شرح الرسالةالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آلة وسلم.

باب صلاة العيدين

قال القاضي الجليل أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: الأصل في صلاة العيدين قوله تبارك وتعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾؛ قاله سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم.
واختلف في تأويل قوله عز وجل: ﴿وانحر﴾؛ فروي عن علي وابن عباس أن المراد بذلك وضع اليد في الصلاة، وروى أيضا عن الشعبي وأبي الجوزاء.
قال أكثر التابعين: إن المراد به نحر البدن وغيرها يوم النحر.

الجزء: 1 - الصفحة: 13

وقوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾.
قيل: معناه: أخرج زكاة الفطر، ثم غدا إلى المصلى لصلاة العيد.
وروى حماد عن حميد عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذان اليومان؟ ". قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما؛ يوم الأضحى، ويوم الفطر".
ومعنى العيد في اللغة: هو الوقت الذي يعود فيه الفرح والسرور والحزن.
قال الشاعر: عاد قلبي من المليحة عيد... واعتراني من حبها تسهيد

الجزء: 1 - الصفحة: 14

أي: عاد بشوقي [مرة أخرى].
مسألة قال رحمه الله: وصلاة العيد سنة واجبة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي-رحمه الله-: يريد أنها من مؤكدات السنن؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها، ودعا الناس، وجمع لها، وخطب لها؛ فوجب بذلك كونها سنة مؤكدة.
وحكى عن بعض [أصحاب] الشافعي أنها فرض على الكفاية واستدلاله أن قال: لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة؛ فوجب أن تكون فرضا على الكفاية كالجهاد.
ولأنها صلاة تجتمع على تكبيرات متواليات في القيام؛ فكذلك فرضا على الكفاية؛ اعتبار بصلاة الجنازة.
وهذا غير صحيح.
والذي يدل على ما قلناه أنها صلاة تشتمل على ركوع وسجود، وليس من سنتها الأذان بوجه؛ فوجب أن تكون نافلة غير فرض الكفاية، ولا على الأعيان.
أصله: سائر النوافل.
وإنما قيدناها بذكر الركوع والسجود؛ احترازا من صلاة الجنازة، ومن الطواف.
وإنما قلنا: ليس من سنتها لأذان؛ احترازا من صلاة الفائتة.

الجزء: 1 - الصفحة: 15

ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود ليست بفرض على الأعيان؛ فوجب ألا تكون واجبة على الكفاية كسائر النوافل.
وإذا ثبت هذا فقياسهم الأول ينتقض بصلاة الكسوف والاستسقاء؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة.
وقولهم أنها ذات تكبيرات في القيام غير مسلم في الأصل الذي هو صلاة الجنازة؛ لأنها تحتاج إلى الدعاء بين كل تكبيرتين، وليس كذلك التكبير في صلاة العيد؛ لأنه ليس بين التكبيرتين قول من دعاء ولا غيره، لا واجب ولا مسنون، والله أعلم.
مسألة قال: ويهرج لها الإمام والناس ضحوة قدر ما إذا وصل حانت الصلاة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: هذا لأن وقتها إذا برزت الشمس وأشرقت؛ لأن ذلك هو الوقت الذي كان يصليها فيه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده رضي الله عنهم.
قال مالك" بلغني أن سعيد بن المسيب يغدو إلى المصلى بعد أن يصلي الصبح.
وهذا يترتب على حسب المسافة وبعدها من الموضع الذي يمضي منه إلى المصلى فعمل في البكور والإصباح على حسب ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 16

مسألة قال رحمه الله: وليست فيها أذان، ولا إقامة.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وهذا لا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار، ولا في الصدر الأول.
وحكى عن أبي قلابة أن أول من أبدع الأذان في العيدين عبد الله بن الزبير.
وعن سعيد بن المسيب أن أول من فعل ذلك معاوية.
والذي يبين ما قلناه ما رواه ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيدين بلا أذان ولا إقامة.
وروى الأحوص عن [سماك] بن حرب عن جابر بن سمرة قال/ صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين العيد بغير أذان ولا إقامة.
وروى سالم بن عبد الله عن أبيه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم [عيد فبدأ] فصلى بغير أذان ولا إقامة، ثم خطب.

الجزء: 1 - الصفحة: 17

قال مالك: سمعت غير واحد من علمائنا يقول: لم يكن في الفطر والأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان النبي صلى الله عليه وسلم.
قال مالك: وتلك السنة التي لا [خلاف] فيها عندنا ولأنها صلاة نفل فأشبهت سائر النوافل.
مسألة قال رحمه الله: فيصلى ركعتين؛ يقرأ فيهما جهرا ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، ﴿والشمس وضحاها﴾ ونحوهما.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله-: أما قوله: إن صلاة العيد ركعتان؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ركعتين، ولا خلاف في ذلك.
وأما اختياره أن يقرأ فيها ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ونحوها؛ فلما نقل عن [ق/أ] النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ فيها بذلك.
وروى جرير بن عبد الحميد عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في

الجزء: 1 - الصفحة: 18

العيدين [وفي الجمعة]، ب ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾.
وروى سفيان الثوري عن معبد بن خالد عن زيد بن عقبة عن سمرة ابن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ب ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾، وروى مالك وسفيان بن عيينة عن ضمرة ابن سعيد المازني عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عمر ابن الخطاب- رضوان الله عليه- سأل أبا واقد الليثي بأي شيء قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العيد؟ فقال: ب ﴿ق والقرآن المجيد﴾، ﴿واقتربت الساعة﴾.
قال القاضي أبو محمد بن نصر: الاختيار عنده العمل على الحديثين

الجزء: 1 - الصفحة: 19

الأولين.
وقوله: إن القراءة فيها جهرا؛ فأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر فيها؛ على ما رويناه؛ ولا خلاف في ذلك، وأيضا فلأنها صلاة من سنتها الخطبة كانت القراءة فيها جهرا كالجمعة والاستسقاء، ولا تلزم عليها صلاة الكسوف ولأنها لا خطبة لها.
مسألة قال رحمه الله: ويكبر في الأولى سبعا قبل القراءة يعد فيها تكبيرة الإحرام.
وفي الثانية خمس تكبيرات يع دفيها تكبيرة القيام.
وفي كل ركعة.
سجدتين.
ثم يتشهد ويسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: اعلم أن صلاة ركعتي العيدين كسائر الصلوات إلا زوائد التكبير في العيد قد اختلف الناس فيه.
فقال أصحابنا: إن التكبير في الأولى سبع تكبيرات الإحرام، وفي الثانية خمس سوى تكبيرة القيام؛ فجعلوا الزوائد ستا في الأولى وخمسا في الثانية.
وخالفنا الشافعي في تكبير الأولى فجعل الزوائد سبعا سوى تكبيرة

الجزء: 1 - الصفحة: 20

الإحرام، ووافقنا فيما عدا ذلك.
والذي قلناه قول المشيخة السبع وكافة أصحابنا، وروى عن بن عمر وأبي هريرة.
قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يكبر بعدها ثلاثا، فإذا قام للثانية كبر تكبيرة القيام ثم كبر بعدها ثلاثا، إلا أنه يقرأ عقيب تكبيرة القيام، فإذا فرغ من القراءة أتى بالتكبيرات الزوائد ووصلها بتكبيرة الركوع.
هكذا حكاه الطحاوي؛ فجعل الزوائد في كل ركعة ثلاثا.
هذا هو المحفوظ من قول الفقهاء السبعة فأما ما روى عن الصحابة رضي الله عنهم ما يخالف هذه الأقاويل فروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضوان الله عليه أنه كان يكبر يوم العيد إحدى عشرة تكبيرة؛ يفتتح بتكبيرة واحدة، ثم يقرأ، ثم يكبر خمسا يركع بإحداهن، ثم يقوم فيقرأ، ثم يكبر خمسا يركع بإحداهن.
وكان يكبر في الأضحى خمس تكبيرات: ثلاثا في الأولى، وثنتين في الثانية؛ يبدأ بالقراءة فيهما، ويعتد بتكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع من تكبيرات العيد.
وإذا اعتبرنا هذه الرواية وجدناها تدل على أن الزوائد أربع في كل ركعة، وفي الأضحى تكبيرة واحدة في الأولى ولا زائدة في الثانية.
وقد روى عن ابن عباس ما يخالف هذا؛ فروى قتادة عن عكرمة من

الجزء: 1 - الصفحة: 21

ابن عباس رضي الله عنه (من شاء كبر سبعا، ومن شاء كبر تسعا، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة).
فأما أهل العراق فاحتجوا بما رواه زيد بن الحباب عن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن مكحول قال: أخبرني أبو عائشة- جليس لأبي هريرة- أن سعيد بن العاص سأل [أبا] موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الفطر والأضحى؟ فقال أبو موسى: (كان يكبر أربعا؛ تكبيره على الجنائز)، فقال حذيفة: صدق.
قال أبو موسى: وكذلك كنت أكبر بالبصرة حيث كنت عليهم.
قال أبو عائشة: وأنا حاضر سعيد بن العاص.
قالوا: وروى الطحاوي عن علي بن عبد الرحمن ويحيى بن عثمان قد حدثانا عن [عبد الله] بن يوسف عن يحيى بن حمزة عن ابن عطاء أن القاسم أبا عبد الرحمن أخبره قال: حدثنا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد فكبر أربعا، ثم أقبل علينا بوجهه حين انصرف فقال: "لا [تسهوا] كتكبير الجنائز"، وأشار بأصابعه،

الجزء: 1 - الصفحة: 22

وقبض إبهامه).
قالوا: ولأنها تكبيرات متواليات في حال القيام؛ فوجب أن تكون أربعا كتكبيرات الجنائز قالوا: ولأنه ثناء دون عدو في ركن مخصوص؛ فوجب جواز الاقتصار منه على ثلاثة؛ دليله تسبيحات الركوع والسجود.
والدلالة على صحة قولنا ما رواه أشهب عن عروة عن عائشة رضى الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى؛ في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات).
وروى أبو [الأسود] عن عروة عن عائشة رضي الله عنها وأبي واقد الليثي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس يوم الفطر والأضحى [ق/3 أ] وكبر في الأولى سبعا، وكبر في الآخرة خمسا).
وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات قبل القراءات).

الجزء: 1 - الصفحة: 23

وروى عبد الله بن عامر الأسلمي عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءات).
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما".
وروى القاض أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا أبو ثابت محمد بن عبد الله قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعيد المؤذن عن عبد الله ابن محمد بن عمار وعفان بن حفص المؤذنين عن آبائهم عن أجدادهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الأولى سبعا، وفي الآخرة خمسا.

الجزء: 1 - الصفحة: 24

وإذا ثبت هذا، فأخبارنا أولى من أخبارهم بضروب من الترجيح: أحدها: أن رواة أخبارنا أكثر عددا؛ لأنا رويناها من طريق عائشة رضي الله عنها، وابن عمر، وعبد الله بن عمر، وأبي واقد الليثي، وعمرو بن عوف وغيرهم من نقل أهل المدينة.
خلفا عن سلف وأخبارهم مروية عن أبي موسى، وقيل: ابن مسعود.
والثاني: أن ما ذكرناه من نقل أهل المدنية خلفا عن سلف على ما حكيناه.
وهذا القدر لو انفرد لكان حجة، وقد عضده ما قدمناه.
والثالث: أن أخبارنا أزيد وخبرهم أنقص، والزائد من الخبرين أولى من الناقص.
فإن قالوا: أخبارنا أولى؛ لأنها حكاية قول، وأخباركم حكاية فعل.
قلنا: ليس في أخباركم إلا الفعل دون القول.
فإن ذكروا قوله: "لا تسهوا كتكبير الجنائز" فهذه الإشارة راجعة إلى الفعل المتقدم، وليست بفعل مبتدأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 25

على أنا قد روينا أيضا نصا في موضع الخلاف؛ فقد ساويناكم في القول، وما رويناه أولى؛ لأنه ابتداء حكم وتعليم شرع.
واعتبارهم بصلاة الجنازة غير صحيح؛ لأن التكبير فيها أقيم مقام الركوع، وليس كذلك تكبير العيد.
واعتبارهم بالتسبيح في الركوع والسجود باطل أيضا؛ لأنه ليس بمقدر بثلاث ولا غيرها، ولأنه لما جاز الاقتصار على أقل من ثلاث والزيادة عليها جاز الاقتصاد عليها، وليس كذلك ها هنا، والله أعلم.
فصل فأما الكلام على الشافعي فهو أنه لما روى أنه صلى الله عليه وسلم كبر سبعا في الأولى، وخمسا في الآخرة وجب أن يكون ذلك بتكبيرة الإحرام؛ لأنه لو كان هذا سوى تكبيرة الإحرام لكان قد كبر ثمانيا، وهذا خلاف الخبر.
وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "التكبير في الفطر سبع في الأولى"، وأشار إلى كل التكبير المفعول في الأولى، فلم يبق تكبير سواه.
فإن قيل: لا يخلو هذا من أن يكون إشارة إلى التكبيرات الزوائد أو إلى جميع التكبير في الركعة الأولى، فلما بطل أن يكون إشارة إلى جميع التكبيرة في الركعة الأولى لأنها تشتمل على أكثر من هذا؛ لأن فيها تكبيرة للركوع وأخرى للسجود وغير ذلك ثبت أنه إشارة إلى الزوائد.
فالجواب: أنه قد خلى إلى أقسام أخر زيادة على ما ذكروه؛ وهو أنه إشارة إلى التكبيرة حال القيام، أو إشارة إلى التكبير الذي يؤتى بعده

الجزء: 1 - الصفحة: 26

بالقراءة، وعلى أن في الخبر ما يدل على أن الإشارة راجعة إلى هذا؛ وهو قوله: "والقراءة بعدهما كلتيهما"؛ فنبه بذلك على أنه إشارة إلى التكبير الذي بمقدم القراءة، لا إلى الزائد، والله أعلم.
فصل فأما تكبيرة الإحرام فإنها الأولى من التكبيرات، وذلك لأنها لو لم تكن الأولى لكان ما وقع من التكبير قبلها واقعا في غير صلاة؛ لأنه لا يكون داخلا في الصلاة إلا بالإحرام؛ فما قبل ذلك من الأفعال فهو واقع قبل الصلاة، وهذا باطل؛ فوجب أن تكون تكبيرة الإحرام هي الأولى.
فصل قال الشافعي- رحمه الله: إذا كبر تكبيرة الإحرام فإنه يقول: ﴿وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض..﴾ الآية.
ووافقنا على أن القراءة بعد انقضاء التكبير.
قال: وإنما قلت: إنه يستفتح بالتوجيه عقيب الإحرام؛ لأنه استفتاح في الصلاة؛ فوجب أن يكو تعقيب الإحرام؛ أصله سائر الصلوات.

الجزء: 1 - الصفحة: 27

وهذا ليس بصحيح، وذلك لأن الأصل عندنا أن تكبيرة الإحرام لا يستحب أن يليها غير القراءة في كل الصلوات فلم يسلم لهم هذا الأصل على أن المعنى في توجيه سائر الصلوات أنه توجيه يليه القراءة، وليس كذلك هاهنا.
فصل ووافقنا أبو حنيفة وأصحابه في أن القراءة في الركعة الأولى بعد التكبير كله، وخالفونا في الركعة الثانية؛ فقالوا: يقرأ قبل التكبيرات الزوائد، فإذا فرغ من القراءة أتى بالتكبيرات ووصلها بتكبيرة الركوع، واستدلوا بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى بين القراءتين، والموالاة بينهما لا تقع إلا على ما يقول إنه يؤخر [ق/4 أ] القراءة في الأولى عن التكبير، ويقدمها في الثانية.
قالوا: ولأنه ذكر في الركعة الثانية؛ فوجب أن يكون محله بعد القراءة.
أصله القنوت، ويعنون بالذكر: التكبيرات الزوائد.
قالوا: ولأن كل صلاة يؤتى في الركعة الأولى منها بالتكبير قبل القراءة

الجزء: 1 - الصفحة: 28

وبالثانية يبدأ بالقراءة؛ فكذلك صلاة العيد.
والدلالة على صحة قولنا ما رواه يزيد بن أبي حبيب ويونس بن زيد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر والأضحى في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا قبل القراءة.
وقد روينا من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الثانية، والقراءة بعدهما" وهذا نص في موضع الخلاف.
وروى من طريق آخر رواه سليمان بن حبان عن أبي يعلي الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر في الأولى سبعا، ثم يقرأ، ثم يقوم فيكبر، ثم يقرأ، ثم يركع.
وفي حديث عمرو بن عوف أنه صلى الله عليه وسلم كبر في الثانية خمس تكبيرات قبل القراءة.
وفي حديث عبد الله بن عمر: أن التكبيرات معا قبل القراءة.

