التمسك عندما نقول: "تمسك بحبل الله" –الذي هو دين الله– التمسك هنا فيه مبالغة في التعلق والتشبث بهذا الحبل.
وهذا فيه معنى جميل جداً، وهو أنك عندما ستتبع دين الله، ستأتي الأهواء يميناً وشمالاً تتخطفك عن هذا الدين، فماذا عليك أن تفعل؟ عليك أن تمسك وتتشبث وتتعلق بحبل الله.
لأن التمسك هو المبالغة في التشبث كما سبق وذكرنا.
وسبحان الله، كما ذكرنا في ترجمة ابن أبي داود أنه عاش في القرن الثالث، ومع هذا كان يوصي الناس بالتمسك! زمانه هو كان الشرع قائماً، شرع الله قائم، الجهاد قائم، المسلمون أعزة، الخبائث والرذائل التي نراها اليوم لم تكن موجودةً البتة، ومع هذا أمرك بأن تتمسك بحبل الله سبحانه وتعالى.
يعني قديماً في زمانه هم اكتووا بنار الجهمية فقط، ومع هذا أُمر الناس بالتمسك بحبل الله سبحانه وتعالى.
فما بالك اليوم اكتوينا بنار الجهمية والحداثيين من علمانيين ولبراليين ونسويات، وكل الأصناف وكل الشرور موجودة في هذا الزمان! ابتلينا بقوم لوط، وابتلينا بأن كل الرذائل أصبحت فضيلةً الآن! فنحن الآن أحوج لهذه النصيحة بأن نتمسك بحبل الله سبحانه وتعالى منهم.
جاء عند البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن أناساً جاؤوا إلى أنس يشتكون إليه الحجاج، فقال أنس رضي الله عنه: «اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
يعني: ما من عام إلا والذي بعده شر منه؛ من حيث الفتن، من حيث المصائب، من حيث التحديات التي يواجهها المسلم.
فإذا كان هذا الكلام قيل في القرن الثالث، فما بالك الآن في القرن الخامس عشر الذي نحن فيه اليوم؟! يعني تخيل أنت بعملية حسابية تقريبية هكذا شوف حجم الكوارث التي نعيشها اليوم، وكم نحن بحاجة لأن نأخذ بنصيحة ابن أبي داود رحمه الله عليه!
حبل الله هو دين الله.
«واتبع الهدى»، الهدى هو العلم النافع.
يعني تمسك بحبل الله واتبع الهدى؛ اتباعك للهدى هو الذي سيعينك على التمسك بدين الله... العلم النافع هو الذي يعينك على التمسك بدين الله.
وهذا موجود في كتاب الله سبحانه وتعالى، يقول تبارك وتعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]. فأمرنا هنا بأن نتمسك بحبله سبحانه وتعالى الذي هو دينه.
وهنا في هذه الآية لفتة لجماعة "نتفق فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"؛ هذه الآية فيها رد عليهم.
الناس عندما نتكلم عن هذا الأمر، تظن أن هذه الطوائف كلها ولا واحدة منها على حق، أو كلهم على حق! كلا، يعني لازم قولهم عندما تأتي وتقول لي: "يجب علينا أن نجتمع وكل الطوائف –اللي يسب الصحابة، واللي يعبد علي، واللي يطوف بالقبور، واللي يحرف الصفات وكذا– كلنا يجب أن نجتمع"، أنت هنا يا إما إنك تعتقد أن كلهم على باطل، ويا إما إنك تعتقد أنهم كلهم على صواب.
لا! أنت إذا اعتقدت أن هذا الدين محفوظ، يجب عليك أن تؤمن ضرورةً أنه هنالك من كل هذه الطوائف طائفة على الحق... أن هنالك طائفةً على الحق؛ لأنك إذا قلت إن كل الطوائف متساوية في الضلال وفي الهدى وأن كلهم يجب أن نتفق، فأنت أقررت أن دين الله سبحانه وتعالى لم يُحفظ؛ لأنه ولا واحد مطبقه! لأنك بهذا أقررت أن دين الله خلاص اندثر وصرنا مثل النصارى.
يعني أنا لو جاءني نصراني وقال: "والله يجب أن تجتمع الطوائف الكاثوليكية والشرقية والبروتستانتية وكذا"، هو دينه باطل، هم معندهمش... لم يستطيعوا الترجيح بين هذه الفرق.
لكن أنت عندك كتاب وسنة والطوائف المخالفة ضلالها واضح وغيره من الأمور، ثم تأتي وتطالب بهذه الدعاوى! فهذا الكلام خطير وخطير جداً.
هو كلام جميل عاطفي "نتحد وكذا"، لكن الاتحاد المحمود هو اتحاد الأديان، الاجتماع المحمود هو اجتماع الأديان لا اجتماع الأبدان.
يعني عندما نجتمع كلنا مع زنادقة ومبتدعة ونجتمع، إيش الفائدة؟! هذا أصلاً مذموم في القرآن الكريم، ذم الله سبحانه وتعالى هذا الاجتماع الذي لا يكون على حبل الله سبحانه وتعالى.
فنحن أكثر الناس دعوةً لأن تجتمع الأمة، ولكن على ماذا تجتمع؟ الاجتماع يكون على شيء، ما هو؟ تريد أن نجتمع على حبل الله سبحانه وتعالى؟ تعال نتناقش، وإذا عندك أدلة قدمها، إذا ما عندك أدلة والله أنت حر.
لكن أن تجعل الاجتماع هو الغاية لذاته لكي نحقق نصراً اقتصادياً أو سياسياً أو عسكرياً، فلا! فهذا الاجتماع مآلاته خطيرة جداً وتعود على الدين بالهدم.
، يعني المبتدع لا يفلح... من اجتنب البدعة هو المفلح.
ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد؛ هذا الذي عمله مردود، كيف تريد أن تجتمع معه وكيف تريد أن ترى الفلاح وأنت مجتمع معه؟!
يقول رحمه الله:
«السنن» جمع سنة، والسنة عندها إطلاقات عديدة جداً.
لو تتذكرون لما بدأ طوفان الأقصى، خرج أحد المشايخ وقال لأحد أعضاء المقاومة: "جاهد بالسنن" –الحادثة معروفة– فالناس ظنت أن السنن المقصود بها هي المستحبات، فقالوا له: "الجهاد فرض وأنت تتكلم عن السنن؟! وكيف يترك الفرض ويجاهد بالسنن؟!" وهذا نابع عن جهلهم بمعنى السنن.
السنن جمع سنة، وقد تطلق على ما يقابل الواجب كما ذكروا؛ نقول: هذا واجب وهذا سنة مستحب، فهذا إطلاق من إطلاقها.
وقد تطلق أيضاً فيما يقابل البدع؛ نقول: هذه سنة وهذه بدعة، هنالك مبتدع وهنالك من اتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
كذلك عمل الصحابي حتى لو لم يرد في الكتاب والسنة لكنه... والصحابي الذي لم ينكر عليه أحد والمسألة ليست فيها... هذا أيضاً يعتبر سنة.
وهنالك اصطلاح عند الأصوليين وهنالك اصطلاح عند المحدثين؛ فمثلاً المحدث عنده السنة هي كل ما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من صفة أو تقریر أو فعل أو أمر، كلها عند المحدثين سنة.
عند الأصوليين السنة هي ما يمكن استخراج الأحكام منه وغيره من الأمور.
فإطلاقات السنة تختلف.
هنا «السنة» التي يقصدها ابن أبي داود هي الاتباع... هي اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
الآن يقول رحمه الله:
هذه الأبيات الثلاثة تتكلم عن مذهب أهل السنة والجماعة في القرآن الكريم، وماذا يقول أهل السنة في مذهبهم في القرآن الكريم.
ينبغي أن تعلم بارك الله فيك أن القول في القرآن –هل هو مخلوق؟ هل هو كذا؟– هو فرع عن قولنا في صفة الكلام.
يعني القرآن كلام الله، قولنا في صفة الكلام هو الذي يحدد قولك في القرآن.
لكن قبل هذا، قبل أن نخوض في مسألة الصفات عموماً والقرآن التي وردت في هذه القصيدة، سنتكلم عن هذا الخلاف في الأسماء والصفات.
اليوم الكثير من الناس يظن المسألة بسيطة، يظن أن مسألة الخلاف في أسماء الله وصفاته هي مسألة يسيرة جداً: "والله الأمة اختلفت في القرآن الكريم هل هو مخلوق أم لا؟" تقول له: نعم.
يقول لك: "والله القرآن شيء، والله خالق كل شيء، إذاً القرآن مخلوق!".
طيب، يأتي مثلاً لصفة اليد: "اليد هذه إذا قلنا إن لله يداً فستكون هذه اليد كذا، وهذه الصفات تستشنع وتوهم التشبيه والتجسيم وكذا"، ويظن أن المسألة يسيرة هكذا.
