مقالة التعطيل والجعد بن درهمالمطلب الثالث: مولده وموطنه
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ا- مولده: لم تسعفنا كتب التاريخ والتراجم والمقالات بشيء عن تاريخ ولادته، وليس ذلك بمستغرب، فالرجل ضال مبتدع، ولولا ما ابتدعه ما اشتهر وما عرف، إضافة إلى أن العناية بهذا الجانب تعد ضعيفة إلى حد كبير في تراجم السابقين، والجعد لم يعط عناية بتاريخ قتله فضلاً عن أن يعطى عناية بتاريخ مولده.
ب- موطنه: إن مما لا شك فيه أن للبيئة التي ينشأ فيها الإنسان أثرها البالغ في حياته سلباً وإيجاباً، فالإنسان مدني بطبعه يتأثر بمن حوله، ويؤثر على من حوله، فإذا وجد الإنسان البيئة الصحيحة السليمة ساعد ذلك في تنشئته التنشئة السليمة، وإعداده الإعداد الجيد، وبنائه البناء السليم.
وإذا كان الأمر على العكس من ذلك، بحيث ينشأ المرء في بيئة منحرفة متلوثة بالأفكار الفاسدة، فإن ذلك ينعكس سلباً على الشخص الذي ينشأ في هذه البيئة، فقد يتشرب تلك الأفكار ويعتقدها ويكون من حملة لوائها.
والجعد بن درهم من هذا الصنف الثاني، فبيئته التي نشأ فيها ساعدت على حمله لأفكار الضلال وتشربه لها.
وسأحرر لك القول في موطنه وبلدته التي نشأ فيها ومن ثم أوضح لك مدى تأثير بيئة الجعد على ما حمله من أفكار.
فأقول وبالله التوفيق:

أما من حيث المنطقة فهو ينسب إلى الجزيرة الفراتية وفي ذلك يقول الهروي: (فأما الجعد فكان جزري الأصل) 1 وهذه النسبة إلى الجزيرة وهي بلاد بين دجلة والفرات وإنما قيل لها جزيرة لهذا وفيها عدة بلاد منها الموصل، وحران، والرقة، وغيرها.2 أما عن موطنه وبلده: فالجعد بن درهم فيما قيل من أهل "حران"3 كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أهل حران) وقال ابن عساكر: (وقيل إنه كان من أهل حران)

وقال الذهبي: (وأصله من حران) وحران مدينة تقع بالجزيرة الفراتية من أرض العراق ولا يتعارض هذا القول مع ما ذكره ابن كثير في تاريخه حيث قال: (قال غير واحد من الأئمة كان الجعد بن درهم من أهل الشام) فالجعد بن درهم حراني المولد والنشأة، وكان يسكن الجزيرة الفراتية في أول أمره، وعمل في تلك الفترة معلماً ومؤدباً لمروان بن محمد لما كان والياً على الجزيرة أيام هشام بن عبد الملك3ثم انتقل بعد ذلك إلى دمشق وسكن فيها4ثم هرب من دمشق إلى الكوفة5كما سنفصله عن قريب.
وإذا كان الجعد قد نشأ بحران وتعلم فيها، فإن حران كانت دار الصابئة المشركين6، وفيها خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين المشركين، وكانت الصابئة إلا قليلاً منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم هم الفلاسفة وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل7وكان بها هيكل "العلة الأولى" هيكل "العقل الأول" هيكل "النفس الكلية" هيكل "زحل" هيكل "المشترى" هيكل "المريخ" هيكل "الشمس" وكذلك "الزهرة" و"عطارد" و "القمر".

وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم، ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام.
ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت، ولذا لما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم، وتعلم منهم، وأخذ عنهم ما أخذ من الفلسفة.1 فيكون الجعد قد أخذ مقالته عن هؤلاء الصابئة الفلاسفة الذين يقولون: إنه ليس للرب إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما.2 قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة، بقايا أهل هذا الدين أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال ولهم مصنفات في دعوة الكواكب)

فصول الكتاب · 27 فصل · 204 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مقالة التعطيل والجعد بن درهم · 204 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةالمطلب الأول: تعريف التعطيل...المطلب الثاني: أنواع التعطيل في توحيد اللهالمطلب الأول: درجات التعطيل في باب الأسماء والصفات عموماالمطلب الثاني: درجات التعطيل في باب الأسماء الحسنى.المطلب الثالث: درجات التعطيل في باب صفات الله تعالى.المطلب الأول: مقالة الخوارج...المطلب الثاني: مقالة الشيعةالمطلب الثالث: مقالة القدريةالمطلب الرابع: مقالة المعتزلةالمطلب الخامس: مقالة المرجئةالمطلب الأول: خطورة مقالة التعطيل...المطلب الثاني: مراحل التعطيل الأولىالمطلب الثالث: مراحل اتساع دائرة التعطيلالمطلب الأول: اسمه ونسبه...المطلب الثاني: أصول الجعدالمطلب الثالث: مولده وموطنهالمطلب الأول: بدء ظهور مقالة الجعد...المطلب الثاني: مقتل الجعدالمطلب الثالث: مواقف خلفاء بني أمية من أهل البدعالمطلب الأول: أقوال العلماء فيه...المطلب الثاني: بدعه ومقالتهالمطلب الأول: المغالطة الأولى...المطلب الثاني: المغالطة الثانيةالمطلب الثالث: المغالطة الثالثةمصادر ومراجع...
جارٍ التحميل