روضة المستبين في شرح كتاب التلقينكتاب الصلاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال القاضي -رحمه الله -: "الصلاة ركن من أركان الدين" إلى قوله: "فإذا ثبت هذا".
شرح: الصلاة في اللغة: هي الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ [التوبة: 103] معناه ادع لهم، وسمت الشريعة هذا الفعل المعلوم، صلاة لاشتمالها على الدعاء، وقيل: إنها مشتقة من المصلى وهي ثاني حالته، وسميت بذلك لأنها ثانية عن الإيمان والإسلام، وقيل: إنها مشتقة من (المصلين) وهما عظمان ينحيان في السجود، وسميت بما فيها، من باب المجاز.
واختلف أهل العلم في هذه الأسماء الشرعية، هل هي منقولة عن [الـ] موضع اللغوي جملة، أو منقولة عليه وزيد إليها شروط شرعية.
وانعقد إجماع الأمة على فرضية الصلاة الخمس، وجعلها أقسامًا تابعة للأدلة الشرعية، وفرق بين فرض العين، وفرض الكفاية، هل فرض العين متوجه

الجزء: 1 - الصفحة: 285

على كل واحد من الكلفين، إلا أنه يسقط بفعل البعض، أو متوجه على بعض غير معين، (فمن جعله أسقط الوجوب بفعله على الباقين).
واختار بعض المحققين أنه متوجه على الأعيان، والكفاية فيه، فأجزأ بعض عن البعض لا بأصل الخطاب، وفيه نظر، والصحيح أنه وجب على كل واحد من أحد المكلفين لما سقطت عنه بفعل غيره.
وتعقب بعضهم قول القاضي: "الصلاة من أركان الدين" واجبة، فإن صح ذلك فكيف يقسمها إلى واجب، وسنة، وفضيلة، وهذا لا يتوجه لاختلاف الموضع، إذ الحكم الأول باعتبار قاعدة هذه العبادات الكلية والتقسيم بحسب أشخاصها، وهي مختلفة الأحكام إجماعًا.
ثم تكلم عن السنة والفضيلة، والسنة ما فعله -عليه السلام -ومداومًا عليه مظهرًا له، والفضيلة ما واظب عليه غير مظهر، وقد اختلف الناس في هذا القسم هل يسمى سنة باعتبار المواظبة، أو فضيلة باعتبار الإخفاء.
والنافلة أخف من ذلك وتميزه عن الفضيلة اصطلاح محظ (لرواتب) الصلوات، ووقت الضحى على نظر فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 286

وقسم السنة قسمين: والأمر في ذلك كما ذكره.
قال القاضي -رحمه الله -: "فإذا ثبت هذا فالصلوات الخمس التي هي فرض الأعيان من جحد وجوبها فهو كافر" هذا كما ذكره.
وأجمع العلماء على تكفير من جحدها وأنكرها، لأنه ورد فيه المتواتر من القرآن، ومن شريعة النبي -عليه السلام -، وأما التارك العاصي، فقد اختلف العلماء فيه، فقال أبو حنيفة وسحنون يؤخر بفعلها، فإن أبى لم يقتل، اعتمادًا على قوله -عليه السلام -: (لا يحل دم مسلم إلا بأحد ثلاثة: كفر بعد الإيمان، أو زنا بعد الإحصان، أو قتل نفس بغير حق).
وقال أحمد بن حنبل وداود وجماعة من أهل العلم منهم ابن حبيب من المالكية أنه يقتل كفرًا وقال الجمهور: إنه يقتل حدًا.
ويترتب على هذا الخلاف، أين دفن، وهل يرثه ورثته من المسلمين أم لا؟.

الجزء: 1 - الصفحة: 287

اعتمد أحمد وأصحابه على ظاهر قوله -عليه السلام -: (من ترك الصلاة [متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله]) ـ وعلى قوله -عليه السلام -: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) وقال عمر: (ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) وتأويله الجمهور على التغليظ والتشديد، وإذا قلنا: إنه يقتل: ينتظر به وقت الصلاة الثانية، وهل يؤخر إلى آخر الوقت الاختياري أو الضروري، وفيه قولان في المذهب، المشهور التأخير إلى وقت الضرورة لعموم قوله -عليه السلام -: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) والشاذ أنه يؤخر إلى آخر

الجزء: 1 - الصفحة: 288

وقت الاختيار، لإن وقت الإضرار لأصحاب الضرورة، وهم خمسة، واختلفوا هل يجهز عليه بالسيف، وهو المنصوص، أو ينخس لحمه، وهو اختيار بعض المتأخرين.
قوله: "ولا أوقات مختلفة الأحكام": إلى آخره.
قلت ثبتت الأوقات المعلومات للصلوات الخمس بكتاب الله سبحانه إجمالاً، وفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم -تبيينًا وتفصيلاً، وقد علم المسلمون علمًا ضروريًا لم يخالف فيه من أهل القبلة، وسنفصله متبعين لترتيب القاضي -رحمه الله -. قال القاضي -رحمه الله -: "الأوقات وقتان" الفصل إلى آخره.
هذا فصل حسن (جمع) فيه القاضي [أوقات الصلاة] ورتبها ترتيبًا محققًا، وفصلها تفصيلاً، فقسمها أولاً قسمين: وقت أداء، ووقت قضاء.
والأداء عبارة عن فعل العبادت في وقتها ابتداء من غير تكرير، فإن كررت في وقتها سمى ذلك إعادة، فإن فعلت خارج وقتها سميت قضاء على الحقيقة، والمجاز باعتبارات مختلفة، بسط القول (فيها) الغزالي في مستصفاه، وقد يطلق القضاء على الأداء نفسه، قال تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ [البقرة: 200] الآية، ومنه قضاء الدين.
وقسم وقت الأداء على خمسة أقسام، وفرق بين الاختيار والفضيلة،

الجزء: 1 - الصفحة: 289

وبين وقت الإباحة (والتوسعة) والفرق بينهما ظاهر، والمعلوم أن الإباحة تقتضي استواء لإيقاع الصلاة في جميع أجزاء الوقت، وتقتضي الفضيلة الترجيح لتضاد معقول الإباحة والترجيح، ووقت الفضيلة يقتضي الترجيح، وتعليق الثواب (بالأرجحية)، وفرق بين وقت العذر والرخصة، وبين وقت الإباحة والتوسعة، والفرق بينهما ظاهر لا يكاد يشكل على أحد، ومن المعلوم أن الإباحة تقتضي جواز التأخير من غير عذر اعتمادًا على أصل التوسعة بخلاف العذر، فإن إباحة التأخير متوقفة عليه ومعتبرة به، ومفتقرة إليه، فوقت العذر كوقت إباحة باعتبار التأخير.
وينفصل عنه باعتبار وجود السبب ههنا، وانتفائه في وقت الإباحة ثم لفف بعد في أثناء كلامه، وعقده بضمير فيه إشكال، لم يزل الشيوخ يختلفون في مفهومه، وفي الضمير على من يرجع، والصحيح أنه عائد على العذر، واسم "كان" عائد على التأخير.
والمعنى: أن العذر مبيح للتأخير، فلولا العذر لكان التأخير حظرًا، ومراده ههنا التخيير لا مع العزم، فهو محظور، لما فيه من الإخلال بالواجب مطلقًا، وهذا بناء على وجوب العزم، وأن تأخير الصلاة على أول الوقت لا يجوز إلا إلى البدل، وهو قول بعضِ البغداديين.
قوله: «وإما ندبًا»: يريد أن يكون التقديم ندبًا، فاسم "كان" ههنا عائد على التقديم الذي يقابل التأخير، وتكلم القاضي -رحمه الله - على ( ... ) الوقت

الجزء: 1 - الصفحة: 290

وحكى على الفعل ومقابله فيهما، فلولا العذر لكان التأخير محظورًا، أو التعجيل مندوبًا، يريد مع العذر لما في التعجيل من المسارعة إلى المغفرة المأمور بها، فقابل المحظور بالمندوب، وفيه نظر، لولا أنه أخذ بحسب طرفين، ويجوز أن يشير إلى الندبية في حق المنفرد، لأن أول الوقت أفضل، ويجوز أن يريد قسم التأخير أحدهما التأخير الذي يخرج الصلاة عن وقت الإباحة إلى وقت الضرورة تأخير عمر بن عبد العزيز لصلاة العصر حتى أنكر عليه عروة بن الزبير في صلاة العصر إلى الاصفرار، ونزله بعضهم في حق عادم الماء في أول الوقت وهو مرجو أن يجده في آخره، فابن حبيب: يرى رجاءه هذا بالغًا من التيمم، فلا يجوز له التيمم، إلا أن ينقطع رجاؤه، واستحب ابن القاسم له انتظار الماء فإن بادر إلى التيمم أول الوقت، وصلى أجزأه، وهذه الصورة نادرة، فتنزيل كلام القاضي على قضية نادرة فيه بعد، والله أعلم.
قال القاضي -رحمه الله -: "أما وقت الظهر الذي لا (تحل) قبله ولا يجوز تقديمها عليه، فهو زوال الشمس".
شرح: بدأ بالظهر لأنها الصلاة الأولى التي صلاها جبريل بالنبي -صلى الله عليه وسلم -على الأصح من أقاويل العلماء وأهل الإسناد.
وقد أجمعت الأمة على أن أول وقتها زوال الشمس لا قبل ذلك، ولم يخالف فيه إلا من لا يعد

الجزء: 1 - الصفحة: 291

من أهل العلم كالخوارج ونظرائهم، ولم يصح الخلاف في ذلك على أحد من السلف، وما ذكر من الخلاف فيه باطل، وهو وقت موسع محدود بأول وآخر.
وقد اختلف أهل العلم في الوقت الموسع، هل يتعلق الوجوب بجميعها، أو بأولها، وآخرها والذي عليه أكثر المالكية أن جميعه وقت الوجوب، وإنما (نصف) آخره بين الأداء والقضاء، وذهب أصحاب الشافعي إلى أن الوجوب يتعلق بأول الوقت، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الوجوب لا يتحقق إلا لآخر الوقت.
وحكى القاضي أبو الوليد عن بعض العلماء أن وقت الوجوب منه وقت غير معين، وللمكلف (تكميله) بفعل الصلاة فيه، واختار هذا القول.
قلت: وهو القول بعينه جعله القاضي أبو الوليد قولاً رابعًا معاندًا للأول، وفيه نظر، لأن القائلين أن جميعه وقت الوجوب موافقون على أن للمكلف أن يوقع الصلاة في أوله أو وسطه أو آخره فكل من أقامه في جزء من أجزائه حاصل لإيقاع العبادة فيه، ولشبه الصلاة لكل منها متساوية من جهة معقول الإباحة، لا باعتبار الفضيلة، فإذا صح جزء من إقامه لإيقاع العبادة فيه، فللمكلف تعيين ذلك الجزء الزماني بفعله فلا معنى -إذن -لقولهم: إن جميعه وقت للوجوب إلا ثبات الصلاحية الشريعة، وتساوي الشبه الزمانية، وليس المراد المكلف يجب عليه إيقاع الصلة في كل جزء منه، ولا تعمره بها، ولا يخرج الوجوب بذلك عن كونه موسعًا، ولحق بالواجب المضيق، وهو خلاف الإجماع، فإذا ثبت ما سوى الشبهة شرعًا، فالتخصص بالتعيين للمكلف تعمق في الدين يتصور أن يكون مذهبًا رابعًا لو

الجزء: 1 - الصفحة: 292

قيل به: (ههنا) أن يكون وقت الوجوب معينًا عند الله، غير معين عند الناس، كما قيل: في خصال الكفارة، وهو مذهب مدفوع (فيها) إذ لم يرض أحد من المحققين القول به.
فصل إذا ثبت ما ذكرناه فقد انعقد إجماع الأمة على جواز تأخير الصلاة عن أول الوقت بجزء، واختلف في مسائل: الأولى: إذا أجرنا التأخير، فهل يجوز مطلقًا أو إلى بدل، اختلف الفقهاء فيه، فذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجوز تأخيرها إلى بدل، وهو العزم على الفعل، وقال بعضهم: يجوز تأخيرها إلى غير بدل، وهو العزم على الفعل، وقال بعضهم: يجوز تأخيرها إلى غير بدل، وبعضهم أوجب العزم، ويجوز ن تسميته لما توهم من قيامه مقام البدل منه، فحينئذ يلزم سقوط الفعل وهو خلاف الإجماع وفيه نظر، لأن لهم أن يقولوا: هذا بدل عن التقديم، لا عن أصل الفعل، وامتنع من إطلاق القول بإيجاب العزم لا مكان المبدل عنه، ولا يقال: إن ذلك إخلال بالواجب إجماعًا، وأن الدليل اللفظي إنما اقتضى إيجاب فعل الصلاة فقط، لا إيجاب الفعل أول العزم، واعتمد الشافعي على أن الإجماع منعقد على أن المكلف إذا أدى الصلاة في أول الوقت، فقد أدى الواجب، فدل على أن الواجب متعلق بأول الوقت فلزمه على مقتضى تحقيق اقتران الواجب بالأولوية امتناع التأخير، إذ الإيجاب والتأخير يتناقضان كما يتناقض الإيجاب والتخيير، ولذلك قال أبو هاشم

الجزء: 1 - الصفحة: 293

وأتباعه من المعتزلة: بإيجاب جميع خصال الكفارة مع تحديده ترك كل واحد على البدل، إذ هو مقتضى الإجماع واللسان، وإنما رأى إيجاب جميعها لما لم يفعل الجمع بين الوجوب (و) التخيير، وهو كذلك أول الحد المتعلق، أما عند اختلافه، فلا إشكال في جوازه، وهو قول أصحابنا (ندب) كلام أبي هاشم في ذلك، وكان ظاهر الخطأ والفساد، ولما لم يتحقق المأثم إلا بتركها في أول وقتها رأى أبو حنيفة وأصحابه أن الوجوب حقيقة إنما يتعلق بآخر الوقت وهو الصحيح باعتبار المأثم لا باعتبار تساوي الشبه الزمانية واختلفت مذاهبهم إذا (أوقعها) في أول الوقت، فشذ بعضهم فأوجب فعلها آخر الوقت، وخالفه الجمهور في ذلك فقال الكرخي: إنها نفل تسد مسد الفرض" كالوضوء قبل الوقت، وقال مرة:

الجزء: 1 - الصفحة: 294

هي موقوفة حكمًا متحققة علمًا، والقول بالإعادة في هذه الصورة خلاف الإجماع.
وتحقيق المسألة متعلق بأصول الفقه حيث يقع الكلام على حد الواجب وأقسامه.
وذكر القاضي تمثيل الزوال وهو ظاهر من كلامه، وفيه توسع لقوله: "فتراه أول النهار طويلاً" فظاهر لفظه أن الضمير عائد على الفاعل والمراد: ظله، فعبر بضمير الملازم عن ملازمه واعتبر زيادة الظل بعد طرح الزوال، وهو قول أهل العلم.
قوله: "ويستحب تأخيرها في مساجد الجماعة إلا أن يكون ألفي ذراعًا": والأمر كذلك اعتمادًا على كتاب عمر بن الخطاب إلى عماله، وأراد بالذراع ربع القائم الذي يؤخذ به ظل الزوال، وإنما قدر بالذراع، لأنه آلة التقدير الأكثرية غالبًا.
وقد اختلف الفقهاء في استحباب تأخيرها

الجزء: 1 - الصفحة: 295

فاستحبه مالك للجماعة، ليجتمع الناس، ويكثر وذلك في زمان الإبراد آكد، لاجتماع شيئين يقتضيان التأخير، قال مالك: فأما الرجل في نفسه، فأول الوقت أفضل له.
وحكى القاضي أبو محمد وغيره استحباب تأخيره للفذ والجماعة، والأول أصح في المذهب.
وسئل مالك عن الجماعة تصليها أول الزوال، فأنكر ذلك، ورأى التأخير من عمل الناس، وما ذلك إلا لثبوت ذلك عنده من عمل أهل المدينة، ولما جاء من الأمر بالإبراد وأشهر (مذهب) الشافعي أول الوقت أفضل على كل حال للمنفرد والجماعة وهو قائل بالإبراد، إلا أن وقت إنشائه الضرورة، فكذلك وافق الشافعي على أن التأخير للجماعة أفضل بمقدار الإبراد، وقال أبو حنيفة آخر الوقت أفضل على كل حال، والدليل لنا حديث عمر: وأمره إياهم بالتأخير إلى أن يكون الفيء ذراعًا.
ومن المعلوم أنه إنما يأمرهم بالأفضل، واعتمد الشافعي وأصحابه على قوله -عليه السلام -حين سئل عن أفضل الأعمال،

الجزء: 1 - الصفحة: 296

فقال: (الصلاة لأول وقتها وبر الوالدين) الحديث، وههنا مسائل: الأولى: اختلف العلماء في حكم الإبراد، فأوجبه بعض أهل الظاهر تمسكًا بصيغة الأمر، واستحبه الجمهور، وأنكره بعض العلماء ممن شذ، ورأى أن أول الوقت مطلقًا أفضل للفذ والجماعة في كل زمان، لما روي أنه -عليه السلام -: (كان يصلي في الهاجرة)، ولحديث جماعة قال: (شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -حر الرمضاء فلم يشكنا).
ولا حجة فيه من وجهين: الأول: الاحتمال أن يكونوا طلبوا مجاوزة الحد في التأخير بحيث يزيد على ربع القامة وذلك منهم مجاوزة لوقت الإبراد.
الثاني: أن يكون معنى قوله: (فلم يشكنا) أي فلم يحوجنا إلى التأخير.
الثانية: الإبراد مخصوص بالجماعة على المشهور من المذهب.
وقد

الجزء: 1 - الصفحة: 297

ذكرنا رواية عن المذهب أنه جاز في حق المنفرد تمسكًا بلفظ العموم.
الثالثة: هل يبرد بالجمعة أم لا؟ فيه قولان في المذهب المشهور نفي الإبراد بها وفي حديث أنس: (كنا نبرد بالصلاة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم -لغير الجمعة) وهو حجة (على القول) الشاذ.
الرابعة: هل يبرد بالعصر أم لا؟ فيه قولان في المذهب المشهور نفي الإبراد لانتفاء معناه حينئذ.
الخامسة: هل يبرد في زمن الشتاء أم لا؟ فيه قولان في المذهب، المشهور نفي الإيراد أيضًا لما ذكرناه.
السادسة: اختلفوا في آخر وقت الظهر، الجمهور آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثله، وهو المشهور عن مالك وهو (أقل) تمام القامة الأولى قال ابن حبيب: آخر وقت الظهر بمقدار ما تصلي الظهر فتتم صلاته قبل تمام القامة.
وأول وقت العصر تمام القامة فما بعدها وقال أبو حنيفة مرة: آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثليه، وقد روى عنه أن آخر وقتها هو المثل، وقت العصر المثلان، وما بين المثل والمثلين وقت لا يصلح لهما.
والمعتمد لنا وجوه: الأول: إمامة جبريل بالنبي -صلى الله عليه وسلم، وفيه: (أنه صلى به الظهر في اليوم

الجزء: 1 - الصفحة: 298

الأول حين زالت الشمس، وفي الثاني حين صار ظل كل شيء مثله ثم قال له: الوقت ما بين هذين).
الثاني: حديث عمر وكتابه إلى العمال وهو نص في مذهبنا.
واعتمد أبو حنيفة على قوله -عليه السلام -: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أوتي أهل التوراة (التوراة) فعملوا حتى انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا (قيراطًا) ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين فقال أهل الكتاب: أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا وكنا نحن أكثر عملاً، قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا، قالوا: لا، قال: لا، قال: فهو فضل أوتيه من أشاء) والحديث نص في الوقت الذي بين الظهر والعصر، أرجح من الوقت الذي بين العصر والمغرب، كما أن الأولى أرجح منه، فلو كان آخر الظهر المثل لتساوى الوقتان لتساوي القامتين، وهو خلاف لمقتضى الحديث، فدل على أن وقت الظهر يأخذ من الوقت الثانية جزء، وخذا فيه نظر، نبه عليه الحافظ أبو محمد بن حزم من جهة التعديل فتأمله.

الجزء: 1 - الصفحة: 299

قوله: "وهو بعينه أول وقت العصر": يتعلق به الكلام في الاشتراك بين الظهر والعصر، وقد اختلف العلماء في إثباته ونفيه، وفي مذهب مالك فيه قولان، المشهور القول بالاشتراك بين وقتيهما وهو قول أبي حنيفة، وأنكر الشافعي الاشتراك جملة.
والقائلون بالاشتراك اختلفوا في صفته، فالمشهور من مذهب مالك أن الاشتراك بينهما في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر لا بعد الزوال، فإذا صار ظل كل شيء مثله فهو وقت اشتراك بمقدار ما يصلي أربع ركعات، فإذا ثبت الزيادة، خرج وقت الظهر وانفرد وقت العصر، فيختص الاشراك على هذا القول بآخر وقت الاختيار للظهر، وأول وقت العصر، ثم استمر الاشتراك الضروري إلى ما قبل الغروب بمقدار خمس ركعات للحاضر، أو ثلاثًا للمسافر وهذا أصل المذهب، وقد وقع في المذهب أن الاشتراك بينهما من أول الزوال إلى آخر وقت الظهر الذي هو أول وقت العصر، وهو (وقت) متصلة غير منقسمة حكمًا، وقيل أيضًا: إن الاشتراك بعد أربع ركعات للحاضر، وركعتين للمسافر من أول الزوال تتفرد بها الظهر، (فتختص) بمقدار أربع ركعات، أو ركعتين من الزوال لاشتراكهما فيها العصر، والاشتراك ثابت فيما بعد ذلك إلى آخر وقت الظهر المختار، ثم إلى الغروب بمقدار خمس ركعات للحاضر، وثلاث للمسافر.
وذكرنا قبل عن ابن حبيب في الظهر أن آخر وقتها مقدار ما يصلي المصلي فتتم صلاته قبل تمام القامة، وأول وقت العصر لتمام القامة، ووافقنا أبو حنيفة على الاشتراك بينهما إذا صار ظل

الجزء: 1 - الصفحة: 300

كل شيء مثليه بناء على أنه وقت ضرورة اعتمادًا على ذلك.
أما الشافعي وأصحابه فأنكروا الاشتراك، واعتمدوا على مسالك: الأول: حديث ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: (ووقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر) خرجه مسلم وهو نص في نفي الاشتراك.
الثاني: قوله -على السلام -: (لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى) وهو حديث صحيح الإسناد ولعله مشترك الدلالة، فلا يقوم به قاطع.
واحتج مثبتو الاشتراك بأدلة منها: الأحاديث الثابتة في الجمع بين الظهر والعصر في السفر في أول الوقت وآخره، وذلك يدل على اشتراك الوقتين، وفيه نظر، لقيام الضرورة في هذا المحل، فلا تقوم به الحجة على محل التوسعة، ومنها حديث إمامة جبريل وفيه (أنه صلى النبي -عليه السلام -الظهر في اليوم الثاني لوقت العصر بالأمس) وصحح الترمذي إمامة جبريل، والاحتجاج به على الاشتراك فيه قولان قوله: (صلى بي) يحتمل أن يكون معناه ابتدأ أو فرع.
قوله: "إلى أن يصير الظل مثليه فذلك آخر وقت العصر": قلت: اختلف المذهب في آخر وقت العصر على روايتين: إحداهما أن يصير ظل كل شيء مثليه رواه عبد الله بن عبد الحكم عن مالك، وهو قول الشافعي

الجزء: 1 - الصفحة: 301

اعتمادًا على حديث جبريل -عليه السلام -، وفيه (أنه صلى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه).
والرواية الثانية أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس، وروى ابن القاسم عن مالك أنه أنكر التحديد بالمثلين فقال: لا أعرف ذلك ويصلي العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية لم يدخلها صفرة، قاله أحمد بن حنبل أبو حنيفة اعتمادًا على قول النبي -صلى الله عليه وسلم -في حديث عبد الله بن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم -: (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) خرجه مسلم وقال أهل الظاهر: آخر وقتها قبل غروب الشمس بركعة.
قوله: "فإذا زاد على المثل زيادة بينة خرج وقت الظهر": يعني وقت الاختيار لا الضرورة وقد نص بعد على أن الاشتراك بينهما مستمر إلى أن يصير قبل الغروب بمقدار أربع ركعات للحاضر، أو ركعتين للمسافر، فحينئذ يختص الوقت بالعصر، فيزول الاشتراك.
فكلامه في هذا الفصل الذي يليه على الاشتراك الضروري، فهما مشتركان بحسب وقتين، وهذا أوضح، فتأمله.
قوله: "ويستحب في العصر تأخيرها قليلاً في مساجد الجماعات كنحو ما يستحب في الظهر": قلت: اختلف المذهب في ذلك، فذهب جمهور أصحابنا إلى أن أداءها أول وقتها أفضل للفذ، والجماعة في الشتاء والصيف من غير تأخير.
وقد روى عن مالك استحباب تأخيرها قليلاً للجماعة، قال أشهب: أحب إلينا

الجزء: 1 - الصفحة: 302

أن يزاد على القامة ذراع سيما في شدة الحر.
قال ابن حبيب: يستحب يوم الجمعة تقديم العصر ليتعجل من يأتي الجمعة رواحه إلى أهله، وقال أبو حنيفة تأخيرها أفضل من تعجيلها، والمعتمد لنا العمل المتصل الدائم.
قوله: "وتأخيرها زيادة على ذلك مكروه": يريد ين يصلي عند الاسفرار، وقد قال -عليه السلام -: (تلك صلاة المنافقين) الحديث، وأما وقت المغرب فهو غروب الشمس، والإجماع منعقد عليه، واختلف المذهب هل لها وقت واحد أو وقتان، وفيه قولان مشهوران عن مالك نصًا واستنباطًا، والذي حكاه العراقيون من أصحابنا عن مالك أنه ليس إلا وقت واحد، وبه قال ابن المواز والشافعي، وقال أبو حنيفة: إن وقتها موسع إلى مغيب الشفق قال ابن مسلمة: أول وقتها غروب الشمس، ومن شاء تأخيرها إلى مغيب الشفق كان له ذلك، وغيره أحسن منه.
وجعل القاضي التأخير للمسافر الميل ونحوه من باب الرخص والأعذار، ورخص غيره الميلين ونحوه.

