجة قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] فسَمَّى الله المطلِّقين بُعُولةً.
في اليوم الثالث واجهها وقال: أنتِ طالق، تطلق أو لا؟
الطلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق.
قلنا: في اليوم الثاني طلَّقها، وقلتم: إنها تطلق.
في اليوم الثالث طلَّقها؟
الطلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق، طيب، في اليوم الرابع؟
الطلبة: ما تطلق.
الشيخ: ما تطلق، ليش؟ لأنها؟
طالب: أجنبية.
الشيخ: بانت منه، هذا هو تقرير المذهب في هذه المسألة، وهو الذي عليه جمهور العلماء: أن الرجعية يلحقها الطلاق، فإذا طلَّقها أول مرةٍ وفي أثناء العدَّة طلَّقها ثانيةً ثم ثالثةً بانت منه.
ولكن شيخ الإسلام رحمه الله أَبَى ذلك وقال: إنها لا يقع عليها الطلاق، الرجعية لا يقع عليها الطلاق؛ لأنها الآن موصوفة بأنها مطلَّقة، ما هي زوجة، قد انحلَّ قيدُ النكاحِ، لكنه ليس انحلالًا كاملًا.
هذا من جهة المعقول.
الجزء: 2 - الصفحة: 2983
من جهة المنقول قال: إن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وطلاق الرجعية ليس طلاقًا للعِدَّة.
وأنا أضرب لكم مثلًا يتبيَّن به الأمر: إنسانٌ طلَّق زوجتَه طلاقًا رجعيًّا، كم عِدَّتها؟
الطلبة: ثلاثة قروء.
الشيخ: ثلاث حِيَض.
حاضت الأولى، وحاضت الثانية، وقبل أن تحيض الثالثة قال: أنتِ طالق، فهل تستأنف العِدَّة ونقول: تعتدُّ حيضةً ثم حيضةً ثم حيضةً، أو تبني على الحيضةِ الأولى؟
طالب: تستأنف من جديد.
الشيخ: إي نعم، مقتضى قولنا: إنه يقع عليها الطلاق، أنْ تستأنف من جديد، لكنهم يقولون: لا، ما تستأنف، تبني على ما سبق، وعلى هذا فلا تحيض في الطلاق الثاني في المثال اللي قُلنا؟
طالب: إلا حيضة واحدة.
الشيخ: إلا حيضة واحدة، ولو كان الطلاق هنا طلاقًا للعِدَّة لوجب أن تحيض كم؟
طالب: ثلاثًا.
الشيخ: ثلاث مرات، فلمَّا لم تُوجبوا عليها -نقول للذين قالوا: إن الطلاق يقع على الرجعية- نقول: فلمَّا لم توجبوا عليها إعادةَ الحيض علِمْنا أنها لم تُطلَّق للعِدَّة، والله عز وجل يقول: ﴿طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، فإذا طلَّق في هذه الحال وقُلتم: إنها لا تستأنف العِدَّة، فقد حكمتم بأنها لم تُطَلَّق أيش؟ للعدة، وحينئذٍ يكون هذا الطلاق ليس عليه أمْر اللهِ ورسولِه، فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (13)، وهذه حُجَّةٌ قويةٌ لا محيد عنها.
ولهذا كان الراجح في هذه المسألة قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنَّ الرجعية لا يقع عليها طلاقٌ؛ لأنها توصَف الآن بأنها مُطَلَّقة، كيف يُطلِّقها وهي مُطَلَّقة قد انحلَّ قيد نكاحها.
والدليل من السمع قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
الجزء: 2 - الصفحة: 2984
أيضا حديث ابن عباس في صحيح مسلم: كان الطلاقُ الثلاثُ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاثِ واحدة (14)، وهذا يشمل ما إذا قال لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، أو قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، في عهد الرسول هذه الثلاثُ: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، واحدةٌ، ولو كان الطلاق يقع على الرجعية لكان؟
طلبة: ثلاثًا.
الشيخ: الأخ.
طالب: ثلاثًا.
الشيخ: ثلاث لأنهم قالوا: ثلاث، ما هو عن عِلْم، الظاهر أن صاحبك أعداك؛ الجارُ أحقُّ بسَقَبِهِ، اللهم اهدِنا، يا إخوان ترى الجلوس عند العلم أو التعلُّم لا بد كل قُوَاك تكون موجودة، وإلا تراك تبغي تسرح، الشيطان يحب أن يُغَفِّل الإنسان عند العلم، يحرص الشيطان على أن ينعس الإنسان أو يغفل في مواطن العلم والصلاة، يحاول بكل ما يستطيع أن يُغَفِّل الإنسان، لكن في الجهاد يجعل قلبه يرجف فلا ينام أبدًا، ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: 11]، على كل حال انتبهوا يا إخوان.
نحن ذكرنا أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الرجعية لا يقع عليها الطلاق، الدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وإذا وقع الطلاق على الرجعية فإنها لا تستأنف العِدَّة، فيكون طلاقها لغير عِدَّة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (13)، هذا دليل من القرآن.
دليل من السُّنة: كان طلاقُ الثلاثِ واحدةً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر (14)، وإذا كان طلاق الثلاث واحدةً لَزِم ألَّا تقع الطلقتان الأُخريان، لماذا؟ لأنهما وقعا على رجعية.
دليله من النظر أن نقول: إن الطلاق المطْلَق هو حلُّ قيد النكاح المطْلَق ..
الجزء: 2 - الصفحة: 2985
بِمُعْتَدَّةٍ من خُلْعٍ طلاقٌ ولو وَاجَهَها به ولا يَصِحُّ شرطُ الرَّجْعَةِ فيه، وإن خالَعَها بغيرِ عِوَضٍ أو بِمُحَرَّمٍ لم يَصِحَّ، ويَقَعُ الطلاقُ رَجْعِيًّا إن كان بلَفْظِ الطلاقِ أو نِيَّتِه، وما صَحَّ مَهْرًا صَحَّ الْخُلْعُ به، ويُكْرَهُ بأكثرَ مما أَعْطَاهَا، وإن خَالَعَتْ حاملٌ بنفقةِ عِدَّتِها صَحَّ ويَصِحُّ بالمجهولِ، فإن خالَعَتْهُ على حَمْلِ شَجرَتِها أو أَمَتِها أو ما في يَدِها أو بيتِها من دِرهمٍ أو مَتاعٍ أو على عبدٍ صَحَّ، وله مع عَدَمِ الحمْلِ والمتاعِ والعبدِ أقلُّ مُسمَّاه، ومع عَدَمِ الدراهمِ ثلاثةٌ.
(فصلٌ)
وإذا قالَ: متى أو إذا أو إن أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فأَنْتِ طالِقٌ طَلُقَتْ بعَطِيَّتِه وإن تَرَاخَى، وإن قالت: اخْلَعْنِي على أَلْفٍ أو بأَلْفٍ أو ولك ألْفٌ ففَعَلَ بانَتْ واسْتَحَقَّها، بانَتْ واسْتَحَقَّها، وطَلِّقْنِي واحدةً بأَلْفٍ فطَلَّقَها ثلاثًا اسْتَحَقَّها، وعَكْسُه بعَكْسِه، إلا في واحدةٍ بَقِيَتْ، وليس للأبِ خُلْعُ زوجةِ ابنِه الصغيرِ ولا طَلاقُها ولا خُلْعُ ابنتِه بشيءٍ من مالِها، ولا يُسْقِطُ الْخُلْعُ غيرَه من الحقوقِ، وإن عَلَّقَ طلاقَها بصفةٍ ثم أَبانَها فوُجِدَتْ ثم نَكَحَها فوُجِدَتْ بعدَه طَلُقَتْ كعِتْقٍ وإلا فلا.
وقع على رجع، على رجعية.
دليله من النظر أن نقول: إن الطلاق المطلق هو حل قيد النكاح المطلق، والرجعية قد انحل بعض قيدها، انحل بعض القيد، فلا يكون الطلاق الواقع عليها طلاقًا، وهذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام هو الذي نراه راجحًا، وعلى هذا فإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كم يكون؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحد، قال لها: أنت طالق أول يوم من الشهر.
قال: أنت طالق في اليوم العاشر.
قال: أنت طالق في اليوم العشرين.
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة؛ لأن الرجعية لا يقع بها طلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 2986
يقول رحمه الله: ولا (بمعتدة من خلع طلاق ولو واجهها به، ولا يصح شرط الرجعة فيه) أي: في الخلع؛ يعني: لو قال الزوج: خالعتُكِ على ألف ريال، لكن لي الخيار والرجوع لمدة شهر.
فإن هذا لا يصح؛ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ إذ إن مقتضى عقد الخلع هو البينونة، والمرأة ما بذلت الدراهم إلا لتتخلص، فإذا شرطت الرجعة صار هذا مناقضًا لمقصود الخلع، الخلع يُقْصَد به البينونة، وشرط الرجعة فيه ينافي ذلك، وكل شرط ينافي مقتضى العقد فإنه لاغٍ.
(وإن خالعها بغير عوض أو بمحرم لم يصح، ويقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيته) إن خالعها بغير عوض؛ بأن جاء باثنين وقال: اشهدا أني خالعت زوجتي، قالوا: بكم؟ قال: بدون شيء؛ خالعتها.
يقول المؤلف: إنه لا يصح، الدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وهنا لا فداء.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا بأس بذلك؛ لأن غايته أَنّه فسخٌ لا رجعة فيه برضا الطرفين، وللبحث بقية لأنَّه مهم، وكأنه يبدو لي أنه ليس عندكم علم سابق في هذه المسائل.
طالب: البعض والبعض.
الشيخ: البعض هو الأكثر.
طالب: ( ... ) أول مرة.
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا طلق امرأته مرتين طلقتين ثم خالعها ثم عقد عليها بعقد جديد، فهل ترجع له على أنَّها بقي لها طلقة واحدة أو ثلاثة؟
الشيخ: ترجع المرأة المطلقة إلى زوجها على ما بقي من طلاق إلا إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت آخر ثم عادت إلى الأول، فتعود على طلاق الثلاث، تبتدئ من جديد.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- لو التزم الطالب مذهب من قالوا: إنه إذا أوقع عليها الطلقة الثانية في العدة أنها تعتد من جديد.
الشيخ: لا، المذهب لا، تبني على ( ... ).
الطالب: شيخ، لو التزمت بذلك؟
الشيخ: ما التزمت، ما التزمت يا أخي، ما ( ... ) شيئًا عليها، ما التزمت؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2987
طالب: شيخ، بعض النساء يصرون إذا طلقتها التطليقة الأولى تقول: لا أرجع إليه، وهذا طلقني بلا سبب، هل نلزمها يعني إذا أراد أن يرجعها أم .. ؟
الشيخ: الحق لمن؟
الطالب: له الحق هو.
الشيخ: طيب.
الطالب: لكنها ..
الشيخ: لكن الله اشترط ( ... ) أن الله اشترط إن أرادوا إصلاحًا ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228] أما إن أراد تطويل المدة عليها كما كانوا يفعلون في الجاهلية، في الجاهلية يطلق الرجل المرأة فإذا شارفت على العدة، أيش؟ راجَعَها، ثم طلقها من أجل أن تطول العدة فإذا شارفت العدة الثانية على الانتهاء راجعها ثم طلقها لتطول العدة، فإذا قاربت الانتهاء راجعها ثم طلقها قبل أن يدخل عليها وقبل كل شيء، فتعتد من جديد فإذا شارفت العدة.
طلبة: راجعها.
الشيخ: راجعها ثم طلقها، وتبقى أبد الآبدين هكذا فحدد الله ذلك بماذا؟
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: 230] بعد المرتين، وهذا رأفة بالزوج والزوجة؛ أمَّا الزوجة فلئلا تتضرر في الدنيا، وأما الزوج فلئلا يتضرر في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] متى؟ ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ما اتضح لي الجمع بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (1)، وجعل عدتها الحيضة؛ امرأة ثابت بن قيس.
الشيخ: لا، اتضح لك هذا بأنَّه لم يصح ذاك؛ الصحة أن الرسول أمرها تعتدَّ بحيضة، وإلَّا لو صح هذا لكان فاصلًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد بالتطليقة مجرد الفراق؛ ولهذا نطالب منك أي نطلبك ونطالبك أن تأتي لنا بهذا الحديث على أنه صحيح، عرفت؟
طالب: أبحثه وآتيك إن شاء الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 2988
الشيخ: إي، إن شاء الله تأتي به متى؟ غدًا ولَّا في درس الليلة؟
الطالب: أو بعد غد.
الشيخ: كيف أو بعد غد؟
الطالب: ليومين.
الشيخ: لك يومان، طيب، اليوم الأحد، يوم الثلاثاء إن شاء الله تأتي به.
طالب: شيخ، عمر بن الخطاب لما جعل ( ... ) طلقات ( ... ) آن واحد، هل نرجع عن حكم عمر إلى ما كان ( ... ) الرسول صلى الله عليه وسلم ( ... ).
الشيخ: إي، هذا -بارك الله فيك- يكون عمر رضي الله عنه، عمر رجل حازم ساسَ الأمَّةَ بالحزم والقوة؛ ولهذا كان يتفقد الصفوف فإذا رأى إنسانًا؛ المتقدم والمتأخر في الصف ضربه؛ لئلا يعود، فكان من حزمه أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثًا قال: تعالَ أنت اللي اخترتَ لنفسك وتعجلتَ البينونة فنجعلها عليك، نحن ما ظلمناك، وفعل هذا رضي الله عنه؛ لأن أصل طلاق الثلاث حرامٌ، محرمٌ، فلما تمادى الناس في هذا المحرم رأى عمر بثاقب عزيمته وسياسته أن يمضيه عليهم؛ ولهذا قال: أرى الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم (2). فأمضاه فيكون مَنعُهُم من الرجوع إلى الزوجة من باب.
طلبة: التعزير.
الشيخ: التعزير والعقوبة، كما أنه منع من بيع أمهات الأولاد؛ يعني المرأة المملوكة إذا جامعها سيدها وأتت بولد سُمِّيَت أم ولد وكانت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام تباع أمهات الأولاد، وكذلك في عهد أبي بكر، في عهد عمر قال: لا تباع (3)؛ لأنه رأى الناس قلَّ فيهم الخوف، وصار الرجل يولد الأمة ثم يبيعها ويخلي ولدها عنده، فيُفَرَّق بين الوالدة وولدها، في عهد الرسول ما كان يُعْرَف هذا؛ لأن عندهم من التقوى ما يمنعهم، لكن في عهد عمر وبعد أن اتسعت الفتوحات ودخل في الإسلام من هو يَهُزُّ هزيزًا وصاروا يفرقون بين الوالدة وولدها رأى عمر رضي الله عنه أن من الحزم أن يمنع من بيع أمهات الأولاد فمنع.
الجزء: 2 - الصفحة: 2989
في شرب الخمر كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا يوجد للجلد عددًا معيَّنًا؛ يُضرَب بالجريد، جاء أمام الناس، هذا يضرب بيده، وهذا بثوبه، وهذا بنعله، وهذا بعصاه، ثم في عهد أبي بكر حدَّد أربعين جلدة، ثم في عهد عمر كثر الشرب والسبب أن الناس انفتحوا ودخل في الإسلام من كان يَهُزُّ هزيزًا، وكثُر شرب الخمر، فرأى عمر رضي الله عنه أن يزاد الحد ضعفًا ورفعه إلى ثمانين (4).
فالطلاق الثلاث لا شك أن السنة أنه واحدة؛ الطلاق الثلاث واحدة، وفعل عمر رضي الله عنه بإمضائه (2)، ومنع المطلق ثلاثًا من المراجعة قلنا: إنه على سبيل التعزير ثم تبعه الناس في ذلك، تبعه الأئمة في ذلك وصار العمل حتى أن بعضهم حكى الإجماع على أن الطلاق الثلاث طلاق بائن، لكن قال شيخ الإسلام رحمه الله، وابن القيم وغيرهما لو قيل: إن الإجماع على أن الطلاق الثلاث واحدة لكان أولى ليش؟ لأنه في عهد الرسول وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر الطلاق الثلاث واحدة، أَيُّ إجماع أقوى من هذا الإجماع؟
لكن فعله عمر تعزيرًا، وبناء على ذلك رأينا أن الإنسان أنا شخصيًّا إذا جاء إنسان وطلق ثلاث في الأول، ثم طلق في الثاني ثلاثًا، ما أرد عليه زوجته؛ لأنه متهاون، فإذا كان لأول مرة أردُّ عليه زوجته اتباعًا لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام وسنة أبي بكر، إذا كرر واستهان بحرمات الله أمنعه من الرجوع اتباعًا لمن؟
لسنة عمر فأكون آخذًا بالسنتين بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر حين كان عند الإنسان خوف من الله ولم يكرر، وبسنة عمر حين كان يلزم الناس بذلك لما ( ... ) فيه.
طالب: احتالوا.
طالب: ( ... ) وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسمّاه ومع عدم الدراهم ثلاثة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الجزء: 2 - الصفحة: 2990
سبق لنا أن الخلع هو فراق الزوجة بعوض بألفاظ معلومة، وأنه لا ينقص عدد الطلاق أي: لا يحسب منه وأنه فراق بائن بمعنى أن الزوجة لا تحل لزوجها ولو في أثناء العدة إلا بعقد جديد، وهذا هو فائدة الخلع أنها لا تحل له إلا بعقد جديد؛ لأن المرأة حين بذلت العوض افتدت نفسها بذلك، ولو قلنا بأن لزوجها الرجوع لم يكن للخلع فائدة.
إذن الخلع -خلاصة يعني ما سبق- الخلع هو فراق الزوجة بعوض بألفاظ معلومة.
الخلع فراق بائن لا تحلُّ به المرأة ولو في العدة إلا بعقد جديد.
ثالثًا: الخلع لا يحسب من الطلاق؛ فلو طلق الرجل امرأته مرتين ثم خلعها فإنها لا تَبِينُ منه بينونة كبرى؛ لأن الخلع ليس بطلاق.
إذا وقع الخلع بلفظ الطلاق فهو طلاق يُحْسَب منه على رأي جمهور العلماء، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية تبعًا لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه لا يكون طلاقًا (5)، ولو وقع بلفظ الطلاق اعتبارًا بالفدية التي افتدت نفسها بها.
وسبق لنا أنه لو طلقها وهي في عدتها من الخلع فإنه لا يقع الطلاق عليها؛ لأن الخلع أيش؟ فراق بائن، فلو طلق المختلعة في العدة لم تحسب.
وإن طلق المطلقة في العدة فجمهور العلماء على أنه يقع، والصحيح أنه لا يقع الطلاق في أثناء العدة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وان خالعها بغير عوض أو بِمُحَرَّم لم يصح) إن خالعها بغير عوض لم يصح؛ مثل أن يقول: أشهدكم أني خالعت زوجتي بدون عوض؛ يعني: لم يعطه أحد عوضًا فإنه لا يصح ولا يكون فراقًا ولا طلاقًا ولا شيئًا؛ لأن الخلع فراق بأيش؟ بعوض، فإذا قال: خالعت زوجتي.
ولم يكن هناك عوض فإنه لا يصح.
كذلك أيضًا إذا خالعها بِمُحَرَّم مثل أن خالعها بخمر؛ يعني: أنها بذلت له خمرًا ليخالعها ففعل فإن الخلع لا يصح، ولو خالعته على كراتين من الدخان، الدخان معروف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حرام ولَّا غير حرام؟
طلبة: حرام.
الجزء: 2 - الصفحة: 2991
الشيخ: فإن الخلع لا يصح؛ لأن عوضه محرم، طيب وهل يقع طلاقًا؟ بيَّن المؤلف ذلك؛ قال: (ويقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيته) يقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيته؛ يعني مثلًا هو بذلت له عوضًا محرمًا، ولكن كان لفظ العقد الذي جرى بينهما: خالعت زوجتي على كرتون من الدخان فالخلع غير صحيح، وهل يكون طلاقًا؟ لا؛ لأنه ليس بلفظ الطلاق، ولا نيته فإن كان بلفظ الطلاق أو نيته يقول المؤلف: وقع رجعيًّا، ومعنى قولهم: (رجعيًّا) أن للزوج أن يراجع زوجته ما دامت في العدة، وهذا ما لم يكن هذا آخر طلقة، فإن كان آخر طلقة وقع طلاقًا بائنًا لاستكمال الثلاثة.
قال: (وما صحَّ مهرًا صحَّ الخلعُ به) كل ما صحَّ مهرًا فإن الخلع يصح به من مال أو منفعة، فإذا خالعته على أن تخدمه لمدة شهر فالخلع صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: لأنه يجوز أن تكون الخدمة مهرًا؛ فموسى عليه الصلاة والسلام كان مهر بنت صاحب مدين أن يرعى الغنم.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ثماني حجج؛ يعني ثماني سنين، فإن أتمَّ عشرًا فمن عنده.
خالعته بدرهم.
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه يصح أن يكون صداقًا.
المهم ما صح مهرًا صحَّ الخلع به.
قال: (ويُكْرَه بأكثر مما أعطاها) يعني: يُكْرَه أن يأخذ الزوج أكثر مما أعطاها، فإذا كان المهر الذي دفع لها عشرة آلاف وطلبت الخلع، وقال: لا أخالع إلا بأحد عشر ألفًا قلنا: هذا صحيح؛ الخلع، ولكنه مكروه.
انتبه، يعني: يجوز أن يكون مهره أقل من عوض الخلع لكنه يُكْرَه.
الجزء: 2 - الصفحة: 2992
وقال بعض العلماء: إنه لا يصح بأكثر مما أعطاها وإنه يحرم عليه ذلك كقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] فقوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ إن نظرنا إلى اللفظ وجدنا أنه عام يشمل القليل والكثير وما كان مثل المهر أو أكثر أو أقل، وإن نظرنا إلى أول الآية ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 229] قلنا: فيما افتدت به مما أعطاها؛ ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة؛ منهم من قال: إنه يصح بأكثر مما أعطاها لكن مع الكراهة، ومنهم من يقول: إنه لا يحل له أن يأخذ أكثر مما أعطاها؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» (6)، وقد استحلَّ فرجها فاستحقت المهر كاملًا، فإذا تضررت بالبقاء معه ودفعت له عوضًا فلا ينبغي أن يأخذ أكثر مما أعطاها؛ لأنه حينئذ يكون كأنه مُتَّجر بفرج هذه المرأة.
قال: (وإن خالعت حامل بنفقة عدتها صحَّ) معنى ذلك أن الإنسان إذا طلَّق زوجته وهي حامل وجب عليه أيش؟ أن ينفق عليها؛ لقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فإذا قالت امرأة لزوجها: خالعني ولا تتحمل نفقة حملي.
يقول المؤلف: إن هذا صحيح؛ لأنها خالعته بعوض في الواقع؛ إذ إنه لو لم تخالعه لوجب عليه أن ينفق.
الجزء: 2 - الصفحة: 2993
(ويصح بالمجهول) يعني: يصح الخلع بالعوض المجهول؛ ووجه ذلك أنه ليس المقصود بالعوض عوض الخلع المتاجرة المالية وإنما المقصود الفراق، بخلاف البيع والشراء فإنه يُقْصَد به العوض؛ ولهذا كان لا بد فيه من العلم والتحرير، أما هذا فلا.
مثال المجهول قال: (فإن خالعته على حَمْلِ شجرتها) (حمل شجرتها) يعني: قالت: خالعتك على ما تحمله نخلتي هذا العام.
فهنا العوض مجهول لا شك، ما ندري هل تحمل كثيرًا أو قليلًا أو لا تحمل.
(فإذا خالعته على حمل شجرتها) صح؛ قالت: خالعتك على ما تحمله شجرة البرتقال -شجرتها- يصح، أفهمتم يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، كذلك لو قالت .. لو خالعته على حمل أَمَتِهَا؛ أمتها يعني مملوكتها، المرأة لها أمة مملوكة وقالت: خالعتك على حمل أمتي، الحمل مجهول ولهذا لا يصح بيعه لكن الخلع به يصح؛ لماذا؟ لأن المقصود من الخلع هو الفراق وليست المعاوضة والمتاجرة؛ ولهذا لا يُشترَط فيه التحرير.
(أو ما في يدها أو بيتها من دراهم أو متاع) أمسكت بدراهم بيدها وقالت: خالعتك على ما في يدي، كم؟
طلبة: غير معلوم.
الشيخ: مجهول، قال: لا بأس.
أخالعك على ما في يدك من الدراهم يصح، فيه معها ربطة دراهم ورق قالت: خالعتك على هذه الربطة من الدراهم وهو لا يدري كم عددها، يصح.
العلة أن المقصود بالخلع هو الفراق لا المعاوضة.
كذلك ما في بيتها من دراهم أو متاع، وقوله: (من دراهم) يعود على قوله: (ما في يدها)، (أو متاع) يعود على قوله: (ما في بيتها).
قالت: خالعتُكَ على ما بيتي من المتاع؛ يعني: أواني، قدور، أباريق، فناجيل، فرش، وهو يجهل ذلك.
نقول: إن هذا صحيح والعلة ما سمعتم.
(أو على عبد) خالعتْهُ على عبد.
طيب أيش العبد؛ كبير، صغير، متعلم، أمي، كاتب، غير كاتب؟
طالب: مجهول.
الشيخ: مجهول، لا بأس، ما فيه مانع، والعلة أيش؟ أن المقصود بالخلع هو الفراق دون الاتجار.
الجزء: 2 - الصفحة: 2994
(وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسماه ومع عدم الدراهم ثلاث) (له مع عدم الحمل) أيُّ حَمْلٍ؟ يعني ما تحمل شجرتها أو أمتها (أقل مسماه) فمثلًا إذا قيل: هذه الشجرة في العادة تحمل مئة كيلو فأقل ما تحمل عشرة كيلو مثلًا، يقول: يُعْطَى عشرة كيلوات؛ لأن هذا هو المتعين وما زاد فهو مظنون قد تحمله وقد لا تحمله، فيُعْطَى أقلَّ مسمى الحمل.
وكذلك يقال فيما تحمله شاتُها أو أَمَتُها أو ما أشبه ذلك.
(مع عدم الحمل) المتاع، الحمل، (والعبد أقلَّ مسماه) المتاع؛ أقل ما يُسَمَّى متاعَ بيت يعطى إياه مثلًا لو فرضنا أن قالت: خالعتك على ما في بيتي من متاع.
دخلنا البيت ما وجدنا فيه شيئًا، وجدنا أنها قد نقلت جميع المتاع.
نقول: تُعطَى أقل ما يكون من أمتعة البيت من فُرُش وأوانٍ ونحو ذلك.
(ومع عدم الدراهم ثلاثة) ليش الدراهم قلنا: ثلاثة؛ لأنها أقل جمع، وهي قالت: ما في يدها من دراهم.
فنقول: أقل الجمع ثلاثة.
لو أنها قالت: هكذا خالعتك على ما في يدي من الدراهم.
ثم فتحت اليد ولا ما فيها شيء يلزمها ثلاث دراهم؛ لأن هذه أقل الجمع.
وقيل: لا يلزمها إلا درهم واحد؛ لأن (مِن) هنا لبيان الجنس لا لبيان العدد، (على ما في يدها من الدراهم) ما فيه إلا درهم واحد يمكن؛ يعني: لو لم يوجد في يدها الآن إلا درهم واحد، هل نقول: كملي الثلاثة.
أجيبوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذن أقل مُسَمًّى درهم واحد، وهذا القول هو الراجح.
ثم قال: (فصل: وإذا قال: (متى)، أو: (إذا)، أو: إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالقٌ طَلَقَتْ بِعَطِيَّتِهِ وإن تراخى) إذا قال: متى أعطيتِني ألفًا فأنت طالق، أعطيتِني ولَّا أعطيتيني؟
أعطيتِني، والياء توجد لكن اللغة قليلة، واللغة الفصحى أعطيتِني؛ لأنه يُفَرَّق بين المذكر والمؤنث بكسر التاء أو فتحها؛ بكسر التاء أو فتحها تقول في الرجل: أعطيتَني، في المرأة: أعطيتِني.
أما أعطيتيني فهي قليلة جدًّا.
الجزء: 2 - الصفحة: 2995
متى أعطيتِني ألفًا فأنت طالق.
ذهبت واستقرضَتْ وأتَتْ بألف بعد يوم أو يومين، يصح؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأنه لم يقيد؛ قال: متى أعطيتِني ألفًا فأنت طالق.
فأعطته ألفًا.
قال لها: إذا أعطيتني ألفًا فأنت طالق.
أعطته ألفًا حالًّا تطلق، بعد يوم، أو يومين، أو شهر، أو شهرين؛ تطلق.
طيب، إن أعطيتِني ألفًا فأنت طالق.
الحكم واحد كالأول، لكن هل له أن يرجع أو لا؟ ليس له أن يرجع؛ لأن هذا طلاق معلق، والطلاق ينفذ، فلا رجوع فيه، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء؛ أنه لا يملك الرجوع.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يملك الرجوع ما لم تُعْطِه، فإن أعطته وقع الطلاق ولا يمكن الرجوع.
يقول: (طَلَقَتْ بعطيته وإن تراخى) وقال: (وإن قالت: اخلعني على ألف، أو بألف، أو ولك ألفٌ ففعل بانت واستحقها) إذا قالت: (اخلعني على ألف أو بألف أو ولك ألف ففعل بانت) أيش معنى بانت؟
طلبة: طَلَقَت.
الشيخ: لا.
طلبة: خلعت.
الشيخ: حصل الفراق البائن؛ لأن الخلع ليس طلاقًا، وهي تقول: اخلعني على ألف فإذا بانت استحق الألف؛ لأنه أعطاها ما شرطت.
(وطلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثًا استحقها، وعكسه بعكسه، إلَّا في واحدة بقيت) قالت له: طلقني واحدة بألف.
قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يريد ثلاثًا، يستحق الألف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يقول المؤلف: يستحق الألف؛ لأنه طلقها واحدة وزاد فتبين ويستحقها، تبين منه بينونة كبرى ويستحقها، يستحق أيش؟ الألف؛ لأنه زادها عما طلبت هي، طلبت طلاقًا وهو أعطاها طلاقًا وبينونة فقد وَفَّى لها بما ذكرت ( ... ).
وقيل: إنه إذا طلقها ثلاثًا لا يستحقها؛ لأن طلاق الثلاث تكون به بينونة كبرى، والزوجة قد لا تريد البينونة الكبرى، قد تريد أن تتخلص منه الآن وفيما بعد يقلب الله القلب، فاهم يا عبد الله؟
طالب: نعم.
الشيخ: أيش قلنا؟
الطالب: ( ... ) واحدة ..
الشيخ: واحدة بألف.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ماذا يقول المؤلف؟
الجزء: 2 - الصفحة: 2996
الطالب: ( ... ) تستحق ..
الشيخ: تستحق الألف وتبين.
القول الثاني؟
الطالب: أنه لا يستحق الألف.
الشيخ: أنه لا يستحق الألف؛ لأنها هي قالت: طلقني واحدة وهو طلقها.
طلبة: ثلاثًا.
الشيخ: ثلاثًا فلم يأتها على ما طلبت، فإن قيل -كما علل الفقهاء- إن قيل: إنه زادها عما طلبت.
قلنا: هذه الزيادة قد تكون ضارة لها؛ لأنه إذا طلقها ثلاثًا بانت منه، وهي تريد واحدة فقط؛ لأنها ربما تريد أن تتخلص منه الآن، وفي المستقبل يقلب الله الأمور، تختلف الأمور، والصحيح أنه لا يستحقها.
ولكن هل تبين أو نقول: إن هذا الطلاق معلق على استحقاق الألف، هو الآن لا يستحقها فلا يقع الطلاق؟
طالب: الأول.
الشيخ: يحتمل وجهين يحتمل أن يقال: إنه طلق ثلاثًا فتطلق، ويحتمل أن يقال: إنه طلقها ثلاثًا بناءً على أنه يستحق الألف والآن حرمناه منه، والطلاق المعلق على شيء لا يقع حتى يوجد الشيء.
يقول رحمه الله: (وعكسُه بعكسِه) كيف (عكسه بعكسه) يعني: لو قالت: طلقني ثلاثًا بألف.
فطلقها واحدة.
فإن الطلاق يقع، لكن لا يستحق الألف، كيف؟ لأنها هي طلبت طلاقًا ثلاثًا، ولكن هل يقع الطلاق؟ نقول: نعم يقع إلا على القول الذي أشرنا إليه آنفًا وهو أنه إنما طلق أيش؟
طلبة: على ألف.
الشيخ: على عوض، فإذا لم يحصل له ذلك فلا طلاق.
قال: (إلا في واحدة بقيت) يعني: إلا إذا كان لم يبق إلا واحدة، وطلق واحدة وهي قد قالت: طلقني ثلاثًا.
مثال ذلك: امرأة كان زوجها قد طلقها مرتين سابقتين، كم بقي عليها؟
طلبة: طلقة واحدة.
الشيخ: قالت له: طلقني ثلاثًا بألف.
فطلقها واحدة، يستحق الألف؟
طلبة: يستحق الألف.
الشيخ: إي نعم، يستحق الألف لأنها الآن بانت، حتى لو طلقها ثلاثًا فالطلقتان الأُخْرَيان لغو لا فائدة منها؛ ولهذا قال: (إلا في واحدة بقيت) يعني: فإنه يستحق الألف.
الجزء: 2 - الصفحة: 2997
(وليس للأب خلع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها) يعني: ليس للأب أن يخلع زوجة ابنه الصغير؛ رجل زوَّج ابنَه وله أربع عشرة سنة ثم رأى أن الزوجة ما فيها خير وأنها تتعب الولد وربما تضره، مع التعب تضره، فخالعها على أن تبذل عوضًا وتفارق الزوج.
يقول المؤلف: لا يصح، ليش؟ لأن الخلع إنما هو مِن حق مَن؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، لا من حق أبيه ولا من حق ابنه ولا أخيه ولا غير ذلك من حق الزوج، الزوج صغير ما خالع.
فإذا قال قائل: العوض من الزوجة للولد، قلنا: ولو كان؛ لأن الولد قد يكون له رغبة في هذه الزوجة فلا يمكن أن يخلعها أحد منه، حتى أبوه، ولا طلاقها أيضًا؛ يعني: لو رأى أبو الزوج الصغير أن هذه المرأة أصبحت نكدًا على زوجها وعلى أهله أيضًا أتعبتهم لسوء أخلاقها، فهل له إن يطلقها؟
طلبة: ليس له ..
الشيخ: يقول المؤلف: لا ما له يطلق، فصار الأب وهو أقرب الناس لا يملك أن يطلق زوجة ابنه ولا أن يخالعها؛ لأن الطلاق لمن أخذ بالساق وهو الزوج.
وقال بعض أهل العلم: بل له أن يطلق وله أن يخالع إذا رأى في ذلك دفع الأذى والضرر على الابن، وهذا القول هو الراجح، لكن ينبغي قبل أن يطلق على الابن أن يأمره بالطلاق كما فعل مَن؟
طلبة: عمر.
الشيخ: عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ابنه عبد الله (7)، فإذا أبى أن يطلق وعرفنا أن هذه الزوجة لا خير فيها تَجُرُّ الويلات على الولد، وتَجُرُّ الويلات على أهله والسمعة السيئة، فحينئذ لا بد أن نقول: إن الأب له أن يطلق زوجة ابنه.
ما الذي قلنا؟ هل يجوز للوالد أن يطلق زوجة ابنه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يجوز، طيب هل يجوز للوالد أن يخالع زوجة ابنه؟
الطالب: يجوز للوالد أيش؟
الشيخ: أن يخالع زوجة ابنه؛ يعني: معناها يفارقها بعوض؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا التعليق عند الأخ؟
طالب: لأن، بالقول الأول لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن هذا حق الزوج.
الشيخ: حق الزوج، ليس لأبيه ولا لأخيه ولا لأحد، تمام.
الجزء: 2 - الصفحة: 2998
الطالب: القول الأول هذا.
الشيخ: هذا القول الأول، القول الثاني اللي وراك؟
طيب، القول الثاني: أنه يجوز للأب أن يخالع زوجة ابنه وأن يطلقها إذا كان يدفع بذلك ضررًا على الابن؛ لأن الابن صغير لم يبلغ والزوجة تلعب عليه، فإذا رأى الأب من المصلحة أن يطلق زوجة ابنه فلا بأس، وهذا القول هو الراجح.
لكن هل إذا طلقها هل يلزمه أن يزوج الابن؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم يلزمه أن يزوج الابن من مال الابن إن كان له مال أو من مال أبيه إن كان ليس للابن مال.
قال المؤلف: (ولا يُسْقِط الخلع غيرَه من الحقوق) يعني: لو أن المرأة خالعت زوجها بعوض قدره عشرة آلاف ريال، استلم العشرة آلاف وكان له دين عليها؛ أي: على المرأة، أي: زوجته، هل هذا الخلع يسقط الدين الذي عليها؟
طلبة: لا.
الشيخ: يقول المؤلف: إنه لا يسقطه؛ لأن الخلع عقد مستقل لا يسقط شيئًا من الواجبات.
ولو خالعته أي الزوجة على عشرة آلاف ريال وكانت تطلب الزوج عشرة آلاف ريال فهل يسقط دينه؟ لا، لا يسقط دينه ولا يسقط الخلع غيره من الحقوق، فالحقوق الثابتة على الزوج باقية، والثابتة على الزوجة باقية.
(وإن عَلَّقَ طلاقها بصفة ثم أبانها فَوُجِدَتْ، ثم نكحها فوُجِدَتْ بَعْدَهُ طَلَقَتْ كعِتْقٍ، وإلَّا فَلا).
طالب: ما شرحنا: (ولا خلع ابنته بشيء من مالها).
الشيخ: إي نعم، طيب.
الجزء: 2 - الصفحة: 2999
يقول المؤلف: (وليس للأب خلع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها، ولا خلع ابنته بشيء من مالها) يعني: وليس للأب أن يخلع ابنته من زوجها بشيء من مالها؛ لأنه ليس له أن يتبرع بشيء من مالها لكن إذا أراد أن لا يخسر شيئًا نقول: تملك أولًا من مال ابنتك ما شئت ثم خالع به أمَّا أن تخالع بشيء من مالها بدون تملك فلا، فإن قال: أنا خالعتها من زوجها فداء لها؛ لأن زوجها أتعبها، وخلعي إياه من المصلحة قلنا: في هذا الحال لا بأس، إذا رأى الأب أن ابنته لا يمكن أن تبقي مع زوجها ورأى من مصلحتها ودفع الضرر عنها أن يخالعها بشيء من مالها هي فالصواب أن ذلك جائز؛ لأنه لدفع الأذى عن البنت أو للمصلحة.
أما على المذهب فلا يصح، لكن طريق ذلك على المذهب أن أيش؟
طلبة: يتملك.
الشيخ: يتملك من مالها ما يكون به الخلع ثم يخالع عليه، انتبه للمسألة الأخيرة يقول: (وان علَّق طلاقها بصفة ثم أبانها فوُجِدَت ثم نكحها فوُجِدَت بعده طَلَقَتْ كعتق وإلا فلا) رجل قال لزوجته: إن كلمتِ فلانًا فأنت طالق، كلمته قبل أن يطلقها، تطلق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، كلمته بعد الطلاق لكن في حال العدة، تطلق؟
طلبة: لا ( ... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: على قول الجمهور.
الشيخ: الرجعية زوجة، هو طلقها وهي الآن في العدة فكلمت الرجل، تطلق؟
كلمت الرجل بعد أن انتهت العدة، تطلق؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: رجل قال لزوجته: إن كلمتِ فلانًا فأنت طالق، كلمته قبل أن يطلقها؟
طالب: تطلق على الراجح.
الشيخ: تطلق ولَّا لا؟
طالب: تطلق.
الشيخ: تطلق على الراجح والمرجوح قبل أن يطلقها.
طيب طلَّقها طلاقًا رجعيًّا ثم كلمته في العدة، تطلق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تطلق.
طيب، طلَّقها واعتدت وانتهت العدة ثم كلمته، ( ... ) ثم كلمته؛ أي: كلمت الرجل بعد العقد عليها، تطلُق أو لا؟
طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق يا إخوان؟
طالب: نعم.
طالب آخر: العقد جديد؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3000
الشيخ: هو عقد جديد هذا هو، اسمع المؤلف أيش يقول؟ (إن علَّق طلاقها بصفة) يعني بأي شيء، (ثم أبانها فوُجِدَت) متى وجدت؟
بعد البينونة (فوجدت ثم نكحها) من جديد (فوجدت بعده) أي بعد النكاح الثاني (طَلَقَت) واضح يا جماعة؟
طالب: كيف وُجِدَت؟
الشيخ: يعني: وُجِدَت الصفة، قلناها، قال لها: إن كلمتِ فلانًا فأنت طالق.
هذه الصفة، الصفة هي تَكْلِيمُها فلانًا، عرفت؟
بعد أن تزوجها يقول: (وجدت بعده)؛ أي: بعد النكاح الثاني فإنها تطلق، تطلق ليش؟ لأن الواقع أنها وجدت وهي زوجته فتطلق.
وقيل: إنها لا تطلق؛ لأن الطلاق إنما كان في نكاح سابق، والنكاح السابق بانت منه وهذا نكاح جديد فلا تطلق؛ لأن الله تعالى إنما جعل الطلاق بعد النكاح ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] فلا طلاق بدون نكاح، وهذا قد عَلَّق الطلاق في نكاح سابق قبل النكاح الثاني، وهذا أصح، هذا القول أرجح؛ أنها لا تعود الصفة في النكاح الثاني؛ لأنه منفصل عن الأول تمامًا.
فصار الآن إذا علَّق الرجل طلاق امرأته على صفة ولتكن مكالمة زيد، فقال: إن كلمت زيدًا فأنت طالق.
فكلمته قبل أن يطلقها؟
طلبة: تطلق.
الشيخ: هذه واحدة.
كلمته بعد أن طلقها طلاقًا رجعيًّا في أثناء العدة؟
طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق، كلمته بعد انقضاء العدة؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق، تمام، تزوجها بعد ذلك ثم كلمته؟
طلبة: لا تطلق على الراجح.
الشيخ: على ما ذهب إليه المؤلف؟
طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق، وعلى القول الراجح؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق.
تمام.
كالعتق يقول: (كعتق)، كما أنه لو علق عتق عبده بشيء، قال لعبده: إن فعلتَ كذا فأنت حر، فَعَلَه، يكون حُرًّا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تمام، باعه ثم فعل العبد ما قال سيده الأول وهو عند السيد الثاني، يعتق ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش.
طلبة: انتقل عن ملكه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3001
الشيخ: لأنه خرج عن ملكه، اشتراه من المشتري بائعه الأول، اشتراه من المشتري، ثم إن العبد فعل ما قال سيده، يعتق ولا ما يعتق؟
طلبة: يعتق.
الشيخ: يعتق، كالمرأة إذا طلقها ثم تزوجها من جديد، ولهذا قال (كعتق وإلا فلا) فصار الآن العتق والطلاق يستويان في أنه إذا تجدد الملك وعادت الصفة فإنه يقع ما علق على هذه الصفة، واضح؟
طيب مسألة العتق قد يكون ما قاله المؤلف صوابًا؛ لأن العبد فعل هذا في ملكه أي في ملك سيده، وربما لا يكون عند السيد فرق بين أن يفعله في ملكه الأول أو ملكه الجديد بخلاف النكاح.
قال: (وإلَّا فلا) يعني: وإلا توجد الصفة بعد عودها إلى زوجها فإنها لا تطلق، ويشير إلى أنه إذا وجدت الصفة بعد بينونتها من الزوج وقبل أن يتزوجها مرة أخرى فإنها لا تطلق؛ لأنها وجدت الصفة وهي خارجة عن ملكه.
طالب: أحسن الله إليك، إذا خالع على مجهول ثم فسد هذا المجهول، ما الحكم؟
الشيخ: كيف فسد؟
طالب: إذا كانت شجرة لم تثمر، وإذا كان جنينا من أمة ..
الشيخ: هذه ذكرها المؤلف وشرحناها.
طالب: ( ... ) ما الحكم إذا لم يأت به؟
الشيخ: ( ... ) ماذا قال المؤلف؟
الطالب: أقل مسمى.
الشيخ: أقل مسمى، يعطى أقل مسمى، يعطى أقل مسماه.
الطالب: من ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه على صفة العطاء؛ مثلًا إذا أعطيتِني ألفًا، إن أعطته ألفًا وقع قال: إنه إذا لم يحصل هذا فله الرجوع عن ذلك، فله أن يلغي هذا ما دام لم تعطه ذلك، هل هذا قاعدة مطردة في كل تعليق؟
الشيخ: إي نعم، هذا يرى كل تعليق له أن يرجع فيه.
الطالب: طيب ما رجع.
ما الذي نرجحه؟
الشيخ: يجوز أن يذكر الرجل القولين، ولا يرجح.
الطالب: نعم يجوز لكن ما الذي ..
الشيخ: انتهى، ما دام يجوز أنا في حِل.
طالب: علَّق الطلاق على شيء ( ... )؟
الشيخ: يقع في الحال، قال لها: إن طرت ..
الطالب: لا أنا أقصد يا شيخنا ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3002
الشيخ: يعني: على شيء لا بد منه، ما هو على شيء مستحيل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما يخالف، إذا أكلت.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يتأخر الطلاق يعني مثلًا إذا كان لو هو عارف أنها لا بد أن تأكل إذن لا بد من الطلاق، فبدل من أن يقول: أنت طالق الآن يؤجله حتى تجوع وتأكل.
لكن لو قال: إن طرت فأنت طالق؟
طالب: تطلق.
الشيخ: في الحال؟ لكن يقول: إن طرت؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يمكن؟
طالب: نعم.
الشيخ: صحيح، تمام.
لا، شوف إذا عُلِّق الطلاق -أخطأنا- إذا عُلِّق على المستحيل فمعناه أن الطلاق مستحيل، ما عُلِّق على المستحيل فهو مستحيل، إن طرت فأنت طالق، ما يمكن تطلق؛ لأنه علقه على شيء مستحيل.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ( ... ) الزوجة على عوض ( ... )؟
الشيخ: الفرق بينهما أن الطلاق يحسب من الطلاق، هذا أهم الفروق؛ يعني مثلًا إذا كان طلقها قبل ذلك مرتين ثم خالعها، خالعها بلفظ الطلاق الآن تبين منه، ولا تحل إليه إلا بعد زوج، وإذا قلنا: إنه فسخ، فله أن يراجعها بعقد بدون زوج، هذا أهم الفروق، وإلا هناك فروق أخرى مثل العدة.
طالب: شيخ، المسألة الأخيرة اللي ذكر المؤلف، إن ( ... ) فأنت طالق، على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية يقول طبعًا، يكون طلاقًا؟
الشيخ: أيش.
الطالب: على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: شيخ الإسلام رحمه الله يقول: كل شيء فيه عوض فهو خلع سواء بلفظ الطلاق أو بغير لفظ الطلاق وسواء كان مُعَلَّقًا أو مُنَجَّزًا.
الطالب: يصح أن يكون طلاق العوض على كلام الفقهاء؟
الشيخ: على كلام مَنْ؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، ما في ( ... ) يصح.
الطالب: قلنا: إذا علق الطلاق بصفة معينة فوقعت هذه الصفة بعد طلاق ( ... ) عدتها.
الشيخ: نعم.
الطالب: قلنا: يقع وتطلق.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل هذا الوقوع مبني على الخلاف في مسألة الطلاق الثلاث؟
الشيخ: على أيش.
الجزء: 2 - الصفحة: 3003
الطالب: هل هذا الوقوع وقوع الطلاق الثاني يعني: إذا حصلت الصفة وهي في عدتها بعد أن طلقها ..
الشيخ: نعم.
الطالب: هل نحن قلنا بأنها تطلق؟ هل هذا مبني على الخلاف في مسألة الطلاق الثلاث؛ لأننا قلنا سابقًا إن الصحيح .. ؟
الشيخ: الصحيح أن الطلاق في أثناء العدة ليس كذلك، هذا يفارق ما سبق، بأن قوله: إن فعلت كذا فأنت طالق؛ لم يتعين أن يكون في العدة، بخلاف ما إذا نجزه فيتعين؛ ولهذه لا يمكن أن نبنيه على ذلك ( ... ) محل تردد.
الطالب: ( ... ) وما صح أن يكون ( ... ) صح الخلع به، هل القرآن يدخل في هذا؟
الشيخ: هل أيش؟
الطالب: القرآن يدخل في هذا؟
الشيخ: ويش لون القرآن؟
الطالب: يا شيخ أن يكون مهرًا.
الشيخ: هو يصح أن يكون مهرًا القرآن.
الطالب: ( ... ) أن الرسول عليه الصلاة والسلام سأل واحدًا من الصحابة «هَلْ تَحْفَظُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ» (8) ( ... ).
الشيخ: لكن المؤلف أيش يقول؟ هل قال: إن القرآن يصح أن يكون مهرًا؟
الطالب: هو قال: (ما صح).
الشيخ: ما هو هنا إلا في الصداق؛ لأنه لما قال: (ما صح مهرًا صح الخلع به) يعني: إذن لا بد نرجع للصداق، هل المؤلف يرى أنه يصح أن يكون تعليم القرآن صداقًا؟
الطالب: لا أدرى.
الشيخ: لا تدري، ماذا تقولون؟
طالب: لا.
طالب آخر: يرى ذلك.
الشيخ: يرى أنه لا يصح أن يكون تعليم القرآن صداقًا.
هو ما مر علينا؟
طالب: ما هو؟ منفعة القرآن؟
الشيخ: إي هو منفعة، لكن القرآن يقولون: إن تعليم القرآن من القُرَبِ، والقُرَب لا يصح أن تكون عوضًا؛ لأنها لا بد أن تكون خالصة لله.
وهذا مر علينا يا إخوان.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، وذكرنا الخلاف في هذه المسألة، وأن القول الراجح أنه يصح؛ لأن الرسول قال: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» (9).
الجزء: 2 - الصفحة: 3004
وأيضًا المعلم ليس كالتالي، المعلم يحصل منه جهد وتعب بخلاف الأجرة على قراءة القرآن؛ ولذلك يجب أن تعرفوا الفرق؛ الأجرة على تعليم القرآن لا بأس بها يعني: لو جئت بشخص استأجرته أن يعلم ابني القرآن قلت: يا فلان، أريد أن تعلم ابني القرآن.
قال: ما يخالف، أعلمه القرآن بألف ريال.
ما فيه مانع، أعطيه ألف ريال.
لو جئت بقارئٍ يقرأ فقط بعوض هذا لا يجوز؛ لأن القراءة نفعها غير متعد نفعها لا يتعدى بخلاف.
طلبة: التعليم.
الشيخ: التعليم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (10)، فالصواب أن تعليم القرآن يصح أن يكون مهرًا ويصح أن يكون عوض خلع؛ يعني: هو منفعة، ويصح الاستئجار عليه؛ لأنه منفعة، بخلاف قراءة القرآن؛ لو أتيت بإنسان وقلت: أريد أن تقرأ القرآن، أنا أطرب لصوتك، اقرأ القرآن.
قال: ما أقرأه إلا بألف ريال.
هذا لا يصح؛ لأن مجرد القراءة ليس فيها عمل وتعب؛ ولهذا نعرف أن ما يفعله بعض الناس إذا مات الميت أَتَوْا بالقراء يقرؤون في بيت الميت أنهم غالطون؛ لأن هذه القراءة ليس فيها أجر ولا ثواب؛ لماذا؟
طالب: ( ... ) عوض.
الشيخ: لأن القارئ لم يرد بها وجه الله، والقراءة عبادة، فكما أنه لا يصح أن أقول: تعال يا فلان، صلِّ وأعطيك فلوسًا.
قال: ما يخالف، كل ركعة بعشرة ريالات.
الركعتين بكم؟
طلبة: بعشرين.
الشيخ: بعشرين ريالًا، يصح هذا ولا ما يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح؛ يعني: أنا ما انتفعت بشيء وهو أيضًا إنما عمل عبادة لا يستحق أن يأخذ عنها عوضًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: طيب.
الطالب: ( ... ) قول المؤلف رحمه الله: (وإن علق طلاقًا بصفة ثم أبانها فوُجِدَت ثم نكحها فوُجِدَت) هل لهذا مفهوم أنه إذا أبانها .. ؟
الشيخ: لأن بعض العلماء يقول: إذا وُجِدَت بعد البينونة انحلت، فإذا نكحها من جديد لا تعود الصفة فقوله: (فوُجِدَت) لأجل فرض المسألة مع المخالفين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3005
طالب: حديث عدة المختلعة ..
الجزء: 2 - الصفحة: 3006
﴿كتاب الطلاق﴾ يُباحُ للحاجةِ، ويُكْرَهُ لعَدَمِها، ويُسْتَحَبُّ للضَّرَرِ، ويَجِبُ للإيلاءِ، ويحرُم للبِدعةِ، ويَصِحُّ من زوجٍ مكَلَّفٍ ومُمَيِّزٍ يعقله، ومَن زالَ عَقْلُه مَعذورًا لم يَقَعْ طلاقُه وعَكْسُه الآثِمُ، ومَن أُكْرِهَ عليه ظُلْمًا بإيلامٍ له أو لولدِه أو أَخْذِ مالٍ يَضُرُّه أو هَدَّدَه بأَحَدِها قادرٌ يَظُنُّ إيقاعَه به فطَلَّقَ تَبَعًا لقولِه لم يَقَعْ، ويَقَعُ الطلاقُ في نِكاحٍ مختلَفٍ فيه، ومن الغَضبانِ،
مدخل
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: كتاب الطلاق، يباح للحاجة، ويكره لعدمها، ويستحب للضرر، ويجب للإيلاء، ويحرم للبدعة، ويصح من زوج مكلف ومميز يعقل، ومن زال عقله معذورًا لم يقع طلاقه، وعكسه الآثم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: (كتاب الطلاق) الطلاق هو فراق الزوجة، ويكون قبل الدخول، ويكون بعد الدخول، ولا يكون قبل العقد.
فهنا ثلاثة أزمنة: قبل العقد وبعده، وقبل الدخول، وبعد الدخول.
أما قبل العقد فلا يقع؛ لأنه طلاق، حل قيد النكاح، الطلاق: حل قيد النكاح، وإذا وقع قبل العقد فإنه ليس هناك عقد يُحلُّ، فلا يقع قبل العقد، حتى وإن خص المرأة فقال: يا فلانة، إن تزوجتك فأنت طالق، وتزوجها فإنها لا تطلق، لماذا؟ لأن هذا قبل العقد.
ولو قال لها: يا فلانة، إن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، ثم تزوجها فكلَّمت فلانًا، فإنها لا تطلق؛ لأن هذا قبل العقد.
والطلاق حل قيد النكاح، يعني حل العقد؛ عقد النكاح، وهذا ليس هناك عقد حتى يقال إنه حلَّه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3007
إذا وقع بعد العقد وقبل الدخول فهو واقع؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، فإذا عقد على امرأة وقبل أن يراها وقبل أن يخلو بها قال: هي طالق، تطلق.
الثالث، الزمن الثالث: إذا كان بعد العقد والدخول، يقع أو لا؟ يقع، ولا إشكال فيه.
طيب، لو قال: إن تزوجتك فأنتِ طالق، ما تقولون؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: لا يقع، لماذا؟ لأنه قبل العقد.
ولو قال لرقيق، عبد مملوك: إن ملكتك فأنت حُر، فملَكَه؟ لا يقع، قياسًا على الطلاق.
فالطلاق قبل عقد النكاح لا يقع، والعتق قبل الملك لا يقع، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء وقالوا: إن الإنسان ليس عليه عِتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك.
ولكن الإمام أحمد رحمه الله ذهب إلى أن العتق يقع، إذا قال للعبد: إن ملكتك فأنت حر، فملكه، صار حُرًّا، وفرَّق بينه وبين الطلاق؛ لأن الملك يراد للعتق؛ يعني أن الإنسان يشتري العبد ليعتقه، لكن النكاح لا يراد للطلاق، يعني لا يمكن أن يقول إنسان: إنه نكح فلانة ليطلقها، أو لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن أبدًا، اللهم إلا في مقام التحريم، إذا أراد أن يتزوج امرأة طلقها زوجها ثلاثًا من أجل أن يحللها له، وهذا النكاح لا يصح أصلًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلِّل والمحلَّل له (1).
على كل حال الطلاق يُشترط أن يكون بعد عقد النكاح، فإن وقع قبله فلا طلاق سواء كان معلقًا أو منجزًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3008
أما حكمه فقال المؤلف: (يُباح للحاجة)، يعني يجوز أن يطلق الإنسان زوجته عند الحاجة، ومتى يكون عند الحاجة؟ إذا عرف الرجل أن زوجته قد سئمت البقاء معه، وأنها ترغب أن يطلقها رغبة حقيقية، فنقول هنا: لا بأس، لكنه كما سيأتي يُستحب إذا كان لحاجة الزوجة، وإن كان لحاجة الزوج فهو مباح، وعلى هذا فنقول: (للحاجة) أي: لحاجة الزوج إلى ذلك.
كيف الحاجة؟ مثل أن يرى أن المقام معها سيكون نكدًا صعبًا، فهنا يُباح له أن يطلق، وإن كانت تكره المرأة الطلاق؟ نعم، وإن كانت تكره؛ لأنه أحيانًا يتزوج الإنسان امرأة على زوجته الأولى، فيجد نكدًا وتنغيصًا، فيرى أن الحاجة داعية إلى أن يطلق إحدى المرأتين، فهنا نقول: لا بأس، ولكن الأفضل مع هذا أن يصبر، وألا يتعجل بالطلاق؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]، ينبغي أن يصبر ويحتسب، والله تبارك وتعالى مُقلِّب القلوب، فربما يكون بغضه إياها محبة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً»، أي: لا يبغضها «إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ» (2).
الخلاصة: الحكم الأول في الطلاق أنه مُباح، متى؟ إذا احتاج الزوج إلى ذلك.
قال: (ويُكره لعدمها) يعني مع استقامة الحال وعدم الحاجة إلى الطلاق يُكره أن يطلق، لما في ذلك من كسْر قلب المرأة ومفارقتها، ولا سيما إن كانت ( ... )، لا سيما إن كان معها أولاد، أو كانت فقيرة، أو ليس لها أحد في هذا البلد، فإنه يتأكد كراهة طلاقها، فلا ينبغي أن يطلق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3009
(ويستحب للضرر) (يستحب) يعني يُطلب من الإنسان أن يطلق إذا كان هناك ضرر، كيف الضرر؟ يعني ضرر عليه أو على المرأة، أو عليهما جميعًا؟ عليهما جميعًا، إذا كان بقاء الزوجة معه يسبب ضررًا عليه في ماله، أو بدنه، أو سمعته، أو ما أشبه ذلك فليُطلق استحبابًا، وكذلك إذا كان على المرأة ضرر، مثل أن يراها متألمة، كلما دخل عليها وجدها تبكي، يا بنت الحلال، ويش فيكِ؟ قالت: أنا أريد الطلاق، أنا عجزت أن أبقى معك، فهنا نقول: الأفضل أن يطلق، لما في ذلك من إزالة الضرر.
(ويجب للإيلاء) يعني يجب الطلاق عند الإيلاء، أيش معنى الإيلاء؟
الإيلاء أن بعض الأزواج يُسلَّط فيحلف ألا يجامع زوجته، يقول: والله لا أجامعها، الزوجة تريد الجِماع كما أن الرجل يريد الجماع، فقيل له: لك مدة أربعة أشهر، إذا تمت الأربعة، فإما أن تطلق وإما أن ترجع؛ لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي رجعوا إلى زوجاتهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226، 227]، وعلى هذا نقول للزوج الآن: تمت أربعة أشهر، يجب عليك أن تطلق أو ترجع، إذا قال: ما أنا راجع، نقول: يجب أن يطلق، فإن أبى أن يطلق طلَّق عليه القاضي.
إذن يجب متى؟ للإيلاء.
لو قال قائل: هل يجب بالنذر؟ يعني لو نذر الإنسان أن يطلق زوجته، هل يجب أن يطلق؟
لا، بل نقول: لا تُطلِّق، وكفِّر عن النذر؛ لأن هذا النذر أدنى أحواله أن نقول: إنه نذر مكروه، والنذر المكروه لا يوفى به، لكنه يكفر كفارة يمين.
(ويحرم للبدعة) يعني يحرم أن يطلق طلاق بدعة.
وهنا تعبير غريب: الفقهاء لا يتكلمون عن الشيء من حيث البدعة والسنة، الذي يتكلم عن البدع والسنن وأقسامها هم أصحاب العقائد والتوحيد، لكن في هذا الباب جعلوا سنة وبدعة رحمهم الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3010
الطلاق البدعي الذي يكون حرامًا: إذا طلق من عليها العدة وهي حائض، أو في طُهر جامعها فيه.
انتبه: إذا طلق من تلزمها العدة في حيض، أو طُهر جامع فيه.
أعيد مرة ثانية، أزيد القيد: إذا طلق من تلزمها العدة بالحيض، في حيض، أو في طهر جامعها فيه.
فقولنا: إذا طلق من تلزمها العدة، خرج به إذا طلق من لا تلزمها العدة، وهي التي لم يدخل بها، فإذا طلق من لم يدخل بها وهي حائض فالطلاق طلاق سُنَّة وليس ببدعة، لماذا؟ لأنه لا عِدَّة عليها، وعلى هذا فلو تزوج إنسان امرأة وبعد مدة رغب عنها قبل أن يدخل بها، ثم طلقها فقيل: إنها حائض، فالطلاق واقع وليس حرامًا؛ لأنه ليس عليها عدة.
طيب، قولنا: من تلزمها العدة بالحيض، خرج به الحامل، الحامل تلزمها العدة بماذا؟ بوضع الحمل، وخرج به مَنْ عدتها بالأشهر، من هي التي عدتها بالأشهر؟ هي الصغيرة والآيسة، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]، فإذا طلق الحامل، ولو كان قد جامعها فالطلاق سُنَّة، يعني طلاق سُنَّة ليس ببدعة؛ لأنه لا يلزمها العدة بالحيض.
طيب، ولو طلَّق آيسة وهي حائض؟ يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ هي آيسة، كيف يُطلقها وهي حائض؟
لو طلَّقها بعد جماعها، هل هو بدعة ولَّا غير بدعة؟ غير بدعة؛ لأنها ممن لا تلزمها العدة بالحيض.
طيب، في حال الحيض أو الطهر الذي لم يجامعها فيه، لو طلقها وهي طاهر طُهرًا لم يجامعها فيه فالطلاق سُنَّة وليس ببدعة.
إذن الطلاق البدعة ما هو؟
أن يطلق من تلزمها العدة بالحيض، في حال الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه.
هذا حرام.
الجزء: 2 - الصفحة: 3011
طيب، هذا حرام طلاق بدعة بالزمن، هناك طلاق بدعة بالعدد: وهو أن يطلقها أكثر من مرة بأن يقول: أنتِ طالق، أنتِ طالق، إذا لم يرد التوكيد فهذا الطلاق مُحرَّم، يعني إرداف الطلاق بالطلاق حرام، وهو بدعة، لكن هل يقع أو لا يقع؟ أكثر العلماء على أنه يقع، والقول الراجح أنه لا يقع، يعني لو الإنسان طلق زوجته وقال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، كم تطلق على القول الراجح؟ واحدة فقط؛ لأن الثانية بِدعة، والبدعة لا يجوز إقرارها، ولو قلنا بوقوع الطلاق لزم من ذلك إقرار البدعة، وإقرار البدعة منكر، ثم إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (3) يقتضي أن الطلقة الثانية مردودة لا تقع؛ لأنها غير مأمورين بها.
طيب، طلَّقها اليوم، قال: أنتِ طالق، غدًا قال: أنتِ طالق.
كم تقع؟
طالب: طلقتان.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: واحدة أمس وواحدة اليوم؟ ! الجميع واحدة، لماذا؟ لأن الطلقة الثانية طلقة بدعة، والبدعة لا يمكن أن تقع، كُل بدعة ضلالة، و «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (3)، واضح ولَّا غير واضح؟ واضح.
هذا ما أقرره، وهو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، وقال: إن من تأمل هذا القول وجد أنه القول الذي لا يسوغ القول بخلافه؛ لأن أدلته قوية واضحة.
قال لزوجته: أنتِ طالق، ثم حاضت، وحاضت الثانية وقال: أنتِ طالق، يقع أو لا يقع؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: لا يقع؛ لأن هذا طلاق بدعة، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، الطلقة الأخيرة هذه التي بين الحيضة الثانية والثالثة ما هي طلقة لعدة؛ لأنه لو طلقها لم تستأنف العدة، إذا طلقها بين الحيضة الثانية والثالثة، وحاضت الثالثة انقضت عدتها، كما قاله الفقهاء رحمهم الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3012
فهذا الرجل ما طلق لعدة، لو طلق للعدة لكان تستأنف العدة، وإذا لم يكن طلق للعدة فقد خالف أمر الله عز وجل، وإذا خالف أمر الله فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا، هذا قول قد تتعجبون منه، لكنه كما قال شيخنا: إذا تأمل الإنسان الأدلة وجد أنه القول الذي لا يسوغ خلافه؛ لأنه واضح، وإن كان هذا خلاف رأي الجمهور.
إذن يحرم لأيش؟ يحرم إذا كان بدعة، يُباح، ويُكره، ويُستحب، ويجب، ويحرم، كم من الأحكام؟ خمسة، هذه هي الأحكام الخمسة، وقَلَّ أن تجد مسألة تجري فيها الأحكام الخمسة، لكن الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة، النكاح تجري فيه الأحكام الخمسة أيضًا، لكننا قد تجاوزناه وذكرناه فيما سبق.
قال: (ويصح من زوج) مفهومه: غير الزوج لا يصح منه، لا بد من زوج، فلو طلق قبل أن يتزوج؟
طالب: لا يقع.
الشيخ: نعم، لا يقع؛ لأنه من غير زوج.
لو قال الزوج: أنتِ، وقال صاحبه الذي إلى جنبه: طالق، المرأة الآن أمامهما، فقال الزوج: أنتِ، فقال ذاك: طالق، يقع الطلاق؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: ليش؟ ليس من زوج، هذا طلاق مُركَّب من زوج وأجنبي، لا يقع.
وكما سمعنا أن رجلًا طلَّق زوجته ببيت، وكانت البيوت فيما سبق صغيرة، فقعدت الزوجة تصيح وتقول: أنا أم أولادك، كيف تطلقني، فأطلت من السطح امرأة الجار، وقالت: يا أبا فلان، كيف تطلق امرأتك أم الأولاد؟ فقال: وأنتِ طالق أيضًا! ! لكنه قيل: إنه قال: أنت طالق على ( ... ) زوجتي، هل يقع الطلاق؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: ليش؟ ليس من زوج، فلا يقع الطلاق، لا بد أن يكون من زوج.
طيب، رجل تزوج امرأة بدون ولي وطلقها، هل يقع الطلاق؟ لا يقع الطلاق؛ لأن هذا النكاح غير صحيح، فلم تكن المرأة به زوجة، وهو لا بد أن يكون من زوج.
طيب، رجل تزوج امرأة بدون شهود، ثم طلقها؟ إن قلنا: إن الإشهاد شرط في الصحة لم يقع الطلاق؛ لأن النكاح لم يصح أصلًا، ولا بد أن يكون من زوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 3013
رجل تزوج امرأة في عدتها من الوفاة، امرأة تُوفي عنها زوجها، فقام رجل وتزوجها في العدة، ثم طلقها، يصح الطلاق؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه ليس من زوج؛ إذ إن العقد في العدة غير صحيح.
رجل تزوج امرأة بنكاح شغار، ثم طلقها، يصح؟ لا يصح الطلاق، لماذا؟ لأن العقد غير صحيح، فهي ليست زوجة.
لعلكم تظنون أن قولنا: لا يصح الطلاق يعني لا يُفرَّق بينهما، وليس كذلك.
أصلًا هي ليست زوجة، هي حكمًا مُفرَّق بينها وبين زوجها، فأنا شفت بعضكم يتلكأ إذا قلنا: لا يصح الطلاق يظن أنها لا تفارقه، لا بد أن تفارقه، لكن هذا الطلاق لا يُعتبر، فلا يُحسب عليه فيما لو تزوجها فيما بعد.
إذن يصح من أيش؟ (من زوج).
(مُكلَّف)، أي: بالغ عاقل، هذا معنى المكلف البالغ العاقل.
وبماذا يحصل البلوغ؟
طالب: بإنبات شعر العانة.
الشيخ: إنبات شعر العانة.
الطالب: أو غلظ الصوت.
الشيخ: أيش؟ أو غلظ الصوت.
طيب، وإن كان رجال له صوت دقيق من حين وُلد إلى أن يموت، ما يبلغ؟
الطالب: إذا احتلم.
الشيخ: إذا احتلم، إذا أنزل منيًّا بشهوة.
الطالب: إي.
الشيخ: طيب، هذه واحدة، ثنتان، الثالث؟ يعني أضربت عن غِلظ الصوت الآن؟
الطالب: لا، ما أضربت.
الشيخ: ما أضربت؟ !
الطالب: ما أضربت.
الشيخ: طيب، ما يخالف.
الطالب: لكن ( ... ).
الشيخ: غلظ الصوت، إنزال المني بشهوة.
الطالب: إنبات شعر العانة.
الشيخ: هذه ثلاثة: إنبات شعر العانة، غلظ الصوت، إنزال المني بشهوة.
الطالب: إي، تجاوز العمر يا شيخ.
الشيخ: تجاوز العمر كم؟ عشرين؟
الطالب: لا.
الشيخ: كم؟
الطالب: ثمانية عشر.
الشيخ: ثمانية عشر! هذا بلوغ نظامي يا شيخ! !
طالب: أن يبلغ خمس عشرة سنة.
الشيخ: إذا بلغ خمس عشرة سنة.
طيب، وماذا تقول في غلظ الصوت؟
الطالب: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح؟ يعني معناه ممكن يبلغ ولو كان صوته دقيقًا؟
الطالب: إي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3014
الشيخ: طيب، صحيح.
انتبه يا أخي، الآن ما تعرف البلوغ؟ ! مشكلة هذه.
إذن البلوغ يحصل بأيش؟ بواحد من ثلاثة أمور: إما إنزال المني بشهوة، وإما إنبات شعر العانة، وإما تمام خمس عشرة سنة.
(مكلف) يعني بالغ عاقل، عاقل يعني يدرك ما يقول، فيفهم الخطاب، ويرد الجواب، ويتصرف تصرف العقلاء، احترازًا من المجنون، المجنون لا يقع طلاقه.
ولهذا قال رحمه الله: (ومميز يعلقه) يأتي الكلام.
إذن المكلف مَنْ؟ البالغ العاقل.
إذا لم يكن بالغًا، فهل يقع طلاقه؟
بيَّن المؤلف الحكم، قال: (ومميز يعقله)، يعني ويصح الطلاق من مميز يعقل الطلاق، يعني يفهم ويش معنى الطلاق، فلو تزوج إنسان له عشر سنوات بامرأة وقال لها: أنتِ طالق، نسأل، نقول: هل تدري ويش معنى أنت طالق؟ قال: نعم، معنى أنتِ طالق يعني أنها غير مقيدة، تعمل بيديها، وتمشي، وتذهب، وتجيء؛ هذا معنى أنت طالق، هل يقع الطلاق؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟ لماذا؟
الطلبة: لأنه لا يعقل.
الشيخ: لأنه لا يعقل، ولا يدري ما هو.
لكن لو قال: نعم، أنا أدري ما معنى أنتِ طالق، أي: أنك مفارقة لي، يقع أو لا يقع؟ يقع؛ لأنه مميز.
ثم قال: (ومن زال عقله معذورًا لم يقع طلاقه، وعكسه الآثم)، هذا محترز قوله: (مُكلَّف)؛ لأن المكلف قلنا هو البالغ العاقل.
إذا زال العقل فإما أن يكون معذورًا، وإما أن يكون غير معذور، المعذور كالذي أصابه جنون؛ هذا معذور لا يقع الطلاق، فلو أن الإنسان أُصيب بصرع -نسأل الله العافية- وفي أثناء ذلك جعل يقول: زوجتي طالق، زوجتي طالق، يقع طلاقه؟ لا؛ لأنه زال عقله معذورًا، ولو أنه نام، سمعناه في النوم يحلم، يهاوس زوجته: يا فلانة، أنت ما صلحتِ كذا، ما زيَّنتِ كذا، ليس تطلعين، أنت طالق مني بالثلاثة، يقع الطلاق؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ نائم ما عنده عقل.
وكذلك لو أُغمي عليه، وفي أثناء الإغماء جعل يقول: زوجته طالق؛ فإنها لا تطلق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3015
(وعكسه الآثم)، يعني عكسه من زال عقله وهو آثم فإنه يقع طلاقه، مثاله: رجل شرب الخمر -والعياذ بالله- عالمًا أنه حرام، وفي أثناء سكره قال: زوجته طالق، يقع الطلاق؟ على كلام المؤلف يقع الطلاق؛ لأنه آثم.
من الذي أباح له أن يشرب الخمر؟ لا أحد، وعلى هذا فإنه يقع طلاقه.
لو غص بلقمه وعنده كأس خمر، وشرب الكأس لأجل أن يدفع اللقمة؛ لأنه إن لم يفعل هلك مات، فشرب، ثم سكر، يقع طلاقه أو لا يقع؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: ليش؟ لأنه معذور، يجوز هنا أن يشرب الخمر ليدفع اللقمة التي غص بها، فيكون معذورًا.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، ويأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في الدرس القادم.
طالب: المؤالي من زوجه؟
الشيخ: المؤلي.
الطالب: المؤلي نعم، هل ( ... ).
الشيخ: من الإيلاء ( ... ) لا، بالأقراء.
كل من ارتفع حيضها لسبب معلوم فإنها تنتظر حتى يعود الحيض.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لطلاق الحائض، شيخ، القائلون بأن طلاق الحائض لا يقع، كيف يجيبون على رواية ابن عمر لما سئل: أحُسبت عليك؟ أجاب بأنه نعم حُسبت (4).
الشيخ: نعم، حُسبت عليه في الإثم، ويدل لهذا ما رواه أبو داود (5) بسند صحيح: أنه لم يرها شيئًا.
وهذا هو الراجح
، والأدلة تدل على هذا، لكن جمهور العلماء على أنه يقع الطلاق، بالنسبة للإفتاء والعمل لا ينبغي أن نطلق بأنه لا يقع، أو بأنه يقع، لو جاءنا إنسان، وقال: إنه طلق زوجته الآن، وكانت أول طلقة قبل عشر سنوات في حيض، والطلقة الثانية قبل خمس سنوات بطُهر جامعها فيه، وهذه الطلقة الثالثة في طهر لم يُجامعها فيه، ماذا يريد من هذا الكلام؟ يريد أن نلغي الطلقة الأولى والثانية لأجل أن يصح أن يراجع، هذا لا نفتيه بأن الطلاق لا يقع، بل نقول: الطلاق واقع؛ لأنه حين طلق أول مرة كان ملتزمًا بأيش؟ بوقوع الطلاق، بدليل أنه لو تزوجت بعد انتهاء العدة أيهاجم الزوج ويقول: هذه زوجتي؟ أبدًا، وكذلك في الطلاق الثاني.
الجزء: 2 - الصفحة: 3016
لكن لو جاءنا وهي في العدة وقال: إنه طلق وهي حائض، حينئذٍ نأمره كما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ابن عمر أن يراجعها.
انتبهوا لهذا؛ لأن العلم شيء والتربية شيء آخر، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يمنع من رجوع الرجل إذا طلق ثلاثًا أن يرجع إلى زوجته (6)؛ تربية للناس.
وهذه مسألة يغفل عنها كثير من العلماء، لا أقول من طلبة العلم، بل حتى من العلماء، لا يسوسون الناس حتى يلتزموا بشريعة الله، خلاص: طلق وهي حائض ما يقع الطلاق! يا رجل، الآن، فكر أنه طلقها وهي حائض بالأول، أيش؟ ما فكر ولا ( ... )؛ ولهذا رأيت كلامًا للشيخ عبد الله أبابطين العالم المشهور الذي يسمى مفتي الديار النجدية يقول: إن بعضهم إذا طلق الثالثة قال: والله النكاح ما فيه شهود، عقد النكاح ما فيه شهود، أو فيه شهود يشربون الدخان، وشرب الدخان يوجب الفسق إذا أصر عليه الإنسان، وشهادة الفاسق غير معتد بها.
يقول: ما شاء الله، الآن تدري أن شرب الدخان حرام، وأنها لا تصح شهادة شاربه؟ ! هذا غير صحيح، ولا يمكن الإنسان؛ لأن هذا تلاعب بالشرع.
فأقول الآن: إذا كان الشيخ عبد الله أبابطين رحمه الله قال: إنهم يقدحون في العقد، فنحن نقول: إنهم يلعبون بالطلاق.
بالأمس كان الطلاق بالحيض جائزًا وواقعًا، ولو تزوجت امرأته ما راح يطالب، واليوم يقول: إنه طلق وهي حائض؛ ولهذا كثير من الناس الآن يأتوننا، يكون طلق زوجته الطلقة الثالثة، وكانت الأولى في حيض وهي حائض، يقول: والله أنا طلقتها وهي حائض، ما شاء الله! الآن صِرت فقيهًا، تعرف أن طلاق الحائض حرام وغير واقع؟ !
الجزء: 2 - الصفحة: 3017
لذلك يجب يا إخواننا، أنتم طلبة علم، وإن شاء الله يُرجى لكم أن تكونوا من أهل الفتوى، انتبهوا لهذه المسألة: سياسة الخلق بالحق، فالعلم ليس هو العلم النظري، العلم نظري وتربوي، والنظر للتربية أمْر مهم، وأنا ذكرت لكم أنه من السياسة الشرعية سياسة عمر بن الخطاب، بل حتى القرآن ما هو سياسة عمر بن الخطاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ [الأنعام: 108]، يعني لا يجوز أني أسب بوذا مثلًا لرجل يعبده، لماذا؟ إذا سببته جعل يسب الله، وسبه الله عدوًا بغير علم، وسبي لصنمه حق، لكنه لما كان يترتب عليه محرم مُنِع.
إذن انتبهوا لهذه المسألة.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى الناس كثُر فيهم: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، قال: إن الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم (6). فأمضاه عليهم، وقال: ما يمكن ترجع لزوجتك، لماذا؟ لأنه هو الذي فعل ذلك بنفسه، طلقها ثلاثًا.
بيع أمهات الأولاد، يعني بيع السُّرية إذا جاءت بولد من سيدها، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حلال، لكن الناس عندهم خشية من الله، لا يُمكن أن يبيع هذه السرية ولها أولاد منه، فيفرق بينها وبين أولادها، فكانوا لا يبيعون أمهات الأولاد إذا كان هناك ولد يُخشى أن يُفرَّق بينها وبينه، لكن في عهد عمر تجرؤوا، وصاروا يبيعون أمهات الأولاد مع وجود أولادهن الصغار، فمنع من ذلك (7)، مع أن البيع في الأصل حلال، لكن منع منه؛ لأن الناس تجرؤوا على فعل المحرم به، فمنعه.
هذه سياسة شرعية مستقاة من الكتاب والسنة وسنة الخلفاء الراشدين، وأكثر طلبة العلم لا يهتمون بهذا، ينظرون إلى صورة الواقع بقطع النظر عما يترتب عليه.
وهذا نقص في العلم والتوجيه والتربية.
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3018
وأنا أهم شيء عندي هو تربية الخلق ليقوموا بالحق؛ هذا أهم شيء، لكن بشرط ألا يكون فيه تجاوز وتعدٍّ لحدود الله، فهذا لا يمكن أن يقول به أحد.
بسم الله الرحمن الرحيم
سبق لنا أن الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة، أي أنه يكون واجبًا، ومحرمًا، ومندوبًا، ومكروهًا، ومباحًا.
وسبق أنه يصح من الزوج دون غيره، وأن الرجل لو قال لامرأة: إن تزوجتكِ فأنتِ طالق، ثم تزوجها فإنها لا تطلق؛ لأنه حين قوله ليس زوجًا لها.
وسبق أنه لا يصح إلا من مُكلَّف أو مميز يعقله، والمكلف هو البالغ العاقل، لكن من دون البلوغ إذا كان يعقل الطلاق فإنه يقع منه.
لو طلق الرجل زوجة ابنه، أيقع الطلاق؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه ليس زوجًا، حتى لو كان الابن مميزًا يعقل الطلاق، وطلق عنه أبوه وقال: إن هذه المرأة سيطرت على عقل ولدي، فأريد أن أطلقها؛ لأن بقاءها يضره، فإنها لا تطلق؛ لأن الطلاق لمن أخذ بالساق، أي للزوج فقط.
إذا طلَّق وهو غير عاقل؛ بمعنى أن عقله زال، فإنه لا يقع الطلاق إن كان معذورًا، ويقع إن لم يكن معذورًا.
وعلى هذا فإذا طلق وهو نائم لا يقع الطلاق، وإذا طلق وهو سكران فيه تفصيل؛ إن كان قد شرب الخمر يعلم أنها خمر فإن طلاقه يقع، وإن كان شرب الخمر لا يعلم أنها خمر، فإن طلاقه لا يقع؛ لأنه معذور، وكذلك لو أُكرِه على شُرب الخمر فشرب، ثم طلَّق وهو سكران فإن طلاقه لا يقع؛ لأنه معذور.
طيب، لو بُنِّج، وفي أثناء البنج طلق، فطلاقه لا يقع؛ لأنه معذور.
ولهذا قال المؤلف: (ومن زال عقله معذورًا لم يقع طلاقه، وعكسه الآثم) يعني غير المعذور.
الجزء: 2 - الصفحة: 3019
والصحيح في هذه المسألة: أنه لا يقع طلاقه سواء كان معذورًا أم غير معذور؛ وعلى هذا فطلاق السكران لا يقع.
ودليل ذلك أن الحكم في الطلاق مرتب على عقله، أي على عقل الطلاق، والسكران لا يعقل الطلاق، ولا يدري ما يقول بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]، والسكران لا يعلم ما يقول، والطلاق إنما يكون من شخص يعقله ويريده.
وقول بعض أهل العلم: إننا نُوقِع الطلاق عليه عقوبة له، فيقال: هذا غلط؛ لأن عقوبة السكران بالجلد، ولا يجوز أن نزيد على العقوبة التي جاءت بها السنة، ثم إن الطلاق إذا جعلناه عقوبةً على هذا السكران فهي عقوبة متعدية إلى مَنْ؟ إلى الزوجة، وقد يكون معها أولاد، وقد تكون هذه آخر طلقة، فيكون في هذا ضرر كثير.
فالصواب أنه لا يقع طلاق السكران، وهذا هو الذي رجع إليه الإمام أحمد أخيرًا، فقد قال رضي الله عنه ورحمه: كنتُ أقول بوقوع طلاق السكران حتى تبينته -يعني: حتى فكرت فيه وتبين لي- فرأيت أنه إذا وقع الطلاق أتيت خصلتين؛ حرمتها على زوجها وأحللتها لغيره، وإذا لم يقع الطلاق أتيت خصلة واحدة؛ وهي أنني أحللتها لزوجها لو قُدِّر أنها طلقت.
وهذا نص صريح من الإمام أحمد على رجوعه عن القول بوقوع طلاق السكران.
لكن لو فُرِض أن هذا الرجل يسكر كل يوم، ويطلق كلما سكر، فهل الأولى أن نُوقع الطلاق أو لا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3020
نقول: الأولى ألا نوقع، لكننا لا نُفتيه على طول بأن طلاقه لم يقع، بل نحصره مدة طويلة شهرًا أو شهرين أو ثلاثة، وهذا لا يضر؛ لأنه ليس هناك طلاق حتى نقول: يُخشى أن تنقضي العدة، بل نُؤجِّل الأمر عليه حتى يضيق ويتأدب ويتألم؛ لأن كوننا نقول لهذا الرجل اللي سكر وطلق زوجته وجاء يستفتي: لا طلاق عليك؛ لا يهمه أن يسكر مرة أخرى، لكن إذا قلنا: لا نفتيك، أنت فعلتَ محرمًا ولا عذر لك، ولا نفتيك بأنه لا يقع الطلاق، وكلما جاء رددناه، حتى ينحصر ويعلم أنه قد ارتكب أمرًا عظيمًا.
ثم قال: (ومن أُكرِه عليه) أي على الطلاق (ظلمًا) لا عدلًا (بإيلام له) إلى آخره.
من أُكره على الطلاق فطلَّق تبعًا للإكراه، نظرنا إن كان هذا الإكراه بحق فالطلاق واقع، وإن كان بغير حق فالطلاق غير واقع؛ مثال الأول؛ الإكراه بحق: المولي الذي آلى ألا يطأ زوجته سنة، فهذا نقول له: إذا تمت أربعة أشهر، نقول: إما أن تُطلق وإما أن ترجع إلى زوجتك وتجامعها.
نقول لهذا المولي الذي آلى ألا يجامع زوجته لمدة سنة إذا تمت أربعة أشهر: إما أن ترجع إلى زوجتك، وإما أن تطلق.
فقال: لا أرجع ولا أطلق، فنلزمه أن يُطلق، فطلق لإلزامنا له بالطلاق، هل يقع الطلاق أو لا؟
طلبة: يقع.
الشيخ: يقع؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: مُكره؟ نعم، مُكره، لكنه مكره بحق، والمؤلف رحمه الله يقول: (من أُكره عليه ظلمًا)، وهذا أُكره بحق.
ولو أن زوجًا أمسكه شخص، وقال: طلِّق زوجتك، سواء كان أباها أو أخاها أو أحدًا من أوليائها، أو رجلًا أجنبيًّا، طلِّق زوجتك، فأبى، فجعل يضربه ويؤلمه، فطلق، فهل يقع الطلاق؟ لا يقع؛ لأن هذا الإكراه بغير حق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3021
كيفية الإكراه؟ قال: (بإيلام له أو لولده)، (إيلام له) يعني جعل هذا الرجل يؤلمه؛ إما بعصر بطنه، أو عصر أنثييه، أو ضمه ضمًّا شديدًا يكتم نفسه، أو يضربه بإيلام، يؤلمه؛ هذا مُكره، أو يؤلم ولده، ومثلًا هذا الزوج معه ولد، فقيل له: طلِّق زوجتك، قال: لا أطلقها، فأخذوا الولد، وجعلوا يعصرون الولد، ويضربونه، ويؤلمونه، فطلَّق من أجل أن يفتك ولده، ماذا تقولون؟ لا يقع الطلاق؛ لأن هذا إكراه بالإيلام، فإذا طلق فإنه لا يقع الطلاق.
طيب، إذا حضر أبو المرأة وأبو الزوج والجماعة -كبار الجماعة- وقالوا للزوج: طلِّق، وكان يحب زوجته، ولزموا عليه كثيرًا حتى طلق إرضاءً لهم، هل يكون مكرهًا أو لا؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: المؤلف فسر الإكراه (بإيلام له أو لولده)، هذا ليس بإكراه، بعض الناس يأتي يستفتي يقول: أنا ما طلقتها إلا مكرهًا، حضر أبوها، وحضر أبي، وحضر فلان وفلان، وأمروني أن أُطلِّق، فاستحييت فطلقت.
فيُقال: هذا ليس بإكراه، لماذا لم تصمم وتقول: أنا أحب زوجتي، وزوجتي ليس فيها مطعن في دينها ولا خلقها، ولا أُطلِّق؟ إذن هذا ليس بإكراه، حتى وإن كان الرجل طلق خجلًا وحياءً من أبيه وأبي زوجته وكبار الجماعة، فإن هذا لا يُعتبر إكراهًا؛ لإمكانه أن يصر على عدم الطلاق.
قال المؤلف رحمه الله: (أو أخذ مال يضره) يعني معناه استولى شخص على ماله، ولتكن السيارة، قال: يلَّا طلِّق زوجتك وإلا أحرقت السيارة الآن.
فطلَّق، أيقع الطلاق؟
طالب: لا يقع.
الشيخ: لا يقع الطلاق؟
طالب: إذا كان يضره يا شيخ؟
الشيخ: معلوم يضره، سيارته التي يمشي عليها، ويذهب إليها، وأيضًا هي قيمتها عالية.
طالب: يقع.
طالب آخر: على قول المؤلف لا يقع.
طالب: لا يقع.
الشيخ: لا يقع الطلاق؛ لأن هذا المال يضره لا شك.
أخذ منه قلمًا قيمته ريال، وقال: طلِّق وإلا كسرت القلم أمامك، فطلَّق، يقع أو لا يقع؟
طلبة: يقع.
الشيخ: ليش؟ لأن هذا لا يضر، قلم بنصف ريال لا يضر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3022
فالحاصل الآن: أخذ المال ميزانه الضرر، الضرب ونحوه ميزانه الإيلام.
فيقول المؤلف: (أو هدده بأحدها قادر يظن إيقاعه به).
(هدده بأحدها) أي: بالضرب المؤلم، أو بأخذ المال.
(قادر يظن) أي الزوج المطلق (إيقاعه به، فطلَّق، لم يقع) يعني هذا لم يضربه، ولم يؤلمه، ولم يأخذ المال، لكنه قال: إن لم تُطلق فعلتُ بك كذا وكذا، فطلَّق، أيكون مُكرهًا؟ نعم، مكره، يكون مكرهًا لا شك؛ لأن الزوج الآن يعتقد في ظنه أن هذا المهدِّد سوف يفعل ما هدد به.
طيب، لو هدده بذلك شخص، قال: إما أن تُطلق وإما أن أعصرك حتى تهلك، والزوج رجل كبير قوي، والمهدِّد صغير، يمكن للزوج أن يأخذه بيد واحدة، ويرمي به، فهدده بذلك، ثم طلق، يقع الطلاق أو لا؟
طلبة: يقع.
الشيخ: ليش؟ لأنه غير قادر على تنفيذ ما هدد به.
فالحاصل أنه إذا وقع الإيلام فعلًا أو أخذ المال فعلًا فهو إكراه، وإذا هُدِّد بذلك نظرت؛ فيه التفصيل: إن كان المهدد قادرًا على أن يفعل، فهو إكراه ولَّا غير إكراه؟ إكراه ولا يقع به الطلاق، وإن كان غير قادر فإنه ليس بإكراه، ويقع الطلاق.
لكن المؤلف رحمه الله يقول: (فطلق تبعًا لقوله لم يقع) هذه نقطة مهمة، المؤلف رحمه الله اشترط في الإكراه أن يُطلِّق تبعًا لقول المكره بأن طلق يريد بذلك دفع الإكراه فقط، فإنه لا يقع الطلاق، فإن أراد إيقاع الطلاق؛ لأنه مُكره فإنه يقع.
مثال ذلك: هذا الرجل الذي أخذه الظالم وآلمه بالضرب طلق زوجته، في حال طلاقه إياها لم يتصور إلا أنه طلقها فعلًا، على كلام المؤلف يكون الطلاق واقعًا؛ لأنه قصد إيقاع الطلاق، أما إذا كان أراد بذلك أن يسلم من الأذى والإيلام؛ يعني دفع الإكراه فقط؛ فإنه لا يقع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3023
يعني فالمؤلف رحمه الله يفرق بين أن يطلق لدفع الإكراه، أو أن يطلق من الإكراه؛ إن كان طلَّق لدفع الإكراه فهو قد قصد دفع الإكراه، ما قصد الطلاق، والأعمال بالنيات، وإن طلق من أجل الإكراه فقد قصد الطلاق، لكن اللي حمله على الطلاق هو الإكراه، فيكون بذلك مُطلِّقًا ويقع الطلاق.
هذا التفصيل في كلام المؤلف، لكن القول الراجح: أنه لا يقع الطلاق سواء أراد التخلص من الإكراه أم أراد الطلاق من أجل الإكراه.
الصواب أن حكم المسألتين واحد؛ لأن العلة هي أنه طلق مغلقًا عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (8)، وهذا الرجل لولا هذا الإكراه ما طلق، فالصواب إذن أنه لا فرق بين الصورتين.
والأخ يبين لنا الصورتين، الفرق بينهما؟
طالب: الصورتان إما أنه يقع ويريد ..
الشيخ: إما أن يطلق.
الطالب: إما أن يطلق، وينوي بذلك دفع الإكراه، فهذا لا يقع.
الشيخ: نعم، إما أن يطلق مريدًا دفع الإكراه، فهذا لا يقع؛ لأنه لم ينوِ الطلاق.
الطالب: وأما إذا طلق وهو يريد بفعله التطليق فيقع الطلاق.
الشيخ: وإن طلق من أجل الإكراه؛ يعني أنه لما أكره طلَّق، وهو لولا الإكراه ما طلق، فهذا على كلام المؤلف يقع الطلاق؛ لأنه هنا قال: (فطلق تبعًا لقوله) لا قصدًا للطلاق، فصار كلام المؤلف يريد تفصيلًا، والقول الراجح أنه لا تفصيل فيه، وأن الطلاق لا يقع سواء أراد بذلك دفع الإكراه أو أراد الطلاق؛ لأنه إن أراد دفع الإكراه فإنه لم ينوِ الطلاق، والأعمال بالنيات، وإن طلق من أجل الإكراه فقد طلق مغلقًا عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (8).
طالب: شيخ، عفا الله عنك، الصورة الثانية ما تبينت؟
الشيخ: أيهما؟
الطالب: الصورة الثانية في صورتي الإكراه؛ الصورة الأولى تخلصًا من الإكراه، فقلنا: إنه لا يقع.
الشيخ: نعم.
الطالب: والصورة الثانية أنه طلَّق تبعًا للإكراه، هل ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3024
الشيخ: لا، ما هو تبع، طلَّق يريد الطلاق، لكن من أجل أنه أُكره عليه.
الطالب: طيب، لماذا يطلق في هذه الحال؟
الشيخ: نعم، هو طلق، قيل له: طلِّق وإلا حبسناك، أو ضربناك، أو أخذنا مالك.
الطالب: إذن هو أيضًا يُطلِّق من أجل الخلاص من هذه العقوبة التي ( ... ).
الشيخ: لا، هو طلق يريد الطلاق، لكن لأنه أُكره عليه، وأما الصورة الأولى فهو لم يُطلِّق يريد الطلاق، لكن أراد الفكاك من هؤلاء الذين أكرهوه، ففرق بين الإرادتين؛ هذا أراد التخلص من الإكراه، وهذا أراد الطلاق؛ لأنه أُكره عليه.
طالب: شيخ، المؤلي إذا قال له القاضي: تطلق أو ترجع إلى أهلك، فيرجع يا شيخ في أربعة أشهر؟
الشيخ: إي نعم، يقول: المؤلي إذا قال له القاضي: إما أن ترجع لأهلك وإلا طلقنا عليك، أو تطلق أنت إجبارًا؟ إذا رجع مثلًا يومًا من الأيام، وجامع زوجته، ثم آلى ثانية؟ هذا نقول: على رأي من يرى أن الوطء لا يجب على الزوج إلا في أربعة أشهر، نقول: هذا قام بالواجب.
ولكن القول الصحيح أنه يجب عليه الوطء حسب العرف، وبناءً على هذا نقول: إذا آلى مرة ثانية، وعرفنا أن قصده الإضرار بالزوجة، فسخنا النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].
طالب: شيخ، بالنسبة لطلاق السكران، بعض العلماء يفرق بين الطافح الذي ذهب عقله بالكلية، وبين من لا يزال في عقله شيء، ولكن سكران، يُطلق أنه سكران، ولكن بقي في عقله بقية؟
الشيخ: لا وجه لهذا التفريق؛ لأن الذي ليس سكره تامًّا لا يعلم ما يقول، كأنه في حلم ما يعلم.
الطالب: لكن يا شيخ، لو علم ما يقول، لكن ظاهره السكر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3025
الشيخ: السكران لا يقع طلاقه مطلقًا، الطلاق ليس بالأمر الهين، ولا ينبغي أن يُقال: نحتاط؛ لأن الاحتياط في بقاء المرأة ليس في الطلاق، والورَع في بقاء المرأة ليس في الطلاق؛ لأنك إذا حكمت بالطلاق وهو لم يقع أحللها للناس، وتزوجها الناس وهي ذات زوج، ولهذا أشار الإمام أحمد رحمه الله -فيما سقت لكم قبل قليل- إلى أننا إذا حكمنا بالطلاق أتينا خصلتين؛ منعناها من زوجها الذي الأصل بقاء نكاحه، وأحللناها لغيره.
ولهذا من قال: إن مسائل الشك الورع فيها التزام الطلاق، فإن قوله مردود، بل الورع في مسائل الشك هو إبقاء الزوجة، هذا هو الورع؛ لأن المسألة ما هي هيِّنة، المسألة أنك ستحرمها من زوجها وأولادها وتُحلها لآخر، أين الورع في هذا؟ ! لكن إذا أبقيتها مع زوجها ما فيه شيء، بقيت على الأصل.
فالصواب أن جميع مسائل الشك في الطلاق، الأصل فيها بقاء النكاح؛ لأن هذا هو الورع وهو الحق، إي نعم ( ... )
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويقع الطلاق في نكاح مختلَف فيه، ومن الغضبان ووكيله كهو، ويُطلِّق واحدةً، ومتى شاء، إلا أن يعين له وقتًا وعددًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
طلاق المكره، هل يقع أو لا يقع؟
طالب: لا يقع يا شيخ.
الشيخ: لا يقع مطلقًا؟
الطالب: إذا كان أكره يعني بغير حق، أما إذا أكره بحق ( ... ).
الشيخ: إن أكره بحق وقع، وبغير حق لا يقع مطلقًا.
طالب: شيخ، إذا كان لإيلام له أو لولده.
الشيخ: لا، هذا كيفية الإكراه.
طالب: أقول: يعني بالنسبة على ما مشى عليه صاحب الكتاب نقول: إن كان معذورًا فلا يقع، وإن كان ..
الشيخ: هو مُكره الآن مكره.
الطالب: مكره؟
الشيخ: إي نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3026
الطالب: المفترض المكره يعني هو ينقسم إلى قسمين: إكراه بحق، وإكراه بغير حق.
الشيخ: إي نعم، الإكراه بحق يقع.
الطالب: الإكراه بحق يقع.
الشيخ: طيب، انتهينا منها وقالها زميلك.
الطالب: بغير حق لا يقع.
الشيخ: مطلقًا؟ هذا هو السؤال: إذا أكره بغير حق فهل يقع أو لا مطلقًا أو فيه التفصيل؟
الطالب: فيه التفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
الطالب: يعني إن كان الإكراه، يعني بعض الناس قد يفهم أن هذه المسألة من الإكراه وليس فيها إكراه، فإذا كان مثلًا يعني ..
الشيخ: ما صح التفصيل هذا؛ لأن كلامنا إذا تأكدنا أنه إكراه.
الطالب: إذا كان إكراه يعني لا يقع.
الشيخ: طيب.
طالب: فيه قسمان؛ إذا كان بحق أو بغير حق.
الشيخ: انتهينا يا أخي، اترك بحق هذه لا تجينا أبدًا.
الطالب: أما إن كان بغير حق فهذا أيضًا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون دفعًا للإكراه، والقسم الثاني: أن يكون من أجل الإكراه.
الشيخ: نعم، يعني أن يريد الطلاق من أجل الإكراه، والأول ما أراد الطلاق، وإنما أراد دفع الإكراه.
الطالب: بعض العلماء قالوا: الأول يقع دون الثاني، والصحيح ..
الشيخ: الأول ما هو؟
الطالب: الأول أن يُطلِّق دفعًا للإكراه، يقولون: هذا ما يقع.
أما الثاني، وهو أنه إذا طلق من أجل الإكراه فهذا يقع، والصحيح أنه ( ... ).
الشيخ: طيب، المهم الآن نبينها لكم، بارك الله فيكم؛ على رأي المؤلف رحمه الله، إذا أكره على الطلاق وطلق؛ إن كان طلَّق تبعًا لقول المكره لا قصدًا للطلاق؛ يعني أنه أراد دفع الإكراه فقط، فإنه لا يقع؛ لأن الرجل ما أراد، لكن أراد أن يتخلص من هذا الذي أكرهه، وقال: زوجته طالق، هذا لا يقع؛ لأنه لم يرد الطلاق، وإنما قال لفظ الطلاق بناءً على إكراه هذا الرجل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3027
والحال الثانية: أن يُطلِّق، يريد الطلاق ليدفع به الإكراه، فهذا -على كلام المؤلف- يقع الطلاق؛ لأنه أراد الطلاق.
والقول الصحيح أنه لا يقع الطلاق؛ لعموم الأدلة الدالة على أن المكرَه لا حُكم لفعله ولا لقوله.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويقع الطلاق في نكاح مختلَف فيه)، الطلاق يقع (في نكاح مختلف فيه)، يعني في صحته؛ وذلك أن الأنكحة ثلاثة أنواعه: نوع متفق على صحته، ونوع متفق على بطلانه، ونوع مختلَف فيه.
المتفق على صحته لا شك أن الطلاق يقع فيه، مثل أن يعقد عقد نكاح تام الشروط منتفي الموانع، فهذا متفق على صحته، إذا طلق فالطلاق يقع ولا إشكال فيه، مثل أن يتزوج امرأة أجنبية منه برضاها ووليها والشهادة وغير ذلك من شروط النكاح الذي تمت شروطه وانتفت موانعه، فالطلاق في هذا النكاح واقع لا إشكال فيه.
الثاني: أن يكون الطلاق في نكاح اتُّفق على بطلانه، كأن يتزوج امرأة في عدتها، فإذا تزوج امرأة في عدتها فالنكاح باطِل بالإجماع، فهذا لا يقع فيه الطلاق؛ لأن وقوع الطلاق فرع عن صحة النكاح، والنكاح هنا باطل.
فإذا جاءنا رجل يستفتي بأنه تزوج امرأة في عدتها، فإننا لا نقول له: طلِّق، ليش؟
طالب: ليست زوجة.
الشيخ: لأن النكاح غير صحيح أصلًا، بل نفرق بينه وبينها.
مثال آخر: إنسان تزوج امرأة، وبعد عقد النكاح شهدت امرأة ثقة بأنها أرضعتهما، أي أرضعت الزوج والزوجة، فالنكاح هنا؟ باطل، لماذا؟ لأن العلماء مجمعون على هذا، على أن الأخت من الرضاع لا يصح نكاحها، فالنكاح هنا باطل.
هل نقول لهذا الرجل: طلِّق المرأة؟ لأن الطلاق فرع عن صحة النكاح، بل نفرق بينهما رأسًا بدون طلاق.
بقي القسم الثالث: النكاح المختلف فيه؛ قد يكون المتزوج يعتقد صحته، فإن كان يعتقد صحته فحكمه حكم النكاح الصحيح، وإن كان يعتقد فساده فحكمه حكم النكاح الباطل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3028
طيب، إذا كان يعتقد صحته والقاضي الذي تنازعوا عنده يعتقد فساده، فهنا نقول للزوج: طلِّق، فإذا طلَّق فلا إشكال فيه.
لماذا؟ لأنه يعتقد صحة العقد، فطلاقه في محله.
وإذا كان المتزوج يعتقد فساده، لكن بعض العلماء يرى أنه صحيح، فإننا نقول: طلِّق.
فإذا قال: أنا أعتقد الفساد، كيف تأمروني أُطلِّق؟ قلنا: طلق من أجل الخلاف بين العلماء، حتى تحل للزوج الثاني بِلا إشكال.
طيب، مثال ذلك: رجل تزوج امرأة، وعقد له عليها رجل أجنبي منها، والولي شرط لصحة النكاح على القول الراجح، وفيه خلاف، هذا الذي تزوجها بلا ولي تزوجها يعتقد أن الذي زوجه وليها، فلما تبين له أنه غير وليها صار النكاح في اعتقاده باطلًا، نقول: طلِّق، قال: لا أطلق، أطلق في نكاح أعتقد أنه غير صحيح؟ الحجة في ظاهرها صحيحة قوية، لكن نقول: طلِّق؛ لأنه ربما يأتي إنسان يرى أن النكاح بلا ولي جائز، وحينئذٍ يعتقد أنها في عصمتك حتى الآن، فإذا طلقت استراحت المرأة واستراح أهلها.
واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: الجواب يتعقل، واضح؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: الأخ؟
طالب: أعدها يا شيخ.
الشيخ: أنا لا أسمح لإنسان أقول هو واضح؟ ويسكت وهو غير متضح؛ لأنه ما هو طالب علم، أما إذا لم أستفهم أقول هو واضح ولَّا لا؟ ما عليه، إن فهم فهو فاهم وإلا هو وشأنه، لكن إذا كررنا بأن نقول: أنت فاهم، لازم أنه يكون صريحًا ويقول: ما فهمت.
المثال مرة ثانية: رجل تزوج امرأة، وعقد له عليها شخص أجنبي منها، لا هو عمها ولا أخوها ولا أبوها، وهو يعتقد أنه وليها، تبين أن الرجل غير ولي، أجنبي، الزوج يعتقد أن النكاح بلا ولي فاسد، هل يمكن واحد يزوج امرأة ويقول: أنا وليها وهو غير ولي؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3029
الشيخ: لا، ما هو شرعًا، هل يمكن شرعًا؟ ما يمكن، لكن هل يمكن وقوعه؟ يمكن يزوجه، ما أكثر المتحيلين! يقول: هذه أختي، ولا بنتي، ولا ما أشبه ذلك، وتزوج، وذاك بيعطيه عشرين ريالًا أو ثلاثين ريالًا علشان هو قريب الزوجة.
على كل حال القضية الآن: رجل تزوج امرأة بولي أجنبي، غير ولي في الواقع، لكن هو قال: إنه وليها، فتزوجها، ثم تبين أنه أجنبي والزوج يعتقد أنه لا نكاح إلا بولي، النكاح عند الزوج الآن فاسد، كذا؟
قيل له: طلِّق؛ لأن الزوج الآن لما علم أن العاقد أجنبي ما هو راح يستحلها، يعتقد أنها أجنبية منه.
قيل له: طلِّق، قال: ما أنا مطلِّق، أطلق امرأة أنا أصلًا ما نكحتها؟ نقول: طلِّق، علشان أيش؟ لئلا يأتي إنسان ويقول: النكاح بلا ولي صحيح، وإذا كان بلا ولي صحيح بقيت المرأة في حبال الرجل الأول إذا لم يطلقها.
هذا معنى قول المؤلف: (يقع الطلاق في نكاح مختلَف فيه).
أمثلة للنكاح المختلف فيه، ما أكثر الأمثلة: إذا رضعت المرأة من أم الزوج مرة واحدة، بعض العلماء يقول: إنها لا تحل له؛ لأنها أخته، وبعض العلماء يقول: تحل له؛ لأنها ليست أختًا له.
من الذين يقولون: لا تحل له؛ لأنها أخته؟ هم الذين يقولون: إن الرضاع لا يحتاج إلى عدد، وأن مجرد إرضاع المرأة الطفلة تكون أُمًّا لها.
إنسان تزوج امرأة قد رضعت من أمه ثلاث مرات، النكاح مختلف فيه؛ لأن بعض العلماء يقولون: إذا رضعت ثلاث مرات صارت بنتًا للمرضعة، وبعض العلماء يقولون: لا تكون بنتًا لها إلا إذا رضعت خمس رضعات.
إذن النكاح هنا مختلَف فيه.
رجل تزوج امرأة بِلا ولي، لكنها امرأة عاقلة رشيدة تعرف اللي ينفعها من اللي يضرها، وتزوجها بلا ولي.
ما تقولون في النكاح؟ مختلَف فيه، بعض العلماء يقول: الولي ليس بشرط، فالنكاح صحيح.
وبعض العلماء يقول: إنه لا بد من ولي فالنكاح غير صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3030
وأنا أحكي الأقوال دون الترجيح؛ لأنه ليس هذا محل ترجيح، وإلا من المعلوم أن الرضاع لا يحرم إلا إذا كان خمس رضعات، وأن النكاح لا يصح إلا بولي.
هذا نكاح مختلف فيه.
طيب، تزوج امرأة بولي وبجميع الشروط إلا أنه بلا شهود؟ النكاح مختلَف فيه، بعض العلماء يقول: يصح، وبعضهم يقول: لا يصح إلا بشهود.
المهم أن النكاح المختلَف فيه كثير جدًّا، يعني قد يظن طالب العلم أول ما يظن أن النكاح المختلف فيه قليل، ولكن هو كثير؛ قد يختلف الناس في صفة العقد أو في أركانه أو في شروطه، وهذا كثير.
إذن الطلاق في نكاح مختلَف فيه نقول: هو صحيح واقع حتى عند من لا يعتقد الصحة لأجل أن تبقى المرأة حلالًا للأزواج بعده بدون شبهة.
طالب: الزواج المتفق عليه، هل ( ... ) المتفق عليه؟
الشيخ: ذكرناه يا أخي بالأول، مثلنا بمثالين بالأول، لكن ما أدري أنت ..
الطالب: ذكرنا اللي ( ... ).
الشيخ: ذكرنا إذا تبين أنها أخته من الرضاع، أو أنه تزوجها في العدة.
هذه متفق على أنه لا يصح.
قال: (ومن الغضبان) يعني ويقع الطلاق من الغضبان، والغضب من يفسره لي؟
قال أهل الكلام: هو غليان دم القلب لطلب الانتقام.
عرفتموه الآن؟ هل أحد منكم الآن تصور الغضب؟ هل أنتم الآن تصورتم الغضب؟ لو جاء إنسان يعرفكم الغضب بدون أن تكونوا عرفتموه من قبل، وقال: غليان دم القلب لطلب الانتقام، هل عرفتموه؟
طلبة: لا.
الشيخ: يقول: أنا ما أحس أن قلبي الآن على جمر يغلي، الظاهر أن هذا التعريف لم يزده إلا جهالة وغموضًا، ولهذا لو قلنا: الغضب معروف، لكان أوضح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3031
ويعرف بعلاماته التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام، حيث قال: «إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى انْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ وَاحْمِرَارِ وَجْهِهِ؟ » (9) أو ما أشبه ذلك، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
فعرفه النبي عليه الصلاة والسلام بأصله ونتائجه؛ أصله: جمرة يُلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، حرارة يجدها الإنسان في نفسه.
ثم تنتفخ الأوداج؛ يعني العروق، ويحمر الوجه، وربما ينتشر الشعر يقف، وتجد الإنسان نفسه كأنه يغلي، هذا الغضب، وإن شئت ألا تُطيل على نفسك فقل: الغضب معروف، والحمد لله.
إذا غضب الإنسان على زوجته وطلقها في حال الغضب، يقول المؤلف: إن الطلاق يقع؛ لأن الرجل طلق، ولم يُكره، وهو يعرف معنى الطلاق، فيكون الطلاق واقعًا.
والحكم نافذ مع الغضب بنص السنة، فقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين الزبير ورجل من الأنصار في ماء، في ماء المطر، فقال الرجل المحكوم عليه: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟ يعني: حكمت له لأنه ابن عمتك! ! فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يَا زُبَيْرُ، اسْقِ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ الْجَدْرَ، ثُمَّ أَرْسِلْهُ إِلَى جَارِكَ» (10). هنا نفذ الحكم أو لم ينفذ؟ نفذ مع الغضب، فإذا نفذ الحكم مع الغضب وهو بين الناس، فالحكم بين الإنسان وبين زوجته من باب أولى، فيقع طلاق الغضبان.
والغالب أن الطلاق ما يقع إلا لسبب، يصحبه الغضب، ثم يُطلِّق، لا تجد إنسانًا يطلق زوجته وهو راضٍ عنها.
طيب، أفادنا المؤلف رحمه الله أن الطلاق يقع من الغضبان، وأطلق، فلا فرْق عنده بين الغضب الشديد والغضب الخفيف، وذهب بعض العلماء إلى التفصيل في ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3032
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن الغضب ثلاث درجات: أولى، ووسطى، وعليا؛ أما الدرجة العليا، قال: فلا يقع فيها الطلاق بالاتفاق، العليا، والعليا هي أن يصل الإنسان إلى درجة لا يدري ما يقول، ولا يدري أهو إنسان أو ملك، ولا يدري أهو في السماء أو الأرض، ولا يدري هل الزوجة زوجة أو سيارة.
يعني يفقد شعوره بالكلية.
وهل يقع هذا ولَّا ما يقع؟ يقع، بعض الناس عصبي، يصل به الغضب إلى هذه الدرجة.
يقول ابن القيم: هذا لا يقع طلاقه بالاتفاق.
فالدرجة العليا من الغضب لا يقع فيها الطلاق، الدرجة الأولى أول ما يبدأ به الغضب يقول: إن الطلاق يقع فيها بالاتفاق؛ لأنه لا يخلو أحد من الغضب، ولو قلنا بأن طلاق الغضبان -ولو يسيرًا- لا يقع لحصلت الفوضى في الطلاق.
الدرجة الثانية هي الدرجة الوسطى: الإنسان يعي ما يقول، ويدري أنه في الأرض، ويدري أنه يخاطب زوجته، لكن الغضب لشدته ألجأه إلى أن يطلق.
فهذا فيه خلاف: من العلماء من يقول: إنه لا يقع الطلاق، ومنهم من يقول: إنه يقع الطلاق.
أي القولين أخذ به المؤلف؟ أنه يقع أو لا يقع؟ يقع.
هذا محل خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إن هذا ملجأ إلى الطلاق، فلا طلاق عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (11)، وهذا مغلق عليه، وجد من نفسه أن شيئًا يضغط عليه ليطلق، وأنه في حال لا يتحمل البقاء مع زوجته، وإلا هو يعي ما يقول.
فهذا محل خلاف؛ من العلماء من يقول: إنه لا يقع طلاقه، ومنهم من يقول: إنه يقع.
على كل حال هذا محل خلاف بين العلماء، والذي يظهر لي أنه لا يقع الطلاق فيه، كما هو اختيار ابن القيم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من العلماء، واستدلوا بالحديث الذي ذكرته لكم، وهو: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ».
فهو نظريًّا هو القول الراجح؛ لأنه كالْمُكرَه، لكن عمليًّا وتربويًّا، هل نقول بالفتوى به، أو نمنع الفتوى به إلا في حالات معينة نعرف فيها صدق الزوج؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3033
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، لا شك أنه الثاني؛ لأننا لو أطلقنا القول بأن طلاق الغضبان لا يقع لامتلأت مجالسنا ممن يقول: أنا غضبت وطلَّقت.
وهو لا يُفرِّق بين الدرجة الأولى والدرجة الثانية، فيقع التلاعب؛ ولهذا إطلاق الفتوى به؛ أي بعدم وقوع الطلاق من الغضبان يؤدي إلى أن يتتايع الناس في الطلاق.
فإذا رأى الإنسان من الزوج أنه رجل مستقيم لا يمكن أن يتهاون، فحينئذٍ يتوجه القول بالفتوى أنه لا يقع الطلاق، وإذا رأى من سيم الرجل أنه متهاون يريد أن ترجع إليه زوجته بأي سبيل، فهنا ينبغي أن نُفتي بوقوع الطلاق، وهذا من باب سياسة الخلق، والسياسة لها شأن عظيم في الشريعة الإسلامية، حتى في الأمور الحسية السياسة لها شأن عظيم، ربما نمنع هذا الرجل من أكل هذا الطعام المعين وهو حلال الطعام لأنه يضره، ولا نمنع الآخر؛ لأنه لا يضره.
فمثل السياسة والتربية أمر -أيها الطلبة- يجب التفطن له، وألا تكون الفتوى مطلقة هكذا في كل زمان ومكان.
ولا يخفى علينا السياسة العمرية أن عمر رضي الله عنه منع الرجل من الرجوع إلى زوجته إذا طلقها ثلاثًا؛ لأنه حرام، فكثر من الناس، فمنعهم من المراجعة، وقال: أرى الناس تتايعوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه (6).
فالسياسة أمر مهم؛ ولهذا مر بي أن رجلًا أفتى ابنه بمسألة -نسيتها- فكأن الابن توقف، فقال: إما أن تفعل وإلا أفتيتك بقول فلان الذي هو أشد من القول الأول، مما يدل على أن السياسة؛ سياسة الناس في الأمور الشرعية لا بأس بها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3034
من ذلك مثلًا ما صار يدندن به بعض الطلبة من أن تارك الواجب في الحج ليس عليه شيء، وقال: إنه لا دليل على ذلك إلا الأثر عن ابن عباس: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (12)، وهذا ليس بصريح في الوجوب؛ لجواز أن يكون ابن عباس أراد بالأمر الاستحباب والندب، وليس مطردًا أيضًا؛ لأنه يقول: من ترك شيئًا من نسكه، وهذا فيه أنساك كثيرة ما فيها دم، فلماذا نوجب على الناس أن يذبحوا فدية إذا تركوا الواجب، وهذا إضاعة لأموالهم في أمر غير أمر واضح؟ لأن الرجل سيشتري الفدية بأربع مئة ريال خمس مئة ريال أقل أكثر، فلماذا نلزمه بإضاعة ماله بدون سبب شرعي؟ فيدندن حول هذا.
نحن نقول: لو قدَّرنا جدلًا أنه ليس فيه دليل، لكن أليس من سياسة الخلق أن يُلزموا بهذا القول الذي عليه جمهور العلماء؟ يعني ليس هذا قولًا شاذًّا حتى نقول: لا ينبغي سلوكه، لكنه قول عليه جمهور العلماء، أليس من الحكمة أن يُعمل بهذا القول من أجل سياسة الخلق وضبط الخلق؟ لأنه لو قيل للرجل الذي ترك الوقوف بعرفة إلى الغروب، يعني دفع قبل الغروب، ولم يبت في مزدلفة، ولم يرمِ الجمرات، ولم يبت في منًى، وأحرم من دون الميقات، وقلنا له: ليس عليك إلا الاستغفار والتوبة، هل هذا رادع؟ أعتقد أنه لا يردع، ولذلك إذا أفتينا إنسانًا في غير هذه المسألة وقلنا: عليك التوبة والاستغفار، قال: بس هذا؟ ! يعني كأنه يقول: إن شئت أملأ لك الدنيا كلها توبة واستغفارًا! ! فلهذا نقول: سياسة الأمة بإلزامهم بمقتضى الشرع أمر مهم، والحمد لله إذا قدَّرنا على أدنى تقدير أن هذا من باب التعزير بالمال، فالتعزير بالمال جائز شرعًا، ثبتت به السنة (13).
طالب: شيخ، بارك الله فيك، هل اليمين كالطلاق في الغضب لها درجات ثلاث، ولكن .. ؟
الشيخ: هذه ستأتينا إن شاء الله في تعليق الطلاق.
الطالب: نقول: إن طلاق الغضبان الأصل أنه يقع، إلا إذا أغلق عليه، ما يكون أجمع المسألة ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3035
الشيخ: لا، التفصيل طيب، وهذا اعتراض خفي على طريقتنا.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا هو، أنا أعرف أن أقول ما قلت أنت.
طالب: شيخ، لو طلق الأب -أبو الرجل- زوجة ابنه ( ... )؟
الشيخ: هذا مر علينا في أول كتاب الطلاق.
الطالب: قلنا: لو رضي الابن.
الشيخ: قلنا: إنه لا يصح الطلاق إلا من الزوج، وأن الأب لا يُطلِّق زوجة ابنه، والابن لا يُطلِّق زوجة أبيه، حتى لو فرضنا أن الأب خرف، وصار لا يعرف، ما يمكن أن تطلق.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ما صور الإغلاق في غير الغضب، مثال؟
الشيخ: ما عندي الآن إلا الغضب ( ... )
طالب: ووكيله كهو، ويُطلِّق واحدةً، ومتى شاء، إلا أن يعين له وقتًا وعددًا، وامرأته كوكيله في طلاق نفسها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أن الطلاق يقع من الغضبان، وذكرنا أن الغضبان له كم؟ ثلاث حالات:
الأولى: ابتداء الغضب.
والثانية: انتهاؤه.
والثالثة: الوسط.
وذكرنا أن الخلاف إنما هو في الوسط، أما إذا بلغ منتهاه فإنه لا يقع الطلاق بلا نزاع، وأما في أوله فيقع الطلاق بلا نزاع.
الخلاف فيما بين ذلك، وقررنا أن القول الراجح أنه لا يقع طلاقه، لماذا؟ لأنه مغلوب على نفسه مضغوط عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (11).
وتطرقنا في طلاق الموسوس، وقلنا: إنه لا يقع، أظن؟
طلبة: لا، ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه، نذكره الآن.
طلاق الموسوس لا يقع؛ لأنه مغلوب على أمره، الموسوس -نسأل الله لنا ولكم العافية- يُوسوس أنه طلق زوجته، ويتراءى له أنه طلقها، وأحيانًا إذا لبس ثوبه، قال: إني طلقت زوجتي، قلت: إن لبست ثوبي فهي طالق، بل إذا فتح المصحف قال: لعلي طلقت زوجتي.
هذا الرجل لو قال: امرأتي فلانة طالق، فليس عليه شيء، السبب؟ أنه مغلوب؛ لأن بعضهم يُصرِّح، بعض الموسوسين من شدة الضيق يصرح بأنه طلق من أجل الوسواس ..
الجزء: 2 - الصفحة: 3036
ووَكيلُهُ كهو، ويُطَلِّقُ واحدةً ومتى شاءَ إلا أن يُعَيِّنَ له وقتًا وعَددًا وامرأتُه كوكيلِه في طَلاقِ نَفْسِها.
(فصلٌ)
إذا طَلَّقَها مَرَّةً في طُهْرٍ لم يُجَامِعْ فيه وتَرَكَها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها فهو سُنَّةٌ، فتَحْرُمُ الثلاثُ إِذَنْ، وإن طَلَّقَ مَن دَخَلَ بها في حَيْضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبِدْعَةٌ يَقَعُ وتُسَنُّ رَجْعَتُها، ولا سُنَّةَ ولا بِدعةَ لصغيرة وآيسة وغيرِ مدخولٍ بها ومَن بانَ حَمْلُها.
ووَكيلُهُ كهو، ويُطَلِّقُ واحدةً ومتى شاءَ إلا أن يُعَيِّنَ له وقتًا وعَددًا وامرأتُه كوكيلِه في طَلاقِ نَفْسِها.
(فصلٌ)
إذا طَلَّقَها مَرَّةً في طُهْرٍ لم يُجَامِعْ فيه وتَرَكَها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها فهو سُنَّةٌ، فتَحْرُمُ الثلاثُ إِذَنْ، وإن طَلَّقَ مَن دَخَلَ بها في حَيْضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبِدْعَةٌ يَقَعُ وتُسَنُّ رَجْعَتُها، ولا سُنَّةَ ولا بِدعةَ لصغيرة وآيسة وغيرِ مدخولٍ بها
مغلوب على نفسه مضغوط عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (1).
وتطَرَّقْنا في طلاق الموسوس، وقلنا: إنه لا يقع، أظن؟
طلبة: لا، ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه، نذكره الآن.
طلاق الموسوس لا يقع؛ لأنه مغلوب على أمره.
الموسوس -نسأل الله لنا ولكم العافية- يوسوِس أنه طلق زوجته، ويتراءى له أنه طلقها، وأحيانًا إذا لبس ثوبه قال: إني طلقت زوجتي، قلت: إن لَبِسْتُ ثوبي فهي طالق، بل إذا فتح المصحف قال: لعلي طلقت زوجتي.
هذا الرجل لو قال: امرأتي فلانة طالق، فليس عليه شيء، السبب؟ أنه مغلوب؛ لأن بعضهم يصرح، بعض الموسوسين من شدة الضيق يصرح بأنه طلق من أجل الوسواس.
تجده يقول: بلاش هذا القلق، هذا التعب النفسي.
إذن طلِّقْهَا، طلقها يا ولد واسترح، فيطلقها.
هل يمكن أن نقول: إن هذا يقع طلاقه؟ لا والله، ما نقول هذا، ولا يمكن أن نقول ذلك؛ لأن الرجل مغلوب على نفسه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3037
ونظيره في الوسواس بعض الناس يقول: إذا شك وهو متوضئ هل أحدث أو لا؟ قال: ( ... ) القلق، يلَّا، ثم يُضْرِط علشان أيش؟ ينتقض وضوؤه يقينًا.
وهذا غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطانا دواء خيرًا من ذلك، ماذا قال؟ قال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (2)، يعني: دع الشك، لا تلتفت إليه حتى تتيقن.
هذا الرجل الموسوس إذا قال: أنا أحسست بحركة في الذَّكَر أو في الدبر، نقول: لا عبرة بهذا، أحسست ببرودة على رأس الذكر أو في داخل الفخذين فلعلي أحدثت، ماذا نقول له؟ نقول: لا حدث عليك، امض في سبيلك ولا تلتفت لهذا، الله عز وجل قد أراحك والحمد لله بشريعة سمحة يسيرة، لا تلتفت إلى هذا.
بعض الناس يصلي، وفي أثناء الصلاة يقول: والله ما أدري هل أنا كبرت للإحرام أو لا؟ فيقول: بلاش، أيش؟ ابدأ الصلاة من جديد، وإذا ابتدأها من جديد وفي أثنائها وَرَد عليه الشك وقال: إذن اقطع الشك باليقين، أبطِل صلاتك.
حتى إنه ليعيد الصلاة أكثر من أربعين مرة ويخرج الوقت وهو على هذا، نسأل الله السلامة والعافية.
مثل هؤلاء لا يُلتَفَت إلى ما يعتقدون إطلاقًا، والمهم لنا في هذا الباب هو أن طلاق الموسوس أيش؟ لا يقع.
لكن لو أن الموسوس أراد الطلاق حقيقة، وذهب إلى القاضي وكتب الطلاق، هل يقع أو لا؟ لا شك أنه يقع؛ لأن هذا أراده عن اختيار وعن إرادة صحيحة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ووكيلُِه كهو).
وَكِيلُ مَنْ؟ وكيل الزوج كالزوج، يعني: لو قال شخص لإنسان: أنا لا أستطيع أن أقابل زوجتي الطلاق؛ لأنها امرأة حبيبة وقد أكرمتني وخدمتني، ولكني لا أريدها لا أحبها لا بد أن أطلق، لكني أكره أن أقابلها بالطلاق، فأنت يا فلان وكيلي في طلاقها وأنا سأسافر وأنت الوكيل، يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز، يجوز للإنسان أن يوكل في الطلاق.
وإذا وكل شخصًا في الطلاق، فهل له أن يفسخ الوكالة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3038
الجواب: نعم، له أن يفسخ الوكالة، قبل أن يطلق الوكيل.
فإن فسخ الوكالة قبل أن يطلق والوكيل لم يعلم فهل نقول: إن الطلاق لم يقع، أو نقول: إنه وقع؛ لأن الوكيل بنى على أصل لم يثبت زواله؟
في هذا رأيان للعلماء؛ منهم من قال: إنه إذا عزله وإن لم يعلم انعزل، فإذا طلَّق طلق وهو غير وكيل، ومنهم من يقول: إذا طلق قبل العلم بالعزل فإن المرأة تطلُق؛ لأنه بنى على أصل -وهو التوكيل- لم يثبت زواله.
والأقرب أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه بفسخه الوكالة زال مُلك الوكيل أن يطلِّق، لكن لو ادَّعى بعد أن طلَّق الوكيلُ أنه عزله قبلُ فلا بد من بينة؛ ولهذا إذا عزل الوكيلَ فلا بد أن أيش؟ أن يُشهِد، حتى لا ينكر أهل الزوجة إذا كانوا يريدون الفراق؛ فراق الزوج.
وقوله: (ووكيلُه كهو).
هذا التعبير جائز في اصطلاح النحويين، وفيه استعارة ضمير الرفع لضمير الجر؛ لأن ضمير الجر في مثل هذا هو الهاء فقط، تقول: مررت به، وصلت إليه.
لكن لما تعذَّر وجودُ الضمير المتصل مع الكاف فإنه يُستعار أيش؟ ضمير الرفع، وإن كان ضمير المتصل قد يتصل بالكاف كما قاله ابن مالك:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَذَا كَهَا وَنَحْوُهُ أَتَى
لكن الأكثر في اللغة العربية أن الكاف لا تدخل على ضمير متصل.
على كل حال أورد علينا إيرادًا قال: كيف يأتي ضمير الرفع في موضع ضمير الجر؟ ماذا نقول؟ نقول: هذا من باب الاستعارة، استعرنا ضمير الرفع لأيش؟ لضمير الجر.
(وكيلُه كهو)، وإذا كان كهو، هل يملك الوكيل أن يطلق الزوجة وهي حائض؟ لا، حتى لو علمنا أن زوجها لم يأتها من مدة سنوات، فإنه لا يملك أن يطلقها وهي حائض؛ لأن الوكيل فرعٌ عن الزوج، والزوج لا يجوز أن يطلق امرأته وهي حائض فكذلك الوكيل.
هل يملِكُ أن يطلق اثنتين أو ثلاثًا؟
يقول المؤلف: (ويطلق واحدة) فقط.
يعني: إذا وكَّله فلا يحل له أن يطلق طلقتين، فيقول للزوجة: أنت طالق طلقتين، حرام عليه، لماذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3039
أولًا: لأنه بدعة، والزوج نفسه لا يملكه.
وثانيًا: لأنه مُوكَّل، والوكالة تصدُق بأقل ما يقع عليه اسم الطلاق، فلا يجوز أن يطلق أكثر.
لو قال لزوجةِ مَنْ وكَّله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يملك هذا أو لا؟ لا؛ لأنه إذا لم يملك الثنتين لم يملك الثلاثة.
لكن لو فعل وقال للزوجة: أنت طالق، أنت طالق، هل نقول: إنه لم يقع الطلاق أو نقول: يقع بواحدة؟ لم يقع الطلاق؛ لأن الوكيل تصرَّف فيما لم يُؤْذَن له فيه، فلا يقع الطلاق.
كما لو أمره أن يبيع شيئًا فأجره؛ فإن الإجارة لا تصح.
(يطلق واحدة)، قال: (ومتى شاء) يعني: ويطلق متى شاء، سواء بادر بالطلاق أو أخره يومًا أو يومين، أو شهرًا أو شهرين، أو سنة أو سنتين، متى شاء طلَّق، لكن بشرط ألا يكون في حيض؛ لأن طلاق الحائض حرام على الزوج، والوكيل فرع عن الزوج.
لو طلقها في طُهْرٍ جامعَ فيه الزوجُ، يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز؛ وذلك لأن الزوج لا يملك ذلك وهو الأصل، فالفرع كذلك لا يملكه.
فصار الوكيل في الطلاق يطلِّق حيث جاز لموكله أن يطلق، ولا يزيد على واحدة.
قال: (إلا أن يُعيِّنَ له وقتًا وعددًا) (إلا أن يعين) الفاعل مَنْ؟ الزوج (له) أي للوكيل (وقتًا وعددًا) فيقول: وكَّلْتُك أن تطلق امرأتي مرتين، فيملك مرتين.
وكَّلتك أن تطلقها ثلاثًا، يملك ثلاثًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، وهل يملك اثنتين؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ويملك اثنتين؛ لأن من مَلَك الأكثر ملك الأقل، فإذا قال الزوج: أنا وكلتك بثلاث لأني أحب أن تبين مني، فيقول الوكيل: أهلًا وسهلًا، ماذا يصنع؟ هو طلق، يطلق الواحدة فتكون ثلاثًا؛ لأنه لم يفوِّت على الزوج شيئًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3040
(إلا أن يعيِّن له وقتًا)، (وقتًا) يعني الزمن؛ فيقول: أنت وكيلٌ في طلاق زوجتي في هذا الشهر، فإذا انتهى الشهر يملك أن يطلِّق؟ لا.
أو أنت وكيلي في طلاق امرأتي في هذا الأسبوع، إذا انتهى الأسبوع لا يطلق؛ وذلك لأن تصرف الوكيل مبنيٌّ على أيش؟ على إذن الموكل، وإذا كان مبنيًّا على إذن الموكل تَقَيَّد بما أذن له فيه، وهذه قاعدة مهمة في كل الوكلاء سواء في الطلاق أو في النكاح أو في البيع أو الشراء أو التأجير أو الإجارة أو غير ذلك.
(وعددًا) مثَّلنا بها، فإن عين له وقتًا وعددًا تعين.
ونسأل الأخ: لو قال أنت وكيلي أن تطلق زوجتي بالأمس؟
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يطلِّق.
الشيخ: يطلق أمس؟
الطالب: يجوز للوكيل أن يطلق.
الشيخ: لا ( ... ) قال: أنت وكيلي تطلق زوجتي أمس؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه ما بدأت الوكالة.
الشيخ: لأن أمس قد مضى، ما يمكن الطلاق فيه، فهو تعليق الوكالة بأمر محال.
يقول:
أَمْسِ الَّذِي مَرَّ عَلَى قُرْبِهِ
يَعْجِزُ أَهْلُ الْأَرْضِ عَنْ رَدِّهِ
أمس القريب الآن لو اجتمعت الأمة كلها على أن تعيده ما تستطيع.
قال: (وامرأتُه كوكيلِه في طلاقِ نفسِها).
الله المستعان! يجوز أن يوكل امرأته في طلاق نفسها؟ نعم يجوز، ومتوقع ومتصور وسهل، تلح عليه زوجته أن يطلقها، فقال: أنت الوكيلة على نفسك، متى شئت فطلقي، نعم، لكن ماذا تقول إذا أرادت أن تطلق؟ هل تقول: طلقت زوجي؟ لا؛ لأن الزوجة ما تُطلِّق الزوج، لكن تقول: طلقت نفسي من زوجي، ولا بأس.
فصار الآن كلام المؤلف ليس أمرًا بعيدًا، (امرأتُه كوكيلِه في طلاقِ نفسِها) هذا أمر ليس ببعيد، بعض النساء يُلِحُّ على زوجها أن أيش؟ أن يطلِّقها، فيقول: أنت أميرة نفسك، أنت وكيلة، طلقي.
إذا قال: أنت وكيلة في طلاق نفسك، وكانت تريد البينونة من زوجها، فقالت: طلقت نفسي من زوجي ثلاثًا، أتملك ذلك؟
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3041
الشيخ: ليش؟ نقول: لأن الوكيل يتقيد بواحدة، إلا إذا قال: أنت وكيلة في طلاق نفسك مرة أو مرتين أو ثلاثة، فعلى ما قيل.
بعض العلماء يقول: لا يصح أن يوكل زوجته في طلاق نفسها للتضاد، يعني كيف هي تطلق نفسها؟ ! لكن الصواب ما قاله المؤلف؛ لأن امرأته بالغة عاقلة عالمة تعرف معنى الطلاق وتريد الطلاق.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل).
اعلم أن العلماء رحمهم الله يكتبون أبوابًا وفصولًا وكتابًا، تجدون أحيانًا كتاب الطهارة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هي موجودة، آخر الباب: (في طلاق نفسها).
طالب: نشطبها؟
الشيخ: إي، اشطبوها، نعم.
أقول: العلماء في مؤلفاتهم يكتبون (كتاب)، ويكتبون (باب)، ويكتبون (فصل).
الكتاب للجنس، والباب للنوع، والفصل للأفراد؛ يعني أفراد هذا النوع.
فمثلًا (كتاب الطهارة) من أول باب المياه إلى آخر الحيض، كل ما يتعلق بالطهارة داخل تحت هذا العنوان؛ لأنه أيش؟ جنس.
باب الاستنجاء، باب الوضوء، باب الغسل، باب التيمم، باب إزالة النجاسة، باب الحيض، هذا أيش؟ هذا نوع؛ لأن طهارة الوضوء نوع وطهارة الغُسل نوع آخر.
في الغُسْل يكتب: موجبات الغسل، ثم يكتب: فصل في كيفية الغسل.
هذا للأفراد؛ أفراد هذا النوع.
هذا هو الأصل، أن يقال: الكتاب أيش؟
طلبة: للجنس.
الشيخ: والباب؟
الطلبة: للنوع.
الشيخ: والفصل؟
الطلبة: للأفراد.
الشيخ: للأفراد.
الآن (كتاب الطلاق) ولَّا (باب الطلاق) اللي معنا؟ (كتاب الطلاق)؛ لأن هذا جنس؛ جنس انفكاك الزوجة من الزوج.
قال: (فصل) في بيان ما هو الطلاق السُّنِّي والطلاق البدعي.
بيَّن ذلك رحمه الله، قال: (إذا طلَّقها مرةً في طُهْرٍ لم يُجامِعْها فيه، وتركَها حتى تنقضيَ عِدَّتُها فهو سُنَّةٌ).
هذا طلاق السنة: ما جمع هذه الأوصاف الثلاثة.
(مرة في طهر لم يجامعها فيه، وتركَها حتى تنقضيَ عِدَّتُها).
الجزء: 2 - الصفحة: 3042
هذا طلاق السنة، مثل أن يقول لزوجته في طُهْرٍ لم يجامعها فيها: أنت طالق، كم هذا؟ واحدة، الطهر هل جامع أو لا؟ نحن قلنا لكم إنه لم يجامعها فيه، يعني: بعد ما حاضت، بعد يومين ثلاثة قبل أن يجامع طلقها مرة، تركها حتى تنقضي العدة.
هذا طلاق سنة.
فإن طلق مرتين، يعني قال: أنت طالق، أنت طالق، ولم يرد التوكيد، فليس بسنة.
إذا طلقها في طهر جامع فيه، فليس بسنة، يعني: جامعها بعد أن حاضت ثم طلقها؛ هذا ليس بسنة.
طلقها في طهر لم يجامع فيه، ولكن ألحقها في اليوم الثاني طلقة أخرى؛ سنة ولَّا بدعة؟ بدعة؛ إذن طلاق السنة ما اجتمع فيه ثلاثة أوصاف؛ الأول؟
طالب: أن يكون في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: أن يكون في طهر لم يجامعها فيه.
الوصف الثاني؟
طالب: الوصف الثاني أن يطلقها واحدة.
الشيخ: أن يطلقها واحدة.
الوصف الثالث؟
طالب: انقضاء العدة.
الشيخ: خطأ.
طالب: أن يتركها حتى تنقضي العدة.
الشيخ: نعم، أن يتركها حتى تنقضي العدة، ومعنى أن يتركها حتى تنقضي العدة ألا يكرر الطلاق عليها، فإن طلقها مثلًا اليوم مرة في طهر لم يجامع فيه، ثم بعد عشرة أيام طلقها ثانية، الطلقة الثانية تكون بدعة؛ لأنه لم يتركها حتى تنقضي العدة.
هذا هو طلاق السنة.
نرجع إلى المفهوم؛ إذا طلقها مرتين فهو بدعة، ثلاثًا؟ بدعة، لكن هل يحرُم أو لا؟
الصحيح أنه حرام؛ يحرم أن يطلق مرتين أو ثلاثًا.
وقال بعض أهل العلم: يُكرَه أن يطلق ثنتين ويحرم أن يطلق ثلاثًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3043
وقال بعض العلماء: إنه يجوز أن يطلِّق مرتين وأن يطلق ثلاثًا، لكن هذا القول تأباه الأدلة، ولذلك عاقب عمر رضي الله عنه من طلق ثلاثًا بمنعه من الرجعة (3)، فهو حرام بلا شك، وفيه أيضًا حديث في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل طلق زوجته ثلاثًا فقام في الناس وقال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ ! » (4)، فالصواب أن طلاق الثلاث حرام، لكن طلاق الثنتين دائر بين الكراهة؛ لأنه خلاف السنة، وبين التحريم؛ لأنه ضيق على نفسه؛ إذ لولا هذه الطلقة الثانية لكان بقي له طلقتان، والآن لم يبق له إلا واحدة، فالصواب أن الطلاق مرتين حرام، لكن المرأة لا تَبِين به، إنما تَبِين بالثلاث.
بناء على ذلك، لو أنه طلق مرتين بعد طلقة سابقة فالطلقة الثانية تحرِّمها، فتكون حرامًا بلا شك لأنها تحرم.
لو طلَّق امرأة في طُهْرٍ جامعها فيه لكنها ممن لا يحيض، سنة ولَّا بدعة؟
طالب: لا سنة ولا بدعة.
الشيخ: لا سنة ولا بدعة، وأيش يصير؟
الطالب: يصير مباحًا، من قبيل المباح.
الشيخ: هو كما قال الأخ، يقولون: إن مَنْ لا تحيض لا سنة ولا بدعة في طلاقها؛ لأن السنة لا بد أن يكون لها مقابل بدعة، وهذه طلِّق متى شئت، التي لا تحيض طلِّقْها متى شئت ولو كنت قبل أن تغتسل من جنابتها.
فالعجوز التي انقطع حيضها، يجوز أن يطلقها؟
طالب: في أي وقت شاء.
الشيخ: في أي وقت؟
الطالب: في أي وقت شاء.
الشيخ: في أي وقت شاء؛ لأنها لا تحيض، والصغيرة التي لم تبدأ بالحيض كذلك، والتي أُجْرِي لها عملية استئصال الرحم كذلك يطلقها متى شاء؛ لأنه لا يمكن أن تحيض.
والمرأة المرضع؟ قولوا؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3044
الشيخ: المرأة المرضع نقول: لا يطلقها حتى تحيض.
إذا قال: باق عليها سنة كاملة ويأتيها الحيض؛ لأن الطفل باق عليه سنة ويُفْطَم، وهذه المرأة لا تحيض إلا إذا فطمت الصبي، وباق سنة، وهو قد جامعها في البارحة وجرى بينهما نقاش وقال: لا بد أن أطلقها، ماذا نقول له؟ نقول: لا تطلِّق، حرام عليك.
قال: ما أستطيع أبقى سنة كاملة؛ لأنه لازم يبقى سنة كاملة حتى يأتيها الحيض، ثم تطهر من الحيض فيطلق.
نقول: لا بد أن تبقى اتباعًا لحدود الله.
فإذا قال: أبقى سنة؟ ! قلنا: وسنتين أيضًا، حتى يرجع عليها الحيض ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شئت فطلق؛ لأن هذه المرأة من ذوات الحيض، ليست صغيرة وليست آيسة.
طالب: ( ... ) وبعد فترة سافر هو إلى بلدته وإذا الرسالة لم تصل، وغيَّر نيته أن يرجع إلى البلد.
ما العمل؟
الشيخ: أعطيك العمل، رجل طلق زوجته في سفر، قال: زوجتي طالق، ثم قدم البلد قبل أن يصل زوجتَه الخبر، ماذا يكون؟ أجب.
طالب: ( ... ).
الشيخ: فهمت سؤالي ولَّا ما فهمت؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، رجل طلق زوجته وهو مسافر، قال: زوجتي طالق، ثم وصل إلى البلد قبل أن يبلُغَها الخبر، ماذا يكون؟
طالب: يقع الطلاق.
الشيخ: يقع الطلاق؟
الطالب: إي.
الشيخ: نفس الشيء الكتابة؛ لأن الكتابة مجرد ما يكتب الإنسان: زوجتي طالق، تطلق.
طالب: شيخ -عفا الله عنك- التخيير ( ... )؟
الشيخ: يأتينا إن شاء الله، التخيير فيه تفصيل.
طالب: بارك الله فيك، بعض النساء تتأخرها الدورة، ممكن تجلس شهرين أو ثلاثًا لم تأتِ، فهل ينتظر حتى تأتي أم ( ... )؟
الشيخ: لا، إذا كان جامعها في هذا الطهر؟
الطالب: جامعها في هذا الطهر.
الشيخ: لا بد أن يبقى حتى يأتي الحيض وتطهر.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، كيف يملك الوكيل ( ... ) مع أن الزوج نفسه لا يملك ذلك؟
الشيخ: لكنه يقع، فإذا كان يقع وقد أذن له فيه ملك هذا.
الطالب: يقع الطلاق على الطلاق ولم يراجعها؟
الشيخ: إي نعم، يقع الطلاق على الطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3045
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل يقع الطلاق ثلاثًا أو ثنتين على من ليس في حقه ( ... )؟ الشيخ: هذا سيأتينا الطلاق هل يتعدد بعدد ألفاظه أو لا.
طالب: شيخ، إذا كانت الزوجة صغيرة هل يجوز أن تكون وكيلة عن نفسها في الطلاق؟
الشيخ: هو ما مر علينا أنه يقع الطلاق من المميز الذي يعقله؟ الوكيل الذي يعقله يقع منه الطلاق، يعني: مَنْ صح طلاقُه صح أن يكون وكيلًا فيه.
طالب: المرأة المستحاضة؟
الشيخ: إي نعم، المستحاضة يجوز طلاقها.
الطالب: ليس في حقها سنة ولَّا بدعة؟
الشيخ: لا، في حقها سنة وبدعة؛ إذا حاضت – يعني: في الوقت الذي قلنا: إنه حيض - يكون بدعة، أما إذا كانت مستحاضة فهو سُنَّة، طلاقها طلاق سنة؛ لأنها من ذوات الحيض.
طالب: لو قالت المرأة: طلقت زوجي، هل هي ( ... )؟
الشيخ: إي، إذا قالت: طلقت زوجي، يقول: والآن أنا ربطك! !
الطالب: ما عنده قانون يا شيخ؟
الشيخ: لا، عنده شريعة الله.
الطالب: ما الضابط عند هؤلاء؟
الشيخ: لا، ما يجوز أبدًا ولا تَنْفَصِل منه؛ شرعًا لا تنفصل منه، نعم لو جعل لها الخيار فلا بأس، يعني: مثلًا إذا قال: لها الخيار، تزوجته على أن لها الخيار إن جاز له المُكْث وإلا فلها الخيار، لا بأس على قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وإلَّا فيها خلاف.
الطالب: يا شيخ، بارك الله فيك، القانون يخير طلاق المرأة ( ... )؟
الشيخ: دعني من القانون يا أخي، هذا كفر بشريعة الله.
الطالب: أقصد هي تطلق غصبًا عنه، ما يخيِّرها أبدًا؟
الشيخ: إذا طلقت غصبًا عنه يمسك بيدها ورجلها، عجيب!
طالب: أحسن الله إليكم، هل لو أن المرأة وُكِّلت من قبل أبيها في تزويج نفسها ( ... )؟ الشيخ: لا ما يصح، الطلاق غير النكاح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3046
يُذكَر أن رجلًا قال لامرأته: إن أذن الفجر قبل أن تكلميني فأنت طالق، ثم ندم على هذا، وقال: الآن صار الأمر بيد الزوجة، إذا شاءت سكتت إلى أذان الفجر.
فالرواية تقول: إن الرجل ذهب إلى أبي حنيفة رحمه الله، وأبو حنيفة قد أعطاه الله ذكاء مفرطًا، فقال له: أنا وقعت في ورطة: قلت لزوجتي: كذا وكذا، وأخشى أن تبقى صامتة حتى يؤذن الفجر فتطلق.
فقال له: اذهب إلى فلان المؤذن الذي يؤذن على طلوع الفجر، وقل له: امش امش طلع الفجر، امش أذن، واذهب إلى البيت، فذهب إلى الرجل المؤذن وقال: يا فلان، امش امش أذن، ما قال: طلع الفجر، يعني: ما فيه كذب، قال: امش امش أَذِّن.
الرجل المؤذن ظن أنه تأخر في أذان الفجر فبادر وأذن، وهو كان عند زوجته الذي علَّق الطلاق على أذانه، فلما أذَّن قالت: الحمد لله الذي أنجاني منك.
فقال لها: الحمد لله الذي ردَّني عليكِ! هذه حيلة، إي نعم ( ... ).
(وتَحرُمُ الثلاثُ .. )
طالب: وتَحرُمُ الثلاثُ إِذَنْ، وإن طلَّق مَنْ دخلَ بها في حيضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبدعةٌ يقعُ وتُسنُّ رَجعتُها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو الطلاق الموافق للسُّنَّة؟
طالب: هو أن يطلق في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: لا، كمِّل، له أوصاف؟
الطالب: أوصاف؟
الشيخ: إي.
طالب: مرة واحدة.
الشيخ: أن يطلقها مرة واحدة.
الطالب: وأن يطلقها في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: في طهر، هذه اثنان.
الطالب: وألا ( ... ).
الشيخ: لم يجامع فيه؛ هذه ثلاثة.
الطالب: لا لا.
الشيخ: لا لا؟ ! بلى بلى.
الطالب: في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: إي، هذا كلام المؤلف.
الطالب: ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: ( ... ).
الطالب: ثلاثة يا شيخ.
الشيخ: لا، أربعة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، يكفي في طهر.
طالب: يتركها حتى تنقضي عدتها.
الشيخ: ويتركها حتى تنقضي عدتها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3047
طيب، إذن الطلاق الموافق للسنة ما جمع أربعة أوصاف: أن يكون مرة، أن يكون في طهر، ألا يكون جامعها في ذلك الطهر، الرابع: أن يَدَعَها حتى تنقضي عدتها.
حامل؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: الحامل سيأتينا إن شاء الله أنه لا يوصف طلاقها بالسنة ولا بدعة، وعلى هذا يطلق متى شاء.
رجل طلق امرأته طلقتين، فقال: أنت طالق اثنتين، أسُنَّة هو؟
طالب: لا، بدعة.
الشيخ: بدعة.
رجل قال لزوجته: أنت طالق، ثم قال: أنت طالق ثانيًا.
أسُنَّة أم بدعة؟
طالب: بدعة.
الشيخ: بدعة، تمام.
ثم يقول المؤلف رحمه الله: (وتحرُم الثلاث إذن).
(تحرُم الثلاث) مفرَّعة على قوله: (إذا طلقها مرة)، فالثلاث إذن مُحَرَّمة.
الدليل على هذا أن الطلاق الثلاث مِنْ تَعَدِّي حدود الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: 1]، ومن السُّنَّة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فقام غضبان وقال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ ! » (4) حتى استؤذن صلى الله عليه وسلم في قتله، أي قتل هذا الرجل.
فالثلاث محرمة، سواء قال: أنت طالق ثلاثًا، أو قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
وقوله: (إذن) أي: حين نقول إن السنة أن يطلقها مرة.
وبناء على هذا ينبغي أن يقال: إذا طلقها مرتين فهو حرام، وهذه المسألة – إذا طلقها مرتين – اختلف فيها العلماء رحمهم الله؛ فمنهم من قال: إنها مكروهة، ومنهم من قال: إنها حرام؛ فمن قال: إنها حرام، قال: إن في ذلك تضييقًا على الإنسان بدون حاجة.
كيف يكون تضييقًا؟ أنه يطلق مرتين ويبقى عليه مرة، ولو طلق مرة بقي عليه اثنتان.
فهو تضييق بلا حاجة.
ولأنه بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (5).
الجزء: 2 - الصفحة: 3048
وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الطلقتين حرامٌ كالثلاث، وهذا هو الحق إن شاء الله أنه لا يجوز للإنسان أن يطلق مرتين سواء قال: أنت طالق مرتين، أو قال: أنت طالق أنت طالق.
الثلاث؟ حرام أيضًا بدلالة القرآن والسنة، لكن لو طلَّق الثلاث فهل يقع ثلاثًا أو يقع واحدة أو لا يقع إطلاقًا؟ يعني: لو قال: أنت طالق ثلاثًا، أو قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهل يقع ثلاثًا أو يقع واحدة أو لا يقع؟
في هذا ثلاثة أقوال؛ قولان لأهل السنة وقول للرافضة؛ الرافضة قالوا: لا يقع الطلاق، إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو أنت طالق ثلاثًا، لم يقع الطلاق.
لماذا؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (6)، وطلاق الثلاث ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردودًا لاغيًا.
ولا شك أن قولهم واستدلالهم بهذا الحديث قوي لولا أنه يعارض حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان الطلاق الثلاث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة (3). فيقال: إن قوله «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» يُسْتَثْنَى منه الطلاق، الطلاق ثبتت السنة بأن الطلاق الثلاث يقع أيش؟ واحدة.
القول الثاني -وهو لأهل السنة- يقولون: إن الثلاث تقع ثلاثًا وتبين بها المرأة، وهذا هو الذي عليه جمهور الأمة والأئمة، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا بانت منه، وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بانت منه، يعني أن الثلاث تقع ثلاثًا، سواء بكلمة واحدة أو بكلمتين، وهذا هو الذي عليه جمهور الأمة والأئمة.
وقال بعض العلماء وهم قليلون لكن قولهم حق؛ أنه يقع واحدة، سواء قال: أنت طالق ثلاثًا، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، لا فرق.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: إنه يقع واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3049
دليل ذلك القرآن والسنة؛ أما القرآن فإن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، والطلاق الثاني يقع لغير العدة؛ لأن العدة تبدأ من الطلاق الأول، والطلاق الثاني لا يُغَيِّر العدة، فيكون طلاقًا لغير عدة.
وأضرب لكم مثلًا: إنسان طلق امرأته اليوم طلاقًا سنيًّا مرة واحدة، ثم بعد يومين أو ثلاثة طلق ثانية، هل تبتدئ العدة من الطلاق الثاني أو الأول؟ الأول.
إذن يكون الطلاق الثاني لغير عدة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وهذا الطلاق لغير العدة فيكون مردودًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، فيكون مردودًا ولا يقع.
واختار هذا القول شيخنا رحمه الله ابن سعدي وقال: إن شيخ الإسلام قال بأن الطلاق الثلاث واحدة وعلَّله بتعاليل جيدة مَن طالعها لم يسغ له خلافه.
يعني: مَنْ طالع كلام ابن تيمية رحمه الله لم يسغ له أن يخالفه، يعني: ولزمه أن يقول به؛ لأنه قول جيد مقرون بالأدلة، هذه دلالة القرآن على ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3050
أما دلالة السنة فحديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم في صحيحه، قال: كان الطلاق الثلاث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم واحدة وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، فلما أكثر الناس ذلك قال عمر رضي الله عنه: أرى الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (3). وهذا يدل على أن إمضاء الثلاث من اجتهادات عمر، وأنه رضي الله عنه إنما صنع ذلك سياسة لا أن هذا مقتضى الأدلة، لكن سياسة، كيف سياسة؟ لأنه إذا ألزم الناس بالطلاق الثلاث كفوا عن الطلاق الثلاث؛ يعني: مثلًا الإنسان إذا كان قد علم أنه إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهي واحدة يهون عليه أن يقولها مرة أخرى أو لا؟ يهون، لكن إذا عَلِم أنه إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق حيل بينه وبين زوجته، فإنه لا يقولها، يتريث.
فلهذا كان من سياسة عمر أن ألزم الناس بمقتضى قولهم، وقال: إنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، وألزمهم به، وقال إذا جاء يستفتيه قال: أنا طلقت زوجتي ثلاثًا أراجعها؟ قال: لا، لا نمكنك من المراجعة.
فمنعه من المراجعة لماذا؟ سياسة؛ لئلا يتعودوا ذلك.
المهم أن هذا هو الحق: أن طلاق الثلاث واحدة، خلافًا للجمهور وخلافًا للرافضة؛ الرافضة ماذا يقولون؟ لا يقع، والجمهور يقولون: يقع، استنانًا بسنة عمر، فيقال: عمر رضي الله عنه إنما سنة أيش؟ سياسة لأجل أن يرتدع الناس، وليس نظرًا لمقتضى الأدلة.
والصواب إذن ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله، ولا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3051
بعض المتأخرين فرَّق، قال: إذا قال أنت طالق ثلاثًا فهي واحدة، وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهي ثلاثة.
ولكن الصواب أنه لا فرق، وقد صرَّح بهذا شيخ الإسلام رحمه الله وقال: إنه لا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وما ذكره رحمه الله هو مقتضى الجدال بين الفقهاء في هذه المسألة؛ لأن الذين قالوا: إنه يقع ثلاثًا قالوا: إنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان الواحد منهم يكرر أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، توكيدًا لا تأسيسًا؛ لأنهم يرون أن الثلاث حرام ما يمكن يقولونها، فالرجل إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، جعل الثانية والثالثة توكيدًا للأولى، وإذا كان للتوكيد لم يقع إلا الأولى.
لكن بعد ذلك صار خوف الناس قليلًا فصاروا يقولون: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، تأسيسًا لا توكيدًا.
في هذه المجادلة وكونهم يجيبون بهذا الجواب يدل على أن هذا الخلاف أيش؟ شامل لقول: أنت طالق ثلاثًا، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
ولهذا كان في جدالهم ما قلت لكم.
وكان أيضًا في جدالهم أن حديث ابن عباس في غير المدخول بها؛ كان الطلاق الثلاث واحدة (3) في غير المدخول بها؛ لأن غير المدخول بها إذا قال: أنت طالق أول مرة بانت منه بلا عِدَّة، فيقع الطلاق الثاني والثالث على غير زوجة، فيكون الثلاث واحدة.
قلت لكم ذلك؛ لأن هذا يدل على أن هذا الخلاف في الصيغتين؛ في أنت طالق ثلاثًا، وأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
وأما قول من قال: إنه إذا أعاد الطلاق مرة ثانية، فإنه أعاده على امرأة قد طُلِّقت وهي رجعية، والرجعية في حكم الزوجات، فإذا كانت في حكم الزوجات؛ لأن الرجعية يجوز أن تتزين لزوجها وأن تَكْشِف له وأن تبقى في بيتها معه وحدهما، فيقول: هي في حكم الزوجة فيلحقها الطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3052
فيقال لهم: ليست الرجعية في حكم الزوجة في كل شيء، تفارق الرجعية الزوجة في عدة مواضع ستة أو سبعة، وإذا صحَّ أنها تفارقها في ستة أو سبعة، بل في اثنين لا يجوز أن نلحقها بالزوجة في كل شيء، لنا في هذا رسالة صغيرة لم تطبع حتى الآن في هذا الموضوع بيَّنا فيها دليل كل من الطائفتين، وبعد قراءتها سيتبين للقارئ أن الصواب بلا شك هو قول مَنْ قال: إن الثلاث واحدة سواء كانت بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة.
يقول رحمه الله: (وإن طلَّق مَنْ دخلَ بها في حيضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبدعةٌ).
(إن طلق مَنْ دَخَل بها) احترازًا من؟ ممن لم يدخل بها، لكن ينبغي أن نضيف إلى ذلك: مَنْ دخل بها أو خلا بها؛ لأن الخلوة في وجوب العدة كالوطء، فعلى هذا لا بد من إضافة قيد: مَن دخل بها أو خلا بها.
(في حَيْضٍ فبدعة)، إذا طلَّقها في الحيض فبدعة بلا شك، وهل يقع أو لا؟ يقول المؤلف: يقع (فبدعة يقع) إذا طلقها في حيض.
وهل هو حرام أو غير حرام؟ نقول: هو حرام، ودليل ذلك أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما طلَّق امرأته وهي حائض، فأخبر عمر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتغيَّظ فيه؛ غضب، وقال له: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، «مُرْهُ» أي: مر عبد الله بن عمر «فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (7). وهذا دليلٌ على التحريم، وجه الدلالة؟ أن الرسول غضب عليه الصلاة والسلام، واستدل بالآية، قال: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»، ولأنه أمره أن يراجعها، والأصل في الأمر الوجوب.
هذا هو الدليل على تحريم الطلاق في الحيض.
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في تحريم الطلاق في الحيض؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3053
قلنا: الحكمة في ذلك أمران؛ الأمر الأول: أنه جرت العادة أن الإنسان إذا حاضت امرأته ومُنِعَ منها فإنه لا يكون في قلبه أيش؟ المحبة والميل لها، لا سيما إن كانت من النساء التي تَكْرَه حتى المباشرة في حال الحيض؛ لأن بعض النساء يأتيها ضيقة إذا حاضت، تكره الزوج، تكره قربانه، فإذا طلَّق في هذه الحال يكون قد طلق عن كره، يعني: عن كراهة، ربما لو كانت طاهرًا واستمتع بها لأحبها ولم يطلقها؛ فلهذا كان من المناسبة أن يتركها حتى تطهر.
ثانيًا: إذا طلقها في هذه الحيضة فإنها لا تُحُسَب لها، لا بد من ثلاث حِيَض كاملة غير الحيضة التي طلقها فيها، وحينئذ يضرُّها بتطويل العدة عليها.
فصار الملاحظ به أمران: حال الزوج وحال الزوجة؛ فلذلك حرُم الطلاق في حال الحيض.
لكن لو طلَّق هل يقع أو لا يقع؟ هذه مسألة كبيرة عظيمة، يجب أن نعلم أن الأئمة الأربعة وجمهور علماء الملة يقولون: إنه يقع.
انتبهوا للمسألة، المسألة خطيرة جدًّا، يقولون: إنه يقع.
وذهب قلة من الناس إلى أنه لا يقع، ولا يمكننا الآن وقد انتهى الوقت أن نفصِّل في هذا وسيكون التفصيل إن شاء الله تعالى في الدرس المقبل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم؟
الطالب: الحديث أخرجه في صحيح مسلم.
الشيخ: أنا أظن أنه أخرجه مسلم، لكن يمكن المحشِّي يقصد ( ... ).
الطالب: المحقق له ( ... ).
الشيخ: ( ... ) قال: البخاري، وفي رواية للبخاري، هذا يدل على أن المؤلف متأكد أنه في الصحيحين.
طالب: بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن طلَّق مَنْ دخلَ بها في حيضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبدعةٌ يقعُ وتسنُّ رَجعتُها.
ولا سُنَّةَ ولا بِدْعةَ لصغيرةٍ وآيسةٍ وغيرِ مدخُولٍ بها، ومن بان حَمْلُها).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو طلاق السنة؟ ما جمع؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3054
طالب: ما جمع في ( ... ). طلاق السنة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هو جمع أوصافًا، اذكر أوصافه حتى يكون أسهل.
الطالب: أن يطلقها مرة.
الشيخ: أن يطلقها مرة.
الطالب: في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: في طهر.
الطالب: في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: لم يجامع فيه.
الطالب: حتى تنقضي العدة.
الشيخ: أيش لون؟ في طهر لم يجامع فيه حتى تنتهي العدة.
الطالب: يتركها حتى تنقضي العدة.
الشيخ: أن يتركها حتى تنقضي العدة، يعني: لا يردف الطلاق بالطلاق.
الآن ( ... )، قال لزوجته: أنت طالق أنت طالق، سنة ولَّا بدعة؟
طلبة: بدعة.
الشيخ: بدعة، قال لها وقد جامعها: أنت طالق؟ بدعة؛ لأنه في طُهْرٍ جامع فيه.
قال لها بعد أن طهرت من الحيض وقبل أن يجامع، قال: أنت طالق؟ سنة؛ لأنه في طهر لم يجامعها.
قال لها بعد أن طلقها في طهر لم يجامعها فيه: أنت طالق؟ بدعة.
البدعة الأول ولَّا الثاني؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني.
طلاق البدعة هل يقع أو لا يقع؟ المؤلف يرى أنه يقع، ولهذا قال: (وإن طَلَّق مَنْ دخلَ بها في حيضٍ فبدعةٌ يقعُ).
طالب: (أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه).
الشيخ: فيه (أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه)، لكن نخلي شرحها بعدُ.
(فبدعة يقع)، أولًا قولنا: (بدعة) يعني أنه مخالف للسنة، وهنا ننبه أن الفقهاء رحمهم الله لا يطلقون البدعة على مثل هذا، البدعة تُطلق على عبادة لم تشرع، أو على وصف زائد عما جاءت به، أو في أمور عقدية، هذا هو الذي يطلق عليه البدعة غالبًا؛ إما في أمور العقائد، وإما في عبادة لم تُشْرَع أصلًا، وإما في عبادة مشروعة لكن زادها وصفًا.
وأما في غير ذلك فإنه لا يُسَمَّى بدعة، تجدهم يقولون: هذا حرام، هذا مكروه، أما أن يقولون: إنه بدعة.
فهذا نادر.
لكن في هذه المسألة وصفوا بالبدعة والسنة.
إذا طلَّقها في حيض فهو بدعة، وإن شئت فقل: إنه محرم، وهذا أليق في اصطلاح الفقهاء؛ أن نقول: إنه محرم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3055
دليل التحريم من الكتاب والسنة؛ أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، يعني: طلقوهن طلاقًا تبتدئ به العدة، ومعلوم أنه إذا طلقها في حيض لم يكن طلاقًا تبتدئ به العدة؛ لأن بقية الحيضة التي طلق فيها لا يحسب من العدة، فيكون قد طلَّق أيش؟ لغير عدة، فتعدَّى بذلك حدود الله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: 1].
إذن هذا دليل من القرآن على أنه محرم.
دليل من السنة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض، فتغيَّظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: غضب وتأثر من كونه يطلقها وهي حائض، مع أن ابن عمر ربما يكون غير عالم، لكن أصل الفعل محرم، والفاعل قد يكون آثمًا وقد يكون غير آثم.
ثم قال لعمر: «مُرْهُ» أي: مر عبد الله «فَلْيُرَاجِعْهَا وَلْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ» ثم قال عليه الصلاة والسلام مفسرًا للقرآن: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (8).
إذن الطلاق بالحيض محرم بالكتاب والسنة.
وهل يقع؟ يقول المؤلف رحمه الله: إنه يقع، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمر: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، ولا مراجعة إلا بعد وقوع الطلاق؛ لأن مَنْ لم يقع طلاقُها كيف يقال: راجعْها؟ ولأنه ثبت في البخاري أنها حُسِبت من طلاقها (9)، ولا يمكن أن تُحْسَب من طلاقها إلا إذا وقعت؛ وعلى هذا القول جرى جمهور العلماء، بل جمهور الأمة وجميع الأئمة أن طلاق الحائض واقع ومحسوب عليه، وما زال الناس على هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3056
ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نظر في الأمر ووجد أن دلالة الكتاب والسنة تدل على عدم الوقوع، لكنه هُجِرَ هذا القول، هُجِرَ هجرًا تامًّا ولم يعمل به أحد حتى عصرنا هذا.
انتشر القول بأن طلاق الحائض لا يقع، وصار عند العامة شيئًا محبوبًا؛ لأن كثيرًا منهم طلق وامرأته حائض أو في طهر جامع فيه، فشربوا هذا القول شرب العطشان للماء البارد وصفقوا له وصاروا ينقِّبون عن طلاقات سابقة، هل هي على حيض أو في طهر جامع فيه؟ من أجل أن ينقضوا ما أبرموا، فإذا ضاقوا ذرعًا وضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَت وطلق زوجته الطلقة الثالثة، جاء يقول: طلقت منذ عشرين عامًا امرأتي وهي حائض؛ يعني أيش؟ أَلْغوها عليه.
وطلقتها منذ عشر سنوات في طُهْرٍ جامعتها فيه.
يعني أيضًا: احذفوها.
تكون هذه الطلقة الثالثة هي الأولى، فيراجع.
وسبحان الله! لم يتفطن لهذا الأمر الذي وقع فيه إلا بعد أن ضاقت عليه الحيلة!
مثل هذا – حتى لو كان العالم يرى أنه يقع – لا يُفْتَى بأنه لا يقع؛ لأنه يشبه المتلاعب.
هذا الرجل لو أن زوجته بعد طلقته الأولى تزوجت بعد انتهاء العدة، هل يهجم على الزوج ويقول: هذه زوجتي؟ الطلاق لم يقع؟ أبدًا، لو فعل لذهب إليه يقول: بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير، فكيف اليوم يقول: إنه طلق في حيض؟ ولهذا يسألنا كثير من الناس عن هذا، وما شاء الله العوام صاروا فقهاء في هذه المسألة؛ لأنه وافق قلبًا خاليًا فتربع، وافق هوًى.
مثل هؤلاء لا يُفْتَون بعدم الوقوع، ولا حرج على الإنسان في ذلك؛ لأنه من باب دفع التلاعب بآيات الله؛ ولأنه قول – أعني الوقوع – قول موافق لأيش؟ لجمهور الأمة وأقوال الأئمة الأربعة وغيرهم من المحققين العلماء الفحول.
أقول: هذا تقرير كون الطلاق يقع في الحيض.
الجزء: 2 - الصفحة: 3057
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يقع في الحيض؛ لأن ذلك خلاف ما أمر الله به ورسوله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (10)، أي مردود على عامله.
فهذا الطلاق الذي وقع في الحيض هل عليه أمر الله ورسوله؟ لا، إذن لا يقع.
كما لو صلى الإنسان نافلة دون سبب في وقت النهي، النافلة طاعة، ومع ذلك إذا فعلها من دون سبب في وقت النهي فهي أيش؟ باطلة مردودة، فكذلك الحيض.
فإذا كانت العبادة وهي محبوبة إلى الله لا تُقْبَل إذا وقعت في حال منهي عنها، فالطلاق الذي ليس محبوبًا إلى الله إذا وقع في حال منهي عنها أولى ألا يقع وأن يكون مردودًا.
ثم إن أبا داود روى في سننه بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئًا (11).
هذا القول الذي نُسِبَ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يعارض (فَحُسِبَت من طلاقها)؛ لأن قوله: فحُسِبَت، يقول ابن القيم: لم يذكر من الحاسب، هل هو الناس ومن ذهب إلى هذا أو الرسول؟ وأما ولم يرها شيئًا فهو مرفوع، لم يرها شيئًا يعدُّ.
والصواب عندي أن الطلاق في الحيض لا يقع، وبناء على ذلك إذا جاءنا رجل يقول: اكتب طلاق زوجتي، نقول: انتظر، هل الزوجة حائض؟ إن قال: لا، قلنا: هل جامعت؟ إن قال: لا، كتبنا الطلاق.
وإن قال: إنه جامعها في الطهر، قلنا: هل حملت؟ إن قال: نعم، كتبنا الطلاق، وإن قال: لا، قلنا: ننتظر حتى تحيض أو يتبين حملها.
يقول كذلك: (أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه).
يعني أنه إذا طلق في طهر وطئ فيه (فبدعةٌ يقعُ) يعني: فهو طلاق بدعة ويقع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3058
والصحيح أنه حرام لا شك، حرام أن يطلِّقها في طهر جامعها فيه، ودليل هذا حديث ابن عمر: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ».
وعلى هذا فإذا طلَّقها في طهر جامعها فيه فهو محرم.
وهل يقع أو لا يقع؟ يرى المؤلف أنه يقع، والصحيح أنه لا يقع؛ وذلك لأنه خلاف أمر الله ورسوله، فإن الله تعالى قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وإذا طلقها في طهر جامع فيه فهل عدتها في الحيض أو بوضع الحمل؟ ما ندري، إن حملت من هذا الجماع فعدتها بوضع الحمل، وإن لم تحمل فعدتها بالحيض.
إذن هذا الرجل طلقها لعدة غير متيقنة، لا يدرى أهي بوضع الحمل أو الحيض.
فنقول: انتظر حتى تحيض أو حتى تحمل.
فعلى هذا إذا جاءنا رجل يقول: اكتب طلاق زوجتي، أسأله هل هي حائض أو لا؟ إذا قال: لا، هي طاهر.
أقول: هل جامعتَها أو لا؟ إذا قال: جامعتُها، ماذا نقول؟ نقول: انتظر.
إلى متى ينتظر؟ حتى تحيض أو يتبين حملها، فإن حاضت، فإذا طهرت طلق، وإن تبيَّن حملها طلق في الحال؛ لأنه إذا طلق الحامل ابتدأت العدة من طلاقه، فيكون قد طلق للعدة.
يعترض معترض على قولنا: إن الطلاق في الحيض لا يقع، يعترض معترض فيقول: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، والمراجعة لا تكون إلا بعد عدة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3059
وجوابُنا على هذا أن نقول: المراجعة اصطلاحًا لا تكون إلا بعد عدة، والمراجعة شرعًا تكون لهذا المعنى ولغيره.
ويدل لذلك قول الله تبارك وتعالى في المرأة تُطلَّق الطلقة الثالثة، قال: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: 230]، الضمير يعود على من ﴿عَلَيْهِمَا﴾؟ على الزوجة والزوج الأول، وهنا قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ مع أن هذا ليس مراجعة، وإنما هو ابتداء نكاح، فسمَّى الله سبحانه وتعالى رجوعها إلى الزوج بعقد، سماه تراجعًا، فيكون حديث ابن عمر «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» ليس المراد به المراجعة الاصطلاحية وهي التي تكون بعد طلاق، بل المراد المراجعة اللغوية وهي أن ترجع إلى زوجها ولا تُحْسَب الطلقة.
قال: (وتُسَنُّ رَجعتُها).
يعني: إذا طلقها في حيض أو طهر وطئ فيه وقع الطلاق، لكن يُسَنُّ أن يراجعها.
لماذا يسن أن يراجعها؟ من أجل أن يطلقها أيش؟ في طُهْرٍ لم يجامِع فيه.
شيخ الإسلام رحمه الله ذكر هنا معنًى دقيقًا، قال: إنه لو حُسِبَت الطلقة في الحيض لكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر بالمراجعة أمرًا بتكثير الطلاق؛ لأنه إذا راجعها وحَسَبنا الطلقة الأولى واحدة، فسيطلِّق طلقة ثانية فيزيد العدد، والشرع يحب أن ينقص عدد الطلاق لا أن يزيد؛ ولهذا حرم ما زاد على الواحدة، وهذا معنى لطيف جدًّا، يعني: كأنه يقول: إذا كان الطلاق الأول واقعًا فكون الرسول يأمره أن يراجعها يعني أن يراجع ثم يطلق فيزداد عليه عددُ الطلاق، والشرع لا يحب من المرء أن يتكرر طلاق زوجته.
على القول الراجح هل نقول: تُسَنُّ رجعتُها؟ على القول بأن الطلاق لا يقع؟ لا، لا نقول: تُسَنُّ رجعتها، نقول: هي زوجة لم تنفك عن زوجها حتى نقول: راجع، نقول: هي الآن زوجته، والله أعلم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هه؟
الطالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3060
الشيخ: لا.
طالب: إذا طلق الرجل زوجته وهي حائض، ثم ذهب في اليوم الثاني يستفتي أنه طلق زوجته أمس وهي حائض، فهل نقول له: راجعها أو تحسب عليك طلقة أو كفر عن يمينك؟
الشيخ: لا أبدًا، نقول: لا تُحْسَب طلقة وليس عليه يمين، هل فيه يمين؟ هل حلف على شيء؟ ! ما فيه يمين.
الطالب: يعني: لا تُحْسَب عليه ( ... )؟
الشيخ: أبدًا، كأنه لم يقع، كأن هذا اللفظ الذي صدر منه لم يقع.
طالب: بعض الناس يطلق امرأته طلقتين، ثم يطلقها الثالثة على عوض، وهو لا يدري الفرق بين الخلع أو الطلاق، يحسب أن هذا طلاق ( ... )، ثم يأتي يستفتي، فهل ( ... )؟
الشيخ: يعني طلق مرتين، مرة ثم راجع ثم مرة، ثم الثالثة خالع؟
الطالب: نعم، ولكنه لا ينوي الخلع، يعني هو في اعتقاده أن هذا الطلاق، ولكن ( ... ).
الشيخ: الطلاق على عوض إن كان بلفظ الفسخ أو الفداء أو نحوهما فهو فسخ لا ينقُص به عدد الطلاق ولا يحسب عليه، فله أن يتزوجها بعقد، وإن كان بلفظ الطلاق فقال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه فسخ أيضًا ولا عبرة باللفظ؛ لأنه خُلْع، المرأة فارقته بعوض، وقال جمهور العلماء: بل هو طلاق إن وقع بلفظ الطلاق، ويؤيد هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (12)، والأصل في اللفظ النبوي أن يُحْمَل على الحقيقة الشرعية، والحقيقة الشرعية أنه طلاق، وهذا أرجح، كلام شيخ الإسلام من حيث المعنى أرجح: أن كل فراق كان بعوض فهو فسخ لا طلاق ولو وقع بلفظ الطلاق، لكن ماذا نقول بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»؟
إذا حملناه على المعنى اللغوي، وهو أن «طَلِّقْهَا» يعني: فارقها، فهو مشكل؛ لأن المعروف أن الحقيقة الشرعية تحمل عليها الألفاظ الشرعية، وبناء على ذلك نقول: إذا وقع الخلع بلفظ الطلاق بانت منه بينونة كبرى، لا تحل له إلا بعد زوج.
طالب: إن طلق زوجته أكثر من ثلاث؟
الشيخ: كم؟
الطالب: خمسة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3061
الشيخ: خمسة، نقول: ثنتان لك وثلاثة لنا!
القول الراجح أن الإنسان إذا قال: أنت طالق ثلاثًا أو اثنتين أو أربعًا أو عشرًا أو عدد النجوم أو عدد المخلوقات، أنه طلقة واحدة؛ هذا هو الراجح كما يدل عليه حديث ابن عباس الذي في صحيح مسلم (3).
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، كيف نجيب على رواية ابن عمر في صحيح مسلم؟
الشيخ: وهو؟
الطالب: وهو لما سئل: هل حسبت عليك؟ ( ... ) على أنه حسبت عليه.
الشيخ: ما هو ظاهر، ما هو بصريح، لا، بل قد يقال: هذا ظاهره عدم الوقوع؛ لأنه جعل هذا من الحماقة، والحماقة شيء لا يُقَرُّ.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- على القول بأن الخلع بلفظ الطلاق هو طلاق.
الشيخ: على أيش؟
الطالب: أن الخلع بلفظ لو قال: أنت طالق وأخذ العوض، فهل له رجعتها؟
الشيخ: أنه خُلع ولَّا أنه طلاق؟
الطالب: على القول بأنه طلاق، على القول بأن الخلع بلفظ الطلاق طلاق، فهل له مراجعتها كزوجة طلَّقها؟
الشيخ: لا، كل طلاق على عوض فلا رجعة فيه إلا بعد عقد، فإن كانت الثالثة فبعد زوج.
الطالب: أحسن الله إليكم، هذا قد يورد علينا، يعني حينما نقول بأنه طلاق، قد يقول لنا القائل: فإذن أعطوه كل أحكام الطلاق، ولا دليل على إخراج أحكام الطلاق عنها.
الشيخ: وأيش ( ... ) الحديث؟ الحديث هذا هو الفاصل، لولا الحديث لكان كلام الشيخ واضحًا؛ لأنها افتدت نفسها واشترت نفسها منه، وهذا هو الذي يجعلنا نقول: إنه ليس له رجعة؛ لأن المرأة اشترت نفسها، لكن لو قال: أنا أرد عليكم ما أخذت فأقيلوني، كما يقال البائع إذا طلب من المشتري أن يقيله ويَرُدُّ عليه الثمن؛ فلو قال الزوج هكذا، قال: أنا أعطيكم ما أخذت منكم فأقيلوني؟ نقول: الطلاق ما فيه إقالة ولا إمضاء؛ الطلاق ماض.
لكن هذا الذي تريد أن تعطينا اجعله مهرًا وتزوجها.
طالب: بالنسبة للقول بأن الطلاق في الحيض قلنا: إنه يقع.
الشيخ: عند جمهور العلماء، الطلاق في الحيض يقع عند جمهور العلماء.
الجزء: 2 - الصفحة: 3062
الطالب: على القول أنه لا يقع على الصحيح، أليس هذا مبنيًّا على قاعدة أن النهي يبطل الفساد؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ليش ما ( ... )؟
الشيخ: الأئمة رحمهم الله استدلوا بقوله: «فَلْيُرَاجِعْهَا» (7)، وقالوا: لا مراجعة إلا بعد وقوع الطلاق، واستدلوا برواية البخاري أيضًا: فَحُسِبَتْ من طلاقها (13). يعني: هم لهم دليل ويجعلون هذا خارجًا.
الطالب: عن القاعدة؟
الشيخ: عن القاعدة، لكن الصحيح أنه موافق للقاعدة وأنه لا يقع، إلا أنه كما قلت لكم من قبل: لو جاءنا متلاعب قد طلَّق من زمان في حيض، ثم طلق ثانية في طهر جامع فيه، ثم طلق الثالثة، ولمَّا ضاق عليه الأمر جاء يفتش فيما مضى، ما يُقْبَل هذا.
طالب: شيخ لو قال لها: حبلك على غاربك.
يقع الطلاق؟
الشيخ: بنيته؛ يقع الطلاق بنيته.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- على حسب القاعدة: المثبت يقدم على النافي، ففي الحديث: فحسبت من طلاقها، هذا مثبِت، واللفظ الثاني: (لم يرها شيئًا) ناف، فلماذا ما قدمنا المثبت على النافي؟
الشيخ: ما نقدم؛ لأن (لم يرها) مرفوع، و (حُسِبَت) من الحاسب؟ لو قال: حسبها النبي صلى الله عليه وسلم من طلاقها، كان زال الإشكال.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، ما بالمجهول، ما يدرى، فيكون هذا على تقدير أنه مرفوع حكمًا وأن القائل: (فحُسِبَت) هو ابن عمر؛ لأن ما ندري هل هو ابن عمر اللي قاله أو من بعده؟ لكن على فرض أنه ابن عمر وأنه مرفوع حكمًا، فالمرفوع صريحٌ مقدَّم.
طالب: قول المؤلف رحمه الله تعالى: (فبدعة يقع، وتسن)، أقول: لو كانت هذه الطلقة الثانية، فكيف تسن مراجعتها؟
الشيخ: ما يمكن يراجع، لا.
الطالب: مع أنه يرى ( ... ).
الشيخ: لا، هو قصده إذا كانت تحل مراجعته، أما بعد الثالثة ما يمكن يراجع.
طالب: ( ... ) رَجعتُها، ولا سُنَّةَ ولا بِدْعةَ لصغيرةٍ وآيسةٍ وغيرِ مدخُولٍ بها، ومن بان حَمْلُها).
الجزء: 2 - الصفحة: 3063
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أنه لا يجوز الطلاق في الحيض، لماذا؟ لأنه خلاف أمر الله، فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وإذا طلق في الحيض فإن بقية الحيضة لا تحسب من العدة، فيكون طلق لغير العدة.
وكذلك أيضًا إذا طلق في طهر جامع فيه فقد خالف أمر الله، طلق لغير العدة، لماذا؟ لأنه إذا جامعها في طُهْرٍ ففيه احتمال أن تكون عَلِقَت منه بولد، فتكون حاملًا، وعدة الحامل إلى وضع الحمل، ويحتمل ألا تكون علقت بولد فتكون عدتها بأيش؟ بالحيض.
إذن هو طلق لغير عدة معلومة، فيكون طلاقه باطلًا.
المؤلف يقول: إنه (بدعةٌ يقعُ)، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، لكن أكثر العلماء والأئمة يقولون: إنه يقع، ولذلك لو أن الإنسان سلك مسلك عمر بن الخطاب في هذه المسألة وأنه إذا طلق الإنسان في حيض أو في طهر جامع فيه وكَثُر هذا من الناس، لو أنه سلك إلزامهم به كما ألزمهم عمر بالطلاق الثلاث (3) لكان هذا خيرًا، حتى وإن كان يعتقد أن الدليل يدل على أن الطلاق في الحيض لا يقع أو في طهر جامع فيه لا يقع، لكن إذا رأى إلزام الناس به من باب السياسة فليس عليه حرج؛ لأن هذه سنة مَنْ؟ سنة عمر.
الآن بدؤوا -أي الناس- ينقبون عن طلاقات سابقة لها سنوات، فيقول: إنه طلقها في حيض، طلقها في طهر جامع فيه، مع أننا نعلم أنه لو انتهت العدة في الطلقة التي طلقها وهي حائض وتزوجت بآخر لم يبال بهذا؛ لأنه يعتقد أنها طلقت، ففتح الباب للناس حتى يقعوا في المحرم أمر يحتاج إلى نظر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3064
ولهذا أنا أعتقد أن القول الراجح أن الطلاق في الحيض لا يقع، والطلاق في طهر جامع فيه لا يقع؛ لأنه خلاف ما أمر الله به ورسوله، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ (14)، لكن أرى أنه إذا دعت الحاجة إلى إلزام الناس بالطلاق إذا طلقوا في الحيض أو في الطهر الذي جامعوا فيه، أرى أن هذا هو السياسة الشرعية؛ لأن الشرع جاء ليصلح الخلق، لا لتلاعب الخلق.
ولنا في هذا أسوة، من أسوتنا في ذلك؟ عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنْ يَكُنْ فِيكُمْ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ» (15)، أي مُلْهَمُونَ للصواب فعمر بن الخطاب؛ ولهذا يقال: إن عمر بن الخطاب الْمُوَفَّق للصواب، جميع اجتهاداته تكون غالبًا صوابًا، لا سيما في هذه المسألة الكبيرة التي بدأ الناس يتلاعبون، وإذا ضاقت عليهم الحيل قال: أنا طلقت في حيض.
دائمًا يعالجوننا في الاستفتاء، إذا قال: طلقت في حيض، قلت: راجعها، قال: هل تحسب عليَّ؟ راجعها يا رجّال.
هل تحسب علي؟ علشان أيش؟ يتوفر لديه ثلاث طلقات.
نقول: يا أخي راجع الآن، وعد نفسك أنك لن تعود للطلاق، والحمد لله طلقة واحدة إذا حسبت عليك ما هي مشكلة.
لكن لا، يريدون أن يقال لهم: هذه لا تُحْسَب عليكم، من أجل أن يكون عندهم النصاب كاملًا.
فعلى كل حال نحن نرى أن الطلاق في الحيض لا يقع، وفي طهر جامع فيه لا يقع، لكن نرى أنه من السياسة إذا تتايع الناس في هذا وصاروا لا يبالون، أن نلزمهم به ونقول: أنت رضيت لنفسك أن تطلق بالحيض فلنلزمك بما رضيت لنفسك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3065
ثم قال: (وتسنُّ رَجعتُها) رجعة من؟ رجعة مَنْ طلقها في حيض أو في طهر جامع فيه؛ والدليل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «مُرْهُ» أي: مر عبد الله بن عمر «فَلْيُرَاجِعْهَا» (7)، هذا هو الدليل، والراجح أن الرجعة هنا واجبة، بل على قولنا: ليست رجعة حقيقة، وإنما هي إبقاء لها على نكاحها الأول، فالصواب أن الرجعة -حتى وإن قلنا بوقوع الطلاق- أن الرجعة واجبة؛ لأنه لا يُرْفَع المحرم إلا بواجب.
ثم قال: (ولا سُنَّةَ ولا بِدْعةَ لصغيرةٍ وآيسةٍ وغيرِ مدخُولٍ بها، ومن بان حَمْلُها).
هذه أربع نساء ليس لطلاقهن سُنَّة ولا بدعة.
قوله: (ولا سُنَّةَ ولا بِدْعةَ)، يعني: لا يوصف الطلاق بسنة ولا بدعة في هؤلاء الأربع النساء، وظاهر كلامه رحمه الله أنه لا سُنَّة ولا بدعة في عددٍ ولا وقت، وأن الإنسان لو طلَّق واحدة من هؤلاء الأربع مرتين أو ثلاثًا فإنه لا يوصف بأنه سنة ولا بدعة.
(لا سنة ولا بدعة) في أيش؟ في عدد ولا زمن، أو ولا وقت، المعنى واحد.
فيؤخذ من كلامه أنه لو طلق واحدة من هؤلاء الأربع ثلاثًا أو ثنتين، فهذا لا يوصف بأنه سنة ولا بدعة، ولو طلق واحدة من هؤلاء الأربع واحدة لا توصف بأنها سنة، وهذا غير صحيح.
الصواب أن هؤلاء الأربع طلاقهن أكثر من واحدة بدعة، يوصف بأنه بدعة؛ لأنه خلاف السنة، السنة الطلاق واحدة ولّا أكثر؟ واحدة، فإذا طلق واحدة من هؤلاء الأربع مرتين – قصدي ثنتين – أو ثلاثًا، فلا شك أنه مبتدع.
لكن بالنسبة لغير المدخول بها سيأتي الكلام فيها.
قوله: (لصغيرة)، المراد بالصغيرة هنا من لم يأتها الحيض، حتى لو بلغت عشرين سنة وهي لم يأتها الحيض فإنها تعتبر أيش؟ صغيرة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]، وهذا مطلق، ما دامت لم يأتها الحيض بعد فهي صغيرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3066
لا سُنَّة في طلاقها لا بعدد ولا زمن؛ أما الزمن فنعم ليس هناك سنة ولا بدعة؛ لأنه لا يتصور في حقها سنة ولا بدعة، كيف ذلك؟ الصغيرة عدتها بالأشهر، كم عدتها بالأشهر؟ ثلاثة شهور، وهذا يقتضي أن تطلق في أي زمن طلق؛ لأنه من حين ما يقول: هي طالق، أيش؟ تبتدئ بالعدة، فيكون قد طلَّق للعدة.
لكن يطلق مرتين أو ثلاثًا، فهذا بدعة لا شك، خلافًا لظاهر كلام المؤلف رحمه الله.
إذن ما المراد بالصغيرة؟ مَنْ لم يأتها الحيض.
لو قلت: المراد بالصغيرة مَنْ لم تبلغ، خطأ ولَّا صواب؟
طالب: صواب.
طالب آخر: خطأ.
الشيخ: خطأ، صواب.
قولوا: لا خطأ ولا صواب ( ... )، لا سنة ولا بدعة.
لا خطأ ولا صواب؟
طالب: خطأ.
الشيخ: خطأ.
نحن نقول: الصغيرة من لم يأتها الحيض، لو بلغت خمسة عشر سنة، عشرين سنة، وهي إلى الآن لم يبتد بها الحيض، فهي صغيرة.
إذن ليست الصغيرة هنا من لم تبلغ، الصغيرة هنا من لم يأتها الحيض، بعض النساء يتقدم حيضها تبدأ تحيض من عشر سنوات، وبعض النساء إلى عشرين سنة ما تحيض، ونحن هنا لا نقيد بالسن، نقيد بالحال: ما دامت لم تحض فهي داخلة في قول المؤلف: (لصغيرةٍ).
(وآيسة)، من الآيسة؟ هي التي لا ترجو الحيض؛ يعني: انقطع عنها، ولا ترجو رجوعه؛ هذه الآيسة.
كم سِنُّها؟ على كلام المؤلف الذي مضى في باب الحيض خمسون سنة؛ لأن الحيض بعد الخمسين ليس بشيء، لكن الصواب أنها لا تتقيد بسن، بل متى لم ترج رجوع الحيض فهي أيش؟ آيسة، واللفظ والاشتقاق يدل عليه؛ آيسة.
وعلى هذا فمن استؤصل رحمها ولها عشرون سنة؟
طلبة: آيسة.
الشيخ: آيسة؟ !
الطلبة: نعم.
الشيخ: يا إخواني، شابة لها عشرون سنة؟ ما تقول؟
طالب: آيسة.
الشيخ: آيسة، متفقون على هذا؟ وأيش تقول؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي، إذن الآيسة لا تتقيد بسن، قد تَيْأَس ولها عشرون سنة.
إذا استؤصل رحم المرأة ما يمكن أن تحيض.
وعلى هذا فنقول: الآيسة من لا ترجو الحيض.
الجزء: 2 - الصفحة: 3067
إما لكبرها أو لاستئصال رحمها أو لغير ذلك من الأسباب، لكن الغالب أن المرأة إذا تجاوزت الخمسين سنة الغالب أن حيضها يتقلص؛ لأنها تَجِفُّ من الدم ويتقلص حيضها، هذا الغالب، لكنه ليس يقينًا.
(وغيرِ مدخُولٍ بها)، أيضًا التي لم يدخل بها ليس لطلاقها سنة ولا بدعة؛ لماذا؟ لأنه ليس لها عدة، والله عز وجل يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
التي لم يدخل بها ولم يخلُ بها ليس عليها عدة، فليطلقها ولو كانت حائضًا.
وغيرِ مدخولٍ بها ومَن بانَ حَمْلُها.
و(صريحُه) لفظُ الطلاقِ وما تَصَرَّفَ منه غيرُ أمْرٍ ومُضارِعٍ، ومُطَلِّقَةٌ اسمُ فاعلٍ فيَقَعُ به وإن لم يَنْوِه جادٌّ أو هازِلٌ، فإن نَوَى بطالِقٍ من وَثاقٍ أو في نِكاحٍ سابِقٍ منه أو من غيرِه أو أرادَ طاهرًا فغَلِطَ لم يُقْبَلْ حُكْمًا، ولو سُئِلَ: أَطَلَّقْتَ امرأتَك؟ فقالَ: نعم وَقَعَ، أو ألك امرأةٌ؟ فقالَ: لا وأَرادَ الكَذِبَ فلا.
(فصلٌ)
وكناياتُه الظاهرةُ، نحوَ: أنتِ خَلِيَّةٌ وبَرِيَّةٌ وبائِنٌ وبَتَّةٌ وبَتْلَةٌ وأنتِ حُرَّةٌ وأنت الْحَرَجُ، والخفِيَّةُ نحوَ اخْرُجِي واذْهَبِي وذُوقِي وتَجَرَّعِي واعْتَدِّي واسْتَبرِئي واعْتَزِلِي ولستِ لي بامرأةٍ والْحَقِي بأَهْلِكِ وما أَشْبَهَه، ويَقَعُ مع النِّيَّةِ بالظاهرة ثلاثٌ وإن نَوَى واحدةً، وبالخفِيَّةِ ما نَوَاه.
(فصلٌ)
الجزء: 2 - الصفحة: 3068
وإن قالَ: أنتِ عليَّ حرامٌ أو كظَهْرِ أُمِّي فهو ظِهارٌ ولو نَوَى به الطلاقَ، وكذلك ما أَحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ، أعني به الطلاقَ.
طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن قالَ: أَعْنِي به طَلاقًا فواحدةٌ، وإن قالَ: كالْمَيْتَةِ والدمِ والخنزيرِ وَقَعَ ما نَواه من طلاقٍ وظِهارٍ ويَمينٍ، وإن لم يَنْوِ شيئًا فظِهارٌ، وإن قالَ: أَمْرُك بيَدِك مَلَكَت ثلاثًا ولو نَوَى واحدةً، ويُتَرَاخَى ما لم يَطَأْ أو يُطَلِّقْ أو يَفْسَخْ، ويَخْتَصُّ اختاري نفسَك بواحدةٍ وبالمجْلِسِ الْمُتَّصِلِ ما لم يَزِدْها فيهما، فإن رُدَّت أو وَطِئَ أو طَلَّقَ أو فَسَخَ بَطَلَ خيارُها.
(بابُ ما يَخْتَلِفُ به عددُ الطلاقِ)
يَمْلِكُ مَن كلُّه أو بعضُه حُرٌّ ثلاثًا والعبدُ اثنتينِ يَمْلِكُ مَن كلُّه أو بعضُه حُرٌّ ثلاثًا والعبدُ اثنتينِ حُرَّةً كانتْ زَوْجَتَاهُما أو أَمَةً، فإذا قالَ: أنتِ الطلاقُ أو طالِقٌ أو علَيَّ أو يَلْزَمُنِي وَقَعَ ثلاثا بِنِيَّتِها، وإلا فواحدةٌ،
لكن الغالب أن المرأة إذا تجاوزت الخمسين سنة أن حيضها يتقلص؛ لأنها تجف من الدم ويتقلص حيضها، هذا الغالب، لكنه ليس يقينًا.
(وغيرِ مدخُولٍ بها) أيضًا التي لم يدخل بها ليس لطلاقها سنة ولا بدعة.
لماذا؟ لأنه ليس لها عدة، والله عز وجل يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، التي لم يدخل بها ولم يخل بها ليس عليها عدة، فليطلقها ولو كانت حائضًا.
أو في طهر جامعها فيه؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟ غير مدخول بها.
إذن نقول: فليطلقها وهي حائض ولا بأس.
فإذا قال قائل: كيف نجيب عن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؟ أجيبوا.
طلبة: ليس لها عدة.
الشيخ: ليس لها عدة، والله يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
الجزء: 2 - الصفحة: 3069
ظاهر كلام المؤلف أنه لا سنة ولا بدعة في عدد ولا زمن، غير المدخول بها لا يتصور العدد فيها؛ لأنه إذا قال: أنت طالق بانت منه، فإذا قال: أنت طالق الثانية فقد طلَّق من ليست له زوجة، ما هي زوجته الآن، لكن لو قال: أنت طالق ثلاثًا، هذا يمكن؛ لأن (ثلاثًا) وصف للجملة السابقة؛ يعني: أنت طالق طلاقًا ثلاثًا، لكن كما تعلمون أننا نرى أن الطلاق الثلاث المجموع واحدة.
(ومن بان حملها) من بان حملها أيضًا لا سنة ولا بدعة في طلاقها، لماذا؟ لأنه من حين أن يطلق فقد طلق للعدة؛ لأن الحامل عدتها بأيش؟ بوضع الحمل، وهي الآن حامل، فإذا طلقها فقد طلقها للعدة فلا سنة ولا بدعة في طلاقها.
لكن كما قلت لكم وأكرر: إن بدعة العدد في هؤلاء ثابتة، وأنه لا يجوز أن يطلق واحدة من هؤلاء أكثر من واحدة، لو طلق ثنتين حرام، لو طلق ثلاثة حرام.
إذن من هن اللاتي لا سنة ولا بدعة في طلاقهن؟ نقول: كم؟ أربعة، وهنَّ: الصغيرة، والآيسة، وغير المدخول بها، ومن بان حملها.
وعرفتم تعليل ذلك ودليله.
قال: (وصريحُه) أي: صريح الطلاق.
هناك صريح وهناك كناية، فما هو الصريح وما هو الكناية؟ يعني ما هو الضابط؟
الضابط في الصريح: ما لا يحتمل غيرَ معناه.
والكناية: ما يحتمل معناه وغيره.
ومع ذلك قولنا: ما لا يحتمل غير معناه؛ يعني: في الظاهر الغالب، وإلا قد يحتمل معنى آخر، لكنه عند الإطلاق لا ينصرف إلا إلى هذا المعنى.
(لفظُ الطلاقِ) إذا قال لزوجته: أنت طالق، هذا صريح.
قال: (وما تصرَّف منه) إذا قال: طلقتك، هذا متصرف من الطلاق؛ لأن الفعل أصله المصدر، كما هو الراجح.
إذا قال: أنت مطلقة، صريح؟ صريح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3070
يقول: (غيرَ أمرٍ ومضارعٍ، ومُطَلِّقةٍ اسمَ فاعل) (غير أَمْرٍ) هل مراده بالأمر أن تؤمر بالتطليق أو أن تؤمر بالانطلاق؟ الأول، الأمر أن يقول: طلقي.
هذا لا يقع به الطلاق، السبب لأنه أمرٌ لها بالطلاق، وليس إيقاعًا للطلاق عليها.
أما لو قال: اطلقي، فإنها تطلق؛ لأن هذا أمرٌ لها بالمفارقة، اطلُقِي بمعنى: انفصلي عني.
فيكون المراد بقوله: (غير أمر) أي: أمرٍ بالتطليق، لا بالانطلاق.
انتبهوا لهذا، مع أن كلام المؤلف موهم.
كيف الأمر بالتطليق؟ مثل أن يقول: طلقي، أمرها أن تطلِّق.
لكن (اطْلُقِي) أمر بالانطلاق فهو طلاق.
(مضارع)، أيضًا (مضارع) نقول فيها ما نقول في الأمر؛ إن قال: أنت تُطَلِّقِين، يقع الطلاق ولَّا لا؟ لا يقع، أنت تطلِّقين خبر بأنها ستطلق، والطلاق بيد الزوج.
أما إذا قال: أنت تطلُقين؟
طالب: يقع.
الشيخ: نعم يقع، لكن تعرفون أن المضارع يصلح للحال والاستقبال، فإن أراد بقوله: أنت تطلقين المستقبلَ فهنا لا تطلق إلا إذا وقع الطلاق منه مرة أخرى، وأما إذا أراد به الحال: أنت تطلُقين فإنها تطلق؛ لأن المضارع يصح للحال والاستقبال؛ فإن نوى به الاستقبال لم تطلق، وإن نوى به الحال طلقت.
(ومطلِّقة اسمَ فاعل) إذا قال: أنت مُطلِّقة طلقت.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: أنت مطلقة، يقول المؤلف: (مطلقة اسم فاعل)، هذا في الاستثناء؛ يعني أنه إذا قال: أنت مُطلِّقة لم تطلق.
أما إذا كانت (مطلَّقة) اسم مفعول فإنها تطلق.
إذن صريح الطلاق: لفظ الطلاق وما تصرف منه غير ما استثناه المؤلف رحمه الله.
طيب، وكنايته.
قال: (فيقعُ به وإن لم ينوِه؛ جادٌّ أو هازلٌ) (يقع الطلاق به) أي: باللفظ الصريح، (وإن لم ينوه)؛ لأن هذا وُضِعَ للفراق فيقع به الطلاق، سواء نوى أو لم ينوِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3071
وقوله: (وإن لم يَنْوِه) هذه إشارة خلاف؛ فإن بعض أهل العلم يقول: إذا لم ينوِ الطلاق فلا طلاق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (1)، وبيان ذلك أن القائل: أنت طالق؛ إما أن ينوي الطلاق فيقع ولا إشكال فيه، وإما ألَّا ينوي الطلاق بل ينوي أنت طالق؛ يعني: غير مربطة، فهذا لا يقع به الطلاق، وإما ألَّا ينوي هذا ولا هذا، فهذا موضع خلاف؛ فمن العلماء من قال: تطلق، أخذًا بظاهر اللفظ، ومنهم من قال: لا تطلق.
لكن قولوا لي: إذا قال هذا في حال الغضب، ويش يدل عليه؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: قرينة على أنه أراد الطلاق.
وقوله: (جادٌّ أو هازلٌ) يعني: سواء ذكر هذا على سبيل الجِد أو على سبيل الهزل، فلو كان يمازح زوجته من باب التدلل عليها والتدلع -كما يقولون- قال: واللهِ أنا ما أحبك، روحي أنت طالق، يمزح عليها، تطلق أو لا تطلق؟ تطلق، يقول المؤلف: (جادٌّ أو هازلٌ).
أما الجاد واضح، الأصل الجِد، لكن الهزل يقع به الطلاق، مع أنه لو باع عليه هازلًا لم يصح البيع، لو باع عليه هازلًا؛ مثل إنسان عنده سيارة فخمة، جاءه إنسان متوسط الحال وقال: بعْ عليَّ السيارة، قال: تبغيها تشتريها؟ قال: نعم، قال: بعتها عليه بمئتين ألف، قال: قبلت، هذا مزح ولَّا جِد؟ مزح، أولًا لأن السيارة لا تساوي مئتين ألف، والثاني أن هذا فقير ليس من أهلها، لكن مع ذلك يقولون: لا ينعقد البيع.
والطلاق مع أنه مكروه وينبغي أن يتوقاه الإنسان بكل ما يستطيع، يقولون: إنه يقع من الهازل المازح، لماذا؟ لا بد أن يكون هناك سبب، وإلا لا شك أن الهازل لم يرد الطلاق، كما أن الهازل في البيع لم يرد البيع؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3072
يقولون: إن في ذلك حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» (2)، وفي رواية: «وَالْعِتْقُ» (3)، فإذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحًا وصحيحًا فلا مجال في العدول عنه، وهذا هو الذي عليه عامة المسلمين وعامة العلماء.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان هزلًا فإنه لا يقع، وقال: إذا كانت العقود الخطيرة لا تقع بالهزل فهذا من باب أولى، وضَعَّف الحديث: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ»، وإلا لو صح الحديث فلا عدول لأحد عنه، لكنه ضعف الحديث وقال: إن الهزل ليس بشيء ولا مرادًا، واللهُ سبحانه وتعالى لا يمكن أن يُلْزم العباد بما لم يريدوه.
أما الذين قالوا بصحة الحديث -وهم عامة الأمة- فقالوا: إنه يقع، وقالوا: إن كونه هازلًا أو جادًّا هذا راجع إلى نيته، وأما السبب الذي جعله الشرع سببًا للفراق فقد وقع منه، ونحن نعمل بالأسباب الظاهرة وليس علينا من الباطنة شيء.
فهو يقول: أنا أردت الطلاق، ما أقول: ما أردته، أنا أردت الطلاق لكني أمزح.
نقول: كونك تمزح أو لا تمزح هذا إلى نفسك، والطلاق واقع.
طالب: الغير مدخول بها -يا شيخ- لو طلقها وعقد عليها عقدًا جديدًا تحسب عليه الطلقة السابقة؟
الشيخ: سؤاله يقول: لو طلق غير المدخول بها ثم تزوجها، فهل تحسب عليه الطلقة الأولى؟ الجواب: نعم تحسب عليه، بنص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، ما فيها إشكال.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- العلامات المذكورة في بلوغ الرجل ( ... ) المرأة؟
الشيخ: إي نعم، وتزيد بالحيض.
الطالب: الأثر عن عائشة رضي الله عنها بأن المرأة إذا بلغت تسع سنين فهي امرأة (4)؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3073
الشيخ: نعم، يعني فهي قابلة أن تكون امرأة؛ أي: أن تحيض.
طالب: الراجح في طلاق المازح يقع أو لا؟
الشيخ: الراجح أن طلاق المازح يقع؛ لأن هذا أمر إلى الله ما هو إليك، أنت الآن نويت الطلاق لكنك تمزح، ما علينا من مزحك، ولأنه لو فُتِح هذا الباب لكان كل واحد يقول: إني أمزح.
طالب: أحسن الله إليك -يا شيخ- ( ... ) المزح كيف كذب؟ فهل يمكن لابنه أن .. ؟
الشيخ: لا، ما هو بأثر كذب، ما هو بكذب.
المزح نعم بعضه يكون تورية، وبعضه يكون غير تورية، قول الرسول صلى الله عليه وسلم يمازح الصبي: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ » (5) هذا ما فيه تورية ولا شيء، صريح، وهو يمزح عليه.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة للأمر بالطلاق؛ يعني إذا قال: اطلقي، تطلق؛ لأنه أمر بالانطلاق.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذه العبارة تنقل إلى صريح الطلاق أم تنقل إلى الكناية؟
الشيخ: لا، صريح الطلاق، كل ما كان مشتقًّا من هذه المادة (طاء، لام، قاف) فهو صريح.
طالب: إذا عرض بها؟
الشيخ: عرض؟
الطالب: نعم.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثل لو قال: أنت لا تصلحين إلا أن تذهبي إلى أهلك؟
الشيخ: ما هو طلاق؛ لأنه ما صرح، ما قال: اذهبي إلى أهلك، يقول: ما تصلحين إلا أن تذهبي، هذا من باب التهديد والوعيد.
الطالب: ( ... ) أو من غيره، أو أراد طاهرًا فغلط لم يُقبل حُكمًا، ولو سُئل: أطلقتَ امرأتَك؟ فقال: نعم، وَقَع، أو: أَلَكَ امرأةٌ؟ فقال: لا، وأراد الكذبَ، فلا.
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله: إن الطلاق له صريح وكناية، صريحه: لفظ الطلاق وما تصرف منه، واستثنى من ذلك أشياء.
الجزء: 2 - الصفحة: 3074
يقول رحمه الله: (فإن نوى بطالقٍ مِنْ وَثَاقٍ) يعني: نوى بقوله: أنت طالق طالقًا من وَثَاق؛ يعني: من ربط.
فهل يُقْبَل أو لا؟ نقول: لا يُقْبَل حكمًا؛ يعني: لو ترافعت المرأة وزوجها إلى القاضي لم يُقْبَل كلامه؛ لأن القاضي إنما يحكم بالظاهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (6).
فهذا رجل آذته زوجته؛ تقول: طلقني، طلقني، قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كم دولي؟ خمسة، ثم قال: أردت أنت طالق من وَثَاق؛ يعني: ما قيدت بالحبل، هل يقبل أو لا؟
نقول: أما إن صدقته فلا طلاق؛ لأن لفظه يحتمل ذلك، وأما إن رافعته إلى القاضي وقال: نعم، أنا قلت خمس مرات: أنت طالق لكني أردت طالقًا من وثاق، فالقاضي يحكم بأنها طالق، ويفرق بينها وبين الزوج، وتحل للأزواج من بعده.
تحل ظاهرًا وباطنًا ولَّا ظاهرًا؟ ظاهرًا إذا كان صادقًا في قوله: إنه نوى الطالق من وثاق.
فإن قال قائل: ماذا تقولون؛ هل الأولى للمرأة أن تحاكمه لتطلق أو أن تصدقه فلا تطلق؟
في هذا تفصيل؛ إذا كان الزوج ممن يتقي الله وعلمنا أنه صادق بقوله: إنه أراد طالقًا من وثاق، فيحرم عليه أن تحاكمه؛ لأنها الآن تعتقد أنه لم يطلقها وأنه صادق، فلا يحل لها أن تحاكمه، وأما إذا كان الرجل لا يخاف الله وهو رجل متهاون، فيجب عليها أن تحاكمه، فإن ترددت في ذلك فالأولى ألَّا تحاكمه؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
فعرفنا الآن أنه إذا أراد طالقًا من وثاق فإنه لا يُقْبل حكمًا.
ويتولد من هذا سؤال: هل الأولى أن تحاكمه أو لا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3075
فيه تفصيل؛ إن كان رجلًا ورعًا يخاف الله ويغلب على ظنها صدقه حَرُمَ أن تحاكمه، وإن كان بالعكس رجلًا لا يبالي ولا يهمه فيجب عليه أن تحاكمه، ولا يجوز أن تقبل قوله، وإن شكَّت في ذلك فلم يغلب على ظنها أنه صادق ولا أنه كاذب فما الحكم؟ الأولى ألَّا تحاكمه؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ولأنها لو حاكمته ثم فُرِّق بينهما وهو صادق فيما ادعاه لكانت حلت لغيره مع أنها مع زوج.
فالمسألة خطيرة.
كذلك لو قال: إنها طالق في نكاح سابق منه أو من غيره، قال: نعم، أنا قلت: أنت طالق أردت الخبر لا الإنشاء، انتبه، ولأن هناك فرقًا بين أنت طالق خبرًا أو أنت طالق إنشاء، قال: أنت طالق أردتُ الخبر؛ يعني: طالقة من الزوج اللي قبلي، إن كانت لم تتزوج نقبل كلامه؟
طلبة: لا.
الشيخ: إخواني؟
طالب: لم ( ... ).
طالب آخر: ( ... ).
طالب آخر: ما فيه زوج.
الشيخ: نعم، ليش واحد ولَّا اثنان أجابوا وبإلحاح؟ !
الآن إذا قال: أردت أنت طالق من زوج قبلي وهي لم تتزوج، هل يمكن أن نقبل قوله؟
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن.
طيب، هي لم تتزوج لكنه هو نفسه قد تزوجها من قبل ثم طلقها، وقال: أردت الإخبار عن طلاقي السابق، ولم أرد إنشاء الطلاق الآن، هل يُقبل أو لا؟ نقول: حكمًا لا يُقبل؛ لأن الأصل الإنشاء، لكن فيما بينه وبين الله إذا صدقته المرأة فإنه يُقبل.
وحينئذٍ نقول: هل تصدِّق المرأة أو لا؟ على التفصيل السابق.
كذلك أيضًا لو قال: أردت طاهرًا فغلطتُ، قال: أنت طالق، ثم قال: أردت أنت طاهر، لكن سبق لسانه.
هل يقبل أو لا؟ أما حكمًا فلا يُقبل؛ لأنه قال: أنت طالق، وأما فيما بينه وبين الله فيُقبل.
وحينئذٍ نقول: هل الأولى للمرأة أن تحاكمه حتى تطلق أو ألَّا تحاكمه؟ على التفصيل السابق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3076
لو قال: (أنت طا) بس، تطلق أو لا؟ ما تطلق، وإنما مثلت بهذا لأن بعض الذين ابتلوا بالوسواس -نسأل الله لنا ولهم السلامة- يسأل يقول: أردت أن أطلق زوجتي فقلت: (أنت طا) هل يقع الطلاق؟ ماذا تقولون؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: لا يقع الطلاق، على أنه سبق أن الموسوس لا يقع طلاقه أبدًا، حتى لو قال: أنت طالق.
إذن (لم يُقبل حُكمًا) كلما رأيتم في كلام الفقهاء: لم يُقبل حكمًا؛ أي: أما باطنًا فيُدَيَّن ويوكل إلى دينه.
ثم قال: (ولو سُئل: أطلقتَ امرأتَك؟ قال: نعم، وَقَع) لأن معنى (نعم): طلقتها، (نعم) هي عبارة عن إعادة الجملة التي وقع بها السؤال.
(أطلقتَ امرأتَك؟ قال: نعم) تطلق، كما سُئل أنس -مرَّ علينا أمس- أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنعليه؟ قال: نعم (7)؛ يعني: يصلي بنعليه.
فإذا قيل: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، وقع الطلاق.
ولو سُئِل: ألك امرأة؟ قال: لا، ما لي امرأة، فهذا فيه تفصيل؛ إن أراد الطلاق وقع، وإن أراد أن يكذب على الرجل فإنه لا يقع؛ لأنه إذا قال: لك امرأة؟ قال: لا، يكذب عليه.
هذا خبر كاذب ما يقع به طلاق.
وينبغي أن تُخَرَّج المسألة التي قبلها على هذه؛ بمعنى أنه إذا سئل: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، أراد الكذب، ينبغي أن تخرج المسألة الأولى على هذه، فيقال: إذا أراد الكذب حتى في قوله: نعم، جوابًا لمن قال: أطلقت امرأتك؛ فإنه لا يقع.
ثم قال: (فصل: وكناياتُه الظاهرةُ).
(كناياته) الضمير يعود على الطلاق، وهذا هو القسم الثاني من الألفاظ التي يقع بها الطلاق، والقسم الأول ما هو؟ الصريح.
وقلنا فيما سبق: الصريح ما لا يحتمل إلا معنى الطلاق، والكناية هو الذي يحتمل معنى الطلاق وغيره، فهو ليس صريحًا في الطلاق.
والكنايات ذكروا أنها قسمان: ظاهرة وخفية، ولا دليل على هذا التقسيم، كما سنبينه إن شاء الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3077
لكن الكنايات يقال: الكنايات نوعان: كنايات بَيِّنَة قريبة من معنى الطلاق، وكنايات بعيدة.
وحكمها واحد، لكن هم يفرقون بينهما رحمهم الله.
(وكناياتُه الظاهرةُ نحو: أنتِ خليَّةٌ، وبَرِيَّةٌ، وبائنٌ، وبَتَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وأنتِ حرةٌ، وأنت الحَرَجُ) هذه كلها كنايات ظاهرة.
(أنت خلية) يعني: ما ( ... ).
(برية) يعني: من حقوق الزوج.
(بائن) يعني: منفصلة.
(بَتَّة) يعني: مقطوعة.
(بَتْلَة) أيضًا مقطوعة.
(أنت حرة) يعني: لا كلام لأحد عليك؛ لا زوج ولا غيره.
(وأنت الحرج) يعني: أنت عندي حرج، والحرج الحرام.
هذه ظاهرة، لماذا كانت ظاهرة؟ يقولون: لأن هذه وُضِعت للفراق المؤبد فكانت ظاهرة.
والخفية نحو: اخرجي، منين؟ من ها البيت، أو من الحجرة، أو من الغرفة، أو من السيارة؛ يعني بعيدة من معنى الطلاق، اخرجي، يلَّا يا مَرَة اخرجي، نقول: طلاق هذا هم يرون أنه كناية طلاق؛ (اخرُجِي).
(اذهَبِي، ذُوقِي، تَجَرَّعِي، اعتَدِّي) (اعتدي) هي أقرب هذه الكلمات لمعنى الطلاق؛ لأنه لا عدة إلا بطلاق.
(اسْتَبْرِئِي) كذلك من الكنايات الخفية، وهي أقرب إلى الطلاق من (اخرُجِي، واذهَبِي، وذُوقِي، وتَجَرَّعِي).
(واعْتَزِلِي) اعتزلي أيش؟
طالب: اعتزليني.
الشيخ: قد يكون اعتزلي عني، فيكون طلاقًا، وقد يكون اعتزلي عن المكان هذا.
(لست لي بامرأة) هذه كناية؛ لأنه يحتمل أنه أراد الطلاق، ويحتمل لست لي بامرأة مطاوعة؛ كما لو أمرها بشيء وعصت، قال: واللهِ أنت ما أنت امرأة لي؛ يعني: لو كنت امرأة لأطعتِ.
(الحَقِي بأهلِك) يعني: روحي لأهلك، الحقي بهم، يحتمل الطلاق، ويحتمل أنه أراد أن تصاحب أهلها.
(وما أشبهه).
إذن الكنايات ما سوى الصريحة، وتنقسم إلى قسمين: ظاهرة وخفية، فما وُضِع للبينونة فهو كناية ظاهرة، وما لا فهو كناية خفية.
ولكن هل يقع الطلاق؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3078
يقول المؤلف رحمه الله: (ولا يقع بكنايةٍ ولو ظاهرةً طلاقٌ إلا بنيَّةٍ) الحمد لله، هذه نعمة، كل الألفاظ هذه لا يقع فيها الطلاق، (إلا بينة) يعني بأن ينوي بقوله: (أنت خلية) يعني: مطلقة، ينوي (اخرجي) يعني: من بيتي فلست لي بامرأة.
(إلا بنية مقارنة للفظ) النية -انتبه- إما أن تسبق اللفظ بزمن بعيد، وإما أن تكون بعده، وإما أن تكون مقارِنة أو قبله بيسير.
إن كانت سابقة؛ مثل أن نوى أن يطلقها أمس، واليوم قال لها: اخرجي، لكنه غاب عن ذهنه النية، أتطلق أم لا؟ لا، لا بد أن تكون مقارنة أو قريبة.
طيب، بعد أن قال: اذهبي أو اخرجي أو اعتزلي أو ما أشبه ذلك، نوى الطلاق، يقع أو لا يقع؟
طالب: لا يقع.
طالب آخر: لو كانت بعيدة.
الشيخ: يا إخواني، بعد أن قال: اذهبي، وهو يريد أن تذهب لأهلها للزيارة -مثلًا- نوى الطلاق، يقع ولَّا ما يقع؟ ما يقع؛ لأنه حين تلفَّظ بها لم ينو الطلاق، والمؤلف يقول: (إلا بنية مقارنة للفظ)، فلا يقع الطلاق.
لو نوى أن يطلق بدون لفظ، يقع الطلاق أو لا؟ لا يقع.
لو حدَّث نفسه دون لفظٍ أنها طالق، وقال بنفسه: زوجته طالق، تطلق؟ لا.
إذن النية تارة تتقدم كثيرًا، وتارة تتقدم بزمن يسير، وتارة تقارن، وتارة تتأخر.
كم الأقسام؟ أربعة، إذا تقدمت كثيرًا لا يقع الطلاق، إذا تأخرت ولو يسيرًا لا يقع الطلاق، إذا تقدمت يسيرًا أو قارنت اللفظ يقع الطلاق.
قال المؤلف: (إلا حال خُصومةٍ أو غَضَبٍ) فاستثنى من هذا، ويأتي -إن شاء الله- غدًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: قد يراد بالغد؟
طالب: يوم القيامة.
الشيخ: لا! يوم القيامة ما فيه تدريس، قد يراد بالغد المستقبل وإن بَعُد، غدًا ما فيه درس؛ لأنه يوم الخميس، لكن -إن شاء الله- يوم السبت.
طالب: لو الإنسان قال لزوجته: الحقي بأهلك، ثم بعد فترة نوى الطلاق مثلًا، ما .. ؟
الشيخ: ما يصير شيء.
الطالب: ما يصير؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3079
الشيخ: لا، ما يصير، أنت سمعت الآن: لا بد أن تكون النية مقارنة للفظ.
عرفت أن النية لا بد أن تكون مقارنة للفظ أو قبله بيسير، أما لو تأخرت فلا يغني شيئًا.
يقول المؤلف: (إلا نيَّةٍ مقارنةٍ للَّفْظِ، إلا حالَ خُصومةٍ أو غَضَبٍ أو جوابِ سؤالِها) هذه ثلاثة أحوال يقع بها الطلاق بالكناية بلا نية.
(إلا حالَ خصومةٍ) يعني: خصومة مع من؟ مع زوجته؛ تخاصم وإياها، قال: يلَّا روحي لأهلك، يقع الطلاق وإن لم ينوه؛ لأن لدينا قرينة تدل على أنه أراد فراقها.
(أو حال الغضب) غضب؛ يعني: لو بدون خصومة، أمرها أن تفعل شيئًا فلم تفعل فغضب، ما فيه خصومة الآن، لكن فيه غضب، قال: يلَّا روحي لأهلك، انقلعي، يقع الطلاق؟ يقع وإن لم ينوه.
(أو جواب سؤالها) يعني قالت: طلقتني، قال: يلَّا انقلعي، روحي لأهلك، هذا جواب سؤالها الطلاق، يقع الطلاق؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لماذا وقع في الأحوال الثلاث؟ لأنها قرائن تدل على إرادة الطلاق؛ ولهذا قال: (فلو لم يُرِدْه) أي: لو لم يرد الطلاق في هذه الحال، (أو أراد غيرَه لم يُقبلْ حُكمًا)، لو قال: أنا ما أردت الطلاق، أو قال: أردت غيره؛ بأن قال: أردت بقولي: (يلَّا روحي لأهلك) أردت أن ينطفئ غضبي وأن ينطفئ غضبها ولم أرد الطلاق، يقول: (لم يُقبل حكمًا) ويش معنى (لم يُقبل حكمًا)؟ يعني: إن رافعته إلى الحاكم طلق عليه، وبينه وبينها لا يقع الطلاق.
وسبق أن قلنا: هل الأولى أن تحاكم أو لا؟ فيه تفصيل ارجعوا إليه.
لكني أقول: الصحيح أن الكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية حتى في هذه الأحوال؛ لأن الإنسان قد يقول: اخرجي أو ما أشبه ذلك غضبًا وليس في نيته الطلاق إطلاقًا، بس يريد أن تنصرف عن وجهه حتى ينطفئ غضبهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 3080
وقد تُلِح عليه تقول: طلقني، طلقني، فيقول: طالق، وهو ما يريد الطلاق، يريد طالق منين؟ من وثاق، أو طالق إن طلقتك؛ لأنه أحيانًا يقول: طالق إن طلقتُك، فيقيده بالشرط.
فعلى كل حال الصحيح أنه لا يقع إلا بنية.
نعم لو قال: أنا في هذه الحال ما أشعر؛ لا نويت الطلاق ولا نويت غير الطلاق، بس أردت التخلص من الغضب أو من المخاصمة معها، حينئذٍ نقول: لا يقع؛ لأنه لا بد من نية.
ثم قال: (ويقعُ مع النيةِ بالظاهرةِ ثلاثٌ وإن نوى واحدةً، وبالخفيَّةِ ما نواه).
هذا الفرق الآن بين الكناية الظاهرة والخفية، إذا قال: أنت خلية ونوى الطلاق، كم يقع؟
طالب: ثلاثًا.
الشيخ: أنت خلية ونوى الطلاق، يقع ثلاثًا؛ لأن الكنايات الظاهرة إذا وقع بها الطلاق صار بائنًا؛ تطلق ثلاثًا.
(أنت الحرج) نوى الطلاق، يقع ثلاثًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأنها كناية ظاهرة.
إذا قال: اعتزلي؟
طالب: يقع ما نواه.
طالب آخر: واحدة.
الشيخ: يقع ما نواه، لا، يقول: (بالخفية ما نواه)، يقع ما نواه؛ إن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة.
ولكن لاحظوا أن القول الراجح أنه لا طلاق ثلاث بأي لفظ كان، إلا إذا طلق ثم راجع، ثم طلق ثم راجع.
فلو قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أردت الثلاث، لم تطلق إلا واحدة فقط.
هذا القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله وشيخنا عبد الرحمن السعدي، وهو ظاهر واضح، حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث واحدة إلى سنتين من خلافة عمر (8)، فالطلاق لا يتكرر بتكرار صيغته، يتكرر بتكرار وقوعه، فإذا قال: أنت طالق ثم راجع، كم هذه؟
طالب: واحدة.
الشيخ: أنت طالق ثم راجع، ثنتان.
أنت طالق، ثلاثة، الآن بانت منه.
وأما أنت طالق ثلاثًا، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهي واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3081
الكنايات الظاهرة كم يقع فيها على هذا القول الراجح؟ واحدة؛ يعني: ما يمكن أن يقع الثلاث إلا بثلاث مرات، قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: 230]، و ﴿مَرَّتَانِ﴾ لم يقل الله عز وجل: الطلاق لفظان، قال: ﴿مَرَّتَانِ﴾ لا بد من مرة بعد مرة؛ بأن يطلقها ثم يعيدها إلى نكاحه ثم يطلقها، والله الموفق.
طالب: ( ... ) أن يطلق الرجل امرأته وقبل أن ( ... ) راجعها.
الشيخ: وقبل؟
الطالب: وبعد أن راجعها.
الشيخ: وقبل.
الطالب: إذا طلق امرأته في طهر لم يجامعها فيه وليست حائضًا، ثم راجعها بقصد المراجعة حقيقة .. ؟
الشيخ: في طهر لم يجامعها فيه وليست حائضًا؟ !
الطالب: إي، هي ليست حائضًا.
الشيخ: غلط هذا التعبير.
الطالب: يعني: لم تكن حائضًا.
الشيخ: أنت قلت: في طهر لم يجامع فيه، يحتاج تقول: وليست حائضًا؟ ما يحتاج.
الطالب: يعني: طلقها لعدتها، ثم راجعها في هذه العدة، ولم تحض عنده بعدما راجعها، وكذلك لم يجامعها في ذلك الطهر الذي طلقها فيه، فهل إذا طلقها مرة أخرى يقع؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ويكون طلاقًا لعدته؟
الشيخ: نعم؛ لأنه إذا راجعها ثم طلقها استأنفت العدة.
المهم على كل حال، القول الراجح الذي نعتقده صحيحًا -إن شاء الله- هو أن الطلاق الثلاث لا يقع بفعل العبد، إلا إذا طلق ثم راجع، ثم طلق ثم راجع.
طالب: المرأة المطلقة، إذا قال زوجها: راجعتك، هل يُشْتَرط رضا المرأة؟
الشيخ: حضرت البارحة معنا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أنا أرى أنك ما حضرت.
الطالب: لا، حضرت يا شيخ.
الشيخ: ما حضرت، لو حضرت لحضر قلبك، ولو حضر قلبك لكان من القواعد التي قرأناها: من لا يعتبر رضاه لا يعتبر علمه، ومَثَّل الشيخ رحمه الله بالرجعية، صرتَ حاضرًا ولَّا غير حاضر؟
الطالب: حاضر.
الشيخ: أعوذ بالله! حاضر جسمًا لا حاضر ..
الطالب: تذكرت يا شيخ.
الشيخ: إي، نسيت يعني؟ والآن.
الجزء: 2 - الصفحة: 3082
الطالب: تذكرت.
الشيخ: أنه؟
الطالب: أنه لا يعتبر رضاها.
الشيخ: لا يعتبر رضاها، صحيح، لكن يجب على الزوج ألَّا يراجعها مضارة؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]، وقال: ﴿بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]؛ يعني: إن أرادوا إبقاء، أحيانًا لا يريد الإصلاح، يريد المضارة، فالصحيح في هذه الحال أنه يحرم عليه الرجعة.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة للمسألة السابقة في قوله: إنه لو قيل له: أطلقتها امرأتك؟ قال: نعم، قلنا: ينبغي أن تلحق هذه المسألة بالتي تليها؛ وهي لو قيل له: ألك امرأة؟ فقال: لا، وأراد الكذب، ما تبين لي رغم أنه الجملة الأولى قلنا: إذا كان الجواب بنعم أو بلا، قلنا: هي في معنى حكاية الكلام يعني ..
الشيخ: خبر.
الطالب: خبر نعم، ثم في السؤال الثاني ليس فيها لفظ الطلاق صريح، ألك امرأة؟ مع ذلك ألحقناها بها؟
الشيخ: لا، نحن قلنا: نلحق الأولى بالثانية؛ بمعنى أنه إذا أراد الكذب عليه فلا تطلق، لو الرجل تحدث قال: إنه طلق امرأته يريد الخبر الكذب، ما تطلق.
الطالب: لكن -يا شيخ- كونه أراد الكذب والصدق، هذا في نيته، ما ندري عنه ( ... )؟
الشيخ: لكن الكلام على هل يقع أو لم يقع؟ أما هل يقبل حكمًا أو لا؟ هذه مسألة ثانية، حتى لو قيل له: ألك امرأة؟ قال: لا، وأراد الكذب، لو أن المرأة حاكمته حُكِم عليه بأنها تطلق، الحكم غير مسألة الوقوع.
( ... )
الجزء: 2 - الصفحة: 3083
الطالب: فصل: وإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ أو كظهرِ أمِّي فهو ظِهارٌ، ولو نَوَى به الطَّلاقَ، وكذا ما أحلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ، وإن قال: ما أحلَّ الله عليَّ حرامٌ -أعني: به الطلاقَ- طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن قال: أعني به طلاقًا فواحدةٌ، وإن قال: كالميتةِ والدمِ والخنزيرِ وقعَ ما نواهُ من طلاقٍ وظِهَارٍ ويمينٍ، وإن لم يَنْوِ شيئًا فَظِهارٌ، وإن قال: حلفتُ بالطلاقِ وكذبَ لزمَه حُكمًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما شرط وقوع الطلاق بالكناية؟
طالب: الكناية ( ... ).
الشيخ: الكناية يقع بها الطلاق فما شرط وقوع الطلاق بها؟
طالب: النية مقارنة.
الشيخ: شرطها النية؛ يعني: لا يقع بالكناية إلا بالنية؛ أي: نية الطلاق.
وهل يفرق فيما يقع الطلاق بالكناية بين الخفية والظاهرة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كيف التفريق؟
الطالب: من حيث كيفية الوقوع، الظاهرة قالوا بأنه يقع ثلاثًا، أما الخفية فقالوا: يحسب ما نواه.
الشيخ: يقع ما نواه، تمام، هذا الفرق؛ الكنايات الظاهرة يقع بها ثلاثًا، والخفية يقع بها ما نواه.
ما الذي لا يُشترط له النية في الكناية؟ متى تكون الكناية لا يُشترط لها النية؟
طالب: في حال خصومة أو غضب أو جواب سؤالها.
الشيخ: حال خصومة مع من؟
الطالب: مع زوجته.
الشيخ: مع زوجته، غضب؟
الطالب: أو جواب سؤالها.
الشيخ: غضب عليها أو جواب سؤالها.
مثال الأخير؟
طالب: تقول له: طلقني، يقول: اذهبي إلى أهلك.
الشيخ: إي، تمام، أن تقول: طلقني، فيقول: اذهبي إلى أهلك، فالمذهب يرون أنه يقع الطلاق، والصواب أنه لا يقع إلا بالنية، كل الكنايات لا يقع بها الطلاق إلا بنية؛ لأنها ألفاظ لم توضع للطلاق، وإذا لم توضع للطلاق فالأصل عدم وقوع الطلاق إلا بنية، فإذا نوى وقع الطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3084
إذا قال قائل: كيف تقول: إذا نوى وقع الطلاق؟ نقول: نعم، إذا نوى يقع الطلاق؛ لأن اللفظ يحتمل.
أما لو كان اللفظ لا يحتمله؛ مثل أن تقول: طلقني، قال: واللهِ أنت طويلة، يقع الطلاق ولَّا ما يقع؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لا يحتمل.
الشيخ: ما يحتمل اللفظ الطلاق، ما يحتمل المعنى.
على كل حال، القول الراجح في مسائل الكناية أنه لا يقع إلا بنية، لكن القرائن قد تعين النية.
وبماذا يقع بالكناية؟ كم عدد يقع بالكناية؟
طالب: بالكناية؟
الشيخ: إي نعم.
إذا وقع الطلاق بالكناية فكم عددًا يكون؛ واحدة ولَّا عشرة؟
الطالب: واحدة.
الشيخ: واحدة، مطلقًا؟
طالب: على المذهب لو كانت كناية ظاهرة أنها تقع ثلاثًا.
الشيخ: نعم، أحسنت.
الطالب: ولو كانت خفية على ما نواه.
الشيخ: تمام.
الطالب: أما الراجح أنها تقع واحدة فقط.
الشيخ: في الجميع.
طيب، المذهب يقولون: الكناية الظاهرة يقع بها الثلاث والخفية يقع ما نواه.
والصواب أنه لا يقع الثلاث حتى لو نوى الثلاث؛ لأننا صححنا أن الطلاق الثلاث ولو بلفظ صريح لا يكون إلا واحدة، وذكرنا دليل ذلك فيما سبق.
ثم قال: (فصل: وإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ أو كظهرِ أمِّي فهو ظِهارٌ).
نبدأ بالمسألة الأولى: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام فهو ظهار، حكمه أنه لا يقربها حتى يكفر كفارة ظهار، كفارة الظهار: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد؟
طالب: فإطعام ستين مسكينًا.
الشيخ: إطعام ستين مسكينًا.
هذا إذا قال: أنت عليَّ حرام.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم ثابت بكل حال، ولكن القول الراجح في هذه المسألة أنه إذا أراد الخبر فإننا نقول له: كذبت، ولا عليه شيء، إذا أراد الخبر قال: أنت علي حرام، فهل هو صادق فيما قال؟ أجيبوا
الطلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3085
الشيخ: لا، هي حلال، مثلما لو قال: هذه الخبزة حرام عليَّ، يريد الخبر ما يريد الإنشاء، نقول: كذبت.
ولهذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرجل إذا قال: أنت عليَّ حرام، فليس بشيء (9). وهذا مراده إذا أراد بقوله: أنت عليَّ حرام، إذا أراد الخبر.
إذا أراد تحريمها -يعني: الامتناع منها- فالمشهور من المذهب -كما قال المؤلف- أنه يكون ظهارًا، والصواب أنه ليس بظهار وإنما هو يمين، الصواب أنه يمين، فإذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، قلنا: هذا يمين؛ يعني: حكمه حكم اليمين؛ لأنه داخل في عموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2]، الزوجة مما أحل الله له ولا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، حرَّمها، إذا حرمها نقول: قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، ولهذا إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، نقول: هذا يمين؛ يعني: في حكم اليمين، لا يلزمه ظهار، ولا يلزمه طلاق، وإنما يلزمه اليمين؛ أي أن يكفر كفارة يمين وتنحل.
على ما مشى عليه المؤلف إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام؟
طلبة: ظهار.
الشيخ: ظهار، والفرق بين الظهار واليمين واضح؛ الظهار يحرم أن يقربها حتى يكفر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3]، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]، وإذا قلنا بأنها يمين أطعم عشرة مساكين وانتهت القضية، وهذا هو الصحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3086
كذلك أيضًا إذا جرى هذا اللفظ مجرى اليمين؛ بأن قال: إن فعلتُ كذا فزوجتي حرام عليَّ، قصده منع نفسه من فعله، إن فعلت كذا فزوجتي حرام عليَّ، قصده بذلك منع نفسه منه، فهذا يمين أيضًا؛ ، إن فعل فعليه كفارة يمين، وإن لم يفعل فلا شيء عليه؛ لأنه أجراه هنا مجرى اليمين.
أما إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي، فهذا ظهار لا إشكال فيه، فلا يقربها حتى يكفر، والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
شديدة، ووجه ذلك أنه شَبَّه أحل النساء له بأحرم النساء عليه، وهذا عين المحادة لله عز وجل؛ ولهذا كانت كفارته غليظة.
قوله: أنت عليَّ كظهر أمي أشد من قوله: أنت عليَّ حرام، أليس كذلك؟ ولذلك صار قوله: أنت عليَّ كظهر أمي ظهارًا، وأنت عليَّ حرام صار حكمه حكم اليمين.
فبينهما فرق عظيم.
هل نقول: ما لم يجره مجرى اليمين؛ بأن قال: إن فعلت كذا فزوجتي عليَّ كظهر أمي؟
الجواب: نعم، على القول الراجح أنه قد يُجرى مجرى اليمين، فيقول مثلًا: إن فعلت كذا فزوجتي عليَّ كظهر أمي، أو يخاطبها فيقول: إن فعلتُ كذا فأنت عليَّ كظهر أمي، يريد بذلك اليمين؛ أي: منع نفسه، ما أراد أن يحرم زوجته ويجعلها كظهر أمه، لكن أراد أن يمنع نفسه، فالصواب أيضًا أنه يكون يمينًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (1)، هكذا؟ أيش قلتُ؟
طالب: قلنا: إنه إذا وقع قوله: أنت علي كظهر أمي مثل اليمين أنه لا يقع إن نواه؛ لأن الأعمال بالنيات.
الشيخ: مثل؟
الطالب: إذا قال: إذا فعلت كذا فأنت عليَّ كظهر أمي.
الشيخ: يريد بهذا؟
الطالب: اليمين.
الشيخ: إي نعم، تمام.
الجزء: 2 - الصفحة: 3087
يقول رحمه الله: (فهو ظِهارٌ، ولو نَوَى به الطَّلاقَ) وهذا صحيح فيما إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي فإنه يكون ظهارًا ولو نوى به الطلاق؛ لأننا لو قلنا في هذه الحال: لو نوى به الطلاق صار طلاقًا لم يكن بين هذا الظهار وبين ظهار أهل الجاهلية فرق؛ لأن أهل الجاهلية الظهار عندهم تحريم مؤبد، إذا قال الإنسان لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، حرمت عليه تحريمًا مؤبدًا وجعلوه طلاقًا بائنًا، فلو قال قائل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، وقال: أردت به الطلاق فإننا لا نقبل منه ولو نوى الطلاق.
وبناء على ذلك لو ماتت بعد هذا هل يرثها أو لا؟
طلبة: يرث.
طلبة آخرون: لا يرث.
الشيخ: يرث، لا يرث.
ما فيه التفصيل علشان يكون وسطًا بينكم؟ !
هذا رجل -يا إخوان- قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، ونوى به الطلاق، كلام المؤلف يقول: إنه ظهار ولو نوى الطلاق، فأقول لكم الآن: لو أنه بعد يومين مات، ترثه أو لا؟
طلبة: ترثه.
الشيخ: ترثه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنها لم تطلق، ولو ماتت هي ورثها أيضًا؛ لأنها لم تطلق.
على القول بأنه طلاق -وهو ضعيف جدًّا- إذا كان هذا الطلاق بائنًا فإنها لا ترث منه ولا يرث منها.
إذا قال: أنت عليَّ كظهر بنتي، ظهار ولَّا غير ظهار؟ ظهار، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] بناءً على الأغلب، فإذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر ابنتي، فهو ظهار، ونقول: ما هي ابنتك.
إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أختك؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ننظر هل أختها حرام عليه؟ لا، ما هي حرام عليه، أخت زوجته ليست حرامًا عليه.
طالب: ممنوع الجمع.
الشيخ: نعم، الحرام الجمع؛ ولهذا لو ماتت الزوجة حلَّت أختها.
إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كأمك، ظهار ولَّا غير ظهار؟
الطلبة: ظهار.
الشيخ: أمك؟
الطلبة: ظهار.
طالب: أمها حرام عليه.
الشيخ: هل أمها الآن حرام عليه ولَّا الحرام الجمع؟
طلبة: حرام عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3088
الشيخ: حرام عليه، تمام.
على كل حال، فهمنا الآن أنه إذا شَبَّه زوجته بمن تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا فهو ظهار.
(وكذا ما أحلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ) إذا قال: ما أحل الله عليَّ حرام فهو مظاهر، مع أن كلمة: (ما أحل الله) (ما) اسم شرط عام يحتمل أنه أراد الزوجة أو أراد غير الزوجة، والله أحل لنا الطعام والشراب واللباس والنكاح، فإذا قال: ما أحل الله عليَّ حرام فهو ظهار.
لماذا كان ظهارًا؟ لدخول الزوجة في العموم؛ عموم ما أحل الله عليَّ حرام، لأن نقول: من جملة ما أحل الله لك الزوجة، فيكون ظهارًا.
الآن بالنسبة للزوجة صار ظهارًا، بالنسبة للطعام يمين، بالنسبة للشراب؟
الطلبة: يمين.
الشيخ: بالنسبة للباس؟
الطلبة: يمين.
الشيخ: طيب، إذن تبعض الحكم، صارت هذه الكلمة لشيء يمينًا ولشيء ظهارًا، ما هو القول الذي رجحناه في هذا؟ أنه يمين، وعلى هذا فنقول: إذا قال: ما أحل الله عليَّ حرام فهو يمين، حتى لو نوى الزوجة، بل لو واجهها وقال: أنت عليَّ حرام، يريد إنشاء التحريم، فهو يمين؛ يعني: في حكم اليمين.
لعلكم فهمتم الفرق بين قولنا: يمين، وفي حكم اليمين؛ لأن أنت طالق -مثلًا- أو أنت حرام تارة يُجرى مجرى اليمين؛ وذلك فيما إذا جعله بمنزلة اليمين، مثلًا: إن فعلت كذا فأنت طالق، إن فعلت كذا فأنت حرام، هذا أيش هو؟ يمين؛ يعني: أجري مجرى اليمين.
أما إذا قلنا: يمين أنت عليَّ حرام ما فيه تعليق ولا شيء، فهذا على ما مشى عليه المؤلف ظهار، وعلى القول الراجح يمين.
(وإن قال: ما أحلَّ الله عليَّ حرامٌ -أعني: به الطلاقَ- طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن قال: أعني به طلاقًا فواحدةٌ).
وصل كلامه بالتفسير؛ فسر كلامه (قال: ما أحلَّ الله عليَّ حرامٌ؛ أعني: به الطلاقَ) تطلق ثلاثًا، لماذا؟ لأن (أل) للعموم وليست للجنس، مع أنه يحتمل أن تكون للجنس، لكن يقولون: الأصل في (أل) أنها للعموم، فإذا قال: الطلاق؛ يعني: كله، والطلاق كله هو الطلاق الثلاث.
الجزء: 2 - الصفحة: 3089
الآن وصل كلامه بالتفسير (ما أحلَّ الله عليَّ حرامٌ؛ أعني: به الطلاقَ) تطلق ثلاثًا؟ وجه ذلك أن (أل) للعموم، وعموم الطلاق هو الثلاث.
على القول الراجح كم تطلق؟
طلبة: واحدة فقط.
الشيخ: واحدة، بارك الله فيكم.
(وإن قال: أعني به طلاقًا فواحدةٌ) ليش؟ لأن (طلاقًا) ليس فيها ما يفيد العموم، (طلاق) مصدرٌ مطلقٌ، والمطلق يصدق بواحدة، فإذا قال: (أعني به طلاقًا) طلقت واحدة.
والصحيح في هذه المسألة أنها تطلق طلقة واحدة ولو قال: أعني به الطلاق؛ لأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا إذا كانت كل واحدة مستقلة عن الأخرى.
(وإن قال) يعني: لزوجته، (كالميتة) يعني: أنت كالميتة (والدم والخنزير وقعَ ما نواهُ من طلاقٍ وظِهَارٍ ويمينٍ، وإن لم يَنْوِ شيئًا فَظِهارٌ).
هذه تختلف عما سبق؛ ما سبق قال: أنت عليَّ حرام، أو قال: ما أحل الله علي حرام، هنا قال: أنت كالميتة والدم، نقول: يقع ما نواه من طلاقٍ وظهارٍ ويمينٍ.
كيف ذلك؟ (كالميتة) الميتة حرام على الإنسان، لكن تحريمها عارضٌ، ويحتمل أن معنى قوله: (كالميتة) يعني: في كراهتي لكِ لا في التحريم؛ لأن كل إنسان يكره الميتة.
(الخنزير) والقائل هنا مسلم، أما لو قاله نصراني فالخنزير عنده أشهى اللحم، إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كالخنزير؛ يعني: من أحبه حبًّا كثيرًا؛ لأن النصراني يحب لحم الخنزير، لكن كلامنا مع من؟ مع المسلم، قال: أنت علي كالخنزير، هل المراد التحريم؟ يحتمل، أو المراد الكراهة؟ يحتمل؛ ولهذا قال: (وقع ما نواه من طلاقٍ وظهارٍ ويمينٍ).
لكن هل يمكن أن يقول الإنسان لزوجته هذا الكلام أو ما يمكن؟ يمكن يا إخواني، مع المغضبة كل شيء يكون، يمكن يقول: أنت كالميتة، كالخنزير، كالذيب، كل ما شاء مما لا يؤكل؛ لأن الإنسان عند الغضب لا يدري ما يقول، أحيانًا يصل الغضب إلى درجة لا يدري الإنسان أهو في السماء أو في الأرض، وربما سقط بعضهم مغشيًّا عليه، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3090
طالب: أحسن الله إليكم، إذا ظاهر ثم طلق، هل عليه كفارة الظهار؟
الشيخ: إذا ظاهر ثم طلق، هل سيعود؟
الطالب: لا.
الشيخ: طلق، والله يقول: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3]، والمطلِّق ما عليه.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا فسر -يا شيخ- ما أحل الله علي؛ أعني به الطلاق، نقول: تطلق ( ... )؟
الشيخ: على كلام المؤلف ثلاث مرات.
الطالب: ( ... ) على القول الراجح.
الشيخ: نعم، تكون يمينًا.
طالب: عفا الله عنك، إذا قال: أنت عليَّ كابنتك من غيره، ماذا يكون؟ الشيخ: هل تحرم عليه ابنتها؟ الطالب: إذا كان قبل الدخول .. الشيخ: إذن -بارك الله فيك- إن قال ذلك قبل الدخول فإنه ليس بظهار، وإن قال بعده فهو ظهار، والفرق أنه قبل الدخول يحرم عليه الجمع بينه وبينها، وأما بعد الدخول فإن ابنتها تكون محرمة عليه تحريمًا مؤبدًا.
الطالب: ( ... ) المتَّصلِ ما لم يَزِدْها فيهما، فإن رَدَّتْ أو وَطِئَ أو طَلَّقَ أو فسخَ بَطَلَ اختيارها.
الشيخ: ( ... ) ولَّا (خيارها)؟
الطالب: (اختيارها) يا شيخ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن القول الراجح فيما إذا حرَّم الرجل زوجته فهو يمين، ما الذي يرجحه؟ الدليل؟
طالب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: 1].
الشيخ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
الطالب: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2].
الشيخ: نعم، هذا هو الصحيح؛ لأن تحريم المرأة داخل في هذا العموم، ولا دليل على تخصيصه.
إذا قال: ما أحل الله عليَّ حرام، أعني به الطلاق، أو أعني به طلاقًا؟
طالب: لو قال: أعني به الطلاق طلقت ثلاثًا.
الشيخ: إذا قال: أعني به الطلاق طلقت ثلاثًا، وجهه؟
الطالب: لأن (أل) تفيد الاستغراق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3091
الشيخ: لأن (أل) تفيد الاستغراق، وإن قال: أعني به طلاقًا فواحدة؛ لأنه يصدق عليها أنها طلاق.
ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
طالب: أنها واحدة.
الشيخ: أنها تطلق واحدة ولو قال: أعني به الطلاق؛ لأن طلاق الثلاث واحدة.
إذا قال لزوجته: أنت كالميتة، فماذا يقع؟
طالب: يقع ما نواه من ظهار أو يمين أو طلاق.
الشيخ: وإن لم ينو شيئًا؟
الطالب: فهو يمين، إلا إذا قصد كالميتة في كراهتها ( ... ).
الشيخ: لا، هو ما قصد شيئًا، أطلق؛ أنت كالميتة.
الطالب: المؤلف يقول: (إن لم ينو شيئًا فظهار).
الشيخ: المؤلف يقول: (إن لم ينو شيئًا فظهار) نعم، ولكن سبق لنا أننا قلنا: الصحيح أنه ليس بظهار إلا إذا صرح بالظهار، وأنه يُجعل كاليمين، ما لم ينو أنها كالميتة في كراهته لها وعدم التئامه معها، فعلى ما نوى.
قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: حلفتُ بالطلاقِ وكذبَ لزمَه حُكمًا) هذا مبتدأ درس اليوم.
طالب: (وإن قال: كالميتةِ) ما كملناه.
الشيخ: لا، كملناه.
طالب: وقفنا على (كالميتةِ والدمِ والخنزيرِ).
الشيخ: قلنا: (وقع ما نواه).
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، شرحناه.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: طيب، يكون إعادة على قول من قال: إننا شرحناه، ويكون بيانًا على قول من قال: لم نشرحه، مع أن المثبت مقدم على النافي.
يقول المؤلف في هذه الكلمات قال: (كالميتةِ والدمِ والخنزيرِ وقعَ ما نواهُ من طلاقٍ وظِهَارٍ ويمينٍ).
إذا كان طلاقًا فُرِّق بينهما، إذا كان ظهارًا تبقى معه لكن لا يأتيها حتى يُكَفِّر، إذا كان يمينًا فإنه يُكَفِّر كفارة يمين.
فصار الآن الأمر دائرًا بين أن يفارقها أو يُكَفِّر كفارة ظهار أو يكفر كفارة يمين؛ إن قلنا: إنه طلاق فارق، وإن قلنا: إنه ظهار لا يقربها حتى يُكَفِّر كفارة ظهار، وإن قلنا: يمين فهي يمين؛ إذا شاء قاربها ثم كَفَّر، وإن شاء كَفَّر ثم قاربها؛ لأن اليمين لا تحرم الشيء.
الجزء: 2 - الصفحة: 3092
قال: (وإن لم يَنْوِ شيئًا فَظِهارٌ) إن قال لزوجته: أنت كالميتة ولا نوى شيئًا يُحَمْل على أنه ظهار؛ لأنه نص في التحريم، وهم يرون -أعني: الأصحاب رحمهم الله- أن تحريم المرأة ظهار، وقد عرفتم الصواب فيما سبق، وأن تحريم المرأة يمين إلا أن يكون بلفظ الظهار.
(وإن قال: حلفتُ بالطلاقِ وكذبَ لزمَه حُكمًا) قوله: (وكذب) يعني: وقد كذب، (لزمه حكمًا) إذا قيل: (لزمه حكمًا) صار لا يلزمه باطنًا فيما بينه وبين الله، لكن لو حاكمته الزوجة لزمه.
مثال ذلك: قال له شخص: تفضل معنا، ادخل لتتغدى أو تتعشى، قال: أنا حالف بالطلاق ألَّا أدخل، وهو كاذب ما حلف، هذه الكلمة أمسكتها الزوجة، وقالت: إنك حلفت بالطلاق؛ فإن حاكمته إلى القاضي أُلْزِم بالطلاق، وإن لم تحاكمه فلا شيء عليه.
وهل الأولى أن تحاكمه أو أن تتركه؟
فيه تفصيل؛ إن علمت من زوجها أنه رجل ورع صادق حَرُمَ عليها أن تحاكمه؛ لأنها لو حاكمته لأدى إلى التفريق بينهما، وإن علمت أنه رجل لا يبالي ولا يهتم بهذه الأمور، وليس أكبر همه إلا أن تعود زوجته إليه، فهذا يجب عليها أن تحاكمه.
فإن ترددت فما الأولى؟ الأولى ألَّا تحاكم.
(لزمَه حُكمًا) ويش معنى (حكمًا)؟ يعني: إذا حاكمته، أما إذا لم تحاكمه فإنه يُدَيَّن فيما بينه وبين الله.
(وإن قال: أمرُك بيدِك مَلَكَتْ ًثلاثا ولو نوى واحدةً) هذا نوع من التوكيد، إذا قالت له زوجته: طلقني، طلقني، فكني منك، فقال لها: أمرك بيدك، الآن صار الأمر بيد من؟ الأمر بيدها؛ تطلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثة.
أما على القول الراجح فإنه لا فرق بين أن تطلق واحدة أو ثنتين أو ثلاثة، فلو قالت مثلًا: طلقت نفسي طلقة، فهي طلقة، طلقت نفسي طلقتين، فهما طلقتان، طلقت نفسي ثلاثًا، فهي ثلاث.
الجزء: 2 - الصفحة: 3093
وهذا من الفروق بين أن يقول لزوجته: أمرك بيدك، وبين أن يقول: وكلتك في طلاق نفسك؛ إذا قال: وكلتك لم تملك إلا واحدة، وإذا قال: أمرك بيدك، فـ (أمر) هنا بمعنى شأن، وهو مفرد مضاف فيعم كل شؤونها، ومن شؤونها أن تطلق ثلاثًا.
فهذا وجه الفرق.
إذا وكلها في طلاقها لم تملك إلا واحدة ما لم يعطها أكثر، وإذا قال: أمرُك بيدِك فإن (أمر) مفرد مضاف يعم، وهو بمعنى الشأن، فيكون جميع شأنها بيدها؛ إن شاءت طلقت واحدة أو اثنتين أو ثلاثة.
وعلى القول الراجح واحدة، حتى لو صرحت بالطلاق الثلاث فهي واحدة.
قال: (ولو نوى هو واحدةً) لو نوى واحدة فإنها تملك الثلاث، أما إذا قال: أمرك بيدك في طلقة واحدة، فلا تملك إلا واحدة.
قال: (ولو تراخى) يعني: حتى لو تراخى -أي تأخر- بأن قال لها: أمرك بيدك اليوم، وبعده بيوم أو يومين قالت: إني اخترت نفسي وطلقت نفسي، إذن لا يُشترط الفورية في قبولها، فلو تأخر فلا حرج.
قال: (ما لم يطأْ أو يُطَلِّقْ أو يفسخْ) هذه ثلاثة أشياء تبطل قوله لزوجته: (أمرك بيدك).
يقول: (ما لم يطأ)؛ لأن وطأه إياها؛ يعني: أنها لا تملك نفسها الآن؛ لأنه لو جعل لها ملك نفسها لتربص وانتظر حتى ينظر ما تفعل، فلما جامعها علمنا أنه عدل عن قوله الأول.
(أو يُطَلِّق) كذلك إذا طلق علمنا أنه فسخ قوله لها: أمرك بيدك؛ لأنه لو كان قد بقي لانتظر حتى ينظر ماذا تفعل أتطلق أم لا تطلق؟
(أو يفسخ) صراحة؛ يعني: يقول لها: إني قلت لك: أمرك بيدك، وإني الآن عادل عن ذلك وفاسخ هذا، فينفسخ.
فصار الأمر في الحقيقة بيدها وبيد الزوج؛ إذا لم يوجد ما يدل على أنه عزلها فالأمر بيد من؟ بيدها، وإن وُجِد ما يدل على أنه عزلها انفسخت وكالته.
(ويختص اختاري نفسك بواحدة وبالمجلس المتصل، ما لم يزدها فيهما).
الجزء: 2 - الصفحة: 3094
هناك فرق بين أمرك بيدك واختاري نفسك، إذا قال: اختاري نفسك فإنه لا بد أن ترد في نفس المجلس ولا تملك أكثر من واحدة، إلا إذا قال: اختاري نفسك اليوم أو غدًا، فيمتد الاختيار، أو قال: اختاري نفسك ولو بثلاث، فلها أن تختار بثلاث.
وحينئذٍ يُفَرَّق بين قوله: اختاري نفسك وبين قوله: أمرك بيدك، أمرك بيدك أوسع، لا تقتصر على واحدة ولا على المجلس، بل متى شاءت فعلت، وأما اختاري نفسك فإنه يختص بواحدة وبالمجلس المتصل.
وقوله: (ما لم يَزِدْها) أي: يزد امرأته، (فيهما) الضمير في قوله: (فيهما) يعود على قوله: (واحدة) وعلى قوله: (في المجلس المتصل)، فإن زادها على واحدة فعلى ما زاد، وإن زادها في المجلس بأن قال: اختاري نفسك اليوم أو غدًا أو متى شئت فعلى ما قال.
(فإن رَدَّتْ أو وَطِئَ أو طَلَّقَ أو فسخَ بَطَلَ خيارُها) عندي أنا: (بطل خيارها).
طالب: إي نعم.
الشيخ: هذه النسخة الصحيحة.
(إن ردت) يعني: لما قال لها: اختاري نفسك، قالت: لا أختار، فحينئذٍ يبطل اختيارها، لماذا؟ لأنها ردت، كالوكيل إذا وُكِّل ثم لم يقبل الوكالة.
(أو وَطِئَ أو طَلَّقَ أو فسخَ)، نقول في (وَطِئَ وطَلَّقَ وفسخَ) ما قلنا في المسألة التي قبلها؛ لأن وطأه وتطليقه وفسخه يدل على أنه عدل عن توكيلها.
باب ما يختلف به عدد الطلاق
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب ما يَختلفُ به عددُ الطَّلاق).
كان الناس في الجاهلية يطلق الإنسان ما شاء، وكان في ذلك ضرر كبير على النساء؛ لأن الواحد منهم يطلق المرأة، فإذا شارفت على انقضاء العدة راجعها، إذا راجعها صارت زوجة، فإذا صارت زوجة طلقها ثانية، إذا طلقها استأنفت العدة، فإذا شارفت العدة الثانية راجعها، ثم طلقها فاستأنفت العدة، فإذا شارفت العدة الثالثة راجعها ثم طلقها فاستأنفت العدة.
كم من عدة الآن؟ أربعة وخمس وست، تبقى المسكينة لا مزوجة ولا مطلقة، فجعل الله سبحانه وتعالى الأمر راجعًا إلى ثلاثة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3095
وما أكثر ما يرجع إلى الثلاث في الشريعة الإسلامية، الاستئذان كم؟ ثلاث، والكلام إعادته ثلاث، وكذلك العادات تثبت بالثلاث، فالرجوع إلى الثلاث في مواطن كثيرة في الشريعة الإسلامية.
جعل الله سبحانه وتعالى للزوج الخيار في ثلاث تطليقات فقط.
يقول المؤلف: (يَملكُ مَنْ كلُّه حرٌّ ثلاثًا)، عندكم هكذا؟
طلبة: (أو بعضه).
الشيخ: أنا ما هي عندي، (يَملكُ مَنْ كلُّه أو بعضُه حرٌّ ثلاثًا).
طالب: لا يا شيخ، أنا (من كله حر أو بعضه).
الشيخ: نعم، (من كله حر)؟
الطالب: (أو بعضه).
طالب آخر: نسختي -يا شيخ- ( ... ).
الشيخ: ما يخالف.
(يَملكُ مَنْ كلُّه أو بعضُه حرٌّ ثلاثًا) يعني: ثلاث تطليقات، فيطلق ثم يراجع، ويطلق ثم يراجع، ويطلق ثم لا يراجع.
هذا إذا كان حرًّا أو بعضه حرًّا.
أما إذا كان حرًّا فالأمر واضح؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني أيش؟ الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. هذا إذا كان كله حرًّا.
إذا كان بعضه حرًّا وبعضه رقيقًا؛ يعني: نصفه حر ونصفه رقيق، هل نقول: إننا نعطيه بقدره أو نكمل له العدد؟
يقول المؤلف: إنه يكمل له العدد؛ لأن الطلاق لا يتبعض، فإما ثنتان وإما ثلاثة.
قال: (والعبدُ اثنتينِ) يعني: ويملك العبد تطليقتين؛ وذلك لأن الرقيق على النصف من الحر؛ عدة المرأة الأمة نصف عدة الحرة، جلد الزاني في الإماء والعبيد نصف جلد الأحرار، وهلم جرًّا.
وقوله: (العبد اثنتين) قياسًا على بقية الأحكام التي تتنصف.
لكن لو قال قائل: لماذا لم يُجعل العبد واحدة ونصفًا، إذا كان الحر ثلاثًا فالعبد واحدة ونصف؟ لا يمكن يتبعض.
طيب، لماذا لم يُجعل واحدة احتياطًا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3096
نقول: في هذا هضم لحق العبد؛ ولهذا كان القول الآخر في هذه المسألة أن العبد له ثلاثة؛ لعموم الأدلة، فيملك الحر ثلاثًا ويملك العبد ثلاثًا.
قال: (حُرَّةً كانتْ زوجتاهُما أو أَمَةً) (حُرَّةً كانتْ زوجتاهُما)، زوجتا من؟ الحر والعبد، (أو أمة).
لننظر؛ أولًا كون زوجة الحر حرة واضحة، هل يمكن أن تكون زوجة الحر أمة؟ يمكن، لكن بشروط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25]، فيجوز للحر أن يتزوج أمة إذا خاف المشقة بترك النكاح ولم يجد مهرًا للحرة يتزوج أمة.
هل يمكن للعبد أن يتزوج حرة؟ نعم، يمكن، يجوز أن يتزوج حرة بدون شروط، كالحر تمامًا.
إذن يمكن أن يكون الزوج حرًّا والزوجة أمة، أو الزوج رقيقًا والزوجة حرة؛ ولهذا قال: (حرةً كانت زوجتاهما أو أمة)، إذن فاعتبار العدد بحسب الأزواج ولَّا بحسب الزوجات؟ بحسب الأزواج.
(فإذا قال: أنتِ الطَّلاقُ، أو طلاق، أو عليَّ الطلاق، أو يَلزمُني الطلاق، وقع ثلاثٌ بنيِّتِها وإلا فواحدةٌ).
شوف قال لزوجته: (أنت الطلاق)، ويش معنى (أنت الطلاق)؟ معنى (أنت الطلاق) أنت الطالق، لكنه عبر بالمصدر عن اسم الفاعل مبالغة، والتعبير بالمصدر عن اسم الفاعل أو اسم المفعول موجود في اللغة العربية؛ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (10) بمعنى مردود.
إذن إذا قال لزوجته: أنت الطلاق، معناه أيش؟ أنت الطالق؛ لأن هذا مصدر أريد به اسم الفاعل.
(أنت طلاق) بمعنى: أنت طالق.
(عليَّ الطلاق) يعني بمعنى: يلزمني؛ لأن (على) تفيد الوجوب.
(يلزمني الطلاق) أيضًا تفيد الوجوب.
لكن هذا إذا أراد الإنشاء في قوله: (عليَّ الطلاق، يلزمني الطلاق) إذا أراد الإنشاء، أما إذا أراد الخبر؛ بمعنى أن عليه أن يطلق يلزمه أن يطلق، فهذا لا يقع به الطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3097
يقول: (وقع ثلاث بنيتها وإلا فواحدة) شوف (أنت الطلاق) كم يقع؟
طالب: ثلاثًا.
الشيخ: لا، يقع واحدة ما لم ينو الثلاث؛ ولهذا قال: (وقع ثلاث بنيتها وإلا فواحدة).
وحينئذٍ نقول: ماذا أردت بقولك: أنت الطلاق؟ إذا قال: أردت الثلاث وقع ثلاثًا، وإذا قال: أردت واحدة وقع واحدة، إذا قال: لم أرد شيئًا إلا الطلاق يقع واحدة، فيقع واحدة في مسألتين: المسألة الأولى إذا نوى الواحدة، والمسألة الثانية إذا أطلق.
إذا قال قائل: الثلاث والواحدة متباينات، فكيف يقع في كلمة واحدة إما ثلاث وإما واحدة؟
نقول: لأن (أل) هنا صالحة للجنس وصالحة للاستغراق، إذا جعلناها للاستغراق يقع ثلاثًا، وإذا جعلناها للجنس فأقل ما يقع عليه الجنس واحدة.
أما كلمة (طلاق)، إذا قال: (أنت طلاق) فكم يقع؟ المؤلف يقول: يقع واحدة ما لم ينوِ أكثر، فإن نوى أكثر وقع؛ وذلك لأن كلمة (طلاق) مصدر بمعنى طالق، وهو إذا نوى بـ (طالق) ثلاثًا وقع الثلاث.
والقول الراجح في هذه المسائل الأربع، ويش يقع؟
طالب: واحدة فقط.
الشيخ: ولو نوى ثلاثًا؟
طلبة: ولو نوى ثلاثًا.
الشيخ: ولو نوى ثلاثًا.
طالب: إن طلق الرجل المرأة طلقة واحدة، ثم تزوجت بعده بزوج آخر، ثم طلقها، فتزوجت بالأول مرة ثانية، هل يملك الزوج الأول الثنتين الباقية أو ( ... )؟
الشيخ: يعني تزوُّج هذا الرجل الآخر هل يهدم الطلاق السابق أو لا، هذا معناه؟
الطالب: إي.
الشيخ: طيب، لا يهدم الطلاق السابق إلا إذا كان نكاح الثاني شرطًا لحلها للأول فيهدمه، فهمتم السؤال والجواب يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!
الجزء: 2 - الصفحة: 3098
ويَقَعُ بلَفْظِ كلِّ الطلاقِ أو أَكثرِه أو عددِ الْحَصَى أو الريحِ أو نحوِ ذلك ثلاثا ولو نَوَى واحدةً، وإن طَلَّقَ عُضوًا أو جُزْءًا مَشاعًا أو مُعَيَّنًا أو مُبْهَمًا أو قالَ: نصْفَ طَلْقَةٍ أو جُزءًا من طَلْقَةٍ طَلُقَتْ، وعكْسُه الروحُ والسنُّ والشَّعَرُ والظُّفْرُ ونحوُه، وإذا قالَ لِمَدخولٍ بها: أنتِ طالقٌ وكَرَّرَه وَقَعَ العددُ إلا أن يَنْوِيَ تأكيدًا يَصِحُّ أو إفهامًا، وإن كَرَّرَه ببل أو بثم أو بالفاءِ، أو قال بعدها، أو قبلها أو معها طلقة وقع اثنتان.
وإن لم يَدخلْ بها بانَتْ بالأُولَى، ولم يلزمه ما بعدها.
والْمُعَلَّقُ كالْمُنْجَزِ في هذا.
(فصلٌ)
ويَصِحُّ منه استثناءُ النصفِ فأَقَلَّ من عددِ الطلاقِ والْمُطَلَّقَاتِ، فإذا قال: أنت طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة، وإن قال: ثلاثا إلا واحدة فطلقتان.
وإن اسْتَثْنَى بقَلْبِه من عَددِ الْمُطَلَّقَاتِ صَحَّ دونَ عَددِ الطَّلَقاتِ، وإن قالَ: أَرْبَعُكنَّ إلا فُلانةَ طَوالِقُ صَحَّ الاستثناءُ ولا يَصِحُّ استثناءٌ لم يَتَّصِلْ عادةً، فلو انْفَصَلَ وأَمْكَنَ الكلامُ دونَه بَطَلَ، وشَرْطُه النيَّةُ قبلَ تمام ما اسْتَثْنَى منه.
(بابُ الطلاقِ في الماضي والمستقبَلِ)
إذا قالَ: أنت طالقٌ أَمْسِ أو قبلَ أن أَنْكِحَكِ ولم يَنْوِ وُقوعَه في الحالِ لم يَقَعْ، وإن أرادَ بطَلاقٍ سَبَقَ منه أو من زَيدٍ وأَمْكَنَ قبلُ، فإنْ ماتَ أو جُنَّ أو خَرِسَ قبلَ بيانِ مُرادِه لم تَطْلُقْ، وإن قال: أنت طالقٌ ثلاثًا قبلَ قُدومِ زيدٍ بشهرٍ فقَدِمَ قبلَ مُضِيِّه لم تَطْلُقْ، وبعدَ شَهْرٍ وجزءٍ تَطْلُقُ فيه يَقَعُ، فإن خالَعَها بعدَ اليمينِ بيومٍ وقَدِمَ بعدَ شهرٍ ويومينِ صَحَّ الْخُلْعُ وبَطَلَ الطلاقُ، وعكسُهما بعدَ شهرٍ وساعةٍ، وإن قالَ: طالقٌ قبلَ مَوْتي طَلُقَتْ في الحالِ، وعكسُه معَه أو بعدَه.
(فصلٌ)
الجزء: 2 - الصفحة: 3099
وإن قالَ أنتِ طالقٌ إن طِرْتِ أو صَعِدْتِ السماءَ أو قَلَبْتِ الْحَجَرَ ذَهَبًا.
ونحوَه من المستحيلِ لم تَطْلُقْ، وتَطْلُقُ في عكسِه فورًا وهو النَّفْيُ في المستحيلِ مثل لأقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ أو لأَصْعَدَنَّ السماءَ ونحوَهما، وأنتِ طالقٌ اليومَ إذا جاءَ غدٌ لَغْوٌ، وإذا قال: أنتِ طالقٌ في هذا الشهرِ أو اليومَ.
طَلُقَتْ في الحالِ، وإن قال: في غدٍ أو السبتِ أو رمضانَ.
طَلُقَتْ في أَوَّلِه، وإن قالَ: أَرَدْتُ آخِرَ الكلِّ.
دُيِّن وقُبِلَ، وأن قال أنتِ طالقٌ إلى شهرٍ.
طَلُقَتْ عندَ انقضائِه إلا أن يَنْوِيَ في الحالِ فيَقَعَ، وطالقٌ إلى سنةٍ.
تَطْلُقُ باثْنَيْ عشرَ شَهْرًا، وإن عَرَّفَها باللامِ.
طَلُقَتْ بانسلاخِ ذي الْحِجَّةِ.
(بابُ تعليقِ الطلاقِ بالشروطِ)
لا يَصِحُّ إلا من زوجٍ
طالب: إن طلَّق الرجل المرأة طلقة واحدة، ثم تزوجت بعده برجل آخر ثم طلقها فتزوجت بالأول الذي فارقها، هل يملك الزوج الأول الثنتين الباقية أو يملك من جديد؟
الشيخ: يعني: تزوُّجها برجل آخر، هل يهدم الطلاق السابق أو لا، هذا معناه؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا يهدم الطلاق السابق إلا إذا كان نكاح الثاني شرطًا لحِلِّها للأول فيهدمه، فهمتم السؤال والجواب يا جماعة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله؛ رجل طلق زوجته مرة، ثم تزوجت برجل آخر، ثم طلقها أو مات عنها وعادت للأول، فهل تعود على طلاق ثلاث أو على ما بقي من طلاقها اثنتين؟ على ما بقي من طلاقها؛ لأن الزوج الثاني لا يهدم طلاق الأول إلا إذا كان شرطًا لحلها للأول، ولا يكون شرطًا لحلها للأول إلا إذا كان الأول طلقها ثلاثًا.
وعلى هذا فإذا طلق الرجل زوجته مرتين ثم تزوجت بآخر ثم طلقها وعادت للأول، كم بقي عليه؟ واحدة.
وإذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت آخر ثم طلقها وعادت للأول، كم يملك؟ ثلاثًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3100
فإذا قال قائل: إذا كان الزوج الثاني يهدم الثلاث، فليهدم الثنتين والواحدة؟ قلنا: لا، هذا قياس مع الفارق؛ لأنه بالثلاث نكاحها الزوج الثاني شرط لحلها الأول، فإذا طلقها عادت إلى الأول كأنه الآن تزوجها؛ لأنها بالأول كانت حرامًا عليه حتى تزوجت الثاني، فلما كان زواج الثاني شرطًا لحلها بالأول وأن هذه المرأة انقلبت حلالًا للأول بعد أن كانت حرامًا عليه، صار الثاني يهدم الطلقات الأولى.
أما إذا كان الطلقة مرة أو مرتين، فهل نكاحها الثاني شرط لحلها للأول؟ لا، ولذلك لم يؤثِّر شيئًا، انتبهوا لهذا.
على أن المرأة إذا تزوجت بعد طلاقها، فإن كان هذا النكاح شرطًا لإحلالها للأول فإنها ترجع للأول بأيش؟ بثلاث، وإن لم يكن شرطًا فإنها ترجع إلى الأول بما بقي من طلاقها، هذه هي القاعدة.
طالب: إن كان طلق الرجل صغيرة؟
الشيخ: طلق صغيرة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، كم عمرها؟
الطالب: صغيرة لم تحض.
الشيخ: كم عمرها؟
الطالب: عشر سنوات، ثم بعد شهر حاضت، فكيف تكون عدتها بالحيض أو بأربعة أشهر وعشر؟
الشيخ: إذا لم تتم العدة بالأشهر ترجع إلى الحيض.
الطالب: من جديد؟
الشيخ: إي، من جديد.
طالب: اشتراط هذا الشرط أنها ترجع للزوج الأول ألا يعتبر محللًا.
الشيخ: لا، كيف محلل؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أبدًا، تزوجها الزوج الثاني على أنها راغبة، لكنها ما ( ... ) له، ألقى الله في قلوبهما الكراهية للآخر، هذا محلل؟ أجب.
الطالب: لا.
الشيخ: أو مات عنها، المحلل الذي ينوي أو يشترط على أنه متى أحلها للأول طلقها.
طالب: الصغيرة إذا طلقت وحاضت في حال العدة، هل لها .. ؟
الشيخ: تستأنف العدة بارك الله فيك.
الطالب: هل لها ترجع له ( ... )؟
الشيخ: كيف ترجع؟
الطالب: هل مثلًا أن يراجعها ( ... )؟
الشيخ: له أن يراجعها ما دامت في العدة سواء بالأشهر أو بالحيض، أفهمت.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أفهمت؛ قل: لا ولَّا نعم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الحمد لله ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3101
طالب: قال المصنف رحمه الله: ويقع بلفظِ: كلَّ الطلاق أو أكثرَه أو عددَ الحصى، والريح، ونحو ذلك ثلاثٌ ولو نوَى واحدةً، وإن طلَّق عُضْوًا أو جُزْءًا مُشاعًا أو مُعيَّنًا أو مُبهَمًا أو قال: نصف طلقةٍ، أو جُزءًا من طلقةٍ طلقت، وعكسُه الرُّوحُ والسنُّ والشَّعرُ والظِّفرُ ونحوُه، وإذا قال لمدخول بها: أنت طالقٌ وكَرَّره وقع العددُ، إلا أن ينويَ تأكيدًا يصحُّ أو إفهامًا، وإن كرَّره بِبَلْ أو بثُمَّ أو بالفاءِ أو قال: بعدَها أو قَبلَها أو معها طلقةٌ وقع اثنْتانِ، وإن لم يَدخلْ بها بانتْ بالأُولَى ولم يلزَمْه ما بعدَها، والمعلَّق كالمُنَجَّزِ في هذا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق أن الطلاق الذي يملكه الإنسان فيه الرجعة هو اثنتان، وبعد الثالثة لا رجوع؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أي: الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230].
وسبق لنا أن القول الراجح أن طلاق الثلاث واحدة، سواء وقع بكلمة واحدة أو بكلمات، أو في مجلس أو مجالس، ما لم يراجع أو يعقد عقدًا جديدًا، بأن تكون انتهت العدة ثم عقد عليها.
