روضة المستبين في شرح كتاب التلقينكتاب الحجر والتفليس وما يتصل به
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحجر والتفليس وما يتصل به

قال القاضي رحمه الله تعالي: "المستحق عليهم الحجر ضربان" إلى آخره.
شرح: الحجر: منع المالك من التصرف في ملكه لمعني ما، والأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ الآية [النساء:5]، وأما السنة فما ثبت في الصحيح أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- حجر على معاذ بن جبل، وقال لغرمائه خذوا ما وجدتم، وليس لكم غيره) قال الزهري: أدان معاذ ديناً فباع رسول الله -صلي الله عليه وسلم-[ماله] حتى قضي دينه، وقال: (ليس لكم إلا ذلك)، وأجمع العلماء على أن جنس الحجر مشروع، أما على الأيتام الذين لم يبلوغ الحكم فبالاتفاق، لأنه نص القرآن، وإذا اختلفوا في الحجر على العقلاء الكبار السفهاء فالجمهور على أن للقاضي أن (يستأنف) الحجر عليهم

الجزء: 2 - الصفحة: 1109

اعتمادًا على فعله -صلي الله عليه وسلم- حين حجر على معاذ، وعلى أنه إجماع الصحابة، حين وقعت قضية عبد الله بن جعفر مع أن الآية التي ذكرناها أصل في هذا الباب، تقتضي أن سبب الحجر السفه، فحيث وجد علق الحكم (عليه)، وللخصم أن يقول السفه جزء العلة، ومجموع العلة الصغر والسفه معاً بناء على جواز التعليل بالعلة المركبة، وتعليل الحكم الواحد بعلتين وهو الأصح من أقوال الأصوليين، وقال طائفة من العلماء لا يبدأ الحجر على الكبار، و (الدليل) لهم حديث حسان بن سعد وفيه أنه ذكر لرسول الله -صلي الله عليه وسلم- أنه يخدع في البيوع فجعل له رسول الله -صلي الله عليه وسلم- الخيار ثلاثاً ولم يحجر عليه).
وقسم القاضي المحجور عليهم على قسمين، وقال علماؤنا: أسباب الحجر سبعة، الصبا، والجنون، والتبذير، والرق، والفلس، والمرض، والنكاح في حق الزوجة، وسنذكر ذلك مفصلاً، ثم قسم المحجور عليهم لحق أنفسهم أقساماً، وبين ذلك -رضي الله عنه- أحسن تبيين.
قوله: "ولا تراعي عدالته في دينه أو فسقه": وهذا لأن المقصود من الرشد ضبط المال وإصلاحه وتنميته، ونبه على خلاف الشافعي حين راعي العدالة في الرشد، وأوجب الحجر على الفاسق المصلح لماله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1110

قال مالك: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، وهذا يدل على أنه لا بالبلوغ محمول على الرشد، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد يذهب بنفسه لا بماله.
قوله: "وأما (في) الصغيرة فيراعي مع البلوغ وإصلاح المال أن تتزوج، ويدخل بها زوجها": ويؤنس رشدها إذ لا يتصور إيناس الرشد من المرأة إلا (بعد اختبارها غالباً)، وفي المذهب في ذلك روايات: الأولى: إنها بالبلوغ وإيناس الرشد محمولة على الرشد من غير اشتراط التزويج كالذكران، وهي رواية عن مالك، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة.
والرواية الثانية: أن المعتبر الدخول وأبناء الرشد من غير تحديد بمدة مقدرة.
والثالثة: أنها لا يحكم لها بالرشد إلا بعد سنة.
والرواية الرابعة: اعتبار سنتين بعد الدخول.
والرواية الخامسة: أنها لا يحكم لها بالرشد إلا أن تمر بها بعد الدخول خمس سنين.
والرواية السادسة: أنه لا يحكم لها بعد إلا بعد سبع سنين التي هي أقصي (أمد) الحمل، وهذا لا وجه له، وهذا كلها استحسانات ليس عليها من الشرع دليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1111

واختلف المذهب في فروع: الأول: أفعال المهمل، وعندنا في ذلك روايتان، فروي ابن القاسم أن أفعاله كلها على الرد وروي ابن كنانة، وابن نافع أن أفعاله كلها ماضية، وزاد المتأخرون قولين: أحدهما أنه إن كان ظاهر السفه ردت أفعاله، (وإن كان خفي السفه مضت أفعاله)، القول الآخر: أنه إن كان (سفهه) حاصلاً قبل البلوغ، ثم استمر ولم يأت عليه حال رشد فأفعاله مردودة، لأنه لم يزل في ولاء، يبيع ما يساوي ألفاً بمائة.
(الفرع الثاني: المحجور عليه إذا رشد ولم يفك الحجر عنه هل تمضي أفعاله أو ترد فيه قولان حكاهما الإمام أبو عبد الله)، ثم ذكر علامات البلوغ، والاختلاف فيها إلا في الإنبات خاصة، وفي تقدير السنين، أما الإنبات فهو من علامات البلوغ عندنا، ولم يعتبره أبو حنيفة، واختلف فيه قول الشافعي، والدليل على أنه بلوغ، أو دلالة على البلوغ، قوله -صلي الله عليه وسلم- (الجزية على من جرت عليه المواسي وقال في بعض غزواته: (اقتلوا من جرت عليه المواسي) وحكم-صلي الله عليه وسلم- سعدًا في قريظة، فحكم بقتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم، فكنا نكشف عن مآزرهم فمن أنبت منهم قتلناه،

الجزء: 2 - الصفحة: 1112

ومن لم ينبت جعلناه في الذراري، فقال -صلي الله عليه وسلم- (حكمت فيهم بحكم الله) وذكر أهل الآثار أن عثمان بن عفان أتي بغلام قد سرق فقال إن كان أخضر منزره فاقطعوه، واختلف في سن البلوغ فعن ابن وهب أن أقل ذلك خمسة عشرة سنة، وقيل ثمانية عشر، وقيل ما بينهما، وحديث ابن عمر حين (أغزاه) النبي -صلي الله عليه وسلم- وهو ابن خمسة عشر سنة، ورد ابن أربع عشر سنة، دليل على صحة ما ذهب إليه ابن وهب على أن حديث ابن عمر فيه اختلاف بيه (الرواة).
واختلف المذهب في أفعال البكر المعنسة، فروي ابن الحكم ومطرف عن مالك أنها إذا عنست جاز صنيعها في مالها، وإن كان لها أب أو وصي، وقال ابن القاسم: لا يجوز لها بيع، ولا عتق، ولا عطية، ولا كفالة، وإن أجازه الولد لم ينبغ للسلطان أن يجيزه، وعن ابن وهب وغيره أن بيعها جائز، وهبتها وصدقتها لا تجوز.
قوله:"ولا يحجر عليه إلا الحاكم": يعني الكبير السفيه، ونبه على خلاف محمد بن الحسن، حيث قال يحجر عليه الأب من غير حاكم وهو

الجزء: 2 - الصفحة: 1113

ضعيف وكل مختلف فيه فيفتقر إلى اجتهاد الحاكم بترجيح أحد القولين على الآخر.
قوله: "ولا ينفك (حجره إلا بحاكم" في هذه اللفظة روايتان أحدها ولا ينفك حجره فيتقيد ذلك بالكبير السفيه، والرواية الثانية: ولا ينفك الحجر، وهذا إطلاق في كل حجر، وهذا إطلاق في كل حجر، والرواية الأولى أجري على المشهور من المذهب، لأن للأب أو الوصي أن يفك الحجر من غير إذن حاكم، أما الأب فلا أعلم فيه خلافاً عندنا، وأما الوصي، فاختلفت فيه الروايات عن المذهب والمشهور أن الوصي من قبل الأب كالأب، فله أن يفك الحجر إذا علم رشده من غير افتقار إلى حكم حاكم، وقيل لا ينفك عنه الحجر إلا أن يعلم غيره رشده من غير حكم، وعندنا رواية ثالثة أنه لا بد من يثبت رشده ويتقرر عند الحاكم ثبوته.
قوله:"وأما المحجور عليهم لحقوق غيرهم فأربعة": وبدأت بالزوجات وهن قسم مختلف فيه، والمذهب كله متفق على الحجر عليهن فيما زاد على الثالث إلا في المعاوضات والمصالح، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا حق لزوجها في مالها، ولا حجر عليها، والدليل لنا قوله -صلي الله عليه وسلم-: (تنكح المرأة لدينها، ومالها، ولجمالها) وذلك يدل على أن للزوج حقًا في مالها، هذا استدل به القاضي أبو محمد وغيره، وفيه نظر، وقال -صلي الله عليه وسلم-: (لا يجوز لامرأة

الجزء: 2 - الصفحة: 1114

أن تقضي في ذي بال إلا بإذن زوجها) رواه ابن الماجشون بإسناده إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- وقال-صلي الله عليه وسلم-: (لا يحل لامرأة ملك زوجها عصمتها عطية في مالها إلا بإذنه) فإن صح مقتضاه الحجر عليها في جميع مالها، وهو خلاف المذهب أن تصرفها بالعطية والائتلاف جائز في الثلث فما دونه، ولعله قياس على المريض فإن تصرفت في أكثر من الثلث فهل يحمل ذلك على الجواز حتى يسترده الزوج، وهو قول ابن القاسم، أو على الرد حتى يجيزه وهو قول مطرف وابن الماجشون، ثم إذا اختار الرد فقال مالك: يرد جميعه لأنه ضرر، وقال المغيره، يجوز منه مقدار الثلث (اعتباراً بالمريض، وقيل يجوز منه مقدار الثلث) إلا في العتق خاصة، إذا لا يتصور فيه التبعيض فيرد جميعه حكاه الشيخ أبو الحسن اللخمي وغيره، وأما المريض (والعبيد والمفلسون) فلا خلاف في الحجر عليهم، وألحق الحامل والزاحف في القتال والمقرب للقتل بالمريض، للاشتراك في العلة غالباً.
قوله: "ومن استدان من المحجور (عليهم) ديناً (بغير إذن وليه)، ثم فك حجره لم يلزمه ذلك فيمن حجر عليه لحق نفسه كالسفيه والصغير": وهذا كما ذكره، إذا لو لزمهم لم يكن للحجر عليهم فائدة بخلاف من حجر عليه لحق غيره لذهاب العلة، فإن فسخ السيد عن عبده الدين قبل عتقه بطل، ويكفي في ذلك الإشهاد من غير حاجة إلى حكم حاكم، وهذا في غير المأذون له، وأما المأذون فلا تفك عنه الديون، لأنها مقتضي الإذن له في التجارة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1115

قوله: "ولولي المحجور عليه لسفه أو لصغر أن (يأذن) له في التجارة:: وهذا كما ذكره أن اختبار الولي لمحجوره مأذون فيه بمقتضي قوله سبحانه: ﴿وابتلوا اليتامي﴾ الآية [النساء:6]، ومخرج الخطاب على الغالب، وما استدان من دين فمتعلق بمال الاختبار (لا بذمته) لبقاء الحجر عليه، وقدر مال الاختبار تابع القدر مال اليتيم (وولي اليتيم) مصدق فيما يدعيه من النفقة على محاجيره الذين في حجره، وتحت حضانته فإن كان الأيتام عند الأم، أو الحاضنة لزمه إقامة البينة على ما يدعي دفعه من النفقة، ثم ذكر أن النفقة على الأيتام تابعة لأموالهم وأحوالهم، وتلزمهم نفقة أمهاتهم وآبائهم مع يسرهم، وعسر آبائهم، ويجوز تأديب الوصي ليتيمه وضربه وخلط نفقته، بنفقته على وجه النظر والمصلحة، وكذلك التجارة في ماله لقوله سبحان ﴿ويسئولنك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير﴾ [البقرة: 220] ويأكل الوصي من مال اليتيم بالمعروف إذا كان محتاجاً إلى ذلك بقدر أجر له إذا كان ينظر في مصلحته ويقوم بأشغاله ومنع من ذلك أبو حنيفة والدليل لنا قوله تعالي: ﴿ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء:6] وبه أفتي ابن عباس وغيره، ولا يقبل قول الوصي في رد المال إلى اليتيم بعد الرشد إلا بالإشهاد" لقوله تعالي ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ الآية [النساء:6]، وقال أبو حنيفة: القول قوله مع يمينه لأنه أمين، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأنه مقتضي النص.
فصل قال القاضي -رحمه الله-: "وأما المفلس فإذا طلب غرماؤه أو بعضهم الحجر عليه (فللحاكم) أن يحجر عليه ويمنعه التصرف في ماله": وهذا كما

الجزء: 2 - الصفحة: 1116

ذكره، وقد ذكرنا أن الأصل في ذلك أن النبي -صلي الله عليه وسلم- حجر على معاذ بن جبل، وإنما يجوز الحاكم الحجر علي المديان بالديون الحالة الزائدة على قدر ماله، لا بالديون المؤجلة، وإذا أفلس (الغريم) نفسه، ومكن غرماءه من ماله، فقسموه من غير حكم، فهو كحكم الحاكم بتفليسه، وهذا حكم الحاضر، وأما الغائب فلا يخلو أن يكون قريب الغيبة مثل الأيام فليكتب الإمام في الكشف عن أمره حتى يعلم ملؤه من عدمه، وإن كان بعيد الغيبة وعرف ملؤه فهل يفلس أم لا؟ قولان قال ابن القاسم: لا يفلس اعتباراً بما علم من ملئه وقال أشهب: يفلس وتحل ديونه أخذاً بالاحتياط.
قوله: "ويمنعه التصرف في ماله" قلت: للحجر أربعة أحكام: التصرف في المال بالتفويت، والثاني: حلول دينه، وبيع ماله وقسمته على الغرماء، والثالث: حبسه إلى ثبوت (إعساره)، والرابع: الرجوع إلى (عين) المال.
(أما الأول: منع التصرف) في المال، ولا خلاف أن الحجر يمنع التصرف في المال بالإتلاف، فلا يجوز عتقه ولا هبته ولا بيعه بالمحاباة، لأن ذلك إتلاف لمال الغرماء، والحاكم بتحجيره عليه قد منعه من ذلك فأما بيعه بالقيمة فموقوف على إجازة الغرماء.
واختلف المذهب في عتقه أم ولده هل يمضي، إذا ليس له من رقبتها إلا الوطء أم لا (إجراء لها مجري) الرقيق في انتفاعه بها، فإمضاء ابن القاسم في الكتاب وفي كتاب ابن سحنون، وقيل: مردود قاله المغيرة: وإذا قلنا بمضي العتق على قول ابن القاسم: فهل يتعبها أم لا؟ ففي كتاب

الجزء: 2 - الصفحة: 1117

محمد يتبعها مالها، وقال ابن القاسم: لا يتبعها إلا أن يكون يسيرًا، وأما ما لا يتعلق بماله وتصرفاته كالطلاق، والخلع، واللعان، واستحاق النسب وغير ذلك فلا خلاف أنه ماضي عليه.
واختلف المذهب في فرعين: الأول: إذا أقر بعد الحكم بتفليسه بدين عليه هل يقل إقراره أم لا؟ ثلاثة أقوال المشهور أنه لا يجوز إقراره بدين مطلقاً لقريب و (لا) بعيد.
الثاني: إقراره ماض إن كانت ديونه ثابتة بإقراره للتساوين وإن كانت (بغير) بينة فلا يجوز إقراره إلا أن يقيم المقر لهم بينة لما في ذلك من إدخال النقص عليهم في المحاصة بقوله.
والثالث: جوازه إذا علم أن رب الدين كان يتقاضاه.
الفرع الثاني: إذا أقر المفلس بقرض معين، أو وديعه بعينها، ففيه ثلاثة أقوال أجاز ابن القاسم (إقراره) بذلك، وأبطله اصبغ إلا ببينه على ذلك، والثالث جوازه) إذا كان على أصل القراض والوديعة بينه، (وإن لم تقم علي عينه)، فإن لم تكن على أصله بينة فهو إقرار باطل وهذا حكم المديان بعد تفليسه، وتحجير الحاكم عليه، وأما قبل الحجر فيمنع من الإتلاف كما ذكرناه وأما معاوضته وما يلزمه بالشرع من النفقات والأضحية والصدقة اليسيرة فجائز، واختلف المذهب في جواز رهنه، وقضاء بعض غرمائه دون بعض،

