الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواءالمبحث الرابع:
أهل الأثرالأرشيف العلمي

في معنى قوله: "والسؤال عنه بدعة" والضوابط المستفادة منه قوله رحمه الله: "والسؤال عنه بدعة" أي: الكيف، فالسؤال عن كيفية صفات الباري بدعة محدثةٌ، "لأنَّه سؤال عما لا سبيل إلى علمه، ولا يجوز الكلام فيه، ولم يسبق ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من بعده من أصحابه"1.
قال الإمام البربهاري رحمه الله: "احذر صغار المحدثات مِن الأمور، فإنَّ صغارَ البدع تعود كباراً، فالكلام في الربِّ عز وجل مُحدثٌ وبدعة وضلالة، فلا نتكلّم فيه إلاَّ بما وصف به نفسه، ولا نقول في صفاته: (لِمَ؟)، ولا (كيف؟)، والقرآن كلام الله وتنزيلُه ونوره ليس مخلوقاً، والمِراء فيه كفر"2.
وهذا من السنة اللازمة المتأكّدة في حق كلِّ مسلم، ومَن فارق ذلك كان معدوداً في جملة أهل البدع والأهواء، كما قال الإمام علي بن المديني رحمه الله: "السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشرّه، ثم تصديق بالأحاديث والإيمان بها لا يُقال: لِمَ؟، ولا كيف؟ إنَّما هو التصديق بها والإيمان بها وإن لم يعلم تفسير الحديث ويبلغه عقلُه فقد كفى ذلك وأحكم عليه الإيمان به والتسليم"3.
ثم إنَّه خوض في أمرٍ محالٍ على العقول أن تدركه، فكما أنَّ بصر الإنسان له غاية لا يمكن أن يتجاوزها، وكما أنَّ سمعه له غاية لا يمكن أن يتجاوزها، فكذلك

عقله له نطاق محدّد، ومجال لا يمكن أن يتجاوزه.
يروى أنَّ رجلاً أتى بابن له إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال: "لقد حيّرت الخصومة عقله، وأذهبت المنازعة قلبه، وذهبت به الكلفة عن ربه، فقال عبد الله: امدد بصرك يا ابن أخي ما السواد الذي ترى؟ قال: فلان، قال: صدقت، قال: فما الخيال المسرف من خلفه؟ قال: لا أدري، قال عبد الله: يا ابن أخي فكما جعل الله لأبصار العيون حداًّ محدوداً من دونها حجاباً مستوراً فكذلك جعل لأبصار القلوب غاية لا يجاوزها، وحدوداً لا يتعدّاها، قال: فردّ الله عليه غارب عقله، وانتهى عن المسألة عما لا يعنيه، والنظر فيما لا ينفعه، والتفكر فيما يحيِّره"1.
وهو كلام حسن وتنظير سديد وإن كان لم يثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما2والأمر كما ذكر، فكما أنَّ الله جعل لأبصار العيون حدوداً معلومة فكذلك الشأن في أبصار القلوب، لها مجال محدود لا يمكنها أن تتجاوزه أو تتعدّاه.
أورد هذا الأثر ابن بطة في كتابه الإبانة وقال معلِّقاً عليه: "فاتقوا الله يا معشر المسلمين وانتهوا عن معرفة خلقه، أما تعلمون أنَّ الله عز وجل قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلاّ الحق، فسبحان الله أنى تؤفكون"3.
وقد عقد الإمام ابن بطة رحمه الله في هذا الموضوع باباً نافعاً في كتابه الإبانة

وهو (باب ترك السؤال عما لا يعني البحث والتنقير عما لا يضر جهله والتحذير من قوم يتعمّقون في المسائل ويتعمّدون إدخال الشكوك على المسلمين) 1. أورد تحته جملة من النصوص والآثار منها: 1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فاعملوا منه ما استطعتم" 2. 2- حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي قال: "هلك المتنطِّعون" ثلاث مرات.3
3- عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلاّ عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض كلُّهن في القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ﴾ 4، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ 5، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى﴾ 6، ﴿وَيَسَأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ 7 ما كانوا يسألون إلاّ عمّا ينفعهم".
4- حديث المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله عز وجل كره لكم ثلاثاً: قيل وقال وكثرة السؤال" 8.

