مختصر المزنيصفحات 211-250
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْحُقُوقِ وَالْمَوَاهِبِ وَالْعَارِيَّةِ

صفحات 211-250
عن هذه الطبعة
عَلَم
المزني
الكتاب
مختصر المزني (مطبوع ملحقا بالأم للشافعي)
المؤلف
إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني (المتوفى: 264هـ)
الناشر
دار المعرفة - بيروتسنة النشر: 1410هـ/1990م
عدد الأجزاء
1 (يقع في الجزء 8 من كتاب الأم) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا يَجُوزُ إلَّا إقْرَارُ بَالِغٍ حُرٍّ رَشِيدٍ، وَمَنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعَهُ لَمْ يَجُزْ إقْرَارَهُ فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ ثُمَّ جَحَدَ قِيلَ لَهُ أَقْرِرْ بِمَا شِئْت مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مِنْ مَالٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ فَلْسٍ وَاحْلِفْ مَا لَهُ قِبَلَك غَيْرَهُ فَإِنْ أَبِي حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَى مَا ادَّعَى وَاسْتَحَقَّهُ مَعَ نُكُولِ صَاحِبِهِ، وَسَوَاءٌ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ أَوْ مَالٌ كَثِيرٌ أَوْ عَظِيمٌ فَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا أَعْلَمُهُ خَبَرًا، وَلَا قِيَاسًا أَرَأَيْت إذَا أَغْرَمْت مِسْكِينًا يَرَى الدِّرْهَمَ عَظِيمًا أَوْ خَلِيفَةً يَرَى أَلْفَ أَلْفٍ قَلِيلًا إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ عَظِيمٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَالْعَامَّةُ تَعْلَمُ أَنَّ مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ مِنْ مَخْرَجِ قَوْلَيْهِمَا مُخْتَلِفٌ فَظَلَمْتُ الْمُقَرَّ لَهُ إذْ لَمْ تُعْطِهِ مِنْ خَلِيفَةٍ إلَّا التَّافِهَ وَظَلَمْتُ الْمِسْكِينَ إذْ أَغْرَمْتَهُ أَضْعَافَ الْعَظِيمِ إذْ لَيْسَ عِنْدَك فِي ذَلِكَ إلَّا مَحْمَلُ كَلَامِ النَّاسِ، وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ أَوْ عَظِيمَةٌ أَوْ لَمْ يَقُلْهَا فَهِيَ ثَلَاثَةٌ.
وَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ، وَلَمْ يُسَمِّ الْأَلْفَ قِيلَ لَهُ أَعْطِهِ أَيَّ أَلْفٍ شِئْتَ فُلُوسًا أَوْ غَيْرَهَا وَاحْلِفْ أَنَّ الْأَلْفَ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا هِيَ هَذِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ وَعَبْدٍ أَوْ أَلْفٍ وَدَارٍ لَمْ يَجْعَلْ الْأَلْفَ الْأَوَّلَ عَبِيدًا أَوْ دُورًا، وَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا دِرْهَمًا قِيلَ لَهُ أَقِرَّ لَهُ بِأَيِّ أَلْفٍ شِئْت إذَا كَانَ الدِّرْهَمُ مُسْتَثْنًى مِنْهَا، وَيَبْقَى بَعْدَهُ شَيْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا كُرَّ حِنْطَةٍ أَوْ إلَّا عَبْدًا أَجْبَرْتُهُ عَلَى أَنْ يُبْقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِثَوْبٍ فِي مِنْدِيلٍ أَوْ تَمْرٍ فِي جِرَابٍ فَالْوِعَاءُ لِلْمُقِرِّ، وَإِنْ قَالَ لَهُ قِبَلِي كَذَا أَقَرَّ بِمَا شَاءَ وَاحِدًا، وَلَوْ قَالَ كَذَا وَكَذَا أَقَرَّ بِمَا شَاءَ اثْنَيْنِ، وَإِنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا قِيلَ لَهُ أَعْطِهِ دِرْهَمَيْنِ؛ لِأَنَّ كَذَا يَقَعُ عَلَى دِرْهَمٍ.
ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا قِيلَ لَهُ أَعْطِهِ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ كَذَا يَقَعُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : وَهَذَا خِلَافُ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ كَذَا يَقَعُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، وَلَا يُعْطَى إلَّا الْيَقِينُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ يَتَحَاصُّونَ مَعًا، وَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى حَدَثَ لَهُ وَارِثٌ يَحْجُبُهُ فَالْإِقْرَارُ لَازِمٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ وَارِثٌ فَمَنْ أَجَازَ الْإِقْرَارَ لِوَارِثٍ أَجَازَهُ، وَمَنْ أَبَاهُ رَدَّهُ، وَلَوْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ فَصَارَ وَارِثًا بَطَلَ إقْرَارُهُ وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ ابْنَ هَذِهِ الْأَمَةِ وَلَدُهُ مِنْهَا، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ ابْنُهُ، وَهُمَا حُرَّانِ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِحَقِّ الْغُرَمَاءِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ مُؤَجَّلًا، وَيَجُوزُ إبْطَالُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ حُرِّيَّةٍ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لِحَمْلٍ بِدَيْنٍ كَانَ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا حَتَّى يَقُولَ كَانَ لِأَبِي هَذَا الْحَمْلُ أَوْ لِجَدِّهِ عَلَيَّ مَالٌ وَهُوَ وَارِثُهُ فَيَكُونُ إقْرَارًا لَهُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا عِنْدِي خِلَافُ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي الرَّجُلِ يُقِرُّ أَنَّ فُلَانًا وَكِيلٌ لِفُلَانٍ فِي قَبْضِ مَا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِدَفْعِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِالتَّوْكِيلِ فِي مَالٍ لَا يَمْلِكُهُ، وَيَقُولُ لَهُ إنْ شِئْتَ فَادْفَعْ أَوْ دَعْ وَكَذَلِكَ هَذَا إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ لِرَجُلٍ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَاتَ وَوَرِثَهُ غَيْرُهُ وَهَذَا عِنْدِي بِالْحَقِّ أَوْلَى وَهَذَا وَذَاكَ عِنْدِي سَوَاءٌ فَيَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ فِيهِمَا عَلَى نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ مَاتَ حَيًّا وَأَنْكَرَ الَّذِي لَهُ الْمَالُ الْوَكَالَةَ رَجَعَا عَلَيْهِ بِمَا أَتْلَفَ عَلَيْهِمَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ هَذَا الرَّقِيقُ لَهُ إلَّا وَاحِدًا كَانَ لِلْمُقِرِّ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَلَوْ قَالَ

غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ فُلَانٍ، وَمِلْكُهَا لِفُلَانٍ فَهِيَ لِفُلَانٍ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ، وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتهَا مِنْ فُلَانٍ لَا بَلْ مِنْ فُلَانٍ كَانَتْ لِلْأَوَّلِ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ لِلثَّانِي وَكَانَ الثَّانِي خَصْمًا لِلْأَوَّلِ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْعَبْدِ فِي الْمَالِ إلَّا بِأَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التِّجَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فَمَتَى عَتَقَ، وَمَلَكَ غَرِمَ، وَيَجُوزُ إقْرَارُهُ فِي الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالْحَدِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ.

وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ فَأَتَاهُ بِأَلْفٍ فَقَالَ هِيَ هَذِهِ الَّتِي أَقْرَرْت لَك بِهَا كَانَتْ لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ فَقَالَ بَلْ هَذِهِ وَدِيعَةٌ وَتِلْكَ أُخْرَى فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَوْدَعَ شَيْئًا فَجَائِزٌ أَنْ يَقُولَ لِفُلَانٍ عِنْدِي وَلِفُلَانٍ عَلَيَّ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُهْلِكْ، وَقَدْ يُودَعُ فَيَتَعَدَّى فَيَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنًا فَلَا أُلْزِمُهُ إلَّا بِالْيَقِينِ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ دَيْنًا كَانَتْ دَيْنًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَدَّى فِيهَا فَتَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ دَفَعَهَا إلَيَّ أَمَانَةً عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَهَا لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا بِشَرْطِ ضَمَانِ مَا أَصْلُهُ أَمَانَةٌ، وَلَوْ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ فَإِنْ قَالَ: نَفِدَ فِيهِ أَلْفًا قِيلَ كَمْ لَك مِنْهُ؟ فَمَا قَالَ إنَّهُ لَهُ مِنْهُ اشْتَرَاهُ بِهِ فَهُوَ كَمَا قَالَ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا أَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يُغْبَنَانِ، وَيَغْبِنَانِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ إقْرَارًا عَلَى أَبِيهِ بِدَيْنٍ وَلَوْ قَالَ فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبَى كَانَتْ هِبَةً إلَّا أَنْ يُرِيدَ إقْرَارًا.

وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ عَارِيَّةٌ كَانَتْ مَضْمُونَةً، وَلَوْ أَقَرَّ فِي عَبْدٍ فِي يَدِهِ لِفُلَانٍ وَأَقَرَّ الْعَبْدُ لِغَيْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي تَرَكَهُ أَبُوهُ لِفُلَانٍ ثُمَّ وَصَلَ أَوْ لَمْ يَصِلْ دَفَعَهُ أَوْ لَمْ يَدْفَعْهُ فَقَالَ بَلْ لِفُلَانٍ آخَرَ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى إبْطَالِ إقْرَارِهِ فِي مَالٍ قَدْ قَطَعَهُ لِلْأَوَّلِ، وَإِذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَرَدَّا ثُمَّ اشْتَرَيَاهُ فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْبَائِعُ رَدَّ الثَّمَنَ، وَكَانَ لَهُ الْوَلَاءُ، وَإِنْ كَذَّبَهُمَا عَتَقَ بِإِقْرَارِهِمَا، وَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَتَرَكَ مَالًا كَانَ مَوْقُوفًا حَتَّى يُصَدِّقَهُمَا فَيَرُدَّ الثَّمَنَ إلَيْهِمَا وَالْوَلَاءُ لَهُ دُونَهُمَا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَصْلُ قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ مُنِعَهُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ أَخَذَهُ، وَلَا يَخْلُو الْمُشْتَرِيَانِ فِي قَوْلِهِمَا فِي الْعِتْقِ مِنْ صِدْقٍ أَوْ كَذِبٍ فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُمَا صِدْقًا فَالثَّمَنُ دَيْنٌ لَهُمَا عَلَى الْجَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَوْلًى لَهُ، وَمَا تَرَكَ فَهُوَ لِمَوْلَاهُ، وَلَهُمَا أَخْذُ الثَّمَنِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُمَا كَذِبًا فَهُوَ عَبْدُهُمَا، وَمَا تَرَكَ فَهُوَ لَهُمَا، وَالْيَقِينُ أَنَّ لَهُمَا قَدْرَ الثَّمَنِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَ بَائِعِهِ وَتَرَكَ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ مَا تَرَكَ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا غَيْرُهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ ثُمَّ قَالَ هِيَ نَقْصٌ أَوْ زَيْفٌ لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ قَالَ هِيَ مِنْ سِكَّةِ كَذَا وَكَذَا صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ كَانَ أَدْنَى الدَّرَاهِمِ أَوْ أَوْسَطُهَا أَوْ جَائِزَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ غَيْرِ جَائِزَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ أَعْطَاهُ أَيَّ ثَوْبٍ أَقَرَّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَلْبَسُهُ أَهْلُ بَلَدِهِ.

(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ إذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ دُرَيْهِمٌ أَوْ دُرَيْهِمَاتٌ فَهِيَ وَازِنَةٌ قَضَاءً عَلَى قَوْلِهِ إذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ فَهِيَ وَازِنَةٌ، وَلَا يُشْبِهُ الثَّوْبُ نَقْدَ الْبَلَدِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِدِرْهَمٍ سِلْعَةً جَازَ لِمَعْرِفَتِهِمَا بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِثَوْبٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِجَهْلِهِمَا بِالثَّوْبِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي دِينَارٍ فَإِنْ أَرَادَ دِرْهَمًا وَدِينَارًا، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ فَهُمَا دِرْهَمَانِ، وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ قِيلَ إنْ أَرَدْت فَدِرْهَمٌ لَازِمٌ فَهُوَ دِرْهَمٌ، وَلَوْ قَالَ دِرْهَمٌ تَحْتَ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمٌ أَوْ فَوْقَ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ فَوْقَ دِرْهَمٍ فِي الْجَوْدَةِ أَوْ تَحْتَهُ فِي الرَّدَاءَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ دِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمٌ مَعَهُ دِينَارٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقُولُ مَعَ دِينَارٍ لِي وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ دِرْهَمَانِ.

وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ قَفِيزُ حِنْطَةٍ مَعَهُ دِينَارٌ كَانَ عَلَيْهِ قَفِيزٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقُولُ مَعَ دِينَارٍ لِي، وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ قَفِيرٌ لَا بَلْ قَفِيزَانِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا قَفِيزَانِ وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ لَا بَلْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ كَانَ مُقِرًّا بِهِمَا ثَابِتًا عَلَى الْقَفِيزِ رَاجِعًا عَنْ الدِّينَارِ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ فَقَفِيزُ حِنْطَةٍ لَزِمَهُ الدِّينَارُ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الْحِنْطَةُ وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ يَوْمَ السَّبْتِ بِدِرْهَمٍ وَأَقَرَّ لَهُ يَوْمَ الْأَحَدِ بِدِرْهَمٍ فَهُوَ دِرْهَمٌ.

وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَكَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ فَلَوْ سَكَتَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ مِنْ بَعْدِهِ هِيَ وَدِيعَةٌ، وَقَدْ هَلَكَتْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ ضَمِنَ ثُمَّ ادَّعَى الْخُرُوجَ فَلَا يُصَدَّقُ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ مِنْ مَالِي أَلْفُ دِرْهَمٍ سُئِلَ فَإِنْ قَالَ هِبَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهَا

إلَى نَفْسِهِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ وَرَثَتُهُ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ مِنْ دَارِي هَذِهِ نِصْفُهَا فَإِنْ قَالَ هِبَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ وَرَثَتُهُ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ نِصْفُهَا لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَلَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَك هِبَةٌ عَارِيَّةٌ أَوْ هِبَةٌ سُكْنَى كَانَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْهَا مَتَى شَاءَ.
وَلَوْ أَقَرَّ لِلْمَيِّتِ بِحَقٍّ وَقَالَ هَذَا ابْنُهُ وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ قُبِلَ مِنْهُ.
(قُلْت الْمُزَنِيّ) : هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ الْإِقْرَارِ بِالْوَكَالَةِ فِي الْمَالِ وَهَذَا عِنْدِي أَصَحُّ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ فَأَوْلَدْتهَا.
فَقَالَ: بَلْ زَوَّجْتنِيهَا وَهِيَ أَمَتُك فَوَلَدُهَا حُرٌّ وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ بِإِقْرَارِ السَّيِّدِ، وَإِنَّمَا ظَلَمَهُ بِالثَّمَنِ، وَيَحْلِفُ، وَيَبْرَأُ فَإِنْ مَاتَ فَمِيرَاثُهُ لِوَلَدِهِ مِنْ الْأَمَةِ وَوَلَاؤُهَا مَوْقُوفٌ.
وَلَوْ قَالَ لَا أُقِرُّ، وَلَا أُنْكِرُ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَلَفَ صَاحِبَهُ مَعَ نُكُولِهِ وَاسْتَحَقَّ.
وَلَوْ قَالَ وَهَبْت لَك هَذِهِ الدَّارَ وَقَبَضْتهَا ثُمَّ قَالَ لَمْ تَكُنْ قَبَضْتهَا فَأَحْلِفُ أَحَلَفْته لَقَدْ قَبَضَهَا فَإِنْ نَكَلَ رَدَدْت الْيَمِينَ عَلَى صَاحِبِهِ وَرَدَدْتهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتِمُّ الْهِبَةُ إلَّا بِالْقَبْضِ عَنْ رِضَا الْوَاهِبِ.
وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِأَلْفٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ عَتَقَ وَالْأَلْفُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَهُوَ حُرٌّ وَالسَّيِّدُ مُدَّعِي الْأَلْفِ وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ.
وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِذِكْرِ حَقٍّ مِنْ بَيْعٍ ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْ الْمَبِيعَ أَحَلَفْته مَا قَبَضَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِأَلْفٍ وَآخَرُ بِأَلْفَيْنِ فَإِنْ زَعَمَ الَّذِي شَهِدَ بِالْأَلْفِ أَنَّهُ شَكَّ فِي الْأَلْفَيْنِ وَأَثْبَتَ أَلْفًا فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ أَلْفٌ بِشَاهِدَيْنِ فَإِنْ أَرَادَ الْأَلْفَ الْأُخْرَى حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَكَانَتْ لَهُ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ وَقَالَ الْآخَرُ مِنْ ثَمَنِ ثِيَابٍ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَلْفَيْنِ غَيْرُ الْأَلْفِ فَلَا يَأْخُذُ إلَّا بِيَمِينٍ مَعَ كُلِّ شَاهِدٍ مِنْهُمَا.

وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ تَكَفَّلَ لَهُ بِمَالٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ وَأَنْكَرَ الْكُفُولُ لَهُ الْخِيَارَ فَمَنْ جَعَلَ الْإِقْرَارَ وَاحِدًا أَحْلَفَهُ عَلَى الْخِيَارِ وَأَبْرَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِخِيَارٍ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُبَعِّضُ إقْرَارَهُ أَلْزَمَهُ مَا يَضُرُّهُ وَأَسْقَطَ مَا ادَّعَى الْمُخْرِجَ بِهِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ أَنَّ الْإِقْرَارَ وَاحِدٌ وَكَذَا قَالَ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْخِيَارِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَقَدْ قَالَ إذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ فَوَصَفَهُ وَوَصَلَهُ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَلَمْ أَجْعَلْ قَوْلًا وَاحِدًا إلَّا حُكْمًا وَاحِدًا، وَمَنْ قَالَ أَجْعَلُهُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مُقِرًّا وَفِي الْأَجَلِ مُدَّعِيًا لَزِمَهُ إذَا أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ نَقْدُ الْبَلَدِ فَإِنْ وَصَلَ إقْرَارُهُ بِأَنْ يَقُولَ طَبَرِيٌّ جَعَلَهُ مُدَّعِيًا؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى نَقْصًا مِنْ وَزْنِ الدِّرْهَمِ، وَمِنْ عَيْنِهِ وَلَزِمَهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا عَشَرَةً أَنْ يَلْزَمَهُ أَلْفًا وَلَهُ أَقَاوِيلُ كَذَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ضَمِنَ لَهُ عُهْدَةَ دَارٍ اشْتَرَاهَا وَخَلَاصَهَا وَاسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الضَّامِنِ إنْ شَاءَ وَلَوْ أَقَرَّ أَعْجَمِيٌّ بِأَعْجَمِيَّةٍ كَانَ كَالْإِقْرَارِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ، وَلَمْ يَقُولُوا بِأَنَّهُ صَحِيحُ الْعَقْلِ فَهُوَ عَلَى الصِّحَّةِ حَتَّى يَعْلَمَ غَيْرَهَا.

[بَابُ إقْرَارِ الْوَارِثِ بِوَارِثٍ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الَّذِي أَحْفَظُ مِنْ قَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ فِيمَنْ تَرَكَ ابْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ أَنَّ نَسَبَهُ لَا يُلْحَقُ، وَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَعْنًى إذَا ثَبَتَ وَرِثَ وَوَرَّثَ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى لَمْ يَثْبُتْ لَهُ وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ بَاعَ دَارًا مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفٍ فَجَحَدَ الْمُقَرُّ لَهُ الْبَيْعَ فَلَمْ نُعْطِهِ الدَّارَ، وَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُهَا لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إنَّهَا مِلْكٌ لَهُ إلَّا، وَمَمْلُوكٌ عَلَيْهِ بِهَا شَيْءٌ فَلَمَّا سَقَطَ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا عَلَيْهِ سَقَطَ الْإِقْرَارُ لَهُ فَإِنْ أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَوَرِثَ وَوَرَّثَ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ وَقَوْلُهُ «هُوَ لَك يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَقْدُمُ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، وَمَعَهَا وَلَدٌ فَيَدَّعِيهِ رَجُلٌ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الرُّومِ فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ أَمَتَانِ لَا زَوْجَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَوَلَدَتَا وَلَدَيْنِ فَأَقَرَّ السَّيِّدُ أَنَّ أَحَدَهُمَا ابْنُهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فَمَاتَ أَرَيْتُهُمَا الْقَافَةَ فَأَيَّهُمَا أَلْحَقُوهُ بِهِ جَعَلْنَاهُ ابْنَهُ وَوَرَّثْنَاهُ مِنْهُ وَجَعَلْنَا أُمَّهُ أُمَّ وَلَدٍ وَأَوْقَفْنَا ابْنَهُ الْآخَرَ وَأُمَّهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَافَةٌ لَمْ نَجْعَلْ وَاحِدًا مِنْهُمَا ابْنَهُ

وَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ أَعْتَقْنَاهُ وَأُمَّهُ وَأَوْقَفْنَا الْآخَرَ وَأُمَّهُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : وَسَمِعْت الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: لَوْ قَالَ عِنْدَ وَفَاتِهِ لِثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ لِأَمَتِهِ أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَلَهُ ابْنٌ مَعْرُوفٌ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَتَقَ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ نَسَبٌ، وَلَا مِيرَاثٌ وَأُمُّ الْوَلَدِ تُعْتَقُ بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَلْزَمُهُ عَلَى أَصْلِهِ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَجْعَلَ لِلِابْنِ الْمَجْهُولِ مُورِثًا مَوْقُوفًا يُمْنَعُ مِنْهُ الِابْنُ الْمَعْرُوفُ وَلَيْسَ جَهْلُنَا بِأَيُّهَا الِابْنُ جَهْلًا بِأَنَّ فِيهِمْ ابْنًا، وَإِذَا عَقَلْنَا أَنَّ فِيهِمْ ابْنًا فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ لَهُ مَوْرِثَ ابْنٍ، وَلَوْ كَانَ جَهْلُنَا بِأَيِّهِمْ الِابْنِ جَهْلًا بِأَنَّ فِيهِمْ ابْنًا لَجَهِلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ حُرًّا وَبِيعُوا جَمِيعًا وَأَصْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَوْ طَلَّقَ نِسَاءَهُ إلَّا وَاحِدَةً ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ يُوقَفُ مُورِث وَاحِدَةٍ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ، وَلَمْ يُجْعَلْ جَهْلُهُ بِهَا جَهْلًا بِمُورِثِهَا وَهَذَا وَذَاكَ عِنْدِي فِي الْقِيَاسِ سَوَاءٌ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَقُولُ أَنَا فِي الثَّلَاثَةِ الْأَوْلَادِ: إنْ كَانَ الْأَكْبَرُ هُوَ الِابْنَ؛ فَهُوَ حُرٌّ وَالْأَصْغَرُ وَالْأَوْسَطُ حُرَّانِ بِأَنَّهُمَا ابْنَا أُمِّ وَلَدٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْسَطُ هُوَ الِابْنَ فَهُوَ حُرٌّ، وَالْأَصْغَرُ حُرٌّ بِأَنَّهُ ابْنُ أُمِّ وَلَدٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْغَرُ هُوَ الِابْنُ فَهُوَ حُرٌّ بِالْبُنُوَّةِ فَالْأَصْغَرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ حُرٌّ لَا شَكَّ فِيهِ فَكَيْفَ يَرِقُّ إذَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ بِالرِّقِّ وَتُمْكِنُ حُرِّيَّةُ الْأَوْسَطِ فِي حَالَيْنِ، وَيَرِقُّ فِي حَالٍ وَتُمْكِنُ حُرِّيَّةُ الْأَكْبَرِ فِي حَالٍ، وَيَرِقُّ فِي حَالَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا رَقِيقَيْنِ لِلِابْنِ الْمَعْرُوفِ وَالِابْنِ الْمَجْهُولِ نِصْفَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ هُوَ الْأَكْبَرُ فَيَكُونَ الثَّلَاثَةُ أَحْرَارًا فَالْقِيَاسُ عِنْدِي عَلَى مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنْ أُعْطِيَ الْيَقِينَ وَأَقِفَ الشَّكَّ فَلِلِابْنِ الْمَعْرُوفِ نِصْفُ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ وَاَلَّذِي أَقَرَّ بِهِ ابْنَانِ فَلَهُ النِّصْفُ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَعْرِفَ أَوْ يَصْطَلِحُوا وَالْقِيَاسُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ الْوَقْفُ إذَا لَمْ أَدْرِ أَهُمَا عَبْدَانِ أَوْ حُرَّانِ أَمْ عَبْدٌ وَحُرٌّ أَنْ يُوقَفَا، وَمُورِث ابْنٍ حَتَّى يَصْطَلِحُوا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَ فُلَانٍ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ، وَإِنْ قَالُوا بَلَغْنَا أَنَّ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ لَمْ يُقْسَمْ الْمِيرَاثُ حَتَّى يُعْلَمَ كَمْ هُوَ فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ دُعِيَ الْوَارِثُ بِكَفِيلٍ لِلْمِيرَاثِ، وَلَا تَجْبُرُهُ، وَإِنْ قَالُوا: لَا وَارِثَ غَيْرَهُ قُبِلَتْ عَلَى مَعْنًى لَا نَعْلَمُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى الْإِحَاطَةِ كَانَ خَطَأً، وَلَمْ أُرِدْهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَؤُولُ بِهِمْ إلَى الْعِلْمِ.

[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَكُلُّ عَارِيَّةٍ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ «اسْتَعَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَفْوَانَ سِلَاحَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ» وَقَالَ مَنْ لَا يَضْمَنُ الْعَارِيَّةَ فَإِنْ قُلْنَا إذَا اشْتَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ الضَّمَانَ ضَمِنَ قُلْت إذًا تَتْرُكُ قَوْلَك قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت مَا تَقُولُ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا اشْتَرَطَ الْمُسْتَوْدِعُ أَوْ الْمُضَارِبُ الضَّمَانَ أَهُوَ ضَامِنٌ؟ قَالَ لَا يَكُونُ ضَامِنًا قُلْت فَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَى الْمُسْتَسْلِفِ أَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ أَيَبْرَأُ؟ قَالَ لَا قُلْت، وَيَرُدُّ مَا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ إلَى أَصْلِهِ، وَمَا كَانَ مَضْمُونًا إلَى أَصْلِهِ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ فِيهِمَا؟ قَالَ نَعَمْ.
قُلْت: وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ فِي الْعَارِيَّةِ وَكَذَلِكَ شَرَطَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُشْتَرَطُ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ لِمَا لَا يُضْمَنُ قَالَ فَلِمَ شَرَطَ؟ قُلْت لِجَهَالَةِ صَفْوَانَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُشْرِكًا لَا يَعْرِفُ الْحُكْمَ وَلَوْ عَرَفَهُ مَا ضَرَّهُ شَرْطُهُ لَهُ قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا أَحَدٌ؟ قُلْت: فِي هَذَا كِفَايَةٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ إنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ.
(قَالَ) : وَلَوْ قَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ أَكْرَيْتُكَهَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا وَقَالَ الرَّاكِبُ بَلْ عَارِيَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَوْ قَالَ أَعَرْتنِيهَا وَقَالَ رَبُّهَا غَصَبْتنِيهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَعِيرِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا عِنْدِي خِلَافُ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ مَنْ سَكَنَ دَارَ رَجُلٍ كَمَنْ تَعَدَّى عَلَى سِلْعَتِهِ فَأَتْلَفَهَا فَلَهُ قِيمَةُ السُّكْنَى، وَقَوْلُهُ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا ضَمِنَ، وَمَنْ ادَّعَى الْبَرَاءَةَ لَمْ يَبْرَأْ فَهَذَا مُقِرٌّ بِأَخْذِ سُكْنَى وَرُكُوبِ دَابَّةٍ، وَمُدَّعٍ الْبَرَاءَةَ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَعَلَى الْمُنْكِرِ رَبِّ الدَّابَّةِ وَالدَّارِ الْيَمِينُ، وَيَأْخُذُ الْقِيمَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَنْ تَعَدَّى فِي وَدِيعَةٍ ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْأَمَانَةِ، وَلَمْ يُحْدِثْ لَهُ رَبُّ الْمَالِ اسْتِئْمَانًا فَلَا يَبْرَأُ حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَيْهِ، وَإِذَا أَعَارَهُ بُقْعَةً يَبْنِي فِيهَا بِنَاءً لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ أَنْ يُخْرِجَهُ حَتَّى يُعْطِيَهُ قِيمَةَ بِنَائِهِ قَائِمًا يَوْمَ يُخْرِجُهُ، وَلَوْ وَقَّتَ لَهُ وَقْتًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْبِنَاءِ مُطْلَقًا وَلَكِنْ لَوْ قَالَ فَإِنْ انْقَضَى الْوَقْتُ كَانَ عَلَيْك أَنْ تَنْقُضَ بِنَاءَك كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ إنَّمَا غَرَّ نَفْسَهُ.

