روضة المستبين في شرح كتاب التلقينكتاب الطهارة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال القاضي الجليل أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي: ((كتاب الطهارة: الطهارة من الحدث فريضة واجبة على كل من لزمته الصلاة)) إلى قوله: ((والغسل فيما (عداهما))).
شرح: الطهارة في اللغة هي النظافة والنزاهة، قال الله تعالى: ﴿وثيابك فطر*﴾ [المدثر: 4] والمراد تطهير القلب من دنس الشرك، والخطاب حينئذ للنبي- عليه السلام- والمراد غيره، أو الثياب من النجاسات على اختلاف أهل التأويل فيه.
وهي في الشرع قسمان: عينية وحكمية.

الجزء: 1 - الصفحة: 149

ولما انقسم ظاهر الطهارة الشرعية إلى قسمين: طهارة حدث وهي الحكمية، وطهارة خبث وهي العينية، قيد عموم اللفظ وبين مقصوده، فخرجت طهارة الخبث بقوله: ((من الحدث)): وبقى اللفظ شاملًا لطهارة الحدثين الأكبر والأصغر.
وقد طال كلام الشيوخ في قوله: ((فريضة واجبة)): وقد قصد به الترادف على معنى التوكيد، والتحرز من مذهب أبي حنيفة وأبي زيد،

الجزء: 1 - الصفحة: 150

حيث فرقا بين الواجب والفرض، فالفرض المقصود المدرك، والواجب ما كان مظنون المدرك، وهو اصطلاح محض إذ لا يلزم من اختلاف مدرك الشيء اختلاف الشيء في نفسه وعبر عنه بعض الحنفية فقال: الواجب مخصوص على ما أوجبته السنة، ولا يكفر المخالف فيه.
والفرض هو الواجب بالكتاب الذي يكفر جاحده بغير ارتياب، فكل فرض عندهم واجب، وليس كل واجب فرضًا، والصحيح أنهما اشتركا في خصوصية الرجحان الذي هو فعل الواجب، فلا فرق.
ونظير ذلك في الترادف أيضًا الفاسد والباطل وكلاهما بمعنى واحد في العبادات والمعاملات عندنا.
وقد قال ابن فورك في تفسير القرآن: ((الفرض بجعل جاعل،

الجزء: 1 - الصفحة: 151

والواجب يطلق على الواجب بالأدلة لا بجعل جاعل)) فهذه مسألة أخرى في الفرق بينهما.
ولذلك لما كان من ضرورة الواجب تعلقه بالمكلف، قال: ((على كل من لزمته الصلاة)): وهو المسلم البالغ العاقل، والتمكن من الأداء شرطه.
وقد تفرق العبادة على ضربين، منها ما هو مراد لنفسه، ومنها ما هو مراد لغيره كالطهارة فتجب بوجوب ما تراد له، فلذلك قال: ((على كل من لزمته الصلاة))، ولم يقل: ((على كل عاقل)) لأن الصلاة يسقط أداؤها عن العاقل لمانع كالحيض، وإذا سقط المشروط سقط شرطه، فإذا وجب عليها أداء الصلاة وجب حينئذ تحصيل شرطها فحينئذ يتناولها كلام القاضي، وتحقق عليها معنى التكليف، فهي داخلة تحت عموم لفظه خارجة عنه، باعتبار حالين.
وأيضًا هل يدخل تحت لفظه الصبي المأمور بالصلاة أم لا؟ لأن الصلاة وإن كانت غير لازمة، فشرطها عند فعلها واجب ضرورة فلا تقع شرعية إلا بتحصيل شرطها، فالشرط عليه واجب، وإن كان المشروط مندوبا.
وقد خالف في هذا بعض المذاكرين، ورأى أن الطهارة في حقه ندب كالصلاة إذ لو ثبت في حقه الوجوب لستحق العقاب بتركه، فيلزم القول (بتكليفه) وهو خلاف الإجماع لقوله- صلى الله عليه وسلم-: (رفع القلم عن ثلاثة) فذكر

الجزء: 1 - الصفحة: 152

الصبي فيهم، فاعتبره بعضهم بحكم المشروط، وقال بالمثبوت فيهما في حقه، والامتناع عندنا أنه قد يجب الشرط، وإن كان المشروط غير واجب بدليل الطهارة لمس المصحف، والطواف على ما فيه من حق القائل أن يقول: إن الصبي مكلف بالصلاة بدليل لحوق العقاب الناجز له عند بلوغ العشر سيما أنه يوقعها بقصد العبادات، وصورة الطاعة لا على معنى العبث والعادة، وهو مقتضى الأمر، فإن قال: إنما الخطاب متوجه على الولي والحاكم، ولا يكون الأمر (امرًا) (قلنا): إن لم تكن الصلاة مطلوبة من الصبي فلا معنى لأمر الولي إياه بها.
فإذا صح ما ذكرناه أنه مأمور بها ندبا، ثبت في حقه قسم من أقسام التكليف، إلا أن يدعي الخصم أن المندوب ليس من أقسام التكليف، فإن قيل: إنما أمر بالصلاة للتهديد والتأنيس، قلنا: وبه نقول.
وغاية ذلك أبدًا العلة، وذلك يستلزم وجود المعلول.
وقد قال كثير من أهل العلم إنها واجبة (عليها) تعلقًا بلفظ الأمر، وبمقتضى الأمر الناجز الذي هو حاصله الإيجاب سيما أن التكليف حكم شرعي، وصاحب الشرع قد أمر بأمره، وصرح بتهديده وضربه.
وكذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 153

صلاة النافلة غير لازمة والطهارة لها عند فعلها لازمة، فقد تحقق وجوب الطهارة من الحدثين على من لم تلزمه الصلاة من المكلفين كالطائف وماس المصحف والتنفل، ومن غير المكلفين كالصبيان فيصدق حينئذ العموم والخصوص بالقضية القياسية، فيقال: كل من لزمته الصلاة لزمته الطهارة لها، وليس كل من لزمته الطهارة لزمته الصلاة كالمتنفل، وماس المصحف.
والصبي، والطائف، اللهم إلا على القول بوجوبها على الصبي تعلقًا بمقتضى الأمر، فالقضية متعاكسة في حقه، والشرط والمشروط حينئذ واجبان.
وقد رأى بعض فقهاء الأصوليين (أن الوضوء للنافلة وأن الوجوب فيها لا يتحقق، بدليل أنه إن قام إلى النافلة فحينئذ يتحقق إيجاب الوضوء عليه)، عند الخصم إما أن يجيزوا له الترك مطلقًا أو لا؟ فإن كان الأول سقط الوجوب مطلقًا إلى غير بدل، وذلك إبطال للنفلية، وإن كان الثاني لزم انقلاب النفل واجبًا وهو باطل.
فالوضوء للنافلة حينئذ على (الأصل) النفلية، فإذا كان فعلها بدون الوضوء محرمًا كان تركها حينئذ واجبًا، وبقي حكم النفلية على أصله.
والتزم بعض المتأخرين أنه واجب من حيث إنه إذا كان فعلها بغير طهارة محرمًا، كان فعل الطهارة لها واجبًا، وللقائل أن يقول: إذا كان فعلها بغير طهارة محرمًا، كان تركها حينئذ واجبًا، حملا للضد على ضده.
ومنهم من لزم الفرق بين الصبي والمتنفل، فأوجب الوضوء على المتنفل دون الصبي، اعتمادًا على أن الصبي غير مكلف بخلاف المتنفل، وهو

الجزء: 1 - الصفحة: 154

ضعيف، لاشتراكهما في نفي (التكليف في) صور الفرض، وافتراقهما في غير ذلك لا اعتبار له في هذا المحل.
وقسم بين أنواع الطهارة وحصرها- رحمه الله- في ثلاثة، وقدم الصغرى إجمالًا وتفصيلًا على مقتضى الآية (وبينها) على مسيس الحاجة على (علمها) بتكررها كل يوم وليلة.
قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: 6] ((الآية))، تسمليًا على أنه الأكثر الأغلب، فكان تقديم بيانه أهم.
قال إمام اللسان: ((كأنهم يقدمون الذي ما به أهم بهم، وهم ببيانه أعني، وإن كنا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم)).
وسمى التيمم بدلًا، وقد اختلف الشيوخ في ذلك، فسماه بعضهم بدلًا لأنه يقوم مقام المبدل منه في الاستباحة به فقط أو مطلقًا على ما روى،

الجزء: 1 - الصفحة: 155

وأباه بعضهم نظرًا إلى أن البدلية تقتضي التساوي كخصال الكفارة (المخيرة) فيها، والترتيب بين هاتين الطهارتين قد أتى إجماعًا، وأباه بعضهم نظرًا إلى خصوص الأحكام المذهبية، وسماه بعضهم رخصة، وفيه نظر لفقدان السبب المحرم الذي يتوقف إطلاق اسم الرخصة على (قيامه) إلا أن يثبت أن استباحة الصلاة بغير الطهارة المائية محرم بالأصل، وقد (بقي) أهل الاصطلاح تسميته رخصة بوجوبه، ظنًا (منه) أن الرخصة تنافي الوجوب وفيه ضعف، إذ أن الرخصة قد تجب في بعض الأحوال.
وسماه المحققون فرضًا مستقلًا بنفسه في محله وهو الأصح عندنا، ثم لما كان من ضرورة الوضوء (محالة) تعرض لذكرها وهي أربعة إجمالًا،

الجزء: 1 - الصفحة: 156

وثمانية تفصيلًا، وهي ثمانية بالإجماع لا زائد عليها ومنها مفروض وما ليس بمفروض، ومنها مغسول بلا خلاف كالوجه واليدين، ومنها ممسوح بلا خلاف كالرأس، ومختلف (فيه) كالرجلين، ولم يذكر فيها غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، وهو ثابت فيها من جملة السنن، أو الفضائل على خلاف فيه.
وقد انعقد إجماع الأمة على أن الصلاة لا تستباح إلا بطهارة، استنادًا إلى نص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية، والمعنى: إذا أردتم القيام.
قال زيد بن أسلم: معناه من المضاجع، وقال غيره: المعنى إذا قمتم محدثين، و [قد] اضطر العلماء إلى تقدير هذا المحذوف ضرورة أن الوضوء لكل صلاة غير واجب، وهو مقتضى الظاهر، ولم يقل به إلا من شذ، ولم يصح عن أحد من السلف

الجزء: 1 - الصفحة: 157

القول به الآن، وفي الصحيح عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، والأحاديث في ذلك كثيرة متظافرة على إيجاب الوضوء (كثير) الصلاة، ولذلك اتفق العلماء عليه، وإنما اختلفوا في وقت وجوبه، والصحيح أن الطهارة إنما تجب للصلاة، والصلاة لا تجب إلا بعد دخول الوقت، فالطهارة لا تجب إلا بعد دخوله.
وقد قال بعض الفقهاء إن الطهارة تجب في وقت غير معين.
وقال الشافعي- من شيوخ البغداديين-

الجزء: 1 - الصفحة: 158

الوضوء قبل الوقت نفل يسد مسد الفرض وهو أحد أقوال الحنفية في الصلاة المعجلة في أداء الوقت، والصحيح عندنا أن النفلية متعلقة بالتقديم لا بأصل (النفل) وهو اختيار المحققين.
قال القاضي- رحمه الله-: ((وأحكامه ثلاثة أنواع: فرض، وسنة، وفضيلة)).
إلى قوله: ((ونحن نبين تفصيله إن شاء الله)).
شرح: ذكر في هذه الجملة فرائض الوضوء وسننه وفضائله، وحصر الفرائض في ستة، والمتفق عليها الأعضاء الأربعة الثابتة بنص القرآن، وأما الماء المطلق فمتفق عليه في المذهب.
وفي المذهب قولان في وجوب النية في الوضوء، والمشهور من المذهب أنها واجبة فيه، وفي جميع العبادات، بناء على أن جانب العبادات هو المقصود في الوضوء، والشاذ لا يفتقر إلى نية، بناء على أنه مفهوم المعنى المقصود منه النظافة وهو قول المخالف.

الجزء: 1 - الصفحة: 159

قال الإمام أبو عبد الله (والشيخ أبو الطاهر وعلى ذلك يتخرج الخلاف في الغسل، واحتج له الإمام أبو عبد الله) بقوله- عليه السلام-: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) وهو فيه نظر، لأن ذلك الوضوء عري عن النية لفظًا بما عري فيها وجودًا أو قصدًا، وإنما عولوا على تغليب الماء كما ذكروا.
ولما غلب العراقيون على الوضوء حكم النظافة، ورأوا أنه مفهوم المعنى، لم (يوجبوا) النية فيه، كما أنها في إزالة النجاسة غير (واجب)

الجزء: 1 - الصفحة: 160

وعلل ذلك أصحابنا بوجهين، فمنهم من قال: لأنها مفهومة المعنى، والمقصود منه الإزالة، فكيف حصلت حصل المقصود، وقال بعضهم إنما لم تفتقر إزالة النجاسة إلى النية لأنها من باب التروك، فأشبهت ترك الزنا واللواط وغير ذلك من المنهيات التي لا تفتقر إلى النية.
وكذلك قال كثير من الأصوليين إن الكفار مخاطبون بالمنتهيات دون المأمورات، بناء على ما ذكرناه من المتروك لا يفتقر إلى نية، وهو خطأ، لأن كثيرًا من الأفعال أيضًا كذلك، كرد الودائع والمغصوب ونحوه.
وألحق بعض أصحابنا بالفرائض الفور والترتيب وهو قول الشافعي، وألحق ابن

الجزء: 1 - الصفحة: 161

الماجشون نقل الماء إلى الأعضاء بالفرائض، والمشهور من المذهب أن ذلك لا يلتحق بالوجبات.
وحصر (السنن) في سبعة، والفضائل في ثلاثة جريًا على ما ارتضاه المذهب، وقد فصل ذلك (بعد هذا).
قال القاضي- رحمه الله-: ((أما النية فقد بينا أنها من فروضه)) إلى قوله: ((كقصده استباحة جميعه)).
شرح: النية في كلام العرب عبارة عن القصد، ومن كلام العرب: ((نواك الله بحفظه)) أي قصدك وقال الشاعر: إلى الله أشكو نية شقت العصا ... هي اليوم شتى وهي أمس جميع وهي في الشريعة عبارة عن قصد تخليص أعمال الطاعة له سبحانه لتتبين أعمال العادات من أعمال العبادات، واختص القول في بعض أحكامه وصفاته،

الجزء: 1 - الصفحة: 162

ومحل القصد القلب عندنا، وعند بعض المتكلمين الدماغ وهذا لا قاطع عليه.
واختلف المذهب في محله من الطهارة، فقيل عند ابتدائه في العمل المشروع فيها، حكاه القاضي أبو محمد والقاضي أبو الوليد وغيرهما عن المذهب.
قال القاضي في التلقين: ((يبدأ المتوضئ بعد النية بغسل يديه))، وهذا نص على أن المراعى ابتداء العمل المشروع، وقد قيل عند ابتدائه بالعمل المفروض، وبه قال الشافعي وبعض المالكية.

الجزء: 1 - الصفحة: 163

قال الإمام أبو عبد الله: اختلف الناس في محلها الخفي، وفي محلها الشرعي، أما محلها الخفي فقيل القلب، وقيل الدماغ، وأما محلها الشرعي ففي المذهب قولان، فقيل المراعى أول العلم المشروع، وقيل المراعى أول العمل المفروض والأولى مراعاتها في أول العمل المشروع، واستصحابها إلى آخر العبادات وهو جمع بين القولين.
والدليل على وجوب النية الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: 5] وقال تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ [الشورى: 20] فبين سبحانه أنها لا تكون نصيبًا في الآخرة إلا لمن قصدها بالعمل، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات) والخبر متواتر في المعنى ولذلك قال جمهور الفقهاء بمقتضاه،

الجزء: 1 - الصفحة: 164

وأوجبوا النية في الوضوء، والصلاة والصوم، وغير ذلك من أعمال الطاعات التي ظهر قصد (التعبد) [بها].
واختلفوا في وجوب النية في مواضع، منها: غسل الجمعة، وظاهر المذهب افتقاره إلى النية، تغليبًا لحكم العبادات، والقول الثاني: أنه لا يفتقر إلى النية تغليبًا لحكم النظافة، وكذلك اختلفوا في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، والذكر من المذي، فيه قولان في المذهب، وسنذكر ذلك في محله.
وإذا قلنا بوجوب النية -كما ذهب إليه الجمهور -فمن شرطها أن تكون مقارنة للفعل، فإن تأخرت عنه فهي مجزئة، فإن تقدمت بالزمان الطويل فكذلك، وإن تقدمت بالزمان اليسير.
ففيه قولان مبنيان على ما قارب الشيء هل حكمه كحكم الشيء أم لا؟.
واختلف إذا عدمت النية عند شروعه في العمل، ففي المذهب قولان المشهور عدم الإجزاء، والشاذ الإجزاء، بناء على الاسترسال ونفيه، وقال (ابن الماجشون): يجزئه في البحر، لأنه لا يقصد غالبًا إلا لغسل الجنابة بخلاف الحمام، فإنه يقصد غالبًا للنظافة.
وروى عن ابن القاسم أنه أجزأه

الجزء: 1 - الصفحة: 165

في البحر والحمام إذا ثبت قصده على غسل الجنابة، والذي اختاره الإمام أبو عبد الله وجوب استصحابها حكمًا لا ذكرًا، وذلك ما دام العمل متصلاً، فإن انفصل بعضه عن بعض لزم تجديد النية ذكرًا.
واختلفوا هل تفرق النية على أعضاء الوضوء أم لا؟ وفيه قولان: المنصوص عدم التفريق نظرًا إلى أنها عبادة واحدة وقربة متشخصة، فكأن الأعضاء كلها عضو واحد (فاستحب) حكم النية على جميعها (استحبابه) على عضو واحد.
والشاذ أنها تفرق على الأعضاء فاستقرأه القاضي أبو محمد عبد الوهاب من المدونة وفيه نظر، ومبناه على أن كل عضو مخصوص بحكمه متعبد بمسحه أو غسله، فلزم تخصيصه كسائر العبادات.
قوله: "والذي يلزمه أن ينوي بوضوئه رفع الحدث (أو استباحة) فعل معين يتضمن رفع الحدث": هو كما ذكره، وبين كل واحد من القسمين بالمثال، انظر: هل يكفي الإطلاق في اعتقاد رفع الحدث أو يفتقر إلى النية بالقيد الخاص، وتعيين الحدث الموجب للطهارة، فينوي الأصغر بعينه أو

الجزء: 1 - الصفحة: 166

الأكبر على حكم الوجوب، فيه تأويل، والذي يجب التعويل عليه أنه مأمور باستحضار كل واحد منهما بقيده الخاص، لقيام سببه عند الشروع فيه، فإن إطلاق اللفظ والقصد من غير تقييد لفظ ولا قصد، ولم يعين حدث، فظاهر المذهب أنه لا يجزئه، وقال الشيخ أبو إسحاق: من اغتسل ينوى التطهر ولم ينو الجنابة، قال مالك مرة لا يجزئه، وقال مرة يجزئه، وعلى ذلك أكثر أصحابنا.
قلت: الصحيح عندنا (لا يجمع داخل) تحت الإطلاق، لأنه أقل مسمياته، ولا يتحقق مدلول اللفظ، ومقتضى القصد دونه، ولا يدخل الأكبر مستخص قصدًا، ولا منصوصًا عليه لفظًا، ويحتمل أن يدخل لشمول اللفظ واسترسال القصد.
ولو لزمه رفع الحدث الأكبر فنوى الأصغر.
فلم يختلف العلماء المشترطون للنية أنه لا يجزئه في الطهارة المائية لاختلاف الموجب معًا، وأما في الطهارة الترابية ففيه قولان في المذهب الإجزاء لاتفاق الموجب ونفيه لاختلاف الموجب حكاهما القاضي أبو الوليد وغيره.
انظر: لو لزمه رفع الحدث الأصغر فنوى الأكبر هل يجزئه الاندراج الجزئي تحت الكلي