ويقول المؤلف رحمه الله بناء على أن الطلاق الثلاث يقع بلفظه، يقول: (ويقع بلفظِ: كلَّ الطلاق)، أنت طالق كلَّ الطلاق يقع ثلاثًا، أنت طالق أكثرَ الطلاق، كم أكثر الطلاق؟ ثلاث (أو أكثره)، أنت طالق (عددَ الحصى) كم يقع؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: لأن الحصى، ثلاث ولَّا أكثر؟ أكثر.
(عدد الريح)؛ كم عدد الريح؟
طالب: أربعة.
الشيخ: إن أراد أنواعه فأربعة، وإن أراد أفراده فلا تفصيل.
(أو نحو ذلك) كعدد النجوم، كعدد الخبز، كعدد شعر رأسك، وما أشبه ذلك، يقع (ثلاثٌ) فاعل (يقع).
(ولو نوى واحدة)، كيف (ولو نوى واحدة)؟ أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (1)؟ فالجواب نعم ولَّا بلى؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3102
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، لكن النية إذا كانت تخالف صريح اللفظ فلا عِبْرَة بها؛ ولهذا لو قال: والله لا آكل الخبز ثم أَكَلَه، وقال: نويت والله لا آكل الخبز والله لا ألبس الثوب، ينفع ولَّا ما ينفع؟ ما ينفع.
هذا صرَّح، قال: عدد الحصى، عدد الريح، كل الطلاق؛ فالنية إذا خالفت صريح اللفظ لا عبرة بها، ولهذا قال: (ولو نوى واحدة).
ونحن نقول والحمد لله: يقع واحدةً ولو نوى ثلاثًا، عكس كلام المؤلف تمامًا، القول الراجح أنه لا يقع بهذه الألفاظ إلا واحدة ولو نوى ثلاثًا؛ لأنه لو صرَّح بالثلاث صارت واحدة.
(فإن طلَّق عُضْوًا أو جُزْءًا مُشاعًا أو مُعيَّنًا أو مُبهَمًا أو قال: نصفَ طلقة، أو جزءًا من طلقة طلقت).
هذا هنا هل يتبعض الطلاق أو محل الطلاق أو لا يتبعض؟ أفادنا المؤلف بهذه الصور أنه لا يتبعض الطلاق، لا في ذاته ولا في محله.
إذا طلَّق عضوًا من أعضائها بأن قال: أصبعك طالق، تطلق هي أو أصبعها فقط؟ هي، لو قال: أريد أن أُبِين الأصبع وتبقى هي، يجوز أو لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: يعني: لو كان أحمق، قال: أريد أن أسوي عملية وأفصل هذا الأصبع الذي أوقعت عليه الطلاق علشان تبقى المرأة، يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز، ولا تستغربوا هذا، يقع من الحمقى مثل هذا أو أشد، هذا عضو من أعضائها.
(أو جزءًا مشاعًا أو معينًا أو مبهمًا).
الجزء المُشاع بأن قال: نصفك طالق، كم تطلق؟ تكون كالمبعض بعضها يومًا طالق ويومًا غير طالق، ولَّا كلها تطلق؟ كلها تطلق.
إذا قال: جزء من ألف جزء منك طالق، تطلق كلها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: بارك الله فيكم.
(أو جُزْءًا مُشاعًا)، هذا المشاع.
(أو مُعَيَّنًا) بأن قال: نصفك طالق؟
طالب: تطلق.
الشيخ: تطلق أو لا؟ لا؛ قلنا: نصف طالق هذا المشاع.
(معينًا) بأن قال: يدك هذا الجزء منك طالق، ما قال: نصفك أو ربعك؛ هذا الجزء طالق، أيش نقول؟ تطلق كلها.
يقول: (أو مبهمًا بأن قال: بعضُك طالق) تطلق كلها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3103
إذن لا يتبعض الطلاق في أيش؟ في محله، ما يتبعض، متى وقع الطلاق على جزء من بدن المرأة مشاع أو معين أو مبهم وقع الطلاق.
ولا يتبعض أيضًا في ذاته، إذا قال: أنت طالق (نصف طلقة)، كم تطلق؟ واحدة فقط.
إذا قال: أنت طالق نصف طلقة ونصف طلقة ونصف طلقة، تقعُ ثلاثًا؟
طالب: واحدة.
الشيخ: ثلاثة يا أخي.
طالب: واحدة.
الشيخ: أنا أقولها حقيقة، ما هو امتحانًا، تطلق ثلاثًا، إذا قال: أنت طالق نصف طلقة، وكمَّل قال: ونصف طلقة طلقة ثانية، ونصف طلقة طلقة ثالثة، ما نقول: طلقت طلقة ونصف.
كذلك أيضًا إذا قال: أنت طالق جزءًا من طلقة، كم تطلق؟ واحدة، بعضًا من طلقة؟ واحدة.
(وعكسُه) يعني: لا تطلق (الروح والسن والظفر ونحوه).
عكسه الروح؛ إذا قال: روحك طالق، ما تطلُق، تطلق الروح ولا يطلق البدن، هكذا، لكن هذا غريب يعني؛ الجسم بلا روح ما الفائدة منه؟ لا شيء؛ ولهذا إذا كنا نقول: إذا قال: نصفك طالق تطلق كلها، فإذا قال: روحك طالق طلقت كلها بلا شك، من يريد امرأة جيفة ما فيها روح؟ أحد يريدها؟ لا أحد؛ ولذلك هذا لا شك أنه قول ضعيف؛ والصواب أنه إذا قال: روحك طالق فإنها تطلق؛ لأنه لا أحد يختار جسمًا بلا روح.
كذلك إذا قال: سِنُّكِ طالق؛ يقول: (وعكسه السن)؛ إذا قال: سِنُّكِ طالق، لا تطلق، وهل تخلع السن لأن السن طلق أو لا؟ لا تخلعه؛ لماذا لا تطلق إذا قال: سنك طالق؟ قالوا: لأن السن في حكم المنفصل.
إذا قال: شعرُكِ طالق.
لا تطلق؛ لأن الشعر في حكم المنفصل.
إذا قال: ظفرك طالق.
لا تطلق؛ لأنه في حكم المنفصل.
إذا قال: لسانك طالق.
تطلق؟
طالب: تطلق.
الشيخ: ليش؟ لأنه جزء متصل.
إذا قال: خاتَمُك طالق؟ لا تطلق، نعم.
قال: (وعكسه السِّنُّ والشعر والظفر ونحوه، وإذا قال لمدخول بها: أنت طالقٌ وكَرَّره وقع العددُ).
(لمدخول بها) أي: موطوءة، ومثلُها مَنْ خلا بها، إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يقول المؤلف: (وقع العدد)، كم العدد؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3104
طلبة: أربعة.
الشيخ: لكن الذي يقع ثلاثة؛ إذن قوله: (وكرره) أي: ثلاثًا؛ لأن ما زاد عن الثلاث لا فائدة منه.
إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يقول المؤلف: (وقع العدد)؛ لأن المرأة المطلقة إذا كان مدخولًا بها لزمتها أيش؟ العدة، والعدة هنا عدة رجعية، والرجعية يلحقها طلاقها.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: لا يلحقه إلا الطلقة الأولى فقط، والثانية والثالثة لا تلحقه؛ لأن الطلقة الثانية والثالثة ليست للعدة، وقد قال الله تعالى: ﴿طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، العدة متى ابتدأت؟ من الطلقة الأولى، الثانية ليس لها عدة، الثالثة ليس لها عدة.
لو قال: أنت طالق اليوم، وغدًا أنت طالق، وبعد غد أنت طالق، فالطلقتان الأُخْريان ليستا للعدة، ومعنى قولنا: ليستا للعدة، أنها لا تستأنف العدة بهما، فإذا قُدِّر أنه قال: أنت طالق اليوم، واليوم الثامن عشر، وقال: أنت طالق يوم ثمانية وعشرين، وقال: أنت طالق يوم ثمانية من الشهر الثاني، هل تبتدئ العدة من جديد من الشهر الثاني؟ لا، إذا كانت لا تبتدئ العدة من جديد فإن هذا الطلاق يكون طلاقًا لغير العدة، وقد قال الله تعالى: ﴿طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
شيخ الإسلام رحمه الله يقول: لا يَتَكَرَّر الطلاق بتكرر لفظه أبدًا، لو تكرر ألف مرة، إلا إذا أيش؟ إذا راجعها؛ لأنه إذا راجعها ثم طلقها ابتدأت العدة من جديد، أو تزوجها بأن انقضت العدة ثم تزوجها ثانية وطلقها فتقع.
المهم أن قول المؤلف: (وَقَعَ العددُ) نقول: هذا المذهب، وهو الذي عليه جمهور العلماء، والقول الثاني هو الراجح أنه لا يلحقُهُ إلا الطلاق الأول فقط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3105
يقول: (إلا أن ينويَ توكيدًا يصحُّ أو إفهامًا) (إلا إذا نوى توكيدًا يصح) والتوكيد الذي يصح هو الذي يكون بلفظ الأول وبدون فصل وبدون عطف، وإن شئت أَدْخِل العاطف مع الفصل، هذا الذي يكون توكيدًا يصح؛ مثلُ أن يقول: أنت طالق، أنت طالق، هكذا اللفظ، قلنا: عليك طلقتان، قال: أردت بالثانية توكيدَ الأولى، ماذا تقولون؟ يصح؛ لأن هذا توكيد مُتَّصِل غير معطوف وبلفظ الأول، فإذا قال: أردت التوكيد، قلنا: ليس عليك إلا واحدة.
قال: أنت طالق، ثم أنت طالق؟ يصح التوكيد ولّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟ لأن العطف يقتضي المغايرة، فكيف يقول: إنه يريد التوكيد وهو بالعطف.
قال: أنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق، وقال: أردت بالثالثة توكيد الثانية، كم يقع؟
طالب: ثلاثة.
طالب آخر: اثنين.
الشيخ: يا إخواني.
طالب: واحدة.
الشيخ: واحدة، بقي لا يقع شيء؛ لأنه واحد قال: يقع واحدة، وواحد قال: يقع ثلاث، مجدي قال: يقع ثنتين، وبقي من يقول: لا يقع شيئًا.
اسمع، أنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق، وقال: أردت بالثالثة توكيد الثانية؟ يَصِحُّ، وتطلق مرتين؛ لأن الثالثة بلفظ الثانية، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق، التوكيد يصح، أليس كذلك؟ اللفظ واحد، والكلام متصل.
طالب: لكن العطف؟
الشيخ: العطف، جاءتا بحرف العطف بالثانية والثالثة؛ ولهذا لو قال: أردت بالثالثة توكيد الأولى، قلنا: لا يصح؛ لأنه أتى بحرف العطف؛ ولأنه فُصِلَ بينهما، لكن إذا قال: أردت بالثالثة توكيد الثانية قُبل.
أو قال: أنا أردت إفهام المرأة، بأن قال: أنت طالق، قالت: وأيش تقول؟ قال: أنت طالق، قالت: وأيش تقول؟ قال: أنت طالق، كَرَّرَها كم؟
طلبة: ثلاثًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3106
الشيخ: لكن يريد أيش؟ يريد إفهامَهَا، ليس عليه شيء إلا واحدة فقط؛ فلو قالت: إنه كررها ثلاثة مرات فقد بَانَت منه، وقال: إنما أردت الإفهام؛ لأنك أنت تستفهمين؛ تقولين: ما تقول؟ فقلت: أنت طالق؛ فإذا أراد بالتكرار التوكيد الذي يصح، والثاني الإفهام.
إذا قال: أنت طالق، ثم قال: ائت بالغداء، جاءت بالغداء وتغدى، ثم قال: أنت طالق، وقال: أردت بالثانية توكيد الأولى؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟ لوجود الفصل بينهما فلا يقع إلا واحدة.
قال: أنت طالق ثم أخذته سَعْلة، يعني كحة، وجعل يكح، استمر إلى نصف ساعة، ثم قال: أنت طالق، وقال: أردت التوكيد؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: لماذا؟ لأن الفصل هنا لعذر، ما يستطيع يتكلم.
المهم أنه إذا كَرَّرَ الطلاق وقع العدد، وهذا إذا كَرَّر الجملة – انتبه لها – أما إذا كَرَّر جزء الجملة بأن قال: أنت طالق، طالق، طالق، فيقعُ واحدةً إلا أن ينويَ أكثر، هذا المذهب، وهذه يغلط فيها حتى بعض طلبة العلم؛ يظنون أن قوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وقوله: أنت طالق طالق طالق سواء، وليس كذلك، إذا كرر الجملة برمتها وقع العدد، إذا كرر الخبرَ وحده فكم؟ واحدة ما لم ينوِ أكثر؛ لأنه إذا نوى أكثر صار المعنى: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، لكن إذا قال: ما نَوَيْتُ لا واحدة ولا أكثر؟ قلنا: هي واحدة، انتبه لهذا.
وإذا قال: أنت طالق أنت أنت؟ كم يقع؟ واحدة.
إذا كرَّر الخبر فهي واحدة ما لم ينوِ أكثر، وإن كرر المبتدأ فليس بشيء.
وإن كَرَّرَ الجملة كلها؟
طالب: ثلاث.
الشيخ: لا، ما هي ثلاث.
طالب: واحدة.
طالب آخر: توكيد.
طالب آخر: يقع العدد.
الشيخ: يقع العدد، يا إخوان، قد يكون مرتين، يقع العدد (إِلَّا أن ينويَ توكيدًا يصحُّ أو إفهامًا).
(وإن كرَّره بِبَلْ أو ثُمَّ أو بالفاءِ وقع اثنْتانِ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3107
إذا كرره ببل وقع اثنتان، ولو قال: نويت التوكيد، فإذا قال: أنت طالق، بل أنت طالق، كم يقع؟ اثنتان، فإذا قال: أردت التوكيد، قلنا: لا يصح لوجود العطف، والعطف يقتضي المغايرة.
(أو بِثُمَّ)، قال: أنت طالق، ثم أنت طالق، (يقع اثنتان) كما قال المؤلف، وعلى القول الراجح سمعتم أنه لو كرره ألف مرة بأي صيغة فهو واحدة.
(أو بثم أو بالفاء) بأن قال: أنت طالق فأنت طالق، وقع اثنتان.
(أو قال: أنت طالق بعدها طلقة، أو أنت طالق قبلها طلقة، أو أنت طالق معها طلقة) يقعُ اثنتان.
الفقهاء رحمهم الله يَذْكُرون هذه الأمثلة، وإن كانت بعضها قليل الوقوع أو معدوم الوقوع، تمرينًا للطالب من وجه، وترسيخًا للقواعد من وجه آخر.
(وإن لم يَدخلْ بها) المؤلف يقول بالأول: (وإذا قال لمدخول بها)، (إن لم يَدخلْ بها) يعني: ولم يخل بها، يجب أن يضاف: ولم يخل بها (بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها).
(بانت بالأولى) وأيش معنى (بانت)؟ يعني: طلقت طلاقًا بائنًا؛ مثال ذلك: رجل تزوج امرأة وعقد عليها، وكلمها في التليفون، وقامت تتحدث معه وأغضبته، فقال لها في التلفون: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق بغضب يدرك ما يقول، كم تطلق؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة؟ !
طالب: تبين منه.
الشيخ: يا إخواني، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق عدد الحصى والنجوم والشمس والقمر والبهائم والأنعام؟ كم؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: ليش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لأنه لما قال: أنت طالق خلاص، انتهت منه، بانت، عليها عِدَّة ولّا ما عليها؟ ما عليها عدة، وهذا هو السبب أنها تَبِين بالأولى ولا يلزمه ما بعدها، هذا هو السبب؛ لأنها تبين بالأولى بلا عدة، ولا يمكن أن يلحقها الطلاق إلا إذا كانت في عدة.
ولهذا قال: (وإن لم يدخل بها بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها)، عندي أنا: (ولم يلزمه وما بعدها) نسخكم كذا؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: (ولم يلزمه ما بعدها).
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3108
الشيخ: لا، غلط (ولم يلزمه ما بعدها).
الطالب: ( ... ).
الشيخ: امسحها.
(ولم يلزمه ما بعدها، والمُعلَّق كالمُنجَّز في هذا).
(المعلَّق)؟ ! هل الطلاق جسم يعلق؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لكنه يُعَلَّق بأدوات الشرط، مثل يقول: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كم يقع في المدخول بها؟
طالب: واحدة.
الشيخ: كم يقع في المدخول بها؟ ثلاث.
طالب: العدد.
الشيخ: العدد، وإذا قال لغير المدخول بها؟ واحدة.
فالمنجَّز أن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق الآن، أو يقول: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، على حد سواء.
طالب: إذا راجعها ليلقي عليها طلاقًا آخر، فهل يقع؟
الشيخ: أيش اللي يقع؟ الطلاق؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، يقع.
الطالب: ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: لكن ( ... ) ينبني على مسألة إذا راجع للإضرار، فإذا راجع للإضرار فبعض العلماء يقول: ما تصح الرجعة، وهو ظاهر القرآن؛ بناء على هذا نقول: الرجعة هذه غير صحيحة.
طالب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله ..
الشيخ: هذه الصيغة يا أخي هل سمعت أحدًا من الصحابة أو التابعين يقول: والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؟
الطالب: ( ... ) شيخ الإسلام أنه يبدأ بها.
الشيخ: يبدأ بهذه؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: بس، هل الصحابة يفعلون هذا؟ هل أحد قال: إنه فيه نبي بعده من المسلمين؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ندري، ما أحد قال: إنه فيه نبي بعده من المسلمين، من قال: فيه نبي بعده ما صار مسلمًا، أعد الصلاة على الرسول.
طالب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد.
الشيخ: (ثم أما بعد) هل وجدت أحدًا قال: ثم أما بعد؟ ! أو قال: أما بعد؟ أعد.
الطالب: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، أما بعد:
فصل في الاستثناء في الطلاق
الجزء: 2 - الصفحة: 3109
ويصحُّ منه استثناءُ النِّصفِ فأقلَّ من عددِ الطَّلاقِ والمُطلَّقاتِ، فإذا قال: أنتِ طالقٌ طَلقتينِ إلا واحدةً، وقعت واحدةٌ، وإن قال: ثلاثًا إلا واحدةً فطلقتانِ، وإن استثنى بقلبِه من عدد المُطلَّقاتِ صحَّ الاستثناء دون عدد الطَّلقاتِ، وإن قال: أربعكُنَّ إلا فلانةً طوالقٌ صحَّ الاستثناءُ، ولا يصحُّ استثناءٌ لم يَتصلْ عادةً، فلو انفصلَ و ( ... )، وشرطُه النيَّةُ قبلَ كمالِ ما استثنى منه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الفصل مهم جدًّا، وهو الاستثناء في الطلاق أو المطلقات.
يقول المؤلف رحمه الله: (ويصحُّ استثناءُ النِّصفِ فأقلَّ من عددِ الطلقات والمُطلَّقاتِ).
يعني: إذا ذكر عددًا في الطلاق أو المطلقات واستثنى فلا بأس، لكن بشرط أن يكون أقل من النصف، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلى واحدة، صح الاستثناء؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: كم تطلق؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أنت طالق ثلاثًا إلَّا واحدة، كم؟
طالب: طلقتان.
الشيخ: طلقتين، إذا قال: طلقتين إلا واحدة؟
طالب: طلقة واحدة.
الشيخ: واحدة.
إذا قال: ثلاثًا إلا اثنتين؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، تطلق كم؟ تطلق ثلاثًا، إذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين تطلق ثلاثًا؛ لأن الاستثناء هنا غير صحيح، شرط الاستثناء أن يكون من النصف فأقل.
عندي له عشرة دراهم إلا ستة، كم يلزمه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: توافقونه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه استثنى أكثر من النصف.
عشرة إلا خمسة؟ خمسة؛ لأنه استثنى النصف.
عشرة إلا أربعة؟ ستة.
(المطلقات): إذا قال لزوجاته: أنتن الأربع طوالق إلا فلانة، يصح ولّا ما يصح؟ يصح؛ لأنه استثنى واحدة من أربع.
أنتن الأربع طوالق إلا فلانة وفلانة؟ يصح؛ لأنه استثنى النصف.
أنتن الأربع طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة؟ لا يصح، يطلق الأربعة.
ولهذا قال -انتبه لكلام المؤلف-: (يصحُّ استثناءُ النِّصفِ فأقلَّ)، (النصف) ثلاثة من ستة، (أقل) اثنان من ستة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3110
(من عدد الطلقات والمطلقات).
(فإذا قال: أنتِ طالقٌ طَلقتينِ إلا واحدةً، وقعت واحدةٌ، وإن قال: ثلاثًا إلا واحدةً فطلقتانِ).
أظن واضحًا الآن كلامنا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: (وإن استثنى بقلبِه من عدد المُطلَّقاتِ صَحَّ دُون عدد الطَّلقاتِ).
(إذا استثنى بقلبه) دون نطقه (من عدد المطلقات صح)، (دون عدد الطلقات).
فإذا قال: نسائي طوالق، ونوى بقلبه: إلا فلانة؛ يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأن النية تخصص العام.
(دون عدد الطلقات)، لو قال: أنت طالق ثلاثًا ونوى بقلبه: إلا واحدة، لم ينفعه ذلك، تطلق ثلاثًا.
على القول الراجح، إذا قال: أنت طالق ثلاثًا؟ واحدة.
لو قال: إلا واحدة، لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة؟ واحدة؛ لأن الراجح أن الطلاق الثلاث واحدة سواء استثنى أم لم يستثن.
(وإن قال أربعكن إلا فلانةً طوالق، صح الاستثناء).
(أربعكن)، أربعتكن ما تصح؛ لأن العدد يؤنث مع المذكر ويذكر مع المؤنث.
إذن (أربعكن) بدون تاء (إلا فلانة طوالق) يصح؛ لأنه استثنى أقل من النصف.
الخلاصة الآن: أن الاستثناء من عدد الطلقات أو المطلقات صحيح بشرط أن يكون من النصف فأقل، له شروط أخرى أيضًا.
الشرط الثاني للاستثناء: أن يتصل عادة؛ يكون المستثنى متصلًا بالمستثنى منه، فلو انفصل بحيث يمكن الكلام فإنه لا يصح.
مثال ذلك قال: نسائي الأربع طوالق، ثم التفت إلى صاحبه وقال: ويش الأخبار اليوم؟ ثم قال: إلا فلانة، يصح؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ لأنه لم يتصل.
أو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم سكت سكوتًا يمكنه أن يتكلم فيه، ثم قال: إلا فلانة، لا يصح؛ لأنه فصله بفاصل يمكنه أن يتكلم فيه.
ولو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم أخذه عطاس وجعل يعاطس، بقي في العطاس خمس دقائق، ثم قال: إلا فلانة.
طلبة: يصح.
الشيخ: يا إخواني، خمس دقائق؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: لأنه ما يمكن أن يتكلم، ولهذا قال المؤلف: (وأمكن الكلام دونه)، هذا لا يمكن يتكلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3111
ولو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم جاءه ما يفزعه وهرب على وجهه، ولما ذهب عنه الفزع قال: إلا فلانة؟
طالب: يصح.
الشيخ: فالظاهر أنه يصح؛ لأن هذا جاءه ما يشغل قلبه، وربما لا يمكن أن يتكلم؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74].
إذن الانفصال حَدُّه أن يمكن الكلام بين المستثنى والمستثنى منه، فإن لم يمكن لم يصح.
لو قال: نسائي الأربع اللاتي أتعبنني وأحزنني وجعلن حياتي جحيمًا وألبسنني ثوب الذل والعار وأرقتني فلم أنم ليلًا أو نهارًا، إلا فلانة، ما تقولون؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، ليش؟ لأن الكلام متصل، وهذه أوصاف يُبَيِّن السبب في أنه طلَّق الأربعة طلقة واحدة؛ لأن كل الناس يعتبون عليه؛ ليش طلقت أربع نساء؟ لكن إذا جاء بهذه الأوصاف ربما يُعْذَر.
الشرط الثالث: (النيَّةُ قبلَ كمالِ ما استثنى منه).
يعني أن ينوي المستثني الاستثناء قبل أن يُكمِّل المستثنى منه؛ فلو قال: نسائي الأربع طوالق، وقبل أن يكمل طوالق نوى أن يستثنى إلا فلانة، صحَّ أو لا؟ صح، ولو أنه أتمها ثم ندم، وفي الحال قال: إلا فلانة، لا يصح.
هذه شروط الاستثناء:
أولًا: أن ينويه قبل تمام المستثنى منه.
الثاني: أن يصل المستثنى بالمستثنى منه.
الثالث: أن يكون المستثنى النصف فأقل، وإن شئت فقل: ألا يزيد على النصف، أخصر: ألا يزيد على النصف.
هذه ثلاثة شروط، وكلُّها محل خلاف، فمن العلماء من قال: يجوز استثناء أكثر من النصف، يجوز، صحيح أنه خلاف الفصاحة لكنه جائز، فإذا قال: نسائي الأربع طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة، فهذا كقوله: امرأتي فلانة طالق، هذا معناه، لكن الكلام غير فصيح؛ لأنه لا يحتاج أن يقول: نسائي الأربع طوالق وهو لا يريد إلا واحدة، إذا شاء يقول: أيش؟ فلانة طالق.
عنده أربع نساء، يسمون فاطمة، عائشة، خديجة، زينب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3112
قال: نسائي الأربع طوالق إلا فاطمة، أجيبوا.
طلبة: صح.
الشيخ: صح، إلا فاطمة وعائشة؟
طالب: صح.
الشيخ: إلا فاطمة وخديجة؟
طالب: صح.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: حسبتها الأول وأنا ما ذكرتها.
إلا فاطمة وعائشة وخديجة؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: على القول الراجح يصح، لكنه خلاف الأولى.
نقول: من باق الآن؟ باق زينب، بدل ما تقول: إلا فاطمة وعائشة وخديجة، قل: زينب طالقة، وانتهينا، لكن نقول: ما دام استثنى فإنه يصح.
ثانيًا: يقول: يُشترط أن يكون متصلًا، والصحيح أنه لا يشترط أن يكون متصلًا، الدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، وذكر أشياء كثيرة مما حرمها الله عز وجل، وقال: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»، وذكر أشياء، ثم قال العباس: يا رسول الله: إلا الإذخر، فقال: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» (2)، وهذا الاستثناء صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، مع أنه فُصِل بكلام طويل، والرسول صلى الله عليه وسلم لم ينوه، وإنما نواه بعد أن ذكَّره العباس.
أتعلمون ماذا أجاب به القائلون بأنه لا بد من الاتصال والنية؟ قالوا: إن هذا نَسْخٌ.
شوف كيف الإنسان إذا كان له رَأْيٌ كيف يحاول أن يلوي أعناق النصوص إلى رأيه؟ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِلَّا الْإِذْخِرَ»، و (إِلَّا) مستثنى، ولا يمكن أن يكون جملة واحدة برأسه، لا بد أن يكون مبنيًّا على أيش؟ على كلام سبق، والكلام السابق: «لَا يُعْضَدُ شَوْكُها، وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (2)، لكن نقول: إنه يصح الاستثناء ما دام الإنسان في كلامه المتصل، سواء كان متصلًا بالاستثناء أو لا.
النية؟ الصحيح أنه لا يُشتَرط النية، وأن الإنسان لو نوى بعد أن أتم المستثنى منه ثم نوى واستثنى فلا بأس، الدليل؟ حديث العباس اللي معنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3113
دليل آخر أن سليمان: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَركًا لِحَاجَتِهِ وَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (3)، وإذا كان لم يحنث معناه أن الاستثناء صحيح.
المهم أن الصواب أنه متى استثنى فإنه يصح الاستثناء، فلو سمع رجل شخصًا يقول: نسائي الأربع طوالق؛ فلانة وفلانة وفلانة وفلانة، وله صاحب له إلى جنبه قال له: قل: إلا أُمَّ فلان أم عيالك امرأة طيبة حبيبة تحفظ السر وتعين المرء، قال: الله يذكرك بالخير، إلا فلانة، ما تقولون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: على المذهب؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: والصحيح أنه يصح.
يقال: الإنسان لو نواه من الأول، وأنه تَأَنَّى في الأمور، وبنى أموره على التروَّي لكان أحسن، لكن أحيانًا يُذَكَّر الإنسان فيذكر ( ... ).
باب الطلاق في الماضي والمستقبل
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
بابُ الطلاقِ في المَاضِي والمُسْتَقْبَل
إذا قال: أنتِ طالقٌ أمسِ أو قبلَ أن أنكِحَكِ، ولم ينوِ وقوعَه في الحالِ لم يقعْ، وإن أراد بطلاقٍ سبق منه أو من زيدٍ وأمكنَ قُبِلَ، فإن مات أو جُنَّ أو خرس قبل بيانِ مُرادِه لم تَطْلُقْ.
وإن قال: طالقٌ ثلاثًا قبلَ قدومِ زيدٍ بشهرٍ، فَقَدِمَ قبلَ مُضِيِّهِ لم تطلُقْ، وبعدَ شهرٍ وجُزءٍ تطلُقُ فيه يَقعُ، فإن خالعَها بعد اليمينِ بيومٍ وقدم بعد شهر ويومين صحَّ الخلع وبطل الطلاق، وعكسها بعد شهر وساعة.
وإن قال: طالقٌ قبل موتي، طَلقَتْ في الحالِ، وعكسُه معَه أو بعدَه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الطلاق في الماضي والمستقبل).
الجزء: 2 - الصفحة: 3114
اعلم أن العلماء رحمهم الله بناء على أن مؤلفاتهم للتعليم والتمرين يذكرون مسائل قد لا تقع، وإن وقعت فهي نادرة، حتى إنهم ذكروا لو مات عن عشرين جدة، عشرين جدة ( ... )؟ وكذلك لو أوصى بأشياء خيالية، يذكرون هذا تمرينًا للطالب.
هنا يقول: (باب الطلاق في الماضي والمستقبل).
الطلاق في الماضي هو ما سبق لفظَ الطلاق، ولو كان قبله بدقيقة، والمستقبل ما كان معه أو بعده، ولو بدقيقة.
فإذا قال لزوجته: أنت طالق الساعة التاسعة وثمان عشرة دقيقة، والآن نحن في التاسعة وتسع عشرة دقيقة، تطلق أو لا تطلق؟ يعني: قبله بدقيقة واحدة، فإنها لا تطلق؛ لأن الطلاق إنشاء، والإنشاء لا بد أن يكون مُقارِنًا للفظ أو متأخرًا عنه؛ لأنه إنشاء ليس إخبارًا.
أما إذا قال: أنت طالق أمس، يخبر عن طلاق وقع منه بالأمس، فإنها تطلق: بالقول الثاني هذا ولَّا بالطلاق الأول؟ بالطلاق الأول؛ لأن الثاني صار خبرًا وليس إنشاء.
إذا قال: أنت طالق أمس، ونوى وقوعه الآن، فالمؤلف يقول رحمه الله: (إذا قال: أنت طالق أمس ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع)، وظاهر كلامه أنه إذا نوى وقوعه في الحال يقع، وَيُلْغَى قوله: (أمس).
إذن إذا قال: أنت طالق أمس، فإن نوى الإخبار عن طلاق وقع منه أمس يقع الطلاق باللفظ هذا أو بالطلاق السابق؟ بالطلاق السابق، وهذه واضحة.
إذا قال: أنت طالق أمس، ويريد الآن، يقول المؤلف: إنه يقع، إذا نوى وقوعه الآن يقع.
إذا نوى أنت طالق أمس، ونوى وقوعه أمس، فإنه لا يقع؛ لأنه لا يمكن أن يقع الشيء قبل أن يوجد سببه.
مفهوم الكلام ولَّا غير مفهوم؟ قل: نعم ولَّا لا، المسألة ما فيها إشكال.
مفهوم ولّا غير مفهوم؟
طالب: مفهوم.
الشيخ: معك زوجة؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذا كان معك زوجة، وقلت لها: أنت طالق أمس تريد أن تخبرها أنك طلقتها أمس، تطلق ولَّا ما تطلق، أسألك؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا تخف، ما هي طالق، ما دام ما عندك زوجة، ما فيه طلاق.
الطالب: تطلق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3115
الشيخ: تطلق؟ تطلق بهذا اللفظ ولَّا بالطلاق اللي مضى أمس؟
الطالب: بالذي مضى.
الشيخ: بالذي مضى، واضح الآن ولّا غير واضح.
إذا قال: أنت طالق أمس، ونوى وقوعه الآن، تطلق ولَّا ما تطلق؟ يقول المؤلف: إنها تطلق.
إذا قال: أنت طالق أمس، ولم ينو وقوعه الآن، فإنها لا تطلق؛ لأن الطلاق إنشاء، والإنشاء لا بد أن يكون في الحاضر أو المستقبل.
أعود مرةً ثانية: إذا قال: أنت طالق أمس، ونوى الإخبار عن طلاق وقع منه بالأمس، فالطلاق يقع بأيش؟ بالطلاق الماضي.
إذا قال: أنت طالق أمس، ولم ينو وقوعه الآن، فإنه لا يقع؛ التعليل لأنه إنشاء، والإنشاء لا يمكن أن يكون في ماض.
إذا قال: أنت طالق أمس، ونوى الآن، يقول المؤلف: إنه يقع، والصحيح أنه لا يقع؛ لأن اللفظ لا يحتمل، كيف يقول: أنت طالق أمس، ونقول: إن هذه بمعنى أنت طالق الآن؟ ما يصير هذا.
ولهذا اشترطوا في التأويل في الحلف أن يكون اللفظ ممكنًا لقبوله، وعليه فنقول: في هذه الحال لا يقع على القول الراجح للتناقض بين ما أراد وبين اللفظ، اللفظ يقول: أمس، وهو يريد اليوم، ما يمكن أمس اليوم.
إذا قال لزوجته: أنت طالق قبل أن أنكحك، يقع ولَّا ما يقع؟ ما يقع، لكن ينبغي أن نجعل لها الخيار بين أن تبقى معه أو لا تبقى؛ لأن الذي يقول: أنت طالق قبل أن أنكحك مجنون، والمجنون لزوجته الخيار إذا جُنَّ، كيف طالق قبل أن أنكحك؟ نعم لو قال: أنت طالق قبل أن أنكحك؛ يعني غير مُقَيَّدة باليدين أو الرجلين صار المعنى صحيحًا، أما طالق من نكاح قبل أن ينكحها، فهذا كما قلت لكم في الأول: لا يمكن أن يقع أبدًا إلا من مجنون، والمجنون له حال أخرى؛ يعني: إنسان عاقل يقول لزوجته: أنت طالق قبل أن أتزوجك؟ ما يمكن هذا، لكن الفقهاء رحمهم الله يمثِّلون بالأشياء من باب التمرين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3116
يقول: (إذا قال: أنتِ طالقٌ أمس أو قبلَ أن أنكحَكِ، ولم ينوِ وقوعَه في الحالِ لم يقعْ) ومفهومه: إن نوى وقوعه في الحال وقع، والصحيح أنه لا يقع.
(وإن أراد بطلاقٍ سَبَقَ منه أو سبق من زيدٍ وأمكنَ قُبِلَ).
إذا قال: أنت طالق أمس، وأراد أنها طالق بطلاق (سبق منه) بالأمس، يُقْبَل ولَّا لا؟ يُقْبَل، أو سبق (من زيد) يقبل، لكن بشرط أن يكون ممكنًا، والإمكان بأن يكون قد سبق له نكاحها أو سبق لزيد نكاحها، فإذا قال: أنت طالق، وقال: أردتُّ من زيد، وزيد ما تزوجها، لم يقبل، وهذا واضح.
(وأمكن قُبِلَ، فإن ماتَ) يعني: مات مَن قال: أنت طالق أمس أو قبل أن أنكحك.
(فإن ماتَ أو جُنَّ أو خَرِسَ قبلَ بيانِ مُرادِه لم تَطْلُقْ) اعتبارًا بظاهر اللفظ؛ لأنه طلاق في الماضي، والطلاق في الماضي لا يقع.
(وإن قال: أنت طالق ثلاثًا قبلَ قدومِ زيد بشهر، وقدِمَ قبل مُضِيِّه، لم تطلق).
إذا قال: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، وقدم زيد يوم ثمانية وعشرين من كلامه، تطلق أو لا؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: يا جماعة، ما تطلق؟ !
الطلبة: نعم.
الشيخ: ليه؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: إي؛ لأنه تبين الآن أن طلاقه قبل قدومه بيومين، يعني تبين أن طلاقه قبل إيقاعه بيومين، فيكون من باب الطلاق في الماضي، والطلاق في الماضي لا يقع.
وقال المؤلف رحمه الله: (ثلاثًا) لأنه سيبني على هذا شيئًا، وإلَّا ما حاجة ثلاثًا أو واحدة كله واحد، لكن سيبني عليه ما بعده.
يقول: (وقدمَ قبل مُضِيِّه، لم تطلق، وبعد شهر وجزء تطلق فيه يقع).
إذا قال مثلًا: الآن الساعة التاسعة من يوم عشرة أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، فقدم زيد في اليوم العاشر من الشهر الثاني الساعة تسع إلا دقيقة، تطلق ولَّا ما تطلق؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا يا أخي، كيف ما تطلق؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، (وبعد شهر وجزء تطلق فيه يقع).
طلبة: ( ... ).
الشيخ: يقع.
طالب: (وجزء).
الشيخ: (وجزء) هذا جزء.
طالب: هذا قبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3117
الشيخ: قبل؟ أنا قلت: تسع إلا، إذن نقول: تسع ودقيقة، يقع؟
طلبة: يقع.
الشيخ: يقع، تمام؛ لأنه تبين الآن أنه طلقها في وقت يصح فيه الطلاق.
يقول رحمه الله: (فإن خالعَها) هذا الذي ترتب عليه (إن خالعَها بعد اليمين بيوم وقدم بعد شهر ويومين صحَّ الخلع وبطل الطلاق) وعكسه بعكسه، هو الآن قال: أنت طالق ثلاثًا، وإنما قال: ثلاثًا؛ لأنها تبين بالثلاث، قبل قدوم زيد بشهر، في اليوم الثاني خالعها، يصح الخلع ولَّا لا؟ يصح؛ لأنه لم يتبين أنها طلقت إلى الآن، خالعها في اليوم الثاني.
قدم زيد بعد شهر ويومين، يصح الخلع ولا يصح الطلاق؛ لماذا؟ لأنه تَبَيَّن أن الطلاق وقع بعد المخالعة؛ لأنه خالعها بعد اليمين بيوم، وزيد قدم بعد اليمين بيومين.
طالب: قبل يا شيخ.
الشيخ: واضح.
(فإن خالعَها بعد اليمينِ بيومٍ، وقدمَ بعد شهرٍ ويومينِ صحَّ الخُلْعُ وبَطَلَ الطلاقُ)، تخمر برؤوسكم ولَّا لا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: قال: يوم السبت، أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، هذا يوم السبت، في يوم الأحد خالعها، الخلع الآن ما ندري هو يصح ولَّا ما يصح حتى الآن.
قدم زيد يوم الاثنين؛ يعني بعد اليمين بكم؟ بيومين، متى يصادف وقوع الطلاق؟ وقوع الطلاق يصادف يوم الاثنين قبل قدوم زيد بشهر، لكن الخلع سبق؛ حيث خالعها يوم الأحد؛ إذن يصادف وقوع الطلاق عليها وهي بائن بالخلع، وإذا كانت بائنًا هل يقع عليها الطلاق أو لا يقع؟ لا يقع؛ ولهذا يقول رحمه الله: (صحَّ الخلع وبطل الطلاق)، تخمرت المسألة ولَّا تحتاج إلى عجن آخر؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3118
إذا قال: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، ثم خالعها في اليوم التالي -والله ما أدري تعرفون المخالعة ولَّا لا؟ تعرفون المخالعة؟ المخالعة معناها: أن تشتري نفسها منه، تعطيه فلوسًا ويطلقها- قَدِمَ بعد شهر ويومين، متى يكون الطلاق؟ يكون بعد الخلع؛ لأنه خالعها هو بعد اليمين بيوم، وزيد قَدِمَ بعد شهر ويومين، يكون الطلاق وقع بعد الخلع، فوقع على امرأة مخلوعة، والطلاق على امرأة مخلوعة لا يقع، ما يصح؛ إذن يصح الخلع ولا يصح الطلاق.
(عكسُها بعد شهرٍ وساعةٍ).
كيف بعد شهر وساعة؟ يعني: مثلًا يوم السبت قال: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، في يوم الأحد خالعها، زيد قدم بعد قول: أنت طالق بساعة واحدة؟ يصح الطلاق ولا يصح الخلع؛ ليش؟ لأنه تبين أن الخلع وقع على امرأة بائن، وهذا هو السر في أنه قال: (إذا قال: أنت طالق ثلاثًا)، لأجل أن يقع الخلع على امرأة بائن، والخلع على امرأة بائن لا يصح.
الآن فهمتم المسألة الأولى؛ إذا قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، وخالعها في اليوم الثاني، وقدم زيد بعد الشهر بثلاثة أيام أو بيومين، كله واحد، ما الذي يصح؟ يصح الخلع دون الطلاق؛ لأن الطلاق صادفها وهي قد بانت بالخلع فلا يقع، لكن خالعها بعد اليمين بيوم، وقَدِمَ زيد بعد شهر وساعة، ويش اللي يصح؟ الطلاق، ولا يصح الخلع؛ لأن الخلع صادفها وهي بائن بالطلاق الثلاث، والخلع لا يقع على المطلقة طلاقًا بائنًا؛ ولهذا قال: (عكسها بعد شهر وساعة).
(وإن قال: أنتِ طالق قبل موتي، طلقت في الحال) (أنت طالق قبل موتي) تطلق حالًا، ليش؟ لأن هذا قبل الموت، الذي قبل الموت سواء قبل الموت بعشرين سنة أو بمئة سنة أو بدقيقة، هذا واحد، يصدق عليه أنه قبل موته.
وأيضًا هل الموت معلوم؟ لا، ما هو معلوم، وإذا لم يكن معلومًا تطلق في الحال؛ (قبل موتي، طَلُقَتْ في الحالِ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3119
(وعكسُه معَه أو بعدَه) (عكسه معه)، قال: أنت طالق مع خروج روحي، مع موتي، تطلق ولَّا لا؟ ما تطلق، ليش؟ لأنها بانت بالموت، قال: أنت طالق بعد موتي بيوم، بعد موتي، تطلق ولَّا ما تطلق؟
طالب: ما تطلق.
الشيخ: ما تطلق، ليش؟ لأنها بانت بالموت فكيف تطلق؟ وهذه مسألة هل يمكن أحد يقولها؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن يقولها؟ يمكن يقول: أنت طالق بعد موتي؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: عجيب، يقول: أنت طالق بعد موتي! هذا مجنون.
طالب: بعض الناس يقولون هذا اللفظ.
الشيخ: أنا ما سمعت إلا كلام الفقهاء فقط، أنتم سمعتم بهذا؟
طالب: لا.
الشيخ: يوجد في بلادكم؟
طالب: أعجب من هذا.
الشيخ: أعجب من هذا، أعطنا أعجب من هذا.
الطالب: ( ... ) يقولون أعجب من هذا.
الشيخ: يقول: أنت طالق قبل قيام الساعة.
على كل حال إذا قال: أنت طالق بعد موتي فلا تطلق، ليش؟ لأنه بموته بانت منه، بالموت، والطلاق لا يقع على امرأة بائن، كذلك مع موتي؛ لأنه مجرد ما تخرج الروح تنفسخ الزوجية؛ تنتهي.
العلماء رحمهم الله -كما قلت لكم- يذكرون أشياء للتمرين فقط، وقد يكون وقوعها قليلًا، وقد يكون نادرًا جدًّا، وقد لا تقع.
طالب: شيخ، هل الخلع فسخ أو طلاق؟
الشيخ: الخلع؟
الطالب: إي.
الشيخ: هل تعرف الكلام هذا زين؟
الطالب: إي يا شيخ أعرفه.
الشيخ: طيب، ما المقصود من الخلع؟
الطالب: الخلع يعني المرأة ( ... ).
الشيخ: تطلق؟
الطالب: إي.
الشيخ: زين، إذن يكون طلاقًا ولَّا فسخًا؟
الطالب: هذا هو سؤالي يا شيخ؟
الشيخ: إي، هو فسخ، وليس بطلاق.
الطالب: يا شيخ لو ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3120
الشيخ: لأن الله قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] هذه ثنتان، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 229، 230]، لو جعلنا الخلع طلاقًا لكان قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الرابعة ولَّا الثالثة؟
طالب: الرابعة.
طالب آخر: الثالثة.
الشيخ: الثالثة ولَّا الرابعة؟
طالب: الثالثة يا شيخ.
الشيخ: لا، سمعت الآية: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ هذه فراق ثالث، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الرابعة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾، يكون قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هي الرابعة، وهذا بالإجماع ليس هو الرابعة، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني: الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾، فتكون ﴿طَلَّقَهَا﴾ هي الثالثة بالإجماع، وهذا يعني أن طلاق الفداء فسخ، وليس بطلاق.
هذا الذي قلت لك هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه، وأن كل فراق بعوض فليس بطلاق.
بعض العلماء يرى أنه إن وقع بلفظ الطلاق فهو طلاق، وبلفظ الفسخ فهو فسخ؛ فإذا قال مثلًا: طلقت زوجتي على عوض قدره ألف ريال صار طلاقًا، وإذا قال: فسختها أو خالعتها صار فسخًا، لكن القول الأول أصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3121
بقي أن يقال: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (4)، قلنا: أولًا: هذه اللفظة شاذة، أكثر الرواة لم يذكروها، وهي قوله: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً».
وثانيًا: على فرض أنه قالها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالمراد فارقْها.
فالقول الراجح أن الخلع فسخ بكل حال لا يُحْسَب من الطلاق، فإذا طلقها مرتين ثم خالعها، فهل يجوز أن يتزوجها بعقد؟ لو قلنا: إن الخلع طلاق ما جاز، وإذا قلنا: ليس بطلاق جاز، وهذا هو القول الراجح ( ... ).
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
فصل
وإن قال: أنت طالقٌ إن طِرْتِ أو صَعِدْتِ إلى السماء أو قلبتِ الحجرَ ذهبًا ونحوه من المستحيل لم تطلق، وتطلقُ في عكسِه فورًا، وهو النفيُ في المستحيلِ، مثل: لأقتلنَّ الميتَ أو لأصعدَنَّ السماءَ ونحوهما، وأنتِ طالقٌ اليومَ إذا جاء غدٌ لغوٌ.
وإذا قال: أنتِ طالقٌ في هذا الشهرِ أو اليومِ طلقتْ في الحالِ، وإن قال: في غدٍ أو السبت أو رمضانَ طلقتْ في أولِه، وإن قال: أردتُ آخِرَ الكُلِّ دُيِّنَ وقُبِلَ، وأنتِ طَالِقٌ إلى شهر، طلقتْ عند انقضائِه، إلا أن ينويَ في الحال فيقع، وطالق إلى سنة تطلق باثنَيْ عَشَرَ شهرًا، فإن عَرَّفَها باللامِ طلقتْ بانسلاخِ ذي الحجَّةِ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل) إلى آخره.
وقبل ذلك ننظر فيما سبق مناقشة.
إذا طلَّقها في الماضي هل يقع الطلاق أو لا؟
طالب: إذا أراد به إخبارًا عن طلاق وقع فهذا يقع، وإلا فعلى رأي المصنف أنه إذا نوى في الحال فإنه يقع وإلا فلا يقع، والصحيح في الاثنين فلا يقع.
الشيخ: بارك الله فيك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3122
إذا طلق في الماضي بأن قال: أنت طالق أمس، فإن كان إخبارًا عن طلاق وقع منه بالأمس فهي طالق، وهذا إقرار وليس بإنشاء، إذا نوى أنت طالق أمس يعني الآن فهو على كلام المؤلف تطلق، والصحيح أنها لا تطلق للتناقض.
وإذا قال: أنت طالق أمس، ونوى أنها طالق أمس، فإنها لا تطلق حتى على رأي المؤلف؛ لأن الطلاق في الماضي لا يقع.
وإذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، وقدم زيد بعد خمسة عشر يومًا؟
طالب: لا يقع.
الشيخ: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، وقدم بعد خمسة عشر يومًا؟
الطالب: لا يقع.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه قدم قبل ذلك.
الشيخ: لأنه صادف أن الطلاق قبل قدومه بشهر، فيكون هنا طلاقًا في الماضي فلا يقع.
ثم ذكر المؤلف في هذا الفصل مسائل أخرى تختلف عما سبق.
قال: (أنت طالقٌ إن طِرْتِ)، تطلق ولَّا ما تطلق؟ ما تطلق أبدًا؛ لماذا؟ لأنها لا يمكن أن تطير.
لكن لو نوى (إن طرت) يعني: إن ركبت الطائرة وطرت فيها؟
طالب: يقع.
الشيخ: يقع، لكن في عهد المؤلف ومن سَبَقَه لا يوجد هذا، فلذلك قالوا: إنه إذا قال: أنت طالق إن طرت، فهذا تعليق على مستحل، والمستحيل قد عُلِمَ عدمُه، وإذا كان قد علم عدمه فإن المعلَّق به معدوم.
أو قال: (أنت طالق إن صعدت السماء)، نفس الشيء لا تطلق؛ لأنها لا يمكن أن تصعد إلى السماء.
وهذه المسألة غير الأولى، الأولى: (إن طرت) ولو قريبًا من الأرض، لو مقدار متر، تطير مثلًا من المسجد الجامع إلى موقف السيارات، لكنها قريبة من الأرض، لا يقع.
(إن صعدت السماء) يعني: إلى أعلى، لا يقع الطلاق؛ لأن هذا شيء مستحيل، والمعلق على المستحيل مستحيل.
(أو قلبتِ الحجرَ ذهبًا) قلبًا حقيقيًّا، ما هو وهميًّا، هذا أيضًا لا يقع الطلاق؛ لماذا؟ لأنه مستحيل.
قال: (ونحوه من المستحيل لم تطلقْ)، لو قال: أنت طالق إن رددت أمس وجعلتِ يوم الأحد يوم السبت؟ مستحيل؟
طالب: نعم.
الشيخ: مستحيل؛ إذن لا يقع الطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3123
يقول: (وتطلق في عكسِه فورًا) أي: عكس هذا، مثل أن يقول: إن لم تطيري فأنت طالق، تطلق أو لا تطلق؟
طالب: على طول.
الشيخ: على طول ليش؟ لأنه محال أن تطير، والنفي المحال معناه الوجود، فإذا قال: أنت طالق إن لم تطيري؟ نقول: تطلق على طول، لو قالت: اصبر يا رجَّال، لا، انتظر ربما أطير؛ تقول هي؛ لأنها ما ودها يفارقها، تقبل ولَّا لا؟ لا تقبل؛ لأنه لا يمكن.
ولهذا قال: (تطلُق في عكسه فورًا، وهو النفي في المستحيل).
ثم ضرب مثلًا فقال: (كقوله: أنت طالق لأقتلُنَّ الميتَ)، هل يمكن أن يقتل الميت؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه قد مات فتطلق في الحال؛ لأننا نعلم أنه لن يقتل الميت.
فإن قال: أردت بالميت من سيموت؟
طالب: تطلق.
الشيخ: لا، تطلق إن قتله، وإلا فلا تطلق؛ يعني: إذا قال: أردت الميت من سيموت، قلنا: الآن علَّقه على غير مستحيل، أما على المستحيل فلا تطلق.
يقول أيضًا: (أو لأصعدن السماء)، أيضًا يريد النفي، نقول: تطلق في الحال؛ لأنه لا يمكن أن يصعد السماء.
والخلاصة أن ما عُلِّق على وجود المستحيل لا يقع، كذا ولَّا لا؟ لماذا؟
الطلبة: مستحيل.
الشيخ: لأن المعلَّق على المستحيل مستحيل، وما عُلِّقَ على نفي المستحيل يقع في الحال ولا فيه انتظار؛ لأن نفي المستحيل محقق.
(وأنت طالق اليوم إذا جاءَ غدٌ) (اليوم) الأحد، (إذا جاء غد) يعني: الاثنين، هل يمكن أن يأتي الاثنين يوم الأحد؟ لا يمكن.
المؤلف يقول: إن هذا (لغو)؛ لأنه لا يمكن أن يأتي الغد في اليوم، ولا يمكن أن يرجع اليوم إلى أمس، كل هذا من المستحيل.
(وإذا قال: أنتِ طالقٌ في هذا الشهرِ أو اليومِ طلقتْ في الحالِ).
(قال: أنت طالق في هذا الشهر) شهر ربيع، متى تطلق؟ الآن؛ لأن اليوم من الشهر، فتطلق فيه.
كذلك أيضًا إذا قال: أنت طالق في هذا اليوم تطلق في الحال.
(فإن قال: أردت آخره) سواء الشهر أو اليوم، يقول المؤلف إنه (دُيِّنَ وقُبِلَ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3124
(دُيِّنَ) يعني: يُرْجَع في ذلك إلى دينه، فإن كان صاحب دين ولا يمكن أن يكذب في قوله: أردت آخره، فإننا نقبله، وإن لم يكن ذلك فإننا لا نقبله حكمًا.
وهكذا كل شيء نقول فيه: يُدَيَّنُ، فهو إذا كان صاحب دِين قبلناه، وإن لم يكن صاحب دين حكمنا عليه بالظاهر.
(وإن قال: في غدٍ أو السبت أو في رمضانَ طلقتْ في أوله، وإن قال: أردتُ آخِرَ الكُلِّ دُيِّنَ وقُبِلَ).
لماذا يُدَيَّن ويُقْبَل؟ لأن كلامه يحتمل ما قال، فإذا كان يحتمل ما قال وهو رجل صاحب دين، نأخذ بقوله.
(وأنتِ طالق إلى شهرٍ) ظاهر اللفظ أنه وقت الطلاق أنها تطلق إلى شهر، وبعد الشهر لا تطلق.
لكن يقول المؤلف رحمه الله: (طلُقَتْ عند انقضائِه)، فيكون هذا التوقيت توقيتًا لإيقاعه أو إن شئت قل: لوقوعه، لا لبقاء حكمه.
انتبه، إذا قال: أنت طالق إلى شهر، فظاهر العبارة أن الطلاق مُوَقَّت من الآن إلى تمام الشهر، لكن هذا لا يمكن؛ إذ إن الطلاق ما فيه التوقيت، فلما تعذَّر توقيت انتهائه أخذنا بتوقيت ابتدائه، ونقول: بعد شهر تطلق، وقبل الشهر لا تطلق.
الآن أنت طالق إلى شهر، ما هو ظاهر اللفظ؟ أن الموقَّت هو نهاية الطلاق، لكن لا يمكن أن توقت نهاية الطلاق؛ لأن الطلاق ما يوقت، ما يقول الرجل لزوجته: أنت طالق لمدة شهر، هذا لا يمكن، فلما تعذَّر هذا جعلنا هذا التوقيت لابتدائه، أي: لابتداء الطلاق، فنقول: أنت طالق إلى شهر، يعني: إذا تم الشهر طلقتِ، وذكر في الشرح أنه روي عن ابن عباس رضي الله عنه وأبي ذر.
قال: (إلا أن ينويَ في الحال فيقعُ).
إن نوى أنت طالق إلى شهر في الحال (فيقع)؛ لأنه نوى شيئًا ممكنًا، وفيه أيضًا التشديد عليه، فيُقْبَل قوله.
(وأنت طالقٌ إلى سنةٍ تطلقُ باثنَيْ عَشَرَ شهرًا، فإن عَرَّفَها باللامِ طلُقتْ بانسلاخِ ذي الحجَّةِ).
هذا يستفيد منه العارف بالنحو، إذا قال: أنت طالق إلى سنة، تطلق إذا تم له سنة، اثني عشر شهرًا، هلاليًّا أو شمسيًّا؟ هلاليًّا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3125
أنت طالق إلى السنة؟ يقول المؤلف: (طلقت بانسلاخ ذي الحجة)؛ لأن إلى السنة (أل) هنا للعهد، العهد أي العهد؟ الحضوري؛ فمثلًا إذا قال في رمضان لزوجته: أنت طالق إلى سنة، متى تطلق؟ في رمضان الثاني.
إذا قال: أنت طالق إلى السنة، طلقت إذا انسلخ ذو الحجة، يعني: بعد ثلاثة أشهر، والفرق ظاهر؛ لأن سنة مُنَكَّر، والسنة معرف و (أل) فيه للعهد الحضوري، فيحمل على ذلك.
باب تعليق الطلاق بالشروط
ثم قال المؤلف: (باب تعليق الطلاق بالشروط).
أولًا: تعليق الطلاق بالشروط هل هو معتبر أو لاغ؟
يقول بعض العلماء: إنه لاغ، وأن الطلاق المعلق بالشرط واقع في الحال، وعللوا ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (5)، ولم يأت الطلاق معلقًا لا في القرآن ولا في السنة، وعلى هذا فإذا عَلَّقَه وقع في الحال وأُلْغِي الشرط، ويكون الشرط هو الفاسد دون الطلاق.
ولو قال قائل بعكس ذلك؛ لأنه لا يقع أبدًا بناء على الاستدلال بالحديث: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، لو قال أحد بهذا لكان له وجه.
والفرق بين القول الثاني هذا والقول الذي أشرنا إليه أن القول الأول يُلغِي الشرط فقط، وهذا يلغي الجملة كلها، وكلاهما يستدل بحديث: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (5).
لكن أكثر العلماء يرون أن تعليق الطلاق بالشروط صحيح؛ لعموم الحديث: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (6)، وهذا وإن كان فيه شيء من الضعف لكنه فيما يظهر مجمع على معناه في الجملة، وهذا القول هو قول الجمهور، وهو الصحيح؛ أن تعليق الطلاق بالشروط صحيح ثابت؛ لأن الطلاق في الحقيقة إخراج الزوج ملكه للمرأة، وإذا كان إخراجًا لملكه في المرأة وجب أن يكون مقيدًا بما التزم به، وهو الشرط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3126
فتعليق الطلاق بالشروط القول الراجح قول الجمهور أنه معتبر، ولكن هل له أن ينقضه قبل وقوع الشرط أو لا؟
أيضًا الجمهور على أنه لا يملك ذلك، واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه يملك ذلك؛ مثاله: قال لزوجته: إن ذهبتِ إلى بيت أهلك فأنت طالق، يريد الطلاق لا يريد اليمين، ثم بدا له أن يتنازل عن هذا، فهل له أن يتنازل ويأذن لها بالذهاب إلى أهل بيتها مطلقًا أو لا؟ الجمهور يقولون: ما يمكن يتنازل؛ لأنه أخرج الطلاق مِنْ فيه على هذا الشرط فلزم، كما لو كان الطلاق مُنَجَّزًا، وشيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن هذا حق له، فإذا أسقطه فلا حرج؛ لأن الإنسان قد يبدو له أن ذهاب امرأته إلى أهلها يفسدها عليه فيقول لها: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق، ثم يتراجع ويُسقِط هذا.
ولكن إذا علَّقه على شرط بناء على سبب تَبَيَّن عدمه، فهل يُعْتَبَر الشرط أو يلغو؟ يلغو؛ مثال ذلك: إذا قال لزوجته: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق ظنًّا منه أن أهلها قد رَكَّبوا دشًّا وأنهم عاكفون عليه، فخشي على امرأته، فقال: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق، ثم تَبَيَّن أن أهلها لم يركبوا ذلك، فهل تطلُق إذا ذهبت إليهم؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: فاهمون السؤال الآن؟ السؤال: إذا علق الطلاق بشرط بناء على سبب تبين عدمه فإن الطلاق لا يقع؛ المثال: رجل قال لزوجته: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق بناء على أن عندهم دشًّا، فخشي أن تفتتن به كما ( ... ) به، ثم تبين أنه ليس عندهم شيء، فذهبت إلى أهلها، هل تطلق؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: ما تطلق، هو قال: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق، وذهبت، لا تطلق، ليش؟ لأنه إنما قال ذلك بناء على؟
طالب: على السبب هذا.
الشيخ: نعم، على سبب، وهو أن عندهم الدش، فإذا تبين عدمه فلا حرج أن تذهب، ولا شيء عليه في ذلك.
الآن نرجع إلى كلام المؤلف، يقول رحمه الله: (لا يصح إلا من زوج).
الجزء: 2 - الصفحة: 3127
فإن علَّق الطلاق قبل أن يتزوج فإنه لا يقع الطلاق؛ مثال ذلك: إنسان قال لامرأة: إن ذهبتِ إلى المكان الفلاني فأنت طالق، ثم تزوجها بعد ذلك وذهبت إلى المكان، تطلق أو لا تطلق؟
طالب: قبل الزواج؟
الشيخ: إي، هو قال: قبل الزواج، قبل الزواج قال: إن ذهبت إلى المكان الفلاني فأنت طالق، ثم أراد الله تعالى وتزوجها وذهبت إلى المكان، تطلق؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق؟
طالب: تطلق.
طالب آخر: لا تطلق يا شيخ.
الشيخ: تطلق؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق؟ ليش؟ لأنه لا يملك إيقاع الطلاق عليها قبل ذلك؛ حيث إنها غير زوجة، فلا تطلق.
ما هو الدليل على أن الطلاق لا يكون إلا على زوجة؟
الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أيش؟ ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] بعد النكاح، قبل النكاح لا يمكن، هذه واحدة.
إلا من زوجٍ فإذا عَلَّقَه بشرْطٍ لم تَطْلُقْ قَبْلَه، ولو قالَ: عَجَّلْتُه وإن قال: سَبَقَ لسانِي بالشرْطِ ولم أُرِدْهُ.
وَقَعَ في الحالِ، وإن قالَ: أنتِ طالقٌ, وقالَ: أَرَدْتُ إن قُمْتِ.
لم يُقْبَلْ حُكْمًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3128
وأدواتُ الشرْطِ إن وإذا ومتى وأيّ ومَن وكُلَّمَا - وهي وَحْدَها للتَّكرارِ - وكلُّها ومَهْمَا بلا (لم) أو نِيَّةِ فورٍ أو قرينةٍ للتَّراخِي، ومعَ (لم) للفَوْرِ، إلا (إن) مع عَدَمِ نِيَّةِ فَوْرٍ أو قَرينةٍ، فإذا قالَ: إن قُمْتِ أو إذا أو متى أو أيَّ وَقتٍ أو مَن قَامَتْ أو كُلَّمَا قُمْتِ فأنتِ طالِقٌ.
فمتى وُجِدَ طَلُقَتْ، وإن تَكرَّرَ الشرْطُ لم يَتَكَرَّر الْحِنْثُ إلا في (كُلَّمَا)، وإن لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ ولم يَنْوِ وَقْتًا ولم تَقُمْ قرينةٌ بفَوْرٍ ولم يُطَلِّقْها طَلُقَتْ في آخِرِ حياةِ أَوَّلِهما مَوْتًا، ومتى لم، أوإذا لم، أو أيَّ وقتٍ لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ، ومَضَى زمنٌ يُمْكِنُ إيقاعُه فيه ولم يَفعلْ طَلُقَتْ، وكُلَّمَا لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ، ومَضَى ما يُمْكِنُ إيقاعُ ثلاثٍ مُرَتَّبَةٍ فيه طُلِّقَت الْمَدخولُ بها ثَلاثًا وتَبِينُ غيرُها بالأُولى، وكُلَّمَا لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ، ومَضَى ما يُمْكِنُ إيقاعُ ثلاثٍ مُرَتَّبَةٍ فيه طُلِّقَت الْمَدخولُ بها ثَلاثًا وتَبِينُ غيرُها بالأُولى، وإن قُمْتِ فقَعَدْتِ أو ثم قَعَدْتِ أو قَعَدْتِ إذا قُمْتِ أو إن قَعَدْتِ إن قُمْتِ فأنتِ طالقٌ لم تَطْلُقْ حتى تَقُومَ ثم تَقْعُدَ، وبالواوِ تَطْلُقُ بوُجودِهما ولو غيرَ مُرَتَّبَيْنِ، وبأو بوجودِ أحدِهما.
(فصلٌ)
إذا قالَ: إن حِضْتِ فأنتِ طالق.
طَلُقَتْ بأَوَّلِ حَيْضٍ مُتَيَقَّنٍ، وإذا حِضْتِ حَيْضَةً.
تَطْلُقْ بأَوَّلِ الطهْرِ من حَيضةٍ كاملةٍ، وفيما إذا حِضْتِ نِصفَ حَيضةٍ.
تَطْلُقْ في نِصفِ عادَتِها.
(فصلٌ)
الجزء: 2 - الصفحة: 3129
إذا عَلَّقَه بالْحَمْلِ فوَلَدَتْ لأَقَلَّ من سِتَّةِ أَشْهُرٍ طَلُقَتْ منذُ حَلَفَ، وإن قال: إن لم تَكُونِي حاملًا فأنتِ طالقٌ.
حَرُمَ وَطْؤُها قبلَ استبرائِها بحَيْضَةٍ في البائنِ، وهي عَكْسُ الأُولى في الأحكامِ، وإن عَلَّقَ طلقةً إن كانتْ حاملًا بذَكَرٍ وطَلقتينِ بأُنثى فوَلَدَتْهُما طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن كان مَكانَه إن كان حَمْلُكِ أو ما في بطْنِكِ لم تَطْلُقْ بهما.
(فصلٌ)
إذا عَلَّقَ طَلقةً على الوِلادةِ بذَكَرٍ وطَلقتينِ بأُنثى فوَلَدَت ذَكَرًا ثم أُنْثَى حَيًّا أو مَيِّتًا طَلُقَتْ بالأَوَّلِ وبانَتْ بالثاني ولم تَطْلُقْ به، وإن أُشْكِلَ كيفيَّةُ وَضْعِهما فوَاحدةٌ.
(فصلٌ)
إذا عَلَّقَه على الطلاقِ ثم عَلَّقَه على القِيامِ أو عَلَّقَه على القِيامِ ثم على وُقوعِ الطلاقِ, فقَامَتْ طَلُقَتْ طَلقتينِ فيهما، وإن عَلَّقَه على قِيامِها ثم على طَلاقِه لها فقَامَتْ فوَاحدةٌ، وإن قالَ: كُلَّما طَلَّقْتُكِ أو كُلَّمَا وَقَعَ عليك طَلاقِي فأنتِ طالقٌ.
فوَجَدَا طَلُقَتْ بالأُولَى طَلقتينِ, وفي الثانيةِ ثلاثًا.
(فصلٌ)
إذا قالَ: إذا حَلَفْتُ بطَلاقِكِ فأنتِ طالقٌ.
ثم قال: أنتِ طالقٌ إن قُمْتِ: طَلُقَتْ في الحالِ، لا إن عَلَّقَه بطُلوعِ الشمسِ ونحوِه؛ لأنه شَرْطٌ لا حَلِفٌ، وإن حَلَفْتُ بطَلاقِكِ فأنتِ طالقٌ, أو إن كَلَّمْتُك فأنتِ طالقٌ.
وأَعادَه مَرَّةً أخرى طَلُقَتْ واحدةً، ومَرَّتَيْنِ فثِنْتَانِ، وثلاثًا فثَلاثٌ.
(فصلٌ)
إذا قال: إن كَلَّمْتُكِ فأنتِ طالقٌ فتَحَقَّقِي، أو قالَ: تَنَحِّي أو اسْكُتِي.
طَلُقَتْ، وإن بَدَأْتُكِ بكلامٍ فأنتِ طالقٌ فقالتْ: إن بَدَأْتُكَ به فعَبْدِي حُرٌّ.
انْحَلَّتْ يَمينُه ما لم يَنْوِ عَدَمَ البَداءَةِ في مَجْلِسٍ آخَرَ.
(فصلٌ)
الجزء: 2 - الصفحة: 3130
إذا قال: إن خَرَجْتِ بغيرِ إذْنِي أو إلا بإذْنِي أو حتى آذَنَ لك أو إن خَرَجْتِ إلى غيرِ الْحَمَّامِ بغيرِ إذني فأنتِ طالقٌ.
فخَرَجَتْ مَرَّةً بإذنِه, ثم خَرَجَتْ بغيرِ إذنِه أو أَذِنَ لها, ولم تَعْلَمْ أو خَرَجَتْ تُريدَ الْحَمَّامَ وغيرَه, أو عَدَلَتْ منه إلى غيرِه طَلُقَتْ في الكلِّ، لا إن أَذِنَ فيه كُلَّمَا شاءَتْ أو قالَ: إلا بإِذْنِ زيدٍ.
فمَاتَ زيدٌ ثم خَرَجَتْ.
(فصلٌ)
إذا عَلَّقَه بِمَشيئتِها بإن أو غيرِها من الحروفِ لم تَطْلُقْ حتى تَشاءَ ولو تراخى، فإنْ قالتْ: قد شِئْتُ إن شِئْتَ.
فشَاءَ لم تَطْلُقْ، وإن قالَ: إن شِئْتِ وشاءَ أبوك أو زيدٌ.
لم يَقَعْ حتى يَشاءَا معًا وإن شاءَ أحدُهما فلا، وأنتِ طالقٌ وعَبْدِي حُرٌّ إن شاءَ اللهُ.
وَقَعَا، وإن دَخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ إن شاءَ اللهُ.
طَلُقَتْ إن دَخَلَتْ، وأنتِ طالقٌ لرِضَا زيدٍ أو لِمَشيئتِه.
طَلُقَتْ في الحالِ، فإنْ قالَ: أَرَدْتُ الشرطَ.
قُبِلَ حُكْمًا وأنتِ طالقٌ إن رَأيتِ الهلالَ.
فإنْ نَوَى رُؤيتَها لم تَطْلُقْ حتى تَراهُ أو طَلُقَتْ بعدَ الغُروبِ برُؤيةِ غيرِها.
(فصلٌ)
وإن حَلَفَ لا يَدخُلُ دارًا أو لا يَخْرُجُ منها فأَدْخَلَ أو أَخرجَ بعضَ جَسَدِه أو دَخَلَ طاقَ البابِ، أو لا يَلْبَسُ ثَوْبًا من غَزْلِها فلَبِسَ ثوبًا فيه منه، أو لا يَشرَبُ ماءَ هذا الإناءِ فشَرِبَ بعضَه لم يَحْنَثْ، وإن فَعَلَ المحلوفَ عليه ناسيًا أو جاهلًا حَنِثَ في طَلاقٍ وعَتاقٍ فقطْ، وإن فَعَلَ بعضَه لم يَحْنَثْ إلا أن يَنْوِيَهُ، وإن حَلَفَ ليَفْعَلَنَّهُ لم يَبَرَّ إلا بفِعْلِه كلِّه.
الشيخ: .. وذهبت إلى المكان، تطلق؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق.
طالب: تطلق.
طالب آخر: لا تطلق يا شيخ.
الشيخ: تطلق؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق؟ ليش؟ لأنه لا يملك إيقاع الطلاق عليها قبل ذلك؛ حيث إنها غير زوجة، فلا تطلق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3131
ما هو الدليل على أن الطلاق لا يكون إلا على زوجة؟
الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أيش؟ ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49]، بعد النكاح، قبل النكاح لا يمكن، هذه واحدة.
ثانيًا: أن الطلاق يعني إطلاق قَيْد موجود، والمرأة قبل أن يتزوجها مُطْلَقة ما فيه قيد حتى يوقَع الطلاق عليها.
وعلى هذا فلو كان للإنسان زوجة معه ثم ثارت عليه وقالت: يا فلان، سمعت أنك تريد أن تتزوج فلانة -تعرفون المرأة ما تحب أن زوجها يتزوج عليها- قال: أبدًا ما عندي نية ولا شيء، قالت: ( ... )، أنا ما أسمح إلا أنك تقول لي الآن: إن تزوجتها فهي طالق، فقال لها: إن تزوجتُها فهي طالق، وتزوَّجَها.
تطلق ولّا لا؟
طلبة: ما تطلق.
الشيخ: ما تطلق، ليش؟ لأن هذا التعليق قبل أن يتزوج بها، مع أنها معيَّنة، فحصل بذلك إرضاء الزوجة، أي الزوجات؟ الأولى التي هي غضبت وثارت، فيقول: الحمد لله، اطمئني، إن تزوجتُها فهي طالق.
فتزوجها فإنها لا تطلق.
لكن لو ثارت الأولى عليه لما قال: إنها ما تطلق، قالت: ما يمكن، أنت ( ... )، هل يلزمه أن يطلقها؟ لا يلزمه؛ لأن الأصل أن الزوجة الأولى لا تملك منعه من التزوج، فلا تجبره على ذلك، ولا حق لها أيضًا أن تطلب الطلاق إن لم يطلق الزوجة الجديدة، والله أعلم.
طالب: الشارح هنا قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثًا على سائر المذاهب وقعت الثلاث.
الشيخ: إي؛ لأن القول بأنه ما يقع إلا واحدة ما هو مذهب، كل المذاهب الأربعة يقولون: إن الطلاق الثلاث يقع ثلاثًا، إذا قال الرجل لزوجته: أنتِ طالق ثلاثًا كم يقع الطلاق؟ ثلاث، على كل المذاهب، مذهب أحمد، الشافعي، مالك، أبي حنيفة، أما شيخ الإسلام رحمه الله لا يعتبر قولُه مذهبًا؛ لأن المذاهب إنما هي للأئمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3132
ولهذا أنا أستغرب من بعض الطلاب الآن، كل مصنف فهو إمام، حتى لو كان من المقلِّدين الذين لا يعرفون الاستدلال يسميه إمامًا، فالتبست علينا الأئمة الآن، يقول: قال الإمام النووي، قال الإمام ابن تيمية، قال الإمام ابن رجب، قال الإمام فلان، مع أنه ليس لهم مذاهب، لكن مثل هؤلاء يُسَمَّوْن الْحُفَّاظ، قال الحافظ ابن رجب، قال الحافظ النووي، قال .. كذا.
إذن الطلاق الثلاث على المذاهب الأربعة كلها يقع ثلاثًا، الطلاق في الحيض على المذاهب الأربعة يقع، كل المذاهب الأربعة، الطلاق في طُهْر جامَع فيه يقع على المذاهب الأربعة، الطلاق المعلَّق على شرط ولو قُصِدَ به اليمين يقع على المذاهب الأربعة.
وأقول لكم هذا لأجل ألَّا نتساهل في الأخذ بقول مَن يقول: إن الطلاق في الحيض لا يقع، والطلاق في طهر جامَع فيه لا يقع، والطلاق الثلاث واحدة، لا نتساهل؛ لأننا بتساهلنا الآن صار الناس يخوضون خَوْضًا عظيمًا في هذا.
واحد جاءني يسأل قبل يوم أو يومين، يقول: إنه طلَّق زوجته تسعًا وتسعين، يعني على الأسماء الحسنى، قال: أنت طالق تسعًا وتسعين مرة، جاء يسأل، باقي واحدة وتكون مئة، فالحاصل أن الناس بدؤوا يتساهلون الآن، أيضًا بدؤوا يتساهلون في الطلاق في الحيض، لا يبالون، وأحيانًا يتحيَّلُون، إذا كانت هذه آخر طلقة جاء يركض يدَّعِي أنه طلَّق في حيض، لأجل ألَّا تَبِينَ منه ولا تحرُم عليه، وربما يذكر طلاقًا له عشر سنين، يقول: إنه طلقها في حيض، علشان ما يُحْسَب عليه ويراجع، مع أني أعتقد أنه في ذلك الوقت لو أنها تزوجت بعد انقضاء عدتها لم يمنع من ذلك هو نفسه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3133
فأقول يا إخواني: هذه المسائل يجب أن نبلغ العوام، إن المسألة ما هي مُسَلَّمَة، يعني حتى لو كنا نعتقد نظريًّا أن الطلاق الثلاث واحدة فقد يكون من باب التربية أن نمنع الزوج من الرجوع، كما فعل عمر رضي الله عنه، عمر رضي الله عنه يرى أن الطلاق الثلاث واحدة، هو نفسه يرى هذا، كما هو في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر، لكنه قال رضي الله عنه: أرى الناس قد تعجَّلُوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم (1)، وهذا اجتهاد منه، من أجل أن الإنسان إذا عرف أنه إذا طلق ثلاثًا مُنِعَ من الرجوع فإنه لا يُطَلِّق.
فالمسألة -يعني كون الطلاق الثلاث واحدة- هذا هو الحق لا شك فيه، لكن إذا رأينا من الناحية التربوية حتى لا يقع الناس في هذا الطلاق المحرَّم أن نمنع من الرجوع فلنا ذلك، كما فعل عمر رضي الله عنه.
فيجب على طالب العلم أن يعلم أن المقصود في الشريعة الإسلامية من أولها إلى آخرها هو إصلاح الخلق، فحيث وُجِدَ الإصلاح فثَمَّ الشريعة، إلا ما نُهِيَ عنه بخصوصه فنعلم أنه لا صلاح فيه.
فإذا رأينا مثلًا أن مَن طَلَّق في الحيض ألزمناه بطلاقه وإن كنا نرى أنه لا يقع فلا بأس، حتى لا يتسرع الناس في الطلاق في الحيض، وهذه تحتاج إلى نظر عميق وسياسة شرعية، والرسول عليه الصلاة والسلام يراعي السياسة الشرعية، لما أراد أن يبني الكعبة على قواعد إبراهيم بعد أن فتح مكة خاف أن يكون هناك مفسدة من حُدَثَاءِ العهد بالإسلام، فامتنع من ذلك، مع أنه يرى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن إعادتها إلى قواعد إبراهيم هو الأَوْلَى، لكن تركه خوفًا من مفسدة.
(2)
الجزء: 2 - الصفحة: 3134
فهذه المسائل تحتاج إلى عمق، وتحتاج أن الإنسان ينظر في المصالح، الآن مثلًا يرى بعض علمائنا الأجلاء أن كشف المرأة وجهها لا بأس به بناء على اجتهاداته، والناس ملتزمون في أن تغطي النساء وجوهها، ماشيين على هذا، هل من الحكمة أن ينشر هذا الرأي؟ لا، ليس من الحكمة، ما دام الناس ملتزمين على أمر لا تراه أنت حرامًا ليس لك أن تنشر شيئًا يخالفه، أنت بنفسك ترى أن الأفضل تغطية الوجه، فلماذا تنشر وتجادل وتجمع أدلة مُلَفَّقَة غير صحيحة تدل على أن تغطية الوجه ليس بواجب، هل الناس تركوا واجبًا إذا غطت النساء وجوهها؟ لا، ما تركوا واجبًا، بل فعلوا ما هو الأفضل في حقهم عندك أنت، فكيف تفتح لهم باب التساهل.
ومثل هذه المسائل كثيرة، إذا رأى مثلًا الناس ملتزمين بجريان الربا بين الأوراق النقدية، تعرفون الأوراق النقدية؟ الفلوس، بعض الناس يقولون: ما فيه ربا، أبدل دولارًا بعملة سعودية بتفاضل وتأخيرِ قبضٍ وكل شيء، ما فيها شيء، يرى هذا، نحن لا نُنْكِر عليه رأيه النظري، لكن هل من الأوفق أن ينشره بين الناس حتى يتساهلوا في أمر التزموا به؟ لأنه لو نُشِر هذا المذهب لرفعت البنوك راياتها إلى الثريا؛ لأن عمل البنوك الآن على هذا الرأي عمل شرعي صحيح؛ لأنهم يقولون: أصلًا ما فيه ربا في الأوراق، فلنا أن نتعامل بتفاضل وبتأخيرِ قبضٍ وبكل شيء.
لكن هذا القول لا شك أنه قول خطأ، خطأ من الناحية التربوية، ومن الناحية النظرية، حتى لو قلنا: إنه صواب، فلا يسوغ لنا أن نفتي الناس بخلافه، أي بأنه يجوز التفاضل والتأخير.
فالمهم يا إخواني أنتم إن شاء الله طلبة علم ومقبلون على خير، انتبهوا لهذه النقطة، وهي تربية الناس على الأصلح حتى يتبين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3135
جابر بن عبد الله رضي الله عنه حَضَرَهُ قوم، فقام وصَلَّى بإزاره وأعلى بدنه مكشوف، ورداؤه معلَّق في الْمِشْجَب، ما هو بعيد، وأيهما أفضل؛ أن يصلي بردائه أو بعدمه؟ الأول بلا شك، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (3)، وهو يعلم هذا، ولذلك لما صلى بإزاره أنكر عليه واحد، قال: كيف تفعل هذا؟ قال: فعلت هذا ليراه أحمق مثلك.
(4) كيف تنكر عَلَيَّ شيئًا لا بأس به؟ فترك الأفضل هنا من أجل إزالة الوهم، هذه السياسة الشرعية، فانتبهوا لهذا، وأوصيكم بها، الأمور النظرية قد لا يكون من المصلحة إفشاؤها بين الناس، إلا إذا ارتكبوا محرَّمًا فهذا لا بد من بيان الحق.
طالب: لم تطلُقْ قبلَه، ولو قال: عَجَّلْتُه، وإن قال: سَبَقَ لساني بالشرطِ ولم أُرِدْه، وقعَ في الحالِ، وإن قال: أنتِ طالقٌ، وقال: أردتُ إن قمتِ لم يُقبَلْ حُكْمًا.
وأدواتُ الشرطِ: إنْ، وإذا، ومتى، وأيُّ، ومَنْ، وكُلَّما، وهي وحدَها للتكرارِ، وكلُّها (ومهما) بِلا (لَمْ) أو نِيَّة فَوْر أو قرينته للتَّراخي، ومع (لَمْ) للفورِ، إلا (إِنْ) مع عَدَمِ نيَّةِ فورٍ أو قرينة، فإذا قال: إن قمتِ، أو: إذا، أو: متى، أو: أي وقت، أو: مَنْ قامَتْ، أو: كلَّما قُمتِ فأنتِ طالقٌ، فمتى وُجِدَ طلُقتْ، وإن تكرَّر الشرطُ لم يتكرَّر الحِنْثُ إلا في (كلَّما).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن تعليق الطلاق بالشروط جائز، وأنه مُعْتَبَر على قول جمهور العلماء، وذلك لأن الإنسان لا يكلَّف إلا ما نطق به.
وسبق لنا أن مِن شَرْطه أن يكون من زوج، فلو قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها، لم تطلق؛ لأنه حين قال ذلك ليس زوجًا لها، وإن قال: كل امرأة أتزوَّجها فهي طالق، فتزوَّج، يقع الطلاق أو لا؟ لا يقع إلا من زوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 3136
وقول المؤلف رحمه الله: (إلا مِن زوج) فُهِمَ منه أنه لا يقع من غير الزوج، فلو قال شخص لزوجته: أنتِ طالق، وكان عنده صاحبه، فقال صاحبه: إن خَرَجَتْ من البيت، يصحُّ الشرط أو لا يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: كَمَّل صاحبه، قال: إن خَرَجَتْ من البيت.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا ينفعه، يقع الطلاق في الحال، إلا إذا قال: إن خَرَجَتْ من البيت، فإنه إذا قال: إن خَرَجَتْ من البيت، على القول الراجح صح، على القول الراجح أنه يصح الاستثناء وإن لم يَنْوِه إلا بعد تمام الكلام.
ولو قال آخر لامرأة زيد: أنت طالق، فقال زيد: إن خَرَجَتْ من البيت، يعني الآن الشرط من الزوج، والطلاق من آخَر، يقع أو لا يقع؟ لا يقع، سواء كان الطلاق من آخر والشرط من الزوج، أو الطلاق من الزوج والشرط من الآخر، لكن الطلاق من الزوج والشرط من الآخر يقع الطلاق بدون شرط.
هل يجوز للأب أن يطلِّق زوجة ابنه؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لو أن زوجة ابنه تؤذيه، وقال لابنه: طَلِّق زوجتك، هذه آذَتْنَا أتعبتنا، قال: لا، ما أطلقها، فطلقها الأب، وقال الأب محتجًّا: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (5)، فأنت وزوجك لأبيك، يصح أو لا يصح؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، الطلاق للزوج، لو أمره أبوه أن يطلِّق هل يلزمه أن يطلق؟ لا يلزمه.
وأورد سائل على الإمام أحمد رحمه الله قصة عمر مع ابنه، حيث إن أباه أمره أن يطلِّق امرأته، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطيع أباه (6)، فقال الإمام أحمد: وهل أبوك مثل عمر؟ وهذا جواب سديد؛ لأن عمر لا يمكن أن يأمر ابنه أن يطلِّق زوجته إلا لسبب شرعي، لكن غير عمر قد يكون لسبب شخصي وهوى، فلا يلزم الولد أن يطيع أباه في طلاق زوجته.
قال: (فإذا علَّقه بشرطٍ لم تطلُقْ قبلَه ولو قال: عَجَّلْتُه).
(إذا عَلَّقَه) أي: الطلاق، (بشرط لم تطلق قبله ولو قال: عجَّلته).
الجزء: 2 - الصفحة: 3137
مثال ذلك: رجل قال لزوجته: إذا غابت الشمس فأنتِ طالق، وهو في الصباح، كأنه تباطأ على غروب الشمس، باقٍ على غروب الشمس عشر ساعات، وهو لا يحب أن تبقى زوجته ولا خمس دقائق، فقال: عَجَّلتُه، يعني الطلاق المعلَّق، فإنها لا تطلُق، لماذا؟ لأن الطلاق صَدَر منه على وجه التعليق فلا يمكن أن يكون مُنَجَّزًا.
لكن لو أراد أن يطلِّق طلاقًا جديدًا غير الأول يصح أو لا يصح؟ يصح، وحينئذ إذا غابت الشمس والطلاق رجعي تطلُق، فتكون طلقت مرتين؛ مرة بالطلاق الْمُعَجَّل، ومرة بالطلاق المعلَّق.
لو علَّقَه على شرط، ثم بَدَا له ألَّا يطلق، وقال: هَوَّنْت، ألغيت الشرط، وهذا يقع كثيرًا، يغضب الإنسان على زوجته ويقول: إن دخلتِ بيتَ أهلك فأنت طالق، ثم يندم ويريد أن يتخلَّص من هذا، فهل له أن يتخلَّص؟
طلبة: نعم.
الشيخ: اسمع يا رجل، قال لزوجته: إن دخلتِ بيت أهلك فأنت طالق، ثم ندم وأحب أن تدخل بيت أهلها، فهل له أن يتراجع أو لا؟
طالب: في هذا تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
الطالب: فيه قول ( ... ).
الشيخ: ما يُدْعَى بتفصيل هذا، هذا قل: فيه خلاف.
الطالب: خلاف نعم.
الشيخ: إي، هو فيه خلاف، نعم، أكثر العلماء يقولون: إنه ما يمكن يرجع؛ لأنه أوقع الطلاق على صفة معينة فَلَزِمَه، ويرى شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا حرج عليه أن يرجع ويقول: قد أبطلتُ الشرط، يعني: أبطلت الطلاق المعلَّق بالشرط.
وقول المؤلف رحمه الله: (لم تطلُقْ قبلَه ولو قال: عَجَّلْتُه، وإن قال: سَبَقَ لساني بالشرطِ ولم أُرِدْه)، نقبل منه أو لا نقبل؟
طالب: لا نقبل.
طالب آخر: نقبل.
الشيخ: نقبل؛ لأنه أقرَّ على نفسه بما هو أضرّ، قال: إن لساني سبق بالشرط وأنا ما أردته، يعني أنه غَلِطَ سبقة لسان، نقول: الآن أقررت على نفسك بما هو أغلظ، فنلزمك بما أقررت به، ويقع في الحال.
الجزء: 2 - الصفحة: 3138
مثال ذلك: رجل قال لزوجته: أنتِ طالق إن دخلتِ الدار، ثم قال: إن كلمة (إن دخلتِ الدار) سبق لساني بها وأنا ما أردتها، ماذا نقول له؟ نقول: الآن طلقت، ما يحتاج أن تدخل الدار أو ما تدخل.
تعليل ذلك أنه أقرَّ على نفسه أيش؟ بما هو أغلظ فقُبِلَ منه.
(وإن قال: سَبَقَ لساني بالشرطِ ولم أُردْه طلقت في الحالِ، وإن قال: أنتِ طالقٌ) لزوجته، (وقال: أردتُ: إن قمتِ، لم يُقبلْ حُكْمًا).
هذا عكس المسألة الأولى، الأولى أبطل الشرط الموجود، والثانية ادَّعَى شرطًا محذوفًا، قال لزوجته: أنتِ طالق، قالت: الحمد لله، خلاص انتهى ما بيني وبينك، قال: لا، أردتُ إن قمتِ، يُقْبَل أو لا يُقْبَل؟
طلبة: لا يُقْبَل.
الشيخ: لا، إن قلنا: لا يُقْبَل، غلط، إن قلنا: يُقْبَل، غلط، نقول: هذا يُدَيَّن فيما بينه وبين الله.
طالب: يرجع إلى النية.
الشيخ: هو يقول، الآن يدعي، يقول: إنه أراد هذا، يعني أراد أنه إن قامت، أراد الشرط، يقول المؤلف: (لم يُقْبَل حكمًا)، يعني بمعنى أنهما إذا ترافَعَا إلى الحاكم فإن الحاكم لا يقبل منه، لماذا؟ أخذًا بظاهر كلامه، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (7)، والذي سُمِعَ من هذا الرجل الطلاق الْمُنَجَّز غير معلَّق، فلا يُقْبَل.
لكن لو أن المرأة قد وَثِقَت من زوجها وعلمت أنه صادق، أنه أراد بقوله: أنتِ طالق، إن قمتِ، فلها أن تصدقه، بل يجب عليها أن تصدقه إذا كان ثقة في نفسه، ولا حاجة أن يذهبوا إلى القاضي.
فمعنى (لم يُقْبَل حُكْمًا) يعني: لو ترافَعَا إلى القاضي، وهو الحاكم، لم يقبل القاضي ذلك اعتمادًا على ظاهر كلامه، والقاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3139
أما لو كانت المرأة تعرف أن زوجها ذو دين، وأنه لا يمكن أن يَدَّعِي ما ليس واقعًا، فهنا نقول: يجب عليها أن تصدقه، ولا تطلُق حتى تقوم، يعني حتى تفعل ما عَلَّق عليه الطلاق، فإن غلب على ظنها أنه كاذب يجب عليها أن ترفعه للحاكم، وإن ترددت فهي مُخَيَّرة، إن شاءت رافَعَتْه إلى الحاكم وقضى عليه بالطلاق الْمُنَجَّز، وإن شاءت قَبِلَت قوله ولم يقع الطلاق حتى يقع الشرط.
أيهما أولى إذا شَكَّت في صدقه؛ أن تُرَافِعَه أو أن تتركه؟ نقول: الأَوْلَى أن تتركه؛ لأن الطلاق مكروه، والفراق صعب، لا سيما إن كان بينهما أولاد، أو كانت امرأة ليس لها أحد، فهنا تصديقه أولى.
فالأقسام إذن بالنسبة لما يُدَيَّن به الزوج ثلاثة: أن يغلب على ظنها أنه كاذب فالواجب أيش؟ المرافعة، أن يغلب على ظنها أنه صادق فالمرافعة حرام، الثالث: أن تتردد هل هو صادق أو كاذب، فهي مُخَيَّرة ولكن إبقاء النكاح أولى.
قال: (لم يقبل حكمًا)، ثم قال: (وأدواتُ الشرطِ: إنْ، وإذا، ومتى)، (إنْ) ولَّا (إنَّ)؟
طالب: بدون شدة.
الشيخ: (إنْ)؛ لأن (إنَّ) حرف توكيد، وبالمناسبة أسمع بعض الناس يقول: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، وهذا لحن، لكنه لا يغير المعنى، إنما هو لحن؛ لأن (أنَّ) المشددة لا يُحْذَف اسمها، وإنما الذي يُحْذَف اسمها هي (أنْ) المخففة، وعلى هذا فقل: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا؟
طالب: مثلها.
الشيخ: لا، هذه مشدَّدة ما هي مخففة.
(أدواتُ الشرط: إنْ، وإذا، ومتى، وأيُّ) بالتشديد، (ومَنْ، وكُلَّما، وهي وحدَها للتكرارِ، وكلها .. ) إلى آخره.
ذكر المؤلف ست أدوات: (إنْ، وإذا، ومتى، وأيّ، ومَن، وكلما)، ست أدوات، كلها أدوات شرط، قد تتقدم وقد تتأخر، قد يقول الرجل لزوجته: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق، وقد يقول: أنتِ طالق إن دخلتِ الدار، وكلاهما سواء.
الجزء: 2 - الصفحة: 3140
وإذا قال: أنت طالق أنْ دخلت الدار، ماذا تقولون؟ هل هي شرط؟ لا، هذه تعليل، فإن كانت قد دخلت الدار فهي طالق، وإلا فلا.
قال: (وكلها) يعني: كل هذه الأدوات، (وكلُّها ومهما بِلا (لَمْ) أو نِيَّةِ فَوْر أو قرينة للتَّراخي).
ما معنى (للتراخي)؟ يعني أنه يقع الطلاق ولو تأخَّر وقوع المشروط.
مثاله: قال: متى قمتِ فأنتِ طالق، ولم يَنْوِ متى قمتِ الآن، ولم يَنْوِ متى قمتِ في أي وقت، تكون للتراخي ولّا للفورية؟ للتراخي، يعني: إن قامت الآن طلقت، وإن قامت بعد سنة طلقت، كله سواء.
أما لو قال: متى قمت فأنت طالق، وأراد التراخي، فإنها لا تطلق حتى يوجد القيام.
وإذا قال: متى قمت فأنت طالق، وأراد الآن، فإنه يختص بالآن، وهذا يرجع إلى نيَّتِه، لكن إذا لم يكن نية فور ولا نية تراخٍ فهي للتراخي، بمعنى أن المرأة تطلق سواء حصل ذلك الآن أو فيما بعد.
لكن لو قال: إنه نوى في الحال، مثل أن يقول: متى ذهبتِ إلى الجيران فأنت طالق، ثم ذهبت بعد يوم أو يومين، وقال: أنا أردت متى ذهبتِ في ذلك اليوم؛ لأن عندهم ضيوفًا لا خير فيهم، يُقْبَل أو لا يُقْبَل؟ يُقْبَل، يعني يرجع إلى نيته في الفورية، هذا إذا لم يكن معها (لم).
قال: (ومع (لم) للفور)، إذا قال: متى لم تقومي فأنتِ طالق، فالمراد الفورية، يعني متى لم تقومي الآن فأنتِ طالق، فإن قامت بعد ساعة أو ساعتين تطلق أو لا تطلق؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا، تطلق يا إخواني، إذا قال: ما لم تقومي، يعني الآن، ولهذا قال: (مع (لم) للفور)، فإذا لم تقم، يعني تأخر فإنها تطلق؛ لأنها مع (لم) للفور، إذا قال: متى لم تقومي -يعني الآن- فأنت طالق، فبقيت ساعة أو ساعتين ثم قامت، تطلق أو لا تطلق؟ تطلق؛ لأنها مع (لم) تكون للفورية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3141
إذا لم تقومي فأنت طالق، وبقيت في مكانها ساعة أو ساعتين ثم قامت، تطلق أو لا؟ تطلق، فلو قالت: يا رجل أنا قمت، وأنت تقول: إذا لم تقومي، فإنه يقول: إن أدوات الشرط مع (لم) تكون للفورية، يعني: إذا لم تقومي الآن فأنت طالق، وأنت ما قمت الآن.
(ومع (لم) للفور، إلا (إن)) يعني: فإنها تكون للتراخي، حتى مع (لم)، مثل: إن لم تقومي فأنت طالق، وبقيت ساعة ساعتين ثم قامت، تطلق أو لا تطلق؟ لا تطلق؛ لأنها قامت، وهو يقول: إن لم تقومي.
فصارت (إن) وحدها تختص بأنها للفورية والتراخي مع (لم) ومع عدمها، وغيرها تكون مع (لم) للفور، وبدونها للفور والتراخي، انتبهوا يا جماعة لا تلتبس عليكم، أنا في ظني أنها ما تَخَّمَرت ..
طالب: الأخيرة يا شيخ؟
الشيخ: أيهم؟ (إن) ما يضرها دخول (لم) أو عدمه، فهي للتراخي والفورية، وهذا كله ما لم يكن نية للزوج، إن كان نية للزوج فالعمل على نيته، ولهذا كله يقيدها مع عدم نية فور أو قرينة.
طالب: قال: إن صعدت السماء فأنت طالق، وقصد بالسماء أي السقف، الدرس الماضي قلتم: إن صعدت السماء فأنت طالق، تطلق فورًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن إذا قصد بالسماء السقف؟
الشيخ: فعلى نيته؛ لأن السماء تصح لكل عالٍ، كل عالٍ فهو سماء.
طالب: من قال يا شيخ: طالق، أقصد امرأتي طَلْق الْحَمَل؟
الشيخ: يعني: أنت تطلقين، يعني فيها طَلْق الْحَمَل.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أو طالق، يعني ما قَيَّد ناس بالحمل؟
الطالب: نعم، له نية؟
الشيخ: على نيته.
الطالب: يُعْمَل يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، يُعْمَل بقوله إلا عند الترافع للحاكم، يعني: إذا ترافعوا للحاكم للقاضي وجب عليه أن يحكم بالظاهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (7). ( ... )
(إن تكرَّر الشرطُ لم يتكرَّر الحِنْثُ).
يعني: إن فَعَلَت ما عُلِّق عليه الطلاق مرتين أو ثلاثًا لم تطلق إلا مرة واحدة؛ الأولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 3142
وقوله: (لم يتكرر الحنث) أي: لم يتكرر الطلاق، فإذا قال: إن قمتِ فأنت طالق، فقامت، طلقت، ثم قامت، أجيبوا.
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق؛ لأنه لا (يتكرَّر الحِنْثُ إلا في كلَّما)؛ لأن (كلما) للتكرار، فإذا تكرر الشرط في (كلما) تكرَّر الحنث، كلما قمتِ فأنت طالق، فقامت، تطلق، ثم قامت أخرى تطلق، ثم قامت ثالثة تطلق، ثم قامت رابعة؟ لا تطلق؛ لأنه انتهى العدد.
ثم قال: (وإذا قال: إن لم أطلقْكِ فأنتِ طالقٌ، ولم يَنْوِ وقتًا، ولم تَقُم قرينةٌ بفَوْرٍ، ولم يطلِّقْها، طلقتْ في آخرِ حياةِ أولِهما موْتًا).
إذا قال: (إن لم أطلقْكِ فأنتِ طالقٌ) إن نوى الآن فإنه إذا لم يطلقها إذا مضى زمن يمكن أن يطلقها فيه ولم يطلقها طلقت، إذا لم يَنْوِ لكن هناك قرينة تدل على أنه إن لم يطلقها فورًا فأنتِ طالق، قلنا: إذا لم يطلقها فورًا فإنها تطلق.
وإذا لم يكن هذا ولا هذا، يقول: (طلقَتْ في آخرِ حياةِ أولِهما موْتًا)، كيف؟ نعم؛ لأنه إن مات الزوج تكون طلقت قبل أن يموت بثانية، إن ماتت هي تكون طلقت قبل أن تموت بثانية، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: (في آخر حياة أولهما موتًا)، وذلك لأنه إذا مات الزوج فلا طلاق، فلا بد أن تطلق قبل موته، إن ماتت هي الزوجة فلا طلاق أيضًا، فلا بد إذن أن تطلق قبل أن تموت، ففي هذه الحال تطلق في آخر حياة أولهما موتًا.
لكن الغالب أن الإنسان ما يقول هكذا إلا للفور، هذا الغالب، غَضِبَ عليها، وقال: إن لم أطلقك فأنت طالق، فالغالب أنه يريد: إن لم أطلقك الآن فأنتِ طالق، فنقول: إذا مضى زمن يمكن إيقاع الطلاق فيه ولم يفعل طلقت.
(وإذا قال: متى، أو إذا لَمْ، أو أيّ وقتٍ لم أطلقْكِ، ولم يفعل طلقت).
متى تطلق؟ إذا مضى زمن يمكن أن يقول: أنتِ طالق، فإنها تطلق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3143
أما إذا قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق، (ومضى ما يمكن إيقاعُ ثلاثٍ مرتَّبَة فيه طلُقَت المدخولُ بها ثلاثًا، وتَبِينُ غيرها بالأولى)، لماذا؟ لأن (كلما) تفيد التكرار، فإذا قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق، وسكت زمنًا يمكن أن يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، يقول: فإنها إن كانت مدخولًا بها طلقت ثلاثًا، تطلق بالأولى ثم تكون رجعية، فتطلق بالثانية ثم تكون رجعية، فتطلق في الثالثة.
أما إذا كان لم يدخل بها فإنها تطلق أول مرة، ثم لا تطلق ثانية؛ لأنها إذا طلقها أول مرة حصل الفراق، وليس لها عدة حتى نقول: يمكن أن يلحقها طلاقها، فتَبِينُ غير المدخول بها بأول مرة، ولا يلحقها طلاقها في الثاني، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (طلقت المدخول بها ثلاثًا وتَبِينُ غيرُها بالأولى).
ثم قال: (وإن قمتِ فقعدتِ، أو ثم قعدتِ، أو إن قعدتِ إذا قمتِ، لم تطلُقْ حتى تقومَ ثم تقعدَ).
(إن قمتِ فقعدتِ فأنت طالق)، أيهما الأول؟
طالب: القيام.
الشيخ: القيام، (فلا تطلُق حتى تقوم ثم تقعد، فإن قعدت قبل أن تقوم لم تطلُق)؛ لأنه رَتَّب الطلاق على قعود بعد قيام.
(أو ثم قعدتِ) نفس الشيء؛ لأن (ثم) تفيد الترتيب.
(أو قال: إن قعدتِ إذا قمتِ)، أنت طالق إن قعدت إذا قمت، فقعدت بدون قيام، تطلق ولَّا لا؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: يعني هو قال وهي نائمة مضطجعة، قال: أنت طالق إن قعدتِ إذا قمتِ، قعدت من الاضطجاع وجلست، تطلق؟
طلبة: لا.
الشيخ: قامت ثم قعدت؟
طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق، مع أنك الآن إذا تأملت: إن قعدتِ إذا قمتِ، أين المتأخِّر لفظًا؟
طلبة: القيام.
الشيخ: القيام، لكن القعود معلَّق بالقيام، حيث قال: إذا قمتِ، فصار المتأخِّر متقدِّمًا.
(أو قعدتِ إذا قمتِ، أو إن قعدتِ إن قمتِ).
(إن قعدتِ إن قمتِ) بمعنى: قمتِ فقعدتِ، إي، (ما تطلُق حتى تقومَ ثم تقعدَ).
(أو قال: إن قعدتِ إن قمتِ فأنتِ طالق، لم تطلُق حتى تقوم ثم تقعد).
الجزء: 2 - الصفحة: 3144
قال: (وبالواو) يعني: إن قمتِ وقعدتِ (تطلقُ بوجودِهما).
لو قال: أنت طالق إن قمتِ وقعدتِ، ما قال: ثُمَّ، وليس هناك دليل على أنه يريد الترتيب، فيقول: تطلق إذا قامت وقعدت؛ لأنه قال: إن قعدتِ وقمتِ، تطلق إذا قامت وقعدت، سواء بدأت بالقيام أولًا أو بالقعود.
ولهذا قال: (وبالواو) أنت طالق إن قمتِ وقعدتِ، (تطلق بوجودهما)، أي: القيام والقعود، (ولو غير مُرَتَّبَيْنِ).
(وبـ (أو)) بأن قال: إن قمتِ أو قعدتِ (بوجود أحدهما).
(أو) لأحد الشيئين، فإذا قال: أنت طالق إن قمتِ أو قعدتِ، طلقت إن قامت وطلقت إن قعدت.
عندي مسألة في الشرح نذكرها لأنها غريبة، يقول: إن علَّق الطلاق على صفات فاجتمعت في عين، مثل أن يقول: إن رأيتِ رجلًا فأنت طالق، إن رأيت أسود فأنت طالق، إن رأيت فقيهًا فأنت طالق، كم من صفة؟ ثلاث: الرجولة والسواد والفقه، فرأت رجلًا أسود فقيهًا، كم تطلق؟
طلبة: ثلاثًا.
الشيخ: ثلاثًا.
طالب: تَبِين إن شاء الله.
الشيخ: تطلق ثلاثًا، مع أنها لم تَرَ إلا واحدًا، لكن يقولون: نُغَلِّب الصفة.
إلا أن بعض أهل العلم خالَف في هذا، وقال: إن ظاهر الحال يقتضي أن ترى رجلًا، وترى رجلًا أسود، وترى رجلًا فقيهًا؛ لأنه قال: إن رأيت رجلًا فأنت طالق، وإن رأيت أسود، وهذا يقتضي أن يكون غير الأول، وإن رأيتِ فقيهًا، هذا يقتضي غير الأول، الآن لو وجدنا رجلًا أسود فقيهًا، يعني يبعد جدًّا أنه أراد الصفات دون الأعيان، ولهذا خالف بعض العلماء فقال: لا تطلق حتى ترى رجلًا، ثم ترى أسود، ولو غير رجل، ثم ترى فقيهًا ولو غير رجل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، يمكن لو ثلاث عشرة سنة ما بلغ، لكنه فقيه، ما يمكن هذا؟ يمكن، قبل أيام ذكر لي واحد أنه نُشِرَ في الصحف صبي له سبع أو ثماني سنوات حافظ القرآن كله، ويعرف التفسير، وحافظ من كتب الفقه ما حفظ، ويعرف تفسيره، يقال هكذا، فأنا قلت: لعله صغير القامة، قصير القامة، وقالوا: هذا له ثلاث عشرة سنة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3145
الطالب: هذا يدرس له الشيخ مصطفى العدوي، موجود معروف الشيخ في مصر، ويخطب وعمره إحدى عشرة سنة.
الشيخ: إي، خليه يخطب، تكتب له ويخطب.
الطالب: ويحفظ ستة آلاف حديث.
الشيخ: وكم عمره؟
الطالب: إحدى عشرة سنة يا شيخ.
الشيخ: عجيب.
الطالب: وقابله الشيخ عبد العزيز بن باز وحثّ الشيخ على أن يَمُرّ على حلقات القرآن حتى يقتدوا به وكذا.
الشيخ: إي، على كل حال ما ندري، هو في العام الماضي أو قبل العام جاءني ولد صغير وحاطِّين عليه مشلح وحاطين عليه عقال ولبس السعودية، صغير، وقالوا: هذا حافظ صحيح البخاري، وهو صغير يمكن له سبع أو ثمانِ سنين الظاهر، حافظ القرآن وحافظ صحيح البخاري، ( ... ) ثلاثة أو أربعة من الناس يمرون به على هذا، فأنا قلت: لا تفعلوا، لا تمروا به على أحد، إن فعلتم هذا سيَغْتَرّ بنفسه، وأنتم الآن لبستموه لباس الملوك، خلوه يبقى على ما هو عليه، أما كونكم تمرون به على الناس فأولًا بعض الناس ما هو مُصَدِّق، ثم كونه يغترّ بنفسه بعدُ محنة هذه، تضرونه أنتم أكثر، ولعلهم استجابوا إن شاء الله.
على كل حال كلامنا على مسألة الطلاق، نقول: لو رأت فقيهًا ليس برجل؟ تطلق، أسود ليس برجل؟
طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق.
قال المؤلف: (فصل).
عندنا الآن تعليقه بالحيض، وتعليقه بعده بالحمل، وتعليقه بالولادة، وتعليقه بالطلاق، وتعليقه بحلف الطلاق، وتعليقه بالكلام، وتعليقه بالإذن، وتعليقه بالمشيئة، ثم مسائل متفرقة، كنا إذا مررنا بهذا على شيخنا -رحمه الله- أشار علينا أن ندعه، وقال: هذه فصول تُغْنِي عنها القاعدة، فهل ترون أن نتبع هذا الطريق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، ما لها داع.
أما تعليقه بالمشيئة فينبغي أن نقرأه لأنه مهم.
يقول: (فصلٌ.
إذا علَّقه بمشيئتِها بـ (إِنْ) أو غيرِها من الحروف لم تطلُقْ حتى تشاءَ ولو تراخَى).
الجزء: 2 - الصفحة: 3146
إذا قال لها: أنت طالق إن شئتِ، فلم تَشَأ إلا مُتَرَاخِيَة؟ نقول: تطلق، متى شاءت طلَّقَت نفسها، بل متى شاءت طلُقت، حتى وإن لم تلفظ بالطلاق؛ لأنه علَّق ذلك بالمشيئة، وهذا في الحقيقة لا بأس به، ما نقول: إنه حرام، لكنه خلاف الأولى؛ لأنه إذا عَلَّقَه بالمشيئة لو تزعل المرأة على زوجها بأدنى شيء قالت: طَلَّقْتُك بالثلاث، هذا هو المعلوم في الغالب، لذلك لا ينبغي أن تجعل الطلاق الذي هو من أخطر الأمور معلَّقًا بمشيئة امرأة ناقصة العقل والدين.
نعم إذا رأيت هناك سببًا يقتضي أن تعلقه بمشيئتها، مثل أن تراها مُتَبِّرمة تعبانة من الحياة معك، تقول لها: يا بنت الحلال، أنتِ لست مُكْرَهَة، متى شئتِ طلِّقي نفسك.
فهذه قد نقول: إنه غرض صحيح، والمقصود بالعلم هو التربية دون معرفة الأحكام، كوننا نقول: عَلِّق طلاق امرأتك بمشيئتها، ونحن لا ندري عنها، فهذا لا ينبغي لا شك فيه.
أما إذا كان الرجل رأى سببًا وقال: يا بنت الحلال إذا كنت مَالَّةً أو كنت لا تريدين البقاء معي، فمتى شئتِ طَلِّقِي نفسَك، هذا لا بأس به، والله أعلم.
طالب: أحسن الله يا شيخ، إن أرادت المرأة أن تطلِّق نفسها، تقول: طلَّقتُك، أو تقول .. ؟
الشيخ: لا، طَلَّقْتُ نفسي منك، ما يمكن تقول: طَلَّقْتُك.
( ... )
طالب: ولو تراخَى، فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ، فشاءَ لم تطلُقْ، وإن قال: إن شئتِ وشاءَ أبوكِ أو زيدٌ، لم يقعْ حتى يشاءَا معًا، وإن شاء أحدُهُما فلا، وأنتِ طالقٌ وعبدي حرٌّ إن شاءَ اللهُ، وقَعَا، وإن دَخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ إن شاءَ الله، طلُقَتْ إن دَخَلَتْ، وأنتِ طالقٌ لرِضَا زيدٍ أو لمشيئَتِه، طلُقَتْ في الحالِ، فإن قال: أردتُ الشرطَ قُبِلَ حُكمًا، وأنتِ طالقٌ إن رأيتِ الهلالَ، فإن نَوى رؤيتَها لم تطلُقْ حتى تراه، وإلَّا طلُقَتْ بعدَ الغروبِ برؤيةِ غيرِها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3147
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى في تعليق الطلاق بالشروط، وقد مضى الكلام على ذلك، وذكرنا أن من العلماء مَن يقول: إن تعليق الطلاق بالشروط لاغٍ؛ لأن الطلاق لا يكون إلا مُنَجَّزًا، وبَيَّنَّا أن هذا القول ضعيف، لكن التعليق بالشروط ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون محضًا، وإما أن يراد به معنى اليمين، فإن كان محضًا فإنها تطلق بمجرد وجود الشرط.
مثال المحض: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، فهذا تعليق محض، متى طلعت الشمس طلقت، وهذا لا أظن أحدًا يختلف فيه ممن قال: إن الشرط في الطلاق صحيح.
والثاني: أن يريد معنى اليمين، وهو المنع، أو الحث، أو التصديق، أو التكذيب، فمن العلماء من ألحقه بالأول، وقال: إنها تطلق بمجرد وقوعه، ومن العلماء من قال: إن حكمه حكمُ اليمين، ما لم يُرِد الطلاق.
مثال ذلك، إذا قال: إن كلمت زيدًا فزوجتي طالق، هذا يحتمل أنه أراد أيش؟ مجرد الشرط، وعلى هذا تطلق بمجرد أن تكلم زيدًا، ويحتمل أنه أراد ألَّا تكلم زيدًا ولم يُرِد الطلاق وزوجته عنده غالية، لكن أراد ألَّا تكلم زيدًا فقال: إن كلمتِ زيدًا فأنت طالق، فمن العلماء مَن ألحقه بالأول، أي: بالشرط المحض، وقال: إنها تطلق، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم.
ومن العلماء من قال: إذا نوى بذلك معنى اليمين فإنه يمين، فإذا حصل الشرط فعليه كفارة يمين، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ثم اعلم أن هذا تارة يظهر فيه أنه أراد اليمين، وتارة يظهر فيه أنه أراد الطلاق، وتارة نشك، فمن الأشياء التي يظهر فيها أنه أراد اليمين إذا قال: إن كلمتُ زيدًا فزوجتي طالق، فهنا يظهر أنه أراد أيش؟
طالب: اليمين.
الشيخ: أراد اليمين؛ لأن زوجته ما لها علاقة بالموضوع، فهنا يظهر أنه أراد اليمين، فنُفْتِيه بمجرد أن يسألنا نقول: كَفِّر كفارة يمين إذا كنا نرى هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3148
وتارة يظهر أنه أراد الطلاق، مثل أن يقول لزوجته: إن شاهدتِ الدش فأنتِ طالق، هذا يظهر منه أنه أراد أنها إذا تَدَنَّت إلى هذه الحال فإنها لا تصلح أن تكون امرأة له، فهذا يغلب على ظننا أنه أراد الطلاق، فإذا استفتانا عن هذه المسألة وقال: إنه قال لزوجته: إن نظرتِ إلى الدش فأنتِ طالق، قلنا: طلقت امرأته.
وتارة يحتمل هذا وهذا، مثل أن يقول لزوجته: إن لبستِ هذا الثوب فأنتِ طالق، فهذا يحتمل أنه أراد اليمين أو أراد الطلاق، فهنا لا نُفْتِيه حتى نسأله نقول: ماذا أردت؟
وفي المسألة التي قلنا: نحكم عليه بأنها تطلق، لو قال: لم أرد الطلاق، وطلاقها أكره إلَيَّ من مشاهدتها الدش، قلنا: إذن هذا حكم أيش؟ حكم اليمين؛ لأننا نعلم أنه إنما عَلَّق الطلاق على ذلك لأنه يكرهه، لا لأنه يكرهها هي.
وهذه مسائل دقيقة يجب على الْمُفْتِي أن يتحرى فيها تمامًا.
ولو قال قائل: إنه إذا كثر استعمالها في الناس فإننا نُجْرِيها عليهم على أنها طلاق، لو قال قائل لم يكن ذلك بعيدًا، من باب؟
طلبة: سد الذرائع.
الشيخ: التربية وعدم التسرع في الطلاق، واقتداءً بأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، حيث منع الناسَ رجوعَهم إلى زوجاتهم إذا طَلَّقُوا ثلاثًا لئلا يتتايعوا فيه (1).
الآن نبدأ بهذا الفصل، وهذا اللي قلتم الأخير هذه هي أصول تعليق الطلاق بالشروط، وأنا أحب من طلاب العلم أن يرجعوا إلى الأصول؛ لأن المسائل الجزئية مسائل تطير وينساها الإنسان، لكن إذا رزقه الله عز وجل التأصيل وفهم الأصول وتنزيل المسائل الجزئية عليها، فهذا هو الراسخ في العلم.
يقول: (إذا علَّقه بمشيئتِها بـ (إِنْ) أو غيرِها من الحروف لم تطلُقْ حتى تشاءَ ولو تراخَت).
مثل أن يقول: أنتِ طالق إن شئتِ، فمتى شاءت طلقت، سواء في الحال أو بعد مدة، ولهذا قال: (لم تطلق حتى تشاء ولو تراخت).
لو قال: عَجَّلْت الطلاق وألغيت الشرط، تطلق أو لا؟
طالب: تطلق.
الشيخ: لا.
طلبة: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3149
الشيخ: لا، سبق لنا يا إخواني، (لم تطلكق قبله ولو قال: عَجَّلْتُه)، أما لو أراد طلاقًا جديدًا غير الأول فهو حر، وهل يملك أن يعزلها إذا قال: أنتِ طالق إن شئتِ، ثم قال: هَوَّنْت؟ لا، ليس له ذلك، كما أنه ليس له أن يلغي الطلاق المعلَّق، أما لو قال: وَكَّلْتُك في طلاق نفسك ثم عزلها، فله ذلك؛ لأن الْمُوَكِّل له أن يعزل الوكيل، لكن مسألتنا ما فيها توكيل، فيها: أنتِ طالق إن شئتِ، فقالت: شئتُ.
انتهى الموضوع.
(فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ، فشاءَ لم تطلُقْ)! ! لَمَّا قال: أنتِ طالق إن شئتِ، قالت: قد شئتُ إن شئتَ، لم تطلق، لماذا؟ لأنه علَّقه على مشيئتها هي، فلا يصح أن تردها فتقول: قد شئتُ إن شئتَ، فيبقى الشرط معلَّقًا كما كان.
(وإن قال: إن شئتِ وشاءَ أبوكِ أو زيدٌ)، يعني: إن شئتِ وشاء زيد، (لم يقعْ حتى يشاءَا معًا).
أيضًا قال: تحبين أن أطلقك؟ قالت: نعم، قال: إن شئتِ وشاء أبوكِ فأنت طالق، فشاءت هي وأبى الأب، ما تطلُق؟ ما تطلق، شاء الأب ولم تَشَأْ هي؟ لا تطلق؛ لأنه عَلَّقَه على مشيئة الاثنين.
قال: إن شئتِ وشاء القاضي، فشاءت ولم يَشَأ القاضي؟
طالب: لا تطلق.
الشيخ: شاء القاضي ولم تشأ؟ لم تطلق، فأنا وضعت القاضي بدل قوله: (زيد).
يُذْكَر أن أحد العوام جالس عند شخص يدرِّس النحو، والمدرس هذا يعطي الطلاب: ضَرَبَ زيدٌ عَمْرًا، ضرب زيد خالدًا، وما أشبه ذلك، فقال العامي: هذا المضروب الظاهر أنه هلك من الضرب، اتركوا هذا؛ لأنه مَلَّ من قول الْمُعَلِّم: ضرب زيد عَمْرًا وضرب عَمْرٌو خالدًا، وما أشبه ذلك، فقال: هذا الرجل هلك يا جماعة، دَوِّرُوا على غيره! !
حتى الفقهاء -رحمهم الله- يأتون بزيد، يُمَثِّلُون بزيد، السبب إما أن يقال: إن هذا الشيء جرى عليه الناس، أو يقال: إن (زيد) كلمة خفيفة من أخف ما يكون، زيد وعمرو دائمًا هو الذي يُمَثَّل به، وأنت انظر لنفسك، زيد أَخَفّ من خالد، صح؟ معلوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3150
يقول: (أو شاء زيدٌ، لم يقعْ حتى يشاءَا معًا، وإن شاء أحدُهُما فلا، وأنتِ طالقٌ وعبدي حرٌّ إن شاءَ اللهُ، وقَعَا).
هذا تعليق بمشيئة الله عز وجل، وأتى بذكر العتق استطرادًا، أنتِ طالق إن شاء الله، يقع أو لا يقع؟ منهم مَن قال: إن هذا تعليق على مستحيل، والتعليق على المستحيل مستحيل، فلا يقع الطلاق أبدًا، ووجه كونه مستحيلًا أننا لا نطلع على مشيئة الله إلا بعد وقوع ما يقع، أنت لا تعلم أن الله أراد لك شيئًا إلا إذا أيش؟ إلا إذا وقع، قبل وقوعه ما تدري أن الله شاء أو لا.
فيقول: إذا قال: أنتِ طالق إن شاء الله، لم يقع الطلاق؛ لأن العلم بمشيئة الله، أجيبوا.
طالب: مستحيل.
الشيخ: مستحيل، إلا إذا وقع الطلاق، فأنت الآن عَلَّقْت الطلاق على مستحيل، والتعليق على المستحيل مستحيل، خُذُوا هذا القول.
إذن هذا القول يقول: إذا عَلَّق الطلاق بمشيئة الله فالحكم؟ لا يقع الطلاق، التعليل؟ لأنه عَلَّقَه على مستحيل، والْمُعَلَّق على المستحيل مستحيل.
ومنهم من قال: إنه إذا قال: أنتِ طالق إن شاء الله، وقع الطلاق بكل حال؛ لأنه لَمَّا قال: أنتِ طالق، عَلِمْنَا أن الله قد شاءه؛ إذ إن الإنسان لا يتكلم إلا بمشيئة الله، فإذا قال: أنتِ طالق إن شاء الله، قلنا: قد شاء الله أن تطلق، من أين علمنا أن الله شاء ذلك؟ من وقوعه، من قوله: أنتِ طالق، ونحن نعلم أن الله تعالى إذا وقع الفعل من العبد فإن مقتضاه لا بد منه.
القولان الآن أيش؟ متقابلان تمامًا، الأول يقول: لا يقع الطلاق مطلقًا، والثاني يقول: يقع في الحال؛ لأن مجرد قوله: أنتِ طالق، كلمة إذا قالها الإنسان وقع بها الطلاق، فإذا قالها قلنا: إن الله قد شاءه، ما أدري واضح ولّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3151
الشيخ: القول الثالث: الوسط، يقول: إن أراد بقوله: أنتِ طالق إن شاء الله، إن أراد بقوله: إن شاء الله، أي: إن شاء الله أن تطلقي بهذا القول، فإن الطلاق يقع؛ لأننا نعلم أن الله تعالى يشاء الشيء إذا وُجِدَ سببه، وإن أراد بقوله: إن شاء الله، أي: في طلاقٍ مستقبَل، فإنه لا يقع الطلاق حتى يُوقِعَ الطلاق مرة ثانية.
أفهمتم يا جماعة؟ فهمتم القول الثالث؟ لا إله إلا الله.
طالب: ( ... ).
الشيخ: التفصيل، يقول: إن أراد بقوله: إن شاء الله، أي: إن شاء الله أن تطلقي بهذا الكلام، فإنها تطلق؛ لأنه هو قال: أنتِ طالق، وإن أراد: أنتِ طالق إن شاء الله، يعني: إن كان الله أراد أن تطلقي وُجِدَ السبب فتطلقين، يعني: في المستقبل، فهذه لا تطلق إلا إذا وقع منه الطلاق في المستقبل.
فهمنا الآن ولّا لا؟
طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: المسألة إذن فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يقع الطلاق مطلقًا، والثاني: أنه يقع مطلقًا، وهذا اختيار المؤلف؛ لأنه قال: (أنتِ طالق إن شاء الله وقع)، والثالث أيش؟ التفصيل، وعند التفصيل يكون التحصيل، وهذا هو الصواب؛ أن نقول: ماذا أردتَ بقولك: إن شاء الله؟ قال: أردت إن شاء الله أن يقع طلاقها بهذه الجملة.
فماذا نقول له؟ يقع الطلاق.
قال: أردتُ إن شاء الله، يعني: إن وُجِدَ سبب للطلاق في المستقبل فأنت تطلقين، فهذا لا يقع، وهذا لا شك هو الصواب.
فإن قال: أردت التَّبَرُّك ما أردت التعليق، مثل قوله في الحديث: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (8)، يعني: أهل المقابر، ونحن لاحقون بهم قطعًا، فقيل: إن المراد التبرك، وفيها خلاف، لكن المهم أن أحد الأقوال فيها أن المراد التبرك.
فإذا قال: أردت التبرك، يقع ولّا ما يقع؟
طلبة: يقع يا شيخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3152
الشيخ: يقع، لكن هل في هذا بركة بالنسبة للمرأة؟ قد يكون، وقد لا يكون، لكن نقول: إرادة التبرك معناها التحقيق؛ لأن الْمُرِيد للتبرك أراد أن يتحقق الأمر ببركة الله عز وجل، واضح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا هو التفصيل في مسألة تعليق الطلاق بمشيئة الله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قوله: (فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ فشاءَ، لم تطلُقْ).
الشيخ: نعم.
الطالب: هو شاء طلاقها؟
الشيخ: إي، على كلام المؤلف شاء طلاقها، يقول: لأن أصل تعليقه تعليق على أمر يُبْطِل تعليقَه؛ لأنه إذا قال: قد شئتُ إن شئتِ، لو أراد مشيئته هو بنفسه لم يقل لها: إن شئتِ.
طالب: لو قيل: يُرْجَع إلى حالهما، فإن كان يجب الطلاق يجب، وإن كان مباحًا فهو مباح، تقع المشيئة على مشيئة شرعية؟
الشيخ: ما فهمت كلامك.
الطالب: لو قيل: نرجع إلى حالهما؟
الشيخ: حال مَن؟
الطالب: الرجل وامرأته.
الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان يجب الطلاق فيجب.
الشيخ: إن كان يجب؟
الطالب: نحن قلنا: حالات، أحيانًا يجب الطلاق أو يُسَنّ، فيقال: يُرْجَع إلى حالهما، فإن كان يجب فيجب، أو هو مباح أو هو مَسْنُون أو هو مكروه.
الشيخ: لا، يجب أو مباح هذا عند إنشائه؛ لأنّا الآن نحكم على شيء صدر منه، أما ما ذكرتَ فهذا عند الإنشاء.
الطالب: أقصد يا شيخ نقول: نحمل المشيئة على المشيئة الشرعية؟
الشيخ: لا، غالبًا المشيئة ما فيها مشيئة شرعية، وهذه مسألة مهمة، التي تنقسم إلى شرعية وكونية هي الإرادة، أما المشيئة فهي مشيئة كونية فقط.
طالب: شيخ، لو عَلَّق الطلاق بمشيئتها، فهل لها أن تَرُدّ ذلك فلا تطلق؟
الشيخ: إي، معلوم، لا تشاء ولا عليها، أقول: لا تشاء، تبقى غير شائية، وهو أحسن لها إذا قال: أنتِ طالق إن شئتِ، ستكون إن زعلت عليه شاءت الطلاق وخلاص تطلق، لكن إذا طلقت أول مرة وراجعها، ثم شاءت الطلاق، تطلق ولّا لا؟
طالب: تطلق.
الشيخ: لا تطلق، إلا في (كلما)؛ لأن (كلما) للتكرار.
الجزء: 2 - الصفحة: 3153
طالب: شيخ، أقول: قوله: أنتِ طالق إن شئتِ، فقالت: شئتُ إن شئتَ، فقال: شئتُ؟
الشيخ: يقولون: إن هذا لا يصح؛ لأنه لو أراد مشيئته بنفسه ما علَّقَه على مشيئتها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، صحيح.
الطالب: ما هو وجه قولنا .. ؟
الشيخ: هذا هو، نقول: إذا كانت رَدَّتْه إلى مشيئته، فهذا معلوم من الأصل، الطلاق بمشيئة مَن؟ بمشيئة الرجل، وهذا معناه إلغاء مشيئته.
طالب: حيث قال: شئت، تطلق بهذا القول؟
الشيخ: إي، ما تطلق؛ لأنها هي معلقته على مشيئته، وهو كان بالأول معلقه على مشيئتها، وإذا كان يريد مشيئتها فإن مشيئته تُلْغَى، فرَدُّهَا إلى مشيئته معناه التناقض.
على كل حال التعليل ما هو بإلى ذاك، يعني ما هو بِبَيِّن جدًّا، وأنت إن شاء الله إذا تزوجت فقلت لزوجتك هذا وجدنا حل المشكلة إن شاء الله.
طالب: لا أقولها.
الشيخ: لا تقولها؟
طالب: إذا علَّقت بغير مشيئة الزوج، تعليق آخر بشرط آخر، تطلق؟
الشيخ: مثل؟
الطالب: قال: شئتُ إن ضربتني؟
الشيخ: إي، هذا يمكن أن نقول: يصح؛ لأنها لم تعلَّق بالمشيئة، عَلَّقَته على فعل منه، لكن حتى هذا أراه نوعًا من العبث، إن شئت إن ضربتني! !
طالب: ( ... ).
الشيخ: يخبطها ويقول ( ... ).
طالب: وأنتِ طالقٌ إن رأيتِ الهلالَ، فإن نَوى رؤيتَها لم تطلُقْ حتى تراه، وإلَّا طلقَتْ بعدَ الغروب برؤيةِ غيرِها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الإنسان إذا عَلَّق الطلاق بمشيئة الله فإنه يقع على ما ذهب إليه المؤلف، فماذا تقول: أهو على إطلاقه أو لا؟
طالب: لا، ليس على إطلاقه.
الشيخ: قال: أنتِ طالق إن شاء الله؟
الطالب: لا، ليس على إطلاقه.
الشيخ: كيف التفصيل؟
الطالب: التفصيل أنه إذا كان يريد الإخبار عن مستقبل أنه سيطلق، فإن طَلَّق يقع مستقبلًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: وإلا فلا يقع.
الشيخ: لا ( ... ) وقع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3154
الطالب: يقع يخرج مثلًا إذا كان أراد الإخبار عن أمر مستقبل.
الشيخ: يعني نحن ذكرنا أن التفصيل هو الصواب، فما هو التفصيل الذي ذكرنا؟
الطالب: أنه إذا أراد الإخبار أنه سيطلق في المستقبل فلا يقع حتى يطلق في المستقبل.
الشيخ: هذه واحدة، يكون معنى: أنتِ طالق إن شاء الله، أي: إن شاء الله أن أطلقك في المستقبل، ثانيًا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما فصلت.
الطالب: إذا قصد بالمشيئة التبرك وقع في الحال.
الشيخ: إذا قصد التبرك وقع في الحال، لكن كلامنا عن المعلَّق.
الطالب: لو قصد إن شاء الله أن يقع بهذا اللفظ الذي تلفظ به، يقع في الحال.
الشيخ: نعم، إذا قال: أنتِ طالق إن شاء الله، يعني: إن شاء الله أن تطلقي بقولي هذا، فإنه يقع؛ لأنه لَمَّا قاله علمنا أن الله شاءه بلا شك.
وهذا التفصيل هو الصواب، لكن إذا قال قائل: ما غالب أقوال الناس؟ إذا قال: أنتِ طالق إن شاء الله، هل الغالب في ذلك أنهم أراد التبرك؟
طالب: لا، لا يراد التبرك.
الشيخ: خير إن شاء الله، أنا أظن أنهم يريدون التبرك، لكن أرجو ألّا يريدوا التبرك، أنهم يريدون أنتِ طالق إن شاء الله، يعني: إن شاء الله أن أطلقك في المستقبل.
نبدأ الدرس الجديد: (وإن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ إن شاءَ الله، طلُقَتْ إن دَخَلَتْ).
معلوم؛ لأنه قال: أنتِ طالق إن دخلتِ الدار إن شاء الله، فإذا دخلت الدار علمنا أن الله تعالى شاء دخولها وشاء طلاقها؛ لأنه حصل المعلَّق عليه.
(وأنتِ طالقٌ لرِضَا زيدٍ أو لمشيئَتِه، طلُقَتْ في الحالِ).
(أنت طالق لرضا) اللام هذه للتعليل، والعلة تسبق المعلَّل، فإذا قال: (أنت طالق لرضا زيد) صار معناه: أنت طالق لأن زيدًا رضي بطلاقك.
وكذلك إذا قال: (أنت طالق لمشيئة زيد)، فالمعنى أيش؟ أنتِ طالق لأن زيدًا شاء أن تطلقي، فتطلق في الحال.
الجزء: 2 - الصفحة: 3155
(فإن قال: أردتُ الشرطَ)، يعني أردت بقولي: (أنتِ طالق لرضا زيد): أنت طالق إن رضي زيد، يقول: فإنه يُقْبَل حكمًا، أو يُدَيَّن؟
يقول المؤلف: يُقْبَل حكمًا، يعني حتى لو رُفِعَ الأمر للقاضي وقال الزوج: إني أردت بذلك الشرط، وجب على القاضي أن يقبل قوله؛ لأن قوله محتمِل غاية الاحتمال، الكلام يحتمله بلا شك، (أنتِ طالق لرضا زيد) يعني: إن رضي زيد، (أنت طالق لمشيئته) يعني: إن شاء.
فلذلك نقول: إذا قال: أنتِ طالق لرضا زيد، إن أراد الشرط لم تطلق حتى يرضى زيد، وإن لم يُرِد الشرط طلقت في الحال، ووجه ذلك أن العلَّة تسبق المعلول، فكان رضا زيد سابقًا على طلاقه.
(وإن قال: أردتُ الشرطَ قُبِلَ حُكمًا)، (حُكْمًا) معناه؟ عند الحاكم إذا ترافعَا، أما إذا لم يترافعَا وصَدَّقَتْه فلا حاجة للترافع.
(وأنتِ طالقٌ إن رأيتِ الهلالَ، فإن نَوى رؤيتَها لم تطلُقْ حتى تراه، وإلا طلُقَتْ بعدَ الغروبِ برؤيةِ غيرِها).
(أنتِ طالق إن رأيتِ الهلال)، ما ظاهر اللفظ؟ أنه إن رأته هي بنفسها، فلا تطلق حتى أيش؟ حتى تراه، فإن رآه غيرها لم تطلق.
وعلى هذا فإذا كان نظرها قاصرًا لا ترى الهلال إلا في الليلة الرابعة، متى تطلق؟ في الليلة الرابعة.
أما إذا أراد بقوله: (إن رأيتِ الهلال)، يعني: إن ثبت دخولُ الشهر، فإنها تطلق برؤية غيرها.
ويُذْكَر أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه جعل الناس يتراءون الهلال، ولكنه لم يَرَه، هو ما رآه، فجعلوا يقولون: هو هذا يا أمير المؤمنين، هذا هذا، قال: إني سأراه وأنا على فراشي (9)، متى يراه وهو على فراشه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا إله إلا الله، متى يا ناس؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إذا ارتفع الهلال، يراه وهو على فراشه، ما يحتاج أنه يتراآه مع الناس، وهذا دليل على حلمه رحمه الله، وأن الإنسان لا ينبغي أن يستعجل الشيء، إن لم يأتِ إلى الشيء فالشيءُ يأتي إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3156
(فصل.
وإن حَلَفَ لا يدخلُ دارًا أو لا يخرجُ منها، فأَدْخَلَ أو أَخْرَجَ بعضَ جسدِه، أو دخلَ طاقَ البابِ .. ) إلى آخره، يقول: (لم يَحْنَث).
قال: والله لا أدخل دار فلان، فوقف عند الباب وأصغى بظهره، فهل يحنث أو لا؟
طالب: لا يحنث.
الشيخ: ليش؟ لأنه ما دخل، الدخول يعتبر بالقدمين مع الجسد، وأما هذا فلا يقال: إنه دخل، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُخْرِج رأسه لعائشة تُرَجِّلُه وهو معتكف (10)، وهذا شيء لو كان خروجًا ما جاز للمعتكف؛ إذ إن المعتكف لا يجوز أن يخرج من اعتكافه من أجل أن يصلح رأسه.
كذلك إذا حلف ألَّا يخرج منها، قال: والله ما أخرج من هذا البيت إلا إذا أَذَّنَ الظهر، فقرع الباب عليه أحد، ففتح الباب وأصغى بظهره ينظر، هل يحنث أو لا يحنث؟
طلبة: لا يحنث.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لم يخرج.
الشيخ: لأنه لم يخرج.
(أو دخلَ طاقَ البابِ لم يحنث، أو لا يلبس ثوبًا من غَزْلِها، فلبس ثوبًا فيه منه).
(مِن غَزْلِها) المرأة تغزل الثياب؟ فيما سبق النساء يَغْزِلْنَ الثياب، حلف قال: والله ما ألبس ثوبًا من غَزْل هذه المرأة، فلبس ثوبًا فيه مِن غزلها، فإنه لا يحنث؛ لأن هذا الثوب لم يتمحض من غزلها، إذ إنه مخلوط بغزل امرأة أخرى.
يقول: (أو لا يشرب ماء هذا الإناء، فشرب بعضه، لم يحنث).
قال: والله لا أشرب ماء هذا الإناء، الإناء فيه ثلاثة أرباعه، فشرب رُبُعَه، فإنه لا يحنث؛ لأنه حلف ألَّا يشرب ماء هذا الإناء.
فإن قال: أردت ألَّا أشرب منه، فإنه يحنث، كما لو قال لشخص: والله لا آكل طعامك، فأكل منه، جاء له بخبز وتمر ولحم وأكل، يحنث أو لا يحنث؟
طلبة: لا يحنث.
الشيخ: ويش القرينة التي تدل على أنه لا يأكل كل طعامه اللي بالبيت؟ لا، ما هو معقول، يعني: لا آكل شيئًا من طعامك، بخلاف ماء هذا الإناء؛ لأن ماء هذا الإناء يمكن أن يشربه جميعه، حتى لو قال: والله لا أشرب ماء هذا النهر، ورَوِيَ منه، يحنث أو لا يحنث؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3157
طلبة: يحنث.
الشيخ: لا لا، يقول: والله لا أشرب ماء هذا النهر؟
طلبة: يحنث.
الشيخ: كيف ماء الإناء تقولون: لا يحنث، وهذا تقولون: يحنث؟
طلبة: القرينة.
الشيخ: القرينة؛ لأنه ما يمكن يشرب النهر كله، إذن القرائن لها آثارها.
يقول: (فشرب بعضَه، لم يحنث).
ثم قال: (وإن فعلَ المحلوفَ عليه ناسيًا أو جاهلًا حَنِثَ في طلاقٍ وعِتَاقٍ فقط).
هذه قاعدة مهمة جدًّا ينبغي البسط فيها: (إن فعلَ المحلوفَ عليه ناسيًا): ناسيًا يمينه، أو ناسيًا أن هذا هو المحلوف عليه.
(أو جاهلًا): جاهلًا أن هذا هو المحلوف عليه، أو جاهلًا أنه يحنث بهذا الفعل، فإنه لا شيء عليه؛ لأنه لم يتعمد الحنث، وليت المؤلف أضاف شيئًا ثالثًا وهو الإكراه، فإذا فعل المحلوفَ عليه ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا فلا حنث عليه؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: 106]، وهذا واضح.
فإذا قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم وجد ثوبًا مُعَلَّقًا فلبسه، وإذا هو الثوب الذي كان حلف على عدم لبسه، فليس عليه شيء، لكن عليه أن يخلعه في الحال؛ لأن الوصف الذي عُذِرَ به قد زال.
كذلك أيضًا لو حلف لا يلبس هذا الثوب، فوجده مُعَلَّقًا فلبسه ناسيًا أنه حلف، عليه كفارة أو لا؟ ليس عليه كفارة، لم يحنث، لكن متى ذَكَرَ وجب عليه أيش؟ أن يخلعه.
وكذلك لو أُكْرِهَ على لبسه وهو قد حلف ألَّا يلبسه ثم لبسه دفعًا للإكراه فلا حنث عليه.
استثنى المؤلف مسألتين: الطلاق والعتق، يعني: فإنه إذا فعل المحلوفَ عليه ناسيًا أو جاهلًا فإن المرأة تطلق، والعبد يعتق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3158
مثال ذلك، قال: إن فعلتُ كذا فعبدي حر، يريد عتقه، ففعله ناسيًا، فماذا يكون؟ على كلام المؤلف يعتق العبد.
قال: إن كلمت فلانًا فعبدي حر، ثم كَلَّمَ شخصًا لا يدري مَن هو، ثم تَبَيَّن أنه الرجل الذي حلف ألَّا يكلمه، فالعبد يعتق.
وكذلك في الطلاق، لو قال لزوجته: إن لبستِ هذا الثوب فأنتِ طالق، ثم نسيت ولبسته، تطلق؟ نعم تطلق، على كلام المؤلف.
أو قال: إن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، يريد الطلاق، فكلمت رجلًا استأذن، أو كَلَّم في الهاتف وكَلَّمَته، وإذا هو فلان الذي عَلَّق الطلاق على تكليمه، تطلق أو لا تطلق؟ على كلام المؤلف تطلق.
والصحيح أنها لا تطلق، وأن العبد لا يعتق، وأنه لا فرق بين الطلاق والعتق وغيرهما، متى وقع ذلك عن جهل أو نسيان فلا إثم ولا كفارة ولا حِنْث؛ لأن لدينا قاعدة ممن له الحكم عز وجل وهو الله، ما القاعدة؟
طالب: فعل بعضه، يعني «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ».
(11)
الشيخ: ليتك تنسى هذا الحديث.
الطالب: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286].
الشيخ: إي نعم، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، «فَقَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ» (12)، آية أخرى؟
طالب: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
الشيخ: خطأ.
طالب: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].
الشيخ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، حتى اليمين إذا حلف الإنسان وهو لم يعقدها بقلبه لم تكن شيئًا، قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].
الجزء: 2 - الصفحة: 3159
المهم أن مَن فعل شيئًا محلوفًا عليه من طلاق أو عتق أو غيرهما ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا، أيش؟ فلا شيء عليه، هذا هو القول الراجح، وهو الذي تقتضيه الأدلة، وهو مقتضى تيسير الشريعة وتسهيلها.
(وإن فعلَ بعضَه لم يحنَثْ إلا أن ينويَه).
إن فعل بعض المحلوف عليه فإنه لا يحنث إلا أن ينويه، فإذا قال: والله لا آكُل هذه الخبزة، فأكل بعضها، أيش؟ لا شيء عليه، ليش؟ لأنه ما أكلها، أكل البعض، إلا إذا أراد بقوله: لا آكلها، أي: لا آكل منها، فإنه يحنث.
(وإن حلفَ ليفعلنَّه، لم يَبرَّ إلا بفعلِه كلِّه)، يعني: إن حلف ليفعلنَّ هذا الشيء لم يَبَرَّ إلا بفعله كله.
وإن حَلَفَ ليَفْعَلَنَّهُ لم يَبَرَّ إلا بفِعْلِه كلِّه.
(بابُ التأويلِ في الْحَلِفِ)
ومعناه: أن يُريدَ بلَفْظِه ما يُخالِفُ ظاهِرَه، فإذا حَلَفَ وتَأَوَّلَ يَمينَه نفَعَه إلا أن يَكونَ ظالمًا، فإذا حَلَّفَهُ ظالِمٌ ما لزيدٍ عندَك شيءٌ وله عندَه وَديعةٌ بِمَكانٍ فَنَوَى غيرَه أو بما الذي، أو حَلَفَ ما زيدٌ ههنا ونَوَى غيرَ مَكانِه، أو حَلَفَ على امرأتِه لا سَرَقْتِ مني شيئًا فخانَتْه في وَديعةٍ ولم يَنْوِها لم يَحْنَثْ في الكلِّ.
(بابُ الشكِّ في الطلاقِ)
مَن شَكَّ في طَلاقٍ أو شَرْطِه لم يَلْزَمْه، وإن شَكَّ في عَدَدِه فطَلْقَةٌ، وتُبَاحُ له، فإذا قالَ لامرأتَيْه: إحداكما طالِقٌ.
طَلُقَتِ الْمَنْوِيَّةُ وإلا مَن قُرِعَت، كمَن طَلَّقَ إحداهما، بائنًا ونسِيَها، وإن تَبَيَّنَ أنَّ الْمُطَلَّقَةَ غيرُ التي قُرِعَتْ رُدَّتْ إليه ما لم تَتَزَوَّجْ أو تَكُن القُرعةُ بحاكِمٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3160
وإن قالَ: إن كان هذا الطائرُ غُرابًا ففُلانةُ طالقٌ، وإن كان حمامًا ففُلانةُ.
وجَهِلَ لم تُطَلَّقَا، وإن قالَ لزوجتِه وأَجنبِيَّةٍ اسْمُها هندُ: إحداكما أو هندُ طالِقٌ.
طَلُقَت امرأتُه, وإن قالَ: أردْتُ الأجنبِيَّةَ.
لم يُقْبَلْ حُكْمًا إلا بقَرينةٍ، وإن قالَ لِمَنْ ظَنَّهَا زوجتَه: أنتِ طالقٌ.
طَلُقَت الزوجةُ وكذا عَكْسُها.
(بابُ الرَّجْعَةِ)
مَن طَلَّقَ بلا عِوَضٍ زَوجةً مَدخولاً بها أو مَخْلُوًّا بها دُونَ ما لَه من العَددِ فله رَجْعَتُها في عِدَّتِها ولو كَرِهَتْ بلفظِ: " راجعْتُ امرأتِي " ونحوِه لا " نَكَحْتُها ونحوِه, ويُسَنُّ الإشهادُ، وهي زوجةٌ لها وعليها حُكْمُ الزوجاتِ، لكن لا قَسْمَ لها وتَحْصُلُ الرَّجعةُ أيضًا بوَطْئِها،
فإنه لا يحنث إلا أن ينويه، فإذا قال: والله لا آكل هذه الخبزة.
فأكل بعضها، أيش؟ لا شيء عليه.
ليش؟ لأنه ما أكلها، أكل البعض، إلا إذا أراد بقوله: لا آكلها؛ أي لا آكل منها؛ فإنه يحنث.
(وإن حلفَ ليفعلنَّه لم يبرَّ إلا بفعلِه كلِّه)، يعني إن حلف ليفعلن هذا الشيء لم يبر إلا بفعله كله.
فإذا قال: والله لأصومن شهر المحرم وصام بعضه، حنث أو لا؟ حنث؛ لأنه لا يبر إلا بفعله كله.
والله لآكلن هذه الخبزة.
وأكل بعضها؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا.
الطلبة: لا يحنث.
الشيخ: هو يقول: لآكلن، ما هي بلا آكل، لآكلن؟
طالب: يحنث.
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: طيب، هل نقول: إن كنت تريد البِرَّ فكلها كلها؟ أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، لا تلتبس عليكم.
قال: والله لآكلن هذه الخبزة فأكل بعضها، حنث إذا أكل بعضها؛ لأنه قال: والله لآكلن هذه الخبزة.
نقول: كلها كلها، قال: شبعت، ويش نقول؟
الطلبة: يحنث.
الجزء: 2 - الصفحة: 3161
الشيخ: من الذي جعلك تحنث؟ من ألجأك إلى اليمين؟ قال: والله أنا جيت جائع، قلت: ما يسد نهمتي إلا هذا الخبز كله، فحلفت: والله لآكله، وأكل بعضه وخلاص ما يقدر يأكل.
عليه يمين؟ عليه حنث ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: عليه حنث.
فإذا حلف على الشيء فإنه لا يبر حتى يفعل جميعه.
باب التأويل في الحلف
ثم قال المؤلف: (باب التأويل في الحلف).
(ومعناه أن يُريدَ بلفظٍ ما يخالفُ ظاهرَه).
التأويل في الحلف هو التحريف في النصوص؛ لأن الذين يحرفون النصوص يؤولونها إلى ما يخالف الظاهر.
التأويل في الحلف: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره؛ هذا التأويل، مثاله: (إذا حَلَفَ وتأوَّلَ يمينَه نفعَه، إلا أن يكونَ ظالمًا).
هنا نسأل، يعني نبحث في الموضوع: التأويل هل هو جائز أو مُحرَّم؟
في هذا تفصيل؛ إن كان الإنسان مظلومًا فالتأويل جائز، وقد يكون واجبًا.
وإن كان ظالمًا فالتأويل حرام، وقد يكون من الكبائر، وإن لم يكن ظالمًا ولا مظلومًا، فلا شك أن تركه أولى، ولكن هل يجوز أو لا يجوز؟ فيه خلاف.
فالأقسام إذن؟ كم من الأقسام في التأويل؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، ما هي؟
الطالب: سهيت.
الشيخ: سهيت ولَّا سهوت، ولَّا لهيت ولَّا لهوت، اللهم اهدنا فيمن هديت.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما أسأل عن الحكم، أعطنا الأقسام.
الطالب: ظالمًا أو مظلومًا أو ..
الشيخ: إما أن يكون ظالمًا، أو مظلومًا، أو لا ظالمًا ولا مظلومًا.
كم الأقسام؟ ثلاثة.
إن كان ظالمًا فالتأويل حرام، وقد يكون من الكبائر، وإن كان مظلومًا فالتأويل جائز، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون واجبًا.
وإن لم يكن هذا ولا هذا، لا ظالمًا ولا مظلومًا، فقد اختلف العلماء رحمهم الله بعد اتفاقهم أن الأولى تركه: هل يجوز أو لا يجوز؟ اختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا يجوز، والمشهور أنه جائز على المذهب؛ ولهذا قال: (نفعه إلا أن يكون ظالمًا)، ويأتي إن شاء الله بقية الحديث عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3162
طالب: بناءً على ما اخترناه من أن طلاق الحائض لا يقع، فإذا علَّق الطلاق على شرط، وحصل الشرط والمرأة حائض، هل يقع الطلاق؟
الشيخ: لا يقع.
يقول: إذا قلنا بالقول الراجح أن الطلاق في الحيض غير واضح، فصادف أن الشرط وقع في الحيض، هل يقع الطلاق؟ الجواب: لا يقع.
طالب: شيخنا، عندنا بعض العامة يكثرون من الحلف بالطلاق، كل منهم يقول: عليَّ الطلاق، العشاء عندي، أو كذا أو الغداء، ويتنازل عن رأيه بأبسط ما يكون، يعني وينسبون الفتوى إليكم يا شيخ أن ( ... )، فأيش الحكم هذا يا شيخ؟
الشيخ: الحكم هذا -بارك الله فيك- إذا علَّق الإنسان الطلاق بشرط، فإما أن يقصد اليمين أو يقصد الطلاق، إن قصد الطلاق وقع الطلاق؛ حيث لا مانع، وإن قصد اليمين لم يقع الطلاق وأجزأته كفارة يمين.
هذا هو التفصيل الصحيح، وأكثر العلماء من الأئمة وأتباعهم على أنه يقع الطلاق بكل حال.
مثال ذلك: إذا قال لزوجته: إن خرجتِ إلى السوق فأنتِ طالق، ثم خرجت.
فعلى رأي جمهور الأمة وأئمتها يقع الطلاق، وعلى ما اخترناه وهو قول شيخ الإسلام: أن نسأله: هل أنت تريد بهذا الكلام أن الزوجة إذا خرجت لم يبقَ لك فيها نظر؟ فأنت أردتَ الطلاق الآن، فيقع الطلاق، أو تريد أن تحبسها وتمنعها وتُشدِّد عليها حتى لا تخرج، ولو خرجت فليست رخيصة عندك.
فهذا حُكمه حكم الحلف.
لكن لعلنا يومًا من الدهر إذا رأينا تكالب الناس على هذا الشيء وتتابعهم فيه أن نفتيهم بوقوع الطلاق على كل حال، اتباعًا للجمهور وأخذًا بسياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ ولهذا أنا أقول لكم وأنتم طلبة: لا تهونوا هذا الأمر مع العامة، شدِّدوا، أنا الآن أفتي بأنه على حسب التفصيل الذي سمعت، لكن مع ذلك إذا جاء عرض هذه المسألة في محاضرة أو غيرها، أُشدِّد فيها جدًّا وأقول: يا جماعة، اتقوا الله؛ فإنكم على رأي أكثر الأمة الإسلامية أئمة والتابعين يقع الطلاق عليكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3163
ولهذا مشكل الآن لما أفتى الناس بأن الثلاث واحدة تساهل الناس جدًّا، وصار الإنسان بأدنى شيء يطلق زوجته، واحد قال لي: إني طلقت زوجتي تسعًا وتسعين مرة، أنت طالق تسعًا وتسعين، قلت: كمِّل المئة جزاك الله خيرًا! ! فالناس مشكل إذا رأوا التساهل تساهلوا.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، هل فيه فرق بين قوله: والله لا ألبس ثوبًا من غزلها، وبين قوله: لا ألبس من غزلها؟ يعني إذا قال: لا ألبس من غزلها ولبس ثوبًا ..
الشيخ: هل يمكن أن يلبس الغزل بدون نسج؟
الطالب: لا يمكن.
الشيخ: هذا، ما يمكن.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، الأثر الوارد أن: «ثَلَاثَةٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ» (1)، هل صحيح يا شيخ؟ الشيخ: أكثر العلماء على تصحيحه، أكثر العلماء على أنه صحيح، وينبغي أن نقول به، لماذا؟ لأننا لو قلنا: إن طلاق الهازل لا يقع، صار كل إنسان يقول: إنه هازل، أنا أمزح على امرأتي، وينسد باب الطلاق، فهو وإن كان فيه مقال والعلماء اختلفوا في تصحيحه، وفي حكمه، لكن ينبغي القول بأنه ماضٍ.
هذه ورقة يقول: إذا أراد أن يتزوج امرأة، وشرط عليه أهل المرأة إذا طلق ألا يقع طلاقه، فوافق على هذا الشرط؟ هنا العقد صحيح والشرط باطل، وإذا طلق فإنه يقع.
هذا يقول: إذا أُقيمت في المسجد تعزية؟ كيف أُقيمت تعزية؟ ويشلون؟
طالب: ( ... ) في المساجد تقام التعزية في المساجد .. كل مسجد يعني فيه تعزية ( ... ).
الشيخ: لكن هل المساجد بُنيت للتعازي؟
الطالب: هذه بلوى يا شيخ.
الشيخ: لا، البلوى عليكم أنتم يا طلبة العلم أن تنكرونها، وتذهبون للمسئولين، المساجد ما بنيت للتعزية والبكاء والأحزان.
لا والله، هذه وصيتي لكم أنتم يا طلبة العلم أن تتصلوا بالمسئولين لمنعه.
الطالب: كلمناهم.
الشيخ: طيب، وإذا اجتمع مثلًا عشر جنائز، كيف يُعزى لها؟
الطالب: يعزى في المساء، كل واحد ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3164
الشيخ: إذا كان الحي هذا فيه عشرة ماتوا، وصار كل ربعة فيها واحد، هذا تلاعُب، ثم الاجتماع للعزاء أصله بدعة، أصل الاجتماع للعزاء بدعة، ما ورد عن الرسول ولا عن الصحابة.
الطالب: ( ... ) يا شيخ، في مكان التعزية غير المسجد، هل يجوز هذا؟
الشيخ: هذا أهون من المسجد، ما دام أنهم ابتلوا بالاجتماع، فهذا أهون، لكن مع ذلك لا نؤيد أن يبنى مكان للتعزية.
قال واحد من السفهاء عندنا في الجرائد قبل كم سنة، قال: ينبغي أن نوجد قصورًا للأحزان كما أوجدنا قصورًا للأفراح! ! شوف الجنون! جنون، فرق بين هذا وهذا.
إلا إن قلنا له: إن قصور الأحزان يعني قصور الطلاق؛ لأن قصور الأفراح لأي شيء؟ للزواج، حط للطلاق بعد قصورًا، ومن أراد أن يطلق أو من طلقت، وحزنت تجيء هنا تقيم احتفالًا، اللهم عافنا.
طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: باب التأويل في الحلف، ومعناه أن يُريدَ بلفظٍ ما يخالفُ ظاهرَه.
فإذا حَلَفَ وتأوَّلَ يمينَه نفعَه، إلا أن يكونَ ظالمًا، فإن حلَّفَهُ ظالمٌ: ما لزيدٍ عندَك شيءٌ، وله عنده وديعةٌ بمكانٍ فَنَوى غيرَه، أو بـ (ما) الذي، أو حَلَفُ: ما زيدٌ هاهنا، ونَوَى غيرَ مكانِه، أو حَلَف على امرأتِه: لا سَرقت مني شيئًا فخانتْه في وديعتِه ولم ينوِها لم يحنَثْ في الكلِّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
رجل قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم وجده مُعلَّقًا فلبسه ولم يعلم أنه هو، فماذا تقول؟
طالب: لا شيء عليه.
الشيخ: لا شيء عليه؛ لأنه؟
الطالب: جاهل.
الشيخ: جاهل.
طيب، لو علم بعد أن لبسه؟
الطالب: عليه أن يخلع في الحال.
الشيخ: عليه أن يخلع في الحال، تمام.
لو قال لزوجته: إن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، فكلمته وهي لا تدري أنه هو؟
طالب: لا شيء عليه؛ لأنها جاهلة.
الشيخ: لأنها جاهلة، إلا على كلام المؤلف؛ كلام المؤلف يقول: يحنث، والصحيح أنه لا يحنث.
الجزء: 2 - الصفحة: 3165
طيب، قال: والله لآكلن هذه الخبزة، فأكل نصفها، هل يبر أو لا؟
طالب: لا يبر حتى يأكلها كلها.
الشيخ: حتى يأكلها كلها.
طيب، قال: والله لا أشرب ماء هذا البحر، فشرب منه إناء؟
طالب: يقع.
الشيخ: يحنث؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه ما راح يشرب البحر كله، فإذا شرب منه خلاص ..
الشيخ: يعني إذا أضافه إلى شيء لا يمكن نكتفي ببعضه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، قال المؤلف: (باب التأويل في الحلف)، ما معنى التأويل في الحلف؟
طالب: هو أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره.
الشيخ: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، وهل التأويل جائز؟
الطالب: لا، فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل، ما هو؟
الطالب: قلنا: إن كان من مظلوم فإنه جائز أو واجب، أما إن كان من ظالم فإنه يحرم، وقد يكون من الكبائر، وإلا فهو جائز.
الشيخ: وإلا فهو جائز، تمام.
إذا كان مظلومًا جاز التأويل، بل قد يجب كما لو أراد بتأويله أن يدافع عن عرض امرأته مثلًا، وإذا كان ظالمًا فهو حرام، بل قد يكون من الكبائر، وإذا لم يكن ظالمًا ولا مظلومًا فهو جائز، لكن بلا شك أن تركه أولى، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه حرام.
ولننظر، يقول: (فإذا حَلَفَ وتأوَّلَ يمينَه نفعَه، إلا أن يكونَ ظالمًا، فإذا حلَّفَهُ ظالمٌ: ما لزيدٍ عندَك شيءٌ، وله وديعةٌ عنده بمكانٍ فَنَوى غيرَه، أو) نوى (بـ (ما) الذي).
إذا كان هناك ظالم يريد أن يأخذ مال زيد، فقيل له: إن مال زيد قد أودعه فلانًا، أيش معنى أودعه؟ جعله عنده وديعة يحفظه، فأتى إلى فلان، وقال: أين مال زيد؟ إن أخبره فسوف يأخذه، وإن نفاه كذب، فما هو الطريق إلى التخلص من ظلمه بدون كذب؟ أن يؤول ولا حرج عليه، فيقول: والله ما لفلان عندي شيء، وينوي مكانًا غير مكانه.
إذا قدرنا أنه في الحجرة ينوي ليس في السطح، وإن كان في السطح نوى ليس في الحجرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3166
(أو) ينوي (بـ (ما) الذي)، يعني يجعل (ما) معناها (الذي) فيقول: ما له عندي شيء، بمعنى: الذي له عندي شيء، هل يكون صادقًا بهذه النية أو لا يكون؟ صادقًا بهذه النية، سواء نوى مكانًا آخر أو نوى بـ (ما الذي) فهو صادق.
في هذه الحال، هل يجب أن يتأول أو لا؟ يجب أن يتأول؛ لأن تأوله من باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وهذا من حِفظ الأمانة، فنقول: التأويل هنا جائز، بل واجب.
هذا الظالم إذا قال: والله ما له عندي شيء، ونوى مكانًا غير مكانه، أو نوى بـ (ما الذي)، يقتنع أو لا يقتنع؟ يقتنع؛ لأن ظاهر اللفظ أنه نفى أن يكون عنده شيء، فيقتنع وينصرف.
إذا كان ظالمًا كرجل سرق مال زيد، فادعى زيد أن فلانًا سرقه، وتحاكما إلى القاضي، وقال: له عندي سرقة، فقال هذا السارق: والله ما له عندي سرقة، ونوى: الذي له عندي سرقة، ينفعه ظاهرًا أو لا ينفعه؟ ظاهرًا ينفعه، وسيحكم القاضي ببراءته، لكن باطنًا لا ينفعه، لماذا؟ لأنه كان ظالمًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (2)، ما هو على نيتك أنت، على ما يصدقك به، فلا ينفعه التأويل.
إذن ضربنا مثلين الآن للمظلوم وللظالم.
بقي عندنا ما ليس ظالمًا ولا مظلومًا، وهذا يقع كثيرًا، مثال ذلك: رجل يتحدث إلى قوم حديث مجالس فيقول: والله ما طعمتُ البارحة شيئًا، ما طعمتُ شيئًا، هل عندك من فطور، ( ... ) البارحة؟ قال: والله ما تعشيت، ويريد ما تعشى قبل البارحة مثلًا أو ما تعشيتُ لليلة المقبلة.
هذا جائز، لكن لا شك أن تركه أولى، بل إنه لو قيل بالتحريم كما قال شيخ الإسلام لكان له وجه؛ لأن صاحبك إذا عثر بعد ذلك على خلاف ما قلت صار لا يصدقك، وصار يعتقد أن كل شيء تتكلم به فهو مؤول، وهذا وصمة عار على الإنسان.
الجزء: 2 - الصفحة: 3167
إذا كان هذا في الحرب، وتأول في الحرب خداعًا للعدو، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، وهذا هو الكذب الذي جاء في الحديث أنه يجوز في الحرب.
طيب، لو كان للإصلاح بين اثنين، جاءك رجل يقول: ما تقول في فلان، هذا الذي يسبني عند الناس ويغتابني؟ فتحب أن تصلح بينهما، فتقول: والله ما قال فيك شيئًا، يعني الذي قال فيك شيء، أو تقول: والله ما قال فيك شيء، يعني الساعة الثانية عشرة ليلًا، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، هذا للإصلاح بين الناس.
فإن طلب منك قال: قل والله ما قال فيَّ شرًّا، ما هو شيء، والله ما قال فيَّ شرًّا.
قال: طيب، والله ما قال: فيك شر، وينوي (الذي) يعني: الذي قال فيك شر.
صادق ولَّا غير صادق؟ صادق، لكن هو يريد أن يُصلح بين الناس.
هذا طيب، ويُحمد عليه الإنسان.
إنسان مثلًا يتحدث مع زوجته، والذي ينبغي بين الزوجين أن يفعل كل منهما ما يجلب مودة الآخر، لتبقى العشرة طيبة.
فأتى هذا الرجل بحلي لزوجته اشتراه بعشرة ريالات، فأعجبها فقالت: بكم اشتريت هذا؟ قال: اشتريته بأربعين، وهو قد اشتراه بعشرة.
ويش الأربعين هذه؟ أربعين ربعًا، إي نعم، هو ينوي أربعين ربع ريال؛ لأن عشرة في أربعة بأربعين، هو ينوي أربعين ربعًا، وهي تعتقد أنه أربعون ريالًا.
هي على كل حال إذا قال بأربعين وهو قيمته عندها من العشرين إلى ( ... ) سوف تنتفخ وتقول: هذا الرجل الغالي الذي يشتري لي بأغلى الأثمان.
هذا مطلوب ولَّا غير مطلوب، ولهذا جاء فيه إباحة الكذب في تحديث الرجل امرأته وتحديثها إياه.
هذا واضح، لكن لاحظ أننا نقول فيما يجوز من التأويل بشرط أن نأمن من العثور على الواقع؛ لأننا إذا لم نأمن العثور على الواقع، ثم وقع الأمر على خلاف ما فهمنا من تأويله، صار هذا يدعو إلى الشك في كل ما تحدث به.
يكون الناس كلما تحدث قالوا: هذا الرجل تأول.
الجزء: 2 - الصفحة: 3168
أحيانًا إذا ظن صاحبك أنك متأول، قال: اقسم لي أنك ما تأولت! إي نعم، هذا واقع: اقسم لي أنك ما تأولت؟ أقدر أقول له إني ما تأوَّلت وأقسم، وأتأول في هذا! ! نعم، أليس كذلك؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، والله ما تأولت وأقصد: ما تأولت سوى ما في ضميري، وينتهي الموضوع.
فالمهم على كل حال، الإنسان يستطيع أن يتأول، لكن التأويل فيه أقسام.
ذُكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إن في التأويل لمندوحة عن الكذب (3).
وقد جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله يسأل عن بعض الطلبة -أظنه المروذي- وكان الإمام أحمد لا يحب أن يفارق مجلسه، قال: ليس المروذي هاهنا، وما يصنع المروذي هاهنا؟ وراح الرجل والمروذي موجود، لكنه يقول: هاهنا، يقول: كذا بيده، يعني: ليس في اليد.
وهذا صحيح.
وإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام تأول، قال للملك الظالم: هذه أختي، وهي زوجته، لكن أختي أراد أختي في الدين (4). طيب، نرجع إلى كلام المؤلف.
قال: (فإن حلَّفَهُ ظالمٌ: ما لزيدٍ عندَك شيءٌ، وله عنده وديعةٌ بمكانٍ، فَنَوى غيرَه)، كيف (بمكان، فنوى غيره)؟ تكون الوديعة في الحجرة ونوى هو السطح.
(أو بـ (ما) الذي)، يعني جعل (ما) النافية في قلبه بمعنى (الذي).
(أو حَلَف: ما زيدٌ هاهنا، ونَوَى غيرَ مكانِه)، حلف ما زيد هاهنا وينوي مكانًا آخر وهو موجود عنده، يجوز أو لا؟ يجوز.
غاية ما في ذلك أنه استعمل الإشارة للقريب مكان البعيد.
(أو حَلَف على امرأتِه: لا سَرقتِ مني شيئًا فخانتْه في وديعتِه)، قال لها: والله لا تسرقي مني شيئًا.
هي لم تسرق، لكن خانته في الوديعة، و (لا سرقْتِ) ليس معناها الماضي؛ معناها المستقبل، معنى (لا سرقت) لن تسرقي، فاستودعها يومًا من الأيام وديعة فأنكرت الوديعة، هل تُعد سارقة؟ لا، السارق هو الذي يأخذ الشيء بخُفية.
ولهذا قال: (ولم ينوِها) يعني لم ينوِ بالسرقة كل شيء تأخذه من ماله بغير حق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3169
(لم يحنَثْ في الكلِّ)، بناءً على أنه أراد بلفظه ما يخالف ظاهره.
إذن التأويل فيه مندوحة عن الكذب، لكن هل يجوز أو لا يجوز؟ عرفتم التفصيل.
باب الشك في الطلاق
ثم قال: (بابُ الشَّكِّ في الطلاق).
الشك: التردد فيه، وأسباب الشك كثيرة، فقد يتردد في وجود سببه، وقد يتردد في وقوعه.
واعلم أن الشك في الطلاق لا يعتبر إذا كان من موسوس، ولهذا صرح كثير من العلماء بأن الموسوس لا طلاق عليه؛ لأنه موسوس.
والموسوس -نسأل الله لنا ولكم السلامة- يشك في كل شيء، ينتهي من الوضوء، يشك هل نوى؟ يُصلي ويشك هل نوى؟ وأشياء كثيرة.
فيه الشك في الطلاق، يشك هل طلَّق أو لا؟ هل علقه على شيء أو لا؟ هل هذا الشيء الذي علقه عليه وُجِد أو لا؟
المهم أن الشك كثير، فنقول أو ( ... ): من كثرت شكوكه في ذلك فلا عبرة به، أي بشكه؛ لأنه وسواس، والوسواس لا يقع به الطلاق.
ومن كان شكُّه معتدلًا وحقيقيًّا، فهنا قال بعض العلماء: إن الورع التزام الطلاق مع الشك، وقال آخرون: الورع عدم التزام الطلاق مع الشك.
أيهما أصوب؟ الأول ولَّا الثاني؟
طالب: الثاني يا شيخ.
الشيخ: بعضهم قال: الورع التزام الطلاق، وقال بعضهم: الورع عدم التزام الطلاق؟
طالب: الثاني.
طالب آخر: الأول.
الشيخ: الأول.
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني.
اختلفتم كما اختلف العلماء من قبلكم؛ بعضهم يقول: الورع التزام الطلاق، وبعضهم قال: الورع عدم التزام الطلاق، وهذا هو الصواب: أن الورع عدم التزام الطلاق؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فالورع التزام النكاح، ولأننا إذا قلنا: إن الورع التزام الطلاق وفرَّقنا بينهم، ارتكبنا محظورين: الأول: التفريق بين الزوجين، والثاني -وهو أشد-: إحلال هذه المرأة لغيره؛ لغير الزوج، وقد تكون إلى الآن في عصمته.
فإن قال: أنا ما لي وللشك، أبتها الآن.
نعم، هذا يوجد يا إخوان، يوجد، فمن شدة الضغط النفسي عليه بالشك قال: خلاص أستريح، هي طالق، ثم يطلق.
هل يقع الطلاق؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3170
طالب: لا يقع.
طالب آخر: يقع.
الشيخ: لا يقع الطلاق.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما يقع الطلاق.
وأنت ليس لك زوجة، وإلا قلت لا يقع الطلاق! ! هو على كل حال لا يقع الطلاق، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (5)، وهذا مغلق عليه المسكين لشدة ما وقع في نفسه من الشك والضغط النفسي طلَّق.
نقول: لا طلاق عليه.
نظيره من بعض الوجوه، واحد يستفتي، يقول: والله أنا شكيت هل أحدثت ولَّا لا؟ شك هل أحدث ولَّا لا؟ قال: إذن أروح الحمام علشان أنقض وضوئي يقينًا! هل هذا طريق مشروع؟ لا، الطريق المشروع ألا تلتفت إلى هذا الشك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (6)، وهذا هو الحل الصحيح؛ لأنك لو ذهبت وتوضأت، ثم عدت، سوف يعود عليك الشك، تروح تتوضأ على قاعدتك، لكن على القاعدة النبوية لا تلتفت، الأصل بقاء الطهارة، وهذا أصل أسسه النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ليعم كل شيء موجود الأصل بقاء وجوده، ولا تلتفت للشك، فتستريح.
ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الشك في الطلاق.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، أحيانًا إذا أراد شخص أن يصلح، ولكن لا ( ... ) عليه التأويل، فهل يأثم؟
الشيخ: لكن يكذب؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: معلوم.
الطالب: بنية الإصلاح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3171
الشيخ: ما يجوز، ولهذا الكذب في الإصلاح بين الناس، الظاهر أن مراد الرسول عليه الصلاة والسلام هو التأويل، ولهذا قال: إن إبراهيم كذب في ثلاث (4)، وإبراهيم ما كذب، ولكنه تأوَّل؛ لأن الكذب من خصال المنافقين، ولا يمكن أن يُباح، لكن هذه الصورة التي ذكرت ترد فيما لو أُكرِه على الطلاق، أُكرِه أن يطلق، فإن استحضر التأويل سهل عليه الأمر، فيقول: هي طالق؛ يعني من قيد، يعني غير موثَّقة، وهذا لا شك أنه ينفعه؛ لأنه مظلوم، لكن لو قال: هي طالق بناءً على الإكراه، فهذا فيه خلاف بين العلماء، والصواب أنها لا تطلق، ما دام فِعْله إياه لداعي الإكراه فلا تطلق، لكن لو نوى الطلاق؛ لأنه أُكرِه لا دفعًا للإكراه، فقيل: يقع، وقيل: لا يقع، والصواب أنه لا يقع.
ففهمتم الآن أن المسألة لها ثلاث حالات، فهمتوها الثلاث حالات؟
طالب: حالتان.
الشيخ: لا، ثلاثة؛ الحال الأولى: أن يتأول؛ هذه واضحة ولَّا لا؟ ويش ينوي بطالق؟ طالق من وثاق.
الحال الثانية: أن ينوي دفع الإكراه، ما نوى الطلاق، لكن يقول: أنا بفتك منهم، فهذه لا تطلق.
الحال الثالثة: أن ينوي الطلاق، لكن لأنه أُكره عليه، فالصواب أنها لا تطلق أيضًا؛ لأنه في الواقع مُكره على الطلاق.
طالب: شيخ، بالنسبة لو اتصل واحد يتكلم في التلفون وقال: فلان موجود، وأشرت إلى الزاوية وقلت: ما هو موجود هنا.
بعض العلماء في سِيرهم يقول: ليس موجودًا هنا، فهل هذا من الكذب أو من التأويل؟
الشيخ: من التأويل.
الطالب: وجائز؟
الشيخ: إي، جائز ما فيه شك، إن كان لمصلحة فهو مطلوب، وإن كان لدفع ضرر على الرجل فهو واجب.
الطالب: عن نفسه يا شيخ، يسأل عني؟
الشيخ: يسأل عنك؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: كيف يسأل عنك وأنت تجاوبه؟ أو ما يعرف صوتك؟
الطالب: ما يعرف صوتي، وقلت: ما هو في الزاوية هذه مثلًا.
الشيخ: يعني مثلًا أنت اسمك محمد؟
الطالب: أنا اسمي فيصل.
الشيخ: يلَّا يا فيصل، ( ... ) عليك: وين فيصل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3172
الطالب: ما هو موجود هنا.
الشيخ: إي، لا بأس، ما فيه مانع.
طالب: في عصرنا هذا يا شيخ كثرت التورية، فهل يصح أن تكون تربية إسلامية أن نقول: إنه حرام يا شيخ؟
الشيخ: والله المسألة -كما قلت لك- كلام شيخ الإسلام رحمه الله جيد؛ لأن الإنسان إذا اطلع على أنه كلما تكلم، وإذا هو متأول أو مُوَرٍّ، لا يثق الناس به.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ولا هو بالناس رايحين كلما تكلم قالوا له: احلف، وإذا حلف كما قلت لكم: يتأول في حلفه.
انتهى الجواب ولَّا لا؟
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: ويش اللي فيه؟
الطالب: هل هو حرام ولَّا لا يجب؟ قل لي يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، نوع التربية هذه، نقول: إن كلام شيخ جيد، إنه حرام ( ... )
طالب: رحمه الله تعالى: بابُ الشَّكِّ في الطلاق، من شكَّ في طلاقٍ أو شَرْطِهِ لم يَلْزَمْه، وإن شكَّ في عَددِه فطلْقةٌ، وتباحُ له، فإذا قال لامرأتَيْهِ: إحداكُما طالقٌ، طلُقتِ المَنْويةُ وإلا من قُرِعَتْ، كمن طلَّقَ إحداهُما بائنًا ونسيها، وإن تبيَّنَ أن المطلَّقةَ غيرُ التي قُرعتْ رُدَّتْ إليه ما لم تتزوجْ أو تكن القُرْعةُ بحاكمٍ.
وإن قال: إن كان هذا الطائرُ غُرابًا ففلانة طالقٌ، وإن كان حمامًا ففلانة، وجهل لم تطلُقا، وإن قال لزوجتِه وأجنبيَّةٍ اسمُهما هندٌ إحداكُما أو هندٌ طالقٌ طلُقَتْ امرأتُه، وإن قال: أردتُ الأجنبيةَ لم يُقبلْ حُكمًا إلا بقرينةٍ، وإن قال لمن ظنَّها زوجتَه: أنتِ طالقٌ طَلُقتِ الزوجةُ، وكذا عكسُها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والشَّك في الطَّلاق) وقبل أن نبدأ بالشك في الطلاق نسأل: التأويل هو أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، وهل هو جائز؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل.
الطالب: أن يكون ظلمًا.
الشيخ: إن كان ظالمًا لم ينفعه ولَّا نَفَعه؟
الطالب: نعم، لا يجوز.
الشيخ: أقول: هل ينفعه التأويل أو لا؟
الطالب: لا ينفعه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3173
الشيخ: لا ينفعه إذا كان ظالمًا.
هذا واحد، هات التفصيل؟
الطالب: الثانية: جائز إذا ..
الشيخ: إذا كان مظلومًا، فهو؟
الطالب: جائز.
الشيخ: فهو جائز، وقد يكون واجبًا.
الثالث؟
الطالب: ما أعرف.
الشيخ: ما تعرف؟ وليد يعرف؟
طالب: نعم يا شيخ، غير المظلوم والذي ..
الشيخ: الذي ليس بمظلوم ولا ظالم؟
الطالب: هو جائز يا شيخ، لكن الأفضل تركه.
الشيخ: فإن كان لمصلحة أو حاجة فهو جائز، وإلا ففيه قولان للعلماء؛ أحدهما: أنه حرام، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والثاني: أنه جائز.
انتبهوا لهذا، هذه قواعد وأصول، ما هي مسائل فردية، لازم تمكث في أذهانكم وإلا خسارة.
طيب، المهم التأويل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أن يكون من ظالم فحرام، أن يكون من مظلوم فجائز وقد يكون واجبًا، أن يكون من لا ظالم ولا مظلوم؛ فهذا إن كان لمصلحة أو حاجة فهو جائز، وإلا فإن من العلماء من حرمه؛ لأنه إذا اطُّلع عليه صار كاذبًا عند الناس.
ثم قال: (باب الشك في الطلاق) الشك في الطلاق هو التردد بين قوله أو عدم القول، يعني هل طلق أم لا، أو الشك فيمن وقع عليه الطلاق من النساء، هل هي هند أو عائشة، فالشك إذن يكون في صيغة الطلاق، هل تلفَّظ بها أو لا، وفيمن وقع عليه الطلاق هل هي هند أو دعد؟
واعلم أن الشك لا عبرة به إذا وقع من شخص كثير الشك؛ لأنه حينئذٍ يكون موسوسًا، وطلاق الموسوس لا يقع، حتى لو صرَّح به، فإن بعض الناس -نسأل الله العافية- يقع في قلبه شك، هل طلق أم لا؟ حتى تصل به الحال إلى أن يقول: ما لي ولهذا القلق؟ امرأتي طالق! فهل يقع الطلاق في هذه الحال؟ لا يقع؛ لأن هذا عن غير إرادة، كالمكره عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3174
واستطردنا بذكر ما يفعله بعض الناس إذا شك هل أحدث أو لا، ذهب يُحدِث ليقطع عنه الشك، وهذا غلط؛ الذي يقطع الشك هو الأخذ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (6). إذن الشك في الطلاق إذا وقع من موسوس كثير الشكوك لا عبرة به.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله الحكم، فقال: (من شكَّ في طلاقٍ أو شَرْطِهِ) وينبغي أن يزيد: أو عين المطلقة، لكن هذا لما كان فيه التفصيل أهمله المؤلف في هذا الكلام، قال: (من شكَّ في طلاقٍ أو شَرْطِهِ لم يَلْزَمْه).
(شك في طلاق) يعني هل طلَّق أو لا؟ فلا يلزمه الطلاق؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في المتطهِّر يشك هل أحدث: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (6).
(أو شك في شرطه) يعني علق الطلاق على شرط، وشك هل وقع هذا الشرط أو لا؟ فإن الطلاق لا يقع؛ لأنه شك في سببه، والأصل عدم الطلاق، مثل أن تخرج امرأته للسوق فيشك هل قال: إن خرجتِ إلى السوق فأنتِ طالق أو لا؟ فإن الزوجة لا تطلق؛ لأن الشك في شرطه كالشك في أصله.
(وإن شكَّ في عَددِه فطلْقةٌ، وتباحُ له).
الشك في عدد الطلاق الأصل، البناء على الأقل، ولهذا قال: (فطلقة)، هذا إذا شك هل طلق ثلاثًا أم واحدة؟ أما إذا شك هل طلق ثنتين أم ثلاثًا فكم يلزمه؟ يلزمه اثنتان.
والخلاصة أن الشك مرفوض مطروح، إن شك في ثلاث أو واحدة فهي واحدة، في ثلاث أو ثنتين فهما اثنتان.
قال: (وتباح له) أي تباح له الزوجة التي شك في عدد طلاقها، أو شك في طلاقها.
(فإذا قال لزوجتيه: إحداكُما طالقٌ، طلُقتِ المَنْويةُ وإلا من قُرِعَتْ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3175
إذا قال: إحداكما طالق، قلنا: من تريد؟ قال: أريد الصغيرة، تطلق الصغيرة.
قال: أريد الكبيرة، تطلق الكبيرة.
حسب نيته، فإن لم ينوِ شيئًا أقرع بينهما، فمن غُلبت فهي المطلقة، والثانية تحل له أو لا تحل؟ تحل، مع احتمال أن تكون هي المطلقة، لكن قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وليس لنا طريق إلا القرعة؛ لأننا لو قلنا: تطلق المرأتان، كان ذلك إلزامًا له بما لم يلتزمه، ليش؟ لأنه قال: (إحداكما)، واحدة، فإذا قلنا: تطلق المرأتان، فهو ظلم له، وليس ظلمًا له وحده، بل ظلم للزوجة.
ثم ليس ظلمًا للزوجة وحدها، بل ظلم لمن يتزوجها بعد؛ لأن من سيتزوجها سيكون في شك.
إذا قلنا: تطلق واحدة، فمن الواحدة؟ مَنْ؟ مجهولة، هو لم ينوِ شيئًا بقلبه، إذن مَنْ؟ نقول: ما فيه إلا القرعة، فلو قال هو: أنا لم أنوِ شيئًا عند الطلاق، لكني الآن أختار أن تكون فلانة، فهل تتعين؟ نقول: ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من القرعة، والذي يظهر أنه لا بأس أن يعينها، ما دام أبهم وهو المسئول ثم عين، فإننا نرجع إلى تعيينه ونقول: تطلق التي عينها، لكن المؤلف يرى أنه لا بد من القرعة.
(كمن طلَّقَ إحداهُما بائنًا ونسيها) أو (وأُنْسِيَهَا) عندي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3176
يعني (كمن طلَّقَ إحداهُما) أي إحدى الزوجتين (طلاقًا بائنًا وأنسيها)، فماذا يصنع؟ هو عيَّن، قال: فلانة طالق ثلاثًا، أو كانت هذه الطلقة بالنسبة لها آخر طلقة، لكن نسي من طلق؟ نقول: استعمل القرعة، مع أنها الآن إذا وقعت عمن لا تبين بهذه الطلقة، فما أسهل أن يُراجعها، يراجعها وينتهي الموضوع إذا كان يريدها، لكن إذا وقع على مَنْ تبينها الطلقة فهو مُشكِل، ونقول: الحمد لله، لا إشكال، ما دام الرجل نسيَ ونقول: تذكر، يقول: ما أتذكر، نمهله يومًا أو يومين، ونقول: تذكَّر، فإذا لم يتذكر فليس فيه إلا القرعة حتى تبقى الثانية حلالًا له.
هل لنا أن نأمره أن يصلي ليتذكر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: تقوله؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ويش دليلك؟
الطالب: الشيطان سوف يأتيه ويوسوس له في صلاته ( ... ).
الشيخ: أخشى أن الشيطان يوسوس له بكل شيء إلا ها المسألة.
الطالب: يمكن.
الشيخ: يمكن، لكن يُذكر عن أبي حنيفة رحمه الله أن رجلًا استفتاه في مسألة نسيها، وكانت مسألة كبيرة، فقال له: اذهب وتوضأ وصَلِّ.
فذهب الرجل وصلى، وإذا بالشيطان يلقيها في قلبه.
فرجع إليه فقال: نعم، إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن «الإِنْسَان إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ وَقَالَ لَهُ: أَتَذْكُرُ كَذَا؟ أَتَذْكُرُ كَذَا؟ أَتَذْكُرُ كَذَا؟ » (7) إي نعم.
قال: (وإن تبيَّنَ أن المطلَّقةَ غير التي قُرعتْ رُدَّتْ إليه ما لم تتزوجْ أو تكن القُرْعةُ بحاكمٍ) يعني بعد أن أقرع بينهما تبين أن المطلقة غير التي قُرعت، مثاله: طلق إحدى زوجاته، وضرب قرعة، ثم بعد ضرب القرعة تبين أن التي قرعت ليست المطلقة؛ يعني ذَكَر أو ذُكِّر فنقول: ترد إليه، من الذي يرد إليه؟ التي قُرعت، وتطلق الأخرى؛ لأنه أمكننا الآن أن يصل إلى اليقين بدون قرعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3177
ولهذا قال: (ردت إليه ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم)، فإن تزوجت فإنه لا يمكن أن ترجع إليه؛ لأنها تعلق بها حق الزوج الثاني، وإن كانت القرعة بحاكم فلا يمكن أن ترد إليه؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، كيف بحاكم؟ يعني أن يكون هذا الرجل تحاكم مع الزوجة عند القاضي وأمر بالقرعة، فإنها لا ترد إليه، وعللوا ذلك بأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، ويقطع النزاع.
(وإن قال: إن كان هذا الطائرُ غُرابًا ففلانة طالقٌ، وإن كان حمامًا ففلانة، وجهل لم تطلُقا)، لا هذه ولا هذه.
هذا رجل مر به طائر، فقال: إن كان هذا الطائر حمامة فهند طالق، وإن كان غرابًا فدعد طالق.
الطائر راح، ذهب، ولا ندري ما هو، من يطلق منهما؟ لا طلاق؛ لأنه يحتمل أنه ليس غرابًا ولا حمامة، وحينئذٍ نكون قد شككنا فيمن وقع عليها الطلاق، فلا يقع، بل لا نقول شككنا فيمن وقع عليها الطلاق، بل شككنا في وقوع الطلاق على واحدة منهما؛ لأننا لا ندري إن كان غرابًا أو كان حمامًا أو كان غيرهما.
فإن قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فهند طالق، وإن كان غير غراب فدعد طالق، ماذا يكون؟ لا بد أن إحداهما طلقت؛ لأن هذا الطائر إما غراب أو غير غراب؛ إحداهما طلقت، كيف نعرفها؟ بالقرعة، نعم، نعرفها بالقرعة.
(وإن قال لزوجتِه وأجنبيَّةٍ اسمُهما هندٌ: إحداكُما، أو قال: هندٌ طالقٌ طلُقَت امرأتُه) رجل وجد امرأته ومعها امرأة أخرى، فقال: إحداكما طالق.
من المعلوم أنه لا يمكن أن يقع الطلاق على المرأة التي ليست زوجته، من يطلق إذن؟ الزوجة.
أو (اسمُهما هندٌ) الزوجة اسمها هند، والأخرى اسمها هند، فقال: هند طالق، من يطلق؟
طالب: زوجته.
الجزء: 2 - الصفحة: 3178
الشيخ: والأخرى؟ هو ما عين، قال: هند، وكل منهما تسمى هندًا؟ يقع الطلاق على زوجته؛ لأنه لا يملك طلاق هند التي ليست زوجة له، فإن كان قد وكل في طلاقها وقال: هند طالق، وكلتاهما اسمها هند، من يطلُق؟ تطلق إحداهما بقرعة، ولكن في هذا المثال يغلب على الظن، تسعين في المئة أو أكثر أنه أراد الزوجة التي وُكِّل في طلاقها؛ لأنه ليس بينه وبين زوجته مشكل، فيُحمل على التي وُكِّل في طلاقها، إلا أن يكون له نية، فعلى ما نوى.
(وإن قال: أردتُ الأجنبيةَ لم يُقبلْ حُكمًا إلا بقرينةٍ).
(إن قال: أردت الأجنبية) في أي مسألة؟
في قوله: (إحداكما طالق)، أو قوله: (هند طالق) وكلتاهما اسمها هند.
(إذا قال: أردت الأجنبية) يعني من ليست زوجة لي، فإنه (لم يُقبل حُكمًا) أي فيما لو ترافع هو وامرأته إلى القاضي، فالقاضي لا يقبل قوله؛ لأنه خلاف الظاهر؛ إذ إن الإنسان لا يطلق إلا من يملك طلاقها.
فإن قال قائل: هل يُفهم من كلام المؤلف أن الزوجة لو سكتت فهي باقية في عصمته؟
الجواب: نعم، يُفهم ذلك.
وهكذا كلما سمعتم من قول العلماء: لم يقبل حكمًا؛ أي: ويقبل فيما بينه وبين الله.
فإذا قال قائل: في المسائل التي لا يُقبل فيها حكمًا، هل الأولى أن تُرافِع الزوجة زوجها حتى يحكم القاضي، أو الأولى ألا ترافعه؟
في ذلك تفصيل؛ إن علمت أن زوجها رجل ورع يخاف الله، فلا تُرافعه؛ لأن القاضي سوف يحكم بخلاف ما قال الزوج، وإذا كان الزوج متلاعبًا، وتعرف أن الرجل لا ورع عنده، وأنه إنما يريد زوجته لئلا تفوته، فهنا يجب عليها وجوبًا أن ترافعه إلى الحاكم لئلا يستبيح منها ما كان حرامًا.
(وإن قال لمن ظنَّها زوجتَه: أنت طالقٌ؛ طَلُقتِ الزوجةُ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3179
وجد امرأة تشبه زوجته في لباس العباءات، وفي الجسم، وفي المشي، فظنها الزوجة، قال: أنتِ طالق، وتبين أنها غير زوجته.
يقول المؤلف: فإن الزوجة تطلق، لماذا؟ لأنه أوقع الطلاق بصيغته التي يقع بها الطلاق على امرأة يظنها زوجته، مع أنه تبين أنها أجنبية ليست زوجة له.
نقول: العبرة بالمقاصد، وهذا الرجل قصد طلاق زوجته في شخص يظنها زوجته.
(عكسُها): طلَّق امرأة يظنها زوجته، تطلق الزوجة.
طلَّق زوجته يظنها غير زوجته، تطلق الزوجة؟
طالب: لا تطلق.
الشيخ: لا، المؤلف يقول: (وكذا عكسها)، لكن الصحيح أنها لا تطلق؛ لأنه ما أراد طلاق زوجته.
إنسان رأى شبهها ولا ظن أنها زوجته، ولا أراد أن يطلق زوجته فقال: أنتِ طالق، وبعدين تبين أنها الزوجة، الزوجة لما قال: أنتِ طالق صرخت، ليش؟ ما السبب؟ قال: ما دريت أنه أنتِ.
يقول: يقع؛ لأنه واجهها بصريح الطلاق.
فيُقال: سبحان الله! واجهها بصريح الطلاق لا شك، لكن هل هو يعتقد أنها زوجته؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يعتقد.
إذن كلامه لغو، فالصواب أنها لا تطلق في المسألة الثانية؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (8).
باب الرجعة
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الرجعة) الرجعة هو رد الزوجة المطلقة على وجه شرعي بغير عقد، رد المطلقة بغير عقد على وجه شرعي.
طالب: شيخ، ( ... )، لو طلقها يا شيخ في مسألة ( ... ) تطلق أيضًا؟
الشيخ: إي نعم، تطلق؛ لأنه نوى طلاق امرأته.
الطالب: بس، لا، تبين أنها ( ... ).
الشيخ: إي، نوى طلاق امرأته على جسد يشبه امرأته، فيُؤخذ بظاهره.
طالب: لو طلق من ظنها زوجته لسبب وهو كونها خرجت، فتبين ..
الشيخ: لا، إذا كان لسبب فهذه مرت علينا، أن من طلق امرأته لسبب، ثم تبين عكسه فلا طلاق أصلًا.
طالب: شيخ، لو رأى امرأة أجنبية على منكر، قال: لو كانت هذه زوجتي لطلقتها، فكانت زوجته؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3180
الشيخ: ما تطلق؛ لأنه قال: لو كانت لطلقتها، ما قال: فهي طالق، وكلمة (لو كانت لطلقتها) هذا وعد وليس بإنجاز.
طالب: شيخ، ( ... ) وقال لها: أنتِ طالق، ( ... )؟
الشيخ: لأنك أيش؟
الطالب: لأنك تلاعبت في الطلاق.
الشيخ: لا، ما تلاعب.
الطالب: يا شيخ، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ» (1)؟
الشيخ: إي، هذا ما نوى المزح، لو نوى المزح فإنه لو قال: أنتِ طالق صراحة، ونوى المزح وقع الطلاق.
طالب: امرأة ( ... ).
الشيخ: امرأة؟
الطالب: إي نعم، إذا رجلٌ رأى طائرًا قال: لو كان هذا الطائر غرابًا فأنتِ طالق، ( ... )؟
الشيخ: طيب، هل علم الطائر ولَّا لا؟
الطالب: ما علم.
الشيخ: إذن ما تطلق؛ لأن هذا شك في وقوع الشرط.
طالب: شيخ، قلت يا شيخ: إذا قال لزوجته وظن أنها ليست زوجته زوجته قاصدًا الأخرى: أنتِ طالق، فلا تطلق زوجته.
الشيخ: نعم.
الطالب: والأخرى؟
الشيخ: ما تطلق، ما هي بزوجته، ما فيها إشكال ( ... )
طالب: ويسنُّ الإشهادُ وهي زوجةٌ لها وعليها حُكْمُ الزوجاتِ.
الشيخ: (ويسنُّ الإشهادُ وهي زوجةٌ)؟ !
الطالب: ويسنُّ الإشهادُ.
الشيخ: قف، نعم.
الطالب: ويسنُّ الإشهادُ، وهي زوجةٌ لها وعليها حُكْمُ الزوجاتِ، لكن لا قَسْمَ لها، وتحصل الرَّجعةُ أيضًا بوطئِها، ولا تصح معلَّقةٌ بشرطٍ، فإذا طَهُرتْ من الحيضةِ الثالثةِ ولم تَغْتسلْ فله رجعتُها، وإن فَرَغتْ عِدَّتُها قبلَ رجعتِها بانتْ وحَرُمتْ قبل عَقْدٍ جديدٍ، ومن طلَّق دون ما يملِكُ، ثم راجَعَ أو تزوَّجَ لم يملِكْ أكثرَ مما بَقِيَ، وَطِئَها زوجٌ غيرُه أو لا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الرجعة).
الرجعة أو الرجوع: هو إعادة المطلقة إلى عصمة الزوجية؛ هذه الرجعة، مثاله: رجل قال لزوجته: أنتِ طالق، فتطلق، فله أن يقول: قد راجعتك، في العدة.
قوله: قد راجعتك؛ هذه هي المراجعة، لكن لها شروط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3181
قال المؤلف: (من طلق) هذا شرط (بلا عِوَضٍ، زوجةً مَدخولًا بها أو مَخْلوًّا بها، دون ما لَه من العَدَدِ، فله رجعتُها في عِدَّتِها).
خمسة شروط؛ يعني لا تتم الرجعة إلا بالشروط الخمسة: أن يكون الفراق بالطلاق، وأن يكون على غير عِوض، وأن تكون الزوجة مدخولًا بها أو مخلوًّا بها، وأن يكون دون ما له من العدد، وأن تكون الرجعة في العدة.
أقولها الثالثة، وأعيدها عليكم: أن يكون الفراق بطلاق، وأن يكون على غير عِوض، وأن تكون الزوجة مدخولًا بها أو مخلوًّا بها، وأن يكون دون ما له من العدد، وأن تكون الرجعة قبل انقضاء العدة.
خمسة، من يستعد لإعادتها؟
طالب: أن يكون الفراق بالطلاق.
الشيخ: أن يكون الفراق بطلاق.
الطالب: وأن يكون الطلاق بغير عوض.
الشيخ: أن يكون بغير عوض.
الطالب: أن تكون الزوجة مخلوًّا بها أو مدخولًا بها.
الشيخ: أن تكون الزوجة مدخولًا بها أو مخلوًّا بها.
الطالب: أن يكون ما له من العدد.
الشيخ: أن يكون دون ما له من العدد.
الطالب: أن تكون الرجعة في العدة.
الشيخ: أن تكون الرجعة في العدة.
خمسة شروط، إن اختل شرط منها فلا رجعة.
أولًا: أن يكون الفراق بطلاق، احترازًا مما لو كان بفسخ، مثل أن تفسخ لعيب في الزوج أو تفسخ لفوات شرط اشترطته على الزوج، فهنا لا رجعة؛ لأن هذا ليس بطلاق، ولكنه فسخ.
مثال ذلك: اشترطت على زوجها أن يكون المهر ألفًا، ولكنه أعطاها خمس مئة وماطلها، فلها أن تفسخ النكاح.
فسخت النكاح، هذا يسمى فسخًا لا طلاقًا، فهل له رجعة أو ليس له رجعة؟
طالب: ليس له رجعة.
الشيخ: ليس له رجعة إلا بعقد جديد.
بعد أن عقد عليها ودخل بها تبين أنها أخته من الرضاع، ينفسخ النكاح أو لا؟
طلبة: نعم، ينفسخ.
الشيخ: هل له رجعة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: إلا بعقد؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: ما نقول إلا بعقد جديد؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، بارك الله فيكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3182
من طلَّق بلا عوض، فإن كان بعوض ولو شيئًا يسيرًا فلا رجعة إلا بعقد جديد، مثال ذلك: امرأة تعبت من زوجها، فقالت له: طلِّقني وأعطيك ألف ريال؟ فقال: نعم، فطلقها على هذا العوض -ألف ريال- فهل له أن يراجع؟ لا، ما له أن يراجع إلا بعقد جديد؛ وذلك لأن هذا العوض فداء افتدت به نفسها، ولو قلنا للزوج أن يراجع لم يكن لهذا الفداء فائدة، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لأنه لو قلنا: له أن يراجع؛ اجتمع للزوج العِوض والمعوض، وهي تريد الفكاك منه.
وماذا يسمى إذا كان على عِوض؟ يسمى خُلعًا، والصحيح أنه خلع، ولو كان بلفظ الطلاق، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأما حديث ثابت ابن قيس: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9) فكلمة «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» شاذة، وإن كانت في البخاري.
وعلى هذا فمتى كان الفراق بعِوض فهو خلع بأي لفظ كان.
الثالث: (مَدخولًا بها)، وإذا قيل: مدخولًا بها، أي: قد جامَعَها زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، وإذا لم يكن لها عدة، فمتى تكون الرجعة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أجيبوا يا جماعة؟ لا رجعة؛ لأن غير المدخول بها من حين ما يقول: أنتِ طالق تطلق، وتبين منه، ولا عدة له عليها.
وقوله: (أو مخلوًّا بها)، من الخالي؟ الزوج؛ يعني لا بد أن يكون داخلًا بها أو خاليًا.
أما داخلًا بها فقد علمتم دليله وهو قوله تعالى؟
طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.
الجزء: 2 - الصفحة: 3183
الشيخ: مفهومه، أيش؟ إن طلقتموهن بعد المس فعليهن العدة، أما الخلوة فالآية لا تدل على ذلك؛ يعني لا تدل على أن الخلوة تجب بها العدة، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء، وقالوا: الخلوة لا تجب بها العدة، والآية صريحة بأنها شاهد لهذا القول؛ لأن الله علَّق انتفاء العدة بانتفاء المسيس الذي هو الجماع، لكن الصحابة رضي الله عنهم والخلفاء الراشدين قضوا بأن الخلوة كالدخول (10)، وعلى هذا فيكون القول بهذا مبنيًّا على ما ورد عن الصحابة.
طيب، لو طلقها قبل الدخول والخلوة، هل له رجعة؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش ما له رجعة؟ لأنه ما فيه عدة، سوف تنفصل عنه بانتهاء كلمة الطلاق.
الشرط الرابع: (دون ما لَه من العَدَدِ)، كم العدد الذي له؟ ثلاثة، فإذا كانت آخر ما له من العدد فلا رجعة؛ لقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]، إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، فإذا طلق زوجته وراجع، ثم طلق وراجع، ثم طلق الثالثة؛ فلا رجعة.
(فله رجعتُها في عِدَّتِها)، هذا الشرط الخامس: أن تكون الرجعة في العدة، فإن راجع بعد انتهاء العدة فلا رجعة، لا يملك هذا؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228]، أي في ذلك الوقت المحدد؛ وهو ثلاثة القروء، فعُلم من الآية أنه لا حق للأزواج بعد انتهاء العدة، وهو كذلك.
إذن شروط الرجعة كم؟ خمسة: أن يكون الفراق بطلاق، وأن يكون الطلاق على غير عِوَض، وأن تكون الزوجة مدخولًا بها أو مخلوًّا بها، وأن يكون دون ما له من العدد، وأن يكون قبل انقضاء العدة.
ولكن بماذا تحصل الرجعة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3184
الرجعة تحصل بالقول وبالفعل، أما القول، فقال المؤلف: (بلفظ: راجعتُ امرأتي ونحوه).
راجعت امرأتي، أنا مراجعها، رددتها، وما أشبه ذلك.
ومن ألفاظها عند عامة البادية: أنا مثني، أو يقول: طلقتها وثنِّيت في الحال.
الذي يفهم من الإنسان: ثنيت في الحال، يعني: طلقتها ثانية، وليس كذلك، هي عند البادية رجعة، فهل نقبل أن تكون رجعة؟ نعم، نقبل أن تكون رجعة؛ لأنها تحصل بكل لفظ دل عليه، ولكل أقوام أعراف ومعانٍ في ألفاظهم، فيُرجع في ذلك إلى ما يقتضيه اللفظ في عرفهم.
(لا نكحتُها ونحوه)، يعني (لا) إذا قال: نكحت زوجتي.
كيف نكحت زوجتي؟ إنسان مطلق زوجته وهي في العدة، ويقول: أشهدكم أني نكحتها! لا يستقيم هذا؛ لأنه إن كان خبرًا فهو عن شيء ماضٍ، وهو قد نكحها فيما مضى، وإن كان إنشاء فهو عقد نكاح جديد، وهي لا تحتاج إلى عقد جديد؛ فلذلك لا تصح الرجعة بلفظ (نكحتها)، لكن لو فُرض أن قومًا كان من عرفهم الذي لا يشكون فيه أن كلمة (نكحتها) ككلمة راجعتها، ماذا نصنع؟ تكون الرجعة به؛ لأن القول الراجح أن جميع الألفاظ يُعامَل بها الناطق ما يقتضيه العرف عنده، وهذا يختلف باختلاف الناس.
قال: (ويُسنُّ الإشهادُ)، على الرجعة، يسن الإشهاد على الرجعة، لا سيما إذا كانت المرأة غير موجودة، كأن تكون في بلد وهو في بلد، فهنا إذا راجع يُشهِد، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ( ... ) الرجعة، الدليل قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
أشهدوا، فأمر بالإشهاد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3185
لكن هل الأمر للاستحباب أو لا؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر للوجوب؛ لما فيه من الاحتياط، ولأن الرجعة كابتداء النكاح، فكما أن ابتداء النكاح لا بد فيه من الإشهاد، فالرجعة لا بد فيها من الإشهاد؛ لأن المقصود بالإشهاد هو الاحتياط، الاحتياط للأبضاع والأنساب، فلا بد من الإشهاد.
والقول بالوجوب قوي، لكن هذا في ابتداء الأمر، يعني بمعنى: لو جاء يريد أن يراجع نقول: أشهد، لكن لو وقعت المراجعة بدون إشهاد هل تصح أو لا؟ نعم، تصح، تصح ويكون آثمًا بعدم الإشهاد.
وقال بعض العلماء: إن الأمر للاستحباب، وهذا الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله، ولهذا يقول: (ويُسن الإشهاد)، يعني على الرجعة.
قال: (وهي) أي المطلقة الرجعية، (وهي زوجة)، يعني في حكم الزوجات.
دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يعني ثلاث حيض ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228]، بعولتهن يعني أزواجهن، فسمى الله المطلقَ زوجًا، وإذا سماه الله زوجًا ثبتت أحكام الزوجية، إلا ما دل الدليل على انتفائه.
هذا هو الدليل.
فلو قال قائل: بعولتهن باعتبار ما كان، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2]، وهم الآن ليسوا بأيتام؛ لأنهم بالغون؟
فالجواب أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا بدليل، وهنا لا دليل، فتكون الرجعية تكون زوجة، يكون لها وعليها حكم الزوجات، لها ما للزوجات وعليها ما على الزوجات.
إذن تجب لها النفقة؟
طالب: نعم.
الشيخ: تجب؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، يلزمها طاعة زوجها؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، تكشف لزوجها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يخلو بها؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: تتزين له؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: تتعرض له؟
الطلبة: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3186
الشيخ: كل شيء نعم؟ إي نعم.
جميع حقوق الزوجية الثابتة والمنفية ثابتة للرجل، إلا ما استثني.
قال: (لكن لا قسم لها)، يعني لو كان معه زوجة أخرى فإنه لا يلزمه أن يقسم للرجعية؛ لأن ما يتعلق بالوطء والمباشرة لا حق له فيه، وإذا لم يكن لها حق لم يلزم القسم، فلو أن رجلًا له امرأتان طلق إحداهما طلاقًا رجعيًّا، وصار يبيت عند الأخرى كل الليالي، هل للمطلقة أن تقول: يا رجل، اتقِ الله، أعطني قسمي، أو ليس لها ذلك؟ ليس لها ذلك؛ لأن الآن فصلت عنه.
هل لها نفقة؟ نعم، لها نفقة.
هل يجب العدل في النفقة؟ ظاهر كلام المؤلف: نعم، يجب، فإذا اشترى لزوجته التي لم يطلقها ثوبًا لزمه أن يشتري للأخرى مثله إذا احتاجت إليه كما دفع حاجة الثانية، لكن لا قسم لها.
ثم قال: (وتحصل الرجعة أيضًا بوطئها)، نعم، اسأل.
طالب: ذكرنا من شروط الرجعة أن تكون في العدة، لكن الله جل وعلا خيَّر الزوج بين الإمساك والفراق، قال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 2]؟
الشيخ: ستأتينا هذه، ما وصلنا لها.
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة للقسمة يا شيخ، لو قدر الله أن يراجعها، فهل عليه أن .. ؟
الشيخ: أن يقضي ما سبق؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، أصلًا لا قسم لها، فلو راجعها لم يلزمه أن يقضي ما فات.
طالب: شيخ، إذا طلق شخص امرأة قبل أن يدخل بها.
الشيخ: إذا طلق امرأة قبل أن يدخل بها.
الطالب: وتزوج ( ... ).
الشيخ: وقبل أن يخلو بها.
الطالب: إي نعم، قبل أن يخلو بها، وتزوجها بعقد جديد، هل تعد هذه طلقة واحدة؟
الشيخ: ألست تقول: إنه طلقها؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أسألك بس، قل: نعم ولَّا لا.
الطالب: قلت: نعم.
الشيخ: طيب، قلت: نعم.
إذا طلقها كيف لا يقع؟
الطالب: إي، ما يقع يا شيخ.
الشيخ: لا، يقع.
الطالب: ( ... ) طلاق.
الشيخ: يقع، وتُحسب عليه؛ لأن الله سمَّاه طلاقًا، قال: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49]، فتُحسب عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3187
طالب: شيخ ( ... ).
الشيخ: تتبعنا هذا، ووجدناه انفرد بها عن أحد الرواة، هم رووها ثلاثة، انفرد بها واحد منهم، وهي مما طمأنني كثيرًا؛ لأني كنت بالأول أرى أنه إذا وقع الخلع بلفظ الطلاق فهو طلاق يُحسب لهذا الحديث، لكن حرَّره بعض أصحابنا، وتبين أنها شاذة، فتبين عمق فقه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال: إن الخلع فسْخ ولو وقع بلفظ الطلاق، وهذا أيضًا هو رأي ابن عباس رضي الله عنهما (11)، الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين (12). وفيه مصلحة؛ لأن كثيرًا من الذين يكتبون الخلع الآن يكتبون: طلقها على عِوض قدره كذا وكذا.
طالب: يا شيخ، الخلع طلاق؟
الشيخ: لا، الخلع ليس طلاقًا، لا يحسب من الطلاق، وليس فيه عدة الطلاق أيضًا، تكفي فيه حيضة واحدة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، في أول العدة بعد أن طلقها قال لها: قد راجعتك، ثم قال لها: قد طلقتك، ثم قال لها: راجعتك، ثم قال لها: طلقتك.
يريد أن تبين منه، لا يريد أن تعود إليه.
هل تبين منه؟
الشيخ: يعني إذا راجع ليُطلِّق؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: في نفسي من هذا شيء، إذا راجع ليطلق، فهو كما لو تزوج ليطلق، لكن على كل حال ما ذكرت من الصورة تبين، لو راجع، ثم ندم، فقال: طلقتها، ثم جاءه إنسان قال: كيف تطلق هذه الزوجة؟ هذه امرأة صالحة طيبة أم العيال؟ قال: راجعت.
جاءه واحد ثان قال: ويش تبغي بها العجوز هذه، مولِّية، كيف تراجعها؟ قال: تراني مطلق.
كذا؟ أنا صورت المسألة بهذا علشان يكون له غرض في الطلاق والمراجعة، فإذا طلق الثالثة ما تحل، لكن لو أردف طلقة بطلقة، ثم راجع، بأن قال: طلقتك، فشرعت في العدة، بعد يوم أو يومين قال: طلقتك، هل يقع الطلاق الثاني؟
طالب: لا يقع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3188
الشيخ: ما شاء الله، بالإجماع؟ ! أكثر العلماء على أنه يقع، وأنه متى كرر لفظ الطلاق وقع الطلاق.
إذا قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق؛ فهو ثلاث، إذا قال: أنتِ طالق اليوم، ثم من الغد قال: أنتِ طالق، ثم من بعد غد قال: أنتِ طالق؛ فهي ثلاث.
والصحيح أنها واحدة، حتى لو كرر الجمل أو كررها في وقت أو أوقات؛ لأنه كيف يقول: أنت طالق وهي طالق؟ هي طالق الآن، لا يقع الطلاق إلا إذا كان هناك قيد، والمرأة الآن مطلقة، فلا يقع طلاق على طلاق، ولا يقع طلاق إلا بعد رجعة أو نكاح.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو أنه طلقها طلاقًا رجعيًّا فقال: اخرجي لا تجلسي ( ... ) البيت، هل يكون آثمًا بهذا؟
الشيخ: نعم، يكون آثمًا؛ لأنه لا يجوز في المطلقة الرجعية أن تخرج من البيت، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [الطلاق: 1].
طالب: شيخ، وإذا كانت هي تخاف من ( ... ).
الشيخ: ما نقدر ( ... )! !
الطالب: وإذا كانت المرأة تخاف من زوجها أن يضرها، هل لها حق أن تخرج من البيت إذا كان يعني طلقها ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، إذا كان هو يؤذيها في بقائها بالبيت فلها أن تخرج، لكن إذا كان لا يؤذيها ( ... )
طالب: بشرطٍ، فإذا طَهُرتْ من الحيضةِ الثالثةِ ولم تَغْتسلْ فله رجعتُها، وإن فَرَغتْ عِدَّتُها قبلَ رجعتِها بانتْ وحَرُمتْ قبل عَقْدٍ جديدٍ، ومن طلَّق دون ما يملِكُ، ثم راجَعَ، أو تزوَّجَ لم يملِكْ أكثرَ مما بَقِيَ، وَطِئَها زوجٌ غيرُه أو لا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السؤال: ما هي الرجعة؟
طالب: الرجعة إعادة المرأة إلى عصمة الزوجية.
الشيخ: نعم، إعادة المطلقة إلى عصمة الزوجية.
لملك الزوج الرجعة شروط؟
طالب: عدة شروط؛ أن يكون الفراق بالطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3189
الشيخ: أن يكون الفراق بطلاق.
الطالب: أن يكون من غير عِوض، أن يكون دونه من العدد.
الشيخ: دون ما له من العدد.
الطالب: وأن يكون ( ... ) العدة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أن يكون ( ... ).
الشيخ: هذه قلنا: ما له من العدد.
الطالب: أن يكون الرد أثناء العدة ..
وتَحْصُلُ الرَّجعةُ أيضًا بوَطْئِها، ولا تَصِحُّ مُعَلَّقَةً بشرطٍ، فإذا طَهُرَتْ من الحيضةِ الثالثةِ ولم تَغْتَسِلْ فله رَجْعَتُها،
وإذا فَرَغَتْ عِدَّتُها قَبْلَ رَجْعَتِها بانَتْ وحَرُمَتْ قبلَ عَقْدٍ جديدٍ، ومَن طَلَّقَ دونَ ما يَمْلِكُ ثم راجَعَ أو تَزَوَّجَ لم يَمْلِكْ أكثرَ مِمَّا بَقِيَ، وَطِئَها زَوجٌ غيرُه أو لا.
(فصلٌ)
وإن ادَّعَت انقضاءَ عِدَّتَها في زَمَنٍ يُمْكِنُ انقضاؤُها فيه أو بوَضْعِ الحمْلِ الممْكِنِ وأَنْكَرَه فقَوْلُها، وإن ادَّعَتْه الْحُرَّةُ بالْحَيْضِ في أَقَلَّ من تِسعةٍ وعِشرين يومًا ولَحْظَةً لم تُسْمَعْ دَعواها، وإن بَدَأَتْه فقالت: انْقَضَتْ عِدَّتِي.
فقال: كنتُ راجعْتُكِ.
أو بَدَأَها به فأَنْكَرَتْهُ فقَوْلُها.
(فصلٌ)
إذا اسْتَوْفَى ما يَمْلِكُ من الطلاقِ حَرُمَتْ حتى يَطَأَهَا زوجٌ في قُبُلٍ ولو مُراهِقًا، ويَكْفِي تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ أو قَدْرِها مع جَبٍّ في فَرْجِها مع انتشارٍ وإن لم يُنْزِلْ، ولا تَحِلُّ بوَطءِ دُبُرٍ، وشُبْهَةٍ ومِلْكِ يمينٍ ونِكاحٍ فاسدٍ، ولا في حَيضٍ، ونِفاسٍ، وإحرامٍ، وصِيامِ فَرْضٍ، ومَن ادَّعَتْ مُطَلَّقَتُه الْمُحَرَّمَةُ- وقد غَابَت- نِكاحَ مَن أَحَلَّها وانقضاءَ عِدَّتِها منه فله نِكاحُها إن صَدَّقَها وأَمْكَنَ.
الطالب: بشرط، فإذا طَهرتْ من الحيضةِ الثالثة، ولم تغتسل فله رجعتُها، وإن فَرَغتْ عِدَّتها قبلَ رجعتِها بانتْ وحَرُمتْ قبل عَقْدٍ جديدٍ، ومن طلَّق دون ما يملِكُ، ثم راجَعَ، أو تزوَّجَ لم يملِكْ أكثرَ مما بَقِيَ، وَطِئَها زوجٌ غيرُه أو لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3190
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
السؤال: ما هي الرجعة؟
طالب: الرجعة إعادة المرأة إلى عصمة الزوجية.
الشيخ: نعم، إعادة المطلقة إلى عصمة الزوجية.
لملك الزوج الرجعة شروط؟
طالب: عدة شروط؛ أن يكون الفراق بالطلاق.
الشيخ: أن يكون الفراق بطلاق.
الطالب: أن يكون من غير عِوض، أن يكون دونه من العدد.
الشيخ: دون ما له من العدد.
الطالب: وأن يكون ( ... ) العدة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أن يكون ( ... ).
الشيخ: هذه قلنا: ما له من العدد.
الطالب: أن يكون الرد أثناء العدة ..
الشيخ: وأن تكون الرجعة في أثناء العدة.
الطالب: والخامس ..
الشيخ: الخامس؟
طالب: أن يكون مدخولًا بها أو مخلوًّا بها.
الشيخ: أن يكون مدخولًا بها أو مخلوًّا بها، تمام.
خمسة شروط إذا تمت صحت المراجعة.
رجل طلق امرأته، طلقها على عِوض ريال واحد، هل يملك الرجعة؟
طالب: لا يملك؛ لأنه على عِوض.
الشيخ: لأنه على عِوض.
إذن لا فرْق بين الكثير والقليل.
طيب، طلَّق امرأته على أن تخدمه سنة؟
طالب: لا ( ... ).
الشيخ: فيه رجعة ولَّا لا؟
الطالب: ما يوجد رجعة.
الشيخ: لا رجعة، ليش؟
الطالب: لأنه على عِوَض ( ... ).
الشيخ: ما هو العوض؟
الطالب: الخدمة.
الشيخ: الخدمة، صح؟ طيب.
رجل تزوج امرأة، وفي نفس مكان العقد طلقها؟
طالب: السؤال يا شيخ؟
الشيخ: عقد على امرأة، وفي نفس المكان طلقها، هل عليها عدة أو لا؟ يعني هل له رجعة عليها أو لا؟
الطالب: الله أعلم.
الشيخ: الله أعلم! ما حضرت.
طالب: ليس له ..
الشيخ: ليس، له رجعة أو لا؟
الطالب: ليس له رجعة.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه غير مخلو بها، لم يخلُ بها.
الشيخ: نعم؛ لأنها غير مخلو بها، ولا مدخول بها.
طيب، رجل طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات؟
طالب: ليس له رجعة؛ لأنها تبين.
الشيخ: طلق مرة وراجع، وثانية وراجع، وثالثة.
الطالب: لا يراجع.
الشيخ: ما له رجعة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3191
الطالب: لا ( ... ).
الشيخ: على غير عِوض؟
الطالب: على غير عِوض.
الشيخ: إي، له رجعة ولَّا لا؟
الطالب: ليس له رجعة.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه طلق ثلاثًا، إذا طلق الثالثة تبين زوجته.
الشيخ: إي؛ لأنه استكمل ما له من العدد، والله عز وجل يقول: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230].
طيب، رجل طلق زوجته ( ... ) انتهت عدتها واغتسلت، وبعد ذلك بخمس دقائق راجعها؟
طالب: ما له رجعة.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه انقضت العدة قبل أن يراجع.
الشيخ: لأنه انقضت العدة قبل أن يراجع، تمام، بارك الله فيك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتحصل الرجعة أيضًا بوطئها) يعني لو أن الرجل طلق امرأته، وفي أثناء العدة جامعها، فإنها تكون رجعة، هذه الرجعة، هل هي بالقول أو بالفعل؟ بالفعل، واختلف العلماء رحمهم الله في هذا؛ فقال بعضهم: إن وطئ ناويًا الرجوع فهي رجعة، وإن وطئ ناويًا التلذذ فقط فليست برجعة.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا جامع ولو بنية الاستمتاع والتلذذ، فإن ذلك يكون رجعة، وهذا هو المذهب، وقيل: لا يكون رجعة، ويُؤدَّب على ذلك؛ لأنه جامع من ليس له جماعها، لكنه لا يُحدُّ، يعني لا يُقام عليه الحد لوجود الشبهة، ولكن يعزر، أما لو نوى الرجوع فلا شك أنه يكون رجعة.
قال: (ولا تصح معلقة بشرط)، يعني لو قال: إذا طلعت الشمس فقد راجعتكِ، فطلعت الشمس، هل تكون المراجعة؟ لا، لا تكون المراجعة، وعللوا ذلك بأن المراجعة كالعقد، وعقد النكاح لا يصح معلقًا، فلا تصح الرجعة معلقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3192
وهذا الذي عليه جمهور العلماء: أنها لا تصح معلقة، ولا فرق بين التعليق المحض وبين التعليق المعلَّق على أمر معنوي؛ المحض مثل أن يقول: إذا طلعت الشمس فقد راجعتكِ، والمعنوي أن يقول: إذا أحسنتِ المعاشرة فقد راجعتكِ، إنسان طلق زوجته؛ لأنها سيئة العِشرة، فقال: إذا أحسنتِ المعاشرة فقد راجعتكِ، فأحسنت المراجعة، هل تصح الرجعة أو لا؟ كلام المؤلف يدل على أنها لا تصح الرجعة، وهذا الذي عليه الجمهور، لكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنها تصح مُعلَّقة بشرط، سواء كان شرطًا محضًا أو شرطًا معنويًا، وهذا القول أصح، ما الذي يُصححه؟ يُصححه أن الأصل في غير العبادات الإباحة، كل المعاملات الأصل فيها الإباحة، كل المأكولات الأصل فيها الإباحة، كل المشروبات الأصل فيها الإباحة، كل الحيوانات الأصل فيها الإباحة، كل شيء الأصل فيه الإباحة، إلا ما دل الدليل على منعه.
الرجعة من العبادات أو من المعاملات؟ من المعاملات، الأصل فيها الإباحة.
فإذا قال: إذا طلعت الشمس فقد راجعتكِ؟
طالب: راجعها.
الشيخ: ما المانع من أن نقول: إذا طلعت الشمس حصلت الرجعة.
إذا قال: إن أحسنتِ العِشرة معي، أو مع أمي، أو مع أبي فقد راجعتك، فأحسنت العشرة، ويش المانع؟
إذا قال: إذا نزل عيسى فقد راجعتك؟
طالب: لا رجعة، علَّق على مستحيل.
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: أعوذ بالله، مستحيل؟ ! لا، ما هو مستحيل، لكن غير معلوم.
نقول: إذا نزل عيسى حصلت الرجعة، ما فيه مشكلة، على القول الصحيح.
إذن القول الراجح أن تعليق الرجعة بشرط صحيح، فإذا وُجِد الشرط وُجِدت الرجعة.
الدليل أن الأصل في جميع الأشياء ما عدا العبادات الإباحة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3193
ثانيًا: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (1). وكنت أتهيب القول بهذا؛ لأن الذي أمامنا دائمًا يقول: هذا قول الجمهور، وبعضهم يقول: الإجماع، لكني وجدتُ خلافًا في هذه المسألة، وما دامت المسألة ليست إجماعًا، فالواجب النظر في الأدلة، وإن قلَّ القائل.
وهذه قاعدة اعرفوها: إذا كان في المسألة إجماع، فالإجماع دليل ولا قول لأحد مع وجود الإجماع؛ ولهذا تجدون شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أو أخبركم عن طريقته أنه إذا قال قولًا قال: هذا القول هو الحق إن لم يمنع منه الإجماع، أو يقول: إن كان أحد قال بهذا القول فهو حق.
لكن إذا لم يكن إجماع، فالمرَدُّ إلى الكتاب والسنة، وأنتم الآن عرفتم أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (1)، وهذا لا يُحرِّم حلالًا ولا يحل حرامًا، هذا يرد الزوجة إلى العصمة بهذا الشرط.
قال: (ولا تصح مُعلَّقة بشرط، فإذا طهرت من الحيضة الثالثة، ولم تغتسل فله رجعتها) هذه توسعة من الله عز وجل، (إذا طهرت من الحيضة الثالثة) انقطعت جميع العُلَق الزوجية، حتى إنها لو ماتت في هذه الحال لم يرثها، ولو مات هو لم ترثه، امرأة انقطع حيضها عند طلوع الشمس، ولم تغتسل إلا لصلاة الظهر، مات الزوج في هذه المدة، ترث؟
طلبة: لا ترثه.
الشيخ: طيب، ماتت هي؟
الطلبة: لا يرثها.
الشيخ: لا يرثها.
طيب، راجعها في هذه المدة؟
طالب: يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3194
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله: (إذا طهرت من الحيضة الثالثة، ولم تغتسل فله رجعتها) إذن ليس الحد أن تطهر من الحيضة الثالثة، بل يستمر إلى أن تغتسل، شوف حب الشارع للإصلاح والوفاق والوئام أدى إلى هذا، لعله إذا طهرت من الحيضة، وصارت الآن صالحة للجماع، ربما يرْغب فيها فيُراجعها؛ فلذلك نقول في المثال الذي ذكرنا طهرت متى؟ عند طلوع الشمس، لكنها لم تغتسل إلا لصلاة الظهر، فراجعها في أثناء هذه المدة، تصح الرجعة ولَّا لا؟ طلبة: تصح.
الشيخ: تصح الرجعة، توسعةً من الله عز وجل.
فإن قال قائل: ما دليلكم على هذا وأنتم تقولون: إن أحكام الزوجية تنقطع بالطهر من الحيض؟
قلنا: اسمع قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2]، إذا بلغن أجلهن.
ومعلوم أنها تبلغ الأجل إذا طهرت من الحيضة الثالثة، ومع هذا يقول عز وجل: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.
امرأة طهرت من الحيض عند طلوع الشمس؛ يعني بعد طلوع الشمس بدقيقة، ولم تغتسل إلا لصلاة الظهر، فهل لزوجها في هذه المدة أن يراجعها؟ له ذلك ولَّا لا؟ له ذلك.
ما هو الدليل؟ الدليل قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني انتهت عدتهن ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2]، فخيَّر الله تعالى الزوج بعد انتهاء العدة بين أن يُمسك أو يفارق، ومعلوم أنه ليس المعنى إلى الأبد، إلى الأبد معناه لا فائدة من العدة، لكن إلى وقت تغتسل فيه كما قاله الصحابة رضي الله عنهم.
طيب، لو ماتت هي في هذه المدة بين طلوع الشمس وزوال الشمس، يرثها؟ لا، لا يرثها.
لو مات هو لا ترثه؛ لأنها انقضت العدة.
أفهمتم الدليل الآن؟ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2]، هذا دليل أثري.
الجزء: 2 - الصفحة: 3195
دليل نظري: أن هذا من توسِعة الله سبحانه وتعالى على العباد ومحبته للوئام والوفاق؛ لأن الرجل بعد طهارة امرأته من الحيض ربما تتوق نفسه إليها ويرغب فيها، فأُذن له أن يراجع.
لو قال قائل: إذا كانت المرأة تحب أن يراجعها زوجها، وقالت: ما لزوم الاغتسال؟ ما تغتسل، جاء وقت الصلاة، قالت: ما يخالف، ما نغتسل، يبقى له المراجعة؟
يقول بعض الفقهاء رحمهم الله: ولو فرَّطت في الغسل مدة سنين، لكن هذا إن كان على فرْض الجواز العقلي فلا بأس، أما على فرض الجواز الشرعي فلا يمكن؛ لأنها لو فعلت ذلك لم تُصلِّ، وإذا لم تُصلِّ كفرت، مشكلة، فنحن نقول: ولو أخَّرت الغسل إلى وقت الصلاة الآتية.
طيب، لو قالت: لا تغتسل لصلاة الظهر، وتجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير، لعل الله يهدي زوجها في هذه المدة، هل يجوز أو لا يجوز؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: يجوز يا شيخ.
الشيخ: هذا ينبني على؛ هل يجوز الجمع في مثل هذه الحال أو لا يجوز؟ إن قلنا بأنه يجوز لما يترتب على الجمع من المصالح إن قدر الله عز وجل أن يرجع الزوج، فحينئذٍ نقول: لا بأس أن تؤخر إلى قرب اصفرار الشمس، أما بعد ذلك لا يمكن أن تؤخِّر، ولو أخَّرت فإنه لا رجوع لزوجها؛ لأنه لا يُمكن أن تُستباح رخص الله بمعاصيه، وأما قول بعض الفقهاء ما ذكرت لكم: لو فرطت في الغسل عدة سنين، فهذا غير صحيح لا شك.
خلاصة القول، يا إخواني، أنه يجوز للزوج أن يراجع زوجته بعد طهارتها من الحيضة الثالثة إلى أن تغتسل؛ هذه واحدة.
ثانيًا: ولا يحل لها تأخير الغسل رجاء المراجعة، إلا في المسألة التي يُباح لها ذلك.
يقول رحمه الله: (فإذا طهرت من الحيضة الثالثة، ولم تغتسل فله رجعتها، وإن فرغت عدتها قبل رجعتها بانت).
الجزء: 2 - الصفحة: 3196
يعني انفصلت، لكن هذه البينونة بينونة صغرى؛ لأن البينونات منها صغرى وكبرى، إن كانت البينونة بطلاق ثلاث فهي كبرى، وكذلك إن كانت البينونة بفسخ لكونها من محارمه مثلًا كما لو تبين أنها أخته من الرضاع، مع أن هذا لا يسمى بينونة في الواقع؛ لأن النكاح أصله غير صحيح.
طيب، البينونة الكبرى هي التي لا تحل بها الزوجة إلا بعد زوج، الصغرى تكون إما بعوض: إذا طلقها على عوض فقد بانت منه، أو بتمام العدة.
يقول: (بانت وحرمت قبل عقد جديد)، يعني يكون كأنه خاطِب من جديد، إذا انتهت العدة فإنها تحرم حتى يعقد عليها عقدًا جديدًا.
(ومن طلَّق دون ما يملك، ثم راجع، أو تزوج لم يملك أكثر مما بقي، وطئها زوج غيره أو لا).
(طلَّق دون ما يملك)، ما الذي يملكه الحر؟
طلبة: ثلاثًا.
الشيخ: والرقيق؟
الطلبة: اثنتين.
الشيخ: اثنتين، يملك اثنتين، فإذا طلق دون ما يملك، ثم راجع (لم يملك أكثر مما بقي).
إذا طلق مرة كم يملك؟ مرتين، إذا طلق مرتين يملك واحدة.
قال: (أو تزوج)، يعني إنسان طلق زوجته، وانتهت عدتها، ثم خطبها وسيزوجها بعقد جديد، كم بقي له من الطلاق؟
الطلبة: اثنتان.
الشيخ: ويش اللي راح؟
الطلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة، يبقى اثنتان.
(وطئها زوج غيره أو لا)، يعني سواء تزوجت بعد ذلك ووطئها الزوج الثاني أو لا، مثاله: رجل طلق زوجته مرتين، ثم بانت منه، وتزوجت بزوج آخر، وجامعها الزوج الثاني، بقيت معه مدة، ثم طلقها، فتزوجها زوجها الأول، كم باقٍ له؟
طالب: واحدة.
طالب آخر: من جديد يا شيخ.
الشيخ: لا إله إلا الله، قولوا: لا إله إلا الله.
طلبة: لا إله إلا الله.
الشيخ: كم بقي؟
الطلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة؟
الطلبة: واحدة.
الشيخ: بالإجماع؟
الطلبة: بالإجماع.
الشيخ: إلا فيصل فقد شذ، ومن شذ فلا عِبرة بقوله!
لم يملك إلا واحدة، مع أن الزوج الثاني جامعها، ثم طلَّقها، أو مات عنها وعادت للزوج الأول، نقول: ما بقي له إلا واحدة، لم يبقَ له إلا واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3197
طيب، مثال آخر غير هذا: رجل طلق زوجته ثلاث مرات، تحل له ولَّا لا؟
طالب: لا.
طلبة: ما تحل له.
الشيخ: راجعها يا جماعة؟
طالب: لا تحل.
طالب آخر: لا تحل.
الشيخ: ما تحل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تمام.
تزوجت بزوج آخر ودخل عليها وجامعها، ثم مات عنها أو طلقها، ثم عادت للزوج الأول، ويش بقي له؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: بقي اثنان؟
طالب: بقي اثنان.
الشيخ: كيف بقي اثنان؟
طالب: ( ... ) وتريد هذا الرجل.
الشيخ: طلق ثلاثًا، وتزوجت آخر، وجامعها، ثم تزوجها الزوج الأول الذي طلقها ثلاثًا، كم بقي له؟
طلبة: ثلاث طلقات.
الشيخ: ثلاث طلقات؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي.
طالب: ( ... ).
الشيخ: طيب، نعم يبدأ من جديد، الزوج الأول يبدأ من جديد، يملك ثلاث طلقات، دليل هذا أو تعليله أنه في المسألة الأولى فيما إذا طلق الزوج أقل من ثلاث لم يؤثر نكاح الثاني شيئًا، ما أثر؛ لأنها تحل للزوج الأول، سواء نكحت أو لم تنكح، صحيح ولَّا لا؟
طالب: صحيح.
الشيخ: طيب، فلما كان لم يؤثر نكاح الثاني في حِلِّها للأول، لم يؤثر شيئًا في عدد الطلاق، بقي عدد الطلاق على ما بقي.
في المسألة الثانية لما طلقها زوجها ثلاثًا، وتزوجت آخر وجامعها، ثم فارقها، أثَّر أو ما أثَّر؟ أثر، وهو حِلُّها للزوج الأول بعد أن كانت حرامًا عليه، فلما كان للزوج الثاني تأثير في حلها للأول صار له تأثير في الطلاق، فتبدأ من جديد؛ هذه واحدة.
ثانيًا: لو قلنا في هذه المسألة الأخيرة التي طلقها ثلاثًا، ثم تزوجت آخر: يُكمل، معناه ما يملك طلاقًا، معناه لا يملك أن يطلق، وهذا ليس في الشريعة الإسلامية؛ لأنه ما بقي شيء يبني عليه، فهذا هو الفارق.
لكن بعض العلماء يقول: إذا جامعها الزوج الثاني، وعادت للأول، عادت بطلاق جديد، يعني يملك الزوج الأول ثلاث طلقات، لكن هذا القول ضعيف، وقد أشار إليه المؤلف بقوله: (وطئها زوج غيره أو لا).
الجزء: 2 - الصفحة: 3198
ثم قال رحمه الله: (فصل، وإن انقضت في زمن يمكن انقضاؤها فيه أو بوضع الحمل الممكن، وأنكره فقولها).
نعم، إذا ادَّعت الزوجة أن العدة انقضت في زمن يمكن أن تنقضي فيه، فقال الزوج: لم تنقضِ، مَن القول قوله؟ القول قول المرأة؛ لأن هذه الأمور لا يعرفها إلا النساء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228]، فجعل الأمر راجعًا إلى الزوجة، فإذا طلقها ومر شهر ونصف فقال: أريد أن أراجع؟ فقالت له: انقضت العدة، قال: ما انقضت، قالت: انقضت، قال: ما انقضت، وهو يقول، لم تنقضِ وهي تقول: انقضت، فترافعا إلى القاضي، مَنْ يقبل قوله؟ قول المرأة؛ لأن الله جعل الأمر موكولًا إليها في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
(أو بوضع الحمل الممكن) (الحمل الممكن)، كامرأة قالت لزوجها وهو قد طلقها وهي حامل، قالت له: إنها أسقطت، ما تبين فيه خلق الإنسان، قال: أبدًا ما يمكن، قالت: اكشف، فكشفوا فوجدوا أن رحمها خالٍ.
انقضت العدة أو لا؟ انقضت العدة، فإن لم يمكن كشف فالقول قولها أيضًا؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، فالقول قولها.
لكن يقول: (الممكن)، فإن لم يمكن فلا قول لها، كيف إن لم يمكن؟ مثلًا: امرأة طلقها زوجها وهي نشأت في الحمل قريبًا، ثم مضى عشرة أيام وقالت: إنها وضعت الحمل، وأنه قد تم تخليقه، فهذا لا يمكن؛ لأنه لا يمكن أن يُخلَّق الجنين قبل ثمانين يومًا، انتبهوا لهذا: لا يمكن أن يخلق الجنين قبل ثمانين يومًا.
الدليل؟ الأخ؟ لا إله إلا الله أجب يا رجال؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3199
الشيخ: لا يمكن أن يُخلَّق الجنين قبل ثمانين يومًا، الدليل حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، واستمع إلى كلامه: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، ليش جاب الجملة هذه؟ لأن الجنين في بطن أمه لا يعلمون عنه، فقال: وهو الصادق فيما أخبرنا، المصدوق فيما أُخبِر من قِبل الله عز وجل، قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» يعني نطفة، أربعين يومًا لا زال نطفة، لكنه بالتدريج إذا تم له أربعون يومًا انقلب إلى علقة: «ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ».
يعني أربعين يومًا علقة مثل الدودة الحمراء، ثم لا يزال يتجبَّن ويتغلظ في هذه المدة، يكون بعد ذلك مُضغة في خلال أربعين يومًا (2).
الجميع الآن: مئة وعشرون، لكن الثمانون الأولى لم يكن مًضغة، إنما هو ماء نطفة، ثم علقة، وهذا لا يتبين فيه خلق الإنسان، لا يمكن أن يتبين إلا إذا وصل إلى درجة مضغة، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5]، حتى المضغة في أول أمرها لا يتبين فيها خلق.
ومعلوم أن العدة لا تنقضي بوضع الحمل إلا إذا تبين فيه خلق الإنسان، فإذا ادعت مثلًا أنها وضعت الحمل، وقد تبين فيه خلق الإنسان في أقل من ثمانين يومًا فهي كاذبة؛ لأنه لا يمكن أن يُخلَّق قبل ثمانين يومًا؛ ولهذا قال: (أو بوضع الحمل الممكن) احترازًا من أيش؟ من غير الممكن، وهي أن تدعي أنه خُلِّق لأقل من ثمانين يومًا، والله أعلم.
طالب: بالنسبة إذا كانت المرأة لا تحيض، كيف تُعرف الرجعة؟
الشيخ: سبب عدم الحيض؟
الطالب: إما صغر أو كبر.
الشيخ: طيب، اقرأ الآية: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]، ثلاثة أشهر.
الطالب: ثلاثة أشهر؟
الشيخ: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3200
الطالب: يعني في خلال ثلاثة أشهر يجوز لها الرجعة؟
الشيخ: نعم.
طالب: إذا كانت ( ... ) الحمل لأكثر من ( ... ).
الشيخ: كم ولد؟
الطالب: اثنان.
الشيخ: اثنان.
الطالب: ( ... ) بوضع الحمل الأول ولا الجميع، الثاني؟
الشيخ: يعني تنتهي العدة بوضع الأول أو الثاني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: اقرأ القرآن: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾.
الطالب: أجلهن.
الشيخ: ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ بالضم.
الطالب: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4].
الشيخ: طيب، وإذا وضعت واحدًا من اثنين وضعت أيش؟
الطالب: واحدًا فقط.
الشيخ: بعض حملها.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والله عز وجل يقول: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، الجواب معلوم الآن ولَّا غير معلوم؟
الطالب: معلوم.
الشيخ: طيب، نعم.
طالب: شيخ، بالنسبة للإجماع إذا خالف الظاهرية، هل يعتد بخلافهم؟
الشيخ: الظاهرية يعتد بخلافهم؟ ! أنت تسأل: هل الظاهرية يُعتدُّ بخلافهم؟
الطالب: الإجماع يا شيخ، يعني ( ... ) ولا يُعتدُّ بخلاف الظاهرية مثلًا؟
الشيخ: إي.
الطالب: هو إجماع، ولا يعتد بخلاف الظاهرية.
الشيخ: أرأيت أهل الرأي هل يعتد بالإجماع من دونهم؟ أهل الرأي من هم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، أصحاب أبي حنيفة.
إذا رأيت في كتب الفقهاء: قاله أهل الرأي، يعني أصحاب أبي حنيفة.
هل يُعتدُّ بهم في الإجماع؟ أجبني؟
طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: الظاهرية أسأد بموافقة الصواب من أهل الرأي، وانظر كلام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين تجد العجب العجاب.
الظاهرية لولا شطحات لهم لكانوا أسأد بالدليل من كثير من الفقهاء، وكيف لا نعتد برأيهم في الإجماع؟ ولا يمكن إجماع مع مخالفة الظاهرية، اللهم إلا أن يكون قولًا شاذًّا من أقوال الظاهرية، هذا شيء ثان.
الجزء: 2 - الصفحة: 3201
والظاهرية لهم عجائب، عجائب عجائب؛ منها: لو أن الرجل له بنت بكر خطبها إنسان، وقال لها: يا بنية، هذا فلان خطبكِ، رجل طالب علم، ملتزم، ذو مال، قالت: يا أبتِ، أنا لا أريد إلا مثل هذا، زوجنيه؟ يقولون: ما يصح.
ليش وهي تقول: زوجني، وأذِنت؟ قال: لا، لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل كيف إذن البكر؟ قال: «أَنْ تَسْكُتَ» (3). وهذا ما هو سكوت! ! هذا من شطحاتهم رحمهم الله.
ومعلوم كل يعلم أنها إذا قالت: زوِّجني أبلغ مما إذا سكتت، لا شك.
ومن شطحاتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -فهمهم للحديث-: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً» يعني في الضحايا «إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» (4)، الجذعة التي لم تبلغ أن تكون مسنة؛ أي ثنية، قالوا: لو ذبح ثنية من الضأن لم تصح! ! ما تصح الأضحية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً».
سبحان الله! ! الجذعة تجزي والثنية لا تجزي؟ ! هذه من شطحاتهم، لهم شطحات عجيبة، لكن -على كل حال- قولهم معتبر، ولا إجماع مع خلافهم.
أما قول بعض الفقهاء رحمهم الله: إنه لا عبرة بخلافهم؛ فليس بصحيح، كيف لا يكون لخلافهم عبرة، وأنت إذا راجعت المحلى لابن حزم وجدته كله مبنيًّا على قرآن وسنة وآثار.
طالب: في زمن يمكن انقضاؤها فيه أو بوضع الحمل الممكن، وأنكره فقولها، وإن ادعته الحرة بالحيض في أقل من تسعة وعشرين يومًا ولحظة لم تسمع دعواها، وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي، فقال: كنت راجعتك، أو بدأها به فأنكرته فقولها.
فصل، إذا استوفى ما يملك من الطلاق حرمت.
الشيخ: طيب، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل، وإن ادعت انقضاء عدتها)، ونعود إلى ما سبق فنقول: الرجعة لا تثبت إلا بشروط؟ الشرط الأول؟
طالب: أن يطلقها عن نكاح صحيح.
الشيخ: أن يكون الفراق بطلاق.
احترازًا من أيش؟
الطالب: آه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3202
الشيخ: من الفراق بالموت، هل يمكن لمن مات أن يراجع زوجته؟
الطالب: لا يا شيخ.
الشيخ: أنت تقول: نعم، ويش تقولون يا جماعة؟ صحيح احترازًا من الموت؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الميت لا يمكن له أن يراجع، احترازًا من أيش؟
طالب: من الفسْخ.
الشيخ: من الفسخ إي نعم، والفُسوخ كثيرة، ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب بدائع الفوائد، وهو على اسمه: بدائع الفوائد: أن فرق النكاح عشرون فرقة، منها الطلاق والباقي فسوخ.
طيب، إذن احترازًا من أيش؟
طالب: من الفسخ.
الشيخ: من الفسخ، لو أن الرجل فارق زوجته لفسخها النكاح لعيب موجود في الزوج، هل يمكن أن يراجع؟ لا.
الشرط الثاني؟
طالب: أن يكون دون ما له من العدد.
الشيخ: أن يكون دون ما له من العدد، فإن طلقها الثالثة يملك الرجوع أو لا؟
الطالب: لا رجعة.
الشيخ: طيب، نعم.
الشيخ: أن يكون على غير عِوض، فإن طلقها على عِوض؟
الطالب: لا يجوز له الرجعة.
الشيخ: فلا رجعة له؛ لأن من الشروط أن يكون الطلاق على غير عِوض.
ماذا يسمى الطلاق على عِوض؟
الطالب: الخلع.
الشيخ: يسمى الخلع.
طيب، لو وقع بلفظ الطلاق؟
الطالب: يُسمى خلعًا أيضًا.
الشيخ: فهو على القول الراجح خلع، حتى لو قال: طلقتُ امرأتي على عِوض قدره ألف ريال، فهو فسخ لا يُحسب من الطلاق، كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الخلع، ولو بلفظ الطلاق، فسْخ.
أخذنا الآن أن يكون الفراق بطلاق، وأن يكون دون استكمال العدد، وأن يكون بلا عِوض.
طالب: المخلو بها.
الشيخ: أيش؟
الطالب: أن يكون خلا بالزوجة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: أن تكون الزوجة مخلوًّا بها أو ..
الشيخ: أن يكون الطلاق بعد الدخول أو الخلوة.
طيب، لو طلق قبل أن يجامعها، أو طلق قبل أن يخلو بها؟
الطالب: فلا رجعة.
الشيخ: لا رجعة، لماذا؟
الطالب: لأنه من الشروط أن يكون مخلوًّا بها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3203
الشيخ: أحسنت؛ لأنه من الشروط، جيد هذا، لكن لأنه لا عدة، هل على المطلقة قبل الدخول والخلوة عدة أو لا؟ لا.
طيب، الشرط الخامس؟
طالب: أن يراجعها قبل انقضاء عدتها.
الشيخ: أحسنت، أن يراجعها قبل انقضاء العدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ متى؟ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228].
اشترط بعض العلماء أن يريد بذلك الإصلاح، وبعضهم اشترط ألا يريد بذلك الضرر، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].
رجل طلق زوجته، فحاضت ثلاث حيض ولم تغتسل، فهل له رجعتها؟
طالب: له رجعتها ( ... ) تغتسل.
الشيخ: بس له رجعتها ولَّا لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: له رجعتها، ما الدليل؟
الطالب: قول الله عز وجل: ( ... ).
الشيخ: لا، خطأ.
طالب: قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2].
الشيخ: أحسنت، ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، فخيَّره الله تعالى بين هذا وهذا إذا انقضت عدتها.
ذكرنا أن في هذا إشارة إلى رغبة الشارع في إمساك المرأة.
طالب: إي نعم، ذكرنا ذلك وقلنا: من باب التوسعة.
الشيخ: إن هذا من باب التوسعة، لعله يردها إلى عصمته، كما أن الطلاق في الطهر الذي لم يجامع فيه هو أيضًا من التيسير لئلا يتعجل الإنسان.
رجل طلق زوجته مرتين، ثم تزوجت آخر وجامعها، ثم طلقها، ثم عادت للأول.
تعود على ما بقي من الطلاق أو تستأنف طلاقًا جديدًا؟
طالب: تستأنف طلاقًا جديدًا.
الشيخ: تستأنف طلاقًا جديدًا.
توافقونه؟
طلبة: لا.
طالب: رجعت.
الشيخ: رجعت؟
الطالب: إي.
الشيخ: إي، الرجوع إلى الحق أحق.
طيب، تبني على ما مضى، كم باقٍ عليه؟
الطالب: طلقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3204
الشيخ: طلقة واحدة.
طيب، وإذا طلقها ثلاثًا وتزوجت آخر وجامعها، ثم فارقها وعادت للأول، تعود على أيش؟
طالب: تبدأ من جديد يا شيخ.
الشيخ: ما الفرق؟ أو: لماذا؟
طالب: لأنها أكملت، المرأة تكون أكملت عدد الطلاق ( ... ).
الشيخ: طيب، فإذا قلنا: تبني على ما مضى، ويش مضى؟ ما فيه شيء.
إذن تستأنف العدد من جديد، هذه واحدة.
طالب: ( ... ) تحرم عليه، تحرم عليه معناه؛ أي لازم زواج بينهم.
الشيخ: إي، بخلاف ما إذا طلقها دون الثلاث، فإن نكاح الثاني لا يؤثر شيئًا؛ لأنه إذا طلقها ثلاثًا وتزوجها آخر وجامعها أثَّر حِلها بعد أن كانت حرامًا، فلما كان له التأثير في أصل الطلاق صار له التأثير في وصف الطلاق.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل).
(وإن ادعت انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه)، ذكرنا هذا.
(أو بوضع الحمل الممكن)، ذكرنا هذا.
(وإن ادعته الحرة بالحيض في أقل من تسعة وعشرين يومًا ولحظة لم تُسمع دعواها).
(ادعته) أي الانقضاء.
(الحرة) احترازًا من الأمة؛ وذلك أن الأمة عدتها حيضتان، والحرة عدتها ثلاث حِيض؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228].
(ادعته في أقل من تسعة وعشرين يومًا ولحظة لم تُسمع دعواها)، ما تسمع.
ومعنى (لم تُسمع) ليس معناه لم تُقبل.
(لم تُسمع) أي لا يلتفت إليها القاضي إطلاقًا، وهنا يجب أن تعرف الفرق بين هذين التعبيرين: لم تُسمع دعواها، لم تُقبل دعواها.
(لم تُسمع)، يعني أن القاضي يصرف النظر عنها.
لم تُقبل: يستمع للدعوى، ولكن يطلب البينة.
هذا هو الفرق.
(أقل من تسعة وعشرين يومًا ولحظة لم تسمع دعواها)، لماذا؟ لأنه لا يمكن، هذا غير ممكن، أقل الحيض على المذهب؟
طلبة: يوم وليلة.
الشيخ: يوم وليلة، هذا يوم وليلة.
أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا.
خذ نبدأ: يوم وليلة، وثلاثة عشر، أربعة عشر، يوم وليلة، خمسة عشر، ثلاثة عشر.
طلبة: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3205
الشيخ: لا يا أخي، ستة عشر، وثلاثة عشر، تسع وعشرون.
إذا ادعته في أقل من تسعة وعشرين يومًا ولحظة لم تسمع؛ لأننا نعلم أنها لم تحض حيضًا صحيحًا أو لم تطهر طهرًا صحيحًا، فلا تُسمع دعواها.
فيما زاد على ذلك يُنظر فيه، إن أتت ببينة قُبِلت وإلا فلو ادعت انقضاء الحيض في ثلاثين يومًا تُسمع أو لا تُسمع؟
الطلبة: تسمع.
الشيخ: تُقبل أو لا تُقبل؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، هذه ينظر؛ لأنها ادعت شيئًا بعيدًا عن الواقع.
ولهذا لما وقعت القضية في زمن علي بن أبي طالب، وكان قاضيه شريح رحمه الله، وهو من أحكم القضاة، قال له: اقضِ فيها.
ادَّعته في شهر، قال: اقضِ فيها.
قال: إن أتت ببينة من بطانة أهلها -يعني ممن يُزكَّى- فإنها تُقبل، فإذا ادَّعته في ثلاثين يومًا، قلنا: ممكن هذا، لكن هات بينة، وإن ادعته في شهرين تُقبل ولا تحتاج إلى بينة.
الفرق بين هذا وهذا: لأن كونها تحيض ثلاث حيض في شهرين معتاد، وليس فيه غرابة، وكونها تحيض ثلاث مرات بينها الطهر ثلاثة عشر يومًا في شهر واحد؛ هذا أيش هو؟ بعيد وغير معتاد، لكنه ممكن، فصار هذه المرأة إذا ادعت انقضاء عدتها في ثمانية وعشرين يومًا أيش نقول؟ لا تسمع دعواها، إذا ادعته في ثلاثين يومًا سُمعت، لكن لا تُقبل إلا ببينة، إذا ادعته في شهرين ونحوهما تُقبل ولا تحتاج إلى بينة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بعض الشباب ينام بالغرفة لوحده ولا عليه ثياب، فالحكم يا شيخ؟
الشيخ: لا يا شيخ ما يصير.
الطالب: يصير هذا.
الشيخ: لكن ما يلتحف؟ يبقى هكذا عاريًا؟
الطالب: في الصيف بعضهم ما يلتحف يا شيخ، يغلق على نفسه الغرفة.
الشيخ: إي، وإن أغلق على نفسه، ما يصلح هذا.
الطالب: طيب، ويش ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3206
الشيخ: وهذا خطر عليه من الجن؛ يعني ربما تعشقه جنية، نعم، وتطلب منه النكاح، وأنا شاهدت إنسانًا، يعني إنسان اتصل بنا، وقال: إنه تأتيه كل ليلة جنية وترغمه على أن يجامعها، كيف هذا ( ... )؟ ! أما لو أنه بقي عريانًا وأضفى على نفسه الرداء فلا بأس، والحمد لله إذا كان في شدة حر فهنا وسائل للتبريد مثل المكيف.
قد يقول: ما عندي مكيف.
الطالب: لا، عنده يا شيخ.
الشيخ: عنده، إذن ما له عذر.
انصحه، قل: هذا خطر عليه، ثم إنه جاء في حديث ليس بذاك القوي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتعرى الرجل بلا حاجة، وقال: «إِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» (5).
طالب: ( ... )؟
الشيخ: الصحيح أن الحيض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ» (6)، وكثير من السلف إذا سألته المرأة عن الحيض قال لها: ارجعي إلى النساء، فهن أعلم بذلك منا.
وفي القرآن الكريم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]، فمتى وُجِد هذا الأذى فهو حيض، حتى لو فرض بين حيضتين خمسة أيام فهو حيض.
طالب: ما نقول ( ... )؟
الشيخ: تعود على الأول؟
الطالب: تعود على الأول، وتحسب لها طلقة.
الشيخ: بقي له واحدة، تُحسب الطلقتان نعم.
الطالب: طيب، ما نقول إذا جامعها الزوج الثاني، هل تحسب من جديد؟
الشيخ: تبدأ من جديد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، إحنا ما ذكرنا هذا يا جماعة؟
الطالب: لا يا شيخ، أقصد إذا جامعها الزوج الثاني تحسب عليه من جديد، لا، لم يجامعها تحسب عليه؟
الشيخ: لا، أبدًا حتى لو جامعها، عندك في المتن يقول: (وطئها زوج غيره أو لا)، وبينا السبب في هذا، السبب من وجهين: أنه لا يمكن البناء فيما إذا كان الطلاق ثلاثًا؛ لأنك تبني على أي شيء، فلا بد من استئناف العدد، والثاني أنه إذا كان بعد الطلقة الثالثة، فإن جماع هذا الرجل اللي هو الزوج الثاني صار له أثر في تحليلها لزوجها الأول، فكان له أثر في ابتداء العدد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3207
طالب: وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي، فقال: كنت راجعتك، أو بدأها به فأنكرته فقولها.
فصل، إذا استوفى ما يملك من الطلاق حرمت عليه حتى يطأها زوج في قبل ولو مراهقًا، ويكفي تغييب الحشفة أو قدرها مع جب في فرجها مع انتشار، وإن لم يُنزل، ولا تحل بوطء دبر وشبهة وملك يمين ونكاح فاسد، ولا في حيض ونفاس وإحرام وصيام فرض.
ومن ادعت مطلقته المحرمة، وقد غابت نكاح من أحلها وانقضاء عدتها منه فله نكاحها إن صدقها وأمكن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
إذا ادعت المرأة المطلقة انقضاء عدتها فقد ذكرنا أنها على ثلاثة أقسام؟
طالب: القسم الأول: ( ... ) انقضاء عدتها في وقت لا يمكن أن تكون في العدة، فلا تسمع دعواها.
الشيخ: نعم.
الطالب: القسم الثاني: أن يكون الوقت الممكن انقضاء فيه العدة لا تسمح، فيقبل ..
الشيخ: أيشلون؟
الطالب: يمكن انقضاء عدتها في هذا الوقت بكثرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: فيُقبل قولها بدون بينة.
القسم الثالث: ألا يمكن انقضاء العدة في هذا الوقت إلا نادرًا، فلا يقبل إلا ببينة.
الشيخ: أسمعتم الآن؟ إذا ادَّعت انقضاء عدتها في زمن لا يمكن لم تسمع دعواها، وإن ادعته في زمن يمكن، لكنه نادر سُمعت دعواها، لكن لا تُقبل إلا ببينة، وإن ادعته في زمن يكثر أن تنتهي فيه فإنه يُقبل قولها بلا بينة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي فقال: كنت راجعتك)، فالقول قولها، إذا قالت: انقضت عدتي، فقال: قد راجعتك، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم المراجعة.
وهنا تعارض أصلان؛ الأصل الأول عدم انقضاء العدة، وعلى هذا الأصل يقتضي أن يكون القول قول من؟ الزوج ولَّا الزوجة؟
طلبة: الزوجة.
الشيخ: عدم انقضاء العدة؟ فيكون القول قول الزوج؛ لأن هي تدعي أنها انقضت، والأصل عدم انقضائها، فيكون القول قول الزوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 3208
والأصل الثاني اللي تعارض: أن الأصل عدم مراجعته، وقد قالت: إن عدتها انقضت، فيكون هذا الأصل الثاني واردًا على الأصل الأول السابق له، ولذلك كان القول قول المرأة.
وبالعكس: لو جاء إليها فقال: إني راجعتك، فقالت: انقضت العدة.
يقول المؤلف: إن القول قولها.
وهو كذلك، القول قولها؛ لأن الأصل عدم المراجعة.
وقيل في الثانية: إن القول قول الزوج؛ لأنه بادأها فقال: راجعتكِ، فثبتت الرجعة، وقالت هي: انقضت العدة، والأصل عدم ورود انقضاء العدة على مراجعته.
وهذا هو المذهب، ولكن القول الراجح أن القول قولها بكل حال؛ لأن الله تعالى فوَّض الأمر إليها فقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228]، فالصواب أن القول قولها.
فإن أتى ببينة أنه راجعها يوم السبت، وقد طهرت من الحيض يوم الأحد، فماذا يكون؟ تكون رجعت إليه أو لم ترجع؟ رجعت إليه؛ لأنه ثبت أنه راجعها قبل انقضاء العدة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (إذا استوفى ما يملك من الطلاق حرمت عليه حتى يطأها زوج في قُبل) إلى آخره.
(إذا استوفى) أي المطلِّق (ما يملك من الطلاق) ولم يقل الثلاث؛ لأن الرقيق لا يملك إلا طلقتين.
يعني فإذا طلق الرقيق مرتين، وطلق الحر ثلاثًا (حرمت عليه)، أي على المطلق؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾؛ يعني الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230].
الجزء: 2 - الصفحة: 3209
يقول: (حرمت عليه حتى يطأها زوج)، ولم يقل المؤلف: حتى تنكح زوجًا كما جاء في القرآن، ولو عبَّر به لكان أحسن؛ لأنه كلما أمكن أن تعبر بلفظ النص القرآني أو النبوي فهو أفضل بلا شك، لكن المعنى واحد؛ لأن قوله: (حتى يطأها زوج) لم يقل: حتى يطأها رجل.
لو قال: حتى يطأها رجل، لحلت بالزنا، إذا زنا بها رجل، لكن لما قال: (زوج) عرفنا أن هذا الوطء حلال.
وقول المؤلف رحمه الله: (زوج)، لا يمكن أن يكون زوجًا حتى يعقد عليها عقدًا صحيحًا بشروطه وأركانه.
إذن فلا بد أن يكون النكاح صحيحًا، وعلى هذا فلو وطئها من نكحها ليحلها للأول لم تحل للأول؛ لأن نكاح التحليل باطل، فلا تحل للأول.
مثال ذلك: رجل طلَّق زوجته ثلاث مرات، وكانت غالية عنده جدًّا، فقال لأحد أصحابه: يا فلان، طلقت زوجتي، وندمت ندمًا عظيمًا، وهي أم أولادي.
أريد منك أن تتزوجها، وأنا عليَّ المهر، وعليَّ جميع تكاليف النكاح، فإذا جامعتها فطلِّقها.
ففعل محتجًّا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (7). وقال: أتزوجها، يتزوجها ويطؤها ويطلقها معونة لأخيه.
هل تحل للأول أو لا تحل؟
طلبة: لا تحل.
الشيخ: لا تحل لا للأول ولا للثاني؛ أما الأول فلأن الثاني وطئها بعقد غير صحيح، وأما الثاني فلأن عقده غير صحيح ما تحل له؛ ولهذا جاء الحديث: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (8).
طيب، إذن لا بد أن يكون النكاح بعد استيفاء الثلاث أو الثنتين، لا بد أن يكون صحيحًا.
(يَطَأَهَا زَوْجٌ في قُبُل)، يعني لا في دبر؛ يعني لو تزوجت زوجًا بنكاح صحيح وجامعَهَا في الدبر، ثم طلقها، فإنها لا تحل للأول؛ لأن الدبر ليس مكانًا للوطء.
وقوله: (ولو مراهقًا) إشارة خلاف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا بد أن يكون الثاني بالغًا.
والمراهق من قارب البلوغ، ولكن القول الراجح كلام المؤلف.
الجزء: 2 - الصفحة: 3210
وعُلِم من قوله: (ولو مراهقًا)، أنه لو جامعها ابن عشر سنين مثلًا، تزوجت زوجًا له عشر سنوات وجامعها، ثم طلقها، فإنها لا تحل للأول؛ لأن هذا الجماع -أعني جماع الصغير- لا يحصل به تمام المودة والإِلْفة، فلا يؤثر شيئًا، والشارع له نظر حيث اشترط أن يطأها الزوج الثاني؛ لأنه بالوطء تتحقق المودة والمحبة.
هذه إذا جامعها صبي ليس معه إلا مثل الأصبع أو ما أشبه ذلك، ماذا يفيد؟ لا يفيد شيئًا.
إذن لا بد أن يكون إما مراهقًا وإما بالغًا.
قال: (ولو مراهقًا، ويكفي تغييب الحشفة أو قدرها).
(تغييب الحشفة) وهي معروفة: أعلى الذَّكَر، وهي الجزء اللين منه.
(أو قدرها) إذا كانت مقطوعة، فيُكتفى بقدرها مما بقي من الذكر.
(أو قدرها مع جَبٍّ) لأيش؟ للحشفة.
(في فرجها) هذا معنى قوله: (في قُبُل).
(مع انتشار)، انتشار الذَّكَر، يعني انتصابه.
(وإن لم يُنزل) وقوله: (وإن لم ينزل) إشارة خلاف لما سنذكره إن شاء الله.
طيب، السؤال الآن: ما هو الدليل على هذه الشروط؟ لأن الشروط قاسية؟
قلنا: الدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، فإن ﴿تَنْكِحَ﴾ في هذا الموضع خاصة بمعنى تطأ، يطؤها الزوج.
أما لفظ النكاح في غير هذا الموضع فالمراد به العقد.
انتبهوا لهذه الفائدة؛ لأن بعض العلماء رحمهم الله اضطربوا في مسألة النكاح، هل يطلق على العقد أو على الوطء، ولكن نقول: أما في القرآن فجميع ما فيه من لفظ (نكاح) يراد به العقد، إلا في هذا الموضع، في هذا الموضع يراد به الوطء؛ لأن العقد دل عليه قوله: ﴿زَوْجًا﴾، إذ لا يمكن أن يكون زوجًا إلا بعقد؛ ولهذا لو قيل: إن معنى النكاح هنا العقد، لكان معناه: حتى تتزوج زوجًا، وهذا لا فائدة فيه، فالمراد بالنكاح هنا الجماع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3211
اشترطنا أنه لا بد أن يكون النكاح صريحًا، من أين أُخذ؟ من قوله: ﴿زَوْجًا﴾؛ إذ لا يمكن ثبوت الزوجية حتى يصح العقد.
وعلى هذا لو زُوِّجت وهي مكرهة، ثم طلقها الزوج فإنها لا تحل للأول، لا تحل للأول؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لأن النكاح غير صحيح.
طيب، أين الدليل على شرط الانتشار؟
الدليل حديث امرأة رفاعة القرظي، أن زوجها رفاعة طلقها آخر تطليقات، ثم تزوجت بعده رجلًا يسمى عبد الرحمن بن الزَّبِير، ولكنه لا يستطيع الجماع، ذَكَرُه لا ينتشر، فجاءت المرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته، وقالت: يا رسول الله، إن زوجي رفاعة طلَّقني فبتَّ طلاقي، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير يا رسول الله، ولكن ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، تقول كذا بثوبها، يعني أيش؟
طالب: لا ينتشر.
الشيخ: صريحة، ما فيها، يعني لا يقوم ذَكَرُه.
فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (9)، يعني حتى يكون الجماع عن انتشار؛ لأن هذا الذي مثل هدبة الثوب ما يمكن يجامِع.
اختلف العلماء في قوله: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ»، هل يشترط الإنزال؛ لأن به تمام ذوْق العسيلة، أو يكفي الجِماع؟ فالمؤلف أشار إلى هذا الخلاف بقوله أيش؟ (وإن لم يُنزل)، والظاهر أن الإنزال ليس بشرط، وأنه متى ذاقت العُسيلة ثبت الحِل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (10)، فهذا هو القول الراجح.
ولكن متى يكون الطلاق ثلاثًا؟ إذا قال: أنتِ طالق، ثم راجع، أو انقضتِ العدة وتزوج من جديد، ثم قال: أنتِ طالق، ثم راجع، أو تزوج من جديد؛ انتهت العدة، ثم قال: أنتِ طالق.
حينئذٍ لا تحل له.
الجزء: 2 - الصفحة: 3212
أما لو قال: أنتِ طالق ثلاثًا، فهي واحدة.
أو قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، فهي واحدة.
أو قال اليوم: أنتِ طالق، وبعد عشرة أيام قال: أنتِ طالق، ثم قال بعد عشرة أيام أيضًا: أنتِ طالق، فهي واحدة؛ لأنه لا يمكن أن يقع الطلاق إلا على زوجة، والمطلقة غير زوجة، ولأن الطلاق الثاني الذي حصل به التكرار طلاق لغير العدة؛ لأنها لا تستأنف العدة به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
وهذا الذي قررته اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن أكثر العلماء على خلافه، وأن قوله: أنتِ طالق ثلاثًا، أو أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، أو: أنتِ طالق اليوم، ثم بعدئذٍ بعد يوم أو يومين يقول: أنتِ طالق، وبعد يوم أو يومين يقول: أنتِ طالق؛ فإنه يكون ثلاثًا، هذا الذي عليه الجمهور.
سند القول الأول أنه واحدة: حديث عبد الله بن عباس: كان الطلاق الثلاث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فلما تتايع الناس في الطلاق الثلاث، وهو مُحرَّم، قال عمر رضي الله عنه: أرى الناس قد تعجَّلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (11).
إذن فحرمان الزوج من الرجعة فيما إذا طلق ثلاثًا بلفظ واحد، أو بألفاظ متعاقبة كان من سياسة عمر رضي الله عنه حتى يرتدع الناس، ولا يُطلِّقوا هذا الطلاق المحرَّم.
فهل نقول: إنه يُشرع لنا إذا كثر الطلاق الثلاث في الناس أن نُلزمهم به؟ الظاهر نعم؛ لنكون بذلك أخذنا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسُنة الخلفاء الراشدين؛ ولهذا من طريقتي أنا أنه إذا جاءني رجل، وقال: إنه طلق زوجته ثلاثًا لأول مرة، أردها عليه، أقول: راجعها وهي زوجتك، فإذا جاء المرة الثانية وقال: طلقتها ثلاثًا أو الثالثة، فأمنعه؛ اتباعًا لسنة عمر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3213
وبعض المفتين الذين يرون أن الثلاث واحدة لا يبالون، سواء كثر ذلك في الناس أم لم يكثر، لكن إذا رأينا من المصلحة أن نلزمهم به بحيث يرتدعون عنه كان هذا من السياسة العادلة التي ساس بها عمر بن الخطاب رعيته رضي الله عنه.
يقول: (مع انتشار وإن لم ينزل).
(ولا تحل بوطء دبر)، لأنه لا بد أن يكون الوطء في الفرج.
(وشُبهة)، نعم، لو أن رجلًا جامَعَ زوجةً مطلقة ثلاثًا بشُبهة؛ يعني أنه دخل حُجرة نومه، ووجد على فراشه امرأة، وكان في شدة الشوق إلى الجماع، فبادر وجامَع، وهي لعلها أيضًا إما نائمة أو موافِقة، وحصل جماع تام، فهل تحل للأول؟
طلبة: لا تحل.
الشيخ: يا جماعة، ذاق عسيلتها وذاقت عسيلته، اللهم اهدهم، نعم، لكنه ليس بزوج.
وهذا الذي يذكره الفقهاء رحمهم الله هو شيء نادر، يعني الإنسان يقول: إن هذا غير ممكن، إنسان يأتي لامرأة ويجامعها وهو ما يدري هي زوجته ولَّا غيرها! ! لكن على كل حال هو عقلًا ليس بمستحل، يمكن.
(ولا تحل) كذلك (بوطء ملك يمين)، كيف (بوطء ملك يمين)؟
نعم، لو كانت هذه المرأة المطلقة ثلاثًا، لو كانت أمة، والأمة يجوز أن تتزوج من غير سيدها، كانت أمة، فطلقها زوجها ثلاث مرات، ثم اشتراها رجل وجامعها بملك اليمين، ثم إن زوجها الأول أتى إلى سيدها وقال: إنه طلق هذه الأمة ثلاثًا، ولا تحل له إلا بعد زوج، ولكن -يقول الزوج الأول- يقول: ولكن أنا سأعطيك مئة ألف ريال.
الأمة هذه لو تباع تساوي عشرة آلاف، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
طالب: يمكن.
طالب آخر: ما يمكن.
الشيخ: يمكن، سيدها يقول: لن أبيعها ولا بمليون، أنا ما أنا ببايعها، وهذا الرجل الزوج الأول مشغوف بها، ولاحظوا أن الإماء فيما مضى من أجمل النساء؛ لأنهن بنات فارس والروم، جميلات جدًّا، فيمكن أن تصل إلى شغاف قلبه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3214
المهم انظروا المثال: رجل كان قد تزوج أمة، ثم طلقها كم؟ ثلاثًا، ثم اشتراها رجل، وجامعها بملك اليمين، ثم إن زوجها الأول أتى إلى سيدها وقال له: زوِّجْنيها، أُعطك المال الكثير، فهل تحل للزوج الأول؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأن الوطء ( ... ).
الشيخ: نعم، لأن الوطء حصل بملك اليمين، والله عز وجل يقول: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، ما قال: أو من يملكها ( ... )
طالب: بالنسبة للأمة، بكم طلقة تبين من زوجها بينونة كبرى؟
الشيخ: العِبرة بالزوج، ما هو بالزوجة، فالحر يملك ثلاث طلقات من الأمة، والعبد طلقتين من الحرة.
طالب: ( ... ) زوج أرسل لوالده وكالة بطلاق زوجته، وجاء القاضي وقال للوالد: قل ( ... ) إنه طلق هذه الزوجة طلاقًا ثلاثًا طلاقًا بائنًا، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وانتهى الأمر، ثم أراد الزوج أن يراجع، فهل هذا الكلام مكرر؟
الشيخ: سمعتم كلامه؟ يقول: رجل وكل أباه في طلاق زوجته، فجاء الأب عند القاضي وقال: اكتب ثلاث طلقات، فكتب، فهل يصح هذا أو لا؟ الجواب: لا يصح؛ لأن من وُكِّل على سبيل الإطلاق لم يملك أكثر من واحدة، فهو لا يملك الطلاق الثلاث.
هذه واحدة، وحتى لو قال له: طلِّقها ولو ثلاثًا فطلَّقها ثلاثًا، فالقول الراجح أن الطلاق الثلاث واحدة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل تحل لزوجها الأول إذا بانت منه بملك يمين، بمن يشتريها ( ... )؟
الشيخ: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، لن تحل له، ما قال بملك يمين ولا بنكاح، ما تحل أبدًا حتى تنكح زوجًا غيره.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، أشكل عليَّ حديث «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (9). مع أن ظاهر الحديث أنه صدقها في أن عبد الرحمن معه هدبة كهدبة الثوب، فكيف يجامعها وهو معه هدبة كهدبة الثوب؟ الشيخ: ما جامعها، من قال لك: جامعها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3215
الطالب: إذن كيف قال لها: «لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ».
الشيخ: إي، لأنه ربما أنه يفتر الإنسان عن النكاح في وقت، وينشط عليه في وقت آخر، أليس كذلك؟
طالب: رجل عقد له عقد على أن يتزوج امرأة.
الشيخ: رجل.
الطالب: عُقد له عقد.
الشيخ: عُقد له عقد.
الطالب: حتى يتزوج امرأة ويحللها.
الشيخ: أيش؟
الطالب: حتى يتزوج امرأة.
الشيخ: حقيقة.
طالب: حتى يتزوج امرأة.
طالب آخر: محلل.
الشيخ: أيشلون؟ ما فهمتكم؟
طالب: أن يكون محللًا لامرأة، يكون محللًا.
الشيخ: رجل تزوج من مطلقة ثلاث؟
طالب: حتى يحللها للزوج الآخر، وبعد ذلك أعجبته.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) استمرت الحياة بينهما.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل النكاح يكون صحيحًا ولَّا .. ؟
الشيخ: لا، غير صحيح، ما دام نوى، أو شرط أنه للتحليل فليس بصحيح.
طالب: لو زُوجت امرأة برجل لا تريده، وليها حاول أن ترضى به فرضيت، أو ربما كانت ( ... ) للإكراه؟
الشيخ: الإكراه أن يزوجها من لا ترضى، أو من علم أنها رضيت خجلًا وحياء، حتى لو علم الولي أنها رضيت خجلًا وحياءً فلا يجوز أن يزوجها، لا بد أن يكون النكاح عن اقتناع.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، رجل يريد أن يحل زوجًا لأخيه بعد ما طلقها ثلاثًا، رجل طلق زوجته ثلاثًا، فجاء أحد الأصدقاء، وأراد أن يحلها له بدون اتفاق مع الزوج ولا بالمرأة ( ... ) وبين الرجل فتزوجها وطلقها بدون اتفاق لا من قِبل الزوجة، ولا من قِبل زوجها، هل هذا يجوز للزوج الثاني أو لا؟
الشيخ: لا تحل، النكاح غير صحيح.
الطالب: لم يتفق مع زوجها.
الشيخ: اتفق مع وليها.
الطالب: لم يتفق مع وليها.
الشيخ: كيف؟
الطالب: هو ( ... ).
الشيخ: نوى يعني نوى بقلبه، إي نعم.
الطالب: هل يقبل ( ... )؟
الشيخ: هل تعرف عمر بن الخطاب؟
الطالب: نعم، أعرفه.
الشيخ: تعرفه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ماذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في النية؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3216
الطالب: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (12) يا شيخ.
الشيخ: وهذا؟ أجب؟
الطالب: بنيته.
الشيخ: انتهى، يعني إذا نواه بلا شرط فكما لو شرط ( ... )
يقول: إذا نوت الزوجة دون الزوج والولي، إذا نوت الزوجة التحليل؛ يعني هي وافقت أن يتزوجها الزوج الثاني لأجل أن يُحلِّلها للأول، لكن الزوج الثاني ما عنده نية، والولي ما عنده نية، ولكنها هي التي نوت، فهل يكون نكاح تحليل أو لا؟ يرى بعض العلماء أنه لا يكون نكاح تحليل؛ لأن المرأة ليس بيدها الفُرقة.
من الذي بيده الفرقة؟ الزوج، الزوج الآن ما على باله أنه نكاح تحليل، بل هو نكاح رغبة، فلا أثر لنيتها؛ ولهذا ذكروا ضابطًا، قالوا: من لا فُرقة بيده لا أثر لنيته.
الزوجة لا فُرقة بيدها، ووليها لا فُرقة بيده، من الذي بيده الفرقة؟ الزوج، ولكن الصحيح أنها لا تحل للأول؛ لأنه وإن كانت الفرقة بيد الزوج الثاني، لكن كونها تنوي أنها تريد التحليل، ربما إذا حصل النكاح تسيء العِشرة مع الزوج الثاني، وتغريه بالمال حتى يطلق، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وهذا واقع، هذه امرأة غنية كبيرة، طلَّقها زوجها الأول ثلاث مرات، ولم يأتها أحد، جاءها رجل لينكحها نكاح رغبة، وهي أضمرت بنفسها أنه متى حلَّلها للأول فارقته.
طيب، تزوجها الثاني، ونيتها أن ترجع للأول، فساءت تسيء العشرة، إذا قال: اطبخي الطعام، زينت الشاهي، ولو قال: زيني الشاهي طبخت الطعام.
وإذا قال: الطعام زائد ملحه، أزادت الملح، وهكذا.
طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الرجعة: ومن ادعت مطلقته المحرمة، وقد غابت نكاح من أحلها وانقضاء عدتها منه فله نكاحها إن صدقها وأمكن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3217
سبق لنا أن الرجل إذا طلق زوجته، واستوفى ما يملك من الطلاق؛ إما ثلاثًا إن كان حُرًّا أو اثنتين إن كان رقيقًا، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، وبشرط أن يجامعها، وبشرط أن يكون عن انتشار، وبشرط أن يُنزل على رأي بعض العلماء، والصحيح أنه ليس بشرط؛ لأن الوطء تحصل به العُسيلة.
وذكر المؤلف رحمه الله: أنها لا تحل للأول بوطء دبر؛ لأن العسيلة لا تُذاق به؛ ولأنه وطء محرم لا يحل بأي وجه من الوجوه.
(ولا وطء شبهة)، شُبهة عقد أو اعتقاد؟ شبهة عقد أو اعتقاد، وقد مثَّلنا لشبهة الاعتقاد بأن يجد الإنسان امرأة على فراشه فيجامعها يظنها زوجته ولم تكن.
أو عقد بأن يعقد عليها عقدًا يتبين بعد ذلك بطلانه، كأن يعقد عليها، ثم يتبين أنها أخته من الرضاع، فإنها لا تحل للزوج الأول.
(ملك يمين)، لو أنه ملك هذه الزوجة المطلقة ثلاثًا، ثم جامعها لم تحل للأول.
(ونكاح فاسد)، النكاح الفاسد هو الذي اختلف العلماء في بطلانه، كالنكاح بلا ولي أو بلا شهود، ونكاح من رضعت ثلاث رضعات، والنكاح في إحرام، وأمثلة هذا كثيرة.
والباطل: ما أجمع العلماء على فساده، كنكاح ذوات المحارم، والنكاح في العدة، فإن ذلك مجمع على فساده.
قال: (ولا في حيض ونِفاس)، يعني ولا تحل بوطء في حيض ونفاس، يعني لو أن إنسانًا تزوج امرأة مُطلَّقة ثلاثًا بعقد صحيح، ثم جامعها وهي حائض، ثم طلقها؛ فإنها لا تحل للأول، وعللوا ذلك بأن هذا الوطء حرام، والحرام باطل؛ فيبطل ما يترتب عليه.
وقال بعض أهل العلم: بل تحل بوطء الحيض؛ وذلك لأنها تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها، وكون الوطء محرمًا لا يمنع مما اشترطه الشارع، وهو أن تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها، والنفاس مثله.
(وإحرام)، يعني ولا تحل بوطء حال إحرام، مثل أن يتزوج المطلقة ثلاثًا ويجامعها وهو مُحرِم أو هي محرمة أو هما محرمان، ثم يُطلقها بعد ذلك فإنها لا تحل للأول.
لماذا؟ لأن هذا الطلاق محرم، والمحرم لا يترتب عليه أثره.
الجزء: 2 - الصفحة: 3218
(وصيام فرض)؛ لأن الوطء في صيام الفرض حرام، فإن كان صيام نفل فإنها تحل؛ لأن وطء الزوج امرأته في صيام النفل ليس حرامًا، إذ إن النفل يجوز أن يقطعه الرجل ويبطله، فإبطال صوم المرأة النفل جائز، لا سيما إن رغبت وأذِنت في ذلك، وإن لم ترغب ولم تأذن فإن كان قد أذن لها أن تصوم حرم عليه أن يفسد صومها، لا لحق الله ولكن لحقها هي، وإن لم يأذن لها فله أن يُبطل صومها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (13).
الخلاصة الآن: إذا كان الوطء محرمًا لزَمَنِه أو مكانه أو حاله فإنه لا يحلها للزوج الأول؛ هذه القاعدة.
(وإن ادعت مطلقته المحرمة وقد غابت نكاح من أحلها وانقضاء عدتها منه فله نكاحها)، لكن بشرطين (إن صدقها وأمكن).
صورة المسألة: رجل طلَّق زوجته ثلاثًا وسافرت الزوجة أو هو سافر، وبعد الرجوع من السفر قالت: إنها تزوجت برجل بنكاح صحيح، وجامعها وطلَّقها، وانقضت عدتها، فهل يجوز أن يتزوجها؟ نقول: يجوز بشرطين: الشرط الأول: أن يُصدِّقها، والثاني: أن يُمكن ذلك.
وكلمة (أن يصدقها)، هل له أن يصدقها، وإن كانت ممن لا يوثق بخبرها؟ لا، يعني إذا صدقها، وهي محل للتصديق، أما إذا كان لا يوثق بها فإنه لا يجوز أن يصدقها.
مثال ذلك: رجل طلَّق زوجته آخر ثلاث تطليقات، ثم غابت، ذهبت إلى أهلها في بلد آخر، وبعد مضي ثلاثة أشهر جاءت إلى زوجها الأول وقالت: إنها تزوجت برجل آخر وجامعها وطلقها، هل يصدقها أو لا؟
طالب: لا يصدقها.
الشيخ: ليش؟
طالب: ما يمكن.
طالب آخر: ما يلزم أن يصدقها.
الشيخ: ما يمكن؟ ألا يمكن أن تنقضي العدة بثلاثة أشهر؟
طالب: يمكن.
الجزء: 2 - الصفحة: 3219
الشيخ: إذن ليش ما يصدقها؟ نقول: نعم؛ لأنها إذا انقضت عدة الأول لزمتها عدة للثاني، الثاني جامعها، أعلمتم؟ بخلاف ما لو قالت: انقضت عدتي منك؛ هذا يُقبل قولها، لكن أنها انقضت عدتها من زوجها الأول، ثم تزوجت آخر فإنها لا تُصدَّق.
لكن لو أتت ببينة تُقبل أو لا تُقبل؟ تقبل؛ لأننا إذا قدرنا أنها انتهت عدتها من الأول بشهر ونصف، ثم تزوجها الثاني، وجامعها يومًا واحدًا، ثم طلقها، وانقضت عدتها منه بشهر وأربعة عشر يومًا، يمكن أو لا يمكن؟ يمكن، وحينئذٍ نقول: إذا أتت ببينة بأنها انقضت عدتها من الأول وتزوجت بآخر وجامعها، ثم طلقها، وأتمت العدة قُبِلت.
وإن كان بعد مضي شهرين؟ لا تُقبل، بل ولا تسمع؛ يعني إذا ادعت بأقل من تسعة وعشرين يومًا ولحظة لم تسمع دعواها.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كتاب الإيلاء) ..
الجزء: 2 - الصفحة: 3220
(كتابُ الإيلاءِ)
وهو حَلِفُ زَوْجٍ باللهِ تعالى أو صِفَتِه على تَرْكِ وَطْءِ زَوجتِه في قُبُلِها أَكْثَرَ من أربعةِ أَشهُرٍ، ويَصِحُّ من كافرٍ وقِنٍّ ومُمَيِّزٍ وغَضبانَ وسكرانَ ومَريضٍ مَرْجُوٍّ بُرْؤُهُ ومِمَّنْ لم يَدْخُلْ بها، لا من مَجنونٍ ومُغْمًى عليه وعاجِزٍ عن وَطْءٍ لِجُبٍّ كاملٍ أو شَلَلٍ، فإذا قالَ: واللهِ لا وَطِئْتُكِ أبدًا.
أو عَيَّنَ مُدَّةً تَزيدُ على أربعةِ أَشهُرٍ أو حتى يَنْزِلَ عِيسَى أو يَخرُجَ الدَّجَّالُ أو حتى تَشْرَبِي الخمْرَ أو تُسْقِطِي دَيْنَك أو تَهَبِي مالَك ونحوَه فمول، فإذا مَضَى أربعةُ أَشْهُرٍ من يَمينِه ولو قِنًّا فإنْ وَطِئَ ولو بتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ فقد فَاءَ، وإلا أُمِرَ بالطلاقِ، فإن أَبَى طَلَّقَ حاكمٌ عليه واحدةً أو ثلاثًا أو فَسَخَ، وإن وَطِئَ في الدُّبُرِ أو دونَ الفرْجِ فما فاءَ، وإن ادَّعَى بقاءَ الْمُدَّةِ أو أنه وَطِئَها وهي ثَيِّبٌ صُدِّقَ مع يَمينِه، وإن كانت بِكْرًا أو ادَّعَت البَكارةَ وشَهِدَ بذلك امرأةٌ عَدْلٌ صُدِّقَتْ، وإن تَرَكَ وَطْأَها؛ إضرارًا بها بلا يَمينٍ ولا عذْرٍ فكمولٍ.
مدخل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الحجاوي موسى بن سالم رحمه الله في كتابه زاد المستقنع في اختصار المقنع: قال: ﴿كتاب الإيلاء﴾، الإيلاء يعني الحلف، والأليَّة: الحلفة، وقال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] يعني انتظار أربعة أشهر هل يرجع أو لا يرجع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3221
الإيلاء شرعًا يقول: (هو حلف زوج بالله، أو صفته، على ترك وطء زوجته في قُبُلها أكثر من أربعة أشهر): (حلف زوج) فلا يصح الإيلاء إلا من زوج، فلو أن رجلًا حلف ألا يجامع هذه المرأة لمدة سنة، ثم قدر الله أن تزوجها، فهل يكون موليًا؟ الجواب لا، كما أن الرجل لو قال لامرأة: أنت علي كظهر أمي، وهو لم يتزوجها، ثم تزوجها، لم يكن مظاهرًا؛ لأنه ليس بزوج.
دليل هذا قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226]، ولا تكون المرأة من نسائه إلا إذا تزوجها، وقال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] ولا تكون المرأة من نسائه إلا إذا تزوجها.
بالله أو صفة من صفاته: بالله يعني بكل اسم من أسماء الله، سواء كان بهذا اللفظ (الله) أو بغيره، فإذا قال: والعزيز الحكيم لا أطأ امرأتي لمدة سنة فهو مول، وإذا قال: والرحمن الرحيم لا أطأ زوجتي لمدة سنة فهو مول.
أو صفة من صفاته: مثل أن يقول: ووجه الله لا أطأ زوجتي لمدة أربعة أشهر، لمدة أكثر من أربعة أشهر، فهو مول، أو قال: وعزة الله وقدرة الله وما أشبه ذلك، فهو مول، فصار الحلف بالله أو باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته هذا هو الإيلاء.
قال: (على ترك وطء زوجته) كلمة وطء تخرج المباشرة بغير الوطء، فلو قال: والله لا أباشر زوجتي لمدة ستة أشهر، ونيته المباشرة دون الفرج، فليس بمول؛ لأن لا بد أن يحلف على ترك الوطء.
وقول: (زوجته) احترازًا مما لو حلف على ترك وطء أمته، فإن ذلك لا يسمى إيلاء.
طيب إذا لم يسم إيلاء فماذا نسميه؟ نسميه يمينًا، لكننا لا نرتب عليه أحكام الإيلاء، وإنما نرتب عليه أنه إذا حنِث كفَّرَ.
(في قبلها) هل نقول: إن هذا قيد أو بيان للواقع؟
طالب: قيد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3222
الشيخ: قيد؛ لأنه قد يحلف على ألا يطأها في دبرها، فإذا حلف ألا يطأها في دبرها لمدة سنة فليس بمول؛ لأنه إنما حلف على أمر واجب فإنه يحرم على الإنسان أن يطأ زوجته في دبرها.
(أكثر من أربعة أشهر) وأربعة فما دون ليس بمول؛ لأن الله تعالى جعل للمولي رخصة في خلال أربعة أشهر فقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226]، فإذا حلف ألا يطأ زوجته لمدة أربعة أشهر فليس بمول، لكنه حالف، فإذا وطأ كفر كفارة يمين، إلا أنه لا يثبت له حكم الإيلاء، لا نقول له: نضرب لك مدة أربعة أشهر، فإن فئت ورجعت إلى زوجتك وإلا طلقنا عليك.
من يصح منه الإيلاء
ثم قال: (ويصح من كافر، وقن، ومميز، وغضبان، وسكران، ومريض مرجو برؤه، وممن لم يدخل بها) هذه مسائل متعددة، يصح من كافر، فإذا حلف اليهودي أو النصراني على ألا يطأ زوجته لمدة ستة أشهر، وحاكمته إلينا، حكمنا بأنه مول ( ... ) له إما أن تطأ قبل أربعة أشهر وإلا طلقنا عليك.
يصح أيضًا من قن: من هو القن؟ العبد المملوك، فإذا صار بين العبد المملوك وزوجته مشكلة، والعبد يقولون: إنه سريع الغضب، وقال لها: والله ما أطؤك لمدة ستة أشهر فهو أيش؟ مول؛ لأن عموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] تشمل الكافر والرقيق.
(ومميز) يعني لا بالغ، أجيبوا؟ ومميز أي لا بالغ.
طلبة: نعم.
الشيخ: غلط يا جماعة.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: (ومميز) أي لا من دون التمييز، أما البالغ فمن باب أولى؛ لأن البالغ مميز وزيادة ولا إشكال فيه، الإشكال في زوج له ثمان سنوات، وزوجته تبكته يومًا من الأيام لأنه صغير، لما تبكته غضب قال: والله لا أجامعك لمدة ستة أشهر، يصح الإيلاء ولا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3223
الشيخ: لا، يصح المؤلف بيقول: (ومميز) ووجه صحته من المميز أن المميز يصح طلاقه، ومن صح طلاقه صح إيلاؤه؛ لأن الطلاق أشد من الإيلاء، فإذا صح الطلاق من المميز صح منه الإيلاء.
وقال بعض أهل العلم: إن المميز لا يصح منه الإيلاء؛ لأنه لا يصح منه الحلف؛ إذ لا يمين له، فهو غير مكلف، ولكن المشهور من المذهب أنه يصح الإيلاء من المميز كالحلف.
(وغضبان) يعني يصح الإيلاء من الغضبان، كيف من الغضبان؟ نعم، كثيرًا ما يقع، يتنازع هو وزوجته ثم يحلف ألا يجامعها لمدة سنة، أو يقول: والله ما أنام معك على فراش لمدة سنة، هذا غضبان يصح منه الإيلاء، ولكن يجب أن نعلم أن الغضب ثلاثة أقسام: الغاية في الارتفاع، والغاية في الدنو، والوسط، الغاية في الدنو تترتب عليها الأحكام، ولا خلاف في هذا؛ كرجل غضب غضًبا يسيرًا بكامل عقله وقواه أثر فعلاً أو قولًا، فهذا قوله أو فعله معتبر، السبب لأنه هو وغير الغضبان سواء؛ لأن غضبه يسير، ويملك نفسه تمامًا، فينفذ، تنفذ أقواله وأفعاله، فلو أن الإنسان غضب مع زوجته غضبًا يسيرًا، أي غضبًا باردًا، وطلقها، فإنه يقع طلاقه ولا إشكال، أو غضب ووقف شيئًا من ملكه أو أعتق أحدًا من عبيده، لكنه غضب بارد يسير؛ فإن عمله ينفذ، ولا إشكال في هذا.
الثاني غضب في غاية أيش؟
طلبة: الارتفاع.
الشيخ: نعم، يعني غضبه في غاية الارتفاع بحيث لا يعلم الإنسان ما يقول ولا يدري أقال أم لم يقل، ولا يدري أفي الصيف هو أم في الشتاء، ولا يدري أفي الأرض أم في السماء، مرض فقد عقله، فهذا لا حكم لقوله ولا لفعله بالاتفاق، حتى الطلاق؟ نعم حتى الطلاق، حتى الإيلاء، حتى الظهار، بل حتى الكفر لا حكم لقوله إطلاقًا، لماذا؟ لأنه فاقد العقل، لا يملك التصرف أبدًا، تسأله وتقول: قلت كذا؟ قال: أبدًا ما قلت ( ... ) القول، وأما الفعل فيعامل معاملة المجنون.
الجزء: 2 - الصفحة: 3224
( ... ) الوسط ليس غضبًا باردًا ولا حارًّا، يدري ما يقول، لكن مضغوط عليه في الغضب، كأن أحدًا أكرهه، فهذا محل خلاف بين العلماء، منهم من يقول: إن قوله نافذ وعمله نافذ كغير الغضبان، وهذا هو المشهور من المذهب، وعلى هذا فإذا طلق الرجل زوجته وهو غضبان لكنه يملك نفسه فالطلاق يقع.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يقع الطلاق في هذه الحال؛ لأنه كالمكره عليه، فإن بعض الناس إذا غضب يكون كالمكره على أن يقول أو يفعل، ولهذا ربما يلعن والديه أو نحو ذلك فيندم سريعًا، نعم أنا بشعوري وأعقل لكن غصبًا علي، فهذا على القول الراجح لا حكم لقوله؛ دليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (1)، إغلاق يعني: تضييق على الإنسان.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف في الإيلاء، يقول: إنه يصح من الغضبان، وهل هذا على إطلاقه؟ الجواب: لا، الغضب المنتهي اللي هو غاية الغضب لا يقع به الإيلاء مطلقًا على كل قول، وقد حكى الاتفاق عليه ابن القيم في كتابه المعروف إغاثة اللهفان في عدم وقوع طلاق الغضبان قال: هذا متفق عليه؛ إذا كان الإنسان مغمى عليه ما يدري ما يقول، فهذا لا يقع طلاقه ولا إيلاؤه ولا ظهاره.
إذا كان في أول الغضب يقع أو لا يقع؟ في أول الغضب يقع؟
طلبة: نعم، يقع.
الشيخ: نعم يقع؛ لأن هذا غضب بارد لا يثير الإنسان إذا كان وسطًا بينهما؟
طلبة: فيه خلاف.
الشيخ: ففيه خلاف على ما ذهب إليه المؤلف.
طلبة: يقع.
الشيخ: يقع، وعلى القول الراجح لا يقع.
قال: (وسكران) السكران هو الذي شرب الخمر.
والسكر: التغطية، ومنه قول الناس: سكر الباب، يعني سكه، يعني أغلقه، فالسكران هو ذهاب العقل على وجه اللذة والطرب، يعني الذي شرب المسكر فهذا رجل شرب مسكرًا، ومعلوم أن الإنسان إذا سكر صار بمنزلة المجانين تمامًا، فسكر الرجل وفي أثناء هذيانه قال: والله لا أجامع زوجتي لمدة ستة أشهر، هل يقع الإيلاء أو لا يقع؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3225
المؤلف صرح بأنه يقع، والصحيح أنه لا يقع؛ لأن السكران ليس عنده عقل، هو بمنزلة المجانين، فكيف يمضي إيلاؤه مع أن في الإيلاء ضررًا على من؟
طلبة: الزوجة.
الشيخ: على الزوجة، فالصحيح أن السكران لا يقع طلاقه ولا إيلاؤه ولا ظهاره ولا أي شيء من أقواله، السكران مجنون، ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم في أن طلاق السكران لا يقع (2)، وكذلك إيلاؤه، وأيهما أولى أن نقول: بالوقوع أو بعدم الوقوع؟ الأول؛ عدم الوقوع:
أولًا: لأن هذا لا يعقل، فهو بمنزلة المجنون.
ثانيًا: أن الأصل بقاء النكاح، ونحن عندنا شك في صحة إرادة السكران، وإذا شككنا فالأصل إلغاء الشك والبناء على اليقين.
ثالثًا: أن الأمر كما قال الإمام أحمد رحمه الله: كنت أقول بوقوع طلاق السكران حتى تبينته، أي حتى تبين لي فرأيت أني إذا قلت بوقوع طلاقه أتيت خصلتين حرمتها على زوجها وأبحتها لغيره وإذا قلت بعدم وقوع طلاقه أتيت خصلة واحدة، وهي أني أحللتها لزوجها الذي كان طلقها، هذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد في الرواية هو الصحيح؛ أن السكران لا يقع طلاقه، لكن لو قال قائل: لماذا لا نوقع الطلاق عليه تأديبًا له؛ لأن بعض الناس يقول: اجلدوه ألف جلدة ولا تفرقوا بينه وبين زوجته، فالتفريق بينه وبين زوجته أشد ردعًا، أفلا يمكن أن نقول بوقوع طلاق السكران ردعًا له وأمثاله؟ فالجواب: لا، لا نقول هذا؛ لأن الخمر له عقوبة معروفة، وهي الجلد، فكيف نزيد على العقوبة بشيء آخر، هذا وجه، الوجه الثاني: إذا قلنا بوقوع طلاقه صار في هذا ضرر على غيره، على من؟
طلبة: الزوجة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3226
الشيخ: على الزوجة، وربما تكون ذات أولاد، فيكون فيه ضرر على الزوجة وتفكك العائلة، وقد تكون هذه الطلقة هي الأخيرة فلا تحل لزوجها.
فالصواب أنه لا يقع طلاق السكران متى ثبت أنه سكر، لكن مع ذلك من حيث التربية والإفتاء لا ينبغي أن تجعل المسألة خبزة مدهونة رقيقة لينة بمجرد ما يأتيك السكران الذي عيونه حمراء كبُسرة الحلوة، تعرفون بسرة الحلوة؟ البلح الأحمر يأتيك عينه حمراء من السكر، ويقول: إنه طلق زوجته، تقول: والله القول الراجح أن السكران ما عليه طلاق، يروح يسكر تاني ويطلق تاني، لا ينبغي هذا، عذِّب هذا حتى كما يقول العوام- حتى يرى النجوم في النهار، ثم بعد ذلك أفته.
إذا جاءك مثلًا يستفتي، يعني أنا أستعمل معه، اذهب إلى المحكمة، قال: المحكمة مشغولة وكذا وكذا، انتظر حتى نراجع، خليه يروح، وأعده بعد يومين ثلاثة أربعة، فإذا جاء في الرابع أقول له: ما حصل؟ وصحيح أنا أريد شيئًا معينًا ولا حصل، وهذا يسمى تأويلًا، اذهب بعد عشرين يومًا حتى نخليه يمل الحياة، فإذا تعب نقول له: تعال تعاهدنا ألا تعود لشرب الخمر، إذا قال: نعم أعاهدك، حينئذ نفتيه بما نراه، أما من أراد أن يقلد المذهب فماذا يقول؟
يقول: خلاص الزوجة طلقت، فإن كانت هذه الثالثة حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وإن كانت الثانية أو الأولى فراجع إن كانت في العدة.
قال: (وسكران، ومريض مرجو برؤه) يصح أيضا الإيلاء من مريض مرجو برؤه؛ كالزكام والصداع اليسير وما أشبه ذلك؛ لأن المريض المرجو برؤه كالصحيح تمامًا في كل تصرفاته.
(وممن لم يدخل بها) يعني لو أن إنسانًا تزوج امرأة عقد عليها، صادفه بعض أصحابه قال: ما شاء الله، تزوجت، سوف تفرح الليلة وتستأنس، قال: والله لا أطؤها إلا بعد ستة أشهر عنادًا لك، هذه تقع من بعض السفهاء، نحن نقول شيئًا واقعًا، هل يصح إيلاؤه وهو لم يدخل بها أو لا؟
طلبة: يصح إيلاؤه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3227
الشيخ: يصح إيلاؤه، وإن لم يدخل بها؛ لأنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226]، ولهذا لو ماتت ورثها ولو مات ورثته.
(لا من مجنون) المجنون لا يصح إيلاؤه كما لا تصح جميع أقواله، لو أن المجنون كان يهذي ويقول يحب الخير قال: جميع أملاكي التي في البلد الفلاني وقف، ونحن نعرف أن الرجل يحب الخير دائمًا قبل أن يجن، صاحب خير، قال جميع أملاكي التي في البلد الفلاني وقف، يصح الوقف؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن المجنون ليس له قصد وليس عنده عقل، هذا المجنون حصل بينه وبين زوجته شيء من سوء التفاهم، قال: والله لا أجامعك لمدة ستة أشهر، ماذا نقول؟ ينعقد يمينه ولَّا ما ينعقد؟
طلبة: ما ينعقد.
الشيخ: لا ينعقد؛ لأنه مجنون لا يصح منه حلف ولا إيلاء ولا طلاق ولا غير ذلك من الأقوال، هل المسحور مثل المجنون؟ الجواب: نعم، المسحور -نسأل الله العافية- من جنس المجنون، فلو طلق لم يقع طلاقه، ولو آلى لم يصح إيلاؤه، ولو ظاهر لم يصح ظهاره؛ لأن المجنون مغلوب على عقله تمامًا ولا يستطيع أن يتخلص.
(ومغمًى عليه) المغمى عليه يعني المغطى عقله بمرض أو سقطة أو ما أشبه ذلك، فلو أن الإنسان وهو مغمى عليه حلف ألا يطأ زوجته لمدة سنة فلا إيلاء، بقية أقواله المغمى عليه نافذة أو غير نافذة؟
طلبة: غير نافذة.
الشيخ: غير نافذة يا إخواني، هذا غير عاقل مغمى عليه، يهذي، لا يدري ما يقول.
ومثله ما يسميه العوام بالمهذري، المهذري الذي بلغ من السن عتيًّا وصار يلخبط في كلامه، فلا عبرة بكلامه.
طالب: شيخ، فتح الله عليك، المولي قبل الدخول ( ... )؟
الشيخ: من إيلائه، إلا إذا كان الدخول منها، فمن تسليمها نفسها.
طالب: المسحور يا شيخ يعني طلق مثلًا في حال يعني ..
الشيخ: سحره.
الطالب: ما يقع طلاقه؟
الشيخ: ما يقع.
الطالب: طيب إذا كان يأتيه السحر ثم يذهب عنه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3228
الشيخ: في حال ذهابه عنه يقع، وفي حال وجوده -نسأل الله لنا ولكم العافية- لا يقع؛ لأنه مغلوب عليه.
طالب: بارك الله فيك، السكر هل هو خاص بالخمر أم هو عمومًا بالمخدرات؟
الشيخ: لا، كل ما أذهب العقل فهو سكر، قال عمر رضي الله عنه: الخمر ما خامر العقل (3) يعني غطاه وستره.
طالب: جزاك الله خيرًا، إذا آلى من زوجته في حيض أو نفاس هل يقع؟
الشيخ: يقع.
طالب: إن كانت حائضًا؟
الشيخ: وإن كانت حائضًا، الحائض تبقى حائضًا أربعة أشهر؟
طالب: ( ... ) لا يجوز له أن يجامعها أو كذلك ( ... ).
الشيخ: هو إذا قال: والله لا أجامعها في أيام الحيض هذا ما فيه إشكال، لكن إذا قال: والله لا أجامعها لمدة ستة أشهر، وهي الآن حائض، الحيض يبقى أيامًا ثم ينتهي.
طالب: يقع.
الشيخ: يقع نعم.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إذا كان معه عقله يقع.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: ما ( ... ) العبرة بزوال العقل.
طالب: إذا قتل السكران؟
الشيخ: إذا قتل السكران ويش تقولون؟ المذهب يُقتل، لا إشكال في هذا، والقول الثاني: إن سكر ليَقتل قُتل وإلا فلا، وهذه تقع، يكون الرجل -والعياذ بالله- بينه وبين شخص عداوة، ويعرف أنه إذا قتله عمدًا وهو صاح يُقتل، أو أنه إذا كان صاحيًا لا يمكن أن تسمح له نفسه بالإقدام، فيذهب يشرب المسكر علشان يقتل صاحبه، هذا لا شك أنه يقتل، وأما إذا لم يكن بباله أن يقتل أحدًا وسكر ثم مر به إنسان فقتله فإنه لا يقتل؛ لأنه كالمجنون تمامًا، والمجنون لا يمكن القصاص منه.
طالب: هل عليه دية .. ؟
الشيخ: عليه دية معلوم، الدية ما تضيع.
طالب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال رحمه الله تعالى في كتاب الإيلاء:
الجزء: 2 - الصفحة: 3229
لا من مجنون، ومغمًى عليه، وعاجز عن وطء لجب كامل أو شلل.
فإذا قال: والله لا وطئتك أبدًا، أو عين مدةً تزيد على أربعة أشهر، أو حتى ينزل عيسى، أو يخرج الدجال أو حتى تشربي الخمر، أو تسقطي دينك، أو تهبي مالك، ونحوه، فمول، فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو قنًّا، فإن وطئ ولو بتغييب حشفة فقد فاء، وإلا أمره بالطلاق، فإن أبى طلق حاكم عليه واحدةً أو ثلاثًا أو فسخ، وإن وطئ في الدبر أو دون الفرج فما فاء، وإن ادعى بقاء المدة، أو أنه وطئها، وهي ثيب، صدق مع يمينه، وإن كانت بكرًا أو ادعت البكارة وشهد بذلك امرأة عدل صدقت، وإن ترك وطأها إضرارًا بها بلا يمين ولا عذر فكمول.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
ما هو الإيلاء شرعًا؟
طالب: هو أن يحلف بالله على ترك وطء زوجته مدة تزيد على أربعة أشهر.
الشيخ: أحسنت، هل في القرآن ما يدل عليه؟
طالب: نعم، قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226، 227].
الشيخ: نعم، الإيلاء هل هو محرم أو جائز أو مستحب أو واجب؟
طالب: محرم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه متعد.
الشيخ: على من؟
طالب: متعد على ( ... ).
الشيخ: على حق الزوجة؛ لأنه عدوان على حق الزوجة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يجامع زوجته بالمعروف، ولا يمكن أن يزيد على أكثر من أربعة أشهر.
هل يجوز الإيلاء تأديبًا لأقل من أربعة أشهر؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: الآية.
الشيخ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؟
الطالب: لا، ليس هذا.
الطالب: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34].
الجزء: 2 - الصفحة: 3230
الشيخ: أحسنت ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، ولم يحدد، ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم آلى من نسائه شهرًا كاملًا (4). هل يصح الإيلاء من الغضبان؟
طالب: الغضب على ثلاثة أنواع، إن كان الغاية للارتفاع فإنه لا يؤخذ بأقواله ولا بأفعاله بالاتفاق، وإن كان الغضب الدنو فإنه يؤخذ بأقواله وأفعاله، وإن كان الغضب وسطًا فاختلف أهل العلم على قولين، المذهب أنه يؤخذ بأقواله وأفعاله، والصحيح أنه لا يؤخذ بأقواله وأفعاله.
الشيخ: إذن نقول: الغضب إذا كان في قمة الغضب فلا عبرة بقوله، ولا يكون موليًا، وإذا كان في أدنى الغضب حركة يسيرة مع برودة النفس وقع الإيلاء، وإذا كان بين ذلك فللعلماء في هذا قولان، والراجح أنه لا يقع.
يقول المؤلف رحمه الله: يقع من مريض مرجو برؤه.
والمريض المرجو البرؤ؟
طالب: مفهوم كلام المؤلف لا يقع.
الشيخ: مفهوم كلام المؤلف أنه لا يقع، والحقيقة أن هذه العبارة موهمة، وقد سألني بعض الطلبة أمس عنها، المراد بالمريض هنا العاجز عن الوطء، وليس المريض مرض البدن؛ لأن المريض مرض البدن يصح منه الإيلاء، سواء كان يرجى برؤه أو لا يرجى، لكن المراد المريض أي العاجز عن الجماع، هذا إن كان يرجى برؤه فإن إيلاءه صحيح، وإن كان لا يرجى فإيلاؤه غير صحيح؛ لأنه لا يمكنه الوطء، فمثلًا إذا كان الرجل مجبوبًا -أي مقطوع الذكر- فهو عاجز عن الوطء، فهل يصح الإيلاء منه أو لا يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنه ليس بواطئ؛ لأنه لن يطأ سواء آلى أم لم يؤل، وإذا كان الرجل عاجزًا عن الوطء لحدث ألم بآلة الوطء لكنه يُرجى أن يُشفى، هو الآن يعالج ويرجى أن يشفى، يصح أو لا يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، إذن كلام المؤلف رحمه الله فيه إيهام، وقد تبع في هذه العبارة أصله، أي أصل هذا الكتاب، وهو المقنع، والصواب أن تكون العبارة: وعاجز عن الوطء عجزًا يرجى برؤه.
هل يصح الإيلاء من مغمى عليه؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3231
طالب: لا يعقل.
الشيخ: لأنه لا يعقل، نعم.
هل يصح الإيلاء من شيخ كبير بلغ حد الهذرمة؟
طالب: لا يا شيخ لا يصح إيلاؤه.
الشيخ: لا يصح إيلاؤه، لماذا؟
طالب: لأنه لا يعقل.
الشيخ: لأنه لا يعقل، ولهذا لا يصح طلاقه، فلو أن أحدًا بلغ حد الهذرمة وصار يهذي ولا يزن ما يقول، قال لزوجته: أنت طالق، فلا تطلق.
قال رحمه الله تعالى، وقفنا على قوله: (وعاجز عن وطء لجب كامل أو شلل)، أي لا يصح الإيلاء ممن هو عاجز عن الوطء عجزًا لا يُرجى زواله لجب كامل، الجب قطع الذكر، وكامل احترازًا مما لو جب نصف ذكره، بحيث يتمكن من الوطء بباقيه، فإنه يصح منه الإيلاء، لكن إذا كان الجب كاملًا فإنه لا يصح منه الإيلاء؛ لأنه غير قادر أصلًا.
(أو شلل) الشلل هو فقدان الحركة في العضو، سواء في اليد أو الرجل أو إصبع أو ذكر، أو أذن.
طالب: ( ... ).
الشيخ: صح.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، صحيح.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الظاهر أن جميع الناس آذانهم شلاء، ما حد يقدر يحرك أذنه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لم ( ... ) هذا قصدنا الشلل عمومًا، هل يمكن أن أحدًا يحرك أذنيه؟
طلبة: يمكن؟
الشيخ: سبحان الله، أنا ما شاهدته ( ... ) سماع أسمع أن أحدًا يحرك أذنيه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: صحيح؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يحرك كذا؟
الطالب: يحرك هذه من أعلى إلى أسفل.
الشيخ: بيده؟
الطالب: لا، يعني بدون يده.
الشيخ: عجيب.
الطالب: ويتحدى الغير يعني بذلك أن يفعلوا مثلما يفعل.
الشيخ: يعني الشحمة هذه تبقى فوق؟
الطالب: ظاهر الأذن يحركها إلى أعلى وأسفل.
الشيخ: هذه ما هي مربوطة جيدًا، ما ربطت جيدًا يعني معناه تطيح فوق وتنكس.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ولا تتحرك من مكانها؟
طالب: لا، يطلعها إلى فوق وينزلها إلى أسفل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3232
الشيخ: لا إله إلا الله، عجيب هذا، بعد أغرب وأغرب.
ولهذا لو قطع أذنًا شلاء فعليه نصف الدية، ولو قطع يدًا شلاء فعليه حكومة؛ لأن اليد الشلاء ما فيها منفعة، فهمتم؟ العلماء في باب الديات اعتبروا هذا، قالوا: الأذن الشلاء ليس فيها دية، إي نعم فيها دية كاملة أصلًا، واليد الشلاء ليس فيها دية ولكن فيها حكومة.
(لجب كامل أو شلل) شلل العضو بحيث يفقد حركته، ثم ضرب أمثلة قال: (فإذا قال: والله لا وطئتك أبدًا) فيها إشكال من حيث التركيب (والله لا وطئتك) معناها والله لا أطؤك، وهنا عبر بالماضي: لا وطئتك، قال أهل النحو: إن الماضي في باب الأيمان بمعنى المستقبل، فمعنى والله لا وطئتك: والله لا أطؤك؛ لأنها وقعت في جواب القسم.
(أبدًا) كذا قال: والله لا أطؤك أبدًا، فهو مول، يعني أبدًا تزيد على؟
طالب: أربعة أشهر.
الشيخ: الأربعة أشهر، وكذلك لو قال: والله لا أطؤك، ولو لم يقل: أبدًا، فهو مول.
الثاني يقول: (أو عين مدةً تزيد على أربعة أشهر) قال: والله لا أطؤك حتى يأتي رمضان، ونحن الآن في ربيع الأول، المدة الآن تزيد؟
طالب: أربعة أشهر.
الشيخ: على أربعة أشهر، فهو مول، أو قال لها: والله لا أطؤك لمدة خمسين يومًا، تزيد؟
طلبة: أقل.
الشيخ: أقل من أربعة أشهر، إذن هو غير مول، لا بد أن تزيد المدة على أربعة أشهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3233
أو قال: لا أطؤك (حتى ينزل عيسى) فهو مولٍ، فإذا قال الإنسان: حتى ينزل عيسى ربما ينزل قبل أربعة أشهر؟ فالجواب: هذا احتمال لا شك، ولكنه بعيد، فيؤخذ بما يغلب على الظن، فإذا أمسكنا الرجل الذي قال لزوجته: والله لا أطؤها حتى ينزل عيسى نقول: تعال، أنت الآن مول.
قال: أبدًا ما آليت، أنا لم أذكر مدة تزيد على أربعة أشهر، ذكرت: حتى ينزل عيسى، وما أدري ربما ينزل الليلة.
ماذا نقول له؟ نقول: نأخذ بالأمر الغالب على الظن، فإنه يغلب على ظننا أن عيسى لن ينزل قبل أربعة أشهر، أو يخرج الدجال أيضًا، والدجال قبل نزول عيسى، قال: والله لا أطؤك حتى يخرج الدجال، فنقول: هو مول.
(أو حتى تشربي الخمر) هذا غير مستحيل حسًّا، ولكنه مستحيل شرعًا، فإذا قال لها: والله لا أطؤك حتى تشربي الخمر فهو مول، وإذا قال: إنما أردت منها حثها على أن تشرب الخمر، قلنا: وهذا أخبث، فأنت مول؛ لأنها هي لن تشرب الخمر لا بعد أربعة أشهر ولا ما وراءها.
(أو تسقطي دينك)، قال لها: والله لا أطؤك حتى تسقطي دينك، فهو أيش؟ مول؛ لأن إسقاط دينها ليس بواجب عليها، ولا فرق بين أن يقول: حتى تسقطي دينك عني، أو يقول: حتى تسقطي دينك عن فلان، لا فرق؛ لأنه لا يلزم الزوجة أن تسقط دينها عن زوجها.
(أو تهبي مالك) قال لها: والله لا أطؤها حتى تعطي فلانًا مئة ريال، فإنه مول؛ لأنه لا يلزمها أن تعطيه، في هذه الحال، لو أعطته، لو وهبت مالها أو أسقطت دينها يلزمه أن يطأ؟ نعم، يلزمه أن يطأ؛ لأنه علقه على فعل شيء حصل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3234
(ونحوه) مثل أن يقول: والله لا أطؤها حتى تعطي ولدها فلانًا ليحضنه، فهذا مول لا شك؛ لأنه لا يلزمها أن تعطيه، ولأنه ضرر عليها.
والخلاصة أنه إذا أطلق أو أبد أو علق بشيء لا يمكن شرعًا أو لا يمكن حسًّا فإنه يكون موليًا.
إذا كان موليًا، أي حالفًا، فبماذا نعامله؟ نمهله، إذا طالبت زوجته نمهله أربعة أشهر من حين اليمين، لا من حين المطالبة.
ولهذا قال: (فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه) لا من مطالبتها، وأيهما أسبق: اليمين أو المطالبة؟
طلبة: اليمين.
الشيخ: اليمين، فمثلًا إذا قال: والله لا أطؤها في أول يوم من شهر ربيع الأول، وطالبته في أول يوم من شهر ربيع الثاني، كم بقي عليه؟ ثلاثة أشهر، فالمدة تبدأ من اليمين، لا من المحاكمة.
مدة الإيلاء وما تحصل به الفيئة أو فسخ النكاح
(فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو قنًّا): (لو) هذه إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن القن يجعل له نصف المدة كما أن القنة عدتها نصف العدة.
الصواب أن القن والحر واحد.
(ولو قنًّا، فإن وطئ ولو بتغييب حشفة فقد فاء، وإلا أمر بالطلاق، فإن أبى طلق حاكم عليه) إذا مضت المدة قيل له: إما أن تطأ وإما أن تطلق، فإن قال: لا يطأ ولا يطلق فإنه ينتقل الأمر إلى غيره كما ذكر المؤلف، نعود إلى الشرح قال: (فإن وطئ ولو بتغييب حشفة) يعني لا يشترط الوطء الكامل، بل يكفي تغييب الحشفة (فقد فاء) ورجع، ولا نطالبه، وسواء أنزل أم لم ينزل (وإلا أمر بالطلاق)، والآمر له القاضي، الحاكم، فإن طلق حصل المقصود، ولكن هذا بعد أن تطالب المرأة بحقها، فإن سكتت المرأة وقالت: ما لنا دعوة المطالبة والنزاع، وأصبر وأحتسب، فإنه حينئذ لا يكون طلاقًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3235
قال: (وإلا أمر بالطلاق، فإن أبى طلق حاكم عليه) الحاكم يعني القاضي، (عليه) أي على المؤلي، (واحدة أو ثلاثا أو فسخ) خير المؤلف رحمه الله الحاكم بين أمور ثلاثة: أن يطلق عليه مرة واحدة، أو يطلق عليه ثلاثًا، أو يفسخ.
إن طلق عليه طلقة واحدة طلقت واحدة، ولزوجها أن يراجعها ما دامت في العدة، وإن طلق عليه ثلاثًا طلقت ثلاثًا، ولا تحل لزوجها إلا بعد أن تنكح زوجًا غيره، وإن فسخ النكاح ولا يحسب من الطلاق ولكن لا رجوع له عليها إلا بعقد، فهذه ثلاث صيغ، لكل صيغة حال:
الصيغة الأولى: أن يطلق واحدة، فهنا نقول للزوج أن يراجعها ما دامت في العدة.
الثانية: أن يطلقها ثلاثًا، وهنا نقول: إنها لا تحل للزوج إلا بعد أن تنكح زوجًا غيره.
( ... ) فهنا تبين منه، ولا تحل له إلا بعقد، ولو في العدة، وهذه حال الوسط بين الصيغة الأولى والصيغة الثانية.
كلام المؤلف يقول: (طلق واحدةً أو ثلاثًا أو فسخ): (أو) هنا للتخيير، فيخير الحاكم بين أن يطلق واحدة أو يطلق ثلاثًا أو يفسخ، أيهما يختار، يجب عليه أن يختار الأصلح، وأيهما أصلح، الفسخ أو الطلاق واحدة؟
طالب: الفسخ.
الشيخ: الفسخ، الطلاق واحدة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يخالف، ويش اللي يناسبه، نقول: أما إذا كانت الطلقة هذه هي الأخيرة فالطلقة الواحدة كالثلاثة، لا فرق، وحينئذ نقول: اعدل عن الطلاق إلى؟
طالب: الفسخ.
الشيخ: إلى الفسخ؛ لأن هذا أهون، فإنك إذا فسخت امتنع رجوع الزوج عليها إلا بعقد، ودعه يكون عنده شيء من الحرية أن يعيدها إلى عصمته بعقد، وإذا كان هذه هي الطلقة فالطلاق الثلاث لا منفعة لها فيه، وحينئذ يبقى الطلاق أو الفسخ أيهما أحسن؟
طالب: الطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3236
الشيخ: قد يكون الطلاق أحسن، وهو لا شك أنه أحسن بالنسبة للزوج، وقد يكون الفسخ أحسن إذا كانت المرأة قد تعبت من معاشرة الزوج وتريد الفكاك منه، فهنا الفسخ أحسن، وعليه فنقول: (أو) في كلام المؤلف للتخيير، ويجب على الحاكم أن يأخذ بما هو أصلح، ولكل قضية حكمها، قد تكون بعض القضايا الواحدة أفضل أو الثلاث أو الفسخ، على أن القول الراجح أنه وإن طلق ثلاثًا فالثلاث واحدة، يعني لو قال الحاكم القاضي: اشهدوا يا جماعة أن زوجة فلان التي آلى منها طالق، ثم هي طالق، ثم هي طالق، أريد الثلاثة، فالقول الراجح أن هذه واحدة، وعليه فلا يملك الطلاق الثلاثة؛ لأنها لن تفيد زيادة بينونة، وهي وقوع في المحرم؛ لأن الطلاق الثلاث محرم إلا بعد أن يراجع زوجته ثم يطلقها بعد أن بدا له.
طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهو حلف زوج بالله تعالى أو صفته) إذا حلف شمولي باسم ليس من أسماء الله، وهو يعتقد أنه من أسماء الله تعالى، فهل يقع؟
الشيخ: نعم، يؤخذ بنيته؛ لأنه يمين، هو الآن لما قال: وكذا وكذا مما يرى أنه من أسماء الله فقد حلف بالله في الحقيقة، يؤخذ بنيته.
طالب: السؤال: لكن لو حلف بغير الله، فهل ينعقد الإيلاء؟
الشيخ: لا، الحلف بغير الله لا ينعقد؛ لأنه محرم، وكل شيء محرم فإنه لا يمكن أن ينعقد.
طالب: يقول: إنه نوى تحريمًا على نفسه.
الشيخ: ما يصح إذا نوى تحريمًا لنفسه يقول: هي علي حرام ولا يقول: واللات لا أطأ هذه المرأة.
طالب: حفظك الله، من قال: الوطء محرمًا، ووطأ الرجل وطئًا محرمًا؛ كالحيض أو النفاس، أو في صيام الفرض؟
الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه لا يصح؛ لأن الوطء في الحيض لا يحصل به كمال الاستمتاع، اللهم إلا أن يقول: إنه فعل ذلك ليبادر الزمن، وإنه مستعد أن يجامع إذا طهرت، فهذا ربما نقول: إنه عودة وإنه لا يلزم بطلاق ولا فسخ.
طالب: إن وطئها في الحيض يلزم بأن يطأها بعد الطهر؟
الشيخ: إي نعم، يلزم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3237
طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب الإيلاء:
وإن وطئ في الدبر أو دون الفرج فما فاء، وإن ادعى بقاء المدة، أو أنه وطئها وهي ثيب، صدق مع يمينه، وإن كانت بكرًا أو ادعت البكارة، وشهد بذلك امرأة عدل، صدقت، وإن ترك وطأها إضرارًا بها بلا يمين ولا عذر فكمول.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الإيلاء محرم؛ لأنه يترتب عليه أيش؟
طلبة: منع المرأة من حقها.
الشيخ: نعم، منع المرأة من حقها، فالمرأة لها حق في الجماع، فإذا حلف ألا يفعل فقد ظلمها، وسبق لنا أنه إذا كان الإنسان لا يقدر على الجماع فلا إيلاء له، لماذا؟
طالب: لأنه غير قادر.
الشيخ: لأنه لن يجامع، سواء حلف أم لم يحلف؛ كرجل مجبوب أو أشل، وسبق لنا أنه يضرب للمولي أربعة أشهر من يمينه، لا من الترافع إلى القاضي، فلو فرض أن المرأة رافعت زوجها بعد مضي شهر فقد بقي من مدة الإيلاء؟
طلبة: ثلاثة أشهر.
الشيخ: ثلاثة أشهر، فيضرب له بقية المدة، وينظر فيما بعد، وسبق لنا أنه إذا تمت المدة ولم يعد فإنه يؤمر بالطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 227].
فإن أبى أن يطلق تولى ذلك القاضي، فيطلق عليه ويقول: إني طلقت امرأة فلان؛ لعدم فيئه في إيلائه، وهل له أن يفسخ دون طلاق؟ يقول المؤلف: له ذلك، له أن يفسخ، وفي الآية الكريمة ليس إلا الرجوع أو الطلاق، لكن لما كان الحاكم له النظر في أمور الناس صار له أن يفسخ، وهل يطلق مرة أو ثلاثًا؟
الصواب أنه لا يجوز أن يطلق ثلاثًا؛ لأنه لا حاجة لذلك، على أن القول الراجح أنه لا يمكن الطلاق الثلاثة؛ إذ لا تقع الطلقة الثانية إلا بعد؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3238
الشيخ: إلا بعد الرجوع؛ إما بعقد أو بمراجعة، ثم ذكر المؤلف رحمه الله الأشياء التي لا يحصل بها الفيئة فقال: (وإن وطئ في الدبر أو دون الفرج) كأن يطأ بين الفخذين (فما فاء).
قوله: (إن وطئ في الدبر) المؤلف رحمه الله يحكي أمرًا واقعًا، وليس يحكم بهذا؛ وذلك لأن وطء الدبر حرام، لا يحل للرجل أن يطأ زوجته في دبرها، فإن فعل وداوم عليه وجب أن يفرق بينه وبين زوجته؛ لأنه أصر على أمر محرم، لكن المؤلف إنما يريد أن يبين الواقع بقطع النظر عن كونه حلالًا أو حرامًا، وقوله: (أو دون الفرج) فإنه لا يكون قد فاء، والوطء دون الفرج جائز لا بأس به.
قالت عائشة رضي الله عنها تصف حالها في حال الحيض: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض (5). ولما سئل: ماذا يحل للرجل من امرأته وهي حائض قال: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» (6). فالوطء دون الفرج لا بأس به، والوطء في الدبر حرام، حتى إنه يسمى اللوطية الصغرى.
(وإن ادعى بقاء المدة، أو أنه وطئها) إن ادعى بقاء المدة والمرأة تقول: انتهت المدة، لماذا تقول: انتهت المدة؟
طالب: للفراق.
الشيخ: لتتمكن من طلب الفراق، وهو يقول: المدة لم تتم، باق عليها يومان أو عشرة أو أكثر؛ فالقول قوله، القول قول الرجل؛ لأن الأصل أيش؟
طلبة: بقاء المدة.
الشيخ: الأصل بقاء المدة، فإذا كان الأصل بقاء المدة فمن ادعى خلاف الأصل فعليه البينة، كذلك لو ادعى أنه وطئها وهي ثيب وقالت إنه لم يطأها، يقول المؤلف: إنه يصدق.
فإن قال قائل: كيف يصدق والأصل عدم الوطء؟
قلنا: لأن هذا يغلبه الظاهر؛ لأن الظاهر من حال الزوج أنه يجامع زوجته، ولكن مع هذا يقول: (صدق مع يمينه)، يعني لا بد أن يحلف، فإن لم يحلف حكم عليه بالنكول ورد قوله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3239
الخلاصة إذا ادعى أنه جامعها وهي ثيب فالقول قوله، لكن مع يمينه.
فلو قال قائل: لماذا لا تجعلون القول قولها؟ قلنا: لأن الأمر هنا متعذر أن نقبل قولها؛ لأنها ثيب، والثيب إذا جامعها زوجها لا يؤثر شيئًا، فهو يقول: إنه جامعها، وهي تقول: لم يجامعها، من عندهما في الفراش؟ أجيبوا.
طلبة: لا أحد.
الشيخ: لا أحد، إذن كيف يمكن أن نصل إلى غاية فنقول: يمكن أن نصل بأن نقول للزوج: احلف أنك جامعتها، وإذا حلفت بأنك جامعتها انفك الإيلاء واستمر معها بالعشرة بالمعروف، فإن أبى أن يحلف قلنا: إذن أنت لم ترجع، وإذا لم ترجع حكمنا عليك إما بالطلاق؛ أن تطلق، وإلا طلقنا عليك، يقوله القاضي.
(وإن كانت بكرًا، أو ادعت البكارة، وشهد بذلك امرأة عدل صدقت) معلوم إذا كانت بكرًا وقال: إنه جامعها، وقالت: إنه لم يجامعها، فالقول قول من؟
طلبة: المرأة.
الشيخ: قول المرأة، إي نعم، قول المرأة؛ لأن لدينا قرينة قوية على أنه لم يجامع، وهي وجود البكارة، لكن متى نعرف أن البكارة موجودة، يقول المؤلف: (وشهد بذلك امرأة عدل) يعني امرأة ثقة تعرف قالت: نعم البكارة موجودة، فالقول قول المرأة أنه لم يفئ، فإن لم تشهد به امرأة وقالت المرأة: ما فيها بكارة فالقول قول من؟ قول الزوج؛ لأن الأصل أنه لم يجامعها إلا زوجها.
وقول المؤلف: (امرأة عدل) قد تشكل عليكم، كيف تكون الصفة مذكرة والموصوف مؤنث: امرأة عدل؟
وجواب هذا الإشكال أن كلمة (عدل) مصدر، والمصدر إذا وصف به بقي على إفراده وتذكيره، فتقول: رجال عدل، وامرأة عدل، ورجل عدل، قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرَا
فَالْتَزَمُوا الْإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا
وعلى هذا فلا إشكال في كلام المؤلف؛ لأن (عدل) مصدر، والمصدر إذا وُصف به بقي أيش؟ على إفراده وتذكيره، ولو كان الموصوف خلاف ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3240
(وإن ترك وطأها إضرارًا بها بلا يمين ولا عذر فكمول) إن ترك الزوج وطء المرأة بدون حلف صار لا يطأ فلها أن تطالب، ويكون حكمه حكم المولي، فيضرب له على كلام المؤلف أربعة أشهر منذ ترك، لكن بشرط أن يكون المقصود الإضرار بها، يعني أن الرجل ليس فيه عذر يمنعه من الجماع، وليس فيها شيء يمنعه من الجماع، كما لو كان فيها قروح في فرجها مثلًا، وإنما قصد بذلك الإضرار بها، فهو أولًا آثم، ومن ضار ضار الله به، وثانيًا حكمه حكم المولي.
قال: (بلا يمين ولا عذر) أما لو هناك عذر فإنه ليس كالمولي، ويبقى حتى يزول عذره، هل من العذر إذا نشزت أو خاف نشوزها وهجرها؟ أجيبوا.
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34].
وقول المؤلف رحمه الله: (فكمول) يعني أنه يضرب له.
طالب: أربعة أشهر.
الشيخ: أربعة أشهر، وهذا مبني على القول بأن الرجل لا يلزمه أن يجامع زوجته إلا في كل أربعة أشهر مرة، فالواجب إذن على هذا القول أن يجامع زوجته في السنة كم؟
طلبة: ثلاث مرات.
الشيخ: ثلاث مرات، مع أنه رجل شاب وهي شابة، وتريد هي أن يفعل، ولكنه لم يفعل، يقولون: ليس لها حق إلا في كل أربعة أشهر مرة.
لكن هذا القول في غاية الضعف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] وليس من المعروف أبدًا أن يبقى الزوج مع زوجته الشابة وهما حديثا عهد بعرس ويجامعها أول ليلة يوافيها ثم إذا تزينت له وأرادت منه ما تريد المرأة من زوجها قال اصبري ( ... ) هل هذه من المعاشرة؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3241
الشيخ: لا والله ما هي من المعاشرة، ولهذا القول الراجح في هذه المسألة أنه يجب أن يجامع زوجته بالمعروف إلا إذا كان هناك سبب؛ كضعف فيه أو مرض أو شيء في الزوجة يتكره منه أو ما أشبه ذلك.
فإذا قالوا: المولي جعل له أربعة أشهر قلنا: المولي آلى حلف فنعطيه مهلة، لكن الأمور جارية على ما هي عليه، وليس هناك يمين، نقول للزوج: لا يجب عليك الجماع إلا بعد أربعة أشهر، وإذا ذاقت عسيلته بعد أربعة أشهر وجاءت الليلة الثانية تزينت له قال لها: فيه إجازة، بعد أربعة أشهر، وبعد أربعة أشهر أيضًا أربعة أشهر، يعني إذا تصورت هذا القول وجدته أضحوكة في الواقع، والواجب العشرة بالمعروف كما أمر الله عز وجل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3242
(كتابُ الظِّهارِ)
وهو مُحَرَّمٌ، فمَن شَبَّهَ زَوْجَتَه أو بعضَها ببعضِ أو بكلِّ مَن تَحْرُمُ عليه أبدًا بنَسَبٍ أو رَضاعٍ مِن ظَهْرٍ أو بَطْنٍ أو عُضْوٍ آخَرَ لا يَنْفَصِلُ بقولِه لها: أنتِ عَلَيَّ أو معي أو مني كظَهْرِ أُمِّي أو كَيَدِ أُخْتِي أو وَجْهِ حَمَاتِي ونحوِه، أو أنتِ عَلَيَّ حرامٌ أو كالْمَيْتَةِ والدمِ فهو مُظاهِرٌ، وإن قالَتْهُ لزوجِها فليسَ بظِهارٍ وعليها كَفَّارَتُه، ويَصِحُّ من كلِّ زَوْجَةٍ.
(فصلٌ)
ويَصِحُّ الظِّهارُ مُعَجَّلًا ومُعَلَّقًا بشَرْطٍ، فإذا وُجِدَ صارَ مُظَاهِرًا ومُطلقا ومُوَقِّتًا، فإن وَطِئَ فيه كَفَّرَ، وإن فَرَغَ الوقتُ زالَ الظِّهارُ، ويَحْرُمُ قبلَ أن يُكَفِّرَ وطءٌ ودَواعيهِ مِمَّنْ ظاهَرَ منها، ولا تَثْبُتُ الكَفَّارَةُ في الذمَّةِ إلا بالوَطْءِ وهو العَوْدُ، ويَلزَمُ إخراجُها قبلَه عندَ العَزْمِ عليه، وتَلْزَمُه كَفَّارَةٌ واحدةٌ بتَكريرِه قبلَ التكفيرِ من واحدةٍ لظِهارِه من نِسائِه بكَلمةٍ واحدةٍ، وإن ظاهَرَ منهن بكلماتٍ فكَفَّاراتٌ.
(فصلٌ)
كَفَّارَتُه عِتْقُ رَقبةٍ فإن لم يَجِدْ صامَ شَهرينِ مُتَتَابِعَيْنِ فإن لم يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، ولا تَلْزَمُ الرَّقَبَةُ إلا لِمَنْ مَلَكَها أو أَمْكَنَه ذلك بثَمَنِ مِثْلِها فاضلاً عن كِفايتِه دَائمًا وكفايةِ مَن يَمُونُه وعَمَّا يَحتاجُه من مَسكنٍ وخَادمٍ ومَركوبٍ وعَرْضِ بِذْلةٍ وثِيابٍ تجمل, ومالٍ يَقُومُ كَسْبُه بِمُؤْنَتِه وكُتُبِ عِلْمٍ ووفاءِ دَيْنٍ، ولا يَجْزِي في الكَفَّاراتِ كلِّها إلا رَقَبَةٌ مُؤمِنَةٌ سَليمةٌ من عَيبٍ يَضُرُّ بالعملِ ضَرَرًا بَيِّنًا كالْعَمَى والشلَلِ ليَدٍ أو رِجْلٍ أو أَقْطَعِهما أو أَقطعِ الإصْبَعِ الوُسْطَى أو السَّبَّابَةِ أو الإبهامِ
مدخل
الجزء: 2 - الصفحة: 3243
ثم قال المؤلف رحمه الله: (كتاب الظهار)، قال: (وهو محرم)، ثم ذكر تعريفه، الظهار تعريفه أن يشبه الرجل امرأته بمن تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا، هذا تعريفه، أن يشبه الرجل زوجته بمن تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا، فهمتم التعريف؟ طيب إذا قال لها: أنت كأمي فهو؟
طلبة: ظهار.
الشيخ: ظهار.
أنت كابنة عمي؟
طلبة: ليس ظهارًا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنها تحل له.
الشيخ: يا إخوان، الله يهديكم، اللهم اهدهم، بنت عمي الآن حرام علي.
طالب: مؤقت.
الشيخ: مؤقت.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: غلط ولا مؤقتًا، هي حلال له، طيب أنت علي كأختك؟
طالب: محرم.
طالب آخر: ظهار.
الشيخ: نعم.
طلبة: ظهار.
الشيخ: ظهار؟
طلبة: نعم.
الشيخ: خطأ؛ لأن أختها ليست حرامًا عليه.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا كأختك.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: السؤال اللي أنا قلت لكم: أنت علي كأختك؟
طالب: ليس بظهار.
الشيخ: ظهار ولا غير ظهار؟
طلبة: ليس ظهارًا.
الشيخ: ليس ظهارًا؛ لأن أختها غير حرام عليه، المحرم أن يجمع بينها وبينها، أما أختها فليست حرامًا، لو ماتت الأخت هذه أو طلقت طلاقًا بائنًا بينونة كبرى حلت له.
طيب أنت علي كالذئب؟
طلبة: ليس ظهار.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ليس ظهارًا.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، الذئب ليس مما يباح أبدًا أصلًا، ليس من جنس الإنسان والله يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21] من أنفسكم، الذئب ليس من أنفسنا، إذن أن يشبه زوجته بمن؟ أي بامرأة تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا، وأصله -أي أصل الظهار- من قولهم في صيغته: أنت علي كظهر أمي، هذه الصيغة عند العرب: أنت علي كظهر أمي، فلذلك سمي أيش؟
طلبة: ظهارًا.
الشيخ: ظهارًا.
إذا قال: أنت علي كأمي في المودة والاحترام والتبجيل؟
طلبة: ليس ظهارًا.
الشيخ: ليس ظهارًا، نعم لأنه ما حرمها.
إذا قال: أنت أمي بس؟
طلبة: حسب نيته.
الجزء: 2 - الصفحة: 3244
الشيخ: حسب نيته نعم، إن قال: أنت أمي في التحريم فهو ظهار، إن قال: أنت أمي في الكرامة فليس؟
طلبة: ظهارًا.
الشيخ: فليس بظهار، لو قال: يا أمي تعالي، يا أمي أصلحي الغداء، ظهار ولَّا غير ظهار؟
طلبة: ليس بظهار.
الشيخ: ليس بظهار، لكن ذكر الفقهاء رحمهم أنه يكره للرجل أن ينادي زوجته باسم محارمه، باسم المحارم، يعني لا يقول: يا أختي، يا أمي، يا بنتي، وما أشبه ذلك.
وقولهم هذا ليس بصواب؛ لأن المعنى معلوم، ما قال: أنت كأمي؛ يقول: يا أمي، يعني في الكرامة، إن كانت أكبر منه يقول: يا أمي في الكرامة، إن كانت دون: يا بنتي، إن كانت مساوية: يا أختي، وهذا ليس فيه شيء، هذه من العبارات التي توجب المودة والمحبة والألفة، فكيف نقول: إنها مكروهة وهي لا ترمي إلى الظهار بأي حال، الظهار.
إذن محرم، الدليل قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] هذا حكم قولهم من حيث الشرع، من حيث الواقع، قال الله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: 2]، فكذبهم الله تعالى شرعًا وقدرًا، قدرًا في قوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾، شرعًا: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، ليست هي كأمه ولا كظهر أمه، بل ظهر أمه أشد ما يكون تحريمًا عليه، وظهر زوجته أبلغ ما يكون حلًّا له، فقوله: هذا منكر وكذب، فصار الظهار محرمًا بالقرآن الكريم صريحًا، فهل من فعله يكون آثمًا؟ أجيبوا.
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ما فيها إشكال، يقول (وهو محرم).
ثم قال: (فمن شبه زوجته أو بعضها ببعض، أو بكل من تحرم عليه أبدًا بنسب، أو رضاع من ظهر، أو بطن، أو عضو آخر لا ينفصل، بقوله) شوف كلام متداخل بعضه من بعض يحتاج إلى فك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3245
طيب فمن شبه زوجته بمن تحرم عليه قال: أنت كأمي أو أنت كظهر أمي فهو ظهار، أو بعضها بمن تحرم عليه قال: يدك علي كأمي، فهو ظهار، أو شبه ببعض من تحرم عليه بأن قال: أنت علي كيد أمي فهو ظهار، أو قال: يدك كيد أمي فهو ظهار؛ لأن يد زوجته يمكن أن يمسها بشهوة، ولا يمكن أن يمس يد أمه بشهوة، فكيف يشبه أحل ما يكون بأحرم ما يكون.
إذن الظهار يكون بالكل والكل، وبالكل والبعض، وبالبعض والبعض، وبالبعض والكل، كم الصور؟
طلبة: أربع.
الشيخ: أربع: أنت علي كأمي هذا أيش؟
طلبة: كل بكل.
الشيخ: كل بكل.
يدك كيد أمي.
طلبة: بعض ببعض.
الشيخ: بعض ببعض.
أنت كيد أمي.
طلبة: كل ببعض.
الشيخ: كل ببعض.
يدك كأمي، بعض بكل، كل هذه الصور يكون فيها مظاهر لكن بشروط تأتي إن شاء الله.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، أشكل علي صنيع المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيلاء، تقرر معنا أنه حرام، وجرى صنيعه رحمه الله تعالى إذا كان الباب من الأبواب المحرمة أو الكتاب قدم الحكم، مثلما هو معنا في الظهار، فقال: وهو محرم، فإذا كان مباحًا قال: هو مباح، بينما الإيلاء لم يذكر له الحكم الشرعي الذي تقرر معنا، على أي شيء يحمل صنيعه هذا؟
الشيخ: من المصنف.
الطالب: الحجاوي رحمه الله.
الشيخ: بشر أو غير بشر؟
الطالب: بشر.
الشيخ: البشر يغفل وينسى ويتأول ويجتهد ويخطئ ويصيب، ولهذا كونه لم يذكر أن الإيلاء محرم يعتبر قصورًا لكنه ذكر أن الظهار محرم؛ لأن تحريمه واضح في القرآن الكريم، وإنكاره شديد ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] فلهذا صرح بالتحريم.
طالب: أحسن الله إليك، الفقهاء يستدلون بكراهة نداء الرجل لزوجته: يا أختي، وفي حديث أن رجلًا قال لامرأته: يا أختي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هِيَ أُخْتُكَ؟ ». كأن النبي صلى الله عليه وسلم كره هذا (7).
الشيخ: أين الحديث؟
الطالب: أن رجلًا قال ..
الجزء: 2 - الصفحة: 3246
الشيخ: هو رجل قال، لكن أين سنده؟ نعطيك مهلة لك من يوم إلى ألف يوم، وحرره لنا.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا ظاهر الرجل من زوجته ولم يكفر هل تضرب له مدة الإيلاء؟
الشيخ: هو ما سبق لنا في الإيلاء (إن ترك وطأها إضرارًا بها، بلا يمين ولا عذر فكمول).
طالب: المؤلف قال: (وإن ادعت البكارة وشهد بذلك امرأة عدل صدقت)، تستفيد يعني من الدعوة هذه؟
الشيخ: من اللي يستفيد؟
طالب: المرأة.
الشيخ: إي تستفيد منها أنه لم يجامعها؛ لأن هذا المولي ادعى أنه جامعها، وإذا ثبت أنه جامعها انتهى الإيلاء، فلا يطالب بالرجعة أو الطلاق، واضح؟
طالب: هل يعتبر الظهار من كبائر الذنوب أو من الصغائر؟
الشيخ: لا أعلم أنه من كبائر الذنوب، لكن لا شك أن الله قبحه شديدًا.
طالب: أحسن الله إليك، ذكرنا أنه يجوز أن يجامع ..
الشيخ: أن.
طالب: ( ... ) استدل على حديث عائشة ذكرت علة الحيض ( ... ).
الشيخ: إي نعم؛ لأنه لو كانت المباشرة بين الفخذين حرامًا ما حلت بالحيض؛ إذ يمكنه أن يستمتع بالتقبيل والضم وما أشبه ذلك.
طالب: الفرق؟
الشيخ: الفرق أن أربعة أشهر للإنسان ليس بمول إذا كان أربعة أشهر؛ لأن الله جعل المدة أربعة أشهر، هذا هو الفرق.
طالب: أو بكل من تحرم عليه أبدًا بنسب، أو رضاع من ظهر، أو بطن، أو عضو آخر لا ينفصل، بقوله لها: أنت علي، أو معي، أو مني كظهر أمي، أو كيد أختي، أو وجه حماتي ونحوه، أو أنت علي حرام، أو كالميتة والدم فهو مظاهر، وإن قالته لزوجها فليس بظهار، وعليها كفارته، ويصح من كل زوجة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الظهار هو أن يشبه زوجته بمن تحرم عليه على التأبيد، سواء كان ذلك بنسب أو سبب مباح.
المحرمات بالنسب -أي بالقرابة- سبع، والمحرمات بالسبب إما مصاهرة وإما رضاع، فالمحرمات بالرضاع سبع، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الجزء: 2 - الصفحة: 3247
الشيخ: المحرمات بالصهر أربع، ولكنها متناوبة، يحرم على الزوجة أصول زوجها وفروعه، يعني آباءه وأجداده وإن علوا، وفروعه أبناؤه وأبناء أبنائه وأبناء بناته وإن نزلوا، ويحرم على الزوج أصول زوجته؛ كأمهاتها وجداتها وفروعها، ولكن الفروع لا تحرم إلا إذا دخل بالأم، المحرمات بالرضاع بينهنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (8)، والمحرمات بالنسب ذكرنا أنها سبع مذكورة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23] إذا شبه الرجل زوجته بواحدة من هؤلاء المحرمات فهو مظاهر، إذا شبه زوجته بأخت زوجته هل هو مظاهر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن أخت زوجته ليست حرامًا عليه.
إذا شبه زوجته بمحرمة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟
طلبة: لأنه ليس على سبيل التأبيد.
الشيخ: لأنه ليس على التأبيد إذا شبه زوجته بأخته من الرضاع؟
طلبة: محرمة ..
الشيخ: ظهار ولا غير ظهار؟
طلبة: ظهار.
الشيخ: ظهار؛ لأنها حرام عليه على التأبيد، إذا شبه زوجته بأمها؟ ظهار؛ لأنها حرام عليه على التأبيد.
إذا قال: أنت علي كأمك، إذا شبه زوجته ببنتها، إن دخل بها فهو ظهار، وإن لم يدخل بها فليس بظهار؛ لأنها لا تحرم عليه.
المهم هذه هي القاعدة، لكن هل تحريم البعض بالبعض كتحريم الكل بالكل؟ الجواب: نعم؛ كما قال المؤلف، فإذا قال: يدك علي كيد أمك فهو مظاهر، هل تحريم البعض بالكل ظهار؟ بأن يقول: يدك علي كأمي؟ الجواب نعم ظهار، وهل تحريم الكل بالبعض ظهار؟
طلبة: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3248
الشيخ: نعم، أنت علي كيد أمي هذا ظهار، ولهذا قال: (فمن شبه زوجته أو بعضها ببعض أو بكل من تحرم عليه أبدًا بنسب أو رضاع)، أو مصاهر، ولهذا يعتبر كلام المؤلف رحمه الله فيه نقص (من ظهر) بيان لشبه، يعني شبه الظهر أو البطن أو عضو آخر لا ينفصل، ثم مثل؛ قال: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كبطن أمي، أنت علي كيد أمي، أنت علي كقدم أمي، كل هذا ظهار.
وإن شبهها بما ينفصل بأن قال: أنت علي كشعر أمي؟
طالب: لا ( ... ).
الشيخ: فليس بظهار؛ لأن شعر الأم ينفصل عنها، وإذا انفصل عنها لم يكن له حكم.
أنت علي كسن أمي: ظهار ولَّا غير ظهار؟ غير ظهار، لماذا؟ لأنه ينفصل.
أنت علي كظفر أمي: ليس ظهارًا؛ لأنه ينفصل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3249
(بقوله لها: أنت علي) يعني كظهر أمي (أو معي) يعني كظهر أمي، (أو مني) يعني كظهر أمي، (أو كيد أختي) فهو مظاهر.
(أو وجه حماتي) حماته أقارب زوجته، وهذا المحرمات بالصهر، إذا قال: أنت علي كوجه حماتي فهو من يحرم عليه من قبل زوجته؛ كأمها وجدتها مطلقًا أو بنتها وبنت بناتها إن كان قد دخل بالأم، هذه صيغة من الصيغ، أو: أنت علي حرام، إذا قال لزوجته: أنت علي حرام فإنه مظاهر، هكذا قال المؤلف رحمه الله، وهو على إطلاقه، فمتى قال الإنسان لامرأته: أنت علي حرام، سواء كان مطلقًا أو معلقًا بشرط فهو ظهار، ولكن هذا قول مرجوح، والصواب أن في ذلك تفصيلًا، فإذا قال: أنت علي حرام فالأصل أنه يمين، هذا الأصل، وإذا كان الأصل أنه يمين صار حكمه حكم اليمين، يكفر كفارة يمين، وتحل له، والدليل على هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2]، والزوجة مما أحل الله له، فإذا حرمها فهو يمين؛ كما قال عز وجل: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
أفهمتم؟
وما ذهب إليه المؤلف وغيره من الفقهاء قول مرجوح بلا شك، ولهذا صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن من حرم زوجته فإنه يمين (9)، هذا وجه.
الوجه الثاني: إذا قال: أنت علي حرام يريد الطلاق صار طلاقًا؛ لأن هذه الكلمة يصح أن يراد بها الطلاق، فإن الطلاق يحرم الزوجة، فإذا صح أن يراد بها الطلاق ونوى بها الطلاق فهي طلاق؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (10) وهذا نوى معنى ينطبق عليه هذا اللفظ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3250
الثالث: أن يقول: أنت علي حرام، منشئًا لتحريمها، يعني أنت علي حرام بدل أن تكوني حلالًا، فهنا نقول له: كذبت، إلا أن تكون في حال يحرم عليه جماعها؛ كالحائض، ويريد بذلك الجماع، فنقول: صدقت.
أفهمتم الثالثة هذه أم لا؟ الآن مثلًا إنسان بين يديه خبز، قال: هذا الخبز حرام صادق ولَّا كاذب؟
طلبة: كاذب.
الشيخ: كاذب، الخبز حلال، ما فيه إشكال، إذا قال: زوجتي حرام نقول: كذبت، هي من حلائلك، فهي حلال، وهذا إنما قصد الخبر عن حكم شرعي، فنقول: هذا كذب، إلا إذا نوى أنها حرام عليه في هذه الحال وهي حائض أو نفساء مثلًا، فنقول أيش؟ صدقت، وليس عليه شيء؛ لا فيما إذا كذب ولا فيما إذا صدق.
فصارت الأقسام ثلاثة: الأول: أن يقول: أنت علي حرام ويطلق، فهذه يمين، وعليه كفارة يمين إن استحلها، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى آخره [التحريم: 1]، فجعل الله التحريم يمينًا.
الثاني: أن ينوي بذلك الطلاق فتطلق، دليل ذلك أن هذا اللفظ صالح أن يراد به الطلاق؛ لأن الطلاق يحرم المرأة، فإذا نوى به الطلاق وقع الطلاق؛ لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (10).
الثالث: أن ينوي الحكم بالتحريم لزوجته، فماذا نقول؟ نقول: هو كاذب، الزوجة حلال كما قال عز وجل: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23] إلا إذا كانت في حال تحرم عليه، مثل أن تكون حائضًا أو نفساء أو محرمة بحج أو عمرة، فهنا نقول: هو صادق.
هذا القسم الثالث ليس فيه كفارة؛ لأنه إما كاذب أيش؟ وإما صادق، فلا حنث فيه.
هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وأدلته كما سمعتم.
قال: (أنت علي حرام أو كالميتة والدم) إذا قال: كالميتة فهو مظاهر، لكن لو قال: كالميتة أريد بذلك ميتة السمك يكون مظاهرًا أو غير مظاهر؟
طلبة: غير مظاهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3251
الشيخ: ليه؟
طلبة: حلال.
الشيخ: لأن ميتة السمك حلال، لكن عند الإطلاق إذا قيل: ميتة فإنما يراد بذلك الميتة المحرمة، متى يطرأ على بال الإنسان أن المراد ميتة السمك، لكن لو قال: أنا أريد ميتة السمك فاللفظ يحتمل فيصدق، ثم إنه قد يكون هناك قرينة تمنع دعواه أنه أراد ميتة السمك، وذلك فيما إذا كان في مغاضبة بينه وبين الزوجة، قال: أنت علي مثل الميتة، وهو يعني غضبان عليها، ثم قال: أردت ميتة السمك، فهنا القرينة تكذبه أو تصدقه؟
طالب: تكذبه.
الشيخ: تكذبه، يقال: هذا بعيد، أنت مغاضب لزوجتك، فقلت: إنها كالميتة من كراهتك لها.
الدم، إذا قال: أنت علي كالدم؟
طالب: مظاهر.
الشيخ: مظاهر ليش؟
طالب: الدم حرام.
الشيخ: لأن الدم حرام بنص القرآن، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] قال أردت الدم الذي يبقى في العروق أو أردت بالدم الكبد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» (11) فهل نصدقه أو لا؟ ينظر للقرينة، إذا كان هناك قرينة تدل على أنه صادق أو على أنه كاذب عمل بها.
(أو كالميتة والدم فهو مظاهر) هذا جواب قوله: (فمن شبه)، وتجدون الآن أن جواب الشرط بعيد عن الشرط، بينه حوالي ثلاثة أسطر، ولكن لا يضر، ما دام المعنى مفهومًا فتأخر الجواب لا يضر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3252
(فهو مظاهر) وإذا كان مظاهرًا ترتب عليه أحكام الظهار التي ستأتي إن شاء الله تعالى فيما بعد (وإن قالته لزوجها فليس بظهار) قالت وهي الزوجة لزوجها: أنت علي كظهر أبي، فليس بظهار، أو أنت علي كظهر أبيك، فليس بظهار؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] فلا تدخل الزوجة في كلمة ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ لأنه لو أريد الزوجة لقال: واللائي يظاهرن من أزواجهن، فكما أن الطلاق خاص بالرجال فالظهار خاص بالرجال، إذا قالته لزوجها نقول: ما فيه ظهار، ولكن إذا بذلت نفسها لزوجها وجامعها واستحل منها ما يستحل الرجل من امرأته فماذا عليها؟ يقول: (وعليها كفارته)، وهي عتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكينًا، وهذا من غرائب العلم؛ أن ينفى الشيء وتترتب آثاره، فهو يقول: إنه ليس بظهار ومع ذلك يقول: إن عليها كفارة الظهار، كيف ذلك إذا كان ليس بظهار كيف تلزم بكفارة الظهار، وهل يمكن أن يوجد الأثر دون المؤثر؟
أن يُنفى الشيء وتترتب آثاره، فهو يقول: إنه ليس بظهار، ومع ذلك يقول: إن عليها كفارة الظهار، كيف ذلك؟ إذا كان ليس بظهار كيف تُلزَم بكفارة الظهار؟ وهل يمكن أن يوجد الأثر دون المؤثر؟ لا تحابونني يا جماعة أن يوجد الأثر دون المؤثر، الظاهر أنكم ..
طالب: عادة لا يمكن.
الشيخ: عادةً أو عقلًا أو شرعًا، الكلام على هل يمكن أو لا؟
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن؛ لأني يُشم من كلامي أنه لا يمكن، أليس كذلك؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، إذن ما فيها محاباة، نعم، لا يمكن أن يوجد أثر بدون مؤثر أبدًا، فكيف نوجب على المرأة كفارة الظهار، ونحن نقول: إن قولها لزوجها: أنتَ عليَّ كظهر أبي أو كظهر أبيك؛ ليس بظهار، كيف يمكن؟ كيف نقول: عليه الكفارة وهو ما هو ظهار؟ ولهذا كان هذا القول من غرائب الأقوال.
الجزء: 2 - الصفحة: 3253
والصواب أنها إذا قالت ذلك فعليها كفارة يمين، لا كفارة ظهار، يعني لو قالت لزوجها: أنت عليَّ كظهر أبي، قلنا: هذا حرام بلا شك، وإذا مكنته من نفسها فعليها على القول الراجح؟
طالب: كفارة يمين.
الشيخ: كفارة يمين، تمام؛ لأن هذا يشبه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]، فإذا مكنت زوجها من نفسها بعد قولها: أنت عليَّ كظهر أبي أو كظهر أبيك، قلنا: عليها كفارة يمين، والمؤلف يقول: عليها كفارة ظهار، سبحان الله! كيف نُوجب كفارة ظهار فيما ليس بظهار؟ ! لكن أنتم تعلمون أن البشر يخطئ ويصيب.
(ويصح من كل زوجة) يعني يصح أن يُظاهر الزوج من أي زوجة كانت، فقوله: (من كل زوجة) بيان للمظاهر منها، لا للمظاهر؛ لأنه سبق أن الزوجة إذا قالت لزوجها: أنت عليَّ كظهر أبي، ليس بظِهار، فمعنى: (يصح من كل زوجة)؛ يعني يصح أن يظاهر الرجل من كل زوجة؛ سواء كانت صغيرة أو كبيرة دخل بها أم لم يدخل بها، المهم أن تكون زوجة، لو أن أحدًا قال لامرأة: أنتِ عَليَّ كظهر أمي قبل أن يعقد عليها، ثم عقد عليها، يصح الظهار أو لا يصح؟
لا يصح؛ لأنها لم تكن زوجة، لكن لا يجامعها حتى يكفر كفارة يمين، كما لو قال: والله لا أجامع هذه المرأة، ثم تزوجها؛ فإنها تحل له، ولكن يكفر كفَّارة يمين.
طالب: الخطاب من الشارع يعم النساء والرجال حتى ولو خص فيه الرجال كقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور: 62]؛ أي والمؤمنات أيضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: 90] يعم أيضًا المؤمنات، فالآن هنا الخطاب خُصَّ فيه الرجال، وعلى القاعدة، كيف نفرق؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3254
الشيخ: القاعدة هي الآن، إذا وُجِّه الخطاب للنساء فالرجال معهن، وإذا وجه للرجال فالنساء معهم، هذا الأصل إلا بدليل.
طالب: الدليل ( ... ).
الشيخ: الدليل في أيش؟
الطالب: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3].
الشيخ: الدليل في أن الزوجة لا يصح ظهارها؟ الدليل هو هذا الذي ذكرت: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ ولأن الظهار كالطلاق تمامًا، فكما أن المرأة لا تُطلِّق الزوج كذلك لا تظاهر منه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إذا زنا بأمها وهو قد جامع الزوجة؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: قد جامع الزوجة؟ متأكد؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: حكمه أن يُرجم حتى يموت، فهمت؟ هذه هي ما عاد بقي يتزوجها أو ما يتزوجها، لكن لو فُرض أنه أفلت من الرجم، هل تحرُم عليه زوجته؛ لأنها صارت بنت موطوءته أو لا تحرم؟
رجل جامع أُمَّ زوجته بعد أن وطئ الزوجة، نقول: إن أمكن أن يُطبَّق عليه الحكم الشرعي بأن يثبت ذلك ثبوتًا شرعيًّا فإنه يُرجَم، وإذا لم يمكن كما لو لم يكن هناك شهود والزوج لم يعترف فإن الزوجة لا تحرم عليه.
فإذا قال قائل: أليست ربيبة؟ الآن أصبحت ربيبة؛ لأنه جامع أمها؟
قلنا: لكن الله قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: 23]، والمزني بها ليست من النساء، فالوطء المحرَّم لا يؤثر في تحريم المصاهرة أبدًا، وقد مر علينا يا إخوان أن الوطء المحرَّم عند بعض العلماء موجِب لتحريم المصاهرة سواء كان زنا أو لواطًا حتى إن بعض العلماء يقول -عفا الله عنهم-: لو تلوط الرجل بصبي حرمت عليه أم الصبي وبنت الصبي، ولكن بيّنا فيما قبل أن هذا قول ساقط، لا يؤخذ به، ولم يجعل الله تبارك وتعالى السفاح كالنكاح أبدًا.
طالب: لو طلق الرجل زوجته، وأراد تأكيد طلاقها وهي في العدة، وقال: وأنتِ عليَّ كظهر أمي.
فهذا يعتبر يا شيخ تأكيدًا للطلاق، أو أنه يعتبر ظهارًا وهي في العدة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3255
الشيخ: يجب أن تعلم أن القول الراجح أنه لا طلاق يردف طلاقًا، ما يمكن، لو قال لزوجته: أنتِ طالق اليوم؛ يعني قاله اليوم، وغدًا قال: أنتِ طالق، وبعد غدٍ قال: أنتِ طالق، واليوم الثالث قال: أنتِ طالق، والرابع قال: أنتِ طالق كم تطلق؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة على القول الراجح، فهمت؟
بقينا إذا ظاهَر الزوج من امرأة معتدّة وهي رجعية فإنه يلحقها ظهار؛ لأن الله تعالى سمَّى الرجعية زوجة في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228]، فالرجعية يلحقها ظهار، ولا يلحقها طلاق.
طالب: ولو نوى تأكيد الطلاق؟
الشيخ: لو نوى تأكيد الطلاق، إذا نوى تأكيد الطلاق في مكان يصح فيه التوكيد، فإنه لا يُعتبر قولًا واحدًا.
الطالب: قال: قلت: هذا الكلام لئلا ترجع لي أبدًا.
الشيخ: لكن قال: طلاق ولا ظِهار؟
الطالب: لا، طلَّق، ثم قال: وأنتِ عليَّ كظهر أمي.
الشيخ: هذا ظهار، ولا يكون طلاقًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الشاهد: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: 2].
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) غير هذا فيه شيء أهم من الإضرار.
طالب: ( ... ).
الشيخ: تشبيه أحل شيء بأحرم شيء، وهذا نوع من المضادة لله عز وجل، رجل قال لامرأته: أنتِ عليَّ كأختك، هل المظاهرة صالحة ولَّا لا؟
طالب: ظاهر.
الشيخ: ظاهر، ماذا يدل عليه كلام المؤلف؟ لا تراجع.
الطالب: ( ... ) كلام المؤلف.
الشيخ: لا تراجع لكلام المؤلف.
طالب: كلام المؤلف ما دام تحرم عليه إلى الأبد، فهذا يكون ظهارًا.
الشيخ: السؤال فاهمه أنت الآن، فاهم من السؤال ولَّا لا؟ ما هو؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، السؤال اللي وجهناه قبل.
الطالب: كظهر أختك.
الشيخ: أنتِ عليَّ كظهر أختكِ، هل يكون مظاهرًا أو لا؟
الطالب: مظاهر.
الشيخ: مظاهر، ما الذي يقتضيه كلام المؤلف؟
طالب: أنه مظاهر.
الشيخ: لا.
طالب: أنه غير مظاهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3256
الشيخ: من أين أخذته من كلام المؤلف؟
الطالب: قوله: (بكل من تحرم عليه أبدًا).
الشيخ: نعم، (من تحرم عليه أبدًا) ( ... ) الزوجة؟
الطالب: لا تحرم أصلًا.
الشيخ: لا تحرم، المحرم: أن يجمع بينها وبين أختها، واضح؟ السؤال لك: قال لها: أنتِ عليَّ كأمكِ؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا تحرم، لماذا؟
الطالب: لأنها ليست مؤبدة.
الشيخ: أم الزوجة ما تحرم على الزوج تحريمًا مؤبدًا؟
الطالب: تحرم.
الشيخ: والله يقول: ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23].
إذن أعد الجواب، قال لزوجته: أنتِ عليَّ كأمكِ، أيكون مظاهرًا أو لا؟
الطالب: يكون مظاهرًا.
الشيخ: يكون مظاهرًا، كذا؟ متأكد؟ ما تقولون؟
طلبة: مظاهر.
الشيخ: صحيح مظاهر، قال لزوجته: يدك عليَّ كيدِ أمي؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إيه، كيد أمي.
الطالب: مظاهِر.
الشيخ: مظاهر.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، كيد أمي، يدك عليَّ كيد أمي؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: مظاهر.
لو قال قائل الآية الكريمة: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] وهذا ظاهر من البعض؟
طالب: البعض هذا يدل على الكل.
الشيخ: يعني ما يمكن يكون واحد يد امرأة حلالًا له وبقية بدنها حرامًا، هذا ما يمكن، فلما لم يكن متبعضًا صار البعض كالكل، امرأة غضبت علي زوجها وقالت: أنتَ عليَّ مثل أبيك؟
طالب: ليس ظهارًا.
الشيخ: ليس ظهارًا، ليش؟
الطالب: لأن الظهار خاص بالرجل والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3].
الشيخ: نعم، الظهار خاص بالرجل، هو الذي يظاهر كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ بارك الله فيك، ماذا تصنع لو أراد أن يأتيها؟
الطالب: ( ... ) في الصحيح أنها تكفر كفارة يمين.
الشيخ: الصحيح أنها تُكفِّر كفارة يمين، وغير الصحيح؟
الطالب: أنها عليها كفارة ظهار.
الشيخ: أن عليها كفارة ظهار، أحسنت، لماذا كان هذا هو الصحيح؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3257
طالب: لأن قولنا بأنها عليها كفارة ظهار هذا غريب أن المؤلف مشى على أنها لا يصح منها الظهار، فكيف يقول: عليك كفارة ظهار.
الشيخ: نعم، وليس بظهار.
الطالب: وليس هو بظهار.
الشيخ: لأن هو تناقض هذا، ( ... ) يقول: ليس بظهار، لماذا أوجبت؟
الطالب: لأن هذا مثل الحلف بالله عز وجل.
الشيخ: يعني لأنه قائم مقام ( ... ) أنك حرام علي، ما هو الدليل علي أن التحريم يمين؟ ما فيه دليل على أن تحريم ..
طالب: أحسن الله إليك.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا﴾ [التحريم: 1].
طالب: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2].
الشيخ: إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ( ... ) أو تحريم يمينًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (يصح الظهار معجلًا ومعلقًا بشرط) أربعة أحوال، أربع حالات، كقوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي، سواء قال: من الآن أو بعد شهر، أفهمت؟ هذا المعجل، إذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي في الحال ثبت الظهار.
أو (معلقًا بشرط) فإذا وجد الشرط صار ( ... ) كأن يقول: إن كلمتِ فلانًا فأنتِ عليَّ كظهر أمي، هنا الظهار معلق، متى يثبت؟
طالب: إذا وقع الشرط.
الشيخ: إذا كلمت فلانًا، إذا وقع الشرط ويصح (مطلقًا) بدون قيد (ومؤقتًا)، مطلق أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي.
مقيدًا مؤقتًا، قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي لمدة أسبوع، هذا مؤقت، فإذا انتهى الأسبوع زال الظهار؛ ولهذا قال: (فإن وطئ فيه) أي في هذه المدة (كفَّر وإن فرغ الوقت زال الظهار).
ويصح معلقًا أو لا يصح؟ يصح، المسألة الأولى: إذا مضى أسبوع فأنتِ عليَّ كظهر أمي، فهي حلال له قبل مضي الأسبوع، فإذا مضى ثبت الظهار، أنتِ عليَّ كظهر أمي لمدة أسبوع مؤقت، يكون مظاهرًا منها لمدة أسبوع، وإذا انقضى زال الظهار.
الجزء: 2 - الصفحة: 3258
قال: (ويحرم قبل أن يُكفِّر وطء ودواعيه ممن ظاهر منها) يعني يحرم على الإنسان إذا ظاهر من امرأته الوطء ومقدماته؛ يعني ما يتقدم الوطء من دواعي، كالتقبيل، واللمس، والضم، وتكرار النظر لشهوة، وما أشبه ذلك (يحرم قبل أن يُكفِّر).
الدليل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]، ولم يذكر ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فإذا كانت الكفارة عتق رقبة، فإنه يحرم أن يُجامِع حتى يُكفِّر؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، إذا كان صيام شهرين متتابعين حرم أن يطأ حتى يصوم شهرين متتابعين، إذا كان إطعام ستين مسكينًا حرم أن يطأ حتى يطعم الستين مسكينًا، هذا كلام المؤلف، وفيه مناقشة.
تحرير رقبة، إذا كان تحرير الرقبة يستلزم مدة شهرين أو ثلاثة؛ لأن الأرقة قليلون، ينتظر هذه المدة؟ أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ينتظر؛ لأمر الله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾.
فإذا قال: يا جماعة، أنا رجل شاب، لا أستطيع البقاء لهذه المدة، كيف تظلمونني ماذا نقول له؟ أجيبوا يا جماعة؟ أنت الذي ظلمت نفسك، من قال لك: ظاهر؟ ! ثم نقول: تزوج امرأة ثانية ما فيه مشكلة، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، لكن قد يكون فيه إشكال عنده، نقول: اصبر، أنت الذي ظلمت نفسك، ولو جاءنا إنسان يتظلم بشيء هو الذي كان سببه لتظلم عندنا من إذا طلَّق زوجته ثلاثًا، قلنا: حرام عليك، قال: ليش يا جماعة؟ ارحموني معها أولاد مني.
نقول: أنت الذي فعلت بنفسك.
رجل صام شهرين إلا يومًا واحدًا في آخر يوم جامع زوجته التي ظاهر منها، هل نقول: اصبر حتى تأتي باليوم هذا؟ أو نقول: أعد؟
طلبة: أعد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3259
الشيخ: نقول: أعد؛ لأن الله اشترط صيام شهرين متتابعين من قبل المسيس، فلا يمكن أن تجامع قبل صيام شهرين متتابعين، إذا لم يستطع، قال: ما أستطيع أن أبقى شهرين متتابعين صائمًا، ما أستطيع، نقول: انتقل إلى؟
طلبة: الإطعام.
الشيخ: إلى إطعام ستين مسكينًا، الآية الكريمة ليس فيها: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾.
فهل نقول: إن الله عز وجل لما قيد الكفارة بالعتق بكونها قبل التماس، والكفارة بالصوم بكونها قبل التماس؟ فتقييد ذلك بالإطعام من باب أولى؛ لأن الحصول على الإطعام أسهل من الحصول على الرقبة، أو أن يصوم شهرين متتابعين، بإمكانه أن يخرج بإطعام ستين مسكينًا، ويمر على عشرة بيوت من الفقراء كل بيت فيه ستة في خلال ساعة، فإذا كانت الكفارة المغلظة لا بد فيها من تقدمها على الوطء فغير المغلظة من باب أولى.
أو نقول: إن الله سبحانه وتعالى يسَّر في الإطعام في ذات الإطعام، ويسر في كونه ليس بشرط في حل الزوجة، وحينئذٍ لا يصح القياس؛ لأن الشارع راعى التسهيل والتيسير، فله أن يُجامِع قبل أن يطعم الستين مسكينًا؟ ونظير ذلك مسح الرأس مثلًا كم من مرة؟ مرة واحدة؛ لأنه لما يُسِّر في أصله يُسر في وصفه، هذه أيضًا يقولون: إن الله تعالى لم يشترط أن يكون الإطعام قبل الرجوع في الظهار، فنبقي الآية على ما هي عليه، لكن هناك حديث يؤيد القول بأنه لا بد لِحِلها من الإطعام، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل المظاهر: «لَا تَحِلُّ لَكَ -أو كلمة نحوها- حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ» (1)، ومما أمره الله به الإطعام، ولا شك أن هذا أحوط؛ أن نقول للزوج: لا تجامع زوجتك حتى أيش؟
طالب: تطعم.
الشيخ: حتى تكفر، حتى بالإطعام، وإذا كان أحوط وأجمع للأقوال كان الأخذ به أولى.
بقي أن يقال، المؤلف رحمه الله يقول: (وطء ودواعيه) دواعي الوطء؛ يعني كل ما يكون سببًا في الجماع، التقبيل من دواعي الوطء أو لا؟
طلبة: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3260
الشيخ: معلوم، إذا قبَّل الإنسان زوجته حتى وإن لم يكن فيه رغبة؛ فإنها سوف تثور شهوته، فهو من دواعي الجماع، النظر إليها بشهوة وتكراره من دواعي الجماع، الضم من دواعي الجماع، المهم دواعي الجماع، يقول المؤلف: إنها حرام، يحرم عليه دواعي الجماع.
وقال بعض أهل العلم: إن دواعي الجماع لا تحرم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3]، وعلى هذا فيجوز لها أن يُقبِّلها، ويضمها، ويخلو بها، ويكرر نظره إليها إلا إذا كان لا يأمن على نفسه، فحينئذٍ تكون له فتوى خاصة بماذا؟ بالمنع ولَّا بالجواز؟ بالمنع وإلا فالأصل الجواز، وهذا القول أصح؛ وذلك لأن الله تعالى حرَّم التماس؛ وهو الجماع، فأباح ما سواه بالمفهوم، لكن إذا كان هناك قضية خاصة بحيث يعلم الرجل من نفسه لقوة شهوته أنه لو فعل هذه المقدمات لجامع، فحينئذٍ نمنعه، نقول: لا يجوز.
فإن قال قائل: هل لهذا نظير أن يُمنع الإنسان من دواعي الوطء إذا مُنع من الوطء؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما هو؟
طالب: نهار رمضان.
الشيخ: نهار رمضان أيش؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا ( ... )، هذا شيء متفق عليه، لكن إذا كان الإنسان يملك نفسه أو شهوته، ما هي إلى ذاك القوة، لو يُقبِّل من الصبح إلى الليل ما صار شيء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لكن هل هناك دليل على أنه إذا حرم الجماع حرمت مقدماته حتى تفعله؟ هو نعم يقول: أنا ما أفعل ما أجامع، لكن لي أن أتلذذ بالتقبيل والضم، وما أشبه ذلك ( ... ).
طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: 32] ( ... ).
الشيخ: لو قال: من قبل أن يتقاربا؛ لا بأس، لكن ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ والمسؤول الآن ترون ما هو بمسألة الظهار، المسئول هل لنا شيء إذا حرم الوطء حرم دواعيه؟
طالب: الحيض يا شيخ.
الشيخ: أيش فيها؟
الشيخ: إحنا نقول عكس ما تريده الآن، أنه إذا حرم الوطء حرمت دواعي الوطء.
الطالب: الطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3261
الشيخ: الطلاق ويش فيه؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، غلط.
طالب: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] فحرم المباشرة لتحريم الوطء وهو معتكِف يحرم الوطء.
الشيخ: من قال يحرم؟
الطالب: في المسجد؟
الشيخ: إي.
الطالب: يحرم الوطء.
الشيخ: من يقوله؟
الطالب: الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: ماذا قال؟
الطالب: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ [البقرة: 187]، فلما حرم المباشرة.
الشيخ: ﴿لَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني تجامعوهن.
الطالب: لكن قد تحمل على المباشرة ( ... ).
الشيخ: إذا قلنا يعني تنزلًا أن الآية: ﴿لَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، تشمل المباشرة بالوطء، والمباشرة باللمس ونحوه، فهنا دلّ اللفظ على ذلك، وكلامنا على أنه من لازم تحريم الوطء تحريم المباشرة ودواعي الوطء.
طالب: الْمُحرِم بالحج أو العمرة.
الشيخ: الْمُحرِم بالحج أو العمرة، بارك الله فيك، المحرم دل الدليل على أنه يحرم عليه بدون تلازم حتى المحرم يحرم عليه أن يخطب الخِطبة، وهي خِطبة ما هي ( ... )، المهم أنه ليس هناك دليل على أنه متى حرم الجماع في عبادة حرم دواعيه أبدًا، ولذلك انظر الصائم يحرم أن يجامع، ويجوز أن يباشر، الحائض يحرم وطؤها وتجوز مباشرتها، فلا تلازم.
طالب: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3]، هل لفظ النساء تدخل فيه الأمة؟
الشيخ: لا، ما يدخل فيها، النساء يعني الزوجات فقط، الأمة لو ظاهر منها فهو يمين إلا إذا كانت زوجة، مثل أن يتزوجها عبد وظَاهَر منها فيصح ظهاره.
طالب: كل ما يفضي إلى محرم فهو محرم، محرم دواعيه، الوطء، قاعدة شرعية: كل ما يفضي إلى فهو محرم، وهذا من باب سد الذرائع، ما رأيكم؟
الشيخ: رأينا: لا.
الطالب: كيف؟
الشيخ: لأن كثيرًا من الناس يملك نفسه، يباشر، ولكن لا يمكن أن يجامع.
الطالب: ليست قاعدة يعني؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3262
الشيخ: ما هي قاعدة، إذا كان ذرائع صحيح، أليس الصائم يحرم عليه أن يجامع ويحل له أن يباشر؟ نعم ولَّا لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب.
الطالب: الجزء الثاني يا شيخ بالنسبة للسلام؛ يعني إذا أشكل عليك هل هو مسلم أو كافر؟
الشيخ: إذا كان هناك علامة -إذا أشكل عليك هو مسلم أو كافر تسلم عليه أو لا تسلم، إن كان هناك علامة- بحيث يكون الكفار لهم يعني هيئة معينة أو حُلى معين، فهنا اعمل بالظاهر، فإن لم يكن فالأكثر، اعتبر الأكثر، إذا كان هذا البلد الأكثر فيه مسلمون فسلِّم.
طالب: إذا انتقل إلى البدل، ثم يا شيخ وجد مالًا يستطيع أن ( ... )، هل نقول: ارجع إلا العتاق أو يستمر في البدل؟
الشيخ: لا بأس، إذا انتقل الإنسان إلى الأقل، ثم وجد الأعلى، فلا بأس أن يرجع، نظير ذلك المتمتع، إذا لم يجد الهدي، وشرع في الصوم، ثم وجد الهدي في أثناء الصوم فله أن يعدل إلى الهدي.
طالب: لكن ما نلزمه؟
الشيخ: ما نلزمه.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 3] هل نفهم منها أن كل مكروه يصيب الإنسان لا بد أن يكون بذنب، فإذا كان الأمر كذلك فما الجمع بين ذلك وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» (2).
الشيخ: الآية ظاهرها كما قلت، ويحتمل أن المعنى أن ما أصابكم من المصائب فهو بذنوبكم؛ يعني فلا تغضبوا مثلًا أو تنكروا هذا، ولا يلزم من ذلك أن هناك مصائب بغير الذنب، والمصائب بغير الذنب تكون امتحانًا للعبد، هل يصبر أو لا يصبر لترتفع درجاته ( ... )؟
طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب الظهار: ولا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطء وهو العود، ويلزم إخراجها قبله عند العزم عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3263
وتلزمه كفارة واحدة بتكبيره قبل التكفير من واحدة، ولظهاره من نسائه بكلمة واحدة، وإن ظاهر منهن بكلمات فكفارات.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى، لما ذكر أن الظهار يصح على أربعة أوجه؛ الأول؟
طالب: معلق بشرط.
الشيخ: الأول: معلق بشرط، مثل؟
الطالب: أن يقول ..
الشيخ: مثل أن يقول: إن كلمتِ فلانًا فأنتِ عليَّ كظهر أمي، فكلمته، يصح الظهار أو لا؟
الطالب: يصح.
الشيخ: لكن هذه المسألة على القول الراجح إذا قصد منعها دون تحريمها فهو يمين وليس ظهارًا؛ بمعنى أنه يكفر كفارة يمين؛ لأن الرجل يقول: أنا ما أردت تحريم زوجتي، وإنما أردت منعها كالطلاق تمامًا، كما أنه إذا قال: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق، قصده المنع؛ يعني اليمين لم تطلق، الصورة الثانية مؤقتة، مثاله؟
طالب: كأن يقول لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي لمدة أسبوع.
الشيخ: الثالثة؟
طالب: معجلًا: أنتِ عليَّ كظهر أمي.
الشيخ: معجلًا، فيقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي.
طالب: أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ولا يحدد، لا بوقت ولا ( ... ).
الشيخ: ما هذا المعجل، أعد الأربع صور؟ مطلق يعني معناه ما قيد بزمن، والمطلق يكون معجلًا، هو نفس المعجل، المعجل أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ولا يقيد، لا مؤقت، ولا مقيد بشرط، والمعلق بشرط أن يقول: إذا قدم فلان فأنتِ عليَّ كظهر أمي، والمقيد بوقت المؤقت، يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي لمدة أربعة أيام، وهذا إذا فرغ الوقت زال الظهار فالواقع المطلق والمعجل يتفقان سواء.
هل يجوز للمظاهِر أن يستمتع بزوجته في غير الجماع؟ فيه خلاف.
طالب: ( ... ) لأنه لا يجوز له الجماع ولا المماسة ( ... )، وقيل: إنه يجوز له المماسة دون الجماع.
الشيخ: المماسة دون الجماع، هذا تعبير جديد، هذا! !
الطالب: المباشرة يعني.
الشيخ: الصباح صباح جديد! !
الطالب: قيل: إنه يجوز له الجماع.
الشيخ: قيل: إنه يجوز له دواعي الجماع، وقيل: لا يجوز، هذا هو، كذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3264
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل على أنه لا يحرم إلا الجماع؟ الدليل قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3]، والمراد المجامعة، وما هو دليل أو تعليل من يرى أنه يحرم مقدمات الجماع؟
طالب: يحرم ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو ( ... )، ما هو الدليل على أنه يحرم دواعي الوطء؟
الطالب: الذي يحرم ( ... ) الإتيان.
الشيخ: إي نعم، يعني من باب سد الذرائع، وقياسًا على الْمُحْرِم؛ لا يجوز أن يجامع ولا أن يباشِر.
القول الذي أميل إليه: أنه يجوز إلا إذا جاء في السنة ما يدل دلالة واضحة على أنه لا يجوز.
قال المؤلف رحمه الله: (ولا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطء وهو العود) يعني كفارة الظهار -وستأتي إن شاء الله- لا تثبت في الذمة إلا بالوطء، فمتى وطئ ثبتت الكفارة، وأما قبل فلا تثبت.
ولكن يقول: (يلزم إخراجها قبله) أي: قبل الجماع؛ فهي لا تثبت إلا بوطئه، فإذا عزم على الوطء قلنا له: الآن كفِّر، يجب أن تُخرج الكفارة قبل الحنث؛ بخلاف اليمين بالله عز وجل، فاليمين بالله يُخير الإنسان بين أن يكفر قبل الفعل أو يفعل، ثم يكفر؛ بمعنى لو قال الإنسان، مثاله: لو قال: والله لا أكلم فلانًا، ثم ندم وأراد أن يكلمه، نقول: إن شئت كلِّمه، ثم كفِّر، وإن شئت كفِّر، ثم كلِّمه، لكن في الظهار ما نقول هكذا.
نقول: إذا عزمت على الجماع -وهو الرجوع- وجب عليك إخراج الكفارة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] ﴿صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4]، فيجب أن تُخرج قبل أن ترجع للمرأة.
فإن قال قائل: ما الحكمة في أن هذه الكفارة من بين سائر الكفارات لا بد أن تُخرَج قبل الحنث؟
فالجواب: لأن الظهار ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2]، فهو عظيم وقبيح، فشُدِّد على الإنسان فيه، هذه واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3265
ثانيًا: لأنه لو جامع قبل أن يُكفِّر لأوشك أن يتهاون، ويتوانى في الإخراج، فحُرم من هذه الزوجة حتى يُكفِّر.
(ويلزم إخراجها قبله عند العزم عليه) هل تتعدد الكفارات أو لا؟ بينها المؤلف، قال: (وتلزمه كفارة واحدة بتكريره قبل التكفير من واحدة)؛ يعني معنى ذلك أنه إذا كان الْمُظاهِر منها واحدة، وكرره قبل أن يُكفِّر لم تلزمه إلا كفارة واحدة كالإنسان المتوضئ إذا بال تغوَّط، خرج منه الريح، أكل لحم الإبل، كم يلزمه من وضوء؟
طلبة: واحد.
الشيخ: واحد، هذا مثله، فإذا قال لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم أعاده مرة ثانية، ثم مرة ثالثة، ثم رابعة، ثم خامسة، ثم عاد، ماذا يلزمه؟
طلبة: كفارة واحدة.
الشيخ: كفارة واحدة، فإن قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم عزم أن يعود وكفَّر، ثم قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، هل تلزمه كفارة واحدة أو كفارتان؟
طلبة: كفارتان.
الشيخ: الجواب: تلزمه كفارتان؛ لأن الكفارة الأولى انتهت، أخرجها، وبرئت ذمته منها، لو عزم على أن يعود قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وعزم على أن يعود، ثم ظاهر ثانية قبل أن يجامِع، هل تلزمه كفارة واحدة أو كفارتان؟ كفارة واحدة، عندكم (وإن ظاهر) ولَّا (وظهاره)؟
طلبة: (وإن ظاهر).
الشيخ: (وإن ظاهر من نسائه بكلمة واحدة).
طالب: (ولظهاره).
الشيخ: (ولظهاره) عندكم؟
طالب: (ولظهاره).
الشيخ: باللام يعني.
طالب: نعم.
الشيخ: (ولظهاره من نسائه بكلمة واحدة)؛ يعني وتلزمه كفارة واحدة إذا ظاهر من عدد، لكن (بكلمة واحدة) تلزمه كفارة واحدة، كما لو كرره بالنسبة للمرأة الواحدة، ماذا يصنع؟ إن كفَّر عن الأول كفَّر عن الثاني، وإن لم يُكفِّر عن الأول كفته كفارة واحدة، لكن إذا ظاهر من نساء متعددات عنده عشر مملوكات، وأربع حرائر فَظَاهَرَ من العشرة بكلمة واحدة، كم يلزمه؟
طلبة: كفارة واحدة.
الشيخ: كفارة واحدة؟
طلبة: ليس عليه كفارة.
الشيخ: ليه؟
طالب: ليست زوجة.
الشيخ: لا، أربع زوجات.
الجزء: 2 - الصفحة: 3266
طلبة: ( ... ).
الشيخ: وست إماء؟
طالب: ما عليه شيء.
الشيخ: ما عليه شيء، نقول: هذا يجب أن نفصل بالنسبة للإماء؛ كفارة يمين، وبالنسبة للحرائر الزوجات: كفارة ظهار، كفَّر من الحرائر بكلمة واحدة، فقال لهن: أنتن عليَّ كظهر أمي، ثم عزم أن يعود، فماذا يلزمه من الكفارة؟
واحدة؛ وذلك لأن الصيغة واحدة.
فإن ظاهر منهن بكلمات فقال مثلًا لواحدة: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فصاحت أختها: كيف تفعل يا فلان؟ تقول المنكر والزور؟ قال: وأنتِ عليَّ كظهر أمي.
فردت الثالثة وقالت: اتقِ الله، هذا منكر، ولا يجوز.
قال: وأنتِ عليَّ كظهر جدتي.
صاحت الرابعة فقال لها: وأنتِ عليَّ كظهر بنتي، كم يلزمه؟
طلبة: أربع كفارات.
الشيخ: أربع ليش؟ لأنه أفرد كل واحدة بظهار، فيلزمه أربع كفارات، فصار الآن لحصر المسألة إذا ظاهر من واحدة وكرر الظهار، هل تتعدد الكفارة أو لا؟ فيه تفصيل: إن كفَّر تعددت الكفارة، وإن لم يُكفِّر فواحدة، إذا ظاهر من جماعة من النسوة؛ إن كان بكلمة واحدة فكفارة واحدة، وإن كان بكلمات فكفارات، هذا خلاصة ما قال المؤلف رحمه الله.
كفارة الظهار
ثم قال رحمه الله: (فصل: كفارته عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا) ثلاث مراتب على الترتيب؛ أولًا: أن يعتق رقبة؛ أي يُحرِّر رقيقًا، سواء كانت الرقبة صغيرة أو كبيرة ذكرًا أو أنثى، المهم أن يعتق رقبة.
(فإن لم يجد) أي إن لم يجد مالًا أو لم يجد رقبة، أو لم يجدهما جميعًا انتقل إلى المرتبة الثانية (صام شهرين متتابعين)؛ يعني لا يفطر بينهما، ولا بيوم واحد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3267
(فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا) فما هو الدليل على أن هذه هي الكفارة؟ الدليل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3]، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]، إذن النص على هذه الخصال في القرآن الكريم، وترتيبها أيضًا في القرآن الكريم، ولا نزاع في ذلك.
بقي أن يقال: (إن لم يجد صام شهرين متتابعين) لو كان الإنسان مريضًا مرضًا يرجى برؤه، فهل يُؤجِّل الصيام أو يطعم؟
فالجواب: يؤجل ما دام يرجى زوال عجزه فإنه يؤجل كرمضان تمامًا، أما إذا كان لا يُرجى كشيخ كبير ومريض بمرض لا يرجى زواله، فهنا نقول: أطعِم ستين مسكينًا، إطعام ستين مسكينًا، هل هو تمليك أو إطعام؟ نقول: القرآن الكريم يقول: إنه إطعام، ولم يقل: أعطوا، قال: أطعموا، وحينئذٍ نعلم أنه ليس أيش؟
طلبة: تمليكًا.
الشيخ: ليس بتمليك، وبناءً على ذلك نقول: إطعام ستين مسكينًا له صورتان: الصورة الأولى: أن يصنع طعامًا -غداء أو عشاء- ويدعو المساكين إليه، ويأكلون وينصرفون.
الصورة الثانية: أن يعطي كل واحد طعامًا ويصلحه بنفسه، ولكن مما يؤكل عادة، إما مُدّ بُر أو نصف صاع من غيره، في عهدنا ليس يُكال الطعام، ولكنه يُوزن، فنقول: تقدير ذلك كيلو من الرز لكل واحد، وينبغي أن يجعل معه ما يُؤدمه من لحم ونحوه ليتم الإطعام، أفهمتم؟ وهل هذا العدد مقصود أو المقصود طعام هذا العدد؟
المقصود إطعام هذا العدد، لا طعامهم؛ بمعنى لو أن إنسانًا تصدق بما يكفي ستين مسكينًا على مسكين واحد؟ يجزئ أو لا يجزئ؟ لا يجزئ ( ... ) مسكينًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3268
لو أطعم ثلاثين مسكينًا على مرتين يكفي أو لا؟ لا يكفي؛ لأن العدد منصوص عليه فلا بد من اتباعه، اللهم إلا ألا يجد أحدًا إلا ثلاثين مسكينًا، فهنا نقول: لا بأس للضرورة.
لو قال قائل: ما الحكمة في أنه يصوم شهرين متتابعين، وأنه يطعم ستين مسكينًا؟ نقول: هذا السؤال غير وارد؛ لأن هذا لا مجال للعقل فيه، وإلا لقلنا: كيف صارت الصلوات خمسًا؟ وكيف صارت الظهر أربعًا مثلًا؟ هذا لا مجال للعقل فيه، وإنما وظيفة المؤمن التسليم، وأن يقول: سمعنا وأطعنا.
فإن قال قائل: وهل إطعام الستين مسكينًا مربوط بصيام شهرين متتابعين؟ يعني بمعنى أنه جُعل عن كل يوم إطعام مسكين؟ الظاهر لا، الظاهر أنه ليس هذا الإطعام عن الصيام بدليل أنه لو صام شهرين متتابعين ثمانية وخمسين يومًا أجزأ أو لم يجزئ؟
طلبة: نعم، يجزئ، وافق الشهرين.
الشيخ: إي، شهرين متتابعين، ثمانية وخمسين يومًا.
طالب: ما يجزئ.
الشيخ: ما يجزئ.
طالب: يجزئ.
الشيخ: يجزئ، ما فيه واحد يقول: فيه تفصيل، نقول: يجزئ؛ لأن الله قال: ﴿صِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]، فإذا كان الشهر الأول ناقصًا، والثاني ناقصًا، كم يصوم ثمانية وخمسين يومًا، فيجزئ عوضًا عن الصيام، لكنها تجزئ على أنها خصلة مستقلة.
قال: (صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا) (ولا تلزم الرقبة) اسمع شروط وجوبها الإعتاق، (ولا تلزم الرقبة إلا لمن ملكها)؛ يعني كانت عنده من قبل.
(أو أمكنه ذلك) أي: أمكنه ملكها.
(بثمن مثلها فاضلًا عن كفايته دائمًا وكفاية من يمونه، وعما يحتاجه من مسكن وخادم ومركوب، وعرض بذلة، وثياب تجمل، ومال يكون كسبه بمؤنته، وكتب علم، ووفاء دين)
الجزء: 2 - الصفحة: 3269
يعني الشرط، خلاصة كلام المؤلف: أنه لا تجب الرقبة إلا لمن ملكها، أو أمكنه ذلك بشروط؛ أولًا: بثمن مثلها، فإن لم يجد رقبة إلا بزيادة، مثل أن يكون ثمن هذا العبد عشرة آلاف، ولم يجد إلا بخمسة عشر ألفًا، فهنا لا تلزمه الرقبة؛ لأن هذه الزيادة خارجة عن العادة، وقيل: بل تلزمه إذا كانت لا تُجحِف بماله، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه إذا كان غنيًّا، ولا يهمه أن تزيد القيمة، فهل يصح أن نقول: إنه لم يجد؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يصح، فمثلًا لو قدرنا أن الرجل الذي ظاهَرَ عنده خمسين مليون ريال، ووجد رقبة بعشرين ألفًا، وقيمتها العادة بعشرة، هل يلزمه أن يعتق أو لا؟
طلبة: يلزمه.
الشيخ: لا، على كلام المؤلف لا يلزمه، وعلى القول الثاني الذي اخترناه يلزمه؛ لأن قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء: 92] يدخل فيه من وجدها بثمن زائد، فيجب تحصيلها إلا إذا كانت الزيادة تجحف بماله مثل أن يكون يجد رقيقًا قيمته عشرة، يجده بعشرين، لكن إذا أخذ عشرين من ماله أجحف به وضره، فهنا نقول: إنه في حكم من لم يجد، والله أعلم.
طالب: يا شيخ -أحسن الله إليكم- بالنسبة يعني إطعام مسكين، هل يلزم يعني إطعام مسكين في وقت واحد أو يعني يقسم المساكين إلى ثلاثة أقسام، اليوم يعني يقسم عشرين وغدًا عشرين، وبارك الله فيك؟
الشيخ: إي، لا بأس، يعني الإطعام سواء أطعمهم متفرقين أو مجتمعين ربما يجد مثلًا عشرة أبيات في كل بيت ستة فيُطعم هذه الستة.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- هل نفصل رمضان؟ يعني الصيام لو سافر أو مرض يجوز له أن يقطع، أو إذا ذهب إلى الحج وهو مثلًا لم يجد الهدي، ويريد أن يصوم ما عليه؟
الشيخ: ما فهمت السؤال!
الطالب: بالنسبة للصيام ستين يومًا إذا مرض ..
الشيخ: هذا بيجينا الآن، بماذا ينقطع التتابع؟ هذا سيأتينا في كلام المؤلف إن شاء الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3270
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- هل يجب على الإنسان في هذه الكفارة كفارة الظهار على الفور ( ... ) من الظهار؟
الشيخ: كل الكفارات تجب على الفور إلا أنه لا يجب عليه بالنسبة للمُظاهِر إذا عزم فإنه لا يطأ حتى يكفر.
الطالب: عزم على التوبة، ولا على الوطء؟
الشيخ: عزم على الوطء.
طالب: تاجر عنده مثلًا مئة عبد ممكن مثلًا يظاهر زوجته، ثم يعتق من ها العبيد الذين عنده، أو تغلظ عليه الكفارة صيام شهرين؟
الشيخ: لا، يعتق من اللي عنده.
الطالب: ما تنتقل بحقه .. ؟
الشيخ: لا، ما يجوز، هذه سياسة باطلة وإلا فإن بعض أهل العلم -غفر الله لنا ولهم- حصل من أحد البنوك وجوب كفارة عليه؛ عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، فقال: أرى أن نُلزم الأمير أو الخليفة بصيام شهرين متتابعين؛ لأن هذا أثقل عليه، فنقول: هذا اجتهاد في مقابلة النص؛ فهو مردود، والشارع لم يلاحظ الأسهل والأغلظ على الفاعل أو على الْمُكفِّر، راعى مصلحة المكفَّر به، فهذا العبد الذي حرَّره ينتفع.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، لو ظاهر منهن بعطف بدون أن يكرر، هل يعتبر تكرار .. ؟
الشيخ: ويش لون يعني؟
الطالب: كأن يقول: أنتِ مثلًا، يخاطب إحداهما يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وأنتِ وأنتِ وأنتِ؟
الشيخ: كله واحد، هذا تكرار.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا يُكثر الإنسان من الحلف كثيرًا، ثم بعد وقت يُكفِّر عن كل ما حلف بكفارة يمين واحدة، هل يجزيه هذا، ويا شيخ -أحسن الله إليك- إذا جمع المساكين، ثم فيه نوع من الزيت هو حلو في الطعم، لكنه يقلل من الأكل؛ يعني ممكن يكفيهم نص الطعام إذا صب عليه هذا الزيت وهو حلو في المذاق، هل له أن يصب هذا الزيت حتى يقللوا من الطعام؟
الشيخ: هذه حيلك، تحيلت علينا من وجهين؛ من جهة الطعام، ومن جهة سألت سؤالين في سؤال واحد، ما نسمح لك إلا بسؤال واحد؟
الطالب: يا شيخ واحد.
الشيخ: واحد فقط.
الطالب: طب الأول.
الشيخ: ما هو؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3271
الطالب: إنسان يحلف كثيرًا، وبعد وقت من الزمن يُكفِّر يمينًا واحدًا، هل يجزيه عن كل ما حلف؟
الشيخ: تعدد الكفارة إن تعدد المحلوف عليه تعددت الكفارة.
الطالب: ما ( ... ) يا شيخ هذا.
الشيخ: إن تعدد المحلوف عليه مثل أن يقول: والله لا أُكلم زيدًا، والله لا أخرج من البيت، والله لا أرسل الشيء لفلان، فهنا يلزمه ثلاث كفارات وإن لم يتعدد، بل كرر على شيء واحد، فإنه لا تلزمه الكفارة، لا تتعدد، وإن تعدد المحلوف عليه دون الصيغة بأن قال: والله لا آكل هذا الطعام، ولا أخرج من البيت ولا أكلم زيدًا فكفارة واحدة.
السؤال الثاني: ما يمكن ( ... ) أولًا: فيه حيلتان؛ حيلة أنه دخله في السؤال الأول، والحيلة الثانية أنه بيخلي هذا ما يأكل إلا نصف ( ... ).
طالب: هل يوجد في عصرنا الحاضر عتق رقبة أم متعذر الآن؟
الشيخ: والله الظاهر أنه ما يوجد، قيل: إنه كان موجودًا في إفريقيا في الحروب التي بينهم وبين النصارى، لكن تبين أنه لا يوجد، وهذا تكلمنا متى؟
طلبة: أمس.
الشيخ: البارحة، في الصباح؟ ( ... ).
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال صاحب الزاد رحمه الله تعالى: ولا تلزم الرقبة إلا لمن ملكها أو أمكنه ذلك بثمن مثلها فاضلًا عن كفايته دائمًا وكفاية من يمونه، وعما يحتاجه من مسكن وخادم ومركوب وعرض بذلة، وثياب تجمل، ومال يقوم كسبه بمؤنته، وكتب علم ووفاء دين، ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة سليمة من عيب، يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا كالعمى والشلل ليد، أو رجل، أو أقطعهما، أو أقطع الإصبع الوسطى، أو السبابة أو الإبهام أو الأنملة من الإبهام، أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
الجزء: 2 - الصفحة: 3272
ففي هذا الفصل بيَّن المؤلف رحمه الله، وكذلك في الذي بعده كفارة الظهار وهي: عِتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
بيَّن شروط وجوب العتق فقال: (ولا تلزم الرقبة إلا لمن ملكها)؛ يعني لمن كانت عنده بشرط ألا يحتاجها لخدمة، فإن احتاجها لخدمة فإنه لا يجب عليه عتقها (أو أمكنه ذلك) أي أمكنه ملكها (بثمن مثلها)؛ يعني لا يُرفع ثمنها عليه، فإذا كان ثمن مثلها عشرة، وقيل له: لا نبيعها إلا باثني عشر فإنه لا يلزمه، وسبق لنا أن القول الراجح هو أنها تلزمه إلا إذا أجحفت بماله؛ يعني ضرته، فهنا لا تلزمه، أما إذا كان قادرًا، ولا تجحف بماله، فلو زادت قيمتها عن ثمن مثلها أضعافًا مضاعفة؛ لأنه قادر (بثمن مثلها فاضلًا عن كفايته دائمًا وكفاية من يمونه).
قوله: (عن كفايته دائمًا) من يستطيع أن يُقدِّر هذا؟ من يستطيع أن يقول: إن هذا يكفيني دائمًا؟ الإنسان لو كان عنده مال قارون، لا يستطيع أن يحكم بأن هذا المال يكفيه دائمًا؛ لأنه قد يأتيه مثلًا آفات تتلف هذا المال، أو أحوال لمالكه تقتضي إتلافه كمرض ونحو ذلك، لكن العلماء يقولون: إن معنى هذه العبارة أن يكون لديه عمل تجارة أو نحو ذلك تكفيه، فإن الأصل بقاء القدرة على هذه التجارة التي بها يحتفظ بكفايته دائمًا.
(وكفاية من يمونه) أي: من عليه مؤنته كالزوجة والأولاد والآباء والأمهات وما أشبه ذلك.
(وعما يحتاجه) أيضًا (عما يحتاجه من مسكن وخادم ومركوب) (عما يحتاجه من مسكن) كلمة (يحتاجه) مهمة جدًّا؛ يعني إذا كان لديه مسكن يكفيه نصفه، وجب عليه أن يبيع النصف الآخر ليعتق الرقبة، ولا نقول: هذا المسكن يبقى وأنت لا تحتاج إلا جزءًا منه، فإذا قال: إذا بعتُ نصفه صار مشقصًا عليَّ، وربما يؤذيني الذي يشتريه؟
قلنا: هناك طريقة أخرى، وهي: أن يبيعه كله، ويشتري مسكنًا يناسبه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3273
الثاني قال: (وخادم) عما يحتاجه من خادم، الخادم يكون عند الإنسان عن طريق الترفه والتنعم، وعن طريق الحاجة، فإذا كان شيخًا كبيرًا يحتاج من يساعده إذا قام للمرحاض، إذا قام يصلي، إذا قام يلبس الثياب، وما أشبه ذلك، فهذه أيش؟ هذه حاجة، أما إذا كان عنده خادم، لا يحتاجه إلا أن يقول: قدِّم لي حذائي، افرش لي فراشي، احركلي الشاهي حتى يذوب السكر، هذا يحتاج إليه ولَّا ما يحتاج؟ ما يحتاج، ترف، هذا لا يحتاج، نقول: بعه واشترِ رقبة، لكن المراد ما يحتاج من خادم.
(ومركوب) ما يحتاج من مركوب، إذا كان غنيًّا، فمعلوم أن مركوبه سيكون فخمًا، وإذا كان وسطًا مركوبه وسط، وإذا كان فقيرًا مركوبه مركوب فقير، هذا رجل وسط، أحواله وسط، لكن عنده سيارة فخمة لا يركبها إلا الملوك وأبناؤهم، وقال: والله إن عليَّ عتق رقبة، والسيارة اللي معي شبح ضد الرصاص، وضد الانقلاب، وضد وضد، أستطيع أن أبيعها وأشتري سيارة تكفيني، وأشتري رقبة بما زاد من الثمن، فهل يلزمه أن يبيعها أو لا؟ نعم، يلزمه أن يبيعها حتى لو قيل: إنه يلزمه أن يبيعها مطلقًا؛ لأنها بالنسبة إليه إسراف وتجاوز للحد، لو قيل بهذا لكان له وجه؛ لأنه يجب أن يعرف الإنسان منزلته وقدره في قومه.
إذن نقول: (ما يحتاجه من مسكن وخادم ومركوب) ما يحتاجه من مركوب.
(وعرض بذلة وثياب تجمُّل) عرض البذلة؛ يعني الأشياء التي تكون مهنته كثياب البيت مثلًا، أواني البيت وما أشبه ذلك.
(ثياب تجمل) ( ... ) أو بما يتجمل به مَنْ هو أعلى منه؟ بما يتجمل به مثله، عنده مثلًا بشت، تعرفون البشت أيش؟
طالب: البشت.
الشيخ: البشت البشت! هذا ما يصلح هذا، ما هو تعريف المشلح، أتعرفون المشلح؟
طالب: العباءة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3274
الشيخ: العباءة ( ... )، هذا إنسان عنده عباءة تساوي مبلغًا كبيرًا؛ لأنه لا يلبسها إلا الملوك وهو من دونة الناس، هل نقول: بعها واشترِ عباءة تناسبك؟ نعم؛ لأن قول المؤلف: (ثياب تجمُّل) أي فيما يتجمل به مثله، واضح؟
(وثياب تجمُّل) لو كان الإنسان مما يلبسون الخاتم -وهو لبسه لا بأس به- عليه خاتم من معدن نفيس كريم كما يقولون، يستطيع أن يبيعه بقيمته العالية، ويشتري خاتمًا على قد نفسه، هل يبيعه ويشتري خاتمًا على قده؟ نعم؛ لأن هذا زائد.
(ومال يقوم كسبه بمؤنته) أيضًا لا بد أن يكون ثمن الرقبة فاضلًا عن مال يكون كسبه بمؤنته، رجل عنده مثلًا عشرة آلاف، يبيع ويشتري فيها، يكسب فيها هذا الكسب للمؤنة، هو يقول: لو اشتريت الرقبة بعشرة آلاف قدرت على هذا، لكن أبقى بعد ذلك أيش؟ أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: عادمًا.
الشيخ: عادمًا، ما عندي شيء، وإن بقيت لي العشرة صرت أبيع بها وأشتري على حسب الحال، وكسبها يكفيني النفقة، هل يلزمه أن يشتري بهذا المال الذي يحتاجه إلى كسبه؟ لا؛ لأن هذا إضرار به، ولذلك قال: (ومال يقوم كسبه بمؤنته وكتب علم) (كتب علم) إنسان طالب علم، عنده، يحتاج إليها، فهل نقول: بِعْ هذه الكتب ( ... )، أو نقول: أبقها وصُم؟ الأول أو الثاني؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، الإنسان يحتاج إلى كتب العلم، ولكن لاحظوا أن من كتب العلم ما لا يحتاجه إلا بعد عشر سنوات، ومن كتب العلم ما يحتاجه يوميًّا، ومن كتب العلم ما يحتاجه كل شهر أو كل سنة حسب الحال، فالكتب التي يندر أن يحتاج إليها إذا كانت قيمتها يحصل بها إعتاق رقبة وجب عليه بيعها لا سيما إذا كان في مدينة فيها مكتبة عامة، يستطيع إذا عرضت له هذه المسألة بعد سنة أن يذهب للمكتبة ويحررها، أما التي يحتاجها ولو في الشهر مرة فتبقى عنده، ولا يلزمه الرقبة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3275
(ووفاء دَيْن) وهذا من أهم ما يكون، لو كان على الإنسان الْمُظاهر الذي أوجبنا عليه عتق الرقبة، لو كان عليه دَيْن، وقال: بيدي الآن عشرة آلاف، إما أن أقضي بها ديني وهو عشرة آلاف، وإما أن أشتري رقبة، فما الجواب؟
نقول: اقضِ دَيْنَك؛ لأن قضاء الدَّيْن واجب، والدَّيْن حق للعباد، وأما الكفارة فهي فيما بينك وبين ربك، فاقضِ الدَّيْن وكفِّر بالصيام.
لما ذكر شرط وجوب الرقبة ذكر ما يجب في الرقبة، فقال: (ولا يجزئ في الكفارات كلها)؛ يعني التي تجب فيها رقبة (إلا رقبة مؤمنة).
واعلم أن الرقبة في القرآن الكريم وردت في مواضع متعددة في كفارة اليمين، قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89].
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يخالف ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ هل قيدها الله بالإيمان؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ما قيدها الله بالإيمان، خذ هذه: في كفارة القتل قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92] اتلُ الآية.
طالب: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92].
الشيخ: نعم، في كفارة القتل قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فقيد الرقبة بالإيمان، وقال تعالى في كفارة الظهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] ولم يقيد بالإيمان.
الجزء: 2 - الصفحة: 3276
فهل نقيد المطلق بالإيمان، أو نقول: المطلَق مع المطلَق لا يقيدان بالإيمان؟ هذا مختلف فيه؛ منهم من قال: إن آية الظهار وآية كفارة اليمين اللتين فيهما الإطلاق يجب أن يحملا على آية القتل، فنشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة، ومنهم من قال: لا، نطلق ما أطلقه الله، ونقيد ما قيده الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]، والأسباب مختلفة، ليس الحنث اليمين، ولا الظهار من الزوجة كالقتل أيهما أعظم؟ القتل أعظم، فلهذا اشترط الله في كفارته أن تكون الرقبة مؤمنة، وإذا كان القتل أشد فلا يمكن أن نقيس الأخف على الأشد، وهذا -كما تعلمون- قول قوي ووجيه؛ وهو أن الإيمان في رقبة الكفارة شرط في كفارة القتل فقط، لكن يشكل على هذا حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله، إنّ لي جارية غضبت عليها يومًا فصككتها كما يغلط بنو آدم، وإني أريد أن أعتقها لأجل أن تُكفَّر هذه اللطمة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بها، فأتى بها فقال لها -أي الرسول صلى الله عليه وسلم-: «أَيْنَ اللَّهُ؟ ». قالت: في السماء، قال: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (3). فأمر بإعتاقها معللًا ذلك بأنها مؤمنة، فإذا كان لا يمكن إعتاق الكافرة في غير الكفارة؛ ففي الكفارة من باب أوْلى، وهذا مما يؤيد أن الإيمان شرط في الرقبة إذا كانت كفارة في اليمين أو كفارة في الظهار.
بل ظاهر الحديث أن الإيمان شرط في كل عتق؛ ولأننا إذا أعتقنا الكافر لا نأمن أن يلحق بالكفار؛ لأنه إذا عتق صار حرًّا، لا يمكن لسيده ولا لغيره أن يمنعه عما يريد، فيُخشى أن يلتحق هذا الكافر بالكفار، ويكون ذلك سببًا لتعسر إسلامهم، وربما يكون الكفار الذين التحق بهم حربيين، فيكون هذا العبد حربًا علينا.
إذن نقول: لا بد في الرقبة التي تُعتق في كفارة الظهار أن تكون مؤمنة، بل المؤلف رحمه الله يقول: في كل الكفارات إلا رقبة مؤمنة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3277
(ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة) والمراد بالإيمان هنا الإيمان الكامل أو مطلق الإيمان؟
طلبة: مطلق الإيمان.
الشيخ: مطلق الإيمان، حتى لو كان فيه معاص فإنه يعتق.
(سليمة من عيب يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا) هذا شرط لم يذكره الله ولا رسوله أن تكون سليمة من العيوب الضارة بالعمل، فأين الدليل على اشتراطه؟ قالوا: لأنه إذا أعتق من كان فيه عيب يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا صار هذا العتيق كلًّا على الناس بخلاف ما إذا بقي عند سيده، فإن سيده مأمور بأن ينفق عليه، والآن ماذا يصنع؟
فكأنهم استنتجوا من المعنى اشتراط أن يكون المعتق سليمًا من الآفات والعيوب الضارة بالعمل ضررًا بيِّنًا، مثاله، قال: (كالعمى) قوله: (كالعمى) في التمثيل به نظر؛ لأنه ليس كل عمى يمنع من العمل، كم من أناس عمي وعندهم أعمال، يتعيشون بها؛ فلهذا يجب أن نُقيِّد كالعمى الذي يمنعه من العمل، وأما إذا كان لا يمنعه فلا يضر.
المثال الثاني: (الشلل ليد أو رجل) هذا واضح أنه يمنع من العمل، لكن عن كل عمل أو عن غالب الأعمال؟ عن غالب الأعمال؛ لأن الأشل بالرجل قد ينتفع بعمل آخر، لا يحتاج إلى رجله فيه كالغزل والنسج، والنجارة، والحدادة، وما أشبه ذلك، وكذلك يقال بالعكس: لو كان أشل في يده فهذا أيضًا يختلف اليد اليمنى عن اليد اليسرى، لكن ارجع إلى الضابط؛ لأن الأمثلة لا تعطي التعيين ما هو الضابط؟ كل عيب يمنعه عن العمل.
(والشلل ليد أو رجل أو أقطعهما) أقطع اليد والرجل، أو أقطع واحد منهما (أو أقطع الإصبع الوسطى أو السبابة أو الإبهام) أو أقطع الأصبع كذا؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3278
الشيخ: يصح؟ إي نعم، أصبع هذه ما يمكن يخطئ بها الإنسان إلا في آخرها يمكن يخطئ، لكن في أولها ووسطها ما يمكن يخطئ؛ لأن أولها مثلث، ووسطها مثلث، مثلث يعني ذا زوايا ثلاث؟ لا ولَّا نعم؟ لا، مثلث؛ يعني يجوز في أولها الفتحة والضمة والكسرة، ويجوز في ثالثها الفتحة والضمة والكسرة، ثلاثة، اضرب ثلاثة في ثلاثة: تسعة، فيه لغة عاشرة (أُصبوع)، وقد جُمعت هذا اللغات في الإصبع، وفي الأنملة في بيت واحد، كنا ننشده كثيرًا، فمن يحفظه منكم؟ واحد، اثنين، ثلاثة، أربع، والله غريب، أنا كنت أظن أكثر الموجودين يحفظونه:
وَهَمْزُ أُنْمُلَةٍ ثَلِّثْ .......
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني فيه حركات ثلاثة
................. وثَالِثَه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التي هي الميم أنملة الثالثة هي الميم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالتِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
تكون الجميع عشرة، نبدأ بـ (أَنملة): افتح الهمزة مع ضم الميم (أَنمُلة)، اكسر الهمزة (إِِنمُلة)، ضم الهمزة (أُنمُلة)، هذه ثلاثة.
الثالث: فيه ثلاث حركات، كذا؟ افتحه مع فتح الهمزة، (أَنمَلة)، ضُمَّه مع فتحها؛ أي الهمزة، (أَنمُلة) اكسره، (أَنمِلة) ضم الهمزة، وثلِّث في الميم (أُنمُلة) (أُنمَلة) (أُنمِلة)، اكسر الهمزة مع تثليث الميم: (إِنمِلة) (إِنمَلة) (إِنمُلة)، هذه تسع، اجعلها في إصبع، أعطنا ثلاث لغات مع فتح الهمزة؟
طالب: أَصبُع وأَصبِع وأَصبَع.
الشيخ: أحسنت، تمام، ثلاث مع ضم الهمزة؟
الطالب: أُصبُع أُصبَع أُصبِع.
الشيخ: أُصبِع، هذه ست، ثلاث مع كسر الهمزة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إِصبِع إِصبَع، الثالثة إِصبُع، هذه تسع، العاشرة أصبوع، كلها لغة عربية، فيه لغة ميكانيكية تبع السيارات ما هي؟
طالب: صُباع.
الشيخ: أُصباع.
الطالب: صُباع؟
الشيخ: صُباع، إذن هذه حادي عشر ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3279
طالب: أحسن الله إليك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (3) فيكون من باب الأولوية ما دامت أنها مؤمنة فهي تستحق الإعتاق.
الشيخ: كيف؟
الطالب: معناه من باب الأولوية؛ يعني إذا كانت مؤمنة، فهي أولى أن تعتق، لكن ما يمنع أن تُعتق إذا كانت كافرة.
الشيخ: لا، الأصل في الوصف أن يكون لازمًا، فالحكم هذا مبني على عِلَّة، إذا تخلفت العلة تخلف الحكم.
طالب: رجل ظاهر، لا يريد الطلاق، ثم رأى أن الكفارة تُكلفه فطلَّق، طلَّق بدون أن ..
الشيخ: بدون أن يُكفِّر، صحيح، يصير، رجل ظاهر، ثم رأى أن الكفارة صعبة عليه، فقال: أتخلص من هذا وأُطلقها، لكن له أن يحل المشكلة على غير هذا الوجه، فيقول للزوجة: أنا لا أستطيع الكفارة، فلا أستطيع الرجوع إليكِ، لكن إذا شئتِ أن تبقي دون أن يكون لكِ حق عليَّ فلا بأس، نقول: هذا حل؛ لأنه أحيانًا الرجل له أولاد من المرأة، ولو فارقت البيت ضاع الأولاد، ولو حملتهم معها ضاعوا أيضًا، فتبقى على أولادها، ولكن تُسقط حقها، وهذا يقع فيما إذا طلق الإنسان زوجته آخر ثلاث تطليقات، إذا طلقها آخر ثلاث تطليقات، ويش الحكم؟ تبين منه، ما تحل له، فيرغب وترغب هي أن تبقى في البيت على أولادها، وتحتجب منه، ولا يخلو بها، نقول: لا بأس.
طالب: ( ... ).
الشيخ: العود؛ يعني في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3] يعني أن العزم على الجماع هو العود في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾؛ لأن بعضهم قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، المراد بالعود الجماع، لا العزم عليه، وقالوا: إنه لا تلزمه الكفارة إلا بالجماع، وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3]، فلما قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ اضطررنا إلا أن نؤول العودة بالعزم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في بعض المناطق الناس يتزوجون كثيرًا، ثم ..
الجزء: 2 - الصفحة: 3280
الشيخ: كم يتزوج؟ ما فيه إلا أربعة!
الطالب: كثيرًا يعني أربع، ما يجمع أكثر من أربع في حين واحد، لكنه يتزوج أربعة، ثم إذا وجد بأن واحدة وقفت ولادتها أبغضها؛ يعني طلقها وتزوج أخرى، حتى يصير مثل عشرة أو زيادة من النساء، لكن هؤلاء لا يتعففون، أحيانًا يجاملون المرأة وقد ..
الشيخ: أيش؟
الطالب: يعني لا يتعففون عن المرأة اللي ..
الشيخ: اللي طلقت.
الطالب: اللي غير ( ... )؛ لأنها موجودة في الحوش ومعها الأولاد وكذا، فيعاملونها معاملة الزوجات الأخرى أحيانًا.
الشيخ: يقسم لها.
الطالب: لا، ما يقسم لها، لكن يجاملها أحيانًا، هل نقول: بأن واجب إبعادها؟
الشيخ: إي نعم، إذا خشينا عليها، يجب إبعادها، لكن أنت حدثتنا قبل شهر أو أكثر حديثًا غريبًا، أتعيده علينا؟ أتذكرونه؟
طالب: ( ... ).
طالب آخر: ما أذكره يا شيخ.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أنت تقول: إن بعضكم؟
طالب: لا، ما قلت هذا.
الشيخ: ما قلت بهذا اللفظ، لكن المعنى.
الطالب: أيش هو؟
الشيخ: أنه يجامع كثيرًا.
الطالب: إي، هذه رواية عن علي ( ... ).
الشيخ: علي؟ ( ... ) عجيب، عن علي، ما هي بعندك؟
الطالب: لا، ما عندي.
الشيخ: أجل، أحسبها عندك.
طالب: شيخ، ها دول أفراد، لا يكون عامًّا.
الشيخ: المهم على كل حال، هذه المسألة الأخيرة اللي قلت مما يؤيد ما سبق.
الطالب: شيخ، هذا واقع فيه ناس ( ... ).
الشيخ: على كل حال يا أخي، أنتم طلبة علم، علِّموهم بأنه إذا كان يخشى الإنسان على نفسه إذا بقيت مع أولاده عنده في البيت يجب أن يُخرجها من البيت.
الجزء: 2 - الصفحة: 3281
يَضُرُّ بالعملِ ضَرَرًا بَيِّنًا كالْعَمَى والشلَلِ ليَدٍ أو رِجْلٍ أو أَقْطَعِهما أو أَقطعِ الإصْبَعِ الوُسْطَى أو السَّبَّابَةِ أو الإبهامِ أو الأَنْمُلَةِ من الإبهامِ أو أَقْطَعِ الْخِنصَرِ والبِنْصَرِ من يدٍ واحدةٍ، ولا يَجْزِي مَريضٌ مَأْيُوسٌ منه ونحوُه ولا أمُّ وَلَدٍ، ويَجْزِي الْمُدَبِّرُ ووَلَدُ الزِّنَا والأحمَقُ والْمَرهونُ والجاني والأَمَةُ الحاملُ ولو اسْتَثْنَى حَمْلَها.
(فصلٌ)
يَجِبُ التتابُعُ في الصوْمِ، فإن تَخَلَّلَه رمضانُ أو فِطْرٌ يَجِبُ كعيدٍ وأيَّامِ تَشريقٍ وحَيْضٍ وجُنونٍ ومَرَضٍ مَخوفٍ ونحوِه أو أَفْطَرَ نَاسِيًا أو مُكْرَهًا أو لعُذْرٍ يُبيحُ الفِطْرَ لم يَنْقَطِعْ، ويُجزئُ التكفيرُ بما يُجْزِئُ في فِطرَةٍ فقط، ولا يُجْزِئُ من الْبُرِّ أقلُّ من مُدٍّ ولا من غيرِه أقلُّ من مُدَّيْنِ لكلِّ واحدٍ مِمَّنْ يَجوزُ دَفْعُ الزكاةِ إليهم، وإن غَدَّى المساكينَ أو عَشَّاهُمْ لم يُجْزِئْه، وتَجِبُ النِّيَّةُ في التكفيرِ من صَوْمٍ وغيرِه، وإن أصابَ الْمُظاهِرُ منها ليلاً أو نهارًا انْقَطَعَ التتابُعُ، وإن أصابَ غيرَها ليلًا لم يَنْقَطِعْ.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، عجيب ( ... ) عندك؟
الطالب: لا، ما هو بعندي.
الشيخ: إي، أحسبه عندك.
طالب: عنده يا شيخ ( ... ).
الشيخ: شهد عليك.
طالب: صحيح يا شيخ اللي قاله.
طالب آخر: شيخ، هذا أفراد لا يكون عامًّا، هذا أفراد.
الشيخ: المهم، على كل حال، هذا الأخير، المسألة الأخيرة اللي قلت مما يؤيد ما سبق.
طالب: شيخ، هذا واقع فيه ناس ( ... ).
الشيخ: على كل حال يا أخي، أنتم طلبة علم، علِّموهم بأنه إذا كان يخشى الإنسان على نفسه إذا بقيت مع أولاده عنده في البيت يجب أن يخرجها من البيت.
طالب: غالبًا يقع من غير الملتزمين يا شيخ، لكنهم لا يتعففون؛ لأنه في يأتي أحيانًا ..
الجزء: 2 - الصفحة: 3282
الشيخ: المهم، شوف أنتم -والحمد لله- أطباء وعلماء، عندكم الدواء، بلِّغوا، فإن استجابوا فهذا المطلوب، وإلا إنك لا تهدي من أحببت.
الطالب: نقول بالمنع.
الشيخ: نعم؟
طالب: ما يدعها في الفرش.
الشيخ: إي، نقول: إذا كان الإنسان يخشى على نفسه أن يستبيح منها ما يحرم عليه فيجب أن يطلعها من ( ... ).
طالب: يضر بالعمل ضررًا بينًا، كالعمى والشلل ليد أو رجل، أو أقطعهما، أو أقطع الإصبع الوسطى، أو السبابة، أو الإبهام، أو الأنملة من الإبهام، أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة، ولا يجزئ مريض ميؤوس منه ونحوه، ولا أم ولد، والأحمق، والمرهون، والجاني.
الشيخ: لأنك لو قلت والأحمقِ صار المعنى.
طالب: ولد الأحمق.
الشيخ: وولد الأحمق نعم.
الطالب: والأحمق، والمرهون، والجاني، والأمة الحامل ولو استثنى حملها.
الشيخ: بسم الله الرحم الرحيم.
سبق أنه يشترط في الرقبة التي تعتق في الكفارة أن تكون مؤمنة، وذكرنا الدليل على هذا.
اشترط المؤلف أن تكون سليمة من العيوب التي تضر بالعمل ضررًا بينًا، وضرب لهذا أمثلة سبق بعضها.
ومنها قال: (أو أقطع الإصبع الوسطى، أو السبابة، أو الإبهام) ثلاث متواليات ولَّا لا؟ اسمع يا رجل الوسطى أو السبابة التي بينها وبين الإبهام أو الإبهام، هذه ثلاثة أصابع إذا كان واحد منها مقطوعًا لا يجزئ؛ لأن هذا ضرر بيِّن.
الخنصر والبنصر، إن اجتمعا في يد واحدة لم تجزئ، وإن انفرد كل واحد بيد أجزأت، وإن كان في يد واحدة خنصر أو بنصر أجزأت.
الإبهام: له أهمية عظيمة، فإذا قُطع نقص عمل الرقيق نقصًا بينًا، وانظر إلى حكمة الله عز وجل حيث جعله مقابلًا للأربعة، يقوم مقام الأربعة، ثم جعله أغلظ منها؛ لأنه سيُحمَّل كثيرًا، ثم جعله أنملتين فقط؛ لأن الأنامل إذا تعددت ضعفت لكثرة المفاصل، وهذا من آيات الله عز وجل، لا شك أن الإبهام إذا قطع فإنه ينقص العمل نقصًا بينًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3283
إذا قطع السبابة، يقول المؤلف: إنه ينقص نقصًا بينًا، ولكن أولًا: قد لا نُسلِّم بهذا؛ لأنه يمكن أن تستعين الوسطى والإبهام مستغنية عن السبابة، لكن على كلام المؤلف السبابة تعتبر نقصًا بينًا.
الوسطى نقص بيِّن، وإذا اجتمعت الثلاثة صار أشد وأشد، الخنصر والبنصر أيهما أهم؟
طلبة: الخنصر.
الشيخ: ياللا انظروا إلى خناصركم وبناصركم.
طالب: متساوية.
الشيخ: متساويات ما أظن، الظاهر أن البنصر أهم.
طالب: أقوى.
الشيخ: أقوى وأهم؛ لأن مهما قدَّرت، لو قلت مثلًا: إن الإبهام مع الخنصر تأخذ به الأشياء اللطيفة الخفيفة، قلنا: وتأخذ بالبنصر أشد.
على كل حال هم يرون؛ الفقهاء: أن الخنصر الواحد أو البنصر الواحد لا يؤثر، لا بد أن يجتمعا.
قال: (ولا يجزئ مريض ميؤوس منه) معلوم (مريض ميؤوس منه)، لا يجزئ في الكفارة؛ لأنه ميت أو كالميت، فلو أن رجلًا عليه كفارة، وكان عنده عبد، وكان لا يريد أن يعتقه في كفارته، فلما حضره الموت حضر العبد الموت، قال: إنه حُرٌّ عن كفارتي، يُجزئ أو لا يجزئ؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ؛ لأنه بعد أن يئس منه، ويش الفائدة؟ أو رأى عبده يهوي من مكان مرتفع وهو يريد أن يعتق عبدًا، وكان قد شح به في الأول، فلما رآه قد أهوى من شاهق، قال: أنت حر عن كفارتي، أيش الفائدة؟ لا فائدة.
طالب: قبل أن يسقط يا شيخ.
الشيخ: إي، قبل أن يسقط، وأما بعد أن يسقط ينظر، هل تأثر تأثرًا بينًا يمنع العمل، فلا يجزئ، وإن لم يتأثر أجزأ.
المهم: (المريض الميؤوس منه) لا يجزئ في الكفارة.
وقوله: (ونحوه) أي: من كل من تلبس بشيء مهلك ولا بد.
(ولا أم ولد) ويش معنى أم ولد؟ أم الولد هي التي أتت من سيدها بحمل كامل أو قد تبين فيه خلق الإنسان.
الحمل له أطوار:
الطور الأول: لو سقط من الأمة التي يجامعها زوجها في الطور الأول النطفة لم تكن أم ولد.
في الطور الثاني: أم الولد هي التي أتت من سيدها بما تبين به خلق إنسان.
الجزء: 2 - الصفحة: 3284
الطور الثاني: لو أن رجلًا كان يجامع أمته فحملت وأسقطت في الطور الثاني، تكون أم ولد؟
طلبة: لا.
الشيخ: يا إخواني!
طلبة: ما تكون أم ولد.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأن ما يمكن يتبين فيه خلق الإنسان.
في الطور الثالث: وهو ما بعد الثمانين أتت بولد، هل تكون أم ولد؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، إن قلتم: لا، قلت: خطأ، وإن قلتم: نعم، قلت: خطأ.
طالب: إن تبين فيه خلق الإنسان ..
الشيخ: إن تبين فيه خلق الإنسان فهي أم ولد، وإن لم يتبين فليست أم ولد.
فإن قال قائل: إذا وصل إلى ثمانين يومًا صار مضغة، نقول: نعم، قال الله تعالى في القرآن: ﴿مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5] قد يتبين فيها خلق إنسان، وقد لا يتبين.
الخلاصة أن أم الولد هي التي أتت من سيدها بحمل كامل، أو قد تبين فيه خلق إنسان، هذه أم ولد.
وماذا تكون أم الولد؟ يرى المؤلف رحمه الله أنه قد انعقد سبب تحررها، وهو: أنها أتت بولَد، وهو أمر لا اختيار فيه، فتكون ناقصة الرق؛ فلا يصح إعتاقها.
وأما الثاني قال: (ويجزئ المدَبَّر) إلى آخره.
أم الولد يرى بعض أهل العلم أنها لا تعتق، ولو مات سيدها، فلا تعتق؛ لأن أمهات الأولاد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر كن يُبعن علنًا إلا أنه لا يُفرق بين المرأة وولدها، في عهد عمر كثرت أمهات الأولاد وقل خوف الناس من الله عز وجل، وصار الرجل يولج أمته، ثم يبيعها، ويبقي ولدها، فمنع عمر رضي الله عنه من بيع أمهات الأولاد (1) من باب السياسة، وليست حكمًا شرعيًّا.
على هذا الرأي؛ أي على قول من يقول: إن أمهات الأولاد لا يعتقن بموت ساداتهم، يجوز أن تعتق؛ لأنها أمة كاملة.
قال: (ويجزئ المدبر) المدبر يجزئ شو معناه؟ معنى المدبر؟ الْمُدَبَّر: هو الذي عُلِّق عتقه بالموت، هذا المدبر، وسمي بذلك؛ لأنه يعتق عن دبر حياة سيده، مثاله: قال السيد لعبده: إذا متُّ فأنتَ حُرٌّ، أو إذا متَّ فأنت حر؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3285
طلبة: إذا متُّ.
الشيخ: نعم.
طلبة: إذا متُّ بالضم.
الشيخ: أو إذا مِتَّ، إذا متَّ فأنت حُرٌّ، هذا ما فيه فائدة، لكن إذا مِتُّ -يقول السيد- فأنت حر، فهذا اسمه: مدبر؛ لأنه عُلِّق عتقه بأيش؟
طلبة: بالموت.
الشيخ: بالموت، فإذا كان شخص عليه كفارة، وعنده عبد قد دبره، أي: قد قال له: أنت حر بعد موتي، فإن ذلك لا يجزئ في الكفارة؛ لأنه ناقص.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، وجه النقصان أن عتقه معلق بموت سيده.
وقيل: إن المدبَّر يجزئ، وهو الصواب، ووجه ذلك أن المدبر إذا أعتق استفاد، ما الذي يستفيده؟
طالب: تعجيل العتق.
الشيخ: تعجيل العتق والتحرر، وإذا كان يجوز بيع المدبر، فلماذا لا يجوز عتقه؟ يعني أن السيد إذا دبَّر عبده وقال: أنتَ حر بعد موتي جاز له أن يبيعه، وإذا باعه بطل التدبير، فإذا كان يجوز بيعه، فلماذا لا يجوز عتقه؟ مع أن عتقه فيه فائدة وهو تحرره، فالصحيح جواز عتق المدَبَّر.
والتعليل؛ لأن هذا المدبر لم يكن حُرًّا، ولم ينعقد به سبب الحرية اللازمة، فجاز إعتاقه في الكفارة.
قال: (ويجزئ ولد الزنا)، كيف ولد الزنا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: لأن ولد الزنا ( ... ).
الشيخ: إي، ويش لون؟ فيه عبد يكون ولد الزنا؟ كيف؟ ! العبد سبق لنا أن الإنسان بالنسبة للملك والحرية يتبع من؟
طلبة: الأم.
الشيخ: يتبع الأم، فهذا رجل فاجر زنا بأمة فلان، وأتت بولد، الولد حر أو عبد؟
طلبة: عبد.
الشيخ: عبد، فاشتراه شخص وأعتقه في كفارة، نقول: يُجزئ؛ لأن هذا رقيق رقًّا تامًّا، وتحريره فكه من الرق.
ويجزئ أيضًا (الأحمق)، ويش الأحمق؟ الأحمق هو الذي تصرفه غير سليم؛ يعني: يتصرف تصرفًا غير سليم.
وعندنا أن الأحمق هو سريع الغضب، والحقيقة أن سريع الغضب من الأحمق، وليس هو الأحمق، بل كل من يتصرف تصرفًا غير سليم يسمى أحمق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3286
ويجزئ أيضًا (المرهون)، يجزئ عتقه في الكفارة، مثال هذا: رجل وجبت عليه كفارة عتق رقبة، وله عبد قد رهنه عند شخص فأعتقه يقول المؤلف: إنه يجزئ، وهذا مبني على أن عتق المرهون صحيح.
والقول الراجح أن عتق المرهون غير صحيح، إلا بموافقة المرتهن، مثال ذلك: رجل عنده عبد واستسلف من شخص عشرة آلاف ريال، وقال له الشخص: أنا ما أعطيك سلفًا إلا إذا رهنتني، فقال: هذا عبدي رهن عندك، الآن تعلَّق في هذا العبد حق من؟
طلبة: المرتهن.
الشيخ: حق المرتَهَن، قال الفقهاء رحمهم الله: يحرم على سيد المرهون أن يعتقه، وإن أعتقه نفذ العتق.
انظر هذا الكلام الذي ليس مبنيًّا على أي قاعدة؛ لأننا إذا قلنا: يحرم عتقه، فكيف نقول: ينفذ ويصح؟ والصواب أن عتق المرهون حرام ولا ينفذ؛ لأنه تعلق به حق المرتهن.
قالوا في تعليل نفوذ عتقه: إن العتق له نفوذ قوي؛ ولذلك لو أعتق الإنسان ربع عبده عتق العبد كله؛ فله نفوذ.
والجواب عن هذا التعليل العليل بمرض لا يرجى زواله، الجواب على هذا أن نقول: إن هذا العبد مشروط، وإذا كان يحرم أن يعتقه سيده، فكيف ينفذ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ شَرَطَ مِئَةَ مَرَّةٍ» (2)؟
فعلى هذا القول الراجح أن عتقه لا ينفذ، هل يصح أن يُعتق في كفارة؟ لا؛ لأن عتقه لا ينفذ شرعًا.
ويجزئ أيضًا عتق (الجاني)، العبد الجاني يجوز أن يعتق، وظاهر كلام المؤلف أنه حتى ولو كانت جنايته تؤدي إلى القتل، لكن في هذا نظر.
مثال المسألة: رجل عنده عبد قد قتل شخصًا عمدًا، وحُكم بالقصاص عليه، يقول المؤلف: إنه يجوز عتقه، أيهما أعظم هذا أو إنسان مريض بمرض مخوف؟ هذا أعظم؛ لأن هذا يمكن يقتل بعد خمس دقائق، قالوا: إنه وإن وجب القتل عليه، فإن من الجائز أن أصحاب القوَد أن يعفو عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3287
لو فرض أنه جانٍ بجناية تُحتِّم قتله، فحينئذٍ نقول: لا يجزئ أن يعتق؛ لأننا نعلم أنه هالك على كل حال.
(والأمة الحامل ولو استثنى حملها)؛ يعني: يجوز أن يُعتق الأمة الحامل.
وإعتاق الأمة الحامل على نوعين: الأمة الحامل، يجوز إعتاقها.
بقي أن يقال: هل حملها يتبعها أو لا؟ الجواب: إن استثناه لم يتبعها، وإن لم يستثنه تبعها.
ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ولو استثنى حملها) إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا استثنى حملها لا يصح أن يعتقها؛ لأن الحمل جزء منها، فينفذ فيه العتق، ولكن ما ذهب إليه المؤلف أصح؛ أنه لو قال: أمتي هذه حُرَّة عن كفارتي التي عليَّ إلا حملها، فالصواب أنها تعتق والحمل يبقى حُرًّا.
الطالب: والحمل ( ... ).
الشيخ: إي نعم، الحمل يبقى حرًّا إذا كان يبقى عبدًا؛ لأنه مملوك إلا أن يكون من سيده.
ثم قال المؤلف: (فصل يجب التتابع في الصوم)، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]، فأوجب الله تعالى شهرين ووصفهما بأنهما متتابعان.
ومعنى التتابع ألَّا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي أو حسي؛ هذا معنى التتابع ألا يُفطر بينها إلا بعذر شرعي أو حسي؛ العذر الشرعي كأيام التشريق مثلًا، وأيام العيدين، وشهر رمضان، هذا مستثنى شرعًا، فلا يفصل بين التتابع؛ مثال ذلك: رجل وجب عليه صيام شهرين متتابعين، فشرع في أول يوم من شعبان، ثم دخل رمضان، بقي عليه شهر، صام رمضان، نقول: بعد يوم العيد مباشرة تشرع في تكميل صيام الشهرين، الآن فصَل بين الشهر الأول بشهر كامل وزيادة يوم، الشهر الكامل رمضان، وزيادة اليوم العيد؛ لأنه ما يصام، هذا فصل بعذر شرعي.
ومثال آخر: امرأة وجب عليها صيام شهرين متتابعين، فشرعت في الصوم، فحاضت لمدة سبعة أيام، ثم استأنفت الصوم، هل يضرها انقطاع التتابع هنا؟ لا، لأنها أفطرت بعذر شرعي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3288
الإفطار بعذر حسي: إنسان شرع في صيام الشهرين، ثم مرض في أثناء ذلك، وأفطر من أجل المرض، هل ينقطع التتابع؟ لا؛ لأنه أفطر بعذر حسي.
مثال آخر: رجل شرع في صيام شهرين متتابعين، ثم سافر وأفطر في السفر، هل ينقطع التتابع أو لا؟
طلبة: لا ينقطع.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: لأنه أفطر بعذر حسي.
الشيخ: لأنه قطع التتابع بعذر.
طالب: حسي.
الشيخ: هنا نقول: هل هو حسي ولَّا شرعي؟
طلبة: شرعي.
طلبة آخرون: شرعي وحسي.
الشيخ: شرعي وحسي: حسي؛ لأنه هو الذي فعله باختياره، وشرعي؛ لأن الشرع أباح له أن يفطر في حال السفر.
يقول: (يجب التتابع في الصوم، فإن تخلله رمضان) نقول: رمضانٌ أو رمضانُ؟
طلبة: رمضانُ.
الشيخ: لسنا بعيدين عن الاسم الذي لا يصرف.
طلبة: رمضانُ.
طلبة آخرون: رمضانُ.
الشيخ: بتنوين أو بغيره؟
طلبة: بغير تنوين.
الشيخ: بغير تنوين؟ ! لا، الأصح بتنوين؛ لأن قولنا: (رمضانٌ) يعني أي رمضان، ما هو رمضان خاص.
فإذن نقول: (فإن تخلله رمضانٌ) يعني أي رمضان.
(أو فطر يجب) أي أو تخلله فطر يجب (كعيد، وأيام تشريق، وحيض) فإنه لا ينقطع التتابع لوجود العذر.
(وجنون، ومرض مخوف ونحوه) (جنون) رجل شرع في الصيام؛ صيام الشهرين في أثناء ذلك أصابه جنون؛ إما بسبب حادث أو اعتداء على جن أو غير ذلك من الأسباب، المهم أنه جُنَّ، وأفطر لمدة عشرة أيام، ثم رد الله إليه عقله وواصل، هل يضره الإفطار؟ لا، ليش؟
طلبة: معذور.
الشيخ: لأنه معذور.
كذلك: (ومرض مخوف)، هذا تقييده بالمخوف فيه نظر، والصواب: أن المرض إذا كان يُبيح الفطر سواء كان مخوفًا أو غير مخوف، عذر في التتابع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3289
(أو أفطر ناسيًا، أو مُكرهًا، أو لعذر يبيح الفطر لم ينقطع) (أفطر ناسيًا)، لماذا لا ينقطع التتابع إذا أفطر ناسيًا؟ لأن صومه باقٍ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» (3).
(أو مكرهًا) أكره على أن يفطر، فأفطر فإنه لا يضر، ولا ينقطع التتابع، لكن هل من الإكراه أن يلزم عليه أبواه بالإفطار؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس من الإكراه، من الإكراه أن يقول له ظالم: إما أن تفطر، وإما الحبس، وهو يستطيع أن ينفذ؛ فهذا إكراه، أو يقول ظالم: إما أن تفطر وإلا أخذت مالك؛ وهو قادر على أخذه فأفطر؛ فهذا مُكره، لا يضره الإفطار؛ لأنه أصلًا لم يفطر، صومه باقٍ.
(أو لعذر يبيح الفطر لم ينقطع) (لعذر يبيح الفطر) أي عذر يبيح الفطر فإنه لا يقطع التتابع.
والخلاصة أن التتابع في الصوم -في صوم الكفارة- في الظهار واجب، إلا إذا انقطع بعُذر حسي أو عذر شرعي؛ فإنه لا ينقطع التتابع.
طالب: بارك الله فيك ( ... ).
الشيخ: نعم، كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أن يقول لها: أنتِ حُرَّة.
طالب: أحسن الله إليكم، جرى عندنا قبل فترة في اليمين عندما سيطر الشيوعيون على الحكم حرروا العبيد قهرًا.
الشيخ: حرروهم؟
الطالب: إي نعم، بالقوة دون عوض، فاتجروا العبيد، وصاروا تجارًا بالملايين.
الشيخ: ما شاء الله، ما شاء الله.
الطالب: فالإشكال الآن، هل ما ملكت أيديهم، وما معهم من مال يعودوا إلى هؤلاء الأسياد؟
الشيخ: هل الحكومة لما حررتهم أدَّبت السادات؟
الطالب: كيف أدبتهم؟
الشيخ: أدبت الأسياد؟ يعني عذَّرتهم؟
الطالب: لا، إنما أصدرت نظامًا بتحرير العبيد مطلقًا دون عوض.
الشيخ: ما يخالف، حررتهم الحكومة، فهل أدَّبت ساداتهم؟
الطالب: لا، لم يجرِ شيء من ذلك.
الشيخ: ليش ما أدبتهم؟
الطالب: هم يملكونهم ملكًا شرعيًّا.
الشيخ: من يقول: إنه شرعي؟ !
الجزء: 2 - الصفحة: 3290
الطالب: بالشراء ( ... ) وإما أن يكون توارثوهم.
الشيخ: من أين اشتروهم؟
طالب: متعارف هذا عليه يا شيخ في العرف، هناك أن كل ..
الشيخ: لا، الواقع أنه من زمان بعيد ما فيه رقيق، حتى إن بعض الناس قالوا: الحروب التي في إفريقيا، إن فيه رق، وفعلًا بدأ كثير من الناس الذين تلزمهم كفارة العتق يشترونهم، يعطون مثلًا وكلاء عشرة آلاف ريال أو أكثر أو أقل، ويقول: اشتروا لي وحررها عن كفارة، فصاروا يذهبون فيعرض الرجل ابنته أو ولده، شاب، جلد، صالح للعمل، ويقول للرجل اللي يطلب الرقبة: هذه رقبة، كم؟ بعشرة آلاف ريال، يقول الطالب: قال: لا، هذا شاب، جلد، صالح للعمل، متعلم، شوف يكتب أمامك الآن بعشرين ألفًا، قال له: بعشرين ألفًا، أعطاه عشرين ألفًا.
قال له: حرِّرها الآن علشان أنا أعرف شؤوني.
قال: هو حر، لما راح ( ... )، وقع هذا يأخذون القيمة عشرين ألفًا، يروحون يعلموهم في فرنسا ولَّا غيرها.
ولهذا كف كثير من الإخوة الذين يتلقون أموال الناس ليعتقوا عنهم، كفوا عن هذا، وقالوا: ما لنا؛ فلذلك يصعب عليك جدًّا أن تجد رقيقًا على وجه شرعي بالوقت الحاضر.
الطالب: يا شيخ، وجه الإشكال، إلى الآن يعني عندنا بعض الأفراد أو بعض العوائل ملحقات بعوائل كبرى بالأولى؛ يعني فلان وفلان يعني مولى .. ؟
الشيخ: ما يخالف مولاه إذا أعتق صار حرًّا.
الطالب: لو الإعتاق لو جرى من قِبل الحكومة يعني؟
الشيخ: على كل حال، ما نقدر نقول شيئًا؛ لأن أنا عندي شك في وجود الرقيق الشرعي لا سيما الذين على السواحل.
طالب: أحسن الله إليك ( ... ) بأنهم يعني ورثوا هذه العبيد لما وقع حرب بين المسلمين والكفار؛ آباؤهم يعني ملكوا هذه ( ... ).
الشيخ: لا بأس هذه لا ..
الطالب: ( ... ) الذي أمر ( ... ).
الشيخ: هذا لا شك أن هذا استرقاق، إذا كان القتال بين الكفار والمسلمين، وغلب المسلمون، وغنموا الأموال، وسبوا النساء والذرية، هذا صحيح، لكن أين هذا؟
الطالب: موجود.
الشيخ: موجود؟ !
الجزء: 2 - الصفحة: 3291
الطالب: ( ... ).
الشيخ: من يشهد لك؟
طالب: ( ... ) استقبال الكفار.
الشيخ: في أيش؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: على كل حال، شوف الآن إذا مُلكوا بسبب شرعي فهم أرقة.
طالب: تقييد الرقبة بالإيمان، نقول: إنه من باب اختلاف السبب والموافقة في الحكم؟
الشيخ: إي نعم، اختلاف السبب مع الموافقة في الحكم ( ... ).
من أحسن القصور لأحد الملوك، فلما انتهى من بنائه قيل للملك: يا فلان، ترى هذا الرجل إن بقي على قيد الحياة صلَّح قصرًا أحسن من قصرك أو مثله، فلا يكون لك ميزة على الناس، قال: ماذا أصنع؟ قال: احمله من فوق، وارمِ به على الأرض، ففعل، فصار ذلك مثلًا جزاء سِنِمَّار.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
فصل
يجب التتابع في الصوم، فإن تخلله رمضان، أو فطر يجب، كعيد، وأيام تشريق، وحيض، وجنون، ومرض مخوف ونحوه، أو أفطر ناسيًا، أو مكرهًا، أو لعذر يبيح الفطر لم ينقطع، ويجزئ التكفير بما يجزئ في فطرة فقط، ولا يجزئ من البر أقل من مد، ولا من غيره أقل من مدين لكل واحد، ممن يجوز دفع الزكاة إليهم، وإن غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه، وتجب النية في التكفير من صوم وغيره، وإن أصاب المظاهر منها.
الشيخ: المظاهَر بفتح الهاء.
بسم الله الرحمن الرحيم، الخصلة الثالثة من خصال الكفارة في الظهار: الصوم، وهو صوم شهرين متتابعين، هذا نص القرآن، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 3، 4]، ولم يقل: من قبل أن يتماسا، أليس كذلك؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3292
التتابع في الصوم بنص القرآن: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ يعني لا يفطر بينهما، إلا أن يُستثنى من ذلك ما إذا أفطر لعُذر شرعي أو حِسي؛ الإفطار لعذر شرعي كإفطار يوم العيدين، وأيام التشريق، ورمضان، والمرأة في الحيض، والحسي: المرض، والسفر، فإذا أفطر لعذر شرعي أو حسي فإنه لا ينقطع التتابع، هذا هو الضابط، إذن يجب التتابع إلا لعذر شرعي أو حسي، وسبق المثال.
قال: (ويجزئ التكفير بما يجزئ في فطرة فقط)، السفر يقطع التتابع أو لا؟
طلبة: يقطع.
طلبة آخرون: لا يقطع.
الشيخ: لا يقطع عذر، لكن لو سافر ليفطر حرم الفطر، وحرم السفر، أما الفطر فظاهر، وأما السفر فلأنه يريد به إسقاط واجب، وكل سفر، بل كل فعل يُفعل حيلة لإسقاط الواجب فإنه لا يسقط الواجب، أفهمتم يا جماعة؟ فإذا سمع إنسان أن السفر لا يقطع التتابع قال: إذن: أسافر، نقول له: إذا سافرت لهذا الغرض حرُم عليك الفطر؛ لأن الواجبات لا تسقط بالحيل.
هل نقول: لا تسافر إلا لأمر ضروري؟ لا، سافِر لأي غرض شئت ما لم تُرد به إسقاط الواجب، أظن انتهينا من الصيام أمس.
طالب: نعم.
الشيخ: قال: (ويجزئ التكفير بما يجزئ في فطرة فقط) التكفير الذي هو إطعام ستين مسكينًا.
(يجزئ بما يجزئ في فطرة فقط)، والذي يجزئ في الفطرة خمسة أصناف: التمر، والشعير، والزبيب؛ لأن الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من التمر والشعير والزبيب والأقط؛ البُرّ لم يكن شائعًا بين الناس في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واختلف الناس فيه، هل يجزئ نصف الصاع أو لا بد من الصاع، وليس هذا موضع البحث، لكن الكلام على المؤلف يقول: لا يجزئ إلا بما يجزئ في فطرة فقط، وهي؟
طالب: خمسة.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: البُر.
الشيخ: البُرّ، التمر، شعير، زبيب، أقط، فلو أطعمهم وهو قوتهم الأكثر فإنه لا يجزئ، ولو أطعمهم من الذرة وهي قوتهم الأكثر فإنه .. ؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3293
وهذا القول ضعيف؛ لأن الله عز وجل أطلق الإطعام ولم يبين نوعه ولا جنسه، قال: ﴿إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ فلو قدر أننا في مكان لا يتغدى الناس فيه إلا باللحم، أجزأ اللحم على هذا القول.
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: على هذا القول يجزئ؛ لأنه طعامهم، والله عز وجل يقول: ﴿إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، ولو كنا في مكان لا يتغذى أهله إلا بالتمر أجزأ أو لا؟
طالب: أجزأ.
الشيخ: أجزاء؛ فالصواب أن الإطعام يحصل بما يطعمه الناس في كل وقت ومكان بحسبه.
(ولا يجزئ من البر أقل من مد، ولا من غيره أقل من مدين لكل واحد) يعني إن كثر الإطعام مد من البر ونصف صاع من غيره، وهذا معنى قوله: (أقل من مدين)؛ وذلك لأن الصاع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد، فالمد: ربع الصاع، البر يجزئ فيه نصف صاع، نعم نصف صاع عن الصاع.
فإذا كان الواجب في غير البر أن يطعم نصف صاع لكل واحد، فعليه في البر ربع الصاع أي مد، وهذا التقدير ليس له أصل إلا في حديث واحد؛ وهو حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه حين حلق رأسه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بفدية أو صيام أو نسك، وقال في الفدية -فدية الصدقة- «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (4)، وهذا مُقدَّر في فدية الأداء.
وظاهر قوله: «لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» أنه لا فرق بين البُرِّ وغيره.
والفقهاء رحمهم الله يقولون: إن البر على النصف من غيره، فإذا كان نصف صاع لكل واحد، فمن البُرِّ ربع الصاع.
وقوله رحمه الله: (إنه لا يجزئ أقل من ذلك) فيه نظر، والصواب أن إطعام المساكين له حالان:
الحال الأولى: أن يُطعم ستين مسكينًا غداء أو عشاء؛ لأنه يصدق عليه أنه أطعمهم، فيأتي بعشرة اليوم يعشيهم، وكل يوم عشرة يعشيهم غير الأولين، كم تكون؟ كم من يوم؟
طلبة: ستة أيام.
الجزء: 2 - الصفحة: 3294
الشيخ: ستة أيام، ويكفي، وإن أراد الإطعام فإننا قدَّرنا ذلك باعتبار صاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فصار يساوي تقريبًا كيلو رز للواحد.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا أطعم هذا القدر من البر وهذا القدر من غيره لا يلزم فيه لحم، تعطي هذا القدر ولا عليك من الفقير، ولكن هل يتم الإطعام بدون لحم أو شيء يؤدم به؟
الجواب: لا، ولهذا نقول: من أراد أن يدفع إليهم الشيء فليجعل معه ما يؤدمه من لحم أو غيره.
قال: (لكل واحد، ممن يجوز دفع الزكاة إليهم) يعني أن مصرف هذه الكفارة، كل من يجوز دفع الزكاة إليهم لحاجتهم كالفقراء والمساكين.
(وإن غدَّى المساكين أو عشَّاهم لم يجزئه) أقول: رحمك الله يا موسى، ما هو موسى صاحب التسجيلات، المؤلف يقول رحمه الله: (إن غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه) لماذا؟ قال: لأنه يشترط التمليك، وإذا عشاهم أو غداهم لم يملكهم؛ إذ إن الإنسان في الغداء والعشاء لا يأخذ إلا ملء بطنه، ما يمكن يأخذ ولا خبزة، ولكن نقول: أين الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على وجوب التمليك؟ أين الدليل؟
حديث كعب بن عجرة خاص، وفي القرآن الكريم: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ كفارة اليمين، ﴿إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ في كفارة الظهار.
ومن يستطيع أن يقول: إن غداءهم أو عشاءهم ليس إطعامًا؟ لا أحد يستطيع، ولو قاله لرد، فالصواب: ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله، أنه إذا غداهم أو عشاهم أجزأ، ويدل لذلك أن أنس بن مالك رضي الله عنه لما كبر وعجز عن الصيام -صيام رمضان- صار في آخر رمضان يدعو ثلاثين مسكينًا ويطعمهم خبزًا وأدمًا (5) عن إيه؟ عن الصيام مع أن الله قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، وهذا تفسير صحابي لإطعام المسكين بفعله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3295
الخلاصة يا إخوان: المذهب يجب في الكفارات تمليك الفقير، يجب أن تملك أو تعطيه أياه، سواء أكل ولَّا ما أكل، ومقداره: مُدٌّ من البر أو نصف صاع من غيره، والمعتبر صاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أقل من الصاع المستعمل الآن، هذا على المذهب.
القول الثاني: أن هذا جائز، وإذا غداهم أو عشاهم فهو جائز، وهذا القول هو الصحيح.
(وتجب النية في التكفير من صوم وغيره) كل شيء يُفعل لشيئين فلا بد فيه من النية؛ لأن المقصود من النيات تمييز العبادات بعضها عن بعض فلا بد من النية، الإطعام يكون قربة وكفارة فلا بد أن تنوي أنه كفارة.
إطعام المساكين يكون قربة؟ قولوا يا جماعة.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: قربة يعني صدقة يتصدق بالطعام على المساكين، ويكون كفارة، لا بد أن تنوي أنه كفارة ليتميز عن القربة.
(العتق) يكون كفَّارة وقربة؛ يكون كفارة في الظهار وفي اليمين، ويكون قُربة للتطوع به، لا بد أن تميز، إذن النية واجبة في الكفارة.
(من صوم وغيره) ويش غير الصوم؟
طلبة: الإطعام.
الشيخ: الإطعام والعتق.
(وإن أصاب المظاهَر منها ليلًا أو نهارًا انقطع التتابع) (إن أصاب المظاهَر) الفاعل يعود على المظاهِر، والمظاهَر منها المرأة؛ إن أصابها يعني جامعها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3296
(ليلًا أو نهارًا انقطع التتابع) إذا أصابها نهارًا واضح أن التتابع ينقطع؛ لأنه إذا أصابها في النهار فسد صومه، فيجب أن يستأنف، لكن إذا أصابها ليلًا لم يفسد صومه، لكن يقولون: انقطع التتابع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فإذا مسها في الليل بعد الشهر الأول واستمر صار أصابها قبل الشهرين المتتابعين، أصابها بعد أيش؟ بعد شهر واحد، وهو لا بد أن يصوم شهرين متتابعين قبل المسيس، فهمنا الآن أن التتابع ينقطع بالنسبة للمظاهر منها بالوطء سواء كان ذلك في الليل أو في النهار، أما غيرها فقال: (وإن أصاب غيرها ليلًا لم ينقطع) ونهارًا تقول: من باب أولى ألَّا ينقطع.
طالب: ينقطع.
الشيخ: لا: نقول: لم ينقطع التتابع.
الطالب: ما هو أفسد صومه ( ... ).
الشيخ: لا، هو يقول: (لم ينقطع).
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ارجع عن قولك، الحق أحق أن يُتبع.
إذن نقول: إذا جامع المرأة الأخرى التي لم يُظاهر منها، إن كان في النهار انقطع التتابع لفساد صومه، فيستأنف من جديد، وإن كان في الليل فلا بأس؛ لأنه لم يظاهر منها.
لو فرضنا أنه باقٍ يومًا واحدًا وجامَع في النهار من لم يظاهر منها، ماذا يكون؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ماذا يكون؟
طلبة: يعيد.
الشيخ: يبدأ من جديد، تروح عليه تسع وخمسون يومًا يروح عليه، كذا؟ نعم؛ لأن الله قال: ﴿صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.
فإن قال قائل: هل المعتبر بالشهرين ستون يومًا أو الهلال؟
طلبة: الهلال.
الشيخ: المعتبر الهلال؛ حتى لو قُدِّر أن الشهرين كانا ناقصين فلم يصم إلا ثمانية وخمسين يومًا أجزأ؛ لأن الله قال: ﴿شَهْرَيْنِ﴾ ولم يقل ستين يومًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3297
(كتابُ اللِّعانِ)
يُشْتَرَطُ في صِحَّتِه أن يكونَ بينَ زَوجينِ، ومَن عَرَفَ العربيَّةَ لم يَصِحَّ لِعانُه بغيرِها، وإن جَهِلَها فبِلُغَتِه، فإذا قَذَفَ امرأتَه بالزِّنَا فله إسقاطُ الحدِّ باللِّعانِ فيقولُ قَبْلَها، أربعَ مَرَّاتٍ: " أَشْهَدُ باللهِ لقد زَنَتْ زَوجتِي هذه ". ويُشيرُ إليها، ومع غَيْبَتِها يُسَمِّيهَا ويَنْسِبُها، وفي الخامسةِ: " وأنَّ لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبينَ " ثم تَقولُ هي أربعَ مَرَّاتٍ: " أَشهَدُ باللهِ لقد كَذَبَ فيما رَمانِي به من الزِّنَا " ثم تَقولُ في الخامسةِ: " وأنَّ غَضَبَ اللهِ عليها إن كان من الصادقينَ " فإن بَدَأَتْ باللعانِ قَبلَه أو نَقَصَ أحدُهما شيئًا من الألفاظِ الخمسةِ أو لم يَحْضُرْهما حاكمٌ أو نائبُه أو أَبْدَلَ لفظةَ أَشهدُ بأُقْسِمُ أو أَحْلِفُ أو لفظةَ اللعنةِ بالإبعادِ.
أو الغضبِ بالسُّخْطِ لم يَصِحَّ.
(فصلٌ)
وإن قَذَفَ زوجتَه الصغيرةَ أو المجنونةَ عُزِّرَ ولا لِعانَ،
مدخل
ثم قال المؤلف رحمه الله: ﴿كتاب اللعان﴾ (اللعان) مصدر (لاعن- يلاعن)، بمعنى دعا باللعنة، سبب اللعان أن يقول الرجل لامرأته: أنتِ زانية؛ يعني يقذفها بالزنا، إذا قال: أنتِ زانية، فإن أقرت فلا لعان، ويقام عليها الحد، وإن أتى ببينة فلا لعان، ويقام عليها الحد، وإن أنكرت ولم يقم بينة فله إسقاط الحد باللعان؛ يعني: له أن يلاعن حتى لا يجلد ثمانين جلدة؛ لأنه إذا لم يقم بينة تشهد بأن امرأته زنت وجب أن يُجلد ثمانين جلدة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].
إذا قال: لا يمكن أجلد، قلنا: لا بد أن تجلد، أو لاعن، قال: أنا مستعد للعان، يلاعن زوجته.
الجزء: 2 - الصفحة: 3298
وكيف اللعان؟ يأتي بهما الحاكم القاضي، ويقول: تعالَ اشهد بالله أربع مرات أنها زنت، وقل في الخامسة: إن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فيفعل، قال الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: 6، 7].
ثم نقول للمرأة: اشهدي بأنه كاذب أربع مرات، وقولي في الخامسة: إن غضب الله عليك إن كان من الصادقين، فتفعل، الآن من نصدق؟
طلبة: لا أحد.
الشيخ: إن صدقنا على الزوج مشكلة، وإن صدقنا الزوجة مشكلة، نقول: نفرق بينهما تحريمًا مؤبدًا، لا تحل له بعد ذلك، واضح؟ هذا هو اللعان.
فصار سبب اللعان أن يقذف الرجل امرأته بالزنا، فيقول: أنتِ زانية، أو زنيتِ، أو ما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: لماذا لم يُطالب الزوج بأربعة شهود كغيره؟
فالجواب: أن الزوج لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا وهو صادق؛ لأن العار الذي يلحقها في هذا يلحقه، ومحال أن يدعي فساد فراشه إلا وهو صادق، ولذلك كان هو يقول: وأن لعنة الله عليَّ، والمرأة تقول: وأن غضب الله عليَّ، والغضب أشد؛ لأن احتمال صدق الزوج أقرب من احتمال صدق المرأة؛ إذ إن المرأة تريد أن تدفع عن نفسها وعن أهلها هذه الفاحشة، والرجل يريد أن يبرئ ذمته من أن يكون ديوثًا، فقوله أقرب، ولهذا خُفِّف جانبه بأن يقول: إن لعنة الله عليَّ، وهي تقول: إن غضب الله علي.
فإن قال قائل: إذا استراب الرجل من امرأته، فهل له أن يتحقق أو يلاعن؟ أو الأولى أن يستر؟
طالب: يتحقق.
الشيخ: هل الأولى أن يتحقق أو أيش؟
طلبة: يلاعن.
الشيخ: يلاعن أو يستر؟
طالب: الأولى أن يستر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3299
الشيخ: نقول: الأولى أن يستر، ولكن يجب أن يراقب، وأن يتحرى، وأن يبعد كل احتمال؛ وذلك لأن الشيطان يأتي إلى الزوج ويُوقع في قلبه التهمة لزوجته من غير أصل، لكن من أحب ما يكون للشيطان أن يفرق بين الرجل وزوجته، فربما يُلقي في قلبه وساوس ومع التفاعل مع هذه الوساوس تكون عند الزوج يقينًا، في وهم ينافي حقيقة الأمر، فكونه يستر أوْلى.
ثم هل الأولى إذا ستر أن يطلقها ويسلم من شرها أو أن يبقيها؟ في هذا تفصيل: إن كانت المرأة ذات أولاد ويخشى من تفرق العائلة، ومن المصادمات مع أهلها وما أشبه ذلك، فالأولى أن يُبقيها، وأن يلاحق، وإن لم يكن الأمر كذلك فالفراق أولى.
طالب: إذا وطئ المظاهر من حريمه ينقطع التتابع؛ لأنه يكون قد ( ... ) لا بد أن يعيد الصيام، الصيام الثاني ( ... ) الصيام الثاني الذي أعاده يكون بعد التماس، فما الفائدة من اللعان؟
الشيخ: كيف بعد التمام؟ !
الطالب: بعد التماس.
الشيخ: ما يضر، يكون فَعَلَ محرمًا حيث جامعها قبل تمام الشهرين، لكن يعيد الشهرين على وجه سليم، فلا فعل محرم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأنه شرط في الشهرين اللذين هما كفارة أن يكونا متتابعين، وهذا ما تابع؛ لأنه لما وطئها صار جامعها قبل أن يأتي بالشرط.
طالب: يا شيخ -أحسن الله إليك- إن صام شعبان ( ... ) رمضان كفارة، فكفارته صحيحة؟
الشيخ: يعني نوى برمضان الكفارة؟ إي، لا يصح، لا عن الكفارة ولا عن رمضان.
إذن يلزمه قضاء رمضان وكفَّارة شهرين متتابعين.
الطالب: طيب إذا كان صام شهر الله المحرم، وصام يوم عاشوراء من صيام التطوع، فهل يجزئ في الكفارة؟
الشيخ: نواها كفارة ولَّا لا؟
الطالب: نواها كفارة.
الشيخ: نواها كفارة، لا بأس، يصح، قل لي ويش الفرق؟ لأنك أنت ما عوضت ولا علشان الإشكال.
الطالب: ما الفرق؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3300
الشيخ: ما هو بعد يا جماعة يقتضي، يقتضي يقول: ويش الفرق؟ هكذا تريد؟ الفرق أن رمضان لا يصح أن يصوم غيره فيه، رمضان مخصص للفريضة، ولذلك لو كان مسافرًا، الآن رجل مسافر، صيام رمضان لا يلزمه؛ لأنه مسافر، لكن لو صام يوم الإثنين وهو في السفر، يريد فضل يوم الإثنين يجزئ أو لا يجزئ؟ لا يجزئ، يكون صومًا باطلًا؛ لأن أيام رمضان لا يصح فيها إلا رمضان سواء كنت في سفر أو في حضر.
طالب: بالنسبة للإطعام لو نوى بها القربى والتكفير.
الشيخ: لا بأس؛ لأن أصل التكفير القربى؛ لأنك فعلت ما أمر الله به.
الطالب: كذلك صيام الإثنين ورمضان قربى.
الشيخ: ما يخالف إلا إذا نوى في رمضان في نفس رمضان أنه يرجو ثواب صوم الإثنين، فيرجو أن يحصل له؛ يعني نوى ثوابها، انتبه لهذا.
طالب: بعد أن حسب الشهرين بالهلال ( ... ) على هذا من يبدأ من أول الشهر، وكيف إذا لم يعلم؟
الشيخ: لا ما يلزم، يبدأ من حين ما يحصل الذنب الذي فيه الكفارة، يجب أن يبادر، مثلًا لو جامع في النصف من الشهر، يبدأ من يوم ستة عشر، إلى يوم خمسة عشر من الشهر الثالث، إذا صام الخمسة عشر من الشهر الثالث انقضى حتى لو أن الشهرين على تسعة وعشرين يومًا.
طالب: وإن جهلها فبلغته، فإذا قذف امرأته بالزنا فله إسقاط الحد باللعان، فيقول قبلها أربع مرات: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، ويشير إليها، ومع غيبتها يسميها وينسبها، وفي الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تقول هي أربع مرات.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق أن اللعان مأخوذ من الملاعنة، وهو في الواقع ليس ملاعنة، بل لعنة وغضب، لكن هذا من باب التغليب، كما يقال: القمرانِ للشمس والقمر، والعمرانِ لأبي بكر وعمر، وإلا فإن اللعن إنما يجيء في ملاعنة الزوج فقط.
وسبق أن سببه؛ سبب اللعن؟
طالب: أن يتهم زوجته بالزنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3301
الشيخ: غلط، ما هو يتهم أن يقذف زوجته بالزنا، فيقول: أنتِ زنيتِ، وسواء أضافه إلى شخص أو أطلق؛ يعني سواء قال: أنتِ زنيتِ بفلان أو أطلق.
أولًا: إذا قذف بالزنا إن أقرت انتهى الوقت أُقيم عليها الحد، هذه واحدة، إذا لم تقم، نطالب الزوج بالبينة، إن أتى بها فلا لعان، ثالثًا؟
طالب: نقول للزوج: إما أن تلاعن أو نقيم عليك حد القذف.
الشيخ: يعني بعد تعذُّر الإقرار والبينة، نقول: للزوج إما أن تلاعن، وإما أقمنا عليك حد القذف ثمانين جلدة.
شروط صحة اللعان
اللعان لا بد له من شروط، يقول المؤلف رحمه الله: (يشترط في صحته أن يكون بين زوجين)، فلو قذف الإنسان أمه، أو قذف ابنته، أو قذف أخته، أو عمته، أو خالته، أو غير ذلك من النساء فإنه لا لعان، وإنما يكون اللعان بين الزوجين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ إلى آخره، فإن كان بين اثنين أجنبيين، ثم تزوج الرجل بهذه المرأة التي قذفها، هل يجري اللعان أو لا يجري؟ لا يجري؛ لأنه إنما قذفها قبل؟
طالب: أن يتزوجها.
الشيخ: أن يتزوجها، وعليه فإذا قذف امرأة قبل أن يتزوجها إن أقرت أُقيم عليها الحد، وإن لم تقر وأتى ببينة أقيم عليها الحد، وإن لم يأتِ ببينة أقيم عليه هو الحد.
يشترط أيضًا أن يكون باللغة العربية لمن يحسنها؛ لقوله: (ومن عرف العربية لم يصح لعانه بغيرها) إذن يُشترط أن يكون باللغة العربية لمن كان قادرًا عليها، فإن تلاعن بِلُغتهما وهما يقدران على اللغة العربية لم يصح، حتى وإن كانا قد عرفا اللغة، فلو حصل ذلك بين ويش نمثل غير عرب؟ بين أيش؟ بين زوجين لغتهما لغة إنجليز، وهما يعرفان العربية، فتلاعنا بلغتهما، فإن ذلك لا يصح؛ لأن المؤلف اشترط أن يكون بالعربية لقادر عليها، فإن كان بغير العربية، ولو كانت لغة الزوجين فإن اللعان لا يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3302
والقول الثاني: أنه يصح بلغتهما، وإن عرف العربية، وهذا جواب مقطوع به؛ وذلك لأن ألفاظ اللعان ليست ألفاظًا تعبدية حتى نحافظ عليها، إنما هي ألفاظ يعبر بها الإنسان عما في نفسه، فمتى عُلمت لغته أجزأ اللعان.
نمشي على كلام المؤلف: (ومن عرف العربية لم يصح لعانه بغيرها) ذكر المؤلف للعان شرطين؛ الشرط الأول: أن يكون بين زوجين، والشرط الثاني: أن يكون باللغة العربية لمن قدر عليها.
وهل يُشترط أن يكون بين زوجين مميزين؟ نقول: نعم، لا بد من هذا، لا بد أن يكونا مميزين، ولا بد أن يكونا عاقلين، وإنما لم يذكر المصنف ذلك لوضوحه وعدم الاختلاف فيه، فإذا قذف امرأته بالزنا، فقال: أنتِ زنيتِ -والعياذ بالله- أو: يا زانية، فله إسقاط الحد باللعان، أي حد؟
طالب: القذف.
الشيخ: حد القذف، وقال: الآن سنحدك ثمانين جلدة بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، قال: لا، أنا لي طريق آخر؛ وهو اللعان، أريد أن ألاعن، نقول: ياللا لاعن.
(فيقول قبلها أربع مرات: أشهد) (يقول قبلها)، فلا بد أن يكون قول الرجل قبل قول المرأة؛ لأن قوله: عليها بمنزلة إقامة البينة.
فيقول أولًا: (أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، ويشير إليها ومع غيبتها يسميها أو ينسبها) إذن نحضر الزوج والزوجة، ويحضرهما القاضي، فيقول: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، ويشير إليها، إذا لم تكن حاضرة يسميها، فيقول: أشهد بالله لقد زنت زوجتي فلانة بنت فلان، أو ينسبها فيقول: بنت فلان، وقد علم الناس أنه قد تزوج فلانة من بناته، وكذلك أيضًا أن يصفها بوصف لا يتعداها، فيقول: زوجتي الطويلة، أو القصيرة، أو البيضاء، أو ما أشبه ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3303
(وفي الخامسة) يعني في الشهادة الخامسة، يقول: (وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) الضمير هنا في (عليه) يُجعل عند اللعان بضمير النفس؛ يعني يقول الزوج: عليَّ، لكن كُنِّي عن ضمير النفس بضمير الغيبة كراهة أن ينسب الإنسان الحكم إلى نفسه.
(إن كان من الكاذبين، ثم تقول هي أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا، ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) هو يدعو باللعنة إن كان من الكاذبين، وهي بالغضب إن كان من الصادقين.
وإنما كان الغضب في جانبها دون الزوج؛ لأن الزوج أقرب منها إلى الصدق، وجه ذلك أنه لا يمكن لأحد أن يرمي زوجته بالزنا إلا عن صدق، لماذا؟ لأن رميها بالزنا تدنيس لفراشه، والناس سيقولون: إنه ديوث، لن يقولوا: إنها زنت مرة واحدة وبأول مرة لاعن، لا، يتحدثون ملء أفواههم؛ فهو إلى الصدق أقرب من المرأة، ولذلك كانت عقوبة المرأة التي تدعو بها على نفسها أعظم.
في هذه الصيغة -كما ترون- دعاء مُعلَّق بشرط، أين الشرط في دعاء الرجل؟
إن كان من الكاذبين، والشرط في دعاء المرأة: إن كان من الصادقين، فهل يجوز أن يدعو الإنسان دعاء معلقًا؟ الجواب: نعم، يجوز عند الاشتباه علق؛ لأن الله أعلم، ومن ذلك دعاء الاستخارة؛ لأن المستخير ماذا يقول؟ اللهم إن كنت تعلم أن هذا خير لي، وهذا تعليق دعاء واضح؟ أجيبوا.
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن الدعاء المعلق بشرط جائز في الأمور التي تخفى على الإنسان، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- عن شيخه -شيخ الإسلام- أنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسأله عن ذلك قال: يا رسول الله، إن قومًا يُقدَّمون إلينا، لا ندري أمسلمون هم أم غير مسلمين؛ لأنهم رؤساء البدعة، فلا ندري أمسلمون أم لا، فهل نصلي عليهم أو ندع الصلاة عليهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «عَلَيْكَ بِالشَّرْطِ».
الجزء: 2 - الصفحة: 3304
ما معنى الشرط؟ الشرط في الدعاء أن يقول: اللهم إن كان هذا الرجل مسلمًا فاغفر له، ولا حرج والله تعالى يعلم إن كان مسلمًا أو غير مسلم.
هذه الرؤيا هل يعمل بها أو لا؟ من المعلوم أن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمرائي، حتى تعرض هذه الرؤيا على نصوص الشرع إن وافقت قبلت، وتكون رؤيا تنبيهًا فقط وإن لم توافق رُدَّت، وإلا لأمكن كل واحد أن يقول: رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم البارحة، وقال: يا بني، عظِّمني، أقم لي ليلة المولد باحتفال عظيم، ثم يجيء يقول: يا جماعة، أنا رأيت سنة، أيش رأيت؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأوصاني أن أقيم له احتفالًا بمولده.
يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ يمكن، وما أكثر مثل هذه المنامات عند أهل الصوفة، من هم أهل الصوفة؟
طلبة: الصوفية.
الشيخ: الصوفية، وليسوا أهل صُفَّة، بل هم أهل صوفة، أهل الصفة أولياء أتقياء، أما هؤلاء فبدع وخرافات.
إذن إذا رأى الإنسان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في منامه في صورته المعروفة، وأوصاه بشيء فإنه ليس حكمًا شرعيًّا؛ لأن إبلاغ الرسول عليه الصلاة والسلام انتهى بموته، لكن نعرضه على النصوص الشرعية إذا وافقها قبلناه لموافقة النصوص، وتكون الفائدة في هذه الرؤيا؟ أجيبوا، التنبيه والتذكير.
نرجع إلى ما نحن فيه، يقول رحمه الله: (فإن بدأت باللعان قبله) لم يصح، وماذا نعمل إذا بدأت قبله؟ تعيد بعد لعان الزوج، فإذا لاعنت أولًا، ثم لاعن الزوج، قلنا: لعانها الأول لاغٍ، ويجب عليها أن تُعيد مرة ثانية بعد الزوج.
إذن يُشترط في ذلك الترتيب أو لا يشترط؟ يشترط الترتيب أن يبدأ الزوج أولًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3305
(أو نقص أحدهما شيئًا من الألفاظ الخمسة) بأن قال ثلاث مرات: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، وقال في الرابعة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين؛ فاللعان لا يصح؛ لأن الله اشترط أن تكون أيش؟ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾، وفي الخامسة كذلك، فإذا نقص عن العدد المعين شرعًا، فإن اللعان لا يصح.
يقول: (أو لم يحضرهما حاكم، أو نائبه)، هذا إذن يُشترط حضور الحاكم أو نائبه، الحاكم مَنْ؟ القاضي.
(أو نائبه) نيابة عامة، أو نيابة خاصة في إجراء الملاعنة؛ النيابة العامة أن يكون للقاضي نائب عام، النيابة الخاصة: أن يقول لشخص ما: يا فلان، قد أنبتك أن تجري اللعان بين هذا الرجل وزوجته.
وعُلم من كلامه -رحمه الله- أنه يجوز للقاضي أن يُنيب عنه من يُجري اللعان بين الرجل وزوجته؛ فهذا تدخله النيابة.
(حاكم، أو نائبه، أو أبدل لفظة أشهد بأُقسم، أو أحلف) فلا يصح؛ لأن الله قال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ فلا بد من الشهادة أو أبدل (لفظة اللعنة بالإبعاد)؛ لأن اللعنة هي الإبعاد عن رحمة الله.
فلو قال الزوج: بالله من رحمته إن كنت ( ... ) إنه لا يجزئ؛ لأن الله قال، ولأنه أشد وقعًا في النفس من كلمة أبعدني الله عن رحمته، وإن كان المعنى واحدًا.
أو أبعد، أو أبدل من الذي يبدي؟
طالب: المرأة.
الشيخ: المرأة، قال في الخامسة: وأن سخط الله عليها، والغضب فرق لطيف، فليس مرادفة للفظة الغضب بالسخط، لم يصح، ما الذي لم يصح؟ لم يذكر هذا اتباعًا لما جاءت به السنة؛ إما في القرآن وإما ..
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، مسألة حادثة يثبتون الآن نسبة الولد عن طريق معرفة الدم.
الشيخ: إننا لم نصل إلى الكلام عن الولد حتى الآن.
الطالب: لا، بالبينة يا شيخ بالبينة، إذا أتم الزوج.
الشيخ: إننا لم نصل إلى هذا.
طالب: أحسن الله إليك، لو وكل الزوجين أحدًا ليلاعن عنه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3306
الشيخ: إي نعم، يقول: هل يصح أن يوكل الزوج أو الزوجة من يلاعن؟
نقول: لا؛ لأن هذا مما يتعلق بنفس الشخص، أرأيت لو أن إنسانًا قال: وكلتك تحلف عني عند القاضي؟ أجب؟ لا.
حتى إن العلماء -رحمهم الله- قالوا: لو وكل إنسانًا في الخصومة؛ بيع أو شراء أو إيجار أو غير ذلك، وتوجهت عليه اليمين، فإن الوكيل لا يحلف، بل يُؤتى بالموكِّل ليحلف؛ لأن هذه المسألة تتعلق بنفس الشخص.
طالب: والقسامة من هذا الباب؟
الشيخ: القسامة يُقسم أهل الميت، عصبته.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا لاعن، وبعد اللعان أراد أن يرد زوجته، ثم منع منه، قال: أردت زنا العين؟
الشيخ: ما وصلنا لها، ستأتي.
طالب: بارك الله فيكم، هذه مسألة واقعية، وقعت وتحتاج إلى ( ... )، رجل ترك أمانة أهله عند رجل آخر وسافر، ثم هذا الذي ترك عنده الأمانة رأى أهله تزني وتحقَّق من ذلك ..
الشيخ: أيش؟
الطالب: هذا رجل ..
الشيخ: المؤتمن.
الطالب: نعم المؤتمن، يعني شاهد زوجة هذا الرجل المسافر الذي ترك أهله عنده؛ يعني تيقن من زناها من رجل آخر، وحتى جاء ولد من هذا الزنا؛ لأن هذا الذي سافر لم يعد إلا بعد قرابة السنتين، فما هو الحل؟
الشيخ: ويش الإشكال؟ ما هو الإشكال؟
الطالب: ما فيه بينة، وكيف يُنصح هذا الرجل؟
الشيخ: يعني مثلًا رجل سافر عن زوجته، كذا ولَّا لا؟ وأتت بعد سفره بسنتين بولد، الولد لها.
طالب: شيخ، يقول: تأكد منها الرجل الثاني أنها تزني؛ يعني الرجل ترك زوجته عند آخر، والزوج سافر والوكيل على الزوجة رأى زوجة المسافر تزني وتأكد من زناها حتى جاءت من هذا الزنا بابن.
الشيخ: كذا؟
طالب: نعم هكذا.
الشيخ: ليس على ما فهمته أنا، فهمتم السؤال الآن؟ إنسان جعل زوجته عند شخص، وسافر، ثم إن الشخص الذي عنده الزوجة رآها تزني وولدت، هذا إذا ولدت، فإن ادعى زوجها أن الولد له وأمكن ذلك؛ فالولد له، فهمت؟ وإن لم يمكن فليس له ولد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3307
طالب: هو نفاه يا شيخ، ولكن كيف ينتفي الولد بدون اللعان؟
الشيخ: يقول: ليس هذا ولدي، يقول: هذا ليس الولد مني، ويأتي بشهود على أن الرجل سافر منذ كذا وكذا، وأنه لم يرجع إلى الزوجة؛ لأن فيه احتمال أنه جاء في الليل ليلة من الليالي، جاء ودخل على زوجته وجامعها، ما فيه احتمال؟
طالب: يعني في الغالب يا شيخ ( ... ).
الشيخ: فيه احتمال ولَّا لا؟
طالب: ( ... ) حتى ( ... ) لأن ما دام أن ( ... ) قال: يعني الطريق الوحيد لنفي الولد هو ( ... ) اللعان.
الشيخ: لا، الصحيح أنه ما يحتاج لعانًا بالنسبة للولد؛ أن الولد ولده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (6).
لكن لو أصر على أن ينفيه، فمن العلماء من يقول: يقذف الزوجة أولًا فيقول: إنها زنت، ثم يلاعن.
ومنهم من قال: إنه لا يحتاج أن يقذف الزوجة، بل يكفي أن يقول: هذا ليس ولدي، ثم يجري اللعان، فيقول: أشهد بالله أربع مرات أن هذا الولد ليس ولدي، ويقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
طالب: هذا يا شيخ -بارك الله فيكم- هو هذا الرجل تُوفي؛ يعني هو تكلم كلامًا كثيرًا بين ..
الشيخ: من اللي توفي؟
الطالب: يعني الزوج، تُوفي، وقبل أن يتوفى تكلم كلامًا، هكذا بين الناس أن هذا الولد ليس له، لكن ( ... )، فهل هذا ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، الولد يلحق به ويرث منه.
ولده وقال له: يا بن الزانية، فهل يعتبر هذا اللعان أو لا؟ أو يفيد؟
يعني يعتبر قذفًا يعني؟
طالب: سب ولدًا له قال له: يا بن الزانية، هل هذا يعتبر قذفًا؟
الشيخ: هذا عاد ينظر إذا كان مما يجعل الإنسان بلا قصد كما هو معروف عند بعض الناس فليس بقذف، بعض الناس -نسأل الله العافية- على طول يقول: يا بن الزانية.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
فصل
الجزء: 2 - الصفحة: 3308
وإن قذف زوجته الصغيرة، أو المجنونة عُزر، ولا لعان، ومن شرطه قذفها بالزنًا لفظًا، كزنيت، أو يا زانية، أو رأيتك تزنين في قبل أو دبر، فإن قال: وطئت بشبهة، أو مكرهة، أو نائمة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق معنى اللعان وسببه، فما هو السبب؟ أن يقذف الرجل زوجته بالزنا.
وكيفيته؟ ما سبق أن يحضرهما الحاكم، ويعظهما أولًا، ويقول لهما: إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإن صمما أجرى اللعان بينهما، كيف يقول؟ يقول للزوج: اشهد بالله أربع شهادات أن زوجتك هذه زنت، ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم يقول لها: اشهدي أربع شهادات بالله أنه كاذب، وفي الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فإذا تم فسيأتي ما يترتب على هذا إذا تم اللعان.
ثم قال المؤلف: (فصل، وإن قذف زوجته الصغيرة، أو المجنونة عُزِّر، ولا لعان) (إن قذف) أي الزوج، (زوجته الصغيرة) التي لم تبلغ، فلا لعان؛ لأن الصغير لا تُقبل منه الشهادة ولا يصح منه اليمين، وليس قذف الصغير كقذف الكبير.
(فصلٌ)
وإن قَذَفَ زوجتَه الصغيرةَ أو المجنونةَ عُزِّرَ ولا لِعانَ، ومن شَرْطِه قَذْفُها بالزِّنَا لفْظًا كزَنَيْتِ أو يا زَانيةُ أو رَأَيْتُكِ تَزنينَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، فإن قالَ: وُطِئْتِ بشُبْهَةٍ أو مُكرَهَةً أو نائمةً, أو قالَ: لم تَزْنِ ولكن ليس هذا الولَدُ مِنِّي.
فشَهِدَت امرأةٌ ثِقَةٌ أنه وُلِدَ على فراشِه لَحِقَه نَسَبُه ولا لِعانَ، ومن شَرطِه أن تُكَذِّبَه الزوجةُ، وإذا تَمَّ سَقَطَ عنه الحدُّ والتعزيرُ، وتَثْبُتُ الفُرقةُ بينَهما بتحريمٍ مُؤَبَّدٍ.
(فصلٌ)
الجزء: 2 - الصفحة: 3309
مَن وَلَدَتْ زَوجتُه مَن أَمْكَنَ كونُه منه لَحِقَه، بأن تَلِدَه بعدَ نِصفِ سنةٍ منذ أَمْكَنَ وَطؤُه أو دونَ أَرْبَعِ سنينَ مُنذ أبانَها، وهو مِمَّنْ يُولَدُ لِمِثْلِه كابنِ عشرٍ، ولا يُحْكَمُ ببلوغِه إن شكَّ فيه ومَن اعْتَرَفَ بوطءِ أَمَتِه في الفَرْجِ أو دونَه فوَلَدَتْ لنِصفِ سنةٍ أو أَزيدَ لَحِقَه وَلَدُها إلا أن يَدَّعِيَ الاستبراءَ ويَحْلِفَ عليه، وإن قالَ: وَطِئْتُها دونَ الفَرْجِ أو فيه ولم أُنْزِلْ أو عَزَلْتُ.
لَحِقَه، وإن أَعْتَقَها أو باعَها بعدَ اعترافِه بوَطْئِها فأَتَتْ بوَلَدٍ لدُونِ نِصفِ سنةٍ لَحِقَه والبيعُ باطلٌ.
ثم قال المؤلف: (فصل: وإن قذف زوجته الصغيرة، أو المجنونة عُزِّر ولا لعان)
(إن قذف) أي الزوج (زوجته الصغيرة) التي لم تبلُغ، فلا لعان؛ لأن الصغير لا تُقبل منه الشهادة، ولا يصح منه اليمين، وليس قذف الصغير كقذف الكبير، أيهما أشد عارًا؟ الكبير لأن الصغير، كل يعرف الصغير، مرفوع عنه القلم، يجري منه كل شيء، فلا يلحقها العار الذي يلحق البالغة، فلذلك لا لعان، ولكن يُعزَّر، كذلك المجنونة من باب أولى، امرأة مجنونة تخرج إلى الأسواق، وتمشي مع الرجال، فقذفها قال: أنتِ زانية، فلا لعان؛ لأن المجنون لا قصد له، ولا يُعتبر قوله، فكيف يعتبر لعانها؟ ! وأيضًا لا يلحق المجنونة من العار مثلما يلحق العاقلة.
(عُزِّر، ولا لعان) من يُعزِّره؟ الإمام أو نائبه، ونواب الإمام الآن هم القضاة، والتعزير هو التأديب، ولكن بماذا يكون التأديب؟ الصحيح أن التأديب يكون بكل ما يحصل به الأدب؛ قد يكون بالضرب، وهذا واضح، وقد يكون بغرامة مالية، وهذا واضح، والمخالفات المرورية الآن من هذا الباب التعزير بأيش؟ بالمال، وقد يكون بالتوبيخ أمام الناس، والتوبيخ أمام الناس عند بعض الناس أشد من الضرب، وقد يكون بحرمانه من عطائه في بيت المال، وقد يكون بفصله عن وظيفته.
الجزء: 2 - الصفحة: 3310
المهم أن التعزير كل ما يحصل به التأديب، ولا يتحدد بشيء إلا أنه لا يجوز في معصية الله عز وجل، ومثَّل العلماء لذلك بحلق اللحية، قالوا: لا يجوز أن يُعزَّر الإنسان بحلْق لحيته، وكان بعض الظلمة فيما سبق يُعزرون الرجل بحلْق لحيته، ويرون أن هذا من باب العقوبة والتعزير، أما الآن فبعض الناس يعطي أُجرة لمن يحلق لحيته!
ولقد سألني سائل في مكة، في الحج، فقال لي: إنه رمى جمرة العقبة، ولبس ثوبه قبل أن يحلق، يشير إلى لحيته، كأنه يرى أن حلق اللحية نُسك كحلق الرأس، فقلت له: أَبْقِ على ما أنت عليه، إذا كان الحل لا يكون إلا بحلق اللحية فابقَ على ما أنت عليه، فهذا فهم غلط، الآن الناس، بعضهم -نسأل الله أن يهديهم- يرون أن هذا زينة وتمدُّن، وما أشبه ذلك، بعض الظلمة فيما سبق يُعزِّر بحلق اللحية، ولهذا نص الفقهاء رحمهم الله في باب التعزير: أنه يحرم التعزير بحلق اللحية، فخذ الآن القاعدة التعزير في اللغة التأديب، وفي الاصطلاح كل ما يحصل به التأديب، لا يتقيد على القول الراجح بأي شيء هذا الرجل الذي قذف زوجته الصغيرة أو المجنونة، نُعزِّره بما يرى الإمام أو نائب الإمام أنه يحصل به التأديب.
(عزر ولا لعان) (ومن شرطه) أي من شرط اللعان (قذفها بالزنا لفظًا) لا بد أن يقذفها باللفظ، لا تكفي الإشارة، ولكن الكتابة المعبِّرة تكون بمنزلة اللفظ، لو كتب لها: بسم الله الرحمن الرحيم، أنتِ يا فلانة زانية، حصل القذف، مثاله: (كزنيتِ، أو يا زانية، أو رأيتكِ تزنين في قُبل أو دُبُر) أو ما شابه ذلك من الكلمات التي هي صريح في القذف.
(فإن قال: وُطئت بشُبهة) فليس بقذف؛ أو قال: وُطئت مُكرهة فليس بقذف، أو وطئتِ نائمة، فليس بقذف؛ لأن هذا ليس زنا.
إذا وُطئت بشُبهة فهي معذورة، مُكرهة معذورة، نائمة معذورة، فليس قذفًا بالزنا، ولذلك لا نحد الزوج ولا نعزره ولا لعان.
الجزء: 2 - الصفحة: 3311
بقي أن يُقال: إذا قال: إنكِ وطئتِ بشبهة، أو مكرهة، أو نائمة، فهل يلزمه أن يتجنبها حتى تعتدَّ بثلاثة قُروء، أو لا يلزمه إلا بحيضة واحدة، أو لا يلزمه مطلقًا؟
هذه ثلاثة احتمالات، أقر الرجل أنها وُطئت وهي نائمة أو مكرهة، الآن أقر بأنها وطئت، فهل يلزمه أن يتجنبها حتى يعلم أن رحمها بريء نقي، إما بثلاثة قروء أو بقرء واحد يحصل به الاستبراء، أو لا يلزمه أن يتجنبها؟ كم الاحتمالات؟ ثلاثة، أصح هذه الاحتمالات أنه لا يجتنبها، بل ينبغي أن يبادر بجماعها حتى لا تلحقه الوساوس فيما بعد، ويقول: إن حملها ليس مني، وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضى بأن الوَلَد للفِرَاشِ -وهو الزوج- ولِلْعاهِرِ الْحَجَرُ (1)، فهذا قضاء الرسول عليه الصلاة والسلام، وما دام هذا قضاءَه فلا يلحقنا حرج.
ومن العلماء من قال: يجب أن تُستبرأ بحيضة لاحتمال أن يكون حملت، ولا تلزمها العدة؛ لأن العدة إنما تجب في النكاح.
ومنهم من قال: تلزمها العدة ثلاثة قروء، وإذا كانت تُرضع، وقلنا بهذا القول، كم باقٍ عليها؟ في الغالب أن التي تُرضع لا تحيض، وإذا كانت بدأت بالرضاع من الآن تبقى سنتين، مشكلة هذه.
المهم أن أصح الأقوال في ذلك: أنه لا يلزمها عدة ولا استبراء، وأننا نحب ونرغب أن يبادر بجِماعها حتى إذا حملت لم يكن في قلبه شك بالنسبة للولد.
هذه مسألة مهمة يا إخوان، أحيانًا تُغتصب زوجة الرجل، ويأتيها رجل فاجر، ويعلم الزوج وهي تعلم أنه حصل الجِماع، فالقول الذي ترتاح إليه النفس، وهو مقتضى حكم الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لا تعتد، ولا تحرُم على زوجها، وأن لزوجها أن يجامِعها فورًا، ونستحب له ذلك حتى لا يلحقه القلق فيما بعد أو الشك.
طالب: شيخ، إذا قلنا بالمبادرة في الجماع، ألا يؤدي هذا إلى اختلاط الأنساب؟
الشيخ: من يقول: إنها حملت من الزاني؟
الطالب: احتمال.
الشيخ: احتمال، وحلها لزوجها يقين ولَّا احتمال؟
الطالب: يقين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3312
الشيخ: يقين، فالأصل حلها.
طالب: أحسن الله إليك، إذا لم يعلم الزوج أنها وُطئت مُكرهة، فهل المرأة مثلًا من باب المعاشرة أو من باب .. تخبر الزوج؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، يعني لو أن امرأة زنت مُكرهة، أو نائمة، أو متعمدة، ولكن تابت، هل يلزمها أن تخبر الزوج؟
أما على القول بوجوب الاعتداد فيلزمها أن تُخبر الزوج حتى يتجنبها، وأما على القول الراجح فلا يلزمها، ما دامت تابت إلى الله عز وجل، أو كانت مُكرهة، أو نائمة، لا يلزمها؛ لأنه لا يترتب على عدم إخباره، أجيبوا؟
طالب: لا يترتب شيء.
الشيخ: لا يترتب شيء، ولو أخبرته لأفسدت ما بينها وبين الزوج؛ لأن بعض الأزواج لا يتحمل إطلاقًا أن تزني امرأته حتى لو تابت، وربما يكون بينهما أولاد.
طالب: إذا خشيت أن يعلم ( ... ) بعد الوقت، ربما يعلم من الناس ( ... ) تترتب عليه مفسدة أعظم؟
الشيخ: هذا ربما ننفصل عنه بأن نقول: إذا علم وقال لها مثلًا، تقول له: القضية كذا وكذا؛ أنها مُكرهة، أو نائمة، أو مختارة، ثم تابت، وأنها لم تخبره؛ لأنها تعلم أنه لا يترتب على عدم إخباره شيء ما دمنا اخترنا القول بأنه لا يجب اجتنابها.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- في بعض البلدان التي لا يوجد محاكم حتى يكون اللعان، يعني هل يمكن أن يوكل عالم محترم مثلًا فيما بينهما هذا اللعان ولَّا لا؟
الشيخ: إي نعم، هذا سؤال مهم، يقول: في بعض البلاد ما فيه حاكِم شرعي، وربما لا يهتم بهذه الأمور أيضًا، فهل يجوز أن يختار الزوجان شخصًا يتلاعنان عنده؟
الجواب: نعم، يجوز، وهذه خذها قاعدة، أنه يجوز للمتخاصمين أن يُحكِّما بينهما رجلًا صالحًا للقضاء.
طالب: بالنسبة للفظة نائمة، فيه واحدة أحد يجامعها وهي نائمة؟ !
الشيخ: لا ( ... ).
الطالب: يمكن ما تدري أنها تجامع أصلًا، إذا هي نائمة ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3313
الشيخ: لا يمكن أثناء العملية تستيقظ، لكن ممكن؛ يعني بعض الناس -يا جماعة- نومه ثقيل، تجده مثلًا يتدحرج من أعلى الدرج إلى آخره، وهو ما استيقظ، وبعض الناس نومه خفيف جدًّا إذا أذن ديك الجيران يستيقظ، فالناس يختلفون، فربما هذه المرأة مثلًا مُتكشِّفة في أيام حر وثوبها مثلًا خفيف، أو مع النوم ( ... )، وهذا رجل -نسأل الله العافية- ما يبالي، ففعل فلم تشعر إلا والمسألة منتهية.
المهم هذا ممكن يعني عقلًا ممكن، وحسًّا ممكن، ( ... ) لهذا.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض البلاد لا يوجد للزاني حد، ولا يؤاخذ به، ثم ..
الشيخ: أين هو هذا البلد؟
الطالب: يمكن في بلاد الغرب ما يكون فيه الشريعة الإسلامية، ما يؤاخذون الزاني بشيء.
الشيخ: فيه بلاد إسلامية هكذا؟
الطالب: إي، فيه بعض البلاد ما يؤاخذ مثل ..
الشيخ: بعض البلاد الإسلامية؟ !
الطالب: لا، ما إسلامية.
الشيخ: زين.
الطالب: لا يُحكم بالشريعة الإسلامية، ( ... ) ما يؤاخذون، مثل الكاميرون، يعني لا يؤاخذون ..
الشيخ: مثَّلْت الآن!
الطالب: الآن -شيخ- فيه قبائل يأخذون مثل إذا واحد زنى بواحد منهم، أو بابنته، أو زوجته ..
الشيخ: كيف زنى بواحد منهم؟ ! كيف؟ ! تلوَّط؟
الطالب: لا.
الشيخ: أنت تقول زنى بواحد منهم؟ !
الطالب: واحدة، شيخ يأخذون عليها مالًا، هذا المال يردع هذا الإنسان، ألا يزني أو ألا يعود مرة ثانية .. ؟
الشيخ: إي، يردعه.
طالب: شيخ، هل لهم أن يأخذوا هذا المال؟
الشيخ: لا؛ لأن هذا فيه حد مُقدَّر شرعًا ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] والْمُحصَن يرجم.
الطالب: شيخ، الحكم هذا ما يوجد، وإذا جلدته مئة جلدة يعني تستبعد إبعادها، أو يعني يحكموك حكومة صعبة ما تستطيع تتخلص منه.
طالب آخر: جريمة ( ... )، إقامة الحد جريمة.
الطالب: إي، إقامة الحد جريمة أكبر من ..
الشيخ: طيب، وأخذ المال؟
الطالب: أخذ المال عادي، يقرون عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3314
الشيخ: عادي؛ لأنهم ألفوه.
الطالب: إي.
الشيخ: ما يجوز هذا أبدًا، يا إما يحكمون بالشرع وإلا يتركونه.
الطالب: إذا تركت هذا يا شيخ حصل مفسدة.
الشيخ: ليش؟
طالب: ليل ونهار ما يتركون ( ... )؛ لأنهم ما يخافون الله ..
الشيخ: أعوذ بالله! كيف ( ... )؟ ! الناس مثل الحمير ليل ونهار، عجيب! اترك السؤال هذا يا رجال، أنت الآن تأتينا إما بمحدثات الأمور ولَّا بعظائم الأمور، ولهذا يجب أننا نُعزرك بعدم الإجابة على سؤالك.
الطالب: شيخ، هذا واقع ويش يسوي؟
الشيخ: سوِّ، اترك، عجيب!
طالب: ( ... ) يا شيخ، البلاد اللي تحكم بالدساتير، الدستور هذا، الطاغوت -نسأل الله العافية- هذا اللي غير المملكة، المملكة تحكم بالشريعة، جزاهم الله خيرًا، أغلب البلاد الإسلامية تحكم بالدستور، التحرش بالمرأة أشد من الزنا بها.
الشيخ: أعوذ بالله!
طالب: لأن الزِّنا قد تكون هي راضية، فهذا خلاص إذن تحل وديًّا وكذا، أما التحرش، هذا اعتداء شخصي، أو على حرية شخصية، هذه جريمة أكبر.
الشيخ: أعوذ بالله! نسأل الله العافية ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: 186]. ( ... )
الطالب: وإذا تم سقط عنه الحد والتعزير، وثبتت الفرقة بينهما بتحريم مؤبد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:
سبق أنه من شرط اللعان أن يقذف الزوجة بالزنا صريحًا، فإن لم يقذفها بالزنا صريحًا، بل قال: رأيت عندها رجلًا، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يتم اللعان حتى يقذفها بالزنا صريحًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3315
إلى أن قال المؤلف: (أو قال: لم تزنِ، ولكن ليس هذا الولد مني) اعترف بأنها لم تزنِ، لكن قال الولد هذا ليس مني، فماذا يكون إذا نفى أن تزني، ثم قال: ليس مني؟ يمكن أن تكون وُطِئت بشُبهة؛ يعني أن أحدًا من الناس ظنها زوجته، فجامعها فحملَت، فالولد الآن ليس من الزوج، ولكنه لا يقتضي أن تكون زانية، لاحتمال أن تكون وُطئت بشبهة، فإذا قال هذا، وشهدت امرأة ثقة أنه وُلد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان، إذا نفى أن يكون الولد منه فأتت امرأة ثقة -والثقة لا بد أن تكون ذات خبرة وأن تكون أمينة، لأنه لا ثقة إلا بقوة وأمانة؛ القوة أن تكون ذات خبرة، والأمانة أن نعلم أنها ليس لها هوى- فشهدت بأنه ولد على فراشه، وهو يقول: ليس مني، فإننا لا نقبل قوله؛ لأنه وُلِد على فراشه بشهادة امرأة ثقة، وهل يجري اللعان أو لا يجري؟ لا يجري اللعان؛ لأنه لم يقذفها بالزنا، وإنما قال ليس هذا الولد مني.
إذا لحقه نسبه، هل يرث؟ وهل يكون أخًا لأولاده؟ وهل تكون أخت الزوج مثلًا عمة له وما أشبه ذلك؟ الجواب؟ أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، تثبت جميع أحكام النسب، وهنا سؤال: لو أن رجلًا زنت امرأته -والعياذ بالله- وتحقق أنها زانية، فهل يلزمه أن يتجنبها حتى يستبرئها؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ذكرنا بالأمس أقوالًا ثلاثة:
أحدها: أن تعتد بثلاثة قروء.
والثاني: أن تستبرئ بحيضة واحدة.
والثالث: أنه لا عدة ولا استبراء.
وقلنا: إن هذا القول هو الصحيح، وأنه ينبغي للزوج أن يبادر فيجامعها، حتى لا يلحقه الشك بأن الولد ليس منه، إذا أصر الرجل على أن الولد ليس ولده، ولم تشهد امرأة بخلاف ذلك، فهل يجوز أن يُلاعن لنفي الولد؟ المذهب: لا يجوز، ولهذا قال: (ولا لعان)، ماذا يصنع وهو يعلم أن الولد ليس ولده؟ إما لكونه قد تجنبها منذ سنة أو أكثر، أو لأي سبب من الأسباب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3316
المهم أن الرجل لا يريد الولد، يقولون: يلحقه شاء أم أبى، إذا قال: أنا أريد أن أنفيه عن نفسي، فالمذهب يقولون: إذن يقذفها بالزنا أولًا، ثم يُلاعن، ولا شك أن هذا قول منكر، كيف يقذفها بالزنا وهو يعلم أنها ليست زانية؟ وكيف يُدنِّس عرضها وهو يعلم أن عرضها طاهر؟
إذن نقول: القول الراجح أنه يجوز أن يلاعن لنفي الولد فقط، إذا تأكد أن الولد ليس ولده فله أن يلاعِن لنفي الولد، كيف يلاعن لنفي الولد؟ يعني يقول: أشهد بالله أن هذا الولد ليس مني، أربع مرات، في الخامسة يقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وإذا لاعن هو فقط ثبت الحكم أنه ليس ولده، واضح يا جماعة؟
هذا القول هو الراجح، نسأل الله لنا ولكم السلامة، هذه بلوى، الرجل يعرف أن له عن زوجته سنين وأتت بولد، ويقول: ليس مني، نقول: لازم يلزمه، فلا وجه لهذا القول.
ثم إذا قلنا: لا بد أن تقذفها بالزنا، ثم تلاعن، هذا أنكر وأنكر، ولا يمكن، فإن سكت الرجل وهو يغلب على ظنه أن الولد ليس منه، فهل له ذلك؟ الجواب: نعم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: الولد لمن؟ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ».
وقضى بالغلام لعبد بن زمعة مع أن فيه شبهًا ببينًا بعتبة ابن أبي وقاص، وقال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (1).
قال: (وإذا تم) يعني إذا تم اللعان (سقط عنه الحد) حد إيه؟ حد القذف، (والتعزير) تعزير أيش؟ تعزيره إذا كانت الزوجة غير محصنة؛ لأن قذْف غير المحصَن يُوجِب التعزير، وثبتت الفرقة بينهما بتحريم مؤبد، يعني تكون عليه حرامًا على التأبيد من غير نسب، ولا ينتشر هذا التحريم إلى أقاربها، بل إليها وحدها تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا، جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3317
ثم قال المؤلف: (فصل: من ولدت زوجته من أمكن كونه منه لحقه، بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه، أو دون أربع سنين منذ أبانها) والثاني الشرط الثاني (وهو ممن يولد لمثله كابن عشر).
هذا في بيان ما يلحق من النسب، وهو فصل مهم.
يقول رحمه الله: (من ولدت زوجته من أمكن كونه منه)، وبيَّن الإمكان بقوله بأن تلده، وقوله: (وهو ممن يولد لمثله) شرطين، فإنه يلحقه سواء علمنا أنه اجتمع بها أم لم نعلم، لكن بشرط أن نعلم الإمكان.
انتبهوا يا إخواني، أن نعلم أنه يمكن أن يكون منه، وإن لم نعلم أنه اجتمع بها فإنه يكون ولده، ولكن بهذا الشرط أن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه بعد نصف سنة؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر، فلو ولدت بعد أن أمكن وطؤه لثلاثة أشهر، وعاش الطفل، فالولد ليس ولده، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن تلده لثلاثة أشهر ويعيش، فهنا نعلم أنها قد وُطئت من قبل، وهذا الولد من الواطئ، أرجو الانتباه.
رجل تزوج امرأة في البلد، عقد عليها في واحد محرم، ولم يدخُل عليها إلا في واحد جمادى الأولى، كم بقي معها؟ في أول يوم من محرم عقد عليها، ولم يدخل إلا في أول يوم من جمادى الأولى، بقِي أربعة أشهر، ما دخل عليها، لما مضى ثلاثة أشهر ولدت، هل الولد له؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: الولد له، نعم، ثلاثة أشهر، لكن من العقد، كم مضى؟ سبعة أشهر، والمؤلف يقول: (منذ أمكن وطؤه)، وهذا ممكن يطأ ولَّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: كيف يطأ؟ ما دخل عليها؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، يمكن يا إخوان، وهذا أيضًا وقع، والسؤال عنه كثير إذا عقد على امرأة، وقال: الدخول بعد شهرين، أو ثلاثة، أو سنة، أو سنتين، واتصل بها وجامعها، يجوز أو لا يجوز؟
طلبة: ( ... ).
طلبة آخرون: يجوز.
الشيخ: ما دخل عليها، الله يهديكم، ما دخل عليها.
طالب: عقد عليها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3318
الشيخ: عقد عليها وهي زوجته، نعم، يجوز أن يخلو بها، وأن يسافر بها، وأن يجامعها، لكن من العادة -حسب عادة الناس- أنه يخالِف العادة، ثم إنه فيه خطر في مسألة الجماع خاصة، لو قدَّر الله أن تحمل من هذا الجماع، ثم دخل عليها بعد ثلاثة أشهر، ثم وضعت أو تبيَّن حملها عند الدخول لحق الرجل شبهة، بل لحق المرأة شبهة؛ منين جاء الحمل هذا؟ ولذلك نحن نفتي في هذه المسألة بأنه لا بأس للزوج الذي عُقِد له أن يجتمع بأهله بدون جِماع، والجماع لا بأس به، لكننا نخشى أن تحمل، ويكون هناك تهمة.
نرجع إلى مثالنا، رجل عقد على امرأة في أول يوم من محرم، ثم دخل عليها أول يوم من جمادى الأولى، ثم أتت بولد بعد ثلاثة أشهر من دخوله عليها، يكون الولد له ولَّا لغيره؟
طلبة: له.
الشيخ: له؟ !
طلبة: نعم.
الشيخ: يا جماعة، ما دخل عليها!
طالب: يمكن أمكن ..
الشيخ: لكن أمكن، فيكون الولد له، هذه المسألة كما رأيتم المؤلف يقول: إنها معلقة بالإمكان أن يكون الولد منه، هناك قول آخر: أن المرأة لا تكون فراشًا إلا بعد الجماع، وقبل ذلك ليست فراشًا، وذلك لأن هذا هو الحقيقة، متى كانت فراشًا له؟ بعد أن جامَعَها، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (1). فإذا علمنا أن هذا الزوج لم يدخل على المرأة، ولم يجتمع بها؛ لأنه في بلد بعيد، وهي في بلد بعيد، وهي محفوظة عند أهلها، وعلمنا أنه لم يدخل عليها، فهل يكون الولد له في المثال اللي ذكرنا؟ أجيبوا يا جماعة؟
طالب: على المذهب يلحق ( ... ).
الشيخ: لا، على القول الصحيح؟
طالب: لا يلحق به.
الجزء: 2 - الصفحة: 3319
الشيخ: لا يُلحق به؛ لأنا تيقنا أن الزوج لم يجامعها، ومن أين يأتي الولد إلا من الجِماع، أرجو الانتباه يا جماعة؛ لأن هذه مسألة خطيرة جدًّا، صار المذهب أنه متى أمكن أن يجامعها فالولد ولده، وإن لم نعلم أنه جامعها، القول الثاني -وهو الصحيح- أنها لا تكون فراشًا إلا إذا جامعها، وبناءً على ذلك في المثال اللي ذكرنا يكون الولد له ولَّّا لغيره؟
طالب: لغيره.
طالب آخر: هذا الأخير، لغيره.
الشيخ: أنتم ( ... )؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، عقد عليها في أول يوم من محرم، ودخل عليها في أول يوم من جمادى الأولى، ثم ولدت بعد دخوله بثلاثة أشهر، يكون له أو لا؟ لا، يكون لغيره؛ لأنها لم تكن فراشًا له إلا في واحد جمادى الأولى بعد الدخول.
رجل عقد على امرأة وهو في الصين، والمرأة في غرب أمريكا، ولم يذهب إلى أمريكا، ولم تأتِ هي إلى الصين، ثم ولدت لستة أشهر من العقد، هل يكون ولده له؟
طلبة: لا.
طالب: قولان يا شيخ.
الشيخ: قولان، أو ثلاثة؟
طالب: لم يصح، لم يجتمعا.
الشيخ: هذا يعني نعلم علم اليقين أنه ما اجتمع بها، لكن مع ذلك عند بعض أهل العلم -وأظنه مذهب أبي حنيفة رحمه الله- أن الولد له؛ لأن المرأة تكون فراشًا بمجرد العقد عليها سواء أمكن أم لم يمكن؛ فالأقوال إذن ثلاثة:
قول أن المرأة تكون فراشًا للزوج بمجرد العقد، وإن لم يمكن أن يجتمع بها.
القول الثاني: أنها تكون فراشًا له بعد العقد إذا أمكن أن يجتمع بها، وإن لم نعلم أنه اجتمع بها، وهذا مذهب الحنابلة.
القول الثالث: لا تكون فراشًا حتى نعلم أنه جامعها، وهذا القول هو الراجح، وهو فيما أظن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو المطابِق تمامًا للحديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (1). المرأة لم تكن فراشًا الآن.
طالب: ( ... ) غرب أمريكا.
الشيخ: مع شرق أمريكا.
طالب: لأن ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3320
الشيخ: ما يخالف، أنا فاهم أنك تبغي تورد عليه هذا أو غيره، لكن إحنا نقول: خلِّيها في أول أمريكا على المحيط.
طالب: شيخ، كوننا نقول: إن قول الحنابلة أن يقذفها، ثم يُلاعن، قول منكر، فما الفرق بينه وبين إذا لاعن لنفي الولد؟ الآن هذا إثبات أنه ليس له، وأنها زنت.
الشيخ: سبحان الله! كيف يرد في ذهنك هذا؟
الطالب: هو الآن أثبت أنها زنت، لكن بطريق آخر.
الشيخ: كيف يمكن أن يرد على ذهنك هذا؟
الطالب: ما الفرق يا شيخ؟ الفرق أنه لم يصرح فقط.
الشيخ: هو يقول: ما زنت، ألا يمكن أن تُوطَأ بشبهة؟
طالب: بلى.
الشيخ: أسأل عبد الله الذي أورد علينا هذا، يمكن ولَّا ما يمكن؟
الطالب: زال الإشكال يا شيخ.
الشيخ: الحمد لله.
طالب: إذا لم يرمها بالزنا، لكنه نفى الولد، هل يُفرَّق بينهما؟
الشيخ: لا، ما يُفرَّق؛ لأنه ما يمكن تفريق إلا بعد اللعان، وهنا اللعان من قبل الزوج فقط، الزوجة ما تقول شيئًا.
طالب: في مسائل مثل هذه مرت معنا ( ... ) الاحتياط، شيخ، فهل في مثل هذه، هل نجري الاحتياط كذلك؟
الشيخ: أيهم؟
طالب: أنه إذا مثلًا نفى الولد حتى وإن حكم النبي أنه يلحق به، لكن هو في نفسه يقول: هذا، ما هو بولدي، فهل نجري احتياطنًا إذا كان له أبناء وبنات ويصير أجنبي ( ... )؟
الشيخ: لا، إذا حكمنا بأن الولد له فهو له.
ما يلحق من النسب
الطالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل: من ولدت زوجته من أمكن كونه منه لحقه، بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه، أو دون أربع سنين منذ أبانها، وهو ممن يُولد لمثله كابن عشر، ولا يُحكم ببلوغه إن شك فيه، ومن اعترف بوطء أمته في الفرْج، أو دونه فولدت لنصف سنة، أو أزيد لحقه ولدها، إلا أن يدَّعي الاستبراء ويحلف عليه، وإن قال: وطئتها دون الفرْج، أو فيه ولم أنزل، أو عزلت لحقه، وإن أعتقها، أو باعها بعد اعترافه بوطئها، فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه، والبيع باطل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3321
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الفصل في بيان لحوق النسب، بماذا يلحق النسب الإنسان؟
قال: (من ولدت زوجته من أمكن كونه منه لحقه)، هذا الضابط إذا ولدت زوجته مولودًا ذكرًا أو أنثى أمكن أن يكون من زوجها فإنه يلحقه، سواء اعترف بوطئها أم لم يعترف، يقول: إمكان ذلك (بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه، أو دون أربع سنين منذ أبانها) إذا ولدته بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه، وهي زوجته، فالولد ولده؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وقد حصلت، تزوجها في أول يوم من محرم، وأمكن أن يدخل بها، لكن ما دخل، هي ولدت في رجب، كم بين ولادتها وعقد النكاح؟
طلبة: ستة أشهر.
الشيخ: ستة أشهر، نقول: الولد ولده؛ لأنها ولَدت بعد زمن يمكن أن يعيش فيه الولد، وهو ستة أشهر؛ لأن أقل مدة يعيش فيها الحمل ستة أشهر، والدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14] أسقط عامين من ثلاثين شهرًا اللي هي مدة الحمل؛ لأنه قال: ﴿حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾.
فإذا جعلنا الفِصال سنتين، أربعة وعشرين شهرًا، يبقى ستة أشهر، نقول: الولد ولده، وظاهر كلام المؤلف سواء جامعها أم لا، ما دام يُمكن أن يُجامعها، والمرأة بمجرد العقد يمكن زوجها أن يجامعها، صح إذن نحسب من العقد إلى وضع الحمل إذا بلغ ستة أشهر، فما فوق، فالولد ولده.
فإذا قال: أيها الناس، إنني لم أجامع هذه المرأة، قلنا: لكن الولد ولدك، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (1). وهذا أحد القولين، وسبق الإشارة إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3322
ذكرنا أن بعض العلماء يقول: متى عقد عليها، فالولد ولده سواء أمكن وطؤه إياها أم لا، وذكر بعض العلماء أن العبرة بإمكان الوطء، وهو المذهب عندنا، وقال آخرون: العبرة بالوطء؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (1) يُخرج ما إذا لم يجامعها؛ لأن إلى الآن ما صارت فراشًا له، وهذا القول الثالث هو الصواب، لكن اللي بيمشي على المذهب على ما مشى عليه المؤلف يقول: (أو دون أربع سنين منذ أبانها).
يعني طلق إنسان امرأة وانتهت عدتها بعد ثلاثة أشهر، ثم أتت بولَد بعد أربع سنين إلا خمسة أشهر، الآن ولدت لأقل من أربع سنين منذ أبانها، الولد ولد مَنْ؟ ولده؛ لأن أكثر مدة الحمل أربع سنين، وهذه أتت به لأقل من أكثر مدة الحمل، فيكون الولد ولده، أما لو أتت به بعد أربع سنين منذ أبانها، فالولد ليس ولدًا له بناء على أن أكثر مدة الحمل أربع سنين.
إذا قال قائل: ما هو الدليل على أن أكثر مدة الحمل أربع سنين، ما هو الدليل؟ لم نجد دليلًا أقل الحمل وجدنا دليلًا، وهما آيتان من كتاب الله سمعتموهما، أكثر الحمل ما فيه دليل، أربع سنين من قال هذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3323
قالوا: لأن هذا أكثر ما وجد، أربع سنين، فنقول: تقييد الحكم بالوجود يحتاج إلى دليل؛ لأنه قد تأتي حالات نادرة غير ما حكمنا به، وهذا هو الواقع وُجِد بعضهم، لم يُولد إلا بعد سبع سنين! وُلِد وقد نبتت أسنانه، سبحان الله! يعني تعدى موضع الرضاع، وُجِد، ووُجِد أكثر من هذا، وُجِد إلى عشر سنين، وهو في بطن أمه حيًّا، لكن الله عز وجل منع نموه، وإلا لشق بطنها، لكن نموه بقي، فيقال: إن هذا -مسألة أكثر الحمل- خاضع للواقع، فإذا علمنا أن هذه المرأة لم يجامعها أحد، وبقي الحمل في بطنها خمس سنين، ست سنين، ونحن نعلم أن المرأة ما جُومعت، هل نقول: هذا الولد ليس لزوجها، لا يمكن أن نقول هذا، ونحن نعلم علم اليقين أنها ما جامعها أحد، نقول: هو لزوجها وإن بقيت عشر سنين، فالصواب أنه ليس لأكثر الحمل مدة، بل متى علمنا أنها لم تُوطأ، فما في بطنها الحمل إلى أن يخرج، أو نقول: حتى يُولَد له؟ ما نقول: حتى يُولد له؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: قد تزوج.
الشيخ: تزوج؟ لا، ما تزوجت، كيف توقفون لهذا يا جماعة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أقول: كيف توقفون هذا؟ هل يمكن الحمل يتزوج؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: طيب ليش أنكم توقفون؟ أنا قلت: إن الحمل لا حد لأكثره حتى يُولد له، هل يمكن هذا؟ يُولد الحمل، هذا لا يمكن يا جماعة، ولا يحتاج تتوقفون فيه إلا إذا كان أنكم ما تصورتوها جيدًا.
على كل حال الخلاصة: أن القول الراجح أن الحمل له أقل، وليس له أكثر، لكن المؤلف مشى على المشهور من المذهب أن أكثره أربع سنوات، لكن شوف الشرط من أمكن كونه منه.
الشرط الثاني (وهو ممن يُولَد لمثله)، ولو جُعِل هذا الشرط ضمن الأول لكفى؛ لأنه إذا كان لا يُولد له، أيش؟ لا يمكن أن يكون الحمل له، لكن زيادة إيضاح، وهو (وهو ممن يولد لمثله كابن عشر).
ابن عشر يمكن ولد يولد لمثل ابن عشر، ( ... ) يمكن يولد لمثله؟
طالب: يمكن.
الشيخ: عجيب، وغيرها الأيام.
الجزء: 2 - الصفحة: 3324
طالب: الأول ابن عشر يا شيخ رجَّال، الحين صار ( ... )! !
الشيخ: على كل حال، ابن عشر يقولون: إنه يمكن أن يولد له، ويُذكر أن عبد الله بن عمرو بن العاص وأباه عمرو ليس بينهما إلا إحدى عشرة سنة؛ يعني أن عبد الله وُلِد لأبيه وله عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة، وهذا شيء مرجعه للتجارب وللعادات وللبيئات، وكما قال الأخ ابن عشر من الأول كان كبيرًا قويًّا، الآن شجرة ظِلال، تعرفون شجرة الظلال؟ شجرة الظلال دائمًا ( ... )، ما تنمو سريعًا، لكن شجرة الشمس ما شاء الله قوية، وتنمو بسرعة، إذن مرجع هذا على القول الراجح إلى ما يقرره الأطباء، إذا قالوا: هذا يُولَد لمثله فهو يُولَد لمثله، لكن نعم ربما يقال: الغالب عشر سنين.
قال: (ولا يُحكم ببلوغه إن شُكَّ فيه)، سبحان الله! يُحكم بأن الولد له، ولا يحكم ببلوغه إذا شككنا فيه، كيف ذلك؟ قالوا: لأن الشارع له تطلع وتشوُّف لثبوت النسب فيُلحق بأدنى شُبهة، وأما البلوغ فلا بد فيه من اليقين، وإلا لقال قائل: متى حكمتم بأن الولد له يجب أن تحكموا ببلوغه؛ لأن الولد لا يمكن إلا من ماء، إلا من مني، وإذا نزل المني ثبت البلوغ، لكن يُفرِّقون بأن النسب يتطلع إليه الشرع، فيثبته بأدنى شبهة، فلعلَّه أنزل ولم يشعر مثلًا، ما ندري، وأما البلوغ لا بد فيه من اليقين، والبلوغ يترتب عليه أشياء حقوق مالية وعبادات بدنية، فلا نحكم بالبلوغ ما دمنا شاكين فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3325
قال: (ومن اعترف بوطء أمته في الفرج أو دونه، فولدت لنصف سنة أو أزيد لحقه ولدها، إلا أن يدعي الاستبراء ويحلف عليه) هذا غير الزوجة، رجل قال: إنه وطئ أمته؛ يعني مملوكته، قال: إنه وطئها، اعترف بهذا، فولدت لنصف سنة من اعترافه بالوطء؛ أي من وطئه، أو أزيد ما لم تبلغ أكثر الحمل (لَحِقَه ولدها إلا أن يدعي الاستبراء، ويحلف عليه)، فما الفائدة من قولنا: لحقه ولده؟ الفائدة أنه يكون له نسب معلوم لهذا الولد، وفائدة أخرى أنها تصير بذلك أم ولد، تعتق بموته، أرجو الانتباه يا جماعة.
هذا رجل له أمة -والأمة يعني مملوكة؛ عَبْدَة- اعترف أنه جامعها في الفرْج، فأتت بولد من نصف سنة فأكثر من وطئه؛ من اعترافها بالوطء، من وطئه، يكون الولد ولده، هو يقول: ليس ولدي، وهي تقول: ولدك، هو يقول: ليس ولدي من أجل أن يبيعها، وينتفع بثمنها، وهي تقول: ولدك من أجل ألا يبيعها وتعتق بموته، كل واحد له غرضه، فمن القول قوله؟ القول قول الأمة، ولهذا قال: (لحقه ولدها، إلا أن يدعي الاستبراء ويحلف عليه)، ويش معنى يدعي الاستبراء؟ قال: نعم، إنه وطئها، ولكنها حاضت بعد وطئه، وإذا حاضت بعد الوطء، فلا حمل، قلنا له: تحلف على أنها حاضت بعد الوطء؟ قال: نعم، أحلف، فإذا حلف لم يكن الولد له، وحينئذٍ يلحق الأمة عار، ليش؟ لأن الولد إذا لم يكن لسيدها صار لزانٍ، فيقول: لا يلحقها ( ... )؛ لأنها من الجائز أن تُوطأ غصبًا، أو من غير الجائز؟ من الجائز، نعم، نقول: من الجائز أن تُوطأ غصبًا، ولا يلحقها لوم، لكن الناس لسوء الظن أقرب منهم لإحسان الظن، الناس يقولون: خلاص، زَنَت، وإذا قيل: إنها زانية، كم تساوي؟ ما تساوي ولا قرش، أمة وزانية، ما لها قيمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3326
لكن على كل حال المقصود تحرير المسائل، إذا ادعى السيد أنه جامع زوجته فأتت بولد لنصف سنة فأكثر، فالولد ولده إلا إذا ادعى الاستبراء، وحلف عليه، فالولد ليس ولده، والأمة أمته، يبيعها، ويرهنها، ويتصرف فيها كما شاء.
قال: (وإن قال: وطئتها دون الفرج، أو فيه ولم أنزل، أو عزلت لحقه) إذا قال: وطئتها دون الفرج يلحقه الولد شاء أم أبى؛ لأن اعترافه بالوطء اعتراف، وكونه في غير الفرج دعوى، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هو يقول: وطئتها، لكن دون الفرج.
نقول: الآن عندنا شيئان: وطئتها، هذا اعتراف، دون الفرْج؛ دعوى، وإنما يقول: دون الفرج لئلا يلحقه الولد، لكن المؤلف يقول: لحقه.
أو قال: وطئت في الفرج ولم أُنزل، اعترف الآن بأيش؟ بالوطء، وادعى أنه لم يُنزل، والأصل أنه أنزل؛ لأنها ولدت، أو قال: عزلت، والفرْق بين الدعوى التي قبلها، وهذه أنه في الأول قال: لم أُنزل مطلقًا، والثاني: قال: عزلتُ؛ يعني أنه أنزل، لكن خارج الفرج، هذه أيضًا دعوى فيُحكم بما أقر به، ويُترك ما ادعاه.
(وإن أعتقها، أو باعها بعد اعترافه بوطئها، فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه، والبيع باطل) رجل بعد أن جامع أمته أعتقها، ثم أتت بولد لدون نصف سنة، فالولد ولده؛ لأنها أتت بولد لا يمكن أن يكون لغيره لأقل من نصف سنة، وأقل مدة الحمل ستة أشهر، وكذلك لو باعها بعد أن اعترف بوطئها، ثم أتت بولد لدون نصف سنة، فالولد ولده والبيع باطل؛ لأن بيع أم الولد لا يصح، البيع باطل فتُردُّ الأمة إلى سيدها الذي باعها، ويُردُّ الثمن إلى الذي اشتراها.
طالب: القول بأن أكثر الحمل ( ... ) مدة طويلة هذه، هناك ( ... ) هذه المدة، هل يثبت الإرث؟
الشيخ: إي معلوم، يُوقف له.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف ( ... )؟
الطالب: نقول: إذا كانت مطلقة رجعيًّا يثبت لها الإرث؟
الشيخ: إي، ما زالت في العدة، كما أنه لو راجعها في هذه المدة، صح الرجوع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3327
طالب: ( ... ) حصلت أنه رجل زنا بامرأة، وولدت له بنتًا، ثم عُقد الزواج بينها بموافقة أهل الطرفين، فأفتى لهم بعضهم أن الولد يلحق بأمه ( ... )، وأنه عقد الزواج بينهما، وقبل ( ... ).
الشيخ: بعد الوضع؟
الطالب: لا، قبله، أثناء الحمل.
الشيخ: أثناء الحمل عُقِد له عليها.
الطالب: عُقِد عليها، وقبل ( ... ).
الشيخ: العقد عليهم عقد النكاح عليها قبل التوبة باطل بنص القرآن: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3] فهمت؟ بعد التوبة يرى بعض العلماء أن العقد عليها صحيح وهي حامل؛ لأن الولد قدرًا ولده، وإن كان ليس ولده شرعًا، لكنه قدرًا ولده، فيُجوِّز العقد عليها، ويُجوِّز أن يطأها؛ لأن الولد ولده، جمهور العلماء على منع هذا، وأن الولد ليس ولده، ولو استلحقها؛ لأن الولد للفراش، وهذه ليس لها فراش، والعقد عليها باطل؛ لأن الولد ليس ولده، هذا رأي جمهور العلماء.
فأنت يجب من الآن فورًا أن تخبرهما بأنه يجب التفرق بينهما ما دام النكاح قبل التوبة، فإذا تابا يُنظر في الأمر، هل يُعقد لهما النكاح من جديد أو لا؟ لأنه قد يقال: إنه لا تحل له أبدًا؛ لأن عمر رضي الله عنه حرم على الذي نكح المعتدة أن يتزوجها حتى بعد العدة (2) تعزيرًا له، لكن هؤلاء مستندون إلى فتوى جاهل جهلًا مركبًا، تعرف الجهل المركب؟ ما هو الجهل المركب؟ وما هو البسيط؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، تقول: قد ما قد، التعريفات ما فيها قدود، أخبرني ما هو الجهل المركَّب؟
طالب: الجهل المركَّب، هذا يعني هو جاهل، ويظن أنه عالِم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3328
الشيخ: أحسنت، هو الجاهل الذي يجهل أنه جاهل، فهو جهل مُركَّب، والجهل المركب أقبح من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل البسيط يعرف أنه جاهِل، ويحرص على العلم، لكن الجاهل المركب ويش يرى؟ يرى أنه عالم، فلا يسعى في طلب العلم، ويكون جهله عن علم، والعياذ بالله أنه جاهل، وقد قيل شعر في هذا وهو:
قَالَ حِمَارُ الْحَكِيمِ تومَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رجل اسمه توما يدعي أنه حكيم عالم، وله حمار يركبه، فأنشد الحمار:
قَالَ حِمَارُ الْحَكِيمِ تومَا
لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ
يركب أيش؟
طالب: صاحبه.
طالب آخر: يركب توما.
الشيخ: يركب صاحبه.
يقول الحمار:
لِأَنَّنِي جَاهِلٌ بَسِيطٌ
وَصَاحِبِي جَاهِلٌ مُرَكَّبْ
ذكي هذا الحمار، لكن هذا الحمار أخطأ، أشرك وهو لا يدري، حيث قال: لو أنصف الدهر، الحوادث ما تُنسب للدهر، لكن جرت العادة أنهم يتوسعون في هذا التعبير.
طالب: ( ... ).
الشيخ: المهم يتكلم على لسانه.
الآن -بارك الله فيك- يجب عليك إذا كنت تعرفهما أن تتصل بهما، وتقول: تفرَّقا، فإذا تابا عُقد لهما النكاح، الولد على كل حال -على رأي الجمهور- ولد زنا، ولا يُنسب له بأي حال من الأحوال، وينبغي أن يُفتى بذلك في الوقت الحاضر؛ لأننا لو لم نُفتِ به لزنا كل شاب بامرأة، وجعل أهلها أمام الأمر الواقع، وأهلها إذا طلب أن يزوجوه بها سيزوجونه خوفًا من العار، وحينئذٍ يبقى كل شاب يريد امرأة يغرها ويزني بها، ثم يقول لأهلها: يلَّا، زوجوني؛ فلذلك لا نفتح الباب في هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3329
وإن كنا نرى ما يراه شيخ الإسلام ابن القيم أنه لا بأس أن يستلحقه إذا لم تكن فراشًا لأحد، لكننا لا نفتي به أبدًا؛ لأنا نعلم من الوقت الحاضر الآن الناس -والعياذ بالله- واهمون، لما سمعوا أن هناك نكاحًا يجوز بنية الطلاق، أتدرون ماذا فعلوا؟ صاروا يذهبون إلى البلاد يتزوجون، ما لهم شغل؛ يعني كأنما يريدون أن يذهبوا للزنا ويرجعوا، هذا حقيقة الأمر.
والخلاف الذي وقع بين العلماء ليس هذا، الخلاف، اللي وقع بين العلماء قالوا: لو تزوج غريبٌ اشتدت عليه العزوبة، فتزوج بنية الطلاق إذا رجع إلى وطنه فلا بأس، وبين الصورتين فرْق عظيم؛ لأن هذا لم يسافر علشان الجماع، سافر لأيش؟ لغرض، اشتدت عليه العزوبة، فصار بين أمرين، إما أن يزني والعياذ بالله، وإما أن يطأ بعقد، فقالوا له: أن يتزوج بنية الطلاق؛ لأن الله قد يُغيِّر نيته، ويرغب فيها.
أما أن يذهب الناس إلى البلاد الأخرى، نسأل الله العافية، بنية أنه يتزوج ويرجع، يعرف أنه بيرجع هو، وليس له شغل، فهذا حرام، ولا أحد يقول به، لكن الناس افتح لهم جُبًّا يجعلونه ريعًا، ولا يبالون، نسأل الله العافية، إذا قيل لهم شيء قالوا: هذا أفتى فلان بأنه لا بأس به، سبحان الله! هذا ما هي الصورة، هذه كل يعرف أنه ذهب ليزني مثل التيس ويرجع، ولا إشكال في هذا.
ولذلك يحدثني بعض الناس الآن أن الواحد يتزوج مرتين بالأسبوع، صار معناه ما همه إلا الجماع، ثم تحمل منه وهو سافر لأهله، وتجيب عيال، ويضيعون لمن؟ ففيها مفاسد عظيمة، لكن الهوى والشهوة تجعل الناس -والعياذ بالله- يتصرفون تصرفًا كل يعلم أنه خاطئ، لكن أعمى الله قلوبهم بهواهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3330
(كتابُ العِدَدِ) تَلزَمُ العِدَّةُ كلَّ امرأةٍ فارَقَتْ زَوْجًا خَلَا بها مُطاوِعَةً مع عِلْمِه بها وقُدْرَتِه على وَطْئِها , ولو معَ ما يَمْنَعُه منهما أو مِن أَحَدِهما حِسًّا أو شرْعًا أو وَطِئَها أو ماتَ عنها حتى في نِكاحٍ فاسدٍ فيه خِلافٌ، وإن كان باطلاً وِفاقًا لم تَعْتَدَّ للوَفاةِ،
مدخل
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: ﴿كتاب العدد﴾ العِدَد جمع (عِدَّة)، وهي تربص المفارقة؛ أي الزوجة المفارقة بموت أو حياة (تتربص) يعني تنتظر، المفارقة بموت أو حياة.
المفارقة بموت؛ أن يموت عنها زوجها، أو حياة؛ أن يطلقها أو يفسخها، أو ما أشبه ذلك هذه العدة.
ويشترط لوجوب العدة أن يكون النكاح غير باطل، هذا شرط.
إذا كانت مفارقة حياة أن يحصل وطء أو خلوة ممن يولد لمثله بمثله، انتبه للشروط علشان يسهل عليك الأمر، يشترط أن يكون النكاح غير باطل مطلقًا سواء كانت المفارقة مفارقة حياة أو مفارقة موت، ويُشترط في مفارقة الحياة أن يحصل وطء أو خلوة ممن يُولَد لمثله بمثله.
ثالثًا: يُشترط لوجوب العدة أن يكون النكاح غير باطل، وإذا كانت المفارقة في الحياة يشترط -إضافة إلى ما ذكر- وطء أو خلوة ممن يولد لمثله بمثله، هذه الثالثة.
طالب: يشترط إذا كانت المفارقة عامة، يشترط أن يكون النكاح صحيحًا.
الشيخ: غلط.
الطالب: أن يكون النكاح غير باطل.
الشيخ: غير باطل نعم، ما تقول: صحيح، قل: أن يكون غير باطل.
إذا كانت المفارقة في الحياة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: غلط.
طالب: إذا كانت المفارقة في الحياة أن يحصل وطء أو خلوة ممن يولد لمثله بمثله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3331
الشيخ: إذا كانت المفارقة في الحياة أن يحصل وطء أو خلوة ممن يولد لمثله بمثله.
قلنا: إن يكون النكاح غير باطل، ورددنا على من قال أن يكون النكاح صحيحًا؛ وذلك لأن الأنكحة ثلاثة أقسام: صحيح، وباطل، وفاسد، فمن اجتمعت شروطه، وانتفت موانعه فهو صحيح.
وما أجمع العلماء على فساده فهو باطل، وما اختلف العلماء فيه فهو فاسد.
إذا تزوج رجل امرأة بلا ولي فالنكاح فاسد، ولا نقول: باطل؛ لأن العلماء اختلفوا فيه، وإذا تزوج امرأة مُعتدَّة في العدة فالنكاح باطل؛ لأن العلماء لم يختلفوا في تحريمه، افهموا القواعد حتى يسهل عليكم التطبيق.
رجل تزوج امرأة بنكاح صحيح، ثم مات عنها دون أن يراها أو يجتمع بها، عليها العدة أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: رجل -يا إخوان- تزوج امرأة بنكاح صحيح، ومات عنها وهو لم يرها، ولم يجتمع بها، هل عليها العدة أو لا؟
طلبة: عليها عدة.
الشيخ: عليها عدة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه ما يشترط وطء ولا خلوة، في عدة الوفاة مجرد العقد الصحيح يُوجِب العدة.
رجل آخر تزوج امرأة بلا ولي، وخلا بها وطئ أو ما وطئ، ثم قيل له: إن النكاح غير صحيح، ففارقها، عليها عدة ولَّا لا؟
طلبة: عليها عدة.
الشيخ: النكاح غير صحيح!
طالب: عليها استبراء.
الشيخ: عليها عدة، ليش؟ لأن النكاح فاسِد مُختلَف فيه، فعليها العدة.
ثالث: رجل تزوج امرأة معتدة، كانت تحيض كل شهرين مرة، ولما مضى ثلاثة أشهر ظنوا أن العدة انقضت فتزوجها، وهي لم تحض إلا حيضة واحدة؛ لأنه جرت العادة أن تحيض؟
طالب: في الشهر مرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3332
الشيخ: رجل تزوج امرأة معتدة كانت هذه المرأة يأتيها الحيض في الشهرين مرة، كم تبقى من شهر؟ ستة أشهر، لكن ظنوا كما ظن العوام أن المرأة إذا تم لها ثلاثة أشهر انتهت عدتها، فلما تم لها ثلاثة أشهر، تزوجها بناءً على أن العدة انتهت، ثم قيل له: إن العدة لم تزل باقية، ففارقها، هل عليها عدة أو لا؟ لا عدة عليها، ليش؟ لأن النكاح باطل، والرجل ما وطئ ولا جامع، فنقول: خلاص، يُفرَّق بينهما، وليس عليها عدة، لها أن تتزوج في الحال.
إذن يُشترط لوجوب العدة أن يكون النكاح غير باطل مطلقًا، ويُزاد فيما إذا كانت العدة من فُرقة حياة أن يحصل وطء أو خلوة ممن يُولَد لمثله بمثله.
مَنِ الذي يُولد له؟ الرجل إذا تم له عشر سنوات، والمرأة إذا تم لها تسع سنوات، فهي يُولَد لمثلها، إذا تم له عشر سنين فهو يُولد لمثله، فلو تزوج امرأة لها سبع سنوات، وخلا بها وجامَعَها وطلَّقها، عليها عدة ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأنه ما يُولد لمثلها، لا يمكن أن يُولد لامرأة حتى تتم تسع سنوات، قال: إنه جامعها؟ قلنا: ولو جامعها، لا يمكن أن ينشأ حمل في هذه السن، وحينئذٍ نقول: ليس عليها عدة، تتزوج من حين يُطلِّقها، انتبهوا للشروط، وحاولوا أن تطبقوا عليها مسائل من أجل أن ترسخ.
ولنرجع إلى كلام المؤلف يقول: (تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجًا، خلا بها، مطاوِعة، مع علمه بها، وقدرته على وطئها، ولو مع ما يمنعه منهما، أو من أحدهما حسًّا أو شرعًا).
(تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجًا) استفدنا من كلمة (زوجًا) أنه لا بد أن يكون النكاح صحيحًا، لكن سيأتي أن النكاح الفاسد فيه عدة.
(خلا بها) عنْ مَنْ؟ عن الناس في حُجْرة، أو بيت ليس فيه أحد.
(مطاوِعَة) يعني أنها أُدخِلت عليه مطاوعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3333
و (خلا بها) مطاوعة، فعُلِم من قوله: (مطاوِعة) أنه لو خلا بها مُكرهة، فلا عبرة بهذه الخلوة، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن الرجل إذا خلا بالمرأة فهو مظنة الجِماع سواء كانت مطاوعة أو غير مطاوعة، أليس كذلك؟
إذا قال قائل: إذا كانت مُكرهة ما تمكنه من نفسها، فيزول احتمال الجماع.
قلنا: وإذا كانت لا تمكنه من نفسها فهو يتمكَّن منها أو لا؟ نعم، إذا كان هو أنشط منها، يستطيع يجامعها ولو كانت مُكرهة، وإن كان دونها ما يستطيع؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما تغلبه، يُونِّسها بالحديث والسواليف، ويدنو منها شيئًا فشيئًا حتى تسترخي وتُمكِّنه.
طالب: حتى تطاوعه.
الشيخ: تطاوعه يمكن.
المهم أن اشتراط أن تكون مطاوعة ضعيف، وأنه لو خلا بها وهي مكرهة، فإن احتمال الوطء وارِد، حتى وإن كانت مكرهة.
(مع علمه بها، وقدرته على وطئها)، نعم، مع علمه بها، لا بد من هذا، لو كان خلا بها في حجرة مظلمة، وهي في رقعة من الحجرة وهو ما شافها، ثم فُتح الباب، فقال: ما شاء الله، أتت زوجتك عندي؟ هل لهذه الخلوة حكم؟ لا.
أو كان رجلًا أعمى ما علِم بها، فلا عبرة بهذه الخلوة؛ لأنه ما دام اتفق الزوجان على أنه لم يحصل وطء، فهذه الخلوة لا عِبرة بها، إذ إن الزوج لم يعلم بها.
قال: (وقدرته على وطئها) يعني ألا يكون أشل مثلًا، أو ألا يكون مربوطًا، فإنه لو خلا بها وهو مربط بإيديه ورجليه بأوثق الحديد فيه فائدة؟ ما فيه فائدة، فلا عِبرة بهذه الخلوة.
ثم قال: (ولو مع ما يمنعه منهما، أو من أحدهما حسًّا أو شرعًا) المانع الحسي أن يكون الرجل مجبوبًا، هذا مانع حسي، أو أن يكون الرجل عنينًا لا يقوم ذكره، هذا الجماع ممتنع حسًّا، أو تكون المرأة رتقاء، الرتقاء هي التي لا يمكن أن تُجامَع لوجود شيء في فرْجها سدَّه، ولا يمكن أن تُجامَع، هذا حسي أو شرعي؟
طلبة: حسي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3334
الشيخ: حسي، أو شرعًا أن تكون المرأة حائضًا، فالوطء هنا ممنوع شرعًا، أو يكون الرجل محرِمًا، هذا ممنوع شرعًا، الخلوة مع المانع الشرعي تُعتبر أو لا تعتبر؟ تُعتبر على رأي المؤلف؛ لأنه كم من إنسان لا يبالي والعياذ بالله.
كم من إنسان يطأ زوجته وهي حائض، وكم من إنسان يطأ المرأة وهو مُحرِم، لكن إذا كان هناك مانع حسي نعلم أنه لا يمكن أن يطأ، فإن هذه الخلوة معتبرة لاحتمال أن ينزل الماء -أي المني- في الفرج، وإن لم يلِج الذَّكَر، وإذا نزل الماء في الفرج صار احتمال كبير في الحمل، هذا هو تقدير المؤلف، ويأتي -إن شاء الله- بقية البحث في هذا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما هو؟
الطالب: تأويل عثمان رضي الله عنه في إتمام الصلاة في مِنى؟
الشيخ: اختلف العلماء في تأويله؛ منهم من قال: إنه رأى أن الخليفة كل البلاد بلد له، سواء في المدينة، أو في مكة، أو في أي مكان؛ لأنه إمام أهل الأرض كلها، فعلى هذا القول لا يكون له سفر، لكن هذا تأويل ضعيف؛ لأننا لو قلنا بهذا قلنا: إذن لا يقصر ما بين مكة والمدينة.
وقال بعضهم: إنه تأول أن يكون الحُجَّاج فيهم الأعراب، فيهم الذين فتحت بلادهم أخيرًا، فيظن الناس أن الواجب في الرباعية ركعتان، فأتم خوفًا من أن يظن الجاهل أن الصلاة الرباعية ركعتان، فهمت؟
ومنهم من قال: إنه في آخر خلافته صارت مِنى تُسكن فصارت قرية، وهو قد أقام بها يومًا قبل الذهاب إلى عرفة وأربعة أيام بعد الرجوع من عرفة، العيد وثلاثة أيام بعده.
على كل حال نحن نعلم أن عثمان رضي الله عنه لا يمكن أن يخالف سُنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخليفتيه وسُنَّته هو أيضًا في أول خلافته إلا لعُذْر شرعي تأويل، وتعيينه لا يمكن أن نتخرص فيه؛ لأن هذا شيء في قلبه، ما ندري.
فالجواب أن العذر غير معلوم لنا.
طالب: أحسن الله إليك، نكاح المعتدة ( ... ) إذا تزوجت، ولم تنتهِ من العدة الأولى، ثم ..
الجزء: 2 - الصفحة: 3335
الشيخ: فالنكاح غير صحيح، يُفرَّق بينهما حالًا.
الطالب: تكمل عدة الأول أم أنها؟
الشيخ: لا، تكمل عدة الأول.
طالب: أليس الأفضل؟
الشيخ: من؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: بلى، ما هو أفضل، سُنَّة مؤكدة مكروهٌ تركها.
طالب: طيب إذا كانوا جماعة ( ... )، الأفضل أن يصلوا مكانهم، ما يصلون بالمسجد؟
الشيخ: لا؛ لأن القصر قلنا: الراجح أنه سنة، والجماعة واجبة، والسنة لا تعادَل بالواجب.
ما الذي أسقط الجماعة عن المسافر؟ إذا قلنا بوجوب المسجد وجب عليه، لكن إذا قلنا بعدم وجوب المسجد لا يجب عليهم ولا على غيرهم إذا كانوا جماعة، لكن هذا على القول الراجح لا بد يصلون في المسجد، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الْجَمَاعَةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ» (3).
ما فيه مظنة، الآن يقيم بالبلد هذا أربعة أيام، ما فيه مشقة، أما نعم لو قال: أنا والله أنا بمشي، ما أنا منتظر حتى يأتي الإمام ويصلي أربعًا.
قلنا: صلِّ في مكانك، وتوكَّل على الله، واحد قال ..
طالب: هل يلزمه ( ... )؟
الشيخ: لا، وفي هذا أيضًا، لا فرق، الحديث: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ». قال: نعم.
قال: «أَجِبْ».
(4) كما قلنا بوجوب الجمعة على المسافر إذا كان في البلد؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9].
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- إذا كان الإنسان ( ... )؟
الشيخ: أجب يا رجل.
طالب: ذكرنا -جزاك الله خيرًا- مثلًا إذا شخص ذهب إلى بريدة، وأراد الإقامة له أن يقصر، لكن هل هو في عرْف الناس سفر إذا ذهب إلى بريدة؟
الشيخ: إي نعم، إذا بقي يومين أو ثلاثة نعم سفر.
طالب: يعني نقول: إنه مسافر؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3336
الشيخ: نعم، لأن المسافر هو الذي يُفارِق الوطن، ومعه طعامه وشرابه وعزوته، والناس قبل أن تأتي السيارات هذه، إذا ذهب لبريدة لازم يكون معه ذهاب.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان مدرسًا في مكان آخر، ويذهب بأهله معه ( ... )، ثم يعود، هل يعتبر مسافرًا؟
الشيخ: هل نوى الإقامة في هذا البلد؟ أسألك: هل نوى الإقامة المطلقة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: خلاص، إذن هو مسافر.
طالب: وإن كان ( ... )؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: ومعه أهله.
الشيخ: ومعه أهله.
كان الناس في زمن التابعين يُنتدب الرجل إلى السفر، يرابِط فيها السنة والسنتين ويقصر.
طالب: ولكن يا شيخ لا يكون معه أهله ( ... ).
الشيخ: ولو معه أهله، ( ... ) قضاة يبقون أربع سنين، ويقصرون.
طالب: إذا خرج الشخص في النزهة مسافة أربعين كيلو تقريبًا ( ... ).
الشيخ: نصف يوم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا غير مسافر.
طالب: إذا كان إمامه يقصر الصلاة ( ... )، يقصر الصلاة ( ... )؟
الشيخ: إذا قصر الصلاة يقوم هذا ويتم، الذي لا يرى أنه مسافر هو حقيقة غير مسافر، فإنه يتم.
الطالب: في كتاب العدد: أو وطئها، أو مات عنها حتى في نكاح فاسد فيه خلاف، وإن كان باطلًا وفاقًا لم تعتد للوفاة، ومن فارقها حيًّا قبل وطء وخَلْوة، أو بعدهما، أو بعد أحدهما، وهو ممن لا يُولد لمثله، أو تحملت بماء الزوج أو قبَّلها أو لمسها بلا خلوة فلا عدة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
ما هي العدة شرعًا؟
طالب: تربص من فارقت بموت أو طلاق.
الشيخ: أو طلاق؟ ! تربص من فارقها زوجها بموت أو حياة.
العدة ذكرنا أن لها شرطًا أو شرطين حسب ما نسمع، وقلت لكم: إنك إذا ضبطت هذا سهل عليك كل ما يأتي، ما هما؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما تفصل.
الطالب: الشرط الأول: ألا يكون النكاح باطلًا.
الشيخ: الشرط الأول: ألا يكون النكاح باطلًا، وهذا شرط في المفارقة بحياة أو موت.
الشرط الثاني؟
طالب: الشرط الثاني: قدرته على الوطء.
الجزء: 2 - الصفحة: 3337
الشيخ: خطأ.
طالب: أن يحصل وطء أو خلوة ممن يُولد لمثله بمثله.
الشيخ: طيب، أن يحصل وطء أو خلوة ممن يُولد لمثله بمثله.
إذا ضبط هذا سهل عليك التفريق، فلننظر الآن يقول: أو مات عنها؛ تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجًا (أو مات عنها) معطوفة على (فارقت) يعني أو امرأة مات عنها زوجها؛ لأن سبب العدة إما مفارقة بحياة، وإما مفارقة بموت حتى في نكاح فاسد فيه خلاف؛ يعني حتى لو فارقها في نكاح فاسد فيه خلاف، فإنه كالصحيح إذا حصل وطء أو خلوة ممن يُولد لمثله بمثله، أو موت وجبت العدة.
يقول: النكاح الفاسد الذي فيه خلاف، فلنضرب لهذا مثلًا: اختلف العلماء رحمهم الله هل الولي شرط في صحة النكاح أو لا؟ فإذا تزوجت امرأة بلا ولي فالنكاح فاسد، وحُكمه حكم الصحيح في مسألة العدة.
إذا تزوجت امرأة في عدتها من غير زوجها فالنكاح باطل؛ لأن العلماء مُجمِعون على أنه باطل، هذا النكاح لا أثر له إطلاقًا؛ يعني أن وجوده كالعدم، فلو مات الزوج فلا عِدَّة، ولا ميراث، ولا مهر إذا لم يكن جامعها.
إذن الباطل -كما يقولون- حِبْر على ورق، ليس له تأثير إطلاقًا، ما هو الباطل؟ الذي أجمع العلماء على بُطلانه، الفاسد حكمه حكم الصحيح، لكن هذا الحكم لماذا جعلناه كالصحيح؟ نقول: احتياطًا، كيف احتياطًا؟ لأننا لو قلنا: حكمه حكم الباطل، وصارت قضية، ورُفع الأمر إلى قاضٍ يحكم بصحتها حصل تناقض، ثم إننا إذا فرقنا بينها وبين زوجها في النكاح الفاسد بقي في قلوبنا شيء، ما هذا الشيء؟ خلاف العلماء الآخرين؛ لأنه ربما يكون الصواب معهم، فيكون تفريقنا غلطا، ولا تحل للأزواج بعد ذلك؛ فلهذا ألحقنا الفاسد بالصحيح من باب الاحتياط.
