لو كانَ إنسانًا لذاتِهِ لما كانَ عمرٌو إنسانًا لذاتِهِ أتعنونَ بكونهِ إنسانًا إنسانيَّةً مطلَقةً مشتركةً أمْ إنسانيَّتَهُ المُعَيَّنَة.
وعلى التَّقديرينِ تَجدون1في ذاتِهِ مثلَ ذلكَ، فإنْ عنيتُم إنسانيّةً مِنْ حيثُ هيَ هيَ فاجعلُوا بإزائِها ذاتَهُ مِنْ حيثُما هيَ هيَ، وإنْ عنيتُم إنسانيَّتَهُ المُعَيَّنَة فاجعلُوا بإزائِها ذاتَهُ المعينةَ، فالمطلَقُ معَ المطلَق، والمعيَّنُ معَ المعيَّن، وحينئذٍ فيَبطُلُ قولكُم: لو كانَ إنسانًا لذاتِهِ لما كانَ عمرو إنسانًا لذاتِهِ؛ لأنَّ كُلًّا مِنَ الإنسانيتينِ2إنْ أُريدَ بها المعيَّنةُ فلَها ذاتٌ معيَّنةٌ تلازمُها في الخصوص، وإنْ أُريدَ بها المطلَقةُ فلها ذاتٌ مطلَقةٌ تلازمُها في العموم، فكُلٌّ مِنَ الإنسانِ وذواتِ الإنسانِ يتلازمانِ في العمومِ والخصوص، وإنَّما ضَللتُم مِنْ حيثُ أخذتُم إنسانيّةً معيَّنةً وذاتًا مطلَقةً، وليسَ هذا بأَولى مِنَ العكس، وهوَ أنْ توجدَ إنسانيّةٌ مطلَقةٌ وذاتٌ معيَّنةٌ، وهذا مِنْ مقابَلةِ الباطلِ بالباطلِ ونظيرِ الباطلِ بالباطل، فإذا كانَ هذا باطلًا فقولُهم هذا باطلٌ.
وكثيرًا ما يُنتفعُ بهذا النَّوع في النَّظرِ والمناظرةِ أنْ نقدِّرَ نظيرَ القولِ الذي قالَهُ الشَّخصُ، فإذا تبيَّنَ أنَّهُ باطلٌ فحُكمُ الشَّيءِ حُكمُ مثلِه، علمَ أنَّ نظيرَهُ باطلٌ، وبضربِ الأمثالِ ينكشفُ الحالُ، وقد ضربَ اللهُ الأمثالَ في كتابه لعبادِه، وهيَ مِنْ أنفعِ الأُمورِ.
الوجه الثّالث: قولُهم: كثرتِ الإنسانيّةُ بتكثيرِ المادّةِ الحاملةِ لها، وتعلُّقها بالمادّةِ معلولٌ ليسَ لذاتِ الإنسانيّةِ.
يقالُ لهُ: إنْ عنيتَ بالمادّةِ
نفسَ الإنسانِ الموصوفِ بالإنسانيَّة، فلا ريب أنه لكُلِّ إنسانٍ إنسانيّة تخصُّهُ، وهيَ تكثرُ بتكثيرِ الأناسيِّ، لكِنْ على هذا يَبطُلُ قولُكَ: وتعلُّقُها بالمادّةِ معلولٌ ليسَ لذاتِ الإنسانيّةِ؛ فإنَّ تعلُّقَ الإنسانيّةِ بالإنسانِ ليسَ لأمر وراء كونِهِ إنسانًا، بل نفسُ الإنسانِ موجِبٌ للإنسانيّة، وإنْ عنيتَ بالمادّةِ البدَنَ الذي للإنسانِ أو عرَضًا مِنْ أعراضِ البدَنِ فليسَ البدَنُ وحدَهُ حاملًا للإنسانيّة، بَلِ البدَنُ والرُّوحُ، ولو قدِّرَ أنَّهُ البدنُ مُفردًا أو بشرطِ تعلُّقِ الرُّوحِ بهِ فحمْلُ البدَنِ للإنسانيّةِ كحَملِها لسائرِ أعراضِهِ مِنَ الطُّولِ والعَرضِ والعُمقِ، فهوَ جِسمٌ بما منهُ مِنَ الأعراضِ والصِّفاتِ، ومعلومٌ أنَّ هذهِ الصِّفاتِ تكثرُ بتكثيرِ الأبدانِ وتقلُّ بقِلَّتِها، ولا يجوزُ أنْ يكونَ لهذهِ الأعراضِ وجودٌ بدونِ محلِّها الذي قامَتْ به، ولا يقالُ: إنَّ قيامَ العرَضِ بمحليّةٍ ليسَ بذاتِهِ بل لعِلّةٍ منفصلةٍ عنهُ؛ فإنَّ العرَضَ لم يوجَدْ إلّا في محلِّه، ولولا محلُّهُ لم يكُنْ لهُ تحقُّقٌ أصلًا، ولو كانَ لهُ في الخارجِ لا وجود ولا ماهيّة فمَنْ جعلَ الإنسانيّةَ شيئًا ثابتًا في الخارجِ غيرَ ما قامَ بالإنسان، ومَنْ جعلَ تعلُّقَ الإنسانيّةِ بالإنسانِ لعلّةٍ منفصلةٍ فقَد ضلَّ، وهذا الموضعُ ممّا ضلَّتْ فيهِ عقولُ هؤلاءِ وأتباعُهم؛ حيثُ تخيَّلوا حقيقةً مطلَقةً في الخارجِ للإنسانٍ ولغيرِهِ مِنَ الأنواع، وأنَّها تقارنُ المادّةَ التي هيَ عينُ كُلِّ واحدٍ مِنَ الآدميينِ وسائرِ أفرادِ النَّوع، وأنَّهُ بسببِ تلكَ المادّةِ يتشخَّصُ النَّوعُ، ولوِ اهتدَوا لعلِمُوا، وإنَّ ما سمَّوهُ مادّةَ عينِ الشَّخص، فالسَّببُ هوَ المسبّبُ، فليسَ في الخارجِ موجودٌ غيرُ أفرادِه، فلا وجودَ لحقيقةٍ في الخارجِ غير وجودِ ما سمَّوهُ مادّةً في اصطلاحِهم هُنا هيَ المادّةُ المقرونةُ بالصُّورة، سواءٌ كانَتِ الصُّورةُ جوهرًا كصُورةِ الحيوانِ والنَّباتِ والمعادن، أو كانَتْ
عرَضًا كالصُّوَرِ الصِّناعيَّةِ صورةِ الخاتمِ والدِّرهمِ والسَّريرِ ونحوِ ذلكَ، فإنَّ كُلَّ واحدٍ مِنَ المادَّةِ والصُّورةِ هناكَ هوَ شخصٌ معيَّنٌ، والمادّةُ للصورة الصِّناعيةِ حَقٌّ، لكِن أصلُهُ أنَّ الصُّورةَ عَرَضٌ قائمٌ بجِسمٍ، وأمّا المادّةُ التي يُثبتونَها للجِسمِ المعيَّنِ فهيَ مِنْ بابِ الخيال، كما أنَّ الماهيّةَ التي يثبتونَها للأشخاص، ويُسمُّونَها المادّةَ هيَ أيضًا مِنْ بابِ الخيال، فالمادّةُ هنا هيَ الأشخاصُ المعيَّنةُ، وهيَ ثابتةٌ، لكِنْ ليسَ لها حقيقةٌ مطلَقةٌ غيرُ هذهِ الأعيانِ المشخَّصة، وصُوَرُ الأجسامِ حقٌّ موجودةٌ لكِنْ ليسَ لها مادّةٌ غيرُ الصُّورةِ تعتقبُ عليها الصُّورةُ، بَلْ ما يُقدِّرونَهُ يتعاقب عليهِ الاتِّصالُ والانفصالُ المعيَّنُ، وهوَ نفسُ الجِسمِ لا غيرهُ، والاتِّصالُ والانفصالُ عَرَضٌ تخيَّلَهُ، وهوَ الاجتماعُ والافتراقُ، وتقديرُ تفرُّقِ غيرِ الصُّورةِ هوَ للمِقدارِ والبُعدِ المطلَق، وذلكَ وجودُهُ في الأذهانِ لا في الأعيانِ.
الوجهُ الرّابعُ: أنَّ ما يقولونَ في هذا البابِ في المنطقِ والطَّبيعيّاتِ والهيئاتِ وغيرِ ذلكَ مِنْ لفظِ العِلّةِ والمعلول، ولفظِ الذّاتِ والماهيّة، بَل ولفظِ الوجود، فيهِ إجمالٌ واشتباهٌ واشتراك.
وأكثرُ اختلافِ العقلاء مِنْ جهةِ اشتراكِ الأسماء، فإنَّهم يثبتونَ كلامَهم على أصلينِ؛ أحدُهما: إثباتُ شيئين، والثّاني: كونُ أحدِهما علّةَ الآخرِ؛ كزعمِهم أنَّهُ إذا قُدِّرَ واجبانِ لزمَ أنْ يكونَ كُلٌّ منهُما ممّا بهِ الاشتراكُ، وهوَ وجوبُ الوجودِ مثلًا، وممّا بهِ الافتراقُ، وهوَ ما لكُلٍّ منهُما مِنَ الماهيّة، ثمَّ كُلٌّ منهُما إنْ كانَ لازمًا للآخرِ كانَ معلولًا لهُ، فيكونُ إمّا أنَّ وجوبَ الوجودِ معلول لغيرِه، وإمَّا أنْ تكونَ العِلّة الواحدةُ لها معلولانِ مختلفان،
وإنْ لم يكُنْ لازمًا بَلْ عارضًا كانَ الوجودُ لعروضِهِ لهُ علّة، فيكونُ وجوبُ الوجودِ معلولًا وهوَ مُحالٌ، فهذا الكلامُ وما أشبهَهُ ألفاظٌ فيها اشتباهٌ وإجمالٌ، فإذا كانَتْ مفرداتُ الدَّليلِ مبهمةً وتركيبُها تَركيبًا طويلًا لكثرةِ ما فيهِ مِنَ التَّقسيماتِ التي هيَ شرطيّاتٌ منفصلةٌ، ومِنَ التَّلازماتِ التي هيَ متَّصلةٌ، وغيرُ ذلكَ، عسُرَ على الذِّهنِ ضبطُ موانعِ الغلَطِ فيهِ مِنْ جنسِ حسبت لعميدي1، فما أشبه طريقَهم بطريقِه، لكِنَّ ذلكَ قد عُلِمَ أنَّ ما يقولُهُ باطلٌ في نفسِ الأمر، لاستلزامِهِ الجمعَ بينَ النَّقيضين، واستدلاله بالصُّورةِ الواحدةِ على كُلِّ مطلوبٍ نفيًا كَانَ أو إثباتًا، أو على كُلِّ نفيٍ أو على كُلِّ إثباتٍ، أو على جملٍ كثَيرةٍ تتناولُ الحقَّ والباطلَ.