الجزء: 1 - الصفحة: 167

أم لا؟ بخروجه عن (ميز) الشرع، وإفساده الأوضاع الشرعية بالقلب والتغير، فكأنه كالغاية، ولو قصد الطهارة المطلقة لم يرتفع عنه الحدث لصدق اللفظ على طهارة النجس فلا يدخل في ذلك رفع الحدث إلا بقصد معين، وأما المعين المتضمن لرفع الحدث فهو أن يتوضأ لاستباحة فعل معين لا يستباح إلا بعد التطهير من الحدث، وهذا الضابط يدخل تحته قسمان: الأول: الصلوات على اختلاف أنواعها إلا ما لا يستباح إلا بالطهارة بالوضوء (يتوضأ) لها (فرضًا) كانت أم نفلاً)، فإذا توضأ لاستباحة الصلاة عم أثره، ونفد حكمه إلا أن يقتصر الوضوء على صلاة بعينها معينة مثل أن يقول: أتوضأ لصلاة الظهر فقط، فأجراه الشيخ أبو الحسن بن القصار على الخلاف في رفض الوضوء هل هو مؤثر أم لا؟ فيختلف في هذه الصورة فهل يستباح بهذا الوضوء كل الصلوات نظرًا إلى أن ذلك هو مقتضى الوضوء الشرعي، فالقصد فيه مخالف لقانون الشرع، فجرت صورة الوضوء على ظاهر حكمها، وعم أثرها، وانتفى القصد بخروجها عن وضع الشرع، أو لا يستباح به شيء من الصلوات، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وحكى

الجزء: 1 - الصفحة: 168

في المذهب.
سمعناه في المذاكرة.
نظرًا إلى أن قصد النية أخرجها عن حكم النية الشرعية المشترطة في العبادات، وخصوصًا في هذا الباب، فإذا خرجت عن سنتها، وغيرت عن وضعها وقعت فاسدة، فلم يترتب عنها (أثر) مطلقًا، أو يستباح به الصلاة المعينة وحدها لقوله -عليه السلام -: (وإنما لكل امرئ ما نوى)، ومن هذا النمط أن يبول ويتغوط، فيتوضأ قاصدًا لرفع حكم البول، قاصدًا أن لا يرفع حكم الغائط، فأجرى الإمام أبو عبد الله الثلاثة الأقاويل المذكورة فيه.
القسم الثاني: الطواف بالبيت، ومس المصحف، والمعول عليه من مذهبنا أنه كالصلاة، فإذا توضأ لذلك استباح (به) الصلاة، لأن الوضوء مشروط في ذلك اشتراطه في الصلاة، واختلف المذهب في مسائل: الأولى: إذا نوى التبرد، ورفع الحدث معًا، ففيه قولان في المذهب، الإجزاء، ونفيه، وجعله الإمام أبو عبد الله من قسم النية المركبة، وفيه مجاز، إن النية لا تركيب فيها، وإنما التعدد في المتعلق فقط.
الثانية: إذا توضأ تعلما هل يستباح به الصلاة أم لا؟ فيه نظر، وتحصيل

الجزء: 1 - الصفحة: 169

الأمر أنه إن نوى التعليم فقط من غير استحضار قصد رفع حكم الحدث، لم تستبح به الصلاة، وإلا استباحها، إذ رفع حكم الحدث لا يناقض التعليم.
الثالثة: اختلفوا إذ توضأ لما شرعت له الطهارة استحبابًا، مثل أن يتوضأ لقراءة القرآن طاهرًا، أو للدخول على (السلطان) وللنوم ونحوه، فحكى أبو محمد أنه لا يجوز الصلاة من ذلك، وحكى ابن حبيب أنه اختلف أصحابنا في صحة الصلاة بالوضوء للنوم، ووقع في المختصر أنه يصلي بذلك، والخلاف فيه كله مشهور عندنا.
في المجموعة: من توضأ للدخول على السلطان فإنه يصلي به.
قال القاضي أبو الوليد: الوضوء لدخول المسجد، ولدخول مكة، وللسعي بين الصفا والمروة، وللوقوف بعرفة مستحب بالوضوء للنوم، فيجري قول ابن حبيب.
قال الإمام أبو عبد الله: المشهود إذا توضأ لما تستحب الطهارة له أن حدثه لا يرتفع.

الجزء: 1 - الصفحة: 170

الرابعة: إذا توضأ مجددًا، ثم ذكر أنه محدث، هل يجزئه ذلك عن وضوء حدث أم لا؟ فيه قولان، والمشهور عندنا أنه لا يجزئه.
وكذلك وقع في كتاب ابن سحنون، وحكى الشيخ أبو محمد في النوادر عن أشهب أن ذلك يجزئه، ومبنى المسألة على الخلاف في نية النفل هل تنوب عن نية الفرض أم لا؟ ومن ذلك نشأ الخلاف فيما إذا اغتسل للجمعة ناسيًا للجنابة، والمشهور أنه لا يجزئه وقال ابن وهب وابن كنانة

الجزء: 1 - الصفحة: 171

ومطرف وابن الماجشون يجزئ غسل الجمعة عن غسل الجنابة، كمن توضأ للنافلة، فإنه يصلي به الفريضة.
الخامسة: إذا توضأ تبردًا هل تستباح به الصلاة أم لا؟ قولان المشهور لا تستباح بها، ويتخرج الإجزاء على القول بأن النية غير مشترطة في الوضوء وهو شاذ، حكاه ابن المنذر، ويلحق بذلك إن توضأ لما (لا) تشترط له الطهارة كالمس ونحوه.
فرع: لا يلزم في وضوء ولا غسل أن يعين بنيته الفعل المستباح، ويلزم ذلك في التيمم، وحكى ابن حبيب أن ذلك مشترط على (مستعمل)، والمشهور أن ذلك على معنى الاستحباب لا على معنى الإيجاب، فانظر الفرق.
قال القاضي -رحمه الله -: "وأما الوجه فالفرض إيعاب جميعه" إلى قوله: "وأما الرأس فهو ما صعد عن الجبهة".
شرح: ذكر في هذا الفصل حكم الوجه، وما يتصل به، وحكم اليدين،

الجزء: 1 - الصفحة: 172

وقد أجمع العلماء على أنها من الأعضاء المغسولة.
أما الوجه فلا خلاف في المذهب في حده طولاً في حق الأمرد، بأنه من منابت الشعر المعتاد إلى آخر الذقن.
واحترز بالمعتاد من الأصلع والأقرع.
وتعقب الإمام أبو عبد الله على القاضي إطلاق القول في ذلك، ورآى أن التقييد بالمعتاد واجب وهو صحيح كما ذكره، ولم يقصد القاضي غيره.
واختلف في حده طولاً في حق الملتحي، وفي حده عرضًا في حقه ففيه روايتان في المذهب أحدهما: من منابت الشعر المعتاد إلى آخر الذقن كالأمرد، وهو اختيار الشيخ أبي بكر الأبهري، وثانيهما: أنه إلى آخر اللحية، وهو قول الجمهور، واختاره القاضي أبو محمد -رحمه الله -، بناء على المتصل بالشيء له حكمه، والأول أصح، بناء على التسمية اللغوية التي نزل بها القرآن، والذي نرتضيه أن حده إلى آخر الذقن، وإيجاب إمرار اليد على اللحية، وينتفي دخول اللحية في حد الوجه، وإنما دخلت من باب إعطاء الشيء حكم ما اتصل به أو جاوره، وبهذا الطريق يقع (التوفيق) بين مقتضى

الجزء: 1 - الصفحة: 173

اللسان والشرع، لأن العرب (مجموعون) على أن الوجه قبل ظهور اللحية يسمى وجهًا، وعلى أنه لا يقال لمن سقطت لحيته أو بعضها قد ذهب وجهه أو بعض وجهه، فدل على أنها غير داخلة تحت مسماه، ولو دخلت تحت مسماه، لوجب غسلها، وامتنع الاكتفاء بالمسح، لأن فرض الوجه الغسل، لا المسح، ففي إدخال القاضي أجزاء اللحية في حد الوجه، تجوز ظاهر عندنا.
واختلف المذهب في حده عرضًا على أربعة أقوال، فقيل: (من الأذن إلى الأذن) وهو أحوط، وقيل: من العذار إلى العذار بناء على الاشتقاق، وقيل: بالتحديد الأول في حق الأمرد، وبالتحديد الثاني في حث الملتحي، وقيل: إن غسل البياض الذي بين الصدغ والأذن سنة وهو اختيار أبي محمد توسطًا بين القولين وفيه نظر، لأنه إن ثبت أنه من الوجه وجب غسله، وإن كان من الرأس وجب مسحه بناء على (وجود) التعميم،

الجزء: 1 - الصفحة: 174

والتفريق لا دليل عليه.
ثم الشعور على قسمين خفيفة وكثيفة، فالفرض مع الخفيفة باق على أصله، واختلف المذهب في الشعور الكثيفة هل الفرض الأصلي باق أو منتقل، وهو المشهور رفعًا للمشقة، وكذلك اختلفوا في تخليل الشعور في الوضوء، ومن العتبية عن مالك أنه عاب تخليل اللحية ورآه من التعمق، واستحبه ابن حبيب تحرزًا من الخلاف، وأوجب ابن عبد الحكم تخليلها في الوضوء وبه قال أبو ثور قياسًا على الغسل.
وأما اليدان فالفرض غسلهما إلى المرفقين، واختلف المذهب هل يلزم إدخال المرفقين في الغسل أم لا؟ وكذلك اختلفوا في وجوب إدخال الكعبين في الرجلين.
والمعتمد عليه في مذهب مالك وجوب إدخالهما في الغسل وبه قال أبو حنيفة

الجزء: 1 - الصفحة: 175

والشافعي وروى ابن نافع عن مالك في المجموعة أنه يبلغ بالغسل إليهما، ولا يدخلان، وهو مقتضى الغاية وذكر الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد اختلافًا في ذلك وأنكر الخلاف فيه القاضي أبو محمد، (وحكى) أنه لا قائل (في المذهب) يمنع إدخالهما، وإنما هو قول برأي، والخلاف في ذلك مشهور مبناه على اختلاف العلماء فيما بعد الغاية، هل يدخل فيما قبلها أم لا؟ فمنهم من قال يدخله مطلقًا لأنه أحوط، وعلى هذا القول يلزم أن يكون إدخالهما من باب الاحتياط، لا من باب الإيجاب، وهو اختيار الشيخ أبي الفرج وهو من باب لا يتم الواجب إلا به، ومنهم من قال لا تدخل

الجزء: 1 - الصفحة: 176

مطلقًا لأن مقتضى الغاية الفصل، والدخول ينافيه، وقيل إن كان من الجنس دخل وإلا فلا.
وروى جابر بن عبد الله أنه رأى الماء على مرفقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وصح عن أبي هريرة أنه لما توضأ أدار الماء عليهما، وقال عند تمام وضوئه: هكذا توضأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم -. وقال -صلى الله عليه وسلم -: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل).
وفي تخليل الأصابع ثلاثة أقوال: فقيل هو واجب في الوضوء

الجزء: 1 - الصفحة: 177

والغسل، وقيل ليس بواجب في الوضوء والغسل، وقال ابن وهب هو واجب في اليدين، ومستحب في الرجلين، لأن أصابعهما متصلة، بخلاف اليدين، والظاهر وجوبه مطلقًا، لأن ما بين الأصابع داخل تحت محل الغسل، ولا يتم الغسل حقيقة إلا به فكان واجبًا، إذ لا معنى للغسل إلا بإمرار الماء على جميع العضو المغسول.
وقال -عليه السلام -: (خللوا بين أصابعكم لا يخللها الله بالنار) وفي حديث لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: (إذا توضأت فأسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع).

الجزء: 1 - الصفحة: 178

واختلف المذهب في تحريك الخاتم في الوضوء والغسل، فقيل يحركها فيهما لأن ذلك مظنة تكميل الواجب، وقيل يحركها مطلقًا، وقيل إن كان ضيقًا حركها وإلا فلا، وقيل يحركها في الوضوء دون الغسل ويحركه في التيمم.
وروى الدارقطني أن النبي -عليه السلام -: (إذا توضأ حرك خاتمه).
قال القاضي -رحمه الله -: "وأما الرأس فهو ما صعد عن الجبهة إلى آخر القفا طولاً وإلى الأذنين عرضًا".
شرح: وهذا كما ذكره، ولا خلاف في حد الرأس طولاً وعرضًا، وإنما اختلفوا في تعميمه، والشعر المتصل به هل يعطى حكمه أم لا؟ وفي الأذنين هل هما منه أم لا؟ كما ذكره القاضي.
أما وجوب تعميمه فيه، في المذهب خلاف، المشهور وجوبه، وأنه إن

الجزء: 1 - الصفحة: 179

اقتصر على بعضه لم يجزه بناء على أن الباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: 6] للإلصاق أو زائدة لا للتبعيض، وقيل: إن مسح بعضه أجزأه، واختلفوا في تحديد ذلك، فمن المالكية من أوجب مسح ثلثه، وهو اختيار أبي الفرج، ومنهم من أوجب مسح ثلثيه، وهو قول ابن مسلمة، ومنهم من اعتبر الربع وهو مقدار الناصية.
روى عن مالك أنه قال إذ اقتصر على مقدم رأسه أجزأه.
واختلفت أقوال الشافعية في ذلك وقاعدة مذهبهم جواز التبعيض بناء على أنه مفهوم الباء، وقد ثبت التبعيض عن النبي -صلى الله عليه وسلم -من طريق، والأشهر أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 180

بدأ من المقدم ثم انتهى إلى المؤخر وذلك يقتضي التعميم، وهو أحوط، وداخل تحت مقتضى اللفظ، وقد قيل: إن الباء باء العلة كقول الشاعر: ومسح باللثتين عصف الإثمد والمعنى ومسحت بعصف الإثمد اللثتين، والتقدير في الآية على هذا التأويل: وامسحوا بالماء رؤوسكم.
وبالتبعيض قال جماعة من أهل العلم اعتمادًا على ما ذكرنا أنه مفهوم الباء، وهم مع ذلك موقوفون على امتناعه في قوله: ﴿فاسمحوا بوجوهكم﴾ إذ لا قائل بالتبعيض فيه بل هي عندنا للإلصاق كقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: 29] والصحيح القول بالتعميم، وأما التحديد بالثلث أو بالثلثين أو بغير ذلك من التقديرات فلا دليل عليه، بل إن كان التبعيض جائزًا وقع الاكتفاء بأقل ما يسمى مسحًا عند العرب.
وأما الشعور المتصلة به فقيل يلزم إمرار اليد عليها إعطاء حكم ما اتصل به، وقيل لا يلزم إعطاء لها حكم نفسها وهو الأشهر في النظر، والأول أحق، وذكر الشيخ أبو محمد في النوادر أن شعر الصدغين من الرأس يدخل

الجزء: 1 - الصفحة: 181

في المسح.
قال القاضي أبو الوليد: يريد ما فوق العظم.
وأما الأذنان فقد اختلف المذهب فيهما على أربعة أقوال: فقيل هما من الرأس وهو المشهور عن مالك، وقيل: من الوجه، وقيل: ظاهرهما من الوجه وباطنهما من الرأس، وقيل: هما عضوان قائمان بنفسهما.
أما من قال إنها من الرأس فاحتج بقوله -عليه السلام -: (فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه) الحديث، والاحتجاج به ظاهر.
وروي أنه -عليه السلام -قال: (الأذنان من الرأس) والصحيح أنهما من قول

الجزء: 1 - الصفحة: 182

الراوي ابن عجلان لا من قول النبي -عليه السلام -، ووقع في الموطأ معين.
واحتج من قال إنهما من الوجه بقوله -عليه السلام -: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره).
وأما من فرق بين ظاهرهما وباطنهما تحاكم إلى اللغة (وتوفيه) إلى الاشتقاق حقه.
وأجمع جمهور العلماء على أنهما ممسوحتان بخلاف ابن شهاب الزهري فإنه يرى أن فرضهما الغسل، وهو لازم على المذهب إن قلنا إنهما من الوجه.
وقال الشافعي: يغسل باطنهما مع الوجه ويمسح ظاهرهما مع الرأس، وقد روي عن النبي -عليه السلام -في وصف وضوئه -عليه السلام -: (ثم مسح

الجزء: 1 - الصفحة: 183

رأسه بالسبابتين وأذنيه ظاهرهما وباطنهما بإبهاميه)، وسيجيء الكلام على تجديد الماء لهما.
وأشار القاضي بقوله: "حقيقة أو حكمًا": إلى الإطلاق اللغوي والعرفي الشرعي.
قوله: "فمن أوجب مسحهما عدهما منه": وهذا فيه نظر، إذ لا يدل إيجاب مسحهما على أنهما من الرأس، لجواز أن يقول القائل يجب مسحهما مع أنهما عضوان قائمان بأنفسهما أو من الوجه إلا أنهما إن انفردا بحكم المسح باستفادة كونهما من إيجاب مسحهما غير محقق لاحتمال المعارضة بما ذكرناه، وظاهر كلام القاضي أن كونهما من الرأس غير مختلف فيه، وإنما مورد الخلاف هل هما منه حقيقة أو حكمًا؟ وذلك غير مسلم، بل الخلاف هل هما من الوجه أو من الرأس؟ قائم مشهور.
ثم اختار في مسح الرأس الهيئة التي ذكر، وقد ورد في صفة مسحه عن النبي -صلى الله عليه وسلم -على هيئات مختلفة ذكرناها في شرح الأحكام.
واختار الشيخ أبو القاسم بن الجلاب الهيئة التي ذكرناها في أول

الجزء: 1 - الصفحة: 184

تفريعه، وأنكرها عليه الشيوخ إذ لم تثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم -مع أنه وقع فيما حادوه من التكرار.
وأما الرجلان فأجمع جمهور أهل العلم على أن فرضهما الغسل لأنهما محل الأدران والغبار غالبًا، والمعول عليه في قراءة الخفض في قوله: ﴿وأرجلكم﴾ أنه خفض على الجوار، وخلاف العلماء في العكس مشهور.
وفرق القاضي بين أقطع اليدين والرجلين وفيه نظر، تحقيقه أنه إن بقي من مسماهما شرعًا شيء وجب غسله وإلا فلا، وصدق هذا القول إن كان شرعيًا، ووجب الرجوع إليه، وإلا فلا معنى له، إذ العلة تقتضي التسوية.
ثم تكلم على الموالاة، وقد اختلف المذهب في حكمها على أقوال، فقيل إنها واجبة مطلقًا، وقيل إنها ليست بواجبة، وقيل

