القناعة والتعفف
بطاقة الكتاب وفهرس الموضوعات
الكتاب: القناعة والتعفف
المؤلف: أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (ت ٢٨١هـ)
دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا
الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية , بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى , ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م
عدد الصفحات: ٨٠
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صفحة المؤلف: []
بسم الله الرحمن الرحيم
باب ذم المسألة والزجر عنها والفضل في التعفف عنها
١ - عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من يتقبل لي بواحدة أتقبل له بالجنة» .
قال ثوبان: أنا، قال: «لا تسأل الناس شيئا» .
قال: فكان ثوبان تسقط علاقة سوطه فلا يأمر أحدا أن يناوله، وينزل هو فيأخذها
٢ - وعن أبي ذر، قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا أسأل أحدا شيئا، قال: فكان يقع السوط من يده، فينزل فيأخذه
هل لك في بيعة ولك الجنة
؟
٣ - عن أبي ذر، قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «هل لك في بيعة ولك الجنة؟»، قلت: نعم، فبسطت يدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يشترط علي: «لا تسأل الناس شيئا»، قلت: نعم، قال: «ولا سوطك إن سقط منك، حتى تنزل فتأخذه»
٤ - عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «ألا تبايعوني؟» يرددها ثلاث مرات، فرفعنا أيدينا، فبايعنا، قلنا: يا رسول الله، قد بايعناك، فعلام؟ قال: أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس «وأسر كلمة خفية» وأن لا تسألوا الناس شيئا ".
قال: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوطه، فما يسأل أحدا يناوله
٥ - عن حكيم بن حزام أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما يدخل الجنة، قال: «لا تسأل أحدا شيئا» .
فكان حكيم لا يسأل خادمه أن يسقيه ماء، ولا يناوله ما يتوضأ به
٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لأن يحتطب أحدكم على ظهره، فيقي به وجهه، خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه»
اليد العليا خير من اليد السفلى
٧ - عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: «لأن يأخذ الرجل حبلا فيأتي رأس جبل فيحتطب، ثم يحمله فيبيعه، فيستعف به خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه، وذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى»
٨ - عن حكيم بن حزام، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا المال، فقال: «ما أنكر مسألتك يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، وإنه أوساخ أيدي الناس، وإن يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يدي المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي»
٩ - عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «اليد العليا خير من اليد السفلي»، فما سأل عمر بن الخطاب بعد شيئا، فمن سواه
١٠ - عن القعقاع بن حكيم، قال: بعث عبد العزيز بن مروان إلى عبد الله بن عمر أن ارفع إلي حاجتك، فكتب إليه عبد الله بن عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن اليد العليا خير من اليد السفلى»
فلست أسألك شيئا، ولا أرد رزقا رزقنيه الله تعالى
لا ترد ما رزقك الله
١١ - عن نافع، أن المختار بن أبي عبيد كان يرسل إلى عبد الله بن عمر بالمال فيقبله، ويقول: لا أسأل أحدا شيئا، ولا أرد ما رزقني الله تعالى
١٢ - عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، أن عبد الله بن عامر أرسل إلى عائشة بنفقة وكسوة، فقالت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: إني لا أقبل من أحد شيئا، فلما خرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: ردوه، إني ذكرت شيئا، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يا عائشة من أعطاك عطاء من غير مسألة فاقبليه، فإنما هو رزق عرضه الله لك»
ما هو قدر الغنى
؟
١٣ - عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «من سأل الناس عن ظهر غنى جاء يوم القيامة في وجهه كدوح، أو خموش، أو خدوش» .
قيل: يا رسول الله، ما الغنى؟ قال: «خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب»
١٤ - عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مسألة الغني شين في وجهه»
١٥ - عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سؤال الفقير شين في وجهه يوم القيامة، وسؤال الغني نار في وجهه، إن أعطي قليلا فقليل، وإن أعطي كثيرا فكثير»
المسألة داء في البطن وصداع في الرأس
١٦ - عن زياد بن الحارث الصدائي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله، فقال له: «من سأل الناس عن ظهر غنى، فإنما هو داء في البطن، وصداع في الرأس»
١٧ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سأل الناس مسألة، وهو عنها غني كانت شينا في وجهه يوم القيامة»
جزاء من سأل الناس من غير حاجة
١٨ - عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «من سأل الناس من غير فاقة نزلت به، أو عيال لا يطيقهم، جاء يوم القيامة بوجه ليس له لحم»
١٩ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سأل الناس تكثرا، فإنما يسأل جمرا، إن شاء فليقل، وإن شاء فليكثر»
٢٠ - عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن هذه المسائل كد يكد بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا السلطان في أمر لا يجد منه بدا»
٢١ - عن زيد بن عقبة، قال: قال له الحجاج: ما منعك أن تسألني؟ فقال: قال سمرة بن جندب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن هذه المسائل كد يكد بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان أو ينزل به أمر لا يجد منه بدا»، قال: فإني ذو سلطان، فهلم حاجتك، قال: ولد لي الليلة غلام! قال: أعطوه ألف درهم
ثلاث يجوز لهم السؤال
٢٢ - عن قبيصة بن مخارق، قال: تحملت بحمالة، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسأله فيها، فقال: " نؤديها عنك إذا جاءت نعم الصدقة، يا قبيصة إن المسألة حرمت إلا في ثلاث: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فسأل حتى يصيب سدادا من عيش، أو قواما من عيش، ثم يمسك، ورجل أصابته حاجة أو فاقة حتى تكلم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، فيسأل حتى يصيب قواما من عيش، ثم يمسك، وما سوى ذلك فهو سحت "
٢٣ - عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: " إن المسألة لا تصلح إلا في ثلاث: فقر مدقع، أو دين موجع، أو غرم مفظع "
٢٤ - وقال الزبير: لا يحل لأحد أن يسأل الناس من أموالهم شيئا إلا عارية، أو
ذا حاجة
٢٥ - عن حكيم بن حزام، أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، قلت: ومنك يا رسول الله؟ قال: «ومني» .
قلت: والذي بعثك بالحق، لا آخذ من أحد بعدك عطية.
قال: «وليبدأ أحدكم بمن يعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله» .
قال: قلت: ومنك يا رسول الله؟ قال: «ومني» .
قلت: والذي بعثك بالحق، لا تكون يدي تحت يد رجل من العرب بعدك ما حييت أبدا.
قال: فما رزأ من النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا حتى قبضه الله تعالى إليه، ولا من أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان حتى مات رضي الله عنه
من فضائل المال
٢٦ - عن حكيم بن قيس بن عاصم، عن أبيه، أنه أوصى بنيه، قال:
عليكم بالمال واصطناعه، فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس، فإنه آخر كسب الرجل
٢٧ - عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «ما فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر فاستعفوا»
٢٨ - عن مجاهد، قال: جاء رجل إلى الحسن والحسين عليهما السلام فسألهما، فقالا له: " إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لحاجة مجحفة، أو لحمالة شاقة، أو دين فادح، وأعطياه، ثم أتى ابن عمر فأعطاه، ولم يسأله عن شيء، فقال: أتيت ابني علي، وهما أصغر منك سنا فسألاني، وقالا لي، وأنت لم تسألني عن شيء؟!، فقال: جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنما كانا يغران العلم غرا
٢٩ - عن وهب بن منبه قال: سمعت أخي يحدث، عن معاوية، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال: «لا تلحفوا في المسألة، فإنه لا يسألني إنسان، فتخرج له مني المسألة شيئا، وأنا كاره، لم يبارك له فيه»
٣٠ - عن ابن الفراسي، أن الفراسي، قال: أسألك يا رسول الله؟ قال: «لا، وإن كنت لا بد سائلا فسل الصالحين»
- عن المنهال بن خليفة، قال: قال موسى عليه الصلاة والسلام: " يا رب إن نزلت بي حاجة فإلى من؟ قال: إلى النجباء من خلقي "
٣٢ - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل، فكل وتصدق»
- عن واصل مولى أبي عيينة، أن أبا الدرداء، قال: ما أتاك من هذا المال من غير إسراف ولا مسألة فكله وتموله "
٣٤ - عن سهل ابن الحنظلية الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جهنم»، قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: «ما يغديه، أو ما يعشيه»
٣٥ - عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سأل مسألة وهو عنها غني كانت شينا في وجهه يوم القيامة»
٣٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اليد العليا خير من اليد السفلى»
٣٧ - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث إليه بشيء فرده، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لم رددته؟»، قال: قلت: لما حدثتني، قال: «إنما ذاك عن مسألة، وهذا عن غير مسألة»، ثم قال: إذا أتاك شيء عن غير مسألة، فإنما هو رزق رزقكه الله تعالى "، فقال عمر: لا يجيئني شيء عن غير مسألة فأرده، ولا أسأل أحدا شيئا
٣٨ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب على رأسه، فيبيع، ويأكل، ويتصدق خير له من أن يسأل الناس»
٣٩ - عن عائذ بن عمرو المزني، قال: بينا نحن مع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إذا أعرابي قد ألح عليه في المسألة، يقول: يا رسول الله، أطعمني، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ بعضادتي الحجرة، وأقبل علينا بوجهه، فقال: «والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون من المسألة ما أعلم، ما سأل رجل رجلا وهو يجد ليلة تبيته» ثم أمر له بطعام
٤٠ - عن عائذ بن عمرو، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله، فلما ولى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا»
قضاء الحوائج بالكتاب
-
عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أنه قال لصاحب له: «إذا كانت لك إلي حاجة فلا تكلمني فيها، ولكن اكتبها في رقعة، ثم ارفعها إلي، فإني أكره أن أرى في وجهك ذل المسألة»
-
شعر:
لا تحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكن ذا ... أشد من ذاك لذل السؤال
- وعن الأعمش، قال: قال لي إبراهيم: اقعد أحدثك ما كتب إلي
خيثمة بن عبد الرحمن: «يا أبا عمران، إذا كانت لك حاجة فارفع إلي، ولا تسألني، فإني أكره أن أرى في وجهك ذل المسألة»
-
وقال سعيد بن العاص لابنه: يا بني! أقبح الله المعروف، إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك ترى دمه في وجهه، ومخاطرا، لا يدري أتعطيه، أم تمنعه، فوالله، لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته
-
وعن رجل من فزارة، قال: قال لي أسماء بن خارجة: «ما بذل إلي رجل قط وجهه فرأيت شيئا من الدنيا وإن عظم لوجدته عوضا لبذل وجهه إلي»
-
سأل رجل محمد بن سوقة حاجة، فقال: فهلا كتبتها؟!!
