بيان المحجة في الرد على اللجة (مطبوع ضمن الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الرابع، القسم الأول)صفحات 224-263
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بسم الله الرحمن الر حيم قال شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله لهم الأجر والثواب، وأدخلهم الجنة بغير حساب ولا عذاب: اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ 1.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي قال الله تعالى خطابا له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ 2.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأصحابه، من أذهب الله عنهم الرجس، وطهَّرهم تطهيرا.
أما بعد: فإني وقفت على جواب للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، وقد سئل عن أبيات من البردة، وما فيها من الغلو والشرك العظيم المضاهي لشرك النصارى ونحوهم ممن صرف خصائص الربوبية والإلهية لغير الله تعالى، كما هو صريح الأبيات المذكورة في البردة، لا يخفى على مَنْ عرف دين الإسلام أنه الشرك الأكبر الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بالنهي عنه، وبيَّن أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، وأن الجنة عليه حرام.

وذكر الشيخ -رحمه الله- في جوابه: أن الأبيات المذكورة تضمَّنت الشرك، وصرف خصائص الربوبية والإلهية لغير الله، فاعترض عليه جاهل ضالٌّ فقال مبرئا لصاحب الأبيات من ذلك الشرك بقوله: حماه الله من ذلك، ويكفيه في نفي هذه الشناعة قوله أول المنظومة: دع ما ادعته النصارى في نبيهم البيت المطابق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" 1.
(الجواب) : أن هذه التبرئة إنما نشأت عن الجهل وفساد التصور، فلو عرف الناظم وهذا المعترض ومن سلك سبيلهما حق الله على عباده، وما اختصَّ به من ربوبيته وإلهيته، وعرفوا معنى كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لَمَا قالوا ما قالوا هم وأمثالهم ممن جهل التوحيد، كما قال تعالى في حق من هذا وصفه: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ 2.
فالجهل بما بعث الله به رسله قد عمَّ كثيرا من هذه الأمة، وظهر فيها ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه.
قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " 3 ونحو هذا من الأحاديث.
وقوله: ويكفيه في نفي هذه الشناعة قوله أول المنظومة:..........البيت دع ما ادعته النصارى في نبيهم (الجواب) : أن هذا يزيده شناعة ومقتا؛ لأن هذا تناقض منه بيِّن، وبرهان على أنه لا يعلم ما يقول، فلقد وقع فيما وقعت فيه النصارى من الغلو العظيم الذي نهى الله عنه ورسوله، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله، أو فعل ما يوصل إليه بقوله: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
يحذر ما صنعوا"4 وقال:

"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"1، وقوله لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت.
قال: "أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده"2 وقال: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل".
فلقد حذر أمته صلى الله عليه وسلم وأنذرهم عن الشرك ووسائله، وما دقَّ منه وجلَّ، ودعا الناس إلى التوحيد ونهاهم عن الشرك، وجاهدهم على ذلك، حتى أزال الله به الشرك والأوثان من جميع الجزيرة وما حولها من نواحي الشام واليمن وغير ذلك.
وقد بعث السرايا في هدم الأوثان وإزالتها، كما هو مذكور في كتب الحديث والتفسير والسير، كما في حديث أبي الهياج الأسدي الذي في الصحيح، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته"3.
وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح لهدم (مناة) وبعث خالد بن الوليد يومئذ لهدم بيت العزى، وقطع السمرات التي كانت تعبدها قريش وهذيل، وبعث المغيرة بن شعبة لهدم اللات فهدمها، وأزال عن جزيرة العرب وما حولها جميع الأصنام والأوثان التي كانت تعبد من دون الله.
والصحابة -رضي الله عنهم- تعاهدوا هذا الأمر واعتنو بإزالته أعظم الاعتناء بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما يقع في أمته من الاختلاف، كما في حديث العرباض بن سارية قال: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا" 4 الحديث، فوقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وعظم الاختلاف في أصل الدين بعد القرون المفضلة كما هو معلوم عند العلماء، ولو أخذنا نذكر ذلك أو بعضه لخرج بنا عن المقصود من الاختصار.
هدم الإسلام للشرك ثم عودته إلى المسلمين وفشوه فيهم فانظر إلى ما وقع اليوم من البناء على القبور والمشاهد وعبادتها، فلقد عمَّت هذه البلية كثيرا من البلاد، ووقع ما وقع من الشرك وسوء الاعتقاد في أناس

ينسبون إلى العلم، قال سليمان التيمي: " لو أخذت بزلة كل عالم لاجتمع فيك الشرك كله".
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقوله المطابق لقول النبي: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" 1.
(أقول) : لا ريب أن المطابقة وقعت منه ولا بد، لكنها في المنهي عنه لا في النهي، فالذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من الإطراء طابقته الأبيات من قوله: سواك.......إلى آخرها يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به فقد تضمَّنت غاية الإطراء والغلو الذي وقعت فيه النصارى وأمثالهم، فإنه قصر خصائص الإلهية والربوبية التي قصرها الله على نفسه، وقصرها عليه رسوله صلى الله عليه وسلم فصرفها لغير الله؛ فإن الدعاء مخ العبادة، واللياذ من أنواع العبادة.
أبيات البردة فيها الاستعانة والاستغاثة بغير الله وقد جمع في أبياته الاستعانة والاستغاثة بغير الله، والالتجاء والرغبة إلى غير الله، فإن غاية ما يقع من المستغيث والمستعين والراغب إنما هو الدعاء واللياذ بالقلب واللسان.
وهذه هي أنواع العبادة، ذكرها الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه وشكرها لمن قصرها على الله، ووعده على ذلك الإجابة والإثابة، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 2.
وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ 3 الآية، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَدا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ 4 الآيات.
فهذا هو الدين الذي بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يقول لهم: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ 5، فقصر الدعاء على ربه الذي هو توحيد الإلهية، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَدا﴾ 6 إلى آخر الآيات، وهذا هو توحيد الربوبية، فوحَّد الله في إلهيته وربوبيته، وبيَّن للأمة ذلك كما أمر الله تعالى.

وقال تعالى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ 1 أمره بقصر الرغبة على ربه تعالى، وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ 2 ونهى عن الاستعاذة بغيره بقوله تعالى عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ 3.
واحتجَّ الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وغيره على القائلين بخلق القرآن بحديث خولة بنت حكيم مرفوعا: "من نزل مَنْزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات"4 الحديث، على أن القرآن غير مخلوق، إذ لو كان مخلوقا لَمَا جاز أن يستعاذ بمخلوق؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وأمثال ذلك في القرآن والحديث كثير يظهر بالتدبر.
عبادة النصارى وتأليههم للمسيح وأما قول المعترض: إن النصارى يقولون: إن المسيح ابن الله.
نعم قاله طائفة منهم، وطائفة قالوا: هو الله، والطائفة الثالثة قالوا: هو ثالث ثلاثة، وبهذه الطرق الثلاث عبدوا المسيح -عليه السلام-، فأنكر الله عليهم تلك الأقوال في المسيح، وأنكر عليهم ما فعلوه من الشرك كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ 5.
فأنكر عليهم عبادتهم للمسيح والأحبار والرهبان: أما المسيح فعبادتهم له بالتألُّه وصرف خصائص الإلهية له من دون الله كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ 6، فأخبر أن الإلهية وهي العبادة حق لله لا يشركه فيها أولو العزم ولا غيرهم، يبين ذلك قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ 7.
اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا وأما عبادتهم للأحبار والرهبان فإنهم أطاعوهم في تحليل ما أحلوه لهم من الحرام، وتحريم ما حرموه من الحلال عليهم.