الجزء: 1 - الصفحة: 29

ولأنها تكبيرات زوائد في صلاة عيد فوجب أن تكون قبل القراءة؛ اعتبارا بتكبيرة الأولى، ولأنها ركعة لا قنوت فيها؛ فوجب أن لا يلي القراءة فيها إلا تكبيرة الركوع؛ اعتبارا بسائر الصلوات، ولأن كل ذكر تكرر في الركعات [كان] الثاني محل الأول؛ اعتبارا بالسورة الزائدة، وقد ثبت أن محل القراءة في الركعة الأولى بعد التكبير؛ فوجب أن يكون كذلك في الركعة الثانية.
وإذا ثبت هذا فما رووه أنه صلى الله عليه وسلم والى بين القراءتين لا يصح لهم التعلق به؛ لأن الموالاة بين الشيئين هي المتابعة بينهما من غير فصل، وهذا غير موجود في مسألتنا؛ لأن بين القراءتين أفعال كثيرة وأذكار أو تكبيرات.
فإن قالوا: فلا فائدة في نقله إذا لم يصح ما نقوله.
قلنا: يجوز أن يكون أراد به [أنه] أتى بالقراءة بعد التكبير في الركعتين معا، على أن الذي رويناه أولى؛ لأنه نص لا يحتمل، وخبرهم محتمل، وعلى أنا روينا قولا وفعلا، وهم رووا الفعل دون القول؛ فكان ما رويناه أرجح من هذه الوجوه، وما ذكروه من الأقيسة مدفوع بالنص الذي هو قوله صلى الله عليه وسلم: "والقراءة بعد التكبير في كلتيهما"، وغير ذلك مما رويناه على أن المعنى في القنوت أ، هـ جنس لا يتقدم على القراءة- وهو الدعاء-؛ لأن موضع الدعاء بعد القراءة في الصلاة كلها؛ وليس كذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 30

التكبير في القيام؛ لأن موضعه قبل القراءة؛ اعتبارا بالركعة الأولى، وقياسهم الآخر غير صحيح؛ لأنه يؤتى بالتكبير في الثانية قبل القراءة، وهو التكبيرة التي يرفع بها من السجود؛ لأنها واقعة في الركعة الثانية، والله أعلم.
مسألة قال القاضي عبد الوهاب: ويرفع يديه في تكبيرة الإحرام دون غيرها.
قال مالك- رحمه الله-: وليس فيما بعدها سنة لازمة من شاء رفع.
ومن شاء لم يرفع.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يرفعهما في الإحرام وفي التكبيرات الزوائد، واختلفا في تكبيرة الركوع؛ فقال أبو حنيفة: لا يرفعهما في تكبيرة الركوع.
وقال الشافعي: يرفعهما فيها.
قالوا: لأن ذلك مروي عن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه، ولا مخالف له.

الجزء: 1 - الصفحة: 31

وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ترفع اليد إلا في سبعة مواطن"؛ فذكر العيدين، ولأنه تكبير حال القيام فأشبه تكبيرة الإحرام.
وهذا ليس بصحيح؛ لأنا لم نمنع من فعل ذلك لأن الخلاف بيننا في أنه سنة كتكبيرة الإحرام، وليس في حديث عمر- رضوان الله عليه ما يدل عليه، وما ذكروه من رواية ابن عباس غير معروف، ولو صح لم تكن فيه دلالة؛ لأنه استثناء من حصر؛ فأكثر ما يفيد أنه غير محظور، وخلافنا في وصف زائد على إباحته، والمعنى في تكبيرة الإحرام، هـ تستفتح بها الصلاة، وليس كذلك ما بعدها، والله أعلم.
فصل قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله-: قال مالك- رحمه الله: وليس بين التكبير صمت إلا قد رما يكبر الناس.
وقال في موضع آخر: وليس بين التكبير موضع لدعاء ولا غيره من الأذكار.
وقال الشافعي- رحمه الله-: يقف بين كل تكبيرتين مقدار آية لا طويلة ولا قصيرة، ويحمد الله عز وجل فيها ويكبره ويهلله؛ لما روي عن

الجزء: 1 - الصفحة: 32

ابن مسعود أنه كان يحمد الله- تعالى- ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين.
ولا مخالف له.
ولأنها تكبيرات زوائد حال القيام؛ فوجب أن تتضمن بين كل تكبيرتين ذكرا أصله تكبيرات الجنازة.
ولأن كل تكبيرتين يجوز أن يكون ما بينهما ذكرا كتكبيرة السجود والرفع من السجود.
ولأنه ليس في الصلاة موضع للسكت.
والأصل في هذا أنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم [ق/5 أ] توقيف في ذلك؛ فوجب ألا يثبت كونه مسنونا ولا غيره إلا بدليل، ولأن تقدير ذلك بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة تقدير له بما لا دليل له ولا توقيف فيه؛ فلا فصل بينه وبين ما سواه من المقادير، وما رووه عن ابن مسعود فليس فيه أكثر من أنه كان يفعل ذلك، وهذا القدر لا يثبت كونه مسنونا، ولأنه ليس في الخبر أنه كان يقف الوقوف الذي قدروه أيضا.
واعتبارهم بتكبيرات الجنازة باطل؛ لأنه لا معنى لقولهم زائد لأنها موضوعة على هذا الترتيب ابتداء، وليس كذلك صلاة العيد؛ لأنها على بنية سائر الصلوات إلا أنها مخالفة لها في هذا المقدار فقط؛ فصح أن يقال: إن التكبيرات فيها زوائد.
وقولهم: في حال القيام.

لا تأثير له في الأصل أيضا؛ لأنه لا حال للصلاة على الجنازة إلا حال

الجزء: 1 - الصفحة: 33

القيام، وأيضا فإن المعنى في ذلك أن صلاة الجنازة تتضمن الذكر والدعاء، فلو لم يجعل ذلك في حال القيام لأدى ذلك إلى بطلانه؛ لأنه ليس فيها موضع سوى القيام، وهو ما بين التكبيرات، والمعنى في التكبيرات الركوع والسجود أنه خارج من ركن إلى ركن يخالفه.
وقولهم: ليس في الصلاة موضع للسكت.
فلسنا نقول: إن السكوت سنة وأصل، وإنما يفعله انتظارا لفراغ من خلفه إن كان إماما، أو لا إمام إن كان مأموما، والله أعلم.
فرع قال القاضي عبد الوهاب- رحمه الله-: قال مالك رحمه الله: إذا سها الإمام فقرأ قبل التكبير أتى بالتكبير، ثم أعاد القراءة، وسجد بعد السلام.
وهذا ما لم يركع.
وقال الشافعي رحمه الله: في القديم، يعود إلى التكبير ويركع.
قال أصحابه: لأن التكبيرات هيئات في الصلاة، وترك الهيئات لا يوجب العود إليها إذا جاوز محلها؛ أصله إذا ترك السورة مع الحمد حتى ركع، ومحل التكبيرات قبل القراءة كما أن محل القراءة قبل الركوع.
وهذا الذي قالوه ليس بصحيح؛ وذلك لأن محل القراءة في صلاة العيد بعد التكبير، فإذا أتى بها قبله ولم يفت محل التكبير- الذي هو القيام- وجب أن يأتي به، ألا ترى أن محل السورة هو بعد قراءة الحمد فإذا أتى بها قبلها أتى بالحمد؛ فكذلك هاهنا، ولا معنى لتفريقهم بين الموضعين بأن قراءة الحمد من شرط صحة الصلاة وليس كذلك التكبير؛

الجزء: 1 - الصفحة: 34

لأن ذلك لا يخرجه عما قلناه من وقوع كل واحد منهما في غير محله.
وقولهم: إن ترك الهيئات لا يرجع إليها إذا جاز محلها.
فكذلك نقول، ولكن ما لم يركع فمحل التكبير باق، وليس يخرجه عن بقاء محله تقديم القراءة في غير موضعها.
فرع قال القاضي أبو محمد بعد الوهاب- رحمه الله: إذا أتى بالتكبير أعاد القراءة، ولم يعتد بالقراءة الأولى، وفيه خلاف على مذهب الشافعي، وإنما قلنا ذلك؛ لأن محل القراءة باق عندنا ما لم يركع؛ فيجب أن يأتي بها لبقاء محلها.
وأما سجود السهو فلأنه تارك لمسنون- وهو التكبير- فيلزمه السهو.
وإنما قلنا: إنه بعد السلام؛ لأنه سهو زيادة، ألا ترى أن القراءة الأولى غير معتد بها وإنما الاعتداد بالقراءة الثانية.
فإن لم يذكر حتى ركع مضى وسجد قبل السلام لتركه التكبير.
فرع قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله- قال عبد الملك بن عبد العزيز: إذا جاء المأموم وقد كبر الإمام بعض التكبير كبر بتكبيره، ولم يقض ما فاته من التكبير، وإن كان بين تكبيرات الإمام من الفرج ما يمكنه أن يقضي الفائت فيه فليس ذلك عليه، فإن فاته التكبير كله كبر للإحرام فقط.

الجزء: 1 - الصفحة: 35

قال: لأن التكبير الذي فاته بعد الافتتاح بمنزلة القراءة، فلما كان لا يقضي ما فاته من القراءة فكذلك التكبير.
فرع قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: إذا أدرك مع الإمام ركعة فإنه يكبر فيها للإحرام، ثم يكبر بتكبير الإمام.
وكيف يقضي التي فاتته؟ هل يقضيها بتكبير أم لا؟ اختلف أصحابنا في ذلك، فذكر القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق أنه قد روى عن مالك أنه يقضي بتكبير.
وقال عبد الملك: يقضى بالقراءة بغير تكبير.
قال عبد الملك: وقد قال بعض أصحابنا: يقوم فيكبر ستا، ثم يقرأ بأم القرآن وسورة جهرا.
قال عبد الملك: ولست أقول به.
قيل له: أفيكبر سبعا؟ قال: لا، هذا لم يقله أحد؛ لأنه إذا فعل ذلك صار مفتتحا للصلاة مرتين، وافتتاحه مع الإمام لا يقضى، ألا ترى لمن فاته شيء من سائر

الجزء: 1 - الصفحة: 36

الصلوات فإنما هذا إذا قضى حين يقوم بالقراءة ولا بعد الافتتاح.
ثم عدنا إلى الكتاب.
مسألة قال رحمه الله: ثم يرقى المنبر، ويخطب، ويجلس في أول خطبته ووسطها، ثم ينصرف.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: قوله: إن الخطبة بعد الصلاة في العيدين معا؛ فذلك لما رواه ابن جريج عن عطاء عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب الناس [ق/6 أ] صلى الله عليه وسلم.
وروى شعبة عن أيوب عن عطاء قال: أشهد على ابن عباس، وشهد ابن عباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوم فطر فصلى، ثم خطب وروى ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس قال: شهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، ومع عمر رضي الله عنهما فبدؤوا بالصلاة قبل الخطبة.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر

الجزء: 1 - الصفحة: 37

وعمر رضوان الله عليهما كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة.
ورواه البراء بن عازب، وجندب بن عبد الله من الصحابة رضي الله عنهم.
وروى سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي عبيد مولى بن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفان رضي الله عنه، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم شهدت العيد مع علي بن أبي طالب- رضي الله عنه، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة.
قال: وأول من أحدث تقديم الخطبة على الصلاة بنو أمية ثم رجع الأمر في ولاية بين العباس إلى ما كان عليه.
وروى عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري أنه أقبل هو ومروان ابن الحكم يوم العيد إلى المصلى، فذهب مروان يريد المنبر قبل أن يصلي، فجذبه أبو سعيد، فقال له: الصلاة، فقال مروان: ترك ما تعلم يا أبا سعيد، فقال أبو سعيد: [كلا] والله لا تأتون بخير [مما] أعلم؛ فبدأ مروان بالخطبة.

الجزء: 1 - الصفحة: 38

فصل وقوله: (إذا صعد المنبر جلس، ثم قام فخطب) فهو إحدى الروايتين عن مالك، وعنه رواية أخرى:: أنه إذا صعد المنبر خطب ولم يجلس، بخلاف الجمعة رواه عبد الملك عنه.
فوجه هذه الرواية هو أن الجلوس في الجمعة إنما يكون لأجل الأذان، وهذا المعنى معدوم في العيد؛ فلم يكن للجلوس معنى.
ووجه الرواية الأولى هو أن الجلوس هاهنا لمعنيين: أحدهما: الاستراحة من تعب الصعود.
والآخر: وهو أحسن من هذا- ليأخذ الناس مجالسهم؛ لأن العبادة جارة بأن الناس يزدحمون ويكثر اجتماعهم إلى جهة المنبر؛ لاستماع الخطبة، فلو خطب وقت صعوده لفاتهم سماع بعض الخطبة، وهو القدر الذي يأتي به قبل أخذهم مواضعهم، فإذا جلس حتى يأخذوا أمكنتهم وتستوي لهم مواضعهم سمعوا جميع الخطبة، ولم يفتهم شيء منها.
وهذه الرواية أولى من الأولى.
والجواب عن ما ذكرناه.
هو أنه لا فائدة للجلوس إلا انتظار الأذان؛ لأن له فوائد سواه، وهو ما ذكرناه.
وعلى أنا لم نعتبر قياسا على الجمعة حتى إذا افترق المعنى في الموضعين بطل الاعتبار، وإنما اعتبرنا ذلك بالمعنى الذي بيناه، والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 39

فصل وقوله: (يجلس بين الخطبتين) فكذلك روى في صفة خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى أنه كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم صلى الله عليه وسلم فيخطب.
رواه ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم.
ولم يفضلوا بين العيدين والجمعة والاستسقاء؛ فوجب حمله على الأمرين.
ولأن الخطب واحدة في الأعياد والجمع والاستسقاء.
مسألة قال رحمه الله: ويستح أن يرجع في ريق غير الطريق التي أتى منها.
والناس كذلك.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأن

الجزء: 1 - الصفحة: 40

رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يفعل؛ فاستحب الاقتداء به؛ فروى عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد من طريق ويرجع من آخر.
وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد في طريق ويرجع في غيره.
قال مالك- رحمه الله: وأدركنا الأئمة رضي الله عنهم يفعلون ذلك.
وقد ذكر الناس في فوائد هذا الفعل [أشياء] بعضها يقرب من الإمكان، ويحتمل أن يقال: وكثير منها دعاوى فارغة واختراعات غثة، ونحن نذكر بعض ما قيل في ذلك؛ فأقوى ما ذكر فيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ليعم الله بركته صلى الله عليه وسلم من كل جهة، ويراه في الطريق الذي رجع فيه من لم يره صلى الله عليه وسلم في الطريق الذي غدا منه.
وقيل أيضا: مراده بذلك أن يتسع الطريق على الناس، وتقل الزحمة، ويخف الجمع؛ فلا تتأذى الناس بكثرة الزحام.
وقيل أيضا: إن مراده صلى الله عليه وسلم بذلك أن يعم الناس بالصدقة؛ لأنه قد يكون في الطريق الذي رجع فيه من الفقراء من لا يمكنه الحركة، فإذا رجع من ذلك تصدق عليهم، وإذا رجع من الطريق الذي أتى منها لم تلحقهم صدقته صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إنه كان يفعل ذلك لأنه كان يسأل صلى الله عليه وسلم عن أشياء من أحكام

الجزء: 1 - الصفحة: 41

الشريعة، فكان يرجع في غير الطريق التي خرج منها، ليسأله من لم يكن سأله.
وهذا والذي قبله سواء [ق/7 أ].
وقال بعضهم: فائدة ذلك أن يساوي بين الطرق؛ لأن الطريق الذي يمشي فيه له مزية وفضيلة على غيره، فأراد أن يرجع في غيره للتسوية بين الطريقين.
وهذا ليس بشيء.
وقال هذا القائل: يحتمل أن يكون فعل ذلك لجواز أن يكون اليهود كمنت له كمينا.
وهذا أيضا لا معنى هل؛ لأن الأخبار واردة بتكرر هذا الفعل منه.
واحتمال ما ذكروه بعيد أن يتفق أبدا.
ولأن هذا الاحتمال ليس له أماره تقتضي تخصيصه بالعيد دون غيره من أوقات مشيه وجموعه؛ فيبطل التعلق به.
وكان أقوى ما يذكر في ذلك ما قدمناه.
مسألة قال رحمه الله: وإن كان في الأضحى خرج بأضحيته إلى أن يأتي المصلى فيذبحها، أو ينحر ما ينحر؛ ليعلم ذلك الناس فيذبحون بعده.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: وهذا لأنه لا يجوز لأحد عندنا أن يذبح قبل أن يذبح الإمام؛ فيجب أن يخرج بأضحيته إلى المصلى ليقف الناس على ذبحه، فإذا علموا ذلك ذبحوا بعده.

الجزء: 1 - الصفحة: 42

مسألة قال رحمه الله: وليذكر الله تعالى في خروجه من بيته في الفطر والأضحى جهرا حتى يأتي المصلى؛ يفعله الإمام والناس وكذلك، فإذا دخل الإمام للصلاة إلى المصلى قطعوا ذلك.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رضي الله عنه: اعلم أن الذي قاله هو قولنا، وقول الشافعي- رحمه الله: وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه: لا يكبر يوم الفطر في الممشى، ولا في الجلوس؛ لما روي أن ابن عباس سئل عن رجل كبر في يوم الفطر فقال: كبر الإمام؟ قيل: لا.
قال: ذلك رجل أحمق.
والأصل في هذا قوله تعالى... ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾.
قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا الله- عز وجل- حتى يفرغوا من عيدهم؛ لأن الله- تعالى- يقول: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾.
وروى [يزيد] بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر فيكبر حين يرخج من بيته حتى يأتي

الجزء: 1 - الصفحة: 43

المصلى، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير.
رواه بعض من وافقنا مسندا عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى صلاة فطر والأضحى رافعا صوته بالتكبير.
ورواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غدا إلى المصلى أمرنا أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب، وأن نخرج وعلينا السكينة والوقار، وأن نجهر بالتكبير.
وروى أن سحن بن علي- رضي الله عنه- خرج يوم العيد على بعله فكبر حتى أتى المصلى.
وروى يحيى بن سعيد بن القطان عن ابن عجلان عن نافع أن ابن عمر [كان يغدو] إلى العيدين فيكبر حتى يأتي المصلى.

