أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْكَلَام على مَسْأَلَة الارادة وفيهَا مبَاحث

صفحات 268-280

وَقد صرح الامام يحيى بن حَمْزَة بابطال قَوْلهم فِي كِتَابه التَّمْهِيد فِي أَوَائِل الْبَاب السَّابِع من النبوات على ذَلِك وَهُوَ قَول جمَاعَة من قدماء مُحَمَّد بن مَنْصُور الْكُوفِي وَالسَّيِّد أَبُو عبد الله الْحُسَيْنِي فِي كِتَابه الْجَامِع الْكَافِي وَهُوَ قَول غير وَاحِد مِمَّن عاصرت من أئمتهم عَلَيْهِ السَّلَام وَهَذِه الْمَسْأَلَة هفوة الْمُعْتَزلَة الْكُبْرَى فِي مُقَابلَة هفوة الجبرية فِي نفسى الِاخْتِيَار وَبهَا تمكن خصومهم مِنْهُم وَمن سلم مِنْهُم من هَذِه الْمَسْأَلَة قَارب أهل السّنة فِي مَسْأَلَة الْأَفْعَال بل كَانَ مِنْهُم فان أَمَام الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيّ مَا وَافق أهل السّنة فِي مَسْأَلَة الْأَفْعَال الا فِيهَا فعدوه من أئمتهم وَلم يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِك وَلَا شكّ فِي صِحَة قدرته على هِدَايَة الْخلق أَجْمَعِينَ باللطف وَالِاخْتِيَار عقلا وسمعا وَلَا شكّ انه أحوط وَأولى من قَول الْمُعْتَزلَة فانه يُمكن فِي الْعقل أَن يكون الله تَعَالَى انما ترك ذَلِك لحكمة اسْتَأْثر بعلمها مثل حكمته فِي خلق أهل النَّار والعقول تقصر عَن الاحاطة بِجَمِيعِ حِكْمَة الله تَعَالَى ومعلوماته فَيحسن فِي بعض مَا لَا تعرف الْعُقُول حسنه أَن يكون حسنا عِنْد الله لحكمة اخْتصَّ بعلمها فَيجب قصر استقباح الْعُقُول على من لم يعلم من الحكم فِي الغيوب المحجوبة الا مَا يُعلمهُ وَلَيْسَ يحسن أَن يُقَال ان الله لَا يقدر على شَيْء لوجه حسن اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَلَا نَحْو ذَلِك من الاعذار لَان عدم الْقُدْرَة نقص فِي الربوبية وان مثل الْجَهْل بِبَعْض الامور وَأما التحسين والتقبيح فبابه وَاسع وتفاوت المعارف فِيهِ غير وَاقِف على حد وَلَا نِهَايَة لانه مَوْقُوف على الْوُجُوه والاعتبارات وَمَعْرِفَة العواقب الحميدة والغاية الغيبية الْبَعِيدَة والمرجحات الْخفية عِنْد تعَارض الْمصَالح والمفاسد وَهَذَا بَاب وَاسع يدْخلهُ التَّأْوِيل الْقَرِيب والبعيد بل قد اخْتلفُوا فِي هَذَا أَحْوَال المخلوقين كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن مُوسَى وَالْخضر عَلَيْهِمَا السَّلَام وَلَا يزَال الْعَالم يُنكر على الاعلم كَيفَ الْجَاهِل على الْعَالم كَيفَ الْمَخْلُوق الظلوم الجهول على علام الغيوب كَمَا تقدم فِي الْحِكْمَة فِي خلق الأشقياء فَكَمَا أَن الْحِكْمَة فِي خلق الأشقياء لما خفيت لم يحسن من أحد أَن يَقُول انه تَعَالَى غير مُخْتَار فِي وجودهم ورد أهل الاسلام ذَلِك على الفلاسفة فَكَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا

ثمَّ ان الْمُعْتَزلَة رجعُوا إِلَى قَول أهل السّنة فِي هَذَا بعد التعسف الشَّديد فِي تَأْوِيل الْقُرْآن وَالسّنة وَاجْتمعت الْكَلِمَة فِي الْحَقِيقَة على ان الله تَعَالَى على كل شَيْء قدير وعَلى مَا يَشَاء لطيف وَمَا بَقِي الا اللجاج فِي المراء بَين أهل الْكَلَام كَمَا أوضحت ذَلِك فِي الْبَحْث الْخَامِس من هَذِه الْمَسْأَلَة أَعنِي مَسْأَلَة الارادة ونزيد هُنَا وَجها لم نذكرهُ هُنَاكَ وَهُوَ ان الله تَعَالَى قد نَص على دين الاسلام انه الْفطْرَة قَالَ تَعَالَى ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم﴾ وَاتفقَ أهل الحَدِيث على صِحَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي ذَلِك وَهُوَ قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وانما أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه وَقد ذكر الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة عَن أَكثر أهل السّنة أَن الْآيَة على عمومها فِي السُّعَدَاء والاشقياء وَاحْتج لَهُم بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي ذَلِك وَغَيره وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وانما يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه انما هُوَ فِي الاشقياء فَلَزِمَ الْمُعْتَزلَة أَن يَقُولُوا بِهِ ويتركوا قَوْلهم ان الله بني الاشقياء على بنية علم مَعهَا انه لم يبْق لَهُم لطف فِي مقدوره وَلزِمَ أهل السّنة أَن يَقُولُوا بِهِ وَلَا يعتقدوا ان أَحَادِيث الْقَضَاء وَالْقدر مبطلة للاختيار وَلَا لحجة الله تَعَالَى وَفِي الْحَقِيقَة ان الْجَمِيع قد فعلوا بِمُقْتَضَاهُ لَكِن أهل السّنة بالنصوص الصَّرِيحَة الْكَثِيرَة والمعتزلة فِي بعض الْمَوَاضِع كَمَا تقدم فِي الْبَحْث الْخَامِس على ان هَذِه الْآيَة وَهَذَا الحَدِيث عِنْد الْمُعْتَزلَة مِمَّا يصولون بِهِ على أهل السّنة وَلَيْسَ كَذَلِك بل هما على الْمُعْتَزلَة لَا لَهُم وانما ظنُّوا ذَلِك لانهما حجتان على الجبرية وهم يَعْتَقِدُونَ الا العارفين مِنْهُم ان أهل السّنة كلهم جبرية فَهَذَا سَبَب وهمهم وَأما كَونهمَا على الْمُعْتَزلَة فلقولهم ان اللطف غير مَقْدُور لله تَعَالَى وتعليلهم ذَلِك بانه تَعَالَى بنى الاشقياء على بنية لَا تقبل اللطف ثمَّ ان أهل السّنة يلزمونهم تعجيز الرب تَعَالَى بذلك وهم يأبون ذَلِك وَيَقُولُونَ انه غير قَادر على اللطف وَلَا يُوصف بِالْعَجزِ وانما قَالُوا ذَلِك لاعتقادهم أَن اللطف بالاشقياء محَال كوجود ثَان لله تَعَالَى عَن ذَلِك

والقادر على كل شَيْء لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على المحالات لانها لَيست بِشَيْء والا لزم أَن يُوصف بِالْقُدْرَةِ على لَا شَيْء وَقَوْلهمْ هَذَا ضَعِيف لَان الاحالة لم تبين فِي اللطف بالعصاة وَلَو تبين ذَلِك لقبح تكليفهم على أصُول الْمُعْتَزلَة فان خلقهمْ على تِلْكَ البنية مفْسدَة فِي التَّكْلِيف وهم لَا يجيزون الْمُفْسد فِيهِ وَلَو جوزوها فِيهِ مَا أوجبوا اللطف فِيهِ والا لتناقض انما الْمحَال مَا لَا يُمكن تصَوره مثل كَون الشَّيْء قَدِيما حَادِثا كَمَا فِي تقديرهم ان الله لَو خلق مثله تَعَالَى عَن ذَلِك لم يكن مثله قطّ لَان الْمَخْلُوق حَادث مربوب بِالضَّرُورَةِ وَالله تَعَالَى رب قديم فَقِيَاس هَذَا باللطف بالعصاة واه لَا يرضى فِي الْفُرُوع الظنية وَقد اعتذرت الفلاسفة بِمثل عذرهمْ فِي هَذَا فِي قَول الفلاسفة انه لَيْسَ فِي مقدورالله تَعَالَى أحسن من هَذَا الْعَالم مَعَ انه على كل شَيْء قدير لانهم زَعَمُوا انه لَو كَانَ فِي مقدوره لَا وجده على الْفَوْر والا كَانَ بَخِيلًا تَعَالَى عَن ذَلِك وَأجِيب عَلَيْهِم بِمثل مَا أُجِيب على الْمُعْتَزلَة من ان حِكْمَة الله تَعَالَى أعظم من أَن يُحِيط بهَا خلقه وانه قد بَين مِنْهَا انه يبلو عباده ليميز الْخَبيث من الطّيب كَمَا صرحت بِهِ الْآيَات القرآنية وَاعْلَم ان قَول أهل السّنة فِي الْمَشِيئَة وَالْقَضَاء وَالْقدر وسبقها للاعمال لَا يَقْتَضِي الْجَبْر كَقَوْل الْجَمِيع فِي سبق الْعلم بل كثير من أهل السّنة فسروا الْقَضَاء وَالْقدر بِعلم الْغَيْب السَّابِق مِنْهُم القَاضِي عِيَاض فِي شَرحه لمُسلم وَالنَّوَوِيّ فِي شَرحه لَهُ وَابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ وَغَيرهم وانما وَقع الْخلاف فِيمَا تعلق بِهِ الارادة السَّابِقَة كَمَا تقدم تَحْقِيقه فِي المباحث الْمُتَقَدّمَة وانما مَقْصُود أهل السّنة بذلك نفي الْعَجز والقصور عَن قدرَة الله تَعَالَى فقد وَقع الِاتِّفَاق على نَفْيه فِي الْحَقِيقَة ان شَاءَ الله تَعَالَى وَقد وضح بِذكر هَذِه المباحث للْخلاف هُنَا خمس مَرَاتِب قد بسطتها فِي العواصم وَلَا غنى عَن الرَّمْز اليها على سَبِيل الايجاز الْكثير الْخلاف الأول هُوَ الْخلاف فِي قدرَة الله تَعَالَى على هِدَايَة الله العصاة مَا داموا على بنيتهم الَّتِي خلقُوا عَلَيْهَا حَتَّى يغيرها الله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي فَرغْنَا

