الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال (شرح أبي جعفر الخليفي)المجلس الثاني (٢)
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذا القسم الثاني من المجلس الثاني من كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال.

باب في ذكر المزمار

(( أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الحميد )) -هذا الرجل على فكرة من اللطائف شيخ للآجري وشيخ للخلال، هذا عبد الله بن محمد بن عبد الحميد يروي عنه الاثنان- (( قال: حدثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله؛ وسأله عن الرجل ينفخ في القصبة بمنزله بمنزلة المزمار؟ قال: "أكرهه".
))

((أليس فيه نهي عن النبي ﷺ؟ في حديث الزمار، زمار الراعي؟ فقلتُ: "أليس منكراً؟" فقال: "سليمان يرويه عن نافع عن ابن عمر".
قال: "أكرهه".
)) فكأنه -يعني- رأى أنه موقوف على ابن عمر.
وهذا الحديث أبو داود في سننه قال عنه: "منكر"؛ أن النبي ﷺ مر بزمار فوضع أصبعيه في أذنيه صلوات الله وسلامه عليه، إلا أن أفاد ابن رجب في رسالته في (أحكام السماع) أنه وجد في بعض نسخ أبي داود أن أبا داود استدرك ووجد متابعاً للراوي، فاستدرك الاستنكار ويعني أزاله.

(( أخبرني روح بن الفرج، حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد؛ قال: "رأيتُ جدي زبيداً" )) -هذا اليامي الكوفي- (( "أراني غلاماً معه زمارة قصب فأخذها فشقها".
))

(( أخبرنا عبد الله بن محمد بن أيوب المخرمي، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا شعبة، عن محمد بن جحادة، عن أبي جعفر )) -وهذا مجهول- (( عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن كسب الزمار» ))

(( وأخبرنا عبد الله، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت محمد بن جحادة، قال: سمعت أبا جعفر، قال: سمعت أبا هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن كسب الزمار» ))

(( أخبرنا أحمد بن محمد بن ولد القاسم بن أبي بزة حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كسب الإماء حرام» ))

وهذا مؤمل انفراده بمثل هذا حقيقة ما..

(( أنبأنا عثمان بن صالح الأنطاكي، حدثنا محمود بن خالد، قال: حدثنا أبي، عن مطعم بن المقدام، عن نافع، عن ابن عمر: أنه سمع صوت زمارة راعٍ فعدل عن الطريق، ثم قال: "رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله".
)) فكانت رواية سليمان بن موسى الموقوفة هي التي يعلّ بها أحمد.

(( وأخبرنا عثمان، قال: حدثنا السعيد، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن ميمون، عن مطر بن سالم، عن علي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لعب الطبل والزمارة» )) وهذا فيه ضعف.

(( أخبرنا محمد بن عوف الحمصي، قال: حدثنا مروان -يعني الطاطري- )) مروان الطاطري مشهور عنه الكلمة: "ثلاثة لا يؤتمنون: مبتدع يرد على مبتدع.." أليس كذلك؟ هو نفسه مرجيء.

(( قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: عن سليمان بن موسى، عن نافع؛ قال: كنتُ مع ابن عمر في الطريق، فسمع صوت زمارة راعٍ فعدل عن الطريق، فأدخل يديه في أذنيه ثم قال: "يا نافع هل تسمع؟" قلتُ: "لا"، قال: فأخرج يديه من أذنيه ثم قال: "هكذا رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل".
)) فهذه المتابعة التي عارض بها أبو داود -وقبله أحمد- رواية مطعم بن مقدام.


باب ذكر غنائهم الذي كانوا يغنون

إنما رخص في بعض التغني في السفر لدفع المشقة وفي العرس.

(( أخبرنا أحمد بن فرج الحمصي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا أبو عقيل، عن بهية، عن عائشة؛ قالت: "كانت عندنا يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلاً من الأنصار، فكنتُ فيمن أهداها إلى زوجها" )) -يعني زفَّها- (( فقال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، إن الأنصار ناس فيهم غزل، فما قلتم؟» قالت: "دعونا بالبركة ثم انصرفوا"، قال: «أفلا قلتم: أتيناكم أتيناكم، فحيونا نحييكم، ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم، ولولا الحبة السمراء لم تسمن عذاريكم» )).
وهذا أقصى شيء في الغزل عندهم.

(( أخبرني منصور بن الوليد، أن جعفر بن محمد حدثهم؛ قلت لأبي عبد الله: حديث الزهري عن عروة عن عائشة، وهشام عن أبيه عن عائشة، جوارٍ يغنين؛ إيش هذا الغناء؟ قال: "غناء الراكب: أتيناكم أتيناكم" )).

(( وأخبرني منصور بن جعفر حدثه؛ سألتُ أبا عبد الله عن حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في لعب الحبشة في المسجد؟ فلم يجب عنه )).
فكأنه لم يدرِ، وفي حديث أنس أنهم كانوا يرقصون ويقولون: «محمد رجل صالح، محمد رجل صالح»؛ والبيهقي بوب عليه (باب في جواز الرقص الذي لا تكسر فيه ولا تخنث)، والطبري حمله على أنه خصوصية للأحباش في طبعهم وحبهم لمثل هذا الأمر، وتكلم الجاحظ في "فضل السودان على البيض" على مثل هذه المسألة.


باب في ذكر القصائد

القصائد التي -يعني- يقولونها لترقيق القلوب كالأناشيد الموجودة الآن، وهذه تكلم ابن تيمية في "الاقتضاء" (اقتضاء الصراط المستقيم) على أن من طلب ترقيق قلبه بمثل هذا وترك القرآن جُوزي بعكس مقصوده وصار في قلبه قسوة.
ولما سُئل عن الرجل الذي يتوب قطاع الطريق بالتغبير قال فيه قولته: "أنه عاجز عن الطرق الشرعية وجاهل بها".

(( أخبرنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي، أن أبا عبد الله سُئل عن استماع القصائد؟ قال: "أكرهه" )).
والفتيا بأن مثل هذا -يعني أغاني الأطفال أو كذا- الواقع أن هذا غلط؛ لأن مثل هذا قام داعيه في زمن السلف ولم يكونوا يفعلونه أنهم يستخدمون الغناء لتربية الأطفال.