يقول رحمه الله: (حتى في نكاح فاسد فيه خلاف) هذه بيان للفاسد، فهي صفة كاشفة كما يقولون، من يجيب المثال؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نكاح بلا ولي.
هذا النكاح بلا ولي إذا فارقها الزوج قبل أن يُجامعها عليها العدة أو لا؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3338
الشيخ: عليها العِدَّة، مثال الباطل: تزوَّج امرأة في عدتها، ثم فارقها قبل أن يجامِعها، لا عدة عليها، حتى لو خلا بها وقبَّلها وكل شيء إلا الجماع، فليس عليها عدة، ليش؟ لأن وجود الباطل كعدمه.
يقول: (حتى في نكاح فاسد فيه خلاف، وإن كان باطلًا وفاقًا) كلمة (وفاقًا) يعني بالإجماع، وهذا معنى الباطل (لم تعتد للوفاة) طيب ولَّا الحياة؟ من باب أولى؛ لأن كل من لا تلزمها عدة وفاة لا تلزمها عدة حياة، مثاله: رجل تزوج امرأة في عدتها، ثم مات عنها، ماذا يكون؟ لا يكون شيء، لا عدة، ولا ميراث، ولا صداق، ولا شيء، ليش؟ لأن النكاح الباطل وجوده كعدمه تمامًا، لكن لو جامعها مثلًا، لو جامعها وجبت العدة لجماعه، ووجب الصداق لجماعِهِ أيضًا.
رحمه الله: (وإن كان باطلًا وفاقًا لم تعتد للوفاة).
لو قال المؤلف رحمه الله: فلا عدة؛ لكان أولى دون أن ينص على الوفاة، لكن لعل الوفاة فيها خلاف، فأراد أن ينص على هذا.
(ومن فارقها حيًّا قبل وطء وخلوة) ..
وإن كان باطلاً وِفاقًا لم تَعْتَدَّ للوَفاةِ، ومَن فارَقَها حَيًّا قَبْلَ وَطءٍ وخَلوةٍ أو بعدَهما، أو أحدِهما وهو مِمَّنْ لا يُولَدُ لِمِثْلِه أو تَحَمَّلَتْ بماءِ الزوجِ أو قَبَّلَها أو لَمَسَها بلا خَلوةٍ فلا عِدَّةَ.
(فصلٌ)
والْمُعْتَدَّاتُ سِتٌّ:
(الحاملُ) وعِدَّتُها من موتٍ وغيرِه إلى وَضْعِ كلِّ الْحَمْلِ بما تَصيرُ به أَمَةٌ أمَّ وَلَدٍ، فإنْ لم يَلْحَقْه لصِغَرِه أو لكونِه مَمْسوحًا أو وَلَدَتْ لدونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَها، ونَحْوَه وعاشَ لم تَنْقَضِ به، وأَكثرُ مُدَّةِ الحمْلِ أربعُ سنينَ وأَقَلُّها سِتَّةُ أشهُرٍ وغالِبُها تسعةُ أَشْهُرٍ، ويُباحُ إِلقاءُ النُّطفةِ قبلَ أربعينَ يومًا بدَواءٍ مُباحٍ.
(فصلٌ)
الجزء: 2 - الصفحة: 3339
الثانيةُ (الْمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها بلا حَمْلٍ منه) قبلَ الدخولِ أو بعدَه، للحُرَّةِ أربعةُ أَشْهُرٍ وعشرٌ وللأَمَةِ نِصْفُها، فإن ماتَ زوجُ رَجْعِيَّةٍ في عِدَّةِ طَلاقٍ سَقَطَتْ وابْتَدَأَتْ عِدَّةَ وفاةٍ منذُ ماتَ، وإن ماتَ في عِدَّةِ مَن أَبَانَها في الصِّحَّةِ لم تَنْتَقِلْ، وتَعْتَدُّ مَن أبانَها في مَرَضِ موتِه الأطولِ من عِدَّةِ وفاةٍ وطَلاقٍ ما لم تَكُنْ أَمَةً أو ذِمِّيَّةً أو جاءَت البَيْنُونَةُ منها فلِطلاقٍ لا غيرُ،
رحمه الله يقول: (وإن كان باطلًا وِفاقًا لم تعتد للوفاة).
لو قال المؤلف رحمه الله: فلا عدة؛ لكان أولى دون أن ينص على الوفاة، لكن لعل الوفاة فيها خلاف، فأراد أن ينص على هذا.
(ومن فارقها حيًّا قبل وطء وخلوة) (قبل وَطْء) يعني جماع (وخلوة) يعني أن يختلي بها ليس عندهما أحد أو بعدهما بعدهما أيش؟ بعد الوَطْء والخلوة.
(أو بعد أحدهما)، أحدهما أيش؟ الوطء أو الخلوة، انفراد الخلوة عن الوطء واضح، يخلو بها الإنسان ساعة ساعتين، ولكن لا يُجامِع، لكن هل ينفرد الجماع عن الخلوة؟
طالب: قد يكون.
الشيخ: قد، كيف ذلك؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: وين هو؟ كيف، شارع؟ هو يمكن يا إخوان، أنا بلغني أن الدول الأوروبية يمسك الرجل المرأة ويجامعها بالسوق ولا يبالي، هذه واحدة.
ثانيًا: يمكن حتى في المجتمع المحافظ، يكون رجل أو امرأة في المنزل، والكهرباء ضعيفة، أو ما فيه كهرباء يخلو بها ويجامِع، وهذا واحد عندهم في الغرفة ما علموا به، صار هذا أيش؟ جماع بلا خلوة.
على كل حال إذا حصل أحدهما الجِماع، أو الخلوة، أو بعضهما، أو أحدهما (وهو ممن لا يُولد لمثله) يعني صغيرًا، من هو الصغير الذي لا يُولد لمثله؟ من دون عشر سنوات.
وكذلك لو كانت هي ممن لا يولد لمثلها كمن دون التسع، فهذه لا عدة عليها ولو جامعها.
طالب: كيف؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3340
الشيخ: لأنها لا يمكن أن تحمل، أو تحملت بماء الزوج؛ فإنها لا عدة، تحملت؛ أي طلبت الحمل بماء الزوج؛ يعني بمنيه، كيف تتحمل بمنِيِّه؟ تأخذ المني وتدخله في فرجها وتثير شهوتها فينفذ المني إلى الرحم فتحمل، هنا حصل الحمل بدون أيش؟ بدون جماع.
يقول المؤلف رحمه الله: إنه (ليس عليها عدة)، ولا شك أن هذا فيه نظر؛ لأن أصل وجوب العدة يعني من أقوى أسبابه هو العِلم ببراءة الرَّحِم، فهنا نعلم بأن الرحم مشغول، كيف يكون لا عدة؟ ولهذا يعتبر قول المؤلف هنا ضعيفًا.
والصواب أنها إذا تحملت بماء الزوج وجب عليها العدة؛ يعني أن تنتظر حتى تضع الحمل.
وقول المؤلف: (تحملت بماء الزوج)، هل هو بيان للواقع بقطع النظر هل هو حرام أو حلال؟ أو إن تحمل المرأة بماء الزوج حلال؟
الثاني؛ يعني أن الفقهاء رحمهم الله يقولون: يجوز أن تتحمل المرأة بماء زوجها، يشبه ما في عصرنا الآن بأيش؟ أطفال الأنابيب، فهل يجوز أن تستعمل المرأة أطفال الأنابيب؛ لأنه أحيانًا يكون المرأة عندها ضعْف في الرحم، ولا يمكن أن تحمل إلا بهذه الواسطة، فهل يجوز هذا أو لا يجوز؟
طالب: إذا دعت الحاجة.
الشيخ: إذا دعت الحاجة، كيف؟
طالب: مثلًا المرأة يجامعها زوجها، ولا تحمل، ثم ذهبوا إلى طبيب يعمل أطفال أنابيب عند ضعف الزوج أو الزوجة، ثم يأخذ من هذا المني، ويأخذ من الزوجة المني، ثم يضع عليه الدواء.
الشيخ: طيب، ويحطه بالقارورة ولا بالرحم؟
الطالب: لا، بالرحم.
الشيخ: سمعتم شرح الطبيب؟
على كل حال سواء هذا أو طريقة أخرى، يرى بعض العلماء -رحمهم الله- أنه يجوز للمرأة أن تتحمل بماء الزوج سواء بواسطة أو بغير واسطة، ولكن الفتيا بذلك فيها خطر يا جماعة؛ يعني حتى لو قلنا بأنه جائز؛ لأن الماء ماء زوجها، والرَّحم رَحِم زوجته؛ يعني حتى لو قلنا بهذا فالمسألة خطيرة أيش الخطورة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3341
التلاعب بالأنساب، ربما يأتي إنسان لا يُولد له، عقيم، مَنيُّه غير صالح، فيشتري من شخص منيًّا، وتتحمل به المرأة، وهذا واقع، الآن يوجد بنوك للحيوانات المنوية، هذا غير جائز؛ لذلك نحن لا نفتي بذلك إطلاقًا؛ وإلا يكثر السؤال كثيرًا، وبعض العلماء يُرخِّص فيها بناءً على كلام الفقهاء، لكننا امتنعنا عن الفتوى بهذا؛ لأننا نخشى من التلاعب؛ أولًا: من يأمن الطبيب الذي يُجري العملية هذا؟ وثانيًا: من يأمن الزوج أو الزوجة أن يشتريا منيًّا وتتحمل به؟ فسد الباب أوْلى، ويقال: الحمد لله، أنت إذا كان الله قدَّر أن تكون عقيمًا، فهذا قضاء الله وقدره.
طالب: ( ... ) بالنسبة للبنوك هذه، مثل بنوك الدم، يحدث فيها أخطاء يعني ( ... ) خصوصًا نقل الدم الملوث بمرض الإيدز، وأيضًا اللي يقومون على المختبرات، وخصوصًا في طفل الأنابيب هذه ما هم مأمونين على دينهم وأكثرهم كفار، فخلط وبعدين وُجِد في أوربا يسوون عمليات، تكون المرأة يعني شقراء، ويأتي الطفل أسود.
الشيخ: لعله نزعه عِرْق.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ.
الشيخ: على كل حال، نحن متوقِّفون في هذا، ونعلم أن غيرنا يفتي بالجواز، لكن الحقيقة الإنسان يخشى من هذا، إنما لو جرت العملية بين الزوج والزوجة؛ يعني بمعنى أنهما هما أتيا بالآلة واستعملاها، فهذا جائز، لكن متى يكون هذا الشيء؟ المعروف الآن ألا تتم العملية إلا بواسطة الطبيب.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الصور يكون بعد وفاة الزوج، قبل وفاة الزوج يُؤخذ منه المني يُحفظ، وبعدين مثلًا إذا شاءت المرأة أن تحمل من هذا الماء ووضع في رحمها.
الشيخ: لا، هذا لا عِبْرة به، ويجب أن تُعزَّر المرأة، والظاهر أن الولد لا يكون ولدًا له؛ لأن المني يتبع الأصل، والأصل قد مات، ولو أجزنا هذا الباب، أو فتحنا هذا الباب مشكِل، معناها جد الجد يمكن يُؤخذ من مَنيِّه ويوضع في زوجة الابن.
طالب: يفتح بابًا ثانيًا يا شيخ.
الشيخ: وهو؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3342
الطالب: وهو إذا تزوجت مثلًا رجلًا أسمر وقد احتفظت بمني الرجل الأبيض، واستعملته بعد زواجها.
الشيخ: ثم تقول: لعله؟
الطالب: لعله يكون أبيض.
الشيخ: لا، ما يخالف، هذا طلبها، لكن إذا قيل: ويش اللي جاب الولد أبيض؟ تقول: لعله نزعه عرق، الله يقطع العروق هذه يا شيخ! !
السؤال يقول: إنه لو أجزنا هذا الذي ذكر الأخ لكانت المرأة إذا تزوجت زوجًا أسمر بعد زوجها الأبيض، وعندها من الزوج الأبيض مَنِيٌّ، ألقته في رحمها وهي مع الزوج الأسمر علشان أيش؟ عشان يأتي الولد أبيض، لكن أخشى أن تُعاقب ويكون ولدها أسود، ما تدري.
طالب: يا شيخ، قلنا: إذا كان الزوج عقيمًا فللمرأة الفسخ، فإذا كانت المرأة أحبت الزوج، هل لولي المرأة أن يُطالِب عند القاضي الفسخ؟
الشيخ: هذا يسأل، يقول: قررنا بالأمس أن الزوج إذا كان عقيمًا فللمرأة الفسْخ؛ فسخ النكاح، تقول: الرجل لا يُولد له، وأنا أريد رجلًا يُولَد له، فإذا رضيت بذلك، فهل لوليها أن يُجبرها على الفسخ؟
الجواب: لا، كل حق للمرأة ليس لأحد حق أن يتدخل فيه حتى المهر الذي هو المال، لو أراد الولي أن يأخذ منه شيئًا منعناه إلا الأب يأخذه بعد أن يستقر من باب التملك.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- إذا كان الزوج قد تزوج من قبل ( ... ) فظنوه عقيمًا، هل يجوز لهم أن يردوه ( ... ) مع؟
الشيخ: إي، نعم، لهم أن يردوه؛ لأنه إذا كانت الزوجة تملك الفسخ بعد أن عُقِد النكاح من باب أوْلى أن تمنع النكاح، لكن إذا رضيت بالزوج، أحيانًا ترضى المرأة بالزوج لصلاحه، أو لغناه، أو لكون أسرته شريفة، أو ما أشبه ذلك، فإذا كان الرجل لا يُولد له قالت: أنا ( ... ) أنا أريد هذا الرجل.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3343
الشيخ: أقول لك: اسمع حتى لو كان عقيمًا بالتأكيد، ورضيت المرأة به فإنه ليس لأوليائها الحق في أن يمنعوها، الحق لها، وهكذا جميع حقوق المرأة ليس لأحد أن يعترض عليها حتى لو احتارت رجلًا أشل، وقالت: أنا أريد أن أتزوجه لأتقرب إلى الله بخدمته ومساعدته فليس لأوليائها الحق أن يمنعوها، الحق للمرأة، حتى لو كان الرجل مثلًا أسمر وهي بيضاء فليس لأهلها أن يمنعوها، أو بالعكس؛ لأن الآن في بلد أوربا يتمنون الأسمر، يفرحون إذا جاء ولدهم أسود كالليل؛ لأن أكثرهم حُمر كالبرصان، فيختارون الأسود.
طالب: شيخ، هذا رجل تزوج الأولى، واتُّهم بأنه عقيم بضعف في الحيوانات المنوية ( ... )، ثم تزوج بأخرى فأسقطت منه، فهل إذا خطب امرأة ثالثة بعد طلاقه من الثانية، هل يجب عليه أن يُبيِّن هذا لهم أو أنه؟
الشيخ: ( ... )، كل من فيه عيب يتعلق بالاستمتاع، أو بالأولاد يجب أن يبلغه، يجب؛ لأن هذا غش.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، لكن تقول: إنه ضعيف، الضعف هذا ما كل رحم تقبل الضعيف.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال مؤلف الزاد رحمه الله تعالى في كتاب العِدَد: فصل: والمعتدات ست: الحامل، وعدتها من موت وغيره إلى وضع كل حمل بما تصير به أمةٌ أمَّ ولد، فإن لم يلحقه لصغره أو لكونه ممسوحًا، أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكحها ونحوه وعاش لم تنقضِ به.
وأكثر مدة الحمل أربع سنين، وأقلها ستة أشهر، وغالبها تسعة أشهر، ويُباح إلقاء النطفة قبل أربعين يومًا بدواء مباح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3344
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
(العِدَد) جمع عِدَّة، وهي تربص المفارقة من نكاح غير باطل.
وسبق بيان الشروط وتربص بمعنى انتظار، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234].
المعتدات يقول المؤلف: (فصل: المعتدات ست): (ست) يعني أقسامهن ست، ودليل ذلك التتبع والاستقراء.
فإذا قال قائل: هل التتبع والاستقراء من طرق الاستدلال؟
فالجواب: نعم، قال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا﴾ [مريم: 77 - 79]، فهنا ذكر الله عن قول هذا القائل: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قال: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ يعني أعلم بالغيب، أنه سيأتيه مال وولد ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أي أن الله أعطاه عهدًا بأن يأتيه الولد والمال؟
الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿كَلَّا﴾.
فإذا كان لا هذا ولا هذا عُلِم بأن قوله مردود، ودعوى بلا دليل، فالتتبع والاستقراء من الاستدلال من أدلته على أحكامه.
فالمعتدات ست: أولًا: الحامل، وهذه أم العدات؛ لأن جميع العدات ترجع إليها، الحامل أُمُّ العدات؛ (وعدتها من موت وغيره إلى وضع كل الحمل بما تصير به أمة أم ولد).
عدة الحامل من موت وغيره؛ لأن العدة سببها المفارقة من موت أو حياة، فتعتد الحامل من موت زوجها حتى تضع الحمل، ولو ساعة واحدة، فلو قُدِّر أن امرأة لها زوج مات في الساعة العاشرة صباحًا، ووضعت الحمل في الساعة الثانية عشرة، ماذا يكون؟
طلبة: انقضت العدة.
الشيخ: انقضت العدة؟
طلبة: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3345
الشيخ: انقضت العدة، فتكون عدتها ساعتين فقط، دليل هذا قول الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]، رجل طلق امرأته في الساعة العاشرة، ثم وضعت في الساعة الثانية عشرة، ثم راجعها في الساعة الواحدة، أتصح مراجعته؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: ما تصح، ليش؟ انقضت العدة، فتكون عدتها ساعتين.
رجل مات عن امرأته وهي تُطلَق، وقبل أن يُغسَّل وضعت، تنقضي عدتها أو لا؟
طلبة: تنقضي.
الشيخ: تنقضي، أيش؟
طالب: ما تنقضي.
الشيخ: ما تنقضي؟
طالب: تنقضي.
الشيخ: من قال ما تنقضي يرفع إيده، ما تنقضي؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، الجواب: بل تنقضي؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
لو بقي الحمل في بطنها سنتين متى تنقضي العدة؟ إذا وضعت ولو بعد سنتين أو ثلاث أو أربع.
وسيأتي إن شاء الله الكلام في أكثر مدة الحمل.
إذن الحامِل عدتها سهلة جدًّا، عدتها أن تضع الحمل، وعرفتم الدليل.
لو كانت حاملًا باثنين، ووضعت واحدًا، أتنقضي العدة؟ لا تنقضي لقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وحمل مفرد مضاف فيعم، كل ما هو من ولد، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وضع كل الحمل).
فقوله: (كل الحمل)، الكلية هنا تعود إلى التعدد، بل وإلى الواحد لو فُرض أن المرأة مات زوجها، وهي تُطلق، وقد ظهر رأس الحمل، ثم خرج بقيته فتنقضي العدة؛ لأنه قبل أن يخرج كاملًا لم تكن وضعت حملها، والله عز وجل يقول: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
وقوله: (بما تصير به أمةٌ أُمَّ ولد) أي: إذا وضعت ما تبين فيه خلق إنسان؛ يعني بأن ظهرت أصابعه وعيناه وأنفه ورجلاه، يعني عُلِم أنه إنسان، وإن لم تُنفخ فيه الروح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3346
وأقل زمن يتبين فيه خلق إنسان من ثمانين يومًا فأكثر، قبل الثمانين لا يمكن أن يتبين فيه خلق الإنسان لماذا؟ لأن حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو الصادق المصدوق، فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ -هذه مئة وعشرون يومًا- ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ».
إذن متى يكون مضغة؟ بعد أيش؟
طلبة: بعد الثمانين.
الشيخ: بعد الثمانين، هذه المضغة ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، قال: ﴿مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5]، يعني قد تُخلَّق في يوم واحد وثمانين، وقد لا تُخَلَّق إلا في تسعين، المهم أن المدار عند أهل العلم الفقهاء، المدار على أيش؟ أن يتبين فيه خلق الإنسان.
طيب لو وَضعت مضغة غير مُخلَّقة، أتنقضي العدة، جُمعت؟
طلبة: لا تنقضي.
الشيخ: لا تنقضي، لا بد أن تكون مُخلَّقة، قالوا: لأنها قبل ذلك يحتمل أن تكون إنسانًا، ويحتمل أن تكون قطعة من اللحم، ولا حُكمَ مع الاحتمال، فلا بد أن يتبين فيها خلق إنسان.
هنا في كلام المؤلف: (بما تصير به أمَةٌ أُمَّ ولد)، لماذا لم يقل: إلى وضع كل الحمل إذا كان مُخلَّقًا؛ لأنه إذا كان مُخلَّقًا أقرب للفهم من قوله: (بما تصير به أمة أم ولد)، فما الجواب؟
الجواب على هذا أن الفقهاء رحمهم الله يتناقلون العبارات، فتجد هذه العبارة تكلم بها أول واحد وتبعه الناس، هذه واحدة.
ثانيًا: من أجل أن يربط العلوم بعضها ببعض، فأنت إذا قرأت بما تصير به أمة أم ولد لزمك أيش؟
طلبة: ترجع.
الشيخ: أن تُراجِع ما تصير به أمةٌ أُمَّ ولد، فترتبط العلوم بعضها ببعض، وما هي أم الولد؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3347
أم الولد هي التي جامعها سيدها وولدت منه، فإذا ولدت منه ما تبين فيه خلق إنسان صارت أم ولد، وإن وضعت دون ذلك لم تكن أم ولد، وقد عرفتم فيما سبق أحكام أمهات الأولاد فلا حاجة إلى الإعادة.
قال: (فإن لم يلحقه لصغره، أو لكونه ممسوحًا، أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكحها ونحوه) إلى آخره.
(إن لم يلحقه) أي: إن لم يلحق الزوج هذا الحمل للأسباب الآتية فإنها لا تنقضي به العدة.
(لصغره) يعني إنسان صغير تزوج امرأة، وله ثماني سنوات، وجامعها وحملت، ثم طلقها وهي حامل فوضعت، هل تنقضي العدة بذلك؟ يقول المؤلف: لا؛ لأنه لا يمكن أن يُولد للرجل إلا إذا تم عشر سنوات، وما دونها لا يمكن يُولد له، فيكون هذا الولد ولدًا لغيره، ولا يُلحق به، فإذا صح علينا نقول: ثمان سنين، قام يصيح: هذا وليدي، ويش نقول؟ نقول: لا يمكن.
هذه واحدة.
(أو لكونه ممسوحًا) يعني مقطوع الذَّكَر والأُنثيين، تزوج امرأة وليس له ذَكَر ولا أنثيان يعني خصيتين، ثم حملت فطلقها فوضعت، هل تنقضي بهذا العدة؟ لا؛ لأنا نعلم أن هذا الرجل ليس له ماء إطلاقًا، مقطوع الخصيتين والذكر، لو كان مقطوع الذكر دون الخصيتين يُمكن أن يُولد له، يمكن أن يُنزل وتُلقَّح المرأة بمائه وتحمل، لكن ليس له ذَكَر ولا أنثيان، هذا لا يمكن أن يكن يُولَد له.
(أو لكونه ممسوحًا، أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكحها) فإنه لا يلحقه الولد، ولا تنقضي به العدة، مثال ذلك: تزوج امرأة، ثم طلَّقها وهي حامِل فأتت بولَد قبل أن يتم لها ستة أشهر من نكاحها، فالولد ليس له، فلا تنقضي به العدة.
مثال هذا: تزوجها في محرم، ثم طلقها وهي حامل، ثم أتت بولَد في ربيع الأول، هل يُلحق به أو لا يُلحق؟
طلبة: لا يلحق.
الشيخ: لا يُلحق؛ لأنها أتت به لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها، ولا يمكن أن يعيش الحمل لأقل من ستة أشهر، لا يمكن، وعلى هذا فلا تنقضي به، واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3348
الشيخ: دليل هذا أن الله تبارك وتعالى قال في القرآن الكريم: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]، كم العامان من شهر؟ أربعة وعشرون شهرًا، وقال عز وجل: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15].
إذا أسقطنا ﴿فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، كم يبقى للحمل؟
طلبة: ستة أشهر.
طلبة آخرون: خمسة أشهر.
الشيخ: أين الْحُسَّاب؟
طلبة: ستة أشهر.
الشيخ: ﴿حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ كم يبقى للحمل؟
طلبة: ستة أشهر.
الشيخ: ستة أشهر، فأقل من ذلك لا يمكن أن يعيش، وإذا كان كذلك فإنها إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ نكحها لم يكن ولدًا له، ولا تنقضي عدتها بوضعه؛ لأنه لا يلحق الولد.
وقوله: (منذ نكحها ونحوه) مثل لو أتت بالولد لأكثر من أربع سنين منذ أبانها، فإنه لا يلحقه الولد بناءً على أيش؟ على أن أكثر مدة الحمل أربع سنوات.
قال: (وعاش لم تنقضِ به) وهذا قيد لا بد منه (عاش)، فإن لم يعِش بأن ولدته لأقل من ستة أشهر منذ نكحها، ولكن مات فالولد تنقضي به العدة؛ لأنه سبق أنها إذا وضعت ما تبين به خلْق الإنسان، وإن لم تُنفخ فيه الروح فإن العدة تنقضي، لكن إذا عاش وهو لأقل من ستة أشهر عُلِم أنه ليس ولدًا له، (وعاش لم تنقضِ به).
قال: (وأكثر مدة الحمل أربع سنين، وأقلها ستة أشهر، وغالبها تسعة أشهر).
الحمل له أكثر وله أقل، وله غالِب، أكثره أربع سنوات.
الجزء: 2 - الصفحة: 3349
وعلى هذا فلو وضعت امرأة لأكثر من أربع سنين منذ أبانها الزوج، فولد ليس له، لماذا؟ لأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، وهذا الذي ذكره المؤلف يحتاج إلى دليل، فما دليله؟ قالوا: دليله أنه لم يوجد أحد بقي في بطن أمه أكثر من أربع سنوات، لكن هذا غير مقنِع؛ لأنه قد وُجِد من بقِي في بطن أمه أكثر من أربع سنين حتى في عصرنا هذا وُجِدت امرأة تُوفِّي عنها زوجها وهي حامل وبقيت سبع سنوات، فإذا علمنا يقينًا أن هذه المرأة لم تُوطأ، وأن حملها بقي أكثر من أربع سنوات، فإن الحمل يكون للزوج لا شك، وإن زاد على أربع سنين؛ لأنه إذا لم يكن هناك دليل واضح فإننا لا نقبله.
أما قول: ستة أشهر، فقد علمتم قبل قليل الدليل ﴿حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]، والآية الثانية: ﴿وفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فيكون الباقي ستة أشهر.
غالبها تسعة أشهر، غالب الحمل تسعة أشهر، وهذا دلت عليه أكثر ( ... )، ويأتي إن شاء الله الكلام على هذا في المستقبل.
طالب: إحنا نقول بأن أكثر الحمل لا حد له.
الشيخ: نعم، ما دمنا تيقنا أن هذه المرأة لم تُوطأ فلا حد لها.
طالب: يا شيخ، ولو بلغت؟
الشيخ: لا، ولو بلغت ألف سنة، لكن في الغالب أن هذا لا يكون إلا إذا مات الحمل فلنا أن نخرجه، وإذا أخرجناه انتهت العدة.
طالب: بارك الله فيك، المرأة الحامل المطلقة أسقطت مُخلَّقًا، فهل يعني؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله تعالى في آخر الفصل.
طالب: في الحالة التي لا يُلحق به الولد، كيف تكون العدة؟
الشيخ: في الحالة التي لا يلحق الولد بزوجها، إذا وضعت الحمل تعتد بثلاث حيض؛ يعني تنتظر حتى تحيض ثلاث مرات.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، حديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» بالنسبة.
الشيخ: صحيح.
طالب: بالنسبة للذي تزوج وعمره ثمان سنوات، وحملت الزوجة ( ... ) يا شيخ؟
الشيخ: لأنا نعلم عِلم اليقين أن هذا لا يمكن أو يُولَد له.
طالب: الحديث.
الجزء: 2 - الصفحة: 3350
الشيخ: الحديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» إذا أمكن، وإذا لم يمكن فلا، فالحديث لا يُنزَّل على شيء مستحيل.
طالب: قصة الحديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ».
الشيخ: إي معروف.
الطالب: تبين الشبه أنها لغير الزوج.
الشيخ: أنها لعتبة بن وقاص.
الطالب: ومع ذلك ( ... ).
الشيخ: إي، لكن هذا قرينة، ما هوش اليقين، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سودة بنت زمعة -وهو أخوها- أن تحتجب منه.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ الحجاوي في مؤلفه الزاد: ويباح إلقاء النطفة قبل أربعين يومًا بدواء مباح.
فصل: الثانية: المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه قبل الدخول وبعده، للحرة أربعة أشهر وعشرة، وللأمَة نصفها، فإن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت، وابتدأت عدةَ وفاة منذ مات، وإن مات في عدة مَنْ أبانها في الصحة لم تنتقل، وتعتد من أبانها في مرض موته الأطول من عدة وفاة وطلاق ما لم تكن أمة أو ذمية، أو جاءت البينونة منها فلطلاق لا غير.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما هي أم العِدَّات؟ أقول: لماذا سُمِّيت أم العِدَّات؟
طالب: لأن كل العدد ترجع إليها.
الشيخ: لأن جميع العدد ترجع إليها.
ما هي عدة الحامل؟
طالب: وضعها.
الشيخ: وضعها أيش؟
طالب: الحمل.
الشيخ: كل الحمل ولا نصفه؟ !
طالب: كل الحمل.
الشيخ: كل الحمل؟ !
طالب: نعم.
الشيخ: طيب إذا كان اثنان في بطنها؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: بوضع الثاني، ما هو الدليل؟
طالب: قول الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ يعني كل الحمل.
الشيخ: كل الحمل تمام، لو أنها وضعت الحمل في مدة نصف ساعة؟
طالب: انقضت عدتها.
الشيخ: انقضت عدتها، ما الدليل؟
طالب: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فهي وضعت الحمل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3351
الشيخ: ولم يُفصِّل بمدة طويلة ولا قصيرة.
هل يُفرَّق بين عدة الوفاة وعدة الحياة في الحمل؟
طالب: لا يُفرَّق.
الشيخ: لا يفرق، الدليل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: وهذا عام.
لو قال لك قائل: تعتد لأطول الأجلين كما سيأتي، فالجواب -إن شاء الله- يأتي مع الشرح.
هل يُفرَّق في عدة الحامل بين ما قبل الدخول وبعد الدخول؟
طالب: نعم، إذا كانت قبل الدخول فلا عدة.
الشيخ: فلا عدة، وبعده؟
الطالب: لا بد من عدة.
الشيخ: إذن لا فرْق في عدة الحامل بين ما قبل الدخول وبعد الدخول.
الطالب: لا، فيه فرق.
الشيخ: ويش الفرق؟
الطالب: أنه ما قبل الدخول مع الزوج قبل الدخول عليه لا عدة.
الشيخ: لا عدة.
الطالب: مثل إذا مات.
الشيخ: ما مات! !
الطالب: أو طلقها يا شيخ خلاص.
الشيخ: إي، سمعتم جوابه؟ أنا قلت: هل يفرق بين ما قبل الدخول وبعد الدخول؟
طالب: نعم، يُفرَّق.
الشيخ: وقال: يُفرَّق.
الطالب: وقبل الدخول ما تكون حاملًا.
الشيخ: ما يمكن، كيف تحمل قبل الدخول؟ ما تحمل قبل الدخول؟
طالب: بس العدة يا شيخ؟
الشيخ: ما تحمل قبل الدخول، ما هو بواضح يا جماعة.
طلبة: واضح.
الشيخ: لكن مثل هذا السؤال يرد على واحد خالي الذهن، ويمشي يُفصِّل.
ما هي أكثر مدة الحمل؟
طالب: أربع سنوات.
الشيخ: أربع سنوات، الدليل؟
الطالب: لا حد لأكثره.
الشيخ: لا حد لأكثره، لو بقيت عشرين سنة، أكذلك؟ ماذا تقولون؟
طلبة: نعم.
طلبة آخرون: سبع سنوات.
الشيخ: سبع سنوات، ما كأننا قرأنا الكتاب يا جماعة! ! إذا سألتكم عن شيء فالعمدة بما في الكتاب الجواب، ثم إن كان هناك قول راجح يُذكر أربع سنوات، ما هو الدليل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: صحيح، دليلهم أنهم قالوا: لم يوجد امرأة بقي حملها أكثر من أربع سنوات.
ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
طالب: أنه لا حد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3352
الشيخ: أنه لا حد لأكثره ما دُمنا نعلم أن المرأة لم تُوطَأ، وأن الحمل في بطنها لو بقي عشرين سنة، هذا القول هو الراجح لعموم قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] ولم يحدد.
أقل مدة الحمل ستة أشهر، الدليل؟
طالب: الدليل الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾.
الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله: ﴿فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أسقِطْ عامين من ثلاثين يبقى ستة أشهر، صحيح.
فتى وُلِد لأقل من ستة أشهر وعاش فالحمل ليس للزوج، إذا ولدت لأقل من ستة أشهر منذ نكحها.
قال: (ويُباح إلقاء النطفة قبل أربعين يومًا بدواء مباح) يُباح بمعنى يحِلُّ، وبمعنى يجوز (إلقاء النطفة) يعني في الرحم (قبل أربعين يومًا)، هذا بيان للواقع؛ لأنه بعد أربعين يومًا لا تكون نطفة، تكون علقة.
(بدواء مباح) أي غير مُحرَّم، تشربه الحامل وتضع، هذا جائز ما دام لم ينتقل عن الطور الأول وهو طور النطفة؛ لأن الإنسان يُخلق في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، ثم تُنفخ فيه الروح فيكون إنسانًا، قبل أن يمضي عليه أربعون يومًا يجوز إلقاؤه، لكن بشرط إذن الزوج أو السيد؛ لأن الولد له.
وظاهر كلام المؤلف التساوي بين إبقائه ووضعه؛ لأنه قال: يباح، وفي هذا نظر، بل الصواب أن أدنى أحواله الكراهة، وأن التحريم محتمِل.
لننظر في الأدلة، هو ليس فيه دليل على وضْع الحامل في هذه الحال، لكن فيه تعليل، الذين قالوا: إنه يجوز إلقاء النطفة، قالوا: لأنه يجوز العزل، عزل الزوج عند الجماع إذا أراد أن ينزل نزع عن المرأة، وألقى الماء خارج الرحم، قالوا: فهذا مثله؛ لأن هذا ماء أخرجه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3353
والذين قالوا بمنعه أو كراهته، قالوا: إن الله تعالى قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: 21] لا يقْدِر عليه أحد، فالأصل أنه معصوم من حين أن يقبله الرحم، فلا يجوز إلقاؤه إلا لضرورة، وقياسه على العزل قياس مع الفارق؛ لأن العزل لم يستقر الماء في الرحم، بل ولم يصل إلى الرحم، وهذا مستقر في الرحم، فبينهما فرق، ولهذا كان القول الراجح أن إلقاء النطفة إما مكروه وإما مُحرَّم، وليس مباحًا مستوي الطرفين، لكن إذا دعت الحاجة إلى هذا مثل أن تكون الأم مريضة أو نحيفة جدًّا يُخشى عليها زالت الكراهة أو التحريم وجاز إلقاؤه.
بعد أربعين يومًا، يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز لأنه بعد أربعين يومًا انتقل إلى طوْر آخر، وهو العلَقة دُودة من الدم، والدم أصل الإنسان، سبحان الله! ولذلك لو نزف الدم من الجسم هلك الإنسان؛ لأنه مخلُوق من هذا الدم، فالآن انعقد كونه آدميًّا بكونه علقة، فلا يجوز إلقاؤه، وعليه إذا تم للمرأة أربعون يومًا في حملها حرُم عليها إلقاؤه، ولا يُباح إلا للضرورة.
إذا كان مُضغة؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: من باب أوْلى.
الشيخ: من باب أوْلى يحرُم؛ لأنه انتقل إلى طور آخر.
إذا نُفخت فيه الروح من باب أوْلى، فصار يحرُم إلقاء الحمل إذا صار علقة أو مضغة، أو نُفخت فيه الروح.
إذا خِيف على الأم؛ يعني قال الأطباء: إما أن يُلقى، وإما أن تموت لا إشكال، فهل يُلقى أو لا؟
فالجواب: إن كان قبل نفخ الروح جاز إلقاؤه، ولو كان مُضغة مخلَّقة؛ لأنه قطعة من اللحم، هذا عند الضرورة يا جماعة، إذا كان قد نُفخت فيه الروح فإنه لا يُلقى، يحرم إلقاؤه حتى لو قال الأطباء: إذا لم تلقوه ماتت الأم، نقول: ولتمت الأم.
إذا ماتت الأم مات الجنين؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3354
إي نعم، يموت، هذه العادة، إذا ماتت الأم مات جنينها، ولهذا لو ذبحت الشاة وفي بطنها حمل، هل يحل أو لا يحل؟ يحل؛ لأن ذكاة أمه ذكاته، فلا بد أن يموت إذا ماتت أمه، وإذا ماتت أمه ومات كم ذهب؟ نفس واحدة ولَّا اثنتان؟
طلبة: اثنتان.
الشيخ: ولو أخرجناه ومات نفس واحدة، أفلا نقول: إن هلاك نفس واحدة أهون من هلاك نفسين؟
طالب: لا.
الشيخ: قاله بعض السطحيين، وقال: نخرجه ويموت وتبقى أمه خير من كوننا نبقيه فتموت أمه ويموت، قاله بعض السطحيين الذين يجعلون بني آدم كالحيوانات، ولكن نقول: لا يجوز حتى لو أدى إلى موت أمه؛ لأننا إذا أخرجناه ومات فإننا نحن الذين أهلكناه، قولوا نعم ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، وإذا تركناه وماتت أمه، ثم مات من الذي قتلهما؟ الله عز وجل، ليس بفعلنا، ولا نلام على هذا، ولذلك أخطأ بعض من أفتى بجواز وضْع الحمل بعد نفخ الروج فيه، إذا خِيف على أمه، نقول: هذا غلط عظيم، وهذا يريد أن يكون بنو آدم كالبهائم، البهيمة إذا قُدِّر أنها إن بقي ولدها في بطنها ماتت، وإن أُخْرِج مات ولم تمت، ماذا نصنع؟ نخرجه؛ لأنه يجوز لنا قتله، لكن بنو آدم لا.
انتبهوا لهذه العلة؛ لأن بعض الناس الآن -ولا سيما المعاصرون- يريدون أن يجعلوا من بني آدم مشابهة للبهائم، بل تطورت الحال إلى أن يجعلوا لبني آدم مشابهة للسيارات، قطع الغيار، تعرفون قطع الغيار، الآن جعلوا الآدميين يُؤخذ منهم قطع الغيار، إنسان فشلت كلاه، وإنسان آخر كليتاه سليمتان، يقول: يلَّا، تعالَ بِعْ عليَّ كلية من كليتيك، علشان إيه؟ قِطع غيار يُؤخذ من هذا وتُوضع في هذا.
سبحان الله! ! أين فضيلة البشر؟ أين احترام البشرية؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3355
ولهذا نرى أنه لا يحل بأي حال من الأحوال أن يتبرع أحد بعضو من أعضائه، حتى لأبيه وأمه؛ لأن هذا يعني أنك تصرفت بنفسك تصرف مالك السيارة بالسيارة، وقد نص الفقهاء في كتاب الجنائز على أنه يحرم أن يقطع عضو من الميت، ولو أوصى به، وسبحان الله الناس الآن صار لا يهمهم إلا الدنيا، ( ... ) هو حلال حرام.
نقول لهذا المتبرع: إذا تبرعت بكلية من كليتيك، ثم تعطلت الأخرى الباقية، ماذا يكون؟ يهلك ولَّا ما يهلك؟ يهلك، فيكون هو السبب في إهلاك نفسه، وذاك الآخر الذي تبرعنا له، إذا تركناه ومات، فقد قتله الله عز وجل، ما لنا فيه شيء، ولا يغرنكم التحسين العقلي؛ لأن التحسين العقلي المخالف للشرع ليس تحسينًا، كل ما خالف الشرع فليس بحسن، وإن زيَّنه بعض الناس، لا بد من الرجوع إلى أيش؟ إلى الشرع.
أرأيت رجلًا وامرأة زنيا باختيارهما، وبكل فرح وسرور وقالا: نريد أن نتمتع ونتلذَّذ بحياتنا، أيجوز هذا أو لا يجوز؟ لا يجوز، الشرع ليس باختيار الإنسان، ولا بمزاج الإنسان، بحدود معينة من قِبل الله ورسوله.
الخلاصة: إلقاء الحمْل حال النطفة أيش؟ إما مكروه، أو مُحرَّم على القول الراجح، وعلى ما مشى عليه في الكتاب مُباح، بعد أن يكون علقة مُحرَّم حتى على كلام المؤلف إلا إذا دعت الضرورة إليه، إذا كان مضغة مخلقة إلقاؤه محرم إلا إذا دعت الضرورة إليه، إذا نفخت فيه الروح إلقاؤه محرم ولو دعت الضرورة إليه؛ لا يجوز؛ لأنه قتل نفس.
وإذا أورد علينا مُورد فقال: إنكم إذا تركتموه ماتت الأم، ومات هو؟
فالجواب: إذا ماتت الأم، ثم مات هو، فمن الذي قتلهما؟ الله عز وجل، لكن إذا أخرجناه ومات بإخراجه فقد قتلناه، ولا ندري أيضًا هل تموت أمه أو لا تموت؛ لأنه ربما نُقدِّر أنه لو بقي لماتت الأم، ثم لا تموت، وليس الأطباء ليس قولهم وحيًا لا يخطئ، بل هم كغيرهم يخطئون ويصيبون.
الجزء: 2 - الصفحة: 3356
وأنا أذكر لكم قصة وقعت ما عليَّ أنا لكن على من أعلمهم علم اليقين، كان له امرأة حامل فقرر الأطباء أن ولدها مشوَّه، وأنه لا بد من إسقاطه، ففزعت الأم، وضاق صدر الأب، وقالوا: ما لنا يخرج ولدنا مشوهًا، مشكل، نتعب منه ويتعب منا، وأراد الله عز وجل، فوضعت الأم، فصار هذا الحمل أحسن أولادها، قولوا: سبحان الله!
الطلبة: سبحان الله!
الشيخ: سبحان الله! إذن تبين أن تقرير الأطباء قد يكون خطأ؛ لأنهم غير معصومين، فنحن نتمشى مع الشريعة، وما ترتب على ذلك فليس مِنَّا.
طالب: أحسن الله إليك، من ألقى الحمل بعد نفخ الروح، مَنْ عليه الإثم؟
الشيخ: لا، هو متعمد، ما عليه كفارة، لكن هل يدخل في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93]؟ نعم، هو داخل في هذا؛ لأنه تعمد قتله؛ إذ إنه فعل فعلًا يقتل مثله غالبًا، فالمسألة خطيرة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: رحم الله أحمد بن حنبل رحمه الله، قال: أكثر ما يخطئ الناس إما بسوء الفهم، أو بالقياس الفاسد، هذا من القياس الفاسد، لا يصح أن يُقال: أخذ العضو على أخذ الدم؛ لأن الدم من حين ما يُؤخذ يأتي بدله دم آخر في الحال، أليس كذلك؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: والعضو إذا قطع؟
طالب: لا يأتي.
الشيخ: سبحان الله، كيف لا يأتي؟ ألست تقيسه على الدم، إذا أُخذِت الكلية من حين ما تُؤخذ تنبت كلية ثانية على طول، ليش تقيس؟ هل توافقهم على هذا القياس أو لا؟
طالب: لا أوافق.
الشيخ: إذن الحمد لله، نقول: هذا قياس مع الفارِق، ولا يجوز أن نقيس.
فيه سؤال: لو أن رجلًا فُقِدت كليته ورأى بنكًا يُسمى بنك الكلى مملوء من الكلى، هل يجوز أن يشتري واحدة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3357
الجواب: نعم، يجوز؛ لأن هذه الكلى الآن قُطعت من أصحابها، لا يمكن أن تعود، فقُطعت من أصحابها، فيجوز شراؤها، فلا تظنوا أن قولي: إنه لا يجوز التبرع بالكلى ونحوها، يعني ولا يجوز شراؤها لو كانت موجودة، هذا لا بأس به، ثم اعلم يا أيها الأخ أن القول بجواز التبرع بالأعضاء أدى إلى مفاسد عظيمة جدًّا، صاروا في بعض الدول يلتقطون الصبيان من على الأرصفة، ويذبحونهم، ويأخذون كلاهم وكبادهم علشان يبيعونها.
طالب: إن كان ميتًا يا شيخ.
الشيخ: ولو ميتًا «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا».
طالب: ( ... ).
الشيخ: سؤاله: يقول: إذا أخذت الحامل دواء ووضعت حملها، هل تنقضي عدتها أو لا؟ هذا سؤالك؟
طالب: لا، يا شيخ يعني إن ( ... ) ثلاث سنوات.
الشيخ: إي نعم، كل ثلاث سنوات، هذه المرأة حملت لسنتين.
طالب: ( ... ) الجنين.
الشيخ: ينبني على كلامنا اللي ذكرنا، هل هو قبل أربعين يومًا أو بعده؟
طالب: بعده.
الشيخ: لا، ما يحل أبدًا، متى تجاوز أربعين يومًا لا يجوز إلا للضرورة، وإذا نُفخت فيه الروح لا يجوز ولا للضرورة.
طالب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى: الثانية: المتوفى عنها زوجها بلا حمَلْ منه قبل الدخول وبعده للحرة أربعة أشهر وعشرة، وللأمة نصفها، فإن مات زوج رجْعِيَّة في عدة طلاق سقطت، وابتدأت عدة وفاة منذ مات، وإن مات في عدة مَنْ أبانها في الصحة لم تنتقل، وتعتد مَنْ أبانها في مرض موته الأطول من عدة وفاةٍ وطلاقٍ ما لم تكن أَمَة، أو ذمية، أو جاءت البينونة منها، فلطلاق لا غيره.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
متى يحرم إلقاء الحمل؟
طالب: الحمل على الصحيح؟
الشيخ: لا، على كلام المؤلف.
الطالب: بعد أربعين يومًا.
الشيخ: إذا تم له أربعون يومًا حرم إسقاطه، كذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3358
طالب: نعم.
الشيخ: القول الثاني.
طالب: أنه يجوز.
الشيخ: يجوز إسقاطه.
الطالب: لا أنه يحرم.
الشيخ: يحرم إسقاطه بعد أربعين يومًا.
الطالب: بعد أربعين يومًا؟
الشيخ: إي.
الطالب: يحرم إسقاطه إلا لحاجة.
الشيخ: يعني زدت أنت إلا لحاجة؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: أنه يحرم إلقاؤه حتى قبل أربعين يومًا.
الشيخ: نعم، إلا.
الطالب: إلا لحاجة.
الشيخ: متى يحرم إلقاؤه على كل حال؟
طالب: يحرم إلقاؤه على كل حال إذا نُفِخت فيه الروح.
الشيخ: إذا نُفِخت فيه الروح، ومتى تنفخ؟
طالب: بعد الأربعين الثالثة.
الشيخ: بيَّن بالأشهر.
طالب: بالأشهر بعد أربعة أشهر.
الشيخ: بعد أربعة أشهر.
إذا قال الأطباء: إنه إذا لم يُلقَ بعد أربعة أشهر؛ يعني إذا قالوا بعد أن تم له أربعة أشهر: إذا لم يُلقَ ماتت الأم، فما الحكم؟
طالب: الحكم أنه لا يُلقى ولو ماتت الأم.
الشيخ: لا يلقى ولو ماتت أمه؟
الطالب: ولو ماتا جميعًا.
الشيخ: ولو ماتا جميعًا، كذا؟ لماذا؟
الطالب: فإذا أخرجناه قتلنا نفسًا.
الشيخ: لأنا إذا أخرجناه قتلنا نفسًا.
الطالب: وإذا أبقيناه ومات قتله الله.
الشيخ: إي، أسمعت؟
طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: ماذا قال؟
الطالب: قال: إن أخرجناه قتلنا نفسًا، وإن أبقيناه ..
الشيخ: قال: إنه يحرم إلقاؤه بعد أن تُنفخ فيه الروح؛ لأنا؟
الطالب: لأنَّا لو خرجنا أحدًا قتلناه قتلنا نفسًا، وإن أبقيناه ومات أهلكهم الله.
الشيخ: أيش؟
طالب: قلنا: لو تركناه وماتت الأم والجنين فأهلكهم الله بخلاف لو خرجناه، وبقينا أحدًا حيًّا والثاني ميتًا ..
الشيخ: يعني الجواب أن نقول: إذا أخرجناه ومات فنحن قتلناه، وإذا أبقيناه، ثم ماتت الأم، ومات هو معها فالذي قتلهما الله عز وجل.
لو ماتت الأم وفي بطنها جنين، ويتحرك حي، أفيجوز أن نشُقَّ بطنها من أجل أن نُخرج الجنين الحي؟ هذه لم أذكرها، لكن أذكرها الآن، فأقول: لا بأس، بل قد يجب؛ لأن في هذا إنقاذًا لحياة الجنين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3359
فإذا قال قائل: لكن فيه مُثلة بالنسبة للأم التي ماتت، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»؟
فالجواب: ألَّا مُثلة في عهدنا الحاضر؛ لأن شق بطن الحامل وإخراج الجنين أمر لا يُعدُّ مُثْلة في وقتنا، وهذا ما يُسمى عند الناس بالولادة القيصرية.
صحيح أنه في الزمن السابق مُثلَة، ومع ذلك نقول: وإن كان مُثلة فإنه لا بد أن يخرج الجنين ( ... )، شق بطن الحامل لإخراج الجنين أمر ليس بمثلة في الوقت الحاضر.
قال: (الثانية: المتوفى عنها زوجها) المتَوَفَّى أو المتوَفِّي؟
طلبة: المتوَفَّى.
الشيخ: المتوَفَّى كما قال عز وجل: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: 11]، فالميت مُتَوَفًّى وليس متوفيًا.
(المتوفى عنها زوجها) ذكرنا أن المتوفى عنها زوجها عليها العدة سواء دخل بها أم لم يدخل بها حتى لو عُقد له على امرأة وهو في شرق آسيا وهي في غرب أمريكا، ثم مات، فعليها العدة مع أنه لم يرَها، ولم يجتمع بها، فعليها العدة، وذكرنا دليلًا من القرآن ودليلًا من السنة، أتستحضرون هذا؟
طلبة: ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرته، نذكره الآن، الحمد لله، نقول: إنه المتوفَّى عنها زوجها، سواء دخل بها أم لم يدخل، وسواء خلا بها أم لم يخلُ، وسواء كان في بلد واحد أو في بلاد متفرقة، الدليل: قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، ولم يذكر شرطًا في هذا، هل فيها شرط أن يدخل بها؟ ما فيها، الآية عامة: ﴿الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ هذا عام سواء دخلوا بالنساء أم لم يدخلوا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3360
من السنة أن ابن مسعود رضي الله عنه سُئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يدخل بها، ثم مات، فقال: عليها العدة، ولها الصداق، ولها الميراث، فقام رجل فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق امرأة منا بمثل ما قضيتَ، فحكم ابن مسعود بأن عليها العدة مع أنه لم يدخل بها.
فإن قال قائل: أليس الله قال في القرآن الكريم: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228]، وأنتم تقولون: لو طلق الرجل امرأته قبل الدخول والخلوة فلا عدة عليها؟
قلنا: نعم، نقول هذا، لكن عندنا دليل؛ وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، فقال: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾.
فإن قال قائل: أفلا نقيس الوفاة على الطلاق؟
قلنا: لا قياس؛ بدليل أن المتوفى عنها زوجها بعد الدخول عدتها كم؟ أربعة أشهر وعشرًا، والمطلقة بعد الدخول عدتها ثلاث حيض، ولو لم تحض في السنة إلا مرة، فبينهما فرق، وإذا ثبت الفرق فلا قياس.
أرجو أن تكونوا فهمتم هذا، فإن كان فهذا المطلوب، وإن لم يكن فافهموا الحكم على الأقل، إذا توفي عن المرأة ولو لم يدخل بها فعليها العدة، وهي يقول المؤلف رحمه الله: (المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه).
طيب فإن كان حمل فعدتها وضْع الحمل كما سبق، قبل الدخول أو بعده؛ يعني العدة واجبة عليها على كل حال، وعرفتم الدليل من القرآن ومن السنة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3361
(للحُرَّة أربعة أشهر وعشرًا، وللأمة نصفها)، دليل هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، والآية صريحة وواضحة، هذا للحرة، وللأمة نصفها، كيف الأمة؟ الأمة إذا كان سيدها قد زوجها، ومات عنها زوجها فتعتد هذه الأمة كم؟ الأمة لها نصفها، كم نصف أربعة أشهر وعشرًا؟ شهران وخمسة أيام.
أما دليل الحرة فسمعتموه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
دليل الأمة، لماذا قد جعلناها على النصف والحكم واحد، رجل زوج أمته شخصًا، ثم مات عنها، أفلا يدخل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾؟
الجواب: بلى؛ لأننا نحتاج إلى دليل على أن عدة الأمة نصف عدة الْحُرَّة، وليس هناك نص، ما فيه نص عن الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن ذكر الفقهاء رحمهم الله أن الصحابة أجْمعوا على تنصيف عدة الْمُطلَّقة إذا كانت أمة، وقاسوا عليها عدة الْمُتوفَّى عنها زوجها انتبهوا يا جماعة.
عرفنا أن المرأة إذا مات عنها زوجها وهي حُرَّة تعتد بدون الحمل، تعتد أربعة أشهر وعشرًا، الأمَة، المؤلف يقول: (نصفها)، والصورة عرفتموها أن يكون السيد زوَّج أمته بشخص، ثم مات عنها فعِدَّتها شهران وخمسة أشهر.
فإذا قال قائل: الآية عامة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3362
فالجواب: كما قال الفقهاء: إن الصحابة أجمعوا على أن عدة المطلقة إذا كانت أمة نصف عدة الحُرَّة، فقاسوا عدة الوفاة على عدة الحياة، وذهب بعض العلماء إلى أن عدة المتوَفَّى عنها زوجها إذا كانت أمة كعدة الحرة بناءً على أيش؟ بناءً على عموم الآية، وقالوا: إخراج الأمة من هذا العموم يحتاج إلى دليل، إلى نص، وهذا القول كما ترون قول قوي ومأخذه واضح، وهو العموم.
لكن ربما يقول قائل: الأمة مشغولة إذا مات عنها زوجها، تبقى مشغولة بحوائج مَنْ؟ بحوائج سيدها، وإذا أتممنا أربعة أشهر وعشرًا صار في ذلك نقص على السيد، فراعيناه وقلنا: إنها على النصف، ومع ذلك حتى على هذا التعليل هو عندي تعليل عليل؛ لأن العدة ليست حقًّا للسيد، العدة حق لمن حق؟ حق لله وللزوجة، والزوج ميت.
المسألة إذن، المسألة في كون عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت أمة شهرين وخمسة أيام محل خلاف، وظاهر النصوص يؤيد قول من يقول: إن عدتها كعدة الحرة.
ثم ذكر المؤلف مسألة فيها تفصيل قال: (فإن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت -أي عدة الطلاق- وابتدأت عدة وفاة منذ مات) هذه مسألة انتبهوا لها، إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا رجعيًّا، والطلاق الرجعي هو الذي دون الثلاث، وعلى غير عِوض، وبعد الدخول؛ يعني ما جمع ثلاثة أوصاف؛ أن يكون دون الثلاث، وألا يكون على عِوض، وأن يكون بعد الدخول، إذا طلقها فهي رجعية؛ بمعنى أن له أن يرتجعها بدون عقد، مثال ذلك: رجل تزوج امرأة وبقيت عنده ما شاء الله، ثم طلقها طلاقًا رجعيًّا على غير عِوض ودون الثلاث تعتد أو لا؟ تعتد، هذه المرأة في أثناء العدة مات الزوج الذي طلقها، هل تُكمِّل عدة الطلاق أو تبتدئ عدة وفاة؟
يقول المؤلف: (إنها تبتدئ عدة وفاة حتى لو لم يبقَ عليها من عدة الطلاق إلا يوم واحد فإنها تستأنف عدة وفاة) أفهمتم أو لا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3363
مثال آخر: رجل طلق امرأته طلاقًا رجعيًّا وعدتها بالأشهر؛ لأنها لا تحيض فأكملت، إذا كانت عدتها بالأشهر فكم من شهر؟ ثلاثة أشهر، أكملت شهرين وتسعة وعشرين يومًا، ثم مات في اليوم الثلاثين من الشهر الثالث، ماذا تصنع؟
طلبة: تبتدئ عدة وفاة.
الشيخ: تبتدئ عدة وفاة، فيضاف إلى الأشهر أربعة أشهر وعشرًا، هذا هو الحكم.
فإذا قال: ما الدليل؟ فالجواب: أن الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228].
وجه الدلالة: أن الله سمى المطَلِّق بعلًا، أي: زوجًا، وهذا يدل على أن الزوجية باقية، فإذا كانت الزوجية باقية ومات الإنسان عن زوجته، ، فماذا تعتد؟ أربعة أشهر وعشرة أيام، هذا هو الحكم، وهذا هو الدليل.
الحُكم: إذا مات الرجل في عدة مطلقته الرجعية، فإن عدة الطلاق تسقط وتُلغى، وتستأنف عدة وفاة، هذا الحكم.
الدليل: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
ووجه الدلالة: أن الله سمى هؤلاء المطلقين بعولًا، أي: أزواجًا.
طالب: شيخ، الحكمة من العدة، أليس تبين الحمل؟
الشيخ: لا، معلوم من الحِكم وليس كل الحكم.
طالب: ( ... ) إذا اعتدت ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3364
الشيخ: لا، الوفاة ( ... )، ولهذا الوفاة تعتد المرأة إذا مات زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، ولو لم تحض إلا مرة واحدة، ولو كانت آيسة، هذه مبنية على حق الزوج، وكونها أربعة أشهر وعشر تخصيصها بهذا العدد -والله أعلم- أن النساء في الجاهلية تعتد المرأة إذا مات عنها زوجها حولًا كاملًا، فأُخِذ من الحوْل ثلثه، وهو أربعة أشهر، ومن الشهر ثلثه، وهو عشرة أيام.
طالب: شيخ، إذا ألقت المرأة النطفة قبل الأربعين، هل تنقضي العدة؟
الشيخ: لا، يسأل: إذا ألقت المرأة حملها قبل أربعين يومًا، هل تنقضي العدة؟
الجواب: لا، وأنت معنا حينما ذكرنا أنه لا بد أن يتبين فيه خلْق الإنسان.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، الأمة إذا ابتدأت العدة تسقط عنها التكاليف؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني أقصد التكاليف الأعمال التي تقوم بها؟
الشيخ: الأمة إذا انتهت العدة؟
طالب: لا إذا ابتدأت العدة.
الشيخ: التكاليف أيش؟ يعني نقول: لا تصلين، ولا تصومين، ولا .. ؟
طالب: لا، أقصد السيد يعني إذا مات أعمال تفعلها للسيد كأن تقوم ..
الشيخ: إذا طُلِّقت الأمة، فإن كان الطلاق رجعيًّا فهي في حال العدة تبع الزوج، وإذا كان بائنًا فهي تبع السيد.
طالب: في قول المصنف رحمه الله: (أن الأمة عدتها نصف عدة الحرة)، وذكرنا أن الفقهاء استدلوا بهذا أن الصحابة أجمعوا على أن الأمة المطلقة نصف عدة الحرة، فقاسوا على إجماع الصحابة، وسؤالي هنا: هل يجوز القياس على الإجماع، يعني إذا ورد في مسألة معينة الإجماع فنقيس عليها؟
الشيخ: مسألة أخرى، هذا يسأل سؤالًا جيدًا، يقول: إنه إذا أجمع الصحابة على مسألة، فهل يجوز أن نقيس عليها؟
والجواب: نعم، يجوز؛ لأن الإجماع دليل، والدليل يجوز القياس عليه، لكن تعرف أن القياس لا بد فيه من شروط.
وقد بينا الفرق بين عدة الوفاة وعدة الطلاق وقلنا: إذا ثبت الفرق امتنع القياس، أليس كذلك؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3365
طالب: ألا يشكل على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] وحصلت البينونة الصغرى؟
الشيخ: إي نعم، هذا أزواجهن باعتبار ما كان، والأصل أن الوصف مشتق للحال، لكن إذا قام دليل على أن المراد الوصف السابق فلا بأس أن يُستعمل الوصف السابق لما لم يكن حاضرًا.
طالب: أحسن الله إليك، الأمة إذا طلَّقها عبد، فما حكم عدتها؟
الشيخ: ما سمعت كلامنا.
الطالب: أضفنا العدة على سيد الأمة؟
الشيخ: لا، سيد الأمة إذا مات ليس على أمته عدة، ما فيه إلا حيضة واحدة لاستبراء الرحم، هذا بالنسبة للسيد، أما كلامنا على الزوج، ولهذا مثَّلْنا لو تستحضر، مثَّلْنا فقلنا: إذا زوج الرجل أمته شخصًا فمات عنها، أما لو مات السيد فلا عِدَّة، ليس فيه إلا حيضة واحدة لأجل استبراء الرحم فقط.
طالب: عدة الوفاة.
الشيخ: وعدة الوفاة حتى تضع.
ولكن سبق لكم أن أكثر مدة الحمل كم؟ أكثر مدة الحمل أربع سنين، والصواب أنه لا حد لأكثره ما دمنا نعلم أن المرأة لم تُوطأ، وأن الحمل نشأ فيها، وبقي في بطنها ولو طالت المدة.
طالب: ( ... ) في عدة طلاق سقطت وابتدأت عدة وفاة منذ مات، وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل، وتعتد مَنْ أبانها في مرض موته الأطول من عدة وفاة وطلاق ما لم تكن أمة أو ذمية أو جاءت البينونة منها فلطلاق لا غير وإن طلق بعض.
الشيخ: عدة المتوفى عنها إما أربعة أشهر وعشرة أيام، وإما وضع حمل فقط، ما فيه غير هذا، إن كانت حاملًا فعدتها وضْع الحمل طالت المدة أم قصرت، وإن لم تكن حاملًا فعدتها كم؟ أربعة أشهر وعشرًا للحُرَّة، وللأمة نصف ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3366
ليس هناك شيء ثالث في عدة المتوفَّى عنها، ولذلك عدة المتوفى عنها سهلة جدًّا كل يفهمها، إن حاملًا فوضع الحمل، وإلا أربعة أشهر وعشرة أيام، حتى لو لم تحض إلا مرة واحدة، أو حاضت أربع مرات أو خمس مرات فإنها أربعة أشهر وعشرة أيام.
ذكر المؤلف رحمه الله إذا مات الزوج وهي في عِدَّة منه؛ يعني يكون قد طلقها، أو فسخ، أو ما أشبه ذلك، فهل تنتقل إلى عدة الوفاة، أو تبقى على عدتها، أو تعتد الأطول؟ الأقسام الآن ثلاثة: إذا مات الإنسان وزوجته في عدة منه، فهل تستمر وتكمل أو تنتقل إلى عدة وفاة؟
وإن ماتَ في عِدَّةِ مَن أَبَانَها في الصِّحَّةِ لم تَنْتَقِلْ، وتَعْتَدُّ مَن أبانَها في مَرَضِ موتِه الأطولِ من عِدَّةِ وفاةٍ وطَلاقٍ ما لم تَكُنْ أَمَةً أو ذِمِّيَّةً أو جاءَت البَيْنُونَةُ منها فلِطلاقٍ لا غيرُ، وإن طَلَّقَ بعضَ نسائِه مُبْهَمةً أو مُعَيَّنَهً ثم نسيها ثم ماتَ قبلَ قُرعةٍ اعْتَدَّ كلٌّ مِنهنَّ سوى حاملِ الأطولِ منهما.
الثالثةُ (الحائلُ ذاتُ الأَقراءِ) وهي الْحَيِّضُ المفارِقَةُ في الحياةِ , فعِدَّتُها إن كانتْ حُرَّةً أو مُبَعَّضَةً ثلاثةُ قُروءٍ كاملةٍ، وإلا قُرْآنِ.
الرابعةُ (مَن فَارَقَها حَيًّا) ولم تَحِضْ لصِغَرٍ أو إياسٍ , فتَعْتَدُّ حُرَّةً ثلاثةَ أَشْهُرٍ وأَمَةً شَهرينِ , ومُبَعَّضَةً بالحسابِ , ويُجْبَرُ الكسرُ.
الخامسةُ (مَن ارْتَفَعَ حَيْضُها ولم تَدْرِ سَبَبَهُ) فعِدَّتُها سَنَةٌ: تِسْعَةُ أشهُرٍ للحَمْلِ وثلاثةٌ للعِدَّةِ، وتَنْقُصُ الأمةُ شَهْرًا، وعِدَّةُ مَن بَلَغَتْ ولم تَحِضْ والمستحاضَةِ الناسيةِ والْمُسْتَحَاضَةِ الْمُبْتَدَأَةِ ثلاثةُ أَشْهُرٍ، والأَمَةِ شَهرانِ، وإن عَلِمَتْ ما رَفَعَه من مَرَضٍ أو رَضاعٍ أو غيرِهما فلا تَزالُ في عِدَّةٍ حتى يَعودَ الْحَيْضُ فتَعْتَدَّ به أو تَبْلُغَ سنَّ الإياسِ فتَعْتَدَّ عِدَّتَه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3367
السادسةُ (امرأةُ المفقودِ) تَتَرَبَّصُ ما تَقَدَّمَ في مِيراثِه,
إذا مات الإنسان وزوجته في عِدَّة منه، فهل تستمر وتكمل، أو تنتقل إلى عدة وفاة، أو تعتد إلى الأطول؟
لننظر، إذا مات في عدتها وهي رجعية -وسبق أمس معنى الرجعية- وهي التي يجوز إرجاعها إلى الزوج بدون عقد، إذا مات في عدة هذه انتقلت إلى عدة الوفاة على طول، وألغيت عدة الطلاق.
مثال هذا: رجل طلق زوجته الطلقة الأولى على غير عوض، وابتدأت العدة، حاضت مرتين كم بقي عليها؟
طالب: حيضة.
الشيخ: بقي عليها حيضة واحدة، مات الرجل قبل أن تحيض الثالثة، نقول ابتدئي من الآن عدة وفاة، كم؟
طلبة: أربعة أشهر ..
الشيخ: أربعة أشهر وعشرة أيام، مع أنه لم يبق لها من عدة الطلاق إلا حيضة واحدة في خلال نصف شهر لماذا تنتقل إلى عدة الوفاة؟ لأنها زوجة؛ قال الله عز وجل في المطلقات: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] فسمى الله الزوج المطلق بعلًا ( ... ).
الثانية: إذا مات في عدتها وهي مبانة؛ يعني مطلقة طلاقًا بائنًا، فهذه تبقى على حالها، ولا تنتقل إذا كان أبانها في حال الصحة أو في مرض غير مَخُوف، مثال ذلك: رجل طلق زوجته الطلقة الثالثة، فشرعت في العدة، الطلاق هنا بائن ولّا رجعي؟
طلبة: بائن.
الشيخ: بائن، شرعت في العدة، ولما حاضت مرتين مات الزوج فهل تكمل العدة وتنتهي العدة بالحيضة الثالثة أو نقول: ابتدئي عدة الوفاة؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ أي أنها تستمر، لماذا؟ ما هو الدليل أو التعليل؟ لأن المرأة إذا طلقت طلاقًا بائنًا لم تكن زوجة، ولذلك لا يحل لها أن تكشف لزوجها في حال العدة، وله -على القول الراجح- أن يتزوج الرابعة إذا كان الطلاق بائنًا بينونة كبرى؛ يعني: أن الإنسان إذا طلق زوجته الرابعة آخر طلقة حل له أن يتزوج رابعة؛ لأن التي بانت ما تحسب عليه، واضح ولّا ما هو بواضح؟
طلبة: واضح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3368
الشيخ: إنسان له أربع زوجات، طلق واحدة الطلقة الثالثة، وأراد يتزوج قبل أن تنتهي عدتها نقول: لا بأس، تزوج؛ لأن البائن في حكم المعدوم.
بقينا القسم الثالث: ما هو؟ أن تعتد بالأطول من عدة وفاة وطلاق، وهي التي أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها.
مثال ذلك: رجل أُصيب بمرض حتى وصل إلى حال أيس من بقائه، فطلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، واضح ولّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: إنسان له زوج، بقي عليه من طلاقها واحدة، ولما مرض مرض الموت خاف أن ترث منه فطلقها، بانت منه أم لا؟
طلبة: بانت.
الشيخ: بانت؛ لأن هذه آخر تطليقة، بانت منه، في أثناء العدة مات الزوج هل نقول: استمري في عدة الطلاق أو نقول انتقلي إلى عدة الوفاة؟
طلبة: الأطول.
الشيخ: نقول: الاحتياط أن تعتد على الأطول.
كيف نقول: اعتدِّي عدة الطلاق، كملي عدة الطلاق؛ لأنها مُبَانة، كيف نقول: اعتدي عدة الوفاة؟ لأن لها علاقة بزوجها؛ لأنها في هذه الحالة ترث منه، فلها علاقة، فنقول إذن: لا تخرج من العدة بيقين إلا إذا اعتدت الأطول، وحينئذٍ أسألكم: إذا كانت هذه المرأة المطلقة حاملًا، فأيهما أطول عدة الطلاق أو الوفاة؟
طلبة: حسب الحمل.
طالب: قد يكون أطول عدة الحمل.
الشيخ: إذا كانت حاملًا فأيهما أطول عدة الطلاق ولّا الوفاة؟
طالب: الوفاة.
طالب آخر: الحمل.
طالب آخر: كلها واحد.
طالب آخر: تفصيل يا شيخ.
الشيخ: إي، تفصيل لكنه ليس بصحيح.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا ( ... )، الحامل عدتها وضع الحمل سواء من طلاق أو وفاة، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: هل فيها أطول وأقصر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا أبدًا، واحدة، فإذا أبانها وهي حامل لا بد ( ... ) ليش ( ... ) وضع الحمل، سبحان الله إلى الآن لم تفهموا؟
طالب: مفهوم.
الشيخ: مفهوم الآن؟
طلبة: أي نعم.
الشيخ: أعيد المثال، رجل طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات في مرض موته، وكانت حاملًا، ثم مات، هل تكمل عدة الطلاق أو تنتقل إلى عدة الوفاة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3369
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ما فيه أطول ولا أكثر، إن طلقت عدتها وضع الحمل، سواء ( ... )، واضح يا جماعة، عدتها وضع الحمل حتى لو ( ... )، إذا حكمنا بأنها عدة وفاة لازم الإحداد، وإذا كانت عدة طلاق لم يلزمها، نقول: حتى في هذه الحال، المهم أن عدتها تنقضي بوضع الحمل سواء ( ... ) وفاة أو ( ... ).
إذا كانت غير حامل حينئذ نقول: تعتد الأطول، الآن يأتي الأطول، أيهما أطول عدة الوفاة أو عدة الطلاق إذا لم تكن حاملًا؟ إن قلت: الوفاة ( ... )، فغير صحيح، إن قلت: عدة الطلاق، فغير صحيح، تختلف، ويظهر هذا بالمثال.
هذه المطلقة عدتها بالطلاق كم؟
طالب: ثلاثة ..
الشيخ: ثلاثة قروء وهي لا يأتيها الحيض إلا بعد ثلاثة أشهر، كل ثلاثة أشهر تحيض المرأة، كم يكون مدة الحيض؟
طلبة: تسعة أشهر.
الشيخ: تسعة أشهر عدة الوفاة كم؟
طلبة: أربعة أشهر.
الشيخ: أربعة أشهر وعشرة أيام، الرجل هذا مات بعد ابتداء العدة بعشرة أيام، في هذه الحال هل تستمر في عدة الطلاق أو تنتقل إلى عدة الوفاة؟
طالب: تستمر.
الشيخ: أيهما؟
طالب: تستمر في عدة الطلاق.
طالب آخر: هل هي رجعية يا شيخ؟
الشيخ: نعم، الأول؛ لأن عدة الطلاق ستبقى تسعة أشهر، إذا كانت ( ... ) الحائض، لكن عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة.
العكس، إنسان طلق زوجته في مرض موته المخوف طلاقًا بائنًا وحاضت مرتين، ثم مات، فهل تكمل الحيضة الثالثة التي بها تكمل عدة الطلاق أو تنتقل إلى عدة وفاة أربعة أشهر وعشرة؟
طلبة: تنتقل.
الشيخ: تنتقل؛ لأنها أطول، واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: إذن إذا مات في عدة المبانة التي أبانها في مرض موته المخوف فإنها تعتد الأطول من عدة الوفاة والطلاق، وعرفتم بالمثال ما يكون أطول، وما يكون أقصر.
نعود مرة ثانية، إذا كانت حاملًا تنتقل إلى عدة الوفاة؟
طلبة: لا.
الشيخ: تكمل عدة الطلاق؟
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3370
الشيخ: عدتها وضع الحمل، ما فيه طول ولا قصر، وهذا مفهوم من كلام المؤلف -رحمه الله- يقول: (وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل)، (إن مات) أي: الزوج (في عدة من أبانها) أي: من طلقها طلاقًا بائنًا أو طلقها بفسخ (في الصحة لم تنتقل) أي: لم تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة، ماذا تصنع إذا كانت لم تنتقل، ماذا تصنع؟
طالب: تستمر في عدة الطلاق.
الشيخ: تكمل عدة الطلاق ( ... )، (إن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل، وتعتد من أبانها في مرض موته المخوف الأطول من عدة وفاة وطلاق)، وعرفتم بالمثال كيف يكون هذا الأطول من عدة وفاة وطلاق، هذه من أبانها في مرض موته المخوف.
(ما لم تكن أمة) كيف ما لم تكن أمة؟ يمكن أن يتزوج إنسان أمة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يمكن إذا كان هو مملوكًا تزوج مملوكة، ولا إشكال، هذا المملوك أبان زوجته في مرض موته المخوف، ومات في العدة، هل نقول لزوجته المملوكة: انتقلي إلى عدة الوفاة أو الأطول؟
لا، نقول: استمري في عدة الطلاق، ليش؟ لأنها لا ترث، ونحن عللنا انتقالها للأطول بأن لها علاقة بزوجها بماذا؟ بالميراث، الآن ما ترث.
(أو ذمية) يعني: ما لم تكن ذمية؛ يعني: يهودية أو نصرانية، فإنها لا تنتقل، لماذا؟
طلبة: لأنها لا ترث.
الشيخ: لأنها لا ترث، هي كافرة والزوج مسلم.
(أو جاءت البينونة منها) يعني: هي التي طلبت الطلاق، فإنها لا تنتقل؛ لأنها إذا كانت هي التي طلبت الطلاق لم يكن متهما بقصد حرمانها من الميراث، فلا ترث، فقد انقطعت العلاقة بينها وبين زوجها، ولهذا قال: (فلطلاق) أي: فتعتد لطلاق (لا غير) يعني: لا تنتقل، هذا معنى كلامه، رحمه الله، ويمكن أن نلخص كلام المؤلف بما هو أوجز وأوضح، أن نقول: إذا مات في عدة من أبانها في مرض موته فإن ورثت اعتدت بالأطول، وإن لم ترث لم تنتقل عن عدة الطلاق، أكملت عدة الطلاق.
صارت الآن المسألة على ثلاثة أقسام:
قسم: تنتقل بكل حال.
الجزء: 2 - الصفحة: 3371
وقسم: لا تنتقل بكل حال.
وقسم: تنتقل في حال دون حال.
الرجعية؟ أجيبوا.
طلبة: تنتقل.
الشيخ: تنتقل بكل حال، من أبانها في حال الصحة لا تنتقل بكل حال، من أبانها في مرض خوفه المخوف تعتد بالأطول متى؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إن ورثت، وتبقى على عدتها إن لم ترث، هذا حاصل كلام المؤلف، رحمه الله، وهذا ( ... )، واضح الكلام؟
طالب: نعم.
الشيخ: يقول رحمه الله: (وإن طلق بعض نسائه مبهمة، أو معينة ثم نسيها، ثم مات قبل قرعة، اعتد كل منهن -سوى حامل- الأطول منهما).
هذه المسألة قليلة الوقوع (إذا طلق بعض زوجاته مبهمة)، قال: له زوجتان، كل واحدة منهما اسمها عائشة، فقال: يا عائشة أنتِ طالق، هذه مبهمة، أيهما؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يمكن، مات قبل أن يتبين، أو عينها؛ يعني: عين واحدة من نسائه، ثم نسي، ثم مات قبل أن يقرع بينهما، فكيف العدة؛ لأن الآن إحداهما مطلقة، والثانية غير مطلقة، فأيهما؟
نعمل بالاحتياط، نقول: كل واحدة تعتد بالأطول من عدة الوفاة وعدة الطلاق، إلا الحامل، وإنما استثنى الحامل؛ لأن عدتها لا تختلف فيما إذا بدئت بالحياة أو بالموت.
(اعتد كل منهن -سوى حامل- الأطول منهما.
الثالثة: الحائل ذات الأقراء، وهي الحيض المفارقة في الحياة، فعدتها إن كانت حرة أو مبعضة ثلاثة قروء كاملة، وإلا قرآن).
(الثالثة) يعني: من المعتدات (الحائل) وضدها: الحامل، (ذات الأقراء) يعني: التي تحيض، ولهذا قال: (ذات الأقراء، وهي الحيض المفارقة في الحياة) احترازًا من المتوفى عنها؛ لأن المتوفى عنها لماذا استثنى؟ عدتها إما أربعة أشهر وعشرة أيام وإما وضع الحمل، لكن هذه (المفارقة في الحياة) وهي ليست حاملًا (فعدتها) ثلاثة قروء (إن كانت حرة أو مبعضة) والقروء: جمع قرء وهو الحيض، وإن كانت أمة ( ... )؛ أي: ليس فيها حرية، فعدتها قرآن، ما هو الدليل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3372
الدليل: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، ما هي القروء؟
طالب: الأشهر.
الشيخ: غلط.
طالب: الحِيَض.
الشيخ: الحيض، فمعنى ثلاثة قروء؛ أي: ثلاث حيض، فإذا كانت حرة فعدتها ثلاثة قروء؛ أي: ثلاث حِيَض كاملة، وإن كانت مبعضة؛ يعني نصفها حر ونصفها رقيق، فعدتها كم؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ثلاثة قروء؟ لماذا العدة ثلاثة قروء؟
لأن الحيض لا يتبعض، لا يمكن أن نقول: عدتها قرآن ونصف، الحيض لا يتبعض، فنكمل ونقول: ثلاثة قروء.
القن؛ الأمة التي ليس فيها حرية عدتها قرآن؛ يعني حيضتين، لو قال قائل: لماذا لم تجعلوا عدتها قرءا ونصفًا؟
طالب: ( ... ) لا يتبعض.
الشيخ: إي؛ لأن الحيض لا يتبعض، فكملنا.
الخلاصة الآن: الثالثة هي المفارقة في الحياة، إذا كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض كاملة إن كانت حرة أو كانت مبعضة، وإلا فحيضتان إذا كانت أمة خالصة ما فيها حرية، الدليل: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] إلى آخر الآية.
لا حظوا أن هناك شرطًا لا بد أن نستصحبه وهي أن كل عدة في الحياة لا بد فيها من الدخول أو الخلوة، وهذه مذكورة في أول الباب، وعلى هذا فلو طلق امرأة تحيض ولكنه لم يدخل بها ولم يخل بها؟
طلبة: فلا عدة.
الشيخ: فلا عدة، استصحبوا هذا الشرط معكم؛ لأنه لا بد منه.
إذا طلق الإنسان المرأة في أثناء الحيض، كم تعتد؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: حيضتان ونصف؛ لأنه طلق في نصف الحيضة؛ يعني ( ... ) المرأة نصف حيضتها طلقها، نقول: تعتد حيضتين كاملتين ونصف حيضة؛ لأنه طلق في نصف الحيضة الأولى، كذا؟
طلبة: لا يقع الطلاق.
طالب آخر: لأنه طلاق بدعي.
الشيخ: دعونا من الطلاق البدعي وغير البدعي نتكلم الآن على العدة، إيش؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3373
الشيخ: يا جماعة، أنا الآن ذكرت لكم أن الحيض لا يتبعض، فيلزمها أن تعتد ثلاث حيض، وتلغي الحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ ( ... ) ثلاث حيض كاملة، فعليه نقول: إذا طلق الإنسان امرأته في أثناء الحيضة، وقد مضى نصفها، تعتد بكم؟
طلبة: ثلاث حيض.
الشيخ: ثلاث حيض غير التي طلق فيها، وهذا هو السر في قولنا: إن هذا الطلاق بدعي؛ لأنه لم يطلق للعدة، حيث إن نصف الحيضة التي طلق في أثنائها لا تحسب فيجب ( ... )، وهذه المسألة -أعني الطلاق في أثناء الحيض- قد اختلف فيها العلماء قديمًا وحديثًا، بل الأئمة كلهم وأكثر علماء الأمة على أن الطلاق واقع ثابت محسوب، وعليه فإذا طلق الطلقة الأولى في الحيض والثانية في الحيض والثالثة في الحيض ماذا يكون؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: تحرم عليه، تكون بائنًا، هذا مذهب الأئمة الأربعة ومذهب جمهور الأمة، فلا تتهاونوا في هذا الأمر، بعض الناس صار يتلاعب الآن، إذا طلق الطلقة الثالثة ( ... ) جاء يسأل: والله أنا طلقت امرأتي قبل عشرين سنة وهي حائض؟ يعني: يريد أن يقول: هذا طلاق بدعي فلا يقع، قال: وطلقتها المرة الثانية قبل عشر سنين في الحيض، علشان نقول: الطلاق البدعي لا يحسب، وطلقها الأخير أيضًا في حيض، نقول: طلاق بدعي لا يقع، فتكون المرأة الآن في عصمته.
الأئمة الأربعة وعامة الأمة يقولون: الآن الطلاق الأخير أبانها، والطريق التي نمشي عليها أن نقول: إذا طلقها في الحيض فإن كانت في العدة قلنا: لا طلاق عليك، كما جاء ذلك في حديث ابن عمر (1) على خلاف في معناه، أما إذا كانت قد انتهت العدة ثم جاء يقول: طلقتها في الحيض نقول خلاص ( ... )؛ لأنه لا بد ( ... )، ونحن نعلم علم اليقين أن هذا الرجل الذي طلق العشرين سنة في الحيض أنها لو تمت عدتها وتزوجها آخر لم يعترض، لم يقل: هذه زوجتي، فما باله اليوم صار فقيهًا وقال: طلقتها طلاقًا بدعيًّا فلا يقع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3374
على كل حال أن يجب أن يُساس الناس؛ يعني: يعاملون بالسياسة، فإذا أرادوا أن يتلاعبوا بالطلاق منعناهم كما منع عمر -رضي الله عنه- من طلق ثلاثًا ( ... ) واحد؛ يعني: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، منعه أن يراجع زوجته، مع أن الطلاق الثلاث في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، لكن لما تتايع الناس في هذا الشيء وكَثُر منعهم عمر من المراجعة (2).
وهذا هو الحق، حتى الطلاق الثلاث الآن لو أن أحدًا سلك سبيل عمر -رضي الله عنه- وقال: الناس أكثروا الطلاق الثلاث سنمضيه عليهم؛ لكان له وجه.
أما تلاعب الناس الآن بالطلاق شين؛ يعني: الإنسان إذا رأى الأمر الواقع يتكدر ويحزن من تهاونهم بالطلاق.
طالب: أثابكم الله يا شيخ، المرأة المطلقة المدخول بها غير حامل، أقول: متى تنتهي عدتها؟
الشيخ: ( ... ) ثلاث حيض، متى تكون الحيضة الثالثة ( ... )، أسأل السائل، أجبني يا رجل؟
طالب: كلا الوجهين.
الشيخ: ( ... ) لا، وجهان ( ... )، إذا قيل: العدة ثلاث حيض متى تنتهي الحيض؟
طالب: إذا انتهت الحيضة الثالثة.
الشيخ: هذه هي واضحة.
طالب: القول الراجح أن من طلق في الحيض أنه لا يقع، لكن إذا جاءني شخص وقال: إني طلقت في الحيض، فهل نلزمه بالطلقة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3375
الشيخ: أن يطلق ( ... ) إن كانت في العدة، فنقول: لا بد أن تقع ( ... )، كما أوقع النبي صلى الله عليه وسلم طلاق ابن عمر في الحيض، على خلاف في تفسير حديث ابن عمر؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم لعمر: «مُرْ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُرَاجِعَهَا» (1) أخذ منه الجمهور على أن الطلاق وقع؛ لأنه لا مراجعة إلا بعد الطلاق، وبعضهم قال: إن المراجعة هنا مراجعة لغوية، ولا يلزم من ذلك وقوع الطلاق، إنما طريقتي أنا -عشان ما يكون تلاعب- أنها إذا انتهت العدة نلزمه، ونقول: وقع الطلاق، وإذا لم تنتهِ قلنا: طلاقك فاسد، والزوجة في عصمتك؛ لأنَّ لو فتحنا الباب وقلنا: إنه لم يقع الطلاق حتى بعد انتهاء العدة جاءنا الأزواج من كل فج ( ... ) قد أيسوا من زوجاتهم، وقالوا: طلقناها في الحيض، يجينا واحد مطلق زوجته من عشرين سنة ( ... ) طلقها في الحيض، ثم يجي بعدين -بعد عشرين سنة- وهي في بيتها ( ... )، ويقول: إني طلقتها في الحيض، هذا ما هو معقول، تلاعب.
طالب: شيخ، ذكرتم قاعدة أمس أن الحكمين إذا تعارضا وأحدهما الناقل عن الأصل والآخر باقٍ على الأصل يقبل الناقل عن ..
الشيخ: يقدم الناقل، يرجح الناقل، إذا تعارض نصان من كل وجه وتعذر الجمع بينهما قُدِّم الناقل عن الأصل.
طالب: وسؤالي هل عليه نحمل حديث ابن عمر على حديث ابن عباس في قطع الخف في الحج؟
الشيخ: لا، حديث ابن عمر قاله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وليس حوله إلا من في المدينة لما قال: «لَا يَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا» (3) حديث ابن عباس قاله للحجاج بعرفة، وهذا بعد حديث ابن عمر، وفي جمعٍ أكثر من الذين في المدينة، فهذا دليل على أنه ناسخ، ولا نقدم حديث ابن عمر؛ لأنه ناقل عن الأصل؛ لأن هذا متأخر، وكثير ممن سمعه ( ... ) في المدينة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3376
طالب: شيخ أحسن الله إليك، المبانة من الخلع عليها عدة واحدة هي حيضة واحدة، ولاستبراء الرحم يا شيخ، فلِمَ لا نقول ذلك في المبانة بينونة كبرى يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، أسمتعم كلام الأخ؟ المخالعة التي أعطت زوجها دراهم على أن يطلقها عدتها على القول الراجح حيضة واحدة فقط؛ لأنه لا فائدة من تطويل العدة عليها، إذ لا مراجعة للزوج، الكلام معروف ولّا غير عربي؟
طلبة: عربي.
الشيخ: رجل خالع زوجته؛ يعني معناه: زوجته تعبانة منه ومالة منه، قالت له: يا رجل خذ هذه عشرة آلاف ريال وطلقني، قال: بسم الله، خالعتك على كم؟ عشرة آلاف ريال، حصل الفراق، كم تعتد؟ حيضة واحدة فقط، على القول الراجح، ما هي مسألة اتفاقية.
يقول الأخ: لماذا لا نقول: إن المطلقة ثلاثًا التي ليس لزوجها رجعة عليها لماذا لا نقول: إنها تعتد كم؟ حيضة واحدة؛ لأنه لا فائدة من تطويل العدة عليها، إذ لا رجوع لزوجها عليها، سمعتم الكلام؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الإيراد هذا إيراد قوي، يدل على أن الأخ من الفقهاء، أليس كذلك؟
الجواب: قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن المطلقة البائن بينونة كبرى، وهي المطلقة ثلاثًا، إن كان أحد قال بأنها تعتد بحيضة واحدة فقوله صواب، فعلق الأمر به على أن يوجد أحد قبله، قال صاحب الاختيارات: وقد قال بذلك ابن اللبان، وهو سابق على شيخ الإسلام، وعلى هذا فيكون رأي شيخ الإسلام أن عدتها حيضة واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3377
الجمهور يقولون: لا بد من ثلاث حِيَض؛ لأنها مطلقة، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، وأطلق، ولكن يمكن الجواب عن هذا الاستدلال بأن يقال: اقرأ الآية كاملة حتى يتبين لك أن المراد بالمطلقات الرجعيات؛ لأنه قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]، ولا حق للبعل برد الزوجة إذا كان الطلاق بائنًا، فعلم أن الآية في المطلقات الرجعيات.
وعلى كل حال: القول بأنها -أي: البائن بينونة الكبرى- تكتفي بحيضة واحدة قول قوي، لكن نظن الاحتياط أولى، أن نقول: اعتدي بثلاث حِيَض، أولًا: لأنه قول الجمهور، وكما تعلم أن شيخ الإسلام -رحمه الله- على سعة اطلاعه لم يطلع على الخلاف، بل علق القول به على أن يكون أحد سبقه.
ثانيا: هذه المسألة لو تزوجت البائن بعد حيضة واحدة، ثم حصل مشاكل، ثم أودعت المحكمة، فالقضاة يحكمون بأن هذا النكاح أيش؟
طلبة: باطل.
الشيخ: باطل، فنقع في إشكال، والاحتياط أولى، لا سيما كما قلت لك: إذا كانت المسألة لو رفعت للقضاة لحكموا بخلاف ما أفتيت به، فأنت لا تفتي إلا بالاحتياط.
طالب: شيخ بارك الله فيك، عند انتقال المبانة هل يا شيخ تستأنف المدة أم تبتدئ منذ وفاة الزوج؟
الشيخ: لا، منذ وفاة الزوج، إذا قلنا بأنها تعتد بالأطول فإنه من وفاة الزوج كل عدة ابتداؤها ( ... )، ولهذا لو أن الإنسان مات عن زوجته ولم تعلم بموته إلا بعد مضي أربعة أشهر وعشرة أيام، عليها عدة ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما عليها عدة، انتهى الوقت، واضح؟
طالب: نعم واضح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3378
الشيخ: امرأة حامل توفي عنها زوجها، ثم وضعت، ثم علمت أن زوجها مات، انتهت عدتها أو لا؟
طلبة: انتهت.
الشيخ: نعم، انتهت، إي نعم.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابعة: من فارقها حيًّا ولم تحض؛ لصغر أو إياس، فتعتد حرة ثلاثة أشهر، وأمة شهرين، ومُبَعَّضة بالحساب ويجبر الكسر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عدة المتوفى عنها تنحصر في شيئين لا ثالث لهما؟
طالب: أولًا: ألا تكون حاملًا فهذه عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام.
الشيخ: تمام.
طالب: ثانيًا: أن تكون حاملًا فعدتها بوضع الحمل.
الشيخ: تمام، ليس هناك شيء ثالث، المتوفى عنها زوجها إن كانت حاملًا فعدتها وضع الحمل، وإن لم تكن حاملًا فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام للحرة، والأمة شهران وخمسة أيام، ومُبعَّضَة بالحساب.
إذا مات الزوج، والزوجةُ في العدة، هل تنتقل إلى عدة الوفاة أو تستمر في عدة الطلاق؟
في هذا تفصيل، بل لهذا أحوال، الحال الأولى ألا تنتقل بكل حال، متى؟
طالب: الحال الرجعية.
الشيخ: لا، ألا تنتقل؟
طالب: قسم لا ينتقل، هي التي لا ترث.
الشيخ: هي التي أبانها ..
طالب: أبانها في مرض خوفه.
التي لا تنتقل هي التي أبانها في طلاق ثلاث.
الشيخ: لا.
طالب: هي اللي طلقها ثالثة، وزوجها حي.
الشيخ: غلط.
طالب: هي التي أبانها في مرض الصحة.
الشيخ: التي أبانها في مرض الصحة؟ ! سبحان الله العظيم.
طالب: التي أبانها في الصحة.
الشيخ: التي أبانها في الصحة، صحيح، التي أبانها في الصحة لا تنتقل مطلقًا، كرجل طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات وهو صحيح شحيح ثم مات في العِدَّة، فهذه تمضي في عدتها ولا تعتد بعدة الوفاة.
الثانية: من تنتقل في كل حال؟
طالب: الرجعية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3379
الشيخ: هي الرجعية؛ يعني: التي طلقها زوجها، وله عليها رجعة، ثم مات وهي في العدة، فهذه تنتقل بكل حال، حتى لو لم يَبْقَ من العدة إلا يوم واحد استأنفت عدة الوفاة، واضح؟
الحال الثالثة: التفصيل.
طالب: من أبانها في مرض الموت.
الشيخ: من أبانها في مرض موته متهمًا بقصد حرمانها.
مثاله: رجل طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات في مرض لا يرجى برؤه ومات به، فهذه تعتد الأطول من عدة وفاة وطلاق، إن كان الأطول عدة الوفاة انتقلت إليها، وإن كان الأطول عدة الطلاق استمرت فيها، الكلام عربي؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الآن مثال، رجل طلق امرأته في مرض موته المخوف طلاقًا بائنًا آخر ثلاث تطليقات، مضى نصف العدة، ولنقل: مضى حيضتان، ثم مات الزوج، بقي الآن حيضة واحدة في شهر واحد، فهنا هل تكمل عدة الطلاق وتنتهي أو تستأنف عدة الوفاة؟
طلبة: تستأنف.
الشيخ: تستأنف؛ لأنه متهم بقصد حرمانها؛ يعني: تبتدئ عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام.
مثال آخر: رجل طلق زوجته في مرض موته المخوف، متهم بقصد حرمانها، وهي حامل، ثم مات قبل أن تضع، تنتقل أو لا تنتقل؟
طالب: عدتها وضع الحمل، متى وضعت الحمل ..
الشيخ: السؤال هي تنتقل أو لا؟ هذا السؤال، ما أسأل ما عدتها؟ أسأل: هل تنتقل أو لا تنتقل؟
طالب: تنتقل.
الشيخ: تنتقل إلى عدة؟
طالب: إلى عدة الوفاة.
الشيخ: متى تنتهي عدة الوفاة؟
طالب: تنتهي عدة الوفاة ثلاثة ..
الشيخ: حامل هي؟
طالب: بوضع الحمل.
الشيخ: إذن لا فرق، إن كانت عدة الطلاق فبوضع الحمل، أو استأنفت عدة الوفاة فبوضع الحمل، انتبهوا لهذا؛ لأن الواحد أعطاكم سؤال وقال: حامل.
نقول: هنا لا انتقال، لماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: العدة بوضع الحمل، سواء من طلاق أو وفاة، تمام؟
طلبة: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3380
الشيخ: مثال ثالث: رجل طلق زوجته في مرض موته المخوف، متهمًا بقصد حرمانها، وشرعت في العدة، وكان لا يأتيها الحيض إلا في الشهرين مرة، كم ستكون عدتها بالأشهر؟ ستة أشهر، مات زوجها حين مضى شهر، فهل تنتقل إلى عدة الوفاة أو تستمر في عدة الطلاق؟
طلبة: تستمر.
الشيخ: تستمر في عدة الطلاق؛ لأنها أطول.
إذا كان الطلاق في مرض الموت ليس فيه اتهام بقصد الحرمان، فهل تنتقل أو لا تنتقل؟
طلبة: لا تنتقل.
الشيخ: لا تنتقل، مثاله: رجل زوج أمة، مملوكة، وهو ممن يحل له نكاح الإماء، ثم طلقها طلاقًا بائنًا في مرض موته، ثم مات في أثناء العدة، هل تنتقل أو لا تنتقل؟
طلبة: لا تنتقل.
الشيخ: لا تنتقل، لماذا؟ لأنها لا ترث، فهو غير متهم بقصد حرمانها؛ لأنها لا ترث.
مثال آخر: رجل له زوجة نصرانية طلقها في مرض موته المخوف، ثم مات في أثناء العدة، هل تنتقل أو لا تنتقل؟
طلبة: لا تنتقل.
الشيخ: لا تنتقل، لماذا؟ لأنها لا ترث، فهو غير متهم، تستمر في عدة الطلاق، وإذا انتهت انتهت العدة.
والخلاصة: أن من أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها اعتدت الأطول.
رجل مريض مرضًا مخوفًا، ثم طلبت منه الزوجة أن يطلقها، فطلقها، ومات في أثناء العدة، أتنتقل أو لا؟
طلبة: لا تنتقل.
الشيخ: لا تنتقل، ليش؟
طالب: ما فيه تهمة.
الشيخ: لأنه غير متهم، هي التي قالت: طلقني.
( ... ).
ولذلك اسمع كلام المؤلف، يقول رحمه الله: (ما لم تكن أمة أو ذمية، أو جاءت البينونة منها فلطلاق لا غيره).
الثالثة: التي تحيض وليست حاملًا، عدتها ثلاث حِيَض كاملة، وتأمل قولنا: كاملة؛ ليتبين لك أنه من طلقها في أثناء الحيض هل تحتسب هذه الحيضة التي طلقها في أثنائها؟ لا، لا بد أن تأتي بثلاث حيض كاملة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3381
وسبق لنا البارحة أن الإمام أحمد سئل عمن قال: إن طلاق الحائض لا يقع، فقال: هذا قول سوء، وأنكره إنكارًا عظيمًا، وقال: إن طلاق الحيض يقع، وهذا هو الذي عليه كل الأئمة وجمهور الأمة، أن طلاق الحائض واقع.
إذا قلنا بالوقوع، وطلقها في أثناء الحيضة، هل تحسب الحيضة التي طلق فيها، الجواب؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، بل تستأنف الحيض بثلاث حيض كاملة.
(الرابعة: من فارقها حيًّا ولم تحض لصغر أو إياس، فتعتد حرة بثلاثة أشهر، وأمة بشهرين، ومبعضة بالحساب).
هذه الآيسة أو من لم تحض عدتها ثلاثة أشهر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4].
يعني: واللائي لم يَحِضْن كذلك، ويعني بذلك الصغيرة التي لم يأتها الحيض بعد، فإنها تعتد بثلاثة أشهر.
والأمة بشهرين، والمبعضة بالحساب، فيزاد لها من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية.
مثال هذا: إنسان تزوج امرأة صغيرة لا يأتيها الحيض، ثم طلقها بعد الدخول مباشرة، كم عدتها؟
طلبة: ثلاثة أشهر.
الشيخ: ثلاثة أشهر؛ لأننا لو قلنا: ثلاث حِيَض لكان في هذا ضرر عليها؛ لأننا لا ندري متى يأتيها الحيض، من النساء من يتأخر الحيض عنهن إلى عشرين سنة، فإذا طلقها وهي لم تحض بعد نقول: عدتها -والحمد لله- ثلاثة أشهر، الحرة، والأمة شهران، والمبعضة بالحساب.
الثانية: الآيسة ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ فمن هي الآيسة؟ الآيسة محدودة بالسن على المشهور عند الفقهاء، ومحدودة بالحال على القول الراجح.
محدودة بالسن، وهو خمسون سنة، فإذا بلغت المرأة خمسين سنة فهي آيسة ولو كانت تحيض؛ لأنه لا حيض بعد الخمسين.
مثال ذلك: رجل طلق امرأته ولها إحدى وخمسون سنة، والحيض يأتيها بانتظام وبغزارة، كم عدتها على ما قلنا من المشهور من المذهب؟
طلبة: ثلاثة أشهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3382
الشيخ: ثلاثة أشهر، مع أنها تحيض، لكن هذا القول ضعيف، والصواب تحديد اليأس بالحال لا بالسن.
كيف تحديده بالحال؟ متى أيست المرأة من الحيض ولو لم يكن لها إلا ثلاثين سنة فهي آيسة؟ فتعتد كم؟ بثلاثة أشهر.
من عَلِمْنَا أنها لن تحيض بأن قُطِع رحمها، كم عدتها؟
طلبة: ثلاثة أشهر.
الشيخ: ثلاثة شهور؛ لأن الحيض لن يأتيها قطعًا، فهو داخل في قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾، فصارت عدة المرأة التي لا تحيض إما لكونها صغيرة وإما لكونها أيست من الحيض بأي سبب، سواء ببلوغ السن أو بحال لها عرضت أو ما أشبه ذلك، فعدتها ثلاثة أشهر، والدليل من القرآن الكريم: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ كمل؟
طالب: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4].
الشيخ: نعم ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.
الأَمَة شهران؛ لأن الأَمَة تعتد بالحيض كم؟
طالب: حيضتان.
الشيخ: بحيضتين، والله عز وجل جعل في الحرة الشهر بدل الحيضة، فالمعقول الأمة تعتد بشهرين؛ لأن البدل له حكم المبدل، فكما أنها تعتد في الحيض بحيضتين فإنها تعتد في الأشهر بشهرين.
لكن لقائل أن يقول: ما دمتم تقولون بتنصيف الأمة وقلتم بتكميل الحيضتين لها؛ لأن الحيض لا يتبعض، فالأشهر تتبعض، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن عدة الأمة بالأشهر شهر ونصف، نصف الحرة، وهذا القول أَقْيَس؛ لأننا إذا منعنا أن تعتد بحيضة ونصف مثلًا؛ لأن الحيض لا يتبعض، فهنا لا مانع من أن تعتد شهرًا ونصفًا.
المبعضة: التي بعضها حُرٌّ وبعضها رقيق تعتد بقدر ما بها من الحرية، بأن يزاد من الشهر الثالث بقدر مثليتها، فإذا كان نصفها حرًّا كم تعتد؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3383
الشيخ: شهرين ونصف، وإذا كان ربعها حرًّا تعتد شهرين وسبعة أيام ونصف، لكن المؤلف يقول: (يجبر الكسر) فتعتد شهرين وثمانية أيام، وعلى هذا فقس.
مَنْ هذه؟ نرجع للأصل، مَنْ هذه؟ هي التي لا تحيض إما لصغر أو إياس فعدتها بالأشهر، وإنما جُعلت بثلاثة أشهر؛ لأن الغالب أن النساء يحضن في كل شهر مرة، وإلا فمن النساء من لا تحيض إلا بعد أربعة أشهر، لكن انظروا -سبحان الله- حسب ما نسأل عنه في التليفون، تبقى أربعة أشهر طاهرة ثم تحيض شهرًا كاملًا، هل نحكم بالشهر الكامل هذا أنه حيض أو استحاضة؟ حَيْض؛ لأن الظاهر أن الحيض تجمع وخرج في آخر الأمر وطالت مدته، فنقول: هذه حيضها شهر كامل.
(الخامسة: من ارتفع حيضها ولم تدر سببه فعدتها سنة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، وتنقص الأَمَة شهرًا).
(الخامسة: من ارتفع حيضها ولم تدر سببه) امرأة تحيض، ثم طُلِّقت، وبعد الطلاق ارتفع الحيض ولم تدر السبب، هل هو مرض؟ هل هو نقص دم؟ هل هو كذا، هل هو كذا؟ ما تدري السبب.
نقول: اعتدِّي سنة كاملة، تسعة أشهر احتياطًا للحمل؛ لأن المدة غالب الحمل أن يبقى في بطن أمه تسعة أشهر، ثلاثة أشهر أيش؟
طلبة: للعدة.
الشيخ: للعدة؛ يعني عدة آيسة، وهذا يقع لكنه ليس بالكثير، فإذا كانت المرأة تحيض، ثم طُلِّقت، وامتنع الحيض، فنقول: فيه احتمال أنها حامل فتعتد تسعة أشهر، فيها احتمال أنها آيسة فتعتد ثلاثة أشهر، وذلك تمام سنة، تبقى في العدة سنة كاملة، وزوجها ينفق عليها إن كانت تجب عليه النفقة، ولا ( ... )، وهذا من باب الاحتياط.
لو قال قائل: بعد تقدم الطب ألا يمكن أن يكشف عليها؟ فالجواب: بلى، فإذا كشف عليها وعلمنا أن رحمها خالٍ فحينئذ تعتد بالأشهر، لكن الأولى اتباع السلف في هذه المسألة، وهو أحوط، أن تعتد بسنة كاملة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة.
قال المؤلف: (وتنقص الأَمَة شهرا) لماذا؟ لأن عدة الأَمَة بالأشهر شهران.
الجزء: 2 - الصفحة: 3384
الحرة تنقص أو لا تنقص؟ لا تنقص؛ لأن هذا طبيعة بشرية يستوي فيها الإماء والحرائر، فتعتد إذن الأمة أحد عشر شهرًا.
المبعضة بالحساب، نزيدها من الشهر الثاني عشر بقدر ما فيها من الحرية، والله أعلم.
تفاصيل العدة في المفارقة في الحياة أكثر بكثير من تفاصيلها في المعتدة من الوفاة، المعتدة من الوفاة أسهل؛ لأنه ليس لها إلا حالان، ثم المعتدة من الوفاة تشمل من دُخِل بها ومن لم يُدْخَل بها.
طالب: شيخنا، بارك الله فيك، المؤلف -رحمه الله تعالى- ذكر أن من كانت تحيض ثم ارتفع حيضها ..
الشيخ: ولم تدر سببه.
طالب: ولم تدر سببه، تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر على أنها احتمال تكون آيسة، شيخنا بعد تسعة أشهر إذا تبين خلو الرحم ما هناك ..
الشيخ: سؤال وجيه، يقول: إذا علمنا أن هذا من باب الاحتياط، لماذا لا نقول: تسعة أشهر تكفي؛ لأنه يدخل فيها ثلاثة أشهر، نقول: لم يتبين، أو: لم نحكم بخلو الرحم إلا بعد تسعة أشهر، وحينئذ تستأنف ثلاثة أشهر.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، المرأة العقيم ألا تكون فيمن قُطِع حيضها؟
الشيخ: إي نعم، المرأة العقيم هذه آيسة من الحيض لا شك، فتعتد بثلاثة أشهر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يسأل أين تكون المرأة المعتدة، أفي بيت زوجها أو في بيت أهلها أو بيت آخر؟ هذا إن شاء الله يأتينا فيما بعد.
طالب: لماذا التي ترث تنتقل؟ لماذا يا شيخ؟ والتي لا ترث لا تنتقل؟
الشيخ: ذكرناها أمس، ويش قلنا؟
طالب: قلنا: حكمها حكم الزوجة.
الشيخ: إذا نظرنا إلى أنها زوجة، متهمًا بقصد الحرمان، عاملناه بغير قصده، فورثت، فصارت كالزوجة، وحينئذ تنتقل إلى عدة الوفاة، وإذا نظرنا إلى أنها قد بانت من زوجها قلنا: لا تنتقل؛ لأنها ليست زوجة.
طالب: شيخ حفظكم الله، ما يقال في الأَمَة: إنها تعتد تسعة أشهر للحمل وشهرًا ونصفًا على القول ..
الشيخ: أين هو؟ على القول بأن الأشهر تتبعض ( ... ) الشهر ونصف.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3385
الشيخ: إذا وقعت -إن شاء الله- نشوف، إذا وجدنا أمة بهذه الحال يفتح الله علينا إن شاء الله.
طالب: قال المصنف -رحمه الله- في كتابه العدد:
الخامسة: من ارتفع حيضها ولم تدر سببه فعدتها سنة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، وتنقص الأمة شهرًا.
وعدة من بلغت ولم تحض والمستحاضة الناسية والمستحاضة المبتدَأَة ثلاثة أشهر، والأمة شهران.
وإن علمت ما رفعه من مرض أو رضاع أو غيرهما فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به، أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته.
الشيخ: الخامسة من المعتدات سبق الكلام على أولها: وهي من ارتفع حيضها ولم تدر سبب الرفع تعتد سنة، هكذا جاء عن الصحابة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدة، إذا كانت أَمَة تعتد سنة إلا شهرًا؛ تسعة أشهر للحمل وشهران للعدة، وإنما ساوت الحرة بالنسبة للحمل؛ لأن الحمل طبيعي، لا فرق فيه بين الحرة والأمة.
يقول: (وتنقص الأمة شهرًا)، ثم قال: (وعدة من بلغت ولم تحض) عدتها ثلاثة أشهر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]؛ يعني: واللائي لم يحضن كذلك عدتهن ثلاثة أشهر، فإذا طلق الرجل امرأته وهي قد بلغت خمس عشرة سنة، ولكن لم يأتها الحيض بعد، فإنها تعتد بثلاثة أشهر بنص القرآن، ثم تنتهي العدة، والمثال كما سمعتم، رجل تزوج امرأة، وطلقها ولها خمس عشرة سنة، والحيض لم يأتها بعد، نقول: تعتد ثلاثة أشهر.
فلو قال قائل: لماذا لا تنتظرون حتى يأتيها الحيض؟
فالجواب: أن في ذلك ضررًا عليها؛ لأننا لا ندري متى يأتيها الحيض، ربما تكون ممن لا يحيض، فلهذا خفف عنها، وجُعلت عدتها ثلاثة أشهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3386
كذلك عدة المستحاضة الناسية، المستحاضة: هي التي استمر بها الدم دائمًا، فهذه -أعني المستحاضة- إذا كانت تعلم عادتها فحيضها عادتها، وإذا كانت ناسية فتعتد بثلاثة أشهر؛ لأن الغالب أن المرأة يأتيها الحيض كل شهر.
أعود مرة ثانية، المستحاضة هي التي استمر بها الدم، فنقول: إن كانت تعرف عادتها تجلس عادتها، إذا كانت نسيت فإنها تعتد بثلاثة أشهر.
التعليل: لأن غالب النساء يأتيها الحيض كل شهر، فنبني على الغالب.
كذلك المستحاضة المبتدأة تعتد بثلاثة أشهر، المبتدأة: يعني التي ليس لها عادة من قبل، تعتد بثلاثة أشهر؛ لأنه ليس لها عادة ترجع إليها، فتعتد بثلاثة أشهر كالمرأة التي لا تحيض وكالآيسة.
(والأمة شهران)، (والأمة) يعني: وعدة الأمة شهران بناء على أن عدة الأمة وهي العبدة الرقيقة شهران.
قال: (وإن علمت ما رفعه من مرض أو رضاع أو غيرهما فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض، فتعتد به، أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته).
أفهمتم، القسم الأول التي لم تعلم ما رفعه ما عدتها؟
طلبة: ثلاثة أشهر.
الشيخ: ثلاثة أشهر؟ ! عدتها سنة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، إذا علمت ما رفعه فإنها تعتد إلى أن يأتيها الحيض.
قوله: (من مرض) يعني: أن المرأة إذا مرضت أحيانًا ينقطع عنها الحيض، فهذه امرأة مرضت، فانقطع عنها الحيض، ثم طُلِّقت ولم يأتها الحيض، نقول: عدتها حتى تحيض أو تبلغ سن الإياس، فإن حاضت فعدتها ثلاث حيض، وإن لم تحض تبقى حتى سن الإياس، متى سن الإياس؟ خمسون سنة، فإذا بلغت سن الإياس اعتدت عدة آيسة، كم عدة الآيسة؟ ثلاثة أشهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3387
وأضرب لهذا مثلًا، رجل طلق امرأته ولها خمس عشرة سنة، كانت تحيض، ثم مرضت فارتفع الحيض، فطلقها، هذه المرأة ارتفع حيضها لسبب معلوم، وهو المرض، نقول: انتظري، حتى يأتيها الحيض، انتظرت شهرًا، شهرين، سنة، سنتين، لم يأتها الحيض، تبقى في العدة إلى أن يتم لها خمسون سنة، فإذا تم لها خمسون سنة اعتدت بثلاثة أشهر، فتكون عدتها على هذا التقدير خمسًا وثلاثين سنة، تبقى خمسًا وثلاثين سنة لا تتزوج، وزوجها ينفق عليها إن كانت رجعية، ومحبوسة، هذا هو المذهب، وهو الذي ذكره المؤلف رحمه الله، لكن -كما رأيتم- هذا القول فيه من المشقة والحرج ما لا تأتي به الشريعة قطعًا، الضرر الآن على مَن؟ على الزوجة ولّا على الزوج؟ على الزوج والزوجة، الزوج سينفق خمسًا وثلاثين سنة، ينفق على امرأة لا يستمتع بها كما ينبغي، الزوجة كذلك ستبقى معطلة، إذا قدرنا أن الزوج له ثلاث زوجات وهذه الرابعة التي طلقها يبقى لا يتزوج الرابعة إلا بعد خمس وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، وهذا فيه من الصعوبة ما هو ظاهر، فما القول الراجح؟
القول الراجح في هذه المسألة: إذا علمت سبب الرفع وغلب على ظنها أنه لن يعود الحيض فهنا نقول: تعتد عدة آيسة؛ أي: ثلاثة أشهر، وتنتهي، إذا علمت ما رفعه وغلب على ظنها أنه لن يعود فعدتها ثلاثة أشهر، وتنتهي العدة، والحمد لله إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن.
وعلى هذا القول الراجح لا يحصل عليها مشقة ولا على زوجها، ويكون هذا القول موافقًا لروح الشريعة الإسلامية المبنية على التسهيل والتيسير، قال الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
مثال آخر: امرأة طلقها زوجها بعد الولادة، وجعلت ترضع طفلها، من المعتاد غالبًا أن المرضع لا تحيض، المرأة هذه لم تحض، تبقى في العدة حتى تفطم الولد ويأتيها الحيض، واضح؟ أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: واضح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3388
الشيخ: نعم واضح، ولهذا يظن العوام أن المرضع إذا طُلّقت تعتد بثلاثة أشهر، وهذا غلط؛ لأن المرضع لم تيأس من الحيض، إذ من المعتاد أنه إذا فطمت الصبي عاد عليها الحيض، فنقول: هذه المرأة تبقى في عدتها حتى تفطم الولد، فإذا فطمت الولد ولم يرجع الحيض فالمذهب: تبقى حتى تبلغ سن الإياس، والقول الراجح: أنه إذا غلب على ظنها أنه لن يعود اعتدت بثلاثة أشهر.
(فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به، أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته)، صارت المعتدة الخامسة على قسمين:
الأول: من ارتفع حيضها ولم تدر سببه، فما عدتها؟
طالب: سنة.
الشيخ: سنة، علل؟
طالب: تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة.
الشيخ: تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، والأمة؟
طالب: والأمة سنة إلا شهرًا.
الشيخ: كيف؟
طالب: أحد عشر شهرًا.
الشيخ: يعني سنة إلا شهرا؛ تسعة أشهر للحمل وشهران للعدة، أحسنت، هذا القسم الأول، القسم الثاني، أجب، ذكرنا أن المعتدة الخامسة قسمان:
قسم ارتفع حيضها ولم تدر السبب، هذه تعتد سنة، القسم الآخر؟
طالب: عدتها حيضة واحدة ..
الشيخ: القسم الثاني؟
طالب: ( ... ) حيضها، وعلمت السبب لمرض أو ..
الشيخ: القسم الثاني: من ارتفع حيضها لسبب معلوم كالرضاع والمرض، وغير ذلك فما عدتها على ما ذهب إليه المؤلف ( ... ) صغيرة هذه.
طالب: إلى أن يأتيها الحيض.
الشيخ: كيف؟
طالب: تبقى في عدة حتى يرجع إليها الحيض تكمل ثلاث حيضات، أو حتى تبلغ سن الآيسة فتعتد ثلاثة أشهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3389
الشيخ: نعم، هذه تبقى في العدة حتى يعود الحيض، فإن لم يَعُد فإذا بلغت سن الإياس وهو خمسون سنة اعتدت بثلاثة أشهر؛ لأنها دخلت في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4] تمام؟ ما القول الراجح؟ القول الراجح أنها إذا زال المانع وغلب على ظنها أنه لن يعود الحيض اعتدت بثلاثة أشهر، فإن تيقنت أنه لن يعود كما لو استؤصل الرحم، إذا استؤصل الرحم علمنا سبب انتهاء الحيض، فهل تعتد عدة آيسة أو تنتظر؟
طالب: آيسة.
الشيخ: آيسة، لا إشكال، إذا ارتفع حيضها لسبب معلوم نعلم أنه لن يعود؛ فإنها تعتد عدة آيسة في الحال.
ومثاله: امرأة استؤصل رحمها، امتنع الحيض عنه، فهذه تعتد عدة آيسة من حين الطلاق؛ لأننا نعلم أنه لن يعود.
قال المؤلف: (السادسة: امرأة المفقود).
(المفقود): من لم يعلم له حياة ولا موت، مفقود، ما ندري أحي هو أم ميت؟ أفهمتم؟
رجل خرج للبرية ثم انقطع خبره، رجل نزل في البحر يسبح ثم انقطع خبره، رجل خرج للجهاد ثم انقطع خبره، يُسَمى عند العلماء إيش؟ المفقود، فماذا تصنع امرأته؟
يقول: (تتربص ما تقدم في ميراثه)، وحينئذ لا بد أن نرجع إلى ميراث المفقود، والإحالة -كما سبق لنا- إذا كان فيها مصلحة فهي محمودة، كيف تتربص؟
يقولون في المفقود في باب الميراث: إن كان ظاهر غيبته السلامة انتُظِر تسعين سنة منذ وُلِد، وإن كان ظاهرها الهلاك انتُظِر أربع سنين منذ فُقِد.
فهمتم؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، ما فهمتم والله، إذا فُقِد الرجل فقدانًا في سفر ظاهره السلامة، سافر –مثلًا- إلى الرياض، ثم فقدناه، ظاهر هذا السفر السلامة ولّا الهلاك؟
طلبة: السلامة.
الشيخ: السلامة، ننتظر به تمام تسعين سنة منذ وُلِد، فإذا فُقِد وله عشرون سنة انتظرنا سبعين سنة؛ لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من تسعين سنة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3390
إذا سافر سفرًا ظاهره الهلاك، كما لو ذهب إلى قتال، أو ذهب إلى بلد وحصل بالبلد زلزال، ولا ندري هل مات مع الذين ماتوا أم بقي؟ يُنتظر أربع سنوات منذ فُقِد، فإذا فُقِد في أول محرم عام واحد وعشرين ننتظر اثنين وعشرين ثلاث وعشرين أربع وعشرين خمس وعشرين إلى أول يوم من خمس وعشرين، أربع سنوات.
ما هو الدليل؟ لأنه لا بد لكل حكم من دليل.
الدليل: آثار وردت عن الصحابة -رضي الله عنهم- أنه يُنتظر أربع سنوات إذا كان ظاهر غيبته .. كَمِّل؟
طالب: الهلاك.
طالب آخر: السلامة.
الشيخ: يعني ما جف لساني من الكلام عليها حتى تختلفوا هذا الاختلاف.
طلبة: الهلاك.
الشيخ: إذا كان ظاهره الهلاك أربع سنوات منذ فُقِد، إذا كان ظاهره السلامة تسعين سنة منذ وُلِد، أفهمتم الآن ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا مرت أربع سنوات قُسِم الميراث واعتدت الزوجة عدة وفاة، سواء قلنا: تسعين سنة فيما ظاهره السلامة، أو أربع سنين فيما ظاهره الهلاك.
فُقِد وله تسع وثمانون سنة، وظاهر غيبته السلامة، كم ننتظر؟ سنة واحدة، فُقِد وله ثمان وتسعون سنة وظاهره الهلاك، كم؟
طالب: أربع سنوات.
الشيخ: أربع سنوات، شوف القول الضعيف يتبين ضعفه بالتصوير، صار الآن نتربص فيمن ظاهره الهلاك أكثر مما نتربص فيمن ظاهره السلامة.
إذا فُقِد ابن تسع وثمانين سنة فقدانًا ظاهر غيبته السلامة ينتظر سنة واحدة، إذا فُقِد فقدانًا ظاهره الهلاك أربع سنوات، أيهما أحق بطول الانتظار؟ من ظاهره السلامة، لكن الآن يقولون: يُنتظر به تسعون سنة، وقد حَصَل.
والقول الراجح في المفقود: أنه ينتظر حتى يغلب على الظن هلاكه، سواء كان ظاهر غيبته السلامة أو ظاهر غيبته الهلاك، أفهمتم؟
طالب: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3391
الشيخ: هذا القول هو الصواب المتعين الذي تطمئن إليه النفس، وهذا يختلف باختلاف الرجال، يختلف باختلاف البلدان، يختلف باختلاف الدول، يختلف، فإذا فُقِد رجل عامل لا يؤبه له حضر أم لم يحضر، فهذا يجب أن ننتظر أطول لنبحث عنه.
إذا فُقِد رجل مشهور بماله أو علمه أو جاهه فهنا ننتظر أقل ولا أكثر؟
طلبة: أقل.
الشيخ: أقل؛ لأنه لو كان موجودًا لعلم أنه موجود، فيرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم، وعلى هذا إذا فُقِد ابن تسع وثمانين سنة هل ننتظر سنة واحدة ولّا أربع سنين ولّا خمس ولّا أكثر؟
على حسب حال الشخص؛ إذا كان ممن إذا فُقِد عُلِم وإذا وُجِد عُلِم ننتظر به الأقل، سنتين، ثلاثة، أو سنة واحدة أيضًا، وإذا كان رجل –بالعكس- انتظرنا به أكثر حتى يغلب على الظن أنه هلك.
قلت: إنه يختلف باختلاف الأشخاص، يختلف أيضًا باختلاف البلدان، بعض البلدان حريصة على ضبط من يدخل البلد ومن يخرج، فهذه يكون الانتظار فيها أقل أو أكثر؟
طلبة: أقل.
الشيخ: أقل؛ لأنها تضبط الداخل والخارج.
بلاد مفتوحة كلٌّ يدخل ويخرج، هذه ننتظر أقل ولّا أكثر؟ ننتظر أكثر؛ لأنها مفتوحة، نحتاج إلى التحري أكثر.
باختلاف الأحوال، إذا كان الزمن زمن خوف وقُطَّاع طريق وما أشبه ذلك ننتظر أقل، وإذا كان آمنًا ننتظر أكثر، هذا هو الصواب الذي تطمئن إليه النفس والموافق للشريعة الإسلامية؛ أي لروح الشريعة الإسلامية، وهو التيسير والتسهيل، أمعلوم ما قلت أم لا؟
طلبة: معلوم.
الشيخ: معلوم، إذا قال قائل: كيف ترجحون هذا وقد ورد عن السلف ما سبق ذكره؟
فالجواب: أن ما ورد عن السلف قضايا أعيان اجتهد الحاكم فيها، فرأى أن يؤجل أربع سنين أو تسعين سنة، وقضايا الأعيان ليست كدلالة الألفاظ، دلالة الألفاظ عامة يؤخذ بالعموم، وأما قضايا الأعيان فقد يكون في القضية ما أوجب الحكم ونحن لا نعلم به؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3392
انتبهوا لهذه القاعدة تنفعكم في باب أصول الفقه: قضايا الأعيان لا عموم لها، ودلالة الألفاظ على عمومها.
فالذي ورد عن السلف الصالح في الحكم -أربع سنين أو تسعين سنة- إنما هي قضايا أعيان، رأى أن تؤجل أربع سنوات أو أن تؤجل تسعين سنة، وليست ألفاظًا عامة.
الخلاصة الآن: امرأة المفقود تعتد كم؟
نقول: إن فُقِد زوجها وله تسع وثمانون سنة؛ سنة واحدة، ثم تعتد للوفاة.
إذا فُقِد وله تسع وثمانون فيما ظاهره الهلاك تنتظر أربع سنوات منذ فُقِد ثم تعتد للوفاة.
على القول الراجح نقول: تنتظر المدة التي عينها الحاكم، حسب الأحوال، ثم بعد ذلك تعتد للوفاة.
طالب: ما الفرق بين قضايا الأعيان والألفاظ العامة؟
الشيخ: قضايا الأعيان مسألة وقعت وحكم فيها الحاكم، والحاكم أمامه أشياء توجب أن يحكم بهذا، لكننا لا نعلمها، الألفاظ العامة يقول: مثلًا من فعل كذا فعليه كذا.
طالب: ( ... ) السبب لارتفاع الحيض الرضاع، لماذا لا تكون عدتها كعدة المرأة التي لا تدري سبب فقدان الحيض، فهذه تسلم من كونها حاملًا ( ... )؟
الشيخ: الأخ يسأل يقول: لماذا لا نقول: إن المرأة التي ارتفع حيضها وهي تعلم سبب ارتفاعه كالرضاع، لماذا لا نقول: تعتد سنة كالتي لم تعلم مرضها؟
الجواب: لأن عندنا سببًا معلومًا، فأُحِيل الحكم عليه، وهو الرضاع، من ارتفع حيضها للرضاع، هذا هو الفرق، وهو واضح الفرق، لكن كما قلنا لكم: إذا زال السبب المانع من الحيض، وغلب على ظنها أنه لن يرجع؛ تعتد ثلاثة أشهر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: قضايا الأعيان أن الحاكم يحكم في قضايا معينة، ويكون لحكمه أسباب لا نعلمها، فيبني الحكم على هذا السبب، فنقول: لعله حصل كذا وكذا فحكم بكذا، فمثلًا القضايا التي وردت عن السلف في المفقود، نقول: لعلهم اجتهدوا في ذلك الوقت، ورأوا أن أربع سنين يكفي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3393
وأَمَةٌ كحُرَّةٍ في التَّرَبُّصِ، وفي العِدَّةِ نِصفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، ولا تَفتقِرُ إلى حُكْمِ حاكمٍ بضَرْبِ الْمُدَّةِ وعِدَّةِ الوَفاةِ، وإن تَزَوَّجَتْ فقَدِمَ الأوَّلُ قبلَ وَطْءِ الثاني فهي للأَوَّلِ، وبعدَه له أَخْذُها زَوجةً بالعَقْدِ الأَوَّلِ , ولو لم يُطَلِّق الثاني، ولا يَطَأُ قَبلَ فراغِ عِدَّةِ الثاني، وله تَرْكُها معَه من غيرِ تَجديدِ عَقْدٍ، ويَأْخُذُ قَدْرَ الصَّدَاقِ الذي أَعطاها من الثاني , ويَرْجِعُ الثاني عليها بما أَخَذَه منه.
(فصلٌ)
مَن ماتَ زَوْجُها الغائِبُ أو طَلَّقَها اعْتَدَّتْ منذ الفُرْقَةِ وإن لم تُحِدَّ، وعِدَّةُ موطوءةٍ بشُبهَةٍ أو زِنًا أو بعَقْدٍ فاسدٍ كمُطَلَّقَةٍ، وإن وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بشُبهةٍ أو نِكاحٍ فاسدٍ فُرِّقَ بينَهما وأَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوَّلِ - ولا يُحْتَسَبُ منها مَقامُها عندَ الثاني - ثم اعْتَدَّت للثاني، وتَحِلُّ له بعَقْدٍ بعدَ انقضاءِ العِدَّتَيْنِ، وإن تَزَوَّجَتْ في عِدَّتِها لم تَنْقَطِعْ حتى يَدْخُلَ بها، فإذا فارَقَها بَنَتْ على عِدَّتِها من الأَوَّلِ , ثم اسْتَأْنَفَت العِدَّةَ من الثاني، وإن أَتَتْ بوَلَدٍ من أَحَدِهما انقَضَتْ منه عِدَّتُها به ثم اعْتَدَّتْ للآخَرِ، ومَن وَطِئَ مُعْتَدَّتَهُ البائِنَ بشُبْهَةٍ اسْتَأْنَفَت العِدَّةَ بوَطْئه , ودَخَلَت فيها بَقِيَّةُ الأولَى , وإن نَكَحَ مَن أبانَها في عِدَّتِها ثم طَلَّقَها قبلَ الدخولِ بَنَتْ.
(فصلٌ)
يَلزَمُ الإحدادُ مُدَّةَ العِدَّةِ كلَّ مُتَوَفًّى زَوْجُها عنها في نِكاحٍ صحيحٍ , ولو ذِمِّيَّةً أو أَمَةً غيرَ مُكَلَّفَةٍ، ويُباحُ لبائِنٍ من حَيٍّ، ولا يَجِبُ على رَجْعِيَّةٍ ومَوطوءةٍ بشُبْهَةٍ أو زِنًا أو في نِكاحٍ فاسدٍ أو باطلٍ أو مِلْكِ يمينٍ.
و(الإحدادُ) اجتنابُ ما يَدْعُو إلى جِمَاعِها ويُرَغِّبُ في النظَرِ إليها
الجزء: 2 - الصفحة: 3394
قضايا أعيان أن الحاكم يحكم في قضية معينة، ويكون الحكم لأسباب لا نعلمها فيجري الحكم على هذا السبب، فنقول: لعله حصل كذا وكذا فحكم بكذا؛ فمثلًا ( ... ) وردت عن السلف في المفقود، نقول: لعلهم اجتهدوا في ذلك الوقت، ولا أعرف أن أربع سنين يكفي.
طالب: أحسن الله إليك، قال المؤلف في (المستحاضة الناسية والمستحاضة المبتدأة): تجلس ثلاثة أشهر، لماذا -يا شيخ- لا تنتقل إلى التمييز الصالح؟
الشيخ: لا، هو ما عندها تمييز، مراد (المستحاضة الناسية): التي ليس لها تمييز؛ لأن اللي عندها تمييز لو نسيت، التمييز يُبَيِّن.
طالب: شيخنا -حفظك الله- حال المفقود؛ بعض الحوادث قد تتيقَّن أن الرجل فُقِدَ بسقوط طائرةٍ مثلًا، أو يعني: سفينة غرقت، بخلاف الحرب قد يؤخذ الرجل أسيرًا ويمكث سنوات.
الشيخ: هذا صحيح؛ يختلف لا شك، أقول: هو يختلف لكن ما يمكن تتيقن حتى في سقوط الطائرة أنه مات، اللهم إلا أن تحترق بما فيها هذه ممكن، لكن أحيانًا ينجو.
طالب: ( ... ) الطائرة.
الشيخ: هذه علمنا أنه مات لا شك.
طالب: تعتدُّ؟
الشيخ: على طول، تعتدُّ.
طالب: والآن مثلًا عندنا في بلادنا يكثُر المفقودون خصوصًا بعد الحرب ( ... ) الآن عشر سنوات، فأهاليهم متوقفون؛ هل ماتوا أو ( ... )؟
الشيخ: صحيح أو ( ... ).
طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم صحيح، هذا مما يدخل فيما قلنا: إنه يرجع إلى اجتهاد الحاكم؛ لأنه أحيانًا تطالب الدولة الآسرة بإحضار كشف بالأسرى حتى يُعْرَف.
طالب: وأَمَةٍ كحرة في التَّرَبُّص، وفي العدة نصف عدة الحرة، ولا تفتقر إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة.
وإن تزوجت فقَدَمِ الأوَّلُ قبل وطءِ الثاني فهي للأول وبعده، له أخذها زوجة بالعقد الأول، ولو لم يطلق الثاني ولا يطأ قبل فراغ عدة الثاني، وله تركها معه من غير تجديد عقدٍ، ويأخذ قَدْرَ الصداق الذي أعطاها من الثاني ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3395
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، السادسة من المعتدات امرأة المفقود، فمن هو المفقود؟
طالب: هو الذي غاب ولا ندري هل هو حي أو ميت.
الشيخ: أحسنت، هو الذي غاب ولم نَدْرِ أحيٌّ هو أم ميت، كيف تعمل؟
طالب: نقول: أولًا تتربص ما قال الفقهاء في ميراثه.
الشيخ: تتربص ما تقدم في ميراثه ثم ..
طالب: ثم بعد ذلك تعتد بعدة وفاة.
الشيخ: أحسنت، ما الذي تقدم في الميراث؟
طالب: إن كان ظاهر غيبته السلامة تتربص حتى يتم عمره تسعين سنةً.
الشيخ: لحين على طول، حتى يتم عمره تسعين سنة!
طالب: تسعين سنة.
الشيخ: عمره تسعين سنة؛ يعني: حتى يتم له تسعين سنة، لماذا حددت تسعين سنة؟
طالب: لأنه غالبًا لا يعيش بعد هذا.
الشيخ: أحسنت، وإذا كان ظاهر غيبته الهلاك؟
طالب: تتربص أربع سنين منذ عُلِمَ خبره.
الشيخ: منذ عُلِمَ، كيف منذ علم؟ إذا علم ما تحتاج تتربص؟
طالب: منذ فُقِدَ.
الشيخ: منذ فُقِدَ، أحسنت، تمام.
لماذا أحال المؤلف رحمه الله هذه المسألة إلى الميراث، ولم يقل: تتربص كذا وكذا؟ حتى يراجع الطالب مسألة الميراث فيستفيد ويقرب العلم بعضه من بعض.
ما هو الدليل على هذا التعيين في التربص؟
طالب: الدليل على هذا أنهم استندوا إلى بعض الآثار الواردة عن السلف رحمهم الله.
الشيخ: أحسنت، الاستناد إلى بعض الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم اعتمدوا عليها، هل هناك قول آخر؟
طالب: نعم يا شيخ، فيه قول؛ وهو أنه إذا غلب على ظنها أنه قد ..
الشيخ: لا ما هو على ظنها، نريد الحكم على المفقود مطلقًا؟
طالب: الحكم على المفقود؟
الشيخ: نعم.
طالب: أنه يُرْجَع إلى أمر الحاكم.
الشيخ: أحسنت، يُرْجَع إلى اجتهاد الحاكم.
كيف تجيب عما ورد عن الصحابة؟
طالب: أن هذا القياس باطل.
الشيخ: لا يا أخي!
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا.
طالب: هذه في حالة بعينها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3396
الشيخ: نعم، قضايا أعيان اقتضت الحال أن يقدروا هذا التقدير صحيح، وعلى هذا فنقول: يرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، اختلاف البلدان، اختلاف الأشخاص.
رجل عامل مع العمال فُقِدَ، كم ننتظر؟ ننتظر مدة طويلة؛ لأن هذا مغمور في الناس، ولا يُعْلَم عنه.
ورجل آخر مشهور فقد تكون مدة انتظاره أقل؛ لأن هذا مشهور، لو كان على وجه الأرض لعلم هذا هو القول الراجح، بعد ذلك تعتد للوفاة الأمة شهرين وخمسة أيام، والحرة أربعة أشهر وعشرة أيام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم تعتد للوفاة، وأمة كحرة في التربص، وفي العدة نصف عدة الحرة).
قال: (ولا تفتقر إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة).
(لا تفتقر) أي: لا تحتاج إلى حكم الحاكم، بل يرجع هذا إلى المرأة نفسها، لا ضرب المدة ولا عدة الوفاة، هكذا قال المؤلف رحمه الله بمعنى أن المرأة إذا فَقَدَت زوجَها انتظرت المدة التي يَغْلب على ظنِّها أنه مات، أو المدة المحددة إما تسعين سنة أو أربع سنوات حسب ما سمعنا، هكذا قال المؤلف، وهذا القول ضعيف.
والمتعيَّن أنها تفتقر إلى حكم الحاكم؛ لأننا لو جعلنا هذا الأمر راجعًا إلى المرأة لكانت كل امرأة تَفْقِدُ زوجَها ولو مدةً يسيرة تحكم أنه مات لِتَعْتَدَّ وتتزوَّج.
فالصواب إلى أنها تفتقر إلى حكم الحاكم بِضَرْبِ المدة وعدة الوفاة؛ بمعنى أنها إذا فقدت زوجها ذهبت إلى القاضي وقالت: زوجي له كذا وكذا من السنوات، غاب ولم نَدْرِ عنه فحينئذ يضرب الحاكم المدةَ مدة التربص وعدة الوفاة، ربما نقول: إن عدة الوفاة لا تحتاج إذا ضرب الحاكم مدة التربص، فلازم ذلك أنها إذا تمت تبتدئ عدة الوفاة ولا حاجة أن تستأذن القاضي، ما دام قال القاضي: انتظروا مدة عشر سنوات، انتظروا مدة عشر سنين انتهت العشر، حينئذ نقول: تبتدئ عدة الوفاة دون أن ترجع إلى الحاكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3397
قال: (وإن تزوجت فَقَدِمَ الأوَّلُ قبل وطء الثاني فهي للأول وبعده -أي بعد وطء الثاني- له أَخْذُها زوجة بالعقد الأول، وإن لم يطلق الثاني) إذا تزوجت -أعني امرأة المفقود- وعقد عليها، وقدم زوجها فإن كان قبل وطء الثاني فهي له، أي للأول وينفسخ عقد الثاني، فإن قال الأول: أنا لا أريدها امرأة، عُقِدَ عليها، طابت نفسي منها، نقول: لا هي لك سواء رضيت أم لم ترض؛ لأن هذا العقد تبين بطلانه، تبين أنه كان في حال الزوجية ولم يحدث شيء يضطرنا إلى أن نبقي العقد؛ لأن الزوج الثاني لم يطأ، هذا ما ذهب إليه المؤلف أنها إذا تزوجت آخر وقدم الزوج الأول قبل وطء الثاني فهي للأول شاء أم أبى.
والصحيح أنه يُخَيَّر كما هو الوارد عن الصحابة، الصحيح أنه يُخَيَّر أي: الزوج الأول؛ يقال: الآن اختر إن شئت أخذتها من زوجها، وإن شئت أبقيتها معه كما لو كان ذلك بعد الوطء.
إذن خذوا هذه المسألة إذا قدم قبل وطء الثاني، فالمذهب؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: أنها للأول زوجة بلا عقد، ولا تحتاج إلى رضاه، حتى لو قال: أنا لا أيدها، نقول: هي لك.
القول الثاني في المسألة أن الزوج الأول يُخَيَّر لأن كونها عَدَلَتْ عنه ولم تنتظر ولم تصبر، قد تطيب منها النفس، ويقول: أنا لا أريدها.
فالصواب أنه يُخَيَّر؛ إن شاء تركها للثاني، وإن شاء أخذها.
هذه حال، الحال الثانية: إذا قدم بعد وطء الثاني قال: (وبعده له أخذُها زوجة بالعقد الأول، وإن لم يُطَلِّق الثاني).
إذا قدم المفقود بعد وطء الثاني خُيِّر بأيش؟
بين أن يأخذها على أنها زوجته، ويجدد العقد أو لا يجدد؟
لا يجدد العقد؛ لأن الأصل بقاء عقده فيأخذها زوجة بالعقد الأول، هل تحتاج إلى طلاق الثاني أو لا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3398
الجواب: لا تحتاج؛ لأنه لما اختارها تبيَّن أن عقد الثاني ليس بصحيح، وإذا لم يكن صحيحًا فلا يحتاج إلى طلاق، ولكن لا يطؤها حتى تعتد للثاني؛ يعني: الزوج الأول أَخَذَها قلنا: هي لك، قال: يحتاج أعقد عليها، قلنا: لا، قال: يحتاج أن يطلقها الزوج الثاني، قلنا: لا ما يحتاج ولكن لا تطأها حتى تنتهي عدة الأول، فما هي عدة الأول؟
سبق لنا أن ذات الأقراء ثلاث حِيَض؛ نقول: انتظر حتى تحيض ثلاث مرات، والصحيح أنه ينتظر حتى تحيض مرة واحدة؛ لأن هذه العدة ليست عدة طلاق، ولذلك نقول: لا يطلق الثاني، ولكنها عدة استبراء الرحم هل فيه حمل أو لا؟
فيكون الصواب أنها تعتدُّ بِكَمْ؟
بحيضة واحدة ثم يطؤها الزوج الأول، هذه حال.
قدم بعد وطء الثاني، واختار أن يَرُدَّها لعصمته، فماذا نعمل؟
نقول: خذها هي لك.
سألنا: هل احتاج إلى عقد جديد؟
الجواب: لا، هل احتاج إلى أن يطلقها الزوج الثاني؟
لا؛ لأني لما اخترتها تَبَيَّن بطلان العقد.
هل يحتاج أن أعتزلها؟
نعم، اعتزلها لاحتمال أن تكون حاملًا من الزوج الثاني، ولكن اعتزاله إياها، هل هو بثلاث حيض أي: بعدة مُطَلَّقَة، أو هو استبراء؟
طلبة: استبراء.
الشيخ: هو استبراء على القول الراجح.
أما على المذهب فهو عدة مُطَلَّقَة.
استبراء يكفي حيضة واحدة ثم يطأ.
وبالمناسبة لو أن رجلًا له زوجة زنت والعياذ بالله، هل يستبرؤها أو تعتدُّ بثلاث حِيَض أو يجامعها؟
ثلاثة أشياء.
إنسان زنت امرأته وأقرت؛ قالت: إنه زنى بها شخص البارحة، هل نقول: اعتزلها حتى تحيض ثلاث مرات، أو اعتزلها حتى تحيض مرة واحدة، أو جامعها في الحال؟
طالب: استبراء.
الشيخ: حيضة واحدة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما تمت الشروط، مسألة الحد ما تكلمنا فيها؛ لأنها قد تكون مرة واحدة ولا يقام عليها الحد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3399
هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال، وكنت أظن أن تختلفوا فيها على ثلاثة أقوال؛ لأنكم عندنا بمنزلة العلماء، إجماعكم حجة مَنْ في المسجد فقط.
في المسألة ثلاثة أقوال: أن تعتد بثلاث حِيَض، أن تعتد بحيضة واحدة، ألا تعتد؛ وهذا القول هو الراجح ألا تعتد وله أن يجامعها حالًا، الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْوَلَدُ» لمن؟ «لِلْفِرَاشِ» (1) ما دامت هذه، وإن حملت فالولد لزوجها فلا حاجة للاستبراء ولا لعدة طلاق، ثم إن مجامعته إياها في الحال أستر لها؛ لأنها لو حملت من الزاني وقد وطأها زوجها في الحال يُحْمَل على أيش؟ على أن هذا من زوجها أو من الزاني، من زوجها فهو أستر.
فالقول الراجح: إنها لا تحتاج إلى عدة ولا استبراء، وسمعتم الدليل وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» حتى لو فُرِضَ أنها ولدت من الزاني واستلحقه زوجها فهو له، بل الأصل أنه له حتى يَتَبَرَّأ منه، قلنا هذا بالمناسبة.
ونسأل الله تعالى ألا يقع وأن يحمي المسلمين من الزنا.
لكن كون الإنسان يعلم بالشيء خير من كونه لا يعلم، ويأتي إن شاء الله الكلام على الحديث في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
طالب: أحسن الله إليك، القول بأن المرأة التي فُقِدَ زوجها قلنا: تتربص يا شيخ وتعتد، أليس هذا تكليفها بعبادتين؟
الشيخ: هذا حق؛ لأن الأصل بقاء حياة الزوج.
طالب: مثلما انتظرت هي سنتين أو ثلاث ألا نقول: يكفي ..
الشيخ: ذكرنا بما سبق أن القول الراجح: إنه يرجع إلى اجتهاد القاضي لكن لو أن المرأة طالبت قالت: أنا أريد الفسخ ولنفرض أن زوجي حيٌّ، أنا أريد الفسخ إذا كان لا يحضر إِلَيَّ وهو يُعْطَى مهلة أربعة أشهر أو سنة حسب الحال، هنا تكون مطالبة أخرى غير مسألة المفقود، أتريد هذا أنت؟
طالب: أقول: يعني المذهب أحيانًا يُكَلَّف الإنسان بعبادتين ..
الجزء: 2 - الصفحة: 3400
الشيخ: ما فيه عبادتان يا رجال، ولنكلفه بعبادتين إذا وجد السبب، لكن الأول تربص للحكم بأن الزوج قد مات، والثاني العدة بناء على أنه حكم بموته.
طالب: شيخ -حفظكم الله- بالنسبة لو زنت امرأة رجل والعياذ بالله، هل له أن يجمع بين أن يجامعها وأن يلاعنها؟
الشيخ: لا، ما هو ملاعِن؛ لأنه ما قذفها، هي التي أقرت.
طالب: في حديث عائشة، هل ذكرت أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد الركوع الثاني مباشرة يسجد؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الركوع الثاني هل بعده قيام؟
الشيخ: إي، بعده قيام لا شك، قيام لكنه ما فيه قراءة، فيه التحميد ويكون هذا التحميد على قدر الركوع، فيكرر: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه أو يأتي بتحميد آخر مما جاءت به السنة.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، بالنسبة للإمام في اجتماع يوم عرفة، هل يجهر بالقراءة في الصلاة؟
الشيخ: يوم عرفة لا؛ لأنه لا يجهر إلا في الجمعة، وعرفة ما فيها جمعة.
طالب: شيخ حفظكم الله بالنسبة للدعاء، لو واحد طلب من شخص أن يدعو له؟
الشيخ: إي نعم، تكلمنا عليه بالأمس.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما قلنا: لا يجوز، يا رجل أعوذ بالله مشكلة هذا من طلابنا ويتوهم علينا.
طالب: لا ينبغي، الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من عمر بن الخطاب أن يدعو له؟
الشيخ: طلب من عمر أن يدعو له، ماذا قال؟
طالب: أن عمر خرج في سفر العمرة، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَنْسَنَا مِنْ دُعَائِكَ يَا عُمَرُ» (2).
الشيخ: نعم، لك مهلة ثلاثة أيام، وصحِّح هذا الحديث، يكفي ثلاثة أيام، ولَّا نقول: يومين؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: لك ثلاثة أيام، ابحث في الكتب واسأل العلماء ( ... ) الحديث غير صحيح، فهمت؟
من المعقول أن الإنسان إنما يطلب الدعاء من شخص فوقه منزلة فيما يعتقده الطالب، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلى من عمر.
قد يقول قائل: إذا صح الحديث؛ فلأن عمر سوف يذهب إلى البيت الحرام فيكون أقرب للإجابة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3401
فنقول: أولًا: صحِّح الحديث، لكن لو أوردت عليَّ حديثًا آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لَقِيَ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ فَلْيَطْلُبْ مِنْهُ الدُّعَاءَ» (3).
فالجواب: أن هذا من خصائص هذا الرجل؛ لأنه كان بارًّا بأمه يعني أويسًا، فجوزي بهذا؛ ولذلك لم يأمل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يطلبوا الدعاء من أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي مع أنهم أفضل منه بلا شك.
من هو المفقود؟
طالب: هو الذي لا يعلم أهو أحي أم ميت.
الشيخ: الغائب الذي لا تعلم حياته ولا موته، ماذا تصنع امرأة المفقود؟
طالب: تتربص إذا كان ظاهر غيبته الهلاك ..
الشيخ: تتربص، بس أعطنا اللي أحال عليه المؤلف.
طالب: تتربص تسعين سنة ..
الشيخ: تتربص، اذكر ما أحال المؤلف عليه.
طالب: تتربص ما ذكر في ميراثه.
الشيخ: تتربص ما ذكر في ميراثه، ثم تعتد عدة وفاة أو حياة؟
طالب: وفاة.
الشيخ: وفاة، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أما تربصها قبل أن يحكم بموته، فكما سمعتم إذا كان ظاهر غيبته السلامة تتربص تسعين سنة منذ وُلِدَ، وإذا كان غالبها الهلاك أربع سنوات منذ فقد والقول الراجح أن هذا يرجع إلى اجتهاد الحاكم.
إذا تزوجت بعد ذلك فقدم الزوج؟
طالب: إذا قدم الزوج ووطئها الثاني فيُخَيَّر على القول الراجح.
الشيخ: لا، ذكرنا أن لها حالين.
طالب: يفسخ العقد، يُعتبر باطلًا.
الشيخ: غلط.
طالب: إذا تزوجت فقدم الأول فلا يخلو من حالين إما أن يكون قبل وطء الثاني أو بعده؛ إن كان قبل وطء الثاني فعلى ما مشى عليه المؤلف ترجع إلى الأول.
الشيخ: كيف ترجع إلى الأول؟
طالب: يكون باطلًا العقد الثاني.
الشيخ: يكون العقد الثاني لاغيًا، وهي زوجة؟
طالب: الأول.
الشيخ: الأول، صحيح، وإذا كان بعدها؟
طالب: إذا كان بعدها فللثاني أن يأخذها ( ... ).
الشيخ: كيف الثاني؟
طالب: الأول الذي جاء.
الجزء: 2 - الصفحة: 3402
الشيخ: يعني: إذا كان بعد وطء الثاني فالأول مُخَيَّر؛ إن شاء أخذها وإن شاء أبقاها، ما هو القول الراجح في هذا؟
طالب: القول الراجح أنه مخير في إن أراد أن يرجعها أو يتركها للثاني.
الشيخ: إي، لكن في الحالة الثانية ولَّا في الحالة الأولى أو فيهما؟
طالب: فيهما.
الشيخ: نعم، القول الثاني أن الزوج الأول يُخَيَّر؛ سواء وطئها الثاني أو لا.
إذا أخذها قبل وطء الثاني فهي زوجته ولا يحتاج إلى مهر ولا غير، والثاني يأخذ مهره.
يقول رحمه الله: (وبعده -أي بعد وطء الثاني- له أخذها زوجة بالعقد الأول).
(له) أي: للزوج الأول (أخذُها) أي: أخذ المرأة التي تزوجت زوجة بالعقد الأول، ولا يحتاج إلى تجديد العقد؛ لأن عقده الأول لم يرد عليه ما يبطله حتى يحتاج إلى التجديد.
يعني: بعد أن تزوجت ووطئها الثاني قدم الأول، نقول: أنت الآن بالخيار إن شئت خذها وإن شئت أبقها.
إذا أخذها فهل يحتاج إلى تجديد عقد؛ يقول المؤلف: لا يحتاج له أخذها زوجة بالعقد الأول.
فإن قيل: علل.
قلنا: التعليل؛ لأنه لم يرد على عقده الأول ما يبطله وإذا لم يرد ما يبطله بقي بحاله فيأخذها زوجة بالعقد الأول.
بقي عندنا الآن إشكال بالنسبة للثاني الثاني؛ الآن قد أعطاها مهرًا وأخذت منه الآن.
فنقول: لها المهر من الزوج الثاني بما استحلَّ من فرجها، ولكن هل يرجع الزوج الثاني بالمهر على الزوج الأول لأنها أخذها منه أو لا يرجع؟
ننظر كلام المؤلف رحمه الله: (فله أخذها زوجة بالعقد الأول وبعده، ولو لم يطلق الثاني، وله تركها معه من غير تجديد عقد).
هذه الحال الثانية: إذا تركها لكن إذا أخذها، اقرأ؟
الطالب: ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه.
الشيخ: يقول: (فهي للأول وبعده له أخذها زوجة بالعقد الأول وإن لم يطلق الثاني وله تركها معه من غير تجديد عقد).
أقول: إذا أخذها الزوج الأول، يأخذها زوجة بالعقد الأول ولا يحتاج إلى تجديد عقد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3403
بالنسبة للمهر مهر الثاني؛ هل يرجع به على أحد؟
الجواب: لا يرجع؛ لأن الزوج الثاني استقر المهر عليه بالوطء فلا يرجع على أحد.
أعود مرة ثانية: أقول: إذا قدم الزوج الأول وهو المفقود بعد وطء الزوج الثاني خُيِّر بين أن يأخذها أو يبقيها.
إذا أخذها فهنا أسئلة: هل يُجَدِّد العقد أو لا؟
الجواب: لا يجدد؛ العلة لأنه لم يطرأ على عقده ما يبطله.
ثانيًا: هل يحتاج الثاني إلى أن يطلقها؟
لا، لا يحتاج؛ لأن الزوج الأول لما اختارها أبطل العقد عقد الثاني.
ثالثًا: هل يرجع الزوج الثاني الذي وطأ على أحد بالمهر الذي أعطاه الزوجة؟
الجواب: لا، لماذا؟ لأنه استقر بأيش؟ بالوطء؛ الرجل هذا جامعها يعني: الرجل الثاني جامعها على أنها زوجته، والجماع يستقرُّ به المهر فلا يرجع به على أحد فلها المهر بما استحلَّ من فرجها.
المسألة الرابعة: الزوج الأول لما أخذها بعد وطء الثاني؛ هل تعتد للثاني ولا يجامعها الأول حتى تنتهي العدة أو لا؟
المؤلف يقول: لا يطأ قبل انتهاء عدة الثاني، العدة كم؟
ثلاثة قروء؛ يعني: ثلاث حيض، فله أن يستمتع بها بكل شيء إلا الوطء، والصحيح أنها لا تحتاج إلى عدة وإنما تحتاج إلى استبراء فقط؛ لأن الزوج الأول لما اختارها بطل العقد الثاني، وإذا بطل العقد بطلت العدة المترتبة عليه، فصار الآن كل المسائل الأربع كلها صحيحة وماشية على الأصل إلا الرابع.
السؤال الرابع وهو: هل الزوج الأول ينتظر حتى تعتدَّ عدة مطلقة ثلاثة قروء، أو لا يلزمه أن ينتظر إلا استبراء فقط؟
المذهب: الأول، والراجح: القول الثاني، فإن قال إنسان: لم رجحتموه؟
قلنا: رجحناه؛ لأن الزوج الأول لما اختارها بطل العقد الثاني، وإذا بطل العقد بطل ما يترتب عليه من العدة، وحينئذ لا نحتاج إلَّا إلى استبراء فقط.
هذا خيار، الخيار الثاني: إذا اختار الزوج الأول أن تبقى مع الثاني إما أن نفسه طابت منها لما تزوجت، وإما لئلا ينكد على الزوج الثاني.
الجزء: 2 - الصفحة: 3404
المهم أنه تركها لأي غرض، فهل عقد الثاني صحيح أو لا؟
الجواب: هو صحيح، ولهذا قال المؤلف: لا تحتاج إلى تجديد عقد، وهذا مما يلغز به فيقال: (نكاح توقفت صحته على الإجازة) فما هو؟
فالجواب: في امرأة المفقود إذا تزوجت آخر، ثم قدم زوجها المفقود ووافق على النكاح، فإنها لا تحتاج إلى تجديد عقد بالنسبة لمن؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الأول -يا رجل- ما أخذها، الأول قال: خلوه يبقى ما دام تزوج، الله يهنيه، هل يحتاج الثاني إلى تجديد عقد أو نقول: إن موافقة الزوج الأول على بقائها إمضاء للعقد الأول؟
الثاني: يكون إمضاء للعقد الأول فلا يحتاج إلى تجديد عقد.
يقول المؤلف: (وله تركُها معه مِنْ غير تجديدِ عقدٍ) لماذا، ليش من غير تجديد عقد؟
لأن الزوج الأول أمضاه وأجازه، فهو تصرف فضولي وافق عليه فلا يحتاج إلى تجديد عقد.
قال: (ويأخذ قدرَ الصداق الذي أعطاها من الثاني).
(يأخذ) الفاعل الزوج الأول الذي هو المفقود قدر الصداق الذي أعطاها يأخذه من الثاني.
إذا قدرنا أنه أصدقها أي المفقود عشرة آلاف ريال، ثم قدم بعد أن تزوجت ووطئها الثاني ثم أمضى العقد، فللزوج الأول المفقود أن يأخذ من الثاني قدر الصداق الذي أعطاها، فما هو الصداق في المثال اللي ذكرنا عشرة آلاف ريال؟ يعني: قال المفقود للزوج الذي تزوجها في حال فقده: أعطني مهري أنا تركتها لك فأعطني ثمنها وهو المهر، نعم له الحق؛ لأن الزوج الثاني فوتها عليه فكانت مضمونة.
يأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني؛ علل.
لأن الثاني فوتها عليه فكانت مضمونة كما لو أن أحدًا غصب شاة وذبحها فيضمن لصاحبها القيمة، لكنها تختلف القيمة وقت الذبح، أما هذا فيعطى القيمة الأولى الصداق الأول.
إذا قُدِّر أن صداق الأول عشرة آلاف ريال أكثر بكثير من صداقها في اليوم؛ لأن المهور قَلَّتْ، هل له أن يأخذ الصداق، أو نقول: قَدِّرْ أن هذه المرأة تزوجت الآن؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3405
المؤلف يقول: (يأخذ قدر الصداق الذي أعطاها) حتى لو كان أضعاف صداقها في الوقت الحاضر.
إذا قَدَّرْنا أن المهر الذي أعطاها لا يأتي بمثلها في الوقت الحاضر؛ يعني: أنه قليل، فهل نقول للزوج الثاني: أعط الزوج الأول قَدْرَ صداقها في الوقت الحاضر، أو نقول: ليس له إلا الصداق الذي سلمه لها، الثاني أو الأول؟
طالب: الأول.
الشيخ: الثاني المؤلف يقول -يا إخوان-: (ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها) سواء كان هذا الصداق مثل صداق اليوم أو أَقَلَّ أو أكثر؛ لأن الأول إنما خسر عليها أو بذل لها الصداق فقط فيعطى ما بذل.
إذن يأخذ الزوج الأول من الزوج الثاني قَدْرَ الصداق الذي أعطاها سواء كان مثل صداقها اليوم أو أقل أو أكثر.
لأنه أي: الزوج الأول أنفق هذا عليها فيرد إليه.
قال المؤلف: (ويرجع الثاني عليها -أي على الزوجة- بما أخذه منه) لمَّا سلم الثاني للأول المهر، وهو في المثال الذي ذكرنا كم؟ عشرة آلاف، يرجع الزوج الثاني على الزوجة بما أخذه الزوج الأول منه، يرجع عليها بكم؟ عشرة آلاف، يقول: أنا الآن ضمنت لزوجك عشرة آلاف، وعشرة آلاف قد دخلت عليك فأعطنيها، هذا وجه كونه يرجع عليها بما أخذه الزوج الأول منه.
هذا ما قاله المؤلف رحمه الله: إن الزوج الثاني يرجع على الزوجة بما أخذه الزوج الأول منه؛ وجهه أن الصداق الذي أعطاها الأول دخل على مَنْ دخل عليها فإذا كان دخل عليها فلترده.
والقول الثاني أصح؛ إنه لا يرجع الزوج الثاني عليها بما أخذه الزوج الأول منه، اللهم إلا أن تكون قد غَرَّتْهُ، أما إذا كان عالمًا بأنها امرأة مفقود، فإنه لا يرجع عليها بشيء، لماذا؟
لأنه دخل على بصيرة يعلم أنه تحت الخطر فلا يرجع عليها بشيء -اللهم علمنا ما ينفعنا- علمتم ولّا لا؟
طالب: إن شاء الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3406
الشيخ: نأخذ أسئلة على هذا؛ إذا قدم الزوج الأول بعد وطء الثاني فله الخيار بين أن يتركها للزوج الثاني أو يأخذها؛ إذا أخذها يترتب عليه مسائل؛ المسألة الأولى: هل يجدد له العقد أو لا؟
لا يجدد، يأخذها زوجة بالعقد الأول.
المسألة الثانية: هل يحتاج الثاني إلى تطليق لها؟
لا يحتاج؛ لأنه لما ألغي العقد ألغي ما ترتب عليه.
الثالث: هل يتجنبها الزوج الأول حتى تعتد بثلاثة قروء، أو يتجنبها حتى يستبرئها بحيضة؟
القول الراجح: الثاني، والمذهب: الأول.
الرابع: المهر -أَيّ مهر- المهر هل يكون استقر للمرأة فلا يرجع الزوج الثاني عليها ولَّا على الزوج الأول أو يرجع؟
لا يرجع؛ لأن المهر استقر بالوطء هذا إذا أخذها الأول.
إذا أبقاها وقال: هي لك، فهل يحتاج إلى تجديد عقد؟ لا يحتاج لأن إبقاءها إمضاء للعقد -عقد الثاني عليها- فلا يحتاج إلى تجديد عقد.
الثاني: هل تحتاج إلى عدة؟ لا؛ لأنها زوجة باقية، ما حصل الفراق.
ثالثًا: هل يرجع الزوج الأول على الزوج الثاني بالمهر؟
الجواب: نعم؛ لأن الزوج الثاني فَوَّتَها عليه.
الرابع: هل يرجع الزوج الثاني بالمهر الذي دفعه للأول، هل يرجع إلى الزوجة أو لا يرجع؟
المذهب يرجع، والصحيح: أنه لا يرجع.
هذا حكمه، والحمد لله أن هذه المسألة وقوعها قليل، لكن لو كان وقوعها كثيرًا ما نُسِيَت في ظني، لو أنني سألتكم بعد يومين أو ثلاث عن هذه المسائل لوجدتها قد تبخرت إلا أن يشاء الله، لكن هذا التفصيل اللي ذكرناه إن شاء الله سيجعلها سهلة.
طالب: شيخ -جزاكم الله خيرًا- الزوج الثاني قلنا: إنه لا يَرُدُّ على الزوج الأول شيئًا؟
الشيخ: لا يرد؟
طالب: لا يرد على الزوج الأول شيئا ..
الشيخ: متى لا يرد؟
الطالب: لا يرد على الزوج الأول شيئًا إذا أخذها الزوج الأول ..
الشيخ: إذا اختارها الزوج الثاني ووافق الأول يؤخذ منه قدر الصداق للأول.
الجزء: 2 - الصفحة: 3407
طالب: قلنا: الزوج الثاني لا يأخذ من الأول صداقه؛ لأنه بما استحل فرجها الزوج الأول قلنا: إنه يأخذ من الثاني الصداق، والزوج الأول يمكن أنه ( ... ) لها فلماذا؟
الشيخ: إي نعم، الزوج الأول لا يأخذ الصداق من المرأة؛ المرأة ما له عليها سبيل الزوج الأول، لكن يأخذ الصداق من الزوج الثاني الذي فوتها عليه، فأخذه الصداق من الزوج الثاني بمنزلة تغريم متلف المال كأنه مال وأتلفه.
الزوج الأول ما يأخذ صداقه من المرأة؛ لأنه استحلَّ فرجها، يأخذ صداقها من الزوج الثاني، لماذا؟
فوَّتَها عليه فضمنها كما لو أن شخصًا أتلف لشخص مالًا، قلنا: اضمن المال.
طالب: أحسن الله إليك -يا شيخ- لو اختار الزوج الأول أن يبقيها مع الثاني، قلنا: لا يحتاج إلى تجديد عقد، مع أن الأول يا شيخ كان قبل أن يمضيه كان عقده صحيحًا فلا فراق بين اثنين إلا بخلع أو طلاق ..
الشيخ: نعم.
الطالب: فإن كان إما هذا، إما هذا لا بد من ..
الشيخ: لا، أقول: بارك الله فيك لما حكمنا بموته هذا فراقًا، ألسنا لا نأمرها بالعدة إلا إذا حكمنا بموته؟ حكمنا بموته فراق ولا غير فراق؟ فراق كالطلاق، لكن هذا في الحقيقة خارج عن قاعدة المذهب، المذهب: التصرف الفضولي لا يصح، لكن هذا صح؛ بمعنى أن الإنسان إذا أمضى عقدًا قد سبق على إمضائه فإنه لا يصح، هذه المسألة صححوها لدعاء الحاجة إليها.
مثال ذلك: مثلًا أخذت كتابك وبعته على شخص، بيعي صحيح ولَّا غير صحيح؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: أجزته أنت، المذهب لا يصح؛ لأني تصرفت قبل أن تأذن لي.
والقول الراجح أنه يصح؛ أن جميع التصرف الفضولي المتوقف على الإجازة إذا أجازه مَنْ له الحق فهو صحيح.
مسألتنا هذه لو أخذنا بالقاعدة العامة لقلنا: لا بد أن يجدد الثاني العقد، لكنهم أجازوا هنا التصرف لدعاء الحاجة لذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3408
طالب: سؤالي -يا شيخ بارك الله فيكم- إذا قدم زوج امرأة المفقود بعد وطء الثاني وأخذها الأول قلنا: لا بد ( ... ) على الثاني، لا على الزوجة ولا على الأول.
الشيخ: نعم، في المهر.
طالب: إي يا شيخ الأول فوتها على الثاني؟ لماذا لا يرجع على الأول لا يرجع على .. ؟
الشيخ: ما فوتها؛ لأن الثاني مخاطر، هو الذي خاطر بنفسه يعرف أنها امرأة مفقود، ربما يأتي المفقود، فهو الذي خاطر بنفسه، زال الإشكال؟
طالب: نعم.
الشيخ: زين، الحمد لله.
طالب: ( ... ) يعني هل ( ... )؟
الشيخ: لا، إذا حَملت من الثاني؛ فإنه لا بد أن تضع حتى الاستبراء، لا بد من الوضع.
طالب: لماذا الزوج الأول يرجع بالصداق –العطاء- الزوج؟
الشيخ: لأنه فوته عليه، هذه المرة الثالثة التي نسأل عنها في هذا المكان.
الطالب: لا، أقصد الزوج الأول.
الشيخ: الزوج الأول يرجع على الزوج الثاني بالصداق الذي أعطاه؛ لأنه فوتها عليه تزوجها وهي زوجته.
الطالب: يعني: يأخذ الصداق اللي أعطاه الزوج الثاني؟
الشيخ: ألم تفهم أن ( ... ) بعشرة آلاف، صداق الأول لما أبقاها للثاني، نقول: ارجع على الثاني بعشرة آلاف؛ لماذا يرجع؟ لأنه فوتها عليه لولا تزوجه بها لكانت للزوج الأول.
طالب: أحسن الله إليك -يا شيخ- إذا أتى المفقود قبل وطء الثاني، هل ترد الزوجة المهر كاملًا؟
الشيخ: ما فيه مهر، إذا قدم المفقود قبل أن يطأ الثاني فلا مهر أصلًا؛ لأنه لما اختارها بطل العقد، والعقد بطل قبل أن يوجد ما يقرر المهر.
الطالب: يعني: أقصد بعد العقد.
الشيخ: إي، بعد العقد لما اختارها الزوج الأول صار العقد الثاني لا قيمة له.
الطالب: ترد الدراهم؟
الشيخ: إي، إذا كانت أخذت شيئًا تَرُدُّه.
الطالب: ( ... ) وأتمت عدة الأول، ولا يحتسب منها مقامها عند الثاني، ثم اعتدت له بعقد بعد انقضاء العدتين.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3409
سبق الكلام على المعتدات، وأنهن ست، ثم ذكر المؤلف فصولًا فيما يتعلق بالعدة منها قال: (مَنْ مات زوجها الغائب أو طلقها وهو غائب اعتدت منذ الفرقة وإن لم تُحِدَّ).
(الفُرقة) بضم الفاء يعنيك الافتراق، والفِرقة بالكسر بمعنى الطائفة؛ كما قال عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: 122]
ابتداء العدة -إذن- من الفراق بموت أو طلاقه أو فسخ.
فإذا قُدِّرَ أن رجلًا مات وهو غائب، ولم تعلم زوجته إلا بعد مضي شهرين، فهل تبدأ من علمها أربعة أشهر وعشرة أيام أو تبدأ من ممات الزوج؟
الجواب: من ممات الزوج، كم بقي عليها إذا كان علمت بعد شهرين؟
طلبة: شهران وعشرة أيام.
الشيخ: شهران وعشرة أيام.
إذا قُدِّر أنها لم تعلم إلا بعد مضي خمسة أشهر، كم تعتد؟
خلاص انتهى.
ولهذا قال المؤلف: (وإن لم تُحِدَّ).
يعني: وإن لم تلتزم بالإحداد، وهو ترك الزينة وما يدعو إلى جماعها.
كذلك في الطلاق؛ لو أن رجلًا أشهد رجلين قال: اشهدا بأني طلقت زوجتي ولم يخبرها وحاضت ثلاث مرات، ثم بعد ذلك أخبرها، كم تعتد، أجيبوا يا جماعة.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: انتهت العدة، ما حاجة، وهذه قد يلجأ إليها بعض الناس إذا خاف، إذا أعلم زوجته بالطلاق خرحت من البيت إلى أهلها، والواجب على المطلقة إذا كانت رجعية أن تبقى في البيت؛ قال الله عز وجل: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] هذا الرجل يقول: أنا أعرف إذا أخبرت زوجتي بأني طلقتها حملت عفشها وذهبت إلى أهلها، فأنا أكتم الخبر وأكتم شهادة اثنين بأني طلقتها، فإذا تمت العدة خذي ورقة الطلاق.
المهم، انتبهوا لهذه القاعدة ابتداء العدة منذ الفراق أو منذ العلم بذلك؟
الجواب: منذ الفراق.
طلبة: الفراق.
الشيخ: منذ الفراق، تمام.
قال المؤلف: (وعدة موطوءة بشبهة أو زِنًا أو بعقد فاسد كمطلقة).
الجزء: 2 - الصفحة: 3410
الموطوءة بشبهة يشمل شبهة الاعتقاد، وشبهة العقد؛ الشبهة نوعان: شبهة اعتقاد، وشبهة عقد.
فأما شبهة الاعتقاد فأن يطأ امرأة يظنها زوجته، وأما شبهة العقد فأن يعقد عليها عقدًا فاسدًا يظنه صحيحًا، فهمتم القسمين أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الشبهة نوعان؛ شبهة اعتقاد، وشبهة عقد، شبهة الاعتقاد أن يظن أن هذه المرأة زوجته؛ وجد امرأة على فراشه نائمة فجامعها يظنها زوجته هذه شبهة اعتقاد.
شبهة عقد؛ أن يعقد عليها بلا ولي ظنًا منه أن الولي ليس شرطًا في النكاح، فهذا شبهة عقد إذا وطئ امرأة بشبهة؛ سواء شبهة اعتقاد أو شبهة عقد فعليها العدة؛ ولهذا قال: (كمطلقة).
وسبق لنا بيان عدة المطلقة فلا حاجة إلى إعادتها.
إذا كانت تحيض كم عدتها؟
طلبة: ثلاث حيض.
الشيخ: ثلاث حيض، إذا حملت من هذا الوطء عدتها إلى وضع الحمل، هذه واحدة.
الثانية: (أو زنًا)، عدة الموطوءة بزنًا (كمطلقة).
فإذا زنى بامرأة وجب أن تعتدَّ ثلاث حِيَض إذا كانت من ذوات الحيض.
الثالثة: (بعقد فاسد) كما لو تزوجها بدون شهود على القول بأن الشاهد شرط، فالعقد إذن فاسد، إذا جامعها فقد جامعها بعقد فاسد.
(كمطلقة) على حسب التفصيل السابق، وهذا ما قاله المؤلف رحمه الله هو المذهب.
القول الثاني أن عدة الموطوءة بشبه كالمطلقة؛ لأن الرجل وطئها على أنها زوجته، فهي كمطلقة بناء على اعتقاد الواطئ.
أما عدة المزنيِّ بها فإن كانت ذات زوج فلا عدة لها، ليس لها عدة إطلاقًا؛ لأن العدة في حقِّها استبراء، وإذا حملت فالولد للفراش فلا فائدة من العدة ما دام الولد للفراش بكل حال، فلا فائدة من العدة وهو المروي عن الخلفاء أن الزانية ذات الزوج لا عدة عليها.
بل نقول الآن: ينبغي للإنسان إذا علم أن زوجته زنت -والعياذ بالله- وتابت أن يجامعها في الحال حتى لا يبقى في قلبه شك في المستقبل؛ هل حملت من جماع الزنا أو لم تحمل؟
فإذا جامعها في الحال حمل الولد على أنه للزوج ليس للزاني.
الجزء: 2 - الصفحة: 3411
أما إذا كانت الزانية ليس لها زوج فلا بد أن تُسْتَبرأ بحيضة على القول الراجح خلافًا لما ذهب إليه المؤلف من أنها تعتد كمطلقة.
الثالثة: (الموطوءة بعقد فاسد) وهو يعتقد أنه فاسد لا يعتقد أنه صحيح؛ لأنه لو اعتقد أنه صحيح صارت موطوءة بشبهة، لكن يعتقد أنه فاسد؛ يعرف أن النكاح بلا ولي غير صحيح، لكنه تجرأ، وقال: هذا موضع خلاف بين العلماء، فهذا حكم اعتداد المرأة الموطوءة كحكم اعتداد المطلقة، إذا كانت ذات حيض كم؟
طلبة: ثلاث حيض.
الشيخ: ثلاث حيض، والقول الراجح في هذه المسألة كالقول الراجح في الزانية إذا لم يكن لها زوج يعني: أنها تعتد بأيش؟
بحيضة واحدة؛ لأن الله إنما أوجب ثلاث حيض على المطلقات من أزواجهن؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] وعليه فلا عدة بالقروء الثلاثة إلا للمطلقة فقط.
وهل ( ... ) إلا للمطلقة التي له عليها رجعة أو مطلقًا؟
ذكرنا لكم فيما سبق الخلاف، وأن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن كان وجد قول بأن البائن تعتد بحيضة، يعني: فأنا أقول به.
قال: (وإن وُطئت معتدةٌ بشبهة أو نكاح فاسد فرق بينهما) (وإن وطئت معتدة) منين؟ من زوج.
امرأة في عدةٍ من زوج، وطئها إنسان بشبهة يظنها مثلًا زوجته، أو وطئها بنكاح فاسد أي: باطل، تزوجها وهي معتدة وجامعها، النكاح هذا باطل بإجماع المسلمين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235]
(فُرِّقَ بينهما) (فُرِّقَ) مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، فمن الذي يفرق؟
طلبة: القاضي.
الشيخ: القاضي يفرق بينهما، وإذا كان لا يستطيع بنفسه، فبالأمير لأنه لا يمكن إقرارهم على هذا.
(وأتمت عدة الأول، ولا يحتسب منها مُقامها عند الثاني، ثم اعتدت للثاني).
الجزء: 2 - الصفحة: 3412
نضرب المثل ليتضح لكم؛ هذه امرأة طلقها زوجها، وبعد أن حاضت مرة جامعها رجل بشبهة، وبقيت عنده حتى حاضت الثانية، ثم فرقنا بينهما بعد الحيضة الثانية؛ فهل تعتد للثاني أو تكمل عدة الأول؟ تكمل عدة الأول وبقاؤها عند الثاني لا يحسب عليه، كم يبقى لها حيضتان أو واحدة؟
طالب: حيضتان.
طالب آخر: واحدة.
الشيخ: واحدة، اثنان، ثنتان، ثلاثة، أربعة! لا إله إلا الله هي حاضت مرة واحدة، ثم نكحت بنكاح فاسد، وبقيت عند الثاني حيضة واحدة ثم فرقنا بينهما بعد الحيضة الثانية، وقلنا: أتمي عدة الأول، كم تحيض؟
طالب: حيضة واحدة.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا يا أخي، حيضتان؛ لأن المؤلف يقول: (ولا يحتسب منها مُقامها عند الثاني) فعلى هذا تُكْمِل حيضتين، ثم اعتدت للثاني، كم اعتدت للثاني؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، على المذهب ثلاث حيض تخمرت في رأسكم أو لا؟
لأن للثاني ما حاضت، حاضت وهي عنده وقبل الفراق فلا تحسب الحيضة هذه.
نقول: الآن تكمل حيضتين الأول، ثم تستأنف ثلاث حيض لمن؟ للثاني.
(وتَحِلُّ له بعقد بعد انقضاء العدتين) (تحلُّ له) أي: للثاني بعقد (بعد انقضاء العدتين) أيّ العدتين؟ عدة الأول وهي حيضتان، وعدته هو وهي ثلاث حيض يكون المجموع خمس حيض.
وقوله: (تَحِلُّ له بعقد) هذا هو الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله هو المذهب.
تحل له بعقد بعد انقضاء العدتين؛ لأنه لم يوجد فيها ما يوجب التحريم عليه.
والقول الراجح في هذه المسألة أنه إن تعمد فعل المحرم؛ بأن تزوجها في العدة فإنها لا تحل له؛ لأنه تعجل شيئًا قبل أوانه على وجه محرم فيعاقب بحرمانه ولا تحل له، نعم لو فرضنا أن الرجل تاب وصلحت حاله، ربما نقول: تَحِلُّ، لكن بدون توبة لا تحل له، أما إذا كان جاهلًا كما لو وطئها بشبهة، فإنها تحل له أي: للثاني.
واضح الكلام ولّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: قال: (وإن تزوجت في عدتها لم تنقطع حتى يَدْخُل بها)
الجزء: 2 - الصفحة: 3413
(إن تزوجت) الضمير يعود على المعتدة (في عدتها)؛ يعني: تزوجت رجلًا آخر غير الزوج (لم تنقطع) أي: العدة؛ (حتى يدخل بها) أي: الزوج الثاني، فإذا فارقها بَنَت على عدتها من الأول، ثم استأنفت العدة من الثاني هذا شبيه بالحكم الأول.
قوله: (إن تزوجت في عدتها لم تنقطع)، ما حكم هذا الزواج؟
طلبة: باطل.
الشيخ: هذا باطل بالإجماع؛ لأن المعتدة لا يمكن أن تتزوج، لكنها تزوجت (لم تنقطع) يعني: العدة الأولى حتى يدخل بها أي: حتى يجامعها.
فإذا فارقها ظاهر كلام المؤلف أن الفراق بيده وليس كذلك، بل يجب أيش؟ يجب أن نفرق بينهما فإذا فارقها بنت على عدتها من الأول، ثم استأنفت العدة من الثاني كالمسألة الأولى.
(وإن أتت بولد من أحدهما انقضت منه عدتها به، ثم اعتدت للآخر) يعني: لو فرضنا، المرأة هذه المعتدة التي جامعها غير الزوج كانت حاملًا من زوجها، ثم وضعت تنقضي عدتها من الزوج أو من الواطئ الثاني؟
من الزوج؛ لأن الحمل له، وإن قدر أنها حملت من الثاني فإنها تنقضي عدتها من الثاني بوضع الحمل؛ لأن الحمل له.
قال: (ثم اعتدت للآخر) إن كان الحمل لوطء الثاني فبعد وضعه تعتد للزوج، وإن كان من الزوج فبعد وضعه تعتد للذي وطئها.
قال: (ومَنْ وَطِئ معتدتَه البائنة بشبهة استأنفت العدة بوطئه ودخلت فيها بقية الأولى) (من وطئ معتدتَه البائنة بشبهة) البائن هي التي ليس لها رجعة مثل أن يطلقها على عوض؛ يعني: الزوج طلق زوجته على عوض؛ فالطلاق بائن لكنه جامعها بشبهة، ومن الشبه أن يظن أن البائن كالرجعية يجوز أن يطأها وتحصل به الرجعة.
يقول المؤلف رحمه الله: فإذا قُدِّرَ أنه وطئها؛ أي: زوجها الذي أبانها بعد حيضتين، كم بقي عليها؟
طلبة: حيضة واحدة.
الشيخ: حيضة واحدة، قلنا: تستأنف العدة، لكن يقول المؤلف: دخلت فيها بقية الأولى فتستأنف ثلاث حيض، وتدخل فيها الحيضة الباقية من الطلاق الأول، كلام عربي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3414
مثاله هذا المثال: رجل طلق زوجته على عوض، وبعد أن حاضت مرتين وطئها ظنًّا منه أنه يجوز أن يراجع التي طلقها على عوض، الوطء هذا شبهة ولا غير شبهة؟
شبهة، نقول: الآن عليها أن تعتدَّ بكم؟
طلبة: ثلاث حِيَض.
الشيخ: ثلاث حِيَض.
هل هذه الحِيَض الثلاث بعد أن تنتهي العدة الأولى بمعنى أن نقول: تحيض مرة واحدة، ثم تستأنف ثلاث حيض، أو أنَّ بقية الأولى تدخل في الحيض الثلاث؟
الثاني؛ يقول المؤلف: (دخلت فيها بقية الأولى) وسبق أنه لو جامعها رجل آخر، فإنها تكمل عدة الأول ثم تستأنف العدة للثاني، هنا نقول: تستأنف العدة وإن لم تكمل العدة الأولى؛ لأن بقية الأولى تدخل فيها؛ ووجه ذلك أن العدة الآن لرجل واحد فتداخلت العدتان.
(وإن نكح مَنْ أبانها في عدتها، ثم طلقها قبل الدخول بَنَت).
(إن نكح من أبانها) إن رجل أبان زوجته، ولنجعل المثل الذي نضربه: أن طلقها على عوض، الرجل إذا طلق زوجته على عوض لا يمكن أن يراجعها إلا بعقد.
هذا الرجل بعد أن طلقها على عوض في نفس العدة عقد عليها، يجوز ما فيه مانع.
إذا فعل ذلك يقول: (إذا طلقها قبل الدخول بَنَتْ).
ويش معنى (بَنَت)؟
يعني: بنت على عدتها الأولى ما تستأنف العدة؛ لأنه طلق قبل الدخول، وفُهِمَ من كلامه أنه لو دخل بها -يعني: جامعها- استأنفت العدة، ولكن تدخل فيها بقية الأولى؛ لأن العدتين لرجل واحد.
اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، يا معلم إبراهيم علمنا، مفهوم ولّا غير مفهوم؟
طلبة: غير مفهوم.
الشيخ: لا حول ولا قوة.
(إن نكح مَنْ أبانها في عدتها) جعلنا المثل ( ... )، رجل طلق زوجته على عوض، هنا نقول: هذه بينونة صغرى لا يمكن أن يردها إلا بعقد عليها فعليٍّ، يجوز هذا، اعقد عليها، ما فيه مانع، عقد عليها، ثم إنه فارقها قبل أن يجامعها، ماذا يكون؟
تبني على عدتها الأولى؛ لأن هذا العقد الثاني لم يوجب العدة فتبني على عدتها الأولى، على كل حال، ولهذا قال: (ثم طلقها قبل الدخول بنت).
الجزء: 2 - الصفحة: 3415
فإن كان بعد الدخول استأنفت العدة ودخلت فيها بقية الأولى؛ لأن العدتين لرجل واحد.
طالب: أحسن الله إليك، رجل وطئ امرأة بشبهة، ما حكمه فهل ( ... )؟
الشيخ: لا، بشبهة، شروط إقامة الحد، استمعوها، لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا عالمًا بالتحريم، والواطئ بشبهة ما علم الحد، لا يقام إلا على شخص علم بالتحريم، وإن لم يعلم الحد، ولهذا إذا زنى المحصن فما هو حده، أجيبوا.
طلبة: الرجم.
الشيخ: هذا الرجل المحصن قال: إنه ما علم أن الحد الرجم، لو علم أن الحد الرجم ما زنى.
نقول: هذا لا يشترط، علمك بالحد ليس بواجب، لكن علمك بالتحريم واجب.
طالب: قلنا: (وإن نكح مَنْ أبانها في عدتها) شيخ، كيف ينكحها في العدة، أليس حرامًا؟
الشيخ: لا، العدة له، إذا كانت العدة له لا بأس، الحرام إذا كانت العدة لغيره، فلا يجوز أن يتزوجها.
طالب: قوله في العبارة: (إن وطئت معتدة بشبهة أو نكاح فاسد) إحنا نقول: بأن الوطء في نكاح المعتدة باطل بالإجماع، كيف نصور نكاح فاسد في العدة؟
الشيخ: إي نعم، (إن وُطِئَت معتدة بشبهة)، واضحة؟
طالب: واضحة ..
الشيخ: إنسان مثلًا يظنها زوجته فوطئها، (أو نكاح فاسد) يعني: وإن وطئت امرأة بنكاح فاسد فرق بينهما، فليس عائدًا على المعتدة؛ لأن المعتدة نكاحها باطل بالإجماع، وإذا قيل: إنها يعود على المعتدة، نقول: المراد بـ (الفاسد) هنا: الباطل.
طالب: شيخ، نكاح المعتدة باطل فيعتبر كالزنا ( ... ) مترتب عليها العدة، مع أنه ( ... ) الأول أن المزني بها إن كانت ذات زوج فلا تعتد.
الشيخ: صحيح، المؤلف يرى أنها تعتد، كلام المؤلف مبني بعضه على بعض.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ترجيحنا ما فيه إشكال، إذا وطئت الزوجة بزنا وهي مع الزوج فالقول الراجح أن لا عدة ( ... ).
طالب: ( ... ) زوجها في نكاح صحيح ولو ذمية أو أَمَة أو غير مكلفة، ويباح لبائن من حي ولا يجب على رجعية وموطوءة بشبهة، أو زنًا أو في نكاح فاسد أو باطل أو ملك يمين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3416
والإحداد اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويُرَغِّب في النظر إليها من الزينة والطيب والتحسين والحناء، وما صبغ للزينة وحليٍّ وكحلٍ أسود لا تُوتِيا ونحوها، ولا نقاب، وأبيض ولو كان حسنًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في زاد المستقنع: (يلزم الإحداد مدة العدة كل متوفى زوجها عنها في نكاح صحيح).
هذا الفصل ذكره لحكم الإحداد.
والإحداد هو الامتناع من الشيء، ومنه الحد الفاصل بين الأرضين، فهو -أعني الإحداد- (أن تجتنب المرأة كل ما يدعو إلى جماعها، ويُرَغِّب في النظر إليها)، هذا الإحداد، كل شيء يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها فإنه إحداد؛ كثياب الزينة والحلي والتجمل بالكحل، وتحسين الوجه بالمكياج أو غيره، هذا هو الإحداد.
الإحداد منه واجب، ومنه جائز، ومنه ممنوع؛ الواجب: على المتوفى عنها.
والجائز: على مَنْ مات له صديق أو قريب لمدة ثلاثة أيام.
والممنوع: ما زاد على ذلك؛ كأربعة أيام أو خمسة أو أكثر.
هذا هو الإحداد.
الإحداد في غير الزوج أن يتجنب الإنسان مجريات الحياة مثل إذا كان صاحب دكان ألا يفتح الدكان، إذا كان صاحب طلعات للنزهة لا يخرج، إذا كان صاحب تجمل ثياب جميلة ويحب التجمل يبقى غير متجمل، هذا الإحداد جائز لمدة كم؟ ثلاثة أيام فأقل.
أما المتوفى عنها زوجها فيقول: (يلزم الإحداد مدة العدة كل متوفى زوجها عنها في نكاح صحيح).
أما إذا كان في نكاح غير صحيح فإنه لا يلزمها لا يلزم الإحداد، كما لو مات زوج؛ امرأة تزوجها بلا ولي فإنه لا يلزمها الإحداد؛ لأن النكاح غير صحيح، لكن الصواب أن الإحداد يلزم كل مَنْ لزمتها العدة.
وقد سبق في أول كتاب العِدَد أن العدة تجب في النكاح الفاسد دون الباطل.
وعلى هذا نقول: الإحداد تابع للعدة، متى وجبت العدة على المتوفى عنها زوجها وجب عليها الإحداد.
(ولو ذمية أو أمة أو غير مكلفة).
هذه إشارة الخلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 3417
(ولو ذمية) والذمية هي مَنْ عُقِدَت لها الذمة من الكفار.
وفي قوله رحمه الله: (ولو ذمية) فيه تساهل، والصواب أن يقال: (ولو كتابية)؛ لأنه لا يشترط في جواز نكاح الكتابية أن تكون ذميَّة؛ ولأن الذِّمة تعقد لغير أهل الكتاب، كالمجوس، ومع ذلك لا يحل نكاحها المجوسية، فهذا التعبير فيه نظر.
والصواب أن يقال: (ولو) أجيبوا؟
طلبة: كتابية.
الشيخ: (ولو كتابية)؛ لأن الكتابية وهي اليهودية أو النصرانية يحل نكاحها سواء كانت ذمية أو معاهدة أو مستأمنة؛ ولأن المجوسية قد تكون ذمية لأن الذمة تعقد للمجوس ومع ذلك لا يحل نكاحها، فالتعبير هذا فيه نظر طردًا وعكسًا.
(أو أمة) هذا صحيح يعني: يلزم الإحداد على المتوفى عنها زوجها ولو كانت أمة، كيف تكون أمة؟
نعم تكون أمة إذا كان زوجها رقيقًا، لأن الرقيق يجوز أن يتزوج الأمة أو كان حرًّا ممن يجوز له نكاح الإماء، فتلزمها العدة والإحداد.
فإن قال قائل: في إلزامها الإحداد ضرر على سيدها؟
فالجواب أن هذا الضرر قد التزم به سيدها؛ لأن تزويجه إياها التزام بما يجب لذلك العقد، فيكون هو الذي أوجب على نفسه ذلك.
(أو غير مكلفة) كالصغيرة والمجنونة، فلو مات الإنسان عن زوجة تبلغ أربع عشرة سنة فقط ولم تبلغ فإنه يلزمها الإحداد؛ لأنها داخلة في عموم الزوجات، كذلك لو كانت زوجة الإنسان مجنونة، سواء طرأ عليها الجنون أو كانت مجنونة من قبل النكاح ثم مات عنها فيلزمها الإحداد.
كيف يلزم المجنونة، وقد رفع القلم عنها؟ !
فالجواب أن يقال: هذا من حقوق الزوجية، وليس من باب العبادات، العبادات مرفوعة عنها لا شك، لكن هذا من حقوق الزوجية، وقد مات عنها زوجها.
فإن قال قائل: كيف تُحِدَّ وهي مجنونة؟
فالجواب أنه يتولى وليُّها ذلك فيمنعها مما تمنع منه الْمُحِدَّة العاقلة.
قال: (ويباح -يعني الإحداد- لبائن من حي).
يعني: يجوز للبائن في الحياة أن تُحِدَّ، فمن هي البائن؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3418
فالجواب: أن البائن هي التي لا يملك زوجها أن يرجع عليها بلا عقد.
مثال ذلك: رجل خالع زوجته؛ أي: فارقها على عوض، ثم مات في أثناء العدة خالعها على عوض وتفرقا، فهل يجوز لها أن تُحِدَّ؟
يقول المؤلف: إنه جائز يجوز أن تُحِدَّ.
لأنها مطلقة بائن فأشبهت من مات عنها زوجها.
فيقال: في هذا نظر؛ أولًا: أن الإحداد إنما يجب على مَنْ؟
على مَنْ توفي عنها زوجها.
ثانيًا: الإحداد على مَنْ تُوُفِّي عنها زوجها واجب، وأنتم تقولون: إن هذا الإحداد للبائن مباح، وليس بواجب فامتنع القياس، فالراجح أن البائن لا تُحِدَّ، تبقى على لباسها العادي الطبيعي بدون إحداد.
قال: (ولا يجب على رجعِيَّة وموطوءة بشبهة أو زنًا أو في نكاح فاسد أو باطل أو ملك يمين).
لا يجب على هؤلاء إحداد، وإنما نص على نفي ذلك؛ لأن بعض العلماء رحمهم الله أوجب الإحداد.
(الرجعية) هي المطلقة التي لزوجها رجعة عليها كما لو طلق الإنسان زوجته أول مرة على غير عوض فلزمتها العدة.
يقول المؤلف: إن الإحداد لا يجب على الرجعية خلافًا لمن قال بوجوبه عليها.
فالرجعية إذا طلقت فهي كحالها قبل الطلاق، تخرج من البيت وتتزين وتتجمل ولا يضرها ذلك شيئًا.
وأما من قال: يجب عليها الإحداد لحقِّ الزوج فغلط لأن الإحداد إنما وجب على المتوفى عنها زوجها.
فهمتم المسألة؟
الرجعية هي التي لزوجها أن يراجعها بلا عَقْدٍ، فإذا طلق الإنسان امرأته طلقة واحدة على غير عوض فعليها العدة وهي رجعية.
هل يجب عليها أن تُحِدَّ فتمتنع من اللباس الجميل والتحلي والخروج من البيت أو لا يجب؟
طلبة: لا يجب.
الشيخ: يقول المؤلف: لا يجب، وهو صحيح؛ فلها أن تتجمل بما شاءت، ولها أن تخرج من البيت؛ لأنها كالزوجة فهي كحالها قبل الطلاق.
(ولا يجب على موطوءة بشبهة).
وقد سبق أن المرأة إذا وطئت بشبهة فعليها عدة الطلاق.
والصواب أن الموطوءة بشبهة ليس عليها عدة الطلاق وإنما عليها الاستبراء فقط.
(أو زنا) من باب أولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 3419
(أو في نكاح فاسد أو باطل) الفرق بين الفاسد والباطل في النكاح أن ما أجمع العلماء على فساده فهو باطل، وما اختلفوا فيه فهو فاسد إلا لمن يعتقد صحته.
نضرب لهذا مثلًا؛ المعتدة نكاحها باطل لإجماع العلماء على تحريمه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] المعتدة، رجل طلق زوجته وهي الآن في العدة، فجاء آخر فتزوجها، نقول: هذا النكاح أيش هو؟
طلبة: باطل.
الشيخ: باطل؛ لإجماع العلماء عليه.
مثال الفاسد: رجل تزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، النكاح فاسد لماذا؟
لأن من العلماء من يرى أن الثلاث رضعات محرمة فيكون هذا الرجل تزوج أخته من الرضاعة.
ومن العلماء من يقول: لا يحرم إلا خمس رضعات، فيكون هذا الرجل تزوج امرأة أجنبية منه.
إذن فالنكاح هنا فاسد، فإذا جامعها الرجل وهو يعتقد أن الثلاث محرمة، قلنا: يجب عليك المفارقة وعليها العدة.
أما إذا كان ممن يعتقد صحتها ويقول: لا يحرم من الرضاع إلا خمس فالنكاح بحقه صحيح.
مثال آخر: تزوج امرأة بدون شهود، يرى بعض العلماء أن النكاح صحيح، ويرى آخرون أن النكاح غير صحيح.
فالنكاح إذن فاسد، فمن اعتقد صحة النكاح فهو صحيح في حقه؛ يعني: لو قال: أنا لا أرى وجوب الإشهاد، نقول: النكاح في حقك صحيح، ومن رأى وجوب الإشهاد وتزوج عنادًا، فالنكاح في حقه فاسد.
هذا هو الفرق في النكاح بين الفاسد والباطل، ولا فرق بين الباطل والفاسد في بقية الأبواب، فيقال: يبطل البيع بكذا أو يفسد البيع بكذا إلا في الإحرام، فالفاسد هو الذي جامع فيه قبل التحلل الأول والباطل هو ارتد فيه -والعياذ بالله-.
مثاله: رجل في مزدلفة بعد الدفع من عرفة جامع زوجته، فالحج فاسد يلزمه المضي فيه والقضاء من العام القادم.
رجل آخر في ليلة مزدلفة ارتد -والعياذ بالله- بسبِّ الله أو رسوله، فالحج باطل، ونقول: الحج بطل، ولا تتمه؛ لأنك مرتد، والردة تبطل الحج.
الجزء: 2 - الصفحة: 3420
إذن التفريق بين الفاسد والباطل في موضعين فقط؛ في الحج وفي النكاح.
قال: (أو في نكاح فاسد) مَثِّلُوا.
في نكاح فاسد كالنكاح بلا شهود أو باطل كنكاح المعتدة.
(أو ملك يمين) يعني: لا يجب على من وُطِئَت بملك يمين أن تُحِدَّ؛ لأنها ليست زوجة، وإنما هي سُرِّيَة؛ فلو جامع السيد أمته ثم مات، فهل عليها إحداد؟
فالجواب: لا؛ لأنه وطئها بنكاح أو بملك يمين.
السيد جامع أمته المملوكة ثم مات عنها، هل يجب عليها الإحداد أو لا يجب؟
طلبة: لا يجب.
الشيخ: لا يجب، ليش؟
لأنها معتدة بملك اليمين، بعد أن مات سيدها تعتد، لكن هي موطوءة بملك اليمين؛ فلا إحداد عليها وهذا صحيح.
ثم قال: (والإحداد اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويُرَغِّبَ في النظر إليها).
هذا ضابطه اجتناب ما يدعو إلى جماعها مثل التزين؛ فالرجل مثلًا إذا دخل بيته ووجد زوجته متجملة بالحلي واللباس ..
و(الإحدادُ) اجتنابُ ما يَدْعُو إلى جِمَاعِها ويُرَغِّبُ في النظَرِ إليها من الزينةِ والطِّيبِ والتحسينِ والْحِنَّاءِ وما صُبِغَ للزينةِ , وحُلِيٍّ وكُحْلٍ أَسودَ، لا تُوتِيا ونحوِها ولا نِقابٍ، وأبيضَ ولو كان حَسَنًا.
(فصل)
وتَجِبُ عِدَّةُ الوَفاةِ في الْمَنْزِلِ حيث وَجَبَتْ، فإن تَحَوَّلَتْ خَوْفًا أو قَهْرًا أو بِحَقٍّ انتَقَلَتْ حيثُ شاءتْ، ولها الْخُروجُ لحاجَتِها نَهارًا لا ليلًا، وإن تَرَكَت الإحدادَ أَثِمَتْ , وتَمَّتْ عِدَّتُها بِمُضِيِّ زَمانِها.
(بابُ الاستبراءِ)
مَن مَلَكَ أَمَةً يُوطَأُ مِثْلُها مِن صغيرٍ وذَكَرٍ وضِدِّهما حَرُمَ عليه وَطْؤُها ومُقَدِّمَاتُه قبلَ استبرائِها، واستبراءُ الحاملِ بوَضْعِها، ومَن تَحيضُ بحَيْضَةٍ، والآيِسَةِ والصغيرةِ بِمُضِيِّ شهرٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3421
ثم قال: (والإحداد: اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها) هذا ضابطه، (اجتناب ما يدعو إلى جماعها) مثل التزين، الرجل -مثلًا- إذا دخل بيته ووجد زوجته متجملة بالحلي واللباس الحسن فهذا يدعوه إلى جماعها، فلا يجوز أن تتزين أو تتجمل بهذا التجمل، (ويرغب في النظر إليها) كذلك فإن المرأة إذا أتت إلى زوجها بثياب جميلة حسنة وعلى يديها الحلي فإنه يرغب النظر إليها، وذلك فيما يأتي.
قال رحمه الله: (إلى جماعها ويرغب في النظر إليها؛ من الزينة، والطيب، والتحسين، والحناء، وما صُبِغ للزينة، وحُلِيٍّ، وكُحْلٍ أسود) هذا هو الإحداد؛ أن تدع ما يأتي: أولًا: جميع ثياب الزينة فلا تتزين، وعلامة ذلك أن يقال: إذا رُئِيَت المرأة قال: هذه المرأة متجملة، كأنما تريد أن تذهب إلى دعوة، أما الثياب العادية التي جرت العادة بأن النساء يلبسنها في البيت ولا يهتممن بها فهذا فلا بأس به.
كذلك أيضًا الطيب هذا من الإحداد؛ أن تتجنب المحادة جميع أنواع الطيب؛ مثل البخور، دهن العود، الورد، وغير ذلك، كل أنواع الطيب، إلا إذا طهرت من الحيض فلا بأس أن تطيب بالعود -يعني البخور- من أجل إزالة الرائحة الكريهة التي أبقاها الحيض.
الطيب يشمل ما ظهر لونه وما لم يظهر، فالعمدة إذن على أيش؟ على الرائحة.
وهنا سؤال: هل الشامبو والصابون الممسك يدخل في هذا أو لا يدخل؟
فالجواب: لا يدخل؛ لأن الشامبو لا يتخذ للتطيب، إنما هو لنكهته ورائحته، وكذلك يقال في الصابون الممسك، وهذا الذي قلناه هنا نقوله أيضًا في الإحرام؛ فالإحرام لا يمنع من استعمال الصابون الممسك، ويسمى عند الناس أيش؟
طالب: معطر.
الشيخ: لا، غير؟
طالب: لوكس.
الشيخ: لوكس، إي نعم.
طالب: لوكس نوع واحد من الأنواع.
الشيخ: على كل حال هو وما شابهه لا يضر.
هذا ما تتجنبه؛ الثياب الجميلة.
الثاني: (الطيب) بجميع أنواعه، ويُسْتَثْنى أيش؟ البخور إذا طهرت من الحيض لإزالة رائحة الحيض.
الجزء: 2 - الصفحة: 3422
الثالث: (التحسين) التحسين يشمل ما يحسن به الوجه؛ مثل المكياج، أو تحمر به الشفاة، أو تكحل به العيون، أو تخضب به الأطراف؛ كالحناء، المهم كل تحسين فإنها ممنوعة منه.
الرابع يقول المؤلف رحمه الله: (ما صُبِغَ للزينة) هذا داخل فيما سبق؛ ثياب الزينة.
الرابع: (الحلي) بجميع أنواعه، سواء كان حُلِي أذن، أو حُلِي رقبة، أو حُلِي صدر، أو حُلِي يد، أو حُلِي رجل، المهم الحلي بجميع أنواعه تُمْنَع منه.
الخواتم تُمْنَع أو لا تُمْنَع؟
طالب: تُمْنَع.
الشيخ: تُمْنَع؛ لأنه حلي.
الساعة تُمْنَع؛ لأن المرأة تتحلى بها، وعليه فنقول: إذا احتاجت إلى الساعة تجعلها في الجيب، لا تجعلها في اليد.
الكحل الأسود داخل في التحسين؛ من جنس المكياج وتحمير الشفاه وما أشبهه، هو أيضًا ممنوع؛ لأنه داخل في التحسين.
التوت قال: (لا تُوتِيًّا) وهو معدن معروف تُكْحَل به العين عن الرمد وغير الرمد، هذا لا بأس به، لماذا؟ لأنه ليس له لون، فما فيه إلا الاستشفاء فقط.
القطرات بأنوعها التي تقطر بالعين جائزة أو غير جائزة؟ جائزة، حتى لو فُرِضَ أنها وسَّعت العين وأزالت حمرة العين لا بأس؛ لأن هذا لا يحصل به التحسين الذي يحصل بالكحل.
التقطير في الأذن جائز.
وقوله: (لا تُوتِيًّا ونحوها) يعني: مما لا يظهر له لون؛ كالصبر، الصبر هذا معروف أنه تُدَاوَى به العين، لكن بمقياس معلوم، وهنا يجب التحرز من زيادته؛ لأنه إذا زاد ربما يعمي العين.
(ولا نقاب) يعني: لا تُمْنَع من النقاب، بخلاف المحرمة فإنها تمنع من النقاب.
وقد ذكر بعض العلماء رحمهم الله أن المحادة تمتنع من النقاب كما تمتنع المحرمة، وهذا غلط؛ لأنه لا قياس في العبادات، وعلى هذا فيجوز للمرأة المحادة أن تنتقب.
البرقع مثل النقاب أو لا؟ ليس مثله؛ لأن البرقع يُعْتَبر من التجمل؛ لأنه أجمل من النقاب، النقاب هو الغطاء نفسه ينقب للعين فقط، لكن البرقع يزخرف ويحسَّن ويوشى بالتلوين، فهو من باب الجمال.
الجزء: 2 - الصفحة: 3423
قال: (وأبيض) يعني: ولا يلزمها اجتناب الأبيض، فللمحادة أن تلبس الأبيض، وفي هذا القول نظر؛ لأن الأبيض في عرفنا زينة ولَّا غير زينة؟ يُعْتَبر زينة، فلا يجوز لبسه.
لعله في عرف المؤلف رحمه الله ومن قبله لا يعتبرونه زينة فأباحوه، لكننا نسلك الخطوط والضوابط دون المسائل الفردية، فنقول: كل شيء فيه تجميل أو جمال فإن على المحادة أن تتجنبه.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة من ذلك؟
الحكمة إظهار حقوق الزوج، وأنها لا ترغب الأزواج، وتبتعد عن كل شيء يدعو إلى خطبتها، هذا هو الحكمة، وكانوا في الجاهلية يفعلون أشياء منكرة عظيمة؛ إذا مات الميت جعلوا المرأة في حفش بيتها -يعني: في خيمة صغيرة سيئة في وسط البيت- ومنعوها من الماء إلا للشرب، ومنعوها من الطيب، حتى إنها تنتن من رائحة القذر ورائحة الحيض، حتى إنها لو تمسحت بعصفور مات العصفور من شدة النتن والرائحة، تبقى سنة كاملة، وإذا انتهت المدة خرجت من هذا الحفش ثم أعطوها بعرة -بعرة: بعيرة، أتعرفون البعرة؟ أكثركم يعرفها، وبعضكم يقول: لا أعرفها، لكن هي روث البعير الذي يخرج من دبره- أعطوها بعرة فرمت بها هكذا، إشارة إلى أن كل ما مر عليها لا يساوى رميها بهذه البعرة، الدين الإسلامي -والحمد لله- ينهى عن هذا العمل ويحرِّمه، لكنه يمنع من التجمل والتعرض للخُطَّاب.
يقول المؤلف في أول الفصل: (مدة العدة) إذا قدَّرنا أن المرأة لم تعلم بموت زوجها إلا بعد مضي خمسة أشهر، فهل تقضي الإحداد أو لا تقضي؟ لا تقضي؛ لأن الإحداد تبع العدة.
ولو قدَّرنا أن المرأة حامل فوضعت بعد موت زوجها بأسبوع -مثلًا- هل يلزمها أن تكمل الإحداد أربعة أشهر وعشرة أيام؟ لا؛ لأن الإحداد تابع للعدة.
ولو مات زوجها قبل أن يخلو بها هل عليها الإحداد؟
طالب: نعم.
طالب آخر: ليس عليها.
الشيخ: عقد على امرأة ومات قبل أن يدخل بها وقبل أن يخلو بها، عليها الإحداد أو لا؟
طلبة: عليها.
طالب: ليس عليها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3424
الشيخ: أليس عليها العدة يا جماعة؟
طلبة: عليها العدة.
الشيخ: طيب، الإحداد يتبع العدة، عليها الإحداد.
طالب: ليس عليها عدة.
الشيخ: عليها عدة، كيف؟
طالب: ليس عليها عدة.
الشيخ: مصمم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لقد نسيت، الموت لا يُشْتَرط له خلوة ولا وطئ ولا شيء، مجرد العقد تجب العدة، ذكرت؟
طالب: ذكرت.
الشيخ: إذا كان كذلك فيلزمها الإحداد؛ لأن الإحداد تابع للعدة.
قال المؤلف رحمه الله: (وأبيض، ولو كان حسنًا) (لو) هذه إشارة خلاف، والصواب أن الأبيض إذا كان يُعَدُّ من ثياب الجمال فإنه لا يجوز للمحادة.
طالب: ( ... ) استعمال المكياج ما حكمه؟
الشيخ: المكياج إذا قال الأطباء: إنه لا يضر فلا بأس به، إلا لمن تُمْنَع من التجمل كالمحادة، لكن ذُكِرَ لي أنه يؤثر على البشرة بعد زمن بعيد، فإذا ثبت هذا صار حرامًا.
طالب: جزاك الله خيرًا، الشامبو والصابون من جمال رائحته قد يدعو إلى جماع المرأة؟
الشيخ: واللهِ يمكن إذا كان شابًّا، ما أدري، يقول: الشامبو والصابون إذا كان له رائحة قد يدعو إلى الجماع، فأقول: إذا كان شابًّا يمكن، والشاب كل شيء يدعو للجماع ما فيه.
لكن على كل حال هل يُعَدُّ هذا طيبًا؟ لا يُعَدُّ طيبًا، فالطيب ما عدَّه الناس طيبًا، وهذا لا يعد طيبًا، والأصل الحل أو التحريم؟ الحل، إذن لا يمكن أن نحرم شيئًا الأصل فيه الحل إلا بدليل، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: 116].
طالب: لو خرجت امرأة مسلمة بهذه الرائحة وهي تُشَم منها وفُتِنَ الناس بها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3425
الشيخ: إي، هذا لا يجوز، يعني -مثلًا- لو ادهنت بالشامبو أو غسلت بالصابون وظهرت الرائحة؛ بحيث لا تمر من عند الرجال إلا يشمون رائحتها، فهنا نمنعها؛ لأجل الفتنة؛ ولذلك ربما نمنعها من إظهار الخاتم، بل قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 31]، قال العلماء: المرأة يكون عليها خلخال في الساق -زي السوار في اليد- فإذا مشت وضربت برجلها سمعت في الحال، فهذا حرام؛ لأنه فتنة.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- هل نمنع المرأة أن تخرج من بيتها في الإحداد؟ الشيخ: إي نعم، سيأتينا في الفصل اللي بعده اللي ذكره المؤلف.
طالب: إذا كان النقاب للزينة يا شيخ؟
الشيخ: للزينة يُمْنَع؛ يعني لو فُرِضَ أنه جاء وقت من الأوقات وصار النقاب يُعْتَبر من الزينة منعناه؛ لأن عندنا قواعد عامة.
النقاب هل تقولون: إنه حرام أو غير حرام؟
نقول: الأصل أنه غير حرام؛ لأنه يُسْتَعمل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ بدليل أنه قال في المحرمة: «لَا تَنْتَقِبْ» (1)، لكن في وقتنا الحاضر لا ينبغي أن يُفْتَى بجوازه، نمسك؛ لأن النساء توسعن في ذلك، صارت المرأة تنتقب أول ما تنتقب تظهر العين أو نصفها، ثم تظهر العين كلها، ثم العين والجفن، ثم العين والحاجب، ثم العين وبعض الجبهة، ثم اللثام يعني هكذا، توسعن.
والشيء المباح إذا خِيفَ أن يقع الناس في محرم يُمْنَع وإن كان في الأصل مباحًا، إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع ما هو أشد من هذا؛ لمَّا كثر الطلاق الثلاث في عهده -والطلاق الثلاث بفم واحد محرم؛ لأنه استعجال لمنع الإنسان نفسه مما أحل الله له- رأى أن يمضيه عليهم، وأن يمنع الرجل من مراجعة زوجته مع أن له الحق في المراجعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3426
مثال ذلك قال رجل لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، هذا حرام في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، كان هذا الطلاق واحدة، لكن كثر الطلاق فرأى عمر بسياسته الحكيمة أن يمنع الزوج من المراجعة، قال لك: أنت اللي ضيقت على نفسك، ومنعه من المراجعة، فتبعه الناس في هذا وقالوا: إن الرجل إذا طلَّق زوجته ثلاثًا بفم واحد حرمت عليه.
والصواب أن نقول: لا نقول: حرمت عليه، بل نقول: مُنِعَ من مراجعتها؛ لأن المنع هنا سياسة، انتبهوا لهذه النقطة
المفيدة، عمر رضي الله عنه لم يمنع الرجل من الرجوع إلى زوجته إذا طلقها ثلاثًا لأنها تحرم عليه، لكن منعه لئلا يعتاد الناس هذا العمل، أرجو الانتباه؛ ولهذا قال: أرى الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم (2).
الآن في عهدنا كثر الطلاق في الحيض، وكثر الطلاق في طهر جامع فيه، كثر كثرة عظيمة، لماذا؟ لأن الناس أفتوا بأن الطلاق في الحيض لا يقع، فياليتنا نقول: الطلاق في الحيض واقع؛ لأنك أنت الذي اخترته لنفسك فيقع، وإن كان في الأصل لا يقع فإننا نوقعه.
هذا إذا قلنا بعدم وقوع الطلاق في الحيض، ولكن القول بهذا يعتبر شاذًّا بالنسبة لأقوال العلماء لا بالنسبة للدليل، لكن بالنسبة لأقوال العلماء أكثر الأمة من أئمة وتابعين يقولون: إن الطلاق في الحيض واقع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3427
ولقد رأيت كلامًا للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مجلة الجامعة الإسلامية يقول بوقوعه في الحيض، ويعلل ذلك بأن الذين يطلقون في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يُسْأَلُون هل طلقوا في الحيض أم لا؟ بل يمضى عليهم الطلاق، لكنه في النهاية أخيرًا صار يُفْتِي بعدم الوقوع، لكن هذه الفتوى أتدرون ماذا حصل منها؟ حصل منها التلاعب وكثر الطلاق في الحيض ولم يتقوا الله عز وجل، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2]، وهذا لم يتق الله، فلا ينبغي أن نجعل له مخرجًا؛ لأنه هو الذي ضيق على نفسه.
صار الناس الآن يتلاعبون؛ يأتي الإنسان قد طلَّق زوجته قبل عشرين سنة في حيض، ثم طلقها الثانية، ثم طلقها الثالثة، إذا طلقها الثالثة ماذا يكون؟ تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فيأتي إذا ضاق به الأمر يقول: أنا طلقتها الثالثة، لكن الأولى في حيض، علشان إيه؟ علشان يقول: ما مضى إلا طلقتان، فأريد الرجوع، مثل هذا نفتيه -وأخبركم عن نفسي- نفتيه بأن الطلاق الأول الواقع في الحيض واقع ويحسب عليه، لماذا؟ لأن الرجل التزمه، وأنا أعتقد أنه لو انتهت عدتها في ذلك الوقت ثم تزوجها رجل آخر لم يأت الزوج ويقول: أنت تزوجت امرأتي، أبدًا، ولا يعرف الناس القول بأن الطلاق في الحيض لا يقع، فصار تلاعب من الناس، الآن يأتيك المحضر الذي يؤخذ على الزوج فيقال: هل طلقتها بعد الدخول أو قبل؟ قال: بعد الدخول، طلقتها في حيض أو طهر؟ قال: في طهر، جامعتها فيه أم لم تجامع؟ قال: جامعت، وهلم جرًّا، سلسلة من الاستفهامات التي أجزم جزمًا أنها لم تكن في عهد الصحابة، وأن الأصل في الطلاق أنه واقع صحيح، لا حاجة أن نسأل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3428
أرأيتم لو جاء إنسان وقال: مات ميت عن أمه وأبيه وأخيه، هل نقول: هل الأب كافر ولَّا مسلم؟ لأنه إذا كان كافرًا صار التعصيب لأخيه، وإذا كان مسلمًا سقط الأخ، هل نحن نسأل هذا السؤال؟ أبدًا، والأصل عدم وجود المانع، فلا حاجة أن نسأل المطلقين هذه الأسئلة التي لا نهاية لها والتي لا أصل لها، وإنما تفتح باب الحيل على المطلقين؛ لذلك لو تبنى المفتون الآن الذين يفتون بعدم وقوع الطلاق في الحيض، لو تبنوا الإلزام به أخذًا بسياسة عمر رضي الله عنه، أو تبنوا أن الطلاق الثلاث واقع أخذًا بسياسة عمر؛ لأنه كثر فيهم.
الآن الواحد يدخل إلى بيته يريد فنجان شاي يقول للزوجة: أعطينا شاي، الغاز خالص ما فيه غاز، منين الشاي؟ أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: ما فيه شاي.
الشيخ: ما فيه شاي، أبطأت المرأة ( ... ) وين الشاي؟ قالت: واللهِ الغاز ما فيه شيء، ما فيه غاز، بعدما ولعت النار طفي، قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق يا بنت فلان بنت فلان ( ... )، نقول: واللهِ بردٌ وسلامٌ، روح أنت طلقت في غضب ما عليك شيء، أو نقول: أنت طلقت ثلاثًا ( ... ) واحدة، ما يصير هذا، لا تلاعب بالطلاق، تلاعب بالحدود.
كنت أراجع شرح ابن رجب رحمه الله على حديث قال: «لَا تَغْضَبْ» (3) فرأيته يشدد في أن الطلاق يقع في الغضب ويقول: لا بد أن يقع في الغضب، ولا نسأل شديد ما شديد، خلافًا لشيخه ابن القيم رحمه الله ولشيخ شيخه ابن تيمية رحمه الله فإنهما يريان أن الغضب إذا كان الإنسان لا يملك نفسه معه لا يقع به الطلاق؛ لأنه كالمكره، لكن هو لا، سدَّ الباب نهائيًّا، ولعله يريد سد الذرائع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3429
فالمهم -يا إخواننا- هذه المسائل يجب على طالب العلم ألَّّا ينظر إلى العلم نظرة خبرية فقط أو علمية فقط، يجب أن ينظر إليه نظرة علم وتربية، إذا كان الإفتاء بهذا القول يفسد الناس وإن كان يعتقده صحيحًا فله أن يمنع، أليس النبي صلى الله عليه وسلم يعتقد أن هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم هو الصحيح؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ومع ذلك امتنع منه خوفًا من الفتنة (4)، هذه المسائل تخفى على كثير من طلبة العلم ولا يبالون، وهذا غلط.
وما أحسن ما قال ابن مسعود: كيف بكم إذا كثر القراء وقلَّ الفقهاء؟ (5)، القراء من عندهم علم، الفقهاء من عندهم حكمة، إذا كثر القراء لكن ما فيه حكمة صار ضرر عظيم، بل إننا رأينا الآن في وقتنا هذا من يفتي بأقوال شاذة بعيدة عن الصواب؛ تسهيلًا على الناس، وهذا غلط، الواجب حمل الناس على ما تقتضيه الأدلة، وإن شق عليهم في أول مرة فسيكون في النهاية سهلًا، هذه في الواقع نصيحة ينبغي لطالب العلم أن يجعلها على باله وألَّا يهمل النظر للمستقبل.
يجيء إنسان مطلق الثالثة وواقع الآن في الفخ -كما يقولون- ثم يجيء يستفتي: واللهِ أنا طلقت زوجتي منذ عشرين سنة في حيض، يريد منا أن نقول؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: لا طلاق، وبعد خمس سنوات طلقتها في طهر جامعتها فيه، يريد أن نقول؟
طلبة: لا طلاق.
الشيخ: لا طلاق، وهذه المرة غضبت غضبًا شديدًا وطلقتها، يريد منا أن نقول: لا طلاق، معناه كل الطلقات راحت، هذا ما هو صحيح أبدًا، وأنا ألزم من طلق في حيض بعد انتهاء العدة ألزمه بوقوع الطلاق، وأقول: أرأيت لو أن أحدًا تزوجها بعد انقضاء عدتها أتخاصمه وتقول: هذه زوجتي؟ ما تقول هذا، أما لما ضاقت بك الحيل تجيء ( ... ) تقول: واللهِ طلقت بحيض، ما هو صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3430
أحد علماء نجد البارزين -وأظنه عبد الله بابطين رحمه الله- قال: إن الناس إذا طلقوا ثلاثًا وضاقت بهم الحيلة، جاء الزوج وقال: واللهِ هذا النكاح تزوجتها بشاهدين أحدهما يشرب الدخان، علشان أيش؟ علشان إنسان ما هو بعدل، فيكون النكاح فاسدًا، والطلاق في النكاح الفاسد ما يقع، هكذا يريد، فيقول: الآن صاروا يتحيلون بطريق آخر: طلقتها في حيض، طلقتها في طهر جامعتها فيه، طلقتها في غضب شديد، فصار العامي الذي لا يعرف كوعه من كرسوعه في هذه المسألة فقيهًا كفقه شيخ الإسلام ابن تيمية، كله من أجل الهوى.
ولا أدري هل تعرفون الكوع من الكرسوع؟
طالب: نعم.
الشيخ: تعرفه؟
طالب: نعم.
الشيخ: أخشى أن تقول: هل يلزمها العدة؟ !
من يعرف الكوع من الكرسوع، تعرفه؟ اللي يعرفه من قبل لا يقول: عرفته، لكن الذي لم يعرفه حتى الآن يجب أن يعرفه؛ لأن هذا مثل شائع: فلان لا يعرف كوعه من كرسوعه.
ما أدري عبد الله القاضي يعرفه ولَّا لا؟
نسيته طيب الناسي كغير العالم.
يالا يا عدنان تعرفه؟
طالب: ما أعرفه.
الشيخ: ما تعرفه؟ تعريفه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: تظن، أعطنا الظن، ويجي وراه العلم، وين؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي ما عرفته، هذا المرفق.
طالب: لا، هذا يا شيخ.
الشيخ: وين؟
طالب: اللي عند الساعة.
الشيخ: عند الساعدة دي.
طيب، كم عند الساعة ويش لون؟ يعني اليد هذا، الآن هذه يدك، هذا؟
طالب: الكوع.
الشيخ: هذا الكوع، أين الكرسوع؟
طالب: هذا.
الشيخ: هذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: تمام، الرسغ ما بينهما، وفي هذا يقول:
وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطَ
وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ
أعرفت هذا يا يحيى الكوع من الكرسوع، أين هو؟ طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3431
الشيخ: إي نعم، طرف الذراع مما يلي الإبهام، الكرسوع طرفه مما يلي الخنصر، الرسغ ما بينهما الوسط؛ ولهذا تجدون في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يضع يده إذا قام في الصلاة على الرسغ هذا (6). طالب: البوع يا شيخ؟ الشيخ: البوع: العظم الذي يلي إبهام الرجل، وهو غير الكعب الذي يلي الإبهام.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ
طالب: شيخنا -حفظكم الله- ما حكم استعمال الكحل للرجال هل يعتبر سنة؟
الشيخ: يسأل عن استعمال الكحل للرجال؛ أما الشاب فلا نرى أن يكتحل إطلاقًا؛ وذلك لما يحصل به من الفتنة ولما يُسَاء به الظن، فلا يجوز للشاب أن يكتحل، والعلة ظاهرة: لأنه يُسَاء به الظن وتحصل به الفتنة، أما بالنسبة للشيخ الكبير فلا بأس، لكن ليس بسنة، وأما الاكتحال بالصبر وشبهه مما لا يحصل به لون فهذا لا بأس به للرجال؛ الشباب والكبار.
طالب: الشاب الأمرد ولَّا الشاب العادي؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: يعني الأمرد ولَّا الكبير فوق البلوغ؛ يعني الشاب الكبير، ثلاثينات.
الشيخ: هذا ما هو شاب، كم عمرك أنت؟
الطالب: سبعة وعشرين.
الشيخ: إذن تريد أن تكون شابًّا؟ !
الطالب: عنفوان الشاب يا شيخ.
الشيخ: المهم أن مرادنا بذلك الأمرد؛ لأنه هو الفتنة.
الطالب: وغيره ممكن يستعمله؟
الشيخ: أما الشاب اللي تعتبره أنت شابًّا -وهو كهل- فهذا لا بأس به ( ... ) إن شاء الله.
طالب: ( ... )
الجزء: 2 - الصفحة: 3432
الشيخ: العدسات اللاصقة إذا لم يكن على العين ضرر؛ يعني: قرر الأطباء ما فيه ضرر ولم تخرج العين عن مشابهة أعين البشر لا بأس بها، أحيانًا تكون المرأة في سواد عينها شيء من البياض أو الشهبة أو ما أشبه ذلك، فتضع اللاصقة البنية تتجمل بها، هذه مثل الكحل؛ لأنها تزول ما فيها تغيير لخلق الله، لكن يُشْتَرط أن يقرر الأطباء أنها لا تضرر العين، أما تلك المرأة التي إذا لبست ثوبًا أخضر جاءت لاصقة خضراء، أحمر لاصقة حمراء، أو تأتي بلواصق تجعل عينها كعين القط، أتعرف القط؟
طالب: أعرفه.
الشيخ: ما هو؟
طالب: القطوة.
الشيخ: القطوة، وتعرف بالهِرِّ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الهرة: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ» (7)، وتعرف لغةً بالبس، البس؛ يعني: الهرة، إي نعم.
طالب: شيخنا -الله يحفظك- متى يبدأ الإحداد؟ وهل لو علمت المرأة بعد موت الزوج بشهر هل ينقص من المدة؟
الشيخ: سبحان الله! أين أنت؟ هذا شرحناه بالأمس.
الطالب: بالأمس ( ... ).
الشيخ: شوف العبرة بالعدة من وقت الفراق بموت أو حياة، فلو طلَّق الرجل زوجته وهي لم تعلم وحاضت بعد طلاقه ثلاث حيض انقضت العدة.
الطالب: والإحداد؟
الشيخ: وكذلك الإحداد تَبَعُ العدة، لو مات زوجها الغائب ولم تعلم إلا بعد مضي خمسة أشهر فلا عدة ولا إحداد؛ لأن الإحداد تابع للعدة.
الطالب: لو علمت بعد شهر؟
الشيخ: بقي لها ثلاثة أشهر وعشرة أيام.
طالب: طيب، آخر اليوم بغياب الشمس؟
الشيخ: إي نعم، معناه أنه يكمل اليوم.
طالب: تركيب الأظافر؟
الشيخ: تركيب الأظافر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش لون؟ يعني -مثلًا- ظفر انجشع وحطت بداله؟
الطالب: لا يا شيخ، الآن تباع الأظافر هذه ( ... ).
الشيخ: سبحان الله! أهكذا وُجِد؟ ! أهكذا وُجِد؟ !
طلبة: إي نعم.
طالب: بلاستيك يا شيخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3433
الشيخ: هذا خلاف الفطرة، إذا كان الظفر الأصلي مأمور الإنسان بتقليمه كيف يضاف إليه شيء آخر؟ ! أرى أن هذا غير جائز وأنه يجب التشديد فيه، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الظُّفُرُ مُدَى الْحَبَشَةِ» (8) محذرًا من إطالة الأظفار، ولكن تأكدْ لي أن هذا صحيح أو لا.
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟
طالب: يركب تركيبًا -يا شيخ- ما هو الظفر الحقيقي.
الشيخ: إي، خابر، فهمت، يعني مثل الوصل؛ مثل وصل شعر الرأس، اللهم عافنا.
طالب: فصل
وتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت، فإن تحولت خوفًا، أو قهرًا، أو بحقٍّ؛ انتقلت حيث شاءت، ولها الخروج لحاجتها نهارًا لا ليلًا، وإن تركت الإحداد أثمت، وتمت عدتها بمضي زمانها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن المرأة المحادة تتجنب أشياء؟
طالب: الطيب.
الشيخ: الطيب بجميع أنواعه، سواء كان ملونًا أو غير ملون، وسواء كان بخورًا أو دهنًا، هذه واحدة.
الثانية؟
طالب: الزينة، الملابس الزينة.
الشيخ: الملابس الجميلة.
ثالثًا؟
طالب: الحلي بجميع أنواعه.
الشيخ: الحلي بجميع أنواعه، نعم.
طالب: الحناء.
الشيخ: لا، هات عبارة عامة أعم من الحناء، التحسين بالحناء، والكحل، والمكياج، وما أشبهها، ( ... )؟
طالب: الملابس البيضاء.
الشيخ: لا، ذكرناها، الملابس الجميلة عامة.
طالب: النقاب.
الشيخ: النقاب لا.
طالب: البرقع.
الشيخ: لا، هذا داخل في الثياب.
طالب: ما يدعو إلى جماعها.
الشيخ: لا، هذا للاحتياط عمومًا، هذه أربعة أشياء تتجنبها المحادة.
الخامس: الخروج، من البيت وقد ذكره في الفصل التالي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3434
(فصل: وتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت) يعني: حيث وجبت العدة؛ يعني أن المرأة إذا وجبت عليها عدة الوفاة وهي في منزل وجب أن تعتد في نفس المنزل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، فتبقى في المنزل الذي مات زوجها وهي فيه ساكنة، أما إذا كان وجودها في البيت أو في المكان حين مات زوجها لعارض فإنها تعود على مسكنها الأصلي.
مثاله: امرأة ذهبت تزور جيرانها، ثم أتاها خبر موت زوجها، هل تبقى عند جيرانها أو ترجع إلى منزلها الأصلي؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، ترجع إلى منزلها الأصلي؛ لأن وجودها الآن عارض.
كذلك لو فُرِضَ أن امرأةً مع زوجها تمرضه في المستشفى، ومات الزوج وهي في المستشفى، هل نقول: تبقى في المستشفى؛ لأن زوجها مات وهي فيه، أو ترجع إلى مسكنها الأصلي؟ ترجع إلى مسكنها الأصلي.
فإن مات زوجها ولها مسكنان فلها أن تعتد في أيهما شاءت؛ إما الشمالي أو الجنوبي.
فإن مات زوجها وهي في زيارة لأهلها لمدة شهر أو شهرين -مثلًا- ثم مات الزوج أثناء المدة، فهل ترجع إلى مسكنها الأصلي أو تبقى عند أهلها؟ أجيبوا يا جماعة.
طالب: ترجع الى مسكنها ..
الشيخ: الأول، ترجع إلى منزلها الأول؛ لأن وجودها عند أهلها عارض وليس هو الأصل.
فإن مات زوجها وهي في البر قد سافرت معه، فهل تبقى في البلد الذي كانت فيه أو ترجع إلى بلده الأصلي؟
قال العلماء: إن كانت لم تتجاوز مسافة القصر عادت إلى منزلها الأصلي، وإن تجاوزت القصر خيرت بين أن تبقى في البلد الذي سافرت إليه، أو ترجع إلى بلدها الأصلي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3435
(فإن تحولت خوفًا) (تحولت) أي: تحولت عن منزلها الذي مات زوجها وهي فيه، (خوفًا) خوفًا على أيش؟ خوفًا على نفسها، أو على مالها، أو على عقلها؛ بأن لم يكن معها أحد في البيت فخافت إن بقيت في البيت أن تستوحش، أو خافت من اللصوص، أو خافت من الفجرة، فلها أن تنتقل عنه.
إذن كلمة (خوفًا) مقيدة ولَّا غير مقيدة؟
طالب: غير مقيدة.
الشيخ: غير مقيدة، سواء خوفًا على عرضها، أو على عقلها، أو على مالها، فإنها تتحول.
قال المؤلف رحمه الله: (انتقلت حيث شاءت) انتقلت من مكانها الأصلي إلى أي مكان شاءت.
وقال بعض أهل العلم: يجب أن تنتقل إلى أقرب مكان لمنزلها الأول، ولكن الصواب ما قاله المؤلف؛ أنها تنتقل حيث شاءت؛ لأنه لما سقط عنها البقاء في هذا المنزل لتعذر البقاء فيه صارت حرة تنتقل حيث شاءت.
يقول: (تحولت خوفًا، أو قهرًا) يعني: أُجْبِرَت على أن تخرج فلها أن تعتد حيث شاءت.
(أو بحقٍّ) بأن كان البيت مستأجرًا، فتمت مدة الإجارة وهي في الإحداد، وقال لها صاحب البيت: اخرجي، فهنا تحولت بحق أو بغير حق؟
طلبة: بحق.
الشيخ: بحق، تنتقل حيث شاءت؛ لأنه سقط عنها الوجوب؛ لتعذر بقائها في المكان.
ثم قال: (ولها الخروج لحاجتها نهارًا لا ليلًا) (لها) الضمير يعود على المرأة المحادة، (الخروج) يعني: من المنزل، (لحاجتها نهارًا لا ليلًا) ووجه التفريق بين الليل والنهار أن النهار آمن من الليل؛ لأن الليل إذا خرجت فيه المرأة وحدها فعليها خطر، لكن النهار الناس يمشون في الأسواق والخوف عليها ضعيف؛ فلذلك أبيح لها أن تخرج للحاجة.
والحاجة لها أمثلة:
منها: أن تخرج لتشتري حوائج البيت من الخبز واللحم وما أشبه ذلك فلها أن تخرج.
أن تخرج لرعي غنمها إذا كان لها غنم وليس لها راع، فتخرج ترعى الغنم في النهار وترجع في الليل.
ومنها: أن تكون مدرسة فتخرج للتدريس في النهار.
ومنها: أن تكون دارسة فتخرج للدراسة في النهار لا في الليل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3436
أما الليل فلا تخرج من المنزل إلا للضرورة، والضرورة معناها أن بقاءها في المنزل يكون فيه ضرر عليها.
مثال الضرورة: أن تكثر الأمطار وتخاف أن يسقط عليها البيت، ها الضرورة.
ومن الضرورة: أن يتسور عليها اللص فتهرب.
ومن الضرورة: أن تشتعل النار في جانب البيت فتخرج.
فصار خروج المرأة المحادة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ألَّا يكون ضرورة ولا حاجة، فالخروج حرام.
الثاني: أن يكون حاجة لا ضرورة، فهو جائزٌ في النهار ممنوعٌ في الليل.
الثالث: أن يكون للضرورة، فهذا جائز في الليل والنهار.
فإن قال قائل: هل من الحاجة أن تخرج لتزور أباها المريض؟
فالجواب: نعم، هذه حاجة؛ حاجة من جهة الأب، ومن جهتها هي.
أما هي فستكون قلقة؛ حيث لم تر بعينها حال أبيها، وأما أبوها فإن قلب الوالد يَحِنُّ إلى الولد، فنقول: لا بأس أن تخرج لتعود أباها إذا مرض، أو أمها، أو أحدًا من أقاربها.
لكن متى في النهار ولَّا في الليل في النهار؟
طلبة: في النهار.
الشيخ: في النهار، هل من الحاجة إذا خرج أهلها إلى البر للنزهة أن تخرج معهم؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس من الحاجة، حتى لو قالوا: يا فلانة، اخرجي معنا، فليس من الحاجة.
هل من الحاجة إذا ضاق صدرها أن تخرج إلى جارتها في البيت؟
الجواب: نعم، من الحاجة؛ لأن أزمة ضيق الصدر قد تطور إلى مرض نفسي، فإذا ضاق صدرها وخرجت إلى جارتها لتستأنس معها في النهار خاصةً فلا بأس.
المهم أنه يجوز لها أن تخرج لحاجتها نهارًا، وللضرورة ليلًا.
قال: (وإن تركت الإحداد أثمت، وتمت عدتها بمضي زمانها) يعني: لو أن المرأة التي تُوفِّي عنها زوجها صارت تلبس الثياب الجميلة وتتطيب وتتحلى وتتزين وتخرج من البيت، وانتهت أربعة أشهر وعشرة أيام تنتهي العدة أو لا؟ تنتهي، فليس الإحداد شرطًا لتمام العدة، ولكن تكون آثمة؛ لأنها تركت الواجب عليها، وترك الواجب يستحق الإثم.
إذن لو سألك سائل: هل الإحداد شرط في إنقضاء العدة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3437
فالجواب: لا، فلو لم تحد وانتهت المدة خرجت من العدة، ولكنها آثمة.
باب الاستبراء
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الاستبراء) الاستبراء: طلب البراءة، والمراد: طلب ببراءة الرحم من الحمل، هذا هو الاستبراء.
قال: (من ملك أمة يُوطَأُ مثلها من صغير) (مِن صغير) بيان للمالك، (من صغيرٍ وذَكَرٍ وضِدِّهِمَا) ضد الصغير: الكبير، وضد الذكر: الأنثى، (حَرُمَ عليه وطؤها ومقدماته قبل استبرائها).
(من ملك أمة يُوطَأُ مثلها) وهي التي تَمَّ لها تسع سنين، (حَرُمَ عليه وطؤها ومقدماته) سواء كان المالك صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، لكن الأنثى لا تطأ، وسواء ملكها أيضًا من صغير أو من كبير أو من ذكر أو من أنثى فإنه يجب عليه استبراؤها، سيأتي ذكر الاستبراء.
إذن (من صغير وكبير) يصح أن نفسرها بالمالك وبالمملوك منه؛ أي: بالبائع والمشتري منه.
مثال ذلك: رجل اشترى يُوطَأُ مثلها من صغير يجب عليه أن يستبرأها؛ أعني: المشتري يستبرؤها، ليش؟ خوفًا من أن يكون في بطنها ولد.
فإذا قال قائل: إذا ملكها من صغير هل يمكن الصغير أن يطأها؟ يعني: ولد صغير له سبع سنوات عنده أمة ورثها من أبيه -مثلًا- وباعها هذا الصغير؛ باعها وليه، فهل يجب على المشتري الاستبراء؟
يرى المؤلف أن الاستبراء واجب؛ لأنه ملكها؛ تجدد ملكه عليها.
والقول الثاني أنه لا يجب الاستبراء في هذه الحال؛ لأن الاستبراء طلب براءة الرحم من الولد، وهنا لا يمكن أن تلد، حتى لو وطئها هذا الصغير ما ولدت منه.
لو قال قائل: الصغير لا يمكن أن تحمل منه، لكن أَلَا يمكن أن يكون أحد زنى بها؟
فالجواب: بلى، لكن الأصل عدم ذلك.
كذلك لو ملك أمة من امرأة -إنسان اشترى جارية من امرأة- فإنه يجب استبراؤها مع أن المرأة هل يمكن أن تجامع الجارية؟ لا يمكن أن تجامعها، حتى لو حصل سحاق ما يمكن أن تحمل من ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3438
والقول الثاني أنه إذا ملكها من امرأة لم يجب عليه استبراؤها؛ لأن الاستبراء إنما هو لطلب براءة الرحم، وهنا لا حاجة إليه.
لو ملكها رجل، لكن الرجل قال له: إنه لم يجامعها، أو قال: إنه استبرأها بحيضة قبل البيع، فهل يستبرؤها المشتري أو لا؟
إذا كان البائع غير ثقة فإنه يجب على المشتري استبراؤها؛ لأنه لا يثق من قول البائع، وأما إذا كان البائع ثقة يخاف الله عز وجل وقال للمشتري: إنه استبرأها، أو قال للمشتري: إنه لم يجامعها فالمذهب يجب استبراؤها.
والقول الثاني: لا يجب، وهو الراجح؛ لأن المقصود من الاستبراء أيش؟ العلم ببراءة الرحم، وهنا نعلم أنه ليس بها حمل؛ لأن الرجل الذي باعها أخبر بأنه استبرأها أو أخبر بأنه لم يجامعها، ونحن نثق بقوله، فلا استبراء.
يقول رحمه الله: (حرم عليه وطؤها ومقدماته) أما وطؤها فلا إشكال، وأما مقدماته فلسد الذريعة؛ سدًّا للذريعة، أتعرفون مقدمات الوطء؟ كالتقبيل، والغمز، والضم، وما أشبه ذلك، قالوا: يحرم عليه مقدمات الجماع؛ سدًّا للذريعة؛ لأنه ربما لا يملك نفسه، إذا قويت شهوته لا يملك أن يجامع.
ولكن الصواب أن مقدمات الجماع لا تحرم؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6]، وهذا مالك لليمين، وهذا يمين مالكه، لكن يمنع من الجماع خوفًا من أن يكون في بطنها حمل، فالصواب أن مقدماته لا تحرم.
نعم، لو فُرِضَ أن الرجل ضعيف العزيمة ويخشى على نفسه خشية محققة لو أنه أتى بمقدمات الجماع أن يجامعها، فحينئذٍ نمنعه، ويكون لكل مسألة حكمها.
فإن قال قائل: كيف لا تحرم مقدماته مع تحريم الوطء؟
نقول: هذا الحائض يحرم وطؤها ولا يحرم مقدمات الجماع، هذه الصائمة يحرم وطؤها ولا تحرم مقدمات الجماع؛ كالتقبيل، وما أشبه ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3439
(ومقدماته قبل استبرائها) واستبراء الحامل بوضعها؛ يعني: بوضع الحمل، ومن تحيض بحيضة، والآيسة والصغيرة بمضي شهر، فإذن الاستبراء ثلاثة أقسام:
استبراؤها بوضع الحمل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة أوطاس: «لَا تُوطَأُ ذَاتُ حَمْلٍ حَتَّى تَضَعَ» (9).
الحائض استبراؤها بحيضة؛ لأن الحامل عادة لا تحيض.
التي لا تحيض لصغر أو إياس تستبرأ بشهر؛ لأن الله تعالى جعل الشهر بدل الحيضة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4].
فهذه أحوال الاستبراء، ثلاث فقط؛ الحامل بوضع الحمل، الآيسة أو الصغيرة بشهر، التي تحيض بحيضة، والله أعلم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُوطَأُ ذَاتُ حَمْلٍ حَتَّى تَضَعَ»، هل هذا الحديث يدل على أن الحامل لا توطأ؟
الشيخ: لا، الحامل من الغير؛ لأن هؤلاء النساء مسبيات قد حملن من أزواجهن، فقال: لا توطأ حتى تضع، وأما زوجة الإنسان فله أن يطأها إلا أن يضرها، إن ضرها فلا يجوز، وأما بدون ضرر فهي زوجته.
طالب: شيخ، إذا وُجِدَ مع المحتدة محرم هل لها أن تخرج في الليل؟
الشيخ: لا تخرج إلا لضرورة.
طالب: ( ... ) ضوابط الحاجة؟
الشيخ: الحاجة: ما دون الضرورة؛ يعني -مثلًا- الكماليات هذه حاجة.
طالب: بارك الله فيك، ذكرنا أنه إذا مات زوجها ولها مسكنان فلها أن تعتد في أيهما شاءت ( ... ) مرة هنا أو مرة .. ؟
الشيخ: لا بأس ( ... ) -مثلًا- أسبوع وهذا أسبوع، أو هذا في الليل وهذا في النهار.
طالب: يا شيخ، ( ... ) بيتها -مثلًا- في وسط المدينة، ومعروف في وقتنا الحاضر أن المدينة في الليل يكون السكان أكثر من النهار، فهل لها أن تخرج في الليل؟
الشيخ: ما تخرج إلا للضرورة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3440
طالب: شيخنا -الله يحفظك- بالنسبة لتزيين الأسنان أو تركيب الأسنان، الآن يركبون الأسنان ويزينونها، فهل هذا يحرم أيضًا على ( ... )؟
الشيخ: الظاهر أنه يحرم حتى تنتهي العدة، كل شيء فيه تجميل هو حرام إلى أن تنتهي العدة.
طالب: هل يتعبر متعدد المساكن مساكن الأبناء؟
الشيخ: لا، إذا صار لها مسكن مع زوجها ولها أبناء لهم مساكن، ما تخرج لأبنائها، تبقى في بيت الزوج.
طالب: وطء الحامل هل يؤثر في اختلاط النشأة؟
الشيخ: لا، ما يؤثر، الحامل -إن شاء الله عز وجل- على حسب ما أراده سبحانه وتعالى ولا يؤثر، لكن قال الإمام أحمد: إن وطء الحامل يزيد الحمل نموًّا ويزيد في سمعه وبصره، وقد جاء في الحديث: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (10).
طالب: المعتدة ( ... ) أجبرها والديها بالانتقال إليهما، فما الحكم في هذا؟
الشيخ: لا يجوز، يقول: إن المرأة المعتدة إذا أجبرها أبوها أو أمها على أن تسكن مع أبيها أو أمها، فنقول: لا يجوز لهما إجبارها، وإذا أجبراها لم يلزمها أن توافق، لكن إذا أكرهاها فحينئذٍ لا ذنب عليها.
طالب: المحتدة إذا كان في عرفكم بلباس معين؛ يعني نوع من اللباس، هل تلتزم بلباس معين؟
الشيخ: لا، المعتدة لا تعتد بلباس معين، خلافًا لما كان الناس يعتادونه فيما سبق، يقولون: إن المرأة المعتدة من الوفاة لا بد أن تلبس ثوبًا أسود أو أخضر، وهذا لا أصل له، تلبس ما شاءت من الثياب إلا ثياب الزينة.
طالب: جزاكم الله خيرًا، المعتدة إذا كانت في بلاد الغربة -يعني ما فيها أهلها- هل تعتد .. ؟
الشيخ: ساكنة ولا طارئ؟
الطالب: ساكنة.
الشيخ: إي نعم، تبقى في مكانها حتى تنتهي العدة، ما لم تخف على نفسها.
طالب: حكم استعمال الحناء للمعتدة؟
الشيخ: من الوفاة؟
الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: هل الحناء تحسين أو لا؟
الطالب: للضرورة يا شيخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3441
الشيخ: هل الحناء تحسين أو لا؟ ما أسألك عن الضرورة وعدم الضرورة.
الطالب: نعم، تحسين.
الشيخ: إذن ما يجوز.
طالب: للعلاج يا شيخ؟
الشيخ: إذا كان للعلاج فهذا لا بأس به، على أني في شك من هذا؛ لأن امرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالت: إن ابنتها مات عنها زوجها وإنها تشتكي عينها، أفنكحلها؟ قال: «لَا» (11)، فقياس هذا على كحل العين للعلاج أقرب من الإباحة، ولكن لكل حالة حكمها؛ قد تكون هناك ضرورة بينة والعلاج بالحناء أيضًا ناجع، فهنا نجيزه؛ مثل لو كانت يدها -مثلًا- تتقشر، الجلد يتقشر والحناء تخفف، فهذا قد نجيزه.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- إذا كان ليس يوجد فيه إلا إخوة الزوج وتخشى من دخولهم عليها، هل يحق لها الخروج من المنزل؟
الشيخ: تخشى من دخولهم عليها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ولو دخلوا، إذا كان ما فيه خلوة والإخوان هؤلاء أناس ثقات ما عليها شيء، تبقى في بيتها.
طالب: أحسن الله إليك، بالأمس أخذنا من الحاجات التي تبيح للمرأة المعتدة أن تخرج من بيتها لضيق صدرها، فتذهب عند جارتها، لو قال قائل: كيف تجيزون ذلك ومظن المضرة؛ يعني ربما يحصل لها مرض؛ يعني ضيق الصدر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمح لهذه المرأة تكحل عيون ابنتها (11)؟
الشيخ: الفرق بينهما ظاهر؛ هذا إحداد في المكان، وذاك إحداد في الحال، والتجمل متصل بالبدن، أما هذا فهو ظرف منفصل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3442
(كتابُ الرَّضَاعِ) يَحْرُمُ من الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ، والْمُحَرِّمُ خمسُ رَضاعاتٍ في الْحَوْلَيْنِ،
مدخل
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿كتاب الرضاع﴾ الرضاع: مص الثدي لاستخراج اللبن منه.
هذا في اللغة.
أما في الشرع فالرضاع أعم من هذا؛ يشمل مص الثدي، وكذلك إسقاء الراضع من إناء أو نحوه، فهو إيصال اللبن إلى الطفل، سواء عن طريق الثدي أو عن طريق الأنبوب، أو عن طريق الإناء العادي، المهم أن نقول: الرضاع هو وصول اللبن إلى الطفل بأي وسيلة.
وهذا من النوادر؛ أن يكون المعنى الشرعي أعم من المعنى اللغوي؛ لأن العادة أن المعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي، لكن يأتي أحيانًا أن يكون المعنى الشرعي أوسع من المعنى اللغوي، الإيمان -مثلًا- في اللغة: التصديق، لكن في الشرع يشمل التصديق والقول والعمل.
الرضاع في اللغة: مص الثدي، لكن في الشرع أعم من هذا؛ وهو وصول اللبن إلى معدة الطفل بأي سبب من الأسباب.
قال المؤلف: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) هذه الجملة هي لفظ الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهي إذن مسألة بدليلها؛ «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (12) يعني: أن ما حرمه النسب يحرمه الرضاع.
فلننظر بالحد والعد؛ بالعد اقرأ الآية الكريمة في سورة النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23]، كم هذه؟
طلبة: سبع.
الشيخ: سبع، ثم قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] انتقل إلى جنس آخر، فيحرم على الإنسان من الرضاع ما يحرم من النسب؛ يحرم عليه أمه من الرضاع، بنته من الرضاع، أخته من الرضاع، عمته من الرضاع، خالته من الرضاع، بنت أخته من الرضاع، بنت أخيه من الرضاع، كما في الآية تمامًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3443
«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» وعلى هذا لا تتعب نفسك، إذا سألك سائل عن مسألة فيها رضاع، فانظر هل العلاقة بين الراضع ومن أرضعته هل هي الأمومة، البنوة، الأخوة، العمومة؛ الخؤولة؟ انظر؛ لأن الحديث محكمٌ والآية محكمةٌ.
فالمحرمات من النسب سبع، يحرم نظيرهن من الرضاع.
هذا بالنسبة للعد إذا عددناه: الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخت، وبنت الأخ.
هذا العد.
أما الحد، فنقول لدينا ثلاثة: أم مرضعة، وصاحب لبن، وراضع، كم هؤلاء؟ ثلاثة؛ أم مرضعة، والثاني صاحب اللبن؛ وهو زوجها أو سيدها، والثالث راضع، كل واحد من الثلاثة له أصول، وفروع، وحواشٍ.
فالمرضعة لها أصول وفروع وحواش، من أصول المرضعة؟ آباؤها وأمهاتها وإن علوا، من فروعها؟ أبناؤها وبناتها وإن نزلوا، من حواشيها؟ إخوانها وأعمامها وأخوالها.
صاحب اللبن كذلك له أصول، وفروع، وحواشٍ، أليس كذلك؟ من هو صاحب اللبن؟ الزوج أو السيد.
فلنفرضها في الزوج؛ لأن السيد غير موجود أو قليل، صاحب اللبن له آباء وأمهات هؤلاء نسميهم أصولًا، له أبناء وبنات؛ فروعًا له، إخوة وأعمام وأخوال؛ حواشٍ.
بقي الراضع له أصول، وفروع، وحواشٍ.
فما هو المؤثر فيه الرضاع؟
الرضاع لا يؤثر في حواشي وأصول الراضع، لا أثر للرضاع بالنسبة لأصول الراضع وحواشيه، وإنما الذي يتعلق به حكم الرضاع الراضع وفروعه فقط.
بالنسبة للمرضعة يتعلق بأصولها وفروعها وحواشيها.
بالنسبة لصاحب اللبن يتعلق بأصوله وفروعه وحواشيه.
هذا تقسيم حاصر ويسهِّل على الإنسان أن يعرف تأثير الرضاع، ما يفكر كثيرًا؛ لأنه يخرج من تأثير الرضاع من؟ من يخرج؟ أصول الراضع وحواشي الراضع، هؤلاء لا علاقة لهم بالرضاع إطلاقًا، يؤثر الرضاع في الراضع ومن؟ وفروعه.
أضرب لهذا مثلًا: زيدٌ رضع من هند، ولها زوج اسمه خالدٌ، عندنا ثلاثة الآن: زيدٌ رضع من هند، ولها زوج اسمه خالدٌ، هؤلاء ثلاثة، أليس كذلك؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3444
أمهات هند هل يؤثر فيهن الرضاع أو لا يؤثر؟
طلبة: يؤثر
الشيخ: انتبهوا، يؤثر؟
طلبة: يؤثر.
الشيخ: تمام.
بنات هند يؤثر فيهن الرضاع؟
طلبة: يؤثر.
الشيخ: يؤثر؟
طلبة: يؤثر.
الشيخ: طيب، أخوات هند؟
طلبة: يؤثر
الشيخ: يؤثر؟
طلبة: يؤثر.
الشيخ: عماتها خالاتها كذلك.
نأتي إلى صاحب اللبن وهو خالد، فننظر هل يؤثر الرضاع في أمهات خالد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يؤثر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنهن؟
طلبة: أصوله.
الشيخ: أصوله.
هل يؤثر في بناته؟ نعم؛ لأنهن فروعه.
هل يؤثر في إخوانه؟ نعم؛ لأنهم حواشيه.
بقينا الراضع الذي هو زيد، هل يؤثر الرضاع في ذريته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
هل يؤثر في إخوانه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يؤثر؛ ولذلك يجوز لأخي الراضع أن يتزوج من أرضعت أخاه أو لا يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز لأخي الراضع أن يتزوج من أرضعت أخاه، لماذا؟ لأن الرضاع لا يؤثر في حواشي الراضع.
يجوز لأبي الراضع أن يتزوج من أرضعت ابنه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أبوه يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأن الرضاع لا يؤثر في أصول الراضع.
هل يجوز لابن الراضع أن يتزوج أخت الراضع من المرأة التي أرضعته؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأنها من فروع الراضع، وفروع الراضع يؤثر فيهم الرضاع.
اضبطوا هذا علشان بمجرد ما ترد عليك المسألة تحلها على طول، وإلا فمشكلة الرضاع مشكلة عظيمة.
هذا الرضيع رضع من امرأة اسمها هند مع ابنتها عائشة، لكن هند لها بنات من قبل، هل يكن أخوات له؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنهن من فروع المرضعة التي هي هند.
هل يكون أخًا للبنات اللاتي بعده؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنهن من فروع المرضعة.
اضبط هذه الضوابط يتبين لك الأمر بوضوح وبدون تعب في التفكير.
رجل رضع من امرأة لها ابن اسمه علي، ولعلي بنت، هل يجوز للراضع أن يتزوج بنت علي؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأنها من فروع المرضعة، والرضاع يؤثر بالنسبة للمرضعة في أصولها وفروعها وحواشيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3445
رجل رضع من امرأة زيد، وكان لزيد امرأة أخرى لها بنات، هل يجوز أن يتزوجهن؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ليش؟ لأنهن من فروع صاحب اللبن.
أرجو -إن شاء الله- أن الأمر واضح الآن.
إن رجعنا إلى العد فنقول: المحرمات بالرضاع سبع كالمحرمات بالنسب، اقرأ الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23] نظيرهن من الرضاع تمامًا حرام، انظر أيها أسهل لك؛ الحد أو العد، لكن الحد يحصر لك الجهات التي يؤثر فيها الرضاع أو لا يؤثر.
[شروط الرضاع المحرِّم]
قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (النسب) يعني: القرابة.
(والمحرِّم خمس رضعاتٍ) بدأ المؤلف بشروط الرضاع المحرِّم، الرضاع المحرِّم خمس رضعات، ودليل ذلك ما رواه مسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي فيما يُقْرَأ من القرآن (13)، هذا الحديث صحيح، وفي مسلم، وعلى هذا فما دون الخمس لا يؤثر.
ولكن يبقى النظر ما هي الخمس؟ أهي خمس مصات، أو خمسة أنفاس، أو خمس وجبات؟ انتبهوا حتى تعرفوا الخلاف، بعضهم قال: خمس مصات، وعلى هذا يمكن أن يثبت الرضاع في خلال ثلاث دقائق؛ لأنه إذا مص ثم بلع، ثم مص ثم بلع، ثم مص ثم بلع -خمس مرات- ثبت الرضاع.
وبعضهم يقول: بل خمسة أنفاس، وعلى هذا فإذا مص ثم بلع، ومص وبلع، ومص وبلع في نفس واحد، ثم أطلق الثدي، ثم عاد، تكون الثانية هي الثانية، فقط ثانية.
وبعضهم يقول: خمس رضعات؛ أي: خمس وجبات، كما يقال: خمس أكلات، وعلى هذا فلا بد من زمن يقطع اتصال الثانية بالأولى.
مثال ذلك: أرضعته أول النهار الساعة الثامنة، ثم الساعة التاسعة، ثم العاشرة، ثم الحادية عشرة، ثم الثانية عشرة، ثم الواحدة، كم هذه؟ خمس رضعات.
الجزء: 2 - الصفحة: 3446
فلو أرضعته في مكان واحد، وامتص الثدي، ثم أطلقه يتنفس، ثم عاد ورضع، ثم أطلقه ليتنفس، ثم عاد، خمس مرات ولكنها في جلسة واحدة، فهل يؤثر على هذا القول الأخير أو لا يؤثر؟ لا يؤثر.
فإذا قال لنا قائل: أيهما أرجح؛ المصات، أو الأنفاس، أو الوجبات؟
قلنا: الأصل عدم التأثير، ولا نتيقن التأثير إلا بخمس وجبات؛ لأن الأصل أنه لا يؤثر، فنأخذ بالاحتياط، والاحتياط ألَّا يؤثر إلا خمس وجبات، لا خمس مصات، ولا خمسة أنفاس، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، وهو ظاهر اختيار صاحب زاد المعاد ابن القيم، وهو الأحوط.
كيف الأحوط؟ نعم، الأحوط.
إذا قال قائل: لماذا لا نجعل الأقل هو الأحوط؟
قلنا: مشكل؛ إذا احتطنا من جهة أهملنا من جهة أخرى، مثلًا هذه طفلة رضعت خمس مصات، هل الأحوط أن نجعل المصات هي المحرمة أو الوجبات؟
قل: نجعل المصات إذا احتطنا، وقلنا: إن بنت المرضعة تكون أختًا للراضع، فيحرم عليه نكاحها، أتانا أمر آخر ضد هذا الاحتياط؛ وهي أننا إذا قلنا: إنها أخته لزم من ذلك أن يخلو بها، ويسافر بها، وتكشف وجهها له، والاحتياط ألَّا تفعل، وهي لا تفعل هذا إلا إذا قلنا: إن الرضاع غير مؤثر؛ لذلك لا تحتاط من جهة إلا أهملت من جهة أخرى، فنرجع إلى الأصل، ما هو الأصل؟ عدم التأثير؛ ولهذا كان اختيار شيخنا رحمه الله ومن قبله ابن القيم كان هو المتمشي على القواعد والأصول.
إذن يُشْتَرط لكون الرضاع محرِّمًا أن يكون خمس رضعات.
وقالت الظاهرية: لا يُشْتَرط، ولا ثلاث أنفاس ولا شيء، مطلق الرضاع ولو كان نقطة يحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] ولم يذكر عددًا.
فيُقَال: نعم، القرآن ليس فيه ذكر العدد، ولكن السنة فيها ذكر العدد، والسنة تبين القرآن وتفسره.
الجزء: 2 - الصفحة: 3447
قال بعض العلماء: المحرِّم ثلاث رضعات، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» (14)، قالوا: فمنطوق الحديث أن الثنتين لا تؤثر، مفهومه: أن ما زاد مؤثر.
ولكن الجواب عن هذا أن يقال: دلالة تأثير الثلاث بالمفهوم، ودلالة أنه لا يؤثر إلا الخمس بالمنطوق، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم.
ويتبين بشرح المثال، إذا قلنا: لا تحرِّم المصة ولا المصتان، صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، حتى إذا قلنا بخمس رضعات فالثنتان لا تؤثر.
إذا قلنا: الثلاث تؤثر، بقي عندنا معارضة بحديث الخمس؛ أنه لا يحرِّم إلا خمس رضعات، وحينئذٍ لا يمكن العمل إلا بحديث عائشة أنه لا بد من خمس رضعات (13). وهذا هو الصواب.
قال المؤلف: (في الحولين) هذا شرط آخر؛ يعني: أن تكون الرضعات الخمس كلها في الحولين من ولادة الطفل، فإذا ولد في واحد محرم عام عشرين، متى ينتهي وقت الرضاع؟ واحد محرم عام اثنين وعشرين، فما دام في الحولين فالرضاع مؤثر، وإذا انته الحولان فالرضاع غير مؤثر.
الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]، فقالوا: تمام الرضاعة في حولين، وما زاد فهو خارج.
وظاهر كلام المؤلف: أن الرضاع في الحولين مؤثر، سواء فُطِمَ الصبي أم لم يفطم، حتى لو فُرِضَ أنه فُطِم في سنة، وفي السنة الثانية كان يأكل الخبز والجبن وكل شيء ورضع، فالرضاع مؤثر ولَّا غير مؤثر؟
طلبة: مؤثر.
الشيخ: مؤثر، ولو كان لا يتغذى باللبن، لو كان يتغذى بالخبز والتمر والرز فإنه ما دام في الحولين فرضاعه مؤثر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3448
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العبرة بالفطام، فما كان قبل الفطام فهو مؤثر ولو بعد الحولين، وما كان بعد الفطام فليس بمؤثر ولو في الحولين، واستدل رحمه الله بالأثر والنظر.
أما الأثر فالحديث المعروف: «لَا رِضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (15)، ما قال: وكان قبل الحولين.
هذا الأثر.
النظر: لأنه إذا كان يتغذى بغير اللبن -يعني بالطعام المعروف- فأي فرق بين من في الحولين ومن بعد الحولين؟ كل منهما -أي: من الطفلين- لا يحتاج إلى اللبن.
لو رضع أربع مرات إلى صباح ثلاثين من ذي الحجة من السنة الثانية، لما هلَّ محرم عام اثنين وعشرين رضع الخامسة، هل يؤثر أو لا يؤثر على قول من يرى أن العبرة بالحولين؟ لا يؤثر، سبحان الله! أي فرق بين هذا وبين قبل ساعة؟ ! الطفل محتاج للبن.
ثم أي فرق بين طفل فطم للحول الأول، وصار يأكل الطعام وآخر يأكل الطعام في السنة الثالثة؟ ! لا فرق.
فالقول الراجح أن العبرة بالفطام، سواء كان قبل الحولين أو بعد الحولين
لو فُرِض أن هذا الطفل نموه ضعيف، وصار يتغذى باللبن حتى تم له ثلاث سنوات، في السنة الثالثة رضاعه مؤثر أو غير مؤثر؟ مؤثر على القول الراجح، وأما على قول من قال: العبرة بالحولين فرضاعه غير مؤثر.
والسَّعُوطُ والوَجورُ ولَبَنُ الْمَيْتَةِ والموطوءةِ بشُبْهَةٍ أو بعَقْدٍ فاسدٍ أو باطلٍ أو زِنًا مُحَرَّمٌ، وعكسُه البهيمةُ وغيرُ حُبْلَى ولا مَوطوءةٍ.
فمَتَى أَرضَعَت امرأةٌ طفلاً صارَ وَلَدَها في النكاحِ والنظَرِ والْخَلوةِ والْمَحْرَمِيَّةِ،
الشيخ: في السنة الثالثة رضاعه مؤثِّر أو غير مؤثِّر؟
طلبة: مؤثر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3449
الشيخ: مؤثِّر على القول الراجح، وأما على قول من قال: العبرة بالحولين، فرضاعه غير مؤثر، ولو فرضنا أن طفلًا فُطِم لأول سنة، وصار يأكل الطعام، وأرضعناه في السنة الثانية، فهل الرضاع محرِّم أو غير محرِّم؟ على القول بأنه الحولين مؤثرٌ، وعلى القول الذي رجحناه غير مؤثر.
المهم يشترط في الرضاع المحرِّم أن يكون في وقت معين؛ إما في الحولين على ما مشى عليه المؤلف، وإما قبل الفطام على القول الراجح، فيضبط هذا، هذا قول.
القول الثاني: يقول الرضاع محرِّم ولو كان الإنسان له ستون سنة، حتى لو كان الراضع أكبر من المرضعة، يمكن يكون الراضع أكبر من المرضعة؟ يمكن، نعم.
هذا شيخ كبير له ستون سنة، رضع من امرأة شابة لها عشرون سنة خمس مرات، لا بل مرة واحدة؛ يكون ولدًا لها، نعم هو يقول لها: يا أمي، وهي تقول: يا بني، وهذا رأي الظاهرية.
الظاهرية لا يرون سنًّا ولا عددًا، متى حصل الرضاع فهو ولد، يقولون: ما نشترط حولين ولا فطام ولا شيئا، متى رضع فهو ولد، ولا نشترط عددًا، لو رضع ولو مرة واحدة، ولو نقطة واحدة فهو ولد، شوف سبحان الله، غريب، إيش دليلهم؟
أولًا: الإطلاق ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ [النساء: 23].
الجزء: 2 - الصفحة: 3450
الثاني: قصة سالم مولى حذيفة، كان حذيفة قد تبناه قبل أن يبطل التبني؛ يعني اتخذه ابنًا له وصار كأبنائهم تمامًا، يدخل البيت وزوجة حذيفة لا تحتجب عنه كأنه ابن تمامًا، لما أبطل الله التبني صار هذا –سالم- صار أجنبيًّا منها، من المرأة، فجاءت تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتقول: إن سالمًا كان حذيفة قد تبناه، يدخل علينا ويخرج، ونكلمه، كل شيء، والآن بطل التبني ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: 4] قال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (1)، وهو كبير يقضي الحوائج «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، قالوا: وهذا رضاع كبير، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مؤثِّر، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وعلى هذا فإذا كانت امرأة أحبت أن تكشف لهذا الرجل، قالت: تعالى يا ولد، أنا أرغب أن أفتش لك، وأن تخلو بي وأن أسافر معك، يلَّا ارضع، نعم، يبقى إشكال، يقول: كيف أرضع من ثديها وأنا لست مَحْرمًا لها؟ مشكلة، لو جعل يرضع من الثدي وله عشرون سنة تحصل فتنة لا شك، نقول: الحمد لله فيه مخرج، كل يوم تصلح له دلة حليب من ثديها خمسة أيام ( ... ) ولدًا لها، أليس كذلك؟
بل على كلام الظاهرية رحمهم الله مرة واحدة تكفي، هذا القول كما ترون فيه شبهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» وهو كبير يقضي حاجاتهم، ولكن نقول: هذا الحديث يعارض المنطوق؛ لأن هذا حكم في قضية معينة، يعارض المنطوق، «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْبَتَ الْعَظْمَ أَوْ مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَكاَنَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (2) يعارضه، فيقال: هذا الحكم خاص فيمن حصل لها مثل هذه الحادثة، وبهذا تجتمع الأدلة، وهو أن يقال: هذا الحكم -قصة سالم- خاص بمن تحصل له هذه القضية، بقينا عاد، منعتوا الحكم، هل هو مجرد الحاجة أو لا بد أن تكون حاجة مماثلة لقصة سالم؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3451
يرى بعض العلماء أنها مطلق حاجة، وأن المرأة متى احتاجت إلى أن ترضع هذا الإنسان وهو كبير أرضعته، وصار ابنًا لها، ولكننا إذا أردنا أن نحقق قلنا: ليس مطلق الحاجة، بل الحاجة الموازية لقصة سالم.
الحاجة الموازية لقصة سالم هل هي ممكنة الآن ولّا غير ممكنة؟
طلبة: غير ممكنة.
الشيخ: غير ممكنة؛ لأن التبني أبطل، لا يمكن أن يكون هذا الرجل الكبير ابنًا لصاحب اللبن، فقد انتفى الحكم، انتفت الحالة فينتفي الحكم، ويدل لهذا التوجيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، قالوا: يا رسول الله أرأيت الحمو –الحمو: هو قريب الزوج كأخيه مثلًا، يدخل على بيت أخيه- قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (3)، والحمو هل هو في حاجة إلى أن يدخل بيت أخيه ويخلو بزوجة أخيه أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، هو بحاجة إذا كان البيت واحدا، فهو بحاجة رجل يدخل ويخرج، ولم يقل عليه الصلاة والسلام الحمو ترضعه زوجة أخيه، مع أن الحاجة ذكرت له، فدل هذا على أن مطلق الحاجة لا يبيح الرضاع المؤثر، والخلاصة الآن بعد انتهاء التبني نقول: لا يجوز إرضاع الكبير ولا يؤثر إرضاع الكبير، بل لا بد إما أن يكون في الحولين، وإما أن يكون قبل الفطام وهو الراجح.
باب الرضاع في الحقيقة مهم جدا اضبطوا مسائله وقواعده؛ لأنه مهم.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، أما بعد.
فهذا بحث مختصر عن كلمة (يبسط)
قال ابن فارس:
بَسَطَ: الْبَاء وَالسِّين وَالطَّاء أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ امْتِدَادُ الشَّيْءِ فِي عَرْضٍ أَوْ غَيْرِ عَرْضٍ، فَالْبِسَاطُ مَا يُبْسَطُ.
وَالْبَسَاطُ الْأَرْضُ، وَهِيَ الْبَسِيطَةُ، يُقَالُ: مَكَانٌ بَسِيطٌ وَبَسَاطٌ، وقَالَ: البَسْطَة في كل شيء السعة.
انتهى
الجزء: 2 - الصفحة: 3452
وقال صاحب القاموس: بَسَطَه: نَشَرَه، كبَسَّطَه فانْبَسَطَ وتَبَسَّطَ.
والباسط هو الله تعالى، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: 12]؛ يوسعه.
والبسيط: المنبسط بلسانه، وقد بَسُط ككرم، وثالث بحور العروض.
الشيخ: وثالث.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثالث بحور العروض؛ يعني العروض من جملة بحورها البسيط، يقول: البيت هذا من البسيط، البيت هذا من الطويل مثلًا.
الطالب: وذكر في المعجم الوسيط أن بسطة الشَّيْء بمعنى: نشره، وَبمعنى: جعله بسيطًا لَا تعقيد فِيهِ، وأشار إلى أنها محدثة.
الشيخ: هذه ( ... ) بسيط ما فيه تعقيد؛ يعني: سهل، لكن أشار إلى أنها محدثة؛ يعني: ليست عربية أصيلة.
طالب: شيخ جزاك الله خيرًا، ذكرت في مادة الحديث، في حديث البراء بن عازب أن من ضحى بعناق وهي دون الستة أشهر يجزئه (4)، وهو قول شيخ الإسلام.
وذكرتم في الرضاعة حديث سالم، كيف خصصت ( ... ) بجواز ذلك ولم ( ... )؟
الشيخ: نفس الشيء، إحنا قلنا أيضا في حديث البراء: إن معنى الحديث على القول الراجح لن تجزئ عن أحد بعدك؛ أي: بعد حالك؛ يعني لا تجزئ إلا لمن كان مثلك ذبح -جاهلًا- قبل الصلاة، ولم يكن عنده دراهم، وعندهم عناق صغيرة فيضحي بها إذا شاء، نفس الشيء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ونحن ما خصصنا سالمًا بعينه، خصصناه بحاله، وقلنا: إذا وقع حال كحال سالم فالحكم واحد، لكنه لن يقع الآن؛ لأن التبني أبطل.
طالب: في بعض بلاد الكفار يكثر التبني، فلو فرضنا أن عائلة أسلمت، فماذا يحصل بالنسبة لابنهم لو كان عندهم ابن من التبني؟
الشيخ: إي نعم، يلغى هذا، إذا كان الكفار يجيزون التبني وأسلموا يلغى هذا التبني، ويبقى الرجل أجنبيًّا منهم، ويسمى بغير أسمائهم، وينتهي الموضوع.
طالب: يا شيخ حفظك الله، إذا تعدت امرأة على طفل وأرضعته بغير إذن أهله، فهل يأخذ أحكام الرضاعة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3453
الشيخ: إذا تمت الشروط نعم؛ لا يشترط إذن الزوج ولا رضا أهل الطفل، بل متى رضع إن تمت الشروط فهو ابنها.
طالب: أحسن الله إليك، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا لِلصَّلَاةِ صَدَقَةٌ» (5).
الشيخ: هذه في النوع.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، اللقيط، هل لصاحب البيت يجعل امرأته ترضع اللقيط؟
الشيخ: إي نعم، إذا كان في زمن الرضاع لا بأس ترضعه، ويكون ابنًا لها وأخًا لأولادها وأولاد زوجها.
الطالب: إذا كان كبيرًا.
الشيخ: كيف كبير؟
الطالب: إذا كبر ولم يرضعوه.
الشيخ: لا، ما يجوز، لا بد من الشروط، لا بد أن يكون في الحولين أو قبل الفطام، على الخلاف الذي سمعت.
طالب: هل المرأة تأثم إذا ما استأذنت زوجها في الرضاع؟
الشيخ: لا، لا تأثم إلا إذا كان قد قال لها: لا ترضعي أحدًا إلا بإذني؛ لأنها حرة تفعل ما شاءت.
طالب: ( ... ) الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد أو باطل، أو بزنا مُحَرِّم، وعكسه البهيمة، وغير حبلى، ولا موطوءة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ما هو الدليل؟
طالب: الدليل هو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: وهو؟
طالب: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (6).
الشيخ: ما المُحَرَّمات من النسب؟
طالب: الأخوات من النسب.
الشيخ: عشر.
طالب: البنات.
الشيخ: لا، بس قل لي: عشر.
طالب: أعرفهم يا ..
الشيخ: لا تعدهم، حتى نعرف العدد أولًا ثم المعدود.
طالب: سبع.
الشيخ: سبع ولّا عشر؟
الطالب: سبع.
الشيخ: سبع، قلها؟
الطالب: البنات.
الشيخ: نعم.
الطالب: أولًا الأمهات، ثم البنات.
الشيخ: الأمهات.
الطالب: البنات.
الشيخ: والبنات.
الطالب: الأخوات.
الشيخ: الأخوات.
الطالب: العمات.
الشيخ: العمات.
الطالب: الخالات.
الشيخ: الخالات.
الطالب: بنات الأخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3454
الشيخ: بنات الأخ.
الطالب: بنات الأخت.
الشيخ: بنات الأخت، تمام، هؤلاء سبع يحرم نظيرهن من الرضاع؛ الأم من الرضاع، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت.
ذكرنا أن هناك ثلاثة أشياء؛ راضع ومرضع وصاحب لبن، كيف انتشار التحريم؟
طالب: بالنسبة للمرضعة ينتشر في أصولها وفروعها والحواشي.
الشيخ: نعم بالنسبة للمرضعة ينتشر التحريم إلى أصولها وفروعها وحواشيها.
الطالب: وكذلك صاحب اللبن ينتشر في فروعه وأصوله وحواشيه.
الشيخ: وكذلك صاحب اللبن ينتشر التحريم إلى أصوله وفروعه وحواشيه.
الطالب: أما الراضع فلا ينتشر إلا في فروعه.
الشيخ: أما الراضع فلا ينتشر إلا في فروعه.
هل يجوز لأخي الراضع أن يتزوج من أرضعت أخاه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أحسنت، يجوز؛ لأنه لا ينتشر في حواشي الراضع.
هل يجوز لأبي الراضع أن يتزوج بنت من أرضعت ابنه؟
طالب: نعم؛ لأن التحريم لا ينتشر في أصول الراضع.
الشيخ: نعم؛ لأن التحريم لا ينتشر في أصول الراضع.
هل يجوز لابن الراضع أن يتزوج أخت أبيه؟
طالب: ابن الراضع؟
الشيخ: إي نعم، يجوز؟ وهي عمته، لعلك ما تصورتها، أو ما عرفت الضابط تمامًا، قل أنت؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يجوز ولّا لا يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأنه من فروع الراضع، وفروع الراضع ينتشر إليهم التحريم، هذه القاعدة ذكرتها لكم أمس وقررتها، وقلت إنها تريحكم؛ لأن مسائل الرضاع فيها إشكال كثير، تشكل حتى عند بعض العلماء، لكن إذا عرفت الضوابط سهل عليك الأمر، والضوابط حصرناها بالأمس، واليوم الحمد لله الذين أجابوا أجابوا بالصواب.
يشترط في تحريم الرضاع عدد معين، فما هو؟
طالب: خمس رضعات.
الشيخ: خمس رضعات، ما الدليل؟
طالب: الدليل قول عائشة، نزل في القرآن عشر رضعات ثم نسخت بخمس.
الشيخ: نعم حديث عائشة أنه كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات، فنسخن بخمس رضعات معلومات (7)، وهذا نص في الموضوع.
ما هو زمن الإرضاع المحرِّم؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3455
طالب: في الحولين.
الشيخ: في الحولين.
الطالب: في الحولين.
الشيخ: يعني: معناه أنه ما دام في الحولين فالرضاع محرِّم وما بعدهما لا أثر له.
الطالب: هذا قول، القول الثاني: ما لم يفطم.
الشيخ: القول الثاني: ما لم يفطم، أيهما أقرب للصواب؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني أقرب، فإذا فطم وصار أكثر غذائه الطعام؛ التمر والحب، فإنه لا أثر للرضاع، إذ لا فرق بينه وبين الكبير.
