أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب التاسع: في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾

قال سفيان عن زياد بن إسماعيل المخزومي ثنا محمد بن عباد بن جعفر ثنا أبو هريرة قال جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمون في القدر فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ رواه مسلم وقد روى الدارقطني من حديث حبيب بن عمرو الأنصاري عن أبيه قال قال رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين خصماء الله وهم القدرية" ولكن حبيب هذا قال الدارقطني: مجهول والحديث مضطرب الاسناد ولا يثبت والمخاصمون في القدر نوعان أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره كالذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا والثاني: من ينكر قضاءه وقدره السابق والطائفتان خصماء الله قال عوف: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام إن الله تبارك وتعالى قدر اقدارا وخلق الخلق بقدر وقسم الآجال بقدر وقسم الأرزاق بقدر وقسم البلاء بقدر وقسم العافية بقدر وأمر ونهى وقال الإمام أحمد القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا وقال هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء: فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله وفي تفسير علي بن أبي طلحة

عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ قال: "الذين يقولون إن الله على كل شيء قدير وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات فإن أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها ولو كانوا يقرون فمنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها بل يصرحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن يفعل ما يشاء لا يقر بأن الله على كل شيء قدير ومن لا يقر بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة وأنه إن شاء يقيم القلب أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه لا يقر بأن الله على كل شيء قدير ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى كلمه منها وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده وأنه يتجلى لهم يضحك وأنه يريهم نفسه المقدسة وأنه يضع رجله على النار فيضيق بها أهلها وينزوي بعضها إلى بعض إلى غير ذلك من شؤنه وأفعاله التي من لم يقر بها لم يقر بأنه على كل شيء قدير بأنه على كل شيء قدير" فيا لها كلمة من حبر الأمة وترجمان القرآن وقد كان ابن عباس شديدا على القدرية وكذلك الصحابة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.

فصول الكتاب · 31 فصل · 307 صفحة
الانتقال إلى صفحة
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
تأليف ابن القيم
1398هـ/1978م
تقدّمك في الكتاب: الباب التاسع: في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ — 10 من 32
فصول شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل · 307 صفحة
مقدمة...الباب الأول: في تقدير المقادير قبل خلق السموات والأرضالباب الثاني: في تقدير الرب تبارك وتعالى شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خلقهم وهو تقدير ثان بعد التقدير الأولالباب الثالث: في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم صلوات الله وسلامه عليهم.الباب الرابع: في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله وسائر ما يلقاه وذكر الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلكالباب الخامس: في ذكر التقدير الرابع ليلة القدرالباب السادس: في التقدير الخامس اليوميالباب السابع: في أن سبق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقضي ترك الأعمال بل يقضي الاجتهاد والحرصالباب الثامن: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾الباب التاسع: في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدرالباب الحادي عشر: في ذكر المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابةالباب الثاني عشر: في ذكر المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة المشيئةالباب الثالث عشر: في ذكر المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لهاالباب الرابع عشر: في الهدى والضلال ومراتبهما والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهمالباب الخامس عشر: في الطبع والختم والقفل والغل والسد والغشاوة والحائل بين الكافر وبين الإيمان وأن ذلك مجعول للرب تعالىالباب السادس عشر: فيما جاء في السنة من تفرد الرب تعالى بخلق أعمال العباد كما هو منفرد بخلق ذواتهم وصفاتهمالباب السابع عشر: في الكسب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا وإطلاقهما نفيا وإثباتاالباب الثامن عشر: في فعل وافعل في القضاء والقدر والكسب وذكر الفعل والانفعالالباب التاسع عشر: في ذكر مناظرة جرت بين جبري وسني جمعهما مجلس مذاكرةالباب العشرون: في ذكر مناظرة بين قدري وسني...الباب الحادي والعشرون: في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر
الباب الثاني والعشرون: في استيفاء شبه النافعين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها
الباب الثالث والعشرين: في استيفاء شبه النافلين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها...الباب الرابع والعشرون: في قول السلف من أصول الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره.الباب الخامس والعشرون: في امتناع إطلاق القول نفيا وإثباتا أن الرب تعالى مريد للشر وفاعل له.الباب السادس والعشرين: فيما يدل عليه قوله: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك" من تحقيق القدر وإثباته ما تضمنه الحديث من الأسرار العظيمة...الباب السابع والعشرون: في دخول الإيمان بالقضاء والقدر والعدل والتوحيد والحكمة تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم ماض في حكمك عدل في قضاؤك وبيان ما في هذا الحديث من القواعد.الباب الثامن والعشرون: في أحكام الرضا بالقضاء واختلاف الناس في ذلك وتحقيق القول فيهالباب التاسع والعشرون: في انقسام القضاء والحكم والإرادة والكتابة والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعثالباب الموفي ثلاثين: في ذكر الفطرة الأولى ومعناها واختلاف الناس في المراد بها وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال.
جارٍ التحميل