الجزء: 2 - الصفحة: 1118

فعن مالك في ذلك روايتان.
فرع: وإذا أبطلنا إقراره بالدين (يتعلق) بذمته إن أفاد مالاً غير ما حر عليه فيه، ويحلف المفلس على دين يقوم له به شاهد واحد، فإن نكل عن اليمين مع شاهده فلغرمائه من أحب منهم أن يحلف قاله ابن حبيب، وكذلك إن نكل عن اليمين المردودة، وإن أراد سفراً فلمن بقي له عليه دين حال منعه من السفر.
قوله: "وتحل الديون المؤجلة عليه بفلسه" وهذا مذهب مالك -رضي الله عنه- لخراب الذمة بالفلس والموت فتحل الديون في المحلين عندنا قال ابن شهاب: مضت السنة أن الدين الذي عليه يحل بالموت، وقال غيره: لأن الله سبحانه لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين، وقال الحسن وغيره: لا تحل الديون بالموت، وللشافعي في حلول الديون المؤجلة بالفلس روايتان، والصحيح ما ذهب إليه مالك لما ذكرناه، وأما ديون المفلس، أو الميت فباقية إلى آجالها (لاستمرار) الذمم، وانتقال حق رب الدين إلى الورثة والغرماء، ثم ذكر أن حقوق الغرماء منها ما يتعلق بمال معين كبائع السلعة يجدها بعد التفليس على الشرائط التي نذكرها، ومنها ما يتعلق بالذمة، ويوجب المحاماة، وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: (أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره) وروه الزهري على مساق آخر عن

الجزء: 2 - الصفحة: 1119

أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: أيما رجل غاب أو فلس فوجد بعض غرمائه ماله بعينه فهو إسوة الغرماء ولتعارض هذه الأحاديث اختلف الفقهاء في ذلك فحمل الحديث الأول جماعة من الفقهاء على الوديعة والعارية وهذا ضعيف لم ثبت في الرواية الصحيحة من ذكر البيع، وقد بينه عبد الرازق في مصنفه مسنداً إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- وفيه: (أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه (شيئاً فوجد بعينه فهو أحق به، وإن مات ابتاعه فصاحب المتاع) إسوة الغرماء، وفي طريق الزهري: فإن كان قبض من ثمنها شيئاً فهو إسوة الغرماء ذكره أبو عبيد في كتاب الفقه.
وتحصيل مذهب الفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: قال قوم: صاحب السلعة أحق بها من الغرماء في الموت والفلس (وهو قول الشافعي وأحمد وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والكوفيون هو إسوة الغرماء في الموت والفلس).
وقال مالك: هو أحق بها في الفلس دون الموت على شروط

الجزء: 2 - الصفحة: 1120

نذكرها، وذلك إذا تعذر الثمن من مال المفلس، وههنا فروع: الأول: إذا أراد الغرماء أن يدفعوا لبائع السلعة ثمنها من أموالهم ويأخذوها لأنفسهم فلا يخلو أن يحطوا عن المفلس من دينهم أم لا؟ فإن التزموا دفع ثمنها من أموالهم والحطيطة عن المفلس من ديونهم فلا خلاف في المذهب أنهم يمكنون من ذلك، وقال ابن كنانة: ليس لهم دفع ثمنها من أموالهم بحال ولا معني، وإلا أرادوا دفع ثمنها من أموالهم من غير حطيطة عن المفلس فهل يمكنون من ذلك أم لا؟ قولان عندنا، المشهور: أن ذلك لهم، وقال أشهب: ليس لهم ذلك إلا بعد الحطيطة، ولو اتفق الغرماء على أن يدفعوا الثمن للبائع من مال المفلس، ويتمسكوا بالسلعة لجاز ذلك، ويكون نماء السلعة (ويقضي لهم عليه).
الفرع الثاني: إذا قبض البائع الثمن، فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال داود، وإسحاق، إن قبض من الثمن شيئًا فهو أسوة الغرماء اعتماداً على مساق حديث عبد الرازق، وقال مالك هو بالخيار بين أن يرد ما قبض، ويختص بسلعته، أو يحاص بما بقي له من الثمن، (ولو قبض بعض الثمن ووجد بعض السلعة فهو بالخيار بين أن يضرب ببقية الثمن) أو يرد ما قبض، ويأخذ ما وجد، ويضرب بقية ثمن ما فات، وهذا ما لم يتغير المبيع بغير انتقال فذلك فوت فليس حينئذ مع الفوت إلا المحاصة، والفوت كالحنطة يطحنها، أو يزرعها، أو يخلط جيدها مع رديئها، والكبش يذبحه والثوب يصبغه، والخشبة يقطعها، والهزيل يسمنه، وقد قيل: إن طحن القمح لا يكون فوتًا في باب العيوب، ويتخرج ذلك ههنا.
واختلف عندنا في صبغ الثوب ودبغ الجلد هل هو فوت أم لا؟ واضطرب في ذلك قول ابن وهب، ونبه على أنه ليس بفوت، وروى عن

الجزء: 2 - الصفحة: 1121

مالك أنه سئل عن قطع مثله، فوقف فيه وقال لا أدري، فإن أضاف إليه (صناعة) مثل الغزل ينسجه، أوعينًا مثل البناء في الأرض، فله الرجوع في عين سلعته، ويكون شريكاً للغرماء بقيمة ما زاد، وأما إذا خلط السلعة بجنسها المماثل لها كالزيت يخلط بمثله، والزبيب بجنسه ونحو ذلك، فله أخذ مكيلته، ويتنزل المثل منزلة العين ولو ولدت الأمة، أو الماشية فله أخذ الولد مع أمه لأنها كالعين الواحدة فولدها كعضو منها، وأما الثمرة والصوف على ظهور الغنم كالغلة إلا أن تكون الثمرة مأبورة يوم الشراء، أو الصوف كاملاً على ظهور الغنم فحينئذٍ يدفع مع أصله، ويرجع للبائع، لأنه عين شيئه.
فرع: إذا باع ثوباً أو ثوبين فوجد أحدهما قائماً وفات الآخر، فله أن يأخذ القائم، ويحاص الغرماء بقيمة الفائت من الثمن الأول، ولو ولدت الأمة فمات أحدهما فقد ذكرنا أن الولد مع أمه كالعين الواحدة فليس له أخذ الباقي بجميع الثمن، أو المحاصَّة، فإن بيع الولد، وبقيت الأمة أو عكسه ففيه اختلاف، تحصيله إن بيعت الأم، وبقي الولد فقولان أحدهما أنه يأخذ الباقي بحسابه من الثمن حكاه الشيخ أبو القاسم، والثاني أنه يأخذ الباقي في جميع الثمن وهو قول سحنون، وكذلك إذا بيع الولد، وبقيت الأم فالمشهور أنه يأخذها بجميع الثمن وهو قول ابن القاسم، وقيل: يأخذها بحصتها من الثمن، ويحاص الغرماء بما ينوب الولد من الثمن وهما كسلعتين في صفقة.
فرد: إذا ابتاع عبدًا فجنى، ثم فلس المشتري قبل قبض البائع الثمن فله المحاصة مع الغرماء، فإن أراد البائع أن يفديه من الجناية، فذلك له ويأخذه حينئذٍ بنفسه بجميع الثمن، ولا يحاص بما فداه به، (لأن ذلك منه يتنوع، ولو وجده مرهوناً فأراد فداه وأخذه بالثمن، فله الرجوع إلى محاصة الغرماء بقدر

الجزء: 2 - الصفحة: 1122

ما فداه به)، والفرق بين أن يفديه من الرهن أو من الجناية ظاهر، لأن الرهن متعلق بذمة المشتري بخلاف الجناية، فلهذا أوجبنا له المحاصة بقدر الفدية من الرهن دون الفدية من الجناية.
فرع: قد ذكرنا أن البائع أحق بسلعته إذا فلس المشتري قبل دفع الثمن، وهذا إذا كان البيع صحيحاً، واختلف المذهب في المبيع الفاسد هل يكون البائع أحق به من السلعة كالبيع الصحيح أو لا؟ قولان، قال سحنون: كالبيع الصحيح)، وقد محمد: لا يكون أحق بها.
فرع: إذا فاتت السلعة بالبيع فللبائع المحاصة لا غير، فإن ردت بعيب على البائع المفلس وهو المشتري أو لا فهل للبائع أن يرد ما أخذ في الحصاص ويأخذ سلعته أم لا؟ المنصوص عن ابن القاسم أن له ذلك، وقيل حكم مضي فلا يرد، خرجه الشيخ أبو الحسن اللخمي.
قوله: "وفي الموت لا رجوع له": وهذا كما ذكره، هذا مذهب مالك -رحمه الله- لأن ذمة الورثة كذمته بخلاف الفلس لخراب ذمته.
قوله: " وإذا جمع الحاكم مال المفلس": يتعلق به الكلام في (تلف) مال المفلس، وفصل القاضي بين أن يتلف بعد جمع الحاكم له، وقبل بيعه، أو يتلف ثمنه على يد الحاكم، فضمان الأول من المفلس في الثاني روايتان، وحكي الشيخ أبو الحسن، وغيره فيه خلافاً مطلقاً في المذهب فيما إذا تلف مال المفلس بعد أن جمع قبل البيع أو بعده يرجع حاصلة إلى أقوال ثلاثة: الأول: المشهور عن مالك أن مصيبته (من المفلس حتى يقبضه الغرماء كان عرضاً أو عيناً، والثاني رواية عبد الملك عن مالك أن مصيبته) من الغرماء

الجزء: 2 - الصفحة: 1123

من حضر منهم ومن غاب، ومن علم ومن لم يعلم، كان دينه عيناً، أو عرضًا، أو حيوانًا، أو ما كان، والثالث: إن كان عينًا فضمانه من الغرماء، وإن عرضًا فضمانه من المفلس وهو قول المغيرة وغيره، والصحيح أنه باق على ملك المفلس حتى يقبضه الغرماء وههنا فروع: قد ذكرنا أن البائع أحق بسلعته في الفلس، وإذا حكمنا له بأخذها فهل ذلك نقض للبيع الأول، أو ابتداء بيع قولان عندنا، وتظهر ثمرة ذلك في مسائل منها: إذا باع عبداً فأبق عند المشتري، ثم فلس فقال ابن القاسم: ليس له ذلك)، وقال أشهب: له ذلك فإن وجده كان أحق به، وإلا رجع فحاص، وفي كتاب ابن حبيب عن أصبغ: ليس له أن يختاره، وهذا بناء على أنه بيع الآبق.
فرع: هل يكون في الفلس أحق بالعين كما يكون أحق بالعرض أم لا؟ قولان عندنا ففي المدونة فيمن أسلم عينًا دنانير أو دراهم ثم فلس المسلم إليه فربها أحق بها في الفلس إذا عرفت وهي كالمكيل والموزون، وقال أشهب: يكون إسوة الغرماء، ومبناه على الخلاف في تعيين الدراهيم والدنانير.
فرع: إذا كان العرض من قرض ففي كتاب محمد فيمن أقرض عرضاً أو عبداً هو أسوة الغرماء، لأن الحديث إنما جاء في البيع، وقيل: هو أحق به كالبيع، حكاه أبو محمد الأصيلي لقوله -صلي الله عليه وسلم- (أيما رجل أدرك ماله

الجزء: 2 - الصفحة: 1124

بعينه)، وهذا عام وملاحظة للمعني وهو فيهما واحد.
فرع: اختلف المذهب في الحوالة هل يكون المحال أحق بالسلعة إذا كانت من بيع، وأحيل بثمنها وفلس المحال عليه، فقال ابن القاسم: لا يكون أحق (بالسلعة) وقال غيره هو أحق، ومبناه على الحوالة هل هي من باب البيع أو من باب المعروف.
فرع: إذا باع ثمرة قد أزهت ثم فلس المشتري بعد أن يبست فقال مالك: هو أحق بها لأنها عين ماله، وقال مرة هو إسوة الغرماء لانتقال حالها.
فرع: اختلف المذهب هل تقع المحاصة مع الغرماء بنفقة الزوجات والأبوين والصداق، (والجنايات، ومتعة المطلقة أم لا؟ بناء على أن ذلك هل يلحق بالمعاوضات أو بالهبات)، وموجبات الأحكام قولان عندنا، ثم ذكر حبس المديان إذا أدعي الفلس من غير بيان وهو الحكم الرابع الذي أوجبه الحجر، والواجب أولاً (خلعه) من ماله فيؤخذ العين وتباع عروضه للتجارة أو للقنية، واختلف في فروع.
الأول: هل تباع خاتمة عليه أم لا؟ قال ابن القاسم: تباع، وقال أشهب: لا تباع وكذلك اختلف المذهب في ثياب جمعته هل تباع عليه أم لا؟ قولان، وكذلك كتب العلم هل تباع عليه أم لا؟ وفي كتاب محمد: لا تباع (عليه) للغرماء، وإن مات كان الوارث (وغيره) ممن هو أهل للانتفاع بها سواء، وقال ابن عبد الحكم: تباع عليه، وتباع كتابه المكاتب، وخدمة المعتق

الجزء: 2 - الصفحة: 1125

إلى أجل، والمدبر ودينه المؤجل ويترك له من النفقة ما يعيش به هو وأهله الأيام، وفي كتاب محمد: الشهر، وعن ابن كنانة في كتاب المدنيين لا يترك له شيء من النفقة وهل يترك له كسوة زوجته أم لا؟ قولان قال سحنون: لا يترك له كسوة، والمشهور خلافه، وإذا خليت كسوته وكسوه ولده وزوجته فهل تجرد لهم أم لا؟ قولان قال سحنون: تجرد، وقال غيره لا تجرد.
فصل في الحبس وإنما يحبس من جهل حاله، وأدعي الفقر، فإذا ثبت فقره فهل يقضي عليه باليمين على صحة الشهادة لأنها إنما تعلقت بالظاهر فقط، أو لا يحلف، قولان.
قوله: "ومدة الحبس غير مقدرة" وقال ابن الماجشون: لا يحبس في الدريهمات (أكثر) من نصف شهر ويبلغ في الكثرة أربعة أشهر وفيما بين ذلك الشهرين، وهل يحبس الولد في دين الوالد أو نفقته قولان عندنا، وصح أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- سجن في تهمة وسجن الصحابة بعده) وقال -صلي الله عليه وسلم- (يحل عرضه وعقوبته) والعقوبة هنا السجن وعرضه أن يقول مطلني ظلمني ونحوه، وذكر أبو عبيد أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قدم عليه ناس من البادية ومعهم إبل فصحبهم في الطري قرجلان وباتا معهم، فلما أصبحوا فقدموا بعض إبلهم فجاؤوا إلى رسول الله-صلي الله عليه وسلم- فحبس أحدهما، وقال لصحابه أذهب فأطلب ما ذهب، فذهب فجاء بما ذهب، فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (استغفر لي، فقال له