5- وعن ابن شبرمة رحمه الله قال: "من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسؤول أن يجيب فيها".
6- وعن عمران بن عبد الله الخزاعي قال: مرّ القاسم بن محمد بقوم يتكلّمون في القدر فقال: "انظروا ما ذكر الله في القرآن فتكلموا فيه وما كفّ الله عنه فكفُّوا".
7- وعن إبراهيم النخعي قال: "كانوا لا يسألون إلاّ عن الحاجة".
8- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إذا أراد الله بعبد خيراً سدده وجعل سؤاله عما يعنيه وعلمه فيما ينفعه".
وذكر آثاراً أُخر ثم قال: "فالعجب يا إخواني رحمكم الله لقوم حيارى تاهت عقولهم عن طرقات الهدى، فذهبت تند محاضره في أودية الردى، تركوا ما قدّمه الله عز وجل في وحيه وافترضه على خلقه، وتعبَّدَهم بطلبه وأمرهم بالنظر والعمل به، وأقبلوا على ما لم يجدوه في كتاب ناطق ولا تقدمهم فيه سلَف سابق، فشغلوا به وفرّغوا له آراءهم وجعلوه ديناً يدعون إليه ويعادون من خالفهم عليه، أما علم الزائغون مفاتيح أبواب الكفر ومعالم أسباب الشرك، التكلف لما لم تحط الخلائق به علماً به، ولم يأت القرآن بتأويله ولا أباحت السنة النظر فيه، فتزيد الناقص الحقير والأحمق الصغير بقوته الضعيفة، وعقله القصير، أن يهجم على سر الله المحجوب، ويتناول علمه بالغيوب يريدها لنفسه، وطوى عليها علمها دون خلقه، فلم يحيطوا من علمها إلاّ بما شاء، ولا يعلمون منها إلاّ ما يريد، فكلما لم ينزل الوحي بذكره ولم تأت السنة بشرحه من مكنون علم الله ومخزون غيبه وخفي أقداره فليس للعباد أن يتكلّفوا من علمه ما لا يعلمون، ولا يتحمّلوا من نقله ما لا يطيقون، فإنه لن يعدو رجل كلف ذلك نظره وقلّب فيه فكره أن يكون كالناظرين في عين الشمس ليعرف قدرها، أو

كالمرتمي في ظلمات البحور ليدرك قعرها، فليس يزداد على المضي في ذلك إلاّ بعداً، ولا على دوام النظر في ذلك إلاّ تحيُّراً، فليقبل المؤمن العاقل ما يعود عليه نفعه، ويترك إشغال نظره وإعمال فكره في محاولة الإحاطة بما لم يكلفه، ومرام الظفر بما لم يطوقه، فيسلك سبيل العافية، ويأخذ بالمندوحة الواسعة ويلزم الحجة الواضحة والجادة السابلة والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به والمخالفة إلى ما ينهى عنه، يقع والله في بحور المنازعة وأمواج المجادلة ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه والمخالفة لأمره والتعدي لحدوده، والعجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين فإذا هو خصيم مبين، كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه، أما يعلمون أنَّ الله عز وجل قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلاّ الحق فسبحان الله أنى تؤفكون.
حدّثني ابن الصواف، قال: سمعت أبي يقول: سمعت بعض العلماء يقول: "لو كلَّف الله هؤلاء ما كلَّفوه أنفسهم من البحث والتنقير لكان من أعظم ما افترضه عليهم".
فالزموا رحمكم الله الطريق الأقصد والسبيل الأرشد والمنهاج الأعظم من معالم دينكم وشرائع توحيدكم التي اجتمع عليها المختلفون واعتدل عليها المعترفون ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ 1، وترك الدخول في الضيق الذي لم نخلق له"2.

فصول الكتاب · 22 فصل · 93 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواء · 93 صفحة
مقدمة...المبحث الأول: ترجمة موجزة للإمام مالك بن أنس - رحمه الله...المبحث الثاني: في ذكر معتقد أهل السنة والجماعة في صفة الاستواء بإيجازالمبحث الثالث: في بيان أهميّة القواعد وعظم نفعها في معرفة صفات الباريالمبحث الأوَّل: تخريج هذا الأثر وبيان ثبوته عن الإمام مالك - رحمه الله -المبحث الثاني: ذكر الشواهد على هذا الأثر من الكتاب والسنةالمبحث الثالث: ذكرُ نظائر هذا الأثر مما جاء عن السلف الصالحالمبحث الرابع: ذكر كلام أهل العلم في التنويه بهذا الأثر وتأكيدهم على أهميته، وجعله قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفاتالمقدمة...المبحث الأوّل:المبحث الأوّل:المبحث الثاني:المبحث الثالث:المبحث الرابع:الفصل الثالث: في إبطال تحريفات أهل البدع لهذا الأثرالفصل الرابع: في ذِكر فوائد عامة مأخوذة من هذا الأثرالمبحث الأول:المبحث الأول:المبحث الثاني:المبحث الثالث:الخاتمةمصادر ومراجع...
جارٍ التحميل