روضة المستبين في شرح كتاب التلقينكتاب الإجارة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال القاضي- رحمه الله-: "الإجارة جائزة" إلى قوله: "والإجارة ضربان".
شرح: الإجارة مشروعة، والدليل على ذلك الكتاب والسنة (والإجماع) أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿فإن أرضعن لكم فئآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: 6]، وقوله سبحانه: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ [القصص: 27] الآية، والدليل على ذلك من السنة وجوه: الأول: قوله- صلى الله عليه وسلم-: (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه).
والثاني: حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، وذكر فيه (أنه استأجر أجيرًا) الحديث وهو ثابت في الصحيح، وقال- صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة وذكر رجلًا استأجر أجيرًا فاستوفى عمله ولو يوفه أجره) وقال- صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يطوي المظالم يوم القيامة ويجعلها تحت قدميه

الجزء: 2 - الصفحة: 1029

إلا ما كان من فض الخاتم وعرق الأجير) ذكره الإمام أبو بكر بن فورك في المشكل، وذكرنا في كتابنا فيه، ومنها ما خرجه البخاري عن عائشةٍ قالت: استاجر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر رجلًا من بني الديل وقيل: إنه عامر بن فهيرة هاديًا خريتًا وهو على دين كفار قريش فدفعا له راحلتيهما وواعده غار ثور براحلتيهما بعد صبح ثلاث ليال، وذلك حين أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة فطلب أبو بكر صحبته).
وأجمع العلماء على جواز عقد الإجازة إلا من لا عبرة (بمخالفته مخالفة) الجمهور كالأصم وابن عيينة فإنهما منعاها.
قال بعض شيوخنا: ولعل الأصم لم يبلغه الإجماع لصممه، وإنما منعاها، لأن المنافع في العقد معدومة، فكان اشتراؤها غررًا، (وكان من باب) بيع ما لم يخلق، وإذا ثبت جوازها فهل هي من العقود الجائزة

الجزء: 2 - الصفحة: 1030

كالجعل والشركة، أو من العقود اللازمة، جمهور أهل العلم أنها من العقود اللازمة.
قوله: "ولا تصح أن تكون المنافع المعقود عليها معلومة" ينبغي أن يزيد من جنس ما لم ينه عنه الشرع احترازًا من المنافع المعلومة المنهي عنها كأجر (النائحات) والمغنيات وغير ذلك، ثم ذكر العلم بالمنافع طريقين: أحدهما: أن يكون جنس المنفعة معلومًا كركوب الدابة، وبناء الحائط، وخياطة الثوب، وسكنى الدار ونحوه مما يعلم بالمشاهدة.
والثاني يلزمه فيه ضرب الأجل لينحصر به، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن ركوب الدابة، وسكنى الدار وإن كانا معلومين فيلزم فيهما ضرب الأجل (ابتداءً وانتهاءً) لينتفي الغرر (وتتبين المدة) المشتراة منافعها لا محالة، ويتنزل ذكر المسافة في ركوب الدابة منزلة ذكر الأجل، ثم ذكر ضابطًا كليًا لما يجوز استئجاره من المنافع فقال: كل عينٍ لها منفعة يجوز تناولها بغير أجرةٍ فإجارتها لتلك المنفعة جائزة، وهذا معترض فإن إجارة الآبق والبعير الشارد ممنوعة وهبة أعيانهما وهبة منافعهما جائزة لجواز هبة الغرر، والمجهول، انظر هل يدخل تحت هذا والضابط إجازة الدنانير والدراهم وغيرهما مما لا يعرف بعينه أم لا؟ (وظاهره) تناوله، وإن كانت إجارة ذلك لا تصح على المشهور من المذهب.
قال ابن القاسم: وإجارة الدنانير والدراهم قرضًا وإنما لم تصح إجارتها، لأن الإجارة تقتضي تمليك الانتفاع بها، وذلك يستلزم إتلاف أعيانها، إذ لا منفعة فيها مع بقاء العين، فإذا أتلف (عينها)، ورد مثلها صار

الجزء: 2 - الصفحة: 1031

حكم الإجارة إلى القرض في المعنى، فإن استأجرها فهي قرض، والإجارة ساقطة عن المستأجر على قول ابن القاسم، وأجاز الشيخ أبو بكر الأبهري وغيره استئجارها للتجميل بها، (والتكثير) ليراها الناس بين يديه لما يتعلق (له) بذلك من الأغراض (بشرط) أن يكون مالكها حاضرًا مع مستأجرها خوفًا من إتلاف عينها، ورد مثلها مع زيادة الأجرة فتكون سلف جر نفعًا ثم ذكر القاضي أن إجارة العيان مدة معلومة على ثلاثة أضرب: أحدها أن يبين الابتداء والانتهاء، وهذا لا خلاف في جوازها لانتفاء الغرر فيه من كل وجه.
والثاني: أن يذكر المدة ولا يبين أولها، واتفق المذهب على جواز ذلك إحالة على العادة، إذ مقتضاها أن أول المدة من حين العقد كابتداء الأجل في السلم وفي اليمين فيمن حلف أن لا يتكلم فلانًا شهرًا (فانعقد اليمين) عليه من وقت يمينه بحكم العادة، في جميع ذلك، وقال الشافعي: إن لم يبين أول المدة في الكراء فهو باطل وراءه غررًا.
والثالث: أن يعقد الكراء منه مشاهرةً، فيقول الشهر بكذا، أو السنة بكذا، فالخلاف في هذا القسم في محلين: الأول: في جوازه، ولا خلاف في مذهب مالك في جوازه، لأن المنافع معلومة المقدار في المعنى فهو بمنزلة أن يقول له بعتك ما في هذه الصبرة ما شئت كل قفير بكذا، ومنع الشافعي كراء المشاهرة من حيث إن المنافع لم تتقيد، وله وجه من النظر.
الثاني: إن انعقدت الإجارة مشاهرةً فله أن يخرج متى شاء، وللمالك أن يطالبه بالخروج متى شاء.
واختلف المذهب هل يكون عليه من الأجر بحسب

الجزء: 2 - الصفحة: 1032

ما سكن وهو الصواب، إذ العقد (لم يكن) على شهرٍ كامل، وإنما وقع على (حساب) أن الشهر بكذا وتكون أجرة شهر واحد أو سنة كاملة إن كانت الإجارة مشاهرةً أو مساناةً وكل الكراء (واقع) على الحد المقدار من سنة، (أو شهر).
تكميل: شرط علماؤنا في المنفعة المشتراة في عقد الإجارة خمسة شروط: الأول: أن تكون معلومة من الطرفين كما ذكرناه، واختلف في فروعٍ (تتعلق بهذا الشرط).
الأول: إذا استأجر الطحان بصاعٍ من دقيقٍ أو القمح الذي يطحنه، ففيه قولان الجواز، لأنه معلوم حكاه الشيخ أبو الفرج، والمنع، وهو قول ابن المواز للغرر.
الفرع الثاني: إذا قال له القط زيتوني أو أحصد زرعي فما لقطت أو حصدت فلك نصفه فيه قولان: الجواز لابن القاسم، (لأنه جعل) له الترك متى شاء، والمنع لغيره لإمكان الغرر.
والشرط الثاني: حصول المنفعة للمستأجر احترازًا من الاستئجار على العبادة التي لا تصح النيابة فيها (شرعًا) كالصلاة والصوم، والخلاف في جواز النيابة في الحج معلوم، وتجوز الإجارة على غسل الميت، (لأن كل

الجزء: 2 - الصفحة: 1033

واحد من الحي والميت) ينتفع بذلك.
واختلف المذهب في جواز الإجارة على الأذان والصلاة، فمنع ابن حبيب الإجارة على ذلك مجتمعين أو مفترقين، (وأجاز ذلك ابن عبد الحكم مجتمعين أو مفترقين)، وكأنها إجارة على ملازمة الموضع الخاص على ارتقاب الأوقات لا على العبادات، والمشهور من المذهب جواز الإجارة على الصلاة مع الأذان لا على الصلاة وحدها، وصح أن عمر بن الخطاب أجر سعيد القرظي رزقًا للأذان، وكان أحد مؤذني النبي- صلى الله عليه وسلم-.
والثالث: أن تكون المنفعة مقدورًا على تسليمها حسًا وشرعًا، فإن كانت غير مقدور عليها حسًا لم تجر الإجارة كالاستئجار على تعليم الأخرس اللفظ، والأعمى الخط، وكذلك إن كانت للمنفعة غير مقدور على تسليمها شرعًا.
فالعجز الشرعي كالعجز الحسي مثل أن يستأجر حائضًا على كنس المسجد، فالإجارة (غير جائزة).
والشرط الرابع: أن لا يتضمن استيفاء (المنفعة استيفاء) العين، فإن تضمن ذلك لم تجز الإجارة مثل أن يستأجر (الأشجار) لأكل ثمارها، والشاة والناقة لنتاجها فهذا بيع عين قبل الوجود لا شراء منفعة.
والشرط الخامس: أن تكون المنفعة متقومة، وعلى هذا اختلف في فرعين: الأول: إجارة المصحف.
فقال ابن حبيب: لا تجوز إجارته، وأجاز بيعه، قال: وكره إجارته من لقيت من أصحاب مالك، واختلف قول ابن القاسم، لأن إجارته ثمن للقرآن وبيعه بين الورق والخط فافترقا.

الجزء: 2 - الصفحة: 1034

الفرع الثاني: هل يجوز استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها، وفيه روايتان: الجواز، والمنع، وكلاهما للأصحاب.
قوله: "وعقد الإجارة لازم من الطرفين" قد ذكرنا اختلاف العلماء في ذلك والمعول عليه اللزوم، لأنها بيع من البيوع، فإن طرأ (على العين المستأجرة ما يمنع استيفاء المنافع منها انفسخت الإجارة، وكذلك إن طرأ ما ينقص منها) نقصًا يتضرر به المكتري مثل تساقط السقف وكثرة التأذية بالقطر، مثل القاضي القسم الأول المانع من استيفاء المنافع باحتراق الدار (وانهدامها) أو غصبها أو مرض العبد والدابة، وهذه (محلها أسباب تقتضي الفسخ لحصول الخلل في المعقود عليه، وكذلك الحوانيت يأمر السلطان (بغلقها)، فإن الكراء يفسخ على نص الروايات، وهي كغصب العين، أو المنفعة.
فإن نقصت المنفعة وأراد الإصلاح ورفع الضرر الموجب لنقص المنفعة مضى ذلك، فإن أدى (ذلك) إلى ضرر المستأجر لطول المدة، فله الفسخ إذا كان ضرره لا يمكن البقاء معه سبب للخيار في فسخ العقد إن شاء فإن أمكن استيفاء المنافع وتعذر أحد المتعاقدين فالإجارة لازمة لا تنفسخ عندنا إلا في كراء الدابة للحج، لأن أيام الحج معلومة، وأما غير ذلك فلا، مثل أن يستأجر حانوتًا ليبيع فيها متاعه، فيحترف، أو دار ليسكنها، ثم يريد السفر ونحوه لأن (العقد لازم) مع إمكان استيفاء المنافع، وقال تعالى: {أوفوا

الجزء: 2 - الصفحة: 1035

بالعقود} بخلاف تعذر المنفعة، وتعلق بنقص المنفعة من العين المعقود عليها.
فروع: الأول: إذا اكترى أرضًا فغرقت فمنع ذلك من (الانتفاع) بها، فهل يسقط عنه الكراء أم لا؟ فصل الأشياخ فقالوا إن كان غرقها في الإبان بحيث لو انحصر الماء عن الرض لأمكن زرعها، فلم ينحصر فالكراء ساقط، وكان كانفساخ الإجارة، وإن كان الغرق بعد الإبان فالكراء لازم لا يسقط منه شيء، ولو استأجر أرضًا فكانت النمل والدود ونحو ذلك مما يفسده، ولم يبينه له رب الأرض فالكراء ساقط عن المستأجر نص عليه أبو الحسن اللخمي ولو استأجر أرضًا للزراعة فزرعها فأصابته جائعة فالكراء لازم، ولا يسقط عنه منه شيء.
قوله: "وتسليم الأجرة (غير مستحقة) بمجرد القول" وهذا تنبيه على مذهب الشافعي لأن مالكًا يرى أن الأجرة ثمن للمنافع، فكل جزء من المال يقابل كل جزء من المنفعة إلا أن تكون هناك عادة، أو شرط، أو يكون التقديم هو مقتضى الأحكام، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي: يجب تسليم الأجرة عند تمام العقد وانبرامه، فإن كانت الأجرة عرضًا معينًا، أو طعامًا رطبًا يسرع إليه الفساد، فالتعجيل في هذه الصور خارج عن الأصل، لأنه لو أخر العرض المعين لكان من باب المعين (يقبض إلى أجل) فيؤدي إلى الجهل (والغرر) لإمكان تغيره بالتأخير، فالشرط ظاهر بالتنصيص عليه، والعادة في الطعام الرطب والفواكه كون التقديم هو موجب الأحكام مثل أن

الجزء: 2 - الصفحة: 1036

يكون الثمن (عرضًا) معينًا فتأخيره من باب المعين بقبض إلى أجل، وهو مممنوع، واختلف في فروع: إذا استأجر بثوبٍ معين ومقتضى العرف التقديم (جازت الإجارة)، فإن كان مقتضى العرف التأخير، فهل يحمل الإطلاق على العرف الفاسد فيسقط العقد أو يصح تغليبًا لمقتضى الأحكام على مقتضى العرف فيه قولان عندنا.
قال القاضي- رحمه الله-: "الإجارة ضربان: إجارة عين وإجارة الذمة" إلى قوله: "والجعل جائز".
شرح: وهذا كما ذكره في أن الإجازة المتعلقة بالعين تقتضي تعليق العقد بتلفها العين تقتضي تعليق العقد بتلفها العين وانفساخه تبلغها، إذ هو مقتضى التعيين.
قوله: "وتقع المحاسبة" يعني: في الدواب وغيرها ما عدا السفن، فلا محاسبة فيها على المشهور، لأنها على البلاغ، وتنفسخ الإجارة بموت الرضيع والصبي والمتعلم لتعذر الخلف غالبًا، ولو استأجر على خياطة ثوب فهلك فهل تنفسخ الإجارة، أو عليه البدل إذا لم يتعذر غالبًا قولان.
واختلف المذهب إذا استأجر على رعاية غنم، هل يلزم اشتراط الخلف في أصل العقد أم لا يلزم، إذ هو مقتضى الحكم قولان المشهور اشتراط ذلك فى العقد وقيل: هو مقتضى، فلا حاجة إلى الاشتراط، وعندنا رواية ثالثة بالفسخ عند موتها ولا سبيل إلى البدل، لأنة فسخ دين فى دين.
(قوله: "والشروع في الاستيفاء": وهذا كما ذكره، لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر).
قوله: "وموت أحد المتعاقدين لا يوجب فسخ الإجارة": هذا مذهب

الجزء: 2 - الصفحة: 1037

مالك خلافًا لأبي حنيفة والدليل لنا أنه عقد معاوضة لا ينفسخ بموت أحد المتعاقدين كالبيع وبه قال الشافعي، وأحمد، وداود، وأبو ثوار، وغيرهم، واعتمد أبو حنيفة على أن الملك بالموت قد انتقل إلى الورثة وقياسًا على النكاح الذي يبطل الموت.
قوله: "أو ما عدا الشرب" يعني: أن الزرع في أرض السقي يسقط الكراء بخلاف سائر الجوائح وقد قدمناه).
قوله: "ولا يتعين من تستوفي به المنافع وإن عين" قلت: وإن كان إشارةً إلى مسألة الغنم فهو صريح مذهب ابن القاسم، وإن كانت إشارةً إلى غيره ففيه نظر.
ورأى القاضي أن تعيين المحل كالوصف، فلا تنفسخ الإجارة بذهاب المحل ويتنزل المثل منزلة العين، وهذا الأصل عندنا فيه خلاف في المذهب، وتظهر فائدته إذا فات المحل كتلف الغنم وهلاك الثوب هل تنفسخ الإجارة أم لا؟ وعليه البدل قولان مشهوران قد تقدما.
قوله: "وإذا استأجر دابةً ليركبها أجاز أن يركبها (غيره) وكذلك إذا اكترى أرضًا ليزرعها": وهذا الذي قاله هو الصحيح خلافًا لمنعه، والحجة لنا أنه ملك المنافع، فله أن يفعل فيها ما شاء مما لا يضر برب الأصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 1038

قوله: "وإذا زاد (على ذلك) قيمة الزيادة ": وفيه تنبيه على خلاف أبي حنيفة، قال: لا كراء فيها زاد لأنه (المتسلط) وهذا خطأ فإنه لم يسلطه على الزيادة، فإذا زاد فقد انتفع، فعليه قيمة الزيادة، وأما الدابة يزيد عليها في المسافة فعليه الأجرة الأولى بلا خلاف، وربها بالخيار فيه تضمين قيمة الدابة، وأخذ قيمة الزيادة، لأنه متعد بالإمساك وحبسها عن أسواقها، فعليه الضمان كالتعدي بالأصل، وقال الشافعي: ليس لرب الدابة تضمين قيمة الدابة لبقاء عينها، وإنما على المتعدي قيمة الزيادة فقط، وهو (سديد) في النظر وقد اشترطنا الإجارة أن تكون معلومة من الطرفين، وطعام الظئر والأجير وكسوتهما معلومان بالعادة، ويقضى في ذلك بالوسط، فلذلك أجازه الجهمور ومنعه الشافعي في كل أجير، ووافقه أبو حنيفة في الظئر للضرورة، وحكى القاضي جواز كون (الإجارة) ثمنًا للمنافع جريًا على المشهور من المذهب، وفيه رواية بالمنع، وبه قال أبو حنيفة، لأنه دين بدين وهو ضعيف.