ولما قدم عدي بن حاتم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراره إلى الشام- وكان قبل مقدمه على النبي صلى الله عليه وسلم نصرانيا- فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مسلما، تلا عليه هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ 1 قال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليسوا يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى.
قال: فتلك عبادتهم".
ففيه بيان أن من أشرك مع الله غيره في عبادته، أو أطاع غير الله في معصيته فقد اتخذه ربا ومعبودا، وهذا بيِّن بحمد الله.
نبذ الشرك وعبادة الله وحده فلو تأمل هذا الجاهل قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ 2، لعلم أن الله قد أنكر على النصارى قولهم وفعلهم، وعلى كل من عبد مع الله غيره بأي نوع من أنواع العبادة، لكن هذا وأمثاله كرهوا التوحيد، وألفوا الشرك وأحبوه وأحبوا أهله، فترامى بهم هذا الداء العضال إلى ما ترى من التخليط والضلال والاستغناء بالجهل ووساوس الشيطان، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ولا شفاء لهذا الداء العظيم إلا بالتجرد عن الهوى والعصبية والإقبال على تدبر الآيات المحكمات في بيان التوحيد الذي بعث الله به المرسلين.
كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ 3، ومثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ 4.
أمره تعالى أن يدعو أهل الكتاب إلى أن يخلصوا العبادة لله وحده، ولا يشركوا فيها أحدا من خلقه، فإنهم كانوا يعبدون أنبياءهم كالمسيح ابن مريم ويعبدون أحبارهم ورهبانهم.
وتأمَّل قوله: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ 5، وهذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم إلى جميع من أرسل إليه كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ

اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ 1.
وقوله: ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ 2 يعم كل شرك دقَّ أو جلَّ، كثر أو قل.
دعوة جميع الرسل إلى عبادة الله وحده قال العماد ابن كثير في تفسيره: "هذا الخطاب مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم، وقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ 3 أي: عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ 4 لا وثنا ولا صنما ولا صليبا ولا طاغوتا ولا نارا ولا شيئا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له".
(قلت) : وهذا هو معنى لا إله إلا الله، ثم قال: "وهذه دعوة جميع الرسل قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ 5، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ 6 ". انتهى المقصود منه.
وقال -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ 7 الآية.
قال محمدبن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "قال أبو رافع القرظي-حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام-: أتريد يا محمد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران يقال له الرئيس: أَوَذَاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني" أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
فأنزل الله عز وجل في ذلك ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ 8 إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 9 قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ 10 أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس:

اعبدوني من دون الله، أي: مع الله، وإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل فَلأَنْ لا يصلح لأحد من الناس بطريق الأولى والأحرى.
ولهذا قال الحسن البصري: "لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا"، يعني: أهل الكتاب، وقوله: ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ 1 أي: لا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 2 أي: لا يفعل ذلك؛ لأن من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ 3.
وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ 4.
وقال في حق الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ 5 انتهى.
وهو في غاية الوضوح.
وبيان التوحيد، وخصائص الربوبية والإلهية، ونظائر هذه الآيات كثير في القرآن، وفي السنة من الأحاديث كذلك.
إخلاص الدعاء لغير الله فإذا كان من المستحيل عقلا وشرعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وجميع الأنبياء والمرسلين أن يأمروا أحدا بعبادتهم، فكيف جاز في عقول هؤلاء الجهلة أن يقبلوا قول صاحب البردة: سواك عند حلول الحادث العمم يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به وقد أخلص الدعاء الذي هو مخ العبادة، واللياذ الذي هو من أنواع العبادة لغير الله، وتضمَّن إخلاص الرغبة والاستكانة والاستغاثة والالتجاء إلى غير الله؟ وهذه هي معظم أنواع العبادة كما أشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ 6 الآية.
وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي

اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ 1 إلى قوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ 2.
وعن أنس مرفوعا: "الدعاء مخ العبادة"3 رواه الترمذي.
تفسير قوله " ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ " وقوله: فضلا وإلا فقل يا زلة القدم إن لم تكن في معادي آخذا بيدي المنافي لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ 4.
وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ 5.
وقوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ 6 الآية، وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة وأحب الناس إليه: "يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا"7.
فتأمَّل ما بين هذا وبين قول الناظم من التضاد والتباين، ثم المصادمة منه لما ذكره الله –تعالى- وذكره رسوله صلى الله عليه وسلم كقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ 8.
وتأمل ما ذكره العلماء في سبب نزول هذه الآية، وأمثال هذه الآية كثير لم يُنْسَخ حكمها ولم يُغَيَّر، ومَنْ ادَّعى ذلك فقد افترى على الله كذبا، وأضل الناس بغير علم كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ 9.
وبهذا يعلم أن الناظم قد زلَّت قدمه، اللهم إلا أن يكون قد تاب قبل الوفاة، والله أعلم.
لا شريك لله في ملكه كما لا شريك له في إلهيته وربوبيته وأما قوله:........................... فإن من جودك الدنيا وضرتها فمن المعلوم أن الجواد لا يجود إلا بما يملكه، فمقتضى ذلك: الدنيا والآخرة ليست لله بل لغيره، وأن أهل الجنة من الأولين والآخرين لم يدخلهم الجنة الرب الذي خلقهم وخلقها لهم، بل أدخلهموها غيره ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ

عَمَّا يَصِفُونَ﴾ 1.
وفي الحديث الصحيح: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" 2.
وقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ 3 وقوله -تبارك وتعالى-: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 4، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ 5، وقوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ 6.
فلا شريك لله في ملكه كما لا شريك له في إلهيته وربوبيته، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
إحاطة العلم بالمعلومات كلياتها وجزئياتها وقوله: ومن علومك علم اللوح والقلم.................. وهذا أيضا كالذي قبله، لا يجوز أن يقال إلا في حق الله تعالى الذي أحاط علمه بكل شيء كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ 7.
وقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ 8.
وقوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ 9.
وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ 10.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ 11 والآيات في هذا المعنى كثيرة تفوت الحصر.
وكل هذه الأمور من خصائص الربوبية والإلهية التي بعث الله رسله، وأنزل كتبه لبيانها واختصاصها بالله -سبحانه وتعالى- دون كل من سواه، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ 12، كقوله في آية الكرسي: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ 13 الآية، فقد أطلع الله مَنْ شاء من أنبيائه ورسله على ما شاء من الغيب بوحيه إليهم.
فمن ذلك ما جرى من الأمم السالفة، وما جرى عليهم كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ 14، وكذلك

ما تضمَّنه الكتاب والسنة من أخبار المعاد والجنة والنار ونحو ذلك، أطلع الله عليه رسوله، والمؤمنون عرفوه من كتاب الله وسنة رسوله، وآمنوا به.
وأما إحاطة العلم بالمعلومات كلياتها وجزئياتها، وما كان منها وما لم يكن، فذاك إلى الله وحده لا يُضاف إلى غيره من خلقه، فمن ادَّعى ذلك لغير الله فقد أعظم الفرية على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
فما أجرأ هذا القائل على الله في سلب حقه! وما أعداه لرسوله صلى الله عليه وسلم ولمن تولاه من المؤمنين والموحدين! قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه " إنما تنقض عُرَى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام مَنْ لا يعرف الجاهلية"؛ وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقرَّه، ودعا إليه وصوَّبه وحسَّنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه، فتنتقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويُكَفَّر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويُبَدَّعُ بتجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا، والله المستعان".
انتهى.
الموافقة في الاسم لا تنفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة (قلت) : وقد رأينا ذلك –والله- عيانا من هؤلاء الجهلة الذين ابتلينا بهم في هذه الأزمنة، أشربت قلوبهم الشرك والبدع، واستحسنوا ذلك، وأنكروا التوحيد والسنة، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فضلوا وأضلوا.
وأما قول الناظم:...........البيت فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدا فهذا من جهله، إذ من المعلوم عند كل من له أدنى مسكة من عقل أن الموافقة في الاسم لا تنفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة، فأولياء الرسول صلى الله عليه وسلم أتباعه

على دينه، والعمل بسنته، كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ﴾ 1 إلى قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ 2.
موت أبي طالب على الشرك وتأمَّل قصة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان يحوطه ويحميه وينصره، ويجمع القبائل على نصرته صلى الله عليه وسلم وحمايته من أعدائه، وقد قال في حق النبي صلى الله عليه وسلم لقد علموا أن ابننا لا مكذب... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل حدبت بنفسي دونه وحميته... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل ولما لم يتبرأ من دين أبيه عبد المطلب، ومات على ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنه" 3 أنزل الله –سبحانه-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ 4.
لا وسيلة للعبد إلى نيل شفاعة النبي – صلّى الله عليه وسلّم - إلا بالإيمان به وبما جاء به من توحيد الله فلا وسيلة للعبد إلى نيل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالإيمان به، وبما جاء به من توحيد الله، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، ومحبته واتباعه وتعظيم أمره ونهيه، والدعوة إلى ما بعث به من دين الله، والنهي عما نهى عنه من الشرك بالله والبدع، وما لا فلا.
فعكس الملحدون الأمر، وطلبوا الشفاعة التي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالنهي عنها وإنكارها، وقتال أهلها بالشرك، وإحلال دمائهم وأموالهم، وأضافوا إلى ذلك إنكار التوحيد، وعداوة من قام به، واقتفى أثر النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم في كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- من قوله: ويكفّر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد إلى آخر كلامه.
وأما قول الناظم:

.............. البيت ولن يضيق رسول الله جاهك بي فهذا هو الذي ذكر الله عن المشركين، من اتخاذهم الشفعاء ليشفعوا لهم، ويقربوهم إلى الله زلفى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ 1.
فهذا هو دين الله الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، ثم ذكر بعد ذلك دين المشركين فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ 2.
فتأمَّل كون الله تعالى كفَّرهم بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ 3 وقال في آخر هذه السورة: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ 4 الآية.
(قلت) : وقد وقع من هؤلاء من اتخاذهم شفعاء بدعائهم، وطلبهم ورغبتهم، والالتجاء إليهم، وهم أموات غافلون عنهم لا يقدرون، ولا يسمعون لما طلبوا منهم وأرادوه، وقد أخبر تعالى أن الشفاعة ملكه لا ينالها من أشرك به غيره، وهو الذي له ملك السماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ 5 فعاملهم الله بنقيض قصدهم من جميع الوجوه، وسجَّل عليهم بالضلال، ولهذه الآية نظائر كثيرة كقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ 6.
فبيَّن أن دعوتهم غير الله شرك بالله، وأن المدعو من غيره لا يملك شيئا، وأنه

لا يسمع دعاء الداعي، ولا يستجيب له، وأن المدعو ينكر ذلك الشرك ويتبرَّأ منه، ومن صاحبه يوم القيامة.
فمن تأمَّل هذه الآيات، انزاحت عنه بتوفيق الله وفتحه جميع الشبهات، ومما يشبه هذه الآية -في حرمان من أنزل حوائجه بغير الله، واتخذه شفيعا من دون الله بتوجيه قلبه وقالبه إليه، واعتماده في حصول الشفاعة عليه، كما قد تضمنه بيت الناظم- قول الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ 1.
الشفاعة الشركية والشفاعة الشرعية بقيديها فانظر كيف حرمهم الله الشفاعة لما طلبوها من غيره، وأخبر أن حصولها مستحيل في حقهم بطلبها في دار العمل من غيره، وهذه هي الشفاعة التي نفاها القرآن كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ 2.
وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ 3.
فهذه الشفاعة المنفية هي التي فيها شرك، وأما الشفاعة التي أثبتها القرآن فإنما ثبتت بقيدين عظيمين: إذن الرب تعالى للشفيع، ورضاه عن المشفوع له، وهو لا يرضى من الأديان الستة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ 4 الآية، إلا الإيمان الذي أصله وأساسه التوحيد والإخلاص، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ 5، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ 6، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ 7، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ 8 إلى قوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ 9.

وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر شفاعته قال: "وهي نائلة من شاء الله ممن مات لا يشرك بالله شيئا".
وقال له أبو هريرة رضي الله عنه: "من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" 1.
قال شيخ الإسلام في هذا الحديث: "فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله".
وقد كشفنا -بحمد الله- بهذه الآيات المحكمات تلبيس هذا المعترض الملبس ولجاجه وافتراءه على الله ورسوله، فإن دعوة غير الله ضلال وشرك ينافي التوحيد، وإن اتخاذ الشفعاء إنما هو بدعائهم، والالتجاء إليهم، وسؤالهم أن يشفعوا للداعي، وقد نهى الله عن ذلك، وبيَّن أن الشفاعة له، فإذا كانت له وحده فلا تُطْلَب إلا ممن هي ملكه، فيقول: اللهم شفِّع نبيك في؛ لأنه تعالى هو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيمن يرضى دينه، وهو الإخلاص كما تقدم بيانه.
وأما قول المعترض: إن المعتزلة احتجُّوا بالآيات التي فيها نفي الشفاعة على أنها لا تقع لأهل الكبائر من الموحدين.
فأقول: لا ريب أن قولهم هذا بدعة وضلالة، وأنت أيها المجادل في آيات الله بغير سلطان مع المعتزلة في طرفي نقيض، تقول: إن الشفاعة تثبت لمن طلبها وسألها من الشفيع، فجعلت طلبها منه موجبا لحصولها، والقرآن قد نفى ذلك وأبطله في مواضع كثيرة -بحمد الله-، والحق أنها لا تقع إلا لمن طلبها من الله وحده، ورغب إليه فيها، وأخلص له العبادة بجميع أنواعها.
وهذا هو الذي تقع له الشفاعة قبل دخول النار أو بعده إن دخلها بذنوبه، فهذا هو الذي يأذن الله للشفعاء أن يشفعوا له بما معه من الإخلاص كما صرحت بذلك الأحاديث، والله أعلم.
وقد قدمنا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة أن ما في القرآن من ذكر الشفاعة نفيا

وإثباتا فحق لا اختلاف فيه بين أهل الحق، فالشفاعة المنفية إنما هي في حق المشرك الذي اتخذ له شفيعا يطلب الشفاعة منه؛ فيرغب إليه في حصولها، كما في البيت المتقدم، وهو كفر كما صرَّح به القرآن.
حديث الشفاعة العظمى وأما الشفاعة التي أثبتها الكتاب والسنة فقد ثبتت للمذنبين الموحدين المخلصين، وهذا هو الذي تظاهرت عليه النصوص واعتقده أهل السنة والجماعة، ودانوا به.
والحديث الذي أشار إليه المعترض من قوله: "أنا لها، أنا لها" 1 لا ينافي ما تقرر، وذلك أن الناس في موقف القيامة إذا فزعوا إلى الرسل ليشفعوا لهم إلى الله في إراحتهم من كرب ذلك المقام بالحساب، وكلٌّ ذكر عذره، قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "فيأتوني فَأَخِرُّ بين يدي الله ساجدا -أو كما قال- فأحمده بمحامد يفتحها علي، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تُشَفَّع، قال: فَيُحَدُّ لي حدا، فأدخلهم الجنة".
فتأمَّل كون هذه الشفاعة لم تقع إلا بعد السجود لله ودعائه وحمده والثناء عليه، وقوله: "فيحد لي حدا" فيه بيان أن الله هو الذي يحد له.
[سؤال الحي الحاضر والتوسل إلى الله بدعائه] وهذا الذي يقع من الناس يوم القيامة مع الرسل هو من باب سؤال الحي الحاضر، والتوسل إلى الله بدعائه كما كان الصحابة -رضي الله عنهم- يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته أن يدعو لهم إذا نابهم شيء كما في حديث الاستسقاء وغيره.
ولما توفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يفعلون عند قبره شيئا من ذلك البتة، ففرَّق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، - وهم أعلم الأمة وأفضلها- بين حالتي الحياة والممات.
وكانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد والخروج منه، وفي الصلاة والخطب وعند ذكره امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني أينما كنتم" 2.
التوسل بالنبي – صلّى الله عليه وسلّم - بعد وفاته لا يجوز ولما أراد عمر رضي الله عنه أن يستسقي بالناس، أخرج معه العباس بن

عبد المطلب رضي الله عنه فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا؛ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"، فيدعو.
فلو جاز أن يتوسل عمر والصحابة بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، لما صلح منهم أن يعدلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمه العباس، فلما عدلوا عنه إلى العباس علم أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته لا يجوز في دينهم، وصار هذا إجماعا منهم.
لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-:" وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك، فقال أبو الحسن القدوري -في شرح كتاب الكرخي- قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت الحرام.
قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله فتكره في قولهم؛ لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه.
وقال ابن بلدمي -في شرح المختار-: ويكره أن يدعو الله إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك؛ لأنه لا حق للمخلوق على خالقه، وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه: أكره كذا، هو عند محمد حرام، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب 1.
فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه وأنجع لقضاء حاجته، نقله درجة أخرى إلى أن يتخذ قبره وثنا يعكف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبده بالسجود له والطواف، وتقبيله

