الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال (شرح أبي جعفر الخليفي)المجلس الأول
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذا مجلس في كتاب ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، والذي قد انتخبه من مسائل الإمام أحمد وعلى طريقته في ذكر المسائل ثم الاستدلال لها، وبفضل من الله ونعمه لنا خبرة بهذه الطريقة من قراءتنا لكتاب "السنة" للخلال، والذي بلغنا فيه تقريباً إلى منتصف المجلد الثاني في الكلام على الجهمية.

مقدمات يحسن الإشارة إليها

في الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثير منها ما هو مأخوذ من كلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله في "الاستقامة" في ذلك الفصل الذي في آخرها.

المسألة الأولى:

أن خيرية هذه الأمة مرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

  • {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} آل عمران: 110.
  • {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} آل عمران: 104.
  • {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} الحج: 40-41.

وأمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عموم الولاء والبراء ومن عموم الحفاظ على الشريعة؛ فإن ذلك صيانة للشريعة ومن النصيحة، كما ورد في حديث أبي رقية تميم الداري: «الدين النصيحة».

وكما يقول بكر بن عبد الله المزني في ما روى الخلال في "السنة" وأبو نعيم في "الحلية": "لو سألتني من خير أهل هذا المسجد؟ قال: قلت أنصحهم لهم".

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج المرء فيه إلى العلم والحلم والصبر:

  1. العلم قبل الأمر والنهي.
  2. والحلم أثناء الأمر والنهي.
  3. والصبر بعد حصول الأذى؛ {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} لقمان: 17.

ويقول ابن تيمية في كلمته الرائقة من كلامه الرائق -وهو كثير-: "إنه لا يدرى أيهما أعظم شراً؛ أن يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر دون توفر الشروط، أو أن يترك الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر" وهذا لقطع باب الوسوسة على الناس؛ كثير من الناس يقول له: "أنا لا أتحلى بهذا فسأدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".


المقدمة الثانية:

ليعلم أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد دخله تشويه أهل الأحداث وأهل البدع كعموم ابواب الدين:

  • فالخوارج: جعلوا خروجهم وفتنتهم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، روى الآجري في "الشريعة" عن الحسن البصري أنه قال في رجل خارجي: "المسكين رأى منكراً فوقع فيما هو أنكر منه".
    وهذا حال عموم أهل البدع إذ إنهم يسيرون على قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" وليس عندهم اتباع في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • فالمتصوفة: أحدثوا "التغبير" من باب ترقيق قلوب الناس، فالشافعي رحمه الله لما رأى أثر هؤلاء على الناس قال رحمه الله عليه: "تركت ببغداد أمراً أحدثته الزنادقة يصدون به الناس عن القرآن".

والإمام أحمد ذم القصاص مع نفعهم للعامة، وهؤلاء يصلحون من باب ويفسدون مما هو أعظم منه؛ فربما رققوا قلوب الناس وربما اهتدى بكلامهم بعض الناس وصاروا يصلون أو بعضهم ترك الفواحش ولكنهم يدخلونهم في باب من الضلال آخر وهو باب البدعة.

وقد عرض على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه مسألة في رجل توّب جماعة من قطاع الطرق بالتغبير -توّب جماعة من قطاع الطرق الذين كانوا يمارسون اللواط وأموراً أخرى بالتغبير اللي هو السماع الصوفي- فقال ابن تيمية في هذا الرجل: "أنه إما عاجز عن الطرق الشرعية أو جاهل بها"؛ وذلك أنك إذا اتبعت في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير سنة النبي صلى الله عليه وسلم فقد اتهمته بالتقصير، وأنه ليس في الشريعة ما يؤمر به الناس وينهى.

ولهذا لما ابتدعت الكرامية استحلال الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أننا نكذب للنبي صلى الله عليه وسلم لا عليه، قيل فيهم: أن اعتذارهم هذا أشنع من كذبهم؛ وذلك لأنهم جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً لكذبهم وافترائهم عليه.


المقدمة الثالثة: تفاضل المنكرات وأولويات الإنكار:

أيضاً من المقدمات الهامة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن هذا الباب يدخل فيه تفاضل الأعمال أو تفاضل المنكرات؛ فمن الناس من شأنه في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كشأن من يعلم الرجل الصلاة وهو لا يحسن الوضوء.

وهذا كصنيع كثير من الدعاة الذين يأتون على أناس قد هدموا عقدياً ويبدأون يكلمونهم بالرقائق والمواعظ، أو ربما يأتي إلى أناس مفتونين بالديمقراطية وبالوطنية وبأمور أخرى فيكلمونهم بأهمية الأمن وبالسمع والطاعة، ولا يتنبهون لما عندهم من البلاء الآخر.

وقد حصل لعدد من المصنفين في الإنكار على البدع شيء من هذا:

  • الشاطبي (صاحب الاعتصام): يصنف في إنكار البدع العملية وهو غارق من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه في البدع الكلامية وفي بدع التصوف، حتى إنه هدم بناءً عظيماً شيده في "الاعتصام" في كتابه "الموافقات" حين ذكر "أن الشيخ لو رأيته يخالف الشريعة فلا تنكر عليه، وأن الإنكار على الشيوخ مما يحرُم من العلم" ويستدل بقصة موسى مع الخضر.
  • أبو شامة المقدسي: الذي وقع في الشرك الأكبر في الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ووقع في تعظيم الزنادقة من أمثال الحريري -الفاحش اللوطي الخبيث صاحب وحدة الوجود- والذي كان يعتقد فيه أبو شامة أنه يعلم الغيب ويعلم ما في الصدور؛ فهذا ما يغني عنه إنكار مثل صلاة الرغائب أو غير ذلك؟ سوى أن الشيطان قد خدعه وتجده يتكلم عن الغربة ويتكلم عن كذا؛ هذا يلبس به الشيطان على بعض الناس، يفتح له باباً من الأبواب ثم يتركه يتكلم فيه ويكون مصيباً وتكون السنة معه، ولكنه قد ضيع ما هو أعظم من ذلك.
  • النووي: الذي يرى أن تعلم علم الكلام بدعة واجبة، يعني يرى البدعة الحسنة، ويرى أن علم الكلام بدعة حسنة ويراها أيضاً واجبة من أجل الحفاظ على الشريعة، ثم يأتي من يزعم أن أصوله سلفية! لا يستحي لا من الله ولا من خلقه أن يتكلم بكلام كهذا، فهذا الرجل تجد له كلاماً في إنكار البدع العملية كلاماً حسناً.
  • الشعراني: الذي صنف كتاباً أسماه "الميزان" في الرد على المتعصبين مذهبياً -من أحسن ما كتب في الباب- فتظن أن هذا الرجل فيه شيء من الصلاح، حتى إذا قرأت كتابه في "طبقات الصوفية" ورأيت احتفاءه باللوطية والعاهرات وبالمخرفين من الصوفية، حتى إنه يذكر في بعض الأولياء من كراماته إتيان الدواب، وأن من لا يطاوع على ذلك يحصل له كيت وكيت؛ تعرف أن هذا الرجل يعني رجل مخرف واحتفاؤه بالشيخ الأكبر ابن عربي الطائي.

فهؤلاء ضاعوا في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أنكروا منكرات ثم وقعوا في ما هو أعظم من ذلك.

  • وأيضاً تاج الدين الفاكهاني هكذا يسمونه تاج الدين: يصنف كتاباً جميلاً في إنكار المولد النبوي، ثم هو ممن يُنظِّر للاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وأيضاً أبو شامة، ومثل هذا ابن ناصر الدين الدمشقي الذي صنف ((الرد الوافر على من زعم أن ابن تيمية كافر))، ثم بعد ذلك يحتفي بالمولد احتفاءً عظيماً.
هؤلاء كلهم يعني صدق الشيطان عليهم وعده، وأدار عليهم دائرته، وسلَّك عليهم خطته في أنهم -سبحان الله- شأنهم كشأن أولئك العراقيين الذين سألوا ابن عمر عن دم البعوضة وهم قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.


واليوم ليس كل من أنكر التعصب المذهبي أو أنكر الخروج أو أنكر كذا أو أنكر كذا؛ فباب الأمر بالمعروف لا يعني التنازل، بمعنى أنك لو رأيت موحداً بين المشركين وهو يقع في الكبائر ينبغي أن ينكر عليه؛ فهذا النبي صلى الله عليه وسلم -وهو أرحم الخلق وأرأفهم- يقيم حد شرب الخمر مراراً على رجل يعلم من شأنه أنه يحب الله ورسوله.

والواجب على من ذهب إلى بلد تشتهر بشرب الخمر، أو تشتهر بالزنا أو بالدعارة، أن يتكلم في إنكار هذا الأمر، وإن لم يفعل فهذا من الخيانة.
بلد تصنف عالمياً في استهلاك الخمور (أم الخبائث)؛ عبد الله بن عمرو يقول: "أكبر الكبائر من شربها ممسياً لم يزل مشركاً حتى يصبح"، وهذا البلاء العظيم فيأتي زرافات من المنتسبين للعلم ولا يتكلم أحد في إنكار مثل هذا.

وليس من الحكمة في شيء أن نأتي إلى شخص مقيم على كبيرة ما ونثني على صنيعه في باب آخر، بل النصح يقتضي أن يبين الأمر على وجهه، وهذه هي مقتضيات الأخوة الإيمانية؛ فالإمام أحمد رحمه الله يهجر عمه ويهجر ابنه في هدايا السلطان، وهو أمر أهون من هذا الذي نتحدث عنه الآن.


مراتب الإنكار بين اللين والشدة

أيضاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بالشدة تارة وباللين تارة، وكما قال ابن تيمية: "إن الوسخ لا ينقلع إلا بشيء من التشديد، وذلك يوجب من النعومة والنظافة ما يحمد معه ذلك التشديد"، وذلك بحسب درجات المنكرات:

  • فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ذاك الصحابي: "ما شاء الله وشئت"، قال: «أجعلتني لله نداً؟».
  • وقال لذاك الرجل: «بئس خطيب القوم أنت».
  • وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بلغه أن رجلاً باع خمراً قال: "قاتل الله فلاناً"، وذاك باعها متأولاً.
  • وعبد الله بن عباس لما بلغه أن نوفاً البُكالي يقول بأن موسى بني إسرائيل غير موسى الخضر قال: "كذب عدو الله".
  • وعبد الله بن عمر لما بلغه عن القدرية ما بلغه شدد في أمرهم ذاك التشديد.
  • وحابس بن سعد الطائي لما رأى الذين يصلون في مقدم المسجد من السحر قال: "مراؤون ورب الكعبة، ارعبوهم ارعبوهم، فمن أرعبهم فقد أطاع الله ورسوله".

واليوم الناس لما طغت الأذواق، ولما تأثر الناس بركام حركي وغربي مع هذا الركام، ومع التراث الذي اختلط فيه كلام الجهمية بكلام أهل السنة؛ هذه الأمور الثلاثة صار الناس يرون أن مثل هذا من الشدة المنفرة.

والواقع أن اللين الزائد أحدث في الأمة شيئاً عظيماً؛ تلاحظون اليوم أن الاستهزاء في الدين ومظاهر الزندقة كثيرة، فيأتي من يقول: "يجوز الاعتراض على الله عز وجل"، وعامة من يرد عليه لا يتكلم بتكفيره! وياتي من يسب ابن مسعود، ويأتي من يستهزئ بالنبي، ويأتي من يقول: "دبلتشبود نبه التوحيد".
وفي معرض الكتاب في الرياض يباع كتاب في نقد الطريقة السلفية، مجلدين في نقد ابن تيمية، ويأتي من يقول: "بعث الله رسولين: السيسي ومحمد إبراهيم"، ويأتي من يقول: "غاندي له قصر في الجنة"؛ تلاحظ الجرأة؟

ويأتي من ينكر حديث العرنيين ثم يخاطب بأنك: "سليل أسرة من أمرها كيت وكيت وكيت"؛ هكذا يخاطب رجل رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم واستطال!