الجزء: 1 - الصفحة: 44

وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد الليثي عن نافع عن انب عمر كان يجهر بالتكبير يوم الفطر إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام فيكبر بتكبيره.
وروى الأعمش عن تميم بن سلمة قال: خرج ابن الزبير يوم النحر فلم يرهم يكبرون، فقال: ما لهم لا يكبرون، أما والله لئن فعلوا ذلك لقد رأيتني في العسكر ما يرى طرفاه فيكبر الرجل الذي ليله حتى يرتج العسكر، وإن بينكم وبينهم كما بني الأرض السفلى إلى السماء العليا.
وأيضا فلأنه يوم عيد لا يتكرر في السنة؛ فأشبه يوم الأضحى.
وما رووه عن ابن عباس فيحتمل أن يكون أنكر تكبيرهم والإمام على المنبر؛ لأن الواجب ألا يكبروا في تلك الحال إلا بتكبير الإمام، بل نقل ذلك؛ فروى معن بن عيسى عن ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس قال: كنت مع ابن عباس في المصلى فسمع الناس يكبرون والإمام يخطب فقال ابن عباس: ما للناس كبروا؟ أكبر الإمام؟ قلت: لا.
قال: مجانين الناس.
فبان بذلك ما قلناه.
مسألة قال رحمه الله: ويكبرون بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون فيما

الجزء: 1 - الصفحة: 45

سوى ذلك.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: أما وجوب الإنصات له في الخطبة فلأن عليهم استماعها؛ لقوله تعالى ذكره: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾.
قيل: نزلت في القراءة في الصلاة، وفي الخطبة، واعتبارا بالخطبة في الجمعة.
فأما التكبير فيها؛ فلما رواه مالك عن سليمان بن يسار وعطاء بن يسار أنهما قالا: إذا صعد الإمام على المنبر بين العمودين فليكبر.
قال أبو سهيل: وذلك الذي أدركت عليه الناس.
وروى معن بن عيسى عن بلال بن أبي مسلم قال: سمعت عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه بدأ بالتكبير حين صعد المنبر يوم العيد.
فلهذا قال مالك: إنه يكبر في الخطبة.
قال مالك: وليس في التكبير عدد معلوم؛ وذلك لأن الروايتين عن التابعين مختلفة في عدده، ولم يرد فيه نص ولا حكاية فعل عن النبي صلى الله عليه وسلم فمهما فعل من ذلك جاز؛ فروى سفيان الثوري عن محمد بن عبد الرحمن القارئ عن عبد الله بن بعد الله بنعتبة قال: من السنة أن يكبر

الجزء: 1 - الصفحة: 46

الإمام على المنبر في العيدين [تسعا] [ق/8 أ] قبل الخطبة وسبعا بعدها يكبر في الخطبة الثانية.
وروى حماد بن زيد عن الحسن بن أبي الحسناء [عن الحسن] البصري قال: يكبر يوم العيد على المنبر أربع عشرة تكبيرة.
وروى عن الشعبي- رحمه الله قال: التكبير على المنبر يوم العيد سبع وعشرين تكبيرة.
فأما تكبير الناس بتكبير الإمام على المنبر فقد اختلف مالك والمغيرة فيه؛ فقال مالك رحمه الله: يكبر الناس بتكبير الإمام وينصتون له إذا انقطع التكبير.
وقال المغيرة: ينصتون له في حال التكبير، ولا يكبرون بتكبيره.
وحكاه عنه عبد الملك.
قال: وكان يرى أن التكبير من الإمام في الخطبة خطبة يجب أن ينصت لها.
فوجه قول مالك ما رواه معن بن عيسى عن أبي ذب عن شعبة مولى ابن عباس أنه سمع الناس يكبرون والإمام يخطب فقال لي ابن عباس: ما للناس كبروا؟ أكبر الإمام؟ فقتل: لا.
فقال: مجانين الناس.
فدل هذا على أن لهم أن يكبروا إذا كبر.

الجزء: 1 - الصفحة: 47

وقد روى ابن وهب قال: حدثنا عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد الليثي عن نافع أن ابن عمر كان يكبر يوم الفطر إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام فيكبر بتكبيره.
ولأن التكبير بتكبير الإمام كأنه بأمر الإمام؛ لأن التكبير في هذا اليوم مشروع للناس كلهم، فكأن الإمام إذا كبر فقد استدعى ذلك من الناس.
واحتج المغيرة بأن قال: لأن شروع الإمام في الخطبة يقطع الكلام جملة.
أصله في غير التكبير، وقول مالك أولى؛ لما ذكرناه، والله أعلم.
مسألة.
قال رحمه الله: فإن كانت أيام النحر فليكبر الناس دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح في اليوم الرابع منه، وهو آخر أيام منى؛ يكبر إذا صلى الصبح، ثم يقطع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: اختلف الناس في وقت التكبير خلف الصلوات وانقطاعه؛ فمذهب أصحابنا ما وصفه في الكتاب من التكبيرات، وهو قول ابن عمر.
وقال أبو حنيفة: أول التكبير صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر.

الجزء: 1 - الصفحة: 48

وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: من وقت صلاة فجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: مثل قولنا.
والثاني: يبتدئ ليلة النحر بعد المغرب، ووافقنا في آخره.
والثالث: مثل قول أبي يوسف.
والدلالة على ما قلناه أن الله تعالى ذكره خاطب بالتكبير أهل منى؛ فكان الناس تبعا لهم؛ فقال عز وجل: ﴿واذكروا اسم الله﴾، وقال الله سبحانه: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾.
وقد ثبت أن أول التكبير هو عيد النحر بعد رمي جمرة العقبة، فأول صلاة تلي ذلك هي الظهر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
وروى ما قلناه عن ابن عمر وغير من الصحابة رضي الله عنهم.
مسألة قال رحمه الله: والتكبير دبر الصلوات: الله أكبر، الله أكبر.
فغن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن، يقول إن شاء ذلك: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

الجزء: 1 - الصفحة: 49

وقد روى عن مالك هذا، والأول، [وكل [واسع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا لأن كل ذلك قد روى عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والسلف، فأي ذلك فعل كان واسعا؛ فالأول هو نفس التكبير مجردا وله أصل في الشريعة؛ وهو التكبير في الصلوات، والثاني أحسن؛ لأنه يجمع تجميدا وتهليلا وهو كالتكبير في الخطبة؛ فلذلك كان الجميع واسعا.
وروى الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه أنه كان يكبر في أيام التشريق: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
وروى نحوه عن أبي سعيد.
وروى حميد عن الحسن البصري: كان يكبر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر؛ ثلاث مرات.
وقد روى فيه لفظ آخر ذكره عبد الملك؛ فرواه يزيد بن زريع عن النهاش بن قهم عن عطاء أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، والله أمبر على ما هدانا.
مسألة قال رحمه الله: والأيام المعلومات: أيام النحر الثلاثة، والأيام

الجزء: 1 - الصفحة: 50

المعدودات: أيام منى؛ وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: تحصيل هذا أن من هذه الأيام ما هو معلوم غير معدود، ومنها ما هو معدود غير معلوم، ومنها ما يجتمع فيه الأمران؛ فأما المعلوم الذي ليس بمعدود يوم النحر، والمعدود الذي ليس بمعلوم رابع النحر، والمعدود المعلوم ما بينهما.
وهذا الذي كرنا هو مذهب ابن عمر.
وقال الشافعي: الأيام المعلومات أيام العشر كلها.
والدليل على أن يوم النحر معلوم أن النحر يقع فيه، والنحر لا يقع إلا في يوم معلوم.
والدليل على أنه ليس بمعدود أن النفر لا يجوز في غده، ولو كان معدودا لجاز النفر في غده؛ لأن النفر لا يجوز في الثاني من المعدودات.
وهذه المسألة ترد مستفاضة في كتاب الضحايا إن شاء الله [ق/9 أ].
مسألة قال رحمه الله: والغسل للعيدين حسن، وليس بلازم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما رواه شعبة عن عرو بن مرة عن زاذان أن [رجلا سأل] [على] بن أبي

الجزء: 1 - الصفحة: 51

طالب رضي الله عنه عن الغسل فقال: اغتسل كل يوم إن شئت.
فقال: لا؛ بل الغسل الذي هو الغسل؟ فقال: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة.
وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو.
وفي رواية عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يغتسل للعيدين ولأنه يوم عيد؛ فوجب أن يستحب فيه الغسل كالجمعة.
وهذا التعليل قد ورد به الخبر؛ فروى مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن [السباق] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عز وجل عيدا للمسلمين؛ فاغتسلوا فيه".
وعلى أن الغسل له لكونه عيدا؛ فكان كل عيد مثله؛ ولأن ما له استحببنا ذلك في الجمعة موجود في العيدين؛ وهو التنظف وإزالة الأوساخ والروائح كما روى في الحديث أن الناس كانوا عمال أنفسهم، وكانوا

الجزء: 1 - الصفحة: 52

يأتون الجمعة بهيئة عملهم، فقيل: لو اغتسلتم؟.
قال القاضي أبو حمد عبد الوهاب: وقوله: (ليس بلازم) فلأنه غسل مقصود به النظافة والزينة، ولأن غسل الجمعة آكد منه بتأكيد الجمعة على العيدين، وقد ثبت أنه غير واجب؛ فغسل العيدين بذلك أولى.
مسألة قال رحمه الله: ويستحب فيها الطيب والحسن من الثياب.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رضي الله عنه: وهذا لما رواه مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن [السباق] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله جل وعز عيدا للمسلمين؛ فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك".
فلما ندب إلى التطيب والزينة في الجمعة؛ لكونها عيدا كان كذلك كل عيد.
وروى عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن [غنم] عن معاذ بن جبل قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غدا إلى المصلى أمرنا أن نلبس أجود ما نقدر

الجزء: 1 - الصفحة: 53

عليه من الثياب.
ولأن العيدين يشاركان الجمعة في المعنى الذي استحب التطيب فيهما؛ وهو إزالة الروائح التي كانوا عليها في العمل والمهن.
وروى هشيم عن الحجاج بن أرطاة عن محمد بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس برده الأحمر، ويعتم للعيدين والجمعة.
قال مالك: وسمعت أهل العلم يستحبون الطيب في كل عيد، وإنهم أدركوا من كان قبلهم على ذلك.
قال مالك: وكنت أرى محمد بن المنكدر يضمخ رأسه ولحيته بالغالية حتى يسود.

باب في صلاة الخسوف

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رضي الله عنه: قال قوم من أهل اللغة: كسفت الشمس، وخسف القمر.
وقال آخرون: كسف وخسف بمعنى واحد، ومعناه: ذهب ضياؤهما.
وهو في الأصل مأخوذ من التغطية.
والأصل في صلاة الكسوف ما روى أن الشمس كسفت يوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الناس: إن ذلك لموته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن

الجزء: 1 - الصفحة: 54

الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم ذلك فأفزعوا إلى الصلاة".
مسألة قال رحمه الله: وصلاة الخسوف سنة واجبة فإذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد، وافتتح الصلاة بغير أذان ولا إقامة، فقرأ قراءة طويلة سرا بنحو سورة البقرة، ثم يركع ركوعا طويلا نحو ذلك، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ دون قراءته أولا، ثم يركع نحو قراءته الثانية، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يسجد سجدتين تامتين، ثم يقوم فيقرأ دون قراءته التي تلي ذلك، ثم يركع نحو قراءته، ثم يرفع كما ذكرنا ويقرأ دون قراءته هذه، ثم يركع نحو ذلك، ثم يرفع كما ذكرنا، ثم يسجد كما ذكرنا، ثم يتشهد ويسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: قوله: إنها سنة واجبة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها، ودعا الناس إليها، وجمع فيها، وحث عليها؛ فقال: "إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، وأمر من ينادي: الصلاة جامعة.
وقوله: إنها بغير أذان ولا إقامة.
فلأنها صلاة غير مرفوضة، ولا أذان لها ولا إقامة؛ اعتبارا بسائر النوافل، ولأنه لم يرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بأذان ولا إقامة.

الجزء: 1 - الصفحة: 55

وأما وصف صلاة الكسوف فهو على ما ذكره في الكتاب، وهو قولنا وقول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يصلى ركعتين كسائر الصلوات والذي يدل على ما قلناه: ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقام قياما طويلا نحو من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع وقام قياما طويلا؛ وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا؛ وهو دون الركوع الأول، ثم سجد وانصرف صلى الله عليه وسلم وقد تجلت الشمس.
وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الناس فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك.
وروى مالك أيضا عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها (أن الشمس خسفت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى..)؛ فذكر مثل

الجزء: 1 - الصفحة: 56

الحديث الأول.
وهذه أخبار ثابتة صحيحة، وهي نص قولنا.
واحتج من خالفنا بما روى أنه صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف الشمس ركعتين كهيئة صلاتنا.
وروى قبيصة بن يحيى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما هذه الآيات يخوف الله- عز وجل بها؛ فإذا رأيتموها فصلوا [كأحداث] صلاة صليتموها من المكتوبة"؛ وهذا يقتضي ألا يركع في كل ركعة إلا ركوع واحد.
وقال صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" المعهودة في الشرع، ولأنها صلاة شرعية؛ فوجب أن تختص كل ركعة منها بركوع واحد كسائر الصلوات، ولأنها لا تخلو أن تكون واجبة أو نفلا، وأي ذلك كانت فيجب أن لا يكون فيها إلا ركوع واحد؛ اعتبارا بسائر الواجبات والنوافل؛ ولأن اختلاف الصلوات في أعداد الركعات، فأما في أعداد الأركان فلا اعتبار بصلاة المسافر والحاصر.
فأما أخبارهم فالكلام عليها من وجهين: أحدهما: الاستعمال.
والآخر: الترجيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 57

فأما الاستعمال فنقول: إنه يحتمل أن يكون أراد كهيئة صلاتنا في عدد السجدات، وصفة القيام والقعود دون عدد الركوع في الركعات بدلالة ما ذكرناه.
فإن قالوا: وأخبارنا أيضا [يحتمل] أن يكون سجد بين الركوعين فلم يروه الراوي، ونقله فعل الركوعين.
قلنا: إن هذا الاحتمال تدفعه العادات؛ فلا يلزم قبوله؛ وذلك أن خبرنا مشتمل على فعلين رواهما جماعة كثيرة من الصحابة رضي الله عنهم.
وليس يجوز في مستقر العادة أن يتفق من عائشة وابن عباس وجابر وغيرهم من رواة هذه الأخبار في وقت واحد السهو عن سجوده دفعتين في الركعة الأولى وفي الآخرة وحفظ ما عدا ذلك.
ويتحمل الخبر ما تدفعه العادة لا يصح على أنه قد روى ما يسقط هذا؛ فروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها وصف صلاة الكسوف على الصفة التي ذكرناها، وقالت في آخر الحديث: (فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات).
وهذا يسقط ما قالوه.
وأما الترجيح فمن وجوه: أحدها: إن رواة أخبارنا أكثر عددا، وطرقها أصح سندا.
ولأن أخبارنا ناقلة ومجددة شرعا، وأخبارهم مبقية على الأصل.
ولأن في أخبارنا زيادة ليست في أخبارهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 58

ولأن أخبارنا حكاية مشاهدة وحضور للفعل من أوله إلى آخره، ومفسره لهيئته وصفته، وأخبارهم مجملة على ما رووه.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم ذلك؛ فافزعوا إلى الصلاة"، فلو [تركناه] وظاهره لاقتضى ذلك أن يصلى لها كسائر صلوات النفل، ولكن قام الدليل- وهو ما ذكرناه من الأخبار- على أن لنا من التعلق بهذا الخبر مثل ما لهم بل نحن أولى به، وذلك أنه قد روى في أخبارنا أنه قال هذا القول بعد فراغه من الصلاة التي وصفناها؛ فعلم أنه أشار بذلك إليها؛ لأنه أقرب معهود فكان حرف اللفظ إليها أولى.
وإذا صح هذا بطل ما قالوه.
وقياسهم على سائر الصلوات باطل؛ لأنه يدفع السنة، ولأن الصلاة مختلفة في الهيئة والأفعال بزيادة ونقصان، ألا ترى أن صلاة العيدين تخالف سائر الصلوات بزيادة التكبير، وصلاة الكسوف أيضا تخالف بنية سائر الصلوات، سيما على أهلهم في المشي فيها؛ فلم يمتنع أن تخالف صلاة الكسوف أيضا سائر الصلوات فتختص بهذا المعنى.
ولا معنى لتقسيمهم كونها نافلة أو واجبة؛ لأن كونها نافلة لا يؤثر في مخالفة هيئتها لهيئة سائر الصلوات كصلاة العيدين، وكونها واجبة لا يمنع أيضا من ذلك كصلاة الخوف.
وقوله: إن الاختلاف إنما هو في عدد الركعات دون عدد الأركان غير صحيح؛ لأن الاختلاف في الأعداد هو اختلاف في الأركان لا محالة؛ بدلالة أنها تزيد بزيادة الأعداد وتنقص بنقصانها، والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 59

فصل وقوله: إنها تصلى في المسجد؛ فكذلك روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في المسجد.
رواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب [ق/11 أ] عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقام فخطب الناس.
ورواه، وذكر الحديث.
فصل وأما اختياره تطويل القراءة؛ فلما رويناه من حديث عائشة رضي الله عنها وابن عباس وأنه حزر قراءته صلى الله عليه وسلم فكان في الركعة الأولى كنحو من سورة البقرة، وفي الثانية نحو من سورة آل عمران.
وتطويل الركوع دون تطويل القراءة؛ على ما روى نصا في الحديث.
فأما السجود فإنه لا يطول كتطويلهما، بل يؤتى به على حسب ما يؤتى في سائر الصلوات.
ومن أصحابنا من يقول أيضا: إن السجود يطول فيه.
وقول مالك أصح؛ لأنه لم يذكر في الحديث تطويل السجود.
فرع رفع رأسه من الركوع الأول من الركعة الأولى، وأراد القراءة فهل يقرأ

الجزء: 1 - الصفحة: 60

"الحمد" أم لا؟ قال مالك: يقرأ "الحمد"، وسورة طويلة.
قاله جميع أصحابنا خلا محمد بن مسلمة؛ فإنه قال: يقرأ سورة غير "الحمد" ولا يقرأ "الحمد".
والدليل على صحة قول مالك- رحمه الله- هو أنها قراءة مستأنفة من أصل بنية الصلاة؛ فوجب أن تتقدمها قراءة أم الكتاب؛ اعتبارا بالركوع الأول.
وإنما قلنا: (مستأنفة)؛ احترازا من المتمادي في القراءة فإنها لا تحتاج إلى استئناف "الحمد"؛ لأنها قراءة مستدامة غير مستأنفة.
وإنما قلنا: (من أصل بنية الصلاة)؛ احترازا من قراءة سجود؛ لأنها لعارض وليس من أصل بنية الصلاة؛ فلم تحتج إلى قراءة "الحمد" لها.
وإنما قلنا: فوجب أن تتقدم "الحمد" لها؛ لئلا يقولوا نحن نقول بموجبها؛ لأنه إذا قرأ "الحمد" في الركوع الأول فقد قدمها لهذه القراءة.
واحتج محمد بن مسلمة بأن قال: لأن "الحمد" لا تقرأ في ركعة واحدة وإن كان فيها ركوعان فلم تتكرر "الحمد" فيها.
فيقال له: ولم إذا كانت ركعة واحدة لم تتكرر فيها قراءة "الحمد"؟.

