الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواءالفصل الثالث: في إبطال تحريفات أهل البدع لهذا الأثر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

رغم أنَّ كلام الإمام مالك رحمه الله واضح غايةَ الوضوح، ظاهر مراده به تمام الظهور، من خلال سياق الأثر نفسه، ومن خلال القصة التي ورد فيها، ومن خلال منهج الإمام مالك في الصفات عموماً، ومن خلال أيضاً مقارنته بأقوال غيره من أئمة السلف، إلاّ أنَّ أهل الأهواء قد فهم بعضهم من كلامه رحمه الله خلاف ما أراد، وبنوا عليه خلاف ما قصد.
والإمام مالك رحمه الله وغيره من أئمة السلف كالشافعي وأحمد وابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي وغيرهم يُنقل عنهم نقول كثيرة في تقرير العقيدة وإثبات الصفات والرد على المعطِّلة وذمّ المبتدعة وهجرانهم وعقوبتهم "وهذه الأقوال سمعها طوائف مِمَّن اتبعهم وقلّدهم ثم إنَّهم يخلطون في مواضع كثيرة السنة والبدعة، حتّى قد يبدّلون الأمر، فيجعلون البدعة التي ذمّها أولئك هي السنة، والسنة التي حمدها أولئك هي البدعة، ويحكمون بموجب ذلك، حتى يقعوا في البدع والمعاداة لطريق أئمتهم السنيّة، وفي الحب والموالاة لطريق المبتدعة التي أمر أئمتهم بعقوبتهم، ويلزمهم تكفير أئمتهم ولعنهم والبراءة منهم..... ومن أمثلة ذلك: أنَّ كلام مالك في ذم المبتدعة وهجرهم وعقوبتهم كثير، ومن أعظمهم عنده الجهمية الذين يقولون: إنَّ الله ليس فوق العرش، وإنَّ الله لم يتكلّم بالقرآن كله، وإنَّه لا يُرى كما وردت به السنة، وينفون نحو ذلك من الصفات.

ثم إنَّه كثير من المتأخّرين من أصحابه من ينكر هذه الأمور، كما ينكرها فروع الجهمية، ويجعل ذلك هو السنة، ويجعل القول الذي يخالفها، وهو قول مالك وسائر الأمة السنة هو البدعة، ثم إنه مع ذلك يعتقد في أهل البدعة ما قاله مالك، فبدّل هؤلاء الدين فصاروا يطعنون في أهل السنة"1.
وقول الإمام مالك رحمه الله الذي هو موضوع هذه الدراسة ناله شيء من هذا الذي سبق الإشارة إليه، حيث فُهم منه أمورٌ لم يُرِدْها رحمه الله، وذلك من قِبل من تأثّر بالمناهج الكلامية والطرق الفلسفية، فإنَّ مثل هؤلاء يأتون إلى أقوال الأئمة بل إلى نصوص القرآن والسنة وهم يحملون تصوُّرات مسبقة وعقائد راسخة لا تمتُّ إلى الحق بصلة، ثم يحاولون جاهدين صرف النصوص إلى عقائدهم وحملها على أهوائهم بطرُقٍ متكلَّفة، ورحم الله الإمام ابن القيم إذ يقول: "وما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة، ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال جداً، وإن ساعد الله أفردنا لها كتاباً"2.
وقد ظنَّ هؤلاء أنَّ طريقة الإمام مالك رحمه الله وغيره من أئمة السلف هي مجرّد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لمعانيها بمنزلة الذين قال الله فيهم ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ 3 وسبب ذلك هو اعتقاد هؤلاء أنَّ النصوص لم تدل على صفة حقيقية لله عز وجل، لأنَّ ثبوتها يلزم منه بزعمهم التشبيه، فحملتهم هذه الظنون الفاسدة والاعتقادات المنحرفة إلى تحريف أقوال الأئمة رحمهم الله.