الجزء: 2 - الصفحة: 1039

قوله: "وإجارة المشاع جائزة من الشريك وغيره": نبه على خلاف أبي حنيفة لأنه قال: لا تجوز إجارته إلا من الشريك خاصةً، والصحيح جوازه مطلقًا، لأن الشريك كالأجنبي في إمكان الانتفاع بالجزء المشاع.
قوله: "ولا يضمن (الأجير) ما تلف (في) يده": قلت لأنه يده يد أمانة، وقد قيل بتضمين كل أجير في الطعام وغيره، وإن لم يفرط، وهي رواية عن مالك، والمعتمد عليه تضمين الأجراء في الطعام خاصة رعيًا للمصلحة، كان منهم تفريط وتغرير أم لا؟.
وإذا قامت لهم البينة على هلاك الطعام من غير تفريط سقط الضمان على الأصح لزوال التهمة بالشهادة ولو قال الراعي: أكلها الذئب، فالأصل أمين فإن ذبحها، وقال: خفت عليها الموت لم يضمن على المشهور، لأنه مصدق، وقيل: يضمن حكاه الشيخ أبو القاسم.
قوله: "واختلف في كرائها" في الملاح روايتان: أحدهما أنه لا شيء له بناءً على أنه على البلاغ، وقيل: بقدر المسافة، وفرق أصبغ بين أن يلجج أم لا، فإن لجج فهو جعل، وليس له من الكراء

الجزء: 2 - الصفحة: 1040

شيء إلا بالبلاغ، وإن لم يلجج (فهو إجارة له) بحساب ما سكن، وإن لم يضمن الملاح لأنه غير متعد، فإن تعد وثبت تعديه فهو ضامن إن غر بالفعل، وإن غر بالقول لم يضمن على المشهور، ويتعلق (بالسفينة) ذكر تخفيفهما، ولا خلاف في وجوبه في حال الشدة، وخوف الغرق فيلقى من السلع ما ثقل دون الخفيف، واختلف المذهب في الرقيق وهل هو كحرمة الآدمي أو كسائر الأموال، والصحيح أنه كالآدمي أو كسائر الأموال، والصحيح أنه كالآدمي ويقع التوزيع على التجار على حسب القيم.
واختلف المذهب في مكان القيمة، فقيل: في أقرب المواضع إليه، وقيل: في المكان الذي تحمل السلع إليه، وقيل: المعتبر الثمن الذي اشتريت به.
قوله: "ويضمن الصناع (المؤثرون) بصناعتهم" قلت: اختلف الفقهاء في تضمبن الصناع فقال به مالك ومن (اتبعه)، وخالف في ذلك أبو حنيفة والشافعي (وأحمد) والعمدة لنا أنه يروى عن عمر وعلي وغيرهما، ولا مخالف لهما فكان كالإجماع، وأعطاهم المخالف حكم الأمانة المحضة وهو الصحيح نظرًا، وبه أفتى أبو عمران الفاسي فشنع عليه فقهاء عصره بالقيروان، (وأن الشتاء حينئذٍ صب في داره بالماء المالح) لما

الجزء: 2 - الصفحة: 1041

خالف مالكًا، والقول بتضمينهم اعتبارًا (بالمصالح)، وسواء عمل في حانوته، أو في بيته بأجرٍ أو بغير أجر، كان التلف بصنعه أو بغير صنعه إذا كان مما يقدر على التحفظ منه.
واختلف المذهب في إفساد الفأر هل يضمنه الصانع أم لا؟ على قولين، ولو قامت لهم البينة على التلف فهل يسقط عنهم الضمان أم لا؟ قولان المشهور سقوطه، عملوه بأجرٍ أو بغير أجرٍ وقال أشهب: لا يسقط، (وإن سقط) الضمان عنهم ففي وجوب الأجرة لهم قولان، قال ابن القاسم: لا أجرة لهم، وقال ابن المواز: هي لهم.
وجه قول ابن القاسم: أنهم لم يسلموا المنفعة بتلف العين واعتبر ابن المواز أنه وفى عمله، وهذا حكم الأجير العام، وأما الخاص فأمين محض لا ضمان عليه.
فرع: إذا قلنا بتضمين الصناع فشرط الصانع نفي الضمان هل ينتفع بهذا الشرط أم لا؟ فيه قولان عندنا.
فرع: والصناع الضامنون المؤثرون بصناعتهم كما ذكره القاضي، وأما من لم يؤثر كالناسخ يضع عنده الكتاب المستنسخ منه، والحداد يضع (المثال) الذي يعمل عليه.
قال سحنون: لا ضمان على هؤلاء إذا لم يؤثروا بصناعتهم شيئًا، وقال محمد: ضامنون اعتبارًا بالمصلحة.
قوله: "والقول قول الصانع إذا خالفه رب السلعة" قلت: اختلافهما يتصور في مسائل: الأولى: أن يقول رب المتاع للصانع سرق مني، وقال الصانع: استصنعتني قولان أحدهما أن الصانع مدع، فالقول قول رب المتاع.
والثاني: أنهما يتحالفان، ثم يقال لربه: ادفع له قيمة عمله، فإن أبى قيل له:

الجزء: 2 - الصفحة: 1042

ادفع له قيمة شيئته، فإن أبى كانا شريكين، ولو قال ربه للصانع أودعكته وقال الصانع: استصنعتني، فقال ابن القاسم: هو مصدق إذ العادة لم تجر بالإشهاد على مثل هذا، وقال غيره: الصانع مدعي: فالقول قول ربه.
والثانية: إذا قال الصانع لرب المصنوع: استصنعتني بأجر، وقال ربه باطلًا، فالقول قول الصانع مع يمينه، وهل تكون له أجرة مثله أو الأقل منها.
أو ما ادعى من الأجرة قولان عندنا.
المسألة الثالثة: إذا دفع إلى الصانع ببينةٍ فلا يبرئه إلا الرد بالبينة، فإن قبضوا بغير بينة، فادعوا الرد، ولم تقم عليه بينة، فقال ابن الماجشون: القول (للصناع لأنهم حائزون بالعمل)، ولو اختلفا في مقدار أجرة البناء في دارٍ أو غيره، فالقول قول رب الدار، تكميل: قال علماؤنا من الحزن أن يعلم الأب ابنه الصغير الصنعة إذ المال تعرض له آفات الزمان، فإن احتاج الولد إلى الصنعة وجدها، وقد علم الله سبحانه كثيرًا من النبيئين الصنائع ورضيها لهم، ولو شاء لغناهم عنها، فالأول من حرث آدم، وكان نوح نجارًا، وكذلك كان يحيى بن زكريا، وكان إدريس خياطًا، وكان إبراهيم بزازًا، وكان داود صانع الدروع وأجار موسى نفسه من شعيب، وسليمان من الملاحين حين زال ملكه، وفقد خاتمه الذي كان سر أمره، فينبغي (اتباعهم)، والاقتداء بآثارهم صلوات الله عليهم.
فصل قال القاضي- رحمه الله-: "والجعل جائز وليس بلازم" إلى آخره.
شرح: الأصل في جواز الجعل، الكتاب، والسنة، أما الكتاب فقوله

الجزء: 2 - الصفحة: 1043

تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعيرٍ وأنا به زعيم﴾ [يوسف: 72] وأما السنة فقد صح أنه- صلى الله عليه وسلم- أمضى لصاحب الرقية ما أخذ على رقيته حيث شفى زعيم الحي فقال له: (من أكل برقيته فقد أكل برقية حق) الحديث، والإجماع منعقد على جواز الجعل في الآباق والضوال.
واختلف الفقهاء في جوازه فيما عداهما، فمنعه أبو حنيفة للغرر والجهالة، وللشافعي قولان: الجواز، والمنع، والصحيح جوازه، اعتمادًا على ما ذكرناه.
قوله: "وليس بلازمٍ إلا أن يشرع في العمل": واختلف المذهب في الجعل هل هو من العقود الجائزة، أو اللازمة، والمشهور من مذهب مالك أنه من العقود الجائزة لا يلزم إلا بالعمل كالشركة والقراض وغير ذلك، فإن شرع المجعول له في العمل لزم الجاعل هذا هو الصحيح من المذهب.
وحكى الشيخ أبو الحسن اللخمي وغيره من المذاهب فيه ثلاث روايات: أحدها (هذه الرواية الصحيحة المشهورة، الرواية الثانية أنه يلزم بالقول في حق الجاعل خاصةً دون المجعول له، الرواية الثالثة) أنه لازم بالقول لهما كالإجارة ومعتمد المشهور من المذهب جريان العمل من السلف بالمدينة عليه.
وإذا فرعنا على جوازه فاخلتف فيه في فروع: الأول: اختار القاضي أبو محمد في المعونة، وشرح الرسالة وغيرهما أن الجعل إنما يجوز في الشيء (اليسير الذي لا خطر له، أو فيما كان لا ينحصر بأجرةٍ، ولا يجوز في الشيء) الكثير، وحمله على المذهب

الجزء: 2 - الصفحة: 1044

وظاهر الروايات أنه يجوز في الكثير واليسير مما لا يتقدر من الأعمال بزمان، هكذا حكى القاضي أبو الوليد الباجي، وأبو الوليد بن رشد وغيرهما من المذاهب.
قوله: "ومن شرطه تقدير الأجرة دون العمل": وهذا كما ذكره، لأن الأجرة إن كانت مجهولة دخلها الغرر من الطرفين.
الفرع الثاني: إذا وقعت العقدة بين المتجاعلين جازت بشروطها، فإن قال رب الآبق: من جاء بعبدي الآبق فله كذا من غير أن يعقد ذلك مع رجلٍ بعينه، فجاء به، فهل له الرجوع على ربه بما أنفق عليه أم لا؟ المشهور أن له ذلك، وفي العتبية: النفقة من الذي جاء به، وهل له الطلب بالأجرة، وإن كره رب الآبق أم لا؟ فصل فيه أهل المذهب فقالوا إن كان الآتي به عادته ذلك، وعلم منه أن ذلك من شأنه، وأنه مما يكتسب بذلك، فله أجر مثله، وله النفقة التي أنفقها على الآبق، فإن لم يكن ذلك من شأنه، ولم يكن مما نصب نفسه للطلب، فلا جعل له على رب العبد، وإن أنفق عليه فهل يقضى له بالنفقة عليه أم لا؟ لأنه محتسب فيه قولان عندنا، والمشهور أنه ليس له في هذه الصورة إلا نفقته فقط، ولا جعل له، وقال ابن الماجشون: لا جعل له، ولا نفقة.
الفرع الثالث: إذا جاعله على الإتيان بعبده فاستحق العبد بعد أن وجده، وقبل وصوله إلى ربه ففيه تفصيل: إما أن يستحق العبد بحريةٍ ففيه قولان أحدهما أنه لا جعل له على أحدٍ بحال، والثاني: الجعل على الجاعل، وإن استحق بملك في هذه الصورة فجاء به، فهل يكون الجعل على الجاعل أو على المستحق الأول وهو المشهور، لأنه مقتضى العقد.
الفرع الرابع: إذا جاعله على عبده الآبق فأتى به ثم (أفلت) فأتى به

الجزء: 2 - الصفحة: 1045

آخر فلن يكون الجعل، فيه خلاف والصحيح أنه بينهما بمقدار (التعب)، ولو أخذ الآبق، ثم أرسله ضمن قيمته لتعديه.
الفرع الخامس: إذا أنكر المالك: (سعى) العامل في الرد فالقول قول مالك: لأنه المدعى عليه الغرم.
الفرع السادس: إذا اختلفا في مقدار الجعل تحالفا ورجعا إلى جعل المثل.
الفرع السابع: اختلف في الجعالة الفاسدة هل ترد إلى جعل مثلها أو إلى أجرةٍ مثلها فيه خلاف في المذهب حكاه القاضي أبو الوليد، واختلفت قاعدة المذهب في مشارطة الطبيب على البرء والمعلم على التعليم، (والحافر) على استخراج ماء البئر، والمغارسة في الأرض هل ذلك كله حكم الجعالة، أو حكم الإجارة حكاه القاضي وغيره، فإن كان حكمه حكم الإجارة تعين العمل فيه بالزمان أو غيره مما يضبطه، وإن كان جعلًا امتنع تقدير الأجل لكثرة الغرر حينئذٍ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1046

باب القراض

قال القاضي- رحمه الله-: "باب القراض" إلى آخره.
شرح: قلت: الكلام في جواز القراض وأحكامه وفروعه، قال الليث بن سعد كان القراض في الجاهلية معلومًا فأقره الإسلام، وصار سنة، وذكر علماء الآثار انعقاد الإجماع على جوازه، واختلفوا في أول قراض كان في الإسلام، فروى أن أول قراض كان في الإسلام أن عمر بن الخطاب أخرج من السوق من لا يعلم حكم البيوع، وكان فيه يعقوب مولى الحرقة جد العلاء بن عبد الرحمن فأعطاه عثمان مالًا قراضًا فأجلسه في السوق وكان يعلمه ويرعى أحواله، إذ لا يتقضي عثمان وورعه إلا ذلك، وقيل: أول قراض كان في الإسلام الذي أخذه عمر من أبنائه لما خرج عبد الله وعبيد الله ولداه في جيشٍ إلى العراق فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة فرحب بهما، فقال لو أقدر لكما على أمرٍ أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما الربح فقالا وددنا ذلك ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن ياخذ منهما المال فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر فقال أكل الجيش أسلفه مثل هذا قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا لو نقص هذا المال، أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدياه فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر:

الجزء: 2 - الصفحة: 1047

يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا، والرجل عبد الرحمن بن عوف، فقال عمر: قد جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال)، فإذا ثبت جوازه، فالربح فيه على قدر ما يتفقان (عليه) من الإجزاء من نصفٍ، أو ثلثٍ، أو سدسٍ، ونحوه، ولو كان الجزء معلومًا بالتقدير.
لم يجز مثل أن يقول لك من الربح مائة، أو درهمًا فلا يجوز، لأنه لا يعلم هل يزيد الربح على ذلك أو لا يصل إليه فيقوى فيه الغرر، ولو قال له: اعمل في المال على أن لك فيه شركاء، وكانت لهم عادة حملًا على ما اعتادوه، فإن لم يكن في البلد عادة مخصوصة فقال ابن القاسم: للعامل قراض مثله، وقال غيره له النصف.
قال القاضي- رحمه الله-: "وإن عقداه على أن جميع الربح لأحدهما جاز" قلت: وكذلك إن جعلاه المساكين، لأن الربح مال لهما فمن أسقط حقه لصاحبه، أو وهبه لغيره فهو جائز كالهبة المحضة وخالف في ذلك الشافعي، فقال إن العقد حينئذٍ فاسد إذا اشترطه أحدهما لصاحبه نفيًا للغرر، وقصر له على سنته من حيث إنه رخصة، وذلك أنه إن كانت (خسارة) فعلى رب المال، وإن كان ربحًا فليس له في شيء، فتأكد فيه الغرر مع اشتراط الربح لأحدهما، فلذلك منعه الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا (كان) جميع الربح للعامل كان قرضًا لا قراضًا.
قوله: "ولا (يجوز أن) يكون رأس المال فيه عرضًا ولا غيره سوى

الجزء: 2 - الصفحة: 1048

الدنانير والدراهم، وفي التبر والنقار وخلاف": يتعلق (به) الكلام في رأس مال القراض، واشتراط علمائنا فيه أربعة شروط: الأول: أن يكون نقدًا، احترازًا من غيره كالعروض وغيرها، وقد اختلف الفقهاء في القراض بالعروض فمنعه الجمهور، وجوزه ابن أبي ليلى، واحتج الجمهور على منعه باختلاف الأسواق في العروض وتبيانها بالارتفاع، والانخفاض ويقوى فيها الغرر، فالواجب عند الجمهور أن يقر على سنته، إذ هو خارج عن الأصول، ووجدت (وثيقة) بخط الشيخ أبي محمد بن أبي زيد- رحمه الله- مضمونها أنه دفع عروضًا لرجلٍ على أن يبيعهما، ويجعل ثمنها قراضًا بينه وبينه.
وأصل مذهب مالك أنه إذا أعطاه عرضًا يبيعه على أن يجعل رأس المال من العروض فهو ممنوع، ومنعه الشافعي أيضًا لأنه قراض ومنفعة، أو قراض وجعل، أو إجارة إن جعل له على البيع ثمنًا، ومع ذلك فثمن العرض مجهول

الجزء: 2 - الصفحة: 1049

فيؤول ذلك إلى الجهل برأس مال القراض، وأجازه أبو حنيفة.
واختلف المذهب في مسائل: المسألة الأولى: النقرة غير المسكوكة إذا وقع التعامل بها جاز أن يكون رأس مال القراض إجماعًا فإن لم يكن التعامل بها فهل يجوز القراض بها أم لا، فيه ثلاثة أقوال: الجواز والمنع والكراهة، فالجواز لأنه ذهب يتعلق الحكم بعينه، والمنع لأنها ليست أثمانًا (في الحال)، وإن اعتبرنا القولين خرج من ذلك الكراهة توسطًا بينهما، والتبر عندنا كالنقار سواء.
المسألة الثانية: اخلتفوا في الفلوس هل هي كالعروض، أو كالعين، وعندنا فيها قولان لمالك وعلى ذلك يجري الخلاف فيها في هذا الباب وغيره.
المسألة الثالثة: لا يجوز القراض بالدراهم المغشوشة قاله القاضي أبو محمد، وقاله غيره: إن جرى التعامل بها في بلد، وصارت فيه أصول الأثمان فهي مثل غير المغشوش.
والشرط الثاني: أن يكون معلومًا، احترازًا من أن يكون صرة مجهولة.
والشرط الثالث: أن يكون معينًا ويدخل تحت هذا الشرط فروع: الأول: أن يكون له دين في ذمته، فيقول له اجعله قراضًا، ولا خلاف فيه أنه محرم لما فيه من التهمة على أن يكون من باب: انظرني وأزيدك، وهو ربا الجاهلية.