الجزء: 2 - الصفحة: 1126

يغفر الله لك، فقال له النبي-صلي الله عليه وسلم- وأنت يغفر الله لك) فأخذ منه بعض الفقهاء السجن بمجرد الدعوي مع الشبهة، ويحبس النساء في الدين كالرجال، وتجعل معهن امرأة أمينة، ويمنع المسجون من دخول زوجته عليه تضييقاً سيما إذا سجن في أمر بين، ولا يمنع المسجون من أن يزوره من إخوانه من النسب والإسلام، وإذا لم (يجد من) يشهد له، وقد طال سجنه أخرج، وقد سئل مالك عن التجار الذين يأخذون أموال الناس ثم يقولون ذهبت منا، ولا يعرف ذلك، فقال يحبسون حتى يوفوا الناس حقوقهم أو يتبين أنه لا شيء له، قال: فهذا لا يعرف ولا يعجل سراحهم حتى يستبرأ أمرهم، وفي كتاب محمد، وابن حبيب عن مالك وأري أن يخرج هؤلاء من السوق، وإذا ثبت عسر المحبوس خلي سبيله، وهل للغرماء أن يدوروا معه حيث دار، ويلازموه؟ المنصوص ليس لهم ذلك، والحجة عليه قوله -صلي الله عليه وسلم- (خذوا ما وجدتم معه ليس لكم غيره) ولأن الملازمة حبس، وقد ثبت موجب نفيه وهو مقتضي قوله سبحانه: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ ويحبس الوصي على الأيتام فيما عليهم من دين إذا كان لهم بيده مال، لأن امتناعه من الأداء من باب اللدد، وهل يطاف بالمفلس في السوق (والملعن بالسفه)، وينادي عليه، فيه خلاف عندنا، وجري العمل عليه حفظاً لأموال الناس، وهل

الجزء: 2 - الصفحة: 1127

يؤخذ المديان بعمل صنعة يكتسب منها، ويؤدي الدين، قال الجمهور: ولا يؤاجر اعتمادًا على الآية وقضية معاذ، وقال أحمد بن حنبل يؤاجر، واختاره اللخمي إذا كان صانعًا (إنما عوامل غالبًا على صناعته، ثم ذكر فلس (الصناع) ومستأجريهم، وتحصيل القول فيه فأنهم إذا قبضوا السلع وأفلس أربابها فهم أحق بها في أيديهم إذا كانوا قد عملوا الصنعة في الموت والفلس، لأن صنعتهم بأيديهم ولم يسلموها، وإن كان التفليس قبل العمل فهو بالخيار بين أن يفسخ الإجارة، أو يكون أسوة (الغرماء) إن عمل، وإن فلس الصانع فلرب السلعة أن يخلص بقيمة تلك السلعة، وباقي مسائل التفليس (مذكور في المطولات).

الجزء: 2 - الصفحة: 1128

باب الصلح والمرافق وإحياء الموات

وما يتصل بذلك شرح: الأصل في الصلح الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: 128] وأما السنة فما روي مرفوعًا إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا، أو حرم حلالاً) وقد روي موقوفًا على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهو على قسمين: صلح على الإقرار، وصلح على الإنكار، فالصلح على الإقرار جائز، بإجماع المسلمين،

الجزء: 2 - الصفحة: 1129

وأما الصلح على الإنكار فأجازه الجمهور، ومنعه الشافعي لأنه من أكل المال بالباطل، واعتمد الجمهور على أنه شراء خصومه وافتداء من اليمين، وقد صح جوازه عن عثمان، وابن مسعود وغيرهما فكان حجة، وقسمه القاضي قسمين، معاوضة وإسقاط وإبراء، فالقسم الأول: أن يدعي على رجل شيئًا، ثم يبيعه منه فلا يجوز إلا في معلوم وحكمه حكم البيع، فيراع (في صحته) ما يراعي في البياعات، فيحرم فيه (من وجوه الربا ما يحرم في البيع ويحل فيه ما يحل فيه، والقسم الثاني: وضع بعض الحق المدعي فإن كان الغريم مقرأ فهو صلح على (الإقرار، وإن كان منكراً فهو صلح علي) الإنكار، وهل يراعي في الصلح على الإنكار ما يرعي في البيع أم لا؟ فيه قولان عندنا مثل أن يدعي دنانير فينكر فيصالحه عليها بدراهم مؤاجلة، فهو محرم عند ابن القاسم، لأنه صرف مستأخر، وأجازة أصبغ وغيره، ولم يره صرفًا وإنما رآه معاوضة على إسقاط المنازعة فقط، فإذا وقع الصلح فاسدًا بخروجه إلى باب الربا فهل يفوت بوقوعه أم يفسخ أبدًا، أو يفسخ ما لم يطل هذه الثلاثة الأقوال واقعة عندنا، والصحيح أنه كالبيع الفاسد فيفيته ما يفيت البيع الفاسد.
قوله: "وإحياء الموات على وجهين": قلت اختلف الفقهاء في إحياء الموات على ثلاثة أقوال، فاشترط فيه أبو حنيفة إذن الإمام قرب من العمران

الجزء: 2 - الصفحة: 1130

أم لا؟ ولم يشترط الشافعي مطلقًا، وفصل مالك فاشترطه في القريب دون البعيد هذا هو المشهور من مذهبه، وقال أصبغ وسحنون: لا يفتقر إلى إذن الإمام فيما قرب، ولا فيما بعد، ورواه ابن عبدوس عن أشهب، والأصل في جوازه قوله -صلي الله عليه وسلم-: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق) والإحياء: البناء والغرس وحفر الآبار وشق العيون وغير ذلك من أنواع (العمارة) مما يعلم أنه إحياء، واختلف الرواية عن المذهب فيمن أحيا (أرضًا) وتركها حتى خربت، ثم أحياها رجل آخر فهل تكون للأول لأنه ملكها أولاً بالإحياء، أو للثاني لأنها كالموات حيث خربت فيه عندنا قولان المشهور أنها للثاني كالصيد إذا استأنس ثم استوحش، ثم صاده صائد فهو للثاني، لأنه باستيحاشه صار غير مقدور عليه.
فرع: إذا بيننا على المشهور من اشتراط إذن الإمام فيما قرب تعين النظر في أمرين: الأول: حد القرب والنظر فيما إذا أحيي بغير إذن الإمام فيما اشترطنا فيما إذنه، وحد القرب عندنا مختلف فيه، أما البلدان فالقريب منها ما تلحقه مواشيها بالرعي في غدوها ورواحها وهو لهم مسرح، ومحطب، وأما الدار فحريمها إذا كانت محفوفة بما احتوت مرافقها التي يضطر إليها (ويعلمها)

الجزء: 2 - الصفحة: 1131

الناس من مرافقها في العادة كمطرح التراب، ومصب الميزاب، ومواضع الطريق، وأما البئر فليس لها حريم معلوم لاختلاف الأرض بالصلابة والرخاوة، وحريمها في الحقيقة ما لا يضر بمائة، ولا يضيق مناخ إبلها، ومرابط مواشيها، وأما إذا أحيي بغير إذن الإمام ممن أوجبنا عليه الاستئذان فالحكم فيه للإمام إن حسن عنده أمر فعله، فإما أبقاه (بيد من أحياه)، وإما أزاله وإما أقطعه، وإما أبقاه للمسلمين وأعطاه قيمته، وهل يعطي قيمته مقلوبًا وهو المشهور لأنه متعد بالإحياء، أو قائمًا حكاه ابن القاسم في وثائقه.
فرع: هل للذمي أن يحي في بلاد المسلمين أم لا؟ اختلفت الرواية فيه عن المذهب، فحكي القاضي أبو الحسن بن القصار عن المذهب أنه ليس له ذلك، وقال ابن القاسم: له الإحياء لعموم لفظ الحديث إلا في جزيرة العرب لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (لا يبقين دينان بأرض العرب) فإن أحيي في جزيرة العرب نزع من يده، وأعطي قيمة ما عمر، وقال مطرف وابن الماجشون له الإحياء في البعيد عن العمران دون القريب، ولا يجوز له الإحياء (في القريب)، وإن أذن له الإمام، ويعطي قيمته، وينزع من يده.
قوله: "وليس لحريم البئر حد إلا الاجتهاد"، وهذا كما ذكره،

الجزء: 2 - الصفحة: 1132

والمعهود من الشريعة رفع الضرر (فما يعلم أن يضر) بالبئر الأول كذلك الحريم، وهو مختلف باختلاف الأرضي، هذا في آبار (البراري) والفلوات، وأما إذا أراد أن يحفر بئراً في أرض ملكه تضرب ببئر جاره، فهل يمنع من ذلك أم لا؟ حكي القاضي فيه روايتان المنع رفع للضرر، (والجواز) لأنه تصرف في ملكه بما يحتاج إليه.
قوله: "ومن حفر بئرًا في ملكه فإن البئر مع الأرض ملك له، وله منع الناس منها": اختلف الفقهاء في منع الماء للناس على ثلاثة أقوال: فقالت طائفة: لا يمنع ولا يباع مطلقًا كان في أرضه مملوكة أم لا؟ وهو مذهب أهل الظاهر، وقوم رأوا أنه مما يتصور ملكه، والمنع منه بالإطلاق، وفرق قوم من الفقهاء بين أن يكون في الأ {ض المملوكة فيملك، أو غير المملوكة فلا يملك، واعتمد الأولون على قوله -صلي الله عليه وسلم- (لا يمنع نفع ولا فضل ماء) وجعله رسول الله -صلي الله عليه وسلم- من الأشياء المشتركة كالحطب والنار، واعتمد من أجاز منعه على أنه كسائر (المتمولات الممتلكة).
وتحصيل مذهب مالك في ذلك: أن المياه على ثلاثة أقسام: عام، وخاص، ومتردد بين الخصوص والعموم، فالعام ضربان: الأول: الماء الجاري في الأرض المملوكة المستقر فيها، فهذا لا خلاف في المذهب أنه مملوك لمن جري في ملكه، واستقر في أرضه على صفة الملك لواحد كان أو للجماعة فلمالكه منعه، وتحجير فضله، والاختصاص بجميعه، وليس عليه أن يرسله إلى من تحته، لأنه بدخوله في أرضه وجريانه عليها، واستقراره فيها

الجزء: 2 - الصفحة: 1133

صار ملكًا له، ويقتسمه الشركاء في هذه الأرض على حسب أملاكهم، والثاني: الماء الذي طريقة في الأرض المباحة كالماء الذي يسيل من شعاب الجبال وبطون الأودية، وهذا حكمه أن يسقي به الأعلى فالأعلى، إذا كان الأعلى قديمًا، وإن كان محدثًأ فسنذكره، واختلفت الرواية في تحديد السقي، فقال ابن وهب، وابن الماجشون وغيرهم يسقي الأول ويرسل جميع الماء في حائطة حتى يبلغ الماء في الحائط كله كعب من يقومفيه فحينئذ يغلق مدخل الماء ويرسله إلى جاره، وروي زياد بن عبد الرحمن عن مالك: أن الأول يجري الماء في (ساقيته إلى حائطه) قدر ما يكون الماء في الساقية إلى الكعبين حتى يروي حائطه، أو يفني الماء، فإذا روي حائطه أرسله كله، فاعتبر في هذه الرواية ري الحائط، وجعل الكعبين مقدار الماء في الساقية لا في أرض الحائط، وفي المدينة من رواية عيسي عن ابن وهب أن الأول يسقي حتى يروي حائطه، ثم يمسك بعد ري حائطه من الماء ما يبلغ إلى الكعب، فجعل الكعبين في هذه الرواية مقدار الماء المسقي بعد الري، وقال ابن كنانة: إن كان المسقي زرعًا فيمسك الماء حتى يبلغ النعل، وإن كان شجرًا فيمسكه حتى يبلغ الكعبين، فهذه (أربع) روايات واقعة عن مالك، وهذا إذا كان الأعلى قديمًا (لا يسبقه) الأسفل بإحياء وغرس، ثم أراد غيره إحياء ما فوقه، والسبق إلى الماء، فالقديم أحق، ويمنع المحدث من الأحداث إلى علي حسب دولته، فإذا رضي بحطه من الماء مما فضل عن الأقدم، فله ذلك، نص عليه سحنون.

الجزء: 2 - الصفحة: 1134

والقسم الثاني: الماء الخاص وهو المصون في الأواني، أو في الآباء الممتلكة بالحر أو بالشراء، فهذا من جملة الأملاك التي يختص بها مالكها ولا يتصرف فيها غيره إلا بإذنه.
والقسم الثالث: المتردد بين الخاص والعام، وهو ماء (البئر) المحتقرة في الفيافي والبوادي للماشية، فلا يباع ولا يورث، وحافرها أحق (بقدر كفايته)، وعليه إرسال فضلته وورثه حافرها بمنزلته، والعادة تشهد في مثل هذا، لأن حافره إنما يحفره (لتشرب) ماشيته، ويتصدق بما فضل من مائة على من احتاج من مسافر أو مقيم إلا أن ينص حين الحفر على التمليك التام، ويشهد بذلك فلا سبيل عليه، وإذا وقعت الضرورة وتبينت الحاجة كان المسافر أولى من المقيم بالماء الذي فضل عن صاحبه لإضرار المسافر.
وروي ابن وهب عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (لا يقطع طريق ولا يمنع فضل ماء ولا ابن السبيل على شربه للدلو والرشا والحوض، ويخلي بينه وبين الدلو فيستقي، ولا يلزم الاستقاء له)،وفي الأثر: أن أبناء السبيل اقتتلوا مع أهل الماء وجرحوهم فأهدر عمر -رضي الله عنه- جراحات أهل الماء وأغرمهم جراحات ابن السبيل، وقال: ابن السبيل أولي الماء من الساقي عليه، وهو مقتضي المصلحة والله أعلم.
وحكي القاضي قولين فيهما، وإذا أوجبنا على الجار أن يبذل فضل مائة المملوك لزرع جاره الذي خيف عليه الهلاك، هل يقضي عليه ببدل الفضلة بالثمن، أو بغير ثمن قولان مبنيان على اعتبار المصالح، وإنما يقضي عليه لزرع جاره الذي خيف هلاكه عطشًا إذا كان جاره قد زرع على أصل ماء ثم انهارت بئره، فأما إن زرع اتكالاً على فضل ماء جاره فلجاره المنع، إذا لا ضرورة حينئذ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1135

قوله: "ويستحب لمن سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره أن لا يمنعه": قلت: اختلف الفقهاء هل يقضي بهذا على من امتنع منه أم لا؟.
فقال الشافعي وأحمد وداود وأبو ثور: يقضي به اعتمادًا على نص حديث أبي هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتفاكم)، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يقضي بها على من أباه اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم- (لا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفس)، ومن هذا النمط ربيع عبد الرحمن بن عوف وخليج الضحاك بن خليفة ذكر مالك في موطئه أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمه فأبي محمد، فقال له الضحكاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولاً وآخرًا ولا يضرك، فأبي محمد فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فكرر عليه، فامتنع، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك، روي أصبغ عن مالك فقال: لا يؤخذ بقضاء عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة في الخليج، وروي مالك أيضًا في موطئه عنعمر بن يحيي المازني عن أبيه قال: كان في حائط جده ربيع لعبد الرحمن بن عوف فأراد عبد الرحمن أن يحوله إلى ناحية من الحائط هي أقرب إلى أرضه، فمنعه صاحب الحائط فكلم عبد الرحمن بن عوف عمر بن الخطاب فقضي له بتحويله، وروي أصبغ عن مالك قال: يؤخذ بقضاء عمر