واستلامه والحج إليه والذبح عنده، ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس لعبادته، واتخاذه عيدا ومنسكا، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم.
مراتب البدع عند القبور قال شيخنا -قدَّس الله روحه-: "وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب، أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس".
قال: "وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظمه، ويتمثَّل لهم الشيطان أحيانا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، ثم ذكر المرتبة الثانية وهي أن يسأل الله به".
قال: وهو بدعة باتفاق المسلمين.
(والثالثة) : أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان كثير من الناس يفعل ذلك.
انتهى.
ففرض على كل أحد أن يعلم ما أمر الله ورسوله به، من إخلاص العبادة لله وحده، فإنه الدين الذي بعثه الله به، وأن يترك ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم من الشرك فما دونه كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ 1 الآية، وأن لا يدين الله تعالى إلا بما دلَّ الدليل على أنه من دين الله، ولا يكون إمعة يطير مع كل ريح.
فإن الناس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم والأمم قبلها قد تنازعوا في ربهم وأسمائه وصفاته، وما يجب له على عباده، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ 2.
فيا سعادة من تجرَّد عن العصبية والهوى، والتجأ إلى حصن الكتاب والسنة، فإن العلم معرفة الهدى بدليله، وما ليس كذلك فجهل وضلال.
النبي ينهى أمته عن كل ما يؤول بهم إلى الغلو وأما قول المعترض: فانظر إلى (الشفاء) تجده حكى كفر مَنْ قال مثل هذه الكلمة

أي: الكلمة التي ذكرها المجيب في معنى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ 1 الآيات، ذكر عبارة النسفي في معناها، وهي قوله: "هو إظهار للعبودية وبراءة عما يختص بالربوبية من علم الغيب، أي: أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر" إلى آخر كلامه.
إذ من عادة هذا المعترض الجاهل رد الحق والمكابرة في دفعه والغلو المتناهي، وإلا فمن المعلوم عند من له معرفة بدين الإسلام أن المجيب إنما أتى في جوابه بتحقيق التوحيد، ونفي الشرك بالله، وذلك تعظيم لجانب الرسالة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أمته عن كل ما يؤول بهم إلى الغلو، ولما قيل له صلى الله عليه وسلم أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا.
قال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منْزلتي التي أنزلني الله تعالى" 2.
والنبي صلى الله عليه وسلم هو أحق الخلق بالتواضع لله وحده –سبحانه-، وفي الحديث: " فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلي ضيعة وعورة، وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك" 3 الحديث، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة يخبر بذلك عن نفسه، ويعترف بذلك لربه، وهو الصادق المصدوق.
فإذا قال المسلم: مثل هذا في حقه صلى الله عليه وسلم وأخبر عنه بما أخبر به عن نفسه لم يكن منتقصا له، بل هذا من تصديقه والإيمان به.
توحيد الرب ونفي خصائصه عما سواه قال شيخ الإسلام -رحمة الله تعالى-: إذا كان الكلام في سياق توحيد الرب ونفي خصائصه عما سواه لم يجز أن يقال: هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة، فإن المقام أجلُّ من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس تقريرا لما يقال على هذا الوجه، وإن كان نفسه المسلوب، كما في الصحيحين في حديث الإفك لما نزلت براءة عائشة من السماء، وأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قالت لها أمها: "قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده ولا إياكما، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي" 4.

فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم وأبوها على هذا الكلام الذي نفت فيه أن يُحْمَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية: "بحمد الله لا بحمدك"، ولم يقل أحد هذا سوء أدب عليه صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البيهقي بسنده إلى محمد بن مسلم: سمعت حبان صاحب ابن المبارك يقول: قلت لعبد الله بن المبارك: قول عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: "بحمد الله لا بحمدك" إني لأستعظم هذا! فقال عبد الله:" ولت الحمد أهله".
وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن الأسود بن سريع: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بأسير فقال: اللهم أني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله" 1.
الشرك بالله هضم للربوبية وتنقُّص للإلهية وهذا المعترض وأمثاله ادَّعوا تعظيم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قد نهى عنه من الغلو والإطراء، وهضموا ربوبية الله، وتنقَّصوا إلهيته، وأتوا بزخارف شيطانية، وحاولوا أن يكون حق الله تعالى من العبادة التي خلق لها عباده نُهْبَى بين الأحياء والأموات: هذا يصرفه لنبي، وهذا لملك، وهذا لصالح، أو غير هؤلاء ممن اتخذوهم أندادا لله، وعبدوا الشياطين بما أمروهم به من ذلك الشرك بالله، فإن عبادتهم للملائكة والأنبياء والصالحين إنما تقع في الحقيقة على مَنْ زيَّنها لهم من الشياطين، وأمرهم بها كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ 2.
ونحو هذه الآية كثير في القرآن.
ولما ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- ما وقع في زمانه من الشرك بالله قال: "وهذا هضم للربوبية، وتنقُّص للإلهية، وسوء ظن برب العالمين، وذكر أنهم إنما ساووهم بالله في العبادة كما قال تعالى عنهم وهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 3.
الله يستدرج أهل الشرك بأمور تقع لهم يظنونها كرامات عقوبة لهم وأما ما ذكره عن خالد الأزهري، فخالد وما خالد؟ أغرك منه كونه شرح

التوضيح والآجرومية في النحو؟! وهذا لا يمنع كونه جاهلا في التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم كما جهله من هو أعلم منه، وأقدم منه ممن لهم تصانيف في المعقول كالفخر الرازي وأبي معشر البلخي ونحوهما ممن غلط في التوحيد.
وقد كان خالد هذا يشاهد أهل مصر يعبدون البدوي وغيره فما أنكر ذلك في شيء من كتبه، ولا نقل عنه أحد إنكاره، فلو صحَّ ما ذكره خالد من حال الناظم لم يكن جسرا تذاد عنه النصوص من الآيات المحكمات القواطع، والأحاديث الواضحات البينات كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ 1 وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ 2، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات وهو يدعو لله ندا، دخل النار" 3.
وقد يستدرج الله أهل الشرك بأمور تقع لهم يظنونها كرامات عقوبة لهم، وكثير منها أحوال شيطانية أعانوا بها أولياءهم من الإنس كما قد يقع كثيرا لعباد الأصنام، وما أحسن ما قال بعضهم: تخالف الناس فيما قد رأوا ورووا... وكلهم يدعون الفوز بالظفر فخذ بقول يكون النص ينصره... إما عن الله أو عن سيد البشر وقد حاول هذا الجاهل المعترض صرف أبيات البردة عما هو صريح فيها نص فيما دلَّت عليه من الشرك في الربوبية والإلهية ومشاركة الله في علمه وملكه، وهي لا تحتمل أن تصرف عما هي فيه من ذلك الشرك والغلو، فما ظفر هذا المعترض من ذلك بطائل، غير أنه وسم نفسه بالجهل والضلال والزور والمحال، ولو سكت لسلم من الانتصار لهذا الشرك العظيم الذي وقع فيه.
حكمة الرب في خلق السماوات والأرض وأما قول المعترض: ورد في الحديث: "لولا حبيبي محمد ما خلقت سمائي ولا أرضي ولا جنتي ولا ناري" فهذا من الموضوعات لا أصل له، ومَنْ ادَّعى خلاف ذلك فليذكر من رواه من أهل الكتب المعتمدة في الحديث، وأنى له ذلك؟ بل هو

من أكاذيب الغلاة الوضاعين، وقد بيَّن الله تعالى حكمته في خلق السماوات والأرض في كثير من سورة القرآن كما في الآية التي تأتي بعد، وهي قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ 1، ولها نظائرها تبين حكمة الرب في خلق السماوات والأرض.
وقوله: وكيف ينكر تصرفه في إعطاء أحد بإذن الله من الدنيا في حياته، أو في الآخرة بعد وفاته؟ التصرف في الكون لله وحده (أقول) : هذا كلام من اجترأ وافترى وأساء الأدب مع الله، وكذب على رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يعرف حقيقة الشفاعة، ولا عرف تفرُّد الله بالملك يوم القيامة.
وهل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه أو من بعدهم من أئمة الإسلام: إن أحدا يتصرَّف يوم القيامة مع الله في ملكه؟ ولو أطلقت هذه العبارة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم لادَّعاها كلٌّ لمعبوده من نبي أو ملك أو صالح أنه يشفع له إذا دعاه.
﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ 2، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ 3 الآية، وقال: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ 4.
وهذا القول الذي قاله هذا الجاهل قد شافهنا به جاهل مثله بمصر، يقول: الذي يتصرف في الكون سبعة: البدوي والإمام الشافعي والشيخ الدسوقي، حتى أكمل السبعة من الأموات، هذا يقول: هذا وليُّ له شفاعة، وهذا صالح كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاق يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ 5 إلى قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ 6.
وأي ظلم أعظم من الشرك بالله، ودعوى الشريك له في الملك والتصرف؟ وهذا غاية الظلم.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ

فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ﴾ 1.
نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب.
فالشفاعة التي يظنها المشركون منتفية كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال له: "ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع" 2.
وقال له أبو هريرة رضي الله عنه: "من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" 3، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضَّل على أهل الإخلاص؛ فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك؛ ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل الإخلاص والتوحيد.
انتهى.
نفي الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في مدارج السالكين: "وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها، فقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ﴾ 4.
فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده، فنفى –سبحانه- المراتب الأربع نفيا مرتبا منتقلا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه.
فكفى بهذه الآية نورا

وبرهانا وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل، ولم يعقبوا وارثا، فهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن.
ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك"، إلى أن قال:"ومن أنواعه –أي الشرك-: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن أن يملك لمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد.
فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنْزلة مَنْ استعان في حاجته بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد ونسبة أهله إلى النقص بالأموات، وهم قد تنقَّصوا الخالق بالشرك به، وأولياءه الموحدين له بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقَّصوا مَنْ أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم يوالونهم عليه.
وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم! قال: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرَّد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده، فجرَّد حبه لله، وخوفه لله، ورجاءه لله، وذله لله، وتوكله على الله، واستعانته بالله، والتجاءه إلى الله، وأخلص قصده لله متبعا لأمره متطلبا لمرضاته.
إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله وبالله ومع الله".
انتهى.
فرحم الله هذا الإمام وشيخه فلقد بينا حقيقة الشرك وطرقه وما يبطله.

وفي حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" 1 ولم يقل: فاسألني أو استعن بي.
فقصر السؤال والاستعانة على الله الذي لا يستحقه سواه، كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ 2.
فمن صرف ذلك لغير الله فقد عصى الله ورسوله، وأشرك بالله.
وللمعترض كلام ركيك لا حاجة لنا إلى ذكر ما فيه، وإنما نتتبع من كلامه ما يحتاج إلى رده وإبطاله كجنس ما تقدم.
طلب الشفاعة ممن لا يملكها كالأموات شرك بالله واعلم أنه قال- لما ذكر قول المجيب-: إنه لا يجتمع الإيمان بالآيات المحكمات، وتلك الأبيات لما بينهما من التنافي والتضاد.
قال المعترض أقول: يجتمعان بأن يفرد الله بالعبادة، ولا يقدح فيه تشفُّعُه بأحبابه إليه، وكيف يحكم عليه بالضلال بمجرد طلبه الشفاعة ممن هو أهل لها كما في الحديث: "أنا لها، أنا لها" 3، ومعلوم أن الضلال ضد الحق؟ (فالجواب) : لا يخفى ما في كلامه من التخليط والتلبيس والعصبية المشوبة بالجهل المركب، لا يدري ولا يدري أنه لا يدري.
وقد بينا فيها تقدم أن دعوة غير الله ضلال، وأن اتخاذ الشفعاء الذي أنكره الله تعالى إنما هو بدعائهم والالتجاء إليهم والرغبة إليهم فيما أراده الراغب منهم من الشفاعة التي لا يقدر عليها إلا الله، وذلك ينافي الإسلام والإيمان بلا ريب؛ فإن طلبها من الأموات والغائبين طلب لما لا يقدر عليه إلا الله، وهو خلاف لما أمر الله به تعالى، وارتكاب لما نهى عنه كما تقدم بيانه في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ 4 الآية، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ 5 الآية، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ 6.
فطلب الشفاعة من النبي

صلى الله عليه وسلم أو غيره بعد وفاته وبعده عن الداعي، لا يحبه الله تعالى ولا يرضاه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو التوسل الذي ذكره العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- وشيخه -رحمه الله تعالى- وصرَّحا بأنه شرك، وللعلامة من أبيات في المعنى، وهي قوله: والشرك فهو توسل مقصوده الز... لفى من الرب العظيم الشان بعبادة المخلوق من حجر ومن... بشر ومن قبر ومن أوثان والناس في هذا ثلاث طوائف... ما رابع أبدا بذي إمكان إحدى الطوائف مشرك بإلهه... فإذا دعاه دعا إلها ثاني هذا وثاني هذه الأقسام ذ... لك جاحد يدعو سوى الرحمان هو جاحد للرب يدعو غيره... شركا وتعطيلا له قدمان هذا وثالث هذه الأقسام خير... الخلق ذاك خلاصة الإنسان يدعو إله الحق لا يدعو ولا... أحدا سواه قط في الأكوان يدعوه في الرغبات والرهبات وال... حالات من سر ومن إعلان وقد أنكر الله ذلك الدعاء على من زعم في الرسل والملائكة ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ 1.
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وأمه وعزيرا والملائكة، فأنكر الله ذلك، وقال: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.
وهؤلاء الذين نزلت هذه الآية في إنكار دعوتهم هم من أوليائه وأحبائه، وقد تقدَّم أن الدعاء وجميع أنواع العبادة

وكيف يتصور أفراده بالعبادة وقد جعل له العبد ملاذا ومفزعا سواه؟ فإن هذا ينافي الإفراد، فأين ذهب عقل هذا وفهمه؟! ‍‍‍‍‍ قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة".
انتهى.
وقد تبين أن الدعاء مخ العبادة، وهو مما يحبه ويأمر به عباده، وأن يخلصوه له، وقد تقدم من الآيات ما يدل على ضلال من فعل ذلك وكفره.
وبهذا يحصل الجواب عن قول المعترض: أن الشفاعة المنفية إنما هي في حق الكفار.
(فنقول) : فمن اتخذ معبودا سوى الله يرجوه أو يخافه فقد كفر، وتأمَّل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ 1 فبيَّن تعالى أن المخلوق لا يصلح أن يُدْعَى من دون الله، وأن مَنْ دعاه فقد أشرك مع الله غيره في الإلهية، والقرآن من أوله إلى آخره يدل على ذلك، وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الملحدين محجوبون عن فهم القرآن، كما حُجِبُوا عن الإيمان بجهلهم وضلالهم وإعراضهم عما أنزل الله في كتابه من بيان دينه الذي رضيه لنفسه ورضيه لعباده.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:" وحقيقة التوحيد أن يعبد الله وحده ولا يدعى إلا هو، ولا يخشى ولا يتقى إلا هو، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له، وأن لا تتخذ الملائكة والنبيون أربابا فكيف بالأئمة والشيوخ؟! ‍‍‍‍‍‍‍ فإذا جعل الإمام والشيخ كأنه إله يدعى مع غيبته وموته، ويستغاث به، ويطلب منه الحوائج، كان مشبها بالله، فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي أصله شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله".
انتهى.
تعليم النبي – صلّى الله عليه وسلّم - ابن عباس الدعاء وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس -رضي الله عنهما-: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" 2، فلو جاز أن يسأل صلى الله عليه وسلم، لما قصر سؤاله

واستعانته على الله وحده، وابن عباس من أحق الناس بأن يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه له منفعة، فلو جاز صرف ذلك لغير الله لقال: واسألني واستعن بي، بل أتى صلى الله عليه وسلم في مقام الإرشاد والإبلاغ والنصح لابن عمه بتجريد إخلاص السؤال، والاستعانة على الله –تعالى-.
فأين ذهبت عقول هؤلاء الضُّلال عن هذه النصوص؟ والله المستعان.
وقال الشيخ –رحمه الله تعالى-: واعلم أن لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكل عابد سائل، فكل سائل: عابد، وأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه.
وإذا جمع بينهما؛ فإنه يراد بالسائل الذي يطلب لجلب المنفعة ودفع المَضَرّة بِصِيَغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد: من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن هناك صيغة سؤال، ولا يتصور أن يخلو داعٍ لله؛ دعاء عبادة أو دعاء مسألة، مِنَ الرَّغَب والرَّهَبِ والخوف والطمع.
انتهى.
فتبين أن أبيات البُرْدَةِ التي قدمنا الكلام عليها: تنافي الحق وتناقضه.
وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ الفتنة بالعالم الفاجر والعابد الجاهل أضر من كل فتنة وقول المعترض: لا سيما، والناظم على جانب عظيم من الزهد والورع والصلاح؛ بل وله يد في العلوم، كما حكى ذلك مترجموه.
وهذا صار كله هباء منثورا؛ حيث لم يرضوا عنه.
(أقول) : هذه دعوى تحتمل الصدق والكذب.
والظاهر أنه لا حقيقة لذلك فإنه لا يعرف إلا بهذه المنظومة فلو قدر أن لذلك أصلا فلا ينفعه ذلك مع تلك الأبيات، لأن الشرك يحبط الأعمال كما قال تعالى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 1، وقد صار العمل مع الشرك هباء منثورا.
قال سفيان بن عيينة: "احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون".
فإن كان في الرجل عبادة فقد فتن بأبياته كثيرا من الجهال، وعبادته -إن كانت- لا تمنع كونه ضالا؛ كما يرشد إلى ذلك آخر الفاتحة.
قال سفيان ابن عيينة: "من فسد