الإمام أحمد يبلغه الرجل يطعن في أهل الحديث؛ ابن أبي قتيلة يقول: "زنديق، زنديق، زنديق".
مثل هذه الإنكارات التي هي... ويستهزأ بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمسلسلات؛ يأتي يؤتى بأفجر الخلق ويمثلون أدوارهم ويستهزئون بهم.

كل هذا يحصل في سنوات قليلة؛ في ثلاثة أعوام أو أربعة.
ومسلسلات كرتونية يستهزأ فيها بأسماء الله الحسنى في ثلاث سنوات أو أربعة فقط؛ كل من فعل هذا، عامة من فعل هذا ما تكلم بتكفيرهم، يعني بقول مثلاً: "فاعل هذا زنديق" أو "فاعل هذا منافق" أو "فاعل هذا كذا"، إلا أقل القليل.
وغاية الأمر أن يقال: "هذا خطأ، هذا سفيه، هذا كذا"، وكأنه خالف في شذوذ فقهي!

فمثل هذه الإنكارات حقيقة من شأنها -يعني إنكارات تحتاج إلى الإنكار- من شأنها أن تفخذ الباطل وأن تتركه في الأمة قوياً، حتى إن بعضهم اغتبط ببعض الردود التي عليه.

ويأتي من يقول: "الخميني أفضل من معاوية"، ثم يقال: "نشك أنه رافضي"؛ تشك أنه رافضي؟! في شك في أن هذا رافضي زنديق؟ ما هو رافضي بس، رافضي زنديق سبحان الله!

فلهذا الاعتبار يعني نقرأ شيئاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكي نرى هدي القوم ونقتدي به؛ فإننا اليوم لو تكلم شخص في معظم لناله أعظم مما ينال بعض هؤلاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.


مقدمة الكتاب
يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم، أخبرنا والدي الإمام الأوحد، إمام الأئمة، مفتي الأمة، ناصر السنة، قامع البدعة، صدر الزمان، محي الدين، قطب الإسلام، أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلي، بقراءتي عليه في شعبان سنة 551 هـ بمدرستنا بباب الأزج من شرق بغداد."

وقفة مع الألقاب المحدثة

طبعاً هذا أول شيء يعني نبدأ بإنكار هذا المنكر، هذه كلها بدع؛ "قطب الإسلام" هذا عبد القادر الجيلاني المعروف الذي تنتسب له الطريقة القادرية، وعامة متصوفة الحنابلة يسيرون على الطريقة المنسوبة له.

هذا الرجل اشتهر عنه الصلاح في الجملة وكثرة الكرامات في الجملة – ولعل ذلك من الاستدراج – صنف ابن الجوزي كتاباً في مخالفاته للحق، وصدرت منه أمور مثل ما في كتابه "الغنية" من موافقة لعقائد الكلابية، وصحت عنه تلك العبارة الفجة: "قدمي على عنق كل ولي".
وحتى يعني ابن رجب يقول: "مثل هذه لا تنقص من قدره"؛ لا والله تنقصه وتقصفها قصفاً! وأيضاً مع بدع مثل الذهاب للخلوات وكذا وكذا وكذا.
فعبد القادر هذا يعني رجل يعد في متأخري الحنابلة من أفاضلهم، إلا أنه لا يستحق مثل هذه الألقاب الكبيرة: "محيي السنة"، و"قامع البدعة"، و"قطب زمانه".


إسناد الكتاب

أنبأنا الشيخ الصالح أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي في قراءتي عليه سنة 494 هـ بدرب المروز بالقطيعة من غرب بغداد بالكرخ، قال: أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي، قال: أنبأنا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يثداد بن معروف الكرخي الفقيه المعروف بـ "غلام الخلال"، قال: أنبأنا الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، قال:

((هذا كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما روي في الأمر بالمعروف كيف؟))

بَابُ مَا رُوِيَ فِي، وَاجِبِ الْأَمْرِ، كَيْفَ هُوَ؟

أخبرنا سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني:(( أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يرى الطنبور والطبل ونحو ذلك، أواجب عليه تغييره؟ قال: ما أدري ما واجب، إن غير فله فضل.

قيل لأحمد: فإن أصابه من قبل السلطان في ذلك مكروه؛ ترجو أن يؤجر؟ فرأى فضلاً، تكلم بشيء كأنه يغبطه)).

فهذا مذهب أحمد؛ أن من رأى آلات اللهو هذه المنكرات كـ "الطنبور" وكذا... أما "الدف" فبعض الفقهاء تكلموا أن الدف له استخدام شرعي أن تستخدمه النساء في الأعراس، أما هذه آلات اللهو كـ "الطنبور" وكذا، رأى أن لها فضلاً، في فضل لمن يتلفه.

وكذلك نظير ذلك كتب أهل البدع، كما بين ابن القيم في "زاد المعاد" وفي "الطرق الحكمية" لما تكلم على قصة كعب بن مالك وتحريقه لكتاب ذاك الرجل، وإتلاف كتب أهل البدع أفتى به الإمام أحمد بن حنبل.

حتى ليس فقط كتب أهل البدع، بل الكتب التي تذكر ما شجر بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال إنك حتى لو استعرتها من شخص فلا ترجعها له وخرقها.


قال: أخبرنا أبا عبد الله، ذكر محمد بن مروان الذي صلب في الأمر بالمعروف -يعني أمر بالمعروف فصلبه الحاكم- فترحم عليه وقال: ((قد قضى ما عليه وقد كان)).

وأنبأنا أبو بكر، أنبأنا أحمد بن حنبل، وذكر ابن أبي خالد وقد كان أبو عبد الله عرف قصته في إقدامه فقال: ((ذاك قد هانت نفسه عليه)).
وهذه آثار كلها ثابتة عن أحمد.

وأخبرني محمد بن أبي هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدثه أنه قال لأبي عبد الله: متى يجب علي الأمر؟ قال: ((إذا لم تخف سيفاً ولا عصاً)).

وهذا نظير قول ابن عباس لسعيد بن جبير لما قال له: "آمر أميري وأنهاه؟" قال: "خفت أن يقتلك؟ فلا".

هذه الآثار عن الإمام أحمد وما سواه تبين أن هناك رخصة، كما سئل عبد الله بن مسعود -أو كما علق ابن مسعود- على قول الرجل لما قال: "هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر"، فقال عبد الله بن مسعود: "هلك من لم يأمر بقلبه وينه عن قلبه".

إذاً أنت إذا خفت سيفاً أو عصا يعني لك الرخصة أن تنكر في قلبك فقط، ويقابل هذا أنك إذا تكلمت بلسانك وصبرت على الأذى فهذا فضل، وهذه "العزيمة"؛ فلا يُنكر على من فعل الفضل إلا إذا كان يجر على غيره ويسبب فتنة لغيره، فمن فعل الفضل فهذا لا ينكر عليه فاعل العزيمة.

وهذا أحد المحدثين اسمه ابن حمويه -فيما أذكر- كان أحد أقران أبي زرعة الرازي، ذهب إلى "قُم""قم" من ذاك الزمان بلاد رفض من قبل ما يسمى بالصفوية بألف سنة- فتكلم بفضائل الصحابة فأغلظوا عليه وأرادوا منه، فأصر حتى قتلوه، فكان أبو زرعة يذكره ويعلي من شأنه، وهذا الرجل من رجال الكتب الستة وثقة حافظ من طبقة أبي زرعة الرازي.

وأيضاً في هذا لطيفة؛ يقول ابن المبارك: "من أراد أن تثكله أمه فليقف في حوطة الكوفة ويقول: رحم الله عثمان"، يعني لانحراف الناس آنذاك في الكوفة عن عثمان رضي الله عنه.


قال أخبرنا موسى بن سهل، حدثنا محمد بن أحمد الأسدي، قال حدثنا إبراهيم بن يعقوب، عن إسماعيل بن سعيد قال: ((سألت أحداً عمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند من لا يخاف سيفه ولا سوطه؟ قال: إذا استطاع فليغير لا يسعه غيره)).
وهذا اسمه إسماعيل بن سعيد -للفائدة للمهتمين بمسائل الإمام- هذا الشالنجي، كان من أهل الرأي وصار من أهل السنة، وهذا الرجل (إسماعيل بن سعيد) مسائله عن أحمد من آخر المسائل لأنه أدرك أحداً بآخره، فدائماً في غالب الأحيان تكون آخر الرواية عند الشالنجي.

قال: كتب إلي يوسف بن عبد الله الإسكافي، حدثنا الحسين بن علي بن الحسن: ((أنه سأل أبا عبد الله عن الرجل يُشرع له وجه بر فيحمل نفسه على الكراهية، وآخر يُشرع له فيسر بذلك، أيهما أفضل؟ قال: ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تعلم القرآن وهو كبير يشق عليه أن له أجرين»؟)).
إذاً الذي يفعل هذا الأمر مع مشقته عليه، يرى أحمد أن أجره أعظم.


قال أخبرني محمد بن الحسين، حدثنا فضل بن زياد قال: ((سألت أبا عبد الله قلت: لنا جار يجيء بالقِدر ويوضع عليها وينبذ فيها -يعني يفعل له فيها النبيذ- قال: انهوه.
قال قلت: لا ينتهي.
قال: أغلظ، أويرضى لنفسه أن يقال فاسق؟!)).

أخبرنا حرب بن إسماعيل قال: ((سمعت إسحاق بن راهويه يقول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بشرط العلم.
قيل: فإن خشي؟ قال: هو واجب عليه حتى يخاف، فإذا خشي على نفسه فلا يفعل)).

إذاً من الغلط أن يقال إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد مطلقاً خاص بولي الأمر؛ فكلام أحمد واضح أنه يفعله من استطاع.
ثانياً: القول بأن الإنكار باللسان ما هو واجب مطلقاً؛ لو أخذ الناس بمثل هذا لاكتفى الناس بأنهم فقط يأمرون وينهون بقلوبهم، فلا يغير منكر.

أخبرنا أبو بكر المروذي قال: ((سمعت محمد بن عبد الله يقول: قلت لشعيب بن حرب في الأمر والنهي، فقال: لولا النبذ والسوط وأشباه هذا لأمرنا ونهينا، فإن قويت فآمر وانه)).

أخبرني محمد بن أبي هارون أن مثنى الأنباري حدثه: ((أنه سأل أبا عبد الله عن الحديث الذي جاء فيه: «أَنْتُمْ فِي زَمَانٍ مِنْ عَمِلَ فِيهِ بِالْعُشْرِ مِمَّا أُمِرَ بِهِ نَجَا»، فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَحَدَّثَهُ بِهِ رَجُلٌ فَلَمْ يَعْرِفْهُ» فلم يعرفه وحدث به رجل فلم يعرفه)).

وهذا يروى موقوفاً على ابن مسعود ويروى مرفوعاً، وحتى المرفوع فعلاً يبدو أن أحمد لم يعرفه، ويبدو أنه أنكره.


حدثنا السهل بن صالح، حدثنا أبو داود الطيالسي، عن عبد الواحد بن زيد -عبد الواحد بن زيد هذا ليس من معادن الصدق كما يقول الجوزجاني الصوفي- قال: ((قلت للحسن: يا أبا سعيد، رأيت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة؟ قال: لا يا بني، كان فريضة على بني إسرائيل، فرحم الله هذه الأمة وضعفهم فجعله عليهم نافلة)).
لا تعارض.


باب من رأى منكراً فلم يستطع له تغييراً أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره

وهنا نص لابن تيمية في مسألة مجالسة أهل البدع، حيث ذكر أن أقل المُعلِمين بالبدعة والفسق أن الرجل إذا جالسهم مضطراً، أن أقل ذلك أن يجالسهم على وجه يسلم به من مقت الله، وهو أن يكون كارهاً لهم ولما هم عليه، منكراً عليهم بقدر الإمكان.