الجزء: 1 - الصفحة: 303

وسبب الاختلاف في ذلك اختلافهم في الطرق في حديث جبريل، ففي بعضها أنه صلاها في اليومين في الوقت الواحد، وفي بعضها أنه صلاها في وقتين، وفي صحيح مسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم -: (ووقته ما لم يسقط نور الشفق).
فرع: القائلون باتساع وقتها اتفقوا على أن تعجيلها أفضل، وحكى ابن حارث الإجماع على ذلك.
وحكى عن مسلم بن الحجاج النيسابوري الإمام صاحب المسند الصحيح أنه أخرها ليلة حتى بدأ النجم ففتح باب داره للعراء ورآى أنها مصيبة في الدين، وأعتق بعض السلف عن ذلك رقبة، وهذا يدل على أن التعجيل بصلاتها ثابت.
ثم تكلم على وقت العتمة، وقد انعقد الإجماع على أن أول وقتها مغيب الشفق.
واختلف في الشفق، والمشهور عن مالك أنه الحمرة،

الجزء: 1 - الصفحة: 304

وروى عن ابن القاسم في أسماع أنه البياض، والصحيح أنه مشترك لغة لا شرعًا.
واختلف المذهب في آخر وقتها، فقيل: ثلث الليل الأول وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وروى عن مالك أن آخر وقتها نصف الليل قاله ابن حبيب، وهو أحد قولي أبي حنيفة، وقد روى عن مالك أن آخر وقتها قبل طلوع (الفجر) بأربع ركعات، وهو قول داود، ورواية ابن وهب.
وسبب الخلاف في ذلك اختلاف كثير الأحاديث منها حديث جبريل أنه صلاها بالنبي -عليه السلام -في اليوم الثاني ثلث الليل ومبناه على قوله -عليه السلام -: (لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل) وقال عمر بن

الجزء: 1 - الصفحة: 305

الخطاب: فإن أخرت فإلى شطر الليل الحديث وقال -عليه السلام -: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) الحديث.
واختلفوا هل المستحب تعجيلها أو تأخيرها، وفي المذهب فيه قولان، فروى ابن القاسم عن مالك أن تعجيلها أفضل، وكره تأخيرها إلى ثلث الليل اعتمادًا على قوله -عليه السلام -لما سئل عن أفضل الأعمال فقال: (الصلاة لأول وقتها) وهو قول الشافعي، وروى العراقيون من أصحابنا أن تأخيرها أفضل وبه قال أبو حنيفة اعتمادًا على قوله -عليه السلام -: (لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى آخر الليل) قال: ذلك حين أخرها ليلة حتى ذهب عامة الليل.
قوله: "ووقت (الصبح) طلوع الفجر الثاني": يعني الفجر الصادق، وأجمع جمهور العلماء على أن الفجر الكاذب المسمى ذنب السرحان لا مدخل له في حكم الصلاة، ولا الصيام، وقد قيل في ذلك: ثلاثة طوالع متوالية، فالحكم معلق على وسطها قياسًا على الغوارب، وقاس آخرون الغوارب على الطوالع، وهو قياس ضعيف لأن كلا الأصلين مختلف فيه، فالأصح ألا يقاس عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 306

قوله: "والتغليس بها أفضل": قلت: هذا مذهب مالك وأصحابه جميعًا، ولا خلاف عنه ذلك اعتمادًا على ثبوت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم -من حديث عائشة وغيرها، ولمداومته عليه، وهذا من أدل الدلائل على أنه أفضل، لأنه لا يداوم إلا على الأفضل، وقد روى أبو حنيفة وغيره أن الإسفار بها أفضل لقوله -عليه السلام -: (أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر) وتأويله أحمد بن حنبل على أن الأسفار طلوع الفجر وتعيينه.
وهو بعيد.
واختلف المذهب في آخر وقتها، فقيل: طلوع الشمس، وقيل: الإسفار البين وكلا القولين مستقر من أجوبة مالك فيمن رجا أن يدرك الماء قبل طلوع الشمس أنه يتيمم، فلو كان ما بعد الإسفار وقت اضطرار لما أخرت

الجزء: 1 - الصفحة: 307

الصلاة إليه، ويوجب التيمم محافظة على الوقت الاختياري قاله القاضي أبو الوليد.
وفيه نظر.
لأن الاضطرار مستقل بحكمه فلا يكون كمحل التوسعة.
وروى ابن نافع عن مالك في المسافرين يقدمون الرجل يصلي بهم فيسفر بهم لصلاة الصبح قال: يصلي الرجل أول الوقت أحب إلي، وهذا يدل على أن وقت الإسفار وقت الاضطرار، قاله القاضي أبو الوليد أيضًا، وهو ضعيف، لأن الترجيح في محل الاختيار ممكن باعتبار شيئين يتواردان على ذلك المحل، فيكون أحدهما أولى بالاعتبار.
قوله: "وأما المثل في العصر، ومغيب الشفق في العشاء الآخرة فهو في الرفاهة والاختيار": إشارة إلى ما ذكر من جواز الجمع للمسافر في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء إذا جد به السير.
وسنفصل ذلك في موضعه.
فصل قال القاضي -رحمه الله -: "فأما أوقات الضرورة والتضييق فهي (لخمسة) للحائض تطهر" إلى آخره.
شرح: الأصل في هذه الأوقات قوله -صلى الله عليه وسلم -في حديث أبي هريرة وغيره: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» وفي بعض طرقه: «من أدرك ركعة من الصبح فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» وقد اختلف قول مالك في هذا الحديث، فمرة حمله على العموم في أصحاب الضرورات وغيرهم، والمشهور عنه أنه مخصوص بأصحاب الأعذار جمعًا بين ظاهره، وظاهر قوله -عليه السلام -: «تلك صلاة

الجزء: 1 - الصفحة: 308

المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا كانت الشمس بين قرن الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) الحديث.
وثبت الذم على التأخير، أو عليه مع غيره فدل على أن التضييق في المفهوم من ظاهر الحديث الأول منعه، فكأن ذلك قرينة دلت على أن الأول مخصوص بأصحاب الأعذار.
وقد اتفق جمهور العلماء على أن تأخير العصر إلى الاصفرار مكروه، ونص المالكية على أنه مؤد حينئذ آثم، وفي إجماع الأداء والمأثم نظر، فإذا ثبت ما ذكرناه فقد اختلف المذهب في الركعة المشار إليها في هذا الحديث، فقيل: الركعة بسجدتيها، لأنه المفهوم الشرعي، وقيل: مجرد الركوع، وهو المفهوم اللغوي، والقولان في المذهب مبنيان على الاختلاف في (العرفين) المتعارضين أيهما يغلب، والظاهر تغليب العرف الشرعي على اللغوي، لأن تقديم الأحكام (الشرعية) يتنزل الخطاب مقتضى عرفه، وفي هذا الحديث دليل على أن الركعة أقل ما يكون بها المدرك مدركًا.
وبه قال الجمهور من أهل العلم، وقال الشافعي وأبو حنيفة من أدرك (تكبيرة) قبل غروب الشمس فهو مدرك للعصر عند الشافعي بناء منه على أن أواخر الأوقات مشتركة.
وفي حديث عائشة: (من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك

الجزء: 1 - الصفحة: 309

الصلاة) الحديث، وتفسير الراوي مرجوع إليه.
وذكر أصحاب الضرورات وهم ستة وصور العكس في قسمين منهم وهو قسم الطاهر تحيض، والمفيق يغلب، قال: ويمكن تصويره في الناسي، وبسط ذلك يطول، هذا أيضًا من المشكلات التي عادًة الطلبة يتذاكرون فيه.
قال القاضي -رحمه الله -: "وبسط ذلك يطول" إشارة إلى الناسي وحده ويمكن أن يكون إشارة إلى الجميع، ولم يذكر المسافر في أصحاب الأعذار، وذكره أصحابنا، ويتصور فيه العكس، فتصوير العكس في ثلاثة أقسام من أصحاب الأعذار، ونحن نبسط ذلك فنبدأ بالحائض.
ولا شك أن (الحيض) مانع من الصلاة، فإذا ذهب المانع عنها، وبقي من النهار بقدر خمس ركعات فأكثر، وجب عليها الظهر والعصر لإدراكها وقتهما أربعًا للظهر، وركعة يدرك بها العصر لقوله -عليه السلام -: (من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب فقد أدرك العصر) فإن بقي مقدار أربع ركعات إلى واحدة (لم تسقط) عنها الظهر لأنها كانت في وقتها أيضًا ووجبت عليها العصر لإدراكها لها بركعة منها، فإن كانت مسافرة (فالتقدير) في حقها بثلاث ركعات، وعكس هذا أن تحيض الطاهر، وقد بقي من النهار مقدار خمس ركعات فأكثر، سقط عنها الصلاتان، لأنها حاضت في وقتهما، وأربع ركعات قبل طلوع الفجر في حق المسافر والحائض في الليل بخمس قبل غروب الشمس في صلاة النهار في حق الحائض، أو ثلاث في حق المسافر، فقد ظهر في الحائض الموجب والمسقط، وكذلك المغلوب يفيق وعكسه المفيق يغلب، والأمر في ذلك على

الجزء: 1 - الصفحة: 310

ما بسطناه، فالإفاقة موجبة، والإغماء مسقط، وقد بين القاضي أن مانع الانعكاس في حق الصبي حسي، وفي حق الكافر شرعي.
قوله: "وأخذ في حال التضييق بما يؤخذ به الكافر الأصلي": يعني من اعتبار الركعة الواحدة قبل الغروب للعصر، والخمس فما دونها، فجعل حكم المرتد إذا دعى إلى الإسلام كحكم الكافر الأصلي من حيث إنه لا يؤخذ بقضاء ما فاته، وهذه العلة موجودة في الحائض التي يتصور فيها العكس فعلى مقتضاها يجب تساويهما من جهة التغليب، ومن المعلوم أنهما مفترقان.
وأما الناسي، فيتصور فيه صورتان: الأولى: أن يقال لم أدخله مع أصحاب الضرورات، ومن المعلوم أن القضاء واجب عليه أبدًا.
الثانية: في تصوير العكس فيه.
والجواب عن الأول أنه إنما أدخله فيهم ليبين حكم الأداء والقضاء، وذلك أنه إذا ذكر قبل غروب الشمس بمقدار خمس ركعات فما زاد وجب عليه الظهر، والعصر، وكانت أداء لا قضاء، وإن ذكر أربع ركعات فأقل، كانت الظهر قضاء والعصر أداء، وإن ذكر بعد غروب الشمس وجبتا عليه، وكان قاضيًا، فيشترك الناسي مع أهل الأعذار في أمرين: الأول: رفع الإثم وهو معنى عام الثاني: خصوص الأداء، فإذا ذكر بمقدار خمس ركعات فأكثر من صلاة النهار أو ثلاث في حقه إن كان مسافرًا فهو مؤد فيهما، وإن كان أقل من ذلك فهو قاض للأولى على ما ذكرناه، مؤديًا للثانية إن بقي لها مقدار ركعة فإن ذهب الوقت فهو كما قدمناه قاض فيهما، وينفصل الناسي عن أهل الأعذار بوجوب القضاء أبدًا من غير تقييد بوقت، فإن قيل: إذا وجب عليه الفعل مطلقًا، فما فائدة قوله: "قضاء أو أداء" قلنا: تظهر فائدته فيما إذا [تذكر] صلوات منسيات مع حاضرة الوقت، وكان الوقت ضيقًا فإن كانت أداء فهل يبدأ بالحاضرة أو بالمنسية، يجري فيه الخلاف المعلوم، ومشهور

الجزء: 1 - الصفحة: 311

المذهب أنه يبدأ بالفوائت إن كانت يسيرة، وإن أدى ذلك إلى فوات وقت الحاضرة وإن كانت الفوائت كثيرة بدأ بالحاضرة.
وأما إذا كانت الصلاة قضاء فهو من باب ترتيب المتروكات بعضها من بعض، وقد وقع في المذهب أنها أداء في حق النائم والناسي مطلقًا لقوله -عليه السلام -: (فإن ذلك وقتها) وهذا حكم الناسي يذكر، وأما عكسه فهو الذاكر ينسى، ومعلوم أنه غير مكلف حال النسيان، فهو ينتظر الذكر، فإذا ذكر وجب عليه فعل الصلاة، وههنا ينظر هل ذكر بعد بقاء الوقت، أو بقاء بعضه، أو انقضائه جملة، ويترتب على ذلك هل هي قضاء أو أداء، ويجري على ما قدمناه إذا ذكر منسيات سابقة مع المنسية الحاضرة، والله المستعان بفضله.
وههنا فروع تتعلق بأصحاب الأعذار.
الفرع الأول: هل يعتبر وقت الركعة بعد زوال المانع فقط، أو بعد زوال المانع، وتحصيل الشرط من الطهارة، أو ستر العورة فيه قولان في المذهب في جميع أصحاب الضرورات، أحدهما: أن التقدير معتبر من وقت زوال المانع فقط، وقيل: هو (تحصيل) الشرط، ومبنى المسألة على الخلاف في الطهارة هل شرط في الوجوب أو شرط في الأداء.
وأنكر بعض الشيوخ

الجزء: 1 - الصفحة: 312

الخلاف في الصبي والحائض بناء على أنهما غير مكلفين، والخلاف فيه عنه غير جار فيهما، وأجراه غيره في جميعهم، بناء على ما ذكرناه.
وأصل المذهب أنه في بعضهم أشهر منه في بعض، والمشهور في الكافر تحصيل الشرط في حقه غير معتبر لاشتهار الخلاف فيه هل هو مكلف بفروع الشريعة أم لا؟ واختلف في المغمى عليه فهو عند مالك كالحائض وعند عبد الملك (كالكافر).
فرع: إذا وقع الخطأ في التقدير مثلاً أن تقدر الحائض أنه بقي من النهار خمس ركعات ثم تغرب الشمس قبل ذلك، فإنها تعمل على ما بينت في الوجود على التقدير، فإن أمكنها (قبل) الغروب فعلت، وإلا سقطت عنها الصلاتان، لأنها في وقتهما غير مكلفة، وكذلك الحكم في بقية أصحاب الأعذار، ولو قدر ضيق الوقت فكشف لها اتساع الوقت في الصلاة قطعت، وهل تقطع على شفع أو على وتر فيه قولان في المذهب، الأظهر أنها تشفع الركعة نافلة إن كان في الوقت سعة، وإلا قطعت على وتر [وصلت] صلاتها التي ذكرت وقتها.
فرع: إذا أحرمت بالعصر قبل الغروب بركعة، فلما كانت في آخر ركعة بعد غروب الشمس حاضت، فهل تقضي العصر أم لا؟ قال سحنون تقضيها لأنها حاضت بعد خروج وقتها، وقال أصبغ لا قضاء عليها،

الجزء: 1 - الصفحة: 313

والأول أظهر، لأن إدراك الوجوب حاصل بإدراك الركعة الواحدة.
فرع: إذا ظهرت الحائض بماء نجس لمتعلم بنجاستها فصلت الظهر والعصر لإدراكها وقتهما الضروري، ثم تبين لها ذلك بعد الصلاة، فهل يلزمها القضاء أم لا؟ أما إن كانت مجتهدة ففي وجوب القضاء عليها قولان مبنيان على الاختلاف في الاجتهاد، هل يرفع الخطأ أم لا؟ وإن كانت عامدة وجب عليها اتفاقًا.
قوله: "وما قصر عن ذلك فليس بإدراك": تحرزًا من مذهب المخالف.
وكلام القاضي يقتضي أن تحصيل الشرط معتبر في حق الحائض والمغمى عليه، والصبي والكافر يسلم، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك وأصل ابن القاسم أن الكافر تغلظ عليه، ويعتبر له من وقت الإسلام بخلاف غيره من أهل الضرورات، إذ الكافر غير معذور كما قال القاضي.
وذكر الخلاف فيما إذا أدرك أربع ركعات قبل طلوع الفجر هل يصلي المغرب والعشاء فقط، وذلك بناء على الاشتراك أو نفيه، فمن جعل الوقت الآخر لصلاتين أسقط المغرب لفوات وقتها، ومن جعله مشتركًا أوجب عليه المغرب لإدراك وقتها لثلاثة والعشاء لإدراكها بواحدة وقد قال -عليه السلام -: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة).
قوله: "وأما المسافر ينسى في سفره الظهر والعصر": وهذا الفصل ظاهر، وحكم الذاكر بعد السهو اعتبار الوقت، والبناء عليه، اتساع أو ضيق فيصلي على نحو ما بقدره بعد انقضاء الوقت جملة قضاء على نحو ما أوجب عليه، وإن كان الوجوب صلاها حضرية، وإن كان مسافرًا صلاها سفرية، فإذا أراد تكميلها جاز للمسافر الذاكر في حال سفره التيمم على أصل المذهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 314

باب في الأذان والإقامة

قال القاضي -رحمه الله -: "وهما سنتان غير واجبتين".
شرح: الأذان في اللغة هو: الإعلام وفي الشريعة: الإعلام بدخول (أوقات) الصلاة.
وقد اختلف العلماء في طريق ثبوته، فقيل: الوحي في اليقظة، وقيل: في المنام، وقيل: الاجتهاد، وقد قيل: في قوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا﴾ [المائدة: 58] أن يهوديًا كان سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله يقول: أحرق الله الكاذب فدخلت جاريته بنار فطارت منها شرارة فاحترق البيت بجميع من فيه.
وقد جاء في الصحيح أن المسلمين لما كثروا أرادوا أن يجعلوا علمًا على أوقات الصلاة، وذكر أشياء يفعلونها فقال بعضهم: تتخذ ناقوسًا وقال

الجزء: 1 - الصفحة: 315

بعضهم: نورم نارًا، وقال بعضهم: كذا.
واختلفت آراؤهم فرأى عبد الله (بن) زيد الأذان في صورة طويلة معلومة، وذكر البزار وغيره من علماء الإسناد أن النبي -صلى الله عليه وسلم - (سمع الأذان ليلية الإسراء) واختلف العلماء في حكمه، والجمهور أنه ليس بواجب في مساجد الجماعات، وأما إقامته في مصر الإسلام، فاتفق العلماء على وجوبه، وقسمه آخرون من المالكية أقسامًا فقالوا: منه واجب، ومسنون، ومختلف فيه، ومندوب، ومكروه، ومباح.
فالواجب الأذان في المصر في موضع واحد، والمسنون الأذان في مساجد الجماعات على الأشهر من المذهب قال مالك: "يجب النداء في مساجد العشائر والجماعات" واختلف الأشياخ في مفهومه فقال

الجزء: 1 - الصفحة: 316

بعضهم: هو وجوب السنن، وقال بعضهم: وجوب الفرائض، (والمختلف فيه) الأذان في مساجد المحلة ولمندوب الأذان في البادية اعتمادًا على حديث مالك بن الحويرث وعلى حديث أبي سعيد الخدري، ويحمل عندنا على الندب خلافًا لمن حمله على الإيجاب تمسكًا بظاهره.
واختلفوا في المكروه فقيل: هو أذان المرأة، وقيل: إنه مباح، وقيل: إنه مندوب إليه كأذان الرجل، وقد صح أن عائشة كانت تأذن وتقيم ذكره ابن

الجزء: 1 - الصفحة: 317

المنذر وذلك بناء على أنها تؤم وقد قال [به] كثير من أهل العلم، وكذلك رأى إسحاق أن على النساء الأذان والإقامة، وقال الشافعي عليهن الإقامة، فإن أذن فحسن، وقال مالك: لا أذان عليهن فإن أقمن فحسن وذكر أبو بكر بن فورك أن أم ورقة الأنصارية كانت تؤم أهل دارها في الفرائض وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يقول: (انطلقوا بنا إلى الشهيدة نزورها وأمر أن يؤذن لها ويقام) وإنما سماها رسول الله -صلى الله عليه وسلم -شهيدة لأنها قتلت في أيام عمر، قتلها غلام وجارية لها، فأتى عمر بن الخطاب فصلبهما، فكانا أول مصلوبين بالمدينة.
قال عمر: صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وكان يقول: (انطلقوا بنا إلى هذه الشهيدة نزورها) فكان ذلك كما قال، فهو من معجزاته الإخبارية، ذكره ابن فورك في كتاب الفصول وذكرناه في تأليفنا المنقول من معجزات الرسول.
والمباح أذان الرجل في داره لا ينتظر جماعة، واختلفوا في أذان يوم الجمعة هل هو واجب وجوب الفرائض أو وجوب السنن المؤكدة، فأصل

الجزء: 1 - الصفحة: 318

مذهب مالك الأذان فيه فرض كفاية لا فرض على الأعيان.
قوله: ((والأذان في الصبح تسع عشرة كلمة)): كما ذكره.
وقد اختلف العلماء في ذلك، وأصل مذهب مالك، وأهل المدينة أن الأذان كله مثنى إلا الشهادتين فإنهما مربعة، اعتمادًا على العمل الجاري بالمدينة، واختلف أصحاب مالك هل المستحب في الشهادة أن يبدأ بها منخفض الصوت، ثم يرفع، أو لا يرفع الصوت الأول، قاله جمهورهم، اعتمادًا على حديث أبي محذورة العمى، (واختار) المكيون والشافعي تربيع التكبير والشهادتين فقط وباقية مثنى، واختار البصريون تربيع التكبير وتثنية الشهادتين وما بعدها ثلاث مرات إلى قوله: حي على الفلاح جملة واحدة ثلاث مرات نسقًا من غير فصل فتقول: الله أكبر أربع مرات، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح،

الجزء: 1 - الصفحة: 319

ثم ذكر مرة ثانية ثم ثالثة وبه قال الحسن وابن سيرين.
واختار الكوفيون تربيع التكبير وتثنية باقي الأذان، وكل هذا الاختلاف مسند الأحاديث المختلفة والعمل.
قوله: (((ويزيد في النداء الصبح) الصلاة خير من النوم)): وهذا مذهب مالك وأصحابه، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يزيدها في الصبح.
وهو باطل لثبوتها عن السلف من الصحابة، ولم يكونوا ليتفقوا على الخطأ، وقد قيل: إنها كانت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأشهر أنها قيلت في عهد عمر بن الخطاب بأمره.
وأما الإقامة فمفردة كلها إلا التكبير

الجزء: 1 - الصفحة: 320

فإنها مثنى.
واختلف المذهب في قوله: ((قد قامت الصلاة)) هل تثنى أو تفرد فيه قولان في المذهب مبنيان على اختلاف الأحاديث.
قوله: ((ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح)): وهذا كما ذكره، وإنما أجاز مالك النداء لها قبل الصبح لقوله -عليه السلام-: (إن بلالاً ينادي بليل) ولأنها صلاة تأتي في وقت غفلة، وإذا قلنا بذلك فمتى يؤذن؟ فقيل: ثلث الليل وقيل: سدسه، وقيل: شطره، وقيل: بإثر صلاة العتمة إذا صليت في الوقت المختار، وهي رواية أبي بكر الوقار عن مالك وهي ضعيفة (ولا) (كان) المؤذن مأمورًا بها، وقد اختلف العلماء هل هي واجبة أو مستحبة، وهو المشهور عن مالك وهل يحكيه المصلي فيه ثلاثة

الجزء: 1 - الصفحة: 321

أقوال، فقيل: إنه يحكيه في الفريضة والنافلة [وقيل: لا يحكيه لا في فرضها ولا في نفلها] وقيل: يحكيه في النافلة دون الفريضة ومنتهى الحكاية عندنا الحيعلة فقط، ويقول عند ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله وفيه خلاف بين العلماء، مذهب مالك ما ذكرناه.