من ذكره وَبَيَان الْحجَّة على بُطْلَانه وعَلى ان الْمُخَالف فِيهِ أَخطَأ فِي الْعبارَة وَوَافَقَ فِي الْمَعْنى لَا قدرته تَعَالَى على تَغْيِير البنية هِيَ قدرته على اللطف بِعَينهَا فارتفع الْخلاف وَللَّه الْحَمد الْخلاف الثَّانِي القَوْل بِنَفْي قدرته تَعَالَى على ذَلِك مُطلقًا ادَّعَاهُ بعض أهل الْعَصْر على أَصْحَاب أبي هَاشم المعتزلي وَلم ينصوا عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي ان يصدق عَلَيْهِم حَتَّى ينصوا عَلَيْهِ لمُخَالفَته الْأَدِلَّة الجلية من الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول كَمَا أوضحته فِي العواصم وانما حمل هَذَا على دَعْوَاهُ مَا رأى فِي اعْتِرَاف الْمُعْتَزلَة بِخِلَافِهِ من لُزُوم مُوَافقَة أهل السّنة ففر من مُوَافقَة خصومه الى مَا هُوَ شَرّ مِنْهَا كالمستجير من الرمضاء بالنَّار وَقد تمدح الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بانه لَو شَاءَ لجعل منا مَلَائِكَة وَقَالَ ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَقَالَ ﴿كونُوا حِجَارَة أَو حديدا أَو خلقا مِمَّا يكبر فِي صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الَّذِي فطركم أول مرّة﴾ وَقد علم من الدّين واجماع الْمُسلمين انه تَعَالَى قَادر على تَغْيِير صِفَات الْأَجْسَام مثل قلب خبث الْحَدِيد فضَّة أَو ذَهَبا وقلب الْبَهَائِم نَاسا وَالنَّاس بهائم مثل مَا خسف باليهود قردة بقوله لَهُم ﴿كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ فَكَذَلِك لَو شَاءَ خلق من الاشقياء أَنْبيَاء وملائكة وَمَا السِّرّ فِي تَغْيِير شَيْء مِنْهُم الا تليين قساوة قُلُوبهم كَمَا أوضحته فِي العواصم فَليُرَاجع اذا احْتِيجَ الى ذَلِك الْخلاف الثَّالِث خلاف من منع عُقُوبَة العصاة بالاضلال وَقد توهم كثير مِنْهُم أَن ذَلِك يُؤَدِّي الى الْجَبْر فيتأولونه بالخذلان وَلَا يعلم أَن الاضلال لَيْسَ من الْجَبْر فِي شَيْء انما هُوَ الخذلان وسلب الالطاف أَلا ترى أَن من هداه الله تَعَالَى فَلم يَقْهَرهُ وَلم يجْبرهُ على الْهدى فَكَذَلِك من أضلّهُ فَلم يَقْهَرهُ وَلم يجْبرهُ على الضلال انما هُوَ التَّيْسِير للعسرى عُقُوبَة كَمَا ان الْهدى هُوَ

التَّيْسِير لليسرى مثوبة وَأما من خَالف فِي هَذَا فُلَانُهُ لم يستحسن ارادة وُقُوع الذَّنب عُقُوبَة مَعَ كَرَاهَة الذَّنب نَفسه وَقد تقدم القَوْل فِيهِ مُسْتَوْفِي فِي الْوَجْه الثَّالِث من المبحث الثَّالِث الْخلاف الرَّابِع خلاف من يُخَالف فِي تَجْوِيز ارادة وُقُوع الذَّنب مَعَ كَرَاهَة الْوَاقِع ليظْهر كثير من اسمائه تَعَالَى الْحسنى مثل اسمائه تَعَالَى الْعَفو الغفور التواب الْوَاسِع الْحَلِيم الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقد صحت النُّصُوص النَّبَوِيَّة بِمَا يَقْتَضِي هَذَا كَمَا خرجه مُسلم عَن أبي أَيُّوب الانصاري وَعَن أبي هُرَيْرَة كِلَاهُمَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بِقوم يذنبون كي يغْفر لَهُم وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة كي يَسْتَغْفِرُوا فَيغْفر لَهُم وروى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة غَيرهمَا كَمَا ذكرته فِي العواصم وَذكره الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد وَبعد وُرُود السّمع بِهَذَا فالحجة على من ادّعى قبحه لَان قبحه لَا يعلم بِالضَّرُورَةِ بالاجماع فَإِن الاجماع انما ينْعَقد على مثل قبح الْكَذِب الضار وَحسن الصدْق النافع أما مثل الْكَذِب النافع والصدق الضار فانه استدلالي والسمع فِيهِ مقدم مَقْبُول الْخلاف الْخَامِس قَالَ أهل السّنة وَأَبُو هَاشم وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة يجوز أَن يَبْتَلِي الله تَعَالَى العَبْد فِي أول أَحْوَال تَكْلِيفه قبل أَن يَعْصِي وَيسْتَحق الْعقُوبَة بِمَا يعلم انه يَعْصِي عِنْده مُخْتَارًا لحكمة لَا يعلمهَا الا هُوَ كَمَا يحسن ان يكلفه وَهُوَ يعلم ان يَعْصِي حِينَئِذٍ وَلَو لم تقع مِنْهُ الْمعاصِي وَلم يفرقُوا بَينهمَا وَخَالف فِي ذَلِك أَبُو عَليّ الجبائي من الْمُعْتَزلَة وَغَيره وَهَذِه مسَائِل الْخلاف بَين أبي عَليّ وَبَين وَلَده أبي هَاشم فانه فِي هَذِه وَأَصْحَابه مَعَ أهل السّنة وَالْمرَاد بِهَذَا التجويز انه لَو ورد بِهِ نَص لَا يحْتَمل التَّأْوِيل وَجب قبُوله وَلَو ورد بِهِ ظَاهر يحْتَمل التَّأْوِيل لم يجب تَأْوِيله بل لم يحل وَقيل فِي هَذَا مَا دلّ عَلَيْهِ السّمع والسمع أقوى الادلة فِي مثل هَذِه المحتملات فِي الْعُقُول وَقيل انه لَا يجوز فِي هَذِه الْحَال من الله تَعَالَى الا التَّخْلِيَة بَين العَبْد وَبَين نَفسه بعد التَّمْكِين وَمعنى التَّخْلِيَة ترك اللطف والخذلان مَعًا وَقد دلّ السّمع على ان العَبْد لَا يخْتَار حِينَئِذٍ إِلَّا الْمعْصِيَة وَدلّ على ان فعل اللطف حِينَئِذٍ فضل من الله يؤتيه من يَشَاء كَمَا يخْتَص برحمته من يَشَاء بِالنَّصِّ وَذَلِكَ التَّخْصِيص لحكمة بَالِغَة