-
كان سلم بن قانع يقول في دعائه: «اللهم ارزقنا رزقا حلالا من غير كد، ولا كبر، ولا من من أحد، ولا عار في الدنيا، ولا منقصة في الآخرة»
-
وقال الفضيل بن عياض: قال لي سفيان: قال لي منصور: «إن الرجل ليسقيني الشربة من الماء فيدق بها ضلعا من أضلاعي»
- وأنشدوا:
لبوس ثوبين باليين ... وطي يوم وليلتين
أهون من منة لقوم ... أغض منها جفون عيني
وإني وإن كنت ذا عيال ... قليل مال كثير دين
لمستعف برزق ربي ... حوائجي بينه وبيني
نقل الصخور من الجبال أخف من السؤال
- غيره:
ونقل الصخر من تلك الجبال ... أخف علي من منن الرجال
يقول الناس كسب فيه عار ... فقلت: العار في ذل السؤال
- كان أبو خراش الهذلي من رجال قومه، فخرج في سفر له، فمر بامرأة من العرب، ولم يصب طعاما قبل ذلك بثلاث أو أربع، فقال: يا ربة البيت، هل عندكم من طعام؟ قالت: نعم، فجاءت بعمروس، يعني حملا من الغنم، وقالت: اذبحه، فذبحه، ثم سلخه، ثم حشه، ثم أقبل به، ولما وجد ريح الشواء قرقر بطنه، قال: وإنك لتقرقر من رائحة الطعام، يا ربة البيت: هل عندكم من صبر، قالت: نعم، وما تصنع به؟ قال: شيء أجده في بطني، فأتته بصبر، فملأ راحته، ثم قال: إن بطني تقرقر إذا وجدت رائحة الطعام، ثم ارتحل، فقالت: يا عبد الله، هل رأيت قبيحا؟ قال: لا والله، ولا سوءا، ثم أنشأ يقول:
وإني لأثوي الجوع حتى يملني ... حياء ولم تدنس ثيابي ولا جرمي
وأصطبح الماء القراح وألتقي ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
أرد شجاع الجوع كي تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالأدم
مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم
رجل يأبى الدنية
- قال الأصمعي: أضاف أعرابي قوما، فحلب إبله، وجعل يبدأ يسقي الأغنياء منهم في صحن له أولا، فأولا، حتى وصل إلى آخر القوم رجل عليه أطمار له، فضرب الصحن بظهر كفه، ثم أنشأ يقول:
إن رأيت ردي الثوب منطرحا ... بالي الثياب عراه الهم والعدم
ضرب صحنك إزراء بهيئته ... والله يعلم أني حيثما اقتحموا
أبدي وأظهر نارا عند مكرمة ... جنح العشاء إذا ما أقبل القتم
فاصرف إناءك عني إنني رجل ... يأبى الدنية مني العز والكرم
قال: فبات طاويا، حتى أصبح ثم رحل
- كان أبو عبد الرحمن القرشي ينشد:
أأخي إن الحادثات ... عركنني عرك الأديم
لا تجزعن من أن رأيت ... أخاك في ثوب قديم
إذ كن أثوابي بلين ... وإنهن على كريم
من يتق الله يجعل له مخرجا
٥٤ - عن أبي عبيدة، قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إن بني فلان أغاروا
علي، فذهبوا بإبلي، وابني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن آل محمد لكذا وكذا أهل بيت، ما فيهم مد من طعام، أو صاع من طعام فسل الله تعالى» .
فرجع إلى امرأته، فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها، فقالت: نعم ما ردك إليه، فما لبث أن رد الله إليه إبله، وابنه أوفر ما كانت، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فصعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس بمسألة الله والرغبة إليه، وقرأ عليهم: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق ٢ - ٣﴾
- وعن عطاء قال: جاءني طاوس اليماني بكلام محبر من القول،
قال: يا عطاء، لا تنزلن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه، وجعل عليها حجابه، ولكن أنزلها بمن بابه لك مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تدعوه، وضمن لك أن يستجيب لك
باب الإجمال بالطلب والرضى بالقسم
٥٦ - عن أبي حميد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أجملوا الطلب في الدنيا فكل ؤ الله عز وجل له منها»
٥٧ - عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم في الجنة، ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به، وإنه ليس من شيء يقربكم من النار، ويباعدكم من الجنة، إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفى رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته»
٥٨ - عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لو فر أحدكم من رزقه لأدركه كما يدركه الموت»
٥٩ - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: «ما من امرئ إلا وله أثر هو واطؤه، ورزق هو آكله، وأجل هو بالغه، وحتف هو قاتله، حتى لو أن رجلا هرب من رزقه لاتبعه حتى يدركه، كما أن الموت مدرك من هرب منه»
٦٠ - وقال علي رضي الله عنه: أما بعد ...
فإن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطرات المطر إلى كل نفس بما قسم الله لها من زيادة أو نقصان، في نفس أو أهل أو مال، فمن رأى نقصا في أهله أو نفسه أو ماله، ورأى لغيره غفيرة فلا تكونن له فتنة، فإن المسلم ما لم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت، ويعزي بها لئام الناس كان كالفالج الياسر، الذي ينتظر أول فورة من قداحة توجب له المغنم، وتدفع عنه المغرم، وكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة ينتظر من الله إحدى الحسنيين، إما داعي الله، فما عند الله خير له، وإما أن يرزقه الله تعالى، فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه ودينه: الحرث حرثان، فحرث الدنيا: المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام، قال سفيان: ومن ذا يتكلم بهذا الكلام إلى علي!!.
كل لقمة مقدرة لصاحبها
- وعن عبد الملك بن مروان، قال: كنت جالسا عند معاوية فأتي بطعامه،
فأخذ لقمة فرفعها إلى فيه، ثم حدث نفسه، ثم أخذها فرفعها إلى فيه، ثم حدث نفسه، فوضعها فطلبها فلم يجدها، فخطب الناس فيها، فقال: أيها الناس، اتقوا الله فإنه ما لامرئ منكم إلا ما كتب الله له، ووالله، إن أحدكم ليرفع اللقمة إلى فيه مرة ومرتين ثم تقضى لغيره
يقسم الله القوت كل صباح
٦٢ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما خلق الله فلق صباح بعلم ملك مقرب، ولا نبي مرسل ما يكون في آخر ذلك اليوم، فيقسم الله فيه قوت كل دابة، حتى إن الرجل ليجيء من أقصى الأرض، وقد حمل قوته على عاتقه، وإن الشيطان بين عاتقيه يقول له: اكذب افجر، فمنهم من يأخذ رزقه ذلك بكذب وفجور، ومنهم من يأخذه ببر، وتقوى فذلك الذي عزم الله على رشده "
٦٣ - وعن جابر، وأبي سعيد، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله ليتجر لعبده من وراء كل تجارة حتى يأتيه برزقه أنى يكون» فقال رجل: يا رسول الله، وإن كان من الأسناب؟ قال: «وإن كان من الأسناب»
- وعن عمر بن عبد العزيز، أنه قال: يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في
الطلب فلو كان رزق أحدكم في قلة جبل، أو في حضيض أرض لأكل رزقه، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب
اتق الله حيثما كنت
- وعن ابن سيرين، عن أبيه، قال: أردت أن أخرج في وجه فبينا أنا في الطريق، إذ قال رجل: هذا أبوك خلفك حتى لحقني، فقال: يا بني اتق الله حيثما كنت، واعلم أن لك رزقا لن تعدوه، فاطلبه من حله، فإنك إن طلبته من حله، رزقك الله طيبا، واستعملك صالحا، وأستودعك الله، والسلام عليك
الحريص الجاهل والقانع الزاهد
-
وقال الحسن البصري: الحريص الجاهل، والقانع الزاهد كل مستوف أكله مستوف رزقه، فعلام التهافت في النار؟
-
حكي أن رجلا كتب إلى ابن له: إنك لم تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، فأجمل في الطلب ...