إيه، (( أخبرني محمد بن موسى، قال: سمعتُ عبدان الحذاء )) وحتى جعل اللعب للأطفال يتسلون بها هذا في حال.. في لعب معروفة من القماش وفي حال الصيام العبادة الشاقة، أما التربية والتعليم على المعاني العامة فهذا ما لجأ أحد من السلف على جعلها في أغاني وغير ذلك.

(( أخبرني محمد بن موسى، قال: حدثنا سمعتُ عبدان الحذاء، قال: سمعت ميمون بن عبد المتطبب؛ قال: سألتُ أحمد بن حنبل، قال: قلتُ: "ما تقول في أهل القصائد؟" قال: "بدعة" )).
قال: (( بدعة لا يجالسون )).
وذكر ابن تيمية في اعتقاده الذي رواه عن أحمد أنه كان يكره اجتماع الناس على القصائد، وكان -يعني- ذكر ابن تيمية عنه روايات أنه ربما رخص في حصول الشيء عارضاً؛ أنه تذكر بعض القصائد على جهة عارضة، وأما اجتماعهم عليها بشكل مستمر فهذا الذي رآه الإمام بدعة.


باب في ذكر التغبير

وهو القضيب؛ يأخذون قضيباً ويضربون به في الأرض أثناء هذه القصائد فيثيرون غباراً يحدث لهم حماساً، وهذا في صوفية متقدمين أمرهم مختلف عن الصوفية الذين تأخروا.

الصوفية هؤلاء يقولون قصائد فيها.. أما الصوفية المتأخرون فيأتون إلى قصائد من الغزل العالي كما يقول ابن تيمية؛ اشترك فيها محب المردان ومحب الأوطان ومحب النسوان، ويقولونها ويتواجدون عندها وينزلونها على رب العالمين.
يعني يذكرون أبياتاً مثل:

"همت لتأتينا حتى إذا نظرت ** إلى المرآة نهاها وجهها الحسن"

"ما كان هذا جزائي من محاسنها ** عُذبت بالهجر حتى شفني الحزن"

فهذا يقولونه في مجلس سماع، حتى يذكر ابن القيم عنهم أنهم يأخذون قصائد في كتابه الجيد حقيقة في (أحكام السماع) في ذكر -يعني- أبياتاً؛ قال: "هؤلاء لا يستحيون من الله كيف يذكرون مثل هذه الأبيات الغزلية العالية؟!".

(( أخبرني محمد بن علي والحسين بن عبد الوهاب، أن محمد بن أبي حرب حدثه؛ قال: سألتُ أبا عبد الله عن التغبير؟ فقال: "كل شيء محدث" )) كأنه كرهه.

(( وأخبرني محمد بن علي، أن أبا بكر الأثرم حدثهم؛ قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول )) (( حدثنا صالح بن علي )) -وهو الحلبي من آل ميمون المهراقي- (( سمعتُ أحمد بن حنبل وجعل الناس يسألون عن التغبير وهو ساكت حتى دخل منزله )).

(( قال وأخبرني محمد بن علي، أن أبا بكر الأثرم حدثه؛ قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: "التغبير هو محدث" )).

(( وأخبرني يوسف بن موسى، أن أبا عبد الله سُئل عن التغبير؟ فقال: "لا لا، لا تسمعه".
قيل له: "هو بدعة؟" قال: "حسبك" )).
ما دام بدعة خلاص انتهى.

وهنا ننبه على القصة التي فيها أبيات: "إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني"؛ التي قالوا يعني أنها أعجبت أحمداً وكذا، هذه لا ما تصح القصة هذه.

(( أخبرني محمد بن أبي هارون )) وأيضاً قصة أحمد أنه -يعني- اختبأ للحارث المحاسبي وكان يبكي ثم حذر؛ قال الذهبي عنها في (الميزان) إنها منكرة، قال: "ما يقع على قلبي أن أحمداً يفعل هذا"، وفعلاً الأمر كما قال.

(( أخبرني محمد بن هارون، محمد بن جعفر بن الحارث حدثهم؛ قال: سألتُ أبا عبد الله: ما ترى في التغبير أنه يرق عليه القلب؟ )) (( فقال: "بدعة" )).
قال بدعة، الغاية لا تبرر الوسيلة، وكما قال أبو زرعة في كتب هؤلاء: "من لم يعظه كتاب الله فلا وعظه".

(( أنبأنا الحسن بن صالح، قال: حدثنا هارون بن يعقوب الهاشمي؛ قال: سمعتُ أبي أنه سأل أبا عبد الله عن التغبير؟ فقال: "هو بدعة ومحدث" )).

(( وأخبرني محمد بن علي السمسار، يعقوب بن بختان حدثهم؛ أنه سأل أبا عبد الله عن التغبير؟ فكرهه ونهى عن استماعه )).

(( وأخبرني سليمان بن الأشعث، قال: سمعتُ رجلاً ضريراً قال لأبي عبد الله: "ما تقول في التغبير؟" قال: "لا يعجبني" )).

(( وأخبرنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي، أن أبا عبد الله سُئل عن استماع التغبير؟ فكرهه )).
هذا متواتر عن أحمد، يعني ما بقي أحد من أصحابه ما ذكر عنه الكراهة.

(( وأخبرني أبو بكر بن المقرئ البزار، حدثنا الحسن بن الجروي )) هذا الحسن بن عبد العزيز الجروي (( قال: سمعتُ الشافعي محمد بن إدريس يقول: "تركتُ بالعراق شيئاً يقال له التغبير، أحدثته الزنادقة، يصدون به الناس عن القرآن" )).
ما قال نيتهم صالحة يريدون الخير، هذا حارث بن سعد الطائي الصحابي لما رأى الناس يصلون في مقدم المسجد إيش قال؟ قال: "مراؤون ورب الكعبة"، ضرب في نياتهم، سبحان الله.
اليوم الإنكار خفيف، هكذا كان السلف ينكرون.

(( وأخبرنا زكريا بن يحيى الناقد، قال: حدثنا الحسن بن الجروي؛ سمعتُ محمد بن يعقوب قال: سمعتُ يونس بن عبد الأعلى؛ قال: سمعتُ الشافعي يقول: "تركتُ بالعراق شيئاً يسمونه التغبير، وضعته الزنادقة، يشغلون به الناس عن القرآن" )).
مع أنه يرقق.