أخبرني محمد بن الحسين، حدثهم فضل بن زياد، قال: ((سمعت أبا عبد الله قال له رجل: لي جار يشرب ويعتدي، ترى لي أن أنهاه عن ذلك؟ قال: ما أحسن ما تفعل! فقال له رجل: فإن لم أفعل؟ قال: تخافه؟ قال: نعم.
قال: أنكر بقلبك وليعلم الله ذلك من قلبك)).
يعني تخاف من فحشه؛ فشر الناس من يتقيه الناس لفحشه.
روي ذلك عن ابن مسعود.

أخبرني أبو بكر الأثرم قال: ((قيل لأبي عبد الله: رجل رأى منكراً يجب عليه تغييره؟ قال: إذا غير بقلبه فأرجو، ثم قال: إن منهم من يُخاف منه فإذا يٌغير بقلبه)).

وأخبر الحسن بن محمد ببيت المقدس قال: كتبت من مسائل أبي علي الدينوري من مسائل ابن مزاحم: ((أن أبا عبد الله قيل له: رجل رأى منكراً أيجب عليه تغييره؟ قال: إذا غير بقلبه فأرجو)).

وأخبرنا محمد بن أبي هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم: ((أنه سأل أبا عبد الله قال: قلت: رجل تكلم بكلام سوء يجب علي فيه أن أغيره في ذلك الوقت، فلا أقدر على تغييره وليس لي أعوان يعينونني عليه؟ قال: إذا علم قلبك أنك منكر لذلك فأرجو ألا يكون عليك شيء)).

أخبرني محمد بن أبي هارون، حدثنا مثنى قال: سلمت على أحمد ووضعت عنده قرطاساً قلت له: انظر فيه واكتب لي جوابها، ما تقول إن رأى الطنبور يباع في سوق من أسواق المسلمين مكشوفة، فأيهما أحب إليك؟ ذهابه إلى السلطان فيها، أو يكون معه من يُعنى السلطان بأمره فينادي السلطان فيها أو يأمر بكسرها، أو يكون منه فيها بعض التغيير؟ أو جلوسه عن ذهابه إلى السلطان وهو يأمر بلسانه وينكر بقلبه؟

فكتب: ((يُغير ذلك إذا لم يخف، فإن خاف أنكر بقلبه، وأرجو أن يسلم على إنكاره)).

وأخبرنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إسحاق بن داود، حدثنا أبو جعفر الحذاء قال: قال وكيع في الأمر بالمعروف والنهي: ((مروا بها من لا يُخاف سيفه ولا سوطه)).

أخبرني منصور بن الوليد، حدثنا جعفر بن محمد بن محمد النسائي قال: قلت لأبي عبد الله: يجب الأمر والنهي على الإنسان؟ قال: ((يا أبا محمد، في هذا الزمان أظنه قال "شديد"، مع أن في حديث أبي سعيد تسهيلاً)).
قلت له: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده؟ قال: ((نعم)).
قال: «بقلبه وذلك أضعف الإيمان».

قلت: هذا أشدها علي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أضعف الإيمان»، وهو -أحمد- يعني سلاه قال فيه تسهيل يعني بقلبه، قال: ذاك أشدها علي أن تكون أنت على أضعف الإيمان.
قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده» وقال: «ما أمرتكم من أمر فأتوا منه ما استطعتم».
فسكت.

  • تعليق من الحاضرين: الخلال ترجم لهذا الرجل يقول: "مات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وأخبرني محمد بن أبي هارون أن إسحاق حدثهم قال: سألت أبا عبد الله قلت: متى يجب على الرجل الأمر والنهي؟ قال: ((ليس هذا زمان نهي، إذا غيرت بلسانك فإن لم تستطع فبقلبك وهو أضعف الإيمان)).
وقال لي: ((لا تتعرض للسلطان؛ فإن سيفه مسلول)).

هذا السلطان في ذلك الزمان -يعني وهذه سنها المأمون عليه لعنة الله- أنه أي شخص يأمر وينهى مباشرة يؤخذ إلى السجن إلا أن يكون معه ترخيص من المأمون شخصي.

ولهذا أبو نعيم يعني يُذكر -يروى أن أبا نعيم رأى رجلاً واضعاً يده بين فخذي امرأة فأنكر عليه فأخذه الشرط إلى (عليه لعنة الله) المأمون، فالمأمون كان يتوضأ ويصلي، فسأل أبا نعيم في شيء من مسائل الفرائض وشيء من مسائل الصلاة، فلما رآه يحسن قال: "لست أنت من أردناه"؛ لأنه هو رأى أن هناك من الناس من يتوسع في الأمر والنهي بالجهل.

فأيش فعل؟ فعل أن أي شخص يأمر وينهى -لو كان في أمر ظاهر كالذي رآه أبو نعيم الفضل بن دكين- يأخذونه الشرط.
وتلاحظ أن مثل هذه الأمور كانت كثيرة، حتى كنائس كان قد أقرها المأمون والمعتصم، وفي وقت المتوكل هو الذي أزالها بإشارة من أحمد.

أنت تلاحظ أن مثل هذا لم يكن هجيراً لأحمد ومن سواه تجاه مثل هؤلاء الحكام الذين يفعلون مثل هذا، وكانوا يعلمون الناس ولا يتعرضون إلى سيف هؤلاء ولا سوطهم.

الآن مثل هذه الآثار لما يقال: "في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تتعرض لمن له سوط أو سيف"؛ هذا يوعظ به من يخرج مثل المظاهرات في أمر الدنيا، تعرضاً للسيف والسوط وما هو أكبر من ذلك في أمر الدنيا، وليت أن الأمر دِين، بل هو على أمر الدنيا، ولو أعطوه من الدنيا وكفروا بعدها لرضي عنهم.

وهذا الضرب من الناس ممن يدخل في حديث البخاري: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم... ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا؛ إن أعطي منها رضي وإن منع منها سخط».

إذاً الإنسان الذي مجرد أنه يمدح الولاة أو يدعو لهم إذا كانت مقدمته مادية ودنيوية فليس هذا محلاً للثناء، بل الذي ينصح مع البعد عن الفتن وأبواب الفتن، هذا هو المحمود وهذا هو السائر على السنة.
وكما يذكر عن الفضيل: "ليس هذا زمان كلام، هذا زمان بكاء وتضرع"، هذا يقولونه في أزمنتهم.
والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت هوىً متبعاً، وشحاً مطاعاً... فعليك بخويصة نفسك».

قال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: حدثنا أحمد بن خليل، حدثنا يزيد بن هارون قال: قيل لسفيان الثوري: ((ألا تأتي السلطان فتأمره؟ قال: إذا انبث البحر، من يذكره؟)).
وهذا إسناده صحيح لسفيان الثوري، يعني آيس منهم.

أخبرنا أبو بكر المروذي أنه شكى إلى أبي عبد الله جاراً لهم يؤذيهم بالمنكر، قال: ((مُره بينك وبينه)).
قال: قد تقدمت إليه مراراً، كأنه يضحك! قال: ((وأي شيء عليك؟ إنما هو على نفسه، أنكر بقلبك وادعه)).

قلت لأبي عبد الله: من كان له جار سوء يسمع منه المنكر -يبدو أنه يسمع هذا-؟ قال: ((يغيره مرة ومرتين وثلاثاً، فإن قبل وإلا ترك)).
قلت: فإن كان يسمعه قال: ((وأي شيء يقدر أن يصنع؟ أنكر بقلبك ودعه)).

أخبرنا أبو بكر، حدثنا علي بن شعيب قال: اجتمع صالح بن عبد الكريم وبشر بن الحارث -هذا الحافي- فكان أول ما ابتدأ به قال بشر: "يا صالح، قوي قلبك أن تتكلم؟".
قال: فسكت صالح، فقال صالح: "يا بشر، تأمر وتنهى عن المنكر؟" فقال: "لا".
فقال له صالح: "ولِمَ؟" قال بشر: "لو علمت أنك تقول (لِمَ) لم أجبك".

أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الحميد -طبعاً هذا انتهى الخبر هنا- حدثنا بكر بن محمد قال: كنا في أمر الحريق، فقيل: "يا أبا عبد الله، أهلك وفينا الصالحون؟" قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)).
وهذا نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

أخبرنا أحمد بن محمد بن مسعود الأنطاكي قال: حدثني محمد بن غالب الأنطاكي، عن أبي الجواب، عن الحسن بن صالح قال: كتب عمرو بن عبد الله إلى عبد الله بن شبرمة يعذله في تخلفه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكتب إليه عبد الله بن شبرمة:

الأمرُ يا عمروُ بالمعروفِ نافلةٌ .. والعاملون به لله أنصارُ

والتاركون له ضعفاً لهم عذرٌ .. واللائمون لهم في ذاك أشرارُ

الأمرُ يا عمروُ لا بالسيفِ تشهرُهُ .. على الأئمةِ إن القتلَ إضرارُ

يعني ليس بطريقة الخوارج، ولكن البلاء اليوم في صنف من الناس لا يأمرون ولا ينهون، ثم يسمون الأمر والنهي تشدداً وتنطعاً وتزمتاً وتنفيراً؛ هذا الصنف من الناس أيضاً أشرار.


باب قوله: الأمر بالمعروف باليد

أخبرنا سليمان بن الأشعث قال: سمعت أبا عبد الله يقول: ((نحن نرجو إن أنكر بقلبه فقد سلم، وإن أنكر بيده فهو أفضل)).

أنبأنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: ((باليد، واللسان، وبالقلب وهو أضعف الإيمان)).
قلت: كيف باليد؟ قال: ((تُفرق بينهم)).
قال وحفظت عن أبي بكر المروذي قال: "كنت مع أبي عبد الله في طريق فرأى صبياناً يقتتلون، فعدل إليهم ففرق بينهم".

وهو صح عن أحمد أنه كان إذا رأى الذين يلعبون الشطرنج يقلب هذه (يأخذ الشطرنج ويقلبها)، وكان ابن تيمية يفعل هذا، وكان أيضاً يفعل هذا بكسر أدوات المنكر وكذا، وهذا اليوم لو يفعله إنسان يقال فيه ما يقال.

أخبرني محمد بن علي حدثنا صالح أن أباه قال ((والتغيير باليد ليس بالسيف والسلاح)) لا يعني تفرق ما هو بالقتل أو الضرب.
أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا المهنا قال: سألت أحداً عن الأمر بالمعروف يستقيم باليد (يكون ضرباً باليد إذا أمر بمعروف)؟ قال: ((الرفق)).

أخبرني محمد بن علي، حدثنا مهنا قال: ((سألت أبا عبد الله عن الرجل يرى المنكر، أيغيره بيده؟ قال: إن قوي على ذلك فلا بأس.
قلت: أليس قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس للمؤمن أن يذل نفسه، يعرضها من البلاء لما لا طاقة له به»؟ قال: ليس هذا من ذلك)).
يعني ليس معنى هذا الحديث ترك الأمر بالمعروف، والحديث ظاهره لا يثبت؛ هو من مراسيل الحسن.

وفعلاً هذا الحديث إلى يومنا هذا يستدل به بعضهم على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كاستدلالهم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} المائدة: 105. وهذا الاستدلال هو الذي بين الصديق رضي الله عنه بطلانه وقال: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر"، ومعنى {لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ} أي: لا تذهب نفسك عليهم حسرات إذا قمت بما عليك؛ كما يقول شيخ الإسلام

إذا هو ضل وأنت اهتديت فلا يحزنك ضلاله.


أنبأنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا أبو خلدة، عن مثنى بن دارم قال: "رأيت عمر يضرب جمالاً ويقول: لم حملت على جملك ما لا يطيق؟" وعمر ولي أمر.