الجزء: 2 - الصفحة: 1050

والثاني: أن تكون الدراهم رهنًا بيد العامل، أو بيد أمين، فلا يجوز أن يقارضه بها (حتى يقبض ربها) فإن كانت عنده وديعة فقارضه بها، فالمشهور الكراهة، فإن نزل مضى، والشاذ الجواز وهو الصحيح نظرًا، (لأنها) في المعنى تحت يد ربها، [وإن] كان دينًا في الذمةـ، فأحضره لربه جاز أن يبقيه عنده قراضًا بعد حضوره على الأصح لخروجه بإحضاره عن تهمة الإبقاء في الذمة، ولو أمر رجلًا أن يقبض (دينًا) له من رجلٍ (آخر، ويعمل به قراضًا لم يجز عند مالك وأصحابه، لأنه اشترط لنفسه منفعة) (زائدة) في القراض وهي تكليف (العامل للقبض)، وأجازه الشافعي لأنه وكالة.
والشرط الرابع: أن يكون مسلمًا (إلى يد العامل)، احترازًا من أن يشترط رب المال أن يبقى المال في يده، أو يد غير العامل، فلا يجوز لما فيه من التضييق المؤدي إلى الغرر، وكذلك لو اشترط أن يراجعه، أو وكيله في التصرف لم يجز للتضييق (المؤدي) للغرر (وكذلك شرط: المخرج له من باب الأمانة إلى (التهمة)، فإن شرط رب المال أن يعمل معه غلامه بحظٍ من الربح قولان: الجواز والمنع.

الجزء: 2 - الصفحة: 1051

فرع: إذا دفع له مالين قراضًا ففيه تفصيل إما أن يدفع له ذلك على شرط أن يخلطها أم لا؟ فإن كان على شرط الخلط جاز، اتفق الجزء فيهما أو اختلف، فإن كان على أن لا خلط لم يجوز مع اختلاف الجزء لما فيه من الغرر والمقامرة، فإن اتفق الجزء فيهما بشرط عدم الخلط، ففي المذهب في هذه الصورة قولان: الجواز، والمنع، فالجواز أنه مال واحد في المعنى لاتفاق الربح والمنع لأن ذلك إخراج له عن بابه إلى باب المقامرة.
قوله: "وهو مستثنى من أصولٍ ممنوعة": والأمر كما ذكره ولما كان كذلك وجب أن لا يخرج به عن سنته المشروعة فيه، ولذلك لا يجوز فيه الأجل للغرر المتأكد حينئذٍ خلافًا لأبي حنيفة تشبيهًا له بالإجارة، ثم ذكر أنه من العقود الجائزة لا اللازمة، لكل واحدٍ منهما (تركه قبل العمل) بخلاف المساقاة على الأصح.
قوله: "إلا أن يتعلق للآخر فيه حق" إشارةً إلى حكمه بعد وقوع العمل لتعلق حق كل واحد منهما بالعمل الذي هو مظنة الربح غالبًا، فإذا اشتغل العامل المال (بسلع فليس لأحدهما حله وعلى العامل بيعها، ونض المال، وكذلك إن طعن به فليس لرب المال) رد العامل بعد طعنه ولو اشترى (العامل) زاد السفر فلرب المال حل العقد، ولا يكون ذلك شغلًا إلا أن يطعن به ويجبر على (رد) المال من أباه إلا أن يكون تأخير (البيع: نظرًا مصلحًا فيحملان عليه حسب العرف، ومقتضى العادة.
قوله: "ولا يجوز أن يضم إليه عقد غيره": وهذا هو المشهور، لأنه

الجزء: 2 - الصفحة: 1052

رخصة أجيز للضرورة (فيقتصر) على ما ورد به الشرع، وحكى أشياخنا خلافًا في المذهب في العقود المختلفة الأحكام هل يجوز أن يضم بعضها إلى بعضٍ أم لا؟ قولان والصحيح المنع.
قوله: " (ولا أن يشترط) أحدهما زيادةً على صاحبه" تتصور الزيادة المشترطة في حق رب المال، (وفي حق العامل، أما حق رب المال) فمثل أن يشترط بعد اشتراط جزءٍ من الربح عدد مثل أن يقول في شرط الربح وزيادة مائة دينارٍ أو نحوه وكذلك في حق العامل، وكذلك لو اشترط رب المال الضمان على العامل، فالقراض فاسد، لأنه زيادة (غرر)، وكذلك لو شرط رب المال على العمل زكاة رأس المال فهذا لا يجوز بلا خلاف، فإن شرط أحدهما على صاحبه زكاة الربح ففيه في المذهب (نظر، تحصيله بعد).
قوله: "وله أنه يسار بالمال إلا أن يشترط عليه (ترك السفر) وليس له أن يبيع بالدين إلا أن يؤذن له": وهذا كما ذكره القاضي تحكيمًا للعادة، لأن السفر بمال القراض عادة معلومة، وعرف جار عند التجار، إذ لم توجد عنه مندوحة غالبًا.
قال ابن حبيب: السنة أن لا يخرج العامل بالمال إلا أن يأذن له ربه، ولعله راجع إلى العادة فإن (حجر عليه ربه الخروج) فخرج فهو

الجزء: 2 - الصفحة: 1053

متعد، (وكذلك البيع بالدين خارج عن العرف، فلذلك منعناه منه، فإذا سافر العامل) بالشرط أو بمقتضى العادة الجارية، فهل له النفقة والكسوة أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء، وتحصيل القول فيه أنه إن كان به في الحضر فليس له نفقة ولا كسوة إلا بالشرط، فإن شغله البيع والشراء عن الانقلاب إلى منزله فنصوص المتقدمين أن نفقته في الحضر على نفسه، ولم يفرقوا، وحكى ابن القاسم في وثائقه أنه إذا منعه البيع والشراء في الحضر عن الانقلاب إلى (أهله) فله أن يتعدى (بالأفلس)، فإن سافر فلا يخلو أن يكون يسيرًا بحيث تستغرقه النفقة والكسوة أم لا فإن كان يسيرًا فلا شيء له بلا خلاف عندنا، وإن كان كثيرًا وسافر به إلى بلدٍ له فيه أهل (فلا نفقة في انصرافه إليهم، أو عنهم، وإن لم يكن له فيه أهل) فله النفقة ذاهبًا وراجعًا.
وفي المذهب في هذه الصورة قول آخر أن له النفقة في ذهابه دون غيابه حكاه ابن القاسم الموثق وحكى القاضي أبو محمد أن للعامل في السفر النفقة والكسوة (التي لولا الخروج) بالمال لم يحتج إليها، وهي الزيادة على نفقة الحضر، قال ابن القاسم وله أن يكتسى منه في بعيد السفر، ولا يكتسى في قريبه إلا أن يقيم إقامةً يحتاج فيها إلى الكسوة.
قال ابن حبيب (ومن قول مالك) أنه ينفق في قريب السفر في ركوبه وطعامه، ولا يكتسى إلا في البعيد، قال محمد: والخمسون دينارًا كثيرًا

الجزء: 2 - الصفحة: 1054

(وفي غير كتاب محمد الأربعين دينارًا كثيرًا) (وأشهر أقوال) الشافعي أنه لا نفقة له أصلًا إلا أن يأذن له رب المال، وروي عنه أن له النفقة (مطلقًا)، وروي عنه أيضًا أن له النفقة في الحضر) وقال الليث: يتغذى في الحضر ولا يتعاشى.
قال القاضي أبو محمد: "وينفق القريب على نفسه في إقامته في الحضر كالحاضر يسافر": والصحيح أنه ينفق منه بالمعروف إذا انتقل به في السفر والحضر، وكان انتقاله مانعًا من تصرفه لنفسه لأنه لم يدخل على التبرع.
وإنما هو طالب للفضل، فلو أوجبنا عليه النفقة من ماله وهو مشتغل بتحريك مال القراض لأدى إلى تلف ماله، ثم ذكر أن يد العامل على المال يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتفريط، أو بالتعدي، وكذلك ليس عليه من الخسارة شيء فإن خسر في المال، ونض المال فرده إلى ربه، وبريء منه، ثم أخذه بعد ذلك فهو قراض مؤتنف، وليس عليه جبر الخسارة إلا أن يعمل فيه بعد الخسارة، وقبل أن يرده إلى ربه فيربح في العمل الثاني قبل الرد فعل العامل الخسارة، ويجبر على ذلك من أباه.
قوله: "ولا يفسخه العقد بموت أحد المتقارضين" وهذا كما ذكره، وتحصيل القول فيه أنه إن مات رب المال فلورثته من الحق ما لموروثهم، ولهم الفسخ، ورد المال ما لم يشرع العامل في العمل، فإن مات العامل فإما أن يموت قبل الشروع أو بعده، فإن مات العامل قبل الشروع فمن طلب منهما حل العقد فله ذلك، وإن مات بعد الشروع في العمل، فقد تعلق

الجزء: 2 - الصفحة: 1055

الحق بكل واحد من رب المال والعامل، فلورثة (في المال العمل) إن كانوا أمناء أو أتوا بأمين، وإلا رد المال على ربه، ثم ذكر حكم القراض الفاسد، وهل المستحق فيه أجرة المثل، أو قراض المثل.
وفصّل بعضهم: لكل قراض فاسد أجرة مثله ... سوى أربعة قد حصلت بيان قراض بعرض وقراض مؤجل ... أو إبهام حظ وقراض ضمان وفرق القاضي بين قراض المثل، وأجرة المثل بما ذكره.
وقال ابن حبيب: أجرة المثل معلقة بالربح كقول الجمهور في قراض المثل، وحكى القاضي أبو محمد عن بعض الأصحاب أن قراض المثل متعلق بالذمة، (والفرق بين الذمة والرقبة حقيقة أن القبة: عبارة عن ذاته وهيكلته، فإذا قيل: في بعض الأحكام في رقبته، فالمراد أن يقتضي منه عينًا لا بدلًا، وأما الذمة فهي عبارة عن ظرف ودعاء أثبتها الشرع على أن تكون محلًا للإلزام والالتزام شرعًا لا وجودًا لما في الأعيان، وإنما وجودها في الأذهان كالإنسانية في الإنسان، والحيوانية في الحيوان، وذلك أن الآدمي لما فارق الحيوان بخطاب الشرع فارقه بذمة تكون محلًا للإلزام في العقود والحقوق والتمليكات، وسائر الأحكام، وهو نوع كرامة لما أكرموا بالخطاب الملزم للحقوق وأكرموا بالمحل لذلك، وأما الحكمي فهو أن كل دين التزمه برضا من له الدين كان في ذمته، فيسمى دين معاملة، وكل ما التزمه بغير رضى كان في رقبته، فيسمى جباية) كقول الجمهور في إجارة المثل، وتظهر فائدة الخلاف إذا كان أحدهما أقل من الآخر، وفيما إذا عدم الربح على الأشهر.
قوله: "وزكاة رأس المال على رب المال" إلى آخره، وهذا (لا خلاف) فيه أن زكاة رأس المال على رب المال لأنه ملكه، لا ملك فيه

الجزء: 2 - الصفحة: 1056

للعامل، وزكاة الربح تابعة لأصله، ويزكى العامل، ورب المال زكاة المالك الواحد على المشهور من المذهب، وتظهر فائدة هذا إذا كان أحدهما ممن لا تجب عليه الزكاة كالعبد والذمي.
قال ابن القاسم: إذا كان العامل عبدًا، أو ذميًا، فلا زكاة عليه في حصته من الربح، إذ ليس من أهل الزكاة، وقال عبد الملك تلزمه الزكاة اعتبارًا بالملك، ولا يجوز أن يشترط رب المال على العامل زكاة رأس المال بلا خلاف، وهل يجوز اشتراط أحدهما على الآخر زكاة الربح ففي المذهب أربعة أقوال: الجواز مطلقًا والمنع مطلقًا، وجواز اشتراط رب المال على العامل دون عكسه، وقيل: عكسه والصحيح الجواز وكذلك ربع العشر مضاف إلى الجزء الذي وقع العقد عليه، والمنع اعتبارًا.
بها يتطرق إلى التجزئة من الجهالة بالاشتراط، وهو بعيد، لأن ربع العشر الذي هو مقدار (الزكاة) مضاف بنسبته إلى الجزء فلا جهالة، وبقيت مسائل تتعلق (بالقراض نذكرها فرعًا فرعًا).
الأول: القراض شراء تجارة العامل، ويجب أن تكون غير مضيقة بالتعيين أو (بالتأقيت) وقيدنا بالتجارة لتخرج أعمال اليد كالطرز والصبغ والصناعة وسائر الحرف، فإن العقد عليها استئجار لا قراض، فإن عين له صنفًا من (أعيان) المتاجر فلا يخلو أن يكون كثير الوجود أو (نادر) الوجود، فإن كان (نادرًا) لم يجز لما في ذلك من التضييق على العامل (المحقق للغرر) وإن كان كثير الوجود جاز تعيينه، وإن عين له رجلًا

الجزء: 2 - الصفحة: 1057

للمعاملة لم يجز وكذلك إن عين له حانوتًا أو سوقًا محصورًا (تندر) فيه السلع.
فرع: قال أهل المذهب لا يبيع العامل بدين إلا بإذن، ولا يشتري بالدين، وإن أذن له، وانظر ما الفرق بينهما، وله الرد بالعيب إذا اطلع عليه، وإن كره رب المال ولا يشتري العامل من رب المال خوفًا من التهمة على القراض بالعروض، ولا يشتري بأكثر من رأس المال، فإن زاد فعل ذمته لا على ذمة رب المال، ولا يجوز للعامل أن يقارض غيره، ولا أن يشاركه، لأن رب المال إنما رضى بأمانته، فإن فعل فهو متعد.
فرع: إذا اشترى العامل أمة من مال القراض فوطئها فحملت فهي له أم ولد إن كان موسرًا وإن كان معسرًا وله حصة من الربح فالمشهور أن الجزء الذي يخصه منها بحسب ربحه له حكم أم الولد وقيل: جميعها أم ولد، ويتبعه بقيمتها دينًا في ذمته، وإذا أثبتا لها في حال اليسر حكم أم الولد، فعليه لرب المال الأكثر من ثمنها أو قيمتها.
واختلف الأشياخ (في تعيين) القيمة، فقيل: يوم الوطء، وقيل: يوم الحمل، لأن به وقع الفوت، ومن ضمن قيمة أمة بالوطء من شريك، أو مقارض فلا شيء عليه من قيمة الولد، وروى عن مالك أنها تباع، وإن حملت، وهذا إذا لم يكن فيها فضل، لأنه متعد في ذلك، وإن وطئها العامل ولم تحمل فرب المال مخير بين أن يضمنه قيمتها يوم الوطء، أو يطلبه بثمنها والله الموفق.
فرع: إذا اختلف المتقارضان فاختلافهما في فصول: الأول: ضياع المال، أو خسارته، فالقول قول العامل مع يمينه، لأنه أمين، فإن اختلفا في رد المال وكان قبضه بغير بينة (صدق، لأنه أمين)،