وسأقتصر في التمثيل على ذلك بنقلين عن اثنين من المعاصرين حول ما فهماه من كلامه رحمه الله، ثم أوضِّح ما في ذلك من انحراف وفساد وشطط في فهم كلام الإمام مالك رحمه الله.
1- قال الكوثري معلِّقاً على أثر الإمام مالك: "الاستواء معلوم يعني مورده في اللغة والكيفية التي أرادها الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة، فمن يقدر أن يعيِّنها؟ فتحصّل لك من كلام إمام المسلمين مالك أنَّ الاستواء معلوم وأنَّ ما يجوز على الله غير متعيّن وما يستحيل عليه هو منزّه عنه"1.
ففهم من كلام الإمام مالك رحمه الله أنَّه أراد تفويض المعنى، لأنَّ الاستواء بزعمه مورده في اللغة جاء على معان عديدة ولا يُدرى ما المقصود بالاستواء المضاف إلى الله منها، ولهذا قال: "والكيفية التي أرادها الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة فمن يقدر أن يعيِّنها؟ ". ولهذا قال في تعليقه على الأسماء والصفات للبيهقي: "الاستواء الثابت له جلّ جلاله استواء يليق بجلاله على مراد الله ومراد رسوله من غير خوض في المعنى كما هو مسلك السلف"2.
2- وقال البوطي بعد ما قرّر أنَّ مذهب الخلَف هو تأويل النصوص: "وهكذا فقد كان بوسع الإمام مالك رحمه الله أن يقول في عصره لذلك الذي سأله عن معنى الاستواء في الآية: "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، إذ كان العصر عصر إيمان

ويقين راسخين، بسبب قرب العهد بعصر النبوة، وامتداد الإشراق إليه، ولكن لم يكن بوسع الأئمة الذين قاموا في عصر التدوين وازدهار العلوم، واتّساع حلقات البحث وفنون البلاغة أن يسلِّموا ذلك التسليم دون أن يحلِّلوا هذه النصوص على ضوء ما انتهوا إليه من فنون البلاغة والمجاز، خصوصاً أنَّ فيهم الزنادقة الذين لا يقنعهم منهج التسليم ويتظاهرون بالحاجة إلى الفهم التفصيلي وإن كانوا في حقيقة الأمر معاندين.
والمهم أن تعلم بأنَّ كلا المذهبين متّجهان إلى غاية واحدة، لأنَّ المآل فيهما إلى أنَّ الله عز وجل لا يشبهه شيء من مخلوقاته، وأنَّه منزَّه عن جميع صفات النقص، فالخلاف الذي تراه بينهما خلاف لفظي وشكلي فقط"1.
فظنَّ أنَّ مذهب السلف ومنهم الإمام مالك رحمه الله هو تفويض المعاني وإمرار الألفاظ بدون فهمٍ لما تدل عليه، وقرّر أنَّ السلف كانوا يقطعون بأنَّ ظاهر نصوص الصفات غير مراد وأوَّلها تأويلاً إجمالياً، حيث قال قبل كلامه هذا: "فمذهب السلف هو عدم الخوض في أيِّ تأويل أوتفسير تفصيلي لهذه النصوص والاكتفاء بإثبات ما أثبته الله تعالى لذاته مع تنزيهه عز وجل عن كلِّ نقص ومشابهة للحوادث، وسبيل ذلك التأويل الإجمالي لهذه النصوص وتحويل العلم التفصيلي بالمقصود منها إلى علم الله عز وجل، أما ترك هذه النصوص على ظاهرها دون أيِّ تأويل سواء كان إجمالياً أو تفصيلياً فهو غير جائز وهو شيء لم يجنح إليه سلف ولا خلَف... "2.