الكسب، وإنه رب طالب قد جر إلى حزن، فأكرم نفسك عن
دنيا دنية، وشهوة ردية، فإنك لا تعتاض ما تبذل من نفسك عوضا، ولا تأمن من خدع الشيطان أن يقول: متى ما أرى ما أكرم نزعت، فإنه هكذا أهلك من كان قبلك!.
- قال رجل من عبد القيس من أهل البصرة ذكر عنه فضيلا:
أثامن بالنفس النفيسة ربها ... فليس لها في الناس كلهم ثمن
بها تشترى الجنات إذا بعتها ... بشيء سواها إن ذلك غبن
لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها ... فقد ذهبت الدنيا وقد ذهب الثمن
- غيره:
ومنتظر سؤالك بالعطايا ... وأفضل من عطاياه السؤال
إذا لم يأتك المعروف عفوا ... فدعه فالتنزه عنه مال
وكيف يلذ ذو أدب نوالا ... ومنه لوجهه فيه ابتذال
إذا كان السؤال بذل وجه ... وإلحاح فلا كان النوال
- غيره:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا ولو كان الغنى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال
- غيره:
ليس يعتاض باذل الوجه في ... الحاجة من بذل وجهه عوضا
فكيف يعتاض من أتاك وقد ... صير للذل وجهه غرضا
-
وقال ابن السماك للفضل بن يحيى، وقد رد رجلا عن حاجة له: إن هذا لم يصد وجهه عن مسألتك، وأكرم وجهك عن ردك أن تقضي حاجته
-
سأل ابن أخ لمحمد بن سوقة محمدا، فجعل محمد يبكي، فقال له ابن أخيه: يا عم، لو علمت أن مسألتي تبلغ هذا منك ما سألتك، قال: يابن أخي لم أبك من مسألتك إياي، إنما بكيت من تركي ابتداءك قبل أن تسألني
من الحكم المأثورة
- وقيل: مكتوب في الكتب: يا عبدي إن كنت لا بد طالب حاجة من عبادي، فاطلبها من معادن أهل الخير فترجع مغبوطا مسرورا ولا تطلبها من معادن أهل الشر فترجع غضبان محسورا
باب إنزال الحاجة بالله تعالى والاستعفاف عن المسألة
٧٥ - عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من نزلت به حاجة فأنزلها بالله عز وجل أوشك أن يؤتيه الله الغنى إما عاجلا أو آجلا»
٧٦ - وقال هلال بن حصن: أتيت المدينة فنزلت دار أبي سعيد فضمني وإياه المجلس، فحدث أنه أصبح ذات يوم وليس عنده طعام، وأصبح قد عصب على بطنه حجرا من الجوع، قال: فقالت امرأتي: ائت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسله، فقد أتاه فلان فأعطاه، وأتاه فلان فأعطاه، فأبيت، وقلت: حتى ألتمس شيئا فذهبت أطلب فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخطب ويقول: «من يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن سألنا شيئا فوجدناه أعطيناه، وواسيناه، ومن استعف عنا، واستغنى فهو أحب إلينا ممن سألنا»، قال: فرجعت وما سألت شيئا فرزقنا الله تعالى، حتى ما أعلم أهل بيت من الأنصار أكثر أموالا منا
جزاء من انقطع إلى الله
٧٧ - وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها»
أفضل العبادة انتظار الفرج
٧٨ - وروي أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يسأله أحد منهم إلا أعطاه، حتى نفد كل شيء عنده، قال: «ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، وأنه من يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ولن تعطوا عطاء خيرا، ولا أوسع من الصبر»
٧٩ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سلوا الله من فضله، وإن الله يحب أن يسأل، وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج»
٨٠ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من نزلت به حاجة، وأنزلها الناس لم تسد فاقته، فإن أنزلها بالله أوشك الله بآجل حاضر، أو رزق عاجل»
من عرف الله استغنى
- وقال أبو الجلد: كان لنا جار، وكان أثر الفاقة والمسكنة عليه، فقلت له: لو عالجت شيئا، لو طلبت شيئا؟ قال: يا أبا الجلد، وأنت تقول هذا؟ من عرف ربه فلم يستغن فلا أغناه الله
-
وقال لقمان لابنه: يا بني إذا افتقرت، فافزع إلى ربك وحده، فادعه، وتضرع إليه، وسله من فضله، وخزائنه، فإنه لا يكرمك غيره، ولا تسل الناس فتهون عليهم، ولا يردوا إليك شيئا
-
شعر:
أبالي أن أقيم بدار خسف ... على أمل الرضاء، فما وجدت.
وإذا أناخ بكلكله زماني ... علي ولج بي دهري صبرت
وقدمني على نظرائي أني ... إذا طمع عراهم يئست
ويجمعني وسوء الحال ليل ... فأكثر ما أقول: «بك استعنت»
ويسألني صديقي: كيف حالي؟ ... فأوهمه الغني ولو جهدت
ولولا أن ذكر الموت يسلي ... عن الدنيا ولذتها أسفت
وأعظم من نزول الموت أني ... أدان بما كسبت وما اكتسبت
- غيره:
لا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإن ذاك مضر منك بالدين
واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما هي بين الكاف والنون
- وغيره:
شاد الملوك قصورهم وتحصنوا ... من كل طالب حاجة وراغب
غالوا بأبواب الحديد لعزها ... وتنوقوا في قبح وجه الحاجب
فإذا تلطف في الدخول إليهم ... عاف تلقوه بوعد كاذب
فاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضراعة طالبا من طالب
-
كتب بعض بني أمية إلى أبي حازم يعزم عليه أن يرفع إليه حوائجه فكتب إليه: أما بعد، فقد جاءني كتابك تعزم على إلا رفعت حوائجي إليك، وهيهات!، رفعت حوائجي لمن لا تنصر الحوائج دونه، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني منها رضيت
-
خرج إلى عبد الله بن كريز بن عامر وهو عامل العراق لعثمان بن عفان رضي الله عنه رجلان من أهل المدينة، أحدهما: جابر بن عبد الله الأنصاري، والآخر من ثقيف، فكتب به إلى عبد الله بن عامر فيما يكتب به من الأخبار فأقبلا يسيرا حتى إذا كانا بناحية البصرة، قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال: اعرضه، قال: رأيت أن ننيخ رواحلنا، ونتناول مطاهرنا فنتوضأ، ثم نصلي ركعتين، ونحمد الله تعالى على ما قضى من سفرنا.
قال: هذا الذي لا يرد، فتوضينا وصلينا ركعتين فالتفت الأنصاري إلى الثقفي، فقال: يا أخا ثقيف: ما رأيك؟ قال: وأي موضع رأي هذا، قضيت سفري وأنضيت بدني وأنصبت راحلتي ولا مؤمل دون ابن عامر، فهل لك رأي غير هذا؟ قال: نعم، قال: إني لما صليت هاتين الركعتين فكرت ف استحييت من ربي أن يراني طالبا رزقا من غيره، اللهم يا رازق ابن عامر ارزقني من فضلك، ثم ولى راجعا إلى المدينة ودخل الثقفي البصرة فمكث أياما فأذن له ابن عامر، فلما رآه رحب به، ثم قال: ألم أخبر أن ابن جابر خرج معك؟ فخبره خبره، فبكى ابن عامر، ثم قال: أما والله ما قالها أشرا، ولا
بطرا، ولكن رأى مجرى الرزق ومخرج النعمة، فعلم أن الله الذي منحك ذاك فسأله من فضله، فأمر للثقفي بأربعة آلاف، وكسوة وطرف، وأضعف ذلك كله للأنصاري، فخرج الثقفي وهو يقول:
أمامة ما حرص الحريص بزائد ... فتيلا ولا زهد الضعيف بضائر
خرجنا جميعا من مساقط رأينا ... على ثقة منا بخير ابن عامر
فلما أنخنا الناعجات ببابه ... تأخر عني اليثربي ابن جابر
وقال: ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم للخلق قاهر
وإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربي الذي أرجو لسد معاقري
فلما رآني سأل عنه صبابة ... إليه كما حنت ضراب الأباعر
فأضعف عبد الله إذ غاب حظه ... على حظ لهفان من الحرص فاغر
فعدت، وقد أيقنت أن ليس نافعي ... ولا صائر شيء خلاف المقادر
-
وقال ابن سماك: كتب إلي أخ لي: أما بعد فلا تكن لأحد غير الله عبدا ما وجدت من العبودية بدا
-
وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: لا ينبغي لعبد أخذ بالتقوى، ورزق الورع، أن يذل لصاحب الدنيا
زينة المؤمن
- وقال أبو عمران الجوني: أدركت نفرا يقولون: زينة المؤمن طول صمته،
وعزه استغناؤه عن الناس
-
وقال أبو حازم: كيف أخاف الفقر، ولمولاي ما في السموات وما في الأرض، ومن فيهما، وما تحت الثرى؟!