الجزء: 2 - الصفحة: 1058

فإن قبضه ببينة فقولان: أحدهما: أنه لا يقبل دعواه في الرد إلا ببينة.
الثاني: أنه يقبل بغير بينة (فلا يبرأ إلا ببينة)، فإن اختلفا في مقدار رأس المال فالقول قول العامل، لأنه أمين، فإن اختلفا في الجزء الذي وقع القراض عليه فإما قبل الشغل فللعامل الخيار بين أن يعمل بما ادعاه رب المال أو يترك، وإن كان بعد الشغل فالقول قول العامل بشرطين: الأول: أن تكون دعوى مشبهة.
والثاني: أن يكون المال بيده، فإن أسلمه إلى رب المال فالعامل مدع، والقول قول رب المال وكذلك لو ادعى ما لا يشبه ولو ادعى العامل أنه قراض، وقال: ربه بل بضاعة بغير أجرة ففيه قولان: أحدهما: أنهما يخلفان جميعًا، ويعطى العامل أجرة مثله قاله محمد وقيل: القول قول صاحب المال مع يمينه إلا أن تكذبه العادة، ولو قال العامل: هو بضاعة بأجرة، وقال صاحب المال قراض كان القول قول العامل، ولو قال العامل: هو قراض وقال ربه هو قرض، فالقول قول (رب المال)، وإن اختلفا في الصحة والفساد فالمشهور أن القول قول مدعي الصحة والشاذ العكس إذا كان غالبًا، ولو ادعى العامل زيادة (نفقة) في السفر من ماله قبل المقاسمة فالقول قوله لأنه أمين، وكذلك القول قول العامل إذ ادعى عليه رب المال التعدي ليضمنه فإن قال صاحب المال: هو وديعة، وقال الآخر: قراض، والمال قام، فالقول قول رب المال فإن ضاع المال في هذه الصورة، فإما أن يكون ذلك قبل التحريك أو بعده، فإن كان قبل التحريك فلا ضمان على العامل لاتفاقهما على أنه أمانة ومصيبته حينئذٍ من ربه، وإن ضاع بعد التحريك فالقول قول رب المال لأنه لم يأذن له في التجارة، وهكذا نص عليه أهل المذهب، وفهي نظر (محال) على (تشبيه) الدعوى، وترجيح قول الغارم المدعى عليه، ولو

الجزء: 2 - الصفحة: 1059

قال: هو في يدي قراض، أو وديعة، وقال ربه سلف، فالقول قول ربه كما قدمناه، وحيث جعلنا القول قول العامل (أو رب المال) فلابد من اليمين لنفي التهمة في هذه (المحل) لاحتمال الكذب.
وإن قال رب المال: هو بضاعة بأجرة، وقال العامل: بل هو قراض، فإن اتفقت الأجرة (والجزء فلا فائدة للخلاف في هذه الصورة وإن اختلفا) فالقول قول العامل إذا أشبه قوله، فإن نكل أو لم يشبه قوله فالقول قول رب المال في الأجرة التي سمي مع يمينه.
قال أبو الوليد: وأصل قول مالك أن العامل أمين فالقول قوله في جميع دعاويه إذا ادعى ما يشبه.
فرع: إذا اشترى العامل بمال القراض من يعتق عليه، أو على رب المال فيه تفصيل لنا: إذا اشترى من يعتق عى رب المال فلا يخلو أن يكون عالمًا بذلك أو غير عالم؟ فإن كان غير عالم بذلك عتق على رب المال وولاؤه له، ويرجع عليه العامل بما يخصه من ربح إن كان، وإن كان عالمًا فإنه يعتق على رب المال (فاشتراه) قاصدًا، فذلك لا يخلو أن يكون العامل موسرًا أو معسرًا، فإن كان العامل موسرًا أعتق على رب المال وولاؤه له، وعلى العامل غرم ثمنه له، لأنه أتلف عليه ماله في المعنى، وإن كان العامل معسرًا أعتق منه بقدر حصة العامل من الربح، وبيع منه بقدر رأس المال وحصة ربه من الربح، إذ لم يملكه في المعنى، قال سحنون: هذا أحسن ما جاء في ذلك من الاختلاف، فإن اشترى العامل من يعتق عليه فلا يخلو أن يكون في المال ربح أم لا؟ فإن لم يكن في المال ربح لم يعتق عليه مطلقًا إذ لم يملكه إلا بتقدير أن يملك حظًا من الربح، وذلك معدوم فإن كان في المال ربح، فإن وفى حظه من الربح بقيمة العبد (عتق عليه جميعه، وإن لم يف حظه من الربح بقيمة العبد) إما أن يكون موسرًا قادرًا على التكميل أم لا؟ فإن لم يكن له سوى

الجزء: 2 - الصفحة: 1060

حظه من الربح عتق عليه منه بحظه، وإن كان له ما يكمل به عليه عتق جميعه واختلف المذهب في حظ رب المال هل يلزمه قيمته أو الأكثر من ثمنه أو قيمته يوم الحكم فيه قولان عندنا، قال ابن القاسم: إن كان موسرًا وقد علم، رأيت أن يعتق عليه ويدفع إلى رب المال رأس ماله.

الجزء: 2 - الصفحة: 1061

باب المساقاة

قال القاضي -رحمه الله-: "باب المساقة وكراء الأرض والمزارعة وما يتعلق بذلك".
شرح: المساقاة عند جمهور أهل العلم جائزة خلافًا لأبي حنيفة، ومعتمد الجمهور ما وراه عبد الله بن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله -صلى الله عليه وسلم- شطر ثمرها وقال لهم: أقركم ما أقركم الله) ورأى أبو حنيفة أنها خارجة عن الأصول من أوجه:

الجزء: 2 - الصفحة: 1062

الأول: المزابنة لأن فيها قسمة التمر بالتمر متفاضلًا، وهي بيع الخرص.
والثاني: المخابرة: وهي كراء الأرض بما يخرج منها.
والثالث: بيع ما لم يخلق.
والرابع: إجارة مجهولة فلما خالفت الأصول جعل قضية أهل خيبر مخصوصة، ورأى أنهم عبيد ملكهم -صلى الله عليه وسلم- وأرضهم بحكم الفتح فأقرهم على حكم العبيد، وأجرى لهم شطر التمر رزقًا لهم كما تجرى السادات بدليل قوله: (أقركم ما أقركم الله) فلو كان عقدًا صحيحًا لقيده بالأجل وفيه نظر لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث عبد الله بن رواحة الأنصاري يخرص عليهم فيقول لهم إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي فكانوا يأخذونه)، وهذا يعطي حكم الشركة مع أن الأئمة أبا بكر وعثمان فعلًا ذلك، ولا مخالف لهما من السلف، وقياسًا على القراض لاشتراكهما في دعوى الضرورة إليهما وهو مظنة الترخيص، ويتعين الكلام في محلها، وبه بدأ القاضي ولا خلاف عندنا أنها جائز في الأصول كلها، وفي الشجر اعتمادًا على فعله -صلى الله عليه وسلم- لأنه ساق أهل خيبر على ما فيها من زرع وشجر، فلذلك أجازها مالك في المباقل والمقاثي والزرع إذا عجز عن ذلك صاحبه.
وهل تجوز في الثمرة بعد الطيب في ذلك قولان منعه ابن القاسم

الجزء: 2 - الصفحة: 1063

إذ لا ضرورة حينئذٍ، وأجازه سحنون، وفي البقول (إذا نبتت) قبل أن تستقل: قولان عندنا: الجواز نظرًا إلى سبب الرخصة التي هي دعوى الحاجة والمنع قصرًا للرخصة على محلها.
قال علماء المالكية: يشترط في الأصل التي تقع المساقاة عليها ثلاثة شروط: الأول: أن تكون مما لا تختلف ثمرتها احترازًا مما له بطون كالورد والقضب والقرط.
والثاني: أن تكون مما يمنع بيعها احترازًا مما حل بيعه، فلا تجوز المساقاة فيه، إذ لا ضرورة إلى المساقاة، وأجاز ذلك سحنون كما ذكرناه، ورأى ذلك إجارة بنصفه.
والشرط الثالث: وهو مخصوص بالزرع (بشرطين: الأول: أن يعجز ربها عنها).
والثاني: أن تكون ظاهرة قد عجز ربها عنها أما ظهورها فمشترط بلا خلاف، وفي اشتراط العجز عنها خلاف عندنا، المشهور ما ذكرناه من اشتراطه، لأن (بوجوده) تتحقق الضرورة المقتضية (للرخصة).
قوله: "وهي عقد لازم" قلت: بخلاف القراض وهل تنعقد بغير لفظها أم لا؟ قولان عندنا المشهور أنها لا تنعقد إلا بلفظ المساقة، وقال محمد بن

الجزء: 2 - الصفحة: 1064

المواز وسحنون تنعقد بكل لفظ من ألفاظ الإجارة، ثم ذكر القاضي العمل الذي يوجبه عقد المساقاة على العامل وهو معلوم بالعادة، وهو عمل يده ونفقته على نفسه، وعلى دواب الحائط ورقيقه، كانوا له أو لرب الحائط، وعليه السقى والإبار والزبر، والتذكير وسرو الشرب، وهو تنقية الحياض، وشد الحظار، وهو تحصين الحائط، (وخم) العين وهو كنسها ونحو ذلك مما يوثر في الثمرة، وينقضي بانقضائها، وأما ما لا يتعلق بالثمرة، ويبقى بعد زوالها كحفر الآبار، وإنشاء الغراسة، وبناء بيت الاحتراز ونحوه فلا يقتضيه العقد، وهو يجوز اشتراطه أم لا؟ نص القاضي أبو محمد وغيره من المالكية أن اشتراط ذلك لا يجوز، وحكى القاضي أبو الوليد بن رشد أنه يدخل في المساقاة بالشرط لا بالعقد، ومن هذا القسم إنشاء ظفيرة للماء، والظفيرة ما حول النخل، وقيل: هي موضع الماء كالصهريج، وقيل: هو الشجرة يغرسها، والصحيح من المذهب أن هذه الأشياء التي تبقى بعد (انقضاء المساقاة) لا يقتضيها العقد، ولا يدخل فيه، ولا يجوز اشتراطها لأن ذلك زيادة، وينفرد بها رب المال، تخرج المساقاة عن بابها إلى باب الإجارة المجهولة، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ساقى أهل خيبر ولم

الجزء: 2 - الصفحة: 1065

يشترط عليهم من ذلك شيئًا، ولم (يلزمهم) -عليه السلام- لهم مؤونة، وما كسر من آلات الحائط، أو مات من الحيوان، أو غار من العيون أو انهار من الآبار، فعلى رب الحائط إصلاحه ليتمكن العامل من العمل، وإذا وجبت على العامل الآلات والدواب والدلاء وغير ذلك فاشترطها على رب الحائط، فهل يجوز ذلك أم لا؟ أما ما كان من ذلك من الحائط فيجوز للعامل اشتراطه، وأما ما لم يكن في الحائط فهل يجوز أن يشترطها العامل على رب الحائط أم لا؟ قولان عندنا المشهور أنه لا يجوز، وأجازه ابن نافع وهو قول الشافعي.
واختلف المذهب فيما رث من دلو أو حبل أو سانية بحيث لا ينتفع به هل يكون خلفه على رب الحائط، أو على العامل قولان عندنا (وكذلك اختلف المذهب هل يجوز لرب الحائط أن يشترط إخراج ما في الحائط من دولب أو رقيق أم لا؟ فيه قولان عندنا) المشهور جواز ذلك، والشاذ منعه.
قوله: "وانتهاؤها إلى الجذاذ": لأن بالجذاذ حصلت المنفعة، ولم يبق محل للعمل إلا أن تنعقد على أعوام، فتلزم إلى انقضائها.
قوله: "والمساقاة على جميع أنواع الشجر جائزة": يريد النوعين من شجر السقي والبعل ونبه على خلاف الليث وغيره فإنه منع المساقاة في البعل، إذ السقي بالماء هو العمل الأغلب المقصود في (الغلات)، وقال

الجزء: 2 - الصفحة: 1066

داود: لا تكون إلا في النخل، وقال الشافعي: لا تكون إلا في النخل والكرم، والجمهور على جوازها في الشجر المسقي والبعل لدعوى الحاجة إليها في جميع ذلك.
فرع: يجوز أن يساقيه سنين ما لم تكثر، قيل لمالك: عشرة أعوام فأنكر التحديد.
قوله: "وإذا أخرج الحائط خمس أوسق بين رب المال والعامل ففيه الزكاة": وهو معتبر بالقراض، لأنه مال واحد بخلاف الخلطة، لأن العامل لا يستحق شيئًا إلا ببدو الصلاح، (وببدوه تجب) الزكاة فيتناولها الوجوب، وهي على ملك صاحب الأصل.
قوله: "وليس لأحدهما زيادة شرط على الآخر" يعني: مثل أن يشترط أحدهما على الآخر زيادة دراهم، أو شيئًا خارجًا عن المساقاة لا يتعلق بصلاح الثمرة، وأجاز اشتراط الزكاة على أحدهما بخلاف القراض، قال القاضي أبو محمد في المعونة، لأن ذلك جزء معلوم، وهذه العلة جارية في القراض، والمعنى فيهما واحد، ثم ذكر حكم البياض يكون في الحائط.
وتحصيل القول فيه أنه يستحب لرب الحائط أن يلغيه للعامل، لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما ساقى أهل خيبر ألغى لهم البياض الذي كان لهم فيها، ولم ينقل أنه منع اليهود منه، ولا استثناه لنفسه، ولا طلب أجرة منهم عليه، فإن لم يلغه رب الحائط للعامل، واستثناه لنفسه، فإن كان على أن يعمله بنفسه أو بماله ولا يتولى المساقى من عمله شيء، ولا يناله سقي الحائط للعامل فهذا

الجزء: 2 - الصفحة: 1067

لا خلاف في جوازه بناء على أصل الملك، فإن سكتا عنه فهو لرب الحائط بحكم الملك، وروى عن مالك أنه يلغي للعامل، فإن اشترطه رب (الحائط) لنفسه على أن على العامل سقيه وعلاجه، لم يجز سواء كان بذره من عنده أو من عند رب الحائط، لأنه اشتراط زيادة على المساقاة، (وذلك إخراج لها عن مورها، وإن اشتراط دخوله في المساقاة)، فإن كان أكثر من الثلث لم يجز أن يدخل في المساقاة، لأنه من باب اجتماع الشركة والمساقاة، وإن كان أقل من الثلث فاشترطه العامل جاز بشرط أن تكون قيمته الثلث فأقل من نصيب العامل عن ابن حبيب، أو من الجميع على القول الثاني الواقع في كتاب محمد، فإن كان قيمته أكثر من ثلث نصيب العامل، أو من ثلث الجميع لم يجز اشتراطه، لأنه حينئذٍ يصير معتبرًا لا ملغي، فإن اشترط دخوله في المساقاة في محل الجواز جاز، وكان حكمه حكم التجزئة في المساقاة، فإن شرط رب الحائط على المساقي أن يزرعه من عنده، ويعمله بيده، وما حصل بينهما جاز، وإذا أجزنا إدخاله في المساقاة إذا كان يسيرًا، (فاشترطه) صاحب الأرض، وهو أكثر من النصف، فهل يجوز أم لا؟ كرهه أصبغ ونص على كراهته القاضي أبو محمد، وأجازه غيره، وإنما اعتبرنا الثلث، لأنه حينئذٍ يصير تبعًا كمسالة الدار فيها شجرة يستثنى المكتري ثمرتها قبل طيبها، فيجوز إذا كان قيمة ثمرتها الثلث فدون، (لأن ذلك ينزلها منزلة) التبعية، فإن زادت قيمتها على الثلث، لم يجز، وكان من باب شراء الثمرة قبل (بدو صلاحها)، وبقيت مسائل تتعلق بالمساقاة:

الجزء: 2 - الصفحة: 1068

المسألة الأولى: المساقاة على حوائط كثيرة مختلطة الثمار جائز على الأجزاء (المتفقة) والمختلفة إذا تعددت العقود، فإن كان ذلك في عقد واحد جاز على الأجزاء (المفقة)، ولم يجز على المختلفة لما فيها من المقامرة، ودليلنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ساقى أهل خيبر على اختلاف حوائطهم مساقًا واحدًا، ولم ينقل عنه خلاف ذلك، فأقر ذلك سنته.
المسألة الثانية: إذا وقعت عقدة المساقاة فاسدة وجب فسخها قبل الشروع في العمل، فإن فاتت بانتهاء العمل، أو بالشروع في العمل فهل الواجب فيها أجرة المثل، أو مساقاة المثل مطلقًا، أو الأقل من المساقاة المثل أو أجرة المثل هذه الثلاثة الأقوال في المذهب، وهي مبنية على ما قدمناه في القراض وفي المذهب قول رابع أن منها ما يرد إلى مساقاة المثل، وذلك في المساقاة في حائط قد أطعم، وفيما إذا اشترط العامل على رب المال أن يعمل معه، في المساقة والبيع، وفيما إذا ساقاه في حائط سنة على جزء، وآخر على جزء غيره.
(وفيما عداهما يردان إلى آجرة المثل).
المسألة الثالثة: إذا اختلفا في الجزء الذي وقعت عليه المساقاة، فالقول قول العامل إذا أتى بما يشبه، لأن مؤتمن كالقراض.
المسألة الرابعة: إن القسمة بني المساقي ورب الحائط إن كانت كيلًا فهي جائزة وهل تجوز القسمة بينهما بالخرص أم لا؟ ثلاثة أقوال في المذهب.
الجواز مطلقًا اعتمادًا على فعل عبد الله بن رواحة.
والثاني المنع (حذرًا) من المزابنة، والثالث أنه ممنوع في الربوي من الثمار جائز في غري الربوي.