يظن أن هؤلاء الذين قالوا إن القرآن مخلوق وأنكروا صفات الله سبحانه وتعالى أنهم قرؤوا القرآن وقرؤوا السنة وقرؤوا إثبات الله سبحانه وتعالى ورسوله لهذه الصفات، فقالوا إن هذه الصفات توهم التجسيم وتوهم التشبيه فأنكروها! المسألة أعمق من هذا... المسألة أعمق من هذا! لكن اليوم سبحان الله ابتلينا بأناس يعني لا درس ولا فهم منطلقات القوم والمعطلة هؤلاء ولا فهم أصولهم، ثم يأتي وهكذا بالفهلوة! لا يا حبيبنا.
المسألة أن هنالك علماً اسمه «علم الكلام».
قديماً كان الناس على مذهب واحد في أسماء الله وصفاته؛ يقرؤون صفات الله سبحانه وتعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، وغيرها من صفات الله سبحانه وتعالى... صفة الحكمة، صفة الرحمة وكذا، يقرؤونها ويمرونها كما جاءت؛ يثبتون المعنى الوجودي الذي تشترك فيه جميع المخلوقات، ثم بعدها والكيفية لا يعرفونها؛ عندما تقول له: "كيف استوى؟" يقول لك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة"، حتى السؤال لم يكونوا يسألونه.
لما دخلت كتب اليونان وتوسعت الفتوحات وبدأت كتب اليونان تدخل، الناس أخذوا من اليونان علومهم النافعة؛ أخذوا من اليونان العمران، والإدارة، وبعض الفنون التي تساعد على العسكرية وكذا.
واليونان أيضاً كان عندهم جانب الإلهيات، فلما أخذوا تلك العلوم النافعة الدنيوية أخذوا أيضاً كتب الإلهيات وترجموها.
فصار بعض الناس يقرؤون هذه الكتب –كتب الإلهيات– وإلهيات اليونان نقصد بها تصور اليونان عن الإله والقواعد التي وضعوها ليحكموا تصورهم عن الإله.
فلما ترجمت هذه الكتب، صار البعض يتربى عليها كما يحدث اليوم؛ الغرب عنده تطور والعلمانيون عندهم كذا، إذاً نحن ماذا نأخذ؟ نأخذ الانفلات والزنا وغيرها من الأمور.
فهؤلاء أيضاً اليونان متطورين واستفدنا منهم في كذا وكذا، إذاً نأخذ أيضاً تصورهم عن الإله! فأخذوا تلك التصورات وبنوا عليها قواعد سميت فيما بعد بـ «علم الكلام».
يعني علم الكلام هو فلسفة يونانية مطورة!
صار هؤلاء الذين يسمى بالمتكلمين يأخذون هذه القواعد ويفهمون على ضوئها نصوص الصفات: تقول له "الله في السماء" يقول لك "لا! إذا كان في السماء فهذا يلزم عنه كذا ويلزم عنه كذا... إذاً الله ليس في السماء، الله في كل مكان!".
تقول له "الله يفعل أفعالاً اختيارية" يقول لك "لا! اله لا يتحرك ولا ينبغي أن يكون متحركاً بل هو محرك..." فبُنِيَت عقيدتهم على هذه الأمور.
هذه القواعد التي ذكرناها ألزمتهم بأن ينكروا صفات المولى عز وجل وأن يعطلوا صفات المولى عز وجل.
كذلك من بين الأمور التي ساهمت في إدخال هذه الفلسفات الفاسدة: رضوخ البعض لسطوة بعض الطوائف الكافرة.
مثلاً: الجهم بن صفوان، عندما نأتي للجهم بن صفوان الذي هو أكثر شخص مفسد في هذه الأمور، الذي هو بث في الأمة بدعة التجهيم حتى صارت بدعة تعطيل الصفات تنسب إليه، فيقال عن فلان جهمي إذا عطل الصفات.
كيف بدأ معه الأمر؟ كان يحاور طائفة ملحدة اسمها "السمنية"، فألزموه ببعض الإلزامات فلم يستطع الرد وانقطع.
ماذا فعل بعدها؟ ذهب 40 يوماً قرأ في كتب الفلاسفة –اليونان وكذا– ثم أتى بقواعد من خلالها أنكر الصفات!
فلذلك، ماذا نستفيد من قصة الجهم لماذا ذكرتها؟ اليوم يقول لك البعض: "يجب أن نجتمع مع الأشعرية للرد على الملاحدة وغيرها من الأمور".
طيب، أصل التجهيم هذا الذي عند الطوائف الكلامية هذه أصله بدأ لأنهم أرادوا الرد على الملاحدة فتبنوا هذا المنهج! فلا ترضخ، نصوص الكتاب والسنة كافية... القواعد المستلة من الكتاب والسنة وبالتفكير العقلي السليم كافية في الرد على كل مخطئ.
الناس اليوم تخلط؛ شفت البارحة مقطعاً لأحدهم يقول: "من تمنطق فقد تزندق، هذه العبارة خاطئة ولا يقصد التفكير وكذا..." الناس لا أدري كيف أُشرِبوا هذا الكلام؛ أن المنطق يساوي التفكير السليم! المنطق شيء –المنطق الأرسطي هذا الذي يتكلمون عنه الان– شيء، والتفكير العقلي السليم شيء آخر تماماً.
إبراهيم عليه الصلاة والسلام قبل أن يولد أرسطو كان عنده تفكير عقلي سليم وحاجج النمرود أو الملك الذي كان في عهده بأسلوب عقلي سليم ولم يحتج للمنطق! فالناس اليوم عندما تقول له: "المنطق والرد عليه، وابن تيمية رد على المناطقة..." يستشكل: "كيف؟! كيف سنفكر؟!" لا يا حبيبنا، المنطق شيء –الذي هو قواعد يعصم مراعاتها الذهن من الوقوع في الخطأ على حد تعريفهم– والتفكير العقلي السليم شيء آخر تماماً.
ماذا يقول أهل السنة والجماعة في صفة الكلام... في كلام الله سبحانه وتعالى؟
نؤمن نحن معاشر أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى يتكلم متى شاء، كيفما شاء، كلاماً يُسمع، وهو بحرف وصوت.
يعني كلاماً يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب... كلام يُسمع.
الله يتكلم متى شاء، كيفما شاء، بكلام يُسمع وهو بحرف وصوت.
طبعاً قولنا "بحرف وصوت" تغني عن قولنا "يُسمع"، ولكن هي للتاكيد.
من أدلتنا على إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى ما جاء في كتاب الله في سورة التوبة: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، يعني: حتى تتلو عليه كلام الله.
كيف سيسمع كلام الله؟ حتى تتلوه عليه، أي كلام الله.
كذلك من الأدلة قوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا} [النساء: 164]. ومن الأدلة العقلية: أن المتكلم أكمل من الذي لا يتكلم، وكل صفة في المخلوق تكون كمالاً من كل وجه فالله أحق بها.
كيف تكون كمالاً من كل وجه؟ يعني الإنسان المخلوق يولد ينجب أطفالاً، هذا كمال، لكن كمال من وجه واحد فقط! وإلا هو من وجه آخر نقص، فالإنسان يحتاج للولد، وطريقة إنجاب هذا الولد أصلاً فيها نقص وكذا.
فهذا ليس كمالاً من كل وجه.
نحن ما هي الكمالات التي تكون في المخلوق والله أحق بها؟ هي الكمالات التي تكون كمالاً من كل وجه.
نحن عندنا في المخلوقات الذي يتكلم ويفصح عما يريد قوله يكون أكمل من الأخرس أو من الذي لا يستطيع الكلام.
فلذلك هذه الصفة ربنا تبارك وتعالى أحق بها.
أما القرآن فنقول: إنه كلام الله سبحانه وتعالى –أو بعض كلام الله سبحانه وتعالى– منه بدأ وإليه يعود.
"منه بدأ" أي هو تكلم به، "وإليه يعود" أي كلامه إليه يعود، وإليه يعود تحتمل أيضاً أنه سيرفع في آخر الزمان.
فتحتمل معنيين كلاهما صحيح، وهذا قول من أقوال السلف... هذا من كلام السلف: "القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود".
بخصوص الصفات، هنا مسألة مهمة لن نخوض فيها لأنها مسألة طويلة جداً ولكن سأعطيكم الخلاصة.
بخصوص صفات الله الفعلية: صفة الكلام، صفة الخلق، صفة الرزق وكذا... هذه الصفات الفعلية نقول عنها إنها: قديمة النوع حادثة الآحاد، أو أزلية النوع (أو الجنس) حادثة الآحاد.
يعني: لا نستطيع أن نأتي لصفة الكلام ونقول إن الله سبحانه وتعالى تكلم أول ما تكلم في الموضع الفلاني، أو نقول هذا أول كلام لله سبحانه وتعالى، لا نستطيع! لأن الله سبحانه وتعالى أزلي، فلا نستطيع أن نحصر صفاته ونقول هذا أول كلام تكلم به.
