تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة لأبي نعيم الأصبهانيصفحات 253-279

خِلَافَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضاهُ

صفحات 253-279
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو نعيم الأصبهاني
الكتاب
كتاب الإمامة والرد على الرافضة للأصبهاني
المؤلف
أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ)حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه: الدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي دكتوراه في العقيدة بمرتبة الشرف الأولى
الناشر
مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة
الطبعة
الأولى، 1407 هـ - 1987 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

47 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَشَّاءُ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَنْ أَبِيهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ» وَمِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ

48 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ بُنْدَارٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مَوْلَى الرَّبْعِيِّ، عَنِ الرَّبْعِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي» . يُشِيرُ

إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهماُ وَأَرْضَاهُمَا.
وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ هِلَالٍ مَوْلَى الرَّبْعِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بِهِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَرْشُدُوا»

49 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: كنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ إِنْ لَا تُدْرِكُوا الْمَاءَ غَدًا تَعْطَشُوا» . فَانْطَلَقَ سَرَعَانُ النَّاسِ يُرِيدُونَ الْمَاءَ وَلَزِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمَالَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاحِلَتُهُ فَنَعَسَ.
فَنِمْنَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَقَالَ: أَصْبَحَ الناس وَقَدْ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَاءِ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَا: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَكُنْ لِيَسْبِقَكُمْ إِلَى الْمَاءِ وَيُخَلِّفَكُمْ، وَإِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا» قَالَهَا ثَلَاثًا وَلِلصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنَاقِبُ مَشْهُورَةٌ وَفَضَائِلُ مَعْدُودَةٌ، وَاكْتَفَيْنَا هَا هُنَا

مِنْهَا بِهَذَا الْقَدْرِ لِأَنَّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ وَأَفَاضِلُ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ تَفْضِيلِهِ وَتَقْدِيمِهِ يُغْنِي عَنْ إِيرادِ كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي شَأْنِهِ.
وَلَعَمْرِي فَإِنَّ الْأُمَّةَ الْمُخْتَارَةَ الْمَشْهُودَةَ بِأَنَّهَا خَيْرُ الْأُمَمِ لَا تَجْتَمِعُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ وَهُدًى.
فَإِنِ اعْتَرَضَ الْمُخَالِفُ بِمَا قَالَهُ بَعْضُ فَتَيَانِ الْأَنْصَارِ وَأَحْدَاثِهِمْ، وَقَوْلُهُمْ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ.
قِيلَ لَهُ: هَذِهِ مَقَالَةُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ مِنْهُمْ مِنْ شَبَابِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ إِذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ وَالْأَئِمَّةَ مِنْهُمْ.
أَلَا تَرَى كَيْفَ أَذْعَنُوا وَانْقَادُوا لَمَّا ذَكَرَ لَهُمُ الصِّدِّيقُ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، الَّذِينَ هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا، فَأَسْرَعُوا إِلَى الْبَيْعَةِ وَكَفُّوا عَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ وَوَلَّوُا الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْوِزَارَةِ وَالنُّصْرَةِ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَائِعِينَ مُطِِيعِِينَ مُبَايِعِينَ لَهُ مُقِرِّينَ بِفَضْلِهِ وَقَدْرِهِ

50 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ الْحِمْصِيُّ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَكَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ على وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ»

51 - حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، وَفَارُوقٌ الْخَطَّابِيُّ، قَالَا: ثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ»

52 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الطَّلْحِيُّ، ثَنَا أَبُو حُصَيْنٍ الْوَادِعِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، وثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، ثَنَا عَاصِمٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ فِي النَّاسِ اثْنَانِ» وَيَقُولُ بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا اثْنَانِ وَلَوْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ فِي غَيْرِ قُرَيْشٍ جَائِزَةً مَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُهُمْ

أَحَدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ لَكَانَ قَوْلُ حُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ حِينَ قَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ.
مَحْمُولًا عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ طُرًّا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَوْنُ خَلِيفَتَيْنِ فِي عَهْدٍ وَاحِدٍ وَلَا عَلَى قَوْمٍ.
وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَنْكَرَهُ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ فِيمَا سَلَفَ مِنَ الْأُمَمِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، لَمْ يَكُنْ قَطُّ أَمِيرَانِ وَلَا خَلِيفَتَانِ فِي عَهْدٍ وَاحِدٍ، وَكَيْفَ يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ لِقَوْلِهِ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَهُوَ مَا تَلْجَأُ إِلَيْهِ الْإِبِلُ إِذَا ذَهَبَتْ بِالْقَطِرَانِ تَحْتَكُّ لِحَاجَتِهَا إِلَيْهِ؛ إِذْ لَا غِنَى لَهَا عَنْهُ.
وَالْعَذْقُ الْمُرَجَّبُ: الْمُعَظَّمُ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَخْبَارِ لَهُمْ فَضْلٌ وَسِيَادَةٌ فَلَا يَكُونُ قَوْلُ عَاقِلٍ مِنْهُمْ حُجَّةٌ، أَلَا تَرَى كَيْفَ عَدَلُوا عَنْ قَوْلِ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَتَرَكُوهُ دُبُرَ آذَانِهِمْ وَعَقَدُوا فِي مَشْهَدِهِمْ ذَلِكَ بَيْعَةَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رِضًى مِنْهُمْ وَاخْتِيَارٍ.

فَإِنْ عَادَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ فَلْتَةً، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَقَى شَرَّهَا.
قِيلَ لَهُ: هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ تَوْهِينًا لِأَمْرِهِ وَبَيْعَتِهِ، أَلَا تَرَى قَوْلَ عُمَرَ حَيْثُ قَالَ: لَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ.
قَالَ: لَأَنْ أُقَدَّمَ فَيُضْرَبَ عُنُقِي فِي غَيْرِ مَا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ إِلَى إِثْمٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرَنَا مِنْ أَمْرِنَا أَقْوَى مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا عَنَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: كَانَتْ فَلْتَةً، أَنَّ اجْتِمَاعَ الْأَنْصَارِ فِي السَّقِيفَةِ عَنْ غَيْرِ مِيعَادٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِعْلَامٍ لَهُمْ كَانَتْ فَلْتَةً خَوْفًا أَنْ يَبْرُمُوا وَلَا يُتَابِعُونَهُمْ عَلَيْهِ فَيُوجِبُ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ وَالْمُقَاتَلَةَ لَهُمْ إِنِ امْتَنَعُوا فَوَقَى اللَّهُ شَرَّ الْقِتَالِ وَالْإِنْكَارِ، فَإِنَّمَا خَرَجَ هَذَا مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ

عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ: إِنَّ بَيْعَتَهُ كَانَتْ فَلْتَةً، لَا عَلَى وَجْهِ رَأْيِ الْإِخْبَارِ بِهِ أَصْلًا.
فَإِنْ قَالَ: إِنَّمَا بَايَعَ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ، هُوَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ.
قِيلَ: مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا لِعِلْمِهِ بِرَضِيَ الْمُسْلِمِينَ وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ وَتَسْلِيمِهِمْ لِمَا يَرَاهُ وَيَفْعَلُهُ، وَأَنَّهُمْ عَهِدُوا مِنْهُ التَّوْثِيقَ وَالنَّصِيحَةَ وَمُتَابَعَةَ الْحَقِّ وَأَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ مَعَ مَا أَعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ: إِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَرْشُدُوا، وَإِنْ يَقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
فِي نَظَائِرَ لِذَلِكَ مِمَّا قَدْ سَمِعُوهُ يَقُولُهُ وَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ.

فَإِنِ احْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ أَبِيهَا: أَنَّ عَلِيًّا تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ.
قِيلَ: إِنَّمَا رُوِيَ أَنَّهُ تَخَلَّفَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ بَايَعَ وَلَا قَعَدَ.
وَتَخَلُّفُهُ عَنْ بَيْعَتِهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِذَلِكَ وَهُوَ الْحَقُّ فَلَمْ يَسَعْهُ مُبَايَعَتَهُ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا ثُمَّ تَرَكَ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ.
أَوْ تَخَلُّفُهُ عَنْ رَأْي رَآهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ثُمَّ رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ فِي مُبَايَعَتِهِ، وَهَذَا أَوْلَى بِهِ وَأَلْيَقُ بِدِينِهِ وَعِلْمِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ احْتِجَاجَكَ بِتَخَلُّفِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِمُبَايَعَةِ رَجُلَيْنِ لَهُ وَهُمَا عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ رَاجِعٌ عَلَيْكَ فِيمَا تَحْتَجُّ بِهِ مِنْ عَقْدِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ بُويِعَ.
وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي سَبَقَ إِلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَهُمَا وَإِنْ كَانَا فَاضِلَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَلَا يُوازَنَانِ بِعُمَرَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْفَضْلِ.
فَلَئِنْ جَازَ لَكَ أَنْ تَحْتَجَّ بِتَخَلُّفِ عَلِيٍّ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَتَمَنُّعِهِ لِانْعِقَادِ بَيْعَتِهِ بِرَجُلَيْنِ ثُمَّ تَابَعَهُمَا الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَلَيْهِ، لَجَازَ لِمَنْ يَطْعَنُ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِمِثْلِهِ وَيَقُولَ: إِنَّمَا سَبَقَ إِلَى بَيْعَتِهِ رَجُلَانِ ثُمَّ لَمْ يُتَابَعَا عَلَيْهِ، بَلِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ سَبَقَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ إِلَى مُبَايَعَتِهِ مِنَ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَمِنْ أَهْلِ الشُّورَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلُ: سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَمِنَ الْأَنْصَارِ، مِثْلُ: أَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ

أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرَوْا أَنَّ عَقْدَ عَمَّارٍ وَسَهْلٍ يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ لِأَحَدٍ إِلَّا بَعْدَ اخْتِيَارِ وَتَشَاوُرِ وَاجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ إِذَا وَجَدُوا شَرَائِطَ الْخِلَافَةِ لِمُتَابَعَةِ غَيْرِهِمْ إِلَى الْبَيْعَةِ، وَإِنَّمَا بَايَعُوا عَنْ عِلْمٍ وَرَأْي وَاخْتِيَارٍ وَمَشُورَةٍ وَاسْتِحْقَاقِ مَنْ بَايَعُوا لَهُمْ.
وَإِنْ سَوَّغْتَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْقُعُودَ عَنْ بَيْعَةِ مَنْ بَايَعَهُ بِأَنَّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالْمُسْلِمِينَ طُرًّا، فَسَوِّغْ لِمَنْ طَعَنَ مِنَ الْمَارِقَةِ الْخَوَارِجِ عَلَى خِلَافَتِهِ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهُ إِذَا احْتَجَّ بِأَنَّ عَقْدَ بَيْعَتِهِ انْعَقَدَتْ بِرَجُلَيْنِ عَمَّارٍ وَسَهْلٍ وَهَذَا مَا لَا يَقُولُهُ ذُو عَقْلٍ وَدِينٍ.
فَإِنْ قَالَ: فَلِمَ جَازَ لِلسِّتَّةِ أَنْ يَعْقِدُوا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا يَجُوزُ لِاثْنَيْنِ؟

قِيلَ: لِمَا أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى لِلسِّتَّةِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ وَالْمَرْتَبَةِ الرَّفِيعَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مَا يُوجِبُ الْإِنْكَارَ لَمَا سَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ لَهُمْ وَلَأَسْرَعُوا الْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ إِلَى السِّتَّةِ، وَلَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي كَانَ أَحَدُ السِّتَّةِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَأَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ وَأَظْهَرَ النَّكِيرَ عَلَيْهِمْ، بَلْ سَلَّمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تُقْيَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ وَبَايَعَ وَأَمْضَاهُ فَتَبِعَتْهُمْ كَافَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِهِمْ.

فَإِنْ عَارَضَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أُولِيتُكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ.
قِيلَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ التَّوَاضُعُ وَالْإِزْرَاءُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِزَالَةُ الْعُجْبِ عَنْهُ وَلَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ قَالَ مِثْلَهُ وَأَعْظَمَ مِنْهُ فِي حَالِ الْإِزْرَاءِ عَلَى النَّفْسِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ سَجِيَّةُ أَهْلِ الْخَوْفِ وَالتُّقَى لَا يَرْكَنُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ بَلْ يُلْزِمُونَ أَنْفُسَهُمُ الذِّلَّةَ وَالتَّوَاضُعَ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» . وَكَقَوْلِهِ: «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي يُوسُفَ لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ ثُمَّ جَاءَنِي الدَّاعِي لَأَسْرَعْتُ» . وَكَقَوْلِهِ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» . كُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا قَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَلَا يَرْفَعُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بَلْ يَلْزَمُونَ التَّوَاضُعَ وَالْإِزْرَاءَ.