الجزء: 2 - الصفحة: 1069

فصل قال القاضي -رحمه الله-: "وكراء الأرض جائز للزرع بما عدا الطعام" إلى آخره.
شرح: كراء الأرض جائز بالدنانير والدراهم وسائر العروض والحيوان (وسائر الأثمان) ما عدا الطعام.
والدليل على ذلك ما رواه رافع بن خديج أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها فأما بالذهب والفضة فلا بأس به) وهو معنى نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن المحاقلة (أي) كرائها بالطعام، والمخابرة كراؤها ببعض ما يخرج منها، وأما الدور والحوانيت وغير ذلك فيجوز كراؤها بالطعام وغيره إجماعًا، وإذا أجزنا كراءها فهل يجوز النقد (في كراء الأرض أم لا؟ أما المامون منها فيجوز النقد) فيها.
ولا يجوز في غير المأمون خوفًا من أن يكون تارة بيعًا، وتارة سلفًا، وهو نص القاضي وغيره من أئمتنا.
فرع: يجوز كراء الداء سنين كثيرة كالعشرة الأعوام ونحو ذلك مما يؤمن فيه التغيير غالبًا، وكذلك يجوز كراء أرض المطر، وأرض السقي بالعيون والآبار والأنهار السنين كالعشرة الأعوام ونحو ذلك، وقال ابن الماجشون: لا يجوز كراء أرض المطر إلا لعام واحد، ويجوز كراء أرض السقي بالعيون الثلاثة الأعوام والأربعة، ويجوز كراء أرض الأنهار والآبار عشرة أعوام ونحوها، وكل هذا مبني على استحسان ومصالح، ثم تكلم على حكم الشركة

الجزء: 2 - الصفحة: 1070

في الحرث وهي جائزة إجماعًا، واختلف المذهب هل هي من العقود الجائزة أو اللازمة، وبالأول قال الجمهور قياسًا على القراض، وهي رواية ابن كنانة عن مالك، قال ابن رشد: وبه جرى العمل بقرطبة وبالثاني قال ابن الماجشون وسحنون قياسًا على الإجارة اللازمة بنفس العقد، ولملاحظة هذا الأصل، اختلف المذهب أيضًا هل يلزم فيها التكافؤ والاعتدال وهو المشهور أو لا يلزم فيها إلا السلامة من كراء الأرض بالطعام فقط، وأم الاعتدال فيها على هذه الرواية فليس بشرط، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم تغليبًا لحكم الإجارة، وإذا فرعنا على المشهور من اعتبار الشرطين التكافؤ والسلام من كراء الأرض بالطعام فهل يجوز اشتراط الحصاد والدرس والتذرية على العامل أم لا؟ قولان عندنا منعه سحنون، وأجازه غيره من الأندلسيين، (وبهذا) جرى العمل عندهم، حكاه ابن القاسم في وثائقه.
فرع: إذا دفع رب الأرض حظه من الزريعة على أن يخرج العامل مثله فزرع نصيب صاحب الأرض، ولم يزرع نصيبه من غير عذر، فالزرع كله لرب الأرض، وعلى العامل خدمته وله الأجرة، فإن لم يزرع حظه ولاحظ صاحب الأرض حتى فات الإبان لزم العامل لرب الأرض (كراء) نصفها مع نصيب قيمة عمله ومؤنة حصاده ودرسه، قاله ابن لبابة.
فرع: هل يجوز لرب الأرض أن يشترط على الشريك أن يطرح الزبل في الأرض أجازه أهل المذهب بشرطين: أحدهما: أن تكون الأرض مأمونة.
والثاني: أن تبقى الأرض بين مدة ينقضي فيها الانتفاع بذلك الزبل.
فرع: إذا ادعى العامل أن رب الأرض لم يدفع له الزريعة، فالقول قول

الجزء: 2 - الصفحة: 1071

(رب المال) لأنه مدعى عليه.
فرع: اختلف المذهب في الشركة الفاسدة إذا فاتت لمن تكون الإصابة فقيل لصاحب البذر، وعليه كراء المثل، وقيل: لصاحب الأرض، وقيل: لمن اجتمع له (شيئان) فأكثر، وذكر سحنون عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنه قال الزرع لصاحب الزريعة) وهو قول مالك في رواية ابن غانم.

الجزء: 2 - الصفحة: 1072

باب الشركة

قال القاضي -رحمه الله-: "باب الشركة".
شرح: أجمع العلماء على أنها جائزة إذا وقعت على شرائط الصحة، والأصل فيها من الكتاب قوله سبحانه مخبرًا عن أهل الكهف:} فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة {] الكهف: 19 [فإن لم يكن المبعوث شريكًا، فالباعثون شركاء، ومن السنة قوله -صلى الله عليه وسلم: (من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه) الحديث.
وهي قسمان: شركة أبدان، وشركة أموال.
فشركة الأموال على قسمين: عنان ومفاوضة، فهي إذن أربعة أنواع، وأنكر

الجزء: 2 - الصفحة: 1073

بعض المالكية شركة العنان، وروى عن مالك أنه سئل عن شركة العنان فقال: لا أعرفها، ولعله أنكر التسمية، وإلا فهي لفظة معلومة في اللغة وشركة (معروفة) عند العلماء.
وقال الجوهري في الصحاح: "شركة العنان بفتح العين: أن يشتركا في شيء خاص دون سائر أموالهما كأنه عن لهما شيء فاشترياه مشتركين فيه وقيل هو مشتق من قولهم عناني الشيء إذا أخطر ببالك وأظهرته، حكاه القاضي أبو محمد، وقيل معناه تساوي الشريكين في التصرف كتساوي الفارسين في السير، فهي على هذا مشتقة من عنان اللجام بكسر العين فيه.
وأنشد القاضي لبعض العرب: وشاركنا قريشًا في علاه ... وفي أحسابها شرك لعنان وهي من العقود الجائزة، ولكل واحد منهما أن يفاصل شريكه (متى شاء) وهي عقد غير لازم مورث لانتقال الأملاك بالموت.
ونتبع كلام القاضي: قوله: "وضرب آخر غير جائز وهو شركة الوجوه": وفسر هذه

الجزء: 2 - الصفحة: 1074

لشركة، وإنما امتنعت لأنها من أكل المال بالباطل، لأنها شركة بغير مال ولا صناعة، وإنما هي من باب أن كل واحد استعار وجه صاحبه (وجاهه) بشرط ضمان النقصان رجاء الربح.
وذلك غرر محض وأجاز أبو حنيفة هذه الشركة، وخالف في ذلك الجمهور.
قوله: "ويشترط الربح بقدره ثم يخلطاه مشاهدة أو حكمًا": وهذا تنبيه على مذهب المخالف في الفرعين: الأول: اشترط مالك -رحمه الله- أن يكون العمل والربح على قدر رؤوس الأموال، وأجاز أبو حنيفة اختلافهما بأن يكون رأس مال أحدهما أكثر من الآخر، والربح دونه، وبالعكس تشبيهًا (بالقراض)، والعمدة لنا أن الربح ثمرة المال والعمل، ولما كان ثمرتهما وجب أن يكون تابعًا لهما كالخسران بدليل لو شرط أحدهما على الآخر جزءًا ينفرد به من الخسارة المقدرة في المال كان ممتنعًا، فكان حكم الربح كذلك، لأنهما فرعان عن مال الشركة، فوجب التساوي فيهما على قدر الملك كأجرة العبيد، وخراج العقار، وأثمان سائر المشتركات ونحوه هذا أصل المذهب، وروى (عن مالك) أنه إذا رضي صاحب الأكثر أن يكون له نصف الربح جاز إذا لم يكن حطيطة حطت من الربح لزيادة منفعة من شريكه مثل أن يكون ينتفع ببصره ونفوذ معرفته، لأن ذلك معروف محض إذا عرى عن المقابلة.
وإذا بنينا على وجوب التساوي في رأس المال والعمل والربح، (فانعقدت الشركة على خلاف ذلك فسخت ما لم تفت، فإن فاتت بالعمل

الجزء: 2 - الصفحة: 1075

فالربح) والخسارة بينهما على قدر العمل ويرجع من قل (رأس) ماله على صاحبه بأجرة المثل في نصف الزيادة في العمل، إذ لولا هذا لكان تتميمًا للعقد الفاسد، ولا سبيل إليه.
الفرع الثاني: اشتراط الخلطة، وقد اختلف الفقهاء فيه فمنهم من أوجبه، ومنهم من أسقطه منهم أبو حنيفة القائل بأن الشركة (تصح)، وإن كان مال كل واحد على حدة، وفي مذهب مالك في اشتراطه قولان، فاشترطه سحنون، وغيره، وعليه جرى العمل، ولم يشترطه ابن القاسم، وأجاز الشركة، وإن بقى مال كل واحد منهما بيده، أو جعلاه على يد أحدهما أو على يد أمين.
وإذا بنينا على اشتراط الخلط فهو جائز حسًا أو حكمًا بأن يتسلطا يديهما عليه معًا، (وتغالي في ذلك) الشافعي، باشتراط الخلط حسًا، لأن يقع التناصح في العمل والتناصف في طلب الفضل.
قوله: "والمفاوضة أن يفوض كل واحد منهما إلى الآخر التصرف": وأجازها جمهور العلماء وعجبًا من الشافعي -رحمه الله- حيث منعها، حكاه عنه القاضي أبو محمد عبد الوهاب وغيره من ائتمنا وهي في المعنى

الجزء: 2 - الصفحة: 1076

كالوكالة، يوكل كل واحد منهما صاحبه على التصرف في ماله على الإطلاق وهذا معنى المفاوضة.
قوله: "ولا يكون شركة إلا بما يعقد أن الشركة (عليه) ": يعني أن تفاضل رؤوس الأموال في هذه الشركة كما يجوز أن ينفرد أحدهما بمال لا يدخله في هذه الشركة، ومنع أبو حنيفة التفاضل في رؤوس الأموال في هذه الشركة والانفراد، ورأى أن بعضها يقتضي التساوي، وعمدتنا أنها شركة العنان، ويلزم أحد المتفاوضين ما عقده شريكه (أو حله) من بيع أو ابتياع أو وضيعة أو رضاء بعيب، أو إقالة، أو تولية أو شركة أو تأخير، ولا يجوز لأحدهما أن يضيع ويقارض ومنعه سحنون، وانظر هل يجوز أن يكاتب عبدًا (أو عبيدًا للتجارة) أم لا؟ والصحيح جوازه إذا اقتضاه النظر، وتبينت فيه المصلحة (وله أن يودع إذا ادعت إلى ذلك ضرورة، ولا يجوز أن يهب ولا أن يتلف شيئًا من مال الشركة، وإنما له التصرف فيه بالمصلحة) والنماء، أو مظنته، ولا ضمان على واحد منهما فيما تلف على يده من مال المفاوضة إلا بالتفريط، أو التعدي مثل أن يعامل بغير شهادة أو يبعثه في البحر في زمان العطب غالبًا، أو نجحوه مما تتبين في المفسدة، وتتعين فيه الخسارة، ولمن ابتاع من أحدهما الرجوع على صاحبه بالعيب وعلى الجملة، يتنزل كل واحد منهما منزلة صاحبه، وليس لأحدهما أن يحابى، فإن حابى ففي ماله، وكذلك لا يجوز له إقراره بمال من مال المفاوضة لمن يتهم عليه من أب أو ابن أو زوجة أو صديق ملاطف، ولكل واحد منهما أن ينفق على نفسه وعلى عياله من مال الشركة، وسواء كان عيالهما سواء، أو كان عيال أحدهما (كثيرًا) إلا أن يتفاحش الأمر، ويكثر عيال أحدهما بحيث يتلف

الجزء: 2 - الصفحة: 1077

معظم المال، وكذلك حكم الكسوة، ولا تراجع بينهما في ذلك، لأنه مقتضى المفاوضة، ويجوز اشتراكهما في بلدين على أن يجهز أحدهما لصاحبه لرجاء المصلحة في ذلك.
قوله: "وأما شركة الأبدان فجائزة": إلى آخر الفصل (والتحصيل) فيه أن شركة الأبدان جائزة عند مالك وأبي حنيفة ومنعها الشافعي، والمعتمد لنا من وجوه: الأول: اشتراك الغانمين في الغنيمة وهم إنما يستحقونها بالعمل، وفي الأثر أن عبد الله بن مسعود شارك سعدًا يوم بدر فأصاب سعد فرسين، ولم يصب ابن مسعود شيئًا فلم ينكر النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهما ذلك، ولأن العمل تجوز المفاوضة عليه، وكذلك الشركة (سيما أن) المقصود من شركة المال هو العمل، ورأى الشافعي أن القراض خارج عن الأصول، فلا يقاس عليه، مع أن الأعمال لا تنضبط فكانت من باب الغرر المنهي عنه شرعًا.
وشرط القاضي في هذه الشركة شرطين: اتفاق العمل والمكان وفي هذين الشرطين خلاف بين العلماء، فلم يشترط أبو حنيفة اتفاق الصنعة، واشترطه مالك خوفًا من القمار والغرر الذي يكون اختلاف الصنعتين، وكذلك اشترط أن يكون في موضع واحد لما في ذلك من انتفاء الغرر وهو قول ابن القاسم، وأجازه أشهب إذا كانا في حانوتين لحصول المقصود من اتفاق

الجزء: 2 - الصفحة: 1078

الصنعة، ويجوز أن يلغي أحدهما لصاحبه ما كان تافهًا، وإن مرض أحدهما أو غاب الأيام اليسيرة لم يكن له الرجوع على صاحبه إلا أن تطول الغيبة، أو المرض، فله أخذ ما استفاد بعمله، وكذلك في شركة المفاوضة والعنان والاشتراك في الحمل على الدواب من باب شركة الأبدان، فإن كانت رقاب الدواب مشتركة فلا خلاف في جواز هذه الشركة، فإن لم يشتركا في رقاب الدواب فالمشهور جواز الشركة لأنها شركة بدن، والشاذ المنع لاختلاف الحمل، ودخول الخطر فيه.
قوله: "وتجوز في الاحتطاب والاصطياد": تنبيه على مذهب أبي حنيفة ولعله إنما منع ذلك لقوة الغرر فيه، وزيادة الخطر.
قوله: "ويجوز أن يكون رأس المال فيها عينًا وعرضًا": يتعلق به الكلام في رأس مال الشركة، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على جواز الشركة بالعين إذا كان من نوع واحد، وتحصيل القول في ذلك أن رأس المال إذا كان ذهبًا من أحدهما ودراهم من الآخر فالمشهور أن ذلك لا يجوز، لأنه صرف مستأخر في المعنى، ولأنه بيع وشركة في عقد واحد، والجمع بينهما ممتنع، والشاذ الجواز بناء على التناجز في المعنى.
وإذا بنينا على المشهور فوقعت الشركة على ذلك فسخت ما لم تفت بالعمل، فإن فاتت وجب التراجع، وقسم الربح على مقدار رأس المال، فإن اختلفت (السكة) بالجودة (والرداءة) فهل يجوز أم يكره، لأن ذلك قمار ومخاطرة قولان: الجواز اعتبارًا بالنفاق، والكراهة لما ذكرناه، فإن كان رأس المال طعامًا فلا يخلو أن يكون من نوع واحد أو من نوعين، فإن كان من نوع

الجزء: 2 - الصفحة: 1079

واحد ففيه قولان: الجواز، والمنع، وجه الجواز أن اتفاق الصنف كالذهب والفضة من الطرفين، ووجه العمل أن الطعام تختلف فيه الأغراض، وتتفاوت الأثمان بخلاف النقدين، فيقع فيه التأخير، وهو ممتنع في الطعام، والمنع هو المشهور، وإذا امتنع في الصنف الواحد فهو من النوعين أحرى.
قوله: "وتنعقد على قيمته دون ثمنه": يريد أنه إذا أخرج أحدهما ثوبًا والآخر ثوبًا أو عرضًا آخر، انعقدت السكة بقيمة العرضين، وإن لم يذكرا الأثمان، ويكون رأس مال كل واحد منهما قيمة عرضه.
قوله: "كان العرض مما يتميز عينه (كالرقيق والحياة) (والثياب) أو ممن لا تتميز": فيه تنبيه على تفصيل الشافعي، فإن صريح مذهبه أن الشركة إن كانت عي أثمان العروض مما تتميز عينه صحت، فإن سكتا عن الأثمان لم تصح الشركة مع سكوتهما، وإن كانت مما لا تتميز صحت الشركة على القيمة.
وتحصيل قول مالك أنهما إن اشتركا وسكتا عن الثمن انعقدت الشركة بينهما على قيمة العرضين، لأنها معلومة عادة.
فرع: هل من شرط الشريكين في المال أن لا يبيع أحدهما إلا بمحضر صاحبه شرطه طائفة من العلماء، والجمهور لم يشترطه وهو الصحيح، لأنه مقتض للوكالة والائتمان.

