روضة المستبين في شرح كتاب التلقينكتاب الطلاق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال القاضي (رحمه الله): ((الطلاق ضربان)): إلى قوله: ((إلا بثلاثة شروط)).
شرح: الطلاق في نفسه مباح إذا اعتبر من حيث هو، وقد ينقسم بحسب متعلقاته إلى أقسام الشريعة كما انقسم النكاح، ولا يخفى وجوه ذلك، وقد قال تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ الآية [البقرة: 229]، وقال تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم﴾ الآية [الطلاق: 1]، وصحَّ أن النبي -عليه السلام-: (آلى وطلق ولم يظاهر)، ولو كان ممنوعًا لما صدر منه -عليه السلام-، ونحن نتتبع (سياق) القاضي -رحمه الله-.
قال: ((الطلاق ضربان: كامل، وناقص)): إلى قوله: ((وهو معتبر بالرجال دون النساء)).
ولا خلاف في مذهب مالك في هذه الجملة اعتمادًا على قوله -عليه السلام-: (الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء).

الجزء: 2 - الصفحة: 805

قوله: ((فإن أعتق العبد قبل إيقاع شيء منه كمل له)): ولا أعلم خلافًا في المذهب في هذه المسألة.
قوله: ((فالرجعي ما دون الثلاث للحر، والواحدة للعبد)): وهذا غير محقق، لأن ذلك (يتصور في) البائن، فقد تقع البينونة بالطلاق الوحدة للحر والعبد بسبب من أسباب البينونة، فالرجعي هو (ما) استقل المطلق فيه بالرجعة، والبائن عكسه، وإنما قصد (القاضي ما يتصور فيه المراجعة مطلقًا وهو مما دون البتات كما ذكره.
قوله: ((والبائن ضربان بائن مطلقًا، وبائن في مقابلة الرجعي)): أراد بالبائن المطلق الذي لا يتصور فيه الرجعة، فالطلاق فيه من حيث إنها بينونة لا تقابلها الرجعة، ومثل البائن المطلق بطلاق غير المدخول بها، إذ الواحدة والثلاث تحرمها، وكطلاق العنِّين، إذ الرجعة فيه لا تنفي (الضرر) (و) الذي وقع الطلاق لأجله، فلا يتصور فيه بحال، وبطلاق الخلع، لأن البينونة فيه هي مقتضى العوض وثبوته.
قوله: «والفسوخ كلها بائنة»: مثل ذلك بفسخ الردة، وذلك إذا ارتد أحد الزوجين فقيل هو فسخ بطلاق، وقيل بغير طلاق وهو المشهور، لأن الكفر قطع العصمة بينهما شرعًا، وفسخ (الملك) إشارة إلى ما إذا اشترى أحد الزوجين صاحبه، فالنكاح يفسخ، إذ الملك والنكاح لا يجتمعان لتنافر أحدهما.
وصورة فسخ الرضاع أن يزوجها فإذ هي أخت من الرضاع، فيجب الفسخ، وتقع البينونة لأنها مقتضى التحريم.
قوله: ((وغير ذلك)): إشارة بالانتهاء إلى العدد وهي ثلاث، واثنان للعبد بالبينونة.

الجزء: 2 - الصفحة: 806

قوله: ((والبائن في مقابلة الرجعي)): وهو طلاق المدخول بها من غير عوض، وهي (ثلاثة) للحر، واثنان للعبد، فالبينونة بها إلى انتهائه العدد فهو مقابلة الرجعي الناقص عن انتهائه.
وجعل طلاق الخلع البائن المطلق، ويمكن دخوله في هذا القسم، إذ لولا العوض لتصورت الرجعة.
وقع في بعض الروايات: هو طلاق غير المدخول بها بإثبات ((غير)) (وسقطت غير) (عند) (الوراق) من (جلة) رواة الكتاب عن القاضي -رحمه الله-، وعلى إسقاطها التعويل، وإثباتها لا معنى له لأنه قد مثل المطلق البائن بذلك.
قوله: ((وهي ثلاث للحر، واثنتان للعبد)): الضمير عائد على الأعداد، والمعنى والأعداد ثلاث للحر، (واثنتان) للعبد.
قوله: ((مجتمعًا كان أو مفترقًا)): يعني أنها سواء في اللزوم ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم الذين تدور عليهم الفتيا.
قال القاضي: ((والرجعة ثابتة في الرجعي)): إلى قوله: ((وينقسم الطلاق)).
شرح: ذكر في هذا الفصل شروط التحليل: الأول: أن تنكح زوجًا (غيره) نكاحًا جائزًا، فقوله: ((زوجًا)) احترازًا من غير الزوج، فإنها إن وطئت بالملك لم تحل لمطلقها ثلاثًا.
قوله: ((نكاحًا جائزًا)) احترازًا من العقد الفاسد.
الثاني: أن يطأها وطئًا مباحًا في غير حيض، ولا إحرام، ولا صوم.
ومذهب جمهور العلماء أنها لا تحل بنفس العقد، وروى سعيد بن المسيب

الجزء: 2 - الصفحة: 807

وغيره أنها لا تحل بنفس العقد، والحجة للجمهور قوله -عليه السلام- لزوجه: (حتى يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته) وهو الذي ذكر القاضي في الوطء الحرام، والمشهور فيه قولان فيما إذا كان الوطء حرامًا كالمحرمة والصائمة والحائض فالمشهور ما ذكره القاضي أن ذلك لا يقع به إحلال ولا إحصان، والشاذ وقوع ذلك به وسواء كان الصوم واجبًا، أو تطوعًا على الأشهر، والخلاف الثاني واقع.
قوله: ((ونكاح المحلل باطل)): وهذا كما ذكره، والدليل على ذلك ما خرجه أهل الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لعن الله المحلل والمحلل له) فإن عقداه على التحليل وجب فسخه بلا خلاف عندنا.
وقوله: ((ولا اعتبار بقصدها)) يعني في حصول الإباحة، وانظر إذا قصد الزوج النكاح الصحيح، وقصدت هي التحليل هل يتعلق عليها الإثم بقصدها المحرم أم لا، إذ الطلاق مملوك لغيرها فلا فائدة لقصدها.
ومن شواذ الفقه أن محللها مأجور إذا كان مطلقها مشغوفًا بها، ومن شواذه أيضًا (أنه) إذا وطئها على حجاب رقيق حلت.
والشرط الثالث ظاهر، لأن البينونة تقطع حل العصمة للأول.
قال القاضي: ((وينقسم الطلاق من وجه آخر)): إلى قوله: ((وطلاق الحائض)).

الجزء: 2 - الصفحة: 808

شرح: لما ذكر قبل انقسام الطلاق من الوجوه المذكورة التي لاحظها، قسمه ههنا باعتبار السنة والبدعة وذكر أنه إن (عرى) عن (وصف كل) واحد منهما فلا يقال إنه طلاق سنة ولا بدعة.
وهذا القسم فيه نظر (لأن) ظاهر كلامه (يعني) أنه يعرى عن وصفه بكل واحد منهما مطلقًا (ثم) لما فسره في آخر كلامه، ومثله بطلاق الصغيرة واليائسة والحامل البين حملها، رأى أن طلاق هؤلاء لا يوصف بطلاق السنة ولا البدعة من حيث الوقت، لأن مدة هؤلاء محققة غير (متعرضة) للانتقال، ويوصف من حيث العدد، وهو أن يطلقها اثنتين أو ثلاثاً.
والبدعة (ترجع) إلى أمرين إلى الوقت والعدد، فالراجع إلى الوقت طلاق الحائض والنفساء، وطلاقها في (طهرها).
والراجع إلى العدد هو ما ذكر من طلاقها اثنتين، أو واحدة ثم يتبعها ثلاثًا.
قوله: ((ولطلاق السنة ستة شروط: أحدها: أن تكون المطلقة ممن تحيض مثلها)): احترازًا من الصغيرة واليائسة، ومقتضى كلامه أن طلاق هاتين ليس بطلاق سنة.
قوله: ((والثاني أن تكون طاهرًا غير حائض، ولا نفساء)): تحرزًا من (طلاقها).
قوله: ((والثالث أن تكون في طهر لم تمس فيه)): فإن مس فيه كره الطلاق فيه، وهل يكره أن يخالعها في طهر مسها فيه أم لا؟ فيه قولان الجواز

الجزء: 2 - الصفحة: 809

والكراهية.
اختلف أصحابنا في علة الكراهة في إيقاع الطلاق في طهر المسيس، فعلله بعضهم لخوف الندم، لأنها إن كانت حاملًا ندم على الطلاق فيكره، لأن المسيس مظنة الحمل، وعلله آخرون بأنها لا تدري أتعتد بالأقراء، أو بوضع الحمل، وعلى كلا التعليلين فالخلع كالطلاق في المعنى.
قوله: ((والرابع أن يكون تاليًا لحيض لم تطلق فيه ((واحدة)))): وهذا كما ذكره، لأن الواحدة تفيد من انحلال العصمة ما يفيده الزائد عليها، فلا فائدة للزيادة، وكذلك قال مالك وأصحابه على جميع الطلاق في كلمة واحدة محرم، والدليل عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمر، حين قال له: (أرأيت إن طلقتها ثلاثًا فقال له إذا بانت منك، وعصيت ربك).
فإن طلق في كل طهر مرة فإنها تكون كإيقاع الطلاق جملة، إذ لا مخرج له من لزوم الثلاثة فكان كالطلاق ثلاثًا في كلمة واحدة، ويجوز نظرًا إلى الإفراد، وهذا هو الشرط السادس.
قوله: ((ثم قد يكون البدعة وهو أن يكون في حيض، أو ظهر مس فيه، أو اثنين، أو ثلاثًا، أو واحدة مبتدأة، ثم يتبعها ثلاثًا)): وهذا كما ذكره، ولا شك أن طلاقها بدعة، وكذلك إذا أوقعها في طهر مسها فيه، وكذلك إيقاع الاثنين، إذ لا فائدة لها، وقد ذكر أن إيقاع الثلاثة في كلمة كلمة واحدة محرم، والإفراد كالجمع في أحد القولين.
قوله: ((وأما من تتساوى أوقاتها في جواز طلاقها فثلاث)): وهذا كما ذكره، لأن هؤلاء لا انتقال في عددهن، ولا إشكال في أن الشروط التي ذكرها في طلاق السنة غير متصورة بهن.

الجزء: 2 - الصفحة: 810

قوله: ((ويوصف بذلك من حيث العدد)): لأن الأعداد متصورة في ذلك، فإن اقتصر على الواحدة فهو مطلق للسنة.
قال القاضي: ((وطلاق الحائض والنفساء محرم)): إلى قوله: ((ولا يلزم طلاق غير مكلف)).
شرح: أجمع العلماء على أن طلاق الحائض محرم، والدليل على ذلك ما خرجه مالك في موطئه من حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فسأل عمر بن الخطاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال -عليه السلام-: (مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها بعد، وإن شاء طلقا قبل أن يمسكها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق بها الناس).
قال أبو عمر بن عبد البر انتهى كلام النبي -عليه السلام- إلى قوله: (قبل أن يمسك) وفي بعض طرق هذا الحديث قال أبو عمر فقرأ النبي -عليه السلام-: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ الآية.
وعن ابن عمر قال: فراجعها (وحسب لها) بتطليقة التي طلقها.
وذكر أبو محمد عن ابن عمر أنه قال: تعتد بذلك.
وذكر الدارقطني من حديث ابن عمر قلت يا رسول الله لو أني أطلقها ثلاثًا أكان تحل لي إن لم ألحقها قال: لا، كانت تبين منك، وتكون معصية.
واختلف العلماء في (تعليل) النهي، فقال الجمهور إنه غير معلل، وقال بعضهم هو معلل بتطوير العدة.
وينشأ عن هذا مسائل.
المسألة الأولى: هل يجوز طلاق الحامل في حال حيضتها أم لا؟ وفيه

الجزء: 2 - الصفحة: 811

قولان فمن عقل معنى التحريم أجاز طلاق الحامل (أيضًا)، إذ لا تطويل في حقها لما كان العدة وضع الحمل لا محالة، ومن جعل النهي عبادة مجردة منع.
المسألة الثانية: طلاق غير المدخول بها في حال حيضتها فيه قولان أحدهما: المنع اعتبارًا بصورة الحيض المنع من إيقاع الطلاق.
والثاني: الجواز إذ لا عدة عليها.
المسألة الثالثة: اختلفوا في جواز طلاق المستحاضة للاختلاف فيها هل حكمها حكم الحائض، أو حكم الطاهر، أو حكم بين حكمين.
المسألة الرابعة: الخلع في الحيض هل هو كالطلاق نظرًا إلى أثره، أو ليس مثله لانتفاء النكاح، فيه قولان حكاهما الأصحاب.
المسألة الخامسة: الطلاق برضاها في الحيض إن لم يكن العوض فيه نظر إلى (الجواز والمنع) فمن رآه تطويلًا برضاها أجازه، ومن لم يعلل منع منه.
المسألة السادسة: اختلاع الأجنبي عنها في زمن الحيض في قولان: الجواز، والمنع بناء على ما ذكرناه.
قوله: ((ويلزم إن وقع)): هذا مذهب جميع أهل العلم أنه لازم إن وقع لقوله -عليه السلام-: (فليراجعها) ولا مراجعة إلا بعد طلاق واقع.
وشذت طائفة من أهل البدعة فقالوا: إنه لا يلزم إن وقع، لأنه فاسد الوضع، وهذا خلاف الإجماع.

الجزء: 2 - الصفحة: 812

قوله: ((ويجبر على الرجعة فيما كان منه رجعيًا)): وهذا كما ذكره، فإن طلقها بانت منه والنفساء والحائض في ذلك سواء.
قال أشهب في كتاب محمد إذا طلق في حيض، أو نفاس أجبر على الرجعة سواء أبره، أو حنث فيه، فإن أبى هدد بالسجن، فإن استمر على الامتناع حبس، فإن أبى ضرب بالسوط، لأنه فعل معصية، فلا يقر على التمادي، فإن أبى بعد الضرب ارتجع الحاكم عليه.
وههنا فروع: الأول: إذا أجبر على الرجعة ولم ينوها فقال الشيخ أبو عمران أن له الوطء بعد ذلك وهو كالزوج هازلًا.
واستقرأ بعض البغداديين من المذهب أنه لا يجوز له الوطء، إذ لا نية له فيه.
الفرع الثاني: إذا كان النكاح فاسدًا فهل تقع الفرقة فيه في زمان الحيض أم لا؟ التحصيل فيه أن الجمع على فساد الذي لا خيار لأحد الزوجين بفسخ مطلقًا في حال الحيض والطهر، وأما المختلف فيه فما لأحد الزوجين فيه خيار، فلا يفرق فيه في زمان الحيض على الأشهر من المذهب.
الفرع الثالث: إذا اختلف الزوجان فقالت طلقني في حال الحيض، وقال في حال الطهر، وروى ابن سحنون عن أبيه أنها مصدقة لأنها مأمونة على رحمها، ولا تكشف، ولا أرى أن ينظر (لها) النساء، ويجبر على الرجعة.
وروى عيسى عن ابن القاسم أن القول قول الزوج، وهو الصحيح، لأنه المدعى عليه إيجاب الرجعة.
قوله: ((ثم ليس له أن يطلق إلا بعد الطهر من الحيضة الثانية التالية

الجزء: 2 - الصفحة: 813

للحيضة التي طلق فيها)): وهذا هو الصحيح لقوله -عليه السلام- في حديث ابن عمر: (فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك).
واختلف العلماء في تعليل ذلك على وجهين، فقال بعضهم ألا يطول على الزوج معاملة (له) بنقيض قصده، لأنه لما أراد بالطلاق في حال الحيض التطويل على الزوجة أعاد ذلك عليه.
الثاني: قال بعض الأشياخ إنما ذلك ليلًا يكون الرجعة والارتجاع الشرعي إنما يراد للوطء، فإذا (راجعها) ثم طهرت فوطئها لم يكن له الطلاق في ذلك الطهر، لأنه طهر الوطء فيمكن فيه الحمل فيقع الندم، فإذا حاضت، ثم طهرت فله الطلاق إذ هو طهر خال عن الوطء فيه فكان هو المقصود في حصول السنة في الطلاق، فإن طلق في الطهر المتصل بالحيض الذي أوقع فيه الطلاق فقد أساء، والطلاق لازم.
قوله: ((وإن غفل عنه أجبر ما بقي من العدة شيء)): وهذا الفرع فيه قولان حكاهما القاضي، فمذهب ابن القاسم أن الجبر مستمر ما بقي من العدة شيء (قال) أشهب يجبر ما لم تطهر من الحيضة الثانية بحيضة الطلاق، إذ لو طلق حينئذ لجاز.
وههنا مسائل: المسألة الأولى: إذا قال للحائض أنت طالق للبدعة، طلقت في الحال وأجبر [على] الرجعة، وكذلك إذا قال لها إذا طهرت من حيضتك فأنت طالق، فينجز عليه الطلاق، لأنه يقول أجل واجب، ولو قال للطاهر: ((أنت طالق للسنة)) وقع عليه الطلاق في الحال، وكذلك لو قال لها: ((أنت طالق للبدعة)) لعجل عليه الطلاق، فكأنه يقول لها إذا حضت فأنت طالق (فجعل) عليه الطلاق إذ الغالب كالواجب.