هل رضاع الكبير مؤثر؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يؤثر، ماذا تقول في حديث سالم مولى حذيفة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: خاص بمن كان مثل حاله، ومثل حاله الآن لا يمكن، تمام بارك الله فيك.
وقيل: إن رضاع الكبير مؤثر، وهو قول الظاهرية، لكنه قول باطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لنسائه: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (8)؛ يعني الرضاعة المؤثرة هي التي يزول بها الجوع، فـ (من) هنا في قوله: «مِنَ الْمَجَاعَةِ» بدلية؛ أي: الرضاعة المؤثرة هي ما يزول به المجاعة، وهذا يعني أنه قبل الفطام، ولما حذر من الدخول على النساء، قالوا: أرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (3)، ولو كان رضاع الكبير جائزًا لقال: الحمو ترضعه زوجة أخيه، وينتهي الإشكال، ولأننا لو قلنا بهذا لكان فيه مفسدة عظيمة، كان المرأة تجيب لزوجها كل يوم دلة حليب من ثديها، وإذا صار اليوم الخامس وشرب الدلة قال: السلام عليكِ، ليش؟
طالب: صار ابنها.
طالب آخر: ابنها من الرضاع.
الشيخ: لأنه صار ولدًا لها، وهذا مشكلة، فالقول بهذا ضعيف أثرًا ونظرًا، ولا يصح.
قال: (وَالسَّعُوطُ، وَالْوَجُورُ، وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ، وَالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ زِنًا مُحَرِّمٌ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3456
(محرِّمٌ) هذا خبر المبتدأ في قوله: (والسَّعوط) وما عطف عليه؛ يعني: السعوط وما عطف عليه محرِّم، (السعوط) يجوز فتح السين وضمها، وكذلك الوجور، لكن يختلف المعنى، بالضم الفعل، وبالفتح ما يسعط به، أو يوجر به، مثل السَّحور والسُّحور، السُّحور الفعل، والسَّحور ما يؤكل، ومثل الوَضوء والوُضوء، الوَضوء الماء، والوُضوء الفعل، والطَّهور والطُّهور، الطَّهور الماء، والطُّهور الفعل، وهلم جرا.
أما السَّعوط: فهو ما يكون في الأنف، وأما الوَجورُ: فهو ما يكون في الفم، الفرق واضح ولّا غير واضح؟
طالب: الفرق واضح.
الشيخ: السعوط في الأنف، الآن في المرضى في المستشفى يضعون أنبوبة في الأنف وتغذي الرجل، الوجور في الفم؛ يعني في أحد شقي الفم؛ إما اليمين وإما اليسار، أيضًا يوجر المريض بمعنى أنه يسقى من فمه.
السعوط كيف؟ يؤتى باللبن من المرأة ويحقن الصبي مع أنفه، والوجور يحقن من فمه.
(ولبن الميتة) محرِّم، ما دمنا نقول إن الرضاع لا بد أن يكون خمس رضعات، كيف يكون من المرأة الميتة؟ يكون إذا كانت المرأة الميتة أرضعته قبل ذلك أربع مرات، ويش باقي؟
طلبة: رضعة واحدة.
الشيخ: رضعة واحدة، لما ماتت وإذا ثديها مملوء لبنًا فسلط الصبي عليه فمصه وشربه، نقول: هذا محرِّم كما لو كانت حَيَّة، بقي أن يقال: المشكل؛ هل هذا الحليب طاهر ولّا نجس؟
طالب: طاهر.
الشيخ: الجواب، هل هذه الميتة طاهرة أو نجسة؟
طلبة: طاهرة.
الشيخ: طاهرة، إذن حليبها طاهر، وقال بعض أهل العلم: إن لبن الميتة ليس بمحرِّم؛ لأن هذا شيء نادر، والله عز وجل يقول: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]، والميتة ترضِع ولّا ما ترضِع؟
طلبة: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3457
الشيخ: ويش ها الجواب هذا؟ ! يا الله، يمشي ها الجواب؟ لا ترضع يا جماعة، ميتة، لا عندها إرادة ولا قدرة فهي لا ترضع، ولهذا ذهب بعض العلماء -وهو أقرب إلى الصواب- إلى أن لبن الميتة ليس بمحرِّم؛ لأن الله قال: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]، وهذا يدل على فعل الواقع من المرضعة، لبن الميتة.
(والموطوءة بِشُبْهَةٍ) الموطوءة بشبهة؛ إما شبهة عقد، وإما شبهة اعتقاد.
شبهة العقد: أن يتزوجها بعقد ليس بصحيح لكنه يظنه صحيحًا، كما لو تزوجها بولي هو أخوها من الأم، ظن أن الأخ من الأم ولي، وليس بولي، لما تزوجها الرجل دخل عليها وجامعها، هذا الوطء شبهة؟
طالب: شبهة.
الشيخ: شبهة، عقد ولا اعتقاد؟
الطالب: عقد.
الشيخ: عقد؛ لأنه ظن أن العقد صحيح.
شبهة الاعتقاد: رجل دخل بيته ووجد على فراشه امرأة تشبه زوجته تمامًا، وكان فيه إشفاق للجماع فجامعها على طول بدون أن يتأنى ويتروى؛ لأن ظاهر الحال أنها، أجيبوا يا جماعة؟
طالب: امرأته.
الشيخ: أنها زوجته، امرأة على الفراش متجملة، وهي مشابهة لزوجته، فيظنها هي أو فيظنها إياها، فجامعها، هذا شبهة أيش؟
طلبة: اعتقاد.
الشيخ: شبهة اعتقاد، المهم أن الأول والثاني -الأول اللي عقد عليها بولد أخيها من أمها، والثاني الذي جامعها يظنها زوجته- إذا حملت وأتت بولد وأرضعت بهذا اللبن، فهل لبنها محرِّم أو غير محرِّم؟
الجواب: محرّم لا شك؛ لأن الرجل الذي جامع في الصورة الأولى والثانية يعتقد أنها زوجته، وأن هذا الجماع في محله، فيكون ما ترتب عليه حلالًا، فلبن الموطوءة بشبهة كلبن المتزوجة بنكاح لا شبهة فيه.
(أَوْ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) الموطوءة بعقد فاسد لبنها كالموطوءة بعقد صحيح، الموطوءة بعقد فاسد هو أن يتزوج الإنسان امرأة بنكاح فيه خلاف، لم يجمع العلماء على بطلانه، فيطؤها فتحمل وتأتي بولد، ويكون فيها لبن فترضع به، فنقول: إن لبنها كلبن الموطوءة بعقد صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3458
(أو زنا) الموطوءة بزنا (مُحَرِّمٌ)، كيف موطوءة بزنا؟ يمكن .. ( ... ).
يكون محرمًا، بمعنى أن تكون هي أمًّا له، أو لا؟
الجواب: نعم تكون أمه؛ لأنها أرضعته بلبنها، وإذا كان ولدها من بطنها يكون ولدًا لها، فولدها من لبنها يكون ولدًا لها.
ثم قال: (وَعَكْسُهُ الْبَهِيمَةُ، وَغَيْرُ حُبْلَى، وَلاَ مَوْطُوءَةٍ).
طالب: شيخ بارك الله فيك، ما صحة الزيادة في حديث: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ فِي الْحَوْلَيْنِ» (9).
الشيخ: لا ضعيف هذا، في الحولين، أو بناء على الغالب، إن صح فهو بناء على الغالب.
طالب: شيخ أثابكم الله، إذا كان الإنسان في مجتمع جرى العمل عندهم على أن الرضعة الواحدة تُحَرّم فهل يجوز ..
الشيخ: الرضعة الواحدة تحرّم؟
الطالب: إي نعم، الرضعة الواحدة تحرم.
الشيخ: يمشي على ما عليه العلماء، يمشي على ما عليه علماؤه.
طالب: شيخ عفا الله عنك، إذا كانت المرأة زنت ولها زوج، فهل يكون زوجها أبًا لولدها من الرضاع؟
الشيخ: أب له من الرضاع، كيف أب له من الرضاع؟
طالب: يعني إذا أرضعت ولد ..
الشيخ: إذا كان اللبن لغير الزوج كيف يكون أبًا له من الرضاع، اللبن لغيره، لكن القول الراجح أن المرأة إذا زنت -والعياذ بالله- وحملت فالولد لزوجها؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (10)، ولهذا نبهنا الإخوان قبل كام يوم قلنا: ينبغي للإنسان إذا زنت زوجته أن يجامعها فورًا؛ لئلا يقع في قلبه شك، حتى يكون الولد له، وينتهى الموضوع، والقول بأن الزانية إذا زنت يجب على زوجها أن يتجنبها مُدَّةَ العِدَّة قول ضعيف.
طالب: شيخنا، لو أبقاها معه يا شيخ –امرأته- إذا زنت أبقاها معه، ما يكون ديوثًا؟
الشيخ: لا، الديوث الذي يقرها على الفاحشة، وهذا ما أقرها ولا رضي، لكن الديوث -والعياذ بالله، مثل ما يفعل بعض الناس- يقود على امرأته، نسأل الله العافية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3459
طالب: شيخ، على القول الذي رجحناه أنه يكون في الفطام إذا رضع طفل ممكن في السنة الأولى، يرضع من المرأة بعد السنة الأولى ( ... ) فهل يؤثر؟
الشيخ: لا يكون ولدًا لها أبدًا، إنما الرضاعة من المجاعة، وهذا حد معلوم ومعقول المعنى أيضًا؛ أي فرق بين الطفل له سنة وستة أشهر يأكل التمر والخبز ويتغذى كما يتغذى الكبير ورضاع الكبير؟ أي فرق؟ لا فرق بينهما، فالرضاع محرم إذا كان له تأثير في نمو الطفل.
طالب: لو أنه رضع من أمه سنة كاملة ثم تغذى بغير اللبن.
الشيخ: طعام ولا ويش؟
الطالب: لا، طعام، ثم تركه وعاد إلى اللبن ..
الشيخ: العودة هذه لا ( ... )، ما دام فطم وتغذى بالطعام؛ يعني مدة يتغذى بالطعام باختياره ما هو شيء غصب عليه؛ لأنه ربما يمنعونه الحليب ويأكل غصبًا عليه، لكن إذا كان باختياره فعوده بعد ذلك إلى اللبن لا يؤثر.
الطالب: وإذا كان بغير اختياره؟
الشيخ: لا، بغير اختياره ما يجوز، أصلًا ما يجوز أننا نفطم الصبي ما دام في زمن الرضاع، فنفطمه غصبًا عليه، ما يجوز، ولو هلك في هذه الحال لكان مضمونًا.
طالب: رجل تزوج امرأة في الجاهلية.
الشيخ: تزوج امرأة.
طالب: نعم، في الجاهلية.
الشيخ: زوجها؟
الطالب: إي نعم، في الجاهلية، ثم أسلموا، هل يجدد العقد أو لا؟
الشيخ: يقول: إذا تزوج إنسان امرأة من جاهلية على عقد غير شرعي لكنه يعتقده نكاحًا فهل يجددون العقد؟
الجواب: لا يجدد العقد؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجدد العقد للذين أسلموا، بقوا على ما هم عليه من نكاح، إلا إذا كانت المرأة في تلك الحال لا تحل له كما لو كان مجوسيًّا وتزوج أخته وأسلما، فيجب أن نفرق بينهما؛ لأن المانع قائم، وهي الأخوة، أما إذا كان المانع قد انتهى فلا يضر.
طالب: ما ( ... ) وليًّا بالموافقة.
الشيخ: ما يضر، حتى لو تزوجها بغير ولي.
طالب: إذا عاد الزوج الأول ( ... ) على الثاني ( ... ).
الشيخ: ويش هذا، هذا في الرضاع؟
طالب: لا، ليس في الرضاع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3460
الشيخ: وين هو؟
طالب: في المرأة المفقودة.
الشيخ: المفقود مفقود جزاك الله خيرًا، هذا انتهى.
طالب: قال المؤلف رحمه الله في كتاب الرضاع: والسعوط والوجور ولبن الميتة والموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد أو باطل أو بزنا مُحَرِّمٌ، وَعَكْسُهُ الْبَهِيمَةُ، وَغَيْرُ حُبْلَى وَلاَ مَوْطُوءَةٍ، فَمَتَى أَرْضَعَتِ امْرَأَةٌ طِفْلًا صَارَ وَلَدَهَا فِي النِّكَاحِ، وَالنَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ، وَالْمَحْرَمِيَّةِ، وَوَلَدَ مَنْ نُسِبَ لَبَنُهَا إِلَيْهِ بِحَمْلٍ، أَوْ وَطْءٍ، وَمَحَارِمُهُ مَحَارِمَهُ، وَمَحارِمُها مَحَارِمَهُ، دُونَ أَبَوَيْهِ وَأُصُولِهِمَا وَفُرُوعِهِمَا، فَتُبَاحُ الْمُرْضِعَةُ لِأَبِي الْمُرْتَضِعِ وَأَخِيهِ مِنَ النَّسَبِ، وَأُمُّهُ وأُخْتُهُ مِنَ النَّسَبِ لِأَبِيهِ وَأَخِيهِ.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق أن الرضاع له تأثير، ولكن لا بد من شروط، الأول؟
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، شروط تأثير الرضاع.
الطالب: أن يكون خمس رضعات.
الشيخ: أن يكون خمس رضعات فأكثر، وإن كان ستًّا؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يعني إذن خمس رضعات فأكثر، لا بد أن تقول: فأكثر، الثاني؟
الطالب: أن يكون قبل الفطام.
الشيخ: أن يكون قبل الفطام.
ما هو الدليل على اشتراط خمس رضعات؟
الطالب: ( ... ) خمس رضعات، ثم ( ... ).
الشيخ: خمس معلومات، هذا لحديث عائشة: كان فيما أنزل عشر رضعات، ثم نسخن بخمس رضعات معلومات (7).
ما هو الدليل على أنه يكون قبل الفطام؟
طالب: ( ... ) النبي صلى الله عليه وسلم ( ... ) لعائشة: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانِكُنَّ؛ فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ مِنَ الْمَجَاعَةِ».
الشيخ: «فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةَ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (8) هذا واحد، دليل آخر؟
الطالب: دليل آخر؟ التعليل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3461
الشيخ: لا، التعليل غير الدليل، التعليل من الأدلة العقلية ما هو من الأدلة الفعلية، أنسيت؟ سبحان الله.
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (2).
الشيخ: نعم، هذا اثنان، دليل ثالث؟
طالب: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ».
الشيخ: ذكرها.
طالب: حديث عقبة عندما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على النساء، قالوا: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (3)، ولو كان يحرم رضاع الكبير لقال: أرضعيه.
الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حذر من الدخول على النساء، قالوا: أرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»، الحمو؛ يعني: قريب الزوج، يدخل على زوجة قريبه، قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»، ولو كان رضاع الكبير مؤثرًا لقال: الحمو ترضعه زوجة قريبه، هذه ثلاثة أدلة، فإن قال إنسان: ما جوابكم على حديث سالم مولى حذيفة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أحسنت، نقول: هو خاص في مثل حاله، فإذا وجد إنسان قد تبناه أهل البيت، وصار بمنزلة أولادهم وأرضعوه بعد الكبر صحَّ، لكن هذا لا يمكن في الوقت الحاضر، السبب؟
الطالب: أن التبني حُرّم.
الشيخ: أن التبني حُرّم، لا يمكن.
من قال: إن هذا للحاجة، وأنه متى احتيج إليه جاز إرضاعه؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ونستدل على هذا بحديث الحمو: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»، فلو كان مطلق الحاجة جاعلًا اللبن محرمًا لكان حل مشكلة الحمو أن ترضعه زوجة قريبه، إذن قصة سالم لا نقول: إنها مخصوصة بشخصه؛ لأنه ليس في الإسلام حكم مخصوص بالشخص، الإسلام ما بينه وبين أحد ( ... )، لكنه مخصوص بالحال، الحال لا توجد بعد تلك الحال التي وقعت لسالم.
إذا شرب الطفل لبنًا بغير إرضاع؟
طالب: صحَّ.
الشيخ: كيف يصح؟ معلوم يصح، ما أحد بيقول: حرام، لكن هل يؤثر أو لا يؤثر؟
الطالب: يؤثر ( ... ) وخمس وجبات.
الجزء: 2 - الصفحة: 3462
الشيخ: نعم، خمس مرات يؤثر، بارك الله فيك؛ لأن العبرة بالتغذي باللبن، وقد حصل.
ما هي الرضعة التي يثبت بها الحكم؟
طالب: تكون خمس وجبات.
الشيخ: يعني هل هي المصة أو الالتقام؟ إنه ما دام إنه التقم من الثدي فهي رضعة فإذا فصله بأي وسيلة انقطعت الرضعة وصارت رضعة أخرى، أو المراد الرضعة؛ يعني: ما يسمى رضعة بمنزلة ما يسمى وجبة مثلا؟ ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: الأخير هو الصحيح، فإذا قال قائل: لماذا لا تحتاطون وتجعلونها المصة؟
قلنا: الاحتياط بالأخير ليس بهذا؛ لأن الأصل عدم التأثير، فلا نقول: إنه مؤثر إلا بيقين، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله.
انتهينا إلى قوله (أو زنا) يعني لبن الموطوءة بزنا محرِّم.
مثال ذلك امرأة زنت والعياذ بالله، وأتت بولد وأرضعت بلبن هذا الولد طفلًا فهل يكون محرِّمًا؟
الجواب: نعم يكون محرِّمًا ولكن هل له أب؟ لا، له أم وليس له أب؛ لأن ولد الزنا لا ينسب للزاني فإذا كان ابنه الذي خلق من مائه لا ينسب إليه فالذي رضع من لبن موطوءته لا ينسب إليه، وعليه فيكون لهذا الولد أم، ولا أب له، كما أن ولد الزنا له أم وليس له أب، واضحة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيه لغز؛ هذا رجل له أم من الرضاع وليس له أب، غير مسألة الزنا، يقول العلماء: نعم يمكن له أم ولا له أب، كيف ذلك؟
تكون امرأة أرضعت هذا الطفل مرتين وهي عند زوج، ثم مات الزوج أو طلقها فتزوجت آخر، وأتت منه بولد، وأرضعت الطفل الذي أرضعته مرتين أرضعته ثلاث مرات، صار له أم وليس له أب، أليس كذلك؟ لأنها أرضعت بلبن الأول مرتين وبلبن الثاني ثلاثا فصارت أمًّا؛ لأنها أرضعت خمسًا، وليس له أب؛ لأنها إنما أرضعت وهي في حبال الأول مرتين وفي حبال الثاني ثلاثًا، على العكس يكون له أب وليس له أم، إنسان له أب من الرضاع وليس له أم، ما تقول، يمكن؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3463
الشيخ: لا تتصوره، له أب وليس له أم، مثاله: رجل له زوجتان، أرضعت إحداهما هذا الطفل ثلاث مرات وأرضعته الأخرى مرتين، المرأتان ليستا بأمين؛ لأن كل واحدة أرضعته دون النصاب، واحدة أرضعته ثلاثًا والأخرى أرضعته مرتين، لكن اللبن لبن رجل واحد؛ فيكون له أب وليس له أم.
في محاضرة ألقيت هذا السؤال عليهم، كل واحد أتى بصوت ليس بصواب، فقام أحد الطلبة الأذكياء، فقال له: السؤال غلط من أصله، السؤال غلط؛ لأنه ما تصور المسألة؟ كيف يكون له أب من الرضاع وليس له أم، فظن أنني ألقيت هذا السؤال لأمتحنهم، قال: هذا السؤال غلط، صار هذا الجواب منه أحب إلي مما لو أجاب بالصواب؛ لأن هذا منتهى تصوره، وجيد أنه صار شجاعًا حتى قال أمام إخوانه الذين كل واحد منهم أتى بجواب ليس بصحيح، لكن هو خطأ السؤال من الأول.
(وعكسُه البهيمةُ وغير حبلى ولا موطوءة) عكسه البهيمة؛ يعني: أن لبن البهيمة غير محرِّم، فلو فرضنا أن طفلين ارتضعا من بهيمة، كل واحد رضع خمس مرات، هل يكونان أخوين من الرضاع؟ أجيبوا يا جماعة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: معلوم، لا يكونان أخوين، وإلا لأصبح أهل البيت إذا كانوا يشربون من لبن بقرة واحدة أصبحوا إخوة، مشكلة، وتأتينا لبن الأخيرة؛ ألبان القواطي هذه، إذا اشترك ناس في -هو قوطي يسمونه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: علبة، هل إذا شرب من هذه العلبة لبنًا خمس مرات فأكثر هل يكونان أخوين؟ لا، إذن البهيمة لا تحرِّم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3464
(وغَيْرُ حُبْلَى) يعني لو أن امرأة أرضعت طفلًا بدون حمل، وهذا يقع كثيرًا، فإن بعض الصبيان يصيح، فتأتي امرأة ليس فيها لبن ولم تتزوج، فتلقمه ثديها، تريد أن تسكته، مع المص تدر عليه، ويكون بها لبن، ويرضع خمس مرات أو أكثر، هل يكون ولدًا لها؟ يقول المؤلف: لا؛ يقول: ليس ولدًا لها؛ لأنه حصل من غير حمل، وهذا التعليل لا يكفي في عدم إثبات هذا الحكم المهم، والصواب الذي عليه جمهور الأمة والأئمة الثلاثة أنه محرِّم؛ يعني لبن غير الحامل محرِّم، وأن الطفل إذا شرب من امرأة خمس مرات فإنه يكون ولدًا لها، سواء كانت بكرًا أم آيسة أم ذات زوج، محرِّم، بالدليل والتعليل.
الدليل: عموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ [النساء: 23]، وليس في الكتاب ولا في السنة اشتراط أن يكون اللبن ناتجًا عن حمل، فتبقى النصوص على عمومها.
التعليل: أن الحكمة من تحريم اللبن؛ أي من كونه محرِّمَا، هو تغذي الطفل به، فإذا تغذى به الطفل حصل المقصود، فالصواب إذن أن لبن المرأة محرِّمٌ سواء صار ناتجًا عن حمل أو عن غير حمل، فلبن البكر محرِّمٌ، ولبن العجوز التي ليس لها زوج؛ يعني: قد مات زوجها وأيست، محرِّم.
وقوله: (ولا مَوْطُوءَةٍ) ظاهر كلامه أن الموطوءة إذا حصل منها لبن فإن لبنها محرِّم، ولكن هذا يخالف قوله: (غير حبلى)؛ لأنه ما دمنا اشترطنا أن تكون حبلى، فالحبل لا يكون إلا من وطء، ولهذا هذه العبارة: (ولا موطوءة) ليست موجودة في الكتب المعتمدة في المذهب، المعتمد في المذهب أنه لا بد أن يكون ناتجًا عن حمل.
هل يشترط في اللبن أن يكون من أنثى؟ نعم، لا بد أن يكون من أنثى، فلو كان من رجل فهل يحرِّم؟ أجب.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ويش السؤال؟ ! ما أنت معي من قديم؟ ! لو أن رجلًا أرضع طفلًا خمس مرات أيكون أبًا له من الرضاع؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3465
الشيخ: أنا ما قلت ( ... ) أنا جبت لك مثالًا، سؤال: لو أن رجلًا أرضع طفلًا خمس مرات، كل صباح يوم يرضعه حتى يشبع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يُرْضِع، هذا يرضع قلت، شيء واقع، كل يوم تروح أمه لهذا الرجل تقول: يلّا خد، أعطه الفطور، ويأخذه، ويشبع الولد، حتى يكون بطنه ( ... )، عجيب يا أخي، هل يكون أبًا له من الرضاع أو لا؟ أجب، قل: نعم ولّا لا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: يقول: نعم.
الشيخ: يقول: نعم؟ لا، الجواب: لا؛ لأن الله قال ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ [النساء: 23]، والأب لا يُسمى أمًّا بأي لغة من اللغات، لا يُسمى أُمًّا، وعليه نشترط أن يكون اللبن من آدمية، أضفه إلى الشروط السابقة.
لو أن امرأة ميتة أرضعت طفلًا، يحصل به التحريم، كيف ترضعه خمس مرات وهي ميتة؟
الطالب: ترضعه في حياتها أربع مرات.
الشيخ: نعم، ترضعه في حياتها أربع مرات، والخامسة وهي ميتة.
هل هذا القول الذي مشى عليه المؤلف هل هو الراجح أو المرجوح؟
الطالب: في هذه المسألة؟
الشيخ: في هذه المسألة أيوة، هل لبن الميتة محرِّم ولّا لا؟
الطالب: هذا ( ... ) مرجوح.
الشيخ: الصحيح أنه مرجوح، وأن لبن الميتة لا يحرِّم؛ لأن الله قال ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ [النساء: 23]، ولم يقل: اللاتي رضعتم منهن، لو قال: اللاتي رضعتم منهن، لقلنا: إذا رضع من الميتة فاللبن يحرِّم، لكن ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ إذن لا بد أن يكون هذا الإرضاع بإرادة المرضعة، والميتة ليس لها إرادة، المهم القول الراجح الذي رجحناه أمس أنه لا عبرة به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فَمَتَى أَرْضَعَتِ امْرَأَةٌ طِفْلًا) يعني: بالشروط التي ذكرنا (صَارَ وَلَدَهَا في النِّكَاحِ، والنَّظَرِ، والخَلْوَةِ، والْمَحْرمِيَّةِ) انتبه، الرضاع يشارك النسب في هذه الأمور الأربعة فقط: النكاح، والنظر، الخلوة، المحرمية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3466
في النكاح؛ كما تحرُم البنت من النسب تحرم البنت من الرضاع.
النظر؛ كما يجوز للإنسان أن ينظر إلى ابنته من النسب يجوز أن ينظر إلى ابنته من الرضاع.
الخلوة؛ كما يجوز أن يخلو بابنته من النسب، يجوز أن يخلو بابنته من الرضاع.
المحرمية؛ كما يكون مَحْرَمًا لابنته من النسب يسافر بها يمينًا وشمالًا، يكون محرمًا لابنته من الرضاع.
هذه أربعة أحكام من النسب تثبت بالرضاع، ولكن قل لي: هل هذه الأحكام الثابتة في النسب هل تساويها الأحكام الثابتة بالرضاع؟ الحقيقة أنها لا تساويها من كل وجه، في الظاهر تساويها، لكن ليس تعلق الإنسان بابنته من الرضاع أو أخته أو بنت أخته من الرضاع كتعلقه بمن كانت كذلك من النسب، فهو لا يهاب ابنته من الرضاع كما يهاب ابنته من النسب، لا يهاب ابن أخته من الرضاع كما يهاب ابن أخته من النسب، بل ربما إذا كانت جميلة شابة ربما يحصل من خطأ، خطر ولّا لا؟ أجيبوا يا جماعة؟ أيما أقرب إلى الخطر، أن ينظر إلى بنت أخته من النسب أو إلى بنت أخته من الرضاع؟
الثاني لا شك، ولهذا لا تظنوا أن العلماء -رحمهم الله- لما قالوا: إن الرضاع يشارك النسب في هذه الأحكام، لا تظنوا إنه يشاركه مشاركة مساوية؛ لأنه قد نمنع الرجل من أن يخلو بابنته من الرضاع، أو أن يخلو ببنت أخته أو بنت أخيه من الرضاع؛ لأن الهيبة التي في قلبه بالنسبة للنسب أعظم؛ يعني لا يمكن أن يجرؤ على أن يقبل ابنته بشهوة، لكن يمكن أن يجرؤ على أن يقبل ابنته من الرضاع بشهوة.
هذه أربعة أحكام من النسب تثبت بالرضاع، غير هذا من الأحكام لا يثبت، فالنفقة لا تثبت؛ يعني لا يجب أن ينفق الإنسان على بنته من الرضاع كما ينفق على بنته من النسب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3467
الميراث يثبت أو لا يثبت؟ لا يثبت، فابنته من الرضاع لا ترث منه شيئًا، تحمُّلُ الدية في قتل الخطأ وشبهه لا يثبت بالرضاع، وجوب الصلة؛ صلة الأرحام، لا يثبت بالرضاع، كل أحكام النسب لا يثبت منها إلا أربعة أحكام فقط، وهي: النكاح، والنظر، والخلوة، والمحرمية.
طالب: ( ... ) شرب من الميتة لبنها ( ... ) الخامسة، لماذا لا ( ... )؟
الشيخ: لماذا؟ السؤال اللي سأله الأخ يقول: لماذا لا يؤثر لبن الميتة إذا كان المقصود التغذية، فإن لبن الميتة يغذي؟
فالجواب أن ظاهر الآية: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ [النساء: 23] أنه لا بد أن يكون الرضاع ممن أرادت الرضاع، أرضعت، وهذه رُضِعَ منها ولم تُرْضِع.
طالب: فيقال: فرع الذي ( ... ).
الشيخ: تمام، هذا إيراد جيد، تقول إذن: إذا حلبت المرأة لبنها في إناء وشربه الإنسان فهنا لم ترضعه، فلنقل: هنا أرضعته؛ لأنها هي التي أرادت إخراج اللبن منها إلى هذا الكأس، واضح؟
طالب: إذا كان الإنسان غير مستقيم في دينه، هل نأمن أنه يدخل على محارمه في الرضاعة؟
الشيخ: إذا خيفت الفتنة -ولو على البنت من أبيها- فإنه يحال بينهما، الفتنة هذه ممنوعة بكل حال، حتى لو فرض أن هذا الأب خبيث، حيوان، ويخشى إذا دخل على بنته من الفتنة؛ إما بتقبيل أو ضم أو فعل الفاحشة فإنه يمنع.
طالب: ليس أننا نتهم الرجل فقط، إننا نقول قاعدة: إنه إذا كان الإنسان غير مستقيم هذا ..
الشيخ: لا، بعض الناس غير مستقيم في دينه، لكن لا يمكن أن يجرؤ على محارمه، وعنده من الغيرة على المحارم أكثر من الإنسان المتدين المستقيم، هذا شيء مشاهد، يوجد أناس مثلًا عندهم تهاون في الدين، في الصلاة، في شرب الدخان، في شرب المسكر، لكن عندما تحادثه في الغيرة يكون من أشد الناس، فهذه المسألة يختلف فيها الدين عن الغيرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3468
ووَلَدَ مَن نُسِبَ لبنُها إليه بِحَمْلٍ أو وَطْءٍ، ومَحارِمُه مَحارِمُه ومَحارِمُها مَحارِمُه دونَ أبويه وأُصولِهما وفُروعِهما، فتُباحُ الْمُرضَعةُ لأبي الْمُرْتَضِعِ وأخيه من النَّسَبِ، وأمِّه وأُختِه من النَّسَبِ لأبيِه وأخيه، ومَن حَرُمَتْ عليه بِنْتُها فأَرْضَعَتْ طِفلةً حَرَّمَتْها عليه وفَسَخَتْ نِكاحَها منه إن كانتْ زَوْجَتَه، وكلُّ امرأةٍ أَفْسَدَتْ نِكاحَ نفسِها برَضاعٍ قَبلَ الدخولِ فلا مَهْرَ لها، وكذا إن كانت طفلةً فدَبَّتْ فرَضَعَتْ من نَائمةٍ، وبعدَ الدخولِ مَهْرُها بحالِه، وإن أَفْسَدَه غيرُها فلها على الزوجِ نِصفُ الْمُسَمَّى قَبْلَه وجميعُه بعدَه، ويَرْجِعُ الزوجُ به على الْمُفْسِدِ، ومَن قالَ لزوجتِه: أنت أُخْتِي لرَضاعٍ.
بَطَلَ النِّكاحُ، فإن كان قبلَ الدُّخولِ وصَدَّقَته فلا مَهْرَ، وإن أَكْذَبَتْهُ فلها نِصْفُه، ويَجِبُ كلُّه بعدَه، وإن قالتْ هي ذلك وأَكْذَبَها فهي زوجتُه حُكْمًا، وإذا شكَّ في الرَّضاعِ أو كمالِه أو شَكَّت الْمُرضِعةُ ولا بَيِّنَةَ فلا تحريمَ.
الشيخ: ( ... ) غير مستقيم في دينه، لكن لا يمكن أن يجرؤ على محارمه، وعنده من الغيرة على المحارم أكثر من الإنسان المتدين المستقيم، هذا شيء مشاهَد، يعني يوجد أناس مثلًا عندهم تهاون في الدين، في الصلاة، في شرب الدخان، في شرب المسكِر، لكن عندما تحادثه في الغيرة يكون من أشد الناس، فهذه المسألة يختلف فيها الدين عن الغيرة.
طالب: أحسن الله إليك، لو حلبت امرأة لبنًا وأعطته لأخرى حتى تسقيه ابنها، فأسقته ابنا آخر؟
الشيخ: فهمتم السؤال؟ يقول: هذه امرأة حلبت لبنها، وقالت للمرأة: هذا لولد فلانة، هذا السؤال؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وأعطته آخر، أرأيت لو أعطته إناءً فيه طعام وقالت: خذ هذا أَعْطِهِ فلانًا، وراح أعطاه آخر، يحل ولّا ما يحل؟
الطالب: لكن هل يثبت الرضاع؟
الشيخ: أسألك، هل يحل ولَّا ما يحل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3469
الطالب: لا يحل للثانية أن تفعل.
الشيخ: نعم، يجب أن يعطيه مَن ذكرت، هذا مثلها.
أما بالنسبة لتأثير اللبن فهو مؤثِّر، حتى وإن كان لا يحل إعطاؤه طفلًا آخر، لكنه مؤثِّر، ولذلك لو سرقت امرأة لبن امرأة وأسقته طفلها صار مؤثِّرًا.
طالب: ولو بغير اختيار الأولى؟
الشيخ: لا، قد اختارت إرضاع اللبن، لكن اختارت شخصًا آخر.
طالب: أحسن الله إليك، إذا رضع الطفل من حليب العلب ( ... )، ولم ترضعه أمه ( ... ) ما تصير أمه يا شيخ؟
الشيخ: ( ... ) كيف تخفى عليك هذه؟
الطالب: ما أرضعته أمه.
الشيخ: كيف يخفى عليك أن هذه العلبة تكون أمًّا له؟ ! !
الطالب: ما رضع من أمه يا شيخ بس على العلب.
الشيخ: إي، بس رضع من العلبة هذه، يجري إلى حجرها، إلى ثديها: يا أمي يا أمي، ماذا تقولون في هذا السؤال؟ يعني يريد أن تكون العلبة أمًّا من الرضاعة! ! إذا كانت الشاة وهي ذات إرادة لو رضع من الشاة لن تكون أمه، لو ترضعه ألف مرة، كيف العلبة! !
طالب: يقول: أمه التي ولدته يا شيخ ما رضع منها.
الشيخ: إي ما رضع منها، رضع من حين ما أرضعته أمه من هذه العلبة، تضم صوتك إلى صوتي؟
الطالب: ( ... ) مش مفهومة الصورة، أمه يا شيخ اللي جابته ما شرب من لبنها ( ... ).
الشيخ: ويش الإشكال عندك؟
طالب: هو يا شيخ يسأل يقول: أمه التي ولدته ولم يرضع منها تكون أمه من الرضاع؟
الشيخ: أمه من النسب يا رجل، عجيب، لكن ما أظن يريد هذا؛ لأن هذا لا يخفى على أدنى واحد أن أمه التي ولدته هي أمه، سواء أرضعته أو لم ترضعه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا المسلمة أرضعت ولد كفار هل يكون ولدًا لها؟
الشيخ: إي نعم، هذه لا يختلف فيها جميع ( ... ).
[من يُحَرَّم بالرضاع]
الجزء: 2 - الصفحة: 3470
طالب: وَمَحَارِمُهُ مَحَارِمَهُ، وَمَحارِمُها مَحَارِمَهُ، دُونَ أَبَوَيْهِ وَأُصُولِهِمَا وَفُرُوعِهِمَا، فَتُبَاحُ المُرْضِعَةُ لأَبِي المُرْتَضِعِ وَأَخِيهِ مِنَ النَّسَبِ، وَأُمُّهُ وَأُخْتُهُ مِنَ النَّسَبِ لأَبِيهِ وَأَخِيهِ، وَمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُهَا فَأَرْضَعَتْ طِفْلَةً حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ، وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا مِنْهُ إِنْ كَانَتْ زَوْجَةً، وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَفْسدتْ نِكاحَ نَفْسِها بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ طِفْلَةً فَدَبَّتْ فَرَضَعَتْ مِنْ نَائِمَة وبعد الدخول مهرها بحاله، وإن أفسده غيرها فلها على الزوج نصف المسمى قبله، وجميعُه بعده، ويرجع الزوجُ به على المفسِد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لعلكم قد انتبهتم إلى القواعد في باب الرضاع السابقة، أكذلك؟ والقواعد في هذا الباب أحسن من معرفة المسائل، المسائل مسائل جزئية فردية، لكن القواعد تضبط لك الأحكام، وتدخل فيها ما شئت من أفراد المسائل، من ذلك ما قاله المؤلف هنا.
يقول: (فمتى أرضعت امرأة طفلًا صار ولدها في) أمور أربعة (النكاح والنظر والخلوة والمحرمية)، وصار وَلَدَ مَن نُسِبَ لبنُها إليه، وهذا الزوج أو السيد، فإذا تزوج امرأة وحملت وأتت بلبن فاللبن من الزوج، ومَن وطئ أَمَته فحملت وأتت بولد وصار فيها لبن فاللبن يُنْسَب إلى السيد.
(وولد مَن نُسِبَ لبنها إليه) مَن هو؟ الزوج والسيد.
(بحمل أو وطء) نسب لبنها إليه (بحمل) يعني: جامعها وحملت ووضعت وصار فيها لبن.
(أو وطء) هذا يمكن أن يكون فيما لو تزوج امرأة، ومع الجماع درَّت وصار فيها لبن بدون حمل، فظاهر كلام المؤلف أن هذا اللبن محرِّم لأنه نتج عن وطء.
الجزء: 2 - الصفحة: 3471
وقد سبق لنا أن القول الراجح أنه متى وجد اللبن ناشئًا عن حمل أو وطء أو لعب بالثدي حتى دَرَّ أو غير ذلك فإنها تكون أُمًّا له، لكن مَن ليس لها سيد ولا زوج تثبت الأمومة دون الأبوة.
قال: وصار (محارمُه محارمَه ومحارمُها محارمَه) محارم مَن؟ محارم الراضع، محارم مَن نُسِب لبنها إليه محارم للراضع؛ البنت مَحْرَم لأبيها، الولد الذي رضع من امرأة يُنْسَب لبنها إليه يكون محرَمًا، فمحارم صاحب اللبن محارم للراضع، ومحارم المرضعة محارم للراضع، بأي لغة هذا الكلام؟ عربية مفهومة؟
رضع هذا الرجل من امرأة اسمها عائشة، عائشة لها محارم، محارم عائشة محارم للطفل الذي رضع، فلننظر؛ بنتها محرم لها ولَّا لا؟
طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: أمها؟
طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: عمتها، خالتها؟
هؤلاء المحارم يكونون محارم للرضيع.
كذلك محارم صاحب اللبن يكونون محارم للرضيع؛ زوج المرأة التي أرضعت له محارم، محارم هذا الزوج محارم للرضيع، ابنه مَحْرَم، أبوه، أخوه، عمه، خاله، وهكذا.
المحارم في الموضعين هم الأصول والفروع والحواشي، هذا بالنسبة للمرضعة ولصاحب اللبن.
أما بالنسبة للرضيع فقال المؤلف: (دون أبويه وأصولهما وفروعهما).
(دون أبويه) أي: أبوي الرضيع، (وأصولهما) وهما الجد والجدة، (وفروعهما) وهما الإخوة والأعمام.
هذه مسائل فردية كما قلت لكم، نرجع للضابط الأول، ينتشر التحريم -تحريم الرضاع- بالنسبة للطفل إلى مَن؟ إلى فروعه فقط، دون أصوله وفروعهم وحواشيه، أنا قلت: دون أصوله وفروعهم، واعلموا أن فروع الأصول هم الحواشي، لكن غابت عنكم، فروع الأصول هم الحواشي، فروع الأب إخوة، فروع الجد وإن عَلَا أعمام.
فرَّع المؤلف عليه مسائل، قال: (فتُبَاح المرضعة لأبي المرتَضِع وأخيه من النسب)، المرضعة التي أرضعت الطفل يجوز لأبي الطفل أن يتزوجها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3472
ولنَقُل: إن التي أرضعت فاطمة، أرضعت طفلًا اسمه علي، يجوز لأبي علي أن يتزوج فاطمة، يجوز لأخي علي أن يتزوج فاطمة؛ لأن أبا الرضيع ليس من فروعه، أخو الرضيع ليس من فروعه.
قال: (وأمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه) منين؟ من الرضاع، فيجوز لأبي الطفل من الرضاع أن يتزوج أخت الطفل، أخته التي ولدتها أمه؛ لأن حواشي وأصول المرتضِع لا علاقة لهم بالرضاع.
افهموا القاعدة، حتى وإن لم تفهموا هذه الأمثلة، الكلام على القاعدة.
ثم قال: (ومَن حَرُمت عليه بنتُها فأرضعت طفلةً حرَّمتها عليه، وفسخت نكاحها منه إن كانت زوجتَه)، وفي نسخة: (إن كانت زوجةً).
كل امرأة حرُمت عليه بنتُها فمَن أرضعت من النساء فهي حرام عليه، تخمَّرت في رؤوسكم ولَّا لا؟ كل امرأة حرُمت على الرضيع بنتُها فإنها تُحَرِّمُها عليه.
مثال ذلك: إنسان أرضعت أمُّه طفلةً، هل تحرُم عليه الطفلة؟
طالب: تحرُم عليه.
الشيخ: تحرُم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأن بنتها؟
طالب: أخته.
الشيخ: لا، تحرُم عليه، إحنا بنطبق على قاعدة المؤلف، كل امرأة تحرُم عليك بنتُها فإنه يَحْرُم عليك كلُّ ما أرضعت.
الأخت؛ إنسان له أخت، بنت أخته حرام عليه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو أرضعت هذه الطفلةَ، أختُه أرضعت طفلةً صارت حرامًا؛ لأن بنتها تحرُم عليه، فمن أرضعت تحرُم عليه.
هذه القاعدة اللي فيها نوع من التعقيد يكفي عنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (1)، وكفى.
فمعلوم أن أختك التي هي بنت أمك حرام عليك، إذا أرضعت أمُّك طفلةً صارت الطفلةُ أيش؟
طلبة: محرَّمة عليك.
الشيخ: ما هو حُكْمًا، صارت أيش؟
طلبة: أختًا لك.
الشيخ: أختًا لك.
طلبة: من الرضاع.
الشيخ: من الرضاع، فعليك بالأصول، وَلَيْتَ المؤلف لم يَأْتِ بهذا الضابط، هذا الضابط هو ليس بقاعدة، لكن لَيْتَه لم يَأْتِ به؛ لأنه الآن في ظني يشوِّش عليكم، لكن عليكم بالأصول.
الجزء: 2 - الصفحة: 3473
ومعلوم أن مَن حرُمت عليه بنتُها حرُمت عليه مَن أرضعته، قال: (مَن حرُمت عليه بنتُها فأرضعت طفلةً حرَّمَتْهَا عليه) هذا ما هو فيه إشكال.
(وفسخت نكاحَها منه إن كانت زوجةً)، هذه مشكلة فعلًا، طفلة تكون زوجةً؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: يمكن، خصوصًا على قاعدة المذهب؛ أن الرجل يجوز أن يُزَوِّج ابنته بدون إذنها، هذا إنسان وُلِدَت له طفلة وجميلة خفيفة الدم، ولها سنة وشهران، رآها رجل قال: والله بنتك هذه حلِيلَة وطيبة زَوِّجْنِيها، قال: توكَّل على الله، فعقد له النكاح على هذه الطفلة اللي ترضع، هل يستمتع بها؟ لا، يلاعبها الآن بإيديه كذا، وبعدين إن شاء الله يسهِّل الله.
على كل حال، زَوَّجَها إياه، جاءت أخته -أخت الرجل اللي تزوج الطفلة- فأرضعت الطفلة، صارت الطفلة الآن بنت أخته، فهو خالها، انفسخ النكاح، اللي حصل أخته الآن فَسَّدَت عليه، هذا واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: لماذا أَفْسَدَت النكاح؟ لأن بنت أخته تحرُم عليه، فمن أرضعته تحرُم عليه وتفسخ النكاح.
مشكل، راح عليه الآن، لكن الزوج يلزمه على هذا نصف المهر، هو أَصْدَقَ هذه البنت الطفلة مثلًا عشرة آلاف، انفسخ النكاح بغير سبب من الطفلة، نقول: يلزم الزوج نصف المهر، كم؟ خمسة آلاف ريال، لكن من أين يأخذه؟ يأخذه من أخته التي أفسدت النكاح، فيقول: أنت التي جَنَيْتِ عليَّ وفسختِ النكاح، فعليكِ نصف المهر، واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: قال: (وكل مَن أَفْسَدَت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فلا مهر لها).
هذه ضابط أيضًا، كل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فليس لها مهر، أفهمتم؟ قولوا: نعم ولَّا لا.
طلبة: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3474
الشيخ: مثال ذلك: رجل له زوجة كبيرة فيها لبن من غيره، تزوَّج طفلة صغيرة، صار عنده الآن زوجتان؛ كبيرة تُرْضِع، وصغيرة طفلة تَرْضَع، فقامت الكبيرة وأرضعت الصغيرة، أفسدت نكاحها، مين اللي أفسد نكاحها؟ الكبيرة أفسدت نكاحَها؛ لأنها صارت أُمَّ زوجة، وأم الزوجة حرام على الزوج.
المسألة الآن قبل الدخول، وقد عيَّن لها مهرًا قيمته أربعون ألف ريال، هل يسقط هذا المهر أو لا يسقط، أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: لا يسقط.
الشيخ: يسقط؛ لأن المرأة نفسها هي التي أفسدت النكاح، هي التي أرضعت زوجتَه، فصارت أُمًّا لزوجته.
بالنسبة للطفلة هذه، هل يبقى نكاحها أو لا يبقى؟
طلبة: لا يبقى.
الشيخ: يبقى؛ لأنه ما دخل على أُمِّهَا، وبنت الزوجة لا تحرُم إلا إذا دخل بأمها، وعلى هذا فيبقى نكاح الطفلة، وينفسخ نكاح المرضعة؛ لأنها صارت أم زوجة.
والله ما أدري أفهَّمْكُم إياه، ما نترك هذه ونقول: إنها فرضية ما هي بواقعية، ونريحكم من الإشكال، أو واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: أعيد المثال، رجل تزوج امرأة فيها لبن من غيره، ولم يدخل بها، وكان له زوجة صغيرة تَرْضَع، فقامت الكبيرة وأرضعت الصغيرة، ماذا كانت؟ صارت أم زوجة، ينفسخ نكاحها؛ لأن أم الزوجة حرام على الزوج تحريمًا مؤبدًا، بالنسبة للطفلة هل ينفسخ نكاحها أو لا؟
طلبة: لا ينفسخ.
الشيخ: لا ينفسخ، ليش؟ لأنها من الربائب، والربيبة يعني بنت الزوجة، والربيبة يُشْتَرَط أن يدخل بأمها، فلا تحرُم.
بقينا في المهر الذي سُمِّي للأم التي أرضعت، هل يكون للأم أو لا؟ لا؛ لأن كل فُرْقَة من قِبَل الزوجة قبل الدخول تُسْقِط المهر، هذه القاعدة، كل فُرْقَة تأتي من الزوجة قبل الدخول فإنها تُسْقِط المهر.
على هذه القاعدة نقول: هذه المرأة التي أفسدت نكاح نفسها ليس لها مهر؛ لأن الفُرْقَة جاءت من قِبَلِهَا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3475
قال: (وكذا إن كانت طفلةً فدبَّت فرضعت من نائمة)، الزوجة طفلة صغيرة في الفراش في المهد، وكانت أختُ الزوج الذي تزوج الطفلة كانت موجودة نائمة، الطفلة قامت تدب حتى التقمت ثدي أخت الزوج، ورضعت، يَفْسُد نكاحها أو لا يَفْسُد؟
طلبة: يَفْسُد.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه خالها.
الشيخ: لأنها لما رضعت من أخته صار هو خالها، فيفسُد النكاح، مَن أَفْسَد النكاح؟ نفس الزوجة، الزوج الآن ما دخل، ولو دخل يكون لا عبرة به؛ لأنه ما يمكن يستمتع بها صغيرة، مهر هذه الطفلة أتدرون كم؟
طالب: عشرة ريالات.
طالب آخر: مئة ألف.
الشيخ: عشرة ريالات؟ على كل حال لنقول: عشرين ألفًا، عشرين ألفًا هذه تسقط عن الزوج، ليش؟ الفُرْقَة ممن؟
طلبة: من الزوجة.
الشيخ: من الزوجة نفسها، يا جماعة الزوجة صغيرة ما لها راعٍ ولا شيء، نقول: إن الإتلافات يستوي فيها العاقل وغير العاقل، ولذلك لو أن المجنون أفسد مال إنسان ضَمَّنَّاه، فيسقط مهرها بفعلها؛ لأنها هي التي أفسدت نكاح نفسها.
أيها الطلبة، كلام الفقهاء -رحمهم الله- مثل هذه الأمور وإن كان لا يقع أو لا يقع إلا قليلًا يَقْصِدُون به تمرين الطالب على إدراك المسائل، وإن لم يكن ذلك واقعًا أو يقع قليلًا.
فمن يتصور أن إنسانًا يتزوج طفلةً لها سنة تَرْضَع، ثم تأتي المقادير وتدب هذه الطفلة وتجد ثدي أخته مفتوحًا، الغالب أن المرأة إذا نامت أيش؟ تكشف الثدي؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لكن مع ذلك جاء أمر الله، وهذه الطفلة وجدت الثدي مفتوحًا، أو عبثت بالثوب حتى انفتح الثدي ورضعت، ثم الرضاع يحتاج إلى عدد، كم؟
طلبة: خمس رضعات.
الشيخ: خمس رضعات، فيقال: هذه الطفلة كل صباح يوم تدب وترضع، خمسة أيام؟ ! خلاص، تم النصاب.
طالب: هل الطلاق يقطع اللبن؟
الشيخ: لا، إلا إذا تزوجت وحملت من الثاني.
الطالب: ما دام فيها لبن من الأول فيعتبر أبًا لـ ..
الشيخ: نعم، ما دام فيها لبن من الأول فهو أبو الراضع، والثاني زوج أم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3476
طالب: في مسألة ذكرناها قبل قليل إذا كان عنده زوجتان، وكانت الكبيرة في عصمته واللبن للزوج، فأرضعت الطفلةَ الصغيرةَ هل تطلق الصغيرة؟
الشيخ: إي، معلوم الزواج بينفسخ؛ لأنها صارت بنته.
الطالب: والكبيرة؟
الشيخ: والكبيرة؛ لأنها أم زوجته.
الطالب: كلهم؟
الشيخ: كلهم.
طالب: في المسألة التي ذكرناها قبل قليل إذا كان له زوجتان، أن يكون اللبن من غيره ( ... )
الشيخ: إي لأنه إذا كان اللبن منه صارت الطفلة التي رضعت بنتًا له وانفسخ نكاحها ونكاح المرضعة.
الطالب: في المسألة الثانية لو كانت أخته مثلًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: متزوج من المرأة الصغيرة وله أخت، فرضعت الصغيرة من الكبيرة.
الشيخ: رضعت منين؟
الطالب: كنت أسأل ولكن اتضحت المسألة لي.
الشيخ: هَوَّنْت.
طالب: ما حكم الرضاعة من المحارم، يعني مثلًا الطفل الصغير يرضع من أخته شقيقته؟
الشيخ: لا بأس، فيكون ابنًا لها من الرضاع ويكون أخًا لها.
طالب: الرجل الذي له زوجتان الصغيرة والكبيرة، الكبيرة أرضعت الصغيرة، ( ... ) الصغيرة؟
الشيخ: لا.
الطالب: كيف ذلك؟
الشيخ: لا، الكبيرة، إلا إذا كان اللبن للزوج، فإنها إذا أرضعت الكبيرةُ الطفلةَ صارت الطفلة بنتًا له فينفسخ نكاحها.
الطالب: ما أسأل عليه يا شيخ عدم الدخول بالكبيرة.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه ما دخل عليها، واللبن من غيره، يعني قد تزوج امرأة متزوجة من قبل وفيها لبن، ولم يدخل بها، فأرضعت الصغيرةَ، واضح ولَّا؟
الطالب: واضح نعم.
طالب آخر: أحسن الله إليك، إذا ادَّعَت امرأة أنها أرضعت زوجة رجل من محارمه ولم يقل: البينة على ذلك، وأنها مشتهرة أنها تريد الفراق للزوج، فهل عليها أن تقيم البينة؟
الشيخ: هذه ستأتينا في كلام المؤلف، غدًا إن شاء الله يتبين الحكم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا كان هناك رجل وله ولد من الرضاعة، فتزوج هذا الولد، فزوجته هل تحرُم عليه بحيث إنه يخلو بها ويسافر معها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3477
الشيخ: إي نعم، هذه المسألة فيها خلاف، يعني زوجة الابن من الرضاع، هل تحرُم على أبيه من الرضاع أو لا تحرُم؟
المذاهب الأربعة كلها يقولون: إنها تحرم كزوجة ابنه من النسب، واختار شيخ الإسلام -رحمه الله- أنها لا تحرُم، واستدل الجميع بحديث واحد وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (1).
فقال الجمهور: زوجة ابنه من النسب حرام، فتكون زوجة ابنه من الرضاع حرامًا؛ لأنه يحرُم من الرضاع ما يحرُم من النسب، وهذا رأي المذاهب الأربعة كلها.
وقال شيخ الإسلام الحديث: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، ولو سُئِلْنَا عن تحريم زوجة الابن على أبيه، فهل تحريمها من النسب أو تحريمها من المصاهرة؟ لكان الجواب أن تحريمها من المصاهرة، وعلى هذا فلا تدخل في الحديث، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23]، فقيَّد، واختيار شيخ الإسلام هو الصحيح من حيث الدليل.
وقد كتبت في هذا جوابًا سابقًا مطولًا، وبَيَّنْتُ أن قول الجمهور ضعيف، وقد قال الله تعالى بعد ذكر المحرَّمات، قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
ولكن لو قال قائل: أنا أسلك الاحتياط، قلنا: ما نمنعك، فنقول: زوجة ابنك من الرضاع لا تحل لك، أي: لا يحل أن تزوجها، لو طلقها أو مات عنها بناء على رأي الجمهور، ولكنها لا تكشف لك، ولا تخلو بها، ولا تسافر بها، بناء على قول شيخ الإسلام ابن تيمية، فنجمع بين الأمرين، الاحتياط هنا أو هنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3478
لو سلك إنسان هذا المسلك لكان له أصل، الأصل هو قصة سعد بن أبي وقاص مع عبد بن زمعة حين اختصمَا في غلام، فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد به إِلَيَّ، وكان عتبة قد زَنَا بهذه المرأة وأتت بهذا الولد، وعبد بن زمعة قال: يا رسول الله، هذا من وليدة أبي، وُلِدَ على فراشه فهو أخي، اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واحتج سعد بالشبه، قال: يا رسول الله انظر شبهه، هل يشبه لعتبة أو لا يشبه؟ فرأى النبي صلى الله عليه وسلم شبهًا بَيِّنًا بعتبة، وأن الولد هذا من حيث الشبه لعتبة، لكن عتبة عاهر زانٍ، فقال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، الولد لك يا عبد بن زمعة، ثم قال لسودة: «احْتَجِبِي مِنْهُ» (2)، مع أن الزوجة تكون أخته، لما قضى به لزمعة تكون أخته، وأمرها أن تحتجب، لماذا أمرها أن تحتجب؟
لأنه رأى شبهًا بيِّنًا بعتبة، فرأى من باب الاحتياط أن تحتجب عنه ولو كانت أخته.
أقول: لو أن أحدًا سلك هذا المسلك وقال: نحن نأخذ بكلام شيخ الإسلام -رحمه الله- من حيث وجوب الاحتجاب في زوجة الابن من الرضاع، وألَّا يكون محرَمًا لها، ونأخذ بالاحتياط في قول الجمهور ألَّا يتزوجها.
( ... )
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
وإن أفسده غيرُها فلها على الزوج نصف المسمى قبله, وجميعه بعده، ويرجع الزوج به على المفسِد، ومن قال لزوجته: أنت أختي لرضاع، بطل النكاح، فإن كان قبل الدخول وصدَّقَتْه فلا مهر، وإن كذَّبَتْه فلها نصفه، ويجب كله بعده، وإن قالت هي ذلك وأَكْذَبَها فهي زوجته حُكْمًا، وإذا شك في الرضاع أو كماله أو شكَّت المرضِعة ولا بَيِّنَةَ فلا تحريم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما إذا فسد النكاح بالرضاع، سبق إذا أفسدته المرأة فإنه إن كان قبل الدخول فلا مهر لها، وإن كان بعد الدخول فلها المهر؛ لأنه استقر بالدخول.
الجزء: 2 - الصفحة: 3479
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: إذا أفسدته بعد الدخول فإنه لا مهر لها، لا لأنه لم يستقر، ولكن من أجل الضمان؛ لأنها لما فوَّتت نفسها على زوجها ضمنته بالمهر، وهذا قول لا شك أنه قوي، فيقول الزوج مثلًا: أنتِ الآن أفسدتِ النكاح، وقيمتك هو المهر، فأعطيني القيمة.
(وَإنْ أَفْسَدَهُ) أي: النكاح، (غَيْرُهَا فَلَهَا على الزَّوْجِ نصْفُ المُسَمَّى قَبْله، وجميعُهُ بَعْدَه، وَيَرْجعُ الزَّوْجُ به عَلَى المُفْسِدِ)
(إن أفسده غيرُها) أي: غير الزوجة، فإن كان قبل الدخول فللزوجة النصف، وإن كان بعد الدخول فللزوجة الجميع، ولكن الزوج ماذا يصنع؟ يرجع بما غَرِمه للزوجة على مَن أفسده.
مثال هذا: امرأة أرضعت زوجة أخيها؛ لأنه تزوَّج طفلة صغيرة، فجاءت أخته فأرضعتها، مَن الذي أفسد النكاح؟
الأخت عليها نصف المهر؛ لأنها أفسدته قبل الدخول، فعليها نصف المهر، وأما إذا كان بعد الدخول كما لو دبت طفلة صغيرة فرضعت من زوجة كبيرة صارت الزوجة الكبيرة الآن أُمًّا للزوجة، فينفسخ النكاح ويجب المهر كاملًا على الزوج، يرجع به على مَن؟ على الطفلة الصغيرة اللي دبَّت ورضعت.
فإذا قال قائل: صغيرة هذه كيف تضمن؟
قلنا: حقوق الآدميين لا يُشْتَرَط فيها العقل، ولا يُشْتَرَط فيها الذُّكْر، بل تضمن، سواء كانت من مجنون أو عاقل، أو ذاكر أو ناسٍ، أو عالم أو جاهل، حقوق الآدميين لا بد أن تكون مضمونة، ولهذا قال: (ويرجع به على المفسِد، ومن قال لزوجته: أنت أختي للرضاع بطل النكاح) مؤاخذةً له بإقراره، إنسان قال لزوجته: أنت أختي لرضاع، نقول: النكاح يبطل، لماذا؟ لأنه أَقَرَّ على نفسه بأنها أخته، والأخت لا يجوز أن يتزوجها، فيفرَّق بينهما، لو قال ذلك مزحًا، هل يؤاخَذ أو لا يؤاخَذ؟
نقول: إن علمنا بالقرائن أنه يمزح لم يؤاخَذ؛ لأنه لا يمكن أن نبطل نكاحًا قائمًا إلا بدليل بيِّن، وإن لم نعلم فإنه يؤاخَذ بإقراره؛ لأن الأصل في الإقرار أنه صحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3480
المهم يقول: يبطل النكاح.
(فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَدَّقَتْهُ فَلَا مَهْرَ) إن كان قوله لها إنها أخته من الرضاع قبل أن يدخل عليها وصدَّقَتْه قالت: نعم صَدَقْت، فهنا لا مهر.
التعليل؛ لأنه اتفق الطرفان على أن النكاح باطل، والنكاح الباطل لا أثر له.
(وَإِنْ أكْذَبَتْهُ فَلَهَا نِصْفُهُ)، (أكذبته) يعني قالت: إنه كاذب، فلها نصف المهر.
اسمع: رجل بعد أن عقد على امرأة قال: إنها أختي من الرضاع، بالنسبة له حكم النكاح باطل، بالنسبة لها إن صَدَّقَتْ فالنكاح باطل، وإن كَذَّبَتْ فلها نصف المهر؛ لأن الفُرقة جاءت من قِبَل الزوج، وكل فُرقة جاءت من قِبَل الزوج قَبْل الدخول فإن عليه نصف المهر.
ولهذا قال: (وإن أَكْذَبَتْه فلها نصفه)
(ويجب كُلُّهُ بَعْدَهُ) يعني لو كان قال بعد الدخول: أنت أختي للرضاع، وجب المهر كاملًا؛ بماذا استقر؟
استقر بالدخول، فيجب المهر كاملًا، وهذا سواء صَدَّقَتْه أو لم تُصَدِّقْه، لكن يبقى النكاح هل يبطل أو لا يبطل؟
إن صَدَّقَتْهُ بطل بلا شك؛ لأن الطرفين اتفقَا على أنه نكاح باطل، وإن كَذَّبَتْهُ بطل النكاح في حقه، ولم يبطل في حقها، وحينئذٍ يلزم الزوج بأن يطلِّق، فإذا قال: كيف أطلق وأنا أعتقد أنها ما هي زوجة؟
نقول: لكن هي تعتقد أنها زوجة، وبناء على اعتقادها لا يحل لها أن تتزوج أحدًا؛ لأنها تعتقد أنها مع زوجها، فلا يمكن أن تنفك منك إلا بطلاق، وحينئذٍ يُجْبَر على أن يُطَلِّق، فإن أبى أن يطلق طَلَّق عليه القاضي؛ لئلا تبقى المرأة محبوسة، أفهمتم هذا أو لا؟
نعيد مرة ثانية: رجل قال لزوجته: أنت أختي للرضاع وصَدَّقَتْه، فما حكم النكاح؟
طلبة: باطل.
الشيخ: باطل، سواء قَبْل الدخول أو بعد الدخول، لكن الذي يختلف المهر؛ إن كان قبل الدخول فلا مهر لها، وبعده لها المهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3481
رجل قال لزوجته: أنت أختي للرضاع، كَذَّبَتْه، ثبت بطلان النكاح في حقه، ليش؟ لأنه أقر بأنه باطل، أما في حقها فلا، ولكن ماذا تصنع هذه المرأة المسكينة التي تعتقد أنها في حبال هذا الرجل؟
نقول: يُلْزَم الرجل بأن يطلقها، فإذا قال: كيف تُلْزِمُوني بأن أطلِّق وأنا لا أعتقدها زوجة؟ نقول: لكن هي تعتقدك زوجها، فلا بد أن تفك أسرها، فإن قال: لا أفعل، قلنا: يطلِّق عليه القاضي وينتهي الموضوع.
(فإِنْ قَالَتْ هِيَ ذلِكَ وَأَكْذَبَهَا فَهِيَ زَوْجَتُهُ حُكْمًا) هذه مشكلة عاد.
المرأة قالت: إنها أخت زوجها من الرضاع، هل ينفسخ النكاح أو لا؟ إن صَدَّق تبيَّن بطلانُه، وإن كَذَّب فهي زوجته حُكمًا، لكن يُشْكِل كيف تكون زوجته وهي تعتقد أنها حرام عليه؟ !
نقول: لكن هو لا يعتقد، في مثل هذه الحال يجب عليها أن تفتدي من زوجها بكل ما تستطيع، ويش معنى تفتدي؟ أي: تعطيه دراهم ليطلقها؛ لأنه لا يحل لها أن تمكِّنه من نفسها وهي تعتقد أنه ليس بزوج، أفهمتم يا جماعة؟
طالب: فهمنا.
الشيخ: إذا قال قائل: على رأيكم هذا ترون أن هذه الزوجة لا تُمَكِّن زوجها من الاستمتاع بها؟
قلنا: نعم نرى هذا.
فماذا يصنع الزوج إذا كانت هذه الزوجة تأبى أن يستمتع بها؟ نقول: حكمها حكم الناشز، ليس لها نفقة، وليس لها قَسم إن كان معه زوجة، وليس لها حق، وفي هذه الحال يتدخل القضاء، فيُلْزِم الزوج بأن يطلق، ولكن يعطَى مهرَه، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع امرأة ثابت بن قيس التي قالت: أنا لا أطيقه، فقال: «تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ »، قالت: نعم، قال: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» (3).
فهمنا الآن أنه في هذه الحال لا بد أن يتدخل القضاء لفك الحصار.
الجزء: 2 - الصفحة: 3482
وقول المؤلف -رحمه الله-: (فهي زوجته حكمًا) أي: لا حقيقة؛ لأنها تعتقد أنها أخته من الرضاع، لكن القاضي يحكم بأنها زوجته؛ لأن الرجل يُنْكِر هذا، ولو قبلنا قول كل امرأة قالت لزوجها: أنت أخي للرضاع، لحصل شر كثير، ما هو الشر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لكل امرأة ما تريد زوجها تقول: هو أخوها من الرضاع، لكننا لا نقبل هذا الشيء.
قال المؤلف رحمه الله -وهو أهم من المسائل اللي سبقت-: (إذا شُكَّ في الرضاع أو كمالِه أو شكَّت المرضِعة وَلَا بَيِّنَةَ فَلَا تَحْرِيمَ).
هذه مسائل مهمة جدًّا:
(إذا شُك في الرضاع) يعني: أن أهل الطفل شَكُّوا هل رضع من المرأة هذه أو لا، فلا تحريم؛ لأن الأصل عدم الرضاع فلا يثبت التحريم، إذا شُك في كماله بأن قالوا: نعم، الطفل رضع من هذه المرأة عدة مرات، لكن لا ندري أرضع خمسًا أم دون ذلك؟ فلا تحريم؛ لأن الأصل الحِلّ، وهنا لم نتيقن إلا ما دون الخمس فلا تحريم، وهذا من أكثر ما يقع.
دائمًا اللي يسألون عن هذا الرضاع، نقول: كم رضع؟ قال: والله ما أدري، هو جاء عند المرأة من أول النهار إلى آخر النهار ولا ندري كم رضع، فما جوابنا على هذا؟ أن نقول: لا تحريم، الولد ليس ولدًا لها حتى نتيقن أنه رضع خمس مرات.
(أو شكت المرضعة) بأن شكت في الرضاع، أو في كماله، والشك هنا ليس من أهل الطفل، بل من المرضعة، قالت: أنا ما أدري هل أرضعته أو لا؟ أمه أعطتني إياه وذَهَبَت إلى السوق، ولا أدري أرضعته أم لا؟ هذه صورة.
الصورة الثانية: قالت: نعم أنا أرضعته، لكن لا أدري أرضعته خمسًا أم أقل؟
في كلتا الصورتين لا تحريم، يعني لا يكون الولد ولدًا لها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3483
قال: (ولا بَيِّنَةَ)، فإن وُجِدَ بينة فالحكم لها، يعني مثلًا شككنا هل رضع هذا الطفل أو لا، فجاءنا شاهد وقال: أشهد أن هذا الطفل رضع من هذه المرأة خمس مرات، ماذا نعمل؟ يثبت التحريم؛ لأنه وُجِدَت البينة، أو شككنا هل رضع خمسًا أو أقل؟ فقال: أشهد أنه رضع خمسًا، يثبت التحريم.
ولكن ما هي البينة هنا؟ البينة امرأة عدل، إذا صار امرأة موثوقة في دينها وفي حفظها ثبت التحريم.
ودليل ذلك أن رجلًا استفتى النبي صلى الله عليه وسلم في زوجته التي قالت امرأة: إنها أرضعتهما -الزوج والزوجة، فصارَا أخوين- فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ » (4) يعنى كيف تُبْقِيها وقد قيل: إنها رضعت معك، وهذا دليل على أن البينة كم؟ امرأة واحدة ثقة، فإن شهد رجل فمن باب أولى؛ لأن الرجل أثبت في شهادته من المرأة، فإذا كانت السنة النبوية أثبتت الرضاع بشهادة امرأة واحدة، فإثباته بشهادة رجل واحد من باب أولى، والله أعلم.
طالب: بارك الله فيك، قلنا: إن الصورة للذِّكْرَى محرَّمة؛ لأن الملائكة لا تدخل في بيت فيه صورة، لماذا لا نذكر ذلك في صورة الزوجة للتمتُّع؟
الشيخ: لماذا أيش؟
الطالب: صورة الزوجة للتمتع بها.
الشيخ: إي، هذه لغرض مقصود؛ لأن كل شيء يوجب المودة بين الزوجين فهو مطلوب شرعًا.
الطالب: الملائكة يا شيخ.
الشيخ: كل شيء مباح، الملائكة لا تمتنع من الدخول فيه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: العلاج، لا يَلْزَم المريض أن يتداوى، فإذا توقف تناول الدواء على إنقاذ حياة المريض أو حياة عضو من أعضائه هل يَلْزَمُه تناوله؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3484
الشيخ: إي، هذا فيه خلاف؛ بعض العلماء يقول: إذا تَيَقَّنَّا نفعه، أو غلب على ظننا وجب، وهذا يمكن في بتر عضو يُخْشَى من انتشار المرض منه، هذا صحيح، لكن في الأشياء الأخرى ما تتيقن، حتى لو قلت: إن هذا الدواء جرت العادة بأن الناس يشفون منه، فقد يشفى منه مريض ولا يشفى منه مريض آخر، فكيف نوجِب على الإنسان ما لا يُدْرَى عن عاقبته.
أما إذا كان يقينًا ينفع كما قلت لك، أحيانًا تكون فيه آكلة في أصبع من الأصابع، ويقول الأطباء: لا بد من قطعه، وإذا قُطِعَ انقطع المرض، فهنا نقول بالوجوب، فيه شيء يسمى ذات الجنب، تعرفونه؟
طالب: الشلل النصفي.
الشيخ: لا، ذات الجنب هو عبارة عن أن الرئة تلتصق بالأضلاع، وإذا التصقت لم تتمكن من جذب الهواء ودفعه، إن أراد الله لهذا المريض شفاء شفاه عز وجل، وإلا هلك، يعني هو من الأمراض المخوفة، فيه له دواء نافع جدًّا وهو الكي، سبحان الله ما يرفع الرجل يده من الكي إلا وقد تنفَّس المريض، هذا يمكن نقول بالوجوب.
طالب: يا شيخ، من القواعد المعروفة أن كل صلاة يُشْرَع فيها الاجتماع يجهر بها بالقراءة، هل يُسْتَثْنَى من هذا صلاة الجنازة؟
الشيخ: لا، الجنائز أصلًا ما فيها جهر، لا في الليل ولا في النهار.
الطالب: الفاتحة.
الشيخ: لا، ولا الفاتحة، ما يُجْهَر فيها.
الطالب: ( ... ) يُسْتَثْنَى يا شيخ؟
الشيخ: كيف يستثنى؟ ! صلاة الجنازة صلاة سرية ما فيها جهر أصلًا، لكن يجهر بها ابن عباس رضي الله عنه للتعليم فقط، ولهذا قال: ليعلموا أنها سنة (5)، وإلا فالأصل أنها سرية ليلًا ونهارًا.
طالب: شيخ، أثابكم الله، إذا جاءت المرأة إلى أم الإنسان وقالت بأنها أرضعته، والأم تقول: هي ما أرضعته؟
الشيخ: هي ثقة التي قالت أنها أرضعته؟
الطالب: إي ثقة.
الشيخ: ثقة، إذا اجتمع نافٍ ومُثْبِت مَن يُقَدَّم؟
الطالب: يُقَدَّم الناقل عن الأصل.
الشيخ: أيش الناقل عن الأصل، مُثْبِت ونَافٍ مَن يُقَدَّم؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3485
الطالب: يقدَّم الْمُثْبِت.
الشيخ: الْمُثْبِت؛ لأن المثبت معه زيادة علم، فالأم تقول: ما أرضعته، وهي تقول: أرضَعْتُه، وهي ثقة، نقول: نحكم بشهادتها؛ لأنها قد تأتي والأم غائبة مثلًا وتُرْضِع، وقد تُرْضِع في حضور الأم وتنسى الأم، فالمهم متى ثبت بشهادة امرأة موثوقة متى ثبت الرضاع المحرِّم وهو خمس رضعات في الحولين، أو قبل الفطام على القول الثاني، ثبت الحكم.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، إذا قال أناس لأهل طفل: إنهم أرضعوه خمسًا أو أربعًا، شكوا في ذلك، ألا يؤخذ بالاحتياط أنهم أرضعوه؟
الشيخ: لا، الأصل الحِلّ، فلا يثبت التحريم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3486
(كتاب النفقات)
من هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فإنكم بمقدمة المذكرة، وأرجو أن يكون كحضور المذكرة دائمًا، المذكرة هذه اللي فيها فقرات تحضرون بها.
فيه يقول: يراعى فيها الدليل أو التعليل ما أمكن؛ لأن المسائل الفقهية بعضها له دليل خاص، وبعضها له دليل عام، وبعضها له تعليل، والتعليل هو اللي يؤخذ من قواعد الشريعة، وأهداف الشريعة؛ كدرء المفاسد وجلب المصالح، وما أشبه ذلك، فإذا وُجد في المسألة دليل فهو فوق كل شيء، وإذا لم يوجد فإننا نلجأ إلى التعليل.
ممكن يكون دليل وتعليل ولَّا لا؟ يمكن أن يكون دليل وتعليل.
ثانيًا: مع ترجيح الراجح من أقوال أهل العلم، وهذا أيضًا مهم ولا سيما بالنسبة لكم؛ أن الإنسان يكون عنده ملكة ومقدرة يستطيع أن يعرف بها الراجح من المرجوح من أقوال أهل العلم؛ لأنكم تعرفون أن أهل العلم يختلفون في الأحكام لأسبابٍ متعددة؛ منها أن يكون بعضهم لم يبلغه الدليل، ومنها أن يكون بعضهم بلغه الدليل لكن ظنَّ دلالته على كذا، أو ظن أنه على عمومه وقد خُصِّص، أو ظن أنه مُحكَم وهو قد نُسخ، وما أشبه ذلك، فيحصل بذلك الاختلاف بين أهل العلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3487
والاختلاف بين أهل العلم هو بالنسبة للمختلفين تسعهم رحمة الله سبحانه وتعالى، ولا يؤاخَذون بهذا الاختلاف؛ من أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، لكن بالنسبة لمقلديهم إذا تبين لهم الحق فإنه لا يجوز لهم أن يتبعوا عالمًا على خطئه، هو قد يُعذر بخطئه لكن نحن الذين نريد أن نقلده إذا علمنا أن قوله مخالفٌ للسنة فإنه لا يجوز لنا أن نقلده، حتى لو قال قائل: أليس هذا إمامًا؟ نقول له: بلى، لكنه إمامٌ أخطأ، وكل إنسانٍ يمكن أن يخطئ، هو في نفسه معذور؛ حيث أخذ بهذا القول المخالف للسنة؛ لأننا نعلم أنه أداه إليه اجتهاده، لكن أنت أيها المقلِّد غير معذور حينما يتبين لك الحق.
ولهذا يقال: إن أقوال أهل العلم يُحتَج لها ولا يحتج بها؛ هي ما هي بحجة ما لم يكن إجماع، إذا كان إجماع فالمسألة خارجة عن هذا الموضوع؛ ولهذا نقول: مع ترجيح الراجح من أقوال أهل العلم.
وقد سبق لنا غير مرة أنه لا يمكن الترجيح إلا بسلوك أمرين: أحدهما تقوية الجانب المرجِّح، والثاني دفاع قول الخصم وأدلته؛ يعني ما يمكن لك أن تبغي ترجح قولًا وتقول: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا، أو لأن القرآن يقول الله فيه كذا، لا ما يكفي هذا، حتى أيش؟ حتى تدفع حجة خصمك، فإذا دفعتَ حجة الخصم وأثبتَّ حجتك حينئذٍ يتبين الراجح.
يراجع عليها في الحديث بلوغ المرام، والمنتقى وشروطهما، وهذا طبعًا لا بد أن نعتني به؛ يعني ما نقتصر على شرح المدرِّس؛ لأن المدرس يفوته بعض الشيء، فلا بد لطالب العلم أنه هو بنفسه يرجع إلى الكتب التي ألفها أهل العلم في هذا الأمر.
أما في الفقه فهو الروض المربع، والمغني، واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، وإن حصل الفتاوي فهي أولى؛ لأن الاختيارات في الحقيقة يُذْكر فيها رأي الشيخ مجردًا عن الدليل والتعليل، في الغالب، لكن الفتاوي إذا تكلم فإنه يذكر الدليل والتعليل.
وعلى كل حال مَنْ أراد العلم فبابه مفتوح ومعلوم.
مدخل
الجزء: 2 - الصفحة: 3488
نبدأ الآن بالمقرر فنقول: كتاب النفقات؛ تعريف النفقة: النفقة هي كفاية من يَمُونه طعامًا وكسوةً وسكنى؛ فالطعام يدخل فيه الأكل والشرب، والشرب يسمى طعامًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249]؛ ولأن المشروب له طعمٌ فهو طعام.
إذن كفاية من يمون أيش؟ طعامًا وكسوة وسكنى، هذه هي النفقة.
باب نفقة الأقارب والمماليك والبهائم
وهي واجبة على من تجب عليه المؤونة بالشروط التي ستُعرض؛ واجبة لأن الله تبارك وتعالى أمر بها؛ بقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7]؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (1). هذا دليلٌ من القرآن ودليل من السنة؛ ولأن المعنى يقتضي ذلك؛ فإن دفع الحاجات والضروريات واجب، وما لا يكمُل الواجب إلا به فهو واجبٌ.
إذن فالنفقة إذا تمت شروطها فهي واجبة بدلالة الكتاب والسنة، والقياس الصحيح على وجوبها، ولكنها لها أسباب؛ أسباب وجوب النفقة ثلاثة: الزوجية، والقرابة، والملك.
هذه هي أسباب وجوب النفقة: الزوجية، والقرابة، والملك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3489
أما الزوجية فقد دلَّ عليها القرآن والسنة كما أشرنا إليه قبل قليل؛ حيث قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7]، وهذا السياق في الأزواج، وفي الحديث الصحيح الذي أشرنا إليه: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»، وأما القرابة فلقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]، فقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾، ويش عليه؟ ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مقابل إرضاع ولده، وقال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وقال في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6]، إذن فالدليل أن القرابة من أسباب هو هذا القرآن؛ ما دلَّ عليه القرآن.
كذلك أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام سُئل: مَنْ أحق بالصلة؟ فقال: «أُمُّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتُكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ» (2).
وأما الملك فدليل كونه سببًا لوجوب النفقة قوله صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (3). وقال صلى الله عليه وسلم: «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ لَهَا حَبَسَتْهَا؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (4).
الجزء: 2 - الصفحة: 3490
إذن الملك سببٌ من أسباب وجوب النفقة، سواءٌ كان المملوك آدميًّا أم بهيمةً.
صواب العبارة ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: سواءٌ كان المملوك آدميًّا أم بهيمة، صحيح؟ المملوك قد يكون آدميًّا؛ مثل؟
طالب: عبد.
الشيخ: الرقيق، وقد يكون بهيمة كالبعير مثلًا.
طالب: غير البعير.
الشيخ: نعم؟
الطالب: الرجل يملك البعير.
الشيخ: إي، ويملك الرقيق أيضًا؛ إذن الملك يشمل ملك البهائم وملك الآدميين، فإن الملك إذن من أسباب وجوب النفقة؛ ولهذا يجب على المالك المملوك أن يطعمه وأن يكسوه وأن يُسْكِنه، يجب عليه ذلك لقوله: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (3).
إذن النفقة واجبة، وأسباب وجوبها كم؟ ثلاثة؛ وهي الزوجية، والقرابة، والملك، طبعًا وأوكدها الزوجية؛ لأن الزوجة من ضروريات الحياة، وإذا لم تنفق عليها تقول لك: أنفق أو طلِّق، إذا لم تنفق عليها قالت لك: أنفق أو طلِّق، ولها الحقُّ في ذلك، فإذا لم يقم الزوج بواجب النفقة، فإن لها أن تفسخ النكاح إذا لم يطلقها الزوج.
بماذا تجب النفقة للزوجة، وبماذا تسقُط؟
أولًا؛ فَهِمْنا من هذا التعبير أن النفقة للزوجة واجبة، منين فهمناه؟ من قوله: (بماذا تجب النفقة للزوجة؟ ) والإنفاق على الزوجة واجب، وقد ذكرنا دليله من القرآن والسنة والاعتبار أيضًا؛ الاعتبار اللي هو القياس الصحيح؛ لأنه لا تندفع حاجة المرأة أو ضرورتها إلا بالإنفاق، وما لا يكمُل الواجب إلا به فهو واجبٌ.
إذن فالإنفاق على الزوجة واجب بالقرآن والسنة والاعتبار، وهي أيضًا من ضروريَّات المرأة، فلا بد أن ينفق عليها ليحفظ ضرورة نفسه، لكنها تجب؛ يقول العلماء: إنها تجب النفقة على الزوجة إذا تسلَّمها الزوج أو بَذَلَت نفسها وإن لم يتسلمها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3491
أما تسلُّمه إياها فواضح بأن يدخل عليها أو تُزَفَّ إليه، بأن يدخل إليها كما هي عادتنا نحن؛ أن الزوجة تبوء إلى الزوج عند أهلها، أو تُزف إليه كما هي عادة السابقين وعادة بعض المسلمين اليوم؛ أن الزوج يبقى في بيته وليؤتى بالمرأة إليه؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الإنسان الذي ينتظر أن تُزَفَّ إليه زوجته يُعذَر بترك صلاة الجماعة؛ لأنه ينتظر زوجته، فيخشى إذا خرج إلى المسجد وجاؤوا إلى البيت لم يجدوا أحدًا، فيقولون: هذا الرجل استخار يمكن.
طالب: ( ... )
الشيخ: المهم، سبحان الله، هكذا قالوا.
إذا تسلَّمها، أو بذلت نفسها وإن لم يتسلمها، افرض أن المرأة قال له أهلها: نحن مستعدون أي ليلة تبغي تدخل مستعدين، لكنه هو يماطل لعذر أو لغير عذر، فهنا تجب النفقة ما دام التأخير منه، فإنه واجب عليه أن ينفق؛ وذلك لأنها زوجة، والاستمتاع بها ممكِن، والتأخير من الزوج، فإذن هي معذورة؛ لأنها بذلت الواجب، ومستعدة لتمكينه من الاستمتاع، والنفقة في مقابلة الاستمتاع؛ لقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، فإذا كان كذلك وكان التأخير منه، فإنه لا يُعذَر بأي شيء؟ بسقوط النفقة، فيجب عليه أن يُنْفِق، وعلى هذا لو أنه تزوَّج امرأة وعقد عليها، وقالوا له: تفضل، ادخل الليلة القابلة، ولكنه أبى، وصار يماطل فيهم، فإنه يجب عليه الإنفاق؛ لأن عقد النكاح قد تَمَّ، وهي محبوسة لأجله، وتأخير التسليم أو التسلم من الزوج، فيجب عليه أن ينفق، لكنه لو طلب الإمهال لمدةٍ جرت بها العادة؛ مثل: قال: انتظروا هذا الأسبوع حتى أرتِّب منزلي، وما أشبه ذلك، ففي هذه الحال هو معذور، فلا نفقة عليه حينئذٍ؛ لأنه فات تسلمها لعذر، وأما إذا كان يماطل بهم فليس له الحق في إسقاط النفقة.
طالب: فيه ناس يا شيخ تقول: في عرف الناس أن بين العقد وبين الدخول مدة طويلة عرفًا ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3492
الشيخ: لا، ما يكون بينهم مدة طويلة الآن، كان بالأول يمكن يصير، لا الآن أبدًا؟
طالب: أحوال نادرة.
الشيخ: اللي أعرف الآن غالب الزواجات أنهم يعقدون إما ليلة الزواج وإلا قبله بيومين ثلاثة، هذا الغالب، يمكن بعض الأحيان يخاف أن المرأة تفوت، يعقد له عليها ويتأخر مثلًا لمدة سنة، أو ستة أشهر، أو سنتين أيضًا، هذه المسألة الآن يمكن نبحثها؛ إذا كان تأخير الدخول باتفاقٍ بين الطرفين؛ مثلًا البنت صغيرة، أو مثلًا أهلها لهم عذر؛ يريدون أن تبقى عندهم لمدةٍ معينة، فهل تسقط النفقة حينئذٍ أو لا تسقط؛ لأنه باتفاقهم؟ الظاهر أنها لا تسقط هنا، لا تسقط النفقة، وأنه يجب عليه الإنفاق لأنه لو شاء، ويش لو شاء؟ لطلب المبادرة في الدخول، فينظر عاد إذا طلب المبادرة في الدخول وأَبَوا حينئذٍ يكون ليس لها نفقة، لكن ما دامت المسألة باتفاقهم، فإنها محبوسةٌ له، وتأخيرها برضا منه، فيجب عليه الإنفاق، وطبعًا هذا عند التنازع، أما عند التسامح مثلًا عندنا ما دامت المرأة لم يتسلمها الزوج فالمعروف عندنا أنه لا يُنْفِق عليها، فمع التسامح لا بأس به، لكن عندما يأتي محاقة؛ كل واحد منهم يريد الحق، فإنه على هذا التفصيل الذي سمعتم.
بماذا تسقط النفقة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: بماذا؟ التسليم أو البذل.
الطالب: ( ... ) العقد.
الشيخ: لا؛ لأنها قد تمتنع هي، ما تسلم نفسها، يقولون: نبغي ننتظر، كل ما آجي أقول: يلَّا خلونا ندخل.
قالوا: انتظر، وهذا يسقط النفقة.
طالب: ( ... ) ما امتنعت؟
الشيخ: إذا امتنعت؛ ولهذا قلنا: إذا بذلت نفسها، وكان التأخير من الزوج وجب عليه الإنفاق.
الطالب: حتى ولو بذلت بعد العقد الظاهر.
الشيخ: إي نعم، إلا أني قلت لكم: إذا طلب المهلة لإصلاح حاله لمدةٍ معينة فلا حرج.
الجزء: 2 - الصفحة: 3493
النفقة تسقط .. أولًا: لا بد أن نعرف أن النفقة في مقابلة الاستمتاع، فما دام الاستمتاع ممكنًا فالنفقة جارية، وإذا تعذَّر الاستمتاع فإن النفقة تسقط، لكن إن كان تعذر الاستمتاع بسبب من الزوجة فالنفقة ساقطة مع الإثم، وإن كان بغير سبب منها فالنفقة ساقطة ولا إثم عليه، وإن كان بسبب من الزوج فالنفقة باقية، فحينئذٍ نقول: الأصل، ونحن نريد أن نرسم خطوطًا عريضة في هذا الباب؛ فنقول: النفقة الأصل فيها أنها الوجوب في مقابلة الاستمتاع، فإذا تعذَّر الاستمتاع فإن كان بسبب من المرأة بدون عذر، فالنفقة ساقطة ويش بعد؟ مع الإثم؛ لأنه لا يجوز لها كما مر علينا في باب النساء؛ لا يجوز لها أن تمنع زوجها من الاستمتاع بها بالمعروف، وإذا كان بسبب من المرأة يكون مع العذر، فإنها ساقطة بدون إثم، وإذا كان بسبب من الزوج فإنها باقية جارية ما تسقط، هذه هي الخطوط العريضة في هذا الموضع، ونحن نذكر لذلك أمثلة:
مثلًا امرأة صامت نفلًا، صيام النفل يمنع من كمال الاستمتاع ولَّا لا؟ لأنه الزوج الآن لو أراد أن يستمتع منها بجماع في أثناء النهار، وإن كان يجوز له أن يفعل، ولكنه يجد نفسه في حرج، يجد نفسه في حرج أن يُفسِد عليها صومها، إذن فهنا منعته من كمال الاستمتاع، مع أنه لا يجوز لها أن تصوم وهو حاضر إلا بإذنه، حينئذٍ نقول في هذه الحال: النفقة ساقطة في النهار؛ يعشيها ولا يغديها، ولَّا لا؟ السحور يجب عليه ولا ما يجب؟
الطلبة: ما يجب.
الشيخ: ما يجب؛ لأنه هو الغداء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا؛ تستمع به بالنهار، في العشاء أفطرت الآن تمكَّن من الاستمتاع، فتسقط نفقتها، مع أن الفقهاء يقولون: إنها تسقط نفقتها مطلقًا، حتى في الليل؛ لأنها منعته كمال الاستمتاع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3494
لو سافرت المرأة لعذر؛ كمرض، سافرت بعذرٍ كمرض، تسقط نفقتها ولَّا لا؟ تسقط لكن بلا إثم؛ لأن هذا الأمر لعذر، وكذلك لو مرضت فلم يتمكن من الاستمتاع بها فإنها تسقط ولكن بلا إثم؛ لأنها معذورةٌ في ذلك.
لو سافرت لحاجة الزوج، هو الذي أمرها، تسقط ولَّا لا؟
طالب: لا تسقط.
الشيخ: لماذا؟ لأن تعذر الاستمتاع من جهته هو، تعذُّر الاستمتاع من جهته؛ هو الذي أمرها أن تسافر، وهذا القول هو الراجح، والمذهب يقولون: إذا سافرت ولو بإذنه، إذا كان لحاجتها فإنها تسقط النفقة، ولكن الصحيح أنه إذا أذن فإن امتناع الاستمتاع هنا بإذنه، فهو الذي أسقط حقه، لو شاء لقال لها: لا تسافري.
طالب: ( ... ) لو سافرت المرأة مثلًا النفقة ( ... ) المعروف.
الشيخ: لا ما يجب عليه.
الطالب: في العرف الآن ( ... ).
الشيخ: بس الناس يتسامحون الآن، لكن لو تصل للمحاقة عند القاضي ما مكَّنها من ذلك، ما يمكنها من ذلك.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، إذن ما تأثم، لكن ويش ذنب الزوج إنه يخليه ينفق سنة أو سنتين على زوجته وهي تعالج.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، في ذمته ولم ينتفع بها.
الطالب: ما تجب عليه النفقة؛ لأنها زوجته.
الشيخ: هي زوجة لكن النفقة في مقابل الاستمتاع، فإذا كان ما حصل له الاستمتاع فإنها تسقط، كيف إني أنا أعطيها مثلًا ما تستمتع به من المال والإنفاق وهي لم تعطني ما أستمتع به؟
الطالب: هي لو كانت صحيحة ما منعت.
الجزء: 2 - الصفحة: 3495
الشيخ: معلوم؛ ولهذا قلنا: إنها لا تأثم، هي الآن للزوج عليها حق الاستمتاع، فإذا امتنعت منه بدون عذر فهي آثمة بدون نفقة، ولعذر فلا نفقة ولا إثم، لكن يبقى علينا أن نناقش الموضوع بالنسبة للعرف، هل نقول مثلًا: إن العرف إذا جرى بأنه إذا تعذر الاستمتاع لعذر فالنفقة جارية، وأننا نتبع في ذلك العرف؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وليس من العشرة بالمعروف أن يدع النفقة؛ لأن العرف جارٍ بها، هذا في الحقيقة عندي محل نظر؛ وذلك لأن قوله: ﴿عَاشِرُوهُنَّ﴾؛ (عاشر) تقتضي المعاشرة من الجانبين؛ لأن (فاعَل) فعلٌ يقتضي المشاركة، فإذا كان كذلك فمعنى ذلك أن العشرة متبادلة، وهي في الحقيقة هنا لم تبادلني العشرة؛ لأنها تعذر الاستمتاع بها، وكأني أنا لا زوجة عندي، بل هذا هو الواقع ما عندي زوجة، فإذن كيف أنفق على شيء أنا لا أنتفع به؟ فلذلك ممكن أن نقول: إن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] يقتضي العشرة من الجانبين، فهنا لا عشرة من الجانبين؛ لأن جانب الزوجة سقط، فإذا سقط فإنه يسقط جانب الزوج أيضًا.
في مسألة: إذا صامت عن فرضٍ متعيِّن في وقته، تسقط نفقتها ولَّا لا؟
طالب: لا تسقط.
الشيخ: ما تسقط، إذا صامت عن فرضٍ متعين في وقته؛ مثل صامت رمضان، وهو أي: الزوج مثلًا مريض ما يصوم؛ ممنوع من الصوم في رمضان، فهل نقول في هذه الحال لما امتنع منها كمال الاستمتاع: سقطت نفقتها، أو نقول: إن هذا واجبٌ شرعي فهو مستثنى؟ نقول: هذا واجب شرعي فهو مستثنى.
ينبني على هذه المسألة مسألة فيها خلاف؛ لو وجب عليها الحج وسافرت للحج، هل يجب عليه الإنفاق؛ أي: إنفاق مقدار نفقة الحضر؟ أو ما يجب عليه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3496
انظر المسألة الآن؛ امرأة وجب عليها الحج، وقد مر عليكم في الحج أنه إذا تمت شروط وجوب الحج فإنه لا يجوز للزوج أن يمنع زوجته منه، المرأة الآن عندها مال، وأخوها يريد أن يحج بها، الزوج في هذه الحال لا يمكن أن يمانع، لماذا؟ لأن الحج فريضة.
حجت المرأة، هل يجب عليه مدة الحج أن ينفق أو لا يجب؟
طلبة: لا يجب.
الشيخ: نشوف؛ إن قلتم: يجب.
قلنا: قياسًا على وجوبها في صيام الفرض، وإن قلتم: لا يجب.
قلنا: قد يكون بينهما فرق؛ قد يكون بينهما فرقٌ من جهة أن الصيام نصف الوقت يستمتع بها وهو الليل، ثم في النهار أيضًا له أن يستمتع منها بالتقبيل، والضم، وما أشبه ذلك، لكن إذا سافرت انقطع الاستمتاع بها ليلًا ونهارًا، كاملًا وناقصًا؛ فعلى هذا لا يمكن القياس.
ومن ثَمَّ قال الفقهاء: إنها إذا سافرت إلى الحج فإنه ليس لها نفقة، إلا أنهم قالوا: إذا كان الفرض بسببها كالنذر.
وأما إذا كان الفرض بأصل الشرع فإنه يجب عليه الإنفاق؛ لأن هذا مستثنى شرعًا مثلما قالوا في صيام الفرض.
الخلاصة أننا ينبغي لطالب العلم -ولا سيما بالنسبة لكم أنتم- أن يعرف الخطوط العريضة في هذا الباب، ثم تأتي هذه المسائل الجزئية، تجد أنها فيها خلاف، والخلاف هذا مبني على تحقيق المناط بهذه المسألة، هل إنه يتحقق فيه مسقط النفقة أو لا يتحقق؟
ما هي الخطوط العريضة اللي قلنا؟ قلنا: إن النفقة الأصل فيها أنها في مقابل الاستمتاع، فإذا تعذر الاستمتاع فإن كان من جهة الزوج فالنفقة واجبة تجري عليه، إذا كان من جهة الزوجة بعذر سقطت بدون إثم، وإذا كان منها لغير عذرٍ سقطت مع الإثم، هذا هو الضابط، والمسائل الفرضية كثيرة، لكن هذا هو مدار هذه المسألة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3497
إذن تسقط النفقة بكل ما يفوِّت الاستمتاع من قِبل مَن؟ من قبل الزوجة، لكن إن كان لعذر فهي غير آثمة، وإن كان لغير عذر فهي آثمة، فالضابط إذن لما يسقط النفقة.
ما هو الضابط؟ الضابط لما يسقط النفقة كل ما يمنع الاستمتاع من قبل الزوجة، وأما إذا كان من قبل الزوج؛ مثل افرض إن الزوج مُرِض مرضًا لا يستطيع معه أن يستمتع بزوجته، تسقط النفقة ولَّا لا؟
طلبة: لا تسقط.
الشيخ: لماذا؟ لأن التعذر هنا من جهة الزوج، أو مثلًا زوج يحب الصيام؛ يصوم دائمًا ويقوم الليل، فهل تسقط النفقة؟ ما تسقط، بل في هذه الحال للزوجة أن تطالبه، ولهذا منع النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمرو بن العاص أن يصوم النهار ويقوم الليل، وقال: «إِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (5).
كيف تقدر النفقة؟
نقول: رسَم الله تبارك وتعالى لنا كيف نقدرها؛ فقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] فذو السعة وهو الغني ينفق بحسب غناه، والإنسان الذي قُدِّر عليه رزقه -يعني: ضُيِّق- ينفق مما آتاه الله، وإلى أي شيء نرجع؟ إلى المعروف؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (6).
إذن الآن المرجع العُرف، وكيف تُقدَّر؟ نقول: على الموسع قَدَره وعلى المقتر قدره، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
هنا اختلف العلماء بعد اتفاقهم أن النفقة حقٌّ للزوجة وعلى الزوج، اختلفوا هل المعتبَر حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما جميعًا؟ انتبهوا يا جماعة؛ هل المعتبر في السعة والضيق حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما جميعًا؟
طالب: حال الزوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 3498
الشيخ: يرى بعض العلماء أن المعتبر حال الزوج، ويرى آخرون أن المعتبر حال الزوجة، ويرى آخرون أن المعتبر حالهما جميعًا، ويظهر ذلك بالأمثلة:
موسر تحته موسرة ويش الواجب عليه؟ نفقة الموسر؛ يعني: أعلى النفقات إذا كان الزوج موسرًا والزوجة موسرة يجب هنا أن تكون النفقة من أعلى النفقات؛ نفقة موسر.
مُعسِر وزوجته معسرة؛ الزوجة من بيت فقراء وهو أيضًا فقير، ويش الواجب عليه؟ نفقة معسر، وفي هذين النوعين لا تختلف الأقوال، الأقوال ما تختلف ولَّا لا؟ لأن إذا صار موسر وتحته موسرة، أو معسر وتحته معسرة، إن قلت: الاعتبار بحال الزوجة؛ فهي معسرة في المثال الثاني وموسرة في المثال الأول، إن قلت: المعتبر حال الزوج؛ فهو موسر في المثال الأول ومعسر في الثاني، إن قلت: المعتبر حالهما؛ فكلاهما موسر في الأول وكلاهما معسر في الثاني.
قسم ثالث: متوسط تحته متوسطة، ويش نفقة؟
الطلبة: متوسط.
الشيخ: متوسط على الأقوال كلها، أليس كذلك؟
موسر تحته معسرة؟
طالب: متوسط.
الشيخ: متوسط؛ لأن المعتبر حالهما على القول بأن المعتبر حالهما يكون نفقة متوسط؛ لأن موسر مع معسر واحد إلا ربع، ولَّا لا؟
موسر نصف ومعسر ربع، ولو كان هذا موسرًا صار كاملًا؛ فيكون بينهما، تكون النفقة نفقة متوسط، ما يجب على الزوج إلا نفقة متوسط، واضح؟
معسر وزوجته موسرة؟
طالب: معسر.
الشيخ: لا، متوسط؛ لأنا نبغي نمشي على القول بأن المعتبر حالهما، يكون نفقة متوسط، يُلزَم الزوج الفقير بأن يأتي لزوجته بنفقة متوسط.
طالب: منين؟
الشيخ: يدبر روحه وإلا تفسخ النكاح، يدبر نفسه وإلا تفسخ النكاح، خليكم معنا، هذا على القول بأن المعتبر حالهما.
نرجع مرة ثانية على القول بأن المعتبر حال الزوج؛ فإذا كان موسرًا وامرأته معسرة، فما الواجب؟
الطلبة: موسر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3499
الشيخ: نفقة موسر، يجب أن يُعطِي هذه الزوجة الفقيرة من أرفع نفقات البلد؛ كسوةً وطعامًا وسكنى، فمثلًا لو فرضنا أنها امرأة أهلها فقراء يعيشون في بيوت الصوف وما أشبه ذلك، نعم، وهو إنسان غني جدًّا من أغنى أهل البلد، وراح ( ... ) خيمة صوف بظاهر البلد، وقال: ما ( ... ) يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، يجب عليه أن ينفق نفقة موسر على هذا الرأي.
معسر وعنده امرأة موسرة؟
الطلبة: معسر.
الشيخ: نفقته معسر؛ فيقول الزوج للزوجة: ما عندي إلا هذا، جبن وخبز في فطور، ورز ونحط معاهم شيئًا بسيط من الطعم للغداء و ( ... ) للعشاء، هي امرأة موسرة تطالب بنفقة موسرين، تقول: أنا عند أهلي أفطر بكذا وكذا وكذا، وأتغدى كذا وكذا، وأتعشى كذا وكذا، لازم تعطيني زي اللي عند أهلي، يلزمه ولا ما يلزمه؟
الطلبة: ما يلزمه.
الشيخ: نعم ما يلزمه؛ لأن المعتبر حال الزوج.
نأتي إلى القول الثالث الذين يقولون باعتبار حال الزوجة؛ فقيرٌ عنده موسرة ويش يُلزَم؟ بنفقة موسر، يلزم بنفقة موسر، إذا قال: ما عندي شيء، يقول: ويش اللي جابك إلى الموسرين ( ... ) ما أخذت إلى امرأة فقيرة، نعم، ليش ( ... )، فيلزَم بنفقة موسر.
موسر تحته فقيرة، عنده فقيرة، ويش الواجب عليه؟
الطلبة: معسر.
الشيخ: نفقة فقير؛ يعني: معناه إذا صار عنده زوجتان؛ واحدة من ناس موسرين، وواحدة من ناس معسرين، يحط هذه في فيلا فيها كنبات ويحملها في السيارة المكندشة وكل شيء، وهذه يحطها في خيمة صوف، ويحملها بالعربية ولَّا على الحمار، وليس لها إلا هذا، نعم، ليش؟ لأنه لا يجب عليه لهذه إلا نفقة معسر حيث إن المعتبر أيش؟ حال الزوجة.
طالب: ما يعدل بينهن.
الشيخ: ما يعدل، العدل بينهن أن يعطي كل واحدة ما يجب لها، الآن لو بيعطي الفقيرة أكثر مما يجب لها صار مائلًا جائرًا، ولو ينقص الموسرة يخليها مثل الفقيرة صار جائرًا.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3500
الشيخ: لا، هادول يرون أن الحكم يتعلق بالمرأة، أنا قلت: على الرأي هذا.
المذهب عند الحنابلة أن المعتبَر حالهما؛ ففي فقيرةٍ تحت موسر أو موسرةٍ تحت معسر؟
الطلبة: متوسط.
الشيخ: يجب متوسط، وعند الشافعية المعتبر حال الزوج؛ ففي فقيرةٍ تحت موسر نفقة موسر، وفي غنيةٍ تحت معسر نفقة معسر، وعند أبي حنيفة المعتبر حال الزوجة؛ ففي موسرةٍ تحت فقير نفقة موسر، وفي فقيرةٍ تحت غني نفقة معسر فقير، ولكن أصحَّ هذه الأقوال الذي يشهد له القرآن والسنة أيضًا أن المعتبر من؟ حال الزوج؛ لقوله تعالى وهو نصٌّ صريح: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7]، ولم يذكر المنفَق عليه، سكت الله عن المنفق عليه، إذن ليس له اعتبار المنفق عليه، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7]، والتعبير بقوله: ﴿مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ إشارة إلى أنه معذور، هذا الذي أعطي؛ ولهذا قال بعدها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7].
إذن فالصواب في هذه المسألة أن المعتبر حال الزوج، وأنه ليس للزوجة الحق في أن تطالبه أكثر مما لا يستطيع، حتى لو كانت ابنة ملوك، فإنها ليس لها إلا ما يستطيع زوجها، والآية في ذلك صريحة.
فإذا قالت: أنا آكل عند أهلي هذا النوع من الأكل، وألبس هذا النوع من اللباس، وأسكن في هذا النوع من المسكن، قلنا لها: ولماذا أجبتِ أو رضيتِ بهذا الزوج؟ ! لماذا رضيتِ به؟ ! فليس لكِ الحق إلا فيما يقدر عليه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي؛ لأنه غني، والدليل على هذا أنه قال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ» (7)، لو كان ما عنده شيء ( ... ) الرجل غني، لكنه كما قالت: إنه رجلٌ شحيح، لا يعطيها ما يكفيها وولدها بالمعروف.
طالب: في هذه الحال يجوز لها ( ... ).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: إذا كانت غنية تحت فقير.
الجزء: 2 - الصفحة: 3501
الشيخ: إذا كانت غنية تحت فقير ما تطالب، على القول الراجح ما تطالب، القول الصحيح أن الغنية تحت الفقير ما لها إلا نفقة فقير.
طالب: واجب عليها ترضى بذلك؟
الشيخ: نعم، معلوم ما لها إلا هذا؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7]، ولكننا مع ذلك نقول لها: انتظري الفرج؛ فإن الله يقول: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7]؛ والسين في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ﴾، تفيد معنيين، ما هما؟ التحقق وقرب الوقوع.
إذن نقول: انتظروا الفرج، الفرج القريب؛ لأن الله تعالى وعد بذلك؛ ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7]، ثم ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7]، لا تظنوا أن المراد سيكون الغنى بعد الفقر، نعم كون الغنى بعد الفقر هذا من اليسر، لكن قد تكون القناعة أيضًا، قد يجعل الله تعالى الإنسان قنوعًا راضيًا بما قدر الله له، فيكون هذا العسير عليه يسيرًا، حتى لا تقولون: إن الآية تخلَّف وعدها، لو فرضنا زوجًا وامرأته كانا فقيرين ينتظران الغنى؛ لأن الله يقول: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7]، ولكنه ما حصل الغنى، ويش نقول؟ نحن نقول: إن الآية ما حددت اليسر بعد العسر؛ ما قال الله: سيجعل الله مالًا بعد الفقر؛ ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، ومن اليسر -بل قد يكون أعظم من يسر كثرة المال- القناعة والرضا بما قدر الله عز وجل.
( ... ) يساره، هذه الفقرة تضمنت أمرين: الأمر الأول إذا تعذَّرت النفقة عليها لغيبة الزوج؛ الزوج غاب ولم يدع عندها نفقة، أو غاب وترك عندها نفقة يسيرة لا تكفيها مدة غيبته، ففي هذه الحال لا شك أن الرجل ترك الإنفاق الواجب، وتعذُّر الاستمتاع هنا من قبله ولَّا من قبلها؟ الطلبة: من قبله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3502
الشيخ: من قبله هو، إلا إذا كان دعاها إلى السفر معه فأبت وهي لم تشترط عدم السفر، فإذا كان دعاها إلى السفر معه وأبت أن تسافر وهي لم تشترط أنها لا تسافر عند العقد، ففي هذه الحال تسقط النفقة؛ لأن المانع من قِبلها هي، فتسقط نفقتها، ولكن إذا كانت المسألة من قِبَله هو، هي قد تقول له: اذهب بي معك، ولكنه يأبي، فهنا إذا تعذرت النفقة عليها لغيبة الزوج، فإنه لها الحق في أن تفسخ العقد، تطالب بفسخ العقد؛ بمعنى أن تذهب للمحكمة، وتقول: هذا الرجل ترك الإنفاق، ولكن بعد مراحل نذكرها -إن شاء الله- في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم، إذا تعذرت النفقة عليها بغيبة زوجها، ففي هذه الحال إذا غاب الزوج ولم يترك لها نفقة، فإنها تأخذها من ماله إن تمكنت منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة، وقد اشتكت إليه زوجها، قال لها عليه الصلاة والسلام: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ»؛ فإذا كان له مال فلها أن تأخذ منه ما يكفيها بالمعروف؛ يعني: غير مقتِّرة ولا مبذرة، فإن لم يكن له مال، فإن أمكن أن تستدين عليه لتنفق على نفسها فعلت؛ يعني: مثل أن تذهب إلى رجل وتقول: إني أريد أن آخذ منك نفقة، وتأخذ حسابها من زوجي، إذا أمكن هذا فعلت، إذا لم يمكن ذلك فإن لها الفسخ بطلبها بإذن الحاكم، إذا لم يمكن فإن لها الفسخ بطلبه من الحاكم؛ يعني: القاضي تذهب إليه وتقول: إن زوجي غاب، وإنه لم يدع لي نفقة وأنا أطلب الفسخ، وفي هذه الحال الحاكم يجب عليه أن يحتاط؛ بمعنى أن يراسل الزوج، فإن أمكن أن يرسل نفقة فإنه لا عذر للزوجة حينئذ، وإذا لم يمكن فإن لها أن تفسخ، اللهم إلا في الحال التي لا يكون زوجها بعيدًا أو مجهولًا، وتتضرر بالانتظار، فحينئذ للحاكم أن يفسخ النكاح، هذا هو تفصيل تعذُّر النفقة عليها لغيبة الزوج.
الجزء: 2 - الصفحة: 3503
أما إذا كان لإعساره؛ إذا كان لإعسار الزوج؛ يعني بأن كان الزوج معسرًا لا يستطيع الإنفاق فهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ منهم من يقول: إن لها الفسخ؛ لأن إن كان الحياة مع هذا الزوج متعذرة؛ حيث إنها تحتاج إلى النفقة وليس عندها نفقة، فلها أن تفسخ، ولأنه يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة يُعسِر زوجها بنفقتها هل تفارقه أو لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَهَا الْفِراقُ» (8). وقال بعض أهل العلم: إنه إذا أعسر فإنها تسقط النفقة عنه، وليس لها حق الفسخ؛ لأن التعذر هنا ليس بيده وليس من قبله، والحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ابن القيم: إنه غير صحيح، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7].
الجزء: 2 - الصفحة: 3504
وقد اتفق العلماء على مقتضى هذه الآية بأنه ليس بآثم إذا ترك الإنفاق لإعسار، ليس بآثم؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7]، ولكن هل هذا يوجب سقوط حق المرأة من الفسخ أو لا؟ هذا محل الخلاف؛ فمنهم من يقول: إن لها الفسخ، ومنهم من يقول: إنه ليس لها الفسخ، ومنهم من يقول: بل عليها إذا كانت غنية أن تنفق على زوجها؛ لأن الله يقول: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]، وهي وارثةٌ لزوجها، فعليها أن تنفق عليه إذا كان معسرًا، وهذا رأي ابن حزم يجب عليها أن تنفق عليه إذا كان معسرًا وهي غنية، ولكن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك، وقال: إن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] ظاهره بأن المراد هنا الأقارب؛ لأنه قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، الكلام الآن في الإنفاق على الزوجة، ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] يعني: معناه ينفق على الزوجة لإرضاعها الولد إذا لم يكن له أب، ولكن المسألة في الحقيقة يتعادل فيها النظران؛ إذا نظرنا إلى حال الزوج وجدنا أن الزوجة معذورة، وقد سقط عنه الإثم ولم يفرط الرجل، وإذا نظرنا إلى الزوجة وإذا هي أيضًا في حاجةٍ إلى النفقة، بل في ضرورة، فمن ينفق عليها؟ يبقى النظر لنا أن نسلك مسلكًا وسطًا، ونقول: في هذه الحال يجب عليه إذا كانت الزوجة ذات مهنة أن يأذن لها في طلب الرزق بمهنتها وحينئذٍ ليس لها حق الفسخ، إذا كان الزوج قد أذن لها أن تفوِّت الاستمتاع منها لأجل الحصول المعاش لها فإنها حينئذٍ ليس لها حق الفسخ؛ لأنه في الحقيقة كأنه أنفق عليها، وأما إذا كان لا يمكن هذا فإن الذي يظهر أن لها حق الفسخ إذا طالبت به.
الجزء: 2 - الصفحة: 3505
ولا يَرِد على ذلك أن كثيرًا من الصحابة رضي الله عنهم كانوا معسرين، ولم تفسخ زوجاتهم منهم؛ لأن الجواب على هذا من أحد وجهين؛ أولًا: من يقول: إنهن طالبن؟ فلعلهن رَضِين بذلك، ثانيًا: نقول: إنها إذا تزوجت عالمةً بعسرته فليس لها حق الفسخ بلا شك؛ إذا تزوجته عالمةً بعسرته فقد دخلت على بصيرة فليس لها حق الفسخ، وحينئذٍ يكون القول الصحيح في هذه المسألة الراجح عندنا أنها إذا أمكنها أن تعيش بعملها وأذن لها في ذلك فليس لها حق الفسخ، وهو في هذه الحال كأنه المنفق؛ لأنه بإذنه لها فوَّت على نفسه الاستمتاع بها.
ثانيًا: إذا كانت قد تزوجته عالمةً بعُسرته فليس لها حق الفسخ؛ وذلك لأنها قد دخلت على بصيرة، وهذا واضح أيضًا، أما إذا كانت المرأة ليس بيدها مهنة يمكنها أن تعيش فيها، والزوج ليس يمكن أن ينفق عليها، فإنها في حاجةٍ إلى النفقة، فلها الحق أن تطالب بالفسخ لتتزوج من يمكنه أن ينفق عليها.
الإنفاق على المفارقة بموتٍ أو حياة؛ أولًا: المفارقة بموت ليس لها نفقةٌ على زوجها؛ وذلك لأن المال انتقل منه إلى الورثة، فليس المال ماله الآن، بل المال مال غيره، فليس للمرأة حقٌّ فيه، وعلى هذا فالمفارقة بموت ليس لها نفقةٌ مطلقًا، حتى ولو كانت حاملًا؟ نعم، حتى ولو كانت حاملًا، فإذا قال قائل: إذا كانت حاملًا فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، قلنا: لكن المخاطب في ذلك ميت، ما توجه إليه الخطاب، إلا أنه يقال: إذا كانت المفارقة بموتٍ حاملًا فإن لها النفقة في حصة الحمل، كيف في حصة الحمل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3506
يعني: في نصيب الحمل؛ لأن المعروف المذهب أن الحامل نفقتها للحمل، لا لها، من أجله، فإذا كانت النفقة للحمل فإن الحمل محتاجٌ إليها، فيكون من ماله، من نصيبه، فإذا قُدِّر أنه لا نصيب، وأن ما هناك مالٌ مخلَّف فإن الإنفاق يكون عليها على أقارب هذا الحمل كما سيأتي إن شاء الله في نفقة الأقارب.
المهم أن المفارَقة بموت ليس لها نفقة على مَن؟ على زوجها؛ وذلك لأن زوجها بمجرد موته انتقل المال منه إلى ورثته.
المفارَقة بالحياة تنقسم إلى قسمين: الأولى رجعية، والثانية مبانة؛ بينونة كبرى أو صغرى؛ فالرجعية لها النفقة بكل حال، لماذا؟ لأنها زوجة، كما قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228]؛ وعلى هذا فهي زوجة لها ما للزوجات، وعليها ما على الزوجات، ما عدا ما يتعلق بالاستمتاع.
أما إذا كانت بائنة؛ فإن كانت حاملًا فلها النفقة، وإن لم تكن حاملًا فليس لها نفقة؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في فاطمة بنت قيس وكان زوجها قد طلقها آخر ثلاث تطليقات، أنه لا نفقة لها؛ لأنها ليست حاملًا.
فبهذه الآية وبالحديث يتبين أنها إن كانت حاملًا فلها النفقة بمقتضى الآية، وإن كانت غير حامل فليس لها النفقة لحديث فاطمة بنت قيس -وهو في الصحيحين- أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لها: «لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ عَلَى زَوْجِكِ» (9). كما أن مفهوم الآية الكريمة أيضًا في قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: 6] مفهومها أن غير أولات الحمل ليس لهن نفقة، فيكون الاستدلال أو الدليل على أن ما غير الحامل لا نفقة لها بمنطوق الحديث وبمفهوم الآية.
وبهذا انتهى الكلام على السبب الأول من أسباب وجوب النفقة وهو الزوجية.
طالب: ( ... ) نفقة ( ... ) هل يمكن ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3507
الشيخ: ما هو بواضح؛ لأن آخر الأمر خُيِّرْن؛ ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: 28] فاخترن الله ورسوله، وعلى هذا فلا دليل فيه للفسخ.
دليل ( ... ) لكن الفسخ لا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: قصدي يعني: عدم الفسخ؛ يعني: كون الله خيرهن يدل على أنه يثبت الفسخ لهن.
طالب: ( ... ).
الشيخ: من نصيبه؟
الطالب: من الميراث.
الشيخ: من نصيبه من الميراث، إي نعم.
طالب: ( ... ) النفقة ( ... ).
الشيخ: لا يطالبنه بالنفقة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، كُن يطالبن بالنفقة، وآلى منهن شهرًا ثم نزلت الآية في التخيير.
السبب الثاني لوجوب النفقة القرابة، وشروط وجوب نفقة الأقارب أربعة: أولًا: قدرة المنفق، في الزوجية ما اشترطنا قدرة المنفق، لماذا؟ لأنه إذا لم يجد فلها الفسخ، فالنفقة للزوجة واجبة في كل حال حتى عند العجز؛ ولهذا قلنا: لها النفقة، إلا أنه عند العجز لا يأثم، وعند القدرة إذا امتنع يأثم، أما هذه فلا، هذه ما يجب عليه ولا يُطالب به، إلا إذا كان قادرًا على الإنفاق، وكيف يكون قادرًا على الإنفاق؟ بمعنى أن عنده مالًا يستطيع أن ينفق به على نفسه وعلى زوجته وهي مُقَدَّمة على أقاربه، الزوجة مقدمة حتى على الأم والأب وعلى الأولاد أيضًا؛ وذلك لأن الإنفاق على الزوجة في الحقيقة هو إنفاقٌ على النفس؛ إذ إنها إذا لم تجد النفقة تطالب بالفسخ، وهو محتاجٌ إليها، فيكون تقديم الزوجة على الأم والأب بالنفقة؛ لأن الإنفاق عليها في الحقيقة هو إنفاقٌ على النفس، وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأحمد من تقديم الأهل على قرابته؛ حيث قال عليه الصلاة والسلام: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ، ثُمَّ عَلَى قَرَابَتِكَ، ثُمَّ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (10)؛ يعني: تصدق به.
الجزء: 2 - الصفحة: 3508
فالحاصل أن القدرة على الإنفاق شرطٌ في النفقة على الأقارب، ومعنى القدرة أن يكون لديه فاضلٌ عن كفايته، ويش بعد؟ وكفاية أهله؛ يعني: زوجته، أو زوجاته إن تعددن، ثم بعد ذلك تأتي نفقة الأقارب.
وهل تقدَّم الأصول على الفروع أو الفروع على الأصول؟
فيه خلاف، ولكن الصحيح أن الفروع مقدمة على الأصول؛ لأن الفرع أصلٌ؛ ولأن الأب ينفرد بالإنفاق على ولده دون غيره، فيكون الإنفاق على الولد مُقدَّمًا على الإنفاق على الأصول.
في الأصول مثلًا إذا قدر على نفقة أمه أو أبيه، على واحدٍ منهما أيهما يُقَدِّم؟
الطلبة: الأم.
الشيخ: الأم؛ لأنها أحق بحسن الصحبة.
الشرط الثاني حاجة المنفق عليه، أما إذا كان غنيًّا فلا يجب أن ينفق، لا يجب أن ينفق غني على غني؛ لأنه يستطيع أن يقول له: أنت لست بحاجة إليَّ فلا يجب عليَّ الإنفاق عليك، فلا بد أن يكون محتاجًا إلى النفقة.
وهل المحتاج معناه مَن لا قوت عنده؟ لا؛ مَن لا قوت عنده ولا عمل يَكْتَسب به، فإذا قُدِّر أن هذا القريب ما عنده فلوس، لكن في يده صنعة يتمكن أن يعيش بها قلنا: يجب عليك أنت أيها المتعلم الصنعة أن تكتفي بصنعتك عن قريبك، ولا يجب على القريب أن ينفق عليه في هذه الحال.
فإن تعطل العمل لمرضٍ أو غيره واحتاج؛ وجب على القريب الغني أن ينفق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3509
الشرط الثالث اتفاقُهما في الدِّين، مَنْ؟ المنفِق والمنفَق عليه؛ فإن كان الغني مسلمًا والفقير كافرًا، لم تجب النفقة؛ وذلك لأن الله تبارك وتعالى قيَّد وجوب النفقة بالإرث؛ فقال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فلما علَّق الحكم بوصفٍ وهو الإرث وجب أن يكون ذلك الوصف علة الحكم؛ يثبت الحكم بثبوته وينتفي بانتفائه، ولأن اختلاف الدين موجِبٌ للانقطاع التام بين المسلم والكافر؛ لقوله تعالى لنوح عليه الصلاة والسلام في ابنه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 46]، فإذا كان لا صلة بينهما ولا نَسَبَ بينهما شرعًا، وإن كان حسًّا فيهما نسب، فإنه لا يجب الإنفاق، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (11)، لو كان الأمر بالعكس؛ كافر غني وقريبه مسلم، يجب عليه الإنفاق ولا ما يجب؟ لا يجب، لا يجب بمعنى أنه لا يُلْزَم به؛ لأنه كافر والكافر غير ملتزم بأحكام المسلمين، أما بالنسبة أنه يُعاقَب عليه في الآخرة فإن الله تعالى يعاقب الكفار على كل شيء يعاقب به المسلمين؛ الأصول والفروع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3510
وقيل: إن ذلك ليس بشرط؛ قال بعض العلماء: إنه لا يشترط اتفاق الدين في الإنفاق على القرابة، لماذا؟ قال: لأن الإنفاق من الصلة، وصلة الرحم واجبة حتى بين المسلم والكافر؛ ولهذا سألت إحدى أمهات المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظنها أم حبيبة، قالت: إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة -يعني: راغبةٌ في الصلة، وإن كانت كافرة- أفأَصِلُها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» (12). قالوا: فإذا كانت الصلة واجبة، فإن من أعظم الصلات أن تنقذ هذا من الموت إذا كان جائعًا؛ وذلك بالإنفاق عليه، تنقذه من الموت من البرد؛ وذلك بكسوته، تنقذه من الموت بعدم الاستظلال من الشمس، أو الاستنكاء من الحر؛ فعلى هذا تجب النفقة، ولكن القول الأول أصح؛ لأن الحكم بوجوب النفقة عُلِّق بوصف الإرث؛ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]، ولكن مع هذا إذا قلنا بعدم وجوب النفقة، فإن الصلة واجبة، ولكن الصلة ليست هي النفقة؛ يعني: يمكن الإنسان أنه يصل أقاربه بدون أن ينفق، فالصلة شيء والإنفاق شيء آخر، نعم إذا وصلت المسألة إلى حدِّ الموت فهذا شيء تجب الصلة حينئذٍ، وأما مع عدم الخوف من الموت فإنها لا تجب.
فالصواب إذن القول بعدم وجوب النفقة عند اختلاف الدين؛ لأن النفقة مبنية على الإرث، ولا توارث بينهما لاختلاف الدين.
ولهذا قلنا: الشرط الرابع أن يكون المنفِق وارثًا للمنفَق عليه، فإن كان غير وارث؛ قريبٌ ولكن ليس بوارث، فلا تجب النفقة؛ ففي رجلٍ وابنه فقيرين، وللرجل أخٌ غني، تجب النفقة على الغني ولَّا لا؟ أخٌ غني ولأخيه ابن، وهما فقيران، هل تجب النفقة على الغني؟ رجلان أخوان أحدهما غني والآخر فقير، والفقير منهما له ابنٌ فقير، هل يجب الإنفاق على الأخ ولَّا ما يجب؟
الطلبة: ما يجب.
الشيخ: ما يجب؟ لا لأخيه ولا لابن أخيه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3511
ما يجب لهما، لا تجب النفقة لهما، لماذا؟ لأنه لا يرثهما؛ فأخوه لو مات يحجبه الابن، كذا ولَّا لا؟ وابن أخيه لو مات يحجبه أبوه.
إذن ليس عليه نفقةٌ لهما.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الكلام شوف أن يكون المنفق وارثًا للمنفَق عليه.
لو فرضنا الأخ الذي له ابن غني، وله أخٌ فقير وابن فقير، الأخ غني وله أخٌ فقير وابنٌ فقير، يجب على الأخ الغني أن ينفق على أخيه؟ يجب على الأخ الغني أن ينفق على أخيه؛ لأنه يرثه.
الآن نقول: في المسألة الأولى فاهمينه الحكم.
المسألة الثانية: زيد وعمرو أخوان، زيدٌ غني وله ابن، هل يجب على زيد أن ينفق على عمرو؟
طلبة: يجب.
الشيخ: يجب؛ لأنه لو مات عمرو لورثه زيد.
زيدٌ فقير، وأخوه عمرو فقير، وابن زيد غني، من ينفق عليه ابن زيد؟
طالب: أبوه.
الشيخ: على زيدٍ أبيه؛ لأنه يرثه، ولا ينفق على عمه؛ لأنه لا يرثه؛ لأنه لو مات عمه حجبه أبوه.
إذن القاعدة الآن؛ أنه يُشْترط أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]؛ على الوارث، فقيَّد الحكم بوصف الإرث، فتكون هذه هي العلة، وهي الإرث.
طالب: ( ... )
الشيخ: ويش المعطوف عليه؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: على قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]؛ يعني: كما أن على الأب رزقهن وكسوتهن؛ وهو المولود له، فعلى الوارث أيضًا مثل ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3512
لو نظرنا إلى حال الناس اليوم هل يعملون بهذا؟ أبدًا ما يعملون، مع الأسف أنهم ما يعملون، تجد أخاه ميتًا من الجوع، وهو يرث أخاه لو مات، ومع ذلك لا إنفاق، ولكن مع عدم تحقق هذا الشرط وهو أن يكون المنفق وارثًا، هل تسقط الصلة ولَّا لا؟ ما تسقط الصلة؛ يعني: الصلة بين الأقارب وارثين أو غير وارثين واجبة، حتى لو هم غير وارثين، لكن الصلة شيء والإنفاق شيء آخر.
يقول عندي: (إلا في الأصول والفروع)، هذا استثناء منين؟
طالب: من وارث.
الشيخ: من كونه وارثًا؛ يعني: إلا في الأصول والفروع فلا يُشترط الإرث؛ وعلى هذا فابن البنت يجب عليه الإنفاق على جده أو لا؟ مع أن ابن البنت لا يرث، من ذوي الأرحام، ولكنه يجب عليه أن ينفق على جده.
لماذا؟ قال: لعموم قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233]، ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ [البقرة: 233]؛ فدلَّ هذا على أن المولود له يجب عليه الإنفاق سواء كان وارثًا أو غير وارث ولَّا لا؟ هذا بالنسبة لإنفاق الأصول على الفروع واضح من الآية.
لكن بالنسبة لإنفاق الفروع على الأصول، هل في الآية ما يدل عليه؟ ليس في الآية ما يدل عليه؛ ولذلك فالمسألة فيها نزاع بين أهل العلم، وقال بعض العلماء: إننا نؤيد رأينا هذا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] ومن أعظم المصاحبة في الدنيا معروفًا أن ينفق عليهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 3513
عندنا أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه، الفقهاء يزيدون شرطًا وقيدًا في هذه المسألة ويقولون: وارثًا للمنفق عليه بفرضٍ أو تعصيب، وأما إذا كان وارثًا بالرحم فلا يجب الإنفاق عليه؛ يعني: بعض العلماء وهم فقهاء الحنابلة يقولون: لا بد أن يكون وارثًا بفرضٍ أو تعصيب، فعلى هذا الوارث بالرحم لا يجب عليه النفقة؛ كالخال مثلًا لا يجب عليه الإنفاق على ابن أخته؛ لأنه يرث بالرحم، لا بالفرض والتعصيب، ولكن ظاهر الآية يخالف ما ذهبوا إليه؛ لأن قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ [البقرة: 233] يشمل مَن؟ الوارث بفرضٍ أو تعصيب أو رحم، فما دام هذا الإنسان الغني وارثًا لهذا الإنسان الفقير، فإن ظاهر الآية الكريمة يدل على وجوب الإنفاق عليه.
ويقولون: إلا في الأصول والفروع، ففي الأصول لا يُشترط أن يكون وارثًا؛ يعني أنه يجب على الأصل أن ينفق على فرعه وإن لم يكن وارثًا منه؛ الدليل من القرآن قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233]، ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]؛ فدل هذا على أن المولود له لا يُشترَط أن يكون وارثًا، وأنه بمجرد أن يكون أصلًا يجب عليه أن ينفق على فرعه، فإن العطف يقتضي المغايرة، لكن بقينا فيما إذا كان فرعًا يريد أن ينفق على أصله؛ مثل ابن البنت له جدٌّ فقير، الجد هذا أصل، أليس هكذا؟ هل يجب على ابن البنت أن ينفق عليه؟
نقول: نعم، يجب، بناء على هذه القاعدة، يجب وإن لم يكن وارثًا له؛ لأن الأصول والفروع لا يُشترط فيهم الإرث.
ذكرنا الدليل للأصول، لكن ما هو الدليل للفروع؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3514
الدليل للفروع يمكن أن يُستدل له بقوله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (13)؛ فإذا كان الإنسان وماله لأبيه فلا يمكن أن يتبسط الإنسان بالمال وجده أو أبوه فقير، ولكنه في الحقيقة هذا الدليل لا ينطبق على الجد فمن فوقه، ولا ينطبق أيضًا على أبي الأم؛ لأن الجد لا يتملك من مال ابن ابنه، ولا من مال ابن ابنته، وإنما يمكن أن يقال بالتعليل؛ لأن الأصول لهما من الحق ما ليس للحواشي، فالأصول مثلًا أنا ابن ولي أبٌ أو جدٌّ فقير له من الحق أكثر مما لأخي، ولعمِّي، ولخالي، وما أشبه ذلك، هذا الشرط الرابع.
وإذا قلنا: إن المسألة مبنية على الإرث فتكون النفقة على الوارثين بقدر إرثهم إلا مع الأب فينفرد بها؛ تكون النفقة على الوارثين بقدر إرثهم؛ فمثلًا إذا كان رجل له أخوان، رجلٌ فقير له أخوان غنيان، فهما يرثانه، ولَّا لا؟ أنصافًا، تكون النفقة عليهما أنصافًا.
إذا كان له أخٌ من أم وأخٌ شقيق، كلاهما غني وهو فقير، كيف توزع النفقة؟ على الأخ من الأم السدس، وعلى الأخ الشقيق الباقي؛ لأنهما يرثانه كذلك.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل؟
قلنا: الدليل على ذلك أن الله تعالى رتَّب الإنفاق على الإرث، فيقوى الإنفاق ويضعف بحسب قوة هذا الوصف وضعفه، ما دام الحكم معلَّقًا بوصف فإنه يقوى الحكم بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف.
فنقول: أنت الآن وارث للسدس، أنت الأخ من الأم عليك السدس، وأنت أيها الأخ الشقيق وارث للباقي، فعليك الباقي.
وفي أمٍّ وأخوين: على الأم السدس، وعلى الأخوين الباقي، كم عليهما؟ خمسة أسداس؛ لأنه لو مات لورثوه كذلك، لو مات عن أمه وأخويه لكان لأمه السدس ولأخويه الباقي.
وفي أمٍّ وأخ غني وأخ فقير؟ كيف تكون؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3515
على الأم السدس، وعلى الأخ الثاني النصف بعد السدس؛ لأنه ما يرث منه إلا النصف بعد السدس، ويكون الباقي من النفقة ليس على أحد؛ لأننا إذا قدَّرنا النفقة بالإرث؛ فإنه إذا مات عن أمه وأخوين يكون للأم السدس وللأخوين لكل واحدٍ منهما نصف ما بقي، فنقول: على الأم سدس النفقة، وعلى الأخ الشقيق نصف الباقي، وأما النصف الآخر فلا يجب عليه؛ لأنه يقول: إنما يجب الإنفاق عليك بسبب الإرث، وأنا لا أرث منك إلا هذا.
في أخٍ شقيقٍ له ابنٌ فقير، وله أخٌ غني، الأخ الشقيق فقير وابنه فقير وله أخٌ غني، كيف يكون؟ أخوان؛ زيدٌ وعمرو، زيدٌ فقير وله ابنٌ فقير، وعمرو غني، كيف تكون النفقة؟
الطلبة: ما عليه نفقة.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لا يجب.
الشيخ: ما تجب على الأخ؛ لأنه لا يرث، ولا تجب على الابن لأنه فقير، كذا؟
في الأصول والفروع المسألة ليست مبنية على الإرث؛ ولهذا رجلٌ له أم فقيرة، وله جدة موسرة؛ الجدة لا ترث ولَّا لا؟ ومع ذلك تجب عليها النفقة، والسبب لأنها من الأصول، والأصول النفقة فيها ليست مبنية على الإرث، بل مبنية على الكفاية، فيجب الإنفاق على الأصول والفروع مطلقًا إنفاقًا واجبًا ليس مبنيًّا على الإرث، وعلى هذا فالمثال الذي ذكرنا قبل قليل؛ في أم وأخٍ شقيق وأخ فقير شقيق أيضًا، التتمة في هذه الحال على مَن؟ على الأم، الأم عليها السدس أصلًا، وهذا عليه النصف، ونرجع إلى الأم ونقول: عليك التتمة؛ لأن الإنفاق منك ليس مبنيًّا على الإرث.
إذا كان عندنا ابنٌ فقير، وابن ابن غني، وجد، تجب على ابن الابن؟ تصوروا؛ عندنا ثلاثة: زيد وعمرو وبكر، زيدٌ جد، وعمرو أب، وبكر ابن، بكر غني، وزيدٌ وعمرو فقيران، تجب النفقة على بكر ولا ما تجب؟
طالب: تجب.
الشيخ: تجب عليه لأبيه ولجدِّه أيضًا، تجب عليه لأبيه ولجده؛ لماذا؟ لأن الأصول والفروع ليست النفقة فيهما مبنية على الإرث، بل هي على الكفاية.
طالب: خلافًا للقول الأول.
الجزء: 2 - الصفحة: 3516
الشيخ: لا، ما هو بالقول الأول، خلافًا للنوع الأول اللي هو الحواشي، لا بد من الإرث، وأما الأصول والفروع فلا يُشترط الإرث.
طالب: ( ... )
الشيخ: لا، الأب يحجب الجد، والابن يحجب ابنه، ولكننا مع ذلك نقول: من الأصول والفروع.
ما يشترط فيهم الإرث.
طالب: ( ... )
الشيخ: إذا كان كافرًا لا تجب نفقته، ولكنه ..
الطالب: ( ... )
الشيخ: لا تجب نفقته، ولكنه يجب وصله فقط.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم ( ... ).
والأب فإنها توزع، فإذا حصل نقص رجعنا إلى الأصول والفروع يكملوه.
عندنا يقول: (تكون النفقة على الوارثين بقدر إرثهم إلا مع الأب فينفرد بها) الأب ينفرد بالإنفاق على أولاده، حتى لو مع وجود وارث؛ ولهذا الزوج ينفق على زوجته وعلى مَن؟ وعلى أولاده، وهي لا تنفق على أولادها منه، أليس كذلك؟ ولو قلنا: إن المسألة مع الأب مبنية على الإرث لكان يجب على الأم السدس مثلًا، ويكون على الأب الباقي.
أعود مرة ثانية للتوضيح: هذا ابن فقير، له أم موسرة وأب موسر، مَن النفقة عليه؟ على الأب، ينفرد بها، ولو قلنا: إنها مبنية على الإرث لكان على الأم السدس، وعلى الأب الباقي.
أم وجد؛ أم موسرة، وجد موسر، كيف توزع؟
بقدر الإرث، يكون على الأم السدس وعلى الجد الباقي، لماذا؟
لأن الذي ينفرد بالنفقة إذا كان معه غيره مَنْ هو؟ الأب فقط، وأما بقية الوارثين فعلى حسب الإرث، لكن إن كانوا حواشي، فإنه لا يجب عليهم إلا بقدر إرثهم، سواء أتموا النفقة أم لا.
ففي ثلاثة إخوة؛ اثنان فقيران وواحد غني، لا يجب على الغني إلا نصف النفقة لكل منهما، لا يجب على الغني إلا نصف النفقة؛ لأنه لو مات أحدهما ما أخذ إلا النصف، لكن في الأصول والفروع تُبنى النفقة على الميراث بقدر الإرث فيما عدا الأب، ولكن إذا لم تكف ويش يجب؟ يجب الإتمام، إذا لم تكف وجب الإتمام ( ... ).
أرجو أن نكون فهمنا الآن.
الجزء: 2 - الصفحة: 3517
توزع النفقة على الوارثين بأيش؟ بقدر الإرث، إلا مع الأب فإنه ينفرد بها؛ والدليل على ذلك حديث هند بنت عتبة لما جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، قال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَبَنِيكِ بِالْمَعْرُوفِ» (7)، ولم يجعل عليها شيئًا من نفقة أولادها، فدلَّ هذا على أن الأب ينفرد بنفقة أولاده.
إذا طبقنا الواقع على هذا الحكم الشرعي نجد الناس قائمين بالواجب؟
طالب: لا.
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
آخر الواجب عليه الإنفاق بغير إذنه ورضاه، له الحق أن يأخذ بغير إذنه ورضاه؛ يعني: إذا انفرد بشيء من ماله أخذه لنفقته؛ لأننا لو تركنا الناس وإهمالهم ما قامت الأمور، ولكن الآن الحمد لله في الوقت الحاضر يكاد الناس يكونون على كفاية، لو أردت تجد فقير ما تجد، اللهم إلا إن كان تكلف نفسه ديونًا ولَّا غيرها، غير محتاجٍ إليها؛ ولهذا سداد الديون ما يجب على الإنسان لو كان منفقًا، فلا يجب على الأب مثلًا أن يقضي دين ابنه، ليس بواجب، إنما النفقة التي لحفظ النفس هذه واجبة بالشروط المرعية التي ذكرناها.
طالب: بالنسبة للنفقة تكون على ( ... )، قلنا: الدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233]، ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]، فكيف يكون الاستدلال؟
الشيخ: الاستدلال أنه جعل المولود له عليه النفقة مطلقًا؛ لأنه مولودٌ له.
الطالب: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233].
الشيخ: رزق المرأة التي ترضع؛ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233].
الطالب: ( ... ) الولد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3518
الشيخ: أصل هي ترضع ولدها؛ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾، ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، هل أولاد لهن؟ هم مولودين لي، فعليَّ أنا أيها المولود لي رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
الطالب: من أجل إرضاع الولد؟
الشيخ: إرضاع الولد.
يقول: (تجب النفقة للمملوك من آدمي أو بهائم بقدر الحاجة)؛ الدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ» (1)، والحديث في مسلم، و (اللام) في قوله: (للمملوك) للاستحقاق وليست للملك؛ لأن المملوك لا يملك؛ يعني: يستحق على سيده المالك أن يطعمه وأن يكسوه، وألا يكلفه من العمل إلا ما يطيق.
هذا بالنسبة للمملوك الآدمي، بالنسبة للمملوك غير الآدمي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (2)، وقوله صلى الله عليه وسلم في المرأة التي حبست الهرة: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هَرَّةٍ لَهَا حَبَسَتْهَا؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (3)؛ فدل هذا على وجوب الإنفاق على المملوك من البهائم، ثم إن الإنسان مأمورٌ برحمة هذه البهائم، وهو المسؤول عنها، فوجب عليه أن ينفق عليها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3519
وقوله: (بقدر الحاجة)؛ هذا ليس كنفقة الزوجة، أشبه ما له نفقة القريب؛ لأن نفقة القريب بقدر الحاجة، ونفقة الزوجة بقدر حال الزوج؛ إذا كان موسرًا يعطيها نفقة موسر ولو كانت فوق حاجتها، لكن لغيرها تكون بقدر الحاجة، فإذا قدَّرْنا أن هذا الرجل يأكل أطيب الطعام، ويلبس أحسن الثياب، ويسكن أحسن القصور، لكنه قد جعل مملوكه في بيتٍ عاديٍّ، وألبسه لباسًا عاديًّا، وأطعمه طعامًا عاديًّا، يبرأ بذلك ولَّا لا؟ يبرأ، ولكن الأفضل كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام؛ أن يطعمه مما يطعم، وأن يكسوه مما يلبس (4)، هذا هو الأفضل، ولكن الواجب بقدر الحاجة، فإن عجز المالك عنها؛ أُجبر على إخراجه من ملكه على من ينفق عليه أو تأتيه بنفقته؛ إن عجز المالك عن النفقة يُجبر، شوف عاجز تراه غير امتنع، إذا امتنع من النفقة ماذا نعمل؟
نجبره على النفقة، لكن إذا عجز عن النفقة، يقول: أَخْرِج هذا من ملك لمن ينفق عليه، أيضًا لا تخرجه لإنسان فقير، لا بد أن تخرجه لمن ينفق عليه، غني معروف بعدم الشح، أو تأجيره بنفقته؛ يؤجره بنفقته؛ إذا كان حيوانًا مأكولًا نزيد أمرًا ثالثًا؛ وهو ذبحه، يذبحه ويبيع لحمه أو يأكله، وأما أن يبقيه هكذا فلا.
إذا كان حيوانًا غير مأكول، ولا يمكن الانتفاع به، ولا يمكن بيعه، مثل أيش؟
طالب: الكلب.
الشيخ: لا، الكلب ما يملك.
الطالب: الحمار.
الشيخ: الحمار لكن ( ... )، ما يملك لا؛ الحمار يقولون: إنه إذا انكسر ما يَجبُر كسره، أبدًا؛ فمعنى هذا أنه إذا انكسر سيبقى شوكةً في حلق صاحبه، ما يقدر يبيعه ما أحد يأخذه، ولا يمكن أيضًا يؤجره؛ لأنه ما ينفع، فماذا يصنع؟ ولا يمكن يذبحه؛ لأنه ما يؤكل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يسيبه يعني؟ يطلع به للبر ويسيبه بكيفه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: فيه حلَّان؛ الحل الأول هذا الذي ذكرتم؛ ويمكن أن يستدل له بقول جابر: إنه كان على جملٍ فأعيا فأراد أن يُسَيِّبَه ( ... ) مع أنه جمل يمكن يؤكل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3520
والطريق الثاني أنه يقتله؛ لأن بقاءه كذا فيه إضاعة مال عظيمة، إذا كان مثلًا يأكل باليوم نقول: عشرة ريالات، في اليوم عشرة اضربها في ثلاث مئة وستين أيام السنة.
ثلاثة آلاف وست مئة ريال، كل سنة، ثلاثة آلاف وست مئة ريال، مع ما في ذلك من مؤونة تنظيف محله، وتعبه، ويمكن إذا ( ... ) مثلًا ( ... ) المكان يكون له رائحة كريهة مؤذية، هذا ما ( ... ) به الشريعة؛ ولهذا نقول الآن: المقصد من هذا إما أن تخرج به إلى البر وتخليه والله سبحانه وتعالى يقضي عليه ما يريد، وإما أن تقتله وتخرج به، أما أن يبقى هكذا تضيع مالك بشيء لا فائدة منه فهذا لا يجوز.
طالب: قولنا: أو يجبر على إخراجه من ملك من ينفق عليه، ما قلنا: بيعه أو هبته.
الشيخ: ما هو بلازم، المهم إذا أخذه عن ملك؛ سواء ببيع أو بهبة كله واحد، أو بصدقة مثلًا.
الطالب: فرضنا ( ... ) ينفق عليه ( ... ).
الشيخ: يبقيه معلوم، ما يمكن أني أعطيه لإنسان أعرف إنه ما يقدر ينفق عليه، ويش الفائدة؟ يكون هذا كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ أنا مثلًا بأعطي هذا الحيوان اللي أنا عاجز عنه لإنسان أعرف أنه فقير ما هو ( ... ) عليه، ويش الفائدة؟ وإحنا لما أمرناه بإخراجه أو أجبرناه على إخراجه من ملكه، ويش الغرض من هذا؟ لأجل ينفق عليه، فأنا أخرجه إلى شخصٍ لا ينفق ما ( ... ).
طالب: ( ... )؟
الشيخ: نفقة الحيوان؛ يعني: يؤجره ( ... ).
ثم قال: ( ... ) نعم؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3521
الشيخ: ( ... ) وصل إلى الثاني بطريقٍ محرم، فبطريقٍ مباح فلا حرج فيه؛ والدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعامل اليهود فيأكل من طعامهم ويشتري منهم مع أنهم يأكلون الربا والسحت، وكذلك أيضًا تُصدق على بريرة بلحم وهو حرامٌ عليه، فقال: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» (5)، فدل هذا أن الكلام على وصول المال إلى الشخص، ما هو إلى الشخص الآخر المنتقل منه، فلا يعتبر حال الأول، لكننا نقول: إذا كان الإنسان ليس بحاجة إلى الأكل من هذا المال المحرم، فلا ينبغي أن يأكل منه، أما إذا كان بحاجة فلا حرج عليه.
طالب: الأبناء ما لهم سن محدد؟
الشيخ: لا، ما له سن محدد، ما دام محتاجًا فهو تجب النفقة عليه؛ لأن العلة الحاجة، قد يقول مثلًا: الابن هنا غير محتاج، افرض أنه مثلًا دخل في مدرسة تحفيظ القرآن، واضطر يأخذ راتبًا، هذا الراتب يكفيه، ما يجب على الأب أنه ينفق عليه.
طالب: ( ... ) هل يجوز ( ... )؟
الشيخ: ما يجوز، مثل هذا ( ... ) يستطيع أن يشتري له الأشياء الحاجيات اللي محتاجها، ولا يعطيه دراهم، ولَّا الدراهم في الحقيقة، حتى نرى الآن أنه ما ينبغي أنه يعطى للشاب دراهم، مهما كان، لو قال مثلًا: ( ... ) جميع الفوائد اللي في .. ، ما رأيكم مثلًا في الإنفاق هل يجب التعديل بين الأولاد فيه ولا ما يجب؟ وهذه المسألة تقدم ( ... ). يجب التعديل؟
طلبة: ما يجب، بقدر حاجته.
الشيخ: العدل هو أن تعطي كل إنسان ما يستحق، هذا العدل؛ أن تعطي كل إنسان ما يستحق، ولَّا يجب التسوية؟
الطلبة: العدل.
الشيخ: يجب العدل، دون التسوية؛ لأنك لو قلنا: يجب التسوية كان إذا كان واحد طويل وواحد قصير، واشتريت للطويل ثوبًا، تشري للقصير ثوبًا، وفوقه زيادة ..
طالب: الفرق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3522
الشيخ: ولَّا لا؟ الفرق، تعطيه الفرق، وهذا ليس بلازم، واحد مثلًا يأكل أكلًا كثيرًا؛ واحد ( ... ) خبز كثير وواحد خبزة، تعطي اللي ( ... ) خبزة قيمة الخبزة الثانية! لا، نقول: يجب العدل؛ ولهذا ربما واحد يحتاج إلى مثلًا كتب دينية يقرأ بها والآخر ما يحتاج، ما تعطي الآخر، تشتري لهذا كتبًا ولا تشتري للثاني.
المرأة مثلًا البنت تحتاج إلى حلي، تشتري لها مثلًا قرطة في أذنيها تساوي كم؟ ست مئة ريال، والولد يحتاج إلى طاقية، كم؟ خمسة ريالات، الحاصل أن هذا يرجع إلى الحاجة.
ما رأيكم في السيارة؟ أحد الأولاد صغير والثاني كبير يبغي سيارة، هل يجوز أني أشتري لهذا سيارة ولا أشتري للثاني؟ لا ما يجوز، يجوز أني أدفع حاجته؛ أشتري له سيارة يستعملها وهي باسمي.
طالب: باسم من؟
الشيخ: باسمي أنا الأب، أدفع حاجته؛ لأنه هو مو محتاج إلى عين السيارة؛ شو محتاج له؟
إلى استعمالها في حاجاته، استعمالها في حاجاته يجوز إذا اشتريتها عنه باسمي وأعطيتها إياه يستعملها، ولهذا ما يجوز أني أكتبها باسمه دون الآخرين؛ لأنه لا يحتاج إلى عين السيارة.
لو أمنته سائق يروح ويجيبه ( ... ) بدون سيارة أشتريها يكفي ولَّا ما يكفي؟ يكفي، فإذن هذه النقطة مهمة؛ لأن بعض الناس يخفى عليهم، يقول: هذا الولد الكبير محتاج إلى سيارة أشتري له ويكتبها باسمه، وهذا خطأ، يجب أن يكتبها الوالد باسمه هو، ويخلي الولد الكبير حين يكون محتاجًا لها يستعملها؛ لأجل إذا مات تكون هذه السيارة في الميراث من التركة كل يدلي بها.
طالب: ما يغير ( ... ) السيارة ترجع للمالك ( ... ).
الشيخ: إذا كتبها باسمه وحصل مثلًا اختلاف فيما بعد، من تكون له؟ المكتوبة باسمه، حتى نظامًا عند الدولة، وحتى شرعًا عند المحكمة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) أكتبها باسمي أنا ( ... ).
طالب: ( ... ) الزواج.
الجزء: 2 - الصفحة: 3523
الشيخ: ( ... ) الزواج، إذا احتاج أحدهما إلى الزواج يزوجه ولا ( ... ) للآخرين، الآخرون إذا بلغوا مبلغ هذا الولد وطلبوا الزواج زوجتهم، افرض أني زوجت الكبير والمهر خمسة آلاف، وجاء في الولد الصغار المهر خمسين ألفًا، يجب أعطي هذاك خمسة وأربعين ألفًا؟ لا، ما يجب، إي نعم؛ لأن المقصود دفع الحاجة.
طالب: إذا كان الأب بلغ ابنه سن ( ... ) السيارة، فاشترى له سيارة، هل عليه شيء؟
الشيخ: إي، عليه شيء؛ لأنه قد يموت قبل أن يبلغ الثاني، ثم المقصود من هذا دفع حاجة الابن، ودفع الحاجة تكون بإعارته السيارة؛ يعني: ما هو بشرط أن يملكها الابن، لا، ليس شرطًا في انتفاعه أن يملكها، ينتفع بها وهي لأبيه.
طالب: إذا كان له إخوة سابقون وفعل الأب مثل ذلك.
الشيخ: يرجع فيها، يرجع فيها الآن وتكتب باسمه مثلما قال العلماء، أو إذا كانوا كلهم الآن بالغين مبلغ ( ... ) السيارت يعطيهم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إحنا يا جماعة ترى المقرر طويل واللي ( ... ) أهم من هذا.
باب الحضانة
الجزء: 2 - الصفحة: 3524
الحضانة، تعريف الحضانة: هي حفظ المحضون وصيانته عما يضره، والقيام بمصالحه؛ يعني: حفظ المحضون بالقيام بمطالبه وحفظه عما يضره، هذه الحضانة، هذا تعريفها، وهي مشتقة من الحضن؛ لأن الحاضن يضم المحضون إليه، إذن تعريفها شرعًا هي حفظ المحضون بالقيام بمصالحه وصيانته عما يضره، وهذا هو الأصل فيها، وهو أمرٌ أساسي، يجب أن تكون الحضانة مركزة عليه، وهي واجبة، الحضانة واجبة؛ ودليل وجوبها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، فإن وقاية الأهلين من النار تكون بحفظهم بالقيام بمصالحهم وصونهم عما يضرهم، والتعليل أيضًا لأن ترك هؤلاء القصار بدون حاضن يكون سببًا لفسادهم وبالتالي لفساد المجتمع كله؛ لأن المجتمع كما هو معروف أفراد، فإذا كان هذا الفرد فاسدًا أفسد من حوله، ثم فسد الناس بسبب هذا الإهمال، هي واجبة، إذن دليل وجوبها قرآن وتعليل.
وقد نقول أيضًا: من دليل وجوبها السنة؛ مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرُبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (6)، فإن هذا نوعٌ من الحضانة.
(تجب لحفظ صغير ومجنون ومختل العقل لكبرٍ أو غيره)؛ معلوم الصغير حدُّه مَنْ لم يبلغ، والمجنون هو فاقد العقل، ومختل العقل بين العاقل والمجنون، ليس هو مجنونًا كاملًا وليس عاقلًا، ويسمى عند العلماء يسمى بالمعتوه، المعتوه، فيه هاء؛ معتوه يعني ليس عاقلًا وليس مجنونًا.
(لكبرٍ أو غيره) الكبر يختل به العقل ولَّا لا؟
إي نعم، يصل الإنسان إلى حدٍّ يهذي به ولا يدري ما يقول، هذا يجب حضانته، وعلى هذا ربما نقول: يجب على الابن حضانة أبيه.
واختلف العلماء فيمن أحق بالحضانة، وهل هي حقٌّ على الحاضن أو له؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3525
نقول: أما الأول من أحق بالحضانة؛ فإنه مع اختلافهم الطويل العريض لم يذكروا أدلة تطمئن إليها النفس؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال في الأم: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (7)، وقال: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ» (8)، وليس هناك إذا لم يكن منازعٌ فالأمر بسيط، لكن عند النزاع إذا قال الأب: أنا اللي أبغي أحضن، وقالت الأم: أنا اللي أبغي أحضن، أو قال الأخ: أنا اللي أبغي أحضن، وقالت الأخت: أنا اللي أبغي أحضن، هنا يقع الإشكال، أما إذا أخذها أحد الأقارب، أخذ هذا المحضون أحد الأقارب ولم يكن نزاع، فأظن المسألة ما تحتاج إلى كبير عناء ولَّا لا؟ لكن عند النزاع؛ أنا عندي الراجح يقول ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو المذكور في البيتين: وَقَدِّمِ الْأَقْرَبَ ثُمَّ الْأُنْثَى وَإِنْ يَكُونَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَأَقْرِعَنْ فِي جِهَةٍ وَقَدِّمِ أُبُوَّةً إِنْ لِجِهَاتٍ تَنْتَمِي
(وَقَدِّمِ الْأَقْرَبَ)؛ تقديم الأقرب هذا أمرٌ يدل عليه الشرع ويدل عليه العقل؛ أما الشرع فقد قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75]، و (أولو) بمعنى أصحاب، والأرحام بمعنى القرابات، إذا كانت الأولوية مبنية على القرابة فكما سبق كل من كان بالوصف أقوى كان بالحكم أولى، فنقول: ما دام المسألة مبنية على القرابة فكل من كان أقرب فهو أولى من غيره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (9). فاعتبر الأقرب.
إذن نقول: الأقرب هو المقدم، فإذا تنازع في الحضانة أب وأم أم من تكون له الحضانة؟ تكون للأب؛ لأنه أقرب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3526
(ثُمَّ الْأُنْثَى)؛ يعني: ثم إذا استووا في الأقربية يقدم الأنثى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (7)، وقد تنازعت الأم والأب في هذا، فقال: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي»، طيب إذن إذا تنازع في الحضانة أبٌ وأم مطلقة، فلمن تكون الحضانة؟
طالب: للأم.
الشيخ: تكون للأم، واضح الآن؟ صار الأقرب مقدم ذكرًا كان أم أنثى، فإن تساووا في القرب، فإنها تقدم الأنثى.
قد يكونان ذكرين في منزلة واحدة، أو أنثيين في منزلة واحدة، كأخوين تنازعا في أخيهما، أو أختين تنازعا في أخيهما؛ يقول: (وَإِنْ يَكُونَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى)؛ إن يكونا أي المتنازعان ذكرًا؛ يعني: كل منهما ذكر، أو أنثى؛ كل منهما أنثى، (فَأَقْرِعَنْ فِي جِهَةٍ) (أَقْرِعَنْ) يعني: استعمل القرعة بينهما إذا كانا في جهةٍ واحدة، إذا كانا في جهةٍ واحدة، (وَقَدِّمِ أُبُوَّةً إِنْ لِجِهَاتٍ تَنْتَمِي)، إذا كانوا ذكرين أو أنثيين فإن كانوا في جهةٍ واحدة كجهة الأبوة مثلًا؛ فإننا نُقرِع بينهما، مثال ذلك أخوان تنازعا في أخٍ لهما، فيه واحد يقول: أبغي أخويا عندي، أنا اللي أبغي أحضنه، من نقدم؟
طلبة: القرعة.
الشيخ: واحد من الأخوين اسمه علي، والثاني اسمه بكر، إن قلت: نقدم بكرًا، قال علي: لماذا؟ وإن قلت: نقدم عليًّا، قال بكرٌ: لماذا؟ فما الذي يفصل بينهما؟
الطلبة: القرعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3527
الشيخ: القرعة، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44]، إحنا نقول: هنا نستعمل القرعة، فمن خرجت له القرعة أخذها، ولاحظوا أنه سيأتينا -إن شاء الله- فيما بعد أنه إذا اختاره أحدٌ يفوت به مقصود الحضانة؛ بمعنى: أن أحد الأخوين نعرف أنه مهمل، أو أنه فاسق، لا يهمه أن يفسد هذا الولد أو يصلح فلا حق له في الحضانة، لكن الكلام مع القيام بالواجب في كلٍّ منهما.
إذا كانا في جهة أقرعنا، تنازع في هذا خالان، كل واحد يقول: أنا أريد أن يكون ابن أختي عندي، فأيهما نقدم؟
طلبة: القرعة.
الشيخ: نأخذ بالقرعة؛ لأن ما فيه شيء يرجح أحدهما على الآخر، نقرع بينهما، (وَقَدِّمِ أُبُوَّةً إِنْ لِجِهَاتٍ تَنْتَمِي)؛ يعني: إذا كانوا في جهتين؛ المتنازعان كل منهما في جهة؛ كخالٍ وعم، الخال والعم بالنسبة للقرب من المحضون بدرجةٍ واحدة ولَّا لا؟
خاله أخو أمه، وعمه أخو أبيه، إذن هما في درجة واحدة، والجهات مختلفة، هل نقرع بينهما حينئذٍ؟ لا؛ بل نقول: في هذه الحال نقدم الأبوة، فيأخذه العم دون الخال، يأخذه العم دون الخال، فإذا قال قائل: كيف تعطونه العم دون الخال وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي»، وقال: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ»؟ وهذا يقتضي أن تقدم الخالة؟ قلنا: نعم لو تنازع خالٌ وخالة، لكنا نقول: نقدِّم الخالة، لكن الذي تنازع خالٌ وعم، ما هي بخالة وعمة، خالٌ وعمٌّ، فنقدم في هذه الحال جهة الأبوة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3528
فهذا الضابط الذي مشى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية هو الضابط عندنا وإلَّا فإذا نظرت إلى كلام الفقهاء وجدت اضطرابًا غريبًا يعني، تتعجب كيف يضطربون هذا الاضطراب، ولكنه عند التأمل لا تستغربوا هذا؛ لأن المسائل اللي ما فيها نص ويش ترجع؟ إلى اجتهاد الناس، واجتهاد الناس يختلف باعتبار مراعاة المصالح؛ فلهذا اختلف العلماء في هذا اختلافًا ( ... )،
وهو بماذا تسقط الحضانة؟ تسقط الحضانة بما يفوت مقصودها، بما يفوت به مقصودها، أرجو الانتباه، المقصود من الحضانة فيما سبق هو أيش؟
صيانة المحضون عما يضره والقيام بمصالحه، فإذا وُجد شيء يفوت المقصود فإن الحضانة تسقط، ولا يجوز أن يقرر بيد من يخونه ولا يصلحه، ما يجوز؛ مثال ذلك لو قُدِّر أن الحاضن حصل له اختلال في عقله؛ خلل في عقله، فمن المعلوم أنه لا يمكن أن يحضن، لماذا؟
لأنه هو نفسه يحتاج إلى من يحضنه، لو قُدِّر أن هذا الحاضن حصل عليه نقصٌ في دينه؛ بمعنى أنه صار فاسقًا، ولا يقوم بمصالح الطفل ولا يهمه أن يصلح أو يفسد، فإن حضانته أيضًا تسقط.
لو قُدِّر مثلًا أنه ليس بفاسق وأنه عدل لكنه ليس بقوي؛ بمعنى أنه مهمل لا يراعي أولاده ولا يؤدبهم، فإنه أيضًا تسقط حضانته.
لو قدِّر أيضًا أن هذا الرجل سافر، وكان السفر يضر بالمحضون، فإنها تسقط حضانته، وتكون لمن بعده من المقيمين.
على كل حال ما دمنا أسسنا قاعدة وهي أن المقصود بالحضانة حفظ الطفل بالقيام بمصالحه وصونه عما يضره، فمتى فات هذا المقصود سقطت الحضانة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3529
كذلك أيضًا تزول بتزوج الأم بغير قريبٍ من المحضون، تزول الحضانة بتزوج الأم من غير قريبٍ من المحضون؛ إذا تزوجت الأم وقد عرفنا فيما سبق أن الأم أولى من الأب؛ لأنه إذا اجتمع امرأة وذكرٌ في درجة واحدة فالأنثى مقدمة على الذكر، فالأم أحق، لكن إذا تزوجت فإن العلماء اختلفوا في هذه المسألة؛ منهم من يرى أن الزواج لا تسقط به الحضانة، واستدل بما أشرنا إليه من قبل في قصة ابنة حمزة، حيث قضى بها النبي عليه الصلاة والسلام لخالتها مع أنها متزوجة، فقالوا: هذا دليل على أن الزواج؛ زواج من لها الحضانة لا يسقط حضانتها، ويرى بعض العلماء أن الزواج يُسقط الحضانة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المرأة التي جاءت تشتكي إليه زوجها حين أراد أن يأخذ منها طفلها، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (7)، فقوله: «مَا لَمْ تَنْكِحِي» هذه غاية ولا علة؟
طلبة: غاية.
الشيخ: بينهما فرق؛ إن قلنا: غاية؛ فمعناه بمجرد النكاح يسقط حقها فلا يعود حقها لو طُلِّقت، وإذا قلنا: علة.
فإنها ما دامت في الزواج تسقط حضانتها، فإن طلقت أو غاب عنها زوجها عادت حضانتها، والراجح أنه علة؛ لأنها إذا تزوجت انشغلت بالزوج الجديد عن مصالح المحضون، وربما يأتيها أولاد منه أيضًا، فيكون شأنها وأمرها موجَّهًا إلى هؤلاء الأولاد الجدد الذين يرعاهم أبوهم.
يقول العلماء الآخرون: إن أمه أحق ما لم تتزوج، وأن الزواج يقطع الحضانة مطلقًا.
ولكن توسط آخرون في هذه المسألة وجمعوا بين الحديثين، وقالوا: إن تزوجت برجلٍ قريبٍ من المحضون كأن من أقاربه عصباته أو ذوي رحمه فإنها لا تسقط؛ لأن الشفقة من زوجها الجديد موجودة لكون المحضون قريبًا له، وإن تزوجت من أجنبي فإنها تسقط؛ لأن الزوج الجديد لن ينظر إلى هذا المحضون نظر شفقةٍ ورحمة، وجمع آخرون بينهما بجمعٍ آخر ..
الجزء: 2 - الصفحة: 3530
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جمعٍ آخر؛ وقال: إن الزوج الجديد إذا رضي بالمحضون، وعُلم أن المحضون لن يضيع حقه بالتزوج فإن حقها لا يسقط، إذا رضي الزوج الجديد ببقاء المحضون عند حاضنته، وعُلم أنه لا تفوت مصلحة المحضون بذلك فإن الحق لا يسقط، وإلا سقط الحق، فهذا القول ينظر فيه قائله إلى مصلحة الطفل، ويقول: متى ضاعت مصلحة الطفل بتزوجها بالزوج الجديد سقط حقها، ومتى بقي فحقها باقٍ، وهذا هو الأقرب، الأقرب -والله أعلم- إن وجه الجمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا أن يقال: إنه إذا لم تفت مصلحة المحضون بالزواج فإن حقها باقٍ، لا سيما أنه إذا كان أبوه إذا أخذه من أمه أضاعه؛ لأن بعض الناس إذا طلق الزوجة ومعها أولادٌ منه صغار ثم تزوجت أراد الإضرار بها، فقال: أبغي آخذ أولادي، طبعًا تعرفون الأولاد شفقة الأم عليهم شيء لا يدرك، فيأخذهم ثم يجعلهم عند ضرة أمهم؛ عند زوجته تضيعهم وتهملهم وربما يكون فيها حقد عليهم، فهذا لا يمكن أن يمكَّن من عمله؛ ولذلك يغلط بعض القضاة الذين يأخذون بالمذهب حرفيًّا، ويقولون: متى تزوجت بأجنبي من محضون سقطت حضانتها، ثم يأخذون من هذه المرأة ثمرة فؤادها وفلذة كبدها ثم يعطونه إلى مَنْ؟ إلى ضرة لها لا ترحمهم ولا تخاف من خالقها، هذا لا يمكن أن يقال به في الحقيقة، وهو خطر من تصرف بعض القضاة، والواجب أن يُنظر إذا علمنا أن الزوج يريد الإضرار، ولا يهمه أن يضيع الولد أو لا يضيع، فهذا يُمنع منه، يمنع منه بلا شك، ويقال: درءا لهذه المفسدة يُشترط على الزوج الجديد أن أولادها معها، ويَصبر على حضانتها إياهم ما داموا عنده، وبهذا تزول المفسدة ويزول المحذور الذي يمكن أن يحصل بردهم إلى أبيهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3531
على كل حال المذهب في هذه المسألة أن الأم أو أن الحاضن إذا تزوجت بقريبٍ من المحضون لم يسقط الحق؛ مثل ابن عم أو ابن خال أو ما أشبه ذلك، وإن تزوجت بأجنبي ليس بينه وبين المحضون قرابة سقط حقها، ولكن الصحيح في هذا النظر إلى مصلحة الطفل، وأنه إن بقي الطفل في حضانتها على الوجه المطلوب فإن حقها باقٍ، وأما إذا خيف ضياعه بالزوج الجديد وأولاده الجدد فإنها يسقط حقها.
أين يكون الطفل بعد تمام سبع سنين؟ أولًا نعرف أن الطفل يكون عند مَنْ هو أحق بالحضانة، فلنضرب المثل بأبٍ وأم، ما دامت الأم عند الأب فالطفل في حضانتهما جميعًا، فإذا فارقها الأب فعند مَنْ يكون الطفل؟ عند الأم، إلى متى؟ إلى تمام سبع سنين؛ يعني: حتى يُميِّز ويعرف فإذا تم له سبع سنين فالمشهور من المذهب كما يلي:
إن كانت بنتًا أخذها أبوها، وإن كان ذكرًا خُيِّر بين أبويه، فكان مع مَنْ اختار منهما إلى أن يبلغ، فإذا بلغ وهو عاقل استقل بنفسه، ولم يكن لأحدٍ عليه شيء، يستقل بنفسه.
إذن الطفل بعد تمام سبع سنين، إن كانت أنثى فعند أبيها، وإن كان ذكرًا يُخيَّر بين أبويه، فيكون مع من اختار منهما، هذا هو المشهور من المذهب، ولكن المسألة فيها خلاف؛ نذكره إن شاء الله بعد، الطفل إذا خُيِّر فاختار أمه؛ لأن أمه لا تقسو عليه في الأدب، ولا يهمها أن ترضيه بما يريد وإن كان في مضرته، فاختار أمه لذلك، هل يُمكَّن ولا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يُمكَّن؛ لأنها الآن أصبح وجوده عندها ضررًا عليه، وإن اختار والده لهذا السبب أيضًا؛ عرف أن أباه مهمل، والغالب أنه ما يعرف ( ... ) ولكن لنفرض مثلًا أنه عرف أن أباه يهمل ولا يبالي، وأن أمه حريصة عليه وشديدة عليه في التزام الأدب وما يصلحه، واختار أباه لهذا الغرض، فإنه لا يرد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3532
كذلك أيضًا لو علمنا أن أباه بعد تمام سبع سنين يبغي يأخذه ويهمله ويجعله عند ضرة أمه ولا يبالي به، وضرة أمه إذا قال لأولادها: أف ضربته بالعصا، وإن ضربه أولادها بعصا دقيق، أعطتهم عصا متينًا، يبقى عندها ولا ما يبقى؟
طلبة: ما يبقى.
الشيخ: طبعًا ما يبقى، حتى لو اختار أباه بهذه الحال ما نقبل؛ لأن المقصود كله مصلحة الطفل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3533
أما بالنسبة للأنثى المذهب كما ترون؛ تكون عند أبيها بعد تمام سبع سنين حتى يتسلمها زوجها، ما هو حتى البلوغ، حتى يتسلمها زوجها؛ لأنه لا يمكن أن تستقل بنفسها، ولكن هذه مشكلة بالنسبة للوقت الحاضر؛ لأننا إذا قلنا بهذا وأخذ البنت بعد سبع سنين ووضعها عنده، قد لا يكون عنده بالبيت إلا امرأته الجديدة ولا تقوم بمصالحها، وتعرفون أن الأم مع البنت دائمًا في البيت، لكن الأب مع البنت لا يمكن أن يكون دائمًا مصاحبًا لها، الطفل قد يكون مصاحبًا له، ويأخذ بيده ويروح معه في السوق والمسجد وبغير ذلك، لكنها البنت لا يمكن هذا، ففي الحقيقة أن القول الثاني بهذه المسألة؛ أن البنت عند أمها حتى تبلغ، هذا هو القول الصحيح، وليس في الأحاديث ما يدل على خلافه؛ لأن قضية التخيير التي وقعت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قضية عين، والولد فيها ذكر، أما الأنثى فما دمنا نعمل فيها بما نراه أصلح، فلا شك أن الأصلح للأنثى أن تبقى عند مَنْ؟ عند أمها، لا سيما إذا كانت أمها امرأة ذات قوةٍ وأمانة، ولا يمكن أن تضيعها، فإن بقاءها عندها أولى بلا شك، لو تزوجت الأم في هذه الحال فقد يكون من الأنسب أن يأخذها الأب، وإن كان الزوج سيكون محرمًا لهذه البنت، متى يكون محرمًا لها؟ إذا دخل بأمها، فعلى هذا ما يكون هناك محظور بالنسبة للزوج الجديد، لكن على كل حال ينبغي أن نقول: إذا قدر أن الأم تزوجت ورأى أبوها أنه ليس من المصلحة أن تبقى مع الأم فليأخذها، وأما ما دام الأم باقية غير متزوجة، وهي أيضًا قوية أمينة، فإن الواجب أن تبقى بنتها عندها، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو أقرب، والمسألة كلها في باب الحضانة ترجع إلى مراعاة مصلحة المحضون.
الجزء: 2 - الصفحة: 3534
(كتاب الجنايات)
نبدأ الآن بكتاب الجنايات؛ ونعوذ بالله من الجنايات، نقول ..
طالب: ( ... ) العرض ( ... ).
الشيخ: أيش؟ العرض؟
الطالب: ( ... ) تفوته ( ... ).
الشيخ: قد لا تفوته، اشتراط الأمة القوة والأمانة، فإذا لم توجد قوة ولا أمانة في الأمة صار صالحة للهوان.
الطالب: القوة والأمانة شرط ( ... )؟
الشيخ: شرط، نعم ما فيه شك.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) كل ( ... ) يعني: هذا الشرط في كل الأعمال، القوة والأمانة ركنان في كل عمل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، القاعدة عندنا قد تكون الأقرب ( ... ).
طالب: ( ... ) الكبير إذا صار له مثلًا ..
الشيخ: إذا بلغ؟
الطالب: أيوه.
الشيخ: لا.
الطالب: إذا مثلًا احتاج إلى حضانة، ما يصير هناك خلاف ( ... ) تبرأ منهم.
الشيخ: طيب، هذه المسألة أيضًا مشكلة، حتى تأتي في الصغار، وفي المجانين نسأل الله السلامة؛ يعني لو تبرأ من لهم الحضانة تبرؤوا كلهم من المحضون، هل يُلزم أحد بذلك؟
طلبة: لا.
الشيخ: المذهب ما يلزم أحد؛ لأن الحق للحاضن، لا عليه، لكن في المسألة قول أشرنا إليه قبل؛ إن الحضانة حقٌّ على الحاضن، حقٌّ عليه وليست له، فعلى هذا القول نُلزم أحق الناس بها أن يحضن إذا كان قادرًا، وعلى القول الثاني الذي يقول: إن الحضانة حقٌّ للحاضن يتولاه ولي الأمر العام، مثل الآن عندنا في البلاد فيه أظن دار تسمى دار الرعاية.
طالب: والتوجيه.
الشيخ: دار الرعاية والتوجيه، هذه تتولى مثل هؤلاء، إذا كان كل واحد ( ... ) هذا الشايب ( ... ) يروح للحاكم العام.
طالب: ( ... ) الحضانة ( ... ) قد ما يقوم بهذه الحضانة ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3535
الشيخ: كتاب الجنايات، تعريف الجناية؛ الجناية في اللغة: التعدي مطلقًا، كل تعدٍّ يسمى جناية سواء كان على بدن أو مال أو عرض؛ الجناية لغة هي التعدي على البدن أو المال أو العرض، حكم الجناية محرم بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23]، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].
وأما في السنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ» (10). وكذلك المعنى يقتضي ذلك؛ لأننا لو أبحنا لكل أحدٍ أن يجني لصار أضعف الناس نهبًا لأقوى الناس، وحصلت الفوضى، ولم تستقم الأمور.
إذن فتحريم الجنايات ثابتٌ بالأثر والنظر.
الجناية هنا المراد بها هنا في الاصطلاح التعدي على البدن خاصة بما يوجب قصاصًا أو مالًا؛ ما يوجب القصاص: كما لو قلع عينه.
وما يوجب المال: كما لو شجَّه شجة لا قصاص فيها، فهذا يوجب المال، والأول يوجب القصاص.
وأقسام الجناية؛ عمد وشبه عمدٍ وخطأ، وهذا التقسيم بحسب الاستقراء؛ يعني: ما فيه هناك دليل مثلًا يقول: إن الجناية كذا وكذا، لكن بحسب الاستقراء هو هكذا؛ عمدٌ وخطأ وشبه عمد، لكن في القرآن ما يدل على قسم العمد والخطأ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92].
الجزء: 2 - الصفحة: 3536
وكذلك في السنة ذكر شبه العمد؛ تتبعنا هذا ما وجدنا في الكتاب والسنة إلا هذه الأشياء الثلاثة؛ العمد، ويش بعد؟ والخطأ وشبه العمد؛ يعني: ما فيه مثلًا في القرآن والسنة أقسامها كذا وكذا، لكن فيها ذكر العمد والخطأ وشبه العمد، ولم نجد قسمًا رابعًا، فحصرها العلماء في هذه الأقسام الثلاثة؛ عمد، والثاني شبه عمدٍ والثالث خطأ.
(فالعمد أن يقصد من يَعْلمه آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موتُه به، أو يقصد جرحه بما له نفوذٌ في البدن فيموت به).
نشوف الضوابط، ما ذكرنا الصور لأن المقام ما يقتضيه، ذكرنا الضوابط فقط، شوف أن يقصد؛ لا بد من القصد، احترازًا منين؟ من الخطأ وعدم القصد، ويخرج به فعل المجنون؛ لأنه لا قصد له، أليس كذلك؟ المجنون لو تعمد ما له قصد في الواقع؛ لأنه مجنون ما يدري ماذا يريد.
وهل يخرج به فعل السكران؛ لأنه لم يقصد أو لا يخرج؟ يعني مثلًا سكران -والعياذ بالله- أخذ سكين وطعن واحد وقتله، أو أخذ بندقية وقتله بها؟ هو في الحقيقة ما له قصد، ليس له قصدٌ حين سكرِه، ولكن على المذهب أن فعل السكران وقوله كقول الصاحي؛ ولهذا يوقعون طلاقه، وعتقه، وجميع قراراته؛ يأخذونه بقوله وفعله، حتى إنه مثلًا لو قال: إن زوجته طالق.
يرون أن زوجته تطلق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3537
لو قال: عندي لفلان عشرة آلاف ريال، وصدَّقه فلانٌ بذلك يلزمه، كذلك الفعل عندهم أنه كفعل الصاحي؛ فإذا قتل بالسكين وبالبندقية، وما أشبه ذلك فهو عندهم عمد، ولكن سبق لنا أن ذكرنا أن الصحيح أن أقوال السكران ما فيها عبرة؛ لا عبرة بها لأنها من غير قصدٍ، وأما أفعاله ففيها ما في فعل الخطأ؛ يعني مثلًا لو فعل وقتل، فهو خطأ يُلزَم بالدية، وعليه الكفارة، أما أن يُقاد بذلك ويُقتل فهذا ليس بصحيح، ما يُقتل، ولا يقولون: عمدًا إلا –كما قال ابن القيم- إلا إذا سكر ليفعل؛ يعني مثلًا إنسان عرف إنه لو يأخذ السكين ويطعن هذا الرجل قُتل، قال: فتحيل اللي ويبغي يشرب الخمر لأجل يقتله وهو سكران، فهذا لا شك أنه .. لأنه قصد الجناية وهو صاح، وجعل السكر وسيلة لها.
طالب: كيف؟
الشيخ: إذا علمنا أنه هدده مثلًا، أو أحد من أصدقائه أخبرنا بذلك، إي نعم.
طيب؛ (من يعلمُه آدميًّا) ويش ضد العلم؟ الجهل، أو الشك، فلا بد أن يعلم أن هذا آدمي، فلو قصد الجناية، لكن ما درى أنه آدمي، رأى مثلًا سوادًا من بعيد وظنه ذئبًا أو كلبًا أو ما أشبه ذلك، فرماه، فإذا هو آدمي، فهذا عمد ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ليس بعمد، لماذا؟ لأنه ما قصد من يعلمه آدميًّا، فقال: أنا حسبت أن هذا ذئبٌ أتى إلى غنمي ليأكلها، فلا بد أن يعلم أنه آدمي.
أيضًا (آدميًّا معصومًا)، والآدمي المعصوم أربعة أصناف، وقد سبق لنا ذكرهم في كتاب الجهاد، من ( ... )؟
طالب: ( ... ) والمستأمن.
الجزء: 2 - الصفحة: 3538
الشيخ: والمستأمن.
المسلم والذمي والمستأمن، والرابع المعاهد، هذا المعصوم، فخرج بقولنا: (من يعلمه آدميًّا معصومًا) إذا كان يظن أنه آدمي غير معصوم كما لو ظنه حربيًّا؛ هو مثلًا في منطقة الحدود بينه وبين الكفار المحاربين، فأقبل رجل فظن أنه من هؤلاء المحاربين فقتله، فليس هذا عمدًا، لماذا؟ لأنه لو علم أنه معصوم ما قتله، لكن يظنه مهدر الدم، فيكون هذا خطأ وليس بعمد، كم هذا؟ أن يقصد من يعلمه آدميًا معصومًا، ثلاثة أوصاف.
الرابع: (فيقتله بما يغلب على الظن) فيقتله هذا الوصف الرابع، يقتله يعني: يميته (بما يغلب على الظن موته به)، واللي يغلب على الظن موته به مثل أيش؟
طلبة: السلاح.
الشيخ: كالسلاح القاتل، أو حجر كبير، أو خشبة كبيرة، أو سم، أو ما أشبه ذلك، فحينئذٍ يكون عمدًا، فخرج بقولنا: (فيقتله) ما لو جنى عليه هذه الجناية ولكن سلم منها، مثل طعنه بالسكين يريد قتله لكن تداوى وسلم، هل يكون هذا قتل عمد؟
طالب: لا.
الشيخ: لأنه ما حصل قتل، أيضًا (بما يغلب على الظن موته به) مثل لو ضربه بعصا بسيط في غير مقتل، مع الكتف مثلًا، الرجل هذا القاتل لما ضربه مع الكتف بهذا العصا البسيط مات، يصير عمدًا ولا غير عمد؟
طالب: غير عمد.
الشيخ: ليس بعمد؛ لأن هذا العصا ما يغلب على الظن موته به، أليس كذلك؟ لا يغلب على الظن موته به.
كذلك أيضًا لو فرضنا ضربه في غير مقتل، وهو رجل نشيط، لكن الضربة هذه تأثرت حتى مات، هل يكون عمدًا ولا غير عمد؟
طالب: غير عمد.
الشيخ: لأنه لا يغلب على الظن موته به، ولكن هذه المسألة فيها تفصيل يأتي -إن شاء الله- الكلام فيه، وفيها خلاف أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3539
(أو يقصد جرحه بما له نفوذٌ في البدن فيموت به) يقصد جرحه فيما له نفوذ، ومعنى النفوذ: الدخول في البدن فيقتله به، مثل بَطَّه برأس إبرة مثلًا مع أدنى شيء من جسمه، هو إن كان في مقتل فلا شك أنه يموت به غالبًا، ولا لا؟ لو بطه بمقتل كما لو بطه في فؤاده في قلبه بهذا، فلا شك أنه يموت به، فهو عمد، لكن لو بطه بإبرة في مكانٍ لا يموت به عادةً مثل أيش؟
طالب: يده ورجله.
الشيخ: مثل يد أو رجل أو ورك أو ما أشبه ذلك، نعلم أنه ما يموت به ( ... ) الإنسان بمسمار برجله وتجرحه الزجاج ولا يموت، لكن هو بطه بإبرة بسيطة وطلع دم بسيط، أراد الله سبحانه وتعالى هو مات بهذا الشيء، على المذهب يكون عمدًا فيرون أن الجرح يقوم مقام الآلة القاتلة، ولو كان الجرح بسيطًا لا يقتل غالبًا، ولكن القول الصحيح أننا نأخذ بالقاعدة الأولى؛ وهي أن يقتله بما يغلب على الظن موته به؛ لأن هذا الرجل يقولك: بطيته بمسمار، لو قال: أنا ما قصدت قتله، يُصدَّق ولا ما يُصدق؟
طالب: يصدق.
الشيخ: يصدق؛ لأن حقيقة هذا ما يقتل، لكن لو يضربه مثلًا بحجر مع رأسه، حجر كبير كبر الرأس، وقال: أنا ما قصدت قتله؟ ما يصدق، فالصحيح في هذه المسألة أن ما له نفوذٌ في البدن إن فعل ذلك فيه بموضعٍ يموت منه فهو عمد، وإن فعله في موضعٍ لا يموت به فليس بعمد، يكون شبه عمد من القسم الثاني.
الجزء: 2 - الصفحة: 3540
نقف عند هنا ونقول: ما هو العمد؟ العمد أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به، هذا هو العمد، ونضيف إلى ذلك على المذهب: أو يجرحه بما له نفوذٌ في البدن فيموت به.
هذا هو تعريف العمد على المذهب، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: 93] إلى آخره، هل من العمد أن يلقيه في ماءٍ يغرقه ولَّا لا؟ نعم من العمد، لكن بشرط أن يكون غير عارفٍ في السباحة، أما إذا كان عارفًا بها والماء لا يغرقه مثلًا لقصر مساحته، فهذا ليس بعمد، لكن لا يلقيه في البحر لو هو متعلم، في بحر بعيد عن الساحل، وهو وإن كان متعلمًا بالسباحة، فإن ذلك يميته يكون عمدًا.
طيب؛ ألقاه في حضرة الأسد، أمام الأسد؟
طالب: عمد.
الشيخ: عمد، بس مين اللي قاتل؟ اللي قاتل الأسد، لكن الأسد لا قصد له، إلا أنهم اشترطوا في هذه المسألة أن يلقيه مكتوفًا بحضرة الأسد.
طالب: جوعان.
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: أنتم تعرفون قصة جحدر بن مالك الذي حبسه الحجاج، وهو كان خارجًا عليه، وحبس أسدًا لمدة سبعة أيام ما يأكل، وقال لجحدر بن مالك: أنا سأغل إحدى يديك، وأعطيك السيف باليد الأخرى، وألقيك بين يدي هذا الأسد، إن نجوت منه نجوت وإن أكلك استرحنا منك، فقال: لا بأس، ما فيه مانع، فغل إحدى يديه وأعطاه السيف باليد الأخرى، وأبقاه في مكان وأرسل عليه الأسد، الأسد أقبل له زئيرٌ عظيم، يبغي يأكل ها الإنسان، لما قفز عليه ليأكله وإذا السيف بيد جحدر فضربه في لبته فخر الأسد صريعًا، هذا مع أنه مكتوف بيدٍ واحدة، فهم يقولون: إن الإنسان يمكن أن يتخلص من الأسد إذا كان يمكن بيد، فيمكن بيدين.
المهم على كل حال العلماء يقولون: ما يصير عمدًا إلا إذا أبقاه مكتوفًا بين يدي الأسد، أما غير مكتوف فيكون شبه عمد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3541
وبالحقيقة إن هذا كلامهم بالنسبة للرجل الشجاع المتمرن قد نقول: إن هذا شبه عمد؛ لأنه يمكن أن يتخلص بالهرب أو ما أشبه ذلك، لكن بالنسبة للإنسان اللي ما تعود في ظني أنه لو يرى الأسد ما يتحرك أبدًا، فالمسألة هذه تعود إلى حال الرجل.
طيب لو ألقاه في جُحْر حية على بابها وأمسكه حتى لدغته؟ عمد ولا لا؟
طلبة: عمد.
الشيخ: إي نعم، هذا عمد؛ لأنه أمسكه فلا يمكنه أن يتخلص؛ إذن معناه فعل البهائم ملغى بالنسبة لفعل المكلف، يعني: ما نقول: إن عندنا الآن متسبب ومباشر، صح ولَّا لا؟ الإنسان إذا ألقى شخصًا بحضرة الأسد بين يدي الأسد، فهو متسبب والأسد مباشر، لكن مباشرة غير الآدميِّ لا تُعْتَبر شيئًا، إذ إن إحالة الضمان عليه غير ممكنة، فلو قيل مثلًا: الضمان على الأسد، منين نأخذه من الأسد؟ غير ممكن فتكون إحالة الضمان على هذا المتعمد.
إذا ألقاه في نار، هل هو عمد ولا شبه عمد؟
طلبة: عمد.
الشيخ: لا تسرعوا في الجواب، أنتم الآن على رأس القضاء أو على رأس التعليم.
إذا ألقاه في نار نقول: عمد على طول، إي نعم إذا كان يمكنه أن يتخلص فليس بعمد، وإن كان لا يمكنه فهو عمد، لو ألقاه مثلًا في نار كبيرة تتلظى في وسط النار، هذا يعتبر عمدًا؛ لأنه ما يمكن يتخلص، ولو ألقاه على جمر يمكنه أن يقع عليه ويهرب لم يكن عمدًا؛ لأننا نقول لهذا الإنسان المُلْقَى: لماذا لم تهرب؟ قد يكون هذا الإنسان الملقى قد ملَّ من الحياة، يقول: هذه جابها الله، أبغي أقعد على ها الجمر ( ... )، هذا ما يمكن نقوله، إذن نقول: لا بد أن تكون النار هذه أيش؟
طالب: قاتلة.
الشيخ: قاتلة، لا يمكنه أن يتخلص منها، أما إذا أمكنه ( ... ).
نقرأ شبه العمد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3542
شبه العمد (أن يقصده) مَنْ يقصد؟ (من يعلمه آدميًّا معصومًا)، أن يقصده، وكل الكلام معطوف بعضه على بعض، (أن يقصده)، (أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا) بأي شيء؟ بما لا يغلب على الظن موته به، ولم يجرحه، هذا شبه العمد، إذن يشترك شبه العمد يشترك مع العمد في أي شيء؟
طالب: في القصد.
الشيخ: في القصد؛ أنه قصد من يعلمه آدميًّا معصومًا، ويختلف عنه في الآلة؛ الآلة في العمد إما جارحة، أو يغلب على الظن موته بها، أما في شِبْه العمد فإن الآلة ليست بجارحة ويش بعد؟ ولا يغلب على الظن مَوتُه بها، واضح يا جماعة؟ إذن هما يشتركان ويفترقان؛ يشتركان في أي شيء؟
طالب: في القصد.
الشيخ: في القصد، ويختلفان في الآلة؛ الآلة في العمد نوعان: إما ما يغلب على الظن موته به؛ كالحجر الكبير والخشبة الكبيرة وما أشبهها، أو أنها جارحة وإن لم يغلب على الظن موته بها، والصواب في هذا النوع من الآلة، الصواب أنه ليس بعمد، وأنه شبه عمد، وأظن هذا المتقرر عندكم؛ لأنه الغرز بالإبرة والمسمار والزجاجة الصغيرة في غير مقتل، الصحيح أنها شبه عمد، والمذهب أنها من العمد؛ ولهذا يجعلون آلة العمد قسمين؛ إما آلة كبيرة يغلب على الظن أن يموت بها وإن لم تجرحه، وإما آلة جارحة ولو صغيرة لا يغلب على الظن أن يموت بها، والصواب في هذا القسم الثاني، ويش الصواب؟ أنها شبه عمد؛ لأن الرجل يقول: ما قصدت القتل، وهذا شيء لا يقتل، والأصل في الجاني العصمة ولَّا الإهدار؟ الجاني الأصل فيه العصمة، ما يمكن نقتله حتى يتبين أن الرجل أراد القتل بوسائل القتل؛ وهي الآلة التي تقتل، لكن قلت لكم: إننا سنمشي على المذهب في المذكرة لكننا نبين الراجح في هذه المسألة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3543
(شبه العمد أن يقصده)، مَنْ هو؟ الهاء في قوله: (يقصده) تعود إلى من يَعْلَمُه آدميًّا معصومًا بأي شيء؟ بما لا يغلب على الظن موتُه به ولم يجرحه؛ لأنه إن كان يغلب على الظن موته به، صار عمدًا، أو جرحه صار عمدًا على المذهب، وعلى القول الصحيح لا، إذن على القول الراجح نحذف (ولم يجرحه) ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نحذفه فنقول مثلًا: بما لا يغلب على الظن موته به مطلقًا سواء جرح أم لم يجرح، هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة؛ مثال ذلك: إنسان ضرب شخصًا بعصا، عصا صغيرة في غير مقتل، السوط تعرفونه، ضربه بسوطٍ في غير مقتل، فلما ضربه سقط ميتًا، هل يكون عمدًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذا الرجل بلا شك ما قصد القتل، لو أراد قتله ما ضربه بالسوط، لو أراد قتله جاب له عمود خيمة ويضربه به، أما يضربه بالسوط ما أراد قتله، إذن لا يعتبر ذلك عمدًا، بل هو شبه عمد.
ما رأيكم سلط عليه سلك كهرباء خط مئة وعشرة، فلما ضربه مات، يعني: ضربه بهذا، ويش ترون في هذا؟
طالب: عمد.
الشيخ: عمد ولا شبه عمد؟
طالب: عمد.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، مئة وعشرة، كله واحد.
هل مئة وعشرة يموت الإنسان؟ ( ... ) أنا ما حطيته في ماء.
إذن أنا وأنتم اختلفنا ونرجع إلى أهل الخبرة في ذلك، إذا قال أهل الخبرة: إن خط مئة وعشرة يموت فليكون عمدًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نجرب بك، على كل حال، هو في الحقيقة ما أدري عمدًا إذا كان ( ... ) الخمسين ما أدري، يمكن؛ لأنه يكون ( ... )، إنما خط مئة وعشرة ( ... )، ستين ما يمكن يموت إلا بأسباب أخرى إضافية كالماء؛ لأنه يتضاعف مع الماء، على كل حال المرجع فيما إذا اختلفنا في هذه الأمور إلى من؟ إلى أهل الخبرة، إذا قالوا: إن هذا يقتل غالبًا، قلنا: هو عمد، وإذا قالوا: لا يُقتل غالبًا، فهو شبه عمد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3544
لكنه في الحقيقة سيبقى موضع إشكال فيما إذا ادعى القاتل أنه لا يعلم أنه يقتل عمدًا، أنه يقتل، إذا كان القاتل يقول، أو الجاني بالأصح يقول: أنا ما علمت أنه يقتل، فهل نقول الآن: ليس بعمد، أو نقول: العبرة بواقع الحال، لا بظنك؟
نقول: العبرة بظنك، ولكنه لا بد أن يحلف على هذا الأمر، إلا إذا كان شيئًا لا يمكن أن يجهله مثله، وادعى أنه جاهل، فإن هذا لا يصح، لا تصح دعواه.
إذن إذا اختلفنا هل يقتُل مثله أو لا يقتل، فالمرجع إلى من؟ إلى أهل الخبرة؛ إذا قالوا: هذا يقتل فهو عمد، إذا قالوا: لا يقتل فليس بعمد؛ شبه عمد.
البحث الثاني إذا ادعى الجاني أنه لا يعلم بذلك، فهل نقبل قوله؟
الجواب: فيه تفصيل؛ إن كان مما يمكنه جهله، فليس بعمد، نقبل قوله؛ لأن هذا أمرٌ ممكن والأصل في الجاني العصمة، إذا كان مثله لا يجهله، كما لو قُدِّر أن هذه الآلة التي قتل بها هو؛ أي القاتل من أهل الخبرة بها ويعلم أنها تقتل، فإنه يقبل ولَّا لا؟ لا يقبل، فإنه لا يقبل؛ وذلك أننا لا بد أن نؤسس قاعدة أن الأصل في الجاني العصمة حتى يتبين يقينًا أنه قتل عمدًا.
طالب: لو كان مثلًا ادعى ( ... ) ولكن مثلًا هذا المقتول ( ... ).
الشيخ: الخطأ وهو القسم الثالث؛ أن يفعل ما له فعله، فيقتل آدميًّا لم يقصده.
أن يفعل ما له فعله، ما نافية ولا اسم موصول؟
طالب: اسم موصول.
الجزء: 2 - الصفحة: 3545
الشيخ: إي نعم، اسم موصول؛ يعني: أن يفعل الذي له فعله، وإن شئتم فقولوا: إنها نكرة موصوفة؛ يعني: أن يفعل شيئًا له فعله، فيقتل آدميًّا لم يقصده، طبعًا آدمي معصوم لأن غير المعصوم هدر دمه؛ أن يفعل ما له فعله مثل أن يرمي صيدًا، رمى صيدًا على شجرة فأصاب إنسانًا ما قصده، مثلًا يده تحركت وانحرفت منه، انحرف السهم، أو كان في هذه الشجرة رجلٌ لم يره فأصابه فهنا خطأ ولَّا لا؟ يعتبر خطأ، وقولنا: أن يفعل ما له فعله، مثل ذلك أيضًا لو ندَّ له بعير، رجل ندَّ له بعير وعجز عنه، وأراد أن يحذفه ( ... ) عليه؟ له ذلك ولَّا لا؟
له ذلك، أصاب آدميًّا في هذه الحال، يكون خطأ، إنسان مثلًا مشى بالسيارة فأصاب إنسانًا فقتله، يعتبر أيضًا خطأ.
وقول العلماء: أن يفعل ما له فعله، إذا فعل ما ليس له فعله، فأصاب آدميًّا فظاهر كلام العلماء أنه عمد، مثل أراد أن يرمي شاة لغيره، فأصاب إنسانًا، هل له أن يفعل في الأول؟
طالب: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3546
الشيخ: لا، لكنه أصاب إنسانًا فيقولون: إنه عمد؛ لأن هذا ناتج عن فعل محرم، فلا يمكن أن يخفف عنه، فيكون عمدًا يُقتَل به، ولكن هذا في الحقيقة لا يتبين صوابه؛ لأن من قصد قتل الشاة مثلًا ليس كمن قصد قتل الآدمي، أليس كذلك؟ وهل تساوي الشاة آدميًّا؟ لا، ولكننا نقول: إذا فعل ما ليس له فعله، فإن كان هذا الفعل يريد زيدًا فقتل عمرًا، فإنه يعتبر عمدًا؛ لأنه لا شك أنه قصد جناية على آدمي معصوم، وهذا لا فرق عند الله بين أن يقتل زيدًا أو عمرًا، لكن مَن قصد قتل شاة ليس عند الله ولا عند الخلق كمن قصد قتل آدمي.
ولهذا الصحيح في هذه العبارة أن نقول: أن يقصد أن يفعل ما له فعله أو يقصد غير آدمي فيصيب آدميًّا، وأما نقول: إنه إذا فعل ما ليس له فعله ولو شيئًا خفيفًا، ثم قتل إنسانًا نعتبره عمدًا ( ... ) أيضًا فقهاؤنا فإن هذا ليس بصحيح، والدليل على ذلك أن هذا الذي أراد قتل الشاة فأصاب إنسانًا لو كان يفكر أنه سيصيب إنسانًا هل يفعل؟
طالب: ما يفعل.
الشيخ: ما يفعل أبدًا، لكن مَنْ قصد زيدًا فأصاب عمرًا، فالحكم واحد، يكون هذا عمدًا بلا شك.
كلمة (أن يفعل ما له فعله فيقتل آدميًّا) واضحة، إذا كان ما فعل فعلًا يريد شيئًا إنما جاءت المسائل نتائج لأفعاله، وهو ما قصدها إطلاقًا مثل ما قلنا في السيارة إذا صدمت إنسانًا، أو شخصًا حفر طريقًا في السوق، ساقية حفرها في السوق وجاء إنسان وسقط فيها، أو بالوعة سقط فيها، يعتبر عمدًا ولَّا لا؟ لا؛ لأنه ما قصد الفعل إطلاقًا، لكنه ضامن ما لم يفعل الاحتياطات، ويكون التفريط من الساقط فحينئذٍ لا ضمان عليه.
قال المؤلف، أو قال في المذكرة: (وعمدُ الصبي والمجنون)؛ عمد الصبي خطأ، وعمد المجنون خطأ، أما المجنون فظاهر أن عمده خطأ؛ لأنه ليس له الحق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3547
المجنون عمده خطأ بلا شك؛ لأنه ما له قصد، والصبي عمده خطأ، وظاهر كلام أهل العلم ولو كان الصبي مراهقًا؛ يعني قريبًا من البلوغ، مع أن المراهق في الحقيقة له قصدٌ صحيح ويعرف، ولاحظوا إنسانًا يبلغ في تمام الساعة السادسة في هذا اليوم؛ لأنه وُلد في الساعة السادسة من واحد وعشرين محرم عام كم؟ العام الذي يبلغ به هذا العام.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: على كل حال ( ... ).
طلبة: ثمانية وثمانين.
الشيخ: ثمانية وثمانين، إحنا ( ... ) الآن، ثلاثة وثمانين.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، البلوغ خمسة عشر ( ... ).
إذن في الساعة السادسة من هذا اليوم عند الظهر يبلغ، إذا قتل إنسانًا في الساعة الرابعة، لم يُقتل به، وإن قتله في الساعة السادسة والنصف قُتل به، ليش؟ لأنه بالأول غير بالغ، وبالثانية بالغ، وكذلك أيضًا لو احتلم، في أثناء النهار احتلم صار بالغًا وفي أول النهار ليس ببالغ؛ فالمهم أن العلماء يربطون هذه المسألة بالبلوغ، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ» (11). فيقولون: كما أن النائم والمجنون ليس عليهما قصاص فكذلك الصبي، والأصل العصمة ولا عدمها؟
الأصل العصمة؛ أن ما نقتل هذا المراهق ونحن لم نتيقن أن الشروط قد تمت بالقصاص منه؛ لأن الأصل العصمة، وعلى كل حال في الحقيقة هذا القول لا بد من أن نقول به؛ وذلك لأننا لو لم نقل به لما كان عندنا حدٌّ فاصل بين من يُقتص منه من الشباب ومن لا يقتص منه؛ لأن بماذا ( ... ) عشرين سنة؟ ويش الدليل؟ ( ... ) ويش الدليل؟ إذن ما عندنا أقرب شيء نحد به وجوب القصاص هو أي شيء؟ البلوغ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3548
ففي العمد وأنا ذكرت لكم أننا ما حاجة أن نذكر الصور، أهم شيء عندي معرفة الضوابط، وأما الصور فالعلماء كتبوا صفحات في هذا، ولكن هذا سوف ( ... ) سيرنا، ويحصل فيه تأخير والمقرر كثير.
ما الذي يجب في العمد وفي شبه العمد وفي الخطأ؟
يقول: ففي العمد القصاص أو الدية المغلظة ولا كفارة فيه، وفي شبه العمد الدية المغلظة، وفي الخطأ الدية المخففة، وفيهما أي شبه العمد والخطأ الكفارة.
إذن العمد فيه القصاص أو الدية المغلظة وليس فيه كفارة، وفي شبه العمد الدية المغلظة والكفارة، وفي الخطأ الدية المخففة والكفارة، فكل واحد يختلف عن الثاني؛ وذلك لأن كل واحدٍ ينفرد عن الثاني بوصف استحق به أن يخالفه في الحكم: أولًا في العمد القصاص أو الدية، ما هو الدليل؟ الدليل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178]، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يُودَى» (12)؛ يعني: يأخذ ديته.
إذن نقول: في العمد القصاص أو الدية المغلظة، ما هي الدية المغلظة؟ خمسٌ وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون حِقَّة، وخمسٌ وعشرون جزعة؛ لأن الدية مئة بدنة، وكلها إناث الآن ولَّا لا؟
كلها إناث، تبدأ من سنة إلى أربع سنوات، أو لا؟ تبدأ مما له سنة إلى ما له أربع سنوات، بنت المخاض لها سنة، وبنت اللبون سنتان، والحقة ثلاث سنوات، والجزعة أربع سنوات، مفهوم؟
هذا في دية التغليظ، أن توجب الدية على أربعة أصناف من الإبل؛ وهي بنت المخاض، وبنت اللبون، والحقة، والجزعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3549
(ولا كفارة فيها) ليس فيها كفارة؛ الدليل لأن الله تعالى إنما ذكر الكفارة في الخطأ، ولم يذكر الكفارة في العمد، هذا دليل أثري، وأما الدليل النظري فلأن العمد أعظم من أن تخففه الكفارة، أعظم؛ لأن الكفارة في الحقيقة تزيل أثر الدم، والعمد أعظم من أن تزيله الكفارة؛ ولهذا جعل الله جزاء العمد أن ﴿مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]؛ خمس عقوبات والعياذ بالله: دخول النار والخلود فيها والغضب واللعنة والعذاب العظيم، هذه خمس عقوبات ما يمكن أن تكون لها كفارة كصيام شهرين متتابعين أو بعتق رقبة، لكن الخطأ تنفع فيه الكفارة.
شبه العمد فيه الدية المغلظة، كم من صنف؟ أربعة أصناف؛ لأنه يشارك العمد في القصد، ولكن فيه الكفارة؛ لأنه يشارك الخطأ في عدم القتل؛ لأنه لا يقتل، هو قصد الجناية، لكن هذه الجناية لا تقتل، هو ما قصد القتل، لم يقصد القتل، فلما شارك الخطأ من وجه وشارك العمد من وجه، أخذ من العمد ما شاركه به، ومن الخطأ ما شاركه فيه، فيجب عليه دية مغلظة؛ للجمع بينه وبين العمد من قصد، وتجب فيه كفارة لأنه مجتمع مع الخطأ في عدم قصد القتل.
وأما في الخطأ الدية المخففة والكفارة، الدية المخففة معناه بدل ما تكون أربعة أصناف نجعلها خمسة أصناف، واحد من الأصناف من بني مخاض، يعني: عشرين من بني مخاض، وعشرين من بنات المخاض، وعشرين من بنات اللبون، وعشرين من الحقاق، وعشرين من الجزعات، أيهما أقل؟ المخففة أقل، معلوم؛ لأنها ما هي كلها إناث صار فيها ذكور وعادة أن الذكور أقل ..
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
طالب: والكفارة التي ذكرها الله تعالى في القرآن.
الجزء: 2 - الصفحة: 3550
الشيخ: القرآن في قوله: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92]، وعلى هذا فنقول: كفارة القتل في شبه العمد والخطأ عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وقد علمتم في الظهار أن التتابع لا ينقطع إذا كان الفطر لعذر شرعي أو حسي.
صيام شهرين متتابعين، إذا لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين فإن الكفارة تسقط؛ لأن الله تعالى لم يذكر مرتبة ثالثة.
وقال بعض العلماء: ينتقل إلى المرتبة الثالثة؛ وهي إطعام ستين مسكينًا، ولكنه ليس بصحيح؛ لأن ما وجب فيه إطعام ستين مسكينًا سببه يختلف عن هذا، السبب مختلف، أليس كذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: صحيح الحكم واحد لكن السبب مختلف، وهنا لم يذكر الله تبارك وتعالى الإطعام، فدلَّ على أنه ليس بمشروع، وهذا أحوط وأولى؛ لأن الناس إذا علموا أنهم إذا لم يستطيعوا الصوم انتقلوا إلى إطعام يتهاونون في الصوم، لكن إذا قلت له: إما أن تصوم إن كنت تستطيع، وإما ألَّا تصوم، حينئذٍ الغالب أنه يصوم؛ لأن الإنسان يجد في نفسه شيئًا من القلق إذا لم يقم بهذه الكفارة، أما شروط القصاص فنقول ..
طالب: يجب الدية بنصها؛ يعني بدليل، دليل شبه العمد؟
الشيخ: شبه العمد أيضًا ثبت به الحديث في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية؛ بدية المقتولة على عاقلة القاتلة، وهذا الحديث صحيح؛ في الصحيحين، وفيه قصة حمل بن النابغة الذي اعترض هذا الحكم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ» (1).
طالب: ( ... )؟
الشيخ: الخطأ وشبه العمد.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ويش الإطلاق؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إفتاء؟
الطالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3551
الشيخ: ليش ما يجب عليه؛ لأنه لا ينسب إليه القتل، وهذه المسألة تحتاج إلى تحقيق؛ لأن لدينا كثير من الناس كلما حصل صدم ولَّا قلب ولَّا شيء، قال على طول: فيه دية وفيه كفارة، وبعض الناس -لا- يتحرى، فإذا لم ينسب الفعل إلى قائد السيارة هو ما فيه شيء؛ لا دية ولا كفارة.
افرض مثلًا: رجل معه ركاب فقابله سيارة، فرأى أن من مصلحته ومصلحة الركاب أن ينحرف عن هذه السيارة التي قابلته، ثم انحرف وحصل أن انقلب ومات أحدهم معه، فهذا ليس عليه شيء، لماذا؟ لأنه تصرف بما فيه المصلحة، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
لكن في هذه الحال لو أنه لما انحرف أصاب واحدًا واقفًا، هو ما علم به، ومات هذا الواحد الواقف، يضمنه ولَّا لا؟ يضمنه؛ لأنه لم يتصرف لمصلحته.
ففي مثال اللي ذكرنا لما قابلته السيارة وشاف ( ... ) لا بد أن تصدمه، ورأى أن الأهون أن يخرج، فخرج، ثم أصاب واحدًا واقفًا على الخط ومات، وانقلب ومات معه واحد، الآن قتل؟
طالب: نفسين.
الشيخ: نفسين، لكن الراكب لا يضمنه؛ لا بدية ولا بكفارة؛ لأنه تصرف لمصلحته، وأما الثاني الذي على الخط وأصابه ومات فيضمنه بالدية والكفارة؛ لأن هذا التصرف هل لهذا الواقف على الخط مصلحة فيه ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما له مصلحة.
طالب: ( ... ) قطع الخط ( ... )؟
الشيخ: لا حتى إذا قلنا: ربما يكون أن اللي قطع الخط هذا أنه ألقى بنفسه إلى التهلكة؛ بحيث إنه قطع الخط في حالٍ لا يتمكن صاحب السيارة من الإمساك ولا من الانحراف، فهنا ليس على صاحب السيارة ضمان؛ لأن من المعتدي؟
طالب: ما هو صاحب السيارة، اللي قطع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3552
الشيخ: المعتدي الذي قطع الخط، نعم لو فرض أني أنا كنت مسرعًا في مكانٍ لا يسوغ لي الإسراع فيه وقتلته، حينئذٍ أنا المتعدي يكون عليَّ الضمان، فهذه المسائل تحتاج إلى ما يسمونه في أصول الفقه تحقيق المناط، حتى يُعرَف هل ينطبق على هذا أنه مفرط أو متعدٍّ أو لا.
طالب: في الحال ( ... )؟
الشيخ: إي معلوم؛ لأنه ما هو متلازمة، والحال التي تسقط بها الدية لا تسقط بها الكفارة إذا كان سبب سقوطها من الآدمي، كما لو عفوا، بعض الناس يظنون إذا عفا أولياء المقتول سقطت الكفارة، وليس بصحيح.
طالب: في المسألة الأولى المتسبب الذي قتل ما عليه شيء ..
الشيخ: اللي أيش؟
الطالب: الذي خرج بالسيارة ( ... ) بالسيارة ما عليه شيء.
( ... )
الشيخ: لأنه ما ألجأه إلى أن يسقط في الحفرة -مثلًا- أو إلى أن ( ... ) ما ألجأه فيكون هذا من انحرافه.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، ما ألجأه؛ لأنه بإمكانه أن ينحرف -مثلًا- بسهولة ولا يحدث شيء، أما لو صدمه فنعم، لكنه يعزر ذاك بما يليق به.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: ما يجب عليه؛ لأنه عندنا من المعروف ( ... ) متسبب ومباشر، الآن المباشر من؟
الطالب: صاحب السيارة.
الشيخ: اللي حصل منه التصرف، وذاك متسبب، والمباشر هو اللي يُحال عليه الضمان إذا كان يمكن إحالة الضمان عليه، لكن لو فرض ذاك صدمه صار الآن مباشرًا، والخطأ منه، فيكون الضمان عليه.
باب شروط القصاص
الجزء: 2 - الصفحة: 3553
شروط القصاص.
أولًا تعريف القصاص، القصاص معناه: أن يُفْعَل بالجاني مثل ما فعل أو شبهه، هذا هو القصاص، وهو مذكورٌ في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، هذا القصاص، قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ حياةٌ لمن؟ للمقتَص منه ولَّا لعامة الناس؟ لعامة الناس؛ لأن المقتَص منه مات، وهذه العبارة -كما يقول أهل العلم-: هي ( ... )، ولا يمكن أن يُقَارن بين كلام الله وكلام البشر، لكن فيه عبارة مشهورة عند العرب يقولون: القتل أنفى للقتل؛ يعني أنك إذا قتلت القاتل انتفى القتل فيما بعد من الناس، ولكنها لا شك أن قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أنها أولى؛ لأنها ظاهرة، أولًا فيها ذكر حياة، وتلك ما فيها إلا القتل، ثم إن فيها قصاصًا، إشارة أيضًا إلى العدل، ثم إنها إيجابية؛ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ﴾، أما تلك نفي؛ القتل أنفى للقتل، ولها .. يعني ذكروا فروقًا كثيرة بينها، ولا قصدنا المقارنة، لكن نريد أن نبين أن الله سبحانه وتعالى أخبر بأن هذا القصاص لا يعني إتلاف الناس، وإنما يعني حياة الناس.
أما شروط القصاص فهي أربعة، بل خمسة: أولًا عصمة المقتول؛ أن يكون المقتول معصومًا، وضده من كان دمه هدرًا، فالزاني المحصن معصوم ولَّا غير معصوم؟ غير معصوم؛ لأنه يجب رجمه، والمرتد غير معصوم؛ لأنه يجب قتله إلا أن ..
طالب: الحربي؟
الشيخ: الحربي كذلك؛ ولهذا نقول: المعصوم أن يكون مسلمًا أو ذميًّا أو معاهدًا أو مستأمنًا، هؤلاء الأصناف الأربعة هم المعصومون.
وكلمة أيضًا (مسلمًا) ما لم يكن واجب القتل؛ مثل الزاني المحصن، فإنه وإن كان مسلمًا لكنه ليس بمعصوم، إنما عدم عصمة الزاني المحصن ليس لفوات وصفٍ فيه، ولكن لحدوث وصفٍ فيه؛ وهو الزنا الموجب لذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3554
لو قتل الإنسانُ غيرَ معصوم فهل فيه قصاص ولَّا لا؟ ما فيه قصاص؛ لأن غير المعصوم هدرٌ؛ فلا قصاص فيه ولا دية ولا كفارة أيضًا، لكن الصواب أن فيه الكفارة ولكن ليس فيه الدية إذا كان معاهدًا أو ذميًّا أو مستأمنًا، وأما الحربي فليس فيه لا كفارة ولا قصاص ولا دية.
الشرط الثاني: تكليف القاتل، ويش معنى تكليف القاتل؟ يعني أن يكون بالغًا عاقلًا، فإن كان صغيرًا فلا قصاص؛ لأن عمده خطأ، وإن كان مجنونًا كذلك؛ لأن عمده خطأ.
إذن ما الواجب في قتل الصغير والمجنون؟ إذا قتل صغير أو مجنون معصومًا، فما الواجب؟ الواجب الدية، والدية سيأتي -إن شاء الله- بيان من يتحملها.
الشرط الثالث: ألَّا يكون القاتل أفضل من المقتول في الدين والحرية والملك، ألَّا يكون القاتل أفضل من المقتول في هذه الأمور الثلاثة: في الدين والحرية والملك.
أما في الدين فمعناه أن يكون أحدهما مسلمًا والثاني غير مسلم، وجميع الأديان غير الإسلام ليس بينها تفاضل في هذا المقام، إذن معنى هذا ألَّا يكون القاتل أفضل من المقتول في الدين؛ يعني: ألَّا يكون القاتل مسلمًا والمقتول غير مسلم.
الدليل على هذا الشرط قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِكَافِرٍ» (2)، بالعكس يقتل ولَّا لا؟
طالب: يقتل.
الشيخ: لو قتل كافرٌ مسلمًا يُقْتل؟
طلبة: يُقْتَل.
الشيخ: إي نعم يُقْتَل؛ لأن المسلم أفضل منه، ولأنه ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة اليهودي الذي رَضَّ رأسَ جارية من الأنصار وأخذ أوراقًا كانت عليها، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام به فَرُضَّ رأسُه بين حجرين (3)، فهذا دليل على أن غير المسلم يُقْتَل بمن؟ بالمسلم.
طالب: ولو كان مملوكًا؛ المسلم.
الشيخ: كيف لو كان؟
الطالب: المسلم مملوك ..
الشيخ: وقتل غير مسلم ..
طالب: ( ... ) كافر والمسلم المقتول مملوك؛ يعني عبد.
الشيخ: إي نعم يُقْتَل.
اصبر نشوف لحظة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3555
أيضًا في الحرية؛ ألَّا يكون أفضل منه في الحرية، فإن كان أفضل -بمعنى أنه حرٌّ والمقتول رقيق- فإنه لا يُقْتَل به؛ لأن الحر أفضل من العبد؛ إذ إن العبد يجري إتلافه مجرى الأموال؛ ولذلك يُضْمَن بالدية ولَّا بالقيمة؟
طالب: بالقيمة.
الشيخ: العبد إذا قُتِلَ ما نقول: ويش ديته؟ نقول: ويش قيمته، قد يقتل الإنسان -مثلًا- عبدًا شابًّا؛ يعني رقيقًا، ويكون ديته -مثلًا- خمس مئة ألف، تكون قيمته خمس مئة ألف يُضْمَن بخمس مئة ألف، وقد يقتل شيخًا كبيرًا هرمًا أعمى أصم أزمن وتكون قيمته عشرة ريالات، فلا يُودَى إلا بعشرة ريالات، فيقولون: ما دام أن الرقيق قد أُجْرَي مجرى الأموال فإنه لا يُقْتَل به الحر.
الحر بالحر أيضًا، والعبد بالعبد، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178]، قالوا: هذا أيضًا دليل أنه قرن الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى؛ معنى ذلك أن الحر لا يُقْتَل بالعبد.
طيب والعبد يُقْتَل بالحر؟
طالب: نعم.
الشيخ: الآية ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، الحر لا يُقْتل بالعبد؛ لأن الله يقول: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ فلا يُقْتَل الحر بالعبد، لكن العبد إذا قتل حرًّا هل يُقْتَل به؟
طالب: نعم.
الشيخ: الله يقول: ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، نقول: نعم، إذا كان العبد يُقْتَل بالعبد فمن باب أولى أن يقتل بالحر، لكن إذا كان الحر يُقْتَل بالحر، فلا نقول: من باب أولى أن يُقْتَل بالعبد.
إذن استدل القائلون بأنه يشترط ألَّا يكون القاتل أفضل من المقتول في الحرية بالآية الكريمة وبالقياس.
وجه استدلالهم بالآية أن الله قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، فإذا كان كذلك فإنه لا يُقْتَل الحرُّ بالعبد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3556
القياس قالوا: لأن إتلاف العبيد يجري مجرى الأموال؛ بدليل أن دية العبد قيمته، وإذا كان يجري مجرى الأموال فإنه لا يُسَاوَى بالحر، وعليه فلا يجوز أن يُقْتَل الحر به.
وعلى هذا فالمثال اللي قاله عبد الرحمن مهنى لا يُقْتَل به؛ لأن القاتل حرٌّ والمقتول عبد؛ يعني: لو قتل يهوديٌّ حرٌّ عبدًا مسلمًا فإنه لا يُقْتَل به، لماذا؟ لأنه أفضل منه في الحرية، هذا حرٌّ وذاك عبدٌ.
ويرى بعض العلماء أنه يُقْتَل الحر بالعبد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: 45] إلى آخره، حتى قال الله في آخرها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، وقال بعد ذلك: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]، فهذا ظاهره العموم.
وللحديث المرسل الذي روي عن سمرة: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ» (4)؛ يعني: من قطع أنفه.
قالوا: فإذا كان السيد يقتَل بعبده وقد فضله بالحرية والملك؛ هو مالك وحر، فالحر غير المالك من باب أولى، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذَمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» (5)، ولأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93]، وبالاتفاق أن قوله: ﴿مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ يشمل العبد، فدلَّ هذا على أن احترام نفس العبد كاحترام نفس الحر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3557
وبقي علينا على هذا؛ يعني هذه أدلة إيجابية، بقي علينا أن نجيب عن أدلة القائلين بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178]، نقول الآية يقول الله فيها: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، فأنتم إما أن تأخذوا بجميع الآية، وإما أن تأخذوا ببعضها، الأخذ ببعضها دون بعض غير ممكن، والأخذ بجميعها تمنع منه السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قتل الرجل بمن؟ بالأنثى (3)، فدلَّ هذا على أن الآية لا مفهوم لها، وأن المفهوم غير مراد.
ثم نقول أيضًا: سورة المائدة نزلت متأخرة؛ ولهذا يُروَى عن ابن عباس -أو عائشة، نسيت- أنه قال: ما كان فيها من حلال فأحلوه، وما كان فيها من حرام فحرموه (6). فهي من آخر ما نزل، ومعلومٌ أننا نعتبر الآخِر فالآخِر.
ويدل على ذلك أيضًا الحديث الذي أشرنا إليه: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ» (4)، فإن هذا يدل على العموم.
وهذا القول أرجح من القول الثاني اللي مشى عليه الفقهاء رحمهم الله.
بقي لنا الملك، كيف الملك؟ أليست الملك هي الحرية؟ لأنه ما يملك إلا حرٌّ، كيف؟
طالب: المالك.
طالب آخر: احترازًا من العبد.
طالب آخر: مملوك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3558
الشيخ: طيب، إذا صار حرًّا مالكًا تبينت الحرية، نقول: لا، فيه -مثلًا- فيه مالك وليس بحر؛ وهو المكاتب، فإن المكاتب إذا اشترى عبدًا يصح شراؤه له، مع أن المكاتب الآن قد انعقدت فيه أسباب الحرية فليس بمملوك، وإن كان إلى الآن ما بعد تمت، لكن انعقدت فيه أسباب الحرية، فيقولون: لو أن المكاتب قَتَلَ عبدَه فإنه لا يُقْتَل به، لماذا؟ يقولون: لأنه مالكه، وإن كان كل منهما يسمى عبدًا لكن هذا مالك، فهذا المكاتَب ليس بحر؛ لأنه عبدٌ ما بقي عليه درهم، فإذا اشترى عبدًا للتجارة؛ لأجل يتجر به علشان يوفي الدين الذي لسيده، ثم قَتل هذا المكاتبُ عبدَه، قلنا: لا قصاص، لماذا لا قصاص؟ لأنه يقتله بأي شيء؟ بالملك.
وهذا أيضًا أضعف من الذي قبله؛ لأن الواقع أن المكاتَبَ لا زال على رقه، وإن كان قد انعقدت فيه أسباب الحرية، لكن ما زال على رقه حتى يكمل ما كاتب سيده عليه، فهو أدنى رتبة من الحرِّ، فإذا أوجبنا القصاص في قتل الحر بالعبد فلأن نوجبه في قتل المكاتبِ عبدَه أولى.
الشرط الرابع: ألَّا يكون القاتل من أصول المقتول، والراجح أن ذلك ليس بشرط.
طالب: الراجح إذا قتل العبد، هل يُقْتَل؟
الشيخ: إي نعم، الراجح أنه يقتل، مثلما قلنا: الراجح عدم اشتراطه في الحرية والملك.
الرابع: ألَّا يكون القاتل من أصول المقتول؛ يعني -مثلًا- الأب ما يُقْتَل بالابن، لو جاء إنسان وقتل ابنه عمدًا فإنه لا يُقْتَل به، ولو جاءت الأم وقتلت ابنها عمدًا لم تُقتَل به، وكذلك الجدة والجد وإن عَلَوَا لا يُقْتَلان بفروعهم؛ لأن ألَّا يكون القاتل من أصول المقتول.
لماذا؟ قالوا: للدليل والتعليل.
أما الدليل فلأنه من الأحاديث المشهورة ألَّا يُقْتَل والدٌ بولده، وعسى أن نذكره ونتكلم عليه.
والتعليل لأن الوالد سببٌ لوجود المولود، صح؟
طالب: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3559
الشيخ: الوالد سببٌ لوجود المولود، ولا ينبغي أن يكون من هو سببٌ للوجود يعدم لفناء فرعه؛ يعني معناه أن الوالد سببٌ في وجود الولد، فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في إعدام الوالد.
هذا التعليل، وذاك الدليل.
والراجح أن ذلك ليس بشرط؛ الدليل لعموم قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]، وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ»، ولعموم الآية التي في البقرة: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178]، فعندنا الآن عمومات من الكتاب والسنة.
وأيضًا من حيث المعنى نقول: كان هذا سببًا في إعدام الولد فليكن ذلك سببًا في إعدامه.
إذن فالسبب في إعدامه نفسه ولَّا ولده؟ نفسه؛ لأنه هو الذي جنى، هو الذي أعدم غيره فكان سببًا في إعدام نفسه.
وأيضًا لا شك أن قتل الوالد لولده على وجه العمد المحض أنه من أعظم قطيعة الرحم، أليس كذلك؟ ولَّا ما هي قطيعة رحم؟ قطيعة رحم، فكيف نجازي هذا الذي قطع رحمه وقتل ابنه أو بنته ونقول: لا قصاص عليه، مع أن الله يكرر في القرآن: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾؟ !
وأما الحديث الذي استدلوا به فإنه لا أصل له، صحيح أنه مشهور لكن ليس له سندٌ معلوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله أن يكون قد رُوِيَ ممن بعد الرسول عليه الصلاة والسلام فتناقله الناس وصار عمدة لديهم، وإذا لم يكن له أصل صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لا يمكن أن تخصص به تلك العمومات.
أما التعليل الذي ذكروا -أن الأب سببٌ في إيجاد الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في إعدامه- فجوابه بسيط، ويش نقول؟
نقول: ما دام هو الذي قتل فهو السبب في إعدام نفسه، فانتقض هذا التعليل وسقط الدليل، فبقي الحكم مبنيًّا على أي شيء؟ على عموم الأدلة الدالة على وجوب القصاص.
الجزء: 2 - الصفحة: 3560
الشرط الخامس: أن تكون الجناية عمدًا محضًا، احترازًا منين؟ من شبه العمد والخطأ، فلا قصاص في شبه العمد والخطأ، والله أعلم.
( ... ) بغير السيف فإنه يُقْتَل بالسيف، ما يمكن يُقْتَل بغير السيف، لماذا؟ يقولون: لأنه رُوِيَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ» (7)، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (8). والقتل بالسيف أحسن ما يكون من القتلة.
فعلى هذا هل فُعِلَ بالجاني مثل فعله؟ يعني -مثلًا- الجاني قتل المقتول بخشبة حتى مات، فبماذا نقتله؟ بالسيف، إذن ما فعلنا به مثل فعله، ولكننا فعلنا به شبهه مما أدى إلى قتله، مع أن الصحيح أنه يُفْعَل به مثلما فعل، كما سيأتي -إن شاء الله- في استيفاء القصاص، طيب الشروط ( ... ).
يكون القصاص على كيفية الجناية على القول الراجح ( ... ).
شروط القصاص ( ... ).
الخامس: أن تكون الجناية عمدًا محضًا، كلمة (عمدًا) يخرج به الخطأ، (محضًا) يخرج به شبه العمد.
الخطأ لا قصاص فيه، وكذلك شبه العمد؛ لأن الله تعالى أوجب في الخطأ الدية، فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92]، وقال تعالى في العمد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178]، فلما أوجب في الخطأ الديةَ وهناك القصاصَ دلَّ على أنه -أي الخطأ- ليس فيه قصاص.
وأيضًا تعليل؛ نقول في التعليل: لأن هذا الذي قتله خطأ لم يتعمد الجناية ولا قصد قتله، فكيف نقتله به وهو لم يقصد؟ !
الجزء: 2 - الصفحة: 3561
أما شبه العمد فدليله حديث المرأتين اللتين من هذيل اقتتلتا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدية على عاقلتها، وأن في جنينها غرة؛ عبد أو أنثى، وحمل بن نابغة عارض في ذلك، وقال: كيف يغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطَل؛ يعني: يهدر، يريد ألَّا يضمن الجنين بالغرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ».
من أجل سجعه الذي سجع (9)؛ ليبطل به الحق.
فالحاصل أن هذا ما جعل الرسول عليه الصلاة والسلام فيه قودًا، بل جعل فيه دية تحملها العاقلة، فدل ذلك على أنه لا قصاص.
إذن فالخطأ لا قصاص فيه وشبه العمد لا قصاص فيه، وإنما القصاص في العمد المحض.
ثم أخذنا عنوانًا جديدًا؛ وهو الاشتراك في القتل؛ يعني معناه إذا كان القتل ناشئًا من فعل جماعة، فيقول: (إذا اشترك جماعة في قتل عمدٍ قُتِلُوا جميعًا إن صلح فعل كل واحدٍ منهم للقتل أو تواطؤوا عليه) إذا اشترك جماعة في قتل عمد فإننا ننظر؛ إن تمالؤوا على ذلك الشيء وتواطؤوا عليه، وقالوا: نبغي نقتل فلانًا وتكتلوا على هذا، وجلسوا له -مثلًا- في مكان يبغون يقتلونه، فقاموا عليه، فبعضهم أصابه بيده جرحًا لا يُقَاد به، وبعضهم أصابه بجرحٍ يُقَاد به، والبعض الآخر بأكبر، المهم أنه مات، فهنا يقتلون جميعًا، حتى اللي ضربه بعصا بسيطًا يُقْتَل، مع أن هذا لو يُقَاد يُقْتَل ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3562
الشيخ: لو ( ... ) لم يُقْتَل؛ لأن فعله لا يقتضي القتل، لكن من أجل أنهم تمالؤوا على ذلك فإنهم يُقْتَلون جميعًا، حتى لو فُرِض أن بعضهم ما عمل شيئًا، بس أتى معهم لأجل أن يشجعهم ويُقَوِّمَهم ويقويهم، أو لينظر هل أتى أحد أو ما أتى؛ يكون عينًا لهم، فإنه يُقْتَل معهم، لماذا؟ لأن هذا القتل حصل من فعل واحدٍ منهم ولَّا من فعل الجميع؟ لا، من فعل الجميع، بالمباشرة من المباشِر، وبالمعاونة من غير المباشِر، فهو يُنْسَب إليهم جميعًا هذا الفعل، وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه أقاد جماعة لشخصٍ اجتمعوا عليه فقتلوه، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به (10)؛ لو تمالأ عليه -تواطؤوا عليه- أهل صنعاء لقتلتهم به، فهذا الأثر عن عمر رضي الله عنه يؤيده المعنى، فإنه لا شك أن المعين كالفاعل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في جماعةِ الرجلِ الذي قتل حمارًا وحشيًّا -وهو أبو قتادة رضي الله عنه- فأكل منه أصحابه، ثم شكُّوا في الأمر وجاؤوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ » فقالوا: لا، قال: «فَكُلُوا» (11)، والإشارة هل هي مشاركة فعلية ولَّا لا، ولَّا مساعدة فقط؟ مساعدة فقط، فدل هذا على أن المعين كالمباشر؛ ولهذا لو قالوا: نعم، أشرنا إليه لمنعهم من أكله؛ لأنهم صاروا قاتلين للصيد وهم محرمون.
فالحاصل عندنا الآن دليل على أنهم إذا تمالؤوا على القتل يقتلون جميعًا.
الدليل: أولًا أثر عمر، وهو نصٌّ في المسألة، والثاني حديث أبي قتادة في صيده الحمار الوحشي وهو غير محرم وأصحابه محرمون، فأكلوا منه، ثم شكُّوا في الأمر فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ » قالوا: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3563
إذن إذا تمالؤوا قُتِلوا جميعًا، إذا لم يتمالؤوا عليه ولكن صار موته من فعل الجميع فهنا يجب أن ننظر من صلح فعلُه للقتلِ لو انفرد أُقِيد به، ومن لم يصلح فعله للقتل لو انفرد فلا قود عليه، أرجو الانتباه يا جماعة، إذا لم يتمالؤوا ويش ننظر إليه الآن؟ ننظر إلى موجَب الجناية من كل واحد؛ إن كانت جناية كل واحد منهم لو انفردت لقُتِل به قُتِلُوا جميعًا، وإن كانت جناية كل واحدٍ منهم لو انفرد بها لم تقتله لم يُقْتَل، وإن كان بعضهم هكذا وبعضهم هكذا قُتِلَ الذي يصلح ولم يُقْتَل الذي لا يصلح.
نشوف الأمثلة:
هذا الرجل اشترك في قتله ثلاثة؛ واحد ضربه مع الفؤاد؛ مع القلب، وآخر ضربه مع الكبد، وآخر ضربه مع الكلى، كل ضربة من هذه تميت، يُقْتَلون ولَّا لا؟
طلبة: يقتلون.
الشيخ: لماذا؟ لأن كل واحد لو انفرد لقُتِل به، فهنا سواء جاء القتل من الجميع أو من واحد المهم أن فعل كل واحد صالحٌ للقتل، فيُقْتَلون جميعًا.
المثال الثاني: ضرب جماعةٌ رجلًا بسوطٍ صغيرٍ في غير مقتل فمات، يُقْتَلون ولَّا لا؟ كل واحد منهم ضربه بسوط في غير مقتل، فمات الرجل، ما يُقْتَلون، لماذا؟ لأن فعل كل واحدٍ لا يصلح للقتل، وهذا الفعل المتجمع اللي حصل به القتل لم يكن ناشئًا عن اتفاق، وإذا لم يكن ناشئًا عن اتفاق لم يكن فعلَ رجلٍ واحدٍ، صار أفعالًا متفرقة، وكل فعلٍ لا يقتضي القتل فلا يُقْتَل به.
الصورة الثالثة: ضربه أربعة رجال؛ أحد ضربه بعصا في ساقه؛ عصا بسيط، والثاني بعصا في ظهره، والثالث ضربه بخشبة في كبده، والرابع بخشبة في كليته، من الذي يُقْتَل؟
طلبة: الأخيران.
الشيخ: الاثنان الأخيران؛ الثالث والرابع؛ لأن فعل كل واحدٍ منهما يصلح للقتل، والأولان لا يُقْتَلان.
يُستثنى من ذلك مسألة واحدة: لو أن أحدهما أخرجه عن قيد الحياة، والثاني كَمَّل عليه؛ مثل واحد شق بطنه وطلع أمعاءه وبطنه، خلاهم برة ( ... )، وجاء واحد ( ... )، أيهما اللي يُقْتَل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3564
طالب: كلهم.
طالب آخر: الأول.
الشيخ: الأول؟ ( ... )؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: ما قمت بذلك؛ لأنه جاء ( ... ).
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يكون الأول.
أيضًا مثال آخر: جاء إنسان وذبح شخصًا، فلما ذبحه جاء يضطرب في دمه، فجاء إنسان آخر وضربه بحربة في قلبه، يُقْتَل كلهم؟
طالب: الأول.
الشيخ: الآن واحد ذبح؛ قطع حلقومه ومريئه وودجيه.
طالب: ما يُقْتَل الأول.
الشيخ: الثاني جاء وهو يتشحط في دمه فضربه في قلبه؟
طلبة: الأول.
الشيخ: يقتل الأول؟
طالب: نعم.
الشيخ: والثاني؟
الطالب: ما يُقْتَل.
الشيخ: بس الثاني فعله يصلح للقتل
الطالب: بعدما مات.
الشيخ: لكن بعدما مات صحيح.
إذن نقول: إذا كان جرح أحدهما مميتًا؛ مثل الذبح أو بإبانة الحشوة، مثل العلماء بمثالين؛ إذا ذبحه أو أبان حشوته؛ يعني: بطنه وأمعاءه، قطعها، أبانها؛ يعني: قطعها، ما هو بس أخرجها؛ لأن إخراجها ما يعتبر إبانة، فإن الثاني لا يُقْتَل؛ لأن الأول خلاص انتهت حياته، ما عاد بقي شيء.
انتبهوا للمستثنى الآن، صار يُسْتثنى من ذلك .. ، ويش يستثنى؟ إذا صلح فعل كل واحدٍ للقتل يُستثنى من ذلك ما إذا أخرجه فعل أحدهما عن الحياة؛ كالذبح، ويش بعد؟ وإبانة الحشوة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: دعنا من الاتفاق يا أخ، إذا اتفقوا ولو ما فعل واحد منهم شيء، إذا اتفقوا لو ما فعل شيء الثاني ( ... ).
يقول: (فإن كان فيهم) فيمن؟ في الجماعة المشتركين، (من لا يُقْتَص منه لقصورٍ في السبب أو لمعنى يختص به فعلى الشريك القصاص، وعلى الثاني قسطه من الدية، والمذهب لا قصاص إذا كان المانع قصور السبب) اللوح هذه لوح عربية ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: زين، ستفهمون إن شاء الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3565
(إذا كان فيهم من لا يُقْتَص منه لقصورٍ في السبب فعلى الشريك القصاص، وعلى الثاني قسطه من الدية) القصور في السبب بمعنى أن الجناية لا تصل إلى العمد، مثل خطأ؛ جناية خطأ؛ اشترك رجلان في قتل واحد، أحدهما كان متعمدًا؛ رأى هذا الرجل ويريد يقتله، فأطلق عليه الرصاص، وفيه آخر يرقب صيدًا، فلما رأى هذا الجسم ظنه الصيد فأطلق عليه الرصاص، ومات من الرصاصتين، اشتركا في قتله الآن ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ترى بدون تواطؤ؛ لأن التواطؤ يجب ألَّا يكون واردًا علينا في هذا، اشتركا في قتله، لكن أحدهما جنايته لا توجب القصاص، لماذا؟ لأنها خطأ؛ قاصرة، والثاني توجب القصاص؛ لأنها عمد بالعدوان، نقول في الحكم: على الشريك القصاص، من هو الشريك؟
طالب: العمد.
الشيخ: العمد، المتعمد عليه القصاص، وعلى الثاني قسطه من الدية، كم القسط؟ لأنهم اثنان يكون عليه نصفها؛ عليه نصف الدية، يكون هذا الرجل المقتول مضمونًا بقصاص ( ... ).
على المذهب في هذه المسألة لا قَوَد، حتى على المتعمد لا قَوَد؛ يقول: لأن الموت حصل من فعلٍ موجبٍ للقصاص وفعلٍ غير موجب، فلم يَقْوَ على القصاص؛ لأنه لا بد أن يتمحض الفعل، ويش تمحض؟ موجبًا للقصاص، لا بد أن يكون الشيء الذي حصل به الموت متمحضًا لإيجاب القصاص، وهنا تمحض ولَّا لا؟ ما تمحض، عندنا موجب للقصاص ومانع للقصاص، والواجب تغليب الحظر، اجتمع مبيح للقصاص وهو العمد، ومانع من القصاص وهو الخطأ، فغُلِّب جانب المنع، فلا يمكن أن يُقْتَص منه.
المثال الثاني الذي يكون يمتنع القصاص لمعنى يختص به: اشترك مسلم وكافر في قتل مسلم، مسلم وكافر اشتركا في قتل؟
طالب: مسلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3566
الشيخ: في قتل كافر .. مسلم وكافر .. لا، عندنا القاتل مسلم والمقتول كافر، وكافر أيضًا مشارك في القتل، هنا اشترك في القتل رجلان، كلاهما يُقْتَص منه، كلاهما عمد يعني، كل واحد منهما متعمد لقتل هذا الرجل، لكن أحدهما لا قصاص عليه؛ لقصورٍ في السبب ولَّا لمعنى يختص به؟
طلبة: لمعنى يختص به.
الشيخ: ويش هو المعنى؟
طلبة: الإسلام.
الشيخ: أنه أفضل منه في الدين، فهنا الجناية نفسها صالحة للإيجاب، لكن هناك معنى يختص بأحدهما يمنع من القصاص، فهنا -حتى على المذهب- يُقْتَص من الكافر، وعلى المسلم نصف الدية، لماذا؛ لأن هذا الكافر مات من جنايةٍ موجبةٍ للقصاص، سواء من هذا الرجل أو من هذا الرجل، الجناية صالحة ( ... ) القصاص، لكن لمعنًى يختص بهذا الرجل امتنع القصاص، لا لقصور في السبب؛ في سبب الموت، ولكن لمعنى يختص به.
فالمذهب الآن يفرقون بين ما إذا كان المانع من القصاص لمعنًى يختص بأحد الشريكين، أو لقصورٍ في السبب؛ إن كان لقصورٍ في السبب فإنه يمتنع القصاص، وإن كان لمعنًى يختص في أحد الشريكين فإن القصاص لا يمتنع فيمن يُقْتَص منه.
مثال آخر: اشترك أبٌ وأجنبي في قتل ابنه، ما رأيكم في الأجنبي هنا، على المذهب؟
طالب: يجب أن يقتل.
الشيخ: يجب أن يقتل؟ القصاص هنا ثابت في حق الأجنبي، لماذا؟ لأن منع القصاص في جانب الأب لمعنًى يختص به، لا لقصور في السبب، الأب متعمد لقتل ابنه، والأجنبي متعمد لقتل هذا الابن، فالجناية صالحة للقصاص، لكن امتنع القصاص في الأب لمعنًى يختص به، لا للجناية التي قضت على هذا الرجل، فنقول في هذه الحال: يُقتص منه، حتى على المذهب يقتص منه.
طالب: من الأجنبي.
الشيخ: من الأجنبي، أما الأب فلا يُقتص منه؛ بناء على أنه لا يُقتل الوالد بالولد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3567
إذا اشترك جماعة في قتل عمد فإنهم يُقتلون به، ما رأيكم لو أن أولياء المقتول طلبوا الدية؛ قالوا: نبغي دية، ما نبغي القتل، ويش ( ... ) عشرة بواحد، ماذا نقول؟ يدفعون كل واحدٍ دية ولَّا كل واحدٍ بقسط من الدية؟
طلبة: قسط.
طالب: هل كانوا متواطئين؟
الشيخ: لا، ما هم متواطئين، سواء متواطئين ولَّا مشتركين اشتراكًا فعليًّا، المهم أن أولياء المقتول قالوا: ما نبغي قتل، نبغي دية.
( ... ) ولَّا لا؟ ولهذا لو قتل رجلٌ امرأةً وقالوا: لا نريد القصاص وإنما نريد الدية، يُعْطَون دية رجل ولَّا دية امرأة؟
طلبة: امرأة.
الشيخ: إذن لو كانت الدية عن القاتل لأعطوا دية رجل، ولو قتلت امرأة رجلًا، وقال أولياؤه: نعفو عن القصاص نريد الدية، تعطيهم دية امرأة؟ دية رجل، إذن الدية عوض عن أيش؟
طلبة: المقتول.
الشيخ: عن المقتول، والمقتول من الجماعة كم؟ المقتول واحد، فعلى هذا إذا كانوا عشرة يجب على كل واحد عُشْر الدية.
كيف يجب عُشْر الدية عن عشرة أنفس؟
نقول: نعم؛ لأننا لنفرض أننا قلنا: كل واحدٍ يُقتل عُشر قتلة، يمكن؟ لو وزعنا القتل على العشرة يصلح ولَّا ما يصلح؟ بمعنى كل واحدٍ من الذين قتلوا عشر قتلة، واحد من عشرة من القتل، يستقيم ولَّا ما يستقيم؟
طلبة: ما يستقيم.
الشيخ: إذن القتل لا يتبعض، والدية تتبعض، لما كانت الدية تتبعض بعضناها، وقلنا: أعطونا كل واحد عشرًا من الإبل وأنتم عشرة، الجميع المئة من الإبل هذه الدية، لكن القتل هل يمكن يتبعض؟ ما يمكن، إذن لا يمكن الوصول في القتل إلى استيفاء الحق إلا بقتل النفس كاملة، فالفرق إذن -يا جماعة- أن الديةَ تتبعض والقصاصَ لا يتبعض.
ننتقل إلى المسألة الثانية فيها نوع مشاركة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: قال المؤلف: (وإن أمسك شخصًا لآخر ليقتله بدون مواطأة فالقصاص على القاتل، ويُحْبَس الممسك حتى يموت).
الجزء: 2 - الصفحة: 3568
هذه المسألة رجل أمسك شخصًا لآخر ليقتله، وهو ما منهم مواطأة، رجل ( ... ) امسكه ( ... )، يقول المؤلف: إنه يُحْبَس الممسكُ إلى أن يموت، والثاني يُقْتَل؛ لأن الثاني مباشِر والأول متسبِّب، ومعلومٌ أن القاعدة الفقهية أنه إذا اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر، وهنا هذا هو الذي باشر القتل، وكلمة (بدون مواطأة) معناه أنه إذا كان مواطأة فقد سبق أنهم يقتلون جميعًا، لكن بدون مواطأة.
وهذه المسألة بناء على ذلك تنقسم .. لأنا قلنا: إن أمسك شخصًا لآخر ليقتله، كلمة أيضًا (ليقتله) لو أمسكه له ظانًّا أنه يمزح وياه مثلًا، يتلاحقون يتلاعبون، ثم إن ذاك لما وصل قتله، فهنا ما أمسكه ليقتله، ولَّا لا؟ أمسكه على أنه يمازحه أو هازل، ولا ظن القتل إطلاقًا، لو ظن القتل لمنعه منه، فالصور إذن ثلاثة:
أمسك شخصًا لآخر لا يدري ماذا يصنع به فقتله، فليس على الممسك شيء؛ لأنه ما قصد قتله، ولا أعان على قتله، ولا شارك فيه، ولكن القصاص يكون على من؟ على القاتل.
أمسك شخصًا ليقتله بمواطأة بينهما، فعليهما جميعًا القصاص، بناء القاعدة السابقة.
أمسك شخصًا ليقتله بدون مواطأة، فهذا على القاتل القصاص؛ لأنه مباشر، والثاني يُحْبَس إلى أن يموت؛ لأنه حَبَسَ هذا إلى أن مات، فيُجازى بمثله؛ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، وقد روي في ذلك آثار عن الصحابة.
وقال بعض أهل العلم: بل يقتلان جميعًا، ما دام علم أنه يريد أن يقتله فقد أعانه، وصحيحٌ أن المباشر والمتسبب يكون الضمان على المباشر لكن هنا المباشرة مبنية على السبب، لو لم ( ... ) ما قتله، فإذن تكون هنا المباشرة مبنية على السبب فيُقْتَلان جميعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3569
وذهب آخرون -وسبحان الله! المسائل اللي ما فيها نص تكون المسائل فيها كثيرة- إلى أن الممسك يعزر فقط، ولا يجب أن يُحبس حتى يموت؛ لأن هذا الرجل ما فعل شيئًا يوجب القصاص، وإنما فعل محرمًا بالمعاونة على هذا الأمر.
فهذه الأقوال الثلاثة في هذه المسألة، ولكن المشهور من المذهب أنه يُحبس حتى يموت، وعن أحمد رواية أنه يقتل ما دام علم أنه سيقتله، وما دامت المسألة ليس فيها نصٌّ يَفْصِل بين الأقوال فنرى أن مثل هذه الحال ترجع إلى المصلحة؛ فإذا رأى الحاكم الشرعي أن من المصلحة أن يُقتل هذا لئلا يكثر العبث والفساد فإن هذا له وجه، وإذا رأى ألَّا يفعل فليمسك حتى يموت؛ فليحبس حتى يموت، أما كوننا نعذبه بجلدات أقل من عشرة على ما سيأتي ( ... ) فهذا لا يسوغ أبدًا.
فإذن إذا أمسك شخصًا لآخر فقتله، فكم صورة له؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: ثلاث صور.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
الطالب: ( ... ) مواطأة؟
الشيخ: المواطأة معناها يتفقون، لكن هذا -مثلًا- رأى إنسانًا معه سيف يشاهره على هذا الإنسان، ويقول: رده رده ( ... )، صحيح.
طالب: ( ... ).
الشيخ: اختلف أيضًا الفقهاء هل يطعم ويسقى أو يُقْتل؟
طالب: المحبوس؟
الشيخ: المحبوس.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، الضابط عندهم يقول: لا يُسقى ولا يُطعم، إذا كان ما سقي ولا أكل معناه ذبحناه أشد مما ذبح ( ... ) ولَّا لا؟ يدور يتلوى ويتعب وآخره يموت، لكن الصحيح أنه يُعطى أكلًا ويُعطى شربًا، إي نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ( ... ) العيَّان الذي يؤذي الناس بعينه يجب أن يحبس حتى يموت، العيَّان ( ... )، إي نعم.
طالب: روي عن الصحابة؟
الشيخ: أي؟ في مسألتنا هذه؟ إي نعم روي عن الصحابة، روي عن عمر رضي الله عنه، وأظن ( ... )، أما المعنى فظاهر أنه يقتضيه؛ لأنه -الحقيقة- حبس ذا حتى مات، بس المدة تختلف، هذاك حبسه ومات سريعًا، وذلك يموت -الله أعلم- بعد سنة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3570
(وإن أمسكه لسبع ونحوه مما ليس أهلًا للضمان فالقصاص على الممسك) شاف -مثلًا- سبعًا يلاحق إنسانًا، فأمسك هذا الإنسان للسبع، وقال: أخشى إن أمسكته وأعطيته السبع يأكله ويأكلني أنا، فمن هو عليه الضمان؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: طيب، عندنا مباشر ومتسبب.
طالب: المباشر ليس أهلًا للضمان.
الشيخ: المباشر ليس أهلًا للضمان، ما يمكن نروح نطالب الأسد، ونقول: تعالَ، عليك الضمان نبغي نقتص منك ولَّا ادفع الدية، إذن فالقصاص على من؟
طالب: على الشجرة.
الشيخ: الله يهديك! القصاص على الممسك، السبب لأنه ما يمكن إحالة الضمان على السبع.
طيب، لو كان الذي لحقه مجنونًا، طبعًا القصاص ما يمكن على المجنون؛ لأنه تقدم أن عمد المجنون خطأ، لكن هل نقول هنا: إنه يضمن الممسك أو نقول: يُحبس حتى يموت وعلى المجنون الدية؟ هذا الأخير هو هذا، نقول: لأن المجنون وإن كان ليس له قصد صحيح لكن تمكن إحالة الضمان عليه في هذه الصورة؛ لأنه إذا قتل فإنه يجب، ويش يجب؟ الدية عليه؛ على عاقلته، فهنا نقول: يحال الضمان على المجنون ولكنه يضمنه بالدية؛ لامتناع القصاص في حقه.
هذه مسألة؛ مسألة الإمساك.
المسألة الثانية مسألة الإكراه: (أكره مكلفٌ مكلفًا على قتل معين فالقصاص عليهما)، هذه المسألة أيضًا مما اختلف فيه العلماء، (مكلفٌ) يعني: بالغ عاقل، (أكره مكلفًا على قتل معين) يعني -مثلًا- قال له: اقتل هذا الرجل، أو اقتل فلانًا، إذا لم تقتله قتلتك، وهو قادرٌ على تنفيذ ما هدده به، أما إذا كان غير قادر فليس بإكراه، لكن هو قادر؛ يعرف إن لم يفعل نفذ ما هدده به، فقال: اقتل فلانًا أو اقتل هذا الرجل، معين، فخاف الرجل من القتل فذهب فقتل، فعلى من يكون الضمان؟ القصاص عليهما.
عندنا الآن قاتل مباشِر ومتسبِّب؛ المباشر الذي أُكْرِه، والمتسبب الذي أَكْرَه، أفلا نقول: إنه إذا اجتمع مباشِر ومتسبِّب فالضمان على المباشر؟
طالب: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3571
الشيخ: قيل به، وأن الضمان على المكرَه فقط؛ لأنه المباشِر، ولأنه لا يجوز للإنسان أن يتلف غيره لاستبقاء نفسه، يجوز ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: واحد -مثلًا- معه صبي صغير سمين، وهم في البر وماتوا من الجوع، جاعوا وقال: أنا إن بقيت أنا وها الصبي الصغير السمين هلكت من الجوع، ويبقى يهلك هو بعدي، لكن أبغي أذبحه وآكله، ما رأيكم؟ يصلح؟ حرام، ما يجوز، هذا الرجل قيل له: اقتل هذا الرجل ولَّا قتلناك، فقال: أقتله الآن؛ لأني أخشى من القتل، نقول الآن: أنت -في الحقيقة- أهلكت غيرك لاستبقاء نفسك، فأنت لا يجوز أن تهلك غيرك لاستبقاء نفسك، قل: لا، وإذا قتلك هذا الرجل الذي أكرهك فهو عند الله.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن القصاص على المكرَه فقط، عللوا ذلك بأنه مباشر ومتسبب، والضمان مباشر، والعلة الثانية: ولأنه لا يجوز للإنسان أن يهلك غيره لاستبقاء نفسه.
وذهب آخرون إلى أن القصاص على المكرِه فقط، وقالوا: إنه صحيح مباشر ومتسبب، لكن هنا المباشرة مبنية تمامًا على التسبب، والتسبب في الحقيقة هنا بمنزلة الإلجاء، فهو كما لو أمسك شخصًا فضرب به شخصًا آخر، فمات المضروب، أيهما اللي يضمن؟ واحد مسك رجَّال، وضرب به رجَّال آخر ومات المضروب، على من يكون الضمان؟
طلبة: الضارب.
الشيخ: طبعًا على الضارب، هذه ما فيها إشكال، فهم يقولون هنا: إن المكرِه حمل المكرَه حملًا ضروريًّا على أن يقتل ذلك الرجل، فيكون الضمان على المكرِه -بالكسر-؛ لأنه ملجئ.
بهذا التعليل وبالتعليل للقول الثاني نجد أن القول الأول -أن القصاص عليهما- يكون قولًا متوسطًا في الحقيقة؛ لأنه يأخذ من هذا تعليلًا ومن هذا تعليلًا، فيكون القول الوسط في هذه المسألة -وهو المذهب- على أن القصاص عليهما جميعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3572
كلمة (على قتل معين) لو كان على قتل مبهم، قال: يلَّا روح هالساعة روح جيب لي رأس أي واحد من ( ... )، وإلا قتلتك، فذهب الرجل ( ... ) واحد يقتله ويأخذه، على من يكون الضمان؟
طلبة: على المباشر.
الشيخ: نعم، على المباشر؛ لأنه ليس على قتل معين ملزمًا به وملجأ إليه، فهو على المباشر.
كلمة (مكلَّفٌ) و (مكلَّفًا)، لو أكره غير مكلف؛ مثل أكره صغيرًا، قال: يلَّا اقتل ها الرجَّال وإلا قتلتك، فالصغير قتل هذا المكلف، فما رأيكم؟ على المكرِه؛ لأن غير المكلف ليس له إرادة وقوة في المدافعة، فهو شبيه بالإلجاء تمامًا؛ فلذلك يكون على من أكرهه؛ أي: على المكرِه.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، ( ... ).
إذا أكره غيرُ مكلفٍ مكلفًا على قتلِ معينٍ؟ يعني مثلًا -نسأل الله السلامة- واحد مجنون ( ... ) في السوق وقال: يلَّا ها الساعة اقتل ها الرجَّال، وإلا قتلتك، مجنون، فماذا يكون؟
طلبة: على المباشر.
الشيخ: كلام الفقهاء يقولون: إنه على المباشِر؛ لأن ذلك لا قصد له، يقول: لأن ذلك ما له قصد، مع العلم بأن هذا المجنون حري أن ينفذ ما هدد به أكثر من؟
طالب: المكلف.
الشيخ: من العاقل، صح ولَّا لا؟ العاقل ربما لو يقول له المكره: أنا ما يمكن أقتله ( ... ) أنا ما يمكن أقتل، يمكن ذاك المكرِه -وهو عاقل- يتردد ويتراجع، لكن هذا مجنون، اللي في رأسه يبغي ينفذه، يقول: إما أقتلك، وإلا قتلت، تقدر تقول: لا؟ إن قلتها فأنت جازم مئة بالمئة على أنه يبغي يقتلك، لا سيما إذا صار ( ... ) منك وتعرف أنه ينفذ ما يقول.
الجزء: 2 - الصفحة: 3573
هذا كلام الفقهاء يرون أن القتل على المباشر، وفي الحقيقة أن في النفس من هذا شيء، وأنه لو قيل بسقوط القصاص هنا، وقطعًا لا قصاص على المجنون، لكن لو قيل بسقوط القصاص عن المكره، وأنه يكون على المجنون الدية، لو قيل بهذا -لكن ما رأيت فيه قولًا- لو قيل بهذا لكان له وجه، لكنهم يقولون: لا، يكون الضمان على المباشر؛ لأنه يقدر يقول: لا، ويهرب -مثلًا- أو عمل أي سبب، إذا أمكنه أن يهرب، مع أنه إذا أمكنه أن يهرب في الحقيقة ما يتحقق الإكراه ولَّا لا؟ لإمكانه المدافعة؛ لأن المدافعة ما هو بالإكراه بس بمجرد ما يهددك على طول، لكن إحنا قلنا: إنه من شرط الإكراه أن يكون قادرًا على تنفيذ ما هددك به، وإلا فلا إكراه، ولا صار يمكنك تهرب معناه ما هو إكراه.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: الصحيح أنه إذا هدده بما دون القتل لا يجب القتل، فلو هدده -كما قلت- بضرب أو بأخذ مال فهذا لا يجوز القتل من أجله؛ لأن أخذ المال يمكن استنقاذه فيما بعد بطريق الولاية والسلطة، والضرب اللي ما يؤدي إلى الموت هذا ممكن ( ... ).
طالب: يقع على من؟
الشيخ: يقع على المباشر.
الطالب: قطعًا؟
الشيخ: إي نعم، المباشر فقط.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) أيش؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أن يقتله؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الأقارب تقتضي ألَّا يجوز، لكن مع ذلك إذا فعل فلأجل الإلجاء هذا والإكراه يكون القود عليهما جميعًا، مثلما هو المذهب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3574
بقينا بالأمر الآن هذه الحقيقة دراسة اليوم ثلاث مسائل: الإمساك والإكراه والأمر، الأمر يقول: (إن أمر مكلفٌ مكلفًا بالقتل فالقصاص على المأمور إن كان عالمًا بتحريم القتل) (إن أمر مكلفٌ مكلفًا بالقتل) يعني: بالغ عاقل أمر بالغًا عاقلًا أن يقتل فلانًا، فالقصاص على المأمور، سواء كان الذي أُمِرَ بقتله معينًا أم غير معين، يكون القصاص على المأمور فقط، وترى كلمة القصاص في المسائل هذه المراد القصاص أو الدية، قد يعدل عن القصاص إلى الدية، لكن كلامنا الآن كله في مسألة القصاص.
(على المأمور) لكنهم قالوا: بشرط أن يكون عالمًا بتحريم القتل، أما إذا كان ما هو بعالم بتحريم القتل فالقصاص على الآمر؛ لأنه الذي غَرَّه.
طيب؛ هو أحد ما يعلم تحريم القتل؟
طالب: متأول.
الشيخ: إي نعم.
طالب: صغير.
الشيخ: لا، الصغير إحنا قلنا: مكلف، يمكن توه ناشئ في بلاد الإسلام، ما يدري، ناشئ في بلاد الإسلام؛ ولهذا مثل الخرقي قال: إن أمر أعجميًّا بالقتل، ومراده بالأعجمي أنه في ذلك الوقت الأعاجم توهم مسلمين، ما يدرون، فعلى كل حال الكلام على أنه إذا كان ليس عالمًا بتحريم القتل فالضمان على من؟
طلبة: على الآمر.
الشيخ: فالضمان على الآمر؛ لأن ذاك لا يدري، يحسب أنه قتل الإنسان وقتل الشاة واحد، فعلى هذا يكون هو الذي يضمن.
وإن أمر غير مكلف أو مكلفًا يجهل تحريمه فالقصاص على الآمر.
هذا مفهوم العبارة الأولى.
ما رأيكم لو أمر السلطان بقتل شخص، الحاكم، الأمير مثلًا، بقتل شخص، فقتله المأمور وتبين أنه ظلمٌ، فمن الضمان عليه؟
طالب: الآمر.
الشيخ: على الآمر أو على القاتل؟
طالب: على القاتل المباشر.
الشيخ: ما ندري إن كان يحتاج إلى تفصيل فصِّل.
الطالب: إن كان يعلم أنه معصوم نفس ( ... ) حق فإنه ( ... ).
الشيخ: طيب، وإن كان ما يعلم؟
الطالب: إما أنه ( ... ) بحق فليس على شيء.
الجزء: 2 - الصفحة: 3575
الشيخ: فليس عليه شيء، إي نعم صح، إذا كان هذا الذي أُمِرَ بقتل الرجل -أمره السلطان به- يعلم أن السلطان ظالم فالضمان عليه؛ لأنه قتل نفسًا محرمة عمدًا محضًا، وإذا كان لا يعلم أن السلطان ظالمٌ فإنه لا ضمان عليه، ولكن هل يجوز أن يُطيع السلطان في قتل من لا يعرف أنه مستحق؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ترى هذه المسألة مهمة، هل يجوز -مثلًا- أنه يقتل من أمر السلطان بقتله وهو لا يدري أنه بحق؟
قال بعض العلماء: يجوز؛ لأن الأصل وجوب طاعة السلطان إلا في المعصية، وهنا لم نتحقق أنها معصية، ما تحقق أنه ظالم، فإذا لم يتحقق أنه ظالم فإن الأصل أنه لا يأمره إلا بحق.
وقال بعض العلماء: لا؛ لأن الأصل طاعة السلطان، لكن عندنا أصل آخر؛ وهو عصمة الدماء، ونحتاج إلى أن نعلم.
والصحيح في هذه المسألة التفصيل؛ فإن كان السلطان عادلًا جاز له أن يقتله من غير أن يعرف السبب، وإن كان غير عادلٍ لا يجوز أن يقتله حتى يعرف السبب، وأنه مبيحٌ للقتل.
ثم ننتقل إلى استيفاء القصاص والعفو عنه ..
طالب: إذا كان ( ... ) يعلم أنه بظلم مثلًا ..
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هل ( ... )؟
الشيخ: يعلم أنه بظلم؟
الطالب: نعم، يقاد من القاتل.
الشيخ: يقاد من القاتل والسلطان آثم، السلطان يأثم بلا شك.
باب استيفاء القصاص
استيفاء القصاص والعفو عنه؛ استيفاء القصاص غير شروط القصاص؛ لأن الأول شروط لثبوته هل يثبت أو لا يثبت؟ وهذه الشروط لا يستوفى إلا بشروط؛ شروط لتنفيذه، شروط التنفيذ غير شروط القبول، فالفرق بينهما إذن أن الأول؛ الشروط الخمسة شروط لأي شيء؟ لثبوته هل يثبت أو لا، والثانية شروط لتنفيذه؛ هل ينفذ أو لا ينفذ؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3576
يقول: لا يستوفى القصاص إلا بشروط: أولًا: أن يكون مستحقه مكلفًا؛ وهو البالغ العاقل، لكن من مستحق القصاص؟ مستحق القصاص الورثة؛ الورثة هم الذين يستحقون القصاص؛ لأنهم هم الذين يرثون ماله، فليرثوا دمه، والدية إذا سقط القصاص من ترجع له؟ ترجع للورثة، إذن المستحق للقصاص هم الورثة، سواء ورثوا بفرض أو تعصيب أو رحم، وسواء كان سبب إرثهم الزوجية أو القرابة أو الولد.
(أن يكون المستحق مكلفًا) فلو قُتِلَ إنسان وله ثلاثة أولاد؛ اثنان بالغان وواحد لم يبلغ، يُقْتَص ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يُقْتَص.
اثنان بالغان وواحد مجنون؟
طالب: لا يُقْتَص.
الشيخ: لا يُقْتَص، نعم؛ لأنه ليس بمكلف الثالث.
(فإن لم يكن مكلفًا حُبس الجاني حتى يكلَّف) يحبس الجاني إلى أن يكلف، فمثلًا إذا كان أحد الورثة له شهرٌ واحد، صبي، كم يُحبس الجاني؟ خمس عشرة سنة إلا شهرًا، ولَّا لا؟ طيب، إذا كان أحد الورثة مجنونًا، كم يحبس الجاني؟
طالب: حتى يفيق أو يموت.
الشيخ: حتى يفيق، أو يموت وينتقل إلى ورثته، إلا أن العلماء قالوا: إن احتاج المجنون إلى نفقة فإنه لا بأس لوليه أن يتنازل عن القصاص إلى الدية؛ لأن المدة ستطول؛ لأنه ما تعلم المدة في الحقيقة، ربما يمضي سنوات كثيرة ما أفاق هذا.
الشرط الثاني: اتفاق مستحقيه عليه؛ اتفاق المستحقين على القصاص، فإن لم يتفقوا؟
طالب: فلا قصاص.
الشيخ: فلا قصاص، لو خالف واحدٌ لا يرث إلا واحدًا من الألف فإنه لا قصاص، الدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178]، فقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (شيءٌ) كلنا يعرف أنها نكرة في سياق
طالب: النفي.
الشيخ: لا، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ في سياق الشرط؛ (مَنْ) اسم شرط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3577
قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ يشمل القليل والكثير، فإذا عُفِيَ عن القصاص ولو جزء من مئة أو ألف جزء فإنه يسقط القصاص؛ ولهذا قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178]، والله أعلم.
( ... ) الغائب وبلوغ الصغير وإفاقة المجنون.
الثالث: (وأن يُؤْمَن تعدي ضرره لغير الجاني) (أن يُؤْمَن تعدي ضرره) أي: ضرر الاستيفاء لغير الجاني، فإن كان لا يُؤْمَن فإنه لا قصاص.
مثال ذلك: امرأة حامل وجب عليها القصاص، فلا يُقْتَص منها؛ لأن الاقتصاص منها يؤدي إلى قتل ما في بطنها، وما في بطنها هل حصل منه جناية؟ لا، إذن فهو معصوم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
ويدل لذلك قصة المرأة التي زنت فحملت من الزنا، فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تنتظر حتى تضع، ثم وضعت الطفل فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تبقى حتى تفطمه، ففطمت الصبي وجاءت إليه وفي يده كسرة خبزٍ يأكلها؛ ليتبين أن الطفل قد فطم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها (12). القصاص مثله وهو في غاية القياس، من أوضح القياس مثل هذا، فإنه لا شك أننا لو جنينا على الحمل لكنا قتلنا نفسًا بغير حق.
وقوله: (حتى تضع ولدها وتفطمه إن لم يُوجَد من يرضعه) فإن وُجِدَ من يرضعه وطالب أولياء المقتول بالقصاص اقْتُص منها؛ لأنه في هذه الحال يُؤْمن من التعدي، ولكن مع ذلك نقول: الأفضل أن تبقى حتى تفطمه؛ لأن لبن غير الأم لا يساوي لبن الأم، لا يساويه.
الحاصل الآن أن الشرط الثالث: (أن يُؤمن تعدي ضرره لغير الجاني)، فإن لم يُؤمن فما الحكم؟ لا يثبت القصاص ولَّا لا يُسْتَوفى القصاص؟ لا يُسْتَوفى القصاص حتى يزول الخطر.
إذا أضفنا هذه الشروط الثالثة إلى الشروط الخمسة السابقة صار القصاص لا يتم إلا بثمانية شروط؛ ثلاثة لجواز الاستيفاء، وخمسة لثبوت القصاص.
الجزء: 2 - الصفحة: 3578
طالب: ( ... ) النبي صلى الله عليه وسلم ( ... )؟ الشيخ: لا، ما ( ... )، بل أمرها أن ترضعه حتى تفطمه؛ ولهذا قلنا: الأولى ألَّا يُقْتَص منها حتى تفطمه، ولكن عاد الفرق بينهما أن ذاك حقٌّ لله سبحانه وتعالى، وأما هذا فهو حقٌّ للآدمي فإذا طالب بحقه .. إي نعم.
باب العفو عن القصاص
الفقرة الثانية: (يجوز العفو عن القصاص إلى الدية، أو مجانًا وهو أفضل، إلا أن تكون المصلحة في القصاص).
القصاص حقٌّ ثابت لمن؟ لأولياء المقتول، كل وارث له حقٌّ فيه؛ بفرض أو تعصيب حتى الزوج أو الزوجة، ويجوز العفو عن القصاص إلى الدية، فيختار الدية فقط.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178]، وهذا دليلٌ على جواز العفو إلى الدية؛ لقوله: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» (13).
وظاهر الآية الكريمة أن ذلك الخيار ثابتٌ مطلقًا، وهو قول جمهور أهل العلم؛ لظاهر الكتاب والسنة.
وذهب الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعةٌ من أهل العلم إلى أن القتل الغِيلة لا خيار فيه، قتل الغيلة ليس فيه الخيار، وأنه يجب القصاص، حتى لو أن أولياء المقتول عفوا فإنه لا يسقط القصاص.
وقتل الغيلة هو الذي يكون على غِرَّة، يأتيه -مثلًا- وهو نائم أو في مكان آمن -كالمساجد والأسواق وما أشبه ذلك- فيقتله، فيقول الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية: إنه لا خيار، وعلى هذا حملت قصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قتله عبد الرحمن بن ملجم فاقتص منه الحسن بن علي (14)، مع أن هناك ذرية صغارًا لم يبلغوا، لكنه اقتص منه ولم ينتظر بلوغ الصغار؛ لأنه هنا ليس فيه التخيير على هذا المذهب؛ ليس فيه التخيير بين القصاص وبين الدية، بل القصاص لا بد منه؛ فلهذا اقتص منه الحسن رضي الله عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3579
على كل حال هذا الذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية هو قول جيد، وهو مذهب مالك، قولٌ جيدٌ؛ لأن هذا الفعل مخلٌّ بأي شيء؟ بالأمن، ولا يمكن التخلص منه، إنسان -مثلًا- نائم يجيء واحد يقتله، أو إنسان في المسجد، أو إنسان في السوق يشتري حاجة، هذا ما يمكن التخلص منه، إلا إذا كان كل واحد ( ... )، وهذا شيء غير ممكن؛ لذلك هذا القول قوي جدًّا من حيث النظر، ولا يمتنع أن تكون عمومات الكتاب والسنة مخصصة بما تقتضيه المصلحة، ما يمتنع هذا.
ثم إن له شاهدًا من فعل الصحابي الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فإنه قتل عبد الرحمن بن ملجم بدون أن يأخذ إذن الباقين، فدلَّ هذا على أن قتل الغيلة ليس فيه تخيير بين العفو والقصاص.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، ما هو بكافر.
الطالب: أليس مجوسيًّا؟
الشيخ: لا، المجوسي الذي قتل عمر رضي الله عنه، أما هذا عبد الرحمن بن ملجم يُعتبر من الخوارج، وهو يتقرب بها إلى الله عز وجل، ابن ملجم قتل عليًّا تقربًا إلى الله، إي نعم.
الآن فهمنا -يا جماعة- أن قولنا: يجوز العفو عن القصاص إلى الدية متفق عليه ولَّا لا؟ متفق عليه بين العلماء ولَّا غير متفق؟ غير متفق عليه، يُستثنى منه على مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية من قُتِلَ غيلة.
وبهذا حكم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بابطين، وأظنه معروفًا لديكم، له حاشية على الروض المربع، يُكتب بعدها: بابطين.
هذا الرجل كان قاضيًا في عنيزة قديمًا، وحصل أن امرأة اغتالت طفلة عليها ذهب، دخلَّتها في بيتها -والعياذ بالله- وقتلتها وأخذت الذهب، ثم دفنتها في جانب البيت، فطلب أهلها وفتشوا حتى عثروا عليها، فأمر بقتلها ولم يستأذن من أحدٍ من الورثة؛ لأن القتل هذا غيلة.
من هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
هل يجوز المصالحة عن القصاص بأكثر من الدية أو لا يجوز؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3580
الشيخ: يعني بمعنى هل يجوز أن نصالح القاتل بأكثر من الدية ولَّا ما يجوز؟ ولا ليس لنا إلا القصاص أو الدية؟
هذه المسألة أيضًا فيها خلاف بين العلماء؛ يعني مثلًا القاتل، لما قلنا: نريد أن نقتلك، قال: اصبر أنا بأعطيكم، الدية مثلًا مئة ألف أو مئة وعشرين ألفًا، أنا بأعطيكم مليونًا، هل يجوز لنا أن نأخذ المليون ونعفو عنه؟ ولا نقول: ما لنا إلا الدية أو القصاص؟
هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: إنه لا بأس أن الإنسان يأخذ أكثر من الدية مُصالحةً، ومنهم من يرى أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر؛ لأن الشرع جعل للنفس قيمة لا يجوز تعديها، فأخْذ أكثر منها تعدٍّ لحدود الله، فنقول لأولياء المقتول: إما اقتلوا وإلا خذوا الدية، أما أن تأخذوا أكثر لا يحل لكم؛ لأن الشرع عيَّن البدل والمبدل منه؛ المبدل منه القصاص والبدل هو الدية.
وقال بعض العلماء: إنه يجوز أن نصالح بأكثر، واستدلوا بقصة هدبة بن خشرم، حينما أمر معاوية رضي الله عنه بقتله، فدفع الحسن وجماعة دفعوا سبع ديات، ولا يُقتل، ولكن أولياء المقتول صمموا أن يُقتل، قالوا: فهذا فعل فعله الصحابة، وما فعله الصحابة فهو حجة إذا لم يُوجد ما يمنعه.
أما الذين قالوا: إنه لا يجوز، فاستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» (1). وذكر الدية أو القصاص، وهذا يدل على أنه لا خيار له فيما سوى ذلك، ولا شك أن الاحتياط ألا يأخذ الإنسان أكثر من الدية إذا كان يريد العفو، ولا يحب أن يقتص فنقول: خذ الدية، ولا تقتص.
الجزء: 2 - الصفحة: 3581
وقوله: أو (مجانًا) ويش معنى مجانًا؟ يعني بدون شيء، يعفو عن القصاص بدون شيء، وهو أفضل منين؟ من القصاص، ومن العفو إلى الدية أيضًا؛ ولكن إلا أن تكون المصلحة في القصاص، فإذا كانت المصلحة في القصاص فالقصاص أفضل حتى من العفو مجانًا، وبهذا نعرف خطأ من يطلق أن العفو أفضل، الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237]، فذكر أنه ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وليس هو من التقوى، ولكنه أقرب له؛ لأنه قد لا يكون من التقوى.
ثم إن العفو الذي في القرآن مُقيَّد بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، فإذا كان في العفو إصلاح كان العفو أفضل، وإن لم يكن فيه إصلاح فعدم العفو أفضل، فهذا الرجل مثلًا إذا قُدِّر أن الجاني رجل شرير مُعتدٍ على الناس، إذا عفونا عن القصاص عنه في هذا الرجل ذهب وقتل آخر، فهنا لا شك أن العفو خطأ، وأنه ليس فيه أجر؛ لأن الله إنما قيد الأجر بما إذا كان في العفو إصلاح، أما إذا كان في العفو إفساد فإن الله لا يحب المفسدين، وكيف نقول: إن الأفضل أن تعفو مطلقًا.
ومن ثم نرى أن من الخطأ ما يتصرف فيه بعض الناس اليوم في مسألة الحوادث بمجرد ما يحصل الحادث تجده يذهب إلى القاضي، ويقول: أنا متنازل عن حق المدعوس، أو الذي حصل عليه الحادث، وهذا أيضًا من الخطأ، ومن العاطفة المنحرفة.
صحيح أن العطف على الناس زين، لكن العطف يجب أن يكون مقرونًا بالعقل، العطف أو الرأفة التي ليست مقرونة بالعقل لا خير فيها؛ ولهذا قال الله تعالى في الزاني والزانية: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] فليس العفو دائمًا أفضل، وليس الحنان دائمًا أفضل، وليس العطف على الناس دائمًا أفضل، يحتاج الناس أن نتوقف ونشوف ويش أسباب الحادث؟ قد يكون هذا الرجل سكران، هل أن السكران من الأفضل أن نعفو عنه؟
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3582
الشيخ: أبدًا، ليس من الأفضل أن نعفو عنه؛ لأننا إذا عفونا عنه ما يهمه بعد ذلك، ثم في الوقت الحاضر أيضًا قد نقول: إنه مطلقًا ليس العفو أفضل؛ لأننا إذا عفونا تجرأ الناس وصاروا دائمًا في استهتار ولا يهمهم، لكن إذا عُوقِبوا بأخذ ما يجب عليهم من الدية، فهذا لا شك أنه خير.
على كل حال الآن نقول: العفو مجانًا أفضل إلا أن تكون المصلحة في القصاص، فيكون القصاص أفضل، ويكون الاقتصاص على كيفية الجناية على القول الراجح، الاقتصاص من الجاني يكون على كيفية الجناية على القول الراجح، ويرجِّحه دليل من القرآن والسنة والنظر الصحيح، مثلًا إذا قتل الجاني بخشبة فإننا نقتله بخشبة، ما نقتله بالسيف؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126]، ثم إن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] لا شك أن تمام المقاصة أن يفعل به كما فعل.
هذه من القرآن، ثلاثة أدلة، وربما تكون أكثر.
من السنة: ثبت في الصحيحين: أن رجلًا يهوديًّا رضَّ رأس جارية من الأنصار بين حجرين حتى ماتت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرضَّ رأسه بين حجرين (2)، كما فعل، وهذا تطبيق للقرآن، وهو دليل من السنة واضح.