الجزء: 1 - الصفحة: 185

واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان والعذر، وقيل: إنها واجبة في المغسولات دون الممسوحات مطلقًا، وقيل: إن الممسوح (أصلاً) كالمغسول بخلاف الممسوح بدلاً.
وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم - (قال): (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) وكان مسبوغًا متواليًا مرتبًا: فإن كانت الإشارة إلى الفعل وصفته، وجبت النية، والفور، والترتيب إلى غير ذلك من صفات ذلك الوضوء، وإن كانت الإشارة إلى أصل الفعل انتفى الوجوب، وأما التفرقة بين الذاكر والناسي فبناء على أن الناسي معذور بالنسيان كما (يعذرون) في عجز الماء، وأما التفرقة بين الممسوحات والمغسولات فينظر إلى أن مبنى المسح على التخفيف والرفق، وحقق بعضهم التخفيف في الممسوح (الأصلي) دون البدلي، وعكسه آخرون.
وإذا بنينا على العذر بالنسيان، جاز له البناء مطلقًا، وقيل: ما لم يطل.
واختلف الشيوخ في حد الطول فقيل جفوف الأعضاء، وقيل: ما يعد

الجزء: 1 - الصفحة: 186

طولاً وهو أشبه فأما عجز (الماء) فيبنى معه ما لم يطل، فإذا طال ابتدأ الطهارة، هذا اختيار المحققين من أهل المذهب.
وذكر المتأخرون ثلاث صور: فالصورة الأولى: أن يقطع بأن الماء يكفيه.
الصورة الثانية: أن يقطع بأن لا يكفيه.
الصورة الثالثة: أن يشك في ابتداء الوضوء هل يكفيه أم لا؟ ففي كل صورة قولان: الابتداء، والبناء، والمشهور في الأولى البناء، وفي الثانية، والثالثة الابتداء، ووجه ذلك ظاهر فتأمله.
واختار القاضي في المولاة مذهبًا انفرد به، وهو: أن التفريق إن كان قليلاً أو على وجه السهو لم يفسد الوضوء ويفسده إذا تعمد، أو التفريط، أو الطول المتفاحش.
قال القاضي -رحمه الله -: "فأما بيان سننه، فمنها غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء".
شرح: اختلف العلماء في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في حق طاهر اليد، وفي مذهب مالك في ذلك قولان: فقيل: إنه سنة وهو مختار القاضي لما ثبت من مواظبته -عليه السلام -على ذلك، وقيل: إنه مستحب، وهو

الجزء: 1 - الصفحة: 187

اختيار ابن الجلاب، وشذ قوم خارج المذهب فأوجبوه تمسكًا بلفظ الأمر.
قال -عليه السلام -: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء) وفي ألفاظه اختلاف، ففي لفظ التحديد بالثلاثة، وفي لفظ آخر التعليل بالشك، ومحمله عندنا على الندب والاستحباب اعتمادًا على قوله -عليه السلام -: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).
فظاهر التعليل بالشك، وأن الأمر بالغسل إنما توجه لأجل الشك فينتفي الغسل حيث ينتفي الشك وهو ينفي الوجوب، وكذلك قال ابن الماجشون.
مريد الوضوء: لا يخلو من ثلاثة أقسام، إما أن يقطع بطهارة يديه، أو يقطع بنجاستهما أو يشك، فإن قطع بطهارتهما فهو مورد الخلاف الأول الذي حكيناه عن المذهب في كونه سنة أو مستحب، ويبقى أن ينفي ههنا إيجابًا على مقتضى التعليل المفهوم من سياق الحديث، وإن قطع بنجاستها وجب عليه غسلهما وهو متفق عليه، وإن شك ففيه قولان: الوجوب، ونفيه، فالوجوب اعتمادًا على صيغة الأمر ومقتضى التعليل، ونفيه اعتمادًا على حكم الأصل.

الجزء: 1 - الصفحة: 188

وقال الحسن (بن عيسى) في الجنب يدخل يديه في الإناء قبل أن يغسلهما أفسد الماء، ونفى بعض التأخرين الوجوب بالتحديد، ولا قاطع فيه وهل غسلهما للتعبد أو للنظافة، ففيه قولان في المذهب وكذلك اختلفوا هل يغسلان مجتمعين أو مفترقين، وهل يغسلان مرتين أو ثلاثًا، وقلنا قولان في المذهب مبنيان على اختلاف رواية عن ابن زيد، ففي بعضها أنه وصف وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: (فغسل يديه مرتين مرتين) وذلك يقتضي التفريق، وفي بعضها "مرتين"، وذلك يقتضي الجمع، وكذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 189

اختلفوا إذا شك هل غسلهما ثلاثًا أو اثنين هل يأتي بالرابعة، بناء على الأقل المنفي، أو لا يأتي بها خوفًا من توقيع زيادة الرابعة، وهو مكروه فيه قولان بين الأشياخ.
قال القاضي -رحمه الله -: "بأي (وجه) كان انتقاض وضوئه" تنبيهًا على مذهب المخالف لأن من أهل العلم من قصره على النائم، والصحيح التساوي وسبب ذلك قاعدة قياسية، لأن مورد النص هو النائم، وألحق غيره من باب الجمع بالاشتراك بالعلة وهي مظنة النجاسة غالبًا.
قال ابن حبيب في الواضحة: إنما أمر النائم بغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء لأنه قد ينال يديه نجاسة أو قذر يخرج منه ولم يعلم به وقال العراقيون من المالكية إنما أمر بذلك لأنه لا يكاد يسلم من حك جسده، فأمر بذلك تنظفًا وتنزيهًا، وقيل: (لأنه لا يكون يستخرجون)، وقد تبقى في المخرج نجاسة يابسة يصلها اليد في حال النوم، وعموم هذه التعاليل

الجزء: 1 - الصفحة: 190

داخل تحت قولنا: مظنة النجاسة غالبًا، وذلك مستحق في غير النائم، فيتساوى الحكم فيه، ومخرج الحديث عندنا على الغالب، وقصر بعض المالكية الحديث على النائم فقط، والاشتراك في المعنى يقتضي التساوي كما ذكرنا من الأحداث وأسبابه، (واقتصره) أحمد بن حنبل على نوم الليل تعلقًا بلفظ البيات ولا يستعمل إلا ليلاً.
واختلف المذهب هل يفتقر غسلهما إلى النية أم لا؟ فابن القاسم اشترط في ذلك النية بناء على أنه عبادة، وروى أشهب ويحيى بن يحيى عن مالك أن ذلك نظافة فلا يفتقر إلى النية.
وعلى ذلك الخلاف في غسل الجمعة أيضًا جمهور أصحابنا في أنه يفتقر إلى نية تعلقًا بحكم العبادات عليه.
قال الشيخ أبو الوليد: ويجيء على قول أشهب، والشيخ أبي إسحاق أن ذلك لا يفتقر إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 191

نية، ولذلك أجازه بماء الورد وماء الريحان والزعفران ونحوه، بناء على أنه نظافة.
وكذلك اختلفوا في غسل الذكر من الذمي هل يفتقر إلى نية أم لا؟ بناء على أنه عبادة ونظافة ونزاهة كما ذكرناه.
وقوله: " (في) ليل أو نهار"": تنبيهًا على ما حكيناه عن أحمد بن حنبل، لأنه أوجب غسلهما في المستيقظ من نوم الليل دون نوم النهار تعلقًا بلفظ البيات، ولا يستعمل غالبًا إلا ليلاً.
قال القاضي -رحمه الله -: "وأما تطهير داخل الفم فإنه سنة" إلى آخر الفصل.
شرح: تكلم في هذه الجملة على حكم المضمضة والاستنشاق وغسل البياض الذي بين الصدغ والأذن، وحكم مسح الأذنين والترتيب.
أما المضمضة فهي مشتقة من مضه الدهر إذا حركه، وسميت بذلك لأن المضمضة تخضخض الماء فيه وتحركه، والاستنشاق مأخوذ من الشاق وهو زمام يكون في أنف البعير.
وقد اختلف العلماء في حكمهما، واتفق مذهب مالك -رحمه الله -على أنهما غير واجبتين في الوضوء والغسل، وقال أحمد وغيره؟ إنهما واجبتان، لأن

الجزء: 1 - الصفحة: 192

بهما تعرف رائحة الماء وطعمه.
وأوجب قوم الاستنشاق دون المضمضة، وأوجبها ابن أبي ليلى في الوضوء (دون الغسل)، ومنشأ الخلاف هل يتناولهما لفظ الوجه أم لا؟ والتفاريق غير صحيحة في النظر، والصحيح أنهما لا يتناولهما لفظ، إذ الوجه مشتق من المواجهة، ولو وجب غسل العضو القاصي في أصل الخلقة، لوجب (غسل ذلك) العينين، مع أن الوضوء يتناولهما نصًا فسقط وجوبهما، وثبت استنانهما بفعله -عليه السلام -الدائم الظاهر، ويجوز فيهما الجمع والتفريق على صفات شتى بحسب الإمكان، إذ ليس في ذلك حد محدود، ولا هيئة معلومة (لا تتعذر).
وروى النسائي عن لقيط بن صبرة قال: (قلت يا رسول الله أخبرني

الجزء: 1 - الصفحة: 193

عن الوضوء قال: أسبغ وبالغ في الاستنشاق إلا أن يكون صائمًا).
وقد جاء ذلك في الآثار الثابتة، وتاركهما سهوًا إن تركهما قبل صلاته فعلهما ثم صلى، وإن ذكر بعد صلاته فعلهما لما يستقبل ولم يعد وضوءه ولا صلاته عندنا، وإن تركهما عمدًا ففي بطلان صلاته وإيجاب الإعادة عليه قولان جاريان على تارك السنة متعمدًا عليه، والخلاف في ذلك مشهور، واستحب المبالغة في الاستنشاق إلا في الصوم خشية الفطر، وكذلك حكم المضمضة، واستحب بعض العلماء أن تكون المضمضة ثلاثًا ثلاثًا والاستنشاق لأنهما عضوان، واستحب بعضهم أن تفعلا ثلاث مرات من غرفة واحدة، لأنهما كعضو واحد، وحكى عن بعض أهل العلم أنه رأى النبي -عليه السلام -فسأله عن ذلك فقال: له لا بأس بالجمع والتفريق وقد جاء ذلك واختلف قول الصحابة فمنهم من عدهما فضيلتين، ومنهم من عدهما سنتين، وهو المشهور.
وقد تقدم الكلام في البياض الذي بين الصدغ والأذن، والصحيح أن

الجزء: 1 - الصفحة: 194

عرض الوجه في حق الأمرد، والملتحي سواء، وهو ما بين الأذنين، وهو قول أبي حنيفة والشافعي رواه ابن وهب في المبسوط عن مالك، وهو الجاري على مقتضى اللغة.
فأما مسح الأذنين فقد اختلف العلماء في حكمه، والجمهور على أنه غير واجب، ويلزم وجوبه على القول بأنهما من الرأس، كما يلزم وجوب غسلهما على القول بأنهما من الوجه.
وتحصيل المذهب في ذلك أن مسح داخلهما سنة أو فضيلة، واختلفوا في مسح ظاهرهما، فقيل: إنه سنة، وقيل: إنه واجب، والقولان في المذهب نصًا وإلزامًا.
وحكى القاضي أبو الوليد عن محمد بن مسلمة والأبهري أن الأذنين يمسحان فرضًا [ولم يفرقا بين ظاهرهما وباطنهما] قال: وذهب سائر أصحابنا يمسحان (فرضًا) وهو ظاهر (مذهب) مالك، والأصل في (إسقاطه) الوجوب الاعتماد على أنه وضوء، وعلى قوله -عليه السلام -للأعرابي: (أن توضأ كما أمرك الله).
واختلفوا في تجديد الماء لهما، وفي ظاهرهما ما هو، فقيل: الذي يلي الوجه، وقيل: الذي يلي الرأس القفا، والتحكم فيه إلى اللغة.
وقد جاء

الجزء: 1 - الصفحة: 195

عن النبي -عليه السلام -: تجديد الماء لهما، وعليه العمل عند جمهور العلماء.
والصماخ: ثقبة الأذن.
قال ابن حبيب: من لم يجدد الماء لهما فهو بمنزلة من لم يمسحهما، وقال محمد بن مسلمة: إن شاء جدد لهما الماء، وإن شاء لم يجدد، وقال أبو حنيفة: (لا) يستأنف الماء لهما.
قوله: "في صفة الترتيب أن يبتدئ بعد النية فيسمي الله -عز وجل": يتعلق

الجزء: 1 - الصفحة: 196

به حكم النية والتسمية.
أما النية فقد قدمنا الكلام فيها، وظاهر كلام القاضي أبي محمد أنه يعقد النية عند الشروع في طهارته، وأما التسمية فقد اختلف العلماء فيها، فقد رأى مالك إنكارها، وقال أيريد أن يذبح؟ إشارة إلى [أن] التسمية إنما شرعت عند الذكاة، وقيل: إنها فضيلة، وقيل: جائز ومخير فيها وأوجبها بعض أهل العلم لقوله -عليه السلام -: (لا وضوء لمن لم يسم الله عليه) وعن النبي -صلى الله عليه وسلم -: (إن العبد إذا سمى الله وتوضأ تطهر بدنه كله، وإذا توضأ ولم يسم لم يطهر إلا أعضاء الوضوء خاصة).
والأحاديث

الجزء: 1 - الصفحة: 197

في التسمية في الوضوء غير ثابتة عند أهل الإسناد.
قوله: في صفة غسل الوجه: "يبدأ من أعلاه": تنبيهًا على الأفضل حتى إنه لو بدأ في وسطه أو أسفله أجزأه.
لأن ذلك غسل لا مسح، وصفة الغسل في الهيئة للأعضاء المغسولة أن يلقى العضو بالماء، والماء بالعضو مع إمرار اليد حينئذ، فإن تناول الماء بيده، ثم أرسله ثم أمر بيديه على العضو المغسول، فهذا مسح لا غسل، فلا يقع به الإجزاء عند الجمهور، وقال أبو يوسف: إن مسح وجهه وغيره كمسح الظاهر أجزأه.
وقال النخعي: ما عهدناهم ينطحون وجوههم بالماء.
واختلف المذهب في كيفية رفع الماء للغسل، روى ابن القاسم عن مالك أنه يدخل الممسوح، فإن كان العضو ممسوحًا فغسله، فقال الشيخ أبو [إسحاق]: يجزئه، وقال ابن حبيب: في الخفين لأن الغسل مسح وزيادة.

الجزء: 1 - الصفحة: 198

وقد اختلف المذهب في حكم الترتيب على أربعة أقوال، فقيل إنه واجب، ولا تجزئ الطهارة إلا به.
اقله الشافعي وهي رواية عن ابن زياد عن مالك، وقيل: إنه ليس بواجب، ولا يشترط في صحة الطهارة، وهو قول أبي حنيفة، فمنهم من قال: إنه سنة، ومنهم من قال: مستحب، وهو اختيار أبي القاسم بن الجلاب، وروى عن ابن القاسم أنه واجب مع الذكر ساقط مع النسيان (لأنها) وردت (فيهما) ولا أصل في الإطلاق والخفيف إلا أن يقول إن المجاز خير من الاشتراك، ولا يتجه على هذا إلا أن يكون حقيقة في الجمع في الترتيب.
واختلف المتأخرون هل حكم الترتيب في المسنونات كحكمه في المفروضات أم لا؟ والمشهور أن الترتيب إنما ورد في الفرائض.
قال ابن حبيب: "من نكس وضوءه عامدًا أو جاهلاً يبتدئ، فإن فعل ذلك ناسيًا نظرت، فإن فعله في مسنون أو مفروض فلا شيء عليه، وإن كان بين مفروض أحدهما قدم وأتى بما بعده من مفروض، وهو قول مطرف، وابن الماجشون"، وروى ابن ابن مسلمة في المبسوط فيمن غسل رجليه قبل مسح رأسه وليس عليه أن يعيد غسل رجليه، لأن المسح خفيف.

الجزء: 1 - الصفحة: 199

قال القاضي -رحمه الله -: "وأما فضائله فالسواك بعود يابس أو رطب" إلى آخر الفصل.
شرح: اختلف العلماء في السواك، والجمهور على أنه ليس بواجب، خلافًا لأحمد وأصحابه، والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور قوله -صلى الله عليه وسلم -: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وقد روى: (عند كل وضوء)، واحتج أحمد بقوله -عليه السلام -: (ما لكم تدخلون قدحًا استاكوا) ومحمل ذلك عندنا على الندب والاستحباب.

الجزء: 1 - الصفحة: 200

وقد جاء في الحض عليه أخبار كثيرة، فقد جاء أنه -عليه السلام - (كان يستاك عند قيلته من النوم.
قبل الوضوء، وبعد الوضوء قبل الصلاة، وعند القيام إلى الصلاة).
وأما تكرار المغسولات فثابتة، واتفق العلماء على أن الواجب الإسباغ، والزيادة عليه ليست واجبة، وقال -عليه السلام -: (لا يقبل الله الصلاة إلا به) قاله لما توضأ، وصح أنه توضأ مرتين وثلاثًا ثلاثًا، وفي الصحيح: (قام إلى شن معلقة (يتوضأ) وضوءًا بين الوضوءين) يريد -والله أعلم -مرتين لأنه بين الواجب ذلك بحسب الأحوال.

الجزء: 1 - الصفحة: 201

وقد اختلف العلماء في الثانية والثالثة فقيل: هما سنتان، وقيل: فضيلتان، وقيل: الأولى سنة، والثانية فضيلة.
واختار الغزالي أن الثانية فضيلة، لقوله -عليه السلام -: (أتاه الله أجره مرتين)، وهذا يقتضي الفضيلة، والثالثة فضيلة، لقوله -عليه السلام -: (هذا وضوئي ووضوء النبيئين من قبلي) وهذا

الجزء: 1 - الصفحة: 202

يقتضي أنه سنة، وسنة مشهورة عن الأنبياء قبله.
واختار أبو إسحاق والشيخ أبو محمد وغيرهما من شيوخنا أن ينوي بالثانية تكميل الفرض إن كان قد تخلى منه شيئًا لم يعلم به، وفيه نظر لأن النية المترددة لا تنوب عن النية العازمة على مشهور المذهب.
قال ابن القاسم فيمن لم يذكر جنابة واغتسل على أنه إن كان عليه جنابة فهذا الغسل لرفع حكمها، ثم ذكر بعد ذلك جنابة قال: لا يجزئه رواه عيسى عنه، وقال عيسى: يجزئه.
وكذلك اختلف إن كرر الثانية بنية الفضيلة، ثم تبين له أنه أخل ببعض الفرض هل تجزئه نية الفضيلة عن نية الفريضة أم لا؟ فيه قولان، واحتج بقول ابن كنانة أن غسل الجمعة ينوب عن غسل الجنابة قال فكيف [بهذا] وفصل فيه القاضي أبو الوليد تفصيلاً انظره في المنتقى.
واختلف الأشياخ إذا شك في الثالثة، فكره بعضهم أن يعتقد في محله أن تكون رابعة فيقع في السرف الممنوع، وبعضهم أجاز ذلك، ورأى أنه فعل الثانية مع تجويز أن يكون بناء على أصل الشرع في البناء على الأقل، وإذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، ومثله إذا شك في عرفة أن يكون يوم النحر فهل يكره صيامه مخافة الوقوع في المحظور أم لا يكره؟ بناء على الأقل فيه نظر

الجزء: 1 - الصفحة: 203

بين المتأخرين من الأشياخ.
واختلف العلماء في الممسوحات كالرأس هل تكرر أم لا؟ قاعدة المذهب نفي التكرار في الممسوحات وهو قول أبي حنيفة واستحب الشافعي فيه التكرار، وقد ثبت ذلك من حديث عثمان وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم -، قال الإمام أبو عبد الله: أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه -عليه السلام -، مسح الرأس مرة واحدة، وقد روى ابن نافع عن مالك في صفة المسح في الرأس قال: يمسح مرة أو مرتين، فاستقرأ منه بعض شيوخنا تكرار الممسوحات، ورأى بعضهم أنه ليس من باب التكرار وإنما هو من باب استيفاء ما بقي منه في المسحة الأولى.
واتفقوا على نفي التكرار في التيمم، والمسح على الخفين، وهما يلحقان بالرأس على مشهور مذهب مالك.
واختلف المذهب إذا مسح رأسه، ثم حلقه، فقال مالك: ليس عليه إعادة المسح، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة عليه الإعادة، وفي المدونة عنه هذا من لحن

الجزء: 1 - الصفحة: 204

الفقه روايتان وتأويلان.
وقوله: "والثلاث أفضل من الاثنين": لأن لكل واحدة حظها من الإجزاء، وقد قال مالك: أكره الواحدة من غير العالم وفيه تأويلان: إما خشية الابتدائية، وإما لترك الفضل، وترك الفضائل مكروه، وقد روى عنه: لا أحب الواحدة إلا لعالم، يريد العالم بالوضوء، وأحكامه، لأنه يستوعب بها محل فرض بخلاف الجاهل فإنه عسى أن لا يكمل بها.
وقوله: "وما زاد على الثلاث (بعد إيعاب العضو المغسول) (فسرف) ممنوع": هو كما ذكره: سرف ممنوع مع الإسباغ، فإن بقي بعد الثلاثة لمعة غسل موضع اللمعة وحده دون العضو كله، وإعادته العضو كله خروجه إلى حد التجاوز والسرف.