باب ما أمر به من الرفق في الإنكار

ليس هذا على إطلاقه، ولكن ينبغي أن يراعى؛ لا لأن بعض الناس يريدون جعل الرفق في كل شيء حتى مع أهل البدع والضلال والكفر، نأتي نحن كردة فعل ونلغي باب الرفق مطلقاً؛ لا، هذا ما يصلح، البدعة لا ترد ببدعة، والباطل لا يرد بباطل.

قال أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قرأت على أبي عبد الله عن ابن الربيع الصوفي قال: "دخلت على سفيان بن البصرة فقلت: يا أبا عبد الله، إني أكون مع هؤلاء المحتسبة فندخل على هؤلاء الخبيثين -يبدو كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- ونتسلق على الحيطان، فقال سفيان: أليس لهم أبواب؟ قال قلت: بلى، ولكن ندخل عليهم لكي لا يفروا، فأنكر ذلك إنكاراً شديداً وعاب فعالنا".

فقال رجل: "مَن أدخل ذا؟" قلت: "إنما دخلت إلى الطبيب لأخبره بدائي"، فانتفض سفيان وقال: "إنما أهلكنا أننا سقمة ونسمى أطباء! لا إله إلا الله، نحن السقمة"، ثم قال: "لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عدل بما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى".

وهذه قاعدة جليلة، هذا الأثر عن سفيان الثوري يوقف معه وقفة عظيمة فعلاً؛ فمن الناس من يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيشتغل بإشاعة الفاحشة، يجلس ذاك اليوم دخلنا على واحد على وضع كيت وكيت.

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان مع عبد الرحمن بن عوف وسمع صوتاً من أحد البيوت وكانوا أناساً يشربون الخمر، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: "أرى أن قد أتينا ما نهانا الله عنه"، قال: {وَلَا تَجَسَّسُوا} الحجرات: 12 فتركه؛ لأن الإنسان المستتر ليس كالإنسان المعلن.


أخبرنا عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل أنه سمع أبا عبد الله يقول: ((والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق)).

الناس يحتاجون خصوصاً في أزمنة الجهل، فلا يأتي إنسان يفرغ ما في صدره ويتكلم بأعنف ألفاظ بلا أي حساب ثم يقول: "اقبل الحق وإن لم تقبل فانت معاند"؛ لا يمتحن الناس في فهمهم، يفهمهم ابتداءً.

وهذا في بعض الأمور التي فيها خفاء وتكون منتشرة، وهناك أمور الشدة أثناء إنكارها يبين ما فيها

الأمر بالمعروف بغلظة إلا رجل مباين معلن بالفسق والرد فقد وجب عليك نهيه وإعلامه، لأنه يقال: "ليس لفاسق حرمة"، فهذا لا حرمة له كما قال هذا الحسن البصري.
فقول بعض المعاصرين بتسمية هجران أهل المعاصي تشدداً وتنطعاً، أو هجران تاركي الصلاة أو المدخنين، تسميتهم تنطعاً وكذا؛ هذا من البلاء هذا مخالف لإجماع السلف، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وأخبرني محمد بن علي الوراق قال: حدثنا مهنا قال: "أحمد بن حنبل كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلاً رحمكم الله".

ويذكر ابن منكدر أنه رأى رجلاً يكلم امرأة قال: "ما هكذا تشكر نعمة الله عليكم".

أخبرني جعفر بن محمد، يعقوب بن بختان حدثهم: ((أن أبا عبد الله سئل عن الأمر؟ قال: كان أصحاب عبد الله يقولون: مهلاً رحمكم الله، مهلاً)).

أخبرني محمد بن أبي هارون قال: سمعت العباس قال: "صلى بأبي عبد الله يوماً جوين، فكان إذا سجد جمع ثوبه بيده اليسرى وكنت لجنبه، فلما صلينا قال لي -وخفض من صوته-: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يكف شعراً ولا ثوباً».
فلما قمنا قال لي جوين: أي شيء كان يقول لك؟ قلت: قال لي كذا وكذا، وما أحسب المعنى إلا لك".
هكذا رأى منه أمراً يخالف السنة في الصلاة فأخبر صاحبه وصاحبه أخبر الرجل.

أَنبأنا محمد بن شعبة بن جوان البصري، حدثنا أبو داود، حدثنا عمارة قال: حضرتُ الحسن ودُعِيَ إلى عرس، فجيء بجام من فضة عليه خبيص أو طعام، فتناوله فقلبه على رغيف فأصاب منه.
فقال رجل إلى جنبي: "هذا نهي في سكون".

هو يعني وضعوه في إناء فضة، فأخذه ووضعه على إناء صالح (الرغيف) فأكل، فيريد أن يُري الناس أنه لا يصح أن يؤكل في مثل هذه الآنية.

فقال رجل: "هذا نهي على سكون".
وفعلاً يعني الإنسان الذي عنده علم ما يُنكر عليه بمثل... يعني حتى الشدة في الإنكار لا تعني أن كل من زدت في الشدة في الإنكار عليه معناه أنه هو أشر؛ لا، أحياناً ترفق بإنسان لجهله وتشتد على إنسان لعلمه.

النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفتانٌ أنت يا معاذ؟»، ومعاذ يحتمل مثل هذا لعلمه.
اليوم من الناس يراك مثلاً تشتد على زيد من الناس وتترك عمراً، يقول: "كيف؟ هذا أولى، هذا كيت!"؛ لا، ليس الأمر كذلك، ما هي قاعدة بهذا الاعتبار.


قال وأنبأنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يقول: ((ما أغضبتَ رجلاً فقبل منك)).

أنك تتحرى إغضابه، أما إذا كان مريضاً يغضب من كلمة الحق كيف جاءت؛ فهذا لا حيلة فيه.
لكن تتحرى إغضابه تتكلم بكلام يغيظه ولك عنه مندوحة؛ مثل شخص يرد على شخص في مسألة علمية فيذكر شيئاً طرفاً من الكلام على نسبه هو يعيره، هذا يفعله بعض الناس في الجرائد هذه فعلاً، "فلان الكذا فلان الكذا"؛ ويشعر الإنسان فذاك يفهم.
أنت إذا كنت تريد الإنسان أن يقبل منك ما الداعي لأن تعرّض بالكلام على النسب وتعرض على أنك والله من أصول أعجمية ولا من كذا ولا من كذا؟!

أخبرني يزيد بن عبد الله الأصبهاني قال: حدثنا إسماعيل بن يزيد -إلا إنسان يعني معاند كما في الأصبهاني- قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: "ما أحب للرجل إذا كان يأمر وينهى أن يقوم في مسجد من المساجد أو في سقم الأسواق يبكت الناس ويؤنبهم من غير أن يرى منكراً، وما أحب له إذا رأى منكراً أن يسكت إلا أن يخاف".

هذا فعلاً يفعله بعض القصاص؛ يعني هو ما يرى منكراً، يجد يأتي يصلي مع الناس ثم يقوم ويتكلم بكلام غليظ ويحمّل هؤلاء الذين في المسجد كل المنكرات التي في خارج المسجد، "وأنتم كذا وأنتم كذا ويحصل كيت ويحصل كيت ويحصل كيت"؛ يا أخي هؤلاء مساكين ممكن كثير منهم ما عنده هذا، متألم مثلك.


قال أخبرني عبد الملك الميموني، حدثنا ابن حنبل قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن فرات بن سليمان، عن ميمون بن مهران، عن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز -عبد الملك هذا ابن عمر بن عبد العزيز، كان أشد نسكاً من أبيه ومات قبل أبيه، ولابن رجب رسالة في سيرته، يعني عجيب؛ هو من أبناء الملوك ومع ذلك كان على درجة في الزهد والتقوى عالية، وكان يأمر أباه وينهاه، ويقال إن من أسباب نسك أبيه هذا الولد عبد الملك-.

فقال له: "يا أبتِ ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك".

فقال: "يا بني، إني إنما أروض الناس رياضه الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعاً من طمع الدنيا، فينفر لهذه ويسكن لهذه"؛ يعني إذا أراد أن يحيي شيئاً من العدل يعطي يكافئ الناس، يعطيهم شيئاً من الدنيا.

وسياسة عمر بن عبد العزيز كان مستحضرها الإمام المجدد، فلهذا في تعليقه على بعض الآيات يقول: "والأمر يكون بالتدرج كما فعل عمر بن عبد العزيز"؛ فهذه سياسة الناس وترويضهم وأن يؤتى الأمر شيئاً فشيئاً.

طيب ألا يدل هذا على ما يسمونه اليوم بالتدرج في تطبيق أحكام الشريعة؟
لا، هذا إلحاد، هذا إلحاد؛ لأنهم أولاً يؤخرون أموراً لا تحتمل التأخير، ويلزمون الناس بقوانين وضعية ويتقاعسون في تطبيق شرع الله عز وجل.
ومثل تحريم الخمر والأمور التي ذكرتها عائشة في الحديث؛ هذه إنما حصل التدرج مع الناس فيها لأنهم نشأوا على خلافها وكانوا في جاهلية جهلاء، وأما أهل الإسلام اليوم فنشأوا على ماذا؟ على الإسلام، وعلى أن هذا أمر محرم ولا يجهله أحد، وهذه الحدود لو أقرت فلها قيود ولها ضوابط، ليس معناها أن كل الناس ستقام عليهم الحدود؛ فيلزمون الناس بقوانين مرورية ومش عارف إيش فيها شدة وفيها غلظة، ويتركون أحكام الله عز وجل التي فيها الرحمة والهدى وانضباط الأمر.


أنبأنا أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، عن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقيلوا ذوي الهيئة عثراتهم»)).

ذوو الهيئة هو الرجل الشريف النسيب، هذا تقال عثرته؛ يعني إذا فعل أمراً مما يعذر بمثله ولكن لم يكن له ديدناً، أما الحد فلا؛ الحد هذا ما يقال فيه (أقيلوا) أبداً.

لكن في مثل هذا، الإمام المجدد -يعني يذكر عنه- أنه كان يعذر بشرب الدخان (شرب التتن)؛ فمرة جاء أصلح بين قبيلتين كان بينهما اقتتال شديد، فأجازهم بجوائز على سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجيز الوفد (يعطيهم هدايا وكذا)، ثم قاموا يصلون، فشيخ إحدى القبيلتين لما سجد سقط منه هذا "الغليون" أو كذا الذي يشرب فيه الدخان، فكانوا يقولون للشيخ: "الشيخ يشرب المخزي! المخزي!"؛ فالشيخ يقول: "ما شفنا شيء، ما شفنا شيء".

لأنه لو فعل له شيئاً وكذا لعاد الاقتتال وعاد... رأيت هذا؟ يعني بالكاد شيخ قبيلة الآن استطاعوا أن يصلحوا وأن يحقنوا الدماء، وإذا حقنت الدماء وذهبت هذه الحرب تمكن أهل الدعوة من دعوتهم، أما طالما هذه القبائل مشتغلة بهذا البلاء المبين؛ ما يتمكن الإنسان كما ينبغي أن يدعوهم.
(تُرك منكر خشية منكر أعظم منه).


أخبرني محمد بن عمر بن مكرم قال: حدثني عبد الله بن محمد البلخي قال: ((قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل شيئاً ويبلغه عنه، أيقول له؟ قال: هذا تبكيت، ولكن يعرّض به)).

ليس باستمرار إذا كان رجل مستتر ثم بلغك من طريق بعض أقربائه، أو بعض القريبين منه، أو إنسان اطلع على هذه العورة، وهذا الرجل مستتر عنك بهذا الأمر؛ فما تذهب وتقول: "كيت وكيت وكيت وبلغني عنك"؛ فهذا تبكيت إن لم يكن مجاهراً، وإنما يعرّض؛ يذكر المعصية ويذكر كذا ويعظه.