من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى".
فالواجب علينا أن نبين ما في كلامه مما يُسْخِطُ الله ورسوله من الشرك والغلو.
وأما هذا الشخص وأمثاله ممن قد مات، فيسعنا السكوت عنه؛ لأنا لا ندري ما آل أمره إليه، وما مات عليه، وقد عرفت أن كلام خالد الأزهري لا حجة فيه.
حجة الجاهلين منامات وحكايات مجهولة عن مجهول وأهل الغلو والشرك ليس عندهم إلا المنامات والأحوال الشيطانية التي يحكيها بعضهم عن بعض؛ كما قال لي بعض علماء مصر: إن شيخًا مشى بأصحابه على البحر وقال: لا تذكروا غيري، وفيهم رجل ذكر الله، فسقط في البحر، فأخذ بيده الشيخ فقال: ألم أقل لكم لا تذكروا غيري! فقلت: هذه الحكاية تحتمل أحد أمرين لا ثالث لهما: أحدهما: أن تكون مكذوبة مثل أكاذيب سَدَنة الأوثان.
أو أنها حال شيطانية.
وأسألك أيها الحاكي لذلك: أيكون فيها حجة على جواز دعوة غير الله؟ فأقَرَّ، وقال: لا حجة فيها على ذلك.
والمقصود أنه ليس عند الغلاة من الحجة إلا ما زَخْرَفُوهُ أو حَرَّفُوهُ أو كذبوه، وأما قال الله قال رسوله: فهذا –بحمد الله- كله عليهم لا لهم، وما حرفوه من ذلك: رُدَّ إلى صحيح معناه الذي دل عليه لفظه مطابقةً وتضمنًا والتزامًا، قال الله –تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ 1.
وذكر المعترضُ حكايةً، يقول: عن غير واحد من العلماء العظام- أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم والمنظومة تُنْشَد بين يديه- إلى قوله- لكن للخصم منع ذلك كله، بقوله: إنهم كفار.
(فالجواب) أن يقال: ليس هذا وجه المنع، وإنما وجهه أنها حكاية عن مجهول، وهذا من جنس إسناد الأكاذيب؛ فلو قيل: من هؤلاء العظام؟ وما أسماؤهم؟ وما زمنهم؟ وما طبقتهم؟ لم يُدْرَ عنهم، وأخبار المجهولين: لا تُقْبَلُ، شهادةً ولا روايةً يقظةً، فكيف إذا كانت أحلامًا؟ والمعترض كثيرا ما يحكي عن هيان بن بيان.

ثم قال المعترض- على قول المجيب: وطلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم ممتنعٌ شرعًا وعقلا، قال المعترض- من أين هذا الامتناع؟ وما دليله من العقل والسمع؟ (فالجواب) أن يقال: معلوم أن دليله من الجهتين لا تعرفه أنت، ومن كان مثلك، وإنما معرفتك في اللجاج، الذي هو كالعجاج الذي يحوم في الفجاج، أما دليله من السمع: فقد تقدم في آيات الزُّمَر ويونس وغيرها، وقد بسطنا القول في ذلك بما يغني عن إعادته؛ فليرجع إليه.
وأما دليله من العقل: فالعقل الصحيح يقضي ويحكم بما يوافق النقل: بأن النجاة والسعادة والفلاح، وأسباب ذلك كله لا تحصل إلا بالتوجه إلى الله –تعالى- وحده، وإخلاص الدعاء والالتجاء له وإليه؛ لأن الخير كله بيديه، وهو القادر عليه.
تسوية المخلوق بالخالق خلاف العقل وأما المخلوق فليس في يده من هذا شيء، كما قال تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ 1، فتسوية المخلوق بالخالق خلاف العقل، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ 2.
فالذي له الخلق والأمر والنعم كلها منه، وكل مخلوق فقيرٌ إليه لا يَستغني عنه طرفة عين، هو الذي يستحق أن يُدْعَى وَيُرْجَى ويُرْغَبُ إليه، وَيُرْهَبُ منه، ويُتَّخَذَ مَعَاذًا ومَلاذًا، ويُتَوَكَّلُ عليه، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ 3.
التوكل على الله جماع الإيمان وقال المفسرون المحققون السلفيون المتَّبِعُون في قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ 4 أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه.
ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب؛ ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان.
ذكره العماد ابن كثير في تفسيره.
ولْيُتَأَمَّل ما ذكره الله –تعالى- عن صاحب يس من قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ

آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُون ِإِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ 1 فهذا دليل فطري عقلي سمعي.
الإحاطة بما في اللوح المحفوظ علما ليس إلا لله –تعالى- وحده وأما قول المعترض: إن قول الناظم: ومن علومك علم اللوح والقلم: أن "من" بيانية.
(فالجواب) : أنه ليس كما قال؛ بل هي تبعيضية، ثم لو كانت بيانية فما ينفعه، والمحذور بحاله، وهو أنه يعلم ما في اللوح المحفوظ، وقد صَرَّحَ المعترضُ بذلك فقال: ولا شك أنه أوتي علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون.
(فالجواب) : هذه مُصادمة لما هو صريح في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الإحاطة بما في اللوح المحفوظ علما ليس إلا لله –تعالى- وحده، كذلك علم الأولين والآخرين ليس إلا لله وحده، إلا ما أطلع الله عليه نبيه في كتابه كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ 2.
فالرجل في عمًى عن قول الله –تعالى-: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ 3.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ 4 وقد تقدم لهذه الآيات نظائر.
اختص الله –تعالى- بعلم الغيب كله فإحاطة العلم بالموجودات والمعدومات التي وجدت أو ستوجد، لله وحده لم يجعل ذلك لأحد سواه، وقال –تعالى-: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ 5 فأسند علم وقت الساعة إلى ربه بأمره؛ كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ 6.
وأمثال هذه الآيات مما يدل على أن الله –تعالى- اختص بعلم الغيب كله إلا ما استثناه بقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ 7 و"من" تبعيضية ههنا بلا نزاع.
وقد قال الخضر لموسى -عليهما السلام -: "ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا

كما نقص هذا العصفور من هذا البحر"، فتأمل هذا وتدبر! كذب المعترض على أهل العلم ما لم يقولوه في معنى مفاتيح الغيب وأما قول المعترض وتأويله لقول الله –تعالى-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ 1، فتأويلٌ فاسدٌ، ما قاله أحد غيره؛ ولا يقوله مسلم من أنه يعلم الغيب بتعليم الله له، والمنفي في الآية: أن يعلمه بنفسه بدون أن يُعْلِمَهُ الله ذلك، فما أجرأ هذا الجاهل على هذا التأويل، وما أجهله بالله وبكتابه! (فيقال في الجواب) : لا ينفعك هذا التأويل الفاسد؛ إذ لو كان يعلم أحد جميع الغيب بتعليم الله؛ لصدق عليه أن يقال: هذا يعلم الغيب كله الذي يعلمه الله، فما بقي على هذا -لقصر علم الغيب على الله- في هذه الآية معنى، وحصل الاشتراك، نعوذ بالله من الافتراء على الله، وعلى كتابه، وخرق ما لم ينْزل الله به سلطانا.
وأما قوله في قول الناظم: إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي إن الأخذ باليد بالشفاعة.
(فالجواب) : أن حقيقة هذا القول وصريحه: طلب ذلك من غير الله، فلو صح هذا الحمل فالمحذور بحاله، لما قد عرفتَ من أن الاستغاثة بالأموات والغائبين والاستشفاع بهم في أمر هو في يد الله ممتنعٌ حصوله لكونه تأليها وعبادة.
وقد أبطله القرآن، فهذا المعترِض الجاهل يدور على منازعة الله في حقه وملكه وشمول علمه، والله يجزيه بعمله.
وأما قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ 2 فقيل: المراد بها: الخمس المذكورة في سورة لقمان.
وهذا قبل أن يُطْلِع الله نبيه عليها، وإلا فقد ذكر عامة أهل العلم أنه لم يتوفاه الله –تعالى- حتى علَّمه كل شيء حتى الخمس.
(فالجواب) : انظر إلى هذا المفتري الجاهل البليد، كيف اقتفى أثر صاحب الأبيات في جميع ما اختلقه وافتراه، وأكثر من الأكاذيب على أهل العلم في قوله: ذكر عامة أهل العلم أنه لم يتوفاه الله حتى علَّمه كل شيء حتى الخمس؟ فحاشا أهل

