أهل الأثرالأرشيف العلمي

أسألك بنبيك محمد، على أنه أراد: إني أسألك بإيماني به وبمحبته، وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته، ونحو ذلك.
354 - وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع.
قيل: من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك بلا نزاع، وإذا حمل على هذا المعنى لكلام من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته من السلف كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن الإمام أحمد وغيره، كان هذا حسناً وحينئذ فلا يكون في المسألة نزاع، ولكن كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ ولا يريدون هذا المعنى، فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر، وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائه وشفاعته وهذا جائز بلا نزاع، ثم إن أكثر الناس في زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ.
355 - فإن قيل: فقد يقول الرجل لغيره: بحق الرحم.
قيل: الرحم توجب على صاحبها حقاً لذي الرحم كما قال الله تعالى (4: 1) : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ﴾.
356 - وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الرحم شُجْنة من الرحمن1من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله".2

# 357 - وقال: "لما خلق الله الرحم تعلقت بحقوي1الرحمن وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قد رضيت".2
358 - وقال صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته".3

# 359 - وقد روي عن علي أنه كان / إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه أعطاه لحق جعفر على عليّ. 360 - وحق ذي الرحم باق بعد موته كما في الحديث أن رجلاً قال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم! الدعاء لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ وعدهما من بعدهما، وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما".1
361 - وفي الحديث الآخر حديث ابن عمر: " [إن] من أبِّر البرّ أن يصل الرجل أهل وُدّ أبيه بعد أن يولي2".3

فصلة1أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره.
362 - والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء - من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق، لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك - يتضمن شيئين كما تقدم2: 363 - أحدهما: الإقسام على الله سبحانه وتعالى به، وهذا منهيٌّ عنه عند جماهير العلماء كما تقدم، كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء. 364 - والثاني: السؤال به، فهذا يجوّزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكنَّ ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ضعيفٌ بل موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى الذي علَّمه أن يقول: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة".3
365 - وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، وهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: "اللهم شَفِّعْه فيَّ" ولهذا رد الله عليه بصره لما

دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم. ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدْعُ لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله.1
366 - ودعا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار وقوله: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا"2يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته، إذ لو كان هذا مشروعاً لم يعدل عمر والمهاجرون3والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس.
367 - وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم لأن بين السؤال والإقسام فرقا، فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة4، والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم، والمقسم لا يقسم إلا على من يرى أنه يبرُّ قسمه، فإبرار

القسم خاص ببعض العباد، وأما إجابة السائلين فعام، فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن كان كافراً.
368 - وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يدَّخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشرّ مثلها" قالوا: يا رسول الله إذن نكثر.
قال: "الله أكثر".1

# 369 - وهذا التوسل بالأنبياء - بمعنى السؤال بهم - وهو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم: إنه لا يجوز، ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك، فضلاً أن يجعل هذا من مسائل السبب1فمن نقل عن مذهب مالك: أنه جوَّز التوسل به بمعنى الإقسام به أو السؤال به فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه فضلاً عن أن يقول مالك: إن هذا سبب (2) للرسول أو تنقص به. بل المعروف عن مالك أنه كره للداعي أن يقول: يا سيدي سيدي، وقال: قل كما قالت الأنبياء يا رب يا رب يا كريم. وكره أيضاً أن يقول: ياحنان يامنان.3
فإنه ليس بمأثور عنه.
370 - فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء إذ لم يكن مشروعاً عنده، فكيف يجوز عنده أن يسأل الله بمخلوق نبيًّا كان أو غيره، وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم يسألوا الله

بمخلوق، لا نبي ولا غيره، بل قال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون.1
371 - وكذلك ثبت في الصحيح2عن ابن عمر3وأنس.4
وغيرهما5أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستسقائه، / لم ينقل عن أحد منهم أنه كان في حياته صلى الله عليه وسلم سأل الله

تعالى بمخلوق، لا به ولا بغيره، لا في الاستسقاء ولا غيره.
وحديث الأعمى سنتكلم عليه1إن شاء الله تعالى.
372 - فلو كان السؤال به معروفاً عند الصحابة لقالوا لعمر: إن السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بالعباس، فلم نعدل عن الأمر المشروع الذي كنا نفعله في حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى أن نتوسل ببعض أقاربه، وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله تعالى بأضعف السببين مع القدرة على أعلاهما؟ ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب.
373 - والذي فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين، فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجُرشيِّ2كما توسل عمر بالعباس.

