الباب الأول: البكاء الممدوح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- رقية المحارب
- الكتاب
- البكاء في الكتاب والسنة، بحث مقدم للحصول على التفرغ العلمي
- المؤلف
- رقية بنت محمد المحارب [الكتاب مرقم آليا]
خلق الإنسان ضعيفا يعتريه الحزن والخوف والفرح فتؤثر فيه الأحداث تأثيرا بليغا، فيحتاج إلى التنفيس عن باطنه المكبوت، وأحيانا يخونه التعبير أحوج ما يكون إليه فيكون دمع العين أبلغ تعبيرا وأكثر دلالة على الصدق من الألفاظ بل من الأيمان أحيانا، ويصور ذلك قوله تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (1) فالمتأمل لهذه الحادثة يدرك بجلاء ثناء الله تعالى على تلك القلوب المتعلقة بنصر دينه والرغبة الصادقة في مشاركة رسوله صلى الله عليه وسلم الجهاد بالنفس مع عدم المال وذات اليد، أما قوله تعالى: (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (2) فيشهد أن الأيمان المغلظة لم تجد شيئا أمام كذب القلوب، مع أن الكذب قد يتلبس به البكاء أيضا فالبكاء الكاذب ودموع التماسيح لا تجدي شيئا مع مخالفة الحال للمقال فهؤلاء أخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون، وكان إحساسه العميق بكذبهم -لمعرفته بغيرتهم وتخوفه من كيدهم مع صدق النبوءة- في محله.
ولما كان البكاء بهذه المثابة وله هذا الشأن كان منه ما مدحه الشارع ومنه ما ذمه، وسنتناول في هذا الباب البكاء الممدوح، والمدح يثبت بالثناء على فاعله بالكتاب أو بالسنة، ومن خلال الاستقصاء لأنواع البكاء الممدوح أستعرضه في العناوين التالية:
1. البكاء عند قراءة القرآن
12 عندما يستشعر المؤمن أن الله تعالى يخاطبه بكلامه، ويستشعر عظمة الله وجلاله ويستشعر أيضا أن هذا القرآن نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم مع تفكره في الدار الآخرة وما سيكون فيها من حساب وحشر وجزاء عندما يتخيل ذلك كله وهو يقرأ القرآن لا يملك سرعة ضربات قلبه وقشعريرة جلده فتدمع العين وتفيض حتى يبل دمعها الأقدام، وهذا الحال هو حال العارفين بربهم، وقد وصفهم في كتابه مثنيا عليهم بذلك حيث قال سبحانه: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) 1 قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان إذا يتلى عليهم القرآن لأذقانهم يبكون ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعا يعني خضوعا لأمر الله وطاعته واستكانة له" 2 بل ذلك عمل الأنبياء من قبل وقد أخبر المولى عن حالهم بقوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) 3 قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: "خروا سجدا وبكيا) أي: خضعوا لآيات الله وخشعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة ما أوجب لهم البكاء والإنابة والسجود لربهم" 4 وهو حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم أجمعين قال الجصاص في قوله تعالى: (ويزيدهم
خشوعا) " يعني به أن بكاءهم في حال السجود يزيدهم خشوعا إلى خشوعهم وفيه الدلالة على أن مخافتهم لله تعالى حتى تؤديهم إلى البكاء داعية إلى طاعة الله وإخلاص العبادة على ما يجب من القيام بحقوق نعمه" 1 والبكاء والتخشع أثناء قراءة القرآن والصلاة مندوب إليه مرغب فيه، قال القاسمي: " دل نعت هؤلاء ومدحهم بخرورهم باكين على استحباب البكاء والتخشع، فإن كل ما حمد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله تعالى بها من أحبه من عباده يلزم الاتصاف بها، كما أن ما ذم منها من مقته منهم يجب اجتنابه " 2
وهكذا دلت السنة المطهرة على استحباب البكاء عند قراءة القرآن فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن إبراهيم قال: " قال لي النبي صلى الله عليه وسلم (اقرأ علي قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل قال فإني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) 1 قال أمسك فإذا عيناه تذرفان" 2
وأخرج أيضا"عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين" 1
وقد تفتر النفوس وتركن إلى الدنيا فيقل بكاؤها وتجف دموعها؛ ولكن أبا بكر بقي على العهد لم تغيره الأحداث ولم تزده الأيام إلا رقة وخشوعا؛ لاسيما إذا كان يرتل القرآن بين يدي ربه وهو في صلاة، ولذا ازدادت رغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في استخلافه على الصلاة ولم يقبل اعتذار عائشة بنت أبي بكر عن أبيها بأنه رجل بكاء إذا صلى غلبه البكاء، وقد صح بذلك الخبر كما روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه مروا أبا بكر يصلي بالناس قالت عائشة: قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس فقالت عائشة فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مه إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل للناس فقالت حفصة لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا" 1
وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاؤون عند سماع القرآن الكريم، فعمر بن الخطاب رغم شدته وقوته وصلابته لم يكن يملك عينيه عند سماع القرآن، وتراه يقاوم الجهر ببكائه حتى يغلبه فيستحيل نشيجا تتقطع معه نياط القلب، حدث عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) 1
واشتهر ذلك عن كثير من الصحابة حتى عرفوا به وامتلأت سيرهم بروايات تدل على إخباتهم وبكائهم منهم عبد الرحمن بن عوف 1 ، وابن عمر 2 ، وعائشة 3 ، وأبو هريرة 4 ، وعبد الله بن رواحة 5 ، وابن عباس 6 ، وغيرهم.
وكل عاقل متأمل لآيات الله وقر اليقين في قلبه لا يملك دمع عينه، كما يدعوه ذلك إلى الارتقاء في مصاف المؤمنين، فهذا النجاشي تتلى عليه آيات القرآن فيبكي حتى تبل دموعه لحيته كما روي عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: " لما ضاقت علينا مكة فذكرت الحديث في هجرتهم إلى أرض الحبشة وما كان من بعثة قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليخرجهم من بلاده ويردهم عليهم وما كان من دخول جعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم على النجاشي، قال فقال النجاشي هل معكم شيء مما جاء به فقال له جعفر نعم فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مضاجعهم ثم قال إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء به موسى انطلقوا راشدين ثم ذكر الحديث في تصويرهما له أنهم يقولون في عيسى بن مريم عليه السلام أنه عبد فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال ما تقولون في عيسى بن مريم عليه السلام فقال له جعفر نقول هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول فدلى النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عويدا بين أصبعيه فقال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العويد ثم ذكر الحديث قالت فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه فوالله ما علمتنا حزنا حزنا قط كان أشد منه فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرف فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي فخرج إليه سائرا فقال أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بعضهم لبعض من رجل يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون فقال الزبير رضي الله عنه وكان من أحدثهم سنا أنا فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم خرج يسبح عليها في النيل حتى خرج من الشقة الأخرى إلى حيث التقى الناس فحضر الوقعة وهزم الله ذلك الملك وقتله وظهر النجاشي عليه فجاءنا الزبير رضي الله عنه فجعل يليح إلينا بردائه ويقول ألا
أبشروا فقد أظهر الله النجاشي فوالله ما فرحنا بشيء فرحنا بظهور النجاشي" 1 وقد يقسو القلب وتجمد العين فيتأبى الدمع، وحينئذ يضيق المرء بجفائه ويبحث في مبكيات تذيب تلك القسوة، فلا يجد أحسن من التباكي مع ترنيم القرآن والتغني به كما أخرج ابن ماجة في السنن من حديث عبد الرحمن بن السائب قال: (قدم علينا سعد بن أبي وقاص وقد كف بصره فسلمت عليه فقال من أنت فأخبرته فقال مرحبا بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا) 2
2. البكاء في الصلاة
وقد يكون البكاء عند قراءة القرآن والمرء في صلاة، فهل يفسد البكاء الصلاة؟
قال ابن بطال: " أجاز العلماء 1 البكاء في الصلاة من خوف الله عز وجل، واحتجوا بحديث عائشة وبفعل عمر.
وقال أشهب: قال مالك: قرأ عمر بن عبد العزيز في الصلاة، فلما بلغ (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى) 2 خنقته العبرة، فسكت، ثم قرأ، فنابه ذلك، ثم قرأ، فنابه ذلك، وتركها، وقرأ: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) 3
واختلفوا في الأنين والتأوه 4 ، فقال ابن المبارك: "إذا كان غالبا فلا بأس به " 5 .