ولهذا إِنَّما يستعملُونه في مجاري الظُّنونِ الخلافيّة، وقد علمَ الفضلاءُ أنَّ كلامَهُ مِنْ جنسِ الأحاجيِّ والألغازِ التي تمتحنُ الأذهانَ وتحلُّها، وأمّا هؤلاءِ ومَنْ ضاهاهُم فيَتوهَّمونَ ويُوهِمونَ أنَّ ما يقولونَهُ براهينُ قطعيَّةٌ نفيسةٌ، وهيَ حُجَجٌ سوفسطائيّةٌ، فأفسَدُوا بها مِنَ العقولِ والأديانِ ما لا يحصيه إلَّا ربُّ البَرِيَّة، مثالُ ذلكَ أنَّ لفظَ العِلّةِ يُطلِقونَهُ على أربعِ2معانٍ مشهورةٍ عندَهم، وهيَ الفاعلُ والغايةُ والصُّورةُ والقابلُ، فأمّا إطلاقُها على الغايةِ المقصودةِ للفاعلِ التي هيَ مقصودُهُ ومرادُهُ بالفعل، وهذهِ العِلّةُ هيَ سابقةٌ في العِلّةِ والقصد، متأخِّرةٌ في الوجود، كالذي يشتري الطَّعامَ ليأكلَهُ، فإنَّ تصوُّرَهُ لأجلِ الأكلِ وقصدَهُ لهُ سابقٌ على اشتراءِ الطَّعام، وأمّا نفسُ الأكلِ فمتأخِّرٌ على اشتراءِ الطَّعام، ونظائرُ ذلكَ كثيرةٌ.
ولهذا يُقالُ: أوَّلُ الفكرةِ آخرُ العمل، وأوَّلُ البغية آخرُ الدَّرك، فالفكرةُ إشارةٌ إلى ما يُتصوَّرُ بها، والبُغيةُ هيَ الإرادةُ والقصدُ، وهذا بيِّنٌ، وقد يقولونَ: العِلّةُ الغائيةُ عِلّةٌ فاعليّة للعِلّةِ الفاعليّةِ بها، صارَ الفاعلُ فاعلًا، والتَّحقيقُ أنَّهُ بها يتمُّ كونُهُ فاعلًا لا أنَّها بمجرَّدِها علّةُ كونِهِ فاعلًا، وقد يقولونَ: إنَّها سابقةٌ بالماهيّةِ متأخِّرةٌ بالوجود، ولا ماهيّةَ لها في الوجودِ قبلَ وجودٍ، وإنَّما هيَ سابقةٌ في الماهيّةِ والوجودِ الذي في العِلمِ والقصد، لا في الخارجِ.
وقد بسطْنا الكلامَ على هذا الباب، وما لهم فيهِ مِنَ التَّناقُض، وكيفَ يبطُلُ قولُهم بأنَّهُ موجبٌ بذاتِه، إنَّما يذكرونَهُ مِنَ الغاياتِ المرادةِ لهُ في أفعالِه، وما في ذلكَ مِنْ إبطالِ قولِهم بنَفيِ الصِّفات، وإنَّما المقصودُ هنا أنَّ إطلاقَ لفظِ العِلّةِ على الحِكمةِ المقصودةِ بالفِعلِ هوَ اصطلاحٌ معروفٌ لهم ولغيرِهم مِنْ أهلِ النَّظرِ.
وكذلكَ إطلاقُ لفظِ العِلّةِ على السَّببِ الذي ليسَ لهُ شعورٌ ولا قصدٌ هوَ أيضًا اصطلاحٌ معروفٌ، وأمّا إطلاقُ لفظِ العِلّةِ على الفاعلِ الذي لهُ عِلمٌ وإرادةٌ، وهوَ الذي يزيدُ العِلّةَ الغائيةَ، فهذا ممّا ينازعونَ في إطلاقِه، وإنْ قيلَ: إنَّ النِّزاعَ في ذلكَ لفظيٌّ فالمقصودُ أنْ يعرفَ ما دخلَ مِنْ الاشتراكِ في هذهِ الألفاظِ بسببِ تنوُّعِ الاصطلاحاتِ وغيرِها، حتَّى يتبيَّنَ مواضعُ الغلَطِ النّاشئةُ مِنْ ذلكَ.