وقلنا تغبيرهم ليس فيه رقص، لاحظ الصوفية أحدثوا رقصاً، وليس فيه ذكر قصائد شركية، وليس فيه ذكر قصائد.. يعني كل هذا وياتيك فلان شافعي! "والبدعة قنطرة اللامذهبية" مثل البوطي وجماعته والجفري وأنهم على أساس أنهم شافعية ثم يشاركون في الموالد التي فيها غناء وفيها كذا، ومذهب الشافعي ما يختلف في أن هذا الفعل بدعة وضلالة.

(( وأخبرنا الحسن بن علي بن عمر المصيصي قال: سمعتُ يوسف بن الصديق جدي قال: سمعتُ يزيد بن هارون يقول: "ما يغبر إلا فاسق؛ متى كان التغبير؟!" ))


باب ذكر قراءة الألحان

القراءة بالألحان؛ التغني طبعاً هذا الذي يفعلونه اليوم: "نهوند" و"سيجا"، من الاستهزاء بآيات الله ومن العبث في إدخال هذه المصطلحات؛ لحون الأعاجم، وهذه المصطلحات التي يعرفها للغناء وعلى القرآن.

أثر عن عبيد بن عمير أن داود كان يقرأ وله معزفة، هذا في شرعه ولم يكن -يعني- يقتدي بالفساق داود نبي الله، أما تقتدي بالفساق تجلس تتكلم "سيجا" و"نهوند" و.. وهذه آية، وهذه النبرة للحزن، وهذه النبرة.. هذا من أعظم العبث ومن أعظم الاستهزاء بآيات الله.

وقد ذكر ابن تيمية أن الاعتناء الزائد بذكر مخارج الحروف وما سواه يصد عن تفهم القرآن؛ الاعتناء الزائد بالتجويد، فما بالك بمثل هذا؟! تحسين الصوت، ولهذا تجد عامتهم شكله لا يبشر بالسنة، منظره لا يبشر بالسنة من مخالفة السنن، وعامتهم من أجهل الخلق.

وقد ورد في الخبر أنه من أمارات الساعة -وإن كان هذا يعني فيه بحث الجوزقاني يستنكره وغيره يمشيه- أنه من علامات الساعة أنهم يقدمون الرجل ليس بأقرئهم يقدمون الرجل ليس بأفقههم ليغنيهم، وفعلاً ترى خلاف السنة؛ الأفقه هو الذي يقدم وإن لم يكن صوته الأجمل ما دام أحفظ وأفقه، أحفظ يعني.

لكن الآن يقدمون هذا لكي يغنيهم، بل من البدع المستحدثة أن يؤتى القارئ من بلد إلى بلد لكي يصلي بالناس؛ هذه لوحدها بدعة أخرى، ثم ينفقون عليه أموالاً طائلة في أشهر -مثلاً- شهر رمضان، ثم بعد ذلك تجدهم يقفون في المساجد: "ما نقص مال من صدقة، تصدقوا على إخوانكم في سوريا، تصدقوا على إخوانكم"، يا أخي هذه الآلاف المؤلفة التي تأتي بها لهؤلاء القراء، هذا القارئ ما يأتيك احتساباً؛ وخذ هذه الآلاف وادفعها أنت لأهل سوريا وعلى ما سواه.
أما تنفقون هذه الأموال الكثيرة على رجل والله يسكن في فندق كذا وو.. وهذا شيء عجيب.

نعوذ بالله، الإخلاص؛ أبو زرعة قال: "الرجل يبكي هنا، ويبكي هنا، ويبكي، يذهب إلى آخر الثاني يبكي يشتهر عنه".
فسبحان الله الخلال يتكلم عن منكرات منتشرة في عصره، هذه المنكرات لا زالت منتشرة في عصرنا، ولكن الأمر يشتد أكثر، يُصلى لا يصلي ولا كلام.

(( أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعتُ أبي وسُئل عن قراءة بالألحان؟ قال: محدث إلا أن يكون من طباع ذلك الرجل - يعني طبع الرجل - كما كان أبو موسى)) يعني الرجل طبعه، كما كان أبو موسى؛ أبو موسى يقرأ بحزن، التحزين.. «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»، الصواب يعني يحزن، مثل هذا يعني مأذون به بلا كبير تكلف.

(( وأخبرني يوسف بن موسى، أن أبا عبد الله سُئل عن القراءة بالألحان؟ قال: "لا يعجبني، إلا أن يكون جرمه" )) جرمه يعني طبعه.
قيل: فيقرأ بحزن يتكلف ذلك؟ قال: (( لا يتكلفه ولا يتعلمه، إلا أن يكون جرمه )).

(( وأخبرني محمد بن علي السمسار، أن يعقوب بن بختان حدثهم؛ أنه قال لأبي عبد الله: فالقراءة بالألحان؟ قال: "لا، إلا أن يكون جرمه" )).
الله مستعان، أو صوته من صوت أبي موسى؛ فأما أن يتعلمه فلا.

(( وأخبرني محمد بن الحسن بن الفضل، قال: سمعتُ أبا عبد الله سُئل عن قراءة بالألحان؟ فكرهه وقال: "يحسنه بصوته من غير تكلف" )).
نعم يحسنه لكن من غير تكلف من غير تلحين.

(( وأخبرنا عثمان بن صالح الأنطاكي، قال: حدثني إسماعيل بن سيف بن عطاء الرياحي، قال: حدثنا عوين بن عمرو أخو رباح القيسي -أبو عمرو وكان ثقة قد عمشت عيناه من كثرة البكاء- قال: حدثني شعبة بن إياس، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرأوا القرآن بحزن فإنه نزل بالحزن» )).
هذا الحديث لا يصح، – هذا منكر –.

إيه، (( أخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح؛ أنه قال لأبيه: "زينوا القرآن بأصواتكم" ما معناه؟ قال: "التزيين أن يحسنه" )).
ومعنى ذلك لا يطغى على التجويد ولا يطغى على المعنى؛ بعضهم يقول: "موؤؤسى"،حتى الإمام أحمد لما سُئل عن القراءة بالألحان قال: "ترضى أن أقول لك: يا موحاماد؟" قال: "لا"، قال: " إذاً ما هكذا يقرأ كلام الله!".