الجزء: 2 - الصفحة: 814

ولو قال لها: ((أنت طالق ثلاثًا للسنة)) لزم الآن ثلاث تطليقات وكأنه قال: أنت طالق طالق في كل طهر طلقة، فيجعل عليه بناء على ما ذكرناه من (أن) الغالب كالواجب.
فرع: إذا قال للطاهر المدخول بها وهي ممن تحيض أنت طالق ثلاثًا وبعضها للسنة وبعضها للبدعة لزمه ثلاث تطليقات، لأن طلاق البدعة في المدخول بها يكون بالثلاث، وكذلك في غير المدخول بها ولو قال لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثًا للسنة، فقال سحنون: لا يلزمه إلا طلقة واحدة، إذ لا عدة على غير المدخول بها فكأن الطلقتين إنما أوقعهما على غير زوجة.
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا في كل قول طلقة فإن كانت مدخولًا بها طلقت الآن ثلاث، لأنه من باب (تعليق) الطلاق بالأجل الواجب.
وإن كان غير مدخول بها طلقت طلقة واحدة فقط، لأنها تبين بذلك فلا محل للثانية.
قال القاضي -رحمه الله-: ((ولا يلزم طلاق غير مكلف)): إلى قوله: ((وعقد الطلاق)).
شرح: يتعلق بهذا الفصل الكلام في صفة المطلق الذي يلزم طلاقه وهو المسلم المكلف فقولنا: ((المسلم)) احترازًا من الكافر.
وقد اختلف المذهب في طلاق الكتابي، والمشهور أنه لا يلزم بناء على أنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة، والشاذ أنه يلزم بناء على أنهم مخاطبون، فإذا تحاكما إلينا حكمنا لهم بحكم الإسلام لا محالة.
وفي المدونة أن الكافرة إذا أسلمت فطلقها زوجها النصراني، وهي في عدتها لم يقع عليها الطلاق.
قال اللخمي: وذلك لازم إذا لم تقم الزوجة بالطلاق، فإن قامت وقع عليها الطلاق.
وقولنا: ((المكلف)) احترازًا من غير المكلف كالصبي والمجنون.
أما الصبي

الجزء: 2 - الصفحة: 815

غير المراهق فلا خلاف في أن الطلاق غير لازم، وأما المراهق ففي لزوم طلاقه قولان مبنيان على أن الطلاق غير لازم، وأما المراهق ففي لزوم طلاقه قولان مبنيان على الخلاف في أحكامه هل هي أحكام البالغ، أو غير البالغ، ولا خلاف في لزوم طلاق البالغ العاقل سفيهًا كان أو رشيدًا.
وألحق القاضي -رحمه الله- النائم والمبرسم والهاذي في غمرات المرض بالمجنون المطبق، فإن كان مجنونًا غير مطبق فطلق في حال إفاقته فلا خلاف في لزوم الطلاق.
قوله: ((ومكره يخاف من شدة الضرب)): ويتعلق بهذا أمران حكم طلاق المكره، وصفة الإكراه، وأصل المذهب أن طلاق المكره غير لازم، والدليل على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رفع عن أمتي (ثلاث): الخطأ والنسيان، والمستكره عليه) والخلاف في ذلك بين الصحابة ومن بعدهم، مشهوره ما ذكرناه في مطولات العامة.
وتفصيل اللخمي في ذلك حسن قال: ((إن أكره فلفظ به غير معتقد معناه لم يلزمه، وإن اعتقد معناه فهو لازم، لأن الاعتقاد الاختيار [ي] لا يتعلق به، والإكراه ثابت إذا أكره على باطل، فإن أكره على واجب شرعًا فهل يلزمه يمينه أم لا؟ فيه قولان: المشهور أن طلاقه لازم، والإكراه في هذا القسم غير

الجزء: 2 - الصفحة: 816

معتبر لوجوب الفعل المكره عليه والشاذ أنه إكراه لا يلزمه به شيء اعتبارًا بضرورة الإكراه.
قوله: ((يخاف من شدة الضرب)): يتعلق به صفة الإكراه، ولا خلاف في المذهب أن كل ما يرجع إلى النفس كالضرب وخوف القتل والسجن إكراه.
واختلف إذا (خاف) على نفس غيره، والمشهور أنه إكراه، كخوفه على نفسه لوجوب حفظه عليه، والشاذ أنه لا يكون إكراهًا والقولان في المذهب أيضًا فيما يرجع إلى الخوف على المال هل هو إكراه أم لا؟ والصحيح أنه إكراه إلا في المال اليسير الذي لا قدر له.
قوله: ((وسواء أكره على إيقاعه، أو على الإقرار به)): صورة المسألة الأولى أن يطلق في الحال مكرهًا، وصورة الإقرار أن يكره على الإقرار فيقول: كنت طلقتها.
وكلاهما مع تحقيق الإكراه سواء في تحقيق اللزوم.
قوله: ((والسكران خارج عن هؤلاء فيلزمه)): واختلف العلماء في طلاق السكران، أو غيره، فالمشهور نفوذ طلاقه.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه طلاق ولا عتاق.
قال الإمام أبو عبد الله: وقد رويت عندنا رواية شاذة لا يلزم.
وفصل القاضي أبو الوليد: فقال السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة كالمجنون في أفعاله وأحواله (إذ) لا يلزمه طلاق ولا غيره.
وأما السكران الذي معه بقية من عقله فلا خلاف في (لزوم طلاقه) وعتقه إذ هو في حال (يجبر) فيها، والمعتمد

الجزء: 2 - الصفحة: 817

عليه من مذهب مالك -رحمه الله- أن الحدود والقصاص تلزمه، كالطلاق، واستقرأه اللخمي من المذهب.
واختلف فيمن سكر بسكران أو غيره عالمًا أنه يسكر متعديًا في شربه من غير مداواة هل يلزمه الطلاق، لأنه كالتعدي في الخمر، أو لا يلزمه، وفيه نظر.
قال القاضي: ((وعقد الطلاق والعتق بشرط التزويج)): إلى آخره.
شرح: يتعلق بهذا الفصل حكم العتق والطلاق قبل الملك، وقد اختلف أهل العلم هل يلزم أم لا؟ وفي المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: إنه لازم مطلقًا عم أو خص، وبه قال أبو حنيفة.
الثاني: إنه لازم عم، أو خص.
الثالث: (إنه) لازم إن خص، وغير لازم إن عم، وهو المشهور من المذهب، فإن فصلت فقلت إن عم فقولان: أشهرهما أنه لا يلزم، والشاذ اللزوم، وإن خص فقولان: المشهور: اللزوم، والشاذ نفيه.
أما اللزوم مع العموم وهو الشاذ من المذهب، فاعتماد على أنه من باب الشرط والمشروط وهما متلازمان في طرق فقط عقلًا وشرعًا.
وإذا لزم العموم فهو مع الخصوص لازم.
وأما نفي اللزوم مع الخصوص فهو رواية ابن وهب، والمخزومي، وابن عبد الحكم وغيرهم عن مالك.
فروى أبو زيد عن ابن القاسم أن صاحب الشرط كتب في رجل تزوج امرأة حلف بطلاقها إن تزوجها هل يفسخ نكاحه فكتب إليه ابن القاسم لا نفسخه.
وسمعت أشياخنا يحكون أن المخزومي حلف أبوه على أمه بمثل هذا ولم يلزمه

الجزء: 2 - الصفحة: 818

شيء، وسئل مالك بن أنس عن ذلك فقال: لا شيء عليك وهو قول سعيد بن المسيب وغيره، واعتمد هؤلاء على النص والمعنى.
أما النص فما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا طلاق قبل النكاح) وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: (لامرأة إن تزوجتك فأنت طالق فأراد أن يتزوجها فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك وقال: (لا طلاق قبل النكاح) وعلى هذا الحديث اعتمد مالك، وبه أفتى المخزومي وفي إسناده مقال، وأما المعنى فينظر إلى أن الطلاق يستدعي محلًا قابلًا، ولا يتعين الحمل إلا بالعقد فحيث لا عقد لا يصح الطلاق، إذ لا معنى للطلاق لأجل العصمة المنعقدة.
وأشار الأولون إلى أن المحلية حاصلة بالشرط إلى اللزوم ومرتب على الالتزام، والالتزام إنما كان بشرط التزويج فإذا كان الطلاق معلقًا بالتزويج صدقت المحلية المشترطة في اللزوم، ولهذا اتفق المذهب على أن من قال لأجنبية: أنت طالق ولا يريد إن تزوجتك فلا شيء عليه، ولعله المراد بقوله -عليه السلام-: (لا طلاق قبل النكاح) يريد نفي اللزوم، ومع نفي التعلق الذي يقتضي النظر.
وأما اعتبار تحقيق المحلية وهي حاصلة فلا يلزم مطلقًا، أما اعتبار الشرط فيجري مطلقًا، وأما من فرق بين العموم والخصوص فنظر إلى أن اللزوم مع العموم من باب التضييق والحرج الذي رفعه الشرع بخلاف الخصوص (وهو) استحسان، ومقتضى الدليل اعتبار أحد أمرين كما قدمناه، وعلى نحو هذا الاختلاف اختلفوا في اليمين على الملك مثل أن يحلف ألا يشتري مملوكة (فقيل) لا يلزمه اليمين مطلقًا، عم أو خص ملاحظة لما أشرنا إليه، ولأن ذلك حرج مرفوع شرعًا، وقيل يلزم مطلقًا، لأن الحرج مرفوع ببقاء نوع من المنكوحات.

الجزء: 2 - الصفحة: 819

والقول الثالث: اللزوم في الخصوص ونفيه مع العموم بناء على ما قدمناه.
نكتة: مبنى الخلاف في لزوم الطلاق قبل الملك على الولاية على المحل تعليقًا هل هي كولاية عليه تحقيقًا أم لا؟ وفيه قولان أصحهما أنهما مختلفان.
المشهور من المذهب التسوية بين التحقيق والتعليق مع الخصوص.
نكتة: الذين قالوا باللزوم جعلوا التحقيق شرطًا في النفوذ والوقوع لا في اللزوم، وجعلوا اللوم حاصلًا مع التحقيق والتعليق معًا.
قوله: ((وذلك بثلاثة (أوجه) أحدها أن يعين صفة من الجنس من نسب أو خلقة)) صورة الأولى قرشية أو تميمية أو نحوه، وهذا راجع إلى باب الخصوص لأنه أبقى لنفسه قبائل كثيرة.
واختلف المذهب إذا أبقى لنفسه قبيلة صغيرة، أو بلد صغير على قولين: اللزوم، ونفيه لأنه من باب الحرج.
وصورة الثانية أن يقول كل بكر، أو كل ثيب ونحو ذلك فهو خصوص كله واختلف الرواية إذا قال: كل بكر أتزوجها وكل ثيب طالق، فحكى أبو الطاهر في هذه الصورة ثلاث روايات: إحداها: إنه يلزمه في الجميع بناء على عموم اللزوم ففي المحلين تحكمًا للشرط.
الثانية: إنه لا يلزمه في الجميع بناء على أن الطلاق قبل الملك لا يلزم لتفقد المحلية الشرعية.
الثالثة: اللزوم في النوع الأول دون الثاني، إذ بالثاني وقع الحرج.
فرع: إذا قلنا إنه لا يلزم مع الخصوص فتزوج أحدًا بأحد القولين، فهل يفسخ النكاح أم لا؟ فيه قولان مبنيان على مراعاة الخلاف.
قوله: ((والثاني أن يعين بلدًا بعينه)): وهو كما قدمنها أنه إن استثنى بلدًا كبيرًا لنفسه فهو لازم، وإن أبقى بلدة صغيرة فيه قولان كما تقدم.
ومن

الجزء: 2 - الصفحة: 820

هذا النمط أن يبقى لنفسه امرأة واحدة فيقول كل امرأة أتزوجها طالق إلا فلانة بعينها.
وتحصيل القول أن هذه المبقاة إن كانت زوجه قولان: أحدهما: أن ذلك لا يلزمه، لأن ذلك حرج وعموم، فلا يلزم بناء على الأصل في عدم اللزوم مع العموم، والثاني اللزوم لأنه قد أبقى لنفسه ما يرفع الحرج بوجوده.
وإن كانت أجنبية فثلاثة أقوال: اللوم بناء على أن اللزوم مع العموم، ونفيه بناء على أنه حرج مرفوع شرعًا.
والثالث أنها إن كانت متزوجة لم يلزم لأنه (إذ) لا سبيل (إلى وطئها في الحال)، وإن كانت غير متزوجة لزم، لأنه من باب الخصوص، وإذا أبقى لنفسه الإماء فقال: كل امرأة أتزوجها من الحرائر طالق، وهذا راجع إلى التقييد بالصفة، والمشهور اللزوم، لأنه خصوص، وقيل لا يلزم لأنه عموم (نوعًا) ونكاح الأمة رذالة، والإلزام خارج من ( ... ). فرع: ومن ذلك أن يقول أول امرأة أتزوجها طالق المشهور اللزوم لأنه خصوص.
ولو قال آخر امرأة أتزوجها طالق فهل يلزمه أم لا؟ فيه قولان.
أحدهما: أنه لا يلزم وهو بمنزلة من عم، كلما تزوج امرأة طلقت عليه لاحتمال أن تكون الآخرة.
والثاني: أنه لا يلزم ويوقف عمن تزوج لاحتمال أن تكون الآخرة، فإذا تزوج غيرها حلت له الأولى (وأوقف) عما بعدها وهكذا أبدًا حكاه أبو الطاهر بهذا اللفظ.
ولو قال أول امرأة

الجزء: 2 - الصفحة: 821

وآخرها طلقت الأولى، ويختلف في اللزوم ليمينه في الثانية وما بعدها.
قوله: ((والثالث أن يضرب أجلًا يبلغه عمره)): وهذا كما ذكره.
وتحصيل القول فيه أنه إن كان يبلغه عمره فلا يخلو أن يبلغه في حال الهرم أم لا فإن بلغه في حال يقدر فيه على الجماع لزمه اليمين، وإن كان لا يبلغه إلا في حال الهرم ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يلزم، لأن ذلك كالعموم.
الذي يوجب الحرج غالبًا، والثاني: اللزوم بناء على مراعاة الاستثناء الرافعة للعموم المقترن بالحرج والمشقة.
ولو علقه بحياة غيره من أجنبي، أو زوجة فهل يلزمه أم لا؟ فيه تفصيل.
أما إذا علقه بحياة أجنبي فقال: كل امرأة أتزوجها ما دام فلان حي (فهي) طالق فالمشهور اللزوم، لأنه من باب الخصوص، والشاذ نفي اللزوم لاحتمال موت فلان في حياة الحالف فيلحقه بذلك الحرج المرفوع شرعًا.
وأما إذا قال لامرأته: كل امرأة أتزوجها عليك طالق ما دامت لي زوجة، فهو لازم لأنه خصوص الخصوص، وقيل في المذهب لا يلزم بناء على ما ذكرناه من احتمال موته قبل موتها.
وإن جعله حياتها وبعدها فلا يلزم بعد الموت لما فيه من الحرج البين، وهل يلزمه في الحياة أم لا؟ فيه قولان مبنيان على ما قدمناه إذا جعله حياة غيره.
قال القاضي: ((الطلاق على ضربين معجل)): إلى قوله: ((فأما تعليق)).
شرح: الطلاق المعجل كما ذكره، وذكر أن المؤجل على خمسة أقسام.
الأول: الموقف على شرط ممكن، ولا خلاف في وقوع الطلاق على وجوده كما مثل به القاضي.
الثاني: المعين بالأجل لابد أن يأتيه كمجيء الشهر ونحوه.
واختلف العلماء في تعجيل الطلاق في هذا القسم، فقال مالك وجميع أصحابه يعجل، وإن بقى إلى آخر الأجل صار مضارعًا لنكاح المتعة.
وقال الشافعي: لا يعجل

الجزء: 2 - الصفحة: 822

بل يبقى إلى أجله واستقرأه الإمام أبو عبد الله من المذهب.
فإن علقه بأجل لا يبلغه عمره فقال أنت طالق إذا انقضت خمس مائة عام، فحكى القاضي فيه روايتين.
إحداهما: أنه لا يلزمه توفية لمقتضى الشرط.
والثانية: أنه يلزمه في الحال كالهازل.
وفي هذا النمط أن يقول أنت طالق إن مت، والمشهور لا يلزم، وقيل يلزم، لأنه هازل، وهذا الطلاق جد.
والثالث: أن يعلقه بغالب مجيئه كالحيض، والطهر، ووضع الحمل، وحكى القاضي وغيره فيه روايتين.
أحدهما التنجز في الحال، والأخرى الوقوف (على) مجيء الصفة وهما مبنيان على مراعاة الصورة النادرة.
والرابع: أن يقول لها أنت طالق إن لم تكوني حاملًا، أو إن لم تمطر السماء، وإن لم يكن في هذه اللوزة توأم، فإن لم يوجد ما حلف عليه ففي وجوب الحنث عليه في هذه الصورة قولان في المذهب، أحدهما: اللزوم مطلقًا، لأنه حلف على غيب، والثاني: أنه لا يلزمه لمطابقة المحلوف عليه.
والخامس: صفات الهزل، ومثله القاضي بقوله: إن لم يكن هذا الإنسان إنسانًا، وإن لم تكن الساعة نهارًا وهذا لازم لأنه من الهزل المخلف في هذه القول وعد بالحق.
قال القاضي: ((فأما تعليق الطلاق بالمشيئة)): إلى قوله: ((وألفاظ الطلاق)).
شرح: قد تقرر من قواعد المذهب أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى لا تنفع إلا في اليمين بالله، أو ما فيه كفارة، والدليل على أنه يرفع حكم اليمين بالله ما خرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا ثم قال إن شاء الله) وفي رواية: (ثم سكت ساعة ثم قال إن شاء الله) والاتصال أصح والله أعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 823

قال أصحابنا والفرق بين اليمين بالله، وبين الطلاق حيث ينفع الاستثناء بمشيئة الله في اليمين بالله ولم ينفعه في الطلاق من جهة أن لفظ اليمين بالله لا يتعلق به وحده حكم بخلاف لفظ الطلاق فإنه قد تعلق بلفظ حكم الطلاق فإذا وقع على حمله لم يصح رفعه، إذ الماضي لا يرفع، وكان كاليمين على الماضي الذي لا يرفع بحكم المشيئة.
قوله: ((وسواء أطلق، أو كان في يمين)): (وهذا كما ذكره) أما إذا أطلق فمثل أن يقول: أنت طالق إن شاء الله، وإن كان في يمين فمثل أن يقول إن فعلت كذا فأنت طالق إن شاء الله.
قوله: ((وهذا إذا أعاد الاستثناء إلى الطلاق)): فإن عاد إلى الفعل المحلوف عليه ففيه خلاف مثل أن يقول: أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله.
فالمشهور أن هذا الاستثناء لا ينفع، والشاذ أنه إن صرفه إلى الفعل نفعه، وهو قول عبد الملك، وهو الصحيح في النظر.
قوله: ((وما مشيئة من لا تصح مشيئته كالشاة)): إلى آخره هذا فيه قولان: أحدهما: أن الطلاق لا يلزم اعتبارًا بالشرط، وهو قول ابن القاسم، وقول سحنون وغيره يلزمه الطلاق لأنه كالهازل، وكذلك إذا علقه على مشيئة من لا يعلم بمشيئته أن يقول: أنت طالق إن شاءت الملائكة أو شاء الجن، ففيه قولان: اللزوم لأنه كالهازل، والثاني: نفي اللزوم تحقيقًا لمعنى الشرطية.
ولو قال أنت: طالق إلا أن يشاء زيد، فالمشهور وقوع الطلاق ولا ينفعه الاستثناء، لأنه ورد بعد وقوعه.
والثاني: إيقاف الطلاق على المشيئة اعتبارًا بصورة لفظه.
قوله: ((ويجوز استثناء العدد من الطلاق)): من غير اعتبار بكون

الجزء: 2 - الصفحة: 824

المستثنى أكثر من المبقى، أو أقل فلا خلاف في صحته شرعًا ولغة.
فإن استثنى الأكثر من الأقل مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين فهل ينفعه هذا الاستثناء أم لا؟ فيه قولان مبنيان على خلاف الأصوليين في صحة هذا الاستثناء.
قوله: ((وإن لم يبق شيء)): يعني أن يصدر منه لفظ الاستثناء من غير أن يقصد معناه.
قوله: ((وفي وقوع الطلاق بمجرد عقد القلب خلاف)): وتحصيل القول في ذلك أن الطلاق إن كان بلفظ ونية لزم بلا خلاف، وإن انفرد أحدهما مثل أن يطلق باللفظ دون النية، أو بالنية دون اللفظ ففيه قولان: المشهور أن اللفظ كاف في لزوم الطلاق قرنته النية أو لم تقارنه، وأما إذا طلق بنية من غير لفظ فالمشهور أنه لا يقضى عليه بالطلاق، وقد قيل يلزمه، لأن النية هي المنظور إليها.
قال القاضي: ((وألفاظ الطلاق أربعة)): إلى قوله: ((وتبعيض الطلاق)).
شرح: أجمع المالكية على أن للطلاق ألفاظًا صريحة وكناية، أما الصريح فاختلف (المذهب) فيه على قولين: أحدهما أن صريح الطلاق ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق، والسراح.
واختار ابن القصار أن الحرام والبتل صريح كالطلاق.
وفائدة الفرق بين الصريح والكناية أن الصريح لا يقبل التأويل بخلاف الكناية على ما فيها من تفصيل.
ثم قسم (القاضي) الكناية إلى قسمين: ظاهرة، ومحتملة، فالظاهرة ما جرى العرف أن يقع الطلاق به شرعًا، والمحتملة عكسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 825