الجزء: 1 - الصفحة: 205

باب ما يوجب الوضوء وما ينقضه بعد صحته

قوله: "يوجب الوضوء شيئان": شرح: قد يفهم من هذه الترجمة ما لا يحصل عنده الترادف والتكرار، وذلك باطل، وإنما قصد القاضي الكلام على حالين: أحدهما الحدث بالأصل، الثاني من طرأ عليه الناقض بعد وجوب الطهارة، هما صورتان متباينتان بالشخص، متساويتان في الحكم، وذكر أن الوضوء يجب بشيئين أحداث وأسباب الأحداث، وترتيب حكم الوضوء عنهما واحد وربما اختلف.
والفرق بين الحدث والسبب أن الحدث يقتضي الوضوء قليله وكثيره بخلاف السبب، لأنه مظنة، فينتقض الوضوء بما يتحقق فيه مظنة دون ما ينظر فيه غالبًا.
قوله: "هو (خارج) من أحد السبيلين من المعتاد دون النادر": تكلم

الجزء: 1 - الصفحة: 206

على قاعدة المذهب.
وقد تقرر أن الوضوء ينتقض بالخارج المعتاد على وجه الصحة والاعتياد.
وقيدنا في صفة الخارج المعتاد تحرزًا من النادر كالحصا والدم والدود، هل ينتقض بذلك الوضوء أم لا؟ اختلف المذهب فيه على ثلاثة أقوال، فقيل: إنه ينقض الوضوء إجراء له مجرى المعتاد، قاله: محمد بن عبد الحكم، وهو قول: أبي حنيفة والشافعي، وقيل: إنه لا ينقض، إعطاء له حكم نفسه، وهو المشهور من المذهب، والقول الثالث إن كان معه بلل ينقض الوضوء وإلا فلا، وهذا لأنه يشبه المعتاد إذا قارنه البلل والله أعلم.
وقوله: "فإن كان البول والمذي خارجين على وجه السلس والاستنكاح فلا وضوء فيهما واجب": قلت: لا يخلو صاحب السلس إما أن يقدر على التداوي أولاً، فإن قدر على رفع ذلك بالتداوي فنصوص المتقدمين على أنه معفو عنه، ولعل ذلك بناء على أن النجح مشكوك فيه، ومنهم من أوجب عليه الوضوء لكل صلاة بناء على غالب الظن النجح عند التداوي، وإن لم يقدر على

الجزء: 1 - الصفحة: 207

رفع دائه، فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال الشافعي وأبو حنيفة أن السلس ينقض الطهارة على حال، وقال مالك: لا ينقضها كدم الاستحاضة.
وفصل المتأخرون ذلك فقالوا: إما أن تكون الملازمة أكثر، أو المفارقة أكثر، أو يتساوى الأمر فيه، ففي الصورة الأولى قولان إيجاب الوضوء واستحبابه، والمشهور الاستحباب والشاذ إيجاب الوضوء.
وفي الصورة الثانية قولان أيضًا المشهور إيجاب الوضوء، والشاذ استحبابه.
وفي الصورة الثالثة قولان الإيجاب والاستحباب، ومبنى ذلك على تحقيق المناط في المشقة هل هي حاصلة أم لا؟ فإن كان السلس لا ينقطع أصلاً، وهذه الصورة نادرة فلا معنى لإيجاب الوضوء ولا استحبابه.
واتفقوا على إيجاب الوضوء على صاحب السلس والخارج المعتاد، وكذلك إذا لاعب قاصدًا اللذة، ووجد اللذة، فالوضوء واجب في هذه الصورة لأنها خارجة عن باب السلس.
واختلف أهل العلم في السلس يجده المرء في صلاته، فذهب حذيفة

الجزء: 1 - الصفحة: 208

وزيد بن أسلم وثابت والحسن وعطاء وقتادة إلى أن البلل لا ينقض الوضوء، ولا يمنع صحة الصلاة حتى يقطر أو يسيل، وكان سعيد بن المسيب يقول: لا يبطل الوضوء ولا الصلاة وإن قطر وسال.
وقال مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: "أنه سئل عن الرجل يجد البلل وهو في الصلاة فقال سعيد: لو سال على فخذي ما انصرفت حتى أقضي صلاتي"، وترجح عليه الرخصة في ترك الوضوء من المذي، ولعله إن ما حمله على ذلك فهو من قرائن الحال، وإلا فظاهر لفظه عام في البلل علة، مذيًا كان أو غيره.
وروى ابن نافع عن مالك إن وجد بللاً في الصلاة فلا ينصرف حتى يستيقن، إلا أن يكون مستنكحًا.
وحكى القاضي أبو الحسن في المرأة خرج منها دم الاستحاضة المرة بعد المرة عليها [ ... ] (وأنكر ذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 209

[ ... ] واستحب (له) الوضوء)، وسئل مالك عمن اعتراه [المذي] المرة بعد المرة، فقال: عليه الوضوء إلا أن يستنكحه ذلك.
فرع: إذا قرن صاحب السلس، أو المستحاضة بين صلاتين بوضوء واحد، فقطع ذلك عنه في بقية من الوقت الثانية، فروى أشهب عن مالك في المستحاضة الإعادة عليها لأنها اجتهدت وصلت.
وروى ابن المواز عنه أنها تعيد الثانية، ويتخرج في مثله في صاحب السلس لاشتراكهما في أنه علة تعرض.
قال القاضي -رحمه الله -: "ويفسد الوضوء الردة" إلى قوله: "وأما مس الذكر".
شرح: اختلف العلماء في الردة هل تبطل الطهارة أم لا؟ وفي المذهب في ذلك قولان، والمشهور أنها تنقضها كما ذكره القاضي اعتمادًا على

الجزء: 1 - الصفحة: 210

قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الرمز: 65] الآية.
والطهارة عمل، قال كثير من العلماء: لا تبطل أعمال المرتد بنفس الردة، بل بالوفاة عليها لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ [البقرة: 217] فشرط الوفاة في (الاحتباط) الاحتجاج بهذه الآية الثانية، لأنها عاملة، والأولى مخصوصة للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
قوله: "ولا يوجب الوضوء بشيء خارج من غير السبيلين": تنبيهًا على مذهب المخالف، ولهم في ذلك تفصيل.
وكذلك اختلفوا في ذبح البهيمة، وغسل الميت هل ينقض الوضوء أم لا؟ على ما أشار إليه القاضي بعد، والجمهور على أن ذلك غير موجب للوضوء.
فرع: إذا انفتق مخرج الحدث من غير السبيلين فلا يخلو إما أن ينسد المخرجان المعلومان أم لا؟ فإن انسد وكان المنفتق تحت المعدة فهو كالمخرج المعتاد، وإن لم ينسد فهل يجري مكان المنفتق مجرى المخرج المعتاد؟ فيه قولان في المذهب، وكذلك إذا كان فوق المعدة، وهذه خاصة بالحدث.
قوله: "وأما أسباب الأحداث فهي ما أدت إلى خروج الأحداث غالبًا (وهي) نوعان: زوال العقل، واللمس": وذكر أن زوال العقل يكون بأسباب النوم والجنون والإغماء والسكر، أما النوم فشبهة زوال العقل وإلحاقه بالجنون، والإغماء، فيه نظر عندي، بل النائم عاقل بأنه يشهد في حال نومه، بمعنى أن شرط التكليف حاصل له، ويتأكد هذا في خفيف النوم.
وقد قال

الجزء: 1 - الصفحة: 211

كثير من الصحابة ومن بعدهم: أن الأمر كان منها فكيف يتصور أن يكون النائم غير عاقل إلا أن يدعي في ذلك خصوصية الأنبياء ولو كان النوم زوالاً للعقل حقيقة لتعطل إحساس النفس باللذات والآلام.
وكل إنسان ينام، ولا يصدق إطلاق القول بأن كل إنسان يزول عقله كل ليلة، وقد أمر الله سبحانه به على الحيوانات وجعله راحة للنفس -وستأتي الأحكام -وذلك يدل على أنه نعمة، ولو كان فيه زوال العقل لكان نقمة، وإنما سماه الله سبحانه وفاة، لأن النفس لا تتعطل عن كثير من أفعاله البائنة، وأما النفس الحية المدركة، فلا يتعطل فيه البتة في يقظة ولا منام.
ويتعلق بمعقودها الكلام في انتقاض الوضوء به، وقد قال كثير من السلف: إنه لا مدخل له في نقض الوضوء البتات بدليل أن الصحابة كانوا ينامون حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون، ولا يتوضأون، وفي الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (اعتم ليلة بصلاة العتمة فبادر عمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -حتى نام النساء والصبيان)، ولم يأمرهم -عليه السلام -بتجديد الوضوء، وصح عن أبي موسى الأشعري وغيره أنه إذا كان نائمًا يجعل حارسًا، والجمهور على أن له مدخلاً في نقض الوضوء.

الجزء: 1 - الصفحة: 212

واختلف قول مالك هل هو حدث بنفسه، أو سبب الحدث، وهو المشهور، وإذ قلنا إنه حدث، نقض قليله وكثيره، وهو قول المزني وغيره، ووقع في سماع ابن القاسم.
وجمهور المالكية في تفصيله فقسمه بعضهم بحسب حال النائم، وقسمه بعضهم بحسب حال النوم، فقال الأولون: إما أن ينام المرء قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا، أو محتبيًا، أو مضطجعًا.
أما القائم فلا وضوء عليه، لأنها حالة لا يثبت فيها النائم، وفي الراكع والساجد قولان في إيجاب الوضوء وإسقاطه، والمشهور إيجاب الوضوء على النائم ساجدًا دون الراكع، لأن الساجد حصل له سببان ينقضان الوضوء، والراكع لم يحصل له إلا سبب واحد، فناقص على مرتبة الساجد.
واختلفوا في المستند، والصحيح إيجاب الوضوء عليه، وعلى المضطجع.
وأما المحتبي فلا يخلو أن يستيقظ قبل انحلال حبوته أو بعد انحلالها أو مع ذلك، فإن استيقظ قبل انحلال حبوته فلا وضوء عليه، وإن استيقظ عند انحلال حبوته، ففي إيجاب الوضوء عليه خلاف، الأحوط الإيجاب.

الجزء: 1 - الصفحة: 213

وأما من قسمه بحسب صفة النوم في نفسه فقال: لا يخلو (إما) أن يكون ثقيلاً طويلاً، أو خفيفًا قصيرًا، أو خفيفًا طويلاً، أو ثقيلاً قصيرًا.
فالصورة الأولى: توجب الوضوء، ولا وضوء عليه في الثانية.
وفي الثالثة والرابعة قولان إيجاب الوضوء واستحبابه.
وأما زوال العقل بالجنون والإغماء فيوجب الوضوء لأنه مظنة للحدث لا يشعر كالنوم، بل أحرى وأولى، وهل يوجب الغسل أم لا؟ فيه قولان في المذهب، المشهور أنه لا يوجب وقال ابن حبيب: من جن أو أغمي عليه (وجب عليه) الغسل لاحتمال أن ينزل وهو لا يشعر، وهذا فيه نظر، إذ لا يخفى إنزال الماء، فإن قدرناه خفي فهو عار عن اللذة فلا يوجب الغسل على الأصح.
وأما اللمس فقد اختلف الفقهاء فيه هل يوجب الوضوء أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجب به الوضوء مطلقًا، وفسر اللمس في قوله: ﴿أو لمستم النساء﴾ [المائدة: 6] بأنه الجماع، وهو قول (ابن عبدوس) صح عنه أنه قال: "ربنا حي كريم كنى لكم باللمس عن الجماع".
وقال ابن

الجزء: 1 - الصفحة: 214

عمر وابن مسعود المراد به في الآية اللمس باليد.
وقال زيد بن أسلم والأوزاعي والشافعي اللمس يوجب الوضوء مطلقًا.
واختلف قول الشافعي في لمس ذوات المحارم.
وتحصيل مذهب (مالك) أنه لا يوجب الوضوء على حال دون حال، وقسمه المتأخرون أقسامًا إما أن يقصد اللمس ويجد اللذة، أو يقصد ولا يجد، أو لا يجد ولا يقصد.
فإن قصد ووجد، وجب عليه الوضوء اتفاقًا عن المذهب، وإن لم يقصد ولم يجد فلا وضوء عليه، وإن وجد ولم يقصد وجب عليه الوضوء، وحكى بعض الشيوخ في هذه الصورة قولين، والصحيح ما ذكرناه.
وإن قصد ولم يجد فيه قولان: إيجاب الوضوء وإسقاطه، وأجرأه بعض الشيوخ

الجزء: 1 - الصفحة: 215

على الخلاف في رفض الوضوء هل يؤثر أم لا؟ قال القاضي أبو الوليد: والذي يتحقق من مذهب مالك وأصحابه أن الوضوء يلزم التذ بذلك أم لم يلتذ.
قال المصنف -رحمه الله -: "إنما يجب بقصد اللذة دون وجودها" فيه مناقشة، لأن ظاهره حصر الموجب في القصد، وبقي كون الوجود موجبًا، ومقصده خلاف ذلك، وهو أن الوجود ليس بشرط في الوجوب، بل يجري في حصول الوجوب مجرى القصد وإن لم يقاربه وجود اللذة، فمقتضى كلامه ومقصده تقدير الوجوب على القصد المفرد وإن لم يجد اللذة.
وأما اللمس فإن التذ توضأ، وإلا فلا وضوء عليه.
وفرق القاضي بين أن يكون الحائل خفيفًا، أو كثيفًا، بناء على ما أشار إليه القاضي من حصول اللذة مع الخفيف الكثيف، والمعتمد لنا في اللمس على حديث عائشة وفيه: (فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها) الحديث.
قوله: "ولا فرق بين اللمس باليد أو بالفم (بغير القبلة) ": وقد اختلف المذهب في القبلة على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها تنقض الوضوء مطلقًا، وبه قال كثير من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود.

الجزء: 1 - الصفحة: 216

والثاني: اعتبار اللذة أنها إن كانت في الفم وجب الوضوء مطلقًا، وإن كانت في غيره اعتبرت اللذة، وفي المجموعة في قوله ليس على أحد الزوجين [ ... ] بغير شهوة من مرض أو غيره وضوء.
قوله: "ولا (فرق) بين الزوجة والأجنبية وذات محرم": يريد مع وجود اللذة والله أعلم.
قال القاضي -رحمه الله -: "وأما مس الذكر فالمراعاة فيه اللذة عند أصحابنا البغداديين كلمس النساء وعند المغاربة وبعض البغداديين ببطن الكف أو الأصابع فقط".
شرح: اختلف المذهب في مس الذكر هل هو من نواقض الوضوء أم لا؟ على أربعة أقوال: الأول: أنه ناقض للوضوء مطلقًا اعتمادًا على ما رواه عمر بن الخطاب وأبو هريرة، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وسعد بن أبي

الجزء: 1 - الصفحة: 217

وقاص وحفصة، ويزيد بن خالد الجهني وبسرة وأم حبيبة وأبو أيوب وابن عمر وغيرهم.
عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه أمر بالوضوء من مس الذكر.
وألفاظهم مختلفة ومعناها واحد.
الثاني: أنه لا ينقض الوضوء أصلاً اعتمادًا على قوله -عليه السلام -: (وهل هو إلا بضعة منك) وقد قيل: إنه منسوخ، لأنه كان في أول الإسلام، وحديث

الجزء: 1 - الصفحة: 218

أبي هريرة كان عام خيبر.
والقول الثالث: أنه إن مس الذكر عامدًا وجب عليه الوضوء، وإن مسه ناسيًا فلا وضوء عليه، لأن حكم النسيان مرفوع في الشريعة مع أن الغالب عدم (اللذة).
والقول الرابع: اعتبار باطن الكف، فإن مسه بباطن الكف وجب عليه الوضوء، لأن الغالب اللذة لما فيه من اللطافة، فالوضوء به.
وإن مسه بظاهر كفه فلا وضوء عليه إلا أن يلتذ، واختلفوا في باطن الأصابع هل تنزل منزلة الكف أم لا؟ وفيه قولان في المذهب.
وقدم جمهور العلماء حديث أبي هريرة وبسرة وغيرهما على حديث طلق لما ذكرناه من التاريخ.
تفريع: إذا أمرناه بالوضوء ولم يتوضأ، فقد اختلف فيه المذهب، فروى ابن القاسم، وابن نافع عن مالك أنه يعيد الصلاة في الوقت، وروى ابن القاسم نفي الإعادة مطلقًا، وذهب العراقيون من أصحابنا إلى وجوب الإعادة في الوقت وبعده وبه قال ابن نافع، وابن دينار، وقد روى مالك

الجزء: 1 - الصفحة: 219

عن عبد الله بن عمر أنه أعاد الصبح بعد ما طلعت الشمس، وكان مس ذكره وصلى ولم يتوضأ، وروى الزهري (و) سالم بن عبد الله بن عمر: أن الصلاة التي أعاد عبد الله بن عمر هو العصر.
فرع: إذا مسه من فوق حائل، فقد اختلف المذهب فيه فقيل: بإيجاب الوضوء مطلقًا، ولو مسه من فوق الحائل بدعة، وقيل: إن كان خفيفًا توضأ، وإن كان كثيفًا فلا وضوء عليه، إلا أن يلتذ.
فرع: إذا مسه بإصبع زائدة فهل يجب عليه الوضوء أم لا؟ فيه قولان في المذهب: إيجاب الوضوء وإسقاطه.
فرع: إذا مس غيره من جنسه أو من غير جنسه أو ذكرًا مقطوعًا أو ذكر صبي، أو فرج بهيمة فهل يجب عليه الوضوء أم لا؟ قولان في المذهب.
قوله: "ومس المرأة فرجها مختلف فيه": قلت: اختلف المذهب على أربعة أقوال: إيجاب الوضوء، واستحبابه وإسقاطه وإيجابه إن لطفته أو قبضته وإلا فلا.
قال إسماعيل بن أبي أويس: سألت خالي مالك بن أنس،