الجزء: 1 - الصفحة: 61

فإن قال: اعتبارا بسائر الصلوات.
قيل له: المعنى فيها أن الركوع لا يتكرر في الركعة الواحدة فيها، وليس كذلك صلاة الكسوف، والله أعلم.
فصل ويسر القراءة في صلاة الكسوف، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يجهر فيها بالقراءة؛ لما رواه الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بالعنكبوت والروم.
ولأنها نافلة يسن لها الجماعة؛ فوجب أن يكون من سنتها الجهر؛ اعتبارا بصلاة العيدين والاستسقاء.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف فقام قياما طويلا نحو من سورة البقرة.
وهذا يدل على أنه أسر القراءة؛ لأنه لو كان جهر بالقراءة لذكر ما قرأ به ولم يحتج إلى تقديره وحزره.
ومن طريق آخر عن ابن عباس أنه قال: (وكنت وراءه فلم أسمع منه حرفا).

الجزء: 1 - الصفحة: 62

وفي حديث سمرة بن جندب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا يسمع له صوت..) إلى آخر الحديث.
وفي كل ذلك يقول: لا أسمع له صوتا.
فأما ما رووه عن عائشة رضي الله عنها فقد اختلف عليها فيه؛ فروى سليمان بن يسار عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قال: (كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس فقام فحزرت قراءته، وأرى أنه قرأ سورة البقرة).
وذكرت إلى أن قالت في الركعة الثانية:

الجزء: 1 - الصفحة: 63

(وحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران).
وهذا يفيد الإسرار بالقراءة، فتعارضت الروايتان فسقطتا، ورجعنا إلى ما لا معارض له.
وما رووه من أنه قرأ بالعنكبوت فليس في الخبر أنه سمع منه في الصلاة، ويحتمل أن يكون أخبر بذلك وقال: إني قرأت بالعنكبوت يحتمل أن يكون جهر قدر ما يسمع نفسه ومن يقرب منه، وهذا في حكم الإسرار، ألا ترى أن مثله يجوز في الظهر والعصر، والمعنى في صلاة العيدين والاستسقاء أنها نافلة يسن لها الخطبة وليست كذلك صلاة الخسوف عندنا على ما سنذكره.
فصل وعن مالك رحمه الله، في وقت صلاة الكسوف ثلاث روايات: إحداهن: أنها تصلى في كل الأوقات.
والثانية: أنها تصلى في الأوقات التي تجوز فيها الصلاة دون غيرها من الأوقات التي تكره فيها صلاةالنفل.
والثالثة: أنها تصلى ما لم تزل الشمس.

الجزء: 1 - الصفحة: 64

فوجه الرواية الأولى عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"، ولم يعلق ذلك بوقت دون وقت، ولأنها آكد من سائر النوافل أيضا وهي مخالفة لها في البنية؛ فجاز أن تخالفها في الوقت.
ووجه الرواية الثانية: ما روى عن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس؛ فعم ولم يخص.
ولأنها صلاة نفل فأشبهت سائر النوافل.
ووجه الرواية الثالثة: أنها صلاة نفل يعقبها ذكر وعظة؛ فوجب أن يكون وقتها قبل الزوال؛ [ق/12 أ] اعتبارا بالعيدين والاستسقاء.
ثم عدنا إلى الكتاب.
مسألة ولمن شاء أن يصلي في بيته مثل ذلك أن يفعل.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وهذا لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة".
وهذا عام في الجماعة والانفراد.
ولأنها صلاة نفل فجاز أن يصليها المنفرد كسائر النوافل.
مسألة قال رحمه الله: وليس في صلاة خسوف القمر جماعة، وليصل

الجزء: 1 - الصفحة: 65

الناس عند ذلك [أفذاذا والقراءة فيها جهرا] كسائر ركوع النوافل.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: اعلم أن هذا قولنا وقول أهل العراق، وقال الشافعي: من سنة صلاة خسوف القمر الاجتماع لها؛ واستدل عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة"؛ ففيه دليلان: أحدهما: أنه قرنه بالشمس، فلما كان من سنة صلاة كسوف الشمس الاجتماع؛ فكذلك القمر.
والآخر: أنه أمر بالصلاة أمرا عاما، ولم يفرق بين الاجتماع والانفراد.
وروى أن ابن عباس صلى في خسوف القمر، ثم خطب ثم قال: (أيها الناس إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة، وإنما فعلت كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل).
أصله كسوف الشمس، والأصل في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "خير صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة"، وهذا يفيد سقوط الاجتماع لها ولغيرها من النوافل إلا ما قام عليه الدليل.

الجزء: 1 - الصفحة: 66

ويدل على ذلك أيضا أن القمر قد انكسف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعات كثيرة ولم ينقل أنه صلى له في جماعة، ولا أنه دعا إلى ذلك، وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون إشارة جنس الكسوف أنه يصلى له، وليس في خطبته دلالة على أنه صلاها في جماعة؛ لأنه لما خطب فيها وليس من سنتها الخطبة عند مخالفينا؛ فجاز أن يكون صلاها منفردا ثم خطب.
وأيضا فلأنها صلاة نفل في الليل ليست لسنتها وقت مخصوص، أو نقول يجوز أن تفعل قبل المكتوبة فلم يكن من سنتها الاجتماع كالركوع بعد المغرب.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فافزعوا إلى الصلاة" فإنه دليلنا؛ لأنه أمر بها مطلقا، ولم يقل مجتمعين ولا مفترقين؛ فوجب أن يستوي في ذلك الأمران.
وأما الاقتران في اللفظ فلا يوجب عندنا الاقتران في الحكم إلا بدليل.
واعتبارهم بصلاة كسوف الشمس غير صحيح لأنه يقع نهارا، فلا تلحق فيه مشقة.
وليست كذلك خسوف القمر؛ لأنه يقع ليلا؛ فيلحق في الاجتماع فيه مشقة شديدة.
وليس له أيضا وقت محصور؛ لأنه قد يتقدم في أول الليل وقد يتأخر

الجزء: 1 - الصفحة: 67

إلى آخره، وفي الاجتماع له كلفة شديدة.
مسألة قال رحمه الله: وليس في إثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: خالفنا أهل العراق والشافعي، وقالوا: إنه يخطب بعدها، واستدلوا بما رواه مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف ثم انصرف فخطب الناس فحمد الله عز وجل وأثنى عليه.
ولأنها صلاة نافلة تسن لها الجماعة تنفرد بوقت؛ فوجب أن يكون من سنتها الخطبة كالعيدين والاستسقاء، ولا تدخل عليه الوتر والتراويح؛ لأنها لا تنفرد بوقت بل تقع في وقت غيرها.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله عز وجل".
وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن [عمرة] عن عائشة رضي الله

الجزء: 1 - الصفحة: 68

عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من صلاة الخسوف قال: ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر، ولم يذكر في شيء من هذه الأخبار أنه خطب.
وقد روى صلاة الكسوف جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم: علي ابن أبي طالب، والنعمان بن بشير، وجابر وأبو هريرة، وغيرهم، وليس فيهم من نقل أنه خطب.
ولأنها صلاة نفل لا يجهر فيها بالقراءة؛ فلا خطبة فيها اعتبارا بسائر النوافل.
عكسه العيدان والاستسقاء.
فأما الخبر الذي رووه فمعناه أنه أتى بكلام منظوم فيه حمد لله عز وجل وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعظة على سبيل ما يؤتى به في الخطب؛ فلذلك سمتها خطبة؛ وعلى أنا قد روينا عنها من غير هذه الطريق وعن العدد الذي ذكرناه من الصحابة صفة صلاة الكسوف، وليس في ذلك ذكر للخطبة، وليس يجوز أن تكون خطبة وأغفلتها ولا كلهم ذلك مع نقل كل ما تعلق بتلك الحال؛ فوجب حمل تسميتها ذلك بأنه خطبة على الوجه الذي ذكرناه.
وفائدة الخلاف في ذلك [ق/13 أ] هو أنه من سنة الخطبة في الشريعة أن تكون على منبر، وأن تكون خطبتين يجلس في أولها ووسطها، أو في وسطها دون أولها في غير الجمعة.
وهذا غير مراعى عندنا في صلاة الكسوف.
والمعنى في صلاة العيدين والاستسقاء أنهما يجهر فيهما بالقراءة، وليس كذلك صلاة الكسوف.

الجزء: 1 - الصفحة: 69

باب: صلاة الاستسقاء

مسألة قال رحمه الله: وصلاة الاستسقاء سنة تقام، يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة، فيصلى بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة؛ يقرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ﴿والشمس وضحاها﴾ وفي كل ركعة سجدتين وركعة واحدة، ويتشهد ويسلم، ثم يستقبل الناس بوجهه فيجلس جلسة، فإذا اطمأن الناس قام متوكئا على قوس أو عصا فخطب، ثم جلس، ثم قام فخطب، فإذا فرغ استقبل القبلة فحول رداءه [يجعل] ما على منكبه الأيمن على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب ذلك.
وليفعل الناس مثله، وهو قائم وهم قعود، ثم يدعو كذلك، ثم ينصرف وينصرفون، ولا [يكبر] فيها ولا في الخسوف غير [تكبيرة الإحرام و] والخفض والرفع، ولا أذان فيها ولا إقامة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: اعلم أن قولنا

الجزء: 1 - الصفحة: 70

وقول الشافعي أن صلاة الاستسقاء سنة، وقال أبو حنيفة: لا يصلي في الاستسقاء.
وقال أبو بكر الرازي: ليس في كراهية الصلاة فيها رواية.
ويشبه أن يكون مراده أنه ليس فيها صلاة مسنونة كالعيد، وأن الإمام مخير إن شاء فعلها وإن شاء تركها.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه معمر عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس ليستسقي فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما، فحول رداءه فدعا واستسقى، واستقبل القبلة صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن عباس وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثم خطب.
وروى أنس بن عياض عن حمزة عن عبد الواحد عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن جابر بن عبد الله، أو عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى فصلى وكبر واحدة افتتح بها الصلاة.
وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في الاستسقاء متواضعا متخشعا متضرعا متوسلا فصلى ركعتين كما يصلي في العيد.
ولأن الخطبة في الأصول في العبادات لا تكون إلا مقارنة لصلاة كخطبة العيدين والجمعة.
واحتج من خالفنا بما رواه أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم

الجزء: 1 - الصفحة: 71

الجمعة فجاءه رجل فقال: يا رسول الله: هلكت المواشي والزروع، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ودعا فجاء المطر.
فدل هذا على أنه ليس من سنة الاستسقاء أن يصلى، ولأنه لو فعل ذلك لم يخف على الصحابة رضي الله عنهم.
وقد روى أن عمر رضوان الله عليه خرج فاستسقى، وخرج معه العباس رضي الله عنه ولم يصل.
فقيل له: ما زدت على الاستغفار.
ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك.
ولأنها حادثة يخاف منها الضرر فوجب أن لا يصلى لها كالصواعق والزلازل، ولا يلزم عليه الكسوف؛ لأنه لا يخاف منه ضرر، وإنما هو عجوبه.
والجواب عن ذلك أن يقال: أما ما رووه من حديث أنس فعنه جوابات: أحدها: أن دعاءه صادف حالا مشغولا بها عن التأهب لصلاة الاستسقاء، ونحن إنما نقول: من سنة الاستسقاء الصلاة والخطبة إذا تأهب الإمام والناس لذلك.
فأما إذا دعوا دعاء الاستسقاء في عوض غيره من الكلام من غير قصد لإفراده بذلك فليس الصلاة من سنته.
والجواب أنه قد روى من غير هذا الطريق أنه صلى، والزائد من

الجزء: 1 - الصفحة: 72

الأخبار أولى.
وكذلك ما رووه من أن عمر رضي الله عنه استسقى ولم يصل فقد روينا أنه قد صلى، والأخذ بالزائد من الأخبار أولى.
وقياسهم ينقض بالكسوف.
فإن قالوا: قد احترزنا منه بأن قلنا: نخاف منه الضرر، والكسوف لا يخاف منه ضرر بدلالة ما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الشمس والقمر: "إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما [لهما] آيتان من آيات الله عز وجل يخوف بهما عباده، فإذا كسفا فافزعوا إلى الصلاة.
وروى أن الشمس كسفت فخرج صلى الله عليه وسلم لابسا درعه، وترك دواءه فزعا حتى أدرك به.
ولي من حيث عرفنا وجه الضرر بتأخر المطر، ولم يفرق بالكسوف يجب أن يحكم بأنه لا ضرر علينا فيه؛ لأنه ليس من شرط ما يخاف الضرر أن يعرف وجه ضرره.
فصل فصلاة الاستسقاء ركعتان كسائر النوافل، وقال الشافعي رحمه الله: يكبر فيهما كما يكبر في العيد؛ لما رواه ابن عباس أن رسول الله صلى فيها

الجزء: 1 - الصفحة: 73

ركعتين كصلاة العيد.
والذي يدل [ق/14 أ] على ما قلناه ما رويناه أنه صلى الله عليه وسلم استسقى فصلى وكبر واحدة.
وهذا نص في موضع الخلاف.
ولأنها صلاة في غير عيد فأشبهت سائر النوافل.
وما رووه يحتمل أن يكون أراد به صلى ركعتين فقط، ويحتمل أن يكون أراد به قدم الصلاة على الخطبة، وهذا معنى يختص بالعيد.
وخبرنا نص في موضع الخلاف.
فصل فأما تقديم الصلاة على الخطبة فلا خلاف فيه إلا ما حكى عن عبد الله ابن الزبير أنه قدم الخطبة على الصلاة.
والدلالة على ما قلناه أنها صلاة نافلة وسنتها الخطبة؛ فوجب أن يؤتى بها بعد الصلاة؛ اعتبارا بالعيدين.
فصل وقوله: لا أذان لها ولا إقامة فيها.
فلأنها صلاة نفل فوجب أن لا يكون فيها أذان ولا إقامة اعتبارا بالنوافل كلها.
ولأنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أذن له فيها ولا أقيم.