[كِتَابُ الْغَصْبِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِذَا شَقَّ رَجُلٌ لِرَجُلٍ ثَوْبًا شَقًّا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا يَأْخُذُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ طُولًا وَعَرْضًا أَوْ كَسَرَ لَهُ شَيْئًا كَسْرًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ رَضَّضَهُ أَوْ جَنَى لَهُ عَلَى مَمْلُوكٍ فَأَعْمَاهُ أَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَيُقَوَّمُ الْمَتَاعُ كُلُّهُ، وَالْحَيَوَانُ غَيْرُ الرَّقِيقِ صَحِيحًا، وَمَكْسُورًا أَوْ صَحِيحًا، وَمَجْرُوحًا قَدْ بَرِئَ مِنْ جُرْحِهِ ثُمَّ يُعْطِي مَالِكَ ذَلِكَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَيَكُونُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ لِصَاحِبِهِ نَفَعَهُ أَوْ لَمْ يَنْفَعْهُ فَأَمَّا مَا جَنَى عَلَيْهِ مِنْ الْعَبْدِ فَيُقَوَّمُ صَحِيحًا قَبْلَ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الْجِنَايَةِ فَيُعْطَى أَرْشُهَا مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ صَحِيحًا كَمَا يُعْطَى الْحُرُّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ مِنْ دِيَتِهِ بَالِغًا ذَلِكَ مَا بَلَغَ، وَلَوْ كَانَتْ قِيَمًا كَمَا يَأْخُذُ الْحُرُّ دِيَاتٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَيْفَ غَلِطَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إنْ جَنَى عَلَى عَبْدِي فَلَمْ يُفْسِدْهُ أَخَذْته وَقِيمَةَ مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ زَادَ الْجَانِي مَعْصِيَةَ اللَّهِ - تَعَالَى - فَأَفْسَدَهُ سَقَطَ حَقِّي إلَّا أَنْ أُسْلِمَهُ يَمْلِكُهُ الْجَانِي فَيَسْقُطُ حَقِّي بِالْفَسَادِ حِينَ عَظُمَ، وَيَثْبُتُ حِينَ صَغُرَ، وَيَمْلِكُ عَلَيَّ حِينِ عَصَى فَأَفْسَدَ فَلَمْ يَمْلِكْ بَعْضًا بِبَعْضِ مَا أَفْسَدَ وَهَذَا الْقَوْلُ خِلَافٌ لِأَصْلِ حُكْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ الْمَالِكِينَ عَلَى مِلْكِهِمْ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِرِضَاهُمْ وَخِلَافُ الْمَعْقُولِ وَالْقِيَاسِ.
(قَالَ) : وَلَوْ غَصَبَ جَارِيَةً تُسَاوِي مِائَةً فَزَادَتْ فِي يَدِهِ بِتَعْلِيمٍ مِنْهُ أَوْ لِسِمَنٍ وَاعْتِنَاءٍ مِنْ مَالِهِ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ نَقَصَتْ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي مِائَةً فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَتِسْعَمِائَةٍ مَعَهَا كَمَا تَكُونُ لَهُ لَوْ غَصَبَهُ إيَّاهَا وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا فَنَقَصَتْ تِسْعَمِائَةٍ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْحُكْمُ فِي وَلَدِهَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْغَصْبِ كَالْحُكْمِ فِي بَدَنِهَا، وَلَوْ بَاعَهَا الْغَاصِبُ فَأَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا الْمَغْصُوبُ أُخِذَ مِنْ الْمُشْتَرِي مَهْرَهَا وَقِيمَتَهَا إنْ كَانَتْ مَيْتَةً وَأَخَذَهَا إنْ كَانَتْ حَيَّةً وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ أَوْلَادِهَا يَوْمَ سَقَطُوا أَحْيَاءَ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَنْ سَقَطَ مَيِّتًا، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِجَمِيعِ مَا ضَمِنَهُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَلَا أَرُدُّهُ بِالْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ كَالشَّيْءِ يُتْلِفُهُ فَلَا يَرْجِعُ بِغُرْمِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ هُوَ الَّذِي أَوْلَدَهَا أَخَذَهَا، وَمَا نَقَصَهَا، وَمَهْرَ مِثْلِهَا وَجَمِيعَ وَلَدِهَا وَقِيمَةَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ لَمْ يَأْتِ بِشُبْهَةٍ فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا فَأَبْلَاهُ الْمُشْتَرِي أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا يَوْمَ غَصْبِهِ وَبَيْنَ قِيمَتِهِ، وَقَدْ أَبْلَاهُ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ وَلَسْت أَنْظُرُ فِي الْقِيمَةِ إلَى تَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ، وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إلَى تَغَيُّرِ الْأَبْدَانِ، وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ دَابَّةً فَشَغَلَهَا الْغَاصِبُ أَوْ لَمْ يَشْغَلْهَا أَوْ دَارًا فَسَكَنَهَا أَوْ أَكْرَاهَا أَوْ لَمْ يَسْكُنْهَا، وَلَمْ يُكْرِهَا فَعَلَيْهِ كِرَاءٌ مِثْلُ كِرَاءِ ذَلِكَ مِنْ حِينِ أَخَذَهُ حَتَّى يَرُدَّهُ وَلَيْسَ الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ إلَّا لِلْمَالِكِ الَّذِي قَضَى لَهُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَدْخَلَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ الْغَاصِبَ إذَا ضَمِنَ سَقَطَ عَنْهُ الْكِرَاءُ قَوْلُهُ إذَا اكْتَرَى قَمِيصًا فائتزر بِهِ أَوْ بَيْتًا فَنَصَبَ فِيهِ رَحًى أَنَّهُ ضَامِنٌ وَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ.
قَالَ: وَلَوْ اسْتَكْرَهَ أَمَةً أَوْ حُرَّةً فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَلَا مَعْنَى لِلْجِمَاعِ إلَّا فِي مَنْزِلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: أَنْ تَكُونَ هِيَ زَانِيَةٌ مَحْدُودَةٌ فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَمَنْزِلَةٌ تَكُونُ مُصَابَةً بِنِكَاحٍ فَلَهَا مَهْرُهَا، وَمَنْزِلَةٌ تَكُونُ شُبْهَةً بَيْنَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالزِّنَا الصَّرِيحِ فَلَمَّا لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا إذَا أُصِيبَتْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَهَا الْمَهْرُ عِوَضًا مِنْ

الْجِمَاعِ انْبَغَى أَنْ يَحْكُمُوا لَهَا إذَا اُسْتُكْرِهَتْ بِمَهْرٍ عِوَضًا مِنْ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُبِحْ نَفْسَهَا فَإِنَّهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْعَاصِيَةِ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ إذَا كَانَتْ عَالِمَةً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي السَّرِقَةِ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَالْآخَرُ لِلْآدَمِيِّينَ فَإِذَا قُطِعَ لِلَّهِ - تَعَالَى - أُخِذَ مِنْهُ مَا سَرَقَ لِلْآدَمِيِّينَ فَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ فَقِيمَتُهُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ أَحَدًا ضَمِنَ مَالًا بِعَيْنِهِ بِغَصْبٍ أَوْ عُدْوَانٍ فَيَفُوتُ إلَّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَلَا أَجِدُ فِي ذَلِكَ مُوسِرًا مُخَالِفًا لِمُعْسِرٍ.
وَفِي الْمُغْتَصَبَةِ: حُكْمَانِ.
أَحَدُهُمَا لِلَّهِ وَالْآخَرُ لِلْمُغْتَصِبَةِ بِالْمَسِيسِ الَّذِي الْعِوَضُ مِنْهُ الْمَهْرُ فَأَثْبَتَ ذَلِكَ وَالْحَدُّ عَلَى الْمُغْتَصِبِ كَمَا أَثْبَتَ الْحَدَّ وَالْغُرْمَ عَلَى السَّارِقِ.

وَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْلَعَ غَرَسَهُ، وَيَرُدَّ مَا نَقَصَتْ الْأَرْضُ وَلَوْ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا فَأَرَادَ الْغَاصِبُ دَفْنَهَا فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّقَ دَارًا كَانَ لَهُ نَزْعُ التَّزْوِيقِ حَتَّى يَرُدَّ ذَلِكَ بِحَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَلَ عَنْهَا تُرَابًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا نَقَلَ عَنْهَا حَتَّى يُوَفِّيَهُ إيَّاهَا بِالْحَالِ الَّتِي أَخَذَهَا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : غَيْرَ هَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَوْ غَصَبَ غَزْلًا فَنَسَجَهُ ثَوْبًا أَوْ نُقْرَةً فَطَبَعَهَا دَنَانِيرَ أَوْ طِينًا فَضَرَبَهُ لَبِنًا فَهَذَا أَثَرٌ لَا عَيْنٌ، وَمَنْفَعَةٌ لِلْمَغْصُوبِ، وَلَا حَقَّ فِي ذَلِكَ لِلْغَاصِبِ فَكَذَلِكَ نَقْلُ التُّرَابِ عَنْ الْأَرْضِ.
وَالْبِئْرُ إذَا لَمْ تُبْنَ بِطُوبٍ أَثَرٌ لَا عَيْنٌ، وَمَنْفَعَةٌ لِلْمَغْصُوبِ، وَلَا حَقَّ فِي ذَلِكَ لِلْغَاصِبِ مَعَ أَنَّ هَذَا فَسَادٌ لِنَفَقَتِهِ، وَإِتْعَابُ بَدَنِهِ وَأَعْوَانِهِ بِمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَهَلَكَتْ فَقَالَ ثَمَنُهَا عَشَرَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ فَعَلَيْهِ مِثْلُ كَيْلِهِ وَوَزْنِهِ وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ فَزَادَ فِي قِيمَتِهِ قِيلَ لِلْغَاصِبِ: إنْ شِئْت فَاسْتَخْرِجْ الصَّبْغَ عَلَى أَنَّك ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ، وَإِنْ شِئْت فَأَنْتَ شَرِيكٌ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فَإِنْ مَحَقَ الصَّبْغَ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ قِيلَ لَيْسَ لَك هَا هُنَا مَالٌ يَزِيدُ فَإِنْ شِئْت فَاسْتَخْرِجْهُ وَأَنْتَ ضَامِنٌ لِنُقْصَانِ الثَّوْبِ، وَإِنْ شِئْت فَدَعْهُ، وَإِنْ كَانَ يَنْقُصُ الثَّوْبَ ضَمِنَ النُّقْصَانَ، وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ الصَّبْغَ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ مَا نَقَصَ الثَّوْبَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : هَذَا نَظِيرُ مَا مَضَى فِي نَقْلِ التُّرَابِ وَنَحْوِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ كَانَ زَيْتًا فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِنْ هَذَا مَكِيلَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِثْلَ زَيْتِهِ، وَإِنْ خَلَطَهُ بِشَرٍّ مِنْهُ أَوْ صَبَّهُ فِي بَانٍ فَعَلَيْهِ مِثْلُ زَيْتِهِ وَلَوْ أَغْلَاهُ عَلَى النَّارِ أَخَذَهُ، وَمَا نَقَصَتْ مَكِيلَتُهُ أَوْ قِيمَتُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَطَ دَقِيقًا بِدَقِيقٍ.
فَكَالزَّيْتِ، وَإِنْ كَانَ قَمْحًا فَعَفِنَ عِنْدَهُ رَدَّهُ وَقِيمَةَ مَا نَقَصَ، وَإِنْ غَصَبَهُ ثَوْبًا وَزَعْفَرَانًا فَصَبَغَهُ بِهِ فَرَبُّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهُ أَبْيَضَ وَزَعْفَرَانُهُ صَحِيحًا وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ مَا نَقَصَ.

وَلَوْ كَانَ لَوْحًا فَأَدْخَلَهُ فِي سَفِينَةٍ أَوْ بَنَى عَلَيْهِ جِدَارًا أُخِذَ بِقَلْعِهِ أَوْ خَيْطًا خَاطَ بِهِ ثَوْبَهُ فَإِنْ خَاطَ بِهِ جُرْحَ إنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ ضَمِنَ الْخَيْطَ، وَلَمْ يُنْزَعْ.

وَلَوْ غَصَبَ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ مَنْ أَكَلَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَخْذُ الْغَاصِبِ بِهِ فَإِنْ غَرِمَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْوَاهِبِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَوْهُوبَ لَهُ فَإِنْ غَرِمَهُ فَقَدْ قِيلَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْوَاهِبِ وَقِيلَ لَا يَرْجِعُ بِهِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هِبَةَ الْغَاصِبِ لَا مَعْنَى لَهَا، وَقَدْ أَتْلَفَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَا لَيْسَ لَهُ، وَلَا لِلْوَاهِبِ فَعَلَيْهِ غُرْمُهُ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ فَإِنْ غَرِمَهُ الْغَاصِبُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ هَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ بِأَصْلِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ حَلَّ دَابَّةً أَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَوَقَفَا ثُمَّ ذَهَبَا لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُمَا أَحْدَثَا الذَّهَابَ وَلَوْ حَلَّ زِقًّا أَوْ رَاوِيَةً فَانْدَفِقَا ضَمِنَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الزِّقُّ ثَبَتَ مُسْتَنِدًا فَكَانَ الْحَلُّ لَا يَدْفَعُ مَا فِيهِ ثُمَّ سَقَطَ بِتَحْرِيكٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْحَلَّ قَدْ كَانَ، وَلَا جِنَايَةَ فِيهِ، وَلَوْ غَصَبَهُ دَارًا فَقَالَ الْغَاصِبُ هِيَ بِالْكُوفَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ غَصَبَهُ دَابَّةً فَضَاعَتْ فَأَدَّى قِيمَتَهَا ثُمَّ ظَهَرَتْ رُدَّتْ عَلَيْهِ وَرُدَّ مَا قَبَضَ مِنْ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ قِيمَتَهَا عَلَى أَنَّهَا فَائِتَةٌ فَكَأَنَّ الْفَوْتَ قَدْ بَطَلَ لَمَّا وُجِدَتْ وَلَوْ كَانَ هَذَا بَيْعًا مَا جَازَ أَنْ تُبَاعَ دَابَّةٌ غَائِبَةٌ كَعَيْنٍ جَنَى عَلَيْهَا فَابْيَضَّتْ أَوْ عَلَى سِنِّ صَبِيٍّ فَانْقَلَعَتْ فَأَخَذَ أَرْشَهَا بَعْدَ أَنْ أَيِسَ مِنْهَا ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ وَنَبَتَتْ السِّنُّ فَلَمَّا

عَادَا رَجَعَ حَقُّهُمَا وَبَطَلَ الْأَرْشُ بِذَلِكَ فِيهِمَا.
(وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ) : وَلَوْ قَالَ الْغَاصِبُ أَنَا أَشْتَرَيْتهَا مِنْك وَهِيَ فِي يَدِي قَدْ عَرَفْتهَا فَبَاعَهُ إيَّاهَا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنَعَ بَيْعَ الْغَائِبِ فِي إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأَجَازَهُ فِي الْأُخْرَى.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ بَاعَهُ عَبْدًا وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْ رَجُلٍ فَإِنْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي نَقَضْنَا الْبَيْعَ وَرَدَدْنَاهُ إلَى رَبِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى إبْطَالِ الْبَيْعِ، وَيُصَدَّقُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ، وَإِنْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى رَبِّهِ الْمُقَرِّ لَهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَعْتَقَهُ ثُمَّ أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّهُ لِلْمَغْصُوبِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي رَدِّ الْعِتْقِ وَلِلْمَغْصُوبِ الْقِيمَةُ إنْ شَاءَ أَخَذْنَاهَا لَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْمُعْتِقِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهُ مَا لَا يَمْلِكُ.

وَإِنْ كَسَرَ لِنَصْرَانِيٍّ صَلِيبًا فَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ الْمَنَافِعِ مُفَصَّلًا فَعَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مُفَصَّلًا، وَمَكْسُورًا، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَاقَ لَهُ خَمْرًا أَوْ قَتَلَ لَهُ خِنْزِيرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا قِيمَةَ لِمُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِلْكٌ وَاحْتَجَّ عَلَى مَنْ جَعَلَ لَهُ قِيمَةَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّهُمَا مَالُهُ فَقَالَ أَرَأَيْت مَجُوسِيًّا اشْتَرَى بَيْنَ يَدَيْك غَنَمًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ وَقَذَهَا كُلَّهَا لِيَبِيعَهَا فَحَرَقَهَا مُسْلِمٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ فَقَالَ لَك هَذَا مَالِي وَهَذِهِ ذَكَاتُهُ عِنْدِي وَحَلَالٌ فِي دِينِي وَفِيهِ رِبْحٌ كَثِيرٌ وَأَنْتَ تُقِرُّنِي عَلَى بَيْعِهِ وَأَكْلِهِ وَتَأْخُذُ مِنِّي الْجِزْيَةَ عَلَيْهِ فَخُذْ لِي قِيمَتَهُ فَقَالَ أَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ بِاَلَّذِي يُوجِبُ لَك أَنْ أَكُونَ شَرِيكًا لَك فِي الْحَرَامِ، وَلَا حَقَّ لَك قَالَ فَكَيْفَ حَكَمْت بِقِيمَةِ الْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَهُمَا عِنْدَك حَرَامٌ

[مُخْتَصَرُ الشُّفْعَةِ مِنْ الْجَامِعِ مِنْ ثَلَاثَةِ كُتُبٍ مُتَفَرِّقَةٍ]

ٍ مِنْ بَيْنِ وَضْعٍ وَإِمْلَاءٍ عَلَى مُوَطَّإِ مَالِكٍ، وَمِنْ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ، وَمِمَّا أَوْجَبْت فِيهِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» وَوَصَلَهُ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ أَيُّوبُ وَأَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ وَاحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» وَقَالَ فَأَقُولُ لَلشَّرِيك الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ وَلِلْمُقَاسِمِ شُفْعَةٌ كَانَ لَصِيقًا أَوْ غَيْرَ لَصِيقٍ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّارِ طَرِيقٌ نَافِذَةٌ قُلْت لَهُ: فَلِمَ أَعْطَيْت بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ وَاسْمُ الْجِوَارِ يَلْزَمُهُمْ فَمَنَعْت مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ ذِرَاعٌ إذَا كَانَ نَافِذًا وَأَعْطَيْت مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ رَحْبَةٌ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ ذِرَاعٍ إذَا لَمْ تَكُنْ نَافِذَةً؟ فَقُلْت لَهُ فَالْجَارُ أَحَقُّ بِسَبْقِهِ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنَيَيْنِ لِكُلِّ جَارٍ أَوْ لِبَعْضِ الْجِيرَانِ دُونَ بَعْضٍ فَلَمَّا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا شُفْعَةَ فِيمَا قُسِمَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ دُونَ الْجَارِ الَّذِي قَاسَمَ وَحَدِيثُك لَا يُخَالِفُ حَدِيثَنَا؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وَحَدِيثُنَا مُفَسِّرٌ وَالْمُفَسِّرُ يُبَيِّنُ الْمُجْمَلَ قَالَ وَهَلْ يَقَعُ اسْمُ الْجِوَارِ عَلَى الشَّرِيكِ؟ قُلْت نَعَمْ امْرَأَتُك أَقْرَبُ إلَيْك أَمْ شَرِيكُك؟ قَالَ بَلْ امْرَأَتِي؛ لِأَنَّهَا ضَجِيعَتِي قُلْت فَالْعَرَبُ تَقُولُ امْرَأَةُ الرَّجُلِ جَارَتُهُ قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت قَالَ الْأَعْشَى: أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّك طَالِقَةٌ ... وَمَوْمُوقَةٌ مَا كُنْت فِينَا وَوَامِقَةٌ أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّك طَالِقَةٌ ... كَذَاك أُمُورُ النَّاسِ تَغْدُو وَطَارِقَةٌ وَبِينِي فَإِنَّ الْبَيْنَ خَيْرٌ مِنْ الْعَصَا ... وَأَنْ لَا تَزَالِي فَوْقَ رَأْسِك بَارِقَةٌ

حَبَسْتُك حَتَّى لَامَنِي النَّاسُ كُلُّهُمْ ... وَخِفْت بِأَنْ تَأْتِيَ لَدَيَّ بِبَائِقَةٍ وَذُوقِي فَتَى حَيٍّ فَإِنِّي ... ذَائِقٌ فَتَاةٍ لِحَيٍّ مِثْلَ مَا أَنْتِ ذَائِقَةٌ فَقَالَ عُرْوَةُ نَزَلَ الطَّلَاقُ مُوَافِقًا لِطَلَاقِ الْأَعْشَى.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَحَدِيثُنَا أَثْبَتُ إسْنَادًا مِمَّا رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ وَأَشْبَهُهُمَا لَفْظًا وَأَعْرَفُهُمَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُقَاسِمِ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُقَاسِمْ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ مُشَاعًا بَاعَ غَيْرَ متجزي فَيَكُونُ شَرِيكُهُ أَحَقَّ بِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ شَائِعٌ فِيهِ وَعَلَيْهِ فِي الدَّاخِلِ سُوءُ مُشَارَكَةٍ، وَمُؤْنَةُ مُقَاسَمَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَقْسُومُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي مُشَاعٍ وَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ فَإِنْ عَلِمَ فَطَلَبَ مَكَانَهُ فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ فَلَمْ يَطْلُبْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ فَإِنْ عَلِمَ فَأَخَّرَ الطَّلَبَ فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ حَبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَلَا يَقْطَعُهَا طُولُ غَيْبَتِهِ، وَإِنَّمَا يَقْطَعُهَا أَنْ يَعْلَمَ فَيَتْرُكَ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِسِلْعَةٍ فَهِيَ لَهُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا فَهِيَ لِلشَّفِيعِ بِقِيمَةِ الْمَهْرِ فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ قِيلَ لِلشَّفِيعِ إنْ شِئْت فَعَجِّلْ الثَّمَنَ وَتَعَجَّلْ الشُّفْعَةَ، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ وَرِثَهُ رَجُلَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَهُ ابْنَانِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَأَرَادَ أَخُوهُ الشُّفْعَةَ دُونَ عَمِّهِ فَكِلَاهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا فِيهَا شَرِيكَانِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا أَصَحُّ مِنْ أَحَدِ قَوْلَيْهِ إنَّ أَخَاهُ أَحَقُّ بِنَصِيبِهِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : وَفِي تَسْوِيَتِهِ بَيْنَ الشُّفْعَتَيْنِ عَلَى كَثْرَةِ مَا لِلْعَمِّ عَلَى الْأَخِ قَضَاءٌ لِأَحَدِ قَوْلَيْهِ عَلَى الْآخَرِ فِي أَخْذِ الشُّفَعَاءِ بِقَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الْمُعْتِقَيْنِ نَصِيبَيْنِ مِنْ عَبْدٍ أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ فِي أَنْ جَعَلَ عَلَيْهِمَا قِيمَةَ الْبَاقِي مِنْهُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ إذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ قَضَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلِوَرَثَةِ الشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا كَانَ يَأْخُذُهُ أَبُوهُمْ بَيْنَهُمْ عَلَى الْعَدَدِ امْرَأَتُهُ وَابْنُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : وَهَذَا يُؤَكِّدُ مَا قُلْت أَيْضًا، (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنْ حَضَرَ أَحَدُ الشُّفَعَاءِ أَخَذَ الْكُلَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَإِنْ حَضَرَ ثَانٍ أَخَذَ مِنْهُ النِّصْفَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَإِنْ حَضَرَ ثَالِثٌ أَخَذَ مِنْهُمَا الثُّلُثَ بِثُلُثِ الثَّمَنِ حَتَّى يَكُونُوا سَوَاءً فَإِنْ كَانَ الِاثْنَانِ اقْتَسَمَا كَانَ لِلثَّالِثِ نَقْضُ قِسْمَتِهِمَا فَإِنْ سَلَّمَ بَعْضُهُمْ مَا يَكُنْ لِبَعْضٍ إلَّا أَخْذُ الْكُلِّ أَوْ التَّرْكُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَهَا هَدْمٌ مِنْ السَّمَاءِ إمَّا أَخَذَ الْكُلَّ بِالثَّمَنِ، وَإِمَّا تَرَكَ وَلَوْ قَاسَمَ وَبَنَى قِيلَ لِلشَّفِيعِ إنْ شِئْت فَخُذْ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ الْيَوْمَ أَوْ دَعْ؛ لِأَنَّهُ بَنَى غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَلَا يُهْدَمُ مَا بَنَى.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا عِنْدِي غَلَطٌ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا، وَقَدْ بَنَى فِيمَا لِلشَّفِيعِ فِيهِ شِرْكٌ مُشَاعٌ وَلَوْلَا أَنَّ لِلشَّفِيعِ فِيهِ شِرْكًا مَا كَانَ شَفِيعًا إذْ كَانَ الشَّرِيكُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الدَّارِ وَالْعَرْصَةِ بِحَقٍّ مُشَاعٍ فَكَيْفَ يُقْسَمُ وَصَاحِبُ النَّصِيبِ وَهُوَ الشَّفِيعُ غَائِبٌ وَالْقَسْمُ فِي ذَلِكَ فَاسِدٌ وَبَنَى فِيمَا لَيْسَ لَهُ فَكَيْفَ يَبْنِي غَيْرَ مُتَعَدٍّ وَالْمُخْطِئُ فِي الْمَالِ وَالْعَامِدُ سَوَاءٌ عِنْدَ الشَّافِعِيُّ.
أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَرْصَةً بِأَمْرِ الْقَاضِي فَبَنَاهَا فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ أَنَّهُ يَأْخُذُ عَرْصَتَهُ، وَيَهْدِمُ الْبَانِي بِنَاءَهُ، وَيَقْلَعُهُ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَالْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ فِي بِنَاءِ مَا لَا يَمْلِكُ سَوَاءٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ كَانَ الشِّقْصُ فِي النَّخْلِ فَزَادَتْ كَانَ لَهُ أَخْذُ زَائِدِهِ.

(قَالَ) : وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ لَا بَيَاضَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْقَسْمَ وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي لَا تُمْلَكُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَلَا بِهَا وَأَمَّا عَرْصَةُ الدَّارِ تَكُونُ مُحْتَمِلَةً لِلْقَسْمِ وَلِلْقَوْمِ طَرِيقٌ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَإِذَا بِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ.

(قَالَ) : وَلِوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَأَبِي الصَّبِيِّ أَنْ يَأْخُذَا بِالشُّفْعَةِ لِمَنْ يَلِيَانِ إذَا كَانَتْ غِبْطَةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا فَإِذَا وَلِيَا مَالَهُمَا أَخَذَاهَا فَإِنْ اشْتَرَى شِقْصًا عَلَى أَنَّهُمَا جَمِيعًا بِالْخِيَارِ فَلَا شُفْعَةَ حَتَّى يُسَلِّمَ الْبَائِعُ.
(قَالَ) : وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَفِيهِ الشُّفْعَةُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ ` الشُّفْعَةِ عَرَضٌ وَالثَّمَنُ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الشُّفْعَةَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَعُهْدَةُ

الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
(قَالَ الْمُزَنِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) : وَهَذِهِ مَسَائِلُ أَجَبْت فِيهَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

(قَالَ الْمُزَنِيّ) : وَإِذَا تَبَرَّأَ الْبَائِعُ مِنْ عُيُوبِ الشُّفْعَةِ ثُمَّ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ كَانَ لَهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ الشَّفِيعِ رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَاهَا بِدَنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا ثُمَّ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِوَزْنِهَا فَاسْتُحِقَّتْ الدَّنَانِيرُ الْأُولَى فَالشِّرَاءُ وَالشُّفْعَةُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ بِعَيْنِهَا تَقُومُ مَقَامَ الْعَرَضِ بِعَيْنِهِ فِي قَوْلِهِ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّتْ الدَّنَانِيرُ الثَّانِيَةُ كَانَ عَلَى الشَّفِيعِ بَدَلُهَا.
(قَالَ) : وَلَوْ حَطَّ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَهِيَ هِبَةٌ لَهُ وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَحُطَّ.

(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَى شِقْصًا لَهُ فِيهِ شُفْعَةٌ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ فَإِنْ نَكَلَ وَحَلَفَ الشَّفِيعُ قَضَيْت لَهُ بِالشُّفْعَةِ وَلَوْ أَقَامَ الشَّفِيعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَقَامَ ذَلِكَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ فُلَانًا أَوْدَعَهُ إيَّاهَا قَضَيْت لَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَلَا يَمْنَعُ الشِّرَاءُ الْوَدِيعَةَ وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ بَاعَا مِنْ رَجُلٍ شِقْصًا فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ مَا بَاعَ فُلَانٌ وَأَدَعُ حِصَّةَ فُلَانٍ فَذَلِكَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى رَجُلَانِ مِنْ رَجُلٍ شِقْصًا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَوْ زَعَمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهَا بِأَلْفَيْنِ قَضَى لَهُ بِأَلْفَيْنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ حَقِّهِ.
وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ عَبْدًا فَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ ثُمَّ أَصَابَ الْبَائِعُ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ، وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الشِّقْصِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ وَرَجَعَ الْبَائِعُ فَأَخَذَ شِقْصَهُ.
وَلَوْ صَالَحَهُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى شِقْصٍ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيُّ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّعْوَى فَيَجُوزُ، وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشُّفْعَةِ بِمِثْلِ الْحَقِّ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الصُّلْحُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، وَلَوْ أَقَامَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ هَذِهِ الدَّارِ شِقْصًا، وَأَرَادَ أَخْذَ شِقْصِ صَاحِبِهِ بِشُفْعَتِهِ فَإِنْ وَقَّتَتْ الْبَيِّنَةُ فَاَلَّذِي سَبَقَ بِالْوَقْتِ لَهُ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ لَمْ تُؤَقِّتَ وَقْتًا بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا اشْتَرَيَا مَعًا وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ.
وَلَوْ أَنَّ الْبَائِعَ قَالَ: قَدْ بِعْت مِنْ فُلَانٍ شِقْصِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَنَّهُ قَبَضَ الشِّقْصَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فُلَانٌ وَادَّعَاهُ الشَّفِيعُ فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَدْفَعُ الْأَلْفَ إلَى الْبَائِعِ، وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ.
وَإِذَا كَانَ لِلشِّقْصِ ثَلَاثَةُ شُفَعَاءَ فَشَهِدَ اثْنَانِ عَلَى تَسْلِيمِ الثَّالِثِ فَإِنْ كَانَا سَلَّمَا جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا سَلَّمَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَا سَلَّمَهُ صَاحِبُهُمَا، وَلَوْ ادَّعَى الشَّفِيعُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى الشِّقْصَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ مِنْ صَاحِبِهِ الْغَائِبِ وَدَفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهُ، وَأَقَامَ عَدْلَيْنِ بِذَلِكَ عَلَيْهِ أَخَذَ بِشُفْعَتِهِ وَنَفَذَ الْحُكْمُ بِالْبَيْعِ عَلَى صَاحِبِهِ الْغَائِبِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَهُوَ عِنْدِي تَرْكٌ لِأَصْلِهِمْ فِي أَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَى غَائِبٍ وَهَذَا غَائِبٌ قَضَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ بَاعَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَأَبْرَأَ مِنْهُ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي وَبِذَلِكَ أَوْجَبُوا الشُّفْعَةَ لِلشَّفِيعِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَهُوَ شَفِيعٌ فَجَاءَ شَفِيعٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي خُذْهَا كُلَّهَا بِالثَّمَنِ أَوْ دَعْ وَقَالَ هُوَ: بَلْ آخُذُ نِصْفَهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ شُفْعَتَهُ لِغَيْرِهِ.