وقال الشافعي 6 وأبو ثور 7 : "لا بأس به إلا أن يكون كلاما مفهوما".
وقالت طائفة: يعيد صلاته.
وهذا قول الشعبي 1 والنخعي 2 والكوفيين 3 . "اهـ
ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصيح أو يصرخ ببكائه، بل كان يكتمه حتى يضطرب جسده كما أخبر بذلك مطرف عن أبيه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوف أزيز كأزيز المرجل يعني يبكي) 4
3. البكاء من خشية الله
البكاء من خشية الله مقام عال ومطلب للصالحين عزيز؛ ذلك بأنه يترتب عليه ثواب عظيم وأجر جليل، وهو دلالة الإيمان وشعار اليقين؛ ولذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر فيما رواه عنه أبو هريرة قال: (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم) 1
والمقصود بالبكاء من خشية الله البكاء الخالص الذي لا تشوبه شائبة رياء ولا سمعة، وقد يكون ذلك من المرء خاليا وقد يكون وهو بحضرة آخرين، والغالب أن الدمع إذا نزل خشية لله في حال الخلوة أن يكون ذلك خالصا؛ لذا كان جزاؤه من جنس عمله فأمن الله خوفه بأن أظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، بما خشي وخاف في الدنيا التي أمن فيها كثير من الناس، روى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) 1
والخوف من الله تعالى وخشيته لا يورثها إلا العلم بالله تعالى، فعلى قدر العلم به تكون هيبته في النفوس لذا فإن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين كانوا أكثر الناس خوفا وشفقة منه كما قال الله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) 1 ويقول سبحانه عن الملائكة المقربين: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) 2 وقد كان صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه تعالى لذا كان يقول عن نفسه (أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له) 3 وجاء التصريح باستجلاب العلم للدموع فيما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط قال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين فقال رجل من أبي قال فلان فنزلت هذه الآية (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) 4
ومثله حديث أبي ذر قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا حتى ختمها ثم قال إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدر أربع أصابع إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى والله لوددت أني شجرة تعضد) 1 ووردت هذه الكلمة أيضا في سياق آخر روى ذلك عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه قال: (خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات غداة فقال سعرت النار لأهل النار وجاءت الفتن كقطع الليل المظلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) 2
وقد كان صلى الله عليه وسلم يرى ما لا يرى الناس كما يعلم ما لا يعلمون، ولذا فإنه يعظ أصحابه ويحذرهم مخالفة أمره لأن في المخالفة هلاكهم وتعرضهم لسخط مولاهم كما أخبر بذلك أنس رض الله عنه قال: (قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فلما قضي الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم أمامي ومن خلفي ثم قال والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قالوا وما رأيت يا رسول الله قال رأيت الجنة والنار) 1 ولخشية رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه تعالى وإشفاقه من لقائه كان دائم مراقبته والتذكير به، فلا يمر حدث إلا ويثير قلقه، إما على نفسه وإما على أمته، وإما عليهما جميعا فعن البراء قال: (كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا) 2
ومن مهيجات البكاء خشية من الله عز وجل أن يذكر المرء أن له ذنبا فيخاف أن يلقاه به، ثم لا يغفره ربه بل يؤاخذه به، أو أن يلقى ربه على مالا يريد من الإيمان والإخلاص والاتباع، ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله قال: (لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما قباء من ديباج 1 أهدي له ثم أوشك أن نزعه فأرسل به إلى عمر بن الخطاب فقيل له قد أوشك ما نزعته يا رسول الله فقال نهاني عنه جبريل فجاءه عمر يبكي فقال يا رسول الله كرهت أمرا وأعطيتنيه فما لي قال إني لم أعطكه لتلبسه إنما أعطيتكه تبيعه فباعه بألفي درهم) 2 فعمر رضي الله عنه خشي أن يكون فاعلا ما كره رسول الله صلى الله عليه أن يفعله فيتعرض لمقت الله وعقابه.