الجزء: 1 - الصفحة: 322

باب العمل في الصلاة

قال القاضي -رحمه الله-: ((الصلاة مشتملة على فروض وسنن وفضائل)).
شرح: ذكر القاضي في هذا الباب جملة كلية، وحصر في ذلك ضابط المذهب، وتبين مقصوده بالاتصال والانفصال حيث قال: ((ونريد بالانفصال جواز تقديم فعلها، وأنها مكتفية بنفسها، وذلك يتم في الطهارة)) يعني (أن) كل واحد منهما مطلوب لغير الصلاة.
وأما الطهارة فتطلب لمس المصحف وغير ذلك، وأما ستر العورة فمطلوب على أعين الخلق، ولا تزيده الصلاة فريضة.
ثم قسم الفروض إلى قسمين مطلق ومقيد، فالأول كالطهارة، وقد أجمع العلماء على أنها واجبة للصلاة.
قال تعالى: ﴿ياأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغتسلوا﴾ الآية، وثبت عنه -عليه السلام- أنه قال: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور).
وقد انعقد الإجماع على وجوبها، لكن اختلفوا هل هي شرط في الوجوب أو في الأداء، على ذلك نشأ الخلاف في حكم من فقد الماء والصعيد، وفي المذهب فيه خلاف أشار إليه القاضي، تحصيله هل تجب عليه الصلاة أولاً فيه قولان: أحدهما: ليست بواجبة، لأن وجوبها موقوف على شرط متعذر بتعذر الوجوب.
الثاني: أنها واجبة بناء على أن الوجوب محقق بشرط وجوب العقل، والطهارة المشترطة في الأداء، وإن تعذرت، فلم يتعذر الإيماء إليها.
وإذا قلنا إنه يومئ إلى الماء أو إلى التراب فيه قولان أحدهما: إنه إلى الماء إيجابًا، لأنه الأصل.
الثاني: أن له الإيماء إلى الماء، وإلى الصعيد، إذ هو بعدم الماء من أهل الإباحة، وإذ قلنا: إنه يصلي فهل يعيد إذا وجد الماء أو الصعيد أم لا؟ فيه قولان: في المذهب: أحدهما:

الجزء: 1 - الصفحة: 323

الإعادة إيجابًا، لأن الفعل الأول غير واقع بشرطه.
الثاني: إسقاط الإعادة، لأنه فعل أولاً جهد مقدوره، وإذا قلنا إنه لا يصلي فهل يقضي أم لا؟ فيه قولان: إيجاب القضاء ونفيه، والصحيح أن الإيماء بعد ذهاب الوقت مفتقر إلى دليل.
قوله: ((والنية فرض مطلق)): وهذا كما ذكره، ويكتفي من النية اعتقاد التقرب، وقال الجوهري يلزمه أن يستحضر عند تكبيرة الإحرام دلائل التوحيد، وأصل العقائد، وهو سبيل إلزام في حق آنس بالبرهان.
قوله: ((ولا تصح الصلاة مع تركها على وجه)): تحقيق معنى الفريضة، لكن اختلفوا هل يفتقر كل جزء من أجزائها، وعدد من اعداد ركعاتها إلى نية، أو تستحب النية في جميع أركانها، وفيه قولان في المذهب.
قوله: ((وأما إزالة النجاسة فاختلف هل هي من شرط الصحة أو ليس من شرطها)): قلت: اختلف العلماء في حكم إزالة النجاسة بعد اتفاقهم على أنها مطلوبة شرعًا، فقال الشافعي وأبو حنيفة: إزالة النجاسة من الثوب والجسد والبقعة واجبة للصلاة على الإطلاق، وقال قوم: إنها ليست بواجبة، واضطراب المذهب في ذلك، فروى ابن وهب عن مالك أنها فرض على الإطلاق، ومن صلى بها أعاد أبدًا على كل حال، وقال قوم من أهل العلم

الجزء: 1 - الصفحة: 324

سنة على الإطلاق وهي رواية أشهب عن مالك، زمن صلى بها عامدًا أو ناسيًا أعاد في الوقت (وروى ابن القاسم عن مالك أن إزالتها واجبة مع الذكر ساقط مع النسيان فمن صلى بها عامدًا أعاد في الوقت) وبعده، ومن صلى بها ناسيًا أعاد في الوقت فقط وهو المشهور في المذهب وذكر القاضي أبو محمد في شرح الرسالة أن المذهب كله متفق على أنها فرض، وإنما الخلاف في الإعادة هل هي شرط في صحة الصلاة أم لا؟ واحتج القائلون بالوجوب مطلقًا بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ الأصل بقاؤه على ظاهره، أما السنة فحديث [القبرين] وفيه (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر على قبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما كان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله) الحديث، وانفصل الأولون عن الاحتجاج بالآية بأن المراد بالثياب القلب، والمراد خطاب الأمة، فتوجه إلى النبي -عليه السلام-، والمعنى أمته، وإنما رجحوه وإن كان مجازًا من حيث إن هذه السورة أول ما أنزل من القرآن ولم تجب الصلاة حينئذ، وإذا لم يكن المشروط مفروضًا فكيف يتوجه فرضية الشرط، وفيه نظر وأما حديث القبرين فأسقطوا الاحتجاج به بناء على اختلاف رواياته، لأن بعضها (فكان لا يستبرئ من بوله) وكان في بعضها (((لا يستبرئ))) ولا تقوم الحجة

الجزء: 1 - الصفحة: 325

بالمحتمل، وإنما من أسقط الوجوب حمل الأمر على وجه الندب، وتبقى الثياب على ظاهرها، وأثبت الندبية بصيغة الطلب الذي مقتضاها ترجيح المطلق معتمدًا على حديث (سلا جزور) روى أن المشركين وضعوه على ظهر النبي -عليه السلام- فلم يقطع صلاته ولم يعد، والغالب أنه لا بنفك من دم، وأما ابن القاسم فاعتمد على حديث على حديث النعلين، (وأنه -عليه السلام- خلع نعليه فخلع الصحابة نعالهم فسألهم عن ذلك فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: أخبرني جبريل أنه فيها قذرًا) الحديث خرجه أبو داود وغيره.
قوله: ((فأما ما كان على الثوب فلا يتوجه عليه فرض إلا في ترك محله)): يعني الثوب الحامل للنجاسة.
قوله: ((إن اختار المحل)): يعني إن اختار المصلي الثوب الحامل للنجاسة، فيجب عليه غسلها منه، ثم يصلي فيه بعد، وذلك عندما يكون واجدًا لغيره من الثياب، فهل له أن يتركه جملة، وينتقل عنه إلى غيره من الثياب الطاهرة.
قوله: ((أو وجب)): يعني إذا لم يجد ساترًا لعورته فيتعين عليه غسله، ثم الصلاة فيه، إذ لا تجوز الصلاة عريانًا مع القدرة على السترة.
قوله: ((وحكم ستر العورة حكم إزالة النجاسة، إلا أنه لا يتصور فيه الترك)): يعني أنه قادر على رفض الثوب النجس، وليس بقادر على رفع حكم العورة فلا يتصور فيها المحل إلا فعل السترة لا ترك على حكم المستور، بخلاف إزالة النجاسة من الثوب، فإنه يتصور فيه رفض الثوب مطلقًا، أو فعل الإزالة منه، وسيجئ الكلام في تفصيل العورة المأمور بسترها إن شاء الله.
قال القاضي -رحمه الله-: ((وأما استقبال القبلة ففرض)) إلى قوله: ((والواجب من التسليم)).
شرح: الأصل في استقبال القبلة قوله تعالى {قد نرى تقلب وجهك في

الجزء: 1 - الصفحة: 326

السماء} [البقرة: 144] الآية وسبب نزول الآية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي إلى الكعبة، ثم لما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس بضعة عشر شهرًا، ثم حولت القبلة إلى الكعبة فقال قريش: قد حار محمد في أمره فأنزل الله هذه الآية.
وأما السنة فقد ثبت أنه -عليه السلام- (قال): (ما بين المشرق والمغرب قبلة) إذ لا يستقبل نحو البيت وقال -عليه السلام-: (من استقبل قبلتنا وأكل دبيحتنا فذلك المسلم) وأجمعت الأمة على أن التوجه نحو البيت فرض على المصلين مع القدرة.
قوله: ((وهو في (حال) المسايفة)): تنبيهًا على حال الضرورة، ومن المعلوم إن حال محل الضرورة فيسقط فيه المعجوز عنه من استقبال القبلة، والركوع والسجود وغير ذلك.
وفرق القاضي بين المعاين والغائب عن القبلة، أما المعاين فالفرض عليه عين القبلة، وأما الغائب فهل الواجب عليه عين

الجزء: 1 - الصفحة: 327

القبلة أم يجتهد، اختلف العلماء فيه، وفي المذهب فيه قولان، وكذلك اختلفوا هل الفرض على الغائب الاجتهاد والإصابة وفيها أيضًا قولان، وعليهما ينشأ الخلاف في وجوب الإعادة على من صلى إلى غير القبلة.
قوله: ((وكذلك المتنفل على دابته في سفر القصر)): معناه أن المتنفل إلى غير القبلة جائز لأن النبي يفعل ذلك.
واختلف المذهب هل يجوز ذلك في كل سفر أو في السفر تقصر فيه الصلاة فقط فيه قولان في المذهب.
قوله: ((وإذا اجتهد مع القدرة فصلى ثم بان له غلطه فالإجزاء حاصل)): تحصيل القول في المصلى إلى غير القبلة أنه إما أن يفعل ذلك عامدًا أو مجتهدًا أو ناسيًا أو جاهلاً، فالعامد يعيد أبدًا.
واختلف المذهب في الجاهل هل حكمه حكم العامد أو حكم الناسي أم لا؟ فيه قولان أحدهما: أنه يعيد أبدًا، وهو المشهور من المذهب.
والثاني: أنه يعيد في الوقت، لأن النسيان غير مؤاخذ به في الشريعة.
وإن فعل ذلك مجتهدًا، ثم تبين له الغلط فلا يخلو أن يرجع إلى يقين أو إلى ظن فإن رجع إلى يقين ففي المذهب قولان: أحدهما الإعادة أبدًا، وهو قول أصبغ.
والثاني: الإعادة في الوقت، ومبناهما على الخلاف في تصويب المجتهد، وظاهر الكتاب الإعادة في الوقت فقط، وإن رجع إلى ظن ففي افعادة في الوقت قولان أحدهما أنه يصلي إلى الجهات الأربع.
الثاني: أنه يتحرى ويجتهد ويصلي إلى الجهة الواحدة لا غير، وعلى هذا تتخرج مسألة الأواني المختلطة.

الجزء: 1 - الصفحة: 328

قوله: ((فأما أركان الصلاة التي هي منها فتسعة)): وهذا كما ذكره، وقد ضبط ابن أبي زيد وغيره أحكام الصلاة فقال: ((أفعالها كلها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين والجلسة الأولى، والتيامن في السلام، وأقوالها كلها سنن إلا ثلاثة: تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن والسلام)).
ثم ذكر أن النية المعتبرة هي المقارنة أو المتقدمة المستصحبة لا المتأخرة، وقد تقدم في كتاب الطهارة حكم النية تتقدم الفعل.
قوله: ((ولفظ التكبير متعين)): وهذا هو حقيقة مذهب مالك -رحمه الله- لقوله -عليه السلام-: (وتحريمها التكبير) وقصره مالك على هذا اللفظ، واشتق الشافعي من لفظ الله أكبر كل ما في معناه بشرط حروفه.
وأجاز أبو حنيفة كل ما فيه تعظيم من فظ ((الله أكبر)) وغيره وقيد القاضي على مذهب إمامه.
قوله: ((وهو فاتحة الكتاب لا يجزئ غيرها في كل ركعة)): وفي هذا الكلام تنبيه على خلاف عام وخلاف مذهبي.
قوله: ((لا يجزئ غيرها)): تنبيه على مذهب أبي حنيفة لأنه أجاز القراءة بما تيسر اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ [المزمل: 20].
قوله: ((في كل ركعة)) تنبيه على خلاف مذهبي، وذلك أن المذهب اختلف هل القراءة فرض في كل ركعة، أو في جل

الجزء: 1 - الصفحة: 329

الصلاة، أو في ركعة واحدة فقط، وعلى ذلك اختلف المذهب فيمن تركها من ركعة أو من ركعتين.
وقد روى عن ابن زياد أن القراءة في الصلاة غير مشترطة اعتمادًا على قول عمر بن الخطاب حين صلى ولم يقرأ قال: (كيف كان الركوع والسجود قالوا: لا بأس به قال فلا إذًا) وقد ضعف هذا الحديث، وتأوله على أنه ترك الجهر بقراءة أم القرآن، ولم يترك القراءة.
وقد روى أنه أعاد هذه الصلاة.
وحكى ابن الجلاب وغيره فيمن ترك أم القرآن في ركعة (ثلاث) روايات، وذلك في حق الإمام والمنفرد دون المأموم.
وقال أبو بكر من تركها في ثلاث ركعات قرأها مرارًا في الرابعة.
قوله: ((والاعتدال في الركوع والسجود واجب)): تنبيهًا على وجوب الطمأنينة وهو مذهب الجمهور اعتمادًا على حديث الأعرابي وفيه: (اركع

الجزء: 1 - الصفحة: 330

حتى تطمئن راكعًا).
قوله: ((ولم نعده فرضًا زائدًا على الركوع)): الضمير في ((نعده)) عائدًا على اعتدال، ومعنى الكلام أنه داخل في قسم الركوع والسجود فوجوبهما يعني عن تخصيصه بالوجوب.
قوله: ((ويسجد على جبهته وأنفه)): هو كما ذكره، والأصل فيه قوله -عليه السلام-: (أمرت أن أسجد على سبعة آراب) الحديث وأشار إلى جبهته وأنفه، فإن كان سجوده عليهما معًا فلا خلاف في إجازته، وإن سجد على أحدهما فقط، ففيه ثلاثة أقوال في المذهب: الأول: الإجزاء مطلقًا على أيهما سجد، والثاني: نفي الإجزاء مطلقًا بناء على أنهما مشترطان بالنص، والقول الثالث: وهو المشهور أنه إن اقتصر على الجبهة أجزأه،

الجزء: 1 - الصفحة: 331

وإن اقتصر على الأنف لم يجزه.
قوله: ((والاعتدال في القيام للفصل بينهما مختلف فيه)): عائد على الركعتين المتجاورتين كالسجدتين، والفصل بين الركوع والرفع منه، والإهواء إلى السجود ونحو ذلك.
قال القاضي -رحمه الله-: ((والواجب من التسليم مرة ولفظه متعين)) إلى قوله: ((وفضائلها سبع)).
شرح: السلام واجب لأنه محلل مما وقع التحريم له بالتكبير لقوله -عليه السلام-: (تحليلها التسليم)، واختلف الفقهاء هل مقتضاه (الحصر) أم لا؟ وإنما كان الواجب مرة واحدة، لأنه فاصل يقع به التحليل المقصود منه.
قوله: ((ولفظه متعين)): تنبيهًا على مذهب المخالف لأنه أجاز التحليل بكل مناقض من قول أو فعل حتى الضرطة وشنع عليه بعض الشافعية، ويرى الخروج من الصلاة بضرطة البتة.
ولو أتي به منكرًا فقال: ((سلام عليكم)) فهل يجزئه أم لا؟ فيه قولان بين المتأخرين، ولا يخلو

الجزء: 1 - الصفحة: 332

المصلي أن يكون إمامًا أو مأمومًا أو فذًا، فالفذ يقتصر على تسليمة واحدة، وفي الإمام قولان: أحدهما جواز الاقتصار على تسليمة واحدة، ولا يسلم غيرها، وقيل: يسلم تسليمتين واحدة عن يمينه حتى يرى بياض خده، وتسليمة عن يساره حتى يرى بياض خده من ههنا، وأما المأموم فلا يخلو أن يكون على يساره أحد أو لا يكون، فإن كان على يساره أحد سلم ثلاث تسليمات ينوي بها الخروج عن الصلاة يشير بها إلى يمينه، وتسليمة يرد بها على إمامه، والأول أصح، وإن لم يكن على يساره أحد سلم تسليمتين، والواجب من ذلك عندنا تسليمة التحليل، وأما تسليمة إمامه، وعلى من على يساره، فمن باب رد السلام، وفي ذلك قولان: أحدهام أنه واجب، والثاني: أنه سنة.
وقوله: (((ومن الجلوس قدر ما يعتدل ويسلم))): وفي الكلام حذف، ويريد: ((ومن الجلوس قدر ما يسلم))، وحصر سنن الصلاة في اثنتي عشرة منها: قراءة السورة مع أم القرآن.
وقد استقرئ من المذهب وجوبها بناء على ما وقع من بطلان الصلاة من تركها عمدًا، ولا حجة فيه لاحتمال أن يبني على الخلاف في ترك السنن عمدًا، وكذلك الجهر فيما يجهر فيه، والسر فيما يسر فيه، اختلف المذهب هل هما من سنن الصلاة أو هيئاتها فقيل: من السنن وهو المشهور، وقد قيل: إنهما من الهيئات الواجبة، ومن تركها عامدًا على هذا بطلت صلاته، فلو جهر فيما يسر فيه كان عليه السجود بعد السلام، لأن الجهر هو القول وزيادة، ولو أسر فيما يجهر فيه سجد قبل السلام، لأنه نقص، إلا أن يكون ذلك في الآية والآيتين فلا حكم فيه لسجود.
وروى قوم من أهل العلم أن السر فيما يسر فيه والجهر فيما يجهر فيه

الجزء: 1 - الصفحة: 333

من واجبات الصلاة، ومن ترك ذلك عامدًا أبطل صلاته.
قوله: (((والاعتدال في الفصل بين الأركان))): عده من السنن، والصحيح عند أهل العلم أنه من الواجبات لأنه داخل في باب الطمأنينة الواجبة بمقتضى حديث الأعرابي وفيه: (ثم ارفع حتى تطمئن رافعًا) الحديث.
وروى الأبهري وغيره من المذهب أن التشهدين سنتان، وفي المذهب أنهما فضيلتان، وقيل: الأول سنة، والثاني: فريضة، وكذلك الجلوس الثاني.
اختلف المذهب فيه هل هو فريضة حكاهما القاضي مبنيان على المتصل بالواجب حسًا الذي يتعذر فيه الانفصال، هل يجعل متصلًا به حكمًا أم لا؟ والخلاف مشهور بين الأصوليين ذكره الغزالي في المستصفى.
وكلام القاضي يقتضي أن الجلوس الثاني مخالف لحكم الجلوس الأول وهو مشهور المذهب كما ذكرنا، ثم ذكر التشهد المختار، وقد ثبت التشهد من طرق عديدة، من طريق عمر بن الخطاب ومن عبد الله بن العباس وابن

الجزء: 1 - الصفحة: 334

مسعود إلا أن مالكًا اختار تشهد عمر بن الخطاب من حيث كان هو المشهور الرافع الذي علمه الناس على المنبر بحضور الصحابة والتابعين، ولم يخالف فيه أحد، وقد زاد فيه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد دعاء محفوظًا استخرجه من الآثار، والصحيح ما ثبت في الصحيح.
قوله: ((وكذلك القيام الذي يقرأ فيه الزيادة على أم القرآن مسنون غير مفروض)): وهذا أيضًا مختلف فيه كما ذكرناه في الجلوس ففي المذهب قولان: أحدهما: أن القيام جميعه فرض، والثاني: أن الفرض فيه مقدار ما يقرأ فيه أم القرآن.
ومبناه على أصلين، أحدهما ما ذكرناه قبل في الجلوس، الثاني هل القيام مراد لنفسه أو للقراءة، فإن قلنا: إنه مراد لنفسه كانا واجبًا مطلقًا في حق من وجبت عليه القراءة كالإمام والفذ، وفي حق من لم تحب كالمأموم، وإن كان واجبًا للقراءة ومرادًا لها لزم أن يسقط

الجزء: 1 - الصفحة: 335

وجوبه عمن تسقط عنه القراءة، وهذا لا قائل له مع القدرة عليه.
قوله: ((والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-)): اختلف المذهب في الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- هل هي فرض في الصلاة أم لا؟ وتحصيل القول فيه أنها فرض غير محدود بوقت، ولا مقدر بزمان لقوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: 56] أمر بالصلاة عليه، ولم يقيد بزمان، فيكتفي من ذلك المرة الواحدة من العمر.
وقد اختلف العلماء في صيغة قوله: ﴿صلوا عليه﴾ هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب، فحكى الإمام أبو جعفر الطبري الإجماع على أن الأمر في الآية محمول على الندب إشارة إلى تكرير الصلاة عليه في غالب الأزمان لا إلى المرة الأولى التي لا يصح كونه مسلمًا إلا بها.
قال الخطابي: ((وليست الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بواجبة في الصلاة وهو قول جماعة من الفقهاء إلا الشافعي ولا علم فيها قدوة)).
والدليل على أنها ليست من فرض الصلاة عمل السلف الصالح.
قال الشافعي وإجماعهم

الجزء: 1 - الصفحة: 336

عليه، وقد شنع الناس هذه المسألة جدًا، وهذا تشهد ابن مسعود الذي اختاره الشافعي ليس فيه الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك كل من روى التشهد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، لم يذكر فيه صلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال القاضي أبو الحسن القصار المشهور من أصحابنا أن ذلك واجب على الجملة ولو مرة من دهر مع القدرة على ذلك.
قال القاضي أبو بكر: فرض الله على خلقه أن يصلوا على نبيه ويسلموا تسليمًا، ولم يجعل ذلك لوقت معلوم، فالواجب أن يكثر المرء منها، ولا يغفل عنه، وحكى الطبري والطحاوي إجماع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم في التشهد غير واجبة.
قال بعض الشافعية لا خلاف أنها ليست بغرض في غير الصلاة، وإنما الخلاف هل هي فرض الصلاة أم لا؟ فأوجبها الشافعي ورأى أن لم يصل على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد التشهد الأخير وقبل الصلاة فصلاته فاسدة والإعادة عليه واجبة، وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجزه، والمعول عليه من مذهب أهل المدينة، وأهل الكوفة وأصحاب الرأي أن من تشهد ولم يصل على

الجزء: 1 - الصفحة: 337

النبي -عليه السلام-فصلاته تامة وقال محمد بن المواز ومحمد بن عبد الحكم هي فرض في الصلاة كقول الشافعي، وقال إسحاق بن راهويه من ترك الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- عامدًا أعاد الصلاة أبدًا وإن تركها ناسيًا فلا إعادة عليه، وقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لا صلاة لمن لم يصل على نبيه) قال ابن القصار: معناه لا صلاة كاملة.
وفي حديث ابن عمر: (كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر كما تعلمون الصبيان في الكتاب).
فروى الدارقطني من حديث ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم يقبل منه).
قال الدارقطني الصلوات إنها من قول أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: لو صليت لم أصل فيها على النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم.
قال القاضي -رحمه الله-: ((وفضائله سبع)) إلى قوله: ((والمصلون ثلاثة)).