القدرة موجودة والزمن موجود، إذاً لا نستطيع أن نقول هذا أول كلام تكلم به.
فهذا من حيث الأزلية، فصفات الله سبحانه وتعالى من حيث اصلها وجنسها ونوعها كلها أزلية، لكن من حيث الآحاد هي تتجدد.
يعني الله... لا نستطيع أن نقول هذا أول كلام تكلم به الله، لكن صفة الكلام تتجدد؛ فالله تكلم بالقرآن وتكلم بغيره.
فهذا معنى إذا سمعت مسألة «تسلسل الحوادث» فهذه هي خلاصتها، وإلا فموضوعها فيه بعض التفاصيل.
كذلك من الأدلة على أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]، ففرق هنا بين الخلق والأمر.
وهذا من حجج الإمام أحمد وتلميذه المروذي رحمه الله عليهما؛ لأن الله سبحانه وتعالى في آية أخرى قال: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82].
وجاء عند الترمذي وأحمد من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا تَقَرَّبَ العِبَادُ إِلَى اللهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ» [صحيح الترمذي]، الذي هو كلام الله سبحانه وتعالى.
قال بعدها الإمام ابن أبي داود:
«الواقفة» هم طائفة لما رأوا شدة ردود أهل السنة والجماعة على الجهمية القائلين بخلق القرآن، ماذا فعلوا؟ قالوا: "نحن سنمسك العصا من الوسط، لا تقل لي مخلوق ولا تقل لي غير مخلوق، أنا لن أقول هل هو مخلوق أم ليس بمخلوق، أنا أقول هو كلام الله وانتهى الأمر".
هؤلاء السلف تكلموا فيهم بكلام شديد جداً.
الان هذا المذهب محمود جداً في هذه الأيام، يقول لك: "أنا والله كافي خيري شري، أنا لن أقول كذا ولن أقول كذا".
هذا المذهب مذهب خبيث جداً؛ لأنك لا تعرف هذا الشخص هل هو فعلاً يقول بخلق القرآن؟ هل هو لا يقول بخلق القرآن ولكنه خاف من سطوة الجهمية الذين صار عندهم مناصب في زمن الدولة العباسية في زمن الإمام أحمد أو بعده؟ يعني أنت لا تفهم ما الذي يريده بالضبط، وهؤلاء لا شك أنهم مبتدعة، فهم أمسكوا العصا من الوسط.
كذلك هنالك مذهب «اللفظية».
من هم اللفظية؟ اللفظية هم الذين يقولون: "لفظي بالقرآن مخلوق".
لفظي بالقرآن مخلوق يعني هو توسع لا فائدة منه، خلاص القرآن إيش هو؟ كلام الله.
هذه "لفظي بالقرآن مخلوق" ما الفائدة منها؟! فهؤلاء أيضاً تكلم فيهم السلف بكلام شديد جداً؛ لأن كيف "لفظي بالقرآن مخلوق"؟! القرآن هو كلام الله –يعني هذا الكلام الذي نقرؤه ونتعبد الله سبحانه وتعالى بتلاوته– كلام الله.
أصواتنا والأحبال الصوتية وحركة اللسان هذه مخلوقة، فبأن تقول "لفظي بالقرآن مخلوق" فهذا الأمر يحتمل أن تكون قاصداً به الكلام، ويحتمل أن تكون تقصد به حركة اللسان والصوت والأحبال الصوتية وغيرها.
إذاً هذا قول خبيث يُراد من خلاله أن يُمرَّر القول بخلق القرآن.
وفي بيان هذا يقول ابن القيم في «النونية»:
فَاللَّفْظُ يَصْلُحُ مَصْدَراً وَهُوَ فِعْلُنا ... كَتَلَفُّظٍ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ
وَكَذَاكَ يَصْلُحُ نَفْسَ مَلْفُوظٍ بِهِ ... وَهُوَ القُرْآنُ فَذَاكَ مُحْتَمَلانِ
فَلِذَاكَ أَنْكَرَ أَحْمَدُ الإِطْلاقَ فِي ... نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ بِلا فُرْقَانِ
يعني اللفظ هذا (قولي لفظي بالقرآن مخلوق) يحتمل أن تكون قاصداً به حركات لسانك وكذا، ويمكن أن تكون قاصداً به الملفوظ الذي هو الكلام (كلام الله).
فلذلك هذا مذهب من أخبث المذاهب.
وهذا معنى قوله في القصيدة:
كل الأبيات هنا –ما عدا البيت السابع (وليس بمولود...)– كل الأبيات هنا عندها معنى واحد.
(( وَقَدْ يُنْكِرُ الجَهْمِيُّ هَذَا )) أي قد ينكر الرؤية، (( وَعِنْدَنَا بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرِّحُ * رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ * فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ فِي ذَاكَ تَنْجَحُ )).
الحديث هو الحديث المعروف: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» [صحيح البخاري].
"يتجلى" بمعنى يظهر، من الظهور والبيان... التجلي.
"كما البدر لا يخفى وربك أوضح"، وهذا هنا ليس فيه تشبيه المرئي بالمرئي، هو لا يشبه الله بالبدر، وإنما يشبه الرؤية بالرؤية.
يعني أنكم كما ترون القمر واضحاً في السماء، فإنكم سترون ربكم بنفس درجة الوضوح التي ترون بها البدر.
فهنا تشبيه للرؤية بالرؤية.
المذاهب المنتسبة للملة في رؤية الله سبحانه وتعالى:
-
هنالك من قال باستحالة رؤية الله؛ يعني قال الله لا يُرى، وعاندوا النصوص الكثيرة في إثبات هذه الصفة وقضية الرؤية (وهو قول المعتزلة والجهمية الأوائل والإباضية اليوم).
-
وهنالك من قال بإمكان الرؤية ولكن سفسط، وقوله فيه سفسطة وهم الأشاعرة.
فالأشاعرة يقولون: الله يُرى.
طيب يُرى بأعين الرأس؟ لا! يقول لك: "يُرى لا في جهة"! فقولهم هذا أن الله سبحانه وتعالى يُرى كنوع من المكاشفة؛ أن الله سبحانه وتعالى يقذف في القلوب معنى فترى الله سبحانه وتعالى انطلاقاً من ذلك المعنى.
القول الأول باستحالة الرؤية واضح البطلان، ومن أدلتهم عبارات يشنعون بها على أهل السنة، فقالوا مثلاً: "الرؤية مستحيلة؛ لأن كل ما أمكنت رؤيته فلا بد أن يكون في جهة، وكل ما كان في جهة هو جسم، إذاً الله تعالى لا يُرى!".
دعونا نفكك هذه العبارة: "كل ما يُرى لا بد أن يكون في جهة"، نعم كل ما يُرى بأعين الرأس التي عندنا هذه لا بد أن يكون في جهة.
قال لك: "وكل ما كان في جهة هو جسم".
نأتي للفظ "الجهة" هذا؛ هم دائماً يحاولون الترويع! تركوا قول الله سبحانه وتعالى: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} [طه: 5]، تركوا الآيات التي إن نطقنا بها نعتبر عندهم مجسمة، وذهب يشنع عليك بألفاظ كلامية (الجهة، الجسم... وكذا!).
الجهة ليست شيئاً وجودياً يحيط بالموجود؛ هو يصور لك أن هذه الجهة إذا قلنا إن فلاناً في جهة فلا بد أن تكون هذه الجهة شيئاً وجودياً محيطاً به.
كلا! الجهة هي شيء اعتباري ذهني.
يعني ما من موجود –إذا أثبتنا أن هنالك شيئاً موجوداً وقائماً بذاته– فلا بد أن يكون في جهة.
يعني المسألة مش أن هنالك جهة وأنت ادخل في الجهة التي تريدها وكأن هذه الجهة هي حيز أو صندوق أنت تدخل فيه وتخرج متى شئت، لا! وجودك مرتبط بهذه الجهة أو بهذا المكان، إذا لم تكن في جهة فأنت لست موجوداً، أو لست موجوداً قائماً بذاتك.
فلذلك نحن نلزمهم بأن نقول إن الله سبحانه وتعالى عندهم هو معنى من المعاني! نسبة المكان لله سبحانه وتعالى ليست نقصاً –بعيداً عن أن النصوص جاءت لإثباتها– لكن هي في ذاتها ليست نقصاً في حق الله سبحانه وتعالى؛ لأن الموجود القائم بذاته لا بد أن يكون في مكان.
فهو يقول: "إذا كان في جهة سيتكلف..." نعم عن الجهة.