العلم الذين يعرفون بأنهم أهل العلم من هذه المقالة، وعامة أهل العلم بل كلهم على خلاف ما ادعاه سلفًا وخلفًا.
قول أهل العلم في معنى مفاتيح الغيب قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسيره الكبير الذي فاق على أكثر التفاسير: ابتدأ –تعالى- ذكر الخبر عن علمه بمجيء الساعة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ 1 التي تقوم فيها القيامة، لا يعلم ذلك أحد غيره ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ 2 من السماء لا يقدر على ذلك أحدٌ غيره ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ 3، أرحام الإناث ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ 4، يقول: وما تعلم نفس حي ماذا تعمل في غد ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ 5، يقول: وما تعلم نفس حي بأيِّ أرضٍ تكون ميتتها، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ 6، يقول: إن الذي يعلم ذلك كله هو الله دون كل أحد سواه، وذكر بسنده عن مجاهد: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ 7.
قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال امرأتي حبلى: فأخبرني ماذا تلد؟ وبلادنا محل جدبة فأخبرني متى ينْزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت فمتى أموت؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ 8 إلى آخر السورة.
قال: فكان مجاهد يقول: هن مفاتح الغيب التي قال الله –تعالى-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ 9.
وأخرج بسنده عن قتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ 10 الآية: خمس من الغيب استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا.
وبسنده عن عائشة -رضي الله عنها- "من قال إن أحدا يعلم الغيب إلا الله فقد كذب" وأعظم الفِرْيَة على الله، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ 11.
وبالسند عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله" 12 ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ

أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ 1.
ثم قال: "لا يعلم أحد ما في غد إلا الله، ولا يعلم أحد متى ينْزل الغيث إلا الله، ولا يعلم أحد متى قيام الساعة إلا الله، ولا يعلم أحد ما في الأرحام إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله" 2.
وبسنده عن مسروق عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب" ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ 3.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خمس لا يعلمهن إلا الله" 4 ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ 5 انتهى ما ذكره ابن جرير -رحمه الله تعالى-.
وذكر البغوي في تفسيره حديث ابن عمر وعائشة -رضي الله عنهما- المتقدم ثم قال: وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائن الأرض، وقال عطاء ما غاب عنكم من الثواب، وقيل: انقضاء الأجل، وقيل: أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم، وقيل ما لم يكن بعدُ، أنه يكون أم لا يكون، وما لا يكون كيف يكون، وما لا يكون، إن لو كان كيف يكون انتهى.
قول السلف في مفاتيح الغيب (قلت) : ولا يُعْرَفُ عن أحد من أهل العلم خلافُ ما دلت عليه هذه الآيات المُحْكَمَات، ونعوذ بالله من مخالفة ما أنزله الله في كتابه، وما أخبر به عن نفسه، أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع العلماء عليه، فإن الله استأثر بعلمه عن خلقه ووصف نفسه بأنه علام الغيوب، ونعوذ بالله من حال أهل الافتراء والتكذيب.
لا أحد يكفر أحدا مات وظاهره الإسلام وأما قوله: ولو أن عبارات أهل العلم مثل البيضاوي وأبي السعود والقسطلاني وأمثالهم تُجْدِي لديكم شيئا لذكرناها، لكنها تُمْحَى بلفظة واحدة وهي: أنهم كلهم كفار.
انظر كيف خرج به البغض والتعصب لمذهبه وهواه إلى البُهْت البحت؛ فلا يقبل منهم أحدا، ومَن هذا حاله، فلا حيلة به.

(فالجواب) : أنه ليس للبيضاوي، ومن ذكر، عبارةٌ تخالف ما قاله السلف والعلماء في معنى الآيات، ومعاذ الله أن يقول المجيب: إن هؤلاء كفار، ولا يوجد عن أحد من علماء المسلمين أنه كَفَّرَ أحدًا قد مات من هذه الأمة ممن ظاهره الإسلام، فلو وجد في كلامه زلة من شرك أو بدعة، فالواجب التنبيه على ذلك والسكوت عن الشخص؛ لما تقدم من أنا لا ندري ما خاتمته.
وأما هؤلاء الذين ذكرهم من المفسرين فإنهم من المتأخرين الذين نشؤوا في اغتراب من الدين.
عيوب الكشاف والمتأخرون يغلب عليهم الاعتماد على عبارات أهل الكلام المُخَالِفَة لما عليه السلف وأئمة الإسلام من: الإرجاء، ونفي حكمة الله، وتأويل صفات الله -تعالى- وسلب معانيها ما يقارب ما في كشاف الزمخشري والإرجاء والجبر يقابل ما فيه من نفي القدر، وكلاهما في طَرَفَيْ نَقِيضٍ، وكُلٌّ خَالَفَ ما عليه أهل السنة والجماعة في ذلك.
ومعلوم أن صاحب الكشاف أقدمُ من هؤلاء الثلاثة، وأرسخ قدما منهم في فنون من العلم، ومع هذا فقد قال شيخ الإسلام البلقيني: استخرجتُ ما في الكشاف من دسائس الاعتزال بالمناقيش، وقال أبو حيان -وقد مدح الكشاف وما فيه من لطيف المعنى ثم- قال: ولكنه فيه مجال لناقد... وزلات سوء قد أخذن المخانقا فيثبت موضوع الأحاديث جاهلا... ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا وينسب إبداء المعاني لنفسه... ليوهم أغمارا وإن كان سارقا ويُسهِبُ في المعنى الوجيز دلالة... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا يُقَوِّلُ فيها اللهَ ما ليس قائلا... وكان مُحِبا في المخاطب وامقا ويشتم أعلام الأئمة ضلة... ولا سيما إن أولجوه المضايقا إلى أن قال-: لئن لم تداركه من الله رحمة... لسوف يُرَى للكافرين مرافقا

فإذا كان هذا في تفسير مشهور، وصاحبه معروف بالذكاء والفهم، فمَن دونه من المتأخرين أولى بأن لا يُتَلَقَّى من كلامه بالقبول إلا ما وافق تفسير السلف، وقام عليه الدليل.
أفضل كتب التفاسير وهذا المعترض من جهله يحسب أن كل بيضاء شحمة، يُعَظِّم المفضولَ من الأشخاص والتصانيف، ولا يعرف ما هو الأفضل.
ولو كان له أدنى مِسْكَة من فهم، ومعرفة للعلماء ومصنفاتهم: لعلم أن أفضل ما في أيدي الناس من التفاسير هذه الثلاثة التي نقلنا منها: تفسير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وتفسير الحسين بن مسعود البغوي، وتفسير العماد إسماعيل بن كثير.
فهذه أجلّ التفاسير، ومُصَنِّفُوهَا أئمةٌ مشهورون، أهل سنة ليسوا بجهمية، ولا معتزلة ولا قَدَرية ولا مجبرة، ولا مرجئة بحمد الله.
وأكثر ما في هذه التفاسير: الأحاديث الصحيحة، وآثار الصحابة، وأقوال التابعين وأتباعهم، فلا يَرغب عنها إلا الجاهلون الناقصون المنقوصون، والله المستعان.
والمصنِّفُون في التفسير وغيره- غير ما ذكر المعترض- كثيرون، وأحسن من البيضاوي وأبي السعود: البحر لأبي حيان؛ لأنه كثيرا ما ينقل في تفسيره عن السلف والأئمة، وكذلك تفسير الخازن.
وبالجملة فمن كان من المصنفين أبعدُ عن تقليد المتكلمين وذِكْر عباراتهم؛ ويعتمد أقوال السلف، فهو الذي ينبغي النظر إليه والرغبة فيه.
وعلى كل حال، فليس في تفسير البيضاوي وأبي السعود وشرح القسطلاني ومواهبه ما ينفع هذا الجاهل المفتري، وَكُلٌّ يُؤْخَذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدوث الشرك والبدع والفرقة في الأمة وقول المعترض على قول المجيب: علماؤهم شَرُّ مَنْ تحت أديم السماء، فيقال: قد ورد هذا الحديث في أهل العراق، فهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كفار مجوس، أو فيما يأتي فهذه شَنَاعَةٌ على غالب علماء الأمة، ومنهم الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وأمثالهم.