الجزء: 1 - الصفحة: 74

فصل فأما تحويل الإمام رداءه ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه فإنه سنة الاستسقاء عندنا، وعند الشافعي.
فأما عند أبي حنيفة فإن ذلك ليس من سنتها.
والدليل على ما قلناه ما رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمر بن حزم أنه سمع عباد بن تميم يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه إلى القبلة.
وروى ابن وهب قال: أخبرني رجال من أهل العلم عن أنس بن مالك وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن علي، وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استسقى نظر إلى السماء، ورفع يديه حذو وجهه، وحول ردائه يمينه على شماله وشماله على يمينه.
فصل وليس تنكيس الرداء من السنة عندنا.
قال الشافعي: تنكيسه سنة.
والأصل في هذا أن كون هذا الفعل سنة لا يثبت إلا بالشرع، ولا شرع في ذلك.
فإن قيل: فقد روى عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه

الجزء: 1 - الصفحة: 75

خميصة سوداء، فأراد أن يجعل أعلاها أسفلها فثقلت عليه فحولها.
فوجه التعلق من هذا هو أنه أراد تنكيسه، ولكن تركه لعذر صلى الله عليه وسلم فعلم أنه مسنون.
فالجواب: أنه ليس في هذا نص عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعل، وإنما هو ظن من الراوي أنه أراد ذلك، ومثل هذا لا تثبت به سنة.
فإن قيل: لما كانت السنة سنة جدب استحب أن ينكس رداءه تفاؤلا عن تحويل الجدب إلى الخصب كما استحب تحويله تفاؤلا بذلك.
فالجواب: أن التحويل لم يثبت من حيث صح التفاؤل، وإنما أثبتناه لورود الخبر فيه، ولو كان الاعتبار بالتفاؤل في ذلك لوجب أن يستحب كل ما صح فيه؛ فكان يجب تحويل الخاتم من يد إلى يد، وقلب غير الرداء أيضا، وتحويل العمامة.
كل هذا غير مسنون ولا مستحب وإن صح التفاؤل به.
فصل اختلف أصحابنا متى يحول وجهه إلى القبلة ويدعو؛ فقال مالك: إذا فرغ من خطبتيه جميعا جول وجهه إلى القبلة.
قال أصبغ: إذا أشرف على الفراغ من خطبته الثانية حول وجهه إلى القبلة للدعاء، فإذا فرغ أقبل على الناس بوجهه فأتم الخطبة ثم نزل.
فوجه قول مالك هو أن في ذلك قطعا للخطبة، وتشاغلا بغيرها قبل إتمامها، وذلك مكروه؛ لأنه ليس من الخطبة ما يقطع لتحليله فعل غيره، ولأنها خطبة مسنونة في الاستسقاء فوجب ألا تقطع للدعاء وأصلها الأولى.

الجزء: 1 - الصفحة: 76

ووجه قول أصبغ هو أن المسنون في الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء في خلالهما لم يكن في ذلك زيادة، ولا يعود إلى إتمامهما، وإذا أتى به بعد الفراغ منها كان زيادة مستأنفة؛ فكان الأولى أن يؤتى بها في تضاعيفها، والله أعلم.
فصل وأما قوله: يجهر فيها بالقراءة.
فلأنها صلاة نفل لها خطبة، وكل صلاة يخطب لها فالقراءة فيها جهرا.
وقوله: يقرأ فيها بسبح، ونحوها.
فلأنها صلاة يخطب لها بعد الصلاة؛ فوجب أن يكون هذا قدر ما يقرأ فيها اعتبارا بالعيدين.
وقوله: إنه يخطب ثم يجلس ثم يقوم ثم يخطب.
فكذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله، فوجب ابتاع فعل في ذلك، والله أعلم.

باب: ما فعل بالمحتضر، وفي غسل الميت

وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه

مسألة قال رحمه الله: ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر وإغماضه إذا قضى،

الجزء: 1 - الصفحة: 77

ويلقن لا إله إلا الله عند الموت، [فإن] قدر على أن يكون طاهرا وما عليه طاهر فهو أحسن، ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي رحمه الله: أما استحبابه استقبال القبلة إذا احتضر حتى يموت كذلك؛ لأن استقبال القبلة أشرف المجالس وأفضلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أشرف المجالس ما استقبل القبلة".
وهي من أدب الشرع أيضا في غير [ق/15 أ] موضع؛ من ذلك الصلاة، ومنه الذبح، ومنه دفن الميت، وغير ذلك؛ فاستحب توجيهه إلى القبلة في هذه الحال لقربها من الموت؛ ليكون له أشرف وأفضل أن يكون مستقبل القبلة.
وقد وردت الرواية بذلك عن الصحابة والتابعين، وروى أن عمر رضوان الله عليه قال لابنه: إذا حضرتني الوفاة فاحرفني إلى القبلة.
وقال الحسن- يعني البصري: كان يستحب أن يستقبل بالميت القبلة إذا كان في الموت.

الجزء: 1 - الصفحة: 78

وقال عطاء: يستحب أن يوجه الميت عند نزوعه إلى القبلة.
وروى أيضا عن جماعة من التابعين رضي الله عنهم منهم: إبراهيم النخعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وجماعة.
قال مالك رحمه الله: فإن لم يقدر على ذلك جعلت رجلاه في القبلة واستقبلها بوجهه؛ لأن هذا حكم من استحب له استقبال القبلة إذا لم يقدر على ذلك؛ اعتبارا بحال دفنه، وبالمريض الذي لا يقدر على توجيهه على جنبه للصلاة.
وقد قال ابن المواز في المريض: إذا لم يقدر على توجيهه على جنبه الأيمن فعلى الأيسر، فإن لم يتمكن من ذلك فعلى ظهره.
ويجب على هذا أن يكون كذلك حكم المحتضر.
وقول مالك بخلافه على ما بيناه.
فصل فأما إغماضه إذا قضى؛ فلورود السنة به، فروى أبو إسحاق الفزارى عن خالد [الحذاء] عن أبي قلابة عن قبيصة بن ذؤيب عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه.

الجزء: 1 - الصفحة: 79

وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حضرتم موتاكم فغمضوا أبصارهم؛ فإن البصر يتبع الروح".
ولأن في ذلك صيانة للميت، ونفيا للتشويه عنه.
وذلك واجب علينا فعله للميت بعد موته كوجوبه حال الحياة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حرمة المؤمن الميت كحرمته [وهو] حي".
فصل فأما تلقينه لا إله إلا الله وحده لا شريك له- عند الموت-؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله عند الموت".
رواه عمارة بن مخرمة عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله؛ فغنها تهدم ما قبلها وما بعدها".
قالوا: فكيف هي يا رسول الله للأحياء؟ قال: "هي للأحياء أهدم".
وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من

الجزء: 1 - الصفحة: 80

كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".
ولأن في ذلك تجديد اعتقادها إن كان قد ذهل عنه، وقد يموت عقيب ذلك، ويستحب أن يكون آخر عمله.
فصل فأما استحبابه أن يكون طاهرا هو وما عليه؛ فلأنها حال تقتضى تشريفه، وكذلك أيضا يستحب أن يكون طاهرا هو وما عليه.
وروى أبو سلمة عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت دعا بثياب خضر فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "وإن [الميت] يبعث في ثيابه التي يموت فيها".
فصل فأما كراهة قربان الجنب والحائض له؛ فلأنه لما استحب أن يكون هو طاهر فكذلك من يتولى أمره.
وقد قال مالك- رحمه الله: إنه لا بأس أن يغمضه الحائض والجنب.
والفرق- على هذا القول- بين إغماضه وغسله هو أن الغسل يحتمل

الجزء: 1 - الصفحة: 81

التأخير عن وقت موته، وليس كذلك إغماضه؛ لأنه لا يحتمل التأخير، وإنما يفعله لبقاء لين أعضائه وإمكان ذلك فيهما.
مسألة قال- رحمه الله: وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك [أمرا] معمول به.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وجه الإرخاص في ذلك ما رواه معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرؤوا يس على موتاكم"، وإنما لم يره مالك؛ لأنه لم يجده معمولا به، ولم يدرك أحدا من السلف عليه.
مسألة قال- رحمه الله: ولا بأس بالبكاء بلا دموع حينئذ، وحسن التعزي والتصبر أجمل لمن استطاع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما رواه شعبة عن عاصم الأحول قال: سمعت أبا عثمان عن أسامة بن زيد أن بنتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه وأنا ومعاذ وسعد وأحسب أن ابني أو ابنتي قد

الجزء: 1 - الصفحة: 82

حضر فاشهدنا، فأرسل يعزيها وقال: "لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل"، فأرسلت تقسم عليه فأتاها فوضع الصبي في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفسه تقعقع ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له سعد: ما هذا؟ فقال: "إنها رحمة يضعها [ق/16 أ] الله عز وجل في قلب من يشاء، إنما يرحم الله من عباده الرحماء".
وروى ثابت عن أنس قال: رأيت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبد بنفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الله، وأنا بك يا إبراهيم لمحزون".
فدل هذان الحديثان على إباحة ذلك.
وروى مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحارث بن عتيك؛ وهو عبد الله بن عبد الله أبو أمامة أنه أخبره أن جابر ابن عتيك أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه؛ فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "غلبنا عليك يا أبا الربيع"؛ فصاح النسوة وبكين؛ فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعهن، فإذا وجبت فلا تبكين باكية".
قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: "الموت".

الجزء: 1 - الصفحة: 83

وإنما كان التعزي والاسترجاع أحسن لمستطيعه؛ لقوله تعالى ذكره: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾؛ فندب الله- جل ذكره- إلى هذا القول عند المصيبة، ومدح قائله.
وروت أم سلمة- رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني خيرا منها".
وروى مالك عن ربيعة عن أبي سلمة أنه قال لأم سلمة: يا أم سلمة: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما لهو أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، فقال: وما هو؟ قال أبو سلمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أصيب بمصيبة فليقل كما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واعقبني خيرا منها فعل الله تعالى ذلك به".
قالت أم سلمة: فلما توفى أبو سلمة قلت ذلك، ثم قلت: ومن خير من أبي سلمة؟ فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى شعبة عن ثابت عن أنس قال: أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: "اتق الله واصبري"، فقالت: [وما تبالي]

الجزء: 1 - الصفحة: 84

أنت مصيبتي، فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأتته فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك.
فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى"،أو عند أول الصدمة.
وروى ذلك عن أفاضيل السلف رضي الله عنهم.
مسألة قال رحمه الله: وينهى عن الصراخ والنياحة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: روى ذلك أيوب عن حفصة عن أم عطية قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النياحة.
وروى أبو سعيد الخدري قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة.
وروى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من

الجزء: 1 - الصفحة: 85

حلق ومن سلق ومن خرق".
وروى أبو زيد عن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي أخذه علينا ألا نعصيه فيه إلا نخمش وجها، ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبا، ولا ننشر شعرا.
مسألة قال- رحمه الله: وليس في غسل الميت حد، ولكن ينقى، ويغسل وترا بماء وسدر، ويجعل في [الآخرة] كافورا، [ويستر] عورته، ولا [يقلم] أظافره، ولا يحلق له شعر، ويعصر بطنه عصرا [رفيقا]، وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن وليس بواجب، ويقلب لجنبه في الغسل أحسن [وليس بواجب] وإن جلس فذلك واسع.

الجزء: 1 - الصفحة: 86

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: قوله: (وليس في غسل الميت حد) يعني: عددا معلوما يكون عنده الإنقاء، لكن القدر الذي يكون عنده طهوره.
ويستحب له أن يكون وترا من العدد؛ لما رواه مالك عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا سول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني بها".
قالت: فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوة فقال: "أشعرنها إياه"- يعني إزاره.
ورواه أبو داود قال: حدثنا محمد ابن عبيد قال: حدثنا حماد عن أيوب عن محمد عن أم عطية بمعنى حديث مالك.
وزاد في حديث حفصة عن أم عطية نحو هذا، وزادت فيه: "أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيته".
وقوله: (بماء وسدر وفي الآخرة كافورا)؛ فلما رويناه في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اغسلنها بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيء من الكافور".
وقوله: (ويستر عورته) [ق/17 أ] فلأنه لما وجب سترته وهو حي كذلك بعد موته؛ لأن حرمة الميت كحرمة الحي.

الجزء: 1 - الصفحة: 87

وروي عن محمد بن سيرين أنه غسل أنس بن مالك فلما بلغ إلى عورته قال لأهله: أنتم أحق.
دونكم فاغسلوها، فجعل الذي غسلها على يديه خرقة، وجعل على عورته ثوبا، ثم غسل عورته من وراء الثوب.
ومنعه أن يقلم ظفره أو يحلق شعره.
خلافا للشافعي حيث استحب ذلك، ولأحمد بن حنبل حيث استحب أخذ العانة والأظفار؛ فلأن الأصل ألا يفعل في الميت إلا بشرع، ولم يرد شرع بأخذ أظفاره وقص عانته.
ولأن الختان آكد من تقليم الأظفار وحلق العانة؛ لأن من الناس من يوجبه، وليس فيه من يوجب ما تنازعناه- أعني بذلك عن الحي دون الميت، وإذا صح هذا فلم يجب إذا مات وهو أغلف، أن يختتن كان بأن لا يفعل به ما ذكرناه أولى، ونحرر منه قياسا فنقول: لأنه إزالة شيء متصل بالبدن فأشبه بالختان.
ويفارق الدرن والوسخ وما يخرج من بطنه وفيه، لأن ذلك كله منفصل غير متصل.
واحتج مخالفنا بالحديث الذي رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "افعلوا بموتاكم ما تفعلوه بعروسكم" وهذا غير محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما

الجزء: 1 - الصفحة: 88

هو معروف عن آل ربيعة بن الحارث، ولو ثبت لكان معناه من الغسل دون غيره.
قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة" فذكر حلق العانة، ونتف الإبط، ولم يخص حي من ميت.
فالجواب: أنه مصور على الأحياء جون الأموات؛ بدلالة أنه ذكر الختان، وليست ذلك في الموتى اتفاقا.
قالوا: ولأن ذلك من النظافة، والنظافة مندوب إليها في الأموات.
فالجواب: أنا مندوبون من ذلك إلى نظافة مخصوصة دون كل ما كان في بابها؛ فيسقط ما قالوه.
فصل قوله: (ويعصر بطنه).
فلأنه لا يؤمن أن يخرج منه شيء فيلطخ كفنه، وقد روى ذلك من السلف- رضي الله عنهم.
ولأن ذلك أبلغ في النظافة.
فصل قوله: (يقلبه لجنبه) أي: على جنبه؛ فليتمكن من غسل كل بدنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 89

وإن جلس كان واسعا؛ لأنه أكثر في التمكن.
قال عبد الملك بن الماجشون: ينبغي أن يبدأ فيغسل فرج الميت.
قال: لأن الميت إذا مات أضيعت محارزه؛ فقل ميت إلا ويخرج منه شيء.
وعند أبي حنيفة والشافعي يوضأ أولا ثم يعصر بطنه عند آخر غسلة.
والأحوط ما قلناه؛ لما قاله عبد الملك.
وليس الوضوء بلازم في السنة عند أصحابنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به في حديثه حيث أمر بغسل بنته.
مسألة قال- رحمه الله: ولا بأس [أن يغسل] أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: لا خلاف أن المرأة تغسل زوجها، وقد روى ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
وروى ابن أبي ليلى عن عبد الله بن شداد أن أبا بكر رضي الله عنه وصى أن تغسله أسماء بنت عميس.

الجزء: 1 - الصفحة: 90

وروى إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي أن أبا موسى غسلته امرأته.
وقالت عائشة رضي الله عنها: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أزواجه).
ولم ينكر أحد عليها ذلك.
ولأن الغسل لما كان فيه اطلاع على [الميت] وعلى مواضع من مغابنه لم يكن بذلك أحد أولى من الزوجة.
إنما الخلاف في الزوج هل له أن يغسل امرأته إذا ماتت؟ فعندنا وعند الشافعي: له ذلك.
وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه وقاله الحسن.
أبو سلمة بن عبد الرحمن.
وقال أبو حنيفة: ليس للزوج أن يغسل امرأته.
والدلالة على ما قلناه: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها وهي تقول: وا رأساه فيقول: "لا عليك، لو من لغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك" فأخبر أنه صلى الله عليه وسلم لو ماتت قبله لغسلها؛ فدل ذلك على أن للزوج أن يغسل امرأته.

الجزء: 1 - الصفحة: 91

وروي أن عليا عليه السلام غسل فاطمة عليها السلام ولم ينكر عليه أحد.
ولأنها زوجية زالت بالموت؛ فوجب ألا يمنع النظر.
أصله: إذا مات الزوج.
أو نقول: حصول الموت بين الزوجين لا يمنع غسل أحدهما الآخر.
أصله: إذا مات الزوج.
أو نقول: لأنها فرقة يثبت بها التوارث؛ فوجب ألا يتعلق بها تحريم النظر.
أصله: إذا مات الزوج.
ولأن كل معنى لم يحرم نظر الزوجة إلى الزوج لم يحرم نظره إليها، اعتبارا بالأصول كلها كالمريض وغيره.
عكسه الطلاق.
واحتج مخالفنا بقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ ووجه الاستدلال هو أنه إذا كانت تحته امرأة وماتت حل له العقد على أختها، فلو جوزنا له الغسل لكنا قد أبحنا له النظر إلى فرجها وفرج أختها، والآية تمنع الجمع بين الأختين في النكاح أو في شيء من أحكامه من نظر أو مس أو غير ذلك.
فالجواب: أنه لا دلالة لهم في هذه الآية، لأن التحريم إنما تعلق بالاستمتاع وما في معناه، ولم يرد به تحريم [ق/18 أ] الجمع فيما عداه.
ولأن هذا اللفظ محمول على عادة أهل اللغة في الاستعمال، وعادتهم فيه ما ذكرناه.
ألا ترى أنه لا يعقل منه تحريم الجمع بينهما في عقد الشراء.