قوله: ((كقوله أنت طالق، أو أنت الطلاق)): يريد ما اشتق من هذا المصدر الذي هو الطلاق، ولا يقبل في ذلك دعواه أنه لم يرد الطلاق إلا أن تبينه قرينة الحال مثل أن تكون في وثاق فيقول: (أنت) طالق يريد من وثاق، فيقبل قوله فهو صريح في لفظ الطلاق، وجعله بعض شيوخنا صريحًا في عدد الطلاق، ولعله أراد إذا سمى عددًا، فإذا قال لها: أنت طالق فهي واحدة فهل يستظهر عليه باليمين، فيه قولان جاريان على أيمان التهم حكاهما أبو الطاهر.
وإذا أراد أكثر من واحدة فهو كذلك لصراحة اللفظ واحتماله، فإن كرر هذا اللفظ، فقال: أنت طالق، أنت طالق إذا كرر عليه الطلاق، إلا أن يدعي التوكيد فيقبل قوله، وهل يستظهر عليه باليمين أم لا؟ فيه قولان جاريان على أيمان التهم.
ولو قال قبل الدخول بها: أنت طالق فكرر ذلك، فإن فصله ولم ينسقه لم يلزمه إلا واحد، لأنها بانت منه، فصارت في عدم القبول كالأجنبية، وإن كرر ذلك نسقًا فهل يلزمه ثلاث فيه قولان: المشهور انه يلزمه لقول (ابن عمر) الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها، فكأنما وقعت جملة واحدة، والشاذ أنه لا يلزمه إلا واحدة لحصول البينونة بالواحدة قبل الدخول.
قوله: ((أنت خلية، (أو بريئة، أو بتة أو بتلة، أو بائن أو حرام أو حبلك) على غاربك)): قلت هذه الألفاظ من الكنايات الظاهرة إلا أن بعضها أجل من بعض، فأدل على البينونة المطلقة فلو فصل القول فيها لكان أفضل.
أما إذا قال لها خلية أو برية، أو بائن، أو حبلك على غاربك فهي ألفاظ سواء، وقد اختلف في مقتضاها على ثلاثة أقوال:

الجزء: 2 - الصفحة: 826

الأول: أنه ينوي في جميعها في المدخول بها، وغير المدخول بها، فإن نوى شيئًا كان ما نوى، وإن لم ينو شيئًا فهو ثلاثة على المشهور احتياطًا، أو واحدة.
والقول الثاني: أنه ثلاثة في المدخول بها.
والثالث: أنه واحدة في المدخول بها وغير المدخول بها، إذ لا دلالة للفظ على الثلاث وإذا قلنا إنه واحدة فهل يكون بائنة لحصول البراءة التي هي مقتضى اللفظ أو رجعة، إذ البينونة المدخول بها متوقفة على العوض فيه قولان عندنا، وأما لفظ البتة والبثلة فلا خلاف في مذهب مالك أنه في المدخول بها ثلاث فلا ينوي إذ هو مقتضى لفظ البتة الذي هو القطع، وأما غير المدخول بها فهو ينوي فيها إذا قال أردت واحدة أم لا فيه قولان: المشهور أنه لا يقبل.
وأما لفظ الحرام مثل أن يقول: أنت علي حرام، فقد اختلف العلماء فيه اختلافًا مشهورًا ذكرناه في المطولات.
وفي المذهب خمسة أقوال: الأول: أنها ثلاث، إذ لا يحصل التحريم بدونها عندنا.
الثاني: إنها واحدة بائنة، لأن معنى التحريم حاصل بالبينونة.
الثالث: إنه واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة.
الرابع: أنه ينوي في غير المدخول، وهو في المدخول بها ثلاث.
قوله: ((وهو في المدخول بها ثلاث)): إشارة إلى جميع ما مثل به من ظاهر إلا في لفظة الحرام وقد ذكرنا الخلاف في البتة.
وأما خليتك، وسرحتك، وفارقتك فينوي في جميعها في غير المدخول بها، وفي المدخول بها ثلاث أقوال: فقيل ثلاث: (إلا أن ينوي واحدة، وقيل ثلاثة) ولا ينوي، وقيل واحدة رجعية، أو بائنة على قوله.

الجزء: 2 - الصفحة: 827

والثالث: هي الكنايات المحتملة، وهذا القسم لا خلاف فيه، في أن تفسيره فيه مرجوع إليه إلا أن تكذبه قرينة الحال.
قوله: ((والرابع الطلاق بغير ألفاظه)): كقوله: اسقني ماء ونحوه، فإن لم ينو بهذا اللفظ طلاقًا لم يلزمه شيء، وإن نوى به الطلاق لزمه الطلاق إلا أن الأشياخ اختلفوا هل هو طلاق بالنية، أو باللفظ والنية معًا.
ولو قال: إن فعلت كذا فلا عصمة بيني وبينك للزم بذلك الطلاق لظاهره ودلالته على ذلك.
وقول القاضي: ففي وقوع الطلاق به خلاف فيه نظر، أما إذا أراد به الطلاق فلا خلاف في وقوع الطلاق، وإنما الخلاف كما ذكرنا هل هو طلاق بالنية واللفظ، أو بالنية فقط إلا أن يشير القاضي إلى الخلاف في وقوع الطلاق بالنية لعدم دلالة اللفظ على الطلاق، فهو صحيح.
قال القاضي: ((وتبعيض الطلاق كتكميله)): إلى قوله: ((والرجعة بوجهين)).
شرح: وتبعيض الطلاق أن يقول: أنت طالق نصف طلقة، أو ربع طلقة ونحوه، فتكمل عليه الطلقة بلا خلاف.
ولو قال أنت طالق نصفي طلقة، أو نصف طلقتين لوقعت الواحدة ولو قال لها: أنت طالق طلقة وربع طلقة وسدس طلقة فهي إذا ثلاث تطليقات.
والطلاق بالحساب معتبر بالضرب.
مثل أن يقول: أنت طالق واحدة في واحدة فهي واحدة، إذ الواحدة لا مضاعف لها في مثله.
ولو قال لها أنت طالق اثنين في اثنين فهي ثلاث لبطلان الرابعة.
قوله: ((وإذا كتب الطلاق بيده)): يتعلق به حكم الطلاق بالكتاب، ولا يقع الطلاق بالكتابة إلا أن يكتبه عازمًا على الطلاق لا مترويًا، ويريد فإن كتبه مترويًا مترددًا، ثم أخرجه من يده عازمًا لزمه به الطلاق.
وإن شك على أي حالة هل على الشك، أو على الجزم، فهل يقع عليه الطلاق احتياطًا أم لا؟ المذهب فيه على قولين.
واختلف الأشياخ في صفة كتاب الطلاق في الكتاب فقال بعضهم يكتب

الجزء: 2 - الصفحة: 828

لها بتنجيز الطلاق، واختار بعضهم ما روى عن أشهب أن يكتب لها: إذا وصلك كتابي وأنت طاهر فأنت طالق، وإن وصلك الكتاب وأنت حائض، فأنت طالق إن طهرت.
وههنا فروع: إذا أخرج الكتاب من يده غير عازم على الطلاق فله استرجاعه ما لم يبلغ المرأة فيلزمه، وفي المذهب أنه إذا أخرجه من يده لزمه، وإن كان غير عازم صار الكتاب به كالنطق، والإشهاد، وقع ذلك في كتاب محمد.
ولو باع امرأته فقال ابن القاسم: هو طلقة بائنة قال: وبلغني ذلك عن مالك وروى ابن وهب أنه لا يكون ذلك طلاقًا، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ تحرم عليه بطلاق وتعد به.
وروى عن أصبغ أنه إن باعها هازلًا فليس بطلاق، وإن كان غير هازل فهو البتات.
ثم ذكر القاضي أن لفظ الطلاق المطلق محمول على ما أراد، فإن لم يرد شيئًا فهو واحدة وقد تقدم ذلك.
وقد اختلف الناس في انهدام العصمة الأولى بالتزويج.
لا خلاف في مذهب مالك أنها لا تهدم إلا بالثلاث.
ثم ذكر مسائل الشك للطلاق.
وتحصيل القول في ذلك إما أن يتيقن اليمين، والحنث، أو يشك فيهما.
أو تيقن اليمين ويشك في الحنث، فإن (تيقن) اليمين، والحنث معًا فلا إشكال، والشك فيهما لم يجب عليه شيء، وهل يؤمر بالفراق احتياطًا أم لا؟ فيه قولان: الصحيح أنه لا يؤمر لقوله -عليه السلام-: (لا حتى تجد ريحًا، أو

الجزء: 2 - الصفحة: 829

تسمع صوتًا) وإذا قلنا إنه يؤمر بالفراق فهل يجبر عليه أم لا؟ قولان: أحدهما وجوب الفراق، إذ لا يجوز الإقدام على وطء مشكوك فيه.
الثاني: أنه لا يجبر على الفراق اعتمادًا على أن الشك لا يرفع اليمين السابق، فإن تحقق انعقاد اليمين عليه وشك في تعينها دليلًا مثل أن يتيقن أنه حلف ولم يعلم ما حلف به، قال أصبغ وغيره يجبر على التزام الأيمان كلها إلا ما لا تجر عادة اليمين به فيجبر على الصدقة والمشي إلى مكة والعتق المشهور من المذهب أنه يؤمر بالتزامها ولا يجبر على ذلك.
وحكى بعض المتأخرين من الأشياخ أنه لا يؤمر بذلك.
وقال ابن المواز من حلف بيمين ثم شك في بره، أو حنثه فهو حانث ما لم [يكن] يمينه بالله تعالى.
فرع: إذا قال: إذا كان هذا الطير غرابًا فامرأتي طالق وقال آخر: إذا لم يكن غرابًا فامرأتي طالق، وأشكل، فقد حنث جميعًا إلى (أن) يدعيا أن ذلك (سهو) ويحلفا عليه.
قوله: ((وإذا شك في مراده بلفظ الطلاق من أعداده كان ثلاث)): هذا هو المشهور كما ذكره (أنه) يجب عليه (البتات)، إذ لا تصح الإباحة مع الشك احتياطًا.
قال ابن القاسم: وأرى إن ذكر وهي في العدة أنه لم يطلق إلا واحدة، أو اثنتين أنه يكون أملك بها، فإن انقضت العدة قبل أن يذكر فلا سبيل إليها.
وإن تذكر بعد انقضاء العدة إنما طلق طلقة أو طلقتين فهو خاطب من الخطاب، وهو مصدق في ذلك ولا أحفظه عن مالك.
فرع: إذا وقع الثلاثة في مسألة الشك فثبت طلاقه في النكاح الثاني حلت بعد زوج وسقط عنه حكم الأول بكل حال، وإن لم يثبت طلاقها فطلقها

الجزء: 2 - الصفحة: 830

طلقة واحدة حرمت عليه إلا بعد زوج كانت واحدة كالثلاث في هذه الصورة، وهل يتكرر عليه ذلك أبدًا ولو بعد مائة زوج (أو يزول حكم الشك بعد ثلاثة أزواج، فيه قولان، مذهب المدونة أنه باق ولو بعد مائة زوج) ما لم يثبت طلاقها لدوران الشك الأول ما بعدت الأزواج، واختار المتأخرون دورانه مع ثلاثة أزواج، ثم يزول فيما بعد ذلك، وهو قول .... وأشهب وابن وهب.
وهذه المسألة يعرفها الفقهاء بمسألة الدور.
قال ابن وهب إذا طلقها ثلاث تطليقات منفردات كان كما لو طلقها ثلاثًا مجتمعة.
قوله: ((وإذا حلف بالطلاق على شيء فطلقها، ثم تزوجها عادت اليمين عليه ما بقي من الطلاق الحلوف به شيء)): لأنه عصمة واحدة وهذا أصل المذهب ولا خلاف فيه.
قال القاضي: ((والرجعة بوجهين)): إلى آخر الفصل.
شرح: الرجعة ثابتة في كل طلاق بعد الدخول قصر عن العدد الكامل، ولم يقارنه فداء.
ولا خلاف أنها تثبت بالقول والفعل والنية والإشهاد، فإن اجتمعت هذه الأربعة، فلا خلاف في صحة الرجعة، وإن نقص منها الإشهاد فالمشهور أن الرجعة صحيحة بناء على أن الإشهاد على الرجعة ليس بواجب.
وحكى القاضي أبو بكر عن شيخه القاضي إسماعيل أن الإشهاد على الرجعة واجب لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم﴾ فإن انفردت النية فالمذهب أن الرجعة لا تصح، واستقرأ اللخمي أنها لا تصح بناء

الجزء: 2 - الصفحة: 831

على لزوم اليمين بالنية.
وإن انفرد القول من غير نية، ولا فعل فهل تحصل به الرجعة أم لا؟، فيه قولان.
فمذهب الكتاب أن الرجعة صحيحة.
قال في الكتاب: إن قال لها قد ارتجعتك، ثم قال لم أنو الرجعة، وإنما كنت لاعبًا لزمه الرجعة إن كانت في عدتها.
وإن انفرد الفعل ولم يصحبه قول، ولا نية، فالمشهور أنه ليس برجعة والشاذ أنه رجعة.
ومبناه على الرجعة هل هي محرمة حتى يرجع أم لا؟.
فإن قلنا إن الطلاق الرجعي يقتضي التحريم كان الوطء ارتجاعًا، وإن قلنا إنه لا يقتضيه فلا يكون ارتجاعًا، وإن قلنا أن النية شرط في صحة الرجعة، وكانت النية قارنة للقول والفعل فهي رجعية صحيحة، وإن تقدمت النية بالزمان اليسير فأجراه اللخمي على قولين كتقدم النية على الطهارة بالزمان اليسير.
ثم ذكر القاضي -رحمه الله- أن فسخ النكاح ضربان بطلاق وبغير طلاق.
وذكر ضابط ذلك، وفائدته، والأمر فيه بين كما ذكره.
قوله: ((ولا يقبل في الشهادة على الطلاق إلا الرجال)): وهذا كما ذكره، لأن الله سبحانه إنما ذكر شهادة النساء في الأموال فتقر حيث أقرها الله.
وأما مواضع الضرورة فالحكم (فيه) للمقتضى لا للأصل، إذ الشريعة رفعت الحرج في قواعد الأحكام، فلذلك جاز شهادتهن في عيوب النساء وغيره من الاستهلال والولادة، لأنها موضع ضرورة.
قوله: ((وإذا اختلفا في الزمان والمكان)): يتعلق بهذا الفصل (حكم) تلفيق الشهادة المختلفة، وقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الشهادة تلفق على كل حال كانت على الأقوال، أو على الأفعال، أو بعضها على الأقوال، وبعضها على الأفعال.

الجزء: 2 - الصفحة: 832

والثاني: أنها لا تلفق مطلقًا.
والثالث: أنها تلفق على الأقوال دون الأفعال.
فإن فصلت قلت إن كانت الشهادة على قول فقولان: المشهور التلفيق لاتفاق (مضمونها) والشاذ نفي التلفيق لاختلاف الأسباب والمواطن.
وإن كانت على (فعلين) فقولان: المشهور نفي التلفيق، لأن الأفعال متباينة، والشاذ التلفيق نظرًا إلى اتفاق مقتضى الشهادات، وإن كانت على قول وفعل فقولان أيضًا مبنيان على ما تقدم.
قوله: ((ولا يجب كمال المهر بالخلوة دون المسيس)): والقول قولها عند التداعي (على) ظاهر المذهب.
يتعلق بهذا الفصل إرخاء الستور، وأصل مذهب مالك أنه لا يكمل الصداق بنفس إرخاء الستور إلا على صفة دون صفة.
وتحصيل القول في ذلك أنه لا يخلو أن تتحقق الإصابة، أو يتحقق عدمها، أو يختلف الزوجان في ذلك، فإن تحققت الإصابة فإما أن يكون في المحل المعتاد بالآلة المعتادة أم لا، فإن تحققت في المحل المعتاد بالآلة المعتادة، وجب تكميل الصداق بلا خلاف، فإن أصابها بإصبع أو غيره فلا يخلو أن تكون بكرًا أو ثيبًا؟، فإن كانت ثيبًا لم يكمل الصداق بلا خلاف، وإن كانت بكرًا فهل يكمل لها الصداق أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: التكميل لإتلاف البكارة، لأنها قد شانها.
والثاني: نفي التكميل، لأنه عيب (لا) يتحصل به مقصود الواطئ، وإن أصاب بالآلة المعتادة في غير المحل المعتاد كمن يهينها في الدبر، فهل يكمل الصداق أم لا؟ فيه قولان: التكميل ونفيه، بناء على أن المقصود من الواطئ هل هو حاصل أم لا؟ وبنى الشيخ أبو الطاهر على جواز الوطء في الدبر.
وهذا بناء مذموم.

الجزء: 2 - الصفحة: 833

وإن تحقق عدم الإصابة فلا يخلو أن يطول مقامها عنده أم لا؟ فإن لم يطل فقولان: نفي التكميل لعدم المسيس، وإثباته لحصول التمكين، وإن طال فقولان المشهور التكميل بما أبلى من جهازها وأتلف من (صغارها).
والثاني نفي التكميل، وهو مقتضى ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ إلى قوله: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: 237]. وإن أشكل الأمر، ووقع التداعي في الوطء ولا خلوة، فالقول قول الزوج، وإن كانت الخلوة فإما أن تكون خلوة (اهتداء) أو خلوة زيارة، فإن كانت خلوة اهتداء وهي ثيب، فالقول قولها بلا خلاف (تحكيمًا) للعادة كما ذكرناه.
والثاني: أنه ينظر إليها النساء تغليبًا لحق الزوج، وإن كانت خلوة زيارة ففيه أربعة أقوال.
الأول: إن سافر إلى أحدهما فالقول قوله نظرًا إلى الأصل.
الثاني: أن القول قولها نظرًا إلى الغالب.
الثالث: أن الدخول إن كان في بيته فالقول قولها تحكيمًا للعادة، وإن كانت في بيتها فالقول قوله، لأن الغالب عدم الوطء في بيتها.
الرابع: أن القول قولها إن كانت ثيبًا، وإن بكرًا نظر إليها النساء.
وإذا جعلنا القول قولها فهل بيمين، ففيه قولان مبنيان على الاختلاف في العادة.
هل هي كشاهد، أو شاهدين، فإن تصادقا على الوطء وجبت العدة بلا خلاف، وإن تصادقا على نفس المسيس في خلوة الاهتداء وجبت العدة لا تهمهما على أن يكونا نقضًا للعدة التي فيها حق الله تعالى.