أما النظر الصحيح فلأن تمام العدل أن يُفعل بالجاني كما فعل، فإذا قَتل قِتلة شنيعة قُتل قِتلة شنيعة، وإذا قتل قتلة غير شنيعة قتل قَتلة أو قِتلة غير شنيعة، فهذا ما يقتضيه الكتاب والسنة والنظر الصحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3583
وقال بعض العلماء -وهو المذهب-: إن الجاني لا يقتل إلا بالسيف، وإن قتل بغيره، لماذا؟ استدلوا بحديث رواه ابن ماجه (3)، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ»، واستدلوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (4). ولا شك أن طلب ما يريح المقتول من إحسان القتلة، وأن قتله بالسيف أريح له من قتله بالخشبة، واضح يا جماعة؟
جوابنا على هذا أن نقول: أما الحديث فضعيف، وهو من أفراد ابن ماجه، والغالب -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- أن ما انفرد به ابن ماجه فإنه ضعيف، وهذا من أفراده الضعيف.
ثانيًا: أن نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ»، فبماذا يكون إحسان القتلة؟ إحسان القتلة في الحقيقة بموافقة الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] فليس إحسان القتلة أن تطلب ما هو أريح «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» (4).
الآن لو قال قائل مثلًا: قد يُوجد أشياء أريح للحيوان من الذبح بالسكين، هل نتبع ذلك؟
لا، فعليه نقول: إحسان القِتلة معناه موافقته للشرع، ولا ريب أن ما وافق الشرع فهو حسن.
إذا ما القول الراجح في القصاص؟ أن يفعل بالجاني كما فعل.
لو سقى المقتول سُمًّا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يُسقى سُمًّا حتى يموت، لو أسقاه خمرًا حتى مات؟ ما يُسقى خمرًا؛ لأن الخمر محرم لذاته، لكن القتل بالخشبة وما أشبه ذلك مُحرِّم للعدوان؛ فلهذا استثنى أهل العلم من قولهم: إنه يُفعل به كما فعل، ما إذا كان الفعل محرمًا لذاته، لا لأنه عدوان فإنه يكون محرمًا؛ لأنه ليس لنا أن نسقيه الخمر، الخمر حرام، إحنا نمنع من شرب الخمر، لكن السم نفعل به؛ لأنه يَقتل؛ فهو محرم للعدوان فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3584
فعلى هذا نقول: يستثنى من ذلك ما إذا كان الفعل محرمًا لذاته، ومثَّلوا أيضًا بمثال بالنسبة إلى كونكم طلبة لا بأس أن نذكره، قالوا: لو أنه قتله بالتلوط به والعياذ بالله، فهل نقول: يجيب واحد يلوط به؟ لا، ولكن نقتله حينئذٍ بطريق آخر.
على كل حال يستثنى من هذه المسألة ما إذا كان الفعل محرَّم النوع؛ يعني لذاته لا لأنه عدوان فحينئذٍ لا يقال فيه ذلك لأجل الامتناع، أو لأجل منْع الشرع؟
طالب: التحريق إذا حرقه.
الشيخ: إي نعم، يدخل فيه، لو حرقه لحُرق.
الطالب: يحرق.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ) دال على التحريق.
الشيخ: التحريق تعذيب بالنار: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ» (5) أما هذا قصاص، لكن عندما أنه بعذب واحد ما أعذبه بالنار، ما دام يمكن نعذبه، بالضرب، أو بالحبس، أو بأخذ المال ما نعذبه بالنار.
طالب: ( ... ) بالسقي لو سقاه خمرًا ( ... )؟
الشيخ: ربما ينظر في هذا، يمكن نقول: أيضًا نسقيه ما هو بسم، نسقيه شيئًا، نملأ بطنه؛ لأن الخمر في الغالب ما يموت إلا كان بيسقيه، يملأ بطنه مرة حتى ينشط إحنا ربما نسقيه مثلًا ماء.
طالب: لبن.
الشيخ: لا، لبن لا! نسقيه ماءً حتى إنه ينفخ البطن ويموت.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، بس في ( ... ) الظاهر يسرع الموت فيه؛ لأنه أشد فعلًا من الخمر.
يقول: عندي استثناء، يقول: إلا أن يرضى المستحقون بدونها، أو يكون الفعل محرمًا لذاته.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، هو ما هو محرمًا لذاته، مُحرَّم لضرره، ولذلك لو فرض في بعض الأمراض ما يشفى إلا بإدخال سم على الأدوية، فيدخل السم فيها، ويبرأ منها، هو ما هو محرم لذاته محرم لضرره، كما أن القتل أيضًا محرم لضرره، لو واحد طلب ( ... )
الجزء: 2 - الصفحة: 3585
الآن صارت إلا أن يرضى المستحقون بدونه، من المستحقون؟ الورثة، إذا قالوا: إحنا نعرف أنه يجوز لنا أن نقتل هذا الرجل بمثل ما قتل به الميت، لكننا لا نريد ذلك مثل لو كان الرجل ألقاه من شارع، فإنهم قالوا: ما نريد هذا، نريد أن يقتل بالسيف.
نقول: لكم هذا، لكم ذلك؛ لأن الحق لكم.
فإذا قال قائل: أليس للميت حق أيضًا؛ لأن اللي تألم من هو؟ الميت.
نقول: لكن الشارع لم يلتفت إلى ذلك بدليل أنه أباح للأولياء وشرع لهم العفو، فإذا كان لهم أصل الحق فلهم أيضًا صفة الحق؛ يعني إذا كان لهم أصل القتل إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا لم يقتلوه، فكذلك أيضًا وصف القتل، لكن ما رأيكم لو أن الإمام رأى أن يُنفِّذ القصاص على حسب ما فعل الجاني، ولو رضي الأولياء بدونه يجوز ولَّا لا؟
لو قال: ( ... )، لكن أنا أريد أني أنكل بهذا الرجل مَنْ بعده؛ فله الحق في هذا لا سيما على اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يرى أن قتل الغيلة ليس فيه تخيير.
طالب: لو رضي الذين لهم الحق أن يخدر، ثم يقتل؟
الشيخ: ما فيه مانع؛ لأنه حق لهم، ما دام أنه أصله حق لهم فلهم ( ... ).
طالب: ( ... ) يعني المستحقين للقتل ( ... )؟
الشيخ: لا، ( ... ).
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا أبدًا، ما لهم حق ( ... ).
باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس
القصاص فيما دون النفس، لا يثبت القصاص فيما دون النفس إلا حيث ثبت فيها، إذن الشروط الخمسة للقصاص؛ لأن إحنا قلنا: لا يثبت.
الكلام هنا على شروط الثبوت ولَّا شروط الاستيفاء؟
طلبة: الثبوت.
الشيخ: الثبوت، إذن لا بد من الشروط الخمسة السابقة، شروط ثبوت القصاص، ما يمكن يثبت القصاص فيما دون النفس إلا إذا كان يثبت في النفس، فلو قطع حُرٌّ يد عبد تُقطع يده ولَّا لا؟ على القول بأن الحر لا يُقتل بالعبد ما تُقطع يده، لو قطع والد يد ولده، فعلى القول بأن الوالد لا يُقتل بالولد لا تُقطع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3586
لو قطع مسلم يد كافر؛ لم تقطع يده، ولكن هو نوعان: أحدهما: في الطرف كالعين والأذن، الطرف يعني العضو المستقل يسمى طرفًا مثل العين والأذن، وكذلك اليد، أظن أو لا؟ والرجل، واللسان، والأنف، وما أشبه ذلك، المهم العضو المستقل يسمى طرفًا، ويشترط له شروط أولًا: إمكان الاستيفاء بلا حيف، يُشترط له؛ لثبوت القصاص ولَّا لاستيفائه؟
طلبة: لاستيفائه.
الشيخ: لاستيفائه؛ لأن شروط الثبوت أجملناها في قولنا: لا يثبت القصاص إلا حيث ثبت في النفس، إمكان الاستيفاء بلا حيف، تقديره يعني أو ضابطه (بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه) (أن يكون القطع من مفصل) والمفاصل معروفة كالمرفق، ومفصل الكف، أو يكون له حد ينتهي إليه، ومثَّلوا له بمثال واحد؛ وهو مارِن الأنف، ومارن الأنف ما لان منه، اللين من الأنف؛ لأن الأنف له قصبة وله مارن، المارن ما لان منه، هذا ما هو مفصل ولَّا لا؟ هذا ليس بمفصل.
ويقولون: إن بعض الناس لعب على صبي، وقال: إن أنفك سيسقط، كيف؟ سيسقط، قال: نعم، المسه وشوفه يتهزهز ولَّا لا؟ فمسه، مس المارن، وبدأ يهزه، وقال: الآن معناه بيسقط الآن؛ لأنه لين، غضروف، وله حد ينتهي إليه.
فإذا قُدِّر أن رجلًا اعتدى على شخص وقطع أنفه من المارن، الآن يمكن القصاص بلا حيف ولَّا ما يمكن؟ يمكن؛ لأن له حدًّا ينتهي إليه، من مفصل كالمرفق مثلًا له حد ينتهي إليه، واضح؟
طيب إذا لم يكن له حد ينتهي إليه، وليس من مفصل؛ فمعناه أنه لا يمكن القصاص، مثاله: لو قطع يده من نصف الذراع، يجوز القصاص ولَّا لا؟ ما يجوز القصاص؛ لأننا حددنا إمكان الاستيفاء بهذا الحد، أن يكون من مفصل، أو له حد ينتهي إليه، وهذا ليس من مفصِل، وليس له حد ينتهي إليه؛ لأننا ذكرنا أن الذي له حد ينتهي إليه هو مثال واحد فقط، وهو مارن الأنف.
طالب: شحمة الأذن.
الجزء: 2 - الصفحة: 3587
الشيخ: شحمة الأذن ما أظن، ما لها حد، وأنا شوف الأذن ما لها حد، إنما نشوف الموضوع أصل هذا الشرط، والصحيح أنه يشترط إمكان الاستيفاء بلا حيف مطلقًا، ولا نقيده بما إذا كان من مفصل أو له حد ينتهي إليه، والآن بسبب تقدم الطب يمكن أن نستوفي بلا حيف من أي مكان ولَّا لا؟ يمكن من أي مكان، ثم سيأتينا -إن شاء الله- دليل على هذا أيضًا من كلام الفقهاء.
على هذا لو كان المعتدي رجلًا فقيهًا، وقال: أنا الآن إن قطعت من مفصل الكف قُطعت يده، وإن قطعت من مفصل المرفق قطعت يده، أبقطعه من نصف العضد أكثر إصابة وأقل بلاءً؛ ما يصبح القصاص، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن إذا صار فقيه، يقول: بدلًا ما أني أقتص من الكف أو من المرفق، أرتفع شوي ولا يصير عليَّ القصاص، وأنا مستعد لدفع الدية، واضح؟ فهذا القول -في الحقيقة- فيه أيضًا فتح باب لشر القول بأنه لا بد أن يكون من مفصل، أو له حد ينتهي إليه، هذا في الحقيقة فيه بلاء.
فالصواب في هذه المسألة أن نُبقي العبارة على إطلاقها بدون أن نقيدها بالمفصل، أو بالحد الذي ينتهي إليه فنقول: إمكان الاستيفاء بلا حيف، وهذا يمكن أن يكون بدقة في الوقت الحاضر، ثم نقول: إنه سيأتينا -إن شاء الله- في الجراح، إنه إذا جنى بأعظم من الموضِحة اقتص الموضِحة، وله أرش الزائد، فمثل هذا يمكن أن نقول: لما تعذر الاستيفاء من محل القطع نستوفي من المفصل، ونأخذ أرشًا للزائد ولَّا لا؟
وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، فنقول: القول الراجح في هذه المسألة: أنه إذا أمكن الاقتصاص من موضع القطع قُطِع، وإن لم يمكن قُطع من أدنى مفصل إليه، وله أرش الزائد، وحينئذٍ لا يمكن لأي متحيل أن يحتال، واضح يا جماعة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3588
صار المسألة الآن: المذهب أنه ما يمكن الاستيفاء إلا إذا كان من مفصِل أو له حد ينتهي إليه؛ لأنه يقول: هذا هو الذي يمكن فيه الاستيفاء، والصواب خلاف ذلك، وأن الاستيفاء يمكن من أي مكان لا سيما في الوقت الحاضر، وتقدم الطب، ولكن هل على هذا القول يكون الاستيفاء بالمساحة أو بالنسبة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: بالمساحة أو بالنسبة؟ أو ما تدرون ( ... )؟ واحد مثلًا قطع يد المجني عليه من نصف الذراع، لكن ذراعه طويلة، المقطوع ذراعه طويلة، والجاني ذراعه قصيرة، إذا قلنا بالمساحة، وأخذنا، قِسنا نصف ذراع المجني عليه، يمكن يستهلك ثلاثة أرباع ذراع الجاني أو لا؟
إذن يكون بالنسبة، نقول: نقطع نصف ذراع الجاني كما قطع نصف ذراع المجني عليه، كما أن العكس كذلك أيضًا، قد يكون ذراع المجني عليه قصيرًا، فإذا قدرنا بالمساحة وهي نصف ذراع، يمكن تبلغ ربع الذراع بالنسبة للجاني، نقول: المعتبر ويش المعتبر؟ النسبة دون المساحة، والحاصل أن القول الراجح في هذه المسألة أنه إن أمكن القصاص من موضع القطع فُعل، وإن لم يمكن؟ أُخِذ من أدنى مفصل وللمجني عليه أرش الزائد.
ما هو الدليل على هذا الأمر أنه يُقتص من الأطراف؟ قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: 45].
فإذا قال قائل: هذا في التوراة؛ لأن الله يقول: ﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي في التوراة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3589
قلنا: ولكن الشرع أقره؛ بدليل قصة الرُّبَيِّع بنت النضر التي كسرت سن جارية من الأنصار، فعرضوا عليهم الدية، فأبوا إلا أن يكون القصاص، فقال أنس بن النضر: والله لا تُكسر ثنية الربيع، ثم إن الله تعالى هدى المرأة وأولياءها إلى أن يعفو، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ».
والمهم أن الرسول قال له لما قال: والله لا تكسر ثنية الرُّبَيِّع، قال: «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ» (6). فدل هذا على أن الشريعة الإسلامية أقرَّت هذه الآية.
ما رأيكم لو أن الجاني أعور، وقلع العين الصحيحة المماثلة لعينه الصحيحة، يُقتص منه ولَّا لا؟ مثال ذلك: رجل مثلًا ليس له إلا العين اليسرى فقط، فجاء إلى إنسان له عينان فقلع عينه اليسرى، هل تُقلع العين اليسرى ولَّا لا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نشوف الآن، نطبقه على هذا، إذا استوفينا، هل يكون فيه حيف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يكون فيه حيف؛ لأنا إذا اقتصصنا من الجاني أفقدنا بصره، أليس كذلك؟ وهو لم يُفقد البصر، وعلى هذا فإنه لا يُقتص منه، ولكن العلماء اختلفوا في هذا، وترى هذا هو القول الصحيح والمسألة خلافية، المسألة فيها خلاف، لكن هذا القول الراجح، ولكن على هذا القول، هل يلزم الجاني نصف الدية ولَّا يلزمه دية كاملة؟
طالب: دية كاملة.
الشيخ: نعم، المذهب أنه بيلزمه دية كاملة؛ لأنها عِوض عن بصره، والبصر منفعة ليس في البدن سواها؛ ففيها دية كاملة، وقال بعض العلماء: ليس له إلا نصف الدية؛ لأنها عين، وما قلع من المجني عليه إلا عينًا واحدة، لم يُذهِب إلا نصف بصره، وأظن أننا ذكرناها فيما بعد، ويأتي فيها التحقيق إن شاء الله، المهم أنه في هذا الحال لا قصاص، لماذا لا قصاص؟ لأن فيه حيفًا.
(الثاني: المماثلة في الاسم والموضع) (في الاسم) معناه ما تؤخذ يد برجل، شو السبب؟
طلبة: لاختلاف ..
الجزء: 2 - الصفحة: 3590
الشيخ: لاختلاف الاسم.
(والموضع) ما تؤخذ يمنى بيسرى؛ لاختلاف الموضع، كاليد اليمنى باليد اليمنى فلا تُقطع الرجل بها ولَّا اليد اليسرى أو لا؟ اليد اليمنى لو قطع اليد اليمنى قُطعت يد الجاني اليمنى، تُقطع بها الرِّجل؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ للاختلاف في الاسم، لا، هنا ما يقطع الرِّجل اليمنى، قطع اليد اليمنى، وأنا بقطع بها رجله اليمنى ما يصلح؟ لاختلاف الاسم.
طيب نبغي نقطع يده اليسرى؟ لاختلاف الموضع.
رجل جانٍ، ما له إلا اليد اليمنى فقط، لكن ها اليد اليمنى شيطانية، قطع يد رجل يمنى له يدان، تُقطع يده اليمنى ولا ما تقطع؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: رجل أقطع ما له إلا يد يمنى، لكنها شريرة تقطع الأيدي، فذهب هذا الجاني، وقطع يد رجل يُمنى له يدان، تُقطع يد الجاني ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الطالب: فيه حيف.
الشيخ: الظاهر أنكم مثل ابن جني هذا اليوم!
طالب: فيه قولان.
الشيخ: كيف فيه قولان؟ لا، تُقطع اليد، تقطع يده اليمنى، لماذا؟ لأن اليد اليمنى لا تقوم مقام اليدين، بخلاف العين فيما سبق فإنها تقوم مقام عينين، الإنسان يبصر بعين واحدة يبصر إبصارًا كاملًا، بعض الناس يكون بالعين الواحدة أقوى من صاحب العينين، لكن اليد الواحدة يقول العوام: اليد الواحدة ما تصفق، ما فيه شك أنه إذا قُطعت يده اليسرى أنه ما يمكن يعمل بيده اليمنى عمل اليدين ما يعمل عمل اليدين بهاح ولذلك قال العلماء: إن الأقطع تقطع يده أو رجله بخلاف ما سبقت الإشارة إليه في مسألة العين.
ما رأيكم الخِنصر بالبنصر من يدٍ واحدة؟ خِنصر ببنصر من يد واحدة، بيجوز ولَّا لا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: الاختلاف في الاسم والموضع ولَّا لا؟ الاسم والموضع إي نعم ( ... ) ألا يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه، فإن كان أكمل فإنه لا يُؤخذ به، لو كان أكمل ما يؤخذ به، مثال هذا: قَطَعَ يدًا شلَّاء، والقاطع يدُهُ سليمة، هل تُقطع باليد الشلاء؟
طالب: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3591
الشيخ: ما تقُطع باليد الشلاء، لماذا؟ لأن طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه.
قلع عينًا قائمة وعينه -أي القالع- سليمة، تقلع عينه ولَّا لا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ما تقلع؟
طالب: قائمة.
الشيخ: قلع عينًا قائمة وعينه -أي القالع- صحيحة؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: معنى القائمة التي صورتها باقية وهي لا تُبصِر، صورتها قائمة على اسمها قائمة، لكنها لا تُبصر؛ فالصورة صحيحة، لكن العمل أو المنفعة اللي في العين ما هي موجودة، هل تُقلع عين الجاني بها ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه يُشترط ألَّا يكون طرف الجاني أكمل.
طيب قلع عينًا قائمة ونظيرتها منه قائمة؟
طلبة: تُقلع.
الشيخ: تقلع، لاستوائهما وتماثلهما.
طيب قلع أذن أصم وهو يسمع؟
طلبة: ما تقلع.
الشيخ: ما تقلع؟ لا، تقلع؛ لأن السمع ليس بالأذن، أليس كذلك؟ السمع من داخل، ولهذا لو قُلعت الأذن، هل يبقى السمع ولَّا ما يبقى؟ يبقى السمع؛ فالسمع ليس له دخل في الأذن، هذه الأذن -بإذن الله- لتكيف دخول الصوت على الداخل فقط، هذه منفعتها، وهذه المنفعة حاصلة سواء كانت شلاء أو غير الشلاء.
طيب ما هي الأذن الشلاء؟ هي التي لا تتحرك؟ أيش تقولون؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: التي لا تتحرك؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إن قلتم نعم، قلنا: من يحرك أذنه؟
طالب: فيه واحد يحرك ..
الشيخ: كيف؟
الطالب: في واحد يحركها.
الشيخ: مين اللي يقول؟
الطالب: أنا يا شيخ.
الشيخ: حركها أنت.
الطالب: لا، فيه واحد يقول: ( ... ).
الشيخ: عجيب، معلوم بيده يمكن!
طلبة: لا ( ... ).
الشيخ: على كل حال، هذه ما ندري عنها.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: على كل حال إذن الحكم الشرعي أنه إذا قلع أذن أصم، فإن أُذُنه تُقلع، لماذا؟ لأن الصمم ما يُفقَد بفقد الأذن، ولا يبقى أيضًا ببقائها، بخلاف البصر في العين يبقى ببقائها ويُفقد بفقدها.
طيب قلع أنف أشم وأنفه سليم، يُقلع ولَّا لا؟
طلبة: يقطع.
الشيخ: يُقطع ولَّا ما يقطع؟
طلبة: يقطع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3592
طالب: ويش هو أشم؟
الشيخ: الأشم اللي ما يشم الروائح، ما تقولون؟
طلبة: يقطع.
الشيخ: يقطع، ليش؟ لأن الشم ليس في نفس الأنف، بل في قوة داخلية، فتبين الآن يا جماعة أن الأذن الشلاء والأنف الأشل حكمهما حكم الصحيح السليم؛ لأن منفعتهما باقية حتى مع الشلل.
ألَّا يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه.
هل يمكن أن نستثني هاتين الصورتين ولَّا لا؟ ألَّا يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه إلا في الأذن والأنف.
فتُقطع السليمة من هاتين بالشلاء منهما.
هذه ثلاثة شروط، فيه سؤال: لو أن القطع وجب على حامل، وخِيف من قطع يدها أن تُسقِط الولد، هل تُقطَع يدها ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: من أين تُؤخذ؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نقول: هذا استيفاء بحيف، وبعضهم يقول: لا؛ لأن إمكان الاستيفاء بلا حيف بالنسبة لنوع الجناية، أما هنا فالأمن من الحيف لأمر خارجي، وكتبوا بدل من هذا قالوا: ولا يجوز الاستيفاء مع خشية الحيف على الغير.
وعلى كل حال الخلاف قريب من اللفظ، المهم أنه إذا كان الاستيفاء يمكن أن يتعدى إلى الغير كالحامل فإنها لا يقتص منها.
طالب: ينتظر يا شيخ؟
الشيخ: إي، ينتظر كما قلنا فيما لو كان القصاص في النفس، الثاني في الجراح، الثاني منين؟ من نوعي القصاص فيما دون النفس.
الثاني في الجراح: فيقتص لكل جرح ينتهي إلى عظم.
الجراح، الضابط فيه كل جرح ينتهي إلى عظم فإنه يُقتص منه، مثل أيش؟ مثل جرح الرأس، وجرح العضد، والساق، والفخذ، والقدم، والخد، وما أشبه ذلك؛ لأن كل هذه تنتهي إلى عظم.
كذلك أيضًا الصدر يمكن ينتهي إلى عظم ولَّا لا؟ والظهر، لكن البطن ينتهي إلى عظم ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما ينتهي إلى عظم، إذن كل جرح ينتهي إلى عظم فإنه يُقتص منه، هذا الضابط، والله تبارك وتعالى يقول في القرآن: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45].
الجزء: 2 - الصفحة: 3593
أما إذا كان الجرح لا ينتهي إلى عظم فإنه لا يُقتص منه، لماذا؟ يقول العلماء لأنه لا يمكن فيه المماثلة.
المماثلة مُتعذِّرة، هنا ينتهي إلى عظم، اجرحه ( ... ) العظم، اللي هو الجاني، لكن إذا كان لا ينتهي إلى عظم إلى أين؟ فيقولون: إنه لا يجوز الاقتصاص، مثلًا جرحه في فخذه، الفخذ، تعرفون أن فيه مثلًا أعصابًا كثيرة ولحم، لكن ما وصل إلى العظم يُقتص منه ولَّا ما يُقتص؟ ما يقتص منه؛ لأنه لم يصل إلى العظم، وكل جرح لا يصل إلى العظام فإنه لا قِصاص فيه؛ وذلك لتعذر إمكان المقاصة أو لتعذر المقاصة.
ولكن كما سبق وأن أشرنا إليه في وقتنا هذا وبمناسبة تقدم الطب نرى أنه تُمكن المقاصة في كل جرح؛ لأنهم يضبطونه ويعرفون أنسجة ها الجسم، ويعرفون كيف يصل، وكيف لا يصل، فالذي نرى أنه الآن يمكن المقاصة في كل جرح.
وعلى كل حال القاعدة الأساسية عندنا هي أنه لا بد أن يمكن القصاص، قد نكون في بلد ما فيه أطباء، ولا يعرفون يقتصون من جرح لا ينتهي إلى عظم فنقول هنا: لا قِصاص، وقد نكون في بلد ترقى فيه الطب يمكن أن يقتصوا من أي جرح يكون، وحينئذٍ نقول: يجب القصاص إلا أنه يُستثنى من هذا مسألة إلا أن يكون أعظم من الموضِحة فله أن يقتص موضِحة وله أرش الزائد.
الموضِحة هي جرح الوجه والرأس، الجرْح في الوجه والرأس موضِحة، له عشر مراتب عند العرب، لكن ما لنا ولها، ما ذكرناها، إنما الموضِحة هي التي تُوضِح العظم؛ يعني مثلًا واحد جرح إنسانًا حتى تبين العظم، تسمى هذه مُوضِحة، ويش اللي أعظم منها؟ أعظم منها الهاشمة، والمنَقِّلة، والمأمومة، والدامغة، هذه الأربع أعظم منها، فهمتم الآن؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما فهمتم، عدهن عليَّ أنت فاهم، ويش اللي أعظم منها؟
طالب: الهاشمة والموغلة ..
الشيخ: لا، الهاشمة، والمنقِّلة، والمأمومة، والدامغة، نشوف، الموضِحة ويش قلنا؟
طلبة: تُوضح العظم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3594
الشيخ: توضح العظم، الهاشمة تُوضح العظم وتهشمه، لكن ينهشم العظم وهو باقٍ في مكانه، أما اللي بعدها؟
طالب: المنقِّلة.
الشيخ: المنقِّلة تُوضِح العظم وتُهشِّمه، وتنقل العظم؛ يعني ينتقل العظم عن مكانه، أما المأمومة فإنها التي تصل إلى أم الدماغ؛ يعني يجرحه حتى يتبين المخ، هذه مأمومة، الدامغة هي التي تفري جلدة المخ، تفري الجلد، الغالب أنه ما يعيش، لكن إذا عاش هذه تسمى دامغة، حطوا بالكم يا جماعة.
إذا كان الجرح أعظم من الموضِحة يُقتص الموضِحة، وله أرش الزائد، نحتاج الآن إلى أن نعرف الأرش؛ الأرش: اعلم أن في الموضِحة خمسًا من الإبل، وفي الهاشمة عشرًا من الإبل، وفي المنقلة خمسة عشر بعيرًا، وفي المأمومة والدامغة ثلث الدية.
إذن إذا كان الجرح هاشمة، وأراد المجروح أن يقتص من الجارح فله أن يقتص موضِحة، ويُعطَى خمسًا من الإبل، إذا كانت منقلة يُعطَى عشرًا من الإبل، إذا كانت مأمومة يُعطى ثمانية وعشرين بعيرًا وثلث بعير؛ لأنه هو الفرْق بين الموضِحة وبين المأمومة؛ لأنا ذكرنا أن في المأمومة كم؟ ثلث الدية وفي الدامغة أيضًا ثلث الدية.
(إلا أن يكون أعظم من الموضِحة) (فله أن يقتص موضحة وله أرش الزائد) (له أرش الزائد) يعني الفرق بين دية الموضِحة، ودية ما هو أعظم منها، من هذه النقطة يتبين لنا رجحان شيء بحثنا فيه بالأمس، ويش هو؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، إذا قطعه من فوق المفصل فالمذهب لا يمكن القصاص، لكن نقول: قياس قولكم فيما فوق الموضِحة أن نقول: يُقتص من المفصل، وله أرْش الزائد على أننا قلنا: إذا أمكن القصاص من محل القطع -فيما سبق أمس- فهو الواجب، فإن لم يمكن اقتُص من المفصل وله أرش الزائد.
طالب: شيخ ( ... ) مثل الرأس والوجه يعني إما خمس أو عشر ( ... )؟
الشيخ: نعم، في الحكومة، بيجينا إن شاء الله أن كل جراح ليس فيه مقدر من الشرع ففيه حكومة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3595
طالب: كيف يكون إذا تقطع اليد من نصف الذراع، نقصه من المفصل الأدنى ونعطيه زيادة الأرش، أو نأخذ منه هذه الدية؟
الشيخ: لا، نعطيه.
الطالب: كيف نعطيه وهو ( ... )؟
الشيخ: نعطي المجني عليه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: والصحيح أن فيه القصاص، نقتص أولًا من مكان القطع إذا أمكن، وهذا قلنا: إنه في الوقت الحاضر يمكن، لكن إذا قال الأطباء: ما يمكن القصاص، نقول: يقتص من المفصل من هنا من المفصل، وله أرش الزائد؛ يعني يُثمِّن الباقي، ويُعطَى مثل نسبته من الدية يُقوِّم هذا المجني عليه كأنه عبد، ليس به كف، وبه نصف ذراع، ثُمَّ قُطِع نصف الذراع، فكم تنقص من قيمته؟ إذا قال: تنقص مثلًا كذا وكذا ننظر نسبتها للقيمة، ثم نأخذ مثل تلك النسبة من الدية.
طالب: في الموضِحة، إذا كانت أعظم من الموضحة أو دامغة، كيف نعمل؟
الشيخ: نقتص الموضحة من الجاني، ونعطي المجني عليه نسبة ما بين الموضحة، وهذا الجرح، فإذا كان الجاني جنى على هذا الرجل حتى صارت الجناية هاشمة، قلنا: نقتص من الجاني الجارح أيش؟ موضحة، ونأخذ منه خمسة من الإبل نعطيها للمجني عليه تكميلًا، مفهوم الآن يا جماعة؟
فيه (سراية الجناية) و (سراية القود) السراية معناه أن الجرح يتضاعف حتى يؤدي إلى ما هو أعظم منه، قد يؤدي إلى الموت، فيقول المؤلف أو الكاتب: (سراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها إلا أن يُقتص من الجاني قبل بُرئها، والراجح ولا يستثنى شيء) (سراية الجناية مضمونة في النفس) يعني سواء سرت إلى النفس أو ما دونها، فلو قطع من رجل أصبعًا، قطع الجاني أصبعًا من شخص، ثم إن هذا الجرح سرى، وجعل يمشي في اليد حتى تساقط الكف كله، هل يضمن الجاني الإصبع الذي قطع أولًا أو الكف كله؟ يضمن الكف كله، لماذا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3596
لأن هذه الجناية غير مأذون فيها، عدوان محض، والمعتدي يجب عليه ضمان عدوانه وما ترتب عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (7). فكما أن الظلم في الأموال يسري إلى كل ما ترتب عليه، كذلك هنا يسري الضمان إلى كل ما ترتب على هذا العدوان، واضح؟ إذن نقول: لماذا كانت مضمونة؟ لأنها نتيجة عمل عدواني، والعمل العدواني مضمون، وكذلك ما ترتب عليه لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»، فما ترتب على العدوان فإنه عدوان، إلا أنه يُستثنى من هذا على المذهب مسألة واحدة: إذا اقتص من الجاني قبل البُرء فإنها السراية لا تضمن، كيف ذلك؟ مثلًا قبل أن يبرأ الجرح طَالَب المجني عليه بأن يقتص من الجاني، الجاني قطع أصبعه، مفهوم؟ هذه جناية، فقال المقطوع أصبعه: لا بد أن تقتصوا من الجاني وطَالَب بهذا، فعلًا اقتصصنا من الجاني، المجني عليه جرحه سرى إلى الكف كلها، وسقطت كل كفه، فهل نعود إلى الجاني ونقطع كفه ولَّا لا؟ ما نفعل؛ لأنه لما اقتص قبل البُرء فقد رضِي بأي شيء؟ بأن يكون القصاص بمقتضى الجناية، لا بمقتضى السراية، إذا اقتص قبل البرء فقد رضي كأنه أسقط حقه، يُقال: أنت الآن اقتصصت على وجه -أصلًا مُحرَّم أنه يقتص قبل البُرء، يجب الانتظار، لكن قد يطالب، يقول: ما أنا بقادر أنتظر حتى يبرأ جرحي، أبغي الآن أن أقتص منه ما دام المسألة في حرتها، فإذا اقتص منه، ثم سرى بعد القصاص فإنه لا يُضمن.
الجزء: 2 - الصفحة: 3597
استدلوا لذلك بأثر ونظر؛ الأثر: أن رجلًا طعن رجلًا في ركبته بقرن -قرن معروف قرن بهيمة- فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقيد منه، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتظر، ولكنه لم يفعل، فاقتص منه، ثم إن المجني عليه صار أعرج، فأراد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتص فقال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبْطَلَ عَرَجَكَ» (8). يعني معناه أن السراية لم تُضمن؛ لأنه اقتص منه قبل البرء، لكن هذا الحديث ضعيف ما تقوم به حجة.
واستدلوا بالنظر، وهو الذي أشرنا إليه قبل قليل، وهو أن المجني عليه لما طالَب أن يقتص قبل البُرء كأنما رضي أن يكون القصاص بمعنى ما كانت عليه الجناية الآن، وأسقط الأثر؛ فلهذا لا تضمن.
لكن عندنا الراجح لا يستثنى شيء؛ لأن الحديث ضعيف، وأما التعليل فنقول: ما دام العلة في ضمان السراية كونها عدوانًا فإن طلب هذا القصاص لا يعني أنه أسقط ما يترتب عليه، بل يعني أنه أراد أن يشفي نفسه قبل أن تبرد المصيبة فقط، نعم، لو قيل له: أنت تُسقط السراية؟ فقال: نعم، أُسقط السراية.
لو رضي بهذا صريحًا، قلنا: لا شيء له، أما مجرد أن يُطالب بالمبادرة فهذا لا يدل على إسقاط.
سراية القَوَد غير مضمونة، ويش معنى سراية القود؟ سراية القود يعني القصاص غير مضمونة؛ بمعنى أنك لو اقتصصت من الجاني، وسرى ذلك إلى ما هو أعظم فإنه لا يُضمن، مثاله؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: مثل رجل قطع إصبع إنسان، ثم قطعنا إصبع الجاني، ثم إن الجاني مات بهذا القطع يضمن ولَّا ما يضمن؟ لا يضمن، لماذا؟ لأن هذا القصاص بحق ولَّا بغير حق؟ بحق، فهو مأذون فيه شرعًا.
ومن القواعد المقررة فقهًا: ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، كما أن عكسها ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، على هذا نقول: سراية القوَد غير مضمونة، لماذا؟ لأنها بحق؛ لأن القود بحق، فهو مأذون فيه، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون إلا أن يستقيد في حال لا يجوز الاستيفاء فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3598
معلوم إذا استقاد في حال لا يجوز الاستيفاء فيها صار ذلك عدوانًا فيُضمن ما ترتب عليه، مثال ذلك: قيل: إن هذا الجاني مريض، لا يحتمل أن يُقتص منه الآن، وأنه إن اقتُص منه صار خطرًا عليه، فلَزَّم المجني عليه أن يُقتص منه فاقتُص منه في هذه الحال، ففيه ضمان ولَّا لا؟ فيه ضمان، لماذا؟ لأنه في هذه الحال ما يجوز أن يُقتصَّ منه.
طالب: ( ... ) المجني عليه.
الشيخ: قصدي إذا فعل، لو فرضًا أنا ما مكناه، لكن هو ذهب واقتص لنفسه فإنه يضمن، كذلك مثلًا لو فرض أنه يقول الفقهاء: إنه إذا كان في شدة حر فالقصاص خطر، ولعل هذا في زمنهم؛ حيث لا يمكن توقف الدم، أما الآن فالأمر بالعكس، ولكن القاعدة هو إذا استقاد في حال لا يجوز الاستيفاء فيها؛ فإن سراية القود مضمونة، والعلة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إذا صار بحق ما يُضمن.
طالب: لأن الاستيفاء غير مأذون فيه.
الشيخ: لأن الاستيفاء في هذه الحالة غير مأذون فيه، فيكون عدوانًا، وما ترتب على العدوان فإنه مضمون.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، معناه يمتنع عن القصاص، يسقط القصاص، وتجب الدية، الديات أولًا ..
طالب: شيخ، لو أن المجني عليه مات من ( ... ) يقتل؟
الشيخ: إي نعم، يُقتل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، يُقتل قتلًا.
الطالب: خطأ ما هو بفعل ( ... ).
الشيخ: لكن هو ما سبق لنا أنه إذا جرحه فإنه يكون عمدًا، وطبعًا إذا قطع شيئًا بيصير يجرحه بكل حال، إذا قطع عضوًا فإنه بيجرحه بكل حال.
طالب: ( ... ) أن الديات الموضحة والهاشمة ثابتة بالنص.
الشيخ: إي، ثابتة بالنص، وسيأتي إن شاء الله الآن ذكره.
الجزء: 2 - الصفحة: 3599
﴿كتاب الديات﴾
مدخل
أولًا: الديات جمع دِية، وهي المال المدفوع لمجني عليه أو وليه.
طالب: اللي يقتاد ليس المجني عليه ( ... ) الحاكم؟
الشيخ: لا، الذي يتولى القصاص في النفس من له الحق، وفي الطرف قال الفقهاء: لا يتولاه إلا الحاكم؛ لأنه إذا تولاه المجني عليه لا يُؤمن أن يحيف، ولَّا لا؟ يمكن يقول له: اقطع من الكف ( ... ) يجيب السكين من ورا، هو ما يُؤمن؛ لأنه موغر على هذا الجاني، أما في النفس فهو مهما كان الموت هو الغاية، فهم يقولون: في النفس: يُستوفى من أولياء المقتول، اللي يستوفيه أولياء المقتول، أما في الطرف فإن الذي يتولاه الحاكم.
والمسألة -إن شاء الله- فيها نظر؛ لأن حقيقة أن استيفاء الحاكم لا يُذهب ما في قلب المجني عليه، ما يشفي صدره إلا إذا فعل هو.
طيب فيه مسألة نبحث فيها الآن، وهي هل يجوز أن نبنج الجاني عندما نريد أن نقتص ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: إي، ما يجوز.
طالب: إذا رضي؟
الشيخ: إلا إذا رضي لا بأس؛ لأنه إذا رضي من له الحق فلا حرج، لكن لو قال: لا، أنا ما بدكم تبنجونه؛ لأنه إذا بنجناه ما ( ... ) الألم، فإنه ما يريد أن يبنج.
أولًا: الدية ويش قلنا؟ الديات جمع دية؛ وهي المال المدفوع إلى مجني عليه، أو وليه بسبب الجناية، إلى مجني عليه إن كان حيًّا أو إلى وليه إذا كان مات.
طالب: بالنسبة لتخدير ( ... )، هل الغاية هي القطع ولَّا الغاية هي الألم؟
الشيخ: الغاية أن يُقتص منه.
الطالب: ( ... ) الألم بإمكانهم يحصل له بطريقة أخرى بغير قطع؟
الشيخ: كيف؟ أن يُقتص منه، هو فعل بالمجني عليه أمرين؛ قطع العضو وآلمه، إحنا نقطعه ونؤلمه.
تلزم الدية كل من أتلف إنسانًا بمباشرة أو سبب غير مأذون فيهما، هذا ضابط عام، كل من أتلف إنسانًا وطبعًا معصومًا؛ لأن غير المعصوم هدر، كل من أتلف إنسانًا -ولو قيدته لكان أحسن علشان ما يغم عليكم- كل من أتلف إنسانًا معصومًا بمباشرة أو سبب غير مأذون فيهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 3600
قولنا: (كل من أتلف)، لا فرْق بين أن يكون المتلِف بالغًا أو صغيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، مريدًا أو غير مريد، يعني عامدًا أو مخطئًا.
وقولنا: (بمباشرة).
المباشرة أن يأخذ الآلة فيقتله، هذه المباشرة، أو سبب، يكون ما أراد القتل، ولا تسبَّب، ما باشر، لكن فعل ما يموت به، مثل: حفر خندقًا في طريق الناس، فجاء رجل فسقط به فمات، يضمنه ولَّا لا؟ يضمنه، ومثله أيضًا البلَّاعة في السوق وغيره، أو وضع عتبة في السوق؛ فإنه إذا عثر بها إنسان ومات فعليه الضمان، أو انكسر فعليه الضمان؛ لأن العَتب ما يجوز إخراجه على الشارع إلا إذا كان الشارع غير مسلوك فلا حرج، أو كانت العتبة لا تؤذي مثل لو كان إن الجدار سميك، وحط العتبة على حافة الجدار بمعنى أنها ما تعدت إلى السوق، فهذه ما تؤذي.
طالب: أو شارع وسيع؟
الشيخ: على كل حال عند أهل العلم لا يجوز مطلقًا سواء كان واسعًا أو غير واسع، حتى إن بعض العلماء يقول: ما يجوز تزيد في شباعة الحائط، تعرفون الشباعة؟ التلييس، ما يجوز تزود التلييس؛ لأنك تضيق الشارع، أما الآن -أعوذ بالله- بعض الناس يحط سلمًا في السوق يكون خمس ست درجات، هذا حرام، ولا يجوز أيضا للمسؤولين في البلديات أن يمكنوا هذا، يقال له: إذا كان بيتك رفيعًا عاليًا فاجعل الدرج هذا داخل البيت كما يوجد بعض الناس رأيناهم -جزاهم الله خيرًا- يجعلون الدرج في داخل البيت حتى لا يضعوا شيئًا في مكان لا يحل لهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3601
وقولنا: أو سبب غير مأذون فيهما، أما إذا أُذِن فيهما، فهل يلزمه الضمان؟ ما يلزمه، فلو أن إنسانًا قتل شخصًا قصاصًا يضمنه ولَّا لا؟ ما يضمنه مثلًا إنسان قتل شخصًا وهو طبيب يعالجه، طبيب ماهر ما جنت يده ولا شيء، يضمن ولَّا ما يضمن؟ ما يضمن، أما إذا كان غير ماهر، وإنما يتطبب بالناس، أو كان ماهرًا، لكن لم يصف الدواء للمريض وصفًا يسلم به من الموت؛ فإنه يضمن، مثلما يقال: واحد أعطى بدويًّا حبوبًا -تُذكر هذه عند الناس ما أدري هي صحيحة ولَّا لا- وقال له مثلًا: أنت الآن مريض، خُذْ بين كل ست ساعات حبة، فالبدوي يقول: ما دام هذه باخدها من ست ساعات، تبقى ثلاثة أيام أبغي آخذهم جميعًا الآن أسرع للشفاء، يقول: أكلهن جميعًا فمات، هل هنا يضمن الطبيب ولَّا ما يضمن؟
طلبة: لا يضمن.
طالب: إن كان فهمه يا شيخ.
الشيخ: إن كان هو فهمه ما يضمن، لكن إن كان ما فهمه فإنه يضمن.
طالب: واضحة يا شيخ.
الشيخ: لا، ما هي واضحة، هي واضحة عند واحد والثاني، لكن عند بدوي ما يعرف، ولهذا فهِم هذا البدوي، هل هو أكلها ليموت؟ أبدًا أكلها لأجل يتعجل الشفاء، فمثل هذا يجب أن يُفهَّم؛ ولذلك من الخطأ العظيم الحقيقة الآن، ومع الأسف الشديد أنه ليس هناك أحد من المسؤولين يتنبَّه لضرر الناس، تجد وصفة الطبيب ويش فيه؟ باللغة الإنجليزية.
هل الآن شعبنا نصفهم يعرفون اللغة الإنجليزية؟ ولا ربعهم، ولا عشيرهم، واللي يعرف منها بعض الحروف لا يعرف الكلام المركب، ولا المصطلحات العلمية؛ لهذا أنا أعتبر أن المسؤولين في وزارة الصحة مقصرون جدًّا، وأنه يجب ألا تُعطَى الأوصاف هذه، أو التذكرات اللي فيها الأوصاف إلا بلغة يفهمها الإنسان.
الجزء: 2 - الصفحة: 3602
الله تبارك وتعالى عالج المرضى بلسانهم، كل وصفة يجعلها الله تعالى بلسان هذا المعالَج ولَّا لا؟ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] فأهل الجاهلية، وأهل الشرك مرضى ولَّا لا؟ دواؤهم بأي شيء؟ بالوحي، وصف الدواء بالكتب المنزلة، الكتب المنزلة بأي لغة؟ بلغة القوم المرسل إليهم، إذن كيف نحن نجعل هذه الوصفات بلسان غير عربي ولا مبين، ونسلمها لرجل عربي؟
هذا خطأ عظيم؛ ولذلك نرى أنه لو يترتب خطأ من اللي أُعطِي الوصفة بناءً على هذا، فإن الدكتور يضمن، وهذا -في الحقيقة مع الأسف الشديد- أنه مركب نقص في المسلمين وفي العرب حتى التذاكر الآن بالطائرات يعطونها باللغة الإنجليزية؛ يعني التذكرة اللي في جيبك الآن ما تدري هي لك ولَّا لغيرك!
صحيح، هذا من التقليد اللي يدل على ضعف ونقص، لماذا لا نقول: يجب أن يكون كل شيء باللغة العربية ما دمنا عربًا، كل شيء يقدم لنا للعامة يجب أن يكون باللغة العربية؟ ولكن -مع الأسف- مركب النقص مرض أشد من مرض السرطان ما يزول أبدًا إلا إذا مات من أصيبوا به، ونشأ الجيل نشأً جديدًا.
طالب: بالنسبة لموضوع العتبات، إذا كان أهل البلد ( ... ) على ها الشيء وكل بيت يضع له ( ... )؟
الشيخ: إذا كانوا متعارفين على هذا يُنظر هل تضر الناس ولَّا ما تضر؟ هل تضرهم أو ما تضرهم؟ إذا كان تضرهم يجب أن تُمنع، وإذا كان ما تضر فلا بأس ( ... ).
قال: ففي العمْد، وكذلك أيضًا السبب غير مأذون فيه لو كان للإنسان بئر في بيته، وجاء إنسان مثلًا للبيت وسقط فيها؛ فإنه لا ضمان عليه.
قال: (ففي العمد تجب في مال الجاني حالة)، وقد عرفتم أنه بالعمد يجب القصاص ويش بعد؟ أو الدية، إذا حصل القصاص فالأمر واضح، ما فيه دية، إذا اختار أولياء المقتول الدية فإن الدية تجب على مَن؟ على الجاني حالَّة غير مؤجلة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3603
في مال الجاني؛ لأنها عوض نفسه، فلا تجب على العاقلة، وحالَّة؛ لأن جنايته لا تحتمل الرأفة؛ حيث إنه كان متعديًا، فلا تحتمل الرأفة أن تُؤجل عليه، فتجب في مال الجاني حالة، وقد سبق لكم أيضًا أنها تكون مُغلَّظة ولَّا مخففة؟ مغلظة.
أما إذا كانت في شِبه العمد وفي الخطأ فإنها تجب على عاقلته مؤجلة بثلاث سنين، أما وجوبها على العاقلة فهي في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلتها، وورَّثها ولد المقتولة ومن معه قضى بالدية على عاقلتها (9). وهذا نص صريح في أن شبه العمد يجب على العاقلة.
الخطأ من باب أولى؛ لأن الخطأ لم يقصد الفاعل فيه الجناية، وشبه العمد قصد فيه الجناية ولَّا لا؟ قصد، لكن بغير ما يقتل، فإذا كان شبه العمد تجب على العاقلة بنص الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالخطأ من باب أولى، وأما تأجيله بثلاث سنوات، فهذا مروي عن عمر رضي الله عنه؛ أنه أجله على العاقلة ثلاث سنوات (10)، لكن هل هذا التأجيل قضية عين أو هو رأي؟
يعني فرق بين الرأي الذي يعتبر قولًا، أو بين الحكم في قضية معينة قد يكون لها أسباب وموجبات لا توجد في كل قضية، الفقهاء رحمهم الله يرون أنها رأي وليس حكمًا في قضية، وشيخ الإسلام يرى أنه حكم في قضية له أسبابه وموجباته، وأن القاضي إذا رأى ألَّا تؤجل فله ذلك، والحديث الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام -كما سمعتم- ليس فيه تأجيل، بل هو مطلق، وليس فيه تأجيل، والوارد عن عمر ما دام محتملًا لأن يكون حكمًا في قضية أو رأيًا رآه فإننا لسنا مُلزَمين بالأخذ به، لا نُلزم بالأخذ به نظرًا إلى الاحتمال، وأيضًا معنا، ويش معنا ظاهر؟ ظاهر الحديث حيث لم يُؤجِّله الرسول عليه الصلاة والسلام على العاقلة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3604
على هذا الرأي نقول: إن التأجيل بثلاث سنوات ليس بلازم، وإنما يُرجع في ذلك إلى أي شيء؟ إلى اجتهاد الحاكم اللي بيحكم بالدية، فإن رأى من المصلحة التأجيل كما لو كان العاقلة فقراء أو أحوالهم لا تتحمل أن يُسلِّموا من أول سنة فله أن يُؤجِّل بل فعليه أن يؤجل وإلا فلا يؤجل؛ لأن الأصل أن هذا الحق ثابت حالًّا ولَّا مؤجلًا؟ حالًّا.
الخلاصة يا جماعة، الآن دية العمد على مَنْ؟ على الجاني حالًّا، عليه؛ لأنها عِوض نفسه، حالَّة؛ لأن جنايته لا تحتمل الرأفة، أما شبه العمد والخطأ فعلى العاقلة، الدليل على ذلك: ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة المرأتين من هُذَيل فإنه قضى بالدية على العاقلة، فإذا كان هذا في شبه العمد فالخطأ من باب أوْلى؛ ولأن المخطئ أو المتعمد شبه عمد محل للرأفة؛ لأنه ما قصد الجناية التي تُوصل إلى القتل، فكان محلًّا للرأفة، الكفارة في شبه العمد والخطأ على مَنْ؟
طالب: على العاقلة.
الشيخ: لا، الكفارة على الجاني؛ لأنها فداء نفسه، كما قال الله عز وجل: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 92] واللي بيؤزر العاقلة ولَّا هو؟ هو.
طالب: تحديد العاقلة؟
الشيخ: العاقلة بيجينا إن شاء الله.
وهي -أي الدية- مئة بعير، أو مئتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال ذهبًا، أو اثنا عشر ألف درهم فضة، والخيار لمن تلزمه كم دول؟ خمسة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، أنواعها خمسة، من الإبل مئة بعير، كم توزع عليهم مئة بعير؟
طالب: إذا كان عمدًا.
الشيخ: إذا كان عمدًا أو شبه عمد على أربعة أصناف، وإذا كان خطأ فعلى خمسة أصناف، مئتا بقرة ثنية أو مُسنَّة، ألفا شاة ثنية، أو جذعة إذا كان من الضأن، ألف مثقال ذهبًا معروفة، وتعرفون أن الدينار الإسلامي زنته مثقال من الذهب؛ ولهذا في حديث عمرو بن حزم: «وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ» (11).
الجزء: 2 - الصفحة: 3605
اثنا عشر ألف درهم فضة، والدرهم الإسلامي كم زنته؟ سبعة أعشار مثقال، نحن إذا أردنا أن نحوِّل الفضة الآن إلى الدراهم السعودية ( ... ) نقول: كل مئتين بستة وخمسين ريال، كل ألفين خمس مئة وستين، اضرب خمس مئة وستين في ستة.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا تختلفوا؛ لأن هذه ما تحتاج إلى اختلاف.
طالب: ثلاثة آلاف وثلاث مئة وستون.
الشيخ: بالاتفاق، ثلاثة آلاف وثلاث مئة وستين، هذه الدية باعتبار الدراهم السعودية، لكن الآن نجد أنها مئة ألف، وأنها كانت أربعين ألفًا، وكانت قبل ذلك دون هذا، فما هو السبب أننا عدلنا إلى ذلك؟ السبب لأن الناس يمشون على القول الراجح، وهي أنها الإبل فقط؛ ولذلك القول الصحيح أن الدية مئة من الإبل، وأن ما ورد من الآثار عن بعض الصحابة في البقر والشياه والمثاقيل والدراهم إنما هو تقويم؛ يعني أنهم جعلوا ذلك؛ لأنه يُقابل مئة بعير، لكن أخذوا من أهل البقر بقرًا، ومن أهل الغنم غنمًا، ومن أهل الدنانير دنانير ذهب، ومن أهل الدراهم فضة، أخذوا ذلك تسهيلًا عليهم بدل ما نلزم صاحب البقر أن يبيع البقر، ويروح يشتري إبلًا، نقول: أعطنا بقرًا، وكذلك بالعكس.
إذن على هذا الرأي يقولون: إن الأصل هو الإبل، ويدل لذلك أن جميع الديات التي دون النفس تُقدر بالإبل؛ الموضحة خمس من الإبل، وهكذا كما سيأتينا إن شاء الله كلها مُقدَّرة بالإبل؛ فدل ذلك على أن الأصل هو الإبل.
إذن على أي شيء نحمل ما ورد عن الصحابة؟ نحمله على أنه تقويم؛ أنهم قوَّموا مئة بعير مثلًا بمئتي بقرة وبألفي شاة، لكن من عنده بقر أخذوا منه بقرًا، ومن عنده غنم أخذوا منه شياهًا، وهكذا.
طالب: بس من الواقع يعني ( ... )؟
الشيخ: الواقع أن القيمة تختلف، لكنهم يقولون: إن مراعاة القيمة كل سنة صعب، هو كل ما اختلفت القيمة اختلافًا بينًا رفعوا من الدية أو نقصوا، فمثلًا صحيح الآن أنا سمعت أن الإبل لو قُدِّرت الآن كانت تبلغ أكثر من مئة ألف.
طلبة: مليون.
الجزء: 2 - الصفحة: 3606
الشيخ: لا، ما تبلغ مليونًا، يعني خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، هذه يقولون: لو قوَّمناها الآن لكانت تسوى أكثر من مئة ألف.
طالب: يمكن مئتي ألف على الأقل.
الشيخ: يمكن مئتي ألف على الأقل، وليتهم يجعلونها مئتي ألف الآن، هم الواجب عليهم أنه كلما تغير السعر؛ لأن تغير السعر هذه السنة تغيرًا بالغًا؛ يعني تُباع البعير بسبعة عشر ألفًا وخمسة عشر ألفًا بدل ما كان ..
طالب: ( ... ) ستين ألفًا.
الشيخ: لا، دعنا من الشيء الخارج عن العادة، بِيعت إلى مئة ألف، أنا حدثني إنسان يقول: راح بإبل أربع إلى الرياض، ولما وقف جاه واحد من الناس الأثرياء، وقال: بعهن عليَّ، قال: ( ... ) الثنتين من مئة ألف، وها الثنتين من ثمانين ألفًا، فأنا مشيت معك، وإلا ترى إن نزلت ما راح أبيع ( ... ) قال: يلَّا، شغل ( ... ) وامشِ، شرى منه أربع بكم؟ ثلاث مئة وستين ألفًا.
فعلى كل حال يجب أن يلاحظ هذا الأمر خصوصًا وأن الناس الآن تهاونوا في مسألة القتل، والعياذ بالله، في الحوادث وغيرها، نسمع عن بعض المجانين يقول: أنا ما يهمني إذا دعست واحدًا؛ لأن الدية موجودة بالدرج، أعوذ بالله! ! هذا يجب أنه يغلظ عليهم، كل ما كان أغلظ فهو أولى في الوقت الحاضر.
والراجح أنها الإبل فقط، وهذا القول هو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح، الصحيح أنها من الإبل.
باب مقادير ديات النفس
(وتُغلظ في قتل العمد وشبهه، فتجب أرباعًا من بنات المخاض، وبنات اللبون والحقاق والجذعات) يعني من كل صنف خمس وعشرون، وتخفف في الخطأ فتجب أخماسًا ثمانون من هذه الأربعة، وعشرون من بني مخاض.
الجزء: 2 - الصفحة: 3607
هذه الدية يقول: (دية الحر المسلم) الحر ضده من؟ العبد.
(المسلم) ضده الكافر.
إذن دية الحر المسلم على المذهب خمسة أنواع: إبل، وبقر، وغنم، وذهب، وفضة، وعلى القول الراجح إبل فقط، ثم الإبل فيها هذه الأصناف الأربعة في شبه العمد والعمد، والخمسة في الخطأ.
(والأنثى نصفه) دية الأنثى نصف، وكل هذا موجود في حديث عمرو بن حزم.
(الأنثى نصفه) على هذا تكون خمسين بعيرًا ومئة بقرة إلى آخره إذا قلنا بأن الدية أنواع.
يقول العلماء: إلا فيما دون ثلث الدية فإنهما سواء، مثلًا الأصابع في العشرة دية كاملة، في كل واحد عشر من الإبل، فمثلًا في إصبع المرأة الواحدة عشر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما دون الثلث هما سواء، في الإصبع الواحدة عشر، وفي الاثنين عشرون، وفي الثلاثة ثلاثون، وفي الأربعة؟ عشرون إي نعم.
يقول بعض السلف: عظمت مصيبتها فقلَّت ديتها.
إذا قُطع منها ثلاثة فلها ثلاثون، وإن قُطع أربعة فلها عشرون، ما رأيكم واحد قال: إذن ما دام لما قطعت ثلاثة عليَّ ثلاثون أبغي أقطع الرابع لأجل يصير عليَّ عشرين، إذا فعل هذا نقطع أصبعه المقابل للرابع، ليش؟ لأنه قطعه عمدًا، ونقول: عليك ثلاثون؛ فالحيلة إذن ما تنفع ولَّا لا؟
يعني لو جه إنسان فقيه دارس في الفقه، ويقول: إن المرأة دية الأربع أصابع عشرون بعيرًا، ودية الثلاثة ثلاثون بعيرًا، فإذا قُدِّر أني قطعت خطأ ثلاثة أصابع فعليَّ ثلاثون بعيرًا، إذن أقطع الرابع لتكون الدية عشرين، قلنا: هذا لا يمكن؛ لأن قطع الرابع عمدًا عدوان فيه القصاص، ودية الثلاثة الباقية ثلاثون بعيرًا، إذن الأنثى نصف ليت أني كتبت في ثلث الدية فأقل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: موجود؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ذكر كلام، بس خلاص اتركوه، نعم صح، إي نعم موجودة صحيح.
طالب: موجود أن المرأة ( ... ).
الشيخ: إي نعم، نفس الشيء مثل الرجل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: خمس بعير، حط بدل خمس وعشرين اثني عشر ونص.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3608
الشيخ: إي نعم، بالتقويم اثنا عشر واضح، وهذا بالتقويم.
قال المؤلف: (والكتابيون على النصف من ذلك) (الكتابيون) يعني اليهود والنصارى (على النصف من ذلك) أي من دية الحر المسلم، تكون الدية في ذكورهم خمسين بعيرًا، وفي إناثهم خمسًا وعشرين بعيرًا.
(والمجوسيون ونحوهم ممن عدا الكتابيين) كل من عدا الكتابيين (ثمان مئة درهم إسلامي ونساؤهم على النصف) (ثمان مئة درهم إسلامي) تقابل مئتين وأربعة وعشرين ريالًا.
(ونساؤهم على النصف) كم يصير؟ مئة واثني عشر، مئة ريال واثني عشر ريالًا، ولا قيمة سخلة، ولكنهم شر الدواب عند الله، لا يوجد أحد أخبث عند الله من الكافر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6] شر الخلائق كلها عند الله الكفار، ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: 55] يعني حقيقة أن البهائم خير منهم عند الله، وعند المسلمين أيضًا، لكن لولا أنهم ذوو عهد أيضًا لكان ما يُضمنون أبدًا بأي دية، يعني لو كانوا حربيين ما ضُمنوا، والكلام هنا على المعاهَد والمستأمِن والذمي.
(ثمان مئة درهم) قلنا: إنها تبلغ مئتين وأربعة وعشرين، كيف ذلك؟ لأن كل مئتي درهم حسب التحرير من أجل نصاب الفضة، تحرينا من أجل النصاب كل مئتي درهم يبلغ ستة وخمسين ريالًا، فعلى هذا ثمان مئة اضرب ستة وخمسين في أربعة، كم يبلغ؟ مئتين وأربعة وعشرين (ونساؤهم على النصف) مئة واثنا عشر (ودية القني) ..
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
مُسلمًا أو غير مسلم.
ديته قيمته؛ لأن القِن يجري مجرى الأموال؛ ولهذا يُباع ويُشترى، فعلى هذا تكون قيمته هي ديته.
الجزء: 2 - الصفحة: 3609
لو فُرض أنه سيكون أكثر من دية المسلم، لو كانت قيمته أكثر من دية المسلم تكون ولَّا لا؟ لو فُرض هذا العبد يساوي ما هو مئة بعير، يساوي ألف بعير تكون ديته، ولو فرض أنه لا يساوي إلا عشرة دراهم تكون ديته، وعلى هذا فيكون القن ديته قيمته.
ولاحظوا النظام الكافر الفاجر الآن يرون أن الإنسان، ولو كان حُرًّا ديته قيمته، يقولون: ما يمكن نساوي بين إنسان مهندس في عالم الذر وإنسان كناس في البلدية مثلًا، هذاك رجل له قيمته، فيجب أن تكون ديته أعلى، وأما الآخر فليس له تلك القيمة، فيجب أن تكون ديته أنزل، فجعلوا الأحرار جعلوهم عبيدًا، دياتهم قيمتهم.
ولا شك أن هذا حكم ظالم جائر باطل؛ لأنه يخالف حكم الله ورسوله، ولا فرق في هذا بين أن تكون هذه الدية في النفس كلها أو في الأعضاء؛ لأنه يوجد الآن بعد يُفرِّقون بين ديات الأعضاء، فمثلًا جاءت السنة بأن الأصابع سواء الإبهام والخنصر سواء، وأيهم أعظم نفعًا؟
طالب: الإبهام.
الشيخ: الإبهام ولَّا الخنصر؟
طلبة: الإبهام.
الشيخ: أكيد ولَّا فيه إشكال؟ بس أيهم أعظم نفعًا؟ ما أنا بقول: هل به نفع؟
طلبة: الإبهام.
الشيخ: الإبهام يقابل الأربعة في الحقيقة، ولهذا جُعل إمامًا معهم في الصف، وحده، هذا يقابل كل الأربعة؛ ولذلك عند القبض لو ما يجده يقبض معهم يقابلهم سقط اللي بيدك، لكن الخنصر ويش عمله؟ بسيط عمله بالنسبة للإبهام، وهما سواء، أما الأنظمة البالية الزائغة فيقول: لا، ما يمكن يستوي الإبهام والخنصر، إذا جعلت الخنصر له خمس من الإبل مثلًا أو عشر من الإبل فاجعل هذا له ثلاثين من الإبل أو أربعين ما يمكن يصرن سواء.
الجزء: 2 - الصفحة: 3610
كذلك الأسنان في الشرع ديتها سواء، الضرس والسن واحد، هم يقولون: لا يمكن يكون الضرس والسن واحدًا، لا بد الدية على قدر، شو على قدره؟ على قدر المنفعة، ولكن هذا كله حكم باطل، والإنسان الذي يقدمه على حكم الله ورسوله يكون كافرًا الذي يجعله نظامًا يقدمه على حكم الله ورسوله يكون قد رضي بحكم غير حكم الله، وجعله هو شريعته ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85].
والحاصل أن الإسلام لا يفرق في الدية بين الإنسان الذي له قيمته في المجتمع وبين الإنسان الذي ليس له قيمة حتى الطفل الذي ما بعد تم له يوم واحد هو والشاب الذي له ثلاثون سنة بمنزلة واحدة.
طالب: يا شيخ، كيف يجاب عن ( ... )؟
الشيخ: يُجاب عن تعيُّن هذا بأن هذا توقيف من الشرع.
الطالب: يعني الحكمة ليست معلومة.
الشيخ: لا، ما هي مادية، هي المسألة ما هي بمادية محضة، وإنما هي شيء من الشرع موقَّت؛ ولهذا لو قلنا بأنها مادية وحدها كان نقول: الديات في كل مكان، وحتى في الأنفس تكون بحسب القيمة، ولكن الله فضل الإنسان الحر، ما جعله بمنزلة البهيمة يُباع ويُشترى، ولا يقصد به المال أيضًا، الإنسان لا يُقصد به المال حتى يُقوَّم به.
قال: (ودية القن قيمته، ودية الجنين عُشْر دية أمه) (الجنين) الحمل في البطن ديته عشر دية أمه، من أي الأصناف كان سواء من المسلمين أو من الذميين أو من غيرهم.
(عُشْر دية أمه) فإذا كان من حرة مسلمة فديته خمس من الإبل، والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ديته غرة؛ وهي عبد أو وليدة، ومعلوم أن العبد أو الوليدة تختلف قيمهما في كل زمان ومكان بحسبه، فإذا قُدِّر أن الغُرَّة اللي هي عبد أو وليدة تساوي عُشْر الدية، خمسًا من الإبل، فالأمر ظاهر، لكن لو قُدِّر أن الغُرَّة تساوي أكثر من خمسة من الإبل، فهل نأخذ بها أو بخمس من الإبل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3611
المذهب يؤخذ بخمس من الإبل، وجعلوا الغرة هذه مربوطة بهذه القيمة، ولكني حتى الآن ما وجدت لهم دليلًا، إنما لا شك أن الأولى الأخذ بما دل عليه النص ما لم يُوجد دليل يمنع الأخذ بظاهره، وأنا راجعت ما عندي من الكتب ولا وجدت فيه دليلًا ولا تعليلًا، صحيح أنه قول جمهور أهل العلم أنه عُشر دية أمه، لكن أنه يُعدل عن الغرة، هذا ما وجدت فيه دليلًا، فيه آثار أن الغرة هي الفرس، وإذا جعلناها فرسًا فالمسألة تهون، لكن إذا جعلناها عبدًا أو وليدة، ويقولون: إن عبد أو وليدة إنه تفسير من الراوي، ولكن حتى لو كان تفسيرًا، فالصحابي لا شك أنه أعلم بمقاصد الرسول عليه الصلاة والسلام ممن بعده.
على كل حال، أنا كتبت لكم هذا بحسب المشهور من المذهب؛ أن الواجب في الأجنة عُشْر دية الأم سواء كان ذلك من المسلمين أو غيرهم، الجنين إذا كان من أمة، فما ديته؟ عُشْر القيمة، عُشْر قيمتها، بأن يقال: هي امرأة تُساوي مثلًا عشرين ألفًا، تكون دية جنينها ألفين، تكون ألفين، وبعضهم يرى أن دية جنين الأمة مقدار ما نقص من قيمتها بأن تُقَوَّم وهي حامل، ثم تُقوَّم خالية من الحمل، فما بينهما فهي دية الجنين، قالوا: هذا هو القياس الصحيح؛ لأن البهيمة إذا أسقط أحد حملها وجب عليه ما بين القيمتين؛ يعني مثلًا إنسان جنى على شاة فأسقط حملها، كيف يضمنه؟
تُقوَّم الشاة حاملًا، وتُقوَّم غير حامل، فما بين القيمتين فهو قيمة الحمل، قالوا: فالقياس إذن يقتضي أن تكون دية جنين الأمة ما بين قيمتها حاملًا وغير حامل.
(وديات الأعضاء بحسبها، ففي ما في الإنسان منه واحد الدية كاملة كالأنف) اللي في الإنسان منه واحد فيه الدية كاملة، ولكن قبل أن نشرع بالأعضاء نحب أن نذكر قاعدتين مهمتين؛ القاعدة الأولى: كل عضو أشل فليس فيه دية، بل حكومة، إلا الأنف والأذن، هذه واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3612
الثانية: كل من جنى على عضو فأذهبَ منفعته فعليه دية ذلك العضو إلا الأنف والأذن -قصدنا أشله- كل من اعتدى على عضو فأشله فعليه ديته، إلا الأنف والأذن، حطوا بالكم من القاعدتين؛ القاعدة الأولى: كل عضو أشل فليس له دية بل حكومة، إلا الأنف والأذن.
وكل من جنى على عضو فأشله فعليه ديته إلا الأنف والأذن.
باب ديات الأعضاء ومنافعها
نرجع الآن إلى مقدار ديات الأعضاء، ما في الإنسان منه واحد ففيه الدية مثل الأنف، فيه مثال آخر؟ اللسان، والذَّكَر، والرأس، لكن أظن إذا راح الرأس راح الإنسان، يكون قتْل نفس كاملة.
ذكرنا الأنف واللسان والذَّكَر.
طالب: العين إذا كان ليس له إلا واحدة.
الشيخ: لا، ثانيًا يقول: (وفيما فيه اثنان نصف الدية كالعين).
يقول: يستثنى من ذلك في الحاشية عين الأعور، ففيها دية كاملة؛ لأن قلعها يؤدي إلى فوات حاسة البصر.
فيه غير العين، فيه اثنان؟ الأذن، واليدان، والرجلان، والثندؤتان والشفتان.
طالب: الحاجبان.
الشيخ: لا، حاجبيه ما هي من الأعضاء.
طالب: الخصيتان.
الشيخ: إي نعم، صحيح، والخصيتان.
الذَّكَر وأشياء ما حاجة .. واضحة.
في ما فيه ثلاثة ثُلث الدية، كالمِنخر، فهما منخران، والحاجز بينهما، يعني مارن الأنف يشتمل على منخرين وحاجز، إن قطع منخرًا فعليه ثلث الدية، والمنخران ثلثان، فإن قطع الحاجز معهما فعليه دية كاملة.
هل يمكن يقطع الحاجز بينهما دونهما؟ الظاهر ما يستقيم إذا قطع الحاجز بينهما ما يستقيم، فهنا لا شك انه يجب عليه الدية كاملة؛ لأنه بالضرورة ما يستقيم إلا على حاجز، فإذا قطعه بيتدلل ولا يستفاد منه، إن أمكن أن يبقيا بدون حاجز، مثل لو أُجري له عملية مع أن العملية بعد الجناية ما تعتبر شيئًا، إن أمكن فيمكن أن نقول: إذا أتلف الحاجز بينهما فقط فعليه ثُلث الدية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3613
(فيما فيه أربعة رُبع الدية) كالجفن للعين فيه أربعة أجفان، أعلى وأسفل لكل عين، الجميع أربعة، أربعة أجفان للعينين.
هل يوجد غير ذلك فيما في الإنسان منه أربعة؟
طالب: القوائم يا شيخ.
الشيخ: لا، القوائم ثنتان، يدانِ ورجلان، الظاهر ما أستحضر أنا شيئًا غيره.
(فيما فيه عشرة عُشْر الدية كالأصبع) الأصابع عشرة، في اليدين عشرة، وفي الرجلين عشرة، ففي أصابع اليدين الدية، وفي أصابع الرجلين الدية، وفي كل واحد عُشْر الدية.
في الإصبعين؟ خُمس الدية، وفي ثلاثة خُمْس عُشْر، وهكذا، وتتساوى المرأة.
طالب: إذا قطع أصابع اليدين والرجلين.
الشيخ: إي نعم، عليه ديتان.
الطالب: ديتان.
الشيخ: إي نعم، عليه ديتان، ولذلك يمكن الإنسان يضمن وهو حي بعشر ديات.
طالب: الأنف مثلًا ( ... )، ما يتعدى إلى الأنف.
الشيخ: نفس الأنف، الأنف قصبة ومارن.
الطالب: ( ... ) دية كاملة؟
الشيخ: هو الآن إذا قص المنخرين والحاجز يجب عليه دية كاملة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما يتعدى للأنف.
الطالب: يشوه.
الشيخ: التشويه صحيح يُشوِّه، لكن لا بد من هذه، كل الجنايات بتشوه، أي عضو يُفقد من الإنسان بيكون تشويهًا إلا ما يمكن ستره، لا بد يكون تشويه، حتى اليد مثلًا لو قُطع أصبع من الأصابع اليد تكون متشوهة.
طالب: ( ... ) ست أصابع ( ... ) يقطع واحد.
الشيخ: الزائد هذا فيه حكومة؛ لأنه ما هو بأصل.
يقول: (وتتساوى المرأة والرجل فيما يُوجِب أقل من ثُلث الدية، ففي ثلاثة أصابع منها ثلاثون بعيرًا، وفي أربعة عشرون بعيرًا) هي المسألة مذكورة اللي ذكرناها قبل.
(وديات الحواس والمنافع بحسبها؛ ففي السمع الدية كاملة) واحد جنى على شخص، فأذهب سمعه يجب عليه دية كاملة، لكن لو قال الجاني: إن سمعه لم يذهب، وادعى المجني عليه أن سمعه ذهب، وبدأ كل ما كلمناه يقول: ها ويش تقول ( ... )؟ فما رأيك ويش نسوي الآن؟ لأن السمع ما هو بشيء ظاهر بحيث نعرف أنه موجود ولَّا غير موجود.
طالب: الطبيب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3614
الشيخ: الطبيب ما يدري، ما يُفرِّق، لكن يقولون: إنه يُغتفل، ويُصاح به، يعني يُؤتى من قفاه ويصيحون: إن التفت فمعناه أنه يُسمع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: (من جنى على عضو فأشلَّه ففيه دية ذلك العضو إلا الأنف والأذن، ومن أتلف عضوًا أشل ففيه حكومة إلا الأنف والأذن) فيكون الأنف والأذن مخالفًا لغيره في هاتين المسألتين.
طالب: بالنسبة لثبوت هذه الأشياء ( ... ) في حديث عمرو بن حزم.
الشيخ: لا، في حديث عمرو بن حزم وغيره؛ يعني ليست كلها موجودة في حديث عمرو بن حزم، فالأصابع ما هي في حديث عمرو بن حزم، والأسنان ..
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن ليست فيه، لكن في اللسان، وفي الصُّلب، وفي الذَّكَر، وفي البيضتين، هذا موجود في حديث عمرو بن حزم؛ ولهذا يجب عليكم أن تراجعوا، أنا ذكرنا في المقدمة أنه يراجع على هذا المنتقى ونيل الأوطار، تراجعون هذا لأجل تعرفون الأدلة؛ لأنه ربما يُطلب منكم أدلة على هذه الأشياء، وهي موجودة في الكتاب هذا، أكثرها موجود فيه.
طالب: حجية ( ... ).
الشيخ: الصحيح أنه محتجون به، صححه الإمام أحمد وأخذ به، وعامة العلماء أخذوا بأحكامه ومنه: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (1).
الطالب: فيه قول بإرساله إنه مرسَل.
الشيخ: إي نعم، هو مرسل، لكن المرسَل تعرف أنه إذا اشتهر وعُمِل به صار صحيحًا إي نعم.
قال: (وديات الحواس والمنافع بحسبها؛ ففي السمع الدية كاملة)؛ لأنه لا يوجد له نظير في الجسم (وفي البصر الدية كاملة) يعني لو جنى على عينيه فأذهب بصرهما وهما باقيتان، فعليه دية كاملة، وكذلك في الأُذنين كما سبق، وإذا اختلف الجاني والمجني عليه في ذهاب هذه الحاسة فإنه يُختبر بأن يصاح به غافلًا، ويُنظر إذا تأثر عُلِم أنه يسمع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3615
في البصر أيضًا ربما يدعي أن بصره قد ذهب، أليس كذلك؟ ويقول الجاني: لم يذهب، فبمن نأخذ بقوله؟ هذا أيضًا يُختبر بحيث يُسلَّط عليه فجأة نور قوي، أو يُشار باليد إلى العين إذا أُشِير إليه إن أغمض عينيه، فمعنى ذلك أنه يُبصِر، وإذا لم يُغْمِض فإنه لا يُبصر مع أن الإشارة في الحقيقة قد يُحِس بها بدون رؤية؛ ولذلك أحيانًا لو يرد عليك شيء من فوق لو ما أبصرته تجد أن العين تغمض، لكن النور القوي هو الذي يبين.
على كل حال هذا يرجع إلى الأطباء، وكيف يختبرون السمع، وكيف يختبرون البصر؟
(في شلل اليد ديتها) هذا إذهاب منفعة ولَّا حاسة؟ إذهاب منفعة؛ لأن نفع اليد العمل باليد ما يُسمى حاسة، لكن إحساسها يعني بها اللمس يُسمَّى حاسة.
على هذا نقول: (في شلل اليد ديتها) دية اليد، وهي: نصف الدية كذلك في شلل بعض الأصابع مثلًا لو ضرب أصبعه حتى شُلَّ صار ما يتحرك، فعليه دية الأصبع، لو جنى على أنفه حتى شُلَّ؟
طلبة: ديته كاملة.
الشيخ: ديته كاملة؟ ويش قلنا بالقاعدة توًّا؟ قررنا ويش قلنا؟
طالب: حكومة.
الشيخ: إلا؟
طالب: إلا الأنف والأذن.
الشيخ: الأنف إذن ما فيه دية.
طالب: حكومة.
الشيخ: فيه حكومة نعم، كذلك لو جنى على أُذنه فذهب سمعُه فعليه الدية كاملة من أجل ذهاب السمع، لكن لو أشل الأذن بحيث ما تحس باللمس فإنه ليس عليه إلا حكومة بأن صورتها باقية ولم تتأثر.
(وفي إتلاف الشعور على وجه لا تعود حكومة إلا شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين؛ ففي الواحد الدية) أولًا: الشعور أكثر أهل العلم على أن فيها حُكومة مطلقة سواء هذه الشعور الأربع أو غيرها، ولكن المشهور عند الحنابلة أنهم يقولون: الشعور فيها حكومة إذا جنى عليه حتى ذهب شعره ففيه حكومة.
(إلا شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين) ويش بقي عندنا من الشعور؟
طالب: الرأس.
الشيخ: لا، الرأس فيه دية.
طالب: الإبط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3616
الشيخ: الإبط، والعانة، والشارب، والصدر، والساق، والفخذ، وما أشبه ذلك، هذه يقولون، إن فيها حكومةً، والحكومة سيأتي -إن شاء الله- معناها.
أما هذه الأربعة؛ شعر الرأس لو جنى على رأسه حتى صار لا ينبت شعره فإن عليه -على المذهب- ديةً كاملة، وجمهور أهل العلم على أن عليه حكومة؛ لأن الشعر ما فيه إلا مجرد جمال، وليس فيه منفعة كبيرة كغيره من المنافع، كذلك اللحية إذا جنى عليها حتى ما تنبت، فعليه دية كاملة.
طيب لو كان الإنسان يحلق لحيته؟ جنى على إنسان يحلق لحيته، ما عمره خلَّاها أبدًا، وصارت ما تنبت أبدًا، أو ذاك يعطيه جزاء؟
طالب: يعطيه الدية كاملة يا شيخ.
الشيخ: هذه المسألة عندي محل إشكال، إنسان لا يريد بقاء لحيته، وهو يحلقها منذ كانت تنبت، ثم جاء إنسان وجنى عليه حتى صار محل الشعر غير قابل للإنبات، المذهب يجب فيه دية كاملة؛ لأن اللحية جمال، واللحية أيضًا من الفطرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (2). فإذا أتلفها فقد جنى عليه جناية كبيرة حتى إن وجهه سيكون إذا كبر كوجه العجوز، فيقولون: إن عليه دية كاملة، ولكنه إذا كان هذا الرجل لا يريد لحيته، وهو نفسه يحب أن يُقضى عليها بكل وسيلة، فهل نقول: إن هذا الرجل يرى أن الجمال في عدم لحيته، فليس له شيء أو لا؟ هذا مما يؤيد القول بأن في اللحية حكومة، وليس في اللحية دية، ولو أننا أخذنا بهذا القول عقوبةً لمن كان يحلقها لكان له وجه، فنقول: يرى بعض أهل العلم أن اللحية فيها الحكومة، وإحنا الآن بنقدر أنك عبد ذو لحية، وعبد لا لحية له، أيهم أرغب عند الناس؟
طالب: ذو اللحية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3617
الشيخ: لا، اللي ما له لحية أرغب عند الناس؛ لأن الشاب عند الناس أحسن من الشيخ، فنقول لهذا الرجل: ليس لك شيء الآن، ما دام المسألة تعود للحكومة، فإننا عندما نقومك عبدًا لا لحية له وعبدًا له لحية، فالناس عادةً يرغبون من لا لحية له؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: 19]، والإنسان يرغب أنه إذا كان له عبد ليس له لحية أرغب إليه مما إذا كان له لحية، وعليه فليس على من جنى عليك شيء؛ لأنك أنت ترغب هذا الشيء، فإذا قال: ربما إذا كبرت أني أرغب اللحية؟
طالب: قد يهديه الله.
الشيخ: ربما يهديه الله، فنقول: الحمد لله، العِبرة بوقت الجناية وأنت وقت الجناية لم تخسر شيئًا.
الحاجبان وين الحاجبان؟ الشعر النابت فوق العين، وأهداب العينين، هذه أيضًا أكثر العلماء يرون أن فيها حكومة، وفقهاؤنا يرون أن فيها ديةً؛ لأنها جمال ثابت، وإذا زالت من الإنسان يكون مُشوَّهًا؛ فهي بمنزلة المنافع، فيجب فيها دية كاملة، لكن أهداب العينين أربعة ولَّا لا؟
لو مثلًا لو أتلف أهداب الجفن الأعلى من إحدى العينين يجب عليه ربع الدية، وإن أتلف الجميع وجب عليه دية كاملة، وفي الحاجبين إن أتلف شعر حاجب واحد فنصف الدية، سبق لنا أن في الأجفان الدية، والجفن إذا أتلفه تلفت الأهداب، فهل يجب عليه ديتان؟ ما رأيكم؟ أو ما فهمتم السؤال؟
سبق أن في الأجفان الأربعة الدية، وفي الأهداب الأربعة الدية، فإذا أتلف أجفانًا بأهدابها، فهل عليه ديتان؟ لأنه أتلف أجفانًا وشعورًا ولَّا دية واحدة؟
طلبة: دية واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3618
الشيخ: نعم، دية واحدة؛ لأن الشعر يتبع مثل ما لو أنه، لو قطع الأصابع لكان عليه دية كاملة، ولو قطع يدًا بأصابعها ويش عليه؟ قصدي لو قطع الأصابع كلها دية كاملة، ولو قطع اليدين جميعًا بأصابعها دية كاملة، فإذن يفرق بين الشيء الاستقلالي والشيء التابع، كما لو أن الإنسان لو قتل شخصًا فعليه دية كاملة، ولو نظرنا إلى أعضائه لكان فيه يدان، وفيه رجلان، وفيه عينان، وأنف، ولسان إلى آخره، هل يجب عليه لكل عضو دية؟ لا؛ لأنه لما أتلف الجسد صار الباقي تابعًا له.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الحلْق ما يجب فيه شيء، ما يجب عليه شيء، يُعزَّر فقط؛ لأنه إذا حلقه نبت، وإذا حلقه بعد لمصلحة فاعله، لو فرضنا واحد بيحلق رأسه، وجاء إنسان وسوى ( ... )، نضمنه، ولا نقول: أعطه قروش؛ لأنك بتحلق أنت؟
طالب: ( ... ) حلق لحيته.
الشيخ: إي نعم، إذا حلق لحيته يُعزر فقط، ما دام اللي بينبت يُعزر؛ لأنه بيرجع، وكل الكلام اللي طرف الشعور هذه ذكرنا أنه على وجه لا تعود، أما إذا كان يمكن عودها فإنه ينتظر، لكن لو فُرض أننا انتظرنا عودها ومات الرجل قبل أن يتبين؛ فالأصل العود ولا عدم العود؟
طلبة: عدم العود.
طلبة آخرون: العَوْد.
الشيخ: الأصل العود إي نعم، الأصل العود، لو فرضنا هذا الرجل جنى عليه حتى أذهب أهداب عينيه؛ فالأصل أنها تعود.
طيب في الأسنان، لو قلع سِنَّه يُنتظر حتى يعود ولَّا لا؟ فيه تفصيل، إذا كان قد نبتت أسنانه ثانية فلا يُنتظر؛ لأنه ما يمكن يعود، لكن لو كانت السنون الأولى، هذا يمكن أن تعود يُنتظر إي نعم، مع أني سمعت من بعض الناس نبت له أسنان مرة ثالثة، إي نعم، هذا مؤكد، أعرفه شخص انقلعت أضراسه للمرة الثانية فنبتت.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، نبتت متأكد.
طالب: كرامة.
الشيخ: لا، ما هي بكرامة، يمكن هذا يصير.
باب الشجاج وكسر العظام
الجزء: 2 - الصفحة: 3619
يقول المؤلف: (وفي الجائفة ثلث الدية) الجائفة (هي التي تصل إلى باطن الجوف).
يعني مثلًا إنسان جرح شخصًا مع بطنه حتى وصلت إلى باطن الجوف؛ يعني شق الجلد والقميص فعليه ثلث الدية، ترى هذا إن بقي المجني عليه، أما إن مات فدية كاملة.
وفي كسر الذراع والعضد والفخذ والساق بعيران، لكن بشرط أن يجبر مستقيمًا، إنسان جنى على شخص فكسر ذراعه فعليه بعيران، بشرط أن يجبر مُستقيمًا، فإن جبر معوجًا فعليه الحكومة، ففيه حكومة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله فيما بعد.
طالب: الساعد فيه عظمان لو كسر يعني أحدهما.
الشيخ: الذراع يعني؟
الطالب: نعم، الذراع فيه عظمان؟
الشيخ: إي نعم، إذا كسر واحدة فعليه واحدة فقط.
الطالب: بعير؟
الشيخ: والعضد إذا كسره فعليه بعيران، والفخذ عليه بعيران، والساق كذلك عليه بعيران، إذا كسره بشرط أن يجبر مستقيمًا.
في كسر الضلع والترقوة بعير، الضلع معروف والترقوة معروفة أيضًا، هي العظم الناتئ في أعلى الصدر، إذا كسرها حتى جبرت ففيها بعير، وفي كل ضلع بعير، وكل هذه أدلتها وآثارها موجودة في المنتقى وغيره، فتراجعوه.
طالب: الضلع ( ... ).
الشيخ: لا، كل واحد له بعير، يعني لو كسر ثلاثة أضلاع عليه ثلاثة من الإبل.
(الشجاج وكسر العظام) الشجة جرح الوجه والرأس خاصة، وأما في غير الوجه والرأس فيُسمى جرحًا، ويُسمَّى شجًّا (ففي الموضحة خمس من الإبل، وفي ما دونها حكومة، وفي الهاشمة عشْر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي كل من المأمومة والدامغة ثلث الدية).
الموضِحة هي التي تُوضِح العظم فيها خمس من الإبل، وفيما دونها حكومة، ويش اللي دون الموضِحة؟ جرح لم يصل إلى عظم، يجب فيه حكومة، ولها مراتب الشجات عند العرب، مراتب عشر، كل المراتب الخمس التي قبل الموضحة ليس فيها إلا حكومة، الحكومة سيأتي في آخر البحث معناها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3620
(في الهاشمة عشْر) الهاشمة هي التي يكون فيها قيدان: تُوضِح العظم وتهشمه، فإن هشمته بلا إيضاح ففيها حكومة؛ يعني قد يضربه بحجر وينهشم العظم، لكنه لم يوضحه؛ ففيه حكومة.
طالب: كيف؟
الشيخ: تبرزه، يعني يتبين العظم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هي المسألة ما حد إن شاء الله ماسك ( ... ) يكسرك، وواحد يفتحه بالسكين، لكن أكثر ما يكون يرميه بحجر مثلًا، يضرب بحجر ويصيبه، وما أشبه ذلك، المهم أنه لا بد أن تكون الهاشمة سبقها إيضاح، فإن كانت هاشمة ولم تُوضح فإن فيها حكومة.
(في الْمُنَقِّلة) وهي ما جمعت ثلاثة أوصاف: الإيضاح، والهشم، والنقل، وإن كان النقل بالحقيقة، النقل ما يمكن إلا بعد هشْم.
إذن ما جَمَع الوصفين؛ وهما الإيضاح والنقل توضح العظم وتنقله؛ بمعنى أنه ينقص العظم، وينتقل عن مكانه، وهي أعظم من الأولى ولَّا لا؟ أعظم، ولهذا جاءت الشريعة فيها بأن فيها خمسة عشر من الإبل.
(وفي كل من المأمومة والدامغة ثلث الدية) المأمومة فيها ثلث الدية، جاء ذلك في حديث عمرو بن حزم (3) وغيره أيضًا، لكن الدامغة قاسوها على المأمومة، بل هي أولى؛ لأن المأمومة تصل إلى أم الدماغ، والدامغة تفري الجِلدة؛ فهي أبلغ، قالوا: إن فيها ثلث الدية، ولكن بعض أهل العلم قال: يجب فيها ثلث الدية وحكومة؛ لأن ثلث الدية ثبت بأي شيء؟ بالمأمومة.
والزائد على المأمومة لم يرد الشرع بتقديره، فيكون فيه حكومة، فيُضمَّن ثلث الدية، ويُقدَّر بما زاد على المأمومة حكومة، والغالب أن الجرح إذا وصل إلى هذه الحال الغالب الموت، لكن ربما يريد الله له البقاء فيُعالَج حتى يبرأ فنقول: فيها حكومة مع الثلث.
طيب لو فُرض أن الرجل الذي وصل الجرح إلى دماغه اختل عقله، ويش يجب؟
طلبة: الدية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3621
الشيخ: تجب الدية كاملة؛ لأنه سبق أن سراية الجناية مضمونة ولَّا لا؟ مضمونة، سراية الجناية مضمونة، فيجب فيها الدية كاملة.
طيب لو كانت عمدًا، الرجل شُفِي، وهو متعمد الذي أمَّه في رأسه، متعمد لهذه الجناية، فبرئ الرجل، لكنه اختل عقله، هل يُقتص من الجاني ولَّا ما يقتص؟
طالب: ما يقتص.
الشيخ: ليش ما يقتص؟
طالب: يقتص موضحة يا شيخ.
الشيخ: مر علينا أنه يُقتص موضحة، وله أرش الزائد، كذا ولَّا لا؟ نيجي للعقل يُقتص منه ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ويش السبب؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: إي، ما يمكن القصاص؛ يعني بعض الناس يمكن تضربه ضربًا عظيمًا، ولا ( ... )، وبعضهم يمكن أقل شيء؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
المهم أن الحقيقة أن الحواس والمنافع ما يمكن الاقتصاص منها؛ ولهذا العلماء ما ذكروا فيها قصاصًا؛ لأن القصاص منها مُتعذِّر، قد يجري الإنسان أو يقتص بالجناية التي أخلت بعقل الأول ولا ( ... ) الثاني بعقله، وعلى هذا فنقول: يُقتص منه مُوضِحة، ويؤخذ أرش الزائد، وبالنسبة للعقل يجب عليه دية كاملة.
(والحكومة واجبة في كل قطْع، أو كسر، أو جرْح لا قصاص فيه، وهي -أي الحكومة- أن يُقوَّم المجني عليه كأنه عبد سليم، ثم يُقوَّم وقد برئ من الجناية، فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية إلا أن تكون في موضع له مُقدَّر فلا يُبلغ بها الْمُقدَّر) هذه الحكومة، الحكومة: أن تُقدِّر أن هذا المجني عليه عبد سليم، ثم تُقدِّره مرة ثانية وقد برئ من الجناية، فما بين القيمتين تأخذ مثل نسبته من الدية، فإذا قُدِّر أن هذا المجني عليه وهو سليم، لو كان عبدًا لكان يساوي خمس مئة، ولكنه بعد الجناية والبُرْء يساوي أربع مئة، ما نسبة المئة إلى خمس مئة؟ خُمْس، إذن يجب له في هذه الجناية خُمْس الدية عشرون بعيرًا، وعلى هذا فقِسْ.
طالب: مثل الأرش.
الشيخ: إي، مثل الأرش، الحكومة أرش في الحقيقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3622
(إلا إذا كانت الحكومة في موضع له مُقدَّر؛ فإنه لا يُبلغ بها المقدَّر) مثلًا: الجرْح في رأسه، لكنه لم يصل إلى حد الموضِحة، أفهمتم؟ الموضحة فيها مُقدَّر ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: كم؟
طالب: خمس.
الشيخ: خمس من الإبل.
رجل جرحه جرحًا دون الموضحة، لكن الجرح كان عظيمًا واسعًا، وبرئ الجرح إلا أن الرأس تأثر بهذا الجرح، تأثر يعني صار فيه نوع من التشويه، قدَّرنا هذه الجناية لما قدرناها، فإذا هو عبد سليم يساوي خمس مئة، وبهذه الجناية يساوي أربع مئة، النسبة؟
طالب: الْخُمس.
الشيخ: الخمس؛ أي عشرون بعيرًا، عشرون بعيرًا زادت على خمسة من الإبل ما نبلغ بها المقدر؛ يعني ما يجوز نعطيه ولا خمسة من الإبل، بل نعطيه؟
طلبة: أربعة ونصف.
الشيخ: لا، يعني أقل من الخمس أقل ولو بيسير، لماذا؟ قالوا: لأن الشرع إذا قدَّر شيئًا في جرح، فإن ما دونه لا يبلغ هذا التقدير؛ لأنك لو أعطيته أكثر مما قدر الشرع في شيء دون الشرع لكان هذا طعنًا في حِكمة الشريعة، مثلما لو أن إنسانًا قَبَّل امرأة وخلا بها واستمتع بها في كل شيء إلا في الزنا، ثم إن الحاكم قدَّر عليه مئتي جلدة، يجوز ولَّا لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ما يجوز.
طيب مئة جلدة؟ ما يجوز؛ لأن الشرع قدر مئة الجلدة في الزنا الذي هو إتيان الفاحشة، وهذا لم يصل إلى حد الزنا، فإذا قدرت عليه أكثر مما قدر الشارع بالزنا فهذا يُعتبر طعنًا في الشريعة، والمهم أن كل شيء مُقدَّر ما دونه لا يُبلغ به؛ لأنه طعن في الشريعة.
طالب: اللحية، هل فيها حكومة ( ... )؟
الشيخ: لا، على المذهب ما فيها حكومة، فيها الدية كاملة.
الطالب: لا ( ... ) حكومة.
طالب آخر: على القول ..
الشيخ: على القول بأنه حكومة إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3623
الشيخ: (فإن لم تنقصه بعد البرء قُوِّم حال الجناية) فافرض أن الجرح حصل، لكنه لما برئ ما صار له أثر، ولو أننا قوَّمناه وأردنا الحكومة ما صار له شيء، ما صار له قيمة، فماذا نصنع؟ نقول: خلاص روح، يُقوَّم حال الجناية، والدم يسيل منه، ومعلوم أنه لا بد أن ينقص ما دام الدم يسيل منه على الأقل أننا نقدر أن فيه خطرًا، فإن لم ينقص فلا شيء فيها، بل قال العلماء: أو زادته حُسنًا فلا شيء فيها، إي نعم ربما تزيده حسنًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: افرض أنه قطع أصبعًا زائدًا، جنى عليه وله ستة أصابع، وقطع واحدًا من أصابعه، هذا يزيده حُسنًا ولَّا لا؟ إي نعم، فهذا لا شيء عليه، لكن يقولون: يُعزر الجاني بطلب من المجني عليه ( ... )
باب العاقلة وما تحمله
عقل البعير، وسموا (عاقلة)؛ لأنه جرت العادة عندهم أن الدية، وهي من الإبل كما فهمتم، يأتي بها أولياء القاتل إلى أهل المقتول، ويعقلونها بعُقُلها عند بيوتهم؛ ولذلك سموا عاقلة من العَقْل، وهم -يعني العاقلة- العصبة من النسب والولاء سواء كانوا وارثين أم غير وارثين، المهم أنهم عصبة.
وعلى هذا فيخرج أصحاب الفروض، ليسوا من العاقلة كالزوج مثلًا، وكالأخ من الأم، ويخرج أيضًا ذوو الأرحام كأبي الأم فإنهم ليسوا من العاقلة؛ فالعاقلة هم العصبة فقط، وإنما اختصت بذلك لأن العصبة هم الذين يُقوُّون الإنسان ويشدون أزره، وقد مر عليكم في الفرائض أنه مأخوذ العصبة من العَصْب، وهو الشد؛ لأنهم يشدون أزره ويقوونه، وأما ذوو الأرحام، ومن أدلى بأم كالإخوة من الأم فإنهم ليسوا كذلك؛ ولهذا الإنسان دائمًا يعتزي بمن؟ بعصبته، وليس يعتزي بذوي أرحامه، ولا بإخوته من أمه.
وقولنا: (من النسب) يعتزي بمعنى إذا أراد أن يدعو لنصرته إنما ينتصر بهؤلاء.
وأما قولنا: (والولاء) فنعم؛ لأن العصبة قد يكونون من الولاء مثل: كالسيد سيد العتيق، ولكنكم تعرفون أن عصوبة الولاء بعد عصوبة النسب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3624
(ويحملون عن القاتل الدية بشروط أولًا: ألا تكون جنايته عمدًا محضًا) (يحملون عن القاتل الدية) كلمة (الدية) معناه أنهم يحملون جميع الدية؛ فالقاتل إذن لا يحمل شيئًا، وإنما الدية كلها على العصبة.
وقال بعض العلماء: بل القاتل يحمل كما يحمل غيره.
وقال آخرون: بل يحمل إذا عُدمت العاقلة، ولكن المشهور من المذهب هو ما ذكرنا أنه على العاقلة، فإن لم توجد عاقلة فعلى بيت المال، فإن لم يُوجد بيت مال يحمل سقطت الدية، فهي تجب على العاقلة أصلًا لا تَحمُّلًا؛ يعني ليست تحملًا عن القاتل بحيث يكون الأصل هو، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المرأتين المقتتلتين من هذيل أن دية المقتولة على عاقلة القاتلة (4) على العاقلة، ولم يُحمِّل العاقلة شيئًا، ولم يستفصل هل هي قادرة أو غير قادرة، فلما لم يستفصل عُلِم أن العاقلة تحمل جميع الدية.
يقول: (بشروط) (ألا تكون عمدًا محضًا) وكلمة: (عمدًا) يخرج بها الخطأ، و (محضًا) يخرج بها شبه العمد، فعليه دية الخطأ وشبه العمد على العاقلة، ودية العمد على القاتل.
وقد تقدم لنا الحكمة في أنها في الخطأ وشِبه العمد على العاقلة، وفي العمد على القاتل تعرف؟
طالب: أن هناك من هو محل الرأفة والرحمة، وهنا لا ( ... ) وشبهه، والخطأ محل الرأفة.
الشيخ: إي نعم، وشبه العمد محل الرأفة فتُحُمِّل عنه.
وفي العمد؟
الطالب: ليس محلًّا ..
الشيخ: هذا واحد.
ثانيًا؟
طالب: قد يتساهل بعض الناس إلى أن تتحمل العاقلة الدية فيتساهل ( ... ).
الشيخ: هذا طيب أيضًا أنه قد يؤدي إلى تساهل في قتل العمد.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أن الدية فداء عن نفسه في مسألة العمد؛ لأن الأصل، ويش الأصل؟ القصاص الأصل النفس بالنفس، فإذا تحمل الدية فإنه فدى نفسه فتكون الدية عليه لا على عاقلته.
الجزء: 2 - الصفحة: 3625
(الشرط الثاني: ألا تكون الدية جارية مجرى الأموال، فإن كانت الدية جارية مجرى الأموال فإنها على القاتل نفسه ولو عمدًا) مثل دية العبد، فإن دية العبد -كما سبق- قيمته بالغة ما بلغت؛ لأنه أُجري مجرى الأموال، وعلى هذا فإن العاقلة لا تحمل قيمة العبد كما أنه لو أتلف بعيرًا مثلًا فإن العاقلة لا تتحمله، فكذلك إذا أتلف عبدًا فإن العاقلة لا تتحمله؛ لأن دية العبد بمنزلة قيمة البهيمة؛ فالعبد إذن جارٍ مجرى الأموال فلا يُمكن أن تضمنها العاقلة كما أنها لا تضمن ما أتلفه من الأموال الأخرى.
(الشرط الثالث: أن يكون العاقل حُرًّا مُكلفًا ذكرًا غنيًّا موافقًا للجاني في الدِّين) (أن يكون العاقل حُرًّا) فالعبد لا يُحمَّل من الدية شيئًا، لماذا؟ لأنه لا يملك؛ فهو إذن مُعدِم حتى لو أن سيده أعطاه مالًا أو ملَّكه مالًا، وقلنا بأنه يملكه فإنه لا يجب عليه؛ لأن العبد ليس أهلًا للمساواة والنصرة.
كذلك (مُكلَّفًا) أي بالغًا عاقلًا؛ وعلى هذا فالصغير لا يؤخذ من ماله للدية؛ لأنه ليس أهلًا للنصرة، وأصل تحمل العاقلة -كما قلنا قبل قليل- النصرة والمساعدة والموالاة والصغير ليس من أهلها، وكذلك أيضًا المجنون من باب أولى؛ لأنه لا عقل له، ولا يعرف المناصرة، ولا أحد أيضًا يفكر أنه ينتصر بمجنون؛ فالصغير والمجنون ليس عليهما دية.
هل نقول يشترط الرشد ولَّا ما يشترط؟
طالب: لا يشترط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3626
الشيخ: يعني لو كان بالغًا عاقلًا، لكنه ما يحسن التصرف في المال؟ ليس بشرط ما دام بالغًا عاقلًا فإنه وإن كان لا يحسن التصرف في المال ومحجور عليه من أجل السفه؛ فإنه يؤخذ من ماله، لا بد أن يكون ذَكرًا، الأنثى ما عليها، ويش ما عليها؟ دية، ما يلزمها شيء؛ لأنها كما قلنا فيما سبق وهذه مبنية على العلة في التحمل، المرأة ليست من أهل النصرة؛ ولهذا لم يُوجب الله عليها الجهاد حتى في سبيل الله، ما يجب عليها الجهاد في سبيل الله إلا في حالات ضرورية، فليست من أهل الجهاد كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ» (5).
فإذن لو كان هذا الرجل له أخ شقيق وأخت شقيقة، كلاهما غني، نأخذ من أخيه الشقيق، ولا نأخذ من أخته الشقيقة؛ لأنها ليست أهلًا للتحمُّل، لا بد أن يكون غنيًّا، فإن كان فقيرًا فليس عليه شيء؛ يعني بمعنى أننا لا نقول: إن هذا الفقير يُكتب عليه حصته من الدية، وإذا أغناه الله سدَّد، لا نقول هكذا؛ لأنه إذا كان هذا الرجل ليس عنده شيء فإن الله لا يُكلِّف نفسًا إلا وسعها، وليس هذا شيء استدانه هو حتى نقول: يُكتب عليه حتى يُوسر، بل هذا شيء للنصرة، ومن ليس معه سلاح كيف ينصر غيره؟
ولا بد أن يكون (موافقًا للجاني في الدِّين) فلا يَعقل كافر عن مسلم، ولا مسلم عن كافر.
إذن لو قُدِّر أن الذي وقع منه الخطأ لا يصلي مثلًا فإن أقاربه المسلمين لا يعقلون عنه، ما يدفعون الدية عنه، لماذا؟ لأنه مخالف لهم في الدين، هو كافر مرتد، والعياذ بالله، وهم مسلمون؛ وهذا لأن أكبر مفارقة بين بني الإنسان هي مفارقة الدين، قد قال الله تعالى لنوح عليه الصلاة والسلام في ابنه الذي خرج من صلبه وهو بضعة منه، قال الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 46]؛ لأنه ليس بمسلم.
فإذن إذا قُدِّر أن الذي وجبت عليه الدية إنسان لا يصلي، وطلب من أبيه وعمه وأخيه أن يقوموا عنه بالدية قلنا: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3627
طيب يتحملها بيت المال؟ لا يتحملها؛ لأن المرتد ليس له حق في بيت المال.
على من تكون؟ تكون عليه هو؛ لأن الرجل هذا ليس أهلًا للنصرة، الذي لا يصلي أهل لأن يُعدم، هذا الواجب، الواجب إعدامه إلا أن يتوب ويُصلي، وكذلك أيضًا من استهزأ بالدين، أو سخر بالرسول عليه الصلاة والسلام، أو زعم أن رسالته ليست عامة، أو زعم أن دِين اليهود والنصارى صحيح، وأنهم على حق، وأنهم يساوون المسلمين في الدين، وكل هذا أيضًا موجود الآن في بعض أوساط الجهال، يظنون أن الأديان السماوية كلها صحيحة حتى ملة اليهود والنصارى يقولون: إنها صحيحة، وهم إخواننا في الدين، وربما يعبرون عن ذلك، ويقولون: أي فرق بين دين التوراة والإنجيل والقرآن ما دام كلها من الله؟ ولا يعرفون أن التوراة والإنجيل قد نُسِخ العمل بهما، وأصبحتا غير معمول بهما، وأن الشرع الآن هو الإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85].
هذه الشروط الثلاثة لتحمُّل العاقلة.
الآن دائمًا يعرف في المساجد صكوك، يطلب بها المساعدة، فهل لنا أن نعطيه من الزكاة ولَّا لا؟ ما نعطيه من الزكاة؛ لأنه أولًا: هو غير مدين، الدَّيْن على من؟ على العاقلة، هو ليس بمدِين، بل دينه على عاقلته، نقول: رُح خذ مِن عاقلتك، إذا قال: والله العاقلة فقراء.
نقول: إذن ما يجب عليهم شيء، فهم غير مدينين.
على من يكون؟ على بيت المال، إذا قال: بدي مال، روحت للملي، وقال: روح وراك، ما عندنا لك شيء، ويش نقول؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3628
نقول: ما عليه شيء؛ لهذا ما يصح أن يعطوا من الزكاة على كل تقدير؛ يعني ما يصح أن نعطي هؤلاء الذين يتسولون بهذه الصكوك، ما نعطيهم على كل تقدير ما نعطيهم من الزكاة، إنما نعطيهم صدقة، يمكن الإنسان يعطيهم صدقة؛ لأن الصدقة تحل حتى للغني، لكن من الزكاة ما يجوز؛ لأن قلنا لكم الآن: التقييدات واضحة: أولًا: ليس هذا القاتل بمدين صح ولَّا لا؟ الدَّيْن على من؟ على العاقلة، العاقلة قال: فقراء، قلنا: ما عليهم شيء، ما هم مدينون حتى نقضي عنهم، على بيت المال، بيت المال أبى، إذن ما نتحمل إحنا من زكاتنا؛ لأن أصناف الزكاة معلومة من الشرع، ولا يمكن أننا نصرفها في غيرها، أما مسألة الصدقة فالصدقة أوسع، ويجوز أن تعطيه صدقة مساعدة بشرط أن تعرف، أو أن يغلب على ظنك أن الدية لم تُقضَ بعد؛ لأن منهم من يجعل هذه الصكوك وسائل للاستجداء حتى بعد أن قضوا الديات.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، للاستجداء، يعني طلب المال حتى بعد أن قضوا الدية، فأنت إذا غلب على ظنك صدق هذا الرجل، ثم أيضًا فيه شيء آخر أنك تعلم أن الرجل مستقيم ليس متهورًا؛ لأن هؤلاء المتهورين أرى ألا يساعدوا أبدًا لا بشيء من الدية ولا غيرها ( ... ) عليهم بقدر الغنى، وبقدر القُرْب، يجتهد الحاكم، الحاكم هو اللي يُوزِّعها، ما هي بعلى ما يبغون؛ لأنهم قد يبخلون مثلًا، لكن الحاكم يُوزِّعها بحسب القرب، فإذا قُدِّر أن اثنين كلاهما في الغنى واحد، لكن أحدهما أقرب، يُجعل على هذا أكثر من الثاني، وإذا كان أحدهما أبعد، لكنه أغنى يُزاد بحسب غناه؛ فالمسألة تختلف بحسب القرب وبحسب الغنى.
طالب: ما فيه تحديد شرعي؟
الشيخ: لا، ما فيه تحديد شرعي لا، يُرجع فيها لاجتهاد القاضي.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: قد يقال: الواقعة اللي وقعت للمرأتين من هذيل، فحكم الرسول على العاقلة أنها امرأة، وإذا كان رجل غني قد له وجه أن يلزم.
الشيخ: ويش الفرق؟
الطالب: ( ... ) امرأة ضعيفة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3629
الشيخ: ولو كانت امرأة، كان يلزم على الرسول بأي شيء من الدية، ولم يستفصل الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك، ما استفصل في هذا الشيء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أقول: إذا قلنا بهذا، فقد يكون له وجه، مع أن حبسه في هذه الحال غير وجيه؛ لأنه إن كان غنيًّا هو بيدفع ولا يحتاج إلى حبس، وإن كان فقيرًا فلا وجه لحبسه، ما يجوز يحبس.
طالب: ( ... ) العاقلة ( ... ).
الشيخ: ولا تزر وازرة وزر أخرى، لا، نجيب العاقلة نحبسها، نقول: يلَّا سلِّم وإلا حبسناك، العاقل الغني نقول: سلِّم وإلا حبسناك.
باب القسامة
القسامة، تعريفها: القسامة مأخوذة من القَسَم، وهو اليمين، وهي كانت معروفة حتى في الجاهلية، وأقرها الإسلام، كما سنذكر إن شاء الله، وأما تعريفها فهي أيْمَان مُكرَّرة في دعوى قتل معصوم، وهذه الأيْمان قد تكون من المدَّعِي، وقد تكون من المدَّعَى عليه كما سيتبين في شرحها.
إذن القسامة في دعوى قتل ليست في دعوى مال أو جناية دون القتل، ولكنها في دعوى قتل معصوم، وأصلها ما ثبت به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عبد الرحمن بن سهل الذي قتله من؟ قتله اليهود في خيبر، خرج إليهم، ثم وُجِد مقتولًا يتشحط في دمه، فحكم النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك بالقسامة، وقال لأوليائه: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ -يَعْنِي مِنَ الْيَهُودِ- بِأَنَّهُ قَتَلَهُ فَتَأْخُذُونَ بِرُمَّتِهِمْ».
والرمة هي الحبل الذي يُقاد به القاتل ليُقتل، ولكنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نحلف ونحن لم نرَ ولم نشهد؟ ما يمكن نحلف.
فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَحْلِفُ الْيَهُودُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَبْرَؤُونَ بِذَلِكَ» فقالوا: نحن لا نرضى بأيمان اليهود.
لأنه معلوم القاتل بيحلف.
فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده بمئة بعير (6). وداه من عنده من بيت المال بمئة بعير.
الجزء: 2 - الصفحة: 3630
وأصل ذلك القسامة أنه يوجد قتيل عند قوم أعداء، ولم يُعلم من القاتل، ما يُعلم من القاتل، حينئذٍ نقول لأولياء القتيل: عيِّنوا واحدًا من هذه القبيلة التي هي عدوة لكم، واحلفوا أنه هو القاتل وكم تحلفون؟ تحلفون خمسين يمينًا، واللي يحلف الخمسين هم الورثة، فإذا كان الورثة أخوين شقيقين فعلى كل واحد منهما خمس وعشرون يمينًا، وإذا كانوا ثلاثة فعلى كل واحد كم؟ اقسم خمسين على ثلاثة؟ سبعة عشر وثلث، لكن لا بد أن يُكمل الكسر.
على كل حال الذي يُقسم الورثة، ومن كان في نصيبه كسْر جُبر؛ لأن الأيمان ما تتبعض.
(يحلفون على واحد أنه القاتل، ويأخذونه ويقتلونه إن شاؤوا أو يأخذون الدية أو يعفو) إذا قالوا: ما نحلف، يحلف المدعى عليهم، كم؟ خمسين يمينًا فيبرؤون، يقولون: والله ما قتلنا هذا الرجل.
فإذا لم يحلفوا فإنه يجب على الولي ولي الأمر أن يدفع ديته من بيت المال؛ لأنه ما يمكن أن تذهب الدية هدرًا.
طالب: بالنسبة لحلف المدعى عليه؛ يعني بيحلف الإنسان عن نفسه أنه ما قتله؟
الشيخ: لا، المدَّعى عليه، هما بيقولون: فلان القاتل.
الطالب: لا، هما قالوا: ما نعين شخصًا.
الشيخ: إذا ما عينوا شخصًا فإنه ما يصير قسامة ولا دعوى؛ يعني بمعنى أنه لا تُسمع الدعوى، لا بد أن تكون على معين، يحلفون عليه، ثم إذا لم يحلفوا عليه يحلف هو، فإن لم يرضوا بيمينه وداه من بيت المال، وإن نكل قُضي عليه بالنكول.
طالب: يحلف هو خمسين يمينًا؟
الشيخ: يحلف هو خمسين يمينًا، وهنا في الحقيقة القسامة الآن تجدون أن فيها مخالفة للدعاوِي العامة من ثلاثة وجوه، القسامة الآن تصورتوها ولَّا لا؟ فيها مخالفة للدعاوِي العامة من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن اليمين فيها كان من جانب المدَّعِي، والدعاوِي العامة من جانب المدَّعَى عليه، وعلى المدعي البينة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3631
الوجه الثاني: أن فيها أيمانًا من المدعين مع أنهم لم يشهدوا، ما رأوا بأعينهم أن فلانًا قاتل فلان، ومع ذلك أبحنا لهم، ويش أبحنا لهم؟ اليمين، وهذا مشكل، كيف نُجيز اليمين لرجل ما رأى؟
الوجه الثالث: أن العادة في الأيْمان أن تكون يمينًا واحدًا، وهنا كُرِّرت الأيمان خمسين يمينًا.
ومن ثم من أجل هذه المخالفات الثلاث أنكرها بعض أهل العلم من الخلَف والسلف، وممن أنكرها عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وقال: ما يمكن أنه يُقضى بالقسامة؛ لأنها مخالفة لهذه الأمور الثلاثة، ولكنه لا شك أن قول عمر بن عبد العزيز، ومن هو أفضل منه، ومن هو دون منه إذا خالف الشرع فإنه ليس بشيء، ولا يُعتبر شيئًا؛ لأن حديث القسامة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة طرق، فلا يمكن إلغاؤه لمجرد أن فلانًا خالفه.
إذن هي ثابتة، ولكننا يمكن أن نبين أن القسامة جارية على الأصول ولو مع هذه المخالفات؛ فالأول: قلنا: إن اليمين من جانب المدعي، والعادة أنه من جانب المدَّعَى عليه.
نقول: حقيقةً من تأمل الشرع وجد أن اليمين ليست في جانب المدَّعِي، بل اليمين فيمن ترجَّح جانبه سواء كان من جهة المدعي أو من جهة المدَّعى عليه، أفهمتم؟ مثلًا أنا ادعيت على هذا الرجل بأن القلم اللي في يده لي، وهو يقول: لا، لي أنا، من الراجح أنه له؟ المدَّعَى عليه؛ لذلك كانت اليمين في جانبه، لكن لو أتيت بشاهد يشهد أن القلم لي، ما عندي إلا ها الشاهد فقط، أنا الآن أحلف وآخذ القلم، فصارت اليمين في جانبي، لماذا؟ لأنه ترجح جانبي بأي شيء؟ بالشاهد هذا، ولكن هذا الشاهد لم يكن بينة تامة حتى لا أحتاج أنا إلى اليمين.
في القسامة جانب المدعي راجح، ويش رجَّحه؟
طالب: المقتول.
طالب آخر: القتيل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3632
الشيخ: يرجحه أن الرجل قُتل بين ظهراني جماعة بيننا وبينهم عداوة، معروف مثلًا أن ها القبيلة هذه عدوة لهذه القبيلة، وهو أيضًا بين أظهرهم، مين اللي بيجي يقتله، ويش اللي يغلب على الظن؟ أن القاتل هؤلاء القبيلة، وعلى هذا فيكون جانب المدعي هنا راجحًا، والذي يرجحه ( ... )، وهي هذه العداوة.
مر علينا أظن رجلان أحدهما ليس عليه غترة، والثاني خلفه أصلع يقول: يا فلان، أعطني غترتك، أيهم مدعي؟ الأصلع إي نعم، الأصلع هو المدعي.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو ( ... )، نجدي، الأصلع هو المدعي، لكن مع ذلك القرينة تدل على أيش؟ على صحة دعواه ولَّا لا؟ لأن هذا لابس للشماغ، وبيده شماغ، منين جاءه الشماغ الثاني إلا لولا أنه آخذه من هذا الأصلع اللي ( ... ) شماغي؟ من الذي يحلف في هذه الحال؟ الأصلع هو اللي يحلف، يقول: والله هذا الشماغ اللي بيده لي، فإذا حلف أخذناه وأعطيناه إياه.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: أي لون؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: قلنا: عندنا قرينة ظاهرة تشهد بصدق هذا الرجل؛ لأنه من المعروف عند أهل نجد، الاحتمال ( ... )؛ لأن عندنا ظاهر، حتى أليس الشهود اللي بنحكم بشهادتهم ألا يجوز أن يكونوا كاذبين أو مخطئين؟
طلبة: بلى.
الشيخ: مسألة التجويز العقلي في هذه الأمور لا تأتي به؛ لأن التجويز العقلي لو أردنا أن نعترض بكل ما يفرضه العقل ما أمكننا ولا نعمل ولا بالشريعة أيضًا، حتى بالشريعة ما يمكننا؛ لأننا نقول مثلًا، الراوي قد يكون مخطئًا أو ناسيًا، فالتجويز العقلي في هذه الأمور أمرٌ غير وارد، لا شك أنه من الجائز عقلًا أن يكون مع هذا الرجل شماغان، وهذا ليس معه شيء، هذا من الجائز عقلًا، لكن حسب الظاهر أن الصواب مع مَنْ؟ الصواب مع الأصلع؛ لأنه ما جرت العادة بأن واحدًا من أهل نجد يمشي في السوق أصلع، ما جرت العادة هذه أبدًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3633
فعلى هذا نقول: اليمين هنا في جانب المدعي؛ لأن جانبه أقوى، وبهذا عرفنا أن الشريعة تُقرِّر بأن اليمين ليس في جانب المدَّعَى عليه دائمًا، بل هو في جانب مَنْ؟ في جانب أقوى المدعيين حُجَّة، ولو بالقرائن الظاهرة؛ فالقسامة إذن ماشية على الأصل ولَّا مخالفة للأصل؟ ماشية على الأصل.
نيجي نقول: الشيء الثاني مما تخالف فيه الأصول: تكرار الأيمان، ليش تكرر الأيمان؟ أليس اليمين الواحد يكفي والإنسان اللي بيهتك حرمة اليمين لا فرْق عنده بين هتْك الأيمان الكثيرة، وهتك اليمين الواحد؟
فنقول: نعم، هذا هو الأصل، أن الإنسان اللي بيتجرأ على اليمين الغموس بيتجرأ على يمين واحد وعلى أيمان متعددة، لكن المقام خطير جدًّا، أليس كذلك؟ ويش المقام؟ المقام أنك إذا حلفت نبغي نهدر دم إنسان معصوم، وهذا أمر ليس بالهين، ولهذا «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (7).
الحين نقول: نظرًا لأهمية الدعوى صار لا بد من التكرار، والإنسان إذا حلف مرة واحدة صحيح ينتهك حرمة اليمين إذا كان كاذبًا، لكن ربما إذا شاف أنه إذا حلف خمسين مرة يمكن إذا حلف عشر مرات بيتندم، يخشى من العقوبة مثلًا فيرجع، ولا يحلف خمسين يمينًا، وهذا أمر مُسلَّم؛ يعني الإنسان قد تأخذه العزة بالإثم في مرة واحدة، لكن في مرات عندما تتكرر يمكن يرجع، يخاف ويهاب، ولا شك أن المؤمن سوف يهاب إذا تكرر منه هذه الأيمان، فعلى هذا نقول: كررت الأيمان في القسامة؛ لأن الأمر خطير جدًّا؛ فلذلك لا بد من أن تتضاعف الأيمان ( ... )
ثلاثين، فهذا لا يمكن الجواب عليه، السبب؟ لأن هذا أمر توقيفي، كما أن عدد الصلاة مثلًا أربع، خمس ما نقدر نقول: ليش صارت الظهر أربع ركعات، وليش صارت العصر أربع ركعات؟ طالب: ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3634
الشيخ: لا، حتى لو أقرها الشرع؛ يعني ما يمكن أن نبني الحكم الشرعي على أن هذا هو المعروف في الجاهلية؛ لأن هذا يسيء ( ... ) لكن الكلام على أن هذا أمر أقره الشرع، فصار شرعًا، فلماذا لم يُعدِّل الشرع مثلًا هذا الأمر إلى أربعين أو سبعين أو سبعة؟
أما المسألة الثالثة: وهي كيف يحلف هؤلاء؟ أو كيف يُمكَّن هؤلاء من اليمين مع أنهم لم يروا ولم يشهدوا؟
فنقول: هذا أيضًا موافق للأصول، فإنه يجوز للإنسان أن يحلف على ما يكون غلبة ظن عنده، وقد أقر النبي عليه الصلاة والسلام الأعرابي الذي قال: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا (8). مع أننا نعلم أن هذا الرجل ما ذهب إلى لبيوت كلها واستقصاها حتى يعرف أنه لا يوجد أحد أفقر منه، وأقره النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على الشيء يدل على أنه حق.
وربما نقول أيضًا: إن قصة إبراهيم مع زوجته سارة، حيث أقسم أنه لا يوجد أحد على وجه الأرض يؤمن بالله (9)، قد نقول: إنه من هذا النوع، إن لم يعارض بأنه قد أوحي إليه بذلك فالله أعلم، لكن الدليل عندنا الواضح هي قصة هذا الرجل الذي حلف بأنه ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3635
فهؤلاء القوم لهم أن يحلفوا بناءً على أي شيء؟ بناءً على الظاهر، الذي يكون به غلبة الظن؛ ولهذا أهم شروط القسامة اللَّوْث، واللوث على المشهور من المذهب العداوة الظاهرة، هذا اللوث، العداوة الظاهرة؛ لأن العداوات -كما تعرفون- عداوة ظاهرة بينة وعداوة باطنة، العداوة الظاهرة هي التي تكون بين القبائل، يحارب بعضها بعضًا، ويعادي بعضها بعضًا ظاهرة، مثلًا نقول: هذه القبيلة عدوة لهذه القبيلة، لكن عداوة باطنة بين شخصين فقط، هي تكون عداوة ظاهرة ولَّا؟ بين شخصين ما تكون عداوة ظاهرة، يعني ربما يكون واحد جالس إلى جنب شخص وهو عدو له في الباطن، فالعداوة الباطنة من أجل أنها ليست قرينة ظاهرة لا عبرة بها، مثال ذلك: رجل قتل في بلد وادَّعى أولياؤه أن فلانًا قاتلُه، لماذا؟ قال: لأن فلانًا عدو له ما يكفي هذا في القسامة؛ لأن هذه العداوة باطنة، نعم، إن هدده بالقتل فسيأتي بعد قليل.
وقيل: إن اللَّوْث كل ما يغلب على الظن وقوع القتل به فهو لوْث، سواء كانت عداوة ظاهرة أم غير ذلك؛ ولهذا صور كثيرة، منها: لو شهد اثنان على شخص بالقتل وهما لا تُقبل شهادتهما لعداوة أو غيرها فإنه في هذه الحال يغلب على الظن أنه قاتل، لكن ما نجعل هذا حُجَّة شرعية؛ لأن هذه البينة لا تُقبل شرعًا.
كذلك أيضًا لو وُجِد شخص يتشحط بدمه، ووجدنا إنسانًا مدبرًا، وفي يده سكين فيها دم، ملطخة بالدم، هذا يغلب على الظن أنه قاتله، ما في المكان أحد، وهذا الآن يتشحط في دمه، وهذا الرجل معه السكين فيها دم، هذا يغلب على الظن أنه القاتل، وربما قد يصل إلى اليقين، لكن مع ذلك على المذهب ما تجب القسامة في هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3636
كذلك أيضًا لو أن شخصًا كان يهدد آخر بالقتل، يهدده بالقتل، ثم قُتِل، وكان يترجح عندنا أنه يُنفذ ما هدده به، فهذا أيضًا على القول الثاني لوْث تُجرى به القسامة، أما المذهب فلا يرون اللوث إلا العداوة الظاهرة فقط، والأخير أصح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأننا نعلم أن العداوة الظاهرة إنما كانت لوثًا تُجرى به القسامة، لماذا؟ لأنه يغلب على الظن صِدْق وقوع الأمر وصِدْق الدعوى، فإذا كانت هذه هي العلة، فمتى وُجِدت هذه العلة في أي صورة من الصور فإنه يجب أن يثبت الحكم؛ لأن القاعدة العامة أن الحكم يدور مع علته، وهذا القول هو الصحيح؛ أن اللَّوْث كل قرينة يغلب على الظن وقوع القتل بها سواء كانت عداوة ظاهرة أم غيرها، وهو اختيار شيخ الإسلام.
أما كيفية الإقسام بها؛ فالإقسام بها -كما سمعتم في أول الدرس- أولًا: تُعرض الأيمان على من؟ على المدعين فيحلفونها، ولكن هل الواجب أن يحلف خمسون رجلًا، أو الواجب أن تكون الأيمان خمسين يمينًا؟
اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من يرى أن الواجب أن يحلف خمسون رجلًا، ومن العلماء من يرى أن الواجب أن يُقسَم خمسون يمينًا، وبينهما فرق، ومن الذي يقسم خمسين اليمين على هذا الرأي الأخير؟ الذي يقسمها هم الورثة، كل بحسب ميراثه، فمن يرث النصف مثلًا عليه خمس وعشرون يمينًا، ومن يرث العُشْر مثلًا عليه خمسة أيْمان، ومن كان في أيمانه كسر فإنه يُجبر الكسر، واضح؟ فإذا قُدِّر أن الرجل قُتل عن خمسة أولاد؟ كم يحلف كل واحد؟ عشرة أيمان، وإذا كان عن خمسة أولاد وخمس بنات؟ البنات ما يقسمن؛ لأن القسم يكون بالذكور فقط، أما النساء ما يحلفن.
الجزء: 2 - الصفحة: 3637
على القول الأول الذين يقولون بوجوب خمسين رجلًا، يحلف خمسون رجلًا تُوزَّع الأيمان على الأقرب فالأقرب، يُبدأ بالورثة فإن استكملوا الأيمان فذاك، وإن لم يستكملوها أخذ بالأقرب فالأقرب، فإذا كان له عشرة أولاد على هذا الرأي كم يحلفون؟ عشرة أيمان، ثم يُنظر مثلًا إلى إخوته، له عشرة إخوة، نقول: أقسموا عشرة أيمان، له عشرون بني أخ يقسمون عشرين يمينًا، له عشرة أعمام يقسمون عشرة أيمان، فعلى هذا تُوزَّع الأيمان على حسب الأقرب فالأقرب.
وهذا هو ظاهر حديث عبد الرحمن بن سهل، فإن عبد الله بن سهل -كما سبق لنا أمس- قُتل في خيبر، وأخوه عبد الرحمن وابني عمه قال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا» (10). فظاهره أنه لا بد من خمسين رجلًا، وهذا أيضًا أحوط؛ لأننا إذا أخذنا بخمسين رجلًا، أتينا بخمسين يمينًا ولَّا لا؟ وإذا أخذنا بالورثة، واعتبرنا الأيمان دون الرجال فإننا لن نأخذ بالرجال، وما كان يمكن أن يُؤخذ به في الحالين فهو أوْلى لا سيما وأن ظاهر الحديث يؤيده.
بدأنا بأيْمان المدعين، المدَّعون أبوا أن يحلفوا، إذن تتوجه الأيْمان إلى المدَّعَى عليهم، إذا حلف بعضٌ ونكل بعض، بعض حلف وبعضٌ نكل، قال: ما أحلف، فهل تثبُت القسامة في حق الباقين، أو لا تثبت؟ يرى بعض العلماء أنها تثبت، ولكن القصاص ما يمكن يثبت؛ السبب: لأن هؤلاء الذين امتنعوا سوف يسقط نصيبهم، والذين حلفوا سوف لا يكون لهم إلا نصيبهم من الإرث، فإذا قدرنا أن أولاده خمسة، وامتنع اثنان وحلف ثلاثة، هل نقول: إنه يُقتص منه ثلاثة أخماس؟ يقتل ثلاثة أخماس ويبقى خمساه؟
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3638
الشيخ: ما يمكن، إذن تتعين الدية، فيُجعل لهؤلاء ثلاثة أخماس الدية للذين حلفوا، وأولئك ليس لهم شيء، فإذا امتنع بعض من يتوجب عليهم اليمين سقط القصاص بلا شك، وتجب الدية على رأي بعض أهل العلم، وبعض العلماء يقول: ما يجب شيء؛ لأن النصاب لم يكمل، ولا يمكن أن تتبعض القضية.
يتوجه الأيْمان الآن إلى المدعَى عليهم، المدعى عليهم إذا حلفوا وقالوا: والله ما قتلنا ولا اتهمنا أحدًا مثلًا، ولا نعلم عنه يبرؤون ولَّا لا؟ يبرؤون.
إذا نكلوا عن اليمين، وقالوا: ما نحلف، فهل يُقضى عليهم بالنكول ويجب القصاص ولَّا تجب الدية؟ تجب الدية، الصحيح أنها تجب الدية دون القصاص؛ لأن القصاص لم تتم شروطه، لم يثبت الآن، ولكن الدية مال، والمال يُقضى فيه بالنكول، فيتحول الأمر إلى وجوب الدية.
في هذه الحال إذا لم يرضَ أولياء المقتول بأيمان هؤلاء، فما الحكم؟ يكون في بيت ..
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
إلى المدعى عليهم فلهم ثلاث حالات: تارة يرفض المدعون قبول أيمانهم، وتارة يحلفون، وتارة ينكلون عن الحلف، أليس كذلك؟ إذا لم يقبلوا بأيمانهم؛ إذا لم يقبل المدعون بأيمانهم وجب دفع ديته من بيت المال، إذا رضوا ونكل هؤلاء فإنه يُقْضَى عليهم بالدية، إذا رضوا وحلف هؤلاء برئوا ولا شيء، حتى ولا في بيت المال ما يجد، ثم نأتي إلى ..
طالب: شيخ، لو الذي نكل عن الحلف ليسوا من الورثة مثل .. ؟
الشيخ: على القول بأنه يجب نفس الشيء الحكم واحد، إلا أني ما أدري عن هذا القول؛ هل إنهم إذا نكلوا يرون ما يجب شيء أو يرون تجب الدية كاملة؛ لأن الورثة قد حلفوا وهم مستحقو الدية، هذا ما أدري، ويش ترون فيها؟
طالب: شيخ، إذا حلف المسلمون المدعون ( ... )؟
الشيخ: لا، ما يُقْضَى؛ لأنها في منزلة البينة.
طالب: قول القائل هل ذكر حديث ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3639
الشيخ: إي، يعني معناه أنه ما وقع بالفعل؛ لأن ما هو بمعناه أنه ما ثبت حكمًا؛ يعني يحصل موانع؛ إما -مثلًا- مثل قضية اليهود هؤلاء ما قاد الرسول؛ لأن ما تمت الشروط، فإن المدعين لم يقبلوا أيمانهم، هذا إذا صح الحديث -الأثر- الذي ذُكِرَ، هذا إذا صح فإنه يُحْمَل على أنه لم يقد بها بالفعل، أما الحكم فثابت.
طالب: يقال: إن هذا ( ... ).
الشيخ: إي نعم، بالأيمان مجرد ( ... ) ما يكفي لكن بالأيمان.
طالب: هل يُشْتَرط أن يكون المدعى عليهم مسلمون؛ لأن اليهود هؤلاء المدعى عليهم لم يرض المسلمون ( ... ) أيمان؛ لأنهم يهود، لو قلنا ( ... ) هل نقول: يُجْبَرون على .. ؟
الشيخ: لا، ما يجبرون على الرضا بأيمانهم؛ لأن بعض المسلمين يحلف على الكذب، ممكن يحلف على الكذب.
الطالب: ( ... ) بأنهم يهود ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هم يقبلون لأنهم يهود، لكن أيضًا ربما لا يقبل؛ لأن هذا يتجرأ على المعصية، قد يقول: إن اللي قتل ما يهمه ما يحدث.
طالب: لو خَلَّف المقتول بنات فمات؟
الشيخ: إذا كان الورثة -على القول بأن الذي يحلف الورثة فقط- إذا كانوا إناثًا فإنه يحلف المدعى عليه يمينًا واحدة ويبرأ؛ لأن ما تتم القسامة لا بد أن يكون فيها ذكور.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، الرسول قال: يقسمون على رجل منهم عينه ما يمكن ( ... ) اليهود كلهم ( ... ).
طالب: شيخ، القول الذي يقول: الذي يقسم خمسين رجلًا (1)، ( ... ) موت الأقرب فالأقرب، لو نكل الأقرب ما يؤخذ الذي بعده؟
الشيخ: ما يؤخذ؛ لأن اللي بعده ما عليه الحق مع وجود الأقرب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3640
﴿كتاب الحدود﴾
مدخل
الحدود تعريفها؛ الحد في اللغة: المنع، وأما في الشرع فإنه يختلف في الحقيقة؛ قد تكون محارم الله تسمى حدودًا، وقد تكون موجباته حدودًا، لكنه هنا المراد به العقوبة؛ عقوبة مقدرة شرعًا في فعل معصية، هذه الحدود: عقوبات مقدرة شرعًا في فعل معصية.
والحدود ثابتة في الزنا، وفي السرقة، وفي القذف، في قطع الطريق، ويش بعد؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو حد.
طالب: الخمر.
الشيخ: الخمر ليس بحد على الصحيح، هذه أربعة، وبعض الناس -بعض الكتاب المتأخرين- يلحق بها القصاص، ولكنه ليس بصحيح؛ لأن القصاص ليس بحد؛ إذ إنه راجع إلى من؟ إلى الورثة؛ إن شاؤوا اقتصوا، وإن شاؤوا عفوا مجانًا أو إلى الدية، لكن الحدود يجب إقامتها، ما لأحد بها اختيار.
طالب: المرتد.
الشيخ: والمرتد أيضًا ليس حدًّا؛ لأن المرتد لو رجع إلى الإسلام ما أقيم عليه الحد، بل إنه يُطْلَب منه الرجوع؛ يستتاب ثلاثة أيام، فإذا رجع فلا يُقْتَل.
طالب: اللواط؟
الشيخ: اللواط داخل في الزنا أو أعظم منه.
الطالب: حتى لو تابوا؟
الشيخ: إذا تابوا قبل القدرة، أما بعد القدرة فإنه ما ينفع، أما المرتد فيستتاب يقال له: تب، معنا في قبضتنا، فإذا تاب لم يحد.
الحدود تعريفها هذا لغة وشرعًا فهمناه.
أما حكمها فإن إقامتها واجبة؛ إقامة الحدود واجبة، ولا تجوز الشفاعة فيها بعد وصولها إلى السلطة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3641
الدليل على وجوبها أمر الله تبارك وتعالى ورسوله؛ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وهكذا، أوامر صريحة واضحة، بل قال الله تعالى في الزاني والزانية: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2]، ما يجوز للإنسان هنا أن يحكِّم العاطفة، بل يُحَكِّم العقل، لا هنا ولا في غير هذا المحل، يجب علينا أن نُحَكِّم العقل دون العاطفة في هذه الأمور، فالإقامة -إقامة الحدود- واجبة على القريب وعلى البعيد، وعلى الشريف والوضيع، والذكر والأنثى، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (2)، أقسم عليه الصلاة والسلام -وهو الصادق البار بدون قسم- أن فاطمة بنته سيدة نساء العالمين في الجنة لو أنها سرقت لقطع يدها عليه الصلاة والسلام، فهو واجب.
ولا يجوز لولاة الأمور التهاون به ولا تمويعه -أيضًا- بالتحقيقات الباردة التي تفتح باب الأعذار وباب الرجوع، وما أشبه ذلك، كما هو متبع في بعض الدول الآن.
ولا يجوز -أيضًا- أن تستبدل حدود الله بأي شيء من العقوبات لا بأغلظ؛ لأنه ظلم، ولا بأنقص؛ لأنه إبطال لحكم الشرع، فنقول: أما إقامة الحد فيشترط فيها شروط عامة وخاصة، الشروط العامة في كل حد وهي:
الجزء: 2 - الصفحة: 3642
أولًا: التكليف؛ بأن يكون بالغًا عاقلًا، فمن دون البلوغ لا حد عليه، ولكنه يعزر بما يردعه وأمثاله عن فعل هذه المعصية؛ فلو سرق شخص مراهق له أربع عشرة سنة فإننا لا نقطع يده، لماذا؟ لأنه ليس بمكلف، وقد جاء في الحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» وذكر منهم الصغير حتى يكبر (3)، فإذا لم يكن مكلفًا لا يجرى عليه الحد، ولكن ما يترك أيضًا؛ لأننا لو تركناه لصار ذلك سجية له وطبيعة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (4)، فإذا ضُرِبُوا لترك الواجب فليُضْرَبوا أيضًا لفعل المحرم، ولكن ليس على سبيل الحد.
كذلك المجنون لا يُقَام عليه الحد، ولكن هل يعزر؟ لا يعزر؛ لأنه ما يفيده التعزير، مجنون، نعم يسجن؛ يعني معناه يمنع شره بأي وسيلة؛ إما أن يسجن، أو يلزم أهله بإنسان ملازم له يمنعه من العدوان، وأما أن يؤدب، فإنك وإن أدبته الآن ما ينتفع؛ مسلوب العقل، نسأل الله السلامة.
كذلك أيضًا يشترط الالتزام، ويش معنى الالتزام؟ أن يكون الإنسان ملتزمًا لأحكام الإسلام، والملتزم لأحكام الإسلام نوعان؛ المسلم، والذمي، أما المعاهد والمستأمن والحربي ما هو ملتزم، فإذا سرق مسلم وجب قطع يده، وإذا سرق ذمي أقيم عليه الحد فيما هو من شريعته؛ إذا كانت تقطع اليد في شريعتهم قطعنا يده، وإلا فلا.
نأتي للزنا لأنه ثابت أنه في شريعتهم كالشريعة الإسلامية، لو زنى ذمي فإنه يُرْجَم إن كان محصنًا، وإذا كان غير محصن يجلد مئة جلدة ويغرب سنة.
المعاهد والحربي والمستأمن تلحقهم هذه الأحكام ولَّا لا؟ لا، ما تلحقهم؛ لأنهم غير ملتزمين.
طالب: ( ... ) شريعتهم؟
الشيخ: إذا لم يعلم لهذا حكم في شريعتهم الظاهر أنه لا بأس من إقامته حسب مقتضى الشريعة الإسلامية.
طالب: شرب الخمر؟
الشيخ: شرب الخمر عندهم مباح فلا نقيم عليه الحد، لكننا نمنعه من إعلانه، نعزره إن أعلنه.
الثالث: العلم بالتحريم والحال.
الجزء: 2 - الصفحة: 3643
العلم بالتحريم؛ إذا كان غير عالم بالتحريم فإنه لا يُقَام عليه الحد؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» (5).
ولكن هل يُقْبَل منه الجهل بالتحريم ولَّا ما يقبل؟ نقول: إن كان قد عاش في الإسلام فإنه لا يقبل؛ لأن كل واحد من المسلمين يعرف أن السرقة محرمة، ويعرف أن الزنا محرم -مثلًَا- وإن لم يكن عاش في الإسلام وإنما هو حديث عهد به فإنه يقبل منه الجهل بالتحريم.
كذلك الجهل بالحال يمنع من إقامة الحد؛ فلو زنى شخص بامرأة يظنها زوجته فإنه لا يقام عليه الحد، ولو سرق مالًا يظنه ماله فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه جاهل بالحال.
وهذا هل يُصَدَّق إذا ادعى الجهل بالحال ولَّا ما يصدق؟ يُصَدَّق؛ لأننا ما نعرف عما في قلبه.
الجهل بالعقوبة هل هو مانع من إقامة الحد ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لو قال: إنه زنى لكن ما دري أنه بيرجم، لو دري أنه بيرجم ما فعل، ويش نقول له؟
نقول: ما دام علمت أنه محرم ليش تجرأ عليه؟ أما كونك تعلم أن الحد هو الرجم أو غير الرجم ما هو شرط؛ لأنك الآن انتهكت حرمات الله، والمقصود بالحدود الردع عن محارم الله، واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: فإذن العلم بالعقوبة شرط ولَّا لا؟
الطلبة: ليس بشرط.
الشيخ: ليس بشرط، إنما الشرط أن يكون عالمًا بالتحريم وبالحال؛ بأن يعرف أنه ارتكب محرمًا، أما إذا كان لا يدري فإنه لا شيء عليه ( ... ).
الرابع الاختيار.
طالب: الجهل ( ... ) قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما ( ... ) الذي شرب الخمر، فقال استدل بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93].
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا جاهل ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3644
الشيخ: هذا ربما أن عمر رضي الله عنه جلده؛ لأن تأويله للآية ليس بصحيح، الرجل عارف أنه حرام، عارف أن الخمر حرام؛ الصحابي، لكنه ظن أن قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: 93] أنه إذا اتقى الإنسان فإنه يجوز أن يشرب كل شيء ويأكل كل شيء، مع العلم بأن الإنسان اللي يشرب الخمر هل يقال: إنه متقٍّ؟ !
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: الرابع الاختيار؛ بمعنى أن يفعل الإنسان هذا المحرم اللي فيه الحد مختارًا بدون إكراه، فإن أكره فلا حد عليه؛ وذلك لأن الإكراه فوق طاقة الإنسان وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
وكذلك أباح الله للمرء أن يقول كلمة الكفر وهو مكره عليها إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، فلو أكره على السرقة إنسان قال: يلَّا روح ها الساعة، روح جيب لي من دكان فلان خمسين جنيهًا، يا ابن الحلال حرام، قال: ما فيه تجيبه ولا ( ... )، وراح الرجل وكسر الباب وأخذ، ويش يكون هذا؟
طالب: مكره.
الشيخ: مكره، عليه حد ولَّا لا؟
طالب: لا حد ..
الشيخ: ليس عليه حد، كذلك لو أكرهت المرأة على الزنا، يُقام عليها الحد ولَّا لا؟ لا؛ لأنها مكرهة.
لو أُكره الرجل على الزنا؟
الطلبة: لا يقام عليه الحد.
الشيخ: لا يقام عليه الحد؛ لأنه مكره.
طالب: يقال: لا يتصور إكراهه.
الشيخ: إي نعم، بعض العلماء يقول: ما يتصور إكراه الرجل على الزنا؛ لأن جماع الرجل لا بد أن يكون انتشار، ولا انتشار مع الإكراه، ولكن هذا ليس بصحيح؛ فإن الإنسان إذا أكره على هذا الأمر قد تحصل منه الشهوة وينتشر، وأما أنه ما يمكن فهذا ليس بصحيح؛ قد يكون الرجل قوي الشهوة والمكره عليه امرأة جميلة شابة كل إنسان يجعل في مكان مع امرأة جميلة ويلزم بذلك فإنه لا بد أن يحصل منه شيء، فالصواب أن الإكراه على الزنا من رجل أو امرأة ليس فيه حد، والله أعلم.
( ... )
الجزء: 2 - الصفحة: 3645
تقدم لنا شروط إقامة الحد؛ وهي: التكليف، والالتزام، والعلم بالتحريم وبالحال، والرابع الاختيار، هذه الشروط العامة شروط عامة لا يمكن إقامة الحد إلا بوجودها.
وتقدم لنا أن من تخلف منه شرط من هذه الشروط فإنه قد يخلفه التعزير كل ( ... )، لو كان غير مكلف -كالصغير مثلًا- وأتى ما يوجب الحد فإنه يعزر، ما يترك هكذا، وأما المجنون فإنه لا يعزر؛ لأنه لا يستفيد من هذا التعزير شيئًا.
الالتزام معناه أن يكون مسلمًا أو ذميًّا، هذا ملتزم؛ أن يكون مسلمًا أو ذميًّا؛ ولهذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد على اليهوديين اللذين زنيا؛ رجل وامرأة (6).
أما العلم بالتحريم وبالحال، الجاهل لا يمكن أن يقام عليه الحد، ولا يعزر أيضًا؛ لأنه معذور عذرًا تامًّا.
ولكن فإنه إذا ادعى الجهل بالتحريم هل يقبل منه ذلك أو لا يقبل؟ إذا كان قد عاش في الإسلام فإنه لا يقبل؛ لأن أحدًا لا يجهل أن الزنا محرم، أو أن السرقة محرمة، أو أن شرب الخمر محرم، ما أحد يجهل هذا وهو مسلم عاش في الإسلام، أما إذا كان حديث عهد بإسلام فإنه يقبل منه دعوى الجهل ويرتفع عنه الحد.
هل يشترط أن يكون عالمًا بالعقوبة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يشترط؛ فلو زنى محصن وحكمنا عليه بالرجم وقال: انتظروا، أنا ما علمت أن الحد هو الرجم، لو علمت أن الحد هو الرجم ما فعلت هذا، نقول له: إن ذلك ليس بشرط؛ لأنك إذا قلت: إنه لو علمت بالحد ما فعلت؛ فإنك تركت هذا لا خوفًا من الله، ولكن خوفًا من العقوبة، ونحن نريد أن يكون تركك لهذا الشيء خوفًا من الله سبحانه وتعالى.
أما الاختيار فقد ذكرنا أن من أُكره على فعل الجريمة التي فيها الحد فإنه لا يُقام عليه الحد، ولكن هل يقام الحد على من أكرهه؟ يعني: واحد أكره إنسانًا على سرقة فسرق، هل يُقام الحد على المُكرِه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه ليس بسارق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3646
أكره امرأةً على الزنا -مثلًا- هل يُقام على هذا الزاني حدان؛ حد لزناه، وحد لإكراه المرأة؟ لا، ولكنه يعزر بما يردعه عن هذا العمل.
كيفية إقامة الحد؛ إقامة الحد وردت الآثار بكيفيته:
أما السارق فإنه سيأتي أنه يُقطع من مفصل الكف، ثم بعد ذلك يُحسم بزيت يُغلى ثم يُغمس فيه طرف اليد؛ لأجل تنسد أفواه العروق فلا ينزف الدم.
وأما الرجم فإن كيفيته أن يُقام الإنسان بين الناس يوقف ويجمع حصى ليس بالكبير ولا بالصغير ثم يُرجم به حتى يموت.
وأما في الجلد فإنه يقام يضرب الرجل قائمًا، وتضرب المرأة جالسة، يضرب الرجل قائمًا بسوط ليس بجديد ولا بخَلِق؛ لأن الجديد يضره، والخَلَق لا يؤثر فيه، فيكون شيئًا متوسطًا.
والمهم أنه إذا لم يوجد جديد أو خَلَقٌ أو ما أشبه ذلك أو تعسر ضبطه فإننا نقول: يُضرب بسوط لا يؤثر عليه؛ لا يجرح الجلد ولا يورمه، ولا يكسر العظم.
وقدَّره بعضهم بالإصبع، وطبعًا قصدهم بذلك الأصبع المتوسط، قال: إنه يكون طول ذراع.
وهذا أيضًا غير صحيح، بل يكون الطول على حسب ما يرى المؤدب أو المقيم للحد.
هل يُربط على شيء ولَّا ما يربط؟ يعني: يُثَبَّت على جدار أو على عمود أو على خشبة حين الضرب؟ لا.
هل يمد على الأرض؟ لا، العلماء يقولون: إنه يُضرب قائمًا.
كيف يضرب؛ مع موضع واحد أو يُفَرَّق عليه الضرب؟
طالب: يُفَرَّق.
الشيخ: يُفَرَّق عليه الضرب؛ لأجل أن ينال الألم جميع جسده من وجه، ولأنه أخف عليه؛ إذ لو كانت الضربات كلها على موضع واحد تأثر هذا الموضع، فتفريق الضرب أسهل وأعم، فيفرق على بدنه.
واستدل علماؤنا لهذا بأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ليس في ديننا مَدٌّ ولا تجريد (7). معنى (مد ولا تجريد) يعني: ما يُمد الإنسان عند الضرب ولا يُجرد من ثيابه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3647
ولكن كما أنه لا يجرد أيضًا كذلك أيضًا لا يُلبَّس أكثر من اللباس العادي، بل يكون عليه -كما قال أهل العلم- قميص أو قميصان، أما أنه يملأ جلده من الثياب علشان ما يحس بالضرب، هذا ما يجوز، وليس بشيء.
كذلك أيضًا في صفة الضرب ما يجوز أنه يضربه ضربًا مستطيلًا بمعنى كأنه ينظف ثوبه من الوسخ، بل يكون الضرب واقعًا على الجسم مباشرة؛ لأن بعض الناس إذا كان يضرب يسلت العصا أو السوط سلكًا معنى ذلك أنه ما يتأثر، والمقصود بهذه العقوبة أن يذوق الألم، وأن يُردَع بمثل هذا.
هل يرفع يده؟ نقول: نعم، إذا توقف الألم على رفع اليد فإنه يرفعها.
وأما قول من قال: إنه لا يرفع يده بل يجعل في إبطه مصحفًا؛ لأجل أنه ما يرفع إيده لو يرفع إيده -مثلًا- سقط المصحف، هذا ليس بصحيح؛ لأن اللي بيضربه ما رفع إيده ( ... ) هكذا، ما فيها شيء، لا وكس ولا شطط، لا يبالغ في ضربه بحيث يؤثر عليه ويشق جلده أو يورم الجلد، ولا يكون خفيفًا بحيث لا يتأثر به؛ لأن هذا لو كانت الحدود على هذا الوجه لكانت إلى الهزء أقرب منها إلى الجد، وشريعة الله تبارك وتعالى تنزه عن مثل هذا اللعب.
بالنسبة للمرأة؛ المرأة تُضرب جالسة، وتُربط عليها ثيابها؛ لئلا تنكشف، وهذا لا بأس به؛ يعني: قول لا بأس به؛ لأنه بين الغلو والجفاء.
ولقد شاهدنا من قبل أنهم يعزرون، ما فيه حدود في الواقع لكن يعزرون الرجل بالمد على الأرض، ويأتون برطائب من رطائب النخل الرويانة من الماء ويضربونه بها، حتى إن بعضهم يغشى عليه، ورأيناهم أيضًا بالنسبة للمرأة يجعلونها في عِدل -ولا أدري تعرفون العِدل ولَّا لا؟ - يجعلونها في عِدل، العدل تعرفونه؟ كيس من الصوف مثل كيس الخيش لكنه أكبر، يجعلونها في العدل ويحزمون عليه؛ يربطون عليه، لا ما هو خياط.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3648
الشيخ: إي، المهم أنهم يفعلون به هكذا، ثم يجيبونه ويضربونه مع أي ( ... ) -والعياذ بالله- إحنا شاهدناهم، هذا أيضًا حرام، ما فيه شك؛ يعني هي المرأة ( ... ) والضرب بيقع على أي شيء من أعضائها، ثم إنها بتنغمس أيضًا ينحجب نَفَسُها.
فالمهم أن الحدود ليس يُقْصَد بها الإتلاف، يُقْصَد بها التأديب، فما نقص عن ذلك فهو خطأ، وما زاد على ذلك فهو خطأ أيضًا.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، هذا ورد في شارب الخمر أن منهم من ضربه ( ... )؛ لأنه تعزير ولا هو بحد معين ( ... )، ثم الجريد، لاحظوا -يا جماعة- الجريد يختلف؛ يعني أعلى العسيب يكون مثل السوط، لكن أسفل العسيب لا ( ... )، صعب جدًّا وثقيل.
أما من يقيم الحد؛ هل كل إنسان رأى شخصًا على جريمة توجب الحد يقيمه؟ لا؛ لأنه لو كان كذلك لكان فيه من الفوضى والتلاعب ما يفسد الخلق، ولكن الذي يقيمه والمسؤول عنه هو الإمام أو نائب الإمام، وعندنا في إقامة الحد أمران:
الأمر الأول: في إثباته، وهذا يرجع إلى القضاة.
والأمر الثاني: في تنفيذه، وهذا يرجع إلى الأمراء ونوابهم، فالجهة المسؤولة عن التنفيذ في عرفنا الآن ما هي؟ وزارة الداخلية هي المسؤولة أو من تُنِيبُه في البلدان، وبالنسبة لإثباته وزارة العدل أو من تُنِيبُه في البلدان فهي المسؤولة عن ذلك، فالذي يتولى إثباته والحكم به القضاة، والذي يتولى تنفيذه الأمراء، ولا يجوز لأحد سواهم أن يقيمه، إلا أنه اسْتُثني من ذلك السيد مع مملوكه فإن له أن يقيمه عليه.
وهل يختص ذلك بالجلد فقط أو بالجلد وغيره؟ الصحيح أنه عام بالجلد وغيره؛ لأن منع إقامة الحد بغير الجلد خوف الزيادة والعدوان، والسيد مأمون بالنسبة إلى رقيقه؛ لأنه لا يمكن أن يعتدي عليه بأكثر مما يجب.
فلو سرق العبد -مثلًا- وتم وجوب القطع في حقه فإنه يجوز للسيد -على القول الراجح- أن يقطع يده، وقد روي ذلك عن عائشة -وغيرها من الصحابة- أنها قطعت يد عبد لها سرق (8)، فالصحيح أنه عام.
الجزء: 2 - الصفحة: 3649
أما المشهور من المذهب فإنه يقيمه -أي: السيد- في الجلد خاصة، وأما ما يوجب القطع فإنه إلى الإمام أو نائبه.
حكم إقامة الحدود، هذه ما هي بعندكم لكنها تلحق.
ذكرنا دليلها أظن، ذكرنا الأدلة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] في الزنا، والرسول عليه الصلاة والسلام غضب حينما شفع أسامة في قضية المخزومية (2)، إذن أنتم عندكم موجودة في الأول؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الحمد لله.
طالب: شيخ، بالنسبة إلى الجلد ما يمسك إلى شيء ولا يسند إلى شيء؟
الشيخ: لا، ما يسند إلى شيء.
طالب: ( ... ) تحرك ( ... )؟
الشيخ: يُمسِك، إذا كان يُخشى من التحرك يُمسِك.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: المحظور الربط؛ لأن الربط أيضًا إذا رُبِط يمكن لو بيتحرك ما يقدر هو، لا بد يجعل له متنفس؛ لأنه تعرف الإنسان إذا تحرك تخفف عليه ألم الضرب.
باب حد الزنا
حد الزنا؛ أولًا: تعريف الزنا.
الزنا: فعل الفاحشة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، هذا هو الزنا، فقولنا: (فعل الفاحشة) خرج به فعل الرجل بامرأته فإنه لا يُسَمَّى فاحشة؛ لأنه معروف وليس بمنكر.
وقولنا: (في قُبُلٍ أو دُبُرٍ) يشمل حتى الزنا بالبهيمة فإنه فاحشة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، لكن مسألة الحد هل يجب عليه أو ما يجب بيأتينا إن شاء الله قريبًا.
أما حد الزنا ( ... ) العقوبة عليه فهو إما رجم، وإما جلد مئة وتغريب عام، وإما جلد خمسين بلا تغريب، ولا فيه غير ذلك للزنا؛ يعني: ما فيه حد رابع للزنا.
حد الزنا؛ أي: عقوبته المقدرة من قبل الشرع؛ إما رجم، وإما جلد مئة وتغريب عام، وإما جلد خمسين بلا تغريب، خدوا بالكم فيه قسم رابع؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ما فيه قسم رابع؛ يعني بمعنى أنه ما فيه -مثلًا- قطع يد، ولا قطع رجل، ولا قطع عروق، إنما فيه هذه الأمور الثلاثة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3650
فالأول وهو الرجم للمحصن؛ وهو الحر البالغ العاقل الذي تم جماعه على هذا الوصف في نكاح صحيح، (الحر) خرج به العبد، العبد ليس بمحصَن.
وقولنا: (البالغ) خرج به الصغير، و (العاقل) المجنون، (الذي تم جماعه على هذا الوصف) ويش معنى (على هذا الوصف)؟ يعني أنه حر بالغ عاقل تم جماعه في هذا الوصف في نكاح صحيح، (في نكاح صحيح) احترازًا مما لو كان نكاح غير صحيح، أو تم جماعه بزنا سابق، مثلًا.
وقولنا: (في نكاح صحيح) يشمل ما إذا كانت الزوجة معه حين الزنا أو كان قد فارقها بموت أو طلاق، المهم أن الرجل قد جامع زوجته في نكاح صحيح فإنه يكون محصنًا، هذا عقوبته الرجم.
نشوف الآن الدليل، الدليل على ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام وفعله وفعل خلفائه الراشدين وإجماع الأمة؛ عليه إجماع علماء الأمة.
أما قول الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك فإنه ما ثبت في الصحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ» (9)، فقال: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ»، وسيأتي -إن شاء الله- أن قوله: «جَلْدُ مِئَةٍ» نُسِخَ فيما بعد.
حينئذٍ هذا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام.
كذلك أيضًا فعله؛ فإنه رجم بالزنا خمسة: رجم اليهودي واليهودية (6)، ورجم ماعزًا، ورجم الغامدية (10)، ورجم زوجة الرجل الذي زنى بها عسيفه (11) أي: أجيره، خمس قضايا كلها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام تم فيها الرجم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3651
ولنا أن نستدل لذلك أيضًا بالقرآن؛ فإنه ثبت في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس وبَيَّن أن الرجم ثابت في كتاب الله قال: إنه قرأناها ووعيناها، ورجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، وإني أخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: إنا لا نجد الرجم في كتاب الله، وإن الرجم فريضة في كتاب الله على من زنى إذا أحصن أو قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف (12)، فهنا صرح رضي الله عنه بأن الرجم كان موجودًا في كتاب الله.
حينئذٍ يكون دليله من القرآن المنسوخ لفظه، ومن السنة قولًا وفعلًا، ومن عمل الخلفاء الراشدين، ومن إجماع الأمة؛ ولهذا ما يمكن إنكار هذا الحد أبدًا.
فإذا قال قائل ما هي الآية التي نُسخت؟
نقول: الآية التي نُسخت ما نعرف لفظها الآن؛ لأنه ليس بموجود في القرآن؛ في المصحف.
فإذا قال: أليس يُرْوَى أن لفظها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله، والله عزيز حكيم) (13)؟
قلنا: هذا لا يصح أن يكون هذا المنسوخ، لماذا؟ لأن عمر رضي الله عنه ذكر أن الرجم يكون على من؟ على مَن زنى إذا أحصن، ما قال: إذا كان شيخًا، والآية هنا تعلق الرجم بالشيخوخة، وعلى هذا فمن زنى وهو محصن شاب بمقتضى هذه الآية؟
الطلبة: لا يرجم.
الشيخ: لا يرجم، وإذا زنى وهو شيخ غير محصن فإنه يُرْجَم وليس هذا هو الحكم، فدلَّ ذلك على أن اللفظ هذا غير محفوظ، وأن الصواب أن اللفظ الذي نُسِخَ ليس بمعروف لدينا، فتعليق الحكم بالشيخوخة هذا أمر لا يصح؛ لأن الشيخوخة تختص بمن كان شيخًا ولو كان بكرًا، ويخرج بها من كان شابًّا وهو ثيب، وهذا خلاف الحكم الذي ذكره عمر رضي الله عنه.
إذا قيل ما الحكمة في أنه يُرْجَم بالحجارة ولا يُقْتَل بالسيف والقتل بالسيف أهون؟
قلنا: لأنه لما كان بدنه أصيب باللذة المحرمة -جميع البدن- فإنه ينبغي لهذا البدن الذي تلذذ بهذه اللذة المحرمة أن يناله من العقوبة بقدره، وهذا من محاسن الشرع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3652
ولا يرد على هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (14)؛ لأننا نقول: المراد بإحسان القتلة التمشي فيها على المشهور، والرجم تمشٍّ على المشهور ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الرجم تمشٍّ على المشهور.
إذن يجب الرجم وجوبًا إذا تمت الشروط.
والإحصان هو أن يكون الإنسان حرًّا بالغًا عاقلًا تم جماعه في هذا الوصف في نكاح صحيح.
طالب: ( ... ) نكاح قبل ( ... )؟
الشيخ: إي، ما يكون محصنًا.
طالب: أو مجنون؟
الشيخ: أو وهو مجنون -مثلًا- ثم عقل؛ لأنه إذا كان مجنونًا ما يمكن يُقام عليه الحد من الأصل.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي، المرأة تجلد، نعم.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي، فاعترفت فرجمها.
طالب: بالنسبة لتعريف الزنى يدخل فيه اللواط؟
الشيخ: بيجينا إن شاء الله.
طالب: بالنسبة للرجم هل ( ... ) الأشخاص اللي يزنون ما يُشْتَرط أنه يوضع حصى بسيارة ( ... ) وتمسك على الشخص ( ... )؟
الشيخ: لا، ما يصلح ( ... ).
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، ما يصلح.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: يدفن بالشاحنات قصدك؟
طالب: لا ( ... ).
الشيخ: لا.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لأنه ( ... ).
طالب: إذا علم الناس فعله الفاحشة أو علم ( ... ) هل نقول: نعمل ( ... ) -مثلًا- أو يتحقق من علمه ( ... )؟
الشيخ: أولًا يجب عليه إذا تحقق أو غلب على ظنه يجب عليه، لكن لا يقول: إن هذه زانية -مثلًا- أو هذا زانٍ.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي، ما يخالف، يخبر ولاة الأمور ( ... ) هذا البيت ترى فيه شبهة، حطوا بالكم عليه، ولا يقول: إنه زانٍ أو زانية؛ لأنه إذا قال هكذا إذا ما جاب أربعة شهود يجلد هو ثمانين جلدة، إي نعم، مسألة خطيرة هذه ( ... ).
الثاني، ويش هو الثاني؟ جلد مئة وتغريب عام للحر غير المحصن، العبد خرج بكلمة (الحر).
البالغ العاقل الحر غير المحصن؛ يعني لو هو صغير أو مجنون؟
الطلبة: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3653
الشيخ: لكن لاحظوا الشروط السابقة، الشروط الأربعة السابقة هذه شروط عامة لا بد أن توجد في كل حد؛ ولهذا يجب أن نعرف أن شروط الزنا -مثلًا- اللي بتجينا ثلاثة مضافة إلى الشروط العامة أربعة.
طالب: الحر.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الحر البالغ العاقل هذه ثلاثة ( ... ).
الشيخ: وقالوا: إنه لا يُغرَّب؛ لأن ذلك غير مذكور في القرآن، ولا شك أن استدلالهم ضعيف؛ فهو لم يُذْكَر في القرآن لكن ذُكِر في السنة، وما ذُكِر في السنة فهو كالمذكور في القرآن من حيث العمل به؛ ولهذا لما لعن ابن مسعود رضي الله عنه النامصة والمتنمصة جاءت امرأة وقالت: إنك تقول: إن الله لعن النامصة والمتنمصة، وإني قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما وجدت ذلك، فقال لها رضي الله عنه: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة .. إلى آخره، وإن الله يقول: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] (15)، إذن فإقرار الله للرسول هو في الحقيقة يعتبر من فعل الله سبحانه وتعالى؛ لأنه مرَّ علينا أن الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3، 4]، وأن الوحي من الله يقسم كما تقسم السنة، فكما أن السنة قول الرسول وفعله وإقراره فوحي الله قوله وإقراره لرسوله عليه الصلاة والسلام.
أقول: الحر غير المحصن يجلد مئة جلدة بالقرآن والسنة، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويغرب سنة بدلالة السنة.
والحكمة من تغريبه هو إبعاده عن المكان الذي أوقع فيه الفاحشة، وهذا الإبعاد سوف يكون إلى بلد غريب فيه، والغريب -كما تعرفون- أديب في الغالب ما يحاول أن يتناول هذه الفاحشة، وبهذا نعرف أنه يجب أن يُلَاحظ أن يكون تغريبه إلى بلاد لا ينتشر فيها الفساد، أما أن نغربه من بلد لا يكون فيه الزنى إلا استتارًا إلى بلد يكون فيه الزنى جهارًا، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3654
الشيخ: ما يجوز؛ لأن معنى ذلك أنا أعناه، لكننا نغربه إلى بلد يكون الزنا فيه محظورًا، إذا كان الزنا فيه محظورًا حينئذٍ نغربه؛ للبعد عن مكان الفاحشة، ولأن الغريب لا يمكن أن يتجرأ على شيء، ثم إنه مع بعده وغرابته ربما يفتح الله عليه فيتوب بهذه المدة الطويلة؛ اثنا عشر شهرًا.
أما الثالث فهو للرقيق بنص القرآن بالنسبة للأمة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] يعني بذلك الإماء.
وقاس العلماء عليه العبد؛ قاسوا على النقص في الأمة قاسوا عليها العبد، وأخرجوه من عموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ [النور: 2]، وهذا -كما مر عليكم في الأصول- تخصيص بالقياس، وعليه فيكون الرقيق يجلد خمسين جلدة.
وإذا كان قد تزوج يُرْجم نصف رجم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما يمكن يتنصف، إذن فليس عليه إلا الجلد منصفًا.
طيب والتغريب، التغريب يقول: لا يُغَرَّب؛ لأن تغريبه إضرار بسيده؛ لأنه يفوت به مصلحة السيد في هذه المدة.
وقيل: إنه يُغَرَّب نصف سنة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25].
وأجيب عن ذلك بأن التغريب ليس بعذاب، وَرُدَّ هذا بأن التغريب عذاب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» (16)، وعلى هذا فيكون التنصيف ممكنًا؛ تنصيف التغريب.
أما الرد على قولهم: إنه من حق السيد فنقول: أيضًا وإذا جُلد أمام الناس خمسين جلدة فسوف ينقص ذلك في العبد ولَّا لا؟ ولَّا ما يضره؟
الطلبة: ينقص.
الشيخ: ما يضره؟ ينقص بلا شك؛ بدل ما كان يُسوى عشرة آلاف ريال ما يسوى إلا خمسة آلاف أو ما أشبه، وهذا ضرر بالسيد، فهل نقول: إنه لا يُجْلَد؛ لأن الجلد يحط من قيمته ( ... ) السيد؟ نقول هذا ولَّا لا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3655
طالب: لا، ما نقول.
الشيخ: ويش معنى ذاك؟ ماذا يجاب بها؟ ( ... )
إن تعليلكم عدم التغريب بأن ذلك يفوت مصلحة السيد نحن نعارضكم أيضًا فنقول: وجلده أمام الناس ينافي مصلحة السيد، بل هو ضرر عليه؛ ولهذا القول الراجح عندي أنه يغرب نصف سنة، وعلى سيده مراعاته عن الهروب لا يهرب.
ثم إن السيد يمكنه أن ينتفع به وهو في بلاد الغربة، أليس كذلك؟ يمكن يكتب إلى أحد من أصدقائه هناك ويقول: إن العبد يغرب إلى بلدكم وأنتم احفظوه شغلوه عندكم، وحينئذٍ يزول الإشكال.
فالصحيح عندنا أنه يُنَصَّف حتى التغريب، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، واختاره كثير من أهل العلم؛ لأن ما يمكن تنصيفه -وقد قال الله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ - يجب أن ينصف؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25].
يبقى النظر الآن في التغريب سواء في العبد أو في الحر، إذا كان امرأة ماذا يكون الأمر؛ تُغَرَّب؟
طالب: ما تُغَرَّب.
الشيخ: الحديث حديث عبادة؛ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» (9) «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ» رجل بامرأة، «جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» فهل تغرب ولَّا لا؟
نقول: إذا كان معها محرم فإنها تُغَرَّب، يمكن يكون لها محرم في البلد الذي تُغَرَّب إليه ولَّا ما يمكن؟
الطلبة: يمكن.
الجزء: 2 - الصفحة: 3656
الشيخ: يذهب بها محرمها من هنا إلى البلد المغربة إليه، على أن الفقهاء أيضًا يقولون: إن المغربة يجوز أن تُغَرَّب بدون محرم، لو فرضنا ما معها محرم تُغَرَّب بدون محرم، لكننا لا نوافقهم على هذا الرأي؛ لأنه مخالف لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (17)، ولأنه أدعى إلى فسادها في الحقيقة؛ لأنها إذا ذهبت إلى بلاد الغربة وليس معها محرم فربما تفسد أكثر؛ تحتاج إلى فلوس وإلى نفقة وإلى غير ذلك فيكون ذلك أشد فسادًا وتعرضًا للفساد؛ لهذا نرى أن المرأة تُغَرَّب بشرط أن يكون لها محرم يسافر بها ويبقى معها، إذا لم يوجد هذا فإنها تبقى في البيت، ولكنه لا يُتصل بها بمعنى أنها تحبس في بيتها مثلما سيأتينا -إن شاء الله- في المحاربين أنه إذا تعذر نفيهم فإنهم يحبسون ولا يقربهم أحد، هذه مثلها؛ تكون في بيتها محبوسة إلى مدة سنة، ويكفيها ذلك درءًا للمفسدة وبعدًا عنها.
طالب: ما يُجْبَر المحرم في السفر معها؟
الشيخ: لا، ما يُجْبَر عليه؛ لا في هذا، ولا فيما إذا كان عليها فريضة الحج ما يُجْبَر.
طالب: حد السفر للتغريب؟
الشيخ: ( ... ).
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: حده أنه يسافر؛ بمعنى أنه يُعْرَف أنه غريب في البلد حتى لو كان قريبًا، مثلًا من بُرَيدة إلى عنيزة هذا تغريب؛ لأنه يشعر أنه في غربة.
تقولون: المنطقة واحدة وهي القصيم؟ نقول: طيب، إذا كانت المملكة واحدة -وهي القصيم- لازم تسافرون لمصر -مثلًا- ولَّا للعراق، هذا ما يصير؛ لأنه يشعر الآن أنه غريب، أي واحد يروح من عنيزة لبُرَيدة، ومن بُرَيدة لعنيزة يشعر أنه غريب.
طالب: شيخ، الاتصال بالأقارب؟
الشيخ: ما فيه مانع الاتصال بالأقارب؛ لأنه ما هو بيحبس، بس يُغرب عن مكان الفاحشة.
طالب: السجن للمرأة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3657
الشيخ: السجن هي تسجن الآن؟ هو الغالب أنه ما يمكن يثبت الزنا في الحقيقة إلا بالإقرار؛ لأن من شرط ثبوته بالشهادة أن يشهد الشاهد بأنه رأى ذكر الرجل في فرج المرأة، من اللي يشوف هذا؟ !
طالب: الحَبَل يبين.
الشيخ: الحَبَل، يمكن تدعي الشبهة، أما المذهب فالحَبَل ليس ببينة؛ لو تيجي امرأة كل سنة تجيب لنا ولدًا، ( ... ) ليس ببينة، هذا كلام الفقهاء.
طالب: فيه شبهة؟
الشيخ: يمكن أنها مكرهة، سبحان الله! ( ... )، لكن الصحيح ما ذكره عمر رضي الله عنه -حديث صحيح صريح في الصحيحين-: أو كان الحَبَل أو الاعتراف (18)، الحَبَل بينة ما فيه شك، منين جاء ذلك؟ فإذا أمسكناها وقلنا: يلَّا يجب عليك الرجم أو الجلد، إذا ادعت شبهة ( ... ) ننظر عاد: هل صحيح هذا ولَّا لا؟ هل هو فيه احتمال ولو احتمالًا بعيدًا فإنها تُقبل ويُدرأ عنها الحد، أما إذا كان أن القرينة تدل على فعلها الفاحشة فهذا ما تُقْبل.
طالب: جلد الرقيق ما يكون للسيد؟
الشيخ: لا، الأصل أنه للإمام لكن يجوز للسيد، ولَّا الأصل أنه للإمام.
طالب: أجرة المَحْرم؟
الشيخ: أجرة المَحْرم إن تبرع فذاك، وإن لم يتبرع فهي على بيت المال، كما أن أجرة تغريبها أيضًا على بيت المال؛ لأن هذا من الحدود الشرعية، كما أن العصا -مثلًا- يُشترى من بيت المال، وأجرة الجالدين على بيت المال، وهكذا.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إلى بلده؟
الطالب: إي.
الشيخ: إي، يمنع حتى في ( ... ).
الطالب: لحاجة ( ... )؟
الشيخ: لا، ما يمكن، لحاجة يوكل ويجاب.
لكن هل يجوز أن يمكَّن من استصحاب زوجته ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، يمكَّن، بل يمكن هذا ( ... )، ما نقول: ( ... ) بنحرمك من زوجتك.
( ... )
الجزء: 2 - الصفحة: 3658
ذكرنا أدلة التغريب والجلد مئة، وذكرنا أدلة التنصيف بالنسبة للمملوك، وأنه نص القرآن فيما إذا كانت أمة، وبالقياس فيما إذا كان عبدًا، وذكرنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث عبادة قال: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ» (9)، لكن آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجم بدون جلد؛ كما في قصة ماعز والغامدية (10)، وكذلك قصة اليهوديين (6)، كل من رجم فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه لم يجلده، وعلى هذا فيكون خبر عبادة منسوخًا، ويُشْتَرط لوجوب الحد ثلاثة شروط:
أولًا: إيلاج الحشفة الأصلية كلها، هناك حشفة غير أصلية؟ نعم وهي حشفة الخنثى المُشْكِل الذي لم يتميز أذكر هو أم أنثى؟ فإن هذا العضو منه لا يُدْرَى هل هو ذكر أو لحمة زائدة؟ لأنه لم يتبين أنه ذكر أو أنثى، فإذا أولج خنثى مُشْكِلٌ في فرج أصلي -مثلًا- فإنه ليس بزانٍ لا يجب عليه الحد؛ لأن ذلك ليس بزنا؛ إذ إننا لم نتيقن أن هذا الفرج فرج حقيقي؛ إذ قد يكون لحمة زائدة والفرج الحقيقي هو فرج الأنثى الذي في هذا الخنثى المشكل.
وقولنا: (كلها) احترازًا من البعض، وقولنا: (في فرج أصلي) يشمل كلمة (فرج) القُبُلَ والدُّبُر؛ لأنه فرج، وقولنا: (أصلي) احترازًا من فرج الخنثى المُشْكِل؛ فلو أولج ذكرٌ ذكرَه في فرج خنثى مُشْكِلٍ لم يجب الحد؛ لأنه جائز أن يكون هذا الفرج فتحة ليست بأصلية، فلا يثبت لها حكم الفرج.
وقولنا: (من آدمي) احترازًا من غير الآدمي؛ فإن الإنسان لو أولج ذكره في فرج بهيمة لم يكن عليه حد الزنا، ولكن عليه التعزير.
وأما ما ورد في السنن في حديث: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وُاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» (19) فإن هذا الحديث ضعيف؛ يعني: لا يقوى على قتله، ثم إنه من حيث المعنى كيف يكون الزاني بالبهيمة أشد من الزاني بالمرأة؟ ! والصواب ما مشى عليه فقهاء الحنابلة أنه يعزر، وأن البهيمة تُقْتَل ولَّا تُذْبَح؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3659
طالب: تُقْتَل.
الشيخ: والفرق بين القتل والذبح أنا إذا قلنا: تُذْبَح فمعناه أنها تحل، وإذا قلنا: تقتل فإنها لا تحل؛ تكون ميتة، ويرجع صاحبها على الفاعل بها بالضمان إذا كان غير صاحبها، أما إذا كان صاحبها فإنها تتلف عليه، وإنما أُمر بقتل البهيمة لسببين:
السبب الأول -ذكره الفقهاء، وهو قد يكون بعيدًا من الناحية الطبيعية-: أنها ربما تلد إنسانًا مشوهًا، وهذا من حيث النظرية العلمية بعيد، أما من حيث قدرة الله فليس ببعيد.
والأمر الثاني: أنها تُعيَّر به إذا بقيت فيقال: هذه؟
طالب: زوجة فلان.
الشيخ: لا، ما هي بزوجة فلان.
طالب: موطوءة.
الشيخ: يقال: موطوءة فلان، أما زوجته ما يصلح؛ فلذلك كان من الحكمة إعدامها.
وقولنا: (في فرج أصلي من آدمي) يشمل اللواط؛ لأنه إيلاج حشفة أصلية في فرج أصلي من آدمي، وهذا هو المشهور من المذهب: أن حد اللوطي كحد الزاني؛ إن كان محصنًا يُرْجَم حتى يموت، إن كان حرًّا غير محصن يجلد مئة جلدة ويغرب سنة، إن كان رقيقًا فهو نصف الجلد ونصف التغريب، على القول الصحيح كما ورد.
وقال بعض أهل العلم: إن عليه التعزير؛ لأن اللواط ليس كالزنا، ليس فيه ضياع أنساب كما في الزنا، فلا يجب عليه الحد، وإنما يعزر عن هذا الفعل.
وقال آخرون: إنه لا تعزير عليه ولا حد عليه، قالوا: لأنه يُكتفى برادع الطبيعة عن رادع التأديب؛ لأن هذا ما أحد يشتهيه، فالإنسان إذا شرب خمرًا ماذا يُصْنَع به؟ يعزر بالعقوبة أو يحد، على خلاف فيه ويأتي.
لكن لو أكل عذرة عليه حد الخمر ولَّا لا؟
طالب: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3660
الشيخ: لا؛ لأن العذرة تكرهها النفس، ففي النفس رادع عنها، فيقولون -بالقياس الغبي لا الجلي- يقولون: إن هذا أيضًا -التلوط بالذكر- في النفس رادع عنه، فيكتفى بالرادع النفسي الطبيعي عن الرادع التأديبي، ولا يعزر، ولا يقال له شيء، وهذا لا شك أن هذا القول من أسخف الأقوال؛ لأننا لو أخذنا به فأصبح الناس كلهم من قوم لوط ما نقول لهم شيئًا، مع أن لوطًا عليه الصلاة والسلام أنكر عليهم غاية الإنكار وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80]، ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: 54]، ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُون﴾ [الشعراء: 165، 166].
والقول الرابع في هذه المسألة -وهو الصحيح الذي أجمع عليه الصحابة- أنه يُقْتل بكل حال حتى وإن لم يكن محصنًا؛ الفاعل والمفعول به إلا أن يكون مكرهًا يقتلان جميعًا إذا كانا بالغين عاقلين، سواء كانا حرين أو رقيقين، متزوجين أو غير متزوجين، الحد هو القتل بكل حال، وذكره شيخ الإسلام وغيره إجماع الصحابة رضي الله عنهم، لكنهم اختلفوا كيف يُقتل؟
فقال بعض العلماء: إنه يحرَّق بالنار، وقد روي تحريقهم عن أبي بكر (20) وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير، وأظن عبد الملك بن هشام أو هشام بن عبد الملك (21)، كلهم روي عنهم تحريقهم، وهذا وجه لقتلهم.
الوجه الثاني يقولون: يُلْقَى من أعلى شاهق في البلد ويتبع الحجارة، وهذا رأي ابن عباس رضي الله عنه.
والقول الثالث: أنهم يرجمون رجمًا بالحجارة.
وهذان القولان يرميان إلى كيفية العقوبة التي أهلك الله بها قوم لوط، هل إن الله سبحانه وتعالى رفع قراهم ثم قلبها وأتبعها بالحجارة -كما هو مشهور- أو أن الله تعالى رماها بالحجارة حتى تهدمت فكان عاليها سافلها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3661
فاللي يقولون بالأول ( ... ) يقولون: يُلقى من شاهق ويُتبع بالحجارة؛ بناء على أن العقوبة التي عوقب بها قوم لوط هي رفع القرى ثم إتباعها بالحجارة.
واللي يقولون: إنه يُرْجَم رجمًا؛ بناء على أن عقوبة قوم لوط كانت بالحجارة؛ رُجِمَت بلادهم حتى كان أسفلها أعلاها، على كل حال .. ، بل كان ﴿عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: 82] هذا اللي في القرآن، ما هو بالأسفل الأعلى، العالي هو السافل.
فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على قتله، وهذا هو القول الصواب؛ وذلك لأن هذا الفرج لا يحل بحال، أبدًا، وفرج المرأة المزني بها قد يحل ويش ( ... )؟ بالنكاح الصحيح.
ثم إن هذا أيضًا لا يمكن التحرز منه، فهو كقتل الغيلة الذي يجب فيه القود بكل حال على ما سبق، هذا ما يمكن التحرز منه، هل يمكن -مثلًا- ناس شباب يمشي بعضهم إلى بعض يمكن تقول: تعال ليش تمشي معه، أنت تريد أن تفجر به؟ لكن لو تشوف رجل مع امرأة يمكن إذا كان محل تهمة أن توقفه، تقول: تعالَ، ما هذه المرأة؟
فلما كان هذا لا يمكن التحرز منه بسبب اختلاط الذكران بعضهم مع بعض صار لا يمكن التخلص منه إلا بعقوبة رادعة شديدة تقضي على هذه الجرثومة الفاسدة في المجتمع.
وأيضًا مفسدة اللواط أعظم من مفسدة الزنا؛ لأن الزنا وإن كان فيه اختلاط الأنساب واشتباه الأولاد لكن يبقى الرجل رجلًا ولَّا لا؟ لكن اللواط -والعياذ بالله- ما يبقى الرجال رجالًا، يبقى الرجال نساء، ويلحق الرجال من الذل والعار والهوان -والعياذ بالله- ما لا يدرك؛ يعني: من الذي يمكن أن يقابل الناس بوجه طلق وهو يعهد من نفسه أنه كان محل خبثهم؟ ! هذا عار في وجهه إلى أن يموت.
ثم الأُمة تنقلب كلها نساء ما تهتم لا بجهاد ولا بدين ولا بعلم، ففيه من المفاسد العظيمة ما هو جدير بأن يكون هذا القول أصح الأقوال.
الجزء: 2 - الصفحة: 3662
وعلى هذا فنقول: إذا رأى ولي الأمر أن يحرقهم ورأى أن هذا أنكى فله ذلك، وإمامه في هذا من؟ أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والتعذيب بالنار الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون لمجرد التعذيب، وأما العقوبة التي تقتضيها هذا فإنها جائزة؛ ولهذا لم يوبخ الله النبي الذي أحرق قرى النمل على الإحراق، وإنما وبخه على أنه زاد؛ لأن الله قال له: «فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً» (22)؛ لأنه أحرق كل قرى النمل، قرصته نملة واحدة فأحرق الجميع، فقال الله له: «هَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً» بأن أحرقت نملة واحدة، فهل هذا دليل على أنه يجوز إذا جُعل الإحراق عقوبة أن يحرق؟ وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ماذا فعل بالغلاة فيه؟ أحرقهم بالنار، واعتراض ابن عباس عليه ثم رجوعه إلى رأي ابن عباس قد يكون إنه رضي الله عنه لم يتأنَ ويتأمل ولَّا هو رجع (23)؛ لأنه قال: ما أسقط ابن أم الفضل على الهنات (24).
فالحاصل أن القول الصحيح في هذه المسألة أنه يجب قتل اللوطي متى كان بالغًا عاقلًا، وطبعًا عالمًا بالتحريم؛ لأن هذه الشروط لا بد منها.
قال: (من آدمي حي) لا بد أن يكون الزنا من آدمي حي، طيب فيه آدمي غير حي؟ إي نعم، ميت؛ ولهذا قيل: وقيل: أو ميت، المذهب لو زنى بامرأة ميتة ما يقام عليه الحد، ليش؟ قال: لأن هذا ما يحصل فيه اشتباه الأنساب؛ لأنه ما هو ممكن تحمل، وأيضًا ما هناك داعٍ للنفوس إليه، ما أحد -نسأل الله العافية- تدعوه نفسه إلى يطأ امرأة ميتة.
طالب: المفروض يصدر عقاب أكثر.
الشيخ: إي نعم؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى قول آخر غير المشهور من المذهب إلى أنه يُقام عليه حدان؛ يُحَد مرتين، قال: لأن الجناية هنا أعظم وأقبح من الجناية على الحي؛ لأن الحي في الحقيقة قد يكون معه اختيار يدافع، أو أن هذه مسكينة ما عندها ما تدافع به.
الجزء: 2 - الصفحة: 3663
ثم هذا من أقبح الأمور أيضًا أن يزني إنسان بامرأة ميتة، لكنه ليس غريبًا أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا تعلق بامرأة ولو بعد الموت قد يتعلق بها.
ويقال: إن يزيد -أظن ابن معاوية- كان له أو هو يزيد اللي بعده÷ن كان عنده جارية حسناء وكان يحبها، وكان يداعبها مرة فتفتح فمها فيلقي فيه حب رمان، وأنه ألقى فيها مرة حبة رمان، فشرقت فماتت، فتأوه على ذلك وأبقاها عنده في بيته ينظر إليها ويقبلها كلما دخل حتى أنتنت وتفسخت، حينئذٍ ما استطاع أن يبقيها، هكذا يقولون: وأنا لا أستبعد أن ما يقال في بني أمية من الأمور التي تخالف المعقول أنه من دسائس من؟
الطلبة: الرافضة.
الشيخ: الرافضة؛ لأن الرافضة أكذب الناس في نقل الحديث وأشد الناس تهاونًا في التقول على الغير، فلا يبعد أن هذا مما تقولوه على بني أمية، ولا شك أن في خلفاء بني أمية أناس فسقة وأهل فجور، وكذلك في أمرائهم.
المهم أني أقول: إن الميت قد يشتهيه بعض الناس، وإن كانت النفوس عامة لا تشتهيه.
طالب: بالنسبة ( ... ) قتله بغير ما ورد عن الصحابة؟
الشيخ: إذا رأى الإمام فيه مصلحة، فيجوز، ما دام الصحابة اختلفوا في هذا فالمسألة محل اجتهاد، والمقصود ردع الناس عن هذا الفعل الخبيث ( ... ).
طالب: ما حكمه؟
الشيخ: يعني: يُجْلَد مئتي جلدة.
الطالب: الجلد؟
الشيخ: الجلد، إي، أما الرجم ما هو ممكن؛ لأن إذا رجم مرة ما يعود حيًّا.
الطالب: ما هو بجلد ورجم؟
الشيخ: لا، ما هو بجلد ورجم.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: السحاق يعني؟
الطالب: لو رجل تلوط بامرأة؟
الشيخ: تلوط بها؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما يسمى لواطًا.
الطالب: المهم، ليس مع القُبُل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3664
الشيخ: إي، حتى مع الدبر ما يسمى لواطًا، اللواط إتيان الذكر الذكر؛ ولهذا قال لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [الشعراء: 165، 166]، وإتيان المرأة من دبرها؛ إن كانت زوجته فهو محرم، وإن كانت غير زوجته فهو زنا.
طالب: إتيان المرأة المرأة ( ... ) تعزر ( ... )؟
الشيخ: تعزر، إي نعم، تعزر تعزيرًا؟
يُشْتَرط الشرط الثاني انتفاء الشبهة، والشبهة محل شبهة الحقيقة، الشبهة ما هي؟ الشبهة هي الأمر التي يكون الفاعل شاكًّا في فعله هل هو من قسم المباح أو من قسم المحرم؟ هذه الشبهة في الحقيقة؛ يعني: اشتبه عليه الأمر، فلا بد من انتفاء الشبهة.
مثال ذلك -الشبهة- رجل ما نعرف أنه يعلم أن هذا الفعل محرم نخشى أن يكون لا يدري؛ بحيث يكون إنسانًا غبيًّا فغُرِّر به ففعل هذه الفاحشة، هذه شبهة لا شك أنه ما نقيم عليه الحد.
كذلك أيضًا إنسان تزوج امرأة بعقد يظنه صحيح وهو باطل، مثلًا تزوج امرأة في عدتها، ونكاح المرأة في عدتها -كما مر- باطل ولَّا صحيح؟
طالب: باطل.
الشيخ: باطل، فهو لا يدري أنه باطل، فتزوجها ودخل بها وجامعها، هذا زنا في حكم الشرع، لكن لا يقام على هذا الحد؛ لأنه شبهة؛ إذ ظن أن هذا العقد صحيح وأنه يملك به بضع المرأة.
كذلك جامع امرأة يظنها زوجته فهذا شبهة أيضًا إذا علمنا إن هذا ( ... ) يمسك امرأة في السوق ويقول: جامعها، يظنها زوجته، فهذه ليست بشبهة، لكن قد تكون امرأة مثلًا ( ... ) في أيام الحج، وجاء إلى امرأة في الخيمة فظن أنها زوجته وهي نائمة -مثلًا- فأتاها، فحينئذٍ نقول: إن هذه شبهة لا يُجْلَد عليها.
الخادمة عند الإنسان إذا جامعها شبهة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3665
الشيخ: نعم، الصحيح بلا شك أنها ليست بشبهة، والغريب أن بعض أهل العلم يقول: إن الأجيرة إذا زنا بها المستأجر فإنه شبهة؛ لأنه يحتمل أنه يفهم أن الأجرة تشمل المنافع كلها فهو شبهة، ولكن هذا ليس بشبهة في الواقع، والرجل الذي كان عسيفًا عند أحد الصحابة رضي الله عنهم وزنى بامرأته (11)، لو قلنا: إن مثل هذه الأمور شبهة، لكن هذا قد يشتبه عليه أيضًا؛ قد يظن أن هذه المرأة لما كانت زوجها مالكًا لمنافعه أنها سيدة عليه تقول ما تريد.
المهم أن مثل هذه الشبهة؛ لأني قلت لكم: إن الشبهة شبهة؛ ولذلك تهاون بعض أهل العلم رحمهم الله في تعداد الأمور التي يعدونها من الشبه، حتى صار بإمكان الإنسان أن يستأجر امرأة لخدمة البيت ثم يزني بها ويقول: إن هذا شبهة، وهذا لا يمكن أن يقره دين ولا عقل، فالشبهة الحقيقية هي التي يكون المرء فيها قد اشتبه عليه فعل المباح بالفعل المحظور، سواء من ناحية الحكم أو من ناحية المحل؛ يعني المرأة ..
ثالثًا: ثبوت الزنا؛ أن يثبت الزنا من الفاعل والمفعول به، وطرق ثبوته ثلاثة: الإقرار، أو البينة، أو الحمل.
أولًا: الإقرار، والإقرار هو الاعتراف، واعتراف المرء بالشيء شهادة على نفسه به، وشهادة المرء على نفسه مقبولة ولَّا لا؟
الطلبة: مقبولة.
الشيخ: ويش الدليل؟ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]، فأثبت الله شهادة المرء على نفسه، فشهادة المرء على نفسه إقرار يثبت به الُمقَر به، ولكن هل الإقرار هنا كالإقرار في غيره؛ بمعنى أنه يحصل بواحدة أو لا بد من تكراره؟
اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا متساويًا؛ بمعنى أن كل واحد من القولين عليه طائفة كبيرة من الناس؛ فمن العلماء من يقول: إن الإقرار هنا كغيره؛ بمعنى أن الإنسان إذا أقر به إقرارًا صحيحًا حُكِمَ عليه به.
ومنهم من يقول: بل لا بد من التكرار أربع مرات.
الجزء: 2 - الصفحة: 3666
ولكلٍّ حجة فيما ذهب إليه؛ أما الأول فقالوا: إن الحجة لنا أولًا: قول الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]، ومعلوم أن الشاهد لا يُشْتَرط منه تكرار الشهادة، لو جئت تشهد لإنسان هل نحتاج نقول: اشهد، فإذا شهدت قلنا: اشهد ثانية، اشهد ثالثة، اشهد رابعة، اشهد خامسة؟ لا، فالآية الكريمة تدل على أنه إذا ثبتت الشهادة مرة واحدة ثبت الحكم.
الدليل الثاني من السنة قصة العسيف -وأظنكم قد مرت عليكم- قال النبي عليه الصلاة والسلام لِأُنَيْسٍ: «اغْدُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (11)، ولم يقل: إن اعترفت أربع مرات أو ثلاث أو اثنتين، والإطلاق يحصل بواحدة، فهذا الحديث يدل على أنه لا يُشْتَرط التكرار.
أيضًا من المعنى لأن التكرار لا فائدة منه في الواقع؛ إذ إن الحكم يثبت أو أن الفعل يثبت بواحدة، الإنسان إذا قال: أنا -مثلًا- عندي لفلان مئة درهم، فما معنى التكرار؟ يقول: عندي مئة درهم، عندي مئة درهم، الحكم ثبت بواحدة، صحيح أنه كلما تكرر صار أثبت، لكنه -مطلق الثبوت- حاصل بالواحدة.
وأما الذين قالوا: إنه لا بد من الإقرار به أربع مرات، قالوا: لأن الله سبحانه وتعالى جعل شهادة الزنا أربعة شهود، ومعلوم أن الشهود إذا شهد واحد، وجاء الثاني وشهد، وجاء الثالث وشهد، وجاء الرابع وشهد، فهذا تكرارُ شهادةٍ في الواقع، فكما أن شهادة الغير يُشْتَرط فيها التكرار باعتبار تعدد المحل الشاهد؛ يعني: لأنه يلزم من تعدد الشهداء إذا كانوا أربعة أن تتعدد الشهادة، كذلك الشهادة على النفس -وهي الإقرار- لا بد أن تتعدد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3667
وقالوا: وأما السنة فإن حديث ماعز صريح في ذلك؛ فإن ماعزًا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأقر عنده بالزنا فأعرض عنه، ثم أتاه فأعرض عنه، ثم أتاه فأعرض عنه، ثم أتاه الرابعة فأمر به فرُجِم (10)، وقد ذكر بعض الرواة في سياق حديثه: فلما شهد على نفسه أربع مرات أمر به فرُجِمَ (25)، قال: فإن قوله: لما شهد على نفسه أربعة مرات قرينة ظاهرة في إرادة التكرار، وأن كل إقرارة منه تعتبر شهادة رجل واحد، فلا بد من التعدد.
وأيضًا احتياطًا للحدود والأخلاق أيضًا؛ لأن الزاني -والعياذ بالله- ليس أنه إذا طُهِّر بالحد فهو بالنسبة للآخرة يُطهر، لكن بالنسبة للسمعة هل يطهر منه؟ قد لا يطهر عند الناس؛ لو جلد يبقى في قلوب الناس شيء من الحزازة على هذا الرجل؛ فلذلك من أجل الاحتياط لا بد أن تتكرر.
الذين قالوا بالقول الأول يحتاجون إلى الرد على قول هؤلاء، فكيف نرد على الوجه الأول من استدلالهم بأن الشهادة لا بد فيها من أربعة رجال فكذلك الإقرار لا بد فيه من أربع مرات؟
الجواب على هذا قالوا: إنه هناك فرق بين من يُشْهَد عليه ومن يشهد على نفسه؛ الشاهد على نفسه غير مُتَّهم، والمشهود عليه يَتَّهِم الشهود؛ فلذلك لا بد من تكرارها، وأنتم تقولون: إن شهادة المال لا بد فيها من رجلين شاهدين، والإقرار به يكفي واحدة، فلم يبنَ الإقرار على الشهادة؛ إذ إن الإنسان ما يمكن يتهم على نفسه باختلاف الشهداء، فهذا هو الفرق بين الإقرار وبين الشهادة.
وأما قصة ماعز فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما ردده لأجل شبهة قامت عنده؛ ولهذا في آخر الأمر قال له: «أَبِكَ جُنُونٌ» (25).
الجزء: 2 - الصفحة: 3668
وهذا يحتمل أنه أراد عليه الصلاة والسلام «أَبِكَ جُنُونٌ» لأني رددتك ثلاث مرات، فكيف تأتيني الرابعة؟ ما يفعل هذا مع الرسول عليه الصلاة والسلام الذي يعني ما يقول ويفعل إلا إنسان في عقله خلل، كيف الرسول يرددك ثلاث مرات ثم تيجي الرابعة؟ ! يقول: «أَبِكَ جُنُونٌ» ليس معناه الشك في صحة إقراره، ولكن «أَبِكَ جُنُونٌ» للشك في تصرفه في كونه يأتي في المرة الرابعة والرسول صلى الله عليه وسلم يردده ثلاث مرات؛ ولهذا مثل أنت تقول للشخص: أنا -مثلًا- لا أريد كذا، ثم يجيك مرة ثانية وثالثة ورابعة، ويش تقول له؟ تقول: أنت مجنون، أنت أقول لك: ما عنديش وتيجي؟ ! ( ... ) نعم.
ويحتمل أن قوله: «أَبِكَ جُنُونٌ» يعني معناه: أقررت على نفسك بدون عقل، فيكون شبهة في صحة الإقرار، فيكون الرسول عليه الصلاة والسلام ردده للتثبت من إقراره.
وعندي أننا لو سلكنا مسلكًا وسطًا في الموضوع لأجل نجمع بين الأدلة، وقلنا: إنه إذا كان هناك قرائن قوية -ولا سيما إن كان مشهورًا- فإنه يُكْتَفى بالإقرار واحدة؛ لأن قصة العسيف تدل على هذا، فقصة العسيف تعرفون أنها اشتهرت بين الناس؛ فإن أباه افتداه بمئة شاة ووليدة (11).
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
«أَخْبِرْهُ بِأَنَّ عَلَى ابْنِهِ الْجَلْدَ وَالتَّغْرِيبَ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ» (1)، فهذا يدل على أن المسألة اشتهرت، وحينئذٍ لا حاجة إلى تكرار الإقرار أو ترداده؛ لأن المسألة الآن فيها قرائن تؤيد الصحة، أما إذا كان الأمر بالعكس وهي ما اشتهرت المسألة فإن الأولى التكرار لعله يرجع فيحصل الستر؛ لأن الستر مطلوب فيما لم ينكشف، أما إذا انكشف الأمر فإنه لا شك أن ثبوت الحكم يحصل بواحدة؛ لأن الإنسان إذا شهد على نفسه واحدة فقد تم الإقرار، هذا القول الذي أراه؛ أنه يفرَّق بين ما إذا اشتهر الأمر وإذا لم يشتهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3669
أيضًا -يعني كمان هذا هو ظاهر الجمع بين الأدلة- فإنه إذا اشتهر الأمر، ثم جاء وأقر عندنا ولم نعمل بإقراره، ماذا يكون عند الناس في المجتمع هذا الحكم؟ يتهاونون بالزنا، يقولون: هذا رجل مشهور وذهب وأقرَّ عند القاضي ولم يُحَدّ، معناه أن المسألة بسيطة وليست بذات الأهمية، فيحصل بهذا مفسدة.
فالصواب في هذه المسألة هو أن الأمر -تكرار الإقرار وعدمه- يرجع إلى أي شيء؟ إلى القرائن والاشتهار، متى اشتهر فإنه لا وجه للتكرار.
بقينا البَيِّنَة، لا بد أن يكونوا رجالًا.
طالب: ويش راح ترداد الْمُقِرّ؟
الشيخ: إي نعم، إذا لم يشتهر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ولا يثبت الحد إلا بتكرار أربع مرات.
البينة لا بد أن يكونوا رجالًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13]، وأربعة عدد لمذكر ولَّا لمؤنث؟
طلبة: لمذكر.
الشيخ: لا، (أربعة) بالتاء لمذكر ولّا لمؤنث؟
طلبة: مذكر.
الشيخ: ما فيها التأنيث؟
طلبة: بلى، تخالف.
الشيخ: يعني من ثلاثة إلى تسعة يكون مخالفًا، نعم.
وأيضًا (شهداء) جمع (شهيد) وليس جمع (شهيدة)، فعلى هذا لا بد من أربعة رجال ثقات، ولا بد أيضًا أن يشهدوا بصريح الزنا، مثلما أن الإقرار أيضًا لا بد أن يكون بصريح الزنا، وشهادتهم بالصريح أن يقولوا جميعًا بشهادتهم: رأينا ذَكَرَ هذا الرجل بفرج هذه المرأة، ويحتاج أن يقولوا: كالْمِيل في المكحلة، ولَّا ما هو لازم؟ ما هو لازم، إن قالوا ذلك فهو من باب التأكيد.
طبعًا هذه المسألة يصعب جدًّا أن تحدث، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه لم يثبت الزنا في الشريعة الإسلامية عن طريق الشهادة، وهو في القرن الثامن، يعني ثمانية قرون مضت وشيخ الإسلام يقول ها الكلام فيها.
فالظاهر أيضًا أن ما بعده كذلك، لكن ما رأيكم هل التصوير الآن ما يمكن يتسلَّط على هذا؟ ما أظن أنه يتسلط؛ لأنه اللي ما تسلط عليه العين ما تسلط عليه الآلة، ولَّا كيف؟ ما أظن هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3670
طالب: الآلة لا نقطع بها.
الشيخ: إن كان بيحطها بين فخوذه –الآلة- ويصور يمكن.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، لكن يشاهد الذَّكَر في الفرج.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الفخوذ بتكون متلاصقة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما أظنه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا ما أظنه، ولهذا الظاهر -والله أعلم- أن هذا ما يثبت بطريق البينة.
فإذا قال قائل: إذا كان لا يمكن ثبوته في الشرع كيف يذكره الله، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النور: 13]؟
قلنا: لأن الله قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا﴾ يعني: حين لم يأتوا، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وهذا يدل على أن الأمر إما ممتنِع أو شبه ممتنع، والله تبارك وتعالى قد يقول الشيء من باب التعجيز، يعني هذا ما يمكن.
لو جاء أربعة يشهدون بهذه الشهادة هل للحاكم –القاضي- أن يُفَرِّقهم ويستنتج شهادتهم إم صحيحة ولَّا لا؟ ولَّا ما يفرِّقهم؟ أنا عندي أن هذا محل ارتياب، والعلماء يقولون: إنه إذا ارتاب في الشهود فلا بأس أن يفرِّقهم، ويش معنى يفرقهم؟ يخلِّي كل واحد يجيبه على حِدَة ويقول: تعال، ويش رأيت الأمر؟ يمكن يقول: أنا مثلًا رأيت كذا، ويجيء الثاني ويشهد على وجه مخالف، حينئذ يكون أحدهما كَذَّب الآخر.
أما الطريق الثالث لثبوت الزنا -والعياذ بالله- فهو الحمل، والدليل على أنه طريق لإثبات الزنا حديث عمر رضي الله عنه، قال: إذا قامت البينة أو كان الْحَبَل أو الاعتراف، الْحَبَل يعني الحمل، ومن سُنَّة الله سبحانه وتعالى أنه لا يمكن حمل بدون جماع، هذا في الغالب، وإن كان قد يوجَد لكن الأصل أنه ما يوجد إلا بجماع، ولهذا فهو طريق للثبوت.
الجزء: 2 - الصفحة: 3671
إلا أن المرأة إذا ادَّعَت الشبهة يُرْفَع عنها الحد، مثل لو قالت: إنها تَحَمَّلت بماء الرجل، وهذا ممكن، فإنها لا تُحَدُّ، أو قالت: إنها أُكْرِهَت على هذا الشيء، فإنها لا تُحَدّ، وإلا فالأصل وجوب الحد.
( ... )
صلى الله عليه وسلم، وبَيَّنَ أن الحمل مما يثبت به الحد، ولكننا مع ذلك نقول: إذا ادَّعَت المرأة شبهة فإنه لا يُقَام عليها الحد؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولما يُرْوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (2)، فعندنا الآن تعليل ودليل، الأصل براءة الذمة وعدم الجناية، والثاني الحديث وإن كان فيه مقال: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ».
فعلى هذا نقول: إذا ادَّعَت شبهة فإنها تُقْبَل ولا يقام عليها الحد، مثل أن تدعي أنها أُجْبِرَت على هذا الشيء، أُجْبِرَت على أن يزني بها رجل -والعياذ بالله- وحصل الحمل، ففي هذه الحال نقول: ليس عليها حد؛ لأن هذا أمر ممكن.
وأما إذا سكتت ما نفت، يعني ما ادَّعَت أنها مُكْرَهَة ولا ادَّعَت أنها طائعة، فإن الحمل بَيِّنَة؛ إذ إننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يخلق حملًا إلا من جماع، إلا أن يكون ذلك آية فتُثْبَت كما في قضية مريم.
طالب: التلقين ( ... ).
الشيخ: التلقين، ما إخالك سرقت، فليس هذا من باب التلقين، وإنما هو من باب أنني لا أظن أنك تسرق، نظرًا إلى أن هذا الرجل عند النبي عليه الصلاة والسلام ما يظن فيه هذا الشيء، فيخشى أن يكون هذا قال: إنه سرق، وهو ليس بسارق.
وكذلك أيضًا في مسألة القول بأنه إذا رجع عن الإقرار فإنه يُقْبَل رجوعه، والصحيح في هذا أنه لا يُقْبَل رجوعه، واستدلالهم بقضية ماعز؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا أَقَرَّ الزاني على نفسه بالزنا ورجع فإنه يُقْبَل حتى لو ثَبَّتَ ذلك عند القاضي واشتهر بين الناس، وما بقي إلا أن يقام عليه الحد، يقولون: إذا رجع فإنه يُقْبَل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3672
وفي الحقيقة أننا لو اعتبرنا هذا القول لكان فيه من المفاسد شيء كثير؛ لأن كثيرًا من الناس يفعل الشيء ثم يُقِرّ به ويُثْبِت هذا الأمر ثم يُنْكِر، فالصواب أنه لا ينتفي عنه الحد برجوعه.
والاستدلال بقصة ماعز ليس بدليل؛ لأن ماعزًا لم يرجع، لكنه حاول أن يتوب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ» (3).
أما رجل يقول: إنه رجع، أبدًا ما حصل مني هذا الشيء، بينهما فرق، بين اللي يقول: ما حصل مني هذا الشيء، وبين اللي يقول: حصل مني ولكن أنا أريد أن أحاول التوبة، ولَّا لا؟ الفرق بينهما أن الأول نفى، والثاني أَثْبَتَ، ولكنه وعد بإزالة هذا الشيء عن نفسه بالتوبة.
فقصة ماعز ليست من باب الرجوع، بل هي في الحقيقة من باب الإقرار، ولكن الرسول يقول: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ»، والمنكِر للشيء بعد إقراره بوقوعه هل هو تائب منه؟ ليس بتائب بالحقيقة، بل إنه يريد أن ينكر هذا الشيء، والتائب مُعْتَرِف بالذنب نادم عليه عازم على ألَّا يعود.
وكذلك أيضًا في موضوع السرقة وغيرها، لكن السرقة لا يُقْبَل الرجوع بالنسبة للمال، هو عند من يقول: إنه يجوز الرجوع، لا يُقْبَل رجوعه بالنسبة للمال، ولكن يُقْبَل رجوعه بالنسبة للحد، فإذا جاء السارق وقال: نعم، أنا سرقت هذا من هذا المكان، وفتحت الباب، ودخلت ووجدت الصندوق، وفتحت الصندوق أو كسرته ثم سرقت، وسرقت كذا وكذا من الدراهم، وثبت ذلك عند القاضي وقال: اقطعوا يده، حَكَمَ بذلك، فقال: الآن رجعت عن إقراري، أبدًا ما سرقت ولا زَيَّنْت شيئًا.
على رأي الفقهاء رحمهم الله يقولون: إن الإقرار يرتفع برجوعه، إلا بالنسبة لحق الآدمي وهو المال، فإنه لا يُقْبَل رجوعه، وهذا لا شك أنه فيه من التلاعب ما فيه، والصواب عدم ذلك، ويأتي عاد موضوع السرقة إن شاء الله.
طالب: بالنسبة للتوبة ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3673
الشيخ: إي نعم، إذا تاب لا يقام عليه الحد، بل إن الصواب في مسألة الْمُقِرّ أنه إذا جاء تائبًا يريد الخلاص فإنه يرتفع عنه الحد ويُعْفَى عنه، يعني يُخَيَّر الإمام أو الحاكم بين أن يقيم عليه الحد وبين ألَّا يقيم إذا جاء تائبًا.
طالب: ماعز جاء تائبًا والرسول أقام عليه الحد.
الشيخ: لا، ماعز بيطالب بإقامة الحد عليه ما جاء تائبًا.
الطالب: ما هو بتائب؟
الشيخ: لا؛ لأنه ما جاء تائبًا، جاء يطالب بإقامة الحد عليه، ثم إنه إذا كان تائبًا الصحيح في هذه المسألة أن الإمام يُخَيَّر بين أن يقيمه عليه، وبين أن يقول: اعمل من الصالحات كذا وكذا، كما في قصة الرجل الذي جاء وقال: يا رسول الله، إني أصبتُ حَدًّا فأَقِمْه علَيّ، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ »، قال: نعم، قال: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» (4) فالإمام مخيَّر فيمن جاء تائبًا، وأما إذا لم يأتِ تائبًا ولكنه قبضته السلطة ثم أَقَرَّ واعترف هذا ليس بتائب.
طالب: الرسول ما أرشده يا شيخ إلى التوبة.
الشيخ: نعم؟
طالب: ماعز ما أرشده إلى التوبة.
الشيخ: ما أرشده إلى التوبة.
طالب: الغامدية يا شيخ، الرسول قال: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً .. » (5)
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وأقام عليها الحد.
الشيخ: إي؛ لأنها مُصِرَّة على إقامة الحد، حتى إنها طالبت بأن يقيم عليها الحد وهي حامل، وأَجَّلَهَا حتى تضع الولد، ثم حتى تفطمه، ثم أتت به إلى الرسول وفي يده كسرة خبز يأكلها.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: كيف التقدير؟
الطالب: الحد بتقدير من ..
الشيخ: إحنا قلنا: إن الإمام يُخَيَّر بين أن يقيمه وألَّا يقيمه، هذا هو الراجح في المسألة إذا جاء تائبًا، ولكن الفاعل إذا أصرَّ على أن يُطَهَّر فالظاهر أنه ينبغي أن يوافَق على هذا الشيء.
الطالب: إذا تاب مثلًا ( ... ) ماعز أراد أن يُطَهِّر نفسه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3674
الشيخ: إي، لكن ماعزًا أراد أن الرسول يقيم عليه الحد، ولهذا أَقَرَّ ثم أعرض عنه، أقر ثم أعرض عنه، أقر ثم أعرض عنه، وفي الرابعة شاف أنه مصمم أقام عليه الحد.
باب حد القذف
حد القذف، أولًا: تعريف القذف.
القذف في اللغة: الرمي، وفي الشرع: هو أن يرمي شخصًا بزنا أو لواط، فيقول: يا زاني، أو: أنت زانٍ أو: يا لوطي، أو: أنت لوطي، أو ما أشبه ذلك، هذا هو القذف.
وهو من كبائر الذنوب بالنسبة لمن كان مُحْصَنًا؛ لِمَا ثبت في الحديث الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» (6) وذكر منهن قذف الْمُحْصَنَات الغافلات المؤمنات، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 4، 5].
يقول: القذف له صريح وكناية؛ صريح القذف ما لا يحتمل سواه، كل لفظ لا يحتمل سوى القذف فهو صريح، مثل أيش؟ مثل الزنا واللواط، وأظن الفاحشة أيضًا، إذا قال: أنت تفعل الفاحشة، فإنه يُعْتَبَر صريحًا.
أما الكناية فهي ما يحتمل القذف بالزنا وغيره، ومَثَّل الفقهاء له بأمثلة، منها قولهم: يا قحبة، كلمة (قحبة) يقولون: إنها من الكناية، عند الناس الآن الظاهر أنها صريحة، أو قريبة من الصريح؛ لأنهم ما يعرفون معناها الأصلي، معناها الأصلي: العجوز، ما تقول لامرأة كبيرة في السن: يا قحبة!
الجزء: 2 - الصفحة: 3675
على كل حال عندنا قريبة من الصريح؛ يعني ما أحد يعرف أن معنى قحبة في اللغة العربية بمعنى المرأة الكبيرة الْمُسِنَّة، لكن كذلك أيضًا يقولون: لو قال الرجل للمرأة: أنت فضحتِ زوجك، يقولون: إن هذا كناية عن الزنا، يعني كأنه قال: أنت زانية، مع أن (فضحتِ زوجك) عندنا وفي عرفنا بعيدة جدًّا من إرادة القذف، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الغالب أنه يقول: فضحت زوجك، يعني: بالكلام في الزوج، وليس معناه: أنك تمارسين فعل الفاحشة بالنسبة له.
على كل حال هذه المسائل معروفة في كتب الفقه، وبإمكانكم ترجعون إليها، ولكن القاعدة الضابط في هذا الشيء أن نقول: ما لا يحتمل إلا الزنا واللواط فهو صريح، وأما ما يحتمله وغيرَه فهو كناية، وأما ما لا يحتمله مطلقًا فهذا ليس بشيء، ولا يمكن أن يُحْمَل على أنه قذف.
ويش الفرق بين الصريح وبين الكناية من جهة الحكم؟
الصريح هو الذي يكون قذفًا بمجرد النطق به، والكناية لا يكون قذفًا إلا بقرينة.
مثل القرينة: أن يكون هناك مشادَّة بين هذين الرجلين، كل واحد منهم يتكلم في الآخر، فقال هذا القول الذي يحتمل هذا وغيرَه.
مثلًا عندنا كلمة مُخَنَّث، ويش تعني؟ قريبًا من الصريح، فهذه إذا قيلت في مقام المشادَّة والغضب يُحْكَم لها بحكم الصريح، وفي غير هذه الحال لا يُحْكَم لها بحكم الصريح؛ لأن المخنَّث معناه الرجل الذي فيه خصائص المرأة الْخُلُقِيَّة ليست الخِلْقية، يوجد بعض الناس رجل لكن طبائعه طبائع أنثى، يسمَّى هذا مخنثًا، يعني ليس ذكرًا ولا أنثى، من جهة الْخِلْقَة هو ذَكَر، من جهة التَّخَلُّق هو امرأة.
وأنا أذكر أنه بعض الأحيان يجيء أناس حتى في كلامهم، تجد أن كلامه كلام امرأة، حتى في كلامه ومِشْيَته وهيئته تقول: امرأة، لكنه حقيقةً خلقةً هو رجل، هذا معنى المخنث في اللغة العربية، ولكن إذا جاءت في مقام المشادة والغضب نحكم لها بأنها صريحة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3676
هذا الفرق بين الصريح وبين الكناية؛ أن الصريح يكون قذفًا بمجرد النطق به، وأما الكناية فلا بد لها من قرينة.
حد القذف، يعني العقوبة التي قدَّرها الشارع إما ثمانون جلدة، وإما أربعون جلدة، وإما تعزير، يعني القاذف يُحَدّ بثمانين جلدة، أو بأربعين، أو يُعَزَّر.
أما الأول فيقول: فالأول قَذْف المحصَن؛ وهو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامِع مثلُه، (الحر) احترازًا من العبد، وإنما لم يكن العبد محصَنًا؛ لأن العبد لا يلحقه من العار بالزنا مثل ما يلحق الحر، ولهذا يُذْكَر أن هند بنت عتبة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم -إن صح الحديث- وهو يبايع النساء، قالت: أَوَتَزْنِي الحرة؟ يعني كأن الزنا عند الحرائر أمر مستحيل، لكنه بالنسبة للإماء كثير، فلا يلحق المرأةَ التي ليست بحرة، أو الرجل الذي ليس بِحُرّ، لا يلحقه من العار بالزنا مثل ما يلحق الحر، فلذلك لا يكون محصَنًا.
المسلم ضده الكافر، الكافر ليس محصَنًا، ولا كرامة له، فإذا قَذَفَ رجل مسلم كافرًا فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه ليس بمحصَن.
العاقل ضد المجنون؛ لأن المجنون حقيقةً لا يمكن أن يكون محصَنًا، لو أن أحدًا وصفه بأنه يزني يلحقه بذلك عار؟ لا؛ لأنه مجنون، فلا يُلَطِّخُه ولا يُدَنِّسه.
العفيف معناه المشهور بالعفة والبُعد عن هذه الفاحشة، وضده مَن كان متَّهَمًا بها، فإن هذا ليس بمحصَن، والسبب في ذلك لأنه ليس تدنيس هذا الإنسان المستحق للتدنيس بسبب أنه مُتَّهَمٌ به كالإنسان العفيف، أيهم أشد وقعًا، العفيف أشد وقعًا، فلهذا نقول: ليس بمحصَن، فصارت الشروط أربعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3677
الشرط الخامس: الذي يجامِع مثلُه، أما الصغير فإنه ليس بمحصَن، مَن الذي يجامِع مثلُه؟ يقولون: بالنسبة للرجل مَن تَمَّ له عشر سنين، بالنسبة للمرأة مَن تم لها تسع سنين؛ لأن مثل هذا يمكن أن يجامع مثلُه، أما مَن قبل ذلك فيزعمون أنه لا يجامِع، وأنه لو جامَع فإنه لا يتلذَّذ به تلذُّذ الإنسان الكبير، والله أعلم هذه ترجع إلى دراسة هذه الأمور من الناحية الطبية، لكن إحنا نتكلم على كلام أهل الفقه، فإذا وُجِدَ مثلًا شيء يخالف هذا الكلام من الناحية الطبية فالمعتمَد الواقع.
طالب: شيخ، يشترط البلوغ؟
الشيخ: ما هو شرط، البلوغ ليس بشرط، ولهذا قلنا: الذي يجامِع مثلُه وإن كان غير بالغ.
إذا كان القاذِف حرًّا، هذا شرط لأي شيء؟ للإحصان ولَّا شرط لجلد الثمانين؟
طلبة: لجلد الثمانين.
الشيخ: لجلد الثمانين، الإحصان شروطه خمسة فقط: الحرية والإسلام والعقل والعفة وبلوغ سنٍّ يجامِع فيه مثلُه، أما وجوب الثمانين فهو إذا كان القاذف حرًّا.
أما الأول، وهو اشتراط الإحصان، فهو ظاهر في الآية الكريمة، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، ﴿اجْلِدُوهُمْ﴾ أي: الرامون المحصنات، ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
أما اشتراط كون القاذف حرًّا فيُجْلَد ثمانين جلدة فهو بالقياس، قالوا: لأن الرقيق إذا زنى ويش يجب عليه من الحد؟ النصف، ولَّا لا؟ قالوا: فكذا يَتَنَصَّف حد القذف في حقه كما يتنصف حد الزنا، ويش الدليل إذن؟
طالب: ( ... ) نصف ما على ..
الشيخ: الحر، قياسًا على ما إذا زنى.
الجزء: 2 - الصفحة: 3678
ومن العلماء من يقول: إن هذا القياس ليس بصحيح، وإنه يجب على قاذف المحصَن ولو كان عبدًا يجب عليه ثمانون جلدة، واستدلوا بعموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، وكلمة (الذين) اسم موصول من صِيَغ العموم، فيشمل كل مَن رمى المحصنات، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾.
أما القياس فيقولون: إن هذا قياس مع الفارق؛ لأن وجوب الحد على الزاني لتطهيره، ووجوب الحد على القاذف لتطهير المقذوف، أليس كذلك؟ لماذا جَلَدْنَا هذا القاذف؟ حماية لعِرْض المقذوف، وعرض المقذوف يتدنس، سواء كان القاذف حُرًّا أو عبدًا، بخلاف الزنا، فالزنا بالنسبة للأحرار ليس كالزنا بالنسبة للأرِقَّاء، أما المقذوف ما ذنبه إذا كان القاذف رقيقًا؟ هو سوف يلحقه العار سواء كان القاذف رقيقًا أو حرًّا.
ولذلك الصحيح في هذه المسألة أننا لا نشترط لوجوب الثمانين أن يكون القاذف حرًّا، وعليه فالثاني قذْفُ المحصَن إذا كان القاذف رقيقًا يُلْغَى على هذا القول، الثاني ويش هو الثاني؟ أربعون جلدة، قَذْفُ المحصَن إذا كان القاذف رقيقًا، بناء على أيش؟ بناء على قياس حد القذف على حد الزنا، حد الزنا بنص القرآن أنه النصف.
ولكننا نقول: هذا القياس ليس بصحيح، وعلى هذا فيسقط القسم الثاني الذي هو أربعون جلدة، ويكون حد القذف ثمانين جلدة، أو التعزير فقط، على القول الراجح.
الثالث: قذف غير المحصَن، ويش هو الثالث؟ التعزير، قذف غير المحصَن، والتعزير سيأتينا إن شاء الله أنه التأديب، وأنه يختلف بحسب الحال، قد يحتاج إلى جَلْد، أو إلى حبس، أو إلى توبيخ، أو إلى خصم من راتبه، أو غير ذلك، يأتينا إن شاء الله فيما بعد.
إذا قذف شخصًا غَيْرَ معيَّن، بأن قال: واحد من هذا البيت زانٍ، ويش يصير؟ يصير تعزير، يُعَزَّر؛ لأنه ما عَيَّن أحدًا يلحقه العيب والعار.
الجزء: 2 - الصفحة: 3679
إذا قذف أهلَ بلد عامة قال: كل أهل ها البلد زُنَاة، ويش الحكم؟ يُعَزَّر؛ لأن حقيقة الأمر ما يلحقهم العار مهما كان.
كذلك لو قذف جماعةً بوصف، وقال مثلًا: كل اللي يعملون كذا وكذا كلهم زُنَاة، أو كلهم -والعياذ بالله- لوطية، فإنه يُعَزَّر؛ لأنه لم يقذف شخصًا معينًا، والعار لا يلحق مثل هؤلاء، حتى لو قال ها الكلام ما أحد يسومهم بعيب.
طالب: يا شيخ بالنسبة ( ... ).
الشيخ: ما ( ... )؛ لأن الزاني ما هو لأنه انتهك عرض هذا، قد يكون هذا باختياره، قد يكون الْمَزْنِيّ به باختياره أو الْمَلُوط به، ومع ذلك يجب الحد.
طالب: والتطهير ..
الشيخ: إي، التطهير موجود، لكن حماية عِرض الناس؛ لأن القذف لحماية عِرض المقذوف، هذا هو الأصل، ولهذا خصوصًا على المذهب إذا سمح ولم يطالِب المقذوفُ فإنه لا حد عليه، أما الزنا فهو واجب بكل حال؛ لحق الله.
المهم الآن اللي تبيَّن لنا من هذا، ولاحظوا أن في الحقيقة إننا ما وَسَّعْنَا المباحث هنا، لأنهم يقولون لنا: إن أصول الدين ما يحتاج توسعون عليهم في الفقه؛ لأن أهم شيء عندهم الأصول.
( ... ) منها مثلًا -وهو مهم جدًّا- إذا قذف الإنسان نبيًّا ما نقول: حده حد القذف ثمانون جلدة، إذا قذف نبيًّا فإنه يكفُر كفرًا مُخْرِجًا عن الملة، ويطالَب بأي شيء؟ يطالب بالرجوع إلى الإسلام.
وهل تُقْبَل توبته أو لا تُقْبَل؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إنها تُقْبَل، ولكنه يجب قتله؛ لأنه ( ... ) تُقْبَل فلا يُحْكَم بكفره؛ إذ الكفر حق لله، لكن القذف حق لمن؟ للنبي، والنبي لم يُسْقِط هذا الحق، وعلى هذا فكل مَن سَبَّ نبيًّا بقذف أو غيره فإنه يكفُر، ثم يطالَب بالرجوع إلى الإسلام، فإذا رجع قُتِلَ حَدًّا.
وقوله رحمه الله هو الصحيح، كذلك أيضًا مَن قذف أم نبي فإنه يكفُر؛ لأنه يلزم من ذلك أن يكون هذا النبي محتمل أن يكون ولد زنا -والعياذ بالله- وهذا كفر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3680
كذلك أيضًا مَن قذف زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يكفُر، أما مَن قذف عائشة فلا شك أنه يكفر، من قذف عائشة بما بَرَّأَها الله منه فلا شك في كفره، لماذا؟ لأنه تكذيب للقرآن، لكن مَن قذف عائشة بغير ما بَرَّأَهَا الله منه، أو قذف غيرها من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فالصواب بلا شك ما اختاره شيخ الإسلام؛ أنه يكفُر، وأنه يكون غير مسلم؛ لأن هذا من أبلغ الإيذاء للرسول عليه الصلاة والسلام، إذا كان زوجاته ما يجوز للمسلم يتزوجهن من بعده غيرةً للرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف -والعياذ بالله- بمن يقول: إنهن بغايا، فلذلك الصحيح ما اختاره شيخ الإسلام.
فعليه نقول: مَن قَذَفَ نبيًّا أن أُمَّهُ، أو زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر، ولا تنسحب عليه هذه الأحكام بالجلد، وإنما يقال: ارجع إلى الإسلام من جديد.
طالب: ( ... ).
الشيخ: فإنه يُعَزَّر ولا يقام عليه الحد.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هو يُعَزَّر على هذا، ولكن لا يُحَدّ؛ لأنه يوجد مثل بعض الناس دائمًا على لسانه، خصوصًا الجدعان الصغار يقولون: يا ولد الزنا -والعياذ بالله- هذه كثيرة في ألسنتهم، هذه يُعَزَّر مَن يستحق التعزير ممن يفهم ويرتدع بالتأديب.
( ... ) لا، حد القذف ما ( ... ) إلا بالزنا أو اللواط، أما غيره فيُعَزَّر، لو قال مثلًا: يا ( ... ) مثلًا، يا غشاش، يا يهودي، يا نصراني، ما .. بس إن رمى بِمِلَّة غير الإسلام فإنه يبوء بها أحدهم، إما أن يكون ذاك المقذوف يهوديًّا أو نصرانيًّا، وإلا يكون هذا، فعليه أن يتوب توبة نصوحًا.
باب القطع في السرقة
أولًا: حد السرقة، تعريف السرقة، حد السرقة إلى آخره.
أولًا: السرقة لفظها يدل على السرعة، ومنه قولهم: سارَقَهُ النظرَ، أي: نظر إليه بسرعة واختفاء.
وهي في اللغة أَخْذ المال بِخُفْيَة، وأما في الاصطلاح فإنها: أَخْذ مالٍ على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3681
فالفرق إذن بين اللغة وبين الاصطلاح أن اللغة أعم، فمَن سَرَقَ شيئًا ولو من غير مالك أو نائب مالك فهو سارق في اللغة، أما في الاصطلاح فليس بسارق، فلو علمت مثلًا أن هذا الذي بيد هذا الشخص ليس ملكًا له، وليس له عليه ولاية، فسَرَقْتَه، فذلك ليس بسرقة في الاصطلاح، وهو في اللغة سرقة.
ولهذا يقول العوام: السارق مِن السارق كالوارث من أبيه؛ لأنه سَرَقَ من غير مالك ولا نائبه، ولكن كلامهم هذا ليس بصحيح، إنما هو حقيقةً ما يجب عليه القطع؛ لأنه لا ينطبق عليه أنه سرقة في الاصطلاح.
إذن السرقة في الاصطلاح أَخْذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه.
فقولنا: (أَخْذ المال) خرج به ما ليس بمال، فليس بسرقة، مثل ما لو سَرَقَ كلبًا، الكلب ليس بمال، أو سرق خمرًا، فالخمر ليس بمال، فلا يُعْتَبَر ذلك سرقة وإن كان له قيمة، لو فرضنا أنه سرق خمرًا وهو في بلاد غير المسلمين، يُعْتَبَر عندهم له قيمة، ولكنه شرعًا ليس بمال فلا يسمى ذلك سرقة، لو سرق حُرًّا صبيًّا من أهله يُعْتَبَر سرقة؟ لا؛ لأنه ليس بمال.
قولنا: (أَخْذ المال) يخرج به أيضًا ما لو أكله، إنسان دخل على بيت مُحْرَز، وفيه مثلًا تمر، وأكله حتى شبع، وخرج مالئًا بطنه، يعتبر سارقًا؟ ما يعتبر سارقًا، ولهذا بس ما وُدُّنَا نفتح يدًا للسُّرَّاق، ولَّا ( ... ) مثلًا إذا صار المسروق إن خرج به جاء نصابًا، وإن أكل بعضه خرج بالبعض نقص عن النصاب، يأكل البعض ويخرج بالباقي.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، ( ... ) دينارًا، لو أكل دينارًا وخرج به الظاهر أنه يجب عليه القطع؛ لأن حقيقة الأمر هذا ما ينتفع به الجسم بخلاف الأول، وأيضًا هذا لا يسمى إتلافًا، الأول إذا أكله تلف، وهذا لا يتلف.
طالب: ( ... ).
الشيخ: قولنا: (على وجه الاختفاء)، لو أخذه لا على وجه الاختفاء بأن أخذه عَنْوَةً جهرًا فهذا ليس بسرقة، ويسمى غصبًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3682
كذلك لو أخذه على وجه اللعب والاستهزاء، مثلًا يسخر، يضحك عليه وأخذه منه، فإنه لا يعتبر سارقًا؛ لأنه وإن أخذه على وجه ليس بعنوة وليس بقهر، إلا أنه مازِح وليس بجادّ.
وقولنا: (من مالك) احترازًا مما لو أخذه من غير مالكه أو نائبه فإنه لا يعتبر سارقًا، ووجه ذلك أن أَخْذَه من غير مالك أو نائبه أَخْذٌ من غير حِرْز؛ إذ إن المال لا يكون مُحْرَزًا إلا إذا كان عند من هو له، أو مَن يقوم مقامه، فإذا كان عند غيره فكأنه أخذه من غير حرزه.
أما حد السرقة فهي قطع اليد اليمنى من مَفْصِل الكف، ثم قطع الرجل اليسرى من مفصل العَقِب، وبعد ذلك إما حبسٌ حتى يتوب، وإما قطع اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، كما سبق، على خلاف في ذلك.
قطعُ اليد اليمنى من مفصل الكف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، لو نظرت إلى ظاهر الآية الكريمة لقلت: إنه يجب قطع الأيدي الأربع، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: لا، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، (أَيْد) جمع مضافة إلى اثنين، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: كم يصير؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربع أيادٍ، ولكننا نقول: ليس كذلك، بالنص والإجماع، وإنما جُمِعَت الأيدي هنا؛ لأنها أُضِيفَت إلى متعدِّد، والمضاف إلى متعدِّد الأفصح فيه الجمع، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4]، مع أنه ما لهم إلا قلبان فقط، ويجوز لكن في غير القرآن أن تقول: فاقطعوا يَدَيْهِمَا، ويجوز أيضًا: يَدَهُمَا، بالإفراد، ولكن الأفصح هو الجمع، والله أعلم.
( ... ) هذا مبتدأ؟ طالب: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3683
الشيخ: طيب، هذا الأول من مراتب قطع اليد في السرقة دَلَّ عليه قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، والأمر للوجوب، وقوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية عامة، كلمة (يد)، فيقتضي أن يكون ذلك راجعًا إلى تعيين الإمام، ولكنه قد جاء فيه قراءة أخرى: (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا)، وعلى هذا فتكون القراءة الثانية مُفَسِّرَة لهذه القراءة، ويكون المقصود باليد اليد اليمنى، ولأن ذلك أيضًا هو الموافق للجناية؛ إذ إن الغالب أن الأخذ والإعطاء يكون باليمين، فكانت هي موضع العقوبة دون اليسار.
ثالثًا: ولأن هذا أَنْكَى وأبلغ في تأديب هذا السارق أن يسرق مرة ثانية، وفي تحذير غيره أيضًا من السرقة.
وقولنا: (من مفصل الكف) ( ... )؛ لأن اليد إذا أُطْلِقَت فإنما يراد بها الكف، بدليل أنها في الوضوء قُيِّدَت بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6].
( ... ) ذلك من نفس الْمَفْصِل، فلا يجوز مما فوقه ولا مما دونه، ولكن كيف يكون القطع ما دام على هذا الوصف؟ قالوا: إنه يجب أن تُمْسَك يده ويشدها رجل قوي حتى يتبين المفصل ثم تُقْطَع بالسكين؛ لأن السكين أبلغ في التحديد.
وعلى كل حال العلماء في هذه المسائل يتكلمون عما يعرفونه، فإذا وُجِدَ طريقة غير هذه الطريقة في الطب كالعملية مثلًا، قد تكون العملية أهون من هذا، فإنه يُتَّبَع.
وهنا سؤال: هل يحوز عند القطع أن يُبَنَّج أو لا يجوز؟ نقول: بل يجوز؛ لأن المقصود هو قطع اليد، ويحصل مع البنج وعدمه، وأما إذا كان قطعها قصاصًا فإنه لا يجوز أن يُبَنَّج، وذلك لأن الجاني في باب القصاص أَذَاقَ المجني عليه الألم وفَقْدَ العضو، فلا يمكن أن نقتصر نحن على أحد الأمرين وهو قطع العضو، أما في باب الحد فالمقصود هو القطع، ويحصل ذلك ولو بالتبنيج.
لو قال قائل: إذن يجوز أن يُبَنَّج الإنسان عند الجلد في الزنا والقذف؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3684
فيقال: يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز؛ لأنه ليس المقصود هناك مجرَّد أن يُضْرَب بالسوط، المقصود أن يذوق الألم، بخلاف هذه، فهذه لأجل إزالة هذا العضو الذي حصلت منه الجناية بالسرقة فيُزَال بالقطع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لأن الله قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فقط، وهذا حصل القطع.
طالب: لماذا لا نقيد المرافق مثلما قيدنا الرقبة ( ... )؟
الشيخ: كيف؟ ما نقيدها؛ لأنه إذا لم تقيد في باب التيمم في آية الوضوء مع أنهما من جنس واحد، وهما التيمم والطهارة، فهذا أبعد وأبعد من باب أولى، وهذا بالاتفاق أنه ما فيه تقييد، هذا باتفاق أهل العلم؛ لأن السبب والحكم مختلف، هنا السبب والحكم مختلف، بينما أنه في باب التيمم السبب واحد وهو الحدث، ومع ذلك لم تُقَيَّد به؛ لأنه ما دام الشرع جعل الحكم مختلفًا فإنه لا يمكن أن يُلْحَق أحدهما بالآخر.
طالب: ( ... ) عدم التقييد؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: التيمم والقطع.
الشيخ: إي نعم؛ لورود الحديث، ثم إن الحكم أيضًا على هذه قاعدة معروف في أصول الفقه، إذا كان الحكم مختلفًا فإنه لا يمكن أن يقيَّد المطلَق بالمقيَّد؛ لأن الحكم أصلًا لا يتفق، يجوز أن يكون منه، كما خالف الحكم ذلك الحكم المقيَّد في أصله فيخالفه أيضًا في وصفه.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: الثانية؟ جاءت باسم الفاعل، يعني: الذي يسرق، لو قال: السَّرَّاق، بعد، لكان قد يُقَال: إن فيه صيغة مبالغة.
طالب: بالنسبة للبنج ما يقال: إنه كان معروف هذا وما أخذوا منه؟
الشيخ: لا، ما هو معروف البنج، البنج قليل جدًّا في ذاك الوقت.
الطالب: البنج العادي ربما يُسْقَى شيئًا فيغيب.
الشيخ: ما كان معروفًا هذا.
الطالب: بالنسبة يا شيخ في قطع رجل عروة بن الزبير أنهم عرضوا عليه أن يسقوه مخدِّرًا.
الشيخ: إي، يمكن، عروة بن الزبير في التابعين؛ لأنه بعد الفتوحات يمكن انتشر هذا.
طالب: والخمر؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3685
الشيخ: لا، غير، لكنه بعد الفتوحات حصل هذا؛ لأنهم دخلوا في الفرس والروم وحصل بينهم شيء.
العلماء يقولون: إنها أيضًا إذا قُطِعَت يجب أن تُحْسَم، وكيفية الْحَسْم أنه يُغْلَى زيت على النار ثم يُوضَع فيه طرف الذراع لأجل أن تنسد أفواه العروق فلا ينزف الدم.
هذه ما أدري هل يوجد الآن في الطب شيء يمكن أن يُعْتَاض عنه؟ إذا وُجِدَ شيء يعتاض عنه فلا حاجة إليه؛ لأن هذا لا شك أنه يؤثر على اليد؛ في أنها ربما تنسلخ وتتأثر، لكن على كل حال إذا وُجِدَ في الطب ما يقوم مقامه فهو كافٍ.
قال: (ثم قطع الرجل اليسرى من مفصل العقب)، وهذا أيضًا جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا عاد تقطع الرِّجْل اليسرى من مفصل العقب، لاحظوا أن العقب الآن لا بد أن يبقى، فيُقطع القدم فقط، وأما العقب فإنه يبقى؛ لأننا لو قطعنا العقب لأدَّى ذلك إلى قصور الرِّجْل عن الأخرى، وحينئذ يصعب عليه المشي، أو ربما تتأثر الرجل الأخرى أيضًا إذا كان الْحِمل عليها كلها.
فلهذا قال العلماء: إنه يُقْطَع من مفصل العقب، ويبقى العقب مع الساق.
وهذا أيضًا جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويرى بعض العلماء أن الحديث ليس بثابت، وأنه لا يجب على السارق إلا قطع اليد اليمنى فقط، وإذا عاد فإنه يُعَزَّر، إما بحبس أو غيره مما يكف شره.
لكن الإمام أحمد رحمه الله أخذ بهذا لورود السنة به، ولأن لذلك نظيرًا وهو المحاربون، فإن المحاربين تُقْطَع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وما دام ورد فيه عقوبة فإن الحديث هذا يتقوى بذلك.
بعد هذا إما حبس حتى يتوب، يعني على المذهب إذا سرق في الثالثة فلا قَطْعَ، وإنما يُحْبَس حتى يتوب، وبماذا نعرف توبته؟
طالب: بالاستقامة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3686
الشيخ: إي نعم، بالاستقامة، يعني حقيقة الأمر كونه يمتنع عن السرقة ما هو بدليل على أنه تاب؛ لأنه ما دام محبوسًا ما هو بسارق، لكن يُعْرَف ذلك باستقامة حاله وتَنَدُّمه على ما مضى، فإذا عُلِم أخرجناه، لكن إن عاد نعيد حبسه.
وقال بعض أهل العلم: بل تُقْطَع اليد اليسرى ثم الرِّجل اليمنى كما سبق، يقولون: إذا سرق أربع مرات قطعنا أَرْبَعتَه، هذا أيضًا ورد فيه حديث لكنه ضعيف جدًّا، ولهذا لم يأخذ به الإمام أحمد رحمه الله.
ويقول بعض الناس: إنه سمع قارئًا في المسجد يقرأ، وقال: إنه إذا سرق يُفْعَل به كذا، قال: طيب إذا قطعنا أيديه نعرف وين بيسرق هو؟ لأنك تقطع اليد اليمنى، ثم الرِّجل اليسرى، وبعد ذلك اليد اليسرى، ثم الرِّجل اليمنى، إذا قطعنا اليدين ورجع، قال: ويش لون بيسرق هذا؟ صحيح يعني العامي عنده انتباه سريع، لكن ربما يسرق بغير اليد، عنده رِجل الآن يمكن يسرق برجله، ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: إلَّا يمكن يجره يا أخي، أو كذلك بإبطه، أو إذا كان في كيس يأخذه بأسنانه ويمشي، قد يكون حُلِيّ من الذهب ويأخذه بالأسنان، المهم يعني وقوع هذا أمر لا يمكن التكذيب به أبدًا.
وحكى لي رجل ثقة ولا بأس أن نتكلم فيها أن رجلًا في العراق قَدِمَ أحد الخبراء البريطانيين إلى العراق، وإذا في يده ساعة قبل أن تظهر الساعات هذه، في يده ساعة، فجاء السارق فسرقها، سرق الساعة من يده، فالخبير الحقيقة تَعَجَّب قال: ويش لون تؤخذ ساعتي، من يدي تؤخذ؟ هذا ما يمكن، أعلن عنها في الصحف بأن الذي يأتي بها له كذا وكذا دينار، هو يقول: ما هي هَمَّتْنِي الساعة، لكن يهمني كيف سرقها من يدي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3687
فلما أعلنوا عنها جاء هذا السارق وقال: أنا الذي سرقتها، قال له: كيف سرقتها؟ قال: مِلَزِّم نعَلِّمك؟ قال: نعم، قال: أعطني القلم أعلِّمك، لما رد إيده يبغي يعطيه القلم ولَّا القلم ما هو موجود، وإذا هو قد سرق القلم، قال: سبحان الله! المهم طَلَّع له هذا القلم وطلع له ها الساعة، وقال: لازم تعلمني، قال: هذا ما أعلمك؛ لأن هذه مهنتنا ما يمكن نعلِّم بها أحدًا، أعوذ بالله.
فالحاصل أن السارق له عدة طرق في السرقات ما يكاد يصدق بها الإنسان.
على كل حال هذه المسألة اللي هي الثاني والثالث والرابع موضع خلاف بين أهل العلم، لكن مذهب الإمام أحمد أقربها إلى الصواب، وهو أنه تُقْطَع اليد اليمنى أولًا، ثم الرِّجل اليسرى، وهذا لولا أنه ورد في المحارِبِينَ لقلنا: إن الواجب أن نقتصر على ما دَلَّ عليه القرآن.
طالب: يقال: ثبتت بالحديث ولا الآية؟
الشيخ: لا، ثبتت في الحديث.
فالأول لِمَن سرق أول مرة، والثانية لمن سرق الثانية بعد قطعه، وقولنا: بعد قطعه، يعني: لو سرق أولًا ثم سرق ثانية، فإننا لا نقول: تُقْطَع يده اليمنى للسرقة الأولى، والرِّجْل اليسرى للسرقة الثانية، بل نقول: الآن اجتمع موجِبان للحد فتداخلَا، كما لو زنى مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا فإنه لا يُقَامُ عليه الحد إلا مرة واحدة.
والثالث لمن سرق بعد ذلك على القول الأول، أو لِمَن سرق الثالثة، والثالث ما هو الثالث؟ اللي هو قَطْع اليد اليسرى لمن سرق بعد ذلك على القول الأول، كيف؟ الظاهر أنها عندي غلط.
الأول لمن سرق أول مرة، والثانية لمن سرق ثانية بعد قطعه، والثالث لمن سرق بعد ذلك على القول الأول، ويش القول الأول؟ ما فيه قول أول.
طالب: القول الثاني.
الشيخ: القول الثاني، هذا الصواب، على القول الثاني.
( ... ) في الأوليين، ثم لمن سرق الرابعة بعد قطعه في الثلاث، الثالث وهو الحبس حتى يتوب لمن سرق بعد ذلك على القول الأول، إي نعم، على القول الأول، إذن نُغَيِّره.
الجزء: 2 - الصفحة: 3688
أو لمن سرق الثالثة فقط بعد قطعه في الأُولَيَيْن على القول الثاني.
ثم لمن سرق الرابعة بعد قطعه في الثلاث، هنا نُلْحِق (على القول الثاني)، بعد قوله: في الثلاث، اكتبوا: على القول الثاني.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما حاجة.
على القول الثاني، فالأول لمن سرق أول مرة، والثاني لمن سرق ثانية بعد قطعه، والثالث لمن سرق بعد ذلك على القول الأول، أو لمن سرق الثالثة بعد قطعه بالأُولَيَيْنِ.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: بالأوليين اللي هي قطع اليد اليمنى ثم الرِّجْل اليسرى، ثم لمن سرق الرابعة بعد قطعه في الثلاث على القول الثاني، (على القول الثاني) هذه واردة بعد قولنا: أو لمن سرق.
فصار الخلاصة الآن: يختلف القولان في أي شيء؟ في السرقة الثالثة؛ على القول الأول ما فيه قطع، بعد الثانية ما فيه قطع، ما فيه إلا حبس حتى يتوب، وهذا هو المذهب، وعلى القول الثاني: فيه بعد ذلك قطع اليد اليسرى، ثم الرِّجْل اليمنى على هذا القول.
شروط إقامة الحد؛ حد السرقة:
أولًا: أن تكون السرقة من حِرْز، وهو ما جرت العادة بحفظ المال فيه، وهذا أهم الشروط، ولا بد أن نعرف السرقة يا جماعة، وهي أَخْذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، لا بد أن نرجع إلى حد السرقة، إذن إذا أخذه لا على وجه الاختفاء بأن أخذه قهرًا فليس عليه قطع ولو بلغ ما بلغ من المال، وذلك لأن القهر كما مر يمكن التحرُّز منه والمدافعة، بخلاف مَن أخذه على وجه الاختفاء، لا بد أن يكون مِن حِرْز، والْحِرْز ما جرت العادة بحفظ المال فيه.
وهل هو مُعْتَبَر بالشرع؟ لا، ولهذا قلنا: يختلف بحسب الأموال والبلدان والسلطان؛ لأنه لم يحدده الشرع، وإنما اشْتُرِطَ فيه ذلك، اشْتُرِطَ أن تكون السرقة من حِرْز؛ لأن غير الْمُحْرَز مهمَل، والتفريط من مالكه، والسارق له نوع عذر بأنه يسرق، لذلك لا يقام عليه الحد، حيث إن صاحبه هو الذي فَرَّط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3689
وقولنا: يختلف بحسب الأموال، معلوم أنه يختلف بحسب الأموال، حِرْز الذهب والنقود أين يكون؟ في الأحواش ظاهرًا؟ لا، ولكنه وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة.
قد يكون مثلًا حِرْز هذا النوع من المال في الأغلاق الوثيقة في الدواليب مثلًا أو الصناديق الحديدية، أو ما أشبه ذلك في وقت، وقد يكون حِرْزُه أن يوضع فوق الرَّفِّ في نفس الحجرة في وقت آخر، ولَّا لا؟ بحسب أي شيء؟ بحسب قوة السلطان، إذا كان السلطان قويًّا يمكن لو تضع الذهب على عتب المخازن ما أحد يُقَلِّب شيئًا، إذا كان ضعيفًا، يعني فقد يكون الإنسان ما يُحْرِز ماله إلا إذا صار يقظًا حتى في الليل، فالمهم أن قوة السلطان لها دور كبير في حِرْز الأموال.
كذلك أيضًا حِرْز المواشي في الصناديق؟ لا، بالطبع ما يمكن تُحْرَز في الصناديق ولا في الْحُجَر اللي يُغْلَق عليها، إنما تكون عادة في الأحواش، وكذلك في الْبَرِّ في المراعي حِرْزُها في الحظيرة ليلًا، وحِرْزُها في النهار في المرعى، بشرط أن يكون الراعي الذي معها يحافظ عليها ويحرسها، أما إذا كان مُهْمِلًا أيضًا مثل هذا الرجل يوجِّه الغنم ولكنه لا يهتم بها، ولا يلاحقها، ولا ينظر إليها، فهذا يعتبر غير حِرْز.
عند النزاع نرجع إلى مَن؟ إلى العرف وأهل الخبرة في هذا الشيء، فإذا قالوا: هذا مُحْرِز لماله، قلنا: إذن هو في حِرْز.
يختلف أيضًا باختلاف البلدان، كيف باختلاف البلدان؟ هل المدن مثل القرى؟ أيهم أَحْرَز؟ الغالب أن المدن أَحْرَز؛ لأن المدن فيها قوة أمن، وفيها كثافة سكان، فهي أَحْرَز، لكن القرى ولا سيما القرى النائية على خطر كثيرًا.
كذلك أيضًا تختلف باختلاف السلطان، والمراد بالسلطان هنا ليست السلطة العليا في الدولة، السلطان ولو في مكان محدود، ولهذا تختلف الآن البلدان أمنًا وخوفًا بحسب الأمير المباشر فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3690
قد يكون مثلًا بعض الأمراء في المناطق قويًّا جدًّا ما تجد يوجد في المنطقة سرقات مثلًا أو اعتداءات، ويكون الأمير في منطقة أخرى ضعيفًا فتكثر السرقات، حتى لو كان السلطان العام قويًّا أو ضعيفًا، وأمثلة هذا موجودة في الواقع، وأن المنطقة تكون آمنة أو خائفة بحسب أميرها، ولو الأمير الخاص.
إذن ما نرجع الآن في الْحِرْز إلى شيء من الشرع؛ لأن الشرع جعله لنا على سبيل الإطلاق، وذلك لأن هذا الأمر يختلف باختلاف الأموال والبلدان والسلطان، فلهذا لم يحدده الشرع.
ثانيًا: أن يكون المسروق مالًا مُحْتَرَمًا من مالكه أو مَن يقوم مقامه، أن يكون المسروق مالًا مُحْتَرَمًا، وما هو المال الْمُحْتَرَم؟ هو المال الحلال، أما المال الحرام فليس بمحترَم، لو سرق الإنسان ما ليس بمال فإنه لا تُقْطَع يده، سرق طفلًا حُرًّا فإن يده لا تُقْطَع؛ لأن هذا الطفل الْحُرّ ليس بمال، ولو سرق طفلًا رقيقًا قُطِعَت يده؛ لأن الطفل الرقيق مال.
وهنا قد يتساءل بعض الناس يقول: هل الْحُرّ أكمل وأفضل أو الرقيق؟
طلبة: الحر.
الشيخ: الحر أكمل وأفضل، لماذا تقطعون بسرقة الرقيق ولا تقطعون بسرقة الْحُرّ؟
طالب: لأنه ليس مالًا.
الشيخ: نعم؛ لأن الْحُرَّ ليس بمال، بخلاف الرقيق، فإن الرقيق مال فأُجْرِيَ مجرى الأموال فقُطِعَ به، أما الْحُرّ فإننا نُنَزِّهُه أن نُلْحِقَه بالبهيمة وبالمتاع، فلهذا لا يجب قطعه، ولكن قد يجب ما هو أعظم من القطع؛ لأن مثل هذا الأمر ليس فيه حد شرعي فيكون فيه التعزير، والتعزير راجع إلى اجتهاد الإمام، فقد يرى الإمام مثلًا أن هذا الرجل يُقْتَل، هذا المختطِف، وقد يرى أن يُؤَدَّب بالحبس الدائم.
المهم على كل حال هذه مسألة التعزير ترجع إلى اجتهاد الإمام ورأيه، إذا رأى ما يحفظ أَمْن الناس ولو بقتل هؤلاء المفسدين فإنه لا بأس به.
(مالًا مُحْتَرَمًا)، (محترمًا) احترازًا مما ليس بمحترَم، ويش مثل؟
طالب: الخمر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3691
الشيخ: الخمر ليس بمال، لكن قالوا: مثل أواني الذهب وأواني الفضة، هذه مال؛ لأن الذهب والفضة مال لكنه ليس بمحترَم، ولذلك لا ضمان على مَن كسره وأفسده، لكن مَن أتلفه عليه الضمان، يضمنه على أنه ذهب وفضة، لا على أنه إناء من ذهبٍ أو فضة، فهنا الإناء ليس بمحترَم؛ لأنه يجب إزالته، كذلك أيضًا لو فرضنا إنسانًا صنع له شيئًا من الحديد على شكل صليب مثلًا، الحديد مال ولَّا غير مال؟
طالب: مال.
الشيخ: لكن الصليب غير محترَم، فلو سرقه سارقه سارِق قلنا: إن يده لا تُقْطَع؛ لأنه غير محترَم.
إذن لا قَطْع فيه، ما رأيكم بالخمر؟ قلنا: إنه ليس بمال أصلًا؛ لأنه لا يُمْلَك ولا يُبَاع ولا يُوهَب ولا يُورَث فليس بمال.
ما رأيكم بالآلات التي تُسْتَعْمَل للمُحَرَّم، مثل آلة الشيشة؟ آلة الشيشة الآن هي جوهر، بمعنى أنها ذات قيمة في حد ذاتها، لكنها مُحْتَرَمة ولا غير مُحْتَرَمة؟ غير محترمة.
سرقتها جائزة ولَّا غير جائزة؟
طالب: جائزة.
طالب آخر: اللي بيكسر جائز
الشيخ: اللي بيكسر جائز، واللي بيشرب بها؟ ! طبعًا ما تجوز
طالب: ( ... ).
الشيخ: المهم .. هذه وردت علينا سؤالًا، قال: سؤال: سرقة هذه الأشياء تجوز ولا ما تجوز؟
نقول: إذا سرقها ليكسرها فهو جائز؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (7) وقد يكون من غير الممكن أن يغيره بيده أمام صاحبه، لكن يتحيَّن الفرصة فيأخذه ويكسره في بيته، أما الدخان وغيره فهذا ليس بمال، ومع الأسف أن الناس الآن يتبايعونه ويعتقدون أنه مال، يقول: بِعْ عَلَيَّ هذا واشتره، وأظنه يباع ويشترى الآن كراتين ويُوَرَّد.
طالب: ولهم محالّ.
الشيخ: إي لهم في كل مَحَلّ مَحَلّ، الله يهدينا وإياهم.
هذا ليس بمال، لو جاء إنسان وأتلفه عن آخره فإنه ليس بمال، وكانوا قبل سنوات يحرقونه على أبواب المساجد، ولكن ..
تَكَاثَرَتِ الظِّبَاءُ عَلَى خِرَاشٍ
الجزء: 2 - الصفحة: 3692
فَمَا يَدْرِي خِرَاشٌ مَا يَصِيدُ
كثرت البلاوي وضعفت القوى أمامها، فلهذا انتشر هذا الأمر على الرغم من أنه مكتوب يقولون: في كل علبة من العلب موصوف بأنه مُضِرّ.
والأمس واحد وَرَّاني في أحد الجرائد يقول: إنها جريدة الرياض، أنا ما شوفتها، لكن يقول: جريدة الرياض، كاتبين صورة الشيشة لكنه يقول: إنها على الكهرباء، وواحد آخذ برقبتها يَمْتَصُّها في نفس الصحيفة، مع العلم بأنه ممنوع، حسب ما نسمع أنه ممنوع أن تُنْشَر الدعاية لهذا الشيء، لكنه يقول: هذه جريدة الرياض، أنا ما شوفتها، هو يقول: هذه جريدة الرياض، وأنها موجودة أيضًا في الجزيرة، فتأمل هذه التناقضات، كيف يُكْتَب أنه ضار ثم يُعْلَن عنه في الصحف لأجل يشجع الناس عليها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إذا كان مالًا غير محترَم فإنه لا يجب فيه القطع، لكن هنا إذا كان مالًا غير محترَم، هل يجوز للإنسان أن يسرقه ليكسره؟ نقول: نعم، لكن المشكلة الآن بتيجي كيف يرده إلى صاحبه، إذا كان مالًا غير محترَم كيف يرده؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، يمكن يرده مكسرًا، آنية من الذهب، الذهب ينفع لو كان مكسَّرًا، فإذا أمكن أنه يعمل هذا العمل ويرده إلى صاحبه بغير أن يحصل فتنة فلا بأس، أما إذا كان ما يمكن إلا بحصول فتنة فهذا لا يجوز؛ لأن هنا الفتن أعظم مفسدة من المفاسد الخاصة؛ إذ إن الفتن مهما كانت فإن الشرع يحاربها محاربةً تامة، وكثير من المسائل التي حُرِّمَت في البيع كلها ترجع إلى خوف انتشار العداوة والبغضاء بين المسلمين.
طالب: ( ... ) للسارق أو للمسروق منه؟
الشيخ: للسارق؟
الطالب: لنفس السارق أو المسروق منه ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3693
الشيخ: إي نعم، الاعتبار ما هو باعتقاد السارق، الاعتبار بالواقع، فإذا جاء من بلاد كما ذكرت ليس فيها أمن، وظن أن هذه البلاد مثل بلاده فإنه لا عبرة بظنه؛ لأنه يعرف، كلنا يعرف أن السرقة محرَّمة، ما له عذر فيها أبدًا، كما لو قَدِمَ، الآن مع الأسف الشديد أن كثيرًا من بلاد المسلمين ما تطبق قطع اليد في السرقة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: لو قَدِمَ من بلد ما يقطعون اليد بالسرقة وظن أنه في هذا البلد اللي سرق منه ما تُقْطَع اليد، هل يكون هذا مانعًا من تنفيذ الحد؟ ما يكون مانعًا.
يقول: كيف يجوز أن نحرس هذه البنوك بالجنود؟ ما رأيكم في هذا؟ أنا رأيي أنه يجب أن تُحْرَس.
طالب: عامة.
الشيخ: لا، ما هي عامة؛ لأنه كيف نحفظ أموال الناس إلا بهذا، ما دام الأمر هذا واقعًا.
طالب: ( ... )، كيف نحرس مالًا نحاربه؟
الشيخ: لا، ما حاربناه، ما حرسناه حال حربه، حرسنا مال فلان ومال فلان.
الطالب: أقول يا شيخ: ما هو البنك ( ... ).
الشيخ: إحنا في الحقيقة دخلنا في موضوع آخر، حقيقة الأمر ما لهم فيها شيء، ما لهم غير الحقيقة، ولهذا يقولون: إنه حتى المحلات اللي إحنا نظن أنها ليس فيها شيء، يقولون: هي فيها شيء، لكنها بعض الشر أهون من بعض، يقولون: إن بعض المحلات فيها شيء، حتى اللي يسمونه دار المال الإسلامي يقول: تودع أموالك في البنوك في سويسرا وغيرها ويصير فيها ربا، فمعنى ذلك إن ما إحنا بسالمين من هذا الشيء.
الجزء: 2 - الصفحة: 3694
ثم إنها ما دام الأمر بالنسبة للبنوك أنا كنت أقول: إنه ما يجوز وضع الأموال فيها أبدًا، لكن تبيَّن لنا أن لها طرقًا أخرى غير الربا، وكانت أَشْكَلَت عَلَيَّ المسألة وبحثتُ بعد في كتاب الشيخ الحميد في هذا الموضوع؛ لأني سمعت أنه أفتى بجواز إدخال الأموال فيها، وكنت أرى تحريمها، وكتبت له في الموضوع، وجاءنا كتاب منه، وقال: إن أموالها ليست خالصة للربا فقط، غير مُتَمَحِّضَة في الربا، لها مصادر أخرى غير الربا، وعلى هذا تكون من الأشياء الْمُشْتَبِهَة، والشيء المشتبه ما يحرُم على الإنسان أنه يضع ماله فيه.
إحنا نقول: هذا صحيح أنه بعدما كتبنا هذا تَبَيَّن لنا الأمر فيه، ثم إن الحاجة الآن ماسَّة إلى هذا، الآن حسب كلام الناس -وهو الظاهر والله أعلم- أن الإنسان لو أبقى ماله في بيته لكان عليه خطر، خصوصًا مع ضعف الأمن بعض الشيء فإنه يحصل في هذا خطر عليه، هو يقول: أنا مضطر إلى أن أُودِعَ البنكَ هذا، ومع أننا لا نوافق على تسميته إيداعًا، السبب؟ لأن الوديعة ما يتصرف فيها المودِع، والدراهم اللي توضَع في البنك يتصرف فيها، إذن فهو قرض.
( ... ) غمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، والمراد باليد هنا إلى الكفّ، فلا تشمل الذراع وغيرها.
( ... ) مالًا محترمًا، فقلنا: إنه يخرج بالمال ما ليس بمال، وبالمحترَم ما ليس بمحترَم.
من مالكه أو مَن يقوم مقامه، يعني: لا بد أن يكون الأخذ من المالك أو ممن يقوم مقام المالك، والذي يقوم مقام المالك كما مر علينا في البيع أربعة، وهم: الولي والوكيل والوصي والناظر، فلا بد أن يأخذه من مالكه أو مَن يقوم مقامه، فإن أخذه من غاصبه فإنه لا يُقْطَع؛ لأنه في هذه الحال ليس بِيَد مَن هو محترَم في حقه.
لو أخذه من مستأجِر يُقْطَع ولَّا لا؟
يُقْطَع؛ لأن المستأجر قائم مقام المالك، فإن المال بيده بإذن مالكه، ثم إن المستأجِر أيضًا مالك للمنفعة، وكذلك لو أخذه من مستعير، والمستعير مالك لأيش؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3695
طالب: للمنفعة.
الشيخ: للمنفعة؟ لا، المستعير، واحد أعارني مثلًا شيئًا أنتفع به، المستعير ويش يكون؟ هو مالك للمنفعة ولَّا لا؟
طالب: مالك للمنفعة.
الشيخ: لا، ليس مالكًا للمنفعة، لكنه مالك للانتفاع، وقد مَرَّ علينا في نفس الموضوع هذا، وقلنا لكم: فرق بين مالك المنفعة ومالك الانتفاع؛ فمالك الانتفاع ينتفع ولا يتصرف في المنفعة، فالمستعير لا يُعِيرُ مثلًا ولا يؤجر العين المستعارة، ولكنه ينتفع بها بالمعروف.
المستأجر مالك للمنفعة، ولهذا له أن يُعِيرَ، وله أن يؤجر، هذا الفرق.
الشرط الثالث أن يبلغ وقتَ إخراجه من الحرز نصابًا، (أن يبلغ) الضمير يعود على المسروق، أن يبلغ المسروق نصابًا وقت إخراجه من الحِرز، لا وهو في الحرز، بل وقت إخراجه من الحِرْز، لا وهو فيه، ولا ما بعده، الْمُعْتَبَر وقت الإخراج، فلو كان في الْحِرْز يبلغ نصابًا، لكن أخرجه وهو لا يبلغ ولو بالتحيُّل فإنه لا قطع عليه.
مثل هذا الثوب، تبلغ قيمته نصابًا وهو في حرزه، فشقه السارق، ثم خرج به ثم خاطه، وقت إخراجه من الْحِرْز وهو لا يساوي نصابًا، يقولون: إنه لا يُقْطَع به؛ لأنه أتلفه في حِرْز مالكه، أو نَقَصَه في حرز مالكه، فكان النقص حينئذ على المالك، فلا يُقْطَع؛ لأنه لا يبلغ نصابًا.
كذلك لو كان فيه شاة تساوي قيمتها نصابًا، فذبحها وأخرجها، ونقصت عن النصاب وقت الذبح، فإنه ليس عليه قطع؛ لأنه وقت إخراجه لم يبلغ النصاب، وقد حصل التلف في حِرْز مالكه، ولهذا لو فرضنا أنه أتلف هذا الشيء إتلافًا بأن أحرق الثوب في مكانه، يُعْتَبَر سارقًا ولَّا غير سارق؟ غير سارق.
فهم يقولون الآن: هذا الفرق الذي حصل، أتلفه في مكان مالكه، فصار عليه ضمان، ثم خرج بالثوب ناقصًا فليس عليه قطع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3696
ولا شك أن هذا احتراز بالغ في عدم إقامة الحدود، أو في الحقيقة دَرْء الحدود بالشبهات، وإلا فكيف يتصور إنسان ماهر في السرقة يقول: أخشى أن أخرج به وهو يبلغ النصاب، أنا أريد الآن أن أشق الثوب حتى لا يبلغ النصاب وأخرج به، لا شك أن هذا حيلة، إلا أن الفقهاء يقولون رحمهم الله: لأنه وقت إتلافه الذي حصل به النقص كان في حِرْز المالك، فكما أنه لو أتلف المال في نفس الْحِرْز لم يُعَدّ سارقًا ولم يجب عليه، فهذا مثله.
ما هو النصاب؟
النصاب في كل موضع بحسبه، هنا ثلاثة دراهم.
طالب: هو أتلف ( ... ) مرتين، كل مرة يأخذ جزءًا؟
الشيخ: ما أدري، إذا قسم ما أدري، تحتاج إلى تأمل في الموضوع أو مراجعة؛ لأنه في الحقيقة كل سرقة مستقلة عن الأخرى هذه، لكن المسروق شيء واحد، فهل نعتبر الفصل هنا مُمَيِّزًا لكل سرقة عن الأخرى، أو نقول: إن هذا المسروق واحد والسارق واحد فتُضَمّ كل واحدة للأخرى، ظاهر كلامهم أن كل سرقة معتَبَرَة بنفسها.
وهذا إذا لم يكن حيلة لا شك فيه، يعني لو أن أحدًا جاء وأخذ من هذا المال قليلًا وليس من نيته أن يأخذ باقيه، فهذا لا شك أنه ما نضم هذه إلى هذه، أما إذا كان حيلة فهذه محل النظر، إذا كان حيلة؛ لأنه أخذ بعض المال ومِن نِيَّتِه أن يأخذ باقيه.
قد يكون أيضًا عجزًا ليس حيلة، قد يكون عجزًا عن حمله مثلًا، فحمل بعضه الآن وهو في نيته أن يرجع ويسرق باقيه، وهي تحتاج إلى نظر، لكن الأقرب عندي الآن أنه إذا كان من عزيمته ونيته أن يرجع ليسرق باقيه فهو كما لو سرقه مرة واحدة، أما إذا كان ليس من نيته ذلك، ولكنه بعد أن أخذ رجع وسرق ثانية بقية المال فإنه ليس عليه قطع.
طالب: إذا بلغ النصاب ( ... )؟
الشيخ: إي، لا ما يُضَمّ كل واحدة للأخرى، لو سرق من هذا نصف نصاب، ومن الآخر نصف نصاب ما يعتبر شيئًا.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3697
الشيخ: النصاب ثلاثة دراهم، أو رُبُع دينار، أو ما يساوي أحدَهما، أما رُبُع دينار فقد ثبت به الحديث صريحًا؛ حديث عائشة وابن عمر وغيرهما، أنه لا تُقْطَع إلَّا في رُبُع دينار فصاعدًا، والدينار زِنَتُه مثقال من الذهب، ويساوي تقريبًا نصف جنيه سعودي، فعلى هذا يكون رُبُع الدينار ثُمُن جنيه سعودي تقريبًا، فما نقص عن ذلك فليس فيه قطع، وأما ثلاثة الدراهم فهل هي أصل أو تقويم؟ المذهب أنها أصل، وعلى هذا فإذا سرق ما يساوي ثلاثة دراهم فقد سرق نصابًا، ثلاثة دراهم كم تقدِّرُونها؟
طالب: سعودي؟
الشيخ: سعودي.
طالب: خمسين ريالًا.
الشيخ: خمسين ريالًا؟ ويش لون؟ مئتا درهم ستة وخمسون ريالًا، يزيد قليلًا.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: قلنا الآن: ست وخمسون نسبتها إلى المئتين، كم نسبة ست وخمسين إلى مئتين؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هي أكثر من الرُّبُع بست من الخمسين، ريال إلا رُبُع زِيدُوا ستة بالخمسين، سبعة عشر قرشًا هذا نصاب السرقة، يعني لو سرق ما يساوي سبعة عشر قرشًا قُطِعَت يده، بناء على أن ثلاثة الدراهم أصل، وهو المذهب.
أما مَن قال: إن الأصل ربع الدينار، وأنه ثلاثة الدراهم، لأن الدينار في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم صَرْفُه اثنا عشر درهمًا، ولهذا عندكم في الديات مَرَّ علينا ألف مثقال ذهب أو اثنا عشر ألف درهم فضة، فكان صرف الدراهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم الدينار باثني عشر درهمًا، وهذا هو الذي جعل بعض الرواة يذكرون ثلاثة الدراهم، وإلا فالأصل الدينار، وهذا في الحقيقة أحوط أن نجعل الأصل هو الدينار؛ لأنه أَنْفَى للشبهة.
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأصل هو الدنانير، اللي هو ربع الدينار، فيُعْتَبَر بالدنانير لا بالدراهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3698
نأتي إلى ربع الدينار، عشرون دينارًا أحد عشر جنيهًا وثلاثة أسباع، يعني أحد عشر ونصفًا تقريبًا، فيكون ربع الدينار ثُمُن جنيه سعودي ويزيد قليلًا، ثُمُن الجنيه أظنه، الآن كم يساوي الجنيه؟
طالب: أربع مئة.
الشيخ: أربع مئة يساوي؟ لا، ما أظن يساوي أربع مئة، الظاهر نقص.
طالب: ثلاث مئة.
الشيخ: نخليه إلى ثلاث مئة، ثلاث مئة، مئة وخمسين، خمسة وسبعين، سبعة وثلاثين ونصف تقريبًا، ما يساوي سبعة وثلاثين ونصف ريال تقريبًا يُقْطَع به السارق وجوبًا، يعني ما يساوي سبعًا وثلاثين ريالًا يُقْطَعُ به السارق، ولَّا لا؟ لأن إحنا قلنا: إن ربع الدينار يساوي ثُمُن جنيه سعودي تقريبًا، والمسألة تقريبية، اللي منكم جيد في الحساب إن شاء الله يحرِّر لنا.
فإذا كان يساوي ثُمُن الجنيه، وقلنا: إن الجنيه ثلاث مئة، يكون رُبُع الثلاث مئة خمسًا وسبعين، ثُمُنُها سبع وثلاثون ونصف.
على كل حال إذا سرق هذا فإنه يُقْطَع وجوبًا، ولا يجوز أن يتهاون ولاة الأمور في هذا الأمر؛ لأن تأخير إقامة الحدود أو التهاون بها أو المماطلة هذا خلاف الشرع، النبي عليه الصلاة والسلام لما ذُكِرَ له قصة العَسِيب قال: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (1)، ولا تُطَوَّل المسألة بتحقيقات وتطويل حتى إنك تموت، وعلى الأقل يموت حماس الناس لها؛ إذ إن هذا لا شك أنه خلاف الشرع، وأنه لا يجوز المماطلة، بل متى ثبت الْجُرْم وجب تنفيذ العقوبة فورًا.
طالب: شيخ، بالنسبة للحديث الذي يقول: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ؛ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» (2).
الجزء: 2 - الصفحة: 3699
الشيخ: إي نعم، أما حديث: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ؛ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ»، فقد استدل به مَن لا يرى اشتراط النصاب للسرقة، وهم الظاهرية، قالوا: مجرد السرقة يُقْطَع به الإنسان، ولكنه ما دام عندنا حديث صحيح صريح في الموضوع: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (3)، فإنه لا يمكن أن نقول بالإطلاق؛ لأن السُّنَّة تُقَيِّد القرآن.
وأما قوله: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ؛ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ»، فبعض العلماء يحمل الحديث على أن المراد بالبيضة بيضة السلاح التي يضعها الإنسان على رأسه، قالوا: وهذه تساوي رُبُع دينار، أو ثلاثة دراهم، وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم (4).
والمراد بالحبل الحبل ذو القيمة الذي يبلغ رُبُع دينار، أو ثلاثة دراهم إذا قلنا بأنها أصل، قالوا: مثل حبال السفن التي تُرْبَط بها، فإنها حبال غليظة طويلة وغالية، هذا وجه.
أو أن المراد يسرق البيضة فيتذرَّع بها إلى سرقة ما تُقْطَع به يده، وكذلك يسرق الحبل فيتذرَّع به إلى سرقة ما تُقْطَع به اليد، بمعنى أنه يتدرج من سرقة الأقل إلى سرقة الأكثر، ويتعين أن يُحْمَل الحديث على أحد هذين الوجهين، أو على وجه ثالث إن عُلِمَ التاريخ بأن يكون هذا الحديث المطلَق قبل تقييد المسألة بالنصاب، لا بد أن يُحْمَل الحديث على هذا؛ لأننا لو لم نحمله على ذلك لزم التعارض، والشرع ليس فيه تعارض.
قوله: (أو ما يساوي أحدهما) على الرأي الذي رَجَّحنا بأن المعتَبَر الدنانير، (أو ما يساوي أحدهما) إذا اعتبرنا أن كليهما نصاب، أما إذا اعتبرنا بأن النصاب رُبُع الدينار فنقول: أو ما يساوي ربع دينار.
الجزء: 2 - الصفحة: 3700
الرابع: أن تنتفي الشبهة بألَّا يكون للسارق شبهة في سرقته، فإن كان له شبهة في السرقة فإنه لا قَطْعَ عليه؛ لأنه يسرق متأوِّلًا، كيف متأوِّل؟ بأن له الحق في أن يأخذ من هذا المال، وحينئذ يُعْطَى حكم المتأوِّل، والمتأوِّل ليس عليه ضمان وليس عليه قطع، يعني ليس عليه إقامة حد، وقد قَتَلَ أسامة رضي الله عنه رجلًا شهد أن لا إله إلا الله، لكنه قتله متأوِّلًا، حيث قال للرسول صلى الله عليه وسلم: إنما قالها تعوُّذًا (5).
فانتفاء الشبهة لا بد منه خوفًا من أن يكون السارق متأوِّلًا جواز السَّرَق، وله صور، يعني الذي فيه شبهة له صور، منها إذا سرق الأب من مال ولده، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش الشبهة؟ أن له أن يتملك من مال ولده، بالعكس إذا سرق الولد من مال أبيه؟
طالب: شبهة.
الشيخ: ويش الشبهة؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إي، له حق النفقة، إذا كانت تجب نفقته على أبيه فهي شبهة بلا شك؛ لأنه يحتمل أن أباه مُقَصِّر فسرق، مع أن الصحيح أنه إذا كان ذلك بسبب تقصير مَن يلزمه النفقة فإنه ليس فيه تحريم أصلًا، وليست بسرقة، قال النبي عليه الصلاة والسلام لهند بنت عتبة: «خُذِي مِنْ مَالِهِ -يعني مال زوجها- مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي وَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (6).
سرق من مال أمه، ما تقولون؛ يُقْطَع ولَّا لا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، المذهب ما يُقْطَع، المذهب لا يُقْطَع أصلٌ بفرع، ولا فرع بأصل، والغريب أنهم بنوا هذا الأمر، قالوا: لأن شهادة أحدهما للآخر لا تُقْبَل، وهذا لا شك أنه بناء ضعيف على ضعيف، فهو بناء ضعيف؛ لأنه لا مقارنة، أو لا صلة بين السرقة وبين الشهادة، وهو أيضًا مبني على ضعيف؛ فإن الصحيح في الشهادة أنه لا يمتنع قبول شهادة الرجل لابنه أو بالعكس إذا كانت العدالة قوية؛ لأن العلة ما هو الأصل والفرع، العلة التهمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3701
فالحاصل أن نقول: الضابط في الشبهة فيما نرى أنه إذا سرق مما له في ماله حق، من شيء له فيه حق، فإنها شبهة، وإذا لم يكن له في ماله حق فليس بشبهة، ولا عبرة بالأصل ولا بالفرع، ولا بالأخوة ولا بالعمومة، العبرة هل هذا السارق له حق في هذا المال أَوْجَبَ له أن يتجرأ فيأخذ منه أو ليس له حق، على هذا إذا سرق إنسان فقير من بيت المال يُقْطَع ولَّا ما يُقْطَع؟
طلبة: ما يقطع.
الشيخ: السبب؟
طلبة: له حق.
الشيخ: لأن له فيه حقًّا، فبيت المال لعموم المسلمين، فالفقير له فيه حق، فيحتمل أن هذا الرجل سرق لأنه يقول: هذا حقي، أنا لي في هذا حق، وهو القيام بالكفاية، فلا يُقْطَع.