الجزء: 1 - الصفحة: 92

أو البيع والاستخدام وغير ذل.
وإذا صح هذا لم يكن في إباحة غسلها والنظر إليها جمع بينها وبين أختها؛ لأن إباحة النظر إلى أختها هو من طريق الاستمتاع والالتذاذ وليس كذلك النظر إليها في الغسل.
واستدلوا على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله من نظر إلى فرج امرأة وابنتها".
والجواب: أن معنى هذا على وجه الاستمتاع بدلالة ما ذكرناه.
قالوا: ولأن كل من جاز له العقد على أخت زوجته لم يجز له النظر إليها.
أصله: إذا طلقها قبل الدخول.
فالجواب أن ما لم يجز له النظر إليها لأنه لا يجوز لها النظر إليه، وليس كذلك في الموت؛ لأن نظرها إليه حائز؛ فكذلك نظره إليها.
قالوا: ولأن المعنى الذل له جاز أن ينظر إليها هو النكاح، وقد ارتفع بالموت فوجب ارتفاع ما ثبت به، والدلالة على ارتفاعه جواز العقد على أختها، ولو كان حكم النكاح باقيا لم يجز ذلك له، ألا ترى أنه لو طلقها طلاقا رجعيا لم يجز له أن يتزوج؛ لبقاء حكم النكاح.
فجواب: ذلك أنه ينتقض بموت الزوج.

الجزء: 1 - الصفحة: 93

فإن قيل: إذا مات الزوج حكم النكاح باق في حقها وهي العدة.
قيل له: ينتقض بالمطلقة ثلاثا؛ لأنه ليس لها أن تغسل مطلقها، وأن حكم النكاح باقيا في حقها وهو العدة، وأيضا فإن النكاح باق في حق الزوج وهو الموارثة.
فإن قالوا: إن الموارثة إنما تستحق عقيب الموت والنكاح يزول بنفس الموت.
قلنا: وكذلك العدة تجب عقيب الموت فلا فصل.
قالوا: ولأنها فرقة يتعلق بها جواز العقد على الأخت وجب أن تمنع المس والنظر.
أصله: انقضاء العدة بالطلاق.
فالجواب: أن المعنى في ذلك أنها فرقة يحرم بها على الزوجة النظر إلى زوجها، وليس كذلك الموت.
وبالله التوفيق.
مسألة قال-رحمه الله: والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا [ذو] محرم من الرجال فلييمم رجل وجهها وكفيها.
ولو كان الميت رجلا يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين، إن يكن معهن رجل يغسله، ولا امرأة من محارمه، فإن كان امرأة من محارمه غسلته وسترت عورته.
وإن كان مع الميتة ذو محرم [منها] غسلها من فوق ثوب يستر جميع

الجزء: 1 - الصفحة: 94

جسدها.
قال القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر- رحمه الله: والأصل في هذا أنه لا يجوز لأجنبية أن تمس بدن أجنبي، وكذلك الرجل لا يجوز له أن يمس بدن امرأة أجنبية منه.
وإذا كان كذلك وجب إذا مات من ليست معه إلا امرأة أجنبية أو ليس معها إلا أجنبي أن يقتصر من غسلها على التيمم.
وإنما جاز ذلك لأن النظر إلى الوجه والكفين مباح وما سوى هذا من المرأة عورة لا يجوز للأجنبي أن ينظر إليه ولا أن يلمسه.
والمرأة تيمم الأجنبي إلى المرفقين؛ لأن هذا الموضع ليس بعورة منه.
وإنما وجب أن يعدل إلى التيمم؛ لأن كل غسل وجب في حرمة عبادة متى عدم فيه عين الماء أو وجده لكن لا طاقة له على استعماله فإنه يعدل منه إلى التيمم.
فأما إذا كان مع أحد من هؤلاء ذو محرم فإن له أن يغسله؛ لأنه لا يجوز له النظر إلى بدنه من غير أن يطلع على عورته.
مسألة قال- رحمه الله: [ويستحب] أن يكفن الميت في وتر: ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة، وما جعل له من أزرة وقيص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر.
وقد كفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية، أدرج فيها إدراجا

الجزء: 1 - الصفحة: 95

صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أما استحبابه أن يكفن في وتر؛ فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في وتر؛ فروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لعائشة رضوان الله عليها وهو مريض: في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية.
قال أبو بكر رضي الله عنه: خذوا هذا الثوب- لثوب قد أصابه مش أو زعفران- فاغسلوه، ثم كفنوني فيه مع ثوبين آخرين.
وروى من غير هذا الطريق أنه كفن في ثوبين.
وروى هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة- عليه السلام- كفن في ثوب واحد.
قال هشام: كفن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- في ثوب واحد.
وقوله: يستحب المئزر والقميص في العدد.

الجزء: 1 - الصفحة: 96

فلأن المستحب أن يكون عدد أثواب الكفن وترا، وكل ثوب حكمه حكم نفسه؛ لا يضاف إلى غيره مسألة قال- رحمه الله: ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: وروى مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في قميصه الذي مات [ق/19] فيه.
وروى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: الميت يقمص، ويؤزر، ويلف بالثوب الثالث.
فإنه لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه.
مسألة قال- رحمه الله: وينبغي أن يحنط، ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده ومواضع السجود منه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأن

الجزء: 1 - الصفحة: 97

رسول الله صلى الله عليه وسلم حنط، وكذلك فعل بالصحابة رضي الله عنهم؛ فروى أن عليا رضي الله عنه أوحى أن يجعل في حنوطه مسك، وقال: هو فضل حنوط النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى أن سعيد بن زيد حنط بمسك.
وروى حميد عن أنس أنه جعل في حنوطه صرة من مسك فيه شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويستحب أن يجعل الحنوط في مغابن جسده وفي موضع السجود منه؛ لأن ذلك أشرف موضع في الجسد؛ قال الله تعالى ذكره: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾، وقال عز وجل: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾.
مسألة قال رحمه الله: ولا يغسل الشهيد في المعترك، ولا يصلى عليه، ويدفن في ثيابه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: هذا قولنا وقول الشافعي.
ووافقنا أبو حنيفة في أنه لا يغسل وخالفنا في الصلاة؛ فقال: يصلى

الجزء: 1 - الصفحة: 98

عليه.
وحكي عن سعيد بن المسيب والحسن أنه يغسل ويصلى عليه.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن [جابرا] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ويسأل أيهما أكثر أخذا بالقرآن فيقدمه في اللحد.
وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، فأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلهم.
وروى ابن وهب عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن أنس أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم.
وروى عثمان بن عمر عن أسامة عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- مر بحمزة- عليه السلام- وقد مثل به- يعني: فصلى عليه ولم يصل على أحد من الشهداء غيره.
وأيضا فإن الغسل متعلق بالصلاة؛ يجب بوجوبها ويسقط بسقوطها؛ اعتبارا بالأصول كلها كالمسلم والكافر والطفل المستهل والجنين الذي لم يستهل، وليس في الأصول غسل ميت بغير صلاة ولا صلاة بغير غسل.

الجزء: 1 - الصفحة: 99

وإذا ثبت ذلك وكان الشهيد لا يغسل ثبت أنه لا يصلى عليه.
واحتج المخالف بما رواه يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- كان يوضع بين يديه يوم أحد [أحد عشر- رجلا فيصلي عليهم وعلى حمزة]، ثم ترفع العشرة ويبقى حمزة، ثم يوضع العشرة فيصلى عليهم وعلى حمزة.
وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين من مقتلهم صلاته على الميت.
ولأن وجوب الصلاة على الميت متعلقة بالموالاة؛ بدلالة أن انقطاعها متعلق بالبراءة وقطع الموالاة اعتبارا بسائر الأصول.
ولأنه ميت من أهل الإسلام والطاعة فأشبه غير الشهيد.
ولأنه ليس قتله في المعترك أكثر من كونه شهيدا، والشهادة لا تمنع الصلاة عليه كسائر الشهداء.
فأما الحديث الأول فالجواب عنه أنه ضعيف السند؛ لأن يزيد بن أبي زياد مطعون عليه عند أهل النقل.
ومقسم فقد تكلم فيه أيضا.
وحكى عن أبي داود الطيالسي أنه قال: قال لي شعبة: ألا ترى إلى هذا المجنون جرير بن حازم يسألني ألا أتكلم في الحسن بن عمارة، كيف لا أتكلم فيه وهو يروي عن الحكام بن عينية عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد.
وهذا حماد بن أبي سليمان حدثنا عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد.

الجزء: 1 - الصفحة: 100

وأيضا فإن أصحاب أبي حنيفة لا يمكنهم الاحتجاج بهذا الخبر؛ لأن من أصلهم أن ما تعم البلوى به لا يقبل فيه خبر الواحد، وصلاته على الشهداء مما تعم البلوى به؛ فيجب ألا يثبت بهذا الخبر.
وأيضا فإنا قد روينا أنه لم يصل عليهم ولم يغسلهم، والخبران إذا تعارضا وأحدهما قد أجمع على استعمال شيء منه فإنه يسقط ما لم يجمع على استعمال شيء منه، وقد أجمع في خبرنا على استعمال ترك الغسل؛ فسقط به خبرهم.
وأيضا فإنا نستعمل خبرهم على أحد أمرين: إما على الصلاة التي هي الدعاء، أو على الصلاة المعروفة في غير المقتول في المعترك؛ بدليل خبرنا.
فإن قيل: يستعمل أيضا خبركم فنقول: إن ما روى أنه لم يصل على قتلى أحد معناه: لم يتول ذلك بنفسه.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه لم يكن يتولى الصلاة على الجنائز في وقته صلى الله عليه وسلم أحد غيره؛ ألا ترى في قصة المسكينة أخبروني لأصلي عليها [ق/20].
فإن قيل: خبركم ناف وخبرنا مثبت؛ فالمثبت أولى من النافي.
قلنا: إن النفي إذا ضامه إثبات كان كالإثبات المجرد الذي لا نفي معه.
وأيضا فإن الترجيح معنا من وجهين.
أحدهما: أن خبرنا ناقل، وذلك أن الأصل في الموتى أنه يصلى

الجزء: 1 - الصفحة: 101

عليهم، فإذا ورد خبر أنه لا يصلى عليهم فذلك ناقل، والناقل أولى من النافل.
والوجه الآخر: أن راوينا شاهد الحال، وراويهم نعلم أنه لم يشاهد الحال؛ لأن إثبات الصلاة على الشهيد لم يروه إلا ابن عباس، وكان له يوم أحد سنتان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات وله تسع سنين، وكانت أحد قبل موته صلى الله عليه وسلم بسبع سنين؛ فعلم أنه لم يشهد الحال.
فأما حديث عقبة بن عامر فالمراد به الدعاء؛ لأن الصلاة على الموتى بعد ثمان سنين لا تجوز، ولأن ذلك قد فسر في حديث آخر رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى قتلى أحد بعد ثمان سنين فسلم عليهم.
وقولهم يتعلق بالموالاة ينتقض بالغسل؛ لأنه أيضا يتعلق بالموالاة، ومع ذلك فلا يفعل بالشهداء.
فإن قالوا: الغسل لا يتعلق بالموالاة؛ لأن المسلم يغسل أباه الكافر.
قيل له: لا يغسله عندنا؛ فسقط هذا.
واعتبارهم بغير الشهيد باطل؛ لأنه ميت يلزم غسله وليس كذلك الشهيد.
وقوله: ليس في قتله في المعترك أكثر من كونه شهيدا أو الشهادة.
لا تمنع الصلاة.
لا معنى له؛ لأنا لم نقل أنه لا يصلى عليه لمجرد كونه شهيدا فقط، لكن لكونه مقتولا في المعترك على نصرة أعلى الأمور منزلة وأعظمها قدر وخطرا- وهو التوحيد، لا لكونه شهيدا على الإطلاق؛

الجزء: 1 - الصفحة: 102

فسقط ما قالوه، وبالله التوفيق.
فصل فأما إذا حمل فعاش بعد ذلك ثم مات فإنه يغسل ويصلى عليه؛ لأنه بمنزلة سائر الشهداء الذين عدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبطون وصاحب الهدم وغيرهما.
وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على عبيدة بن الحارث وكانت قطعت ساقه فبرئ منها فمات.
فأما المطعون وسائر الشهداء فإنهم يغسلون ويصلى عليهم، وليسوا كالمقتول بين الصفين؛ لأن ذلك حرمة منهم لما بيناه.
وقد قيل: أكثر الصحابة رضي الله عنهم شهداء فغسلوا وكفنوا وصلى عليهم؛ منهم عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم.
مسألة قال رحمه الله: ويصلى على قاتل نفسه، ويصلى على من قتله الإمام في حد أو قود، ولا يصلى [عليهم] الإمام.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما رواه

الجزء: 1 - الصفحة: 103

ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"؛ فعم ولم يخص.
ولأن هذه الأفعال لا تخرجه عن أحكام المسلمين، ألا ترى أنهم يورثون ويدفنون في مقابر المسلمين فكذلك حكمهم في الصلاة عليهم.
وإنما لم يصل الإمام على المقتول في حد أو قود؛ ليرتدع غيرهم عن مثل أفعالهم؛ إذ رأى الأئمة وأهل الفضل قد امتنعوا من الصلاة على من فعل فعله.
ولأن الإمام كأنه خصم له؛ فوجب أن يصلى عليه غيره.
وقد روى أبو [برزة] الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز ابن مالك، ولم ينه عن الصلاة عليه.
وروى سماك [عن] جابر [بن] سمرة أ، رجلا مرض فصيح عليه.
وفي الحديث: أن جارا له رآه قد نحر نفسه بمشقص معه، فانطلق

الجزء: 1 - الصفحة: 104

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا لا أصلي عليه".
فأما إذا جلد الإمام رجلا في زنا أو شرب فمات من ذلك فإنه يصلى عليه؛ لأن الإمام لم يقتله، وإنما مات من مرض وهم ألم السياط.
وغنما يمتنع الإمام من الصلاة على من قتله دون من فعل به، وربما أدى إلى القتل وربما لم يؤد إليه.
مسألة قال- رحمه الله: ولا يتبع الميت بمجمرة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتبعالميت بصوت ولا نار"؛ فكره التجمير عنده من أجل النار.
مسألة قال- رحمه الله: والمشي أمام الجنازة أفضل.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا قولنا وقول الشافعي- رحمه الله- وقال أبو حنيفة- رحمه الله: المشي خلف الجنازة

الجزء: 1 - الصفحة: 105

أفضل.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه سفيان بن عيينة عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر- رضوان الله عليهما- يمشون أمام الجنازة.
ورواه مالك عن ابن شهاب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر، وعمر، وعبد الله بن عمر، والخلفاء إلى هلم جرا، رضوان الله عليهم.
ولفظة (كان) تفيد المداومة والتكرار، ومعلوم أنهم لا يداومون إلا على أفضل الأعمال.
فإن قيل: لا دلالة له فيما ذكرتم لأنه ليس فيه بيان موضع [ق/21] الفضيلة، ونحن لا ننكر إباحة المشي أمامها وإ، قلنا: إن المشي خلفها أفضل.
قلنا: لا معنى لهذا الاعتراض، لأنا لم نستدل بمجرد فعله وإنما استدللنا بمداومته عليه، وقلنا: إنه لا يداوم على أفضل الأعمال؛ لأن ما يفعله ليدل به على الإباحة والتعليم إنا يفعله مرة في العمر.
وأيضا فإنا قد علمنا من قصد الراوي أنه أراد أن يخبر عن عادتهم في المشي وما كانوا يداموا عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 106

فإن قيل: هذا [معارض] بما روى يونس عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي أما الجنائز وخلفها.
قلنا: هذا لا يعارض خبرنا؛ لأن خبرنا يفيد فضيلة المشي أمامها لمداومته عليه، وخبركم ليس يفيد أن المشي خلفها أفضل وإنما يفيد تساويهما، وهذا المعنى ساقط بالاتفاق؛ لأن أحدا لا يساوي بينهما وإذا كان ما يقتضيه الخبر متروكا لم تقع به معارضة.
فإن قيل: لفظة (كان) إنما تفيد الماضي دون المداومة والتكرار.
قلنا: في مثل هذا الموضع تفيد التكرار والمداومة بالعرف؛ لأن القائل إذا قال: كان فلان يتصدق ويصوم ويقرى الضيف.
لم يفهم منه أنه فعل ذلك مرة في عمره، بل فهم منه أنه يداوم على هذه الأفعال إلى أن مات، وإنما انقطع بموته.
ويدل على ما قلناه أيضا ما رواه محمد بن المنكدر عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه أخبره أنه رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقدم الناس أما زينب بنت جحش رضوان الله عليها.
فأما من جهة العبرة فقد ذكر فيه أشياء.
أحدها: أن حامل الجنازة لما كان أفضل من الماشي معها بدلالة أن لحاملها أجرين وللماشي أجر واحد، ثم كان الحامل لها من قدام أفضل من