الجزء: 1 - الصفحة: 338

شرح: اختلف العلماء في رفع اليدين، والجمهور على أنه مشروع، فقد أنكره بعض أهل العلم، ووقع في مختصر ابن شعبان لا يرفع عند تكبيرة الإحرام ولا غيرها.
وفي المدونة: وكان رفع اليدين عن مالك ضعيفًا إشارة إلى ضعف حكمه لا إلى إنكار مشروعيته، وقد أوجبه بعض أهل العلم وروى عن ابن عمر أنه قال لكل شيء زينة، وزينة الصلاة الرفع عند التكبيرة الأولى والصحيح أنه من الفضائل.
قوله: ((إلى المنكبين)): بيان منتهى الرفع.
وقد اختلفت الأحاديث في منتهاه، فقيل: إلى الصدر، وقيل: إلى الأذنين، وقيل: إلى الأذنين، وقيل: إلى المنكبين، والثلاثة أقوال في المذهب، ومبناها على اختلاف روايات الأحاديث، وقد جمع بعض المتأخرين بين الروايات المختلفة فقيل: الكوع عند الصدر وطرف الكف حذو الأذنين، وأصح الروايات حديث ابن عمر أنه جعلها حذو منكبيه،

الجزء: 1 - الصفحة: 339

وحديث مالك بن الحويرث وفيه: (أنه رفعهما حتى حاد بهما أذنيه).
واختلف في صفة الرفع، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يرفعهما وبطونها مما يلي الأرض وهي حال الراغب، ثم يعكس ذلك إذا أهم بالإحرام، وهي حالة الراهب وقد قال سبحانه: ﴿ويدعوننا رغبًا ورهبًا﴾ [الأنبياء: 90] إشارة إلى حالتي الرفع، وقد قيل: ليس في ذلك حد وذكر بعض أهل العلم أن المنافقين كانوا يأتون الصلاة تحت أباطهم أصنام، فأمر المسلمون بالرفع لتسقط الأصنام التي اتخذها المنافقون، وقيل: إنما شرع الرفع إشارة إلى رفض الدنيا، والوقوف بين يدي المولى.
وإذا قلنا بأن هذا الرفع مشروع، فاختلف الفقهاء في محله، فالجمهور من المذهب أنه لا تحل له إلا عند تكبيرة فقط، لأنه الثابت الذي مضى عليه العمل، وقيل: بالرفع عند الافتتاح، وعند الرفع عند الركوع فقط، وقيل: بالرفع فيهما وعند القيام إلى الثالثة، لأن أصل الفرض كان ركعتين فكأنه ابتداء إحرام، وقيل: يرفع في ذلك، وفي الانخفاض إلى الركوع، وكل هذه الأقوال واقعة في المذهب.
قال المصنف عفا الله عنه: ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر قال: (رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- افتتح (الصلاة) فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلها حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثله، وإذا قال سمع الله لمن حمده فعل

الجزء: 1 - الصفحة: 340

مثله، وقال: ربنا ولك الحمد ولا يفعل ذلك حين سجد ولا حين رفع رأسه من السجود) زاد في آخر: (وإذا قام من الركعتين رفع يديه) ورواه مالك بن الحويرث وقال: (حتى يحاذي بهما أذنيه) ولم يذكر السجود.
خرجه مسلم، وروى وائل بن حجر قال: صليت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر الحديث قال فيه: (وإذا رفع رأسه من السجود رفع يديه) فلم يزل يفعل ذلك حتى فرغ من صلاته).
قال الإمام أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: ((عارض هذا الحديث ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يرفع بين السجدتين)) ووائل صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- أيامًا قلائل، ولبن عمر صحبه حتى توفي، فحديث اولى أن يؤخذ به ويتبع.
وقول القاضي: ((لا إلى الأذنين)) تنبيهًا على ما ذكرناه من الخلاف.
وأما لإطالة القراءة فمن المستحبات.
قوله: ((والتأمين بعد أم الكتاب)): معنى التأمين هو قول المصلي: ((آمين)) وفيه لغات المد، والقصر، والتخفيف مع كل لغة والتشديد.
فقد اختلف أهل العلم في معناه، فقال بعض السلف: هو كترخيص من تحت العرش لا يعلم تأويله إلا الله، وقال بعضهم: هو أربعة أحرف يخلق الله بكل حرف ملكًا يقول: اللهم اغفر لمن قال: آمين، وقيل معناه: لا تخيب رجاءنا،

الجزء: 1 - الصفحة: 341

وقيل: هو من أسماء الله تعالى، وقيل معناه: اللهم أمينا بخير.
وأجمع العلماء على أن الفذ والمأموم مخاطبون بها فيقولان: أمين.
واختلف الفقهاء في الإمام هل يؤمن أم لا؟ وفي المذهب فيه اضطراب، فحكى بعض شيوخنا عن المذهب روايتين إحداهما أنه يؤمن مطلقًا في السر والجهر، والثاني: أنه لا يؤمن مطلقًا.
وتحصيل المذهب أنه يقولها في السر بخلاف الجهر، إذ لا يؤمن بدعائه في أم القرآن، وأما في الجهر ففيه قولان: رواية المصريين المنع، وبه قال أبو حنيفة، ورواية مطرف وابن الماجشون أنه يقولها، وبه قال الشافعي هكذا نقل القاضيان أبو الوليد بن رشد وأبو الوليد الباجي عن المذهب.
وسبب الخلاف في تأمين الإمام اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك منها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذا قال الإمام ولا الضالين فقالوا آمين).
وظاهره أن الإمام يؤمن.
وقال -عليه السلام-: (إذا أمن الإمام فأمنوا).

الجزء: 1 - الصفحة: 342

واختلف العلماء في تأويله فقال بعضهم: هو على ظاهره، وتأوله بعضهم، وقال المعنى: إذا بلغ موضع التأمين، والأول: أصح لقول ابن شهاب: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول آمين.
قوله: ((والتسبيح في الركوع والسجود)): فضيلة عند جمهور أهل العلم، وليس له حد محدود عندنا.
قوله: ((والقنوت في (الفجر))): القنوت في اللغة هو الخضوع، والتذلل، ويراد به الدعاء والقيام وغير ذلك، وعد القاضي القنوت من الفضائل جريًا على المشهور من المذهب، وقال يحيى ليس بمشروع لنا وهو قول أبي حنيفة، لأنه عليه السلام كان يدعو على قبائل من العرب، فنزل عليه جبريل فقال له: إن الله لم يبعثك سبابًا ولا لعانًا) الحديث فترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القنوت ولم يقنت حتى لقى الله.
وذكر أن

الجزء: 1 - الصفحة: 343

مسجد يحيى بن يحيى (بقرطبة) لم يكن يقنت فيه في صلاة الصبح عملاً على هذا المذهب الذي حكيناه عنه، واستقرئ من كلام [ابن] سحنون أنه سنة حيث قال: إنه يسجد لسهوه، والمشهور أنه لا يسجد، واستقرئ من رواية علي بن زياد أنه فرض حيث قال: إن من تركه عامدًا بطلت صلاته، وهذا لا حجة فيه، لأن مبناه على أحد القولين فيمن ترك السنة متعمدًا، في الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قنت قبل الركوع وبعده.
واستحب مالك القنوت (قبله) واستحب الشافعي القنوت قبل الركوع ليدرك المسبوق الركعة.
واختلف الفقهاء في محله من الصلاة، والجمهور أنه لا يقنت إلا في الصبح، وهل يقنت في الوثر، وفي النصف الآخر من رمضان فيه قولان في المذهب المشهور ترك ذلك إذا لم يكن معلومًا.
الثاني: القنوت فيه لما صح عن السلف أنهم كانوا يلعنون الكفرة في رمضان.
قوله: (((ويقول المأموم ربنا ولك الحمد))): خص المأموم تنبيهًا على

الجزء: 1 - الصفحة: 344

أن حكم الإمام يخالف ذلك، وهل يقولها الإمام أم لا؟ وإذا قالها المصلي فهل يقولها بالواو أو بغيره، سنذكره.
قوله: ((وسجود التلاوة)): يعني إذا أمر بسجدة في صلاة، وهل (يسجدها) يوم الجمعة فيه قولان في المذهب، فمنهم من اجاز ذلك اقتداء بعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المستمر الدائم، ومنهم من كرهه، ومنهم من أجازه إذا كانت الجماعة قليلة، ومنعه إذا كانت الجماعة كثيرة خوف التشويش والتخليط.
قوله: ((وصفة الجلوس كلها صفة واحدة)) تنبيهًا على مذهب المخالف.
قوله: ((يشير بسبابتيه منها)): هو المشهور، وقيل: لا يشير إلا عند التوحيد، واختلفوا في علة الإشارة، فقيل: مقمعة للشيطان، وقيل: إنها إشارة إلى الوحدانية.
قوله: ((والمختار له عند تكبيرة الإحرام أن يعقبها بقراءة أم القرآن)): قلت المشهور من مذهب مالك -رحمه الله- كراهية الدعاء وغير ذلك من الأذكار بعد تكبيرة الإحرام، وقبل القراءة، وكذلك لا يقرأ: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ [آل عمران: 8] الآية ولا يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك)) ولا غير ذلك من الأدعية والأذكار، وقد جاء في الصحيح (أنه -عليه السلام- كان يسكت بين التكبيرة والقراءة

الجزء: 1 - الصفحة: 345

سكتة) يقول فيها بعض هذه الأذكار، وإنما كره ذلك مالك خوفًا أن يعتقد وجوب ذلك فيزاد في الصلاة ما ليس منها، وكذلك لا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم سرًا ولا جهرًا، فإن قال ذلك، وجهر فيها، فلا شيء عليه، لأنه ذكر، والصلاة على الأذكار، هذا نص إسماعيل في المبسوط وأجاز ذلك في التراويح في رمضان، قال مالك: ولم يزل القراء يتعوذون في قيام رمضان.
قوله: ((والمختار من قرأ القراءة في الصلاة مختلف باختلاف أعيانها)): وهذا كما ذكره، وأطولها قراءة الصبح، ثم الظهر، واختلف أيهما أطول، العصر، أم العتمة، وفيه روايتان في المذهب، والمشهور أن العتمة أطول.
واختلف أهل العلم في المفصل، فقيل: القرآن كله مفصل، لأنه فصل سورًا وآيات، وقيل: المفضل من حم الجاثية، وقيل: من الحجرات، لانفصال سوره بعضها عن بعض لقصرها، وقيل: لأنها مفصل محكم لا نسخ نصًا أو تعليلاً.
قوله: ((والمصلون ثلاثة إمام ومأموم ومنفرد)) إلى قوله: ((ودعاء القنوت)).
شرح: قسم المصلين هذه الأقسام ليتبين ما اشترك فيه الجميع، وما وقع (فيه) الاختصاص.
قوله: ((إلا في مواضع لا يتصور مقصودها في الانفراد على ما بينه)):

الجزء: 1 - الصفحة: 346

ثم ذكر أن النية، والإحرام، والركوع، والسجود، والفصل بينهما والجلوس والتسليم المفروضة وجميع الهيئات مما يقع الاشتراك فيه، ويخاطب الجميع بفعلها، والهيئات راجعة إلى صفة الأفعال والأقوال، فمن صفة الأفعال توفيه هيئاتها، وهو المعبر عنه بالطمأنينة، وصفة الجلوس.
من صفة الأقوال السر والجهر وحصر ما ينفرد (به) الإمام، والمنفرد في أشياء بعينها، وجوب القراءة، والجهر بها، وسجود السهو، والتسليم واحدة، وإنما سقطت القراءة على المأموم لقوله -عليه السلام-: ( ... ما لي أنازع القرآن) وفي حديث ابن عمر: ( ... وراء إمام فحسبه قراءة الإمام).
قوله: ((والتسليم (واحد))): هو كما ذكره باتفاق في المنفرد، وفي المذهب قولان في الإمام، هي يقتصر على الواحدة، أو لا بد من التسليمتين وهو الشاذ ومبنى الخلاف على اختلاف الروايات كما سنذكره.
وذكر أن الذي ينفرد به المأموم ثلاثة أشياء: سقوط فرض القراءة، وسجود السهو يعني أنه ساقط عنه، لأن سهو المأموم غير معتبر عند الجمهور، فإن الإمام يحمله عنه، وبه قال أهل العلم، سوى من شذ كداود وغيره، فإنه رأى أن الخطاب بسجود السهو متوجه على كل من سهى من أنواع المصلين.
قوله: ((وينفرد المأموم باعتقاد)): وهذا كما ذكره، لأن قاعدة المذهب أن

الجزء: 1 - الصفحة: 347

صلاة المأموم (مرتبطة بصلاة الإمام) فلا يجوز الاختلاف في النيات، وأجاز ذلك الشافعي بناء على أن كل مصل يصلي لنفسه ولهذا لا يجوز أن يصلي ظهرًا خلف من يصلي عصرًا ولا ظهرًا خلف من يصلي الجمعة، خلف من نوى ظهرًا، ولا فريضة خلف متنفل، ولا نافلة خلف نافلة مخالفة في الهيئة، والعدد كالمتنفل بركعتين خلف المصلي الكسوف، لأن ذلك اختلاف.
وضابط القول في المتنفل والمفترض أن صلاة المفترض خلف المتنفل تختلف في جوازها على روايتين عندنا، المشهور ما ذكرناه والشاذ الجواز بناء على أن كل مصل يصلي بنفسه.
وأما صلاة المتنفل خلف المفترض جائزة، وكذلك المفترض خلف المفترض، والمتنفل خلف المتنفل إذا اتفق العدد والهيئة.
ولو دخل يوم الخميس يظنه يوم الجمعة أو بالعكس فهل يجزئه أم لا؟ (فيه ثلاث) روايات في المذهب.
الإجزاء مطلقًا، ونفيه مطلقًا، والإجزاء إن دخل يوم الخميس يظنه يوم الجمعة بخلاف العكس، وفيه رواية رابعة عكس هذا الذي قدمناه.
قوله: ((والمأموم سنته بعد التكبير الإنصات والاستماع)): وهو مذهب مالك -رحمه الله- سواء كان بحيث يسمع قراءة الإمام عندنا أم لا.
وأجاز أن

الجزء: 1 - الصفحة: 348

يصلي الأمي خلف المي.
ومنع من ائتمام الإقراء بالأمي، والواجب ائتمام الأمي بالقارئ إن أمكن، ومن تعذرت منه القراءة فحكمه أن يسبح.
قوله: ((والاختيار إخفاء التأمين)): وهذا قد اختلف العلماء فيه، فمن أهل العلم من رأى الجهر به، وفي الحديث: (كانت تسمع ضجة أداء من الناس خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم).
واختار مالك إخفاءه، ولعله اتبع في ذلك العمل الأحدث، وقد ذكرنا الخلاف هل يقول الإمام: ((ربنا ولك الحمد)) أم لا؟ ومبناه على اختلاف الأحاديث، وصح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول ذلك.
واختلف الأحاديث ففي بعضها: ((ولك الحمد)) بإثبات الواو، وعلى حذف المعطوف.
والمعنى استجب لنا ولك الحمد على استجابتك، وفي بعضها بإسقاط الواو وهو المشهور من المذهب، وكذلك لا يقول المأموم: ((سمع الله لمن حمده)) على الأشهر من المذهب اتباعًا للعمل.
وأجاز أن يضع يديه قبل ركبتيه أو ركبتيه قبل يديه إذا هوى إلى السجود، والأول أحسن، لأنه أقرب إلى الوقار والخضوع كما جاء في الحديث.

الجزء: 1 - الصفحة: 349

قوله: ((وينهض من السجود قائمًا)): تنبيهًا على مذهب المخالف، لأن الفقهاء اختلفوا هل يقوم من سجود أم جلوس، والمشهور أنه يقوم من سجود إلا من ضرورة وبذلك جاءت الأحاديث.
قال القاضي -رحمه الله-: ((ودعاء القنوت)) إلى آخر الباب.
شرح: يقال خنعت لفلان إذا خضعت.
قوله: ((ونجهد)): أي نجتهد.
وقد ذكرنا أن السلام من مفروضات أقوال الصلاة، وذكرنا أن اعتماد للإمام والمأموم والمنفرد.
وفيما قدمناه كفاية، وذكرنا الخلاف أيضًا هل يبدأ بمن على يمينه أو بمن على يساره، وفيه قولان عندنا، وإنما كان تكبيرة القيام من اثنين بعد الاعتدال قائمًا تنبيهًا على أصل الفرض أنه كان ركعتين بخلاف غيره من التكبيرين.
قوله: فالسنة قراءة السورة مع أم القرآن)): أجمع جمهور أهل العلم على أن قراءة السورة مع أم القرآن سنة.
وفي المذهب في ذلك ثلاثة أقوال.
أحدها: أنها سنة كما ذكرناه، وهو نص المذهب، الثاني: مستحبة واستقرأه الشيخ أبو الحسن من المذهب.
الثالث: فريضة، واستقرأه أيضًا من المذهب، لأنه تارة أسقط السجود للسهو بتركها، ويراه إبطال الصلاة

الجزء: 1 - الصفحة: 350

بتركها عمدًا، فيقتضي الأول كونها فضيلة، ويقتضي الثاني كونها واجبة، إلا أن يخرج على بطلان ترك الصلاة لمن ترك السنة عمدًا.
وقد اختلف المذهب في من تركها عمدًا على ثلاثة أقوال.
فقيل: يستغفر الله ولا شيء عليه، وهو يقتضي أنها فضيلة، وقيل: يسجد قبل السلام، وهذا يقتضي أنها سنة، وقيل: يعيد أبدًا، وهذا يقتضي أنها واجبة، ولو ترك قراءتها سهوًا، فالمشهور أنه يسجد قبل الإسلام.
وفي مختصر أبي إسحاق بن شعبان لا سجود عليه، واستقرئ منه استحبابًا، وهل يقرأ في الركعتين الآخرتين بالسورة مع أم القرآن أم لا؟ فيه روايتان، واستحبه محمد بن عبد الحكم وهو قول الشافعي من حيث كانت الصلاة محل الإدراك، وصح هذا عن ابن عمر وغيره.
والمشهور أنه لا يستحب.
ولو قرأ بالسورة فعل يسجد أم لا؟ فيه قولان، فقيل: هي زيادة يسجد لها والمشهور ألا سجود عليه.
قوله: ((وعورة الرجل المخاطب بسترها (في الصلاة) من ستره إلى ركبته)): وهذا هو المشهور من المذهب، وهما داخلان في ذلك، وقيل: لا عورة منه السوأتان فقط، وقيل: من السرة إلى الركبة، وهما غير داخلتان في ذلك، والأصل في ذلك حديث ابن جرهد وفيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (غط فرجك فإن الفخذ عورة) ويعارضه أنه -عليه السلام- كشف فخذه بمحضر

الجزء: 1 - الصفحة: 351

أصحابه ولو كان عورة ما فعل ذلك.
واختلف المذهب في عورة الأمة، فقيل: هي كعورة الرجل، وقيل: كعورة الحرة والقولان في المذهب.
قوله: ((وتجزئ الصلاة في ثوب واحد)): وهكذا كما ذكره، لأن المقصود ستر العورة، والإجزاء حاصل بالثوب الواحد، وإنما كره أنه يعري كتفيه لقوله تعالى: ﴿يا بني ءادم خذوا زينتكم﴾ [الأعراف: 31].
قوله: ((وليس له كفت ثوبه ولا شعره)): هذا كما ذكره لثبوت النهي عن ذلك خرجه مسلم في صحيحه.
وإنما كره التلثم لأنه من زي المخادعين، وقد يكون للمتكبرين.
واختلف المذهب في تغطية الذقن على قولين الكراهية والجواز، وقد قيل: إنه زينة بالليل ومذلة بالنهار.

الجزء: 1 - الصفحة: 352

باب السهو وما يفسد الصلاة وما يتصل بذلك

قال القاضي -رحمه الله-: ((السهو يقع على وجهين بنقصان وبزيادة)) إلى آخر الفصل.
السهو والذهول، والنسيان، والغفلة، ألفاظ مترادفة على معنى واحد.
وقد يطرق الإنسان عند شعبة الخواطر، وقد يلحقه فجأة من غير سبب، وذكر أنه بزيادة أو نقصان، ومراده به [لا ينضبط] فقد يجتمع الزيادة والنقصان في صورة واحدة، فلو رأى ذلك لقال: يكون السهو بزيادة أو نقصان، وبالزيادة والنقصان معًا.
والأصل في السهو قوله -عليه السلام-: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) وفي حديث ذي اليدين: (أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله قال: كل ذلك لم يكن) الحديث.