لو أنه اضطُرَّ إلى طعام، وصاحب الطعام أَبَى أن يعطيه، فلما رآه مُعْرِضًا سرق منه، يُقْطَع ولَّا لا؟ ما يُقْطَع؛ لأن له في ماله حقًّا، إذ يجب على الإنسان إذا رأى مضطرًّا أن يدفع ضرورته بما استطاع.
إذن ما هي الشبهة على هذا، تعريفها؟ أن يكون له حق في المال الذي سرق، هذه الشبهة، فمتى كان له حق، ولهذا لم يقطع أمير المؤمنين عمر في زمن المجاعة العامة، ليش؟ لأن الأغنياء في هذه الحال يجب عليهم دفع ضرورة الجائعين وجوبًا، ولما سُئِلَ الإمام أحمد، فقيل له: تذهب إلى هذا؟ قال: إي لعمري، يعني: إلى أنه لا قَطْع في زمن المجاعة العامة والحاجة العامة.
أما الجوع الخاص فلا، لو واحد جوعان مرة ولا لقي طعامًا، وراح وسرق من مال إنسان فإنه يُقْطَع؛ لأنها ضرورة خاصة، ولو أن كل إنسان سرق وقال: أنا والله جوعان وأبغي أنقذ أنفسي، كان يبقى القطع متعذِّرًا في الغالب، لكن نعم لو جاء وطلب من هذا الرجل بعينه أن يعطيه من ماله وينقذه من ضرورته فلم يفعل فإنه في هذه الحال إذا سرق شبهة؛ لأنه تعين على هذا الرجل أن يعطيه.
طالب: إذا كان متأوِّلًا، ما ( ... ).
الشيخ: ويش لون؟ لا، على وجه خفي إذا كان جهرًا، الخفاء ضده الجهر، يعني أخذه من صاحبه وهو يراه، هذا الجهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3702
طالب: السرقة ( ... ).
الشيخ: لو سرقت من مال ابنها تُقْطَع إذا لم يكن يجب عليه الإنفاق، مع العلم بأن هذه إن شاء الله ما هي بواقعة؛ لأن من شرط ذلك المطالبة، ومعلوم أن الإنسان ما هو مطالب أن أمه تُقْطَع يدها، أبدًا مهما كان العقوق ما يمكن يفعل هذا الشيء.
الشرط الرابع: أن تنتفي الشبهة، ما ضابط الشبهة؟ أن يكون للسارق حق في المال المسروق منه، فإذا كان له حق من المال المسروق منه فإن هذا الحق يوجِب أن يكون هذا السارق متأوِّلًا فلا يقام عليه الحد.
( ... ) السرقة بطريق شرعي، وثبوت السرقة يكون بواحد من أمرين؛ الأمر الأول: البَيِّنَة، وهي رجلان اثنان، وهنا لا مدخل للنساء في باب الحدود على المشهور من المذهب، يعني أنه لو ثبتت السرقة برجل وامرأتين فإنه لا يقام الحد، ولكن يثبُت المال لوجود نصابه؛ لأن المال يثبت بشهادة الرجل والمرأتين، ولا يثبت الحد؛ لعدم وجود نصابه.
إذن فالطريق الذي تثبت به السرقة له وجهتان أو نوعان؛ النوع الأول: أن يثبت بالشهادة، بالبينة، وذلك بشهادة رجلين يشهدان بالسرقة، ويتفقان في وصفها وزمانها ومكانها.
فإن أتى بشاهد واحد وامرأتين فإن الحد لا يثبت، ولا تُقْطَع اليد، ولكن المال يثبت؛ لأن نصابه موجود، كذلك لو أتى المسروق منه بشاهد وحلف معه فإن الحد لا يثبت، يعني ما تُقْطَع يده، وأما المال فإنه يغرمه؛ لوجود النصاب.
ومن هذا نأخذ أن الأحكام تتبعَّض، فيوجَد مثلًا حكمان في قضية معينة، يثبت أحدهما ولا يثبت الآخر، ففي السرقة -كما تعرفون- يثبت أمران؛ أحدهما القطع، وهو حد لله سبحانه وتعالى، والثاني ضمان المال، وهو حق للآدمي، فالقطع لا يثبت إلا بشاهدين، والمال يثبت بشهادين، وشاهد وامرأتين، وشاهد ويمين المدَّعِي، فإذا وُجِدَت أسباب ثبوته، أي ثبوت المال، وجب الحكم بثبوته.
الجزء: 2 - الصفحة: 3703
الأمر الثاني أو الطريق الثاني من طريق الثبوت: أن يُقِرّ السارق بالسرقة، وهل يُشْتَرَط أن يقر مرتين؟ أو يُكْتَفَى بإقرار مرة واحدة؟ المذهب: لا بد من مرتين، لا بد أن يكون مرتين، فإن أَقَرَّ مرة واحدة لم يثبت القطع، ولكن يثبت المال، إذا أقَرَّ مرة واحدة ثبت المال، ولكنه لا يثبت القطع، وذلك لأن القطع عندهم لا يثبت إلا بشاهدين.
ولكن القول الراجح ما عليه جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة، يقولون: إنها تثبت -أي السرقة- حَدًّا وضمانًا بإقرارٍ مرةً، وهذا هو الأصح.
وقد سبق لنا الخلاف في ثبوت الزنا بالإقرار؛ هل يُشْتَرَط فيه التكرار أو لا يُشْتَرَط، وهذا أضعف من الزنا، يعني ثبوته هنا -أي ثبوت السرقة- أضعف، يعني طريق ثبوتها أضعف من طريق ثبوت الزنا.
بقي طريق ثالث لثبوت السرقة اختلف فيه أهل العلم، وهو وجود المال المسروق بيد السارق، مثل أن يَدَّعِي أن فلانًا سرق ماله ويُنْكِر، ثم يوجَد المال عنده، فهل يُحْكَم بالسرقة لوجود المال عند السارق أو لا؟
يرى بعض العلماء أنه يثبت حكم السرقة ما لم يَدَّعِ شبهة، إن ادَّعَى شبهة بأن قال: أنا اشتريته ولا أدري ممن، أو أخذته وأظن أنه مالي، أو ما أشبه ذلك، فهنا ينتفي عنه القطع، وأما إذا لم يَدَّعِ شبهة فإنه يُقْطَع.
وإلى هذا ذهب بعض السلف، قالوا: وهو شبيه بوجود الرائحة من شارب الخمر في فمه، أو بتقيُّئِه الخمر.
والصحيح أنه إذا تقيأ الخمر فإنه يُحَدَّ؛ لأنه ما يتقيؤها إلا بعد شربها، وهذا الذي وُجِد عنده المال من أين أتاه المال ما دام أنه ما يدعي أنه اشتراه، ولا أنه غلط فيه، ولا أنه وُهِبَ له، وقد أقر بأن هذا مال فلان، فهو يقول: إنه سرقه، صاحب المال يدعي أنه سرقه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3704
وعلى كل حال فينبغي في هذا الطريق الثالث أن يُرْجَعَ فيه إلى رأي الحاكم، فقد يرى أن هذا الشخص الذي ادُّعِيَ عليه بهذا المال وأنه سارقه قد يرى فيه أنه محل لذلك، وحينئذ يحكم، وقد يرى أنه ليس أهلًا لذلك، وأنه أتاه عن طريق شبهة فلا يحكم، فالذي يظهر أنه يُرْجَع في ذلك إلى اجهتاد الحاكم في هذه المسألة.
( ... ) لا يثبت القطع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: السبب في ذلك لأنهم يقولون: إن الحدود تُدْرَأ بالشبهات، وأما الأموال فإنه إذا ثبت أن هذا مال فلان بالطريق الشرعي وجب الحكم به ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: الطريق الثاني يعني الإقرار؟
الطالب: لا، اللي ( ... ).
الشيخ: اللي هو الطريق الثالث.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: زين، على هذا القول الذين يرون أن وجود المال عند السارق يُعْتَبَر بينة يرون أن ما ذكرت يكون بينة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، يرونه بينة من باب أولى.
فيه أيضًا نظير لهذا؛ مسألة الحمل اللي مرت علينا، حمل المرأة يثبت به الزنا؛ لأنها ما حملت إلا من وطءٍ، فإذا لم تَدَّعِ شبهة في هذا الوطء فإنها تُحَدّ، فصار هذا الطريق الثالث له شواهد، منها: الحمل تُحَدُّ به المرأة حد الزنا إذا لم تَدَّعِ شبهة، ومنها مَن تقيَّأ الخمر فإنه يعاقَب عقوبة الشارب، ويضاف إلى هذا إذا وُجِدَ المال المسروق عند السارق.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هكذا يفرِّقون، وهذا التفريق واضح.
طالب: ما ذكرنا يا شيخ أن يطالب المسروق السارق.
الشيخ: إي نعم، ما ذكرناه لأننا ما نرى أنه شرط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: قوله تعالى في شهادة الزنا.
( ... )
الجزء: 2 - الصفحة: 3705
بقينا فيه شرط ذكره الفقهاء وهو أن يطالب المسروق منه بماله، فإن لم يطالب فإنه لا قطع، وهذا القول خلاف الصحيح، الصحيح أنه لا يُشْتَرَط المطالبة، متى ثبتت السرقة فإنه يجب أن يقام الحد؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن والسنة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه ليس بشرط أن يطالب المسروق منه بماله؛ لأن هذا حد لله، كما أنه ليس من الشرط أن تطالب المرأة بانتهاك عرضها فيما لو زنى بها رجل كُرْهًا، فإنه يقام عليه الحد وإن لم تطالب به.
فالحدود ليست مبنية على مطالبة الناس، الذي يُشْتَرَط فيه المطالبة هو ضمانه المال، ولَّا لا؟ ضمانه المال للمسروق منه، إذا لم يطالب به ما نقول: لازم تطالب بمالك، وأما إذا ثبت أن هذا الرجل سارق فإننا نقيم عليه الحد؛ لأن الغرض من إقامة الحد ليس مجرد العدوان على هذا الشخص الذي أسقط حقه، ولكن العدوان على الأمن العام، على أمن الناس العام.
ولنفرض أن هذا الرجل مثلًا أُعْطِيَ دراهم ولم يطالِب، أو أنه قريب للسارق فلم يطالبه، هل تسقط الحدود بمثل هذا مع أننا نريد حماية غير هذا الرجل؟ نحن نريد حماية المجتمع كله، فالصواب في هذه المسألة أنه ليس بشرط أن يطالب المسروق منه بماله.
وأما قضية صفوان بن أمية فيمن سرق رداءه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يده، فقال: يا رسول الله، هو له، لما شاف أنه تقطع يده كأنه -رضي الله عنه- رَحِمَهُ وَرَقَّ له، فقال: «هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ » (7)، فهذا ما يدل على أنه لا بد من المطالبة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما علم بهذا السارق إلا من طريق صفوان، فلو أن صفوان سكت واتفق ويَّاه على شيء في ردائه ما حصل من هذا إشكال.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، حتى لو وصل عن طريق شرعي، يعني إذا جاء ناس يشهدون بأن فلانًا سرق، وذاك ما طالَب، ما يُتَعَرَّض له.
باب حد قطاع الطريق
الجزء: 2 - الصفحة: 3706
( ... ) أولًا نبدأ بتعريف قُطَّاع الطريق، الطريق معروف أنه هو السبيل الذي يسلكه الناس في العبور، وقُطَّاع الطريق، قُطَّاع جمع قاطع، وقاطع الطريق هو الذي يفعل فعلًا تنقطع به الطرق، فلا يسلكها الناس من أجل أفعاله، هذا هو تعريف هذا الكلام من حيث كل كلمة بمفردها.
أما معنى مَن هم قُطَّاع الطريق فقال أهل العلم: إنهم الذين يعرِضون للناس بالسلاح فيَغْصِبُونَهم المال مجاهَرَةً لا سرقة.
وسواء كان ذلك في الصحراء أو في البنيان، فهم يعرضون للناس بالسلاح، يعني: لا بد أن يكون معهم سلاح، وأما بدون سلاح فليسوا قطاع طريق؛ لأنه يمكن التغلب عليهم، لكن المسلح لا يمكن للإنسان أن يتغلب عليه، ولا بد أيضًا أن يغصبوهم المال مجاهرة لا سرقة، فإن غَصَبُوهم المال سرقة فليسوا قُطَّاع طريق، يعني معناه: أخذوا المال سرقةً فليسوا قطاع طريق، هم قُطَّاع طريق يُعْرَفُون عند العامة الآن بالحنشة، إي نعم، فيقفون للناس في الطرق وهم مسلحون ثم يغصبونهم المال، يأخذون مركوباتهم أو مواشيهم أو أسلحتهم أو ما أشبه ذلك.
ومن هذا أيضًا -من هؤلاء- الذين يسطون على البيوت بالسلاح، فإن هؤلاء حكمهم حكم قطاع الطريق، وذلك لأن التحرُّز منهم أبعد من التحرُّز من الذين يتعرضون للناس في وسط الطرق؛ لأن الإنسان قد يكون إذا خرج إلى الطريق يكون متحرِّزًا ومتأهبًا، لكن في بيته يكون آمنًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3707
فعلى هذا يكون الذين يسطون على البيوت وهم مسلحون من قُطَّاع الطريق، وهم -أي قطاع الطريق- بلا شك من المفسدين في الأرض؛ لأن من أعظم الفساد في الأرض إزالة أمن الناس وتخويفهم وإرعابهم، وهذا يؤدي إلى تعطيل مصالحهم الدينية والدنيوية، فالدينية مثلًا إذا أراد الإنسان أن يحج وهو يعلم أن في الطريق قطاع طريق، فهل يحج ولَّا ما يحج؟ ما يحج، فتتعطل المصالح الدينية، إذا أراد أن يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله بالتجارة، وعلم أن في هذا الطريق قُطَّاعًا، فإنه أيضًا سوف يتعطل ولا يذهب، وحينئذ تتعطل مصالح الناس الدنيوية.
إذن فهم مفسدون في الأرض، ولهذا كان حَدُّهُم ما تسمعون إليه، إما قتل وصلب، وإما قتل بلا صلب، وإما قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وإما نفيٌ من الأرض، وهو تشريدهم، فلا يُؤْوَوْنَ إلى بلد، يعني حدهم أربعة أنواع؛ إما قتل وصلب، وإما قتل بلا صلب، وإما قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وإما نفي من الأرض، أربعة أنواع.
وهذه الأربعة أولًا يُجْمَع لهم بين القتل والصلب، لكن متى يكون الصلب، هل هو قبل القتل، ولَّا بعد القتل وقبل التغسيل والتكفين، وإلا بعد التغسيل والتكفين والصلاة وقبل الدفن، كل هذه آراء لأهل العلم، منهم من يقول: إن الصلب يكون وهم أحياء، يُصْلَبُون أمام الناس حتى يحصل لهم بذلك الألم القلبي والعار، فهذا لا شك أنه عار وخزي -والعياذ بالله- يذوقون أَلَمَهُ وهم أحياء، ومنهم مَن يقول: إنهم يُصْلَبُون بعد أن يُقْتَلُوا قبل التغسيل والتكفين والصلاة، وهذا لا يحصل به ألَمٌ قلبي على هؤلاء المصلوبين؛ لأنهم أموات، وما لجرح بميت إيلامٌ.
لكن قد يكون أشد رعبًا للأحياء مِن صَلْبِهم في حال الحياة؛ لأن رؤية الحي إلى الميت مصلوبًا توجب له الرعب والنفرة أكثر من رؤيته مصلوبًا وهو حي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3708
والذين يقولون: إنهم يُغَسَّلُون أولًا ويُكَفَّنُون ويُصَلَّى عليهم قالوا: لأن هذه حقوق للميت ينبغي المبادرة بها، ثم يُصْلَب وهو في كفنه قبل أن يُدْفَن، أيّ هذه الأقوال أولى؟
طالب: الأوسط.
الشيخ: الظاهر أن الأوسط هو الوسط، وهو الأولى؛ لأن صَلْبَه بعد التكفين والصلاة عليه ما يوجب العار والذل عليه، ثم هو شيء ملفوف ما يحصل به من الرعب مثل ما يحصل إذا كان مَكْسُوًّا كأنه حي.
ثم الصلب إلى متى ينتهي؟ قال بعض العلماء: ينتهي بانتهاء ثلاثة أيام، إذا مضى عليه ثلاثة أيام وجب أن يُنَزَّل.
وقال بعض العلماء: إنه يبقى إلى أن يتفسخ أو ينتن فيتأذى الناس به، فإذا خِيفَت أَذِيَّتُه نُزِّل.
والمشهور من المذهب أنه يُصْلَب حتى يشتهر، إذا اشتهر بين الناس وتبين أمره فإنه يُنَزَّل، وعلى هذا فمثلًا إذا كان الصلب يوم الجمعة اشتهر أكثر مما لو صُلِبَ في غير يوم الجمعة، لماذا؟ لأن اجتماع الناس يوم الجمعة أكبر من اجتماعهم في غير الجمعة، فيكون اشتهاره أوسع، وبناء على هذا نقول: إذا اشتهر أمره في البلد وتبيَّن فإنه يُكْتَفَى بذلك، ويُنَزَّل ويُدْفَن.
المذهب أنه يكون الصلب كما قلت لكم متى؟ بعد التغسيل والتكفين والصلاة.
وأما قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فمن أين يكون القطع؟ يكون القطع -كما سبق في السرقة- من مفصل الكف بالنسبة لليد، ومن مفصل العقب بالنسبة للرِّجْل.
وأما النفي من الأرض فهو التشريد، تشريدهم من الأرض بحيث لا يُتْرَكُون يأوون إلى بلد، كلما جاؤوا إلى بلد طُرِدُوا من البلد، هذا هو النفي؛ لأن النفي من الأرض نهائيًّا غير ممكن، إلا إلى السماء، والنفي إلى السماء ليس بممكن.
إذن يكون المراد بالأرض هنا الأرض المسكونة، وهي القرى والمدن، فيُنْفَوْن منها فلا يُتْرَكُون يأوون إلى بلد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3709
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن المراد بالنفي ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]: الحبس، يعني: يُحْبَسُون بحيث لا يخرجون، حبسًا مؤبَّدًا، ولكن هذا أيضًا بعيد من مدلول اللفظ؛ لأن ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ النفي معناه الطرد والإبعاد، وليس معنى النفي الحبس أبدًا، ولكن قول أبي حنيفة وجيه فيما إذا لم يمكن نفيهم على وجه الكمال، مثل أن يَلْزَم من نفيهم عن البلاد أن يُكَوِّنُوا جماعة في البَرّ وعصابات يكون ضررهم أكثر من إيوائهم، ففي مثل هذه الحال يكون قول أبي حنيفة متوجهًا، وإن كان هو بعيدًا من اللفظ لكنه ما يمكن الحصول على المصلحة التي أراد الله سبحانه وتعالى بنفيهم من الأرض إلا بهذا العمل؛ إلا بالحبس حتى يُقْضَى على شرهم.
ما هو الدليل على هذه الأنواع من الحد؟ الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]، وكلمة ﴿يُقَتَّلُوا﴾ و ﴿يُصَلَّبُوا﴾ و ﴿تُقَطَّعَ﴾ التشديد هنا لفظًا دليلٌ على التشديد معنًى، التشديد اللفظي ما قال: أن يُقْتَلُوا أو يُصْلَبُوا أو تُقْطَع، بل قال: ﴿يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ﴾؛ لأن جريمتهم عظيمة، فكان ينبغي المبالغة في تعذيبهم، وهذا يقتضي التنفير من هذا الفعل.
كلمة ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ﴾، ﴿أَوْ يُنْفَوْا﴾ فيها (أو) كُرِّرَت ثلاث مرات، فهل هي للتخير أو للتنويع؟
طالب: للتخيير.
الجزء: 2 - الصفحة: 3710
الشيخ: للتخيير، معناه إذن يكون نحن مُخَيَّرين بين أن نقتلهم ونصلبهم أو ننفيهم من الأرض، وهذا لا يمكن أن تأتي به الشريعة؛ أن يكون التخيير بين شيئين مختلفين اختلافًا كبيرًا، وليس الغرض من ذلك التخفيف على المكلَّف، ليس هذا كفارة لحق الله حتى نقول: إن (أو) للتخيير، ولكنها عقوبات، والعقوبات تقتضي الحكمةُ أن تكون مناسبة للجريمة، ما يمكن تكون عقوبات مختلفة في شدتها لجريمة واحدة.
على كل حال العلماء اختلفوا في هذه الآية؛ منهم من يرى أن (أو) هنا للتنويع، فلكل عقوبة جريمة، ﴿يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ هذه لجريمة، ﴿تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ هذه لجريمة أخرى أقل من الأولى، ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ لجريمة ثالثة أقل مما قبلها.
ومنهم مَن يرى أن (أو) للتخيير، والذين يرون أنها للتخيير يقولون: إن هذا التخيير ليس تخييرَ تَشَهٍّ، ولكنه تخييرُ مصلحةٍ، فيجب أن تُنَزَّل عليهم هذه العقوبات بحسب المصلحة، إن رأى الإمام أن جزاءهم القتل والصلب فليفعل، إن رأى أن جزاءهم دون ذلك فليفعل، وهذا قد يكون فيه مصلحة في بعض الأحيان، وقد يكون فيه مَضَرَّة أكبر من مصلحته؛ لأن الحاكم الذي يوثَق به في مراعاة المصالح -لا سيما في زماننا هذا- يكون قليلًا أو معدومًا، فلذلك تنزيلها -ولا سيما في هذا الوقت- على أن تكون أو للتنويع أولى من أن تكون للتخيير.
التنويع الآن في الآية الكريمة: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾، وظاهر الآية الكريمة أن القتل وحده، والصلب وحده، ولكن المعروف عند أهل العلم أن القتل مع الصلب، ولا يمكن أن ينفرد الصلب وحده؛ لأن الصلب في اللغة العربية معروف أنه إنما يكون بعد القتل، وعلى هذا فيكون (أو) هنا وإن كانت للتنويع لكنها لا تنفرد وحدها، يصير ﴿يُقَتَّلُوا﴾ هذا قتل بلا صلب، ﴿يُصَلَّبُوا﴾ تدل على قتل وصلب، تكون هذه عقوبتان.
الجزء: 2 - الصفحة: 3711
﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ هذه العقوبة الثالثة، ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هذه هي العقوبة الرابعة.
كيف نَوَّعَ العلماء الجريمة في مقابلة هذه العقوبات؟ قالوا: إذا قتلوا وأخذوا المال فهنا جريمتان؛ على النفس، وعلى المال، يُجْمَع لهم بين القتل والصلب، كما فعلوا جريمتين فإنهم يعاقَبُون عقوبتين، إذا قتلوا ولم يأخذوا مالًا فإنهم يُقْتَلون بدون صلب، وهذا القتل هنا ليس راجعًا إلى أولياء المقتول؛ إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وإن شاؤوا عفوا، هذا قتل واجب، لماذا؟ لأنه حد، والحدود الشرعية ما تسقط، لا بد من تنفيذها.
فهنا يجب القتل، حتى لو عَفَا أولياء المقتول فإنه يجب قتلهم؛ إذ إن شرهم هنا خاص ولَّا عام؟ عام، افرض أن أولياء المقتول عَفَوْا وأسقطنا القَوَد، لكن إذا أخرجناهم عادوا إلى هذه، فلذلك يجب أن يُقْتَلُوا.
إذا أخذوا المال ولم يَقْتُلوا فإنها تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أيديهم لأنهم أخذوا بها المال، وأرجلهم لأنهم سَعَوْا بها للفساد في الأرض، فكانت الحكمة أن تُقَطَّع اليد التي أخذت والرِّجل التي سعت.
وكونه من خلاف؛ لأن قطعها من جانب واحد يؤدي إلى إضعاف البدن من جانب واحد، وتوزيع العقوبة على الجانبين أسهل على البدن، ولهذا صارت هذه العقوبة جامعة بين الحكمة والرحمة؛ حكمة بقطع اليد والرِّجل، ورحمة باختلافها، اليد اليمنى والرِّجل اليسرى.
طالب: ما يؤخذ يا شيخ تشديد العذاب، يعني فرعون كان يهدَّد السحرة: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [طه: 71] ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3712
الشيخ: وربما قد يكون في هذا زيادة عذاب من جهة الألم من جهتين، لكن جمعها في جانب واحد فيه هدم للبدن، وقد يكون فرعون هدَّدهم؛ لأن العقوبة المعروفة في ذلك الوقت هي هذه، ما أراد أن يعاقبهم بأقصى العقوبات؛ لأن فيه عقوبات ثانية مثلًا غير هذه؛ قطع مثلًا ألسنتهم، يقطع آنافهم، وما أشبه ذلك.
طالب: قوله ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ هل يُفْهَم منه ( ... )؟
الشيخ: لا، يُفْهَم منه أنه لا بد من التخالف، لكن لما كانت السرقة يجب فيها قطع اليد اليمنى صار هنا لا بد أن يقطع اليد اليمنى، فإذا قطعنا اليد اليمنى تعين أن يكون القطع للرِّجْل اليسرى، ولَّا الآية ما فيها دليل أنها تكون اليد اليمنى والرجل اليسرى؛ إذ من الجائز أن تكون اليد اليسرى والرِّجل اليمنى، لكن لما كان القطع في السرقة لليد اليمنى كما في قراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) فصار هذا هو.
﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] متى؟ إذا أخافوا الطريق، ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالًا، يعني: هم ما يريدون أن يقتلوا الناس ولا أن يأخذوا أموالهم، بس يريدون أن يخوِّفُوا الناس، إذا أقبل الناس هجموا عليهم، وهات وأعطنا وإلا قتلناك، ( ... ) الثوب ( ... ) المتاع وما أشبه ذلك، لكنهم لا يريدون القتل ولا الأخذ، هؤلاء ما يمكن أن نقتلهم ولا أن نُقَطِّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولكننا لا بد أن نحمي الناس منهم، في أي مكان؟ نتركهم ما يأوون إلى البلاد، لكن كما قلنا: إنْ هذا لم يندفع به شرهم وجب الأخذ بما قاله أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه بالحبس؛ لأن أبا حنيفة وأصحابه لاحظوا أنهم إذا نُفُوا وتُرِكُوا لا يأوون إلى بلد أنه قد يزداد شرهم، قد يتجمعون، إحنا الآن بنشردهم، يعني حتى نفينا إياهم ما معناه نخليهم مثل فرقة طير يطيرون جميعًا ويأتون جميعًا، نشردهم كل واحد نخليه مع جهة، لكن مع ذلك مَن الذي يحمي البراري، لا سيما البراري الواسعة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3713
إذن إذا خفنا ألَّا يندفع شرهم إلا بالحبس فإننا نحبسهم؛ لأن هذه العقوبات يُعْلَم علم اليقين أن المقصود بها حماية المصالح العامة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الذين يتعرَّضون للناس ويغصبونهم المال.
الطالب: المال، ويتعرضون للعِرض.
الشيخ: ما ذكر العلماء تعرضهم للعِرض، لكنه أشد من المال بلا شك.
الطالب: تجري عليهم العقوبات؟
الشيخ: تجري عليهم هذه العقوبات، إي نعم، وهم أيضًا تعرف أنهم إذا تعدوا على الأعراض يقام عليهم حد الزنا، فإذا كانوا مُحْصَنِين يُرْجَمُون.
طالب: ( ... ).
الشيخ: بالطبع، لا بد من الثبوت، حتى مثلًا لو ادَّعى إنسان أنهم اعتدوا على عرضه ما نقبل إلا ببينة، أو بقرينة ظاهرة قوية، وحينئذ تُجْرَى عليهم الأحكام التي ذكرت هنا.
طالب: حكمهم في الدنيا ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، حكمهم حكم المسلمين، يعني بمعنى: إذا نُفِّذ فيهم الحد كل مَن نفذ فيه الحد فإنه مسلم، فيعامل في أحكام الآخرة معاملة غيره.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما قال ( ... )، أبدًا، يمكن من الخوارج.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: معكم الكتاب؟ لا، هذا ما هو بصحيح، حتى البُغَاة يُصَلَّى عليهم، ولهذا يَرِث -كما مر عليكم في الفرائض- أنه بيرث الباغي من العادل، والعادل من الباغي، فهم مسلمون، يحتاج إلى تحرير الكتاب هذا، ما تعرَّض له المدرس عندكم؟
طالب: لا.
الشيخ: من اللي مُدَرِّس.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، نَبِّهُوه على هذه المسألة، قولوا: هو هذا مذهب الحنابلة، ولَّا مذهب مَن، وما دليله؟
طالب: بقية الآية.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: آية الحرابة.
الشيخ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].
الطالب: ( ... ) الكفار.
الجزء: 2 - الصفحة: 3714
الشيخ: نعم، الآية هذه، أما قوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ فظاهر، وأما قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فهذا يُحْمَل على الكافرين منهم؛ لأنه ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرهما أن مَن أصاب من هذه الجرائم شيئًا وأقيم عليه الحد فهو كفارته، وقد مر علينا هذا، يكون قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هذا على الكافرين منهم، فيكون الحد عامًّا في الكافرين والمسلمين، وأما عقوبة الآخرة فهي للكافرين فقط.
طالب: يا شيخ إذا أقيم عليه الحد في الدنيا ( ... ).
الشيخ: إذا كان من نيته بعدما أقيم عليه الحد وهدفه يسعى في القتل، وما فعل هذه النية فهو يعاقب عليها في الآخرة، وأما إذا أقيم عليه الحد وسكت، يعني ما عزم على ألا يفعل ولا على أن يفعل فإنه يكون كفارة له.
قال: (ويقتل الصائل إن لم يندفع بدونه، أو خِيف أن يبادر بالقتل).
الصائل معروف هو المهاجم الذي يريد الإنسان إما على نفسه أو ماله أو حرمته، هذا الصائل، الذي يصول على الإنسان، وليس قاطع طريق هنا؛ لأن قطاع الطريق إنما يريدون قطع الطريق عامة، أو الاعتداء على المسلمين عامة، لكن الصائل يريد هذا الخاص يصول عليه، إما يريد نفسه أو حرمته أو ماله، فإذا صال أحد على شخص فإنه إن كان على نفسه، أو على حرمته، أو على غيره من الناس، وجب عليه أن يدافع وجوبًا؛ لأن النفس محترَمة وأمانة عندك، فيجب عليك أن تدافع عنها.
وأما إذا صال يريد مالك فقد اختلف العلماء؛ هل يجب عليك الدفاع أو لا يجب، فالمشهور من المذهب أنه لا يجب عليك أن تدافع عن مالك، كما أنه لا يجب عليك حفظه من الضياع، والقول الثاني أنه يجب عليك أن تدافع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال (8)، وهذه إضاعة له إذا تركت الصائل المجرِم يأخذه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3715
ولكن الصحيح في هذه المسألة أن نقول: إذا كان في الإنسان قوة ويغلب على ظنه القدرة على ذاك الصائل، فإنه يجب عليه أن يدافع، لا من أجل احترام المال فحسب، ولكن من أجل احترام الأمن أيضًا؛ لأنك إذا لم تدافع وتسَلط هذا الصائل على مالك فإن هذا سوف يغيره بالتسلط على غيرك، وحينئذ تكون أنت المتسبب بإغراء هذا المجرم على جريمته.
فإذا كان فيك قدرة يغلب بها على الظن أنك ستمنعه وتقضي عليه فإن الواجب عليك أن تدافع احترامًا لمالك، واحترامًا لأمن غيرك، وبهذا التفصيل يكون الجمع بين القولين وبين الأدلة أيضًا.
وأما القول بأنه لا يجب حفظ المال عن الضياع فهو ضعيف جدًّا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال، والله تعالى يقول في الأموال إنه جعلها قيامًا لنا، فما جُعِلَ قيامًا لمصالح ديننا ودنيانا كيف يجوز لنا أن نفرط فيه وأن نضيعه.
الصواب أنه لا يجوز للإنسان أن يضيع ماله، بل يجب عليه حفظه من الضياع، ولكن دفع الصائل ليس خالصًا في كونه دفاعًا عن ضياعه؛ لأن الصائل سينتفع به، ليس ضائعًا المال، لكن دفع الصائل من أجل الحرمة؛ حرمة الإنسان وماله، ولهذا قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جاءني رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: «لَا تُعْطِهِ»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ» (9)، فالحاصل أن التفصيل في هذه المسألة أولى من الإطلاق.
فالمسألة فيها قولان: وجوب الدفع مطلقًا، وعدمه مطلقًا؛ وهو المذهب، والصواب أنه إذا كان الإنسان يغلب على ظنه أنه قادر فإنه يجب الدفع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3716
ولكن ما ترون؟ هل يجب الدفع ولو كان المال قليلًا؟ لو فرضنا واحدًا بيأخذ قلمًا، القلم يسوى ريالين فقط، تدافعه ولَّا لا؟ نعم تدافعه؛ لأن المقصود منع الاعتداء، وما دمت قادرًا وعارفًا أنك ستخلصه فدافع، أما إذا كنت تعرف أنه سيغلبك فلا تدافع؛ لأنك إن دافعت الآن ويش بيكون؟ انتهاك لحرمة المال، وانتهاك لحرمة النفس أيضًا، وربما يقتلك إذا رأى أنك مدافعه.
الصائل يدافَع بالأسهل فالأسهل، إن اندفع بالكلام والزجر والتهديد فلا تفعل معه سوى ذلك، وإن لم يندفع إلا بالضرب باليد ضربته باليد، بالعصا فاضربه بالعصا، بما هو أكبر فاضربه بما هو أكبر، المهم تدافع بالأسهل فالأسهل؛ لأن المقصود منع هذه المفسدة، فإذا لم يندفع إلا بالقتل فلك قتله، إذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه يجوز أن تقتله، لكن لو اندفع بالإيثاق أنت مثلًا ( ... ) مسكته وأوثقته، تقتله ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يجوز تقتله، لو تقتله في هذه الحال وجب أن تُقْتَل به إذا تمت شروط القصاص.
إذا لم يندفع إلا بالقتل فله أن يقتله.
إذا كان الرجل ما يدري هل يندفع بالقتل أو بما دونه، لكنه خاف أن يبادره بالقتل، فهل له أن يقتله؟
الجواب: نعم، إذا كنت تقول: أنا لو أقعد أكلمه أو أهدده أو أضربه بعصا أو ما أشبه ذلك قتلني، أعرف أنه مُعْتَدٍ، فإنه يجوز لك أن تقتله بدون استعمال الأسهل في حقه خوفًا من أن يقتلك ويبادرك بالقتل.
طالب: شيخ، لو بإصابة.
الشيخ: نعم، إذا أمكن تصويبه ما يجوز قتله، يعني لو أمكن لك مثلًا تضربه في رجليه تكسرهما مثلًا، أو في يديه، هو ما يمكن القتل، هو متى اندفع بالأسهل فلا يُعْدَل إلى الأعظم، كل هذا أمر فيما بينك وبين الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3717
لكن فيما بينك وبين الناس الآن لو أن أحدًا قتل شخصًا وادَّعى أنه مدافع، وأن المقتول صائل، فأمام المحكمة ماذا يكون الحكم؟ ما تُقْبَل دعواه، دعوى أنه صائل عليك وأنك قتلته دفاعًا غير مقبولة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (10)، ففي هذه الحال نقول: إذا لم يكن لك بينة فإنه لا تُقْبَل دعواك، وحينئذ يُقْتَل ولا لا؟
طالب: يُقْتَل.
الشيخ: يُقْتَل، ودعواه أنه مدافع ليست شبهة تمنع القصاص، هذه الشبهة ما تمنع القصاص؛ لأن الأصل الحرمة والعصمة، فلا يكفي مجرد دعوى أنه صائل، ولا شك أن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، كما أن القول بقبول دعواه على الإطلاق فيه أيضًا نظر، في كلا القولين مفسدة إذا أخذناهما على الإطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3718
ولهذا الصحيح في هذه المسألة أن نقول: إذا كان هناك قرينة قوية تُرَجِّح جانب المدَّعِي فإنه يجب الأخذ بها؛ لئلا تضيع حقوق الناس، أو يُحْجَز الناس عن المدافعة عن أعراضهم وأموالهم وأنفسهم، فإذا كان هذا المقتول معروفًا بالشر والفساد، والقاتل معروف بالخير والصلاح، وادَّعَى أنه صال عليه، ووُجِد قرينة أيضًا تؤيد ذلك، كما لو وُجِدَ في بيته، فإن هذا يدل على صدق دعوى المدَّعِي، قرينة مثلًا في جانب القاتل، وقرينة في جانب المقتول، وقرينة في ملابسات القضية، فإن هذا دليل على صدق دعواه، وحينئذ يرتفع عنه القصاص ويؤخذ بقوله؛ لأننا لو منعنا قبول قوله على الإطلاق صار في هذا فتح كبير لمن؟ للمفسدين؛ لأن هذا المفسد يقول: إن غنمت -كما يراه هو- فقد ربحت، وإن قُتِلْتُ فصاحبي سيُقْتَل، فهو على زعمه غانم على كلا الاحتمالين، ولا شك أن هذا شر كبير، لو أنه أُخِذَ على إطلاقه، وإن كان هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة لكنه ضعيف، فالصحيح ما ذكرنا من التفصيل، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، على أن المعروف بالشر والفساد يُقْبَل قول من ادعى أنه قتله دفاعًا عن نفسه.
طالب: تلزم الدية يا شيخ؟
الشيخ: ما تلزم الدية، كيف تلزم! ما له شيء أبدًا، ما دام عُلِم أن هذا صحيح، القرينة تؤيد أنه يدافع فهو هدر.
انتهى الكلام على حد قُطَّاع الطريق وعلى قتل الصائل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا؛ لأن القاتل لنفسه والقاتل عمدًا كلهم في النار، الرسول أخبر أن القاتل لنفسه يُعَذَّب بما قتل به نفسه في نار جهنم، ومع ذلك أمر بأن يُصَلَّى عليه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا في السلطان، الرسول أمر أن الإنسان يصبر على جور السلطان ويسمع ويطيع وإن أخذ ماله وضرب ظهره.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3719
الشيخ: إي نعم، هذه المسألة نحتاج أن نستثنيها من قولنا: إنه يلزم الدفع عن نفسه، إي نعم، جيد ذكرتني بها، الدفع عن النفس إنما يجب في غير الفتنة، أما في الفتنة فلا بأس أن الإنسان يستسلم وينظر ما هو أصلح؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنِ الْقَاتِلَ» (11)، ويدل لذلك فعل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فإن عثمان حُصِرَ في بيته كما هو معلوم، وطلب الصحابة رضي الله عنهم علي وغيره أن يدافعوا عنه، ولكنه أبى عليهم؛ لأنه خشي إذا دافعوا أن يكون هناك شر أكبر، يمكن يُقْضَى على أهل المدينة بسبب هذه المدافعة، وحينئذ يُقْتَل الخليفة ويُقْتَل غيره معًا.
فهذه المسألة تُسْتَثْنَى من قولنا: إنه يلزم الدفع عن نفسه، يعني: ما لم يكن هناك فتنة، فإن كانت فتنة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أن يصبر الإنسان، وأن يكون عبد الله المقتول ولا يكن القاتل، لكن مع ذلك هو هذا الأمر مُقَيَّد فيما إذا لم يكن مَن أُرِيدَ قتله أقوى، فإن كان أقوى فإن الرسول عليه الصلاة والسلام، بل في القرآن، أنه إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فإننا نقاتل التي تبغي، نقاتل الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، والله أعلم.
طالب: جزاك الله خيرًا.
باب حد المسكر
طالب آخر: ( ... ). الشيخ: السَّكَر، أولًا السَّكَر تعريفه: تغطية العقل على وجه اللذة والطرب، هذا هو السَّكَر، إن العقل يتغطى وليس يزول؛ لأنه لو زال صار جنونًا، لكنه يتغطى بأي شيء؟ بسبب هذه القوة التي طرأت على النفس، وهي قوة الطرب واللذة حتى أفقدت الإنسان وعيه، والإنسان يفقد وعيه وإدراكه بعدة أمور؛ منها هذه السَّكَر -والعياذ بالله- لقوة اللذة والطرب يضيع عقله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3720
ومنها أيضًا: قوة الغضب، فإن الإنسان إذا غضب أحيانًا لا يدري ما يقول، ولذلك مر علينا العام الماضي في الطلاق أن الغضبان الذي يصل به الغضب إلى حد لا يدري ما يقول فإنه لا يقع طلاقه.
فتغظية العقل على هذا الوجه؛ وجه اللذة والطرب، هذا هو السَّكَر، تغطيته على وجه آخر ليس بِسَكَر، ولهذا البنج لا يعتبر سكرًا، ولَّا لا؟ مع أنه يغطي العقل، هذه الحبوب المخدِّرة لا تعد سَكَرًا، لأنها لا تغطي العقل على سبيل اللذة، ولكنها تُفْقِدُه قوة الإحساس، فهذا هو الفرق بين السَّكَر وبين غيره، وهو قوله: على وجه اللذة والطرب؛ لأن السكران يرى نفسه أنه فوق مرتفع، حتى إنه ربما يرى نفسه ملِكًا وأن مَن سواه كلهم خدم له، مثلما جرى لحمزة -كما مر عليكم حين مر به ساقيان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، بعيران سانيتان، وكان عنده جارية تغنيه، فقالت:
أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النُّوَاءِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهو كان سكران، وبهذه الكلمة أثارته، فأخذ السيف فجَبَّ أسنمتهما، وأظنه أيضًا بَقَرَ بطونهما، فجاء علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمزة، فكَلَّمَه، فقال له: هل أنتم إلا عبيد أبي؟ يقول للنبي صلى الله عليه وسلم.
مثل هذا الكلام يقوله حمزة في حال صحوه؟ لا يمكن أن يقوله، فعرف النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان ثَمِلًا فتقهقر وتركه (12).
شوف كيف؟ تأمل أنه قال لأشرف الخلق عنده وعند غيره، قال له: هل أنتم إلا عبيد أبي؟ ! فيحصل له من اللذة والطرب ما يجعله يسكر وينسى كل شيء، نسأل الله العافية.
طالب: شيخ، ( ... ).
الشيخ: لا ما أظن ( ... ) تخمين.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، بس ما هو على سبيل أنه لذة وطرب، إنما يكون عنده هبوط في الوعي فقط.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3721
الشيخ: ( ... ) لا، يقصد به الراحة؛ لأنه -والعياذ بالله- عدم تحمله لما وقع عليه من الأمور يقصد بذلك أنه يرتاح بس، مثل حَقَّة النوم، تشبه حقَّةَ النوم، أما الحشيشة اختلف العلماء فيها، هل هي مُسْكِرَة أو غير مُسْكِرَة، ولكن شيخ الإسلام جزم جزمًا أكيدًا بأنها مُسْكِرَة، وأنها يحصل فيها من اللذة والطرب ما يحصل في الخمر.
ثم إن الخمر قد سبق لنا تعريفها، وهو كل ما خامَرَ العقل على سبيل اللذة والطرب من أي نوع كان.
أما عقوبته فهي جلد أربعين إلى ثمانين، وإن لم يندفع الناس بذلك فله الزيادة، إلا على قول مَن يقول: إنه حد لا تعزير.
أولًا: كلمة (قول من يقول: إنه حد لا تعزير) تدلنا على أن العلماء اختلفوا في عقوبة شارب الخمر؛ هل هي حد أو تعزير، فمن العلماء مَن يرى أنه حد، وهو رأي جمهور أهل العلم؛ لأنه بتقدير عمر بن الخطاب رضي الله عنه صار حَدًّا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي» (13)، ولا ريب أن منهم عمر بن الخطاب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنْ يَكُنْ فِيكُمْ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ» (14)، يعني: مُلْهَمُون مُوَفَّقُون للصواب فعمر، فعلى هذا يكون حدًّا.
وقال بعض أهل العلم: إنه حد ولكنه لا يُتَجَاوَزُ به الأربعون، وإنما تكون عقوبته أربعين جلدة؛ لأن هذا هو المعروف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فإذا كان كذلك فالواجب الأخذ به دون مَا سَنَّهُ عمر؛ لأنه حادث على إجماع في الحقيقة، وهذا مذهب الشافعي، والأول مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3722
وقال بعض العلماء: إن الإمام مُخَيَّر بين الأربعين والثمانين؛ إذا كان الناس لا يشربونه كثيرًا فأربعون، إذا كانوا يشربونه كثيرًا فحَدُّه ثمانون، وهذا القول يجمع بين القولين؛ لأنه ما رفعه عمر رضي الله عنه إلا حين كَثُر الناس في شربه، فيكون في هذا جمع بين القولين، وهذا فيما أظن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
فالذين يقولون: إنه حد الآن صاروا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يقول: إنه لا يتجاوز به الأربعين؛ لأن ذلك المعروف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، والثمانون طارئة على إجماع.
والذين يقولون: إنه ثمانون، يستدلون بفعل عمر، ويقولون: إن عمر رضي الله عنه له سُنَّةٌ مُتَّبَعَة، وأن ما قبل عهده ليس صريحًا في التحديد، ولهذا الذين جُلِدُوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قام الناس إليهم منهم مَن يضرب بثوبه، ومنهم من يضرب بالجريد، ومنهم من يضرب بنعله، فلم يكن هناك تحديد بَيِّن، بدليل الناس كلٌّ يضرب، ولكنها نحو أربعين.
والذين قالوا: إنْ كَثُر الناس فثمانون، وإن قَلَّ شربها بين الناس فأربعون، هؤلاء جمعوا بين الحالين؛ حال الناس على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأول خلافة عمر، وحال الناس بعد ذلك، وجمعوا بين السُّنَّتَيْن في الواقع؛ لأن سُنَّة عمر واضح سببها، وهو كثرة شربها.
ولكن هناك قولًا آخر، وهو القسيم لهذه الأقوال؛ أن عقوبة شارب الخمر تعزير، لكنه لا تُنْقَص عن الأربعين؛ لأن أقل ما حصل أربعون، واستدلوا لذلك بأدلة، منها: أنه لو كانت عقوبة شارب الخمر حَدًّا ما أمكن لعمر ولا غيره أن يزيده، أليس كذلك؟
لو زاد الناس في الزنا مثلًا هل لأحد من الخلفاء أو من الفقهاء أن يزيد حد الزاني على مئة جلدة؟ لا، إذن لو كانت عقوبة شارب الخمر حَدًّا ما أمكن لعمر ولا لغيره أن يزيده، هذه واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3723
الدليل الثاني أنه لما كثر شربه في الناس في عهد عمر جمع الصحابة واستشارهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: أَخَفُّ الحدود ثمانون، فجعله عمر ثمانين (15)، فقول عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، يدل على أنه ليس بحد؛ لأن الحدود اللي يقول: أخفها ثمانون، ويش يعني بأي حد هو ثمانون؟ القذف، فعُلِمَ أن ما دون القذف ليس بحد، يعني ما دون الثمانين ليس بحد.
وقد اتفق البخاري ومسلم (16) وغيرهما على أن الناس يعاقَبون على شرب الخمر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر يعاقَبون عليه بأيش؟ بأربعين جلدة، لو كانت الأربعون حدًّا لكان أخف الحدود أربعين.
الدليل الثالث: ما ثبت في البخاري (17) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ما كنت لأقيم على أحد حَدًّا فيموت فأجد في نفسي إلا شارب الخمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّه، يعني: يقول: إني لو أقمت حدًّا على إنسان فمات فإني لا أجد في نفسي من هذا شيئًا، ويش السبب؟ لأنه مات بحد، والحد حق، وكما قال الفقهاء: مَن مات في حد فالحق قتله، إلا شارب الخمر، قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّه، وهذا نص صريح من علي بن أبي طالب في أنه -أي عقوبة شارب الخمر- ليست بحد؛ لأن معنى (لم يسنه) يعني: لم يتخذ فيه طريقًا محددًا لا يُزَاد ولا ينقص.
وبهذه الثلاثة الأدلة يتبين لنا أن عقوبة شارب الخمر ليست بحد.
فإذا قال قائل: قولكم هذا فيه مفسدة عظيمة؛ لأنه يوجِب أن يتتايع الناس في شرب الخمر؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3724
فالجواب أن الأمر بخلاف ذلك؛ لأن قولنا هذا يقتضي أننا إذا رأينا أن من المصلحة أن نزيد على ثمانين يجوز لنا ولَّا لا؟ يجوز لنا، لكن لو قلنا: إنه حد، ما جاز أن نتجاوزها لو يشربها في البيت عشرة من أحد عشر، لكن هذا القول الذي نقول به هو الذي تقتضيه المصلحة، وهو أنه إذا رأى الحاكم -وطبعًا إننا نعني بالحاكم الحاكم الذي يحكم بالشرع لا بالهوى، يحكم بالهدى لا بالهوى- إذا رأى أنه يقرِّر أن شارب الخمر يعاقَب بمئة جلدة أو مئتين، ويزيد على ذلك مثلًا حبسًا أو ما أشبه ذلك فإن هذا لا بأس به.
أما أن يقال مثلًا: يُجْلَد ثمانين جلدة أو أربعين جلدة، ولا سيما أنه قد تكون الجلدات أيضًا ليست بشيء؛ لأني أسمع بعض الناس إذا جُلِدَ يقف يضربونه بالسوط يسلتونه سلتًا، بحيث إنه حتى الثوب نفسه ما يحس بالضرب، فهذا حرام ولا يجوز، ولا يؤدي إلى مصلحة، ولهذا نسمع أن بعض المجلودين إذا انتهى ركب سيارته وفَحَّط على الشرطة، تَحَدٍّ يعني.
كل هذه من الأمور التي يجب على الناس إذا ضعف الإيمان أن يقوى رادع السلطان، وهذه القاعدة مأخوذة من سياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذا ضعف الإيمان فيجب أن يَقْوَى رادع السلطان؛ لأن عمر لما كثر شرب الناس لها، معناه أن الإيمان ضعف عند هؤلاء، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (18)، لما ضعف الإيمان عند هؤلاء ماذا صنع عمر؟ زاد في ردعهم، ولما كثر الطلاق الثلاث في عهده أمضاه عليهم حتى يكون فيه ردع لهم، حيث تَعَجَّلُوا ما جعل الله لهم فيه أناة.
فالحاصل أنه يجب أنه إذا ضعف وازع الإيمان أن يقوى رادع السلطان، وأما أن يضعف هذا وهذا فإنه فساد للأمة، نسأل الله السلامة.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3725
الشيخ: لا، يعني معناه ضبطه إلى الثمانين، ضبطه إلى أخف الحدود ثمانين، ولا يزيد على ما يتجاوز؛ يدل على أنه ليس بالحد وهو رأى في ذلك الوقت أن الدنانير مانعة رادعة، لكن ربما يأتي في يومنا الآن ما تمنع ولا تضر.
طالب: هل يصل التعزير إلى القتل؟
الشيخ: لو وصَّل نعم، يصل إلى القتل، وحديث عبد الله بن عمرو: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» ( ... ) هذا الحديث صَحَّحَه بعض المحدثين، وممن صححه ابن حزم، ولكنه مع ذلك الحديث ما فيه: (اجلدوه أربعين): «اجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ» (19)، يُقْتَل في الرابعة.
فابن حزم وجماعته يرون أنه يجب قتله في الرابعة إذا كان يُجْلَد في كل الثلاث السابقة، وشيخ الإسلام يقول: يُقْتَل إذا لم ينته الناس بدونه، ابن تيمية جعله من باب التعزير، قال: يُقْتَل إذا لم ينته الناس بدونه، وليت هذا الأمر يُنَفَّذ، لو نُفِّذ هذا الأمر وصار مَن جُلِد ثلاث مرات في الخمر قُتِلَ في الرابعة لكان يحصل به ردع، ويعرف الناس أنه ليس بالأمر الهين، لكن الناس الآن مع الأسف الشديد انفتح عليهم البلاء من كل جانب، صاروا يسمعون بالبلاد الأخرى ويسافرون إليها، ويرون أنه يُجْعَل على مائدة الأكل، وعلى طاولة القهاوي، فصاروا لا يرونه شيئًا، يعني في غير بلاد السعودية -والحمد لله، ونسأل الله أن يثبتها ويديم عليه النعمة ويزيدها- في غير بلاد السعودية تجلس في القهوة ويجاب لك بيبسي ويجاب لك جرة خمر، ويجاب لك فنجان شاي، ( ... ) اللي تبغيه تطلبه، ما فيه شيء.
في الطائرة غير السعودية يقدِّم المضيفون أو المضيفات كؤوس الخمر مع أكواب الشاي، هذا شيء مُشَاهَد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3726
هؤلاء الناس الذين يذهبون إلى هذه البلاد، وهي بلاد تنتمي إلى الإسلام أيضًا مع الأسف ماذا يكون شأن الخمر في نفوسهم وهم يرونه بهذه السهولة؟ لا يكون شيئًا؛ لأنهم يقولون: مع كثرة المساس يقل الإحساس.
فالحاصل أن هذه المسألة لو طُبِّقَت بأن الإنسان الذي يُجْلَد في الخمر ثلاث مرات ولا يتوب يُقْتَل، لكان هذا طيبًا وفيه مصلحة للمسلمين، حتى للذين يهوون الشرب فيه مصلحة لهم.
طالب: المذهب ( ... ).
الشيخ: هذا بيجينا إن شاء الله في التعزير.
المهم الآن إحنا ما تكلمنا عن السَّكَر، ما هو المسكر إلى آخره، إلا أنّا تكلمنا عن السَّكَر وعلى حده.
يُشْتَرَط طبعًا كما مر علينا في أول الحدود أن يكون الإنسان عالِمًا، ولَّا لا؟ فإن كان جاهلًا، مثل أُعْطِيَ شيئًا من الخمر وهو لا يدري ما هو فشربه ثم سَكِر، عليه عقوبة ولَّا لا؟ ليس عليه عقوبة.
إذا كان الشيء يُسْكِرُ إن أَكْثَرَ منه ولا يُسْكِر إن أَقَلَّ، هل يحرُم ولا ما يحرُم؟ يحرُم، ولكنه إذا شربه ولم يسكر فإنه لا يُحَدّ، يُعَزَّر تعزيرًا، يعني حتى على القائلين بأنه يُحَدّ، يُعَزَّر تعزيرًا يمنعه عنه؛ لأنه فعل معصية، ولكن لا يجب عليه الحد، لماذا لا يجب؟ لأنه ما سَكِرَ، لكنه حرام عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3727
وأظننا قد نَبَّهْنَاكم على خطأِ فَهْمِ بعض الناس للحديث: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (20)، حيث ظنوا أن ما اختلط بالخمر القليل يكون حرامًا، ولَّا لا؟ وبَيَّنَّا أن هذا ليس بصحيح؛ لأن بعض الناس يقول: إذا كان الشراب فيه مادة من الخمر ولو قليلة فإنه يكون حرامًا؛ لحديث: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن معنى «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» ويش معناه؟ أن الشيء الذي إن أكثرت منه أسكرك، وإن أَقْلَلْتَ لم يسكر، يحرُم عليك قليله؛ لأن شرب القليل يؤدي إلى شرب الكثير، فمنعُ القليل إذن من باب سد الذرائع، لكن خمر اختلط بغير الخمر ولم يظهر له أثر فهنا لا أثر له؛ لأن الحكم يدور مع علته، وكما مر علينا في كتاب الطهارة أنه لو أصاب الماءَ شيء من النجاسة ولم يؤثر فيه فما حكم هذا الماء؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: طَهُور، ولَّا نجس؟ طَهُور؛ لأنه ما ظهر أثر الخبث فيه، كذلك ما اختلط بالخمر لا يكون حرامًا إذا لم يظهر في ذلك أثر الخمر.
وهذا الذي ذكرناه موجود حتى في كتب الفقهاء، على أنه إذا لُتَّ شيء بخمر ولم يظهر له أثر، أو اختلط فيه ولم يظهر له أثر، فإنه لا يحرُم، أما إذا ظهر أثره برائحته أو طعمه أو أثره في السَّكَر فلا شك أنه مُحَرَّم ولا يجوز.
طالب: ( ... ).
الشيخ: البيرة حلال إذا لم تُسْكِر فهي حلال.
طالب: ما يضاف إلى الأدوية؟
الشيخ: بعض الأدوية نعم، يدخلها شيء من الخمر أو الكحول، هي نفس الشيء، إذا ما ظهر فيها أثر، إذا تناولته هل يحصل أنك سكرت بها؟
طالب: يعني ( ... ).
الشيخ: ما يخالف، الغريب أن الخمر يقولون: إذا أكثرت منه ما عاد يسكرك إلا ما زاد عن العادة، يعني إذا جاء واحد -والعياذ بالله- يعتاد شرب الخمر دائمًا ما يسكر إلا إذا زاد عن عادته، يكون الزيادة عن عادته كالتجديد لغيره، إي نعم.
طالب: بعض ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3728
الشيخ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، ظاهر الأمر بالاجتناب.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، كل شيء، ﴿اجْتَنِبُوهُ﴾ عام، لكن التعليل يدل على أن المراد الشرب؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 91]، فهذا التعليل لا ينطبق إلا لمن تناوله شربًا أو أكلًا، أما مَن تطيَّب به أو تداوى به فلا يشمله، ولهذا أنا ما أرى أنها حرام بحيث أني أمنع الناس منها، وإنما أرى أن الورع عنها أولى، إلا إذا احتاج إليها، مثل لو احتاج إليها في تطهير الجروح فلا بأس به؛ لأن هنا حاجة، واجتنابها توَرُّعًا، وما كان اجتنابه تورعًا فإنها تبيحه الحاجة.
بقي علينا أن بعض الناس يقولون: إن طريقتكم هذه، أو اختياركم هذا ينافي قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الخمر: «إِنَّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ» (21)، فإن هذا عام، كونك تقول: إن تطهير الجروح هذا إنه دواء هذا يخالف الحديث.
فنقول في الجواب على ذلك: إنها داء وليست بدواء فيما إذا استُعْمِلَت أكلًا وشربًا فهي داء، وأما إذا لم تؤثر فإنها دواء، والدليل على ذلك الواقع، فإنها مطهرة، تقتل الجراثيم التي يمكن يُخْشَى على الجرح منها.
ولهذا أجاز العلماء أن الإنسان يتداوى بالنجاسة في ظاهر بدنه، مع أن النجاسة قذرة، بشرط أن يطهرها عند إرادة الصلاة.
( ... )
باب قتال أهل البغي
الجزء: 2 - الصفحة: 3729
أولًا: تعريف أهل البغي، البغي معناه: العدوان، في اللغة العربية، فأهل البغي معناه: أهل العدوان، ولكن هذا العدوان في هذا الباب عدوان خاص، ليس كل عدوان يسمى بغيًا في هذا الباب، إنما هو عدوان خاص، وهم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ ولهم شوكة، لهم شوكة يعني معناها قوة ومَنَعَة، فيخرجون على الإمام بتأويل سائغ، هذه أربعة قيود؛ قوم لهم شوكة ومَنَعة ويخرجون على الإمام، ثلاثة، فهو بتأويل ثلاثة، وسائغ أربعة.
إذا اجتمعت هذه الشروط الأربعة فإنهم بغاة، وإن شئنا أن نجعل قوله: يخرجون على الإمام، قيدًا خامسًا فلا بأس، إنما هؤلاء هم البغاة.
فقولنا: قوم يخرجون على الإمام، خرج به ما لو كان الخروج على غيره، مثل أن يخرجوا على أمير من أمراء البلد، أو ما أشبه ذلك، فهؤلاء ليسوا بغاة.
وقد قال الفقهاء: إنه إذا اختل شرط منها عُومِلُوا معاملة قُطَّاع الطريق، فهم يكونون هنا قُطَّاع طريق، يعني: حكمهم حكم المحارِبين، فيستعمل فيهم ما سبق من العقوبات الأربع المتنوعة.
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
يعني ناس مثلًا واحد أو اثنين ثاروا على الإمام، أو ما أشبه ذلك، فإن هذا ليس حكمه حكم أهل البغي، بل إن هذا يعتبر من المفسدين في الأرض المحاربين لله ورسوله، مثل لو أراد اغتيال الإمام، وخرج فإن هذا لا يعامل معاملة أهل البغي، وإنما يحكم له بحكم خاص حسب ما يقتضيه الشرع حتى لو أدى ذلك إلى قتله.
وقولنا: يخرجون على الإمام بتأويل، خرج بذلك ما لو خرجوا بغير تأويل، اجتمع قوم مثلًا لهم شوكة ومنعة، وجاؤوا يحاربون الإمام ليش يا جماعة قالوا: والله إحنا ودنا نصير إحنا الحكام.
بأي طريق؟ ما عندنا طريق نريد الحكم.
فهؤلاء لا يحكم لهم بحكم أهل البغي؛ لأنهم ليس عندهم أيش؟ تأويل بخروجهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3730
الرابع: أن يكون هذا التأويل سائغًا، ومعنى (سائغًا)؛ أي جائزًا، أي له وجهة شرعية، مثل لو خرجوا على الإمام لماذا؟ قالوا: لأنك تظلم الناس في كذا، وفي كذا، وفي كذا، وعددوا أشياء الإمام واقع فيها وهي ظلم، فهذا تأويل سائغ، لكن ليس لهم الحق في أن يخرجوا ليس معنى قولنا: سائغ أنه جائز؛ بمعنى يجوز لهم شرعًا الخروج؛ لأن الخروج على الإمام ما يجوز إلا إذا رأى الإنسان كفرًا بواحًا عنده فيه من الله برهان، وأما مجرد الظلم والفسوق والمعاصي فهذه لا تجيز الخروج عليه، ولهذا لو كان هذا الخروج جائزًا ما سموا بغاة، إذن لا بد أن يكون تأويلًا سائغًا، أما لو خرجوا بتأويل، لكن ليس بسائغ مثل أن يقولوا: نحن خرجنا على الإمام؛ لأنه بنى مدارس للعلم نحن ما نريد أن يبني مدارس للعلم ليش؟
قال: نبغي أن تكون المدارس في المساجد مثل عهد الصحابة هذا التأويل سائغ ولَّا لا؟
هذا غير سائغ، رجل يبني مدارس للعلم، تقولون: هذا يجب أن يحارَب، هذا يجب أن يناصر، ويؤيد، ولكل عصر ومكان أسلوبه الذي يحصل به الإنسان على الغاية المحمودة، ولهذا نحن مر علينا ما أدري ذكرت لكم أن الوسائل غير المقاصد، وأن ما كان وسيلة لمقصود شرعي فإنه يستعمل إذا كانت هذه الوسيلة مباحة، وتكون هذه الوسيلة حكمها حكم ما كانت وسيلة له، فالآن بناء المدارس لا شك أنه أفضل، تنظيم الآن الدروس، فيه ناس الآن ينتقدون تنظيم الدروس ليش ( ... )؟ أين في كتاب الله وسنة رسوله ( ... )؟
فيه ناس يقولون هكذا، وربما ينتقدون من يدرس في هذه المدارس؛ لأنه مشى على نظام ( ... )، كل نظامكم محارب من قبل الإسلام؟ لا.
فالمهم إذا كان التأويل غير سائغ فإنهم ليسوا بغاة؛ لأن ما ليس بسائغ، أي ما ليس له وجه، وجوده كعدمه، فكأنهم خرجوا بغير تأويل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3731
العلماء يقولون: إذا اختل شرط من هذه الشروط فهم قطاع طريق، ومعنى قولهم قُطَّاع طريق أنهم يعاملون معاملة قُطَّاع الطريق، وإن كان تعريف قطاع الطريق لا ينطبق عليهم، لكنهم يُعاملون معاملة قطاع الطريق.
إذن عرفنا من هم أهل البغي؟ هم قوم لهم شوكة ومنعة يخرجون على الإمام بتأويل سائغ.
والسؤال الآن: هل يجوز الخروج على الإمام بهذا التأويل أو لا يجوز؟
الجواب: لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصبر على أئمة الجور، وعلى الأئمة الذين نرى منهم ما نكره فقال: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (1).
فيجب علينا أن نصبر حتى ولو رأينا الظلم، ورأينا الجور، ورأينا المحاباة، ورأينا الفسوق والمعاصي، فيجب علينا أن نصبر، ولا نخرج، لكن النصيحة واجبة ومراسلتهم واجبة، وكذلك أيضًا يحب علينا أن نُبيِّن لهم ما وقعوا فيه من الخطأ بيانًا صريحًا، وألا نحابيهم في هذه الأمور، ونقول: والله أنتم على كل حال، كل شيء زين، وكل شيء ماشي؛ لأن هذا هو اللي يضر بعض الولاة أن يجي لهم واحد يقول: أبدًا، كل شيء ما أحسن من بلادنا، ولا أحسن من معاملتنا، فهم قد يكونون لا يعرفون الأمر كما هو عليه، فينخدعون بأقوال هؤلاء، وقد يعرفون الأمر على ما هو عليه، ولكنهم يتخذون من أقوال هؤلاء وسيلة تبرر ما هم عليه، وعلى كل حال فالواجب على المسلمين النصح لأئمة المسلمين، أما الخروج فلا.
ولهذا سئل الإمام أبو حنيفة رحمه الله عن هذه المسألة، وقيل له: إنهم يخرجون ليأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، فقال: نعم، هم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون، صحيح من سفك الدماء واستحلال الحرام.
الجزء: 2 - الصفحة: 3732
المسألة ما هي ببسيطة، المسألة ليست بأمر هين حتى ولو رأينا كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، ما يمكن أن نخرج هكذا حتى يكون لدينا من القوة ما نتمكن فيه من القضاء الكفر؛ لأننا رأينا واقعًا وعقلًا أنه إذا خرج من يخرج في مثل هذه الحال يكون الأمر منتكسًا، وعلى العكس، ويقضى على هؤلاء، وعلى من شابه هؤلاء، ويحصل رد فعل أكثر مما كان عليه الأمر.
ولذلك يجب أن الإنسان عندما يقرأ مثل هذه النصوص التي تُبيح الخروج على الإمام إذا وصل إلى حد الكفر أن يعرف الأساليب، وكيف يكون العمل، ولا حاجة بنا إلى أن نُمثل أمثلة تدل على فشل هؤلاء الذين خرجوا على أئمة يرونهم كفارًا؛ لأن هذا أمر واضح، لكننا نقول: إن الإنسان يجب أن يكون لديه عقل ودين، إذا لم يكن لديه عقل ودين فإنه تضيع عليه الأمور؛ لأن مَنْ فَقَد الدين لا يستقيم، ومن فقد العقل لا يُحكم، فلا بد من الاستقامة والحكمة حتى يكون الإنسان على الصواب؛ فإذن الخروج على الأئمة صار محرمًا ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لو رأينا الفسوق والعصيان، والمحاباة والظلم، وشرب الخمر، وغير ذلك، لكن إذا رأينا كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان وجب علينا أن نخرج؛ لأن الله يقول: ﴿لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، ولكن هذا الواجب يحتاج إلى الشروط منها أن يكون في استطاعتنا أن نغير الوضع، أما إذا لم يمكن ذلك في استطاعتنا فإن الخروج يُحدث أكثر وأشر مما كان.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما ( ... )؛ لأنهم يقول: يخرجون على الإمام.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: الشروط التي تتعارض مع ( ... ) دليل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3733
الشيخ: لا، من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9].
فإن هذا اللي ظاهر الآية الكريمة أن طائفة لها قوة وسيطرة، ثم إن المسائل الفردية جاءت النصوص في أنه يقضى على فاعلها بدون أن يحصل المعاملة التي يعامل عليها أهل البغي؛ لأن أهل البغي لهم معاملة خاصة كما ستذكر في الفقرة الثانية.
المسائل الفردية يقضى على المجرم فيها قضاء مبرمًا، ولا حاجة إلى أي شيء، لكن المسائل غير الفردية اللي هي مسألة البغي لهم معاملة خاصة.
طالب: أقول: كيف الكفر البواح؟ نريد بعض الأمثلة يا شيخ.
الشيخ: يعني مثلًا لو حكم الإمام بأن الصلاة ليست بواجبة قال مثلًا للعمال: أنتم ما عليكم من صلاة، إن شئتم فصلوا، وإن شئتم فلا تصلوا مثلًا، هذا كفر بواح صريح، لو قال مثلًا: إن علي بن أبي طالب أفضل من الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا أيضًا كفر صريح، وهكذا، أمثلة واضحة، أو قال: الصيام ليس بواجب، ما عليكم صيام، من شاء فليصُم، ومن شاء فلا يصوم، هذا معلوم كفر بواح؛ لأنه معناه أنه أنكر فرضيته.
طالب: وعدم إقامة الحدود؟
الشيخ: لا، هذه ما بكفر بواح، هذه تعتبر مخالفة للشرع، ولكن ليس من لم يقم الحد يكون كافرًا.
طالب: الحكم بغير ما أنزل الله؟
الشيخ: الحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن هذا أنفع للجماعة، ومنكرًا لحكم الله فهذا كفر، أما إذا كان بتأويل؛ لأن بعض الناس يمكن يُفتح لهم باب التأويل لا سيما أنه قد يتصل بهم أناس يعدونهم علماء، ويرون أن عندهم علمًا، ويبيحون لهم هذا الشيء باعتبار المصالح المرسلة التي يسمونها المصالح المرسلة، هم يقولون: هذا مصلحة، وتقتضيه الأحوال الوضعية، وما أشبه ذلك.
طالب: تشريع القوانين ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3734
الشيخ: لا، تشريع قوانين معناه إذا قال: إحنا بنعدِّل، ما نحكم بالشرع إلا في مسائل العبادات، وفي الأحوال الشخصية كما يقولون، والباقي نرفض الشرع، هذا كفر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش لون.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، عَلِمناها إلا في شيء حكم الشرع بأنه كفر، مثل ترك الصلاة كفر، إنما مجرد ما بيخالف الإنسان الشريعة هذا ما يقال، الآن لو يحكم قاضٍ مثلًا بغير ما أنزل الله يعرف أن هذا حكم الله، لكن بيحكم بغير ما أنزل ظلمًا وعدوانًا أو محاباة للمحكوم له ما يقال: هذا كافر.
طالب: ( ... ) من تشريع جماعي ( ... ).
الشيخ: نعم، حتى التشريع الجماعي إذا قال: أنا أظن أن هذا التشريع أنه معقود من القرآن والسنة مثلًا، ويش دليله؟
طالب: ( ... ) يطالب بالدليل ( ... ).
الشيخ: هذه إذا طالبناه بالدليل، وقلنا: الدليل يقول: هذا حرام، حرَّم الربا وقال: إن الربا حلال.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: ( ... ) مصلحة، وتقوم عليه معاملات.
الشيخ: يقول: مصلحة، وتقوم عليه المعاملات؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم ( ... ).
ثم يقول أيضًا كما قيل له: إن هذه الأوراق ليس فيها ربا، وإن الربا بالذهب والفضة، وهذه عبارة مثل الخام والسكر والشاي والأشياء هذه، يعني قُوِّمت بدراهم فليس يجري فيها الربا، هذا مفتوح للحكام.
طالب: ( ... ) جزئية ( ... ) تشريع كامل للقوانين ( ... ).
الشيخ: طيب التشريع الكامل للقوانين، أما تعلم أن بعضهم يقول: هذه مستمدة من القرآن والسنة.
طالب: يا شيخ، القاتل له سجن مؤبَّد ويش موضعه؟
الشيخ: على كل حال، هذا شيء يرجع للإنسان، إذا رأينا كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان وجب علينا الخروج وإزالة هذا الحكم.
طالب: ( ... ) يحكم بالكفر ( ... ).
الشيخ: إذا وقعت قضية معينة يمكن دراستها ( ... ).
طالب: ( ... ) ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء: 65].
الجزء: 2 - الصفحة: 3735
الشيخ: إي، هذا ما فيه شك أنه نفي الإيمان الكامل؛ لأن فيه من يلتزم الحكم الشرعي، ولا يسلمه تسليمًا، يكون في نفسه حرج، فيه ناس يمكن يلتزمون الحكم، ولا يخالفونه، لكن في نفسهم حرج منه، وهذا -بلا شك- أن النفي هنا لا يؤمنون، يعني مثل: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (2) الإيمان الكامل هو بهذا.
طالب: لأن من الأول ما يحكموه أصلًا، ما هم يعني في صدورهم حرج، ويسلمون، لا، انتقض الأول أصلًا ما يحكمونه.
الشيخ: على كل حال، اللي بيتخذ تشريعًا بديلًا عن شريعة القرآن، وهو يعلم شريعة القرآن هذه وهذا هذا متخالفان فهذا كافر، نعم، يعتبر كافرًا، أما إنسان يتخذ هذا التشريع، ويزعم، أو يقال له: إن هذا منطبِق على القواعد الشرعية، فهذا ما هو ببواحٍ، هذا قد يكون ظاهره الكفر، لكن ليس بصريح، والنبي عليه الصلاة والسلام احترز؛ لأن المسألة ما هي هينة، (بواح) بمعنى الصريح مثل الأرض البواح الواسعة، اللي ما فيها أى إشكال.
طالب: ( ... ) كفر ( ... ) الشريعة ( ... ) يحكم ولا ينظر.
الشيخ: والله يا أخي، مسألة التكفير صعب ما هو بهين لا سيما بالنسبة للأئمة الذين إذا كفرناهم جوزنا الخروج عليهم؛ يعني أنت مثلًا ما تستطيع تكفر واحدًا إلا أن تعرف أنه كافر، إذا كان ما نستطيع نقول: هذا حرام إلا إذا عرفنا أنه حرام، فكيف نخرج واحدًا من دائرة الإسلام وهو ما فيه نص بيِّن؟ ! صعب هذا، صعب، ويجب التحرز منه.
أهل البغي يعاملون بما يأتي، وهذا العنوان: كيف يعاملهم الإمام؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3736
يقول العلماء إنه يجب على الإمام أن يراسلهم، يعني يُرسل لهم رسولًا، ويسألهم: ويش اللي عندكم ماذا تريدون؟ يقولون مثلًا: عندنا كذا وكذا وكذا، ويعددون طيب، ونحن بيننا وبينكم كتاب الله، تفضلوا إذا تبين أن ما عددوه وانتقدوه على الإمام حق وجب على الإمام أن يعدله وجوبًا، فإن خالف فهو عاصٍ إما أن يكون كافرًا، وإما أن يكون فاسقًا حسب حال تلك القضية المعينة، إنما يحب عليه إذا بينوها، وتبين في شريعة الله أنها مُحرَّمة يحب عليه وجوبًا أن يغيرها كلها، وتعرفون فيما يبدو في هذه الحال أن الإمام سيغير؛ لأنه ما دام قام عليه ناس يعرف أنه يحصل في هذا فوضى كثيرة وزعزعة لحكمه، فسيُغير في الغالب إلا أن يكون أهوج، ولا يبالي أبدًا، ولا يبالي بالنتائج، فهذا قد يكون.
إذا ذكروا شبهة قالوا: ما نعرف أنك ظلمت أحدًا، لكن إحنا اشتبه علينا عملك، هذا اشتبه علينا هو حق ولَّا باطل يجب عليه؟
يجب عليه أن يبين هذا الشبهة التي حصلت، إذا ذكروا محاباة لقريب قالوا: أنت مثلًا أخذت مثلًا من بيت المال لقريبك كذا وكذا بدون حق يجب عليه أن يسحب ما أعطاه لقريبه؛ لأنه يجب أن يكون معاملة الإمام لأبعد الناس إليه وأقرب الناس عليه؟
طالب: سواء.
الشيخ: بالعدل، لا ما نقول: سواء، نقول بالعدل؛ اللي يقتضي العدل أن يُعطى يعطى، واللي يقتضي أن يُحرم، يحرم فينظر إلى القضايا، يجب على الإمام، وعلى من دون الإمام يجب أن ينظر إلى القضايا على أنها قضايا لا على أنها قضية فلان وفلان، لو كنا ننظر إلى القضايا على أنها قضية فلان وفلان.
الجزء: 2 - الصفحة: 3737
كان الإنسان إذا جاءته قضية لإنسان يبغضه يجعلها عليه بدون تفصيل، ولإنسان يحبه؛ يجعلها له ولقريب يجعلها له، ولبعيد يجعلها عليه، لكن الواجب ينظر إلى القضية على أنها قضية لا بالنسبة لفلان القريب، أو فلان البعيد، أو فلان صديق، أو فلان العدو، هم يقولون مثلًا: إنك تعطي مثلًا أقاربك من بيت المال ما لا يستحقون، وتحرم فقراء المسلمين الذين يستحقون شيئًا مما جعل الله لهم، وهذا يجب عليك أنت تزيله، فماذا يكون يسحب ما حبا به أقاربه، ويعطي المحتاجين من المسلمين، وعلى هذا فقِسْ.
المهم أنهم إذا ذكروا ظلمًا يجب عليه إزالته، إذا ذكروا شبهات اعترضت لهم يجب عليه أن يبينها لهم حتى يُهدئ الأمور، ثم إن اقتنعوا بذلك ورجعوا، وإلا وجب عليه أن يقاتلهم، ووجب على رعيته أن يقوموا معه على هؤلاء؛ لأنه تبين الآن أن هؤلاء ليس غرضهم الحق بعد ما تبين أنه التزم بإزالة الظلم، وكشف الشبهات وبيان الحق، ثم أصروا على ما هم عليه تبين أنهم ظلمة، والظالم يجب أن يمنع من ظلمه؛ ولهذا قال العلماء: يجب عليه في هذا الحال أن يقاتلهم، ويجب على رعيته مساعدته في قتالهم إزالة لهذا المنكر العظيم، فصارت المعاملة الآن يراسلهم يعني يبعث إليهم الرسل لأجل أن يسألهم ماذا ينقمون عليه إذا ذكروا مظلمة وجب عليه ردها.
إذا ذكروا شبهات وجب عليه كشفها، إذا ذكروا جورًا وجب عليه الاستقامة والعدل، فإن لم يذكروا شيئًا، أو ذكروا شيئًا من هذه الأمور التزمت أو فعلًا أزاله وأصروا على القتال وجب عليه أن يقاتلهم، ووجب على رعيته مساعدتهم حتى يكسروا شوكتهم، ثم هل هم بعد القتال كالكفار تُسبى زراريهم وتغنم أموالهم، ويُجهز على جريحهم، ويُقتل أسيرهم؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3738
لا، ليسوا كذلك؛ لأنهم بمنزلة الصائل الذي متى اندفع شره وجب الكف عنه، هؤلاء لا تُسبى زراريهم، ولا تغنم أموالهم، بل أموالهم لهم، ولا يُجهز على جريحهم، الجريح منهم ما يقتل، ولا يرق، أو يقتل أسيرهم، بل هم أحرار؛ لأنهم مسلمون.
هذه أظن ثلاثة مباحث: معاملتهم، ونتيجة الحرب، الأموال التي تلفت بفعلهم أموال لهم وأموال أتلفوها هم ماذا يكون شأنها؟ الشأن فيها أنها ينظر إذا تكافأت هذه الأموال بين الطائفتين إذا تكافأت بين الطائفتين فإنه لا شيء لا على هؤلاء ولا على هؤلاء، وإن زادت أموال أحدهم على الآخر وجب أن يضمنها وقد يقال: إنه إذا كانت الزيادة لأهل البغي فإنهم لا يعطونه، لماذا؟ لأنهم معتدون، وإن كانت لأهل العدل فإنه يضمنها هؤلاء.
طالب: إذا كانت أنفس يا شيخ؟
الشيخ: إذا كانت أنفس تذهب ما على أحد شيء؟
طالب: ما تودى؟
الشيخ: ما تودى، لا سيما إذا كانت من أهل العدل.
طالب: إذا لم يلتزم الإمام بالتغير؟
الشيخ: إذا لم يلتزم التغيير تبين أنه ظالم، وحينئذٍ وجب على أهل الحل والعقد أن يفاوضوه بالتنازل وإعطاء الأمر إلى من يقوم بشريعة الله، وأما القتال فلا يجوز أن يقاتل.
طالب: إن أبى؟
الشيخ: إن أبى يبقى، يبقى ظالمًا والله تعالى حسيبه.
طالب: وإن أهل هؤلاء نزلوا أهل الذين خرجوا عليه أخذهم وقتلهم عندما اجتمعوا، فماذا يُقال؟
الشيخ: يقال: هذا ظلم، لكنه إن خاف من أنهم يستعدون فيما بعد، ويقوون فله أن يحبسهم اتقاء لشرهم؛ لأنه ربما إنه مثلًا يقول: أنا الآن تم القضاء عليهم، ولكني أخشى أن فلولهم يجمعون الناس، ثم يخرجون مرة ثانية، ويكون الناس منهم في قلق، وحينئذٍ لا بأس، بل يجب عليه أن يحبسهم كسرًا لشوكتهم سواء كان هذا الحبس حبسًا خاصًّا منفردًا أو حبسًا مثلًا في مكان معين؛ يعني مثلًا كما نقول: في قرية، ويكون عليهم رعاية ما يدخل عليهم من يُخشى منه الشر، المهم أنه يستعمل فيهم كل ما يدفع شرهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3739
طالب: في فتنة ابن الأشعث والخروج على الحجاج ( ... ) يعتبر ( ... ).
الشيخ: والله هذه المسائل الحقيقة أنا ما درستها كثيرًا؛ لأني ما أحب أني أدرسها؛ لأن فيها مشاكل لا سيما أن في بعضها من الصحابة فأنا ما درستها تحقيقًا، على أني أيضًا أرى أن التاريخ تلعب به السياسة كثيرًا، وقل أن تجد تاريخًا معتدلًا مشكل تيجي مثلًا، بتقرأ في كتب الرافضة وتاريخهم تجد العجب العجاب، وتيجي تقرأ في تاريخ النواصب تجد شيئًا عظيمًا أيضًا؛ لذلك أنا أرى أن المسائل الماضية إنه ما يبحث فيها، أن الإنسان أسلم له أنه يدعها؛ لأن لا بد الإنسان بشر لا بد أن قلبه يكون فيه شيء حتى لو من أهل السنة والجماعة إذا شاف المسائل هذه، ودرس يتأثر، فأنا رأيي الحمد لله ما دام الآن كفينا وراحت الأمور ..
فنحن نحب من أحبه الله ورسوله، ونكره من كرهه الله ورسوله، وإلى الآن ما فيه عندنا إلا أشخاصهم فقط، أشخاصهم ذهبوا، لا إحنا بناصرينهم ولا هازمينهم.
طالب: تقرير الحكم يا شيخ.
الشيخ: تقرير الحكم ما يخالف تقرير الحكم، يطبق الأمر على ما في الكتاب والسنة، ونقول: إذا خرج رجل، ولا نقول: ابن الأشعث ولا غيره على من كان وليًّا شرعيًّا، فهو باغٍ إذا تمت شروط البغاة اللي ذكرنا.
طالب: نقول ( ... ) جزء من التاريخ ( ... ).
الشيخ: أما أنا ما أعطيك حكمًا، ولا أؤكد عليك بقراءة شيء يدرس، يجب إذا درس أنه يدرس كأنها أمور واقعة، ولا يقال: هذا الشيء حصل مع أني أنا أرى والله لو حذف هذا من التاريخ المقرر كان أحسن.
طالب: ما يدخل تحت ( ... ) لأنهم ما خرجوا على إمام ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3740
الشيخ: ما ندري.
على كل حال أنا على ما أنا عليه، أنا ما قرأت هذه قراءة كثيرة؛ لأني أذكر في زمن الصغر قرأت شيئًا لابن قتيبة اسمه الإمام واختياره، وتأثرت وتركته، ما عاد، بقي نقرأ من ها الأمور شيئًا أبدًا؛ لأنه حقيقة الأمر أنهم راحوا كونك تقول: هذا مخطئ، وهذا غير مخطئ، ويش النتيجة؟ راحوا حسابهم على الله عز وجل.
طالب: النظر في المستقبل.
الشيخ: لا، النظر في المستقبل الحمد لله عندنا الكتاب والسنة وافية بهذا قبل أن نعرف هؤلاء ( ... )
خلاصة المسألة الآن ما أتلف بعد الحرب فهو مضمون، وما أتلف أثناء الحرب فغير مضمون مطلقًا على المذهب، وعلى القول الثاني مضمون إن كان المتلف من أهل البغي، وغير مضمون إذا كان المتلف من أهل العدل، ويفرق هؤلاء بين أهل العدل وأهل البغي؛ لأن أهل العدل يقاتلون بحق، وأهل البغي يقاتلون بغير حق ( ... )
باب التعزير
التعزير يطلق في اللغة على معانٍ منها؛ النصرة مثل قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] أي تنصروه، ويطلق على التعذيب والإيلام، وهو المراد هنا، فالمراد بالتعزير؛ التأديب.
وهو في الاصطلاح: عقوبة على معصية ليس فيها كفارة، وليس فيها قود، عقوبة على معصية لم يقدر فيها شيء من قبل الشرع، فكل معصية ليس فيها مقدر من قبل الشرع فإنه يجب فيها التعزير وهو التأديب.
والحكمة من وجوب التعزير، أو من مشروعية التعزير؛ هو حماية الناس عن الوقوع في المعاصي والمآثم إذن نقول: التعزير في اللغة: يطلق على معانٍ منها التأديب.
وفي الاصطلاح: عقوبة على فعل معصية لم يقدر لها عقوبة شرعًا، فإن قدر لها عقوبة شرعًا، اكتفي فيها بما قدره الشرع سواء كانت العقوبة هذه مالية أو بدنية، والحكمة من مشروعية التعزير هو حماية الناس عن الوقوع في المعصية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3741
والتعزير ثابت في القرآن، وفي السنة؛ أما في القرآن فقوله تعالى عن أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: 44] إلى آخره، فإن سبب هذا الضرب هو أن زوجته خالفت في أمر يجب عليها أن تقوم به، فأقسم أن يضربها مئة سوط، فأمره الله تعالى أن يأخذ ضغثًا، والضغث هو أعواد شماريخ النخل فيضرب به، ولا يحنث يعني ما تجعل عليه الكفارة، ولا يكون حانثًا في يمينه.
وأما في السنة فله أمثلة الوارد فيه نصوص متعددة، منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (3)، فإن الضرب هذا نوع من التعزير، وهو تعزير على ترك مأمور، ومنها أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحرق رحل الغال الذي يكتم شيئًا مما غنمه (4)، وهذا على فعل مُحرَّم.
وكذلك أيضًا ضرب الذي كتم مال حيي بن أخطب في عام خيبر، أمر الزبير أن يضربه حتى أقر به (5)، وهذا أيضًا تعزير على ترك واجب؛ لأن الواجب عليه أن يبين، ولا يكتم، وكذلك أمر أو ألزم كاتم الضالة بقيمتها مرتين (6)، وهذا أيضًا من التعزير على ترك الواجب، وهو تعزير مالي وليس ببدني، أما الحكمة والنظر فإنه يقتضي؛ لأن الخلق لا بد لهم من وازع ديني يمنعهم من التفريط في الواجبات والوقوع في المحرمات، أو من رادع سلطاني، فإذا وجد الوازع الديني فقد يكتفى به؛ لأن الناس تصلح أحوالهم به، وإذا ضعف الوازع الديني بقي الرادع السلطاني، فإن ضعف الرادع السلطاني مع ضعف الوازع الديني فسدت الأمور، إذن الحكمة تقتضيه لما فيه من سياسة الخلق وإلزامهم بطاعة الله سبحانه وتعالى، وترك معصيته، أما حكمه فهل هو واجب، أو مستحب، أو الإمام فيه مخير بين أن يقيمه وألا يقيمه، وأنه إذا اقتضت المصلحة إقامة التعزير وجب، وإذا لم تقتضها كان في ذلك سعة للإمام أن يترك التعزير؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3742
الصحيح هو هذا، الصحيح أن الإمام فيه مخير بين أن يقيمه، أو لا يقيمه إلا ما ورد به النص، فما ورد به النص فإنه يجب إثباته مثل أيش؟ كإحراق رحل الغال، وتضمين كاتم الضالة قيمتها مرتين، وما أشبهها، هذا لا بد من إقامته، وأما ما لم يرد به الشرع فإن الإمام فيه مخير، الإمام أو نائبه مخير بين أن يقيمه، وأن يدعه، وهذا التخيير ليس تخيير تشهٍّ وإرادة، ولكنه تخيير مصلحة إذا رأى أن المصلحة تقتضي أن يؤدب هذا الفاعل وجب عليه أن يؤدبه، وإذا رأى ألا يؤدبه فإنه له ألا يؤدبه.
ولهذا وقعت قضايا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام معاصي أو ترك واجب، ومع ذلك ترك فيها التأديب؛ لأنه رأى صلى الله عليه وسلم أن المصلحة تقتضي ذلك، فقد يكون الرجل إذا جاء مثلًا مخبرًا بذنبه تائبًا منه، قد تكون المصلحة أن لا يؤدب، وقد تكون المصلحة في تأديبه؛ لأنه أعلنه وأظهره، فإذا لم يؤدب أمام الناس تجرأ الناس على هذه المعصية، فالمهم أن الصواب في هذه المسألة أن يقال: حكم التعزير فيما جاء به النص واجب، ويش مثاله؟ كإحراق رحل الغال (4) وتضمين كاتم الضالة قيمتها مرتين (6)، وكذلك ضرب تارك الصلاة من الأولاد لعشر سنين (3).
وأما ما لم يجئ الشرع به، فإن الإمام فيه مخير تخيير مصلحة إذا كانت المصلحة تقتضي أن يقوم به، فإنه يقوم به إذا كانت المصلحة تقتضي ألَّا يقوم به فإنه لا يقوم به.
لاحظوا أن بعض الناس إذا كان جاء مخبرًا بذنبه تائبًا منه أنك إذا لم تُقم عليه عقوبة فإنه يجد راحة وطمأنينة، وانشراح صدر، ومحبة للإسلام، ولولاة الإسلام، لكن لو تقيم عليه الحد في هذه الحال يمكن يحصل منه نفور، وكراهة للإسلام، ولأهل الإسلام، أو لولاة الإسلام، فهذه الأمور يتبع فيها المصالح، والإنسان الذي استرعاه الله على رعية إذا قصد بذلك وجه الله وإصلاح من استرعاه الله عليهم وُفِّق للصواب.
السؤال الآن: ما الذي يعزر فيه؟ يعني ما هو الذنب الذي يعزر الإنسان عليه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3743
يقول العلماء: كل معصية ليس لها عقوبة مقدرة من الناحية الشرعية، أما ما فيه عقوبة مقدرة من الناحية الشرعية فإنها يؤخذ به، فمثلًا الزنا فيه التعزير؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: فيه حد.
الشيخ: فيه حد شرعي.
الوطء في رمضان فيه تعزير؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: كفارة.
الشيخ: لأن فيه عقوبة شرعية، وهي الكفارة.
الظهار فيه تعزير ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما فيه تعزير مع أن الله يقول: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2]؛ لأن فيه كفارة، فالمهم ما قدَّر الشارع فيه شيئًا من أنواع العقوبة، فإنه لا يُتعدى ما قدره الشرع، ولا يعزر بأكثر منه؛ لأن الشرع أحكم منا، أما ما لم يقدر به الشرع شيئًا فإنه يجري فيه الحكم السابق.
غش الناس في المعاملات، أتيت إلى صاحب خضرة، ووجدت أنه يعامل الناس بالغش، يعزر ولَّا لا؟
طلبة: يعزر.
الشيخ: يعزر، طيب إذا قيل: الرسول عليه الصلاة والسلام اطلع على غش رجل من الباعة، يبيع تمرًا، فوجده قد جعل الذي أصابته السماء أسفل، وجعل السليم فوق، وقال: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (7)، ولم يعاقبه، فكيف تعاقبونه أنتم؟ ويش الجواب؟
طالب: الرسول رأى المصلحة.
الشيخ: إي نعم، الرسول رأى المصلحة في عدم عقوبته، وأنه يكتفي بقوله: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا».
على أنه ربما يكون هذا الإنسان جاهلًا، قد يكون هذا البائع جاهلًا، ما يكذب وهو الظاهر؛ لأننا نعلم من حال الصحابة رضي الله عنهم أنه ما يمكن الواحد يتجرأ على عمل، يكون الرسول صلى الله عليه وسلم متبرئًا منه بسببه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3744
فعلى كل حال نقول: هذا الذي يغش الناس للإمام أن يعاقبه، بل قد يجب عليه على حسب التفصيل الذي ذكرنا من قبل، أما نوع التعزير فإنه يكون بكل وسيلة، هذا ضابطه، كل وسيلة يكون بها تقويم الناس وإصلاح أمورهم، وردعهم عن المعاصي فإنها تتبع كل وسيلة بدون قيد، قد يكون ذلك بالضرب، وقد يكون ذلك بالحبس، وقد يكون ذلك بالتغريم المالي، وقد يكون ذلك بعزله عن وظيفته، وقد يكون بالتشهير به.
فالمهم أنه لا يتقيد بنوع من العقوبة، يتبع في العقوبات ما هو أردع للناس عن المعاصي إلا أن أهل العلم يقولون: لا يجوز أن يكون بقطع طرف، ولا بفعل محرم لذاته، ففعل المحرم لذاته لا يجوز مثل حلق اللحية لا يجوز أن يعزر بحلق اللحية، وهذا يقال حين كان حلق اللحية عيبًا وعارًا، وهو عيب وعار، لكن عند كثير من ناس اليوم ليس بعيب ولا عار فهو إذا حُلقت لحيتهم ( ... ).
فالواقع أنه ما يجوز أن يعزر بحلق لحيته، ولا بقطع عضو من أعضائه؛ لأن هذا يبقى مصيبة عليه، وخزيًا عليه، وليس حدًّا شرعيًّا كقطع السرقة؛ لأن هذا تعزير، ولكن هل يصل إلى حد القتل أو لا يصل؟ يرى شيخ الإسلام رحمه الله أنه قد يصل إلى حد القتل، ويحمل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في قصة شارب الخمر إذا جلد أربع مرات (8) أنه في الرابعة يقتل يحمله على ذلك، ويقول: إنه إذا لم ينتهِ الناس بدون القتل فإنه يقتل؛ لأن حقيقة الأمر اللي يجلد ثلاث مرات، يجلد في الخمر ثلاث مرات، ويعود معناه أنه ما هو منتهٍ، فإذن لا يصلحه ولا يصلح غيره إلا القتل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3745
فيرى شيخ الإسلام أنه إذا رأى الإمام المصلحة في إصدار الحكم بقتل هذا المجرم، فإنه لا حرج عليه فيه، وهذا في الحقيقة قول جيد إلا أنه قد لا يتمكن العالم من إصدار القول به على سبيل الإطلاق؛ لأنه يخشى أن يهون تلاعب الحكام بأرواح الناس، ويصير الحاكم كل ما حنق على شخص قال: هذا ما يصلح الناس إلا قتله.
نعم، في قضية معينة تعرض على الحاكم الشرعي القاضي يعني ( ... ).
في بعض الناس من مبادئهم أنهم يقولون: اقتلوا الثلث لإصلاح الثلثين ( ... )، الثلث لإصلاح الثلثين من قتل واحد لإصلاح ملايين الخلق، فهذا فرق بين هذا الحكم الجائر وبين الحكم الإسلامي.
طيب قلنا: إنه يكون التعزير بأي أنواع يحصل بها التعزير، فهل هناك دليل على هذه المسألة أو لا؟
نقول: نعم، فيه دليل التعزير بالمال ثبت به النص؛ وهو إضعاف العقوبة المالية على كاتم الضالة (9).
كذلك أيضًا من التعزير بالمال؛ إحراق رحل الغال (4) ولَّا لا؟ إحراق رحله هو تعزير مالي؟
طالب: تعزير.
الشيخ: تعزير مالي، لكن فيه إشكال، وهو أن فيه تعزيرًا وإتلافًا لمال الغال، لكن فيه أيضًا إتلاف مال على المسلمين، لماذا لا نأخذ هذا ونضمه إلى بيت مال المسلمين؟
لأن الإحراق أشد في النكال، ولسنا هنا نريد المال لدفع حاجة المسلمين، ولكننا نتلف المال لأي شيء؟ لإصلاح المسلمين وردعهم، ولا شك أنه إذا أحرق ماله أمام الناس أنه أبلغ وأنكى في ردعه وغيره عن هذا العمل، أليس كذلك؟
لكن لو أخذ رحله ووضع في بيت المال ما يعلم بذلك أحد، وربما أيضًا ( ... )، لكن على كل حال أنه أشد في النكال له ولغيره؛ فلهذا جاز الإحراق كذلك أيضًا إذا قال: هل هناك دليل على التعزير بكف ( ... ) والعزل من المنصب وما أشبه ذلك؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3746
نقول: نعم، ورد ذلك في قصة كعب بن مالك وصاحبيه، فإن كعب بن مالك وصاحبيه تخلفوا عن غزوة تبوك، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بهجرهم، ثم بالتالي أمر باعتزال نسائهم، وأن تذهب النساء إلى أهلها (10). وهذا لا شك أنه تعزير، بل قال شيخ الإسلام: من التعزير أن الإنسان إذا عطس ولم يحمد الله؛ لم ندعُ له بالرحمة، ما نقول: يرحمك الله، حرمناه الدعاء له بالرحمة بسبب أنه لم يحمد الله سبحانه وتعالى، وهذا تعزير على ترْك مستحب، وكذلك أيضًا من التعزير بالضرب؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر الزبير بن العوام أن يضرب اليهودي الذي كتم مال حيي بن أخطب، وهذا فيه تهمة، وأمره عليه الصلاة والسلام أن يضربه (5)، وكذلك أيضًا أجاز للطالب إذا منعه المطلوب، وكان غنيًّا قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (11). فعرضه أن يتكلم فيه من له الحق وعقوبته فسر بأنه الحبس يحبس، وأنواع التعزير كثيرة، لكن إذا كان في الجلد، فهل يزاد فيه على عشر جلدات أو لا؟ المشهور من المذهب أنه لا يزاد فيه على عشر جلدات، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (12).
الجزء: 2 - الصفحة: 3747
قالوا: هذا دليل على أنه ما يجوز التعزير بالضرب فيما فوق العشر، أما الحد من حدود الله ففيه ثمانون جلدة، وفيه مئة جلدة، ولكن الصواب القول الثاني: وهو أنه يجوز التعزير بما زاد على العشر، وأن هذا الحديث، وهو قوله: «إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (12). المراد بحدود الله شرائعه وفرائضه، فإن الله تعالى سماها حدودًا، وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]، و ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187] في النواهي، وإذا قلنا بأنه لا يزاد على عشر جلدات فإن العشر لا تصلح الخلق، والمقصود الإصلاح والعمل اليوم على هذا القول الظاهر؛ أنه يزاد في التعزير على عشر جلدات، إذن ما دلالة الحديث إذا قلنا: إن المراد بالحدود الشرائع؟
نقول: هذا فيما لو أن الإنسان أدب أولاده على مروءة، وأدب عادي فإنه لا يزيد على عشر جلدات، وأما على محارم الله التي هي شرائعه فله أن يزيد؛ لأن المقصود الإصلاح، وهل له كمية، أو يكرر يعني التعزير؟ هل يكرر، بمعنى أننا نكرر التعزير على هذا الرجل، أو يكتفى بالمرة الواحدة؟
طبعًا إذا تكرر منه الفعل فإننا نكرر عليه التعزير، ويكون الثاني أشد من الأول، وهذا واضح، لكن إذا لم يتكرر منه الفعل، فإن كان على ترك واجب فإنه يعزر حتى يقوم به مثل لو كان ما يصلي مع الجماعة ( ... )، كل يوم لو نؤدبه كل يوم خمس مرات فلنا ذلك حتى يقوم بالواجب، فأما إذا كان على فعل المحرم فإنه يكتفى بالمرة الأولى ما لم يعد، فإن عاد جددت له العقوبة بناءً على تجدد المعصية.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، بس إن ترك الواجب، يعني بمجرد ما يأتي وقته ولا يفعله نقيم عليه، أما هذا فقد يمضي وقت ما علمنا به مثلًا ( ... ).
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3748
الشيخ: إي نعم، ما يجب إلا فيما ورد بينهم وهما، يقول: ما يجب يعني مثلًا لو أن أحدًا ترك التأديب الذي جاء به الشرع، نقول: أنت آثم مثل: «اضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (3). واحد مثلًا ترك أولاده، ما ضربهم عليها لعشر، نقول: ما يجوز هذا الشيء، يجب أن تضربهم عليها لعشر امتثالًا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إلا كل مصلحة يجب.
الطالب: فيما ورد به النص.
الشيخ: ما ورد به النص فهو واجب في كل حال؛ بمعنى ما يمكن للإنسان ( ... )، وما لم يأتِ به النص فإنه يُتبع في ذلك مصلحة إذا اقتضت المصلحة أنه يؤدب وجب التأديب.
طالب: عقوبة على الفعل الواحد أحيانًا يجعل معها دفعات يضرب ( ... ).
الشيخ: إي نعم، ما فيه بأس؛ لأننا ما دمنا نقول: إن التعزير غير محدد شرعًا، وأنه يُرجع فيه إلى الحاكم فإنه يجب أن يتبع فيه ما تقتضيه المصلحة إلا أنه فيه مسألة؛ وهي أن ما كان نوعه فيه حد شرعي فإنه لا يزاد على الحد الشرعي مثلًا الزنا فيه مئة جلدة، لو أراد الحاكم أنه يجعل على التقبيل والخلوة والوطء فيما دون الفرج مئة جلدة فإن ذلك لا يجوز؛ لأن الشارع جعل أعلى أنواع الاستمتاع، وهو الجماع، جعل فيه مئة جلدة، والنفس ( ... ) فأنت ما يمكن أنك تجعل فيه مئة جلدة، وهذا شيء -فيما أظن- أنه محل اتفاق أن ما كان نوعه محددًا فإنه لا يُزاد على ما جاءت به الشريعة في التعزير، بل لا يبلغ ما جاءت به الشريعة في التعزير.
طالب: ( ... ) شارب الخمر ( ... ) على الحر قال: نصفه ( ... ).
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: الإشكال إنه ربما ( ... ).
الشيخ: إذا لم ينتهِ الناس بدونه.
الطالب: إي نعم، ( ... ) من غير جنسه.
الشيخ: ( ... ) ما فيه مانع من غير جنسه، لا بأس أن نزيد على ما جاء به الشرع.
الطالب: لماذا ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3749
الشيخ: اجتهادًا منه؛ يعني رأى أننا نصل إلى أدنى الحدود بعقوبته، وهو ثمانون، ووافقه عمر على هذا الاجتهاد، لكن لو فرضنا أننا ما نساوي بالثمانين، فلنا أن نزيد إلى مئة أو مئة وخمسين أو أكثر.
الطالب: ( ... ) شرب كذا ( ... ).
الشيخ: لا، هذا ضعيف، وحتى لو فرض أنه صح هذا عن علي، فالمعنى أنه بيجعل إذا افترى فعليه حد القذف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] فاستدل رضي الله عنه بأن الكاذب يجلد ثمانين في الزنا، فكذلك هذا، ولكن حتى المسألة الحديث فيه ضعف عن علي بن أبي طالب، وأنا أستبعد أنه يصح منه؛ لأنه ليس كل كذب يوجب الثمانين ما فيه شيء يوجب الثمانين إلا القذف.
طالب: حملنا الحديث يا شيخ على «لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (12) على ( ... ).
الشيخ: على أن المراد بحدود الله شرائعه.
طالب: تقديرك يا شيخ، ما حدها الشارع؟
الشيخ: إي، ما حدها الشارع، ولهذا نقول: أي جلد ترى أنه يمنع الناس ويردعهم فاحكم به.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، لنا أن نزيد، لنا أن نقول: نعزر هذا الرجل بعشرين سوطًا.
الطالب: بس يكون هذا ما حده الله؛ لأن الحديث يقول: إلا في حد من حدود الله.
الشيخ: إي، معناه حدود الله، يعني شرائعه، يعني معنى ذلك مثلًا هذا الرجل كذب الكذب مما حرمه الله لنا أن نزيد في تعزير الكاذب على عشر جلدات، هذا الرجل مثلًا فعل الربا، تعامل بالربا، الربا حد من حدود الله، منعه الله، لنا أن نعزره بما زاد على عشر جلدات، لكن هذا رجل مثلًا، هذا واحد من أولادنا جاء بالماء، نعم، ولما جاء به بيعطيه اللي بيسقي الطلبة القهوة حطه عند الباب، وقال: ( ... ) هذا أدب ولَّا لا؟
طلبة: لا.
طالب: قلة أدب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3750
الشيخ: هذا قلة أدب، هذا لأبيه أن يُعزِّره على هذا الفعل، لكن لا يزيد على عشر جلدات؛ لأنه ما خالف حدًّا من حدود الله، خالف في أمر عرفي ومروءة، وليس في حد من حدود الله.
كذلك الزوجة تطالب الزوج مثلًا بأمر من الأمور في غير حدود الله، فله أن يؤدبها، لكن لا يزيد على عشر جلدات.
طالب: هذه يرجع إلى اجتهاد القاضي الشرعي ويكون بتحديد ( ... )؟
الشيخ: لا، هذا يرجع إلى اجتهاد الحاكم الشرعي، هذا الأصل، لكن لو قُدِّر أنه السلطان، أنه وضع شيئًا معينًا وهو يجب اتباعه، وإذا كان هذا الشيء المعين لا يصلح الخلق فإنه يكتب إليه مثلًا، ويبين يعني حقيقة الأمر أن الإنسان بشر قد يرى الحاكم، أو السلطان إن هذا مصلح، ويرى الحاكم المباشر للقضية أن هذا ما يكفي للإصلاح، وحينئذٍ لا حرج أنه يستأذن من أن يزيد في هذا الشيء ( ... )
طالب: لو قيل يا شيخ: إن إحراق الرحل إضاعة للمال والرسول نهى عن إضاعة المال (13).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف؟
الشيخ: أجبنا عنه قبل قليل ولَّا لا؟
الطالب: قلت: إنه عقوبة.
طالب: الرسول فعله.
الشيخ: إي، قلنا: إن الرسول فعله، وأيضًا فيه مصلحة؛ لأن إتلاف المال معناه أنه بيُتلف بدون مصلحة، أما إذا كان فيه مصلحة شرعية، هذا مصلحة شرعية؛ لأن كونه يؤتى به في السوق، إذا جيء به في السوق، وأوقد بالنار يكون له شهرة وردع أكبر، أما لو ضم إلى بيت المال فقد لا يعلم به أحد، وربما يقول: يجي هو يأخذ ماله ( ... )
باب حكم المرتد
(المرتد) اسم فاعل من ارتد، بمعنى رجع، وتعريفه اصطلاحًا: هو الذي يكفر بعد إسلامه، هذا المرتد الذي يكفر بعد إسلامه، فالمرتد لغة هو الراجع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3751
واصطلاحًا هو الذي يكفر بعد إسلامه، والردة -والعياذ بالله- أعظم من الكفر الأصلي؛ لأن من ارتد بعد أن علم ودخل دين الإسلام فإنه لا يقبل منه صرف ولا عدل، ولا بد أن يقتل بكل حال إلا أن يعود إلى ما خرج منه بخلاف الكافر الأصلي فإنه قد يُقر على دينه، ولا يقاتل إلا إذا قاتل، وقام أمام الدعوة الإسلامية، فأما إذا بذل الجزية والتزم أحكام الإسلام فإنه لا يقاتل سواء كان يهوديًّا أم نصرانيًّا أم مجوسيًّا أم وثنيًّا، كما مر عليكم في الجهاد، لكن هذا لا يقبل منه إلا الإسلام وإلا قتل على كل حال.
أما حكم المرتد؛ فله حكم دنيوي، وحكم أُخروي؛ حكمه الدنيوي أن يعرض عليه الرجوع للإسلام رأفة به، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه، وانتفى عنه القتل والحكم بالكفر، وإن لم يرجع قتل كافرًا، هذا حكمه في الدنيا، وقولنا: إنه يعرض عليه الرجوع إلى الإسلام رأفة به ورحمة، اختلف العلماء هل يستثنى من ذلك شيء؟ يعني أحد من المرتدين يستثنى من هذا الحكم، أو أنه عام في جميع المرتدين؟ وهل انتظاره على سبيل الوجوب، أو على سبيل مراعاة المصلحة؟ هذان أمران:
الأمر الأول: انتظار هل هو واجب، أو على سبيل المصلحة؟
الأمر الثاني: هل كل مرتد ينتظر أو لا؟ فأما الأمر الأول؛ فقيل: إنه ينظر ثلاثًا ثلاثة أيام إذا ارتد عن الإسلام، أنظر ثلاثة أيام فإن تاب ورجع إلى الإسلام فإنه يُقبل منه ولا يُعزَّر على كفره، ولا يوبخ؛ لأنه رجع إلى الإسلام، وتأليفًا له وتحبيبًا للإسلام إليه؛ فإنه لا يُعزَّر ولا يُعاقب.
والقول الثاني في المسألة أنه لا ينظر؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب قتله، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (14).
الجزء: 2 - الصفحة: 3752
وما وردت به الآثار من إنظاره، فإنما ذلك مراعاة للمصلحة إذا رأى الإمام أن من المصلحة تأخيره وتأجيله، فإنه يؤجله، وإذا رأى من المصلحة قتله، فإنه يقتله، لكن لو بادر بالتوبة، وتاب إما قبل مضي الأيام الثلاثة أو مطلقًا على القول الثاني؛ بمعنى أنه يبادر بالتوبة مما ينسب، فهل تقبل توبته بدون تفصيل أو من الناس من تقبل، ومن الناس من لا يقبل؟
فيه خلاف بين أهل العلم؛ فبعض العلماء يرى أن مِن المرتدين مَن لا يُقبل رجوعه، ويقتل بكل حال، وبدون إنظار، وحتى لو تاب فإنها لا تُقبل توبته، ومثَّلوا لذلك بما يأتي:
أولًا: من سب الله، أو سب رسوله، أو سب الإسلام فإنه لا يُقبل منه حتى لو تاب، وصار يثني على الله، وعلى رسوله، وعلى دين الإسلام؛ فإنه يقتل.
ويقتل كافرًا ولَّا مسلما؟ يقتل كافرًا ولو تاب، لماذا؟ قالوا: لأن هذا ردته عظيمة لا تحتمل التوبة، فلا يُقبل منه.
ثانيًا: من تكررت ردته؛ فإنه لا يقبل؛ لأنه إذا ارتد، ثم تاب، ثم ارتد، ثم تاب، ثم ارتد، ما ندري لعله إذا تاب في المرة الثالثة يكون مستهزئًا بنا فيرتد مرة أخرى.
ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137].
فهذا لا تُقبل توبته؛ لأنه يخشى أن تكون توبته الثالثة كتوبته الأولى والثانية.
والقول الثاني في هذه المسألة أن كل كافر مهما كان كفره، ومهما عظم فإن توبته مقبولة إذا تبين أمره، وأنه صادق في توبته.
الجزء: 2 - الصفحة: 3753
وفيه أيضًا مثال ثالث نسيته وهو؛ المنافق، المنافق ما تُقبل توبته ولو تاب وأناب إلى الله، وعللوا ذلك بقولهم: إن المنافق ( ... ) الإسلام من الأصل فهو لم ( ... ) من إسلامه إلا ما يقوله بلسانه، وهذا حاصل حتى لو قبضنا عليه، وقلنا: أنت الآن منافق مرتد عن الإسلام، وقال: إنه مسلم، فهذا الذي يقوله الآن هو الذي يقوله بالأمس؛ فلا فائدة.
فالقول الثاني أن كل كافر ومنافق مهما عظم كفره فإن توبته مقبولة؛ لأن الأدلة الدالة على ذلك عامة، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53].
فالذنوب عامة، وصيغة العموم فيها خبرنا عن صيغ العموم في الذنوب ( ... ) في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] سؤالنا الآن: صيغة العموم في قوله الذنوب؟
طالب: قول الله: ﴿جَمِيعًا﴾.
الشيخ: لا، دعنا الذنوب فقط كلمة الذنوب.
طالب: كلمة الذنوب عامة ( ... ).
الشيخ: ويش، وما هي صيغة العموم فيها ( ... )، ما هي بعامة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: داخلة على الجمع المعرف بـ (أل) إذا لم تكن للعهد فهي للعموم، وأيضًا أُكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾، وهذا دليل، الدليل الثاني أن الله تبارك وتعالى يقول في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 145، 146].
الجزء: 2 - الصفحة: 3754
وهذا نص واضح في المنافقين إلا أن الله سبحانه وتعالى أدخل على ذلك قيودًا أصلحوا، اعتصموا بالله، أخلصوا دينهم لله؛ فهذا أيضًا دليل على أن المنافق توبته مقبولة.
وأما ما استدل به أولئك القوم من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: 137] الآية فيها ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فكانت المرحلة النهائية لهم أنهم ازدادوا كفرا، فكانوا مذبذبين بالأول يكفرون ويؤمنون، ثم بعد ذلك استقروا -والعياذ بالله- على الكفر، هؤلاء لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا.
وأما قولهم: إن سب الله ورسوله من أغلظ أنواع الكفر، فيقال: نعم، هو من أغلظ أنواع الكفر، إن لم يكن أغلظ أنواع الكفر، لكن هذا لا يمنع من قبول التوبة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].
ولا شك أن الكفار الذين يدعون مع الله آلها آخر شركهم يتضمن سب الله سبحانه وتعالى، فالصواب في هذا أنه تُقبل توبة كل مرتد بأي نوع كانت ردته، لكن من خفنا منه أن يكون متلاعبًا فإننا نتريث وننظر في صلاحه إلا أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مع قبول توبته يجب قتله، لو تاب يجب قتله بخلاف من سب الله، فإنه إذا تاب لا يُقتل، والفرق بينهما أن حق الرسول صلى الله عليه وسلم حق لآدمي لم نعلم أنه سمح به، أما حق الله فهو حق الرب سبحانه وتعالى الذي نعلم أنه يسمح به عندما يتوب المرء إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3755
وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابًا سماه الصارم المسلول في تحتم قتل شاتم الرسول، مجلدًا كبيرًا، وبين الأدلة على ذلك، وأن الصحابة اتفقوا على قتله ولا ريب أنه إذا سب الرسول عليه الصلاة والسلام سبًّا شخصيًّا يتعلق بشخصه، لا ريب أنه يكفر، وأنه إذا تاب قتل حدًّا؛ لأن السب هنا مُنصب على الرسول شخصيًّا كما لو سب هو ( ... ) بالفسوق والفاحشة، وما أشبه ذلك، أما إذا سبه بما يتعلق بالرسالة والديانة فإنه قد يقال: إنه تقبل توبته؛ لأنه هنا مغلب جانب حق الله؛ لأنه سبه من أجل أنه رسوله، أما لو قال: إنه شاعر، كلمة شاعر هذه سب ولَّا غير سب؟
طلبة: سب.
الشيخ: بالنسبة للرسول وللرسالة سب، لكن بالنسبة للمعنى العام ليست بسب فإن الشعراء منهم المؤمنون الذين يفعلون ما يقولون.
فالمهم أنه لو قيل بأن يفرق بين مَنْ سب الرسول عليه الصلاة والسلام في أمر يتعلق بالرسالة فإن هذا تُقبل توبته؛ لأن هذا السب يَنصبُّ على الدين الذي هو دين الله عز وجل، وليس دين محمد صلى الله عليه وسلم، وبين أن يسبه لشخصه، ففي الثانية يقتل ولو تاب، وفي الأول إذا تاب لا يقتل كما لو قال: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس برسول، ولكنه شاعر، شاعر سحر الناس ببيانه، ثم رجع، وقال: أشهد أنه رسول الله حقًّا، وأن ما جاء به فهو وحي، فهنا شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام لم تتأثر به؛ لأنه ما وصفه بأمر يعود إلى شخصه لو قيل بهذا لكان فيه جمع بين القولين، قول من يقول: إنه إذا تاب من سب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبلنا توبته فإنه لا يقتل، وقول من يقول: إنه يقتل، ولو قبلنا توبته، فإذا قلتم: ما هي فائدة القول بقبول توبته مع وجوب قتله؟
قلنا: الفائدة الإصلاح، ولأنا إذا قلنا بقبول توبته قتلناه مسلمًا، قتلناه وهو مسلم يُغسل ويُكفن، ويُصلَّى عليه، ويُدفن مع المسلمين، ويُورث بخلاف ما إذا قلنا بعدم قبول توبته.
الجزء: 2 - الصفحة: 3756
الحاصل الآن، نقول: المرتد له حكمان؛ حكم في الدنيا، وتعلق به مبحثان؛ المبحث الأول: فيما هل تقبل توبته من كل ( ... ) أو لا تقبل؟
والمبحث الثاني: هو هل ينظر حتى يتوب أو لا يتوب أو لا ينظر؟
ومن المعلوم أن هذا الأخير خاص فيمن تُقبل توبته أو لا؟ أما من لا تقبل توبته فإنه لا فائدة من إنظاره إذا قلنا بأن من المرتدين من لا تقبل توبته، أما حكمه في الآخرة المرتد، فإن المرتد في الآخرة يكون خالدًا في النار والعياذ بالله مخلدًا فيها، وإذا كان من المنافقين صار في الدرك الأسفل من النار أعظم من أكبر الكافرين الجاحدين.
وأما عن ما يترتب عليه من الحقوق فإنكم قد سبق لنا عدة مرات أنه يترتب عليه إذا كان معه زوجه أن النكاح ينفسخ، وأن ذبيحته لا تحل، وأنه لا يرث ولا يورَث من المسلمين إلى آخر ما قدم لنا البحث.
طالب: يعني ما تختلف ( ... ) ساب الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: بلى، تختلف إي نعم، تختلف.
الطالب: ( ... ) أقل ( ... ).
الشيخ: أقل مما يعد بالأخلاق.
طالب: لو مثلًا ( ... ).
الشيخ: إي، ليس كالأول ما فيه شك أنه أهون إلا أنه يدل على تنقصه لهم.
طالب: الحكم مُطبق عليه.
الشيخ: إي نعم، الردة تطبق عليه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما نحكم بردته، وهو ما يصلي في المسجد، قد يصلي في بيته.
طالب: لكن ويش يعرفنا؟
الشيخ: آه، ويش يعرفنا يعرفنا هذا إن ( ... ) عنه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا شيء بينها وبين الله يجب مثلًا على زوجته، إذا رأت أن الرجل ما يصلي لا في البيت ولا في المسجد، وربما ( ... ) -والعياذ بالله- بهذا ( ... ) أسأل الله يهديه، هذا واضح، والشيء اللي ما ندركه ليس علينا أن نحكم به ما نحكم إلا بما يظهر.
طالب: أما إذا كان ( ... ).
الشيخ: ويش ( ... ) نبحث عنه؟
الطالب: نبحث عن ( ... ).
الشيخ: هذا ينبني على التهمة إذا قال: فيه تهمة قوية فلا حرج أنه يتحقق، أما مجرد أنه من كل ما فيه فلا يجوز أن نبحث تجسس هذا يا أخي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3757
الطالب: عدم صلاته في المسجد ما هي تهمة.
الشيخ: عدم صلاته، ما هي بتهمة، دي هذه ظاهرة يقال: ليش ما تصلي؟ ثم إذا أبدى عذرًا وإلا فإنه يعزر حتى يصلي.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، الذي يظهر لي أنه لا يحكم بكفره إلا إذا كان يعتقد عدم الوجوب، إذا أنكر الوجوب حكم عليه من جهة الجحود، أما إذا كان تهاون هو ما تركها بالكلية، وظاهر الحديث، فمن تركها ظاهره أنه يتركها نهائيًّا مع أن بعض العلماء يرى أن يكفر بترك صلاة واحدة.
بماذا تحصل الردة وبماذا يحصل الرجوع منها؟
هذه مسألة في الحقيقة من أشكل ما يكون في أبواب الفقه، الذي تحصل به الردة من المعلوم أن الكفر نوعان كل أنواع الكفر تعود إلى شيئين؛ إما جحود أو استكبار.
إما جحود، ويدخل فيه جميع أنواع التكذيب، ومنها الشرك فإنه نوع من الجحود؛ لأنه جحد وحدانية الله ( ... ) معه غيره، وإما استكبار عن الحق، فمثلًا من أنكر وجود الله فهذا كافر كفر جحود، ومن ادعى أن معه غيره في الخلق والتدبير فهو أيضًا كافر كفر جحود؛ لأنه جحد وحدانية الله سبحانه وتعالى.
ومن أنكر ما سمى به نفسه فهو كافر أيضًا، لو قال: ليس الله بسميع، وليس بعزيز، وليس بحكيم، وما أشبه ذلك؛ فإنه كافر؛ لأنه جحد ما سمى به نفسه، ومن جحد صفاته أيضًا فإنه كافر بأن قال: ليس لله سمع، ولا بصر، ولا قدرة، ولا قوة، ولا حكمة؛ فهو كافر أيضًا، وكذلك لو جحد صفة من الصفات الفعلية بأن قال: إن الله لم يستوِ على العرش، وإن الله سبحانه وتعالى لا يأتي للفصل بين عباده، وما أشبه ذلك من الصفات الفعلية والإنكار غير التأويل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3758
أما من تأول صفة من صفات الله بأن قال مثلًا: الله له يدانِ، والله مُستوٍ على العرش، ولكن يداه بمعنى كذا وكذا، واستواؤه، بمعنى كذا وكذا؛ فهذا لا يكفر، ولكن ينظر فإن كان للتأويل مساغ في اللغة العربية التي نزل بها القرآن صار بذلك فاسقًا لا كافرًا، ولماذا نُفسِّقه؟ لخروجه عما كان عليه السلف، ولكننا لا نُكفِّره لاحتمال ما تأول به لغة، والقرآن نزل باللغة العربية، أما إذا لم يكن له مساغ في اللغة أوَّله إلى معنى لا يمكن أن يصح بأي حال من الأحوال في اللغة العربية فإنه يكون كافرًا؛ لأن تأويله لهذه الصفة على هذا الوجه، ويش معناه؟ معناه الجحود مثل رجل معه كيس من القطن، فقال: ليس الذي معي خبز، وإنما هو دراهم، أنا أؤول الخبز إلى دراهم يصلح؟
طالب: لا.
الشيخ: ويش معنى هذا؟ معناه جحد الخبز، قال: هذا دراهم، وليس خبزًا.
إذن هذا جحود، هذا في الحقيقة تكذيب، فإذا قال مثلًا: المراد باليد، المراد بها؛ السمع يُراد بيد الله، سمع الله ويش يصير هذا؟ هذا جحود كفر؛ لأنه ما يمكن تطلق اليد في اللغة العربية بأي حال من الأحوال على معنى السمع، فهذا كأنه يقول: ليس لله يد.
والحاصل الآن أن من أنكر صفة من صفات الله فإنه كافر، وكفره كفر جحود، ومن أول الصفة فإنه ينظر في تأويله إن كان لها مساغ في اللغة العربية فليس بالكافر، ولكنه فاسِق بخروجه عما كان عليه السلف الصالح.
ومن أولها على وجه لا مساغ له فإنه يكفر؛ لأن ذلك معناه الجحود.
بقينا مثلًا في مسألة الفاسق أنتم تقولون: إذا قلنا بأنه فاسق فإنه يشكل علينا مسائل، وهو أن بعض العلماء المعروفين بالنصح للإسلام وللمسلمين قد سلكوا هذا المسلك، فهل تحكمون عليهم بالفسق أو لا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3759
نقول: لا نحكم عليهم بالفسق بناءً على ما ظهر لنا من حالهم إلا أننا نقول: إن هذا التأويل فِسْق، وهناك فرق بين تكفير الشخص، وتكفير الجنس؛ فالشخص ما يجوز أنك تطلق عليه الكفر حتى تعلم أنه كافر، وقد شهدت النصوص بهذا بالاعتبار؛ فإنه يجوز أن تقول: لعنة الله على الكاذبين وعلى الكافرين، وما أشبه ذلك، لكن ما يجوز أن تلعن شخصًا معينًا كذلك أيضًا، تقول مثلًا: من أول صفة من صفات الله بخلاف ما أولها عليه السلف فإنه فاسق، لكن ما تقول مثلًا: إن فلانًا فاسق، وفلانًا فاسق لاحتمال أن يكون معذورًا عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن المجتهد إذا أخطأ لم يكن فاسقًا، ولكنه يكون مأجورًا بأجر واحد، ويدل لذلك من السنة أيضًا، بل ومن القرآن لو شئنا وتوسعنا في الاستدلال.
من السنة قصة الرجل الذي أضاع ناقته، ثم اضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فإذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة فأخذ به وقال: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك.
أخطأ من شدة الفرح (15). لو نظرنا إلى هذه الكلمة من حيث هي كلمة لحكمنا بأنها كفر ولَّا لا؟
الطلبة: كفر.
الشيخ: كفر، لكن باعتبار القائل: ليس هو بكافر؛ لأن حاله أوجبت ألا يكون كافرًا بهذه الكلمة، كذلك في الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه، فقال لأهله: إذا مت فأحرقوني واذروني في اليم.
خائفًا من الله عز وجل وظانًّا أنه بهذا العمل يسلم من العقاب، ولكن الله تعالى أمره فأقامه، وسأله فقال: إني خفت من عذابك.
فقال الله تعالى: أنقذك خوفي، أو كما قال سبحانه وتعالى: من عقابي (16).
فهذا الرجل يعتبر بفعله هذا شاكًّا في قدرة الله سبحانه وتعالى، والشك في قدرة الله كُفْر، لكن هذا الرجل نفسه ليس بالكافر، كذلك أيضًا هذا من السنة.
من القرآن لو أردنا أن نتوسع من أكره على الكفر، فقال الكفر، قال كلمة الكفر، لكنه مكره، فهل يحكم بكفره؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3760
لا، إذن هناك فرق، وهو مهم جدًّا بين القول والقائل، والفعل والفاعل، الفعل قد تحكم بأنه كفر أو فسق، وكذلك القول، لكن لا تحكم بأن كل من اتصف به فهو كافر أو فاسق، إذن ( ... ) أن نعود نقول مثلًا المنكر لصفة من صفات الله الثابتة، ما حكمه؟
كافر والمؤول لها إن كان على وجه لا يسوغ لغة فهو كافر؛ لأن تأويلها إذن بمنزلة إنكارها، وإن كان على وجه يسوغ لغة فهو فاسق، وليس بكافر، وإنما حكمنا بفسقه لخروجه عما كان عليه السلف الصالح، ولم نحكم بكفره؛ لأن ما قاله محتمل، والقرآن نزل باللغة العربية وإن كانت الاحتمالات يا جماعة بعد هذا.
نقول: الاحتمالات ليست سواء بالقرب والبعد، منها الاحتمال الضعيف، ومنها الاحتمال القوي، ومعلوم أنه كلما قوي احتمال تأويله خف الحكم بفسقه، وكل ما ضعف احتمال تأويله فإنه يقوى الحكم بفسقه حتى ربما يصل إلى الكفر.
الاستكبار يدخل فيه أيضًا:
أولًا: الحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن هذا هو الأصلح للخلق، وأن حكم الله لا يصلح الخلق، هذا يعتبر كفرًا مخرجًا عن الملة، وهو من كفر الاستكبار، مستكبر ما جحد، يقول: هذا حكم الله، لكن يرى أن الحكم الثاني أوْلى، هذا مستكبر.
كذلك أيضًا من حكم الاستكبار ترك الصلاة، من حكم الاستكبار؛ لأنه في الحقيقة استكبر عن عبادة أمره الله بها، بل فرضها على رسوله مباشرة بدون واسطة، وفي الملأ الأعلى، ومع ذلك وردت النصوص بالعقوبة على تاركها، وبأن تركها كفر؛ فالذي يتركها في هذه الحال معناه أنه مستكبر عن عبادة الله سبحانه وتعالى فيكون كفرًا.
ولكن الاستكبار في الحقيقة ليس كل ..
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
لو أن الإنسان عقد بيساره مستكبرًا على العقد باليمين، يكون كفرًا ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3761
الشيخ: ليس بكافر، وليس بفاسق إذا قلنا بأن العقد باليمين على سبيل الاستحباب، فالصحيح أنه على سبيل الوجوب، فيكون من أصر عليه فاسقًا.
إذن كفر الاستكبار لا نأخذه على إطلاقه؛ بمعنى أن كل مستكبر يكون كافرًا، بل لا بد من الرجوع في ذلك إلى ما دلت عليه النصوص.
بخلاف كفر الجحود؛ لأن الجحود نفسه تكذيب، وأنت لو كذبت الله في أي خبر يكون المكذب كافرًا، لو كذب الله فيما قص علينا من قصص الأنبياء إذا كان كافرًا.
فإذن نقول: تحصل الرِّدة، الحقيقة أن أنواعها أو أفرادها يصعب حصره، لكنها تدور كلها على نوعين هما: الجحود، والاستكبار.
ما رأيكم فيمن سب الصحابة رضي الله عنهم؟ من سب الصحابة يكون كافرًا؟ إي نعم، يكون كافرًا، اللي يسب الصحابة على الإطلاق، ما هو باللي يسب شخص معين يسبه على الإطلاق، يسبه.
يكون كافرًا، لماذا؟ لأنه يتضمن تكذيب الشريعة كلها؛ إذ إن الشريعة إنما جاءتنا بواسطة مَنْ؟
طلبة: الصحابة.
الشيخ: الصحابة، فإذا قُدِّر أنهم كلهم كفار، أو كلهم فُسَّاق، أو كلهم كذبة، أو ما أشبه ذلك، فأين الدين؟ من أين نعرف ديننا إلا من طريقهم؟
فإذا قمت لتحكم بأنهم كلهم كفار أو فُسَّاق، فمعنى ذلك أننا لا نقبل شيئًا من الشريعة؛ لأنها جاءت من طريق أناس لا يُوثق بهم.
فهذه المسألة هذا الذي قلنا فيه هو الصحيح؛ وإن كان بعض العلماء يقول: إن سب الصحابة ليس بكفر، ولكن الصواب أنه كفر.
وأما من سب واحدًا منهم؟ فهذا محل نظر، باعتبار نوع السب، وباعتبار نوع الشخص الذي سبه؛ فقد يسب مثلًا الإنسان شخصًا معينًا حصل منه خطيئة معينة يسبه بها، فهذا لا يؤدي إلى الكفر، وقد يسب شخصًا مبرأ من هذا الأمر، وليس من أهله فيكون بذلك كافرًا.
على كل حال مسألة سب المعيَّن -الشخص المعين- يحتاج إلى تفصيل، ولا يمكن الحكم عليه بحكم واحد بالنسبة لجميع الصحابة، ولا بالنسبة لنوع الصفة التي سبَّه بها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3762
يقول العلماء من جملة الردة: إذا جحد تحليل ما أجمع الناس على تحريمه، مما عرف بالضرورة من دين الإسلام، مثل؟
طالب: الزنى.
الشيخ: تحريم الزنى، مثل لو قال: الزنى ليس بمحرم، فهذا كافر، لو قال: الميتة ليست حرامًا؟
طالب: كذلك.
الشيخ: فهو كافر، لو قال .. لا، الغناء محل اجتهاد.
طالب: الربا.
الشيخ: نعم، الربا، لو قال: الخبز ليس بحلال، الخبز حرام، يصير كافرًا؟
طالب: ينظر ( ... ).
الشيخ: الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87]، ثم قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89].
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2].
كيف نقول: إنه إذا حرم الحلال يصير كافر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، التحريم في الحقيقة له متعلقات: تارةً يقصد بالتحريم المنع، يعني أنه يمتنع منه، فهذا حُكمه حكم اليمين؛ وتارةً يقول: إنه حرام تكذيبًا لقول الله، ويعتقد أنه حرام؛ فهذا هو الذي يكون كفرًا، وتارة يقصد بالتحريم أن الله حرمه، ما هو أنا اللي حرمته ورددت حكم الله؛ إن الله هو الذي حرمه، فهذا نقول له: كذبت، نقول: هذا كاذب.
فصار شوف الآن التحريم له متعلقات: إذا قصد أنه هو نفسه شرع تحريمه مضادًا لله فهذا كفر، وإذا قصد أن الله هو الذي حرمه؛ فهذا كاذب، إذا قصد أنه يمنعه عن نفسه؛ فهذا يمين؛ ولهذا روي عن ابن عباس فيمن حرم زوجته روي عنه روايتان:
الجزء: 2 - الصفحة: 3763
رواية يقول: «لَيْسَ بِشَيْءٍ» (1)، ورواية يقول: «هِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا» (2). اللي يقول: ليس بشيء، يريد بذلك أنه إذا قال: إن الله حرمها فإننا نقول له: إن الله ما حرمها، كلامك هذا كلام كذب، وليس له حكم ( ... )، فالمسائل في الحقيقة باعتبار النيات في مثل هذه الأمور ( ... ).
يحصل الرجوع من الردة بحسب ما حصل به الردة، يعني أن الرجوع عن الردة يحصل بتصحيح ما حصلت به الردة؛ فمثلًا إذا كانت رددته بتكذيب فإن الرجوع منها يكون بالتصديق، مثل لو كان لا يؤمن باليوم الآخر هذا كفر يحصل الرجوع عنه بأي شيء؟ بالإقرار به.
لو كان كفره بترك الصلاة وهو من قسم الاستكبار؛ فإن رجوعه يكون بأي شيء؟ بفعل الصلاة.
لو كان ردته بجحد تحريم الزنى؛ فإن رجوعه يحصل بالإقرار به.
والمهم أن الرجوع في الحقيقة يتبع الردة، فكل ما حصلت به الردة، فإن الرجوع عنها هو بزوال ذلك الموجب للردة، أو أن يقول: عبارة عامة، أنا ملتزم بالإسلام وبريء من كل ما يخالفه.
فإذا قال هذه العبارة العامة، فإنه يعتبر راجعًا عن الردة ومسلمًا.
ومع ذلك نقول -فيما إذا قال: أنا ملتزم بالإسلام وبريء من كل ما يخالفه- نقول: إنه ينبغي أن ينص على النوع الذي ارتد به، ويبين أنه راجع عنه؛ لأنه يخشى أن يقول: أنا ملتزم بالإسلام وبريء من كل ما خالفه، وينوي بقلبه إلا ما جحده مثلًا، فهنا ينبغي؛ لو قبلنا منه ذلك أن نقول له وكذا وكذا، ويذكره مع العموم يخصه مع العموم لأجل أن يزول الإشكال.
الجزء: 2 - الصفحة: 3764
﴿كتاب الأطعمة﴾
مدخل
ثم انتقل المؤلف رحمه الله بعد ذلك إلى الأطعمة.
فقال: (كتاب الأطعمة) والأطعمة جمع طعام، والطعام كل ما يؤكل ويشرب، فإنه يسمى طعامًا، أما كون المأكول طعامًا فواضح: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145].
وأما ما يشرب فتسميته طعامًا دليله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249]، قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ فجعل الشراب طعامًا، ولأن المعنى يقتضيه؛ لأن الماء له طعم، فإذا شربه الإنسان فقد طعمه.
إذن الأطعمة جمع طعام، وهي ما يؤكل ويشرب، والأصل فيها الحل، الأصل في الأطعمة كلها الحل.
والدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] وهذه الأطعمة خارجة من الأرض، وكذلك الأشربة فما كان داخلًا في هذا العموم فهو حلال.
وعليه فإذا تنازع رجلان في حل شيء من الأشياء، فمن الصواب معه؟ الصواب مع من قال بالحل، حتى يقيم المحرم دليلًا على تحريمه، مثال ذلك: الآن يقول بعض الناس: إن الدخان حرام، ويقول آخرون: إنه حلال، فمن الأصل معه؟
طلبة: من قال بالحلال.
الشيخ: الأصل مع من يقول: إنه حلال، قلنا: الأصل الحل؟
طالب: ( ... ) يقول حلال.
الشيخ: المهم الآن أنا وإياكم نبغي نتناقش في الموضوع، هو مما خلق الله في الأرض؟
طالب: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3765
الشيخ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ إذا كنا ممنوعين منه شرعًا، فما فائدة خلقه ونحن ممنوعون؟ نقول: هو إذن الأصل فيه الحل، حتى يأتي المحرم بدليل؛ ولذلك اختلف العلماء فيه أول ما ظهر، حتى إن بعضهم يقول: إنها تجري فيه الأحكام الخمسة، يكون أحيانًا واجبًا، إذا قال الإنسان: أنا الآن دايخ ما أقدر أصلي إلا إذا كنت، بيشرب له سيجارة أو سيجارتين، يقولون: اشرب، لتستعين بها على واجب، ويرون أنه لا فرق بينه وبين القهوة، فإنها تجري فيها الأحكام الخمسة.
ولهذا قال في الغاية - غاية المنتهي أو المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى- قال: ويتجه حل قهوة ودخان والأولى لكل ذي مروءة تركهما؛ جعل القهوة مع الدخان.
ولكن على كل حال بعد ما أن الناس رأوا المضرة العظيمة في الدخان طبًّا واقتصادًا وصحة عرفوا أنه محرَّم حتى الأطباء الآن يكادون يكونون مجمعين على أنه ضار، وإذا كان ضارًّا فهو محرم؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، وأوجب على المريض أن يتيمم خوفًا من الضرر، وإلا لكان يمكن أن يتوضأ ويتضرر.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (3).
ثم فيه أيضًا إتلاف مال بدون فائدة دنيوية ولا أخروية، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال (4)، وله مضار كثيرة معروفة كثر فيه البحث.
فإذن نقول لمن قال: كيف تنكرون عليَّ والأصل الحل؟ نقول: ننكر عليك بالأدلة الشرعية؛ لأن الأصل يمكن الانتقال عنه مع وجود دليل ينقل عنه.
البيرة الآن يتكلم فيها الناس، يقول بعضهم: إنها حرام، وبعضهم يقول: إنها حلال، من نتبع؟
المحلل، حتى يوجد دليل على التحريم، إذا وجد دليل على التحريم قلنا: حرام، وإلا فالأصل أنها حلال، وهكذا تمشي على هذه القاعدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3766
طالب: الخبائث الحين أصلها الحل.
الشيخ: ما بعد جينا لها اصبر.
طالب: هو الدخان من الخبائث.
الشيخ: انتظر شوي، من الخبائث عند من لا يشربه، وإلا عند من يشربه يقول: ما شاء الله، هذا طيب؛ طيب أنت ما تشوف الإعلانات الآن طيبة النكهة، نعم صحيح، ولهذا يقول ابن وردي:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إِنَّ رِيحَ الْوَرْدِ مُؤْذٍ فِي الْجُعَلْ
جُعَل، تعرفونه يؤذيه ريح الورد، لكن النتن والخبائث والعزرات عنده طيبة، يجعلها على رأسه ويدبها في رأسه.
فعلى كل حال مسألة خبيث وما هو خبيث هذه المسألة بيجي بحث فيها إن شاء الله مهم في نفس ( ... ). لكن الآن الأصل نقول: الحل في جميع المطعومات وجميع المشروبات حتى يقوم دليل التحريم.
والحمد لله يا جماعة إحنا، ما هو إحنا اللي بنحلل أو نحرم ليس لنا حق أن نمنع عباد الله مما أحل الله لهم، وليس لنا حق أن نحلل ما حرم الله علينا؛ لأن تحليلنا ما حرم الله جناية على الله سبحانه وتعالى، وعلى شرعه وهو أيضًا تغرير بعباده.
وتحريمنا لما أحل الله جناية على شرع الله وتضييق على عباد الله فيما أحل الله لهم فهو جناية على الخلق، ولذلك نحن عبيد الله ما أحل الله لنا نأخذه على العين والرأس، وما حرم نأخذه على العين والرأس، وما شككنا فيه نرجع فيه إلى الأصل، إذا شككنا إن ها العبادة مشروعة ولَّا غير مشروعة ويش نقول؟ نقول: ممنوع.
شككنا في هذا الطعام هو حلال ولَّا حرام، نقول: هو حلال حتى يتبين التحريم.
إذن هذا الأصل يشمل ما يشترط لحله الذكاة، وما لا يشترط أو لا؟
ما الذي يشترط لحله الذكاة؟ الحيوان.
طالب: بوجه عام؟
الشيخ: نعم، بوجه عام، وعلى هذا فنقول: حتى الحيوانات الأصل فيها الحل، فإذا وجدنا في البر حيوانًا نعرف أنه لا هو كلب، ولا ديب، ولا أشياء من المحرمات فالأصل؟
طالب: الحل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3767
الشيخ: الحل، وجدنا طيرًا في السماء ولا نعلم أنه من المحرمات فالأصل فيه الحل، أفهمتم يا جماعة؟ بناءً على هذه القاعدة المستندة إلى الدليل من الكتاب والسنة.
لكن نأتي أولًا إلى حيوان البحر، هو حلال ولَّا حرام؟
طالب: حلال.
الشيخ: حيوان البحر كله حلال، الحي منه والميت، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] قال ابن عباس رضي الله عنهما: صيده ما أُخذ حيًّا، وطعامه ما وجد ميتًا (5).
كلمة: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ شامل، عام، ﴿طَعَامُهُ﴾ كذلك عام يشمل جميع أنواع السمك والحيتان التي تعيش في البحر.
استثنى بعضهم منها ثلاثة أشياء: الضفدع، والتمساح، والحية.
وعللوا ذلك: قالوا: لأن التمساح يفترس، ويسمى عند الناس أيش؟ ويش يسمونه الناس؟ التمساح، يسمونه ( ... )؛ لأنه إذا وجد الآدمي يقطعه نصفين، ولهذا أحيانًا فيما سبق لما كان الناس يغوصون في البحر أحيانًا ما يطلع عليهم إلا نصف الرجال أعوذ بالله، هذا يقول بعض العلماء إنه مستثنى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع (6)، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن المقصود بالحديث الحيوان البري، أما البحري فكله حلال.
وكذلك الحية، هو في البحر حيات؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: حيات نعم، سمك مثل الحية.
فيه أيضًا ضفادع؟ فيه، لكن الضفادع البرية اللي تعيش في الماء والبر هذه يأتي إن شاء الله الكلام عليها هي حلال ولَّا حرام؟ الإنسان في البحر حرام ولَّا حلال؟
طلبة: حرام.
الشيخ: لا، حلال، إنسان الماء حلال، يقولون: إنه يوجد سمك على صورة الإنسان تمامًا، على صورة بني آدم.
طالب: يسمى نسناس.
الشيخ: ما أدري، والله أيش اسمه، لكن يسمونه إنسان الماء.
على كل حال هو حلال، تأخذه وتطلع به وتأكله لو أنه على شكلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3768
إذن جميع حيوانات البحر حلال ولَّا يستثنى منها شيء لا حيها ولا ميتها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سُئل عن البحر قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (7).
أما البر فإنه أضيق من البحر، المحرم من حيوان البر؛ أولًا: الحمر الأهلية، الأهلية احترازًا من الوحشية؛ فإنها حلال؛ بدليل أن الصعب بن جثامة رضي الله عنه اصطاد حمارًا وحشيًّا فأهداه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فرده عليه وقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (8).
فالحمار الأهلي احترازًا من الوحشي.
الدليل: ما ثبت في الصحيح من حديث أبي طلحة أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمره أن ينادي، حديث أنس، أن الرسول أمر أبا طلحة أن ينادي يوم خيبر إن الله ورسوله ينهيانيكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس (9)، فالحمر الأهلية إذن حرام بدليل هذا الحديث.
ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها حلال -الحمر الأهلية- ويستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾.
ولو قلنا: إن الحمر الأهلية حرام لوجد ما ليس من هذه الدلائل، ولكن الصواب بلا شك مع الجمهور، وأنها حرام، والآية لا تدل على ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن الآية مكية في سورة الأنعام متقدمة ولفظها: ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ ولم يقل: لم يكون فيما أوحي إلي، ولم تكن أيضًا قل لا أجد في ما يوحى إلي بل قال: ﴿فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ ووقت نزول الآية لم تكن الحمر الأهلية مُحرَّمة؛ لأنها إنما حرمت متى؟
طلبة: في خيبر.
الشيخ: عام خيبر، فتبين أن الآية ليس فيها دليل؛ وأن الصحيح ما دل عليه الحديث الصحيح أنها محرمة وأنها رجس.
الجزء: 2 - الصفحة: 3769
من الناحية العقلية قد يقول قائل: إذا كانت رجسًا، فلماذا لم تكن محرمة من الأصل؟ وهل هذا الرجس تجدد لها؟ فما هو الجواب على هذا؟
طالب: كانوا بالحاجة إلى أكلها.
الشيخ: لا، دعنا من الحاجة، هي مثل غيرها حرام إلا للضرورة.
طالب: عدم العلم يا شيخ في الأول ما يثبت به ..
الشيخ: لا، بس خلقة الله ما دام أنها رجس، فالواجب أن يقول: رجسًا من أول الأمر.
طالب: قد لا ( ... ) الأول، ثم ( ... ) كما جاء في الخمر.
الشيخ: ثم خلقه الله بعد ذلك، صح هذا هو الجواب.
نقول: لا مانع أن الله تعالى يجدد فيها الرجسية ويحرمها، مثلما أن الرجس يطرأ على الحيوان بموته مثلًا ولا مانع، كما أن العقود قد تكون محللة ثم تكون محرمة، فالمتعة كانت في أول الإسلام حلالًا، ثم كانت في آخر الإسلام حرامًا، انقلبت بعد الحل والطيب إلى خبث وحرام، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير.
إذن فالجواب: أن نقول: إن الله تعالى أحدث فيها هذا الرجس فحدث لها التحريم.
ثانيًا: (ما له ناب يفترس به) من السباع.
ما له ناب يفترس به، هذه واحدة؛ الثانية: من السباع، هذا قيد آخر؛ لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حرَّم كل ذي ناب من السباع (6).
شوف كل ذي ناب من السباع، فالذي له ناب لا يفترس به ولو كان سبُعًا ليس محرمًا، والذي له ناب يفترس به، ولكن ليس من السباع ليس بمحرم؛ فلو أن جملًا صار شريرًا يأكل؛ لأنهم حكوا لنا أن بعض الجمال يأكل الآدمي خصوصًا الذي يمنعه من ( ... )، هذا هل يحكم بتحريمه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولو كان يفترس؛ لأنه ليس من السباع؛ ولهذا صارت الضبع محللة لماذا؟ قالوا: لأنها ليست من السباع، وبعضهم يقول: ليست تفترس إلا عند الحاجة والضرورة، بخلاف الذئب وشبهه فإنه يفترس بكل حال، حتى إنه يدخل على الرعية من الغنم فيفترس منها واحدًا يأكله، أقول: يدخل على الرعية من الغنم فيفري بطن واحدة ويأكلها ويشبع ثم؟
طلبة: يقتل الباقي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3770
الشيخ: نعم، يقتل الباقي ولو ما أكل.
والحكمة إذن من تحريم هذا النوع من الحيوان؛ لأن الإنسان إذا أكله فإنه يتغذى به، ، والتغذية بالشيء يتأثر بها المتغذي، فربما يتأثر هذا الآكل شو به بغذاء هذا السبع، ويكون محبًّا للاعتداء والظلم، وإن كان قد لا يكون محبًّا لأكل الناس، لكن الاعتداء مجرد الاعتداء والظلم؛ لهذا كان من الحكمة أن الإنسان يبتعد عنه؛ ولذلك يقول العلماء: إنه ينبغي للإنسان أن يرضع ولده من كانت معروفة بحسن الخلق والطباع الكريمة، وأنه يكره أنه يسترضع لولده المرأة الحمقاء وسيئة الطباع.
الثالث: ما له مخلب يصيد به من الطير.
طالب: الناب ويش المقصود به؟
الشيخ: الناب المقصود به السن.
طالب: السن العادي ما فيه ( ... ).
الشيخ: لا، ما فيه ( ... ). ما له مخلب يصيد به من الطير: هذا مثل الأول قد ورد فيه النهي نهى عن كل ذي مخلب من الطير (10).
وحكمته كالذي قبله، والمخلب ما هو يا أخ؟
طالب: المخلب يكون في الرجلين.
الشيخ: أيش؟
طالب آخر: الظفر.
الشيخ: إي نعم، الأظافر؛ لأنها تخلب الشيء تمسك به، وليس المراد بالمخلب ما يظهر في أرجل الديكة، بعض الناس يقولون: أيش لون الصدر ما له مرتفع ساقه مثل ما في ساق الديك، نقول: ليس هذا المراد.
المراد بالمخلب: الظفر الذي يخلب به الشيء -أي: يقطع به الشيء- ومنه سميت المخلب عند الناس التي يحصدون بها.
فالمهم كل ذي مخلب يصيد به فهو محرم، والحكمة منه ما سبق في القسم الثاني.
الرابع: ما أمر الشرع بقتله أو نهى عن قتله، كيف؟ نعم، ما أمر الشرع بقتله أو نهى عن قتله، أما ما نهى عن قتله فتحريمه واضح؛ لأنه ما يمكن التوصل إلى أكله إلا بقتله، فإذن يلزم منه تحريم الأكل بناءً على تحريم القتل.
لكن ما أمر الشرع بقتله؟ نقول: نعم؛ لأن كل شيء أمر الشرع بقتله فإنما هو لفسقه وعدوانه فهو يشبه ما له مخلب يصيد به من الطير أو ناب يفترس به من السباع؛ فلذلك نقول: كل ما أمر الشرع بقتله هو حرام.
الجزء: 2 - الصفحة: 3771
مثل أيش؟ إي نعم، كالفأرة والعقرب والحية.
طالب: والكلب.
الشيخ: لا، الكلب ما يدخل فيما له ناب يفترس به، العلماء ذكروه فيما له ناب يفترس به.
على كل حال: كل ما أمر به الشرع -الغراب الأبقع- كل ما أمر الشرع بقتله فإنه منهي عنه حرام.
العلة في ذلك: لأنه فاسق، هو مأمور بقتله، يقول: اقتله، لكن لا تأكله؛ لأنه فاسق؛ أي ذو عدوان وظلم، وإذا تغذى به الإنسان فقد يكتسب من طباعه.
الخامس: ما يأكل الجيف.
طالب: نهى عن قتله؟
الشيخ: نهى عن قتل أربع من الدواب: النَّمْلة، والنَّحْلة، والهُدهُد، والصُّرَد (11).
يقول لي بعض الناس -أنا ما أعرف في الطيور- يقول لي بعض الناس إنه يسمى صبري، معروف عندك؟
طالب: إي أصغر من النعامة ( ... ).
الشيخ: لا، على كل حال لسنا نعرفه معرفة جيدة لكن ..
إذن: ما يحل أكل النمل أو لا؟ ما يحل؛ لأن الرسول نهى عن قتله، ولا أكل النحل لذلك، ولا أكل الهدهد لهذا أيضًا، مع أن الهدهد أظنه يأكل الخبائث.
طالب: أحيانًا يا شيخ تؤذي.
الشيخ: إي نعم، إذا آذت جاز قتلها دفاعًا، إذا كان دفاع ما فيه مانع.
يقول الخامس: ما يأكل الجيف.
الشيء الذي يأكل الجيف من طائر وماشية هو محرم أيضًا؛ لأنه يتغذى بالخبيث، فيكون خبيثًا.
الجيف محرمة ولَّا غير محرمة؟
طلبة: محرمة.
الشيخ: حرام، فإذا تغذى بها اكتسب لحمه منه فلهذا يحرم الذي يأكل الجيف.
وقيل: لا يحرم، قيل: إنه لا يحرم؛ لأن هذا مبني على مسألة الجلالة؛ مسألة الجلالة التي تأكل النجاسة، وهي حرام حتى تحبس عن النجاسة وتطعم الطاهر ثلاثة أيام.
وقد اختلف العلماء في تحريم أكل الجلالة:
منهم من يرى أنه لا بأس به؛ لأنها حيوان حلال، ومنهم من يرى أنها لا تؤكل، وهذا الخلاف روايتان عن الإمام أحمد.
يقول شيخ الإسلام: إن الذي يأكل الجيف فيه رواية الجلالة -يعني فيه روايتان عن أحمد هل هو محرم أو غير محرم- وما هو الأصل؟
الطلبة: الحل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3772
الشيخ: الأصل الحل؛ ولأن الذي يأكل الجيف قد يأكل غيره؛ لأنه ليس دائمًا أمامه الجيف، فهو لا بد أن يكون متغذيًّا بغيرها، إنما هذا الذي استثنى هو قاعدة المشهور من مذهب الإمام أحمد على أن الذي يأكل الجيف من الطيور وغير الطيور يحرم؛ لأنه يتغذى بالنجاسة، وما يتغذى بالنجاسة فإنه نجس، والنجس لا يجوز أكله.
السادس: ما يستخبث.
طالب: والراجح في المسألة؟
الشيخ: والله أنا أتوقف عنده؛ لأن عندنا أصلًا قويًّا وهو الحل، كونها تتغذى بأكل الجيف، قد لا تأكل الجيف، ما هو لازم دائمًا، ولكن الأولى تركه وعند الحاجة لا بأس به.
مثلوا له بالنسر، والرخم والعقاب، لا العقاب مما يصيد بمخلبه.
طالب: الغراب.
الشيخ: لا، الغراب لا يأكل الجيفة، الغراب أكثر ما يأكل الثمر، يأكل النخيل تمرها وغيره.
طالب: الكلاب؟
الشيخ: الكلاب يقولون: إنها من السباع؛ لأنها تفترس، الكلب يفترس.
السادس: ما يستخبث، يعني الذي يستخبث، ولكن ما هو الميزان لذلك، هل هو الشرع أو العرف؟
يرى بعض العلماء أن المرجع للاستخباث العرف؛ ويرى آخرون: أن المرجع الشرع.
وعلى القول الأول: من نرجع إلى استخباثه إذا قلنا إنه ما يستخبث باعتبار العرف، وأن لكل قوم عرفهم، فهو يوجد ناس يأكلون كل ما هب ودب، فعلى هذا نقول: يجوز أكله كل شيء، وهذا مذكور عن مالك، لا انتظروا يا جماعة، ما هو عن مالك، اذكره الآن.
إذا قلنا: العبرة بما يستخبث بحسب العرف صار لكل قوم عرفهم، وصارت الشريعة حينئذٍ مجزأة، يكون هذا عند قوم حرامًا، وهذا عند قوم حلال، وتختلف الأعراف؛ يعني فيه ناس ما يستقبحون شيئًا، وفيه أناس يستخبثون الطيب، فيه الآن أناس يستخبثون الجراد غاية الاستخباث، ويقولون: إن الجراد خبيث مثل الصراصير تمامًا، وفيه ناس يستطيبون الصراصير ويقولون: هي مثل الجراد.
الجزء: 2 - الصفحة: 3773
وإحنا لولا أننا منذ عشنا ونحن نرى أن الصراصير حرام، وإنه ما تؤكل لكنا لا نستخبثها، أليس كذلك؟ فيه ناس أيضًا يستخبثون بعض الأمور الطيبة اللي ما فيها شك في طيبها، لكنهم عارفينها ويستخبثونها، ومع ذلك فهي حلال، هذا قول.
القول الثاني: أن الاستخباث يرجع إلى الشرع، وأن ما حرمه الشرع فهو الخبيث، وبناءً على هذا يجب أن تنزع هذه الفقرة، لأن الذي ما يستخبث -أي ما استخبثه الشرع ورآه خبيثًا حرامًا- معناه أنها لا فائدة منها الآن؛ إذ المرجع إلى ما قرره الشرع، وإلا فالأصل الحل، وهذا القول هو الصحيح؛ أن المرجع في الاستخباث إلى الشرع لا إلى العرف.
ما حجة هذا القول؟ حجتهم قول الله تعالى في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] قالوا: ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
ولكن اختلف في معنى قوله: يحرم الخبائث، هل المراد ما استخثبه الناس عرفًا، أو المراد إنه ما حرم شيئًا إلا وهو خبيث؟ يصير معنى ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ يعني أن جميع ما حرم فهو خبيث، خلافًا لشريعة التوراة التي تحرم بعض الطيبات على اليهود، وخلافًا لشريعة الإنجيل التي تحلل كثيرًا من الأشياء التي لا تحل في الشريعة الإسلامية.
يصير على هذا القول وهو عندي أرجح، أن المراد بالخبائث: المحرمات؛ يعني يحرم عليهم كل خبيث، فكل ما حرمه فهو خبيث.
قد يقول قائل: إذا قلت بهذا القول بطلت دلالة الآية؛ لأنه يصير معنى الآية يحرم عليهم المحرمات، وهذا تحصيل حاصل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3774
فيُقال: لا، وصف هذه بالخبائث تدل على العلية، وهو أنه حرمها؛ لأنها خبيثة، لكن خبث الشيء وعدم خبثه مرجعه إلى من؟ إلى الشرع، لا إلى الأعراف.
والدليل على هذا -أن مرجعه إلى الشرع- ما ذكرناه قبل قليل في مسألة الحمر الأهلية؛ فالحمر الأهلية كانت قبل فتح خيبر خبيثة ولَّا طيبة؟
طلبة: طيبة.
الشيخ: طيبة، ثم صارت خبيثة بعد فتح خيبر مع أن نظرة الناس إليها قبل وبعد على حد سواء، فتبين بهذا أن المرجع في الخبث إلى ما قرره الشرع.
وبناءً على هذا نشوف الدخان، هل الدخان من الخبائث ولَّا لا؟
طالب: من الخبائث.
الشيخ: نقول: الآن تبين أنه من الخبائث؛ لأنه محرم شرعًا بدليل: ما ذكرنا قبل قليل من الأدلة، أما كونه يقول: يستخبث في عرف الناس، فهذا قد يمنعه من يتعاطاه، ويقول: أبدًا، أنا لا أقول: إنه خبيث، بل إنه إذا شربه يكيف ويستأنس؛ ولهذا بعض الناس الغرباء تقول: ليش يا أخي تشرب الدخان؟ يقول: والله هموم عندي، ولضيق صدري والدخان يعطي كيف، هو بيشربه علشان هذا.
إحنا نقول: مسألة الطيب والخبث، انظر إلى الضب، أكل على مائدة الرسول عليه الصلاة والسلام والنبي عليه الصلاة والسلام لم يأكله قال: «إِنَّهُ لَيْسَ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» (12). فهو رأى أنه ما يطيق أنه يأكله، ومع ذلك فهو حلال.
كوننا نرجع في الخبث والطيب إلى أذواق الناس، وإلى أعراف الناس يلزم منه تجزئة الشريعة، ثم يلزم منه ألا يستخبث بعض الناس ما حرم الله، ويقول: هذا ليس بخبيث، أليس كذلك؟
طالب: نعم، فالصواب إذن أن معنى قوله: ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ أنه ما حرم عليهم شيئًا إلا وهو خبيث، أما الطيب فلا يمكن أن يحرمه الله أبدًا.
لكن على المذهب: إذا قلنا بتحريم ما يستخبث: فإلى من نرجع؟ إلى عُرف من؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3775
يقولون: نرجع إلى عرف العرب ذوي اليسار -يعني: ذوي الغنى- العرب اللي موجودين في وقت نزول القرآن وهم أهل غنى وسعة إذا كانوا يستخبثون هذا الشيء فهو حرام، وهذا شيء صعب، لكن مع ذلك يقول: إننا ما نعتبر الأعراف كل عرف بحسبه؛ لأنه سُئل بعض الأعراب فقال: ما تأكلون؟ قال: نأكل ما هبَّ ودبَّ إلا أُم حُبَيْن.
أم حبين يقولون: إنها الخنفساء فقال: هنيئًا لأم حبين التي سلمت منكم، ولا يأكلون كل شيء جعل صراصير دسيسة، فيه شيء يسمى دسيسة أظنكم ..
الطلبة: إي.
الشيخ: إحنا لما كنا صغارًا يقولون: إنه حلال.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الدسيسة هذه أشبه ( ... ).
طالب: غير.
الشيخ: تختلف عنها، لكنها تعيش في البر، ما تعيش في ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما أظن، والله ما أدري يعني يختلف.
المهم على كل حال: إذا قلنا بأن الصحيح أن ما يستخبث من قبل الشرع فعلى هذا نقول: الأصل في هذه الأشياء، ويش الأصل فيها؟ الحِل، ولهذا يروى عن مالك رحمه الله أنه يبيح ( ... ).
هو أيضًا من المحرمات؛ وذلك لأنه إذا اختلط المحرم بالمحلل على وجه لا يتميز أحدهما عن الآخر فإنه يجب اجتنابهما جميعًا؛ لأنه لا يمكن ترك المحرم إلا باجتناب المحلل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، هذا هو مأخذ هذا الحكم.
والبغل محرم؛ لأنه متولد بين الحمار والأنثى من الخيل، فما دام خلق من هذا، وهذا على وجه لا يتميز به المحرم من الحلال، فإنه لا بد من اجتنابه؛ إذ إن ممارسة المحلل تقتضي ممارسة المحرم وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3776
وقولنا: على وجه لا يتميز به، احترازًا مما لو أمكن تمييزه، فإنه إذا أمكن تمييزه لا يحرم الحلال، ومن ذلك: استعمال الراديو مثلًا يرى بعض الناس أنه ما يجوز للإنسان أن يستعمل الراديو؛ لأنه يأتي فيه أشياء محرمة، وقد قال الله تعالى في الخمر: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والميسر ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]، ثم حرمهما الله تبارك وتعالى بعد ذلك، فدل هذا على أن ما كان فيه حلال وحرام فإنه يكون حرامًا.
ولكننا نقول: هذا القياس ليس بصحيح؛ لأن الإثم والمنفعة في الخمر والميسر في عين واحدة لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر ولَّا لا؟ يعني ما يمكن فصل هذا عن هذا، لكن الراديو يمكن فصل الحلال عن الحرام، وإذا كان يمكن فصل الحلال عن الحرام فإننا لا يمكن أن نحرم الحلال؛ لأنه يمكن أن يستقل بنفسه.
فالمهم يجب أن ننتبه لهذه القاعدة: ما تولد من مأكول وغيره، ما هي علة التحريم فيه؟ أنه يشترط حلال وحرام على وجه لا يتميز أحدهما عن الآخر، وحينئذٍ لا يمكن اجتناب هذا المحرم إلا بجتناب المباح، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والتمثيل يمثلون لذلك بالبغل، السِّمْع، العِسْبَار.
السِّمْع: يقولون إنه ولد الضبع من الذئب، والعكس العِسْبَار.
وعلى كل حال القاعدة المعروفة بالشيء المألوف في البغل، فإنه متولد من الحلال والحرام؛ فلذلك كان حرامًا ما عدا هذه الأصناف السبعة من حيوانات البر يكون مباحًا.
وقد علمتم أننا ناقشنا في كم من واحدة منها؟ ناقشنا في اثنين منها، وهو ما يأكل الجيف وما يستخبث.
وقلنا: إن ما يأكل الجيف فيه روايتان عن الإمام أحمد، وهما الروايتان في الجلالة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3777
وقلنا أيضًا فيما يستخبث: إنه لا أصل له، وأن معنى قوله: ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] أن ما حرمه الشرع فهو خبيث، وأنه لو وكل الأمر إلى استخباث الناس لأصبحت الشريعة مجزأة، وصار هذا الحيوان حرامًا في بلد وحلالًا في بلد آخر.
الآن بعد ما عرفنا هذه المحرمات لا يجوز أكلها طبعًا؛ لأنها محرمة، لكن في حال الضرورة يقول: (إذا اضطر إلى محرم تندفع به ضرورته حل له منه ما تندفع به).
هذه القاعدة تشمل الحيوان وغير الحيوان، إذا اضطر إلى محرم تندفع به ضرورته حل له منه ما تندفع به الضرورة، فقولنا: إذا اضطر: معنى كلمة اضطر: أي ألجأته الضرورة، ومعنى الضرورة، هو الذي يفوت به أو يحصل به ضررٌ -الذي يحصل به ضررٌ بفقده- هذا هو الذي يضطر الإنسان.
اضطر الإنسان إلى أن يأكل حمارًا، يجوز أن يأكله؟
طلبة: يحوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الحمار ليس بأخبث من الخنزير وقد قال الله تعالى في الآية التي حرم فيها الخنزير: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173]، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3].
وقولنا: تندفع به ضرورته: احترازًا مما لو اضطر إلى محرم، لكن لا تندفع به الضرورة، ومثلوا لذلك: بما لو اضطر إلى خمر للشرب فإنه لا يجوز أن يشربه؛ لأن ضرورته لا تندفع به.
السبب في أنه لا يزيد العطشان إلا عطشًا، لكن لو اضطر إلى شربه ليدفع لقمة غص بها؟
طالب: جاز.
الشيخ: فإنه يجوز، واضح أنه يجوز؟ لأنه هنا تندفع به الضرورة.
لكن في المسألة الأولى ما تندفع.
طالب: إذا خلط بالماء تندفع به.
الشيخ: لا أصل إذا صار عنده ماء، ما هو مضطر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يخالف هو أصله في هذه الحال إذا ثبت أنه ما يضره فلا بأس إنه يخلطه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3778
القاعدة اللي عندنا: إذا اضطر إلى محرم تندفع به ضرورته، فله أن يأكل، لو اضطر إلى محرم تندفع به ضرورته، لكن لهذا المحرم من الحرمة مثل ما له.
اضطر إلى أكل ومعه صبي سمين تندفع به ضرورته ولَّا لا؟ نعم، لو أكله اندفعت به ضرورته، ولكن له من الحرمة مثل ما لهذا الرجل، فلا يجوز أن يأكله ليدفع ضرورته.
إذا كان حيٌّ اضطر إلى أكل ميت يجوز يأكله ولَّا لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: اختلف في هذا أهل العلم؛ فالمشهور من مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز، لأن حرمة الميت كحرمة الحي، فلا يجوز أن يعتدي عليه ويأكل منه.
ومذهب الشافعي: جواز ذلك أنه يجوز، قال: لأن حرمة الميت كحرمة الحي، لكن هنا نستفيد فائدة إذا أكل منه الحي؛ وهو إبقاء حياة الحي.
ولهذا لو اضطر إلى أن يأكل عضوًا من حيٍّ لا يموت به ما هو بميت فإنه لا يجوز؛ لأن حرمته حيًّا مثل حرمة هذا الحي، أما الميت فإنه يجوز، وهذا القول هو الصحيح.
ويؤيده ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه في قصة كفنه، أنه أمر بأن يغسل ثوبه ويكفن به، وليس ثوبه القميص، لكن ثوبه الذي يستر به عورته وقال: إن الحي أولى بالثوب من الميت، وأبقى الجدد لورثته (13).
ثم إنه أيضًا: مقتضى القياس والنظر الصحيح؛ لأنه لا شك أنه إذا بقي هذا الرجل لم يأكل سيموت، لكن إذا أكل وبقي فإنه سيحيا وذاك الميت أكل منه شيء للضرورة.
لو كان معه حربي يجوز يأكله ولَّا لا وهو حي؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الحربي يجوز يقتل حتى ولو لغير الأكل ولَّا لا؟
لاحظوا المسألة، فإذا قتله صار ميتًا وعلى الأقل إننا نلحقه بالميت المسلم الذي يجوز للحي إذا اضطر إليه أن يأكل منه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يجوز.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كذلك أيضًا لا يجوز؛ لأن النفس محترمة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: طيب واحد بيقطع من فوق ويأكل ( ... ).
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3779
الشيخ: إي، هو ربما ( ... ) الغالب ( ... )، لكن الظاهر أنه ما يجوز؛ لأن أصل الحرمة الحي باقية، «إِنَّ دَمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (14)، فلا يمكن أن نأكل منه.
طالب: المناقلة يا شيخ الآن للأعضاء؟ جائزة؟
الشيخ: المناقلة؟
طالب: ينقل عضو من إنسان ..
الشيخ: إي، هذا غلط هذا ما يجوز، يعني بعض الناس مثلًا ينقل إحدى الكليتين لإنسان مريض بالكلى، هذا حرام، ما يجوز، ولو فرض فإنه حرام.
أولًا: لأن نفسك هي في الحقيقة ليست ملكك، هي أمانة عندك، ثم إنك لا تدري هل تنجح العملية بالنسبة للمعطى أو لا تنجح؟ فالمفسدة الآن متحققة؛ وهي نزع هذا العضو من السليم.
وبالنسبة لزرعه في السقيم متحققة ولَّا لا؟ ما هي متحققة، موهومة، ولا يمكن أن ترتكب مفسدة معلومة لمصلحة موهومة.
ثانيًا: نقول: هب أن الباقية تعطلت في هذا السليم، لو كانت التي وهبت موجودة لبقي هو الآن سوف يتلف.
ثالثًا: نقول: كونه لا يتأثر، هذا صحيح، قد لا يتأثر على المدى القريب، لكن على المدى البعيد لا بد أن يتأثر؛ لأنه معروف الآن أن الكليتين جميعًا يعملان، فإذا اجتمع العمل على واحدة فسوف يرهقها أكثر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: على كل حال ما عندنا علم بهذا جيدًا في هذا الموضوع، لكن حتى تضخمها في جانب واحد أخشى أن يؤدي إلى مضاعفات.
وعلى كل حال الاحتمال الذي قلنا وهو تعطلها هذا وارد؛ ولذلك لا يجوز.
فإذا قال قائل: أتمنعون حقن الدم من شخص لآخر؟ نقول: لا، ما نمنع.
والفرق بين الدم والعضو ظاهر أن الدم يتجدد أما العضو فلا يتجدد؛ هذا هو الفرق بينهما؛ ولهذا لو فرض أن أحدًا من الناس فيه ستة أصابع وواحدًا من الناس فيه أربعة، وأرادوا أن يأخذوا الزائد ويجعلوه في هذا الناقص يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
الجزء: 2 - الصفحة: 3780
الشيخ: يجوز إذا علمنا السلامة أو غلب على ظننا وإلا فالعلماء السابقون -رحمهم الله- يقولون: إنه يحرم قطع الأصبع الزائدة لأجل الخطأ، الآن الحمد لله الطب ترقى ولا في خطر في إنزال العملية.
المهم إذا اضطر إلى محرم تندفع به ضرورته حل له منه ما تندفع به.
كلمة (ما تندفع به) يقتضي أنه يقتصر على ما تندفع به الضرورة، وأنه ليس له أن يزيد فيحل له من الطعام المحرم ما يسد رمقه ويبقي حياته، أما أن يشبع فإنه لا يجوز؛ لأن ما زاد على ما تندفع به الضرورة له حاجة ولَّا ما له حاجة؟ ليس له حاجة، لكن هل له أن يتزود؟ بمعنى يحمل من هذا المحرم لأجل إن احتاج إليه أكله ولَّا لا؟
طلبة: له.
الشيخ: نقول: له أن يتزود لأنه هنا ما فعل المحرم غاية ما هنالك أنه أخذه معه إن اضطر إليه أكله وإلا فلا.
طالب: يشبع.
الشيخ: لا، الظاهر أنه لا يشبع؛ لأن ما كان محللًا للضرورة يتقيد بقدره، فإذا قال: أخشى أني أجوع، قلنا له: احمل معك، لا بأس أن تتزود؛ يعنى تأخذ منه زادًا تحمله إن احتجت وإلا فأنت في غني عنه؛ ولهذا ( ... ) حل له ما تندفع به فقط، أما ما زاد على ذلك فلا حاجة إليه.
قال: وإذا اضطر إلى مال غيره فإن كان إلى عينه وجب بذله بالقيمة، وإن كان إلى نفسه وجب بذله مجانًا.
هذه أيضًا قاعدة فيها خلاف بين أهل العلم وفيها مناقشات:
أولًا: إذا اضطر إلى مال الغير فإن كان إلى عينه -إلى عين هذا المال- وجب بذله بالقيمة.
رجل اضطر إلى أن يأكل طعام هذا الرجل يحتاج إلى طعام خبز، تمر، أو غيره، فإنه يجب على صاحب الطعام أن يبذله له، ولكن مجانًا ولَّا بالقيمة؟
طلبة: بالقيمة.
الشيخ: يقول: بالقيمة.
أما وجوب بذله: فلأنه يجب إنقاذ المعصوم، وهذا معصوم فيجب إنقاذه بإعطاء الأكل، وأما كونه بالقيمة فلأنه أتلف ماله لمصلحة هذا الرجل، فإذا أتلفه لمصلحته فلا بد أن يعطيه عوضه.
وقولنا له: بالقيمة، هكذا عبر بعضهم بالقيمة؛ يعني: أنه يقوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3781
ويحتمل أن يُقال: يجب بذله بالمثل، فإذا كان الشيء مثليًّا وجب أن يعطيه مثله، لكن الذين قالوا بالقيمة لاحظوا بأن مكان الضرورة ليس كمكان الرخاء، فالشيء الذي يساوي في البر مثلًا مئة قد لا يساوي في البلد إلا خمسين، فإذا قلنا: إنه يعطيه القيمة، هو يعطيه القيمة في مكانه، قيمته في مكانه، قربة الماء مثلًا في البلد تساوي كم من ريال؟
طالب: عشرة.
الشيخ: لا، ما تسوى عشرة، قربة ماء ما تساوي إلا ريالًا، ترى ما هي بقربه، يعني الوعاء، قربة يعني ماء في قربة؟ يساوي ريالًا، لكن لو يأتيك في مفازة في عطش؟
طالب: كل مالك.
الشيخ: إي نعم، يصير كل اللي عندك من المال، فلهذا يجب أن يعرف الفرق بين قيمة الشيء في مكانه وبين قيمته في غير مكانه.
ولهذا قال بعض العلماء: إنه يستثنى من قول أهل العلم من المثلي ومن غير المثلي، يستثنى منه الماء في المفازة فإنه يعتبر بقيمته.
إذا كان إلى نفعه، وجب بذله مجانًا، ويش هو نفعه؟ مثل: اضطر إلى فراش الغير أو غطائه، إلى الفراش أو للغطاء، إنسان مثلًا في البرد في أيام البرد احتاج إلى غطاء يتقي به البرد، وهذا الرجل معه أغطية يجب عليه أن يبذله له مجانًا، بذله له واجب؛ لأن فيه إنقاذًا لمعصوم، وكونه مجانًا؛ لأنه لم يتلف على صاحبها ولَّا لا؟ لم يتلف على صاحبها.
وهذه هي العارية التي تجب -كما قال أهل العلم- إنه أحيانًا تجب العارية فيما إذا اضطر الإنسان إلى نفع مال، ولم يجنِ غيره.
طالب: ما يجوز تأجير المنفعة؟
الشيخ: لا، ما يجوز يأخذ عليه أجرة؛ لأن هنا الدفع؛ دفع الضرورة واجب.
هذا هو الذي كتب الآن.
بعض العلماء يرى أن من اضطر إلى مال الغير إلى عينه، أو إلى نفسه وجب بذله له مجانًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3782
ووجه ذلك يقولون: لأنه الآن صار واجبًا عليه دفع ضرورة أخيه، والواجب ما يؤخذ أجره من الدنيا يؤخذ أجره من الآخرة، الثواب عند الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز أن يأخذ شيئًا، لكن هذا الذي كتب هو أقرب الأقوال؛ لأنه في الضرورة إلى عينه يحصل التلف، وفي الضرورة إلى نفسه ما يحصل التلف.
طالب: بالنسبة لدفع القيمة ( ... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: بلغ مبلغ يعني ( ... ).
الشيخ: أولًا، نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: العوام يقولون: إن الفرس مقدمه حرام؛ لأنه يتقى به الأعداء بحيث إن الفرس ( ... )، ومؤخره حلال، هذا ما هو موجود أبدًا، ما يوجد في الشريعة الإسلامية حيوان بعضه حلال وبعضه حرام، أما في شريعة اليهود فهو موجود: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: 146].
ولهذا يستدل من يرى أن لحم الإبل ناقض بجميع أجزاء الإبل، وهو الذي نراه كما مر علينا في أول سنة، إنه ما فيه شيء حيوان تتباعض الأحكام بالنسبة إلى أجزاء بدنه أبدًا، أجزاء البدن واحد في الحكم ما يمكن تختلف، أيش تقول؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: القنفذ داخل في الذي يستخبث القنفذ والنيص والسلحفاة وما أشبه ذلك؛ ولهذا الذين يرون أنه لا أصل لهذا الجنس ( ... )؛ لأننا ما سمعنا أنه يأكل الجيف ولا ( ... )، وإنما يأكل الزرع أو جمار النخل، ومثل هذا يطلق الشوك يدافع عن نفسه أيش يسوي إذا جاء الصياد يصده، هذا يدل على شجاعته، ومعنى هذا أنك إذا أكلته تصير شجاعًا.
أما القنفذ فالذي يعني يكرهه الإنسان به أنه يأكل القاذورات.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3783
الشيخ: هذا يكون طيبًا اللي يأكل ( ... )، لكنه في الحقيقة الإنسان يستخبثه، إلا أن بعض العلماء يرى أنه لا بأس به؛ ولهذا أنا أذكر أن رجلًا عندنا من أهل فلسطين تعشى عندنا في رمضان، وخرج على ما بيجي للسحور، لما جاء في السحور جاب معه خيشه، وفيها من ها القنافذ، فقلت له: ما هذا الشيء، قال: هذا قنافذ، يا شيخ، تأكله ما يصلح، قال: هذا عندنا من أحسن الأطعمة، وأبى إنه ( ... )، لكن يقول: إنهم يأكلونه، وأنه من أحسن شيء عندهم، لكن كيف يذبحونه؟
طالب: أول ما يقطع الرأس.
الشيخ: يقطع رأسه ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، سبحان الله.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: مثل الهر.
الشيخ: الهر نقول اللي حرمها قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» (15). لو كان إنها من الحلال لقال: إنها حلال، لقال: إنها مما أحل الله لكم، فلما علل بأنها من الطوافين ليكثر ترددها دلت على أنها ليست بمحرم؛ لأن تعليل طهارتها بكونها حلالًا أظهر من تعليلها بكونها من الطوافين علينا، فدل ذلك على أنها لا تؤكل، وأنها مُحرَّمة.
ثم إنها لو كانت مما تؤكل لكان أمرًا مشهورًا؛ لأن كثرتها بين الناس يوجب لو كانت تؤكل أن يكون الناس يأكلونها دائمًا في الصباح والمساء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، أنا أقول: ( ... )، ولهذا بالنسبة للرجل اللي حكيت عليكم قصته ما أحببت أني أؤكد عليه الموضوع، قلت: هذا رجل يرى حله؛ لأن ما عندي دليل على هذا.
أنت الآن لو قلت: يجي واحد يقول: جب لي دليل على أنه حرام، ويش تقول؟
الآن ما أذكر دليلًا على أنه حرام، والأصل الحل، كما أن هناك مسألة ما أدري أحد منكم يعرفه، يقول: إن الطيور اللي معكوف منقاره تكون حرامًا، واللي منقاره غير مفتوح فهي حلال.
هذا أيضًا ما له أصل.
طالب: عند العوام يا شيخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3784
الشيخ: عند العوام، لكن ما رأيت له أصلًا، حتى أهل العلم ما ذكروا هذا، وأظنه ينتقض بالنحم؛ لأن منقاره مثل اللي يقولون إنه حلال.
طالب: تكون على الحدأة فقط.
الشيخ: بس الحدأة هي تأكل بالمنقار، تكبس باليد.
طالب: مخلب.
الشيخ: إي نعم، مخلب.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نحكم بحله.
طالب آخر: ما الفرق بين ( ... )؟
الشيخ: إلا ( ... ).
يجوز إذا آذى ( ... )
تعريفها إلى آخره.
باب الذكاة
الذكاة تعريفها شرعًا: هي ذبح أو نحر مأكول مقدور عليه بقطع ما يجب قطعه أو عقره ونحوه إذا كان معجوزًا عنه.
فإذن الذكاة نوعان: إما ذبح أو نحر، ومحلهما: الرقبة، النحر يكون في أسفلها، والذبح يكون في أعلاها، هذا إذا كان مقدورًا عليه، فإن لم يكن مقدورًا عليه تأتي الصفة الثانية؛ وهي عقره، أو جرحه في أي موضع كان من بدنه، إذا كان غير مقدور عليه.
وسواء كان العجز عن ذبحه، أو عن تذكيته بسبب جرحه أو طيرانه أو بعده في محل لا يوصل إليه؛ فاللي في الطيران مثل: الطيور؛ واللي في الجريان مثل: الظباء والأرانب وشبهها، والذي لبعده مثل: لو سقط في بئر ولا يمكن أن ننزل عليه نذكيه فإننا نطلق عليه الرصاص أو نرسل عليه خنجرًا أو شبهها حتى يموت.
فإذن التذكية -هي نقول-: ذبح أو نحر مأكول مقدور عليه بقطع ما يجب قطعه في رقبته أو جرحه في أي موضع كان من بدنه إن كان معجوزًا عنه.
وهي: شرط في حل كل حيوان بري إلا الجراد.
(شرط في حل) يعني معناه ما يحل الحيوان البري إلا بالذكاة إلا الجراد.
وكلمة (كل حيوان بري) احترازًا من البحري فإنه لا يشترط له الذكاة؛ لأنه سبق أن الله تعالى قال في القرآن ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3785
أقول: الحيوان البحري سبق أنه لا يشترط فيه التذكية بدلالة القرآن والسنة.
وقولنا: (إلا الجراد) فإن الجراد لا تشترط له التذكية، وذلك لأنه ليس فيه دم حتى يحتاج إلى انهاره، وأصل التذكية من أجل انهار الدم؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ» (16)، فإذا كان الغرض انهار الدم فإن الجراد ليس فيه دم حتى يحتاج إلى انهاره، لكن بماذا نصل إليه لجراد؟ إذا أردنا أن نأكله، كيف نعمل؟ نأكله حيًّا ولَّا أيش؟ يجوز إنه يطبخ وهو على النار؟ يجوز نعم، للضرورة، وكذلك يجوز شيه، يعني أن يشوى بالنار.
وليس هذا من باب التعذيب بالنار؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ» (17). هذا ليس من باب التعذيب، ولكنه من باب الوصول إلى الانتفاع به.
شروطها: أولًا: (أهلية المذكي بأن يكون عاقلًا مسلمًا أو كتابيًّا).
طالب: ( ... ) فيه خلاف أنه بري أو بحري؟
الشيخ: فيه اختلاف، لكن الصواب أنه بري بلا شك؛ لأنه ما يعيش في الماء ويعيش في البر، لكن اللي قالوا إنه بحري يقولون: إن أصله نفرة حوت ينفره من بطنه، أو من أنفه، ثم يتولد، ولكن ما هو بصحيح هذا.
يشترط أهلية المذكي بأن يكون عاقلًا مسلمًا أو كتابيًّا، أن يكون عاقلًا: وضده المجنون، وضده أيضًا: من دون التمييز؛ لأنه لا عقل له، وضده أيضًا: من بلغ كبرًا سقط فيه تمييزه كالمهذري فإنه لا يصح تذكيته؛ لأنه ليس له عقل يقصد به التذكية.
وقولنا: (مسلمًا) واضح.
(أو كتابيًّا) الكتابي من؟ اليهودي والنصراني؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 5].
الجزء: 2 - الصفحة: 3786
وطعامهم: قال ابن عباس: ذبائحهم، وهو المتعين؛ لأنه لا يمكن أن يراد بطعامهم ما يأكلون من خبز وخضرة وشبهها؛ لأن هذا لا يختص بهم، وليس موضع إشكال، إنما الذي يشكل ما ذبحوه، فأباحه الله سبحانه وتعالى لنا.
وقولنا: أو كتابيًّا بل وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يشمل حتى من يزعم منهم أن الله ثالث ثلاثة؛ لأن الله تعالى أباح طعامهم هذا مع قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، ومع قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30] واضح يا جماعة؟
لكن لو أشرك النصراني بغير المسيح، مثل: أن عبد صنمًا كبوذا أو غيره، فهل نقول إنه نصراني؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، من أهل الكتاب لا، نقول: إنه الآن مشرك بغير الشرك الذي أقره الله تبارك وتعالى، بل الذي أقر الله به هؤلاء النصارى على ما كانوا عليه، فإذا أشرك النصراني بغير ما كان معروفًا في وقت التنزيل فإنه يعتبر غير نصراني، ولا تحل ذبيحته.
وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يخرج به من؟ المشركون، والملحدون، ومنهم أيضًا: المجوس.
وقال بعض أهل العلم: لا يخرج به هؤلاء، واعتل بأن قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مفهومه مفهوم لقبٍ، ومفهوم اللقب ليس بحجة عند أكثر الأصوليين.
ولكننا نقول له: ليس هذا مفهوم لقب، نعم، لو قال: وطعام اليهود والنصارى، يمكن أن نقول: هذا مفهوم لقب، لكن هذا ليس مفهوم لقب بل مفهوم وصف، ومفهوم الوصف حجة.
ووجه كونه مفهوم وصف: أن قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بمعنى قوله: المؤتون للكتاب، والمؤتى اسم مفعول فهو وصف ولَّا غير وصف؟
طلبة: وصف.
الشيخ: وصف، فمفهومه إذن مفهوم وصف؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم لا يأكلون طعام المشركين ذبائح المشركين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3787
فالصواب أنه لا يحل من ذبائح غير المسلمين إلا ذبائح اليهود والنصارى فقط.
ثانيًا: قصد التذكية.
طالب: ( ... ) من شروط.
الشيخ: ما يشترط فيهم إلا ما يشترط في المسلم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إذا كان؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: مثل غيره، مثل المسلم، يعني الشروط اللي في المسلم هي شروط له، يعني معناه مسلم ويهودي ونصراني بالنسبة للشخص كلهم سواء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما علينا، يسمى ولا ما يسمي، إلا .. مثل ما قلت لك: حكمه حكم المسلم، كما أن المسلم قد يسمي وقد لا يسمي.
طالب: حرَّفوا كتابنا.
الشيخ: ولو حرفوه ما دام أنهم ما وصلوا إلى حد الكفر، وأنهم ينتسبون، حتى في المسلمين الآن من حرفوا القرآن، هل المسلمون كلهم على ما كان عليه السلف؟ ليسوا كلهم على ما كان عليه السلف.
ثانيًا: قصد التذكية: يعني يقصد الإنسان التذكية، فإن وقعت منه بغير قصد كما لو أرسل مدية على شيء، على هدف، فأصابت حيوانًا فإنه لا يحل؛ وذلك لعدم القصد.
واشتراط القصد مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (18). هل يشترط قصد الأكل ولَّا ما يشترط؟
طلبة: لا يا شيخ.
الشيخ: اختلف العلماء، هل يشترط أو لا؟ فقال شيخ الإسلام: يشترط.
وقال الأكثر: ليس بشرط.
وتظهر صورة المسألة بما إذا حلف إنسان ليذبحن هذه الشاة، ثم ذبحها لقصد حل يمينه، لا لقصد الأكل.
فعلى رأي شيخ الإسلام: لا تحل، وعلى القول الثاني: تحل؛ لأنه قصد التذكية، ولا فرق بين أن يقصدها للأكل أو للبيع أو للانتفاع بجلدها مثلًا، أو الانتفاع بشحمها، المهم أنه غرضه بما يريدها له ليس بشرط.
طالب: الراجح أنه لا يشترط قصد الأكل؟
الشيخ: لا، الظاهر أنه ما يشترط، الصحيح أنه لا يشترط، ما دام قصد التذكية فهذا يكفي.
طالب: الغير مميز لا يجوز ذبحه؛ لأنه لا ( ... ).
الشيخ: ما يخالف إن أمسكت يده فلا بأس.
الجزء: 2 - الصفحة: 3788
طالب: ويش الفرق بينهم يعني؟
الشيخ: الفرق أن هذا يعمل بذاته اللي هو الصبي، أيش لون؟
طالب: الجهاز.
الشيخ: لا أبدًا، لو تقول الجهاز: تدعو تقول: اذبح هذه.
طالب: شبهه.
الشيخ: إي، شبهه، ولهذا قلت: إذا مسكت يده فلا بأس.
طالب: إذن، والجهاز يا شيخ.
الشيخ: لا؛ لأن الأصل له إرادة، فالظاهر أنها ما تحل، مع أنها محل نظر من حيث إن هذا الرجل وكيل، أو هذا الطفل وكيل عن عاقل، ولكن نظرًا إلى أن العبادات تطلب من الشخص، أهم شيء بيكون عندنا التسمية مثلًا، وقد يسمي الطفل.
طالب: القصد.
الشيخ: القصد، ما عنده قصد، لكن عنده قصد الذبح أيضًا، يعني فهمه لها بقول: اذبح يكون قصدًا.
هي على كل حال محل نظر هذه ( ... ).
أهل الكتاب أن يكون على الطريقة الإسلامية أو أن ما اعتبروه ذكاة وطعامًا فهو من طعامهم، هذه المسألة جمهور أهل العلم على أنه يشترط في تذكيتهم ما يشترط في تذكية المسلمين.
ويستدلون لذلك بعموم الأدلة، كقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنَهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ» (16)، وهذا عام يشمل ما إذا كان المذكي مسلمًا أو كتابيًّا، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ» واضح؟
فإذا كان هذا الحديث عامًّا فإنه يجب أن يطبق على المسلم وغير المسلم، وقال بعض العلماء: إنه لا يشترط في تذكيتهم أن توافق تذكية المسلمين، وأن ما اعتقدوه ذكاة وطعامًا فهو حلال لهم وللمسلمين، وعلى هذا فما خنقوه واعتبروه تذكية فهو حلال لهم كما أنه حلال لنا، وكذلك ما صعقوه وما أشبه ذلك فهو حلال لهم، ويكون حلالًا لنا؛ لأن الله أضاف الطعام إليهم فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فأضافه إليهم، فما اعتبروه طعامًا فهو طعام لنا: ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فإذا اعتبروا أن هذه تذكية تبيح هذا المذكى وتجعله طعامًا لهم فهو أيضًا طعام لنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3789
وأنا ذكرت لكم هذا القول لا لأنني أُرجِّحه، لا، أنا أرجح قول القائلين بالعموم؛ بأنه لا بد من التذكية الشرعية بإنهار الدم، وذِكر اسم الله سبحانه وتعالى عليه، هذه العمومات واضحة.
وإذا كان المسلم وهو أطهر عند الله لا تطهر ذبيحته إلا بالتذكية بإنهار الدم، وذِكر اسم الله؛ فمن كان فيه الرجس أوْلَى بأن يشترط في تذكيته ذلك هذا هو الذي نرى، لكنني ذكرت لكم لأجل أن لا تحتدوا في الإنكار العظيم الذي صار الآن بين الناس من أجل هذه اللحوم المستوردة بناء على أنها لم تُذكَّ ذكاة شرعية.
نقول: المسألة -الحمد الله- ما دام فيها خلاف من علماء المسلمين من أصحاب مالك وغيرهم من القدامى والعصريين، فإنه لا ينبغي أن نحتد حتى نقول للمسلمين أنتم الآن تأكلون الحرام والرجس والأنجاس، لأن اللي يقول هذا ما يحل معناه أننا نأكل الحرام، ونأكل الرجس، ونأكل النجس؛ لأنه ميتة يكون.
كوننا مثلًا نخلي المسلمين الآن يشكون في كل شيء، أنا سمعت من يقول: البسكوت تراه حرام؛ لأن فيه شحم خنزير والجبن حرام؛ لأن فيه شحم خنزير والثياب حرام؛ لأنها تخاط بمكائن النصارى، والسيارات حرام؛ لأنها مصانع النصارى، هذا ما هو بصحيح يا جماعة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، صحيح ( ... ) يعني يجب أن الإنسان يكون متعقلًا للأشياء، وكوننا نخلي المسلمين، أنا أقول هذا، توافقونني أو لا توافقونني، لكن ما دام يدل عليه الدليل، ويبين فيه الدليل ما يهم.
كوننا نجعل المسلمين يأكلون ما يراه الإنسان حلالًا لهم مطمئنين خير من كوننا نجعلهم يأكلونه وهم شاكون، أو يعاندون، أو يعاند؛ لأن الورع .. الناس بينقسمون نحو هذا القول ثلاثة أقسام:
قسم يقول ما علينا من كلامكم، نبغي نأكل ما يهمنا حلال ولَّا حرام.
وقسم آخر: يأكله وهو يغص به يعني يشق عليه أكله، ولكن ما هو مخليه.
وقسم ثالث: ينحرم منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3790
فما دمنا نجد في هذا الأمر الذي يبتلى به الناس ما دمنا نجد سعة والمسألة مبنية على الاجتهاد، والاجتهاد لا يقتضي التحريم، أنا ما أقول: حللوا للناس ما تعتقدونه حرامًا، هذا لا يجوز أن الإنسان يتبع الواقع، ولكني أقول الشيء الذي فيه خلاف بين أهل العلم ولا مخالفة للنص ما ينبغي أن نشدد ..
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
أو يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مسلمًا؛ لأن العموم ظاهرة عامة، وإذا كان المسلم يشترط في تذكيته هذا فغير المسلم من باب أوْلى.
وكونه يقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: 5] عام فنقول أيضًا: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» (1). فهو عام، والأخذ بهذا العموم أولى؛ لأن القياس يؤيده، وهو أنه إذا اشترط هذا في حق المسلم ففي حق غيره من باب أولى.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الآية عامة، وتعرف أن أي شيء بنحمله على وقت التنزيل ما يمكن نحمله إلا الدلالات اللفظية فقط، أما الأحوال ما يمكن، ما دام عندنا عموم، صحيح الدلالات اللفظية ما كانت هذه الكلمة تدل عليه في وقت التنزيل فهو أولى؛ لأن الناس بيخاطبون بشيء يعرفونه لكن شيء معنوي، المعاني عامة في كل زمان، نعم لو فرض أن هذه اللفظة لها مدلول في الوقت الحاضر ومدلول في وقت التنزيل، فالواجب حملها على وقت التنزيل؛ لأننا لو حملناها على المعنى المفهوم الآن صارت في وقت التنزيل مجهولة ولَّا معلومة؟
طلبة: مجهولة.
الشيخ: مجهولة، وتنزيل الله تعالى كتابًا على قوم يجهلون معناه، هذا غير لائق بحكمته سبحانه وتعالى، أما العمومات المعنوية فهي شاملة.
على كل حال نحن نرى أنه يشترط في تذكية غير المسلمين من أهل الكتاب ما يشترط في تذكية المسلمين، ولكن بقي علينا مسألة: هل الأولى أن نسأل كيف ذبحوا؟ وهل سموا أو لا؟ ولَّا ما نسأل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3791
الأوْلى ألا نسأل ما دام هذا الرجل قدم لنا هذه الذبيحة، وهو ممن تحل فلا حاجة، أليس من الجائز أن المسلم لا يذبحها على الطريقة الإسلامية؟
يمكن بعض الجهال اللي ما يعرفون، يمكن يذبحون على غير الطريقة الإسلامية، ومن الجائز كثيرًا أن ينسى أن يسمي، وهذا لا شك أنه يمكن ينسى أن يسمي كثيرًا، ومع ذلك نحن نأكل ولا نسأل.
لهذا نقول: لا حاجة إلى أن نسأل كيف ذبحوا؟ وأما ما قيل: إنهم لهم مصانع تشاهد بأنهم يصعقون الحيوان نعم، أو يضربونه بالرصاص فهذا عنه جوابان: الجواب الأول: أنه لا بأس إذا ضربت البهيمة وصعقت، ثم ذُكِّيت، وخرج الدم قبل أن تموت، فهل تكون حلالًا ولَّا حرامًا؟
طالب: حلالًا.
الشيخ: حلالًا؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].
نعم، الفعل حرام يعني كونه أنه مثلًا يضربونه بالرصاص أو مثلًا يخنقونها، ثم يذبحونها، هذا حرام؛ لأنه تعذيب لها على وجه غير مشروع، لكن إذا ذبحت بعد هذا الفعل وفيها الحياة فإنها تكون حلالًا.
ثانيًا: أن نقول: هل هذا عام في جميع المصانع ولَّا لا؟
طالب: عام.
الشيخ: لا، ليس بعام، ولهذا أرسلت رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وفودًا للنظر في هذا الأمر، ووجدوا أن هذه المصانع مختلفة بعضها يذبح بالصعق مرة، ما يذكيها وبعضها يذكي فما دامت اختلفت فإن الأصل في طعام الذين أوتوا الكتاب الأصل فيه الحل حتى نعلم أنه ذبح على غير الطريقة الإسلامية، ومع ذلك أنا شخصيًّا لست آكل من هذا في بيتي ما آكل منه، لكن إذا قدم لي ما أسأل منين جاب، لكنه في بيتي ما نأكل من هذا الشيء احتياطًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3792
نفعله ولا ندري هل نحن مصيبون أو مخطئون في هذا الاحتياط، الله أعلم، لكننا نكرهه نظرًا إلى هذا الكلام الكثير الذي حصل فيه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: فيه وطن؟
طالب: وطنية.
طلبة: دجاج وطني.
الشيخ: فيه الحمد لله أنا أقول: فيه دجاج وطني، وفيه لحوم غنم وطنية وإبل وبقر، الحمد لله نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا قلنا: إنه أوْلى؛ لأنها أقيس؛ لأنه إذا كان يشترط هذا في المسلم وهي تحل ذبيحته؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] فكذلك أيضًا في طعام الذين أوتوا الكتاب.
إحنا نقول: إذا اشترط هذا في المسلم وهو طاهر، فكيف لا يشترط في الكافر وهو نجس؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذه بالحقيقة هي المشكلة اللي ما زالت عندي مشكلة أيضًا، وهي أن هذه اللحوم التي ترد من دولة تنتسب إلى النصرانية أو اليهودية مثلًا نعم، هذه المذابح شيوعية أو مجوس أو لا دينين صحيح ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كما أنه من الجائز أيضًا أن يكونوا مسلمين؛ لأن فيه جاليات إسلامية في هذه البلاد كثيرة وأسمع أن الجاليات الإسلامية من الباكستانيين وغيرهم أنهم هم الذين يباشرون هذه الأعمال؛ لأن الأوربيين عندهم ترفع عن هذا الشيء والله أعلم بحقيقة الحال، ولكن أنا أرى أن العلماء عندنا يرون أننا نعتبر الدولة، فإذا كانت الدولة يهودية أو نصرانية يقولون: إن الوارد منهم يكون حلالًا باعتبار الدولة.
كما أن الوارد من الروس يكون؟
طلبة: حرام.
الشيخ: حرامًا باعتبار الدولة مع أنكم تعرفون أن في الجمهوريات السوفيتية كثير من المسلمين، نعم، وكثير منهم يستقدم في هذه الأمور أيضًا، ومع ذلك نحكم بالدولة.
فأنا لو قال قائل: بأننا لا نحكم بالدولة وإنما نحكم بمن يتولى أيش؟
طلبة: الذبح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3793
الشيخ: هذا الذبح، فإذا علم أن هذه المصانع أكثر من يتولَّاها؛ إما مسلمون أو كتابيون، فحينئذٍ نحكم بالحل، وإذا علم أن أكثر من يتولاها غير المسلمين والكتابيين فإنه ينبغي أن نحكم بالتحريم هذا الحقيقة أقيس وأقرب إلى التحقيق؛ لأن المعتبر هو العمل هذا، أما الدولة قد تكون نصرانية، لكن يمكن تكون نسبة النصارى في هذه الدولة عشرة في المئة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما هو قال بالاستدلال ( ... )، لكن دينه ما هو بصحيح، ما هو العبرة بالاستدلال العبرة أيضًا بالدين ذاته.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ( ... ) بغير الشروط الطريقة الإسلامية مع كون الذابح يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مسلم.
الثاني: قصد التذكية، وهذا تكلمنا عليه وقلنا: هل يشترط مع ذلك قصد الأكل أو لا يشترط؟ وذكرنا أن في هذه المسألة خلافًا بين أهل العلم، وأنه يتصور أن يقصد التذكية ولا يقصد الأكل مثل:
طلبة: حلف أنه يذبح.
الشيخ: حلف أنه يذبح هذا الشيء مثل واحد عنده عنزته تيجي بالليل ما تخليه ينام قال: والله لو قمت الصبح لأذبحك، وبعدين قام وذبحها لحل يمينه لا لقصد الأكل.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: تحل ولَّا لا؟ المعروف من المذهب أنها تحل؛ لأنه قصد التذكية ولا عليه من قصد الأكل أو عدمه وشيخ الإسلام يرى أنها لا تحل ويقيسها على ما إذا قتله لدفع الصول فإن الإنسان لو صال عليه جمل، ثم ذبحه إذا قتله معروف إذا قتله ما يحل؛ لأنه لم يذكي ذكاة شرعية، لكن إذا ذبحه معه سيف وجَزَّ رقبته يحل ولَّا ما يحل؟ يقول العلماء: لا يحل؛ لأنه قصد به دفع الصول فنقول أيضًا مثل هذا إذا قصد حل يمينه ولا قصد، ولكن الحمد لله يمكن الإنسان ينوي التذكية مع دفع الصول، ويمكن ينوي التذكية مع حل اليمين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3794
ثالثًا: ألا يذبح لغير الله فإن ذبح لغير الله لم يحل، ولو سمى الله وكذلك أيضًا لو ذبحه بالطريقة الإسلامية ما يحل مثل أن يذبحه لقدوم ملك يذبحه تعظيمًا له، فإن ذلك يكون حرامًا؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] وكذلك قال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: 3] نعم يعني على الأصنام فما ذبح لغير الله فهو محرم.
إذا قال قائل: أجل حرموا علينا، واحد نزل به ضيف فذبح الشاة لضيفه إكرامًا له.
طالب: إكرامًا ليس تعظيمًا.
الشيخ: تعظيمًا له.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نقول: هذه المسألة؛ مسألة إكرام الضيف، وتعظيمه بالأكل لا بالذبح ( ... ) الفرق بالأكل لا بالذبح، ولهذا لو ذهب إلى السوق واشترى شاة مذبوحة، وفيها كل أعضائها، نعم كل أعضائها موجودة، وجاء بها هل يحصل الإكرام ولَّا ما يحصل؟
طلبة: يحصل.
الشيخ: يحصل، فهنا إكرام الضيوف إنما هو بأكله منها، ذلك تعظيمه لكن اللي بيعظم يذبحها تعظيمًا له لمشاهدته إياه، ثم يتركها؛ يدعها ما ينتفع بها هذا هو المحرم، ففرق بين التعظيم بالذبح وبين التعظيم بالأكل والإطعام، التعظيم بالأكل والإطعام هو إكرام واحترام، لكن التعظيم بالذبح هو تقرُّب؛ لأنه ما ينتفع به هذا المذبوح له.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لكن ما هو علشان تعظيمه بذاك، هو نفسه ما يشهد بأنك عظَّمته بذبحها عظمته بأيش؟
طالب: بأكله منها.
الشيخ: بأكله منها، لكنه يخشى أنك لو ما تذبح أمامه أن هذه الذبيحة من أمس أو باقي ذبيحة من ناس؛ ولهذا عند بعضهم إذا جاء إنسان ضيف وقد ذبحت ذبيحة الضيف الأول إلى الآن ما طبخت.
طلبة: لازم تذبح ثاني.
الشيخ: لازم تذبح ثاني.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إي هذا خطأ، إي نعم.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: على كل حال هذا جهل منه لا شك أنه جهل، ولكننا نعلم جميعًا أنهم ما قصدوا بذلك التعظيم بالذبح، قصدهم بذلك التعظيم بأيش؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3795
طلبة: بالأكل.
الشيخ: بالأكل بأنه ذبح لي، وأطعمني ذبيحة كاملة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم؛ لا، ويشترط أيضًا إنهار الدم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يخالف إنهار الدم، ويش لأجله؟ لأجل أن يطيب الأكل، ثم من المعروف عند الناس أنما يذبحونه للأكل ولهذا قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّم﴾ إلى آخره [المائدة: 3].
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: انتبه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو بشرط إذا ما قصد الأكل بس مثلًا واحد بيضحي لأجل أن يريحها هذه إذا قلنا بالجواز فلا حاجة إلى التسمية، ولا شيء، ولا حاجة أيضًا إلى أن يذبحها بإنهار الدم لو أنه أطلق عليها الرصاص أو مثلًا ضربها بالكهرباء فلا حرج؛ لأنه يمكن يكون هذا أسهل لها بعد ذبح السكين.
يشترط أيضًا ألا يذبح لغير الله، فإن ذبح لغير الله فهو محرم وشرك ولَّا غير شرك؟
طالب: لغير الله شرك.
الشيخ: أي شرك هو شرك، وليس شركًا أصغر أيضًا، بل هو شرك أكبر مُخرِج عن الملة والعياذ بالله.
وعلى هذا فتكون الذبيحة حرامًا ويكون هذا الرجل مشركًا نلزمه بأن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من هذا الشرك.
رابعًا: ألا يذكر عليها اسم غير الله، فإن ذكر عليها اسم غير الله ولو ذبحت لله أو للأكل فإنها لا تحل، ويش مثاله؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، أو رئيس، أو ملك نعم، أو قومية، باسم الله وباسم القومية العربية مثلًا، نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، هذا يعتبر، تحل ولَّا ما تحل؟
طلبة: ما تحل.
الشيخ: ما تحل؛ لأنه ذكر عليها اسم غير الله، ما هو الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه﴾ [المائدة: 3] والإهلال كما تعرفون في الأصل هو رفع الصوت، يعني ما ذكر عليه اسم غير الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3796
فإذا قال قائل: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (1). وهذا قد ذكر عليه اسم الله، أفلا يؤكل؟ لأن المسألة هذه لها ثلاث صور كما تعرفون تارة يذكر اسم الله عليها، وتارة يذكر اسم غير الله عليها منفردين، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وتارة يجمع بينها، فالجمع بينهما اجتمع في فعله هذا حرمة وحل؛ أو لا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: حرمة حيث ذكر.
طالب: اسم غير الله.
الشيخ: اسم غير الله، وحل حيث ذكر.
طالب: اسم الله.
الشيخ: اسم الله، فكيف نُحرِّمها عليه؟
طالب: اجتمعا.
الشيخ: نعم؛ لأنه اجتمع في هذا الفعل مبيح وحاظر، فغلب جانب الحظر، بناءً على القاعدة مثلما حرم الله الخمر مع أن فيه مصالح وفيه مفاسد.
فهنا نقول: لا يمكن اجتناب هذا المحرم إلا باجتناب المحلل، فيكون محرمًا فنقول: اجتمع مبيح وحاظر، فغلب الحاظر على المبيح، فإذا ذكر عليها اسم غير الله فهي حرام.
الخامس: أن يذكر اسم الله عليها وحده فقط، فيقول: باسم الله.
لو قال: باسم الرحمن؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لو قال: باسم الرحيم؟
طالب: يجوز.
الشيخ: لو نوى باسم الرحيم محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
طلبة: لا يجوز.
طالب: لا، شرك.
الشيخ: ويش يصير؟ ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] ولَّا لا يصير أهل لغير الله به؟ لو قال: مثلًا باسم العزيز.
طالب: العزيز اسم من أسماء الله.
الشيخ: إي، هو أراد الله؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز إي نعم، هذا هو الصحيح، وقال بعض العلماء: إنه يشترط أن يذكر اسم الله، باسم الله فقط حتى لو قال: باسم رب العالمين وهو ما يوصف به إلا الله أو باسم الرحمن وهو لا يسمى به إلا الله، هو ما يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3797
ولكن هذا قول ضعيف؛ لأن قول الله تعالى: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] وقول الرسول: «مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» (1). هل المراد اللفظ ولَّا المعنى؟
طالب: المعنى.
الشيخ: المعنى، يعني ما أريد بالله لفظ الله، بل أريد المسمى دون الاسم مثلما نقول مثلًا: البيع والوقت ما هو لازم، تقول: بعت المقصود المعنى المدلول عليه بهذا اللفظ، فالمقصود بالله المقصود المسمى المدلول عليه بهذا اللفظ، فإذا سميت على الذبيحة باسم مختص بالله أو مشترك، ونويت به الله.
طالب: صحيح.
الشيخ: فهو صحيح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (1). فقال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ»، هذان شرطان، فكل منطوق الحديث؟
طالب: منطوقه ظاهر.
الشيخ: ويش يدل عليه؟
طالب: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فيؤكل، وغير ذلك ..
الشيخ: ومفهومه، ما لم يسم الله عليه فلا يؤكل ما لم ينهر فيه الدم لا يؤكل، وهذا المفهوم موافق تمامًا لمنطوق قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، فعلى هذا يكون ما لم يذكر اسم الله عليه لا يحل بدلالة منطوق القرآن.
طالب: ومفهوم السنة.
الشيخ: ومفهوم السنة، نعم.
طالب: يقال: مفهوم الحديث الجزأين كلاهما يا شيخ إذا انتفى كلاهما ما حل.
الشيخ: ما حل أو واحدة منهما.
طالب: لا، كلاهما قد يقام؛ جمع الرسول جمع بينهما.
الشيخ: جمع بينهما إذا فقد واحد ما حصل الجمع بينهما الرسول عليه الصلاة والسلام اشترط للحل شرطين، ذكر اسم الله عليه، وإنهار الدم إذا فقد واحد ما حصل الشرطان.
نعم، لو قال: ما أنهر الدم، أو ذكر اسم الله عليه؛ صار نكتفي بواحدة منهما.
إذن عندنا مفهوم الآية أو مفهوم الحديث ومنطوق الآية الكريمة أن ما لم يذكر اسم الله عليه لا يحل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3798
نعم، اختلف العلماء في هذه المسألة منهم، من يرى أن ذكر اسم الله عليها ليس بشرط، وأنه سنة، وأن الإنسان لو تعمد ألا يذكر اسم الله على الذبيحة لحلَّت.
واستدلوا بحديث لا يصح وهو: «ذَبِيحَة الْمُسْلِمِ حَلَالٌ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا» (2)، وهذا الحديث أشبه ما يكون موضوعًا أو موقوفًا على بعض الصحابة، ولا يمكن أن يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أبدًا.
ثانيًا: قالوا: إن المسلم طاهر، والطاهر ما ترتب على فعله فهو طاهر.
قلنا: لكن هذا الطاهر لا بد لفعله من شروط بيَّنها الكتاب والسُّنة.
ويرى بعض العلماء أن التسمية شرط، ولكنهم يخالفون القواعد المعروفة المقررة؛ وهي أن الشرط لا يسقط بالنسيان، ويقولون: إن الإنسان إذا نسي التسمية حلَّت ذبيحته، نعم، ويستدلون لذلك بقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (3) أو «وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي» (4). اختلاف في ألفاظ الحديث، فيقولون: هذا موضوع عنه الإثم، فأنت في حكم هذا الفعل؛ لأن هذا الفعل عُفي عنه فلم يترتب عليه أثره؛ لأجل النسيان أو الجهل كذلك.
ويرى آخرون أنها شرط، وأنها لا تسقط بالنسيان ولا بالجهل، ويستدلون لذلك بأن الشرط حسب القواعد الشرعية لا يسقط سهوًا ولا جهلًا، ولهذا لو أن الإنسان صلى ناسيًا وهو محدِث نعم، لوجب عليه إعادة الصلاة، ولو صلى جاهلًا وهو محدث مثل أن يأكل لحم إبل لا يدري ما هو، ثم يتبين له بعد ذلك أنه لحم إبل فإنه يجب عليه إعادة الصلاة، والشرط لا يسقط سهوًا ولا جهلًا وكما أنه لو ذبحه بغير إنهار الدم جاهلًا يحسب أنه متى أزهق نفسه قاصدًا حل فإنه لا يحل، ولَّا يحل، وكذلك لو نسي أنه يجب إنهار الدم فخنقه فإنه لا يحل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3799
إذن نقول: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله، قُرنا في حديث واحد، فيجب أن يكون حكمهما واحدًا، فكما أنه لو نسي أو جهل إنهار الدم فإن الذبيحة لا تحل، فكذلك لو نسي أو جهل التسمية فإن الذبيحة لا تحل.
أيضًا يستدلون لقولهم هذا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] وقوله: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ﴾ عام سواء ترك الذكر نسيانًا أو جهلًا أو عمدًا.
ويجيبون عما استدل به هؤلاء وهو قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] بأن هذا الناسي أو الجاهل ليس بمؤاخذ، لكن أنا أيها الآكل إذا تعمدت أن آكل شيئًا لم يذكر اسم الله عليه والله قد نهاني ويش أكون؟
طلبة: آثم.
الشيخ: آثمًا أكون آثمًا؛ لأني أكلت شيئًا نهاني الله عنه عالمًا ذاكرًا، ولهذا لو أكلت منه ناسيًا أو جاهلًا فليس عليَّ إثم، كما أنه أيضًا نقول: لو أن الرجل ذبح الذبيحة ولم يسمِّ الله عليها عالمًا ذاكرًا فإنه آثم ولا تحل، فهذا نفي المؤاخذة غير ترتب الحكم على الفعل.
أرأيتم الرجل لو صلى محدثًا ماذا تكون صلاته؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة وهو آثم ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وإن صلى عالمًا ذاكرًا محدثًا فصلاته باطلة، وفِعله حرام، وهو آثم، ولو فعل ذلك نسيانًا أو جهلًا.
طلبة: فصلاته باطلة.
الشيخ: فصلاته باطلة، ولكنه غير آثم، نقول أيضًا: هذا مثله إذا ترك التسمية فهو غير آثم، لكن التذكية لا تصح، ونقول: وخصوصًا بالنسبة للمشهور من مذهب الحنابلة؛ المشهور من مذهب الحنابلة أن التسمية للذبيحة تسقط بالسهو والتسمية على الصيد لا تسقط بالسهو.
نقول لهم: وكما أنكم لا تسقطون مع أنكم لا تسقطون التسمية سهوًا في الصيد فيلزمكم أيضًا ألَّا تسقطوها في الذكاة؛ لأن الشروط واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3800
في الصيد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (5) وهنا قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ» (1).
ولا فرق بينهما، فإذا جعلتم ذلك شرطًا لا يسقط بالنسيان فليكن هذا أيضًا شرطًا لا يسقط بالنسيان، بل إننا لو رجعنا إلى النظر ومقتضى الحال لكان سقوط التسمية بالنسيان في الصيد أولى من سقوطها.
طالب: في الذبيحة.
الشيخ: في الذبيحة، لماذا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم؛ لأن الصيد يأتي بدهشة وسرعة وربما ينسى الإنسان مع السرعة الذي يخشى أن يفوت بها الصيد أكثر من موجبات النسيان في الذبيحة؛ لأنه يأتي بها على تؤدة وعناء، فإذن لا فرق بينهما.
قد يقول قائل: أنتم إذا قلتم بعدم حل ذبيحة ما نُسي اسم الله عليه؛ فإنكم تضيعون للمسلمين أموالًا كثيرة؛ لأن الإنسان إذا ذبح بعيرًا بخمسة آلاف ريال ناسيًا أن يسمي وقلتم: إن هذا حرام ولا يجوز أكله أضعتم عليه خمسة آلاف ريال؟
نقول: الإجابة عن هذا بسيطة؛ وهي أننا نقول كما أنكم تقولون: لو أنه ترك قطع المريء نسيانًا فإنها تحرم مع أن قطع المريء، أين المريء؛ المريء من وراء الحلقوم.
أحيانًا تخطئه السكين ومع ذلك تقولون: إنه لا تحل فهذا مثله، ثم إننا في الحقيقة إذا قلنا: بتحريم هذه الذبيحة فإننا نقول: بحفظ الشريعة وحفظ الأموال أيضًا أكثر مما لو قلنا بحلها؛ لأننا إذا قلنا بحلها تهاون الناس بالتسمية وصار ما يهمهم.
لكن إذا قلنا: حرام، وذكر الإنسان أنه في يوم من الأيام جر ذبيحته للكلاب هل ينسى ولَّا لا؟
طالب: لا ينسى.
الجزء: 2 - الصفحة: 3801
الشيخ: أبدًا ما ينسى، يمكن يسمي عشرين مرة؛ فلذلك هذا أحفظ، وما قول هؤلاء في مثل هذا الأمر: إنه إفساد للمال إلا كقول من يقول: إنكم إذا قتلتم القاتل عمدًا فقد زدتم الطين بَلّة أو بِلَّة، وقتلتم شخصين بدلًا من قتل شخص واحد، وإذا قطعتم يد السارق أصبح نصف الشعب أشل مقطوعًا هل هذا صحيح؟
طالب: لا، ليس صحيحًا.
الشيخ: لأننا إذا قتلنا القاتل صحيح أننا قتلنا نفسًا أخرى، لكن كم أحيينا من نفس؟
طلبة: آلاف.
الشيخ: آلاف؛ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] وإذا قطعنا يد السارق كم حفظنا من أموال الناس؟
طالب: الملايين.
الشيخ: الملايين، بينما لو لم نقطع السارق وجدنا سارقًا آخر، وفي الحارة الثانية سارقًا آخر، وهكذا.
طالب: وحفظنا الأيدي.
الشيخ: وحفظنا الأيدي؛ فلذلك نقول: هذا التحقيق ليس بصحيح، وإحنا علينا أن نطبق ما دل عليه الشرع، ونعلم علم اليقين أن تطبيق ما دل عليه الشرع هو المصلحة، وإن كان في ظاهر الأمر قد يكون فيه مفسدة، لكن فيه مصلحة.
رجل أصيب بذات الجنب، وقيل: إن الكي بالنار ينفع من ذات الجنب، فذهبنا وكويناه من ذات الجنب حقيقة أننا آلمناه، ولكننا حفظنا عليه حياته، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: فكل شيء في الغالب، كل شيء في الدنيا الغالب أنه لا بد أن يكون كل مصلحة أمامها مفسدة أو هي ملحوقة بمفسدة؛ يعني إما مسبوقة أو ملحوقة.
هذا الغالب في الدنيا؛ لأن الدنيا اسم أو وصف من الدنو ما يمكن يكون فيها شيئًا كاملًا.
وأنت لو نظرت إلى الأحداث وإلى أحوال بدنك؛ أحوال بدنك اليوم يمكن بالليل يعني بالأمس تكون من الليل نشيطًا، في اليوم الثاني تقوم كسلان، ولا رأسك يوجعك، ولا مفاصلك توجعك، ولا ما أشبه ذلك.
في هذا اليوم أهلك يسرونك إذا دخلت والأولاد ملتزمون، لكن في اليوم الثاني تجد تعب هذا شيء مثلما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا
الجزء: 2 - الصفحة: 3802
وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ
إحنا نقول: هذه المصلحة التي تترتب على منع الإنسان الذي لم يذكر اسم الله عليه من أكل ذبيحته هي مصلحة كبيرة فيها حفظ للشرعية، وليس فيها سبب لإتلاف المال.
إذن الذي نرى في هذه المسألة ما رآه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أن التسمية شرط لا يسقط بالجهل ولا بالنسيان، وإنما تحرم الذبيحة في كل حال، لكن الأكل منها نسيانًا يجوز، يعني ( ... ) ولَّا لا؟
طلبة: ليس فيه إثم.
الشيخ: ليس فيه إثم، لو أُكره على ألا يسمي واحد مثلًا عنده ( ... ) قال: إن سمعتك تسمي فأنا أقتلك مثلًا.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إذا أمكن أن يحرك لسانه بالتسمية حركه، وإذا ما أمكن فبقلبه، الأخرس كيف يسمي الله؟
طالب: بقلبه.
الشيخ: نعم، بقلبه والإشارة ما نقول له: قل باسم الله ينوي بقلبه، ويشير إلى السماء.
لو كتب التسمية كتابة تصلح؟
طلبة: لا.
الشيخ: على السكين ما تصلح، وأنا أقول لكم هذا لأنتقل إلى مسألة أخرى وهي التسجيل، فيه ناس الآن يقولون: إنه فيه محلات مسجلة التسمية، تتحرك يعني الشريط يسمعك الصوت عندما تتحرك الآلة وفيه ناس تقوم بالآلات تخلي هذه الآلة بتشتغل، وها الشريط هذا بيسمى، يجزئ ولَّا ما يجزئ؟
طلبة: ما يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ بلا شك كما أنه لا يجزئ الأذان بالمسجل، لو سجل الإنسان أذانًا وحط التوقيت في مسجلات وقتنا توقيت كل ما جاء الوقت شغل!
طالب: ساعات.
الشيخ: ساعات، يجزئ ولَّا لا؟
طالب: ما يجزئ؟
الشيخ: ما يجزئ؛ لأن هذه العبادات مقصودة لذاتها، ما هو المقصود إسماعه، المقصود فعل العبادة.
سادسًا: أن تكون الذكاة بمحدد ينهر الدم غير السن والعظم، نشوف.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: هل يجزيه؟
الشيخ: هذا ما يجزيه؛ لأن الفاعل غير المسمي.
طالب: ( ... ) الشروط ما تسقط بالنسيان والجهل ( ... ) جميع الشروط.
الشيخ: في جميع الشروط إلا ما يطلب تركه.
طالب: لماذا يخرجونها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3803
الشيخ: السبب لأن الذي يطلب تركه إذا فعل ناسيًا جاهلًا هو ما يترتب عليه أثره.
طالب: لكن ( ... ) يخرجون عن ( ... ).
الشيخ: ( ... ) لأن الشروط اللي يطلب إيجاده شروط إيجابية.
طالب: أنا قصدي الذبح اشتراط التسمية يجعلهم يخرجونها ( ... ).
الشيخ: التسمية مثلما ذكرت في الحديث النصوص العامة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286].
طالب: تشمل جميع الشروط ممكن تشمل.
الشيخ: إي نعم، ومع ذلك ما يدعون تشمل هذا مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
والعجيب -وأنتم والحمد لله طلبة علم- أن ابن جرير رحمه الله نقل الإجماع على أن متروك التسمية سهوًا لا يحرم أكله في تفسيره، لكن ابن كثير تعقبه بقوله: إنه -أي ابن جرير- من الذين لا يرون أن خلاف الواحد والاثنين خارق للإجماع.
طالب: في الذبيحة ( ... ) البسملة ما ورد صور من السلف أو الصحابة.
الشيخ: لأنهم ما يتركونه الصحابة.
طالب: قد يمكن.
الشيخ: ربما، لكن الأصل عدم الترك.
طالب: ( ... ) البسملة ونسيانها ..
الشيخ: ما علينا من ( ... ).
الشيخ: إي نعم، يضمنه؛ لأن ضمان المال ما يتشرط فيه الذكر مثلما لو قلت: خذ هذه الدراهم أمانة عندك، ونسيتها أنت حطيتها مثلًا على عتبة الدكان اللي بداخله، ونسيت وسكيت الدكان، وسُرقت، تضمن ولَّا لا؟
طالب: تضمن.
الشيخ: إي نعم، على كل حال ما على النسيان.
طالب: مثل الضمان اللي يضمن.
الشيخ: يضمن، حتى ما ينسى عقب اليوم.
طالب: نسي التسمية فذكرته ( ... ) بعدما نسي التسمية ( ... ).
الشيخ: ما يكون هذا الظاهر أنها تكون من الصغائر يعني أكل الميتة؛ لأن هذه ميتة، إنها من الصغائر، ما أجد في هذا عقوبة معينة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يمكن إذا كان قد قطع الحلقوم والمريء، أو أنهر الدم ما ( ... )، أما لو كان مثلًا الجلد فقط فهو لا بأس به؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3804
الشيخ: أو مثلًا قدر أنه ذبحها من الخلف، من خلف الرقبة وهو نعم يمكن، المهم إذا لم يقطع ما يشترط قطعه فلا حرج.
طالب: حديث: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ» (1) كأنه بداية.
الشيخ: لا لأنه معروف إنهار الدم ما يكون إنهارًا كاملًا إلا من الودجين، أن تكون الذكاة بمحدد ينهر الدم غير السن والظفر؛ (بمحدد) المحدد ما له حد بخلاف العصا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: إلا السن والظفر غلط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أن تكون الذكاة بمحدد ينهر الدم غير السن والظفر، إي نعم، غلط.
غير السن والظفر والمحدد ما له حد وضده مثل العصا والحصاة وما أشبهها.
وقولنا: (بمحدد ينهر الدم) ظاهره سواء كان هذا المحدد حديدًا أو خشبًا أو قصبًا أو ذهبًا أو فضة أو مغصوبًا أو مباحًا، أي محدد.
وقولنا: (ينهر الدم) هذا في الحقيقة بيان للواقع؛ لأن المحدد إذا ذكي بحده فلا بد أن ينهر الدم، وإنهار الدم سيكون.
وقولنا: (غير السن والظفر) السن معروف والظفر معروف أيضًا، لكن كيف الواحد بيذبح بالسن؟
العصفور يمكن أذبحه بالسن ينهشه ويقطع رأسه، وكذلك الظفر يمكن ولَّا لا؟
طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن، إنما هل المراد سن الآدمي وظفره أو كل سن وظفر؟ الحديث عام: كل سن وظفر، بين الرسول صلى الله عليه وسلم العلة في ذلك قال: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (1).
هذه هي العلة التي علل بها الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن اختلف العلماء في هذه العلة، هل هي قاصرة على المعلول أو متعدية؟
فمنهم من يرى أنها قاصرة على المعلول، ويكون الحكم خاصًّا بالسن والظفر، وأنه لو ذُكِّي بعظم آخر فالتذكية صحيحة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3805
ويرى آخرون أن العلة متعدية، وبناءً عليه يكون كل عظم فإنها تمنع في التذكية، كل العظام، وإلى هذا يميل شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه يعم كل عظم؛ لأن الرسول علل، فقال: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ» (1)، وعلى هذا فلا تجوز التذكية بجميع العظام.
ويرى المناسبة شيخ الإسلام في منع التذكية بالعظام، يرى أن المناسبة في ذلك هي أنه إن كان العظم طاهرًا فإن العلة تلويثه وتنجيسه على الجلد، وإن كان نجسًا فإنه لا يمكن أن يذكى، والتذكية تطهير لشيء نجس.
وعلى هذا فيكون التعليل والمناسبة أقوى من الذين يخصونه بالسن.
بقينا في قول: «الظُّفُرُ مُدَى الْحَبَشَةِ»، هل معنى ذلك أن كل مُدى يستعملها الحبشة خاصة يمنع منها؟
نعم، هذه هي التي يمكن أن نقول: إن العلة فيها قاصرة من أجل السبب أو المناسبة «مُدَى الْحَبَشَةِ»، الحبشة يُبقون أظافرهم طويلة والظفر إذا طال يتقوس ويكون قويًّا حينئذٍ يكون مثل المخيط؛ إذا ضرب به الشيء شقه.
إذا قلنا: إن الأظفار تكون مُدًى، وأن يجوز الذبح بها فإن الإنسان سوف ( ... )، هذه الأظفار، وحينئذٍ يفوته استعمال الفطرة، ما هي الفطرة؟
طالب: قص الأظفار.
الشيخ: هي تقليم الأظفار، تبقى أظفاره كأنه وحش يصيد بظفره، فلذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك؛ لأن الذي يستعمل هذا هو الحبشة ( ... ).
الظاهر لي أنه خاص بظفر الإنسان، وأما السن فالرسول صلى الله عليه وسلم علَّله بعلة تكون شاملة؛ وهي أنه عظم.
السابع: إنهار الدم في الرقبة إن كان مقدورًا عليه بقطع الودجين، أو في غيرها إن كان غير مقدور عليها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يكفي هذا؛ لأنه تكون مشابهًا للحبشة في هذا الأمر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يفعل السنة بقصه أقول: يفعل السنة بقصه، لكن عندنا عام.
إحنا ذكرنا لكم فيما سبق أن العلة إذا كان ما هي منصوص عليها فإنه يبقى الحكم على عمومه، ولا يتغير به، تكون مناسبة فقط.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3806
الشيخ: كيف؟
طالب: العلة يعني ( ... ).
الشيخ: يعني المناسبة ما هي بقوية ما هذه العلة، العلة مُدى الحبشة.
طالب: المناسبة.
الشيخ: المناسبة هي هذه، وأما كونها هي العلة، العلة علَّلها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها مُدى الحبشة، لكن بإجماع أهل العلم ليس مدى الحبشة من حديد أو خشب أو نحوه ليس محرمًا التذكية به، وليس مانع من الحل.
لو فرضنا أن الحبشة يستعملون سكاكين خاصة معروفه بأنها سكاكين الحبشة بإجماع العلماء أنها لا يحرم التذكية بها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إن كان مقدورًا عليه بقطع الودجين أو في غيرها، الرقبة ( ... ) وقوله: (بالرقبة) يشمل أعلاها وأسفلها ووسطها، ويشمل داخلها وخارجها يعني سواء من فوق، أو من تحت، لكن من فوق يشترط أن تصل السكين إلى مكان الذبح، وفيها حياة مستقرة، فلو فرض أنه جعل ( ... ) مثلًا من فوق وماتت قبل أن يصل إلى ما يجب قطعه؛ فإنها لا تحل.
وعندنا نقول: (بقطع الودجين) ما هما الودجان؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الودجان.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الأعصاب ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: يعني هذه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما تعرف كوعك من كرسوعك، وين الكوع والكرسوع تعرفه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: وين في اليد؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، لكن أيها؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الخطان المحيطان بالحلقوم؛ خطان غليظان من الدم، وتسمى أيضًا الأوردة عند العامة، يسمونها وردان جمع وريد.
وفي القرآن: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]، هذان العرقان إذا ذبحت الذبيحة أنتم تشاهدون أنها تصب بقوة الدم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ» (1)، ولا شك أن الدم لا ينهر إلا بقطعهما؛ ولهذا نقول بقطع الودجين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3807
وفي الرقبة أربعة أشياء: حلقوم ومريء وودجان؛ الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام؛ فالحلقوم هو هذه الغضاريف التي على شكل القصبة، هو معروف، وجعلها الله سبحانه وتعالى بهذه الصفة لسهولة التنفس، لكن المريء عبارة من جنس الأمعاء من فوق الحلقوم ومجرى الطعام والشراب.
هذه الأشياء الأربعة اختلف العلماء هل يشترط قطعها أو قطع اثنين منها، وما الاثنان، أو قطع ثلاثة، وما الثلاثة؟
ولم يرد في السنة شيء يبين ذلك إلا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ».
فيرى بعض العلماء أن العِبرة بقطع الحلقوم والمريء، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ العبرة بقطع الحلقوم والمريء، ويعللون ذلك بأنه لا يمكن أن تبقى الحياة مع قطع هذين الشيئين، وهما مسار الحياة؛ هذا مسار النفس، وهذا ( ... )، فلهذا وجب قطعهما، وأما الودجان فإن قطعهما سُنَّة، وليس بواجب.
ولا شك أن هذا التعليل منتقض لا يصح طردًا ولا عكسًا؛ لأن ما هو المقصود أن يقطع الإنسان ما لا تبقى معه الحياة لو كان كذلك لقلنا: إذا شق بطنها وقطع أمعاءها.
طالب: لحلت.
الشيخ: حلَّت، ومع ذلك ما تحل، وأيضًا ما يصح عكسًا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ»، وهنا لا يمكن إنهار الدم، والعلة في تحريم الميتة هو احتقان الدماء فيها.
فإذن لو لم يقطع الودجين ما يمكن ينهر الدم كله أبدًا إلا بقطع الودجين، ولهذا الذي نراه في هذه المسألة هو قطع الودجين.
ويرى آخرون -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- أنه يجب قطع اثنين من ثلاثة؛ وهما الودجان والحلقوم والمريء؛ يعني قطع ثلاثة من الأربعة، إما الودجان والمريء، أو الودجان والحلقوم، أو المريء والحلقوم وأحد الودجين، ولكن قطع الحلقوم والمريء ما وجدت فيه دليلًا من الكتاب والسنة يدل على القطع، وإنما الواجب إنهار الدم، وهذا حاصل بقطع الودجين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3808
أو في غيرهما إن كان غير مقدور عليه، شوف إنهار الدم (في غيرها) أي غير الرقبة إن كان غير مقدور عليه وأيش اللي غير الرقبة؟
بقية الجسم إذا كان غير مقدور عليه نقول لبعده.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما نقول لبعده؛ لأن البعيد يمكن نصل إليه، لكن لعدم القدرة على تذكيتة بالرقبة.
افرض أنه بعير ندَّ وهرب، كل ما جئنا نمسكه عجزنا عنه فرميناه وأصبناه ومات، فهذا يحل؟ لأنه ندَّ بعير في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فأصابوه بسهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» (1).
كذلك أيضًا من غير المقدور عليه لو أنه سقط في بئر ما يمكن الوصول إليه صارت رقبته من ( ... ) الجب؛ فإنه يرمى أو ينزل إنسان مثلًا ويقطعه حتى يموت؛ لأنه غير مقدور عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
ولهذا أصل في الشريعة ما هو الأصل؟ الأصل: الصيد، لماذا حل الصيد بجرحه في أي موضع من بدنه؟
طلبة: لعدم القدرة.
الشيخ: لعدم القدرة، فإذن لا فرْق بين الصيد وبين غيره ما دام أن مناط الحكم هو العزف عن التذكية في الرقبة.
ثانيًا: أن يكون مأذونًا في ذكاته، فإن كان ممنوعًا لحق الله كالصيد في الحرم لم يحل للذكاة، وإن كان لحق الآدمي كالمغصوب ففي حله قولان.
أن يكون مأذونًا في ذكاته؛ فإن لم يكن مأذونًا في ذكاته فإنه لا يصح، ويش الدليل؟
الدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (6). هذه الذكاة المحرمة ليس عليها أمر الله ورسوله فتكون مردودة؛ وذلك لأن في الذكاة ما هو صحيح وفاسد، فإن وقع على الوجه الشرعي فصحيح، وإن وقع على الوجه الفاسد.
طالب: فليس بصحيح.
الشيخ: فليس بصحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3809
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] فسمى الله تذكيته قتلًا، لماذا؟ لأنه غير مأذون في ذبحه، فإتلافه -ولو بالذبح- يعتبر قتلًا؛ ولهذا حرم الله قتله.
إذا كان صيدًا في الحرم، وصاد الإنسان هذا الصيد، ومسك الأرنب، وذبحها قلنا: هذه ليست حلالًا، لماذا؟
طالب: منهي عنه.
الشيخ: لأنه منهي عنه.
لو أنه ذبحها للضرورة؛ إنسان جائع مثلًا ووجد أرنبًا وذبحها للضرورة ما رأيكم؟
طالب: تحل.
الشيخ: تحل، نعم تحل، ولكن هل يأكل منها بقدر الضرورة؟ أو نقول: الآن هي حلال ويأكلها كلها.
طلبة: لا يأكلها.
الشيخ: لا، ما دام قلنا: إن ذكاتها حلال، وأنها حلت بهذه الذكاة فتكون حلالًا كلها.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: أن يكون مأذونًا في ذكاته فإن كان ممنوعًا لحق الله كالصيد في الحرم لم يحل للذكاة، وإن كان لحق آدمي كالمغصوب، ففي حله قولان.
هذه المسألة يشترط أن يكون مأذونًا في ذكاته، فأما إذا كان غير مأذون فإنه لا تصح؛ وذلك لأن الفعل هنا أو التحريم وقع على نفس الفعل الموصوف بالصحة، وبالفساد فإن التذكية عمل يوصف بالصحة والفساد، وكل عمل يوصف بالصحة والفساد فإنه إذا وقع على غير الوجه الشرعي كان فاسدًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (7).
الجزء: 2 - الصفحة: 3810
فإذا كان غير مأذون فيه لحق الله مثل الصيد في الحرم؛ إنسان مثلًا أمسك أرنبًا في الحرم وذكاها، فإن هذه الأرنب التي ذكيت لا تحل؛ لأن هذا الفعل ممنوع منه، وهو فعل ينقسم إلى صحيح وفاسد، فإذا وقع على غير الوجه المأذون فيه صار فاسدًا لا يترتب عليه شيء من أحكامه؛ ولذلك لو أن الإنسان ذبح صيدًا في الحرم فإنه يكون كالميتة لا يحل، أما إذا كان ممنوعًا لحق الآدمي لا لحرمة الصيد نفسه المذكى، ففي حله قولان لأهل العلم المشهور من المذهب أنه يحل؛ لأن تحريمه هنا ليس لمعنى يتعلق بنفس المذكى ولكن تحريمه، لحق الغير؛ لأن ( ... ) ولهذا قالوا: إنه تصح ذكاته، ولكن مع ذلك هل يجوز له أكله ولَّا ما يجوز؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز له أكله، ما يجوز أكله لا؛ لأنه نجس ميتة، لكن لأن هذا المال لغيره كما لو وجد لحمًا قد ذُكي بغيره وأخذه وأكله؛ فإنه حرام عليه، واضح يا جماعة الآن؟
طالب: نعم.
الشيخ: صار المحرم لحق الله لا يجوز لا تصح تذكيته؛ لأن التحريم يعود لمعنى يتعلق بذات المذكى أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أما إذا كان لحق الآدمي فإن فيه قولين لأهل العلم:
أحدهما أن ذكاته صحيحة؛ لأن التحريم لا يتعلق بعين المذكى، وإنما يتعلق بحق آدمي، فهو في أمر خارج.
والقول الثاني أنه محرم لا تصح ذكاته؛ لأن هذا الفعل نفسه حرام، وهو ينقسم إلى صحيح وفاسد؛ فإذا وقع على وجه حرام صار فاسدًا لا يترتب عليه أثره.
فلكل قول وجهة في الواقع، لكل قول من القولين في مسألة المغصوب له وجهة، وعلى القولين جميعًا فإنه يلزمه الضمان، الضمان لمن؟
طلبة: لصاحبه.
الشيخ: لصاحبه؛ لأنه أتلفه، وبماذا يكون الضمان؟ هل هو بمثله أو بقيمته؟
طالب: قيمته.
الشيخ: يخير، صاحب الحيوان يخير بين مثله وقيمته، لكن عند النزاع إذا قال: لا أنا أريد القيمة، وقال المتلف: لا، أو قال: أريد المثل، وقال المتلف لا.
طالب: قيمته يا شيخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3811
الشيخ: ما عندهم قاعدة معروفة لأهل العلم في هذه المسألة، ويش هي القاعدة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: لكن ما هو المثلي، المثلي على المذهب مر عليكم يا جماعة فيما سبق في باب القرض أو في باب الغصب.
إن المثلي هو كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، وليس فيه صناعة مُباحة.
طالب: وهذا ليس بمثلي، وهذا لا ينطبق عليه المثلية، وعلى هذا فيضمنه في المذهب.
طالب آخر: بالقيمة.
الشيخ: بقيمته، ولكن الصحيح أن المثلي ما كان له مثيل؛ ولهذا استسلف النبي صلى الله عليه وسلم بكرًا ورد خيرًا منها (8) رد من الإبل، ولم يرد من القيمة.
فدل هذا على أن المثلي كل ما له مماثل.
ولما ضربت عائشة يد الخادم الذي جاء بطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندها من إحدى زوجاته، وانكسرت الصحفة أخذ النبي عليه الصلاة والسلام الطعام من عائشة وصحفتها، وردَّها مع الرسول وقال: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» (9).
وهذا دليل على أن المثلي كل ما له مماثل، وعلى هذا فيضمن الحيوان الذي ذبحه بغير إذن صاحبه.
طالب: بمثله.
الشيخ: يضمنه بمثله، فإن تعذَّر رجعنا إلى القيمة.
وبعد هذا ننتقل إلى الصيد.
طالب: الحائض ( ... ).
الشيخ: إي نعم، الحائض والنفساء والجنب والفاسق، كل هؤلاء تحل ذبيحتهم.
باب الصيد
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3812
الشيخ: يقول: تعريف الصيد؛ الصيد مصدر (صاد يصيد) المصدر (صيدًا)، وقد يراد بالصيد المصيد، فيكون من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، وهذا كثير في اللغة العربية، وهو باعتباره مصدرًا (اقتناص حيوان حلال متوحش) فقولنا: (حلال) احترازًا من الحرام، لو أن الإنسان رمى ذئبًا وقتله؛ لم يكن ذلك صيدًا، وقولنا: (متوحش) احترازًا من الأهلي، كالإبل والبقر وما أشبهها، فإنه لو رماها، لو ندت وهربت ورماها وأجادها فإنه لا يسمى ذلك صيدًا، إنما الصيد هو الحيوان المتوحش الحلال؛ هذا هو الصيد، وهل يدخل في هذا صيد البحر؟ إي نعم؛ لأن الله سماه صيدًا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96]، إلا أن صيد البحر لا يشترط فيه الذكاة، ولا يشترط فيه أيضًا الذبح ما يشترط فيه الذكاة.
شروطه: أولًا: أن يكون الصائد من أهل الذكاة، ومن هم أهل الذكاة؟
طالب: أن يكون مسلمًا.
الشيخ: العاقل، مسلمًا كان أو كتابيًّا هذا واحد، الشرط الثاني: قصد الصيد، وقد سبق أنه يشترط في الذكاة قصد التذكية، فلو لم يقصد الصيد فإنه لا يحل، مثل إنسان رمى حجرًا أو هدفًا، ثم أصاب صيدًا فإن الصيد لا يحل، لماذا؟
لأنه لم يقصده، لكن لو رمى صيدًا وأصاب غيره فإنه يحل، مثل: رأى مثلًا طائرًا على عسيب نخلة فرماه، ولكنه أصاب طائرًا آخر على العسيب الثاني ولم يصب الأول؛ فإنه يصح؛ لأنه أصلًا قد قصد صيدًا.
ولهذا تجد الإنسان يرمي فرقًا من الطيور ويصيب كم؟
طالب: خمس.
الشيخ: يمكن يصيب خمسة، ستة، عشرة، مع أنه ما قصد كل هذه، لكنه في الحقيقة قصد هذا الفرق.
إنما على كل حال العلماء يقولون: إنه لا يُشترط قصد نفس الصيد المعين، فإذا قصد الصيد ولو أصاب غير ما قصد فإنه يحل بخلاف ما لو قصد هدفًا وأصاب صيدًا فإنه لا يحل.
ما هو الدليل على ذلك؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3813
الدليل على ذلك هو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (10) فإن هذا نص في القصد، إذ لا يرسله، ويذكر اسم الله عليه إلا وهو قاصد، وكما قلنا في الذكاة أن الله سبحانه وتعالى نسبها إلى فعل الإنسان فقال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] ومعلوم أن الإنسان العاقل لا يفعل فعلًا إلا بعد نيته.
الثالث: ألا يذكر اسم غير الله عليه، فإذا ذكر اسم غير الله عليه لم يحل، حتى لو ذكر معه اسم الله بأن قال: باسم الله وباسم الشعب، باسم الله وباسم القومية، باسم الله وباسم كذا فإنه لا يحل؛ لأن هذا من الشرك، لكن فيه عبارة عند الناس مثلًا، أكلمكم باسم الشعب مثلًا، أو باسم الطائفة الفلانية أيش حكمه؟
طلبة: جائز.
الشيخ: إي هذا جائز؛ لأنه ما يريد التبرك باسمهم إنما يريد التكلم عنهم.
طلبة: كنيابة.
الشيخ: كنيابة إي نعم؛ ألا يذكر اسم غير الله عليه، ويش الدليل على هذا؟
طالب: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3].
فإذا قال قائل: هذا أهل لغير الله ولله به؛ لأنه قال: باسم الله وباسم كذا؟
قلنا: اجتمع، مبيح وحاظر، فوجب أن يغلب جانب الحظر، هذا من جهة القاعدة المعروفة، وأيضًا سدًّا للذريعة؛ لأنه الآن أشرك به مع الله، ويأتي يوم ربما يفرده دون الله.
الرابع: التسمية عند الرمي.
طالب: ( ... ).
الشيخ: تحريم أيش؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3814
الشيخ: تكلمنا معكم كثيرًا، الدليل الخاص أولى من الأدلة العامة؛ لأن الأدلة العامة قد ينازع فيها منازع ويقال: هذا لا يُُراد به العموم، لكن الدليل الخاص ما يمكن لأحد أن ينكر دلالة النص على هذا الحكم.
فيه أيضًا التسمية عند الرمي أو إرسال الجارحة، دليلنا قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث أبي ثعلبة الخشني وغيره أيضًا: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (10).
فلا بد من التسمية عند الفعل، فلو سمى عند وضع السهم في القوس، ولكنه ما رمى إلا متأخرًا يجزئ ولَّا ما يُجزئ؟
طالب: ما يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ، وكذلك لو سمى عند ( ... ) البندق، بعض الناس يسمي ( ... ) البندق ويقول: علشان ( ... ) عدة الصيد.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ما يصح؛ لأن المقصود التسمية عند الفعل الذي تحصل به الذكاة أو عند الفعل الذي يحصل به الصيد، أما عند فعل، كأن يقول بعد إذا صنع البندق صانع مسلم، أو كتابي، وسمى الله عند صنعتها كفت كل من رمى بها، وهذا لا يقول به أحد.
التسمية عند الرمي، أو عند إرسال الجارحة، ويش هي الجارحة؟ الجارحة هي الكاسبة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] يعني الجوارح الكواسب التي تكسب لأصحابها، وهي سيأتي أنها نوعان.
ما ذكر الجارحة، لكن الجارحة نوعان: نوع يصيد بنابه ونوع يصيد بمخلبه.
المهم أنه يشترط إذن التسمية عند الرمي، أو إرسال الجارحة، فلو تقدمت التسمية لم تصح، ولو تأخرت صحت في الجارحة إذا زادت في العدو عند زجرها، وسيأتي بعد.
الخامس: أن يكون الصيد بآلة شرعية، والآلة الشرعية نوعان:
أولًا: محدد يشترط فيه أن يجرح.
والثاني: جارحة يشترط أن تكون معلمة.
الآلة الشرعية نوعان: محدد مثل السهم والرصاص، وكذلك أيضًا ( ... ) في الحقيقة ليس يقتل بثقله، وإنما يقتل.
طالب: بنفوذه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3815
الشيخ: بنفوذه، فهو يشبه المحدد.
وقد اختلف الناس أول ما ظهر البندق هذا الرصاص، اختلف فيه أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه الوقيذ الذي يقتل به؛ لأنه ما فيه حد ينفذ في الجسم، ومنهم من قال: إنه ليس بوقيذ؛ لأنه ينفذ في الجسم نفاذ المحدد لقوته.
قال: والدليل على ذلك أنك لو أنك أخذت أنت أقوى رجل في العالم، وجعلته يرمي بهذا ( ... ) على هذا الصيد يقتله ولَّا لا؟
طالب: ما يقتله.
الشيخ: ما يقتله، فدل هذا على أنه ليس يقتل بثقله وإنما يقتل بنفوذه، فيكون كالمحدد سواء، وهذا القول هو الصحيح، وقد حكي الإجماع عليه، نعم، قد حُكي الإجماع عليه؛ يعني أن العلماء أول ما ظهر اختلفوا، ثم أجمعوا على أنه حلال.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أول ما ظهر حتى الآن يعني ما أحد خالف في هذه المسالة.
إذن المحدد يشترط فيه أن يجرح، فإن لم يجرح بأن قتل بثقله أو بعرضه؛ فإنه لا يحل.
ونضرب لكم مثلًا برجل صنع سهمًا ورأس السهم دائمًا يكون كالإبرة مدببًا، ثم رمى به الصيد إن أصابه بهذا الرأس فإنه يحل، وإن أصابه بعرضه؛ اعترضه وضربه بالعرض فقتله فإنه لا يحل؛ وعلى هذا فلو رأيت عصفورًا مثلًا طائرًا ومعك عصا وخبطته بالعصا حتى سقط ميتًا فإنه لا يحل؛ لأن هذا ما قتل بجرحه ونفوذه بل بثقله.
(يشترط فيه أن يجرح) ولو قيل: يشترط فيه أن يجرح، وألا يكون سنًّا وظفرًا لكان هذا أولى؛ يعني أيضًا يشترط مع ذلك ألا يكون سنًّا وظفرًا؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ» (1). فالسن والظفر ما يذكى به، ولا يصاد به.
طالب: أيش ضابط الجرح؟
الشيخ: الجرح أن يشق الجلد.
طالب: وينزف الدم.
الشيخ: وينزف الدم.
ثانيًا: وجارحة يشترط أن تكون مُعلَّمة؛ (الجارحة) قلت: إنها الكاسبة ويشترط أن تكون مُعلَّمة وهي نوعان:
الجزء: 2 - الصفحة: 3816
ما يصيد بنابه مثل: الكلب، والفهد، وما دُرب على ذلك، وما يصيد بمخلبه مثل: الصقر والبازي وغيره مما علم من هذه الطيور هذا المعلم بماذا نتحقق أنه متعلم أو غير متعلم؟
بالتجارب إذا زجرته انزجر وإذا أرسلته استرسل، وإذا أمسك الشيء لم يأكل منه، كان ذلك دليلًا على أنه متعلم؛ ولهذا قال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: 4]، فاشترط العلم، فهذا الكلب مثلًا إذا رأى الصيد ما يمكن يروح أبدًا حتى أقول رُح، حتى أرسله، إذا أرسلته وهو يشاهد الصيد، ثم زجرته فوقف فمعناه أنه متعلم، وإن لم يقف فمعناه أنه غير متعلم.
ما نقول: متعلم، لكن متمرد؛ لأنه أولًا ما استرسل حتى أرسلته أنا، كان يشوف الصيد، ولكن ما تحرك حتى أرسلته، لما أرسلته وزجرته بيقف، أبى أن يقف، فهل نقول: إن هذا متعلم؛ لأنه استرسل بإرسالك، ولكنه متمرد؛ لأنه لم يقف، فعاند قال: هذا يرسلني ويوقفني ما يمكن أطيعه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما يخالف إذا ذهب، يعني أبى أن يقف وذهب وصادها وأتى بها كاملة ما أكل منها شيئًا، فهل تحل ولَّا ما تحل؟
طالب: تحل.
الشيخ: المذهب أنها لا تحل؛ لأنه يقول: لازم أنه يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر يقف؛ لأنه حينئذٍ يكون متعلمًا، والمسألة تحتاج إلى نظر؛ لأنه الآن لما لم يسترسل إلا بإرسالك، ولم يأكل من الصيد، لما استرسل بإرسالك ولما صادها لم يأكل منها شيئًا علم أنه صادها لأجلك، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] إذا كان أمسكها على معناه جابها لي، وحينئذٍ تكون حلالًا.
لكن المشهور عند فقهائنا رحمهم الله يقولون: لا بد أن ينزجر إذا زجر؛ لأن كونه ينطلق بأمرك، وإذا زجرته ما وقف معناها الآن أنه جعل السلطة لنفسه، فلم يكن من أجلك وهي تحتاج إلى نظر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3817
يشترط أيضًا في تعلمه، إذا أمسك ألا يأكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» (11) إذا كان إذا أمسك الصيد أكل ولا شبع جاب لك الفضلة، ويش يصير هذا؟
طالب: هذا ما أمسك لك.
الشيخ: هذا ما أمسك لك، ما أمسك عليك، إنما أمسك على نفسه، فلا يجوز الأكل؛ لأنه أمسك على نفسه، أما إذا كانت تصيد بمخلبها فيشترط فيها أن تسترسل إذا أرسلت، وأن تنزجر إذا زجرت.
قال الفقهاء: ولا يشترط ألا تأكل، لا يشترط في الصيد ألا يأكل؛ لأنهم يقولون: إنه لا يمكن إلا أن يأكل، لا بد أن يأكل، يعني مستحيل أن يقع تعليمه بدون أكل.
فإذا صح هذا الأمر فإننا نقول: يلغى هذا الشرط بالنسبة لأيش؟
بالنسبة للجارح الذي يصيد بمخلبه؛ لأننا لو اشترطنا ألا يأكل وهو مستحيل ألا يأكل، لم يكن لحل صيده معنى ولا فائدة، فإذا ثبت أنه ما يمكن إلا أن يأكل وهكذا قال الفقهاء: فإنه لا يشترط ألا يأكل.
بناءً على هذا التقرير معناه أنه يجوز اقتناء الكلب لهذا السبب، أو لا؟
طلبة: هو كذلك.
الشيخ: نعم، وهو كذلك يجوز أن يقتنى الكلب من أجل حصول الصيد كما يجوز أيضًا أن يقتنى من أجل دفع المضرة، ويش يفيد؟
طالب: في الحرث.
الشيخ: في الحرث، والماشية وعلى هذا إذا أردنا أن نتوسع في القياس فنقول: يجوز اقتناء الكلب لحصول مصلحة أو دفع مفسدة، نعم، وما سوى ذلك فإن اقتناءه لا يجوز.
ظاهر الكلام المذكور هذا أنه لا يشترط فيما صيد بالجارحة، لا يشترط أن يجرح، فلو خنقه خنقًا فإنه يحل؛ لأن إحنا ما ذكرنا أنه يشترط أن يجرح ذكرنا يشترط أن يجرح بالمحدد، أما هذا فإنه ليس بشرط؛ لأن الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس فيها ذكر أن يجرح.
الجزء: 2 - الصفحة: 3818
ولكن المشهور من المذهب أنه لا بد أن يجرح، وأنه لو خنقه خنقًا فإنه لا يحل، ويستدلون بعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ» (1).
والذين يأخذون بعموم يعني بحل صيده وإن لم يجري الدم يقولون: إن الحديث ظاهر في أن المراد به الآلة ليست الجارحة؛ لأنه قال: «إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ»، والاستثناء يدل على أن الجنس الأول هو الآلة، وليس الجارحة، ومن احتاط ولم يأكل منه فهو حسن؛ يعني لو أن إنسانًا تركه ولم يأكل منه فهو حسن؛ لأن الخلاف في هذا قوي جدًّا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: وهو أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: وهو نوع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يعني قصدك الجارحة؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: الجارحة بالنسبة لذي المخلب كما قلت: لا بد أن يجرح، لكن بالنسبة للكلب، الكلب يمكن، إي نعم.
هل يشترط أن يكون الكلب غير أسود؟ لأن الأسود شيطان، نعم، هذا محل خلاف أيضًا؛ المشهور من المذهب أن الكلب الأسود لا يباح صيده، ولو كان متعلِّمًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» (12). ولذلك لا يحل اقتناؤه مطلقًا حتى للحرث والماشية إلى آخره.
والقول الثاني: أنه يحل صيد الكلب الأسود؛ وهو المشهور من مذهب الأئمة الثلاثة أنه يحل صيده، أيهما أقرب إلى الصواب؟
الذين يقولون بالحل يقولون: لأن الأحاديث الواردة في حل قتل الجارحة، وكذلك القرآن عام: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4]، ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ» (13)، ولم يقيده، والمقام يقتضي البيان، وكون الرسول يقول: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»، هذا بالنسبة لإبطال الصلاة، ولا يلزم من ذلك أن يكون في جميع الأحكام شيطان، ثم إن الجارحة هل هي تصيد بنفسها، أو بفعل مالكها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3819
الحقيقة أنها تصيد بفعل مالكها؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ» فجعل هذا الكلب بمنزلة الآلة؛ لأن فعله فعل صاحبه، فهو وإن كان شيطانًا إلا أنه نائب عن إنسان مؤمن.
الشرط السادس: أن يكون مأذونًا في صيده، فإن لم يكن مأذونًا في صيده فإنه لا يحل.
مثل أيش؟
طالب: صيد الحرم.
الشيخ: كصيد الحرم، لو أن الإنسان رمى صيدًا في الحرم، أو رمى صيدًا وهو محرم، وإن كان خارج الحرم؛ فإنه لا يحل؛ لأنه غير مأذون في صيده.
هل يشترط أن يكون في الرقبة؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يشترط؛ لأن النصوص الواردة في ذلك لم تشترطه؛ ولأنه ليس مقدورًا عليه حتى نتمكن من أن تكون التذكية في الرقبة.
لو أنه قدر عليه؛ هذا الرجل اصطاد الصيد وسقط الصيد حيًّا، هل يشترط ذكاته ولَّا نقول: خليه ليموت؟
طلبة: يشترط.
الشيخ: يشترط ذكاته، إلا أنه إذا كان قد وصل إلى حال لا يمكن أن يعيش فيها فإنه يجزئه ذلك؛ لأنه قد أصابها.
لو وجده غريقًا في الماء، لما ضغطه سقط في بركة أو في ماء، ثم ذهب فوجده قد مات، فإنه لا يحل، ولكن لا يحل إلا أن نعلم أنه مات بالجرح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ».
وعلل قال: «لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي، الْمَاءُ قَتَلَهُ أَمْ سَهْمُكَ؟ » (14).
فلما علل قال: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي»، وقال بالأول: «إِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ» دل هذا على أننا لو علمنا علم اليقين أنه مات في الجرح؛ فإنه يحل، مثل لو الرجل ضرب هذا الصيد وسقط في الماء وفي الحال فورًا نزل وأخذه.
طالب: وذكَّاه.
الشيخ: لا ما ذكَّاه، ووجد أن الجرح قد أصابه على وجه يميته فحينئذٍ قد علمنا أيش؟
طالب: أنه مات.
الشيخ: أنه مات بسهمه، والرسول صلى الله عليه وسلم علل قال: «لَا تَدْرِي، الْمَاءُ قَتَلَهُ أَمْ سَهْمُكَ؟ » (14).
الجزء: 2 - الصفحة: 3820
كذلك أيضًا لو وجدنا مع كلبنا كلبًا غيره؛ جاء الكلبان يحملان هذه الصيد يحل ولَّا ما يحل؟
طلبة: ما يحل.
الشيخ: ما يحل، لماذا؟ لأننا لا ندري هل الذي قتله كلبنا أو الكلب الآخر، فإن علمنا أن الذي قتله كلبنا، وأنه جاء هذا وحمله معه فإنه يحل، فالمسألة لا تخلو من ثلاث حالات في هذه المسألة، وكذلك في مسألة الغريق في الماء، إما أن نعلم أنه أُصيب بالسهم أو بالكلب المعلم، إذا علمنا؛ فالحكم الحل، أو نعلم أنه مات بالسبب الآخر فالحكم؟
طالب: الحرمة.
الشيخ: التحريم، بلا شك في المسألتين، أو نجهل الأمر ما ندري هذا أو هذا، فإننا لا نأكل منه تغليبًا لجانب الحظر، نعم، فلا يجوز الأكل منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3821
نقرأ.
طالب: لو أن ( ... ) وجد مع كلب غيره ( ... ).
الشيخ: ( ... ) اللحم مثلًا هر، جاء إلينا بدجاجة حية، هل نأخذها منه؟ هذه على كل حال إذا علمنا أنه من فلان أو من فلان وجب إنقاذ مال معصوم؛ يجب أن نأخذه وجوبًا.
طالب: إذا كان عصفور.
الشيخ: إذا كان عصفور ما له مالك.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إذا كان ما له مالك، هل يجوز أن نأخذه منه؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: ولا نقول: هذا ملكه بإثباته والاستيلاء عليه؟
طالب: ما يملكه ..
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
﴿كتاب الأيمان﴾
مدخل
تعريفها: الأَيْمان جمع (يمين)، وهو القسم، وهو تأكيد الشيء بذكر مُعظَّم، وحروف القسم ثلاثة وهي: الواو والباء والتاء.
والتاء تختص بالظاهر، وبالله فقط ورب، قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57]، وأما الواو فتختص بالظاهر، والباء تكون في الظاهر وفي المضمر.
إذن فأقلها دائرة هي التاء؛ لأنها تختص بالمضمر، وباثنين من أسماء الله، وهما الله ورب، وأما الباء فإنها تختص بالظاهر، لكن في جميع الأسماء: أحلف بالله، وأحلف بالرحمن، وأحلف برب العالمين، وما أشبه ذلك، والباء تكون في الظاهر وفي المضمر، وأما الواو فتختص بالظاهر، لكن في جميع الأسماء تقول: والله والرحمن والعليم والعزيز وما أشبه ذلك.
إذن أوسعها الباء من حيث دخولها على جميع الأسماء ظاهرة ومضمرة.
طالب: الواو.
الشيخ: الباء هي أعمها، تقول: أحلف بالله، وأحلف به تعالى.
والواو تدخل على الظاهر فقط على جميع الأسماء، والتاء تدخل على الظاهر فقط، ولكن على اثنين من أسماء الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3822
الباء أيضًا أعم منهما من جهة أخرى؛ وهي أنها تكون مع وجود فعل القسم وحذفه مع ذكر وحذف عظيم، وأما تالله؛ التاء والواو، فإنها لا يُذكر معها فعل القسم، فلا تقول: أحلف والله، ولا أحلف تالله، لكن الباء يُذكر فيها، فالباء في الحقيقة هي أوسعها.
إذن حروف القسم كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة: الباء، والواو، والتاء.
أما شروط وجوب الكفارة بها بها فستأتي.
المهم الآن تعريف الأيمْان: جمع (يمين)، وهو القسم، واصطلاحًا هو تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مقصودة.
وحروف القسم ثلاثة: الباء والواو والتاء.
تختص التاء باثنين من أسماء الله وهما الله ورب، قال ابن مالك في الألفية:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
....... وَالتَّاءُ لِـ (اللَّهِ وَرَبْ)
والتاء لله ورب خاصة، وتختص الواو بأيش؟ بالأسماء الظاهرة عامة، وتشمل الباء الظاهر والمضمر، وهي أيضًا أعم منهما من جهة ذِكر فعل القسم وحذفه، أما الواو والتاء ففعل القسم فيها محذوف.
باب جامع الأيمان
شروط وجوب الكفارة بها: أولًا: ينبغي أن نعرف حُكم الأيمان، هل الأيمان من الأشياء الجائزة التي ينبغي أن تُفعل، أو من الأشياء الجائزة التي لا ينبغي أن تفعل إلا لسبب؟ نقول: هي من الأشياء الجائزة التي لا ينبغي أن تُفعل إلا لسبب، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] أي: لا تُكثروا الأيمان، ولكنها للمصلحة قد تكون مطلوبة، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُقسم في ثلاثة مواضع من القرآن، أما إقسام الله تعالى في القرآن فكثير، لكن أمره بالإقسام في ثلاثة مواضع، تجيب لنا واحد منها؟
طالب: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7].
الشيخ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾.
الطالب: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: 109].
الشيخ: لا.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3823
الشيخ: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: 53]، والثالث: ( ... ) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: 3]، ففي ثلاثة مواضع أمر الله نبيه أن يقسم؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك وإلا فالذي ينبغي ألا يحلف الإنسان.
أما حكم الحِنث باليمين، فالحنث باليمين يكون على الأحكام الخمسة: قد يكون واجبًا، مُحرَّمًا، ومستحبًّا، ومكروهًا، ومباحًا، تأتي فيه الأحكام الخمسة حسب ما تقتضيه الأسباب والعِلل، وإذا حنث الإنسان فيها سواء كان الحنث واجبًا، أو محرمًا، أو مكروهًا، أو مُستحبًّا، أو مباحًا، إذا حنث وجبت عليه الكفارة، ولوجوب الكفارة شروط.
فصار البحث -يا جماعة- الآن في أدوات القسم، وفي حكم الإقسام، وفي الحنث، وفي حكم الحنث؛ فالحنث معناه مخالفة ما حلف عليه، أن يخالف ما حلف عليه، وحكم الحنث ماذا نقول فيه؟
طالب: تجري فيه الأحكام الخمسة.
الشيخ: تجري فيه الأحكام الخمسة، والكفارة تجب بالحنث بشروط ستة:
أولًا: أن تكون -أي اليمين- بالله أو صفة من صفاته.
بالله يعني سواء كان بلفظ الله، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته.
واعلم أن الاسم تارة يكون خاصًّا بالله مثل لفظ الجلالة والرحمن، وتارة يكون ظاهرًا في اسم الله، وتارة يكون غير ظاهر محتمل، فما كان خاصًّا بالله أو ظاهرًا فيه فهو يمين بمجرد النطق به، وما كان محتملًا له ولغيره فهو يمين بشرط نية لله.
طالب: مثال؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3824
الشيخ: مثلًا: الله والرحمن، هذا من أسماء الله الخاصة به، فإذا قال إنسان: والله لأفعلن فهو يمين، والرحمن لأفعلن فهو يمين، وتارةً يكون الوصف ظاهرًا في الله مثل العزيز والحكيم، وما أشبه ذلك، إذا قال: والعزيز أو والحكيم فهو يمين، وتارةً يكون مشتركًا بين الله وبين غيره فيحتاج إلى النية، مثل لو قال: والمؤمن، فإن المؤمن من أسماء الله، ولكنه يُطلق عليه وعلى غيره كثيرًا، فقد يكون في غيره أظهر؛ فلذلك يحتاج إلى تقييده بالنية.
أن تكون بالله أو صفة من صفاته فيجوز الحلف بصفة من صفاته، سواء كانت هذه الصفة مشتقًّا أو موصولًا صلته.
طبعًا الصلة تكون مشتقة، فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ».
هذا حلف بالله ولَّا بصفة من صفاته؟
طالب: بالله.
الشيخ: بالله؛ لأنه هو المختص بأن تكون الأنفس بيده سبحانه وتعالى، الحلف بصفة من صفاته مثل أن يقول: وعزةِ الله لأفعلن كذا وكذا، وعزتك وجلالك.
فهذا صفة من صفات الله، ولا فرْق بين أن تكون الصفة ذاتية أو فعلية؛ فالذاتية مثل العزة، والحكمة، والقدرة، والسمع، والبصر، والفعلية مثل الاستواء على العرش، مثل: واستواء الله على العرش لأفعلن كذا وكذا، أو ونزوله إلى السماء الدنيا لأفعلن كذا وكذا.
إذا كانت الحلف بغير الله أو صفة من صفاته إذا كانت اليمين بغير الله أو صفة من صفاته فإنها لا تكون منعقدة، ولا تجب بها الكفارة، وحكمها مُحرَّم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».
وقال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» وقال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ».
فالحلف بغير الله محرم، وهو من الشرك الأصغر، ما لم يعتقد الحالف أن للمحلوف به منزلةً مثل منزلة الله، فمن يعتقد ذلك فإنه يكون كافرًا.
طالب: الحلف بالقرآن؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3825
الشيخ: نعم، جائز؛ لأن القرآن كلام الله؛ فهو من صفاته.
طيب، الحلف بآيات الله، الذي يحلف به كثير من الناس اليوم جائز ولَّا غير جائز؟ الحلف بآيات الله: أقسم بآيات الله لأفعلنَّ، دائمًا الآن يحلفون بها.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: فيه تفصيل؛ إن أراد بالآيات الشرعية -وهي الوحي- فهو جائز؛ لأن الوحي من كلامه، وكلامه من صفاته، وإن أراد بالآيات الكونية فهو حرام، لا يجوز؛ لأن الآيات الكونية مخلوقة، ولا يجوز الحلف بالمخلوق، واضح يا جماعة؟ لكن العامة الآن ويش يقصدون؟
طلبة: الشرعية.
الشيخ: الظاهر أنهم يقصدون القرآن، وعلى هذا فيكون جائزًا، لكن لو أردنا أن نُفصِّل نفصل هذا التفصيل.
ثانيًا: أن يقصد عقده؛ فإن كان بلا قصد فإنه لا تجب فيها الكفارة مثل الذي يجري على الألسنة دائمًا بدون قصد، يقول: تبغي تروح لفلان قال: لا والله ما أنا برايح، تبغي تبقى هنا؟ قال: لا والله ما أنا بباقٍ، هذا الكلام لا يُعتبر يمينًا، لماذا؟ لأنه ما قصد، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ يعني بما عقدتم أن يكون يمينًا، هذا هو الذي يترتب عليه الحنث وعدمه، فأما ما يجري على اللسان بلا قصد فليس فيه شيء، مثل الذي يقع من الوالدين أحيانًا للتهديد، هو من هذا النوع؟
طالب: مثل أيش؟
الشيخ: مثل يقول: والله ما تذهب إلا قطعت عقب رجليك مثلًا! هل هو من هذا النوع يعتبر من لغو اليمين؛ لأنه ما قصده؟ الظاهر كذلك، الظاهر أنه من لغو اليمين؛ لأنك لو قلت: هل أنت عازم على هذا وعاقد النية ( ... ) ما أنا مقطع عقب رجل ولدي، فهذا يدل على أنه ما قصد، فإذا لم يقصد فإن الله يقول: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ والحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
الجزء: 2 - الصفحة: 3826
الثالث: أن تكون على أمر مُستقْبَل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: حسب نيته، الكلام على النية، فالتفريق ما هو باللفظ، التفريق بنية الحالف، ولهذا النية حتى سيأتينا إن شاء الله أنه يرجع إليها في كل شيء.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، حلفت هذا فعل، واليمين تنعقد بذكر المحلوف به أو صيغة القسم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: حلفت لتأخذن، هذه نيتك.
أن تكون على أمر مستقبَل، مثل، يقول: لا أفعل كذا، أو لأفعلنَّ كذا، وضد المستقبل الماضي فإنه لا تنعقد به اليمين؛ فالماضي إذا حلف عليه، فإما أن نصفه بأنه صادق، وإما أن نصفه بأنه كاذِب، أما أن نصف يمينه بأنها منعقدة فلا مثل يقول: والله ما حصل كذا، أو والله لقد حصل كذا، ثم يتبين الأمر على خلاف ما حلف عليه، فهنا لا شيء عليه.
وهو على قسمين، بل على ثلاثة أقسام: إذا حلف على ماضٍ، فإما أن يعلم كذب نفسه، وإما أن يعلم صدق نفسه، وإما أن يترجح عنده صدق نفسه، إن علم صِدْق نفسه فواضح أن الحلف جائز ولا إثم فيه، وإن علم كذب نفسه فهو آثم حرام عليه أن يفعل ذلك، ثم هل هذا من الكبائر وهل هي اليمين الغموس أو لا؟ نقول: إذا كان يتوصل بهذا اليمين إلى أكل مال الغير أو اعتداء على بدنه فإنه من اليمين الغموس، وأما إذا لم يكن فيها اعتداء على غيره فإنها ليست من اليمين الغموس.
وعند الفقهاء أن الحلف على ماضٍ وهو يعلم أنه كاذب من اليمين الغموس مُطلقًا، ولكنه ليس بصحيح، مثال ذلك: رجل قال: والله ما حضر فلان أمس إلى الدرس، والله ما حضر فلان، وهو يعلم أنه حاضر، فهذا ويش يكون؟ إن ترتب عليه أكل مال هي يمين غموس وإلا فلا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3827
حلف قال: والله لا يطلبني فلان شيئًا وهو يعلم أنه يطلبه هذه يمين غموس.
ضرب شخصًا -ضربه بيده- ثم أقسم ما ضربه، فهي يمين غموس؛ لأن فيها اعتداء على الغير، هذه هي اليمين الغموس، ويأثم بها وهي من الكبائر، وفي حديث أبي ذر: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» وذكر منهم: «الْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ».
إذا حلف على أمر ماضٍ يظنه كما حلف، فالحلف هنا جائز، وهل عليه كفارة لو وقع الأمر على خلاف ظنه؟ ليس عليه كفارة؛ لأن ذلك على أمر ماضٍ، والكفارة إنما تكون على أمر مستقبَل.
انتهت الأقسام الثلاثة بالنسبة للحلف على أمر ماضٍ، الحلف على أمر مستقبل.
طالب: إذا شك ( ... ).
الشيخ: إذا شك فلا يجوز الحلف، لا يجوز إلا إذا ترجح عنده.
إذا كانت على أمر مستقبل فلا تخلو من حالين: إما أن يكون ذلك على فِعْله أو عدم فِعله، فهذه يحنث بها مثل: والله لأفعلن، أو والله لا أفعلن.
إذا كانت على إنشاء فإنها يمين منعقدة إذا حنث فيها وجبت عليه الكفارة.
وإذا كانت على خبر مثل أن يقول: والله ليقدمن زيد غدًا.
ثم لم يقدم زيد، فهل نقول: هذه اليمين منعقدة وتجب فيها الكفارة؛ لأنها على مستقبل، وصار الأمر على خلاف يمينه؟ اختلف فيها أهل العلم.
أنتم فاهمون الصورة هذه؟
طلبة: لا.
الشيخ: أقول: إذا كانت على أمر مستقبل فإن كان إنشاء فإنها مُنعقِدة، وفيها الكفارة إذا حنث، وإذا كانت خبرًا، فهل هي من القسم الأول الذي يكون في الحلف على الماضي أو من القسم الثاني الذي يكون كالحلف على الإنشاء؟ ومثاله أن يقول: والله ليقدمن زيد غدًا، هذا على مستقبل ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3828
الشيخ: جاء غد ولم يقدم زيد، هل يجب عليه كفَّارة على هذا الحالف، ولَّا ما يجب؟ فيه خلاف؛ المشهور من المذهب أنه تجب عليه الكفارة؛ لأن هذه يمين على أمر مستقبَل تبين فيه أنه على خلاف ما حلف عليه، فتجب عليه الكفارة.
والقول الثاني: أنه لا كفَّارة عليه في هذه الحال؛ لأنه إنما حلف بناءً على غالب ظنه، وليس بإنشاء هو فيه عاصٍ، والآن ما عصى ما خالف ولَّا لا؟ رجل حلف على ظنه كأنه حينما قال: واللهِ ليقدمن زيد غدًا، ما هو معناه أنه بيدي أن أخليه يجي غصبًا فأبغي أجيبه، وإنما هو بناء على ظنه، فهو خبر وليس إنشاء، وأنا الآن حلفت على ما في ضميري، وحتى لو لم يقدم زيد غدًا فأنا على ظني، أنا أقول: أنا الآن حلفت أمس على ظني أنه سيقدم، وأنا صادق فيما أقول، فليس فيه حنث.
نعم، لو قلت: والله ليأتينك زيد، وزيد مثلًا أجير عندي، أو مملوك لي أبغي أجيبه لك، ثم لا آتي به فحينئذٍ لا شك أني أحنث؛ لأن هذا إنشاء وليس خبرًا، وها هو شيخ الإسلام يرى أنه لا يحنث في مسألة الخبر، وقوله هو
الصواب؛
لأن تعليله قوي جدًّا، وهو أن هذا الرجل إنما حلف على ما يغلب على ظنه، وهو لا يزال يقول كذلك، حتى لو جاء غد ولم يأتِ زيد، فهو يقول: أنا إلى الآن وأنا حين يميني أمس معتقدًا أنه سيقدم، فكونه يتخلف ليس من فعلي، ولهذا حلف الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان قال: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، مع العلم بأن هذا بناءً على ظنه؛ إذ هو لم يُفتِّش البيوت بيتًا بيتًا حتى يتبين.