الجزء: 1 - الصفحة: 107

المؤخر؛ كان كذلك الماشي.
وقيل أيضا: إن في مشي الناس أمامها إذنا بها؛ ليتأهب للصلاة عليها، وهذا معدوم في المشي خلفها؛ لأن الناس لا يعلمون ذلك إلا بعد جوازها فربما فتتهم أو ضاق عليهم التأهب للصلاة عليها.
وقيل أيضا: إن الناس إذا تقدموا الجنازة سارت على حسب سيرهم؛ فلم يلحقهم تفاوت في المشي، وإذا ساروا خلفها ساروا بسيرها؛ فربما أبطأ الثقيل المشي عن اللحوق بها.
وقيل أيضا: عن في تقدمهم ضربا من التسلية لأهل المصيبة؛ لأنهم لا يشاهدون الجنازة وحمل ميتهم، وفي كونهم خلفها تجديد المصيبة عليهم ولزومها لهم [كلما] شاهدوها ورأوها.
واحتج من خالفنا بما رواه عبد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال أبو سعيد الخدري لعلى بن أبي طالب- عليه السلام: يا أبا الحسن أخبرني عن المشي مع الجنازة أي ذلك أفضل أمامها أم خلفها، فقال علي- عليه السلام: إن فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة المكتوبة على التطوع.
قال: يا أبا الحسن أبرأيك تقول أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 108

وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجنازة متبوعة وليست بتابعة".
قالوا: والمتبع للشيء هو التأخر عنه لا المتقدم أمامه.
وروى عن علي رضي الله عنه أنه كان يمشي خلفها.
وكان أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما يمشيان قدامها.
فقيل له في ذلك فقال: إنهما ليعلمان أن المشي خلفها أفضل، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس.
ولأن الجنازة إنما تتبع تعظيما للميت، والمشي خلفها أبلغ في التعظيم؛ فيجب أن يكون أولى وأفضل.
ولأن المشي معها للصلاة عليها فإذا كان الوقوف للصلاة عليها خلفها كان كذلك المشي معها.
ولأن المشي خلفها أبلغ في الموعظة ولتتذكر من المشي أمامها؛ لأنه يراها فيتجدد له برؤيتها الخشوع والاتعاظ فكان أفضل.
فالجواب: أن ما رووه من حديث أبي سعيد قد قيل: لا أصل له، ومن أقرب ما يدل على ذلك أن الصحابة والأئمة رضي الله عنهم لو عملت صحته لم تكن لتخالفه وتعدل عنه، على أن خبرنا أولى؛ لأنه خبر عن مداومة فعله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: الجنازة [متبوعة] وليست بتابعة.
لا دلالة فيه؛ لأنه ليس معنى اتباعه لها أن يكون خلفها؛ لأن المتبع قد يكون أما المتبع وخلفه على حسب العادة في ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 109

وما رووه عن علي في [باب] أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فالأقرب أنه يكون باطلا؛ لأنه يوجب أنهما تركا الأفضل لا لمعنى يقتضي تركه؛ لأنه ليس في المشي خلفها تثقيل على الناس ولا مشقة [ق/22] حتى يدعاه إلى ما هو أقل ثوابا منه، وعلى أن قد روينا عن عمر رضوان الله عليه خلاف ذلك، وأنه كان يحث الناس على المشي أمام الجنازة فلا ينتقل عن هذا الظاهر بظن عليهم أن مذهبهم خلافه.
وقولهم- المشي خلفها أبلغ في التعظيم- دعوى لا حجة معها؛ لأن المشي أمام الشيء المتبرع قد يكون أبلغ في تعظيمه وذلك على حسب ما جربت به عادة الناس في وجوه ما يتعاطونه من التعظيم، وما مضى عليه من وهم، وليس المرجع في هذا إلى المذاهب واعتبارهم المشي بالوقوف للصلاة باطل؛ لأن ذلك من شروط الصحة، وما تنازعناه فطريقه الفضيلة.
وقولهم: إن المشي خلفها عظة وتذكار.
فبإزائه أن في المشي أمامها تسلية وتخفيفا عن أهل الميت، والموعظة مع ذلك لازمة غير مزايلين لها، والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن، وينصب عليه اللبن.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما

الجزء: 1 - الصفحة: 110

رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة".
وقد روينا عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين أنهم أوصوا أن يفعل ذلك بهم حال النزع وحال الدفن.
فإن لم يتمكن من ذلك فعلى ظهره مستقبل القبلة بوجهه.
فإن لم يمكن فعلى حسب الإمكان.
وقوله: ينصب عليه اللبن؛ فلأن ذلك هو بعد استقرار دفنه، وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحد لابنه إبراهيم، ونصب اللبن على لحده.
مسألة قال رحمه الله: ويقول حينئذ: اللهم إن صاحبنا نزل بك، وخلف الدنيا وراء ظهره، وافتقر إلى ما عندك؛ اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا [تبتليه] في قبره بما لا طاقة له به، [محمد صلى الله عليه وسلم] وألحقه بنبيه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأن ذلك الوقت أحوج ما يكون إلى [الدعاء] ليصحبه عند نزوله إلى قبره؛ فلذلك استحب.
ومهما قاله من الدعاء جاز، ويستحب ما ذكره؛ لأنه أشبه، وروى عن السلف رضي الله عنهم مثله وما في معناه.

الجزء: 1 - الصفحة: 111

مسألة قال رحمه الله: ويكره البناء على القبور وتجصيصها.
قل القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص لقبور.
وروى ذلك أيوب عن أبي الزبير عن جابر- رحمه الله- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقعد على القبر، وأن يجصص، وأن يبنى عليه.
وروى أن ابنا لزيد بن أرقم مات فجاء غلامه بجص وآجر لتجصيص قبره ويبنيه.
فقال زيد: لا يقربه شيئا مسته النار.
مسألة قال رحمه الله: ولا يغسل المسلم أباه الكافر، ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فليواره.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأن الغسل تابع للصلاة فلما لم يصل عليه لقطع الولاية بينهما فيجب لذلك ألا يغسله، ولأن الغسل إنما جعل للمسلم طهارة له، والكافر ليس من أهل الطهارة فلم يغسل.
وروى أن عليا- عليه السلام- جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن أباه أمت فقال: "اذهب فواره"، ولم يأمره بغسله.

الجزء: 1 - الصفحة: 112

وقد روى بعضهم أنه أمره بغسله.
وليس له أصل.
فأما إذا خاف أن يضيع فإنه يواريه؛ لأنه إنما يتركه إذا ناب عنه غيره فيه، فإذا لم يكن له من يكفيه ذلك تعين عليه القيام بأمر مواراته.
مسألة قال رحمه الله: واللحد أحب إلى أهل العلم من الشق؛ وهو أن يحفر للميت تحت الجرف حائط قبله القبر، وذلك إن كانت تربة صلبة لا تتهيل وتنقطع، وكذلك فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللحد لنا، والشق لغيرنا".
وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحد لابنه إبراهيم عليه السلام، ونصب اللبن على لحده.
وهذا إذا كانت أرضا تحتمل ذلك، فأما إذا كانت رخوة يخاف أن تتهيل وتنقطع جاز الاقتصار على الشوق للعذر، والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 113

باب في الصلاة على الجنائز

والدعاء للميت

مسألة قال رحمه الله: والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا قولنا وقول كافة فقهاء الأمصار.
وروى عن عمر وعلي رضي الله عنهما، وابن مسعود وأنس وابن عمر وابن عباس، وابن أبي أوى، وأبي هريرة، وعمير بن سعيد، وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
وحكى عن [عبد الرحمن] بن أبي ليلى أن التكبير [ق/23] على الميت خمس، وإليه ذهب الشيعة.
وعن بعض المتقدمين أنه ثلاث، وعن آخرين أن أقله ثلاث وأكثره سبع.
والدليل على ما قلناه السنة والإجماع.
فأما السنة: فروى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 114

المصلى فصفهم، وكبر عليه [أربع] تكبيرات.
وروى مالك عن أبي أمامة بن سهل، ووصله غير مالك عن أبيه سهل ابن حنيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على مسكينة، فكبر أربعا.
وروى أحمد بن حنبل عن هشيم عن عثمان بن حكيم الأنصاري عن خارجة بن زيد بن ثابت [عن يزيد بن ثابت] قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما أوردنا البقيع فصفنا خلفه فكبر أربعا.
وروى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أمه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة فكبر عليها أربعا.
ورواه ابن عباس وجابر وغيرهم.
وروى ابن وهب وابن عبد الحكم جميعا عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلوا على الميت أربع تكبيرات في الليل والنهار سواء.
وروى بعض من وافقنا عن ابن عباس وابن أبي أوفى أنهما قالا: آخر

الجزء: 1 - الصفحة: 115

ما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنازة أربعا.
وهذا ينسخ كل ما تقدمه مما يخالفه.
هذا من السنة.
وأما الإجماع: فما روى عامر بن شقيق عن أي وائل قال: جمع عمر رضي الله عنه، الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة؛ فقال بعضهم.
كبر النبي صلى الله عليه وسلم سبعا، وقال بعضهم: خمسا، وقال بعضهم: أربعا.
فحملهم عمر- رضوان الله عليهم- على أربع كأطول الصلاة.
وفي حديث آخر أنه قال: [انظروا] أمرا نجتمع عليه، فاجتمعوا على هذا.
وروى الأعمش عن إبراهيم قال: سئل عبد الله عن ذلك فقال: كل ذلك قد صنع، ورأيت الناس قد اجتمعوا على أربع.
وفي هذا أشياء: أحدها: أنه توقيف على الإجماع وأخبار ثبوته.
والثاني: أن ما روي مما يخالف هذا إنما كان قبل الإجماع.
وأما الاعتبار: فقال أصحابنا: لأن التكبير على الجنازة جعل بإزاء عدد ركعات الصلاة، فلما كان أكثر ذلك أربعا كان التكبير على الجنازة مثلها.
وهذا متى سئلنا عن دلالته لم يكن لنا طريق إليه إلا ما رويناه عن عمر

الجزء: 1 - الصفحة: 116

-رضوان الله عليه- أنه جعله أربعا كأطول الصلاة، وذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم فلم ينكر أحد عليه؛ فيعود الأمر إلى الإجماع الذي قلناه.
واستدل من خالفنا بما رواه شعبة عن [عمرو] بن مرة عن ابن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وغنه كبر على جنازة خمسا، فسألته فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها.
وروى عن علي- رضوان الله عليه- أنه كبر على سهل بن حنيف خمسا.
ولأن حكم جملة الصلاة على الجناة حكم الركعة الواحدة؛ فوجب أن يكون فيها من عدد التكبير مثل ما في الركعة.
ولأن الأخبار لما اختلفت وجب الأخذ بأزيدها.
فالجواب أن ما رووه عن زيد بن أرقم لا تعلق فيه من وجهين: أحدهما: أنا قد روينا أن آخر فعله صلى الله عليه وسلم كان الاقتصار على أربع، وهذا ينسخ المتقدم.
والآخر: هو أنه إذا روى أمران وتقرر الإجماع على أحدهما كان ما استقر الإجماع عليه مسقطا لما عداه.
وقد بينا الإجماع على ما قلناه.
وما رووه عن علي- رضوان الله عليه- فقد روينا عنه خلافه، وأنه صلى على يزيد بن المكفف فكبر عليه أربعا؛ فتعارضت الروايتان؛

الجزء: 1 - الصفحة: 117

فسقطتا.
وعلى أن ما رووه مقدم، وما رويناه هو المتأخر؛ لما روي عن عبد خير أنه قال: (قبض علي- رضوان الله عليه- وهو يكبر أربعا) فكان هذا ناسخا لما قبله.
وعلى أنه لو لم يثبت عنه رجوعه لكان غيره من الصحابة بإزائه في الخلاف؛ فيجب النظر.
وقولهم: إن حكم حمله الصلاة على الجنازة حكم الركعة الواحدة باطل؛ لأنه دعوى لا دليل عليها بل حكمها حكم عدد ركعات أطول الصلوات، وهذا الاعتبار أولى؛ لأنه اعتبار الصحابة رضي الله عنهم على ما بيناه.
وقولهم: إن الأخذ بأزيد الأخبار أولى.
فهذا إذا لم يكن منسوخا، ولا في مقابلته إجماع، والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: يرفع يديه في أولهن، وإن رفع في كل تكبير فلا بأس.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: قد اختلف قول مالك في ذلك؛ فروى ابن عبد الحكم عنه أنه استحسن أن ترفع الأيدي في الصلاة على الجنائز.
قال ابن القاسم: وصليت معه على جنازة فلم أره رفع يديه لا في تكبيرة الإحرام، ولا في ما عداها.

الجزء: 1 - الصفحة: 118

وروي عنه أن اليدين ترفع في تكبيرة الإحرام دون ما سواها.
فوجه قوله: "أنها ترفع في كل التكبيرات".
ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ق/24] كان يرفع يديه في كل تكبيرة، ولأنها تكبيرة في القيام؛ فأشبهت تكبيرة الإحرام، ولأنها تكبيرة متوالية؛ فأشبهت تكبيرات العيد.
ووجه قوله: "أنه لا يرفع يديه أصلا".
قوله صلى الله عليه وسلم: "كفوا أيديكم في الصلاة"، وقوله في حديث ابن عباس: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن"، ولم يذكر تكبيرات الجنازة.
ولأنها تكبيرات في صلاة لا ركوع فيها؛ فأشبهت التكبير في سجود التلاوة.
ووجه قوله: "أنه يرفعهما في تكبيرة الإحرام دون ما سواها".
هو أنها صلاة شرعية تشتمل على تكبيرة الإحرام وغيرها من التكبيرات؛ فكان المستحب رفع اليد مع تكبيرة الإحرام، وترك ذلك فيما بعدها، واعتبارا بسائر الصلوات.
مسألة قال رحمه الله: وغن شاء دعا بعد الأربع ثم [يسلم] وإن شاء

الجزء: 1 - الصفحة: 119

سلم بعد الرابعة مكانه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأن القيام كله موضع للدعاء في صلاة الجنازة، فإن شاء دعا بعد الرابعة، وإن شاء سلم ولم يدع؛ لأنه قد دعا [فيما] تقدم.
مسألة قال رحمه الله: ويقف الإمام في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها.
[وهذا على جهة الاستحباب، فلو عكس صحت الصلاة].
قال القاضي أبو محمد- رحمه الله: وهذا لأن ذلك مروي عن جماعة من الصحابة والسلف رضي الله عنهم؛ فاستحب الاقتداء بهم فيه.
وقد رويت فيه أخبار مرفوعة مختلفة بهذا وغيره، إلا أن المستحب ما ذكرناه.
مسألة قال رحمه الله: والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفيفة للإمام والمأموم.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: قوله: "إنها واحدة" فلأنها تحليل من الصلاة؛ فأشبهت سائر الصلوات.
وأما استحباب إخفائها فكذلك روى عن الصحابة رضي الله عنهم،

الجزء: 1 - الصفحة: 120

وروي أن عليا- رضي الله عنه- صلى على يزيد بن المكفف بتسليمة خفيفة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى، وخلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين.
مسألة قال رحمه الله: وفي صلاة على الميت قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه، وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا.
قال القاضي أبو محمد بعد الوهاب- رحمه الله: روى ذلك أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اتبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان؛ أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد".
ولا خلاف أن وقت استحقاق القيراط الأول هو الفراغ من الصلاة.
وأما وقت استحقاق القيراط الثاني فيجب أن يكون بالفراغ من الدفن وما يتبعه من صب الماء وغير ذلك.
ولأصحاب الشافعي في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستحق بوضع الميت في اللحد.
والثاني: أنه يستحق بدفنه، وضم التراب عليه.
والثالث: أنه يستحق بالفراغ [الكلي] منه ومن أموره.
والدلالة على ما قلناه قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن تبعها حتى تدفن فله

الجزء: 1 - الصفحة: 121

قيراطان"، وظاهر هذا يقتضي الفراغ من الدفن وتوابعه، والله أعلم.
مسألة قال رحمه الله: ويقال في الدعاء على الميت [محدود] غير شيء وذلك كله واسع، ومن مستحسن ما قيل في ذلك أن يكبر ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيى الموتى، له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والثناء، وهو على كل شيء قدير.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كلما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت أمته وأنت تحييه، وأنت أعلم بسره وعلانيته، [جئنا] شفعاء له فشفعنا فيه.
اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له؛ إنك ذو وفاء وذمة.
اللهم قه [من]، فتنة القبر ومن عذاب جهنم.
اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه.
اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز [عن سيئاته].
اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه.
اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا [تبتليه] في قبره بما

الجزء: 1 - الصفحة: 122

لا طاقة له به.
اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
نقول هذا بإثر كل تكبيرة، [ونقول] بعد الرابعة: اللهم اغفر لحينا، وميتنا [وحاضرنا]، وغائبنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا، ولوالدينا، ولمن سبقنا بالإيمان، وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت واجعل فيه راحتنا [ومسرتنا].
ثم يسلم.
وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك... ثم [يتمادى] بذكرها على التأنيث، غير إنك لا [تقل]: وأبدلها زوجا خيرا من زوجها؛ لأنها قد تكون زوجة [في الجنة] لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبقين بهم بدلا.
والرجل يكون له زوجات كثيرة [ق/25] في الجنة، ولا يكون للمرأة أزواج.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: أما سقوط التوقيف في الدعاء فلأن الأدعية المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله

الجزء: 1 - الصفحة: 123

عنهم في ذلك مختلفة، ولم يرد توقيف على شيء منها معين، بل ورد الأمر بالدعاء والإخلاص فيه مطلقا؛ قروى أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء"، وإذا كان الأمر كذلك وجب أ، يكون أي ذلك فعل حسنا.
والأدعية المروية في هذا هي التي ذكرها صاحب الكتاب ونحوها.
ونحن نذكر جملة منها إن شاء الله، فروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة فقال: "اللهم أغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وكذلك وأنثانا وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده".
وروى علي بن شماخ قال: شهدت مروان سأل أبا هريرة كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة: اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بشرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها.
وروى حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 124

رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى على ميت فقال: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خير من زوجه، وأدخله الجنة، ونجه من النار، وقه عذاب القبر".
وروى هشام بن عروة عن أبية عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الصلاة على الميت: "اللهم اغفر له، وصلى الله وبارك له، وأورده حوض نبيك".
وروى الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح قال: سمعت يونس بن مسيرة قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته على رجل: "اللهم إن فلانا في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار؛ إنك أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم".
هذا بعض ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
فأما ما روي عن الصحابة رضي الله عنهم: فروى أن أبا بكر الصديق- رضوان الله عليه- كان إذا صلى على جنازة قال: (اللهم عبدك أسلمه الأهل والمال والعشيرة، والذنب عظيمي [وأنت] غفور رحيم).