(قَالَ الْمُزَنِيّ) : وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً عَمْدًا فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى شِقْصٍ وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَرْشَ الْمُوضِحَةِ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالْأَرْشِ، وَلَوْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ شِقْصًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَتَقَابَضَا ثُمَّ قَامَ الشَّفِيعُ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَ، وَلَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا فَسَوَاءٌ لَا شُفْعَةَ لَهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا قِيمَةَ لَهُمَا عِنْدَهُ بِحَالٍ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ، وَلَا شُفْعَةَ فِي عَبْدٍ، وَلَا أَمَةٍ، وَلَا دَابَّةٍ، وَلَا مَا لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْقَسْمُ هَذَا كُلُّهُ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَمَعْنَاهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

[مُخْتَصَرُ الْقِرَاضِ إمْلَاءً]

ً، وَمَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ صَيَّرَ رِبْحَ ابْنَيْهِ فِي الْمَالِ الَّذِي تَسَلَّفَا بِالْعِرَاقِ فَرَبِحَا فِيهِ بِالْمَدِينَةِ فَجَعَلَهُ قِرَاضًا عِنْدَمَا قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ لَوْ جَعَلْته قِرَاضًا فَفَعَلَ وَأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَفَعَ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ إلَّا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ أَثْمَانٌ لِلْأَشْيَاءِ وَقِيَمِهَا.
(قَالَ) : وَإِنْ قَارَضَهُ، وَجَعَلَ رَبُّ الْمَالِ مَعَهُ غُلَامَهُ وَشَرَطَ أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِلِ وَالْغُلَامِ أَثْلَاثًا فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَانَ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَانِ وَلِلْعَامِلِ الثُّلُثُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَهُ إلَى مُدَّةٍ مِنْ الْمُدَدِ، وَلَا يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا دِرْهَمًا عَلَى صَاحِبِهِ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا أَوْ يَشْتَرِطَ أَنْ يُوَلِّيَهُ سِلْعَةً أَوْ عَلَى أَنْ يَرْتَفِقَ أَحَدُهُمَا فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ دُونَ صَاحِبِهِ أَوْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ أَوْ لَا يَشْتَرِي إلَّا سِلْعَةً بِعَيْنِهَا وَاحِدَةً أَوْ نَخْلًا أَوْ دَوَابَّ يَطْلُبُ ثَمَرَ النَّخْلِ وَنِتَاجَ الدَّوَابِّ وَبِحَبْسِ رِقَابِهَا فَإِنْ فَعَلَ فَذَلِكَ كُلُّهُ فَاسِدٌ فَإِنْ عَمِلَ فِيهِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَالرِّبْحُ وَالْمَالُ لِرَبِّهِ.
(قَالَ) : وَلَوْ اشْتَرَطَ أَنْ يَشْتَرِيَ صِنْفًا مَوْجُودًا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَجَائِزٌ، وَإِذَا سَافَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ مِنْ الْمَالِ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضَ الْمُؤْنَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا يَعْمَلُهَا الْعَامِلُ وَلَهُ النَّفَقَةُ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنْ خَرَجَ بِمَالٍ لِنَفْسِهِ كَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ بِالْحِصَصِ، وَمَا اشْتَرَى فَلَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ، وَإِنْ اشْتَرَى وَبَاعَ بِالدَّيْنِ فَضَامِنٌ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَهَابِ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِذَا اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِإِذْنِهِ عَتَقَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَالْمُضَارِبُ ضَامِنٌ وَالْعَبْدُ لَهُ وَالْمَالِكُ إنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْبَحَ فِي بَيْعِهِ فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ يَشْتَرِي أَبَا سَيِّدِهِ فَالشِّرَاءُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ، وَلَا مَالَ لَهُ.
(وَقَالَ) فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ فِي شِرَاءِ الْعَبْدِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى مَوْلَاهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا جَائِزٌ وَالْآخَرُ لَا يَجُوزُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : قِيَاسُ قَوْلِهِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ أَنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ لَا ذِمَّةَ لَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ اشْتَرَى الْمُقَارِضُ أَبَا نَفْسِهِ بِمَالِ رَبِّ الْمَالِ وَفِي الْمَالِ فَضْلٌ أَوْ لَا فَضْلَ فِيهِ فَسَوَاءٌ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ وَكِيلٍ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَلَا رِبْحَ لِلْعَامِلِ إلَّا بَعْدَ قَبْضِ رَبِّ الْمَالِ مَالَهُ، وَلَا يَسْتَوْفِيهِ رَبُّهُ إلَّا، وَقَدْ بَاعَ أَبَاهُ وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ مِنْ الرِّبْحِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْمَالُ إلَى رَبِّهِ كَانَ مُشَارِكًا لَهُ وَلَوْ خَسِرَ حَتَّى لَا يَبْقَى إلَّا أَقَلَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَانَ فِيمَا بَقِيَ شَرِيكًا؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا زَائِدًا مَلَكَهُ نَاقِصًا.
(قَالَ) : وَمَتَى شَاءَ رَبُّهُ أَخْذَ مَالِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ، وَمَتَى شَاءَ الْعَامِلُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْقِرَاضِ خَرَجَ مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ صَارَ لِوَارِثِهِ فَإِنْ رَضِيَ تَرَكَ الْمُقَارِضَ عَلَى قِرَاضِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ انْفَسَخَ قِرَاضُهُ، وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ لَمْ يَكُنْ لِوَارِثِهِ أَنْ يَعْمَلَ مَكَانَهُ، وَيَبِيعَ مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ مَعَ مَا كَانَ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ أَدَاةِ السَّفَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ كَانَ لِوَارِثِهِ، وَإِنْ كَانَ خُسْرَانٌ كَانَ ذَلِكَ، وَإِنْ قَارَضَ الْعَامِلُ بِالْمَالِ آخَرَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ فَإِنْ رَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ شَطْرُ الرِّبْحِ ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ شَطْرُهُ فِيمَا يَبْقَى.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : هَذَا قَوْلُهُ قَدِيمًا وَأَصْلُ قَوْلِهِ الْجَدِيدِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ فَاسِدٍ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ جُوِّزَ حَتَّى يُبْتَدَأَ بِمَا يَصْلُحُ فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَى بِغَيْرِ الْعَيْنِ فَالشِّرَاءُ جَائِزٌ وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ لِلْمُقَارِضِ الْأَوَّلِ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلِلْعَامِلِ الثَّانِي أَجْرُ مِثْلِهِ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ حَالَ عَلَى سِلْعَةٍ فِي الْقِرَاضِ

حَوْلٌ وَفِيهَا رِبْحٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحَ وَحِصَّةَ رِبْحِ صَاحِبِهِ، وَلَا زَكَاةَ عَلَى الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ رِبْحَهُ فَائِدَةٌ فَإِنْ حَالَ الْحَوْلُ مُنْذُ قُوِّمَ صَارَ لِلْمُقَارِضِ رِبْحُ زَكَاةٍ مَعَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ خَلِيطٌ بِرِبْحِهِ، وَإِنْ رَجَعَتْ السِّلْعَةُ إلَى رَأْسِ الْمَالِ كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُزَكَّى بِرِبْحِهَا لِحَوْلِهَا؛ لِأَنَّهَا لِرَبِّ الْمَالِ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُسَلَّمَ إلَى رَبِّ الْمَالِ مَالُهُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : هَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَوْ اشْتَرَى الْعَامِلُ أَبَاهُ وَفِي الْمَالِ رِبْحٌ كَانَ لَهُ بَيْعُهُ فَلَوْ مَلَكَ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا لَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَوْ كَانَ لَهُ رِبْحٌ قَبْلَ دَفْعِ الْمَالِ إلَى رَبِّهِ لَكَانَ بِهِ شَرِيكًا وَلَوْ خَسِرَ حَتَّى لَا يَبْقَى إلَّا قَدْرَ رَأْسِ الْمَالِ كَانَ فِيمَا بَقِيَ شَرِيكًا؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا زَائِدًا مَلَكَهُ نَاقِصًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَتَى شَاءَ رَبُّ الْمَالِ أَخْذَ مَالِهِ، وَمَتَى أَرَادَ الْعَامِلُ الْخُرُوجَ مِنْ الْقِرَاضِ فَذَلِكَ لَهُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذِهِ مَسَائِلُ أَجَبْتُ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِ وَقِيَاسِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(قَالَ الْمُزَنِيّ) : مِنْ ذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ خُذْهَا فَاشْتَرِ بِهَا هَرَوِيًّا أَوْ مَرَوِيًّا بِالنِّصْفِ كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ فَإِنْ اشْتَرَى فَجَائِزٌ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَإِنْ بَاعَ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
(قَالَ) : فَإِنْ قَالَ خُذْهَا قِرَاضًا أَوْ مُضَارَبَةً عَلَى مَا شَرَطَ فُلَانٌ مِنْ الرِّبْحِ لِفُلَانٍ فَإِنْ عَلِمَا ذَلِكَ فَجَائِزٌ، وَإِنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَفَاسِدٌ فَإِنْ قَارَضَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّ ثُلُثَ رِبْحِهَا لِلْعَامِلِ، وَمَا بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ فَثُلُثُهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَثُلُثَاهُ لِلْعَامِلِ فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ مَعْلُومَةٌ، وَإِنْ قَارَضَهُ عَلَى دَنَانِيرَ فَحَصَلَ فِي يَدَيْهِ دَرَاهِمُ أَوْ عَلَى دَرَاهِمَ فَحَصَلَ فِي يَدَيْهِ دَنَانِيرُ فَعَلَيْهِ بَيْعُ مَا حَصَلَ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ مَا لِرَبِّ الْمَالِ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ وَإِذَا دَفَعَ مَالًا قِرَاضًا فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَى وَبَاعَ وَرَبِحَ أَخَذَ الْعَامِلُ رِبْحَهُ وَاقْتَسَمَ الْغُرَمَاءُ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ.

وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا وَقَالَ الْعَامِلُ: اشْتَرَيْته لِنَفْسِي بِمَالِي وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: بَلْ فِي الْقِرَاضِ بِمَالِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَالْآخَرُ مُدَّعٍ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَإِنْ قَالَ الْعَامِلُ: اشْتَرَيْته مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: بَلْ لِنَفْسِك وَفِيهِ خُسْرَانٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِيمَا فِي يَدَيْهِ وَلَوْ قَالَ الْعَامِلُ: اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ الْقِرَاضِ ثُمَّ اشْتَرَيْت الْعَبْدَ الثَّانِيَ بِتِلْكَ الْأَلْفِ قَبْلَ أَنْ أَنْقُدَ كَانَ الْأَوَّلُ فِي الْقِرَاضِ وَالثَّانِي لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَإِنْ نَهَى رَبُّ الْمَالِ الْعَامِلَ أَنْ يَشْتَرِيَ، وَيَبِيعَ وَفِي يَدَيْهِ عَرَضٌ اشْتَرَاهُ فَلَهُ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدَيْهِ عَيْنٌ فَاشْتَرَى فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَالثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ وَالرِّبْحُ لَهُ وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَى بِالْمَالِ بِعَيْنِهِ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، وَيَتَرَادَّانِ حَتَّى تَرْجِعَ السِّلْعَةُ إلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ هَلَكَتْ فَلِصَاحِبِهَا قِيمَتُهَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَيَرْجِعُ بِهَا الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي، وَيَتَرَادَّانِ الثَّمَنَ الْمَدْفُوعَ وَلَوْ قَالَ الْعَامِلُ رَبِحْت أَلْفًا ثُمَّ قَالَ غَلِطْت أَوْ خِفْت نَزْعَ الْمَالِ مِنِّي فَكَذَبْت لَزِمَهُ إقْرَارُهُ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ رُجُوعُهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ.
وَلَوْ اشْتَرَى الْعَامِلُ أَوْ بَاعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَبَاطِلٌ وَهُوَ لِلْمَالِ ضَامِنٌ.

وَلَوْ اشْتَرَى فِي الْقِرَاضِ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ دَفَعَ الثَّمَنَ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ، وَهُوَ لِلْمَالِ ضَامِنٌ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ.

[الْمُسَاقَاةُ مَجْمُوعَةٌ مِنْ إمْلَاءٍ وَمَسَائِلَ شَتَّى]

جَمَعْتهَا مِنْهُ لَفْظًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّ نِصْفَ الثَّمَرِ لَهُمْ وَكَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيُخَرَّصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثُمَّ يَقُولُ إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْخَرْصِ إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي أَنْ يَخْرُصَ النَّخْلَ كُلَّهُ كَأَنَّهُ خَرَصَهَا مِائَةَ وَسْقٍ وَعَشَرَةَ أَوْسُقٍ رُطَبًا ثُمَّ قَدَّرَ أَنَّهَا إذَا صَارَتْ تَمْرًا نَقَصَتْ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ فَصَحَّتْ مِنْهَا مِائَةُ وَسْقٍ تَمْرًا

فَيَقُولُ: إنْ شِئْتُمْ دَفَعْت إلَيْكُمْ النِّصْفَ الَّذِي لَيْسَ لَكُمْ الَّذِي أَنَا فِيهِ قَيِّمٌ لِأَهْلِهِ عَلَى أَنْ تَضْمَنُوا لِي خَمْسِينَ وَسْقًا تَمْرًا مِنْ تَمْرٍ يُسَمِّيهِ، وَيَصِفُهُ وَلَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوهَا وَتَبِيعُوهَا رُطَبًا كَيْفَ شِئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي أَنْ أَكُونَ هَكَذَا مِثْلُكُمْ وَتُسَلِّمُونَ إلَيَّ نِصْفَكُمْ وَأَضْمَنُ لَكُمْ هَذِهِ الْمَكِيلَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا سَاقَى عَلَى النَّخْلِ أَوْ الْعِنَبِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ فَهِيَ الْمُسَاقَاةُ الَّتِي سَاقَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا بَيْضَاءَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا الْمَدْفُوعَةُ إلَيْهِ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ فَلَهُ جُزْءٌ مَعْلُومٌ فَهَذِهِ الْمُخَابَرَةُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ تَرِدْ إحْدَى السُّنَّتَيْنِ بِالْأُخْرَى فَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ بِمَا وَصَفْت فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ دُونَ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَخَذَ صَدَقَةَ ثَمَرَتِهِمَا بِالْخَرْصِ، وَثَمَرُهُمَا مُجْتَمِعٌ بَائِنٌ مِنْ شَجَرِهِ لَا حَائِلَ دُونَهُ يَمْنَعُ إحَاطَةَ النَّاظِرِ إلَيْهِ وَثَمَرُ غَيْرِهِمَا مُتَفَرِّقٌ بَيْنَ أَضْعَافِ وَرَقٍ لَا يُحَاطُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إلَّا عَلَى النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ سِنِينَ.
وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى نَخْلٍ وَكَانَ فِيهِ بَيَاضٌ لَا يُوَصِّلُ إلَى عَمَلِهِ إلَّا الدُّخُولُ عَلَى النَّخْلِ وَكَانَ لَا يُوَصِّلُ إلَى سَقْيِهِ إلَّا بِشِرْكِ النَّخْلِ فِي الْمَاءِ فَكَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ جَازَ أَنْ يُسَاقِيَ عَلَيْهِ مَعَ النَّخْلِ لَا مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ وَلَوْلَا الْخَبَرُ فِيهِ عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ دَفَعَ إلَى أَهْلِ خَيْبَرَ النَّخْلَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ النِّصْفَ مِنْ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَلَهُ النِّصْفُ» وَكَانَ الزَّرْعُ كَمَا وَصَفْت بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّخْلِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْمُسَاقِي فِي النَّخْلِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِ فَإِنْ فَعَلَ فَكَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ، وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إلَّا عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّ لَهُ ثَمَرَ نَخَلَاتٍ بِعَيْنِهَا مِنْ الْحَائِطِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ وَلَوْ دَخَلَ فِي النَّخْلِ عَلَى الْإِجَارَةِ بِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ، وَيَحْفَظَ بِشَيْءٍ مِنْ التَّمْرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ وَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ مُسْتَزَادٍ فِي الثَّمَرِ مِنْ إصْلَاحِ الْمَاءِ وَطَرِيقِهِ وَتَصْرِيفِ الْجَرِيدِ، وَإِبَارِ النَّخْلِ وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ بِالنَّخْلِ وَنَحْوِهِ جَازَ شَرْطُهُ عَلَى الْعَامِلِ فَأَمَّا شَدُّ الْحِظَارِ فَلَيْسَ فِيهِ مُسْتَزَادٌ، وَلَا صَلَاحٌ فِي الثَّمَرَةِ فَلَا يَجُوزُ شَرْطُهُ عَلَى الْعَامِلِ.

[كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمْ الْمُسَاقِي]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُسَاقِي عَلَى رَبِّ النَّخْلِ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ، وَلَا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي غَيْرِهِ.
(قَالَ) : وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ عَلَى مَا يَتَشَارَطَانِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَتِهِمْ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا لِلْمُسَاقِي بِغَيْرِ أُجْرَةٍ جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذِهِ مَسَائِلُ أَجَبْت فِيهَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ وَقِيَاسِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَمِنْ ذَلِكَ لَوْ سَاقَاهُ عَلَى نَخْلٍ سِنِينَ مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فِيهَا جَمِيعًا لَمْ يَجُزْ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ قِيَاسًا عَلَى شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ يَعْمَلَانِ فِي الْمَالِ جَمِيعًا فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَعَانَهُ مَعُونَةً مَجْهُولَةَ الْغَايَةِ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ.
وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى النِّصْفِ عَلَى أَنْ يُسَاقِيَهُ فِي حَائِطٍ آخَرَ عَلَى الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ كَالْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَلَهُ فِي الْفَاسِدِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي عَمَلِهِ فَإِنْ سَاقَاهُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَلَى النِّصْفِ وَالْآخَرُ نَصِيبَهُ عَلَى الثُّلُثِ جَازَ وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى حَائِطٍ فِيهِ أَصْنَافٌ مِنْ دَقَلٍ وَعَجْوَةٍ وَصَيْحَانِيٍّ عَلَى أَنَّ لَهُ مِنْ الدَّقَلِ النِّصْفَ، وَمِنْ الْعَجْوَةِ الثُّلُثَ، وَمِنْ الصَّيْحَانِيِّ الرُّبُعَ وَهُمَا يَعْرِفَانِ كُلَّ صِنْفٍ كَانَ كَثَلَاثَةِ حَوَائِطَ مَعْرُوفَةٍ، وَإِنْ جَهِلَا أَوْ أَحَدُهُمَا كُلَّ صِنْفٍ لَمْ يَجُزْ.

وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى نَخْلٍ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ، وَلَمْ يَقُولَا غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا، وَمَا بَعْدَ الثُّلُثِ فَهُوَ لِرَبِّ النَّخْلِ، وَإِنْ اشْتَرَطَا أَنَّ لِلرَّبِّ النَّخْلِ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ، وَلَمْ يَقُولَا غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَمْ يَعْلَمْ نَصِيبَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ثَمَرَ النَّخْلِ لِرَبِّهَا إلَّا مَا شَرَطَ مِنْهَا لِلْعَامِلِ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ نَصِيبِ الْعَامِلِ لِمَنْ الْبَاقِي.
وَإِذَا اشْتَرَطَ رَبُّ النَّخْلِ لِنَفْسِهِ الثُّلُثَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نَصِيبَ الْعَامِلِ مِنْ الْبَاقِي فَنَصِيبُ الْعَامِلِ مَجْهُولٌ، وَإِذَا جُهِلَ النَّصِيبُ فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ وَلَوْ كَانَتْ النَّخْلُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَسَاقَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ ثُلُثَيْ الثَّمَرَةِ مِنْ جَمِيعِ النَّخْلِ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَ كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ سَاقَى شَرِيكَهُ فِي نِصْفِهِ عَلَى ثُلُثِ ثَمَرَتِهِ وَلَوْ سَاقَى شَرِيكَهُ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ الثُّلُثَ وَلِصَاحِبِهِ الثُّلُثَيْنِ لَمْ يَجُزْ كَرَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ قَارَضَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي نِصْفِهِ فَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِي الْأَلْفِ مِنْ رِبْحٍ فَالثُّلُثَانِ لِلْعَامِلِ وَلِصَاحِبِهِ الثُّلُثُ فَإِنَّمَا قَارَضَهُ فِي نِصْفِهِ عَلَى ثُلُثِ رِبْحِهِ فِي نِصْفِهِ.

وَلَوْ قَارَضَهُ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ ثُلُثَ الرِّبْحِ وَالثُّلُثَيْنِ لِصَاحِبِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ عَقَدَ لَهُ الْعَامِلُ أَنْ يَخْدُمَهُ فِي نِصْفِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَسَلَّمَ لَهُ مَعَ خِدْمَتِهِ مِنْ رِبْحٍ نِصْفُهُ تَمَامُ ثُلُثَيْ الْجَمِيعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِنْ عَمِلَ الْمُسَاقِي فِي هَذَا أَوْ الْمُقَارِضُ فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَا أُجْرَةَ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ عَلَى غَيْرِ بَدَلٍ وَلَوْ سَاقَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى نَخْلٍ بَيْنَهُمَا سَنَةً مَعْرُوفَةً عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فِيهَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِمُسَاقَاتِهِمَا مَعْنًى فَإِنْ عَمِلَا فَلِأَنْفُسِهِمَا عَمِلَا وَالثَّمَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَلَوْ سَاقَى رَجُلٌ رَجُلًا نَخْلًا مُسَاقَاةً صَحِيحَةً فَأَثْمَرَتْ ثُمَّ هَرَبَ الْعَامِلُ اكْتَرَى عَلَيْهِ الْحَاكِمُ فِي مَالِهِ مَنْ يَقُومُ فِي النَّخْلِ مَقَامَهُ، وَإِنْ عَلِمَ مِنْهُ سَرِقَةً فِي النَّخْلِ وَفَسَادًا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَتُكُورِيَ عَلَيْهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَإِنْ مَاتَ قَامَتْ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فَإِنْ أَنْفَقَ رَبُّ النَّخْلِ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ، وَيَسْتَوْفِي الْعَامِلُ شَرْطَهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ وَلَوْ عَمِلَ فِيهَا الْعَامِلُ فَأَثْمَرَتْ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا أَخَذَهَا وَثَمَرَهَا، وَلَا حَقَّ عَلَيْهِ فِيمَا عَمِلَ فِيهَا الْعَامِلُ؛ لِأَنَّهَا آثَارٌ لَا عَيْنٌ وَرَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى الدَّافِعِ بِقِيمَةِ مَا عَمِلَ فَإِنْ اقْتَسَمَا

الثَّمَرَةَ فَأَكَلَاهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَكِيلَةِ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا مِنْ الدَّافِعِ لَهَا وَرَجَعَ الدَّافِعُ عَلَى الْعَامِلِ بِالْمَكِيلَةِ الَّتِي غَرِمَهَا وَرَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهِ.

وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَقَاهَا بِمَاءِ سَمَاءٍ أَوْ نَهْرٍ فَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ سَقَاهَا بِالنَّضْحِ فَلَهُ النِّصْفُ كَانَ هَذَا فَاسِدًا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ كَانَ وَالنَّصِيبُ مَجْهُولٌ وَالْعَمَلُ غَيْرُ مَعْلُومٍ كَمَا لَوْ قَارَضَهُ بِمَالٍ عَلَى أَنَّ مَا رَبِحَ فِي الْبَرِّ فَلَهُ الثُّلُثُ، وَمَا رَبِحَ فِي الْبَحْرِ فَلَهُ النِّصْفُ فَإِنْ عَمِلَ كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فَإِنْ اشْتَرَطَ الدَّاخِلُ أَنَّ أُجْرَةَ الْأُجَرَاءِ مِنْ الثَّمَرَةِ فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ.

وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى وَدْيٍ لِوَقْتٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُثْمِرُ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَوْ اخْتَلَفَا بَعْدَ أَنْ أَثْمَرَتْ النَّخْلُ عَلَى مُسَاقَاةٍ صَحِيحَةٍ فَقَالَ رَبُّ النَّخْلِ عَلَى الثُّلُثِ وَقَالَ الْعَامِلُ بَلْ عَلَى النِّصْفِ تَحَالَفَا وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ لَهُ بِهِ رَبُّ النَّخْلِ أَوْ أَقَلَّ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى سَقَطَتَا وَتَحَالَفَا كَذَلِكَ أَيْضًا.

وَلَوْ دَفَعَا نَخْلًا إلَى رَجُلٍ مُسَاقَاةً فَلَمَّا أَثْمَرَتْ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الْعَامِلُ: شَرَطْتُمَا لِي النِّصْفَ وَلَكُمَا النِّصْفُ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ كَانَ لَهُ مُقَاسَمَةُ الْمُقِرِّ فِي نِصْفِهِ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ وَتَحَالَفَ هُوَ وَالْمُنْكِرُ وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي نِصْفِهِ وَلَوْ شَرَطَ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ النِّصْفَ، وَمِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ بِعَيْنِهِ الثُّلُثَ جَازَ، وَإِنْ جَهِلَا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وَفُسِخَ فَإِنْ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَالثَّمَرُ لِرَبِّهِ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

[مُخْتَصَرٌ مِنْ الْجَامِعِ فِي الْإِجَارَةِ]

ِ مِنْ ثَلَاثِ كُتُبٍ فِي الْإِجَارَةِ، وَمَا دَخَلَ فِيهِ سِوَى ذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الرَّضَاعُ فَلَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إلَّا هَذَا جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَذَكَرَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ وَعَمِلَ بِهَا بَعْضُ أَنْبِيَائِهِ فَذَكَرَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِجَارَتَهُ نَفْسَهُ ثَمَانِيَ حِجَجٍ مَلَكَ بِهَا بُضْعَ امْرَأَتِهِ وَقِيلَ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى تَجْوِيزِ الْإِجَارَةِ، وَمَضَتْ بِهَا السُّنَّةُ وَعَمِلَ بِهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وَعَوَامِّ أَهْلِ الْأَمْصَارِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَالْإِجَارَاتُ صِنْفٌ مِنْ الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي فِي الْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا حَتَّى يَكُونَ أَحَقَّ بِهَا مِنْ مَالِكِهَا، وَيَمْلِكُ بِهَا صَاحِبُهَا الْعِوَضَ فَهِيَ مَنْفَعَةٌ مَعْقُولَةٌ مِنْ عَيْنٍ مَعْلُومَةٍ فَهِيَ كَالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ وَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا بِخِلَافِ الْعَيْنِ كَانَتْ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتَرِيَ بِدَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ دَيْنًا بِدَيْنٍ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
(قَالَ) : وَإِذَا دَفَعَ مَا أَكْرَى وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ كَمَا إذَا دَفَعَ جَمِيعَ مَا بَاعَ وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَجَلًا فَإِذَا قَبَضَ الْعَبْدَ فَاسْتَخْدَمَهُ أَوْ الْمَسْكَنَ فَسَكَنَهُ ثُمَّ هَلَكَ الْعَبْدُ أَوْ انْهَدَمَ الْمَسْكَنُ حَسَبَ قَدْرَ مَا اسْتَخْدَمَ وَسَكَنَ فَكَانَ لَهُ وَرَدَّ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ عَلَى الْمُكْتَرِي كَمَا لَوْ اشْتَرَى سَفِينَةَ طَعَامٍ كُلَّ قَفِيزٍ بِكَذَا فَاسْتَوْفَى بَعْضًا فَاسْتَهْلَكَهُ ثُمَّ هَلَكَ الْبَاقِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا قَبَضَ وَرَدَّ قَدْرَ مَا بَقِيَ، وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا مَا كَانَتْ الدَّارُ قَائِمَةً، وَلَيْسَ الْوَارِثُ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمَوْرُوثِ الَّذِي عَنْهُ وَرِثُوا فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ انْتَفَعَ الْمُكْرِي بِالثَّمَنِ قِيلَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي رُطَبٍ لِوَقْتٍ فَانْقَطَعَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ انْتَفَعَ بِهِ الْبَائِعُ وَلَوْ بَاعَ مَتَاعًا غَائِبًا بِبَلَدٍ وَدَفَعَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ الْمُبْتَاعُ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ انْتَفَعَ بِهِ الْبَائِعُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذَا تَجْوِيزُ بَيْعِ الْغَائِبِ وَنَفَاهُ فِي مَكَان آخَرَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ تَكَارَى دَابَّةً مِنْ مَكَّةَ إلَى بَطْنِ مَرٍّ فَتَعَدَّى بِهَا

إلَى عُسْفَانَ فَعَلَيْهِ كِرَاؤُهَا إلَى مَرٍّ وَكِرَاءُ مِثْلِهَا إلَى عُسْفَانَ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ دَارِهِ وَعَبْدَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَيُّ الْمُتَكَارِيَيْنِ هَلَكَ فَوَرَثَتُهُ تَقُومُ مَقَامَهُ.