ولا ريب أنَّ هذا الذي قرّره البوطي هنا ومن قبله الكوثري ومن قبلهما عامة المتكلِّمين يعدُّ افتراء على السلف الصالح رحمهم الله وتقويلاً لهم لشيء لم يقولوه، وقد جمع هؤلاء فيما نسبوه إلى السلف بين أخطاء عديدة أهمّها: 1- تجهيل السلف الصالح رحمهم الله حيث وصفوهم بأنهم لا يفهمون معاني نصوص الصفات، بل يقرأونها قراءة مجرّدة بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلاّ أمانيّ، وأيُّ تجهيل لهم أعظم من هذا.
2- الجهل بمذهب السلف الصالح، وأيُّ جهل بمذهب السلف الصالح رحمهم الله أعظم من هذا.
3- الكذب على السلف عندما نسبوا إليه عدم فقه المعاني.
4- تكذيب القرآن الكريم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ 1 وأيُّ تبيان في كلمات لا يدرى ما معناها.
5- فتح باب الشر للفلاسفة والقرامطة وغيرهم لنشر ضلالهم وباطلهم فقالوا لهؤلاء المفوِّضة أنتم لا تعرفون شيئاً، ونحن نعرف كيف ننزِّه الله فعطّلوا صفاته بأنواع من التحريفات.
6- تفضيل طريقة الخلف على طريقة السلف، ولهذا قال أرباب هذه المقالة إنَّ مذهب السلف أسلم ومذهب الخلَف أحكم وأعلم.
إلى غير ذلك من الأخطاء والمفاسد التي ترتبت على اعتقاد هؤلاء في مذهب السلف أنَّه التفويض، وعدم إثبات الصفات التي دلّت عليها النصوص ومن يتأمل الأمر حقيقة يجد أنَّ "السلف كلهم أنكروا على الجهمية النفاة، وقالوا بالإثبات وأفصحوا به، وكلامهم في الإثبات والإنكار على النفاة أكثر

من أن يمكن إثباته في هذا المكان، وكلام الأئمة المشاهير: مثل مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وأئمة أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، موجود كثير لا يحصيه أحد.
وجواب مالك في ذلك صريح في الإثبات، فإنَّ السائل قال له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" وفي لفظ: "استواؤه معلوم، أو معقول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فقد أخبر رضي الله عنه بأنَّ نفس الاستواء معلوم، وأنَّ كيفية الاستواء مجهولة، وهذا بعينه قول أهل الإثبات.
وأما النفاة فما يثبتون استواء حتى تجهل كيفيته، بل عند هذا القائل الشاك وأمثاله أنَّ الاستواء مجهول غير معلوم، وإذا كان الاستواء مجهولاً لم يحتج أن يُقال: الكيف مجهول، لا سيما إذا كان الاستواء منتفياً، فالمنتفي المعدوم لا كيفية له حتى يُقال: هي مجهولة أو معلومة، وكلام مالك صريح في إثبات الاستواء، وأنَّه معلوم، وأنَّ له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن.
ولهذا بَدَّع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية، فإنَّ السؤال إنّما يكون عن أمر معلوم لنا، ونحن لا نعلم كيفية استوائه، وليس كلُّ ما كان معلوماً وله كيفية تكون تلك الكيفية معلومة لنا، يبيّن ذلك أنَّ المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك أنَّه قال: "الله في السماء وعلمه في كلِّ مكان"، حتى ذكر ذلك مكيّ - خطيب قرطبة - في كتاب التفسير الذي جمعه من كلام مالك، ونقله أبو

عمرو الطلمنكي، وأبو عمر بن عبد البر، وابن أبي زيد في المختصر، وغير واحد، ونقله أيضاً عن مالك غير هؤلاء ممّن لا يُحصى عددُهم، مثل أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، والأثرم، والخلال، والآجري، وابن بطة، وطوائف غير هؤلاء من المصنّفين في السنة، ولو كان مالك من الواقفة أو النفاة لم ينقل هذا الإثبات"1.
وقد ألزم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هؤلاء القائلين بأنَّ مذهب السلف التفويض بسبعة لوازم، لا فكاك لهم منها ولا مناص لهم عنها، وهي تنادي على مذهبهم بالإبطال: أحدها: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيّه من هذه الألفاظ ما يضلّهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل.
الثاني: أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب لهم ولم يُفصح به، بل رمز إليه رمزاً، وألغزه ألغازاً لا يفهم من ذلك إلاَّ بعد الجهد الجهيد.
الثالث: أن يكون قد كلَّف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلّفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك.
الرابع: أنَّه يكون دائماً متكلّماً في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوّعة من الخطاب تارة بأنَّه استوى على عرشه، وتارة بأنَّه فوق عباده، وتارة بأنَّه العليّ الأعلى، وتارة بأنَّ الملائكة تعرج إليه، وتارة بأنَّ الأعمال الصالحة تُرفع إليه، وتارة بأنَّ الملائكة في نزولها من العلوِّ إلى أسفل تنزل من عنده، وتارة بأنَّه رفيع الدرجات، وتارة بأنَّه في السماء، وتارة بأنَّه الظاهر الذي ليس فوقه

شيء، وتارة بأنَّه فوق سماواته على عرشه، وتارة بأنَّ الكتاب نزل من عنده، وتارة بأنَّه ينزل كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، وتارة بأنَّه يُرى بالأبصار عياناً، يراه المؤمنون فوق رؤوسهم، إلى غير ذلك من الدلالات على ذلك، ولا يتكلّم فيه بكلمة واحدة توافق ما يقوله النفاة ولا يقول في مقام واحد قط ما هو الصواب فيه لا نصًّا ولا ظاهراً، ولا يبيّنه.
الخامس: أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا النبأ العظيم الذي هو من أهمّ أصول الإيمان، وذلك إمّا جهل ينافي العلم، وإمّا كتمان ينافي البيان، ولقد أساء الظنّ بخيار الأمة من نسبهم إلى ذلك، ومعلوم أنَّه إذا ازدوج التكلّم بالباطل والسكوت عن بيان الحق، تولّد من بينهما جهل الحق وإضلال الخلق، ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل صاروا يأتون من العبارات بما يدلّ على التعطيل والنفي نصًّا وظاهراً، ولا يتكلّمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصًّا ولا ظاهراً، وإذا ورد عليهم من النصوص ما هو صريح أو ظاهر في الإثبات حرّفوه أنواع التحريفات، وطلبوا له مستكره التأويلات.
السادس: أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنّهم كانوا أميّين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل، ولم تكن الحقائق من شأنهم.
السابع: أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب، فإنَّهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال ولم يستفيدوا منها يقيناً ولا علماً بما يجب لله ويمتنع عليه، إذ ذاك إنَّما يُستفاد من عقول الرجال وآرائها.1

فصول الكتاب · 22 فصل · 93 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواء · 93 صفحة
مقدمة...المبحث الأول: ترجمة موجزة للإمام مالك بن أنس - رحمه الله...المبحث الثاني: في ذكر معتقد أهل السنة والجماعة في صفة الاستواء بإيجازالمبحث الثالث: في بيان أهميّة القواعد وعظم نفعها في معرفة صفات الباريالمبحث الأوَّل: تخريج هذا الأثر وبيان ثبوته عن الإمام مالك - رحمه الله -المبحث الثاني: ذكر الشواهد على هذا الأثر من الكتاب والسنةالمبحث الثالث: ذكرُ نظائر هذا الأثر مما جاء عن السلف الصالحالمبحث الرابع: ذكر كلام أهل العلم في التنويه بهذا الأثر وتأكيدهم على أهميته، وجعله قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفاتالمقدمة...المبحث الأوّل:المبحث الأوّل:المبحث الثاني:المبحث الثالث:المبحث الرابع:الفصل الثالث: في إبطال تحريفات أهل البدع لهذا الأثرالفصل الرابع: في ذِكر فوائد عامة مأخوذة من هذا الأثرالمبحث الأول:المبحث الأول:المبحث الثاني:المبحث الثالث:الخاتمةمصادر ومراجع...
جارٍ التحميل