أنبأنا محمد بن حسين، فضل بن زياد حدثهم قال: ((سمعت أبا عبد الله وذكر عنده معتمر فحدثنا عنه قال: قال أبي (سليمان بن طرخان التيمي): ما أغضبتُ رجلاً فقبل)).
وهذا صحيح.

أخبرني أحمد بن محمد بن مسعود الأنطاكي قال: حدثني سهل بن صالح، حدثنا شعيب بن حرب، عن صالح المري -صالح بن بشير المري هو متروك في الحديث لكن معروف بالزهد والعبادة- قال: "إنا بباب الحسن، أنا وأيوب ويونس وابن عون (الأخيار كلهم)، فذكرنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ خرج علينا الحسن فقال: فيما أنتم؟ قلنا: ذكرنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فقال: نعم، مُر بالمعروف وانهَ عن المنكر، وإلا كنتم أنتم الموعوظين".

بمعنى أنكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد ارتكبتم معصية توعظون بسببها، فيأتيك شخص ويعظك.
"وإلا كنتم أنتم الموعوظين"؛ هذه كلمة بليغة جداً للحسن.

أخبرني الحسن بن عبد الوهاب أن إسماعيل بن يوسف قال: حدثنا الوليد بن شجاع قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد الزبيدي، حدثنا ثور بن الأسود، عن صالح بن زنبور قال: ((سمعت أم الدرداء تقول: من وعظ أخاه سراً فقد زانه، وإن وعظه علانية فقد شانه)).

هذه كلمة مشهورة عند السلف، وهذا في غير المنكر المعلن.
وأم الدرداء هذه الصغرى (الفقيهة)، أما الكبرى فهذه ماتت متقدمة.


باب ما يؤمر به الرجل من الأعمال وترك الانتصار في الإنكار

الإنسان إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر كثير من الناس وهذه ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا أوذي صارت نفسه تطلب الانتصار فيشتد بهذا انتصاراً لنفسه، وهذا يكون قد أفسد وأحبط نيته.
ولهذا يقول عمر بن عبد العزيز: "ما رأيتُ ألدَّ من حقٍّ وافق هوى".

هذا إنسان يكون يتكلم بحق لكنه ألد، والمراد أن الإنسان إذا أمر ونهى لا ينتصر لنفسه وإلا يكون الأمر قد تحول.
ولهذا يذكر ابن تيمية عن كثير ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يغضب، لماذا؟ لأنه رُدَّ كلامه، وإذا أوذي لم يصبر على ما أصابه، ثم بعد ذلك يبدأ يفعل كل ما يحصل من جهة الانتقام للنفس، نعوذ بالله من هذه النية.


أخبرني محمد بن علي السمسار، حدثنا مهنا قال: ((سألت أبا عبد الله عن الأمر بالمعروف كيف ينبغي أن يأمر؟ قال: يأمر بالرفق والخضوع.
قلت: كيف يأمر بالرفق والخضوع؟ قال: إن أسمعوه ما يكره لا يغضب فيكون يريد ينتصر لنفسه)).

هذا أثر عظيم يحتاج وقفة؛ ينتبه الإنسان لمثل هذا ويقول: "هذا غضب لله"، وبعضهم يقول: "يعني إغاظة هؤلاء أعداء الله من الدين".
ومن علامات الهوى أن الإنسان يقبل على منكر معين ويكرس نفسه في هذا الإنكار مع وجود ما هو أعظم منه والداعي إلى إنكاره أعظم، ثم إذا فتشت وراءه وجدت أن في هذا الإنكار دخيلة نفسية؛ أنه أنكر مثل هذا فأوذي فيه، فدخلت عليه الدخيلة النفسية في هذا فصارت نفسه تطلب التنكيل بالخصم.

أنبأنا سليمان بن الأشعث قال: ((قلت لأبي عبد الله: مثل زماننا هذا نرجو ألا يلزم رجل القيام بالأمر والنهي إذا خاف أن ينال منه؟)) -هم متفقون على المشروعية يبحثون فقط واجب ولا ما هو واجب- ((قلت: في الصلاة لا يراهم يحسنون؟ قال: يعلمهم.
قلت له: يشتم؟ قال: يحتمل

مَن يريد أن يأمر وينهى لا يريد أن ينتصر بعد ذلك)).
يعني تضع حظ نفسك هذا جانباً.
أما عندك بحث آخر؛ يعني من الناس من يقول مثلاً: "فلان دخن أمامي ما احترمني!"؛ هذه الإشكالية عنده (ما احترمني) ليس أنه فعل معصية، أكبر شيء برأسه أنه ما احترمه هو، ويقول: "ما احترمني ولا ويشتم بعد!".


أخبرنا زكريا بن يحيى الناقد أن أبا طالب حدثهم أنه قال لأبي عبد الله: ((إذا أمرته بالمعروف فلم ينته أدعه لا أقول له شيئاً؟ قال: لا، مُر بالمعروف.
قلت له: فإن أسمعني؟ قال: دعه، إن رددت عليه ذهب الأمر بالمعروف وصرت تنتصر لنفسك فتخرج إلى الإثم، فإذا أمرت بالمعروف فإن قَبِل منك وإلا فدعه)).

أنبأنا أحمد بن أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي، حدثنا بقية عن أرطأة بن المنذر قال: "المؤمن لا ينتصر لنفسه، يمنعه من ذلك القرآن والسنة فهو ملجم".
وحديث «المستبّان على الأول ما لم يبغِ الآخر»، هذا في بحث آخر، هذا إذا شتمت في أمر الدنيا، أما إذا كان سبب الشتم لك هو أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر؛ فإن أردت أن تفوز بالأجر العظيم فاحتمل واصبر، وهذا مقام الأنبياء.

ذكر هنا في الحاشية نقلاً طيباً عن ابن تيمية يقول: "قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية" -وتقي الدين هذه حقيقة ينبغي أن تترك؛ لأنه هذا لقب أصلاً حادث وما كان السلف يستخدمونه، وظهر في فترة معينة ثم انقرض والحمد لله وما أحسبه يحبه-: "الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يُستعمل لزم أحد أمرين: إما تعطيل الأمر والنهي، وإما حصول مفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي أو مثلها أو قريب منها، وكلاهما معصية وفساد.
قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} لقمان: 17.
فمن أمر ولم يصبر، أو صبر ولم يأمر، أو لم يأمر ولم يصبر؛ حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة، وإنما الصلاح في أن يأمر ويصبر".

باب ما يكره أن يعرض في الإنكار إلى السلطان

أخبرني إبراهيم بن الخليل أن أحمد بن نصر أبا حامد حدثهم: ((أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يرى منه الفسق والدعارة وينهى فلا ينتهي؛ يرفعه إلى السلطان؟ قال: إن علمت أنه يقيم عليه الحد فارفعه.
وقال: قد كان جار لنا -تأذى منه جيرانه فرفعوه- فرفع إلى السلطان فضربوه مئتي درة فمات)).

إذاً شرط الرفع لولي الأمر أن يكون ولي الأمر لا يظلم ولا يتعدى؛ هذا نص أحمد.

وقد بلغني عن بعضهم أنه يفتى أن يُبَلَّغ على المسلم في ديار الكفر إذا رُئي منه بعض ما رُئي، أنه يبلغ عليه ويذهب به إلى سجون الكفار ولا تدري ما يحصل له هناك! فشرط الأمر والنهي.

يعني بعض الناس يقول: "ربما أدى ذلك إلى اختلال أمن أو كذا"؛ أنت إن رأيته يريد أن يقتل شخصاً أو تيقنت هذا بحث آخر، ودين الله عز وجل لا ينصر بمثل هذا.

وتذكر هنا طرفاً في هذا؛ ذكر الذهبي في "السير" عن بعض الأمراء المغاربة أنه كان معروفاً بشدته، جاءته امرأة فقالت: "ابني يعقني"، فجاء به فقتله! فقالت: "ما أردتُ منك هذا!"، قال: "إنما أنا أمير، أنا لستُ مؤدباً، يعني أنا أقتل مباشرة هذا عملي".

هذا الملك أحد الأعراب المغاربة كان معه امرأته، وكان الرجل قد اشتد به السفر، فجاء أحد الأمراء الصنهاجيين فقال: "نحملك أنت وامرأتك"، فحمل المرأة وهرب هذا الأمير الصنهاجي، فذهب الأعرابي إلى الملك (صاحبنا هذا الذي قتل ذاك الرجل) فقال له: "هذا الأمير أخذ امرأتي وهرب بها".

راح للحاكم نفسه هذا؟

إي، راح لهذا الملك، فهذا الملك قال: "أعطني أي دليل أنها -يعني إحدى هذه النساء اللاتي في قصره- امرأتك"؛ لأن ذاك أنكر، فقال: "كلبي يعرفها"، ففعلاً جاء الكلب وشم المرأة فشمها، فهذا الرجل مسك الأمير الصنهاجي فقتله.
بعد ذلك قال هذا الأعرابي: "يا ملك، أنا أشهدك أنها طالق؛ ما تعرفت عليَّ ولا كذا وفرحت بالأمير الصنهاجي".
فقال له: "أحسنتَ، اقتلوها"، فقتلوها! وقال: "ولولا أنك لم تطلقها لقتلتك أنت أيضاً".

فمثل هذا ما يُرفع له شيء.


أخبرنا... لهذا أنا أظنك طربت لأخبار هذا الرجل.
أخبرني أبو بكر المروذي قال: ((قلت لأبي عبد الله: يستعان على من يعمل بالمنكر بالسلطان؟ قال: لا، يأخذون منه الشيء ويستتيبونه.
ثم قال: جارنا حبس ذلك الرجل فمات في السجن)).
(إي حبس ذلك الرجل فمات في السجن)؛ يعني بالغوا في عقوبته حتى قُتل، الله المستعان.

واليوم ما يفرح الإنسان بما يحصل بما يسمى بـ "أمن الدولة" كما يفعل بعض الدعاة، والله المستعان.

ثم قال: ((كيف حكى أبو بكر بن خلاد؟ فذكرت له قصة ابن عيينة)) . وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا بكر بن خلاد قال: "كنا عند ابن عيينة فجاء الفضل فوقف عليه فقال لنا: لا تجالسوه؛ حبس رجلاً في السجن، ما يؤمنك أن يقع السجن عليه؟ قم فأخرجه".
إي، فعجب أبو عبد الله -يعني أحمد- وجعل يستحسن هذا؛ سفيان بن عيينة يأتي بالفضل ينكر عليه: "كيف تحبس رجلاً في السجن؟".

كيف مو فضيل؟ قصة عندي سياقها: "فجاء الفضيل فجاء الفضل"؛ الفضل حاكم.
"كنا عند ابن عيينة فجاء الفضل فوقف عليه فقال: لا تجالسوه؛ حبس رجلاً في السجن"؛ (يقول سفيان).
إي والله على الفضيل ماشية إي.

أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قال لأبي عبد الله: ((يكون لنا الجار يضرب بالطنبور والطبل؟ قال: انْهَه.
قال: أذهب به إلى السلطان؟ قال: لا.
قلت: فلم ينتهِ، يجزيني نهيٌ له؟ قال: نعم، إنما يكفيك أن تنهى)).
سبحان الله، والحكام آنذاك كانوا يحكمون بشرع الله في الجملة -أي بقولي إن حكمهم ليس جيداً- وفي شرع في تطبيق الحدود، ومع ذلك يتجنبون السلطان؛ (إي نعم، لعبه، لا ترفع للسلطان).

أخبرني جعفر بن محمد أن يعقوب بن بختان حدثهم: ((أنه سأل أبا عبد الله عن القوم يؤذونه بالغناء؟ فقال: تقدم إليهم وانْهَهم وأسمِع عليهم.
قلت: أأصلي؟ قال: لا.
قلت: فأدعو الصلاة؟ قال: لا تضيع المسجد – بالطريق –)).
إي، يبدو أنه في طريقه فعلاً.