الجزء: 2 - الصفحة: 834

واختلف المذهب أيضًا إذا تقاررا على نفي المسيس في خلوة الزيارة.
فقال ابن القاسم: العدة واجبة.
وقال ابن الماجشون: لا عدة عليها لاتفاقهما على نفي وجوبها.
واختلف المذهب أيضًا إذا وافقته على نفي المسيس وهي سفيهة لا يجوز إقرارها على نفسها، فالمشهور قبول قولها إذ لا سبيل إلى العلم بذلك إلا من قبلها، والشاذ أنه (لا يقبل) قولها لأنها (تصرفه) في مال، وذلك محجور على السفيه.
قال القاضي: ((وإذا أعتقت الأمة تحت العبد فلها الخيار)).
شرح: الأصل في تخيير الأمة إذا أعتقت، حديث بريرة: (قالت عائشة كانت في بريرة ثلاث سنن إحداها أنها أعتقت تحت زوجها فخيرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تقيم أو تفارق).
واختلفت الأحاديث هل كان زوجها حرًا، أو عبدًا، والصحيح أنه عبد، وهي رواية واقعة في مذهب مالك ومبناه على الخلاف في علة التخيير هل هي نقص الزوج بالعبودية، أو خيرها على التزويج حين العقد، فمن غلب النقص نفي الخيار، فهل فسخ أو طلاق، المشهور أنه طلاق لأنه أمر اختياري، والشاذ أنه فسخ حكمي، وهل لها أن تكمل، أو ليس لها إلا الواحدة ففيه قولان المشهور أنها واحدة، وليس لها أن تقضي بأكثر من ذلك، وهل يكون بائنة أو رجعية ففيه قولان في المذهب، المشهور أنها بائنة إذ

الجزء: 2 - الصفحة: 835

بها يحصل المقصود، والشاذ أنها رجعية، إذ لا موجب للبينونة، ولا خلاف أنها إن أمكنته من نفسها عالمة بالحكم الشرعي طائعة فخيارها ساقط، فإن علمت العتق وجهلت الحكم ومكنته من نفسها فهل تعذر بذلك؟ نصوص المتقدمين أنها لا تعذر، لأن عندهم أمر مشهور بالمدينة لا يكاد يخفى، والمتأخرون رأوا أن لها الخيار، إذ لا تقوم الحجة إلا مع العلم، وفي العتبية إذا كانت حائضًا (فتوقف) حتى تطهر فتطلق، فأعتق الزوج فهي على الخيار، لأن امتناع الإيقاع إنما كان لعلة، وكأنه واقع حكمًا، وهذا فيه نظر.
قال علماؤنا: كل امة أعتقت تحت عبد فلها الخيار إلا في مسألة واحدة وهي رجل له مائة دينار، وله امة قيمتها مائة دينار فزوجها من عبد بمائة دينار، ثم أعتقها في (مرض موته) قبل الدخول، فلا سبيل لها إلى الخيار لأنها إن اختارت (أن تسقط) نصف المهر فرق بعضها فسقط خيارها فلها إذًا إثبات الخيار إلى إسقاطه سقط في نفسه، وهي من مسائل الرق.
قال القاضي: ((والخلع جائز)): إلى قوله: ((وإذا قبح ما بين الزوجين)).
شرح: الخلع هو حل العصمة بعوض، وأجمع جمهور العلماء على جوازه لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾ الآية [البقرة: 229]. وأما قوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج﴾ الآية [النساء: 20] فمحمول على ما إذا كان الإضرار من الزوج، وقيل إنها منسوخة بآية الإباحة والأولى أولى.
وصح أن ثابت بن قيس بن شماس قد خالع زوجته على حديقة بأمر

الجزء: 2 - الصفحة: 836

رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقد قال تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا﴾ الآية إلى قوله: ﴿مبينةٍ﴾ [النساء: 19].
واختلف أهل التأويل في الفاحشة المشار إليها فقيل النشوز، وقيل كل كبيرة.
قوله: ((والخلع جائز)): تنبيهًا على مذهب من منعه تمسكًا بالآية التي ذكرنا أنها منسوخة أو مخصوصة.
قوله: ((وهو طلاق)): تنبيهًا على مذهب القائل أنه فسخ لا طلاق.
قوله: ((وصفته أن يوقع الطلاق بعوض)): هذا العوض له حكم الأعواض في بعض أحكامه دون بعض للاختلاف في جوازه على الغرر.
والإجماع منعقد على تحريم بيع الغرر.
ووقع في كتاب ابن المواز إذا كان دين فأحال صاحبه على المرأة المخالعة، فلم يقبض صاحب الدين حتى ماتت، وليس لها شيء، فإنه يرجع على الزوج، وهذا خارج عن أحكام الأعواض المحققة.
قوله: ((يأخذه من الزوجة أو ممن يبذله عنها)): وهذا كما ذكره، لأنه مال، فإما أن يدفعها المشتري أو يدفعه عنه من يبذله بالتزامه الأداء، ويرجع به عليه إن اقتضاه شرط أو عادة.
قوله: ((ثم له ثلاثة أحوال)): والأمر في هذه الأحوال الثلاثة ظاهر، وذكر أن حالة التحريم ترجع إلى أمرين، أحدهما: إليه، وذلك عند إضراره

الجزء: 2 - الصفحة: 837

بها وإساءته إليها.
والثاني: إلى العوض، وذلك إذا كان عوضًا لا يجوز تمليكها شرعًا كالخمر والخنزير ونحوه أما إذا كان مضرًا بها مسببًا إليها فلا خلاف أنه لا يجوز له أخذ العوض منها على الطلاق، لأنه أكل المال بالباطل، وأما إذا كان الضرر منها فلا خلاف في جواز ما اخذ منها.
وإن كان الضرر منهما معًا فهل يباح له الأخذ تغليبًا لسبب الإباحة، أو لا يباح تغليبًا لسبب المنع، فيه قولان عندنا.
وإن استقام الحال ولم يكن هناك مضرة من (أحد) منهما، إلا أنها طلبت الفراق بمعنى ما، فله الأخذ بلا خلاف فإن خالعها في صورة المنع بعد الطلاق ورد العوض إليها، لأنه من أكل المال بالباطل، وهو نص القاضي.
قوله: ((والثاني أن يكون العوض خمرًا، أو خنزيرًا، أو ما لا يصح تملكه)): وهذا كما ذكره إذا خالعها على خمر، أو خنزير بعد الطلاق، ولا شيء للزوج، وهذا أشهر الروايات، وعليه عول جميع المتأخرين.
واستقرأ اللخمي أنه خلع المثل وهو خلع المريضة، فللزوج فيه خلع المثل من رأس المال.
قول: ((وما لا يجوز تملكه جنس الخمر والخنزير والأنصاب والصلبان والآلات المحرمات ونحو ذلك)): وهذا كما ذكره ثابت بالنص، والإجماع.
قوله: ((وأما الحالة التي يكره)): فأن يقطع عنها ما يعلم أنها تستضر به إلا أنه لا يلزمه ولا يمكنه المقام معه، هذا القسم داخل في باب الإضرار (فمان أخف رتبة من فعل الإضرار) للاختلاف في الترك هل هو فعل أم لا؟ ومقتضى إلحاقه بالفعل التحريم، إلا أنه لما كان لا يلزمه ولا يبقى عليه به نقصت مرتبته عن مرتبة الأولى.
قوله: ((وطلاق الخلع بائن لا رجعة فيها)): وهذا كما ذكره لأنه

الجزء: 2 - الصفحة: 838

مقتضى العوض الذي تبذله الزوجة، إذ لولا البينونة لم يكن للعوض معنى.
ولو خالعها على شرط أن تكون المطلقة رجعية فهل يقضى بهذا الشرط، ويمضي توفية الشرط، أو يرجع إلى الأصل، فيه قولان.
وههنا فروع: الأول: إذا قال لها: أنت طالقٌ طلاق الخلع، فيه ثلاثة أقوال إنها واحدة رجعية، إذ لا عوض.
والثاني: أنها بائنة تغليبًا (للمقصد).
والثالث: أنها ثلاث تطليقات، لأنه أراد بينونة والبينونة لا تحصل في المحصول بها إلا بالعوض، أو بالحكم، أو بالثلاث، ولا عوض ولا حكم فليس إلا طلاق الثلاث.
ومن هذا النمط أن يطلق ويعطي قاصدًا لطلاق الخلع، ففيه الثلاثة الأقوال المذكورة.
قوله: ((ولا يلحقه إرداف إلا أن يكون متصلًا)): وهذا كما ذكره، ومذهب مالك -رحمه الله- أن البائن يرتدف عليها الطلاق، إذا كان نسقًا، وله أن ينكحها في العدة، لأن الماء ماؤه والنفقة والتوارث من أسباب الزوجية ومقتضياتها، والبينونة قد قطعت ذلك.
قال القاضي: ((وإذا قبح ما بين الزوجين وظهر الشقاق)): إلى آخر الفصل.
شرح: الأصل في بعث الحكمين قوله سبحانه: ﴿وإن خفتم شقاق﴾ الآية إلى قوله: ﴿وحكمًا من أهلها﴾ [النساء: 35].
قال علماؤنا لا يخلو أن يكون حال الزوجين مستقيمًا، أو أشكل حينئذ أو متخاصمان، فلا يخلو حينئذ من ثلاثة أحوال: أن يكون النشوز منها، والضرر من قبلها، أو من قبل الزوج، أو يشكل الحال، فإن كان من قبلها ندب الزوج إلى أن يعظها، فإن لم تتعظ هجرها، فإن لم تنزجر ضربها ضربًا غير مبرح، فإن تمادت على حالها رفع أمره إلى الحاكم، فإن كان الظلم من

الجزء: 2 - الصفحة: 839

الزوج جبر على العدل، وإن كان منها فكذلك، فإن أشكل الحال بعث الحكمان فيقضيان بما رأياه وينفذ قضائهما.
ويشترط في الحكمين شروط إجزاء، وشروط إكمال، فشرط الإجزاء أن يكونا مسلمين فقيهين، في ذلك، عدلين.
وشروط الكمال: أن يكونا من أهلهما لأنهما أعرف بحال الزوجين فإن حكما بالفراق على مال، أو على غير مال، أو بالاتفاق نفذ حكمهما، وإن رأيا الأخذ من قبل أحد الزوجين مضى ذلك بحسب ما تقتضيه المصلحة.
وههنا فروع: إذا حكما بأكثر من طلقة واحدة فهل يمضي حكمهما بذلك أو يكون واحدة فيه قولان.
أحدهما: أنهما يقضيان بالواحدة ليس إلا، إذ ليس لهما ما يرفعان به الضرر ويحصلان فيه البينونة.
الثاني: أن لهما القضاء بالثلاث، لأنهما ملكا الطلاق الذي بيد الزوج بالتحكيم.
ولو حكم أحدهما بالفراق، والآخر بالبقاء لم يمض حكمهما ولم يقع الفراق إلا باتفاقهما.
ولو حكم أحدهما بالواحدة، وحكم الآخر بالثلاثة، ففي المذهب فيه قولان: أحدهما: أنه لا يقع من ذلك شيء لاختلافهما.
الثاني: أنه (يقع) من ذلك الواحدة لأنه متفق عليها، وإنما الخلاف في الزيادة.
الثالث: إذا كان الحكمان مسخوطين فعلم الحاكم بذلك وبعثهما بطل الجميع لأنهم فسقة فإن جهل حالهما فبعثهما ظانًا أنهما عدلان فإذا أنهما مسخوطان فحكما بما يوافق الحق، أو بعث إليهما عبدًا، أو من لا يجوز حكمه هل يمضي فعلهما أم لا؟ فيه قولان بناء على الاجتهاد، هل يرفع الخطأ أم لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 840

قوله: ((من غير اعتبار برضا الزوجين)): وهذا كما ذكره، لأنهما حكمان لا وكيلان، وقيل بل هما وكيلان.
قوله: ((ولا بموافقة حاكم البلد أو مخالفته)): تنبيه على مذهب المخالف.
قال القاضي -رحمه الله-: ((وللرجل أن يجعل)): إلى قوله: ((لم يكن له المناكرة)).
شرح: الأصل في التخيير قوله سبحانه: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن﴾ الآية [الأحزاب: 28] ولما استدعى -عليه السلام- عائشة فقال لها: (أقول لك قولًا فلا تعجلي فيه حتى تستأذن أبويك فتلا عليها فقالت قد اخترت الله ورسوله) فلم يكن ذلك طلاقًا، وفعل مع نسائه مثل ذلك، ولم يكن مجرد تخييره طلاقًا، وهذا (يرد) على ربيعة وغيره ممن رأى التخيير كله طلاقًا، يقع الطلاق على الزوج بنفس التخيير منه سواء اختارت الزوجة الفراق أم لا؟ وفقهاء الأمصار على خلافه.
وقد تقرر أن إيقاع الطلاق الثلاث في لفظة واحدة محرمة ومكروهة، وهل له أن يملك ذلك لزوجته لما جاء أنه -عليه السلام- خير نساءه، وظاهر الإطلاق عدم التقييد إلا أن يقال إنه مقيد بالمعنى أولًا، كما ليس له أن يوقع ثلاثة جملة.
ثم تمليك الزوجة الطلاق على وجهين: أحدهما: على جهة التوكيل.
والثاني: على جهة التمليك، فإن كان على جهة التوكيل فله أن يعين لها ما لم تطلق نفسها، وليس له (القول) في التمليك، ولا في التخيير، وقد يجعل بيد أجنبي على معنى التوكيل، والرسالة والتخيير والتمليك والتوكيل، له فيه

الجزء: 2 - الصفحة: 841

العزل ما لم يقض، ولا حد للرسول في الرسالة وإنما ذلك حق للمرسل إليه، والتخيير والتمليك بيده كالزوجة، فليس له عزله كما ليس (ذلك) في زوجته.
قوله: ((والتمليك على وجهين: تمليك تفويض، وتمليك تخيير)): وهذا كما ذكره، فتمليك التفويض: هو التمليك المطلق مثل أن يقول لها: قد ملكتك أمرك.
وتمليك التخيير هو التحجير، والتحجير فيه هو من حيث إنها لا تملك إلا إيقاع الثلاثة الأحوال، فإذا (أوقعت) الواحدة فقد مضت من تخييره، وهذا هو أصل المذهب.
وإذا قلنا إن مقتضاها الثلاث فطلقت نفسها واحدة، لم يقع على الأشهر.
وهل لها أن تبتدئ الخيار أم يكون إيقاعها ما ليس لها قطعًا لخيارها لأنها قد خالفت مقتضى التخيير الأول فبطل، فالاستئناف يفتقر إلى استئناف تخيير.
وقد اختلف مذهب مالك في التخيير والتمليك فقيل هما سواء، والمشهور من المذهب أنهما مختلفان، فله المناكرة في التمليك إذا قضت بالثلاث، وليس ذلك في التخيير بعد الدخول.
واختلف الأشياخ في تأويل الفرق بينهما، والصحيح أن الفرق بينهما راجع إلى مقتضى العادة، لا إلى مقتضى اللفظ وهذا إذا لم ينص الزوج على عدد، فإن نص على عدد معين فليس لها خلافه فيهما، فلو قال لها: اختاري طلقة واحدة لم يكن لها سوها.
فإن قال لها اختاري طلقتين فهل لها أن توقع إحداهما، فيه قولان: المشهور أنه ليس لها ذلك.
ولو قال لها اختاري [من] طلقتين، فليس لها واحدة، لأنها مقتضى حرف التبعيض ولو قال لها اختاري طلقتين فقيل ليس لها إلا إحداهما إلحاقًا له بلفظ التبعيض، وقيل لها أن تقضي بهما، فإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء، وهو مذهب الكتاب.

الجزء: 2 - الصفحة: 842

قوله: ((ثم لا يخلو حالها من خمسة أقسام)): وهذه الأقسام التي ذكرها ظاهرة الحكم، فإن أجابت بصريح في أحد أمرين من رد أو طلاق مضى ذلك وله المناكرة في التمليك، إذا أرادت الواحدة وذلك بأربعة شروط كما ذكره.
حكي الخلاف إذا قضت في التمليك بثلاثة، ثم قال لم أرد تمليك طلاق، ثم قال أرادت الواحدة، فالمشهور القول قوله مع يمينه، والصحيح أنه لا يقبل للاضطراب في دعوته وتبين كذبه.
قوله: ((والثالث أن يدعي أنه نوى الواحدة في حال تمليكها إياها)): وهذا كما ذكره، لأنه إذا لم يقيد (نبته) كان اللفظ صالحًا، والنية مطلقة، فإن ادعى أنه نوى بالتمليك الواحدة هي واحدة، ثم اختلفوا إذا أوقعت في التمليك واحدة هل تكون بائنة، لأنها تملك (بذلك) نفسها، أو رجعية، فيه قولان.
قوله: ((فإن كان بشرط شرطت عليه لم يكن له المناكرة)): يعني إذا كان التمليك في عقدة التزويج فليس له المناكرة إذا قضت بالثلاث لأنه مقتضى العادة إذا كان في أصل التزويج فترجع في المعنى مخيرًا، وفي المذهب رواية أن له المناكرة كالتمليك كان في أصل العقد أو بعده.
قال القاضي -رحمه الله-: ((وأما القسم الثاني فهو أن تجيب)): إلى قوله: ((وأما تمليك التخيير)).
شرح: الضابط (الكلي) في هذا الباب أن اللفظ الصادر من الزوج إما أن يكون نصًا في الطلاق، والعدد، والوقت أو محتملًا في الجميع، أو نصًا في البعض محتملًا في البعض، وكذلك الجواب الصادر من الزوجة، فلها إشكال في النص، ومع الرجوع في المحتمل إلى تفسير الألفاظ، فإن فسر بالأظهر من معانيه قبل قوله مطلقًا من غير يمين، وإن فسر بالأخفى من معانيه، فلا يخلو أن تفسيره البينة أم لا فإن فسرت البينة لم يقبل قوله، وإن لم

الجزء: 2 - الصفحة: 843

تفسره البينة قبل قوله، واستظهر عليه باليمين، وإن فسره بما لا يحتمله اللفظ لم يقبل وأخذ بمقتضى (اللفظ) والخلاف بعد هذا في ألفاظ من المحتمل.
(فإذا) قالت: قبلت أمري، أو قبلت ما ملكتني، أو قبلت فلا خلاف أنها تسأل عن مرادها كما ذكره القاضي.
ولو قالت: اخترت نفسي فهو طلاق باللفظ الأول، وقيل يرجع فيه إلى تفسيرها حكاه أبو الحسن.
وقال أشهب: إذا قالت: اخترت نفسي، وقالت: لم أرد به الطلاق قبل قولها، والأصح ظاهر في الطلاق فلا يقبل دعواها في ذلك، وكذلك إذا قال لها اختاري فقالت: قد فعلت.
قال بعض أصحابنا هو محتمل يرجع فيه إلى تفسيرها وهو الأظهر، وقيل مقتضاه الطلاق فلا يقبل دعوى غيره، وكذلك اختلف المذهب إذا قالت اخترت أمري، فقيل هو ظاهر في الطلاق أيضًل، وقيل هو محتمل، فتسأل عنه.
قوله: ((وأخذت الآن بالتنجيز)): قلت لما له في ذلك من حق فله المرافعة إلى الحاكم، فإما الإمضاء وإما الرد، والجواب بالفعل الظاهر، قال علماء المالكية إذا نقلت متاعها فهو كنصها على الطلاق، إنما هو إذا أرادت به الفراق.
قوله: ((وأما الخامس فهو أن تمسك عن جواب، أو فعل يقوم مقامه)): وهذا كما ذكره، وقد ذكرنا أنه إذا نص على وقت التخيير، أو عداه لم يعد عن نصه، فإن لم ينص ولم تجاوبه في المجلس حتى افترقا، فهل لها أن تقضى بعد انقضاء المجلس أم لا؟ فيه قولان حكاهما القاضي.
وكذلك إذا خرجا في المجلس من حديث التخيير إلى غيره حتى طال الأمر ثم أرادت الرجوع إلى القضاء بالتخيير فهل لها ذلك أم لا؟ فيه قولان مبنيان على ما ذكره القاضي، هل حكم التخيير حكم العقود التي تبطل بتراخي الجواب أم

الجزء: 2 - الصفحة: 844

لا؟ ولو قال: أنت مخيرة ما شئت، أو إذا شئت، أو كلما شئت، فلها الخيار في المجلس وبعده.
قوله: ((فعلى الأولى)): هو توجيه للخلاف الذي حكاه، ومعناه على الرواية الأولى، وإذا قلنا إنه كالتمليكات كخيار المعتقة لم تبطل تخييرها إلا بتمكينها من نفسها طائعة غير مكرهة.
وإذا جعل خيارها بيد أجنبي، فله القضاء في المجلس، وإن ذهب الأجنبي من المجلس فهل له أن يقضي أم لا، فيه قولان كما في خيار المجلس إذا كان التخيير للزوجة نفسها، فإن وطئ بإذنه بطلت.
قال القاضي: ((وأما التخيير)): إلى آخر الفصل.
شرح: قد ذكرنا الكلام في التخيير، وقسم التخيير إلى مطلق، ومقيد وبينه في المثال بيانًا حسنًا، والفصل ظاهر وقد قدمنا الكلام فيه.
قال القاضي: ((والمولي مخاطب بأحد أمرين)): إلى آخر الفصل.

شرح: الأصل في

الإيلاء

قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ الآية [البقرة: 226]. وصح جوازه لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قد آلى من نسائه) ولو كان محرمًا لما صدر من الشارع صلوات الله عليه.
والمولي: هو كل مسلم مكلف يتصور منه الوطء حرًا كان أو عبدًا، مريضًا، أو صحيحًا.
وقولنا يتصور منه الوطء تحرزًا من الخصي والمجبوب إذ لا يصح منهما الوطء، ولو آلى وهو صحيح ثم جب بطل الإيلاء.
قوله: ((والمولى مخاطب بأحد أمرين)): قلت: مقتضى الآية وفائدة

الجزء: 2 - الصفحة: 845

الأصل قوله: ((والإيلاء الشرعي)) تحرز من مطلق الإيلاء، لأن اللغوي من قسمه لا يقيد بأجل ولا ينحصر بمدة.
والوقف المشار إليه هو إيقاف الحاكم له.
وحد الإيلاء فقال: ((هو أن يحلف بيمين يلزم بالحنث فيه حكم على ترك وطء (الزوجة) أو ما يتضمن (ترك) الوطء زيادة على أربعة أشهر بمدة مؤثرة)) فأما ترك الوطء ظاهر، وما يتضمن ترك الوطء كقوله: لا دنت منك، ولا اغتسلت منك ونحو ذلك مما يتضمن ترك الجماع.
قوله: ((بعدة مؤثرة)): يعني كالشهور ونحوه.
قوله: ((حرة كانت أو أمة)): لأنه من باب الأيمان اللازمة للحر والعبد.
واختلف المذهب في أجل العبد هل هو كأجل الحر لعموم الآية، وتساوي المعنى، أو على النصف، لأنه يؤول إلى الطلاق فكان مشترطًا.
قوله: ((ولا يلزمه طلاق بنفس مضى الأجل)): وهذا تنبيه على مذهب أبي حنيفة.
قوله: ((فإن فاؤوا فيها)): على أن الفيئة في الأربعة الأشهر، والمعنى عنده، فإن فاؤوا فيها، وقال الجمهور: المعنى: فإن فاؤوا في غيرها، لأن الأربعة الشهر جعلت حقًا له، فلا يكون له عليه فيها حق.