-
وقال بعضهم: ضاعت نفقتي مرة وأنا في بعض الثغور وأصابتني حاجة شديدة فإني في بعض أيامي أفكر في جهد ما أنا فيه، إذ خرج رجل من المتعبدين ما رأيت أحسن منه وجها، وهو يقول:
تبارك الله وسبحانه ... من جهل الله فذاك الفقير
من ذا الذي تلزمه فاقة ... وذخره الله العلي الكبير
قال: فكأنما ملئت غنى، وذهب عني ما كنت أجده
الدنيا شيئان
-
وقال أبو حازم المديني: وجدت الدنيا شيئين: فشيء منها هو لي، فلن أعجله قبل آجله، ولو طلبته بقوة أهل السموات والأرض، وشيء منها: هو لغيري، فذلك ما لم أنله فيما مضى، ولا أرجوه فيما بقي، فيمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني، ففي أي هذين أفني عمري؟ ووجدت ما أعطيته في الدنيا شيئين: فشيء يأتي أجله قبل أجلي، فأغلب عليه، وشيء يأتي أجلي قبل أجله فأموت وأخلفه لمن بعدي ففي هذين أعصي ربي؟
-
وقال وهب بن منبه: بلغنا أن الله تعالى يقول: «كفى بي لعبدي بالا إذا كان عبدي في طاعتي، أعطيته قبل أن يسألني، وأجبته قبل أن يدعوني، وأنا أعلم بما يرفق به منه» .
وقال العمري: لقد انقطعتم إلى غير الله فما صنعتم، فإن انقطعتم إليه خشيتم الصنيعة
-
وقال إسماعيل بن زياد: قدم علينا عبد العزيز بن أبي سلمان في بعض ندمائه فأتيناه نسلم عليه، فقال لنا: صفوا للمنعم قلوبكم يكفيكم المؤن عند همكم، ثم قال: أرأيت لو خدمت مخلوقا تطلب خدمته، ألم يكن يرعى لخدمتك حرمة؟ فكيف بمن ينعم عليك، وأنت تسيء إلى نفسك، تتقلب في نعمه، وتتعرض لغضبه، هيهات! همتك همة البطالين، ليس لهذا خلقتم ولا بهذا أمرتم، الكيس الكيس رحمكم الله تعالى
-
وقال عبد الله بن إدريس: لو أن رجلا انقطع إلى رجل لعرف ذلك له، فكيف بمن له السموات والأرضون
-
وقال الفضيل: ما أحسن حال من انقطع إلى الله تعالى
-
وقال الحسن: يابن آدم خف مما خوفك الله تعالى يكفيك ما خوفك الناس، وإن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله تعالى
من معاني التوكل
- وقال الحسن: إن من توكل العبد على الله أن يكون الله تعالى هو ثقته
- وحكي أن عبد العزيز بن أبي رواد كان خلف المقام جالسا، وذلك بنصف الليل، فسمع داعيا دعا بأربع كلمات، فعجبت منهن، وحفظتهن، قال: فالتفت فلم أر أحدا، فإذا هو يقول: فرغني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكلفت لي به، ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني، وأنا أستغفرك.
وكان بكر بن عبد الله يقول في دعائه: اللهم ارزقنا من فضلك رزقا يزيدنا لك به شكرا، وإليك فاقة وفقرا، وبك عمن سواك غنى وتعففا
- وقال أبو الدرداء: ما لي أراكم تجتهدون فيما قد توكل لكم به، وتبطلون عما أمرتم به
-
وقال سالم بن أبي الجعد: طلبت الدنيا من مظانها حلالا، فجعلت لا أصيب منها إلا قوتا، أما أنا فلا أعيل فيها، وأما هو فلا يجاوزني، فلما رأيت ذلك قلت: أي نفسي، جعل رزقك كفافا فاربعي فربعت ولم تكد
-
كان رجل من أهل البصرة له تجلة وعطايا ومعروف، فأصابه ريب الزمان فاحتاج مالا، فأراد أن يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله تعالى: فقالت بنية له في ذلك قولا حكاه عنها في شعر له، فقال:
تقول ابنتي والسير قد جد جده ... وقد حصرتني بغتة ورحيل
لعل المنايا في ارتحالك تفتدي ... بنفسك قوما أو تغولك غول
فتتركني أدعى اليتيمة بعدما ... بين وعزي بعد ذاك ذليل
أفي طلب الدنيا وربك للذي ... تحاول منها والشخوص كفيل
أليس ضعيف القوم يأتيه رزقه ... فيساق إليه والبلاد محول
ويحرم جمع المال من لم يزل به ... بكل بلاد رحلة وحلول
فلو كنت في طرد على رأس هضبة ... لها لجب فيه الوعول تقيل
بصعيدة لا يستطاع ارتقاؤها ... وليس إلى منها النزول سبيل
إذا لأتاك الرزق يحدوه سائق ... حثيث ويهديه إليك دليل
من مواعظ الأعراب
- حكي أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا، فلما بلغ أصابته آفة فذهبت به،
فاشتد ذلك عليهم، حتى رؤي فيهم، فخرجت أعرابية منهم، فقالت: ما لي أراكم متغيرة ألوانكم، ميتة قلوبكم، هو ربنا فليفعل بنا ما يشاء، ورزقنا عليه، يأتي به من حيث يشاء، ثم أنشدت تقول:
لو كان في صخرة في البحر راسية ... صماء ملمومة ملس نواحيها
رزق نفس براها الله لانفلقت ... حتى تؤدي إليه كل ما فيها
أو كان بين طباق السبع مسلكها ... لسهل الله في المراقي مراقيها
حتى تنال الذي في اللوح خط لها ... فإن أتته وإلا سوف يأتيها
-
وقال أيوب بن وائل: لا تهتم للرزق، واجعل همك للموت
-
وقال الفضيل: ما اهتممت لرزق أبدا، أو قال: إني لأستحي من ربي أن أحزن لرزقي بعد رضائه
-
وقال منبه بن عثمان: إن أطيب ما أكون نفسا ليوم يقال: فقير
من حكم الحسن بن حسين
-
وقال الحسن بن حسين: إني لأصبح وما عندي دينار، ولا درهم، ولا رغيف، كأنما حيزت لي الدنيا بحذافيرها
-
وقال الحسن بن حسين لرجل: لا تخف أن تفتقر وإنما خف أن تستغني
-
وشكى رجل إلى الحسن بن حسين سوء الحال، وجعل يبكي فقال له الحسن: يا هذا، أكل هذا اهتمامك بالدنيا؟ والله، لو كانت الدنيا كلها لعبد فسلبها، ما رأيتها أهلا يبكي عليها، والله لأنا......
من المسجد إلى الأرض أشد اهتماما مني بالرزق من أين يأتيني؟
-
وشكا رجل إلى الحسن البصري حاجة وضرا، فقال الحسن: والله، لقد أعطاك الله دنيا لو لم تشبع من خبز الشعير لكان قد أحسن إليك
-
وكتب سليمان بن حسين المهلبي إلى الخليل بن أحمد وقد ولي الأهواز، يدعوه فأبى أن يأتيه فكتب إليه:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست بميسور
إني لا أرى أحدا يموت هزلا، ولا يبقى على حال، الرزق هو قدر، لا الضعف ينقصه، ولا يزيدك فيه حول
حديث بين ابن وأمه
- خرج فتى يطلب الدنيا فتعذرت عليه فكتب إلى أمه:
سأكسب مالا، أو أرى في ضريحة ... من الأرض لا تبكي علي سهوب
ولا....
