البكاء في الكتاب والسنةالباب الثاني: البكاء المذموم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثاني: البكاء المذموم

عن هذه الطبعة
عَلَم
رقية المحارب
الكتاب
البكاء في الكتاب والسنة، بحث مقدم للحصول على التفرغ العلمي
المؤلف
رقية بنت محمد المحارب [الكتاب مرقم آليا]

كما امتدح الله تعالى الذين يبكون من خشيته أو عند تلاوة كتابه مما أشرت إليه في الباب السابق مفصلا فقد ذم الله جل وعلا وذم رسوله صلى الله عليه وسلم أقواما يبكون لغير مراد مشروع، وقد جاءت صور لذلك البكاء المذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
1-

بكاء النياحة

حينما تصيب المؤمن مصيبة من فقد مال أو ولد أو والد أو قريب أو حبيب يأتي الشيطان محزنا فيضيق على العبد دنياه وكأنه يفنى إلى الأبد ولا لقاء في دار أخرى فتنقطع نياط القلب ويجد المصاب في قلبه حسرة ولجوفه زفرة ويحسن له الشيطان إظهار حزنه بالصراخ والعويل وشق الجيب ولطم الخد ويظن أن ذلك يخفف من ألمه أو ينفس عنه، والشيطان لا يزيده بذلك إلا ألما، لذا جاء النهي عن النياحة كما في حديث أبي مالك الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) 1

وفي ذلك روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف فيه الحزن قالت وأنا أنظر من صائر الباب شق الباب فأتاه رجل فقال يا رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاءهن فأمره أن يذهب فينهاهن فذهب فأتاه فذكر أنهن لم يطعنه فأمره الثانية أن يذهب فينهاهن فذهب ثم أتاه فقال والله لقد غلبننا يا رسول الله قالت فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذهب فاحث في أفواههن من التراب قالت عائشة فقلت أرغم الله أنفك والله ما تفعل ما أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء) 1 وبوب البخاري قال: (باب ما يكره من النياحة على الميت وقال عمر رضي الله عنه دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة والنقع التراب على الرأس واللقلقة الصوت) وذكر فيه حديث المغيرة رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من نيح عليه يعذب بما نيح عليه) 2 وأخرج فيه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (جيء بأبي يوم أحد قد مثل به حتى وضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سجي ثوبا فذهبت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي ثم ذهبت أكشف عنه فنهاني قومي فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع فسمع صوت صائحة فقال من هذه فقالوا ابنة عمرو أو أخت عمرو قال فلم تبكي أو لا تبكي فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع) 3

والمقصود يالنياحة هنا التصويت بالجزع وتكلف البكاء لأجل التحزين، وكان العرب يسمون المشاركة في النياحة إسعادا ويرون واجبا عليهم أن ينوحوا مع من ناح عليهم،كما في حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لا يشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها فقالت أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فانطلقت ورجعت فبايعها) 1 وفي هذه العادة الجاهلية مناقضة لما جاء به الإسلام من الحث على الصبر والاحتساب لذا جاء النهي عنها والتغليظ والتشديد في النهي كما سبق، ولا يفهم من ترك النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة لتذهب للمشاركة في النياحة أن ذلك إقرار لها، بل هو من عدم قبول بيعتها، وإنما تركها لتعمل عمل الجاهلية لبقائها عليها فلما أنهت علاقتها بالجاهلية وعملها بايعها.
ومما يدل على إنكار النبي صلى الله عليه وسلم للنياحة والإسعاد فيها حديث أم سلمة قالت: (لما مات أبو سلمة قلت غريب وفي أرض غربة لأبكينه بكاء يتحدث عنه فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه مرتين فكففت عن البكاء فلم أبك) 2

وكل ما صاحب البكاء عند المصيبة من شق جيب ولطم خد وتصويت وتلفظ بما يدل على الجزع والسخط يعد من النياحة سواء كان ذلك من المبتلى أو من المساعد له من قرابته، وبعضهم يستأجر من ينوح له ويبكي ميته، وهذا داخل في النهي فعن عبد الله رضي الله عنه قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) 1 لذا وعظ النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي تبكي بجزع وأراد عزاءها فلم تستجب حتى لامها من بحضرتها لسوء ردها على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء بذلك الخبر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري قالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى) 2

ولا يعني ذلك النهي عن البكاء عند الحزن مطلقا؛ بل البكاء الذي لا يملك له المرء دفعا يدخل في المباح الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأقره وسيأتي تفصيل ذلك في الباب التالي إن شاء الله.
2-

بكاء التصنع والكذب

لما كانت المشاعر دليلا على الصدق في الغالب استغل ذلك من لا حجة له ولا برهان ليأخذ حقا ليس له أو يدفع عن نفسه تهمة ذنب اقترفه فيتظاهر بالبكاء ليخدع الناس وليشعر بأنه مظلوم، كما فعل أخوة يوسف حينما بلغت بهم الغيرة درجة الانتقام من أخيهم، فألقوه في البئر وجاءوا أباهم يبكون كما قص القرآن علينا نبأهم وأخبرنا الله تعالى بشأنهم في قوله: (وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) (1) قال القرطبي: " قال علماؤنا هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله لاحتمال أن يكون تصنعا فمن الخلق من يقدر على ذلك ومنهم من لا يقدر وقد قيل إن الدمع المصنوع لا يخفى كما قال حكيم إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى" (2)

فصول الكتاب · 4 فصل · 108 صفحة
جارٍ التحميل