الجزء: 1 - الصفحة: 220

فقلت له: ما ألطفت؟ قال: أن تدخل إصبعها بين شفرتيه، قلت: وقبضت قال: أن تشد عليه يدها وتقبضه، وذلك مظنة اللذة غالبًا، والصحيح إن مسته أن الوضوء ينقض عليها لقوله -عليه السلام -: (من مس فرجه فليتوضأ).
واختلف المذهب في الإنعاظ بمجرده، فروى ابن نافع عن مالك أنه لا يوجب الوضوء ولا غسل الذكر.
قال الشيخ أبو إسحاق: من نعظ إنعاظًا قويًا انتقض وضوئه وهو قول مالك، وفرق شيوخنا إن كانت عادته لا يباشر إلا عن لذة، توضأ، وإلا فلا وضوء عليه.
قوله: "ولا وضوء من مس الأنثيين": قلت الوضوء من مس الأنثيين

الجزء: 1 - الصفحة: 221

لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم -حين سئل عن الماء يكون بعد الماء فقال: (ذلك المذي وكل فحل يمذي فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة) يريد من المذي.
واتفق جمهور العلماء على أن مس الأنثيين لا يوجب الوضوء، وأوجبه عروة ومن اتبعه (فمن شاء)، وكذلك إذا مس ما بين أليتيه فلا وضوء عليه عند جمهور أهل العلم.
وقال الليث: عليه الوضوء.
وأما مس الدبر فالمشهور من المذهب أنه لا وضوء عليه بناء على لفظ الفرج والذكر لا يصدقان عليه.
وروى حمديس القفصي عن مالك

الجزء: 1 - الصفحة: 222

وجوب الوضوء منه، وبه قال الزهري والشافعي وجماعة من العلماء.
وأما أكل ما مسته النار فالخلاف في إيجاب الوضوء منه، مشهور بين الصحابة، واستقر جمهورهم على ترك الوضوء من ذلك حملاً على الأحدث فالأحدث من أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -. وكذلك اختلفوا في القهقهة، وفيمن مس صبيًا يحمل منيًا هل يجب الوضوء بذلك، والجمهور على إسقاط الوضوء من ذلك، إذ لم تثبت سنة تقتضي إيجاب الوضوء والله أعلم.
وأما من ذبح الماشية فلا أعلم أن أحدًا أوجب الوضوء به، ولعل القاضي إنما نبه على خلاف اطلع عليه.
فرع: يتعلق بهذا إيجاب الوضوء الأول، إذا تعين أنه أحدث قبل (الوضوء) أو بعده بخلاف في إيعاب الوضوء وهذا من باب تعيين الحدث، والشاك في الطهارة، وروى القاضي أبو الحسن عن مالك أن شك في الحدث في نفس الصلاة فلا وضوء عليه، وإن شك خارج الصلاة فلا وضوء عليه وهو قول العلماء.

الجزء: 1 - الصفحة: 223

باب ما يوجب الغسل

قوله: "يجب الغسل على الرجل بشيئين" إلى آخره.
شرح: وهذا كما ذكره الغسل يجب بإنزال الماء الدافق للذة في اليقظة والمنام، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الاحتلام لا يوجب غسلاً وإن أنزل، ولعله بناء على أن النائم في حال نومه غير مكلف عنده.
قوله: "للذة" احتراز من إنزاله لغير اللذة، وهل يجب الغسل بإنزاله عاريًا عن اللذة أم لا؟ فيه قولان في المذهب مبنيان على النادر هل يعطى له حكم نفسه أو حكم الأكثر، وكذلك إذا قارنته اللذة غير المعتادة، ففي المذهب فيه قولان كاللدغ، أو ضرب سوط، أو سائق، أو أنزل في ماء ساخن فأمنى، والظاهر في هذه الصورة إيجاب الوضوء لأنها تشبه المعتادة، وكذلك اختلفوا إذا خرج منه الماء، فاغتسل، ثم خرج منه الماء بعد ذلك هل يجب عليه الغسل أم لا.
وفيه قولان في المذهب.
قوله: "والإيلاج بالحشفة في قبل أو دبر": [ ... ] وابن القاسم

الجزء: 1 - الصفحة: 224

المتفق عليه، كان الإيلاج محرمًا أو جائزًا فهو في إيجاب الغسل به سواء، وأما الإيلاج في الدبر محرم في الزوجات على خلاف في المذهب وغيره، ويحرم في غيرهن إجماعًا من أهل الملة، ولم يختلفوا في وجوب الغسل به.
قوله: "وخروج الولد": محمول على إطلاقه، واتفقوا على أنه يوجب الغسل إذا خرج معه الدم، فإن خرج عاريًا عن الدم، ففي إيجاب الغسل بذلك قولان الظاهر إيجابه، إذ لا ينفك عن الدم غالبًا وإن قل.
واختلف المذهب في الولدين يخرج أحدهما بعد الآخر، هل يتكرر عليها الغسل بخروج الولد الثاني أم لا؟ وفيه قولان في المذهب، والظاهر اعتبار الطوارئ والمعهود، فيترتب على كل واحدة حكمها.
قوله: "وعليها بإسلام الكافر منهما" ويتعلق بهذا الكلام في غسل الكافر هل هو واجب أم مستحب وفيه قولان في المذهب الوجوب لقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: 28] ولقوله -عليه السلام -في حديث ثمامة: (اذهب فاغسل بماء وسدر) وظاهر الأمر الوجوب.

الجزء: 1 - الصفحة: 225

والاستحباب لقوله -عليه السلام -: (الإسلام يجب ما قبله) ويلزم على مقتضاه سقوط الطهارة الصغرى عنه إلا أن يقال إنها واجبة على كل قائم إلى الصلاة، ففيه نظر.
تحقيقه التساوي، فتأمله.
وسيأتي الكلام في غسل الجمعة والعيدين.

الجزء: 1 - الصفحة: 226

باب صفة الاغتسال

قال القاضي -رحمه الله -"باب صفة الاغتسال".
تكلم في هذا الباب على مفروضات الغسل، ومسنوناته ومستحباته، وذكر أن المفروضات ثلاث منها التدلك ووجوبه في أصل مذهب مالك، وروى الشافعي وغيره أن التدليك ليس بواجب مطلقًا وهو قول أبي الفرج من المالكية، ولابن عبد الحكم في ذلك قولان: أحدهما: أنه ليس بواجب مطلقًا وهو قول الشافعي، وأبي الفرج، والثاني: أنه ليس بواجب في الطهارة الكبرى دون الصغرى وهو قول ابن عبد الحكم جاريًا على مذهب الشافعي.
ولا ينبغي أن يعزى إلى المذهب، لأنه في مذهب الشافعي، وإنما عدل عنه عند اختصار الشافعي حين أشار لأصحابه ثم [ ... ] المتوضئ اجتماعهم إليه بعد موته، وكان ابن عبد الحكم يظن أنه يخصه بذلك فكان بعد

الجزء: 1 - الصفحة: 227

ذلك تخلف مذهبه، وربما وقع فيه.
والمعتمد للشافعي وجوب التدلك على أنه شرط في تسميته "غسلاً" لغويًا بدليل أن العرب تفرق بين الغمس، والغسل لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: 6] الآية، والمبالغة تقتضي الثلاثة لأنه أبلغ في النظافة، وفيه نظر، لأن المبالغة قد جاءت في التيمم، ومبناه على المسح المشروع تخفيفًا.
واختلف في مسائل: الأولى: هل يشترط أن يكون العرك ملازمًا لصب الماء أو لا يشترط ذلك؟ فيه قولان في المذهب، والظاهر أنه إن كان عقبه أجزأ، لأن المقارنة حرج، وقد أسقطته الشريعة.
المسألة الثانية: اختلفوا إذا بقي في جسده موضع لا يصل إليه بيديه، فقيل: يلزمه الاستنابة وقيل: لا يلزمه ذلك، ى ويكفيه أن يكثر من صب الماء فينوب له ذلك منابة التدلك، وقيل: إن كان كثيرًا استناب، وإن كان يسيرًا بالغ في صب الماء وأجزأه.
قوله: "ويفعل الغسل بما يفعل به الوضوء من الماء المطلق": وهذا متفق عليه وانظر هل يجوز قول الحنفية في نبيذ أم لا؟ ومقتضى القياس جوازه في الغسل قياسًا على الوضوء، وذكر في تخليل اللحية في الغسل روايتان: أحدهما الوجوب، والأخرى أنه سنة، وقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -: (أنه كان يخلل لحيته في الغسل) يروى عنه -عليه السلام -أنه قال: (تحت

الجزء: 1 - الصفحة: 228

كل شعرة جنابة) وهو ضعيف الإسناد.
قوله: "ثم يتوضأ وضوء الصلاة": ظاهرة التكميل.
وقد اختلف المذهب على أربعة أقوال: أحدهما تكميل الوضوء اعتمادًا على حديث ميمونة، وقيل: بالتخيير في ذلك حملا على جمع الحديثين، وفرق بعض العلماء بين أن يكون الموضع نقيًا فيقدمها، أو أن يكون قذرًا فيؤخرها فرارًا

الجزء: 1 - الصفحة: 229

من التكرار، إن قدم، وإذا غسلهما بعد فراغه من غسله، فإنه ينوي بذلك تكميل غسل الجنابة، وقد ذكرنا أنه يقصد النية بعد زوال الأذى عن فرجه عند شروعه في الغسل، ويبتدئ بعد زوال بغسل الفرج قاصدًا بذلك أمرين: الأول: نية رفع الأذى، الثاني: رفع الجنابة، وكان ابن عمرو (يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن) حينئذ بعد النية، ويشدهما.
واختلف بعض السلف هل يلزم نقض شعر الرأس في الغسل أم لا؟ قولان فقالت طائفة من الصحابة والتابعين: أنه ينقض، وقالت طائفة، إنه لا ينقض.
والمنصوص عن مالك أنه لا ينقض، وروى بعض المتأخرين نقضه، وتؤول كلام مالك على شعور الأعراب، ولم تكن مربوطة بالخرق والخيوط، وإنما كانت (مبسولة) أو مربوطة ربطًا خفيفًا لا يدفع الماء، والأحاديث في ذلك مختلفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم -، ففي صحيح مسلم عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ظفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 230

(إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات).
وكذلك في حديث ثوبان وروى هشام بن عروة عن عائشة -رضي الله عنها -أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال لها في غسل الحيض: (انقضي واغسلي) قال النخعي: تنقض العروس رأسها لتغسل، وبلغ عائشة -رضي الله عنها -: (أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن ولا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن) فقالت: (كنت إذا اغتسلت اغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم -من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث غرفات).

الجزء: 1 - الصفحة: 231

باب في المياه وأحكامها

قال القاضي: "الأصل في المياه كلها الطهارة والتطهير" لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماًء طهورًا﴾ [الفرقان: 48] ثم قد يخرج عن أصله بما يعرض له، والخارج عن أصله نوعان: نجس ومضاف.
وكلاهما لا يستعمل في الطهارتين، وذكر ماء البحر في التفصيل، وبطهارته، وتطهيره قال جمهور العلماء إلا القليل اعتمادًا على قوله -عليه السلام -: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) وفي إسناده متكلم.
وقد أنكر القاضي أبو الحسن الخلاف فيه، ولا معنى لإنكاره لثبوت الخلاف عن عمر وابنه وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة.
قوله: "إلا ما تغيرت أوصافه": وهذا ما ذكره، ولا خلاف فيه إلا التغيير بالريح، فقد قيل: إنه غير معتبر مطلقًا.
حكاه القاضي أبو الوليد عن ابن الماجشون: لا اعتبار بتغير الرائحة، وحكى عن ابن الماجشون أنه لم

الجزء: 1 - الصفحة: 232

يعتبر تغيير الريح في بعض الصور دون بعض.
قال: في الهرة تقع في البئر ميتة (لا يحل) ذلك الماء، وإن تغيرت رائحته حتى تغير لونه أو طعمه، وقال: "إن وقعت حية فغيرت رائحته فهو نجس" والذي قيل لا يتغير هو ما تغير بالمجاورة لا بالحلول كالشاة تموت حول الغدير، فيحمل الريح نتنها إلى الماء، فإنه لا ينجس، إذ هو مجاورة غير حال، واتفقوا على أن ما تغير بأصله وما هو قرار له ولا يخرج لذلك عن أصله، واختلفوا فيما تغير بأحمال حمأة وبأوراق الشجر، والحشيش، ونحوه، وهل هو مطهر، لأنه غالب، وهو قول العراقيين من المالكية أو مضافًا فلا تجوز الطهارة منه قاله الأبياني وروى ابن غانم في المجموعة عن مالك في غدير ترده الماشية، فتبول فيه وتروث، وتغير طعم الماء منها أنه لا يعجبني الوضوء به ولا أحرمه.
وكذلك اختلفوا في المحل يذوب في الماء هل يضيفه أم لا؟ وهو الذي

الجزء: 1 - الصفحة: 233

اختاره القاضي أبو الحسن، لأن الملح من جنس الأرض، وقد اختلف في ذلك ابن أبي زيد (وابن القاسم) وكذلك اختلفوا في اليسير من طاهر المائعات يخالط الماء هل يضيفه أم لا؟ قال القاضي أبو الوليد عن خلاف بين الفقهاء: لعله إنه مطهر إلا ما روي عن (ابن القاسم) لأنه لا يتطهر به.
قوله: "سوى أنه يكره استعمال القليل منه": هذا أحد الأقاويل.
وقد اختلف المذهب في الماء اليسير تحله النجاسة اليسيرة، ولم تغيره، على أربعة أقوال.
الأول: أنه نجس وهو قائم من المدونة.
والثاني: مكروه ولا يستعمل مع وجود غيره كماء ولغ فيه الكلب.
والثالث: أنه طاهر مطلقًا لعدم تغيره.
والرابع: أنه مشكوك فيه، فيجمع بينه وبين التيمم، واختلف المذهب هل يبدأ به أو بالتيمم فيه قولان، وهل يصلي به صلاة واحدة أو صلاتين فيه قولان أيضًا.
أما الماء الكثير إذا خالطته النجاسة ولم تغيره، فالمحققون على أنه طاهر مطهر، لأن مناط النجاسة التغيير، ومناط الطهارة عدمه.
وقد روى عن مالك أنه لا يستعمل إذا وقعت فيه النجاسة غيرته أو لم تغيره.
ورواية أهل

الجزء: 1 - الصفحة: 234

المدينة عن مالك أن النجاسة إذا خالطت الماء القليل ولم تغيره فهو طاهر مطهر.
فرع: في العتبية من رواية موسى عن ابن القاسم "في ماء وقعت فيه قطرة من دم أو من بول إن كان مثل الجرار لم تفسده، وإن كان مثل إناء الوضوء أفسدته القطرة، وروى أبو زيد في ثمانيته عن ابن القاسم أن ذلك لا يفسده"، ومن رواية موسى في العتبية عن ابن القاسم أيضًا تفسده روث الدواب، إلا أن تجده طافيًا في الإناء فإنه لا يفسده، ولا بأس به للاختلاف فيه، وروى عن مالك في الإناء يوجد فيه الروث طافيًا أو يابسًا لا خير فيه، ولعله مبني على القول بنجاسة أرواثها، وبذلك قال: من لا يجوز مسح الخف منه.
فرع: إذا وجد الماء متغيرًا أو أشكل سبب تغيره نظر إلى ظاهر أمره.
قال ابن القاسم عن مالك في العتبية في بئر دار تغيرت ولم يدروا من أي شيء تغيرت قال: "تترك يومين أو ثلاثة، فإن طابت، وإلا لم يتوضأ بها، وقال في موضع آخر: أخاف أن تغسل القذرات، ولو علم أنه ليس منه لم ير به بأسًا.
وروى عن علي بن زياد: رب بئر في الصفا والحجر لا يصل إليها شيء، ورب أرض رخوة يصل إليها، فروى ابن وهب عن مالك في البئر تملأ من النيل إذا زاد، ثم يقيم بعد زواله، لا يسقى منه، فتتغير رائحته بغير شيء أنه لا بأس بالوضوء منها.
وفي العتبية عن أشهب في خليج

الجزء: 1 - الصفحة: 235

الإسكندرية لا يعجبني الوضوء به إذا تغير ماؤه، (وخرجت النعل) قال: وقال المغيرة: يسقى بهذا الماء المراحيض وقال: "اجعل بينك وبين الحرام سترة من الحلال" وظاهره الكراهية لا التحريم.
وما رواه علي بن زياد عن مالك فيمن توضأ بماء وقعت فيه النجاسة ولم تغيره، وصلى أنه يعيد في الوقت.
قال ابن حبيب: إن توضأ به عامدًا أو جاهلاً أعاد أبدًا، وإن توضأ به غير عالم أعاد في الوقت.
وقال يحيى بن يحيى هو كمن لم يتوضأ ويعيد أبدًا، لأنه نجس كالمتغير.
فرع: وروى أِهب عن مالك في العجين، أو الحنطة يبتل في الماء الذي وقعت فيه النجاسة ولم تغيره أنه لا يؤكل ذلك الخبز ولا الحنطة.
واختلف شيوخنا هل المنع من أكل ذلك على وجه الكراهية، وهو قول أبي بكر الأبهري بناء على أنه ليس بنجس، أو على وجه التحريم، تأويله القاضي عن أشهب، وهو مقتضى روايته، وسئل مالك عن ذلك فقال: لا يؤكل ونهى أن يطرح ويعلف للدواب، وإن كان خبزًا.
وحكى ابن

الجزء: 1 - الصفحة: 236

حبيب إذا عجن بالماء النجس المتغير لا يطعم للدجاج، وهو كالميتة، وحكى ابن القاسم عن مالك في المدونة أن الغسل النجس يعلف للنحل.
وقال المغيرة: يسقى بهذا الدواب، وبنجس اللبن والأشجار والثمار وقال على، وابن عمر: يسقى الحيوان، ولا ينجس لبنها ولا ثمرة الشجر.
وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أن ما عجن من الخبز بماء لم يتغير أحد أوصافه فلا بأس أن يطعم (رغيفه) من (اليهودي دون النصراني) وحكى ابن سحنون عن أبيه أنه لا يطعم إياه ولا يمنعهم.
قوله: "فالطاهر يسلبه التطهير فقط": ظاهره الإطلاق سواء كان الخلط يسيرًا أو كثيرًا وقد ذكرنا أن اليسير الطاهر لا يضيف الماء على مذهب الجماعة، خلافًا لظاهر كلام القاضي.
قوله: "كماء الحب": وهو بالحاء المهملة وهو: الإناء الصغير.