الجزء: 2 - الصفحة: 1080

باب الرهون

قال القاضي -رحمه الله-: "باب الرهون": إلى قوله: "ولا يجوز غلق الرهن".
شرح: الرهن مصدر رهنت داري رهنًا، وقد يستعمل الشيء في نفسه، وهو جائز، والأصل في جوازه الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله سبحانه:} وإن كنتم على سفرٍ ولم تجدوا كاتبًا فرهن مقبوضة {الآية] البقرة: 283 [، فإن قيل لا حجة فيها لتوقف الجواز فيها على شيئين: فقدان الكاتب في السفر، قلنا هو خطاب خرج عن الغالب فلا مفهوم له، يبينه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رهن درعه في الحضر عند يهودي في (ثلاثة) آصع من شعير، ومات ودرعه مرهونة.
ومن أهل العلم من قصره على مورده من الآية وهو شاذ لا يعول عليه، قال به مجاهد وغيره.
ويجب الكلام في الحد الذي ذكره القاضي.
قوله: "احتباس العين وثيقة": إشارة إلى الشيء المرهون في نفسه، وحد القاضي ليس بجامع لخروج الغلات والديون عنه، وهو عندنا: "كل ما

الجزء: 2 - الصفحة: 1081

يمكن أن يستوفى الدين منه، أو من ثمن منافعه عينًا كان أو غلة أو دينًا" كرهن الدين عند من هو عليه أو غيره مفردًا أو مشاعًا مما يصح بيعه، أو مما لا يصح كجلود الميتة بعد الدباغ، والعبد الآبق، والبعير الشارد على ما فيه من خلاف، وكالثمرة قبل بدو صلاحها، (كان) مما يعرف بعينه أو مما لا يعرف بعينه كالدنانير والدراهم إذا طبع عليها على المشهور مما سنذكره ملكًا للراهن أو مستعارًا له ليرهنه، ونحن نرسم هذه الجملة مسألة (مسألة).
قوله: "ليستوفي الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها": إشارة إلى المدير وغيره، فإن الحق إذا امتنع استيفائه (من عينه) لامتناع بيعه لم يمتنع استيفاء الحق من ثمن منافعه وخدمته.
قوله: "عند تعذر أخذه من الغريم": إشارة إلى الانتقال وهو في الحمالة على هذا الترتيب أيضًا على المشهور كما سنبينه.
المسألة الأولى: قد ذكرنا أن احتباس الرهن إنما هو لاستيفاء الحق منه، أو من ثمن منافعه ومن المعلوم أن استيفاء الحق يتمكن من الأعيان القائمة، والغلاة كخراج العبيد، وكراء المساكن والديون الثابتة في الذمم، فيجوز أن يرهن ذلك كله، فيرهن داره وغلة عبيده، وخراج مسكنه ودينه عند من هو عليه أو غيره لإمكان الاستيفاء من جميع ذلك، ومنع الشافعي من رهن الدين، وشرط أن يكون الرهن عينًا، ولا وجه لذلك لإمكان حوزه واستيفاء الحق منه وهو فائدة الرهن.
والله أعلم.
المسألة الثانية: رهن المشاع جائز عندنا وعند الشافعي خلافًا

الجزء: 2 - الصفحة: 1082

لأبي حنيفة.
وسبب الخلاف هل تمكن حيازة المشاع أم لا؟ والدليل لنا أنه كما يصح قبضه بالبيع فيصح ارتهانه كالمقسوم، ومن الحنفية من منع بيع المشاع، فالاحتجاج عليهم حينئذ بجواز بيعه على جواز رهنه لمخالفهم في الأصل، والصحيح أنه متصور التسليم في المحلين.
فرع: إذا بنينا على الصحيح من جواز رهنه تعين النظر في صفة حوزه، ولا يخلو أن يكون باقيه للراهن أو (لغيره)، فإن كان للراهن فلا يتصور حوزه إلا بقبض جميعه، وارتفاع يد الراهن عن جملته.
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: "وإن كان جميع الدار أو العبد أو النوب للراهن فرهن نصف ذلك، ورفع يده عن جميع الرهن كان محوزًا".
واختلف المذهب إذا كانت أيديهما (عليه هل يكون محوزًا أم لا؟ وكذلك في الصدقة، وإن كان باقيه لأجنبي فحوزه بحلول المرتهن محل الراهن، وارتفاع يد الراهن عنه، وسواء كان ذلك النصيب المشاع تحت يد المرتهن، أو تحت يد الشريك حائزًا للمرتهن، أو تحت يد عدل، أو تحت أيديهما) معًا، وسواء كان المشاع مما لا يبان به كالعقار هذا أصل المذهب.
فرع: إذا ارتهن نصيبه من دار وأكرى نصيب شريكه وسكن فقال ابن القاسم: فسد الرهن بسكناه، إذا لم يقم المرتهن، فإن قام فله المقاسمة، إذ له أن يقول ليس لك أن تفسد عليه حيازة رهني، ولو حاز المرتهن ما رهنه من المشاع بغلق، أو غيره صح الحوز وللمرتهن أن يمنع الراهن من السكنى (حتى يقاسمه الرقاب، وإن كانت مما ينقسم، فإن كانت الدار مما لا ينقسم فللمرتهن أن يمنع الراهن من السكنى) ويكرى جميعها، فإن كان رهن توثقة

الجزء: 2 - الصفحة: 1083

فقط فجميع الكراء للراهن، وإن كان رهن توثقة وانتفاع فالكراء بينهما على الأجزاء المرتهنة.
المسألة الثالثة: يجوز البيع على رهن معين، ولا كلام في لزومه بالتعيين، ويجوز أن ينعقد على رهن غير معين، وعلى الغريم حينئذ أن يعطي الصنف المعتاد، ولا يلزم البائع قبول (ارتهان) ما لم تجر العادة بارتهانه مما في حفظه كلفة كالعبيد والدواب في حق من لم (يعهد) ذلك.
المسألة الرابعة: يجوز أن يكون الرهن مما يجوز بيعه، ومما لا يجوز بيعه مما يصح تملكه احترازًا من الخمر والخنزير.
ويدخل تحت هذا الضابط أنواع الثمرة قبل بدو الصلاح، والعبد الآبق والبعير الشارد، والجنين في بطن أمه وجلود الميتة بعد الدباغ، وجلود السباع المذكاة لأخذ جلودها، والمصحف والولد الصغير دون أمه، والأم دون ولدها، ونحن نفصل ذلك فنقول: رهن الثمار قبل بدو صلاحها جائز، وسواء كان طيبها عند محل أجل الدين، أو قبله أو بعده، أما إذا كان طيبها عند محل أجل الدين فلا إشكال حينئذ، فإن كان الطيب قبل ذلك وشرط إيقاف ثمنها (إلى محل الأجل) جاز إذ لا جهالة، فإن شرط المرتهن بيعها إذا طابت، وأن ينتقد ثمنها، فلا يخلو أن يكون ارتهانها بعد عقد البيع، أو في أصل العقد، فإن كان بعد عقد البيع جاز اشتراط تعجيل الثمن لسلامة أصل العقد من الغرر، وإن كان الارتهان في أصل العقد للبيع لم يجز لما في ذلك من الغرر والترجية في الثمن الذي لا يدي متى يتعجله لاحتمال أن تهلك الثمرة فيتأخر الثمن، أو أن تسلم ولم يبلغ ثمن ثمرتها مقدار الدين، وإن مات قبل طيب الثمرة وترك ما يوفي منه الدين، وفي الدين، وسلمت الثمرة للورثة، وإن ترك ما يفي ببعض الدين قبض ما أمكن، وانتظر بالباقي بدو الصلاح وبقيت تحت يده إلى الاستيفاء، فإن كان على الميت الراهن ديون كثيرة فلمرتهن الثمرة

الجزء: 2 - الصفحة: 1084

محاصتهم في الحال لجملة دينه، ويبقى الثمرة بيده إلى إبان البيع فتباع، فإن وفيت بدينه رد ما أخذ في المحاصة، وتحاص فيه الغرماء، وإن كان ثمن ثمرتها أكثر من دينه رد الفضلة مع ما نابه أولًا في الحصاص، وإن كان ثمنها أقل فقد كشف الغيب أنه ليس له في الحاصة إلا بمقدار (ما بقى) فقط، فيرد ما زاد على ذلك للغرماء فيتحاصوا فيه أيضًا، وأما لعبد الآبق والبعير الشارد فرهنه جائز في أصل العقد في القرض، وبعد تقديره في الذمة، وبعد عقد البيع، وهل يجوز رهنه في أصل العقد أم لا؟ قولان في المذهب: الجواز، والمنع، والمشهور الجواز والشاذ المنع، ومبنى الخلاف على الخلاف في الرهن هل له قسط في الثمن أم لا؟ ومنع في الكتاب رهن الجنين في بطن أمه، وأجازه ابن ميسر، وهذا إذا كان في أصل العقد، أما بعد العقد فهو جائز.
وقسم الشيخ أبو الحسن اللخمي الرهن على خمسة أصناف: الأول: ما يجوز بيعه وملكه، ولا خلاف في جواز رهنه.
والثاني: ما يجوز ملكه، ولا يجوز بيعه للغرر كالعبد الآبق، والبعير الشارد وقد قدمنا ما فيه.
والثالث: ما يجوز ملكه ولا يجوز بيعه لا للغرر، بل لمعنى آخر كأم الولد، وجلود الميتة قبل الدباغ وعظام الميتة.
قال الشيخ أبو الحسن: فهذا القسم لا يجوز رهنه.
قلت وفيه تفصيل وتعليل، فأما أم الولد فلا يجوز رهنها، إذ ليس له أن يستأجرها، ولا أن يبيعها، فلا يرهنا، إذ لا يملك منها رقبة ولا منفعة، وأما جلود الميتة بعد الدباغ فلا تباع على المشهور، لأن طهارتها خاصة، فلذلك لا ترهن، وأجاز ابن وهب بيعها بعد الدباغ،

الجزء: 2 - الصفحة: 1085

فيجوز رهنها، وكذلك عظام الميتة إذا صلقت على خلاف فيها.
والقسم الرابع: ما لا يجوز ملكه كالخمر والخنزير والسم ونحوه، ولا خلاف في امتناع بيع هذا القسم ورهنه.
والقسم الخامس: ما اختلف في جواز بيعه، من هذا المصحف (وكتب الفقه) وجلود السباع المذكاة، وجلود الميتة بعد الدباغ ونحو ذلك مما اختلف في جواز بيعه، فيختلف في جواز رهنه على حسب الاختلاف في جواز بيعه، وقد قدمناه، ويجوز رهن الأم دون ولدها الصغير ولا يفرق بينهما في البيع، وتباع هي وولدها، ومرتهنها أحق بثمنها دون ثمن ولدها، ويوزع الثمن بينهما، ويكون في الباقي مما ينوب الولد إسوة الغرماء، ويرهن الولد دون أمه، وتكون الأم مع ولدها عند المرتهن ليتم حوزها، وقيل لا يرهن حتى يبلغ حد التفرقة إلا أن تكون معه أمه.
فرع: إذا ارتهن عصيرًا فصار خمرًا أريقت عليه، وهل يلزم المرتهن أن يرفع أمره إلى (الإمام) أم لا؟ قولان، اللزوم خوفًا من أن يكون حاكم الموضع ممن يرى (تخليلها).
والثاني أنه لا يلزم إذا أقام على ذلك بينة، فإن صارت خمرًا، فغفل عنها حتى عادت خلًا فهي في الدهن، فإن كان الراهن نصرانيًا رهن خلًا عند مسلم، فصار خمرًا أسلم ذلك إليه ولم يرق، فإن عادت خلًا أو خلله انتزعت منه وعادت إلى الراهن توفية لمقتضى العقود الشرعية.
فرع: رهن المدير فيه تفصيل تحقيقه أنه لا يخلو أن يرهن رقبته أو خدمته، فغن رهن رقبته على أنه يباع قبل الموت لم يجز، فإن وقع ذلك فهل يعود حقه في الخدمة، وتباع خدمته وقتًا بعد وقت على حساب استئجار العبد والأمة، أو يبطل حقه من الرقبة والمنفعة معًا فيه قولان عندنا، وإن رهن

الجزء: 2 - الصفحة: 1086

رقبته على أنه إن مات الراهن، ولا مال له بيع المدبر للدين السابق على التدبير، فلا يخلو أن يكون هذا الرهن في قرض، أو بيع، فإن كان في قرض جاز، وإن كان في بيع بعد العقدة جاز أيضًا، وإن كان في أصل عقدة البيع فأجازه اللخمي وغيره على الخلاف في جواز رهن الغرر، وقد تقدم ما فيه، وأما رهن خدمته فجائز.
فرع: أجاز مالك رهن المصحف، ومنعه الشافعي، وقال في الكتاب: ولا يقرأ فيه المرتهن فإن أباحه له الراهن للقراءة، إما أن يكون في سلف، أو في بيع، فإن كان في سلف لم يجز ذلك، لأنه سلف جر نفعًا، كان ذلك في أصل السلف أو بعد عقده، وأما في البيع فظاهر الإطلاق المنع، وأجاز أشهب في أصل البيع، ومنعه بعد العقد لإمكان التهمة على أن تكون إباحته للانتفاع به في مقابلة النظرة، فيكون من باب سلف جر نفعًا.
فرع: إذا ارتهن (دارًا) ثم ثبت أنها حبس ففي المذهب قولان في هذه الصورة، أحدهما أن منافعها للمرتهن، إذ هي على ملك الراهن من الحبس، والثاني أنه لا شيء له من غلتها إذ الرهن إنما يتعلق بالرقبة لا بالمنافع، وقد قدمنا الخلاف هل تعود على المرتهن رقبة المدير في منافعه أم لا؟

الجزء: 2 - الصفحة: 1087

فرع: يتعلق بما قدمناه من رهن الغرر، وهو أن يشترط المرتهن منفعة الرهن وهو مما يسرع إليه التغير كالحيوان والثياب ونحوها، فهل يجوز ذلك أم لا؟ قولان كرهه في الكتاب وقال ابن القاسم: وأنا لا أرى به بأسًا كالإجارة، وهذا إجارة وبيع، وأجرى الأشياخ هذا الخلاف على الخلاف في جواز ارتهان الغرر، وقد قدمناه.
المسألة الخامسة: قد ذكرنا أن وثيقة الرهن قد تكون مما يعرف بعينه، ومما لا يعرف بعينه كالدراهم والدنانير والفلوس، وكل ما يكال أو يوزن.
وتحصيل القول فيما لا يعرف بعينه إذا رهن أنه لا يخلو أن يطبع عليها أم لا، فإن طبع عليها فلا خلاف في جواز ارتهانه وإن لم يطبع عليه، فإن كان تحت يد (عدل جاز، وإن كان تحت يد) المرتهن لم يجز للاتهام على أن يتسلفها.
قال أشهب: لا أحب ارتهان الدنانير، والدراهم، والفلوس إلا مطبوعة للتهمة على أن يتسلفها، فإن لم يطبع حين الرهن، وعثر على ذلك لم يفسخ البيع، وأجبر على طبعه من أباه، ويجوز رهن الحلي، وإن لم يطبع عليه، لأنه مما يعرف بعينه، ولا يكاد يلتبس غالبًا.
المسألة السادسة: يجوز أن يكون الرهن ملكًا للراهن أو مستعارًا له ليرهنه، وبجواز ذلك قال الشافعي، إذا علم المعير فإن حل أجل الدين وكان مليًا حكم عليه بقضائه، ورجع الرهن من المستعار إلى ربه، فإن كان عديمًا استوفى الدين من ثمن الرهن المستعار، ويقضي السلطان على الراهن ببيع الرهن، وإن كره ذلك ربه، لأنه إنما أعاره لذلك فإن بيع وقضى ثمنه الدين عن الراهن فلربه الرجوع عليه، واختلف المذهب بم يرجع المعير على المستعير، فقال ابن القاسم: يرجع عليه بقيمة المرهون، وقال أشهب إنما يرجع بثمنه (الذي بيع عليه به، واختاره بعض المتأخرين، وإلا كان بيعًا بالقيمة) وهو لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 1088

وتظهر فائدة الخلاف إذا كان أحدهما أكثر من الآخر، فإن بيع بأكثر من الدين يقضي الدين وفضلت من الثمن فضلة، وقفها الإمام، فإن ضاعت فضمانها من ربها، ولا ضمان على المستعير، فإن هلك المرتهن المستعار في يد المرتهن يرجع المعير على المستعير بقيمته إن كان مما يغاب عليه.
وقاص الراهن المستعير المرتهن، إذ هو ضامن فيما يغاب عليه، فإن كان مما لا يغاب عليه فلا ضمان على المرتهن، ولا على المستعير.
فرع: إذا أعاره عبدًا ليرهنه في دراهم، فرهنه في طعام فالمشهور أنه ضامن له لتعديه وقال أشهب: لا ضمان عليه في العبد وهو رهن في عدد الدراهم التي أعاره ليرهنه فيها، والأول هو الصحيح، لأنه إنما أعطاه له لوجه مخصوص، فلا يخرج عنه لما في ذلك من التعدي على المالك.
والله أعلم.
قوله: "وهو جائز بكل دين لازم": ويتعلق به الكلام فيما يجوز أخذ الرهن فيه، ونبه على مذهب المخالف القائل أنه لا يجوز الرهن إلا في السلم فقط، (فقصر) الآية على محلها، ويجوز أخذ الرهن في سائر الأثمان في البيوعات إلا في الصرف وفي رأس مال السلم، لأن أخذ الرهن في الصرف، وفي رأس مال السلم يؤدي إلى التأخير، وهو ممتنع إجماعًا، ويجوز أخذ الرهن في المسلم فيه، وفي القرض والغصب وقيم المتلفات، وأوراش الجنايات، وفي قتل الخطأ، لأنه مال على العاقلة، فيجوز أخذ الرهن منهم