الجزء: 1 - الصفحة: 353

قوله: ((وله سجدتان كثر أم قل)): يريد أن السجود لا يتكرر عليه بتكرير السهو في الصلاة الواحدة.
قوله: ((فيؤتى به في النقصان قبل السلام)): إلى آخره.
اختلف الناس في حكم سجود السهو، ومذهب طائفة أنه يسجد قبل السلام، ومذهب طائفة أنه يسجد بعد السلام، وبالأول: قال الشافعي، وبالثاني: قال أبو حنيفة، وفرق مالك بين الزيادة والنقصان جعل السهو للزيادة بعد السلام، وللنقصان قبله.
وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- سجود قبل السلام وبعده، وجمع مالك بين الأحاديث وبنى على بعض، ولو اجتمعت الزيادة والنقصان لغلب النقصان على المشهور من المذهب.
قوله: ((ويكبر لهما في ابتدائهما والرفع منهما)) إلى آخره.
شرح اختلف العلماء في التكبير لهما (والتشهد) لهما والسلام منهما على أربعة أقوال، قيل يكبر لهما، ويتشهد لهما، ويسلم منهما، وقال قوم من أهل العلم: لا يكبر، ولا يسجد لهما، ولا يسلم منهما.
والقول الثالث: يكبر

الجزء: 1 - الصفحة: 354

لهما ولا يسلم منهما، والقول الرابع: عكسه.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك (تفصيل) أما اللتان بعد السلام فيكبر لهما ويتشهد ويسلم منهما بلا خلاف عندنا، لأنهما مستقلتان بحكمهما، وليستا من صلب الصلاة.
وحكى الأشياخ عن المذهب رواية ثانية أنه لا يحرم لهما قياسًا على سجود التلاوة.
وأما اللتان قبل السلام فيكبر لهما ولا يسلم منهما للاكتفاء بسلام الصلاة، وفي التشهد لهما روايتان حكاهما القاضي، أحدهما التشهد، إذ لا يكون السلام إلا عقب التشهد.
والثاني: نفيه إذ لا يجتمع تشهدان في جلوس واحد.
وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه اكبر فيهما أربع تكبيرات، وأنه سلم في ثبوت تشهده نظر قاله الإمام أبو بكر بن المنذر.
وفي صفة السلام منهما روايتان فقيل كالسلام من الصلاة، وقيل: هي قياس على السلام من الجنائز على ما فيه من خلال.
قوله: ((وإن سهى عنهما)): تحصيل القول في تركهما لا يخلو أن يسهو عن السجود اللتين بعد السلام أو قبله، فإن سهى عن اللتين بعد السلام فلا يخلو أن يطول الأمر أم لا فإن لم يطل سجدهما وصحت صلاته، لأن المتصل بالشيء كحكمه وإن طال فالمشهور صحة صلاته، وحكمه أن يسجد متى ما ذكر.
وأما اللتان قبل السلام فهل تبطل الصلاة بتركها إذا طال الأمر أم لا؟ فيه خمسة أقوال في المذهب المشهور أنها تفسد، والثاني: أنها لا تبطل مطلقًا، والثالث: انها تبطل غن كان السجود واجبًا على ترك فعل، ولا

الجزء: 1 - الصفحة: 355

تبطل إن كان على ترك قول، والرابع: أنها تبطل بنقص الجلوس الوسطى، وأم القرآن من ركعة، ولا تبطل من ترك غير ذلك، والخامس: أنها تبطل كان النقص في القول أو في الفعل إلا أن يكون المتروك تكبيرتين أو في معناها مثل سمع الله لمن حمده.
سبب الخلاف هل يعطي البدل حكم (المبدول) منه أم لا؟ فإنهما مشروعتان بدلاً من ترك سنة، فإن كان (المبدول) من غير واجب فالبدل مثله، ومن جعلهما من صلب الصلاة أبطل الصلاة بتركهما.
والتفريق استحسان.
ولو قدم سجدتين بعد السلام أو أخر اللتين قبل السلام فلا يخلو أن يفعل ذلك عامدًا أو ناسيًا أو متأولاً، فإن ذلك ناسيًا أو متأولاً صحت صلاته، وإن فعل ذلك عامدًا، ففي بطلان الصلاة قولان مبنيان على مراعات الخلاف.
قوله: ((والمتروك بالسهو أربعة أنواع: فريضة، وسنة، وفضيلة، وهيئة)): قلت: عد القاضي الهيئة قسمًا رابعًا، وهي راجعة إلى أحد الأقسام الأول قطعًا، ثم لما تكلم في أحكام ذلك أعاد الهيئة عن حكم يحصلها، إشارة إلى ما ذكرناه من إدراجها تحت ما قبلها إلا أنه شخصها في العدد وإن تساوت في الأحكام تنبيهًا على أن الصلاة مطلوبة بأقوالها وأفعالها وهيئاتها كالجلوس في مواضعه والإسرار والجهر ونحو ذلك.
وأشار الشيخ أبو الوليد الباجي في المنتقى إلا [أن] الإسرار والجهر من الهيئات في الصلاة وجعله قسمًا مستبدًا بنفسه.

الجزء: 1 - الصفحة: 356

قوله: ((ومن لم يدر كم صلى بنى على يقينه)): الأصل في هذه المسألة ما رواه أبو سعيد الخدري قال؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثًا، أم أربعًا فليصل ركعتين، ويسجد سجدتين، وهو جالس قبل التسليم، فإن كانت الركعة التي صلاها خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وإن كانت رابعة فالسجدتين ترغيمًا للشيطان) وهذا الحديث حجة على المذهب لأن فيه السجود قبل السلام للزيادة لإمكان أن تكون خامسة.
وتحصيل القول في من شك في صلاته أنه لا يخلو أن يكون مستنكحًا أو غير مستنكح.
فالمستنكح يبني على غالب ظنه وأول (خاطريه)، وهل يؤمر بالسجود له أم لا؟ فيه قولان، أحدهما: أنه يؤمر به، إذ لا مشقة فيه، والثاني: أنه لا يؤمر به، ومتى يؤمر بالسجود هل قبل السلام أو بعد السلام فيه قولان أحدهما: أنه يسجد قبل السلام، لأنه يجوز النقص.
الثاني: يسجد

الجزء: 1 - الصفحة: 357

بعد السلام، لأن هذا السجود ترغيمًا للشيطان.
وإن كان غير مستنكح طرح الشك وبنى على اليقين، وهل يسجد قبل السلام اعتمادًا على حديث أبي سعيد الخدري، أو بعده لأنه إنما شك في الزيادة أو عدمها فلا يطرق للنقصان بوجه.
قوله: ((ولا يسجد المأموم لسهوه والإمام يحمله (عنه))): وهذا مذهب جمهور أهل العلم وشذ مكحول فرأى على المأموم سجود السهو اعتبارًا بحكم نفسه.
واختلف المذهب في القاضي بعد سلام الإمام هل يجب عليه حكم الإمام أم لا؟ فيه قولان.
قوله: ((ويسجد هو مع الإمام في سهو الإمام)): تحصيل القول فيه أن المأموم يتبع إمامه في سهو سواء أدركه المأموم أو كان مسبوقًا، وحكمه أن يسجد معه، يتبعه إن كان السجود قبل السلام، وإن كان سجود الإمام بعد السلام فهل يتبعه فيه المأموم أم لا؟ فيه قولان فقيل: يسجد معه كي لا تقع المخالفة، وقيل: لا يسجد، لأن حكم الصلاة قد انفصل لسلامه.
وإذا قلنا: إنه يسجد معه سجود الزيادة فما حكمه فيه؟ فمالك خيره بين أن يجلس أو يقوم عند سلامه من الصلاة، واستحب ابن القاسم أن يقوم، لأن السلام فاصل.
قوله: ((ومن قام من اثنتين قبل الجلوس رجع ما لم يعتدل قائمًا)): تحصيل القول فيمن نسي الجلوس للوسطى أنه لا يخلو أن يتذكر بعد القيام، أو هو جالس، أو يتذكر بين الجلوس والقيام فإن تذكر بعد أن اعتدل قائمًا فإنه لا يرجع بلا خلاف في المذهب.
فإن تذكر بعد أن ينهض ولم يفارق الأرض فإنه يرجع وهل يسجد أم لا؟ فيه قولان في المذهب، أحدهما: أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 358

يسجد لعلة الفعل، والثاني: أنه لا يسجد وإن تذكر وهو بين الجلوس والقيام فهل يرجع إلى الجلوس أو يتمادى إلى القيام فيه قولان في المذهب، أحدهما: أنه يرجع إلى الجلوس من حيث إنه لم يلبس بالفرض إلا بتقدير اعتداله قائمًا.
الثاني: أنه يتمادى على القيام، لأن الحركة إليه مقصودة، وإذا اعتدل قائمًا وأمرنا ألا يرجع فلا يخلو أن يرجع عامدًا، أو جاهلًا، أو ناسيًا، أو متأولاً، فإن رجع ناسيًا فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه قولان، البطلان لكونه زاد في صلاته عمدًا، وعدمه مراعاة الخلاف لأن من العلماء من قال: إنه يرجع.
فإن رجع ناسيًا لم تبطل صلاته بلا خوف، وكذلك المتأول.
وفي الجاهل قولان فقيل: هو كالعامد وقيل: كالناسي.
وإذا قلنا: إن صلاته صحيحة إذا رجع إلى الجلوس بعد اعتداله قائمًا فهل يؤمر بالسجود أم لا؟ فيه قولان.
ومتى يكون سجوده هل بعد السلام أو قبله، فيه قولان، أحدهما: أنه يسجد قبل السلام، لأنه نقص وزيادة فغلبه نقصان.
الثاني: أنه يسجد بعد السلام، لأن الرجوع إلى الجلوس ناب منابة الأول، فتحققت الزيادة بالنهوض.
قال القاضي -رحمه الله-: ((ويفسد الصلاة اثنتا عشرة خصلة)) إلى آخره.
شرح: ضابط القول في ذلك أن الصلاة تفسد بترك واجب من واجباتها أو سنة عمدًا على خلاف فيه.
وابتداء القاضي ((بقطع النية عنها جملة))، ويتصور ذلك على وجهين إما بأن يعي عنه النية للذهول ( ... ئها)، وإما بأن يكون مستحضرًا للصلاة قاصدًا لهزل والاستخفاف والعبث، لا أداء العبادات على وجهها.

الجزء: 1 - الصفحة: 359

قوله: ((فأما تغييرها ونقلها فله تفصيل)): إشارة إلى ما تقرر في المذهب فالتغيير كالمسافر يحرم بنية القصر ثم يحدث له القصر في الإتمام أو بالعكس.
والنفل مثل أن يدخل بنية النافلة، ثم يعتقد الفريضة، أو بنية الفريضة، ثم يعتقد النافلة أو بنية الطهر، ثم يتذكر أنه صلاها، فلينتقل بنيته إلى العصر أو بنية الجمعة، ثم ينتقل بنيته إلى يوم الخميس، وبعض هذه المسائل مختلف فيها.
وإلى ذلك أشار القاضي والله أعلم.
ثم ذكر الردة، ومن المعلوم أن الردة مبطلة لحكم الإسلام ناقضة لمسماه.
فإذا أبطلت أصل الإسلام اتبعه الفروع، فيصدق أن يقول القائل الردة أبطلت الصلاة وأعم منه أن يقول الردة أبطلت حكم الإسلام مطلقًا.
ولعل القاضي إنما تكلم على الردة في حال الصلاة فهي مفسدة لها من حيث كان عند إحرامه مسلمًا مستهلًا بوجه صحيح.
وطرء الحديث ناقض مطلقًا، لأنه مضاد لشرط الصحة، والجمهور من أهل العلم لا شيء مع الحديث الغالب، وقال أبو حنيفة ما بيناه.
وفي المذهب فيه خلاف شاذ.
وقيد عمد الكلام المفسد تقييدًا حسنًا.
قوله: ((وذكر صلاة يجب عليه ترتيبها)): تقييد جار على المذهب، وهو المشهور، وذلك في صلاة اليوم فما دونه.

الجزء: 1 - الصفحة: 360

قوله: ((وفساد صلاة الإمام)): إشارة إلى أصل المذهب في الارتباط.
قوله: (((بغير سهو))) إشارة إلى أن الإمام إذا صلى محدثًا ناسيًا لم تبطل صلاة من وراءه، وهو مشهور المذهب في نسيان الإمام دون عمده.
قوله: ((وإن كان قدرًا مختلفًا فيه، سهل الأمر)): إشارة إلى أن الدم اليسير يعفي عنه بعد التلبس، وتجزئ الصلاة مع وجوده، وكذلك العورة المختلف فيها، وهي ما عدا السوأتين، وقد تقدم أن العورة على قسمين (متفقة) وهي السوأتان (ومختلفة) وهي ما عداهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 361

باب في الإمام والجماعة، وقضاء الفوائت والنوافل، وأوقات النهي ومواضعه،

والجمع وما يتصل بذلك

الأصل في طلب الإمامة قوله -عليه السلام-: (أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفون) الحديث وقال -عليه السلام-: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن) وقال -عليه السلام-: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلامًا) الحديث.
وهو متفق

الجزء: 1 - الصفحة: 362

على تصحيحه.
واتفق الفقهاء على (اختبار في الاختبار في الفا ..... الشرعية والخلقية والمكانية).
قوله: ((والفقيه أولى من القارئ)): وهذا إجراء على أصل المذهب، وهي مسألة اختلف الفقهاء فيها، فقال مالك والشافعي: الأفقه أولى بالإمامة من الأقرأ.
وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل: الأقراء أولى من الأفقه.
وسبب الخلاف اختلافهم في مفهوم -عليه السلام-: (يؤمهمأقرؤهم) فحمله مالك وأصحابه على أن المراد به الأفقة لوجهين: الأول: قراءة الصحابة كانت فقهًا، ولذلك مكث ابن عمر في سورة البقرة ثمانية سنين وقيل: اثنتي عشرة سنة.
الثاني: أن الحاجة في الصلاة إلى الفقه الذي به يصلح ما عساه أن يسهى فيه، أهم من الحاجة إلى (تجويد) القراءة والتلفظ بالمخارج على ما فيه من تكلف، ولو اجتمع الفقيه والصالح لكان الفقيه أولى، إلا أن يمنعه من ذلك مانع شرعي، فإذا اجتمع الأفقه والأصلح، فهل الأفقه أولى بالتقديم من الأصلح أم الأصلح؟ اختلف العلماء فيه والشافعي فيه قولان: أحدهما: تقديم الأصلح لأنه وسيلة إلى قبول الشفاعة.
الثاني: تقديم الأفقه لما جاء من فضل العالم على العابد.
فاعتبار النوادر من الصور.
وعلى الجملة والمختار

الجزء: 1 - الصفحة: 363

من صفة الإمام أن يكون فقيهًا صالحًا شريفًا في النسب، كبيرًا في سنة، كامل الصورة، حسن اللباس، عارفًا بالقراءة، مالك الموضع إن كان مملوكًا.
وإنما شرطنا الفقه، لأن به يحسن الأداء، وإنما شرطنا الصلاح، لأنه مظنة قبول الشفاعة.
قوله: «ولا تجوز إمامة الفاسق، ولا المرأة، ولا الصبي إلا في نافلة، فتجوز دون المرأة ولا العبد في الجمعة»: تعرض -رحمه الله- للموانع المانعة من الإمامة وهي على قسمين منها ما يمنع الإجزاء، ومنها ما يمنع الكمال، فأما ما يمنع الإجزاء فهو أقسام: الأول: يمنع من تكميل أجزاء الأركان جميعها، وهذا لا خلاف أنه معتبر في الباب مثل أن تكون به علة تمنعه القيام أو غيره من الأركان.
وسنفصل ذلك عند ذكر إمامة الجالس، وكذلك إذا كانت به علة تمنعه القراءة.
القسم الثاني: ما يرجع إلى الاعتقاد الفاسد.
القسم الثالث: ما يرجع إلى الفسق بالجوارح.
وأما إمامة الجالس فتحصل القول فيه أنه إما أن يستوي حال الإمام والمأمومين في المرض المبيح للجلوس، أو يختلف، فإن استوى حالهم في الصحة فلا كلام في هذه الصورة أنهم يصلون قيامًا أجمعين، وإن استوى حالهم في المرض، ففي جواز إمامة الجالس لهم قولان في المذهب: الجواز، والمنع، وإن كان الإمام مريضًا والمأمومين أصحاء، ففي جواز إمامة المريض لهم قولان.
الأول: الجواز اعتمادًا على إمامته -عليه السلام- للناس جالسًا وهو مريض.

الجزء: 1 - الصفحة: 364

الثاني: المنع لقوله -عليه السلام-: (لا يؤم أحد جالسًا) وهذا الحديث مرسل مروي عن جابر بن [يزيد] الجعدي وهو كذاب فيما أسند فكيف فيما أرسل.
وهو أيضًا ممن يقول بالرجعة.
وذهبت طائفة من أهل العلم أن فرض القيام يسقط عن المأموم لمرض الإمام المبيح للجلوس لقوله -عليه السلام-: إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون) فتحصل من

الجزء: 1 - الصفحة: 365

التقسيم أربعة أقسام: الأول: إمامة القائم للقائم، ولا خلاف في جوازها، والثاني: الجالس للجالس، وفيها قولان في المذهب، ويتعلق بهذا فروع: الأول: إذا أجزنا إمامة الجالس المريض للمريض الجالس أيضًا فصح المأمون في أثناء الصلاة، ففيها ثلاثة أقوال في المذهب.
أحدهما: أنه يقطع الصلاة كالأمة تعتق في أثناء الصلاة.
الثاني: أنه يتم الصلاة وراءه قائمًا مراعاة لجوازه ابتداء على قول بعض أهل العلم.
الثالث: أنه يتم لنفسه منفردًا.
الفرع الثاني: لو كانت العلة في الإمام قطع جارحة من أعضاء محدودة كقطع اليد، كانت إمامة جائزة على الأشهر، وفي رواية ابن وهب ما يدل على أن إمامته باطلة لقوله-عليه السلام-: (أمرت أن أسجد على سبعة آراب) الحديث، وأما ما يمنع القراءة فهو قسمان إما أن يمنع وجودها، أو كمالها، فالأول: لا يؤمن.
والثاني: كالألكن واللحان.
أما الألكن

الجزء: 1 - الصفحة: 366

ففي إمامته قولان: أحدهما: أنها صحيحة، وهو المشهور.
والثاني: أنها باطلة، لأن اللكنة مانعة من النطق بالحروف، وكذلك اختلفوا في إمامة اللحان على أربعة أقوال، فقيل: لا تصح أصلاً، وقيل: إنها جائزة، والقول الثالث: أنه إن غير المعنى فإمامته باطلة، وإلا فلا.
وقد روى عن الشيخين أبي محمد وأبي الحسن من لم يفرق بين الظاء والضاد فلا تجوز إمامته، لأن اللحن كالتبديل.
وأما النقص الراجع إلى الفسق، فإما أن يكون فاسقًا بالاعتقاد أو بالجوارح، فالأول: إما أن يوجب التكفير أم لا، فإن أوجب التكفير فإمامته باطلة، والصلاة وراءه غير جائزة، ولو صلى الناس وراءه غير عالمين بكفره، ثم استمر على إظهار الإسلام، وجبت إعادة جميع ما صلى خلفه ما لم يلفظ بالكلمة، ويتحقق له أحكام الإسلام، وقد روى سحنون فيمن لم يستمر بكفره ذلك وعلم على إسلامه، فإن تمادى ترك، وإن لم يتمادى فهي ردة، ونزل الصلاة منزلة التلفظ بالشهادة لقوله -عليه السلام-: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة) الحديث.
وعلى هذا الاختلاف اختلفوا في إيجاب الإعادة على من صلى خلفه، وإن لم يوجب التكفير،

الجزء: 1 - الصفحة: 367

كاعتقاد المعتزلة والخوارج وغيرهم، ففي المذهب ثلاثة أقوال في صلاة من ائتم بهم، أحدها: الإعادة مطلقًا بناء على تكفيرهم وهذا أحد قولي القاضي والشافعي ومالك فيهم.
والثاني: الإعادة في الوقت بناء على نقصهم في الفسق، الثالث: نفي الإعادة مطلقًا، ولعله بناء على كل مصل يصلي لنفسه.
قال مالك: ولا يصلي خلف الإمام القدري إلا أن تخاف على نفسك فصل معه.
قال ابن القاسم: ورأيت مالكًا إذا قيل له في إعادة صلاة من صلى خلف أهل البدع يقف ولا يجيب عن ذلك وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من الخلاف.
فأما بالجوارح كشرب الخمر، والزنا، وغير ذلك من أصحاب الكبائر، فقد اختلف المذهب في جواز إمامتهم، والمشهور أنها لا تجوز.
ومن صلى وراء صاحب كبيرة منهم أعاد أبدًا إذا علم بذلك منه، والشاذ أنها جائزة، وصلاة من صلى وراءه صحيحة، لأن فسقه غير متعلق بأحكام الصلاة ولو تعلق فسقه بأحكام الصلاة، مثل أن يعلم من حاله أنه يصلي بغير طهارة، فلا خلاف أنه متهاون لا تجوز إمامته، واحتج أهل الظاهر على جواز إمامة الفاسق بعموم قوله -عليه السلام-: (يؤم القوم أقرؤهم) وهذا احتجاج بالعموم في غير مقصوده.
واختار الشيخ أبو بكر الأبهري أن فسقه (إن كان) مقطوعًا به أعاد المصلي وراءه أبدًا، وإن كان مظنونًا أعاد في الوقت، وأجاز قول الفاسق بالتأويل كالجميع بشرب النبيذ دون الفاسق غير المتأول.

الجزء: 1 - الصفحة: 368

وأما إمامة المرأة، فالجمهور من أهل العلم على أنها لا تجوز للرجال ولا للنساء.
وشذ قوم، منهم أبو ثور والطبري، فأجازوا إمامتها مطلقًا للرجال والنساء، واعتمادًا على حديث أم ورقة (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يزورها في بيتها وجعل لها (مؤذنًا يؤذن لها) وأمرها أن تؤم أهل دارها) وفي رواية أخرى: (أن تؤم قومها).
خرجه أبو داود وفي بعض طرقه أنه -عليه السلام-: (كان يقول لأصحابه سيروا معي نزور هذه الشهيدة).
وأخبر -عليه السلام- على أنها تستشهد قبل وقوعه، وهو دليل نبوته كما ذكرنا في كتاب المنقول من معجزات الرسول.
وفي مذهب مالك قولان في جواز إمامتهم للنساء، والمشهور أنها لا تؤمهم، وأجاز الشافعي محصول المساواة.
وقوله -عليه السلام-: (أخروهن من حيث أخرهن الله) يدل على أن النساء يمنعن من ذلك، وقد منعها الله الإمامة الكبرى، والصغرى مثلها، لأن الصحابة قالوا:

الجزء: 1 - الصفحة: 369

هو إحداهما على الأخرى بدل على تساويهما في كثير من الأحكام.
وأما الصبي ففي إمامته ثلاثة أقوال: أحدهما: الجواز مطلقًا اعتمادًا على ما أخرجه البخاري من حديث عمرو بن سلمة أنه كان يؤم قومه دون البلوغ.
الثاني: المنع مطلقًا، وتأولوا هذا الحديث على أنه -عليه السلام- يعلم ذلك وهو باطل لما جاء من الروايات، والصحيح أنه -عليه السلام- قدمه لذلك، وقدم حتى اشتروا له القميص، وقوله من طريق المعنى، لأن الصبي معتقد النافلة، فيكون من باب إمامة المتنفل بالمفترض، وذلك ممتنع على الأشهر وانفصل عنه آخرون، بأن الصبي معتقد للوجوب.
والثالث: أن ذلك يجوز (في) النافلة دون الفريضة، وعلى هذا نشأ الخلاف في إعادة من صلى وراءه، فقيل: يعيد مطلقًا، وقيل: يعيد في الوقت، وروى أبو مصعب أن الصلاة وراءه صحيحة اعتمادًا على حديث عمرو بن سلمة.
وأما العبد فلا يجوز اتخاذه إمامًا راتبًا في الجمعة بلا خلاف، إذ ليس من أهلها، فإن حضرها فهل تجوز عن ظهره، أو هل يجوز ابتداء الإمامة وراءه، أم لا، في المذهب فيه قولان: المشهور أنه لا يجوز، والشاذ الإجزاء إن وقعت، ولعله بناء على أن الجمعة واجبة عليه بالأصل، وإنما سقط لحق السيد والله أعلم.
قوله: ((ومقاما المأموم مع الإمام أربعة)): وهذا كما ذكره، ولا خلاف

الجزء: 1 - الصفحة: 370

أن الواحد يقوم عن يمينه اعتمادًا على حديث ابن عباس: (حين بات في بيت خالته ميمونة فقام عن يسار النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأقامه عن يمينه)، وشذ قوم فقالوا: إن الواحد يقوم عن يسار الإمام وهو خطأ لمخالفته للسنة.
وأما الرجلان فاختار القاضي أن يقوما خلفه لقوله -عليه السلام-: (الاثنان فما فوقهما جماعة) وفي المذهب قول آخر أنهما يقومان عن يمينه وشماله لقوله -عليه السلام-: (عن يمينه ملك وعن يساره ملك) الحديث.
قوله: ((والجماعة في غير الجمعة مندوب إليها)): هذا مذهب جمهور الفقهاء بناء على صحة التفضيل وذلك بعض حصول الإجزاء، جاز الانفراد، قال -عليه السلام-: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا) وفي رواية أخرى: (سبعة وعشرين درجة) وأوجب أهل الظاهر شهود الجماعة للقادر عليها اعتمادًا على حديث