وأخبرني زكريا بن يحيى الناقد أن أبا طالب حدثهم قال: ((سئل أبو عبد الله: إذا أمرت بالمعروف فلم ينتهِ ما أصنع؟ قال: دعه، قد أمرته وقد أنكرت بلسانك وجوارحك، لا تخرج إلى غيره ولا ترفع إلى السلطان فيتعدى عليه كان أصحاب عبد الله إذا تلاحى قوم قالوا: "مهلاً بارك الله فيكم، مهلاً بارك الله فيكم" )).

وأخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: ((سألت أبا عبد الله قلت: الرجل يأمر بالمعروف فلا يقبل منه، فترى له إذا رأى منكراً وهو يعلم أنه لا يقبل منه أن يسكت ولا يتكلم؟ قال: إذا رأى منكراً فليغيره بما أمكنه.
قلت له: فإن أمره ونهى وتقدم إليه في ذلك فلم يقبل، قال: ترى أن يستعين عليه بالسلطان؟ قال: أما السلطان فما أرى ذلك)).
حتى وإن لم يقبل منه ما عذره لربكم؛ هذا الأمر والنهي كفارة، هذا كلام طيب يقال، سبحان الله.

قال: ((وسألته مرة قلت: يا أبا عبد الله، إن بعض إخوانك له جيران قد آذوه بشرب الأنبذة وضرب العيدان وارتكاب المحارم -وبينت له أمر النساء- وهو يريد أن يرفعهم إلى السلطان؟ فقال أبو عبد الله: يعظهم وينهاهم.

قلت: قد فعل فلم ينتهوا.
فقال: أما السلطان فلا، إذا رفعهم إلى السلطان خرج الأمر من يده، أما علمت قصة عتبة بن عامر؟)).
أما اليوم فالسلطان ترفعه لمثل هذا ما يسوي لك شيء!

أخبرني أحمد بن بشر بن سعيد الكندي قال: حدثني عبد الله بن الطيب قال: ((كان لي جار يؤذيني بضرب الطنابر والعيدان، فأتيت أحمد بن حنبل فقال لي: انْهَه.
فقلت: قد نهيته.
فقال لي: انْهَه.
فقلت: قد نهيته.
فعاد فقال: ما عليك)).
إي يعني معناه قد أديت ما عليه.
فقلت: السلطان؟ فقال: ((لا، إنما عليك أن تنهاه)).

أخبرني أبو بكر: ((هذا عليك)).
إي هذا عليه.

أخبرني أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: ((إن صالحاً ابنك يريد أن يدخل هو وأبو يوسف إلى السلطان فيخبرونه بقصة "شمخصة" -هكذا "شمخصة"- شتمك، وقد شهدوا عليه)).
وكان ممن شهد عليه أبو بكر بن حماد المقرئ؛ رجل شتم أحمد، فصالح يريد أن يذهب هو ويشتكي على هذا الذي شتم أحمد بن حنبل.

فقال أبو عبد الله: ((قل لهم لا تعرضوا له)).
وأنكر أن يذهبوا إلى السلطان، وبلغ أبا عبد الله أن قرابة له حبس رجلاً في السجن فأمر أن يخرج، وقال أبو عبد الله: ((رأيت هذه المرأة قد رق لها قلبي -أو قال قد رققت لها- قالت: ابني حبس بسببك، حبسه شمخصة وأصحابه)).

قال: ((لو تكلمه في أمره))، قلت: قد سألوا أصحابنا أن أذهب إلى فلان، قال: ((فلا تذهب، ولكن تكلم من يكلمه على شرط ألا يحبس منهم أحداً)).

أنبأنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا أبو النضر، حدثنا ليث بن سعد، عن إبراهيم بن نشيط الخولاني، عن كعب بن علقمة، عن أبي الهيثم دجين كاتب عقبة بن عامر، أنه قال لعقبة بن عامر: "إن لنا جيران يشربون الخمر وأنا داعٍ لهم الشرط فيأخذونهم"، فقال: "لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم".
قال: ففعل فلم ينتهوا، فجاء دجين فقال: "إني نهيتهم ولم ينتهوا وإني داعٍ إليهم الشرط"، فقال عقبة: "ويحك لا تفعل! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ستر مؤمناً فكأنما استحيا موؤودة من قبرها»".

وهذا خبر لا يصح المرفوع منه، ولكن أحمد يعني كان يستأنس به في أمر الستر.

وسبحان الله؛ سعيد بن المسيب رأى أحد أصحابه رجلاً مخموراً فقال له: "أرفعه للسلطان؟" قال: "لا، استره، خذه إلى البيت".
فأخذه إلى البيت فتركه حتى صحي، فالرجل لما رأى نفسه في بيت هذا الرجل كأنه استحيا، فقال له: "لو رآك الناس ولو ذهبت إلى السلطان تعيش بين الناس منبوذاً لا تقبل شهادتك وكذا" فوعظه، فبعد ذلك هذا الرجل حسن أمره.

أخبرني أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله بن شريك قال: سمعت أحمد بن يونس يقول: "صليت عند المقام عشاء الآخرة وسفيان عند المقام، فجاءت امرأة فوقفت عليه فقالت: يا سفيان، بأي شيء تستحل أن يحبس ابني بسببك؟ وكان أرى من أصحاب الحديث.

قال أحمد بن يونس: "فرأيت سفيان قد قام إلى المقام، وإذا الوالي بين يديه، فقال: لِمَ تحبس رجلاً بسببي؟ فقال له الأمير -أو قال الوالي، شك المروذي-: هذا الليل وباب السجن مغلق.
فقال سفيان: لا أبرح من هذا الموضع حتى تخرجه.
قال: فأرسل وجيء بالمفاتيح وفتح باب السجن وجيء بابنها حتى دفع إليها".
وهذا صحيح سفيان، لا شية موجود، الله أكبر!


باب الرجل يرى المنكر الغليظ فلا يقدر أن ينهى عنه، ويرى منكراً صغيراً يقدر أن ينهى عنه، كيف العمل فيهما؟

هذه مسألة عجيبة؛ رجل يرى منكراً كبيراً فلا يستطيع أن ينهى، ويرى منكراً صغيراً يستطيع أن ينهى.

أخبرنا سليمان بن الأشعث قال: ((سمعت أبا عبد الله سُئل عن رجل له جار يعمل منكراً لا يقوى أن ينكره، وضعيف يعمل بالمنكر أيضاً يقوى على هذا؛ أينكر عليه؟ قال: نعم، ينكر على هذا الذي يقوى أن ينكر عليه)).

وليس هذا من باب «إذا سرق فيهم الشريف»، فهذا أمر للوالي، أما الإنسان في نفسه ينكر على من يستطيع أن ينكر عليه.

وفي هذا تذكر قصة لطيفة -والله أعلم بصحتها- ذكرها كأنها للشوكاني في "رفع الأساطين": "أن رجلاً من الولاة كان جالساً في مجلس فيه سكر وكذا ومعازف، فمر رجل من جانب القصر فقال: ندماء السوء! قالوا: هذا فلان ينهى الناس ويكثر المعازف ويفعل، ائتوا به.
فجاء به السلطان فقال له: أنت الذي تأمر وتنهى؟ قال: نعم.
قال: مرني وانهاني أنا! فقال له: إنما أنا رجل ضعيف فآمر وأنهى الضعفاء الذين مثلي، وأما أنت فلا أرى لك مثلاً إلا قول الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} طه: 105-107". فسبحان الله، الرجل هذا كان -يقال إنه كان فيه شيء من الثمالة- ولكنه صحي من هذا الكلام وصلح أمره بعد ذلك.


باب ما ينبغي للرجل أن يعدل في أمره ونهيه في القريب والبعيد

يعدل في أمره ونهيه، بل ربما يكون أمر القريب أشد؛ فعمر بن الخطاب كان إذا نهى الناس عن شيء بدأ بأهله، ولكن اليوم أمر المحاباة فاشٍ والله المستعان، وبشيء من التملق يُسكت عن شيء كثير من خطلك.

أخبرنا أبو بكر المروذي قال: ((قلت لأبي عبد الله: فإن كان للرجل قرابة فيرى عنده منكراً فيكره أن يغيره، أو يقول له، أو يقال له فيخرج إلى ما يغتم به من أهل بيته وهو لا يرى بداً -أو يرى المنكر في غيره فيكره أن يغير للذي في قرابته-؟ قال: إن صحت نيتك لم تبالِ، لم تبالِ قرابتك يسمعونك كلاماً تكرهه)).

فالإنسان يثقل عليه في القرابة؛ يثقل عليه لأن أقرباءه إذا جفوه أو كذا يكون أشد ممن سواهم، فمن الناس من يتسمح في المنكرات التي يراها في قرابته.

وفي هذا يذكر ذاك الأثر المهول المخيف؛ أثر مالك بن دينار: "أن رجلاً من بني إسرائيل كان من علمائهم، وكان يجتمع عنده الناس، فرأى ابنه يغمز امرأة فقال له: مهلاً مهلاً رحمك الله! فعوقب بأن مات له ابن سقط في بطن أمه ومات آخر في الجهاد، وهتف به هاتف: هذا غضبك لي؟ (مهلاً) فقط!".
لأن غلبته عاطفة الأبوة فمقته الله على مثل هذا الإنكار الطفيف، ولو كان هذا الأمر صادراً من رجل غير ابنه لكان في الأمر شدة.

يقول لك: "هذا موجود في قرابتي أيضاً فلا أتكلم فيه حتى لا أُعيّر"، الله المستعان.

فقال: ((إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال له: إن صحت نيتك لم تبالِ)).
لا، قل أنكر وإن قيل: "هذا موجود في قرابتك"، قل: "أي نعم في قرابتي وهو منكر فيهم أيضاً"، "هذا أخوك يفعل"، قل: "لا شأن لي، أخي ولا غيره أنكره"، "هذا أبوك يفعل"، قل: "لا شأن لي".
نأمر وننهى إذا صحت النية، الله أكبر.


باب ما روي في ذلك أن يسرَّ المؤمن ويغيظ المنافق:

أخبرني عمر بن صالح طرسوس قال لي أبو عبد الله: ((يا أبا حفص، يأتي على الناس زمان -ركزوا في هذا الأثر يا إخوة- يكون المؤمن بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع)).

الله أكبر! فقلت: يا أبا عبد الله، وكيف يشار إلى المنافق بالأصابع؟ فقال: ((يا أبا حفص، صيروا أمر الله فضولاً قال: المؤمن إذا رأى أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر لم يصبر حتى يأمر وينهى )).
يعني قالوا: "هذا فضولي".
والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه -يعني ساكت- فيقال: "نعم الرجل، ليس بينه وبين الفضول عمل، تارك الناس بحالهم".
( تارك الناس بحالهم كما يقال اليوم، هؤلاء مرجئة العوام؛ "أنت ربهم تحاسبهم؟" سبحان الله).

يقول: "فلان معتدل يا أخي، قبل فترة جالسين وحاطين مباراة ما أنكر علينا"، "يا أخي متشدد هذا الثاني"؛ سبحان الله!

قال وسمعت أحمد بن حنبل يقول: ((إذا رأيتم اليوم شيئاً مستوياً فتعجبوا)).
هذا في زمن أحمد! "لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه"؛ قبل 1200 سنة يقول: إذا رأيتم شيئاً مستوياً -يعني شيئاً صحاً- فتعجبوا، ما تتعجب من الشيء المعوج، تعجب من المستوي!.

أخبرنا عبد الكريم بن الهيثم العاقولي قال: حدثنا أبو جعفر الحذاء قال: سمعت سفيان يقول: ((إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق)).
وسفيان كان إذا رأى منكراً فلم يغيره يبول الدم.