الجزء: 2 - الصفحة: 1089

فيه، وفي العارية المضمونة، وفي المنافع المضمونة في الذمة، وفي الجعل (بعد العمل) لأنه لازم، وفي المهور، لأنها ديون محققة، ولا يجوز أخذ الرهن في الحدود ولا في القصاص، ولا في كتابة، ويجوز أخذه في جراح العند التي لا قود فيها كالمأمومة، والجائفة لأنها أوراش مالية، وأما قتل العمد والجراح التي يقاد منها، فهل يجوز أخذ الرهن فيها أم لا؟ ففيه تفصيل، فإن بنينا على قول من يرى أنه ليس فيها إلا القود فلا يجوز أخذ الرهن فيها، وإن قلنا بالتخيير فيها بين القود والدية، وجبرنا القاتل على المال، وإذا أراد الولي ذلك فهذا مال أو ما يصير إلى المال فيؤخذ عنه الرهن والكفيل.
قوله: "ويجوز عقده قبل وجوب الحق وبعده مقارنة له": قلنا أما إذا كان سابقًا أو مقارنًا فلا كلام فيه، فإن تأخر عن العقد، فإن كان على شرط زيادة في الأجل أو منفعة يشترطها فلا يجوز لأنه سلف جر نفعًا، وإن لم يكن على ذلك فهو جائز، ويجرى على تقديم الرهن على الحق المضمون، وكلا القسمين جائز عندنا كما ضكره، وقال الشافعي: لا يصح ذلك، ولا وجه له وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي: وإذا كان الرهن شرطًا في أصل العقد للبيع أو القرض كان أبين، لأنه يجري في الجبر على تسليمه مجرى البياعات، وإذا كان بعد العقد كان في الجبر على تسليمه عي حكم الهبات.
قوله: "ويلزم بمجرد القول": قلت: لأنه من جملة عقود المعاوضة.
قوله: "والقبض شرط في صحته": وهذا صريح مذهب مالك أن

الجزء: 2 - الصفحة: 1090

العقد يوجب (لزوم) الرهن للراهن ويجبر الراهن على الإقباض، والعمدة لمالك قياس الرهن على سائر العقود اللازمة بالقول، وقد قال تعالى:} فرهن مقبوضة {] البقرة: 283 [إشارة إلى أن حكم الرهن أن يكون مقبوضًا ألا تراه أنه إن امتنع من ذلك جبر على الإقباض والتمكين، فإذا رفع الراهن يده عنه وأجازه المرتهن، أو جعل على يد عدل صح بلا خلاف، وإن بقيت يد الراهن عليه مع القدرة على حوزه حتى فلس الراهن الراهن (أو مرض) أو مات بطل الرهن، إلا أن يكون بقاؤه في يد الراهن بغير تفريط في المرتهن (في القبض مثل أن يرهنه دارًا عائبًا فيخرج المرتهن لحوزها فيموت الراهن قبل حيازة لها)، أو يكون مجدًا في الطلب، قائمًا به مستمرًا عليه، فلم يتمكن من القبض حتى قام الغرماء فهذا رهن صحيح على الأصح، إذ لا تفريط، وقيل يبطل ويكون إسوة (الغرماء) لعدم الحوز، وهو ظاهر إطلاق الكتاب.
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: وإنما تبطله التهمة أن يكونا قصدا إلى بقائه"، وشرط القاضي استدامة القبض احترازًا من أن يعود اختيارًا إلى يد الراهن مطلقًا بأي وجه رجع من إجازة، أو وديعة، أو استخدام، أو عارية أو غير ذلك، هذا كله سواء في إبطال الحوز، وعندنا رواية أنه لا يبطل الحوز رجوعه بأجرة.
وإذا فرعنا على المشهور من أن رجوعه (يبطل) الحوز،

الجزء: 2 - الصفحة: 1091

فرجع بإجارة إلى يد الراهن من غير المرتهن مثل أن يرهن دارًا، ثم يكريها من المرتهن رجل، ثم يكريها مكتريها من راهنها فقال ابن القاسم في العتبية: إن كان المكتري الذي أكراها المرتهن منه من سبب الراهن فالكراء لازم، وذلك فساد لرهنه ما دامت في يده.
يريد إن علم المرتهن بذلك، وإن كان أجنبيًا صح الرهن.
فرع: وإذا بنينا على ما قدمناه من أن رجوع الرهن إلى يد المرتهن يبطل حوزه، فقام يطلب رده ليعود له الحوز، فله ذلك إلا أن يفوت ويحال بينه وبينه بقيام الغرماء.
وإذا أجزنا له القيام بطلب الرد فهل يكون له ذلك في العارية، أو يحمل على عارية المثل ففيه تفصيل، أما إن كانت العارية مؤجلة، فليس له الارتجاع قبل الأجل، وله الارتجاع بعد (انصرام) الأجل ما لم يستحدث دينًا، أو يقوم عليه الغرماء، وأما إن كانت العارية مبهمة فهل له الارتجاع في الحال أو يحمل المبهمة على (أجل المثل) قولان عندنا.
وإذا أجزنا له القيام في رده فإنما ذلك إذا قال جهلت أن ذلك نقض للرهن وأشبه قوله فله الرد بعد أن يحلف، ولو أحدث فيه ربه بعد رجوعه إليه بيعًا أو تدبيرًا أو عتقًا أو تحبيسًا لكان ذلك (فوتًا) يمنع القيام بالرد، فإن كان الرهن رضا أذن له في حرتها حمل على أول بطن، فإذا رفع زرعه قبضها، وليس له أن يسترده، ولو أجره صاحبه من أجنبي بإذن المرتهن فسد الرهن فإن أجرة المرتهن بإذن الراهن لم يفسد، ولو استأجره المرتهن من الراهن فهل يبطل الرهن أم لا؟ فصل فيه الشيخ أبو الحسن اللخمي فقال: إن ولي الراهن العقد بنفسه فسد الرهن، وإن وليه وكيله جاز، وهذا لا معنى له، لأن يد وكيله كيده شرعًا، وإذا خرج الرهن من يد المرتهن غلبة لم يفسد الرهن كالغصب وآباق العبد، فإن وجد الآبق في يد الراهن، فقال المرتهن أبق

الجزء: 2 - الصفحة: 1092

ولم يعلم ذلك لم يصدق وفسد الرهن عن قيام الغرماء، فإن ثبت أباقه لم يفسد.
فرع: إذا اشترطنا القبض المستدام، فهل يشترط أن يكون قبضا للرهن أم لا يشترط.
وتظهر فائدته فيما إذا كان الرهن تحت يده بإجارة أو مساقاة، ثم ارتهنه فهل يكون حوزه بذلك حوزًا للرهن أم لا؟ فيه قولان فقال ابن القاسم ذلك حيازة، وعنه في كتاب محمد لا يكون حوزًا، لأنه محوز (بوجه) غير الرهن، وتظهر فائدة هذا إذا قام الغرماء، هل يكون أحق به أم لا؟، وكذلك إذا كان المرتهن غير المستأجر مثل أن يؤاجر بغيره أو يساقي غلامًا في حائطه، ثم يرهنه من رجل آخر فهل يكون ذلك حوزًا للمرتهن أم لا؟ فيه تفصيل، فإن حاز العامل أو المستأجر الرقاب للمرتهن، أو جعل المرتهن مع العامل رجلًا فهو حوز صحيح، وإن لم يحز العامل للمرتهن، ولم يجعل معه المرتهن أمينًا، فليس بحوز، وفي الدمياطية فيمن ارتهن بعيرًا وهو في الكراء فعلفه المرتهن، وقام به فهو حوز، وإن كان تحت يد المستأجر فهل يضمن الرهن أم لا؟ قولان عندنا، أحدهما: أنه لا يضمنه، إذ ليس أصل حوزه بالرهن، وإنما حازه بحكم الإجارة وهو قول عبد الملك، والثاني أنه يضمن على حكم الرهان.
فرع: ارتهان ما في الإجارة بخلاف ارتهان فضلة الرهن فحوز المستأجر للمرتهن ليس بحوز على ما قدمناه، وحوز فضلة الرهن حوز، لأن الفضلة محازة عن ربها، والمستأجر محاز لربه.
فرع: إذا كان الرهن تحت يده بغصب، (ثم تعامل) الغاصب والمغصوب منه تحت يد الغاصب رهنًا صح ذلك عندنا خلافًا للشافعي لصحة الانتقال من ضمان الغصب إلى ضمان الرهن عندنا، وقال الشافعي: لا

الجزء: 2 - الصفحة: 1093

يصح ويبقى على ضمان الغاصب إلا أن يقبضه، وكذلك رهن الوديعة ويجب أن يعلم المودع الذي هي تحت يده أنها رهن في حق فلان فيحوزها للمرتهن (لا للمودع فإن لم يعلم المودع أو علم إلا أنه قال أحوزها للمرتهن)، فهل يكون الرهن صحيحًا أو باطلًا، أما إن عثر على ذلك قبل قيام الغرماء فللمرتهن طلب الحوز لنفسه، وإن قام الغرماء، وفلس الراهن فلا يخلو أن يكون المودع حاضرًا أو غائبًا، فإن كان غائبًا ففلس الراهن قبل قدوم الغائب ولم يقره المرتهن في طلب الحيازة، ففي صحة هذا الرهن قولان أحدهما صحته، ويكون المرتهن أحق به من الغرماء إذا لم يفرط.
والثاني: بطلانه لعدم الحوز.
واختلف المذهب إذا رهنه بعض الوديعة، ورضى المودع أن تكون الوديعة تحت يده لهما جميعًا، ففي المبسوط لعبد الملك: لا يجوز ذلك فليس ذلك بحوز، وقيل هو حوز ومن هذا الأصل اختلافهم في حوز الأب لولده الصغير إذا تصدق عليه ببعض داره، أو عبد وكانت يده عليه له ولولده، ففي صحة هذه الصدقة قولان حكاهما الشيخ أبو الحسن وغيره.
قوله: "ويجوز أن يجعلان على يد أمين يرضيان به": وهذا تنبيه على مذهب المخالف لأن من الفقهاء من رأي أن قبضغير المرتهن لا يكون قبضًا، والجمهور على خلافه، لأنه محوز على الراهن في المحلين، وهو المقصود.
وههنا (فروع): الأول: إذا اختلفا فادعى أحدهما إلى كونه عند المرتهن، (وديعة) وادعى الآخر إلى كونه أمين ففيه تفصيل.
لبابه أنه إن كانت عادة حكم بها،

الجزء: 2 - الصفحة: 1094

وإن لم تكن هناك عادة فقال ابن القاسم القول قول من ادعى العدل لتقابل الدعوى، وحصول المقصود بكونه تحت يد عدل، وقال غيره القول قول المرتهن.
الفرع الثاني: إذا اختلفا في العدل الذي يوضع على يده، فادعى أحدهما إلى شخص وادعى الآخر إلى غيره، ففيه قولان عندنا، أحدهما أن النظر في ذلك إلى الحاكم فيوقفه حيث شاء لتقابل الدعوى، والثاني: أن القول قول المالك إذا ادعى ما لا ضرر فيه على (الآخر)، إذ هذا نظر لماله.
الفرع الثالث: إذا كان المرتهن رجلين جعلاه حيث شاءا، ويجوز أن يجعلاه تحت يد أحدهما، وينظر الآخر فيه، ويتفقده، ولا يرفع يده عنه، فإن ضاع، وكان مما يغاب عليه فضمانه منهما معًا.
مسألة: قد بينا أن القبض شرط في الاختصاص بالرهن، فقبض العرض والحيوان حوزها والبينونة بها، وقبض الأعدال والسفن والأنهار والأرضين والأشجار والعقار وضع المرتهن يده عليها، وارتفاع يد الراهن عنها، ويمنع المرتهن الرهن من التصرف فيها في المستقبل، وحوز مسكن الراهن خروجه عنه، وإخلائه من شواغله إلا أن يدخلها في الرهن، ويرفغ يده عنهما فتتبع المسكن، ولو ارتهن تابوتًا دون ما فيه فحازه عنه جاز، وكذلك الحائط دون رقيقه وثمرته ودوابه، فحوز الأصل حوز لما فيه، فإذا حال بينه وبين الرقاب وما فيها صح، وكان المرتهن الأصل أو ما فيه، وإن كان الرهن طعامًا مختزنًا فحوزه تسليم المفتاح إلى المرتهن أو إلى أمين وطابعه (كمفتاحه).
قوله: "وضمان الرهن من مرتهنه": اختلف العلماء في ضمان الرهن

الجزء: 2 - الصفحة: 1095

على ثلاثةِ أقوال فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور الرهن أمانة تحت يد المرتهن فلا ضمان عليه فيه بحال اعتمادًا على قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه» وقال قوم هو مضمون على الإطلاق وهو قول أبي حنيفة والكوفيين اعتمادًا على ما روى أن رجلًا رهن فرسًا من رجل فهلك في يده فقال -صلى الله عليه وسلم- للمرتهن: (ذهب حقك) وفرق مالك -رضي الله عنه- بين ما غاب عليه فيقع (في ضمان المرتهن) استحسانًا لمكان التهمة، وما يغاب عليه مما لا يستقل بنفسه كالثياب، والبسط، والسلام، وغير المضمون أربعة أقسام:

الجزء: 2 - الصفحة: 1096

الأول: ما لا يبان به كالعقار على اختلاف أنواعه، والثاني أن يكون مما يغاب عليه إلا أنه داخل بالعقد على أن يبقى في موضعه، ولا يغيب عليه كالثمار في رؤوس النخل والزرع القائم أو في الجرين والأندر، وهذا موكل إلى الأمانة.
والثالث: ما لا يغاب عليه مما هو مستقل كالحيوان على اختلاف أنواعه، فإذا ادعى هلاكه قبل قوله إلا أن تكذبه قرائن، وقد اختلف المذهب في ضمان الرهن إذا كان حيوانًا على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يضمن، والثاني أنه لا يضمن، (والثالث: أنه يضمن كل ما يستباح ذبحه وأكله دون ما لا يستباح ذلك فيه).
والقسم الرابع: ما يبان به، ولا يغاب عليه كالسفن ترتهن، وهي على ساحل البحر، وآلات السفن ونحو ذلك، فهذا غير مضمون، لأنه مما لا يغاب عليه.
فرع: إذا ارتهن رهنًا مما يغاب عليه فضاع عنده (فضمنه)، ثم أفلس ولا مال له إلا ما على الراهن فقال ابن القاسم: الراهن إسوة الغرماء بناء على أن الدّين ليس يرهن في الرهن إذ لم ينعقد الأمر على ذلك، وقال (أشهب) الراهن أحق بما عليه، والأول أصح، واختلف المذهب في خمسة مسائل: المسألة الأولى: إذا قامت البينة على تلف ما يغاب عليه هل يسقط الضمان تحكيمًا للبينة أم لا رجوعًا إلى حكم الأصل.
المسألة الثانية: إذا اشترط (نفي) الضمان فيما فيه الضمان، أو إثباته في محل سقوطه، هل يوفي بالشرط أم لا؟ قولان عندنا.
المسألة الثالثة: ما أصاب الرهن من سوس أو قرض فأر أو حرق نار

الجزء: 2 - الصفحة: 1097

هل يضمنه المرتهن أم لا؟ وفي الدمياطية عن مالك: المرتهن ضامن وعليه (تفقده ونفضه)، وفي كتاب محمد: لا ضمان عليه وهو المشهور، وألحق القاضي وغيره الحيوان بالعقار، إذ لا يخفى هلاكه.
قوله: "وكذلك إن كان على يد أمين": يعني أن ضمانه من الراهن سواء كان حينئذ مما لا يغاب عليه أم لا؟ وهو نصه في «المعونة»، وإنما لم يضمنه المرتهن إذ لم يقبضه فلا ضمان عليه حينئذ مطلقًا كان مما يغاب عليه أم لا؟ فإشارة القاضي بقوله: «وكذلك أي سقوط الضمان الذي هو أقرب مذكور إلى التفريق.
قوله: «ونماء الرهن داخل معه إن كان مما لا يتميز»: يتعلق به الكلام في غلاة الرهن.
وقد اختلف العلماء في غلاة الرهن هل يدخل ذلك في الرهن أم لا؟ على ثلاثة مذاهب: فقال قوم إن جميع ذلك يدخل في الرهن وبه قال أبو حنيفة والثوري، وقال قوم: إن جميع ذلك لا يدخل في الرهن.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك أن غلات الديار والعبيد والحيوان والثمار غير داخلة في الرهن، وما كان على صورة الرهن وخلقته داخل في الرهن (كولد) الجارية المرتهنة وقال ابن القاسم في الصوف إذا كان موجودًا يوم الرهن، ثم جز، فهو داخل في الرهن، وقال أشهب: هو غلة لا يدخل فيه.
قوله: «ونفقته على راهنه»: وهذا صريح مذهب مالك -رحمه الله-، ونبه