الجزء: 1 - الصفحة: 237

قوله: "ويدخل فيه الماء المستعمل على كراهية مناله": قلت: الماء المستعمل لا يخلو مستعمله أن يكون طاهر الأعضاء أو نجس الأعضاء، فإن كان نجس الأعضاء فقد تقدم، وإن كان وسخًا طاهرًا وهو مورد الخلاف، قال ابن القاسم: كره استعماله مع وجود غيره، فإن لم يجد غيره، وتوضأ به أجزأه، وهو يقتضي أنه ظاهر مطهر، وهو المشهور من المذهب.
وقال أصبغ: هو طاهر غير مطهر وهو أحد قولي الشافعي، وحكى عن ابن القاسم أنه مشكوك فيه، وتجمع بينه وبين التيمم، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه نجس احتجاجًا بأنه عليه الإثم، لأنه سماه: ماء الخطايا، والدليل على مذهبنا قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماًء طهورًا﴾ وذلك يقتضي تكرار الطهارة بالماء.
قاله القاضي أبو الوليد.
قوله: "وما تغير بزعفران أو عصفر أو كافور أو بغير ذلك من الطيب" إلى آخره.
هذا كله داخل في القسم المضاف بالطاهر، لم يختلف العلماء أنه طاهر غير مطهر.
وقال أبو حنيفة: في ماء الزعفران، والورد،

الجزء: 1 - الصفحة: 238

ونحو إنه ظاهر مطهر، والدليل فيه قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماًء فتيمموا﴾ [المائدة: 6] فشرط التيمم بعد الماء المطلق في استعمال التيمم، ولم يجعل سبحانه بين الماء المطلق واسطة.
أبو حنيفة جعل ماء الزعفران ونحو واسطة بينهما، وفيه نظر.
فصل قال القاضي -رحمه الله -: "والحيوان كله طاهر العين طاهر السؤر" إلى قوله: "ويغسل الإناء من ولوغ الكلب (في الماء) سبعًا".
شرح: اتفق العلماء على طهارة عين الآدمي إلا المشترك والمميت ففيهما خلاف شاذ، واتفقوا على طهارة عين جميع الحيوان غير الآدمي إلا سباع الوحش، والكلب، والخنزير، والهرة، وسائر سباع الطير المفترسة، فالجمهور على أن ذلك كله طاهر العين، بناء على أن الحياة علة الطهارة، فكل حي طاهر.
وقال أبو حنيفة: إنها نجسة العين حتى الهرة إلا أن ينتزع عفا عن سؤرها لما لم يكن الاحتراز منها، وعلى ذلك نشأ الخلاف بين العلماء في أسآر الحيوانات، وأصل المعنى أنها طاهرة، إلا ما لا يتوقى النجاسة غالبًا كالكلب، والخنزير، والمشركين.
وقال الشافعي: أسآر الحيوانات كلها طاهرة إلا الكلب، والخنزير، وقال أبو حنيفة: آسارها كلها نجسة كلها نجسة إلا سباع الطير وسؤر الهوام، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله -عليه السلام- في الهرة:

الجزء: 1 - الصفحة: 239

(إنها ليست بنجس، وإنما هي من الطوافين عليكم والطوافات).
وقال عمر بن الخطاب لصاحب الحوض: "لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا، ووافقه على ذلك أهل الركب من الصحابة فكان كالإجماع.
وقال الشافعي: قال -عليه السلام -: (يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا) وذلك يقتضي النجاسة.
فرع: في المجموعة عن علي بن زياد عن مالك: الكلاب كالسباع لا يتوضأ بسؤرها إذا كان في أفواهها وقت شربها النجاسة.
واختلف في الكلاب هل تنزل منزلة الهر أم لا؟ فيه قولان، وفي المدونة:

الجزء: 1 - الصفحة: 240

لا بأس بسؤر البرذون والبغال والحمير.
وفي المختصر: لا بأس بفضل جميع الدواب والطير إلا أن يكون (موضعًا) تصيب فيه الأذى.
وروى أبو زيد عن مالك: لا بأس بالوضوء والشرب من أحياض الدواب، وإن ولغت فيه للكلاب، فإن ولغت فيه الخنازير، فلا يتوضأ بها ولا يشرب منها".
قال القاضي -رحمه الله -: "ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا" إلى قوله: "في غسل الإناء من ولوغ الخنزير" واختلف الفقهاء في غسل الإناء من ولوغ الكلب في مسائل: الأولى: هل الأمر بغسله إيجابًا، أو ندبًا، أو استحبابًا، وفيه قولان جاريان على الاختلاف في الأمر المطلق.
الثانية: هل الغسل للعبادة وهو المشهور، أو النجاسة وهو قول

الجزء: 1 - الصفحة: 241

الشافعي وابن الماجشون وسحنون.
الثالثة: هل ذلك عام في الكلاب كلهم، أو مخصوص بالكلب المنهي عن اتخاذه فيه قولان مبنيان على الألف واللام، هل هي جنسية، أو عهدية.
الرابعة: هل يغسل أوان الطعام كأوان الماء أم لا؟ قولان جاريان على الخلاف فيما خرج على الغالب، هل له ذلك أم لا؟.
الخامسة: هل يغسل بذلك الماء، وبماء آخر فيه قولان جاريان على القول بنجاسته أو بطهارته.
السادسة: إذا ولغت كلاب شتى في إناء واحد هل يغسل لكل واحد سبعًا، أو تجزي سبعة على الجميع فيه قولان.
السابعة: هل يغسل من ولوغ الخنزير أم لا؟ فيه قولان.

الجزء: 1 - الصفحة: 242

الثامنة: هل يعفر بالتراب أم لا؟ والخلاف فيه قائم بين السلف.
التاسعة: إذا قلنا بالتعفير هل يجعل أول المرة أو آخرها فيه خلاف مبني على اختلاف طرق الأحاديث.
العاشرة: هل العرك شرط أم لا؟ فأسقطه أبو حنيفة، ورآى أنه كسائر النجاسات والجمهور على غسل ذلك.
الحادية عشر: هل يؤمر بغسله إذا أراد استعماله (مطلقًا) فيه قولان.
الثانية عشر: الغسل من ولوغ الهرة، وقد جاء فيه اختلاف بسطناه في شرح الأحكام.
قال القاضي -رحمه الله -: "ثم الحيوان بعد ذلك على ضريبين بري وبحري".
شرح: فالبحري نوعان نوع تطول حياته في البر كالسلحفاة والسرطان.
وذلك مختلف فيه هل يلحق بحيوان البر، أو بحيوان البحر، أن البحر أصله، أو بحيوان البر اعتبارًا بطول حياته فيه، وهو عند مالك طاهر حلال لا يحتاج إلى ذكاة"، وقال ابن نافع: هو حرام نجس إن مات حتف أنفه.
ونوع

الجزء: 1 - الصفحة: 243

لا تطول حياته كالحوت ونحوه وهو ظاهر حي وميت، خلاف ما قال أبو حنيفة في ميته (وهو) معتمدنا على قوله -عليه السلام -: (هو الطهارة ماؤه الحل ميتته).
وتبع أبو حنيفة عموم الكتاب قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: 3].
وذكر البري أيضًا على ضربين: منه ما له نفس سائلة، ولا خلاف أنه نجس بالموت ومنه ما لا نفس له سائلة، وهل ينجس بالموت أو لا؟ اختلف العلماء فيه فقال مالك: لا ينجس بالموت كبنات وردان والخنفساء ونحوه.
قال الشافعي: نجس بالموت.
والدليل لنا قوله -عليه السلام -: (إذ (وقع) الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء).
(قال): فمات (من ذلك) نجس، ونجس ما مات فيه من مائع غيره، أو لم يغيره، ولا ينجس الماء إلا بإذن يغيره"، وفيه

الجزء: 1 - الصفحة: 244

تفصيل، أما غير الماء من المائعات كالسمن، ونحوه هل ينجس جميعًا جامدًا، أو مائعًا، أو لا ينجس إلا موضع النجاسة وما جاورها إن كان جامدًا، فيه قولان في المذهب، والأصل في ذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: (إن كان مائعًا فاطرحه، وإن كان جامدًا فاطرحه وما حوله)، وبمقتضاه قال الجمهور؛ وهو المشهور عند مالك.
وأما الماء فلا يخلو أن يتغير أم لا، فإن تغير نجس، وفي العتبية من رواية أشهب، وابن نافع عن مالك في البئر تقع فيه الهرة فتموت، فإنه ينزح منها مقدار كبر الدابة وصغرها، وقلة الماء وكثرته، وكذلك الفأرة.
وفي المجموعة إن ما وقع في البئر من الفرث والدم فإنه ينزعه إلا أن يغلبه، وإن لم ينزع منها شيء، وفرق ابن الماجشون بين أن يقع حيًا أو ميتًا، فإن وقعت ميتة لم يضر ذلك الماء، وإن تغيرت فيه رائحته حتى تغير لونه أو طعمه، ولم يؤمر أهل البئر أن ينزحوا منها شيئًا، وإن وقعت حية، وماتت نزح منها قدر ما يطيبها، وإن لم يتغير، حكى ذلك أبو زيد في الثمانية، وقال أصبغ: (كل) الوجهين يفسد الماء (ويوجب إباحته) وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أن الآبار الصغار كآبار الدور يفسدها ما مات فيها من شاة، أو دابة، أو دجاجة، وإن لم تتغير، ولا تفسد بما وقع فيها ميتة حتى تتغير.

الجزء: 1 - الصفحة: 245

وأما آبار السواني فلا تفسد، ولو مات فيها شاة إلا أن تتغير.
وأما البرك العظام فإنه يفسدها ما مات فيها، وإن لم يتغير، إلا أن تكون عظيمة جدًا.
قال ابن وهب: الدابة تموت في الجب يكون فيها ماء السماء، ولم يتغير الماء لكثرته إلا ما قرب منها قال: تخرج الدابة وينزع منها ما يذهب الرائحة واللون، فتطيب بذلك إن كان الماء كثيرًا وأنكره ابن القاسم وقال: لا خير فيه.
وفرق ابن وهبب في هذه المسألة بين الماء المشكوك الذي له مادة، والدائم الذي لا مادة له، وأصل ابن القاسم أن الماء الدائم بخلاف الماء المتحرك الذي لا مادة له، والمشهور ألا تحديد فيه، وإنما ذلك لكثرته، وقلته، وكبر الدابة، وصغرها.
وكان ابن الماجشون إذا سئل عن ذلك يقول ما نستقي أربعين خمسين، ستين، ولا تقف عند حد محصور.
قوله: "وما تغير وجب نزح جميعه إلا أن يزول التغيير (منه) ": ولو قال حتى ينفذ الماء لكان صوابًا، لأن حكم النجاسة مستدام إلى أن يرفع الماء، ولعله جعل زوال التغيير علمًا على نفاذ الماء.
وذكر فيما لا نفس له سائلة أنه لا ينجس بالموت وهو كما ذكره.
فرع: اختلفوا فيما فيه دم ينتقل إليه عن غيره كالبراغيث، هل يلتحق بما له دم، أو بما ليس بدم، ففيه قولان في المذهب: فألحق القاضي بهوام

الجزء: 1 - الصفحة: 246

نجس من ( ... )، ونحوها مما له دم أنه نجس بالموت، وقال سحنون في برغوث ودم وقع في الثريد لا بأس أن يؤكل، وهذا يدل على أنه لا ينجس، وجعل ابن حبيب البعوض في صنف ما ليس له دم، ولا خلاف أنه لا ينجس بالموت، ولا ينجس ما مات فيه، ومنه ما له دم، ولا خلاف أنه نجس بالموت، وينجس ما مات فيه على تفصيل ما قدمناه، ومنه ما فيه دم، وليس له دم - كالبراغيث والبعوض - ففيه قولان في المذهب.
قال القاضي -رحمه الله -: "لا يجوز التطهر من حدث ولا نجس ولا بشيء من المسنونات (والقرب) بمائع سوى الماء المطلق".
وهذا كما ذكره، لا خلاف فيه في المذهب، وشذ على مذهبه أبو حنيفة.
حيث جوز الوضوء بالنبيذ غير المسكر، وقد روي عنه أنه وافقهم في المسكر فقط.
والحديث الذي اعتمد عليه ليلة الجن ضعيف الإسناد، وقد قيل إن ابن مسعود أنكره، وفي المذهب خلاف شاذ في المائعات، هل تزيل النجاسات أم لا؟ والمشهور الاقتصار على الماء لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا﴾ وقوله -عليه السلام -: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء) فنص على الماء المطلق، فدل ما حوله بخلافه.

الجزء: 1 - الصفحة: 247

باب في الاستنجاء وآداب الأحداث

قال القاضي -رحمه الله -: " (ويختار) لمريد الغائط والبول أن (يبعد) بموضع لا يقرب منه أحد ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
شرح: هذا كما ذكره، ويؤخذ من هذه الترجمة أن الاستجمار داخل تحت الاستنجاء لأنه بوب على الاستنجاء، وأدخل فيه الاستجمار وأحكامه، وقد ثبت أن الاستنجاء مأخوذ من النجو، وهو المكان المنخفض من الأرض، وقد يطلق على الرفع أيضًا: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ [يونس: 92].
قال أهل العلم: نجوتك أي نجوتك عن الأرض ليكون (خطابًا من المستعطفين وغيره من المتعبدين) فسمى الاستنجاء بذلك، لأن الغالب في حال المستنجي أن يقصد الموضع المنخفض من الأرض، لأنه بعيد عن العيون، وقيل: إنه مأخوذ من قولهم: نجوت العود إذا قشرته وأصلحته، وسمى به لأنه في الاستنجاء تقشير النجاسة عن محلها وإذهاب لعينها.

الجزء: 1 - الصفحة: 248

قوله: "ويختار لمريد الغائط والبول أن يبعد": هذا كما ذكره، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ... وقوله -عليه السلام -: (إن كل سائلة يريد الرائحة وفي رواية يريد الصوت) وذكر في تهذيب الآثار أنه كان إذا أراد قضاء الحاجة يذهب (إلى المغسول) قال (ابن عمر): نحو ميلين عن مكة.
وأما الاستقبال والاستدبار فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من منع ذلك مطلقًا في الصحاري والمدائن بناء على حديث أبي أيوب، ولم يعتبره ابن مسعود وغيره وهو قول عطاء والنخعي والثوري ومجاهد

الجزء: 1 - الصفحة: 249

وأبو حنيفة (وأبي أيوب).
وأجاز ذلك طائفة على الإطلاق [اعتمادًا] على حديث جابر قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -أن نستقبلها وأجاز مالك ذلك في المدائن دون الصحاري جمعًا بين الأحاديث، وأجاز قوم الاستدبار، ومنعوا الاستقبال، اعتمادًا على حديث ابن عمر.
والصحيح ما ذهب إليه مالك، لأن فيه إعمال الأحاديث والجمع بينهما، فهو أولى من ادعاء النسخ.
واختلف المذهب في النهي عن ذلك، هل النهي لحرمة القبلة فيمنع مطلقًا، أو لحرمة المصلين فيمنع حيث يكون المصلي وفيه قولان.
واختلف المذهب أيضًا على قولين في التجريد هل تجري إجماعًا على مجرى قضاء الحاجة أم لا؟ وسبب الخلاف النظر في تحقيق المناط.

الجزء: 1 - الصفحة: 250

قوله: "ولا ينبغي له قضاء الحاجة على قارعة الطريق": قلت: النهي عن التخلي في الموارد (والطرقات) وقد (أمر) رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فاعل ذلك خرجه أهل الصحيح، وذلك لما فيه من الضرر العام، وثبت نهيه -صلى الله عليه وسلم -عن البول في الماء الدائم لأنه أفسده، وأجازه في الجاري، إذ لا يفسد بذلك.
قوله: "ولا يكلم أحدًا في حال جلوسه للحدث": هذا (محمل) على الكراهية.
قوله: "وإذا أراد الاستنجاء فبشماله": قلت: النهي عن الاستنجاء باليمين ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم -، والأمر فيه بين لما منع الاستنجاء به صحيح محرم، وقال به بعض أهل العلم، اعتمادًا على النية.
قوله: "والأفضل (له) أن يجمع بين الماء والأحجار": أجمع العلماء على أن الجمع أفضل لقوله تعالى: ﴿رجال يحبون أن يتطهروا﴾ [التوبة: 108] وفي بعض الآثار أنهم كانوا يجمعون بين الأحجار والماء.
وذكر أبو

الجزء: 1 - الصفحة: 251

داود أنهم كانوا يستنجون بالماء.
وروى الشافعي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: (يا أهل قباء ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم).
وأجمع جمهور العلماء على أن الآية نزلت في أهل قباء، وشك بعضهم فقال: إن المسجد المذكور في الآية، هو مسجد المدينة، وهو أصح.
وأجمع العلماء على جواز الاقتصار على الماء، وأجمعوا على جواز الاقتصار على الاستجمار مع عدم الماء، واختلفوا هل يجوز الاقتصار مع وجود الماء أو لا يجوز، والمشهور جوازه اعتمادًا على أنهم كانوا في الصدر الأول يقتصرون عليه، وأباه ابن حبيب، وتأول ما كان يفعله الصدر (تأويلاً) ضعيفًا.
وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: "غسل اليدين نجاة" وقال سعيد بن المسيب، وقد سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: "إنما ذلك وضوء النساء" والجمهور على خلافه.
قوله: "فإن انتشر (عن) ذلك الموضع لم يجزئه إلا الماء": وهذا كما ذكره، لأنه لا يخرج حينئذ عن حكم الاستنجاء، وفيما قرب المخرج قولان، فقيل: لا يزال إلا بالماء، وقيل: يزال بالأحجار وبالماء، على أن ما قرب

الجزء: 1 - الصفحة: 252

الشيء حكمه كحكمه.
قوله: "ويستحب له أن يأتي بالثلاثة": وهذا كما ذكره لقوله -عليه السلام -: (من استجمر فليوتر)، وقد اختلف العلماء هل المطلوب الإنقاء فقط، أو الإنقاء والعدد، ومذهب مالك أن العدد يستحب، واختلفت الرواية هل يجوز الاقتصار على ثلاثة للمخرجين، أو يطلب لكل واحد منهما وترًا، وفيه قولان، وكذلك اختلفوا هل يعم بكل حجر جميع المخرج، أو يجعل حجرين للجانبين، وثالث لوسط المخرج، والأول مشهور المذهب.
واختلفوا إن اقتصر على حجر واحد له ثلاثة شعب، هل يجزئه أم لا؟ والصحيح حصول الإجزاء، بناء على أن المقصود النظافة والاستطابة.
قوله: "وكل جامد يحصل به الإنقاء فهو كالحجر في الإجزاء": وهذا كما ذكره.
وقد شد قوم فقصروا الاستجمار على الأحجار، والتراب وما في معناه.
قوله: "ويكره له العظم والبعر": لأن فيه حقًا للجن، والبعر أنه ملوث، وفي الحديث: (ولا تقربني حائلاً ولا رجيعًا) (ومن

الجزء: 1 - الصفحة: 253

إجزائه) "أخذ الحجرين ورمى الروث، وقال: إنها نجس".
وقال الشافعي: إذا استنجى بالعظم لا يجزئه، وفي بعض الآثار أن عمر بن الخطاب كان له عظم يستنجي به، ثم يتوضأ، وفي إسناده ضعف.

قال القاضي -رحمه الله-: "ومَن ترك الاستنجاء والاستجمار وصلى بالنجاسة ... " إلى آخر الفصل.
شرح: اختلف المذهب في إزالة النجاسة على أربعة أقوال: الأول: إنها فرض مطلق؛ لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر ... ﴾ الآية، وقد قيل: إن المراد القلب؛ لأن الآية مكية [نزلت] قبل نزول الوضوء، وفيه نظر؛ لقوله -عليه السلام- في حديث المعذبين: (إنهما يُعذبان، وما يُعذبان في كبير ... ) الحديث، وفي بعض روياته: (أما أحدهما فكان لا يستبرئ)، وفي آخَر: (لا يستبرئ مِن بول).