على خزينته ... ولا أحد ممن أحب قريب
سوى أن يرى قبري غريب فربما ... بكى أن يرى قبر الغريب غريب
فوافى الكتاب، وقد ماتت أمه فأجابته خالته:
تذكرت إخوانا وأذريت عبرة ... وهيجت أحزانا، وذاك عجيب
فإن تك مشتاقا إلينا فإننا ... ظماء والحبيب حبيب
فمن على أم عليك شفيقة ... بوجهك لا تثوي وأنت غريب
فإن الذي يأتيك بالرزق دائما ... يجيء به والحي منك قريب
- وقيل لأبي أسيد الفزاري: من أين تعيش؟ فكبر الله وحمده وقال: يرزق الله القرد والخنزير، ولا يرزق أبا أسيد:
إن المقادير لا تناولها الأوهام ... لطفا ولا تراها العيون
سيجري عليك ما قدر الله ... ويأتيك رزقك المضمون
- ولبعض السلف:
إن يقدر لك الرحمن رزقا ... فعد لرزقه المقدم بابا
وإن يحرمك لم تستطع بحول ... ولا رأى الرجال له اكتسابا
فأقصر من خطاك فليس يغدو ... بحيلتك القضا ولا الكتابا
- وقال أبو عبد الرحمن العمري: كنت جنينا في بطن أمي وكان يؤتى برزقي حتى يوضع في فمي، حتى إذا كبرت وعرفت ربي ساء ظني، فأي عبد أشر مني
١١٧ - وقال أبو ذر مرفوعا: " إن في القرآن آية لو أخذتها الناس لكفتهم: " ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق ٢ - ٣﴾
ليس أحد بأكسب من أحد
١١٨ - وعن ابن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس أحد منكم بأكسب من أحد قد كتب الله المصيبة والأجل، وقسم المعيشة والعمل، فالناس يجرون فيها إلى منتهى»
- وقيل: لما قدم عروة بن أذينة الشاعر على هشام بن عبد الملك فلما دخل عليه قال: أنت الذي تقول: ولو قعدت أتاني لا يعنيني قال: جئت وأنا أعلم أن ذلك كذلك، فلما انصرف أعطاه أربع مائة دينار، وهذا هو الشعر:
ولقد علمت، وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني
- وقال عبد الرحمن بن صخر: خرجت من عند سليمان بن عبد الملك وقت الظهيرة فإذا رجل يهتف بي: يا عبد الله بن صخر، فالتفت إليه، فقال لي: لله أبوك لهذا العدو الذي أبيح لأبوينا، وهما في الجنة يأكلان منها رغدا حيث شاءا، فلم يزل يمنيهما ويدليهما بغرور ويقاسمهما بالله، أنه لهما من الناصحين، حتى أخرجهما مما كانا فيه.
ثم ها هو ذا قد نصب لنا فنحن نملي أعيننا إلى ما لم يقسم لنا من الرزق، حتى تقطع أنفسنا دونه، ويزهدنا في الذي قد انتهينا إليه، وجوبنا من رزق الله، حتى تنصر في الشكر.
قال:
فذهبت لأجيبه فما أدري كيف ذهب.
قال: فذكرته، فقيل: ذاك الخضر، ولا نظن إلا الخضر عليه السلام
- وقال ابن السماك: كتبت إلى رجل حريص على الدنيا: أما بعد، أصلحنا الله وإياك لما له خلقنا، وحصننا وإياك من شر ما فيه أصبحنا، فإنا قد أصبحنا في أنكد النكد، من أكدر الكدر، لا ننال الدنيا إلا بأطول نصب، وأشد تعب مع أنا فيما.....
نخوض، الذل، ونعرف بالصغار، ولا تدعنا نجتر به إلى انتفاع.
ولقد رأينا في هذه الدار العجب، والاعتبار، العجب من الضعيف في ضعفه، والعاجز في حيلته، والعليل في عقله، والفاجر في دينه، وهو بقدر من الدنيا على حبه.
والعجب من القوي في شدته، والصحيح في عقله، والجليد في أمره، والعفيف في دينه وهو في....... . فالذي حال بين القوي وبين طلبته هو المقدور اللازم لخلقه، فهل عبد رضي بما قسم له فيفرغ بدنه، وتطمئن نفسه، أي أخي، ذلل الله لك رزقا لا بد لك من أن تأكله حلالا بزاد تبلغه، وأثر فلا بد من أن تطأه، وقسما فلا بد أن تعطاه، ففيم شغل هذه النفس، وتغير هذا القلب إلا الوسوسة، وهذا العدو، فأعاننا الله وإياك على عدونا الحريص على أن يسوء ظننا بربنا، وأن يقل رضانا عن خالقنا، يعدنا الله المغفرة والفضل، ويعدنا عدونا الفقر، فأسرعت قلوبنا إلى عدة عدونا، ما لم تسرع إلى عدة خالقنا، والسلام
رجلان يطلبان فضل الله
- حكي أن رجلا أعور خرج يبتغي من فضل الله تعالى، فصحب رجلا في بعض الطريق فسأله عن مخرجه، فأخبره خبره، فقال له الرجل: أنا والله أخرجني الذي أخرجك، فانطلق بنا إلى الله تعالى نلتمس من فضله، فخرجا في جبال لبنان، يؤمان بيت المقدس، فأتيا على بعض المنازل فنزلا في قصر خرب، فانطلق أحدهما ليأتي بطعام، فقال المتخلف منهما في الرحيل: ألقيت نفسي وجعلت أنظر بناء ذلك القصر وهيئته وخرابه بعد العمارة وجعلت والله أذكر سفري، وتركي عيالي فإذا أنا بلوح من رخام تجاهي في قبلة حائط القصر، فيه كتابة فاستويت جالسا فإذا فيه:
لما رأيتك جالسا مستقبلي ... أيقنت أنك للهموم قرين
فافطن لها وتعرض من أثوابها ... إن كان عندك بالقضاء يقين
فالهم سيماه مشيب سائل ... ويكون مثوى الضر حيث يكون
هون عليك وكن بربك واثقا ... فحق التوكل شأنه التهوين
طرح الأذى عن نفسه في رزقه ... لما تيقن أنه مضمون
فجعلت أقرؤهن، وأتدبرهن، إذ جاء صاحبي، فقلت: ألا أعجبك؟ قال: بلى.
قلت: انظر ما على هذا اللوح، فنظر ونظرت فلم ير حائطا ولا شيئا، فجعلت أطوف في القصر، وأتتبع ما فيه فلم أر شيئا
-
وقال العمري: حضرنا أبي عند الموت فنظر إلينا، وقال: ما أنت لي أبتغي لكم الدنيا وما أحسن الظن بكم كما أحسنتم الظن بمن لم يضمن، فأحسنوا الظن بما قد ضمن
-
وقيل: لما احتضر بشر بن منصور قيل له: أوص بدينك؟ قال: أنا أرجو ربي لذنبي، لا أرجوه لديني!! قال: فلما مات قضى عنه دينه بعض إخوانه
لا تيأس من الرزق أبدا
١٢٥ - ودخل ابنا خالد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال وهو يعمل عملا يبني بناء: «لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رءوسكما، فإن الولد تلده أمه، وهو أحمر ليس عليه قشر، ثم يرزقه الله قشرا»
من حكم عيسى عليه السلام
- وقال عيسى ابن مريم عليه السلام: يا معشر الحواريين، إن ابن آدم خلق في الدنيا في أربع منازل، هو في ثلاث منهن بالله واثق، حسن ظنه فيهن بربه، وهو في الرابع سيئ ظنه بربه، يخاف خذلان الله تعالى إياه، فأما المنزلة الأولى: فإنه خلق في بطن أمه خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، ينزل الله تعالى عليه رزقه في جوف ظلمة البطن، فإذا خرج من البطن وقع في اللبن لا يخطو إليه بقدم، ولا يتناوله بفم، ولا ينهض إليه بقوة، ولا يأخذه بحرفة، يكره عليه
إكراها، ويؤجره إيجارا، حتى ينبت عليه عظمه، ولحمه، ودمه، فإذا ارتفع عن اللبن، وقع في المنزلة الثالثة، في الطعام بين أبويه يكتسبان عليه من حلال وحرام، فإن مات أبواه عن غير شيء تركاه، عطف عليه الناس، هذا يطعمه وهذا يسقيه، وهذا يؤويه، فإذا وقع في المنزلة الرابعة، فاشتد واستوى، واجتمع عليه، وكان رجلا خشي أن لا يرزقه الله تعالى فوثب على الناس يخون أماناتهم، ويسرق أمتعتهم، ويخونهم على أموالهم مخافة خذلان الله تعالى إياه
١٢٧ - كان رجلا يقال له: أبو شحمة، وكان من قبيلة يقال لها: باهلة، وكان له ضد من قومه يقال له: حبيب بن وائل، أخذ بني سهم بن عمرو من رهط أبي أمامة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وسع عليه في المال، فقال ولد ابن شحمة: ألا تبتغي في البلاد الرزق حتى تصنع ما يصنع حبيب بن وائل؟ فقال:
إني وإن كان حبيب أوسعا ... ولم أزد على الكفاف قنعا
آكل ما يأكل حتى أشبعا ... وأشرب البارد حتى أنفعا
وأقطع الليل رقادا أجمعا ... لا خائفا سربا ولا مفزعا
ولم أقارف سوءة فأخشعا ... تغري بي القوم اللئام الوضعا
ممتلئ قلبي غنى وقنعا ... بالله ما أدركت ذاك أجمعا
فالحمد لله على ما صنعا
١٢٨ - وعن رجاء بن حيوة، قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أوصني، قال:
«استغن بغنى الله» قال: ما غنى الله؟ قال: «غداء يوم، أو عشاء ليلة»
- كتب عمر بن عبد العزيز إلى أخ من إخوانه في الله، فكان في كتابه: لا تطلبن شيئا من عرض الدنيا بقول ولا بفعل، أخاف أن تضر بآخرتك وتزري بدينك، ويمقت عليك
القانع أغنى الناس
١٣٠ - وقال الحسن بن علي: يقول الله تعالى: «يابن آدم إذا قنعت بما رزقناك فأنت أغنى الناس»
- وقال أكثم بن صيفي: من رضي بالقسم طابت معيشته، ومن قنع بما هو فيه قرت عينه.