(( أخبرني منصور بن الوليد، قال: حدثنا علي بن سعيد -هذا الشالنجي- إيه، قال: سألتُ أبا عبد الله عن القراءة بالألحان؟ قال: "ما تعجبني، هو محدث" )).
قلتُ: لاحظ أحمد يعلل الإنكار بأنه محدث بدعة؛ إذاً يرى أن كل بدعة ضلالة.

(( أخبرني الحسين بن الحسن، قال: حدثنا إبراهيم بن الحارث؛ قال: سُئل أبو عبد الله عن القراءة بالألحان؟ وأنبأنا محمد بن علي، قال: حدثنا أبو بكر الأثرم؛ قال: سألتُ أبا عبد الله عن القراءة بالألحان؟ فقال: "كل شيء محدث فإنه لا يعجبني، إلا أن يكون صوت الرجل لا يتكلفه".
قلتُ: "ما لم يكن شيئاً بعينه لا يعدوه؟" قال: "نعم" )).

(( أخبرني محمد بن جعفر أبو الحارث، حدث أن أبا عبد الله قيل له: "القراءة بالألحان والترنم عليه" )) كحال كثير من القراء المبتدعة اليوم؟ (( قال: "بدعة".
قيل: "إنهم يجتمعون عليه ويسمعونه؟" قال فقال أبو عبد الله: "الله المستعان" )).

(( وأنبأنا أبو بكر المروذي قال: سُئل أبو عبد الله عن القراءة بالألحان؟ فقال: "بدعة لا تسمع" )).
اليوم -يعني- واضح كثير من القراء واضح أنه يستمع للمطربين ويقتدي بهم ويأخذ لحونهم.

(( أخبرني الحسن بن صالح العطار، قال: حدثنا يعقوب بن الهاشمي؛ قال: سمعتُ أبي أنه سأل أبا عبد الله عن القراءة بالألحان؟ قال: "هو بدعة ومحدث".
قلتُ: "تكرهه يا أبا عبد الله؟" قال: "نعم أكرهه، إلا ما كان من طبع كما كان أبو موسى، فأما من تعلمه بالألحان فمكروه".
قلتُ: "إن أبا سعيد الترمذي ذكر أنه قرأ ليحيى بن سعيد؟" فقال: "صدقتَ قد كان قرأ له، وقال: قراءة القرآن مكروهة بالألحان" )).

(( أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعتُ أبي يقول: "كنا عند وهب بن جرير بن حازم بالبصرة سنة مائتين، وكان محمد بن سعيد -يعني القارئ الترمذي- قيل له اقرأ؟ قال: لستُ أقرأ أو يأمرني أحمد، فما قلتُ اقرأ ولا هو قرأ" )).

وأخبرنا أبو عبد الرحمن، في موضوع آخر قال: مضيت أنا وابن بلال إلى محمد بن سعيد الترمذي، فقال: كنا عند وهب بن جرير وثم أبو عبد الله، فقالوا لي: تقرأ؟ فقلت: "إن قال لي أبو عبد الله قرأت، وإلا لم أقرأ، قال: فلم يقل لي اقرأ ولم أقرأ، فقيل له: ولم لم تقرأ؟ فقال: كرهت أن أقرأ، فيقول شيئا يعني ينكر عليّ إيش اسمه التلحين أو كذا أو يظهر منه شيء يتحدث به، يتحدث به.
فذكرتُ ذلك لأبي فقال: (( قد كان ذلك )).
يعني هذا الترمذي القارئ هاب أن يقرأ أمام أحمد فيقول له مثلاً: "أنت مع وهب بن جرير هذا" -يعني شيخ أحمد- فيقول أحمد مثلاً: "هذا محدث، أنت قراءتك محدثة" وكذا، فيذهب الناس يتحدثون بهذا الرجل يعني خلاص.

(( وأخبرنا محمد -أخبرنا محمد بن- حدثنا صالح؛ قال أبي: كنا عند وهب بن جرير سنة مائتين، وكان محمد بن سعيد الترمذي قد نزل قريباً من منزل أبي داود، فاجتمعنا عند وهب بن جرير، فقال لي إنسان: قل لمحمد يقرأ، فقلتُ: ما سمعتُ قراءته قط، أو كلاماً نحو هذا.
فقلتُ لأبي: إنه يُحكى عنك أنك قلتَ ما سمعتُ قراءته وإني لا أشتهي أن أسمعها؟ فقال: "قد كان شيئاً مما أخبرتك، وما علمتُ إلا خيراً إلا هذه القراءة" )).
يعني شأنه حسن إلا قراءته ليست بذاك.

(( أخبرني أبو بكر المروذي قال: قلتُ لبي عبد الله: إنهم قالوا عنك إنك كنت عند وهب بن جرير فسألتَ ابن سعيد أن يقرأ فقال: ما سمعتُ منها شيئاً قط؟ – سبحان الله يكذبون عليه في حياته! – فقال: "يعجبني أن يكون حزن الرجل هكذا جِبِلَّة الرجل، مثل جِبِلَّة أبي موسى حين قال له عمر: ذكّرنا ربنا يا أبا موسى فقرأ عنده" )).
وذكر عن أنس وعن التابعين فيه كراهية.

(( قلتُ: أليس يُروى عن معاوية بن قرة عن أبيه أن النبي ﷺ رَجَّعَ عام الفتح؟ وقال: "لو شئتُ أن أحكي لكم اللحن"؛ فأنكر أبو عبد الله أن يكون هذا على معنى الألحان)) – وإنما فعلها النبي مرة وكان يرجّع يقرأ المد، يعني يأخذ فيه قليلاً، وهذا في سفر، وكان النبي ﷺ فرحاً – وما رُوي عن النبي ﷺ: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن»، وقال: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن».

(( قال ابن عيينة يقول: يستغني بالقرآن، يعني الصوت.
وقال -يعني يستغني به- قال: وقال الشافعي: يرفع صوته.
)) وأنكر أبو عبد الله الأحاديث التي يُحتج بها في الرخصة في الألحان؛ طبعاً المروي عن -الله المستعان- سفيان بن عيينة أنه «ليس منا من لم يتغنَّ» أي يستغني، أنكره عليه الشافعي وقال: "لا تحتمله اللغة"، واختار الشافعي القراءة بحزن -وهي رواية عن أحمد- وروي عن أبي هريرة أنه قرأ سورة فحزنها شبه الرثاء.