وكذلكَ إطلاقُ لفظِ العِلّةِ على المادّةِ والقائلِ الذي يكونُ جوهرًا، أو يكونُ ما يسمُّونَهُ صورةً عرَضًا لهُ، سواءٌ كانَتِ الصُّورةُ صناعيّةً أو طباعيّةً، مثلُ قولِهم: إنَّ الصِّفةَ مادَّةٌ، وهيَ الخاتمُ، والدِّرهمُ ونحوُ ذلكَ صورةٌ فيها،
والخشبُ مادّةٌ، وشكلُ السَّريرِ والبابِ وغيرِ ذلكَ صورةٌ فيه، أو الحديدُ مادّةٌ، وشكلُ السَّيفِ أو غيرِهِ صورةٌ فيه، ونحو ذلكَ، فإنَّ هذهِ الصُّورةَ الصِّناعيّةَ في جميعِ البابِ إمّا هيَ عرَضٌ قائمٌ بجوهرٍ، وهوَ التَّأليفُ والشَّكلُ الخاصُّ، ليسَتِ الصُّورةُ هنا جوهرًا قائمًا بنفسِه، وهذا بيِّنٌ بالحِسِّ والعقل، وحينئذٍ فقَولُهم: إنَّ المادّةَ والصُّورةَ عِلَّتانِ للمركَّب، وهُما عِلَّتانِ للماهيّة، كما أنَّ الفاعلَ والغايةَ عِلَّتانِ لوجود تحقيقه، أنَّ هذهِ الأجسامَ التي قامَ بها هذا العَرَضُ هيَ مركَّبةٌ مِنْ موصوفٍ وصفةٍ، وأنَّ الموصوفَ والصِّفةَ عِلَّتانِ لماهيّةِ الموصوف، ثمَّ إنَّ مِنَ المعلومِ أنَّ هذهِ الماهيّة تُتصوَّرُ في الذِّهنِ ثمَّ توجدُ في الخارج، فوجودُها الذِّهنيُّ هوَ ماهيَّتُها الذِّهنيّةُ، ووجودُها الخارجيُّ هوَ ماهيَّتُها الخارجيّةُ، وحينئذٍ فما لم يوجدْ في الخارجِ فليسَ في الخارج، لا علّةٌ ولا معلولٌ، وإذا تُصوِّرَ في الذِّهنِ أو وُجِدَ في الخارج، فإنَّما هوَ موصوفٌ قامَتْ بهِ صفةٌ، وليسَ هنا شيءٌ غيرُ الموصوفِ والصِّفةِ حتَّى يكونَ هذانِ عِلَّتينِ لهُ، بل ما سبقَ علّةُ مادّةٍ وصورتُهُ هوَ نفسُ المعلول، ونفسُ المعلولِ هوَ نفسُ العِلّة، فليتدبَّرْ هذا؛ فإنَّ قولَهم: إنَّ المادّةَ والصُّورةَ عِلَّتانِ للماهيّةِ وللحقيقةِ ونحو ذلكَ يوهِمُ أنَّ في الخارجِ ماهيّةً غيرَ المادّةِ والصُّورة، وأنَّ المادّةَ والصُّورةَ علّة لتلكَ الماهيّة، وكُلُّ هذا خيالٌ فاسدٌ، فليسَ في الخارجِ إلّا الموجودُ الذي هوَ الدِّرهمُ والخاتمُ وهيَ فضّةٌ لها شكلٌ خاصٌّ، ليسَ في الخارجِ سوى ذلكَ، لا ماهيّةٌ ولا وجود ولا غيرُ ذلكَ.
وبتقديرِ أنْ يكونَ هناكَ ماهيَّةٌ غيرُ هذا الموجود، فليسَ هوَ غيرَ الموصوفِ والصِّفةِ القائمةِ به، وتقديرُ أنْ تكونَ المادّةُ والصُّورةُ غيرَ الموصوفِ والصِّفة، فليسَ هناكَ ماهيّةٌ غيرُ المادّةِ والصُّورةِ حتَّى يكونَ هذانِ علّةً لغيرِ أنفُسِهما، فهذهِ ثلاثةُ مقاماتٍ
يتبيَّنُ بها ما يدخلُ في مثلِ هذا مِنَ الخيالِ والضَّلال، وهذا بعدَ أنْ يوافِقوا على تسميةِ كُلٍّ مِنَ الموصوفِ والصِّفةِ علّةً للآخر، وإلّا هذا اصطلاحٌ منكرٌ في الفِطرة؛ إذِ الموصوفُ وهوَ الدِّرهمُ مثلًا محلٌّ لهذا العَرَض، كما أنَّ سائرَ الأجسامِ مواضعُ لأعراضِها، فزعمُ الزّاعمِ أنَّ هذهِ الصُّورةَ ليسَتْ عرَضًا كسائرِ الأعراضِ غلَطٌ، وكذلكَ جعل الصِّفةَ علّةً، ولو قالوا: إنَّهما عِلَّتانِ للمركَّبِ كانَ التَّحقيقُ أنَّ الصّانعَ هوَ الذي فعلَ هذا التَّركيبَ، فإنَّهُ هوَ الذي صاغَ الفضّةَ دِرهمًا وخاتمًا، فأمّا جعلُ أحدِهما علّةً للآخرِ فحاصلُهُ أنَّهُ لا بدَّ للصِّفةِ مِنَ الموصوف، ولا بدَّ لهذا الموصوفِ بشرطِ كونهِ موصوفًا مِنَ الصِّفة، وهذا الأمرُ لازمٌ لجميعِ الصِّفاتِ والموصوفاتِ المشاركةِ لكُلِّ جوهرٍ وعرَضِه، فإذا فرِّقَ بينَ الجوهرِ والعَرضِ والمادّةِ والصُّورة، وهُم يفرِّقونَ بينَ هذا وهذا، فيجعلونَ الجوهرَ هوَ المحلَّ الذي يستغني عَنِ الحال، ويسمُّونَهُ الموضوعَ، ويجعلونَ المادّةَ هيَ المحلَّ الذي يستغني عَنِ الحالِ فيه، وهذا تفريقٌ باطلٌ؛ فإنَّهم إنْ عَنَوا باستغناءِ المحلِّ أنَّهُ يمكنُ وجوده مجرَّدًا عَنِ العَرَض، فهذا شأنُ هذهِ الصِّفة، وإنْ عَنَوا أنَّهُ لا يستغني بشرطِ كونهِ مركَّبًا مِنَ الصُّور، فهذا شأنُ جميعِ الأعراض، وكذلكَ الصُّورُ التي هيَ الأعْراضُ طباعيّة، كالحرارةِ في النّار، والبرودةِ في الماءِ ونحوِ ذلكَ، إذا قالوا: إنَّ الحرارةَ صورةُ النّار، فالصُّورةُ هنا عرَضٌ قائمٌ بجِسمٍ، فإنَّ الحرارةَ قائمةٌ بالحارّ، والبرودةَ قائمةٌ بالبارد، وأمّا الصُّوَرُ إذا عَنوا بها جوهرًا كما إذا قالوا: إنَّ نفسَ الجِسمِ القائمِ بنفسِهِ صورةٌ قائمةٌ بمادّةٍ، فليسَتِ المادّةُ هنا أيضًا جوهرًا قائمًا بنفسِه، بَلْ إذا قالوا: إنَّ الجِسمَ يعرضُ لهُ الاتِّصالُ والانفصالُ، ومحلُّ الاتِّصالِ والانفصالِ غيرُ المتَّصلِ والمنفصل، كانَ هذا عندَ التَّحقيقِ
راجعًا إلى المقدارِ والبعدِ القائمِ بالجِسمِ، وكُلُّ جسمٍ معيَّنٍ لهُ مقدارٌ يخصُّهُ، والمقدارُ المطلَقُ كالجِسمِ المطلَق، وكلاهما لا يوجدُ مطلَقًا إلَّا في الذِّهن، فصارَ ما يعنونَهُ بالمادّةِ هنا ليسَ إلّا عرَضًا، كما أنَّ ما يعنونَهُ بالصُّورةِ هناكَ ليسَ إلّا عرَضًا، وهُم يسمُّونَ ذلكَ العِلّةَ والمعلولَ والماهيّةَ، فقد تبيَّنَ ما في لفظِ العِلّةِ والمعلولِ والماهيّةِ مِنْ هذا الأساس، وهذا في الطَّبيعيّاتِ التي هيَ أساسُ علمِهم، ومنها يأخذونَ أُصولَ براهينِهم؛ إذْ هيَ مشهودةُ الجزئيّاتِ معقولةُ الكُلِّيّات، فكيفَ الظَّنُّ إذا خاضُوا في المنطقِ الذي هوَ المعقولاتُ الثّابتةُ، وهوَ العِلمُ الإلهيُّ هنالكَ، يصير كلامهم ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 39، 40]. فإنَّ هذينِ المثلينِ مطابقٌ لجهلِهم المركَّبِ والبسيطِ؛ إذ هم وكُلُّ كافرٍ لا يخرجُ عَنْ هذينِ القِسمين، وهكذا ما ذكرتموهُ في المنطقِ والإلهيّاتِ الذي منهُ مادّةُ هذا الدَّليل، فإنَّ قولَكُم: الماهيّاتُ المختلفةُ الحقائقِ قد تتَّفقُ في أُمورٍ لازمةٍ أو عارضةٍ كاتِّفاقِ الإنسانِ والحيواناتِ في الحيوانيّة، أو في الغذاءِ والحرَكة، ثمَّ يقولونَ: ما اتفقَتْ فيهِ عارضٌ مِنْ عوارضِ ما اختلفَتْ فيه، والمختلفُ فيهِ هوَ العِلّةُ لما اتّفقَ فيهِ؛ إذْ يجوزُ اشتراكُ الحقائقِ المختلفةِ في أُمورٍ لازمةٍ عارضةٍ متَّفقةٍ، وقولكُم: الأُمورُ المتَّفقةُ بالحقيقةِ كالنَّوعِ يجوزُ أنْ يعرضَ لها أُمورٌ مختلفة كما يعرضُ لأشخاصِ النَّوعِ أنْ يكونَ هذا