الآن "الجسم"، الجسم تدري ما هو الجسم عندهم؟ تدري لماذا يشنعون: "الجسم! الجسم! أنتم مجسمة! أنتم..."؟ هم عندهم كل من اتصف بالصفات يُعد جائساً (جسمياً)! يعني أي... عندما نقول إن الله سبحانه وتعالى صفاته متجددة، أن الله يعلم... أن الله مثلاً علم أني قلت هذه الكلمة، مثلاً الله سبحانه وتعالى علم أني قلت (ألف) ثم علم أني قلت (باء) –يعني علم هذا العلم ثم علم بعده علماً آخر– هذا التجدد في علم الله سبحانه وتعالى بتجدد أفعالنا نحن، هذا يعتبرونه تجسيماً! فلكي ترى المسألة أين وصلت معهم... يعني المسألة مش مسألة "والله أنتم أثبتم اليد، أنتم أثبتم الوجه، أنتم أثبتم الساق..." لا، المسألة خطيرة جداً وعندها أبعاد واسعة.
فهم عندهم الجسم: كل من اتصف بصفة يعد جسماً.
فنحن لا نقول إن الله... هذا اللفظ لم يرد لا في كتاب ولا في سنة، نحن لا نقول إن الله جسم، ولكن نقول إن لله سبحانه وتعالى صفات.
كذلك من الآيات والنصوص التي استدلوا بها قوله تعالى: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]. طبعاً عندما نتكلم عن الجهمية والطوائف الكلامية، هي لا ترفع بالنصوص رأساً، يعني هو أصلاً لا يكترث لهذه النصوص؛ هو يعتقد ثم يبحث في النصوص عما يعضد اعتقاده.
يعني هو لا تهمه هذه الآية {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}، لو جئنا للآيات والنصوص المخالفة لمذهبهم هي كثيرة جداً ولكنهم لا يأبهون لها، هو إذا وجد ما فيه شبهة هكذا تخدم مذهبه يستدل بالنص، وإلا فهو لا يهمه النص.
يقولون: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}، وهذا من أهم استدلالاتهم في مسألة الصفات.
الإدراك هنا منشأ خطئهم في جعلهم الإدراك معناه الرؤية، وهذا خطأ.
الإدراك عندما نقول عن فلان أدرك، يعني أحاط بالشيء.
فالإدراك قدر زائد على مجرد الرؤية.
عندما أقول لك مثلاً: "أنت لا تستطيع إدراك ناطحة السحاب الفلانية"، هل هذا يعني أنك لا تستطيع رؤيتها؟ كلا! أنت تستطيع رؤيتها، ولكنك من حيث الإدراك والإحاطة بها ككل لا تستطيع.
فهنالك فرق بين مسألة الرؤية ومسألة الإدراك.
وهنالك نص جميل لابن حزم –وإن كان ابن حزم أبعد في الضلال من المعتزلة يعني قوله شديد جداً لكن عنده كلام جميل في «الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِحَل» (على فكرة تضبط الفِصَل في كتابه هذا، رأيت الكثير من الناس يقول الفَصل في الملل والأهواء والنحل، هي الفِصَل في الملل والأهواء والنحل والله تعالى أعلم).
سأنقل لكم النص، يقول ابن حزم:
"واحتجت المعتزلة بقوله عز وجل: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن الله تعالى إنما نفى الإدراك، والإدراك عندنا في اللغة معنى زائد على النظر وهو معنى الإحاطة، ليس هذا المعنى في النظر والرؤية، فالإدراك منفي عن الله على كل حال في الدنيا والآخرة.
برهان ذلك في قوله: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدرَكُونَ * قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 61-62]. ففرق الله بين الإدراك والرؤية تفريقاً جلياً؛ لأنه تعالى أثبت الرؤية بقوله: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} أي حصلت الرؤية، وأخبر تعالى أنه رأى بعضهم بعضاً فصحت منهم الرؤية لبني إسرائيل، ونفى الله الإدراك بقول موسى لهم: {كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}".
يعني: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، هنا الجمعان تراءيا، أي رأى بعضهم بعضاً، ولكن هل أدرك بعضهم بعضاً من حيث الإحاطة وكذا؟ لا، لم يدرك بعضهم بعضاً.
فهذا فرق بين الرؤية وبين الإدراك.
كذلك من الأمور التي يُلزم بها القائلون بقول الأشاعرة (يقولون الله يُرى لا في مكان): هم أصلاً عندما أتوا لإثبات الرؤية، قالوا للمعتزلة: "والله هنالك نصوص تثبت الرؤية، هنالك حديث للنبي، هنالك آيات: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23]، وغيرها من النصوص التي تثبت الرؤية".
ومن العجيب أنك تراهم ينفون صفاتٍ فيها نصوص أكثر من صفة الرؤية! يعني ينفون علو الله سبحانه وتعالى، وفي علو الله نصوص أكثر وأوضح وأبين من النصوص التي وردت في الرؤية! ولكن ماذا نفعل مع الهوى؟!
هم أثبتوها عن طريق هذا الحديث ولكن قالوا إن الله لا يُرى في جهة.
قولهم هذا أن الله لا يُرى في جهة يبطله الحديث نفسه؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ»، فهنا شبه الرؤية بالرؤية.
هل البدر هذا نراه مكاشفةً؟ (يعني الله يقذف في قلوبنا شيئاً فنرى به البدر) أم أننا نراه بأعين رؤوسنا؟ أم أن أعيننا هي التي تراه؟ كلا، أعيننا هي التي تراه.
فالحديث الذي استدلوا به على رؤية الله يبطل مذهبهم الفاسد بأنهم قالوا إن الله يُرى لا في جهة.
مسألة الرؤية... هنالك أخ دائماً في التعليقات على مقاطعي في مواقع التواصل كان يعلق لي بتعليق جميل جداً: "أراك الله وجهه".
صراحةً هذا التعليق تعليق عجيب جداً، ويحرك فيك شيئاً، أنك ترى الله سبحانه وتعالى! يعني أنت ربما تعرف صديقاً ولم تره في مواقع التواصل ولم تره أبداً، وتتفقان أن يلتقي أحدكما الآخر في مكان ما، فتكون متشوقاً لرؤيته، وقد تكون رأيته في الصور ولكن تريد أن تراه على الحقيقة.
فما بالك بالله سبحانه وتعالى الذي لم نره، وقلوبنا نجد فيها فطرةً هكذا وغريزةً أنها تحب رؤية المولى عز وجل؟!
يقول الله تبارك وتعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26].
هذه «الزيادة» يقول ابن كثير إن أبا بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، وجماعة من علماء السلف والخلف، قالوا: "إن الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى".
وجاء في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئاً أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» [صحيح مسلم].
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ» [سنن النسائي].
نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا لذة النظر إلى وجهه.
نكتفي بهذا القدر اليوم، ونكمل الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.
في هذا البيت، يثبت رحمه الله تعالى صفة اليدين للمولى عز وجل، وهي صفة ثابتة بنصوص الكتاب والسنة.
وجاءت الآيات صريحة في إثبات هذه الصفة، فمنها قوله تعالى ردّاً على اليهود الذين قالوا إن يد الله مغلولة: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [المائدة: 64].
ويقول في آية أخرى سبحانه وتعالى: { يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص: 75].
وقال أيضاً: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [الفتح: 10].
وقال: { وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } [الزمر: 67].
وقال أيضاً: { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ } [الملك: 1].
ويقول أيضاً تبارك وتعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا } [يس: 71].
ويقول أيضاً: { وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } [الحديد: 29].
أولاً: من الأمور التي نصادفها في الجدالات العقدية بخصوص هذه الصفة، أنه يأتيك الجهمي الذي يعطل هذه الصفة ويقول لك: "طيب، ما معنى اليد هنا؟ ما معنى اليد؟" هو يريد إلزامك أنك إذا أثبتّ له معنى، فيقول لك: "أنت تشبه الله بمخلوقاته".
طبعاً، الكثير من الإخوة يقول: "أنا لا أحب طريقة عرض أقوال المخالفين في الرد"، لكن هذه أيضاً طريقة علمية في التأصيل عن طريق عرض أقوال المخالفين، حتى لو جئنا لعقائد السلف، سنجد أن عدداً من عقائدهم التي كانوا يستخدمونها لتأصيل أو لعرض عقائد أهل السنة والجماعة، كانوا يستخدمون فيها هذا الأسلوب؛ فالمهم أن تحقق الفائدة في الأخير.
يقول لك الجهمي: "أنا سلمت لك أنه يد الله وكذا وهذه الآيات وغيرها، ما معنى اليد؟"
هنا الجهمي حكّمنا لأصل من أصوله، وهو اصل فلسفي كنا قد تطرقنا إلى جانب منه في الدرس الماضي، وهو أن الأشياء لا تعرف إلا بحد، والحد هنا يقصد به التعريف.
والحد عنده عدة معانٍ: قد يكون الشيء الفاصل بين مخلوقين أو بين شيئين قائمين بذاتيهما؛ فالله سبحانه وتعالى جاءت بعض العبارات عن السلف أنه قالوا: "الله سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه بائن من خلقه"، وهذه "بائن من خلقه" عبر عنها آخرون بـ "بحد"، والحد هو الحد الفاصل بين الله وبين مخلوقاته لأن الله لا يختلط بمخلوقاته، فهذا معنى من معاني الحد.
وهنالك الحد بالمعنى الذي نقصد هنا في هذا المقام، وهو التعريف.