وقد يهيج البكاء ذكر النار وما فيها من عذاب كما روت عائشة رضي الله عنها: (أنها ذكرت النار فبكت فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يبكيك قالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل وعند الكتاب حين يقال ((هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)) 3 حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم) 4
ويزيد القلب ارتعادا والعين إدرارا معرفة نسبة من يدخل النار من أهل الدنيا، لاسيما مع استحضار هول الموقف وشدة الكرب ووصف النار كما روي عن عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لما نزلت ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ)) 1 ... إلى قوله: ((وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)) قال أنزلت عليه هذه وهو في سفر فقال أتدرون أي يوم ذلك فقالوا الله ورسوله أعلم قال ذلك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار فقال يا رب وما بعث النار قال تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة قال فأنشأ المسلمون يبكون فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية قال فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا قال لا أدري قال الثلثين أم لا) 2 ،
ومثله ما روي عن أبي الدرداء: (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله تعالى يقول يوم القيامة لآدم عليه السلام قم فجهز من ذريتك تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة فبكى أصحابه وبكوا ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفعوا رؤوسكم فوالذي نفسي بيده ما أمتي في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود فخفف ذلك عنهم) 1
ويهيج البكاء خشية الله تعالى والخوف من الوقوع فيما يسخطه دون شعور من صاحبه، مع أنه يبذل جهده تقى وصلاحا وعملا صالحا، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أنه خرج يوما إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فوجد معاذ بن جبل قاعدا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقال ما يبكيك قال يبكيني شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن يسير الرياء شرك وإن من عادى لله وليا فقد بارز الله بالمحاربة إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة) 1
على أن لا يستحيل ذلك يأسا وقنوطا؛ بل يتلازم هذا الخوف مع حسن الظن بالله تعالى والطمع في رحمته، فإنه رحيم بعباده وبهذين الشعورين يبقى المؤمن متوازنا لا يخاف فينقطع به اليأس عن العمل، ولا يرجو فيأمن حتى ينقطع عن العمل أيضا وكلا الطرفان تطرف مذموم، وما من دين توازن هذا التوازن.
وقد يبكي المرء خشية من الله أن يفتن هو أو أهله بفتنة تحرمه من لذيذ نعيم الله تعالى ومن هنيء مرضاته، كأن يكون على غير العهد الذي كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم - كما جاء في حديث أسماء بنت يزيد: (قالت كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم- في بيته فقال إذا كان قبل خروج الدجال بثلاث سنين حبست السماء ثلث قطرها وحبست الأرض ثلث نباتها فإذا كانت السنة الثانية حبست السماء ثلثي قطرها وحبست الأرض ثلثي نباتها فإذا كانت السنة الثالثة حبست السماء قطرها كله وحبست الأرض نباتها كله فلا يبقى ذو خف ولا ظلف إلا هلك فيقول الدجال للرجل من أهل البادية أرأيت إن بعثت إبلك ضخاما ضروعها عظاما أسنمتها أتعلم إني ربك فيقول نعم فتمثل له الشياطين على صورة إبله فيتبعه ويقول للرجل أرأيت إن بعثت أباك وابنك ومن تعرف من أهلك أتعلم أني ربك فيقول نعم فيمثل له الشياطين على صورهم فيتبعه ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبكى أهل البيت ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نبكي فقال ما يبكيكم فقلت يا رسول الله ما ذكرت من الدجال فوالله إن أمة أهلي لتعجن عجينها فما تبلغ حتى تكاد تفتت من الجوع فكيف نصنع يومئذ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفي المؤمنين عن الطعام والشراب يومئذ التكبير والتسبيح والتحميد ثم قال لا تبكوا فإن يخرج الدجال وأنا فيكم فأنا حجيجه وإن يخرج بعدي فالله خليفتي على كل مسلم) 1
ومن مهيجات البكاء أن يكره المرء على فعل معصية تأنف نفسه من فعلها فإذا تذكر نهي الله وعظم الذنب بكى كما روي عن بن عمر قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات ولكني سمعته أكثر من ذلك سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال ما يبكيك أأكرهتك قالت لا ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة فقال تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك وقال لا والله لا أعصي الله بعدها أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه إن الله قد غفر للكفل) 1
وحينما يتذكر المرء القبر، ويذكر أنه أول منازل الآخرة، وأول مراحل القدوم على الله تعالى لا يملك دمعة عينة خشية من الله وتعظيما للوقوف بين يديه كما روي عن هانئ مولى عثمان قال: (كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا فقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه قال وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ما رأيت منظرا قط إلا القبر أفظع منه) 1