الجزء: 2 - الصفحة: 1136

لعبد الرحمن في تحويل الربيع دون قضائه في الخليج، قلت: لعله فرق بينهما، لأن تحويل الربيع ليس من إحداث طريق لم يكن، ثم ذكر القاضي حكم فتح الكوة.
وتحصيل القول في ذلك على مقتضي المذهب: أن لا يمنع من إحداث ما ينتفع به، ولا يضر بجاره، فإن أضرت الكوة بجاره رفع الضرر شرعًا، وأما الجدار المشترك فليس له فتح الكوة فيه إلا بإذن الشريك ثم ذكر أن السقف لصاحب السفل، وعليه إصلاحه ليتمكن صاحب العلو من الانتفاع به تمكن مثله، فإن اختلفا في السقف حكم به لصاحب السفل، (كما ذكرنا: وقال الشافعي: هو مشترك بينهما؛ لأن السقف محمول على ملك صاحب السفل) فكان حائزًا له بملك حامله كالدابة يحمل عليها مالكها فالحامل والمحمول ملك له إلا أن يثبت خلافه، والعرف شاهد في الجدال المتداعي فيه (فمن شهد له به) العرف فهو له بعد يمينه، وقيل بغير يمين بناء على أن العرف كشاهدين، والقمط بسكون الميم جمع قماط، وأصل القماط الخرقة التي يلف بها الصبي.
قوله: "وليس لأحد الشريكين في الحائط أن يتصرف فيه إلا بإذن شريكه" وهذا حكم جميع الأملاك المشتركة، وإذا انهدم الحائط المشترك فهل (جبره) عليهما، وهل يجبر علي بنائه من أباه، في المذهب قولان: أحدهما: الجبر لقوله -صلي الله عليه وسلم- (لا ضرر ولا ضررا)،والثاني: نفي الجبر، لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 1137

جبر المالك على أن يبني ملكه غير معهود، وللقائل أن يقول تصور الجبر ههنا لحق الغير.
قوله: "ومن له حق في إجراء (مائة) على سطح غيره فنفقه السح على صاحبه"، وهذا كما ذكره لأن صاحب المسيل له حق في مرور الماء على السطح، فعلي صاحب السطح (تمكينه) من ذلك بحيث يتمكن من منفعته، ويتوصل إلى حقه بخلاف من له شرب في بستان، فاحتاجت ساقيته أو نهره إلى نفقه فهي عليهما جميعًا، لأن موضع الماء لهما والسطح لصاحبه فقط، ولا شيء معه فيه لصاحب المسيل، وقد تقدم الكلام في وجوب طرح المتاع من المركب يخاف عليه الغرق، وذلك من باب التسبب في إحياء النفوس، ولا كلام في وجوبه، ومن هذا المعني أكل المضطر الميتة إذا خاف الموت، وقد تقدم الكلام في كيفية التوزيع بين أهل السلع، وهل الرقيق كالمال أو كالأحرار، وفي ذكر موضع التقويم، ثم ذكر مسألة المركبين يصطدمان ولا ضمان علي واحد منهما، إذا لا يقدر على رد الريح، بخلاف الفارسين يصطدمان فيقتل أحدهما صاحبه فدية كل واحد منهما على عاقلة صاحبه والله الموفق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1138

باب الوديعة والعارية

قال القاضي -رحمه الله- "باب الوديعة والعارية".
الوديعة: استنابة في حفظ المال والأصل فيها الكتاب والسنة والعمل، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: 58] أما السنة فقوله -صلي الله عليه وسلم- (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) وجري العمل في الجاهلية عليها، فأقرها الإسلام، وهي أمانة محضة غير مضمونة عند الجمهور، وشد قوم فقالوا: إنها مضمونة (أمر

الجزء: 2 - الصفحة: 1139

بردها) اعتمادًا على قوله-صلي الله عليه وسلم- (على كل يد رد ما أخذت) وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، والدليل للجمهور أن الله سبحانه أمر بردها لربها، ولم يأمر بالإشهاد، فالواجب تصديق الأمين في دعوي التلف، والرد عليه، إلا أن يدفع إليه بينة، فاختلف الفقهاء حينئذ، فقال مالك: لا يقبل منه دعوي الرد إلا ببينة، لأن رب المال لم يرض بأمانته إلا على صفة (الشهادة)، فلا يتعدي ذلك، وإلا فكان الإشهاد عبثًا، وقال الشافعي وأبو حنيفة: القول قول المودع في دعوي الرد مع الإشهاد وغيره كالتلف تمحيضًا لحكم الأمانة، وهي رواية معروفة عن ابن القاسم، والمعتمد عليه في دعوي التلف أن القول قوله مع يمينه قبضها ببينة أم لا، لأن يده يد أمانة.
قال القاضي أبو محمد: "وسواء كان متهمًا، أو غير متهم" لأن ربها رضي بأمانته واختار المتأخرون من أهل المذهب التسوية في حكم الأمانة بين دعوي التلف، ودعوي الرد، فيقبل قوله فيهما مطلقًا.
قوله: "لا تضمن إلا بالتعدي" وهو كما ذكره مثل أن يسافر بها، وقد دفعت إليه في الحضر أو يودعها غيره، أو يجعلها في غير مأمون فهو ضامن إلا أن يودعها غيره ممن ترضي أمانته إذا أراد المودع سفرًا، فهذا مأذون فيه، ولا ضمان عليه في هذه الصورة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1140

قوله: "والقول قول المودعي في تلفها على الإطلاق" يعني: كان الدفع إليه ببينة أو بغير بينة، متهم أو غير متهم كما بينه في غير هذا الموضع.
تكميل: لما كانت الوديعة استنابة المودع على حفظ المال اشترطنا في المودع ما يشترط في الوكيل، فلذلك يجوز له أن يودع الصبي والسفيه والعبد والمرأة إذا رضي بأمانتهم، ولا ضمان على الصبي والسفيه في ذلك إذا أتلف أو ضيع، لأن رب الوديعة رضي بذلك وسلط عليه وكذلك لا ضمان على العبد في رقبته إلا أن يتعدي فيضمن، ويتعلق (ذلك) بذمته، وفي المذهب قول آخر في العبد يودع، فيتعدي أو يستهلك الوديعة أنها جناية في رقبته كسائر جنايته، والأول (المشهور).: قوله: "وليس له أن (يودعها) غيره إلا من ضرورة": قلت: (يجب الضمان في الوديعة بأسباب: الأول: التضييع لها والتفريط في حفظها، ولا خلاف أنه ضامن في هذا المحل، وذلك مثل أن يلقيها في غير مأمون، أو يدل عليها سارقًا، والثاني: أن يودع غيره من غير عذر فهو ضامن، لأن ربها لم يرض إلا بأمانته، فإن فعل، ثم استرجعها لم يضمن بعد ذلك كردهًا إذا تسلف منها، فإن اضطره إلى إيداعها عزمه على السفر جاز له إيداعها لمكن الضرورة، فإن أعطي الوديعة زوجته أو جاريته على جري عادته في ذلك لم يضمن، لأن من عادة الناس والمودع في الحضر يريد السفر، فله أن يودع غيره كما ذكرناه بخلاف المسافر يودع في السفر فليس له أن يودع غيره، لأنه على أمانته قبله لا على أمانة غيره، وكذلك نقل الوديعة من بلد إلى بلد هو في ذلك ضامن لتعديه بالنقل، قال مالك في امرأة ماتت بالإسكندرية فكتب وصيها إلى ورثتها وهم ببلد آخر فلم يأت منهم خبر، فخرج بتركتها إليهم فهلكت في الطريق فهو ضامن، فلو أودع جرار زيت

الجزء: 2 - الصفحة: 1141

فنقلها من موضع في داره إلى موضع آخر فيها، فلا ضمان عليه إذا انكسرت، ولو سقط عليها شيء من يده فانكسرت، أو رمي في داره وهو يريد إصابة غيره فأصابها، فانكسرت، ضمنها لأنها جناية، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وقال أشهب: ولو سقطت من يده فانكسرت فلا ضمان عليه.
الثالث: المخالفة في كيفية حفظها مثل: أن يودعه صندوقًا، واشترط عليه أن لا يقفله لما في ذلك من الشهرة بتقفيله، أو بالعكس فهو ضامن بالتعدي والمخالفة، ولو قال له: أقفله بقفل واحد فقفله بقفلين فلا ضمان عليه، وإذا أودعه دراهم فجعلها (في جيب قميصه)، فضاعت، فهل يضمن أم لا؟ قولان عندنا، قال ابن وهب: من أودع وديعة في المسجد فجعلها على نعله فذهبت فلا ضمان عليه ولو اشترط عليه أن يجعلها في جرة فخار فجعلها في جرة من نحاس ضمن، وعلله أصحابنا بوجهين: الأول: أنه شهرها، والثاني: أنه خالف، وقصد إلى ما يقصد سرقته، ولو قال له: أجعلها في نحاس فجعلها في فخار لم يضمن.
الرابع: خلط الوديعة بما لا تتميز معه، وهو (ههنا) ضامن أيضًا لتعدية بالخلط، فإن (خلطها بجنسها) المماثل له فلا ضمان عليه لإمكان التمييز بالمكيلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 1142

والخامس: الانتفاع بها كلبس الثوب، وركوب الدابة (فتهلك) فهو ضامن، واختلف في فروع: الأول: هل يضمن الوديعة بالنسيان أم لا؟ فيه صورتان: الأولى: أن ينساها في موضع فهل يضمنها أم لا؟ قولان، والثانية: أن ينساها من دفعها إليه، ويدعيها رجلان ففيه قولان: أحدهما: أنه يضمن لكل واحد منهما وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، والثاني: أنهما يحلفان، وتقسم بينهما.
الفرع الثاني: هل يجوز استسلاف الوديعة أم لا؟ قولان: الكراهة على المشهور، (والجواز) لأشهب إذا كان له مال فيه وفاء، واشهد بذلك.
الفرع الثالث: إذا تسلفها ثم ردها بعد الانتفاع بها فهل يضمن أم لا؟ قولان عندنا: أحدهما: لا يبرأ من ذلك، لأنها بالاستسلاف صارت دينًا في ذمته، والثاني: أنه يبرأ، لأنها رجعت إلى حكم الأمانة، وقال (أصبغ): إن ردها بالإشهاد بريء وإلا فلا، وقيل: لا ضمان عليه إلا أن يكون المردود المثل فإن رد العين فلا ضمان عليه.
الفرع الرابع: إذا أودع رجلاً وديعة فخانه، ثم أودعه الخائن، فهل يجوز له أن يجحده ويخون من خانه، فيه خمسة أقوال في المذهب: المنع، والكراهة، والإباحة والاستحباب لما فيه من تخليص ذمته عند الله سبحانه، والجواز إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين لم يجز له أن يجحد إلا مقدار ما يقع في المحاصة.
قوله: "والعارية تمليك منافع العين بغير عوض" وهو فعل خير

الجزء: 2 - الصفحة: 1143

ومندوب إليه، والأصل فيها قوله سبحانه: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون:7] (وحثهم) على المنع، فدل على أن المنحة مرغب فيها، وقد استعار رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وقال: (كل معروف صدقة) وقال: (العارية مؤداه) وكل ذلك مبني على قوله تعالي: (وافعلوا الخير) [المؤمنون: 77].
وثبت جوازه عن السلف قولاً وفعلاً حكاه أئمة الآثار، وهي علي قسمين: ما يغاب عليه مما يخفي هلاكه، وما لا يغاب عليه، أما ما لا يغاب عليه فلا ضمان فيه على المستعير عندنا بلا خلاف اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (ليس على المستعير غير المتعدي ضمان)، وأما ما يغاب عليه فلا يخلو أن تقوم البينة على هلاكه أم لا؟ فإن لم تقم البينة على الهلاك وجب الضمان على المستعير لمكان التهمة اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (عارية مؤداه) مضمونة، وإن قامت البينة على الهلاك فهل يسقط الضمان في هذه الصورة أو يثبت، فيه قولان: المشهور سقط الضمان في هذه الصورة أو يثبت، فيه قولان: المشهور سقوط الضمان (مع قيام البينة اعتبارًا بالشهادة والشاذ الضمان) لأن أصله مأخوذ على الضمان، قال مالك (في

الجزء: 2 - الصفحة: 1144

كتاب محمد) وما علم اه هلك بغير سببه فلا ضمان عليه كالسوس في الثوب، وقرض الفأر.
واختلف المذهب إذا اشترط أحدهما نفي الضمان فيما فيه الضمان أو عكسه، هل يعتبر الشرط أم لا؟ قولان: المشهور اعتبار الشرط، والشاذ اعتبار الأصل وقد قال -صلي الله عليه وسلم- (من ألزم نفسه شيئًا لزمه) فعلي مقتضاه الاعتماد.
قوله: "وإن كانت إلى أجل لم يكن للمعير الرجوع فيها إلى انقضاء الأجل": قلت: العارية على قسمين: مؤجلة، ومبهمة، فالمؤجلة (تبقي) إلى انقضاء أجلها سواء كانت عقارًا، أو حيوانًا، أو عروضًا، فإن أعاره عارية مبهمة فهل تحمل إلى أجل المثل أم له الارتجاع في الحال قدمنا فيه قولين، ومن ذلك، أن يعيره أرضًا ليبني فيها، أو يغرسها، فأما قبل فراع المدة المشترطة أو المعتادة فليس له إخراجه، وأما بعد فراغ المدة المشترطة، فهل له إخراجه، وعليه أن يعطيه ما أنفق [وقيمة ما بني فيه قولان عندنا، والمشهور من المذهب أن المدة المعتادة كالمشترطة، وأما بعد فراغ كل واحد من المدتين فله الإخراج، وعليه قيمه البناء والغرس مقلوعًا، فإن أبي رب البناء أو الغرس إلا أن يأخذ عين لبنه وأحجاره وشجره، فله ذلك إلا أن تكون مما لا قيمة له بعد النقض فلا يكون للباني فيه قيمة البتة، واختلف المذهب إذا اختلفا في دعوي الرد، فقال المستعير: رددت، وقال المعير: لم ترد، فالقول قوله عند ابن القاسم في كل ما لا يصدق المستعير في ضياعه، وأما ما يصدق المستعير في ضياعه فالقول في الرد قوله مع يمينه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1145

﴿كتاب الغصب والتعدي وما يتصل بذلك من الاستحقاق﴾ قال القاضي رحمه الله تعالي: "كتاب الغصب والتعدي وما يتصل بذلك من الاستحقاق": قلت: الغضب وضع اليد العادية، ورفع اليد المالكة على وجه القهر، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ [الشورى:42] وقال تعالي: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة:188] والآيات الدالة على تحريمه كثيرة، وقال -صلي الله عليه وسلم-: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكن هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)، وانعقد الإجماع على تحريم الغصب، وأخذ المال بغير حقه مطلقًا، فإذا ثبت هذا تعين إتباع لفظ القاضي -رحمه الله-: "ومن أتلف مالاً لغيره ظلمًا لزمه بدل ما أتلف" وهذا كما ذكره