[بَابُ كِرَاءِ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكِرَاءُ الْإِبِلِ جَائِزٌ لِلْمَحَامِلِ وَالزَّوَامِلِ وَالرِّجَالِ وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ لِلسُّرُوجِ وَالْأَكُفِّ وَالْحَمُولَةِ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ مَغِيبٌ حَتَّى يَرَى الرَّاكِبِينَ وَظَرْفَ الْمَحْمِلِ وَالْوِطَاءِ وَالظِّلِّ إنْ شَرَطَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فَيَتَبَايَنُ وَالْحَمُولَةُ بِوَزْنٍ مَعْلُومٍ أَوْ كَيْلٍ مَعْلُومٍ فِي ظُرُوفٍ تُرَى أَوْ تَكُونُ إذَا شُرِطَتْ عُرِفَتْ مِثْلَ غَرَائِرَ جَبَلِيَّةٍ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَإِنْ ذَكَرَ مَحْمِلًا أَوْ مَرْكَبًا أَوْ زَامِلَةً بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَلَا صِفَةٍ فَهُوَ مَفْسُوخٌ لِلْجَهْلِ بِذَلِكَ، وَإِنْ أَكْرَاهُ مَحْمِلًا وَأَرَاهُ إيَّاهُ وَقَالَ مَعَهُ مَعَالِيقُ أَوْ قَالَ مَا يُصْلِحُهُ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ فَاسِدٌ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَهُ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ النَّاسُ وَسَطًا، وَإِنْ أَكْرَاهُ إلَى مَكَّةَ فَشَرَطَ سَيْرًا مَعْلُومًا فَهُوَ أَصَحُّ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَاَلَّذِي أَحْفَظُهُ أَنَّ السَّيْرَ مَعْلُومٌ عَلَى الْمَرَاحِلِ؛ لِأَنَّهَا الْأَغْلَبُ مِنْ سَيْرِ النَّاسِ كَمَا أَنَّ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ الْأَغْلَبَ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ وَأَيُّهُمَا أَرَادَ الْمُجَاوَزَةَ أَوْ التَّقْصِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَإِنْ تَكَارَى إبِلًا بِأَعْيَانِهَا رَكِبَهَا، وَإِنْ ذَكَرَ حَمُولَةً مَضْمُونَةً، وَلَمْ تَكُنْ بِأَعْيَانِهَا رَكِبَ مَا يَحْمِلُهُ غَيْرَ مَضْرِبِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُرْكِبَ الْمَرْأَةَ، وَيُنْزِلَهَا عَنْ الْبَعِيرِ بَارِكًا؛ لِأَنَّهُ رُكُوبُ النِّسَاءِ، وَيُنْزِلَ الرَّجُلَ لِلصَّلَاةِ، وَيَنْتَظِرَهُ حَتَّى يُصَلِّيَهَا غَيْرَ مُعَجِّلٍ لَهُ وَلِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ الْوُضُوءِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَارَى بَعِيرًا بِعَيْنِهِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ إلَّا عِنْدَ خُرُوجِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْبَعِيرُ رَدَّ الْجَمَّالُ مِنْ الْكِرَاءِ مِمَّا أَخَذَ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَمُولَةُ مَضْمُونَةً كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِإِبِلٍ غَيْرِهَا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الرِّحْلَةِ رَحَلَ لَا مَكْبُوبًا، وَلَا مُسْتَلْقِيًا وَالْقِيَاسُ أَنْ يُبَدِّلَ مَا يَبْقَى مِنْ الزَّادِ وَلَوْ قِيلَ إنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ الزَّادِ يَنْقُصُ فَلَا يُبَدَّلُ كَانَ مَذْهَبًا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : الْأَوَّلُ أَقْيَسُهُمَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنْ هَرَبَ الْجَمَّالُ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكْتَرِيَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ.

[تَضْمِينُ الْأُجَرَاءِ مِنْ الْإِجَارَةِ مِنْ كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأُجَرَاءُ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ، وَمَا تَلِفَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِهِمْ فَفِيهِ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْأَجْرَ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا ضَمَانَ إلَّا بِالْعُدْوَانِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : هَذَا أَوْلَاهُمَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ بِأَنْ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَجَّامِ يَأْمُرُهُ الرَّجُلُ أَنْ يَحْجُمَهُ أَوْ يَخْتِنَ غُلَامَهُ أَوْ يُبَيْطِرَ دَابَّتَهُ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا أَلْقَوْا عَنْ هَؤُلَاءِ الضَّمَانَ لَزِمَهُمْ إلْقَاؤُهُ عَنْ الصُّنَّاعِ، وَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّى سَأَلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
وَرَوَى عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ لَا ضَمَانَ عَلَى صَانِعٍ، وَلَا أَجِيرٍ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ ضَمَّنَ الرَّاعِيَ الْمُنْفَرِدَ بِالْأُجْرَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ عِنْدِي فِي الْقِيَاسِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرَكِ، وَلَا أُضَمِّنُ الْأَجِيرَ فِي الْحَانُوتِ يَحْفَظُ مَا فِيهِ مِنْ الْبَزِّ، وَيَبِيعُهُ وَالصَّانِعُ بِالْأُجْرَةِ عِنْدِي فِي الْقِيَاسِ مِثْلُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يَخْبِزُ لَهُ خُبْزًا مَعْلُومًا فِي تَنُّورٍ أَوْ فُرْنٍ فَاحْتَرَقَ فَإِنْ كَانَ خَبَزَهُ فِي حَالٍ لَا يُخْبَزُ فِي مِثْلِهَا؛ لِاسْتِعَارِ التَّنُّورِ؛ أَوْ شِدَّةِ حَمْوِهِ أَوْ تَرَكَهُ تَرْكًا لَا يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ كَانَ مَا

فَعَلَ صَلَاحًا لِمِثْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ مَنْ لَا يُضَمِّنُ الْأَجِيرَ، وَإِنْ اكْتَرَى دَابَّةً فَضَرَبَهَا أَوْ كَبَحَهَا بِاللِّجَامِ فَمَاتَتْ فَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُ الْعَامَّةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ مَا لَا يَفْعَلُ الْعَامَّةُ ضَمِنَ فَأَمَّا الرُّوَّاضُ فَإِنَّ شَأْنَهُمْ اسْتِصْلَاحُ الدَّوَابِّ وَحَمْلُهَا عَلَى السَّيْرِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهَا بِالضَّرْبِ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا يَفْعَلُ الرَّاكِبُ غَيْرُهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَرَاهُ الرُّوَّاضُ صَلَاحًا بِلَا إعْنَاتٍ بَيِّنٍ لَمْ يَضْمَنْ فَإِنْ فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَضَمِنَ.
(قَالَ) : وَالرَّاعِي إذَا فَعَلَ مَا لِلرُّعَاةِ فِعْلُهُ مِمَّا فِيهِ صَلَاحٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ ضَمِنَ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذَا يَقْضِي لِأَحَدِ قَوْلَيْهِ بِطَرْحِ الضَّمَانِ كَمَا وَصَفْت وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ أَكْرَى حَمْلَ مَكِيلَةٍ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ فَهُوَ فِي الْمَكِيلَةِ جَائِزٌ وَفِي الزَّائِدِ فَاسِدٌ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَلَوْ حَمَلَ لَهُ مَكِيلَةً فَوُجِدَتْ زَائِدَةً فَلَهُ أَجْرُ مَا حَمَلَ مِنْ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الْحَمَّالُ هُوَ الْكَيَّالُ فَلَا كِرَاءَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ وَلِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ الزِّيَادَةِ فِي مَوْضِعِهِ أَوْ يَضْمَنُ قَمْحَهُ بِبَلَدِهِ.

وَمُعَلِّمُ الْكُتَّابِ وَالْآدَمِيِّينَ مُخَالِفٌ لِرَاعِي الْبَهَائِمِ وَصُنَّاعِ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيِّينَ يُؤَدَّبُونَ بِالْكَلَامِ فَيَتَعَلَّمُونَ وَلَيْسَ هَكَذَا مُؤَدِّبُ الْبَهَائِمِ فَإِذَا ضَرَبَ أَحَدًا مِنْ الْآدَمِيِّينَ لِاسْتِصْلَاحِ الْمَضْرُوبِ أَوْ غَيْرِ اسْتِصْلَاحِهِ فَتَلِفَ كَانَتْ فِيهِ دِيَةٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ وَالتَّعْزِيرُ لَيْسَ بِحَدٍّ يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَدْ يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَلَا يَأْثَمُ مَنْ تَرَكَهُ قَدْ فُعِلَ غَيْرُ شَيْءٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ حَدٍّ فَلَمْ يَضْرِبْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْغُلُولُ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُؤْتَ بِحَدٍّ قَطُّ فَعَفَاهُ وَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى امْرَأَةٍ فِي شَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهَا فَأَسْقَطَتْ فَقِيلَ لَهُ إنَّك مُؤَدِّبٌ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنْ كَانَ اجْتَهَدَ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَجْتَهِدْ فَقَدْ غَشَّ، عَلَيْك الدِّيَةُ فَقَالَ عُمَرُ عَزَمْت عَلَيْك أَنْ لَا تَجْلِسَ حَتَّى تَضْرِبَهَا عَلَى قَوْمِك فَبِهَذَا قُلْنَا خَطَأُ الْإِمَامِ عَلَى عَاقِلَتِهِ دُونَ بَيْتِ الْمَالِ.

(قَالَ) : وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي ثَوْبٍ فَقَالَ رَبُّهُ أَمَرْتُك أَنْ تَقْطَعَهُ قَمِيصًا وَقَالَ الْخَيَّاطُ بَلْ قَبَاءً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ أَنْ وَصَفَ قَوْلَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْخَيَّاطِ؛ لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْقَطْعِ.
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ فَقَالَ رَهْنٌ وَقَالَ رَبُّهُ وَدِيعَةٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَعَلَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ، وَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْقَطْعِ فَلَمْ يَعْمَلْ لَهُ عَمَلَهُ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلٍ بِإِجَارَةٍ فَقَالَ قَدْ حَمَلْته لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا بِإِقْرَارِ صَاحِبِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ وَكِلَاهُمَا مَدْخُولٌ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقَوْلُ مَا شَبَّهَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ بَيْنَهُمْ أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِحَدَثِهِ وَأَنَّ الدَّعْوَى لَا تَنْفَعُهُ فَالْخَيَّاطُ مُقِرٌّ بِأَنَّ الثَّوْبَ لِرَبِّهِ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهِ حَدَثًا وَادَّعَى إذْنَهُ، وَإِجَارَةً عَلَيْهِ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ، وَإِلَّا حَلَفَ صَاحِبُهُ وَضَمَّنَهُ مَا أَحْدَثَ فِي ثَوْبِهِ.

[مُخْتَصَرٌ مِنْ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ وَالشَّرِكَةِ فِي الزَّرْعِ]

ِ، وَمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَمَسَائِلَ سَمِعْتُهَا مِنْهُ لَفْظًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ اكْتَرَى دَابَّةً فَحَبَسَهَا قَدْرَ الْمَسِيرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَبَسَهَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ ذَلِكَ ضَمِنَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْت عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ «كُنَّا نُخَابِرُ، وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى أَخْبَرَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ» فَتَرَكْنَاهَا لِقَوْلِ رَافِعٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْمُخَابَرَةُ اسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَهْيِهِ عَنْ الْمُخَابَرَةِ عَلَى أَنْ لَا تَجُوزَ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا عَلَى الرُّبُعِ، وَلَا جُزْءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَلَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ إلَّا مَعْلُومًا، وَيَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالْعَرَضِ، وَمَا نَبَتَ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ عَلَى صِفَةِ تَسْمِيَةٍ كَمَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْمَنَازِلِ، وَإِجَارَةُ الْعَبِيدِ، وَلَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ إلَّا عَلَى سَنَةٍ مَعْرُوفَةٍ، وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ الْأَرْضَ ذَاتَ الْمَاءِ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ النَّهْرِ أَوْ النِّيلِ أَوْ عَثَرِيًّا أَوْ غَيْلًا أَوْ الْآبَارِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا غَلَّةَ شِتَاءٍ وَصَيْفٍ فَزَرَعَهَا إحْدَى الْغَلَّتَيْنِ وَالْمَاءُ قَائِمٌ ثُمَّ نَضَبَ الْمَاءُ فَذَهَبَ قَبْلَ الْغَلَّةِ الثَّانِيَةِ فَأَرَادَ رَدَّ الْأَرْضِ لِذَهَابِ الْمَاءِ عَنْهَا فَذَلِكَ لَهُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِصَّةِ مَا زَرَعَ إنْ كَانَ الثُّلُثَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَسَقَطَتْ عَنْهُ حِصَّةُ مَا لَمْ يَزْرَعْ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاحَ لِلزَّرْعِ إلَّا بِهِ وَلَوْ تَكَارَاهَا سَنَةً فَزَرَعَهَا فَانْقَضَتْ السَّنَةُ وَالزَّرْعُ فِيهَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يُحْصَدَ فَإِنْ كَانَتْ السَّنَةُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا زَرْعًا يُحْصَدُ قَبْلَهَا فَالْكِرَاءُ جَائِزٌ وَلَيْسَ لِرَبِّ الزَّرْعِ أَنْ يُثْبِتَ زَرْعَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْقُلَهُ عَنْ الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْأَرْضِ تَرْكَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا شَرَطَ أَنْ يَزْرَعَهَا صِنْفًا مِنْ الزَّرْعِ يَسْتَحْصِدُ أَوْ يَسْتَقْصِلُ قَبْلَ السَّنَةِ فَأَخَّرَهُ إلَى وَقْتٍ مِنْ السَّنَةِ وَانْقَضَتْ السَّنَةُ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ تَكَارَاهَا لِمُدَّةٍ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ وَشَرَطَ أَنْ يَزْرَعَهَا شَيْئًا بِعَيْنِهِ، وَيَتْرُكَهُ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَحْصِدَ فِي مِثْلِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَكَارَاهَا فَالْكِرَاءُ فِيهِ فَاسِدٌ مِنْ قِبَلِ أَنِّي إنْ أَثْبَتَ بَيْنَهُمَا شَرْطَهُمَا، وَلَمْ أُثْبِتْ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَبْقَى زَرْعُهُ فِيهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَبْطَلْت شَرْطَ الزَّارِعِ أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ، وَإِنْ أَثْبَتُ لَهُ زَرْعَهُ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ أَبْطَلْت شَرْطَ رَبِّ الْأَرْضِ فَكَانَ هَذَا كِرَاءً فَاسِدًا وَلِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاءُ مِثْلِ أَرْضِهِ إذَا زَرَعَهُ وَعَلَيْهِ تَرْكُهُ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَكَارَى الْأَرْضَ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا إنَّمَا تُسْقَى بِنَطْفِ سَمَاءٍ أَوْ بِسَيْلٍ إنْ جَاءَ فَلَا يَصِحُّ كِرَاؤُهَا إلَّا عَلَى أَنْ يُكْرِيَهُ إيَّاهَا أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا يَصْنَعُ بِهَا الْمُسْتَكْرِي مَا شَاءَ فِي سَنَتِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَبْنِي، وَلَا يَغْرِسُ فَإِذَا وَقَعَ عَلَى هَذَا صَحَّ الْكِرَاءُ وَلَزِمَهُ زَرَعَ أَوْ لَمْ يَزْرَعْ فَإِنْ أَكْرَاهُ إيَّاهَا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا، وَلَمْ يَقُلْ أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهَا لَا تُزْرَعُ إلَّا بِمَطَرٍ أَوْ سَيْلٍ يَحْدُثُ فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ ذَاتَ نَهْرٍ مِثْلِ النِّيلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَعْلُو الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا زَرْعًا لَا يَصْلُحُ إلَّا بِأَنْ يُرْوَى بِالنِّيلِ لَا بِئْرَ لَهَا، وَلَا مَشْرَبَ غَيْرُهُ فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ، وَإِذَا تَكَارَاهَا وَالْمَاءُ قَائِمٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ يَنْحَسِرُ لَا مَحَالَةَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الزَّرْعُ فَالْكِرَاءُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَنْحَسِرُ، وَلَا يَنْحَسِرُ كَرِهْت الْكِرَاءَ إلَّا بَعْدَ انْحِسَارِهِ، وَإِنْ غَرَّقَهَا بَعْدَ أَنْ صَحَّ كِرَاؤُهَا نِيلٌ أَوْ سَيْلٌ أَوْ شَيْءٌ يُذْهِبُ الْأَرْضَ أَوْ غُصِبَتْ انْتَقَضَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا مِنْ يَوْمِ تَلِفَتْ الْأَرْضُ فَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهَا وَبَقِيَ بَعْضٌ، وَلَمْ يُزْرَعْ فَرَبُّ الزَّرْعِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِرَاءِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُسَلَّمْ لَهُ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ زَرَعَ بَطَلَ عَنْهُ مَا تَلِفَ وَلَزِمَهُ حِصَّةُ مَا زَرَعَ مِنْ الْكِرَاءِ.

وَكَذَا إذَا جَمَعَتْ الصَّفْقَةُ مِائَةَ صَاعٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَتَلِفَ خَمْسُونَ صَاعًا فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْخَمْسِينَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ كُلَّ مَا اشْتَرَى وَكَذَلِكَ لَوْ اكْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَ بَعْضُهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ مِنْهَا مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِرَاءِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَا يَتَبَعَّضُ مِنْ عَبْدٍ اشْتَرَاهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ رَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ مَا هُوَ غَيْرُ مَعِيبٍ وَالْمَسْكَنُ يَتَبَعَّضُ مِنْ الْمَسْكَنِ مِنْ الدَّارِ وَالْأَرْضُ كَذَلِكَ، وَإِنْ مَرَّ بِالْأَرْضِ مَاءٌ فَأَفْسَدَ زَرْعَهُ أَوْ أَصَابَهُ حَرِيقٌ أَوْ جَرَادٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ جَائِحَةٌ عَلَى الزَّرْعِ لَا عَلَى الْأَرْضِ كَمَا لَوْ اكْتَرَى مِنْهُ دَارًا لِلْبَزِّ فَاحْتَرَقَ الْبَزُّ وَلَوْ اكْتَرَاهَا؛ لِيَزْرَعَهَا قَمْحًا فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا مَا لَا يَضُرُّ

بِالْأَرْضِ إلَّا إضْرَارَ الْقَمْحِ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهَا مِثْلُ عُرُوقٍ تَبْقَى فِيهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَرَبُّ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْكِرَاءَ، وَمَا نَقَصَتْ الْأَرْضُ عَمَّا يُنْقِصُهَا زَرْعُ الْقَمْحِ أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ كِرَاءَ مِثْلِهَا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا اكْتَرَى وَزَادَ عَلَى الْمُكْرِي ضَرَرًا كَرَجُلٍ اكْتَرَى مَنْزِلًا يُدْخِلُ فِيهِ مَا يَحْمِلُ سَقْفُهُ فَحَمَّلَ فِيهِ أَكْثَرَ فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمَنْزِلِ فَقَدْ اسْتَوْفَى سُكْنَاهُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ضَرَرِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ اكْتَرَى مَنْزِلًا سُفْلًا فَجَعَلَ فِيهِ الْقَصَّارِينَ أَوْ الْحَدَّادِينَ فَتَقَلَّعَ الْبِنَاءُ فَقَدْ اسْتَوْفَى مَا اكْتَرَاهُ وَعَلَيْهِ بِالتَّعَدِّي مَا نَقَصَ بِالْمَنْزِلِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ قَالَ لَهُ: ازْرَعْهَا مَا شِئْتَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ زَرْعِ مَا شَاءَ، وَلَوْ أَرَادَ الْغِرَاسَ فَهُوَ غَيْرُ الزَّرْعِ، وَإِنْ قَالَ ازْرَعْهَا أَوْ اغْرِسْهَا مَا شِئْت فَالْكِرَاءُ جَائِزٌ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : أَوْلَى بِقَوْلِهِ أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي يَغْرِسُ أَكْثَرَ الْأَرْضِ فَيَكْثُرُ الضَّرَرُ عَلَى صَاحِبِهَا أَوْ لَا يَغْرِسُ فَتَسْلَمُ أَرْضُهُ مِنْ النُّقْصَانِ بِالْغَرْسِ فَهَذَا فِي مَعْنَى الْمَجْهُولِ، وَمَا لَا يَجُوزُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ انْقَضَتْ سِنُوهُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَ غَرْسَهُ حَتَّى يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ ثَمَرَتِهِ إنْ كَانَتْ فِيهِ يَوْمَ يَقْلَعُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلِرَبِّ الْغِرَاسِ إنْ شَاءَ أَنْ يَقْلَعَهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ الْأَرْضَ، وَالْغِرَاسُ كَالْبِنَاءِ إذَا كَانَ بِإِذْنِ مَالِكِ الْأَرْضِ مُطْلَقًا، وَمَا اكْتَرَى فَاسِدًا وَقَبَضَهَا، وَلَمْ يَزْرَعْ، وَلَمْ يَسْكُنْ حَتَّى انْقَضَتْ السَّنَةُ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقِيَاسُ عِنْدِي - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ - أَنَّهُ إذَا أَجَّلَ لَهُ أَجَلًا يَغْرِسُ فِيهِ فَانْقَضَى الْأَجَلُ أَوْ أَذِنَ لَهُ بِبِنَاءٍ فِي عَرْصَةٍ لَهُ سِنِينَ وَانْقَضَى الْأَجَلُ أَنَّ الْأَرْضَ وَالْعَرْصَةَ مَرْدُودَتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعِرْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَا يُجْبَرُ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى شِرَاءِ غِرَاسٍ، وَلَا بِنَاءٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَاَللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] وَهَذَا قَدْ مَنَعَ مَالَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مَا لَا يَرْضَى شِرَاءَهُ فَأَيْنَ التَّرَاضِي.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِذَا اكْتَرَى دَارًا سَنَةً فَغَصَبَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كِرَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ مَا اكْتَرَى، وَإِذَا اكْتَرَى أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ فَعَلَيْهِ فِيمَا أَخْرَجَتْ الصَّدَقَةُ، خَاطَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وَهَذَا مَالُ مُسْلِمٍ وَحَصَادُ مُسْلِمٍ فَالزَّكَاةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ.

وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي اكْتِرَاءِ دَابَّةٍ إلَى مَوْضِعٍ أَوْ فِي كِرَائِهَا أَوْ فِي إجَارَةِ الْأَرْضِ تَحَالَفَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوبِ وَالزَّرْعِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ بِكِرَاءٍ، وَقَالَ الْمُزَارِعُ عَارِيَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَقْلَعُ الزَّارِعُ زَرْعَهُ وَعَلَى الزَّارِعِ كِرَاءُ مِثْلِهِ إلَى يَوْمِ قَلْعِ زَرْعِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي إبَّانِ الزَّرْعِ أَوْ غَيْرِهِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ فِي رَاكِبِ الدَّابَّةِ يَقُولُ أَعَرْتَنِيهَا، وَيَقُولُ بَلْ أَكْرَيْتُكَهَا إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاكِبِ مَعَ يَمِينِهِ وَخِلَافُ قَوْلِهِ فِي الْغَسَّالِ يَقُولُ صَاحِبُ الثَّوْبِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَيَقُولُ الْغَسَّالُ بِأُجْرَةٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ، وَأَوْلَى بِقَوْلِهِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ، وَقَدْ بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ.

[إحْيَاءُ الْمَوَاتِ]

ِ مِنْ كِتَابٍ وَضَعَهُ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِلَادُ الْمُسْلِمِينَ شَيْئَانِ عَامِرٌ، وَمَوَاتٌ فَالْعَامِرُ لِأَهْلِهِ وَكُلُّ مَا صَلَحَ بِهِ الْعَامِرُ مِنْ طَرِيقٍ وَفِنَاءٍ، وَمَسِيلِ مَاءٍ وَغَيْرِهِ فَهُوَ كَالْعَامِرِ فِي أَنْ لَا يُمْلَكَ عَلَى أَهْلِهِ إلَّا بِإِذْنِهِمْ وَالْمَوَاتُ شَيْئَانِ مَوَاتُ مَا قَدْ كَانَ عَامِرًا لِأَهْلِهِ مَعْرُوفًا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ ذَهَبَتْ عِمَارَتُهُ فَصَارَ مَوَاتًا فَذَلِكَ كَالْعَامِرِ لِأَهْلِهِ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِإِذْنِهِمْ، وَالْمَوَاتُ الثَّانِي مَا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ يُعْرَفُ، وَلَا عِمَارَةَ مِلْكٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا لَمْ يُمْلَكْ

فَذَلِكَ الْمَوَاتُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ لَهُ» وَعَطِيَّتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَّةٌ لِمَنْ أَحْيَا الْمَوَاتَ أَثْبَتُ مِنْ عَطِيَّةِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ سُلْطَانٍ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ إلَى جَنْبِ قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ حَيْثُ كَانَ، وَقَدْ «أَقْطَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدُّورَ فَقَالَ حَيٌّ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَبْدِ بْنِ زُهْرَةَ نَكَبَ عَنَّا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِمَ ابْتَعَثَنِي اللَّهُ إذَنْ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَا يُقَدِّسُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ فِيهِمْ لِلضَّعِيفِ حَقُّهُ» وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ عِمَارَةِ الْأَنْصَارِ مِنْ الْمَنَازِلِ وَالنَّخْلِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْعَامِرِ» وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَا قَارَبَ الْعَامِرَ يَكُونُ مِنْهُ مَوَاتٌ وَالْمَوَاتُ الَّذِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُقْطِعَهُ مَنْ يَعْمُرُهُ خَاصَّةً وَأَنْ يَحْمِيَ مِنْهُ مَا يَرَى أَنْ يَحْمِيَهُ عَامًّا لِمَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ وَاَلَّذِي عَرَفْنَا نَصًّا وَدَلَالَةً فِيمَا حَمَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ حَمَى النَّقِيعَ» وَهُوَ بَلَدٌ لَيْسَ بِالْوَاسِعِ الَّذِي إذَا حَمَى ضَاقَتْ الْبِلَادُ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حَوْلَهُ وَأَضَرَّ بِهِمْ وَكَانُوا يَجِدُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْبِلَادِ سَعَةً لِأَنْفُسِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَأَنَّهُ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مُجَاوِزٍ لِلْقَدْرِ وَفِيهِ صَلَاحٌ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ تَكُونَ الْخَيْلُ الْمُعَدَّةُ لِسَبِيلِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وَمَا فَضَلَ مِنْ سُهْمَانِ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ، وَمَا فَضَلَ مِنْ النَّعَمِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ الْجِزْيَةِ تَرْعَى جَمِيعُهَا فِيهِ فَأَمَّا الْخَيْلُ فَقُوَّةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَسْلَكُ سَبِيلِهَا أَنَّهَا لِأَهْلِ الْفَيْءِ وَالْمُجَاهِدِينَ، وَأَمَّا النَّعَمُ الَّتِي تَفْضُلُ عَنْ سُهْمَانِ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ فَيُعَادُ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَأَمَّا نَعَمُ الْجِزْيَةِ فَقُوَّةٌ لِأَهْلِ الْفَيْءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَبْقَى مُسْلِمٌ إلَّا دَخَلَ عَلَيْهِ مَنْ هَذَا خَصْلَةُ صَلَاحٍ فِي دِينِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ مَنْ يَلْزَمُهُ أَمْرُهُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ عَامَّةٍ مِنْ مُسْتَحِقِّي الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ مَا حَمَى عَنْ خَاصَّتِهِمْ أَعْظَمَ مَنْفَعَةً لِعَامَّتِهِمْ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ وَقُوَّةً عَلَى مَنْ خَالَفَ دَيْنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ عَدُوِّهِمْ.
قَدْ حَمَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَلَّى عَلَيْهِ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ هُنَيُّ وَقَالَ لَهُ يَا هُنَيُّ ضُمَّ جَنَاحَك لِلنَّاسِ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ، وَإِيَّاكَ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ فَإِنَّهُمَا إنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الْغُنَيْمَةِ يَأْتِينِي بِعِيَالِهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لَا أَبَا لَك؟ وَالْكَلَأُ أَهْوَنُ مِنْ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَقَلَّهَا الَّذِي لَا يَتَبَيَّنُ ضَرَرُهُ عَلَى مَنْ حَمَاهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا حِمًى إلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» . (قَالَ) : وَكَانَ الرَّجُلُ الْعَزِيزُ مِنْ الْعَرَبِ إذَا انْتَجَعَ بَلَدًا مُخْصِبًا أَوْفَى بِكَلْبٍ عَلَى جَبَلٍ إنْ كَانَ بِهِ أَوْ نَشْزٍ إنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ اسْتَعْوَى كَلْبًا وَأَوْقَفَ لَهُ مَنْ يَسْمَعُ مُنْتَهَى صَوْتِهِ بِالْعُوَاءِ فَحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِنَفْسِهِ، وَيَرْعَى مَعَ الْعَامَّةِ فِيمَا سِوَاهُ، وَيَمْنَعُ هَذَا مِنْ غَيْرِهِ لِضَعْفِ مَاشِيَتِهِ، وَمَا أَرَادَ مَعَهَا فَنَرَى أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا حِمًى إلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» : لَا حِمًى عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْخَاصِّ، وَأَنَّ قَوْلَهُ لِلَّهِ: فَلِلَّهِ كُلَّ مَحْمِيِّ وَغَيْرُهُ، وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا يُحْمَى لِصَلَاحِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا لِمَا يَحْمِي لَهُ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمْلِكْ مَالًا إلَّا مَا لَا غِنَى بِهِ وَبِعِيَالِهِ عَنْهُ، وَمَصْلَحَتِهِمْ حَتَّى صَيَّرَ مَا مَلَّكَهُ اللَّهُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَمَالَهُ إذَا حَبَسَ قُوتَ سَنَتِهِ مَرْدُودًا فِي مَصْلَحَتِهِمْ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عِدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَلِأَنَّ نَفْسَهُ، وَمَالَهُ كَانَ مُفَرَّغًا لِطَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - (قَالَ) : وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ، وَلَا يَأْخُذَ مِنْ الَّذِي حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ أُعْطِيَهُ فَعَمَّرَهُ نُقِضَتْ عِمَارَتُهُ.