(( أخبرني محمد بن علي، قال: حدثنا صالح؛ أنه سأل أباه عن الرجل يتغنى بالقرآن ما تفسيره؟ قال: "أما سفيان بن عيينة فكان يفسره يستغني به، وبعض الناس يقول: إذا رفع صوته فهو يتغنى به".
))

(( وأخبرني محمد بن أبي هارون، أن إسحاق حدثهم؛ قال لي أبو عبد الله يوماً -وكنتُ سألته-: هل يدري ما معنى من لم يتغنَّ بالقرآن؟ قال: "يرفع صوته"، فهذا معناه إذا رفع صوته فقد تغنى.
))

طيب، يعني يرفع صوته كيف؟ أليس ورد حديث: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة»؟ يرفع صوته فيما بينه وبين نفسه، يعني لا إشكال يسمع نفسه حتى يكون ذلك أقرب إلى تدبره؛ هذا المراد، لا أنه يرفع صوته يرائي به، وربما أسمع غيره لإفهامهم أو لإيقاظ النائم كما يُروى عن عمر.

(( سألتُ أحمد بن يحيى النحوي -ثعلباً- عن قوله: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»؟ فقال: قال بعضهم يذهب إلى الغناء أنه الترنم به، وبعضهم يذهب إلى الاستغناء وهو الذي عليه العمل.
)) وشعبة نهى أيوب أن يحدث بحديث «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»؛ لئلا يحملوه على إيش؟ على التغني الذي هو القراءة بالألحان، فسبحان الله! يعني شعبة توكل على الله وحدث.

(( وسمعتُ إبراهيم الحربي يقول: "«ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» يعني حَسِّنوا أصواتكم على قدر ما يمكنكم، ومعنى «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» قال: يستغني بالقرآن".
))

قال أبو بكر الخلال: فعرضتُ قول إبراهيم الحربي على بعض المعرف بطرسوس، وسمع بعض هذه الكتب فأنكر الأول في (يتغنى)، وقال: "إنما هو على تفسيرين،" يعني تحسين الصوت الخلال كأنه ينكر مثل تحسين الصوت هذا مطلقاً، وأحمد ما فسر (يتغنى) بحزن أبداً، لكن هو استحب الحزن، يعني أنه يقرأ بحزن.

واختار الشافعي القراءة بالحزن يعني هذا الذي.. الشافعي فسر التغني بالحزن؟ إي نعم، وأن أحمد -مو أحمد احتج بفعل أبي موسى-؟

(( وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلتُ لبي عبد الله: إن رجلاً له جارية تقرأ بالألحان وقد خرَّج أحاديث يحتج بها؟ فأنكر أن يكون على معنى الألحان.
قلتُ: روى ابن جريج عن عطاء أنه لم يرَ بقراءة الألحان بأساً؟ قال: "قد رُوي عن ابن جريج شيء ليس أدري كيف هو".
))

(( وقُرئ على أبي عبد الله محمد بن إدريس قال: شهدتُ الأعمش وقرأ عنده عروك بن الحضرمي، فقرأ هذه القراءة بالألحان؛ فقال الأعمش: "قرأ رجل عند أنس نحو هذه القراءة فكره ذلك أنس".
))

(( وقُرئ على أبي عبد الله: إسماعيل عن أبي عون عن محمد بن سيرين؛ سُئل عن هذه الأصوات التي يُقرأ فيها؟ فقال: "هو مُحدث".
))

(( أخبرني عمر بن حمدون الكرماني، قال: حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عمار المعولي، عن الحسن؛ أنه كره القراءة بالأصوات.
))

(( وأنبأنا أبو بكر قال: قُرئ على أبي عبد الله قال: بهذ قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي؛ أن رجلاً كان يقرئهم بالمدينة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فطرّب ذات ليلة، فأنكر ذلك القاسم بن محمد، وقد قرأ هذه الآية: { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } فصلت: 42.
))

(( أخبرنا الحسن بن جحدر، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد العنبري؛ قال: سمعتُ رجلاً يسأل أحمد بن حنبل فقال: ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال أبو عبد الله: "ما اسمك؟" قال: "محمد"، قال: "فيسرك أن يقال: يا مُوحَمَّد؟" ))

(( وأخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعتُ عبد الرحمن المتطبب يقول: قلتُ لأبي عبد الله في قراءة الألحان؟ فقال: "يا أبا الفضل، اتخذوه أغاني، اتخذوه أغاني، لا يُسمع من هؤلاء".
))

(( وأخبرني أبو بكر المقرئ البزار، قال: سمعتُ الحسن بن عبد العزيز الجروي أخبرني أبو يحيى الناقد فذكر لي عن ابن الجروي نحوه وهذا لفظ ابن المقرئ وهو أحسن شيء؛ قال: أوصى إليَّ رجل بوصية فيها الثلث، وكان فيما خلف جارية تقرأ بالألحان، وكانت أكثر تركتها وعامتها )) -يعني هذه الجارية كانت تشكل أكثر التركة وأنها تقرأ بالألحان- (( فسألتُ أبا عبيد وأحمداً بن حنبل وحارث المسكين: كيف أبيعها؟ قالوا: "تبيعها ساذجة" )).
الجارية الساذجة قيمتها تنزل، وهذه التي لا تحسن، وهذه الجارية المغنية تُباع على أنها ساذجة؛ تقال هذه غير مغنية يعني تنقص من قيمتها، وفي العادة يرفعون، فالتي تقرأ بالألحان تُباع كالمغنية، فأخبرتهم بما في بيعها من النقصان، فقالوا: (( بعها ساذجة )).

(( أخبرنا الحسن بن عبد الوهاب، قال: جاء أبو بكر بن حماد؛ قال: سمعتُ محمد بن الهيثم يقول: "لأن أسمع الغناء أحب إليَّ من أن أسمع قراءة الألحان" )).

هذا لأن قراءة الألحان بدعة،هذا أثر مفيد لموضوع الأناشيد وغيره، أثر مفيد جداً حقيقة.

وقال محمد بن الهيثم -انظروا هذا الأثر اللطيف-: (( إنما كان الهيثم الذي يقرأ بالألحان مملوكاً لرجل وكان مخنثاً، فحبسه مولاه في السجن وحلف عليه أن لا يخرج من السجن حتى يقرأ القرآن، فقرأ القرآن ووضع فيه الألحان )).