ولا يبرح المؤمن أن يحاسب نفسه فإذا أوجس منها ظلما لعباد الله وعلم أنه محاسب ومقتص منه عاد على نفسه باللائمة، مؤنبا ومثربا فأعول وبكى كما جاء في حديث عائشة أن رجلا قعد بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم قال يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم أقتص لهم منك الفضل قال فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما تقرأ كتاب الله (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ) 1 الآية فقال الرجل والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم أشهدكم أنهم أحرار كلهم) 2
ويغلب عند الخشوع والخشية لله تعالى أن يرافق دمع العين قشعريرة في الجلد ووجل في القلب كما في قوله تعالى ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)) 1
وإذا بقي القلب قاسيا والعين جافة استحق العبد المعاتبة على هذا الجفاء كما في قوله تعالى ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)) 2
والذي جاءت به السنة الاعتدال في البكاء ولو كان من خشية الله خلافا لما يتكلفه بعض الناس من العويل الشديد والصراخ الذي يفزع الحاضرين ويذهب عنهم التفكر والتدبر، ويجلب الخوف الشديد الدافع لليأس من رحمة الله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وما يحصل عند الذكر المشروع من البكاء ووجل القلوب واقشعرار الجسوم فمن أفضل الأحوال التي جاء بها الكتاب، أما الاضطراب الشديد والغشي والصيحان؛ فإن كان صاحبه لم يعلم ما هو عليه لم يلم، وسببه قوة الوارد مع ضعف القلب، والقوة والتمكن أفضل، كما هو حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، وأما السكون قسوة وجفاء فهذا مذموم.
" 3
4. البكاء عند العجز عن تحصيل شيء من مراضي الله
عندما تتطلع النفوس العالية إلى القمة وترغب في الوصول إلى مرضاة من تحب تزيل كل عقبة في طريقها؛ لكن حينما تكون العقبة عائقة والوصول متعذر تنقطق النفوس إثرها وتخفق القلوب ويفارق العين الكرى فيبيت المؤمن في ألم وحسرة تدمع من شدتها عيون الرجال، كما يصور القرآن هذا المشهد الرائع في سورة التوبة (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) 1
وكما يبكي الصالحون على فوات فضل أو منزلة عند الله، فقد بكى قبلهم من هو خير منهم من الأنبياء والمرسلين كبكاء موسى صلى الله عليه وسلم لما فاته من كثرة التابعين الذين رآهم مع محمد صلى الله عليه وسلم، روى في الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حدثهم عن ليلة أسري به بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته وسمعته يقول من قصه إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود هو البراق يا أبا حمزة قال أنس نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم
المجيء جاء ففتح فلما خلصت إلى إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد - صلى الله عليه وسلم - قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فقلت ما هذان يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى
فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم قال فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) 1
وكما بكى سعد بن أبي وقاص خوفا من الموت في أرض غير التي هاجر إليها فعن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدثه عن أبيه (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على سعد يعوده بمكة فبكى قال ما يبكيك فقال قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا ثلاث مرار قال يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وإنما يرثني ابنتي أفأوصي بمالي كله قال لا قال فبالثلثين قال لا قال فالنصف قال لا قال فالثلث قال الثلث والثلث كثير إن صدقتك من مالك صدقة وإن نفقتك على عيالك صدقة وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة وإنك أن تدع أهلك بخير أو قال بعيش خير من أن تدعهم يتكففون الناس وقال بيده) 1
وقد يكون المانع من تحصيل ما حصله الآخرون من الأجر لا إراديا كأن تحيض المرأة في أيام فاضلة يصومها الناس كيوم عرفة أو عاشوراء أو تريد التمتع بالحج فلا تتمكن من ذلك لأجل الحيض فحينئذ تستشرف النفس ويحال بينها وبين ما تشتهي فتندفع العين بالدمع سحا، كما كان من شأن عائشة رضي الله عنها قالت: (خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في أشهر الحج وليالي الحج وحرم الحج فنزلنا بسرف قالت فخرج إلى أصحابه فقال من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه الهدي فلا قالت فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه قالت فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجال من أصحابه فكانوا أهل قوة وكان معهم الهدي فلم يقدروا على العمرة قالت فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال ما يبكيك يا هنتاه قلت سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة قال وما شأنك قلت لا أصلي قال فلا يضيرك إنما أنت امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن فكوني في حجتك فعسى الله أن يرزقكيها قالت فخرجنا في حجته حتى قدمنا منى فطهرت ثم خرجت من منى فأفضت بالبيت قالت ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصب ونزلنا معه فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا ثم ائتيا ها هنا فإني أنظركما حتى تأتياني قالت فخرجنا حتى إذا فرغت وفرغت من الطواف ثم جئته بسحر فقال هل فرغتم فقلت نعم فآذن بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس فمر متوجها إلى المدينة) 1
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبس أمته جمعا لئلا يفوت زوجته فضل ذهب الناس به، وحرمت منه وبقي قلبها متعلقا به فيا له من خلق عظيم وتقدير كريم تتقاصر دونه كل هامات العالم الزاعم كفالة حقوق المرأة.