باب ما يوسع على الرجل في ترك الأمر والنهي إذا رأى قوماً سفهاء

أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، حدثني عباس العنبري قال: "كنت ماراً مع أبي عبد الله بالبصرة، فسمعت رجلاً يقول لرجل: يا ابن الزانية! فقال له الآخر: يا ابن الزانية! فوقفتُ ومضى أبو عبد الله، فالتفتَ إليَّ فقال لي: يا أبا الفضل امشِ.
قال قلت: قد سمعنا، قد وجب علينا.
قال: امضِ، ليس هذا من ذلك".
يعني سفهاء سفهاء جداً.

أخبرنا محمد بن أحمد بن يعلى الأنصاري قال: حدثنا موسى بن عامر، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: "موعظة الجاهل كالمغني عند رأس الميت"؛ ما يسمع الميت.
ووضع العلم عند غير أهله؛ فمن الناس من يبلغ درجة من السفه لا ينفع معه أمر ولا نهي، لكن هذا لا يجعل هذا هو الأصل، بل الإنسان يأمر وينهى، ولكن الذي تعرف منه أنه سفيه فتركُه لا يعد شيئاً.


باب الرجل يسمع صوت المنكر من البعد ولا يعرف مكانه

أخبرني يوسف بن موسى وأحمد بن الحسين -وهذا لفظ يوسف- أن أبا عبد الله سئل عن رجل يسمع صوت الطبل والمزمار ولا يعرف مكانه؟ قال: ((وما عليه إذا لم يعرف مكانه؟)).

أخبرني عبد الكريم بن الهيثم العاقولي قال: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل يسمع حس الطبل والمزمار لا يعرف مكانه؟ فقال: ((وما عليك؟)).
وقال: ((وما غاب فلا تفتش عليه)).


باب ما يجب على الرجل من تغيير ذلك إذا سمع وعلم مكانه ولم يره بعينه أو يراه في الطريق أن ينكره

أخبر محمد بن أبي هارون أن مثنى الأنباري حدثهم قال: سمع أحمد بن حنبل -سبحان الله مسألة إجماعية الطبل والمزمار وهذه مسألة إجماعية معروف أنه منكر لكن مختلفين كيف ينكر فقط- طبلاً في جواره فقام إليهم من مجلسنا حتى أرسل إليهم فنهاهم.

أخبرني محمد بن جعفر بن الحارث حدثهم أنه قال لأبي عبد الله: إن جيراننا يشربون النبيذ في الطريق؟ فقال: ((انْهَهُم أشد النهي، واغلظ لهم ووبخهم)).

مع أن هذا النبيذ أباحه كثير من أهل العلم قبل أن تظهر الآثار البينة؛ سفيان وغيره، وسفيان رجع.
لكن الإمام أحمد صنف "كتاب الأشربة" وبين المسألة على ما ينبغي، ثم بعد ذلك صار الإنكار والتشديد.

بل كان الإمام أحمد يرى أن يقام عليه الحد، ويذكر ابن تيمية هذا يقول: "شارب النبيذ يقام عليه الحد وإن كان متأولاً حفاظاً على الشريعة".

أخبرني محمد بن علي الوراق أن محمد بن أبي حرب حدثهم قال: ((سألت أبا عبد الله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه؟ قال: يأمره.
قلت: فإن لم يقبل؟ قال: يجمع عليه الجيران ويُهول عليه)).

تجمع عليه الجيران وتهول عليه؟ إي ويهول عليه، يهول عليه نعم، وهذا عندي أيضاً كحديث الرجل الذي يلقي متاعه، يعني هذا المعنى له أصل.

أخبرني منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد النسائي حدثهم قال: ((سمعت أبا عبد الله سئل عن الرجل يمر بقوم يغنون؟ قال: إذا ظهر له -هم داخل ولكن الصوت يسمع في الطريق- قال: هذا قد ظهر عليه أن ينهاهم، ورأى أن ينكر الطبل يعني إذا سمع صوته)).

هذه فتاوى أهل العلم وأهل الخير، ما هو مثل هذا "دويش" يسمعهم يدقدقون قدامه فيقول: "يعني هذه مسألة فقهية، هذه مسألة خلافية وإن كنت أرى التحريم، وإن كنت أرى التحريم"؛ إن كنت ترى التحريم فاعمل بما ينبغي.

قيل له: ((مررنا بقوم وقد أشرفوا من علية لهم وهم يغنون، فجئنا إلى صاحب الخبر فأخبرناه، فقال: لم تكلموا في الموضع الذي سمعتم؟ فقيل: لا.
قال: كان يعجبني أن تكلموهم لعل الناس كانوا يجتمعون وكانوا يشهرون))، يعني يجتمع عليهم الناس ويشهر أمرهم فيكتشفون، الآن لا؛ هو يفرح إذا اشتهر بأنه مغني!


أخبرنا محمد بن عبد الصمد المقن المصيصي قال: سمعت إبراهيم بن عبد المجيد يقول: مر محمد بن مصعب -يعني العابد- الله أكبر هذا محمد بن مصعب العابد يعني له عقيدة جليلة يقول -يعني يصلي بالليل يقول-: اللهم اشهد أنك فوق عرشك لا كما يقول أعداؤك الزنادقة.

فسمع صوت عود يضرب به فقرع الباب فنزلت جارية فقال لها: "يا جارية، قولي لمولاتك تحذري العود حتى أكسره".
قال: فصعدت فقالت لمولاتها: "شيخ بالباب قال كذا وكذا".
قالت: "هذا شيخ أحمق"، فضربت بعودين! فجلس على الباب واستعاذ وقرأ، فاجتمع الخلق وارتفعت أصواتهم بالبكاء (موعظة عن بابها)، فسمعت المرأة الضجة فقالت: "انظري ما هذا يا جارية؟" فنزلت ثم رجعت إلى مولاتها فقالت: "يا مولاتي، تعالي انزلي واسمعي"، فنزلت فلما سمعت قالت: "احذري العود، حتى احذري العودين حتى يكسرهما".
سبحان الله.

أخبرنا أخبرني مقاتل بن صالح الأنماطي قال: سمعت محمد بن بشر العبدي إذا دعا دعا للعلماء قال: "محمد بن مصعب نواح هذه القرية".
إذا دعا للعلماء يذكر هذا بخصوص يقول: "نواح هذه القرية".

أخبرني أحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي قال: "كان محمد بن مصعب إذا سمع صوت عود أو طنبور من دار أرسل إليهم أن أرسلوا إلي ذلك الخبيث، فإن أرسلوا به إليه كسره، وإلا قعد على الباب يقرأ فيجتمع الناس، فيقول محمد بن مصعب: فلا يدع حتى يخرج إليه فيكسره".

قال: أخبرنا العباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى -ابن معين- يقول: قال مالك بن أنس: "إن جلست على باب غريم لك فسمعت من الدار غناء فلا تجلس".


باب ما ينبغي أن يُنكر على الرجل يعلم منه أنه طلق الناس وهي معه، أو يحتج بحجة صحيحة

رجل طلق امرأته وهي معه؛ اليوم يطلقها ثلاثاً ثم -سبحان الله- من اللعب والإلحاد يأخذون بكل شيء بفتاوى، وفي هذه المسألة بالذات يأخذون مذهب ابن تيمية تلاعباً هكذا، ويقول لك: "سلكها مذهب ابن تيمية"، بل بعضهم يطلقها أربع طلقات متفرقات! يعني حتى على مذهب ابن تيمية لا تسلك ثلاث طلقات متفرقات، فيذهب إلى مفتٍ يقول: "ها كانت حائضاً!".

سبحان الله، مما يدل على أن طلاق الحائض يقع أن الصحابة كان يأتيهم الإنسان ويقول لهم: "طلقت امرأتي" والتابعون، ولا أحد يسأل: "كانت حائضاً؟".
يقول بعضهم: "طلقتَ وأنت غضبان!؟"؛ عبد الله بن مسعود جاءه رجل وقال له: "طلقت امرأتي بعدد نجوم السماء" -واضح أنه غضبان وليس ثلاثة بل بعدد نجوم السماء- قال: "ثلاثة بانت منك امرأتك، والبقية استهزاء منك بآيات الله".
اليوم حين تتابع الناس صارت الحيل، ويقول: "لكي فيه مصلحة تائتلف البيوت"، تقوم البيوت على الزنا!

أخبرني أحمد بن محمد بن مطر أن أبا طالب حدثه: ((أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يكون معه امرأته على غير حلال، قد طلقها ثلاثاً وهو معها، ما ترى في معاملته؟ قال: تعظه وتذكره الله وتأمره.
قلت: فإن قال قد استحلت وتزوجتها؟ قال: يقبل منه إذا قال قد استحلت)).
يعني هناك محلل، طبعاً بلا حيلة.

قال الحسن: ((يقبل قوله ولا يفتش عن أحد)).
والمرأة إذا كانت تُعرف بصدق يقبل منها.

وأخبرني محمد بن الحسين، أبو بكر المروذي حدثهم: ((أن أبا عبد الله بلغه عن ساكن له -بين المغرب والعشاء- أنه طلق امرأته وأنها مقيمة معه)).
طبعاً لو أقامت بالبيت بعد الطلاق الرجعي يكون هو في مكان وهي في مكان، وإذا كان البيت لا يسع يصير يستأذن عليها.
((فرأيته خرج إليه وصاح به ثم قال: تطلق وتقيم معها؟! وأمره أن يتحول عنها، وقال: انتقل)).

وأخبرني محمد بن أبي هارون أن حبيشاً حدثه: ((أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يسمع عن الرجل الذي يطلق امرأته، أيسعه أن يخرجها؟ قال: نعم)).

وأخبرني زكريا بن يحيى -أنه يعني الطلاق الخروج عند الأذى وكذا- حدثنا أبو طالب: ((أن أبا عبد الله قيل له: الرجل يقول للرجل: قد طلقت امرأتي ثلاثاً فلا تخبر ختني -يعني لا تخبر نسابتي- فإني أخاف وهي عندي؟ فقال: يخبره؛ هذا فرج يخبره حتى يفرق بينهما)).

لا الآن الله المستعان يقول لك: "شوف له فتوى لابن تيمية" ولا "شوفها حائض"! سبحان الله عبث، ما يعرفون من شيخ الإسلام إلا هذه من العبث.


باب الأخ يعرف من أخيه حيفاً في ميراث أخته وكيف وجه العمل والإنكار عليه

من الناس من لا يورث النساء مطلقاً، حتى ابن تيمية ذكر هذا عن الأعراب في زمنه.

أنبأنا محمد بن هارون أن مثنى الأنباري حدثهم: ((أنه سأل أبا عبد الله قال: قلت: ما تقول في أخوين وأختين بينهما ميراث من قبل أبيهم، أحد الأخوين يحيف الأختين، فهل على الأخ من ذلك شيء؟ وكيف وجه العمل؟ وهل يجوز قطيعة هذا الأخ إذا كان على الحال أم يرفق به وينصح؟ قال أحمد: إذا أمره ونهاه فليس عليه أكثر من هذا)).


باب الرجل يدخله الرجل إلى منزله فيرى منكراً

أنبأنا محمد بن علي قال: حدثنا مهنا قال: ((قلت لأحمد: دخلت على رجل في منزله فدخل البيت وتركني، فإذا قنينة إلى جانبي فكشفت عنها فإذا فيها نبيذ فكرهت أن أقول له؟ فقال له أحمد: كان ينبغي لك أن تلقي فيها ملحاً -إن استطعت- أو شيئاً يفسده)).

وأخبر أبو مسعود لما رآهم يسترون الجدران ترك وليمة العرس -يعني ترك الوليمة كلها وغادرها لما رأى هذا المنكر في ستر الجدران.

أي ستر الجدران لا يجوز أن تستر بستائر من غير داعي، أي إلا هذه.
وعمر رضي الله عنه هَمَّ يحرق بيت بعض أبنائه لمثل هذا الفعل.