وأنشدوا:
ما تواخى قوم على غير ذات ... الله إلا تفرقوا عن تقال
لم يصن حر وجهه سائل ... الناس ولم يحمه من الإذلال
صان وجهي عن السؤال بحمد ... الله أني أرى القناعة مالي
فإذا شئت أن تعرض للذل ... فرم ما حوته أيدي الرجال
١٣٢ - وعن أبي العلاء بن الشخير يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «إذا أراد الله بعبد خيرا أرضاه بما قسم له، وبارك له فيه، وإذا لم يرد به خيرا، لم يرضه بما قسم له، ولم يبارك له فيه»
- لما ولي القضاء سوار بن عبد الله بالبصرة كتب إلى أخ له كان يطلب العلم معه، وكان ببعض الثغور: أما بعد، فإني لم أدخل في القضاء حين دخلت فيه إلا مخافة أن يحملني الفقر على ما هو أعظم من القضاء، وذكر كثرة العيال، وقلة الشيء، وقلة مواساة الإخوان، ووسوسة الشيطان، وضعف الإنسان، وأشياء رقق بها فكتب إليه: أما بعد، أوصيك بتقوى الله يا سوار الذي جعل التقوى عوضا من كل فائت من الدنيا، ولم يجعل شيئا من الدنيا يكون عوضا عن التقوى، فإن التقوى عدة كل عاقل إليها يستروح وبها
يسترشد، ولم يظفر أحد في عاجل هذه الدنيا وآجل الآخرة بمثل ما ظفر به أولياء الله الذين شربوا بكأس حبه، وكانت قرة أعينهم فيه وذلك أنهم أعملوا أنفسهم في حسم الأدب، وراضو فيها رياضة الأصحاء الصادقين، فطلقوها عن فضول الشهوات، وألزموها القوت المعلق، وجعلوا الجوع والعطش شعارا لها برهة من الزمان، حتى انقادت وأذعنت، وعزفت لهم عن فضول الخطام، فلما ظعن حب فضول الدنيا عن قلوبهم، وزائلها أهواءهم، وانقطعت أمانيهم، وصارت الآخرة نصب أعينهم، ومنتهى أملهم، وورث الله قلوبهم نور الحكمة، وقلدهم قلائد العصمة، وجعلهم دعاة لمعالم الدين يلمون منه الشعث، ويشحبون الصدع، لم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم من الله موعود صادق اختص به العالمين له، والعاملين به، دون من سواهم، فإذا سرك أن تسمع صفة الأبرار الأتقياء فصفة هؤلاء فاستمع، وإياك يا سوار ونسيان الطريق، والسلام
- وكتب رجل من الحكماء إلى أخ له، كان حريصا على الدنيا: أما بعد، فإنك أصبحت تخدم الدنيا وهي تزجر عن نفسها بالإعراض، والأمراض، والآفات، ولعلك كأنك لم تر حريصا محروما، ولا زاهدا مرزوقا، ولا ميتا عن كثير، ولا متبلغا من اليسير، حتى إذا خرجوا منها لم يألم فقير بفقره، ولم ينتفع غني بغناه، مهجورين تحت تراب الأرض منسيين فيها بعد النعمة.
فما تصنع بدار هذه صفتها، ويلي إن استقصرت ليلها ونهارها، واغتنمت مرور ساعتها، فنعم الدار هي لك، وإن امرأ حثه الليل والنهار، واستقبل كل شيء منه بالفناء لحري أن يقيل نومه، وأن يتوقع يومه، والسلام
١٣٥ - وقال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿فلنحيينه حياة طيبة.
النحل: ٩٧﴾، قال: القناعة
-
وقيل لبعض الحكماء: اكتسب فلان مالا، قال: فهل اكتسب أياما يأكله فيها؟ قيل: ومن يقدر على ذلك؟ قال: فما أراه اكتسب شيئا
-
وكان بعضهم ينشد:
يا جامعا مانعا والدهر يرمقه ... مقدرا أي ناب فيه يعلقه
مفكرا كيف تأتيه منيته ... أغاديا، أم بها يسري فتطرقه
جمعت مالا ففكر هل جمعت له ... يا جامع المال أياما تفرقه
المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلا يوم تنفقه
أرفه ببال فتى يغدو على ثقة ... أن الذي قسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون لا يدنسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه
إن القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق في ظلها هما يؤرقه
-
كان الحسن يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نمل معافاتك، قالوا: وكيف ذلك يا أبا سعيد؟ قال: الرجل يكون في بلده في خفض ودعة، فتدعوه نفسه إلى أن يطلب الرزق من غيره
-
وقال بكر بن عبد الله المزني: يكفيك من الدنيا ما قنعت به ولو كف تمر، وشربة ماء، وظل خباء، وكل ما انفتح عليك من الدنيا شيء ازدادت نفسك به تعبا
١٤٠ - وقال فضالة بن عبيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا فأوسع به»
لا تنظر إلى من فوقك
١٤١ - وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا نظر أحدكم إلى من هو فوقه في المال والجسم، فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم»
١٤٢ - وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تدخلوا على أهل الدنيا فإنها مسخطة للرزق
- وكان مسلم ينشد:
فلو بعض الحلال ذهلت عنه ... لأغناك الحلال عن الفضول
- وقال:
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
خصلتان من خصال القانعين
١٤٥ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه قال: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن لم تكونا فيه لم يكتب لا شاكرا ولا صابرا، من نظر إلى من فوقه في دينه، فاقتدى به، ونظر إلى من هو دونه في دنياه، فحمد الله تعالى على ما فضله عليه، كتب شاكرا صابرا، ومن نظر إلى من هو دونه في دينه فاقتدى به، ونظر إلى من هو فوقه في دنياه فأسف على ما فضله الله عليه، لم يكتب شاكرا ولا صابرا»
من مواعظ عمر بن عبد العزيز
- وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: من وعظ أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه، فاتقوا الله فإنها نصيحة لكم في دينكم فاقبلوها، وموعظة منجية من العواقب فالزموها، فالرزق مقسوم، ولن يعدو المرء ما قسم له، فأجملوا في الطلب، فإن في القنوع سعة وبلغة، وكفا عن كلفة، لا يحل الموت في أعناقكم، وجهته أيامكم، وما ترون ذاهب، وما مضى كأن لم يكن، وكل ما هو آت قريب، أما رأيتم حالات المنيب وهو يشرف ويعد فراغه، وقد ذاق الموت وعائلهم تعجيل إخراج أهله إياه من داره إلى قبره، وسرعة انصرافهم إلى مسكنه، وجهه مفقود، وذكره منسي، وبابه عن قليل مهجور، كأن لم يخالط إخوان الحفاظ، ولم يعمر الديار، فاتقوا يوما لا تخفى فيه مثقال حبة في الموازين
من معجزات دانيال عليه السلام
- وقال عبد الله بن أبي الهذيل: أحضر بختنصر أسدين فألقاهما في
جب، وجاء بدانيال فألقاه عليهما فلم يهيجاه فمكث ما شاء الله، ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب، أوحى الله تعالى إلى أرميا وهو بالشام أن أعدد طعاما وشرابا لدانيال.
قال: رب أنا بالأرض المقدسة، ودانيال بأرض بابل من أرض العراق، فأوحى الله تعالى إليه أن أعدد ما أمرتك به، فإنا سنرسل إليك من يحملك، ويحمل ما معك، ففعل، فأرسل الله من حمله، وحمل ما أعده، حتى وقف على رأس الجب..
فقال: دانيال، دانيال، فقال: من هذا؟ قال: أرميا، قال ما جاء بك؟ قال: أرسلني إليك ربك، قال: وقد ذكرني ربي؟ قال: نعم، قال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة، والحمد لله الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو يقينا حين يسوء ظننا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا
- وكان من دعاء داود عليه السلام: يا رازق الغراب النعاب في عشه، وذلك أن الغراب إذا فقس عن فراخه فقس عنها بيضاء، وإذا رآها كذلك نفر عنها، فتفتح أفواهها فيرسل الله عليها ذبابا، فيدخل في أفواهها فيكون ذلك غذاءها حتى تسود، فإذا اسودت انقطع الذباب عنها، وعاد الغراب إليها فغذاها
١٤٩ - وقال ابن عباس: كان عابدا يعبد في غار فكان غراب يأتيه كل يوم برغيف يجد فيه طعم كل شيء، حتى مات ذلك العابد
-
أقام إلياس عليه السلام مختفيا من قومه في كهف جبل عشرين ليلة، أو قال: أربعين، يأتيه الغربان برزقه
-
وقال عون بن عبد الله: إن من أعظم الخير أن ترى ما أوتيت من الإسلام عظيما عندما زوي عنك من الدنيا.