وَيدل على ذَلِك قَول يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ﴿وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين﴾ بل قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فلولا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لكنتم من الخاسرين﴾ وَأَبُو عَليّ يحمل ذَلِك فِي الِابْتِدَاء على فَضله الْعَام بخلقه وروى الْحَاكِم فِي تَفْسِير سُورَة (ص) من حَدِيث ابْن عَبَّاس ان سَبَب ذَنْب دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام انه قَالَ اللَّهُمَّ انك تعلم انه لَا يمْضِي سَاعَة من ليل أَو نَهَار الا وَهُوَ يصعد اليك عمل صَالح من آل دَاوُد يَعْنِي نَفسه فعتب الله تَعَالَى ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالَ أما علمت انه لَوْلَا اعانتي لَك الحَدِيث وروى نَحْو ذَلِك فِي سَبَب ذَنْب آدم عَلَيْهِ السَّلَام وَرُوِيَ الْحَاكِم وَأحمد من حَدِيث زيد بن أَرقم مَرْفُوعا وان تَكِلنِي الى نَفسِي تَكِلنِي الى ضَيْعَة وَضعف وذنب وخطيئة وَقَالَ الْحَاكِم فِيهَا كلهَا انها صِحَاح وَالْقُرْآن يدل على ذَلِك ويغني عَنهُ كَمَا تقدم وَهَذِه التَّخْلِيَة فِي الِابْتِدَاء لَا تسمى اضلالا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾ كَمَا تقدم وانما تسمى ابتلاء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَالله تَعَالَى لم يقل انه لَا يَبْتَلِي بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين انما قَالَ ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ كَمَا انه لَا يعذب غَيرهم فالاضلال من جنس الْعقَاب وَقد دلّ السّمع على ان الله خلق الْخلق فِي الِابْتِدَاء على الْفطْرَة نعْمَة وَرَحْمَة للأوليائه ونقمة وَحجَّة على اعدائه كَمَا خلقهمْ كَذَلِك فِي الْخلق الأول فِي عَالم الذَّر كَمَا جَاءَ فِي الاحاديث الَّتِي لَا مَانع من صِحَّتهَا وَقد أوضحتها فِي كتاب العواصم فِي الْوَهم الثَّلَاثِينَ مِنْهُ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَله أسلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ ثمَّ دلّ الْقُرْآن على ان الله تَعَالَى يبْدَأ باللطف ثمَّ يُعَاقب من يَشَاء مِمَّن لم يقبل اللطف

قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ السَّبِيل يسره﴾ وَقَالَ ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي بَيَان ذَلِك ﴿وَمَا أرسلنَا فِي قَرْيَة من نَبِي إِلَّا أَخذنَا أَهلهَا بالبأساء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُم يضرعون ثمَّ بدلنا مَكَان السَّيئَة الْحَسَنَة حَتَّى عفوا وَقَالُوا قد مس آبَاءَنَا الضراء والسراء فأخذناهم بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ وَدلّ السّمع أَيْضا على انه تَعَالَى يبتدي بالاحسان من غير اسْتِحْقَاق وَلَا يبتدي بالعقوبة من غير اسْتِحْقَاق بل يُمْهل بعد الِاسْتِحْقَاق وَيحكم ويكرر الْحجَّة ويعذر وَيَعْفُو عَن كثير كَمَا قَالَ تَعَالَى ثمَّ ينْتَقم مِمَّن يَشَاء بالحكمة الْبَالِغَة وَيَعْفُو عَمَّن يَشَاء بِالرَّحْمَةِ الواسعة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ والمصيبة فِي الدّين أعظم المصائب وَقد جَاءَ ذَلِك فِي أُمُور الدّين مَنْصُوصا فِي قَوْله ﴿فبظلم من الَّذين هادوا حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات أحلّت لَهُم﴾ ﴿وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾ وَقَوله ﴿وأضله الله على علم﴾ أَي علم باستحقاقه الاضلال وأصرح من ذَلِك قَوْله ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ فَمَا كَانَ على جِهَة الْعقُوبَة لم يَفْعَله الله بِهِ ابْتِدَاء قبل الِاسْتِحْقَاق وَمَا كَانَ على جِهَة الِابْتِدَاء الَّذِي لَا يَصح التَّكْلِيف إِلَّا بِهِ فعله وَمَا زَاد على ذَلِك مِمَّا يَقع عِنْده الْمعاصِي فَهُوَ مَسْأَلَة الْخلاف فان قيل إِن القَوْل ان العَبْد يضل فِي الِابْتِدَاء بِاخْتِيَارِهِ بِغَيْر اضلال من الله يُؤَدِّي إِلَى أَنه يملك لنَفسِهِ نفعا وضرا على جِهَة الِاسْتِقْلَال وَهَذَا مِمَّا يمنعهُ السّمع فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن الأول أَنه لَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِك إِلَّا لَو قُلْنَا أَنه الَّذِي خلق نَفسه فسواها فألهمها فجورها وتقواها وَخلق قدرته وتمكنه وَقدر لنَفسِهِ أَفعاله ومبدأه ومصيره وهداها النجدين ومكنها الْأَمريْنِ وَأما إِذا