الجزء: 2 - الصفحة: 1147

إلا أن قوله ظلمًا لا معني له، لأن الغرم واجب عليه على كل حال سواء كان الإتلاف ظلمًا أو تأويلاً أو خطأ، فتقيده بخصوصية الباب لا بخصوصية الحكم، وأطلق القاضي القول في التلف عمومًا فقال: "ومن أتلف" فدخل في عموم لفظه المكلف وغير المكلف، ولا شك أن حكم المكلف ظاهر في الغرامة والعقوبة، أما الغرامة فقد فسرها القاضي، قال علماؤنا: ويعاقبه الإمام على قدر اجتهاده بما يراه من أدب أو سجن إن كان مكلفًا، وأما غير المكلف يؤدب كما يؤدب الصبي في المكتب.
واختلف المذهب في الصغير الذي لا يعقل إذا تلف على ثلاثة أقوال: أحدهما: الأموال هدر، والدماء على العاقلة، والثاني: الأموال والدماء هدر كالعجماء، لأنه غير مكلف، والثالث: أن الأموال لازمة في مال، والدماء على عاقلته، وكذلك الجراحة إذا كانت الثلث فصاعدًا، وسواء كان التلف بمباشرة المتلف كالقتل والأكل والإحراق والهدم، أو بتسبيبه مثل: أن يفتح قفصًا فيطير منه طائر، أو يحفر بئرًا في محل (عام) فيهلك فيه هالك، أو يحل دابة من ربطها، فتذهب، أو عبدًا مقيدًا فيهرب، فيضمن في جميع ذلك، واختلف المذهب في فروع من هذا النمط، إذا فتح باب دار فيها دواب، فذهبت فهل يضمن أم لا؟ فيه خلاف عندنا، فقيل: هو ضامن مطلقًا، وقيل: إن كان في الدار أربابها لم يضمن، وإن لم يكونوا فيها ضمن، وقال أشهب: إن كانت الدواب مسرحة ضمنها، وإن كان رب الدار فيها، ثم قسم القاضي البدل قسمين: مثل، وقيمة، فالمثل في المكيل والموزون والمعدود كالبيض

الجزء: 2 - الصفحة: 1148

والجوز ونحوه، والقيمة في العروض والحيوان (عندنا خلاف للشافعي وأبي حنيفة حيث أوجبوا في العروض والحيوان) المثل لا القيمة، إلا أن يعدم المثل والمعتمد لنا قوله-صلي الله عليه وسلم- (من أعتق شركًا في عبد قوم عليه قيمة عدل) الحديث.
عدل النبي -صلي الله عليه وسلم- عن المثل إلى القيمة بيانًا للواجب، واعتمد الآخرون على مأخذين: الأول: قوله سبحانه: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95] والثاني: قوله -صلي الله عليه وسلم- (قصعة بقصعة) الحديث، وهو ثابت في الصحيح، وجعله أصحابنا من قضايا الأعيان المخصوصة بمحالها، مع أن قضية القصة وقع فيها التراض، وإنما الخلاف في المشاحة والمخالفة، وقد قيل: إن القصعتين للنبي -صلي الله عليه وسلم- لأنه رب البيتين وإنما قال ذلك تطبيبًا للنفوس لا حكمًا جزمًا، وههنا فروع تتعلق بما ذكرناه.
الأول: الحلي هل هو من ذوات الأمثال، أومن ذوات القيم فيه قولان عندنا، الثاني: (الغزل من ذوات الأمثال، أو من ذوات القيم، قولان عندنا، والثالث): إذا تعذر المثل في ذوات المثل فقولان: الأول: أنه يصبر حتى يوجد، وليس له إلا ذلك، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب:

الجزء: 2 - الصفحة: 1149

هو مخير بين الصبر، أو يأخذه (بالقيمة) الآن.
الفرع الأول: إذا كان المغصوب حيوانًا فوجده ربه بيد الغاصب (فله أخذه في كل مكان إذا هو غير محتاج إلى النقل، فإن كان مما يحتاج إلى النقل والتحويل فوجد ربه الغاصب) في غير بلد الغصب لم يكن لربه أن يأخذه إلا بالمثل في مكان الغصب هذا هو المشهور، والثاني: أن ربه مخير بين أخذه العين في المكان الذي وجده فيه أو المثل في مكان الغصب وهو قول أشهب، والثالث: أنه إن كان الموضع بعيدًا فالقول قول الغاصب، وإن كان قريبًا فالقول قول ربه حملاً على الظالم وهو قول أصبغ قال أصبغ: وبيع الطعام المغصوب قبل قبضه جائز كالقرض فلو غصبه طعامًا، واتفقا على أن يأخذ ربه ثمنًا نقدًا جاز، ولو أخذ طعامًا يخالفه لم يجز، لأنه ربا.
قوله: "والاعتبار في القيمة في حال الجناية" وهو كما ذكره، لأن الجناية عليه هي المتلفة المقصود منه، فلذلك اعتبرت القيمة يوم الجناية، وقيل يوم الحكم، وقيل: المعتبر أقصي قيمته يوم الغصب إلى يوم التلف.
واختلف المذهب فيمن أتلف سلعة وقفت على ثمن معلوم متقدر، هل يضمن المتلف القيمة وهو قول سحنون، أو الثمن الذي توقفت عليه وهو في العتيبة، أو الأكثر منهما قول عيسي بن دينار.
قوله: "ثم الجناية ضربان: منها ما يبطل قدرًا من المنفعة دون جلها" إلى آخره وهذا كما ذكره، أما ما لا يفيت المقصود ففيه ما نقص، وأما ما يفيت المقصود فقد اختلف الفقهاء فيه فقال مالك: ربه بالخيار كما ذكره

الجزء: 2 - الصفحة: 1150

القاضي، وقال أبو حنيفة والشافعي: الواجب فيما يفيت المقصود ما بين القيمتين، والمعتمد أنه لما أتلف المقصود منه صار في المعني كتلف العين، إذ لا مقصود من الأعيان إلا المنافع.
وقسم الشيخ أبو الحسن اللخمي (التعدي إلى قسمين) يسير وكثير، وكلاهما على قسمين مبطل للغرض المقصود، وغير مبطل، فلا يضمن التعدي باليسير الذي لا يبطل الغرض، فإن كان ثوبًا رفاه، وإن كانت قصعة أصلحها، وعليه غرم ما نقصها العيب بعد الإصلاح، وأما اليسير المتلف للغرض فيه قولان قيل: يضمن قيمة الجميع إلا أن يشاء ربه أخذه، وأخذ قيمة النقص، والشاذ أنه ليس عليه إلا قيمة النقص فقط، ويجبر على ذلك من أباه منهما، والكثير الذي لم يتلف المقصود كاليسير المتلف للمقصود يوجب ضمن الجميع إلا أن يشاء ربه أخذ العين، وقيمة النقص فله ذلك.
قوله: "إما مشاهدة (وإما) عادة": أشار بالأول إلى قطع يده، أو كسر رجله، والثاني: إلى الركوب الذي يراه للجمال بقطع ذنبه أو أذنيه.
قوله: "ثم المغصوب مضمون باليد" وهذا كما ذكره عام في سائر المغصوبات عندنا سواء كانت مما ينقل ويحول أم لا؟ كالعقار، وقال أبو حنيفة: لا يضمن العقار بوضع اليد، وإنما يضمنه الغاصب، بأن يجني عليه بهدم أو فساد، والمعتمد لنا أن الغصب سبب للضمان فلا فرق بين (العقار) وغيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 1151

قوله: "وهو مضمون بقيمته يوم الغصب" وهذا كما ذكره لأن بالغصب قد تعلق بذمته.
قوله: " ثم لا يخلو رده من ثلاثة أحوال": إما أن يرده ناقصًا في بدنهن أو زائدًا فيه، أو على الحال الذي غصبه عليها، فإن رده زائدًا ألزم مالكه أخذه، فإن زاد عنده بسمن أو غيره، ثم ذهبت الزيادة، ورجع إلى حال حين الغصب فلا ضمان على الغاصب عندنا، وقال الشافعي: يرد إرش الزيادة والمعتد لنا أن العين المغصوبة رجعت إلى الصفة التي غصبت عليها، فيسقط عنه الضمان أصله إذا بقي على حاله، لم يزد (عليه) شيء فإن رده ناقصًا، فقد ذكرنا أن النقص على قسمين: يسير، وكثير، قال مالك في رجل أفسد لرجل ثوبًا فإن كان الفساد يسيرًا رأيت أن يرفوه، ثم يغرم ما نقص العيب بعد الفرو، وإن كان كثيرًا أغرمته قيمته يوم أفسده، قال ابن القاسم: فإن قال رب الثوب: لا أسلمه، وكان الفساد كثيرًا، ولكنه اتبعه بما أفسد فذلك له، قال ابن القاسم، ولقد كان مالك دهره يقول لنا في الفساد: يغرم ما نقصه، ولا يقول يسير ولا كثير حتى وقف بعد فقال: هذا القول في الفساد الكثير.
تنبيهات: في ثمانية أبي زيد في الفرس الجميل تفقًا عينه، أن عليه (قيمة) ما نقصه العيب، وإن فقأ عينيه معًا ضمن قيمة جميعه إلا أن يشاء ربه أخذ قيمته، ولو ضرب (ضرع) بقرة لا تراد إلا للبن فأفسد ضرعها ضمن قيمتها، واختلف إذا فقأ عينًا، أو قطع يدًا ففي المجموعة عن مالك أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 1152

يضمنها، وقال ابن القاسم: في العين الواحدة (والإصبع الواحدة) عليه قيمة النقص، وفي كتاب ابن حبيب إن كان صانعًا فعليه قيمة النص، وقد ذكرنا أنه إذا قطع ذنب بغلة القاضي أو من في معناه أو أذنيها، أو رماها فعرجت أنه يضمن جميعه، وعن مالك أنه لا يضمن إلا قيمة النقص فقط، وقيل: يضمن الجميع، إذ فسادا لأذنين بخلاف الذنب، فيضمن فيه قيمة النقص فقط، وقع ذلك في كتاب ابن حبيب لأن العيب في الأذنين أفحش، ولو حلق رأس محرم مكرهًا أطعم عنه لأنه أدخله في ذلك، فإن كان فقيراً افتدي المحرم ورجع على الحالق إذا أيسر، ويغرم الجارح أرش الطيب ولا يرجع به إنه برأ على غير شين، (وقيل: لا شيء على الجارح من أجر الطبيب، وهو على المجروح، فإن بريء على غير شين) لم يكن على الجارح شيء.
قوله: " فإن كان من قبل الله تعالي لا يفعل من الغاصب لم يكن للمالك التابع الغاصب بشيء من (قبله) " وهذا كما ذكره، لأن الغاصب كان ضامنًا لها يوم الغصب فحدث العيب من قبل الله سبحانه على أصل مضمون فيبقي على أصله، فإن اختار المالك أخذ العين فقد رضي بعيبها، وإن لم يرض سلمها، ورجع بالقيمة وليس له التمسك وأخذ (إرش العيب)، إذا ليس لغاصب في ذلك أثر، فإن كانت الجناية يفعل من الغاصب فقولان، قال ابن القاسم: ربه بالخيار بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه وما نقصته الجناية، وقال سحنون: المعتبر ما نقصته الجناية يوم الغصب، وقال أشهب: بالخيار بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه ناقصًا، ولا شيء له في

الجزء: 2 - الصفحة: 1153

الجناية وهو قول ابن المواز.
قوله: "ولا ضمان على الغاصب في زيادة إن طرأ عنده، ثم (تلفت) في بدن أو قيمة"، وهذا تنبيه على خلاف الشافعي، وقد ذكرناه.
قوله: "ولا له في رده زيادة قيمة (بتعليم) صنعة، أو حوالة سوق": وهذا هو المشهور، وقال ابن القاسم: إذا غصب ثوبًا فصبغه فربه بالخيار بين أن يأخذ قيمته يوم الغصب، وبين أخذ الثوب، ثم إذا أخذه فهل يدفع للغاصب قيمة الصبغ أم لا؟ قال (أشهب): لا شيء له في حد الصبغ، وقال غيره: يدفع له قيمة الصبغ، وإن نقصه الصبغ، فله أخذ قيمته يوم الغصب، أو أخذه بغير أرش، ولو غصب طيناً فضربه لبنًا رجع عليه بمثل الطين، وإن غصب شاة فذبحها فلربها أخذها مذبوحة، وما نقصها الذبح، ولو ذبحها وشواها ضمن لربها قيمتها، ولو غصب نقرة فصاغها حليًا ضمن مثلها، ولا شيء له غير ذلك على الأشهر، وقال ابن الماجشون: له أخذ العين في ذلك كله لأن الظالم أولى ما حمل ويرجع عليه بما زاده، فعله فيها إذا تبينت الزيادة، ولو غصب زيتًا فخلطه بمثله صار شريكًا بمليكته، وإن خلطه بأدني منه فهو فوت، وعلى الغاصب مثله، واختلف المذهب في حوالة السوق، وفي هذا الباب هل هي فوت أم لا؟ مثل أن تكون قيمته يوم الغصب ألفًا، ثم عاد إلى خمسمائة، والمشهور أنه لا التفات إلى ذلك، وليس له إلا

الجزء: 2 - الصفحة: 1154

العين، وذكر ابن شعبان عن ابن وهب وأشهب وعبد الملك، أن علي الغاصب أرفع القيم، وللمغصوب منه أن يأخذه بذلك، إذا هلك، لأن عليه أن يرده كل وقت، قال: وكذلك إن كانت قيمته خمسين، ثم بلغت ألفاً، ثم عادت إلى خمسين فالقيمة عندهم أرفع القيم.
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: "يجعله أرفع القيم مع وجود العين أو عدهم، قال: وأري (أن العبد) إن كان عبد قنية فله عبده لا غير، وإن كان للتجارة لزمه أرفع القيم"، وقال مالك: في الغاصب والسارق إذا حبسه عن أسواقه ومنافعه، ثم رده بحاله لم يكن لربه أن يضمنه، وإن كان مستعيرًا، أو متكاريًا ضمن قيمته، قال ابن القاسم: ولولا ما قاله مالك لجعلت على السارق مثل ما أجعل على المتكاري وأضمنه القيمة إذا حبسها عن أسواقها.
قوله: "ولا أجره على الغاصب في المدة التي (حبس) فيها العين المغصوبة" وهذا كما ذكره لأنه إنما غصب الرقبة فوجبت (عليه) قيمتها بالغصب داراً فأغلقها، أو أرضًا فبورها، أو دابة فوقفها عليه الإجارة، لأنه منعه ذلك.
قوله: "فأما إن انتفع به، أو اغتل ففيه خلاف" وهذا كما ذكره، وفي

الجزء: 2 - الصفحة: 1155

المذهب في هذه المسألة خمسة أقوال، فروي أشهب وعلى بن زياد عن مالك أنه يغرم الغلة أي صنف كان المغصوب اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (ليس لعرق ظالم حق) وذكر القاضي أبو الحسن بن القصار عن مالك رواية أنه لا يغرم مطلقًا عكس الرواية الأولى اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (الخراج بالضمان) والرواية الثالثة (أنه) يغرم غله الرباع والغنم والإبل، ولا يغرم غله العبيد والدواب، وهي إحدى روايتي ابن القاسم عن مالك قال (أيضًا): ويغرم ما استغل، ولا يغرم ما استعمل، وقال ابن المعدل: يغرم غله ما لا يسرع إليه كالدور والأرضين، ولا يغرم ما يسرع ذلك إليه، لأن الديار مأمونة فكأنه لم يضمن شيئًا بخلاف غير المأمون فيسقط عنه الكراء فيه من أجل ضمانه له، ومدار المسألة على التردد بين مفهوم الحديثين، والتفريقات استحسانات، قال ابن حبيب: إذا باع الغاصب أو وهب غرم الغلة التي اغتل المشتري والموهوب له، فإن كان الغاصب معسرًا رجع (به) على الموهوب له إن كان حيًا، وعلى وارثه إن كان ميتًا، لم يرجع على المشتري.
فرع: إذا حكمنا على الغاصب (برد الغلة) فهل يرجع بما أنفق على العبد والدابة وغيرها من علف، وسقي، وعلاج أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يرجع بذلك لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (لا ضرر ولا ضرار) والثاني: أنه لا