الجزء: 2 - الصفحة: 846

قوله: ((فأما إن حلف على غيره مما يمنع الوطء إلا بعد بره، أو فعل موجبه)): وهذا من المواضع التي يجب تأملها.
وأشار القاضي بذلك إلى صورتين: صورة الحالف بالطلاق، وصورة المظاهر.
ومثال الأولى: أن يحلف بطلاق زوجته كذا، أو إن لم يفعل كذا.
وأصل مذهب مالك أنه على حنث ما لم يفعل فيمنع من الزوجة لإمكان الإبراء، فإذا منع من الوطء لأجل يمينه دخل عليه الإيلاء، واختلف الروايات متى يدخل عليه الإيلاء فقيل من يوم الحلف، وقيل من يوم الحكم.
وأشار القاضي بقوله: ((مما يمنع الوطء إلا بعد بره)): إلى ((بعد الطلاق)).
ومثال الصورة الثانية أن يظاهر من امرأته فيمنع من وطئها إلا بعد التكفير الذي هو موجب ظهاره، فإن كفر لم يمنع من الوطء، وإن لم يكفر منع من الوطء، ويدخل عليه الإيلاء.

واختلفت (الروايات) أيضًا في هذه الصورة متى يدخل عليه الإيلاء، فقيل من يوم

الظهار

، وقيل من يوم الحكم.
وهذا من المواضع الحسنة التي أتقنها القاضي.
قوله: ((ومن ترك الوطء مضارًا)): اختلف المذهب في المضار على ثلاثة أقوال، فقيل لا ينعقد عليه الإيلاء، ولا يفرق بينهما، ويجبر على الوطء، وقيل هو مولي ويضرب له الأجل من يوم الحكم، وقيل من يوم اليمين كغير المضار، وقيل يفرق بينهما من غير أجل.
فرع: إن أطال المسافر الغيبة عامدًا للضرر أمر بالقدوم، فإن أبى فرق بينهما، لأن الشريعة رفعت الضرر.
قال القاضي: ((والظهار محرم)): إلى آخر الفصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 847

شرح: الأصل في الظهار قوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم﴾ الآية [المجادلة: 2] نزلت في خولة بنت حكيم مع زوجها أويس بن الصامت.
وأجمع العلماء على أنه محرم، ولذلك امتنع وقوعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن قال إنه ظاهر فقد أخطأ وكفر إن كان معتقدًا.
والدليل على تحريمه من الآية من موجود: الأول: أن الله سبحانه كذبه ورد فقال: ﴿ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم﴾ [المجادلة: 5] الثاني أن الله سماه منكرًا وزورًا.
الثالث أنه أوجب فيه الكفارة، الرابع أنه قرنه بالمغفرة ولا يكون ذلك إلا عن ذنب والمظاهر هو كل مسلم عاقل بالغ من أي امرأة حل وطؤها حرة كانت أو أمة، مسلمة، أو كتابية فقولنا: ((كل مسلم)) احترازًا من ظهار الذمي، ولا يصح ظهاره عندنا كما لا يلزم طلاقه.
وقولنا: ((عاقل)) إحرازًا من المجنون، وقولنا: ((بالغ)) احترازًا من الصبي.
واختلف في ظهار المراهق هل يلزم أم لا؟ على الخلاف في أحكامه.
وههنا فروع: الأول: إذا ظاهر الشيخ الكبير الذي لا حراك له، والمقطوع الذكر هل يلزم ظهارهم أم لا؟ فيه قولان: المشهور، اللزوم إذ يتمكن منهم أوائل الوطء.
ومقدمات الجماع، كالقبلة والملامسة والاستمتاع بالتلذذ، والشاذ أنه لا يلزم خاصة وهو قول أصبغ وسحنون ومبنى المسألة على الخلاف في الظهار هل هو تحريم للزوجة بالكلية، أو هو تحريم الركوب للوطء خاصة، فيه قولان في المذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 848

فرع: يلزم الظهار في الأمة المدبرة، وأم الولد، ولا يلزم في المعتقة بعضها.
والمعتقة إلى أجل، إذ لا يجوز وطئها، ويلزم في المكاتبة إذا عجزت فعادت إلى الرق ولرجوعها إلى الملك كالأمة المحضة، ووقع في المذهب أنه لا يلزم فيها ظهار إذا عجزت نظرًا إلى حكم التحريم حين اللفظ بالظهار.
وحده القاضي فقال: تشبيه محلله [له] بنكاح، أو ملك بمحرمة عليه تحريمًا مؤبدًا بنسب، أو رضاع، أو صهر)).
قوله: ((بنكاح، أو ملك)) تقسيم في نوع المنكوحات.
قوله: ((محرمة عليه)): انظر هل يتناول الذكر أم لا؟ وظاهر اللفظ أنه مخصوص بالنساء.
واختلف المذهب إذا قال لها أنت علي كظهر أبي، أو ابني، أو غلامي، أو نحو ذلك من التشبيه بالذكران، فقال ابن القاسم، وأصبغ هو مظاهر، وقال ابن القاسم مرة أخرى هو تحريم.
وقال ابن حبيب: هو منكر من القول، ولا يلزمه فيه ظهار ولا تحريم.
قوله: ((بنسب أو رضاع أو صهر)): تنويع لأسباب التأبيد، وهي ظاهرة.
وألفاظ الظهار قسمان: صريح، وكناية، فالصريح: ذكر الظهار في ذات محرم من النساء.
والكناية قسمان: ظاهرة، وخفية.
فالظاهرة: ذكر الظهار في غير ذات محرم، والتشبيه بالمحرمة من غير ذكر الظهار، والخفية ما عرى عن الأمرين.
فإما صريح الظهار فهو ظاهر، فإن أراد به الطلاق لم يكن طلاقًا، فروى عن ابن القاسم أنه يكون طلاقًا ثلاثًا، ولا ينوي في أقل من ذلك وقال سحنون: ينوي فيما دون الثلاث إن دعاه.
وأما الكنايات الظاهرة فهي ظهار، فإن أراد به التحريم فهو حرام، فإن قال لم أرد طلاقًا، ولا ظهارًا لم

الجزء: 2 - الصفحة: 849

يقبل قوله.
وأما الكنايات الخفية فلا تقتضي طلاقًا، ولا ظهارًا بوضع بعضها، بل بالقصد ينصرف إلى ما قصد.
قوله: ((والتشبيه على أربعة أضرب)): وهذه الأقسام (الأربعة) ظاهرة، والحكم فيها واحد.
قوله: ((وفي التشبيه بالمحرمة على غير التأبيد خلاف)): وصورة هذه المسألة (أن يقول لها) أنت علي كفلانة لأجنبية، فلا يخلو أن يريد الظهار أم لا؟ فإن (أراد الظهار) فهل يكون ظهارًا، أم طلاقًا: فيه قولان مشهوران، وإن لم يذكر الظهار ففيه خمسة أقوال: قال أشهب: هو ظهار إلا أن يريد بها الطلاق.
وقال عبد الملك: هو طلاق إلا أن يريد به الظهار (وقيل هو ظهار وإن أراد به الطلاق، وقيل هو طلاق وإن أراد به الظهار).
وحكى أبو الحسن في هذه الصورة أنه لا يلزمه ظهار ولا طلاق.
قوله: ((ويحرم بالظهار الوطء وجميع أنواع الاستمتاع)): ولا تجب الكفارة إلا بعد العودة وهي العزم على الوطء، الأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: 3] وهذا يقتضي عموم التحريم إلى حين ارتجاعه بالكفارة، وقد اختلف الفقهاء في العودة، فقال أهل الظاهر: هي تكرار اللفظ الأول سواء، وخالف في ذلك الجمهور.

الجزء: 2 - الصفحة: 850

وفي المذهب في العودة أربعة أقوال: فقيل العزم على الإمساك، وقيل العزم على الوطء (وقيل الوطء) نفسه، وقيل العزم على الوطء والإمساك (معًا) وهو مذهب الموطأ.
واختاره القاضي أبو بكر.
قوله: ((والكفارة فيها ثلاثة أنواع)): وهي ثابتة بنص القرآن المقتضي الترتيب.
فالإعتاق: تحريم رقبة مؤمنة احترازًا من الكافرة، إذ لا يتقرب إلى الله بعتق الكافر، لا في فرض، ولا في تطوع، ومبنى ذلك على رد المطلق إلى المقيد.
قوله: ((سليمة من العيوب)): احترازًا من المعيبة، والعيوب على قسمين عيوب تمنع التكسب، وتشين، ولا خلاف أنها مانعة من الإجزاء كقطع اليد والرجل والعمى، والزمانة ونحو ذلك، وعيوب لا تمنع التكسيب، ولا تشين، وهذه غير معتبرة كالمرض الخفيف والعرج الخفيف، وقطع الأنملة ونحو ذلك، فإن كانت تشين، ولا تمنع التكسيب كجرح الأنف واصطلام الأذنين، والصمم والبرص الخفيف فهذا فيه قولان: أحدهما: أنه يمنع الإجزاء نظرًا إلى أنها تشين.
الثاني: لا يمنع الإجزاء لإمكان التكسب مع وجودها.
واختلف المذهب في الصغير الذي لا يعقل دينه هل يجزئ لأنه على أصل الفطرة أم لا؟ لقوله -عليه السلام-: (كل مولود يولد على الفطرة) وأما الغلام الذي فيه

الجزء: 2 - الصفحة: 851

الحضر فطبع حتى طبع كافرًا.
ويجري الخلاف في إجزائه أيضًا على اختلافهم في جواز عتق من يقدر على التكسب، إلا أن يقال إنه منها المكسب، وفي كتاب الداودي عن مالك الأعمى والمقعد يجزيان، وإنما هي أوجاع.
فرع: إذا ظاهر من أمته فهل يجزئه عتقها من ذلك أم لا؟، فيه قولان: الإجزاء، ونفيه، ومبناهما على الخلاف في العودة، فمن جعل العودة الوطء لم يجزه، ومن جعلها العزم أجازه.
فرع: لا يجزئه عتق من فيه عقد حرية كالمعتق إلى أجل، وأم الولد، والمدبر، والمكاتب، والمعتق بعضه، فإن أعتق مكاتبًا أو مدبرًا عن ظهاره فهل يجزيان أم لا؟ فيه قولان: المشهور، نفي الجواز لما فيهما من عقد الحرية، والشاذ: الإجزاء نظرًا إلى أن أحكامهما أحكام عبيد، وكذلك إذا كانت الرقبة شركة بينه وبين غيره، فأعتق جميعها عن ظاهره، فيه قولان: الإجزاء، ونفيه، والتفرقة بين أن يكون بإذنه فيجزئه، أو بغير إذنه فلا يجزئه.
والصيام شهران متتابعان، فإن أفطر عامدًا بطل التتابع، وإن أفطر خطأ، أو سهوًا فثلاثة أقوال: الإجزاء ونفيه، والقول الثالث: أنه إن فرق ناسيًا أجزأه، وإن فرق مخطئًا لم يجزه.
قوله: ((والإطعام أن يطعم ستين مسكينًا مدًا لكل مسكين)): بمد هشام بن إسماعيل المخزومي والي المدينة في خلافة (هشام بن

الجزء: 2 - الصفحة: 852

عبد الملك) روى عنه مالك بن أنس في الموطأ.
واختلف أهل العلم في قدر مد هشام فقيل مدان بمد النبي -عليه السلام- وقيل مدان غير ثلث، وقيل مد ونصف، وقد ذكرنا الخلاف هل المعروف قوت المكفر، أم قوت أهل البلد، وهل يلزم الإدام في الطعام، أو يستحب، فيه قولان، ويستحقه الفقير المسلم الحر فإن أعطاها غنيًا أو كافرًا، أو عبدًا، أو عالمًا بذلك لم تجزه، وإن كان خطأ فقولان مبنيان على الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ قوله: ((ولا يجوز أن يطأ قبل الكفارة)): وهذا كما ذكره لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾.
قوله: ((ويكفر العبد بما سوى الإعتاق)): وهذا كما ذكره، وإنما لا يلزمه العتق لأنه غير مالك حقيقة، والولاء لغيره.
وكان الواجب أن لا يلزمه الإطعام، إذ المال لغيره، فإن أذن له سيده في العتق والإطعام فهل يجزئه أم لا؟ فيه قولان.
قال مالك إذا أذن له سيده في العتق والإطعام، فالصيام أحب إلي، قال ابن القاسم بل الصيام الذي أوجب الله عنه، وليس يطعم أحد يستطيع الصيام.

الجزء: 2 - الصفحة: 853

اللعان

قوله: ((واللعان بين كل زوجين)): إلى قوله: ((وصفة اللعان)).
شرح: الأصل في اللعان الكتاب والسنة، أما الكتاب قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية [النور: 6]، وأما السنة فقوله -عليه السلام- في حديث عويمر العجلاني حيث جاء إلى عاصم بن عدي النصاري فقال له: يا عاصم أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فيقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فسأل عاصم رسول الله عن ذلك فكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمر فقال يا عاصم ماذا قال لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فقال عاصم لعويمر ... تأتي بخير)).
الحديث فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله (-صلى الله عليه وسلم-) خرجه الأئمة مالك وغيره.
وقد انعقد الإجماع على أنه مشروع لضرورة دفع النسب، ونفي العقوبة المتوجهة عليه بالقذف.
وحكى بعض علمائنا الخلاف فيه، هل هو شرح عقوبة، أو خلاص من الزناة، وبالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال مالك وأصحابه، فكان الأصل أن

الجزء: 2 - الصفحة: 854

الزوج كالأجنبي في حق القذف ( ..... ) إلى الوطء حرام في العمل والولد إلا أنه (ائتم) له اللعان لضرورة المناسبة، وقد تبين عليه اللعان إذا تحقق انتفاء النسب.
قوله: ((وهو بين كل زوجين حرين، أو عبدين، عدلين، أو فاسقين، أو أحدهما)): لعموم الآية.
ونبه القاضي -رحمه الله- على مذهب أبي حنيفة وغيره من المخالفين حيث تمسكوا بلفظ الشهادة، فمنعوا منه من لا تجوز شهادته كالفاسق.
والمقصود عندنا أن تكون فيه أهلية اليمين، ويتلاعن الكافران من أهل الذمة، وتلاعن الكتابية تحت المسلم لترفع اللعن عنها، وإن لم تحد إذا زنت، وينفسخ النكاح بلعانها.
فإن نكلت فهما على الزوجية، وترد إلى أهل دينها للجناية على زوجها فيعاقبها أساقفتهم لإدخالها اللبس في فراش زوجها.
ويقع اللعان في النكاح الصحيح والفاسد وإن فسخ، إذا لحق الولد.
ولو قذفها في حال الزوجية بزني قبل تزويجه إياها، فعليه الحد كالأجنبي، ولا مدخل للعان في قذف على الزوجية، ولو طلقها طلاقًا رجعيًا ولم ترجع، ثم أراد اللعان فله ذلك إذ الطلاق رجعي لا يقطع العصمة، ولو قذفها، ثم أبانها فله اللعان لدفع النسب فإن لم يكن له ولد (آخر) فليس له اللعان كالأجنبي، والأجنبي القاذف لا يلاعن.
واختلف المذهب في فروع: الأول: إذا قذفها في عدتها من الطلاق البائن، وادعى الرؤية فإن كان حملًا لاعن (لنسبه)، فإن لم يكن فهل له أن يلاعن أم لا؟ المشهور أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 855

يلاعن، وقال ابن المواز وسحنون يحد ويلاعن، لأن البينونة قد بطلت حكم الزوجية.
قوله: ((وهو موضوع لشيئين)): ذكر في هذا الكلام مضمون الكلام، ولا شك (أن له) أربعة آثار: سقوط الحد، وانتفاء النسب، وقطع النكاح، وتأبيد التحريم.
قوله: ((بثلاثة أوجه)): تضمن هذا الكلام موجبات اللعان.
قال القاضي أبو الوليد ويجب اللعان بستة أوجه ثلاثة متفق عليها، وثلاثة مختلف فيها، فالثلاثة المتفق عليها أن ينفي حملًا، ويدعي قبلة الإستبراء.
والثاني: أن يدعي الرؤية ولا يستبرئ بعدها الثالث: أن ينكر الوطء جملة ففي هذه المواضع الثلاثة اللعان بلا خلاف.
والمختلف فيه أن يقذف زوجته من غير دعوى الرؤية.
واختلف المذهب في هذه الصورة على قولين، فأكثر الروايات على أنه يحد للقذف.
ويلاعن اعتبارًا بالأجنبي، والشهود إذا لم يصفوا وهذا هو المشهور، والشاذ أنه يلاعن، وذلك لأن الزوج يضار إلى نفي نسب ليس له منه، فكان مخالفًا للأجنبي.
القسم الثاني: من المختلف فيه أن يدعي الرؤية، ولا يصف وصف الشهود.
القسم الثالث: أن ينفي الحمل، ولا يدعي قبلة الإستبراء، فاختلف في الاستبراء في هذا الباب، المشهور من المذهب أنها حيضة لحصول المقصود بها، وقال عبد الملك ثلاث حيض اعتبارًا بما عدا اللعان.
فرع: إذا نسبها إلى زنى أكرهت عليه، فله اللعان لنفي الولد ولا حد عليها، ولا لعان إذا أثبت الغضب.
قوله: ﴿فأما سقوط الحد عن الزوج فمتعلق بالتعانه﴾: إلى قوله: ﴿وصفة اللعان﴾.