الجزء: 1 - الصفحة: 371

عتبان بن مالك وعلى غيره.
قوله: ((ويستحب للمنفرد إعادة ما عدا المغرب)): وهذا كما ذكره، وإنما ذلك لتحصيل مزيد الدرجات، وبأي نية تعاد.
اختلف المذهب فيه على أربعة أقوال أحدها: أنه يدخل بنية النافلة، لأن الفرض قد سقط عنه بصلاته فذا.
الثاني: بنية الفرض، ولعله بناء على صحة الفرض.
الثالث: أنه ينوي إكمال الفرض حكاه الشيخ أبو وليد الباجي.
الرابع: أنه يفوض الأمر فيه إلى الله وهو مذهب ابن عمر -رضي الله عنه-، وينبني على هذا الاختلاف، إذا تبين له بطلان أحد الصلاتين، فإن قلنا: إنه يعيد بنية النافلة فتبين له بطلان الأولى سقطت عنه الإعادة إلا أن يريد تكميل إعادة الثانية التي هي نافلة، وإن قلنا يعيد بنية فريضة فتبين الحال فيها، وجب عليه إعادتها فقط، وكذلك إن قلنا إنه ينوي تكميل الفرض بالثانية أو يفوض الأمر فيه إلى الله.
قوله: ((ما عدا المغرب)): تنبيهًا على المشهور وقال المغيرة

الجزء: 1 - الصفحة: 372

المخزومي: يعيد المغرب، وقد قيل: إلا المغرب والعشاء الآخر إذا أوتر بعدهما، لقوله -عليه السلام-: (لا وتران في ليلة) وقد ألزم المغيرة إعادة العشاء بعد أن أوتر من حيث رآى إعادة المغرب وهي وتر صلاة النهار، والمشهور أن المغرب والعشاء الآخر إذا أوتر بعدها لا يعادان، واختلف في فروع تتعلق بهذا.
الفرع الأول: إذا قلنا إنه يعيد المغرب أبدًا فأعادها ثانية، ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال: فروى ابن وهب عن مالك أنها يعيدها ثالثة ويعيد وترًا، وقيل: لا يعيدها الثالثة، وقيل: إن تذكر بالقرب شفعها برابعة وجعلها نفلاً، وإن تباعد مضى وسقطت الإعادة والإضافة.
الفرع الثاني: إذا قلنا في العتمة بإعادتها، فهل يعيد الوتر أم لا؟ فيه قولان مبنيان على ما ذكرناه من الإعادة، هل هي بنية الفريضة أو بنية النافلة.
الفرع الثالث: اختلاف المذهب إذا قلنا بمنع الإعادة، فأعاد، ثم ذكر في الصلاة أن ذلك منهي عنه، فقيل: يقطع ولو بعد ركعة واحدة، وقيل: يتمادى (وهو) مبني على تقابل مكروهين، ولو صلى في جماعة أعظم منها، المشهورة أنه لا يعيد، وقال لابن حبيب يعيد في الجماعة العظمى وفي الجامع

الجزء: 1 - الصفحة: 373

العتيق، وفي المساجد الثلاثة.
وألزمه اللخمي أن يعيد فيها فذًا، ولا يلزمه ذلك، وهو مبني على طلب الكمال.
الفرع الرابع: إذا صلى وحده لم يؤم غيره في تلك الصلاة لإمكان أن يكون نفلاً في حقه فيكون من باب ائتمان المتنفل بالمفترض، ولو أم فيها أعاد من ائتم به.
قال ابن حبيب: ((يعيدون أفذاذًا مراعاة للخلاف)).
قال القاضي -رحمه الله-: ((والترتيب في الفوائت واجب)) إلى قوله: ((وأما سجود القرآن)).
شرح: تضمن هذا الفصل أحكامًا بدأ منها بحكم الفوائت، وهذا الذي قاله هو جار على أصل المذهب في قضاء الفوائت، وقد انعقد الاجماع على وجوب قضاء الصلوات الفوائت بنسيان أو نوم وإن زادت على الخمس، وذهب من لا يعتد بقوله فقالوا: لا يقضي ما زاد على الخمس.
واختلف في المتروك عمدًا، والجمهور على وجوب قضائها بعد التوبة والاستغفار، والدليل على وجوب قضاء المتروكات نسيانًا الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ وأما السنة فقوله -عليه السلام-: (من نام على صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ الآية) وإنما قال الجمهور: يقضي المتروك عمدًا قياسًا على التنبيه بالأدنى على الأعلى.
وقد اضطرب المذهب في الترتيب بين المنسية والحواضر، فحكى البغداديون عن مالك في ذلك روايتين، إحداهما أنه واجب مع الذكر ساقط

الجزء: 1 - الصفحة: 374

مع النسيان.
وتحصيل القول فيه أن الذكر للصلاة المنسيات إما أن يذكرها قبل التلبس بالوقتية أو بعده، فإن ذكرها قبل التلبس بالوقتية فلا يخلو أن تكون كثيرة أو قليلة أو متوسطة، فإن كانت كثيرة فلا خلاف أنه يبدأ بالوقتية، وذلك كالخمس عشرة صلاة فما فوقها.
وشذ محمد بن مسلمة من أهل المذهب فقال: يبدأ بالمنسيات، وإن كانت صلاة شهرين، وروى عن أشهب أنه بخير بين الابتداء بالمنسيات وبالوقتية لتقابل حقين: حق الترتيب، وحق الوقت، وإن كانت يسيرة بدأ بالمنسية، وإن كانت متوسطة فقولان: أحدهما: الابتداء بالمنسية، والثاني: يبدأ بالحاضرة وهذا كعشر صلوات.
والمشهور من المذهب أنه يبدأ بها ما لم يخف فوات وقت الحاضرة.
واختلف المذهب هل فوات وقتها الاختيار أو الاضطرار، وفيه قولان في المذهب مبنيان على تقابل المكروهين، فيقع النظر في تغليب أحدهما، ولا خلاف في المذهب بأن الأربع صلوات في حد اليسير، وأن الستة في حد الكثير.
واختلف المذهب في الخمس على قولين فقيل: هي لاحقة بالكثير وقيل: باليسير إذ تكرار فيها.
وإن ذكرها بعد التلبس بالصلاة وهو في أثنائها، فلا يخلو من قسمين إما أن تكون المذكورة مستحقة التقديم على الحاضرة أم لا؟ فإن كانت غير مستحقة التقديم فلا تأثير لذكرها، وحكمها أن يتمادى على الحاضر التي تلبس بها، وإن كانت مستحقة التقديم، لأنها في حيز اليسير.
فتحصيله أنه يخلو أن يكون إمامًا أو مأمومًا أو فذًا، ولا تخلو الصلاة التي هو متلبس بها، إما أن تكون فريضة أو نافلة، فإن كانت فريضة

الجزء: 1 - الصفحة: 375

وكان إمامًا.
ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه يقطع بناء على وجوب الترتيب.
والثاني: يتمادى بناء على نفي الوجوب.
وإذا أمرناه بالقطع فهل يجري حكم القطع على من خلفه أو يحمله أن يستخلف فيه قولان أحدهما: أن المأمومين يتبعونه بالقطع بناء على الارتباط.
الثاني: أنه يستخلف قياسًا على الحدث.
وإذا أمرناه بالتمادي أمرناه بعد الإعادة، وهل الإعادة واجبة، أو مستحبة، فيه قولان في المذهب: الوجوب والاستحباب بناء على وجوب الترتيب أو عدمه، وهل يعيد المأمومون بإعادة إمامهم أم لا؟ فيه قولان في المذهب المشهور الإعادة بناء على الارتباط، والشاذ نفيها إعطاء لهم حكم أنفسهم.
وإن ذكر ذلك وهو مفترض مأموم تمادى مع إمامه ولم يقطع.
واختلف المذهب هل تبطل عليه الصلاة التي هو فيها أم لا؟ وفيها قولان أحدهما البطلان لقوله -عليه السلام-: (من ذكر صلاة وهو في صلاة بطلت عليه التي هو فيها) الثاني: نفي البطلان، بناء على أن الترتيب ليس بواجب.
وإن كان فذًا فلا يخلو أن يذكر وهو في شفع من صلاته أو في وتر.
فإن ذكر بعد أن صلى ركعتين قطع، وجعلها نافلة، وعاد إلى صلاة المنسية، ثم الحاضرة بعد.
وإن تذكر بعد أن صلى ركعة، أو ثلاث ركعات فقولان: فقيل: يتمادى إلى الاثنين، وإلى الأربع وتبطل المنسية والحاضر بعد تكميل الأولى نافلة، وقيل: يقطع على وتر، وهو مبني على تقابل مكروهين.
وإن تذكر ولم يكمل ركعة فلا يخلو أن يتذكر قبل أن يركع أو بعد أن يركع، وإن تذكر قبل أن يركع ففيه قولان: أحدهما، أنه يتمادى ويتمها نافلة بناء على أن تكبيرة الإحرام ركن.
والثاني: أنه يقطع بناء على أنها ليست بركن.
وإن تذكر بعد عقد الركعة فقولان أيضًا: القطع والتمادي.

الجزء: 1 - الصفحة: 376

وقد اشتهر الخلاف المذهبي في عقد الركعة ما هو؟ هل وضع اليدين على ركبتين، وقيل: رفع الرأس منها.
وإن ذكر ذلك وهو في نافلة، فإما أن يعقد منها ركعة كملها بأخرى نافلة، وإن لم يعقد ركعة فقولان أحدهما: يكملها ويضيف أخرى.
والثاني: أنه يقطع بناء على ترجيح أحد المكروهين المتقابلين.
أنظر لو ذكر منسية وهو في صلاة الجمعة.
وتحصيل القول فيه أن المنسية إن كانت مستحقة التقديم فلا يخلو أن يطمع بإدراك الجمعة بعد قضائها أم لا؟ فإن طمع تمادى على جمعته وقضاء المنسية بعد، وهل يعيد الجمعة ظهرًا أم لا؟ فيه قولان مبنيان على وجوب الترتيب ونفيه، وإن لم يطمع بإدراك شيء من الجمعة تمادى عليها، ثم إذا صلى الجمعة قضى المنسية، ويجري حكم إعادة الجمعة على ما قدمناه.
ولو ذكر صلاة يوم فهل يبدأ بالصبح من ذلك اليوم لأنها أول صلاة النهار، أو بالظهر لأنها أول الصلاة في إمامة جبريل -عليه السلام-، فيه قولان في المذهب.
قوله: ((ويقضيها على صفة أدائها)): هو كما ذكره.
وظاهر كلامه العموم في شروطه السابقة المقارنة ولأركانها.
والخلاف في الأذان للفوائت معلوم.
والمشهور من أقوال العلماء الإقامة دون الأذان.
وهو قول مالك وأصحابه.
قوله: ((قضي أولها كما فعل الإمام)): تنبيه على حكم المستوفي.
وقد

الجزء: 1 - الصفحة: 377

(اختلف) المذهب هل يعد بانيًا أو قاضيًا.
وعندنا فيه ثلاثة أقوال: قيل: هو بان مطلقًا، وقيل: هو قاض مطلقًا، وقيل: إنه بان في الأفعال قاض في الأقوال، وهو المشهور من المذهب.
وأصل الاختلاف اختلاف الروايات في قوله -عليه السلام-: (ما فاتكم فاقضوا) وفي رواية (فأتموا).
ثم النوافل قسمان.
والأمر في ذلك كما ذكره.
قال القاضي -رحمه الله-: (((وأما) سجود القرآن)) إلى قوله: ((فأما الأحوال)).
شرح: يتعلق بهذا الفصل الكلام في سجود التلاوة.
وقد اختلف المذهب في حكمه، فقيل: سنة، وقيل: فضيلة وكلاهما مستقيان من المذهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 378

والدليل على إسقاط وجوبه قول عمر بن الخطاب بمحضر الصحابة: (إن الله لم يكتبها علينا أن نشاء).
قوله: ((إحدى عشرة سجدة)): بناء على المشهور من المذهب، وقد اشتهر الخلاف فيه عندنا، وفي المذهب فيه ثلاثة أقوال، فقيل: إن عزائم السجود إحدى عشرة سجدة وهو المشهور، وقيل: أربعة عشرة سجدة، وقيل: خمسة عشرة سجدة، والثابت رواية المصريين عن مالك هو القول الأول.
وقد اختلف أشياخنا في هذه الثلاثة الأقوال، فمنهم من جعلها مختلفة.
واختار أبو محمد وغيره أن السجود مأمور به في هذه الخمسة عشر إلا أن في الأحد عشر آكد وأقوى، ولذلك سماها الفقهاء عزائم.
واختلف الأحاديث هل سجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المفصل.
وجاء من طريق أبي هريرة وغيره أنه -عليه السلام-: (سجد في المفصل وسجدوا معه) والمثبت أولى من المنفى على ما تقرر في علم الأصول.

الجزء: 1 - الصفحة: 379

واختلف أهل المذهب في فعل السجود في أربع سجدات: الأولى: سجدة الانشقاق، فقيل: في آخر السورة، وقيل: عند قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [الإنشقاق: 21] في المذهب لم يثبت فيها سنة.
الثاني: سجدة حم تنزيل، فقيل عند قوله: ﴿لا يسئمون﴾ [فصلت: 38] وقيل عند قوله: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ [فصلت: 37].
والموضوع الثالث: سجدة ص فقيل عند قوله: ﴿وحسن مئاب﴾ [ص: 40] وقيل: عند قوله: ﴿وخر راكعًا وأناب﴾ [ص: 24] واختلف في الحج هل فيها سجدتان، أو سجدة واحدة، فقيل: سجدتان الأولى عند قوله: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾ [الحج: 18] والثانية عند قوله: ﴿لعلكم تفلحون﴾ [الحج: 77] وفي الحديث: (فضلت الحج بسجدتين)، المشهور أنه ليس فيها إلا السجدة الأولى.
قوله: ((ويسجدها من قرأها في صلاة أو نفل)): وهذه مسألة خلاف في الفريضة دون النافلة فلم يختلف المذهب في جواز قراءة السجدة في صلاة النافلة، ويسجدها في محلها مع سجدات الصلاة، ولا يكون ذلك زيادة في أعداد السجدات أصلاً، وكذلك يسجها المنفرد في الفريضة.
واختلف المذهب في قراءة الإمام بها في الفريضة، وفي المذهب في

الجزء: 1 - الصفحة: 380

ذلك أقوال فقيل: بجوازه مطلقًا لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [الانشقاق: 21] ومقتضاها الذم على ترك هذا السجود مطلقًا.
والقول الثاني: المنع مطلقًا، لأن ذلك زيادة في أعداد سجدات الفريضة.
والقول الثالث: جواز ذلك في يوم الجمعة خاصة من حيث جرى عمل النبي -صلى الله عليه وسلم-.
القول الرابع: جواز ذلك في صلاة الجهر دون صلاة السر خوف الالتباس.
القول الخامس: جواز ذلك إذا كانت الجماعة يسيرة، لأنه يأمن التشويش بخلاف الجماعة الكثيرة.
قوله: ((واختلف عنه في فعلها في الأوقات المنهي عنها)): وفي المذهب في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز بعد العصر وبعد الصبح، وهو قوله في الموطأ.
والثاني: جوازه فيها.
وهو قول مالك في المدونة.
وقال ابن حبيب تجوز بعد الصبح، ولا تجوز بعد العصر لأن كراهية الصلاة بعد العصر أشد من كراهيتها بعد الصبح، إذ تأخير العصر إلى الاصفرار محرم أو مكروه، وتأخير الصبح إلى الإسفرار جائز، أو مكروه على ما فيها من الخلاف المذهبي في الفصلين.
ويشترط في هذا السجود ما يشترط في الصلاة من الطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة.
واختلف المذهب هل يكبر للسجود عند الهوى، والرفع أم لا؟ والمشهور أنه يؤمر بالسجود بالتكبير وكرهه غيره، وقال ابن القاسم هو مخير في ذلك إن شاء كبر للهوي وإن شاء لم يكبر.
قال القاضي -رحمه الله-: ((وأما (الأحوال) التي نهى عن التنفل فيها)) إلى قوله: ((وصلاة المريض)).

الجزء: 1 - الصفحة: 381

شرح: اختلف المذهب في الداخل يوم الجمعة، والإمام يخطب، والمشهور من المذهب أنه لا يركع، لأن المأموم مأمور باستماع خطبة الإمام وقراءته.
قال تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ [الأعراف: 204] الآية.
قال الشافعي: إنه مأمور بالركوع لقوله -عليه السلام- للداخل: (قم فاركع ركعتين) وهي رواية محمد بن الحسن عن مالك، وقيل: إن هذا الأمر مخصوص بالرجل بعينة، وحديث سليك الغطفاني هو المعمول عليه في هذا لثبوته عنه -صلى الله عليه وسلم-.
وقول القاضي: ((وشروعه في الصلاة)) وهذا كما ذكره لقوله -عليه السلام-: (أصلاتان معًا) وقال -عليه السلام-: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا

الجزء: 1 - الصفحة: 382

المكتوبة).
قوله: ((والاختيار في التنفل مثنى مثنى)) وهذا كما ذكره.
وقد صح ذلك عنه -صلى الله عليه وسلم- قولاً وفعلاً.
وصح عنه التنفل بأربع من غير تفصيل بسلام.
وأجاز الإسفراييني وغيره التنفل كيف ما أمكن بواحدة أو اثنتين أو ثلاث أو أربعًا أو خمسًا وغير ذلك من غير سلام، والسنة ترد عليهم قولاً وفعلاً.
قوله: ((والجهر بالقراءة فيها جائز ليلاً ونهارًا)): وهذا كما ذكره والتوسط بين السر والجهر افضل اعتمادًا على حديثه -عليه السلام- لأبي بكر حين سمع قراءته فوق هذا، وقال لعمر دون هذا.
قوله: ((وتكره الصلاة في معاطن الإبل)): وهذا من المواضع السبعة التي نهى عن الصلاة فيها على ما رواه الزهري وغيره.
واختلف المذهب

الجزء: 1 - الصفحة: 383

في تعليل نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة في معاطن الإبل فقيل: لأنها خلقت من جن، وقيل: لأنها تمنى كما يمنى بني آدم، وهذا لا حجة فيه، لأن منيها وبولها وروثها تابع للحمها في الطهارة، وقيل: لنفورها، وقيل: لأنها كانوا يستترون بها عند قضاء الحاجة.
واختلف المذهب فيمن صلى في معاطن الإبل على هذا، فقيل: يعيد أبدًا، وقيل: يعيد في الوقت.
وأما البيع والكنائس، فالنهي عن الصلاة فيها ظاهر المعنى، لأنها حفرة من حفر النار.
قوله: ((والفرض داخل البيت)): احترازًا من (داخل) البيت، وقال الفرض تحرزًا من النفل.
وقد اختلف المذهب فيمن صلى الفريضة داخل البيت، فقيل: يعيد أبدًا، قيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد في

الجزء: 1 - الصفحة: 384

الوقت، وقد تأول اللخمي، وغيره على أشهب جواز الفريضة فيها ابتداء.
واختلف المذهب في النفل فيها، وفيه قولان: الجواز والمنع، ومبناه على اختلاف الروايات، ففي حديث ابن عباس أنه -عليه السلام-: (لم يصل فيها يوم دخلها) وفي حديث بلال وابن عمر أنه صلى وكل أخبر عما شاهد، ولعلها حالان مظنونان أو يكون أحدهما لغوية، والآخر شرعية، وإنما منعت الصلاة داخل البيت، لأن المصلي داخلها مستقبل به بعض القبلة ومستدبر بعضها، والمأمور به استقبال جميعها أو غيرها، وكذلك فوق البيت إذا لم يجعل ساترًا، فهل تكره الصلاة على ظهرها أم لا؟ فيه قولان في المذهب.
قوله: ((وتجوز الصلاة في مراح (الغنم والبقر))): وهذا كما

الجزء: 1 - الصفحة: 385

ذكره وهو نص عنه -صلى الله عليه وسلم-.
قوله: ((ويجوز الجمع بين الصلاتين في السفر)): وهذا كما ذكره، لما ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كان إذا جد به السير جمع بين الصلاتين) وفعله حجة على جميع الأمة، وروي عن ابن شعبان أنه أجازه للنساء وكرهه للرجال ولا حجة في ذلك مع الخصوصية.
واختلف المذهب في السفر المبيح للجميع، فقيل هو: السفر الجاد الذي يخاف بترك الجمع فوات الحاجة، وقيل: يجوز جد السير أم لا؟ قوله: ((في آخر وقت الأولى، وأول وقت الثانية)): تحصيل القول في هذه المسألة أن المسافر إما أن يعلم أنه يقدر على النزول لكل صلاة في وقتها المختار أم لا؟ فإن علم ذلك صلى كل صلاة لوقتها.
وقد ثبت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن اختلفت أوقاته وأحواله، فإن سافر قبل الزوال، وعلم أنه ينزل قبل الاصفرار يرخص بتأخير الظهر، وصلاها عند الاصفرار، وإن سافر بعد الزوال، ففي المذهب قولان المشهور أنه يجمع بينهما بتقديم الظهر، ثم العصر بعدها من غير تأخير، والشاذ أنه يصلي كل صلاة لوقتها، والذي

الجزء: 1 - الصفحة: 386

يعول عليه في ذلك فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وكان إذا ارتحل قبل الزوال جمع بينهما في (أول) الوقت).
واختلف المذهب في حكم المغرب، والعشاء، وفي المدونة عن ابن القاسم لم يذكر في المغرب والعشاء مثل ما ذكر في الظهر والعصر، وعلل الأشياخ قول ابن القاسم حيث فرق من جهة أن الغالب السير في وقت الظهر والعصر، والنزول عند المغرب والعشاء ولعله أجاب في حال.
وسوى القاضي بينهما، ولعله اختار قول سحنون وبنى عليه.
قوله: ((ولا ينتفل بينهما)): هو كما ذكره، لأن الجمع لهما شرع للتخفيف، وذلك يناقض التشاغل بالنافلة ولم يذكر القاضي ههنا الجمع للمريض في مشهور أصل المذهب على جوازه.
لأن المشقة في المرض أشد من المشقة في السفر والمطر، وقد روى أن المريض لا يجمع، ويصلي كل صلاة في وقتها، وإن حضر وقتها، وعقله مغلوب عليه، سقطت عنه، لأنه غير مكلف، وإنما يجوز الجمع بينهما للمريض بناء على المشهور إذا خاف الغلبة على عقله، فإن كان أرفق به وكان لا يخاف الغلبة على عقله، ففي جواز الجمع قولان: المشهور: الجواز والشاذ: نفيه، بناء على تحقيق مناط