-
وقال أبو الدرداء: ما من أحد إلا وفي عقله نقص عن حلمه، وعلمه، وذلك أنه إذا أتته الدنيا بزيادة في مال ظل فرحا مسرورا، والليل والنهار دائبان في هدم عمره لا يحزنه أن ضل ضلالة، ما ينفع مال يزيد، وعمر ينقص.
-
وقال محمد بن سوقة: إن لم يعذبنا الله إلا على هاتين الخصلتين، كنا قد استوجبنا أن يعذبنا: نفرح بالشيء اليسير من الدنيا ما علم الله منا مثل ذلك الفرح في حسنة عملناها، ونحزن على الشيء اليسير من الدنيا يفوتنا ما علم الله منا مثل ذلك الحزن في سيئة ارتكبناها.
-
وقال عمر بن عبد العزيز للخارجي: يا خارجي، ما شيء قلته كأنك عنيتنا به، أو لم تعننا؟ أجمعت مالا، ثم أنت موكل حتى الممات بحب ما لم تجمع.
الدنيا ممر والآخرة مرجع
- وقال عون بن عبد الله: الدنيا ممر، والآخرة مرجع، والقبر برزخ بينهما، فمن طلب الآخرة لم يفته رزقه، ومن طلب الدنيا لم يعجز الملك عند انقضاء أيامه.
وكان
يبكي ويقول: كلنا قد أيقن بالموت، وهو مقصر عن نفسه، كأنه لا يخاف عليها الموت.
- قرأ رجل عند عون بن عبد الله الآية: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ﴿٢﴾ ويرزقه من حيث لا يحتسب.
الطلاق: ٢-٣﴾ فقال عون: والله، إنه ليرزقنا من حيث لا نحتسب، ووالله إنه ليجعل لنا المخرج، وما بلغنا كل التقوى، وإنا نرجو إن شاء الله أن يفعل بنا في الثالثة كما فعل بنا في الاثنين: ﴿ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا.
الطلاق: ٥﴾ .
-
وقال أبو حازم: ما من أحد إلا وهو محبوس عنه، ومحبوس عليه، فالمحبوس عنه بعض ما في يده رزقا لغيره، والمحبوس عليه بعض ما في يد غيره رزقا له.
-
وقال أبو حازم: لئن - والله - نجونا من شر ما أعطينا، لا يضرنا ما زوي عنا، وإن كنا قد تورطنا في شر ما بسط علينا ما نطلب ما بقي إلا حمقا.
احذر القرب من أبواب السلاطين
- وقال وهب بن منبه لعطاء الخراساني: ويحك يا عطاء ألم أخبر أنك تحمل علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا، ويحك يا عطاء تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه! وتدع من يفتح لك بابه
ويظهر لك غناه، ويقول: ﴿ادعوني أستجب لكم.
غافر: ٦٠﴾ .
يا عطاء أترضى بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولا ترضى بالدون من الحكمة مع الدنيا، ويحك يا عطاء إن كان يغنيك ما يكفيك، وأن أدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيء يكفيك.
ويحك يا عطاء إنما بطنك بحر من البحور وواد من الأودية، ولا يملؤه شيء إلا التراب.
-
وقال أيوب السختياني: لا يعبد الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم.
-
وقرأ عون بن عبد الله هذه الآية: ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها.
آل عمران: ١٠٣﴾ قال: إني لأرجو أن لا يعيدكم إليها بعد أن أبعدكم منها. -
وقال عيسى ابن مريم عليه السلام: ما سكنت الدنيا قلب أليط عبد إلا أليط قلبه منها بثلاث: شغل لا ينفك عناه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا يدرك منتهاه.
الدنيا طالبة ومطلوبة، فطالب الآخرة تطالبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذه بعنقه.
الكرم التقوى
١٦٣ - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الكرم التقوى، والشرف التواضع، واليقين الغنى»
-
وقال عبد الله: إن الروح والفرج، وقال يعلى: «والفرح» في اليقين والرضى، وإن الغم والحزن في الشك والسخط.
-
وقال بعضهم: كنت أسير في الليل فإذا خلفي رجل أظنه الأحنف، فسمعته يقول: اللهم هب لي يقينا يهون علي مصائب الدنيا.
أفضل الناس
١٦٦ - وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الناس أفضل؟ قال: «رجل يجاهد بنفسه، وماله في سبيل الله»، قيل: ثم من؟ قال: «مؤمن فقير مستغن عن الناس»
١٦٧ - وقال عمار بن ياسر: كفى بالموت واعظا، وكفى بالعبادة شغلا، وكفى باليقين غنى
- وقال عنبسة بن سعيد: دخلت على عمر بن عبد العزيز أودعه، فلما انصرفت ناداني يا عنبسة، فأقبلت عليه، فقال: أكثر من ذكر الموت، فإنك لا تكون في واسع من الأرض إلا ضيقه عليك، ولا في ضيق من الأمر إلا وسعه عليك.
لا تحزن على ما فات
- وقرأ الضحاك بن مزاحم هذه الآية: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها.
الحديد: ٢٢﴾، قال: عزاهم، فقال: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم.
الحديد: ٢٣﴾ أي: لا تأسوا على شيء من أمر الدنيا، فأنا لم أقدره لكم ﴿ولا تفرحوا بما آتاكم.
الحديد: ٢٣﴾ لا تفرحوا بشيء من أمر الدنيا أعطيناكموه فإنه لن يدوم لكم.
- وقال أبو حازم: نعمة الله علي فيما زوى عني من الدنيا أفضل من نعمته علي فيما أعطاني منها.
- وقال: إذا وقينا شر ما أعطينا لم نبال بما فاتنا.
لو توكلت حق التوكل
١٧٢ - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا»
إياك وفضول الدنيا
-
وقال عيسى ابن مريم عليه السلام: اعملوا لله، ولا تعملوا لبطونكم، وإياكم وفضول الدنيا، فإن فضول الدنيا عند الله رجس، هذه الطير في السماء تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرث، ولا تحصد، الله يرزقها، فإن أبيتم وقلتم إن بطوننا أعظم من بطون الطير، فهذه الوحوش من البقر والحمير تغدو، وتروح ليس معها من شيء لا تحرث، ولا تحصد، والله يرزقها.
-
وقال رجل من العباد لرجل يوما: حسبك من التوسل إليه أن يعلم من قبلك حسن توكلك عليه، فكم من عبد من عباده قد فوض أمره إليه فكفاه منه ما أهمه، ثم قرأ: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ﴿٢﴾ ويرزقه من حيث لا يحتسب.
الطلاق: ٢-٣﴾ . -
قرأ رجل هذه الآية: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا.
الفرقان: ٥٨﴾ فأقبل على سليمان الخواص، فقال: يا أبا قدامة ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ
إلى أحد غير الله في أمره، ثم قال: والله يا أبا قدامة، لو عامل عبد الله بحسن التوكل عليه، وصدق النية له بطاعته، لاحتاجت إليه الأمراء، فمن دونهم، وكيف يكون هذا يحتاج، ومؤمله، وملجؤه إلى الغني الحميد.
-
وقال بكر بن عبد الله المزني: من مثلك يابن آدم خلي بينك وبين الطهور متى شئت تطهرت، ثم ناجيت ربك، وليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان.
-
وقال ميمون بن مهران: إذا أتى رجل باب سلطان فاحتجب عنه، فليأت بيوت الرحمن فإنها مفتحة فليصل ركعتين وليسل حاجته.
القناعة في روضة الشعراء
- شعر:
باتت تخوفني الإقتار والعدما ... لما رأت لأخيها المال والخدما
عبثا لوامل ما الأرزاق عن أدب ... ولا من الحزم بل مقسومة قسما
لو كان من أدب ذا المال أو جلد ... أكثر منه أهل القرى....
يا أمة الله إني لم أدع طلبا ... قد تعلمين الشرف والشمما
وكل ذلك بالإجمال من طلبي ... ونال بالجد غيري المال والهمما
فهل علمت مثوى التشمير من طلبي ... وجها يذل الغنى من نفعه جرما
بالله سرك أن الله خولني ... ما كان خول الأعراب والعجما
وأني لم أحز عقلا ولا أدبا ... ولم أرث والدي مجدا ولا كرما
ما سرني أنني خولت ذاك ... ولا أن أقول لباغي حاجة نعما
فاقتي من العيش ما لم تحوجني ... معه أن تفتحي لسؤال الأغنياء فما
واستشعري الصبر عل الله خالقنا ... يوما سيفرج عنا البؤس والعدما
لا تحوجيني إلى ما لو بذلت له ... نفسي لأعقبك التهمام والندما
فكيف صبرك لو أبصرتني مزقا ... قد ألجمتني المنايا السبع والرحما
فحيث لا حافز الغني ولا كفنا ... أجل ولا غاسلا ألفى ولا رحما
فحسرة المرء أحرى من معاشك من ... أمر يجر عليك الهم والألما
- وكان أبو يحيى الهمداني ينشد:
يلومني الناس في قعودي ... وفي كمالي عن المعالي
وما على الناس أن يروني ... عديم دين مفيد مال
أنال منه قراب بطني ... وسائر الكسب للنوال
أكسب المال للنوال ... وللأعادي من العيال
فهم يخوضون فيه خوضا ... وغيرهم بالحساب.....