إذاً البداية من شخص مخنث أجبروه أنه يحفظ القرآن فما عرف يحفظ القرآن إلا على هذه الطريقة، طريقة الألحان، ويتخنث يعني سبحان الله.
وهذا -يعني- إنا لله وإنا إليه راجعون، هو التغني عموماً والغناء عموماً ثم -يعني- كان من علامة أهل التخنث، سبحان الله.

(( أخبرني محمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدثهم؛ قال: سمعتُ أبا عبد الله قال: "يعجبني من قراءة القرآن السهلة، أما هذه الألحان فلا تعجبني" )).
يتعبك بعضهم يعني سبحان الله.

(( أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سمعتُ أبا عبد الله ونحن راجعون من العسكر يقول لرجل: "لو قرأت"، وجعل أبو عبد الله ربما تغرغرت عيناه ))

ابن عربي هذا الكافر له كلمة يقول -يعني- نقلها عنه المناوي: "ما صدق من لم يلن قلبه للقرآن ولو بلا لحن وبلا تلحين وبلا تهذين"، وهذه كلمة لطيفة من هذا المجرم.

(( أخبرنا أبو بكر الخلال: وكنتُ أرى أبا بكر المروذي إذا جاءه من يقرأ القراءة السهلة الحزينة يأمره فيقرأ، وكان أكثر ما أراه يقول له: "اقرأ: { قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } الواقعة: 49-50" )).
لا إله إلا الله.

(( أخبرني إسماعيل بن الفضل بطرسوس، قال: سمعتُ أبا أمية محمد بن إبراهيم قال: سألتُ أبا عبد الله )) -لا عندي سألتُ محمد بن إبراهيم الله المستعان، هو محمد، أنا أدري عنده مكررها إيه، والله قلتُ من محمد إبراهيم هذا بس قلتُ أمشي- (( سألتُ أبا عبد الله عن قوم يجتمعون ويقرأ لهم قارئ قراءة حزينة فيبكون وربما أطفأوا السراج )) -يعني من شدة التأثر- (( فقال لي أحمد: "إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس".
))

وهذا اختاره ابن القيم في (زاد المعاد)؛ أنه ما اقتضته الطبيعة يُقرأ، وأما التكلف فهذا لا، أبداً مرفوع أصلاً، حتى هذا التكلف يلهي عن تدبر القرآن كما ينبغي، وهذا معنى لطيف نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية.


باب ذكر البكاء والرجل يسقط عند قراءة القرآن

وهذه بدعة حدثت في البصرة، وقد حُكي عن عمر بن عبد العزيز أنه حصل له شيء من هذا، أنه غُشي عليه، وذُكر عن بعض التابعين، وذكر ابن تيمية في (العبودية) أن هذا ليس هو أكمل حال، وإن كان بعض الناس لا يستطيعون دفعه؛ كيحيى القطان حتى أحمد قال: "لو كان يحيى يقدر أن يدفع لدفعه".

وأسماء بنت أبي بكر لما سألها أحد أبنائها عن الصحابة كيف كانوا يتأثرون بالموعظة؟ قالت كما قال الله: تذرف عيونهم وتوجل قلوبهم.
قال: فإن أناساً يُصعقون؟ قالت: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، استعاذت! بل إبراهيم النخعي كان ينكر على من يشهق في المجلس، قال: "والله ليسألنك الله عما أردت"، كأنه أو قال: "ما كانوا يفعلون، ليسألك الله عن رجل بكى".
-هذاك الحسن البصري- فهذا الأمر.
والأثر معروف اللطيف عن ابن سيرين أنه قال: "يجعل الرجل منهم على جدار ونقرأ عليه القرآن فنرى هل يصعق؟" لأنه باب رياء.

أما شق الثوب هذا ظهر في الصوفية المتأخرين، والمشكلة بعضها النساء من الوجد فعلوها في زمن ابن تيمية الله مستعان.

(( أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلتُ لبي عبد الله: سمعتُ محمد بن سعيد الترمذي يقول: قرأتُ على يحيى فسقط حتى ذهب عقله؟ فقال أبو عبد الله: "لو قدر أن يدفع هذا أحد لدفعه يحيى في كثرة علمه".
))

(( قلتُ: سمعتُ أبا خيثمة يقول: قرأ محمد بن سعيد الترمذي على يحيى فسقط حتى حُمِل في كساء.
)) وهذا رغماً عنه، أما الصحابة فلا يصح عنهم شيء في هذا، وثبات العقل عند بلوغ الموعظة أحسن من زوال العقل، والحال الأكمل حال الصحابة.

فكان عبد الرحمن ينكر سقوط يحيى -عبد الرحمن بن مهدي- وكان محمد بن سعيد يقرأ عند عبد الرحمن فبكى.
قال أبو عبد الله: "كان القارئ يقرأ فيخرج الفضيل وهو يبكي فيبكي الناس".
ثم قال: "بلغني عن محمد بن سعيد أنه قرأ على يحيى فكان يذهب عقله أو كاد يُغمى عليه"، ثم قال: "لو كان يحيى يقدر أن يدفع لدفعه".
ويحيى كان رجلاً رقيق القلب جداً حتى إنه كان لا يذهب إلى الخلاء إلا ومعه امرأته لرقة قلبه، ومع ذلك كان شديداً في أمر الرواية، حتى إنه مرة قال له رجل: "ومن أنت؟" وعيره بنسبه لأنه يبدو أنه كان مولى، قال: "صدق، ومن أنا؟" سبحان الله.

وهذا يحيى هذا عند أئمة الحديث، يعني كما قال ابن حبان يأخذ من هذا-: "إنه قال يحيى إذا عدل عدل أهل الحديث، ويحيى إذا جرح جرح أهل الحديث".

