وجه الدلالة من هذه الآية قوله: ((فَقَضَى عَلَيْهِ)) فقد استجاب موسى عليه السلام له، ولأن موسى عليه السلام أبو الموحدين، وهو الموحد الأكبر في عصره، ويدل على ذلك أن قومه قالوا له: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:138] فأنكر عليهم، والنبي صلى الله عليه وسلم لما سمع ذلك قال: (الله أكبر قلتم مثلما قال قوم موسى).
فكل نبي هو أبو الموحدين في عصره، فلو كانت الاستغاثة هذه من الشرك لأنكرها موسى، لكن موسى أقرها، بل من دواعي الإقرار أنه قضى على الآخر فأغاث المستغيث.
والله جل وعلا لا يقص قصة فيها إنكار إلا وينكرها، ولا يقص قصة وفيها إقرار إلا ويقر ذلك.
مثال ذلك: الإقرار بملكة سبأ، كما قال تعالى حاكياً عنها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:34] فمن الذي قال: ((وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ))؟ قاله الله، فأقرها على ذلك.
وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:128] فهذا إنكار على النبي صلى الله عليه وسلم، وكقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:1 - 2] والإنكار على نوح واضح جداً في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:46].
إذاً: فالله جل وعلا لا يقر على باطل بحال من الأحوال، بل لابد أن ينكر، وإذا كان حقاً أقره الله، وهنا قص الله علينا قصة موسى وقصة المستغيث بموسى وأقره، فهذه الآية دلالة واضحة جداً على أن الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه مباحة، والله جل وعلا أقرها.
أما من السنة: ففي السنن: أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه كان قد تعب كثيراً من منافق فقال للناس: (قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم).
وهذا الحديث فيه ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث، فالسند فيه ضعف لكنه مما يستأنس به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي، بل يستغاث بالله جل في علاه).
وهذا الحديث عجيب! لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على أبي بكر فقال: (إنه لا يستغاث بي، بل يستغاث بالله جل في علاه).
ومع ذلك يحتج المصنف بهذا الحديث على أنه يجوز أن يستغيث المرء بالحي الحاضر القادر، فما وجه ذلك؟ وجه ذلك: أنه علم أولاً من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستغاثة بالحي الحاضر القادر فيما يقدر عليه أنها مباحة، لكن توجيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لا يستغاث بي)، أن هذا فيه سد الذريعة، فهو يعلم الناس ألا يقولوا ذلك، كما أنكر على من قال: ما شاء الله وشئت، نعم فالمرء له مشيئة، والله جل وعلا جعل له مشيئة، لكن سداً للذريعة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقل ذلك، أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله ثم شئت).
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم أن الأصل في الاستغاثة أن تكون بالله جل في علاه.
أما بالنسبة للتي يقدر عليها الإنسان الحي الحاضر فله أن يستغيث به، فمثلاً: رجل كاد أن يغرق في وسط البحر فوجد سفينة وعليها الركبان، فقال لأحدهم: أغثني أغثني أغثني، فقوله جائز ولا شيء عليه.
كذلك رجل كان من القراء يعالج بالقرآن، ويأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وما أدراك أن الفاتحة رقية؟ اضربوا لي معكم بسهم).
فكان ينفع الناس بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل).
فيقرأ على المصروع، وعنده جيوش جرارة من الجن المسلمين الفقهاء والمحدثين والمجاهدين، وفي ذات مرة وقع في ضائقة فنادى على جني منهم يعرفه باسمه، وكان يستعين به؛ استدلالاً بقول شيخ الإسلام ابن تيمية، فنادى عليه فقال: أنقذني مما أنا فيه، فما هو حكمه مع قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:6]؟ وكيف ترد عليه وهو يستغيث بغير الحي الحاضر.
فالجواب: أنه استغاث بغائب، فلا يمكن أن نقول: إن هذه استغاثة مباحة، بل هي استغاثة شركية، وهذا هو الراجح والصحيح.
أما كلام شيخ الإسلام بجواز