كاتبًا، وهذا فقيهًا، ولا يجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ لازمًا لها؛ لأنَّ الطَّبيعةَ الواحدةَ لا توجِبُ أمورًا مختلفةً، وإذا كانَ ما اختلفَتْ فيهِ عارضًا لها فيكونُ لهُ سببٌ غيرُ سببِ الماهيّةِ التي اتَّفَقا فيها؛ وأمثالَ هذا الكلامِ يرجعُ حاصلُهُ عندَ التَّحقيقِ إلى تلبيسٍ وتمويهٍ، فإنْ جعلتموهُ جِنسًا كالحيوانِ وقلتُم: إنَّه أنواعُهُ، كالإنسانِ والفرَدس، يتَّفقُ في أمرِ لازمٍ كالحيوانيَّة، أو عارضٍ كالغذاءِ والحرَكة، أو ما فيهِ مِنَ التَّلبيسِ هنا، أنَّ هذا المستدلَّ لم يفرِّقْ بينَ العرَضِ اللَّازمِ للماهيّةِ أو لوجودِها، وبينَ العارضِ الذي يجوزُ أنْ يفارقَها؛ فإنَّهُ قد علمَ أنَّ مِنِ اصطلاحِهم المشهورِ في منطقِهم اليُونانيِّ أنْ يفرِّقوا بينَ الذّاتيِّ وبينَ العَرَضيِّ اللّازمِ للماهيّةِ واللّازمِ لوجودِها، وقدَّمْنا فسادَ فرقِهم في غيرِ هذا الموضع، وخاطَبْنا بهِ غيرَ واحدٍ مِنْ أعيانِهم، وأمهلتُهم مدّةً طويلةً للنَّظرِ ومراجعةِ كُتبِ أئِمَّتِهم، ومراجعةِ بعضِهم بعضًا، وتبيَّنَ مع هذا أنَّ ما يذكرونَهُ مِنَ الفرقِ لا حقيقةَ لهُ إلّا مجرَّد الاصطلاحِ الوضعيِّ التَّحكُّميِّ الذي لا يرجعُ إلى حقيقةٍ ثابتةٍ، ولا علمٍ مطابقٍ لمعلومه، ولكنَّا هنا نخاطبُهم بموجبِ اصطلاحِهم، فنقولُ: أنتُم تجعلونَ المنطقَ مثلًا لازمًا ذاتيًّا للإنسان، والضَّحكَ لازمًا عرَضيًّا، وتفرِّقونَ بذلكَ بينَ الحدِّ الذّاتيِّ الذي يذكرُ فيهِ الفَصلُ معَ الجِنسِ وبينَ الرَّسميِّ الذي يذكرُ فيهِ الخاصّةُ بدلَ الفَصل، إمّا معَ الجِنسِ وإمَّا مع العرَضِ العامّ، وتجعلونَ الكلامَ على هذهِ الكُلِّيّاتِ الخمسةِ: الجنسِ والنَّوعِ والفَصلِ والخاصّةِ والعرَضِ العامِّ مِنْ أُصولِ عِلمِكم، وتسمُّونَهُ أُمًّا، وتقولونَ: السَّوادُ للقارِ والغُراب، أو الظِّلُّ للفرَسِ عندَ طلوعِ الشَّمس، ونحوُ ذلكَ لازمٌ للوجود، لا للماهيّة، وكلاهما
عرَضيٌّ، وأمّا العَرضُ فمتى ما يوجدُ الحقيقة1في الخارجِ بدونهِ كالطُّولِ والقِصَرِ والصِّحَّةِ والمرَضِ وحمرةِ اللَّونِ وصُفرتهِ ونحوِ ذلكَ، ومنهُ ما يكونُ لازمًا للشَّخص، لا للنَّوع، كرؤيتِهِ، ومنهُ ما هوَ بطيءُ الزَّوالِ كالشبيبة والتَّوجع، ومنهُ ما يكونُ سريعَ الزَّوالِ؛ كحُمرةِ الخَجلِ وصُفرةِ الوَجلِ، وإذا كانَ كذلكَ فقولُهُ في الحُجّةِ المختلفات قد تتَّفقُ في أمورٍ عارضةٍ؛ كاتِّفاقِ الإنسانِ والحيواناتِ في الغذاءِ والحرَكة، يُقالُ لهُ: الغِذاءُ للحيوانات، والحرَكةُ الإراديّةُ هيَ لازمةٌ لماهيَّتِه، بلْ هيَ ذاتيّةٌ لهُ؛ إذِ الحيوانُ هوَ الجِسمُ الحسّاسُ النّامي المتحرِّكُ يا لإرادة، فكيفَ تكونُ الحركةُ عارضًا، بَل عارضًا مفارِقًا، فإنْ قالَ: أريدُ بهِ العرَضيَّ، سواءٌ كانَ لازمًا أو غيرَ لازمٍ بَطَلَ أصلُ تقسيمِهِ إلى لازمٍ وعارضٍ؛ فإنَّ اللّازمَ يدخلُ فيهِ اللَّازمُ الذَّاتيُّ والعرَضيُّ، وهوَ لم يقسِّمْ هذهِ الصِّفاتِ إلى ذاتيٍّ وعرَضيٍّ، بَلْ إلى لازمٍ وإلى عارضٍ مفارقٍ، وهذهِ الأُمورُ ليسَتْ عارضًا مفارِقًا باتِّفاقِ العُقلاء، وهذا اعتراضٌ على ما ذكرَهُ هذا المحتَجُّ، ثمَّ نقولُ: ما يفسدُ بهِ كلامُهُ وكلامُ غيرِهِ قولُكُم: إنَّ النَّوعَ الجِنسَ قد يتَّفقُ في أمرٍ لازمٍ أو عارضٍ2، ولكَ أنْ تسلكَ طريقًا آخرَ في إفسادِ هذهِ الحُجّةِ، وهوَ طريقُ المعارَضةِ؛ فإنَّ ما ذكرَهُ مِنْ هذهِ الحُجّةِ في واجبَي الوجودِ يريدُ نظيرَهُ في الوجودِ الواجبِ والوجودِ الممكِن، وفي الواجبِ بنفسِهِ والواجبِ بغيرِه، وهوَ أمر لا حيلةَ في إثباتِهِ؛ فإنَّهُ لا ريبَ أنَّ هنا وجودًا ولا ريبَ أنَّ الوجودَ إمّا واجِبٌ، ونحنُ نشاهدُ حدوثَ أشياءَ بعدَ أنْ لم تكُنْ، فلا يجوزُ أنْ تكونَ واجبةً بنفسِها، فإنَّ الواجبَ
بنفسِهِ لا يقبلُ العدَمَ؛ إذْ لو قبِلَ العدَمَ تارَةً، والوجودَ أُخرى؛ لكانَ ممكِنًا، فهذهِ الحوادثُ ليسَتْ ممتنعةً لأنَّها وُجدَتْ، ولا واجبةً لأنَّها كانَتْ معدومةً فتعيَّنَ أنَّها ممكنة تقبلُ الوجودَ والعدَمَ، وحينئذٍ فقد عُلِمَ بالضَّرورةِ أنَّ في الموجوداتِ ما هوَ واجبٌ بنفسِه، ومنها ما هوَ ممكنٌ بنفسِه، ليسَ لهُ وجودٌ بنفسِه، بَل وجودُهُ بغيرِه، وهوَ الممكنُ، فنقولُ: هذانِ الموجودانِ: الواجبُ بنفسِهِ والممكنُ بنفسِهِ الواجبُ بغيرِهِ اشترَكا في مُسمَّى الوجود، وامتازَ أحدُهما عَنِ الآخرِ بالوجوبِ أو الإمكان، فلا يخلو إمّا أنْ يكونَ ما اتَّفقَا فيهِ لازمًا لما اختلَفا فيهِ أو ملزومًا أو عارضًا أو معروضًا، فإنْ قيلَ بالأوَّلِ وإنْ كانَ اختلافُهما فيما اتَّفَقا فيه، وهوَ الوجودُ، لزمَ أنْ يكونَ أحدُهما موجودًا دونَ الثّاني، وإنْ كانَ فيما افترَقا فيهِ وهوَ الوجوبُ والإمكانُ، واتِّفاقُهما في الوجود، وهوَ القسمُ المحقَّقُ، كانَ ما اختلَفا فيهِ علّةً لما اشترَكا فيه، فيكونُ الوجوبُ والإمكانُ علّةً للوجوب، والعِلّةُ تتقدَّمُ المعلولَ بالوجوب، فيَستلزِمُ أنْ يكونَ الوجوبُ متقدِّمًا بالوجودِ على الوجود، فيلزمُ أنْ يكونَ الشَّيءُ متقدِّمًا بالوجودِ على نفسِه، أو موجودًا مرَّتينِ كما ذكروا في الماهيّةِ معَ الوجود، فالقولُ في الوجوبِ معَ الوجودِ كالقولِ في الماهيّةِ معَ الوجود، ويلزمُ هنا محاذيرُ أعظمُ مِنْ ذلكَ، وهوَ أنَّ إمكانَ الممكنِ الوجودِ إذا كانَ هوَ العِلّةَ في وجودِهِ لزمَ استغناءُ الممكناتِ عَنِ الواجب، ولزمَ أنْ يكونَ الممكنُ بنفسِهِ واجبًا بنفسِهِ؛ إذْ كانَ إمكانُهُ علّة ووجوده، بَلْ يلزمُ وجودُ كُلِّ ممكنٍ، فإذا جعلَ ما اختلفا فيهِ علَّةَ ما اشترَكا فيهِ لزِمَ هذا المحالاتِ التي هيَ مِنْ أعظمِ الضَّلالات، وإنْ قيلَ بالقسمِ الثّاني، وهوَ أنْ يكونَ ما اختلَفا فيهِ لازمًا لما اتَّفَقا فيه، فقَد مَرَّ إبطالُهُ في كلامِهم بما تقدَّمَ مِنْ أنَّ الطَّبيعةَ
الواحدةَ لا يَلزَمُها أُمورٌ مختلفةُ، وهذا بيِّنٌ؛ فإنَّ الوجودَ لا يقتضي بنفسِهِ وجوبًا وإمكانًا، والحيوانيّةُ لا تقتضي لذاتِها نُطقًا وصَهيلًا، ولو كانَ كذلكَ لكانَ حيثُ كانَ وجودٌ كانَ وجوبٌ وإمكانٌ، فيكونُ الوجودُ الواحدُ واجبًا وممكنًا، والواجبُ لا يقبلُ العدَمَ، والممكنُ يقبَلُ العدَمَ، فيلزمُ الجمعُ بينَ النَّقيضَينِ.