(( أخبرنا الدوري، قال: حدثنا يحيى، قال: كان يحيى بن سعيد إذا قُرئ عليه القرآن يسقط حتى يصيب الأرض وجهه.
قلتُ ليحيى: وأنت رأيته؟ قال: لا ولكن بلغني أنه كان يصيبه هذا.
))

(( وأخبرني الدوري، قال: حدثنا يحيى بن معين، حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب؛ قال: كنا عند يحيى القطان، فجاء محمد بن سعيد الترمذي، فقال له يحيى: "اقرأ"، فقرأ فغُشي على يحيى.
))


باب ما يكره أن يكتب أمام الشعر بسم الله الرحمن الرحيم

وبالنسبة للشعر فصح عن عائشة أنها قالت: «كلامٌ، حسنه حسن وقبيحه قبيح».
صح عنها أنها قالت هذا، ومرفوعاً لا يصح.
وصح عن النبي ﷺ وعمر وعثمان أنهم قالوا: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً».
وإذا تكلم النبي بشيء وأكّد عليه الراشدون فاعلم أن له أهمية شديدة؛ إذاً الإكثار منه وعمر قال: "إن كان ولا بد، فبقول ضرار بن الخطاب".

فيختلف؛ الله عز وجل استثنى قال: { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } الشعراء: 227، وهذا نادر، يعني مثل حسان ومثل عبد الله بن رواحة، هذا أمر فيه ندرة بين الشعراء، وأما أكثر الشعراء فيتبعهم الغاوون، كما قال قتادة: "في كل وادٍ يهيمون"، قال: "إنهم يمدحون من لا يستحق المدح، ويهجون من لا يستحق الهجاء"، ويقولون الرفث ويرفثون.

ومسروق كره أن يُرى في صحيفته شعراً -مسروق التابعي-، وأيضاً عبد الله بن المبارك لما قيل له: "أنت تقول الشعر؟" فقال: "أُمِرْتَ أن تقتدي بي؟ أُمِرْتَ أن تقتدي بي؟" يعني فابن المبارك مع أن أشعاره عامتها لا شيء فيها إنما تُستحب في مثل مهاجاة حسان لأهل الباطل، تُستحب في مثل مهاجاة حسان أو في بيان بعض الشرع وفي تسهيل بعض العلوم.

وأما كثير الشعر فإنه ضار حقيقة على الإنسان وعلى قلبه، وخصوصاً ما يقولونه في التشبيب والنسيب، حتى إن النبي ﷺ قال: «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها».
وهذا كثير في الشعراء وفي كتب الأدباء، ولا يغرنك إذا كان أمثال ابن قتيبة يذكرونه أو غير ذلك، ليسوا محل اقتداء، وحتى ما يذكره الخطيب أو البلاء الكثير الذي ذكره ابن الجوزي في (أخبار النساء)، هذا لا، هذا أعوذ بالله، فمثل هذا لا أبداً، حتى فيه مرض القلب.

أسماء بنت أبي بكر لما غضب ابن عباس في مسألة المتعة وفسخ الحج وهو يناظر أحد أبناء الزبير -كأنه عبد الله وعروة- قال: "فليسأل أسماء لقد أتاها الزبير"، وهو محل.. أتاها يعني جاءها، فقالت أسماء رحمه الله: "لقد أفحش".
نعم، وكان الأمر كما قال، كلمة مثل هذه رأتها فحشاً رضي الله عنها، فكيف ما يُذكر في بعض القصائد أو ما يذكره بعض الصوفية؟! يعني حتى يُذكر أن عمر بن عبد العزيز -ذكر ابن الجوزي في (أخبار عمر بن عبد العزيز)- أن رجلاً ذكر "الإبط" عند عمر بن عبد العزيز، فقال لـما قال للرجل تحت إبطك، فقال له: "قل تحت يدك"، يعني حتى كلمة "الإبط" هذه! فالناس سبحان الله، والفحش والبذاء في النار، الفحش والبذاء في النار والله المستعان.

(( أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الحميد، قال: حدثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله؛ أنه سأله عن الرجل يكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" أمام الشعر؟ فكأنه لم يعجبه.
))

(( قال: وحدثنا حفص، عن مجالد، عن الشعبي؛ قال: "كانوا يكرهون أن يكتبوا أمام الشعر: بسم الله الرحمن الرحيم".
وقال: "بسم الله الرحمن الرحيم هي آية من القران، فما بال القرآن يُكتب مع الشعر؟!" قال هذا لحديث أنس؛ النبي ﷺ قال: «أُنزلت عليَّ السورة فقرأها فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم».
وهو حجة ألا يُكتب أمام الشعر.
))

ألا يُكتب أمام الشعر.
بعضهم يحتج يقول الشعبي قال: "كان أبو بكر شاعراً وعمر شاعراً وعلي شاعراً"، ما تُحفظ من شعر أبي بكر وعمر، كانوا شعراء ولا يقولون ولا يكثرون، وعلي نُحل له، كل من رأى أبياتاً يستحسنها قال: "الشافعي" أو "علي" في الزهد، وإذا رأى أبياتاً فيها.. قال: "المتنبي"، هذه كثيرة عند العوام والجهلة.


باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً»

(( أخبرني أحمد بن محمد بن حاتم الطيالسي، أن إسحاق بن منصور حدثهم؛ أنه قال لأبي عبد الله: قوله صلى الله عليه وسلم: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً»؟ فتلكأ، فذكرتُ له قول النضر بن شميل، فقال: "ما أحسن هذا!" )) ما أدري إيش قول النضر

قال إسحاق بن راهويه: "أجاد"، زاد الطيالسي قال: حدثنا إسحاق بن نصر؛ كان النضر بن شميل يقول: "إن يمتلئ جوف أحدكم" قال: "لم تمتلئ أجوافنا؛ لأن أجوافنا فيها القرآن وغيره، وهذا كان في الجاهلية، أما اليوم فلا".

وأيضاً الله المستعان، أيضاً لبيد -أحد أصحاب المعلقات السبع- يعني لما أسلم ما قال الشعر سبحان الله، بل قال بيتاً واحداً:

"الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ** حتى لبستُ من الإسلام سربالاً"

وما يذكره ابن تيمية من أن عامة شعراء المعلقات يعني هم من حصب النار أو كذا؛ قاله ولم يستحضر لبيداً.
هي كلمة يقرأها إنسان، ابن تيمية يعني يذكر شعراء المعلقات ويذمهم جملة ويذكر أنهم كفار، فتعقب عليه بعض الناس وأحسن التعقب بـ"لبيد".