فهو يقول لك: "الأشياء لا تعرف إلا بتعريف"، وهذا قول يؤدي بنا إلى التسلسل، لأنه مثلاً إذا قلت لك: "عرف لي الإنسان"، ستقول لي: "حيوان ناطق".
طيب نأتي لكلمة حيوان ونأتي لناطق، أقول لك: "عرف لي ناطق"، تقول لي: "هو كذا"، "عرف لي هذا الكذا الذي عرفته به؟" تقول لي: "كذا"، "عرف لي الكذا..."، نأتي لحيوان أقول لك: "عرف الحيوان"، تقول لي: "الحيوان هو هذا الذي أمامك وكذا"... طيب، الإنسان أقرب إليك من الأمور التي هي خارجة عنك!
فالأمور كثيرة منها تُعرف معانيها، معانيها معروفة؛ أي إنسان عاقل يعرف معنى اليد، أي إنسان عاقل يعرف معنى الوجه، أي إنسان عاقل يعرف معنى كذا... فلا نحتاج لتعريف، ففكرة أن كل الأمور تحتاج في معرفتها إلى حد، هذا قول فيه سفسطة، وقد رد عليه شيخ الإسلام في كتابه "الرد على المنطقيين".
فهذا الأصل: ما معنى اليد؟ اليد معروفة، كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم".
عندما تقول لي: "يد الله"، "وجه الله"، "رحمة الله"، "كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا؟"... هذه الأمور معروفة ومعلومة، معناها معلوم، كيفيتها مجهولة لا نعرفها.
فإذا قلت لي: "يد الله"، إن كنت تسأل عن الكيفية فالكيفية لا أعرفها، وإن كنت تسأل عن معنى اليد، فهو ذلك المعنى الذي ينقدح في الذهن عندما نقول: "يد".
وتختلف كيفية هذا المعنى عندما ننظر إليه في الخارج؛ فمثلاً عندما نقول: "يد الباب" ليست كيد عادل، ليست كيد أحمد، ليست كيد فلان... فمعنى اليد معنى واضح في الذهن كمعنى كلي، لكن المعنى الجزئي يختلف باختلاف المضافات؛ إذا أضفنا اليد إلى أحمد لا تكون ضرورة كالتي أضفناها إلى علي، لا تكون كالتي أضفناها إلى موجود آخر.
فمعنى اليد واضح، المعنى هو الذي يتبادر إلى الذهن؛ يعني مثلاً عندما يقول الله سبحانه وتعالى ويبشر عباده المؤمنين أن لهم جنات من أعناب ونخل وزيتون وفواكه وكذا... نحن نجزم يقيناً وقطعا أن الأمور التي يبشرنا الله بها في الجنة هي ليست كالتي في الدنيا؛ تفاح الجنة ليس كالذي في الدنيا، خمر الجنة ليس كالذي في الدنيا، عسل الجنة ليس كالذي في الدنيا... فإن كان هذا في المخلوقات، فهو في حق الخالق تبارك وتعالى أولى وأحق.
إن كنا نجزم يقيناً أن التشابه بين ما في الدنيا وما وعدنا الله به في الجنة هو فقط في الأسماء -كما جاء في أثر ابن عباس عند الطبري وغيره- فهذا في حق الله سبحانه وتعالى أحق وأولى.
أيضاً من الشبهات التي يطرحها بعض الجهمية، أو حتى هذه الشبهة التي سنتكلم عنها الآن لا يتكلم عنها الجهمية فقط ولا يستعملها الجهمية فقط، بل حتى بعض أهل السنة وإن كانوا يثبتون الصفات وكذا، لكن تجد عندهم هذه العبارة: يقول لك مثلاً: "هذه الصفة توهم التجسم"، مثلاً إذا قلنا عين الله، أو يد الله، أو وجه الله تبارك وتعالى، يقول لك: "هذه الصفات توهم التجسم".
لا يوجد شيء اسمه أن صفة من صفات الله الثابتة في القرآن أو في السنة توهم التجسم! هذا القول لا ينبغي أن يقوله مسلم، وناهيك عن أن يقوله سني من الأساس!
الكلام في لغة العرب لا يفهم مجرداً عن سياقه؛ فإذا قلنا "عين"، لا نستطيع الجزم أن هذه العين نقصد بها العين التي في الرأس، أو العين التي ينبع منها الماء، أو العين بمعنى الجاسوس؛ لأن الجاسوس يطلق عليه عين أحياناً في اللغة.
فكيف نعرف؟ نعرف من خلال السياق؛ فمثلاً إذا قرأتُ: "قبضنا اليوم على عينٍ من عيون العدو"، فهنا أقول إن العين هنا مقصود بها الجاسوس.
وإذا قلتُ مثلاً: "ماء هذه العين عذبٌ"، فأنا هنا أقصد العين التي يسيل منها الماء.
وإذا قلتُ مثلاً: "فلان صاحب العيون الجميلة"، فأنا هنا أقصد العيون التي في الرأس.
فبماذا تعرف الكلمة؟ تعرف الكلمة بسياقها، فلا تأتي وتقول لي: "يد توهم التجسم"، أنت لم تعرف كيفية هذه اليد!
فاليد المذكورة لا توهم شيئاً، ولا العين توهم شيئاً، ولا صفة الغضب، ولا... فعندما ننظر للسياق يزول هذا الإشكال.
فينبغي أن تفهم أن كلام العرب يفهم من خلال سياقه؛ فإذا قلنا: "يد الله"، لا ينبغي أن يتبادر إلى ذهنك يد المخلوق، لا! يد الله... أضفتها إلى الله سبحانه وتعالى، فهنا سيتغير مدلولها وكيفيتها بناءً على المضاف.
يقول البعض مثلاً في الآيات التي ذكرناها: يقول تبارك وتعالى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [المائدة: 64]، ياتي ويقول أحدهم: "طيب يا عادل، هذه الآية هنا واضح معناها أن تدل على الكرم، أن الله سبحانه وتعالى هنا يريد أن يرد على اليهود الذين نسبوا لله سبحانه وتعالى البخل -تعالى الله عن ذلك- فقال لهم: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، فلماذا لا يكون معنى اليد هنا الكرم ولا يقصد بها يداً حقيقة؟"
أولاً: ينبغي أن تعلم أن الجماعة الذين ينكرون صفة اليد هم يكفرون من أثبتها؛ يعني إذا جئت أنت وقلت له: "نحن معاشر أهل السنة والجماعة نثبت اليد كما أثبتها الله لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، ولا نشبهها بيد المخلوقات، والله ليس كمثله شيء، وهذه اليد نعرف المعنى الكلي ولا نعرف كيفيتها ونجزم أنها لا تشابه المخلوقات"، الجهمي إذا قلت له هذا الكلام: أنت كافر!
إذاً، كيف لله سبحانه وتعالى أن ينسب له اليهود اليد -بل يداه قالوا: يد الله مغلولة- كيف لم يرد عليهم؟ نسبوا لله سبحانه وتعالى اليد وجسموه -تعالى الله- حسب منطق الجهمي، يعني اليهود جسموا الله سبحانه وتعالى ونسبوا له اليدين ونسبوا له البخل، وهو رد عليهم عن البخل فقط وأثبت لنفسه اليدين! إذا كانت اليد تجسيماً، لماذا لم يرد الله سبحانه وتعالى على اليهود هنا؟ لماذا لم ينفِ عن نفسه اليدين مثلما نفى عن نفسه البخل؟
ثانياً: لا تعارض بين أن نثبت لله الكرم من خلال هذه الآية: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، وأن نثبت أن لله يدين تليقان به.
نحن معاشر أهل السنة والجماعة الذين نثبت لله سبحانه وتعالى يدين تليقان به كما ذكر هو في كتابه وذكر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم، نحن لا ننكر أن هذه الآية { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } تدل على كرم الله، لكن أيضاً نثبت اليد الحقيقية.
ثالثاً: الجهمي يلجأ لمبحث في تأويله فيقول لك: "هذه المعاني مجازية، الله سبحانه وتعالى عبر عن اليد هنا وهذا معنى مجازي وهو يقصد الكرم ويقصد القوة ويقصد النعمة وكذا".
طيب، عندما نأتي للمجاز: أركان المجاز أربعة: المشبه، والمشبه به، ووجه الشبه، والقرينة (تختلف الألفاظ لكن لكي نبسط المعنى).
نعطيكم مثالاً لكي نفهم الصورة: مثلاً أقول لك: "رأيت أسداً حاملاً سيفه فوق الحصان في المعركة".
هنا عندنا: "أسد" (اللفظ الظاهر)، "حامل سيفه فوق حصان"... نحن في الحقيقة شبهنا الفارس بالأسد.
ما هو وجه الشبه بينهما؟ وجه الشبه بين الفارس والأسد هو الشجاعة.