الجزء: 2 - الصفحة: 856

شرح: سقوط الحد وانتفاء النسب متعلق بلعان الزوج وحده، لأن ذلك هو مقتضى لعانه.
وسقوط الحد عن المرأة المتعلق بلعانها.
واختلف المذهب في الفرقة وتأبيد التحريم، والمشهور أن ذلك لا يقع إلا (بإتمامهما) والشاذ أن ذلك واقع (بالتعان) الزوج.
واختلف الأشياخ إذا نكلت المرأة عن اللعان، ثم أرادت اللعان فهل لها ذلك أم لا؟ واختار الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن وابن خلدون وغيرهما (أن الحد قد تعين عليها بنفس النكول، فليس لها رجوع، واختار الشيخان أبو عمران وأبو القاسم بن الكاتب أن لها الرجوع إلى اللعان، ولا يكون نكولها عن اللعان أشد من إقرارها بالزنا، ثم رجوعها عنه).
وما ذكره القاضي من تأبيد التحريم هو الصحيح في المذهب.
وحكى

الجزء: 2 - الصفحة: 857

الشيخ أبو بكر الأبهري من المذهب أن يقارن اللعان طلاق الثلاث وتحل بعد زوج.
وقال بعض أهل العلم هي طلقة بائنة، وقيل رجعية.
وقوله: ((من غير حاجة إلى حكم حاكم)): تنبيه على مذهب المخالف أبي حنيفة وغيره.
وقد تقدم أن اللعان يقع في النكاح الفاسد الذي يلحق به الولد.
وقوله: ((ولا يرتفع التحريم بإكذابه نفسه)): وهذا كما ذكره، ويتعين عليه حد القذف، ويلحق به النسب ويثبت الميراث.
ومن مات من المتلاعنين قبل لعانه ورثه الآخر، وقيل لا يتوارثان بعد تمام لعان الزوج، وروى مطرف، وابن حبيب أن إن مات بعد التعانه وقبل التعانها ورثته إذ لا تلتعن.
قال القاضي: ((وصفة اللعان)): إلى آخره.
شرح: تبدئة الزوج باليمين هو نص الكتاب والسنة، لأنه القاذف ويحلف ليرفع عن نفسه حكم القذف والنظر في لفظ اليمين وفي التغليظ (فيه) والتغليظ فيه يكون بالزمان والمكان وبهما.
أما الزمان فيتلاعنا دبر الصلوات.
قال (عبد الحق) لا يكون إلا في معظم الحق بإثر الصلاة.
روى ابن وهب عن مالك قال: كان اللعان عندنا بعد العصر ولم يكن سنة وأي ساعة شاء الإمام لاعن، وبعد العصر أحب إلي قال: في كتاب محمد وأي ساعة شاء الإمام لاعن، وعلى إثر المكتوبة أحب إلي، قال الشيخ أبو محمد أما كونه بعد العصر فغير واجب، فظاهر قول عبد الملك بن الماجشون

الجزء: 2 - الصفحة: 858

الوجوب، وأما التغليظ بالمكان ففي أشرف المواضع في البلد الجامع الأعظم.
فإن كان في أحد الحرمين فهل يغلظ عليه اليمين عند المنبر أم لا؟ فيه اختلاف بين العلماء، ويحلف أهل الذمة حيث يعظمون بحضور عدول من المسلمين لقوله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طايفةٌ﴾ الآية [النور: 2].
وأقل ذلك من العدول.
وأما لفظ اليمين بحسب ما يصدر من القاذف، فإن ادعى الرؤية حلف على ذلك فقال: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو لرأيته، وإن نفى الحمل فقال أشهد بالله الذي لا إله إلا هو ما هذا الحمل مني، ويرجح الإستبراء بيمينه حيث يتوجه عليه.
واختلف المذهب هل يكفيه الاقتصار على ((بالله))، فالمشهور جواز الاقتصار وقال محمد: لابد أن يزيد الذي لا إله إلا هو.
واختلف المذهب في فروع: الأول: إذا لم يصف وصف الشهود، وقد تقدم الخلاف فيه.
الثاني: إذا أبدل اللعنة بالغضب، أو الغضب باللعنة فهل يجزئه أو لابد من الإعادة، فيه قولان الاجتزاء لاتفاق المعنى، والإعادة وقوفًا على المعنى.
الثالث: إذا ابتدأت المرأة باللعان قال ابن القاسم لا يعاد عليها اللعان، وقال أشهب يعاد، واختاره ابن الكاتب.
الرابع: إذا حلفت المغتصبة تقول أشهد بالله الذي لا إله إلا هو ما أطعت.
الخامس: إذا أبدل لفظ الشهادة بالحلف فقال: أحلف، أو أقسم، فالمشهور الإجزاء لاتفاق المعنى.
قوله: ((فإن استلحق النسب بعد الالتعان حد ولحق به الولد)): لأنه أكذب نفسه في دعواه فتعين عليه حد القذف، وثبت النسب، فإن نفاه فلما مات استلحاقه لم يثبت لأنه متهم على الميراث، فإن كان للمستلحق ولد ثبت الاستلحاق لبعد التهمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 859

ولعان الأخرس بما يفهم عنه واقع طلاقه وغيره، وقال الشافعي: لا يلاعن الأخرس والصحيح أن اللعان معنى يأتم باليقين، فإذا أكمل عليه قيل ( ..... ) سهمًا قصد بقلبه، ويلاعن الأعمى لنفي النسب، فإن قذف بالزنا فهل يلاعن لنفي الحد لإمكان عمله، بذلك بواسطة (عقله) أو يحد إذ لا يتصور منه الرؤية، فيه قولان في المذهب.
قوله: (((وإن) تصادقا على نفي النسب، أو الزنا ففي الاكتفاء بذلك من اللعان خلاف)): وهذا كما ذكره، وإنما ذلك لحق الحمل فيمكن اتفاقهما على نفيه، فلا ينتفي إلا بلعان، إذ هي الصورة الشرعية في هذا الباب، وهذا هو المشهور، والقول الثاني: أنه ينتفي بالتصادق، وفي هذا الباب فروع.
الأول: أن يخوفهما الإمام عقابهما قبل الالتعان رجاء أن يتوبا ويرجعا إلى الحق، ويقال له عند الخامسة إن هذه هي الموجبة التي توجب عليك العذاب والفراق.
الفرع: إذا نفى الحمل، ثم وطئ بعد علمه به ونفيه بطل النفي، ولحق الولد، ولو علك بوضع الحمل ولم ينفه سقط قوله: ولم ينتف عنه.
الفرع: إذا أتت بتوأمين فنفاهما لاعن لعانًا واحدًا، وإن نفى أحدهما ثبتا، وإن استلحق أحدهما استلحقا معًا حكمًا، لأن التبعيض في ذلك لا يتصور العلم به البتة.
الفرع: اللعان عن الحمل جائز عندنا اعتمادًا على حديث عويمر العجلاني لأنه لاعن زوجته وهي حامل، وقال أبو حنيفة وغيره لا يلاعن في الحمل إلا بعد الوضع لاحتمال أن يكون ريحًا (فينفش).

الجزء: 2 - الصفحة: 860

باب في العدة والاستبراء وما يتعلق بذلك

((ويوجب العدة شيئان)): إلى قوله: ((وأما وضع الحمل)).
شرح: العدة والإستبراء مشروعان فالأصل العلم ببراءة الأرحام، وقد يكون حيث تحقق البراءة لمكان العبادة والمعنى.
والإستبراء كالعدة في كثير من الأحكام، وإن خالفها في التحريم المتأبد في العدة بخلاف الإستبراء على أحد القولين، وذكر أن موجبات العدة ثلاثة: طلاق، وفسخ، وموت وهو كذلك إذ لا موجب للعدة إلا انفصال العصمة، ولا يتوجه الانفصال إلا بأحد هذه، والطلاق (البائن والرجعي) وهما في وجوب العدة سواء.
قوله: ((والعدة في غير الموت لا يكون إلا في المدخول بها)): (لأن المدخول بها) لا عدة طلاق عليها، وأما عدة الوفاة عليها بعموم الآية وهي من حكم الشريعة حماية للميت ودبا عنه.
وحصر أنواع العدة في ثلاث: إقراء، ووضع حمل، وشهور.
قوله: ((ثم هي على ضربين: منها ما يشترك فيه الطلاق، والموت وهو وضع الحمل)): وهذا كما ذكره لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: 4] وهذا عموم في كل حامل، وأما المطلقة فلا خلاف أنها تحل بوضع الحمل، وأما المتوفى عنها إذا كانت حاملًا فالجمهور أنها تحد بوضع الحمل اعتمادًا على قوله -عليه السلام- لسبيعة الأسلمية حين وضعت بعد وفاة

الجزء: 2 - الصفحة: 861

زوجها بليل، وفي رواية: (بعد أربعين ليلة، وقد حللت فانكحي من شئت) فتغاير الدليلان على مقصود واحد، وذهب ابن عباس إلى أنها (تنتظر) أقصى الأجلين وهي رواية في المذهب.
قوله: ((ومنها ما يشتركان في جنسه دون عينه)): وهو الأقراء والمشهور على ما سنبين تفصيله وهذا كما ذكره، لأن المطلقة تعتد بالأقراء إن كانت من ذوات الأقراء، أو بالمشهور إن لم تكن من ذوات الأقراء، أو كانت من أهل ذلك فعرض لها عارض من رضاع، أو مرض، أو استرابة، وكذلك المتوفى تعتد بالأشهر حرة كانت، أو أمة، وتدخل الحيضة في عدتها، فقد شاركت المطلقة في اعتبار.
قوله: ((والأقراء ثلاثة: وهي الأطهار)): قلت: اختلف العلماء في الأقراء المعتدة به فمذهب مالك والشافعي أن الأقراء هي الأطهار وقال أبو حنيفة هي الحيض، واستقرئ نحوه من المذهب.
والحجة قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمرأة سألت في الحيض فقال لها: دعي الصلاة أيام أقرائك.
واحتج أصحابنا بإثبات التاء في العدد وذلك دليل على تذكير المعدود، فدل على أن الأقراء هي الأطهار لا الحيض، وفيه نظر.

الجزء: 2 - الصفحة: 862

قوله: (فإذا طلقت في آخر الطهر فحاضت عقب الطلاق بجزء من (الطهر) كان ذلك قرءاً كاملًا وتحل المطلقة بالدخول في دم الحيضة الثالثة)): وهذا هو المشهور كما ذكره أن المطلقة تحل بنفس دخولها عملًا على الأغلب وهو مذهب الكتاب، والقول الثاني: أنها لا تحل حتى تستتم الحيضة الثالثة، واستحسنه أشهب طلبًا لليقين.
قوله: ((وعدة الأمة قرءان)): يعني ذات الحيض، وذلك على الشطر من عدة الحرة، إذ هو الممكن في الشطر، والخلاف قائم هل تحل بنفس دخولها في الحيضة الثالثة، أو حتى تستتم كما قدمناه في الأولى، فإن عتقت قبل الطلاق فهي كالحرة، وإن عتقت في أثناء العدة فهي على حكم الامة.
قال القاضي: ((وأما وضع الحمل فيستوي فيه جميع المعتدات)): إلى قوله: ((وأما عدة الوفاة)).
شرح: وهذا كما ذكره، والمعنى أن كل حامل تحد بوضع حملها، وقد قدمنا الخلاف في المتوفى عنها.
قوله: ((في الأسباب الموجبة له)) ففي هذا الضمير الإشكال، والصحيح أنه يفسره المعنى، لأن قوله يستوي في الاعتدادية جميع المعتدات، فالضمير في ((له)) عائد على اعتدادية الذي يدل عليه الضمير الأول الذي فيه، والمعنى أن الوضع يستوي في الاعتدادية، وفي الأسباب الموجبة للاعتدادية جميع المعتدات فهو ضمير (يفسره) سياق الكلام، وله في كلام العرب نظائره.
وقد كان الطلبة يسائلون عن هذا الموضع فكنت أقول لهم ما ذكرته ههنا والله أعلم بصحته.
قوله: ((من الطلاق، والفسخ، والشبهة، والموت)): أما الطلاق والفسخ والموت فالأمر فيها ظاهر، وأما الشبهة فلعله إشارة إلى مسألة الكتاب فيما

الجزء: 2 - الصفحة: 863

إذا تزوج أخوان أختين فأدخلت على كل واحد منهما غير امرأته، فهذا قسم زائد على الطلاق والفسخ والموت.
قوله: ((ولا تنقضي العدة إلا بوضع جميعه)): وهذا إشارة إلا انفصال بعض الولد، أو إلى ما إذا كان في البطن توأمان فأكثر، فوضعت إحداهما، فلا تحل حتى تضع الجميع اتفاقًا فلا يبرأ الرحم بعد وضع الأول.
قوله: ((من غير مراعاة لتمام الخلق)): وهذا كما ذكره أن العدة تنقضي بإسقاط العلقة والمضغة، وكل ما يقول النساء أنه ولد، قولهن في ذلك مرجوع إليه معول عليه.
قوله: ((وأما العدة بالشهور ففي الطلاق والفسخ ثلاثة أشهر)): وهذا حكم اليائسة والصغيرة لقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن﴾ الآية فقوله: ﴿إن ارتبتم﴾ [الطلاق: 4] معناه إن ارتبتم في حكمهن، فقد تضمنت هذه الآية بيان عدة من لا تحيض لصغر، أو كبر وحذف من الطلاق لدلالة الأولى عليه، والمعنى: واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر أيضًا، فحذفت الجملة بأسرها، وفي ذلك ما يبين بحذف أحدهما وهذه معتبرة بالأهلة، فإن ابتدأت عددًا كمل شهر العدد عددًا والباقي بالأهلة كما بينه القاضي.
وإذا طلقت في بعض يوم هل تحسبه أو تلغيه فيه قولان حكاهما القاضي وغيره.
قوله: ((وهذا النوع من الاعتداد في المدخول بها المطيقة للوطء)): وهذا كما ذكره، لأنها إن كانت في سن من لا تطيق الوطء لصغر فلا عدة عليها، وإن وقع الدخول بها قال لأنه جرح وفساد وهذه الثلاثة أقل ما يتحرك فيه الحمل غالبًا، وذلك سواء في حق الحرة والأمة، والثاني أن عدتها شهر ونصف نظرًا إلى أن الأصل التشطير، وقيل عدتها شهران جعل لكل شهر بدلًا من قرء.

الجزء: 2 - الصفحة: 864

قوله: ((ويستوي فيها)): هذا الضمير عائد على الثلاثة أشهر، ويحتمل أن يعود على العدة وهذا الذي ذكر القاضي من التسوية هو المشهور وقد ذكرنا الخلاف فيه.
قال القاضي: ((وأما عدة الوفاة)): إلى قوله: ((وإذا مات)).
شرح: الأصل في عدة الوفاة: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ الآية [البقرة: 234] وهذه الآية ناسخة للآية المتضمنة لتربص الحول، ومبطلة للأحكام الجاهلية في ذلك، وهذا ما لم تكن حاملًا وهو معنى قول القاضي: لغير الحامل فإن كانت حاملًا حلت بوضع الحمل على المشهور كما قدمناه اعتمادًا على حديث سبيعة الأسلمية القصر لعموم الآية المجمل وهل يشترط أن تحيض في هذه الأربعة الأشهر أم لا؟، فيه قولان، المشهور اشتراط الحيض نظرًا إلى [أن] الغالب في هذه المدة ظهور الحمل أن لو كان، فهي براءة في المعنى، وهذا في المدخول بها.
وغير المدخول بها لا تحتاج إلى حيضة كما ذكر، فإن كانت هذه المتوفاة عنها مستحاضة، أو مرتابة بتأخير الحيض فهل يكفي بالأربعة الأشهر والعشرة الأيام أو تنتظر تسعة أشهر، إذ هي أمد الوضع، فيه قولان مبنيان على ما قدمناه.
وإن كانت مريضة أو مرضعة فسيأتي حكمها إن شاء الله.
قوله: ((وعدة الأمة شهران وخمس ليال)): وهذا هو المشهور أنها في هذه العدة على الشطر من عدة الحرة.
والقول الثاني أن عدة الأمة ثلاثة أشهر لأنه أقل (في) الحمل، والقول الثالث أنها إن كانت ممن يخشى الحل فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت ممن لا يخشى الحمل فشهران وخمس ليال على النصف من عدة الحرة، وهل تطلب الحيضة في عدة الأمة أيضًا فيه الخلاف المتقدم في الحرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 865

واختلف المذهب في عدة الكتابية فقيل إنها كالمسلمة، وقيل استبراء رحمها بثلاث حيض، وقيل حيضة واحدة، فمن تمسك بعموم اللفظ جعلها كالمسلمة، ومن رأى الخطاب خاص بالمسلمين أوجب عليها ما يحصل عليها براءة الرحم.
قوله: ((والمرتابة هي التي ترتفع حيضتها لعارض، أو لغير عارض)): فإن ارتفع لغير عارض فعدتها سنة كاملة لا حيضة فيها البتة، والأقراء إن رأتها، فإن حاضت في أثناء السنة عملت على الحيض وكذلك إن حاضت قبل انقضاء السنة سباعة واحدة فإنها تعمل على الحيض، وإن مرت سنة كاملة ولم تحض فيها البتة برئت، (وبذلك) قضى عمر بن الخطاب فجعل لها تسعة أشهر استبراء، لأنه أمد الحمل المحتمل، وثلاثة أشهر عدة، لأنها بعد التسعة الأشهر سنة، فاعتدت بثلاثة لدخولها تحت قوله سبحانه: ﴿واللائي يئسن﴾ الآية.
وإن ارتفع لعارض فهو كما ذكره القاضي ثلاثة أسباب: رضاع، أو مرض، أو استحاضة فكل واحد منها سبب يوقف الدم، وقد علم أن كل واحد منها جار على حكمه إذا استمرت العادة، أما المرضع فحكمها انتظار الأقراء إذا علم أن (الرضاع) هو الذي رفع حيضها فهي عي حكم ذوات الأقراء في (طلب) ذلك، فإن انقضى أمد الرضاع انتظرت بعد السنتين بثلاث حيض فلا يبرئها إلا الحيض فأما أن تحيض في أثناء مدة الرضاع ثلاث حيض فهي على كل حال من ذوات الأقراء لا يبرئها غير ذلك، فإن قضى أمد الرضاع ولم تحض وهي مرتابة تنتظر سنة من يوم انقطاع الرضاع، وهذا لا أعلم فيه خلافًا قال محمد بن المواز لم يختلف قول مالك وأصحابه أن المرضع تنتظر الحيض أبدًا حتى ينقطع الرضاع.
وههنا فرع حكاه أشياخنا وهو إن أراد الزوج انتزاع ولده الرضيع إلا أن

الجزء: 2 - الصفحة: 866

يكون فيه إضرار بالولد إذا لم يقبل غيرها.
وأما المرضعة ففيها قولان: أحدهما: أنها كالمرضع عدتها الأقراء، وهي رواية أشهب عن مالك، فروى ابن القاسم تعتد سنة كاملة تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة اليائسة، وهي رواية ابن عبد الحكم، وأصبغ، وأما المستحاضة فقسمان: مميزة، وغير مميزة، فأما غير المميزة فعدتها سنة، وبذلك قضى الصحابة، وعليه الاعتماد، وأما المميزة، ففيها قولان: أحدهما: أنها كغير المميزة فتعتد بالسنة.
والثاني: أنها تعمل بالتمييز، والمرتابة بحبس البطن، فحكمها أن تصبر إلى أقصى أمد الحمل.
واختلف المذهب في أقصاه فقيل أربعة أعوام، وقيل خمسة أعوام، وقيل سبعة أعوام، واستقرئ من المدونة، وقال أشهب: لا تحل أبدًا حتى تيأس.
قوله: ((وفي الوفاة روايتان)): يعني في عدة المستحاضة من وفاة زوجها.
وجه القول بأنها كمغير المستحاضة عموم الآية، ووجه القول بأنها تنتظر تسعة أشهر لاحتمال أن تكون استحاضة مع اشتغال الرحم فتنتظر أمد الحمل غالبًا.
قوله: ((وعدة أم الولد من وفاة سيدها)): يعني إن كانت من ذوات الحيض، وإلا فثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض سميت الحيضة عدة مجازًا، وإنما هي استبراء.