[بَابُ مَا يَكُونُ إحْيَاءً]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْإِحْيَاءُ مَا عَرَفَهُ النَّاسُ إحْيَاءً لِمِثْلِ الْمُحْيَا إنْ كَانَ مَسْكَنًا فَبِأَنْ يَبْنِيَ بِمِثْلِ مَا يَكُونُ مِثْلُهُ بِنَاءً، وَإِنْ كَانَ لِلدَّوَابِّ فَبِأَنْ يَبْنِيَ مُحْظِرَةً وَأَقَلُّ عِمَارَةِ الزَّرْعِ الَّتِي تُمْلَكُ بِهَا الْأَرْضُ أَنْ يَجْمَعَ تُرَابًا يُحِيطُ بِهَا تَتَبَيَّنُ بِهِ الْأَرْضُ مِنْ غَيْرِهَا، وَيَجْمَعُ حَرْثَهَا وَزَرْعَهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَيْنُ مَاءٍ أَوْ بِئْرٌ حَفَرَهَا أَوْ سَاقَهُ مِنْ نَهْرٍ إلَيْهَا فَقَدْ أَحْيَاهَا وَلَهُ مَرَافِقُهَا الَّتِي لَا يَكُونُ صَلَاحُهَا إلَّا بِهَا، وَمَنْ أَقْطَعَ أَرْضًا أَوْ تَحَجَّرَهَا فَلَمْ يُعَمِّرْهَا رَأَيْت لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقُولَ لَهُ إنْ أَحْيَيْتهَا، وَإِلَّا خَلَّيْنَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ يُحْيِيهَا فَإِنْ تَأَجَّلَهُ رَأَيْت أَنْ يَفْعَلَ.

[مَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ وَمَا لَا يَجُوزُ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ يُعْرَفُ صِنْفَانِ أَحَدُهُمَا مَا مَضَى، وَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِمَا يَسْتَحْدِثُهُ فِيهِ وَالثَّانِي مَا لَا تُطْلَبُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ إلَّا بِشَيْءٍ يَجْعَلُ فِيهِ غَيْرَهُ وَذَلِكَ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ مِنْ الذَّهَبِ وَالتِّبْرِ وَالْكُحْلِ وَالْكِبْرِيتِ وَالْمِلْحِ وَغَيْرِهِ، وَأَصْلُ الْمَعَادِنِ صِنْفَانِ مَا كَانَ ظَاهِرًا كَالْمِلْحِ فِي الْجِبَالِ تَنْتَابُهُ النَّاسُ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْطِعَهُ بِحَالٍ وَالنَّاسُ فِيهِ شَرَعٌ، وَهَكَذَا النَّهْرُ وَالْمَاءُ الظَّاهِرُ وَالنَّبَاتُ فِيمَا لَا يُمْلَكُ لِأَحَدٍ «، وَقَدْ سَأَلَ الْأَبْيَضُ بْنُ حَمَّالٍ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْطَعَهُ مِلْحَ مَأْرِبَ فَأَقْطَعَهُ إيَّاهُ أَوْ أَرَادَهُ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ كَالْمَاءِ الْعِدِّ فَقَالَ فَلَا إذَنْ» قَالَ، وَمِثْلُ هَذَا كُلُّ عَيْنٍ ظَاهِرَةٍ كَنِفْطٍ أَوْ قِيرٍ أَوْ كِبْرِيتٍ أَوْ مُومِيًا أَوْ حِجَارَةٍ ظَاهِرَةٍ فِي غَيْرِ مِلْكِ أَحَدٍ فَهُوَ كَالْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ وَلَوْ كَانَتْ بُقْعَةٌ مِنْ السَّاحِلِ يَرَى أَنَّهُ إنْ حَفَرَ تُرَابًا مِنْ أَعْلَاهَا ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا مَاءٌ ظَهَرَ لَهَا مِلْحٌ كَانَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُقْطِعَهَا وَلِلرَّجُلِ أَنْ يُعَمِّرَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَمْلِكَهَا.
بَابُ تَفْرِيعِ الْقَطَائِعِ وَغَيْرِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْقَطَائِعُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا مَضَى: وَالثَّانِي إقْطَاعُ إرْفَاقٍ لَا تَمْلِيكٍ مِثْلَ الْمَقَاعِدِ بِالْأَسْوَاقِ الَّتِي هِيَ طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ فَمَنْ قَعَدَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا لِلْبَيْعِ كَانَ بِقَدْرِ مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْهَا مَا كَانَ مُقِيمًا فِيهِ فَإِذَا فَارَقَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ كَأَفْنِيَةِ الْعَرَبِ وَفَسَاطِيطِهِمْ فَإِذَا انْتَجَعُوا لَمْ يَمْلِكُوا بِهَا حَيْثُ تَرَكُوا.

[إقْطَاعُ الْمَعَادِنِ وَغَيْرِهَا]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي إقْطَاعِ الْمَعَادِنِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُخَالِفُ إقْطَاعَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَقْطَعَ أَرْضًا فِيهَا مَعَادِنُ أَوْ عَمِلَهَا وَلَيْسَتْ لِأَحَدٍ سَوَاءٌ كَانَتْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ نُحَاسًا أَوْ مَا لَا يَخْلُصُ إلَّا بِمُؤْنَةٍ؛ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ مُسْتَكِنٌّ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ تُرَابٍ أَوْ حِجَارَةٍ كَانَتْ هَذِهِ كَالْمَوَاتِ فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يُقْطِعَهُ إيَّاهَا، وَمُخَالِفَةٌ لِلْمَوَاتِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّ الْمَوَاتَ إذَا أُحْيِيَتْ مَرَّةً ثَبَتَ إحْيَاؤُهَا وَهَذِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُبْتَدَأُ

إحْيَاؤُهَا لِبُطُونِ مَا فِيهَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطِعَهُ مِنْ الْمَعَادِنِ إلَّا قَدْرَ مَا يَحْتَمِلُ عَلَى أَنَّهُ إنْ عَطَّلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعٌ مِنْ أَخْذِهِ، وَمِنْ حُجَّتِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ لَهُ بَيْعَ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ الْمَعَادِنِ وَأَنَّهَا كَالْبِئْرِ تُحْفَرُ بِالْبَادِيَةِ فَتَكُونُ لِحَافِرِهَا، وَلَا يَكُونُ لَهُ مَنْعُ الْمَاشِيَةِ فَضْلَ مَائِهَا وَكَالْمَنْزِلِ بِالْبَادِيَةِ هُوَ أَحَقُّ بِهِ فَإِذَا تَرَكَهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَنْ نَزَلَهُ.
وَلَوْ أُقْطِعَ أَرْضًا فَأَحْيَاهَا ثُمَّ ظَهَرَ فِيهَا مَعْدِنٌ مَلَكَهُ مِلْكَ الْأَرْضِ فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا وَكُلُّ مَعْدِنٍ عَمِلَ فِيهِ جَاهِلِيٌّ ثُمَّ اسْتَقْطَعَهُ رَجُلٌ فَفِيهِ أَقَاوِيلُ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَالْبِئْرِ الْجَاهِلِيِّ وَالْمَاءِ الْعِدِّ فَلَا يُمْنَعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ فَإِذَا اسْتَبَقُوا إلَيْهِ فَإِنْ وَسِعَهُمْ عَمِلُوا مَعًا، وَإِنْ ضَاقَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ أَيُّهُمْ يَبْدَأُ ثُمَّ يَتْبَعُ الْآخَرُ فَالْآخَرُ حَتَّى يَتَأَسَّوْا فِيهِ وَالثَّانِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُقْطِعَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ يَعْمَلُ فِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ إذَا تَرَكَهُ وَالثَّالِثُ يُقْطِعُهُ فَيَمْلِكُهُ مِلْكَ الْأَرْضِ إذَا أَحْدَثَ فِيهَا عِمَارَةً وَكُلُّ مَا وَصَفْت مِنْ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَإِقْطَاعِ الْمَعَادِنِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّمَا عَنَيْته فِي عَفْوِ بِلَادِ الْعَرَبِ الَّذِي عَامِرُهُ عُشْرٌ وَعَفْوُهُ مَمْلُوكٌ وَكُلُّ مَا ظُهِرَ عَلَيْهِ عَنْوَةً مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ فَعَامِرُهُ كُلُّهُ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ، وَمَا كَانَ فِي قِسْمِ أَحَدِهِمْ مِنْ مَعْدِنٍ ظَاهِرٍ فَهُوَ لَهُ كَمَا يَقَعُ فِي قِسْمَةِ الْعَامِرِ بِقِيمَتِهِ فَيَكُونَ لَهُ وَكُلُّ مَا كَانَ فِي بِلَادِ الْعَنْوَةِ مِمَّا عُمِرَ مَرَّةً ثُمَّ تُرِكَ فَهُوَ كَالْعَامِرِ الْقَائِمِ الْعِمَارَةِ مِثْلَ مَا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ الْأَنْهَارُ وَعُمِرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى نَطْفِ السَّمَاءِ أَوْ بِالرِّشَاءِ وَكُلُّ مَا كَانَ لَمْ يُعْمَرْ قَطُّ مِنْ بِلَادِهِمْ فَهُوَ كَالْمَوَاتِ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، وَمَا كَانَ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ صُلْحًا فَمَا كَانَ لَهُمْ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ غَيْرَ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِهِمْ فَإِنْ صُولِحُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُسْلِمِينَ الْأَرْضَ، وَيَكُونُونَ أَحْرَارًا ثُمَّ عَامَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ فَالْأَرْضُ كُلُّهَا صُلْحٌ وَخُمُسُهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِجَمَاعَةِ أَهْلُ الْفَيْءِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَوَاتٍ فَهُوَ كَالْمَوَاتِ غَيْرِهِ فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى عَامِرِهَا، وَمَوَاتِهَا كَانَ الْمَوَاتُ مَمْلُوكًا لِمَنْ مَلَكَ الْعَامِرَ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَوَاتِ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إذَا حَازَهُ رَجُلٌ، وَمَنْ عَمِلَ فِي مَعْدِنٍ فِي أَرْضٍ مِلْكُهَا لِغَيْرِهِ فَمَا خَرَجَ مِنْهُ فَلِمَالِكِهَا وَهُوَ مُتَعَدٍّ بِالْعَمَلِ، وَإِنْ عَمِلَ بِإِذْنِهِ أَوْ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ عَمَلِهِ فَهُوَ لَهُ فَسَوَاءٌ وَأَكْثَرُ هَذَا أَنْ يَكُونَ هِبَةً لَا يَعْرِفُهَا الْوَاهِبُ، وَلَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَلَمْ يُحَزْ، وَلَمْ يُقْبَضْ وَلِلْآذِنِ الْخِيَارُ فِي أَنْ يُتِمَّ ذَلِكَ أَوْ يَرُدَّ وَلَيْسَ كَالدَّابَّةِ يَأْذَنُ فِي رُكُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَا أَعْطَاهُ وَقَبَضَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلَأَ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ الْمَاشِيَةِ مِنْ فَضْلِ مَائِهِ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَا يُسْقَى بِهِ الزَّرْعُ أَوْ الشَّجَرُ إلَّا بِإِذْنِهِ.

[كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ وَالْحَبْسِ]

ِ، وَمَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ السَّائِبَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْمَعُ مَا يُعْطَى النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ ثُمَّ يَتَشَعَّبُ كُلُّ وَجْهٍ مِنْهَا فَفِي الْحَيَاةِ مِنْهَا وَجْهَانِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ مِنْهَا وَجْهٌ فَمِمَّا فِي الْحَيَاةِ الصَّدَقَاتُ وَاحْتَجَّ فِيهَا بِأَنَّ «عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَلَكَ مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُصِبْ مَالًا مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَدْ أَرَدْت أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَبِّسْ الْأَصْلَ وَسَبِّلْ الثَّمَرَةَ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلَمَّا أَجَازَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُحَبِّسَ أَصْلَ الْمَالِ وَتُسَبَّلَ الثَّمَرَةُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إخْرَاجِهِ الْأَصْلَ مِنْ مِلْكِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا لَا يَمْلِكُ مَنْ سَبَّلَ عَلَيْهِ ثَمَرَهُ بَيْعَ أَصْلِهِ فَصَارَ هَذَا الْمَالُ مُبَايِنًا لِمَا سِوَاهُ، وَمُجَامِعًا لَأَنْ يَخْرُجَ الْعَبْدُ مِنْ مِلْكِهِ بِالْعِتْقِ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إلَى غَيْرِ مَالِكٍ فَمَلَّكَهُ بِذَلِكَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ لَا رَقَبَتَهُ كَمَا يَمْلِكُ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الْمَالِ لَا رَقَبَتَهُ، وَمُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحَبِّسِ أَنْ يَمْلِكَ الْمَالَ كَمَا مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُعْتِقِ أَنْ يَمْلِكَ الْعَبْدَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَتِمُّ الْحَبْسُ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ الْمُصَدِّقُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَزَلْ يَلِي صَدَقَتَهُ - فِيمَا بَلَغَنَا - حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَلِي صَدَقَتَهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ - تَعَالَى -، وَلَمْ تَزَلْ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تَلِي صَدَقَتَهَا حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَدِيثًا ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ تَصَدَّقَتْ بِمَالِهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَأَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ وَأَدْخَلَ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ وَلَقَدْ حَفِظْنَا الصَّدَقَاتِ عَنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَلَقَدْ حَكَى لِي عَدَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَأَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَهَا حَتَّى مَاتُوا يَنْقُلُ ذَلِكَ الْعَامَّةُ مِنْهُمْ عَنْ الْعَامَّةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنَّ أَكْثَرَ مَا عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ، وَمَكَّةَ مِنْ الصَّدَقَاتِ لَعَلَى مَا وَصَفْت لَمْ يَزَلْ مَنْ تَصَدَّقَ بِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ السَّلَفِ يَلُونَهَا حَتَّى مَاتُوا، وَإِنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ فِيهَا كَالتَّكَلُّفِ.
(قَالَ) : وَاحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ شُرَيْحٍ «أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ بِإِطْلَاقِ الْحَبْسِ» فَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْحَبْسُ الَّذِي جَاءَ بِإِطْلَاقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ كَانَ حَدِيثًا ثَابِتًا كَانَ عَلَى مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَحْبِسُ مِنْ الْبَحِيرَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَحْبَاسَهُمْ، وَلَا نَعْلَمُ جَاهِلِيًّا حَبَسَ دَارًا عَلَى وَلَدٍ، وَلَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا عَلَى مَسَاكِينَ «وَأَجَازَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ الْحَبْسَ» عَلَى مَا رَوَيْنَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِإِطْلَاقِهِ غَيْرُ الْحَبْسِ الَّذِي أَجَازَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَالَ) : وَاحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ شُرَيْحٍ لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَوْ جَعَلَ عَرْصَةً لَهُ مَسْجِدًا لَا تَكُونُ حَبْسًا عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَكَذَلِكَ مَا أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ فَلَيْسَ بِحَبْسٍ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَجُوزُ الْحَبْسُ فِي الرَّقِيقِ وَالْمَاشِيَةِ إذَا عُرِفَتْ بِعَيْنِهَا قِيَاسًا عَلَى النَّخْلِ وَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ فَإِذَا قَالَ تَصَدَّقْت بِدَارِي عَلَى قَوْمٍ أَوْ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ حَيٍّ يَوْمَ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَقَالَ صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ أَوْ قَالَ مَوْقُوفَةٌ أَوْ قَالَ صَدَقَةٌ مُسَبَّلَةٌ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ فَلَا تَعُودُ مِيرَاثًا أَبَدًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ مِلْكِهِ إلَّا إلَى مَالِكِ مَنْفَعَةٍ يَوْمَ يُخْرِجُهَا إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُسَبِّلْهَا عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً أَبَدًا

فَإِذَا انْقَرَضَ الْمُتَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْهِ كَانَتْ مُحَرَّمَةً أَبَدًا وَرَدَدْنَاهَا عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِاَلَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا يَوْمَ تَرْجِعُ، وَهِيَ عَلَى مَا شَرَطَ مِنْ الْأَثَرَةِ وَالتَّقْدِمَةَ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْغِنَى وَالْحَاجَةِ، وَمِنْ إخْرَاجِ مَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا بِصِفَةٍ وَرَدِّهِ إلَيْهَا بِصِفَةٍ.
(وَمِنْهَا) : فِي الْحَيَاةِ الْهِبَاتُ وَالصَّدَقَاتُ غَيْرُ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَهُ إبْطَالُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنْ قَبَضَهَا أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ بِأَمْرِهِ فَهِيَ لَهُ، وَيَقْبِضُ لِلطِّفْلِ أَبُوهُ.
نَحَلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَمَّا مَرِضَ قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّك كُنْتِ قَبَضْتِيهِ وَهُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ.
(وَمِنْهَا) : بَعْدَ الْوَفَاةِ الْوَصَايَا وَلَهُ إبْطَالُهَا مَا لَمْ يَمُتْ.

[بَابُ الْعُمْرَى مِنْ كِتَابِ اخْتِلَافِهِ وَمَالِكٍ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ حُجْرٍ الْمَدَرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ جَعَلَ الْعُمْرَى لِلْوَارِثِ» ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُعْمِرُوا، وَلَا تُرْقِبُوا فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا أَوْ أُرْقِبَهُ فَهُوَ سَبِيلُ الْمِيرَاثِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عُمَرَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ أَقُولُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عِنْدِي فِي الْعُمْرَى أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَدْ جَعَلْت دَارِي هَذِهِ لَك عُمُرَك أَوْ حَيَاتَك أَوْ جَعَلْتهَا لَك عُمْرَى أَوْ رُقْبَى، وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ فَهِيَ مِلْكٌ لِلْمُعَمِّرِ تُورَثُ عَنْهُ إنْ مَاتَ.

[بَابُ عَطِيَّةِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ]

ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يُحَدِّثَانِهِ «عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا، قَالَ لَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَارْجِعْهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَسَمِعْت فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَلَيْسَ يَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا فِي الْبِرِّ إلَيْك سَوَاءً؟ فَقَالَ بَلَى قَالَ فَارْجِعْهُ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أُمُورٍ مِنْهَا حُسْنُ الْأَدَبِ فِي أَنْ لَا يُفَضِّلَ فَيَعْرِضَ فِي قَلْبِ الْمَفْضُولِ شَيْءٌ يَمْنَعُهُ مِنْ بِرِّهِ فَإِنَّ الْقَرَابَةَ يَنْفُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا لَا يَنْفُسُ الْعِدَى.
وَمِنْهَا أَنَّ إعْطَاءَهُ بَعْضَهُمْ جَائِزٌ وَلَوْلَا ذَلِكَ لِمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فَارْجِعْهُ "، وَمِنْهَا أَنَّ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَى وَلَدَهُ، وَقَدْ فَضَّلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِنَخْلٍ وَفَضَّلَ عُمَرُ عَاصِمًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِشَيْءٍ أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَفَضَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَلَدَ أُمِّ كُلْثُومٍ وَلَوْ اتَّصَلَ حَدِيثُ طَاوُسٍ «لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ إلَّا وَالِدٌ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ» لَقُلْت بِهِ، وَلَمْ أُرِدْ وَاهِبًا غَيْرَهُ وَهَبَ لِمَنْ يَسْتَثِيبُ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ لَا يَسْتَثِيبُ.
(قَالَ) : وَتَجُوزُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَأْخُذُهَا لِمَا رَفَعَ اللَّهُ مِنْ قَدْرِهِ وَأَبَانَهُ مِنْ خَلْقِهِ إمَّا تَحْرِيمًا، وَإِمَّا لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ يَدٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الصَّدَقَةِ لَا يُرَادُ ثَوَابُهَا، وَمَعْنَى الْهَدِيَّةِ يُرَادُ ثَوَابُهَا، وَكَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ «وَرَأَى لَحْمًا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» .

[كِتَابُ اللُّقَطَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَحْوُ ذَلِكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَبِهَذَا أَقُولُ وَالْبَقَرُ كَالْإِبِلِ؛ لِأَنَّهُمَا يَرِدَانِ الْمِيَاهَ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ، وَيَعِيشَانِ أَكْثَرَ عَيْشِهِمَا بِلَا رَاعٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْمَالُ وَالشَّاةُ لَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا فَإِنْ وَجَدَهُمَا فِي مَهْلَكَةٍ فَلَهُ أَكْلُهُمَا وَغُرْمُهُمَا إذَا جَاءَ صَاحِبُهُمَا.
(وَقَالَ) : فِيمَا وَضَعَهُ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ كَالْبَعِيرِ؛ لِأَنَّ كُلَّهَا قَوِيٌّ مُمْتَنِعٌ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بَعِيدُ الْأَثَرِ فِي الْأَرْضِ، وَمِثْلُهَا الظَّبْيُ لِلرَّجُلِ وَالْأَرْنَبُ وَالطَّائِرُ لِبُعْدِهِ فِي الْأَرْضِ وَامْتِنَاعِهِ فِي السُّرْعَةِ.

(قَالَ) : وَيَأْكُلُ اللُّقَطَةَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ قَدْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ مِنْ أَيْسَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ كَأَيْسَرِهِمْ وَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا أَنْ يَأْكُلَهَا» «وَأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ بِأَكْلِهِ فَلَمَّا جَاءَ صَاحِبُهُ أَمَرَهُ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ» وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صُلْبِيَّةِ بَنِي هَاشِمٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَ لُقَطَةٍ وَجَدَهَا إذَا كَانَ أَمِينًا عَلَيْهَا فَعَرَّفَهَا سَنَةً عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ، وَمَوَاضِعِ الْعَامَّةِ، وَيَكُونُ أَكْثَرُ تَعْرِيفِهِ فِي الْجُمُعَةِ الَّتِي أَصَابَهَا فِيهَا فَيَعْرِفُ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوَزْنَهَا وَحِلْيَتَهَا، وَيَكْتُبُهَا، وَيُشْهِدُ عَلَيْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَهِيَ لَهُ بَعْدَ سَنَةٍ عَلَى أَنَّهُ مَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ غَرِيمٌ إنْ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا.
وَسَوَاءٌ قَلِيلُ اللُّقَطَةِ وَكَثِيرُهَا فَيَقُولُ مَنْ ذَهَبَتْ لَهُ دَنَانِيرُ إنْ كَانَتْ دَنَانِيرَ، وَمَنْ ذَهَبَتْ لَهُ دَرَاهِمُ إنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ، وَمَنْ ذَهَبَ لَهُ كَذَا، وَلَا يَصِفُهَا فَيُنَازَعَ فِي صِفَتِهَا أَوْ يَقُولُ جُمْلَةً إنَّ فِي يَدِي لُقَطَةٌ فَإِنْ كَانَ مَوْلِيًّا عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ ضَمَّهَا الْقَاضِي إلَى وَلِيِّهِ وَفَعَلَ فِيهَا مَا يَفْعَلُ الْمُلْتَقِطُ فَإِنْ كَانَ عَبْدًا أُمِرَ بِضَمِّهَا إلَى سَيِّدِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِهَا السَّيِّدُ فَأَقَرَّهَا فِي يَدَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ.
(قَالَ) : فَمَا وَضَعَ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ: لَا غُرْمَ عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى يُعْتَقَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : الْأَوَّلُ أَقْيَسُ إذَا كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ وَالْعَبْدُ عِنْدِي لَيْسَ بِذِي ذِمَّةٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا السَّيِّدُ فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ إنْ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ وَبَعْدَهَا دُونَ مَالِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ اللُّقَطَةَ عُدْوَانٌ إنَّمَا يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ مَنْ لَهُ ذِمَّةٌ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : هَذَا أَشْبَهُ بِأَصْلِهِ، وَلَا يَخْلُو سَيِّدُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلِمَهُ فَإِقْرَارُهُ إيَّاهَا فِي يَدِهِ يَكُونُ تَعَدِّيًا فَكَيْفَ لَا يَضْمَنُهَا فِي جَمِيعِ مَالِهِ أَوْ لَا يَكُونُ تَعَدِّيًا فَلَا تَعْدُو رَقَبَةَ عَبْدِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ كَانَ حُرًّا غَيْرَ مَأْمُونٍ فِي دِينِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْمُرَ بِضَمِّهَا إلَى مَأْمُونٍ، وَيَأْمُرَ الْمَأْمُونَ وَالْمُلْتَقِطَ بِالْإِنْشَادِ بِهَا.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: لَا يَنْزِعُهَا مِنْ يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا مَنَعْنَا مِنْ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَرْضَهُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَلَا قَوْلَ لَهُ إلَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ أَوْلَى بِالْحَقِّ عِنْدِي وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَدْ قَطَعَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ إخْرَاجَهَا مِنْ يَدِهِ لَا يَجُوزُ فِيهَا غَيْرُهُ وَهَذَا أَوْلَى بِهِ عِنْدِي.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمُكَاتَبُ فِي اللُّقَطَةِ كَالْحُرِّ؛ لِأَنَّ مَالَهُ يَسْلَمُ لَهُ

وَالْعَبْدُ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ عَبْدٌ فَإِنْ الْتَقَطَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مُخَلًّى لِنَفْسِهِ أُقِرَّتْ فِي يَدِهِ وَكَانَتْ بَعْدَ السَّنَةِ لَهُ كَمَا لَوْ كَسَبَ فِيهِ مَالًا كَانَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي لِسَيِّدِهِ أَخَذَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ فِيهِ لِسَيِّدِهِ.
(قَالَ) : وَيُفْتَى الْمُلْتَقَطُ إذَا عَرَّفَ الرَّجُلُ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعَدَدَ وَالْوَزْنَ وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ أَنْ يُعْطِيَهُ، وَلَا أَجْبُرُهُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ بِأَنْ يَسْمَعَ الْمُلْتَقِطَ يَصِفُهَا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَأَنْ يُؤَدِّيَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا مَعَهَا وَلِيَعْلَمَ إذَا وَضَعَهَا فِي مَالِهِ أَنَّهَا لُقَطَةٌ، وَقَدْ يَكُونُ لِيَسْتَدِلَّ عَلَى صِدْقِ الْمُعَرِّفِ أَرَأَيْت لَوْ وَصَفَهَا عَشْرَةٌ أَيُعْطُونَهَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّهُمْ كَاذِبٌ إلَّا وَاحِدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، وَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ طَعَامًا رَطْبًا لَا يَبْقَى فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ إذَا خَافَ فَسَادَهُ، وَيَغْرَمَهُ لِرَبِّهِ.
(وَقَالَ) : فِيمَا وَضَعَهُ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ: إذَا خَافَ فَسَادَهُ أَحْبَبْتُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَيُقِيمَ عَلَى تَعْرِيفِهِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : هَذَا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لِلْمُلْتَقِطِ شَأْنُك بِهَا إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ مَهْلَكَةٍ كَالشَّاةِ فَيَكُونُ لَهُ أَكْلُهُ، وَيَغْرَمُهُ إذَا جَاءَ صَاحِبُهُ.
(وَقَالَ) : فِيمَا وَضَعَ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ: إذَا وَجَدَ الشَّاةَ أَوْ الْبَعِيرَ أَوْ الدَّابَّةَ أَوْ مَا كَانَتْ بِالْمِصْرِ أَوْ فِي قَرْيَةٍ فَهِيَ لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهَا سَنَةً، وَإِذْ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَوَالَّ الْإِبِلِ فَمَنْ أَخَذَهَا ثُمَّ أَرْسَلَهَا ضَمِنَ.