ويعني مفواج في الشعر أنه أشعر المدر حسان، والقصائد التي تُروى عن أبي طالب -هذا الذي بعض الناس يعقد فيها المجالس- عامتها لا تصح، بل حقيقة يعني كما قال الأبيات التي قال فيها ابن كثير هي أفحل من المعلقات؛ قال ابن هشام في السيرة: "عامة أهل الشعر لا يثبتون أكثرها".
وكونها أفحل من المعلقات فهذه كلمة غير خبير بالشعر، وأبداً وأبداً لا تقارن بعامة المعلقات، وفيها ألفاظ إسلامية واضحة لا يقولها أبو طالب، فيها نكارة بينة.
الإنسان يشتغل بما ينفع.


باب ما يُكره من الهجاء والرقيق من الشعر

(( أخبرني محمد بن علي، قال: حدثنا صالح؛ أنه سأل أباه عما يُروى: "من روى هجاءً فهو أحد الهجائين"؟ قال: "لا يعجبني أن يروي الهجاء".
))

ويُذكر عن البخاري أنه لما جاءه نعي الدارمي -أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي- قال البخاري.. ويقول الراوي: "ولم يكن يذكر الشعر إلا في الحديث:"

إنْ تبقَ تُفجع بالأحبة كلهم ** وبقاءُ نفسك لا أبا لك أفجعُ

هذه الأبيات لمسكين الدارمي، أبيات مسكين الدارمي سمي عليها الشارع هذا عندنا هنا، إيه، وهو شاعر جاهلي نعم.
والخبر الذي يُروى بأن امرأ القيس "حامل لواء الشعراء إلى النار" خبر موضوع، خبر موضوع.

(( أخبرنا أحمد بن محمد بن حاتم، أن إسحاق بن منصور حدثهم؛ أنه قال لأبي عبد الله: "ما يُكره من الشعر؟" قال: "الهجاء، والرقيق الذي يتشبب بالنساء، أما الكلام الجاهلي فما أنفعه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر لحكمة»" قال إسحاق أو كما قال)).

أي على ألا يطغى على القرآن وعلى السنة في نفس الإنسان، قال الله عز وجل: {وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} الشعراء: 227. وتنبّه ابن تيمية على هذا المعنى في (اقتضاء الصراط المستقيم)؛ أن القلب لا تجتمع فيه مادتان بشكل كبير مع بعضهما.

والجاهلي ما كان فيه حكمة، أما ما كان فيه مفاخرة مثل أبيات عمرو بن كلثوم- وذكرها في البداية في ذكر الخمر وما سوى ذلك، هذا أمر يضر القلب ذكره، حقيقة يضر القلب ذكره.

"ولولا الشعر بالعلماء يُزري ** لكنتُ اليوم أشعر من لبيدِ"

(الشافعي).

(( سمعتُ أبا بكر بن صدقة يقول: حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي )) -ما دام أحمد ذكر التشبيب- قصة كعب بن زهير بـ"بانت سعاد" هذا خبر معضل، وهذا في متنه نكارة؛ هناك أبيات ما يُعقل أن تكون قد قيلت أمام النبي ﷺ، فيها ذكر النساء وفيها ذكر تشبيب ما ينبغي، والخبر في هذا بـ"بانت سعاد" يعني لا يثبت، وقد ضعفه جمع منهم ابن كثير في (البداية والنهاية): "حيفاء مقبلة" مش عارف إيش هذا الكلام.

(( قال: سمعتُ أبا بكر بن صدقة يقول: حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي، عن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن عابد بن أيوب الطوسي؛ قال: قلتُ لأبي حيان التيمي: "أبوك هذا يحدث عنك، أي الرجال كان أبوك؟" قال: "كان وكان"، وذكر من فضله، "إلا أنه أعان رجلاً شاعراً على بيت هجاء" )).
جاء يذكر أنه يعني يأخذها على أبيه أنه أعانه على بيت هجاء.

وهذا الهجاء أعوذ بالله، رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أعظم الناس إثماً شاعرٌ هجا قبيلة».
وهذا كثير في الشعراء، وترديد هذه الأبيات من الإعانة على المنكر، وتجده في كثير من كتب الناس: "أهجى بيت قالت العرب"، أبيات فيها قذف، أبيات فيها كذا، مثل ما يذكر ابن حبان في (روضة العقلاء) وكذا؛ هذا أمر لا يليق بالعلماء ذكره، ولهذا تجد أحمداً وأبا حاتم وابن المبارك لا يذكرون هذا، يحبون ذكر أخبار الزهاد وغيره.

أما من تأخر كثير منهم الله المستعان؛ يأخذه العلم ويجمع كل شيء، حتى إن بعضهم ذهب يذكر كل حديث ذُكر فيه الفرج أو ذُكر فيه كذا، أحياناً لحاجة شرعية -يعني لما قالت تلك المرأة رضي الله عنها لما قالت: "ما معه إلا مثل هكذا" مثل هدبة الثوب، قال أبو بكر الصديق: "ترون إلى هذه ما تقول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟" استقبح الأمر استكبره- يأتي أمثال الجاحظ واقتدى به ابن قتيبة الله المستعان في (عيون الأخبار) ويبرر وأن هذا يُذكر، ويذكر روايات بعضها لا خطام ولا زمام وبعضها لحاجة شرعية كقول النبي ﷺ: «نكتها؟» في المرأة في أمر الله المستعان في أمر الحد، ويجمع ألفاظاً هذا على ذاك هذا على ذاك، ثم بعد ذلك يريد أن يخرج بأن هذا الفحش مرخص في تقييده في الكتب وذكر كل شيء؛ لا، ما ينبغي.


(( أخبرنا علي بن حرب الطائي، حدثنا ابن إدريس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن من الشعر لحكمة».
))

(( أخبرنا علي، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من الشعر لحكمة».
))

(( أنبأنا إسحاق بن أبي إسحاق الصفار، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء؛ قال: أنبأنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن من الشعر حكمة، وإن من البيان لسحراً».
))

(( قال: وحدثنا مرة أخرى فقال: عن شعبة، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ. ))

(( قال: أنبأنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني هشيم، قال: حدثنا عمر بن أبي زائدة، عن الشعبي؛ قال: "كان أبو بكر شاعراً، وكان عمر شاعراً، وكان علي يقول الشعر، وكان أشعرهم علي عليه السلام".
))


فصول الكتاب · 3 فصل
جارٍ التحميل