ما هي القرينة التي جعلتنا ننتقل من الأسد إلى الفارس؟ أننا عرفنا صفات الأسد وعرفنا صفات الفارس، وأيقنّا أن الأسد لا يمكنه أن يكون فوق حصان حاملاً سيفاً في معركة؛ فهذه هي القرينة التي جعلتنا ننتقل من المعنى الظاهر (اللي هو الأسد فوق حصان) إلى المعنى المراد (اللي هو الفارس).
طيب، ماذا لو طبقنا هذا على صفات الله سبحانه وتعالى؟ { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، قرأنا صفة اليد، ثم قلنا إن هذه لا يمكن أن تكون يداً لله سبحانه وتعالى، إذاً ماذا نفعل؟ إذاً سنقول إن هذه النعمة أو القدرة أو القوة أو كذا... طيب! أنت أصلاً لم تعرف حقيقة هذه الصفة: "اليد"، لا تعرف لا كيفيتها ولا شيء، فكيف جزمت أن هذا المعنى يجب أن ننتقل منه إلى معنى آخر؟!
يعني مثلاً في مثال الأسد: نحن لما عرفنا كيفية الأسد وكيف هو هذا الأسد، أيقنّا أنه يستحيل أن يكون فوق حصانه حاملاً سيفه.
طيب أنت كيف انتقلت من صفة اليد وحملتها على النعمة؟ (يعني قلت اليد معناها نعمة)، أنت لا تعرف كيفية هذه الصفة!
يعني من شروط المجاز وتطبيقه أن نكون نعرف كيفية المشبه والمشبه به، فيستحيل تطبيق المجاز على صفات الله سبحانه وتعالى؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى غيبية لا نعرف كيفيتها.
لو تقرأ في نصوص اليد، تارة يثبت الله سبحانه وتعالى لنفسه يداً، وتارة يثبت لنفسه يدين، وتارة ترد اليد بصيغة الجمع.
وهذا الكلام من يثبت صفة اليد لا يطرد عليه هذا الإشكال؛ لأننا نحن البشر عندنا يدان وأحياناً نعبر عن أيدينا بصيغة المفرد وأحياناً بصيغة المثنى وأحياناً بصيغة الجمع، فهذا ما عندنا إشكال فيه.
لكن الجهمي ياتي ويقول لك: "سلمنا لك يا أيها السني أنك ستثبت صفة اليد لله سبحانه وتعالى"، يقول لك: الله في موضع يقول: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، وفي موضع آخر يقول: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }، وفي موضع آخر يقول: { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا }، فكم يداً لله سبحانه وتعالى وردت بصيغة المفرد والمثنى والجمع؟
أولاً: هنالك قاعدة لغوية ذكرها ابن جرير الطبري وغيره: "أن التثنية نص في العدد".
يعني إذا قلت لك مثلاً: "أنا أحب الدرهم"، "أنا أحب الدينار"، هنا لا يفهم من كلامي أني أحب ديناراً واحداً، لا! أنا أحب جنس الدنانير فقلت "دينار".
كذلك إذا قلت: "دنانير"، إذا قلت: "عندي دنانير"، لا يمكن أيضاً الجزم كم عندي من دينار، المهم أن عندي من اثنين فما فوق.
لكن إذا قلت: "معي ديناران"، فهذا نص أي أن معي دينارين.
لذلك في صفة اليد: يقول: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، قوله: "يداه" هذا نص في العدد؛ هنا نجزم أن لله سبحانه وتعالى يدين اثنتين، حتى لو وردت في آيات أخرى معنى اليد مثلاً { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }، ووردت في آية أخرى { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } بالجمع، العبرة بالتثنية، إذا وردت مثنى فهو الأصل، وهذا بديهي.
وأيضاً مما يمكن الرد به عليهم: أن الله سبحانه وتعالى يقول هنا: "أيدينا"، ويقول: { خَلَقْنَا }، والله سبحانه وتعالى واحد تبارك وتعالى وهو الخالق، لكن قال "خلقنا" من باب التعظيم، فقد تُحمل "أيدينا" على التعظيم أيضاً (يعني صيغة الجمع قد تحمل على التعظيم).
وأخيراً كي نختم بخصوص صفة اليد: الأشاعرة المتقدمون مثل أبي الحسن الأشعري، والباقلاني، وابن فورك (ابن فورك والله لا أدري، لكن الأشعري والباقلاني وغيرهما) كانوا يثبتون هذه الصفات؛ يعني يثبتون صفة اليد، ويثبتون الصفات الخبرية التي تسمى خبرية (هو عنده ضلالات الباقلاني هذا؛ يعني يرى إيمان فرعون وكذا، لكن نحن نتكلم عن هذا المبحث: مبحث الصفات الخبرية).
الباقلاني أشعري ويثبت هذه الصفات.
لكن جاء الجويني وأنكر هذه الصفات ورد في أحد كتبه قال في معنى كلامه: "وإن كان الأوائل يثبتون هذه الصفات إلا أن الحق أحق بالاتباع" وكذا... ولا أدري أي حق يتبع الجويني! لكن المهم أن الأشعرية الأوائل كانوا يثبتون هذه الصفات الخبرية، عندهم شوية خلط؟ نعم عندهم شوية خلط في هذه الصفات، لكن من باب إلزام القوم؛ يعني مثلاً إذا جادلك أشعري في هذه الصفات وقال لك: "أنتم مجسمة" وكذا، قل له: "طيب، أئمتكم الأوائل باعتراف الجويني -اللي هو إمام عندكم أيضاً- يقولون إن الأشاعرة الأوائل كانوا يثبتون الصفات الخبرية هذه التي تنكرها علينا وتنكر علينا إثباتها".
يقول بعدها المصنف:
هنا يتكلم رحمه الله تعالى عن نزول الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر.
والحديث المعروف، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».
هذا الحديث فيه جانب عقدي: أنه يجب أن تؤمن أن الله سبحانه وتعالى ينزل، وهذا بحد ذاته مطلب شرعي.
وكذلك هنالك جانب مسلكي يا جماعة الخير: تخيل هذا الفضل العظيم! أن ينزل رب الخلائق إلى السماء الدنيا ويقول لك: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"!
يعني أنت لو جاءك مسؤول، وأنت تعرف أن هذا المسؤول مثلاً فاسد وكذا، لكنك مع هذا تطمع أنك ربما تنال منه شيئاً وأنت في أزمة أو عندك مشكلة تطمع أن ينفعك هذا المسؤول، إذا جاء مثلاً لمدينتكم أو كذا فتذهب وتكلمه... فما بالك بالله سبحانه وتعالى الذي ينزل وهو يقول لك -تبارك وتعالى- وهو يقول لك: "ادعني أستجب لك، سلني أعطك، استغفرني أغفر لك"!
يعني أنت كم ذنب تفعله في اليوم؟ الذنوب التي أنت تتداركها، تقترافها بإدراكك، دعنا من الذنوب التي تفعلها وأنت غير مبالٍ بها... فأنت عندما تنام في هذه الفترة وكأنك تقول: "أنا لست محتاجاً، أنا لا أحتاج لمغفرة ولا أحتاج لكذا"! هذا فضل عظيم يا جماعة الخير، هذا فضل عظيم!
الناس تجدها اهتمامها على ليلة القدر وكذا، طبعاً ليلة القدر ليلة عظيمة جداً، لكن أنت عندك كل ليلة كنز! أنت ما عندك هموم؟ ما عندك مشاكل؟ ما عندك صراعات دينية تصارع نفسك من أجل الثبات، من أجل التوبة؟
ثم عندما ينتكس يقول لك: "والله انتكست! والله أنا لا أدري ما الذي حصل لي!"، والله الذي حصل لك أنك كنت قاعداً تعمل "Scroll" في الثلث الآخر حين ينزل الرب تبارك وتعالى! الله الله في أنفسكم يا إخوان.
نسأل الله أن يهديننا ويثبتنا.
طبعاً صفة النزول يا إخوان هذه من الصفات التي هي من خصائص أهل السنة والجماعة؛ لم يشرك طائفة من الطوائف المنتسبة للملة عموماً في إثبات هذه الصفة (أقصد الطوائف الكلامية، لا يوجد).
يعني تجد مثلاً الأشعرية يقول لك: "له الحياة والكلام والبصر، سمع وإرادة وعلم واقتدر"، وهم هذه الصفات السبعة لا يثبتونها على وجهها الحقيقي (يعني الكلام عندهم الله سبحانه وتعالى تكلم أزلاً وهو الآن... عندهم خلط، هو يثبت الكلام لكن مفهوم الكلام ليس كالكلام الذي يثبته أهل السنة).
لكن هو على الأقل يثبت يقول لك: "أنا أثبت صفة الكلام".
هذه الصفة -صفة النزول- لا يوجد من الطوائف من أثبتها.
هنا يظهر من يتبع النبي صلى الله عليه وسلم بحق: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [آل عمران: 31].