(قَالَ) : وَلَا جُعْلَ لِمَنْ جَاءَ بِآبِقٍ، وَلَا ضَالَّةٍ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ لَهُ وَسَوَاءٌ مَنْ عُرِفَ بِطَلَبِ الضَّوَالِّ، وَمَنْ لَا يُعْرَفُ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ إنْ جِئْتنِي بِعَبْدٍ فَلَكَ كَذَا وَلِآخَرَ مِثْلُ ذَلِكَ وَلِثَالِثٍ مِثْلُ ذَلِكَ فَجَاءُوا بِهِ جَمِيعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ مَا جَعَلَهُ لَهُ اتَّفَقَتْ الْأَجْعَالِ أَوْ اخْتَلَفَتْ.

[بَابُ الْتِقَاطِ الْمَنْبُوذِ]

ِ يُوجَدُ مَعَهُ الشَّيْءُ بِمَا وَضَعَ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ، وَمِنْ مَسَائِلَ شَتَّى سَمِعْتهَا مِنْهُ لَفْظًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا وَضَعَ بِخَطِّهِ -: مَا وُجِدَ تَحْتَ الْمَنْبُوذِ مِنْ شَيْءٍ مَدْفُونٍ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ أَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَهُوَ لُقَطَةٌ أَوْ كَانَتْ دَابَّةً فَهِيَ ضَالَّةٌ فَإِنْ وُجِدَ عَلَى دَابَّتِهِ أَوْ عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ مَالٌ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُلْتَقِطُهُ غَيْرَ ثِقَةٍ نَزَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ ثِقَةً وَجَبَ أَنْ يُشْهِدَ بِمَا وَجَدَ لَهُ، وَأَنَّهُ مَنْبُوذٌ، وَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ مِنْهُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا أَخَذَ ثَمَنَهُ الْمُلْتَقِطُ وَأَنْفَقَ مِنْهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ فَهُوَ ضَامِنٌ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَرُمَ تَضْيِيعُهُ عَلَى مَنْ عَرَّفَهُ حَتَّى يُقَامَ بِكَفَالَتِهِ فَيُخْرِجَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمَأْثَمِ، وَلَوْ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ أَنْ يَسْتَسْلِفَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنًا فَمَا ادَّعَى قُبِلَ مِنْهُ إذَا كَانَ مِثْلُهُ قَصْدًا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : لَا يَجُوزُ قَوْلُ أَحَدٍ فِيمَا يَتَمَلَّكُهُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى وَلَيْسَ كَالْأَمِينِ يَقُولُ فَيَبْرَأُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ وَجَدَهُ رَجُلَانِ فَتَشَاحَّاهُ أَقْرَعْتُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ دَفَعْته إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ خَيْرًا لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا عَمَّا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، وَإِنْ كَانَ

أَحَدُهُمَا مُقِيمًا بِالْمِصْرِ وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ دُفِعَ إلَى الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانَ قَرَوِيًّا وَبَدْوِيًّا دُفِعَ إلَى الْقَرَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الْبَادِيَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا وَحُرًّا دُفِعَ إلَى الْحُرِّ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا وَنَصْرَانِيًّا فِي مِصْرٍ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلَّ دُفِعَ إلَى الْمُسْلِمِ وَجَعَلْته مُسْلِمًا وَأَعْطَيْته مِنْ سُهْمَانِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِذَا أَعْرَبَ عَنْ نَفْسِهِ فَامْتَنَعَ مِنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَبِنْ لِي أَنْ أَقْتُلَهُ، وَلَا أُجْبِرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنْ وُجِدَ فِي مَدِينَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا مُسْلِمَ فِيهِمْ فَهُوَ ذِمِّيٌّ فِي الظَّاهِرِ حَتَّى يَصِفَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلَوْ أَرَادَ الَّذِي الْتَقَطَهُ الظَّعْنَ بِهِ فَإِنْ كَانَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ فَذَلِكَ لَهُ وَإِلَّا مُنِعَهُ.

وَجِنَايَتُهُ خَطَأً عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ: عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي فَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا فَلِلْإِمَامِ الْقَوَدُ أَوْ الْعَقْلُ، وَإِنْ كَانَ جُرْحًا حُبِسَ لَهُ الْجَارِحُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَخْتَارَ الْقَوَدَ أَوْ الْأَرْشَ فَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا فَقِيرًا أَحْبَبْتُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ الْأَرْشَ، وَيُنْفِقَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحُرِّ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُقِرَّ فَإِنْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ قَبِلْته وَرَجَعْت عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ وَجَعَلْت جِنَايَتَهُ فِي عُنُقِهِ وَلَوْ قَذَفَهُ قَاذِفٌ لَمْ أَحِدَّ لَهُ حَتَّى أَسْأَلْهُ فَإِنْ قَالَ أَنَا حُرٌّ حَدَدْت قَاذِفَهُ، وَإِنْ قَذَفَ حُرًّا حُدَّ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَسَمِعْته يَقُولُ اللَّقِيطُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْآدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ إلَّا مَنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةُ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ كَمَا لَا أَبَ لَهُ فَإِنْ مَاتَ فَمِيرَاثُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : هَذَا كُلُّهُ يُوجِبُ أَنَّهُ حُرٌّ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَوْلُهُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ لِلْمَقْذُوفِ أَنَّهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ ادَّعَاهُ الَّذِي وَجَدَهُ: أَلْحَقْته بِهِ فَإِنْ ادَّعَاهُ آخَرُ أَرَيْته الْقَافَةَ فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِالْآخَرِ أَرَيْتَهُمْ الْأَوَّلَ فَإِنْ قَالُوا إنَّهُ ابْنُهُمَا لَمْ نَنْسُبْهُ إلَى أَحَدِهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُلْحَقْ بِالْآخَرِ فَهُوَ ابْنُ الْأَوَّلِ قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى اللَّقِيطَ رَجُلَانِ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ جَعَلْته لِلَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ أَوَّلًا، وَلَيْسَ هَذَا كَمِثْلِ الْمَالِ وَدَعْوَةُ الْمُسْلِمِ وَالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ غَيْرَ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا ادَّعَاهُ وَوُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَلْحَقْته بِهِ أَحْبَبْتُ أَنْ أَجْعَلَهُ مُسْلِمًا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَأَنْ آمُرَهُ إذَا بَلَغَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ إجْبَارٍ.
(وَقَالَ) : فِي كِتَابِ الدَّعْوَى إنَّا نَجْعَلُهُ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُهُ كَمَا قَالَ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : عِنْدِي هَذَا أَوْلَى بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ لَمْ يَزُلْ حَقُّهُ بِالدَّعْوَى فَقَدْ ثَبَتَ لِلْإِسْلَامِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ وَجَرَى حُكْمُهُ عَلَيْهِ بِالدَّارِ فَلَا يَزُولُ حَقُّ الْإِسْلَامِ بِدَعْوَى مُشْرِكٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُهُ بَعْدَ أَنْ عَقَلَ وَوَصَفَ الْإِسْلَامَ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ، وَمَنَعْنَاهُ أَنْ يُنَصِّرَهُ فَإِذَا بَلَغَ فَامْتَنَعَ مِنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ مُرْتَدًّا نَقْتُلُهُ وَأَحْبِسُهُ وَأُخِيفُهُ رَجَاءَ رُجُوعِهِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - قِيَاسُ: مَنْ جَعَلَهُ مُسْلِمًا أَنْ لَا يَرُدَّهُ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا دَعْوَةَ لِلْمَرْأَةِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ أَقَامَتْ امْرَأَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُهَا لَمْ أَجْعَلْهُ ابْنَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى أُرِيَهُ الْقَافَةَ فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِوَاحِدَةٍ لَحِقَ بِزَوْجِهَا، وَلَا يَنْفِيهِ إلَّا بِاللِّعَانِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَخْرَجُ قَوْلِ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ وَهُوَ الزَّوْجُ فَلَمَّا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِالْمَرْأَةِ كَانَ زَوْجُهَا فِرَاشًا يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا، وَلَا يَنْفِيهِ إلَّا بِلِعَانٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ اللَّقِيطَ أَنَّهُ عَبْدُهُ لَمْ أَقْبَلْ الْبَيِّنَةَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنَّهَا رَأَتْ أَمَةَ فُلَانٍ وَلَدْته وَأَقْبَلُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ شُهُودَهُ أَنَّهُ عَبْدُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَى فِي يَدِهِ فَيَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُهُ.
(وَقَالَ) : فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْتِقَاطِ الْمُلْتَقِطِ أَرَفَقْتُهُ لَهُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَأَوْلَى بِالْحَقِّ عِنْدِي مِنْ الْأَوَّلِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا بَلَغَ اللَّقِيطُ فَاشْتَرَى وَبَاعَ وَنَكَحَ وَأَصْدَقَ ثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ لِرَجُلٍ أَلْزَمْته مَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ إقْرَارِهِ، وَفِي إلْزَامِهِ الرِّقَّ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ إقْرَارَهُ يَلْزَمُهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْفَضْلِ مِنْ مَالٍ عَمَّا لَزِمَهُ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَمَنْ قَالَ أُصَدِّقُهُ فِي الْكُلِّ قَالَ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْأَصْلِ، وَمَنْ قَالَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَهُ فِي امْرَأَةٍ نُكِحَتْ ثُمَّ أَقَرَّتْ بِمِلْكٍ لِرَجُلٍ لَا أُصَدِّقُهَا عَلَى إفْسَادِ النِّكَاحِ، وَلَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِلزَّوْجِ وَأَجْعَلُ

طَلَاقَهُ إيَّاهَا ثَلَاثًا وَعِدَّتَهَا ثَلَاثَ حِيَضً وَفِي الْوَفَاةِ عِدَّةَ أَمَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا فِي الْوَفَاةِ حَقٌّ يَلْزَمُهَا لَهُ وَأَجْعَلُ وَلَدَهُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ وَلَدَ حُرَّةٍ وَلَهُ الْخِيَارُ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى النِّكَاحِ كَانَ وَلَدُهُ رَقِيقًا وَأَجْعَلُ مِلْكَهَا لِمَنْ أَقَرَّتْ لَهُ بِأَنَّهَا أَمَتُهُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَجْمَعَتْ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ لَزِمَهُ، وَمَنْ ادَّعَاهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ بِدَعْوَاهُ، وَقَدْ لَزِمَتْهَا حُقُوقٌ بِإِقْرَارِهَا فَلَيْسَ لَهَا إبْطَالُهَا بِدَعْوَاهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا أُقِرُّ اللَّقِيطَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ وَقَالَ لِفُلَانٍ مَا مَلَكْته قَطُّ ثُمَّ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِالرِّقِّ بَعْدُ لَمْ أَقْبَلْ إقْرَارَهُ وَكَانَ حُرًّا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ.

[اخْتِصَارُ الْفَرَائِضِ]

[بَابُ مَنْ لَا يَرِثُ]

اخْتِصَارُ الْفَرَائِضِ مِمَّا سَمِعْته مِنْ (الشَّافِعِيِّ) : وَمِنْ الرِّسَالَةِ، وَمِمَّا وَضَعْته عَلَى نَحْوِ مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ فِي الْفَرَائِضِ نَحْوَ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بَابُ مَنْ لَا يَرِثُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَا تَرِثُ الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ وَبِنْتُ الْأَخِ وَبِنْتُ الْعَمِّ وَالْجَدَّةُ أُمُّ أَبِ الْأُمِّ وَالْخَالُ وَابْنُ الْأَخِ لِلْأُمِّ، وَالْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِلْأُمِّ وَالْجَدُّ أَبُو الْأُمِّ وَوَلَدُ الْبِنْتِ وَوَلَدُ الْأُخْتِ، وَمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمْ وَالْكَافِرُونَ وَالْمَمْلُوكُونَ وَالْقَاتِلُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَمَنْ عُمِّيَ مَوْتُهُ كُلُّ هَؤُلَاءِ لَا يَرِثُونَ، وَلَا يُحْجَبُونَ، وَلَا تَرِثُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ مَعَ الْجَدِّ، وَإِنْ عَلَا، وَلَا مَعَ الْوَلَدِ، وَلَا مَعَ وَلَدِ الِابْنِ، وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا تَرِثُ الْإِخْوَةُ، وَلَا الْأَخَوَاتُ مَنْ كَانُوا مَعَ الْأَبِ، وَلَا مَعَ الِابْنِ، وَلَا مَعَ ابْنِ الِابْنِ، وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ أَبَوَاهُ، وَلَا مَعَ الْأُمِّ جَدَّةٌ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ وَمَعْنَاهُ.

[بَابُ الْمَوَارِيثِ]

ِ (قَالَ الْمُزَنِيِّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ، وَإِنْ سَفَلَ فَلَهُ الرُّبُعُ وَلِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ، وَإِنْ سَفَلَ فَلَهَا الثُّمُنُ وَالْمَرْأَتَانِ وَالثَّلَاثُ وَالْأَرْبَعُ شُرَكَاءُ فِي الرُّبُعِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَفِي الثُّمُنِ إذَا كَانَ وَلَدٌ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ أَوْ اثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ أَوْ الْأَخَوَاتِ فَصَاعِدًا فَلَهَا السُّدُسُ إلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ إحْدَاهُمَا زَوْجٌ وَأَبَوَانِ وَالْأُخْرَى امْرَأَةٌ وَأَبَوَانِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي هَاتَيْنِ الْفَرِيضَتَيْنِ لِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا يَبْقَى بَعْدَ نَصِيبِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلِابْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ فَإِذَا اسْتَكْمَلَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ فَلَا شَيْءَ لِبَنَاتِ الِابْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ ابْنُ ابْنٍ فَيَكُونَ مَا بَقِيَ لَهُ وَلِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ أَقْرَبَ إلَى الْمَيِّتِ مِنْهُ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ مَا بَقِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ وَبِنْتُ ابْنٍ أَوْ بَنَاتُ ابْنٍ فَلِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِبِنْتِ الِابْنِ أَوْ بَنَاتِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَتَسْقُطُ بَنَاتُ ابْنِ الِابْنِ إذَا كُنَّ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ابْنُ ابْنٍ فِي دَرَجَتِهِنَّ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُنَّ فَيَكُونَ مَا بَقِيَ لَهُ وَلِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ أَقْرَبَ إلَى الْمَيِّتِ مِنْهُ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الثُّلُثَيْنِ شَيْئًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَيَسْقُطُ مَنْ أَسْفَلَ مِنْ الذَّكَرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَانَ مَعَ بِنْتِ الِابْنِ أَوْ بَنَاتِ الِابْنِ ابْنُ ابْنٍ فِي دَرَجَتِهِنَّ فَلَا سُدُسَ لَهُنَّ وَلَكِنْ مَا بَقِيَ لَهُ وَلَهُنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْبِنْتِ أَوْ الْبَنَاتِ لِلصُّلْبِ ابْنٌ فَلَا نِصْفَ، وَلَا ثُلُثَيْنِ

وَلَكِنَّ الْمَالَ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَيَسْقُطُ جَمِيعُ وَلَدِ الِابْنِ وَوَلَدُ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الصُّلْبِ فِي كُلٍّ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدَ صُلْبٍ وَبَنُو الْإِخْوَةِ لَا يَحْجُبُونَ الْأُمَّ عَنْ الثُّلُثِ، وَلَا يَرِثُونَ مَعَ الْجَدِّ وَلِوَاحِدِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثُ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ وَلِلْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ فَإِذَا اسْتَوْفَى الْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ الثُّلُثَيْنِ فَلَا شَيْءَ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أَخٌ فَيَكُونَ لَهُ وَلَهُنَّ مَا بَقِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا أُخْتٌ وَاحِدَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأُخْتٍ أَوْ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ فَلِلْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ أَوْ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْأُخْتِ أَوْ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ أَخٌ لِأَبٍ فَلَا سُدُسَ لَهُنَّ وَلَهُنَّ وَلَهُ مَا بَقِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَخٌ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ فَلَا نِصْفَ، وَلَا ثُلُثَيْنِ وَلَكِنَّ الْمَالَ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَتَسْقُطُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ بِمَنْزِلَةِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ إلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمٌّ، وَإِخْوَةٌ لِأُمٍّ، وَإِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَيَكُونُ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَيُشَارِكُهُمْ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ فِي ثُلُثِهِمْ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ سَوَاءٌ.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ إخْوَةٌ لِأَبٍ لَمْ يَرِثُوا وَلِلْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ مَا بَقِيَ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُنَّ، وَيُسَمَّيْنَ بِذَلِكَ عَصَبَةَ الْبَنَاتِ وَلِلْأَبِ: مَعَ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ السُّدُسُ فَرِيضَةً، وَمَا بَقِيَ بَعْدَ أَهْلِ الْفَرِيضَةِ فَلَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ، وَلَا وَلَدُ ابْنٍ فَإِنَّمَا هُوَ عَصَبَةٌ لَهُ الْمَالُ، وَلِلْجَدَّةِ وَالْجَدَّتَيْنِ السُّدُسُ.
(قَالَ) : وَإِنْ قَرُبَ بَعْضُهُنَّ دُونَ بَعْضٍ فَكَانَتْ الْأَقْرَبَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ فَهِيَ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ الْأَبْعَدَ شَارَكَتْ فِي السُّدُسِ وَأَقْرَبُ اللَّائِي قِبَلَ الْأَبِ تَحْجُبُ بُعْدَاهُنَّ وَكَذَلِكَ تَحْجُبُ أَقْرَبُ اللَّائِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ بُعْدَاهُنَّ.

[بَابُ أَقْرَبِ الْعَصَبَةِ]

ِ (قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَقْرَبُ الْعَصَبَةِ الْبَنُونَ ثُمَّ بَنُو الْبَنِينَ ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ إنْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ فَإِنْ كَانَ جَدٌّ شَارَكَهُمْ فِي بَابِ الْجَدِّ ثُمَّ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ، وَلَا مِنْ بَنِيهِمْ، وَلَا بَنَى بَنِيهِمْ، وَإِنْ سَفَلُوا فَالْعَمُّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُو الْعَمِّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ بَنُو الْعَمِّ لِلْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْعُمُومَةِ، وَلَا بَنِيهِمْ، وَلَا بَنِي بَنِيهِمْ، وَإِنْ سَفَلُوا فَعَمُّ الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَمُّ الْأَبِ لِلْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبَنُوهُمْ وَبَنُو بَنِيهِمْ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ الْعُمُومَةِ وَبَنِيهِمْ وَبَنِي بَنِيهِمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَمُّ الْجَدِّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَمُّ الْجَدِّ لِلْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبَنُوهُمْ وَبَنُو بَنِيهِمْ عَلَى مَا وَصَفْت فِي عُمُومَةِ الْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَأَرْفَعُهُمْ بَطْنًا وَكَذَلِكَ نَفْعَلُ فِي الْعَصَبَةِ إذَا وُجِدَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ سَفَلَ لَمْ يُورَثْ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ ابْنِهِ، وَإِنْ قَرُبَ، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ ابْنِهِ، وَإِنْ سَفَلَ لَمْ يُورَثْ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ جَدِّهِ، وَإِنْ قَرُبَ، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ جَدِّهِ، وَإِنْ سَفَلَ لَمْ يُورَثْ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ أَبِي جَدِّهِ، وَإِنْ قَرُبَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعَصَبَةِ أَقْرَبَ بِأَبٍ فَهُوَ أَوْلَى لِأَبٍ كَانَ أَوْ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَإِنْ كَانُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَاَلَّذِي لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْلَى فَإِذَا اسْتَوَتْ قَرَابَتُهُمْ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ بِرَحِمٍ يَرِثُ فَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَقْرَبُ عَصَبَةِ مَوْلَاهُ الذُّكُورِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبَيْتُ الْمَالِ.

[بَابُ مِيرَاثِ الْجَدِّ]

(قَالَ) : وَالْجَدُّ لَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ فَالْجَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ تَرَكَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِ أَبِيهِ الْأَدْنِينَ أَوْ أَحَدًا مِنْ أُمَّهَاتِ أَبِيهِ، وَإِنْ عَالَتْ الْفَرِيضَةُ إلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ أَوْ امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِمَا مَكَانَ الْأَبِ جَدٌّ صَارَ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ كَامِلًا، وَمَا بَقِيَ فَلِلْجَدِّ بَعْدَ نَصِيبِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ، وَأُمَّهَاتُ الْأَبِ لَا يَرِثْنَ مَعَ الْأَبِ، وَيَرِثْنَ مَعَ الْجَدِّ وَكُلُّ جَدٍّ، وَإِنْ عَلَا فَكَالْجَدِّ إذَا لَمْ يَكُنْ جَدٌّ دُونَهُ فِي كُلِّ حَالٍ إلَّا فِي حَجْبِ أُمَّهَاتِ الْجَدِّ، وَإِنْ بَعُدْنَ فَالْجَدُّ يَحْجُبُ أُمَّهَاتِهِ، وَإِنْ بَعُدْنَ، وَلَا يَحْجُبُ أُمَّهَاتِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ اللَّائِي لَمْ يَلِدْنَهُ، وَإِذَا كَانَ مَعَ الْجَدِّ أَحَدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ أَوْ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَلَيْسَ مَعَهُنَّ مَنْ لَهُ فَرْضٌ مُسَمًّى قَاسَمَ أَخًا أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَخًا وَأُخْتًا فَإِنْ زَادُوا كَانَ لِلْجَدِّ ثُلُثُ الْمَالِ، وَمَا بَقِيَ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ مَنْ لَهُ فَرْضٌ مُسَمًّى زَوْجٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ أُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ أَوْ بَنَاتُ ابْنٍ، وَكَانَ ذَلِكَ الْفَرْضُ الْمُسَمَّى النِّصْفَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ بَدَأْت بِأَهْلِ الْفَرَائِضِ ثُمَّ قَاسَمَ الْجَدُّ مَا يَبْقَى أُخْتًا أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَخًا وَأُخْتًا، وَإِنْ زَادُوا كَانَ لِلْجَدِّ ثُلُثُ مَا يَبْقَى، وَمَا بَقِيَ فَلِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ كَثُرَ الْفَرْضُ الْمُسَمَّى بِأَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَلَمْ يُجَاوِزْ الثُّلُثَيْنِ قَاسَمَ أُخْتًا أَوْ أُخْتَيْنِ فَإِنْ زَادُوا فَلِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَإِنْ زَادَتْ الْفَرَائِضُ عَلَى الثُّلُثَيْنِ لَمْ يُقَاسِمْ الْجَدُّ أَخًا، وَلَا أُخْتًا، وَكَانَ لَهُ السُّدُسُ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ عَالَتْ الْفَرِيضَةُ فَالسُّدُسُ لِلْجَدِّ.
وَالْعَوْلُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ يُعَالُ لِأَحَدٍ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مَعَ الْجَدِّ إلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّةِ وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ وَجَدٍّ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ يُعَالُ بِهِ ثُمَّ يَضُمُّ الْجَدُّ سُدُسَهُ إلَى نِصْفِ الْأُخْتِ فَيَقْسِمَانِ ذَلِكَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَتَعُولُ بِنِصْفِهَا وَتَصِحُّ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ لِلزَّوْجِ تِسْعَةٌ وَلِلْأُمِّ سِتَّةٌ وَلِلْجَدِّ ثَمَانِيَةٌ وَلِلْأُخْتِ أَرْبَعَةٌ وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يُعَادُّونَ الْجَدَّ بِالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ، وَلَا يَصِيرُ فِي أَيْدِي الَّذِينَ لِلْأَبِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ أُخْتٌ وَاحِدَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَيُصِيبُهَا بَعْدَ الْمُقَاسَمَةِ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ فَزِدْ مَا زَادَ عَلَى الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ بِمَنْزِلَةِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ مَعَ الْجَدِّ إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَأَكْثَرُ مَا تَعُولُ بِهِ الْفَرِيضَةُ ثُلُثَاهَا.

[بَابُ مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ]

ِّ (قَالَ) : وَمِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُرْتَدِّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» وَاحْتَجَّ عَلَى مَنْ وَرَّثَ وَرَثَتَهُ الْمُسْلِمِينَ مَالَهُ، وَلَمْ يُوَرِّثْهُ مِنْهُمْ فَقَالَ هَلْ رَأَيْت أَحَدًا لَا يَرِثُ وَلَدَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا، وَيَرِثُهُ وَلَدُهُ، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ اللَّهُ الْمَوَارِيثَ لِلْأَبْنَاءِ مِنْ الْآبَاءِ حَيْثُ أُتِيَتْ الْمَوَارِيثُ لِلْآبَاءِ مِنْ الْأَبْنَاءِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) : قَدْ زَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ نِصْفَ الْعَبْدِ إذَا كَانَ حُرًّا يَرِثُهُ أَبُوهُ إذَا مَاتَ، وَلَا يَرِثُ هَذَا النِّصْفَ مِنْ أَبِيهِ إذَا مَاتَ أَبُوهُ فَلَمْ يُوَرِّثْهُ مِنْ حَيْثُ وَرِثَ مِنْهُ، وَالْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ يَرِثُ مِنْ حَيْثُ يُورَثُ.

(وَقَالَ) : فِي الْمَرْأَةِ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا مَرِيضًا فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا تَرِثُهُ وَالْآخَرُ لَا تَرِثُهُ وَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُورِثَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهَا

بِإِجْمَاعٍ لِانْقِطَاعِ النِّكَاحِ الَّذِي بِهِ يَتَوَارَثَانِ فَكَذَلِكَ لَا تَرِثُهُ كَمَا لَا يَرِثُهَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ عِنْدَهُ يَرِثُونَ مِنْ حَيْثُ يُورَثُونَ، وَلَا يَرِثُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يُورَثُونَ.

[بَابُ مِيرَاثِ الْمُشْتَرَكَةِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قُلْنَا فِي الْمُشْتَرَكَةِ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ وَأَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْأَخَوَيْنِ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وَيُشْرِكُهُمْ بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَمَّا سَقَطَ سَقَطَ حُكْمُهُ وَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَصَارُوا بَنِي أُمٍّ مَعًا.
(قَالَ) : وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ هَلْ وَجَدْت الرَّجُلَ مُسْتَعْمَلًا فِي حَالٍ ثُمَّ تَأْتِي حَالَةٌ أُخْرَى فَلَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا؟ . (قُلْت) : نَعَمْ مَا قُلْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ وَخَالَفْنَا فِيهِ صَاحِبَك مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ بَعْدَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَحِلُّ لِلزَّوْجِ قَبْلَهُ، وَيَكُونُ مُبْتَدِئًا لِنِكَاحِهَا وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى ثَلَاثٍ وَلَوْ نَكَحَهَا بَعْدَ طَلْقَةٍ لَمْ تَنْهَدِمْ كَمَا تَنْهَدِمُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ مَعْنًى فِي إحْلَالِ الْمَرْأَةِ هَدَمَ الطَّلَاقِ الَّذِي تَقَدَّمَهُ إذَا كَانَتْ لَا تَحِلُّ إلَّا بِهِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى فِي الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ وَكَانَتْ تَحِلُّ لِزَوْجِهَا بِنِكَاحٍ قَبْلَ زَوْجٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى فَنَسْتَعْمِلُهُ.
(قَالَ) : إنَّا لَنَقُولُ بِهَذَا فَهَلْ تَجِدُ مِثْلَهُ فِي الْفَرَائِضِ؟ . (قُلْت) : نَعَمْ الْأَبُ يَمُوتُ ابْنُهُ وَلِلِابْنِ إخْوَةٌ فَلَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ قَاتِلًا وَرِثُوا، وَلَمْ يَرِثْ الْأَبُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ حُكْمَ الْأَبِ قَدْ زَالَ، وَمَنْ زَالَ حُكْمُهُ فَكَمَنْ لَمْ يَكُنْ.

[بَابُ مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقُلْنَا إذَا مَاتَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدُ الزِّنَا وَرِثَتْ أُمُّهُ حَقَّهَا، وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَنَظَرْنَا مَا بَقِيَ فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَوْلَاةً، وَلَاءَ عَتَاقَةٍ كَانَ مَا بَقِيَ مِيرَاثًا لِمَوَالِي أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً أَوْ لَا وَلَاءَ لَهَا كَانَ مَا بَقِيَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهَا بِقَوْلِنَا إلَّا فِي خَصْلَةٍ إذَا كَانَتْ عَرَبِيَّةً أَوْ لَا وَلَاءَ لَهَا فَعَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةٍ لَا تَثْبُتُ وَقَالُوا كَيْفَ لَمْ تَجْعَلُوا عَصَبَتَهُ عَصَبَةَ أُمِّهِ كَمَا جَعَلْتُمْ مَوَالِيَهُ مَوَالِيَ أُمِّهِ؟ . (قُلْنَا) : بِالْأَمْرِ الَّذِي لَمْ نَخْتَلِفْ فِيهِ نَحْنُ، وَلَا أَنْتُمْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ فِيهِ قَوْلَكُمْ أَلَيْسَ الْمَوْلَاةِ الْمُعْتَقَةُ تَلِدُ مِمَّنْ هُوَ مَمْلُوكٌ؟ أَلَيْسَ وَلَدُهَا تَبَعًا لِوَلَائِهَا كَأَنَّهُمْ أَعْتَقُوهُمْ، وَيَعْقِلُ عَنْهُمْ مُوَالَى أُمِّهِمْ، وَيَكُونُونَ أَوْلِيَاءَ فِي التَّزْوِيجِ لَهُمْ؟ قَالُوا نَعَمْ قُلْنَا فَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً أَتَكُونُ عَصَبَتُهَا عَصَبَةَ وَلَدِهَا يَعْقِلُونَ عَنْهُمْ أَوْ يُزَوِّجُونَ الْبَنَاتِ مِنْهُمْ؟ . قَالُوا: لَا.
قُلْنَا: فَإِذَا كَانَ مُوَالِي الْأُمِّ يَقُومُونَ مَقَامَ الْعَصَبَةِ فِي وَلَدِ مَوَالِيهِمْ وَكَانَ الْأَخْوَالُ لَا يَقُومُونَ ذَلِكَ الْمَقَامَ فِي بَنِي أُخْتِهِمْ فَكَيْفَ أَنْكَرْت مَا قُلْنَا، وَالْأَصْلُ الَّذِي ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَاحِدٌ؟ .