الجزء: 1 - الصفحة: 254

الثاني: إنها واجبة مع الذِّكر ساقطة مع النسيان؛ اعتمادًا على حديث النعلين، خرجه أبو داود، وفيه: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلعهما وهو في الصلاة، فاتبعه الصحابة عندما أخبره جبريل أن فيه قذرًا ... ) الحديث.
الثالث: إنها مستحبة؛ اعتمادًا على حديث سلى جزور.
الرابع: إنها سنة.
وعلى ذلك يترتب الخلاف في صلاة مَن صلى ولم يستجمر ولم يستنج، فقيل: يُعيد أبدًا، وقيل: يُعيد في الوقت، وقيل: إن كان عامدًا أعاد أبدًا وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت.
واختُلِف في وقت الصبح، وقيل: يعيدها ما لم يقع الإسفار، وقيل: ما لم تطلع الشمس، وهو مبني على الخلاف في الإسفار: هل هو وقت اختيار أو وقت اضطرار؟ والخلاف فيه مشهور.
واختلف في وقت الظهر والعصر، فقيل: الإصفار، وقيل الغروب.

قوله: "ويكره له البول قائمًا": اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: فمنهم مَن حرَّمه؛ اعتمادًا على النهي الثابت في حديث عائشة: (مَن حدَّثكم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بال قائمًا فلا تصدقوه).
ومنهم مَن كرهه.
ومنهم مَن

الجزء: 1 - الصفحة: 255

أباحه، اعتمادًا على حديث السباطة وفيه: (أنه بال قائمًا)، وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال البول: قائمًا أحصن للدبر.
وقيل: إن العرب تستشفي بالبول قائمًا، وقيل: إنما فعله -عليه السلام -لمرض، وقيل: لنجاسة الموضع.
قال القاضي -رحمه الله -: "كل مائع يخرج من أحد السبيلين" إلى آخره.
قلت: هذا كما ذكره، ولا خلاف بين العلماء في نجاسة ما خرج من أحد السبيلين إلا المني، ففيه خلاف بين العلماء.
فقال الشافعي: هو طاهر ويجزئ فركه، اعتمادًا على حديث عائشة، وقال مالك وأصحابه: هو

الجزء: 1 - الصفحة: 256

نجس، لأنه جرى مجرى البول ومخرجه، مع الاعتماد على الأحاديث المقتضية غسله أيضًا، وفرق قوم بين الرطب واليابس، فأجازوا فرك اليابس، وغسل الرطب، واختلفوا فيما خرج من فرج المرأة (من دم) هل هو نجس أجراه مجرى سائر المائعات الخارجة منه، أو طاهر أجراه مجرى عرقها.
قوله: "والدماء كلها نجسة، (من إنسان أو حيوان له نفس سائلة) تجوز الصلاة بقليلها ولا تجوز بكثيرها": هذا فيه تسامح لأن ظاهر الجواز يقتضي إباحة دخول الصلاة بالدم اليسير وهو ممتنع، وإنما الرخصة في العفو منه (بعد) رؤيته في الصلاة إلا دم الحيض ففيه روايتان، الأمر كما ذكره، فقيل: إنه كسائر الدماء يعفى عن يسيره، قيل: لا يعفى عن يسيره، ولا عن كثيره، لأن الله تعالى سماه "أذى"، وهذا فيه نظر، لأن كل نجس أذى، واختلفوا في دم الحوت هل هو نجس أجراه مجرى سائر الدماء، أو

الجزء: 1 - الصفحة: 257

طاهر لكونه غير مسفوح، قاله ابن القاسم.
مسألة: قليل النجاسة وكثيرها سواء لا يعفي عنه سوى الدم عند مالك، وقال الشافعي: النجاسات كلها سواء، الدم، وغيره لا يعفى عن قليلها ولا كثيرها بدليل حديث العرى وقال أبو حنيفة: قدر الدرهم من جميع النجاسات معفو عنه، وما زاد على ذلك يجب إزالتها، والدليل على خلاف قوله، حديث العرى، وظاهره الإطلاق في يسير البول وكثيره، وإنما رأى مالك العفو عن قليل الدم لعدم الانفكاك عنه والتحرز منه، وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه يغسل ما قل من الدم وكثر كقول الشافعي.
فرع: إذا قلنا إن اليسير من الدم معفو عنه، فقد اختلف في حد اليسير، فحكى الداودي عن مالك أنه لا حد له، لقلوه في دم البراغيث أنه يغسل إلا أن ينتشر، وروى علي بن زياد في المجموعة عن مالك أن مقدار الدرهم من الدم لا تعاد الصلاة منه، ولكن تعاد من الفاحش الكثير المنتشر، وقال ابن حبيب: سئل مالك عن قدر الدرهم فرآه كثيرًا، وروى قدر الخنصر قليلاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 258

قال المصنف عفا الله عنه: قدر ما فوق الدرهم كثير، وقدر القيراط فما دونه يسير، واختلفوا فيما بينهما، هل هو في حد اليسير أو الكثير، فيه قولان في المذهب، وقال ابن قتيبة: إن الدرهم الصنجي قليل ولو كان هو الماء، بحيث لو انتشر لعم جميع الثوب، وهذا فيه نظر، وقد قيل: إن قدر الدرهم كحافر البغل.
قال ابن حبيب: من لم يغسل موضع المحاجم من الدم حتى صلى لم يعد.
وفي العتبية عن أشهب: من جفف من غسل في ثوب فيه دم ألا يخرج بالتجفيف، فلا شيء عليه، وإن كان فيه دم كثير يخاف بلل التجفيف فليغسل داره منه.
فرع: إذا ألقى عليه في صلاته نجس قال سحنون: أرى أن يبتدئ صلاته، وقال أبو الفرج: يتمادى على صلاته وإن أمكنه طرحه، وكذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 259

اختلفوا إذا رأى نجاسة في ثوبه في أثناء الصلاة: فروَى ابن القاسم عن مالك: أنه يقطع الصلاة، وقال غيره: يتمادى ويعيد إيجابًا أو استحبابًا على اختلاف في إزالة النجاسة هل هي فرض أم لا؟ وقال أبو الفرج: إن خف طرحه تمادى في صلاته ولم يقطعها.

وذكر القاضي: أن الأبوال تابعة للحوم، وهو أصل مذهب مالك في الألبان والأبوال.
وقال الشافعي بعموم نجاسة الأبوال.
والمعتمد لنا: حديث العرنيين، أباح لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- شُرب أبوال الإبل وألبانها، وتأوله الشافعي على أنه محل ضرورة.
واحتج علماؤنا بحديث طوافه -عليه السلام- على البعير ولا يُؤمَن منه الحدث.
ولا حجة فيه.

قوله: "وأجزاء الميتة كلها نجسة إلا ما لا حياة فيه": هو كما ذكره، أن ما تحله الحياة ينجس بالموت، وما لا تحله الحياة لا ينجس بالموت.
واختلف المذهب في أنياب الفيل على أربعة أقوال: التحريم، والكراهية، والإباحة، والفرق بين أن يسلق فينتفع به كالمدبوغ أو لا يسلق فلا ينتبع به.
قالوا: وأطراف القرون التي لا تؤلم البهيمة بقطعها ولا تنمو بنفسها ميتة.
وكذلك خصية الفحل تبقى معلقة بعد الخصي ميتة أيضًا؛ لأن نمو الحياة قد انقطعت عنها بانقطاع نموها.
ولو حلب من الشاة الميتة لبنٌ بعد موتها لم

الجزء: 1 - الصفحة: 260

يُشرَب، وقيل إنه يُشرَب؛ لأنه لو أخذ منها في حال حياتها لم يضرها.
ولو ماتت دجاجة فوُجدَت فيها بيضة؛ فهي نجسة في المشهور.

قوله: "وجلود الميتة كلها نجسة لا يطهرها الدباغ": تعقَّبه عليه بعض شيوخنا؛ لأن لفظه معارِض لنص قوله -عليه السلام-: (إذا دُبغ الإهاب فقد طهر).
والأولى أن يقول: إنما يطهرها الدباغ طهارة خاصة.
وقد اختلف المذهب فيه على قولين: فقيل: إنما يطهرها طهارة عامة، وقيل: طهارة خاصة.
وفائدة الخلاف: هل يُباع أم لا؟ فيه قولان.
وهل يُستعمَل في اليابسات فقط؟ أو المائعات واليابسات؟ فيه قولان جاريان على ما ذكرناه مِن عموم الطهارة أو خصوصها، والظاهر العموم.

الجزء: 1 - الصفحة: 261

باب في التيمم

قال القاضي -رحمه الله -: "وفصوله خمسة" إلى قوله: "وأما جوازه لتعذر الاستعمال".
شرح: التيمم يقال: تيممتك أي قصدتك مخففًا ومشددًا إذا قصدك وهو في الشريعة طهارة ترابية توجب مع الإضرار دون الاختيار، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة.
كما قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء: 43] أي اقصدوا.
وحديث العقد ثابت، وبسببه أنزل الله آية التيمم، وقد قال -عليه السلام -: (إنما يكفيك ضربة لوجهك ويديك).

الجزء: 1 - الصفحة: 262

قوله: "فأما من يجوز له التيمم فكل محدث حدثًا أعلى أو أدنى": هذا مذهب الجمهور، وقد نقل عن ابن مسعود وغيره أن الجنب لا يتيمم، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب والجمهور على خلافه والقائلون بأنه تيمم اختلفوا إذا وجد الماء هل يلزمه استعمالها أم لا؟ فقال الجمهور: إن وجود الماء ناقض لهذه الطهارة.
وقال أبو سلمة عبد الرحمن بن عوف لا يلزمه استعمال الماء، والدليل على خلاف ما ذهب إليه قوله -عليه السلام -: (فأمسسه جلدك).
قوله: "فإن وجد دون الكفاية لم يلزمه استعماله": وهذا كما ذكره، وحكمه أن يزيل به إذا كان عليه، فأما إن لم يكن عليه، إذا لم يلزمه استعماله وعدمه لشربه هذا عند الجمهور إلا من شذ (تعولاً) من الشواذ، لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾ وهذا واجد الماء، وهو ضعيف في النظر.
والمعنى: فإن لم تجدوا ماء كافيًا، فعليه يدل السياق.
قوله: "وذلك بأن يدخل الوقت": بيان أنه لا يتيمم قبل الوقت وبه قال الجمهور: بناء على أنه لا يرفع الحدث.

الجزء: 1 - الصفحة: 263

قوله: "وأما ما يخص فهو عادم الماء لا يجوز له التيمم إلا بعد طلب الماء وإعوازه": وهو مذهب الجمهور لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا﴾ واشترط في استعمال التيمم نفي الوجود، وليس يتحقق ذلك إلا بعد طلب الماء، وقد شذ قوم من أهل العلم فلم يوجبوا الطلب واستعمال (الأسباب) وهذا باطل، ولزمه الشراء بقدر ما لا يحجف به، وليس فيه حد محصور.
قال ابن الجلاب: ويمكن أن يحد بالثلث بناء على أنه يسير، أو ذلك مختلف بحسب الأحوال.
وذكر في تعذر الاستعمال وجوهًا، منها: متفق عليه في المذهب، وهو لخوف التلف، ومنها مختلف فيه، وهو ما دون ذلك، وشد الحسن بن جبير، فقال: يجب عليه استعمال الماء ولو خاف التلف.
ونص الكتاب والسنة يرد عليه: قال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: 195] وقال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: 29] وفي حدي أبي داود: (ما لهم قتلوه قتلهم الله، ألا تسألوا، إذ لم يعلموا) وخوفه على نفسه من لصوص أو سباع مبيح الانتقال إلى التيمم، فإن خاف تلف ماله فهل يبيح له التيمم أم لا؟ فيه قولان في المذهب، المشهور الإباحة لأن دين الله يسر، وأما إذا خاف إن تشاغل به فوات الوقت، فهل يبيح له التيمم أم لا؟ فيه قولان في المذهب، فروى البغداديون عن المذهب أنه يتيمم محافظة على الوقت، وقيل: لا يتيمم، ويلزمه استعمال الماء لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا﴾

الجزء: 1 - الصفحة: 264

واختلفوا إذا خاف فوات الجمعة بذهابه إلى النيل، والجمهور على أنه يجب عليه طلب الماء.
وقال: أهل الظاهر يبيح له الانتقال إلى التراب.
والخلاف مبني على وجوبه أو نفيه.
قوله: "أو أن يخاف على نفسه أو إنسان يراه التلف": أطلق ولم يفرق، ولا خلاف أن المسلم مقدم، وأن خوفه تلفه مبيح لانتقاله إلى التيمم، وهل يقدم الكافر، أم تقدم الصلاة عليه؟ لم أر فيه نصًا.
قال بعض الشيوخ: يحتمل الخلاف.
قوله: "بل يجوز للحاضر والمسافر": أما المريض والمسافر فالإجماع على أنهم من أهل التيمم، واختلفوا في المرض هل هو عام في كل مريض أو مخصوص، والظاهر أنه للمريض المانع من استعمال الماء لخوف شديد.
واختلفوا أيضًا في السفر المبيح للتيمم، فقيل: السفر المبيح لقصر الصلاة، وقيل: هو عام في كل سفر.
واختلفوا في الحاضر الصحيح، هل يباح له التيمم عند الماء أم لا؟ وفيه قولان في المذهب جاريان على الخلاف في المفهوم هل هو حجة أم لا؟.
قوله: "فأما صفة التيمم فهي أن يضع يديه على الأرض": قال بعض الشيوخ: مضموم الأصابع في الضربة للوجه، (ومفترقهما) في الضربة الثانية لليدين، لأنه لو فتح أصابعه في شربة الوجه لتعلق به التراب، فمسح حينئذ بتراب قصد به مسح الوجه، فيكون كالماء المستعمل، وزاد بعض الشيوخ: ويجعل أطراف الأنامل على الصعيد، ويمسح وجهه كله كما

الجزء: 1 - الصفحة: 265

يفعل في الوضوء فشذ قوم من أهل العلم فقالوا: يقدم اليدين على الوجه، وهو قول الأوزاعي.
قال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قدم الوجه، وإن شاء قدم اليدين.
ومبنى المسألة على الخلاف في "الواو" هل ترتب، أم لا؟.
ومنتهى اليدين في المسح المرفقان قياسًا على الوضوء، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، وقال علي بن أبي طالب وابن المسيب والأعمش والأوزاعي وعطاء وأحمد وإسحاق: يمسحهما.
وقال الزهري: يبلغ بالتيمم إلى الآباط والمناكب، وهو قول محمد بن مسلمة، ولا دليل عليه.
واختلفوا إذا اقتصر على الكوعين، وقلنا: إنه يقتصر، أو اقتصر على ضربة واحدة، وقلنا: إنه لا يقتصر، فقيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد أبدًا، وقيل: يعيد في الوقت.
فرع: هل ينفض يديه من التراب أم لا؟ اختلف الفقهاء فيه فقال مالك: ينفضهما نفضًا خفيفًا، وقال الشافعي: لا بأس به، وقال أحمد: لا يبالي

الجزء: 1 - الصفحة: 266

نفض أو لم ينفض، وصح النفخ فيهما من حديث عمار بن يسار وهو أصل في الباب.
قوله: "فأما ما يتيمم به فالأرض نفسها وما تصاعد عليها": وهذا يجوز بكل ما هو على وجه الأرض.
قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾.
واختلف العلماء في الصعيد، فقيل: وجه الأرض ترابًا كان أو غيره قاله ابن الأعرابي.
وقال: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات، وقال غيره: الصعيد المستوي من الأرض، وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب الأرض ذي غبار، وقال: الصعيد الأرض نفسها.
واختلفوا في الطيب، فقيل: الطاهر، وفيل: (المذهب)، وعلى هذا اختلفوا، هل يجوز التيمم على السباخ أم لا؟ والجمهور على جوازه خلافًا

الجزء: 1 - الصفحة: 267

لمجاهد، بناء على أن الطيب المنبت.
واختلفوا في غير التراب هل ينزل منزلة التراب أم لا؟ وفيه قولان في المذهب والجمهور على أنه ينزل منزلته مع وجود التراب وعدمه تعلقًا بلفظ الصعيد، وقيل: لا ينزل مع وجوده لقوله -عليه السلام -: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) وعموم قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ وقال -عليه السلام -: (الصعيد الطيب كافيك) وفي رواية: (التراب كافيك).
واختلفوا في المصنوعات، والمشهور من المذهب المنع لأنه (تغيرته) الصنعة، واختلفوا فيما لا يلصق باليد من التراب المنقول، والرمل الذي تسفيه الرياح هل يتيمم عليه أم لا؟ وفي المذهب فيه قولان، واختلف في الملح على قولين: أحدهما: جواز التيمم لدخوله تحت الصعيد.
الثاني: في ذلك لأنه بناء على منفعة.
الثالث: جوازه في المعدن دون السبخ، لأن السبخ منفعته حقيقة، بخلاف التيمم.
قال القاضي -رحمه الله -: "ولا يجوز الجمع بالتيمم بين صلوات فروض" إلى قوله: "ففيه روايتان".
شرح: اختلف المذهب هل يجوز الجمع بين فرضين بتيمم واحد م لا؟ والمشهور المنع، بناء على وجوب الطلب، وقيل: إنه جائز مطلقًا، وقيل: إنه

الجزء: 1 - الصفحة: 268

جائز في المشتركة الوقت خاصة، لأنها كصلاة واحدة، وقيل: إنه جائز في الفوائت دون الحواضر، واختلف إذا تيمم للنوافل هل يصلي به الفرائض، والمشهور المنع.
وقال (إسحاق): إذا تيمم للفجر جاز أن يصلي به الصبح.
وروى عن مالك وبعض أصحابنا أنه يصلي الضحى بتيمم الصبح، والمشهور منعه، وأجاز سحنون: أن يصلي الوتر من أول الليل بتيمم العتمة، وأجاز غيره أن يصلي الصبح بتيمم الوتر آخر الليل، ومنعه الجمهور.
واختلف القائلون بأنه يعيد التيمم للفريضة، هل الإعادة إيجاب أم استحباب، فيه قولان بين المتأخرين، والصحيح الإيجاب، وحكى قولين في الجنب ينوي الحدث الأصغر ناسيًا للحدث الأكبر.
أحدهما: الإجزاء، والثاني: نفيه لاختلاف الواجب.
قوله: "فكل قربة لزم التطهر لها بالماء": قيد المسألة: بالقربة، ولم يقل: كل حكم لزم التطهر له بالماء، أو أمر، وذلك تحرزًا من أن يدخل عليه تيمم الحائض للوطء، وليس في المذهب حتى تطهر بالماء، ولا يلزم ذلك في القربة لكون الوطء لا يتناوله اسمها، ولا يقتضيه نظمها.
قال القاضي -رحمه الله -: "ولا يخلو مريد التيمم من ثلاثة أحوال" إلى آخر الباب.
شرح: وقد ذكرنا أن التيمم قبل الوقت لا يجوز بناء على وجوب الطلب، ولا تجوز إلا بعد دخول الوقت.
وإذ جاز التيمم بعد دخول الوقت، فله التيمم أول الوقت، ووسطه، وآخره على حكم الوضوء، إلا أن شيوخ المذهب فصلوه تفصيلاً.
الراجي يتيمم (أول) الوقت بناء على غالب ظنه

الجزء: 1 - الصفحة: 269

أيضًا، أنه لا يصله في الوقت، واختلفوا في الراجي اليائس يجمع الأمرين، فقيل: يتيمم أول الوقت، وقيل: يتيمم وسطه، وهو الأظهر، وهذا خلاف في حال (لم يحكم) على واجد الماء.
وتحصيل مذهب مالك -عليه السلام -: أنه لا يخلو أن يجد الماء قبل التلبس بالصلاة، أو في أثناء الصلاة، أو بعد الفراغ منها، فإن وجد بعد التيمم، وقبل الصلاة فالجمهور على أنه عليه استعماله، لأنه إنما أبيح له الاستفتاح بالصلاة من فقد الماء، لا مع وجوده، وشذ قوم وقالوا: ليس له استعماله، فإن وجده في أثناء الصلاة هل يقطع أم لا؟ وفي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقطع، لأن اشتراط الطهارة في آخر صلاته على (حد) اشتراطه في جميعها فبوجود الماء يبطل التراب، فهو باعتبار ما بقي منها، كمن وجد الماء قبل الصلاة.
والثاني: أنه يتمادى، ولا يقطع، لأنه دخل في الصلاة بوجه جائز، فلا يجوز إبطاله لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: 33].
والثالث: أنه يقطع، إذا ذكر الماء في رحله، ولا يقطع إن طلع به عليه إنسان، لأن الأول معه ضرب من التفريط بخلاف من طلع به عليه.
والقائلون بأنه لا يقطع اختلفوا في الإعادة، فقيل: لا إعادة عليه، بناء على أن الفرض قد أدى وجوبه، وقيل: يعيد في الوقت لتحصيل فضيلة الماء، وقيل: يعيد أبدًا بناء على ما ذكرناه أولاً من اعتبار الإجزاء، وإذا بطل الجزء بطل الكل.
وإن وجد بعد الصلاة فالمشهور أنه لا يعيد، وقيل: يعيد في الوقت.