# 374 - وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي1وأحمد2وغيرهم أنه يتوسل في الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح، قالوا: وإن كان من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل، اقتداء بعمر.
ولم يقل أحد من أهل العلم إنه يسأل الله تعالى في ذلك لا بنبي ولا بغير نبي.
375 - وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين - غير مالك - كالشافعي وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم، ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك، ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذي فيها هو هذا بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها، وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
376 - والقاضي عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة قبره بل ذكر هناك ما هو المعروف عن مالك وأصحابه، وإنما ذكرها في سياق

أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه.
377 - وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختياني فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه.
قال: وحج حجتين فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه.
378 - وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه.
فقيل له يوماً في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون، لقد كنت أرى محمد بن المنكدر - وكان سيد القراء - لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه.
379 - ولقد كنت أرى جعفر بن محمد - وكان كثير الدعابة والتبسم - فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة.
ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صامتاً، وإما يقرأ القرآن.
ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله.
380 - ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

# 381 - ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع. 382 - ولقد رأيت الزهري وكان لمِن أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته. 383 - ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه.1
فهذا كله نقله القاضي عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة.
384 - ثم ذكر حكاية بإسناد غريب2منقطع رواها عن غير واحد إجازة، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهات قال: حدثنا أبو الحسن علي بن فهر، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرح، ثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، ثنا يعقوب3بن إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا ابن حميد4قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول / الله

صلى الله عليه وسلم، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قوماً فقال (49: 2) ﴿لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية، ومدح قوماً فقال (49: 3) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية، وذم قوماً فقال (49: 4) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية، وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً.
فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى (4: 64) : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
385 - قلت: وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين1ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه.2

وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذّبه أبو زرعة1وابن وارة.2
وقال صالح بن محمد الأسدي3: ما رأيت أحدًا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه.4
وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير.5
وقال النسائي: ليس بثقة.6
وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات.7

وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب1وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد ابن إسماعيل السهمي2توفي سنة تسع وخمسين ومائتين. وفي الإسناد أيضاً من لا يعرف حاله.3
وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل4حكاية لا تعرف إلا من جهته!.5

# 386 - هذا إن ثبتت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخرسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث!.
387 - مع أن قوله: "وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة".
إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة، وذلك هو التوسل شفاعته يوم القيامة، وهذا حق.
388 - كما جاءت به الأحاديث الصحيحة1حين يأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردّهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كما قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر".2

# 389 - ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه: أحدها، قوله: "أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله وأدعو! " فقال: "ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم"؛ فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعي إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو

لنفسه، بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له.
هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم.
وعند أصحاب أبي حنيفة، لا يستقبل القبر وقت السلام1عليه أيضاً.
ثم منهم من قال: يجعل الحجرة عن2يساره - وقد رواه ابن وهب عن مالك - ويسلم عليه.
ومنهم من قال: بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه وهذا هو المشهور عندهم.
ومع هذا فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر.
390 - لذلك قال القاضي عياض في المبسوط عن مالك: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم ويمضي".
391 - قال: وقال نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر/، رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول: السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثم ينصرف.3

# 392 - ورؤي واضعاً يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه.1
393 - قال: وعن ابن أبي قسيط والقعنبي، كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسَّوا برمانة المنبر التي تلي2القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون.3
394 - قال: وفي الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثي أنه كان - يعني ابن عمر - يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر.4

وعند ابن القاسم والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر. قال مالك في رواية ابن وهب: يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. 395 - وقال في المبسوط: ويسلم على أبي بكر وعمر.1
قال أبو الوليد الباجي: وعندي أن2يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ

الصلاة، ولأبي بكر وعمر1[بلفظ السلام]؛ لما في حديث ابن عمر من الخلاف. وهذا الدعاء يفسر الدعاء المذكور في رواية ابن وهب، قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر. 396 - فهذا هو السلام عليه والدعاء له بالصلاة عليه كما تقدم تفسيره، وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب في الواضحة وغيره. قال: وقال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء.2
وقال فيه أيضاً: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر، أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر.3
قيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة.
فقال مالك: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا

لمن جاء من سفر أو أراده.1
قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر فسلموا.2
قال: ولذلك3رأي. 397 - قال أبو الوليد الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم.4
398 - قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد"، "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".5
399 - قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيداً".6
400 - قال: ومن كتاب أحمد بن شعبة7فيمن وقف بالقبر: لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلاً.