وَلَقَدْ قَالَ الْحُسَيْنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَا خَلَقَ اللَّهُ بَعْدَ النَّبِيِّينَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَقِيلَ: وَلَا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ؟ فَقَالَ: وَلَا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَلَقَدْ ثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ: أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ.
مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَفِي آخَرِينَ

53 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ خِطْبَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْأَخِيرَةَ حِينَ جَلَسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَانِيَ اثْنَيْنِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِأُمُورِكُمْ، فَبَايِعُوهُ» وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَايَعُوا قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ

54 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، ثَنَا يُوسُفُ بْنُ وَاضِحٍ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، ثَنَا شُعْبَةُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لِيَلَى، يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عُطَارِدٍ: عُمَرُ خَيْرُهُمَا، قَالَ: فَقَالَ الْجَارُودُ: أَبُو بَكْرٍ خَيْرٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ فَضَرَبَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْجَارُودِ فَقَالَ: «إِلَيْكَ عَنِّي» ، وَقَالَ: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَذَا فِي كَذَا فِي كَذَا ثَلَاثًا، فَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ حَلَّ عَلَيْهِ مَا حَلَّ عَلَى الْمُفْتَرِي»

55 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ، ثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ آدَمَ، ثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بُحَيْرِ بْنِ سَعْدٍٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ: أَنَّ نَفَرًا قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا أَفْضَلَ بِالْقِسْطِ وَلَا أَقْوَلَ بِالْحَقِّ وَلَا أَشَدَّ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْتَ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَم وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَا خَيْرًا مِنْهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ: «مَنْ تَعْنِي يَا عَوْفُ؟» فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَقَالَ: «صَدَقَ عَوْفٌ وَكَذَبْتُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَإِنِّي لِمِثْلُ بَعِيرِي»

56 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَبُو بَكْرٍ وَبَعْدَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا»

57 - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَخْلَدٍ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْوَرَّاقُ، ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "

58 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيُّ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أُسَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " كُنَّا نَقُولُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُ النَّاسِ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ "

59 - حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَحْمَدُ بْنُ السِّنْدِيِّ فِي آخَرِينَ، قَالُوا: ثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ إنَّا كُنَّا نَقُولُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» وَأَمَّا سُكُوتُ مَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ

عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَهُ مَعْنًى.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَتَقْدِيمُ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ الْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ، ثُمَّ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ وَأَسَانِيدُ مُسْتَفِيضَةٌ مَشْهُورَةٌ وسْكَتْنَا عَنْ ذِكْرِهَا

وَأَجْزَى مَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هذا المَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا، وَمَا اسْتَفَاضَ مِنْ إِجماعِ الْأُمَّةِ وَمُتَابَعَتِهِمُ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَقْدِيمِهِمْ إِيَّاهُ عَلَى كُلِّ الصَّحَابَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ يُغْنِي عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِالْأَخْبَارِ فِي أَمْرِهِ وَالتَّطْوِيلِ فِي شَأْنِهِ.
فَإِنِ احْتَجَّ بِأَنَّ مُبَايَعَةَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ عَنْ تَقِيَّةٍ.
قِيلَ لَهُ: قَدِ احْتَجَجْتَ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كَلَامِكَ أَنَّهُ قَعَدَ عَنْ بَيْعَتِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَوْ كَانَتْ عَلىْ تَقِيَّةٍ لَمَا أُمْهِلَ سَاعَةً فَكَيْفَ وَبَقِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لَمْ يُلْقَ بِمَكْرُوهٍ، وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى بَيْعَتِهِ فَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَخَافُ، وَهَلْ بَايَعَ إِلَّا لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ الْحَقِّ وَمُفَارَقَةُ رَأْيِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَأَيُّ قُبْحٍ أَقْبَحُ مِمَّا نَسَبْتُمْ إِلَيْهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِذْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ فَارَقَ الْحَقَّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَتَابَعَ الْبَاطِلَ وَالْجَوْرَ خَوْفًا؟ مِنَ الَتَّقِيَّةِ، أَلَيْسَ كَانَ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ مِنَ السَّابِقِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ؟ أَمَا كَانَ فيهُمْ وَاحِدٌ يَقُومُ مَعَهُ وَيَتَّبِعُهُ عَلَى رَأْيِهِ؟ هَذَا يَقْتَضِي مِنْ قَوْلِكُمْ مَا تُضْمِرُونَهُ مِنْ سُوءِ الِاعْتِقَادِ فِي الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
فَفِي ذَلِكَ يَجُوزُ مَا طَعَنَ بِهِ الْخَوَارِجُ والْمُرَّاقُ على تَكْفِيرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهَذَا مَا لَا يَقُولُهُ ذُو عَقْلٍ وَدِينٍ

خِلَافَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنِ اعْتَرَضَ الْمُخَالِفُ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَ أَمْرَ الْخِلَافَةِ إِلَى عُمَرَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ.
قِيلَ لَهُ: لَمَّا عَلِمَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ فَضْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَصِيحَتِهِ وَقُوَّتِهِ عَلَى مَا يُقَلِّدُهُ، وَمَا كَانَ يُعِينُهُ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِهِ مِنَ الْمَعُونَةِ

الثَّاقِبَةِ لَمْ يَكُنْ يَسَعُهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَنَصِيحَتِهِ لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَعْدِلَ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَمَّا كَانَ يَعْلَمُ مِنْ شَأْنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مِنْهُ مَا عَرَفَ وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، فَوَّضَ إِلَيْهِ ذَلِكَ فَرَضِيَ الْمُسْلِمُونَ لَهُ ذَلِكَ وَسَلَّمُوهُ، وَلَوْ خَالَطَهُمْ فِي أَمْرِهِ ارْتِيَابٌ أَوْ شُبْهَةٌ لَأَنْكَرُوهُ وَلَمْ يُتَابِعُوهُ كَاتِّبَاعِهِمْ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهَا، فَرِضَى اللَّهِ مَحَلُّهُ الِاجْتِمَاعُ.
وَإِنَّ إِمَامَتَهُ وَخِلَافَتَهُ تَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَثْبُتُ لِلصَّدِيقِ، وَإِنَّمَا كَانَ الدَّلِيلَ لَهُمْ عَلَى الْأَفْضَلِ وَالْأَكْمَلِ فَتَبِعُوهُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَسْلِمِينَ لَهُ رَاضِينَ بِهِ.
فَإِنْ عَارَضَ بِأَنَّهُ قَدْ أُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قِيلَ لَهُ: مَنِ الْمُنْكَرُ عَلَيْهِ؟

فَإِنْ قَالَ: طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَاعْتَلَّ بِحَدِيثِ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ.
قِيلَ لَهُ: زُبَيْدٌ لَمْ يَلْقَ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَحَدًا وَأَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ.
وَمَنْ أَسْنَدَهُ فَلَا يَثْبُتُ،

وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ وَجْهُ الْحَدِيثِ ظَاهِرًا، أَنَّ إِنْكَارَهُ لَيْسَ عَنْ جَهَالَةٍ بِفَضْلِهِ وَكَمَالِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ، وَإِنَّمَا خَافَ خُشُونَتَهُ وَغِلْظَتَهُ وَلَمْ يَتَّهِمْ قُوَّتَهُ وَأَمَانَتَهُ

60 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا هَارُونُ بْنُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنِّي كُنْتُ أَخَافُ أَنْ أَفُوتَكُمْ بِنَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَعْهَدَ إِلَيْكُمْ، وَإِنِّي أَمَّرْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا» قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ قَالَ: مَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا لَقِيتَهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ مِنْ فَظَاظَتِهِ وَغِلْظَتِهِ مَا تَعْلَمُ؟ قَالَ: " بِرَبِّي تُخَوِّفُنِي أَقُولُ لَهُ: اللَّهُمَّ أَمَّرْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ "

61 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْآبِلِيُّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي

بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ تَحْتَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَتْ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ حِينَ اشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أُذَكِّرُكَ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، فَإِنَّكَ قَدِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى النَّاسِ رَجُلًا غَلِيظًا عَلَى النَّاسِ وَلَا سُلْطَانَ لَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ.
قَالَتْ أَسْمَاءُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَجْلِسُونِي» فَأَجْلَسْنَاهُ، فَقَالَ: " هَلْ تُخَوِّفُونَنِي بِاللَّهِ، وَإِنِّي أَقُولُ لِلَّهِ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمْ - أَظُنُّهُ قَالَ -: خَيْرَ أَهْلِكَ " رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَسَمَّى الرَّجُلَ: طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَإِنْ قَالَ: لِمَ لَمْ يَجْعَلْهَا شُورَى؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّمَا الشُّورَى عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ فَلَا مَعْنَى لِلشُّورَى.
أَلَا تَرَاهُمْ رَضُوا بِهِ وَسَلَّمُوهُ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ.
فَإِنْ قَالَ: فَإِنِ اسْتُصْلِحَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْخِلَافَةِ لِمَا بَانَ آلَانَ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِ الْخِلَافَةَ فَمَا الَّذِي يُوجِبُ تَفْضِيلُهُ وَتَخْيِيرُهُ وَتَقْدِيمُهُ؟ قِيلَ لَهُ: اجْتِمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُقَدِّمُونَ إِلَّا أَفْضَلَهُمْ وَأَخْيَرَهُمْ مَعَ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِيهِ.
فَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ فَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
وَقَوْلُهُ: مَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِصَحِيفَتِهِ مِنْ عُمَرَ.

وَقَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ وَاللَّهِ أَحْوَذِيًّا نَسِيجًا وَحْدَهُ.
وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كَانَ أَعْلَمَنَا بِاللَّهِ وَأَفْهَمَنَا فِي دِينِ اللَّهِ.
ثُمَّ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَفْخِيمِهِ وَجَلَالَتِهِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ مَنَاقِبِهِ فِي كَمَالِ عَلْمِهِ وَتَمَامِ قُوَّتِهِ وَصَائِبِ إِلْهَامِهِ وَفِرَاسَتِهِ، وَمَا قُرِنَ بِلِسَانِهِ مِنَ السَّكِينَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وَرَعِهِ وَخَوْفِهِ وَزُهْدِهِ، وَرَأْفَتِهِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَغِلْظَتِهِ وَفَظَاظَتِهِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَأَخْذِهِ بِالْحَزْمِ وَالْحِيَاطَةِ وَحُسْنِ الرِّعَايَةِ وَالسِّيَاسَةِ وَبَسْطِهِ الْعَدْلَ، وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى لَوْمَةَ لَائِمٍ.
فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ.
قِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ» . وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يُشَاوِرُهُ فِي النَّوَازِلِ وَالْحَوَادِثِ.
قِيلَ لَهُ: أَمَّا الَّذِي ذَكَرْتَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ» ، فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ فِيهِ لَنَا الْحُجَّةُ عَلَيْكَ.
فَإِنْ قَالَ: كَيْفَ؟ قِيلَ: لِأَنَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ: «أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ، وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ، وَأَقْرَؤُكُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أُبَيٌّ» . فَكَيْفَ يَكُونُ أَعْلَمُ وَغَيْرُهُ أَفْرَضُ وَأَعْلَمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَأَقْرَأُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ.
هَذَا لَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَهُ عَقْلٌ وَنَظَرٌ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي اعْتَلَلْتَ بِهِ

حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَيُعَارِضُهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

62 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّلِيخِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ وَهُوَ يَقُولُ: «كَيْفَ أَنْتُمْ وَقَدْ ذَهَبَ أَوَانُ الْعِلْمِ؟» . قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَذْهَبُ أَوَانُ الْعِلْمِ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُعَلِّمُهُ أَبْنَاءَنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ لَبِيدٍ، قَدْ كُنْتُ أَرَاكَ من أَفْقَهَ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوَ لَيْسَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ثُمَّ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا؟» ورَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ وَشُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ فَلَوِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ فَقَالَ: زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ أَفْقَهُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَلَكَ مَسْلَكًا فِيمَا احْتَجَجْتَ بِهِ، مَا كَانَ حُجَّتُكَ عَلَيْهِ؟ وَإِنَّمَا وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا أَنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعُلَمَائِهِمْ لَا أَنَّهُ أَفْقَهُ رَجُلٍ بِهَا وَأَعْلَمُهَ، وَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ الَّذِي اعْتَلَلْتَ بِهِ كان وَجْهَهُ مِثْلَهُ، وَيَقِينُ مَا تَأَوَّلْنَاهُ فِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ

63 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ:

كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ» . فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ: وَكَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ، فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُعَرِّفَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ، إِنْ كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ» وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ الْأَعْمَالِ» . يُرِيدُ: مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ

جارٍ التحميل