الجزء: 2 - الصفحة: 1156

شيء له لقوله -صلي الله عليه وسلم- (ليس لعرق ظالم حق)، والثالث: أنه إن كان ربه ممن يلي هذه الأمور بنفسه لم يرجع عليه الغاصب بشيء، وإن كان ممن يحتاج فيه إلى استئجار رجع عليه الغاصب فيما تولاه بإجارة المثل، لأنه صون ماله، وكذلك إذا أنفق على ما لا غله له كالصغير الذي لا يبلغ الخدمة، أو الدابة التي لا يمكن ركوبها، فهل يرجع على صاحبها بشيء من النفقة أم لا، قولان.
واختلف المذهب أيضًا فيمن غصب خرابًا فأصلحه واغتله هل للمغصوب منه جميع الغلة، أو قدر ما ينوب الأصل قبل الإصلاح قولان عندنا.
قوله: "وإذا غصب ساجة وبني عليها لزمه ردها، وإن تلف بناؤه": والساجة: الخشبة ونبه بهذه المسألة على خلاف أبي حنيفة حيث قال: لا يقلع الخشبة ولصاحبها قيمتها لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (لا ضرر ولا ضرر) والمعتمد لنا قوله -صلي الله عليه وسلم-: (لا يحل ال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) وقوله -صلي الله عليه وسلم- (علي يد رد ما أخذت).
قوله: "وإن أدرك المالك الأرض وفيها زرع للغاصب فله قلعة إلا أن يكون وقت الزرع قد فات" وهذا كما ذكره، أما إذا لم يفت أبان الزراعة فلمالك الأرض أن يقول: أنا أزرع أرضي، ولا أخذ منه بدلاً، وأما إذا فات

الجزء: 2 - الصفحة: 1157

إبان الزراعة ففيها روايتان أحدهما: أن له قلعة لقوله -صلي الله عليه وسلم- (ليس لعرق ظالم حق) والآخر: أن ليس له قلعة، وله على الغاصب كراء الأرض لقوله -صلي الله عليه وسلم- (لا ضرر ولا ضرار).
قوله: "وإذا وجد المغصوب بعد أخذ قيمته كان للغاصب إلا أن يكون أخذاه" وهذا كما ذكره لأن القيمة قد أوجبها الحكم وقيل (لربه) الرجوع إلى أخذ العين، وأما إذا أخفاها الغاصب قاصدًا الرفع للقيمة فلا خلاف أن ربه أحق به، ثم ذكر تضمين فاتح القفص، وقد تقدم أن المسبب في هذا كالمباشر، ثم ذكر الخلاف في قيمة ما لا يحل بيعه كالخمر والخنزير، وفيه قولان مشهوران.
فصل قال القاضي -رحمه الله-: ومن ابتاع أمة فأولدها، ثم استحقت (فولدها) حر".
وهذه المسألة قد اختلف فيها قول مالك، ونزلت به حين استحقت أمولده إبراهيم، وتحصيل القول في ذلك: أن الولد بلا خلاف ليس للمستحق أخذه البتة، لأن الواطئ وطئ بوجه صحيح معتقد الملك فدخل على حرية ولده مستنداً إلى أصل الملك، فلا كلام في ذلك، وهل للمستحق عن الولد قيمة أم لا؟ قولان، عن مالك أحدهما: أن يأخذ قيمته لأنه ولد أمة أخذها

الجزء: 2 - الصفحة: 1158

فلما تعذر أخذه شرعًا وجب الانتقال إلى قيمته، والثاني: أنه لا يأخذ قيمته، وهو الذي رجع إليه مالك، واستقر عليه قوله اعتمادًا على ما ذكرناه من أنه مستند إلى أصل الملك، وأنهم ولدوا في ضمان الأب بعد ثبوت حرمة الأم، ووجوب قيمتها عليه، وأما الأم فهل له أخذ عينها أم ليس له إلا قيمتها فيه أيضًا قولان، عن مالك أحدهما: أن له أخذ عينها قياسًا على رد عتقها لأنه غير (مالك) في نفس الأمر حقيقة، والثاني: أنه يأخذ قيمتها، وإليه رجع مالك حين نزلت به (وبه أخذ) ابن كنانة، وابن أبي حازم، وابن دينارن وابن الماجشون، والمغيرة، اعتباراً بولدها لما ذكرناه من مراعاة أصل الملك.
وفصل الشيخ أبو الحسن اللخمي فقال: إن كان الأب ممن له قدرة فعليه لمستحقها قيمتها، ويجبر على ذلك من أباه، وإن كان لا قدر له أخذ مستحقها عين الأمة لا قيمتها، وإذا أوجبنا القيمة، فمتي تكون، ثلاثة أقوال: الأول: أنها تجب يوم الحمل، والثاني: أنها تجب يوم الولادة.
والثالث: أنها تجب يوم الحكم، واختلف في فروع تتعلق بذلك: الأول: إذا رضي المستحق بأخذ القيمة، وأراد الواطئ تسليمها فهل يجبر الواطئ على دفع القيمة أم لا؟ قولان عندنا: أحدهما: أن الوطء لا يجبر على دفع القيمة وهو قول أشهب، والثاني: أنه يجبر على ذلك، والقول قول المستحق وهو قول ابن القاسم، وفصل الشيخ أبو الحسن اللخمي فقال: إن كان الولد حيًا، وعليه في تسليمها معرة أجبر الأب على دفع القيمة، وإن كان الولد ميتًا أو ممن لا قدر له لم يجبر.
الفرع الثاني: إذا استحقت الأمة في هذه الصورة وهي حامل جري فيها ما تقدم من الأقوال، وإن قلنا: إن المستحق أخذ عين الأمة أخرت

الجزء: 2 - الصفحة: 1159

حتى تضع حملها فيأخذها حينئذ ويجري في الولد ما تقدم من الخلاف، وإن قلنا: إنه يأخذ قيمتها فقط، وليس له أخذ عينها أخذ قيمتها على ما هي عليه، ولا ينتظر الوضع.
الفرع الثالث: إذا ماتت الأم قبل المحاكمة فالصحيح أن القيمة لا تسقط، وتكون على حكم أم الولد من يوم الحمل على أحد الأفول وعلى (القول الآخر) أنها معتبرة يوم الحكم ينبغي سقوطها، وهو تخريج المتأخرين.
الفرع الرابع: إذا أوجبنا على الأب قيمة (الأمة) فكان معسرًا اتبعه المستحق قيمتها متي أيسر وهل يلزم الولد أن يدفع للمستحق قيمة نفسه إن كان أبوه معسرًا أم لا؟ قولان عندنا، قال ابن القاسم: يغرم قيمة نفسه، ولا يرجع على الأب إن أيسر، وقال أشهب: لا شيء على الابن، لأن حريته مقتضي الأحكام، وهل يقوم الولد بما له أمر لا يعتبر ماله في القيمة قولان حكاهم الشيخ أبو الحسن، ففي العتيبة عن ابن القاسم يقوم الولد بغير مال، وقال (المغيرة) والمخزومي: يقوم بماله، فإن كانا معسرين اتبع المستحق أولاهما أيسر بقيمة الأمة، قال في الكتاب: وإن كانا مليين فذلك على الأب، ولا يرجع به الأب على الولد، وهذا الذي ذكرناه فيما إذا وطئها بالملك فولدت، ثم حدث الاستحقاق فإن كان الولد من زنا فلا خلاف أنه رقيق، فللمالك أخذه، وأخذ الأم، وإن كان وطئها بنكاح وهو عالم أنها أمة فكذلك أيضًا لأنه بتزوج الأمة دخل على رق الولد، إذا الولد للفراش إجماعًا، فإن غرت الأمة من نفسها وتزوجها على أنها حرة فإذا هي رقيق فولدت فلا خلاف أن الولد حر، لأنه دخل على ذلك، وعليه قيمته لسيد الأمة، وللسيد أخذها، لأن غرورها لا يزيل ملكه عنها، وحكي الشيخ أبو القاسم بن

الجزء: 2 - الصفحة: 1160

الجلاب أنه ليس لسيدها إلا قيمتها، وهذا الذي ذكرناه من وجوب قيمة الولد إنما يتصور إذا كان ممن لا يعتق على المستحق، فإن كان الواطئ ابنًا أو أبًا ممن يعتق ولده على المستحق فهل يلزمه قيمة الولد أم لا؟ قولان، الجمهور على أن لا رجوع له بقيمة الولد على الواطئ لأنه إذا وجب عليه عتقه كان أخذ القيمة عنه غير جائز، ويرجع بالصداق على من غره لما في ذلك من التفرقة عليه ولا يرجع بقيمة الولد إذا أخذت منه على من غره، لأن الغرر لم يتعلق بالولد، وإنما يتعلق بالاستمتاع.
قوله: ولا يلحق النسب بالغاصب": قلت: وهذا كما ذكره، لأنه زان، وقد تقدم حكمه، ثم ذكر مسألة من بني أرضًا أو غرسنا، ثم جاء مستحقها، وفصل القول في ذلك تفصيلاً حسنًا جارياً على المذهب، فأما الغاصب مخير كما ذكره القاضي بين أن يأمر الغاصب بالقلع، أو يدفع له قيمة ذلك مقلوعًا، لأن عرق الغاصب لا حرمة له، إذا هو عرق ظالم، ولا مقال للغاصب إذا قال أريد عين مالي ولا أريد قيمته، لأن المالك يقول: لا أدعك توعر أرضي بتخريبها وقلع غراساتها فرجح قول المالك على قول الغاصب، وإنما وجبت قيمته مقلوعًا، لأن تبقيته (غير مستحقة) عليه.
قوله: "بعد حط أجرة القلع" هو كما ذكره لأن علي الغاصب تسليم الأرض إلى المالك فارغة كما كانت حين الغصب، والمشتري من الغاصب العالم فإن غاصب، فإن كان الباني قد بني أو غرس بوجه شبهة بدأ المستحق بالخيار لكونه أقوي سببًا فيعطي المستحق للباني قيمة بنائه قائمًا بخلاف الغاصب، لأن الغاصب متعد في البناء، وهذا بني بشبهة وإذا بذل القيمة لزم الباني أخذها، لأن الضرر قد زال عنه بأخذ القيمة، فإن أبي الثاني من أخذ القيمة انتقل الخيار للمستحق، فإن أبيا كانا شريكين كما ذكره القاضي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1161

باب في الحوالة والحمالة

قال القاضي -رحمه الله- " الحوالة: تحويل الحق من ذمة إلى ذمة (تبرأ بها) الأولى ما لم يكن (غروراً) من (عيب) الثانية" إلى آخره.
شرح: الحوالة مستثناه من الدين بالدين، لأن المحيل باع الدين الذي له على المحال عليه بالدين الذي كان عليه، فهي من جملة العقود المستثناة لمكان الضرورة وقصد (المعروف)، وحدها بعضهم فقال: صرف ما حل فيما حل أولم يحل، وإنما اشترطنا حلول الدين المحال به، لأنه إذا لم يحل كانت معارضة خارجة عن باب المعروف إذا لم يرض بالتحويل من ذمة إلى ذمة إلا لمكان التعجيل، والأصل في جوازها ما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) ومحمله عندنا على الندب، ورواه سفيان الثوري بهذا الإسناد وفيه: (إذا أحيل أحدكم على غني فليستحل) ولا يخلو أن

الجزء: 2 - الصفحة: 1162

تنعقد بلفظها الصريح المتفق على مقتضاه، فتلزم علي حكمها، أو بلفظ محتمل دائر بين الحوالة والوكالة مثل أن يقول: خذ الدين الذي لك على الدين الذي لي على فلان ففلس فلان، فقال ابن القاسم: محمله على الوكالة ولرب الدين أن يرجع على غريمه، وله أن يقول: إنما طلبت نيابة عنك، وفي العتيبة فيمن أحال رجلاً بدين على رجل آخر، فقال المحيل: إنما (أحلتك علي) دين لي ليكون ذلك سلفًا عندك، وقال القابض: إنما أخذته عوضًا (عما) كان لي عليك، فالقول قول المحيل، لأن الأصل براءة ذمته من الدين الأصلي إلا ببينة، ومحمل هذا على الوكالة لا على الحوالة، وقال ابن الماجشون: القول قول مدعي الحوالة إذا أدعي من ذلك ما يشبه، وحكي الإمام أبو عبد الله وغيره في هذه الصورة قولين: أحدهما: القول قول (المحيل) والثاني: أن القول قول (المحال) أنه لم يقبض إلا ما استحق.
قوله: "يبرأ بها الأول": تنبيه على خلاف أبي حنيفة حيث اوجب للمحال الرجوع على المحيل إذا مات المحال عليه، ر وأفلس، أو جحد الحق.
قوله: "ما لم يكن غروراً" تنبيه على مذهب الشافعي، ومذهبنا أنه إذا غره كان له الرجوع مثل أن يحيله على عديم، والمعتمد لنا قوله -صلي الله عليه وسلم-: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) وهذا غير مليء.
قوله: "ويعتبر فيها رضي المحيل والمحال دون المحال عليه": قلت:

الجزء: 2 - الصفحة: 1163

وهذا مذهب مالك -رحمه الله - وقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة مذاهب، فاعتبر الشافعي رضا الثلاثة: المحيل والمحال والمحال عليه تغليبًا لحكم المعاوضة، واعتبر مالك رضا المحيل والمحال فق، واعتبر داود رضا المحيل والمحال عليه دون المحال، واعتبر الشافعي ما ذكرناه من أنهما معاوضة صحيحة ومعاملة حقيقية فتفتقر إلى الرضا والإيجاب، ومن أنزل المحال عليه من المحال منزلته من المحيل لم يعتبره رضاه، إذا لا حجة له في دفع الحق الذي عليه لمن قبضه منه مطلقًا كائنًا ما كان، واعتمد داود على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) والأمر للوجوب، وشرط علماؤنا في صحة الجواز ثلاثة شروط: الأول: رضا المحيل والمحال كما ذكرناه.
والثاني: حلول الدين (المحال به).
والثالث: اتفاق الدينين نوعًا وقدرًا ووصفاً.
أما الشرط الأول فقد تكلمنا فيه (وأما حلول الدين) فاشترطنا حرزًا من الدين بالدين، فإن لم يكن للمحيل على المحال عليه دين بالدين فإن لم يكن للمحيل علي الحال عليه دين (فأحاله عليه) فأفلس المحال عليه، فهل يرجع المحال أم لا؟ قولان، قال ابن القاسم: يرجع عليه، وقال ابن الماجشون: لا يرجع عليه، وأما اشتراط الاتفاق فبين ليتحقق به المعروف، فإن لم يتفقا خرج إلى باب المعاوضة فيتعلق بهذا الشرط الحوالة في الطعامين، وقد منع من ذلك بعض الفقهاء خارج المذهب مطلقًا، لأنه من

الجزء: 2 - الصفحة: 1164

باب بيع الطعام قبل قبضه، وتحصيل القول فيه على مقتضي المذهب أنهما إن كانا من قرض (فالحوالة جائزة، لأن بيع الطعام قبل قبضه جائز إذا كان من قرض) فإذا كان الطعامان من بيع أو احدهما فلا يخلو أن تتفق رؤوس الأموال أم لا؟ فإن اتفقت فهي تولية، وإن اختلفت لم تجز الحوالة على المشهور حلت الآجال أو لم تحل، لأن ذلك من بيع الطعام قبل قبضه، (وهو ممنوع).
قوله: "ولا رجوع (فيها) وإن تلف (الحق) إلا بالغرور": وقد قدمنا أنه نبع على مذهب أبي حنيفة القائل: أن له الرجوع عند الموت مفلسًا، أو جحد الحق، والمعتمد لنا قوله -صلي الله عليه وسلم-: (إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع).
قوله: "وأما الحمالة فمعناها مشغل ذمة أخرى بالحق" قلت: الحميل والضامن والزعيم، والكفيل (والقبيل) واحد، قال تعالي: ﴿أو تأتي بالله والملائكة قبيلة﴾ [الإٍسراء: 92] والأدين أيضًا، وقال تعالي في الكفيل: ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً﴾ [النحل:91] وقال في الزعيم في الزعيم: ﴿وأنا به زعيم﴾ [يوسف: 72] وقال -صلي الله عليه وسلم- (لا تقوم الساعة حتى يكون زعيم القوم أرذلهم) وقال الشاعر:

الجزء: 2 - الصفحة: 1165

فإن زعيم القوم لا يقبل الرشاد ... يكون إمام القوم في الحادثات وقال -صلي الله عليه وسلم- (تكفل الله لمن جاهد في سبيله ولا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله ابتغاء مرضاته أن يدخل الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة)، وقال تعالي في الأدين: ﴿وإن تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم:7] وقال: ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم﴾ [الأية] وقال امرؤ القيس: وإني (زعيم) إن رجعت مملكا ... بسير تري منه الفرائق أزورا علي لاحب لا يهتدي لمناره ... إذا سافه النباطي جرجرا والأصل في مشروعية الحمالة قوله سبحانه: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ وقال -صلي الله عليه وسلم-: (الزعيم غارم)، وقال -صلي الله عليه وسلم-: (لا تحل الصدقة إلا لثلاثة) وذكر فيهم: (رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يردها) الحديث خرجه الشيخان البخاري ومسلم، وهي على أربعة أوجه: حمالة بالمال، وحمالة بالوجه، وحمالة بالطلب، وحمالة مجهولة، أما الحمالة بالمال فثابتة، وأجمع العلماء على جوازها ولزومها وشذ قوم وقالوا: (ليست بلازمة) وتشبيهها بالعدة، والدليل على (لزومها) قوله -صلي الله عليه وسلم- (الزعيم غارم)، وأما حمالة الوجه، فقد اختلف الفقهاء فيها فأجازها

الجزء: 2 - الصفحة: 1166

الجمهور، لأنها وثيقة كالرهن ومنعها الشافعي في أحد قوليه، ومنعها داود اعتمادًا على قوله سبحانه: ﴿معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدها متعانا عنده﴾ [يوسف: 76] وتأويله الجمهور على أن المعني أنه لا يأخذ بالحق إلا من تعين عليه وهو جار في حمالة الوجه (وحمالة المال وسائر الحقوق، وصف حمالة الوجه) أن يقول: أنا حميل بإحضاره، وأما حمالة الطلب مثل أن يقول: أن حميل بطلبه فيلزمه الطلب جهد استطاعته، فإن عجز عن الطلب لم يلزمه شيء، وكذلك إن غاب المطلوب إلى موضع بعيد، وليس من شأنه السفر إليه لم يلزمه طلبه، ولم يكن عليه شيء، وقال ابن الماجشون: يخرج لطلبه قرب موضعه أم بعد ما لم يتفاحش، قال أصبغ: يطلبه على ميسرة اليومين، وحيث لا مضرة فيه، فإن خرج لطلبه وقال: لم أجده فهل (يكلف) الحميل إثبات وصوله أم لا؟ المنصوص عليه أن القول قول الحميل إذا أشبه، واستقرئ من تكليف الأجير على توصيل الكتاب إثبات الوصول، إثباته هنا خرجه الأشياخ، وفي المبسوط إذا كان قادراً على إحضاره فتركه حتى غاب فهو ضامن، وفي كتاب محمد: إذا لم يعرف موضع الغريم لم يسجن حميل الطلب إلا أن يتهم بأنه (عرف مكانه) فأخفاه، وإن كانت الحمالة مجهولة لزمت، وكان القول قول الحميل فيما يدعي من ذلك.
قوله: "ولا تصح إلا بحق يمكن استيفاؤه من الضامن أو (بما) يتضمن ذلك" وهذا كما ذكره أن الحمالة إن تكون بالأموال، أو بما يتعلق بالأموال، ولا تجوز الكفالة بالحدود سواء كانت بحق الله سبحانه، أو بحق

الجزء: 2 - الصفحة: 1167

الآدمي عندنا خلافًا لأبي حنيفة وغيره، وأجاز الكفالة في الحدود اعتمادًا على ما جاء في بعض طرق حديث العامرية أن النبي -صلي الله عليه وسلم- (أمرها بالانصراف حتى تضع) وفي بعض طرقه وهو موضع احتجاج الحنفية أنه -صلي الله عليه وسلم- كفلها.
تنبيه: الكفالة الممتنعة في الحدود هي أن يتكفل بما يجب على المطلوب، أو يتكفل بوجهه على أنه متى عجز عن إحضاره أخذ ذلك منه كل هذا لا يجوز، وأما الكفالة بطلبه خاصة فجائز في الحدود الواجبة (لحق الآدميين) على أن لم يحضره سقط حق الطالب نص على جوازه على هذه الصفة إسماعيل القاضي، ولا يجوز ذلك في حقوق الله سبحانه، بل الواجب أن يسجن حتى يقام عليه (الحد) إن تعذر تعجيله، وقد ذكرنا أن الحمالة على أربعة أوجه: الأولى: الحمالة بالمال وهي (على ضربين) مطلقة ومقيدة، فالمطلقة أن يقول: أنا حميل بما عليه، والثاني: أن يقول: أنا حميل بما عليه إن غاب أو افتقر (أو مات) وكلا القسمين جائز، ويبدأ في المطلقة بالغريم، وهل للطالب طلب الكفيل مع القدرة على الغريم فيه قولان عن مالك، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: واختلف عن مالك أيضًا إذا اشترط الطالب أن يبتدئ بأيهما شاء، فأجاز ذلك مرة، ومنعه أخرى، فقال: يعمد إلى هذا فيبيع مسكنه وخادمه وصاحبه حاضر مقيم لا أري أن يوفي بهذا

الجزء: 2 - الصفحة: 1168

الشرط، وبه أخذ أشهب، وابن كنانة، وابن الماجشون، وبالأول أخذ ابن القاسم ورأي الوفاء بهذا الشرط لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (المسلمون على شروطهم)، وأما الحمالة بالمال المقيد فيجري فيها على مقتضي التقييد بلا خلاف، قال المتأخرون: اشتراط الطالب تبدئة الحميل على ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون للطالب في ذلك منفعة مثل أن يكون الغريم لا يقدر على الوفاء من رباع، والحميل موسر بالعين فله مقتضي شرطه في هذه الصورة لظهور المنفعة.
والثاني: أن لا تكون له فيه منفعه أعني الطالب، ولا على الغريم مضرة مثل: أن يكونا موسرين بالعين فهل يوفي بهذا الشريط أم لا؟ قولان حكاهما الشيخ أبو الحسن اللخمي، واختار الابتداء بالغريم.
والقسم الثالث: أن يكون على الحميل في ذلك مضرة مثل: أن يكون الغريم موسرًا بالعين، والحميل موسرًا بعرض، أو عقار، فلا يمكن الطالب من بيع عرض (الحميل) أو عقار مع قدرته على أخذ العين (من يد غريمة) وكذلك لو كان في أيديهما عروضًا أو عقار، فليس له أن يعدل إلى الحميل إذا كان ما بأيديهما سواء في إمكان بيعه، ونفاق سوقه.
قوله: "وإن يأت به لزمه ما عليه": يريد في حمالة المال، لأنه مقتضاها، واختلف المذهب إذا حل الأجل، وسأل الحميل أن يؤخر رجاء حضور الغريم، فقال مالك وابن القاسم: ذلك له، وقال ابن وهب: يغرم المال، ولم يجعل فيه تلومًا وفي المدينة: إذا كان سفرًا قريبًا اليومين والثلاثة، وما لا يضر بالمحتمل له، وغرم الحميل على قدر ما يراه الإمام، ولو قال الطالب: أخاف أن لا يرجع الحميل إذا سافر كان له أن يأخذ عليه حميلاً.
فرع: إذا رفع الغريم نفسه للطالب عن الحمالة فهل يسقط الطلب عن

الجزء: 2 - الصفحة: 1169

الحميل أم لا؟ قولان، المشهور أن لا يسقط، إلا أن يسلمه الحميل أو وكيله، وقال ابن عبد الحكم: تسقط الحمالة عن الحميل بإحضار الغريم نفسه للطالب وهو الصحيح، لأنه لا تمكن بذلك من طلبه.
قوله: "إلا أن يشترط أنه لا يلزمه إلا إحضاره فقط": قلت: حميل الوجه إذا قال: لست من المال في شيء لم يلزمه منه شيء، إلا أن يمكنه إحضاره فيلزمه لتفريطه غرم المال كمن تعمد إتلاف مال غيره، نص عليه القاضي أبو محمد، فإن تحمل بالوجه، ولم (يتعرض) (لنفي المال) عنه فأحضره موسرًا سقطت الحمالة عنه بلا خلاف، فإن كان الغريم مسجونًا في حق أو تعديًا، بريء الحميل بذلك، وكان إحضاراً، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: لأن ذلك كموته إذا تعدي عليه بالسجن، وكذلك إن أحضره معدمًا اللخمي: لأن ذلك كموته إذا تعدي ليه بالسجن، وكذلك إن أحضره معدمًا فالحمالة ساقطة عن الحميل إذا حضر ذلك في بلد تناله فيه الأحكام.
واختلف في مسائل: الأولى: إذا قال: أنا حميل بوجهه ولم يقل: ولست من المال في شيء لزمه إحضاره، فإن لم يحضره فهل يغرم المال أم لا؟ فقال مالك وبان القاسم: يغرم المال إذا لم يحضره، وقال ابن عبد الحكم: لا شيء عليه، لأن الحمالة بعين لم تكن له قدرة على إحضارها، فلم يكن عليه غرم.
المسألة الثانية: هل تسقط الحمالة إذا ثبت فقره، المشهور سقوطها، وقال ابن الجهم: لا يبرئه إلا وصوله إلى صاحبه، لأنه تحمل به وقت يساره.

الجزء: 2 - الصفحة: 1170

المسألة الثالثة: إذا حكم عليه بالمال فلم يغرم حتى حضر الغريم، فقال ابن الماجشون: قد مضي الحكم بالغرم فلا ينقض، وقال سحنون: لا غرم عليه.
المسألة الرابعة: إذا مات الحميل أو الغريم ففيه تفصيل، أما إذا مات الحميل فلا يخلو أن تكون الحمالة بالمال، أو بالوجه، فإذا كانت بالمال، ومات الحميل بعد حلول الأجل تعين طلبه بلا خلاف، وإن مات قبل الأجل ففيه ثلاثة أقوال، ففي المدونة لصاحب الحق: أن يأخذ ذلك من تركته الآن، وفي المبسوط: إذا حلف رباعًا وقال: ورثته هذا دينك في رباع الميت لم يكن ذلك لهم، وعن مالك أيضًا: أنه يوقف ذلك من ماله إلى الأجل، فإن دفع الغريم وإلا أخذ ذلك من الحميل، وفرق ابن نافع بين أن يكون للحميل ما مأمون أم لا؟ فإن كان له مال مأمون وقف (الحق وإلا أخذ الحق)، الآن من تركته، وأما حمالة الوجه يموت الحميل فيها.
فقال مالك وابن القاسم: لا تسقط الحمالة، لأن الطلب متعلق (بالذمة، وعن عبد الملك في كتاب محمد تسقط، لأن الطلب متعلق) بعين الحيمل لا بذمته وهو عكس (القول الأول، وإذا فرغنا على أنها لا تسقط، فإن مات بعد حلول الأجل لزم ورثته ما لزمه، وإن مات قبل الأجل أنظر الورثة إلى حلول الأجل، وأما إن مات الغريم فيتعين طلب حميل المال بشرطه، وأما إن كانت الحمالة بالوجه فتسقط بموت الغريم إذا كان موته في البلد قبل الأجل، وبعده، واختلف إذا مات بغير البلد، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: هو محمول على اللد وأنه لا يغرم إلا بعد أن يخرج إليه الحميل، فإن بقي من الأجل ما لو تكلف الحميل طلبه خرج ورجع قبل حلول الأجل سقطت عنه

الجزء: 2 - الصفحة: 1171

الكفالة قال: وإن قلت لكم غير هذا فاطر حوه، وخذوا بهذا، وحمله ابن حبيب على الوفاء فقال: إذا بقي مال قدم الغريم ثم قدم عند حلول الأجل فلا شيء عليه، وقال أشبه: سقطت الحمالة إذا مات قبل الأجل لأنه قد ظهر أن غيبته لا تضره، وأنه لو كان حاضرًا لأتي الأجل وهو ميت فتسقط الحمالة.
قوله: "وتصح في المعلوم والمجهول" وهذا مذهب مالك -رحمه الله-، وخالف في ذلك الشافعي فمنعها بالمجهول، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله -صلي الله عليه وسلم- (الزعيم غارم)، ولأنه ألزم نفسه شيئًا فلزمه كالنذر المبهم.
قوله: "قبل وجوب الحق أو بعده" (وهذا كما ذكره، أما بعد وجوب الحق) فظاهر، وأما قبل وجوبه فمثل أن يقول: دائن فلانًا وأنا ضامن لما تعطيه، فيجوز ذلك ويحمل الإطلاق في ذلك على العوائد دون ما يخرج عنها، نص عليه القاضي أبو محمد.
قوله: "وعن الميت والحي": أما عن الحي فلا إشكال فيه، وأما عن الميت فلحديث أبي قتادة في الرجل الذي مات عليه دين فأبي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أن يصلي عليه، فقال أبو قتادة: (صل عليه وعلى دينه) الحديث، خرجه أهل الصحيح، وباقي كلام القاضي في الباب قد تكلمنا على مقتضاه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1172

باب الوكالة

قول القاضي -رحمه الله-: "باب الوكالة كل حق جازت فيه النيابة جازت الوكالة (فيه).
قلت: الأصل في جواز الوكالة قوله سبحانه: ﴿فابعثوا أحكم بورقكم﴾ الآية [الكهف:19]، وصح أن النبي -صلي الله عليه وسلم- (وكل عروة بن الجعد البارقي ليشتري له شاه لأضحيته، ووكل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- أخاه عقيلاً) وانعقد الإجماع على جوازها، وجري العمل عليها من الطالب والمطلوب الحاضر والغائب ذكرًا كان أو أنثي، ومنع سحنون وغيره من وكالة المطلوب ورآه من باب اللد، ومنه أبو حنيفة الوكالة إلا من الغائب والحاضر مع حضور الخصم وغيبته.
قوله: "وهي من العقود الجائزة": يعني إذا كانت على وجه التبرع، ولذلك جاز لوكيل عزل نفسه، فإن قارئها العرض على سبيل الإجارة فهي لازمة من الطرفين، ويجب حينئذ أن يكون العمل معلومًا، وإن خرجت مخرج الجعالة ففي المذهب ثلاثة أقوال: الجواز من الطرفين، واللزوم (منها