ومثل هذا ما روته عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أم حبيبة بنت جحش ختنه 1 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي قالت عائشة فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء قال بن شهاب فحدثت بذلك أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال يرحم الله هندا لو سمعت بهذه الفتيا والله إن كانت لتبكي لأنها كانت لا تصلي) 2 يعني أنها كانت تبكي لأنها كانت تشعر بالعجز عن تحصيل مرضاة الله بالصلاة لكثرة ما كانت تستحاض فتدع الصلاة ظنا منها أن سائر خروج الدم مهما طال يمنع المرأة من الصلاة.
5. بكاء التوبة:
حينما يحرك المؤمن إلى الذنب شهوة أو شبهة أو غفلة لا يلبث أن يعود على نفسه بالملامة فيبقى ذنبه أمام عينيه ماثلا يخاف مغبته ويخشى عقوبته الدنيوية والأخروية فيحمله الندم على تدارك ما فات، فيعزم على تجنب الذنب وتأبى نفسه الوقوع فيه مرة أخرى؛ ولكن ما هي الحيلة فيما مضى! هل يعود اللبن إلى الضرع أم وقف عقارب الساعة وإرجاعها يمكن أن يرجع الزمان! هيهات هيهات.
وهنا تسكب العبرات حتى يتمنى أحدهم أن لم يكن خلق من قبل، أو مات قبل ذلك فكان نسيا منسيا، والمتتبع لسيرة المصفى صلى الله عليه وسلم يجده ذرف الدموع على مخالفة فعلها دون قصد منه، والسابر لسيرة أصحابه يجد من ذلك أمثلة كثيرة، قال ابن عباس: (حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) فأمده الله بالملائكة قال أبو زميل فحدثني بن عباس قال بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين قال أبو زميل قال بن عباس فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو بكر يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا بن الخطاب قلت لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنا
فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكني من فلان نسيبا لعمر فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عز وجل (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ إلى قوله فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً الأنفال فأحل الله الغنيمة لهم) 1 فمع أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد في اختيار ما رآه مناسبا إلا أنه لما عاتبه ربه حزن وندم وبكى توبة وإنابة وبكى معه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وثارت مشاعر الأخوة الحقة بين جنبي عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فشاركهما الحزن وآلى على نفسه أن يشركهما دون تردد سواء وجد باعثا من نفسه أو استدعى حبهما المشاركة والمشاطرة.
والدموع دليل الندم وهو شرط أساس في التوبة، فإذا لم يتحسر المذنب على خطيئته فإنه بلا ريب سيعاودها وكلما كان أشد ندما كان أكثر حذرا من تكرار المعاودة، فيصبح دائم الترقب شديد الحساسية، والموفق من أسبل دموعه على ذنوبه لعلها تغسل الحوبة وتثبت التوبة وممن شهد الله بصدق توبتهم ثلاثة أذنبوا فبكوا حتى تاب الله عليهم قال تعالى: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم) 1
أخرج البخاري عن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: (لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان قال كعب فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت اغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا
مغموصا 1 عليه النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه فقال معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كعب بن مالك فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك فقلت بلى إني والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلفون قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك فوالله ما