فالحاصل أن هذه المسألة يا جماعة على أمر مستقبل ويش يخرج به؟ يخرج به الماضي، فالماضي ما فيه كفارة بكل حال، لكن هل هو آثم أو غير آثم؟ وهل هي من اليمين الغموس أو ليست من اليمين الغموس؟ قلنا: إذا حلف على ماضٍ يعلم أن الأمر كما حلف، أو يغلب على ظنه أن الأمر كما حلف فهو جائز، وليس بآثم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3829
إذا حلف على أمر ماضٍ، وهو يعلم أنه على خلاف ما حلف فهو آثم، ولكن هل تكون يمينًا غموسًا أو لا؟ على الخلاف الذي سمعتم.
إذا حلف على مستقبل فإنا قلنا: المسألة ( ... ) المستقبل لا يخلو من حالين: إما أن يكون خبرًا أو إنشاء، فإن كان إنشاء انعقدت اليمين، ويحنث بها إذا خالف، وإذا كان خبرًا؛ فالصواب أنه لا شيء عليه إذا وقع الأمر على خلاف ما حلف عليه؛ لأن يمينه بناء على ظنه، وليس معناه إلزامًا لنفسه بأن يكون الأمر كذا، فإذا حصل الأمر على خلاف ما ظن فإنه لا شيء عليه على القول الراجح والمذهب ويش المذهب؟ عليه الكفارة؛ لأنهم يقولون: كل مستقبل ففيه الكفارة، سواء كان من فعلك أو من الخبر أو من أي فعل.
وإذا كانت على مستقبل ماذا فهمت من الحكم؟ ( ... ).
الإنشاء أنه يريد أن يفعل شيئًا، ما هو بيخبر عن شيء في ظنه، والإنسان اللي يقول: والله ليقدمن زيد غدًا، إذا كان له سلطة في أن يقدمه أو يمنعه فهذا إنشاء؛ لأنه يريد أن يأتي به، وإذا كان ليس له سلطة، ولكن يخبر بأنه في ظنه سيقدم، فهذا خبر يعني كأنه يقول: سيكون هذا الشيء ولكن ليس لي فيه السلطة.
طالب: بالنسبة ( ... ).
الشيخ: لا، أن يتعلق على الإيجاب والمنع، هذا الشرط الثالث.
الشرط الرابع: أن يحلف مختارًا ضد أن يحلف مكرهًا، فإذا حلف مكرهًا لم تنعقد يمينه؛ لأن الله سبحانه وتعالى نفى حُكم الكُفر عن المكره، وغيره مما هو دونه من باب أوْلى ( ... ) ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 106].
الجزء: 2 - الصفحة: 3830
فلو جاء إنسان وأكرهني أن أحلف على فعل شيء، أو أن أحلف على ألَّا أُخبر بشيء، فعل فعلًا محرمًا وقال: تعالَ، أخشى أنك تخبر عني، يلَّا احلف أنك ما تخبر عني، وإلا فعلتُ كذا وكذا.
فحلف ألا يخبر به بناءً على الإكراه، فاليمين لا تنعقد، فلو أخبر فلا كفارة عليه وذلك؛ لأنه مكره، والمكره يرتفع عنه الحكم.
إذا حلف وهو نائم، سمع وهو نائم يقول: والله ما أروح لفلان، يحلم، كان عاقدًا ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ويش اللي تخلف عنها الشرط هذا ولَّا الشرط الثاني؟
طالب: الاثنين.
طالب آخر: القصد.
الشيخ: القصد؛ لأنه ما هو مكره في الحقيقة، لكنه غير قاصد، فالنائم ( ... ). هي أيضًا مسألة ثالثة في القصد، لكن غابت عني، الموسوس إنسان موسوس، وتعرفون الوسواس، نسأل الله العافية، هي في الحقيقة أنه يُلزِم الإنسان، ويرغمه على أن يقول: هل تنعقد يمينه ولَّا لا؟ ما تنعقد، وهو إلى الإكراه أقرب منه إلى القصد، ويمكن يكون فيها الأمران؛ انتفاء القصد، أو انتفاء الاختيار، والظاهر أنه إلى انتفاء الاختيار أقرب؛ لأن بعض الناس -نسأل الله السلامة- مع الوسواس يلزم نفسه.
وأنا أذكر لكم الكثير مما يُبتلى به بعض الناس في مسألة طلاق زوجته، تجده يوسوس له الشيطان أنه يُطلِّق، ثم يقول: إذن هي طالق، ويتكلم بهذا الكلام هذا معلوم ما يقع عليه الطلاق كما هو معروف من درس العام الماضي، لكن أيضًا اليمين ما تنعقد، اليمين لا تنعقد؛ لأنه مُلجأ ومُكره على ذلك.
نظيره أيضًا من بعض الوجوه، بعض الناس يشك هل أحدث ولَّا ما أحدث وهو متوضئ، يقوم يروح يُخرج الريح من دُبره عشان يقول: أقطع الشك باليقين، أو يلمس فرجه يقول: أقطع الشك باليقين، هل هذا مشروع؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3831
الرسول ما قال: إذا وجد أحدكم في بطنه شيء فأشكل عليه أخرج منه شيء، ما قال: فليلمس فرجه حتى ينتقض وضوءه، أو فليحدث حتى ينتقض، ويش قال؟ «فَلَا يَخْرُجْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
وإذا لعب عليه الشيطان، المفروض كلما شك راح يقول: أنقض الشك باليقين، مثل ( ... ).
طالب: قد يرى أو يسمع.
الشيخ: لا، يسمع، هذا ( ... ) السماع من الحواس، السمع من الحواس، فلابد يسمع يقين، أما ( ... ) ما هو بشيء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، الخامس: أن يحلف فيها قاصدًا عالمًا ذاكرًا.
شوف أن يحلف مختارًا، كذلك أن يحنث قاصدًا عالمًا ذاكرًا ثلاثة شروط؛ فإن لم يقصد ويش ضد القصد؟ عدم القصد، سواء الإكراه أو لنوم أو لغير ذلك، المهم أنه حنث غير قاصد قال: والله لا أكلم فلانًا، فأُكره على أن يُكلِّمه، تجب الكفارة؟
طالب: لا.
الشيخ: ما تجب الكفارة، لا تجب الكفارة؛ لأنه غير قاصد.
قال: والله لا أُكلِّم فلانًا، جاء فلان وهو نائم، وبدأ يزعج، يا فلان! قال: نعم، ويش تقول؟ كلمه، لكنه قاصد ولَّا غير قاصد؟
طلبة: غير قاصد.
الشيخ: غير قاصد، لو علم أن هذا صاحبه ما تكلم لك دائمًا الإنسان في النوم ما يحس بشيء.
عالِمًا احتراز منين؟
طالب: من الجاهل.
الشيخ: من الجاهل، لكن هل المراد عالِمًا بوجوب الكفارة عليه ولَّا عالِمًا بأن هذا ما حلف عليه؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: هذا هو الأخير، أما كونه يقول: والله أنا ما دريت أنه يجب علي الكفارة لو دريت ما فعلت، فإنا نقول: كونك لا تدري بوجوب الكفارة هذا غير مؤثر في الحكم كما لو زَنى شخص محصن متزوج فيجب عليه الرجم، قال: لو دريت أنه بيرجم ما زنى، هل ينفع هذا ولَّا ما ينفع؟
طلبة: ما ينفع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3832
الشيخ: ما ينفع، الجهل بالعقوبة، ما هو برافع للحكم.
إذن نقول: عالِمًا، يعني يعلم أن هذا هو ما حلف عليه، يعلم أن هذا هو ما حلف عليه، فلو قال: مثلًا والله لا ألبس هذا الثوب، ثم لبسه جاهلًا أنه هو فليس عليه كفارة أو قال: والله لا أدخل مسجد بني فلان.
فدخل مسجدًا ما عرف أنه مسجدهم؛ فإنه لا شيء عليه، ليس عليه حنث.
ولكن لاحظوا أنه إذا علم أن هذا هو المحلوف عليه، إن بقي بعد علمه لزمته الكفارة، وإن خرج لم تلزمه.
طالب: لو كان في صلاة.
الشيخ: إذا كان في صلاة نشوف، هل الحنث في هذه الحال جائز؟ يعني يجوز تخرج من الصلاة ولَّا ما يجوز؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، إذن تبقى وتُكفِّر.
طيب أن يكون ذاكرًا، ويش ضد الذكر؟
طلبة: النسيان.
الشيخ: النسيان، فلو حلف ألا يفعل شيئًا فنسي وفعله؛ فلا حِنث عليه، أو حلف أن يفعل كذا في وقت كذا، فجاء الوقت ونسي؛ فلا حِنث عليه، مثل لو قال: والله لأقرأن اليوم جزأين من القرآن، ونسي وانتهى اليوم وغابت الشمس، فليس عليه شيء وذلك لأنه حنث ناسيًا، وقد مر عليكم أيضًا في الطلاق في العام الماضي أنه لا فرق بين الطلاق والأيْمان على القول الراجح، وإن كان المذهب يقولون في الطلاق: يقع الطلاق، ولو كان جاهلًا أو ناسيًا، والصحيح أنه لا فرق بين الطلاق ولا الأيمان.
سادسًا: ألا يُعلِّقها بمشيئة الله.
ويش يعلق؟
طالب: اليمين.
الشيخ: اليمين، فإن علقها بمشيئة الله فلا حنث عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لَمْ يَحْنَثْ».
واعلم أنه إذا قال: إن شاء الله؛ فإنه يكون على وجهين: تارة يريد التعليق، وتارة يريد التبرُّك والتقوية، إذا أراد التعليق فلا ريب أنه لا حنث عليه أو لا؟ قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله ولم يفعله، نقول: ما عليك شيء؛ لأنك علقته بمشيئة الله، ولما لم تفعله عُلِم أن الله لم يشأه، وحينئذٍ لا شيء عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3833
وتارةً يقصد التبرُّك والتحقيق أو التأكيد، يعني هو جازم ما جعل المسألة مُعلَّقة على مشيئة الله، فهل ينتفع بهذا التعليق أو لا ينتفع؟
طالب: ما ينتفع.
الشيخ: فيه خلاف بين أهل العلم أيضًا؛ منهم من يقول إنه ينتفع؛ لعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ».
أو قال «لَمْ يَحْنَثْ».
قال: فعموم قوله فقال: إن شاء الله.
ما فيه تفصيل.
ومنهم من قال: بل يحنث إذا خالف؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نعلم أن مراده بذلك إذا علقته بأمر لا طاقة لك به، وهو مشيئة الله، فأما إذا كنت جازمًا، ولكن ذكرت مشيئة الله من أجل أن يتحقق لك ما حلفت عليه فإنه يجب عليك الكفارة إذا خالفت.
قال: ودليل هذا أيضًا حديث سليمان أنه قال: لأطوفنَّ على سبعين امرأة أو تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلامًا يُقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقُل.
قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ قَالَهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ».
ومعلوم أنه قيل له: قل إن شاء الله من أجل تحقق مطلوبه، حيث لا يعتمد على نفسه بل على الله سبحانه وتعالى، ولكن الأسهل على الناس، ويش الأسهل عليهم؟ القول بالتفصيل ولَّا القول بالإطلاق؟
طالب: بالإطلاق.
الشيخ: القول بالإطلاق، وأن نقول: كل من قال: إن شاء الله، فلا حنث عليه، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم وبدون تفصيل، وهذه قاعدة ينبغي أن نتخذها في الخلاف، كل خلاف لا يترجَّح فيه أحد القولين على الآخر فإن الأصح أننا نسلك به الأيسر والأسهل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3834
فهذان القولان مثلًا، أحدهما أيسر من الآخر، ونحن لا نعلم أننا إذا أخذنا به وقعنا في الإثم، فإن الأولى أننا نأخذ بالأيسر، وكوننا نقول للناس مثلًا: كل من قال: إن شاء الله فإنه لا حنث عليه، هذا بلا شك أسهل، خصوصًا العامة الآن، هل يُفرِّقون بين هذا التفصيل؟ العامة -في ظني- ما يعرفون الفرْق بين ما إذا أراد التعليق، أو أراد التوكيد والتبرك؛ فلهذا ينبغي أن تكون على الإطلاق.
وتحريم الحلال كاليمين مثاله؟
طالب: ( ... ). لو قال: حرمت على نفسي أكل الخبز.
الشيخ: زين، مثل أن يقول: حرام عليَّ أكل الخبز، أو حرام عليَّ غداك، أو حرام عليَّ عشاك، أو ما أشبه ذلك، هذا تحريم الحلال كاليمين؛ يعني حُكمه حكم اليمين؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2] فجعل الله هذا التحريم يمينًا، قال: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، واستدلوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 87 - 89]، فذكر حكم اليمين بعد أن قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
فتحريم الحلال إذا كان القصد الامتناع منه حكمه حكم اليمين، أما إذا كان القصد في تحريم الحلال الحكم عليه بالحرمة، فهذا شيء آخر، يكون إما كفرًا، وإما كذبًا على حسب ما مر علينا أظنه في حكم المرتد، لكن تحريم الحلال بقصد الامتناع منه حُكمه حكم اليمين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3835
وقولنا هنا: كاليمين، ما استثنينا شيئًا، المذهب يستثنى من ذلك الزوجة فإن تحريمها ظِهار، فلو قال: زوجتي عليَّ حرام صار مظاهِرًا كقوله: كظهْر أمي.
وفرق بين الظهار وبين اليمين، الظهار معناه أنه ما يقربها حتى يعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، وأما التحريم فإنه يقربها، ولكن يكفر أيش؟ كفارة يمين إذا قلنا بأنها كغيرها، والصواب أن تحريم المرأة كغيرها لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ﴾، وهذا عام: ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ عام.
وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال فيمن قال: امرأتي عليَّ حرام، قال: هي يمين يكفرها.
ثم تلا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] يعني أن تحريم الحلال مطلقًا حتى للزوجة حكمه حكم اليمين ( ... )
التخيير بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أولًا: على الكفارة، لماذا سُمِّيت كفارة؟ سميت كفارة؛ لأن الأصل أن مخالفة الحلف الأصل فيه أنه مُحرَّم.
الأصل أن مخالفة اليمين حرام؛ ولهذا تُسمى المخالفة، وتسمى شرعًا تُسمى حِنثًا، والحنث في الأصل الإثم، ثم قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] دليل على أن هناك فيه مؤاخذة معاقبة، ولهذا قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: 89]، والكفارة معناها الساترة، الشيء الذي يستر، ويقي من آثار الذنوب هي الكفارة، ولهذا ما تجب الكفارات إلا في المخالفات، مثل الجِماع في نهار رمضان، والظِّهار، وكذلك أيضًا فعل المحظور في الحج، وما أشبه ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3836
فإذن سُمِّي كفارة؛ لأن الأصل في مخالفة اليمين الأصل التحريم والإثم، ولولا أن الله خفف عن العباد لكنا نقول: كل من حلف على شيء يجب عليه، ويش يجب عليه؟ أن يفي به؛ ولهذا يحرم أنه يحنث إلا وهو قاصد لأداء الكفارة، ما يمكن يحنث الإنسان إلا وهو عازِم في قلبه على أن يُكفِّر؛ لأن ما يحل هذا إلا هذا.
لكن اعرف تخيير بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]، وفي الآية الكريمة الترقي من الأسهل إلى ما فوقه؛ لأن الإطعام غالبًا أسهل من الكسوة، والكسوة أسهل من عِتق الرقبة، نظيره تمامًا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
وهذا مما يدلنا على أن الله تعالى يحب العفو أكثر مما يحب الانتقام، ولهذا يكتفي في هذه الأمور بما هو أيسر وأسهل على المكلف، إلا في الأمور العظيمة إذا في الأمور العظيمة يبدأ بالأغلظ مثل كفارة الظهار وكفارة القتل.
هنا نقول: إطعام عشرة مساكين لابد من أن يكونوا عشرة، فلو كرر الإطعام على واحد لمدة عشرة أيام، يجزي؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يجزي، لابد من إطعام العشرة، أيضًا هذا الإطعام بيَّن الله في الآية أنه من أوسط ما نُطعم أهلينا، من أوسطه، ويش معنى أوسطه؟ أخيره وأفضله ولَّا الوسط؟ اللي لا هو بأعلى شيء ولا أدنى شيء؟
طلبة: الوسط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3837
الشيخ: هذا هو الظاهر أن المراد به الأوسط، وإلا الوسط قد يُراد به الخيار كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]، لكن هنا الظاهر -والله أعلم- أن المراد ما ليس أعلى ولا أدنى، ويدل على ذلك حديث معاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ».
إذن أوسط ما نُطعم في الوقت الحاضر، ما هو؟
طالب: الرز.
الشيخ: الرز، فعليه يكون إخراج الرز في كفارة اليمين أفضل من إخراج البُر؛ لأنه هو الآن هو العمدة عند أكثر الناس أو كثير منهم، فهو أوسط ما نطعم، وقول من قال من الفقهاء: إننا لا نخرج عن الأصناف الخمسة إلا لعدم وهي ( ... ).
بل قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: 89]، فإذا دعوت عشرة وتغدوا، أو تعشوا، فإن ذلك يُجزي بلا شك؛ لأن هذا هو إطعامهم، أما إذا أردت ألا تفعل فإنك تُطعم كل مسكين على ما قاله الفقهاء مُدًّا من البر والرز، مثل البر أو أطيب؛ يعني مُد من الرز يكفي، وعليه فالصاع الموجود عندنا يساوي خمسة أمداد نبوية؛ لأن الصاع النبوي أربعة أمداد كما تعرفون.
والصاع النبوي أقل من الصاع الموجود الآن، أقل بالخمس وخُمس الخمس، فعليه يكون الصاع الموجود عندنا هنا في القصيم يكون خمسة أمداد أو أكثر، فإذا أخرجت صاعين في كفارة اليمين فقد أبرأت ذمتك، ولكن هل يشترط مع هذين الصاعين أن يكونا بصحبتهما لحم أو شيء يُكمِّل الطعام ولَّا ما يشترط؟ المذهب: ليس بشرط، والظاهر أنه لابد من ذلك؛ لأنه ما يتم الإطعام إلا بهذا، إنما لا نقوله على سبيل الوجوب، ولكن على سبيل الاستحباب.
طالب: مثل الإدام.
الشيخ: الإدام، يحط معه لحم مثلًا، الدجاجة تكفي الصاعين عمومًا أو لا؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما تكفي، يعني يجعل لكل صاع واحدة على الأقل.
طالب: ضابط المسكين الذي يأخذ الكفارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3838
الشيخ: إي نعم، ضابط المسكين الذي يأخذ الزكاة لحاجته، وهذا الضابط في الحقيقة إذا طبقناه على واقعنا -ولله الحمد- ما تكاد تجد أحدًا بهذا الحال، اللهم إلا هؤلاء العمال الذين يأتون وهم مسلمون فنعم، هذا يمكن تجد.
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89] الكسوة أيضًا مطلقة، قال الفقهاء: وأقلها كسوة تجزئ في الصلاة، سروال وفلينة؛ لأجل ستر المنكبين، ولكن هي على كل حال مُطلقة، فإذا كساه بما يُعدُّ كسوة من قميص، وبالنسبة لنا في عرفنا لابد من قميص وغترة ولَّا لا؟ لأنك لو تعطيه القميص تقول: روح يلَّا جيب غترة، ما صار كسوة، لكن في الأعراف الأخرى في البلدان الثانية يمكن يعيش الإنسان أصلع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا الله يهديك، لا تذهب إلى الأدنى، أنت بتطلع إلى الأكمل؛ لأنك ما تعطي شيئًا إلا لنفسك، لا تظن أن هذا الذي تعطيه لله أن يكون غرمًا عليك، هذا هو الحقيقة هو الذي تدخره لنفسك، الشيء الذي تعطيه لله عز وجل ثِقْ بأنه هو الذي تنتفع به من مالك.
﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89] تحرير؛ يعني جعلها حُرَّة بعد أن كانت رقيقة مملوكة وظاهر الآية الكريمة: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يشمل الصغير والكبير، والذكر والأنثى، وهل يشمل الكافر والمؤمن؟
طالب: لا يشمل.
الشيخ: اختلف العلماء في ذلك منهم من قال: إننا ما ذُكِر مقيدًا بالإيمان في كتاب الله نقيده، وما جاء مُطلقًا فإننا نُطلقه، ففي القتل ذكر الله سبحانه وتعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] كذا، وأما هنا فقال: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]، وفي الظهار يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] ما فيه ذكر الإيمان.
الجزء: 2 - الصفحة: 3839
فيرى بعض العلماء أن يُحمل المطلق على المقيد، ويُشترط الإيمان، ويستدلون لذلك أيضًا في قصة معاوية بن الحكم حيث جاء بأمته فقال لها الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيْنَ اللَّهُ؟ ». قالت: في السماء.
قال: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
فإن قول الرسول: «فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
يدل على أنه لا عتق إلا للمؤمن، وأيضًا فإن العبد الكافر إذا أعتقته وتحرَّر ربما يلتحق بالكفار فيكون ضررًا على المسلمين.
ولهذا المشهور عندنا أنه لابد من أن تكون الرقبة مؤمنة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، أهله؟ لا، ما يصلح.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: الرجل ما وجبت له الكفارة، الذي جامع ما قال الرسول: أطعمه أهلك لدفع حاجتهم، لا لأنه كفارته، ولهذا هل أهله ستين واحدًا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: بقينا هنا على التخيير ولا على التقييد؟
طالب: على التخيير.
الشيخ: على التخيير، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة، إن لم يجد أيش؟ إن لم يجد ما يُحرِّر به الرقبة، أو يطعم العشرة أو يصوم، هذه واضحة أن المراد هذا ما فيه إشكال، وهو أيضًا عند أهل العلم، لكن إذا لم يجد المحل؛ يعني ما وجد فقيرًا ولا وجد رقبة، هل يدخل في عموم الآية ولَّا ما يدخل؟
﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المائدة: 89]، كلمة ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ يعني فمن لم يجد ما يحصل به على هذه الأمور فصيام ثلاثة أيام، هذا واضح وهو ما ذكره أهل العلم، لكن هل يشمل ما إذا لم يجد محلًّا للإطعام والكسوة والتحرير؟
طالب: الآية عامة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3840
الشيخ: إنا عندي أنه يشمل؛ لأن الآية عامة، وعلى هذا فإذا كنا في بلد لا نجد فيه فقراء؛ فإنه يصوم ثلاثة أيام؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196]، حذَفَ المفعول به، والفائدة من حذفه؛ الفائدة العموم.
﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أما ما يفعله بعض الناس الآن من كونهم يصومون مع القدرة على الإطعام، فهذا لا أصل له.
لو يصوم الإنسان ثلاثة سنين ما هي ثلاثة أيام، وهو قادر على صاعين من الرز يدفعها لعشر مساكين؛ فإنه لا يجزئه، على الرغم من أنه كما قال عليه الصلاة والسلام على ( ... ) الناس مشهور بأنه بالصيام، ولهذا يقول: لا تخليني أصوم ثلاثة أيام.
فهذا خطأ.
وقوله: (متتابعة)، ما هو الدليل مع أن الآية مطلقة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾؟ قالوا: إن في قراءة لابن مسعود رضي الله عنه: (صيام ثلاثة أيام متتابعة).
والقراءة الثابتة عن الصحابة حُجَّة في الأحكام بلا شك، لكن هل هي حُجَّة في التلاوة فتُتلى؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنها تُتلى، إذا صحَّت فإنها تتلى لا سيما إذا كانت قراءة ابن مسعود؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» يعني عبد الله بن مسعود.
فإذا صحت القراءة عنه فلا ريب أنها حجة في الأحكام، وحُجَّة في التلاوة، والمشهور من المذهب في هذه المسألة أنها حجة في الأحكام، وليست حجة في التلاوة؛ ولهذا قالوا: لا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان؛ لأنه متواتِر وما عداه ليس متواترًا، ولكن الصحيح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه إذا صحت القراءة عن الصحابة فإنها حُجَّة في الأحكام وجائزة أيضًا في التلاوة، تثبت بها التلاوة والأحكام.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3841
الشيخ: لا، ما تكون تفسيرًا، لأن المتتابعة ما هي بتفسير، اللي يمكن نجعلها تفسيرًا مثل قوله تعالى في آية الإرث: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ او أخت من أم) فإنه قرأها بعض السلف، ولا يحضرني اسمه الآن قرأها: (من أم).
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما أدري.
على كل حال هذه القراءة هي التي تكون تفسيرًا؛ لأنها يفسر الأخ من أم، أما هذه فهي زيادة حكم، صيام ثلاثة أيام متتابعة.
طالب: ( ... ) إذا قلنا: كفارة واحدة ولَّا لكل يمين كفارة.
الشيخ: ما ذكرناه.
إذا تكررت الأيمان فهل تتكرر الكفارة مع أنهم هم يقولون: لا توسعون في الفقه بالنسبة لأصول الدين؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) ولاة الأمر ( ... ) هم ولاة الأمر، هذه المسألة إني ما أنا أطيعكم أنتم، ولَّا كان أعطيكم أنتم وأطيعهم هم؛ لأن عندنا وقتًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إن شاء الله بيجينا.
هذه المسألة إذا تكررت الأيْمان، فهل تتكرر الكفارة أو لا تتكرر؟ نقول: إذا كفَّر عن اليمين الأول، ثم حلف بعده فإنه لا يحيل على الكفارة الأولى، بل لابد من كفارة ثانية للحلف الجديد، أما إذا اجتمعت الأيْمان وحنث في عدة أيمان فهي لا تخلو من ثلاثة حالات؛ أن يكون المحلوف عليه واحدًا بالشخص، والثاني أن يكون واحدًا بالنوع والثالث أن يكون مختلفًا.
إذا كان واحدًا بالشخص فلا ريبَ أنه تجزئه كفارة واحدة، مثل قال: والله لا أكلم زيدًا، ثم قال له من حوله: كيف تحلف على ألا تكلم زيدًا وهو أخوك المسلم، فقال: والله لا أكلمه.
فكلما أعاد عليه ذلك يعظه، يُعيد: والله لا أكلمه، هنا تكررت الأيمان والمحلوف عليه واحد بالنوع ولَّا بالشخص؟
طالب: بالشخص.
الجزء: 2 - الصفحة: 3842
الشيخ: بالشخص، هذا يجزئه كفارة واحدة، إذا حنث أجزأته كفارة واحدة بلا شك، الثاني أن يكون واحدًا بالنوع مثل أن يكون المحلوف عليه فعلًا مثل: والله لأفعلن كذا، ويعيِّن، والله لأفعلن كذا، ويعين شيئًا آخر، والله لأفعلن كذا، ويعين شيئًا ثالثًا، فهذا واحد بالنوع بمعنى أنه كله حلف على فعل فهنا أيضًا لا تتكرر الكفَّارة؛ لأن المحلوف عليه واحد بالنوع.
وتارةً يختلف في نوعه مثل الحلف على فِعْل، حلف على ترْك، حلف على فعل، وحلف على ترْك، فهل تتكرر أم لا؟ الصحيح في هذه المسألة أنه إذا كان الموجَب واحدًا فإنه يكفيه كفارة واحدة؛ يعني إذا كان الحلف بالله حلف يمين فاليمين موجب الأيمان أيش موجبها؟ الموجب يعني الذي يجب باليمين؟ كفارة واحدة ما تختلف بين الفعل والترْك ولا بين هذا وهذا، ولَّا لا؟ كلها؛ إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أو صيام.
فإذا اتحد الموجب فإنه يجزئه كفارة واحدة قياسًا على الوضوء إذا أحدث الإنسان بأنواع من الحدث يجزئه وضوء واحد، فهنا يجزئه كفارة واحدة، وأما إذا اختلف الموجب مثل وجب عليه كفارة ظهارن ووجب عليه كفارة يمين؛ فإنه هنا تتعدد الكفارة؛ للظهار كفارته ولليمين كفارته، ويأتي إن شاء الله ( ... ) البحث فيها لأنها مهمة ( ... )
الكفارة بتعدد الحنث ذكرنا أنه ثلاثة أقسام منها ما هو ظاهر أنه لا يتعدد، ومنها ما هو مختلَف فيه، وأما المذهب أنها لا تتعدد الكفارة إلا إذا اختلف الموجب ما هو بالمحلوف عليه، إذا اختلف الموجب كاليمين والظهار.
أما إذا كانت الكفارة واحدة فإنها لا تتعدد بتعدد المحلوف عليه، وذكروا مثله فيما لو تُكرَّر الأحداث فإنه يُجزِئ فيها وضوء واحد؛ لأن الكفارة بمنزلة التكفير عن الشيء وإزالة أثره، وهي على كل حال محل بحث هذه المسألة؛ لأنه قد يقال: إنه إذا اختلف النوع كفعل وشرط فإنه تتعدد الكفارة، كما هو القول الثاني في المسألة.
ما يُرْجع إليه في الأيمان.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3843
الشيخ: لا، ما يُجبر ( ... ) ما يجبر، ما يجبر الإنسان أنه يبيع على أحد شيئًا يجب عليه.
يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إن احتملها اللفظ، وإنما يُرجع إلى النية؛ لأن الله سبحانه وتعالى رد اليمين إلى النية في قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، فجعل ما عقد الإنسان عليه قلبه فهو الأصل، وهو مُعتَبر، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
ولكنه يُشترط احتمال اللفظ لها، يُشترط أن يكون اللفظ محتملًا لما نوى، فإن لم يكن محتملًا فإنه لا يصح أن يُرجع إلى النية؛ لأنها تكون لغوًا؛ إذ اللفظ قالب النية؛ فهو لها بمنزلة الثوب للبدن، فإن احتملها قُبلت، وإن لم يحتملها فإنها لا تُقبل، ويُرجع إلى اللفظ، مثال ذلك: قال رجل: والله لا أشتري سيارة، فاشترى سيارة، فمُقتضى يمينه أنه يلزمه الكفارة؛ لأنه حنث، قال: والله لا أشتري سيارة فاشترى السيارة، قلنا له: يجب عليك الكفارة، فقال: أنا نويت بقلبي أن السيارة هي البقرة مثلًا يحتملها ولَّا ما يحتمل؟
طلبة: ما يحتمل.
الشيخ: أو اللحمة أو الخبزة أو ما أشبه ذلك؟ هذا لا يحتمله اللفظ، إذن فالنية لغو، هذه النية تعتبر لغوًا؛ لأنه لا يُقبل منه، فيُلزم بالكفَّارة وفيما بينه وبين الله ما يُلزم، لو فرضنا الإنسان ما وصل إلى القضاء، أو ما وصل إلى المسؤولين فإنه فيما بينه وبين الله، أما إذا احتملها اللفظ، وإن كانت خلاف ظاهره؛ فإنه لا يحنث، مثل أن يقول: والله لا أنام إلا على فراش، ثم كوَّم كومة من الرمل، ونام على التراب، فقلنا له: حنثت في يمينك؛ لأنك قلت: والله ما أنام إلا على فراش، فقال: أردت بالفراش الأرض؛ لأن الله قد جعلها فراشًا يقبل ولَّا لا؟
طلبة: يُقبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3844
الشيخ: لأنه يحتمل النية، هذا اللفظ يحتمل النية فيُقبل، وكذلك لو قال: والله ما أنام إلا تحت السقف، فخرج إلى الحوش ونام فيه، وقال: أردت بالسقف السماء، هذا صحيح؛ لأن السماء سقف، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32] كذلك قال: والله ما أنام إلا على وتد، فذهب إلى الجبل ونام عليه، وقال: أنا أردتُ بالوتد الجبل يصح؛ لأن الله جعل الجبال أوتادًا.
فعلى كل حال إذا احتملها اللفظ فإنها تُقبل، إذا لم يحتملها فإنها تُلغى ويُؤاخذ بلفظه، أما فيما بينه وبين الله فلا يُؤاخذ هو على نيته فيما بينه وبين الله، لكن كلامنا على إذا وصل إلى القضاء والحكم فإنه إذا لم يحتملها اللفظ فإنها لا تُقبل.
بعد ذلك يُرجع إلى سبب اليمين، فإذا كان لليمين سبب فزال هذا السبب، فإن اليمين تزول، قيل له مثلًا: إن فلانًا رجل فاجر غير عفيف، فقال: والله لا أصحبه ما عشتُ، ثم إن الرجل تبين أنه ليس كما قيل عنه، أو أنه تاب مما قيل عنه، ثم اصطحبه أو صاحبه، فنقول: إنه يحنث ولَّا لا؟
طالب: لا يحنث.
الشيخ: لا يحنث، فاهمين يا جماعة؟ عندنا الآن عموم، اللفظ عام: والله لا أصحبه ما عشت، هذا عام، لكن نعلم أن هذا اليمين سببه ما قيل عن هذا الرجل، تبين أن ما قيل عنه ليس بصحيح، أو أنه صحيح لكن تاب منه، فهل نقول: إن هذا السبب يخصص العموم ويُرجع إليه أو لا؟ نقول: بلى، يخصص العموم، ويرجع إليه؛ لأنه لو قيل له: لماذا أقسمت ألا تصحبه؟ لقال: لأنه فاجر، تبين الآن أنه ليس بفاجر أو أنه زال عنه الفجور.
ومثله أيضًا لو قال: والله لا آخذ هذا الطعام بسبب أنه قيل له: إنه مُكتَسب من حرام، فتبيَّن أنه لم يُكتسب من حرام، وإنما اكتُسب من حلال، ثم أكله، ما رأيكم؟ تلزمه الكفارة ولَّا لا؟
طلبة: لا تلزمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3845
الشيخ: لا تلزمه، المهم أننا نرجع إلى السبب سواء ذُكر ذلك مُعللًا به أم لم يذكر؛ لأنه إذا ذُكر السبب مُعلَّلًا به فالأمر واضح، والله لا أصحب زيدًا؛ لأنه غادر، والله لا آكل من هذا الطعام؛ لأنه اكتُسب من حرام، هذا واضح إذا ذكر العلة لفظًا، لكن حتى لو لم يذكرها لفظًا وعُلِم أنه هو السبب؛ فإنه يُرجع إلى السبب، وهذا ينفعك هنا، وينفعك أيضًا في باب الطلاق، لو أن الرجل قال لامرأته: إن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، بناءً على أن فلانًا كان رجلًا فاسقًا، ثم تبين أنه ليس بفاسق، فإنها إذا كلمته لا تطلق.
أيضًا حلف قال: والله لا أدخل البلد الفلاني، عيَّن البلد، والله لا أدخل هذا البلد، وسبب يمينه أن في هذا البلد فسوقًا وظلمًا، ثم تبين أن البلد خالٍ من ذلك أو انتفى عنه الفسوق والظلم ودخله لا يحنث.
طيب الحمد لله.
المرتبة السادسة: نرجع إلى التعيين، إذا كان ما عنده نية، ولا عنده سبب يقتضي معنى معينًا فإننا نرجع إلى التعيين ويش معنى التعيين؟ يعني إذا عين شيئًا تعلق الحكم به ولو تغيرت صفته؛ لأنه ما نوى ما دام على تلك الصفة إذا قال: والله لا آكل لحم هذه السخلة، السخلة هذه الصغيرة من الماعز، ثم كبرت وصارت عنزًا كبيرًا، وأكل من اللحم، ما رأيكم يحنث، ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: يحنث؛ لأن ما عنده سبب، ولا عنده ( ... ) نعم.
لو كان هناك سبب أنه ما يأكل؛ لأنها صغيرة أو مثلًا كانت مريضة قال: والله ما آكل لحم هذه فيها مرض، ثم عافاها الله من المرض فحينئذٍ نرجع إلى السبب، لكن مجرد أنه ما يأكل لحم هذه السخلة فصارت كبيرة فإنه يحنث.
قال: والله ما أكلّم هذا الصبي، الصبي هذا ترعرع وكبر، وصار شيخًا كبيرًا كلمه يحنث ولَّا لا؟
طالب: يحنث.
الجزء: 2 - الصفحة: 3846
الشيخ: يحنث؛ لأن العين التي حلف عليها ما زالت موجودة إلا إذا نوى ما دام على تلك الصفة، مثل قال: والله لا أكلم هذا الصبي؛ لأنه صبي إذا كان هذه ذِكره فعل ما نوى، وإلا فيرجع إلى التعيين، قال: والله لا آكل هذا التمر، التمر هذا يعني ( ... )، وظهر منه الدبس تعرفون هذا ( ... )؟ أكل من الدبس، الدبس ما هو تمر ما يسمى تمرًا.
ولهذا أنت لو قلت لواحد: عندك تمر وهو مثلًا عنده الدبس، يفهم هذا ولا ما يفهم؟ ما يفهم.
قال: والله لا آكل من هذا التمر وصار منه دبس، هل يحنث ولَّا ما يحنث.
طالب: لا يحنث.
الشيخ: لا، يحنث؛ لأن من أين خرج هذا الدبس إلا من التمر ما لم ينوِ، لا إحنا قلنا: يرجع إلى التعيين، الآن عين هذا التمر الآن ( ... )، هذا عينه ما لم ينوِ أنه ما دام تمرًا، إذا كان نيته ما دام تمرًا هو على نيته، وأما إذا لم ينوِ نقول له: الآن، هذا جزء مما حلفت عليه، فصار عندنا النية هي الحاكمة، ثم بعد ذلك إلى السبب، وذكرنا الدليل على النية، لكن ما ذكرنا لكم الدليل على السبب.
الدليل على السبب هو أنه النية تستتبع العِلم، إذا علم مثلًا بالشيء فلابد أن ينويه، فإذا عُلم أنه حلف لأجل هذا الغرض فمعنى ذلك أنه نواه فقُدِّم السبب، لو قلت مثلًا: والله ما أركب هذه السيارة، وهي ملك لزيد، ثم باعها زيد على عمرو، وركبتها تحنث ولا تحنث؟
طالب: تحنث.
الشيخ: نعم، إذا كان ما عنده نية، ولا سبب؛ فإنه يحنث؛ لأن السيارة ما زالت هي المحلوف عليها، لكن إذا كان نيته ما يركب هذه السيارة ما دامت على ملك فلان؛ لأنه لا يريد أن يكون له مِنَّة عليه، ثم اشتراها أبوه أو أخوه أو ما أشبه ذلك، وركبها فإنه لا يحنث؛ لأن عندنا نية أو سبب يُخصِّصها ما دامت في ملك فلان، فإذا خرجت عن ملكه زالت حكم اليمين أظن واضحة.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، ما يخالف عندنا هذا الصبي، فيه أمران.
الطالب: هذا مضمر ( ... )
الجزء: 2 - الصفحة: 3847
الشيخ: ( ... ) هذا تعيين أو لا؟ اسم إشارة، واسم الإشارة معناه تعيين الشيء باسم إشارته، وعندنا صبي، هذا وصف، إذا كان يريد الصبي، يريد هذا الوصف، يريد المعنى الذي يدل عليه الوصف، وهو الصفة فحينئذٍ إذا كبر لا يحنث.
أما إذا كان ما يريد هذا الوصف، وإنما يريد التعيين، أو أطلق، ما أراد هذا ولا هذا فإننا نعتبر التعيين؛ لأن التعيين أقوى؛ إذ التعيين معناه الذات والوصف معناه الصفة، ودلالة الشيء على ذاته أقوى من دلالته على صفته؛ ولهذا قلنا لكم: إلا أن يريد ما دام على تلك الصفة إذا أراد هذا لا بأس.
بعد ذلك نرجع إلى معنى اللفظ، وطبعًا كلمة (معنى) معناه يخرج الأعيان، نرجع إلى ما يقتضيه اللفظ، اللفظ عندنا حقائق ثلاثة، وأظنكم قرأتموها في أصول الفقه، الحقائق كم؟ ثلاث؛ وهي شرعية، وعرفية، ولغوية.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أنا أعرف أنها موجودة في الروضة إذا كان مقرر عليكم ( ... )، المهم الحقائق ثلاثة؛ حقيقة شرعية، حقيقة لغوية، حقيقة عرفية؛ فالحقيقة العرفية هي ما دل عليه اللفظ باعتبار العرف، والشرعية هي ما دل عليه اللفظ باعتبار الشرع، واللغوية ما دل عليه اللفظ باعتبار اللغة العربية، نضرب مثلًا لذلك: الوضوء، له معنى عرفي وشرعي ولغوي.
معناه اللغوي: النظافة والحسن، ولهذا يقال: فلان وضيء بمعنى حسن الوجه نظيف، وله معنى شرعي؛ وهو غَسْل الأعضاء الأربعة، وله معنى عرفي وهو الاستنجاء، الآن العوام ما يعرفون الوضوء إلا الاستنجاء، فإذا قال رجل عامي: والله لا أتوضأ فغسل أعضاءه الأربعة يحنث ولَّا ما يحنث؟
طالب: لا يحنث.
طالب آخر: يحنث.
الشيخ: عامي قال: والله لا أتوضأ، فغسل أعضاءه الأربعة، الآن إن اعتبرنا الشرعي حنث، إن اعتبرنا العرفي لم يحنث، إن اعتبرنا اللغوي؟
طالب: لم يحنث.
الشيخ: ما يحنث؟ يحنث لأن فيه ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3848
نشوف إلى أي شيء نرجع، يقول: ثم ( ... ) ويُقدَّم الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي، والراجح تقديم العرفي، المسألة فيها خلاف؛ فالمشهور من المذهب أنه يُقدَّم الشرعي، يُقدَّم على كل شيء، ووجه ذلك أن المسلم يتقيد بما دل عليه الشرع، فيُحمل عليه.
فإذا قال لك قائل: والله لا أبيع ولا أشتري، ثم أخذ صبيه وباعه؛ باع صبيه، أو باع سيارة فلان، أو باع خمرًا، هل يحنث ولَّا لا؟
طالب: يحنث.
الشيخ: قال: والله لا أبيع، فباع سيارة فلان ( ... )، باع سيارة فلان، رجل آخر ما وكَّلَه هل يحنث ولَّا ما يحنث؟
طالب: ما يحنث.
الشيخ: إذا قلنا بأننا نقدم الشرعي فإنه لا يحنث؛ لأن هذا البيع ليس ببيع شرعي، غير صحيح.
إذا قلنا: نُقدِّم العرفي فإنه يحنث؛ لأنه بيع، كل الناس يقولون: هذا بيع، لكن يقولون: باع سيارة فلان، هو أخطأ، فعلى هذا إذا قلنا بتقديم العرفي فإنه يحنث، وعلى القول بتقديم الشرعي لا يحنث.
أيضًا رجل حلف قال: والله لأتوضأن قبل صلاة الظهر، فغسل أعضاءه الأربعة وهو عامي ما يعرف شيئًا أبدًا، دعنا من طالب العلم طالب العلم يعرف أن الوضوء هو غسل الأعضاء الأربعة، فهل يحنث ولَّا ما يحنث؟
طالب: لا يحنث.
الشيخ: لا، قال: والله لأتوضأن قبل صلاة الظهر فغسل أعضاءه الأربعة ولم يستنجِ، وأذَّن الظهر؛ يحنث على القول بتقديم العرفي، هو قال: والله لأتوضأن قبل صلاة الظهر، فغسل أعضاءه الأربعة، ولم يستنجِ ويش اللي حصل له الآن؟ وضوء شرعي ولَّا عرفي؟ وضوء شرعي.
طالب: عرفي يا شيخ.
الشيخ: لا، ما هو عرفي يا أخي.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لكن ويش يسمون الوضوء.
طالب: ( ... ) الوضوء.
الشيخ: لا هذا عند طلبة العلم صحيح، لكن عند العامي تجد ( ... ) ما توضيت أيش معنى ما توضيت؟ يقول: يعني ما غسلت فرجك ( ... )، اسأل كل واحد عامي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3849
على كل حال ( ... ) الأمر واضح، قال: والله لأتوضأن قبل صلاة الظهر.
فتوضأ بغسل الأعضاء الأربعة ولم يستنجِ فأذّن الظهر، إذا قلنا بتقديم الشرعي؛ فلا حنث عليه؛ لأن الرجل بَرَّ بيمينه.
إذا قلنا بتقديم العرفي يحنث؛ لأنه لم يبَرَّ بيمينه، وأمثلة هذا كثيرة المهم أن نقدم الشرعي أو العرفي أو اللغوي المذهب: يُقدَّم الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي، والصحيح أن نُقدِّم العرفي؛ لأن الناس إنما يحملون على أعرافهم، هم عندنا قبل قليل كنا نرجع إلى مَنْ؟ إلى نية الحالف، وإذا غلب استعمال اللفظ في العرف على معنى معين فإن العوام ( ... ) يريدون به هذا المعنى الغالب، ولذلك تقديم العرفي حتى على القاعدة أن نرجع إلى نية الحالف نقول: لأن أهل العرف إذا تكلموا بلفظ يقتضي معناه كذا عندهم فإنهم لا يريدون إلا هذا المعنى.
عندنا الآن الشاة في العرف والشاة في اللغة يختلف ولَّا ما يختلف؟ والشاة في الشرع؟ في الشرع الشاة تُطلق على الواحدة من الضأن والمعز أو لا؟ وفي العرف؟
طالب: على الشاة.
الشيخ: تطلق الشاة على الشاة؟ ! على الأنثى من الضأن ولَّا لا؟
في اللغة هل تُطلق على العموم؟ تطلق على العموم أيضًا حتى المعز تسمى شاة، يطلق عليها اسم الشاة، وإن كان عند الاجتماع يقال: ضأن ومعز، ويقال: شاة ومعز مثلًا.
طيب ماذا نتبع إذا قال: والله لأذبحن لفلان شاة، وراح وجاب له تيس وذبحه، هل بر بيمينه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، على العرف ما بَرَّ بيمينه؛ ولهذا عند البدو لو تذبح له التيس ويشوف قرونه على الطعام قام وخلص وزعل! قال: ما ذبحت لنا الشاة ( ... )!
فالحاصل إذن، الأمثلة حقيقة كثيرة، لكن الكلام على القاعدة، القاعدة أن القول الراجح تقديم العرفي، ثم الشرعي، ثم اللغوي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3850
وإذا قلت: لماذا لم تقدم اللغوي على الشرعي؟ قلنا: لأن الشرعي باقٍ مع المسلمين ولو اختلف العرف، لكن اللغة العربية إذا هُجرت ما بقي لها استعمال لا عُرفي ولا وضعي إذا هُجِرت؛ فلهذا نرجع إلى العرفي، ثم الشرعي، ثم اللغوي.
انتهى الكلام على الأيمان، وفيه مسألة أيضًا مهمة؛ وهي إذا حلف الإنسان ألا يأكل شيئًا فأكله مختلطًا بغيره، مثل قال: والله لا آكل البيض فأكل قرصان كليجة فيهم بيض، معروف ( ... ) يدهن بالبيض ولَّا لا؟ هل يحنث ولَّا ما يحنث؟
طالب: ( ... ) العرف هو ما يحنث.
الشيخ: ما أكل البيض، وإذا قلنا باللغة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) على كل حال، إذا ظهر أثر هذا المحلوف عليه، إذا ظهر أثره فإنه يعتبر كآكل له حتى في العرف إذا لم يظهر أثر فإنه لا يُعتبر آكلًا له، مثلًا إذا قال: والله لا آكل الفلفل، تعرفون الفلفل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ثم أكل طعامًا مخلوطًا به إن ظهر طعمه وأثره يحنث وإلا فلا، وينبني على هذه المسألة مسألة مهمة، وهي المواد التي تُخلط بالكحول كالخمر، هل نقول: كل شيء يوضع فيه خمر يكون حرامًا؟ لا، إن ظهر أثر الخمر فيه صار حرامًا وإن لم يظهر فإنه ليس بحرام.
كما قلنا أيضًا في باب النجاسات، إذا سقطت نجاسة في شيء وأثرت صار نجسًا، وإن لم تؤثر فهو طهور سواء كان قليلًا أم كثيرًا على القول الراجح، وعلى المذهب إذا كان كثيرًا؛ لأنهم يرون أن القليل ينجس بمجرد الملاقاة كما مر علينا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هو حرام على الجميع، لكن إذا كان حساسية، فالظاهر أنه ما يحرم إلى على من تأثر به؛ لأنه حتى اللي غير خمر، إذا كان هذا الرجل إذا أكله يتأثر به يكون حرامًا عليه.
فيه أشياء الآن بعض الأطعمة يتأثر منها، بعض الناس، بعض الناس يأكل بيضًا تكون حساسية عنده، يأكل موزًا تكون حساسية عنده، هذا نقول: حرام عليك البيض أو الموز؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
الشيخ: ما هو حرام هي الحساسية بعضها مؤذية؟
طالب: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3851
الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام يقول: إذا كان إن الواحد إذا شبع يضيق نفسه حرم عليه الشبع، بعض الناس يشرب الحين ويقول: ( ... ) كلام ( ... ) والنفَس حرق ( ... )، ويملأ بطنه من ها الطعام ( ... ) ما يقدر يتحرك، هذا عند شيخ الإسلام حرام.
فالمهم أن هذه المسائل هذه العامة تكون حلالًا على سبيل العموم، وتكون حرامًا على من يتضرر بها؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم رخص لصاحبه أن يأكل الخضروات والبقول، ولكنه هو امتنع منها وقال: «إِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» فالأسباب والعلل والأوصاف لازم يكون الحكم لكل إنسان بحسبه.
باب النذر
النذر تعريفه وحكمه؛ أولًا تعريفه: هو إلزام.
النذر في اللغة: الوعد والعهد كل منها يُسمى نذرًا، وفي الشرع إلزام المكلَّف نفسه لله تعالى طاعة غير واجبة.
هذا التعريف عند الفقهاء؛ أن يلزم الإنسان نفسه طاعة غير واجبة، هكذا قالوا، مع أنه في التقسيم يكون هذا التعريف قاصرًا؛ لأنه لا يجمع جميع أنواعه؛ إذ من أنواع النذر ما ليس بطاعة إطلاقًا، كما لو نذر أن يلبس ثوبه، أو أن يكلم فلانًا، أو أن يأكل الطعام الفلاني؛ فهذا ليس بطاعة، ولكنه مع ذلك ( ... ) النذر؛ ولهذا لو قيل في تعريفه إن النذر إلزام المكلف نفسه لله تعالى شيئًا، وأطلقناه لكان هذا أولى؛ يعني حتى قولنا: طاعة غير واجبة، الصحيح أن الطاعة الواجبة إذا نذرها الإنسان تكون واجبة من وجهين: من جهة أمر الشرع بها، ومن جهة النذر من جهة هذا وهذا.
حُكم النذر:
اختلف العلماء في حكمه والجمهور على أنه مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقال بعض علماء الحديث، ومال إليه شيخ الإسلام: إنه حرام ..
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
الجزء: 2 - الصفحة: 3852
أن فيه إلزامًا، إلزامُ المكلَّف نفسَه بما لم يُلْزِمْه الله عز وجل، فيقع في حرج، أحيانًا يقع في حرج، ومما ( ... ) التحريم أيضًا أن بعض الناس يستعمله كشرط لله تعالى على جَلْب نعمة أو دفع نقمة، كأن الله تعالى لا يرحمك في ذلك إلَّا؟
طالب: بالنذر.
الشيخ: بالنذر بشرط، فإن بعض الناس يوجد عنده مريض مثلًا يقول: إن شفى الله مريضي لأفعلن كذا وكذا، هل معنى ذلك أن الله ما يشفي مريضك ولا يَمُنّ عليك بهذا إلا بشرط؟ ! هذا بالحقيقة فيه نوع من سوء الأدب مع الله عز وجل.
يوجد بعض الناس مثلًا يفشل بالامتحان ويقول: لله علَيَّ نذر إن نجحت لأفعلن كذا وكذا، هذا أيضًا معناه أن الله ما يَمُنّ عليك بالنجاح إلا إذا أعطيت بالشرط، فلذلك أنا أميل إلى القول بتحريمه، وأنه يحرُم أن يفعله.
فإذا قال قائل: كيف تحرِّمُونه وأنتم توجِبُون الوفاء به، هذا تناقض، شيء يجب الوفاء به وأنتم تحرِّمونه؟
نقول: نحن لا نحرِّم الوفاء به، إنما نحرِّم؟
طلبة: فِعْلَه.
الشيخ: فِعْلَه، كما أن الظِّهَار يحرُم وتجب كفارته، فلا مانع من أن يكون الشيءُ ابتداءً محرَّمًا، وما يترتب عليه من اللوازم يكون واجبًا، ثم إننا نرى ما أكثر الذين يندمون على النذور، يندمون ويحبون أن يتخلصوا بما يستطيعون، واحد مثلًا نذر أنه إن حصل كذا ليَصُومَنَّ كل اثنين وخميس، هذا لا شك أنه في يوم من الأيام سوف يجد ذلك ثقيلًا عليه وصعبًا عليه، فمن ثَمَّ القول بالتحريم أقوى من القول بالكراهة فقط.
وليت أن طلبة العلم يبثُّون هذا الوعي بين الناس حتى لا يحرج الناس أنفسهم بهذه النذور.
طالب: إذن الله كيف مدح الْمُوفِينَ بالنذر؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3853
الشيخ: مدح الْمُوفِين بالنذر، ما هو النذر؟ هل هو النذر هذا أو النذر كل طاعة واجبة؟ لأن الله ذكر في الحج قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]، مع أن الحجاج ما نذروا النذر المعروف هذا، ثم كما قلت لك: يمدح الوافين بالنذر بأنه يجب الوفاء به، ولا يلزم من وجوب الوفاء به أن؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يكون ابتداؤه ممدوحًا، ولهذا قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7]، ولم يقل ينذرون، وفرق بين هذا وهذا.
النذر ينقسم إلى قسمين: نذر غير صحيح، ونذر صحيح؛ فالنذر غير الصحيح كنذر الصغير مثلًا، فإن الصغير لو نذر فإنه ليس بصحيح نذرُه؛ لأن من شرط النذر أن يكون الناذر مكلَّفًا بالغًا عاقلًا؛ لأنه التزام، والصبي لا يصح منه الالتزام.
الصحيح منه خمسة أقسام:
أولًا: مطلق، فتجب فيه الكفارة، ويش معنى مطلق؟ يعني: أن يقول الإنسان: لله عليّ نذرٌ، بس ولا يتكلم بأكثر من هذا، هذا يسميه العلماء نذرًا مطلقًا؛ لأنه غير مقيَّد بشيء معين، ففيه الكفارة؛ أي: كفارة اليمين.
الدليل ما رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم وسنده حسن أنه قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
(1) كفارته إذا لم يُسَمَّ يعني: ما عُيِّنَ، فإنه يكون كفارته كفارة يمين.
الأول: مطلق تجب فيه كفارة يمين للدليل الذي أشرنا إليه.
ثانيًا: نَذْر اللِّجَاج والغضب، فيخيَّر بين فعل المنذور وكفارةِ اليمين، اللِّجَاج من الْمُلَاجَّة وهي المخاصمة، والغضب اللي يكون سببه هو غضب الإنسان.
وتعريف نذر اللِّجَاج والغضب يكون هو الذي يقصد بنذره التصديق، أو التكذيب، أو الحث، أو المنع.
ويش مثاله الذي يقصد التصديق؟ مثل أن يقول ..
طالب: ( ... ).
الشيخ: أن أذبح ناقة، هذا قصده التصديق، يعني أن يحمل الناس على ..
طلبة: تصديقه.
الشيخ: تصديقه، أو يقول مثلًا لإنسان آخر: إن كان ما ذكرتَه صحيحًا ولّا كذبًا؟
طلبة: صحيحًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3854
طلبة آخرون: كذبًا.
الشيخ: أو كذبًا، هو يريد أن يصدقه ولّا يكذبه؟
طالب: يكذِّبه.
الشيخ: ما يخالف، نشوف المثال، إن كان ما تقوله صدقًا فعليّ نذر أن أذبح ناقة.
طالب: هذا أراد أن يُكَذِّبَه.
الشيخ: هذا أراد التكذيب، ولّا لا؟ والتصديق: إن لم يكن كذبًا فكذا، فهذا تصديق.
إذا قصد الحث مثل أن يقول: إن لم أفعل كذا فلِلَّه عليَّ نذر أن أذبح بعيرًا، إن لم أكلِّم فلانًا فلِلَّه علَيَّ نذر أن أذبح بعيرًا.
فهذا حكمه يُخَيَّر بين فعله -فعل المنذور- وبين كفارة اليمين، قال: إن لم أكلِّم زيدًا فلِلَّه علَيَّ نذر أن أذبح بعيرًا، نقول: أنت بالخيار الآن، بين أن تكلم زيدًا أو ..
طالب: تذبح البعير.
الشيخ: تذبح البعير، وكذلك إذا قصد المنع، مثل: إن كَلَّمت زيدًا فلله علَيَّ نذر أن أذبح بعيرًا، فهذا يقصد منع نفسه، ولا يقصد أن يتقرب إلى الله بذبح بعير، فيخيَّر بين الأمرين ( ... ) الذين ينذرون، مَدَح ..
طلبة: الذين يوفون.
الشيخ: الذين يوفون بالنذر، ولا شك أن الوفاء بالنذر بعد التزامه أنه محبوب، ما هي عقوبة، ما ذكره الله في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: 76: 65]، العقوبة: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77]، واضح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هنا العقاب لا شك أنه بسبب أنه ﴿تَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: 76] بعد أن التزموا بذلك، ولهذا قال: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77].
أقسام النذر الصحيح؟
طلبة: نذر مطلق، ونذر ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3855
الشيخ: أنه يقبل التصديق، أو التكذيب، أو الحث، أو المنع؛ فالتصديق أو التكذيب في الخبر، والحث أو المنع في العمل، ويش مثال ما قصد به المنع؟
طالب: ( ... ) كذا وكذا.
الشيخ: أو يقول: لله عَلَيَّ نذرٌ ألَّا أفعل كذا، أو أن أفعل كذا، فهذا القَسَم له صورتان يا جماعة؛ صورة أن يقول: لله علَيَّ نذرٌ أن أفعل كذا، وغرضه في ذلك؟
طالب: الحث.
الشيخ: الحث، أو يقول: إن فعلت كذا فللَّهِ علَيَّ نذرٌ أن أفعل كذا، قصده أيضًا؟
طلبة: المنع.
الشيخ: المنع، ففي الصورتين يكون أيضًا حكمه حكم؟
طالب: اليمين.
الشيخ: اليمين، أي أنه يُخَيَّر بين فعل المنذور وبين كفارة اليمين.
طالب: دليل هذا؟
الشيخ: دليل القسم الثاني أنه ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم في هذا؛ لأنه واضح، فيه آثار عن عمر رضي الله عنه وعن غيره بأن الإنسان يُكَفِّر كفارة يمين، ولا يفعل المنذور، ومعلوم أنه إذا فعل المنذور فهو الأصل، فلهذا قال العلماء: إنه يُخَيَّر بين فعله وكفارة اليمين.
هذه من جهة الدليل الأثري، أما النظري فلأن المقصود بهذا النذر مقصود اليمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إَنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
(2)
أما القسم الثالث فهو نذرٌ مباح، وحكمه كالثاني.
(نذر مباح) يعني أن ينذر فِعْلَ شيءٍ مباح، أو تَرْك شيء مباح، مثاله؛ أن ينوي فعل شيء مباح؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3856
الشيخ: هذا ما هو مباح، هذا طاعة، أن ألبس هذا الثوب، أو أن أشتري هذه السيارة، أو أن أسكن هذا البيت، أو ما أشبه ذلك، قال أهل العلم: فحكمه حكم اليمين، بمعنى أنه يُخَيَّر بين فعله، أي: فَعْل المنذور أو تَرْكه، ويكَفِّر كفارة يمين، وهذا أخذوه من القياس على الأول، ومن التعليل؛ وهو أن مقصود هذا مقصود اليمين، فإذا كان مقصوده مقصود اليمين فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إَنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2)، وليس هذا طاعة حتى نقول: يجب الوفاء به، بل هو شيء مباح إن فعله أو تركه لم يتعلق به ذم ولا مدح، وهذا كثيرًا ما ينذر به، يقول: لله عَلَيَّ نَذْرٌ.
فإن أقسم إقسامًا قال: والله لأفعلن كذا، فهل يكون نذرًا أو يمينًا؟
طلبة: يمينًا.
الشيخ: يكون يمينًا.
رابعًا: نَذْر المعصية، فيحرُم الوفاء به، ويُكَفِّر كفارة يمين، نذر المعصية مثل أن يقول: للهِ علَيَّ نذرٌ ألَّا أكلِّم فلانًا، وفلان مسلم لا يجوز هجره، فهذا نذر معصية، أو يقول: لله علَيَّ نذرٌ لأتَعَدَّيَنَّ على فلان، فهو أيضًا نذرُ معصيةٍ فلا يجوز الوفاء به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» (3)، ولأننا لو جَوَّزْنَا الوفاء بنذر المعصية لانقلب المحرَّم مباحًا بتصرف العبد، والمحرَّم ما ينقلب مباحًا بتصرُّف العبد، وإنما يكون الإباحة والتحريم إلى مَن؟ إلى الله ورسوله.
وعلى هذا فيقال: نذر المعصية لا ( ... ) الله به.
الجزء: 2 - الصفحة: 3857
الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» (3)، والتعليل: لو كان يجوز له فعل المعصية بنذرها لكان بإمكان المرء أن يقلب الشيء المحرَّم إلى مباح، وهذا أمر لا يمكن؛ لأن التحليل والتحريم إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن يقول: (ويُكَفِّر كفارة يمين) وهذا الحكم مختلَف فيه؛ منهم مَن يقول: إن النذر لا يُوفَى -نذر المعصية- وليس عليه كفارة، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ»، وهو في الصحيحين (4)، ليس فيه دليل على وجوب الكفارة.
ومن العلماء من قال: تجب الكفارة؛ لورود ذلك في حديث في السنن، لكن الآن ما يحضرني تخريجه، فأرى أن نؤجله إلى ما بعد.
إنما فيه أحاديث في السنن تدل على وجوب كفارة اليمين، ولأن الرجل لو أقسم على أن يفعل هذا المحرَّم لم يفعله وتلزمه أيش؟
طالب: الكفارة.
الشيخ: الكفارة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».
(5)
الخامس: نذر الطاعة، فيجب الوفاء به مطلقًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» (3)، ولأن الله تعالى عاقب الذين لم يوفوا بنذورهم بماذا؟
طالب: بالنفاق.
الشيخ: بالنفاق، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: 75، 76].
نذر الطاعة هل هو مشروع ولَّا له الحكم السابق؟ يعني لو قال: لله عَلَيَّ نذرٌ أن أصلي ركعتين، مشروع.
طلبة: لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3858
الشيخ: لا، إما مكروه أو محرَّم على ( ... ) السابق، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور: 53]، وهذا طاعة أقسموا أنهم يفعلونها، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: 53] الإنسان ( ... ) أن يطيع الله إلا إذا نذر ما صار مطيعًا لله، فالحاصل أن نقول: نَذْر الطاعة يجب الوفاء به مطلقًا بأي حال من الأحوال.
وهو ينقسم إلى اثنين: قسم مطلق وقسم مقيد؛ فالمطلق أن يقول: لله علَيَّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام، مثلًا، ما يقيده بشيء، والمقيَّد أن يُعَلِّقه على شرط.
النَّذْر المعلَّق مثل أن يعلِّقه بشفاء المريض، يقول: إن شفى الله مريضي فلِلَّهِ علَيَّ نَذْر كذا وكذا، إن نجحت فلله علَيَّ نذر كذا وكذا، وما أكثر الذين ينذرون على النجاح، لا سيما في النساء، يظنون أنهم لا ينجحون إلا إذا نذروا، أو مثل أن يكون مريض تأخَّر برؤه، فيظنون أنه لا يشفى إلا إذا نذر، وهذا خطأ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يُعْطِي فضله من يشاء، ولم يجعل الله النذر سببًا لحصول الفضل، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ» (6)، فليس هو سببًا لإتيان الخير.
ولهذا نقول: إنه مُحَرَّم، ولا ينبغي، بل إنما تسأل الله من فضله أن يهيئ لك النجاح، وتسأل الله من فضله أن يزيل عنك الألم وما أشبهه.
إنما على كل حال هو ينقسم إلى قسمين: نذر الطاعة؛ إما مطلق، مثل أن يقول، كَمِّلُوا.
طلبة: لله علَيَّ نذر.
الشيخ: لله علَيَّ نذر أن أصوم شهرًا، أن أصلي ركعتين، وإما مقيَّد معلَّق بشرط، مثل: إن شفى الله مريضي فلله عليّ أن أصوم شهرًا، مثلًا.
لو نذر أن يصوم السنة أو الدهر، لو نذر أن يصوم الدهر هل يفي بنذره؟
طلبة: يفي بنذره.
الجزء: 2 - الصفحة: 3859
الشيخ: لا، ما يفي؛ لأن صوم الدهر ليس بطاعة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقال: «أَنَا أَصُومُ وَأُفْطِرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
(7)
لو نذر أن يصلي ركعتين في الشمس حاسر الرأس في الهاجرة وقت الصيف يجب عليه الوفاء ولّا ما يجب؟
طلبة: ما يجب.
الشيخ: لا، يجب عليه الوفاء، يصلي ركعتين لكن في الظل، وهل يجب عليه أن يُكَفِّر كفارة يمين؛ لأنه خالف النذر في صفته، أو لا يُكَفِّر لأن ذاك نذر ليس مستقلًّا، بل هو صفة في عبادة، وهو صفة غير مشروعة فيلغى وتبقى العبادة المشروعة؟
فيه اختلاف بين العلماء، والمذهب أنه يُكَفِّر كفارة يمين؛ لأنه خالف النذر في صفته، فلما ألغيت الصفة بإلغاء الشرع لها وجب أن يُكَفِّر كفارة يمين.
على أننا نقول: كل هذه الأشياء إنما تقع في الغالب من إنسان سفيه، أو من إنسان مثلًا أحمق ما يفهم في الفقه، وإلا كيف بينذر أن يصلي في الهاجرة حاسر الرأس في الرمضاء، هذا ما أحد يفعله إلا إنسان سفيه، إنما لو فرض أنه وقع هذا نقول: ما يمكن أن تعذِّب نفسك؛ لأن الله يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147]، ولكن عليك أن تصلي ركعتين؛ لأنها طاعة، لكن على وجه مباح، وتُكَفِّر كفارة يمين؛ لاختلاف الصفة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3860
عندنا يقول: إلا إذا نذر الصدقة بما يزيد على ثلث ماله فإنه يجزئه ثلثه، يجزئه الثلث إذا نذر الصدقة بما يزيد على ثلث المال، مثل أن يقول: لله عليَّ نذرٌ أن أتصدق بنصف مالي، أو بمالي كله، فإنه يجزئه الثلث؛ لأن ذلك جاءت به السنة، فإن أبا لبابة بن المنذر نَذَرَ حين تاب الله عليه أن ينخلع من ماله صدقةً إلى الله ورسوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يَجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ» (8)، فرَخَّصَ له النبي عليه الصلاة والسلام أن يتصدق بثلثه، ولم يلزمه بكفارة اليمين، والفرق بينه وبين ما ذكرناه آنفًا في مسألة الصلاة في الرمضاء وشبهها أن هذا القدر يجزئ عن الكل إجزاءً مطلقًا بنص الحديث، فلما كان يجزئ عنه حل محله، فكأنه وفى بنذره، كما نقول في الرجل الْمُحْرِم إذا لم يجد إزارًا فإنه يلبس سراويل وعليه كفارة، ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما عليه فدية؛ لأن السراويل قامت مقام الإزار، بخلاف مَن احتاج إلى تغطية رأسه فإنه يغطي رأسه، ولكن ..
طالب: عليه الفدية.
الشيخ: عليه الفدية، أو إن احتاج إلى حَلْق رأسه فإنه يحلقه وعليه الفدية.
هذه هي أقسام النذر العامة، وفي النذر تفاصيل أيضًا ينبغي أن تراجعوها في الكتب المطوَّلة؛ لأنه مهم، ويقع كثيرًا من الإنسان.
طالب: أليس يدل ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، لكن الرسول قال: يجزئه، إحنا ما نقول: حرام عليك، إنك توفي بما نذرت لكنه يجزئك هذا، فهذا من باب التخفيف عن العبد أنه يلزمهم بالثلث.
الجزء: 2 - الصفحة: 3861
المعصية فيها خلاف، والصحيح أنه يُكَفِّر؛ للحديث الذي أشرت إليه وإن كان فيه نظر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يُكَفِّر كفارة يمين ( ... ) حتى الآن ما راجعته، لكن هو فيه نظر في صحته، وهو أحوط.
﴿كتاب القضاء﴾
ثم قال: (كِتَابُ القَضَاءِ)، كتاب القضاء مهم بالنسبة لكم؛ لأننا نرجو أن تكونوا قضاةً.
طالب: إن شاء الله.
الشيخ: نسأل الله تعالى؛ لأنكم -والحمد لله- عندكم من العلم ما ليس عند غيركم، وعندكم إن شاء الله من الدين -وحسبكم الله- ما ليس عند غيركم، فإننا نرجو إن شاء الله يسمحون لكم بدخول سلك القضاء لعل الله ينفع بكم.
مدخل
(كتاب القضاء)، القضاء في اللغة يُطْلَق على عدة معاني، منها: الفراغ من الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12]، ومنها: الحكم بالشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]، أي: حَكَمَ، ومنه أيضًا وفاء الدَّيْن، وهذا مثل قولهم: قضى الرجل دَيْنَه.
فيُطْلَق على عدة معاني، لكنها في الحقيقة كلها ترجع إلى معنى يدور حول الحكم بالشيء؛ لأن قضاء الدَّيْن حُكْمٌ بالبراءة، والفراغ من الشيء حُكْم بالانتهاء، والأمر بالشيء حكم بفعله.
ولهذا نقول: إن تعريفه في اللغة له عدة معانٍ كما أشرنا إلى بعضها، أما في الشرع فإن تعريف القضاء: هو بيان الحكم الشرعي والإلزام به.
وبعضهم يزيد في هذا فيقول: وفصل الحكومات، فقولنا: بيان الحكم الشرعي، خرج به بيان أي شيء من غير الأحكام الشرعية، مثل لو بَيَّن طريقة حسابية أو شيئًا آخر فإنه لا يُعْتَبَر قضاءً.
وقولنا: والإلزام به، خرج به الْمُفْتِي، فإن الْمُفْتِي يُبَيِّن الحكم الشرعي، ولكنه لا يُلْزِم به بخلاف القاضي، القاضي يبينه ويقول: هذا حكم الله ويُلْزِم به.
الجزء: 2 - الصفحة: 3862
وبهذا عرفنا أن حكم القاضي إلزام، وأما حكم المفتي فليس بإلزام، ولهذا يجوز الإفتاء على الغائب، ولا يجوز الحكم على الغائب؛ فهند بنت عتبة شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها أبا سفيان بأنه كان شحيحًا لا يعطيها ما يكفيها وولدها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ –أَوْ: وَلَدَكِ- بِالْمَعْرُوفِ» (9)، لو كان هذا من باب الحكم ما صح؛ لأن المحكوم عليه.
طالب: غائب.
الشيخ: غائب، ولكن هذا من باب الإخبار بالحكم الشرعي، وليس من باب القضاء بينها وبين زوجها، فكأنه يقول: إن كان الأمر كما تقولين فإنه يجوز لك أن تفعلي كذا وكذا، ولكنه لم يُلْزِم زوجها بشيء.
هذه المسألة ليست من باب القضاء، ولهذا مَن استدل بالحديث على القضاء على الغائب ففي استدلاله نظر؛ لأن هذا في الحقيقة إخبار وليس بحكم، لكن إذا استدل به بأمور أخرى فسيأتي إن شاء الله ذِكْرُه.
حكم القضاء يُرَادُ به شيئان؛ الشيء الأول: الدخول في ولاية القضاء، والشيء الثاني: القضاء بين الناس.
أما القضاء بين الناس فلا شك أنه واجب، واجب أن يقضى بين الناس بالحق، وأما توليه فإنه فرضُ كفايةٍ، يتعيَّن على مَن كان أهلًا له ولم يوجد غيره، أو وُجِدَ غيره ولكنه لا يقوم به؛ إما لقصور في علمه، أو تقصير في حكمه؛ لأن اللي ما يصح في القضاء إما قاصر في علمه أو مُقَصِّر في حكمه، نعرف أن الرجل ليس له ذمة يحابي الناس في الحكم وما أشبه ذلك، هذا ما تبرأ به الذمة، ولا يدخل في الواجب بالنسبة إلى من يتولى القضاء غيره.
فالآن عندما نقول: حكم القضاء، يراد به أمران، هما؟
طالب: الحكم بين الناس.
الجزء: 2 - الصفحة: 3863
الشيخ: الحكم بين الناس واجب، فرضُ عينٍ، حتى لو حكم أحد بغير ما أنزل الله يجب على بقية المسلمين أن يقوموا عليه ببيان الحق ويُغَيِّرُوا هذا؛ لأن الحكم بغير ما أنزل الله خطير جدًّا، إذا كان الإنسان حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن هذا هو الذي يجب أن يسير الناس عليه ويُرْجِؤُوا حكم الله فهذا كفر.
الأمر الثاني مما يراد به تولي القضاء، نقول: هو فرض كفاية إذا قام به مَن يكفي علمًا وتطبيقًا ومنهجًا سقط عن الباقين، وإلا وجب على أن مَن كان أهلًا إذا لم يقم به غيره.
وهل نقول: ولم يشغله عما هو أهم منه؟
إن قلنا: ولم يشغله عما هو أهم منه، فتحنا لكم بابًا لا يمكن إغلاقه؛ لأنكم ستقولون: التدريس أهم منه، والدعوة إلى الله أهم منه، ولكن في الحقيقة هو من أهم ما يكون؛ لأن عليه مدار إصلاح المجتمع، فإنه إذا ساء الحكم بين الناس فسد المجتمع، وصار الناس لا يُحِلُّون ولا يُحَرِّمُون، يأكل الإنسان مال غيره، ويجحد ما يجب عليه ولا يهتم بشيء، لكن إذا علم أن القاضي يحكم بالحق كل إنسان يقف على حده، ولا يمكن أن يعتدي أحد على أحد.
فلهذا كان القضاء مَنْصِبًا عظيمًا مهمًّا جدًّا في الشريعة الإسلامية، ثم إن مِن نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد أن يكون أهلًا لهذا المقام؛ لأن هذا المقام مقام الأنبياء وخلفائهم، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26].
وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث البعوث ويجعل عليهم أميرًا قاضيًا، كما بعث معاذًا إلى اليمن (10)، بعثه مُعَلِّمًا وداعيًا وحاكمًا.
فالقضاء أَمْرُه مهم جدًّا، وإذا رأينا الناس اليوم وجدنا أنه قد يولى القضاء مَن ليس أهلًا له؛ إما لقصور في علمه أو بتقصير في حكمه، والقضاء مهم ويتركز على أمرين:
الجزء: 2 - الصفحة: 3864
أحدهما: معرفة الحكم الشرعي، والثاني: معرفة الواقع بمعرفة الناس وأحوال الناس، أفهمتم؟
طالب: نعم.
الشيخ: الحكم الشرعي كل إنسان يمكن يدركه بالطلب والجد، لكن العلم بأحوال الناس وأعراف الناس هذا يحتاج إلى أن يكون الإنسان عائشًا بينهم، ما هو بتجيب واحد ما يعرف عُرْف الناس وتخليه يحكم بينهم، يمكن تكون كلمة لها معنى في العُرْف وهي عند هذا القاضي الجديد على أهل هذا المكان لها معنى آخر، كذلك أيضًا اللي ما يعرف أحوال الناس، من جهة الرجل الذي لا يريد حق غيره فهذا أيضًا قد يضيع حقوقًا كثيرة بسبب عدم معرفته، وهذا الأخير يعود إلى فراسة القاضي، وأظن مَرَّ عليكم قصة سليمان مع المرأتين وداود أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: اللي خرجتا إلى البَرّ وأكل الذئب ابن إحداهما، وتخاصمتا إلى داود، فجعل الابن الباقي ابن الكبيرة، ثم خرجتا فمَرَّتَا على سليمان، فقال: إننا نريد أن نشق الولد بينكما نصفين، يصير للكبيرة لها نصفه، وللصغيرة لها نصفه، الكبيرة وافقت على هذا؛ لأن الولد ليس ولدًا لها، خَلِّيه ( ... )، وأما الصغيرة فقالت له: لا يا نبي الله، هو لها، فعَلِمَ بذلك أنه؟
طالب: أنه للصغيرة.
الشيخ: أنه للصغيرة فحكم لها به.
فالمهم أن هذا مهم معرفة الحكم الشرعي ومعرفة أحوال الناس العامة وهي حال العُرْف، والخاصة وهي حال الشخص المعيَّن، وكم من إنسان مُبْطِل، يعني صاحب دعوى وجدل يضيع الحق بسبب جداله، إلا إذا قَيَّضَ الله حاكمًا فطنًا.
أما من يولي القضاة؟ الذي يولي القضاة هو السلطان الأعلى في الدولة، أو نائبه هو الذي يولي القضاة، وكذلك الأمراء هو الذي يوليهم السلطان أو نائبه، في وقتنا هذا السلطان الأعلى ما يتولى نصب القضاة، يتولى ذلك نائبه وهو وزير العدل، فهو الذي يولي القضاة، وعليه وعلى كل إنسان يتولى أمور المسلمين ألَّا يولي إلا مَن كان أرضى لله ورسوله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3865
ولهذا ورد في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مَنْ وَلَّاهُ اللهُ عِصَابَةً فَوَلَّى عَلَيْهِمْ مَنْ غَيْرُهُ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ».
(11)
ولهذا يجب أنه يختار أحسن مَن يوجد في هذا الأمر، أما التولية فإنها أربعة أقسام:
التولية فرض ولّا لا؟ التولية في القضاء فرض على وزير العدل مثلًا.
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، فرض يجب أن يولي مَن تحصل بهم الكفاية.
التولية أربعة أقسام:
أولًا: عموم النظر في عموم العمل، وخصوصه فيهما -يعني خصوص النظر في خصوص العمل-، وعمومه بالنظر فقط، وعمومه بالعمل فقط، هذه أربعة أقسام.
والذي يدلنا على هذا الحصر هو الاستقراء؛ لأنها ما تخرج من هذه الأربعة أقسام: عموم في العمل والنظر، أو خصوص فيهما، أو عموم في أحدهما وخصوص في الآخر، هذه أربعة أقسام.
(عموم النظر في عموم العمل).
أولًا: ما هو النظر، وما هو العمل؟ (النظر) جميع القضايا، النظر يعني القضايا، إنه ينظر في جميع القضايا، و (العمل) البلاد، عموم العمل يعني معناه أن يكون عمله في كل البلاد، لنفرض مثلًا واحدًا وَلَّيْنَاه القضاء في منطقة القصيم، هذا عموم عمل؛ لأننا جعلنا كل القصيم هو قاضيها، فيكون هذا عموم العمل، عموم النظر قلنا: لك النظر أو لك القضاء في جميع القضايا؛ من حقوق شخصية ومالية وغير ذلك، جميع القضايا يقول: هذا (عموم النظر في عموم العمل)، وَلَّيْنَاه عموم النظر في عموم العمل.
إذن إذا جاءه رجلان يتحاكمان إليه في طلاق ينظر فيه ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ينظر فيه، وفي دماء وقصاص ينظر فيه، وفي أموال ينظر فيه، كل ما يكون محتاجًا إلى الحكم بين الناس فإنه يتولاه في جميع منطقة القصيم، هذا نسميه أيش؟ عموم النظر في عموم العمل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3866
خصوص النظر فيهما معناه: خصوص النظر في خصوص العمل، يكون النظر خاصًّا والعمل خاصًّا، مثل، أقول: وَلَّيْتُك الأنكحة، يعني يقول وزير العدل مثلًا: وَلَّيْتُك القضاء في الأنكحة في بُرَيْدَة فقط، ويش يصير هذا؟
طلبة: خصوص.
الشيخ: هذا خصوص النظر.
طلبة: في خصوص العمل.
الشيخ: في خصوص العمل، ليش؟ لأنه ..
طالب: خاص.
الشيخ: خاص، ما ( ... ) في غير الأنكحة، لو جاءه رجلان يتحاكمان إليه في قصاص بينهما ما يحكم بينهما، ولو حكم لم ينفذ، اللهم إلا أن يُحَكِّمَاه بصفة خاصة، كما سيأتي، فيجوز، واضح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو أنه ذهب إلى عُنَيْزَة زائرًا، وتخاصم إليه أناس من أهل عنيزة فيها، يقضي ولّا ما يقضي؟
طلبة: لا يقضي.
الشيخ: لا يقضي؛ لأنها ليست من عمله.
لو تحاكم إليه رجلان في مكة التقيا به في الحج وهما من منطقة عمله، يحكم بينهما ولّا لا؟
طلبة: لا.
طالب آخر: يحكم.
الشيخ: يحكم، ليش؟ لأن الرجلين ..
طالب: من ولايته.
الشيخ: من ولايته، وكذلك الأمر الذي يتحاكمان فيه في منطقة عمله، لكن لو يتخاصمان وهما من أهل القصيم يتخاصمان إليه في أرض بينهما في مكة وهو في مكة؟
طلبة: ما ينظر.
الشيخ: ينظر ولّا ما ينظر؟
طلبة: لا ينظر.
الشيخ: لا ينظر؛ لأنه الآن المدَّعَى به ليس في منطقة عمله، وهما أيضًا الرجلان في هذا الحال ليسَا في منطقة عمله.
فالحاصل الآن أنه يتخصص، تخصص الولاية بتخصيصها، والصيغ عاد معروفة عند الذي يولي.
عموم النظر فقط، يعني معناه: عموم النظر في خصوص العمل، يبين هذا بالأمثلة.
( ... ) عموم العمل وإن كانت عامة نسبية.
بالعكس عمومه؛ أي عموم النظر في العمل فقط.
طالب: خصوص النظر في عموم العمل.
الشيخ: عموم النظر فقط معناه أنه عامٌّ في النظر خاص في العمل، عمومه في العمل فقط معناه أنه خاص؟
طلبة: في النظر.
الشيخ: في النظر، مثال العام؟
طالب: خصوص النظر أن ينظر في حق الدماء.
الشيخ: إي، لكن في أي منطقة أو في إي بلد؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3867
الطالب: في عموم البلاد.
الشيخ: في عموم البلاد، في منطقة القصيم مثلًا هذا عموم في العمل، وخصوص؟
الطالب: في النظر.
الشيخ: في النظر، واضح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المهم أن الولاية تتقيد بما قُيِّدَت به، فالذي قُيِّدَ عما قُيِّدَت ولايته في نظر لا يوصَف بغيره في عمل لا يحكم في غير هذا المكان، ليش؟ لأنها ولاية تُسْتَفَاد بالإذن، فوجب الاقتصار على ما يقتضيه هذا الإذن.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يُنْظَر إلى المدَّعَى به.
الآن هل عندنا قضاة خَاصُّون بالنظر؟ فيه أظن ( ... )
طالب: قاضي الجنايات.
الشيخ: وفيه الجنايات، فيجب أن يتقيد بما قُيِّدَ به.
بناء على ذلك لو وردت قضية إلى رئيس المحكمة وهي من خصوصياته، يعني مما له الحكم فيه، هل يجوز أن يُحِيلَها إلى مَن تحته؟ ما يجوز، اللهم إلا للضرورة، مثل أن يكون لديه قضايا كثيرة ومَن تحته ليس عنده شيء، فهنا يجوز أن يُحِيلَها؛ لأن فيه مصلحة للناس، وأما من جهة التَّشَهِّي إذا شاف المسألة سهلة قال: أنا أقضي بها، ولو صارت صعبة قال: حلتها على هذا، هذا ما يجوز.
ثم إن بعض الناس أيضًا قد لا يكون عنده الثقة من هذا القاضي المعيَّن، إما لقصور في علمه، أو لتقصير في حكمه، فيخشى إن تحاكم عنده أن يضيع حقه بسبب هذا القصور أو التقصير، فيطلب من خصمه أن يتحاكم إلى غيره.
فإذن نقول: مَن كان مقتضى ولايته أن ينظر في هذه المسألة فإنه لا يجوز أن يحيلها إلى غيره إذا وردت عليه؛ لأننا لو قلنا بجواز ذلك لزم أن يتحمل أحد القضاة قضايا كثيرة، والآخر ليس عنده شيء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما تفيده الولاية، يعني ما الذي يستفيده القاضي إذا ولي في القضاء.
الطالب: أقول: أقسام التولية كأنها متداخلة.
الشيخ: متداخلة.
الطالب: لذلك ما فهمت.
الشيخ: ما فهمت إلى الآن؟
الطالب: ما فهمت إلا اثنين، عموم النظر في ..
الشيخ: ويش فهمت؟
الطالب: عموم النظر في عموم العمل.
الشيخ: إي نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3868
الطالب: وعموم النظر في خصوص العمل، ووقفت.
الشيخ: بخصوص النظر؟
الطالب: نعم بخصوصه.
الشيخ: خصوص العمل مثل أن يكون في بلد معين، عموم النظر تنظر في جميع القضايا، خصوص النظر أنت وَلَّيْتُك قاضيًا على الأنكحة فقط في هذا البلد، ويش يصير هذا؟
الطالب: هذا خصوص عمل.
الشيخ: خصوص نظر.
الطالب: نعم نعم.
الشيخ: هي خصوص عمل أيضًا.
الطالب: نعم.
( ... )
الشيخ: ولكن الضابط في هذا أنها ترجع إلى ما يقتضيه العرف بين الْمُوَلِّي والمولَّى، هذا الضابط في الأصل، فإذا قيل: وَلَّيْتُك قاضيًا في البلد الفلاني، فإنه ( ... ) كل ما تقتضيه هذه الصيغة بحسب العرف.
والفقهاء رحمهم الله في وقتهم ذكروا أنها تفيد أشياء كثيرة، منها: الحكم بين الناس، وهذا أهمها، ومنها: النظر في الأوقاف، وهذا في الوقت الحاضر منزوع من القضاة إلى؟
طلبة: وزارة الأوقاف.
الشيخ: إلى وزارة الأوقاف، ومنها: تزويج مَن لا وَلِيَّ لها، وعقد الأنكحة، وهذا في الوقت الحاضر أيضًا نزع إلى المأذون الشرعي.
ومنها أيضًا النظر في مصالح العمل من إصلاح الطرق وأفنيتها وتنظيفها وتوسيعها، هذا في الوقت الحاضر أيضًا نزع إلى البلدية، القاضي ما يتكلم بهذا أبدًا إلا كرجل واحد من الناس يشير برأيه ولا يلزمه.
ومنها أيضًا النظر فيمن يستحق النظر من الصغار والسفهاء وما أشبه ذلك، فهذا إلى الآن موجود، ومنها النظر في المساجد وأئمتها وإصلاحها، وهذا في الوقت الحاضر منزوع.
على كل حال الشيء الذي يمكن أن نضبط القضية به أن نقول: تفيد ولاية القضاء ما تقتضيه صيغتها بحسب العرف؛ لأن هذا الشيء المحسوس شرعي، فإذا أُطْلقت فإنه يُرْجَع في ذلك إلى ما يقتضيه هذا الأمر، وإذا كان ولي الأمر الأعلى قد جعل لكل جهة ولاية، فمن كان في هذه الولاية فإن القاضي لا ( ... ).
شروط القاضي وآدابه الواجبة والمستحبة:
الجزء: 2 - الصفحة: 3869
أولًا: لا بد أن نعلم أن كل شيء يُشْتَرَط فيه شرطان أساسيان، هما: القوة والأمانة، قال الله تعالى عن صاحب مدين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39]، فلا بد من القوة، ولا بد من الأمانة.
فنأتي إلى شروط القاضي لننظرها واحدًا واحدًا، يُشْتَرَط أولًا: أن يكون مسلمًا، فالكافر لا يصح أن يكون واليًا على المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، ولو كان الكافر قاضيًا لكان له سبيل على المؤمنين؛ لأنه ينفذ، يقول: هذا الحق فيه كذا والحق فيه كذا، ولأن الكافر غير مأمون على الحكم، ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هو مأمون ولّا لا؟ والحكم يا جماعة يتضمن إخبارًا؛ لأنه يقول: حكم الله كذا، ويتضمن إلزامًا، وهذا لا يمكن أن يقع من الكافر، ويُشْتَرَط فيه أيضًا أن يكون عدلًا، والعدل مَن استقامت مروءته واستقام دينه، مَن هو العدل؟
طالب: من استقامت مروءته واستقام دينه.
الشيخ: واستقام دينه، ولهذا قلنا: عدل؛ لأن العدل ضده الميل، والاستقامة هي العدالة، استقامة الدِّين قال أهل العلم: هي القيام بالواجبات وترك الأعمال الْمُفَسِّقَة، اجتناب الْمُفَسِّق من المعاصي، فإذا كان القاضي غير مستقيم المروءة، مثل واحد ( ... ) يمشي بين الناس ( ... ) غترة ولا شماغ ولا شيء، هل هذا مروءة؟
طلبة: لا.
الشيخ: أبدًا، ما هو هذا مروءة، وإن كانت جائزة من الناحية الشرعية من حيث الأصل لكنها ليست مروءة.
إنسان مثلًا ( ... ) فصفص، هذه مروءة ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما هي مروءة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3870
المهم أنه لا بد أن يكون مستقيم المروءة، يعني ما يأتي بما يخل بمروءته بين الناس، وإذا قلنا بالمروءة فإن المروءات تختلف، مروءة كل إنسان بحسبه، أليس كذلك؟ كل إنسان له مروءة بحسبه، فذوي المروءات والهيئات والشرف ليست مروءتهم كمروءات أهل السوق والسوقة فبينهما فرق.
استقامة الدين قلنا: القيام بالواجبات وترك الْمُفَسِّق من المعاصي، فإذا كان مثلًا لا يشهد الجماعة فهل هو عدل؟
طلبة: ليس بعدل.
الشيخ: ليس بعدل، ولو صَلَّى في البيت بل هذا ينافي العدالة.
حتى قال الإمام أحمد: مَن ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تُقْبَل له شهادة، وإذا كان ما تُقْبَل منه الشهادة فمن باب أولى ألَّا تُقْبَل له ولاية القضاء.
إذا كان يحلق لحيته هذا ويش يعتبر؟ هذا في الحقيقة يُعْتَبَر فاسقًا لإصراره على هذه المعصية، كما أنه إخلال بالمروءة، واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: وإذا كان ينام وقت الدرس؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إذا كان ينام وقت الدرس فهو من باب الإخلال بالمروءة؟
طالب: غصب عليه.
الشيخ: كيف؟
طالب: غصب عليه.
الشيخ: لا، ما هو غصب عليه، لو شيئًا لنفسه ما نام.
حتى لو نام في الصف الأول الذي ينام ( ... ) نعم، أعني بذلك المسجلات؛ لأنه يسجل ما يحتاجه وبيأخذه.
أقول: إنه يشترط أن يكون عدلًا، وهو مَن استقامت مروءته واستقام دينه، واضح؟
يشترط أيضًا أن يكون ذكرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿ذَوَيْ﴾ أي: صاحبي عدل، وهل القاضي شاهد ولَّا غير شاهد؟
طلبة: شاهد.
الشيخ: قلنا: إن الحكم يتضمن الشهادة؛ لأنه يشهد أن حكم الله كذا، ويشهد أن الحق لهذا على هذا، فهو شاهد في الحقيقة.
فإذن لا يصح أن يكون امرأة، ولقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 34].
ولو كانت المرأة قاضية لكانت هي؟
طالب: قوامة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3871
الشيخ: القوامة على الرجال، وهذا أمر خلاف ما أراده الله عز وجل، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (12)، وهذا القضاء ( ... ) من أعظم أمور المسلمين.
هذه ثلاثة أدلة أثرية، يعني من السابقين، والدليل النظري أن المرأة قاصرة في عقلها وتفكيرها، وسريعة العاطفة وقريبة النظر، وهي محل لتعلُّق النفس بها تعلقًا جنسيًّا، ومحل للإغراء والإطاحة بها؛ فلذلك لا تصلح بحال من الأحوال أن تكون لها ولاية، لا في القضاء ولا في غيره من أمور المسلمين، حتى مثلًا الوزارة وما أشبه ذلك إلا على قوم من جنسها، مثلًا امرأة نخليها رئيسة على مدرسة، هذا لا بأس به، أما على حكم عام هذا لا يجوز في شرع الله سبحانه وتعالى، ولا فيما يقتضيه العقل.
فإذا قال قائل: يوجد من النساء مَن هو أقوى بالحكم والنظر والحزم من بعض الرجال، فنقول: هذا نادر، والحكم للغالب، هذه ثلاثة شروط.
الشرط الرابع: أن يكون سميعًا، وضده الأصم، قالوا: لأن غير السميع لا يسمع الكلام، ما يسمع، كيف بيحكم وهو ما سمع الكلام؟ وظاهر كلامهم حتى لو كان قارئًا وكتب له الكلام بورقة أو ما أشبه ذلك.
وهذه المسألة فيها نظر، نقول: إذا كان أصم ولكنه يدرك ما يقوله الخصمان بطريق آخر، مثل أيش؟
طلبة: الكتابة.
الشيخ: مثل الكتابة، وأنا أذكر رجلًا رحمه الله ما يسمع أبدًا، لو يثور عنده مدفع ما سمعه، لكنه يبصر ومعه ما نعرفه في الصغر لوح حجر، ما أدري عرفتموه أنتم ولّا لا؟ لوح حجر أسود يُكْتَب فيه، مثل الطباشير كان مع الأولاد الصغار فيه ( ... ) وفيه حبات بالعدد سبورة صغيرة، هذه السبورة معه، إذا واجه الرجل أوقفه وكتب: اكتب لي أيش حصل اليوم، يكتب له أخبار الناس كلها كل يوم عند هذا الرجل، كل أخبار الناس عند هذا الرجل، يعرف من الأخبار ما لا يعرفه كثير من السامعين.
طالب: ويتكلم؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3872
الشيخ: يتكلم إي، الكلام يتكلم ويبصر، لكن ما يسمع، ومع ذلك يرجع الناس إليه في الأخبار؛ لأنه ( ... ) وأي واحد يلاقيه ما يحقر نفسه يجلس قال: صبَّحكم الله بالخير، ويش اللي جرى اليوم؟
طالب: قارئ هو؟
الشيخ: لا، ما هو بقارئ، القصد إني أنا أقول: إن فقد السمع ليس معناه أن الإنسان يُفْقَد من الدنيا، قد يكون الإنسان حريصًا، ويدرك ولو كان أصم ما لا يدركه السميع، فإذا كان هذا الأصم عنده علم، وعنده عقل، وعنده تمييز، ويدرك كلام الخصمين بطريق آخر غير السمع، فما المانع من تَوَلِّيه؟ !
الشرط الخامس: أن يكون بصيرًا، وهذا أيضًا عند الفقهاء، أن يكون بصيرًا، فإن كان أعمى لم يصح أن يكون قاضيًا، وإذا حكم بين اثنين فحكمه باطل؛ لأنه ليس أهلًا للولاية، إذ من الشروط أن يكون بصيرًا، لماذا؟ قالوا: لأن غير البصير لا يعرف الخصمين، فربما يُمَوَّه عليه، وهو وإن كان يسمع الكلام فالكلام قد يقلَّد ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يأتي اثنان عفاريت يقول: تعالَ أنا بأقلِّد فلانًا بالكلام وأنت تقلِّد فلانًا، ونقيم دعوى في الملك الفلاني، ويتخاصمون عند الرجل الأعمى ولا يدري يحكم بمجرد الصوت ولا يدري.
ولكن هذا صحيح، في الحقيقة تعليل قوي، إلا أنه يمكن التغلب على هذا، شو به؟ بأن يكون عنده إنسان ثقة مُبْصِر، مثل ما قلنا في الذي لا يعرف الكلام يجعل عنده مترجمًا، هذا أيضًا عنده راءٍ فيمكن التغلب عليه بأن يكون إنسان ثقة ( ... ).
كونه بالغًا؛ لأن مَن دون البلوغ يحتاج إلى ولاية فلا يكون وليًّا على غيره، ولأنه لصغره قد تفوت منه القوة، وهي أساس في العمل كما سبق.
الشرط السابع: أن يكون عاقلًا، فإن كان غير عاقل لم يصح أن يكون قاضيًا، ويشمل ذلك فاقد العقل، وناقص العقل وهو المعتوه الذي لا يكاد يميز بين ( ... )، فهذا أيضًا لا يصح أن يكون قاضيًا؛ لما علمنا من أنه يُشْتَرَط أن يكون قويًّا في أداء عمله، وهذا لا يمكنه أن يقوى في أداء عمله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3873
الشرط الثامن: أن يكون متكلِّمًا، يعني ينطق، وأما الأخرس فلا يجوز أن يكون قاضيًا، لماذا؟ قالوا: لأن القاضي يحتاج إلى النطق لإفهام الخصمين مصدر الحكم، فإذا كان لا يتكلم فالإشارة قد لا تحيط بما في نفسه، فلا يصح أن يكون قاضيًا.
وهذا الشرط ما دام ثابتًا بتعليل فإن هذه العلة المانعة من تولية غير الناطق إذا تخلفت يتخلف الشرط، فإذا كان هذا لا ينطق ولكنه يستطيع أن يكتب عما في نفسه، هو يسمع الخصمين، ويرى الخصمين، ويعلم ويتصور تصورًا كاملًا لكنه لا ينطق، إنما يكتب، فالكتابة تعبِّر عما في الضمير كما نعبر باللسان.
وعلى هذا فنقول: إذا كان القاضي لا ينطق لكنه يكتب فإنه يصح أن يكون قاضيًا؛ لأن العلة تزول.
الشرط التاسع: أن يكون مجتهدًا، فالمقلِّد لا يصح أن يكون قاضيًا لأنه مقلد، فهو يتكلم بما عند غيره.
وقد قال ابن عبد البر رحمه الله: أجمع العلماء على أن المقلِّد ليس معدودًا من أهل العلم؛ لأنه عبارة عن نسخة كتاب، بل النسخة أضبط منه؛ لأنه هو قد ينسى أو يفهم الشيء خطأً، والنسخة ليست كذلك.
وبهذا عرفنا نقصان درجة المقلد، ما دام أن العلماء أجمعوا على أنه ليس بعالم فهذا دليل على النقص، لكن هذا الشرط شرط بحسب الإمكان، فإذا لم نجد إلا مقلِّدًا فلا ريب أن المقلِّد خير من العامي، وخيرٌ مِن تَرْك الناس بدون قاضٍ.
فنحن نقول: نولي من العلماء مَن هو أمثل، كما أنه لو لم نجد إلا قضاة فَسَقَة -والعياذ بالله- يأخذون الرشوة، ويجورون في الحكم، ويغتابون الناس، ويَجُرُّون ثيابهم، وما أشبه ذلك، إذا لم نجد إلا مثل هؤلاء هل نبطل هذه الولاية، ولَّا المراد بمن هو أمثل نولي أمثل الفاسقين؟
طلبة: نولي أمثل الفاسقين.
الشيخ: نولي أمثل الفاسقين؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، ولا نَدَعُ الناس بدون قاضٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 3874
على هذا نقول: اشتراط الاجتهاد إن أمكن أن يوجَد المجتهِد فذاك، ولا يُشْتَرَط أن يكون مجتهدًا اجتهادًا مطلقًا في جميع المذاهب، بل يكفي أن يكون مجتهدًا ولو في مذهبه، وأظنكم تعرفون الفرق بين المجتَهِدَيْنِ؛ المجتهد المطلَق هو الذي يقارن بين أقوال أهل العلم من كل مذهب، والمجتهد في مذهبه هو الذي يقارن بين الأقوال في مذهبه خاصة، ويعرف الراجح من غيره بمقتضى الدليل، هذا مجتهد ولو في مذهبه.
فنحن نقول: المجتهد المطلَق أعلى الأنواع، ثم المجتهد في مذهبه، ثم المقلِّد إذا لم نجد مجتهدًا.
هذه الصفات التي يجب أن تتوفر في القاضي: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا عدلًا سميعًا بصيرًا، ويش بعد؟
طلبة: ذَكَرًا.
الشيخ: ذَكَرًا متكلِّمًا مجتهدًا.
الشرط العاشر: أن يكون حُرًّا، يعني غير مملوك، وذلك لأن المملوك مملوك على اسمه، فإذا كان مملوكًا لم يصح أن يكون واليًا؛ إذ إنه هو نفسه مملوك مُوَلًّى عليه، فلا يمكن أن يكون واليًا على المسلمين.
ولكننا نقول: هذا اشترطه الفقهاء رحمهم الله، ولكن ليس عليه دليل؛ لأن هذه الشروط العشرة يجب أن نردها إلى القوة، ويش بعد؟
طلبة: الأمانة.
الشيخ: والأمانة، القوة والأمانة؛ القوة في العلم، والقوة في التصور، والأمانة أيضًا في العلم الذي ينافيه العدالة، الخيانة فيها فسق.
فالحاصل أننا نقول: اشتراط الحرية ما عليه دليل، وكم من قاضٍ عدل مملوك يكون خيرًا بكثير ممن هو حُرّ، والمدار على كونه عالمًا ومؤديًا للقضاء على وجهه، أما كونه مملوكًا أو غير مملوك هذا ليس بشرط، وكما أننا قلنا في الشهادة: إنه لا يشترط فيها أن يكون الشاهد حُرًّا، فكذلك ينبغي أن نقول في القضاء: لا يشترط أن يكون حُرًّا.
قد نقول: إنه يشترط في المملوك أن يكون مالكه موافقًا على توليته؛ لأنه إذا ولي بدون رضا مالكه فَوَّت على مالكه مصالِحَه، وأما اشتراط أن تكون الحرية مصححة لقضاء هذا الرجل فالصحيح أنها ليست بشرط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3875
طالب: ( ... ).
الشيخ: إذا كان القاضي يرى أن الحق خلاف هذه التعليمات هو يجب عليه واحد من أمرين؛ إما أن يحكم بما يراه حقًّا، وإذا غصبه مَن فوقه فالمسؤولية عليه، وهذا هو الأوجب وهو الأولى أيضًا، وإما أن يصرف المتخاصمين، كما أنه لو تحاكم إليه رجلان وهو يعلم أن الحق مع أحدهما، فإنه لا يحكم له بعلمه ولكن يصرفهما إلى قاضٍ آخر، ويكون هو شاهدًا على ما يعلمه، فهنا نقول: الإنسان الذي له عنده تعليمات خلاف ما يراه حقًّا لا يجوز أن يحكم بمقتضى هذه التعليمات؛ لأن معنى ذلك أنه حَكَمَ؟
طلبة: بغير ما أنزل الله.
الشيخ: بغير ما أنزل الله، ولكن يجب عليه واحد من أمرين؛ إما أن يحكم بما يرى، وهذا خير الأمرين، وإما أن يصرفه، وإنما قلنا: الأول خير الأمرين؛ لأنه يتضمن مصلحتين هامتين؛ المصلحة الأولى هو تنفيذ الحكم، بحيث إنه ما يعرف إلا الخصمين؛ لأنه لو صرفهما يمكن عاد يبقى مدة يعيِّنان مَن يحكم بينهما، والمسألة الثانية هو أنه إذا حكم بمقتضى ما يراه حقًّا قد يكون ذلك فتح باب للمسؤولين فوقه أن ينتبهوا للأمر، وأن يراجعوا ويحرصوا على المراجعة.
ولّا معلوم إذا حكم بخلاف ما يقتضيه النظام بكل سهولة يطلب المحكوم عليه أن يرفع إلى ( ... )، لكن إذا حكم هو بما يراه الحق ودَلَّلَ على حكمه فهذا يوجب أن ينتبه مَن فوقه انتباهًا بالغًا، ثم يكون أيضًا وسيلة إلى أن غيره من القضاة يقتدي به، ويفتح الله على يديه خيرًا كثيرًا.
أما الثاني وهو الصرف فإن صرفهما يتضمن مفسدتين:
أولًا: عدم الحكم لهؤلاء مع أنهما قد حضرَا إليه، والثاني أنه تبقى المسألة هكذا عمياء ما أحد يفتح باب الاستدلال أو باب النظر، فلذلك نرى أن الخير أن يحكم بما يرى، وإذا نقض فالمسؤولية على الناقض.
طالب: لكنه يُعْزَل.
الشيخ: ( ... ).
طالب: لازم يُعْزَل ( ... ) عُزِلُوا عن مناصبهم.
الشيخ: عُزِلُوا عن مناصبهم أحسن وأحسن ما يهم، إذا اتقى الله فإنه لا يهمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3876
على كل حال مثل هذه المسائل إحنا ودّنا إن الناس يتحركون إلى طلب الدليل، ما يبقون راكدين هكذا؛ لأن الركود في الحقيقة موت للأفكار، وتعطيل للنصوص، لكن إذا بِدّنا ناس يتحركون نحو الدليل وصاروا يتباحثون فيما بينهم حصل في هذا خير كثير، وانفتحت أبواب من العلم ما كانت مفتوحة؛ لأن العلماء الذين أَلَّفُوا يعيشون في عصر غير عصرنا، وتجدَّد من القضايا والأمور ما يحتاج إلى نظر شديد، فإذا بقينا على ما سبق فهذا معناه الجمود والركود، لكن إذا فتحنا أبواب المعرفة والاستدلال ففي الكتاب والسنة من مسائل العلم ما لا يوجد في الكتب، وكثيرًا ما تبحث عن مسألة من المسائل في الكتب وتدوّر وتطلبها ما تجدها، لكنك لو راجعت الكتاب والسنة وجدتها في الكتاب والسنة إما منطوقًا أو مفهومًا أو إشارةً.
شروط القاضي انتهينا منها، كم صارت؟
طلبة: عشرة.
الشيخ: عشرة، وناقشنا ما يحتاج إلى النقاش فيها مع ذكر الأدلة.
باب آداب القاضي
أما آداب القاضي الواجبة والمستحبة فللقاضي آداب واجبة، وهي مراعاة العدل، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ أيش؟
طلبة: ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
الشيخ: ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58] فيجب على الإنسان مراعاة العدل أولًا في الحكم، بل قبل هذا أولًا في طريق الحكم، ثم في الحكم، طريق الحكم معناه أن يكون استقصاؤه مع أحد الخصمين كاستقصائه مع الخصم الآخر؛ لأنه قد يستقصي القاضي مع شخص ويلح عليه ويعنته حتى ينقطع ويعدل عن أن يقوم بالحجة، ويكون مع الشخص الآخر على غير هذه الحال، بمجرد ما ينطق يأخذ بقوله، وهذا حرام ما يجوز.
الجزء: 2 - الصفحة: 3877
كذلك أيضًا من طريق الحكم قد يكون القاضي مع أحد الخصمين إذا أتى بالبينة قَبِلَها، والثاني إذا أتى ببينته حاول أن يجد فيها جارحًا حتى تُرَدّ، هذا أيضًا محرَّم، فلذلك يجب العدل على القاضي في معاملة الخصمين أنفسهما.
قال العلماء: يعدل بينهما في لفظه، وفي لَحْظِه، وفي المجلس، وفي الدخول؛ الدخول عليه يخليهم يدخلوا الاثنان، هذا إذا صار هو اللي يرتِّب الدخول، هو أو البواب اللي عند الباب، ما يقول: يا فلان ادخل قبل الثاني، إما أن يقول: ادخلوا وخَلَّى مسألة التقديم والتأخير عائدًا إلى؟
طلبة: إليه.
الشيخ: إليه يعني: أن يقول البواب: ادخلوا، وخَلَّى التقديم والتأخير عائدًا إليه، أو يقول: ادخلَا جميعًا، أو: ادخلوا جميعًا، إذا كان الباب واسعًا، وأما إنه يقول: تفضل يا فلان، ويُقَدِّمه على الآخر، فهذا لا يجوز.
كذلك أيضًا في المجلس، يجب يعدل بينهما في المجلس، ويكونان بين يديه لا على يمينه ولا على يساره؛ لأن جلوسهما عن يمينه إذا أجلس أحدهما على اليمين معناه أنه؟
طالب: قَدَّمَه عليه.
الشيخ: فضَّله على الآخر؛ إذ الأيمن أحقّ وأقدم، ثم إن القاضي إذا أجلسهما على يمينه ويساره ما يستطيع أن يعرف مِن تأثُّر وجوههما في الإدلاء بالحجة، ما يعرف مَن المحق؛ لأن الإنسان اللي بيُدْلِي بالحجة إذا كانت باطلة لا بد أن يتأثر؛ إما في نظره أو في ملامح وجهه، فإذا كانوا أمامه استطاع أن يعرف مَن هو له الحق إذا كان عنده فِرَاسة، لذلك لا يُجْلِسهما عن يمينه ولا عن يساره، بل بين يديه.
كذلك أيضًا ما يُقَدِّم واحدًا، واحد يحطه على كَنَب، وواحد يحطه على عتبة حجر حَرْشَة، ما يمكن هذا، ما يجوز، لماذا؟ لأنها خلاف العدل، إن جاؤوا إليك الآن كل واحد منهما في كفّة يجب أن تُسَوِّي بينهما، ما تحط واحدًا على مجلس جيد ومريح والآخر على خلافه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3878
يجب عليه كذلك أن يعدل بينهما (في لفظه)، اللفظ يجعله واحدًا بقدر الممكن، لا يقول لأحدهما عندما يطلب منه الحجة: ما حجتك بارك الله فيك، والثاني يقول: ويش تقول أخذك الله؟ هذا ما يصلح، السبب؟
طالب: لخلاف العدل.
الشيخ: هذا خلاف العدل، ثم إن فيه تقوية لأحد الجانبين وقد يكون مُبْطِلًا، ويكون فيه إضعاف للجانب الآخر ولو كان عنده حجة، الإنسان حجته صحيحة وقوية إذا عامله القاضي هذه المعاملة، والثاني عامله تلك المعاملة، لا بد أن يهون في نفسه وأن يضعُف عن الإدلاء بالحق أو الحجة، لذلك يجب أن يعدل بينهما في اللفظ.
لو كان أحدهما قريبه قال له: صَبَّحَك الله بالخير، كيف الأهل، ويش لون الوالد، ويش لون الأخت، ويش لون البنت، والثاني قال: سلام عليكم، عليكم السلام، يجوز ولّا ما يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن الناس الآن القريب والبعيد في حد سواء، حتى إن الفقهاء رحمهم الله ذكر بعضهم أنه يقدِّم المسلم على الكافر في الدخول، والصحيح أنه ما يقدِّم؛ لأن الناس في هذا المكان كلهم على حد سواء، المقام مقام حُكْم، فلا بد أن يكون بحسب العدل، وإذا كان تحب أنك تسأل قريبك عن أقاربك فبعد انتهاء القضية اسأله عما تريد، اعزمه أيضًا، حطه جنبك على الكَنَب ( ... )، لكن ما دام في القضية فإنه لا يجوز أن تفضِّل أحدًا على أحد.
كذلك قال العلماء: يجب أن يعدل بين الخصمين في لَحْظِه، (لَحْظه) لام حاء ظاء، في لحظه، أي: في نظره وملاحظته، كيف ذلك، هل يمكن هذا؟
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3879
الشيخ: إي نعم، يمكن واحد ينظر إليه بنظرة غضب وبعين حمراء أو ما يناظر، والثاني ينظر إليه بعين الرضا والانبساط، فهذا أيضًا لا يجوز، يجب أن يكون النظر إليهما واحدًا في كميَّته وكيفيَّته، الكمية ما يجب إذا أدلى الأيسر بحجته ولم يُنْظَر إلى الأيمن، وإذا أدلى الأيمن بحجته وإذا هو ينظر إليه، يصير فضل بينهما في؟ في الكمية، خَلَّى عيونه دائمًا في الأيمن، الأيسر ما يناظر ولو كان هو اللي يدلي بالحجة، أو بالكيفية بأن ينظر إلى هذا نظر غضب، وإلى هذا نظر رضا، وهذه معروفة عند الناس.
فالمهم أنه يجب أن يعدل بين الخصمين في طريق الحكم، وفي الحكم أيضًا، إذا تبين له الحق مع أحدهما يجب الحكم له، وفي الأمور الأربعة التالية وهي: الدخول عليه، والمجلس، واللفظ، واللحظ، كل هذه من الآداب الواجبة؛ لأنها من العدل الذي أمر الله به في قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، إذا تطاول أحدهما على الآخر أو على القاضي مثلًا فله أن ينتهره؛ لأنه هنا هو الذي قام بسبب هذه الغضبة عليه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: على حسب الحال، فيه ناس يحسن إنك تُغْلِظ عليهم، وناس يجب أنك تخفف عنهم، المهم لا يفضل واحدًا على الثاني، حتى لو فُرِضَ واحد معروف بالفسق والفجور، وآخر معروف بالعدل والاستقامة، وجاؤوا يختصمون في أمر بينهما، ويش الواجب؟
طلبة: العدل بينهما.
الشيخ: العدل بينهما، حتى لو أن هذا الرجل الثاني الفاجر الفاسق من أقرب الناس عندك رؤيةً ونطقًا، المقام الآن واحد، لا بد أن يكونَا على حد سواء.
طالب: والرجل والمرأة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3880
الشيخ: حتى الرجل والمرأة سواء، بس طبعًا النظر ما هو واحد، عند المرأة بالنسبة للآداب المستحبة، الآداب المستحبة قالوا: إنه ينبغي أن يكون حليمًا من غير ضعف، وقويًّا من غير عنف، كيف قوي بدون عنف، هل يمكن هذا؟ يمكن يكون قويًّا في ذات الله سبحانه وتعالى، وفي تنزيل الحكم، وفي استخلاص القرائن مثلًا، لكنه دون عنف، وهذا ما يسمى عند الناس بقوة الشخصية، ويمكن يصير إنسان من أعنف ما يكون وهو ما هو بقوي، ولّا لا؟ ( ... ) أي شيء الذي يبدأ، لكنه ليس بقوي فهذا أيضًا ما يستقيم، لا بد أن يكون قويًّا ولكن بدون عنف، وبعض الناس قوي ويكون عنيفًا، وهذا أيضًا ليس بمستحب.
هي أربعة أقسام في الحقيقة: قوي عنيف، والثاني: ضعيف غير عنيف، والثالث: عنيف بلا قوة، والرابع: قوي بلا عنف، هذه الأخيرة هي المطلوبة، كذلك ينبغي أن يكون حليمًا بدون ضعف؛ لأن غير الحليم اللي بيؤاخِذ على كل شيء كل دقيق وكل جليل هذا صعب، الرسول عليه الصلاة والسلام قال له الرجل: إن هذه قسمة ما أُرِيدَ بها وجهُ الله، يقول للرسول صلى الله عليه وسلم، هذا ويش يوجِب من الإنسان، ويش يفعل؟ يوجِب يعني أكبر عنف عليه، لكن الرسول ما قال هكذا، بل قال: «خِبْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ» (13)، هذه كلمة بسيطة لكنها في الحقيقة دَقّ على قلب هذا الرجل.
كذلك أيضًا بعض الناس يكون حليمًا لكنه ضعيف مسكين، تجد الخصمين عنده يتناوشون ويتلاسنون ويتشاتمون وتضيع الحجة وهو ( ... ) آخر ما يكون ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) هذا خطأ أيضًا، يعني ينبغي يكون للقاضي وقار وهيبة، لكنها لا تُضَيِّع الحق، فالضعيف مُشْكِل، والعنيف مُشْكِل، لكن قولوا لي: هل هذه الآداب من الأمور الممكنة أو هي أمور غريزية؟
طلبة: غريزية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3881
الشيخ: هي أصلها غريزة، صحيح، الأصل أنها غريزة، لكنها تحصل بالاكتساب، بالتمرن عليها تحصل، ولهذا نجد الناس مثلًا كانوا من أهل الفجور، ومن أهل العنف، ومن أهل الانحراف، فمَنَّ الله عليهم بالعلم، تعلَّمُوا وصار هذا العلم مَكَّنَهُم من أخلاق فاضلة ما كانوا عليها من قبل، قلنا: إن الإحسان يُكْتَسَب، فهذا لا شك أنها غريزة، ولكنها تحصل أيضًا بالاكتساب.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأشَجّ عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ».
طالب: ( ... ).
الشيخ: لأشج عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ»، قال: يا رسول الله، خُلُقَيْنِ تخلَّقتُ بهما أو جُبِلْتُ عليهما؟ قال: «جَبَلَكَ اللهُ عَلَيْهِمَا»، فقال: الحمد لله الذي جَبَلَنِي على ما يحب.
(14)
فقوله: تخلَّقت بهما، دليل على أن مثل ذلك يحصل بالاكتساب، لكن الذي يحصل بالاكتساب قد يزول؛ لأنه يحتاج إلى ضبط، إن الإنسان يضبط نفسه جازمًا ويكون على حذر، بخلاف الذي يكون هذا الأمر جِبِلَّةً له فإنه يكون طبيعةً، لكن هذا يحتاج إلى كبح جماح النفس دائمًا وملاحظتها دائمًا.
ولهذا يجب أن نقول بما ذكره الفقهاء أن يكون حليمًا، وأن يكون لَيِّنًا، وأن يكون قويًّا، هي الأصل أنها أخلاق غريزية، ولكنها تحصل بالاكتساب.
ينبغي أيضًا من الآداب التي ذكرها الفقهاء أنها مستحبة ألَّا ينزل بنفسه إلى سفاسف الأمور، مثل سؤال الناس، وعدم التعفف عما في أيديهم ولو بغير طريق مباشر، قد يكون بغير طريق مباشر، ما يقول للناس: أعطوني ساعة، أعطوني قلمًا، لكن يأخذ ساعة ويضعها عنده ويقول: والله هذه ساعة طيبة، ( ... ) خصوصًا إذا قال: ما يوجد مثلها، يعني ما دام ما هي موجودة إلا عندك أعطني إياها، مثل هذه الأمور أيضًا ينبغي أنه يبعد نفسه عنها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3882
كذلك أيضًا من الأمور التي ينبغي أن يُنَزِّه نفسه عنها أن يكون مجلسه مع العامة مجلس انتهاء وابتداء له، وألَّا يَرَوْا منه شيئًا، أنا لا أقول: يتكبَّر على الناس، لكني أقول: ينبغي أن يكون له وقار، حتى لا يُمْتَهَن فيُبْتَذَل؛ لأن مَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمُ، ومَن يَهُنْ يسهُل الهوان عليه، أنت لا تكون مُتَرَفِّعًا عن الناس؛ لأن هذا ليس من خُلُق الرسل وأتباعهم، ولكن لا تكن مُبْتَذَلًا بينهم بحيث يستهين الناس بك، ولا ( ... ) شيئًا، كذلك هل من الآداب أن يكون مُتَنَزِّهًا أو أن يكون غير مجيب للدعوات؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: يعني هل مفهومه أنه ينبغي للقاضي إذا دُعِيَ أن يجيب؟
طالب: لا.
الشيخ: اتباعًا لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، أو نقول: ينبغي أنه إذا دُعِيَ يقول: والله أنا ما أقدر.
طالب: حسب الحال.
الشيخ: والله أنا رأيي كلمة حسب الحال واسعة بالمذهب، لكن ما أدري أيش الحال اللي تقتضيها.
طلبة: إذا كان طرفًا في القضية هذا ( ... ).
الشيخ: يعني إذا كانت الدعوة رشوة فأنا لا أجيب، أما إذا لم تكن كذلك فأنا أجيب؛ لأن إجابة الدعوة فيها مصلحة، غير امتثال الشرع، امتثال الشرع فوق كل شيء، لكن فيها أيضًا مصلحة وهي معرفة الناس وأحوال الناس؛ لأن اللي ما يخالطهم ما يمكن يعرف ولا يعيش معهم، الناس ( ... ) لكن إذا خالَط الناس وامتزج بهم أولًا أن الناس يألفونه أكثر، وكان من ..
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
والتوجيه نعم، ولا أقول: إنه يفعل مثلما يفعل بعض الناس، يفرض نفسه على الجماعة؛ بعض الناس يجي مثلًا يحاضر، ثم يصطحب معه كتابًا ( ... ) يقول: اقرأ حتى ينتهي المجلس، والناس ما تكلموا معه ولا عرفوه، هذه طيبة، لا شك أن العلم طيب، لكن يمكن أن تُوصل إلى المجلس مسائل ينتفعون بها ومن حياتهم اليومية أكثر مما ينتفعون مما يستمعون هذا الكتاب مثلًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3883
أو مثلًا إذا شك أنهم ( ... )، أحيانًا في المجلس يتكلمون شوي ( ... )، كل واحد يتهيَّب أن يتكلم، هذه لا بأس أنك تقول: واحد مثلًا اقرأ آية من القرآن أو حديث من الأحاديث، مين تكلم عليه؟ نعم بحسب الحالة.
المهم الذي نقول: إن مجالسة الناس خصوصًا بالنسبة للقاضي، أو للأمير، أو للإنسان بيحتاج إلى معرفة أحوال الناس أنه من الأمور الهامة، ولكن بشرط ألا تؤدي إلى الابتذال والامتهان، هذا لا بد منه.
هل مثلًا من الآداب أن يلتزمَ هيئة معينة بأن يلتزم العمامة مثلًا، والمشلح، والكم الواسع، وما أشبه ذلك، أو يتبع في ذلك وقته؟ يتبع في ذلك الوقت؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الصحابة رضي الله عنهم لما نزحوا إلى الأقطار بعد فتحها صاروا يلبسون كما يلبس الناس، صاروا يلبسون؛ ولهذا تحولت الألبسة الآن بدل من الرداء والإزار.
طالب: إلى قمص.
الشيخ: إلى قُمص ( ... )، وأشياء أخرى.
فالمهم أنه من الآداب ينبغي أن يسلك ما يسلكه الناس، لكن إذا قال: كل القضاة مثلًا، أو العلماء على هذا النمط، فهل الأولى أن أخرج عن طريقهم وأتبع طريق العامة، أو أن آخذ بطريق نظير؟
وهذا الأخير هو الحق إن الإنسان يأخذ بطريق نظيره، لكنه إذا كان هذا الطريق قد تناساه الناس وتركوه؛ فلا حرج عليه في تركه.
كان الناس في الأول -حسب ما أسمع- ما يمشي العالم، أو الإنسان المعروف بالتديُّن إلا ومعه عصا ( ... ) ومسواك، ولهذا قال أحد الشعراء عندنا:
ثَلَاثَةٌ لِلطُّوعِ قَدْ تَحُوزُ
مَهَفَّةٌ مَلَفَّةٌ عَكُّوز
المهفة معروفة، والملفة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، الملفة العمامة والعكُّوز: العصا، فيكون شرط الطوع عندهم أن يكون حائزًا على هذه الثلاثة؛ وهي: ثَلَاثَةٌ لِلطُّوعِ قَدْ تَحُوزُ مَهَفَّةٌ مَلَفَّةٌ عَكُّوز
الملفَّة ( ... )، ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3884
الشيخ: والعكوز أيضًا بدأ يتلاشى، والمهفة أيضًا ذهبت؛ لأن الناس يصطحبون المهفة بالأول؛ لأنه ما في الأماكن أسباب راحة كما في هذا الوقت الحاضر، فكانوا يصطحبونها، أما الآن فالحمد لله هنأها الله.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، صحيح، نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما أظنهم، ما يأخذون هذا من الناحية الشرعية، يأخذونها دلالة على أن هذا ( ... ) القضاة ( ... )، يأخذونها كعلامة؛ لأنك تعرف الناس الآن ما لهم إلا المظاهر، ويمكن ما يحصل إلا بمظهرهم الذي يرونه مظهر عالم ولا قاضٍ ولَّا ما أشبه ذلك.
( ... ) ما يقصد التعبد، وما قصد أنه يتعبد لله، ولا قصد أن هذا الزي من الأمور المشروعة ( ... )، بل ومن العادة التي يعتادها مثل هذا الصنف من الناس، ثم إنه لا بد أيضًا من أن يكون هناك خلو القلب من الرياء، وبعدين إذا صار فيه مثلًا رياء حتى إن بعض الناس يتصنع مثل هذه الأمور، يتصنعها ( ... ) نظره نعم، ويمشي على الأرض يدب بيه، يتصنع، هذا هو اللي ما لا ينبغي.
لعلنا نقتصر على هذه الآداب.
(من لا يُقبل حكمُه له) القاضي ليس كل واحد يُقبل حكمه له، نعم، هناك أناس لا يقبل حكمه لهم لأسباب متعددة:
أولًا: إذا كانوا له شراكة، أو له شركة فيما حكم به فإنه لا يقبل حكمه؛ تخاصم إليه شخصانِ في أمر هو شريك فيه لأحد الخصمين فلا يحكم لشريكه به، السبب؛ لأن حكمه به حُكم لنفسه، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: حكمه لنفسه، فإذا كان حكمه به حُكمًا لنفسه فإنه لا يُقبل أن يحكم لنفسه، ومن هنا نأخذ أيضًا أنه لا يحكم لنفسه بطريق الأولى، فإذا كان بينه وبين شخص خصومة في عين معينة، ووكَّل إنسانًا ليخاصم هذا الرجل، وقال: تخاصموا عندي، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه إذا حكم هنا.
طالب: يحكم لنفسه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3885
الشيخ: بيحكم لنفسه، لكن لو فُرض أنهما تخاصما عنده، وحكم على نفسه، على وكيله ينفذ ولَّا لا؟
طالب: ينفذ.
الشيخ: ينفض بنص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]، فيحكم على نفسه فينفذ حكمه على نفسه، ولا يحكم له، هذه واحدة، الحكم لنفسه سواء استقلالًا أو اشتراكًا.
ثانيًا: الحكم لأصوله أو لفروعه لا يؤخذ، لماذا؟ لأنه متهم فيهم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، فالإنسان في الحقيقة متهم إذا حكم لولده أو لوالده، الحواشي مثله ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الحواشي مثل أخيه وعمه وخاله لا بأس أن يُحكم لهم؛ لأنه غير متهم والتهمة بعيدة، كذلك لا يحكم أحد الزوجين لصاحبه، موافقون؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأن الزوجة ما يمكن أن تكون قاضية، لكن لا يحكم الزوج لزوجته.
طلبة: صالحة.
الشيخ: تكون صالحة؟ كل من لا تقبل شهادته له على ما يوصف الشهادة، فكل من لا تُقبل شهادته له لا يُقبل حكمه له، ولكن حُكمه عليه يقبل ولَّا لا؟
طالب: يُقبل.
الشيخ: يقبل لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
باب طريق الحكم وصفته
(أما طريق الحكم وصفته) فطريق الحكم ما يُتوصَّل به إلى الحكم، هذا الطريق، طريق البلد ما يُتوصل به إلى البلد، طريق الحكم ما يُتوصل به إلى الحكم؛ يعني كيف يتوصل القاضي إلى الحكم بين الناس؟ ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3886
على كل حال نفرض -بل هو الواقع- أن الحكومة تكون بين خصمين، ونعني بالخصم ما يشمل الواحد والجماعة؛ لأن الخصم يُطلق على الواحد والجماعة ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21] خصْم تسوروا جمع، ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22]، فدل هذا على أن كلمة خصم تكون للواحد؛ أي للواحد والاثنين والثلاثة فأكثر.
إذا حضر إليه خصمان فإنه يسأل أيهما المدعِي، يقول: أيكما المدعي؟ فإن سكت ولم يسأل القاضي حتى بدأ أحدهما فله ذلك، ولكن لا يبقى ساكتًا، وهؤلاء ساكتون، إذا كان الخصمان كل منهما ينتظر سؤال القاضي فليسأل، أما إذا كان قد عرف ذلك فلا حاجة إلى أن يسأل؛ لأنه قد يكون بعض القضاة له هيبة في صدور الناس، إذا قال: ادخلوا مثلًا، ودخلوا يسكتون ما يتكلمون حتى يسأل، فإذا كان هذا حال القاضي فإنه يجب أن يسأل.
وإذا كان القاضي عاديًّا فإنه لا بأس أن يسكت حتى يتكلم أحدهما فيقول: أيكما المدعي؟ فإذا ادعى فأقر له الخصم حكم عليه إذا ادعى، قال: أنا أدعي على فلان بكذا، فأقر له الخصم، قال: نعم، صحيح أن ما ادعاه عليَّ فإنه عليَّ وأنا مستعد بتسليمه، يحكم له عليه، لكن هذه الصورة تقع ولَّا ما تقع؟
طالب: تقع.
الشيخ: هي في الحقيقة قد نقول: إنها لا تقع؛ لأنه لو كان يريد أن يقر له ما أكله فقد نقول: إنه حدث له أن يتقي الله سبحانه وتعالى عندما حضر عند القاضي قال: أنا مثلًا الآن بين يدي حكم أستطيع أن أتخلص منه بالإنكار، ولكني سأكون بين يدي حكَم لا أستطيع أن أتخلص منه بالإنكار، فحينئذٍ يتقي الله سبحانه وتعالى وهو ( ... ).
مثل قصة المرأة التي كان لها ابن عم يُريدها على نفسها، وتأبى عليه حتى ألمت بها سَنَة فوافقت، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته قالت: اتقِ الله ولا تفُضَّ الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وهي أحب الناس إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3887
هذا الرجل متى حصل له هذه التقوى؟ حينما أراد أن يفعل وأن يباشر؛ فالإنسان قد يكون له حالات عند إيقاع الفعل غير حالاته عند بُعده عن الفعل، فهذا الرجل قد يتقي الله سبحانه وتعالى عندما يحضر عند القاضي ويقر، هذه واحدة، ربما يفعل ذلك لأجل أن يتخلص من الأمر في المستقبل؛ لأنه في هذه الحال بيعطى صكًّا بهذا الشيء، وكثير من الناس قد يخشى على نفسه في المستقبل أنه يهينك، يعني يقر لخصمه اليوم، لكن يخشى على نفسه في المستقبل أن ينكر إما لوجود تقديرات بعيدة أو قريبة كما يوجد الآن -حسب ما نسمع- بعض الناس يكون عنده نية على أن يقر بما يجب عليه، ويقول لأولاده: لا تكترثوا، هذا ما عنده بينة أن هذه أرضه هي أرض كثيرة وزين ( ... )، لكن يحب أن يروح للقاضي يثبت الحكم عنده حتى لا يبقى أي احتمال للرجوع.
إنما على كل حال، المسألة إذا وقعت ويمكن تصويرها بعدة صور، وإن كان ما فائدة وقعت، وأقر له حكَم عليه، وإذا كانت من عادة الناس أن يُعطوا صكًّا بهذا فإنه يجب على القاضي أن يكتب لهم به صكًّا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، أقر به بالكلام، السكوت ما يكفي.
إذا لم يُقر طلب من المدعي البينة، طلب من؟
طالب: القاضي.
الشيخ: طلب القاضي من المدعي البينة فقال: إن كان لك بينة فأحضرها، فإن أتى بها حَكَم بها، طبعًا إذا كان له بينة وأتى بها حكم بها.
وهل يحكم على حسب شهادتها أو على حسب دعوى المدعي؟
الجواب: يحكم على حسب شهادتها، قد يدعي بألف، وتشهد بثمان مئة فيكون الحكم على أي شيء؟
طالب: على شهادتها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3888
الشيخ: على ما شهدت به ما لم تكن الشهادة متضمنة لتكذيبه، فإن كانت متضمنة لتكذيبه لم يُعتد بها مثل أن يدعي عليه ألف درهم ثمن المبيع، ثم تشهد بأن عليه ألف درهم أرش جناية، الآن البينة شهدت بما لم يدَّعِ، فطبعًا ما يحكم له بها حتى لو كان الآن المؤدى واحدًا في الحقيقة، دعواه وشهادة البينة ويش يتضمن؟ ثبوت ألف في ذمته، لكن اختلف السبب فلا يُحكم له بذلك.
لا بد أن تشهد البينة بمقتضى السبب الذي ادعى به، فإذا شهدت بالحق أو بما في ذمته، واختلف السبب فلا يُعتد به ( ... )، وإلا حلف الخصم على نفي ما ادُّعِي عليه وخُلِّي.
إذا قال المدعي: ما لي بينة، أو قال: ما عندي بينة، أو قال: لا أعلم بينة، في هذه المسائل كلها نقول: يتوجه الآن على الخصم اليمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1). فنوجِّه الآن اليمين على الخصم المدَّعَى عليه.
وهنا أظن سيُذكر أنه يفرق بين قول المدعي: ما لي بينة، وقوله: لا أعلم لي بينة؛ إذا قال: ما لي بينة، ثم أتى بها فيما بعد؟
طالب: لا تصح.
الشيخ: فإنها لا تصح، وإذا قال: لا أعلم لي بينة، ثم أتى بها فيما بعد.
طالب: قُبلت.
الشيخ: قُبلت؛ لأنه في الأثر الثاني نفى العلم، وقد يكون الإنسان جاهلًا ببينته أو ناسيًا، ثم يذكر أو يعلم فيأتي بها، أما إذا قال: ما لي بينة فقد نفاها، فإذا أتى بها بعدُ فإنه هو نفسه قد شهد بتكذيبها حيث قال بالأول: ما لي بينة.
ولاحظوا -في الحقيقة- أن هذا الأمر بالنسبة للعوام لا يفرقون، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: العامي اللي ما عنده بينة وما أعلم بينة.
طالب: كله سواء.
الشيخ: كلها سواء، ولذلك المذهب الأول؛ وهو أنه يفرق بين الكلمتين، والقول الثاني أنه إذا كان ذلك من عامي لا يتم التفريق بينهما؛ فإنه إذا أقام بينة بعد تُقبل سواء قال: لا أعلم أو قال: ما لي بينة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3889
وهذا هو الصحيح؛ لأن الواجب أن نأخذ الناس بما يفهمون من الأقوال، هذا هو الواجب؛ إذ إن الأقوال هي قالب المعاني، والمعاني هي المقصودة، والإنسان في أمر لا يعرفه لا يمكن أن يقصده؛ إذ إن تتبع العلم.
قوله: (وإلا حلف الخصم) (حلف) للقاضي الحق بأن يُوجه اليمين على المدَّعى عليه قبل أن يسأل ذلك المدعِي؟ هذا أيضًا اختلف فيه الفقهاء، بعضهم يرى أنه يجوز للقاضي أن يُوجِّه اليمين إلى المدَّعَى عليه، وإن لم يطلبه المدَّعِي، وبعضهم يقول: إنه لا يلزمه، بل إنه لا يملك توجيه اليمين إلى المدَّعَى عليه حتى يطلب المدَّعِي ذلك، والأقرب أن للقاضي أن يُوجِّه اليمين إلى المدَّعَى عليه؛ لأننا لو قلنا بعدمه؛ معناه انصرف الخصمان الآن بدون أي فائدة، وبدون أي حل لمشكلتهما، ثم يلزم من هذا أن يأتي إلى القاضي كل يوم يجلسانِ يتخاصمان، ويضيعان الوقت عليه، وآخر الأمر لك بينة؟ ما لي بينة يقول: قوموا.
هذا لا شك أنه ضرر حتى في مجلس القضاء، ولذلك الصحيح، والرواية الصحيحة أن له أن يُحلِّفه بدون طلب المدعي، وحينئذٍ يحكم ببراءته، ولكنه ليست براءة تامة، فلو أتى المدعِي بعد ببينة فإنه يُحكم له بها، ولم تكن اليمين مزيلة للحق كما سيُذكر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: على المذهب ما يمكن.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هو ما رضي، هو الغالب أنه لو رضي بالبينة ما قام عليه بينة، لكن مع ذلك يقول: ما تقبل سواء كان جاهلًا أو ناسيًا، وهو قد يكون جاهلًا -كما قلت- يكون مثلًا قد سمع من الناس وهو ما شافه مثلًا، أو أقر المدعى عليه بالحق عند أناس وهو ما علم، وقد يعلم وينسى؛ ولهذا الصحيح أنه تقبل لا سيما إذا كان عاميًّا، أما طالب العلم فإنه يعرف الفرْق فيكون يعني مُعذَّرًا بما يكون فيه الحيطة في نفسه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: اليمين ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3890
الشيخ: لأن اليمين هذه لحل النزاع فقط، نجيب للناس الحق، فالأصل هو البينة لكن البينة على المدعى عليه، وهو يقول: أنا ما أعلم، ثم علم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هي ما تكون ملزمة للحق.
يقول: (على نفي ما ادعى عليه، وكل، فإن أقام المدعي البينة بعد ذلك حُكِم بها ولم تكن يمينًا ملزمة للحق)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وَلَكِنْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (1)، وإن نكر الخصم عن اليمين قُضِي عليه بالنكول بدون يمين المدعي وقيل: بيمين المدعي، وهذا فيه تفصيل.
الآن المدعِي قال: ما عندي بينة، والمدعى عليه لم يحلف، قال: ما أنا بحالف، نجيب الشهود ولا أنا بحالف، نلزمه باليمين، وإلا نقضي عليه، نقول: إما يحلف وإلا قضينا عليه، إذا قال: ما أنا بحالف هو المدعي يأتي ببينة، نقول له: ماذا يضرك من اليمين؟ إن كنت صادقًا فاليمين لا تضرك، وإن كنت كاذبًا تبوء بالإثم.
فإذا قال قائل: إن هذا المدعِي سيحلف ولا يُبالي؟
نقول: نعم، ليس لك إلا يمين؛ يمين الخصم؛ لقول الرسول: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» (2). ما لك إلا يمينه، وهو إذا كان يكذب فليس عليك، فالحلف وحلَّفناه، ما فيه إلا أن نحلفك، فليس لك عليه حق، إذا نكل يُقضى عليه بالنكول، أيش معنى نكل؟
طلبة: امتنع.
الشيخ: امتنع عن اليمين، يقضي عليه القاضي بالنكول، وهذه أحد الطرق التي يُحكم بالحق فيها، فيقضي عليه بالنكول، لكن هل يُحلَّف المدعي أو لا يُحلَّف؟ المذهب أنه لا يُحلَّف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1). وهذا المدعِي مُنكِر ولا مطالِب؟
طالب: مطالِب.
الشيخ: مطالِب؛ فلا يُحلَّف.
وقال بعض العلماء: بل يُحلَّف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل اليمين في جانب المنكر لقوة جانبه، بماذا قوي جانبه؟
طالب: بيمينه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3891
الشيخ: لا؛ لأن معه الأصل، الأصل عدم الثبوت الأصل وهو البراءة، فإذن صار الواجب في حقه اليمين، هنا لما نكر المدعى عليه، ويش اللي ترجح الآن؟
ترجح جانب المدَّعِي ولَّا لا؟
طالب: نعم، ترجح.
الشيخ: فالمدعي ما له بينة يا جماعة، لما نكر المدَّعَى عليه لا شك أنه يقوم في نفوسنا قرينة ظاهرة على أيش؟
طالب: صدق المدَّعِي.
الشيخ: على صدق المدَّعي، وإذا ترجح جانبه بسبب نكول المدعى عليه صار توجه اليمين إليه قويًّا؛ لأن اليمين في الحقيقة ليست في جانب المدَّعِي دائمًا، أو في جانب المدعى عليه دائمًا، أحيانًا تكون في جانب المدعِي، وأحيانًا تكون في جانب المدَّعى عليه، وقد مر علينا أيضًا في القسامة؛ أن اليمين في جانب المدعِي مع أنه مدعِي، ومر علينا أيضًا لها نظائر، وهو أن الرجل والمرأة إذا ادعيا شيئًا في البيت فالذي يصلح للرجل يكون للرجل، واللي يصلح للمرأة يكون للمرأة، ومضى علينا واحد معه شماغان وواحد أصلع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: من يترجَّح؟
طالب: الأصلع.
الشيخ: جانب الأصلع، وعلى هذا فقِسْ.
إذن القول بأنه تُردُّ اليمين على المدعِي إذا نكل المدعَى عليه له وجه ولَّا لا؟
طالب: له وجه.
الشيخ: له وجه، فيه رأي ثانٍ: التفصيل، فيه رأي آخر: التفصيل، وهو أنه ينبغي للقاضي أن ينظر في جانب المدَّعِي والمدعَى عليه قد يكون المدَّعَى عليه يقول: ما أنا بحالف، أنا موفيه مثلًا، ولا أنا بحالف، ويكون المدعِي معروف بأيش؟ معروف بالفجور، فحينئذٍ نقول للقاضي: حلِّفه، ولا تحكم له إلا بيمينه؛ لأنه في هذه الحال ما دام أننا نعرف أن المدعى عليه الذي امتنع أن يحلف أنه رجل أمين وذو ورع، ولكنه تحرج عن اليمين، وأن الثاني أيضًا معروف بالفجور ودعوى ما ليس له وإنكار ما عليه فإنه ينبغي أن ترد اليمين إلى المدعي؛ وهذا قول التفصيل وهو الظاهر لي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3892
وحينئذٍ إذا قال قائل: كيف نذهب إلى التفصيل والمسألة فيها قولان، والمعروف أن العلماء إذا اختلفوا على قولين لم يجز إحداث ثالث؟ وهذا معروف عندكم في أصول الفقه.
طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: إذا كان القول الثالث لا يخرج عن القولين فإنه يجوز؛ لأن هذا التفصيل يوافق أحد القولين في حال، وأحد القولين في حال أخرى، أما اللي ما يجوز مثل لو قال أحد العلماء: هذا واجب، والآخر قال: هذا مستحب، والثالث قال: هذا مباح، فهذا اللي يقول بالإباحة مثلًا إذا أجمعوا على أنه إما مستحب أو واجب يكون قولًا خارجًا عن الإجماع، وأما التفصيل فإنه لا يخرج عن محل الإجماع.
وشيخ الإسلام أحيانًا يأتي بمثل هذا ويقول: وهو بعض قول من يقول بكذا، بعض قول؛ لأن حقيقة الأمر أنه بعض من يقول: ترد اليمين على المدَّعي ومن يقول: لا تُرد، قولوا يا جماعة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ويش وجه التبعيض؟ أنه في حال يأخذ بقول من يقول تُرد، وفي حال أخرى يأخذ بقول من يقول: لا ترد.
إذن الصواب، قلنا: طريق الحكم ( ... ). المدعى عليه يعني ما يُحكم له به.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كلهم على ما يحل، نعم، يبقى بيد المدعى عليه، ويقال للمدعي الآن: إذا كنت صادقًا في دعواك، فما الذي يضرك إذا حلفت؟
طالب: ( ... ).
طالب آخر: إذا حلف ثبت.
الشيخ: لا بأس، هو شوفوا يا جماعة، لا يشفع له، إذا حلف المنكر قال: والله ما هذا الذي بيدي لفلان، بل هو لي، قلنا للمدعي: خلاص روح، ما لك شيء، واضح يا جماعة؟
طلبة: نعم، واضح.
الشيخ: إذا قال المنكر: ما أنا بحالف، هو يجي ببينة ولَّا ما يجي، ولا أنا بحالف.
على المذهب؟
طالب: يكره.
الشيخ: يكون -لا يُكره على الحلف- نكوله حُكمًا للمدعِي، فيُؤخذ المدَّعَى به، ويُعطَى المدعِي، وتنتهي القضية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3893
بعض العلماء يقول: نعم، الحكم كذلك إذا نكل المدَّعَى عليه، ولكن لا بد أن نُحلِّف المدعي؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3) إنما جعلت اليمين على من أنكر لقوة جانبه، فهنا قوي جانب المدعي، لما نكل المدعى عليه قوي جانب المدعي؛ فوجب أن تكون اليمين في حقه فيحلف، إن حلف حُكِم له، وإن لم يحلف؛ لم يحكم له وبقيت في جانب المدعى عليه.
فيه رأي ثالث يقول بالتفصيل: إذا علم القاضي بأن المدَّعِي رجل صدوق فلا يحتاج إلى تحليفه، وإذا علم أنه رجل قد يدَّعي ما ليس له فإنه يُحلِّفه.
في هذه الصورة يا جماعة، هذا الذي ذكرنا هل ينطبق على جميع الناس، وفي جميع الدعاوي؟ يعني مثلًا افرض واحد قال: أنا أطلب رئيس الوزراء شيخ تميم؛ لأنه اشترى مني حزمة بقل، ويش تقولون في ها الدعوى؟
طالب: لا، ما تصح.
الشيخ: يحضر عند القاضي؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يحضر؛ ولهذا هذه المسألة موضع خلاف بين العلماء طويل عريض.
فعام لقول الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3). وهذا عام، ولم يفرق، وبعضهم يقول: إن من القواعد المقررة شرعًا أن ما خالف الحس لا يُقبل، وهذا مخالِف للمحسوس، هل من المعقول أن رئيس الوزراء مثلًا يجي يشتري من هذا الرجل حزمة بقل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو معقول، لا والله يا شباب وإلى اليوم ( ... )، هذا في الحقيقة بعيد جدًّا، هذا ربما يكون مثلًا في بلاد غير بلده؛ في بلد ليس بها رئيس وزراء يجوز، هذا ممكن، يسافر للخارج، وإذا سافر إلى خارج بلده، تعرف الغريب ما يهتم بهذا الموضوع.
فهذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء، ولكن الحقيقة أنه إذا كانت الدعوى التي يكذبها الحس هي غير مقبولة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: خلاص انتهى، ما عاد يمكن إذا حكمنا ببينته ما عاد يمكن؛ لأنه حكمنا له باليمين كبينته.
الجزء: 2 - الصفحة: 3894
طالب: ( ... ).
الشيخ: المدعي معلوم، إذا قال: أنا ما أعرف إذا قال: أنا ما أرضى أنه يقول: إذا لم يكن لك بينة ما لك شيء إلا بمثل القتل كما في القسامة فإنه يُودَع من بيت المال، أما هذا نقول: ما لك شيء، إذا ما رضيت ما لك شيء، تجيب بينة ولَّا ما لك شيء.
طالب: شيخ، ما هي صيغة اليمين؟
الشيخ: صيغة اليمين: واللهِ ما له عليَّ شيء، أو: واللهِ ما له حق في هذه العين المدعى بها، حسب عادة ما يكون الجواب يحلف على حسب جوابه.
الطالب: صيغة يمين خاصة قوية؟
الشيخ: ما سمعت.
الطالب: مثلًا يقول: والله والله مثلًا، يعني ..
الشيخ: لا، أبدًا، تغليظ اليمين يكون في مواضع، بعض العلماء يقول: يغلظ اليمين في مواضع؛ في الأشياء التي لها خطر؛ لأنها تُغلَّظ في الزمان، وفي المكان، وفي الهيئة، وفي الصيغة.
في الزمان بعد العصر، وفي المكان عند المحراب، وفي الهيئة قائمًا، وفي الصيغة مثل أن يقول: والله الذي لا إله غيره، عالم الغيب والشهادة، الغالب القادر، وما أشبه ذلك، من الأشياء التي يكون لها قوة لكن هذه ما في كل يمين، في المسائل الخطيرة، مثل أموال كثيرة، أو دماء، أو ما أشبه ذلك.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما له حلف مثلما قلت: إن الأمور الخطيرة هي نعم بتغلظ وغير الخطيرة ما هي بتغلظ.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما ( ... ) هذه -والعياذ بالله- العقوبة تسير في الإنسان مهما كان حسب ما سمعنا إن كثيرًا من الناس حلفوا كذبًا ورأوا العقوبة حاضرة -والعياذ بالله- حدثني واحد من الناس يقول: إنه كان بينه وبين شخص في ( ... ) دعوى طلب، وأنه أنكر المطلوب وحلف عند القاضي، فخرج إلى الرياض في سيارته ومعه زوجته وأولاده فحصل لهم حادث وماتت زوجته وأولاده بقي هو فقط منفردًا والعياذ بالله.
وهي الغالب أنها الحقيقة، أنها كما جاء في الحديث: «أَنَّهَا تَذَرُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ».
(4) اليمين الغموس أبدًا ما يعيش صاحبه، والعياذ بالله، إلا كمثل إرادة من الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 3895
يقول المؤلف: (وإن نكَل قُضِي عليه بالنكول، وإن تداعيا عينًا بيد أحدهما، وأقام كل منهما بينته بأنها).
طالب: بأنه.
الشيخ: بأنه، الصواب (بأنها له قضي بها للخارج، والراجح للداخل، وهو الذي بيده العين لقوة جانبه باليد).
(تداعيا عينًا بيد أحدهما) كل واحد منهما أقام بينة أنها له، ويش دل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يا سليمان، أقام سليمان بينة أنه له، وأقام عبد الرحمن بينة أنه له، فهمتم الآن؟ فماذا نصنع؟
المذهب يُقضى للخارج، الخارج اللي ما هي بإيده، وهو عبد الرحمن، فيُقضى له ببينته ويأخذها من سليمان، لماذا؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3). فالمنكر جانبه له اليمين، والمدعي جانبه له البينة، وقد أتى بالبينة فيُحكم له فيها، يحكم له بها، هذا هو وجه نظرهم.
وقال بعض العلماء: يُقضى بها للداخل الذي هي بيده؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
ليس معناه أن البينة على المدعي وأن اليمين على من أنكر أنه لو أتى من أنكر بالبينة لم تُقبل، بل لأن الغالب أن من هي بيده لا يحتاج إلى بينة؛ لأنه معه الأصل، وهي أن الأصل أن ما بيد الإنسان فهو له، وهنا نقول: إذا وزنا القولين بالقسط، قلنا: كل من القولين أو من الدعويين كل منهما فيه بينة، صح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فتتساقط البينتان؛ بينة هذا تسقط بينة هذا، ويبقى المدَّعى عليه يترجح جانبه بأي شيء؟
طالب: باليد.
الشيخ: إي نعم، باليد الذي هو الأصل فنقول: إذا أردنا أن نزن والشرع كله ميزان: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: 17] فنقول: نزن، البينة هذه تسقط هذه، ويبقى جانب من بيده العين مترجحًا فيحكم له بيمينه، والله أعلم ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3896
شروط الدعوى: الدعوى هي ادعاء الإنسان على غيره حقًّا، سواء كان هذا الحق عينًا أو دينًا، أو أي حق من الحقوق؛ فالدعوى معناها إضافة الإنسان لنفسه شيئًا على غيره، هذه الدعوى بأن يقول: هذا لي، أو لي الحق الفلاني، أو ما أشبه ذلك، والدعوى لا تُقبل إلا بوجود بينة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1).
شروط الدعوى أولًا: (إن كانت تحس)، يعني أن يمكن أنها صحيحة، وإن كان عقليًّا ولَّا عرفيًّا أو هما؟ هما جميعًا، لا بد أن يكون مما يمكن عقلًا وعرفًا، فإن لم يمكن لا عقلًا ولا عرفًا فإنها لا تُقبل.
مثال التي لا يمكن عقلًا، أو فلا تصح على ابن عشرين سنة أنه سرق منذ عشرين سنة، لماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ما يمكن يسرق، هذا شيء مستحيل، أو على ابن عشرين سنة أنه سرق منذ ثلاثين سنة من باب أولى، هذا لا يمكن عقلًا، هذا غير ممكن عقلًا.
ما لا يمكن عادةً وعُرفًا، قالوا: لو ادعى على الملك أنه اشترى منه حزمة بقل؛ البقل مثل الكرات وما أشبهه، أو هذا الذي يستعملونه أيضًا في الأطعمة.
طالب: البقدونس.
الشيخ: البقدونس، والأشياء هذه، لو ادعاها على الملك، هل يُقبل هذا ولَّا ما يقبل؟
طالب: ما يُقبل.
الشيخ: ما يُقبل ولا يصح، والسبب أن هذا أمر مستحيل عادةً، ولو أننا قبلنا مثل هذه الأمور، وقلنا: إذا ادعى على الملك هذا، كان يروح مثلًا يجيب الملك ويخليه يجلس عند القاضي والقضية بقدونس ( ... )، هذا يقول العلماء: إنه لا يمكن واختلف العلماء في هذه المسألة هل يُؤدَّب المدعي أو لا يؤدب؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3897
قال بعض العلماء: إنه يؤدب؛ لأنه استهان بحرمة الغير، وقال آخرون: إنه لا يؤدب، وعسى أننا نتجاسر ونقول: إن دعواه لا تُسمع؛ يعني غاية ما نأتي به أن نتجاسر، ونقول: إن الدعوى لا تسمع، وأما كونه يمتهن حرمة غيره فإنها كل شيء جائز من الناحية العقلية، وتمثيلنا مثلًا للملك ليس معناه أن يقتصر عليه، كل إنسان مثلًا له شرف وجاه يبعد عادة أن يفعل هذا المدَّعَى به فإن حكمه حكم المنع.
إذن اللي كان ( ... ) أيش؟
طالب: عقلًا وعادة.
الشيخ: عقلًا وعادة، أو عقلًا وعرفًا، فإن خالف فإنها لا تُقبل.
الثانية: أن تكون محررة؛ والتحرير معناه إزالة شوائب الجهل والغرر عنها بحيث يُذكر جنس المدعى به، ويذكر أيضًا نوعه وقدره، نشوف الآن الجنس بأن نقول أدَّعِي عليه بصاع بُر ( ... ).
له عدة وجوه، فلا بد أن يستقصي أي ( ... ) رقبة، فالصواب أن تحرير الدعوى ليس بشرط، ولكنه إذا كان في الدعوى التباس وجب على القاضي أيش؟
طالب: أن يستكشف.
الشيخ: السؤال والاكتشاف حتى يكون على بينة من الأمر.
أيضًا حتى لو قلنا بوجوب تحريرها فإن ذكر النوع يكفي عن ذِكر الجنس؛ لأن النوع أخص؛ يعني مثلًا لو أقول: نعين مئة صاع نعين، هل يحتاج مع ذلك أنك تنظر؟
طالب: لا.
الشيخ: لأن نعين معروف أنها تنظر، فاشتراط الجنس مع اشتراط النوع ليس له وجه؛ إذ إن النوع أخص، وإذا وُجِد الأخص فإن الأعم لا شك أنه موجود.
القدْر صحيح لا بد من ذِكر القدر؛ لو قال: أدعي عليه دراهم، تُسمع الدعوى ولَّا ما تُسمع؟
طالب: ما تُسمع.
الشيخ: ما تُسمع على اشتراط تحرير الدعوى؛ وذلك لأنه لم يعينها دراهم كم؟ وعلى القول بسماعها تُسمع، ويحضر إلى مجلس الحكم، ويقال له: كم الدراهم؟ عيِّنها، وهل يشترط أن يقول مثلًا: قيمة مبيع، أجرة بيت، أرش جناية ولَّا ما هو شرط؟
طلبة: لا، ما هو شرط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3898
الشيخ: على الأول أن يشترط التحرير يُشترط أن يقول ذلك، وعلى الثاني لا يشترط؛ لأن المقصود ثبوت الحق عليه، ولكن إذا علم القاضي أن هناك حقوقًا متعددة لهذا الرجل على هذا الرجل فإنه يجب عليه أن يستقصي حتى يأتوا على الحق المعين من هذه الحقوق.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يعني لا بد أن يكون ( ... ) المدعى عليه، وأخذ الدراهم كم هي؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يعني يقول: أنا أصدِّقه في ذلك.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: بيمكن في الغالب أنه يمكن؛ لأنه لو كان منتظرًا ما حضر.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: دخل الدار وكسر ( ... ) ولكن ما أخذ شيء.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هو داخل الثياب، لكنه يقول: ما أخذته.
نعم، إذا شهد وقال: أشهد بأنه أخذ من الثغور بيده لفة من الدراهم، شفناها في يده، حينئذٍ يثبت أنها دراهم، وتحتاج إلى المقدار، هذا المقدار نقول للرجل: ادَّعِ ما شئت، الآن القدر، ثم إذا ادعى ما شاء سألنا هذا المدَّعَى عليه أن يقر أو ما يقر، وتجري الحكومة على ( ... ).
الشرط الثالث: أن تكون معلومة المدَّعى به إلا فيما يخص مجهولًا ( ... ) أن تكون معلومة المدعى به؛ يعني بمعنى أن الدعوى معلومة إلا في الأشياء التي تصح مجهولة.
الوصية تصح مجهولة، وهذا مثال، وليس على سبيل الحصر مثل أن يقول: أدَّعي على هؤلاء الورثة أن مُورِّثهم أوصى لي بشيء، هذا مجهول ولَّا غير مجهول؟
طالب: مجهول.
الشيخ: مجهول، والوصية بشيء من ماله مرت عليكم أنها تصح، وأن الورثة يورثونه ما شاؤوا، وحينئذٍ تسمع الدعوى، ويقال للورثة: أعطوه ما يسقط عليه أنه شيء، إذا ادعى أنه أوصى له بسهم من ماله تصح ولَّا لا؟ تصح؛ لأن الوصية بسهم من ماله صحيحة، وقد سبق أنه يُعطى كم؟ السدس، يُعطى السدس.
الجزء: 2 - الصفحة: 3899
إذن يشترط أن تكون معلومة، والحقيقة أن هذا الشرط الثالث داخل في ضمن الشرط الثاني؛ لأن العلم ما هي بتحديد، فيُشترط أن يكون أدى عليه مئة درهم بمئة صاع بمئة كيلو، ويذكر النوع والجنس كما سبق، كل هذا لأجل ألا يزول الاشتباه فيما بعد، ويقول: إن الذي حُكم لي عليه غير ما أدعي به الآن؛ فلهذا نقول: إن اشتراط العلم لا شك أنه يوجب أن تكون القضية واضحة، وأن تنقطع الخصومة انقطاعًا نهائيَّا، ولكن كما قلنا: الصحيح أنه ليس بشرط لسماع الدعوى، وأنها تُسمع الدعوى مع الجهل، ولكنه يُطلَب من المدَّعِي أن يُعيِّن قدر ما ادعى به حتى يُحكَم له به.
طالب: لماذا قلنا: السدس لمن حكم له بسهم؟ لماذا حددنا السدس؟
الشيخ: لأنه ورد عن بعض الصحابة هذا أن السهم يُطلق على السدس.
الشرط الرابع: ذكر شروط العقد إن كانت لعقد.
يعني مثلًا إذا قال: أدعِي عليه أنه باع عليَّ بيته، لا بد أن يذكر شروط العقد، شروط العقد معروفة؛ شروط عقد البيع كم؟ سبعة شروط، لا بد أن يذكر هذه الشروط السبعة؛ لأنه لا يتم البيع إلا بها، فإذا ادَّعى بيعًا وهو لم يذكر شروطه قد يعتقد أن هذا بيع وهو في الواقع ليس ببيع، فيقول مثلًا: باع عليَّ ملكه وهو بحالة جواز التصرف، والملك معلوم، والثمن أيضًا معلوم، فلا بد من ذكر الشروط، ولا يحتاج إلى ذكر الموانع؛ لأنه إن كان فيه مانع فإنه يذكره المدَّعَى عليه.
مثلًا هذا الرجل ادعيت عليه أنه باع عليَّ بيته، وقلت: إنه باعه في حال جواز تصرفه وعِلمه وعلم الثمن، وأذكر بقية الشروط، هل يشترط أن أقول: وأنه لم يبعه بعد نداء الجمعة الثاني؟ وأنه ليس مرهونًا وما أشبه ذلك؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذه موانع، فإذا كانت هذه الموانع موجودة فبإمكان المدَّعَى عليه أن يدلي بها، ثم يُنظر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3900
وقيل: إن ذكر شروط العقد ليست بشرط، وأنه إذا ادعى البيع سُمعت الدعوى، ثم إن ادعى المدَّعَى عليه ما ينافي الصحة فعليه بيانه مثل لو قال: باع عليَّ بيتي فادعى المدعى عليه أنه كان مكرهًا، فإن من شروط البيع كما هو معروف.
طالب: التراضي.
الشيخ: أن يكون عن تراضٍ، فالمدعي يقول: ما يحتاج أني أقول عن تراضٍ، إذا كان بيدعي أنه مكره فليدلِ بحجته، وينظر في الموضوع، وهذا القول أصح، وهذا هو الذي عليه العمل الآن.
الآن الناس يدعون أنهم باعوا بيوتهم، وأنه اشترى هذا البيت من فلان، أو باعه على فلان، وليسوا يذكرون شروط العقد، لكن إن وُجِد ما يمنع الصحة فإن من وجده يدليه، ولو قلنا: إنه لا بد أن يذكر هذه الأشياء لكانت في هذا خطر في الحقيقة في ( ... )؛ إذ إننا نجد وثائق للمتقدمين بأن فلانًا باع على فلان بيع بيته بمقتضى ثمن وقدره، كذا وكذا وقبض الثمن.
وليسوا يذكرون الشروط، نعم يُوجد مثلًا بعض العلماء أو بعض القضاة يُذيِّل على هذه الوثيقة، فيقول: البيع المتبوع على ما كان وقع صحيحًا بتمام شروطه وانتفاء موانعه.
حينئذٍ نعرف أنه صحيح بسبب تصديق هذا القاضي عليه، لكن أحيانًا تأتينا وثائق، أو نشاهد الوثائق ما فيها ذكر المدعِي بهذه الوثيقة نقول: لا نقبل دعواك؛ لأنك لم تذكر الشروط؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ولهذا الصحيح أن ذكر شروط العقد ليست بلازمة، ولكن للمدَّعَى عليه الإدلاء بما يراه ناقضًا لهذه الشروط، فإذا أدلى به ينظر في الموضوع؛ وذلك لأن الأصل في العقود، ويش الأصل فيها؟
طالب: الصحة.
الشيخ: الصحة ولَّا الفساد؟
طلبة: الصحة.
الشيخ: الأصل فيها الصحة حتى يتبين أنها فاسدة، وعلى هذا فإذا ادَّعى عقدًا قلنا: إن الدعوى مسموعة، وإذا كان لخصمك دعوى تقتضي بطلان هذا العقد الذي ادعيت فليدلِ بما معه.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3901
الشيخ: سماعًا بمعنى أنه إذا جاء يطلب إحضار خصمه أحضرناه، وإذا قلنا بعدم السماع ما يصح إطلاقًا، فهناك سماع للدعوى وقبول الدعوى؛ القبول معناه أن نأخذ بقول هذا المدعي، ونقول: خذ ما ادعيت، والسماع أن نقول: إنما نستمع إلى ما تقول فأحضر خصمك.
فلو جاء إنسان يدعي على شخص بأنه سرق منه منذ عشرة أعوام وعمر هذا الشخص عشرة أعوام، نقول: حضِّر خصمك؟
طالب: لا.
الشيخ: ما نقول: حضر خصمك؛ لأن ما نسمع إطلاقًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كل هذا شرط للسماع على المذهب.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، لا بد أنه يقدم الدعوى متضمنة هذه الشروط، إذا لم تتضمن هذه الشروط فإنها لا تسمع، ولا يحضر خصمه.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما يستقصي، ما يلزم الاستقصاء إلا على القول بأنها تسمع مقبولة، يعني ما يشترط فيها التحرير، ولا العلم، ولا ذكر الشروط، فعلى هذا لا بد أن يستقصي، يخبره ويستقصي، يخبر الخصم ويستقصي.
الشرط الخامس: أن يدعي لنفسه لا عليه، أن يدعي الإنسان لنفسه ما يدعي على أي أحد، هل أحد بيدعي على نفسه؟ معلوم أن الإنسان يدعي لنفسه وليس يدعي عليها، لكنه ربما يدعي عليها، ولهذا قال: (فلا تصح الدعوى المقلوبة)؛ الدعوى المقلوبة أن يقول الإنسان: أدعي على هذا الرجل أنه يدعي عليَّ بمئة درهم مثلًا، أو أدعي عليه أنه يدعي عليَّ أني بعت بيتي عليه، هذه لا تسمع، لماذا؟
طالب: مقلوبة.
الشيخ: لأنه ادعى على نفسه ولَّا لها؟
طلبة: نعم، ادعى على نفسه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3902
الشيخ: على نفسه، يقال له-على القول بأنها لا تسمع- يقال له: أنت تدعي أن فلانًا يدعي عليك أنك بعتَ عليه بيتك؟ فيقول: نعم، نقول: انتظر حتى يأتي ويدعي ونحكم بما تقتضيه الحال، لكن الصحيح الراجح أنها تصح؛ لأن فيها فائدة، وهي التخلص من المدعي هذا المدعي كلما مر شهران ثلاثة جاءنا، قال له: هطلع أنا البيت، أنت بايع عليَّ البيت، ومرة يقول: هذا ما يمكن أن أبسطه أو أستقر، فأنا أدعي عليه لأجل أن يحضر وأحاكمه، ثم آخذ صكًّا من المحكمة بأنه ليس له حق في دعواه، وحينئذٍ أستريح.
كذلك أيضًا يُوجد بعض الناس يجيلوا شخص يقول: أنا أطلب كثيرًا مئة ألف فأقول لهما: أبينوا الشروط، هذا الرجل ( ... )، ثم إذا بقي مدة من الزمن جاء إليه، وهكذا دواليك.
الإنسان ليس بصابر على هذا الأمر، فهو يدعي عليه بأنه يدعي عليه لأجل أن يحضر إلى القاضي، ثم يُحكم ببراءة المدَّعَى عليه، وحينئذٍ إذا أتاه مرة ثانية يستطيع أن يرفعه إلى ولاة الأمور ليأدبوه، أما إذا لم يُحكم له فإن ما أحد يقول يقدر يقول: إذا أدبه ليش يدعي عليه؟ حتى يتبين براءته.
فالحاصل أن المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ المشهور من المذهب أنها لا تُسمع، وأنه يشترط في الدعوى أن يدعي لنفسه لا عليها، والقول الثاني في المسألة أنه يصح؛ لأن في ذلك مصلحة، وهي تخليص أو تخلُّص هذا المدَّعى عليه من هذا المدعي لأجل أن يستريح منه.
وكوننا نقول: إن الآن الحق له، كيف يطالب به؟
نقول: هو ما طالب بأن يُعطي الحق، لو كان مُقرًّا بأن عليه حقًّا لكان أجيبوا، لو كان يقر هذا الذي يدعي أنه يدعي عليه لو كان يقر بأن للمدعي حقًّا.
طالب: لسلمه.
الشيخ: لسلمه إياه وانتهى منه، لكن هو يقول: ما له حق عليَّ، لكنه يؤذيني بالمطالبة فأنا أدعي عليه أنه يدعي عليَّ لأجل أن يحضر إلى المحكمة، ثم ينهى موضوعه حينئذٍ أتخلص منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3903
ولا شك أن في هذا فائدة كبيرة جدًّا ولا سيما في بعض الأحيان في الأوقاف التي يدعي بعض الناس أن له حقًّا فيها، ويؤذي القائمين عليها في المراجعات، فتُقام الدعوى هذه المطلوبة لأجل أن يتخلص من دعوته.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، هي لها مدى معين في الحقيقة ( ... )، وهي المقصود بها ما يقصد بالدعوى المقلوبة؛ لأن المقصود من هذا الذي بيده الملك مثلًا المبلغ عنه يريد إذا كان لأحد دعوى يتقدم لأجل أن يحكم له هو إذا لم يتبين له.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، له مختصم هذا، أصله من بعد الشهر يحكم ( ... )، لكن لو يجي أحد فيما بعد يدعي فإنه ينظر في الموضوع.
طيب الشروط إذن ( ... ) لو ادعى الاستحقاق في هذه الملك، يحتاج إلى ذكر السبب ولَّا لا؟
طالب: لا.
طالب آخر: يحتاج.
الشيخ: يحتاج إلى ذكر السبب؛ لأنه لا تعتبر إلا بوجود السبب، فلو قال: أنا وارث لهذا الملك، أنا أقول: بأي طريقة زوجية فرادى ولاء إلا أن الفقهاء قالوا: إذا كان الملك أو المال ليس له وارث معلوم، فيكفي ذِكْر الجهة مطلقًا بأن يقول: أنا قريب مثلًا لي قرابة مثلًا من هذه ( ... )، وأما إذا كان له مالك معلوم فلا بد أن يذكر السبب، ولا بد أن يذكر أيضًا الجهة ( ... )، ويقول: بأن ابن عمه الذي بيني وبينه كذا جد.
والحاصل أن المهم أن الدعوى يعني على سبيل العموم لا بد من اشتراط إمكانها، وما يكذبه الحس أو العقل فلا يصح، ولا بد أيضًا أن يذكر ما لا تحل إلا به إلا أنها تصح مجملة في الحقوق والقاضي هو الذي يستفصل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ننظر؛ لأنهم يرون أن هذا من حقوق العقد لا من حقوق العاقِد؛ يعني هذا الشرط يتعلق بالعقد، فلا يمكن يحكم لهذا العقد إلا بوجود شروطه.
الطالب: ( ... )؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3904
الشيخ: هذا ينطبق على الكل بأنه ليس بشرط، وأن البعض يستقصي، لو شك القاضي مثلًا في هذا العقد لا بد أن يستقصي؛ لأنه افرضوا مثلًا ادعى عليه البيع، وهذا البائع ليس بماله هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟ يمكن يجي واحد يتحرج على بيت فلان ويقول: هذا بيتي، يقول على واحد، نعم، مثلما قيل عن الرجل اللي طلق امرأة غيره.
قد يبيع، يلزمه بغيره فلا بد أن يُذكر الشروط، لكن مثل هذا قلنا: إن الأصل في العقود، الأصل فيها الصحة، فإذا ادُّعِي على ما يفيد ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3905
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
مدخل
﴿كتاب الشهادات﴾ أولًا: تعريف الشهادة، الشهادة تكون من المشاهدة، وهي الرؤية بالعين، ومن الشهود يكون الحضور، وعلى هذا فهي في اللغة تعود إلى هذين المعنيين؛ شهود بمعنى الحضور كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61] شهودًا يعني يشاهدكم وهو سبحانه وتعالى مع الخلق، وإن كان على عرشه، وكذلك أيضًا من الشهادة كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: 86].
إذا تعدت بنفسها فهي تصلح بمعنى الحضور، وبمعنى المشاهدة بالعين؛ تقول: شهدت كذا، أما إذا تعدت بالباء فهي بمعنى الشهادة في الشيء، وهي الإخبار عما علمه، وهل يشترط أن تكون بلفظ: أشهد أو لا؟
فالمشهور من المذهب أنها لا بد أن تكون بلفظ أشهد فقال: (إخباره بما علمه بلفظ أشهد ونحوها).
وقيل: إنه لا يشترط هذه الزيادة وأنه متى أخبر بالشيء فقد شهد به؛ ولهذا مما قيل للإمام أحمد: إن فلانًا يقول أقول: إن العشرة في الجنة ولا أشهد، قال: إنه إذا قال فقد شهد.
إذن فهي إخبار عما يعلمه سواء بلفظ: أشهد، أو بلفظ: أقول، أو ما أدى معناها، وحكمها تحمُّل وأداء، حكمها أنها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي لم تجب على الآخرين؛ لأن المقصود بها حفظ الحقوق المشهود بها، والتحمل لفظ الشهادة، والأداء إبراز الشهادة؛ فالتحمل يكون المشهود له محتاجًا إليها عند وقوع الشيء المشهود به والأداء يكون محتاجًا إليها عند الحكم له به، وكلاهما فرض كفاية.
الجزء: 2 - الصفحة: 3906
وقيل: إن التحمل فرض كفاية، والأداء فرض عين، وأنه لو تحمل هذه الشهادة عشرة فإنه يجب على كل واحد منهم أن يشهد؛ أي أن يؤدي شهادته؛ لأننا لو قلنا: إن الشهادة أداؤها فرض كفاية، فطلبنا من الشاهد الأول أن يشهد، قال: فيه من يكفي، ذهبنا إلى الثاني، فقال: فيه من يكفي، ثم ربما يضيع الحق من هذه المماطلة؛ ولهذا التفصيل؛ يعني التفريق بين التحمل والأداء له وجه؛ فالتحمل فرْض كفاية إذا علمنا أن في المقام أو في المكان من يكفي في الشهادة، فلا يجب عليه، وأما الأداء فإنه فرض عين.
ولكن لا بد فيها من شروط كغيرها من الواجبات؛ وهي أن يكون الإنسان قادرًا على أدائها بلا ضرر، فإن كان لا يمكنه إلا بضرر فإنه لا يجب عليه أن يؤدي، مثل: لو فرضنا أنه لو شهد بهذا الأمر لأدى ذلك إلى قتله أو حبسه أو ما أشبه ذلك فإنه يقول أهل العلم: إنه لا يجب عليه مُستدلين على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
والدليل على وجوبها قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]، وهذا نهي، والأصل في النهي التحريم.
وقوله: ﴿إِذَا مَا دُعُوا﴾ يشمل الدعاء إلى تحملها والدعاء إلى أدائها، ثم إنه قد لا تقتضي الحال؛ يعني قد لا تقتضي الحال أن يدعوك باللفظ، قد يدعوك بالحال، فإذا كانت القرينة تقتضي أن تتحمل هذا الأمر الواقع، وإن لم يقل لي: اشهد على كذا فإنه يجب عليك أن تشهد.
وبعض العوام يظنون أنهم إذا لم يقل: اشهد على فلان فإنه لا يجب عليه الأداء، وهذا خطأ، بل المقصود تحمل الدعوى إليها: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] سواء دعاه بلسان الحال أو بلسان المقال.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، باعتبار ما يكون؛ لأني إذا دعوتك وقلت: تعالَ اشهد فأنت الآن المطلوب منك أن تكون شهيدًا فهو شاهد، لكن لا شك أن أداءها أوْفَى من وجوه؛ لأن أداءها فرض عين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3907
(ويشترط فيها ذكر الشروط والأوصاف المعتبرة في المشهود به) يعني ما يكفي الشهادة المجملة حتى يُبَيِّن الشروط والأوصاف المعتبرة.
الشروط مثلًا: إذا أشهدني على بيع فإنه يجب أن أسأل ما هذا البيع حتى لا يكون التباس في هذا المشهود به، وأعرف أن هذا البيع قد تم بشروطه كذلك لا بد أيضًا من الأوصاف المعتَبرة، إذا كان مثلًا هذا الشيء المشهود به أحمر أبيض أخضر من النوع الفلاني، لا بد أن تُدركه، فلا يكفي أن أشهد بشيء مجمل في يد المشهود عليه؛ ولهذا لو رأيت لصًّا دخل بيتًا وخرج بكيس معه، ثم ادعى صاحب البيت أنه سرق دراهم في كيس، فهل يجوز لي أن أشهد بأنه سرق هذه الدراهم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولكني أشهد بما رأيت؛ بأني رأيت رجلًا خرج من هذا البيت يحمل كيسًا، أما أن فيه دراهم أو غير دراهم فهذا لا أشهد به، فلا بد من الأوصاف المعتبرة.
كذلك أيضًا لو شهدت على شخص بأنه جنا على آخر، فلا بد من أن أشهد بأنه جنا عليه في حال يؤاخذ بالجناية؛ بألا يكون مدافعًا، وأن يكون بالغًا عاقلًا إلى آخر ما يقتضى في المشهود به، والمهم أن هذه الشهادة لا بد أن تكون مُحرَّرة أشد من الدعوى التي سبق أن ذكرنا فيها الخلاف؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86].
ويُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «تَرَى الشَّمْسَ؟ ». قال: نعم.
قال: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ» (5). ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الكبائر: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ ». فقالوا: بلى.
فذكر منها شهادة الزور.
(6) وكان متكئًا فجلس.
الجزء: 2 - الصفحة: 3908
والزور معناه الميل والانحراف؛ وكل شهادة لا تكون بها الحق فإنها جرم، ولهذا يجب علينا أن نتحرز غاية التحرز في الشهادة، وألا نبالي أو نحابي أحدًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
أما شروط الشاهد فهي أولًا: البلوغ، يشترط في الشهادة أن يكون بالغًا، والبلوغ معروف لديكم؛ فالصغير لا تُقبل شهادته؛ لأنه غير مؤتَمن لا من ناحية الحفظ ولا من ناحية التأثير؛ إذ إن الصبي قد يُؤثَّر عليه إما بالوعد وإما بالوعيد؛ فلهذا لا تُقبل شهادته.
وكلام الفقهاء رحمهم الله يقولون: لا تُقبل حتى فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان؛ يعني ما يجري بين الصبيان فيما بينهم لا تُقبل شهادتهم فيه؛ لأن المحظور الذي ( ... ) به رد الشهادة موجود، قد يكون هذا الصبي الذي شُهد عليه يكون منازعة مثلًا منازعة مهاجرة يهجره حتى إنه ما يذكر ولا اسمه، فيشهد عليه ولَّا لا؟ وقد يكون صديقًا له جدًّا، فيشهد له؛ فهو غير مؤتَمن في الواقع.
وقال بعض العلماء: إن شهادة الصبيان مقبولة بعضهم ببعض أو على بعض فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان؛ كالذي يكون بينهم في أسواقهم.
وقيل: إنه مقبول في الجراحات دون الأموال؛ لأن الجرح للصبي يؤثِّر عليه تأثيرًا بالغًا، ويهتم به اهتمامًا بالغًا بخلاف الأموال؛ يعني بمعنى أن الصبي يندهش إذا رأى الجرح، ولا يمكن أن يُخلف أو أن يقول ما لم يقع بخلاف المال، وهذا واضح في أن الصبيان يندهشون إذا رأوا الجراحات.
وقال بعض العلماء: إنه يُقبل ما لم يتفرقوا، إذا كان في وقت الحال قبلوا، وأما إذا تفرقوا فلا يقبلوا، لماذا؟ لأنه بعد التفرق يمكن أن يُلقَّن ويُؤثَّر عليه، لكن قبل التفرق هذا شيء بعيد.
إذن كل هذه الأقوال أو هذه الاختلافات كلها ترجع إلى أننا هل نثق بشهادتهم أو لا نثق؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3909
وإذا كانت كذلك فإن القاضي من حيث القضاء يستطيع أن يحكم بالقبول أو بالرفض بناءً على القرائن الخارجية أو القرائن الداخلية بالنسبة للأطفال؛ لأن الأطفال أيضًا يختلفون؛ فمثلًا بالنسبة للطفل الذي نعرف أنه طفل متزن، وأن من شهد له ليس بينه وبينه صداقة، وأن من شهد عليه ليس بينه وبينه عداوة ظاهرة؛ فإن هذا ربما نقبله، وإذا كان الأمر يختلف فقد نرده؛ لأن إهدار شهادته مطلقًا، ولو دلت القرائن فيه أيضًا ضرر، من الذي يعرف أن هذا الصبي مثلًا رمى بالحجر حتى أصاب الصبي الثاني في مكان مجلس الصبيان؟ من الذي يدري؟
طالب: الصبيان.
الشيخ: ما يدري إلا الصبيان، لو أننا أهدرنا مثل هذه الأمور لكان في ذلك إهدار لأشياء كثيرة تفوت؛ ولهذا الذي نرى أن القول الراجح في هذه المسألة أن للقاضي أن يحكم بشهادتهم إذا دلت القرائن على صدقهم.
البلوغ هل هو شرط للتحمُّل والأداء، أو للأداء فقط؟ للأداء فقط؛ ولهذا لو تحمل وهو صغير وأدى وهو بالغ فإنه يُقبل؛ لأن العلة التي مُنع منها قبول الشهادة بعد البلوغ تزول، وأظن الرواية قد مر عليكم هذا في الرواة أنه إذا تحمَّل صغيرًا وأدَّى كبيرًا فإنها تُقبل، هكذا أيضًا الشهادة إذا تحمل وهو صغير وأداها وهو بالغ؛ فإنها تقبل لزوال المحظور.
(أقسام العقل) وما هو العقل؟ العقل هو صفة ذاتية يستطيع بها الإنسان أن يعرف ما يضره وما ينفعه.
وهل نزيد بذلك وأن يتصرف في ما ينفعه وفيما يضره حسب المنفعة أو المضرة، ولَّا ما هو بشرط؟
طلبة: ليس بشرط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3910
الشيخ: ليس بشرط إلا أن الأخير شرط للعقل النافع؛ ولهذا نفى الله العقل عن الكفار مع أنهم أذكياء وعندهم عقول يدركون بها، العقول اللي هي مناط التكليف موجودة في الكفار، لكن العقول اللي هي حُسن التصرف ليس موجودًا فيهم؛ فالعقل إذن إدراك الأمور بحيث يدرك الشيء الذي ينفعه والذي يضره، أما إذا كان فاقد العقل فإنها لا تُقبل شهادته؛ لأن ما يمكن أن يعرف، ولا أن يتصور، ولا أن يؤدي.
إذا كان يعقل أحيانًا، ويُجن أحيانًا فإنها تُقبل شهادته في حال فقط؛ إذا تحملها وهو مفيق، وأداها وهو مفيق فإنها تُقبل.
طيب السكران، تُقبل شهادته؟
طلبة: لا تقبل.
الشيخ: في حال السكر لا تُقبل، إذا تحملها أو أداها في حال السكر ما تُقبل، وفي حال الصحو تُقبل.
طيب المخرِّف؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما تُقبل إلا إذا كان يعقل؛ لأن فيه بعض المخرفين في بعض الأحيان يصحون صحوًا تامًّا، وفي بعض الأحيان ينسون، فالحكم يدور مع علته، متى وُجِد التعقل صحت الشهادة، ومتى فُقِد ردت الشهادة.
فما أدري منكم أحد علَّق على مسألة السكران؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يتحمل إذا استطاع، وقد تتصور الشهادة بخلاف ما هو عليه، إنما نشوف العدالة؛ لأنه ظننتم تقولون: إنه يشترط العدالة، والسكران ليس بعدل، هذه ( ... ).
الثالث: الحكم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، يجيبون أخبارهم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، لكن يجيبون أخبارهم يعني أخبار عن غيرهم؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟ ! يعني ما قلنا بحكمة المجنون أبدًا، الحكمة للعاقل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، إن هذه الحكمة إذا صح أنه قد يعبر بشيء معقولًا فإنه لا يتصور الشيء المعقول، قد يجيبه من ذات نفسه، لكن ما يعرف أنه شهادة، أو أنه شاهد، أو أنه يثق.
الجزء: 2 - الصفحة: 3911
ثم لو فُرِض أنه أصاب فيما رأى ما نثق به في جميع المرات، ليس محل ثقة، هذا شيء معروف، كيف الإنسان المجنون الذي نقبل منه ما شهد به مرئيًّا كان أو مسموعًا؟ هذا لا يضمن.
كذلك أيضًا في المعتوه اللي بين العاقل والمجنون أيضًا لا تُقبل؛ لأن المعتوه أشد من الصبي، فإذا كان الصبي لا يُقبل، فكيف يقبل المعتوه؟ !
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، هو إذا كان ممكن إذا كان يصعب فإنه ما ينظر، ما تُقبل شهادته، لكن إذا كان يمكن؛ لأن بعض المعاتيه في بعض الأحيان يعرف تمامًا اللي حصل ويحدِّثك بما حصل تمامًا؛ فالحكم يدور مع عِلته؛ فمتى اشتبهنا في الشهادة؛ لأن الشهادة -كما أشرنا إليها قبل ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: 86]- ومعلوم لا بد أن نعلم بأن هذا الشيء أمر واقع، وإلا فلا يُقبل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، بس الشهادة اللي تُوجب الحكم من إنسان ( ... ) ما يمكن أن تُقبل، أما كونه هو يتحدث عما فعل فيما مضى، فهذا معناه أن الذاكرة حفظت هذا الشيء، وهؤلاء المجانين أحيانًا يتحدثون بما جرى في أزمان ماضية، وتكون موافقة للواقع، لكن هل نحن نثق حتى نحكم بشهادتهم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إذا جاء قد شهد وهو عاقل نأخذ بشهادة الشاهد.
الثالث: الحفظ؛ والحفظ له معنيان: أحدهما: إدراك الشيء؛ بمعنى أنه بيحفظه ويخزنه عنده، والثاني: أداء الشيء؛ لأن الإنسان أحيانًا بيخطئ في الحِفظ عند تصوُّر الشيء، يسمع الكلمة على غير ما قيلت، ثم يحفظها كذلك، وأحيانًا يحفظ الشيء ويتلقَّاه تلقيًا كاملًا، لكنه كثير النسيان؛ فالأول عنده حساب التصور، والثاني عنده ضعْف الحافظة، فلا بد من الأمرين أن يكون حافظًا عند التلقي، وعند الأداء، فإذا كان كثير النسيان فإنها لا تُقبل شهادته، وإذا كان ينسى ما تُقبل شهادته؟ إذا كان ينسى ما هو كثير النسيان.
طالب: تُقبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3912
الشيخ: تقبل؛ لأنه ما من أحد إلا وينسى، لكن بعض الناس يكون معروف بالنسيان تُحدِّثه في الصباح وتبحث معه في المساء عما قد حدثته في الصباح فلا يذكره، هذا ما يمكن أن يكون شاهدًا، لكن يمكن التخلص من هذا بكتابته كتابة الشهادة ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذا كتبها فإنه يذكر، ولكن إذا كتبها، ثم أدَّاها وهو يعلم أن هذا هو خطه، لكنه نسي الواقعة، نسيها نهائيًّا، لكن يعلم أن هذا خطه، فهل يجوز أن يشهد وتُقبل شهادته ولَّا لا؟
المشهور من المذهب أنه لا يجوز حتى يتذكر الواقعة، ولكن الصحيح -بلا ريب- أنه يجوز أن يشهد؛ لأنه ما دام أنه يعرف أن هذا خطه وتيقنه مثل الشمس فليس بشرط أن يتصور، أو أن يتذكر الواقعة، وما فائدة التعليم بالقلم؟ الله تعالى امتنّ على العباد قال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: 4]، والقلم فيه فصل الأشياء الخطيرة، لولا القلم لضاع الناس في دينهم ودنياهم، ولكن الله تبارك وتعالى جعل هذا القلم حافظًا لأمور لا تحفظها الذاكرة.
فالصواب -بلا ريب- أنه إذا كان يعرف أن هذا خطه فله أن يشهد به ولو كان قد نسي، ولو أننا أخذنا بما قاله الفقهاء في المذهب، لو أخذنا به لكان كثير من الشهادات اليوم تُلغى، لو أتيت بواحد قد كتب شهادته منذ خمسين سنة، قلت: تأكدت من هذه القضية؟ قال: ما أذكر، لكن أشهد أن هذا خطي.
على المذهب تبطل هذه الشهادة حتى يتذكر هو بنفسه أنه وقع هذا الشيء، ولكن الصحيح -بلا ريب- أنها لا تبطل هذه الشهادة، وله أن يشهد بها.
ما حجة المذهب؟ يقولون: لأن الخط قد يُقلَّد، وهذا صحيح أن الخط قد يُقلَّد، لكنه مهما قُلِّد فإن الإنسان يعرف خطه؛ لأن هناك ميزات مثل ما تعرف الخط بوجه ولو كان به شبيه بوجه تعرف الخط.
الجزء: 2 - الصفحة: 3913
فالصواب أنه وإن قُلِّد، لكن لا يمكن أن يكون مثل خط الإنسان مئة بالمئة أبدًا، ولا بد أن يعرفه، ثم هذا الاحتمال يرد علينا في أشياء كثيرة أيضًا، كل شيء يمكن أن يُقلَّد حتى صوت الإنسان إذا بغى يشهد على ( ... ) فقد يُقلَّد، افرض أن الشاهد أعمى، الآن الطريقة التي يدلي بها الشهادة أو تحمله السماع؛ لأنه لو شهد بشيء مقروء على فِعله نقبله ولَّا لا؟
ما نقبله، ما يمكن يكون شاهد، لكن لو شهِد على شيء مسموع تُقبل شهادته؟
طالب: تُقبل.
الشيخ: أليس يمكن أن يأتي واحد عفريت يقلد الشخص بنفسه؟
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
لو أن الاحتمالات العقلية أُلْحِقَت بالأمور الخبرية لكان كل خبر يمكن أن يدخله الاحتمال ونُبْطِلَه بهذا الاحتمال.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الوصايا أيضًا قد يوصي الإنسان بوصية قديمة مكتوبة، ويرجع الكاتب ويشهد أن هذا خطه فيشهد بها، ويكون عند الموصي وصية أخرى ناسخة للوصية الأولى، وتعرفون أن الوصية يجوز الرجوع فيها، ويكون الشاهد الأول لم يعلم برجوعه، ومع ذلك نحكم بها حتى يثبت الرجوع.
الجزء: 2 - الصفحة: 3914
يشترط أيضًا الإسلام إلا ما استثني ( ... ) الرابع الإسلام، وخرج بقيد الإسلام ما عداه من الأديان من اليهودية والنصرانية والوثنية وغيرها، فلا بد أن يكون الشاهد مسلمًا؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، والخطاب هنا لمن؟ للمؤمنين فيشترط الإسلام، ولأن الكافر غير مأمون؛ لأنه يقول على الله ما هو باطل، والقائل على الله ما هو باطل يمكن أن يقول على عباد الله ما هو باطل، ولأن الله تعالى أمرنا بأن نتوقف في خبر الفاسق؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6]، وإذا كان يجب علينا أن نتوقف في خبر الفاسق فخبر الكافر من باب أولى، إلا ما استثني، والذي استثني من ذلك ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 106] هذا الخطاب للمسلمين ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ لكن بشروط ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في السفر، يعني السفر ﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ ما تستطيعون أن تؤجِّلوا الوصية؛ لأن الموت حضركم، والكلام أيضًا في الوصية ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾، فهذه الشروط كم؟ ثلاثة، الوصية في السفر، قلنا: الثالث؟ طلبة: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3915
الشيخ: لا، ما هو شرط، الوصية في السفر، وأن لا يوجد غيره؛ لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فـ (أو) هنا ليست للتخيير، ولكنها للترتيب والتنويع؛ يعني: هذا أو هذا، ثم قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: 106] إلى آخره، فالفقهاء رحمهم الله قالوا: هذه المسألة تُستَثْنى من اشتراط الإسلام، وهي الوصية في السفر لمن حضره الموت، وليس عنده مسلم لماذا؟ قالوا: لأجل الضرورة؛ لأن الآن نحن في ضرورة إلى قبول شهادة هذا الكافر فنقبله، فهل يلحق به جميع الضرورات؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يُلحَق به جميع الضرورات، وقال الفقهاء: لا، نقتصر على الوارد؛ لأن الأصل اشتراط الإسلام فلا نخصص هذا الأصل إلا بما ورد به النص.
هل يُخَصُّ بالوصية ولَّا لا؟ يعني: هل يكون هذا في الوصية أو في كل معاملة إذا كان ذلك في السفر، ولم يوجد غير هؤلاء الكافرين؟
الصحيح أنه ليس خاصًّا بالوصية؛ لأن الآية نزلت في قضية معينة كما عُرِفَ في أسباب النزول وفي قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] ما يشمل اليهود والنصارى وغيرهم، وتخصيص هذا باليهود والنصارى ليس بصحيح، وإن كان المذهب يُخَصِّصُونه بأهل الكتاب، ولكن الصواب العموم.
إذن الذي استُثْنِي هو شهادة الكافر في حال الضرورة في السفر، ولكنه خاصٌّ بالوصية ولَّا في غير الوصية؟
فيه خلاف، والصحيح
العموم،
لو كان الإنسان في ضرورة إلى شهادة الكافر في الحضر؛ على رأي شيخ الإسلام يجوز، وعلى الرأي الثاني لا يجوز.
طالب: تصوير المسألة في الوقت الحاضر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3916
الشيخ: تصوير المسألة في الحاضر؛ لنفرض إنسانًا حصل عليه حادث، وليس حوله إلا أناس كفار، يشتغل مثلًا مع أناس كافرين في نفس البلد، وحصل عليه حادث، وأراد أن يوصي بوصية وليس عنده إلا هؤلاء الكفار، فهذا الآن في ضرورة، لكنه ليس في السفر، فعند شيخ الإسلام يقول: يصح؛ لأن العبرة بالضرورة، والمذهب يخصون ذلك بالسفر؛ لأنهم يقولون: إن الأصل اشتراط الإسلام، فلا نخصصه إلا بما جاء به النص فقط.
طالب: ( ... ) الآية ( ... ).
الشيخ: يعني: ( ... ) القسم بالله.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هو على كل حال إذا كان يعظم الله قد يكون مفسدًا ولكن يعظم الله، بناء على تعظيم المسلمين الذين يستحلفونه، فإذا قَدَّرْنا أن القسم بالله ما يفيد؛ لأنه لا يهمه أن يعظم الله أو لا يعظم الله، حينئذ لا يمكن الحكم بشهادته، ثم إن قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] مشروط بقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، ومفهوم الآية إذا لم نرتب فإننا لا نحلفه.
الخامس العدالة، والعدالة في اللغة الاستقامة، وفي الاصطلاح استقامة الدين والمروءة؛ فاستقامة الدين ألَّا يفعل كبيرة ولا يُصِرُّ على صغيرة، واستقامة المروءة ألَّا يفعل ما يُذَمُّ عليه عُرْفًا هذه هي العدالة، والدليل على اشتراطها قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] في عدة آيات، ولأن غير العدل لا يُؤْمَن، بل هو لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] والشهادة إتيان بنبأ؛ فلا بد أن نتبين خوفًا من أن نصيب قومًا بجهالة، وإذا فسَّرنا العدالة بهذا التفسير؛ بأنها استقامة الدين والمروءة، فهل يمكن أن نجد من تنطبق عليه؟ هذه العدالة في وقتنا الحاضر ..
طالب: قليل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3917
الشيخ: قليل جدًّا؛ مثلًا الغيبة من كبائر الذنوب، إذا اغتاب الإنسان رجلًا واحدًا مرة واحدة صار بذلك فاسقًا ما لم يَتُبْ، فمن الذي يَسْلَمُ من الغِيبة اليوم؟ والغيبة لو تقول: هذا الرجل مثلًا تصفه بصفات عيب في جسمه صار ذلك من الغيبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الْغِيبَةُ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (1) من عيبٍ خُلُقِيٍّ أو خَلْقِيٍّ أيضًا.
مسألة الإصرار على الصغيرة، الآن الإصرار على الصغيرة بكثرة، ومنها مثلًا الإصرار على حلق اللحية أو على الدخان أو ما أشبه ذلك من الصغائر، فهل نقول: إن هذا الشيء إذا وجد ما نقبل الشهادة؟ فيه صعوبة؛ ولهذا اختار شيخ الإسلام رحمه الله أن العدالة شرطٌ عند الإمكان، وإذا لم يمكن فليست بشرط، ولكن الشرط الذي لا بد منه قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] المهم يكون هذا مرضيًّا عند الناس، أمَّا مَنْ ليس بمرضيٍّ لكونه معروفًا بعدم المبالاة، وما أشبه ذلك، فهذا لا يُقْبَل، ونحن الآن نعرف أناسًا مُصِرِّينَ على بعض الذنوب يستحقون بها أن يُسْلَبوا العدالة، حسب تطبيق هذا التعريف على العدالة ومع ذلك أخبارهم موثوقة ومرضية عند الناس، وهذا أمر مشاهد، فهل نقول: إن مثل هؤلاء لا يُسْتَشْهَدُون؟ فيه صعوبة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3918
فالذي أرى في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن العدالة هي الاستقامة، وأن المراد بالاستقامة هنا ما كان مستقيمًا عند الناس بحيث يرضونه، وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فإن الله لم يأمر بردِّ خبر الفاسق مطلقًا، بل قال: ﴿تَبَيَّنُوا﴾؛ يعني: تبينوا الأمر، وانتظروا حتى يحصل البيان، فإذا علمنا بأن هذا الرجل موثوقٌ في قوله، وإنه ما يمكن أن يقول إلا ما هو حق؛ فإنه لا مانع من أن نقبل شهادته، وهذا هو الذي عليه عُرْف الناس اليوم، فتجد في المحكمة مثلًا مَنْ يشهدون وهم حالقو لحاهم، وتجد فيهم في المحكمة مَنْ يشهد وهو معروف بأنه يغتاب الناس، ولكن الناس يثقون بقوله في الشهادة؛ لهذا القولُ بأنه لا بد من استقامة الدين والمروءة مشكل، في المروءة الآن لو خرج الإنسان لابسًا إزارًا ورداء وعمامة ويش رأيكم؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: هذا خلاف المروءة ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: إزار ورداء وعمامة، ( ... ) المروءة ونطالبه الآن، يفعل، لكن نريد من أهل نجد، هذا يخالف المروءة؟ كذلك أيضًا لو كان يمشي في السوق ومعه فصفص ( ... )، ويش رأيكم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف اختلافهم؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، وبم ترتضي؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا يخالفهم ( ... ) صحيح، هذا هو الواقع، كان الناس في الأول يرون أن الأكل في السوق أو الشرب في السوق يرونه مخالفًا للمروءة، والآن هي مطاعم في السوق والناس على عتبات الدكاكين يشربون الشاي والقهوة ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3919
شروط الدعوى، الدعوى هي ادعاء الإنسان على غيره حقًّا، سواء كان هذا الحق عينًا أو دينًا، أو أي حق من الحقوق ( ... ) عليه، وإذا لم يكن متكلمًا فإنه لا ( ... ) به الإشارة، قد لا تفهم، وإذا فهمت فإنها لا تفهم على سبيل التفصيل؛ ولهذا يقول: إلا تُقْبَل من الأخرس بخطه، إذا كتب ما شهد به قبلت؛ لأن المانع الذي من أجله منع من لا ينطق يزول بالكتابة.
فالحاصل الآن أن الشرط الثالث هو الكلام، وليس فيه دليل، ولكن فيه تعليل وهو أن مَنْ لا يتكلم لا يمكن العلم بما عنده، حتى ولو أشار إشارة تفهم فإنه لا يحصل بذلك التفصيل، والمسألة مهمة؛ الشهادة، ولكن إذا أدَّاها بخطه فإنها تُقْبَل منه.
هل تُقْبَل من الأخرس بما يسمع كما لو شهد بأن فلانًا طلق زوجته أو أقر بكذا لفلان؟
طالب: ما تُقْبَل.
الشيخ: ما تقبل لماذا؟ لأنه لا يُسْمَع، وإذا كان لا يُسْمَع؛ فكيف يشهد بما يسمع؟ فلا تقبل شهادته، قد يقول: أنا أفهم الكلام من حركة الشفتين واللسان ويش نقول؟
ما يصح ولا ينضبط، فيه ناس من الخُرْس -اللهم عافنا- يفهمون الكلام، لكنه إذا جعل الكلام كإشارة له؛ يعني: مثلًا اللي عنده قريبه اللي دائم معه تجد يكون معه إشارة تحريك الشفتين، ويعرف ما يقول بتحريك شفتيه فهذا يكون كالإشارة المفهومة، لكنها لا تنضبط فلا يُقْبَل إذن، شهادتُه تكون بأي شيء؟ ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا ما هو بالأداء؛ يعني: تحمُّل الشهادة للأخرس؛ قلنا: ما يمكن أن يتحمل ما يسمع، يتحمل ما يرى، يتحمل ما يشم ولَّا لا؟ يتحمل ما يُلْمَس؛ يعني: عندنا بقية الحواس، ليست الحواس مخصوصة بالسمع؛ قد يُدْرَك الشيء بغير السمع،
باب موانع الشهادة وعدد الشهود
موانع الشهادة نحن عرفنا أن الأمور القاعدة العامة عندنا أن كل شيء لا يتم إلا بوجود شروطه وانتفاء موانعه؛ فالشروط عرفناها ستة هناك موانع توجب رد شهادة الشاهد، ولو كان اتصف بالشروط الستة وهي:
الجزء: 2 - الصفحة: 3920
أولًا القرابة؛ فالقرابة من موانع الشهادة، ولكن ليس كل قريب تُرَدُّ شهادته لقريبه؛ ولهذا قلنا: تختص في عمودَيِ النسب، وعمودا النسب هما الأصول والفروع فلا تُقْبَل شهادة الوالد لولده من أب أو أم، ولا تقبل شهادة الولد لوالده كذا؟ لا تُقْبَل شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، إذن الولد وإن نزل نقول ..
طالب: لا تقبل.
الشيخ: وإن نزل، وكذلك الوالد وإن علا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، وهؤلاء يعني: ما فيه دليل على ما قلنا، لكن هؤلاء ثم قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾، لما كان الإنسان قد يحابي والديه وأقاربه قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ وهذه العلة أي: القرابة في الأصول والفروع مانعة مطلقًا على المشهور من المذهب، حتى لو فرض أن الشاهد مبرز في العدالة، ووجدت قرائن تدل على صدقه فإن شهادته لعمودي نسبه غير مقبولة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3921
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان مبرزًا في العدالة، ووُجِدَتْ قرائن تدل على صدقه فإن شهادته مقبولة؛ لأن الشروط موجودة والموانع مفقودة هنا، وليس عندنا نص شامل يقول: إن الوالدين أو الأولاد لا يشهد بعضهم لبعض، ما عندنا نص، وإنما عندنا عمومات واحترازات في الشهادة، فإذا قُدِّر أن هذا الوالد شهد لولده في أمر دلت عليه القرينة، والوالد معروف بالعدالة التامة، فما المانع من قبول شهادته؟ ألا يدخل في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]؟ هذا عدل، ولم يوجد مانع يرد شهادته، بل وُجِدتْ قرائن تؤيد شهادته، لكن المعمول به الآن هو رد شهادة الأصول والفروع بعضهم لبعض مطلقًا، وإنما ردوها؛ لأن تحقيق المناط في المسألة صعب؛ لأن العلم بظاهر هذا الرجل وباطنه وأنه مبرز في العدالة أمر يشق، ثم إنه يفتح لنا باب الفوضى؛ يأتي رجل يشهد لولده في قضية فنحكم بشهادته، ويأتي بعده رجل يشهد لولده في قضية فنمنع شهادته؛ لأن الأول دلت القرائن على صدقه، والثاني لم تدل، حينئذ يحصل التباس بين الناس، ويعزون القضاة إلى أي شيء؛ إلى الجور والجنح، ويقولون: قَبِلَ شهادة فلان لابنه، ورد شهادة فلان لابنه، هل يمنع هذا المانع الشهادة على الشخص ولّا لا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أو عليه.
طالب: له.
الشيخ: إي نعم، له؛ لأن له هي محل التهمة، أما عليه فإنها ليست محل تهمة، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينْ﴾ [النساء: 135] ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ومن المعلوم أنه يبعد غاية البعد أن يشهد الوالد على ابنه وهو كاذب، لكن يشهد لابنه وهو كاذب، ممكن أما أن يشهد عليه وهو كاذب، فهذا بعيد، ولهذا قال الله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
إذن هنا المانع مانع للشهادة له لا للشهادة عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3922
ثانيًا: الزوجية؛ ما تُقْبَل شهادة الزوج لزوجته، ولا الزوجة لزوجها، فيه دليل؟ لا، ما فيه دليل، ولكن فيه تعليل، وهو أن العادة جرت بأن الزوجين يحابي بعضهما بعضًا لا سيما في الغالب مَنْ؟ الزوجة، الغالب أن الزوجة تحابي زوجها أكثر من العادة، ولا سيما أيضًا أن الزوجة في الغالب أقل دينًا من الرجل، وتحملها العاطفة أكثر، فالمهم أن شهادة الزوجة لزوجها لا تُقْبَل، وشهادة الزوج لزوجته لا تُقْبَل، بعد الفراق تُقْبَل ولَّا لا؟
طالب: فيه تفصيل، إن كانت تحبه ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، وإن كانت تكرهه.
طالب: وإن كانت تكرهه في الغالب، فإنها تقبل شهادتها.
الشيخ: إذن -على كلامك- تكون العلة المحبة والكراهة، لو كانت تكرهه وهي في حباله ..
طالب: ( ... ).
الشيخ: هي تحاول بكل ما تستطيع أنها تتخلص منه، لكن ما هو بيدها وهي تكرهه وتدعو عليه بالليل والنهار، وتقول: الله يفرجني من هذا الرجل؛ يعني: إذا جعلنا العلة المحبة لزم أن الحكم يدور مع علته، فإذا كانت تكرهه فتُقْبَل شهادتها.
ثابت على هذا ولَّا عندك رأي ثاني؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هذا هو الصحيح، المذهب يقول: ولو بعد الفراق، لكن ليس له وجه، فالصواب أنه بعد الفراق تزول مع أن الأصل كما قلنا قبل قليل: الأصل قبول الشهادة، لكن نظرًا إلى أنه ربما تحصل محاباة منعت الشهادة للزوجة أو للزوج.
طالب: ( ... ) الزواج ( ... ).
الشيخ: كيف ( ... ) بعد الزواج؟
طالب: ( ... ) بعد الفراق.
الشيخ: حتى ولو كانت معه يعني.
الطالب: بعد الفراق.
الشيخ: بعد الفراق إذا شهدت له ما هي عليه، إذا شهدت له فلا بأس.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هل تقبل شهادة أحد الزوجين على الآخر؟ نعم، تقبل على الآخر، أما له فلا تقبل، إذا كانت الزوجية باقية.
طيب، ما رأيكم في الخطيبة شهادة الإنسان لخطيبته أي: لمخطوبته أو بالعكس؟
طالب: ما تقبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3923
الشيخ: الزوجية ما تمت الآن، لكن أنا عندي أن المحاباة أكثر ولَّا لا؟ لأنه ( ... ) علشان توافق على خطبته أو بالعكس، فلهذا ما دامت المسألة مبناها على العلة؛ فإننا نقول: وكذلك المخطوبة إذا شهد لها أو شهدت له؛ لأن هذه من وسائل التودد بين الخاطب والمخطوبة.
ثالثًا: التهمة بسبب ظاهر.
طالب: ( ... ) العلة ( ... ).
الشيخ: هذا هو الذي مشى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية على أن العلة التهمة مطلقًا، فإذا انتفت التهمة حتى في الأصول والفروع فإنها تُقْبَل الشهادة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: على كل حال الأصل أن ما فيه تهمة بعد الفراق؛ لأنه ويش يراعي؟ وهي أيضًا ماذا تراعي؟ لكن إن وجد في قضية معينة تهمة فللحاكم أن ينظر في الموضوع.
التهمة بسبب ظاهر؛ كمن يشهد بما يَجُرُّ إليه نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، التهمة بسبب ظاهر؛ يعني: معلوم ما تكون التهمة بسبب تكون مانعًا؛ ولهذا لو شهد الصديق لصديقه تقبل ولَّا لا؟ تقبل، وشهادة المحب لمحبه تقبل، ولو لم نقل بذلك لزم أن نرد شهادة المؤمنين بعضهم لبعض؛ لأنهم يتحابون في الله لكن إذا كان السبب ظاهرًا -سبب التهمة- فإنه يُرَدُّ؛ مثل شهد إنسان بشيء يجر إليه نفعًا؛ مثل أن يشهد الوارث بأن هذا الميت الذي مات قد طلَّق زوجته، وانقضت عدتها منه قبل وفاته، ويش اللي بيصير؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يجُرُّ إلى نفسه نفعًا ولَّا لا؟ يجر إلى نفسه نفعًا؛ وهو أن يتوفر مال الميت له، بدل ما تأخذ الزوجة الربع مثلًا وله ثلاثة أرباع، يكون له المال كله، فقد جَرَّ إلى نفسه نفعًا.
كذلك أيضًا شهادة الورثة بجرح المورث قبل اندمال الجرح؛ يعني: شهدوا بأن الذي جرحه فلان، والجُرح ما بعد بَرِئ، هذا لا شك أنه يجر إليه نفعًا؛ لأنه لو مات بهذا الجرح وجبت عليه الدية؛ على الجارح، والدية من تكون له؟
طلبة: للورثة.
الشيخ: تكون للورثة فلا تُقْبَل شهادتهم في هذه الحال؛ لأنهم يجرون إلى أنفسهم نفعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 3924
كذلك إذا شهد بما يدفع عنه ضررًا؛ إنسان شهد بشهادة توجب أن يندفع بذلك عنه الضرر؛ مثل أن يشهد بجرح الشهود بدين على مورثه، إنسان بعد ما مات هذا الرجل جاء وادعى عليه بدين، كم الدين؟ قال: الدين عشرة آلاف ريال.
وين شهودك؟ جاء بالشهود، الورثة جرحوا بهؤلاء الشهود؛ قالوا: هؤلاء الشهود ما هم بعدول، هؤلاء فُسَّاق؛ لأجل ويش؟ لأجل ألَّا يسقط الدين، إذا لم يسقط الدين صار ما جاءهم ضرر، لكن لو ثبت الدين صار عليهم ضرر؛ لأنه يأخذ من التركة؛ فإذا شهد إنسان بما يدفع به الضرر عن نفسه؛ فإن شهادته لا تقبل؛ لماذا؟ لأنه مُتَّهَمٌ بجر النفع إلى نفسه أو دفع الضرر عنه، ومثلُها أيضًا لو زكى الشفيع شهادة بالبيع ببيع شريكه؛ زكَّاه؛ فإنها لا تُقْبَل؛ لأنه يَجُرُّ إلى نفسه نفعًا.
مثلًا شريكي باع نصيبه من أرض مشتركة بيني وبينه يكون لي فيها الشفعة ولَّا لا؟ لي فيها شفعة، لكن شريكي أنكر البيع، فأتى المشتري بشهود يشهدون بالبيع، فجرحهم شريكي، ولكني أنا زكيتهم، لماذا زكيتهم؟ لأنه إذا ثبت البيع ثبتت لي الشفعة، فأنا بهذه الشهادة أجر إلى نفسي نفعًا.
وعلى كل حال الأمثلة كثيرة، ولكن الضابط أنه إذا كلما كانت الشهادة تتضمن جَلْبَ نفع إلى الشاهد أو دفع ضرر عنه فإنها لا تقبل.
كذلك لو شهد الإنسان على عدوه فإنها تهمة ظاهرة، ولكن من هو العدو؟ هل هو الكافر؟
يقول العلماء في ضابط العدو هنا: (مَنْ سرَّه مساءةُ شخص أو غَمَّه فَرَحُه فهو عدوُّه)؛ كل إنسان يفرح بما يسيء إلى هذا الرجل، ويغتم بما يفرح؛ هذا الرجل فإنه يعتبر عدوًّا له، شوفوا هذا الضابط هل هو صحيح، ولَّا غير صحيح؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن كثيرًا من الناس تتوفر فيه هذه الأشياء.
الشيخ: كيف تتوفر؟
طالب: تتوفر فيه أنه يفرح بمصيبة شخصٍ؛ مثلًا بمجرد أن حصل بينه وبينهما شيءٌ وإن كان بسيطًا، ويساء أيضًا لمسرة هذا الشخص ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3925
طالب آخر: قد يكون بينه وبين شخص ( ... )؛ يفرح إذا أصابته ضراء، ويكون عدلًا في نفسه فلا يشهد إلا بالحق، فالحاصل يا شيخ ( ... ) للمصلحة ( ... ). الشيخ: إي صحيح، هذه النقطة التي نريد أن نشوف؛ لأنا إذا أخذنا بهذه القاعدة، فإن الحاسد يغتم بكل سرور، كل أحد يُسَرُّ بنعمة تجد الحاسد يَغْتَمُّ له؛ فإذا أصيب أحد بنقمة فإنه قد يفرح لذلك، وهذا في الحقيقة إذا كانت هذه -والعياذ بالله- صفةَ الإنسان يبقى جميع الناس أعداءً له، لكن مراد أهل العلم غير هذا؛ مرادهم بذلك إذا كان هذا الشيء متعلقًا بعين الشخص؛ لأن الحاسد ما يكون هذا وصفه بالنسبة لفلان دون فلان، بل هو لجميع الناس، إنما إذا كان لهذا الشخص المعين إذا أصيب بنكبة فرح بها، وإذا أصيب بنعمة اغتم بها، فإنه يكون عدوًّا له، فلا تقبل شهادتُه عليه؛ لماذا لا تقبل؟ قالوا: لأنه إذا كان يغتم بما يَسُرُّه، فإن الحكم على هذا الشخص يسوؤه ولّا لا؟ إذا صار يغتم بما يسوء هذا الشخص فإن القاضي إذا حكم على هذا الشخص، فهل يسوؤه الحكم عليه؟ يعني: هل يسوء المحكوم عليه هذا الحكم ولّا لا؟ خصمان عند القاضي حُكِمَ على أحدهما بما ادعاه خصمه هذا الحكم، هل يسوء هذا المحكوم عليه ولّا لا؟ يسوؤه بلا شك، إذا حكم عليه مثلًا بمليون ريال أو حكم عليه مثلًا بدفع دية أو ما أشبه ذلك، لا شك أنه يسوؤه، ولولا أنه يسوؤه فمن يخاصم لو كان لا يهمه لاعترف به، ولم يخاصم؛ فيقولون: إذا كان يسرُّه ما يسوء هذا الشخص فإنه يسره أن يحكم عليه؛ وحينئذ يشهد عليه بما يسوؤه لأجل أن ينال مراده بالسرور، هذا وجه كون العدو لا تُقْبل شهادته على عدوه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3926
مثل ذلك الصديق؛ إذا كان بالغ الصداقة، هل نقول: لا تقبل شهادته لصديقه؟ نعم، نقول: لا تُقْبَل على القول الصحيح، أما المذهب فتُقْبَل مهما كانت الصداقة، ولكن الصحيح أنه إذا كان صديقًا حميمًا الصداقةُ متمكنة بقلبه؛ فإنها لا تقبل شهادته له إلا إذا وُجِدَ سببٌ قوي يقضي على هذه التهمة، فحينئذ نقبل شهادته؛ لأن بعض الناس الآن شهادتُه لصديقه أحبُّ إليه من شهادته لأخيه، بعض الناس إذا صادق شخصًا صداقة عميقة، يمكن يُفضِّل ما يسره على ما يسر والده، فكذلك الصداقة القوية لا شك أنها مانعة من موانع الشهادة؛ شهادته له، ولكنه إذا وُجِدَ سبب أقوى منه؛ مثل أن يكون هذا الشاهد معروفًا بالعدالة والاستقامة، والتهمة منه بعيدة، فإنها تُقْبَل شهادتُه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يقول العلماء: إنه إذا فسخ ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: إن السؤال عن الموانع ليس بشرط، لا في مسألة الفتوى، ولا في مسألة الشهادة، ولا في غيرها؛ لأن الأصل عدم المانع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، كما أن الأصل عدم الشرط فلا بد من تحقق وجوده، الأصل عدم وجود الشرط، فلا بد أن يتحقق وجوده، فنسأل هو موجود ولَّا ما هو موجود؟
طالب: ( ... ) شهادة العدو على عدوه ( ... ).
الشيخ: أقول: إنهم يقولون: إن مَنْ ساءه مسرةُ شخص وغمَّه فرحُه فهو عدوه، وسألنا هل هذا التعريف صحيح أو لا؟ وقلنا: إنه يرد عليه الحاسد، فإن الحاسد يَغمه فرح كل محسود ويسره مساءته، قلنا: الحاسد ليس بوارث؛ لأن المحسود يسره أو يغمه أن هذا الشخص بعينه، فإذا تبين أن هذا الشخص يحب أن هذا الشخص بعينه يناله سوء ويفرح كذلك، ويغتم إذا ناله السرور فهو عدوُّه؛ ووجه امتناع قبول شهادته عليه؛ لأن الحكم عليه إساءة فهو يحب أن يساء فيشهد عليه.
طالب: لو كان في قرينة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3927
الشيخ: ما يمكن يشهد، لو أحب أنه يساعده ما يمكن يشهد إلا بحق، ووجد قرائن تدل على صدقة، فيُقْبَل، لكن الأصل أن العداوة سبب ظاهر يعني علامة وسبب ظاهر على منع الشهادة، وهذا الشيء الظاهر إذا وُجِدَ ما هو أقوى منه يمنع العمل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: قلت لك: إذا كان عدوًّا لك وشهد عليك فإنها تمنع شهادته عليك، لكن إذا وجد سبب يقتضي أن نقبله، وذلك لكون هذا العدو مبرزًا في العدالة ولا يمكن أن يشهد إلا بحق، ووجدت قرائن أيضًا تؤيد ما شهد به، حُكِمَ بذلك.
طالب: لو وجد ( ... ) العدالة ( ... ).
الشيخ: نعم، أو من فروعه.
طالب: هو الراجح.
الشيخ: هو الراجح، إي نعم؛ لأن المسألة ما فيها نص على المذهب والمدار كله على؟
طالب: على العدالة.
الشيخ: لا، على التهمة، فإذا وجد ما يمنع هذه التهمة لقوة العدالة ووجود القرينة المؤيدة له حكم به.
العدد المعتبر في الشهادة في الحقيقة أن المشهود به يختلف؛ منه ما يحتاج إلى الاحتياط كثيرًا مثل الزنا؛ لأن الشهادة بالزنا عدد الشهود الأول أن يكونوا أربعة رجال، وذلك في الزنا واللواط، والإقرار بهما لا بد أن يكون أربعة رجال، وطبعًا متفقين في الشروط السابقة العدالة إلى آخره، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] وشهداء جمع شهيد فلا بد من أربعة رجال متصفين بما يجب أن يتصفوا به لقبول الشهادة، ويشهدوا على الزنا، وكذلك أيضًا في اللواط؛ والحكمة من ذلك: لأن الزنا يحتاط له حيث يترتب عليه أمر عظيم وهو شرف الإنسان ينهدم بزناه واختلاط الأنساب، وغير ذلك من الأمور الكثيرة؛ لهذا احتيط له بأن يكون العدد أربعة رجال ولا بد أيضًا في أداء الشهادة أن يذكروا كل ما يعتبر ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3928
وهذا شيء يعني يكون من المتعجب؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب منهاج السنة قال: إنه لم يثبت الزنا بطريق الشهادة من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا، وأظنه أيضًا من يوم الشيخ إلى يومنا هذا ما يثبت بطريق الشهادة؛ لأن هذا صعب جدًّا، أليس كذلك بطريق الإقرار ممكن ثبوته؟ وثبت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفيما بعده، لكن بطريق الشهادة، هذا صعب.
طالب: ثبتت ( ... ).
الشيخ: ثبتت؟
طالب: إي.
الشيخ: شهدوا عليه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: حقيقة الوطء، ويتفقون على الزاني والمزني بها، والزمان والمكان وصفة الفعل، كل هذا لا بد منه وهذا أمر -ولله الحمد- يكاد أن يكون متعذرًا، لكن بالنسبة للإقرار به ممكن، وقد سبق لنا أنه لا بد في الإقرار على المشهور من المذهب، لا بد فيه من تكراره أربع مرات، كذلك في اللواط -نسأل الله السلامة- لا بد فيه من أربعة رجال، واللواط قد يكون الشهادة عليه أيضًا كالشهادة على الزنا؛ لأنه يمكن الاستشهاد فلا بد فيه من أربعة؛ لأنه أخبث من الزنا؛ ولهذا قال الله في الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32] فاحشة نكرة؛ يعني فاحشة من الفواحش، وقال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: 80] فأتى بـ (أل) الدالة على التعظيم، وأنها أعظم، ولذلك كان الصحيح -كما مر علينا- أن عقوبة اللواط هي القتل بكل حال، هذه واحدة.
العدد الأربعة، إنما يختص بالزنا واللواط والإقرار بهما، يعني بأن يشهدوا على أن هذا الرجل أقر بالزنا أربع مرات.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الدليل لأنه أخبث من الزنا ( ... ) السياق، ولا ما في دليل.
طالب: ( ... ) أربعة ( ... ).
الشيخ: أبدًا ما يجوز، حتى لو رأوا الرجل على المرأة عاريين، ما يجوز ( ... ).
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3929
الشيخ: لا، ما هم، ينهونهم عن هذا، ويضربونهم، ويعزرون، لكن ما يقولون: نشهد بأنه زنا بها؛ يقولون: نشهد بأنا رأينا أمرًا منكرًا، رأيناه عليها ( ... ) لكن ما يقول: رأيناه يزني بها، لو قال: رأيناه يزني بها، جلدوا ثمانين جلدة؛ كل واحد يُجلَد ثمانين جلدة؛ ولهذا القصة التي تروى عن عمر، ولا نعرف عن صحتها، لكنه شهد أربعة رجال على شخص بالزنا شهدوا عليه قال: شهدتم أنكم رأيتم ذكره في فرجها، قالوا: نعم، ولما وصل إلى الرابع قال له: أنت تشهد عليه، اتق الله، والله لو كنت بين أصحابنا ما شهدت بما شهدوا به، فتوقف وقال: يا أمير المؤمنين، رأيت ذَكَرًا ينزو، واستًا تنبو، ولا أدري عن غير ذلك، فكبَّر عمر رضي الله عنه، ثم أمر أن يُجْلَد هؤلاء الثلاثة؛ كل واحد يجلد ثمانين جلدة ولم يَحُدَّ المشهود عليه (2)؛ لأنه ما تمت الشهادة، إنما مثل هذه ما نقول: اتركوا الناس في محل التُّهم، بل نقول: اشهدوا، لكن ما هو بالزنا، وفي هذه الحال يكفي شاهدان، إذا كان دون الزنا فهو يكفي شاهدان، يتهمه بأن هذه المرأة وجدوها عند هذا الرجل، أو قال: وجدناه راكبًا عليها فيكفي شاهدان، ولكنه ما يقال: حده الزنا؛ لأن الزنا ما ثبت، يُعَزَّر بما يراه الإمام رادعًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما يجوز، لكنه إذا أقر نؤاخذه بإقراره بعد أن يتبين لنا الأمر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يؤخذ به؛ أولًا لأن الطبيب واحد حتى لو قُدِّرَ أن أربعة أقرُّوا بهذا وخرجوا ما يؤخذ به؛ لأنه قد يكون مثلًا حصل بغير اختيار بإكراه، وما أشبه ذلك فلا يؤخذ به.
طالب: والحمل.
الشيخ: الحمل تقدَّم لنا أن الصحيح أنها تؤخذ أنها تعتبر زانية ما لم تدعي شبهة.
الجزء: 2 - الصفحة: 3930
ثانيًا: أقول: ثلاثة رجال، فيه غنيٌّ ادَّعى الفقر لأخذ الزكاة، ثلاثة رجال يعني: لا مدخل للنساء في هذه الشهادة، كما أنه لا مدخل لهن في القسم الأول، شهادة رجال في غني ادعى الفقر لأخذ الزكاة يعني: رجل معروف بالغنى، وجاء إلينا يسألنا من الزكاة، نقول: هات الشهود أنك افتقرت، كم الشهود؟ لا بد من ثلاثة؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث قَبِيصَة قال: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ رَجُلٍ» وذكر منهم؛ «رَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ أَنَّ فُلَانًا أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ» (3) فقال: شهد ثلاثة من ذوي الحجا يعني العقل من قومه أن فلانًا أصابته فاقة إذا قيل لماذا؟
نقول: لأن حقيقة الأمر أن دعواه هذه تضمنت اتصافه بأهل الزكاة، وانتفاء الغنى عنه، والثالث أيضًا تضييقه على المستحقين؛ لأنا إذا قدَّرنا أن الزكاة مثلًا ألف ريال، وادعى هو الفقر وهو بيأخذ من الألف، فينقص الألف عن غيره من المستحقين، فهذه الدعوى لما تضمنت ثلاثة أمور صارت الشهادة فيها ثلاثة رجال.
ثالثًا: (رجلان في بقية الحدود، وفي القصاص وكل ما ليس بمال ولا يؤخذ به المال غالبًا) رجلان يعني ( ... ) أيضًا من هذا القسم، ولكنه أقل عددًا من الأول أولًا: في بقية الحدود، ويش بقية الحدود؟ السرقة، القذف، قطع الطريق.
طالب: الخمر على القول بأنه ..
الشيخ: الخمر على القول بأنه حَدٌّ.
طالب: البغي.
الشيخ: قتال أهل البغي، لا، وكذلك أيضًا القصاص ليس من الحدود، وأما أن بعض الناس يعدونه في الحدود، ليس في الحدود؛ لأن القصاص راجع إلى رأي مَنْ؟ لرأي الورثة إذا شاؤوا اقتصوا، وإذا شاؤوا لم يقتصوا، والحدود هل تُرَدُّ إلى أحد؟ بل لا يجوز الشفاعة فيها، إذن في بقية الحدود لا بد من رجلين كذلك في القصاص، القصاص في النفس ولَّا حتى فيما دونها؟ حتى فيما دونها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3931
القتل خطأ لا بد من رجلين؟ لا؛ لأن القتل خطأ لا يوجب القصاص، إنما القتل عمدًا، أو قطع الطرف عمدًا الذي يوجب القصاص كما مر علينا فيما سبق، هذا لا بد فيه مِنْ رجلين، إذا قيل: لماذا لا تأخذون النساء في هذا؟
قلنا: لأن باب القصاص خطير جدًّا؛ فلهذا اعتمد فيه على الرجال؛ لأنهم أكمل عقولًا من النساء.
(كل ما ليس بمال ولا يقصد به المال غالبا) مثل الطلاق؛ الطلاق ليس بمال، ولا يُقْصَد به المال غالبًا، النكاح مثله؛ لأنه ليس بمال، ولا يقصد به المال غالبًا، يعني نادر أنك تلقى إنسانًا يتزوج علشان المال، وإن كان قد يقصد، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ» (4) وذكر منها المال، لكن هذا نادر، لو تسأل الذين يتزوجون وجدت تسعين بالمئة أو أكثر لا يتزوجون من أجل المال، إنما يتزوجون من أجل الاستمتاع، فكل ما ليس بمال، ولا يُقْصَد به المال، فإنه لا بد فيه من رجلين.
الجزء: 2 - الصفحة: 3932
وقولُنا: (لا يُقْصَد به المال) خرج به ما يقصد به المال فينتقل إلى القسم الرابع؛ وهو رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، وهذا مذكور في القرآن الصنف الأول والثاني منه قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، وهذا مذكور في آية الدين، وهي من المال، فشهادة المال رجلان أو رجل وامرأتان، وهل الرجل والمرأتان اشترطوا فيهما ألا يوجد رجلان؟ لا ليس بشرط فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ دليل على أنه ليس بشرط، وإلا لقال: فإن لم يكن رجلان يعني: فإن لم يوجد رجلان، أما هنا قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ أي: الشاهدان رجلان يعني: إِنْ ما استشهدتم رجلين، فاستشهدوا رجلًا وامرأتين، لكن لو قال: فإن لم يكن رجلان؛ يعني: فإن لم يوجد لصار شهادة الرجل والمرأتين لا تُقْبَل إلا إذا عُدِمَ الرجلان، لماذا تعددت المرأة؟
طالب: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282].
الشيخ: إي: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] يعني: إذن جبرًا لنقصه، ويُفْهَم من هذا التعليل أن الشاهد إذا نسي شهادته فذُكِّرَ بها فذكر قُبلت، وإن ذُكِّر بها فلم يذكر لم تقبل؛ ولهذا أبو موسى ذَكَّرَ عمر رضي الله عنه التيمم للجنابة، ولكنه لم يذكر، إنما رخص له أن يفتي الناس بذلك، وقال: نوليك ما توليت (5) فالمهم أن الإنسان إذا ذُكِّرَ بالشهادة فإنه إذا ذكر شهد وإن لم يذكر لم يشهد.
رجل ..
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3933
الشيخ: إي نعم، قال: الرجل ويمين المدعي هذا أيضًا يقبل في المال وما يقصد به، وهل يُشْتَرط ألا يكفر على رجلين أو رجل وامرأتين، أو ليس بشرط، ليس بشرط؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين (6) بدون أن يستفصل: هل قدرتم على شاهدين أم لا؟ فدلَّ هذا على جواز القضاء بالشاهد ويمين المدعي، يمين المدعي كيف كانت هنا اليمين في جانب المدعي، والقاعدة أن اليمين في جانب المدعى عليه؟
طالب: قوة جانبه بالشاهد.
الشيخ: إي نعم، لقوة جانبه بالشاهد؛ ولهذا يقال للشاهد: اشهد قبل أن يقال للمدعي: احلف؛ يعني: تَقَدَّم قبل هذا الشاهد.
ثم بعد ذلك يحلف، فهذا أيضًا مما يُقْبَل فيه الرجل وامرأتان؛ المال وما يقصد به، وإنما كان كذلك أي: تيسيرًا على الأمة؛ لأن المال كما تعرفون المعاملات المالية أكثر من غيرها؛ ولذلك رَخَّص بالشهادة فيها؛ لأجل أن يتوسع إثبات الحق أو يقال: توسع طرق إثبات الحق؛ فجعل طرق إثبات المال وما يقصد به المال ثلاثة؛ وهي رجلان، رجل وامرأتان، رجل ويمين المدعي.
هل يجوز أربع نساء بدل عن رجل وامرأتين؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يجوز، وجوَّزه بعض أهل العلم فيما إذا لم يوجد إلا نساء، فجوَّزه بعض العلماء، وهذا كثيرًا ما يقع في العائلات، يجيء مثلًا أخ في البيت عند أخيه ويبيع عليه شيئًا، أو يشتري منه شيئًا، وليس في البيت إلا نساء، فيشهدن بما سمعن، فإذا قلنا بأن المرأة تقوم مقام الرجل عند عدمه، ويكون رجل وامرأتان، قلنا بقبول هذه الشهادة، وإذا قلنا بأنه لا يُقْبَل إلا رجل وامرأتان، فإننا لا نقول بقبول الشهادة، وهذا الأخير هو المشهور من المذهب، والمشهور من المذهب أنه لا يُقْبَل إلا رجل وامرأتان، أما النساء لو يجتمع أربع مئة امرأة ما تقبل، واختار شيخ الإسلام أن النساء إذا تعذَّر الرجال، فكل اثنتين عن رجل.
طيب، في المال وما يقصد به المال، المال وما يقصد به؟ المال مثل أيش؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3934
مثل بيع، شراء، إقراض بالمال، إتلاف مال، وما أشبه ذلك، ما يقصد به المال؛ مثل الشفعة، الخيار.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الإجارة ( ... ) الرهن مال.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذه مال مثلًا، نقول: الخيار في البيع هو مال ولَّا لا؟ يعني: شهد شاهد بأن هذا الرجل اشترى هذا البيت، واشترط الخيار لنفسه شهرًا، هذا مال ولَّا لا؟ الخيار ما هو بمال، الخيار هو النظر في خير الأمرين، واختيار أحدهما، لكنه يقصد به المال في الحقيقة؛ لأنه من المصالح المتعلقة بهذا المال.
الشفعة يعني أن الشريك شفع، وأتى بشاهد ويمين يقبل؛ لأنه مما يُقْصَد به المال، وكذلك الرهن وغيره.
خامسًا: امرأة واحدة بما لا يَطَّلِع عليه الرجال غالبًا؛ يعني: امرأة واحدة للذي لا يَطَّلِعُ عليه الرجال غالبًا؛ مثل الولادة، استهلال الصبي كذلك أيضًا من الجنايات وغيرها، في عرف ما يحضره إلا النساء، فكل شيء لا يحضره إلا النساء غالبًا، يكتفى فيه بامرأة، لو شهد رجل بدل المرأة؟
طالب: يُقْبَل.
الشيخ: إي نعم، يُقْبَل من باب أولى؛ لو شَهِدَ به رجل لقُبِلَ مِنْ باب أولى؛ لأنه أقوى من المرأة.
الرضاع.
طالب: امرأة واحدة.
الشيخ: امرأة واحدة؟ إي نعم امرأة واحدة؛ لأن الرضاع في الغالب لا يطلع عليه إلا النساء، وهنا لا بد من مراعاة الموانع والشروط السابقة، لو قُدِّرَ أن رجلًا خطب امرأة فشهدت أم زوجته بأنها أرضعته، أرضعت المخطوبة تُقْبَل ولَّا ما تقبل؟
طالب: ما تقبل.
الشيخ: ليش؟
طالب: تهمة.
الشيخ: ويش التهمة؟
لأجل ألَّا يتزوج على بنتها، وهذه المسألة أيضًا يجب أن يلاحظ فيها حالة المرأة الشاهدة؛ هل هي امرأة ثقة عدل، ولا يمكن أن تكذب، أو أنها امرأة خفيفة الدين فتشهد لأجل أن تسلم ابنتها من الضرة، على حسب ما يراه الحاكم.
الشرط الثاني: أقسام العدد التي تعتبر في الشهادة خمسة ما لا بد فيه من أربعة شهود وثلاثة واثنان ورجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي.
الجزء: 2 - الصفحة: 3935
طالب: أو امرأة واحدة.
الشيخ: أو امرأة واحدة والله أعلم.
طالب: ( ... ) ذكر القول ( ... ).
الشيخ: الظاهر أن الراجح اختيار شيخ الإسلام؛ لأن هذا ضرورة يضيع الحق، مشكل، وهذه النساء إذا كن عشرًا وموصوفات بالعدل، فما المانع، كم؟
طالب: عشر.
الشيخ: عشر.
طالب: ( ... ) الأخيرة ( ... ) موانع الشهادة، لاحظنا أن التهمة بالنسبة للرضاع ( ... ).
الشيخ: لا، عندنا مانع؛ التهمة موجودة، كونها تشهد بأنها أرضعت هذه المخطوبة وابنتها مع الخاطب، موجودة التهمة الآن.
طالب: إذا ما علم الخاطب.
الشيخ: إذا ما علم ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: يتحمل هذا الشخص في أمر من الأمور، مثلًا أنا عندي شهادة على فلان أو لفلان، أبغي أحملك الشهادة عني، تُسَمَّى شهادتك أنت شهادة على شهادتي وهذه جائزة، لكن بشروط، الشرط الأول يقولون: أن تتعذر شهادة الأصل، الأصل أنه ما يمكن يشهد إما لكونه غائبًا أو ميتًا أو مريضًا، ما يمكن انتظاره وما أشبه ذلك لماذا؟ لأنه إذا تعذَّر الأصل فإننا لا ( ... ) إلى الفرع.
الشرط الثاني: أن تكون في حقوق الآدميين خاصة دون حقوق الله كالحدود، وهذه المسألة فيها خلاف؛ فالذين قالوا: لا بد من ثبوت حقوق الآدميين، دون حقوق الله قالوا: لأن حقوق الله مبنية على الستر، وعلى كل ما قل تنفيذه فهو أولى، والشهادة على الشهادة توجب تنفيذ ذلك، وهذه المسألة فيها خلاف، والصحيح أنه
يجوز
الجزء: 2 - الصفحة: 3936
الشرط الثالث: أن يسترعيه الأصل في الشهادة؛ قالوا: معنى الاسترعاء أن يقول: أرعني سمعك؛ يعني: استمع لما أحملك بحيث يقول: اشهد على شهادتي على فلان أو لفلان بكذا، فإن سمعه يشهد بها فقط بدون استرعاء، فإنه لا يجوز أن يشهد مثلًا أنا وأنت في مكان سمعتني أقول: أنا أشهد بأن لفلان على فلان كذا درهم أو أشهد أن فلانًا باع على فلان بيته أو سيارته، ولكني ما حملتك، لا يجوز لك أن تشهد على شهادتي هذه؛ لأنني ما حملتك، ويجوز أني أنا أتحدث عن أمر ( ... ) مثلًا إلا أن العلماء يقولون: إذا سمعه يعزو هذا الشيء أي شاهد الأصل إلى سبب، فله أن يشهد به أو سمعه يشهد بها عند القاضي فله أن يشهد بها؛ مثلًا سمعت أني أقول: أشهد أن لفلان على فلان عشرة آلاف؛ قيمة سيارة اشتراها منه، فلك أن تشهد على شهادتي، أو سمعتني مثلًا أشهد بهذه الشهادة عند القاضي، فلك أن تشهد؛ وذلك لأن الاحتمال وارد أن يكون هذا الرجل تحدث بها حديثًا عابرًا بدون أن يكون مصممًا على أداء الشهادة، هذه الشهادة على الشهادة، فصار الشهادة على الشهادة معناه تحميل شاهد غيره شهادته، وهي لا يجوز الحكم بها إلا بالشروط التي سمعتم.
طالب: كيفية أداء هذه الشهادة.
الشيخ: أن يقول مثلًا: أشهد على فلان أنه شهد بكذا وكذا أو يقول: أشهد على فلان بأن في ذمته لفلان كذا، حملني من هذه الشهادة فلان ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3937
الإقرار اعتراف الإنسان بما عليه من حقوق مالية أو بدنية، هذا هو الإقرار، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: 81] يعني: اعترفنا بهذا الشيء، فالإقرار في اللغة الاعتراف، وهو في الشرع اعتراف الإنسان بما عليه، وبهذا تتم الأحوال الثلاثة في مسألة الإقرار، إذا أخبر الإنسان بحق عليه فهو إقرار، وإن أخبر بحق لغيره على غيره، فهي شهادة، وإن أخبر بحق له على غيره فهي دعوى، فالإنسان إما أن يكون ماله على غيره أو ما عليه لغيره.
أو ما لغيره على غيره فهي إما شهادة أو إقرار أو دعوى وقد سبقت الدعوى وسبقت الشهادة، الإقرار يمكن أن نلحقه بالشهادة؛ لأنه في الحقيقة شهادة على مشهود؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135] فجعل الله الإقرار شهادة، وشروطه أن يكون المقر مكلفًا يعني: بالغًا عاقلًا، وضد ذلك الصغير والمجنون؛ أما المجنون فإنه لا يُقْبَل إقراره؛ لأن جميع أقواله وأفعاله غير معتبرة؛ لكونه قد رفع عنه القلم، ولكونه غير ذي قصد، فلا يُقْبَل إقرارُه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3938
وأما الصغير فلأنه ليس أهلًا للتحمل، والإقرار تحمل واعتراف فهو ليس أهلًا للتحمل، ولأنه أيضًا قد يُخْدَع فيقر بما ليس عليه خديعة، قد يقول له إنسان مثلًا: أنا بعطيك هذا الشيء الذي ( ... )، ولكن تقر بأنك فعلت كذا وكذا فيفعل فيخدع إلا أنه يستثنى من الصغر قال: لكن يصح إقرار الصبي بما أذن له فيه من تصرف، وقد سبق في كتاب البيع أنه يجوز الإذن للصبي بالتصرف في الأمور اليسيرة؛ مثل البيض والدجاج والحلوى وما أشبهه؛ فإذا أقر الصبي بما أذن له في التصرف فيه صار إقراره صحيحًا لماذا؟
لأننا لو لم نقبل إقراره بذلك لم يكن للإذن له بالتصرف كبير فائدة؛ إذ إن المقصود بالتصرف أن يكون مقبولًا بما أقر به، حتى يكون تصرفه معتبرًا، هذا الشرط يستثنى منه مسألة واحدة؛ وهي إقرار الصبي بما أذن له بالتصرف فيه، فإنه يقبل.
إقراره بغير ذلك؛ يمكن أنا أعطيته مئة درهم ليتصرف بها فأقر بما يستلزم وجوب مئتي درهم، فالإقرار هنا لا يصح؛ لأنه إنما أذن له بالتصرف في مئة درهم فقط.
الشرط الثاني: أن يكون جائز التصرف فيما أقر به؛ فلو أقر الإنسان بأمر لا يجوز له التصرف به لم يصح؛ مثل أن يقر المحجور عليه بشيء يتعلق بأعيان المالك، وأظن مر علينا الحجر إذا كانت الديون أكثر من مال الشخص؛ فإنه يحجر عليه بطلب الغرماء أو بعضهم، فإذا حجرنا عليه وأقر على أعيان ماله المحجور عليه فيها، فإن إقراره لا يقبل، لكن لو أقر بشيء في ذمته فإن إقراره يقبل، والفرق لأنه غير جائز التصرف في أعيان المالك؛ فلا يقبل إقراره عليها.
الجزء: 2 - الصفحة: 3939
المحجور عليه لفَلَس جائز التصرف في ذمته، لكن في أعيان ماله غير جائز التصرف؛ فإذا أقر لشخص بشيء يتعلق بأعيان ماله، فإن الإقرار غير صحيح؛ مثاله حجرنا على هذا الشخص؛ ومن بين أمواله سيارات أقر في يوم من الأيام بأن السيارة الفلانية لفلان، فإقراره هنا لا يُقْبَل على هذه السيارة؛ لماذا؟ لأنه قد حجر عليه فيها فهو غير جائز التصرف فيها، فلا يكون جائز الإقرار عليها، ولكنه يؤاخذ ببدلها بعد فك الحجر عنه لمن أقر له بها إذا طالبه؛ فعلى هذا نقول: المحجور عليه بفلس لا يُقبل إقرارُه على أعيان ماله؛ لماذا؟ علل.
لأنه غير جائز التصرف فيها، تعلق بها حق غيره، فذلك إنسان أقر بأنه باع بيته المرهون على فلان، ما حكم هذا الإقرار؟ هذا الإقرار غير جائز، ولا مقبول، والسبب لأنه لا يجوز أن يتصرف بهذا المرهون بالبيع؛ فإذن القاعدة اللي هو الشرط هذا أن يكون المقر جائز التصرف فيما أقر به.
طيب، مريض مرض الموت المخوف أقر بجميع ماله لشخص يقبل ولَّا ما يقبل؟
طلبة: لا يقبل.
الشيخ: لماذا؟ لأنه غير جائز التصرف في جميع المال، إنما هو من الثلث فأقل، وهذه المسألة فيها خلاف؛ يمكن يأخذ من المال وإلا ففيها خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إنه في هذه الحال يكون مقبول الإقرار؛ لأنه يصعب جدًّا وهو مريض أن يُقِرَّ بشيء يحكم به الورثة، وهو غير صحيح، وسيأتي في الشرط الرابع أظن.
الجزء: 2 - الصفحة: 3940
الشرط الثالث: أن يكون مختارًا فإن كان مكرهًا لم يصحَّ إقراره؛ لأن جميع التصرفات لا بد فيها من الرضا، ويمكن أن نستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] اشترط الله في التجارة أن تكون عن تراض، والإقرار كالتجارة؛ لأنه نوع من التصرف، فلا يقبل إقرار المكره، لكن لو أُكْرِه أن يقر بشيء فأقر بغيره، هل يعتبر أو لا يعتبر؟ مثلًا أكرهه شخص على أن يقر بأن هذه السيارة له فأقر بأن السيارة الأخرى له يعتبر ولَّا لا؟ يعتبر؛ لأنه أُكْرِه على شيء فأقر على غيره، فإذا قال -هذا الذي أكره-: أنا أقررت بالسيارة الأخرى؛ لأن السيارة التي أكرهني على الإقرار بها أغلى عندي فقلت: أدفع إكراهه بالإقرار بهذه السيارة، وأسلم على سيارتي الثانية، قلنا له: لا يُقْبَل هذا منك؛ لأنك لو أقررت وأنت مكره على السيارة التي أكرهك عليها لم يكن هذا الإقرار صحيحًا ولا مقبولًا، إذا ادعى الإكراه الآن الإقرار ثبت، وادعى أنه مُكْرَه، فهل يُقْبَل منه ذلك أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يُقْبَل؛ لأن الأصل عدم الإكراه إلا إذا وجدت قرائن قوية تدل على هذا؛ مثال ذلك الآن: كثير من الجناة الذين يقرون بجنايتهم من سرقة أو إفساد يقولون: إن الشُّرَط أكرهونا على ذلك، وأننا غير ( ... ) بهذا الإقرار، فهل نقبل منهم هذا أو لا؟
نقول: ما نقبل؛ لأن الأصل عدم الإكراه إلا إذا وجد قرينة قوية تدل على ما قالوا، أحيانًا يُقِرُّون عند القاضي في ( ... ) ثم يَدَّعُون أنهم مهددون، إذا لم يعترفوا فهل نقبل منهم أو لا؟
طالب: لا نقبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 3941
الشيخ: لا نقبل؛ لأنهم بإمكانهم عند القاضي أن يقولوا: لا، لم نعمل هذا العمل، وحينئذ يبرر القاضي إخلاء سبيلهم، فالمهم أنه لا بد أن يكون مختارًا وإذا ادعى الإكراه قلنا له: الأصل عدم الإكراه وصحة الإقرار فلا نقبل منك هذا إلا إذا وجدت قرينة قوية أو بَيِّنَة معروفة، لكن إذا وجد قرائن قوية تدل على مثل أن نرى فيه أثر ضرب أو خدش أو ما أشبه ذلك فهذا قد نقبل قوله، ونقول: أعد الإقرار منك الآن، ونحمله على ذمتك، وأما مع عدم وجود القرينة فالأصل أن الإقرار صحيح وأنه باختياره.
الشرط الرابع إمكان صدقه؛ إمكان صدق المقر، فإن لم يمكن فإنه لا يُقْبَل؛ لأن كل شيء يكذبه الحس والواقع، فهو غير معتبر، ويش مثال عدم إمكان الصدق؟ مثل أن يُقِرَّ بشيء لمدة عشر سنوات وهو معروف أنه هذه المدة ليس موجودًا في المكان الذي أَقَرَّ فيه، فهنا لا يقبل إقراره، أو أقرَّ بشيء منذ ثلاثين سنة، وعمره هو عشرون سنة، فهذا أيضًا لا يقبل، وذلك لأنه غير ممكن.
ومن هذه المسألة إذا أقرَّ الشخص بوارث لا يمكن أن يكون مثل أن يقول: هذا الرجل أخٌ لنا، مات ميت مثلًا عن أبناء، وادعى أحد الأبناء أن هذا أخ لهم، وكان عمر هذا المقر به خمسين سنة، وعمر الميت خمسٌ وخمسين سنة يُقْبَل ولَّا لا؟
طلبة: لا يُقْبَل.
الشيخ: ما يقبل؛ لأنه يكون معناه أن وُلِدَ له وله خمس سنوات، وهذا مستحيل، إذن لا بد أن يكون الإقرار مما يمكن صدقه، أما إذا كان لا يمكن فهو غير مقبول؛ فالشروط إذن أربعة:
أن يكون المقر مكلفًا.
وأن يكون جائز التصرف فيما أقر به.
والثالث أن يكون مختارًا.
والرابع إمكان صدقه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3942
والإقرار في المرض كالصحة إلا في مالٍ لوارث حال الإقرار فلا يُقبل بدون موافقة الورثة؛ الإقرار في المرض كالصحة؛ فلو أقر الإنسان مثلًا أنه طلق زوجته وهو مريض، فإن الإقرار معتبر، ولو أقرَّ أنه باع شيئًا من ماله وهو مريض فإنه يُقبل، ولو أقر بأن لفلان عليه كذا وكذا فهو صحيح كالإقرار بالمرض، ولو أقر بأنه وَهَبَ الشيء من ماله فهو صحيح إلا في مسألة واحدة إذا أقرَّ في المال لوارث حال الإقرار، فإنه لا يُقبل إلا بإجازة الورثة.
إذا أقر بمال لوارث حال الإقرار فإنه لا يقبل إلا بإجازة الورثة؛ وقولنا: (حال الإقرار) يعني أن المعتبر حال الإقرار دون حال الموت؛ فإذا أقر لشخصٍ أخٌ له شقيق بمال وهو في ذلك الوقت يرثه، ثم وُلِد للمقر ابن ففي هذه الحال الأخ لا يرث لماذا؟ لوجود الابن، ومع ذلك لا يصح إقراره له؛ لأنه حال الإقرار متهم.
والعكس بالعكس لو كان له ابن فأقر لأخيه بمال، ثم مات الابن قبل المقرِّ صار الأخ الآن وارثًا، والإقرار له مقبول ولَّا لا؟ مقبول؛ لأنه غير مُتَّهَم.
وأظنكم تذكرون في الوصية أن الأمر فيها بالعكس، ويش المعتبر في هذه الوصية؟ المعتبر كونه وارثًا حال الموت، لا حال الإقرار؛ فإذا أوصى لأخيه بمال، وكان لا يرثه غيره حين الوصية ثم ولد ( ... ) فإن الوصية لأخيه تصحُّ؛ لأنه حال الموت ليس وارثًا، ولو أوصى لأخيه وهو غير وارث، ثم صار عند الموت وارثًا؛ فإن الوصية لا تصح.
والفرق بينهما أن الوصية إنما يثبت حكمها عند الموت، ولو خالفت حكمه حال الإقرار فيعتبر كل شيء في موضعه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو المقصود بالمرض المخوف، أما المرض غير المخوف فهو في حكم الصحيح؛ ولهذا الإقرار في مرض كالصحة إلا ( ... ).
الإقرار في المرض؛ يعني مرض الموت المخوف، وأما المرض الذي ليس مخوفًا، أو ليس مرض الموت بحيث شُفِيَ منه فهو كالصحة.
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
الجزء: 2 - الصفحة: 3943
قال: (وإذا أقرَّ بِمُجْمَلٍ صحَّ، وقُبِل تفسيرُه، فإن فَسَّره بما يصحُّ الإقرارُ به قُبِلَ وإلَّا فلا) أُقِرَّ بِمُجْمَل؛ المُجْمَل ضد المبين، إذا أقرَّ بمجمل فإنه يطلب تفسيره منه، إن فَسَّره بما يصح الإقرار به قُبِلَ، وإلَّا فلا مثال ذلك؛ قال: عندي لفلان حقٌّ قلنا له الآن: ثَبَت لفلانٍ عليك حقٌّ، فَفَسِّرْه، قال: الحق له علي؛ إنه إذا عطس، فحَمِدَ الله شمته يُقْبَل ولَّا لا؟
طالب: لا يُقْبَل.
الشيخ: لا يقبل؛ لأن هذا في الحقيقة ما يحتاج إلى إقرار، هذا ثابتٌ شرعًا؛ إذا قال: الحق الذي له عليَّ حقُّ شفعة؛ لأنني اشتريت نصيبَ شريكه منه يُقْبَل ولَّا لا؟ يُقْبَل؛ لأن هذا حقٌّ ماليٌّ.
إذا قال: عندي لفلان مال، هذا مجمل، ما نوع المال؟ ما قدر المال؟ فقال: عندي له قصاصة ورقة، أو كما قال الفقهاء: قشر جوز، أو قشر فصفص، يُقبَل ولَّا لا؟
ما يُقْبَل؛ لأن هذا عرفًا، وإن كان لو تجمع صار مالًا، لكن عرفًا، هذا لا يسمى مالًا ولا يحتاج إلى الإقرار به، فلذلك لا يُقْبَل منه؛ يقبل إذا فَسَّرَه بشيء يصح الإقرار به، فأما إذا فَسَّره بما لا يصح أو بما لم تجر العادة بالاعتراف به من كونه لا يصح ولا عادة فإنه لا يصح.
(إذا وصل بإقراره ما يُغَيِّرُه مِنْ صفة أو استثناء قُبِلَ، وإن وَصَل به ما يرفعه لم يُقْبَل).
طالب: ( ... ) صح؟
الشيخ: يعني: صحَّ أنه يلزم به، يلزم ( ... ) وإذا قلنا: لا يصح معناه لا يلزمه شيء.
طالب: ( ... ) خلاص، ينتهي الأمر.
الشيخ: خلاص، ينتهي الأمر، يعني: قصدك معنى ينتهي الأمر بمعنى: تنتهي المطالبة؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لا بأس إذا فسرت لم يُقبَل منه معناه يلزم بأن يفسره بشيء يِصِحُّ الإقرار به، ما هو معنى أنه يخلى سبيله.
طالب: إن امتنع.
الشيخ: إن امتنع، وطالب ( ... ) بإدانته وحبسه يحبس حتى يقر.
طالب: إن مات ولم يقر.
الجزء: 2 - الصفحة: 3944
الشيخ: إن مات ولم يقر ( ... )، ما يصح إطلاق هذا الإقرار عليه؛ يعني: مثلًا إذا كان بمال يؤخذ منه أقل ما يسمى مالًا.
قال: (وإذا وصل بإقراره ما يُغَيِّرُه من صفة أو استثناء قُبِلَ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: ثم فسره لو أن هذا الرجل المقر له (إذا وصل بإقراره ما يُغَيِّره من صفة) مثل أن يقول: عندي له بُر، فوصله بقوله: بُر طيب، وجب عليه بُر طيب، إذا قال: بُر رديء، لا يلزمه إلا بر رديء.
أقر له بسيارة من نوع كذا ووصفها سيارة ( ... ) مثلًا يلزمه هذا الوصف الذي أَقَرَّ به، ولكنه كما مر علينا فيما سبق لا بد أن يكون متصلًا؛ ولهذا قلنا: (إذا وَصل) فأما لو سكت سكوتًا يمكنه الكلام، ثم وصفه بصفة فإن هذا لا يُقْبَل منه بعد ما قال: عندي له بُر، سكت ثم قال: رديء، يُقبل ولَّا لا؟ ما يقبل؛ لأنه لم يتصل.
أما لو قال: عندي له بُرٌّ، وأخذه سعال أو عطاس، ثم قال بعد انتهاء ذلك: رديء، فإنه يُقبل منه.
طالب: ما يفرق بين الصفتين؟
الشيخ: أيهما؟
طالب: صفة الجودة وصفته إن كان رديئًا.
الشيخ: لا، ما يفرق، لكن هو إذا أراد أن يعطي جيدًا ما يمنع؛ لأنه من حيث الحكم لا فرق.
طالب: لو شك أن فلانًا ( ... ) ما يقبل منه.
الشيخ: لا، هو ما يُقبل؛ بمعنى: ما يلزم به، لكن لو أراد أن يبذله لصاحبه مقابله ما يمنع، قال: جزاك الله خيرًا؛ لأنه ما يلزم به، يعني: ما يلزمه، لو أن المقر له فيما بعد طالبه بالجيد ما يلزمه.
كذلك لو وَصَلَهُ باستثناء، فإنه يُقْبَل منه مثل لو قال: عندي لكم مئة درهم إلا عشرة يُقْبَل ولَّا لا؟ لكن لا بد أن يكون متصلًا، فإن لم يكن متصلًا فإنه لا يصح.
وهل يُشْتَرَط في الاستثناء من العدد أن يكون من النصف فأقل، أو يجوز الاستثناء من الأكثر؟
في هذا قولان لأهل العلم؛ منهم من قال: إنه يصح استثناء الأكثر، ومنهم من يقول: إنه لا يصح، وهو المشهور من المذهب.
الجزء: 2 - الصفحة: 3945
فإذا قال: له علي عشرة إلا سبعة، يلزمه على المذهب عشرة، وعلى القول الثاني يلزمه ثلاثة؛ لأنه قال: عشرة إلا سبعة.
حجة القائلين بذلك لأنهم يقولون: إن الاستثناء إقرار، ولا ينبغي أن يُفْرَض الأكثر من الأقل، ثم إنه من الناحية اللغوية لم تجر عادة العرب بأن يقولوا: عشرة إلا سبعة، وإنما يستثنون الأقل، أما القائلون بالجواز فيقولون: إن هذا الاستثناء لا فرق فيه بين القليل والكثير من حيث الدلالة؛ فإن عشرة إلا سبعة كعشرة إلا ثلاثة من حيث الدلالة، وما دام دالًّا فإنه لا يشترط في المتكلم أن يكون فصيحًا يَعرِف ما ينطق به العرب، وهذا القول أحوط.
هذا إذا كان الاستثناء من عَدَدٍ، أما إذا كان الاستثناء من صفة فإنه لا بأس به، ولو كان المستثنى أكثر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]، ومن اتبع الشيطان من الغاوين أكثر ممن ليس له عليهم سلطان، فإذا كان الاستثناء في صفةٍ فهذا يشمل الأكثر، بل ويشمل الكل؛ لو قلت مثلًا: أكرِمُ مَنْ في هذا البيت إِلَّا مَنْ ليس طالبًا، فجئتُ إلى هذا البيت وجدتُ كلَّهُم غير طلبة، أُكْرِمُ منهم أحدًا أو لا؟
لا، فهذا الاستثناء الآن رفع الحكم عن الكل؛ لأنه استثناء من صفة ( ... )، إنما هو في استثناء العدد.
وإن وَصَل به ما يرفعه فإنه لا يُقْبَل، قال: عندي له عشرة دراهم ثمن الخمر، كلمة ثمن الخمر توجب أن يرتفع قوله: له علي عشرة دراهم لماذا؟
لأن الخمر ليس له ثمن فكونه يقول: ثمن الخمر، معناه كأنه يقول: ليس عنده لي شيءٌ، وهذا يرفعه.
الجزء: 2 - الصفحة: 3946
كذلك لو قال: عندي له عشرة دراهم لا تلزمني، كلمة: (لا تلزمني) معناه: ترفعه، لا يقبل، يقال: بل، هي عشرة دراهم تلزمه، وفي المثال الأول إذا قال: عشرة دراهم ثمن الخمر، يقول: عشرة دراهم، ليست ثمن الخمر يلزمك، الآن تسلم عشرة دراهم؛ لأن وصلك إياها بما يرفعه لا يقبل؛ إذ إن الأصل في الإقرار أن يكون مقبولًا ثابتًا، فإذا وَصَلْتَ به ما يرفعه فأنت أبطلتَهُ بعد ثبوته إلا في مسألة واحدة.
طالب: وإن كان المُقَرُّ له مثلًا بائع خمر في عهده السابق؟
الشيخ: إي نعم، ولو كان يبيع خمرًا في عهده السابق؛ لأن الشرع لا يعتبر ثمن الخمر شيئًا، فهو ( ... ) إقرار قطع بهذا الوصف ..
طالب: لو كان مثلًا المقر نفسه.
الشيخ: نعم، لو فرض أنهما كانا من كافرين يهوديين أو نصرانيين؛ قال: هذا ثمن خمر، فحينئذ نقبل منه؛ لأن هذا لا يرفعه؛ إذ إن بيع الخمر لهما كان جائزًا.
طالب: ( ... ) لو أتى الإقرار بما يُغَيِّرُه.
الشيخ: من صفة أو استثناء؟
طالب: وإذا انقطع.
الشيخ: إذا انقطع فإنه يُعْتَبر كلامًا منفصلًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم؛ لأن الكلام لا بد أن يتصل بعضه ببعض، الكلام إذا انقطع فإنه يُعتبر هذا شيئًا وهذا شيئًا آخرَ، فإذا لم يكن متصلًا بعضه ببعض صار كلامَيْنِ، لكنه في الحقيقة إذا انقطع لسعال أو عطاس أو شيء لا يطيقه أو شيء مفاجيء؛ خرج، مثلًا ( ... ) مفاجيء، ثم استثنى، فهذا ضرورة؛ لأنه ( ... ) لماذا لم تصل هذا الكلام؟ كونُك تسكت معناه أنك تتروى.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما نقبل ( ... )؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على ( ... )، وهذا معنى أن الإنسان قد يكون، لكن نقول له: هذا بالنسبة لحق الآدمي ما هو مقبولًا، أما الشيء الذي يُعْلَم أنه أمر طارئ فنحن نقبله منه، وإلا لأمكن كل إنسان يُقِرُّ به حتى ( ... ) ثم يقول: ثم يصلح في وقت يجب تغيره.
طالب: حسب السؤال الأول ( ... ) بُرًّا، ثم سكت، ثم قال ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3947
الشيخ: السبب يقولون: لأن الكلام في الاستثناء لا بد أن يكون متصلًا ( ... )؛ لأنه يكون تكرارًا يُقَدِّم بعضه بعضًا مثل أن يقول: عندي له مئة درهم ثمن الخمر، أو عندي له مئة درهم لا تلزمني، أو ما أشبه ذلك مما يقتضي عدم وجوب هذا المال الذي أقرَّ به إلا في مسألة واحدة، إلا في قولي: كان له علي كذا فقضيته، فيُقبل بيمينه.
إذا قال: كان له علي مئة درهم فقضيتها، فإنه يقبل بيمينه؛ لماذا؟
لأن قوله: (فقضيته) لا يرفع قوله: كان له عليَّ، ويش معنى: إني أرفعه؟ يعني ( ... ) لكن يقوم به دعوى للفرض ( ... )؛ لأنه لا قضاء إلا بعد وجوب، كان له علي مئة درهم فقضيتها، يقولون: إنه يقبل منه، لماذا؟ قالوا: لأن قوله: فقضيته، لا ينافي قوله: كان له عليَّ، لكن قوله: كان له عليَّ ألف لا تلزمني، يناقض ولّا ما هو يناقض؟
طلبة: يناقض.
الشيخ: كان عليَّ لا تلزمني، هذا تناقض، لكن عليَّ فقضيته، ليس هناك تناقض، وعلى هذا فيُقْبَل بيمينه، يحلف على القضاء، لماذا يقبل قوله هنا في قوله: فقضيته؟ قالوا: لأن هذا المال لم يجب إلا بإقراره، فيؤخذ على حسب إقراره، هو ما أقر بهذه المئة إلا على وجه أنها مقضية، فلا يلزمه غيرُ ما أقرَّ به وكلامه هنا لا يناقض بعضُه بعضًا، ولكننا نحلِّفُه احتياطًا أنه قضى، فهمتم يا جماعة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3948
وقال بعض الأصحاب -أصحاب الإمام أحمد-: إنه لا يُقْبَل إلا ببينة؛ لأن قوله: كان له علي مئة درهم فقضيته، يتضمن إقرارًا ودعوى، ما هو الإقرار؟ فلان له علي مئة درهم، والدعوى فقضيتها فيكون مقرًّا ومدعيًا للقضاء، ومن ادعى فعليه البينة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (1)؛ وعلى هذا فلا يُقبل دعواه للقضاء إلا ببينة، وحجة المذهب كما أشرنا إليه قبل قليل أنه إنما أقرَّ على هذا الوجه، وهو إقرار لا يتناقض، فلا يلزمه سوى ما أقرَّ به، وفي الحقيقة أن القاضي عندما ينظر للخصمان بين يديه يمكنه أن يعرف هل الصواب اتباع ما قاله أصحاب المذهب، أو القول الثاني؟
قد يكون الذي أقرَّ وادعى القضاء إنسانٌ ثقة، والمقابل له بالعكس، فحينئذ يترجح قول المذهب بلا شك، وقد يكون الأمر بالعكس، ويكون المدعي الذي أقر له يكون إنسانًا ثقة، ويقول أبدًا ما قضيت، ويكون الذي أقر وادعى القضاء إنسانًا ليس بثقة، وحينئذ يتوجه القول بالقول الثاني.
الحاصل أن هذه المسائل؛ يعني الخلاف في هذه الأمور تعطي القاضي اتساعًا في مجال القضاء؛ لأنه لا يخرج عن الحق ( ... )، ولو أنه لوحظ هذا الخلاف، وقيل: إن كل قول يتنزل على حال لكان له وجه، لو قيل: إن القول بأنه يكون مدعيًا للقضاء مقرًّا بالدين فلا يُقْبَل إلا ببينة في حال كون المقر أيش؟ ليس بثقة، والقول بأنه يقبل منه دعوى القضاء إذا كان ثقة، وجمع الإنسان بين القولين على هذا الوجه لم يكن بعيدًا.
يقول: إلا أن تكون بينة أو يعترض بسبب الحق إذا كان بينة، بينة بأيش؟ بما أقرَّ به؛ قال: له عليَّ من الدرهم، وقد ثبت ذلك ببينة ( ... ) القضاء فإنه لا يُقبل منه دعوى القضاء حتى يأتي ببينة؛ لأن الحق دونما ثبت بمجرد إقراره، بل ثبت ببينة، وما ثبت ببينة لا يُرفع إلا بها، وهذا واضح كذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 3949
إذا اعترف بسبب الحق، ومعنى اعترف بسبب الحق؛ يعني قال: له علي مئة درهم ثمن كذا وكذا، أو أجرة بيت سكنته، أو ما أشبه ذلك فهنا أيضًا لا تُقْبَل منه دعوى القضاء إلا ببينة؛ لأن الحق هنا ثَبَتَ ليس بمجرد إقراره، بل ثبت مضافًا إلى سببه، وعليه فلا يُقْبَل إلا ببينة، وهذا أيضًا واضح، فقال الذي يقول: له عَلَيَّ فقضيته، لو ثبت عليَّ، إما أن يكون بينة أو يعترف بسبب الحق أو لا بينة، ولا اعتراف بسبب الحق، ففي الحالين الأوليين لا تُقْبَل دعوى القضاء منه إلا ببينة، وفي الحالة الثالثة فيها خلاف بين الفقهاء، والمشهور من المذهب أنه يُقْبَل.
طالب: إذا ادعى المقر بالحق.
الشيخ: يعني له.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم؛ لأنه لما أضافه إلى سبب معلوم وهو مقر به، والأصل أن السبب هذا هو الذي أوجب الحق.
طالب: لكن ثبوت السبب من إقراره.
الشيخ: إي، ثبوت السبب في إقراره، لكن ثبوت السبب يوجب وجوب هذا الشيء عليه.
طالب: لكن من أين عَلِمْنا أن ( ... )؟
الشيخ: ( ... ) إقراره وهو معروف لأجل مقابله أيضًا، فالحق الآن السبب قائم، وعوض هذا السبب غير معلوم، ( ... ) ولذلك نقول: لا بد أن يكون ببينة؛ لأن السبب سبب الوجوب قائم، وليس هو مجرد الاعتراف، ففرق بين أن يقول الإنسان: عندي له مئة درهم، قد يكون ( ... )، وقد يكون لأي سبب من الأسباب، أما هنا فقد اعترف بسبب الحق، وأن عوضه لم يُقْضَ بعدُ، فإذا ادعى قضاء العوض قلنا: لا، هذا السبب الذي ( ... ) به، ولم تنكره إلى الآن، الأصل بقاء عوضه، ثم يجب عليك أن تُثْبِت قضاءه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: البينة واضحة، إذا صار بينة ما في إشكال.
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3950
الشيخ: إذا ثبت ببينة مئة درهم، وادعى قضاءها فواضح، واضح أنه ما يقبل؛ لأن الحق ثبت ببينة، لكن إذا كان ليس هناك بينة إلا أن الرجل قال: له عليَّ ألف ( ... )، والمبيع معروف أو أجرة بيت استأجره، ومعروف أنه استأجر هذا البيت فإنه هذا السبب الذي أوجب الحق أمر معلوم يُقِرُّ به فلا يمكن أن يرتفع عوضه إلا ببينة تشهد به، هذا وجه الفرق، أما مجرد (له علي من الدرهم) فما نعرف السبب، فهذا وُجِدَ الإقرار بوجود الحق غير معزوٍّ إلى سَبِبٍ مِنْ قِبَلِه، فدعوى القضاء تُقْبَل؛ لأنه ما ( ... ) إلا على هذا الوجه.
وبعض العلماء خَتَم الفقه بالإقرار، وبعضهم ختم الفقه بالعتق، ولكلٍّ وجهة، الذين ختموا بكتاب الإقرار تفاؤلٌ بأن يقروا بشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت، والذين ختموا بالعتق تفاؤلٌ بأن الله يعتقه من النار، والذين جعلوا العتق في آخر باب العبادات قالوا: لأن العتق من أفضل القربات؛ فلهذا جعلوه هناك بعد كتاب المواريث، وبعضهم أيضًا قدم العتق وجعله قبل ( ... )؛ لأنه من العبادات، والله أعلم.
طالب: نبذة يا شيخ عن الكتب.
الشيخ: الكتب.
طالب: أقول: نبذة عن الكتب ( ... ).
الشيخ: ( ... ) إنما أنا أرى من أحسن الكتب مؤلفات شيخ الإسلام ابن القيم هي من أحسن الكتب في الحقيقة تعطي الإنسان، تربِّيه تربية إيمانية وتربية لاستنباط الأحكام، والتحرج من الخلاف ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، إحنا الآن نتكلم معكم، أنتم ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) الحمد لله، إنه أعطاكم ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا ما هو بالواقع، الواقع ( ... ).
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3951
الشيخ: ( ... ) لا، والحمد لله يعني: أنا أرى أنه لا حمد على جانب كبير من الفقه، وأهم شيء أن القارئ يعرف مآخذ العلماء ومداركهم، وأنا عندي من الطوالب، الطالب هو هذا ما هو بالطالب اللي بيدرس يحفظ متنًا من المتون، أو يستحضر عبارات شرحٍ من الشروح، الطالب اللي يعرف كيف يستنبط الأحكام من الأدلة، وكيف يأخذ ويعطي من الفقهاء؛ ولذلك من أحسن ما يكون بالنسبة لكم أيضًا كتاب المغني، كتاب المغني جيد يعني: بحثه في الأدلة أحسن من المجموع للنووي؛ لأن المجموع للنووي رحمه الله يركز على المناقشة مع أصحابه فقط، ثم يأتي بعد ذلك بآراء العلماء ( ... )، لكن المغني يناقش، وإن كان فيه بعض الأشياء الضعيفة التي ينتحل لها، ولكن ما أحد معصوم ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) إنه هو رحمه الله ينتحل بعض الأشياء ( ... )، من أغنى ما قرأت في كتب الفقه هو هذا.
طالب: ما حكم القضاء على الغائب وما دليله؟
الشيخ: القضاء على الغائب؟
طالب: نعم.
الشيخ: القضاء على الغائب ما عليه دليل، نقول: القضاء على الغائب هل هو جائز ولَّا ما هو جائز، نقول: ليس بجائز القضاء على الغائب.
طالب: إطلاقًا.
الشيخ: إطلاقًا، وبعض العلماء يقول: يجوز إذا ثبت عليه الحق، وهو على حجته إذا قدم ولكن هذا لا دليل .. ، اللهم إلا إذا تغيب فإنه ما يمكن ( ... )، إذا تغيب هو نفسه ( ... ) عن الحكم عليه، هذا ما يمكن ( ... ) كالمعلقة، وأما غائب بمعنى أنه لو ندعوه بأدنى وقت جاء ولَّا وكل ما يجوز القضاء عليه، وقد ( ... ) القضاء على الغائب ( ... ) الرسول عليه الصلاة والسلام ( ... ).
طالب: لا يكون إلا في الغائب، إذا طالت الغيبة عن ..
الشيخ: لا، إذا كان ( ... ) التأخير ( ... ) من المدعي ( ... ).
طالب: فسخ النكاح إذا أراد الزوج.
الشيخ: إي نعم، ( ... ) النكاح إذا غاب ورُوسل، وليس له عذر ( ... ).
طالب: أحيانًا قد ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: والله، أنا رأيت بعض الإخوان ( ... ).
طالب: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3952
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: العلم ما هو محسوب على أحد، يمكن إذا أعطيت أحدًا، وهذا ( ... )، فالمهم هو تحري الصحة، هذا أهم شيء؛ لأن فيه ناس ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: والظاهر أن هذا ( ... ).
طالب: هل يجوز للقاضي أن يعرض الصلح على الخصوم قبل استئناف القضية، يعني: قبل أن يُسْأَل عن بينته؟
الشيخ: هو الآن عاد يسأل يقول: هل يجوز للقاضي أن يعرض الصلح على الخصمين قبل أن يعرف القضية؟
نقول: لا، ما يجوز يعرض الصلح إلا إذا أشهد أو هم مثلًا طلبوا ذلك؛ يعني: مثلًا لو حضروا عند القاضي، وقالوا للقاضي: أصلح بيننا فلا بأس، وأما إنه بيقول الحكم، ثم يعرض عليهم الصلح هو، ويقول: لا، أن بأصلح بينكم، هذا ما يجوز، فليحكم وليستعين الله سبحانه وتعالى، فإذا اشتبه عليه الحكم يعرض ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا معناه الظاهر أنه بيخشى على نفسه تورعًا ( ... ) في العلم ولا، لكن هذا ما يجوز أبدًا ( ... ) تحكم بينهم بالذي تراه من الحق.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يعني: مثلًا فيه واحد يقابلك، ويشتبه في الحجة عليك، لنفرض مثلًا أن واحدًا منهم عنده محل ثقة، والثاني ليس عنده محل ثقة، لكن جايب شهودًا، وهو ما عنده شك في الشهود، لكن ما فيه أحد جرحهم ( ... )، فهنا قد يكون عند الإنسان اشتباه في الموضوع، فإذا اشتبه عليه فلا بأس أن يعرض الصلح، وأما إذا لم يشتبه فالواجب أن يحكم.
طالب: الحالات -يا شيخ- التي يصرف القاضي فيها النظر عن القضية؟
الجزء: 2 - الصفحة: 3953
الشيخ: الحالات اللي يصرف إذا كان ما يمكن الحكم فيها شرعًا أو عدلًا؛ يعني: مثلًا شرعًا إذا حضر إليه خصمان يعلم قضيتهما يشهد بها هو، القاضي ما يحكم بعلمه فمثل هذا يصرفه ما هو يقول: اختصما إلى فلان، وأنا عندي الشهادة؛ لأن القاضي ما يمكن يحكم بعلمه إلا في مسائل معينة نادرة مثل حكمه بعلم عدالة الشاهدين، ما يحتاج إلى تكرار التزكية، وهو يعلم عدالتهم، ومثل حكمه بعلمه بما جرى في مجلس الحكم أحد الخصمين، أقر عنده في أول الجلسة، ثم في التالي أنكر فله أن يحكم بما أقر به أولًا الثالث في الأمور المشهورة ( ... )، مشهور لفلان فيحكم له به شرط الاستفاضة هذه معروفة.
طالب: حجة القضاء.
الشيخ: الحجة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، معلوم ( ... ).
طالب: كيف الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ » ثُمَّ قَالَ: «هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» (2) وبين قوله: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» (3) الحديث.
الشيخ: هو الحقيقة إن هذا ما بينهم تعارض إطلاقًا؛ لأن قوله: «يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» معناه بدون شهادة يعني شهادة الزور، «يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» بمعنى إنه ما عندهم شهادة فهم شهداء زور، لكن في لفظ آخر هو اللي مشكل «يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا» (4) فهذا واضح أنهم يأتون إلى الشهادة قبل طلبهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 3954
فاختلف العلماء في هذا؛ فمنهم من يقول: إن المراد الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسْأَلَها فهذا محمول على ما إذا كان عندك شهادة لا يَعْلَم بها مَنْ هي له، فأنت تذهب وتأتي بها، ما تقول: خَلِّ، إذا قام يبحث ويدور ( ... )، وبعضهم يقول: إن هذا مبالغة في المبادرة في أدائها فلا يكن هذا على حقيقته، ولكننا ( ... ) حمله على صورته مع بقاءه على الحقيقة فهو أولى؛ إنهم يشهدون معناه: بدون أن يُطْلَب منهم الشهادة لعدم علم المشهود له بها؛ لأن بعض الناس قد يكون مثلًا ( ... ).
طالب: يذهب إلى القاضي ولَّا ..
الشيخ: سواء ذهب إلى القاضي ولَّا ذهب إلى من هي له وأخبره.
طالب: يسعى له.
الشيخ: يسعى له أيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا ما يجب ( ... )، وأنت تعرف يجب إما أن تعلمه أو إذا كان في مسألة ( ... ) الحكم تذهب إلى القاضي وتشهد.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ).
الجزء: 2 - الصفحة: 3955