الجزء: 2 - الصفحة: 1173

واللزوم) من جهة الجعل دون المجهول له قال الإمام أبو عبد الله: الوكيل بالخيار بين أن يقبل الوكالة، أو يمنع، فإن قبلها على الفور عند خطاب الموكل له فلا إشكال في صحة ذلك، وإن لم يقبلها إلا بعد زمان طويل، فيجري على الخلاف في التمليك والتخيير هل لها أن تقضي بعد انفصال المجلس أم لا؟.
قوله: "وليس للوكيل أن يتصرف بعد علمه بعزل الموكل له": قلت: لا خلاف في المذهب أن للموكل أن يعزل وكيله في حضرته أو غيبته ما لم يتعلق بوكالته حق الغير مثل: أن ينشب معه في الخصومة، أو يوكله على قضاء دين (عليه)، فليس له العزل في هذه الصورة، وينعزل الوكيل إذا علم بالعزل بلا خلاف، وهل ينعزل قبل بلوغ العلم إليه بالعزل أم لا؟ قولان مبنيان على اختلاف الأصوليين هل يعتبر النسخ من يوم نزوله، أو من يوم بلوغه، وهل ينعزل بموت الموكل أم لا؟ اما إن كان وكيلاً مخصوصًا فلا لخلاف في انعزاله بالموت، الموكل أم لا؟ أما إن كان وكيلاً مخصوصًا فلا خلاف في انعزاله بالموت، وإن كان وكيلاً مفوضًا إليه المشهور أنه ينعزل بالموت، وقال مطرف: هو على وكالة حتى يعزله الورثة، وعلى هذا الاختلاف يقع الخلاف في تصرف الوكيل يعلم موت الموكل أو عزله قبل علمه بذلك هل يحمل على الرد على الإمضاء، قال أبوبكر بن المنذر: يرد تصرفه في هذا إجماعًا من أهل العلم يعني من الجمهور، وإلا فالخلاف قائم عندنا.
قوله: "ويجوز إطلاقه الوكالة في البيع" وهذا كما ذكره من أن الوكالة (تجري) على مقتضي لفظ الموكل من إطلاق أو تقييد، ويجري الإطلاق

الجزء: 2 - الصفحة: 1174

فيها على مقتضى العوائد، ولا يبيع الوكيل على البيع بدون ما سمي الموكل، فإن باع بدون ذلك لم يلزم الموكل (ذلك) وله الخيار في رد البيع، أو إمضائه، فإن إمضاء أخذ الثمن، وإن فسخه والسلعة قائمة أخذها، وإن كانت فائتة، ولم يسم له ثمنًا (طالبة بقيمتها، وإن سمي له الثمن) فهل له مطالبته بما سماه، أو بالقيمة قولان عندنا، ولو قال الوكيل: أنا أتم ما نقص من الثمن الذي سميت لي فهل يلزم الموكل (البيع) أم لا؟ الرد فيه قولان عندنا، ولو قال له: بع بعشرة فباع بها بعد الإشهار لزم البيع، وإن باع لها بغير إشهار ففيه (قولان) اللزم (ونفيه) وكذلك لو قال: بع بمائة نسيئة فباع بمائة نقدًا، أو قال: اشتر بمائة نقدًا واشتر بمائة نسيئة صح ذلك، ولزم الأشهر قاله الشيخ أبو محمد أبن ابي زيد، قال: وخالفني فيه أبو بكر بن اللباد، ولو قال له: بع بالدنانير باع بالدراهيم، أو بالعكس ففي اللزوم قولان، وكذلك لو قال له: بع بعشرة فباع باثني عشر، فالمشهور لزوم البيع للموكل، لأن ذلك مقتضي المصلحة، والمعتمد في ذلك على حديث عروة بن الجعد البارقي (في شراء الأضحية، وقد رضي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فعله، ودعا له بالبركة) وقد قيل في المدينة: إن للموكل الفسخ في مثل صورة عروة ابن الجعد، واختلف القائلون بأن له الفسخ هل محل خياره في العقد الثانية فقط، أو له الخيار في العقدتين، وهو قول ابن الماجشون، والأول هو المشهور.
قوله: "والوكيل مؤتمن فيما بينه وبين موكله" وهذا كما ذكره، لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 1175

يده يد أمانة فيما بينه وبين، واما ما يقضي من ديونه ونحوه فلا يبرئ منه إلا بالإشهاد جريًا على العادة المتقدمة أن من دفع إلى غير اليد الذي دفعت إليه فلا يبرأ إلا بالإشهاد أصله الوصي، وقيل: لا يضمن إذا كانت (العادة في البلد) ترك الإشهاد، حكاه الإمام أبو عبد الله وغيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 1176

باب الإقرار

قال القاضي -رحمه الله-: "باب الإقراء".
قسم القاضي -رضي الله عنه- عنه الحقوق على قسمين: حق الله سبحانه، وحق آدمي، فحي الآدمي يلزم بالإقرار، ولا يجوز الرجوع عنه لما له في ذلك من الحق ويجوز الرجوع عن الإقرار في حقوق الله سبحانه لتعاليه عن الأغراض، والأمر كما ذكره، وتفصيل القول في حقوق الله سبحانه: أنه أما أن يرجع إلي شبهه، أو إلى غير شبهه، فإن رجع إلى شبهه فلا خلاف أن رجوعه عن الإقرار جائز، وإن رجع إلى غير شبهه فهل يجوز رجوعه أم لا؟ قولان عندنا والأصل في هذا الباب قول النبي -صلي الله عليه وسلم- في معز: هل رددتموه حين قال: ردوني إلى رسول الله-صلي الله عليه وسلم- في معز: هل رددتموه حين قال: ردوني إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ثم تكلم عن الإقرارات (المجملة)، وهي راجعة إلى مفهوم لسان العرب، منها أن يقر بجمع فيقول: على دراهم، أو دنانير فيلزمه أقل الجمع وهو ثلاثة عند مالك وكافة أصحابه تحكمًا للسان العربي في تفريقهم بين المفرد والمثني والمجموع، وإذا قال له: على دراهم كثيرة، فالمشهور أنه يلزمه بالتعظيم زيادة على ما يلزمه بإطلاق، فقيل: يلزمه ما زاد على الثلاثة، وقيل: تسعة دراهم، قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: وقال بعض شيوخنا الذين درسنا عليهم يلزمه مائتين درهم، وقال أبو حنيفة:

الجزء: 2 - الصفحة: 1177

(عشرة دراهم، فإن أقر بمال، ولم يذكر مبلغه فقال بعض أصحابنا: يرجع إلى العشرة قل أو كثر، وقيل) يلزمه ربع، دينار (أو ثلاثة دراهم) أقل نصاب القطع، وقيل: عشرون دينارًا سكه أقل نصاب الزكاة فإن كان من أهل الإبل أو الغنم أو البقر (فأقل) نصابها، فإن وصف فقال: له عندي مال عظيم، فقيل: يرجع في تفسيره إليه كالمفرد غير الموصوف، قاله الشيخ أبوبكر الأبهري، وليس عن مالك فيه نص، وقال ابن المواز: لا يقبل في أقل من نصاب الزكاة، وقيل: نصاب السرقة، وكذلك لو قال لفلان: على شيء فيقبل في تفسيره في أقل مما يتمول، فإن أبي أن يفسر سجن حتى يبين ويحلف على ذلك، ولو قال له: على مائة درهم إلا شيئًا لزمه تسعة وتسعون، ولو قال له: على كذا دراهم، وأو بين المائة والألف، فيجري على الخلاف في المذهب في تعمير الذمة، ولو قال كذا وكذا لاحتمل من إحدى وعشرين إلى تسعة وتسعين، والصحيح أنه إذا فسر نيته بما يحتمله لفظه رجع إلى تفسيره ولزمه الأقل لأنه المقطوع به، واستظهر عليه باليمين في نفي الزائد.
قوله: "ويصح استثناء القليل والقليل من الكثير": أما استثناء القليل من الكثير فلا خلاف في جوازه ووقوعه، وأما استثناء الكثير من القليل فاختلف فيه الأصوليون والنحويون والمعتد في جوازه قوله سبحانه: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من أتبعك من الغاوين) [الحجر: 42] وقال سبحانه: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين) [ص: 82 - 83] وبالضرورة أن أحد الصنفين (أقل)، "وهم المخلصون" لقوله سبحانه:

الجزء: 2 - الصفحة: 1178

﴿وقليل ما هم﴾

والتطولي فيه، في فن العربية وقد ألف محمد بن الحسن الشيباني فيه كتاباً مستقلاً بنفسه، وذكر أبو بكر السراج في الأصول من ذلك مسائل (جمة).
والاستثناء من غير الجنس جائز، واقع لقول النابغة: "إلا أواري" وقد قيل: إن قوله: ﴿إلا إبليس﴾ [البقرة: 34] من الاستثناء المنقطع.
قوله: "والتهمة مؤثر في منبع الإقرار" وهذا كما ذكره أن التهمة (تمنع) الإقرار لما في ذلك من إبطال حق الورثة، أو الغرماء، فإذا أقر في المرض لمن يتهم عليه بطل إقراره، وإن كان ممن لا يتهم في إقراره له جاز، مثل: أن يقر لبعض العصبة الأباعد مع وجود أولاد الصلب فالتهمة تبعد في مثل هذا المحل فيقبل إقراره، وفي إقراره للصديق الملاصق روايتان أحدهما: رده، والأخرى: قبوله ويكون في الثلث فمن أنزله منزلة الوصية رده إلى الثلث، ومن اعتبر التهمة، ولاحظ نفس الإقرار، وهو مغاير للوصية ....

الجزء: 2 - الصفحة: 1179

وقال أبو حنيفة: لا يقبل إقرار المريض للوارث جملة، وقال الشافعي: يقبل إقراره على كل حال.
قوله:"وإذا أقر أحد الأبنين بثالث لم يثبت نسبه وأعطاه ثلث ما في يده": وهذه المسألة من مشهور مسائل الخلاف فقال قوم من أهل العلم: لا يثبت بذلك النسب، ولا يجب الميراث وهو الصحيح من أقوال الشافعي، والقول الثاني: ثبوت النسب والميراث، ومذهب مالك -رضي الله عنه- أن (هذا) الإقرار يتبعض فيثبت به حكم الميراث، ولا يثبت به النسب، والمعتمد لنا أن الخطة إقراره يتضمن) شيئين: أحدهما: على نفسه وهو استحقاق المقر له حظه مما بيده، والثاني: على غيره وهو كونه ابنًا لأبيه، فيقبل إقراره على نفسه، ولا يقبل على غيره، ومن رأي أنه إقرار واحد لا يقبل التبعيض، ولم يتصور عند انفكاك المتلازمين أبطلهما أو أثبتهما، وهذان القولان للشافعية، وإذا أمضينا إقراره في المال على مقتضي المذهب أعطيناه (من يد المقر قدر ما حصل في يده في الزيادة على ميراث اثنين لو ثبت هذا النسب، فإذا أقر بأخ واحد أعطي) نصف ما بيده، وإن اقر باثنين (أعطاهما ثلثي) ما بيده، والأنثى في هذا الإقرار معتبرة بفريضتها في المواريث، وعلى الجملة فضابط مشهور المذهب أنه يعطي المقر له ما كان يجب عليه لو أقر الأخ الثاني أو ثبت النسب وهو مقدار الزيادة على ميراثه لأنه تمام الميراث في يد الابن الآخر، فلا يلزم المقر دفع ما ظلمه به الجاحد، ولو ترك أمًا وأخًا فأقرت بأخ

الجزء: 2 - الصفحة: 1180

آخر، فإنها تخرج نصف ما بيدها وهو السدس فيأخذه الأخ المقر له وحده، قال محمد وهو قوله في موطئه، وعليه الجماعة من أصحابنا، وقال في رواية أخرى: يقسمه هو وأخوه والله الموفق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1181

باب اللقطة والضوال والآباق

قال القاضي - رحمه الله-: "باب اللقطة والضوال".
اختلف الفقهاء في حكم التقاط التالف من أموال الناس، فمن أهل العلم من أوجب ذلك، لأنه من حفظ مال المسلم، وقال جماعة من السلف منهم ابن عباس الالتقاط مكروه مطلقًا وبه قال أحمد وغيره من الفقهاء لأمرين: الأول: قوله -صلي الله عليه وسلم-: (ضالة المؤمن حرق النار) ولما يخاف من التقصير في حفظها، وقال أبو حنيفة: الالتقاط أفضل من الترك، وتحصيل المذهب فيه أنه بحسب الأحوال والأزمان، فإن كانت اللقطة بين مأمونين والغمام عدل كره الاقتاط لما في ذلك في الخطر، وإن كانت بين غير مأمونين، (والإمام جائر التقطها) لما يؤمر به من حفظ مال أخيه المسلم، ولعله الذي أشار القاضي إليه بالاستحباب، والأصل في جوازها قوله -صلي الله عليه وسلم- للذي سأله عنها (أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة) الحديث.

الجزء: 2 - الصفحة: 1182

والمقصود من ذلك ماله خطر، وأما التافه اليسير فهل يعرف أم لا؟ (استحب) أشهب تعريفه، وأسقطه غيره وذلك كالسوط والنعل والدرهم، واختلف المذهب في مسائل تتعلق بتعريفها: المسألة الأولى: منها التعريف سنة على الأشهر بعد الاستبراء، وقيل: من يوم الوجود، وقيل: هو بحسب الاجتهاد.
المسألة الثانية: العفاص: الخرقة، والوكاء: الخيط، وقيل عكسه، وهل يكتفي بالعلامات أو لا بد من البينة على ذلك قولان.
المسألة الثالثة: إذا اعتبرنا العلامات من غير بينة فهل يكفي بالعفاص والوكاء، أو لا بد من معرفة العدد والصفة، قولان، وإذا قلنا: إن العلامة تكفي عن البينة، فهل يكتفي بواحدة من العلامات أم لا بد من معرفة جميعها، واختلفت الروايات في ذلك عن المذهب، وهل يستظهر عليه باليمين مع معرفة العلامات، إذا بيننا على جواز الاكتفاء بها أم لا قولان.
قوله: "فإن مضت سنة، ولم يأت من يطلبها فإن شاء الملتقط تركها في يده أمانة": قلت: هو مخير بين ثلاثة أمور أن يتركها تحت يده أمانة، ولا ضمان عليه إن تلفت بغير فعله، أو يتصدق بها، أو يتملكها دينًا في ذمته، فإن جاء ربها غرمها له، وإن تصدق بها فهل يضنها أم لا؟ قولان عندنا، الضمان وهو المشهور نقلاً، ونفيه وهو الظاهر نظرًا لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (وإلا فشأنك بها) وهذا تمليك شرعي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1183

قوله: "على كراهية (منا لذلك) ": يشير إلى نحو ما قدمناه في كراهية استسلاف الوديعة، وهذا فيما يتصور فيه التعريف، وأما الطعام (الرطب) الذي يفسد بتركه فحكمه ما ذكر أن ملتقطه بالخيار بين أن يتصدق به أو يأكله، ويضمنه إن كانت له قيمة، وقد بين -صلي الله عليه وسلم- حكم ضالة الإبل والغنم فلا يعرض لضالة الإبل، ويأكل ضالة الغنم في الصحراء، ولا يضمن قيمتها، وإن شاء تصدق بها، وقد قيل في المذهب: لا ضمان عليه إذا أكلها، لأنها تمليك شرعي، فإذا وجد ضالة الغنم في قرية أو بقرب العمران لم يلتقط.
واختلف المذهب في ضالة البقر هل تلحق بالإبل أو بالغنم فيه ثلاثة أقوال: إلحاقها بالغنم أو بالإبل أو التفرقة، فإن كان لها قرون تدفع بها عن نفسها، فهي في معني الإبل وإلا فهي في معني الغنم، ثم ذكر حكم اللقطة يردها بعد أن أخذها، و (لباب) القول فيه أنه إن أخذها اختباراً لم يضمن، وإن أخذها احتفاظاً ضمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 1184

فصول الكتاب · 25 فصل · 24 صفحة
جارٍ التحميل