[بَابُ مِيرَاثِ الْمَجُوسِيِّ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا مَاتَ الْمَجُوسِيُّ وَبِنْتُهُ امْرَأَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ أُمُّهُ نَظَرْنَا إلَى أَعْظَمِ السَّبَبَيْنِ فَوَرَّثْنَاهَا بِهِ وَأَلْقَيْنَا الْآخَرَ وَأَعْظَمُهُمَا أَثْبَتُهُمَا بِكُلِّ حَالٍ فَإِذَا كَانَتْ أُمٌّ أُخْتًا وَرَّثْنَاهَا بِأَنَّهَا أُمٌّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ تَثْبُتُ فِي كُلِّ حَالٍ وَالْأُخْتُ قَدْ تَزُولُ وَهَكَذَا جَمِيعُ فَرَائِضِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(وَقَالَ) : بَعْضُ النَّاسِ أُوَرِّثُهَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ مَعًا قُلْنَا فَإِذَا كَانَ مَعَهَا أُخْتٌ وَهِيَ أُمٌّ؟ قَالَ أَحْجُبُهَا مِنْ الثُّلُثِ بِأَنَّ مَعَهَا أُخْتَيْنِ

وَأُوَرِّثُهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِأَنَّهَا أُخْتٌ.
(قُلْنَا) : أَوْ لَيْسَ إنَّمَا حَجَبَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - بِغَيْرِهَا لَا بِنَفْسِهَا؟ . (قَالَ) : بَلَى قُلْنَا وَغَيْرُهَا خِلَافُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْنَا فَإِذَا نَقَصْتهَا بِنَفْسِهَا فَهَذَا خِلَافُ مَا نَقَصَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ أَوَرَأَيْتَ مَا إذَا كَانَتْ أُمًّا عَلَى الْكَمَالِ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُعْطِيَهَا بِبَعْضِهَا دُونَ الْكَمَالِ؟ تُعْطِيهَا أُمًّا كَامِلَةً وَأُخْتًا كَامِلَةً وَهُمَا بَدَنَانِ وَهَذَا بَدَنٌ وَاحِدٌ؟ . قَالَ: فَقَدْ عَطَّلْتَ أَحَدَ الْحَقَّيْنِ.
قُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى اسْتِعْمَالِهِمَا مَعًا إلَّا بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالْمَعْقُولِ، لَمْ يَجُزْ إلَّا تَعْطِيلُ أَصْغَرِهِمَا لِأَكْبَرِهِمَا.

[بَابُ ذَوِي الْأَرْحَامِ]

ِ (قَالَ الْمُزَنِيّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ -: احْتِجَاجُ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ يُؤَوِّلُ الْآيَةَ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ قَالَ لَهُمْ الشَّافِعِيُّ لَوْ كَانَ تَأْوِيلُهَا كَمَا زَعَمْتُمْ كُنْتُمْ قَدْ خَالَفْتُمُوهَا.
قَالُوا فَمَا مَعْنَاهَا؟ . قُلْنَا: تَوَارَثَ النَّاسُ بِالْحِلْفِ وَالنُّصْرَةِ ثُمَّ تَوَارَثُوا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 6] عَلَى مَا فَرَضَ اللَّهُ لَا مُطْلَقًا أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ ذَوُو الْأَرْحَامِ، وَلَا رَحِمَ لَهُ أَوْ لَا تَرَى أَنَّكُمْ تُعْطُونِ ابْنَ الْعَمِّ الْمَالَ كُلَّهُ دُونَ الْخَالِ وَأَعْطَيْتُمْ مَوَالِيَهُ جَمِيعَ الْمَالِ دُونَ الْأَخْوَالِ فَتَرَكْتُمْ الْأَرْحَامَ وَأَعْطَيْتُمْ مَنْ لَا رَحِمَ لَهُ؟ .

[بَابُ الْجَدِّ يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا وَرِثَ الْجَدُّ مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ قَاسَمَهُمْ مَا كَانَتْ الْمُقَاسَمَةُ خَيْرًا لَهُ مِنْ الثُّلُثِ فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ خَيْرًا لَهُ مِنْهَا أُعْطِيَهُ، وَهَذَا قَوْلُ زَيْدٍ وَعَنْهُ قَبِلْنَا أَكْثَرَ الْفَرَائِضِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا فِيهِ مِثْلَ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ فُقَهَاءِ الْبُلْدَانِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ الْجَدَّ أَبٌ لِخِصَالٍ.
مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قَالَ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] فَأَسْمَى الْجَدَّ فِي النَّسَبِ أَبًا، وَلَمْ يُنْقِصْهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ السُّدُسِ وَهَذَا حُكْمُهُمْ لِلْأَبِ وَحَجَبُوا بِالْجَدِّ بَنِي الْأُمِّ، وَهَكَذَا حُكْمُهُمْ فِي الْأَبِ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ تُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحْكَامِهِ وَأَحْكَامِ الْأَبِ فِيمَا سِوَاهَا؟ قُلْنَا إنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أَحْكَامِهِمَا فِيهَا قِيَاسًا مِنْهُمْ لِلْجَدِّ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إنَّمَا يَرِثُ بِاسْمِ الْأُبُوَّةِ لَوَرِثَ وَدُونَهُ أَبٌ أَوْ كَانَ قَاتِلًا أَوْ مَمْلُوكًا أَوْ كَافِرًا فَالْأُبُوَّةُ تَلْزَمُهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا وَرَّثْنَاهُ بِالْخَبَرِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ بَعْضٍ لَا بِاسْمِ الْأُبُوَّةِ، وَنَحْنُ لَا نُنْقِصُ الْجَدَّةَ مِنْ السُّدُسِ أَفَتَرَى ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْأَبِ يَحْجُبُونَ بِهَا الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ، وَقَدْ حَجَبْتُمْ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأُمِّ بِابْنَةِ ابْنٍ مُتَسَفِّلَةٍ؟ . أَفَتَحْكُمُونَ لَهَا بِحُكْمِ الْأَبِ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْفَرَائِضَ تَجْتَمِعُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ؟ . وَقُلْنَا: أَلَيْسَ إنَّمَا يُدْلِي الْجَدُّ بِقَرَابَةِ أَبِ الْمَيِّتِ بِأَنْ يَقُولَ الْجَدُّ: أَنَا أَبُو أَبِ الْمَيِّتِ، وَالْأَخُ: أَنَا ابْنُ أَبِي الْمَيِّتِ فَكِلَاهُمَا يُدْلِي بِقَرَابَةِ أَبِي الْمَيِّتِ؟ . قُلْنَا: أَفَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ أَبُوهُ الْمَيِّتَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَيُّهُمَا كَانَ أَوْلَى بِمِيرَاثِهِ؟ . قَالُوا: يَكُونُ لِأَخِيهِ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ وَلِجَدِّهِ سُدُسٌ قُلْنَا فَإِذَا كَانَ الْأَخُ أَوْلَى بِكَثْرَةِ الْمِيرَاثِ مِمَّنْ يُدْلِيَانِ بِقَرَابَتِهِ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَحْجُبَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْأَبِ الَّذِي يُدْلِيَانِ بِقَرَابَتِهِ بِاَلَّذِي هُوَ أَبْعَدُ؟ وَلَوْلَا الْخَبَرُ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُعْطَى الْأَخُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ وَالْجَدُّ سَهْمًا كَمَا وَرَّثْنَاهُمَا حِينَ مَاتَ ابْنُ الْجَدِّ، وَأَبُو الْأَخِ.

[كِتَابُ الْوَصَايَا]

مِمَّا وَضَعَ الشَّافِعِيُّ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» يَحْتَمِلُ مَا الْحَزْمُ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ «يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» ، وَيَحْتَمِلُ مَا الْمَعْرُوفُ فِي الْأَخْلَاقِ إلَّا هَذَا لَا مِنْ جِهَةِ الْفَرْضِ.
(قَالَ) : فَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ، وَلَا ابْنَ لَهُ غَيْرَهُ فَلَهُ النِّصْفُ فَإِنْ لَمْ يُجِزْ الِابْنُ فَلَهُ الثُّلُثُ.
(وَلَوْ قَالَ) : بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِي فَلَهُ مَعَ الِاثْنَيْنِ الثُّلُثُ، وَمَعَ الثَّلَاثَةِ الرُّبُعُ حَتَّى يَكُونَ كَأَحَدِهِمْ وَلَوْ كَانَ وَلَدُهُ رِجَالًا وَنِسَاءً أَعْطَيْته نَصِيبَ امْرَأَةٍ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ وَابْنَةُ ابْنٍ أَعْطَيْته سُدُسًا.
(وَلَوْ قَالَ) : مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِي: أَعْطَيْتُهُ مِثْلَ أَقَلِّهِمْ نَصِيبًا (وَلَوْ قَالَ) : ضِعْفَ مَا يُصِيبُ أَحَدُ وَلَدِي أَعْطَيْتُهُ مِثْلَهُ مَرَّتَيْنِ.
(وَإِنْ قَالَ) : ضِعْفَيْنِ فَإِنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِائَةً أَعْطَيْته ثَلَاثَمِائَةٍ فَكُنْت قَدْ أَضْعَفْت الْمِائَةَ الَّتِي تُصِيبُهُ بِمَنْزِلَةِ مَرَّةٍ بَعْدَ مَرَّةٍ.
(وَلَوْ قَالَ) : لِفُلَانٍ نَصِيبٌ أَوْ حَظٌّ أَوْ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ مِنْ مَالِي مَا عَرَفْت لِكَثِيرٍ حَدًّا وَوَجَدْت رُبُعَ دِينَارٍ قَلِيلًا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ، وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ كَثِيرًا فِيهَا زَكَاةٌ وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمٌ قَلِيلٍ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمٌ كَثِيرٍ، وَقِيلَ لِلْوَرَثَةِ أَعْطُوهُ مَا شِئْتُمْ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَا قَالَ الْمَيِّتُ.

(وَلَوْ) : أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِنِصْفِهِ وَلِآخَرَ بِرُبُعِهِ فَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ قَسْمَ الثُّلُثِ عَلَى الْحِصَصِ، وَإِنْ أَجَازُوا قُسِمَ الْمَالُ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ جُزْءًا لِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةٌ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلَاثَةٌ حَتَّى يَكُونُوا سَوَاءً فِي الْعَوْلِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِغُلَامِهِ لِرَجُلٍ وَهُوَ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ وَبِدَارِهِ لِآخَرَ وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا وَبِخَمْسِمِائَةٍ لِآخَرَ وَالثُّلُثُ أَلْفٌ دَخَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَوْلُ نِصْفٍ وَكَانَ لِلَّذِي لَهُ الْغُلَامُ نِصْفُهُ وَلِلَّذِي لَهُ الدَّارُ نِصْفُهَا وَلِلَّذِي لَهُ خَمْسُمِائَةٍ نِصْفُهَا.

(وَلَوْ) : أَوْصَى لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ فَلَمْ يُجِيزُوا فَلِلْأَجْنَبِيِّ النِّصْفُ، وَيَسْقُطُ الْوَارِثُ.

وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِمَا فِي الْبَطْنِ وَبِمَا فِي الْبَطْنِ إذَا كَانَ يَخْرُجُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ خَرَجُوا عَدَدًا ذُكْرَانًا، وَإِنَاثًا فَالْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ سَوَاءٌ، وَهُمْ لِمَنْ أَوْصَى بِهِمْ لَهُ.

(وَلَوْ) أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ أَوْ بِغَلَّةِ دَارِهِ أَوْ بِثَمَرِ بُسْتَانِهِ وَالثُّلُثُ يَحْتَمِلُهُ جَازَ ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُجِيزُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.

(وَلَوْ قَالَ) : أَعْطُوهُ رَأْسًا مِنْ رَقِيقِي أُعْطِيَ مَا شَاءَ الْوَارِثُ مَعِيبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَعِيبٍ وَلَوْ هَلَكَتْ إلَّا رَأْسًا كَانَ لَهُ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ.

(وَلَوْ) : أَوْصَى لَهُ بِشَاةٍ مِنْ مَالِهِ قِيلَ لِلْوَرَثَةِ أَعْطُوهُ أَوْ اشْتَرُوهَا لَهُ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً ضَائِنَةٌ أَوْ مَاعِزَةً.
(وَلَوْ قَالَ) : بَعِيرًا أَوْ ثَوْرًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ نَاقَةً، وَلَا بَقَرَةً وَلَوْ قَالَ عَشْرُ أَيْنُقُ أَوْ عَشْرُ بَقَرَاتٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ ذَكَرًا.
(وَلَوْ قَالَ) : عَشَرَةُ أَجْمَالٍ أَوْ أَثْوَارٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ أُنْثَى (فَإِنْ قَالَ) : عَشَرَةٌ مِنْ إبِلِي أَعْطُوهُ مَا شَاءُوا.
(فَإِنْ قَالَ) : أَعْطُوهُ دَابَّةً مِنْ مَالِي فَمِنْ الْخَيْلِ أَوْ الْبِغَالِ أَوْ الْحَمِيرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَعْجَفَ أَوْ سَمِينًا.

(وَلَوْ قَالَ) : أَعْطُوهُ كَلْبًا مِنْ كِلَابِي أَعْطَاهُ الْوَارِثُ أَيَّهَا شَاءَ.

(وَلَوْ قَالَ) : أَعْطُوهُ طَبْلًا مِنْ طُبُولِي وَلَهُ طَبْلَانِ لِلْحَرْبِ وَاللَّهْوِ أَعْطَاهُ أَيَّهُمَا شَاءَ فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ الَّذِي لِلَّهْوِ إلَّا لِلضَّرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ إلَّا الَّذِي لِلْحَرْبِ.
(وَلَوْ قَالَ) : عُودًا مِنْ عِيدَانِي وَلَهُ عِيدَانٌ يُضْرَبُ بِهَا وَعِيدَانُ قَسِّيٍّ وَعَصَى فَالْعُودُ الَّذِي يُوَاجَهُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ هُوَ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ فَإِنْ صَلُحَ لِغَيْرِ الضَّرْبِ جَازَ بِلَا وَتَرٍ وَهَكَذَا الْمَزَامِيرُ.

(وَلَوْ قَالَ) : عُودًا مِنْ الْقَسِّيِّ لَمْ يُعْطَ قَوْسَ نَدَّافٍ، وَلَا جلاهق وَأُعْطِيَ مَعْمُولَةً أَيْ قَوْسَ نَبْلٍ أَوْ نُشَّابٍ أَوْ حُسْبَانٍ وَتُجْعَلُ وَصِيَّتُهُ فِي الرِّقَابِ فِي الْمُكَاتِبِينَ، وَلَا يُبْتَدَأُ مِنْهُ عِتْقٌ، وَلَا يَجُوزُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ رِقَابٍ فَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ حِصَّةَ مَنْ تَرَكَ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَلَاثَ رِقَابٍ وَبَلَغَ أَقَلَّ رَقَبَتَيْنِ يَجِدُهُمَا ثَمَنًا، وَفَضَلَ فَضْلٌ جَعَلَ الرَّقَبَتَيْنِ أَكْثَرَ ثَمَنًا حَتَّى يُعْتِقَ رَقَبَتَيْنِ، وَلَا يُفَضِّلُ شَيْئًا لَا يَبْلُغُ قِيمَةَ رَقَبَةٍ

وَيُجْزِئُ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا.

(وَلَوْ أَوْصَى) : أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَإِنْ بَلَغَ ثُلُثُهُ حَجَّةً مِنْ بَلَدِهِ أَحَجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَحَجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاَلَّذِي يُشْبِهُ قَوْلَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي قَوْلِهِ دَيْنٌ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ قَالَ أَحِجُّوا عَنِّي رَجُلًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَعْطُوا مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِي فُلَانًا وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ نِصْفُ الثُّلُثِ وَلِلْحَاجِّ وَالْمُوصَى لَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ نِصْفُ الثُّلُثِ، وَيَحُجُّ عَنْهُ رَجُلٌ بِمِائَةٍ.

وَلَوْ أَوْصَى بِأَمَةٍ لِزَوْجِهَا وَهُوَ حُرٌّ فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى وَضَعَتْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا أَوْلَادًا فَإِنْ قَبِلَ عَتَقُوا، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّهُمْ أُمَّ وَلَدٍ حَتَّى تَلِدَ مِنْهُ بَعْدَ قَبُولِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ الْقَبُولِ وَطْءُ نِكَاحٍ، وَوَطْءُ الْقَبُولِ وَطْءُ مِلْكٍ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ أَوْ يَرُدَّ قَامَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فَإِنْ قَبِلُوا فَإِنَّمَا مَلَكُوا أَمَةً لِأَبِيهِمْ، وَأَوْلَادُ أَبِيهِمْ الَّذِينَ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا أَحْرَارٌ وَأُمُّهُمْ مَمْلُوكَةٌ، وَإِنْ رُدُّوا كَانُوا مَمَالِيكَ وَكَرِهْتُ مَا فَعَلُوا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : لَوْ مَاتَ أَبُوهُمْ قَبْلَ الْمِلْكِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكُوا عَنْهُ مَا لَمْ يَمْلِكْ، وَمِنْ قَوْلِهِ أَهَلَّ شَوَّالٌ ثُمَّ قَبِلَ كَانَتْ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ مُتَقَدِّمٌ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَا لَا يَمْلِكُ.
(قَالَ) : وَلَوْ أَوْصَى بِجَارِيَةٍ، وَمَاتَ ثُمَّ وَهَبَ لِلْجَارِيَةِ مِائَةَ دِينَارٍ وَهِيَ تَسْوَى مِائَةَ دِينَارٍ وَهِيَ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ وَوَلَدَتْ ثُمَّ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ فَالْجَارِيَةُ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا وَهَبَ لَهَا وَوَلَدُهَا إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهَا، وَمَا وَهَبَ لَهَا مِنْ مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ رَدَّهَا فَإِنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِهِ إلَى الْمَيِّتِ وَلَدُ وَلَدِهَا، وَمَا وُهِبَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَمْلِكُهُ حَادِثًا بِقَبُولِ الْوَصِيَّةِ.
وَهَذَا قَوْلٌ مُنْكَرٌ لَا نَقُولُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا هُوَ عَلَى مِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ وَلَيْسَ بِمِلْكٍ حَادِثٍ، وَقَدْ قِيلَ تَكُونُ لَهُ الْجَارِيَةُ وَثُلُثُ وَلَدِهَا وَثُلُثُ مَا وُهِبَ لَهَا قَالَ الْمُزَنِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَكُونُ لَهُ الْجَارِيَةُ وَثُلُثُ وَلَدِهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَكُونُ لَهُ ثُلُثَا الْجَارِيَةِ وَثُلُثَا وَلَدِهَا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : وَأَحَبُّ إلَيَّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا وَوَلَدُهَا عَلَى قَبُولِ مِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : وَقَدْ قَطَعَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي إذْ الْمِلْكُ مُتَقَدِّمٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَامَ الْوَارِثُ فِي الْقَبُولِ مَقَامَ أَبِيهِ فَالْجَارِيَةُ لَهُ بِمِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ وَوَلَدُهَا، وَمَا وُهِبَ لَهَا مِلْكٌ حَادِثٌ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : وَيَنْبَغِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنْ تَكُونَ امْرَأَتُهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَكَيْفَ تَكُونُ أَوْلَادُهَا بِقَبُولِ الْوَارِثِ أَحْرَارًا عَلَى أَبِيهِمْ، وَلَا تَكُونُ أُمُّهُمْ أُمَّ وَلَدٍ لِأَبِيهِمْ وَهُوَ يُجِيزُ أَنْ يَمْلِكَ الْأَخُ أَخَاهُ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَوْ كَانَ مِلْكًا حَادِثًا لِوَلَدِ الْمَيِّتِ لَكَانُوا لَهُ مَمَالِيكَ، وَقَدْ قَطَعَ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قُلْت فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فَتَفَهَّمْهُ كَذَلِكَ تَجِدْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَاهُ كَانَ لَهُ الثُّلُثُ الْبَاقِي إنْ احْتَمَلَهُ ثُلُثُهُ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِلْمَسَاكِينِ نُظِرَ إلَى مَالِهِ فَقُسِمَ ثُلُثُهُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ.

وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِغَازِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُمْ الَّذِينَ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ مَالُهُ.

وَلَوْ أَوْصَى لَهُ فَقَبِلَ أَوْ رَدَّ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي كَانَ لَهُ قَبُولُهُ وَرَدُّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَسَوَاءٌ أَوْصَى لَهُ بِأَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِدَارٍ كَانَتْ لَهُ، وَمَا ثَبَتَ فِيهَا مِنْ أَبْوَابِهَا وَغَيْرِهَا دُونَ مَا فِيهَا، وَلَوْ انْهَدَمَتْ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي كَانَتْ لَهُ إلَّا مَا انْهَدَمَ مِنْهَا فَصَارَ غَيْرَ ثَابِتٍ فِيهَا.
(قَالَ) : وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْمَرِيضِ.
(وَقَالَ) : فِي الْإِمْلَاءِ يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ ثَلَاثٌ حَجٌّ يُؤَدَّى، وَمَالٌ يُتَصَدَّقُ بِهِ عَنْهُ أَوْ دَيْنٌ يُقْضَى، وَدُعَاءٌ أَجَازَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ وَنَدَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - إلَى الدُّعَاءِ وَأَمَرَ بِهِ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِذَا جَازَ لَهُ الْحَجُّ حَيًّا جَازَ لَهُ مَيِّتًا وَكَذَلِكَ مَا تُطَوِّعَ بِهِ عَنْهُ مِنْ صَدَقَةٍ.
(وَقَالَ) : فِي كِتَابٍ آخَرَ وَلَوْ أَوْصَى لَهُ وَلِمَنْ لَا يُحْصَى بِثُلُثِهِ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَأَحَدِهِمْ.

[الْوَصِيَّةُ لِلْقَرَابَةِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ قَالَ ثُلُثِي لِقَرَابَتِي أَوْ لِذَوِي أَرْحَامِي أَوْ لِأَرْحَامِي فَسَوَاءٌ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَأَقْرَبُهُمْ وَأَبْعَدُهُمْ وَأَغْنَاهُمْ وَأَفْقَرُهُمْ سَوَاءٌ لِأَنَّهُمْ أُعْطُوا بِاسْمِ الْقَرَابَةِ كَمَا أُعْطِيَ مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ بِاسْمِ الْحُضُورِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ أُعْطِيَ بِقَرَابَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ فَيُنْظَرُ إلَى الْقَبِيلَةِ الَّتِي يُنْسَبُ إلَيْهَا فَيُقَالُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ثُمَّ يُقَالُ، وَقَدْ تَفْتَرِقُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَمِنْ أَيِّهِمْ؟ قِيلَ مِنْ بَنِي عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ فَإِنْ قِيلَ أَفَيَتَمَيَّزُ هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ نَعَمْ هُمْ قَبَائِلُ فَإِنْ قِيلَ فَمِنْ أَيِّهِمْ؟ قِيلَ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ فَإِنْ قِيلَ أَفَيَتَمَيَّزُ هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ نَعَمْ بَنُو السَّائِبِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ فَإِنْ قِيلَ أَفَيَتَمَيَّزُ هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ نَعَمْ بَنُو شَافِعٍ وَبَنُو عَلِيٍّ وَبَنُو عَبَّاسٍ أَوْ عَيَّاشٌ شَكَّ الْمُزَنِيّ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ بَنُو السَّائِبِ فَإِنْ قِيلَ أَيَتَمَيَّزُ هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ نَعَمْ كُلُّ بَطْنٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَتَمَيَّزُ عَنْ صَاحِبِهِ فَإِذَا كَانَ مِنْ آلِ شَافِعٍ قِيلَ لِقَرَابَتِهِ هُمْ آلُ شَافِعٍ دُونَ آلِ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ مُتَمَيِّزٌ ظَاهِرٌ وَلَوْ قَالَ لِأَقْرَبِهِمْ بِي رَحِمًا أُعْطِيَ أَقْرَبُهُمْ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ سَوَاءٌ وَأَيُّهُمْ جَمَعَ قَرَابَةَ الْأَبِ وَالْأُمِّ كَانَ أَقْرَبَ مِمَّنْ انْفَرَدَ بِأَبٍ أَوْ أُمٍّ فَإِنْ كَانَ أَخٌ وَجَدٌّ كَانَ لِلْأَخِ فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ أَوْلَى بِوَلَاءِ الْمُوَالَى.

[بَابُ مَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ أَوْ قَدْ أَوْصَيْت بِاَلَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ لِفُلَانٍ كَانَ هَذَا رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ إلَى الْآخَرِ.
وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ وَهَبَهُ كَانَ هَذَا رُجُوعًا وَلَوْ أَجَّرَهُ أَوْ عَلَّمَهُ أَوْ زَوَّجَهُ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ قَمْحًا فَخَلَطَهُ بِقَمْحٍ أَوْ طَحَنَهُ دَقِيقًا أَوْ دَقِيقًا فَصَيَّرَهُ عَجِينًا كَانَ أَيْضًا رُجُوعًا وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِمَكِيلَةِ حِنْطَةٍ مِمَّا فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا، وَكَانَتْ لَهُ الْمَكِيلَةُ بِحَالِهَا.

[بَابُ الْمَرَضِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ الْعَطِيَّةُ]

ُ، وَلَا تَجُوزُ وَالْمَخُوفُ غَيْرُ الْمَرَضِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - كُلُّ مَرَضٍ كَانَ الْأَغْلَبُ فِيهِ أَنَّ الْمَوْتَ مَخُوفٌ عَلَيْهِ فَعَطِيَّتُهُ إنْ مَاتَ فِي حُكْمِ الْوَصَايَا، وَإِلَّا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، وَمِنْ الْمَخُوفِ مِنْهُ إذَا كَانَتْ حُمَّى بَدَأَتْ بِصَاحِبِهَا ثُمَّ إذَا تَطَاوَلَتْ فَهُوَ مَخُوفٌ إلَّا الرِّبْعَ فَإِنَّهَا إذَا اسْتَمَرَّتْ بِصَاحِبِهَا رِبْعًا فَغَيْرُ مَخُوفَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَجَعٌ كَانَ مَخُوفًا، وَذَلِكَ مِثْلُ الْبِرْسَامِ أَوْ الرُّعَافِ الدَّائِمِ أَوْ ذَاتُ الْجَنْبِ أَوْ الْخَاصِرَةِ أَوْ الْقُولَنْجِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ مَخُوفٌ، وَإِنْ سَهُلَ بَطْنُهُ يَوْمًا أَوْ اثْنَيْنِ وَتَأْتِي مِنْهُ الدَّمُ عِنْدَ الْخَلَاءِ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ حَتَّى يُعَجِّلَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ النَّوْمَ أَوْ يَكُونَ الْبَطْنُ مُتَحَرِّقًا فَهُوَ مَخُوفٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَحَرِّقًا، وَمَعَهُ زَحِيرٌ أَوْ تَقْطِيعٌ فَهُوَ مَخُوفٌ.
وَإِذَا أَشْكَلَ سُئِلَ عَنْهُ أَهْلُ

الْبَصَرِ، وَمَنْ سَاوَرَهُ الدَّمُ حَتَّى تَغَيَّرَ عَقْلُهُ أَوْ الْمِرَارُ أَوْ الْبَلْغَمُ كَانَ مَخُوفًا فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهِ فَالِجٌ فَالْأَغْلَبُ إذَا تَطَاوَلَ بِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَخُوفٍ، وَالسُّلُّ غَيْرُ مَخُوفٍ، وَالطَّاعُونُ مَخُوفٌ حَتَّى يَذْهَبَ، وَمَنْ أَنْفَدَتْهُ الْجِرَاحُ فَمَخُوفٌ فَإِنْ لَمْ تَصِلْ إلَى مَقْتَلٍ، وَلَمْ تَكُنْ فِي مَوْضِعِ لَحْمٍ، وَلَمْ يَغْلِبْهُ لَهَا وَجَعٌ، وَلَا ضَرَبَانٌ، وَلَمْ يَأْتَكِلْ، وَيَرْمِ فَغَيْرُ مَخُوفٍ، وَإِذَا الْتَحَمَتْ الْحَرْبُ فَمَخُوفٌ فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِي مُشْرِكِينَ يَقْتُلُونَ الْأَسْرَى فَمَخُوفٌ.
(وَقَالَ) : فِي الْإِمْلَاءِ إذَا قَدِمَ مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ غَيْرُ مَخُوفٍ مَا لَمْ يَجْرَحُوا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُتْرَكُوا فَيَحْيَوْا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، وَمِنْ كُلِّ مَرَضٍ مَخُوفٍ.
(قَالَ) : وَإِذَا ضَرَبَ الْحَامِلَ الطَّلْقُ فَهُوَ مَخُوفٌ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّلَفِ وَأَشَدُّ وَجَعًا، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.

[بَابُ الْأَوْصِيَاءِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إلَّا إلَى بَالِغٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ عَدْلٍ أَوْ امْرَأَةٍ كَذَلِكَ فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ أُخْرِجَتْ الْوَصِيَّةُ مِنْ يَدِهِ وَضُمَّ إلَيْهِ إذَا كَانَ ضَعِيفًا أَمِينٌ مَعَهُ فَإِنْ أَوْصَى إلَى غَيْرِ ثِقَةٍ فَقَدْ أَخْطَأَ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ تَغَيَّرَ أُبْدِلَ مَكَانُهُ آخَرَ فَإِنْ اخْتَلَفَا قُسِمَ بَيْنَهُمَا مَا كَانَ يَنْقَسِمُ وَجُعِلَ فِي أَيْدِيهِمَا نِصْفَيْنِ وَأُمِرَا بِالِاحْتِفَاظِ بِمَا لَا يَنْقَسِمُ وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ بِمَا أَوْصَى بِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَرْضَ الْمُوصَى إلَيْهِ الْآخَرَ.
(وَلَوْ قَالَ) : فَإِنْ حَدَثَ بِوَصِيٍّ حَدَثٌ فَقَدْ أَوْصَيْتُ إلَى مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى بِمَالِ غَيْرِهِ.
(وَقَالَ) : فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا قَالَ قَدْ أَوْصَيْت إلَيْك بِتَرِكَةِ فُلَانٍ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَوْلُ هَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا وِلَايَةَ لِلْوَصِيِّ فِي إنْكَاحِ بَنَاتِ الْمَيِّتِ.

[مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَيُخْرِجُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كُلُّ مَا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَجِنَايَتِهِ، وَمَا لَا غَنَاءَ بِهِ عَنْهُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ، وَلَمْ يَرْشُدْ زَوَّجَهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى خَادِمٍ، وَمِثْلُهُ يُخْدَمُ اشْتَرَى لَهُ، وَلَا يَجْمَعُ لَهُ امْرَأَتَيْنِ، وَلَا جَارِيَتَيْنِ لِلْوَطْءِ، وَإِنْ اتَّسَعَ مَالُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضِيقَ فِي جَارِيَةٍ لِلْوَطْءِ فَإِنْ أَكْثَرَ الطَّلَاقَ لَمْ يُزَوَّجْ وَسَرَّى وَالْعِتْقُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا آخِرُ مَا وَصَفْت مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ وَضَعَهُ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَمِعَهُ مِنْهُ وَسَمِعْته يَقُولُ لَوْ قَالَ أَعْطُوهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ دَنَانِيرِي أُعْطِيَ دِينَارَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ مِنْ دَنَانِيرِي أَعْطَوْهُ مَا شَاءُوا اثْنَيْنِ.

[كِتَابُ الْوَدِيعَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاذَا أَوْدَعَ رَجُلٌ وَدِيعَةً فَأَرَادَ سَفَرًا فَلَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ يَجْعَلُهَا عِنْدَهُ فَسَافَرَ بِهَا بَرًّا أَوْ بَحْرًا ضَمِنَ، وَإِنْ دَفَنَهَا فِي مَنْزِلِهِ، وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا يَأْتَمِنُهُ عَلَى مَالِهِ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ، وَإِذَا أَوْدَعَهَا غَيْرَهُ وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ عِنْدَ سَفَرِهِ ضَمِنَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَأَوْدَعَهَا أَمِينًا يُودِعُهُ مَالَهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ تَعَدَّى فِيهَا ثُمَّ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ لِخُرُوجِهِ بِالتَّعَدِّي مِنْ الْأَمَانَةِ، وَلَوْ أَوْدَعَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَأَنْفَقَ مِنْهَا دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ فِيهَا وَلَوْ ضَمِنَ الدِّرْهَمَ أَوْدَعَهُ وَأَمَرَهُ بِعَلَفِهَا وَسَقْيِهَا فَأَمَرَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا فِي دَارِهِ كَمَا يَفْعَلُ بِدَوَابِّهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ بَعَثَهَا إلَى غَيْرِ دَارِهِ وَهِيَ تُسْقَى فِي دَارِهِ ضَمِنَ.
وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِعَلَفِهَا، وَلَا بِسَقْيِهَا، وَلَمْ يَنْهَهُ فَحَبَسَهَا مُدَّةً إذَا أَتَتْ عَلَى مِثْلِهَا لَمْ تَأْكُلْ، وَلَمْ تَشْرَبْ هَلَكَتْ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمُ حَتَّى يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا، وَيَكُونَ دَيْنًا عَلَى رَبِّهَا أَوْ يَبِيعَهَا فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ وَلَوْ أَوْصَى الْمُودِعُ إلَى أَمِينٍ لَمْ يَضْمَنْ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ ضَمِنَ فَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ قَرْيَةٍ آهِلَةٍ إلَى غَيْرِ آهِلَة ضَمِنَ.
وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ضَمِنَ فَإِنْ كَانَ ضَرُورَةً وَأَخْرَجَهَا إلَى حِرْزٍ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ قَالَ الْمُودَعُ أَخْرَجْتُهَا لَمَّا غَشِيَتْنِي النَّارُ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ نَارٌ أَوْ أَثَرٌ يَدُلُّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَلَوْ قَالَ دَفَعْتهَا إلَى فُلَانٍ بِأَمْرِك: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودَعِ، وَلَوْ قَالَ دَفَعْتهَا إلَيْك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودَعِ وَلَوْ حَوَّلَهَا مِنْ خَرِيطَةٍ إلَى أَحْرَزَ أَوْ مِثْلِ حِرْزِهَا لَمْ يَضْمَنْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لَهَا ضَمِنَ، وَلَوْ أَكْرَهَهُ رَجُلٌ عَلَى أَخْذِهَا: لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَرْقُدَ عَلَى صُنْدُوقٍ هِيَ فِيهِ فَرَقَدَ عَلَيْهِ كَانَ قَدْ زَادَهُ حِرْزًا.
وَلَوْ قَالَ لَمْ تُودِعْنِي شَيْئًا ثُمَّ قَالَ قَدْ كُنْت اسْتَوْدَعْتَنِيهِ فَهَلَكَ ضَمِنَ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَرْبِطَهَا فِي كُمِّهِ فَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ، وَيَدُهُ أَحْرَزُ، وَإِذَا هَلَكَ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ بِعَيْنِهَا فَهِيَ لِرَبِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا مِثْلَ دَنَانِيرَ أَوْ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ حَاصَّ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْغُرَمَاءَ وَلَوْ ادَّعَى رَجُلَانِ الْوَدِيعَةَ مِثْلَ عَبْدٍ أَوْ بَعِيرٍ فَقَالَ هِيَ لِأَحَدِكُمَا، وَلَا أَدْرِي أَيَّكُمَا هُوَ قِيلَ لَهُمَا هَلْ تَدَّعِيَانِ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا بِعَيْنِهِ؟ فَإِنْ قَالَا لَا أُحْلِفَ الْمُودَعُ بِاَللَّهِ مَا يَدْرِي أَيَّهُمَا هُوَ، وَوَقَفَ ذَلِكَ لَهُمَا جَمِيعًا حَتَّى يَصْطَلِحَا فِيهِ أَوْ يُقِيمَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً وَأَيُّهُمَا حَلَفَ مَعَ نُكُولِ صَاحِبِهِ كَانَ لَهُ.

[مُخْتَصَرٌ مِنْ كِتَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ وَقَسْمِ الْغَنَائِمِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَصْلُ مَا يَقُومُ بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ جُمَلِ الْمَالِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ أَحَدُهَا مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ تَطْهِيرًا لَهُ فَذَلِكَ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ لَا لِأَهْلِ الْفَيْءِ وَالْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ كِلَاهُمَا مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِهِ.
فَأَحَدُهُمَا الْغَنِيمَةُ قَالَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ الْفَيْءُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: 7] الْآيَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَالْغَنِيمَةُ وَالْفَيْءُ يَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّ فِيهِمَا مَعًا الْخُمُسَ مِنْ جَمِيعِهِمَا لِمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ فِي الْآيَتَيْنِ مَعًا سَوَاءٌ ثُمَّ تَفْتَرِقُ الْأَحْكَامُ فِي الْأَرْبَعَةِ

الْأَخْمَاسِ بِمَا بَيَّنَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي فِعْلِهِ فَإِنَّهُ قَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ وَهِيَ الْمُوجَفُ عَلَيْهَا بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَالْفَيْءُ هُوَ مَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ فَكَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُرًى عَرَبِيَّةٍ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً دُونَ الْمُسْلِمِينَ يَضَعُهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ اخْتَصَمَ إلَيْهِ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي أَمْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً دُونَ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ فَمَا فَضَلَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عِدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ وَلِيَهَا عُمَرُ بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ فَوَلَّيْتكُمَاهَا عَلَى أَنْ تَعْمَلَا فِيهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إلَيَّ أَكْفِيكُمَاهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَكَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ أَمْضَيَا مَا بَقِيَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْمَلُ بِهِ فِيهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مِمَّا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ مِنْ الْفَيْءِ مَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُمَا فِيهِ أُسْوَةٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ سِيرَتُهُمَا وَسِيرَةُ مَنْ بَعْدَهُمَا، وَقَدْ مَضَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِمْ، وَلَا خَالَفَ فِي أَنْ تُجْعَلَ تِلْكَ النَّفَقَاتُ حَيْثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْعَلُ فُضُولَ غَلَّاتِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ فِيمَا فِيهِ صَلَاحٌ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْتَسِمَنَّ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ أَهْلِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» قَالَ فَمَا صَارَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ فَيْءٍ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ فَخُمُسُهُ حَيْثُ قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ عَلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ وَكَذَلِكَ مَا أُخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ مِنْ جِزْيَةٍ وَصُلْحٍ عَنْ أَرْضِهِمْ أَوْ أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إذَا اخْتَلَفُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ، لَا وَارِثَ لَهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا أَخَذَهُ الْوُلَاةُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَالْخُمُسُ فِيهِ ثَابِتٌ عَلَى مَنْ قَسَمَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْخُمُسِ الْمُوجَفِ عَلَيْهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - الْفَيْءُ وَفُتِحَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فُتُوحٌ مِنْ قُرًى عَرَبِيَّةٍ وَعَدَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ قَبْلَ فَتْحِهَا فَأَمْضَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ سَمَّاهَا اللَّهُ لَهُ، وَلَمْ يَحْبِسْ مِنْهَا مَا حَبَسَ مِنْ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً يُرِيدُ مَا كَانَ يَكُونُ لِلْمُوجِفِينَ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ فَاسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ خُمُسَ ذَلِكَ كَخُمُسِ مَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ لِأَهْلِهِ وَجُمْلَةُ الْفَيْءِ مَا رَدَّهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ مِنْ مَالِ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ.

[بَابُ الْأَنْفَالِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْخُمُسِ شَيْءٌ غَيْرُ السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ.
«قَالَ أَبُو قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حُنَيْنٍ قَالَ فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ فَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَاسْتَدَرْت لَهُ حَتَّى أَتَيْته مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْته عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ضَرْبَةً فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْت مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي فَلَحِقْت عُمَرَ فَقَالَ مَا بَالُ النَّاسِ؟ قُلْت أَمْرُ اللَّهِ ثُمَّ إنَّ النَّاسَ رَجَعُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْت فَقُلْت مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْت يَقُولُ وَأَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالَك يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ فَاقْتَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْهُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَاهَا اللَّهِ إذًا لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيُعْطِيك سَلَبَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَ فَأَعْطِهِ إيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَبِعْت الدِّرْعَ وَابْتَعْت بِهِ مَخْرَقًا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ» وَرُوِيَ أَنَّ شِبْرَ بْنَ عَلْقَمَةَ قَالَ بَارَزْت رَجُلًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَبَلَغَ سَلَبُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَنَفَّلَنِيهِ سَعْدٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الَّذِي لَا أَشُكُّ فِيهِ أَنْ يُعْطَى السَّلَبَ مَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا مُقْبِلًا مُقَاتِلًا مِنْ أَيِّ جِهَةٍ قَتَلَهُ مُبَارِزًا أَوْ غَيْرَ مُبَارِزٍ، وَقَدْ «أَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَبَ مَرْحَبٍ مَنْ قَتَلَهُ مُبَارِزًا» وَأَبُو قَتَادَةَ غَيْرُ مُبَارِزٍ وَلَكِنَّ الْمَقْتُولِينَ مُقْبِلَانِ وَلِقَتْلِهِمَا مُقْبِلِينَ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ مُؤْنَةٌ لَيْسَتْ لَهُ إذَا انْهَزَمُوا أَوْ انْهَزَمَ الْمَقْتُولُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ» يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعْدَ مَا قَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ الرَّجُلَ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ حُكْمٌ عِنْدَنَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَقَدَّ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ فَإِنَّ سَلَبَهُ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَقَتَلَهُ آخَرُ كَانَ سَلَبُهُ لِلْآخَرِ وَلَوْ قَتَلَهُ اثْنَانِ كَانَ سَلَبُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالسَّلَبُ الَّذِي يَكُونُ لِلْقَاتِلِ كُلُّ ثَوْبٍ يَكُونُ عَلَيْهِ وَسِلَاحُهُ، وَمِنْطَقَتُهُ وَفَرَسُهُ إنْ كَانَ رَاكِبَهُ أَوْ مُمْسِكَهُ وَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ يَدِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالنَّفَلُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ «نَفْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَنِيمَةٍ قِبَلَ نَجْدٍ بَعِيرًا بَعِيرًا» وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ كَانُوا يُعْطَوْنَ النَّفَلَ مِنْ الْخُمُسِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَفَّلَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خُمُسِهِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ بِسَائِرِ مَالِهِ فِيمَا فِيهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا سِوَى سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جَمِيعِ الْخُمُسِ لِمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ إذَا كَثُرَ الْعَدُوُّ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ وَقَلَّ مَنْ بِإِزَائِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيُنَفِّلُ مِنْهُ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَّا لَمْ يَفْعَلْ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي النَّفْلِ فِي الْبُدَاءَةِ وَالرَّجْعَةِ الثُّلُثُ فِي وَاحِدَةٍ وَالرُّبُعُ فِي الْأُخْرَى وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّهُ نَفَّلَ نِصْفَ السُّدُسِ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّفْلِ حَدٌّ لَا يُجَاوِزُهُ الْإِمَامُ وَلَكِنْ عَلَى الِاجْتِهَادِ.

[بَابُ تَفْرِيقِ الْقَسْمِ فِي الْغَنِيمَة]

بَابُ تَفْرِيقِ الْقَسْمِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - كُلُّ مَا حَصَلَ مِمَّا غُنِمَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ شَيْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قُسِّمَ إلَّا الرِّجَالَ الْبَالِغِينَ، فَالْإِمَامُ فِيهِمْ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَمُنَّ أَوْ يَقْتُلَ أَوْ يُفَادِيَ أَوْ يَسْبِيَ وَسَبِيلُ مَا سُبِيَ أَوْ أُخِذَ مِنْهُمْ مِنْ شَيْءٍ عَلَى إطْلَاقِهِمْ سَبِيلَ الْغَنِيمَةِ «وَفَادَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ» ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَ خُمُسَ مَا حَصَلَ بَعْدَمَا وَصَفْنَا كَامِلًا، وَيُقِرَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِأَهْلِهَا ثُمَّ يَحْسِبَ مَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ مِنْ الرِّجَالِ الْمُسْلِمِينَ الْبَالِغِينَ، وَيَرْضَخَ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَغَيْرِ الْبَالِغِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالنِّسَاءِ فَيُنَفِّلَهُمْ شَيْئًا لِحُضُورِهِمْ، وَيَرْضَخَ لِمَنْ قَاتَلَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ قِيلَ يَرْضَخُ لَهُمْ مِنْ الْجَمِيعِ ثُمَّ يَعْرِفُ عَدَدَ الْفَرَسَانِ وَالرَّجَّالَةِ الَّذِينَ حَضَرُوا الْقِتَالَ فَيَضْرِبُ كَمَا «ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلْفَارِسِ سَهْمًا وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» وَلَيْسَ يَمْلِكُ الْفَرَسُ شَيْئًا إنَّمَا يَمْلِكُهُ صَاحِبُهُ؛ لِمَا تَكَلَّفَ مِنْ اتِّخَاذِهِ؛ وَاحْتَمَلَ مِنْ مُؤْنَتِهِ وَنَدَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - إلَى اتِّخَاذِهِ لِعَدُوِّهِ، وَمَنْ حَضَرَ بِفَرَسَيْنِ فَأَكْثَرَ لَمْ يُعْطَ

إلَّا لِوَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْقَى إلَّا بِوَاحِدٍ وَلَوْ أَسْهَمَ لِاثْنَيْنِ لَأَسْهَمَ لِأَكْثَرَ، وَلَا يُسْهِمُ لِرَاكِبِ دَابَّةٍ غَيْرِ دَابَّةِ الْخَيْلِ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَعَاهَدَ الْخَيْلَ فَلَا يُدْخِلُ إلَّا شَدِيدًا، وَلَا يُدْخِلُ حَطِمًا، وَلَا قَمْحًا ضَعِيفًا، وَلَا ضَرْعًا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقَحْمُ الْكَبِيرُ وَالضَّرْعُ الصَّغِيرُ، وَلَا أَعْجَفَ رَازِحًا، وَإِنْ أُغْفِلَ فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَقَدْ قِيلَ لَا يُسْهِمُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُغْنِي غَنَاءَ الْخَيْلِ الَّتِي يُسْهَمُ لَهَا، وَلَا أَعْلَمُهُ أَسْهَمَ فِيمَا مَضَى عَلَى مِثْلِ هَذِهِ، وَإِنَّمَا يُسْهِمُ لِلْفَرَسِ إذَا حَضَرَ صَاحِبُهُ شَيْئًا مِنْ الْحَرْبِ فَارِسًا فَأَمَّا إذَا كَانَ فَارِسًا إذَا دَخَلَ بِلَادَ الْعَدُوِّ ثُمَّ مَاتَ فَرَسُهُ أَوْ كَانَ فَارِسًا بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَرْبِ وَجَمْعِ الْغَنِيمَةِ فَلَا يُضْرَبُ لَهُ.
وَلَوْ جَازَ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ثُبِتَ فِي الدِّيوَانِ حِينَ دَخَلَ لَكَانَ صَاحِبُهُ إذَا دَخَلَ ثُبِتَ فِي الدِّيوَانِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ أَحَقَّ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ.
وَلَوْ دَخَلَ يُرِيدُ الْجِهَادَ فَمَرِضَ، وَلَمْ يُقَاتِلْ أَسْهَمَ لَهُ وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ أَجِيرٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فَقَدْ قِيلَ يُسْهَمُ لَهُ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُسْهِمَ لَهُ وَتُطْرَحَ الْإِجَارَةُ، وَلَا يُسْهَمُ لَهُ وَقِيلَ يُرْضَخُ لَهُ.
(قَالَ) : وَلَوْ أَفْلَتَ إلَيْهِمْ أَسِيرٌ قَبْلَ تَحَرُّزِ الْغَنِيمَةِ فَقَدْ قِيلَ يُسْهَمُ لَهُ وَقِيلَ لَا يُسْهَمُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ فَيُقَاتِلَ فَأَرَى أَنْ يُسْهَمَ لَهُ.
وَلَوْ دَخَلَ تُجَّارٌ فَقَاتَلُوا لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُسْهَمَ لَهُمْ وَقِيلَ لَا يُسْهَمُ لَهُمْ، وَلَوْ جَاءَهُمْ مَدَدٌ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ فَحَضَرُوا مِنْهَا شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ شَرَكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ فَإِنْ انْقَضَتْ الْحَرْبُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْغَنِيمَةِ مَانِعٌ لَمْ يُشْرِكُوهُمْ وَلَوْ أَنَّ قَائِدًا فَرَّقَ جُنْدَهُ فِي وَجْهَيْنِ فَغَنِمَتْ إحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ أَوْ غَنِمَ الْعَسْكَرُ، وَلَمْ تَغْنَمْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا شَرَكُوهُمْ؛ لَأَنَّهُمْ جَيْشٌ وَاحِدٌ وَكُلُّهُمْ رِدْءٌ لِصَاحِبِهِ «قَدْ مَضَتْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ فَغَنِمُوا بِأَوْطَاسٍ غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَأَكْثَرُ الْعَسَاكِرِ بِحُنَيْنٍ فَشَرِكُوهُمْ وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلَكِنْ لَوْ كَانَ قَوْمٌ مُقِيمِينَ بِبِلَادِهِمْ فَخَرَجَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ فَغَنِمُوا لَمْ يُشْرِكُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنْهُمْ قَرِيبًا؛ لِأَنَّ السَّرَايَا كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ فَتَغْنَمُ فَلَا يُشْرِكُهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ.
وَلَوْ أَنَّ إمَامًا بَعَثَ جَيْشَيْنِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِدٌ وَأَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَجَّهَ نَاحِيَةً غَيْرَ نَاحِيَةِ صَاحِبِهِ مِنْ بِلَادِ عَدُوِّهِمْ فَغَنِمَ أَحَدُ الْجَيْشَيْنِ لَمْ يُشْرِكْهُمْ الْآخَرُونَ فَإِذَا اجْتَمَعُوا فَغَنِمُوا مُجْتَمَعِينَ فَهُمْ كَجَيْشٍ وَاحِدٍ.

[بَابُ تَفْرِيقِ الْخُمُسِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ، وَرُوِيَ أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَسَّمَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَتَيْته أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ إخْوَانُنَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِمَكَانِك الَّذِي وَضَعَك اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ، أَرَأَيْت إخْوَانَنَا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتهمْ وَتَرَكْتنَا وَإِنَّمَا قَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ وَاحِدَةٌ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» وَرَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعْطِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا بَنِي نَوْفَلٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيُعْطِي سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي ذِي الْقُرْبَى حَيْثُ كَانُوا، وَلَا يُفَضَّلُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ حَضَرَ الْقِتَالَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا سَهْمُهُ فِي الْغَنِيمَةِ كَسَهْمِ الْعَامَّةِ وَلَا فَقِيرٌ عَلَى غَنِيٍّ وَيُعْطِي الرَّجُلَ سَهْمَيْنِ وَالْمَرْأَةَ سَهْمًا؛ لِأَنَّهُمْ أُعْطُوا بِاسْمِ الْقَرَابَةِ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَعْطَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَهُمْ مِائَةَ وَسْقٍ وَبَعْضَهُمْ أَقَلَّ قِيلَ: لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ ذَا وَلَدٍ فَإِذَا أَعْطَاهُ حَظَّهُ وَحَظَّ غَيْرِهِ فَقَطْ أَعْطَاهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا حَكَيْت مِنْ التَّسْوِيَةِ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَقِيت مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِنَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ بِاسْمِ الْقَرَابَةِ أُعْطُوا وَإِنَّ حَدِيثَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَيُفَرِّقُ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ عَلَى مَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ يُحْصُونَ ثُمَّ يُوَزَّعُ بَيْنَهُمْ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمُهُ لَا يُعْطَى لِأَحَدٍ مِنْهُمْ سَهْمُ صَاحِبِهِ فَقَدْ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي - فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا فِي سَهْمِهِ فَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ: يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَعَهُ؛ لِأَنِّي رَأَيْت الْمُسْلِمِينَ قَالُوا فِيمَنْ سُمِّيَ لَهُ سَهْمٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَلَمْ يُوجَدْ رُدَّ عَلَى مَنْ سُمِّيَ مَعَهُ وَهَذَا مَذْهَبٌ يَحْسُنُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَضَعُهُ الْإِمَامُ حَيْثُ رَأَى عَلَى الِاجْتِهَادِ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَضَعُهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَاَلَّذِي أَخْتَارُ أَنْ يَضَعَهُ الْإِمَامُ فِي كُلِّ أَمْرٍ حَصُنَ بِهِ الْإِسْلَامُ وَأَهْلُهُ مِنْ سَدِّ ثَغْرٍ أَوْ إعْدَادِ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ إعْطَاءِ أَهْلِ الْبَلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ نَفْلًا عِنْدَ الْحَرْبِ وَغَيْرِ الْحَرْبِ إعْدَادًا لِلزِّيَادَةِ فِي تَعْزِيرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ عَلَى مَا صَنَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ وَنَفَلَ فِي الْحَرْبِ وَأَعْطَى عَامَ حُنَيْنٍ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَهْلُ حَاجَةٍ وَفَضْلٍ وَأَكْثَرُهُمْ أَهْلُ حَاجَةٍ وَنَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ سَهْمِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي ذَوِي الْقُرْبَى أَنْ رَوَى حَدِيثًا عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيت عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقُلْت لَهُ: بِأَبِي وَأُمِّي مَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي حَقِّكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْ الْخُمُسِ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ أَمَّا أَبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ أَخْمَاسٌ وَمَا كَانَ فَقَدْ أَوْفَانَاهُ، وَأَمَّا عُمَرُ فَلَمْ يَزَلْ يُعْطِينَاهُ حَتَّى جَاءَهُ مَالُ السُّوسِ وَالْأَهْوَازِ أَوْ قَالَ: مَالُ فَارِسَ.
(الشَّافِعِيُّ يَشُكُّ) . وَقَالَ عُمَرُ فِي حَدِيثِ مَطَرٍ أَوْ حَدِيثٍ آخَرَ: إنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ خَلَّةً فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ تَرَكْتُمْ حَقَّكُمْ فَجَعَلْنَاهُ فِي خَلَّةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَأْتِيَنَا مَالٌ فَأُوفِيَكُمْ حَقَّكُمْ مِنْهُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لَا تُطْمِعْهُ فِي حَقِّنَا، فَقُلْت: يَا أَبَا الْفَضْلِ أَلَسْنَا مِنْ أَحَقِّ مَنْ أَجَابَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَفَعَ خَلَّةَ الْمُسْلِمِينَ فَتَوَفَّى عُمَرُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ مَالٌ فيقضيناه.
وَقَالَ الْحَكَمُ فِي حَدِيثِ مَطَرٍ أَوْ الْآخَرِ: إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لَكُمْ حَقًّا وَلَا يَبْلُغُ عِلْمِي إذْ كَثُرَ أَنْ يَكُونَ لَكُمْ كُلُّهُ فَإِنْ شِئْتُمْ أَعْطَيْتُكُمْ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَرَى لَكُمْ فَأَبَيْنَا عَلَيْهِ إلَّا كُلُّهُ فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَنَا كُلَّهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِلْمُنَازِعِ فِي سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى: أَلَيْسَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ مَنْصُوصًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مُبَيَّنًا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فَعَلَهُ أَنَّ عَلَيْهِمْ قَبُولَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ سَهْمُهُمْ فِي آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَبَرِ الثِّقَةِ لَا مُعَارِضَ لَهُ فِي إعْطَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَنِيًّا لَا دِينَ عَلَيْهِ فِي إعْطَائِهِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ فِي كَثْرَةِ مَالِهِ يَعُولُ عَامَّةَ بَنِي الْمُطَّلِبِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا بِالْقَرَابَةِ لَا بِالْحَاجَةِ كَمَا أَعْطَى الْغَنِيمَةَ مَنْ حَضَرَهَا لَا بِالْحَاجَةِ وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَحَقَّ الْمِيرَاثَ بِالْقَرَابَةِ لَا بِالْحَاجَةِ.
وَكَيْفَ جَازَ لَك أَنْ تُرِيدَ إبْطَالَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ بِأَنْ تَقُولَ: هِيَ بِخِلَافِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَلَيْسَتْ مُخَالِفَةً لَهُ ثُمَّ تَجِدُ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى مَنْصُوصًا فِي آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَهُمَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَرُدُّهُ؟ أَرَأَيْت لَوْ عَارَضَك مُعَارِضٌ فَأَثْبَتَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى وَأَسْقَطَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ مَا حُجَّتُك عَلَيْهِ إلَّا كَهِيَ عَلَيْك.

فصول الكتاب · 16 فصل · 443 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مختصر المزني · 443 صفحة
ِ بَابُ إغْمَاضِ الْمَيِّتِِ بَابُ فَرْضِ الْإِبِلِ السَّائِمَةِِ بَابُ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِِ بَابُ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَنَهَى عَنْهُ مِنْ الْمُبَايَعَاتِ وَسُنَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ
ِ بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْحُقُوقِ وَالْمَوَاهِبِ وَالْعَارِيَّةِ
ِ بَابُ الْوَجْهِ الَّذِي تَحِلُّ بِهِ الْفِدْيَةُِ بَابُ إبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَوَجْهُهُ وَتَفْرِيعُهُِ بَابُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الظِّهَارُ وَمَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِِ عِدَّةُ الْمَدْخُولِ بِهَاِ بَابُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَمَنْ لَا يَجِبُِ بَابُ مَنْ يَجِبُ قِتَالُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالسِّيرَةِ فِيهِمِْ بَابُ حَدِّ الزِّنَا وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِِ بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُِ بَابُ دَفْعِ الرَّجُلِ عَنْ نَفْسِهِ وَحَرِيمِهِ وَمَنْ يَتَطَلَّعُ فِي بَيْتِهِْ بَابُ مَنْ يُلْحَقُ بِأَهْلِ الْكِتَابِبَابُ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تَجُوزُ
جارٍ التحميل