# 401 - وفي (العتبية) - يعني عن مالك -: يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد صلى الله عليه وسلم1، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت.... 402 - فهذا قول مالك وأصحابه، وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم [يكونوا] يقصدون القبر إلا للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له. وقد كره مالك إطالة القيام لذلك، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له، فإنه تحية للنبي صلى الله عليه وسلم. فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بدعائه لنفسه؟.2
403 - وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لو كان قصدُ الدعاء عند القبر مشروعاً لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟.
404 - فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله: "استقبله واستشفع به" كذب على مالك، مخالف لأقواله وأقوال الصحابة

والتابعين وأفعالهم التي نقلها1مالك وأصحابه ونقلها سائر العلماء، إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه فضلاً عن أن يستقبله ويستشفع به، يقول له: يا رسول الله اشفع لي أو ادع/ لي، أو يشتكي إليه2المصائب [في]3الدين والدنيا، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له، أو يشتكي إليهم المصائب، فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين، وإن كانوا يسلمون عليه إذ كان يسمع السلام عليه من القريب ويبلّغ سلام البعيد.4
405 - وقد احتج أحمد وغيره بالحديث الذي رواه أحمد5وأبو داود6بإسناد جيد من حديث حيْوَة بن شريح المصري حدثنا أبو صخر عن يزيد [ابن عبد الله] بن قسيط عن أبي هريرة عن رسول

الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام".
وعلى هذا الحديث اعتمد الأئمة في السلام عليه عند قبره، صلوات الله وسلامه عليه.
406 - فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة، لا يعتمد على شيء منها في الدين؛ لهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئاً منها، وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني والبزار وغيرهما.
وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عمر العمري1، وهو ضعيف، والكذب ظاهر عليه.
مثل قوله: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي"2، فإن

هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين، فإن من زاره في حياته، وكان مؤمناً به، كان من أصحابه، لا سيما إن كان من المهاجرين إليه، المجاهدين معه. 407 - وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدُكم مثل أُحدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".1
أخرجاه في الصحيحين.2

# 408 - والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة؛ كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه، فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين، بل ولا شرع السفر إليه، بل هو منهي عنه.
409 - وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه، والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب، والسفر إلى الكعبة للحج فواجب.
فلو سافر أحد السفر الواجب والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته، فكيف بالسفر المنهي عنه؟.
410 - وقد اتفق الأئمة1على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره بل ينهى عن ذلك.

# 411 - ولو نذر السفر إلى مسجده والمسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان للشافعي.1

أظهرهما عنه: يجب ذلك، وهو مذهب مالك1وأحمد.2
والثاني: لا يجب، وهو مذهب أبي حنيفة3؛ لأن من أصله أنه لا يجب النذر إلا ما كان واجباً بالشرع، وإتيان هذين المسجدين ليس واجباً

بالشرع فلا يجب بالنذر عنده.1
وأما الأكثرون فيقولون: هو طاعة لله. 412 - وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه".2
413 - وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء الصالحين فلا يجب بالنذر عند أحد منهم لأنه ليس بطاعة.3

فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه؟ وهذا مالك كره أن يقول الرجل: زرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعظمه.1
وقد قيل: إن ذلك لكراهية زيارة القبور.
وقيل: لأن الزائر أفضل من المزور.
وكلاهما ضعيف عند أصحاب مالك.
414 - والصحيح أن ذلك لأن لفظ زيارة القبر مجمل يدخل

فيها الزيارة البدعية التي هي من جنس الشرك، فإن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما تقدم ذكره: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.
415 - فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات فيصلي عليه صلاة الجنازة، فهذه الزيارة الشرعية.
416 - والثاني: أن يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات1منهم، أو لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، أو أن الإقسام بهم على الله وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضي إجابة الدعاء، فمثل هذه الزيارة بدعة منهيّ عنها.
417 - فإذا كان لفظ "الزيارة" مجملاً يحتمل حقاً وباطلاً عدل عنه إلى لفظ لا لبس فيه كلفظ "السلام" عليه، ولم يكن لأحد أن يحتج على مالك بما روي في زيارة قبره أو زيارته بعد موته، فإن هذه كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة، لا يحتج بشيء منها في أحكام الشريعة/.
418 - والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة"2، هذا هو الثابت في الصحيح.

ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال: (قبري).1
وهو صلى الله عليه وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعدُ صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة، لما2تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصاً في محل النزاع، ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه، بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه.
419 - ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز أمره أن يشتري الحُجَر3ويزيدها في المسجد، وكانت الحجر من جهة المشرق والقبلة فزيدت في المسجد ودخلت حجرة عائشة في المسجد من حينئذ، وبنوا الحائط البراني مسنماً محرفاً.

# 420 - فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي أنه قال صلى الله عليه وسلم: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها".1
421 - لأن ذلك يشبه السجود لها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى.
و2كما نهى عن اتخاذها مساجد نهى عن قصد الصلاة عندها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له.
فمن قصد قبور الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة والدعاء عندها فقد قصد نفس المحرم3الذي سدَّ الله ورسوله ذريعته، وهذا بخلاف السلام المشروع حسبما تقدم.
422 - وقد روى سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام".
رواه النسائي4وأبو حاتم في صحيحه.5

وروى نحوه عن أبي هريرة.
فهذا فيه أن سلام البعيد تبلغه الملائكة.
423 - وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا عليَّ من الصلاة في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتي تعرض عليَّ يومئذ، فمن كان أكثرهم عليَّ صلاة كان أقربهم مني منزلة".1

# 424 - وفي مسند الإمام أحمد: حدثنا شريح حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني".1
ورواه أبو داود.
425 - قال القاضي عياض2: وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى عليَّ عند قبري سمعته.
ومن صلى نائياً أبلغته".3

# 426 - وهذا قد رواه محمد بن مروان السدي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وهذا هو السدي الصغير وليس بثقة، وليس هذا من حديث الأعمش. 427 - وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن موسى بن محمد ابن حيَّان عن أبي بكر الحنفي: حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، سمعت الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً، ولا تتخذوا بيتي عيداً. صلوا عليَّ وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني".1
428 - وروى سعيد بن منصور في سننه أن عبد الله2بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلاً يكثر الاختلاف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ياهذا! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني".
فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء.3

# 429 - وروي هذا المعنى عن علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن علي بن أبي طالب، ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ في مختاره1الذي هو أصح من صحيح الحاكم.
430 - وذكر القاضي عياض عن الحسن بن علي قال: إذا دخلت فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا بيتي

عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليَّ حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم".1
431 - ومما يوهن هذه الحكاية2أنه قال فيها: "ولم تصرفُ وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله3يوم القيامة".
إنما يدل على أنه يوم القيامة يتوسل الناس بشفاعته، وهذا حق كما تواترت به الأحاديث، لكن إذا كان الناس يتوسلون بدعائه وشفاعته يوم القيامة، كما كان أصحابه يتوسلون بدعائه وشفاعته في حياته، فإنما ذاك طلب لدعائه وشفاعته، فنظير هذا - لو كانت الحكاية صحيحة - أن يطلب منه الدعاء والشفاعة في الدنيا عند قبره.
432 - ومعلوم أن هذا لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم / ولا سَنَّهُ لأمته، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحبه4أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا غيره من الأئمة، فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام الذي لا يقوله إلا جاهل لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة بأدلتها الشرعية، مع علو قدر مالك وعظم فضيلته وإمامته، وتمام رغبته في اتباع السنة وذم البدع وأهلها؟ وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع؟ فلو لم يكن عن مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقول مثل هذا.

# 433 - ثم قال في الحكاية: "استقبله واستشفع به فيشفعك الله".
والاستشفاع به معناه في اللغة؛ أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة، وكما كان أصحابه يستشفعون به.
434 - ومنه الحديث الذي في السنن1أن أعرابياً قال: يا رسول الله! جهدت الأنفس وجاع العيال، وهلك المال، فادْعُ الله لنا فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله.
فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: "ويحك أتدري ما تقول؟ شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه".
435 - وذكر تمام الحديث فأنكر قوله: "نستشفع بالله عليك".
ومعلوم أنه لا ينكر أن يُسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله، وإنما2أن يكون الله شافعاً إلى المخلوق، ولهذا لم ينكر قوله: "نستشفع بك على الله"؛ فإنه هو الشافع المشفع.
436 - وهم - لو كانت الحكاية صحيحة - إنما يجيئون إليه لأجل طلب شفاعته صلى الله عليه وسلم ولهذا قال في تمام الحكاية: (4: 64) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية، وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه

فصول الكتاب · 22 فصل · 418 صفحة
جارٍ التحميل