الجزء: 1 - الصفحة: 387

الجمع، وإذا أجزنا الجمع للمريض فهو على ما ذكرناه بالتقديم مرة، وبالتأخير أخرى، وإذا أجزنا تأخير الظهر فيجمع بينها وبين العصر، فإلى أي وقت تؤخر؟ اختلف المذهب على ثلاث روايات، ففي المدونة أول الظهر توخر إلى وسط وقتها.
واختلف الأشياخ في تفسيره، فقيل: مع القامة وقيل: نصفها، واختار سحنون أنها تؤخر إلى آخر وقتها، وكذلك المغرب والعشاء يجمع بينهما عند مغيب الشمس إن ترخص بالتقديم، أو عند مغيب الشفق إن ترخص بالتأخير على حسب أحوال والله أعلم.
قوله: ((ويجوز في الحضر لعذر المطر في المغرب والعشاء دون الظهر والعصر)): تنبيه على مذهب المخالفين والجمهور من أهل العلم على أن الجمع بهذه الأعذار مشروع في كل المساجد، وشذ بعض أهل العلم فقالوا: إنه مخصوص بمسجد الرسول -عليه السلام- لأنه جمعه عليه لخصوصية فضله، وقيل: إنه جائز مع النبي -عليه السلام- لفضل الصلاة، ورآه الجمهور على عموم الإباحة، وقيد بقوله في الحضر، لأن السفر مبيح بنفسه لا يفتقر إلى انضمام عذر المطر إليه، وذكر المطر من حيث كان معظم الأسباب، وهي ثلاثة: المطر، والطين، والظلمة، فإن اجتمع ثلاث فالجمع جائز بلا خلاف تفرعًا على القول بالإباحة، وإن انفردت الظلمة، فالجمع ممنوع.
وإن انفرد المطر وحده جاز الجمع بلا خوف.
واختلف المذهب انفرد الطين والوحل هل يباح الجمع أم لا؟ وفيه قولان في المذهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 388

واختلف إذا ارتفع العذر بعد صلاة المغرب فقط، هل يرتفع حكم الرخصة أم لا؟ وفيه قولان عندنا استقريا من المذهب.
قوله: ((دون الظهر والعصر)): تحرزًا من مذهب الشافعي وغيره حيث اجازه في الظهر والعصر، كما أجازه الجمهور بين العشاءين، وعول في ذلك على ما رواه مالك في موطئه من حديث ابن عباس وغيره قال: (جمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين المغرب والعشاء والظهر والعصر من غير خوف ولا سفر).
قال مالك أراه كان في المطر.
قال المصنف عفا الله عنه: هذا التأويل ضعيف من وجهين: الأول: إن في بعض صحيح طرقه: ((ولا مطر)).
الثاني: إنه أول مقتضى التأويل خلاف مذهبه في الظهر والعصر، المشهور من المذهب أن الجمع بين الظهر والعصر بعذر المطر لا يجوز لانتفاء معنى المشقة أو قبلها في ذلك الوقت بخلاف المغربين وقد روى عن المذهب جواز ذلك كقول الشافعي، وهو استقراء الأشياخ كأبي القاسم بن الكاتب وغيره.
واختلف المذهب في فروع تتعلق بهذا الفصل: الأول: في وقت الجمع، وفي المذهب فيه ثلاثة أقوال: الأول يصلي

الجزء: 1 - الصفحة: 389

المغرب في أول وقتها، والعشاء بعدها من غير تأخير، وهو الصحيح عملا (بظاهر) حكمه، وقيل: يؤخر المغرب قليلًا قدر اجتماع الناس، ثم يصلي العشاء بعدها من غير تأخير، وقيل: يؤخر المغرب إلى آخر وقتها ثم تصليان معًا.
الثاني: صفة الجمع، وفيه خلاف، المشهور أنه بأذان واحد وإقامتين، إذ لا معنى للأذان الثاني، وقيل: بأذانين وإقامتين أيضًا لكل واحدة، من الصلاتين حكمها وسنتها، وقيل: بالإقامة من غير أذان أصلاً، وهذا لا أصل له، والصحيح إبقاء كل صلاة على سنتها وحكمها، وإذا قلنا بالأذان الثاني فقيل: يكون داخل المسجد، لأن معنى الإعلان حصل بالأذان الأول، فقيل: في خارجه، لأنها مشروعة الأذان.
قوله: ((ومن رعف في صلاته)): إلى آخر الرعاف.
وتحصيل القول في الرعاف أنه لا يخلو أن يكون الرعاف يسيرًا يذهب الفتل، أو كثيرًا لا ينقطع حتى ينقضي وقت الصلاة، أو متوسطًا، فإن كان يسيرًا فتله بأنامله، ومضى على صلاته، وإن كان كثيرًا لا يرجى انقطاعه بالخروج صلى على حاله، وأما المتوسط الذي ينقطع عند خروجه فحكمه أن يخرج على الصفة التي أدركها بعد، ثم لا يخلو أن يكون طرأ له الرعاف بعد أن عقد ركعة بسجدتيها، أو قبل ذلك، ثم لا يخلو أن يكون إمامًا أو مأمومًا أو فذًا.
أما الفذ فهل يجوز له البناء إن كان عقد ركعة أم لا؟ قولان في المذهب، مذهب المدونة أنه يبني إن عقد ركعة بسجدتيها.
والقول الثاني: أنه لا يبني.

الجزء: 1 - الصفحة: 390

وسبب الخلاف اختلاف الفقهاء في علة البناء، هل هي حرمة الصلاة، ويمنع من قطعها، أو حرمة الجماعة، فإن قلنا إن البناء جائز لحرمة الجماعة، اختص ذلك بالإمام دون الفذ، وإن قلنا: لحرمة الصلاة تساوي الفذ والإمام والمأموم.
وأما الإمام فيجوز له البناء إن كان قد عقد الركعة فما فوقها.
واختلف المذهب في الأفضل، هل البناء، أم القطع، فمذهب ابن القاسم أن القطع أفضل، وقال مالك البناء أفضل، لأن الله سبحانه يقول: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾.
واختلف المذهب في فروع: الأول: إذا كان الدم كثيرًا لا يرجى انقطاعه كجرح صلى على حاله، وهل ينتقل فرضه إلى الإيماء أم لا؟ فيه تفصيل إن اضطر بجسده جاز له الإيماء، ويسقط عنه الركوع والسجود للضرورة الظاهرة، وإن خاف على ثيابه التلطخ دون جسده هل يسقط عنه فرض الركوع والسجود وينتقل إلى الإيماء أم لا؟ فيه قولان في المذهب، والمشهور أنه لا يسقط ذلك تغليبًا لحق الله على الآدمي.
الفرع الثاني: إذا اختار الخروج لغسل الدم فصفة الخروج أن يخرج ممسكًا لأنفه قاصدًا لأقرب المواضع إليه غير متكلم ولا ماش على نجاسة.
فقولنا: ((ممسكًا لأنفه)) احترزا من تلويث المسجد.
وقولنا: ((قاصدًا لأقرب المواضع)) احترازًا من أن يتجاوز موضع الماء إلى ما بعده، فإن جاوزه بطل البناء، ووجب الابتداء عليه.
وقولنا: ((غير متكلم)) احترازًا من المتكلم في خروجه، لأن حكمه حكم المصلي، والمصلي ممنوع من الكلام، فإن تكلم عامدًا قطع، وإن تكلم ناسيًا ففيه ثلاثة أقوال:

الجزء: 1 - الصفحة: 391

الأول: إنها تبطل مطلقًا، لأن حكم الصلاة مستدام.
الثاني: أنها لا تبطل، وهو قول ابن سحنون وغيره، وعليه أن يسجد لسهوه بعد السلام، لأن كلامه زيادة إلا أن يكون كلامه والإمام لم يفرغ من صلاته، فيكون من سهو الإمام الذي يحمله عنه إمامه، ولا يلزم فيه سجود أصلًا.
والقول الثالث: أنه إن تكلم في سيره لم تبطل، لأنه منفصل عن الصلاة حسًا، وإن تكلم في عودته بطلت، لأنه راجع إلى الصلاة، فله حكم المصلي حسًا.
واختلف المذهب في الجاهل هل هو كالعامد أو كالناسي، وقد قدمناه والماشي على النجاسة كالمتكلم، وفرق ابن سحنون بين قشب اليابس، والنجاسة الرطبة، فإن مشى على نجاسة رطبة بطلت صلاته، ويبني إن شاء على قشب يابس، لأنه لا يتعلق بالرجل ولا بالثوب.
الفرع الثالث: إذا أجزنا له البناء فذلك إذا عقد ركعة بسجدتيها، فإن أصابه الرعاف قبل عقد الركعة، فهل يجوز له البناء أم لا؟ فيه قولان في المذهب أحدهما البناء لأن حرمة الصلاة حاصلة وهو قول ابن مسلمة.
الثاني: نفيه لنفي الإعادة بما دون الركعة شرعًا.
الفرع الرابع: إذا خرج ظنًا أنه دم فكشف الغيم بعد خروجه أنه ليس بدم، فهل يجوز له البناء أم لا؟ فيه قولان في المذهب مبنيان على الاجتهاد هل يرفع الخطأ أو لا؟ واختلف في صلاة المأمومين فقال ابن عبدوس لا تبطل وهو قول سحنون، وقال محمد بن سحنون تبطل صلاتهم.
الفرع الخامس: إذا عقد ركعة وبعض أخرى فهل يبتدئ الثانية، ويبني على الأولى وهو المشهور، أو يبني على ما مضى من الثانية وهو قول عبد الملك ومحمد بن مسلمة.

الجزء: 1 - الصفحة: 392

الفرع السادس: إذا غسل الدم عنه، ورجع إلى صلاته، وهل يلزمه الرجوع إلى المسجد أم لا؟ أما إن علم أن الإمام لم يكمل صلاته فلا بد من رجوعه، وإن علم أن الإمام فرغ من صلاته، فإن كانت غير جمعة فلا يعود، وإن عاد بطلت صلاته، لأنها زيادة مستغنى عنها، وإن كانت جمعة فيه ثلاث أقوال في المذهب: فقيل: يعود، لأن شروط الجمعة معتبرة في جميعها، وقيل: لا يعود بناء على أن الشروط مشترطة في أوائلها، وقيل: إن حال بينه وبين العودة حائل صلى في موضعه، وأجزاه وإلا فلا.
الفرع السابع: إذا أصابه الرعاف وهو صلاة الجنازة أو صلاة العيدين فحكمه حكم ما لو كان صلاة الفريضة، والتكبير في صلاة الجنازة كالركعة في غيرها، وروى عن أشهب أنه إن رعف قبل أن يعقد ركعة من صلاة العيدين، أو تكبيرة من صلاة الجنازة، وخاف فوات الصلاة إن هو خرج لغسل الدم عنه، فله أن يصلي على حاله، ولا ينصرف، وكذلك إذا رأى في ثوبه نجاسة ولا يعفي عنها، وخاف فوات الصلاة إن اشتغل بغسلها، فله أن يصلي على حاله، لأن الصلاة على هذه الحالة أولى من فوات الصلاة.
الفرع الثامن: إذا لم يدرك مع الإمام ركعة يعتد بها، ثم رعف، فهل يبتدئ تكبيرة الإحرام، أو يبني على تكبيرة الإحرام أم لا؟ فيه قولان: والصحيح أنه يبتدئ من حيث لم يحصل له ركن يعتد به.
قال القاضي -رحمه الله-: ((وصلاة المريض بحسب إمكانه)) إلى آخر الباب.
شرح: الأصل في صلاة المريض ما ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركب فرسًا فصرعه فجحش شقة الأيمن فصلى جالسًا فصلى الناس بصلاته

الجزء: 1 - الصفحة: 393

جلوسًا وقال: (إنما جعل الإمام) الحديث.
قوله: ((ويختار له أن يجلس متربعًا)): وهذا هو المشهور عملاً بفعل ابن عمر وكان يتربع.
قوله: ((ولا يجذب إليه أحدًا)): تنبيهًا على مذهب المخالف، وعمدة المذهب قول عائشة -رضي الله عنها-: (شبهونا بالكلاب لقد رأيتني معترضة بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اعتراض الجنازة فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا رفع بسطتها).
قوله: ((ويستحب للمصلي في الفضاء أن تكون بين يديه سترة تحول بينه وبين المارين)): وهو كما ذكره، والأصل في السترة ما ثبت أن

الجزء: 1 - الصفحة: 394

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت له سترة توضع له إذا صلى، وكان يصلي إلى سترة، وإنما ذلك في حق الإمام والفذ إذا صليا بحيث لا يأمنا المرور فإن آمنا فهل يتوجه عليهم بالسترة أم لا؟ فيه قولان، قال مالك والإمام سترة لمن خلفه، وفي لفظ آخر: سترة الإمام لمن خلفه، والمعنى مختلف وهو ظاهر.

الجزء: 1 - الصفحة: 395

باب (في) قصر الصلاة في السفر

الأصل في القصر في السفر قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوات﴾ [النساء: 101] الآية، وثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قصر الصلاة وأصحابه، ثبت ذلك عنه قولاً وفعلاً.
وأجمعت الأمة أنها مشروعة، وإنما اختلف الفقهاء في أصل الفرض، فذهبت طائفة من أهل العلم سلفهم وخلفهم إلى مقتضى حديث ابن عباس قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم أربعًا في الحضر، وركعتين في السفر، وركعة في الخوف).
فهؤلاء رأوا أن الفرض في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.
وقالت طائفة بل كان أصل الفرض ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على حالها، وهو مقتضى حديث عائشة -رضي الله عنها-، وقالت

الجزء: 1 - الصفحة: 396

طائفة من أهل العلم: بل فرض كل واحد منهما على ما هو عليه، ففرضت صلاة الحضر أربعًا، وصلاة السفر ركعتين، وظاهر قوله سبحانه: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ أن أصل الفرض كان على التمام، لأن القصر لا يقصر، وقد رد أبو المعالي وغيره حديث عائشة -رضي الله عنها- بناء على أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى غير مقبول لتوقي الرواة على نقل مثله.
قوله: ((القصر في الصلاة الرباعية)): وهو كما ذكره، ولا خلاف بين الأمة إلا ما روي عن ابن عباس وغيره أن العتمة لا تقصر، لا أصل له من السنة، وأما المغرب وصلاة الفجر فالإجماع على أنهما لا تقصران.
قوله: ((وأداؤها على صفة أداء التامة)): الضمير عائد على الصلاة المقصورة، والمعنى أنها في التكبير، والركوع، والقراءة، وسائر أقوالها وأفعالها كانت تامة سواء، وإن خالفها من جهة العدد لا من جهة الهيئة مورد استثناء القاضي بقوله: ((إلا في الاتمام)) والجمهور من أهل العلم أن القصر المراد بقوله تعالى: ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ هو قصر العدد لا قصر الهيئة.

الجزء: 1 - الصفحة: 397

قوله: ((وحد سفر القصر ثمانية وأربعون ميلاً)): يتعلق بهذا الكلام في حكم القصر، وفي حد المسافة، وقد اختلف الفقهاء في حكم القصر في السفر، فقيل: هو فريضة، والاتمام ممنوع احتجاجًا بحديث عائشة -رضي الله عنها-، وحققه الأئمة، لأنها كانت تتم، ولأنه -عليه السلام-، يتم وقيل: القصر سنة، لأنه -عليه السلام- فعله مظهرًا مداومًا عليه.
وهو حقيقة السنة، وقيل: إنه رخصة، لأن سبب الرخصة قائم، وهو المشقة اللاحقة، فرخص للمسافر في القصر والفطر، وقيل: إنه مباح اعتمادًا على حديث أنس قال: (سافرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمنا الصائم، ومنا المفطر، ومنا المتم، ومنا المقصر، فلم يعتب أحد منا على الآخر) وهذا معقول الإباحة.
والذي اختاره القاضي من المذهب ونصره أن القصر سنة، والاتمام مكروه اعتمادًا على الفعل الدائم المستمر.
وأما المسافة المبيحة فاختلف السلف فيه اختلافًا كثيرًا.
وتحصيل المذهب في ذلك أن السفر إما أن يكون بريًا أو بحريًا، وأما المسافة ففي المذهب روايتان، إحداهما: التحري بالزمان.
الثانية: بالمكان.
واختلفوا في تعيين الزمان على روايات.
الرواية الأولى أنه لا قصر إلا في مسيرة اليومين التامين.
الرواية الثانية أن لا قصر إلا في مسيرة اليوم والليلة.
الثالثة: أنه لا قصر إلا في مسيرة اليوم.
والذين حدوه بالمكان اختلفوا ي تعيينه، فقيل: أقل

الجزء: 1 - الصفحة: 398

من ذلك ثمانية وأربعون ميلاً، لا قصر في أقل من ذلك.
وقيل: خمسة وأربعون ميلاً، وقيل: أربعون ميلاً، وقال ابن القاسم إن قصر في ستة وثلاثين ميلاً لم يعد.
وحكى أبو محمد بن عطية المفسر في كتاب التفسير عن المذهب القصر في ثلاثين وقال: وفي المذهب أيضًا القصر في ثلاثة أميال فصاعدًا.
قلت وهذا غير معروف في المذهب، والمشهور ما ذكرناه من الروايات الأولى، وهذه الروايات الواقعة في المذهب مبنية على اختلاف الأحوال وتقارب الزمان، لأن هذه المسافة المكانية هي مظنة لا يقطعها المسافر في هذه المسافة الزمانية، وإن اختلفت فذلك بحسب اختلاف المسافرين في المشاة والركبان، وقد قال -عليه السلام-: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يومًا وليلة مع غير ذي محرم) ففي هذا النص الصريح ما يدل على أن هذه المسافة توجب حكم السفر، ومفهومه أن أقل من ذلك لا يوجب.
وثبت في هذا الباب آثار مختلفة عن السلف من الصحابة والتابعين، وذكرناها في موضعها، وأما سفر البحر فأكثر الرواة على أنه كسفر البر، وقال مالك بقصر أهل البحر في مسافة (اليوم) التام هكذا وقع في

الجزء: 1 - الصفحة: 399

المبسوط، وإنما حده بالزمان، لأن الأميال قد لا تنحصر فيه غالبًا، ولهذا اختار بعض الأشياخ التفصيل، فإن كان المسافر (ملجئًا) اعتبرناه باليوم التام، وإن كان (مسهلاً) اعتبرناه بالأميال على اختلاف الروايات فيه، وكل ذلك اختلاف في أحوال لا في فقه، فإن اجتمع السفر في البر والبحر غلب الكثر، وقيل يقع التلفيق.
قوله: ((فإن كان خلف مقيم فليتبعه)): وهذا الذي ذكره هو المشهور من المذهب، وعندنا في الصورة قولان: احدهما: أن المسافر يتبع الإمام المقيم بدل المخالفة، والثاني: أنه لا يتبعه بناء على أن فرضه القصر، فزيادته على الركعتين تبطل صلاته وإذا أمرناه بالاتباع هل يعيد في الوقت أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وهو جار على ما قدمناه في حكم القصر، وعندنا قولان أيضًا في من أتم عامدًا، فقيل: صلاته باطلة بناء على وجوب القصر، وتعيين عدد الركعات، وقيل: صلاته صحيحة مراعاة للخلاف.
قوله: ((وإن كان خلف مسافر فأتم فلا يتبع)): وهذا أيضًا فيه قولان عندنا الاتباع بدل المخالفة، ونفيه بناء على أن القصر مطلوب شرعًا.
قوله: ((ويستمر المسافر على القصر وإن عرضت له (إقامة) ما لم يبلغ بعزيمته إقامة أربعة أيام وليالهن)): وهذا مذهب مالك -رحمه الله-، والدليل على تخصيص هذه المسافة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (حرم على المهاجرين المقام بمكة أكثر من ثلاثة أيام): فدل على أن ما زاد، في حكم الحضر، وأن الثلاثة في حكم السفر.

الجزء: 1 - الصفحة: 400

قوله: ((ولا يقصر حتى يفارق بلده، ويخلفه وراء ظهره)): وهذا الذي ذكره هو المشهور من المذهب وعندنا فيه قولان أحدها: ما ذكره.
والثاني: ما ذكره ابن القاسم وابن حبيب أنه لا يقصر حتى يجاوز البلد بثلاثة أميال، لأن هذا المقدار هو الذي يلزم فيه إتيان الجمعة، وكأنه في حكم الحاضر، ولا يتحقق له حكم المسافر إلا بالزيادة على ذلك.
قوله: ((ولا يقصر العاصي بالسفر)): وهذا هو المشهور من المذهب أيضًا، وعندنا قولان في العاصي هل يرخص له لعموم ورود الرخصة ام لا يباح له، لأن في ذلك إعانة على المعصية، والمشهور ما ذكره القاضي.
قوله: ((وإن فرغ من صلاة مقصورة ثم عزم على الإقامة لم تلزمه إعادة)): وهذه المسألة لم يختلف فيها المذهب، وإنما الخلاف إذا حدثت له نية الإقامة في أثناء الصلاة، ومبناه على أصل، وهو هل يلزمه عدد الركعات أم لا؟ وفي هذا الأصل قولان في المذهب قال مالك: إذا عقد منها ركعة وهو مسافر، ثم نوى الإقامة أضيف إليها أخرى، وجعلها نافلة، وصلى صلاة مقيم.
وقال ابن دينار يبتدئ الصلاة، وإن كان إمامًا أتبعه المأموم، وابتدأ جميعهم الصلاة، وقال ابن القاسم إن كان إمام قدم غيره وخرج.

الجزء: 1 - الصفحة: 401

باب الجمعة

قال القاضي -رحمه الله-: ((وهي فرض)) إلى آخر الباب.
شرح: الجمعة واجبة بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: 9] الآية والأمر وإن اجمل فالقرائن الفعلية والمقالية تخلصه للوجوب، وثبت العمل بها، والمواظبة بالمدينة حتى مات -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، وأجمع جمهور أهل العلم على وجوبها.
وعندنا في المذهب رواية عن أصبغ أن الجمعة سنة، وتحرز القاضي بقوله: ((وهي فرض على العيان)) من فرض الكفاية الذي يسقطه البعض.
ولها شروط وجوب وشروط اداء، كما ذكره القاضي، وحصر شروط الوجوب في ستة: البلوغ: تحرزًا من الصبي، لأنه غير مكلف.
والعقل:

الجزء: 1 - الصفحة: 402

احترازًا من المجنون.
والحرية: احترازًا من العبد، فلا جمعة على العبد ولا على المسافر، لأنه مستغرق في حق سيده.
والذكورية احترازًا من المرأة.
والإقامة احترازًا من المسافر، ولا جمعة على العبد ولا على المسافر.
وموضع الاستيطان تحرزًا من الموضع الذي لا يستقر فيها، وليست وطنًا، وتتفضل هذه الصلاة على سائر الصلوات باشتراط الإمام والخطبة والجامع.
قوله: ((ولا حد لهذه الجماعة)): احترازًا من مذهب المخالف.
فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال عديدة مبناها على اختلاف الروايات في عدد من بقي في الصلاة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم (ورود) العير من الشام، وبسبب ذلك أنزل الله -عز وجل-: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا افضوا إليها﴾ [الجمعة: 11]، الآية وقد روي عن مالك: أن حد الجماعة ثلاثون رجلًا، وروى عنه خمسون رجلاً، واختار بعضهم أربعين رجلاً.
واختلف المذهب على قولين إذا كان هذا العدد ممن لا تلزمهم الجمعة كالعبيد والنساء هل تنعقد بهم أم لا؟ وكذلك اختلف المذهب هل هو شرط مستدام أم لا؟ وفيه قولان.
قوله: ((ووقتها وقت الظهر)): وهذا مذهب جمهور اهل العلم، فلا تصلي قبل الزوال عندنا، وقوله في حديث طنفسة عقيل بن أبي

الجزء: 1 - الصفحة: 403

طالب: (فنقيل قائلة الضحى).
وهو مصدر تشبيه فنقيل قائلة مثل قائلة الضحى.
واختلف المذهب في آخر وقت الجمعة على خمسة أقوال، فروى مطرف عن مالك أنه يصليها ما بينه وبين غروب الشمس، وقال ابن القاسم عن مالك ما لم يبق للعصر بعدها أقل من ركعة، وروى عن مالك أنه وقع منها ركعة في آخر وقت الظهر، وركعة في أول وقت العصر كانت جمعة، وروى عنه أن آخر وقتها أن تدخل وقت العصر، وروى عنه أن وقتها ما لم يبق لغروب الشمس أربع ركعات فهي جمعة.
وسبب هذا الاختلاف اختلافهم هل هي صلاة قائمة بنفسها، أو بدل من الظهر، فيعطي البدل حكم المبدل منه، وكذلك أيضًا اختلفوا هل يبرد بها كما يبرد بالظهر أم لا؟ وفي المذهب فيه قولان الصحيح أنه -عليه السلام- لم يبرد بها قط، ووقع في البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا اشتد البرد عجل الجمعة، وإذا اشتد الحر أبرد بصلاة الجمعة.
قوله: ((يؤذن لها على المنار لا بين يدي الإمام)): تنبيهًا على مذهب

الجزء: 1 - الصفحة: 404

المخالف.
قوله: ((والخطبة فيها قبل الصلاة)): قلت الخلاف في سبع مواضع: الأول: هل هي واجبة أو سنة، وفي المذهب فيه قولان المشهور أنها واجبة وقيل: هي سنة.
الثاني: هل هي شرط في صحتها أم لا؟ قال ابن الماجشون: على أي وجه كان، فالجمعة صحيحة والمشهور انها شرط.
الثالث: هل لها قدر أم لا؟ ويجزئ منها ما يسمى عند العرب خطبة، وفي ثمانية أبي زيد إذا صعد المنبر وتكلم بما كان فهي خطبة وجمعتهم صحيحة.
الرابع: هل الطهارة لها شرط أم لا؟ واختار القاضي أنها مشروطة مع الذكر، وقال سحنون: هي مشروطة مطلقًا، وقال أصبغ: إن خطب على غير وضوء اجزأه، لأن ذكر الله على كل حال.
الخامس: هل من شرطها الجلوس بين خطبتها، والمشهور أنها سنة واجبة.