الجزء: 2 - الصفحة: 1098

بذلك على خلاف أحمد بن حنبل وغيره القائل إن الرهن إن كان حيوانًا فعلى المرتهن نفقته، وله ركوبه والانتفاع به، معتمدًا في ذلك على قوله -صلى الله عليه وسلم-: (الرهن محلوب ومركوب) والجمهور من أهل العلم على أنه ليس للمرتهن الانتفاع بشيء من الرهن اعتمادًا على قوله -صلى الله عليه وسلم-: (الرهن من رهنه غنمه وعليه غرمه).
ولذلك وجبت على الراهن نفقته ومؤنته وسقيه وعلاجه وإن كان عبدًا، فمات فعلى الراهن كفنه ودفنه، فإن أنفق المرتهن على الرهن بأمر الراهن أو بغير أمره فله الرجوع عليه بقدر النفقة، وهل يكون الرهن رهنًا في النفقة أم لا، المنصوص أنه لا يكون رهنًا بالنفقة إلا أن يقول له الراهن أنفق عليه على أن نفقتك في الرهن فحينئذ يكون أحق به من الغرماء، لأن رقبته مرتهنة في الدين، والنفقة لأنها دين، وقال أشهب النفقة على الرهن كالنفقة على الضالة، فالنفقة في هذا مبدأ على غيره من الغرماء، فإن ارتهن زرعًا ببئرها، فانهارت فهل يجبر الراهن على الإصلاح أم لا؟ المشهور أنه لا يجبر، وعن ابن القاسم أنه يجبر إن كان مليًا.
وإذا بنينا على المشهور أنه لا يجبر على الإصلاح فأصلح المرتهن لخوف هلاك الزرع أو النخل فهل تتعلق نفقته بعين النخل، أو الزرع، فما زاد على ذلك باطل ليس فيه شيء، أو يتعلق الزائد بذمة رب النخل فيه قولان.
قوله: "ومال العبد ليس برهن معه": قلت: لا يقتضي عقد الرهن دخول المال كما لا يقتضيه عقد البيع إلا بالشرط، وقد تقدم ما فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 1099

قوله: "ويثبت رهنًا (بتقاررهما) ما لم يفلس الراهن": يتعلق به الكلام في صفة الحوز، وفي من يحوز عقد الرهن منه، وهو للراشد الذي لم يتعلق (بماله) حق غيره، احترازًا من المفلس، فلا يجوز رهن المفلس عندنا.
واختلف قول مالك في رهن من أحاط الدين بماله، ولم يحكم بتفليسه هل يجوز رهنه أم لا؟ فالمشهور جوازه قبل التفليس، والشاذ أنه لا يجوز وللمأذون له في التجارة والمكاتب أن يرهنا ويرتهنا ويرهن الوصي عن محجوره للمصلحة، ولا يرهن أحد الوصيين إلا بإذن الآخر.
وأما صفة الحوز ففيه تفصيل، أما قبل قيام الغرماء فيكفي في ثبوته الإقرار به، ولا يلزم معيانة البينة له، وأما بعد الموت، أو المرض، أو الفلس، فالمنصوص اشتراط معاينة الشهود الحوز، فإن لم يثبت ذلك لم يكن حوزًا، وكان للمرتهن إسوة الغرماء، قاله ابن القاسم في كتاب محمد.
فرع: إذا استقرض الوصي ليتيمه من نفسه حاز الرهن لنفسه، فهل يكون هذا حوزًا صحيحًا أو لا؟ قولان حكاهما اللخمي، والصحة أولى لحصول الحيازة حسًا وحكمًا كحوز الوديعة.
قوله: "وإذا كان فيه فضل جاز أخذ حق آخر عليه": يتعلق به الكلام في جواز ارتهان فضلة الرهن، ويجوز رهن الفضلة عند من (الرهن) تحت يده وعند غيره، فإن رهنها عنده وزاد في الدين على ارتهان الفضلة جاز، وكان حائزًا للرهنين جميعًا فإن كان الرهن في هذه الصورة تحت يد عدل ورضى العدل أن يحوز الفضلة لمرتهنها جاز، وإن لم يرض بذلك، ولم يحزها له ففي صحة الرهن في هذه الصورة قولان حكاهما الشيخ أبو الحسن

الجزء: 2 - الصفحة: 1100

اللخمي فإن ارتهن الفضلة عند غير المرتهن الأول فلا يخلو أن يرضى الأول بذلك أم لا؟، فإن رضي به فلا خلاف في صحة الرهن، ويتم حوز الثاني ويبدأ الأول عليه، فإن علم الأول بارتهان الفضلة ولم يرض به، وكان في قيمة الرهن زيادة على (قدر) الحق ففي المذهب في هذه الصورة قولان، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يجوز إلا برضاه، لأن الأول إنما حاز لنفسه، وقال أصبغ بجوازه، وإن لم يرض الأول قياسًا على المخدم يهب صاحبه رقبته لغير المخدم فيجوز ذلك وإن لم يعلم المخدم، وكذلك إذا كان الرهن في هذه الصورة على يد عدل، فإن حاز لهما جاز وإن لم يرض بالحيازة للفضلة فالمشهور البطلان، ويتعلق بهذه المسألة الكلام في ضمان فضلة الرهن، وتحصيل القول في ذلك أنه إذا كان الرهن كله تحت يد المرتهن الأول لنفسه ولصاحب الفضلة، فضاع، وكان مما يغاب عليه، فهل يضمن المرتهن جميعه، أو يسقط عنه ضمان الفضل لأنه فيه أمين (فيه قولان عندنا، قال ابن القاسم: يسقط عن الأول ضمان الفضلة لأنه فيها أمين) وقال أشهب: ضمانه كله من الأول إذ لم تتعين الفضلة، فهو رهن واحد ولو كان الرهن كله على يد الثاني مرتهن الفضلة جرى فيه الخلاف المتقدم.
قوله: "والرهن متعلق بجملة الحق وبابعاضه فما بقى جزء منه فهو رهن به": وهذا تنبيه على مذهب المخالف القائل أن للراهن أن يسترد من (الرهن) بقدر ما أدى من الدين.
قوله: "ولا يجوز غلق الرهن": وهذا كما ذكره لثبوت نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن

الجزء: 2 - الصفحة: 1101

غلق الرهن لما فيه من الغرر والجهل.
قوله: "فإذا حل الحق وتعذر أخذه من الغريم باعه": قلت: فائدة الرهن أن يتخلص المرتهن من دينه من ثمن الرهن، أو من ثمن منافعه، ولذلك يختص به المرتهن، فإن باعه الراهن بنفسه، ووفى منه دينه فهو الواجب بالأصل، ووكيله بمنزلته، ويصح أن يوكل الراهن المرتهن على بيعه كالأجنبي، فإن وكله فهل له عزله لتعلق حقه بالوكالة أم لا؟ فيه قولان المشهور أنه ليس له عزله لتعلق حقه بالوكالة.
والشاذ أن له عزله، وهو قول الشافعي وإسماعيل القاضي من أصحابنا اعتبارًا بسائر الوكالات.
فرع: إذا وكل الراهن المرتهن على البيع فهل يستحب له الرفع إلى الحاكم وهو المشهور عن مالك دفعًا للخصومة، أو يستقل بنفسه توفية لمقتضى التوكيل حقه في قولان، وبجوازه من غير حاجة إلى الرفع، قال أشهب.
فرع: إذا بنينا أنه لا يبيع، فباع نفذ البيع، ولا يرد، وقيل إن كان من الأشياء التي لها بال كالدور، والعقار، والحيوان، يرد البيع فيه ما لم يفت، فإن فات مضى قاله في كتاب محمد وفي العتبية عن ابن القاسم أحب (قوله) إلى (أن يمضي إذا أصاب وجه البيع، وإن كان له بال).

الجزء: 2 - الصفحة: 1102

قوله: "وإذا اختلف المتراهنان في غير الرهن فالقول قول المرتهن": يتعلق به الكلام في اختلاف المتراهنين، ويتصور الاختلاف في مسائل: الأولى: التداعي في أصل الرهن والقول قول الراهن إذ الأصل عدمه، قال أشياخنا، ولو ادعى المرتهن أن مال العبد أو ثمرة النخل رهن، وأنكره الراهن فالقول قوله، إذ الأصل عدمه.
المسألة الثانية: الاختلاف في عين الراهن مثل أن يقول أحدهما: رهنتني هذا الثوب (بعينه) ويقول الآخر: هذا الفرس، فالقول في هذه الصورة قول المرتهن، لأنه مدعى عليه.
المسألة الثالثة: اختلافهما في قدر الحق، فالرهن شاهد للمرتهن فيما يدعيه إلى قيمته، فإن قال المرتهن هو في عشرة، وقال الراهن في خمسة، فإن كانت قيمة الرهن عشرة فالقول قول المرتهن مع يمينه وهو أحق به لحوزه له، فإن كانت قيمة الرهن خمسة فالقول قول المرتهن على المشهور.
وفي العتبية: إذا كانت قيمة الرهن خمسة فالقول قول المرتهن لأنه يقول: رضيت أن آخذه في عشرة، فإن كرهت أن تفديه فدعه، وهذا بناء على أنه شاهد على نفسه لا على الذمة، فإن كانت قيمته سبعًا حلفًا جميعًا، وكان رهنًا في (قدر) قيمته.
واختلفت الرواية في فروع من هذا النمط.
الأول: إذا بنينا على أن الرهن شهد مع بقاء عينه، فهل يشهد على نفسه أو على الذمة فيه قولان عندنا، أحدهما أنه شاهد على (الذمة) فيحلف المرتهن، ويأخذ من المطلوب العشرة التي حلف عليها، وشهد بها في الرهن، فإن أبي الراهن أخذ الرهن أجبر عليه، والثاني أن الرهن شاهد على نفسه،

الجزء: 2 - الصفحة: 1103

فيحبسه المرتهن فيما حلف عليه، ولا يتعلق ذلك بذمة الراهن ولا يجبر على أخذه إلا أن يشاء أن يفديه، فله ذلك مراعاة لأصل ملكه.
الفرع الثاني: إذا جعلناه شاهدًا على نفسه، وحلف المرتهن هل له أن يحلف الراهن أم لا؟ قولان عندنا، أحدهما: أن المرتهن يحلف أنه في عشرة، فإذا حلف المرتهن استحلف الراهن أنه لم يرهنه في عشرة، ثم يسلم الرهن للمرتهن، وإذا استحلفنا الراهن، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: له يمين الاستحقاق، وليس على المرتهن كبير مؤنة في بيعه، فكان أولى أن يحكم على الراهن باليمين، وحمله على ذلك (كاذبًا) على مقتضى دعوى المرتهن.
حكى القولين أبو الحسن اللخمي وغيره.
الفرع الثالث: إذا كان الرهن على يد عدل هل يكون القول قول المرتهن إذا ادعى مثل قيمته كما لو كان في يد المرتهن، أو يكون القول قول الراهن فيه قولان: قال محمد بن المواز القول قول المرتهن وإن كان على يد عدل، لأنه إنما أخذه توثقًا فلا فرق.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إذا كان على يد عدل فالقول قول الراهن إذ ليس بحائز له، وإنما رجح قوله إذا كان (في) يده اعتبارًا (بحق) الحوز.
الفرع الرابع: إذا ادعى المرتهن أنه في عشرة، وادعى الراهن أنه في خمسة، وكانت قيمته سبعة، فقد قدمنا أنهما يتحالفان معًا لاختلاف الروايات، وهل يحلف المرتهن على عشرة التي هي دعواه، أو على قيمة الرهن المشهور أنه يحلف على أنه رهن في عشرة، ويأخذه إلا أن يفكه ربه بها، إذ هو شاهد على نفسه، لا على الذمة (وقال محمد له أن يحلف على مقدار قيمة الرهن لا غير، وهذا يحقق أن الرهن شاهد على نفسه لا على الذمة).

الجزء: 2 - الصفحة: 1104

الفرع الخامس: إذا حلف المرتهن أنه في عشرة، وكانت قيمة الرهن سبعة فأراد الراهن أن يأخذ الرهن ويدفع المرتهن السبعة، قال ابن نافع: ذلك له ولا حجة للمرتهن، والمشهور أنه للمرتهن، وليس للراهن أخذه إلا أن يفكه بالعشرة التي حلف المرتهن على صحتها.
قوله: "فإن كان في يد المرتهن حلف على ما ادعاه" يعني على العشرة في الصورة التي ذكرناها وكان القول قوله في قدر الرهن يريد إذا كانت قيمة الرهن عشرة، فإن كانت قيمته سبعة حلف الراهن على نفي ما زاد، وفرق القاضي بين أن يكون الرهن تحت يده، أو تحت يد عدل، وقد ذكرنا علة الفرق، ثم تكلم القاضي على ما إذا تلف الراهن وصفته مع فوات عينة تتنزل منزله فإن اتفقنا على صفة قومت، وإن اختلفا (فالقول قول المرتهن لأنه الغارم، وهذا إذا اختلفا في قيمته، وإن اختلفا) في مقدار الحق شهدت الصفة بذلك على حكم شهادة العين.
فرع: اختلف المذهب متى تعتبر القيمة فقيل يوم القبض، وقيل يوم الحكم.
قوله: ومن رهن عبداً، ثم اعتقه نفذ عتقه إن كان موسراً": واختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: قال الشافعي: لا ينفذ عتقه أصلاً، موسراً كان، أو معسراً تغليباً لحق المرتهن على الرهن، وقال أبو حنيفة: ينفذ عتقه موسراً، ويعجل للمرتهن دينه، وإن كان معسراً رد عتقه، وإذا بيننا على المذهب، وأمضينا العتق مع اليسر فالواجب أن يعجل للمرتهن دينه، فإن أتي الراهن برهن آخر بدل العبد، فقال ابن القاسم: ليس له

الجزء: 2 - الصفحة: 1105

ذلك، ويحكم له على الراهن بتعجيل الدين، وأجازه الشيخ أبو بكر الأبهري لحصول المقصود من الرهن بعوضه، وإذا كان الراهن معسرواً لم ينفذ عتقه، وبقي رهناً بيده إلى الأجل، فإن استمر الإعسار رد عتقه وإلا نفذ.
قوله: "ومن رهن أمه لم يجزله وطؤها": وهذا كما ذكره، لأن في وطئها إعادتها إلى قبضة، وتعريضها لأن تكون أم ولد، فإن أذن له المرتهن في وطئها بطل الرهن، لأن إذنه في الوطء مبطل للحوز المستدام المشترط في صحة الرهن، فإن وطئها بغير إذنه إما أن تحمل أم لا، فإن لم تحمل فهي رهن بحالها، وإن حملت وكان معسراً يبعت عليه، وقضي الحق من ثمنها، وإن كان معسراً كانت أم ولد، وعجل للمرتهن حقه اعتباراً بالعتق، فإن أوجبنا بيعها مع العسر فكانت قيمتها أكثر من الدين بيع منها بقدر الحق، وكان ما بقي بحساب أم الولد، أن الزيادة لا حق للمرتهن فيها، ولا سيبل إلي بيع الولد، إذا هو حر على كل تقدير، قال أشهب إن وجد من يبتاع منها بقدر الدين فعلت، وأعتق ما بقي، وإن لم يجد استوفي بالدين إلى الأجل، فإن وجد أيضاً ذلك، وإلا بيعت كلها، وقضي الدين، وكان ما بقي، وإن لم يجد استوفي بالدين إلى الأجل، فإن وجد أيضاً ذلك، وإلا بيعت كلها، وقضي الدين، وكان ما بقي لربها يصنع به ما شاء فإن وطئها المرتهن فلا يخلو أن يكون وطؤه لها بإحلال الراهن وإذنه أم لا، فإن كان بغير إذنه فهو زان، وعليه الحد، وإن كان بإذنه، فنص القاضي أبو محمد على سقوط الحد للشبهة وتلزمه قيمتها للراهن لتكمل الشبهة في درء الحد عنه، فإن حملت كانت له أم ولد، ولا شيء على المرتهن من قيمة الولد، لأن السيد حين أباح له الوطء رضي بحرية الولد، لأنه مقتضي ما دخل عليه الواطئ.

الجزء: 2 - الصفحة: 1106

قوله: "وإذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن فللمرتهن إجازته وفسخه": وهذا فيه تفصيل وتحصيل القول فيه أنه لا يخلو أن يتعدي الرهن في بيعه قبل حوز المرتهن أو بعده، فإن باعه قبل الحوز ففيه قولان: المشهور أن البيع ماض، والمرتهن مفرط، والثاني: أن المرتهن مخير بين إمضاء البيع، أو رده لتعلق حقه بالرهن إلا أن يتبين تفريطه، وأما إذا قبض المرتهن الرهن فتعدي الراهن فباعه فالمرتهن بالخيار بين فسخ البيع وإمضاه، لأن المرتهن قد قبض الرهن، وحازه وهذا هو المشهور، والشاذ أن البيع ماض، ويوقف الثمن إلى محل الأجل، قال ابن القاسم: ليس عليه أن يعطيه رهناً غيره، لأنه مفرط حين تركه يبيعه، وف يكتاب محمد: يمضي البيع والثمن للراهن ولا يتعجل للمرتهن حقه، ولا يوضع له رهن في مكانه، ولا ينفض ما بينهما من بيع، أو سلف، وقد قيل يجبر على رهن آخر مكانه قاله ابن الماجشون فإن لم يجد له رهناً فللمرتهن رد سلعته، وله أن يمضيها بالثمن إلا الأجل من غير رهن، فإن باعه (بأمر) المرتهن ومضي البيع، فإن أراد تعجيل الحق، وزعم أنه إنما أجاز البيع ليتعجل الحق فالقول قوله مع يمينه كما ذكر القاضي.
والله الموفق.

الجزء: 2 - الصفحة: 1107

فصول الكتاب · 25 فصل · 24 صفحة
جارٍ التحميل