باب ما يؤمر الرجل وينهى في أمور الصلوات

أخبرني محمد بن أبي هارون أن أبا إسحاق بن إبراهيم حدثهم قال: ((صلينا يوماً -يعني هو وأبو عبد الله- إلى جنب رجل لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال: يا هذا أقم صلبك في الركوع والسجود وأحسن صلاتك)).
هذه فيها أخبار حديث المسيء صلاته وخبر حذيفة...

وأخبرني سليمان بن الأشعث قال: ((سمعت أبا عبد الله قيل له: الرجل يصلي في المسجد فيرى أهل المسجد يسيئون الصلاة؟ قال: يأمرهم.
قلت: إنهم يكثرون ربما كانوا عامة أهل المسجد؟ قال: يقول لهم.
قيل له: يقول لهم مرتين أو ثلاثاً فلا ينتهون؟ قال: يتركهم بعد ذلك -أو كلمة نحوها-)).

أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل قال: ((قلت لأبي عبد الله: ترى الرجل إذا رأى الرجل لا يتم ركوعه ولا سجوده ولا يقيم أمر صلاته، ترى أن يأمره بالإعادة وأن يحسن صلاته أو يمسك عنه؟ قال: إن كان يظن أن يقبل منه أمره وقال له ووعظه حتى يحسن الصلاة؛ فإن الصلاة من تمام الدين)).

أخبرني الحسن بن عبد الوهاب أن إسماعيل بن يوسف حدثهم قال: حدثنا يعقوب قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا محمد بن نضر قال: ((سأل رجل الأوزاعي قال: آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر؟ قال: من ترى أن يقبل منك)).
أي: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ} الأعلى: 9.

وأخبرني محمد بن يحيى بن خالد قال: حدثني علي بن حجر قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أنه مر به رجل من قريش يجر شملة فقال: يا ابن أخي، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من جر إزاره من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»".

قال: "من الخيلاء"؛ وابن عمر أيضاً نزلها على رجل ما استفصل منه؛ لأن هذه مظنة خيلاء، لا كما بعض الجهلة اليوم، يرى الناس الخيلاء واضحة في أمرهم أنه حتى يترفع عن رفع الإزار قليلاً، ثم يقول: "هنا خلاف بين أهل العلم وكذا وكذا" والامر بين، حتى إن بعض من درس هذه المسألة بمجرد أن ترجح عنده جواز الإسبال أسبل، مما يدل أن في قلبه مرضاً وخيلاء من هذا الأمر؛ فهذه مظنة، والواضح من أمر العامة اليوم أن فيهم خيلاء شديدة في هذا الأمر.

قال الفتى: قد سمعنا ما تقول، ثم مر به مرة أخرى وهو كذلك، فقال له أبو هريرة مثل ذلك، فقال: قد سمعنا ما تقول، لئن عدت الثالثة لأحملنك على عنقي، ثم لأكبن بك في الأرض، فقال أبو هريرة: لا أعود

سبحان الله، أخبرني محمد بن علي أن أبا بكر الأثرم حدثهم قال: ((قلت لأبي عبد الله: رجل رأى رجلاً مشمراً كميه في صلاته، عليه أن يأمره؟ قال: يستحب له أن يصلي غير كافٍ شعراً ولا ثوباً)).

فليس هذا من المنكر الذي يغلظ في ترك النهي عنه.

أخبرني الحسن بن عبد الوهاب أن إسماعيل بن يوسف حدثهم قال: حدثنا شريح، قال: حدثنا مبشر، عن معاذ بن رفاعة، عن أبي خلاد قال: "ما من قوم فيهم من يتهاون بالصلاة لا يأخذون على يديه إلا كان أول عقوبتهم أن ينقص من أرزاقهم".
ونص ابن تيمية: "تارك الصلاة ينبغي أن يهجر ولا غيبة له وينبغي ألا يسلم عليه"، واليوم سبحان الله حتى يزوج!


باب الرجل يرى المرأتين في الطريق لا يتوسطهما في المشي معهما

أخبرنا محمد بن أحمد بن يعلى الأنصاري قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، قال: حدثنا سلم بن قتيبة أبو قتيبة، حدثنا داود بن صالح، عن نافع، عن ابن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يمشي الرجل بين المرأتين».
وداود هذا ما يحتمل تفرده عن نافع زيادات من غير طريق أحمد وأصحابه.

وأخبرني محمد بن هارون أن إسحاق حدثهم قال: "رأيت أبا عبد الله إذا لقي امرأتين في الطريق وكان طريقه بينهما وقف ولم يمر حتى تجوزا".
وهذا بين.


باب الرجل يرى المرأة مع الرجل السوء ويراها معه راكبة

أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قال لأبي عبد الله: أرى الرجل مع رجل السوء مع المرأة؟ قال: ((صح به)).
اليوم يقول لك: "لا هذه..!".

وأخبرني محمد بن يحيى أنه قال لأبي عبد الله: الغلام يركب خلف المرأة؟ قال: ((ينهى ويقال له، إلا أن يقول إنها له محرم)).
لأنه لو لم يصح يحصل زنا يحصل شيء أعظم من هذا.

وذكر ابن القيم في "روض المحبين" أثراً عن ابن عمر أنه ضرب امرأة رآها في موضع ريبة، ولا أعرف الأثر هذا، ذكر باباً هكذا في ضرب النساء فذكر أن ابن عمر ضرب المرأة حتى سقطت على الأرض، والله أعلم-.

والناس الولوعة بالآثار الضعيفة والآثار التي لا إسناد لها، هذا لأنه ما يجي على الهوى فما يجيبونه، حتى يعني ممكن يبحث وينظر في إسناده ويبدأ يصير يبحث في هذا الضرب والشدة.

حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا أبو داود قال: ((سمعت أبا عبد الله وقيل له: امرأة أرادت أن تسقط عن الدابة يمسكها الرجل؟ قال: نعم)).
لا، عاد هذه مسألة أخرى؛ أرادت أن تسقط فيتلقاها، هذا أمر الله المستعان ضرورة تقدر بقدرها.


باب ما يكره للرجل دخول مواضع النكرة

اليوم مواضع النكرة يقيمون فيها محاضرات ودروساً، إي سبحان الله!

يقول لك: "يغزو الفساق في عقر دارهم" وهو يصير معهم، يقر منكراً ويجلس في المحاضرة وأمامه مناظر، بعضهم -يعني يتدين- يغمض عينيه! طيب مَن جاء وافتتن بسببك؟ والله أماكن ما كان يدخلها إنسان من سبل الصلاح ثم دخلوها بسبب هؤلاء.

أخبرنا محمد بن يحيى: ((أنه قال لأبي عبد الله: أجيء للدار فيها المريض وأسمع منها ما يكره؟ قال: انْهَه.
قلت: إن كان الرجل يشرب المسكر ويجمع ما لا خير فيه؟ قال: أكره مدخل السوء، أكره المدخل)).

{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الأنعام: 68.

عمر بن عبد العزيز رُفع إليه قوم يشربون الخمر ومعهم رجل ليس كذلك كان صائماً، فقال عمر رحمه الله: "به فابدأوا"، ألم يسمع قول الله عز وجل: {فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.


مسألة الشدة في الإنكار

في المسألة التي عرضنا لها في بداية المجلس، مسألة الشدة في الإنكار؛ شيخ الإسلام ابن تيمية رُفع له رجل كان يهودياً وأسلم، وجدوه في شهر رمضان يشرب الخمر ومعه لحم خنزير ومجتاز إلى قوم يريد أن يكمل معهم هذا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، فأفتى ابن تيمية بقتله، وقال: "لو مسلم الآن هو أظهر الإسلام".
فقال ابن تيمية: "خشيتُ إن لم أفتِ بهذا أن تُنقض عُرى الإسلام عروة عروة"؛ لأن هذا رجل أظهر من الاستهانة بالدين الشيء العظيم.

واليوم هؤلاء الزنادقة الذين يتكلمون بالكفر، لو تواردت فتاوى أهل العلم أن هذا كافر وأن هذا لا يصلى عليه، وأن هذا تبين منه امرأته، وأن هذا زنديق وأن هذا كذا؛ والله لصار الرجل منهم يهاب أن يتكلم بالكلمة قبل أن يتكلم بها.
أما: "والله هذا خطأ، والله هذا ما يصلح، هذا منكر، هذا كلام ما ينبغي، هذا كلام مش عارف إيش، هذا ضلال"؛ أقصى ما يقال ويتكلمون فيه كفر بواح، هذا الله المستعان!

يقولون: "مخطئون" الذين قاموا بمسلسل عمر بن الخطاب؛ استهزاء وكذب على الصحابة، "مخطئون" يا شيخ؟! مخطئون بس؟ استحلال الكذب تقول: "مخطئون"؟!


أخبرني الحسن بن صالح -ما في (كلنا مخطئون)- قال: حدثنا محمد بن حبيب، حدثنا يعقوب قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال عبد الله بن عدي بن الخيار: "إني لأكره مماشاة المكان المريب كراهية أن أغتاب الرجل المسلم".

أخبرني الحسن بن سفيان المصيصي قال: حدثنا محمد بن آدم قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: ((الرجل يوجد مع المرأة فيقول: تزوجتها؟ قال: لو كان هذا يجوز ما قام حد على فاجر)).
وهذا مذهب أبي حنيفة؛ أنه إذا وجد رجل مع امرأة في محل ريبة وقالا: "نحن متزوجان"، لا يطالبان بأي بينة، حتى قال فيه بعض أهل الكوفة: "أحل الزنا".

أخبرنا الحسن بن العباس قال: قال يحيى بن معين: "رأيت وكيعاً رأى امرأة عند عطار والعطار يكلمها، فقال لإنسان: اذهب إلى ذلك العطار ففرق بينهما".

هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


فصول الكتاب · 3 فصل
فصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال (شرح أبي جعفر الخليفي)
المجلس الأول
مقدمات يحسن الإشارة إليهامراتب الإنكار بين اللين والشدةوقفة مع الألقاب المحدثةإسناد الكتاببَابُ مَا رُوِيَ فِي، وَاجِبِ الْأَمْرِ، كَيْفَ هُوَ؟باب من رأى منكراً فلم يستطع له تغييراً أن يعلم الله من قلبه أنه له كارهباب قوله: الأمر بالمعروف باليدباب ما أمر به من الرفق في الإنكارباب ما يؤمر به الرجل من الأعمال وترك الانتصار في الإنكارباب ما يكره أن يعرض في الإنكار إلى السلطانباب الرجل يرى المنكر الغليظ فلا يقدر أن ينهى عنه، ويرى منكراً صغيراً يقدر أن ينهى عنه، كيف العمل فيهما؟باب ما ينبغي للرجل أن يعدل في أمره ونهيه في القريب والبعيدباب ما يوسع على الرجل في ترك الأمر والنهي إذا رأى قوماً سفهاءباب الرجل يسمع صوت المنكر من البعد ولا يعرف مكانهباب ما يجب على الرجل من تغيير ذلك إذا سمع وعلم مكانه ولم يره بعينه أو يراه في الطريق أن ينكرهباب ما ينبغي أن يُنكر على الرجل يعلم منه أنه طلق الناس وهي معه، أو يحتج بحجة صحيحةباب الأخ يعرف من أخيه حيفاً في ميراث أخته وكيف وجه العمل والإنكار عليهباب الرجل يدخله الرجل إلى منزله فيرى منكراًباب ما يؤمر الرجل وينهى في أمور الصلواتباب الرجل يرى المرأتين في الطريق لا يتوسطهما في المشي معهماباب الرجل يرى المرأة مع الرجل السوء ويراها معه راكبةباب ما يكره للرجل دخول مواضع النكرةمسألة الشدة في الإنكار
المجلس الثاني (١)المجلس الثاني (٢)
جارٍ التحميل