رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربهالمطلب الأول: أقوال الصحابة في هذه المسألة...
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المطلب الأول: أقوال الصحابة في هذه المسألة...

هذه المسألة هي التي وقع الكلام فيها مبكرًا بين الصحابة، ومن أهل العلم من يرى أنه لا خلاف بين أقوالهم في المسألة وأنها متوافقة1، وإنما مرجع الخلاف إلى فهم بعض المتأخرين لأقوالهم وطريقة توجيهها، وبعضهم الآخر يرى أن هناك خلافاً بين الصحابة في المسألة، وأن أقوالهم متباينة فيها، وبنى على هذا الفهم أمورًا وأحكامًا، ومن أجل ذلك أحببت أن أعرض أقوال الصحابة بشكل مستقل، ومن ثم أعرض لأقوال التابعين وتابعيهم، وبعد ذلك أعرض أقوال العلماء وما وجّه به كل فريق قوله في المسألة، فهذا المنهج هو الأسلم لكي يفهم القارئ أقوال السلف مستقلة عن طريقة توجيه كل طائفة لها، ومن ثم سيسهل بعد تصورها مستقلة معرفة توجيه كل صاحب قول لتلك الآثار، ومستنده في فهمه لها، وأي الأقوال أولى بالصواب.

المطلب الأول: أقوال الصحابة في هذه المسألة القول الأول: من أثبت الرؤية مطلقا: 1 - قول ابن عباس رضي الله عنهما: أ - عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم"1.
ب - عن ابن عباس في قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ 2.قال: "رأى ربه فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى"3.

ج - عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "رأى محمدٌ ربَّه".
قلت: أليس الله يقول ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام 103]، قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقال: أُرِيَه مرتين"1.
د - عن عبد الله بن عمر أنه بَعَثَ إلى عبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- يسأله: هل رأى محمدٌ صلى الله عليه وسلم ربَّه؟ فبعث إليه: "أن نعم قد رآه"، فرد رسوله إليه وقال: كيف رآه؟ فقال: "رآه على كرسي من ذهب، تحمله أربعة من الملائكة، ملك في صورة رجل، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، في روضة خضراء، دونه فراش من ذهب"2.

2 - قول أنس بن مالك رضي الله عنه عن قتادة أن أنسًا - رضي الله عنه - قال: "رأى محمدٌ ربَّه"1.
3 - قول أبي هريرة رضي الله عنه قال داود بن حصين: سأل مروان أبا هريرة رضي الله عنه: هل رأى محمدٌ صلى الله عليه وسلم ربَّه عز وجل؟ فقال: "نعم، قد رآه"2.
القول الثاني: من قيدها بالرؤية القلبية: وقد روي في ذلك حديث مرفوع لكنه ضعيف؛ لإرساله وهو ما رواه محمد بن كعب القرظي قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: "رأيته بفؤادي، ولم أره بعيني" 3.
1 - قول ابن عباس رضي الله عنهما: أ - عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً

أُخْرَى﴾ [النجم 13] قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه"1.
ب - وعن أبي العالية عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده مرتين"2.
2 - قول أبي ذر رضي الله عنه أ - عن إبراهيم التيمي أن أبا ذر - رضي الله عنه - قال: "رآه بقلبه ولم تره عيناه".
وفي رواية: "رآه بقلبه"3.
ب - وأخرج النسائي عن أبي ذر قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربَّه بقلبه ولم يره ببصره"4.
القول الثالث: من نفى الرؤية مطلقا.
1 - قول عائشة رضي الله عنها عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة -رضي الله عنها- فقالت: "يا

أبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله الفرية، من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين: أنظريني ولا تعجليني: ألم يقل الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ فقالت: أنا أول هذه الأمة، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض.
فقالت: ألم تسمع أن الله يقول ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ [الأنعام 103]. أو لم تسمع أن الله يقول ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى 51]....."1. 2 - قول ابن مسعود رضي الله عنه عن زر بن عبد الله بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم 13]، قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته، له ستمائة جناح"2.

3 - قول أبي هريرة رضي الله عنه عن عطاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: "رأى جبريل"1.
4 - قول أبي ذر رضي الله عنه عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته، قال: عما كنت تسأله؟ قال: إذن لسألته هل رأى ربه؟ فقال: قد سألته أنا، قلت: فما قال؟ قال: "نور أنى أراه"، وفي رواية "رأيت نوراً" 2

التعليق على الأقوال السابقة: الذي يلاحظ من الآثار السالفة الذكر أنها خلت من النص على رؤية العين فهي: إما أثبتت الرؤية مطلقًا، أو قيدتها بالرؤية القلبية أو نفتها مطلقًا.
ولذلك علق شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا بقوله: "ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني

رأسه1"2. وقال أيضًا: "وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك: فقال: "نور أنى أراه"" 3.
وكذا جزم ابن كثير بأنه لم يصح أن أحدًا من الصحابة قال بالرؤية البصرية حيث قال: "وما روي في ذلك من إثبات الرؤية بالبصر فلا يصح من ذلك لا مرفوعًا، بل ولا موقوفًا، والله أعلم"4.
وقال أيضًا: "وفي رواية عنه - يعني ابن عباس - أطلق الرؤية، وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة رضي الله عنهم"5.
ويجب الإشارة هنا إلى أنه يجب التفريق بين قضيتين، قضية الرؤية والكلام عليها، وقضية الآيات التي استدل بها ابن عباس على إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم

لربه، بينما استدلت بها عائشة وغيرها على أنها تتعلق برؤية جبريل.
قال ابن القيم: "وأما قول ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ثم قال ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ والظاهر أنه مستنده فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها1"2. وعلى العموم فإن الكلام على تفسير الآيات ليس هذا مجاله3وسيأتي الحديث عنه.

فصول الكتاب · 13 فصل · 110 صفحة
جارٍ التحميل