الجزء: 1 - الصفحة: 270

قوله: "والتيمم لا يرفع الحدث": هذه عبارة (تترك) الطاهر لا يفعل (الاجتماع) على أن التيمم باختيار الصلاة إلى (الصلاة) ومقصودهم في إطلاق هذه العبارة.

الجزء: 1 - الصفحة: 271

باب المسح على الخفين

قال القاضي -رحمه الله -: "المسح على الخفين جائز في (السفر والحضر) للرجال والنساء" إلى آخره.
شرح: اختلف المذهب في المسح على الخفين على ثلاثة أقوال: أحدها أنه جائز في السفر والحضر، وقيل: إنه جائز في السفر فقط، وقيل: إنه [لا] يمسح في السفر والحضر، وروى أنه مكروه عند مالك وقد قال أهل العلم: فرآه من قرأ: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ بالخفض على (أن) المقصود به المسح على الخفين، والأصل في ذلك السنة التي ثبتت عن النبي -صلى الله عليه وسلم -قولاً وفعلاً.
قوله: "وذلك إذا ادخل رجليه في الخفين بعد كمال وضوئه": جعل كمال الطهارة من شروط المسح، وهذا كما ذكره، أن المسح على الخفين جائز لمن لبسها على طهارة بالماء كاملة غير عاص بلبسهما.
فقولنا: "على طهارة" احتراز من الحدث.
وجمهور العلماء على اشتراط الطهارة في هذا الباب بخلاف

الجزء: 1 - الصفحة: 272

العصائب والجبائر، وذلك لأن المشقة حاصلة باشتراط في المسح على العصائب بخلاف الخفين.
وقولنا: "بالماء" احتراز من الطهارة الترابية وهل ينزل منزلة الطهارة بالماء أم لا؟ فيه قولان في المذهب، والظاهر أنها كالماء عند قيام (مؤخره) وبناه بعض المتأخرين في التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ وقوله: "بعد كمال" احتراز من تفريق الطهارة، وفيه خلاف، المشهور ما ذكرناه.
قوله: "من غير توقيت بمدة": على المشهور من المذهب، وقد قيل: إنه يؤقت المسافر على أنه أباح له، وبه قال: جميع الصحابة والتابعين اعتمادًا على الحديث الثابت في ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم -وحد الخرق اليسير بما لا يمنع متابعة المشي فيه.
وقد اختلف الناس هل من شرط اليسير أن يظهر الأصابع أو إلى الأصابع.
وذكر الخلاف في المسح على الجوربين الجرموقين، والخلاف قائم فيهما بين الصحابة ومن بعدهم، ومبناه على القياس.
قوله: "والمختار مسح أعلاهما وأسفلهما": وهو كما ذكره، وقد اختلف المذهب في الاقتصار على أحدهما، قيل: يجزئ واحد منهما، وقيل: لا يجزئ من ذلك إلا المسح عليهما، ومشهور المذهب جواز الاقتصار على أعلاهما دون أسفلهما وهو خلاف مقتضى القياس، وإذا اقتصر على الأعلى أعاد في الوقت، ولو اقتصر على الأسفل أعاد أبدًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 273

والمسح على العمامة مختلف فيها بين الصحابة ومن بعدهم، ومذهب مالك المنع من ذلك وههنا مسائل: الأولى: هل يجزئ مسح الخف من ورث الدواب، أو لا بد من الغسل، فيه قولان في المذهب، والمشهور جواز الاكتفاء بالمسح، واتفقوا على أن أرواث بني آدم لا يجزئ المسح منها، والفرق بين الوجهين انفكاك الطرق، وحصول النجاسات الاجتماعية في أحد الحالين بخلاف الآخر.
واختلفوا في النعل هل يجري مجرى الخف أم لا؟ وظاهر المذهب أن النعل كالخف.
وقال ابن حبيب، لا يجزئ في النعل إلا الغسل، وفرق علي وابن القاسم بين النعل والخف ورأى أن المسح جائز في الخف دون النعل.
الثانية: اختلف المتأخرون في الرجل هل يجزئ المسح أو لا؟ واختار القاضي أبو الوليد أن المسح يجزئ فيها، لأن العلة جارية في الرجل، لأن أكثر الناس يمشي حافيًا إلا أن يقال: الفرق بينهما أن الخف بخلاف القدم، فالغسل يستحب الاعقاد عليه، وقد روى ابن القاسم في العتبية عن مالك أن السيف يمسح من الدم، ويصلى به، لأنه يفسد بالغسل، ولأن الدم يبقى له بعد الغسل أثر كالمحاجم والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 274

باب الحيض والنفاس وما يتصل بهما

قال القاضي -رحمه الله -: "الدماء التي ترخيها الرحم ثلاثة" إلى قوله: "وأقل الحيض والنفاس لا حد له".
شرح: الحيض مأخوذ من قولهم: (حاضت السماء ماء أحمر) (وهو) شيء كتبه الله على بنات آدم، وقيل: إن أول من حاض [أمنا حواء] وقيل: (إنها بنت علي بن أبابل) وقع في صحيح البخاري والأول لقوله -عليه السلام -: (إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم).
قوله: الدماء التي ترخيها الرحم ثلاثة" فيه روايتان: "تزجيها" بالزاي المعجمة والجيم، فمعناه يدفعها.
قال الله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يزجى سحابًا﴾ [النور: 43] أي يدفع

الجزء: 1 - الصفحة: 275

بسوقه.
والرواية الثانية: "ترخيها" والرواية الأولى أصح، وهكذا قرأناه على الشيوخ.
وحصرها في الثلاثة حكم (استقرار)، والأحكام الشرعية معلقة على (الاستقراء) وعرف كل واحد منهما.
"فأما دم الحيض: فهو الخارج من الفرج على الصحة بغير ولادة، والنفاس: ما كان عقيب الولادة" كما ذكره القاضي.
وأما الاستحاضة فقد سماه الفقهاء دم علة وفساد، لأنه مرض للمعنى.
واتفق العلماء على أن دم الحيض والنفاس يمنعان فعل العبادات والعادات.
ودم الاستحاضة غير معتبر بذلك، وقد قال -عليه السلام -: (إنما ذلك عرق وليس بحيضة) الحديث.
وذكر ما يمنع دم الحيض والنفاس، وفرق بين الصلاة، والصوم، وجعلهما مانع وجوب صحة فعلهما، وفعل الصوم دون وجوبه، وذكر فائدة الفرق، وذلك بناء على أنها غير مكلفة بالصلاة، ومكلفة بالصوم بدليل وجوب القضاء عليها، وإن تعذر فعله منها لمانع طرأ عليها وفي ذلك نظر، وللقائل أن يدعي أن

الجزء: 1 - الصفحة: 276

الحيض مانع من التكليف لها، من المعلوم أن المانع من الوجوب أولى واختار القاضي أنه غير مانع وإيجابـ (ـه) في حال حيضتها، إن كانت ممنوعة من الفعل، ولا معنى للإيجاب حينئذ بتقدير عموم المنع من الفعل، وذلك مانع من الفعل، ممكن شرعًا، وكذلك إلحاق العدة في جملة من الممنوعات كالصلاة، والصوم، وفيه تأويل.
قوله: "والعدة": يريد إذا طلقها وهي حائض بأن يمنع العدة لكونها مأمور برجعتها، واللفظ مجرد، إذ ليس كل الطرق في الحيض يؤمر فيه بالرجعة، ألا ترى أنه إذا كان قبل البناء لا يصح فيه رجعة، فهذا قد أطلق ما من شرطه أن يقيد فكان من حقه أن يقول: (والعدة المأمور فيه بالرجعة" فهو في المراجعة في الطلاق، والذي ليس ببائن، فإن كانت مباراة وخلعا، لم تصح فيه الرجعة، والذي يطلق عليهم في الحيض لعارض من جذام، أو برص، أو جنون، أو عنة، أو إعسار بالنفقة، فإن لهم الرجعة ما خلا العنين فلا رجعة له لكونه مطلقًا قبل البناء هذا ممن كتاب البخوري.
وأما الجماع في الفرج فلا خلاف بين أهل الأدلة أنه يمنع في أيام الحيض.
واختلفوا هل تجب الكفارة على فاعله أم لا؟ مذهب مالك ألا كفارة عليه، لأن ذنبه أشد من الكفارة، وقد قال كثير من أهل العلم: الكفارة في ذلك اعتمادًا على أخبار ضعيفة لم تثبت عند أهل

الجزء: 1 - الصفحة: 277

الإسناد.
واتفق الجمهور على جواز مباشرتها والاستمتاع بها في أعلاها.
واختلفوا في جواز وطئها بين الفخذين، وفيه قولان في المذهب، المشهور المنع، مخافة الشبهة.
وقد قال -عليه السلام -: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه) وقد صح عن ابن عباس منع مباشرة الحائض جملة، والسنة الصحيحة (حجته -عليه السلام -).
ولا خلاف في هذه الجملة التي ذكر أن الحيض والنفاس مانعان للمرأة قراءة القرآن إلا قراءة طاهرة وفيه قولان في المذهب، والصحيح أن الطهارة مطلقًا على مشترطه في قراءة القرآن على الأصح، وفي حديث عائشة قالت: (كان) رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يذكر الله على (كل أحيانه) وقد اشترط قوم

الجزء: 1 - الصفحة: 278

الطهارة في قراءة القرآن اعتمادًا على قول علي: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم -لا يحجبه عن قراءة القرآن (إلا الجنابة) وقال النبي -عليه السلام -: (إن المؤمن لا ينجس) وقد كتب ببعضه هرقل بعض حكم القضاء، وفي مذهب مالك في قراءة القرآن طاهر ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، وجوازه في اليسير للتعوذ دون الكثير.
قال القاضي -رحمه الله -: "وأقل الحيض والنفاس لا حد له" إلى قوله: "وجب التلفيق".
شرح: اتفق الفقهاء على أن أقل الحيض في باب العبادات لا حد له، واختلفوا في تحديد أقله في العدة بالأشهر، فقيل: ثلاثة أيام بلياليهن، وقيل: أربعة أيام.
فأما أقل النفاس فلا حد له.
وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يومًا، واختلفوا في أكثر الحيض فقيل: خمسة عشر يومًا، وقيل: ثمانية عشر يومًا بالاستظهار، واختلف في أكثر النفاس فقيل: معتبر بعادة

الجزء: 1 - الصفحة: 279

النساء وقيل: أقصاه ستون يومًا، وهو المشهورد في المذهب، وروى ابن الماجشون أنها تصبر إلى سبعين يومًا.
وأكثر الطهر لا حد له.
واختلفوا في أقله على خمس روايات، فقيل: خمسة أيام، وقيل: ثمانية أيام، واستقرأه ابن أبي زيد من المدونة، وقيل: عشرة أيام، وقيل: خمسة عشرة يومًا، وقيل: هو معتبر بالعادة، وهذه التحديدات لم تثبت فيها سنة إلا قوله -عليه السلام -: (تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي ولا تصوم) والشطر لفظ مشترك وإنما هي تحديدات مبنية على عوائد، وأمور غالبة.
وذكر في المبتدأة روايتين إحداهما أنها تعتبر أيام لداتها وهن الأقران من القرابة وغيرهن، ثانيها: أنها ترجع إلى أكثر الحيض واختلفوا هل تستظهر على خمسة عشر يومًا، وسواء في ذلك المعتادة والمبتدأة.
وذكر في المعتادة أيضًا روايتين إحداهما البناء على العادة، ثم الاستظهار بعد، والثانية الجلوس إلى آخر الحيض، ثم تعمل على التمييز.
قال القاضي -رحمه الله -: "وإذا انقطعت أيام الحيض والنفاس" إلى آخره.
شرح: مشهور المذهب في حكم المنقطعة التلفيق إلى أن تكمل أيام

الجزء: 1 - الصفحة: 280

الحيض، وقد قيل: إنها حائض في يوم دمها، طاهر في يوم طهرها وهو تكلف رفعته الشريعة، وذكر أن الصفرة والكدرة حيض وهو مشهور المذهب، اعتمادًا على حديث عائشة الذي روى مالك في موطئه، وقد قيل: إنها لغو، اعتمادًا على قول أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم -شيئًا)، وقد قيل: إن كانت في أيام الحيضة فهي حيض، وإلا فليست بحيضة جمعا بين الأحاديث.
قوله: "والحامل تحيض": هو كما ذكره، وهو قاعدة المذهب عند مالك -رحمه الله -، وقال أبو حنيفة: حكم الدم الذي تراه الحامل حكم الاستحاضة وهو الأصح من طريق القياس، نظرًا إلى أن العادة بالأقراء إنما شرعت علمًا لبراءة الرحم، فلو كان دم الحامل حيضًا لانخرمت قاعدة العدة، وإذا قلنا بمذهب مالك أنه حيض، فروى ابن القاسم عن مالك أن أول الحمل ليس كآخره فتصبر في آخر الحمل خمسة عشر يومًا، وبعد ستة أشهر عشرون يومًا.
وروى أبو زيد في ثمانيته أنها تجلس في آخر الحمل ثلاثين يومًا، وقال ابن وهب تضاعف الحامل أيام عدتها وقال ابن الماجشون: تجلس

الجزء: 1 - الصفحة: 281

خمسة عشر يومًا كالحامل قال: ولا أنظر إلى أول الحمل ولا إلى آخره، وقال مطرف: "تجلس في أول الحمل وعادتها أربع مرات حتى تبلغ ستين يومًا، حكاها ابن حبيب في الواضحة وفرق أشهب بين أن تستراب أم لا، فإن استرابت احتاطت، وإلا فهي كالحامل، وهذه الأقوال مبنية على (عادات واستحبابات).
قوله: "ولا تمنع الاستحاضة شيئًا يمنعه الحيض": وهذا كما ذكره، يعنى من العبادات، وقد اختلف العلماء في جواز وطئها على ثلاثة أقوال، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه، ومنهم من منعه إن طال بها وإلا فلا، والصحيح أنها طاهر في أحكام العبادات والعادات، واختلفوا في استحباب الوضوء لها لكل صلاة، أو إيجابه، واختلفوا في غسلها، وأصل المذهب أنه لا غسل عليه إلا الغسل المعتاد الواجب عند انقطاع دم الحيض، ولو انقطع دم الاستحاضة، فهل يستحب لها الغسل أم لا؟ فيه قولان في المذهب الظاهر الاستحباب، والأحاديث في حكم الاستحاضة تختلف.
واستحب مالك الغسل اعتمادًا على حديث هشام بن عروة عن أبيه في شأن فاطمة بنت [أبي] حبيش لأنه أصح ما ورد في الباب، ففيه أن

الجزء: 1 - الصفحة: 282

النبي -صلى الله عليه وسلم -قال لها: إنما ذلك عرق وليست بحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عند الدم، وصل ويحتمل أن يريد ما رواه أيضًا عن هشام عروة عن أبيه أنه قال: (ليس على المستحاضة إلا أن تغسل غسلاً واحدًا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة).
قوله: "وللطهر علامتان الجفوف والقصة البيضاء": فالجفوف: هو أن تدخل الخرقة تخبر بها نفسها فتخرجها جافة وذلك دليل انقطاع الدم.
والقصة: ماء أبيض يخرج من الفرج، وروى علي بن زياد عن مالك أنه يشبه المني وروى ابن القاسم أنه يشبه البول، وقيل: ماء أبيض يشبه العجين، وقيل؛ القصة شيء يكون كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم، وقيل: إنه يشبه ماء الجير.
واختلف المذهب أيهما أبلغ، فروى ابن حبيب عن ابن عبد الحكم أن الجفوف أبلغ، وقال ابن القاسم: القصة أبلغ، وهذا في المعتادة، وأما المبتدأة، فاتفقوا على أنها لا تطهر إلا بالجفوف وقال أبو الوليد: وهذا نزوع إلى قول ابن عبد الحكم، فإذا قلنا تنتظر الأبلغ، فذلك ما لم تخف فوات الوقت، وهل المقصود الوقت الاختيار، أو الاضطرار، فيه قولان في المذهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 283

قوله: "وإذا طهرت الحائض (أو النفساء) لم توطأ إلا بعد الغسل": وهذا كما ذكره القاضي وبه قال الجمهور، واعتمادًا على قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: 222] الآية.
المعنى: ولا تقربوهن حتى يطهرن من دمهن بانقطاعه، فإذا تطهرن بالماء، فاتوهن من حيث أمركم الله، وسواء انقطع (دمها) لأكثر دم الحيض أم لا؟ وبه قال جمهور الفقهاء، وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها قبل عشرة أيام لم يجيز له أن يطأها حتى تغتسل، أو يجيء آخر وقت الصلاة، وإن انقطع الدم لأكثر أمد الحيض جاز وطؤها قبل أن تغتسل، والدليل قوله تعالى: ﴿إن الله يححب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: 222] مدحهم بالتطهير، فدل على أن المراد به الغسل لانقطاع الدم، لأن ذلك ليس من فعلهن، ولو وطئت لم يجز وطؤها بالتيمم على مشهور المذهب، وقال الشيخ أبو إسحاق: ويجوز وطؤها، وقال ابن بكير: إذا انقطع دمها، فالإمساك عنها استحبابًا لا إيجابًا بناء على أن المقصود زوال الأذى، وهو مرتفع بانقطاع الدم والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 284

فصول الكتاب · 25 فصل · 24 صفحة
جارٍ التحميل