وأمّا القسمُ الثّالثُ: وهوَ أنْ يكونَ المشترَكُ عارضًا للمميَّز، فيلزمُ مِنْ ذلكَ أنْ يكونَ وجودُ واجبِ الوجودِ عارضًا لهُ، لا ذاتيًّا، فلا بدَّ أنْ يكونَ هنا ما يعرضُ لهُ الوجودُ الواجبُ، وإذا بَطَلَ القولُ يكونُ وجودُهُ لازمًا لغيرِه، فلأنْ يبطُلَ كونُهُ عارضًا لغيرِهِ بطريقِ الأَولى والأحرى فإنَّ هذا فيهِ مفسدةٌ أُخرى، وهوَ أنَّ العارضَ للحقيقةِ لا تكونُ كافيةً في حصولِه، بَل يتوقَّفُ حصولُهُ على سببٍ منفصلٍ مِنَ الحقيقة، فيلزمُ أنْ يكونَ وجودُهُ معلولًا لغيرِهِ متوقِّفًا على غيرِ ذاتِه، وهذا قولٌ بأنَّ وجودَهُ ممكنٌ لا واجبٌ.
وأمّا القِسمُ الرّابعُ: وهوَ أنْ يكونَ المميَّزُ عارضًا للمشترَك، فيكونُ وجوبُ واجبِ الوجودِ عارضًا لوجودِه، لا ذاتيًّا لهُ، والعارضُ للحقيقةِ لا تكونُ هيَ سببَ وجودِه، بَلْ يتوقَّفُ حصولُهُ على سببِ منفصلٍ، فيكونُ وجوبُ واجبِ الوجودِ متوقِّفًا على غيرِه، فما لم يكُنْ غيرُهُ لا يكونُ لهُ وجوبٌ، فلا يكونُ واجبًا بنفسِه، بلْ بغيرِه، وهذا بيِّنٌ ظاهرٌ.
فهذهِ الحُجّةُ نظيرُ حُجَّتِهم سواءً بسواءٍ، بل هيَ أبيَنُ وأتمُّ، وإذا كانَتْ هذهِ الحُجّةُ مستلزِمةً لنفيِ أنْ يكونَ في الوجودِ ما هوَ واجبٌ بنفسِهِ وما هوَ ممكنٌ، وثبوتُ هذينِ النَّوعينِ معلومٌ لا ريبَ فيه، علمَ أنَّ هذهِ الحُجّةَ
دافعةٌ للمعلومِ القطعيّةِ التَّعيينيّة، فتكونُ باطلةً سوفسطائيَّةً، فهذا بيّن بطلانها في النَّظر، وإذا سلكْتَ مسلكَ المناظَرةِ تقولُ للمنازعِ: ما كانَ جوابُكَ عَنْ إثباتِ موجودين، أحدهما واجبٌ والآخرُ ممكنٌ؛ كانَ جوابًا لمعارِضكَ عَنْ إثباتِ واجبَي الوجودِ.
وإذا كانتْ هذهِ الحُجّةُ التي استدلُّوا بها على توحيدِهم تستلزمُ نفيَ واجبِ الوجودِ؛ علِمَ أنَّ توحيدَهم يَستلزِمُ نفيَ واجبِ الوجودِ كما ذكرْنا في صدرِ الجوابِ، وأنَّهم أثبَتوا واجبَ الوجود، ثمَّ جعلُوا لهُ لوازمَ تستلزمُ عدمَهُ.
وأيضًا فهذهِ الحُجّةُ بعَينِها تستلزمُ بطلانَ القولِ بموجودينِ: أحدهما واجبٌ بنفسِهِ والآخرُ واجبٌ بغيرِهِ.
ومِنَ المعلومِ الذي يُسلِّمونَهُ، وقد قامَ عليهِ البرهانُ، أنَّهُ لا بدَّ في الوجودِ مِنْ موجودٍ واجبٍ بنفسِه، وموجودٍ واجبٍ بغيرِه، فإِنَّ الوجودَ يستلزمُ موجودًا بنفسِه، وهذهِ الحوادثُ واجبةٌ بغيرِها؛ فإنَّ السَّببَ التّامَّ لها إنْ لم يوجَدِ امتنعَ وجودُها، وعندَ وجودِ السَّببِ العامِّ يمتنعُ عدمُها؛ إذِ العِلّةُ التَّامَّةُ لا يتخلَّفُ عنها معلولُها، وهذا مبرهَنٌ، وهُم يُسلَمونَهُ، بَلْ هوَ مِنْ أجودِ كلامِهم، وإذا كانَ كذلكَ فنقولُ: هذانِ الموجودانِ الواجبانِ اللَّذانِ أحدُهما بنفسِهِ والآخرُ بغيرِهِ قدِ اشترَكا في مُسمَّى الوجوب، وامتازَ كُلٌّ منهُما عَنِ الآخرِ بأنَّ هذا واجبٌ بنفسِه، وهذا بغيرِهِ؛ فقَدِ اتَّفَقا في شيءٍ، واختلَفا في شيءٍ، وتعادُ التَّقسيماتُ الأربعُ كما ذكرُوها، فإنْ قيلَ: إنَّ المشترَكَ لازمٌ للمميَّزِ كانَ المميَّزُ، وهوَ كونُهُ واجبًا بنفسِهِ أو بغيرِهِ علّةً للوجوب، والعِلّةُ متقدِّمةٌ على المعلولِ بالوجوب، فيلزمُ أنْ يكونَ وجوبٌ بنفسِهِ أو بغيرِهِ موجودًا قبلَ
وجوبِه، فيَلزَمُهُ تقدُّمُ الوجودِ على الوجوبِ، أو تكرُّرُ الوجودِ؛ كما تقدَّمَ.
واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ.
تَمَّ الجوابُ، والحمدُ لله رَبِّ العالمينَ.