وأن خيرا من المعالي ... لدي قوتا من الحلال
ألتمس الرزق من حلال ... ومن حيلة أو بلا احتيال
فرب رزق أتاك عفوا ... من غير حل ولا ارتحال
من نال دنيا ببذل دين ... نال وبالا على وبال
يزال ما عاش في اشتغال ... ثم يهوى إلى.....
ستحمل اثم ذليل وهو ... من الحرص لا يبالي
المال من حله جميل ... والدين من أجمل الجمال
فإن رزقناهما جميعا ... فتلك عادات ذي الجلال.
- غيره:
مضى مني الأشد، وثاب حلمي ... وأدبني ممارسة الرجال
أنا الرجل الخبير بأهل دهري ... فلا تخلق أديمك بالسؤال
ومن عجب زماني عن صديقي ... وعن ثقتي يضعضع بعض حالي
أهمه الغنى عنه وإني ... لمن عدم على مثل المقالي
تخير عفة من غير عذر ... وسلوة تكثر للناس قالي
فما لبثت بنا الأيام إلا ... قليلا إذ أتت عقب الليالي
فعدت له بود أخي وفاء ... وعاد مشاركي في حر مالي
باب ذم الطمع وحمد اليأس
١٨١ - عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أظهروا اليأس فإنه غنى، وإياكم والطمع فإنه فقر حاضر»
١٨٢ - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أعوذ بالله من طمع يرد إلى طمع ومن طمع في غير مطمع، ومن طمع حيث لا مطمع»
١٨٣ - وقال أبو بكر: الطمع: اللؤم
١٨٤ - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الصفا الزلال الذي لا تثبت عليه أقدام العلماء: الطمع "
-....
وكان تاجرا فترك ذاك، وكان متلهفا يقول: خدمت الدنيا أربعين سنة....
١٨٦ - لقي عبد الله بن سلام كعب الأحبار عند عمر فقال يا كعب: من أرباب العلم؟ فقال: الذين يعملون به، قال: فما يذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ عقلوه وحفظوه؟ قال: يذهبه الطمع وشره النفس، وتطلب الحاجات إلى الناس قال: صدقت
١٨٧ - وكان عمر يقول على المنبر: «أيها الناس إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا يئس من الشيء استغنى عنه»
- شعر:
إذا أنت لم تأخذ من الناس عصمة ... تشد بها من راحتيك الأصابع
شربت بريق الماء حيث وجدته ... على كدر واستعبدتك المطامع
وإني لأبلي الثوب، والثوب ضيق ... وأترك فضل الثوب والثوب أوسع
الاستعاذة من الطمع
١٨٩ - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تعوذوا بالله من طمع يرد إلى طمع، ومن طمع إلى غير مطمع»
١٩٠ - وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «استعيذوا بالله من طمع يهدي إلى طمع، ومن طمع في غير مطمع، ومن طمع حيث لا مطمع»
-
وقال بكر بن عبد الله: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون نقي الطمع، نقي الغضب.
-
شعر:
قد يصبر الحر لا يدنو إلى طمع ... فكم من هوى قد ضر بالجموع
- غيره:
الحمد لله على الياس من ... كل إنسان من الناس
أصبحت لا أطلب من فضل ... من يخاف من فقر وإفلاس
ولكنني أطلب من فضل من ... يجيب في الضراء والباس
١٩٤ - وقال هزال القريعي: مفتاح الحرص الطمع، ومفتاح الاستغناء الغنى عن الناس، واليأس مما في أيديهم
١٩٥ - وقال ابن عباس: قلوب الجهال تستفزها الأطماع، وترتهن بالمنى، وتستغلق......
١٩٦ - وقال رجل: يا رسول الله، أوصني قال: «عليك باليأس مما في أيدي الناس فإنه الغنى، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وصل صلاتك وأنت مودع، وإياك وما يعتذر منه»
- وقال وهب بن منبه: الكفر أربعة أركان، فركن منه الغضب، وركن منه الشهوة، وركن منه الخوف، وركن منه الطمع.
حديث الشعراء عن القناعة
- لابن المثنى:
إذا قل مالي ازددت في همتي غنى ... عن الناس والغاني بما نال قانع
وفي الناس من لم ينل بك راحة ... وفي الصبر عز للضراعة قاطع
ومن لا يزال يستتبع العين ما رأى ... لدى عزه يلقى الردى وهو ضارع
جنابي لم يرقع الضيم لي حمى ... منيع و...
بالغرامة واسع
وإني لأستبقي إذا العسر مسني ... بشاشة وجهي حين تبلى المنافع
مخافة أن أقلى إذا جئت زائرا ... وترجعني نحو الرجال المطامع
فأطمع من ...
منعما ... وكل مصادري نعمة متضا ...
وأغضي على....
لو شئت نلتها ... حياء إذا ما كان فيها....
وأعفي زائري ولو شئت ...
... إذا ما تشكى الملحف المتجاشع
- غيره:
قلت لقومي ...
أن أميرهم ... بماء وجهي فلم أفعل ولم أكد
ألا ...
إذا نهوني واكلكم ... ولا تمدوا إلى فعلة اللئام يدي
تبلغوا....
الأيام وما أربعت ... ولا يكن همكم في يومكم لغد
فرب جامع مال ليس آكله ... ومستعد ليوم ليس في العدد
- غيره:
ركبت إلى دارك الصغرى ... ودارك قدامك الكبرى
ومن صار فوق سرير البلى ... فقد صار في صورة أخرى
سيأتيك رزقك في وقته ... ولو كنت في كبد الشعرى
- غيره:
تقول التي أنا ردء لها ... وقاء الحوادث دون الردى
ألست ترى المال منهلة ... مخارم أمامه يالهي
فقلت لها وهي لوامة ... وفي عيشها لو ضحت ما كفى
ذريني ذهبت أنال الغنى ... بيأس الضمير وهجر المنى
كفاف امرئ قانع قوته ... ومن يرضى القنع نال الغنى
- غيره:
وقائلة تعاتبني ... وجرم الليل معتلج
فقلت: رويد معتبة ... لكل ملمة فرج
أسرك أن أكون رتعت ... بين الإثم والبهج
فأدرك ما ظفرت به ... ويبقى العار والحوج
ذريني خلف قاصية ... أضايقها وتنفرج
فإن ضاقت بنا بلد ... فلي في الأرض منعرج
- غيره:
الفقر أدبني والستر رباني ... والقوت أنهضني، واليأس أغناني
وأحكمتني، وفي الأيام تجربة ... فصرت......
.....
لذة تزري بمكرمة ... ولا استعنت......
....
مألوفا فتربصني مغتبة ... وأحمل الصبر......
- غيره:
عليك بتقوى الله واقنع برزقه ... فخير عباد الله من هو قانع
ولا تلهك الدنيا ولا تطمع بها ... فقد يهلك المغرور فيها المطامع
وصبرا على ما ناب منها فما يستوي ... عبد صبور وجازع
أعاذل ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت في النفس منه الأضالع
- غيره:
أقسم بالله لرضخ النوى ... وشرب ماء القلب المالحه
أعز للإنسان من حرصه ... ومن سؤال الأوجه الكالحه
فاستشعر اليأس تكن ذا غنى ... متغبطا بالصفقة الرابحه
فالزهد عز والتقوى سؤدد ... ورغبة النفس لها فاضحه
من كانت الدنيا به برة ... فإنها يوما له ذابحه
- غيره:
ذريني غنيا بالقنوع وجدت ... أخا المال الحريص فقيرا
- غيره:
وقد عاشرت أقواما فما أجدهم طرا ... إلا قد يكسى الدهر فاضحي خلق....
- غيره:
إذا حكى لي طمع راحة ... قلت له: الراحة في اليأس
وإصلاح ما عندي وترقيعه ... أفضل من مسألة الناس
- غيره:
وأشعر قلبك اليأس ... من الناس تعش حرا
- كتب بعض الحكماء إلى أخ له: أما بعد، فلتفعل القنوع ذخرا، يبلغ به إلى أن تفتح لك باب تحسن الدخول فيه، فإن الثقة من القانع لا تخذلك، وعون الله مع ذي الأناة، وما أقرب الطمع من الملهوف....
من آداب الله، وخيره في العواقب، ولا تعجل على تمرة لم تدرك، فإنك تدركها......
لو أنها عذبة لك.
اعلم بالوقت الذي تصلح فيه لما....
فثق......
أن في أمورك أو كلها، والسلام.
آخر كتاب القناعة والحمد لله وحده، وصلواته على خير خلقه محمد، وآله، وصحبه وسلم تسليما كثيرا، اللهم صل على محمد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون ...
إن شاء الله من بعده، العبد الفقير إلى رحمته محمد بن أبي بكر ...
المحدث بجامع الأزهر، وغيره، عفا الله عنه....
آمين.