الجزء: 2 - الصفحة: 867

قال القاضي أبو الوليد للعدة أربعة عشر: حيضة للأمة في الملك، وحيضتان للأمة في النكاح، إذ لا يمكن التشطير بأقل من ذلك.
القسم الثالث: ثلاث حيض للحرة.
للرابع: شهران وخمس ليال للأمة في الوفاة.
الخامس: ثلاثة أشهر لليائسة والصغيرة.
السادس: أربعة أشهر وعشرة للحرة من الوفاة.
السابع: أربعة أشهر وعشر مع حيضة لأم ولد سافر زوجها وسيدها وماتا ولم يعلم أولهما موتًا.
الثامن: وضع الحمل للحامل، التاسع: المستحاضة وعدتها سنة.
العاشر: المسترابة وعدتها سنة.
الحادي عشر: المرضع.
الثاني عشر: ذات حس البطن أقصى أمد الحمل على ما فيه من الخلاف.
الثالث عشر: المريض.
وقعت في الكتاب مسألة أم الولد إذا سافر زوجها وسيدها فماتا ولم يعلم أولهما موتًا، اضطرب المتأخرون فيها.
وتحصيل القول في ذلك على مذهب ابن القاسم أنه يحتمل أن يكون مات الزوج أو لا فيجب عليها لوفاته شهران، وخمس ليال، وإذا كان بين الموتين أكثر من شهرين وخمس ليال، قد حلت للسيد بمضي عدتها من زوجها بناء على أن الإباحة تقوم مقام الفعل ثم يموت السيد عنها وجبت عليها حيضة.
ويحتمل أن يكون السيد مات أو لا فتكون حرة، ثم مات زوجها فوجب عليها أربعة أشهر وعشرًا عدة الحرائر، فلما أشكل الأمر وجب عليه العدتان، فإن كان بين الموتين أقل من شهرين وخمس ليال (أو شهران وخمس ليال) فالزوج إن كان هو الميت أولًا فهي لم تحل للسيد، لأنها لم تخرج بعد من العدة فلم يجب عليها حيضة فيجب عليها أربعة أشهر وعشرًا، لاحتمال أن يكون السيد أولهما موتًا فيجب عليها عدة الحرائر، ومبنى هذه المسألة على الإباحة هل تقوم مقام الفعل أم لا فمن رأى أنها لا تقوم مقام الفعل فلا حيضة عليها بوجه، ومن رأى الإباحة تقوم مقام الفعل أوجب والله أعلم.
قال القاضي: ((وإذا مات على الرجعية انتقلت)): إلى آخر الفصل.
شرح: يتعلق بهذا الفصل انتقال العدد وتداخلها، وقد ثبت أن الطلاق

الجزء: 2 - الصفحة: 868

الرجعي لا يقطع بدليل التوارث وغيره من أحكام الزوجية فلذلك تنتقل الرجعة وتمضي البائن على عدتها، وأما المعتقة في العدة فتمضي على عدة الأمة عند مالك، ولا تنتقل إلى عدة الحرة إلا أن يموت عنها بعد أن تعتد من طلاق رجعي، فتنتقل على ما ذكرناه.
وقال الشافعي تنتقل إلى عدة الحرة في البائن والرجعي.
ومنشأ الخلاف في ذلك هل العدة من أحكام الزوجية أو من أحكام انفصالها، فمن قال من أحكام الزوجية، قال تنتقل ومن قال هي من أحكام انفصالها قال: لا تنتقل.
قوله: ((وكل رجعة تهدم العدة إلا رجعة المولي والمعسر بالنفقة)): وهذ مذهب مالك أنه راجع امرأته في العدة من الطلاق الرجعي، ثم فارقها قبل أن يلمسها، فإنها تستأنف العدة، وهو قول جمهور الفقهاء الأمصار، وقالت فرقة من العلماء تبني على عدتها الأولى بناء على أن الرجعة لا تهدم العدة وإنما استثنى مالك -رحمه الله- المولي، والمعسر بالنفقة، لأن صحة الرجعة في المحلين موقوف على الوطء والإنفاق، فإذا لم يحصلا لم تحصل الرجعة، فإن لم ينفق المعسر ولم يطأ المولي بقيت على عدتها الأولى، إذ الرجعة باطلة، وفي كتاب محمد فيمن خالع زوجته، ثم نكحها في العدة، ثم طلقها قبل أن يمسها أنها تبني على عدتها الأولى، ولو كان الطلاق رجعيًا فإنها تستأنف العدة كما ذكرناه قال ابن القصار إلا أن يريد برجعته التطويل عليها فإنها تبني على عدتها الأولى.
ثم ذكر القاضي في تداخل العدد روايتين ويتصور تداخل العدد من شخص واحد، ومن شخصين فالتداخل من

الجزء: 2 - الصفحة: 869

شخص واحد إذا وطئها في العدة فتكفيها ثلاثة قروء، وكذلك حكم الأشهر ويتداخل من شخصين إذا تزوج المرأة في عدتها من غيره وفرقنا بينهما فيكفيها عنها عدة واحدة بالأشهر، أو بالأقراء على أحد القولين، والقول الثاني: أنها تتم عدتها من الأول، ثم تستأنف العدة من الآخر، وهو اختيار الشيخ أبي القاسم.
ووجه القول بالتداخل هو أن الغرض المقصود من براءة الرحم حاصل بالأولى.
ووجه قول أبي القاسم أن وطء الثاني له حرمة فوجب استيفاء عدته كالأولى، وهذا مع اتفاق العدد إما بالأقراء وإما بالشهور.
فإن اختلفت العدد مثل أن يكون عدة أحدهما الحمل فيندرج فيها الآخر وتنقضي العدتان.
قوله: ((والإحداد)): يتعلق به حكم الإحداد وهو في الأصل من الحد، وهو المنع، لأنها تمنع من الزينة والطيب وهو واجب في عدة الوفاة على الزوجات الحرائر المسلمات بالإجماع، والدليل على ذلك ما أخرجه أهل الصحيح من حديث أم حبيبة ((حيث) دعت بالطيب فمست به عارضيها ثم قالت: ما لي به من حاجة غير أن سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لا يحل لامرأة مؤمنة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرًا).
وأجمع جمهور المسلمين على وجوبه، واختلفوا هل هو عبادة، أو معقول المعنى.
فقال مالك هو واجب على كل زوجة حرة، كانت أو أمة، صغيرة، أو كبيرة مسلمة، أو كتابية، وهذا يقتضي أنه مشروع لقطع تشويف

الجزء: 2 - الصفحة: 870

الرجال عن النساء عن إرادة التزويج، وقال أبو حنيفة لا إحداد على الصغيرة إلا من العلة فيها ولا الكتابية بناء على أنها عبادة، ولا تصح العبادة من الكافر لقوله -عليه السلام- في حديث أم حبيبة: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) فقيد الإيمان، وذلك يقتضي أن لا إحداد على الكتابية، وهي رواية ابن نافع، وأشهب عن مالك، ونبه القاضي بقوله: ولا إحداد على مطلقة على مذهب أبي حنيفة ومن تابعه.
وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب فقال مالك: لا إحداد إلا في عدة الوفاة، وقال أبو حنيفة هو واجب في الوفاة والطلاق البائن، واستحسنه الشافعي للمطلقة ولم يوجبه عليها، (والمعتمد) لمالك دليل الخطاب من قوله: ((أن تحد على ميت إلا على زوج)) ولاحظ أيضًا المعنى أن الميت لا يدب عن نفسه، ولا يدفع عن نسبه بخلاف الحي، ورأى أبو حنيفة أن المقصود منه قطع التشويف في العدة، وذلك مطلوب في حق الحي والميت حفظًا للأنساب.

الجزء: 2 - الصفحة: 871

قوله: ((والإحداد على كل زوجة مات زوجها عنها)): عموم دخلت الأمة بالتزويج، والكتابية وقد ذكرنا الخلاف في الكتابية، وخالف قوم في الزوجة إذا كانت أمة.
وأسقطوا الإحداد عنها، والجمهور على خلافه لعموم اللفظ، وقد تقدم الخلاف في امرأة المفقود إذا طلق عليه هل تحد أم لا؟ فيه قولان ذكرهما فيما تقدم.
قوله: ((والإحداد هو الامتناع من الزينة)): هو كما ذكره قال (أبو القاسم) بن محرز: الإحداد هو ترك الزينة المعتادة في الخلوات للأزواج وهذا ضابط كلي.
واختلف المذهب هل تدخل الحمام من ضرورة أم لا؟، والمنصوص الامتناع من ذلك (وقد نهى -عليه السلام- المرأة التي اشتكت إليه أن ابنتها توفي زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها.
قال: لا مرتين أو ثلاثًا) الحديث وهذا نص في الباب.
قوله: ((ولا إحداد على ملك اليمين)): هذا مذهب الجمهور لقوله -عليه السلام-: (إلا علة زوج).
قوله: ((ولا يجوز للمعتدة من وفاة، أو طلاق أن تنقل عن بيتها التي كانت فيه)): الأصل في منع المعتدة من الانتقال حديث العوفية بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري لما سألت -عليه السلام- فقالت إن زوجي خرج في طلب أعبد له فلما أدركهم قتلوه ولا منزل له يملكه ولا نفقة ينفق علي وأنا امرأة شاسعة الدار فإن رأيت أتحول إلى أهلي وجيراني فعلت قالت: فأذن لي فلما كنت في

الجزء: 2 - الصفحة: 872

الحجرة دعاني فقال لي أسكني حتى يبلغ الكتاب أجله) الحديث وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين﴾ الآية [الطلاق: 1] على حسب اختلاف العلماء في تفسير الفاحشة المذكورة في الآية، فقيل الزنا (وتحرم حينئذ) الإقامة عليها، وقيل أذاء الجيران ولو انتقلت من مسكن النكاح، ثم طلقت بعد الانتقال اعتدت في المسكن المنتقل إليه إلا أن يقصد بالانتقال إخراجها من مسكنها حتى لا تعتد فيه، فإنها ترجع إلى المسكن الذي كانت فيه هذه نصوص الروايات، وتخرج المعتدة في حوائجها نهارًا، وفي طرف الليل إذا كان مثلها تقضي حوائجها، وتخرج من مسكنها لخوف سقوطها، أو عورة يخاف منه (لا) يتأتى المقدم (مع) وجوده.
وحكم البدوية والقروية في ذلك سواء إلا أن يرحل أهلها ويلحقها الضرر بالمقام معه فترحل معهم وتنثوي حيث انثوى (أهلها) لا حيث أهل الزوج.
وههنا فروع: الأول: إذا كان أذن لها في السفر وطلق قبل مفارقة عمران البلد رجعت إلى البلد وهذا نص الروايات.
ولو خرج بها إلى الحج فمات رجعت إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 873

منزلها من مثل اليومين، أو الثلاثة فإن بعدت وحرمت (بعدت لوجتها)، وترجع في غير سفر الحج بعدت أو قربت إن استطاعت ذلك إلا أن يتبين عرجها، وهذا في سفر الأوبة، وأما سفر الانتقال فحكمها إذا مات عنها، أو طلقها في أثناء سفر الانتقال، أن تعتد في أقرب الموضعين إليها إما المؤذي مع المنتقل إليه وإما المنتقل منه، وسيأتي حكم المتوفى عنها.
قال القاضي: ((وللرجعة السكنى حاملًا)): وسيأتي إلى آخر الفصل.
شرح: قد قدمنا أن أحكام الزوجية باقية مع الطلاق الرجعي فللمطلقة الرجعية السكنى، والنفقة حائلًا كانت أو حاملًا، والدليل على ذلك قوله سبحانه في الرجعية: ﴿أسكنوهن﴾ الآية [الطلاق: 6].
وأجمعوا على وجوب النفقة للمبتوتة إن كانت حاملًا لأجل الحمل، واختلفوا في المبتوتة غير الحامل على ثلاثة مذاهب، قال الكوفيون لها السكنى والنفقة، وقال أحمد، وداود، وإسحاق، وأبو ثور لا نفقة لها ولا سكنى فقال مالك والشافعي لها السكنى دون النفقة احتج الكوفيون بقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث﴾ الآية.
وظاهر العموم.
ومحظوره يوجب حفظ النسب، وتحقيق حرمة، ولا يزول ذلك بزوال الزوجية، وأتبعوا النفقة السكنى لملازمتها في الوجوب بعد عقد الزوجية؟ وقد روى ذلك عن عمر بن الخطاب أنه قال في حديث فاطمة بنت قيس المذكور ونصه: ((قالت طلقني ثلاثًا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتيته -صلى الله عليه وسلم- فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة) خرجه

الجزء: 2 - الصفحة: 874

مسلم، في بعض طرقه: (إنما السكنى والنفقة لمن تزوجها على الرجعة) وبهذا القول قال علي بن أبي طالب وابن عباس وجابر بن عبد الله، واحتج مالك والشافعي بأن النفقة عوض عن الاستمتاع بدليل سقوطها للناشزة، فتسقط حيث تعذر الاستمتاع وتعذر ذلك في المبتوتة ظاهر.
وأما السكنى فوجب لها لحرمة النسب، ووجوب حفظه؟، ولا يزول ذلك بزوال الزوجية، وأسند من طريق النقل ما رواه في موطئه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لفاطمة بنت قيس ليس عليه نفقة وأمرها أن تعتد في بيت أم (كلثوم) وهذا لا يقتضي إسقاطه السكنى، وإنما أمرها بالاعتداد في بيت أم كلثوم، لأنه كان في أمانتها براء.
قال القاضي: ((إلا أن تكون حائلًا من الحر دون العبد)): لأن ولد العبد إن كان رقيقًا فنفقته على مالكه، وإن كان حرًا فهو فقير.
قوله: ((ولا نفقة للملاعنة حاملًا كانت أو حائلًا)): قلت لأن فراق الملاعنة بائن فلا نفقة لها، وولدها منتف باللعان فلا نفقة له.
قوله: ((ولا لمعتدة من وفاة)): هو كما ذكره، لأن المال بالموت منتقل إلى الورثة.
وقوله: ((ولها السكنى)): يريد المتوفى عنها زوجها، وهذه المسألة مختلف فيها بين أهل العلم.
وصريح مذهب مالك أنها أولى من الورثة

الجزء: 2 - الصفحة: 875

والغرماء بمنافع مسكنها إذا كان السكنى له، أو بكراء نقده، فإن لم يكن المتوفى أدى كراء المسكن فالمشهور ألا سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرًا، وفي كتاب محمد الكراء لازم للميت فخرج من ماله.
وإذا بنينا على المشهور فللورثة إخراجها إلا أن تسكن في حصتها، فإن نقد بعض الكراء وبقي بعضه سكنت فيما نقد.
واختلف المذهب فيما لم ينقد هل يلزم في ماله أو لا؟ ونص في الكتاب على أنها إذا كانت في دار بكراء، ولم يكن نقد الكراء، أو رضي أهل الدار بالكراء منها فليس لها أن تخرج من الدار إلا أن يغلو من الكراء ويخرجه من كراء المثل، فلها أن تنتقل واختار القرويون والصقليون التسوية بين ما نقد كراءه، وما لم ينقد إذا كان الكراء (لمدة معينة)، وروى أنها أحق بالسكنى، وإن لم ينقد وهو اختيار أبي محمد عبد الحق، ونصوص الروايات التفريق بين أن ينقد الكراء أم لا؟ وههنا فروع: الأول: إذا أراد الزوج، أو الورثة بيعها، واشترط سكنى زوجته فالمشهور الجواز، لأن عقدتها بالأشهر، أو وضع الحمل، والشاذ أن البيع فاسد، وهو قول محمد بن المواز وابن عبد الحكم قال لأنها قد ترتاب فتطول العدة.
وأما الزوج فلا يجوز بيع ذلك، واشترط سكنى مطلقته إلا أن تكون عدتها بالأشهر، لأن القرء والحمل مجهولان (فإن كانت) ذات الأشهر ممن (يترقب)

الجزء: 2 - الصفحة: 876

الحيض، فهل يجوز بيع الدار واشتراط قبضها عند البراءة فيه خلاف والظاهر المنع لأنه غرر.
الفرع: إذا وقع البيع في المسكن على اشتراط القبض عند اشتراط الريبة فالمشهور فساد البيع، وقال سحنون ولا حجة للمشتري إن تمادت الريبة، لأنه دخل على ذلك وفي كتاب محمد هي أحق بالمقام حتى تنقضي الريبة، وقيل إن للمشتري الخيار في فسخ البيع وإمضائه.
الفرع: نص شيوخنا على أن امرأة الأمير (لا يخرجها الأمير) القادم حتى تنقضي عدتها، وكذلك من حبست عليه ذلك، ثم على آخر (بعده) كإمام المسجد.
ولو حبس المنزل على رجل حياته فلزوجته السكن في عدتها، وإن تأخرت |إلى أقصى الحمل، لأن العدة من أسباب الميت لحرمة نسبه، ولو كان الحبس سنين معلومة فانقضت قبل انقضاء العدة فإن رجع إليه الحبس إخراج زوجته بخلاف التحبيس عليه حياته.
قوله: ((وعلى المرأة رضاع ولدها ما دامت زوجة أبيه)): وهذا كما ذكره لأن حقوق الزوجة كوجوب الخدمة للعبادة عليها إذا كان ممن يليق بها ذلك، فإن لم يقبل غيرها تعين عليها الرضاع لأنه من باب إجبار النفوس، فإن طلبت العوض على ذلك في هذه الصورة فهل يقضي لها بذلك أم لا؟ فيه قولان، وسواء في ذلك الزوجة والمطلقة، وقد قال سبحانه: ﴿فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: 6] وذلك في المطلقات فإن كان الأب عديمًا تعين عليها إرضاع بغير عوض، فإن لم يكن لها لبن، والأب عديم فهل يلزمها أن تستأجر من يرضعها أم لا؟ فيه قولان فالمشهور أن لا يلزمها ذلك لأنه من فقراء المسلمين واختار معه أنه فرض كفاية لا فرض عين، واختار محمد بن المواز (أن عليها) أن تستأجر له.

الجزء: 2 - الصفحة: 877

والمعتمد عليه في إيجاب الرضاع عليها قوله تعالى: ﴿والولدات يرضعن أولادهن﴾ [البقرة: 233] فهو خبر بمعنى الأمر، وما جرى به العرف في الشريعة كالمشترط، ولو طلبت الأم إرضاعه بأجرة، والأب عديم فوجد من يرضعه بغير أجر، أو بدون أجرة الأم.
قال الشيخ أبو القاسم بن الكاتب إلا أن يجد من يرضعه غير أمه باطلًا أو بدون ما طلبته الأم فكذلك له.
وإن كان الأب عديمًا، والولد موسرًا فللأم أخذ الأجرة على الرضاع من مال الولد لأنه غني لا يتعين عليها إخدامه.
قال القاضي: ((وعلى الرجل نفقة ولده الصغير إلى الحضانة)).
شرح: الأصل في وجوب النفقة للولد على الوالد الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ [الإسراء: 3] وأما السنة قوله -عليه السلام-: (تقول لك زوجتك أنفق علي أو طلقني، ويقول عبدك أنفق علي أو بعني، ويقول لك ولدك إلى من تكلني) فبين -عليه السلام- أن كل واحد من الثلاثة الأصناف يحتج بما ذكره على وجوب النفقة له، وقرن النظير بالنظير، فدل على وجوب الجميع، وهو مقتضى الإجماع.
وقال -عليه السلام- (أكبر الكبائر أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، ثم أن تزني بحليلة جارك، ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك).
ويتعلق بهذا الفصل ذكر النفقة المستحقة بالقرابة وهي عندنا واجبة (لأول) طبقة من الأصول والفصول فقط دون أولاد الأولاد والجدات

الجزء: 2 - الصفحة: 878

والأجداد.
وأوجب أبو حنيفة النفقة لكل ذي رحم، وشذ فأوجب نفقة ابن أخت الفقير على خاله الغني دون ابن عمه المستحق بميراثه حكاه عنه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن وذلك كله مع كبير المستحق عليه النفقة وغير مستحقها من الآباء والأبناء، واشترط في الأبناء صغرهم وعجزهم عن التكسب، ولا يشترط وجوب نفقة الولد الكافر على والده المسلم وبالعكس فلا يشترط في وجوب النفقة التساوي في الدين، وأطلق القاضي بقوله: ((وعلى الرجل نفقة ولده الموسر ولا يلزمه التكسب)): لأجل نفقة القريب بخلاف نفقة الزوجات، ولذلك كانت نفقة الزوجات أوجب، ولا يباع على الولد في نفقة والده وعلى الوالد نفقة ولده عبد ولا عقار إذا لم يكن في ذلك فضل عن حاجته، وإنما يقضى على الموسر بما يزيد على مقدار حاجته.
قوله: ((إلا أن يكون مجنونًا، أو زمنًا لا مال له فإن وجوب النفقة مستدام على الأب)): وهذا هو المشهور كما ذكره، والقول الشاذ عندنا أن النفقة تسقط عنهم ببلوغهم على أي حالة بلغوا.
واختلف المذهب أيضًا إذا بلغوا أصحاء، وسقطت النفقة ثم عجزوا فالمشهور أن النفقة لا تعود لأن الحكم (أسقطها)، وقال عبد الملك تعود مراعاة (العلة) الوجوب رعيًا للقرابة، وتسقط نفقة الثيب بدخولها عند زوجها، فإن طلقها بعد الدخول وعادت إليه لم تعد النفقة إلا أن تعود غير بالغة فتعود النفقة.
قوله: ((ولا نفقة على الأم)): هو مذهب مالك خلافًا للشافعي