كَانَ ذَلِك فعل الله فَمن أَيْن لَهُ الِاسْتِقْلَال وَللَّه الْخلق وَالْأَمر واليه يرجع الْأَمر كُله وَلَكِن الله قد اسْتثْنى من تعجيز الْعباد حَيْثُ قَالَ ﴿قل لَا أملك لنَفْسي نفعا وَلَا ضرا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء هُوَ الَّذِي رددنا بِهِ قَول الجبرية حَيْثُ احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فانهم تمسكوا بِنَفْي الْمَشِيئَة ونسوا الِاسْتِثْنَاء وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (اللَّهُمَّ هَذَا قسمي فِيمَا أملك فَلَا تؤاخذني فِيمَا لَا أملك وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ﴿رب إِنِّي لَا أملك إِلَّا نَفسِي﴾ وَذَلِكَ مثل كوننا لَا نعلم إِلَّا مَا علمنَا يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ وَلم يؤد إِلَى اسْتِقْلَال العَبْد فِي الْعلم فَلَا بِدعَة فِي القَوْل بِأَن العَبْد يملك بعض الامور بِتَمْلِيك الله لَهُ ذَلِك لاقامة حجَّته أَو سَعَة رَحمته أَو خَفِي حكمته وَالْقطع بِأَن ذَلِك محَال غير مُمكن يُؤَدِّي إِلَى تعجيز الله عَنهُ وَرُجُوع الْقَهْقَرِي من مَذْهَب السّنة وَالْمُسْلِمين فَانْظُر إِلَى الغلو فِي الْأُمُور كَيفَ يَنْتَهِي إِلَى الْوُقُوع فِيمَا كَانَ الْفِرَار مِنْهُ فان السّني إِنَّمَا يحاول الْبَقَاء على تَعْظِيم الْقُدْرَة لله عز وَجل فاذا غلا فِي مَذْهَب رَجَعَ إِلَى تعجيز الله الَّذِي كَانَ يشنع بِهِ على المبتدعة فَصَارَ هَذَا التَّمْلِيك من الله تَعَالَى لمن يَشَاء من عباده من جملَة أَحْكَام ملكه وعطاياه الَّتِي لَا مَانع لما أعْطى وَلَا معطى لما منع على معنى مَا كَانَ يَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ لنا من أمرنَا مَا شِئْنَا وَإِنَّمَا نَأْخُذ مَا أعطينا فَجعل أَخذهم مَا أَعْطَاهُم الله تَعَالَى من فعلهم ليَكُون فرق بَين الْحَيَوَان الْمُخْتَار والجماد المسخر وَهُوَ فرق مَعْلُوم ضَرُورَة وعقلا وَشرعا مدرك بالفطرة الَّتِي فطر الله الْخلق وَلنْ تَجِد لسنة تبديلا فنسأل الله الِاعْتِدَال وَترك بدع الْجَبْر والاعتزال وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل الْوَجْه الثَّانِي إِن العَبْد لَا يسْتَقلّ فِي الْخَيْر لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا﴾ وَلِحَدِيث أبي ذَر رَضِي الله عَنهُ من وجد خيرا فليحمد الله وأمثال ذَلِك كثير وَأما الشَّرّ فَسَيَأْتِي تَحْقِيقه فِي مَسْأَلَة الْأَفْعَال وَالظَّاهِر أَن اللطف