(فالجواب) : أن هذا كلام مَن لا يعقل ولا يفهم شيئا ولا يفرق بين أهل السنة والجماعة وأهل البدعة والضلالة؛ ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: "لا تقوم الساعة حتى يعبد فِئَامٌ من أمتي الأوثان، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" 1 رواه البرقاني في صحيحه.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أن أمته ستفترق كما افترقت اليهود والنصارى فاليهود افترقت على إحدى وسبعين، والنصارى على ثنتين وسبعين، وهذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة؛ وهي الجماعة" 2.
وأول من فارق الجماعة في عهد الصحابة -رضي الله عنهم-: الخوارج قاتلهم علي رضي الله عنه بالنَّهْروان.
والقدرية في أيام ابن عمر وابن عباس، وأكثر الصحابة موجودون، ومن دعاتهم معبد الجهني وغيلان القدري الذي قتله هشام بن عبد الملك.
كذلك الغُلاة في عليٍّ الذين خدّ لهم علي الأخَادِيد وحَرَّقَهم بالنار، منهم المختار بن أبي عبيد الذي قتله مصعب بن الزبير، ادعى النبوة، وتبعه خلق كثير.
ثم ظهرت فتنة الجهمية، وأول من أظهرها الجعد بن درهم قتله خالد بن عبد الله القسري، والصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون والأئمة متوافرون وقتَ ظهور مبادئ هذه البِدَع، لم يلحقهم من ضلال هذه الفرق شناعة ولا غضاضة؛ لأنهم متمسكون بالكتاب والسنة، منكرون لما خالف الحق.
لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه وصح من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقَوْا ربكم" 3 سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم.
وظهرت بدعة جهم بن صفوان في زمن أبي حنيفة، وأنكرها وناظرهم.
وانتشرت في زمان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- والفقهاء وأهل الحديث.
وامتُحِنَ الإمام أحمد فتمسك بالحق وصبر.
وصَنَّفَ العلماء -رحمهم الله تعالى- المصنفات الكبار في

الرد على الجهمية القائلين بخلق القرآن، المعطلين لصفات الملك الديان، كالإمام أحمد في رده المعروف، وابنه عبد الله، وعبد العزيز الكناني في كتابه "الحيدة" وأبي بكر الأثرم والخَلال وعثمان بن سعيد الدارمي، وإمام الأئمة محمد بن خزيمة، واللالكائي، وأبي عثمان الصابوني، وقبلهم وبعدهم ممن لا يُحْصَى، وهذا كله إنما هو في القرون الثلاثة المفضلة.
ثم بعدها ظهرت كل بدعة: بدعة الفلاسفة، وبدعة الرافضة، وبدعة المعتزلة، وبدعة المجبرة، وبدعة أهل الحلول، وبدعة أهل الاتحاد، وبدعة الباطنية الإسماعيلية، وبدعة النُّصَيْرِيَّة والقرامطة ونحوهم.
رد أهل السنة للبدع وأشهر أئمتهم في ذلك وأما أهل السنة والجماعة فيردون بدعة كل طائفة من هؤلاء الطوائف بحمد الله.
فالأئمة متمسكون بالحق في كل زمان ومكان، والبلد الواحد من هذه الأمصار يجتمع فيها أهل السنة وأهل البدعة، وهؤلاء يناظرون هؤلاء ويُنَاضِلُونَهُم بالحُجَج والبراهين، وظهر معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم إنها تَخْلُفُ من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" 1.
وقال صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يَصْلُحُونَ إذا فسد الناس" 2، وفي رواية "يُصْلِحُونَ ما أفسد الناس" 3.
وقد صنف العلماء -رحمهم الله تعالى- في بيان الثنتين والسبعين الفرقة عدة مصنفات، وبيَّنُوا ما انْتَحَلَتْهُ كل فرقة من بدعتها المخالفة لما عليه الفرقة الناجية، وليس على الفرقة الناجية شناعة ولا نقص في مخالفة هذه الفرق لها.
وإنما ظهر فضل هذه الفرقة بتمسكها بالحق، وصبرها على مخالفة هذه الفِرَق الكثيرة، والاحتجاج بالحق ونصرته.
وما ظهر فضل الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد، ومن قبلهما من الأئمة

ومن بعدهما إلا بتمسكهم بالحق ونُصْرته وردهم الباطل.
وما ضر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى- وأصحابه حين أجلب عليهم أهل البدع وآذوهم؛ بل أظهر الله بهم السنة، وجعل لهم لسان صدق في الأمة.
وكذلك من قبلهم ومن بعدهم، كشيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله تعالى- لما دعا إلى التوحيد وبَيَّنَ أدلته، وَبَيَّنَ الشركَ وما يبطله.
وفيه قال الإمام العلامة الأديب أبو بكر حسين بن غنام -رحمه الله تعالى-: وقد كان مسلوكا به الناسُ ترتع وعاد به نهج الغواية طامسا... وحق لها بالألمعي تَرَفّع وجرت به نجد ذيول افتخارها... وأنواره فيها تضيء وتسطع فآثاره فيها سوام سوافرفهذا المعترض لو تصور وعقل لتبينَ له أن ما احتج به ينقلب حجة عليه.
ظهور الفتن والبدع في كل بلد لا يختص بها قطر وقول المعترض: وإن كان قد ورد في حق أهل الحرمين، فهذا ظاهر البطلان، إذ هي مهبط الوحي ومنبع الإيمان، ولو قيل: إن هذا الحديث وأمثاله ورد في ذم نجد وأهلها، فقد ورد في ذمهم أحاديث كثيرة شهيرة؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزالون في شر من كذابهم إلى يوم القيامة".
(فالجواب) أن نقول: الأحاديث التي وردت في غربة الدين وحدوث البدع وظهورها؛ لا تختص بمكة والمدينة، ولا غيرهما من البلاد، والغالب أن كل بلد لا يخلو من بقايا متمسكين بالسنة، فلا معنى لقوله: وإن كان قد ورد في حق أهل الحرمين، والواقع يشهد لما قلنا.
وقد حدث في الحرمين في أواخر عهد الصحابة -رضي الله عنهم- بل وفي وقت الخلفاء الراشدين ما هو معروف عند أهل العلم مشهور في السير والتاريخ: وأول ذلك مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم وقعة الحرة

المشهورة، ومقتل ابن الزبير في مكة، وما جرى في خلال ذلك من الفتن، وصارت الغلبة في الحرمين وغيرها لأهل الأهواء.
فإذا كان هذا وقع في خير القرون، فما ظنك فيما بعدُ، حين اشتدت غربةُ الإسلام، وعاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟ نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير.
الأرض لا تقدس أحدًا وإنما يُقَدِّسُ المرءَ عملُهُ وأما قوله: إذ هي مهبط الوحي ومنبع الإيمان.
(فالجواب) : أن نقول: مهبط الوحي في الحقيقة: قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ 1.
وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ 2، فهذا محل الوحي ومستقره.
وقوله: "ومنبع الإيمان".
الإيمان ينْزل به الوحي من السماء لا ينبع من الأرض، ومحله قلوب المؤمنين، وهذه السور المكية في القرآن معلومةٌ -التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر من في مكة المشركون- وفيها ذمهم والردُّ عليهم؛ كقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ 3، وقوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ 4، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ 5، ونحو هذه الآيات، كما في فصلت والمدثر وغيرهما.
ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وأهل الشرك لم يزالوا بها، ومنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من دخولها بالوحي، وقاتلوهم ببدر وأحد والخندق، وهم كانوا آخر العرب دخولا في الإسلام، حاشا مَنْ هاجر.
وكل هذا بعد نزول الوحي.
ونحن -بحمد الله- لا ننكر فضل الحرمين، بل ننكر على من أنكره، ولكن، نقول: الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يُقَدِّسُ المرءَ عملُهُ، فالمحل الفاضل قد يجتمع فيه المسلم والكافر، وأهل الحق وأهل الباطل كما تقدم.
فأهل الحق يزدادون بالعمل الصالح في المحل الفاضل لكثرة ثوابه، وأهل الباطل لا يزيدهم ذلك إلا شرا، تعظم فيه

فصول الكتاب · 3 فصل · 285 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان المحجة في الرد على اللجة (مطبوع ضمن الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الرابع، القسم الأول) · 285 صفحة
بيان المحجة في الرد على اللجة
نفي ما في البردة من شرك نشأ عن جهل وفساد تصور
وبه كمل الجواب، والحمد لله الذي هدانا لدينه الذي رضيه لعباده، وما كنا
جارٍ التحميل