الجزء: 2 - الصفحة: 879

قوله: ((وعلى الولد الموسر أن ينفق على أبويه المعسرين)): وهو كما ذكره لأنه من البر الواجب وهل يقضي على الولد الموسر أن يزوج أباه، فيه قولان مبنيان على النكاح هل هو من باب الضرورات، فيلحق بالنفقة، أو من باب المكرمات، والمشهور أنه يقضي عليه لأبيه، وينفق على زوجته، فأما إذا كانت أمه فلا خلاف في وجوب النفقة عليه، وإن كانت غير أمه فالمشهور وجوب النفقة لها عليه، وذلك كله من باب الإرفاق، ولذلك وجبت عليه خدمته، فإن (اجتمع) أولاد، وجبت النفقة على الموسر منهم، فإن كانوا كلهم موسرين وجبت النفقة على جميعهم.
واختلف المذهب في كيفية التوزيع فقيل على حسب المواريث على الذكر مثلًا ما على الأنثى وهو رواية مطرف وغيره عن مالك وقال أصبغ بالتسوية، وقال محمد: على اليسار والجدة.
قوله: ((ولا نفقة للجد ولا للجدة)): خلافًا للشافعي أيضًا وقد تقدم الكسوة والسكنى وجميع المؤن لازمًا جريًا على العوائد، والواجب من ذلك مقدار الحاجة.
قال القاضي: ((وإذا طلق امرأته فالحضانة للأم)).
شرح: الحضانة هي الكفالة للولد ما دام محتاجًا للكفالة وهي لكل من كانت له الشفقة منها أقرب، وعلى الولد أغلب، ولا يتقدم الأم في ذلك أحد، فلذلك قدمها الشرع في قوله -عليه السلام-: (أنت أحق به ما لم تنكحي) واختلف قول مالك هل الحضانة حق للأم، أو حق للولد على

الجزء: 2 - الصفحة: 880

الأم حكى أبو الفضل بن عمرو البغدادي في تعليقه عن مالك روايتين، وحكى الإمام المازري وأبو الطاهر وغيرهما في ذلك رواية ثالثة أنها حق لهما فالأم أحق الناس بالحضانة على ولدها إذا كانت عاقلة أمينة في حرز ومنعة حرة كانت أو أمة، فإن كانت ذمية فهل لها (من) الحضانة ما للمسلمة أم لا؟.
فيه قولان: المشهور أنها كالمسلمة، وتمنع أن تغذيهم بالخمر والخنزير وتنشئتهم على المحارم، فإن خيف ضمت إلى الناس من المسلمين.
ويشترط كون (الحاضنة) فارغة من الشواغل، فإن كانت متزوجة فلا حق لها في الحضانة، وهذا يدل على أن الحضانة حق للولد فإن كان الزوج ممن له نسب للطفل فهل يسقط حقها منها أم لا؟ فيه قولان: فالمشهور نظرًا سقوطها وهو اختيار ابن وهب وقيل لا (يسقط) وهو نص القاضي وهو المشهور نقلًا لا نظرًا فإذا بطلت حضانة الأم بالتزويج ثم طلقت فهل تعود الحضانة أم لا؟ المشهور أنها لا ترجع، والشاذ أنها ترجع، وكذلك يسقط حق الحاضن إذا خيف على الولد في دينه، أو بدنه، أو أخلاقه.
وأم الأم تلي الأم في استحقاق الحضانة، ويتعلق بذلك (حكم) اجتماع الحواضن فأول الإناث الأم، ثم الجدة؟ ثم الخالة، ثم الجدة للأب، ثم جدة الأب، ثم الأخت ثم العمة، ثم بنت الأخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 881

واختلف في خالة الخالة هل هي كالخالة أم لا؟ على قولين.
وأول الذكور الأب، ثم الأخ، ثم الجد، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم.
واختلف في المولى الأعلى للأسفل هل لهما حق في الحضانة أم لا؟ والصحيح الاستحقاق رعيًا للقرابة، فإن اجتمع الوصي والعصبة الذكور، فالمنصوص أن الوصي أولى وهو مقدم على جميع العصبة كالنكاح.
أجرى فيه بعض الشيوخ الخلاف على الخلاف في الولاية في النكاح، فإن اجتمع الذكور والإناث فالأم مع أمها متقدمتان على جميع الرجال، فاختلف الرواية فيمن بعد الجدة والأم من يقوم مهما، فقيل جميع النساء مقدمات عليه، وقيل الثلاث وحدها مقدمات عليه، وقيل هو مقدم على الخالة.
وهذه الروايات الأربع واقعة في المذهب، ومبناها على النظر في تحقيق المناط.
قوله: ((وحضانة الغلام)): يتعلق به ذكر منتهى الحضانة.
أما الأنثى فإلى دخول زوجها بها.
وأما الذكر، فيه روايتان: الأولى: أن منتهاها إلى البلوغ، وقيل الأثغار.
وقال ابن الماجشون إذا قارب الاحتلام أو نبت واسودت عانته سقطت الحضانة.
قوله: ((وليس للأب أن بسافر بولده الصغير إلا أن يكون خروج انتقال)): وهذا كما ذكره، لأن سلطانه قائم على ولده وولايته بيده، فإذا أراد سفر الانتقال فله انتزاعه منها، ويسقط حقها من الحضانة إلا أن توافقه على السفر معه، وليس له (ذلك) في سفر الترجعة أو التجارة وهل يسافر بهم في البحر أم لا؟ فيه قولان في المذهب الصحيح الجواز مع علة الأمن اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾ [يونس: 22] للأب أن (يشسع) بولده وليس ذلك للأم.

الجزء: 2 - الصفحة: 882

قال القاضي: ((ومن ملك أمة حاملًا)) إلى آخر الفصل.
شرح: الأصل في الاستبراء قوله -عليه السلام-: ((لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض) ولقوله -عليه السلام-: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماؤه زرع غيره) وهذا واجب في كل أمة غلب على الظن حملها أو شك في وجوده، وساقط في كل من أمن منها الحمل لصغر، أو كبر، وقدر الاستبراء قرء واحد إن كانت من ذوات الأقراء، فإن كانت من ذوات الأشهر فثلاثة أشهر، فإن كانت حاملًا فوضع حملها، وإن كانت مسترابة فزوال الريبة فيمن استرابت بجس البطن بانتظار أمد الوضع، إلا أن تذهب لريبة قبل ذلك وقد تقع الريبة بالمرض، والرضاع، والاستحاضة، وقد قدمنا ذلك.
وههنا فروع: الأول: إذا بيعت في آخر أيام حيضتها فليس الباقي من حيضتها قروء، وإن بيعت في أول حيضتها فالمشهور أن ذلك استبراء، والشاذ: أنه لا يجزي، وتستأنف قرءًا.
فإن كانت ممن تحيض من السنة أشهر إلى مثلها فهل يكفيها ثلاثة أشهر أم لا يكفيها إلا أن ترى الحيضة، ففيه قولان عندنا.
وأقل الحيضة في العدة والاستبراء خمسة أيام قاله عبد الملك وسحنون وقال ابن مسلمة أقله ثلاث، وسئل مالك عمن حاضت يومًا أو يومين فقال يسأل النساء.
قوله: ((وليس عليه استبراء فيمن لا يوطأ مثلها، ولا عمن يعلم براءة رحمها)): وهذا يقتضي ذكر الاستبراء الموجبة له ولا خلاف في مذهب مالك في سقوط الاستبراء فيمن لا يطيق الوطء جملة.
واختلف المذهب في فروع:

الجزء: 2 - الصفحة: 883

الأول: إذا كانت ممن تطيق الوطء، ولا تحمل كبنت تسع سنين، أو عشر سنين، فهل يجب عليها الاستبراء أم لا؟، فيه قولان أوجب ابن القاسم اعتبارًا باحتمال الوطء، وسد الذريعة وأسقطه ابن عبد الحكم لامتناع الحمل في مثلها غالبًا.
الفرع الثاني: اليائسة التي قعدت عن المحيض هل يجب فيه الاستبراء فيه قولان: ابن القاسم أوجبه، وابن الحكم أسقطه.
الفرع الثالث: إذا انتقل الملك من امرأة أو صبي أو مجبوب ممن لا يمكن منهم الوطء هل يجب فيه الاستبراء أم لا؟، فيه قولان، فمن لاحظ المعنى أسقط، ومن غلب العبادة أوجب.
الفرع الرابع: إذا كانت الأمة المشتراة بكرًا هل يجب فيه الاستبراء أم لا، فيه قولان: المشهور وجوبه، لأن البكر قد تحمل.
الثاني: استحبابه احتياطًا وهو اختيار بعض أشياخنا تغليب للغالب.
الفرع الخامس: إذا باعها بالخيار، ثم ردت عليه بعد أن غاب عليها المشتري الذي كان الخيار له، ففيها روايتان: المشهور: استحباب الاستبراء في هذه الصورة، لأن ملك البائع باق عليها بدليل الضمان، فالملك لم ينتقل حقيقة، والقول الثاني وجوب الاستبراء.
قال القاضي أبو الفرج هذا القياس، وصوبه اللخمي إذا غاب عليها، وكان الخيار له.
الفرع السادس: الاستبراء بسوء الظن كاستبراء الأمة خوفًا أن تكون زنت فيه قولان، إيجابه لابن القاسم، وإسقاطه لأشهب.
الفرع السابع: الأمة إذا باعها ذو محرم هل يجب استبراؤها أم لا؟ وكذلك المكاتبة إذا كانت تتصرف فخرجت وعادت إلى سيدها هل يجب الاستبراء في هذه الصورة أم لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 884

الفرع الثامن: المودعة تحيض عند المودع، ثم يشتريها بعد الحيض وهي لا تخرج ولا يدخل عليها أحد ويشتريها ممن ساكن معه، وقد حاضت الزوجة والولد الصغير قال ابن القاسم إن كانت لا تخرج (أجزأه) حيضتها الأولى، وقال أشهب: إذا كان هو الداب عنها، والناظر لها في أمرها كانت تخرج أم لا؟، وكذلك أحد الشريكين تكون الجارية تحت يده فيشتري (نصيب) شريكه بعد أن حاضت عنده، فالمشهور الاكتفاء بذلك، فأسباب (انتقال) الملك سواء كالبيع، والصدقة، والهبة، والوصية، والميراث، والفسخ، والإقالة.
قوله: ((ولا يجوز لمن وطئ أمة أن يبيعها قبل أن يستبرأها)): وهذا كما ذكره لاحتمال أن تكون حاملًا.
قوله: ((وإن اتفقا على استبراء واحد جاز)): وهذا كما ذكره لأن المقصود حصول البراءة وذلك يحصل بالاستبراء الواحد.
واختلف المذهب في فروع وهو استبراء الأمة على التصديق وأراد تزويجها فهل يجوز للزوج وطأها قبيل الاستبراء أم لا؟ قولان أحدهما الجواز اعتمادًا على تصديقها والثاني المنع احتياطًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 885

باب الرضاع وما يتعلق به

قال القاضي: ((والرضاع يوجب التحريم)) إلى آخره.
شرح: الأصل في التحريم بالرضاع: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ الآية [النساء: 23].
فأدخل الرضاع تحت حكم التحريم المصدر به في أول الآية، وأما السنة فقوله -عليه السلام-: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وقد انعقد الإجماع على مقتضى ذلك، وإنما نشره -عليه السلام-.
ويتعلق بالرضاع فصول، بدأ القاضي منها بانتشار الحرمة.
وقد أجمع العلماء على أنه ينشر الحرمة ويحرم منه ما يحرم من النسب.
قال علمائنا إلا في مسألتين: الأولى: أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب، ويتزوج أخت ابنه من الرضاع لأن المانع في النسب وطء أمها وهو مفقود في الرضاع.
والثانية: لا يجوز أن يتزوج أخته من النسب، ويجوز في الرضاع، لأن المانع من النسب وطء الأب لأمها، وهذا المعنى مفقود في الرضاع.

الجزء: 2 - الصفحة: 886

ذكر هاتين الصورتين الإمام أبو القاسم الزمخشري في التفسير في سورة النساء.
فإن فصلت هذا الإجماع قلت: يحرم بالرضاع أصول وفروع، فالأصول المرضعة لأنها أم من الرضاعة، وزوجها لأنه أب، والمرتضع لأنه ولد، فهذه ثلاثة أصول تنتشر الحرمة منهم إلا في الأطراف، فيحرم على الرضيع أمهات المرضعة نسبًا، ورضاعًا، لأنهن جدات.
وإخوانها نسبًا ورضاعًا لأنهن خالات، وأولادها لأنهم إخوة له.
كما تحرم من قبل الزوج زوج المرضعة، لأن أباه جد، وأخاه عم، وولده أخ، والنساء منهن على هذا النسب فهي الراضع لهم وزوجة أب فتنتشر الحرمة بين الراضع وبين أطراف أبويه من النسب والرضاع.
حتى إن كل نسب لهما نسب أبويها للراضع ذكرًا كان الراضع أو أنثى.
وهذا الذي ذكره من انتشار الحرمة بين الرضيع والمرضعة وأطرافه هو الذي قال به جمهور العلماء وهو معنى قولهم: ((اللبن للفحل)) وهذا مذهب أكثر الصحابة وفقهاء الأمصار.
ويذكر أن للقاضي عبد الوهاب أبياتًا في هذا المعنى وهي مقيدة: إذا امرأة قد أرضعت غيرها ... وكان لها في حين إرضاعها فحل فكا ابنة منه ومن غيره لها ... ومنها له أو غيرها بعد أو قبل له إخوة قد حرمن وإن يرد ... إخوة نكاح بعضهن له حل قوله: ((وللتحريم بالرضاع ستة شروط)): قلت الكلام في هذه الشروط الستة يأتي على أكثر مسائل الرضاع:

الجزء: 2 - الصفحة: 887

الأول: وصول اللبن من المرضعة إلى حلق الرضيع، أو جوفه من أي المنافذ كان، وهذا كما ذكره على الجملة، وصول اللبن من المنفذ المعلوم متفق على أنه ينشر الحرمة.
واختلفوا فيما سوى ذلك، فقوم من العلماء اعتبروا الوصول مطلقًا، وبه قال مالك والجمهور.
واعتبر عطاء وداود وغيرهما ما ينطلق عليه اسم الرضاع.
وحكى بعض المتأخرين من أهل المذهب خلافًا مطلقًا في التحريم باللبن، إذا دخل من غير المنفذ المعتاد.
وأطلق التحريم به ابن حبيب إذا كان المنفوذ واسعًا كالأنف.
قال في الكتاب: إذا علم وصوله إلى الجوف، وكذلك إذا كان من العين، فالحرمة تقع به إذا علم وهو له.
قال ابن حبيب: ولو احتقن به وقعت الحرمة.
ولو أدخل من الإحليل لم تقع به الحرمة للعلم أنه لا يصل.
وعلى الجملة فصريح مذهب مالك أنه إذا علم وصوله وقعت به الحرمة، وسواء وصل من أي المنافذ وصل.
الثاني: أن تكون من أنثى، وهذا الشرط أيضًا فيه خلاف في المذهب في فروع: الأول إذا كانت ممن لا توطأ لصغرها، هل يحرم لبنها أم لا؟ فيه قولان عندنا.
الثاني إذا كان (اللبن) من وطء حرام.
وتحصيل القول في الوطء الحرام أنه إن كان الحد فيه واجبًا والولد غير لاحق فإنه (لا ينشر) الحرمة بلا خلاف.
وإن كان الحد فيه ساقطًا والولد لاحقًا فهو كالوطء الحلال إجماعًا.
وإن كان الحد ساقطًا والولد غير لاحق فهل ينشر اللبن في هذا الوطء الحرمة أم لا؟ فيه قولان عندنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 888

وهذا في الواطئ، وأما المرضعة فهي أمه على كل حال.
قوله: ((فأما لو در لرجل لبن فأرضع به لم يحرم تحريم الرضاع)): هذا التقييد لا معنى له فلو أطلق فقال: ((لم يحرم)) لكان صوابًا، لأن مفهوم التقييد لا معنى له، وقد اختلف (المذهب) إذا در لبن الذكر، والمشهور أنه لا حكم له، والشاذ أنه تقع به الحرمة حكاه ابن اللباد صاحب الفرائض، وحكى ابن شعبان رواية ثالثة بالكراهية.
وقوله سبحانه: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ يقتضي الحكم على الإناث دون الذكور.
قوله: ((والثالث أن يكون مقصورًا على الآدميات)): تحرزًا من البهيمة، ولا حكم للبن البهيمة بلا خلاف.
واختلف المذهب في لبن الآدمية الميتة، وفيه قولان المشهور: التحريم، لأن الموت لا ينفي كونه رضاعًا، والشاذ نفي التحريم، إذ لا يتصور إضافة الفعل إلى الميتة.
قوله: ((والرابع أن يكون في الحولين)): إنما ذلك مظنة احتياج الرضيع إلى اللبن، وأما فيما زاد على الحولين فقد يستغني الولد عن اللبن بالطعام، ولا خلاف أن ما بعد من الحولين لا تقع به الحرمة، وتقع الحرمة بما قرب من الحولين.
واختلف الرواية في حد القرب، وقال في المختصر إلا أن يكون بعد الحولين بأيام يسيرة كالثلاثة ونحوه.
قال الشيخ أبو الفرج مثل نقصان الشهر وهو قول سحنون.
وقال القاضي: الشهر بين الحولين قريب وقيل الشهر والشهران قريب، وقيل الثلاثة الأشهر وهذه الروايات

الجزء: 2 - الصفحة: 889

الأربع في المذهب، وهذا إذا لم يستغن عن اللبن فأما إن استغنى فأرضع، فهل ينشر الحرم أم لا؟ فيه قولان عندنا وهذا هو الشرط الخامس الذي ذكره القاضي.
قوله: ((والسادس أن يكون منفردًا غير مستهلك)): وهذا كما ذكره فإن كان مخلوطًا مستهلكًا ففي انتشار الحرمة إذا كان نجسًا، والمعروف وقوع التحريم لصدوق الاسم عليه، وحكى قولًا ثانيًا جرى [في] المذكرات أنه لا تقع به حرمة، إذ لا تقع الحرمة بغير المباح، وفي هذا الكلام نظر فتأمله.
وقد ذكرنا الخلاف في لبن الفحل.
وفي هذا الباب فروع نذكر منها ما حضر في الخاطر: الأول: إذا وطئ المنكوحة اثنان بالشبهة فأتت بولد فلحق بأحدهما فأرضعت المنكوحة صغيرًا ثبتت الحرمة بين الرضيع، وبين من ثبت له نسب الولد.
قال محمد بن المواز تحرم عليهما وتثبت بين الرضيع وبينهما احتياطًا.
الفرع الثاني: إذا أصاب ماء الواطئ الولد في البطن، انتشرت الحرمة بينهما، وعل يعتق الولد بذلك على الواطئ، لأن له فيه شركة أم لا؟ على قولين عندنا.
الفرع الثالث: إذا طلقها فدر لبنها بعد الطلاق فأرضعت، فهل تنشر الحرمة بهذا اللبن أم لا؟ المشهور أن رضيعها ابن المطلق ولو بعد عشرين سنة حتى ينقطع لبنه، ويحدث لها لبن آخر، وقيل يقطع لبنه حكمًا بوطء زوج ثان، وقيل لا ينقطع إلا بحملها من زوج ثان.
وفي مختصر الوقار: لا ينقطع مطلقًا بانقطاعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 890

تم كتاب الرضاع بحمد الله وحسن عونه.
كمل السفر الأول من كتاب روضة المستبين لابن بزيزة في شرح كتاب التلقين بحمد الله وتأييده وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا، ويتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى كتاب البيوع.

الجزء: 2 - الصفحة: 891

فصول الكتاب · 25 فصل · 24 صفحة
جارٍ التحميل