يَنْقَسِم فَمِنْهُ لطف هِدَايَة وَمِنْه لطف حجَّة وازاحة عذر فَمن وضح لَهُ فِي هَذِه الْمرتبَة الْخَامِسَة من مواقع الْخلاف شَيْء قَالَ بِهِ وَإِلَّا فالموقف مَعَ الْقطع بِصِحَّة الْقَوَاعِد الثَّلَاث وَهِي عُمُوم قدرَة الله تَعَالَى ونفوذ مَشِيئَته وَكَمَال حجَّته بالتمكين وَالْبَيَان وَبِالْجُمْلَةِ فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة على العصاة فِي الِابْتِدَاء والانتهاء علمنَا تفاصيلها أَو لم نعلمها مَعَ مَا لَهُ عَلَيْهِم من النعم وَله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمِنَّة الْبَالِغَة على المطيعين فِي الِابْتِدَاء والانتهاء علمنَا تفاصيلها أَو لم نعلمها مَعَ تجاوزه عَنْهُم من الذُّنُوب وكل هَذَا مَعْلُوم من الدّين وَإِنَّمَا نسعى فِي تَقْرِيره فِي الْقُلُوب وَزِيَادَة الْيَقِين بِهِ وَنفي الشُّبُهَات عَنهُ وَرفع الْخُصُومَات فِيهِ وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم وَاعْلَم أَن طَرِيق الْمُتَكَلِّمين فِي مثل هَذِه المشكلات المسارعة إِلَى الْقطع بِأحد الِاحْتِمَالَيْنِ وان خَفِي الامر وَالْأولَى عِنْدِي عدم المسارعة إِلَى ذَلِك وَعدم الجراءة عَلَيْهِ لما ذكره الْمُؤَيد عَلَيْهِ السَّلَام أَن الْخَطَأ فِي ذَلِك قد يَنْتَهِي إِلَى حد الْكفْر وَالْخُلُود فِي الْعَذَاب وَهَذَا خطر عَظِيم لَا يُسَارع إِلَى مَا يحْتَملهُ أدنى احْتِمَال عَاقل فان كَانَ لابد من اخْتِيَار كَانَ القَوْل الْمُخْتَار أَكثر الاقوال ملاءمة للسمع وأكثرها ثَنَاء على الله تَعَالَى وأبعدها من المتشابهات لقَوْله تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ وَقد ذكرت هَذَا غير مرّة الْبَحْث التَّاسِع فِي الْفرق بَين الْمحبَّة والرضى والارادة والمشيئة فَاعْلَم أَن الْفرق بَينهمَا فِي اللُّغَة وَاضح فالمحبة والرضى نقيض الْكَرَاهَة والارادة والمشيئة مَعْنَاهُمَا وَاحِد وَهُوَ مَا يَقع الْفِعْل بِهِ على وَجه دون وَجه كَمَا تقدم فِي أول المباحث بَيَان ذَلِك أَن الصَّائِم العاطش يحب شرب المَاء فِي حَال صَوْمه بالطبيعة وَلَا يُريدهُ بالعزيمة وَنَحْو ذَلِك فاذا عرفت ذَلِك فَاعْلَم أَن الْمحبَّة قد يعبر عَنْهَا بِالْمَشِيئَةِ والارادة كَمَا تقدم قَول الشَّاعِر

(يُرِيد الْمَرْء أَن يُعْطي مناه... ويأبى الله إِلَّا مَا أَرَادَ) أَي يحب أَن يعْطى مناه فَتَأمل ذَلِك لتعرف موَاضعه حَيْثُ يتعارض السّمع فانه قد تقدم قَول الشهرستاني أَن الارادة الْمَحْضَة الَّتِي لَيست بِمَعْنى الْمحبَّة لَا تعلق بِأَفْعَال الْغَيْر وَإِنَّمَا تعلق من كل مُرِيد بِأَفْعَال نَفسه وَأَن الارادة الَّتِي تعلق بِفعل الْغَيْر هِيَ الْمحبَّة لَكِن أهل الْكَلَام من الأشعرية والمعتزلة لَا يجيزونها على الله تَعَالَى وَأهل السّنة والمتكلمون مِنْهُم كَابْن تَيْمِية وَمن تَابعه يجيزونها مُجَرّدَة من نقائصها المختصة بالمخلوقين كَسَائِر الصِّفَات صِفَات الله تَعَالَى اتبَاعا مِنْهُم لنصوص الْكتاب وَالسّنة وَالسَّلَف وَقد تقدم طَرِيق أهل السّنة فِي هَذَا وَأَمْثَاله عِنْد الْكَلَام على الرَّحْمَن الرَّحِيم وَسَائِر الْأَسْمَاء الْحسنى وَإِن مُجَرّد الِاشْتِرَاك فِي لفظ مَعَ الِاخْتِلَاف فِي الْمَعْنى لَا يَقْتَضِي التشيبه وَقد تقدم كَلَام الْغَزالِيّ فِي ذَلِك الْمَنْقُول من المعصد الْأَسْنَى وَهُوَ كَلَام مجود وأجود مِنْهُ كَلَام ابْن تَيْمِية فِي ذَلِك وَمِثَال ذَلِك صفة الْوُجُود والحي فانهما يطلقان على الله تَعَالَى على صفة الْكَمَال الَّذِي لَا يسْتَلْزم صفة نقص وعَلى عباده على وُجُوه تَسْتَلْزِم جَوَاز الفناء وَالْمَوْت وَالْمَرَض وَاعْتِرَاض الْآفَات والعلل وَلم يسْتَلْزم ذَلِك تَشْبِيها وَكَذَلِكَ محبَّة الله تَعَالَى وَرَحمته وَسَائِر مَا ورد مَنْصُوصا فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَلَام سلف هَذِه الْأمة الصَّالح وشاع بَينهم وذاع وَكثر وَاسْتمرّ من غير تَأْوِيل وَلَا تحذير من اطلاقه بِغَيْر قرينَة الله سُبْحَانَهُ أعلم وَأما مَوضِع الِاحْتِيَاط فِي هَذِه المباحث فانه مُلَاحظَة إِثْبَات صِفَات الْكَمَال لله تَعَالَى وَنفي صِفَات النَّقْص بتبين وَفِي الْوَقْف حَيْثُ يخفى فَمن صِفَات الْكَمَال الْبَيِّنَة الْمَعْلُومَة من الدّين وَمن إِجْمَاع الْمُسلمين أَن الله على كل شَيْء قدير وَإِن مَا شَاءَ كَانَ وانه يهدي من يَشَاء وَأَن لَهُ الْحجَّة الدامغة وَالْحكمَة الْبَالِغَة وَمن صِفَات النَّقْص المنفية عَنهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم أَنه لَا يحب الْفساد وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَلَيْسَ بظلام للعبيد وَلَا يُرِيد ظلما للعباد وَلَا يُرِيد ظلما للْعَالمين كَمَا قَالَ فِي ذَلِك كُله وانه لم يخلق السَّمَوَات والارض بَاطِلا وَلَا لعبا وَلَا عَبَثا بل خلق ذَلِك وَغَيره بِالْحَقِّ