النزول بهذا اللفظ، بهذه... بهذا التبيان: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»، هذا ورد في الحديث فقط؛ لذلك هم... طبعاً عندها دلالات في القرآن أن الله ينزل وكذا، وحتى جاء في بعض المناظرات التي كانت تصير قديماً، قال أحدهم له: "هذا عنده شاهد في القرآن"، فقال له: "هذا الشاهد الذي تقصده في القرآن يوم القيامة وليس الآن، يعني الله ينزل يوم القيامة ولا ينزل الآن كل ليلة وكذا"، فقال له: "من ينزل يوم القيامة، من يمنعه من النزول الآن؟"
فهنا يظهر من يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فيا كثر التحريفات لهذا الحديث! ما أكثر التحريفات لهذا الحديث سبحان الله! فهنا يظهر من يتبع النبي، من هم أهل الحديث حقاً، من هم من اتّبعوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً.
فهذا يا إخوان من خصائص أهل السنة إثبات نزول الله سبحانه وتعالى.
وخلاصة مذهبنا في النزول -حتى لا نطيل-: أن الله سبحانه وتعالى ينزل نزولاً حقيقياً يقوم بذاته باختياره (يعني هذا فعل اختياري، ينزل الله متى شاء كيفما شاء)، نزولاً يليق به تبارك وتعالى.
كيف هذا النزول يا عادل؟ لا نعرف كيفية نزوله.
والنزول الذي ثبت عنده أصناف -إن صح التعبير-: الله سبحانه وتعالى ينزل كل ليلة، وينزل عشية عرفة حين يباهي الله ملائكته بأهل عرفة، وكذلك نص عدد من أهل العلم أن الله ينزل ليلة النصف من شعبان، والنزول يوم القيامة للفصل بين عباده.
نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا الأجر والثواب، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
نكتفي بهذا القدر حتى لا نطيل على إخواننا، ونستكمل بإذن الله سبحانه وتعالى في المجلس القادم، والسلام عليكم.
هذا ما ذكره في باب الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-.
-صلى الله عليه وسلم- (( وَزِيرَاهُ قِدْماً ثُمَّ عُثْمَانُ الأَرْجَحُ )).
الوزيران هما الشيخان: أبو بكر وعمر، ويطلق عليهما الوزيران، ويطلق عليهما الشيخان، ويطلق عليهما أيضاً العمران؛ لأن العرب من عادتها أنه إذا كان هناك شيئان متقابلان يطلقون على كليهما الاسم الأسهل في النطق، مثل الشمس والقمر تجد في أشعار العرب وكلامهم يقولون: "القمران"، وهما يقصدان الشمس والقمر.
كذلك هنا أبو بكر وعمر قد تجد "العمران" أو "العمرين"، وهنا يقصدان الشيخين أبا بكر وعمر.
وأبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- هو أفضل من عمر، هو خير البرية بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يأتي بعده عمر، ثم يأتي بعده عثمان، ثم يأتي بعده علي -رضي الله تعالى عن الجميع-.
في القرون الثلاثة الأولى مسألة التفضيل أو الطعن في أبي بكر وعمر لم تكن دارجة، الخلاف كان في عثمان وعلي -رضي الله تعالى عنهما-.
عندما تسمع مثلاً عن عالم من علماء السلف يقال: "كان متشيعاً"، التشيع بلفظ التشيع السلفي القديم هو مجرد تفضيل علي على عثمان، والبعض يذهب دماغه لبعيد ويظن أنه التشيع بالمعنى الحالي، لا؛ التشيع القديم هو مجرد تفضيل علي على عثمان.
وأكيد أن هذا الأمر خاطئ لكنه لا يرقى لدرجة التبديع أو التضليل، ويبين للمخطئ وانتهى الأمر.
ومن بين العلماء الأجلاء والفضلاء الذين كان عندهم هذا النوع من التشيع: سفيان الثوري -رحمة الله عليه- بحكم أنه نشأ في الكوفة، والكوفة كان فيها كلام حول عثمان -رضي الله تعالى عنه-، فهو بحكم النشأة كان يفضل علياً على عثمان، ثم بعدها رجع -رحمه الله تعالى ورضي عنه-.
قد يتساءل البعض: لماذا عندنا مسألة الصحابة هي أصل من أصول أهل السنة والجماعة بحيث يبدع أو يضلل المخالف في هذا الأصل؟ ببساطة: سنتكلم عقلاً؛ تخيل أن الله سبحانه وتعالى بعث نبياً وأوحى إليه بوحي وكان معه صحابة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان أمياً، هؤلاء الصحابة يكتبون الوحي ويرسلهم إلى الأمصار ويولي بعضهم ويستأمنهم على بعض الأمور (أمور الدولة وأمور الدين)، ثم بعدما يموت نصير نطعن في كل هؤلاء الذين كان النبي يستأمنهم؟ إذن هذا الطعن يعود على الدين بالإبطال! هؤلاء استأمنهم النبي، ولما مات النبي -صلى الله عليه وسلم- من أين نأخذ الدين؟ نأخذ من هؤلاء الذين علمهم من تلاميذه، فإذا كان هؤلاء فساقاً وليسوا عدولاً -حاشاهم-، إذن الدين خلاص مات بموت النبي -صلى الله عليه وسلم-! لذلك مسألة الصحابة هي من أهم المسائل وأصل من أصول أهل السنة والجماعة.
وكانت عندي سلسلة رمضانية اسمها "تدبرات ورود"، كنت آتي فيها على بعض الآيات واستنبط منها بعض الاستنباطات، فكان من بين الاستنباطات في سورة البقرة قول الله سبحانه وتعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ } [البقرة: 13].
شوف أن الله سبحانه وتعالى ماذا قال لهم: { آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ }، لو قال سبحانه "آمنوا كما أردتكم" فالمعنى صحيح، لكن ماذا قال؟ { كَمَا آمَنَ النَّاسُ }، من هم "الناس" المقصودون في هذه الآية؟ هم الصحابة.
وهنا الله سبحانه وتعالى يخاطب المنافقين: { آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ } الذين ترونهم (الصحابة)، فماذا قال المنافقون؟ { أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ }، فقال ربنا تبارك وتعالى مدافعاً عن الصحابة: { أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ }.
اليوم كل الضلالات -أي ضلالة تسمعها أو أي شخص ضال من أي طائفة- الشيء المشترك بين كل هؤلاء الضلال أنهم يطعنون في الصحابة بدرجات متفاوته طبعاً؛ هناك من يكفر الصحابة، وهناك من يلمزهم، وهناك من يقول "سفهاء" -حاشاهم-، ولكن الشيء المشترك موقفهم السيئ من الصحابة، لذلك هذه الآية ترد عليهم.
مثلاً تجد الأشاعرة، وإن لم يكن لجميعهم الجرأة أن يصرحوا بموقفهم من الصحابة، لكن هناك من صرح مثل العز بن عبد السلام، لما ألزمه الناس بمسألة أن الصحابة كانوا يثبتون الصفات في مبحث الأسماء والصفات، قال: "والله النبي أقر الصحابة على التجسيم، وقال لك النبي خاطب الصحابة على حسب عقولهم"! كذلك تجد العلمانيين اليوم، ما من علماني إلا ويستنقص من الصحابة بشكل من الأشكال، هناك من يعتبرهم دراويش وهناك من يعتبرهم غير ذلك، لكن الشيء المشترك بينهم هو الاستنقاص من الصحابة.
هذا لا تجده عند أهل السنة، والله لا تجده عند أهل السنة البتة.
إذا تكلمت عن صحابي في حضرة أصغر سني والله ستنتفخ أوداجه وتحمر عيناه وكأنك تكلمت عن أبيه أو عن أمه، جربها! التعظيم شديد عند أهل السنة للصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-.
ثم هنا ذكرهم:
-
سعيد: هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، هذا كان صهر عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- (كان متزوجاً بأخت عمر)، ويقال إنه كانت له أحوال عجيبة وكان مجاب الدعوة -رضي الله عنه-، وفي آخر حياته حصلت له امور وكان ولياً من أولياء الله.
-
سعد: سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه-، الذي كان تقياً خفياً، حتى لما حصلت الفتنة في زمن الصحابة كان من الناس الذين اعتزلوا، ولما جاؤوه وقالوا له أنت أولى بالخلافة ولماذا لا تخرج تقاتل، قال لهم: "لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان يقول لي هذا كافر وهذا مؤمن، فأقتل الكافر وأترك المؤمن".
وكان لما يحدثه ابنه بأنه أحق بالخلافة، ذكر له حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: « إن الله يحب العبد التقي الخفي النقي ». -
ابن عوف: هو عبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنه-، كان من الأوائل الذين أسلموا، وكان شديد الخوف من الآخرة، حتى يروى عنه أنه مرة ذبحت بهيمة فأتوه بشيء من اللحم فجلس يبكي، قالوا له: "ما يبكيك يا عبد الرحمن؟"، فقال لهم: "قُتل حمزة وهو خير مني، وقُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وإني أخاف أن يكون هذا من النعيم المعجل"! شوية لحم أكلها خاف أن تكون من النعيم الذي عُجل له به! وتخيل أن هذا مبشر بالجنة!
