الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواءالمبحث الرابع: ذكر كلام أهل العلم في التنويه بهذا الأثر وتأكيدهم على أهميته، وجعله قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المبحث الرابع: ذكر كلام أهل العلم في التنويه بهذا الأثر وتأكيدهم على أهميته، وجعله قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات

لا ريب في صحة هذا الأثر وثبوته عن إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس - رحمه الله -، وحسنه وقوّة دلالته، وقد تلقّاه أهل العلم بالقبول، واستحسنوه واستجادوه، واعتبروه من أحسن جواب وأنبل جواب قيل في هذه المسألة، وجعلوه قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات تطبق في جميع الصفات، فيُقال في كلِّ صفة ما قاله الإمام مالك - رحمه الله - في صفة الاستواء، وقد سبق أن مرّ معنا في مبحث مستقلّ تخريج هذا الأثر وبيان ثبوته عن الإمام مالك - رحمه الله -. وسأتناول في هذا المبحث أمرين: 1- ذكر بعض النقول عن أهل العلم في استحسانه والثناء عليه.
2- ذكر بعض النقول عنهم في عدِّهم له قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات.
أولاً: أما كلام أهل العلم في استحسانه واستجادته وتلقيه بالقبول فكثير جدًّا، ولهذا لا يخلو في الغالب كتاب من كتب العقيدة لأهل السنة والجماعة من ذكر هذا الأثر والاستشهاد به والثناء عليه.
ومما جاء عن أهل العلم في الثناء على هذا الأثر واستحسانه ما يلي:

1- قال الإمام أبو سعيد الدارمي عقِب روايته لهذا الأثر في كتابه الرد على الجهمية: "وصدق مالك، لا يُعقل منه كيف، ولا يُجهل منه الاستواء، والقرآن ينطق ببعض ذلك في غير آية"1.
2- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقول مالك من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشدّه استيعاباً؛ لأنَّ فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعقول، وقد ائتمَّ أهل العلم بقوله واستجادوه واستحسنوه"2.
وقال أيضاً: "وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس في أهل السنة من ينكره"3.
وقال أيضاً: "فإنَّه قد رُوي من غير وجه أنَّ سائلاً سأل مالكاً عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟، فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء، ثم أمر به فأُخرج، ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك، وقد رُوي هذا الجواب عن أمِّ سلمة - رضي الله عنها - موقوفاً ومرفوعاً، ولكن ليس إسناده مما يُعتمد عليه، وهكذا سائر الأئمة قولهم يُوافق قول مالك في أنّا لا نعلم كيفية استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته، ولكن نعلم المعنى الذي دلَّ عليه الخطاب، فنعلم معنى الاستواء، ولا نعلم كيفيته، وكذلك نعلم معنى النزول ولا نعلم كيفيته، ونعلم معنى السمع والبصر والعلم والقدرة، ولا نعلم كيفية ذلك، ونعلم معنى الرحمة والغضب والرضا والفرح والضحك ولا نعلم كيفية ذلك"4.

3- وقال الذهبي - رحمه الله -: "هذا ثابت عن مالك، وتقدّم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة: أنَّ كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأنَّ استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنَّه كما يليق به، ولا نتعمّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً ولا إثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنَّه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقيناً مع ذلك أنَّ الله - جلَّ جلاله - لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً"1.
4- وقال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية: (ومما استُحسن من كلام مالك أنَّه سُئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ : كيف استوى؟، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فلتُجرَ آية الاستواء والمجيء وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ 2، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ 3، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ 4، وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا"5.
5- وقال الإمام البغوي في تفسيره: "فأمَّا أهل السنة يقولون: الاستواء على العرش صفة الله تعالى بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكِلُ العلم فيه إلى الله عز وجل، وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ

اسْتَوَى﴾ : كيف استوى؟، فأطرق رأسه مليًّا وعلاه الرَّحضاء ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلاَّ ضالاًّ، ثم أمر به فأُخرج، وروي عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهات: أمِرُّها كما جاءت بلا كيف"1.
6- وقال ملا علي القاري: "ونِعم ما قال الإمام مالك - رحمه الله - حيث سُئل عن ذلك الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وهذه طريقة السلف وهي أسلم، والله أعلم"2.
ومع ذلك فقد قال بعض جُهّال المعاصرين بعد محاولة فاشلة لتضعيف هذا الأثر: "وعلى أيٍّ فالقضية تبقى رأياً من عالم غير ملزم للناس ولا قاطع للجدل والفهم، ولا محدد لفهم واحد، بل لكلّ متّسع فيما يرى"3.
فالجهمي له متسع، والمعتزلي له متسع، والأشعري له متّسع، فالله وحده المستعان.
ثانياً: أما عدّ أهل العلم لهذا الأثر قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات فمن ذلك: 1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟، قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما - رضي الله عنهما -: الاستواء

معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنَّه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا؟، قيل له: كيف هو؟، فإذا قال: لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره، وتكليمه، واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته"؟! 1.
وقال أيضاً: "ومن أوَّل الاستواء بالاستلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك وسلك غير سبيله، وهذا الجواب من مالك –رحمه الله- في الاستواء شافٍ كافٍ في جميع الصفات مثل: النزول والمجيء، واليد، والوجه، وغيرها، فيقال في مثل النزول: النزول، معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهكذا يُقال في سائر الصفات؛ إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة"2.
2- وقال العلاّمة ابن القيم رحمه الله: "وهذا الجواب من مالك رضي الله عنه شافٍ، عامّ في جميع مسائل الصفات، فمن سأل عن قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأرَى﴾ 3 كيف يسمع ويرى؟، أجيب بهذا الجواب بعينه، فقيل له: السمع والبصر معلوم، والكيف غير معقول، وكذلك من سأل عن العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرضى، والرحمة، والضحك، وغير ذلك، فمعانيها كلها مفهومة، وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعقُّل الكيفية فرع

العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معقول للبشر، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟!.
والعصمة النافعة في هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل تثبِتُ له الأسماء والصفات، وتنفِي عنه مشابهة المخلوقات.
فيكون إثباتُك منزَّهاً عن التشبيه، ونفيُك منزَّهاً عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطِّل، ومن شبّهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثِّل، ومن قال: استواء ليس كمثله شيءٌ فهو الموحِّد المنزِّه.
وهكذا الكلام في السمع والبصر والحياة والإرادة والقدرة واليد والوجه والرضى والغضب والنزول والضحك، وسائر ما وصف الله به نفسه"1.
3- وقال الشيخ العلاّمة عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله -: "سُئل الإمام مالك - رحمه الله - وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ : كيف الاستواء؟، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فبيّن أنَ الاستواء معلوم، وأنَّ كيفية ذلك مجهول، وهكذا يُقال في كلِّ ما وصف الله به نفسه"2.
4 - وقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي: "واعلموا أنّ آيات الصفات كثير من الناس يُطلق عليها اسم المتشابه وهذا من جهة غلطٌ، ومن جهة قد يسوغ كما يثبته الإمام مالك بن أنس، أما المعاني فهي معروفة عند العرب كما قال الإمام مالك بن أنس - رحمه الله -: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة"، كذلك يقال في النزول: النزول

غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، واطّرده في جميع الصفات؛ لأنَّ هذه الصفات معروفة عند العرب، إلاّ أنَّ ما وصف به خالق السموات والأرض منها أكمل وأجلّ وأعظم من أن يشبه شيئاً من صفات المخلوقين، كما أنَّ ذات الخالق - جلّ وعلا - حق والمخلوقون لهم ذوات، وذات الخالق - جلّ وعلا - أكمل وأنزه وأجلّ من أن تشبه شيئاً من ذوات المخلوقين"1.
وللبحث صلة تأتي في العدد القادم إن شاء الله تعالى وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

فصول الكتاب · 22 فصل · 93 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواء · 93 صفحة
مقدمة...المبحث الأول: ترجمة موجزة للإمام مالك بن أنس - رحمه الله...المبحث الثاني: في ذكر معتقد أهل السنة والجماعة في صفة الاستواء بإيجازالمبحث الثالث: في بيان أهميّة القواعد وعظم نفعها في معرفة صفات الباريالمبحث الأوَّل: تخريج هذا الأثر وبيان ثبوته عن الإمام مالك - رحمه الله -المبحث الثاني: ذكر الشواهد على هذا الأثر من الكتاب والسنةالمبحث الثالث: ذكرُ نظائر هذا الأثر مما جاء عن السلف الصالحالمبحث الرابع: ذكر كلام أهل العلم في التنويه بهذا الأثر وتأكيدهم على أهميته، وجعله قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفاتالمقدمة...المبحث الأوّل:المبحث الأوّل:المبحث الثاني:المبحث الثالث:المبحث الرابع:الفصل الثالث: في إبطال تحريفات أهل البدع لهذا الأثرالفصل الرابع: في ذِكر فوائد عامة مأخوذة من هذا الأثرالمبحث الأول:المبحث الأول:المبحث الثاني:المبحث الثالث:الخاتمةمصادر ومراجع...
جارٍ التحميل