وللحق وَيَقْضِي الْحق وَلذَلِك تسمى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْحَقِّ وَكَانَ قَوْله الْحق وَحكمه الْحق فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْحق اسْما وَمعنى وَقَضَاء وقصصا وفعلا وقولا وخلقا وأمرا وعدلا وفصلا وَابْتِدَاء وانتهاء وَدُنْيا وآخرة كل ذَلِك حَقِيقَة لَا مجَازًا وَلَا تخبيلا وَلَا اسْتِعَارَة وَلَا مُبَالغَة وتفاصيل ذَلِك مَا لَا يُحْصِيه الحاسبون وَلَا يجمعه الكاتبون وَلَا يُحِيط بِهِ الراسخون وَلَا يبلغهُ العارفون ولايستقصيه الحامدون وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُبْحَانَكَ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك فَهَذَا كَلَام سيد ولد آدم وَالَّذِي تقدم للشفاعة حِين تَأَخّر من تقدم فَكيف أَيهَا الْعُقَلَاء يكون هَذَا كَلَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ إمامنا وقدوتنا ومعلمنا وَرَسُوله ثمَّ نتأول ممادح الرب الحميد الْمجِيد نَحن ونقول أَنَّهَا تَقْتَضِي بحقائقها الذَّم وَهُوَ الَّذِي لَا أحد أحب اليه الْمَدْح مِنْهُ وَلذَلِك مدح نَفسه فَاتَّقُوا الله وتأدبوا مَعَ كتب الله وَلَا تضربوا بَعْضهَا بِبَعْض وَلَا تبَادرُوا إِلَى الْقدح فِي ظواهرها والتحكم فِي تأويلاتها وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هادينا الْجَمِيع وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَهَذَا آخر الْكَلَام فِي مَسْأَلَة الارادة ومباحثها على حسب هَذَا الْمُخْتَصر وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَيتَعَلَّق بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة الْكَلَام فِي الْقَضَاء وَالْقدر وَأَنه لَا يدل على الْجَبْر بِالنَّصِّ والاجماع وَقد كثرت الاحاديث فِي وجوب الايمان بِهِ كَثْرَة توجب التَّوَاتُر فقد ذكرت مِنْهَا فِي العواصم أَكثر من سبعين حَدِيثا وَذكرت مَعَ ذَلِك نَحْو مائَة وَخمسين حَدِيثا فِي صِحَة ذَلِك مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذكر وجوب الايمان بِهِ وَذكرت مِمَّا ورد من كتاب الله تَعَالَى نَحْو مائَة آيَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلَّا امْرَأَته قدرناها من الغابرين﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى ﴿قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين﴾ وَقَوله تَعَالَى

﴿كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كَبِيرا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأهْلك إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل﴾ وَقَوله ﴿قضي الْأَمر الَّذِي فِيهِ تستفتيان﴾ وَقَوله فِي هود وَفِي السَّجْدَة ﴿لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا﴾ وَقَوله ﴿وَلَوْلَا أَن كتب الله عَلَيْهِم الْجلاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ويقللكم فِي أَعينهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو تواعدتم لاختلفتم فِي الميعاد وَلَكِن ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم﴾ وأمثال ذَلِك وَإِنَّمَا المهم من ذَلِك معرفَة معنى الْقَضَاء وَالْقدر وَأَن أحدا لم يقل أَن مَعْنَاهُمَا هُوَ الْجَبْر وسلب الِاخْتِيَار وَكَيف يكون كَذَلِك وَقد ثَبت تعلق الْقَضَاء وَالْقدر بِأَفْعَال الله تَعَالَى كَمَا قَالَ ﴿كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُخْتَار بِغَيْر شكّ وَلَا خلاف وَاعْلَم أَن أَكثر الاخبار وأقوال السّلف تدل على أَن الْقَضَاء يرجع إِلَى كِتَابَة مَا سبق فِي علم الله تَعَالَى وتيسير كل لما خلق لَهُ على مَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾ على مَا مضى تَفْصِيله فِي الْخلاف الْخَامِس من المبحث الثَّامِن فِي الارادة وَقد ذكر الطَّبَرِيّ أَن الْجَبْر هُوَ الاكراه على الشَّيْء كالمسحوب على وَجهه وَأَن أهل الْمعاصِي يأتونها برغبتهم اليها وهم مستلذون بهَا بل مِنْهُم من يُقَاتل من دَفعه عَنْهَا وَهَذَا نقيض الْجَبْر فِي اللُّغَة وَبطلَان الْجَبْر مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ على الصَّحِيح وَهُوَ قَول أبي الْحُسَيْن من الْمُعْتَزلَة وَأكْثر أهل السّنة وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم وَسَيَأْتِي فِي مَسْأَلَة الافعال بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله

تَعَالَى ثمَّ أَنه ورد النَّهْي عَن الْخَوْض فِي الْقدر وَفِي أَحَادِيث عرفت مِنْهَا عشرَة وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء مُتَّفق على صِحَّته وَلَا خرج البُخَارِيّ وَلَا مُسلم مِنْهَا شَيْئا لَكِن خرج أَحْمد بن حَنْبَل مِنْهَا حَدِيثا من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده وَهِي طَرِيق مُخْتَلف فِيهَا اخْتِلَافا كثيرا وَهُوَ يصلح مَعَ الشواهد وَخرج التِّرْمِذِيّ مِنْهَا حَدِيثا عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ غَرِيب وَفِي سَنَده صَالح الْمزي لَكِن خرج الْبَزَّار لَهُ اسنادين آخَرين قَالَ الهيثمي رجال أَحدهمَا رجال الصَّحِيح غير عمر بن أبي خَليفَة وَهُوَ ثِقَة وَإِن لم يكن من رجال الصَّحِيح وَخرج الطَّبَرَانِيّ فِي المعجمين الاوسط وَالْكَبِير وَالْحَاكِم حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا وَلَا نعلم لَهُ عِلّة قلت رَوَاهُ السُّبْكِيّ مَوْقُوفا وَلم يذكر رَفعه وَإِن سلم من الاعلال بذلك كَانَ أصلحها اسنادا وَمعنى ذَلِك إِذا صَحَّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى التحذير من مجاراة المبتدعة فِي الْقدر والمراء بِغَيْر علم على وَجه يُؤَدِّي إِلَى إثارة الشَّرّ وَالشَّكّ كَمَا هُوَ ظَاهر حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأخر الْكَلَام فِي الْقدر لشرار أمتِي فِي آخر الزَّمَان فَالَّذِي أخر هُوَ مَا ذكرته فَأَما الْخَوْض فِيهِ على جِهَة التَّعَلُّم والتعرف لما جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة ثمَّ الايمان بِهِ بعد مَعْرفَته على الْوَجْه الْمَشْرُوع فان هَذَا لم يُؤَخر لشرار الامة بل قد تَوَاتر أَن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخاضوا فِي مَعْرفَته وَفِي وجوب الايمان بِهِ فَلم يزجرهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك الْقدر وَلم يتْرك الْجَواب عَلَيْهِم بِالْقدرِ الْوَاجِب على بَيَان ذَلِك وَقد احْتج ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد على ذَلِك بمحاجة آدم ومُوسَى وَهُوَ من أثبت الاحاديث وَأَصَح مَا قيل فِي مَعْنَاهُ أَن لوم مُوسَى لآدَم كَانَ على الْخُرُوج من الْجنَّة واخراجه ذُريَّته مِنْهَا على جِهَة الأسف على فَوَات هَذِه النِّعْمَة وَتلك فِي الْحَقِيقَة مُصِيبَة من فعل الله قدرهَا بِسَبَب ذَنْب آدم عَلَيْهِ السَّلَام لحكمته فِي ذَلِك وَلما قد علمه وقضاه من خلَافَة آدم عَلَيْهِ السَّلَام فِي الأَرْض وَإِلَّا فذنب آدم عَلَيْهِ السَّلَام صَغِير لِأَنَّهُ نَبِي مَعْصُوم عَن الْكَبَائِر وَقد تَابَ أَيْضا والمذنب التائب لَا تجب عَلَيْهِ الْعقُوبَة بِالْخرُوجِ من دَاره وَلَا بِغَيْر ذَلِك فاحتج آدم بسبق الْقَضَاء فِي الْخُرُوج الْحسن لِأَنَّهُ من فعل الله تَعَالَى

وَلم يحْتَج بِهِ على حسن ذَنبه أبدا وَهُوَ الَّذِي قَالَ ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وَقد أجمع أهل الاسلام على أَن الْقدر يتعزى بِهِ أهل المصائب وَلَا يحْتَج بِهِ فِي المعائب فَهَذَا معنى الحَدِيث وَوَجهه وَقد بسط فِي مَوْضِعه وَحَدِيث الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة ضَعِيف عِنْد الْمُؤَيد بِاللَّه عَلَيْهِ السَّلَام وَعند الْمُحدثين وَقَول الْحَاكِم أَنه صَحِيح على شَرطهمَا إِن صَحَّ سَماع أبي حَازِم مَعَ ابْن عمر شَره فِي التَّصْحِيح فانه لم يَصح ذَلِك وَتَصْحِيح كل ضَعِيف على شُرُوطه مَعْدُوم وَإِن فسر الْقدر بِالْعلمِ وَنَحْوه فالمذموم من نَفَاهُ وَإِن فسر بالجبر والاكراه فالمذموم من أثْبته وَقد بسط هَذَا فِي مَوْضِعه

فصول الكتاب · 24 فصل · 418 صفحة
جارٍ التحميل