الجزء: 1 - الصفحة: 125

وروى سعيد بن المسيب قال: كان عمر- رضوان الله عليه- يقول في الصلاة عليه إن كان مساء: أمسى عبدك، وإن كان صالحا: أصبح عبدك قد تخلى من الدنيا وتركها لأهلها، واستغنيت عنه وافتقر إليك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك صلى الله عليه وسلم فاغفر له ذنبه.
وروى أبو الأحوص عن منصور عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى قال: كان علي- رضوان الله عليه- يقول في الصلاة على الميت: اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيتنا، واجعل قلوبنا على قلب خيارنا، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ارجعه إلى خير ما كان عليه.
وروى عن مالك عن سعيد المقبري أنه سأل أبا هريرة كيف يصلي على الجنازة؟ فقال: أنا- لعمر الله- أخبرك؛ أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله جل وعز، وصليت على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم أقول: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه.
اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
وروي ذلك عن عبد الله لن أبي أوفى وغيره، والألفاظ تتقارب.
وإنما لم نقل في المرأة: وأبدلها زوجا خير امن زوجها؛ لما ذكر من أن نساء الجنة مقصورات على أزواجهن، والرجل تكون له زوجات كثيرة، وقوله: إنه يسوق لفظ الدعاء لها على التأنيث؛ فلأن الخبر بذلك ورد،

الجزء: 1 - الصفحة: 126

وقد ذكرناه، ولأنه لما كانت الإشارة بالدعاء إليها وجب أن يكون بكنايتها كما كان الدعاء للرجل بكنايته.
وبالله التوفيق.
مسألة وقد ذكرناه، ولأنه لما كانت الإشارة بالدعاء إليها وجب أن يكون بكنايتها كما كان الدعاء للرجل بكنايته.
وبالله التوفيق.
مسألة قال رحمه الله: ولا بأس أن [يجمع] بين الجنائز في صلاة واحدة، ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء، وإن كانوا رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام، وجعل من دونه أو الصبيان والنساء من وراء ذلك [إلى القبلة] ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا ويقرب الإمام أفضلهم.
قال القاضي- رحمه الله: أما جواز الجمع بين الجنائز في صلاة واحدة فلأنه لا فضل بين ذلك وبين أفراد كل واحدة بالصلاة؛ لأن سائر الشروط التي تفعل في الإنفراد في الصلاة تفعل في حال الاجتماع؛ وقد روي عن [ق/26] جماعة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين أنهم جمعوا بين جماعة جنائز في صلاة واحدة.
فأما استحبابه أن يلي الإمام الرجال ثم الصبيان ثم النساء إلى القبلة، فهذا قولنا وقول كافة الفقهاء.
وحكى عن الحسن البصري أن الرجل يجعل مما يلي القبلة والمرأة مما يلي الإمام.
قال: لأن من سنة الرجال أن يقرب من القبلة؛ ألا ترى أن الرجال والنساء إذا اجتمعوا خلف الإمام جعل الرجال مما يلي الإمام لقربهم من

الجزء: 1 - الصفحة: 127

القبلة، والنساء أبعد؟ والدلالة على ما قلناه الإجماع والنظر.
فأما الإجماع: فما روي عن عثمان- رضي الله عنه- وعمار أنهما كانا يجعلان الرجل مما يلي الإمام.
وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي- رضوان الله عليه- وابن عمر وأبي هريرة أنهم كانوا يجعلون الرجل مما يلي الإمام.
وروى سفيان الثوري عن عثمان بن وهب قال: شهدت ابن عمر وأبا هريرة صليا في جنازة رجل وامرأة، فجعل الرجل مما يلي الإمام.
وروى ابن وهب عن أسامة بن زيد عن نافع مولى ابن عمر قال: وضعت جنازة أم كلثوم وابنها زيد والإمام سعيد بن العاص- فوضع الغلام مما يلي الإمام، وفي الناس ابن عباش وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة؛ فقالوا: هي السنة وروى إسماعيل بن عياس عن عمر بن مهاجر قال: صليت مع واثلة بن الأسقع على ستين جنازة من الطاعون فجعل صف الرجال مما يلي الإمام.
هذا ما روي عن الصحابة رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم.
وروى أبو الزناد عن المشيخة السبعة وغيرهم من نظرائهم أنهم كانوا يقولون: يقدم النساء إلى القبلة، ويجعل الرجال مما يلي الإمام.

الجزء: 1 - الصفحة: 128

وروى ابن وهب عن القاسم وسالم وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم مثله.
وأما من وجهة النظر: فلأن كون النساء أبعد من الرجال أستر لهن، وهذا أمر معتبر في النساء؛ فوجب أن يكون ذلك هو السنة فيهن.
ولأنه لا خلاف أن الحال التي تلي الإمام أشرف وأفضل؛ فيجب أن يكون الرجال أولى بها من النساء؛ لفضيلتهم عليهن.
ولأن الرجال والنساء إذا اجتمعوا في الصلاة خلف الإمام كان الرجال أولى مما يلي الإمام؛ كذلك إذا اجتمعوا للصلاة عليهم.
وبهذا ينتظم الجواب عما قالوه، والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 129

مسألة قال رحمه الله: وأما [في] دفن الجماعة في قبر واحد فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لما روي جابر- رحمه الله- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ويسأل أيهما كان أكثر أخذا للقرآن فيقدمه في اللحد.
ولأنه لما كان القرب من القبلة أشرف وجب أن يكون من هو أفضل أولى به كما أنه كان في الصلاة القرب من الإمام أشرف كان أفضلهم أقرب إليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 130

مسألة قال رحمه الله: ومن دفن [و] ووري ولم يصل عليه فإنه يصلى على قبره.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا لأنه لا يجوز أن يدفن بغير صلاة، ولا يجوز نبشه بعد دفنه، فإذا فاتت الصلاة عليه بدفنه صلى على قبره؛ لأن هذا حكم من لم يسقط الفرض بالصلاة عليه حتى يدفن.
والأصل في ذلك ما روي في حديث المسكينة التي ماتت، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعلامه بها، فخرجوا بها ليلا وكرهوا أن يوقظوه، فلما أصبح صلى الله عليه وسلم صف بالناس على قبرها، وكبر أربع تكبيرات.
أرسل هذا الحديث مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل.
ووصله غيره عن أبيه سعل بن حنيف.
وقد ذكرناه.
فيما تقدم.

الجزء: 1 - الصفحة: 131

مسألة قال رحمه الله: ولا يصلى على من قد صلي عليه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: هذا قولنا وقول أهل العراق.
وقال الشافعي: تعاد الصلاة على الميت قبل الدفن وبعده.
والدلالة على ما قلناه: أن الصلاة على الميت من فروض الكفايات؛ فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين، وإذا ثبت ذلك سقط الفرض بهذه الصلاة؛ فكان ما بعدها نفلا، والنفل غير جائز على الميت.
وأيضا: فإن الميت إذا غسل غسلا واحدا لم يغسل ثانية؛ فكذلك الصلاة؛ لأن كل واحد منهما حكم وجب فيه بالموت، ولا يلزم عليه التكفين إذا كفن في ثوب أنه يكفن في ثان؛ لأن ذلك كله كفت واحد.
ونفرض الكلام في أنه لا يصلى على القبر، والدلالة على ذلك أنه لو جاز ذلك لكان أولى من فعل به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن في الصلاة عليه من الفضل والبركة ما ليس في الصلاة على غيره، وفي ترك المسلمين الصلاة على قبره دلالة على منع ذلك.
وأيضا فلو لم يكن دفن الميت مانعا من الصلاة عليه لم يكن لذلك غاية ينقطع إليها؛ لأنه ليس بعض الأوقات في ذلك بأولى من بعض.

الجزء: 1 - الصفحة: 132

واحتج من خالفنا بأن الناس صلوا على رسول [ق/ 27] الله صلى الله عليه وسلم أفواجا؛ فدل ذلك على جواز إعادة الصلاة على الميت.
وما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة مسكينة.
ولأنه قول عمر وعلي رضوان الله عليهما، وأبي موسى وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم.
ولكن من جاز أن يصلى على الميت قبل دفنه، فإذا لم يصل جاز أن يصلى عليه بعد الدفن.
أصله إذا صلى عليه غير الولي.
فالجواب: أن ما ذكروه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا حجة لهم فيه؛ لأن كل واحد كان مسقطا للفرض عن نفسه؛ لأن الصلاة عليه كانت واجبة على كافتهم.
ولأن خلافنا في الموضع الذي يتعلق به حكم الولاية، وهذا غير موجود في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يكن في الصلاة عليه ولاية.
وما رووه من صلاته صلى الله عليه وسلم على القبر لا دلالة فيه؛ لأنه مخصوص بذلك لعلة لا توجد في غيره؛ وهو قوله: "إن هذه القبور مملوءة ظلما حتى أصلي عليها"، وهذا معلوم في غيره صلى الله عليه وسلم.
وأيضا: فإنه ما دام موجودا متمكنا من الصلاة فالفرض لا يسقط بصلاة غيره.

الجزء: 1 - الصفحة: 133

وما رووه عن الصحابة رضي الله عنهم فينظر فيه ولا يسلم ما قالوه من أنه لا مخالف فيه.
فأما إذا صلى عليه غير الولي، فإن قلنا: إن الصلاة لا تعاد فسقط السؤال.
وإن قلنا: إنها تعاد؛ فلأن الغرض لا يسقط إلا بقيام من له الحق، وهذا الموضع الحق فيه للأولياء؛ فلا يسقط بقيام غيرهم.
والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 134

مسألة قال رحمه الله: ويصلى على أكثر الجسد، واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: لا خلاف في أنه يصلى على أكثر الجسد؛ لأن حكم الأكثر حكم الجميع، وإنما الخلاف في العضو الواحد كالأصبع واليد والرجل.
فعندنا وعند أبي حنيفة لا يصلى عليه.
وعند الشافعي أنه يصلى عليه.
قال عبد العزيز بن أبي سلمة: يصلى على ما وجد منه، وينوى بذلك الميت قليلا كان الموجود أو كثيرا.
واستدل من نصر ذلك بأنه قال: إجماع الصحابة رضي الله عنهم لما روى أن طائرا ألقى يدا في وقعة الجمل فعرفت بالخاتم فصلى الناس عليه- قيل: كان أصبع طلحة- رضوان الله عليه، وقيل: عتاب بن أسيد رضي الله عنه، وذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم والمهاجرين فلم ينكر أحد منهم ذلك.
وروى أن أبا عبيدة بن الجراح- رضوان الله عليه- صلى على رؤوس

الجزء: 1 - الصفحة: 135

بالشام، وعمر- رضوان الله عليه- صلى على عظام بالشام.
قالوا: ولأنه بعض من خلقة الأصل من جملة يصلي عليها؛ فوجب أن يصلي عليه اعتبارا بأكثر البدن.
قالوا: ولأن حرمة الجزء القليل كحرمة الجزء الكثير؛ ألا ترى أنه ممنوع من إتلاف القليل كما هو ممنوع من إتلاف الكثير.
والدلالة على ما قلناه: أن هذه المسألة مبنية على أن الصلاة على الميت لا تعاد، وإذا صح هذا كنا لو قلنا إن اليد والرجل يصلى عليها قائلين بما منعنا منه لا به إذا وجد باقي أعيدت الصلاة.
وأيضا: فلأنه جزء من البدن يسير؛ فوجب ألا يصلى عليه بانفراده.
أصله: السن والظفر والشعر.
فإن قيل: يصلى على هذا عندنا.
قيل له: لا يحفظ هذا عن أحد؛ فهو خرق الإجماع.
فإن قيل: المعني في الأصل أنه ليس بخلقة الأصل، وليس كذلك هذا؛ لأنه من خلقة الأصل.
قيل له: هذا لا يؤثر في منع الصلاة عليه؛ ألا ترى أنه يصلى عليه إذا كان مع أكثر البدن وإن لم يكن خلقة الأصل؟ فأما دعواهم الإجماع فباطل؛ لأنه قد روي عن ابن عباس أنه قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 136

(لا يصلى على عضو من الميت)؛ فسقط ما قالوه، على أنه لم يذكر أن الذين صلوا على اليد التي ألقاها الطائر من الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن المدينة إذ ذاك خالية من الصحابة رضي الله عنهم بتفرقهم مع علي ومعاوية، والأقرب أن يكون الذين صلوا عليه من غير الصحابة؛ فلا يكون فعلهم حجة.
فأما أذا وجد أكثر البدن، فإنه إذا صلى عليه لم يؤد ذلك إلى الصلاة على الميت مرتين، وليس كذلك في الجزء اليسير.
وأيضا: فلأن اعتبار الأكثر بالأقل لا يصح؛ لأن حكم الأكثر حكم الجملة في غالب الأصول، وقياسهم على ذلك ينتقض بالسن والظفر.
والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 137

باب في الدعاء للطفل [وغسله] والصلاة عليه

مسألة قال رحمه الله: تثني على الله تبارك وتعالى، وتصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم تقول... إلى آخر الفصل.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: قد ذكرنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم في الدعاء في الصلاة على الجنازة في الجملة، وقد دخل هذا في جملة ما رويناه عنهم، وذلك مغن عن إعادته.
فأما ذكره الاستعاذة من فتنة القبر فكذلك روي عن الصحابة رضي الله عنهم.
وروى مالك بن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: صليت [ق/28] وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط.
قال: سمعته يقول: اللهم وأعذه من عذاب القبر.
مسألة قال رحمه الله: ولا يصلى على من لم يستهل صارخا، ولا يرث، ولا يورث.

الجزء: 1 - الصفحة: 138

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا يخالفنا فيه أبو حنيفة والشافعي؛ لأن من مذهبهما أنه إذا تحرك ثم مات صلى عليه، وعندنا أنه لا يصلى عليه إذا لم يكن غير الحركة.
والأصل في هذا أنه إنما يصلى على من كان حيا ثم مات؛ بدلالة أنها لو وضعته ميتا لم يصل عليه، وإذا صح هذا فدلالة حياته الصراخ أو ما يقوم مقامه؛ لأن الذي لا روح فيه لا يصيح ولا يستهل، وإذا فقدت دلالة الحياة لم تجز الصلاة عليه، والحركة لا تدل على حياته؛ لأنها قد كانت موجودة فيه حال كونه في بطن أمه، ولا اعتبار بها.
وأيضا ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان؛ فيستهل صارخا من نخسه إلا ابن مريم وأمه صلى الله عليهما".
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل إنسان تلده أمه بلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها صلى الله عليهما".
ألا ترى أن الصبي إذا سقط من أمه كيف يصيح فذلك حين يلكزه الشيطان.
وروى سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله- رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرث الصبي حتى يستهل".

الجزء: 1 - الصفحة: 139

والاستهلال الصياح والبكاء.
وروى عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استهل المولود صارخا صلى عليه، ووجب ميراثه، ووجبت ديته".
وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع أن ابن عمر قال: (إذا تم خلق الصبي وصاح صلى عليه، وورث).
مسألة قال رحمه الله: ويكره أن يدفن السقط في الدور.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: هذا لأنه من جملة موتى المسلمين؛ فوجب أن يدفن في مقابر المسلمين.
ولأن حرمته ثابتة- وإن ولد ميتا- فكان كسائر الأموات.
مسألة قال رحمه الله: ولا بأس أن يغسل النساء الصبي الصغير ابن ست سنين [و] سبع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: لأنه يجوز لهن أن ينظرن إلى بدنه؛ لقوله تعالى: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾؛ فلذلك جاز له غسله.
والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 140

مسألة قال رحمه الله: ولا يغسل [الرجل] الصبية.
واختلف [فيها] إن كانت [ممن] لم تبلغ أن تشتهي.
والأول أحب إلينا.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: أما إن كانت ممن تشتهى فلا يجوز للرجال أن يغسلوها؛ لأنهم ممنوعون من لمسها والنظر إليها للذة؛ فكان حكمها حكم النساء البوالغ.
وإذا كانت ممن لا يشتهى مثلها- مثل ابنة ثلاث سنين وما قارب ذلك- فالأولى أن يجوز لهم غسلها كما جاز غسل ابن ثلاث سنين وأربع.
والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 141

فصول الكتاب · 3 فصل
جارٍ التحميل