الجزء: 1 - الصفحة: 405

السادس: هل القيام شرط فيها أم لا؟ وفيه قولان.
قال القاضي: ((إن خطب جالسًا إيماء اجزأه، ولا شيء عليه)).
السابع: هل حضور الجماعة مشترطًا في الخطبة كاشتراطه في الصلاة أم لا؟ وفيه قولان.
مبنيان على الخلاف في افعاله -عليه السلام- هل هي محمولة على الوجوب أم لا؟ وفيه قولان.
وذكر أن الخطبة فيها قبل الصلاة وهو الذي كان عليه عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء بعده وقد قال تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾ إشارة إلى قيامه في الصلاة، وقيل: وتركوك قائمًا في الخطبة وكانت الخطبة حينئذ بعد الصلاة، ثم نسخ ذلك، ذكره أبو داود.
قوله: ((متوكيًا على قوس أو عصا)): قد قيل: إنما ذلك خوفًا أن يتشاغل بالعبث بيده.
قوله: ((ولا يركع من دخل والإمام يخطب)): وهذا فيه خلاف في المذهب المشهور انه لا يركع، وروى محمد بن الحسن عن مالك أنه يركع وهو قول الشافعي اعتمادًا على قوله -عليه السلام- لسليك بن الغطفان (قم فاركع ركعتين) الحديث، وتأوله المالكية على أنه كان فقيرًا فأراد -عليه السلام- أن

الجزء: 1 - الصفحة: 406

يراه الناس فيتصدقوا عليه، وقد وقع هذا التعليل في بعض طرق هذا الحديث.
قوله: «وتدرك بقدر ركعة من فعلها أو وقتها»: أشار بقوله: ((من فعلها)) إلى المسبوق الذي أدرك مع الإمام منها ركعة فقط فهو مدرك للجماعة عند الجمهور من أهل العلم، خلافًا لمن رأى أن من لم يدرك الخطبة فلا جمعة له بناء على أن الخطبة بدل من الركعتين.
قوله: ((أو وقتها)) إشارة إلى من يستجمع شروط وجوب الجمعة أو أدائها إلى آخر وقتها بمقدار ما يبقى منه ركعة منها فقط، فإدراك الوقت المقدر بالركعة كإدراك المسبوق بالركعة فتأمله فهو ظاهر.
قوله: ((ومن سننها المتأكدة الغسل متصلاً بالرواح)): وهذا هو المشهور من المذهب أن غسل الجمعة سنة، والدليل على قول عمر -رضي الله عنه- للداخل الوضوء أيضًا، ولو كان واجبًا لأمره به، وقال -عليه السلام-: «من توضأ للجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل».
قوله -عليه السلام-: «الغسل للجمعة واجب»

الجزء: 1 - الصفحة: 407

يريد وجود السنن والله أعلم.
قوله: «ولا يجمع إلا في موضع واحد»: وتحصيل القول في هذه المسألة أن إقامتها في جمعتين جائزة في المصر الكبير الذي لا يكتفي فيه بجامع واحد.
وأما المصر الصغير فلا يقام فيه في جامعين، فإن أوقعت في جامعين فالمشهور أن الصلاة صلاة أهل الجامع العتيق.
قوله: ((إلا أن يظهر عذره)): احترازًا من المسجون والمريض، وهل يصلون الظهر جماعة أم لا؟ فيه قولان: المشهور: المنع، والشاذ: الجواز تحصيلًا لفضيلة الجماعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 408

باب صلاة الخوف

الأصل في صلاة الخوف قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ [النساء: 158] الآية وسبب نزول الآية أن المشركين استقبلوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة، فنزل عليه جبريل -عليه السلام- بهذه الآية بين الظهر والعصر.
وأجمع العلماء على أن هذه الصلاة مشروعة في حياته -عليه السلام- وأنه صلاها مرارًا كثيرة، فقيل: عشر مرات، وقيل: ثلاث مرات، وقيل: أكثر من ذلك.
واختلف هل هي باقية بعد موته أم لا؟ فذهب الجمهور على أنها باقية بعد موته اعتمادًا على عمل الصحابة وصلاتهم على هذه أدعية بعد موته -صلى الله عليه وسلم- وشذ (محمد بن الحسن)

الجزء: 1 - الصفحة: 409

وغيره فرأوها غير مشروعة تعلقًا بمقتضى خطاب الواحد المفهوم من قوله: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ [النساء: 102] الآية، وإذا ثبت أنها مشروعة، فقد ورد لها هيئات مختلفة عنه -صلى الله عليه وسلم- تبلغ خمسة عشر هيئة ذكرناها في المطولات.
واختلف الفقهاء في المختار منها، والذي عول عليه الجمهور من المالكية هو العمل على حديث صالح بن خوات وهو الذي ذكره القاضي -رحمه الله- وهو ان يقسم العسكر فريقين فيصلي بالفرقة الأولى شطر الصلاة إن كانت رباعية أو ثنائية، وإن كانت ثلاثية صلى بالطائف الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة واحدة، فإذا صلى بالأولى فهل يتمون لأنفسهم فينصرفون قبل الإمام بعد تكميلهم لأنفسهم، أم ينصرفون قبل التكميل فيستقبل العدو وهم في حكم الصلاة، ثم تجيء الطائفة الثانية، فتدرك مع الإمام الركعة الثانية فما فوقها فيه قولان في المذهب مبنيان على اختلاف الأحاديث.
فروى ابن عمر أن الطائفة الأولى لم يكملوا.
واختار ذلك أشهب من حيث لا يكون

الجزء: 1 - الصفحة: 410

إلا بعد سلام الإمام، وفي حديث صالح بن خوات أنهم اكملوا لأنفسهم، وهو المختار عند المالكية فرارًا من العمل في الصلاة، وقال تعالى: ﴿فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم﴾ [النساء: 102] فهل المقصود لأنفسهم أو سجودهم.
قوله: ((فإذا فرغ من تشهده قام إلى الثانية)): وهذا الفرع فيه خلاف، وذلك إذا صلى الإمام بالطائفة الأولى، وقامت للقضاء لأنفسهم على ما هو المختار من المذهب، وانتظر الإمام قضاءهم، وإتيان الطائفة الثانية، فهل ينتظرهم قائمًا او جالسًا، لا يخلو أن يكون موضع جلوس أم لا، فإن كان موضع جلوس فإنه ينتظرهم جالسًا، وإن لم يكن موضع جلوس فهل ينتظرهم جالسًا أو قائمًا، فيه قولان في المذهب منيان على تقابل المكروهين، فينظر في تغليب أحدهما، وذلك أن زيادة القيام مستغن عنها ومكروه، وزيادة جلوس مستغن عنها كذلك، ويقع النظر في ترجيح أحدهما، وإذا قلنا إنه ينتظرهم قائمًا، فهل يسكت، أو يقرأ، أو يسبح فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه يسكت، لأن القيام ليس هو للقراءة، بل للانتظار، وقيل: يقرأ، لأن الصلاة محل القراءة، وقيل: يسبح، لأن الصلاة محل الذكر.
وإذا فرغ من (الصلاة) بالطائفة الثانية، فهل يسلم، ثم تسلم الطائفة بعد تكميلها أو ينتظر تكملتهم، ثم يسلم بعد ذلك، فيه قولان في المذهب الأشهر: أنه يبادر بالسلام بعد كمال صلاة نفسه، ثم يسلم المأمون بعده، لأن ذلك حكم المأموم، وقد جاء أنه -عليه السلام- انتظر إكمالهم ثم سلم.
قوله: ((فأما إن اشتد خوفهم)): إلى آخره وهذه الصلاة سائفة، وللسائف

الجزء: 1 - الصفحة: 411

أن يصلي كيف امكنهم مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها راكبًا أو ماشيًا أو مطاعنًا، لأن دين الله يسر، وتأخير الصلاة عن وقتها لا سبيل إليه وإنما أخر -عليه السلام- الصلاة يوم الخندق حتى غربت الشمس نسيانًا، والناسي غير مؤاخذ.
فرع: لو قسم الإمام في المغرب ثلاثة طوائف، فصلى بكب طائفة ركعة، أو قسم من معه في الظهر، وسائر الرباعيات أربع طوائف، فصلى بكل طائفة ركعة، ففيه نظر تفصيله: أما في المغرب ففي صلاة الإمام، والطائفة الثانية والثالثة قولان أحدهما: أنها باطلة لأنهم زادوا في صلاتهم جهلاً، وأخرجوها من الصفة الشرعية.
والثاني: أنها صحيحة بناء على أن هذه الصلاة مشتملة على التوسعة والتخفيف.
وأما الطائفة الأولى فصلاتهم باطلة باتفاق، وكذلك الرباعية تبطل فيه صلاة الأولى والثانية لأنهم فارقوا إمامهم من غير موضع المفارقة.
واختلف المذهب في صلاة الإمام والثالثة والرابعة على قولين أحدهما: أن صلاتهم صحيحة، والثاني: إنها باطلة بناء على ما ذكرناه.

الجزء: 1 - الصفحة: 412

باب صلاة العيدين

قال المؤلف الأصل في صلاة العيدين قوله عز وجل: ﴿قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: 14، 15] قيل: هو إشارة إلى صلاة العيدين.
وقال تعالى: ﴿فإذا فرغت فأنصب﴾ [الشرح: 7] قيل: هو إشارة إلى صلاة العيدين وجمهور أهل العلم على أنها سنة.
وقال قوم من أهل العلم هي فرض كفاية لما فيها من إظهار شرائع الإسلام، وقد استمر عليه عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون بعده إلى الآن، وجعلها مؤكدة تنبيهًا على ما ذكرناه من إقامة شعائر الإسلام.
قوله: ((وسنتها المصلى دون المسجد)): وهذا كما ذكره إلا في أهل مكة فإنهم يقيمونها في المسجد لأن داخل الحرم أفضل من خارجه، والمقصود

الجزء: 1 - الصفحة: 413

تحصيل الأفضل ويخرج إليها الإمام، وكل من تلزمه الجمعة بقدر ما إذا (بلغ) المصلي حلت الصلاة.
واختلف المذهب على قولين فيمن لا تلزمه الجمعة، هل يؤمر بالخروج إليها لما في ذلك من المباهاة أو لا يؤمر بها، والصحيح الأمر بذلك اعتمادًا على حديث أم عطية قالت: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نخرج العواتق والحيض (وذات الخدر) والحديث ثابت.
قوله: ((ويستحب في الفطر الأكل قبل الغدو، وفي الأضحى تأخيره إلى الرجوع من المصلى)): وهذا كما ذكره، وعليه كان عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث بريدة قالت: (كان -عليه السلام- لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي).
قوله: ((ومن سنتها الغسل والطيب)): قد اشتهر أن غسل الجمعة

الجزء: 1 - الصفحة: 414

والعيدين سنة مؤكدة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن هذا اليوم جعله الله عيدًا فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك) والحديث ثابت في الصحيح.
قوله: ((والتكبير في المشي والجلوس إظهارًا لملة المسلمين)): وأما الرجوع من غير الطريق التي أتى منه فسنة ثابتة عنه -صلى الله عليه وسلم-.
وقد اختلف العلماء في تعليل ذلك، فقيل: لكثرة الخطوات، وقال بعضهم: إنما كان -عليه السلام- لتصافحه ملائكة الطرقات، وقيل: لكثرة السواد والمباهاة للعدو، وقيل: لتنال بركته الطريقان، وقيل: ليتصدق على أهل الطريقين إلى غير ذلك من التعاليل التي ذكرها علماؤنا، ويحتمل أن يكون فعله -عليه السلام- معللًا بجميعها.
قوله: ((يزاد في الأولى ست تكبيرات بعد الإحرام، وفي الثانية خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام)): وهذا مذهب مالك -رضي الله عنه-، والحكمة في ذلك أن يجتمع في هذه الصلاة عدد تكبيرة الرباعية فهذا هو من التخصيص.
قوله: ((بسبح والغاشية)): هذا هو المختار، وبهذا كان يقرأ

الجزء: 1 - الصفحة: 415

رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وروي أنه كان يقرأ ((بقاف)) في الأولى، وفي الثانية ((باقتربت)).
واختلف المذهب في فروع: الأول: إذا لم يكبر حتى قرأ، فأمرناه بإعادة التكبير، فهل (يعيد التكبير) أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وإذا أمرنا بإعادة التكبير فهل يسجد أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وإن لم يكبر حتى ركع تمادى وسجد قبل السلام.
الفرع الثاني: إذا أتى المسبوق بعد تكبيرة الإحرام فهل يكبر في حال قراءة الإمام أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يكبر اعتبارًا له بحكم غير المسبوق.
والثاني: أنه لا يكبر، لأن ذلك مخالفة على إمامه.
الفرع الثالث: إذا أدرك المسبوق التشهد، وقام بعد سلام الإمام، فهل يعتد بتكبيرة الإحرام أو يكبر سبعًا، لأنه غير مدرك للصلاة، فتكبير الأولى غير مجزئة عنه، ولا داخل في تكبيره، فيه قولان في المذهب ومبناهما على ما ذكرناه.

الجزء: 1 - الصفحة: 416

الفرع الرابع: إذا كبر الإمام في أثناء خطبته، فهل تكبيره محصور بعدد أم لا؟ فيه قولان فقيل: لا حد له، وقيل: حده سبع.
الخامس: هل يكبر الناس حينئذ بتكبيره أم لا، فيه قولان: فقيل: لا يكبرون، بل يصلون بالسماع والإنصات، وقيل: يكبرون اتباعًا للإمام.
قوله: ((ولا أذان فيها ولا إقامة)): هذا هو الذي مضى عليه العمل.
قوله: ((ويكبر خلف الصلوات يبدأ بالظهر من يوم النحر)): الأصل في التكبير في أيام التشريق في أدبار الصلوات الاقتداء بأهل منى والأصل في تكبيرات الغدو إلى المصلى قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله﴾ [البقرة: 185] الآية.
واختلف المذهب في هذا التكبير دبر الصلوات في مسائل: الأولى: هل ينحصر بأدبار الصلوات فيه، أم يكون في سائر الأوقات، والمشهور أنه ينحصر بأدبار الصلوات، والشاذ: عمومه في سائر الأوقات لأهل منى خاصة.
الثانية: متى ينقطع هذا التكبير على أقوال كثيرة بين السلف، وفي المذهب في ذلك قولان، فقيل: ينقطع في صلاة الصبح من يوم الرابع، وقيل: في صلاة الظهر، ومبناه على اختلاف الروايات الواقعة فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 417

والثالثة: إذا نسي صلاة من أيام التشريق، ثم ذكرها بعد انقضائها هل يكبر أم لا؟ فيه قولان: التكبير إعطاء لها حكم وقتها الثاني نفي التكبير إعطاء (لها) حكم وقت القضاء.
الرابعة: اختلفوا في المستحب من التكبير، والمشهور ما ذكره القاضي، وقيل: يقتصر على ((الله أكبر)).
فرع: إذا صليت صلاة العيد في المصلى فلا يتنفل قبلها ولا بعدها عنده اقتداء بالعمل لوجهين الأول: سد الذرائع خيفة من أهل البدع.
الثاني: قال ابن حبيب: صلاة العيد حظ ذلك اليوم من النافلة.
فإن صليت في المسجد ففي جواز التنفل ثلاثة أقوال، فروى ابن القاسم عن مالك جواز التنفل قبلها وبعدها، وروي أشهب عنه لا يتنفل قبلها ولا بعدها.
قال ابن حبيب: يتنفل بعدها، ولا يتنفل قبلها خشية التطويل في النافلة فتؤخر عن وقتها.

الجزء: 1 - الصفحة: 418

باب صلاة الخسوف

الكسوف، والخسوف: عبارة عن إظلام القمرين قال ابن حبيب: هو تغيير لون الشمس، وقيل: إنها تغور في البحر فينقطع ضوؤها، وقد يكسف منها البعض، فيسمى كسوفًا، وقد يأتي الخسوف في جميعها فيسمى خسوفًا، ولا خلاف في المذهب أنها سنة مؤكدة، والخلاف بعد ذلك في عشرة مواضع: الأول: من تلزمه، وفي المذهب فيه قولان: فقيل: كل من تلزمه الجمعة، وقيل: كل مكلف.
الثاني: هل تصلي في المسجد قياسًا على سائر النوافل، أو يبرز لها إلى المصلى قياسًا على صلاة العيد فيه قولان عندنا.
الثالث: لا خلاف في تطويل القراءة والركوع، واختلف في حد الطول، والمشهور أنه بقدر ما يقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن وسورة البقرة، وفي

الجزء: 1 - الصفحة: 419

الركوع الثاني من الركعة الأولى بآل عمران.
والقول الثاني: غير محدود وهو قوله: (ما لم يضر بمن خلفه).
الرابع: هل يطول السجود كما يطول الركوع فيه قولان مبنيان على اختلاف الروايات في الأحاديث.
الخامس: هل يقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن أم لا؟ المشهور القراءة، وقال ابن مسلمة لا قراءة عليه لأنها ركعة واحدة.
السادس: هل القراءة فيها سرًا أو جهرًا فيه روايتان في المذهب مبنيتان على اختلاف الروايات، ففي حديث عائشة نحو سورة البقرة، وهذا يقتضي السر، وروي أنه -عليه السلام- جهر فيها بالقراءة.
السابع: اختلف المذهب في وقتها، فقيل: قبل الزوال كصلات العيدين والاستسقاء، وقيل: إنها من طلوع الشمس إلى صلاة العصر كصلاة النافلة.
الثامن: اختلفوا في كسوف القمر، فقيل: إنها كصلاة الكسوف، وقيل: كسائر النوافل لا يعتبر فيها.
[الجمع].

الجزء: 1 - الصفحة: 420

التاسع: هل يجمع لكسوف القمر أم لا؟ فيه قولان والمشهور أنه لا يجمع له.
العاشر: إذا تجلت الشمس في أثناء الصلاة هل تكمل على صفتها أو على صفة النوافل فيه قولان في المذهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 421

باب صلاة الاستسقاء

الاستسقاء هو: طلب السقي من الله عز وجل، وأجمعت الأمة على أنها مشروعة بالدعاء والتضرع والابتهال إلى الله -عز وجل-، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ [النمل: 62] الآية وثبت ذلك من فعله -صلى الله عليه وسلم- وفعل الصحابة بعده.
واختلف هل الصلاة من سنته، والجمهور على أنه دعاء، وصلاة كسائر النوافل لما ثبت في ذلك من عمله -صلى الله عليه وسلم- وشذ أبو حنيفة فرأى أنه دعاء ليس معه صلاة.
واختلف المذهب بعد هذه القاعدة في مسائل تتعلق به.
المسألة الأولى: اتفقوا على أن من سنتها الخروج إلى المصلى، وهل يكبرون في حال الخروج قياسًا على العيدين أولًا يكبرون قياسًا على سائر النوافل فيه قولان في المذهب، المشهور نفي التكبير، لأنه موضع الخضوع،

الجزء: 1 - الصفحة: 422

وموضع الاستكانة، والتكبير موضع المباهاة، وإظهار شرائع الإسلام.
الثانية: اتفق العلماء على أن كل من لزمته الجمعة يؤمر بالخروج لها، واختلف في البهائم والأطفال الصغار هل يؤمر بخروجهم، لأن تضرعهم مظنة الإجابة والقبول أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وكذلك اختلف في خروج النساء المتجالات، وأما الشابة التي يخاف الفتنة بخروجها، فلا خلاف أنها لا تخرج، لأن خروجها داع إلى الفساد والفتنة.
الثالثة: اختلفوا في أهل الذمة هل يمنعون من الخروج لها أم لا؟ قولان: المشهور أنهم لا يمنعون: لأن الله يجيب دعاءهم استدراجًا، والشاذ أنهم يمنعون، وإذا أجزنا خروجهم فهل يخرجون منفردين أو مجتمعين مع المسلمين في يوم خوفًا ألا يجاب دعاء أهل الإسلام امتحانًا لهم، ويجاب دعاء الكافر فيه استدراجًا، فيه قولان في المذهب.
الرابعة: هل يؤمر الناس قبل الخروج للاستسقاء بالصدقة والصيام أم لا؟ والمشهور أن ذلك غير متوجه خوفًا من اعتقاد الإجابة، واستحبه ابن حبيب في هذا الموطن، لأنه أقرب إلى الخضوع وأدعى إلى الإجابة.
الخامسة: هل يجوز الاستسقاء بعد الزوال فيه قولان الجواز قياسًا على سائر النوافل، والمنع قياسًا على صلاة العيدين.
السادسة: لا خلاف أن الخطبة مشروعة في هذه الصلاة، إلا أنهم اختلفوا هل تقام قبل الصلاة قياسًا على الجمعة، أو تقدم الصلاة عليها قياسًا

الجزء: 1 - الصفحة: 423

على العيدين قولان في المذهب.
السابعة: اختلف المذهب هل يجوز التنفل قبل هذه الصلاة وبعدها، لأن ذلك خير أو يكره قياسًا على صلاة العيدين وفيه قولان في المذهب.
الثامنة: لا خلاف في المذهب أن تحويل الرداء في هذه الصلاة مشروع رجاء التفاؤل بانتقال حالهم من الجدب إلى الري، ومن الضر إلى النعماء، واختلفوا فيمن يؤمر بالتحويل، وفي وقت التحويل، أما النساء فلا يؤمرن بالتحويل، لأن ذلك تعرض للفتنة.
ولم يختلفوا أن الإمام يحول رداءه، واختلفوا في المأمومين هل يحولون أم لا؟ بناء على اختلاف روايات الأحاديث، ففي بعضها أنهم حولوا، وفي بعضها أنهم لم يحولوا واختلف المذهب في التحويل فقيل: (بعد) الخطبتين، وقيل: بعد كمال الخطبتين، وهو مبني على اختلاف روايات الحديث، وكذلك اختلفوا متى يستقبل الإمام القبلة، فقيل: بعد الفرغ من الخطبة، وقيل: في أثنائها، والقولان في المذهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 424

فصول الكتاب · 25 فصل · 24 صفحة
جارٍ التحميل