-
طلحة: طلحة بن عبيد الله -رضي الله تعالى عنه-، الرجل الذي دافع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وشُلَّت يده لما رماها حتى لا تصيب النبي وأصيبت بسهم.
ويروى عنه أنه مرة فاتته صلاة (أظن صلاة العصر) وكان مشتغلاً بقطعة أرض يعمل فيها، فشغلته عن الصلاة، فجعلها وقفاً للمسلمين؛ ذهب عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له هذه الأرض وقف.
وهذه سبحان الله أحوال الأنبياء، هذا الفعل فعل قبله سليمان -عليه الصلاة والسلام- لما شغلته الخيل عن الصلاة. -
عامر فهر: هو أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله تعالى عنه- أمين هذه الأمة كما وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
لما جُرح النبي ودخلت الخوذة في رأسه، حاول أبو عبيدة أن يقتلعها بثنيتيه (الأسنان الأمامية) فكُسرت ثنيتاه في سبيل أن يخرج تلك الخوذة من رأس النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفي معركة بدر كان والده في جيش الكفار، فتقاتل هو ووالده فقتل والده. -
الزبير: الزبير بن العوام -رضي الله عنه- حواري النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأول من سل سيفاً في الإسلام.
أسلم صغيراً، وسل سيفه لما سمع أن هناك رجلاً أراد أن يقتل النبي، فحمل سيفه وذهب لينتقم لرسول الله قبل أن يُشرع الجهاد للمسلمين.
ثم قال ابن أبي داود:
نجيء الآن للآيات والأحاديث التي تتكلم عن فضل الصحابة:
-
من بينها ما جاء في سورة التوبة: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 100].
-
وقال سبحانه: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً... } [الفتح: 29].
-
وقال تعالى: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ... } [الفتح: 18].
-
وقال سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ... } [الأنفال: 72].
ومن الأحاديث:
-
ما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ».
-
وجاء عند الشيخين عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته ».
-
وجاء في مسلم عن أبي موسى الأشعري: « النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ».
فمن أصول أهل السنة والجماعة أن تكون صدورنا سليمة لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وألسنتنا كذلك، فلا نتكلم عنهم.
هؤلاء قوم مدحهم الله ومدحهم رسوله والعقل يقتضي أن لا نتكلم فيهم، حتى في الفتنة التي وقعت بينهم كما قال القحطاني في نونيته: "فقاتلهم منهم وقتيلهم لهم".
أنت مطالب أصلاً بأن تستغفر للهؤلاء الصحابة: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ... } [الحشر: 10].
كذلك ينبغي أن تعلم أن الصحابة متفاضلون في المرتبة: الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم المبشرون بالجنة، وغيرهم.
البعض يرى تعظيمنا للصحابة فيقول: أليس هذا مبالغة أو إعطاء قدسية؟ المسألة ليست قدسية كما يتوهم هؤلاء، المسألة مسألة دين.
حفظ جناب الصحابة حفظ للدين لأنهم هم نقلة الدين والطعن في الناقل طعن في المنقول.
كذلك من أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بالقضاء والقدر.
القضاء والقدر كالمصطلحين هما من المصطلحات التي إذا افترقت اجتمعت وإذا اجتمعت افترقت، مثل الإسلام والإيمان.
إذا قلنا "القضاء" وحده فنحن نقصد القضاء والقدر معاً، وإذا قلنا "القدر" وحده نقصد القدر والقضاء معاً، لكن إذا قلنا "القضاء والقدر" فيصير لكل واحد منهما معنى خاص.
التعريف العام للقضاء والقدر: هو الإيمان بأن كل ما يقع في الكون فهو بعلم الله وتقديده وكتابته ومشيئته وخلقه.
إذا جئنا وفصلنا:
-
القدر: هو التقدير السابق (ما قدره الله سبحانه وتعالى قبل أن يقع الشيء).
-
القضاء: إذا قُضي ذلك الشيء وصار واقعاً نراه ونشاهده.
الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، ولا يصح إيمان عبد دون أن يؤمن بالقضاء والقدر.
لما جاء رجلان إلى عبد الله بن عمر وقالوا له عندنا رجل أنكر القدر، فقال لهما ابن عمر: "أخبروه أني بريء منه وأنه بريء مني، ولو أنفق مثل أحد ذهباً ما قُبل منه حتى يؤمن بالقدر".
مراتب القدر أربع لا يتم الإيمان بالقدر إلا بها:
-
مرتبة العلم: أن تؤمن بأن الله علم كل شيء أزلاً قبل وجوده وأحاط بكل شيء علماً.
-
مرتبة الكتابة: أن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ.
-
مرتبة المشيئة: أن تؤمن أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
-
مرتبة الخلق: أن الله خلق كل شيء حتى أفعال العباد.
أما المخالفون في القدر:
-
أهل السنة: يقولون إن للعبد قدرة واختياراً وهما مؤثران في الفعل، ولكنهما لا يخرجان عن مشيئة الله وقدرته.
-
القدرية: ينكرون مرتبة من المراتب الأربع.
-
الجبرية: يقولون إن العبد ليس له إرادة ولا قدرة، والله هو الفاعل على الحقيقة.
-
الأشاعرة: زعموا أن للعبد قدرة غير مؤثرة (وهو ما سموه بالكسب)، أخذوا من الجبرية أن العبد لا يؤثر، وأخذوا من أهل السنة أن للعبد قدرة ومشيئة، فأتوا بطلب باطل تلفيقي.
البرزخ لغة: هو الحاجز بين الشيئين: { بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ } [الرحمن: 20].
واصطلاحاً: هو العالم الذي يكون فيه الإنسان بين الموت والبعث: { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [المؤمنون: 100]. قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "البرزخ هو الحاجز بين الدنيا والآخرة".
وقد جاء في الحديث الطويل عند أحمد وأبي داود عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- مرفوعاً: « إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة... فتخرج روحه تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء... » (الحنوط: هو خليط من الطيب كالمسك والعنبر والكافور يُدهن به الميت).
ويُعاد روح المؤمن إلى جسده في قبره فيأتيه ملكان (منكر ونكير) فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد -صلى الله عليه وسلم-.
أما الكافر أو المنافق فيقول: "هاه هاه لا أدري!"، والمسألة ليست مسألة علم ومعلومات، بل مسألة عمل وتوفيق وثبات من الله.
وأما عذاب القبر فقد جاءت به النصوص واستفاضت، كحديث مروره -صلى الله عليه وسلم- بقبرين فقال: « إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ». ومن أسبابه أيضاً: الكذب، الزنا، هجر القرآن بعد تعلمه، الغيبة، وغيرها.
-
الحوض: هو حوض النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يشرب منه المؤمنون شربة لا يظمأون بعدها أبداً، ويدفع عنه المبتدعة والذين أحدثوا بعده.
-
الميزان: ميزان حقيقي له كفتان تُوزن به أعمال العباد.
-
خروج عصاة الموحدين من النار: يخرج الله بفضله ورحمته من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان بعد أن يطهروا في النار، خلافاً للخوارج والمعتزلة والزيدية والعبادية ومكتحدي السنة.
-
الشفاعة: وهي أنواع:
-
الشفاعة العظمى (المقام المحمود) لفصل القضاء بين العباد.
-
الشفاعة في إدخال أناس الجنة بغير حساب.
-
الشفاعة في رفع درجات أهل الجنة.
-
الشفاعة لمن استحق النار من الموحدين ألا يدخلها.
-
الشفاعة لمن دخل النار من عصاة الموحدين أن يخرج منها.
-
الشفاعة الخاصة بعمه أبي طالب بتخفيف العذاب عنه.
أهل السنة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله:
-
الخوارج: كفروا بالكبائر والمعاصي، وقالوا الإيمان كتلة واحدة إذا ذهب بعضه ذهب كله.
-
المرجئة: قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب، وأخرجوا العمل من مسمى الإيمان.
-
أهل السنة والجماعة: الإيمان عندهم قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ».
الواجب على المسلم تقديم قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على آراء الرجال ونبذ العلم الكلامي والفلسفي، وعدم الطعن في أهل الحديث ونقلة الآثار.
فمن اعتقد هذه العقيدة التي كان عليها أحمد بن حنبل وأئمة الإسلام، فهو على خير وسلامة في دينه.
قال ابن أبي داود -رحمه الله-: "هذا قولي وقول أبي وقول أحمد بن حنبل وقول من أدركنا من أهل العلم ومن لم ندرك ممن بلغنا عنه، فمن قال علي غير هذا فقد كذب".
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما درسنا، وأن يجعله في ميزان حسناتنا، وأن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شروحه
- التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية — عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
- شرح الحائية لابن أبي داود (شرح عادل بن عزوز) — عادل بن عزوز
- شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود — عبد الكريم الخضير